Полный текст (5 784 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
[سورة هود (١١) : الآيات ١٢ الى ١٤]
فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)
اللغة:
(ضائِقٌ) : اسم فاعل من ضاق وهو أولى بالآية من ضيق لوجهين أحدهما انه عارض وليس على جهة الثبوت وثانيهما أنه أشبه بتارك.
الإعراب:
(فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) الفاء استئنافية. ولعل على بابها من الترجي بالنسبة للمخاطب وقيل هي للاستفهام الانكاري كقوله ﷺ لعلنا أعجلناك وسيأتي القول في لعل في باب الفوائد، والكاف اسمها وتارك خبرها وبعض مفعول به لتارك وما اسم موصول مضاف لبعض وجملة يوحى صلة وإليك متعلقان بيوحى أو بمحذوف حال وضائق عطف على تارك وبه متعلقان بضائق وصدرك فاعل لضائق ويجوز أن يكون ضائق خبرا مقدما وصدرك مبتدأ مؤخرا والجملة خبر ثان للعلك فيكون قد أخبر بخبرين أحدهما مفرد والثاني جملة عطفت على مفرد لأنها بمعناه.
(أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ) أن وما في حيزها
стр. 1997
مصدر في موضع نصب مفعول من أجله أي مخافة قولهم وأعربه بعضهم بدلا من الهاء في قوله وضائق به صدرك وليس ببعيد ولولا تحضيضية وأنزل فعل ماض مبني للمجهول وعليه جار ومجرور متعلقان به وكنز نائب فاعل، أو حرف عطف وجاء فعل ماض ومعه ظرف متعلق بجاء وملك فاعل. (إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) إنما كافة ومكفوفة وأنت مبتدأ ونذير خبره والله مبتدأ وعلى كل شيء متعلقان بوكيل ووكيل خبر الله. (أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ) أم منقطعة بمعنى بل ويقولون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون وجملة افتراه مقول القول وهو تقرير في صورة الاستفهام والتقدير بل أيقولون افتراه.
(قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ) الفاء الفصيحة وأتوا فعل أمر وفاعل وبعشر متعلقان به وسور مضاف اليه ومثله صفة، ومثل وان كانت بلفظ الافراد فانها يوصف بها المثنى والمجموع والمؤنث كقوله تعالى «أنؤمن لبشرين مثلنا» وتجوز المطابقة، قال تعالى: «وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون» . (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) وادعوا عطف على فأتوا والواو فاعل ومن مفعول به وجملة استطعتم صلة ومن دون الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وإن شرطية وكنتم كان واسمها وهو فعل الشرط وصادقين خبر كنتم وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فأتوا وادعوا. (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ) الفاء عاطفة وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم ويستجيبوا مجزوم بلم وهو فعل الشرط والواو فاعل والضمير يعود على من استطعتم ولكم متعلقان بيستجيبوا والفاء رابطة واعلموا فعل أمر وفاعل وأنما كافة ومكفوفة وقد سدت مع مدخولها مسد مفعولي اعلموا وأنزل فعل ماض مبني للمجهول وبعلم الله حال أي متلبسا بعلم الله فالباء للملابسة. (وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ
стр. 1998
أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)
وأن الواو عاطفة وأن مخففة من الثقيلة وهي منسوقة على أن قبلها ولا إله إلا هو تقدم إعرابه مستوفى والفاء عاطفة وهل حرف استفهام وأنتم مبتدأ ومسلمون خبر.
الفوائد:
(لعل) هي للتوقع وعبر عنه قوم بالترجي في الشيء المحبوب نحو لعل الحبيب قادم وقوله تعالى «لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا» والإشفاق في الشيء المكروه نحو «فلعلك باخع نفسك» أي قاتل نفسك والمعنى أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على ما فاتك من اسلام قومك فتوقع المحبوب يسمى ترجيا وتوقع المكروه يسمى إشفاقا وقال الأخفش والكسائي: وتأتي لعل للتعليل نحو «افرغ من عملك لعلنا نتغدى» ومنه قوله تعالى: «لعله يتذكر» أي ليتذكر وقال الكوفيون تأتي لعل للاستفهام، قال في المغني ولهذا علق به الفعل نحو «لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا» وقوله تعالى «وما يدريك لعله يزكى» وبعض العرب يجرون بها ويستشهدون على ذلك بقوله:
فقلت ادع أخرى وارفع الصوت جهرة ... لعل أبي المغوار منك قريب
إذا عرفت ما قرره النحاة فأي من معاني لعل ينطبق على الآية التي نحن بصددها؟ إذا كانت للتوقع فتوقع ترك التبليغ لا يليق بمقام النبوة وأجابوا عن هذا الاعتراض بأننا لا نسلم أن لعل على بابها من الترجي بل هي هنا للتبعيد فانها تستعمل لذلك أيضا وجواب آخر وهو أن
стр. 1999
تكون هنا للاستفهام الانكاري كما تقدم والمعنى انك بلغ الجهد في تبليغهم انهم يتوقعون منك ترك التبليغ لبعضه وهو جميل جدا.
[سورة هود (١١) : الآيات ١٥ الى ١٦]
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)
اللغة:
(وَزِينَتَها) الزينة تحسين الشيء بغيره من لبسة أو حلية أو هيئة، يقال زانه يزينه زينة وزيّنه يزينه تزيينا.
(نُوَفِّ) : التوفية تأدية الحق على التمام.
(يُبْخَسُونَ) : البخس نقصان الحق وكل ظالم باخس وفي المثل «تحسبها حمقاء وهي باخس» .
الإعراب:
(مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ) من اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ واسم كان ضمير مستتر يعود على من وجملة يريد الحياة الدنيا خبر كان وكان فعل الشرط مجزوم محلا وزينتها عطف على الحياة ونوفّ جواب الشرط مجزوم بحذف حرف العلة وإليهم جار ومجرور متعلقان بنوفّ وأعمالهم
стр. 2000
مفعول به وفيها متعلقان بمحذوف حال وهم الواو حالية وهم مبتدأ وفيها متعلقان بيبخسون وجملة لا يبخسون خبر هم، وقال الفراء:
كان هنا زائدة وتقديره من يرد الحياة الدنيا، وهو قول جميل وضريف لولا أنه غير مطرد ولا يسوغ حمل القرآن عليه. (أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ) اسم الاشارة مبتدأ والذين خبره وجملة ليس صلة ولهم خبر مقدم لليس وفي الآخرة حال وإلا أداة حصر والنار اسم ليس المؤخر. (وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) الواو عاطفة وحبط فعل ماض وما فاعله وجملة صنعوا صلة ويجوز أن تكون ما مصدرية وهي مع مدخولها في تأويل مصدر فاعل حبط، وفيها متعلقان بصنعوا أو بحبط وباطل الواو عاطفة وباطل خبر مقدم وما اسم موصول مبتدأ مؤخر ويجوز أن تكون ما مصدرية وهي مع مدخولها في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر وكانوا كان واسمها وجملة يعملون خبرها.
[سورة هود (١١) : الآيات ١٧ الى ٢٢]
أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩) أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١)
لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)
стр. 2001
اللغة:
(البينة) : الحجة الفاصلة بين الحق والباطل.
(مِرْيَةٍ) : المرية بالكسر والضم الشك ففيها لغتان أشهرهما الكسر وهي لغة أهل الحجاز والضم لغة بني أسد.
(لا جَرَمَ) : قال السيوطي في الإتقان: «وردت في القرآن في خمسة مواضع متلوة بأن واسمها ولم يجىء بعدها فعل واختلف فيها فقيل لا نافية لما تقدم وقيل زائدة» .
هذا وفي هذه اللفظة خلاف طويل بين النحاة ويتلخص ذلك الخلاف فيما يلي:
الأول: ما ذهب اليه الخليل وسيبويه وهو انها مركبة من لا النافية وجرم، بنيتا على تركيبهما تركيب خمسة عشر وصار معناهما معنى فعل وهو حق فعلى هذا يرتفع ما بعدهما بالفاعلية فقوله تعالى:
стр. 2002
«لا جرم أن لهم النار» أي حق وثبت كون النار لهم أو استقرارها لهم.
الثاني: ان لا جرم بمنزلة لا رجل في كون لا نافية للجنس وجرم اسمها مبني على الفتح وهي واسمها في موضع رفع بالابتداء وما بعدهما خبر لا وصار معناها لا محالة ولا بد في أنهم في الآخرة أي في خسرانهم وهذا مذهب الفراء.
الثالث: ان لا نافية لكلام متقدم تكلم به الكفرة فرد الله عليهم ذلك بقوله لا، كما ترد هذه قبل القسم في قوله «لا أقسم» ثم أتى بعدها بجملة فعلية وهي جرم أن لهم كذا وجرم فعل ماض معناه كسب وفاعله مستتر يعود على فعلهم المدلول عليه بسياق الكلام وأن وما في حيزها في موضع المفعول به لأن جرم يتعدى إذا كان بمعنى كسب وعلى هذا فالوقف على لا ثم يبتدأ بجرم بخلاف ما تقدم.
الرابع: ان معناها لا حد ولا منع ويكون جرم بمعنى القطع تقول: جرمت أي قطعت فيكون جرم اسم لا مبنيا معها على الفتح كما نقدم وخبرها أن وما في حيزها على حذف حرف الجر أي لا منع من خسرانهم.
وفي هذه اللفظة لغات: لا جرم بكسر الجيم ولا جرم بضمها ولا جر بحذف الميم ولا ذا جرم ولا ذو جرم وغير ذلك وعلى كل فإن هذا التعبير يستعمل في أمر يقطع عليه ولا يرتاب فيه.
الإعراب:
(أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) الهمزة للاستفهام التقريري والفاء
стр. 2003
استئنافية ومن موصولية مبتدأ خبره محذوف تقديره كغيره أو كمن ليس كذلك وجواب الاستفهام محذوف أيضا تقديره: لا يستويان وكان فعل ماض ناقص واسمها مستتر يعود على من وعلى بينة خبرها ومن ربه صفة لبينة. (وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ) الواو عاطفة ويتلوه شاهد فعل مضارع ومفعول به وفاعل ومنه صفة لشاهد. (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً) الواو عاطفة أيضا ومن قبله حال من كتاب موسى المعطوف على شاهد عطف المفردات، هذا ما أعربه معظم المفسرين وأرى أن الحق مع البيضاوي الذي أعرب من قبله جارا ومجرورا متعلقين بمحذوف خبر مقدم وكتاب موسى مبتدأ مؤخرا ففي هذا الإعراب سلامة من المعاظلة الناشئة عن الفصل بين حرف العطف والمعطوف عليه وإماما حال من كتاب موسى ورحمة عطف على إماما. (أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) أولئك مبتدأ وجملة يؤمنون به خبر. (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ) الواو عاطفة ومن شرطية مبتدأ ويكفر فعل الشرط وبه متعلقان بيكفر ومن الأحزاب حال والفاء رابطة والنار مبتدأ وموعده خبر والجملة الاسمية جواب الشرط. وفي جعل النار موعدا إشعار بأن فيها ما لا يحيط به الوصف من أفانين العذاب، وقد تعلق حسان بأهداب هذا التعبير فقال:
أوردتموها حياض الموت ضاحية ... فالنار موعدها والموت لا قيها
(فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ) الفاء الفصيحة ولا ناهية وتك فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه السكون المقدرة على النون المحذوفة للتخفيف واسم تك مستتر تقديره أنت وفي مرية خبر ومنه صفة لمرية (إِنَّهُ الْحَقُّ
стр. 2004
مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ)
إن واسمها والحق خبرها ومن ربك متعلقان بمحذوف حال والواو حالية ولكن واسمها والناس مضاف اليه وجملة لا يؤمنون خبر لكن. (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لذكر أوصافهم الأربعة عشر والتي أولها افتراء الكذب وآخرها كونهم في الآخرة أخسر من غيرهم، ومن استفهامية مبتدأ والاستفهام هنا معناه النفي أي لا أحد أظلم وممن متعلقان بأظلم وجملة افترى صلة وعلى الله متعلقان بافترى وكذبا مفعول به. (أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ) أولئك مبتدأ وجملة يعرضون خبره والواو نائب فاعل وعلى ربهم متعلقان بيعرضون.
(وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) ويقول عطف على يعرضون والأشهاد فاعل وهؤلاء مبتدأ والذين خبره وجملة كذبوا على ربهم صلة الموصول وألا أداة تنبيه ولعنة الله مبتدأ وعلى الظالمين خبر. (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً) الذين بدل من الظالمين وجملة يصدون صلة وعن سبيل الله متعلقان بيصدون ويبغونها عطف على يصدون وهو فعل وفاعل ومفعول وعوجا حال أي معوجة. (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ) الواو عاطفة وهم مبتدأ وبالآخرة متعلقان بكافرون وهم الثانية تأكيد لهم الأولى وكافرون خبر «هم» الأولى. (أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ) أولئك مبتدأ وجملة لم يكونوا خبر ومعجزين خبر يكونوا وفي الأرض حال أي أنهم لا يخرجون عن قبضته على كل حال. (وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ) الواو عاطفة وما نافية وكان فعل ماض ناقص ولهم خبر كان المقدم ومن دون الله حال ومن حرف جر زائد وأولياء اسم كان محلا. (يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ) يضاعف فعل مضارع مبني للمجهول ولهم متعلقان به
стр. 2005
والعذاب نائب فاعل والجملة مستأنفة، وما نافية وكانوا كان واسمها وجملة يستطيعون السمع خبر كان والسمع مفعول به وجملة ما كانوا يستطيعون السمع تعليل لمضاعفة العذاب وجملة وما كانوا يبصرون عطف على ما كانوا يستطيعون السمع وسيرد في باب البلاغة معنى هذا الكلام. (أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ)
أولئك مبتدأ والذين خبر وجملة خسروا أنفسهم صلة وضل عنهم عطف وما فاعل ضل وجملة كانوا يفترون صلة (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ) لا نافية وجرم فعل ماض وأنهم: أن وما في حيزها في محل رفع فاعل جرم وقد تمشينا على مذهب سيبويه والخليل وانظر باب اللغة وفي الآخرة حال وهم ضمير فصل أو مبتدأ والأخسرون خبر أن أو خبرهم والجملة خبر أن، وقد تقدمت لضمير الفصل نظائر.
البلاغة:
في قوله تعالى «ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون» تشبيه تمثيلي لأنه تشبيه مركب بمركب شبههم في فرط تصامهم عن استماع الحق ونبو أسماعهم عنه بمن لا يستطيع السمع وذلك لوجوه عديدة:
أولها: يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع فلا يسمعون وبما كانوا يستطيعون الابصار فلا يبصرون عنادا واصرارا منهم على الخطل والصدوف عن الحق وهذا يقضي أن تكون ما مصدرية والمصدر المؤول منصوب بنزع الخافض وهو الباء على حد قول الشاعر:
نغالي اللحم للأضياف نيا ... وتبذله إذا نضج القدور
стр. 2006
أراد نغالي باللحم وقد ذهب إلى هذا المذهب الفراء.
وثانيها: انه لاستثقالهم استماع آيات الله وكراهتهم تذكرها وتفهمها جروا مجرى من لا يستطيع السمع وان أبصارهم لم تنفعهم مع اعراضهم عن نذر الآيات فكأنهم لم يبصروا. ومما يجري هذا المجرى قول الأعشى في مطلع معلقته:
ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيّها الرّجل
ومن المعلوم أن الأعشى كان يقدر على الوداع وإنما نفى الطاقة عن نفسه من حيث الكراهية والاستثقال.
وثالثها- ان ما هنا ظرفية مصدرية تجري مجرى سأذكرك ما حييت والمعنى أنهم معذبون ما داموا أحياء.
[سورة هود (١١) : الآيات ٢٣ الى ٢٤]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤)
اللغة:
(أَخْبَتُوا) سكنوا واطمأنوا وأنابوا، والإخبات الطمأنينة وأصله
стр. 2007
الاستواء من الخبت وهو الأرض المطمئنة المستوية الواسعة فكأن الإخبات خشوع مستمر على استواء فيه وهو يتعدى بالى وباللام فإذا قلت أخبت فلان إلى كذا فمعناه اطمأن اليه وإذا قلت أخبت له فمعناه خشع وخضع. وللخاء والباء فاء وعينا للكلمة خاصة غريبة إذ أن الكلمة تدل على معنى التغطية والستر والخفاء أو ما هو قريب من ذلك أو بيت إليه بصلة، فقولهم خبأ الشيء ستره وأخفاه وله خبيئة خبأها ليوم حاجة ومن أمثالهم «لا مخبأ لعطر بعد عروس» والله يخرج الخبء وخبّات الجارية وجارية مخبّاة ونساء مخبآت وخبّ الرجل نزل المنهبط من الأرض ليجهل منزله وخبّ الفرس خبا وخبيبا راوح في عدوه بين يديه ورجليه، والخب بكسر الخاء الخداع وهو إخفاء المكر وفي حديث عمر بن الخطاب «ما تكلم أحد بالفارسية إلا خبّ وما خبّ إلا ذهبت مروءته» وخبث فلان ضد طاب والخبيث يضمر خلاف ما يظهر وخبر الشيء علمه عن تجربة أي نفذ إلى دخائله واستوضحها، وخبز الخبز معروف وإيداعه إلى اخفائه فيه، واختبس الشيء تناوله وغنمه، وخبش الأشياء جمعها من هاهنا وهاهنا. وخبص الشيء بالشيء خلطه به، وخبط البعير بيده الأرض، وبات يختبط الظلماء وهو خابط عشوة للجاهل، وخبع في المكان دخل فيه ويقال جارية خبعة طلعة أي تخبأ نفسها مرة وتبديها مرة.
وخبله أفسده أو أفسد عقله وفساد العقل ذهابه قال:
أرى المال أفياء الظلال فتارة ... يؤوب وأخرى يخبل المال خابله
وخبن الثوب عطفه وخاطه، وخبن الشاعر أتى بالخبن في شعره وهو حذف ثاني الجزء ساكنا وخبت النار خمدت وسكنت واستخبأ
стр. 2008
الخباء دخله ولو شئنا أن نستقيض في النقل من هذه المادة لأريناك العجب العجب وحسبك من القلادة ما أحاط بالجيد.
الإعراب:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ) إن واسمها وجملة آمنوا صلة وجملة وعملوا الصالحات عطف على آمنوا وكذلك جملة وأخبتوا الى ربهم. (أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) أولئك مبتدأ وأصحاب الجنة خبر وهم مبتدأ وفيها متعلقان بخالدون وخالدون خبر هم وجملة أولئك أصحاب الجنة خبر إن وجملة هم فيها خالدون خبر ثان لان (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ) مثل مبتدأ والفريقين مضاف اليه وكالاعمى خبر أو الكاف اسم بمعنى مثل خبر وما بعده عطف عليه. (هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ) هل استفهام معناه النفي ويستويان فعل مضارع مرفوع بثبوت النون ومثلا تمييز محول عن الفاعل والأصل هل يستوي مثلهم، أفلا تذكرون: الاستفهام للانكار والتوبيخ.
البلاغة:
في قوله تعالى «مثل الفريقين إلخ» تشبيه تمثيلي أي مثل فريق المسلمين كالبصير والسميع ومثل فريق الكافرين كالأعمى والأصم وقد زادت الآية على جميع أمثلة التشبيه التمثيلي كقول امرئ القيس:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
стр. 2009
وقول بشار:
كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا، ليل تهاوى كواكبه
ففي البيت الاول تشبيه قلوب الطير الرطبة بالعناب وتشبيه قلوب الطير اليابسة بالحشف البالي وفي البيت الثاني تشبيه الغبار القاتم والسيوف الملتمعة فيه بالليل الذي تنقض فيه الشهب والكواكب.
أما الآية فقد زادت بتشبيه اثنين بأربعة كما هو واضح فقد شبهت كل واحد من الكافر والمؤمن تشبيهين.
هذا ولو جاءت الآية على وجه الطباق خلاف نظمها بأن يقال:
كالأعمى والبصير والأصم والسميع لفسد المعنى وان حصل الطباق في اللفظ لأنه سبحانه قسم المشبه به الى قسمين كالمشبه لأنه قسمان مبتلى ومعافى وضاد بينهما ليصح السؤال بينهما على قصد التوبيخ.
[سورة هود (١١) : الآيات ٢٥ الى ٢٨]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨)
стр. 2010
اللغة:
(أَراذِلُنا) أسافلنا وفيه وجهان أحدهما أنه جمع الجمع فهو جمع أرذل بضم الذال جمع رذل بسكونها ككلب وأكلب وأكالب وثانيهما أنه جمع مفرد وهو أرذل كأكبر وأكابر وأبطح وأباطح وأبرق وأبارق والأرذل المرغوب عنه لرداءته، واختار الزمخشري الوجه الثاني ورجحه صاحب القاموس.
(بادِيَ الرَّأْيِ) ظاهر الرأي وقد يهمز فيقال بادىء الرأي فمن لم يهمز أراد: أنت فيما بدا من الرأي، ومن همز أراد:
أنت أول الرأي ومبتداه، ولأبي علي بحث طريف في هذا التعبير ننقله بنصه لفائدته:
«المعنى فيمن قال بادي الرأي بلا همز فجعله من بدا إذا ظهر أي ما اتبعك إلا الأراذل فيما ظهر لهم من الرأي إن لم يتعقبوه بنظر فيه وروية، وهاتان الكلمتان تتقاربان في المعنى لأن الهمزة في اللام معناها ابتداء الشيء وأوله واللام إذا كانت واوا كان المعنى الظهور، وابتداء الشيء يكون ظهورا فلذلك يستعمل كل منهما مكان الآخر وجاز في اسم الفاعل أن يكون ظرفا كما جاز في فعيل نحو قريب ومليء لأن فاعلا وفعيلا يتعاقبان على المعنى نحو عالم وعليم وشاهد وشهيد وحسن ذلك إضافته الى الرأي وقد أجروا المصدر أيضا في إضافته اليه في قولهم اما جهد رأيي فإني منطلق فهذا لا يكون إلا ظرفا» الى آخر هذا البحث الممتع وسيرد المزيد في الاعراب.
стр. 2011
(الرَّأْيِ) : مصدر رأى رأيا ويجمع على آراء والرأي هو التفكر في مبادئ الأمور والنظر في عواقبها والعلم بما تئول اليه من الخطأ والصواب، وأصحاب الرأي عند الفقهاء هم أصحاب القياس والتأويل وقد أجمع الشعراء على امتداح الرأي فقال أبو فراس الحمداني:
ولا أرضى الفتى ما لم يكمل ... برأي الكهل أقدام الغلام
وقال أبو الطيب المتنبي:
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس حرة ... بلغت من العلياء كل مكان
الإعراب:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) جملة مستأنفة مسوقة للشروع في ذكر عدد من القصص تسلية للنبي ﷺ واعتبارا بها، وتأسيا بما لاقاه أصحابها وقد احتوت هذه السورة على سبع قصص واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل ونوحا مفعول به والى قومه جار ومجرور متعلقان بأرسلنا وإني بكسر الهمزة على إرادة القول وكثيرا ما يضمر وهو غني عن الشواهد وان واسمها ولكم متعلقان بنذير ونذير خبر إن ومبين صفته.
(أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) أن مفسرة ولا ناهية وتعبدوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل وإلا أداة حصر ولفظ الجلالة مفعول به وإن واسمها وجملة أخاف خبرها وعليكم متعلقان بأخاف وعذاب يوم مفعول أخاف وأليم صفة ليوم. (فَقالَ
стр. 2012
الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ)
الفاء عاطفة وقال الملأ فعل وفاعل والذين صفة للملأ وجملة كفروا صلة ومن قومه حال. (ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ) الجملة مقول القول وما نافية ونراك فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وإلا أداة حصر والرؤية تحتمل القلبية والبصرية فبشرا مفعول به ثان على الأولى وحال على الثانية ومثلنا صفة وما نراك عطف على ما نراك الأولى وهي أيضا تحتمل القلبية والبصرية فجملة اتبعك إما مفعول به ثان واما حال وإلا أداة حصر والذين فاعل اتبعك وهم أراذلنا مبتدأ وخبر والجملة صلة وبادي الرأي منصوب على الظرفية أي أول الرأي والعامل فيه اتبعك وقد تقدم القول مسهبا فيه، وقيل انتصب حالا من ضمير نوح في اتبعك أي وأنت مكشوف الرأي لا حصافة لك. (وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ) وما نرى عطف على ما تقدم ولكم متعلقان بنرى وعلينا متعلقان بفضل ومن حرف جر زائد وفضل مجرور لفظا مفعول به منصوب محلا وبل حرف إضراب وعطف ونظنكم عطف على ما نرى والكاف مفعول به أول وكاذبين مفعول به ثان. (قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ) الجملة مستأنفة مسوقة للتلطف بهم في الخطاب ومنا صفتهم ويا قوم منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وأرأيتم تقدم الكلام عليه مفصلا ورأيتم فعل وفاعل أي اخبروني وهنا يتطلب البينة مفعولا به، وكنت تتطلب البينة مجرورة بعلى فأعمل الثاني وأضمر في الأول والتقدير أرأيتم البينة من ربي إن كنت عليها أنلزمكموها فحذف المفعول الأول والجملة الاستفهامية هي المفعول الثاني وجواب الشرط محذوف للدلالة عليه، وإن شرطية وكنت فعل الشرط والتاء اسمها وعلى بينة خبر كنت ومن ربي صفة ومعنى على هنا الاستعلاء لأن
стр. 2013
صاحب البينة يكون مستعليا على سواه وقيل هي للمصاحبة بمعنى مع وليس ببعيد، وآتاني الواو عاطفة وآتاني فعل وفاعل مستتر ومفعول به ورحمة مفعول به ثان ومن عنده صفة لرحمة. (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ) الفاء عاطفة وعميت فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر تقديره هي وعليكم جار ومجرور متعلقان بعميت وسيأتي بيان حقيقة هذا التعبير في باب البلاغة وأ نلزمكموها الهمزة للاستفهام أي أنكرهكم عليها وفي هذا الفعل ثلاثة ضمائر الأول مستتر تقديره نحن وهو الفاعل والثاني ضمير المخاطب أي الكاف وهو المفعول الأول والثالث ضمير الغائب أي الهاء وهو المفعول الثاني، والميم علامة جمع الذكور والواو لإشباع حركة الضم على الميم وليست ضميرا وقد روعي الترتيب فيها لأن المتكلم أخص بالفعل ثم ضمير المخاطب ثم ضمير الغائب، وأنتم الواو للحال وأنتم مبتدأ ولها متعلقان بكارهون وكارهون خبر والجملة حالية وتقدم القول في جملة أنلزمكموها.
البلاغة:
١- في إسناد العمى الى البينة مجاز عقلي تنزيلا لها منزلة من يعقل وحقيقته أن الحجة والبينة جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عميا لأن الأعمى لا يهتدي ولا يهدي غيره فعميت عليكم البينة فلم تهدكم كما لو عمي على القوم رائدهم الذي يسير بهم في المتاهات المظلمة والبوادي المتشعبة فبقوا حائرين يتخبطون ويلتمسون النجاة من حيرتهم وجملة بعضهم من باب القلب أي أنهم هم الذين عموا فيكون من باب أدخلت الخاتم في إصبعي وأدخلت القلنسوة في رأسي وقال الشاعر:
стр. 2014
ترى الشوك فيها مدخلا ظل رأسه ... وسائره باد الى الشمس أجمع
٢- التعريض في قوله «قال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي» وقد تقدم القول في التعريض وغرضهم هنا منه التعريض بأنهم أحق منه بالنبوة وأن الله لو أراد أن يجعلها في أحد لجعلها فيهم وقد زعم هؤلاء أن يحجوا نوحا من وجهين أحدهما أن المتبعين أراذل ليسوا قدوة ولا أسوة والثاني انهم مع ذلك لم يترووا في اتباعه ولا أمعنوا الفكرة في صحة ما جاء به وإنما بادروا الى ذلك ارتجالا ومن غير فكر ولا روية.
[سورة هود (١١) : الآيات ٢٩ الى ٣١]
وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)
стр. 2015
اللغة:
(بِطارِدِ) : الطرد: الإبعاد، وتطارد الأقوال حمل بعضها على بعض.
(تَزْدَرِي) : الإزدراء: الاحتقار والعيب افتعال من الزراية يقال زريت عليه إذا عبته وأزرت به إذا قصرت، قال الشاعر:
رأوه فازدروه وهو خرق ... وينفع أهله الرجل القبيح
ولم يخشوا مقالته عليهم ... وتحت الرغوة اللبن الصريح
الإعراب:
(وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا) عطف على ما تقدم ولا نافية وأسألكم فعل وفاعل مستتر ومفعول به وعليه حال ومالا مفعول به ثان. (إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) إن نافية وأجري مبتدأ وياء المتكلم مضافة وإلا أداة حصر وعلى الله خبر. (وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا) الواو عاطفة وما حجازية تعمل عمل ليس وأنا اسمها والباء حرف جر زائد وطارد مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما والذين مضاف اليه وجملة آمنوا صلة. (إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ) إن واسمها وملاقوا خبرها وربهم مضاف اليه ولكني الواو حالية أو عاطفة ولكن واسمها وجملة أراكم خبرها والكاف مفعول أول لأراكم وقوما مفعول به ثان وجملة تجهلون صفة. (وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) عطف على ما قبله ومن اسم استفهام مبتدأ وجملة ينصرني خبر من الله جار ومجرور متعلقان بينصرني وإن شرطية وطردتهم فعل الشرط وهو فعل ماض وفاعل ومفعول به والجواب محذوف دل عليه ما قبله أي فمن ينصرني، وأفلا تذكرون الهمزة
стр. 2016
للاستفهام الانكاري وهي اما داخلة على مقدر تقديره أتأمروني بطردهم فلا تذكرون وإما مقدمة من تأخير والأصل فألا تذكرون وقدمت الهمزة على الفاء لأن لها الصدارة وقد تقدم تقرير ذلك وتذكرون مضارع حذفت منه إحدى التاءين وأصله تتذكرون. (وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) الواو عاطفة ولا نافية وأقول فعل مضارع فاعله أنا ولكم متعلقان بأقول وعندي ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم وخزائن الله مبتدأ مؤخر ولا أعلم الغيب معطوف على عندي خزائن الله أي ولا أقول لكم إني أعلم الغيب ولكن يشكل على هذا العطف أنه يترتب عليه أن يكون معمولا لأقول المنفية فيصير التقدير ولا أقول لا أعلم الغيب وهو غير صحيح والأحوط أن يكون معطوفا على لا أقول لا على مقولها فيزول الاشكال، ولا أعلم كيف غرب هذا عن الزمخشري وغيره من كبار المعربين. (وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) نسق على لا أقول الأولى أيضا وان واسمها وخبرها مقول القول.
(وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً) عطف أيضا وللذين متعلقان بأقول وجملة تزدري أعينكم صلة ولن حرف نفي ونصب واستقبال ويؤتيهم منصوب بها والهاء مفعول يؤتي الأول والله فاعل وخيرا مفعول يؤتي الثاني. (اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ) الله مبتدأ وأعلم خبر وبما متعلقان بأعلم وفي أنفسهم صلة الموصول وان واسمها واذن حرف جواب وجزاء مهمل واللام المزحلقة ومن الظالمين خبر إن والجملة تعليلية لا محل لها.
البلاغة:
في هذه الآيات فن رفيع من فنون البديع وهو الجمع مع التقسيم وهو أن يجمع المتكلم بين شيئين أو أكثر ثم يقسم ما جمع وفي هذه
стр. 2017
الآيات رد على ما أوردوه من شبه حيث قالوا «ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين» فرد عليهم ردا يمكن ارجاعه الى ما أوردوه من شبه فكأنه يقول: إن كان نفيكم الفضل عني متعلقا بفضل المال والجاه فأنا لم أدعه ولم أقل لكم إن خزائن الله عندي حتى تنازعوني في ذلك وتنكروه. وقد رمق أبو فراس هذه السماء بقوله:
إنّا إذا اشتد الزما ... ن وناب خطب واد لهم
ألفيت حول بيوتنا ... عدد الشجاعة والكرم
للقا العدا بيض السيو ... ف وللندى حمر النعم
هذا وهذا دأبنا ... يودى دم ويراق دم
[سورة هود (١١) : الآيات ٣٢ الى ٣٥]
قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)
стр. 2018
اللغة:
(الجدال) والمجادلة: المقابلة بما يفتل الخصم من مذهبه بحجة أو شبهة وهو الجدل أي شدة الفتل يقال: جدل الحبل فتله، وزمام مجدول وهو الجديل ويقولون: كأن في الجديل، إحدى بنات جديل، وطعنه فجدّله أي ألقاه على الجدالة وهي الأرض قال:
قد أركب الآلة بعد الآله ... وأترك العاجز بالجداله
ويقال للصقر أجدل لأنه من أشد الجوارح ويقولون: إن وقفن فجادل وإن مررن فأجادل، أي إن وفقن فقصور، وان مررن فصقور، قال الأعشى:
في مجدل شيّد بنيانه ... يزلّ عنه ظفر الطائر
ومن المجاز: امرأة مجدولة الخلق: قضيفة، ودرع مجدولة وجدلاء أي محكمة، وعمل على جديلته أي على شاكلته التي جدل عليها واستقام جدول القوم إذا انتظم أمرهم كالجدول إذا اطّرد وتتابع جريه، ونظر أعرابي الى قافلة الحاج متتابعة فقال: أما الحاج فقد استقام جدولهم. ومن متابعة اشتقاق هذه المادة تبين أن كل ما كانت فاؤه وعينه جيما ودالا دل على الشدة والفتل والمرة فجدب المكان جدوبة وجدب وأجدب ضد أخصب ولا يخفى ما في ذلك من شدة وبلاء على الذين تجدب أرضهم، والجدث القبر ومن أقوالهم «شر الأحداث، نزول الأجداث» وجدح السويق واللبن بالمجدح وهو عود في رأسه عودان معترضان يخاض به حتى يختلط وأرسلت السماء مجاديح الغيث، والمجاديح جمع المجدح أي الدّبران ونوءه غزير
стр. 2019
وفي حديث عمر بن الخطاب: «لقد استسقيت بمجاديح السماء» أراد الاستغفار، ورجل مجدود وليس في الدنيا أقوى من أفاعيل الجد بفتح الجيم أي الحظ والجد بالكسر الجهد والتعب ومشى على الجادّة وامشوا على الجوادّ وهو جمع الجادة وأجد المسير وجدّ قال:
أشوقا ولما يمض لي غير ليلة ... فكيف إذا جدّ المطي بنا عشرا
وجدره ناداه من وراء الجدار وهو جدير بكذا أي قوي ينهض به قال زهير:
بخيل عليها جنّة عبقرية ... جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا
وجدر الصبي وجدّر، وهو مجدور الوجه ومجدّر ومن أماليح ابن المعتز:
بي قمر جدّر لما استوى ... فزاده حسنا وزالت هموم
أظنه غنى لشمس الضحى ... فنقطته طربا بالنجوم
وجدع أنفه وأذنه فهو مجدوع وإذا لزم النعت قيل أجدع وهي جدعاء وجادع صاحبه شارّه وشاتمه وجّدعه إذا قال له جدعا لك، وجدف الملّاح السفينة إذا دفعها بالمجداف قال أعشى همدان:
لمن الظّعائن سيرهنّ تزحّف ... عوم السفين إذا تقاعس تجدف
وخفق الطائر بمجدافيه أي بجناحيه وهما قوته، والجدا والجذوى العطاء وما أقواه، واستجديته سألته وجدوته واجتديته مثله قال:
стр. 2020
جدوت أناسا موسرين فما جدوا ... ألا الله أجدوه إذا كنت جاديا
وقد فطن أحد أدبائنا القدامى إلى هذه المادة وسر اجتماع الجيم والدال فأحصى ذلك نظما نورده فيما يلي:
عظمة والقطع حظ جدّ ... والاجتهاد ضد هزل جدّ
وجانب وجاء جمعا جدّ ... واسم لما بين الكلا من بئر
أمّ أب وأمّ أمّ جدّه ... ومصدر الشيء الجديد جدّه
مدينة أي بالحجاز جدّه ... والضمّ والكسر لشط النهر
للنبت والحائط قيل جدر ... وللنبات قيل أيضا جدر
وجمع جدر أي جدار جدر ... وآفة الأطفال داء الجدري
والسنة الشديدة الجداع ... أما الجدال فاسمه جداع
والكلأ الذّاوي هو الجداع ... كذا وضيم الكلم المضرّ
الفتل والصرع وعود جدل ... والصدر بالفتح وكسر جدل
جمع جديل أي زمام جدل ... وجمع جدلاء لدرع الكر
وهذا من الغرابة بمكان.
الإعراب:
(قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا) قالوا فعل وفاعل ويا أداة نداء ونوح منادى مفرد علم مبني على الضم وقد حرف تحقيق
стр. 2021
وجادلتنا فعل وفاعل ومفعول به فأكثرت عطف على جادلتنا وجدالنا مفعول به. (فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) الفاء الفصيحة أي ان كنت صادقا فأتنا، وبما متعلقان بالفعل وجملة تعدنا صلة والعائد محذوف ويصح أن تكون ما مصدرية أي بوعدك إيانا وان كنت من الصادقين شرط جوابه دل عليه ما قبله أي فأتنا ومن الصادقين خبر كنت. (قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) إنما كافة ومكفوفة ويأتيكم فعل مضارع ومفعول به وبه متعلقان بيأتيكم والله فاعل وإن شاء شرط وفعله والجواب محذوف وما الواو حالية وما حجازيه وأنتم اسمها وبمعجزين خبرها منصوب محلا بسبب حرف الجر الزائد. (وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) الواو عاطفة ولا نافية وينفعكم نصحي فعل ومفعول به وفاعل وإن أردت شرط وفعله وأن وما في حيزها مفعول أردت ولكم متعلقان بأنصح، وإن كان شرط وفعله أيضا والله اسم كان وجملة يريد خبر كان وأن يغويكم أن وما في حيزها مفعول يريد ووجه ترادف الشرطين أن جواب الشرط الثاني وهو إن كان الله يريد أن يغويكم جوابه ما دل عليه قوله لا ينفعكم نصحي ويكون الشرط الثاني وجوابه جواب الأول وسيأتي تفصيل ذلك ومعناه في باب الفوائد. (هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) هو مبتدأ وربكم خبر واليه متعلقان بترجعون وترجعون بالبناء للمجهول والواو نائب فاعل. (أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ) أم منقطعة ويقولون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون وجملة افتراه مقول القول. (قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ) إن شرطية وافتريته فعل وفاعل ومفعول به وهو فعل الشرط والفاء رابطة وعلي خبر مقدم واجرامي مبتدأ مؤخر وأنا مبتدأ وبريء خبر ومما متعلقان ببريء وجملة تجرمون صلة.
стр. 2022
الفوائد:
إذا اجتمع في الكلام شرطان وجواب يجعل الشرط الثاني شرطا في الأول فلا يقع الجواب إلا ان حصل الشرط الثاني ووجد في الخارج قبل وجود الأول ونظير هذه الآية من مسائل الفقهاء قول القائل:
«أنت طالق إن شربت إن أكلت» وهي المترجمة بمسألة اعتراض الشرط على الشرط فالمنقول انها ان شربت ثم أكلت لم يحنث وان أكلت ثم شربت حنث، وقد قرر المفسرون في الآية انه إذا طرأ شرط على شرط كان الثاني مقدما على الأول في المعنى وإن كان مؤخرا في اللفظ، والتقدير ولا ينفعكم نصحي ان كان الله يريد أن يغويكم إن أردت أن أنصح لكم وقال البيضاوي: «هكذا تقرير الكلام إن كان الله يريد أن يغويكم فإن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي لذلك ولو قال أنت طالق ان دخلت الدار ان كلمت زيدا فدخلت ثم كلمت زيدا لم تطلق.
وقال ابن هشام في المغني:
ذكروا أنه إذا اعترض شرط على آخر نحو إن أكلت إن شربت فأنت طالق فإن الجواب المذكور للسابق منهما، وجواب الثاني محذوف مدلول عليه بالشرط الأول وجوابه (أي والشرط الأول وجوابه متأخر معنى لكونه دليل الجواب) كما قالوا في الجواب المتأخر عن القسم والشرط ولهذا قال محققو الفقهاء في المثال المذكور انها لا تطلق حتى تقدم المؤخر وتؤخر المقدم وذلك لأن التقدير حينئذ إن شربت إن أكلت فأنت طالق وهذا كله حسن ولكنهم جعلوا منه قوله تعالى: ولا ينفعكم
стр. 2023
نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم، وفيه نظر إذ لم يتوال شرطان وبعدهما جواب كما في المثال وكما في قول الشاعر:
إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا ... منّا معاقل عزّ زانها كرم
وقول ابن دريد:
فإن عثرت بعدها إن وألت ... نفسي من هاتا فقولا: لا لعا
إذ الآية الكريمة لم يذكر فيها جواب وإنما تقدم على الشرطين ما هو جواب في المعنى للشرط الأول فينبغي أن يقدر إلى جانبه ويكون الأصل إن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم وأما أن يقدر الجواب بعدهما ثم يقدر بعد ذلك مقدما إلى جانب الشرط فلا وجه له.
وقال في الدرر: وإذا دخل شرط على شرط فتارة يكون بعطف وتارة يكون بغيره فإن كان بعطف فأطلق ابن مالك أن الجواب لا ولهم لسبقه، وفصل غيره فقال إن كان العطف بالواو فالجواب لهما لأن الواو لمطلق الجمع نحو «إن تأتني وإن تحسن الي أحسن إليك» وان كان العطف بأو فالجواب لأحدهما لأن «أو» لأحد الشيئين نحو ان جاء زيد أو إن جاءت هند فأكرمه أو فأكرمها وإن كان العطف بالفاء فالجواب للثاني والثاني وجوابه جواب للأول وإن كان بغير عطف فالجواب لأولهما والشرط الثاني مقيد للأول كتقييده بحال واقعة موقعه كما في بيت الشاهد وإذا دخل الاستفهام على الشرط فعن يونس ان الجواب للاستفهام لتقدمه على الشرط قياسا على مسألة تقدم القسم على الشرط نحو إن قام زيد تقوم؟
стр. 2024
خلاصة مفيدة:
توضيح المسألة: إنه قد وجد في هذه الصورة شرطان وليس فيها ما يصلح للجواب إلا شيء واحد فلا يخلو إما أن يجعل جوابا لهما معا ولا سبيل إليه لما يلزم عليه من اجتماع عاملين على معمول واحد وهو باطل.
وإما أن لا يجعل جوابا لهما ولا سبيل إليه لما يلزم عليه من الآيتان بما لا مدخل له في الكلام وترك ما له مدخل وهو عبث.
وإما ان يجعل جوابا للآخر دون الأول وهذا لا سبيل اليه لأنه يلزم عليه ان يكون الثاني وجوابه جوابا للأول فيجب الإتيان بالفاء الرابطة ولا فاء فتعين القسم الرابع وهو ان يكون جوابا للاول دون الثاني ويكون الأول وجوابه دليل جواب الثاني فالأصل إن شربت فإن أكلت فانت طالق وهو لو قال هذا الكلام لم تطلق حتى تشرب ثم تأكل فكذلك ما هو بمعناه.
[سورة هود (١١) : الآيات ٣٦ الى ٣٩]
وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩)
стр. 2025
اللغة:
(الابتئاس) حزن في استكانة قال:
ما يقسم الله اقبل غير مبتئس ... منه واقعد كريما ناعم البال
وهو افتعال من البؤس وفي المختار «ولا تبتئس أي لا تحزن ولا تشتك والمبتئس الكاره الحزين» .
(الْفُلْكَ) الجمهور على أنه بضم الفاء وسكون اللام وقيل انه يقال فلك بضمتين أيضا وأشار الرضي في شرح الشافية الى جواز أن يكون بصمتين هو الأصل وان ضم الأول وتسكين الثاني لعله تخفيف منه كعنق، وأطال في توجيهه وفي القاموس «والفلك بالضم السفينة ويذكر وهو للواحد والجميع، أو الفلك التي هي جمع تكسير للفلك التي هي واحد» وهذا بعينه ورد في الصحاح أيضا والعباب قال ابن بري صوابه الفلك الذي هو واحد لأنك إذا جعلت الفلك واحد فهو مذكر لا غير وان جمعته جمعا فهو مؤنث لا غير وقيل إن الفلك يؤنث وان كان واحدا قال تعالى: «قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين» وعليه فلا تصويب.
الإعراب:
(وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) الواو عاطفة واوحي فعل ماض مبني للمجهول وأن وما في حيزها نائب الفاعل
стр. 2026
وجملة لن يؤمن خبر أن وإلا اداة حصر ومن فاعل يؤمن وجملة قد آمن صلة. (فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ) الفاء عاطفة ولا ناهية وتبتئس مجزوم بلا وبما متعلقان بتبتئس وجملة كانوا صلة وجملة يفعلون خبر كانوا. (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا) واصنع عطف على ما تقدم والفلك مفعول به وبأعيننا في موضع نصب على الحال أي مكلوءا بأعيننا وحقيقته ملتبسا كأن لله معه أعينا تكلؤه ووحينا عطف على أعيننا. (وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) لا ناهية وتخاطبني مجزوم بها والياء مفعول به وفي الذين متعلقان بتخاطبني وجملة ظلموا صلة وانهم مغرقون ان واسمها وخبرها والجملة تعليلية لعدم الخطاب. (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ) حكاية حال ماضية فالجملة ابتدائية مسوقة لهذا الغرض والتقدير وجعل يصنع الفلك، والفلك مفعول به والواو حالية وكلما ظرف زمان متضمن معنى الشرط متعلق بسخروا منه وقد مر القول في كلما، ومر عليه ملأ فعل وفاعل وعليه متعلقان بمرّ وجملة سخروا منه لا محل لها لانها جواب شرط غير جازم. (قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ) قال فعل ماض وإن شرطية وتسخروا فعل الشرط ومنا متعلقان بتسخروا والفاء رابطة وان واسمها وجملة نسخر منكم خبر ان وكما تسخرون الكاف صفة لمصدر محذوف وقد مرت له نظائر كثيرة. (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) الفاء استئنافية وسوف حرف ينقل الفعل من الحال الى الاستقبال والفرق بينها وبين السين ان في سوف معنى من التسويف وهو تعليق النفس بما يكون من الأمور التي يمكن أن تحدث، وتعلمون فعل مضارع وفاعل ومن يجوز أن تكون موصولة في محل نصب بتعلمون وتعلمون بمعنى العرفان فتنصب مفعولا واحدا، ويجوز أن تكون استفهامية وتكون
стр. 2027
أيضا مفعولا به، ويجوز أن تكون تعلمون يقينية فيكون المفعول الثاني محذوفا ويأتيه فعل ومفعول به وعذاب فاعل وجملة يخزيه صفة عذاب. (وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ) ويحل معطوف على يأتيه وعليه متعلقان بيحل وعذاب فاعل ومقيم صفة.
البلاغة:
في قوله «انهم مغرقون» مجيء الخبر إنكاريا مؤكدا بإن تأكيدا للكلام وتنزيلا للسامع منزلة المتردد لأنه للنفس اليقظى مظنة التردد في حكم الخبر ومؤونة الطلب له فقال أولا: ولا تخاطبني في الذين ظلموا أي لا تدعني يا نوح في استدفاع العذاب عنهم ثم قال: انهم مغرقون لأن الكلام مظنة أن يتردد نوح بأنه هل يصيبهم بأس بل بأنهم هل هم مغرقون بملاحظة ما تقدم من قوله واصنع الفلك فأورد الخبر مؤكدا فقال انهم محكوم عليهم بالإغراق.
[سورة هود (١١) : الآيات ٤٠ الى ٤٣]
حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (٤٠) وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)
стр. 2028
اللغة:
(فارَ) الفور الغليان وأصله الارتفاع وفي المصباح «فار الماء يفور فورا نبع وجرى وفارت القدر فورا وفوراتا غلت» ومنه قولهم فعل ذلك من فوره أي من قبل أن يسكن، وشرب فورة العقار وهي طفاوتها وما فار منها.
(التَّنُّورُ) قيل وزنه تفعول فقلبت الواو الأولى همزة لانضمامها ثم حذفت تخفيفا ثم شدّدت النون للعوض عن المحذوف قال هذا ثعلب وقال أبو علي الفارسي وزنه فعول وقيل هو أعجمي والمشهور أنه مما اتفقت فيه لغة العرب والعجم كالصابون وقال في القاموس والتاج: التنور الكانون يخبز فيه وصانعه تنّار ووجه الأرض وكل مفجر ما ومحفل ماء الوادي وعقبه التاج بقوله يقال هو في جميع اللغات كذلك وقال الليث التنور عمت بكل لسان قال أبو منصور وهذا يدل على أن الاسم في الأصل أعجمي فعربته العرب فصار عربيا على بناء فعول، ثم قيل هو تنور معروف فالكلام حقيقي، وقيل هو مجاز ومعنى قولهم فار التنور اشتد به الغضب كما يقولون حمي الوطيس إذا اشتدت الحرب وفار قدر القوم إذا اشتدت حربهم قال الشاعر:
تفور علينا قدرهم فنديمها ... ونفثؤها عنا إذا حميها غلا
стр. 2029
(الاثنان) الوجه في قراءة حفص بالتنوين «ومن كلّ زوجين اثنين» ان الاثنين زوجان قال تعالى «ومن كل شيء خلقنا زوجين» والمرأة زوج الرجل والرجل زوجها وقد يقال للاثنين هما زوج قال لبيد:
من كل محفوف يظلّ عصيّه ... زوج عليه كلة وقرامها
ومعنى البيت: الهوادج محفوفة بالثياب فعيدانها تحت ظلال ثيابها والمضر بعد القرام للعصي أو للكلة.
الإعراب:
(حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ) حتى متعلقة بقوله واصنع الفلك بأعيننا أي الى هذا الوقت فهي حرف غاية وجر وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وجملة جا أمرنا في محل جر بالاضافة وجملة وفار التنور معطوفة على جملة جاء أمرنا. (قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) الجملة لا محل لها لأنها جواب إذا واحمل فعل أمر وفيها متعلقان باحمل ومن كل حال من زوجين لأنه كان في الأصل صفة له وزوجين مفعول به واثنين صفة للتأكيد والتشديد كما قال: «لا تتخذوا إلهين اثنين» . (وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) وأهلك عطف على زوجين وإلا أداة استثناء ومن مستثنى متصل وجملة سبق عليه القول صلة.
(وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) ومن آمن عطف على أهلك وما الواو عاطفة وما نافية وآمن فعل ماض ومعه ظرف متعلق بآمن والا أداة حصر وقليل فاعل آمن. (وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها) الواو عاطفة وقال فعل ماض وجملة اركبوا فيها مقول القول وفيها
стр. 2030
متعلقان باركبوا، باسم الله خبر مقدم ومجراها مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية حال من الواو أو الهاء أي اركبوا فيها مسمين الله أو قائلين باسم الله ومرساها عطف على مجراها وهما مصدران ميميان الأول من جرى ولذلك جاء مجرى والثاني من أرسى ولذلك جاء مرسى بضم الميم وقرىء الاثنان بالضم على أنهما مصدران ميميان أيضا، ويجوز أن يكونا اسمين للزمان أو المكان أي وقت جريانها وارسائها وبسم الله حال أي متبركين باسم الله ويتعلق الظرفان بهذا المحذوف فهو من باب خفوق النجم ومقدم الحاج وهنا أقوال أخرى للمعربين ضربنا عنها صفحا. (إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) إن واسمها واللام المزحلقة وغفور خبر إن الأول ورحيم خبر إن الثاني. (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ) حال من محذوف أي فركبوا فيها والحال انها تجري بهم ويجوز أن تكون مستأنفة، وهي مبتدأ وجملة تجري خبر وبهم متعلقان بمحذوف حال وفي موج متعلقان بتجري والكاف صفة لموج (وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ) الواو عاطفة ونادى نوح ابنه فعل وفاعل ومفعول، وكان الواو حالية وكان فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هو يعود على الابن وهو كنعان وفي معزل خبر كان.
(يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ) يا حرف نداء وبني منادى مضاف لياء المتكلم وأصله بثلاث ياءات الأولى ياء التصغير والثانية ياء الكلمة والثالثة ياء المتكلم فحذفت ياء المتكلم تخفيفا وأدغمت ياء التصغير في لام الكلمة فيقرأ بكسر الياء وفتحها فمن قرأ بالكسر جعل الكسرة دالة على الياء المحذوفة ومن فتح فقد أراد الاضافة كما أرادها في قوله يا بني إذا كسر الياء التي هي لام الفعل كأنه قال يا بنيي بإثبات باء الاضافة ثم أبدل من الكسرة الفتحة ومن الياء الألف فصار يا بنيا ثم حذف الألف كما كان حذف الياء والقراءتان سبعيتان واركب فعل أمر ومعنا
стр. 2031
ظرف متعلق باركب ولا ناهية وتكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلا واسمها مستتر تقديره أنت ومع الكافرين ظرف متعلق بمحذوف خبر. (قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ) جملة سآوي مقول القول والى جبل جار ومجرور متعلقان بآوي وجملة يعصمني صفة لجبل ومن الماء متعلقان بيعصمني. (قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ) لا نافية للجنس وعاصم اسمها مبني على الفتح واليوم ظرف متعلق بأمر الله لأنه بمعنى المصدر، وأحسن من ذلك أن يكون خبر «لا» محذوفا لأنه إذا علم كهذا الموضع التزم حذفه بنو تميم وكثر حذفه عند أهل الحجاز لأنه لما قال سآوي الى جبل يعصمني من الماء قال له نوح: لا عاصم أي لا عاصم موجود ويكون اليوم منصوبا على إضمار فعل يدل عليه عاصم أي لا عاصم يعصم اليوم من أمر الله ومن أمر جار ومجرور متعلقان بذلك الفعل المحذوف ولا يجوز أن يكون اليوم منصوبا بقوله لا عاصم ولا أن يكون «من أمر الله» متعلقا به لأن اسم لا إذ ذاك كان يكون مطولا وإذا كان مطولا لزم تنوينه وإعرابه ومن أمر الله خبر لا وإلا أداة استثناء أو حصر والاستثناء إما متصل فيكون من مستثنى وجملة رحم صلة. وإما منقطع وإلا بمعنى لكن ومن مبتدأ وجملة رحم صلة والخبر محذوف تقديره هو المعصوم ومن المفيد أن نورد هنا ما قاله أبو البقاء: «قوله تعالى لا عاصم اليوم فيه ثلاثة أوجه أحدها انه اسم فاعل على بابه فعلى هذا يكون قوله إلا من رحم فيه وجهان أحدهما هو استثناء متصل ومن رحم بمعنى الراحم أي لا عاصم إلا الله والثاني انه منقطع أي لكن من ﵀ يعصم، الوجه الثاني أن عاصما بمعنى معصوم مثل ماء دافق أي مدفوق فعلى هذا يكون الاستثناء متصلا أي إلا من ﵀ والثالث إن عاصما بمعنى ذا عصمة على النسب مثل حائض
стр. 2032
وطالق فالاستثناء على هذا متصل أيضا فأما خبر لا فلا يجوز أن يكون اليوم لأن ظرف الزمان لا يكون خبرا عن الجثة بل الخبر من أمر الله واليوم معمول من أمر الله ولا يجوز أن يكون اليوم معمول عاصم إذ لو كان كذلك لنون» . وأورد صاحب الانتصاف كلاما جميلا نورده فيما يلي: «إن الاحتمالات الممكنة هنا أربعة: لا عاصم إلا راحم ولا معصوم إلا مرحوم ولا عاصم إلا مرحوم ولا معصوم إلا راحم فالأولان استثناء من الجنس والآخران استثناء من غير الجنس فيكون منقطعا. (وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) الواو عاطفة وحال فعل ماض وبينهما متعلقان بحال والموج فاعل فكان عطف على حال واسم كان مستتر ومن المغرقين خبر كان.
[سورة هود (١١) : آية ٤٤]
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)
اللغة:
(البلع) معروف والفعل منه مكسور العين ومفتوحها بلع وبلع حكاهما الكسائي والفراء وفي المصباح: بلعت الطعام بلعا من باب تعب والماء والريق بلعا ساكن اللام وبلعته بلعا من باب نفع لغة وابتلعته، ومن مجاز هذا الفعل: أبلعني ريقي أي أمهلني حتى أقول أو أفعل.
قال الزمخشري في أساس البلاغة: وقلت لبعض شيوخي: ابلعني ريقي فقال: قد أبلعتك الرافدين.
стр. 2033
(الاقلاع) إذهاب الشيء من أصله حتى لا يرى له أثر يقال:
أقلعت السماء إذا ذهب مطرها حتى لا يبقى منه شيء وأقلع عن الأمر إذا تركه رأسا.
(غِيضَ) مبني للمجهول إذ يستعمل لازما ومتعديا والغيض النقصان وفعله لازم ومتعد فمن اللازم قوله تعالى «وما تغيض الأرحام» أي تنقص ومن المتعدي الآية التي نحن بصددها لأنه لا يبنى للمجهول من غير واسطة حرف جر إلا المتعدي بنفسه وفي المختار: غاض الماء: قلّ ونضب وبابه باع وانغاض مثله وغيض الماء فعل به ذلك وغاضه الله يتعدى ويلزم، وأغاضه الله أيضا، وغيّض الدمع تغييضا نقصه وحبسه ويقال: غاض الكرام أي قلّوا وفاض اللئام أي كثروا.
(الْجُودِيِّ) : جبل بأرض الجزيرة استوت عليه السفينة عند انتهاء الطوفان.
الإعراب:
(وَقِيلَ: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي) الواو عاطفة وقيل فعل ماض مبني للمجهول ويا حرف نداء وأرض منادى نكرة مقصودة مبني على الضم وابلعي فعل أمر والياء فاعل وماءك مفعول به ويا سماء أقلعي عطف على يا أرض ابلعي. (وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) جمل معطوفة بعضها على بعضها الآخر وسيأتي في البلاغة من أسرارها ما يدهش العقول. (وَقِيلَ: بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) بعدا منصوب على المصدر بفعل مقدر أي وقيل بعدوا بعدا فهو مصدر
стр. 2034
بمعنى الدعاء عليهم وللقوم جار ومجرور متعلقان بمحذوف والتقدير إرادتي ونحوه أو بقيل أي قيل لأجهلم هذا القول والظالمين صفة للقوم.
البلاغة:
في هذه الآية من أفانين البلاغة وبدائع الفصاحة ما يذهل اللب ويشده العقول وسنورد أهم الفنون التي تلفت النظر وتستهوي الموهوب ليحذو حذوها وينسج على منوالها.
١- المساواة:
ونبدأ بالفن الذي يتناول الآية عموما وقد عرفوه بأن يكون اللفظ مساويا للمعنى لا يزيد عليه ولا ينقص عنه وهو من أعظم أبواب البلاغة بل هو البلاغة عينها كما وصف بعض الوصاف بعض البلغاء فقال: كانت أوصافه قوالب لمعانيه وكما قال العتابي: «الألفاظ أجساد والمعاني أرواح» وهو ميزة كل لغة، قال إميل فاكيه في وصف فيكتور هيغو «هيغو من الخالدين لأن الذي يخلد هو جمال الأسلوب» وجمال الأسلوب هو الملاءمة بين اللفظ والمعنى والآية التي نحن بصددها خير مثال لهذه المساواة فإنه سبحانه أراد اقتصاص من هذه القصة بأوجز لفظ وأبلغه فجاء بها مرتبة الألفاظ والجمل على حسب ما وقع في صور لا تفصل عن معانيها لا وتقصر عنها فإن قيل: لفظة «القوم» زائدة تمنع الآية من أن توصف بالمساواة لأنها إذا طرحت استقلّ الكلام بدونها بحيث يقال: «وقيل بعدا للظالمين» قلت:
لا يستغني الكلام عنها وذلك انه لما قال في أول القصة «وكلما مر عليه
стр. 2035
ملأ من قومه سخروا منه» وقال بعد ذلك «ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون» جاءت لفظة القوم في آخر القصة، ووصفهم بالظلم ليرتد عجز الكلام على صدره.
٢- رد العجز على الصدر:
وهو الفن الثاني من فنون هذه الآية، وليعلم أن القوم الذين هلكوا بالطوفان هم الذين كانوا يسخرون من نوح فهم مستحقون للعقاب لئلا يتوهم ضعيف أن الطوفان لعمومه ربما أهلك من لا يستحق الهلاك فأخبر الله سبحانه أن الهالكين هم الذين تقدم ذكرهم وما كانوا يفعلونه مع نبيه من السخرية التي استحقوا بها الهلاك، وانهم الذين وصفهم بالظلم ووعد نبيه باغراقهم ونهاه عن مخاطبته فيهم ليرفع ذلك الاحتمال فيعلم أن الله سبحانه قد أنجز نبيه ما وعده وأهلك القوم الظالمين الذين قدم ذكرهم ووصفهم ووعد باغراقهم.
٣- الاشارة:
الفن الثالث من فنون هذه الآية فن الاشارة وقد تقدم بحثه وعرفه قدامة فقال: هو أن يكون اللفظ القليل دالا على الكثير من المعاني حتى تكون دلالة اللفظ بمثابة الإشارة باليد أو الايماءة بالحاجب والعين فانها تشير بحركة واحدة سريعة الى أشياء كثيرة تستوعب العبارات الطويلة ومن أمثلتها في الآية التي نحن بصددها قوله «وغيض الماء» فإن غيض الماء يشير الى انقطاع مادة الماء من نبع الأرض ومطر السماء ولولا ذلك لما غاض الماء.
следующие страницы →