← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

ظرف متعلق باركب ولا ناهية وتكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلا واسمها مستتر تقديره أنت ومع الكافرين ظرف متعلق بمحذوف خبر. (قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ) جملة سآوي مقول القول والى جبل جار ومجرور متعلقان بآوي وجملة يعصمني صفة لجبل ومن الماء متعلقان بيعصمني. (قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ) لا نافية للجنس وعاصم اسمها مبني على الفتح واليوم ظرف متعلق بأمر الله لأنه بمعنى المصدر، وأحسن من ذلك أن يكون خبر «لا» محذوفا لأنه إذا علم كهذا الموضع التزم حذفه بنو تميم وكثر حذفه عند أهل الحجاز لأنه لما قال سآوي الى جبل يعصمني من الماء قال له نوح: لا عاصم أي لا عاصم موجود ويكون اليوم منصوبا على إضمار فعل يدل عليه عاصم أي لا عاصم يعصم اليوم من أمر الله ومن أمر جار ومجرور متعلقان بذلك الفعل المحذوف ولا يجوز أن يكون اليوم منصوبا بقوله لا عاصم ولا أن يكون «من أمر الله» متعلقا به لأن اسم لا إذ ذاك كان يكون مطولا وإذا كان مطولا لزم تنوينه وإعرابه ومن أمر الله خبر لا وإلا أداة استثناء أو حصر والاستثناء إما متصل فيكون من مستثنى وجملة رحم صلة. وإما منقطع وإلا بمعنى لكن ومن مبتدأ وجملة رحم صلة والخبر محذوف تقديره هو المعصوم ومن المفيد أن نورد هنا ما قاله أبو البقاء: «قوله تعالى لا عاصم اليوم فيه ثلاثة أوجه أحدها انه اسم فاعل على بابه فعلى هذا يكون قوله إلا من رحم فيه وجهان أحدهما هو استثناء متصل ومن رحم بمعنى الراحم أي لا عاصم إلا الله والثاني انه منقطع أي لكن من ﵀ يعصم، الوجه الثاني أن عاصما بمعنى معصوم مثل ماء دافق أي مدفوق فعلى هذا يكون الاستثناء متصلا أي إلا من ﵀ والثالث إن عاصما بمعنى ذا عصمة على النسب مثل حائض

стр. 2032

وطالق فالاستثناء على هذا متصل أيضا فأما خبر لا فلا يجوز أن يكون اليوم لأن ظرف الزمان لا يكون خبرا عن الجثة بل الخبر من أمر الله واليوم معمول من أمر الله ولا يجوز أن يكون اليوم معمول عاصم إذ لو كان كذلك لنون» . وأورد صاحب الانتصاف كلاما جميلا نورده فيما يلي: «إن الاحتمالات الممكنة هنا أربعة: لا عاصم إلا راحم ولا معصوم إلا مرحوم ولا عاصم إلا مرحوم ولا معصوم إلا راحم فالأولان استثناء من الجنس والآخران استثناء من غير الجنس فيكون منقطعا. (وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) الواو عاطفة وحال فعل ماض وبينهما متعلقان بحال والموج فاعل فكان عطف على حال واسم كان مستتر ومن المغرقين خبر كان. [سورة هود (١١) : آية ٤٤] وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) اللغة: (البلع) معروف والفعل منه مكسور العين ومفتوحها بلع وبلع حكاهما الكسائي والفراء وفي المصباح: بلعت الطعام بلعا من باب تعب والماء والريق بلعا ساكن اللام وبلعته بلعا من باب نفع لغة وابتلعته، ومن مجاز هذا الفعل: أبلعني ريقي أي أمهلني حتى أقول أو أفعل. قال الزمخشري في أساس البلاغة: وقلت لبعض شيوخي: ابلعني ريقي فقال: قد أبلعتك الرافدين.

стр. 2033

(الاقلاع) إذهاب الشيء من أصله حتى لا يرى له أثر يقال: أقلعت السماء إذا ذهب مطرها حتى لا يبقى منه شيء وأقلع عن الأمر إذا تركه رأسا. (غِيضَ) مبني للمجهول إذ يستعمل لازما ومتعديا والغيض النقصان وفعله لازم ومتعد فمن اللازم قوله تعالى «وما تغيض الأرحام» أي تنقص ومن المتعدي الآية التي نحن بصددها لأنه لا يبنى للمجهول من غير واسطة حرف جر إلا المتعدي بنفسه وفي المختار: غاض الماء: قلّ ونضب وبابه باع وانغاض مثله وغيض الماء فعل به ذلك وغاضه الله يتعدى ويلزم، وأغاضه الله أيضا، وغيّض الدمع تغييضا نقصه وحبسه ويقال: غاض الكرام أي قلّوا وفاض اللئام أي كثروا. (الْجُودِيِّ) : جبل بأرض الجزيرة استوت عليه السفينة عند انتهاء الطوفان. الإعراب: (وَقِيلَ: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي) الواو عاطفة وقيل فعل ماض مبني للمجهول ويا حرف نداء وأرض منادى نكرة مقصودة مبني على الضم وابلعي فعل أمر والياء فاعل وماءك مفعول به ويا سماء أقلعي عطف على يا أرض ابلعي. (وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) جمل معطوفة بعضها على بعضها الآخر وسيأتي في البلاغة من أسرارها ما يدهش العقول. (وَقِيلَ: بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) بعدا منصوب على المصدر بفعل مقدر أي وقيل بعدوا بعدا فهو مصدر

стр. 2034

بمعنى الدعاء عليهم وللقوم جار ومجرور متعلقان بمحذوف والتقدير إرادتي ونحوه أو بقيل أي قيل لأجهلم هذا القول والظالمين صفة للقوم. البلاغة: في هذه الآية من أفانين البلاغة وبدائع الفصاحة ما يذهل اللب ويشده العقول وسنورد أهم الفنون التي تلفت النظر وتستهوي الموهوب ليحذو حذوها وينسج على منوالها. ١- المساواة: ونبدأ بالفن الذي يتناول الآية عموما وقد عرفوه بأن يكون اللفظ مساويا للمعنى لا يزيد عليه ولا ينقص عنه وهو من أعظم أبواب البلاغة بل هو البلاغة عينها كما وصف بعض الوصاف بعض البلغاء فقال: كانت أوصافه قوالب لمعانيه وكما قال العتابي: «الألفاظ أجساد والمعاني أرواح» وهو ميزة كل لغة، قال إميل فاكيه في وصف فيكتور هيغو «هيغو من الخالدين لأن الذي يخلد هو جمال الأسلوب» وجمال الأسلوب هو الملاءمة بين اللفظ والمعنى والآية التي نحن بصددها خير مثال لهذه المساواة فإنه سبحانه أراد اقتصاص من هذه القصة بأوجز لفظ وأبلغه فجاء بها مرتبة الألفاظ والجمل على حسب ما وقع في صور لا تفصل عن معانيها لا وتقصر عنها فإن قيل: لفظة «القوم» زائدة تمنع الآية من أن توصف بالمساواة لأنها إذا طرحت استقلّ الكلام بدونها بحيث يقال: «وقيل بعدا للظالمين» قلت: لا يستغني الكلام عنها وذلك انه لما قال في أول القصة «وكلما مر عليه

стр. 2035

ملأ من قومه سخروا منه» وقال بعد ذلك «ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون» جاءت لفظة القوم في آخر القصة، ووصفهم بالظلم ليرتد عجز الكلام على صدره. ٢- رد العجز على الصدر: وهو الفن الثاني من فنون هذه الآية، وليعلم أن القوم الذين هلكوا بالطوفان هم الذين كانوا يسخرون من نوح فهم مستحقون للعقاب لئلا يتوهم ضعيف أن الطوفان لعمومه ربما أهلك من لا يستحق الهلاك فأخبر الله سبحانه أن الهالكين هم الذين تقدم ذكرهم وما كانوا يفعلونه مع نبيه من السخرية التي استحقوا بها الهلاك، وانهم الذين وصفهم بالظلم ووعد نبيه باغراقهم ونهاه عن مخاطبته فيهم ليرفع ذلك الاحتمال فيعلم أن الله سبحانه قد أنجز نبيه ما وعده وأهلك القوم الظالمين الذين قدم ذكرهم ووصفهم ووعد باغراقهم. ٣- الاشارة: الفن الثالث من فنون هذه الآية فن الاشارة وقد تقدم بحثه وعرفه قدامة فقال: هو أن يكون اللفظ القليل دالا على الكثير من المعاني حتى تكون دلالة اللفظ بمثابة الإشارة باليد أو الايماءة بالحاجب والعين فانها تشير بحركة واحدة سريعة الى أشياء كثيرة تستوعب العبارات الطويلة ومن أمثلتها في الآية التي نحن بصددها قوله «وغيض الماء» فإن غيض الماء يشير الى انقطاع مادة الماء من نبع الأرض ومطر السماء ولولا ذلك لما غاض الماء.

стр. 2036

٤- الارداف: أما الفن الرابع فهو فن عجب في بابه، وهو أن يريد المتكلم معنى فلا يعبر عنه بلفظه الموضوع له، ولا بلفظ الاشارة الدال على المعاني الكثيرة بل بلفظ هو ردف المعنى الخاص وتابعه قريب من لفظ المعنى قرب الرديف من الردف وهو هنا في قوله تعالى «وقضي الأمر» وحقيقة ذلك: وهلك من قضى الله هلاكه ونجا من قضى نجاته وانما عدل عن هذه الحقيقة الى لفظ الارداف من الإيجاز والتنبيه على أن هلاك الهالك ونجاة الناجي كان بأمر آمر مطاع، وقضاء من لا يرد قضاؤه، والأمر يستلزم آمرا وقضاؤه يدل على قدرة الآمر به وطاعة المأمور تدل على قدرة الآمر وقهره، وان الخوف من عقابه ورجاء ثوابه يحضّان على طاعة الآمر، ولا يحصل ذلك كله من اللفظ الخاص. هذا ومن أمثلة الارداف في الشعر قول أبي الطيب المتنبي: لو كنت حشو قميصي فوق نمرقها ... سمعت للجن في غيطانها زجلا ومراده نفسه بقوله «حشو قميصي» ، يقول: لو كنت بدلي تحت ثيابي وفوق نمرق ناقتي وهو الذي يلقي عليه الراكب فخذه للاستراحة، لسمعت جلبة الجن وأصواتهم في منخفض هذه المفاوز البعيدة لأنها مأوى الجن لبعدها عن الإنس، والعرب تجعل المكان البعيد مسكنا للجن تهويلا له واستيحاشا منه.

стр. 2037

٥- الاحتراس: والفن الخامس في هذه الآية هو الاحتراس وتعريفه أن يأتي المتكلم بمعنى يتوجه عليه فيه دخل فيفطن لذلك حال العمل فيأتي في أصل الكلام بما يخلصه من ذلك، ومن أمثلته قوله تعالى فيها: «وقيل بعدا للقوم الظالمين» فإنه سبحانه لما أخبر بهلاك من هلك بالطوفان أعقبه بالدعاء على الهالكين ووصفهم بالظلم ليعلم أن جميع من هلك كان مستحقا للعذاب مستأهلا له احتراسا من ضعيف يتوهم أن الهلاك بعمومه قد شمل من لا يستحق العذاب فلما دعا على الهالكين علم أن كل من هلك كان مستحقا للهلاك لأنه قد ثبت بالبرهان أنه عادل فلا يدعو إلا على من يستحق الدعاء ووصفهم بعد الدعاء عليهم بالظلم فإن لم يكونوا ظالمين فقد دخل خبره الخلف وخبره منزه عن ذلك فوقع هذا الدعاء وهذا الوصف احتراسا من ذلك الذي قدر توهمه والاحتراس يبدو جملا في الشعر ومنه قول طرفة المشهور: فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي فقوله «غير مفسدها» احتراس من محو معالمها وطمس آثارها وقد جنح أبو الطيب اليه كثيرا فقال: ويحتقر الدنيا احتقار مجرب ... يرى كل ما فيها، وحاشاك، فانيا فقوله «وحاشاك» احتراس من دخوله في كل من فيها.

стр. 2038

وقوله أيضا: إذا خلت منك حمص لا خلت أبدا ... فلا سقاها من الوسمي باكره فقوله «لا خلت أبدا» احتراس من توهم الدعاء عليه. ٦- حسن النسق: والفن السادس من فنون هذه الآية العجيبة هو فن النسق وهو عبارة عن أن يأتي المتكلم بالكلمات من النثر والأبيات من الشعر متتاليات متلاحمات تلاحما سليما مستحسنا لا معيبا مستهجنا، والآية من أولها الى آخرها من شواهد هذا الفن فقد ترادفت الجمل منسوقة بعضها على بعض بواو النسق على الترتيب الذي تقتضيه البلاغة لأنه سبحانه بدأ بالأهم إذ كان المراد اطلاق أهل السفينة من سجنها ولا يحصل ذلك ولا يتأتى إلا بانحسار الماء عن الأرض فلذلك بدأ بالأرض فأمرها بالابتلاع وثنى بالسماء فأمرها بالإقلاع لئلا يتأذى بذلك أهل السفينة ثم أخبر بغيض الماء عند ما ذهب ماء الأرض وانقطع ماء السماء ثم قال «وقضي الأمر» أي هلك من جفّ القلم بهلاكه، ونجا من سبق العلم بنجاته وهذه حقيقة المعجزة وكنه الآية ولا بد أن تكون معلومة لأهل السفينة ولا يتسنى علمهم بها إلا بعد خروجهم منها وخروجهم موقوف على ما تقدم فلذلك اقتضت البلاغة أن تأتي هذه الجملة رابعة الجمل وكذلك استقرار السفينة على الجودي أي استقرارها على المكان الذي استقرت عليه استقرارا لا حركة معه لتبقى آثارها آية لمن يأتي بعد أهلها وعدل عن لفظة استقرت الى لفظة

стр. 2039

استوت لما يحتمله الاستقرار من الزيغ والميل ويدل عليه الاستواء من استقامة وعدم انحراف وفي هذا طمأنينة أهل السفينة وأمنهم بعد المخافة وأفراخ روعهم إذا كان استقرارها استقرارا فقط بحيث لا تؤمن معه الحركة لكانت حالهم في مكابدة الحركة واضطراب القلوب ووجيفها واحدة في حال سيرها ووقوفها ثم قال أخيرا «وبعدا للقوم الظالمين» وهذا دعاء أوجبه الاحتراس ممن يظن أن الغرق لشموله الأرض ربما أودى بمن لا يستحق العذاب فدعا على الهالكين ووصفهم بالظلم ليعلم أن الهلاك إنما شمل من يستحق العذاب دون سواهم احتراسا من هذا الاحتمال. ٧- التنظير: والفن السابع فيها هو فن التنظير وقد تكلم عنه ابن الأثير في كتابه الاستدراك تحت اسم المفاضلة بين الشعراء ليظهر الأفضل منهما وهو الى النقد أقرب منه الى فنون البديع، وحدّه أن ينظر الإنسان بين كلامين إما متفقي المعاني أو مختلفي المعاني ليظهر الأفضل منهما، والآية التي نحن بصددها تناولت قصة الطوفان التي انطوت على الكثير من العقد والحلول والعبر فإذا نظرتها بغيرها من القصص وجدتها سامية عليها جميعا باستقصاء جميع ما اتفق فيها وما سنح. ٨- المناسبة اللفظية: بين ابلعي واقلعي وهي تشبه المناسبة التي مرت في قوله «لهم شراب من حميم وعذاب أليم» بسورة يونس.

стр. 2040

٩- الجناس الناقص: بين ابلعي واقلعي ويسميه بعضهم المضارعة ويكون أنواعا منها أن يختلف حرف في الكلمتين بعد أن تتفق بقية الأحرف ومثله قوله تعالى «وهم ينهون عنه وينأون عنه» وقال النبي ﷺ لرجل سمعه وهو ينشد على سبيل الافتخار وقيل بل سأله عن نسبه فقال: إني امرؤ حميري حين تنسبني ... لا من ربيعة آبائي ولا مضر فقال النبي ﷺ : «ذلك والله ألأم لجدك، وأضرع لخدك، وأقل لعدك، وأبعد لك عن الله ورسوله» . ١٠- الطباق: والفن العاشر هو الطباق فقد طابق بين السماء والأرض. ١١- الاستعارة: والفن الحادي عشر هو الاستعارة المكنية الكائنة في نداء الأرض والسماء بما ينادى به الحيوان المميز على لفظ التحضيض والإقبال عليهما بالخطاب من بين سائر المخلوقات وهو قوله يا أرض ويا سماء ثم أمرهما بما يؤمر به أهل التمييز والعقل من قوله ابلعي ماءك واقلعي من الدلالة على الاقتدار العظيم والبلغ عبارة عن تغدير الماء وشربه في بطنها مستعار لهذا المعنى من بلع الحيوان أي ازدراده لطعامه وشرابه والبلع هو أثر القوة الجاذبة في المطعوم لكمال الشبه بينهما وهو

стр. 2041

الذهاب الى مقر خفي ومع هذا فهي قرينة للاستعارة المكنية التي في الماء أي استعارة الماء للغذاء لجامع تقوي الأرض بالماء في الإنبات تقوي الآكل بالطعام. ١٢- المجاز المرسل: وذلك في قوله «يا سماء» فان الحقيقة: ويا مطر السماء اقلعي، والعلاقة في هذا المجاز السببية لأن الماء سبب المطر أو المحلية لأنها محلها بما يتجمع فيها من سحب واضافة الماء الى الأرض مجاز أيضا تشبيها لاتصاله بها باتصال الملك بالمالك، وفيها نكتة أخرى وهي التنبيه على حدوث هذا الماء من الأرض أيضا لا من السماء فقط كما يدل عليه قوله تعالى «وفار التنور» . ١٣- التمثيل: وهو أن يريد المتكلم معنى فلا يعبر عنه بلفظه الخاص ولا بلفظي الاشارة والارداف بل بلفظ هو أبعد من لفظ الارداف قليلا يصلح أن يكون مثلا للفظ الخاص لأن المثل لا يشبه المثل من جميع الوجوه ولو تماثل المثلان من كل الوجوه لاتحدا، وقد تقدم تفصيل هذا الفن في قوله «واستوت على الجودي» فإن حقيقة ذلك: وجلست على ذلك المكان فعدل عن الحقيقة الى التمثيل لما في الاستواء من الاشعار بجلوس متمكن لا زيغ فيه ولا ميل ولا حركة معه ولا اضطراب. ١٤- الإيجاز: فقد اقتص سبحانه القصة بلفظها مستوعبة بحيث لم يخلّ منها بشيء في أخصر عبارة وبألفاظ غير مطولة.

стр. 2042

١٥- التسهيم: وهو أن يكون ما تقدم من الكلام دليلا على ما يتأخر منه أو بالعكس والتسهيم في الآية هو أن أول الآية يقتضي آخرها. ١٦- التهذيب: لأن مفردات الألفاظ موصوفة بصفات الحسن، وكل لفظة سهلة مخارج الحروف، سلمت من التنافر والغرابة ومخالفة القياس. ١٧- التمكين: لأن الفاصلة مستقرة في قرارها مطمئنة في مكانها غير قلقة ولا ناشزة. ١٨- الانسجام: وهو تحديد الكلمات بسهولة وعذوبة مع الجزالة التي يقتضيها المقام ويتطلبها مقتضى الحال. ١٩- الارصاد: وهو أن يحدس القارئ بالفاصلة قبل أن يتلفظ بها. ٢٠- ائتلاف اللفظ مع المعنى: وهو ما يسميه أهل الفن المزاوجة بين الألفاظ حتى لقد قال أناتول فرانس الكاتب الفرنسي: «ان بين الألفاظ زواجا كاثوليكيا»

стр. 2043

وكل لفظة لا يصلح في موضعها غيرها، وقد كان أبو تمام يحرص في شعره على هذا الفن فاستمع الى قوله: وفي الكلمة الوردية اللون جؤذر ... من الانس يمشي في رقاق المجاسد رمته بخلف بعد أن عاش حقبة ... له رسفان في قيود المواعد وفاعل رمته في أبيات سبقت، وهذا أمر تعجز الألفاظ عن إيجاد حدود له وانما هو مما يستشعره الذوق وحده على حد قول فولتير: «ذوقك أستاذك» . ٢١- الاستعارة المتكررة: فاذا أضفت إلى ما تقدم أن الاستعارة وقعت فيها في موقعين وهما استعارة الابتلاع والإقلاع حصل لك واحد وعشرون فنا. هذا وقد أضاف بعض البلاغيين إلى هذه الفنون ما يلي: ١- ومنها انه تعالى لم يصرح بفاعل غيض وقضي وقيل، كما لم يصرح في صدر الآية بقائل قيل وكذا لم يصرح بمن سوى السفينة تنبيها على أن تلك الأمور العظام لا يتصور وقوعها إلا من قادر لا يكتنه وقهار لا يغالب فلا يذهب الوهم إلى فاعل غيره ولا ينشط الخيال الى مدى أبعد من هذا المدى وقيل في وجه العدول عن تصريح الفاعل

стр. 2044

اشارة الى أن هذه الأمور أهون عند الله تعالى من أن ينسبها الى قدرته صراحة. ٢- ومنها إفراد الماء إشعارا بأن هذا الماء لم يحصل من اجتماع المياه وتكاثرها بل هو نوع واحد حصل بقدرته تعالى دفعة واحدة. ٣- ومنها افراد «أرض» إشارة الى شمول هذا الماء الكل بحيث صار الكل بمثابة شيء واحد باعتبار هذا الشمول، وأيضا افراد «سماء» إشارة الى أن المراد بها هاهنا جهة العلو الذي لا يكتنه مداه لا الاجرام العلوية. ٤- ومنها التعريض الذي اختتم به الكلام تنبيها لسالكي مسلكهم والجانحين جنوحهم في تكذيب الرسل الى أن ما حل بهم من إغراق شمل العالم بأسره لم يكن إلا لظلمهم وإمعانهم في اللجاج والتمادي في الإنكار. ٥- ومنها ذكر مفعول ابلعي لئلا يعم بالحذف ابتلاع البحار وسواكن الماء كما يقتضيه مقام الكبرياء. ٦- ومنها تقديم أمر الأرض على السماء لابتداء الطوفان منها. هذا وقد ذكر السكاكي أسرارا أخرى أضربنا عنها لما فيها من تكلف قد يحيل الأمر الى العكس. الفوائد: ١- قد يقام المصدر المؤكد مقام فعله المستعمل أو المهمل فيمتنع ذكره معه وهو نوعان:

стр. 2045

أ- ما لا فعل له أصلا من لفظه نحو ويلك وويحك وبله الأكف وسبحان الله. ب- ما له فعل مستعمل من لفظه وهو نوعان: نوع واقع في الطلب وهو الوارد في دعاء بخير أو ضده فالأول كسقيا ورعيا والأصل سقاك الله سقيا ورعاك الله رعيا أو الوارد نهيا أو أمرا نحو قياما لا قعودا وكذلك النوعي نحو «فضرب الرقاب» أي فاضربوا ضرب الرقاب ونوع واقع في الخبر نحو حمدا وشكرا لا كفرا، ولها أنواع مذكورة في المطولات والجار والمجرور الواقعان بعد نحو سقيا لك وبعدا للقوم الظالمين متعلق بمحذوف خرج مخرج البيان التقدير إرادتي لهم ولا تتعلق بالمصدر فنحو سقيا لك على هذا جملتان. ٢- لام التبيين ويجدر بنا هنا أن نورد خلاصة وجيزة لهذه اللام التي شغلت النحاة كثيرا ولم يوفوها حقها من الشرح وهي ثلاثة أنواع: أ- ما تبين المفعول من الفاعل وضابطها أن تقع بعد فعل تعجب أو اسم تفضيل مفهمين حبا أو بغضا تقول: ما أحبني وما أبغضني فإن قلت: لفلان، فأنت فاعل الحب والبغض وهو مفعولهما وإن قلت: الى فلان، فالأمر بالعكس. ب وج: ما يبين فاعلية غير ملتبسة بمفعولية وما يبين مفعولية غير ملتبسة بفاعلية ومصحوب كل منهما إما غير معلوم مما قبلها أو معلوم لكن استؤنف بيانه تقوية للبيان وتوكيدا له واللام في ذلك كله

стр. 2046

متعلقه بمحذوف. مثال المبينة للمفعولية: سقيا لك وجدعا لك فهذه اللام ليست متعلقة بالمصدرين ولا بفعليهما المقدرين لأنهما متعديان بنفسيهما كالمصدرين و «لا» هي ومجرورها صفة للمصدر فتتعلق بالاستقرار لأن الفعل لا يوصف فكذا ما أقيم مقامه وإنما هي لام مبينة للمدعو له أو عليه والتقدير إرادتي لك، ومثال المبينة للفاعلية: تبا لزيد وويحا له، فإنه في معنى خسر وهلك وحينئذ فزيد هو الفاعل واللام متعلقة بمحذوف إرادتي كائنة لزيد. [سورة هود (١١) : الآيات ٤٥ الى ٤٩] وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧) قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨) تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)

стр. 2047

الإعراب: (وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) الواو استئنافية والنداء على ما يبدو كان قبل سير السفينة لأنه سؤال في نجاة ابنه ولا معنى للسؤال إلا عند إمكان النجاة، ونادى نوح فعل وفاعل وربه مفعول به، فقال الفاء حرف عطف وقال فعل ماض معطوف على نادى عطف تفسير لأن القول المذكور هو عين النداء ورب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وإن واسمها ومن أهلي خبرها وإنما أورد ذلك لأن الله تعالى وعده بنجاة أهله. وللمفسرين كلام طويل حول بنوة هذا الابن يخرج عن نطاق هذا الكتاب. (وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ) الواو عاطفة وان واسمها وخبرها وأنت أحكم الحاكمين مبتدأ وخبر والجملة معطوفة أيضا. (قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) قال فعل ماض وضمير الله فاعله المستتر وان واسمها وجملة ليس من أهلك خبر إن ومن أهلك خبر ليس. (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) ان واسمها والضمير يعود الى ابنه ولا مبرر لقول من قال إن الضمير يعود الى سؤاله كما ذهب الجلال وغيره لأن بلاغة الكلام تستبعده وعمل خبر إن وهو من باب إقامة الصفة مقام الموصوف عند ظهور المعنى وقد تقدمت الاشارة إليه ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: أيها القائل في غير الصواب ... أخّر النصح وأقلل من عتابي وقوله أيضا: وكم من قتيل لا يباء به دم ... ومن غلق رهنا إذا ضمّه منى

стр. 2048

ومن مالىء عينيه من شيء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى أراد أيها الإنسان القاتل وكم من إنسان قتيل. وقول الخنساء: ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار وغير صالح صفة لعمل والجملة تعليل لانتفاء كونه من أهله الناجين. (فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) الفاء الفصيحة ولا ناهية وتسأل فعل مضارع مجزوم بلا والنون للوقاية وياء المتكلم المحذوفة للتخفيف مفعول به وما مفعول به ثان وجملة ليس صلة واسم ليس علم ولك خبرها المقدم وبه جار ومجرور متعلقان بعلم. (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ) إن واسمها وجملة أعظك خبرها وان وما في حيزها في محل نصب بنزع الخافض أي أخوفك من أن تكون، والجار والمجرور متعلقان بأعظك واسم تكون مستتر تقديره أنت ومن الجاهلين خبر تكون وسيأتي في باب الفوائد معنى تسمية سؤال نوح جهلا (قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ) إن واسمها وجملة أعوذ خبرها وبك متعلقان بأعوذ وأن وما في حيزها منصوب بنزع الخافض وما ليس لي به علم تقدم إعرابها. (وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ) الواو عاطفة وإن شرطية ولا نافية وتغفر فعل الشرط ولي جار ومجرور متعلقان به وترحمني عطف على تغفر وأكن جواب الشرط واسمها مستتر تقديره أنا ومن الخاسرين خبرها. (قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ) اهبط فعل أمر وبسلام جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل اهبط أي متلبسا بسلام ومنّا صفة لسلام أو بنفس سلام وبركات عطف على سلام وعليك صفة. (وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ)

стр. 2049

وعلى أمم عطف على عليك وممن صفة لأمم ومعك ظرف مكان صلة الموصول. (وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ) الواو استئنافية وأمم مبتدأ وساغ الابتداء به لأنه موصوف تقديره أي وأمم ممن معك وجملة سنمتعهم خبرها أو تجعل سنمتعهم صفة والمحذوف هو الخبر وإنما حذف لأن قوله ممن معك يدل عليه، ثم حرف عطف للتراخي ويمسهم فعل مضارع ومفعول به ومنا حال لأنه كان صفة لعذاب وعذاب فاعل وأليم صفة ثانية. (تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ) تلك مبتدأ ومن أنباء الغيب خبر أول وجملة نوحيها إليك خبر ثان وإن شئت كان في موضع الحال أي تلك كائنة من أنباء الغيب موحاة إليك. (ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا) خبر ثالث وهذا أولى الأعاريب وكان واسمها وجملة تعلمها خبر كنت و «ها» مفعول به وأنت تأكيد لفاعل تعلمها المستتر ولا قومك عطف على أنت ومن قبل هذا حال من الهاء في نوحيها أو الكاف في إليك أي جاهلا أنت وقومك بها. (فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) الفاء الفصيحة أي ان عرفت هذه القصة ومنطوياتها وما آلت إليه حادثة الطوفان فاصبر وجملة إن العاقبة للمتقين من إن واسمها وخبرها تعليلية وهذا هو المقصود من قصة نوح والقصص التي ستتلوها. الفوائد: للمفسرين كلام طويل في هذه الآية وتعليل وصف سؤال نوح بالجهل وهو يدل على عدم العصمة حتى لقد ذهب الزمخشري الى أن نوحا ﵇ صدر عنه ما يوجب نسبة الجهل اليه ومعاتبته على ذلك ويطول بنا القول إن أردنا أن ننقل ما أوردوه أو نلخصه على الأقل وأقرب ما يقال في ذلك انه لما صدر الوعد الى نوح بنجاة أهله إلا من

стр. 2050

سبق عليه القول منهم ولم يكن كاشفا لحال ابنه المذكور ولا مطلعا على دخيلة نفسه وحقيقة أمره بل معتقدا بظاهر الحال أنه مؤمن بقي على التمسك بصيغة العموم للأهلية الثابتة ولم يعارضها يقين في كفر ابنه حتى يخرج من الأهل ويدخل في المستثنين فسأل الله فيه بناء على ذلك فتبين له أنه في علمه من المستثنين وانه هو لا علم له بذلك فلذلك سأل فيه وهذا بأن يكون ابانة عذر أولى منه أن يكون عتبا وأما قوله: «إني أعظك أن تكون من الجاهلين» فالمراد منه النهي عن وقوع السؤال في المستقبل بعد أن أعلمه الله باطن أمره وأنه إن وقع في المستقبل السؤال كان من الجاهلين والغرض من ذلك تقديم ما يبقيه على سمة العصمة، والموعظة لا تستدعي وقوع ذنب وقد أشفق نوح من اقدامه على سؤال ربه فيما لم يؤذن له فخاف من ذلك الهلاك فلجأ الى ربه وخشع له ودعاه وسأله المغفرة والرحمة لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين. [سورة هود (١١) : الآيات ٥٠ الى ٦٠] وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (٥٠) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)

стр. 2051

اللغة: (فَطَرَنِي) : فطر الله الخلق وهو فاطر السموات مبتدعها وافتطر

стр. 2052

الأمر ابتدعه «وكل مولود يولد على الفطرة» أي على الجبلة وقد فطر هذه البئر وفطر الله الشجر بالورق فانفطر به وتفطّر، وتفطّرت الأرض بالنبات، وتفطرت اليد والثوب: تشققت وفطر ناب البعير: طلع وفطرت المرأة العجين، وهذا كلام يفطر الصوم أي يفسده. (مِدْراراً) : المدرار: الكثير الدرور كالمغزار ولم يؤنثه وإن كان من مؤنث لثلاثة أسباب أحدها أن المراد بالسماء السحاب أو المطر فذكر على المعنى والثاني أن مفعالا للمبالغة فيستوي فيه المذكر والمؤنث كصبور وشكور والثالث أن الهاء حذفت من مفعال على طريق النسب وفي القاموس: درت السماء بالمطر درا ودرورا فهي مدرار. (الناصية) : منبت الشعر من مقدّم الرأس ويسمى الشعر النابت أيضا ناصية باسم محله ونصوت الرجل أخذت بناصيته فلامها واو ويقال له ناصاة فقلبت ياؤها ألفا فالأخذ بالناصية عبارة عن الغلبة والقهر وإن لم يكن ثمة أخذ بناصيته ولذا كانوا إذا منّوا على أسير جزوا ناصيته. الإعراب: (وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً) عطف على قصة نوح والمعطوف محذوف أي وأرسلنا الى عاد فيكون من عطف الجمل لا من عطف المفردات لطول الفصل وعاد اسم قبيلة وصرفها لأنه أراد الحي ولو أراد القبيلة لم تصرف وأخاهم مفعول لأرسلنا المحذوفة وأراد إخوتهم في النسب وهودا بدل أو عطف بيان وسيرد في باب الفوائد الفرق الدقيق بين البدل وعطف البيان. (قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ)

стр. 2053

اعبدوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به وما نافية ولكم خبر مقدم ومن حرف جر زائد وإله مجرور لفظا مرفوع محلا لأنه مبتدأ مؤخر وغيره صفة لإله على المحل ويجوز الجر صفة على اللفظ وقد قرىء بها. (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ) إن نافية وأنتم مبتدأ وإلا أداة حصر ومفترون خبر أنتم (يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً) لا نافية وأسألكم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به أول وعليه حال وأجرا مفعول به ثان. (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ) إن نافية وأجري مبتدأ وإلا أداة حصر وعلى الذي خبر وجملة فطرني صلة والهمزة للاستفهام والفاء حرف عطف وقد تقدم بحث هذا التركيب وتعقلون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل. (وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً) استغفروا ربكم فعل أمر وفاعل ومفعول به، ثم توبوا اليه عطف على استغفروا، ويرسل فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب والسماء مفعول به وعليكم جار ومجرور متعلقان بمدرارا ومدرارا حال من السماء وقد تقدم ذكر السبب في عدم تأنيثها. (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) ويزدكم عطف على يرسل والكاف مفعول به أول وقوة مفعول به ثان وإلى قوتكم صفة والى بمعنى مع ولا تتولوا لا ناهية وتتولوا مجزوم بلا ومجرمين حال من الواو. (قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ) يا حرف نداء وهود منادى مفرد علم مبني على الضم وما نافية وجئتنا فعل وفاعل ومفعول به وببينة جار ومجرور متعلقان بجئتنا فتكون الباء للتعدية ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنها حال أي مستقرا أو متلبسا ببينة. (وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ) الواو عاطفة وما حجازية ونحن اسمها والباء حرف جر زائد وتاركي مجرور لفظا منصوب محلا على

стр. 2054

أنه خبر ما وعن قولك حال من الضمير في تاركي كأنه قال وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك ويجوز أن تكون عن للتعليل والمعنى وما نحن بتاركي آلهتنا لقولك فيتعلق بنفس تاركي. (وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) الواو عاطفة وما حجازية نحن اسمها ولك متعلقان بمؤمنين والباء حرف جر زائد ومؤمنين مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما. (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ) إن نافية ونقول فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وإلا أداة حصر وجملة اعتراك معمول لنقول أي منصوبة بمصدر محذوف، وذلك المصدر منصوب بنقول أي: إلا قولنا اعتراك، والكاف مفعول به وبعض آلهتنا فاعل وبسوء جار ومجرور متعلقان باعتراك والمعنى ما نقول إلا قولنا اعتراك بعض آلهتنا بسوء وسيأتي مزيد بحث عن هذه الفائدة في باب الفوائد. (قالَ: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) إن واسمها وقد كسرت همزتها بعد القول وجملة أشهد خبرها واشهدوا فعل أمر وأن المفتوحة الهمزة وما في حيزها معمول لاشهدوا أو لأشهد الله، على أن المسألة من باب التنازع وسيأتي بحث التنازع في باب الفوائد، وان واسمها وخبرها ومما متعلقان ببريء وجملة تشركون صلة ويجوز أن تكون ما مصدرية أي من اشراككم. (مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) من دونه حال، فكيدوني الفاء الفصيحة وكيدوني فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والنون للوقاية والياء المحذوفة للتخفيف مفعول به وجميعا حال ثم حرف عطف ولا ناهية وتنظرون فعل مضارع مجزوم بلا والياء المحذوفة للتخفيف مفعول به. (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ) اني: ان واسمها وجملة توكلت خبرها وعلى الله جار ومجرور متعلقان بتوكلت وربي بدل أو صفة وربكم عطف على ربي.

стр. 2055

(ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها) ما نافية ومن حرف جر زائد ودابة مبتدأ وساغ الابتداء بالنكرة لسبقها بالنفي وإلا أداة حصر وهو مبتدأ وآخذ خبر وبناصيتها جار ومجرور متعلقان بآخذ. (إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) إن واسمها وعلى صراط خبرها ومستقيم صفة. (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ) الفاء عاطفة وإن شرطية وتولوا فعل مضارع حذفت فيه إحدى التاءين والأصل تتولوا وهو فعل الشرط مجزوم بحذف النون والواو فاعل والفاء رابطة وقد حرف تحقيق وأبلغتم فعل وفاعل ومفعول به وما مفعول به ثان وجملة أرسلت صلة وبه متعلقان بأرسلت وإليكم حال. (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً) كلام مستأنف ولذلك رفعه ولم ينسقه على الجواب على أنه قرىء بالجزم أيضا على الموضع وهو صحيح لا غبار عليه وربي فاعل وقوما مفعول به وغيركم صفة لقوما ولا تضرونه عطف على يستخلف وشيئا مفعول مطلق أي شيئا من الضرر. (إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) إن واسمها وعلى كل شيء متعلقان بحفيظ وحفيظ خبر إن. (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا) لما ظرفية حينية متعلقة بنجينا أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل ونجينا هودا فعل وفاعل ومفعول به والذين عطف على هود وجملة آمنوا صلة ومعه ظرف مكان متعلق بآمنوا وبرحمة متعلقان بنجينا ومنا صفة لرحمة. (وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ) ونجيناهم فعل وفاعل ومفعول به ومن عذاب جار ومجرور متعلقان بنجيناهم وغليظ صفة لعذاب. (وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة سيقت لتلخيص القبائح التي ارتكبها قوم عاد وتلك مبتدأ وعاد بدل أو عطف بيان وجملة جحدوا خبر تلك ولك أن تجعل تلك عاد مبتدأ وخبرا ثم تستأنف، وبآيات متعلقان بجحدوا وربهم مضاف

стр. 2056

وعصوا رسله فعل وفاعل ومفعول به. (وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) واتبعوا عطف على جحدوا وأمر مفعول به وكل مضاف إليه وجبار مضاف لكل وعنيد صفة لجبار. (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ) واتبعوا عطف على ما تقدم وهو فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل وفي هذه الدنيا متعلقان بأتبعوا والدنيا بدل من اسم الاشارة ولعنة مفعول به ثان ويوم القيامة ظرف متعلق بفعل محذوف تقديره اتبعوا، وأجاز الفارسي أن يكون يوم القيامة عطفا على محل هذه لأن قوله في هذه جار ومجرور متعلقان بأتبعوا فهو عامل في محل النصب ولا مانع من عطف الزمان على الدنيا لأنها ظرف مكان فاشتركا في الظرفية. (أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ) ألا أداة تنبيه وان واسمها وكفروا فعل وفاعل وربهم منصوب بنزع الخافض ولك أن تنصبه على المفعولية بتضمين كفروا معنى جحدوا. (أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ) ألا أداة تنبيه تأكيد للأولى وبعدا تقدم اعرابها وتقدم معنى اللام وتعليقها مفصلا في موضع قريب فجدد به عهدا، وقوم بدل أو عطف وهود مضاف إليه. البلاغة: في قوله تعالى: «قال إني أشهد الله واشهدوا اني بريء مما تشركون» فإنه إنما قال: أشهد الله واشهدوا، ولم يقل وأشهدكم ليكون موازنا له وبمعناه لأن إشهاده الله على البراءة من الشرك صحيح ثابت وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم ودلالة على قلة المبالاة بهم ولذلك عدل به عن لفظ الأول لاختلاف ما بينهما وجيء به على لفظ الأمر كقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه اشهد عليّ اني لا أحبك تهكما

стр. 2057

به واستهانة بحاله، هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن صيغة الخبر لا تحتمل سوى الاخبار بوقوع الاشهاد منه فلما كان اشهاده لله واقعا ومحققا عبر عنه بصيغة الخبر لأنه إشهاد صحيح وثابت وعبر في جانبهم بصيغة الأمر التي تتضمن الاستهانة بدينهم وهو مراده في هذا المقام ومن جهة ثالثة إنما عدل الى صيغة الأمر عن صيغة الخبر للتمييز بين خطابه لله تعالى وخطابه لهم بأن يعبر عن خطاب الله تعالى بصيغة الخبر التي هي أجل وأشرف وأوقر للمخاطب من صيغة الأمر. الفوائد: ١- الفرق بين عطف البيان والبدل: أوجه الشبه بينهما: أوجه الشبه بين عطف البيان والبدل أربعة وهي: ١- ان فيه بيانا كما في البدل للثاني. ٢- انه يكون بالأسماء الجوامد كالبدل. ٣- انه يكون لفظه لفظ الاول على جهة التأكيد. ٤- كلاهما تابع. أوجه المفارقة بينهما: أما أوجه المفارقة بينهما فهي: ١- ان البدل يكون هو المقصود بالحكم دون المبدل منه وأما

стр. 2058

عطف البيان فليس هو المقصود بل ان المقصود بالحكم هو المتبوع وإنما جيء بعطف البيان توضيحا له وكشفا عن المراد منه. ٢- كل ما جاز أن يكون عطف بيان جاز أن يكون بدل الكل من الكل إذا لم يمكن الاستغناء عنه أو عن متبوعه فيجب حينئذ أن يكون عطف بيان فمثال عدم جواز الاستغناء عن التابع قولك: فاطمة جاء حسين أخوها، لأنك لو حذفت «أخوها» من الكلام لفسد التركيب. ٣- ان عطف البيان يجري على ما قلبه في تعريفه وليس كذلك البدل لأنه يجوز أن تبدل النكرة من المعرفة والمعرفة من النكرة ولا يجوز ذلك في عطف البيان. ٤- ان البدل يكون بالمظهر والمضمر وكذلك المبدل منه ولا يجوز ذلك في عطف البيان وان البدل قد يكون غير الاول كقولك: سلب زيد ثوبه، وعطف البيان لا يكون غير الاول. ٢- الفائدة الثانية: «إن نقول إلا اعتراك» إن حرف نفي لحقت نقول فنفت جميع القول إلا قولا واحدا وهو قولهم اعتراك بعض آلهتنا بسوء والتقدير ما نقول قولا إلا هذه المقالة والفعل يدل على المصدر وعلى الظرف وعلى الحال ويجوز أن يذكر الفعل ثم يستثنى من مدلوله ما دلّ عليه من المصادر والظروف والأحوال فنقول اعتراك مستثنى من المصدر الذي دل عليه، نقول كقوله تعالى «فما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى» فنصب

стр. 2059

موتتنا على الاستثناء لأنه مستثنى من ضروب الموت الذي دل عليه قوله بميتين ومما جاء من ذلك في الظروف قوله «ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار» فساعة استثناء مما دل عليه لم يلبثوا من لأوقات، ومما جاء من ذلك في الحال قوله «ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله» التقدير ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال أينما ثقفوا إلا متمسكين بحبل أي بعهد من الله. ٣- الفائدة الثالثة: التنازع: هو أن يتقدم فعلان متصرفان أو اسمان يشبهانهما ويتأخر عنهما معمول وهو مطلوب لكل منهما كقوله تعالى «آتوني أفرغ عليه قطرا» ولك أن تعمل في الاسم المذكور أي العاملين شئت، فإن أعملت الثاني فلقربه وإن أعملت الأول فلسبقه فإن أعملت الاول في الظاهر أعملت الثاني في ضميره مرفوعا كان أم غيره نحو: قام وقعدوا أخواك واجتهد فأكرمتهما أخواك ووقف فسلمت عليهما أخواك وأكرمت فسرا أخويك وأكرمت فشكر لي خالدا، ومن النحاة من أجاز حذفه إن كان غير ضمير رفع كقوله: بعكاظ يعشي الناظرين إذا هم لمحوا شعاعه وإن أعملت الثاني في الظاهر أعملت الأول في ضميره إن كان مرفوعا نحو قاما وقعد أخواك واجتهدا فأكرمت أخويك ووقفا فسلمت على أخويك ومنه قول الشاعر: جفوني ولم أجف الأخلاء إنني ... لغير جميل من خليلي مهمل

стр. 2060

وإن كان ضميره غير مرفوع حذفته نحو أكرمت فسر أخواك وأكرمت فشكر لي خالد وأكرمت وأكرمني سعيد ومررت ومر بي علي. وهناك أحكام أخرى للتنازع يرجع إليها في كتب النحو المطولة. [سورة هود (١١) : الآيات ٦١ الى ٦٨] وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨)

стр. 2061

اللغة: (وَاسْتَعْمَرَكُمْ) عمركم وأسكنكم فالسين والتاء زائدتان، أو صيركم عامرين لها فهما للصيرورة ولهذه المادة في اللغة شعاب واسعة نعرضهما فيما يلي: عمر يعمر من باب دخل عمرا المنزل بأهله كان مسكونا وعمر المنزل سكنه فهو معمور وعمر الدار بناها والاسم العمارة وعمر بالمكان أقام وعمره الله أبقاه، وعمر يعمر من بابي دخل وضرب عمورا وعمارة وعمرانا الرجل بيته لزمه وعمرته كذا جعلته له طول عمره أو عمري واستعمره في المكان جعله يعمره واستعمر الله عباده في الأرض أي طلب منهم العمارة فيها ولكن الكلمة تحولت في العصر الحديث الى معنى الاستعمار المشئوم الذي يسير في طريقه الى الزوال، والمستعمرات ما تمتلكه دولة من الدول في بلاد غير بلادها فهي مولدة ولكنها صارت من الكلمات الدراجة التي تعبر عن معنى شائع فلا بأس باقرارها، أما العمر بفتح العين فهو الحياة والدين، وفي القسم يقال: لعمري ولعمر الله وهو مبتدأ محذوف الخبر وجوبا تقديره قسمي واللام الداخلة عليه للابتداء لا للقسم لأنه لا يجوز دخول قسم على قسم وتقول عمر الله ما فعلت بالنصب على المصدرية وسيرد المزيد من هذه المادة والأعاريب المستعملة فيها ونعود الى الآية التي نحن بصددها فنقول معنى واستعمركم فيها أي أمركم بالعمارة

стр. 2062

وقد قسم الفقهاء العمارة الى واجب وندب ومباح ومكروه والتفاصيل مذكورة في المطولات، وعن معاوية بن أبي سفيان: انه أخذ في احياء الأرض في آخر أمره فقيل له ما حملك على ذلك؟ فقال: ما حملني إلا قول القائل: ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ... ولا تكون له في الأرض آثار وقيل المعنى استعمركم من العمر نحو استبقاكم من البقاء وقيل هو من العمري بمعنى أعمركم فيها دياركم ورثها منكم بعد انصرام أعماركم أو جعلكم معمرين دياركم تسكنونها مدة عمركم ثم تتركونها نغيركم. (فَعَقَرُوها) : ضربها قدار في رجليها فأوقعها فذبحوها واقتسموا لحمها وقدار هذا شقي معروف أشار إليه زهير بن أبي سلمى في معلقته عند ما وصف شؤم الحرب وما تولده من أضرار فقال: فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتتئم أراد فتلد الحرب لكم أبناء من خلالها كل واحد منهم يضاهي في الشؤم أحمر عاد وهو عاقر الناقة واسمه قدار بن سالف وأراد أحمر ثمود ولكنه أطلق عليه الاسم الشائع على عاد الثانية وهم قوم ثمود فلا معنى لمن قال أن زهيرا غلط. (جاثِمِينَ) : في المصباح جثم الطائر والأرنب يجثم من باب ضرب جنوما وهو كالبروك من البعير والفاعل جاثم وجثّام مبالغة. (لَمْ يَغْنَوْا) : لم يقيموا وفي المختار وغني بالمكان أقام به.

стр. 2063

الإعراب: (وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) ثم عطف سبحانه على ذلك قصة صالح وهي القصة الثالثة من من قصص السورة وقد تقدم اعراب هذه الكلمات بنصها في قصة هود. (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) هو مبتدأ وجملة أنشأكم خبر ومن الأرض جار ومجرور متعلقان بأنشأكم واستعمركم فيها عطف على أنشأكم. (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) الفاء الفصيحة واستغفروه فعل أمر وفاعل ومفعول به ثم حرف عطف وتوبوا إليه عطف على استغفروه وان واسمها وخبراها. (قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا) قد حرف تحقيق وكان واسمها ومرجوا خبرها وفينا جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وقبل ظرف متعلق بمرجوا وهذا مضاف إليه والمراد لقد خيبت رجاءنا فيك لما كنا نتوسمه من مخايل تنبىء بالرشد. (أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) الهمزة للاستفهام الانكاري بزعمهم وتنهانا فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وأن وما في حيزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض وهما متعلقان بتنهانا وآباؤنا فاعل يعبد. (وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) الواو استئنافية وان واسمها واللام المزحلقة وفي شك خبر إننا ومما صفة لشك. وجملة تدعونا صلة ونا مفعول تدعو واليه متعلقان به ومريب صفة لشك. (قالَ: يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) أرأيتم تقدم نظيره أكثر من مرة وهي هنا معلقة عن العمل لمجيء ما له صدر الكلام بعدها وان شرطية وكنت فعل الشرط والتاء اسم كان وعلى بينة خبر كان ومن ربي صفة لبينة. (وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) وآتاني عطف على كنت والياء

стр. 2064

مفعول به أول ومنه حال ورحمة مفعول به ثان والفاء رابطة لجواب الشرط ومن اسم استفهام مبتدأ وينصرني فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به والجملة خبر وجملة فمن ينصرني جواب إن وإن الثانية شرطية وعصيته فعلها وجوابها محذوف دل عليه جواب الأولى أي فمن ينصرني والاستفهام هنا معناه النفي فكأنه قال فلا ناصر لي من الله إن عصيته وانما جاز الغاء رأيت هنا لأنها دخلت على جملة قائمة بنفسها من جهة أنها تفيد لو انفردت عن غيرها. (فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) الفاء عاطفة وما نافية وتزيدونني فعل مضارع وفاعل ومفعول به وغير مفعول ثان لتزيدونني قال أبو البقاء: الأقوى هنا أن تكون صفة لمفعول محذوف أي شيئا غير تخسير. (وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) الواو عاطفة وهذه مبتدأ وناقة الله خبر ولكم حال لأنه كان في الأصل صفة لآية وتقدمت، وآية حال من ناقة الله والعامل فيها ما دل عليه اسم الاشارة من معنى الفعل. (فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ) فذروها الفاء عاطفة وذروها فعل أمر ومفعول به وتأكل جواب الطلب ولذلك جزم وفي أرض الله متعلقان بتأكل. (وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ) ولا تمسوها عطف على ما تقدم ولا ناهية وتمسوها مجزوم بلا والواو فاعل والهاء مفعول به وبسوء متعلقان بتمسوها والفاء فاء السببية والكاف مفعول به وعذاب فاعل وقريب صفة. (فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ) فعقروها الفاء عاطفة وعقروها فعل ماض وفاعل ومفعول به، فقال عطف على عقروها وجملة تمتعوا من فعل الأمر والفاعل مقول القول وفي داركم حال وثلاثة أيام ظرف متعلق بتمتعوا. (ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) اسم الاشارة مبتدأ ووعد خبر وغير مكذوب صفته ومكذوب يجوز أن يكون مصدرا على وزن مفعول نحو المجلود والمعقول والمنشور والمغبون ويجوز أن يكون اسم مفعول

стр. 2065

على الأصل وفيه تأويلان أحدهما غير مكذوب فيه ثم حذف حرف الجر فاتصل الضمير مرفوعا مستترا في الصفة والثاني انه جعل هو نفسه غير مكذوب لأنه قد وفى به وإذا وفى به فقد صدق. (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وجاء أمرنا فعل وفاعل ونجينا صالحا فعل وفاعل ومفعول به والجملة لا محل لها والذين عطف على صالحا وجملة آمنوا صلة ومعه ظرف مكان متعلق بآمنوا. (بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) برحمة حال أي ملتبسين برحمة ومناصفة ومن خزي متعلقان بمحذوف دل عليه ما قبله أي ونجيناهم من خزي ويومئذ يوم مضاف الى خزي ويوم مضاف والظرف وهو إذ مضاف اليه ولم يفتح اليوم لاضافته الى المبني لأن المضاف منفصل من المضاف إليه ولا يلزمه الاضافة فلما لم يلزم الاضافة المضاف لم يلزم فيه البناء ويجوز فتح يوم بالبناء على الفتح لاضافة الى المبني ومن ذلك قوله تعالى «انه لحق مثل ما انكم تنطقون» فمثل في موضع رفع وقد جرى وصفا للنكرة إلا انه فتح للاضافة إلى ما وسيأتي مزيد من هذا البحث. (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) ان واسمها وهو ضمير فصل أو مبتدأ والقوي العزيز خبر ان لإن أو لهو والجملة خبر إن (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ) الواو عاطفة على المعنى وأخذ فعل ماض وحذفت منه تاء التأنيث إما لكون المؤنث وهو الصيحة مجازيا أو للفصل بالمفعول به والذين مفعول به وجملة ظلموا صلة والصيحة فاعل فأصبحوا عطف على أخذ والواو اسم أصبح وجاثمين خبرها وفي ديارهم جار ومجرور متعلقان بجاثمين. (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها) كأن مخففة من الثقيلة واسمها أي كأنهم، وجملة لم يغنوا خبرها وفيها متعلقان بيغنوا. (أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ) تقدم إعراب نظيره بحروفه.

стр. 2066

الفوائد: للأفعال التي تنصب مفعولين ثلاثة أحكام (وهي أفعال القلوب) : ١- الإعمال: وهو الأصل فيها وهو نصب مفعولين. ٢- الإلغاء: وهو إبطال العمل لفظا ومحلا لضعف العامل بتوسطه بين المبتدأ والخبر أو تأخره عنهما فلتوسط كزيد ظننت قائم والتأخر نحو زيد قائم ظننت. قال منازل بن ربيعة المنقري: أبالأراجيز يا ابن اللؤم توعدني ... وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور فوسط خلت بين المبتدأ المؤخر وهو اللؤم والخبر المقدم وهو في الأراجيز. وقال أبو سيده الدبيري: وإن لنا شيخين لا ينفعاننا ... غنيين لا يجري علينا غناهما هما سيدانا يزعمان وإنما ... يسوداننا إن أيسرت غنماهما وإلغاء العامل المتأخر أقوى من إعماله والعامل المتوسط بالعكس فالإعمال فيه أقوى من إهماله. ٣- التعليق: وهو ابطال العمل لفظا لا محلا لمجيء ما له صدر الكلام بعده وهو:

стр. 2067

لام الابتداء نحو «لقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من حلاق» فمن مبتدأ وهو موصول اسمي وجملة اشتراه صلة من وعائدها فاعل اشتراه المستتر فيه وما نافية وله وفي الآخرة متعلقان بالاستقرار خبر خلاق ومن زائدة وجملة ما له في الآخرة من خلاق خبر من والرابط بينهما الضمير المجرور باللام وجملة من وخبره في محل نصب معلق عنها العامل بلام الابتداء لأن لها الصدر فلا يتخطاها عامل. ولام القسم كقول لبيد: ولقد علمت لتأتينّ منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها فاللام في لتأتين لام جواب القسم، والقسم وجوابه في محل نصب معلق عنها العامل بلام القسم. وما النافية نحو «لقد علمت ما هؤلاء ينطقون» فما نافية وهؤلاء مبتدأ وينطقون خبره والجملة الاسمية في موضع نصب بعلمت وهي معلق عنها العامل في اللفظ بما النافية. ولا وإن النافيتان الواقعتان في جواب قسم ملفوظ به أو مقدر فالقسم الملفوظ نحو: علمت والله لا زيد في ولا عمرو وعلمت والله إن زيد قائم. والاستفهام وله صورتان: آ- أن يعترض حرف الاستفهام بين العامل والجملة بعده نحو «وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون» فقريب مبتدأ وأم بعيد معطوف عليه وما اسم موصول في محل رفع خبر المبتدأ وما عطف عليه وجملة توعدون صلة الموصول والعائد محذوف وجملة المبتدأ وخبره في موضع نصب بأدري المعلق بالهمزة.

стр. 2068

ب- أن يكون في الجملة اسم استفهام عمدة كان نحو «لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا» فأي اسم استفهام مبتدأ وأحصى خبره وهو فعل ماض وقيل اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزوائد وجملة المبتدأ والخبر معلق عنها نعلم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ولا فرق في العمدة بين المبتدأ كما مر والخبر نحو علمت متى السفر والمضاف إليه نحو علمت أبو من زيد أو الخبر نحو علمت صبيحة أي يوم سفرك أو فضلة نحو «سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» فأي منقلب مفعول مطلق منصوب بينقلبون مقدم من تأخير والأصل ينقلبون أي انقلاب وليست أي مفعولا به ليعلم كما قد يتوهم لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله وجملة ينقلبون معلق عنها العامل فهي في محل نصب. تنبيه هام: إنما يعطف على محل الجملة المعلق عنها العامل مفرد فيه معنى الجملة فنقول علمت لزيد قائم وغير ذلك من أموره ولا تقول علمت لزيد قائم وعمرو لأن مطلوب هذه الأفعال إنما هو مضمون الجمل فإن كان في الكلام مفرد يؤدي معنى الجملة صح أن تتعلق به وإلا فلا. قال كثير عزة: وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت

стр. 2069

فعطف موجعات بالنصب بالكسرة على محل ما البكا الذي علق عن العمل فيه قوله أدري وأبحاث الإلغاء والتعليق تضيق عن استيعابها هذه الفوائد فحسبنا ما ذكرناه ومن شاء المزيد فليرجع الى المطولات. [سورة هود (١١) : الآيات ٦٩ الى ٧٦] وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)

стр. 2070

اللغة: (العجل) : ولد البقرة ويسمى الحسيل والخبش بلغة أهل السراة ويجمع على عجول وعجلة وعجال وعجاجيل قيل: سمي بذلك لتعجيل أمره بقرب ميلاده. (حَنِيذٍ) : المشوي على الحجارة المحماة في حفرة من الأرض وهو من فعل أهل البادية وكان سمينا يسيل منه الودك وكان عامة مال ابراهيم البقر وفي المختار حنذ الشاة شواها وجعل فوقها حجارة محماة لينضجها فهي حنيذ وبابه ضرب. (نَكِرَهُمْ) : في المختار: نكره بالكسر نكرا بضم النون وأنكره كله بمعنى، وعبارة الأساس: «أنكر الشيء ونكره واستنكره وقيل نكر أبلغ من أنكر وقيل: نكر بالقلب وأنكر بالعين. قال الأعشى: وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا وفيهم العرف والنّكر، والمعروف والمنكر، وشتم فلان فما كان عنده نكير، وهم يركبون المنكرات والمناكير، وهو من مناكير قوم لوط» . (أَوْجَسَ) : الإيجاس: الاحساس وحديث النفس وأصله من الدخول كأن الخوف داخله والوجيس ما يعتري النفس أو ان الفزع ووجس في نفسه كذا أي: خطر بها يجس وجسا ووجوسا ووجيسا.
следующие страницы →