← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21640

الفتاوى العالمكيرية = الفتاوى الهندية

محمد أورنك عالم كير

Полный текст (3 205 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

بَيِّنَتَهُ وَلَا يَدْخُلُ مَعَ الْأَوَّلِ قَالَ فِي الْكِتَابِ: وَلَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ الثَّانِيَ حِينَ قَضَى بِالْمِيرَاثِ لِلثَّانِي قَالَ الْأَوَّلُ: أَنَا أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عِنْدَك أَنِّي أَبُو الْمَيِّتِ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَإِنْ أَقَامَ الْأَوَّلُ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ قَضَى بِأُبُوَّتِهِ جَعَلَ الْقَاضِي الثَّانِي الْمِيرَاثَ لِلْأَوَّلِ. وَلَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يَقْضِ بِأُبُوَّةِ الثَّانِي حَتَّى أَقَامَ الْأَوَّلُ بَيِّنَةً عَلَى أُبُوَّتِهِ قَضَى الْقَاضِي بِالْمِيرَاثِ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الدَّعْوَى وَالْحُجَّةِ وَالْجَوَابُ فِي وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ كَالْجَوَابِ فِي الْأُبُوَّةِ بِأَنْ ادَّعَى الْأَوَّلُ أَنَّهُ مَوْلَى الْمَيِّتِ أَعْتَقَهُ وَأَنَّ الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ إنَّمَا قَضَى بِالْمِيرَاثِ لِذَلِكَ وَادَّعَى الثَّانِي أَنَّهُ مَوْلَى الْمَيِّتِ أَعْتَقَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ مُعْتَقًا مِنْ الِاثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْكَمَالِ كَمَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ ابْنًا لِلِاثْنَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْكَمَالِ فَصَارَ الْوَلَاءُ كَالنَّسَبِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَإِنْ سَبَقَ الْحُكْمُ لِأَحَدِهِمَا بِالْمِيرَاثِ بِسَبَبِ الْوَلَاءِ فَهُوَ أَوْلَى، وَإِنْ اجْتَمَعَا قَضَى بَيْنَهُمَا عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا وَإِنْ زَعَمَ الْأَوَّلُ أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ وَأَنَّ الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ قَضَى بِالْمِيرَاثِ لِذَلِكَ، وَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً بِمِثْلِهِ اشْتَرَكَا فِي الْمِيرَاثِ وَإِنْ سَبَقَ الْحُكْمُ لِأَحَدِهِمَا وَإِنْ زَعَمَ الْأَوَّلُ أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ وَأَقَامَتْ امْرَأَةٌ بَيِّنَةً أَنَّهَا بِنْتُ الْمَيِّتِ فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا وَإِنْ تَقَدَّمَ الْحُكْمُ لِلْأَوَّلِ. وَلَوْ ادَّعَى الْأَوَّلُ أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ أَوْ أَبُوهُ وَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَخُو الْمَيِّتِ لَا شَيْءَ لِلثَّانِي وَلَوْ كَانَ الْمَقْضِيُّ لَهُ امْرَأَةً زَعَمَتْ أَنَّهَا زَوْجَةُ الْمَيِّتِ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَخُو الْمَيِّتِ أَخَذَ مِنْهَا مَا زَادَ عَلَى الرُّبْعِ، وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ أَخَذَ مِنْهَا مَا زَادَ عَلَى الثُّمُنِ وَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ إذَا قَضَى بِوِرَاثَةِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُبَيِّنْ سَبَبَ الْوِرَاثَةِ وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً عِنْدَ الْقَاضِي الثَّانِي عَلَى نَسَبِهِ عَنْ الْمَيِّتِ يَسْأَلُ الْقَاضِي الثَّانِي الْأَوَّلَ عَنْ نَسَبِهِ إنْ ذَكَرَ نَسَبًا لَا يَرِثُ مَعَ الثَّانِي فَالْمِيرَاثُ كُلُّهُ لِلثَّانِي. وَإِنْ ذَكَرَ نَسَبًا لَا يَرِثُ الثَّانِي مَعَهُ فَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي، وَإِنْ ذَكَرَ نَسَبًا يَرِثُ الثَّانِي مَعَهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْمَقْضِيُّ لَهُ الْأَوَّلُ مَعْتُوهًا أَوْ صَغِيرًا لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَأَقَامَ بَعْضُ مَا ذَكَرْنَا بَيِّنَةً أَنَّهُ وَارِثُهُ وَبَيَّنَ نَسَبَهُ عَنْ الْمَيِّتِ فَإِنْ كَانَ الثَّانِي مِمَّنْ يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِحَالٍ نَحْوِ الْأَخِ وَالْعَمِّ جَعَلَهُ الْقَاضِي سَاقِطًا بِالْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَجْعَلُ لِلْأَوَّلِ أَفْضَلَ الْأَشْيَاءِ وَيَقْضِي لِلثَّانِي بِأَقَلَّ مَا يَكُونُ بَيَانُهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْأَوَّلُ ذَكَرًا يَجْعَلُ ابْنَ الْمَيِّتِ حَتَّى لَوْ كَانَ الثَّانِي أَبًا يُعْطِي لَهُ السُّدُسَ لِكَوْنِهِ أَقَلَّ. وَلَوْ كَانَ الثَّانِي زَوْجَةَ الْمَيِّتِ يُعْطِي لَهَا الثُّمُنَ لِكَوْنِهِ أَقَلَّ قَالَ: وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً أَقَامَتْ بَيِّنَةً أَنَّ قَاضِيَ بَلَدِ كَذَا قَضَى بِأَنَّهَا وَارِثَةُ هَذَا الْمَيِّتِ، وَجَعَلَ كُلَّ الْمِيرَاثِ لَهَا نَفَّذَ الْقَاضِي الثَّانِي ذَلِكَ كَمَا يُنَفِّذُ لِلرَّجُلِ فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّهُ ابْنُ الْمَيِّتِ أَوْ أَبُوهُ، أَوْ أَقَامَتْ امْرَأَةٌ بَيِّنَةً أَنَّهَا زَوْجَتُهُ سَأَلَ الْقَاضِي الثَّانِي الْمَرْأَةَ الْأُولَى عَنْ سَبَبِ الْقَضَاءِ لَهَا فَإِنْ زَعَمَتْ أَنَّهَا بِنْتُ الْمَيِّتِ عَامَلَ مَعَهَا بِزَعْمِهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ الْأُولَى صَغِيرَةً لَا تُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهَا أَوْ كَانَتْ مَعْتُوهَةً جَعَلَ الْقَاضِي لَهَا أَكْثَرَ مَا يَكُونُ لَهَا، وَجَعَلَ لِهَؤُلَاءِ أَقَلَّ مَا يَكُونُ لَهُمْ مَعَ الْمَرْأَةِ الْأُولَى حَتَّى لَا يَنْفُذَ الْقَضَاءُ الْأَوَّلُ إلَّا فِي الْقَدْرِ الْمُتَيَقَّنِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى وَرَثَةِ رَجُلٍ دَيْنًا

стр. 1472

عَلَى الْمَيِّتِ وَقَالَ: إنَّ أَبَا هَذَا قَدْ مَاتَ وَلِي عَلَيْهِ كَذَا وَقَدْ أَقَرَّ بِذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ طَائِعًا وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُوفِيَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَخَلَّفَ مِنْ التَّرِكَةِ فِي يَدِ هَؤُلَاءِ مَا يَفِي بِالدَّيْنِ الْمُدَّعَى بِهِ وَزِيَادَةً وَلَمْ يُبَيِّنْ أَعْيَانَ التَّرِكَةِ فَالْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى أَنْ لَا يُشْتَرَطَ بَيَانُ أَعْيَانِ التَّرِكَةِ لِإِثْبَاتِ الدَّيْنِ، وَلَكِنْ إنَّمَا يَأْمُرُ الْقَاضِي الْوَارِثَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ إذَا ثَبَتَ وُصُولُ التَّرِكَةِ إلَيْهِمْ وَعِنْدَ إنْكَارِهِمْ وُصُولَ التَّرِكَةِ إلَيْهِمْ لَا يُمْكِنُ الْمُدَّعِي إثْبَاتُهُ إلَّا بَعْدَ بَيَانِ أَعْيَانِ التَّرِكَةِ فِي أَيْدِيهِمْ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِعْلَامُ. رَجُلٌ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ وَقَالَ فِي دَعْوَاهُ: هَذِهِ الدَّارُ كَانَتْ لِأَبِي فُلَانٍ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لِي وَلِأُخْتِي فُلَانَةَ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُنَا وَتَرَكَ مَعَ هَذِهِ الدَّارِ ثِيَابًا أَوْ دَوَابَّ فَقَسَمْنَا الْمِيرَاثَ، وَوَقَعَتْ هَذِهِ الدَّارُ فِي نَصِيبِي بِالْقِسْمَةِ وَالْيَوْمَ جَمِيعُ هَذِهِ الدَّارِ مِلْكِي بِهَذَا السَّبَبِ وَفِي يَدِ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَدَعْوَاهُ صَحِيحَةٌ وَلَكِنْ لَا بُدَّ وَأَنْ يَقُولَ: أَخَذَتْ أُخْتِي نَصِيبَهَا مِنْ تِلْكَ الْأَمْوَالِ حَتَّى يَصِحَّ مِنْهُ مُطَالَبَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِتَسْلِيمِ كُلِّ الدَّارِ إلَيْهِ وَلَوْ قَالَ فِي دَعْوَاهُ: فَمَاتَ أَبِي وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لِي وَأُخْتِي، ثُمَّ أَقَرَّتْ أُخْتِي بِجَمِيعِهَا لِي وَصَدَّقْتهَا فِي ذَلِكَ فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْمَعُ دَعْوَاهُ فِي الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ دَعْوَى الْمِلْكِ فِي الثُّلُثِ بِسَبَبِ الْإِقْرَارِ وَدَعْوَى الْمِلْكِ بِسَبَبِ الْإِقْرَارِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَعَلَيْهِ فَتْوَى عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ وَمَنْ لَهُ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ إذَا أَرَادَ إثْبَاتَهُ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِالْأَدَاءِ فِي الْحَالِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إذَا أَرَادَتْ إثْبَاتَ بَقِيَّةِ مَهْرِهَا عَلَى الزَّوْجِ فَلَهَا ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِهِ فِي الْحَالِ. سُئِلَ الْقَاضِي الْإِمَامُ شَمْسُ الْإِسْلَامِ الْأُوزْجَنْدِيُّ عَمَّنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ عَيْنًا فِي يَدِهِ، وَقَالَ: كَانَتْ هَذِهِ مِلْكَ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لِي وَلِفُلَانٍ وَفُلَانٍ سَمَّى عَدَدَ الْوَرَثَةِ وَلَمْ يُبَيِّنْ حِصَّةَ نَفْسِهِ قَالَ: تَصِحُّ مِنْهُ هَذِهِ الدَّعْوَى، وَإِذَا أَقَامَ عَلَى دَعْوَاهُ الْبَيِّنَةَ فَالْقَاضِي يَسْمَعُ، وَلَكِنْ إذَا آلَ الْأَمْرُ إلَى الْمُطَالَبَةِ بِالتَّسْلِيمِ لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ حِصَّتَهُ، وَلَوْ كَانَ بَيَّنَ حِصَّتَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ عَدَدَ الْوَرَثَةِ بِأَنْ قَالَ: مَاتَ أَبِي وَتَرَكَ هَذِهِ الْعَيْنَ مِيرَاثًا لِي وَلِجَمَاعَةٍ سِوَايَ وَحِصَّتِي مِنْهُ كَذَا وَطَالَبَهُ بِتَسْلِيمِ ذَلِكَ قَالَ: لَا تَصِحُّ مِنْهُ هَذِهِ الدَّعْوَى وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ عَدَدِ الْوَرَثَةِ لِجَوَازِ أَنَّهُ لَوْ بَيَّنَ كَانَ نَصِيبُهُ أَنْقَصَ. رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّ لَهُ عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ دَيْنًا وَأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَهَا إلَيْهِ، وَأَنَّ فِي يَدَيْك أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِهِ وَطَالَبَهُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ فَالْقَاضِي لَا يَسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَإِذَا لَمْ يَسْمَعْ دَعْوَاهُ لَا يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. مَاتَ نَصْرَانِيٌّ فَجَاءَتْ امْرَأَتُهُ مُسْلِمَةً فَقَالَتْ: أَسْلَمْت بَعْدَ مَوْتِهِ وَلِي الْمِيرَاثُ، وَقَالَتْ وَرَثَتُهُ: أَسْلَمَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ وَلَا مِيرَاثَ لَك فَالْقَوْلُ لِلْوَرَثَةِ. وَلَوْ مَاتَ الْمُسْلِمُ وَلَهُ امْرَأَةٌ نَصْرَانِيَّةٌ فَجَاءَتْ مُسْلِمَةً بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَالَتْ: أَسْلَمْت قَبْلَ مَوْتِهِ وَقَالَتْ الْوَرَثَةُ: أَسْلَمَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ فَالْقَوْلُ لِلْوَرَثَةِ أَيْضًا، كَذَا فِي الْكَافِي وَلَا يُحَكَّمُ الْحَالُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إلَيْهِ، أَمَّا الْوَرَثَةُ فَهُمْ الدَّافِعُونَ وَيَشْهَدُ لَهُمْ ظَاهِرُ الْحُدُوثِ أَيْضًا. وَمَنْ مَاتَ وَلَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً فَقَالَ الْمُسْتَوْدَعُ: هَذَا ابْنُ الْمَيِّتِ

стр. 1473

لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ؛ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ الْمَالَ إلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ لِرَجُلٍ أَنَّهُ وَكِيلُ الْمُودِعِ بِالْقَبْضِ أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ حَيْثُ لَا يُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِقِيَامِ حَقِّ الْمُودِعِ إذْ هُوَ حَيٌّ؛ فَيَكُونُ إقْرَارًا عَلَى مَالِ الْغَيْرِ وَلَا كَذَا بَعْدَ مَوْتِهِ بِخِلَافِ الْمَدْيُونِ إذَا أَقَرَّ بِتَوْكِيلِ غَيْرِهِ بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا فَيَكُونُ إقْرَارًا عَلَى نَفْسِهِ فَيُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ الْمُودَعُ لِآخَرَ: هَذَا ابْنُ الْمَيِّتِ أَيْضًا، وَقَالَ الْأَوَّلُ: لَيْسَ لِلْمَيِّتِ ابْنٌ غَيْرِي؛ قَضَى بِالْمَالِ لِلْأَوَّلِ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ. فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ فِي فَصْلِ الْوَدِيعَةِ إذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّسْلِيمِ، وَمَعَ هَذَا سَلَّمَ ثُمَّ أَرَادَ الِاسْتِرْدَادَ هَلْ لَهُ ذَلِكَ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الِاسْتِرْدَادَ. وَكَانَ وَالِدِي يَحْكِي عَنْ أُسْتَاذِهِ ظَهِيرِ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَتَرَدَّدُ فِي جَوَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي فَصْلِ الْوَدِيعَةِ إذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّسْلِيمِ وَلَمْ يُسَلِّمْ حَتَّى ضَاعَتْ فِي يَدِهِ هَلْ يَضْمَنُ؟ قِيلَ: لَا يَضْمَنُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ، وَإِذَا قُسِمَ الْمِيرَاثُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ أَوْ بَيْنَ الْوَرَثَةِ؛ قَالَ: لَا يَأْخُذُ مِنْ الْغَرِيمِ وَلَا مِنْ الْوَرَثَةِ كَفِيلًا وَهَذَا شَيْءٌ احْتَاطَ بِهِ بَعْضُ الْقُضَاةِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَهُوَ ظُلْمٌ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ. وَقَالَا: لَا يَأْخُذُ الْكَفِيلَ أَيْ لَا يُدْفَعُ الْمَالُ إلَيْهِمْ حَتَّى يَأْخُذَ الْكَفِيلَ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ يُدْفَعُ إلَى الْمُدَّعِي إنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ كَانَ وَارِثًا مِمَّنْ لَا يُحْجَبُ بِغَيْرِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ يُحْجَبُ بِغَيْرِهِ فَالْحُكْمُ بِخِلَافِهِ، ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي أَدَبِ الْقَاضِي لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَ: وَإِذَا حَضَرَ الرَّجُلُ وَادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا كَانَتْ لِأَبِيهِ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ فَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَى عَدَدِ الْوَرَثَةِ وَلَمْ يَعْرِفُوهُمْ لَكِنْ قَالُوا: تَرَكَهَا مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَلَا يَدْفَعُ إلَيْهِ شَيْئًا حَتَّى يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى عَدَدِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُمْ مَا لَمْ يَشْهَدُوا لَا يَصِيرُ نَصِيبُ هَذَا الْوَاحِدِ مَعْلُومًا وَالْقَضَاءُ بِغَيْرِ الْمَعْلُومِ مُتَعَذِّرٌ (وَهَهُنَا ثَلَاثَةُ فُصُولٍ) الْأَوَّلُ هَذَا، وَالثَّانِي وَهُوَ مَا إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُ ابْنُهُ وَوَارِثُهُ لَا نَعْرِفُ لَهُ وَارِثًا غَيْرُهُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِجَمِيعِ التَّرِكَةِ مِنْ غَيْرِ تَلَوُّمٍ، وَالْفَصْلُ الثَّالِثُ إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ ابْنُ فُلَانٍ مَالِكِ هَذِهِ الدَّارِ وَلَمْ يَشْهَدُوا لَهُ عَلَى عَدَدِ الْوَرَثَةِ وَلَمْ يَقُولُوا فِي شَهَادَتِهِمْ: لَا نَعْرِفُ لَهُ وَارِثًا غَيْرُهُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَتَلَوَّمُ زَمَانًا عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى فَإِنْ حَضَرَ وَارِثٌ غَيْرُهُ قَسَمَ الْمَالَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ دَفَعَ الدَّارَ إلَيْهِ وَهَلْ يَأْخُذُ كَفِيلًا بِمَا دَفَعَ إلَيْهِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: يَأْخُذُ ثُمَّ إنَّمَا يَدْفَعُ إلَى الْوَارِثِ الَّذِي حَضَرَ جَمِيعَ الْمَالِ بَعْدَ التَّلَوُّمِ إذَا كَانَ هَذَا الْوَارِثُ مِمَّنْ لَا يُحْجَبُ بِغَيْرِهِ وَلَا يَخْتَلِفُ نَصِيبُهُ، فَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يُحْجَبُ بِغَيْرِهِ وَلَكِنْ يَخْتَلِفُ نَصِيبُهُ كَالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ هَلْ يُدْفَعُ إلَيْهِ أَقَلُّ النَّصِيبَيْنِ أَوْ أَوْفَرُ النَّصِيبَيْنِ قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَوْفَرُ

стр. 1474

النَّصِيبَيْنِ وَهُوَ النِّصْفُ لِلزَّوْجِ وَالرُّبْعُ لِلْمَرْأَةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَقَلُّ النَّصِيبَيْنِ. وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُضْطَرِبٌ وَالْمَسْأَلَةُ فِيمَا إذَا ثَبَتَ الدَّيْنُ وَالْإِرْثُ بِالشَّهَادَةِ، أَمَّا إذَا ثَبَتَ الدَّيْنُ وَالْإِرْثُ بِالْإِقْرَارِ فَيُؤْخَذُ الْكَفِيلُ بِالِاتِّفَاقِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. وَإِذَا كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ رَجُلٍ وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ فُلَانٍ الْغَائِبِ قَضَى لَهُ بِالنِّصْفِ وَتَرَكَ النِّصْفَ الْآخَرَ فِي يَدِ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ وَلَا يَسْتَوْثِقُ مِنْهُ بِكَفِيلٍ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَا: إنْ كَانَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ جَاحِدًا أُخِذَ مِنْهُ وَجُعِلَ فِي يَدِ أَمِينٍ وَإِنْ لَمْ يَجْحَدْ تُرِكَ فِي يَدِهِ. وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي مَنْقُولٍ فَقَدْ قِيلَ: يُؤْخَذُ مِنْهُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْحِفْظِ. وَالنِّزَاعُ أَبْلَغُ فِيهِ بِخِلَافِ الْعَقَارِ؛ لِأَنَّهُ مُحْصَنٌ بِنَفْسِهِ وَلِهَذَا يَمْلِكُ الْوَصِيُّ بَيْعَ الْمَنْقُولِ عَلَى الْكَبِيرِ الْغَائِبِ دُونَ الْعَقَارِ، وَكَذَا حُكْمُ وَصِيِّ الْأُمِّ وَالْأَخِ وَالْعَمِّ عَلَى الصَّغِيرِ وَقِيلَ: الْمَنْقُولُ عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِ أَظْهَرُ لِحَاجَتِهِ إلَى الْحِفْظِ، وَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ. وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ عَلِيٌّ الْبَزْدَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَهُوَ الْأَصَحُّ، كَذَا فِي الْكِفَايَةِ وَيُسَلَّمُ النِّصْفُ إلَيْهِ بِذَلِكَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْوَرَثَةِ يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْبَاقِينَ فِيمَا يَسْتَحِقُّ لَهُ وَعَلَيْهِ دَيْنًا كَانَ أَوْ عَيْنًا؛ لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ لَهُ وَعَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ الْمَيِّتُ فِي الْحَقِيقَةِ وَوَاحِدٌ مِنْ الْوَرَثَةِ يَصْلُحُ خَلِيفَةً عَنْهُ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الِاسْتِيفَاءِ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ عَامَلَ فِيهِ لِنَفْسِهِ فَلَا يَصْلُحُ نَائِبًا عَنْ غَيْرِهِ فَلِهَذَا لَا يَسْتَوْفِي الدَّارَ إلَّا نَصِيبَهُ، وَصَارَ كَمَا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِدَيْنِ الْمَيِّتِ إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ اسْتِحْقَاقُ الْكُلِّ عَلَى أَحَدِ الْوَرَثَةِ إذَا كَانَ الْكُلُّ فِي يَدِهِ ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ. [الْبَابُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْحَبْسِ وَالْمُلَازَمَةِ] (الْبَابُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْحَبْسِ وَالْمُلَازَمَةِ) وَإِذَا جَاءَ رَجُلٌ بِرَجُلٍ إلَى الْقَاضِي وَأَثْبَتَ عَلَيْهِ مَالَهُ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ أَقَرَّ الرَّجُلُ لَهُ فَالْقَاضِي لَا يَحْبِسُهُ مِنْ غَيْرِ سُؤَالِ الْمُدَّعِي هَذَا هُوَ مَذْهَبُنَا. وَإِذَا سَأَلَ الْمُدَّعِيَ ذَلِكَ ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْبِسُهُ فِي أَوَّلِ الْوَهْلَةِ وَلَكِنْ يَقُولُ لَهُ: قُمْ فَأَرْضِهِ، فَإِنْ عَادَ مَرَّةً أُخْرَى حَبَسَهُ وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الدَّيْنِ الثَّابِتِ بِالْإِقْرَارِ وَبَيْنَ الدَّيْنِ الثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخَصَّافِ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ فِي فَصْلِ الْبَيِّنَةِ يُحْبَسُ فِي أَوَّلِ الْوَهْلَةِ. وَفِي فَصْلِ الْإِقْرَارِ لَا يُحْبَسُ فِي أَوَّلِ الْوَهْلَةِ وَفِي الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ حَتَّى تَظْهَرَ مُمَاطَلَتُهُ ثُمَّ فِي فَصْلِ الْإِقْرَارِ إذَا لَمْ يَحْبِسْهُ فِي أَوَّلِ الْوَهْلَةِ هَلْ يَحْبِسُهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ لَا يَحْبِسُهُ، إنَّمَا يَحْبِسُهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ إذَا جَاءَ أَوَانُ الْحَبْسِ فَإِنْ عَرَفَ الْقَاضِي يَسَارَهُ حَبَسَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ يَسَارَهُ لَا يَسْأَلُهُ: أَلِك مَالٌ؟ هَذَا هُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - وَهَلْ يَسْأَلُ الْمُدَّعِيَ أَلَهُ مَالٌ؟ فَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَسْأَلُ إلَّا إذَا طَلَبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة فَإِنْ سَأَلَ الْمَدْيُونَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ صَاحِبَ الدَّيْنِ

стр. 1475

أَلَهُ مَالٌ؟ سَأَلَهُ الْقَاضِي بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ قَالَ الطَّالِبُ: هُوَ مُعْسِرٌ لَا يَحْبِسُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِعُسْرَتِهِ بَعْدَ الْحَبْسِ أَخْرَجَهُ وَقَبْلَ الْحَبْسِ لَا يَحْبِسُهُ، فَإِنْ قَالَ الطَّالِبُ: هُوَ مُوسِرٌ قَادِرٌ عَلَى الْقَضَاءِ. وَقَالَ الْمَدْيُونُ: أَنَا مُعْسِرٌ تَكَلَّمُوا فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَدْيُونِ أَنَّهُ مُعْسِرٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كَانَ الدَّيْنُ وَاجِبًا بَدَلًا عَمَّا هُوَ مَالٌ كَالْقَرْضِ وَثَمَنِ الْمَبِيعِ الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْيَسَارِ مَرْوِيٌّ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّ قُدْرَتَهُ كَانَتْ ثَابِتَةً بِالْمُبْدَلِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي زَوَالِ تِلْكَ الْقُدْرَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ بَدَلًا عَمَّا هُوَ مَالٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَدْيُونِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ مَا وَجَبَ بِعَقْدِهِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَدْيُونِ أَنَّهُ مُعْسِرٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَدَلًا عَمَّا هُوَ مَالٌ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْبَسُ إلَّا فِيمَا كَانَ بَدَلًا عَنْ مَالٍ فَلَا يُحْبَسُ فِي الْمَهْرِ، وَالْكَفَالَةُ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ وَهُوَ خِلَافُ مَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَذَكَرَ الطَّرَسُوسِيُّ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ الْمُفْتَى بِهِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْإِفْتَاءُ فِيمَا الْتَزَمَهُ بِعَقْدِهِ وَلَمْ يَكُنْ بَدَلَ مَالٍ وَالْعَمَلُ عَلَى مَا هُوَ فِي الْمُتُونِ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ مَا فِي الْمُتُونِ وَالْفَتَاوَى فَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الْمُتُونِ، وَكَذَا يُقَدَّمُ مَا فِي الشُّرُوحِ عَلَى مَا فِي الْفَتَاوَى، كَذَا فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ. قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الْحَوَالَةِ: وَيَحْبِسُ فِي الدُّيُونِ كُلِّهَا كَائِنًا مَنْ كَانَ مِنْ أَخٍ أَوْ عَمٍّ أَوْ خَالٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ رَجُلٍ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا أَوْ صَحِيحًا أَوْ زَمِنًا أَوْ مُقْعَدًا أَوْ مَقْطُوعَ الْيَدِ، قَالَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ أَبًا أَوْ أُمًّا فَإِنَّهُ لَا يُحْبَسُ وَاحِدٌ مِنْ الْأَبَوَيْنِ بِدَيْنِ الِابْنِ، وَكَذَلِكَ لَا يُحْبَسُ الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ وَإِنْ عَلَوْا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يُحْبَسُ. قَالَ: إلَّا أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِمَا نَفَقَتُهُ وَكُلُّ مَنْ أُجْبِرَ بِهِ عَلَى النَّفَقَةِ وَأَبَى؛ حَبَسَهُ أَبًا كَانَ أَوْ أُمًّا أَوْ جَدًّا أَوْ جَدَّةً أَوْ زَوْجًا وَالْمُكَاتَبُ وَالْعَبْدُ التَّاجِرُ فِي الْحَبْسِ بِمَنْزِلَةِ مَا وَصَفْت لَك وَالْعَبْدُ لَا يُحْبَسُ لِمَوْلَاهُ، وَكَذَا لَا يُحْبَسُ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَإِنْ كَانَ مَدْيُونًا حُبِسَ فِيهِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْحُرُّ فَبَعْضُ الْمَشَايِخِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مَالُوا إلَى الْحَبْسِ وَجَعَلُوهُ كَالْبَالِغِ، وَبَعْضُهُمْ قَالُوا: إذَا كَانَ لَهُ وَصِيٌّ يُحْبَسُ تَأْدِيبًا حَتَّى لَا يَعُودَ لِمِثْلِهِ وَلِيَضْجَرَ الْوَصِيُّ فَيَتَسَارَعُ إلَى إلْقَاءِ الدَّيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ لَمْ يُحْبَسْ، فَأَمَّا إذَا كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَقَدْ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ يُحْبَسُ بِدَيْنِهِ يَعْنِي الْأَبَ أَوْ الْوَصِيَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ أَوْ وَصِيٌّ نَصَبَ الْقَاضِي قَيِّمًا لِيَبِيعَ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ الدَّيْنِ وَيُوفِي الْغُرَمَاءَ حَقَّهُمْ، كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ. وَالْمُكَاتَبُ يَحْبِسُ مَوْلَاهُ إلَّا فِيمَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْكِتَابَةِ وَالْمَوْلَى لَا يَحْبِسُ الْمُكَاتَبَ فِي دَيْنِ الْكِتَابَةِ وَغَيْرِهَا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ يَحْبِسُهُ فِي غَيْرِ مَالِ

стр. 1476

الْكِتَابَةِ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. وَيُحْبَسُ الْمُسْلِمُ بِدَيْنِ الذِّمِّيِّ وَالذِّمِّيُّ بِدَيْنِ الْمُسْلِمِ وَكَذَا الْمُسْتَأْمَنُ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ. وَفِي الْكُبْرَى وَالْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ وَيُحْبَسُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ، فَأَمَّا قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ لَا يَحْبِسُهُ، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدٌ عَدْلٌ بِذَلِكَ حَبَسَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا لَا يَحْبِسُهُ فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. وَفِي كَفَالَةِ الْأَصْلِ لَا تُحْبَسُ الْعَاقِلَةُ فِي دِيَةٍ وَلَا أَرْشٍ وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ عَطَايَاهُمْ وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْعَطَاءِ وَامْتَنَعُوا مِنْ الْأَدَاءِ يُحْبَسُونَ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ. وَإِنْ طَلَبَ الْمُدَّعِي الْيَمِينَ فِي الْقِصَاصِ فَامْتَنَعَ عَنْهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَنَكَلَ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَذَلِكَ فِي الْيَمِينِ فِي الْقَسَامَةِ، وَيُحْبَسُ الدَّعَّارُونَ الَّذِينَ هُمْ مُخَوَّفُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلُ الْفَسَادِ حَتَّى تُعْرَفَ مِنْهُمْ التَّوْبَةُ وَالدَّعَّارُ مَنْ يَقْصِدُ إتْلَافَ أَمْوَالِ النَّاسِ أَوْ أَنْفُسَهُمْ أَوْ كِلَيْهِمَا، فَإِذَا كَانَ يُخَافُ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ حُبِسَ فِي السِّجْنِ حَتَّى تَظْهَرَ مِنْهُ التَّوْبَةُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلنِّسَاءِ مَحْبِسٌ عَلَى حِدَةٍ تَحَرُّزًا عَنْ الْفِتْنَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمَرْأَةَ تُحْبَسُ فِي مَحْبِسِ النِّسَاءِ وَلَكِنْ يَحْفَظُهَا الرَّجُلُ وَفِي مُخْتَصَرِ خُوَاهَرْ زَادَهْ أَيُحْبَسُ الْكَفِيلُ بِالنَّفْسِ كَمَا يُحْبَسُ فِي الدَّيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ وَإِذَا حُبِسَ كَفِيلُ الرَّجُلِ بِأَمْرِهِ بِالْمَالِ فَلِلْكَفِيلِ أَنْ يَحْبِسَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَفِيلَ إذَا طُولِبَ بِالْمَالِ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْأَصِيلَ فَإِذَا لُوزِمَ كَانَ لَهُ أَنْ يُلَازِمَ الْأَصِيلَ، فَإِذَا أَخَذَ مِنْ الْكَفِيلِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْأَصِيلِ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. وَلَا يَأْخُذُ الْمَالَ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَحْبِسَ الْكَفِيلَ وَالْأَصِيلُ لَهُ ذَلِكَ وَهِيَ وَاقِعَةُ الْفَتْوَى، وَكَذَا يُحْبَسُ كَفِيلُ الْكَفِيلِ وَإِنْ كَثُرُوا، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ. فَإِنْ حُبِسَ رَجُلٌ فِي دَيْنٍ وَجَاءَ آخَرُ يُطَالِبُهُ بِالدَّيْنِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُخْرِجُ الْمَطْلُوبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعِي، فَإِنْ قَامَتْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ أَوْ أَقَرَّ أَعَادَهُ إلَى السِّجْنِ وَكَتَبَ فِي دِيوَانِهِ أَنَّهُ مَحْبُوسٌ بِحَقِّ هَذَا الْمُدَّعِي أَيْضًا مَعَ الْأَوَّلِ، حَتَّى إذَا قَضَى دَيْنَ أَحَدِهِمَا يَبْقَى مَحْبُوسًا بِدَيْنِ الْآخَرِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. لَهُمَا عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ لِأَحَدِهِمَا الْقَلِيلُ وَلِلْآخَرِ الْأَكْثَرُ لِصَاحِبِ الْقَلِيلِ حَبْسُهُ وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْأَكْثَرِ إطْلَاقُهُ بِلَا رِضَاهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا إطْلَاقَهُ بَعْدَ مَا رَضِيَا بِحَبْسِهِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ. لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَضْرِبَ مَحْبُوسًا فِي دَيْنٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَا يُصَفِّدَ وَلَا يُقَيِّدَ وَلَا يَغِلَّ وَلَا يَمُدَّ وَلَا يُجَرِّدَ وَلَا يُقِيمَهُ فِي الشَّمْسِ، وَإِذَا خَافَ الْقَاضِي عَلَى الْمَحْبُوسِ فِي السِّجْنِ أَنْ يَفِرَّ مِنْ حَبْسِهِ حَوَّلَهُ إلَى حَبْسِ اللُّصُوصِ، إلَّا إذَا كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ لِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللُّصُوصِ عَدَاوَةٌ، وَعَرَفَ لَوْ حَوَّلَهُ إلَيْهِمْ لَقَصَدُوهُ لَا يُحَوَّلُ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ وَلَا يُقَامُ بَيْنَ يَدَيْ صَاحِبِ الْحَقِّ إهَانَةً، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ. وَإِنْ كَانَ هَذَا الْمَحْبُوسُ لَا يَزَالُ يَهْرُبُ مِنْ السِّجْنِ يُؤَدِّبُهُ الْقَاضِي بِأَسْوَاطٍ، كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ وَمَتَى حَبَسَهُ الْقَاضِي يَكْتُبُ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ فِي دِيوَانِهِ وَيَكْتُبُ مَنْ يُحْبَسُ لِأَجْلِهِ وَيَكْتُبُ

стр. 1477

مِقْدَارَ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ وَيَكْتُبُ التَّارِيخَ فَيَكْتُبُ حُبِسَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا يَوْمَ كَذَا وَمِنْ شَهْرِ كَذَا فِي سَنَةِ كَذَا، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ. قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الْحَوَالَةِ وَالْكَفَالَةِ: إذَا حُبِسَ الرَّجُلُ فِي الدَّيْنِ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً سَأَلَ الْقَاضِي عَنْهُ فِي السِّرِّ، وَإِنْ شَاءَ سَأَلَ عَنْهُ فِي السِّرِّ أَوَّلَ مَا يَحْبِسُهُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ ثُمَّ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي تَقْدِيرِ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَدَّرَهَا بِشَهْرَيْنِ إلَى ثَلَاثَةٍ وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَدَّرَهَا بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِرِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَدَّرَهَا بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَعَنْهُ بِرِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ قَدَّرَهَا بِشَهْرٍ، وَكَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - أَخَذُوا بِرِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - قَالُوا: الْقَاضِي يَنْظُرُ إلَى الْمَحْبُوسِ إنْ رَأَى عَلَيْهِ زِيَّ الْفَقْرِ وَهُوَ صَاحِبُ عِيَالٍ تَشْكُو عِيَالُهُ إلَى الْقَاضِي الْبُؤْسَ وَضِيقَ النَّفَقَةِ وَكَانَ لَيِّنًا عِنْدَ جَوَابِ خَصْمِهِ حَبَسَهُ شَهْرًا ثُمَّ يَسْأَلُ، وَإِنْ كَانَ وَقَّاحًا عِنْدَ جَوَابِ خَصْمِهِ وَعَرَفَ تَمَرُّدَهُ وَرَأَى عَلَيْهِ أَمَارَةَ الْيَسَارِ حَبَسَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ يَسْأَلُ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ حَبَسَهُ شَهْرَيْنِ إلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ يَسْأَلُ، وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الشَّيْخُ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ وَهُوَ يَحْكِي عَنْ عَمِّهِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْأُوزْجَنْدِيِّ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - قَالُوا: لَيْسَ فِي هَذَا تَقْدِيرٌ لَازِمٌ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي فَإِنْ مَضَى سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَعَلِمَ تَعَنُّتَهُ يُدِيمُ الْحَبْسَ، وَإِنْ مَضَى شَهْرٌ وَظَهَرَ عَجْزُهُ وَعُسْرَتُهُ بِأَنْ شَهِدُوا بِإِفْلَاسِهِ خَلَّاهُ ثُمَّ إذَا سَأَلَ الْقَاضِي عَنْهُ فَإِنَّمَا يَسْأَلُ أَهْلَ الْخِبْرَةِ مِنْ جِيرَانِهِ وَمَنْ يُخَالِطُهُمْ فِي الْمُعَامَلَةِ، كَذَا فِي جَوَاهِرِ الْأَخْلَاطِيِّ. وَإِنَّمَا يَسْأَلُ مِنْ جِيرَانِهِ وَأَصْدِقَائِهِ وَأَهْلِ سُوقِهِ مِنْ الثِّقَاتِ دُونَ الْفُسَّاقِ فَإِذَا قَالُوا: لَا نَعْرِفُ لَهُ مَالًا كَفَى ذَلِكَ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ فِي شَرْحِهِ: هَذَا السُّوَالُ مِنْ الْقَاضِي بَعْدَ مَا حَبَسَهُ احْتِيَاطًا وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَإِذَا سَأَلَ عَنْهُ فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى عُسْرَتِهِ أَخْرَجَهُ الْقَاضِي مِنْ الْحَبْسِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى لَفْظَةِ الشَّهَادَةِ بَلْ إذَا أُخْبِرَ بِذَلِكَ يَكْفِي، وَإِنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ ثِقَةٌ عَمِلَ بِقَوْلِهِ وَأَخْرَجَهُ مِنْ السِّجْنِ وَالِاثْنَانِ أَحْوَطُ، كَذَا فِي جَوَاهِرِ الْأَخْلَاطِيِّ قَالُوا: هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْحَالُ حَالَ مُنَازَعَةٍ بِأَنْ لَمْ تَجْرِ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ مُنَازَعَةٌ بِأَنْ ادَّعَى الْمَطْلُوبُ أَنَّهُ أَعْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ الطَّالِبُ: إنَّهُ مُوسِرٌ، لَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَمَتَى كَانَتْ الْحَالَةُ هَذِهِ فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ مُعْسِرٌ خَلَّى سَبِيلَهُ وَلَا تَكُونُ هَذِهِ شَهَادَةً عَلَى النَّفْيِ؛ لِأَنَّ الْعِسَارَ بَعْدَ الْيَسَارِ أَمْرٌ حَادِثٌ فَتَكُونُ شَهَادَةً بِأَمْرٍ حَادِثٍ لَا بِالنَّفْيِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. فَإِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ أَوْ اثْنَانِ بِإِعْسَارِهِ قَبْلَ الْحَبْسِ فِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ يَقْبَلُ وَلَا يَحْبِسُهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْخَصَّافِ لَا يَقْبَلُ وَيَحْبِسُهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَامَّةُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَبَعْدَ مَا خَلَّى سَبِيلَهُ هَلْ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يُلَازِمَهُ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ لَهُ أَنْ يُلَازِمَهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَحْسَنُ الْأَقَاوِيلِ فِي الْمُلَازَمَةِ

стр. 1478

مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ: يُلَازِمُهُ فِي مَشَيَاتِهِ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ الدُّخُولِ إلَى أَهْلِهِ وَلَا مِنْ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ وَلَا مِنْ الْوُضُوءِ وَالْخَلَاءِ. وَفِي الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ وَيَجْلِسُ عَلَى بَابِ دَارِهِ حَتَّى يَخْرُجَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُجْلِسَهُ فِي مَوْضِعٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَبْسٌ وَلَيْسَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ. قَالَ هِشَامٌ: سَأَلْت مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنْ كَانَتْ الْمُلَازَمَةُ تَضُرُّ بِعِيَالِهِ وَهُوَ مِمَّنْ يَكْتَسِبُ فِي سَقْيِ الْمَاءِ فِي طَوْفِهِ قَالَ: آمُرُ صَاحِبَ الْحَقِّ أَنْ يُوَكِّلَ غُلَامًا لَهُ يَكُونُ مَعَهُ وَلَا أَمْنَعُهُ عَنْ طَلَبِ قَدْرِ قُوتِ يَوْمِهِ لِنَفْسِهِ وَلِعِيَالِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ يَعْمَلُ فِي سُوقِهِ قَالَ: وَإِنْ شَاءَ تُرِكَ أَيَّامًا يَعْنِي هَذَا الْمُفْلِسَ ثُمَّ يُلَازِمُهُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ قُلْت لَهُ: فَإِنْ كَانَ عَامِلًا يَعْمَلُ بِيَدِهِ، قَالَ: إنْ كَانَ عَمَلًا يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَهُ حَيْثُ يُلَازِمُهُ أَيْ حَيْثُ يَجْلِسُ لَازَمَهُ وَيَعْمَلُ هُوَ ثَمَّةَ، وَإِنْ كَانَ عَمَلًا لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى الطَّلَبِ خَرَجَ وَطَلَبَ فَإِنْ كَانَ فِي مُلَازَمَتِهِ ذَهَابُ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ؛ أَمَرْته أَنْ يُقِيمَ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ ثُمَّ يُخَلَّى سَبِيلُهُ فَلْيَسْتَرْزِقْ اللَّهَ تَعَالَى. وَفِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ إنْ كَانَ الْعَمَلُ سَقْيَ الْمَاءِ وَنَحْوَهُ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ أَمَّا أَنْ يَلْزَمَهُ أَوْ يَلْزَمَهُ نَائِبُهُ أَوْ أَجِيرُهُ أَوْ غُلَامُهُ إلَّا إذَا كَفَاهُ نَفَقَتُهُ أَوْ نَفَقَةُ عِيَالِهِ وَأَعْطَاهُ حِينَئِذٍ، كَانَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمَلْزُومِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَفِيهِ أَيْضًا لَيْسَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يَمْنَعَ الْمَلْزُومَ أَنْ يَدْخُلَ فِي بَيْتِهِ لِغَائِطٍ أَوْ غَدَاءٍ إلَّا إذَا أَعْطَاهُ الْغَدَاءَ وَأَعَدَّ مَوْضِعًا آخَرَ لِأَجْلِ الْغَائِطِ حِينَئِذٍ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ وَفِي الْخَانِيَّةِ فَإِنْ قَالَ الْمَدْيُونُ: لَا أَجْلِسُ مَعَ غُلَامِك وَأَجْلِسُ مَعَك قَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَالصَّحِيحُ أَنَّ فِي الْمُلَازَمَةِ الرَّأْيَ إلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ لَا إلَى الْمَدْيُونِ إنْ شَاءَ لَازَمَهُ بِنَفْسِهِ وَإِنْ شَاءَ لَازَمَهُ بِغَيْرِهِ، وَفِي الذَّخِيرَةِ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ الطَّالِبَ لَا يُلَازِمُ الْمَطْلُوبَ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ بُنِيَتْ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَا لِلْمُلَازِمَةِ وَحُكِيَ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ أَنَّ الطَّالِبَ لَا يَلْزَمُ الْمَطْلُوبَ بِاللَّيَالِيِ. وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ يَكْتَسِبُ بِاللَّيَالِيِ يُلَازَمُ فِي اللَّيَالِي، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. وَذَكَرَ الْخَصَّافُ رَجُلٌ حَبَسَ غَرِيمًا لَهُ ثُمَّ غَابَ فَسَأَلَ الْقَاضِي عَنْ الْمَحْبُوسِ فَوَجَدَهُ مُعْسِرًا يَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا وَيُخَلِّي سَبِيلَهُ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَغِيبُ الطَّالِبُ وَيُخْفِي نَفْسَهُ وَيُرِيدُ أَنْ يَطُولَ حَبْسُهُ فَيَتَضَرَّرُ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ لِلطَّالِبِ أَنْ يُلَازِمَ الْغَرِيمَ وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ الْقَاضِي بِمُلَازَمَتِهِ وَلَا فَلَسِهِ إذَا كَانَ مُقِرًّا بِحَقِّهِ فَإِنْ قَالَ الْغَرِيمُ: احْبِسْنِي، وَأَبَى الطَّالِبُ إلَّا الْمُلَازَمَةَ؛ قَالَ: يُلَازِمُهُ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَلَيْسَ لِلطَّالِبِ أَنْ يُقِيمَ فِي الشَّمْسِ أَوْ عَلَى الثَّلْجِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ يَضُرُّ بِهِ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ. عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سُئِلَ عَنْ مُلَازَمَةِ الْمَرْأَةِ قَالَ: آمُرُ غَرِيمَهَا أَنْ يَأْمُرَ امْرَأَةً حَتَّى تُلَازِمَهَا، فَقِيلَ لَهُ: إنْ لَمْ يَقْدِرْ الْغَرِيمُ عَلَى امْرَأَةٍ تُلَازِمُهَا، قَالَ: أَقُولُ لِغَرِيمِهَا اجْعَلْ مَعَهَا امْرَأَةً، فَتَكُونَ فِي بَيْتِهَا وَتَكُونَ

стр. 1479

أَنْتَ عَلَى الْبَابِ أَوْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ نَفْسِهَا وَحْدَهَا وَيَكُونُ الْغَرِيمُ عَلَى الْبَابِ، قِيلَ لَهُ: إذًا تَهْرُبُ الْمَرْأَةُ وَتَذْهَبُ قَالَ: لَيْسَ لَهُ إلَّا ذَلِكَ وَذَكَرَ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُلَازِمُهَا فِي مَوْضِعٍ لَا يُخَافُ عَلَيْهَا الْفِتْنَةُ كَالْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إنْ شَاءَ بِرِجَالٍ وَإِنْ شَاءَ بِنِسَاءٍ وَهَذَا فِي النَّهَارِ، وَأَمَّا فِي اللَّيْلِ فَيُلَازِمُهَا بِالنِّسَاءِ لَا مَحَالَةَ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُلَازِمُ عَلَى وَجْهٍ يَقَعُ الْأَمْنُ مِنْ الْفِتْنَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ذَكَرَ هِلَالٌ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ أَنَّهُ فَقِيرٌ فَالْقَاضِي لَا يُخَلِّي سَبِيلَهُ حَتَّى يَسْأَلَ فِي السِّرِّ، وَأَنَّهُ حَسَنٌ فَإِنْ وَافَقَ خَبَرُ السِّرِّ شَهَادَةَ الشُّهُودِ لَا يُخَلِّي سَبِيلَهُ أَيْضًا حَتَّى يَسْتَحْلِفَ الْمَحْبُوسَ، ثُمَّ يُخَلِّي سَبِيلَهُ وَإِنْ خَالَفَ خَبَرُ السِّرِّ شَهَادَةَ الشُّهُودِ أَخَذَ بِخَبَرِ الْعُدُولِ فِي السِّرِّ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَذَكَرَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَإِنْ رَأَى الْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ بَعْدَ الْحَبْسِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْإِفْلَاسِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ بَعْدَ الْحَبْسِ مَقْبُولَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. وَإِنْ أَقَامَ الْمَحْبُوسُ بَيِّنَةً عَلَى عُسْرَتِهِ وَأَقَامَ صَاحِبُ الْحَقِّ بَيِّنَةً عَلَى يَسَارِهِ أَخَذَ بِبَيِّنَةِ صَاحِبِ الْحَقِّ وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ كَيْفِيَّةَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِفْلَاسِ. وَذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الْوَقْفِ كَيْفِيَّةَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِفْلَاسِ؛ فَقَالَ: يَنْبَغِي لِلشُّهُودِ أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُ فَقِيرٌ لَا نَعْلَمُ لَهُ مَالًا وَلَا عَرْضًا مِنْ الْعُرُوضِ يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ حَدِّ الْفَقْرِ. وَحُكِيَ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَقُولُوا: إنَّهُ مُفْلِسٌ مُعْدِمٌ لَا نَعْلَمُ لَهُ مَالًا سِوَى كِسْوَتِهِ الَّتِي عَلَيْهِ وَثِيَابِ لَيْلِهِ وَقَدْ اخْتَبَرْنَا أَمْرَهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَهَذَا أَتَمُّ وَأَبْلَغُ، ثُمَّ إذَا ثَبَتَتْ عُسْرَتُهُ فَالْقَاضِي لَا يَحْبِسُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا لَمْ يَعْرِفْ لَهُ مَالًا وَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى عُسْرَتِهِ بَعْدَ مَا مَضَتْ مُدَّةٌ فِي الْحَبْسِ وَكَانَ الطَّالِبُ غَائِبًا فَالْقَاضِي لَا يَنْتَظِرُ حُضُورَ الْغَائِبِ بَلْ يُخْرِجُهُ مِنْ السِّجْنِ وَلَكِنْ يَأْخُذُ كَفِيلًا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَإِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إعْسَارِ الْمَحْبُوسِ فَقَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ الْقَاضِي بِإِفْلَاسِهِ أَطْلَقَ رَبُّ الدَّيْنِ الْمَحْبُوسَ فَطَلَبَ الْمَحْبُوسُ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِعُسْرَتِهِ بِبَيِّنَةٍ أَقَامَهَا بِحَضْرَةِ رَبِّ الدَّيْنِ أَجَابَهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ فَائِدَةً حَتَّى لَا يَحْبِسَهُ رَبُّ الدَّيْنِ ثَانِيًا مِنْ سَاعَتِهِ وَحَتَّى لَا يَحْبِسَهُ دَائِنٌ آخَرُ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مَحْبُوسًا بِدَيْنِ رَجُلَيْنِ فَأَدَّى إلَى أَحَدِهِمَا لَا يَخْرُجُ مِنْ السِّجْنِ حَتَّى يُؤَدِّيَ حَقَّ الْآخَرِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْمَحْبُوسِ أَنْ يُؤْثِرَ بَعْضَ الْغُرَمَاءِ عَلَى الْبَعْضِ وَقَدْ نُصَّ فِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ عَلَى ذَلِكَ. وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ ثَمَّةَ: رَجُلٌ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ لِثَلَاثَةِ نَفَرٍ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسُمِائَةٍ وَلِوَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَلَثُمِائَةٍ وَلِوَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَتَانِ؛ فَاجْتَمَعَ الْغُرَمَاءُ وَحَبَسُوهُ بِدُيُونِهِمْ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَمَالُهُ خَمْسُمِائَةٍ كَيْفَ يَقْسِمُ مَالَهُ بَيْنَهُمْ؟ قَالَ: إذَا كَانَ الْمَدْيُونُ حَاضِرًا فَإِنَّهُ يَقْضِي دُيُونَهُ بِنَفْسِهِ وَلَهُ أَنْ يُقَدِّمَ الْبَعْضَ عَلَى الْبَعْضِ فِي الْقَضَاءِ وَيُؤْثِرَ الْبَعْضَ عَلَى الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ أَحَدٍ فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ عَلَى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَدْيُونُ غَائِبًا وَالدَّيْنُ ثَابِتٌ

стр. 1480

عِنْدَ الْقَاضِي فَالْقَاضِي يَقْسِمُ مَالَهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَصِ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي وِلَايَةُ تَقْدِيمِ بَعْضِهِمْ عَلَى الْبَعْضِ. الْمَرْأَةُ إذَا حَبَسَتْ زَوْجَهَا لِمَهْرِهَا أَوْ بِدَيْنٍ آخَرَ فَقَالَ الزَّوْجُ لِلْقَاضِي: احْبِسْهَا مَعِي فَإِنَّ لِي مَوْضِعًا فِي السِّجْنِ لِتَكُونَ مَعِي. ذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي فِي بَابِ الْمُطَالَبَةِ بِالْمَهْرِ أَنَّهُ لَا يَحْبِسُهَا وَبَعْضُ قُضَاةِ زَمَانِنَا اخْتَارُوا الْحَبْسَ لِفَسَادِ الزَّمَانِ سَدًّا لِبَابِ الْمَعْصِيَةِ عَلَيْهَا، فَإِنَّهَا إذَا لَمْ تُحْبَسْ وَقَدْ حَبَسَتْ زَوْجَهَا تَذْهَبُ حَيْثُ تُرِيدُ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَفِي الْوَرَثَةِ صَغِيرٌ وَكَبِيرٌ وَلِلْمَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَحَبَسَهُ الِابْنُ الْكَبِيرُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُطْلِقَهُ لَمْ يُطْلِقْهُ الْقَاضِي حَتَّى يَسْتَوْثِقَ لِلصِّغَارِ. وَلَا يَخْرُجُ الْمَحْبُوسُ فِي الدَّيْنِ مِنْ السِّجْنِ لِمَجِيءِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَا لِلْفِطْرِ وَلَا لِلْأَضْحَى وَلَا لِلْجُمُعَةِ وَلَا لِصَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ وَلَا لِحَجَّةٍ فَرِيضَةٍ وَلَا لِحُضُورِ جِنَازَةِ بَعْضِ أَهْلِهِ وَإِنْ أَعْطَى كَفِيلًا بِنَفْسِهِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَلَا عِيَادَةِ الْمَرِيضِ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ. إذَا مَاتَ لِلْمَحْبُوسِ وَالِدٌ أَوْ وَلَدٌ وَلَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ أَحَدٌ لِلْغُسْلِ وَالتَّكْفِينِ يُخْرِجُهُ الْقَاضِي مِنْ السِّجْنِ هُوَ الصَّحِيحُ أَمَّا إذَا كَانَ مَنْ يَقُومُ بِذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لِإِخْرَاجِهِ مِنْ السِّجْنِ، قِيلَ: إنَّ الْمَحْبُوسَ يَخْرُجُ بِكَفِيلٍ كَانَ ثَمَّةَ لِجِنَازَةِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ وَالْأَوْلَادِ وَلَا يَخْرُجُ لِغَيْرِهِمْ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي جَوَاهِرِ الْأَخْلَاطِيِّ وَقِيلَ فِي الْوَالِدَيْنِ وَالْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ وَالْوَلَدِ: لَا بَأْسَ بِإِخْرَاجِهِ. أَمَّا فِي غَيْرِهِمْ فَلَا يَخْرُجُ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يَخْرُجُ فِي قَرَابَةِ الْوِلَادِ بِكَفِيلٍ، كَذَا فِي الْكُبْرَى. وَحُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْكَافِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَحْبُوسِ فِي السِّجْنِ: إذَا جُنَّ لَمْ يُخْرِجْهُ الْحَاكِمُ مِنْ السِّجْنِ. وَذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَدَبِ الْقَاضِي أَنَّ الْمَحْبُوسَ فِي السِّجْنِ إذَا مَرِضَ مَرَضًا أَضْنَاهُ إنْ كَانَ لَهُ خَادِمٌ يَخْدُمُهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ السِّجْنِ وَلَا يَخْرُجُ لِلْمُعَالَجَةِ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى قِيلَ لَهُ: وَإِنْ مَاتَ فِيهِ؟ قَالَ: وَإِنْ مَاتَ فِيهِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي وَاقِعَاتِ النَّاطِفِيِّ لَوْ مَرِضَ فِي الْحَبْسِ وَأَضْنَاهُ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَخْدُمُهُ يُخْرِجُهُ مِنْ السِّجْنِ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا إذَا كَانَ الْغَالِبُ هُوَ الْهَلَاكُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ وَالْهَلَاكُ مِنْ السِّجْنِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ، وَالْفَتْوَى عَلَى رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْمَحْبُوسُ يُنَوَّرُ فِي السِّجْنِ وَلَا يَخْرُجُ إلَى الْحَمَّامِ، وَلَوْ احْتَاجَ إلَى الْجِمَاعِ لَا بَأْسَ بِأَنْ تَدْخُلَ زَوْجَتُهُ أَوْ جَارِيَتُهُ فِي السِّجْنِ فَيَطَؤُهَا حَيْثُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ. وَفِي الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا خَالِيًا لَا يُجَامِعُ. وَهَلْ يُتْرَكُ لِيَكْتَسِبَ فِي السِّجْنِ؟ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُمْنَعُ مِنْ الِاكْتِسَابِ فِي السِّجْنِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُمْنَعُ عَنْ ذَلِكَ؛ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَفِي الْكُبْرَى وَقَالَ الْقَاضِي فَخْرُ الدِّينِ: الْفَتْوَى الْيَوْمُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ الِاكْتِسَابِ وَلَا يُمْنَعُ الْمَسْجُونُ مِنْ دُخُولِ أَهْلِهِ وَجِيرَانِهِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ أَنْ يَمْكُثُوا ثَمَّةَ طَوِيلًا وَفِي السِّغْنَاقِيِّ قَالُوا:

стр. 1481

وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْبَسَ فِي مَوْضِعٍ خَشِنٍ لَا يُبْسَطُ لَهُ فِرَاشٌ وَلَا وِطَاءٌ وَلَا أَحَدٌ يَدْخُلُ عَلَيْهِ لِيَسْتَأْنِسَ لِيَضْجَرَ قَلْبُهُ. الْمَحْبُوسُ فِي الدَّيْنِ إذَا امْتَنَعَ عَنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ وَلَهُ مَالٌ فَإِنْ كَانَ مَالُهُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ بِأَنْ كَانَ مَالُهُ دَرَاهِمَ وَالدَّيْنُ دَرَاهِمَ فَالْقَاضِي يَقْضِي دَيْنَهُ مِنْ دَرَاهِمِهِ بِلَا خِلَافٍ. وَإِنْ كَانَ مَالُهُ مِنْ خِلَافِ جِنْسِ دَيْنِهِ بِأَنْ كَانَ الدَّيْنُ دَرَاهِمَ وَمَالُهُ عُرُوضٌ أَوْ عَقَارٌ أَوْ دَنَانِيرُ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَبِيعُ الْعُرُوضَ وَالْعَقَارَ. وَفِي بَيْعِ الدَّنَانِيرِ قِيَاسٌ وَاسْتِحْسَانٌ وَلَكِنَّهُ يَسْتَدِيمُ حَبْسُهُ إلَى أَنْ يَبِيعَ بِنَفْسِهِ وَيَقْضِي الدَّيْنَ، وَعِنْدَهُمَا يَبِيعُ الْقَاضِي دَنَانِيرَهُ وَعُرُوضَهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَفِي الْعَقَارِ رِوَايَتَانِ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَعِنْدَهُمَا فِي رِوَايَةٍ يَبِيعُ الْمَنْقُولَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَيَكُونُ الْبَيْعُ عَلَى التَّرْتِيبِ يَبِيعُ الدَّنَانِيرَ أَوَّلًا ثُمَّ الْعُرُوضَ ثُمَّ وَثُمَّ وَيَقْضِي دَيْنَهُ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ أَنَّ صَاحِبَ الدَّنَانِيرِ إذَا ظَفِرَ بِدَرَاهِمَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ، هَذَا بَيَانُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فَالْقَاضِي يَبِيعُ مَالَ الْمَدْيُونِ بِدَيْنِهِ وَلَكِنْ يَبْدَأُ بِدَنَانِيرِهِ إذَا كَانَ الدَّيْنُ دَرَاهِمَ، فَإِنْ فَضَلَ الدَّيْنُ عَنْ ذَلِكَ يَبِيعُ الْعُرُوضَ أَوَّلًا دُونَ الْعَقَارِ، فَإِنْ لَمْ يَفِ ثَمَنُهُ بِدِينِهِ وَفَضَلَ الدَّيْنُ عَنْهُ حِينَئِذٍ يَبِيعُ الْعَقَارَ أَمَّا بِدُونِ ذَلِكَ فَلَا يَبِيعُ الْعَقَارَ أَصْلًا، وَهَذَا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى قَوْلِهِمَا: يَبْدَأُ بِبَيْعِ مَا يَخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفَ وَالتَّوَى مِنْ عُرُوضِهِ، ثُمَّ يَبِيعُ مَا لَا يَخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفَ، ثُمَّ يَبِيعُ الْعَقَارَ وَإِذَا كَانَ لِلْمَدْيُونِ ثِيَابٌ يَلْبَسُهَا وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَجْزِيَ بِدُونِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَبِيعُ ثِيَابَهُ فَيَقْضِي الدَّيْنَ بِبَعْضِ ثَمَنِهَا وَيَشْتَرِي بِمَا يَبْقَى ثَوْبًا يَلْبَسُهُ. وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ إذَا كَانَ لَهُ مَسْكَنٌ وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَجْزِيَ بِمَا دُونِ ذَلِكَ الْمَسْكَنِ يَبِيعُ ذَلِكَ الْمَسْكَنَ وَيَصْرِفُ بَعْضَ الثَّمَنِ إلَى الْغُرَمَاءِ وَيَشْتَرِي بِالْبَاقِي مَسْكَنًا لِنَفْسِهِ، وَعَنْ هَذَا قَالَ مَشَايِخُنَا: إنَّهُ يَبِيعُ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْحَالِ، حَتَّى إنَّهُ يَبِيعُ اللَّبَدَ فِي الصَّيْفِ وَالنَّطَعَ فِي الشِّتَاءِ، وَإِذَا كَانَ لَهُ كَانُونٌ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ صُفْرٍ يَبِيعُهُ وَيَتَّخِذُ كَانُونًا مِنْ طِينٍ ثُمَّ أَيُّ قَدْرٍ يُتْرَكُ لِلْمَدْيُونِ مِنْ مَالِهِ وَيُبَاعُ مَا سِوَاهُ لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: قَالَ: يُتْرَكُ ثِيَابُهُ وَمَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ وَمَرْكَبُهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يُتْرَكُ ثِيَابُهُ وَمَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ، وَبِهَذِهِ الرِّوَايَةِ أَخَذَ بَعْضُ الْقُضَاةِ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: يُبَاعُ جَمِيعُ مَالِهِ وَيُؤَاجَرُ وَيَصْرِفُ غَلَّتَهُ إلَى غُرَمَائِهِ، وَفِي ظَاهِرِ رِوَايَةِ أَصْحَابِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُؤَاجَرُ، إلَّا رِوَايَةً رُوِيَتْ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَكِنْ إنْ أَجَّرَ هُوَ نَفْسُهُ وَأَخَذَ الْأُجْرَةَ يُتْرَكُ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ وَعِيَالِهِ وَيُصْرَفُ مَا سِوَى ذَلِكَ إلَى رَبِّ الدَّيْنِ، وَمِنْ الْقُضَاةِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ إنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ الْحَرِّ يُبَاعُ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ الْبَرْدِ يُتْرَكُ لَهُ مَا يَدْفَعُ بِهِ مِنْ الْبَرْدِ حَتَّى لَا يُبَاعَ جُبَّتُهُ وَعِمَامَتُهُ وَيُبَاعُ مَا سِوَى ذَلِكَ. وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ: يُتْرَكُ لَهُ دست مِنْ الثِّيَابِ وَيُبَاعُ مَا سِوَى ذَلِكَ. وَبِهِ أَخَذَ

стр. 1482

شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُتْرَكُ لَهُ دَسْتَانِ مِنْ الثِّيَابِ حَتَّى إذَا غَسَلَ أَحَدَهُمَا لَبِسَ الْآخَرَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِذَا بَاعَ أَمِينُ الْقَاضِي عُرُوضَ الْمَدْيُونِ فِي دَيْنِهِ وَقَبَضَ الثَّمَنَ وَهَلَكَ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَرِيمِ وَيَرْجِعُ الْغَرِيمُ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَلَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَيَجُوزُ إقْرَارُ الْمَحْبُوسِ بِالدَّيْنِ لِغَيْرِهِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَى وَجْهِ التَّلْجِئَةِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِذَا أَقَرَّ الْمَحْبُوسُ بِالْبَيْعِ يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي بِاَللَّهِ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ صَحِيحًا وَدَفَعَ الثَّمَنَ إلَيْهِ، وَمَا كَانَ ذَلِكَ تَلْجِئَةً، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَلَا يُرَوِّجُ الْمَدْيُونَةَ لِيَقْضِيَ دَيْنَهَا مِنْ مَهْرِهَا، كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ. وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَجُلٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَهُوَ مُعْسِرٌ وَلَهُ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ مَلِيءٍ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُجْبِرُ الْمُعْسِرَ حَتَّى يَتَقَاضَى مَا لَهُ عَلَى غَرِيمِهِ الْمُوسِرِ فَإِنْ فَعَلَ وَحَبَسَ غَرِيمَهُ الْمُوسِرَ فَإِنَّ الْحَاكِمَ لَا يَحْبِسُ الْمُعْسِرَ بِمَا عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا كَانَ لِلْمُعْسِرِ دَيْنٌ عَلَى غَرِيمِهِ أَخَذَ الْقَاضِي غَرِيمَهُ بِدَيْنِهِ وَقَضَى دَيْنَ غُرَمَائِهِ. ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمَحْبُوسِ بِالدَّيْنِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ وَلَهُ مَالٌ بِبَلْدَةٍ أُخْرَى، يُؤْمَرُ رَبُّ الدَّيْنِ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ السِّجْنِ وَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ عَلَى قَدْرِ الْمَسَافَةِ وَيَأْمُرُ أَنْ يَخْرُجَ وَيَبِيعَ مَالَهُ وَيَقْضِيَ دَيْنَهُ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ حَبَسَهُ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمَالُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ فِي حَقِّ الْحَبْسِ حَتَّى أَنَّهُ يُحْبَسُ فِي الدِّرْهَمِ وَفِي أَقَلَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَانِعَ الدِّرْهَمِ وَمَا دُونَهُ ظَالِمٌ، كَذَا فِي الْكَفَالَةِ وَالْحَوَالَةِ مِنْ الْمَبْسُوطِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ. تَشَاتَمَ الْخَصْمَانِ عِنْدَ الْقَاضِي إنْ شَاءَ حَبَسَهُمَا أَوْ عَزَّرَهُمَا حَتَّى لَا يَعُودَا إلَى مِثْلِهِ عِنْدَ الْقَاضِي، فَإِنْ عَفَا فَحَسَنٌ وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا عِنْدَهُ لَا يُعَزِّرُهُ بِلَا طَلَبِ خَصْمِهِ لَكِنْ يَمْنَعُهُ عَنْ ذَلِكَ رَجُلٌ يَشْتُمُ النَّاسَ إنْ كَانَ مَرَّةً يُوعَظُ، وَإِنْ كَانَ شَتَّى ضُرِبَ وَحُبِسَ حَتَّى يَتْرُكَ، كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْبَابُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ فِيمَا يَقْضِي بِهِ الْقَاضِي وَيُرَدُّ قَضَاؤُهُ وَمَا لَا يُرَدُّ] (الْبَابُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ فِيمَا يَقْضِي بِهِ الْقَاضِي وَيُرَدُّ قَضَاؤُهُ وَمَا لَا يُرَدُّ) مَا يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا - أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي مَتَى اعْتَمَدَ سَبَبًا صَحِيحًا ثُمَّ بَطَلَ السَّبَبُ مِنْ بَعْدُ لَا يَبْطُلُ الْقَضَاءُ، وَإِذَا ثَبَتَ عَدَمُ السَّبَبِ مِنْ الْأَصْلِ بَعْدَ وُجُودِهِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرِ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْآخَرُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلُ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَبْطُلُ الْقَضَاءُ. وَالثَّانِي - أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمَبِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي يُوجِبُ تَوَقُّفَ الْبَيْعِ السَّابِقِ عَلَى إجَازَةِ الْمُسْتَحِقِّ وَلَا يُوجِبُ نَقْضَهُ وَفَسْخَهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الزِّيَادَاتِ رَجُلٌ اشْتَرَى مِنْ آخَرَ جَارِيَةً وَلَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ بِالْبَيِّنَةِ وَالْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي حَاضِرَانِ، وَقَضَى الْقَاضِي

стр. 1483

بِهَا لِلْمُسْتَحِقِّ ثُمَّ ادَّعَى الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ بَاعَهَا مِنْ هَذَا الْبَائِعِ وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ ثُمَّ بَاعَهَا الْبَائِعُ مِنْ الْمُشْتَرِي وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ فَقَدْ شَرَطَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْكِتَابِ لِلْقَضَاءِ بِالْجَارِيَةِ، لِلْمُسْتَحِقِّ حَضْرَةُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَأَنَّهُ شَرْطٌ لَازِمٌ حَتَّى لَوْ حَضَرَ الْبَائِعُ دُونَ الْمُشْتَرِي أَوْ حَضَرَ الْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ فَالْقَاضِي لَا يَقْضِي بِهَا لِلْمُسْتَحِقِّ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ عَلَى مَا ادَّعَيَا وَطَلَبَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا لِعَجْزِ الْبَائِعِ عَنْ التَّسْلِيمِ أَجَابَهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ، فَإِنْ فَسَخَ الْقَاضِي الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ وَجَدَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً وَأَقَامَهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّ أَنَّهُ كَانَ اشْتَرَاهَا وَقَبَضَهَا مِنْ الْمُسْتَحِقِّ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ هَذَا الْمُشْتَرِي قَضَى الْقَاضِي بِالْجَارِيَةِ لِلْبَائِعِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَهُ الْمُشْتَرِيَ. وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْكِتَابِ ثُمَّ وَجَدَ الْبَائِعُ الْبَيِّنَةَ وَأَقَامَهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّ يُشِيرُ إلَى أَنَّ شَرْطَ قَبُولِ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ إقَامَتُهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّ. وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَبَضَ الْجَارِيَةَ مِنْ الْبَائِعِ ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا مُسْتَحِقٌّ بِالْبَيِّنَةِ قَضَى بِهَا لِلْمُسْتَحِقِّ وَتُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الْمُشْتَرِي لَا غَيْرُ، وَيَنْقُضُ الْقَاضِي الْبَيْعَ بَيْنَهُمَا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إذَا طَلَب الْمُشْتَرِي، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ فَإِنْ أَقَامَ الْبَائِعُ بَعْدَ ذَلِكَ بَيِّنَةً عَلَى الْمُسْتَحِقِّ أَنَّهُ كَانَ اشْتَرَاهَا مِنْهُ وَقَبَضَهَا قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهَا قَضَى الْقَاضِي بِالْجَارِيَةِ لِلْبَائِعِ وَبَطَلَ قَضَاءُ الْقَاضِي حَتَّى كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يُلْزِمَ الْجَارِيَةَ الْمُشْتَرِيَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلُ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ لَا يَبْطُلُ قَضَاءُ الْقَاضِي بِالْفَسْخِ، وَلَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ أَنْ يُلْزِمَ الْمُشْتَرِيَ ثُمَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمَّا كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يُلْزِمَ الْمُشْتَرِيَ الْجَارِيَةَ، وَإِنْ أَبَى هَلْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ الْبَائِعِ إذَا أَبَى الْبَائِعُ ذَلِكَ؟ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْفَصْلَ هُنَا. قَالَ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ بَعْدَ هَذَا فِي هَذَا الْبَابِ، هَذَا إذَا فَسَخَ الْقَاضِي الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا فَلَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يَفْسَخْ الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا وَلَكِنَّ الْبَائِعَ مَعَ الْمُشْتَرِي اجْتَمَعَا عَلَى الْفَسْخِ حِينَ اُسْتُحِقَّتْ الْجَارِيَةُ مِنْ يَدَيْ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً عَلَى الْمُسْتَحِقِّ وَقَضَى الْقَاضِي لَهُ بِالْجَارِيَةِ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ الْمُشْتَرِيَ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنْ يُنْقِضَ الْبَيْعَ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ بِلَا قَضَاءٍ وَلَا رِضًا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِصِحَّةِ النَّقْضِ هَهُنَا مِنْ قَضَاءٍ أَوْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَطْلُبْ مِنْ الْقَاضِي فَسْخَ الْعَقْدِ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ وَلَكِنْ طَلَبَ مِنْ الْبَائِعِ أَنْ يَرُدَّ الثَّمَنَ عَلَيْهِ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ أَقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً عَلَى الْمُسْتَحِقِّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَأَخَذَ الْجَارِيَةَ مِنْ الْمُسْتَحِقِّ - لَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ الْمُشْتَرِيَ إيَّاهَا. وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ لَمْ يَرُدَّ الثَّمَنَ حَتَّى خَاصَمَهُ الْمُشْتَرِي إلَى الْقَاضِي فُسِخَ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا وَأُلْزِمَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ لِلْمُشْتَرِي فَأَخَذَهُ أَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ حَتَّى أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الْمُسْتَحِقِّ عَلَى مَا قُلْنَا وَأَخَذَ الْجَارِيَةَ، كَانَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ الْمُشْتَرِيَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلُ. رَجُلٌ اشْتَرَى مِنْ آخَرَ عَبْدًا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَقَبَضَهُ وَبَاعَهُ مِنْ آخَرَ وَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي الثَّانِي ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ رَجُلٌ عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي، فَأَقَامَ الْمُشْتَرِي

стр. 1484

الثَّانِي بَيِّنَةً عَلَى الْمُسْتَحِقِّ أَنَّهُ كَانَ بَاعَهُ مِنْ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ بِكَذَا وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ وَالْبَائِعُ الْأَوَّلُ بَاعَهُ مِنْ بَائِعِهِ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، فَإِنْ لَمْ يُقِمْ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ خَاصَمَ بَائِعَهُ - وَهُوَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ - فِي الثَّمَنِ وَقَضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ الْأَوَّلَ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ بَاعَهُ مِنْ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ فَسَلَّمَهُ إلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ وَأَخَذَ الْغُلَامَ مِنْهُ هَلْ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ؟ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلُ لَهُ ذَلِكَ. وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - الْآخَرُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ وَرَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ بِالثَّمَنِ وَقَضَى لَهُ بِهِ عَلَيْهِ فَأَقَامَ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ الْمُسْتَحِقِّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَأَخَذَ الْعَبْدَ مِنْ الْمُسْتَحِقِّ كَانَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَهُ الْمُشْتَرِي عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلُ. وَهَلْ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ أَنْ يُلْزِمَ الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ؟ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلُ ذُكِرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. رَجُلٌ اشْتَرَى مِنْ آخَرَ غُلَامًا وَقَبَضَهُ وَنَقَدَ الثَّمَنَ فَجَاءَ مُسْتَحِقٌّ وَاسْتَحَقَّهُ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي بِالْبَيِّنَةِ وَقَضَى الْقَاضِي بِالْغُلَامِ لِلْمُسْتَحِقِّ ثُمَّ أَقَامَ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً عَلَى الْمُسْتَحِقِّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَمَرَ الْبَائِعَ بِبَيْعِهِ فَبَاعَهُ بِأَمْرِهِ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ، فَإِنْ لَمْ يُقِمْ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ وَرَجَعَ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ وَقَضَى لَهُ بِهِ ثُمَّ إنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الْمُسْتَحِقِّ أَنَّهُ كَانَ أَمَرَ بِبَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ، يُنْظَرُ إنْ كَانَ مَا دُفِعَ إلَى الْمُشْتَرِي عَيْنُ مَا قَبَضَهُ مِنْهُ أَوْ أَمْسَكَ الْمَقْبُوضَ وَرَدَّ مِثْلَهُ أَوْ اسْتَهْلَكَ الْمَقْبُوضَ وَضَمِنَ مِثْلَهُ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ قَدْ هَلَكَ عِنْدَ الْوَكِيلِ وَضَمِنَ الْوَكِيلُ لِلْمُشْتَرِي مِثْلَهُ مِنْ مَالِهِ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ فَإِنْ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ يَسْتَرِدُّ مِنْ الْمُشْتَرِي مَا دَفَعَ إلَيْهِ فَيَأْخُذُ الْغُلَامَ مِنْ الْمُسْتَحِقِّ وَيَدْفَعُهُ إلَى الْمُشْتَرِي عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلُ. وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي بَاعَ الْغُلَامَ مِنْ آخَرَ فَاسْتُحِقَّ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي الْأَخِيرِ وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي الْآخَرُ عَلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ وَقَضَى لَهُ بِهِ فَأَقَامَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ بَيِّنَةً عَلَى أَمْرِ الْمُسْتَحِقِّ لِلْبَائِعِ بِالْبَيْعِ - قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَيَأْخُذُ الْعَبْدَ مِنْ يَدِ الْمُسْتَحِقِّ وَيُلْزِمُ الْمُشْتَرِيَ الْآخَرَ. عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - الْأَخِيرُ فَلَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ الْأَوَّلَ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ رَجَعَ عَلَى بَائِعِهِ بِقَضَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ قَضَاءٍ فَأَقَامَ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ بَيِّنَةً عَلَى أَمْرِ الْمُسْتَحِقِّ - فَهُوَ عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: رَجُلٌ رَهَنَ مِنْ آخَرَ جَارِيَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَيْهِ لِلْمُرْتَهِنِ وَقَبَضَهَا الْمُرْتَهِنُ ثُمَّ أَخَذَهَا الرَّاهِنُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ وَبَاعَهَا مِنْ إنْسَانٍ وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ الْمُرْتَهِنَ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الرَّهْنِ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَهَلْ يَتَمَكَّنُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ فَسْخِ هَذَا الْبَيْعِ؟ رَوَى مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يَتَمَكَّنُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَسَخَ وَإِنْ شَاءَ صَبَرَ حَتَّى يَفْتِكُهَا الرَّاهِنُ فَيَأْخُذُهَا فَإِنْ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي فَسَخَ الْعَقْدَ وَفَسَخَ الْقَاضِي الْعَقْدَ وَقَضَى لَهُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ ثُمَّ إنَّ الْبَائِعَ قَضَى الْمُرْتَهِنَ الْمَالَ وَاسْتَرَدَّهَا، لَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ الْمُشْتَرِيَ. وَلَوْ كَانَ الرَّاهِنُ قَدْ قَضَى الدَّيْنَ وَقَبَضَ الْجَارِيَةَ ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ هَذَا

стр. 1485

الْمُشْتَرِي ثُمَّ إنَّ الْمُرْتَهِنَ جَحَدَ الْقَضَاءَ وَقَضَى الْقَاضِي لَهُ بِالْجَارِيَةِ رَهْنًا وَطَلَبَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ وَفَسَخَ وَرَدَّ الثَّمَنَ عَلَى الْمُشْتَرِي، ثُمَّ أَقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ وَاسْتِرْدَادِهَا قَبْلَ الْبَيْعِ وَأَخَذَهَا وَأَرَادَ أَنْ يُلْزِمَ الْمُشْتَرِيَ هَلْ لَهُ ذَلِكَ، وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى التَّفْصِيلِ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى اسْتَحَقَّهَا الْمُرْتَهِنُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَبَضَهَا فَلَهُ أَنْ يُلْزِمَ الْمُشْتَرِيَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - الْآخَرُ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنَّ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ الْمُشْتَرِيَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، فَهَذَا الْإِطْلَاقُ يَدُلُّ عَلَى وِلَايَةِ الْإِلْزَامِ. عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلُ سَوَاءٌ كَانَتْ الْجَارِيَةُ مُسَلَّمَةً إلَى الْمُشْتَرِي أَوْ لَمْ تَكُنْ وَهُوَ الصَّحِيحُ، كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ. [الْبَابُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ فِي بَيَانِ حُكْمِ مَا يَحْدُثُ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ] (الْبَابُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ فِي بَيَانِ حُكْمِ مَا يَحْدُثُ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ الْقَضَاءِ) قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْجَامِعِ: عَبْدٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ جَاءَ وَادَّعَى أَنَّهُ عَبْدُهُ وَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْيَدِ دَعْوَاهُ فَذَهَبَ الْمُدَّعِي لِيَأْتِيَ بِالشُّهُودِ فَبَاعَ صَاحِبُ الْيَدِ الْعَبْدَ مِنْ رَجُلٍ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ أَوْدَعَ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ مِنْ الْبَائِعِ وَغَابَ ثُمَّ إنَّ الْمُدَّعِيَ أَعَادَ صَاحِبَ الْيَدِ عِنْدَ الْقَاضِي هَذَا لِيُقِيمَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ بِحَقِّهِ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ أَمَّا إنْ عَلِمَ الْقَاضِي بِمَا صَنَعَ ذُو الْيَدِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَلَكِنْ أَقَرَّ الْمُدَّعِي، وَفِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا لَا خُصُومَةَ لِلْمُدَّعِي مَعَ صَاحِبِ الْيَدِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَقَامَ صَاحِبُ الْيَدِ بَيِّنَةً عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعِي بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ صَاحِبُ الْيَدِ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى مَا صَنَعَ فَذَكَرَ أَنَّهُ وَدِيعَةٌ فِي يَدِهِ لِفُلَانٍ بِشِرَاءٍ كَانَ بَعْدَ الْخُصُومَةِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْبَلُ بَيِّنَتَهُ وَلَا تَنْدَفِعُ عَنْهُ الْخُصُومَةُ، وَإِذَا لَمْ تَنْدَفِعْ عَنْهُ خُصُومَةُ الْمُدَّعِي وَقَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِ بِبَيِّنَةِ الْمُدَّعِي، لَوْ حَضَرَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ ذَلِكَ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْ صَاحِبِ الْيَدِ لَا يَسْمَعُ بَيِّنَتَهُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ إذَا اتَّصَلَ بِهِمَا الْقَبْضُ، كَذَا فِي الْكُبْرَى وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي لَمْ يَقْضِ بِشَهَادَةِ شُهُودِ الْمُدَّعِي حَتَّى حَضَرَ الْمُشْتَرِي دَفَعَ ذُو الْيَدِ الْعَبْدَ إلَيْهِ، وَيَجْعَلُ الْقَاضِي الْمُشْتَرِيَ خَصْمًا لِلْمُدَّعِي وَلَا يُكَلِّفُ الْمُدَّعِيَ إعَادَةَ الْبَيِّنَةِ وَإِذَا قَضَى الْقَاضِي عَلَى الْمُشْتَرِي لِلْمُدَّعِي يَبْطُلُ الْبَيْعُ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذِي الْيَدِ وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ. وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ رَجُلٌ وَاحِدٌ ثُمَّ حَضَرَ الْمُشْتَرِي وَدَفَعَ الْعَبْدَ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا آخَرَ عَلَى الْمُشْتَرِي قَضَى لَهُ بِالْعَبْدِ وَلَا يُكَلِّفُ إعَادَةَ الشَّاهِدِ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ ذَا الْيَدِ بَاعَ الْعَبْدَ مِنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يُسَلِّمْهُ إلَى الْمُشْتَرِي حَتَّى حَضَرَ الْمُدَّعِي وَأَقَامَ فِي يَدَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ بَاعَ الْعَبْدَ مِنْ فُلَانٍ وَلَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ لَا يُلْتَفَتُ إلَى بَيِّنَةِ ذِي الْيَدِ، وَيَكُونُ الْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِيمَا إذَا أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الْبَيْعِ وَالْقَبْضِ ثُمَّ الْإِيدَاعِ مِنْهُ. قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْجَامِعِ: رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ عَبْدٌ أَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ عَبْدُهُ اشْتَرَاهُ

стр. 1486

مِنْ الَّذِي فِي يَدَيْهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ وَأَقَامَ ذُو الْيَدِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُ فُلَانٍ أَوْدَعَهُ فَإِنَّ الْخُصُومَةَ لَا تَنْدَفِعُ عَنْهُ وَيُقْضَى بِالْعَبْدِ لِلْمُدَّعِي، فَلَوْ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِالْعَبْدِ لِلْمُدَّعِي حَتَّى حَضَرَ الْمُقَرُّ لَهُ وَصَدَّقَ ذَا الْيَدِ فِيمَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ فَالْقَاضِي يَأْمُرُ ذَا الْيَدِ بِدَفْعِ الْعَبْدِ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ ثُمَّ يَقْضِي الْقَاضِي لِمُدَّعِي الشِّرَاءِ بِالْعَبْدِ وَلَا يُكَلِّفُهُ إعَادَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ، فَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: أَنَا أُعِيدُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَكَانَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْمُقَرَّ لَهُ لَا ذَا الْيَدِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ الْمُدَّعِي: أَنَا لَا أُعِيدُ الْبَيِّنَةَ؛ فَإِنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ذُو الْيَدِ لَا الْمُقَرُّ لَهُ. وَلَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يَقْضِ بِالْعَبْدِ لِلْمُدَّعِي عَلَى الَّذِي حَضَرَ حَتَّى أَقَامَ الَّذِي حَضَرَ بَيِّنَةً أَنَّهُ عَبْدِي أَوْدَعْتُهُ مِنْ صَاحِبِ الْيَدِ أَوْ لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْإِيدَاعِ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَبَطَلَتْ بَيِّنَةُ مُدَّعِي الشِّرَاءِ، ثُمَّ إذَا أَعَادَ مُدَّعِي الشِّرَاءِ الْبَيِّنَةَ عَلَى رَبِّ الْعَبْدِ أَنَّهُ لِلَّذِي فِي يَدَيْهِ وَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَنَقَدَ الثَّمَنَ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ أَمَّا إنْ أَعَادَ الْبَيِّنَةَ عَلَى رَبِّ الْعَبْدِ بَعْدَ مَا قَضَى الْقَاضِي لِرَبِّ الْعَبْدِ بِبَيِّنَةٍ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَضَاءِ يَقْبَلُ بَيِّنَةَ مُدَّعِي الشِّرَاءِ مَتَى أَعَادَهَا عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ. (ثُمَّ هُنَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ) إحْدَاهَا مَا ذَكَرْنَا أَنَّ مُدَّعِيَ الشِّرَاءِ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ فَقَبْلَ الْقَضَاءِ لَهُ أَقَرَّ صَاحِبُ الْيَدِ بِالْعَبْدِ لِإِنْسَانٍ وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ. وَثَانِيَتُهَا إذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى الشِّرَاءِ مِنْ ذِي الْيَدِ فَأَقَرَّ ذُو الْيَدِ بِالْعَبْدِ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ، ثُمَّ حَضَرَ وَصَدَّقَ الْمُقِرَّ فِي إقْرَارِهِ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِدَفْعِ الْعَبْدِ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ، فَإِنْ أَقَامَ مُدَّعِي الشِّرَاءِ شَاهِدًا آخَرَ عَلَى الشِّرَاءِ قَضَى بِالْعَبْدِ لَهُ وَلَا يُكَلِّفُهُ الْقَاضِي إعَادَةَ الشَّاهِدِ الْأَوَّلِ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ وَيَكُونُ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ ذَا الْيَدِ دُونَ الْمُقَرِّ لَهُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ مُدَّعِي الشِّرَاءِ إذَا لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذِي الْيَدِ حَتَّى أَقَرَّ ذُو الْيَدِ أَنَّ الْعَبْدَ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ ثُمَّ حَضَرَ الْمُقَرُّ لَهُ وَصَدَّقَهُ وَدَفَعَ الْعَبْدَ إلَيْهِ، ثُمَّ أَقَامَ مُدَّعِي الشِّرَاءِ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ وَقَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ، كَانَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْمُقَرَّ لَهُ. وَفِي آخِرِ دَعْوَى الْجَامِعِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ دَارٌ جَاءَ رَجُلٌ وَادَّعَى أَنَّهَا دَارُهُ وَطَلَبَ الْقَاضِي مِنْ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ فَقَامَا مِنْ عِنْدِ الْقَاضِي وَبَاعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّارَ مِنْ رَجُلٍ فَبَيْعُهُ صَحِيحٌ حَتَّى لَوْ تَقَدَّمَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي وَجَاءَ الْمُدَّعِي بِشُهُودٍ يَشْهَدُونَ أَنَّ الدَّارَ لَهُ وَقَدْ عَلِمَ الْقَاضِي بِبَيْعِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعِي بِذَلِكَ فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَاحِدًا ثُمَّ قَامَا مِنْ عِنْدِ الْقَاضِي فَبَاعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّارَ مِنْ رَجُلٍ فَبَيْعُهُ صَحِيحٌ حَتَّى لَوْ تَقَدَّمَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي وَجَاءَ الْمُدَّعِي بِالشَّاهِدِ الْآخَرِ فَالْقَاضِي لَا يَسْمَعُ خُصُومَةَ الْمُدَّعِي إذَا عَلِمَ الْقَاضِي بِالْبَيْعِ أَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعِي بِذَلِكَ. وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعِي أَقَامَ شَاهِدَيْنِ فَعَدَلَا فَلَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا ثُمَّ قَامَا مِنْ عِنْدِ الْقَاضِي وَبَاعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّارَ مِنْ الْمُدَّعِي لَا يَصِحُّ حَتَّى لَوْ تَقَدَّمَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي، فَالْقَاضِي يَقْضِي بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ وَإِنْ أَقَرَّ الْمُدَّعِي بِبَيْعِهِ أَوْ عَلِمَ الْقَاضِي بِذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَبَيْنَ الشَّاهِدَيْنِ وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ

стр. 1487

عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَبَيْنَ الشَّاهِدَيْنِ وَأَبْطَلَ بَيْعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَيِّنَتَهُ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا. وَوَجْهُ الْفَرْقِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ بِإِقَامَةِ الشَّاهِدَيْنِ إنْ لَمْ تَثْبُتْ حَقِيقَةُ الْمِلْكِ لِلْمُدَّعِي فِي الْمُدَّعَى بِهِ لَكِنْ ثَبَتَ حَقُّ الْمِلْكِ لِوُجُودِ الْحُجَّةِ بِكَمَالِهَا، وَحَقُّ الْمِلْكِ لِلْمُدَّعِي فِي الْمُدَّعَى بِهِ يَمْنَعُ صِحَّةَ بَيْعِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ صِيَانَةً لِحَقِّ الْمُدَّعِي إنَّمَا أَقَرَّ بِبَيْعٍ بَاطِلٍ وَالْقَاضِي عَلِمَ بَيْعًا بَاطِلًا فَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ دَافِعًا خُصُومَةَ الْمُدَّعِي. أَمَّا بِإِقَامَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فَكَمَا لَمْ تَثْبُتْ حَقِيقَةُ الْمِلْكِ لِلْمُدَّعِي لَمْ يَثْبُتْ حَقُّ الْمِلْكِ لِنُقْصَانٍ فِي الْحُجَّةِ، فَكَانَ تَصَرُّفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَاصِلًا فِي خَالِصِ مِلْكِهِ فَصَحَّ فَالْمُدَّعِي أَقَرَّ بِبَيْعٍ صَحِيحٍ وَالْقَاضِي عَلِمَ بَيْعًا صَحِيحًا فَصَلُحَ دَافِعًا خُصُومَةَ الْمُدَّعِي. قَالَ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ عَبْدٌ ادَّعَاهُ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ أَوْدَعَهُ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ وَذُو الْيَدِ يَجْحَدُ ذَلِكَ أَوْ لَا يَجْحَدُ وَلَا يُقِرُّ بَلْ يَسْكُتُ فَلَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ لِعَدَمِ ظُهُورِ عَدَالَتِهِمْ حَتَّى أَقَرَّ ذُو الْيَدِ لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ أَنَّهُ عَبْدُهُ أَوْدَعْنِيهِ - فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَدْفَعُ الْعَبْدَ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ فَإِذَا عَدَلَتْ الشُّهُودُ قَضَى بِالْعَبْدِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقْضِيَ بِجَمِيعِ الْعَبْدِ لِلَّذِي لَمْ يُقِرَّ لَهُ ذُو الْيَدِ؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ لَمَّا صَدَّقَ ذَا الْيَدِ فِيمَا أَقَرَّ وَأَخَذَ الْعَبْدَ صَارَ الْعَبْدُ مِلْكًا لَهُ رَقَبَةً وَيَدًا فَصَارَ الْمُقَرُّ لَهُ مَعَ صَاحِبِهِ بِمَنْزِلَةِ الْخَارِجِ مَعَ ذِي الْيَدِ. أَمَّا إذَا أَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فَيَقْضِي بِكُلِّ الْعَبْدِ لِلْخَارِجِ وَاعْتَبَرَهُ بِمَا لَوْ أَقَرَّ ذُو الْيَدِ لِأَحَدِهِمَا قَبْلَ أَنْ يُقِيمَا الْبَيِّنَةَ، ثُمَّ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى مَا ادَّعَى كَانَ الْعَبْدُ كُلُّهُ لِلَّذِي لَمْ يُقِرَّ لَهُ ذُو الْيَدِ لِمَا قُلْنَا، فَهَهُنَا كَذَلِكَ وَالْجَوَابُ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَبَيْنَهُمَا بَعْدَهَا أَنَّ التَّزْكِيَةَ لَا تَجْعَلُ الْبَيِّنَةَ حُجَّةً بَلْ يَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ أَنَّ كَوْنَهَا حُجَّةً مُثْبِتَةً لِلِاسْتِحْقَاقِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَمَتَى كَانَ الْإِقْرَارُ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَعِنْدَ ظُهُورِ الْعَدَالَةِ يَظْهَرُ الِاسْتِحْقَاقُ قَبْلَ الْإِقْرَارِ فَيَظْهَرُ أَنَّ الْإِقْرَارَ كَانَ بَاطِلًا لِصُدُورِهِ عَنْ شَخْصٍ ظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ وَمَتَى بَطَلَ الْإِقْرَارُ بَطَلَ التَّصْدِيقُ ضَرُورَةً؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ فَصَارَ وُجُودُ الْإِقْرَارِ وَعَدَمُهُ بِمَنْزِلَةٍ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الشَّهَادَةُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ فَظُهُورُ الْعَدَالَةِ لَا يُظْهِرُ الِاسْتِحْقَاقَ قَبْلَ الْإِقْرَارِ فَلَا يَتَعَيَّنُ بُطْلَانُ الْإِقْرَارِ. وَإِذَا لَمْ يَبْطُلْ الْإِقْرَارُ صَارَ الْمُقَرُّ لَهُ صَاحِبَ يَدٍ وَغَيْرُ الْمُقَرِّ لَهُ خَارِجًا فَيَقْضِي بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ، وَلَوْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُدَّعِيَيْنِ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى مَا ادَّعَاهُ ثُمَّ أَقَرَّ ذُو الْيَدِ بِالْعَبْدِ لِأَحَدِهِمَا يُدْفَعُ الْعَبْدُ إلَيْهِ وَلَا يَبْطُلُ مَا أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، فَإِنْ أَقَامَ غَيْرُ الْمُقَرِّ لَهُ شَاهِدًا آخَرَ قَضَى بِالْعَبْدِ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَقْضِ لَهُ حَتَّى جَاءَ الْمُقَرُّ لَهُ بِشَاهِدٍ آخَرَ قَضَى بِالْعَبْدِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، إلَّا أَنْ يَقُولَ الَّذِي لَمْ يُقِرَّ لَهُ ذُو الْيَدِ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ بِالْعَبْدِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ: إنِّي أُعِيدُ شَاهِدِي الْأَوَّلَ وَأُقِيمُهَا مَعَ شَاهِدِي الْآخَرِ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ؛ فَحِينَئِذٍ يَقْضِي بِكُلِّ الْعَبْدِ لَهُ. وَلَوْ قَالَ غَيْرُ الْمُقَرِّ لَهُ: قَدْ مَاتَ شَاهِدِي الْأَوَّلُ أَوْ غَابَ، يُقَالُ لَهُ: هَاتِ بِشَاهِدٍ آخَرَ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ وَيَقْضِي لَك بِكُلِّ الْعَبْدِ، فَإِذَا أَقَامَ شَاهِدًا آخَرَ يُضَمُّ الثَّانِي مَعَ الْأَوَّلِ فَيَقْضِي بِالْعَبْدِ كُلِّهِ لَهُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُقَرُّ لَهُ شَاهِدًا آخَرَ مَعَ الشَّاهِدِ

стр. 1488

الْأَوَّلِ أَوْ يُقِيمَ شَاهِدَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا. عَبْدٌ بَيْنَ يَدَيْ رَجُلٍ أَقَامَ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ عَبْدُهُ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ وَذُو الْيَدِ جَاحِدٌ، أَوْ سَاكِتٌ فَقُضِيَ بِالْعَبْدِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، ثُمَّ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَقَامَ عَلَى صَاحِبِهِ تِلْكَ الْبَيِّنَةَ أَوْ غَيْرَهَا أَنَّ الْعَبْدَ عَبْدُهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ، وَلَا يُقْضَى لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ، وَلَوْ عَدَلَتْ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا، وَلَمْ تَعْدِلْ بَيِّنَةُ الْآخَرِ أَوْ لَمْ يُقِمْ الْآخَرُ شَاهِدًا أَصْلًا، أَوْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا فَقُضِيَ بِهِ لِمَنْ عَدَلَتْ بَيِّنَتُهُ، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ قُضِيَ لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ بِهِ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْمَقْضِيِّ بِهِ لَا حَقِيقَةُ الْمِلْكِ، وَلَا حَقُّ الْمِلْكِ؛ لِعَدَمِ الْحُجَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَضَاءِ عَلَى الْإِنْسَانِ بِإِزَالَةِ الِاسْتِحْقَاقِ الثَّابِتِ لَهُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْحَقُّ ثَابِتًا لَهُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ إزَالَتُهُ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَبَيِّنَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ فَلَمْ تُزَكَّ بَيِّنَتُهُ حَتَّى أَقَرَّ ذُو الْيَدِ أَنَّ الْعَبْدَ لِلَّذِي لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ وَدَفَعَ الْقَاضِي الْعَبْدَ إلَى الْمَقَرِّ لَهُ، ثُمَّ زُكِّيَتْ بَيِّنَةُ الَّذِي أَقَامَهَا وَأَخَذَ صَاحِبُ الْبَيِّنَةِ الْعَبْدَ مِنْ الْمُقِرِّ لَهُ، ثُمَّ إنَّ الْمَقَرَّ لَهُ أَتَى بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ عَبْدُهُ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَقُضِيَ لَهُ بِالْعَبْدِ، فَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي - وَهُوَ غَيْرُ الْمَقَرِّ لَهُ -: أَنَا أُعِيدُ شُهُودِي عَلَى الْمَقَرِّ لَهُ، هَلْ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ؟ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: إنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَمَا قُضِيَ بِبَيِّنَتِهِ لَا تُسْمَعُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِبَيِّنَةِ الْمَقَرِّ لَهُ قُبِلَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْبَابُ التَّاسِعُ وَالْعُشْرُونَ فِي بَيَانِ مَنْ يُشْتَرَطُ حُضُورُهُ لِسَمَاعِ الْخُصُومَةِ وَالْبَيِّنَةِ] (الْبَابُ التَّاسِعُ وَالْعُشْرُونَ فِي بَيَانِ مَنْ يُشْتَرَطُ حُضُورُهُ لِسَمَاعِ الْخُصُومَةِ وَالْبَيِّنَةِ وَحُكْمِ الْقَاضِي وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ) قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ مِنْ يَدِ مُشْتَرِيهِ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ وَقَضَى الْقَاضِي بِالْعَبْدِ لِلْمُسْتَحِقِّ وَقَصَرَ يَدَ الْمُشْتَرِي عَنْ الْعَبْدِ وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ فَأَقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ نَتَجَ فِي مِلْكِي مِنْ أَمَتِي وَأَنَّ الْقَضَاءَ لِلْمُسْتَحِقِّ وَقَعَ بَاطِلًا وَلَيْسَ لَكَ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَيَّ بِالثَّمَنِ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ إذَا أَقَامَهَا بِحَضْرَةِ الْمُسْتَحِقِّ، كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ. وَكَذَا إذَا أَقَامَ الْبَائِعُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ نَتَجَ فِي مِلْكِ بَائِعِي مِنْ أَمَتِهِ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ إذَا أَقَامَهَا بِحَضْرَةِ الْمُسْتَحِقِّ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْبَائِعِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ، وَإِنَّ الْبَائِعَ صَارَ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ بِالْقَضَاءِ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ عَلَى ذِي الْيَدِ قَضَاءٌ عَلَى مَنْ تَلَقَّى ذُو الْيَدِ الْمِلْكَ مِنْ جِهَتِهِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، الْبَائِعُ صَارَ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ وَلَكِنْ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ لَا بِالنَّتَاجِ، وَالْبَائِعُ هَهُنَا لَا يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، وَإِنَّمَا يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى النَّتَاجِ وَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ بِجِهَةٍ إنَّمَا لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ فِي الْجِهَةِ الَّتِي صَارَ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ لَا فِي جِهَةٍ أُخْرَى. أَلَا يُرَى أَنَّ مَنْ ادَّعَى دَابَّةً فِي يَدِ إنْسَانٍ مِلْكًا مُطْلَقًا وَصَاحِبُ الْيَدِ يَدَّعِي النَّتَاجَ فَلَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً عَلَى النَّتَاجِ حَتَّى قَضَى الْقَاضِي بِالدَّابَّةِ لِلْمُسْتَحِقِّ، ثُمَّ وَجَدَ صَاحِبُ الْيَدِ بَيِّنَةً عَلَى النَّتَاجِ وَأَقَامَهَا قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَقُضِيَ

стр. 1489

بِالدَّابَّةِ لَهُ، وَإِنْ صَارَ ذُو الْيَدِ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ لَا بِالنَّتَاجِ فَقُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ عَلَى النَّتَاجِ لِهَذَا إلَيْهِ أَشَارَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ، ثُمَّ إنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - شَرَطَ حَضْرَةَ الْمُسْتَحِقِّ لِقَبُولِ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ مِنْ الْبَائِعِ، وَبَعْضُ الْمَشَايِخِ أَبَوْا ذَلِكَ وَقَالُوا يَنْبَغِي أَنْ لَا تُشْتَرَطَ حَضْرَةُ الْمُسْتَحِقِّ، وَهَكَذَا حَكَمَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِفَرْغَانَةَ، وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - قَالُوا: لَا، بَلْ حَضْرَةُ الْمُسْتَحِقِّ شَرْطٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَفِي الذَّخِيرَةِ وَقِيلَ: عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - الْآخَرِ تُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الْمُسْتَحِقِّ، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلِ لَا تُشْتَرَطُ حَضْرَتُهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ وَأَشْبَهُ وَفِي دَعْوَى الْمُسْتَأْجِرِ تُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الْآجِرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلْآجِرِ وَالْيَدَ لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَكَذَلِكَ فِي دَعْوَى الرَّهْنِ تُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلرَّاهِنِ وَالْيَدَ لِلْمُرْتَهِنِ وَإِذَا أَرَادَ الشَّفِيعُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي تُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي لِلْقَضَاءِ بِالشُّفْعَةِ، فَإِذَا اسْتَحَقَّ الْمُسْتَعَارَ رَجُلٌ بِالْبَيِّنَةِ يُشْتَرَطُ لِلْقَضَاءِ لَهُ حَضْرَةُ الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ جَمِيعًا. وَفِي دَعْوَى الضِّيَاعِ هَلْ تُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الْمُزَارِعِينَ؟ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - بَعْضُهُمْ اشْتَرَطَ وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَشْتَرِطْ وَبَعْضُهُمْ قَالَ: إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِمْ تُشْتَرَطُ حَضْرَتُهُمْ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ لَا تُشْتَرَطُ حَضْرَتُهُمْ. وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ نِكَاحَ امْرَأَةٍ وَلَهَا زَوْجٌ ظَاهِرٌ تُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الزَّوْجِ الظَّاهِرِ لِاسْتِمَاعِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ. وَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَتَرَكَ أَشْيَاءَ يُمْكِنُ نَقْلُهَا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لِتَرِكَتِهِ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ، وَلَا وَصِيٌّ فَالْقَاضِي يَنْصِبُ لَهُ وَصِيًّا لِيَبِيعَ تَرِكَتَهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ إحْضَارُ التَّرِكَةِ لِنَصْبِ الْوَصِيِّ وَهَلْ يُشْتَرَطُ إحْضَارُهَا لِإِثْبَاتِ التَّرِكَةِ؟ فَقَدْ قِيلَ: يُشْتَرَطُ، وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ وَإِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إفْلَاسِ الْمَحْبُوسِ لَا يُشْتَرَطُ لِسَمَاعِهَا حَضْرَةُ رَبِّ الدَّيْنِ وَلَكِنْ إنْ كَانَ رَبُّ الدَّيْنِ حَاضِرًا، أَوْ وَكِيلُهُ فَالْقَاضِي يُطْلِقُهُ بِحَضْرَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا حَاضِرًا فَالْقَاضِي يُطْلِقُهُ بِكَفِيلٍ، وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى صَغِيرٍ شَيْئًا وَلَهُ وَصِيٌّ حَاضِرٌ - يُرِيدُ بِهِ الصَّغِيرَ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ - لَا تُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الصَّغِيرِ هَكَذَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ كِتَابِ الْقِسْمَةِ، وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَمَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ دَيْنًا، أَوْ عَيْنًا وَجَبَ الدَّيْنُ بِمُبَاشَرَةِ هَذَا الْوَصِيِّ، أَوْ وَجَبَ لَا بِمُبَاشَرَتِهِ وَذَكَرَ النَّاطِفِيُّ فِي أَجْنَاسِهِ إذَا كَانَ الدَّيْنُ وَاجِبًا بِمُبَاشَرَةِ هَذَا الْوَصِيِّ لَا يُشْتَرَطُ إحْضَارُ الصَّغِيرِ وَفِي أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا وَقَعَتْ الدَّعْوَى عَلَى الصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ إنْ لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ لَا يَكُونُ لَهُ إحْضَارُ الصَّغِيرِ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي الِاسْتِهْلَاكَ فَلَهُ حَقُّ إحْضَارِهِ وَلَكِنْ يَحْضُرُ مَعَهُ أَبُوهُ حَتَّى إذَا لَزِمَ الصَّبِيَّ شَيْءٌ يُؤَدِّي عَنْهُ أَبُوهُ مِنْ مَالِهِ. وَفِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ: إنَّ إحْضَارَ الصَّبِيِّ فِي الدَّعْوَى شَرْطٌ، وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ شَرَطَ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ الصَّغِيرُ مُدَّعِيًا، أَوْ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَى ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّبِيِّ وَصِيٌّ

стр. 1490

وَطَلَبَ الْمُدَّعِي مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَنْصِبَ عَنْهُ وَصِيًّا أَجَابَهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ وَتُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الصَّغِيرِ عِنْدَ نَصْبِ الْوَصِيِّ لِلْإِشَارَةِ إلَيْهِ، وَمِنْ مَشَايِخِ زَمَانِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ أَبَى ذَلِكَ وَقَالَ: لَوْ الصَّبِيُّ فِي الْمَهْدِ يُشْتَرَطُ إحْضَارُ الْمَهْدِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ وَأَشْبَهُ بِالْفِقْهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَلَوْ وَقَعَتْ الدَّعْوَى عَلَى مَرِيضٍ، أَوْ عَلَى امْرَأَةٍ مُخَدَّرَةٍ لَا يُشْتَرَطُ إحْضَارُهُمَا كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. وَفِي الْمَأْذُونِ الْكَبِيرِ إذَا لَحِقَهُ دَيْنُ التِّجَارَةِ وَطَلَبَ الْغُرَمَاءُ مِنْ الْقَاضِي بَيْعَ الْعَبْدِ فَالْقَاضِي لَا يَبِيعُ الْعَبْدَ إلَّا بِحَضْرَةِ الْمَوْلَى وَفِي الْمَأْذُونِ الْكَبِيرِ أَيْضًا إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ بِغَصْبٍ اغْتَصَبَهُ، أَوْ بِوَدِيعَةٍ اسْتَهْلَكَهَا، أَوْ جَحَدَهَا، أَوْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِذَلِكَ، أَوْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِبَيْعٍ، أَوْ شِرَاءٍ، أَوْ بِإِجَارَةٍ وَأَنْكَرَ الْعَبْدُ ذَلِكَ وَمَوْلَاهُ غَائِبٌ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَلَا تُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الْمَوْلَى، وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ عَبْدٌ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِاسْتِهْلَاكِ مَالٍ، أَوْ غَصْبٍ اغْتَصَبَهُ وَجَحَدَ الْعَبْدُ ذَلِكَ لَا تُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ إلَّا بِحَضْرَةِ الْمَوْلَى. وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُقْبَلُ مَعْنَاهُ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ عَلَى الْمَوْلَى حَتَّى لَا يُخَاطَبَ الْمَوْلَى بِبَيْعِ الْعَبْدِ، أَمَّا عَلَى الْعَبْدِ فَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ وَيَقْضِي الْقَاضِي عَلَيْهِ حَتَّى يُؤَاخَذَ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ هَكَذَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْمَأْذُونِ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى حَاضِرًا مَعَ الْعَبْدِ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي ادَّعَى اسْتِهْلَاكَ مَالٍ، أَوْ غَصْبٍ قَالَ فَالْقَاضِي يَقْضِي عَلَى الْمَوْلَى، وَإِنْ ادَّعَى اسْتِهْلَاكَ وَدِيعَةٍ، أَوْ اسْتِهْلَاكَ بِضَاعَةٍ عَلَى الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - الْقَاضِي لَا يَسْمَعُ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَوْلَى، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَوْلَى. وَالصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ الَّذِي أَذِنَ لَهُ أَبُوهُ، أَوْ وَصِيُّ أَبِيهِ فِي التِّجَارَةِ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ مِنْ ضَمَانِ التِّجَارَةِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ إنْ كَانَ الَّذِي أَذِنَ لَهُ غَائِبًا. وَإِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ بِقَتْلٍ عَمْدًا أَوْ قَذْفِ امْرَأَةٍ، أَوْ زِنًا، أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ وَالْعَبْدُ يُنْكِرُ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى حَاضِرًا قُضِيَ لَهُ بِذَلِكَ عَلَى الْعَبْدِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ حَاضِرًا وَالْمَوْلَى غَائِبًا فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - الْقَاضِي لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْقَاضِي يَقْضِي لَهُ عَلَيْهِ بِالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ كَمَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِالْحَدِّ أَوْ الْقِصَاصِ قَبْلَ الْإِذْنِ، وَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِ الْعَبْدِ إنْ شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِهِ بِالْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ - تَعَالَى - كَحَدِّ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ لَا تُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِهِ بِالْقَذْفِ، أَوْ الْقَتْلِ الْعَمْدِ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ حَالَ حَضْرَةِ الْمَوْلَى وَيُقْضَى بِالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى غَائِبًا فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى الْخِلَافِ، وَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِ الْعَبْدِ. وَلَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى صَبِيٍّ مَأْذُونٍ، أَوْ مَعْتُوهٍ مَأْذُونٍ لَهُ بِقَتْلِ عَمْدٍ، أَوْ قَذْفٍ، أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ، أَوْ زِنًا فَفِيمَا عَدَا الْقَتْلَ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ سَوَاءٌ كَانَ الْآذِنُ حَاضِرًا، أَوْ غَائِبًا وَفِيمَا إذَا شَهِدُوا بِالْقَتْلِ الْخَطَأِ إنْ كَانَ الْآذِنُ حَاضِرًا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ وَيُقْضَى بِالدِّيَةِ عَلَى

стр. 1491

الْعَاقِلَةِ، وَإِنْ كَانَ الْآذِنُ غَائِبًا لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ، وَقِيلَ: لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى قَتْلِ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً إنْ كَانَ الْآذِنُ حَاضِرًا قُبِلَتْ الْبَيِّنَةُ وَقُضِيَ بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَا تُقْبَلُ، وَإِنْ شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ بِبَعْضِ مَا ذَكَرْنَا لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ سَوَاءٌ كَانَ الْآذِنُ حَاضِرًا، أَوْ غَائِبًا، وَإِنْ شَهِدُوا عَلَى عَبْدٍ مَأْذُونٍ لَهُ بِسَرِقَةِ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَوْ أَكْثَرَ، وَهُوَ يَجْحَدُ، فَإِنْ كَانَ مَوْلَاهُ حَاضِرًا قُطِعَ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا وَهَلْ يَضْمَنُ السَّرِقَةَ؟ إنْ كَانَ اسْتَهْلَكَهَا يَضْمَنُ، وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً رَدَّهَا عَلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى غَائِبًا لَا يُقْطَعُ الْعَبْدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَيَضْمَنُ السَّرِقَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُقْضَى بِالْقَطْعِ. وَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ شَهِدُوا بِسَرِقَةِ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ قَضَى الْقَاضِي بِالْمَالِ، وَلَا يَقْضِي بِالْقَطْعِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَوْلَى حَاضِرًا، أَوْ غَائِبًا، وَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِ الْمَأْذُونِ بِسَرِقَةِ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَالْمَوْلَى غَائِبٌ فَالْقَاضِي يَقْضِي بِالْمَالِ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَا يَقْضِي بِالْقَطْعِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَقْضِي بِالْقَطْعِ، وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى عَبْدٍ مَحْجُورٍ بِسَرِقَةِ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى غَائِبًا فَالْقَاضِي لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِشَيْءٍ لَا بِالْقَطْعِ، وَلَا بِالْمَالِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ بِالسَّرِقَةِ فَالْقَاضِي لَا يَقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ أَصْلًا إنْ كَانَ الْمَوْلَى غَائِبًا، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا لَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمَوْلَى حَتَّى لَا يُقْطَعَ الْعَبْدُ، وَلَا يُؤَاخَذُ الْمَوْلَى بِبَيْعِهِ لِأَجْلِ الْمَالِ وَلَكِنْ يُؤَاخَذُ الْعَبْدُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [الْبَابُ الثَّلَاثُونَ فِي نَصْبِ الْوَصِيِّ وَالْقَيِّمِ وَإِثْبَاتِ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْقَاضِي] وَإِذَا تَرَكَ الرَّجُلُ مَالًا فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا وَوَرَثَتُهُ فِي بَلْدَةٍ أُخْرَى فَادَّعَى عَلَيْهِ قَوْمٌ حُقُوقًا وَأَمْوَالًا هَلْ يَنْصِبُ الْقَاضِي عَنْ الْمَيِّتِ وَصِيًّا لِيُثْبِتَ لِلْغُرَمَاءِ الدُّيُونَ وَالْحُقُوقَ عَلَى الْمَيِّتِ؟ ذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَدَبِ الْقَاضِي فِي بَابِ إثْبَاتِ الْحُقُوقِ عَلَى الْمَيِّتِ أَنَّ هَذِهِ الْبَلْدَةَ إنْ كَانَتْ مُنْقَطِعَةً عَنْ تِلْكَ الْبَلْدَةِ، وَلَا تَذْهَبُ الْعِيرُ مِنْ هُنَا إلَى ثَمَّةَ، وَلَا يَأْتِي مِنْ ثَمَّةَ إلَى هُنَا يَعْنِي فِي الْغَالِبِ فَالْقَاضِي يَنْصِبُ عَنْهُ وَصِيًّا كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُنْقَطِعَةً لَا يَنْصِبُ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ. وَذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي نَفَقَاتِهِ فِي بَابِ نَفَقَةِ الْمَرْأَةِ إذَا مَاتَ الرَّجُلُ، وَلَمْ يُوصِ إلَى أَحَدٍ وَلَهُ أَوْلَادٌ صِغَارٌ وَكِبَارٌ فَالْقَاضِي يَنْصِبُ وَصِيًّا فِي مَالِهِ وَقَالَ الشَّيْخُ الْأَجَلُّ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَلِلْقَاضِي أَنْ يَنْصِبَ الْوَصِيَّ فِي مَالِ الْمَيِّتِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ، أَوْ تَكُونَ الْوَرَثَةُ صِغَارًا، أَوْ يَكُونَ الْمَيِّتُ أَوْصَى بِوَصَايَا فَيَنْصِبُ وَصِيًّا لِيُنَفِّذَ وَصَايَاهُ، وَإِنَّمَا يَنْصِبُ الْقَاضِي الْوَصِيَّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَفِيمَا عَدَاهَا فَلَا، وَمَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَدَبِ

стр. 1492

الْقَاضِي لَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِمَّا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ نَصْبُ الْوَصِيِّ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَالْمُرَادُ مِمَّا ذَكَرَ الْخَصَّافُ نَصْبُ الْوَصِيِّ لِإِثْبَاتِ الدَّيْنِ. وَإِذَا هَلَكَ الرَّجُلُ وَتَرَكَ عُرُوضًا وَعَقَارًا وَعَلَيْهِ دُيُونٌ وَلَهُ وَرَثَةٌ كِبَارٌ فَامْتَنَعَتْ الْوَرَثَةُ عَنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ وَعَنْ بَيْعِ التَّرِكَةِ وَقَالُوا لِرَبِّ الدَّيْنِ: سَلَّمْنَا التَّرِكَةَ إلَيْكَ فَأَنْت أَعْلَمُ بِهِ، فَالْقَاضِي هَلْ يَنْصِبُ وَصِيًّا لِلْمَيِّتِ؟ فَقَدْ قِيلَ: يَنْصِبُ، وَقَدْ قِيلَ: لَا يَنْصِبُ وَيَأْمُرُ الْوَرَثَةَ بِالْبَيْعِ، فَإِنْ أَبَوْا حَبَسَهُمْ حَتَّى يَبِيعُوا، فَإِذَا حَبَسَهُمْ الْقَاضِي، وَلَمْ يَبِيعُوا الْآنَ يَبِيعُ بِنَفْسِهِ، أَوْ يَنْصِبُ وَصِيًّا لِلْمَيِّتِ لِيَبِيعَ الْوَصِيُّ إيفَاءً لِصَاحِبِ الدَّيْنِ بِقَدْرِ الْمُمْكِنِ، وَإِذَا نَصَبَ الْقَاضِي وَصِيًّا فِي تَرِكَةِ الْأَيْتَامِ وَالْأَيْتَامُ فِي وِلَايَتِهِ، وَلَمْ تَكُنْ التَّرِكَةُ فِي وِلَايَتِهِ، أَوْ كَانَتْ التَّرِكَةُ فِي وِلَايَتِهِ وَالْأَيْتَامُ لَمْ يَكُونُوا فِي وِلَايَتِهِ، أَوْ كَانَ بَعْضُ التَّرِكَةِ فِي وِلَايَتِهِ وَالْبَعْضُ لَمْ يَكُنْ فِي وِلَايَتِهِ حُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ: يَصِحُّ النَّصْبُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَيَصِيرُ الْوَصِيُّ وَصِيًّا فِي جَمِيعِ التَّرِكَةِ أَيْنَمَا كَانَتْ التَّرِكَةُ وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ رُكْنُ الْإِسْلَامِ عَلِيٌّ السُّغْدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: مَا كَانَ مِنْ التَّرِكَةِ فِي وِلَايَتِهِ يَصِيرُ وَصِيًّا فِيهِ وَمَا لَا فَلَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. الْقَاضِي إذَا نَصَبَ مُتَوَلِّيًا فِي وَقْفٍ، وَلَمْ يَكُنْ الْوَقْفُ وَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ فِي وِلَايَتِهِ حُكِيَ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ إذَا وَقَعَتْ الْمُطَالَبَةُ فِي مَجْلِسِهِ صَحَّ النَّصْبُ وَقَالَ الْقَاضِي رُكْنُ الْإِسْلَامِ عَلِيٌّ السُّغْدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَصِحُّ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ فِي وِلَايَتِهِ، فَإِنْ كَانُوا طَلَبَةَ الْعِلْمِ أَوْ أَهْلَ قَرْيَةٍ، أَوْ أُنَاسًا مَعْدُودِينَ، أَوْ كَانَ خَانًا، أَوْ رِبَاطًا، أَوْ مَسْجِدًا، وَلَمْ تَكُنْ الضَّيْعَةُ الْمَوْقُوفَةُ فِي وِلَايَتِهِ فَنَصَبَ مُتَوَلِّيًا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَصِحُّ وَيُعْتَبَرُ التَّظَالُمُ وَالْمُرَافَعَةُ، وَقَالَ رُكْنُ الْإِسْلَامِ: إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ حَاضِرًا لَا يَصِحُّ النَّصْبُ، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا يَصِحُّ النَّصْبُ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. رَجُلٌ جَاءَ إلَى قَاضٍ مِنْ الْقُضَاةِ وَقَالَ: إنَّ أَبَى فُلَانًا مَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ وَتَرَكَ عُرُوضًا وَعَقَارًا، وَلَمْ يُوصِ إلَى أَحَدٍ وَأَنَا لَا أَسْتَطِيعُ بَيْعَ مَا تَرَكَ لِأَقْضِيَ دَيْنَهُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ النَّاحِيَةِ لَا يَعْرِفُونَنِي. لَا بَأْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ: إنْ كُنْت صَادِقًا فَبِعْ الْمَالَ وَاقْضِ الدَّيْنَ. إنْ كَانَ صَادِقًا وَقَعَ مَوْقِعَهُ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا لَا يَعْمَلُ أَمْرَ الْقَاضِي. وَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ، وَقَدْ كَانَ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ أَيْ جَعَلَهُ وَصِيًّا وَقَبِلَ الْوَصِيُّ الْوِصَايَةَ فِي حَيَاتِهِ، أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَجَاءَ إلَى الْقَاضِي يُرِيدُ إثْبَاتَ وِصَايَتِهِ فَالْقَاضِي يَنْظُرُ فِيهِ إنْ كَانَ أَهْلًا لِلْوِصَايَةِ يَسْمَعُ دَعْوَاهُ إذَا أَحْضَرَ مَعَ نَفْسِهِ مِنْ يَصْلُحُ خَصْمًا حَتَّى أَنَّ الْمُدَّعِيَ إنْ كَانَ عَبْدًا، أَوْ صَبِيًّا فَالْقَاضِي لَا يَسْمَعُ دَعْوَاهُمَا وَهَلْ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُمَا؟ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ، فَإِنْ عَتَقَ الْعَبْدُ فَالْقَاضِي يَسْمَعُ دَعْوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَقْضِي بِوِصَايَتِهِ، وَإِنْ كَبِرَ الصَّبِيُّ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَسْمَعُ. وَالْخَصْمُ فِي ذَلِكَ وَارِثٌ، أَوْ مُوصًى لَهُ، أَوْ رَجُلٌ لِلْمَيِّتِ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أَوْ رَجُلٌ لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ. هَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ. وَفِي الْمُنْتَقَى رِوَايَةُ إبْرَاهِيمَ

стр. 1493

رَجُلٌ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَأَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ، أَوْ بِدَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ لِرَجُلٍ وَأَخَذَهَا الْمُوصَى لَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْغَرِيمُ، وَالْوَرَثَةُ شُهُودٌ أَوْ غُيَّبٌ، وَقَدَّمَ الْمُوصَى لَهُ إلَى الْقَاضِي فَالْمُوصَى لَهُ لَا يَكُونُ خَصْمًا لَهُ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ مَتَى حَصَلَتْ بِقَدْرِ الثُّلُثِ فَالْمُوصَى لَهُ لَا يُعْتَبَرُ بِالْوَارِثِ، وَإِذَا حَصَلَتْ الْوَصِيَّةُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ وَارِثٍ فَالْمُوصَى لَهُ خَصْمُ الْغَرِيمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَيُعْتَبَرُ الْمُوصَى لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِالْوَارِثِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ خَصَائِصِ الْوَارِثِ وَالْوَارِثُ يَنْتَصِبُ خَصْمًا لِلْغَرِيمِ فَفِي حَقِّ الْمُوصَى لَهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ كَذَلِكَ. وَصَاحِبُ الْأَقْضِيَةِ ذَكَرَ الْمُوصَى لَهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَمَا إذَا كَانَ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ أَوْ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ مَا إذَا كَانَ الْمُوصَى لَهُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ، ثُمَّ إذَا أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى بَعْضِ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى إلَيْهِ، وَأَنَّهُ قَدْ قَبِلَ وِصَايَتَهُ نَظَرَ الْقَاضِي فِيهِ، فَإِنْ كَانَ عَدْلًا مَرَضِيَّ السِّيرَةِ مُهْتَدِيًا فِي التِّجَارَةِ جَعَلَهُ الْقَاضِي وَصِيًّا وَقَضَى بِوِصَايَتِهِ، وَإِنْ عَرَفَهُ بِالْفِسْقِ وَالْخِيَانَةِ لَا يُمْضِي إيصَاءَهُ، وَإِنْ عَرَفَ مِنْهُ ضَعْفَ رَأْيٍ وَقِلَّةَ هِدَايَةٍ فِي التَّصَرُّفِ يُمْضِي وِصَايَتَهُ وَلَكِنْ يَضُمُّ إلَيْهِ أَمِينًا مُهْتَدِيًا فِي التِّجَارَةِ حَتَّى يَتَظَاهَرَا فِي التِّجَارَةِ، وَلَا يُتْلِفَا مَالَ الصَّبِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ فِسْقٌ، وَلَمْ يُعْرَفْ بِذَلِكَ لَكِنْ اُتُّهِمَ بِهِ فَالْقَاضِي يَشُدُّهُ بِمُشْرِفٍ، أَوْ يَضُمُّ إلَيْهِ وَصِيًّا آخَرَ حَتَّى لَا يَتَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِالتَّصَرُّفِ فَيَظْهَرُ النَّظَرُ لِلْيَتِيمِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَلَوْ ثَبَتَتْ الْوِصَايَةُ بِالْبَيِّنَةِ. وَفِي كِتَابِ الْوِصَايَةِ إقْرَارُ الْمَيِّتِ لِأُنَاسٍ بِدُيُونٍ وَوَصَايَا بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ وَحَضَرَ بَعْضُ الْغُرَمَاءِ وَقُضِيَ لَهُ بِحَقِّهِ، ثُمَّ حَضَرَ آخَرُ هَلْ يُقْضَى بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ فِي الْوَصِيَّةِ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ؟ يُكْتَفَى بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ بِالْإِجْمَاعِ وَفِي الْغُرَمَاءِ وَالْوَصَايَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُقْضَى بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُقْضَى كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ. قَالَ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا حَضَرَ عِنْدَ الْقَاضِي وَادَّعَى أَنَّ أَخَاهُ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ مَاتَ وَتَرَكَ مِنْ الْوَرَثَةِ أَبَاهُ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ وَأُمَّهُ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ، وَمِنْ الْبَنِينَ فُلَانًا وَفُلَانًا، وَمِنْ الْبَنَاتِ فُلَانَةَ وَفُلَانَةَ وَامْرَأَتَهُ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُمْ، وَأَنَّهُ أَوْصَى إلَيَّ فِي صِحَّةِ عَقْلِهِ وَجَوَازِ تَصَرُّفِهِ فِي جَمِيعِ تَرِكَتِهِ وَأَنِّي قَبِلْت مِنْهُ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ وَتَوَلَّيْت الْقِيَامَ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ كَانَ لِأَخِي هَذَا عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي حَضَرَ كَذَا مِنْ الدَّيْنِ، وَأَنَّ أَخِي هَذَا مَاتَ قَبْلَ قَبْضِهِ شَيْئًا مِنْ هَذَا الدَّيْنِ، وَأَنَّ عَلَى هَذَا الَّذِي حَضَرَ قَضَاءَ هَذَا الدَّيْنِ إلَيَّ لِأَصْرِفَهُ إلَى وَرَثَتِهِ وَإِلَى مَا أَمَرَ بِهِ الْمَيِّتُ فَالْقَاضِي يَسْمَعُ دَعْوَاهُ وَيَسْأَلُ الْخَصْمَ أَوَّلًا عَنْ الْمَوْتِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِالْمَوْتِ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ مِنْ جِهَةِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُطَالَبَةِ كَانَ ثَابِتًا لِلْمَيِّتِ وَبِالْمَوْتِ تَحَوَّلَ إلَى الْوَصِيِّ، ثُمَّ يَسْأَلُهُ عَنْ الدَّيْنِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ حِينَئِذٍ يَسْأَلُهُ عَنْ الْوِصَايَةِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِهَا أَيْضًا لَا يُؤْمَرُ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ

стр. 1494

حَتَّى يُثْبِتَ وِصَايَتَهُ بِالْبَيِّنَةِ. وَذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَدَبِ الْقَاضِي رَجُلٌ ادَّعَى أَنَّ فُلَانًا مَاتَ، وَأَنَّهُ كَانَ أَوْصَى إلَيْهِ بِقَبْضِ دَيْنِهِ الَّذِي لَهُ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ وَالْعَيْنِ الَّتِي فِي يَدَيْهِ وَصَدَّقَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ أُمِرَ بِتَسْلِيمِ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ إلَيْهِ وَفِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ أَنَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوَّلًا يُؤْمَرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِتَسْلِيمِ الدَّيْنِ إلَى الْوَصِيِّ دُونَ الْعَيْنِ كَمَا فِي الْوَكَالَةِ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ لَا يُؤْمَرُ بِتَسْلِيمِ الدَّيْنِ إلَيْهِ، وَلَا بِتَسْلِيمِ الْعَيْنِ فَمَا ذُكِرَ فِي الْأَقْضِيَةِ يُوَافِقُ قَوْلَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - آخِرًا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ، وَلَوْ كَانَ الْغَرِيمُ أَقَرَّ بِالْمَوْتِ وَأَنْكَرَ الْوِصَايَةَ وَالْمَالَ كُلِّفَ الْمُدَّعِي إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْوِصَايَةِ أَوَّلًا، فَإِذَا ثَبَتَتْ الْوِصَايَةُ بِالْبَيِّنَةِ حِينَئِذٍ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَالِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَنْكَرَ جَمِيعَ ذَلِكَ كُلِّفَ الْوَصِيُّ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْوِصَايَةِ وَالْمَوْتِ جَمِيعًا لِيَنْتَصِبَ خَصْمًا، فَإِذَا أَقَامَهَا حِينَئِذٍ تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ مِنْهُ عَلَى الْمَالِ فَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَوَّلًا عَلَى الْمَالِ، ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوِصَايَةِ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ عَلَى الْمَالِ وَيُؤْمَرُ بِإِعَادَتِهَا، وَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ عَلَى الْوِصَايَةِ وَالْمَوْتِ وَالْمَالِ فَرِيقًا وَاحِدًا فَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ جُمْلَةً قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ عَلَى الْمَالِ وَيُؤْمَرُ بِإِعَادَتِهَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ عَلَيْهَا، وَلَا يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ وَلَكِنْ إذَا آلَ الْأَمْرُ إلَى الْقَاضِي فَالْقَاضِي يَقْضِي بِالْوِصَايَةِ أَوَّلًا، ثُمَّ بِالْمَالِ هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ الْقَاضِي لَا يَقْبَلُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَالِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقْبَلُ. قَالَ ثَمَّةَ: وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُضْطَرِبٌ، وَإِذَا أَقَرَّ بِالْوِصَايَةِ وَالْمَوْتِ وَأَنْكَرَ الْمَالَ، وَلَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ وَطَلَبَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يُحَلِّفَهُ عَلَى الْمَالِ أَجَابَهُ الْقَاضِي إلَيْهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِالْمَالِ وَالْمَوْتِ وَأَنْكَرَ الْوِصَايَةَ كَانَ لِلْقَاضِي أَنْ يَنْصِبَ وَصِيًّا، وَلَوْ لَمْ يَنْصِبْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ، وَإِنْ أَقَرَّ بِالْوِصَايَةِ وَالْمَالِ وَأَنْكَرَ الْمَوْتَ هَلْ يَسْتَحْلِفُهُ عَلَيْهِ؟ فَالْجَوَابُ فِيهِ نَظِيرُ الْجَوَابِ فِي الْوَارِثِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ. ادَّعَى الْوَصِيُّ، أَوْ الْقَيِّمُ أَنَّ الْقَاضِيَ الْمَعْزُولَ آجَرَهُمَا مُسَانَهَةً أَوْ مُشَاهَرَةً كُلُّ شَهْرٍ بِكَذَا فَإِنَّ الْقَاضِيَ الْمُوَلَّى لَا يُنَفِّذُ ذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ صَدَّقَهُ الْمَعْزُولُ، فَإِنْ أُقِيمَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ حَالَ كَوْنِهِ قَاضِيًا فَعَلَ ذَلِكَ قُبِلَتْ الْبَيِّنَةُ، ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ قَدْرَ أَجْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ يُنَفِّذُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ يُنَفِّذُ بِقَدْرِ أَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ وَأَبْطَلَ الزِّيَادَةَ، وَإِنْ اسْتَوْفَى ذَلِكَ أَمَرَهُ بِرَدِّ الزِّيَادَةِ عَلَى الْيَتِيمِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ. وَلَوْ كَانَ أَبُو الصَّغِيرِ مُبَذِّرًا مُتْلِفًا مَالَ الصَّغِيرِ يَنْصِبُ وَصِيًّا يَحْفَظُ مَالَهُ، وَلَوْ اشْتَرَى الْوَارِثُ مِنْ مُوَرِّثِهِ شَيْئًا، ثُمَّ اطَّلَعَ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى عَيْبٍ نَصَبَ الْقَاضِي وَصِيًّا حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا إذَا اشْتَرَى الْأَبُ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ شَيْئًا فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا نَصَبَ الْقَاضِي وَصِيًّا حَتَّى يَرُدَّهُ الْأَبُ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1495

[الْبَابُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ] (الْبَابُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ وَالْقَضَاءِ الَّذِي يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَقِيَامِ بَعْضِ أَهْلِ الْحَقِّ عَنْ الْبَعْضِ فِي إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ) الْقَضَاءُ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى الْغَائِبِ وَلِلْغَائِبِ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا كَانَ عَنْهُ خَصْمٌ حَاضِرٌ إمَّا قَصْدِيٌّ، وَذَلِكَ بِتَوْكِيلِ الْغَائِبِ إيَّاهُ، وَإِمَّا حُكْمِيٌّ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَى الْغَائِبِ سَبَبًا لِثُبُوتِ الْمُدَّعَى عَلَى الْحَاضِرِ لَا مَحَالَةَ أَوْ شَرْطًا لَهُ عَلَى مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ عَلِيٌّ الْبَزْدَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهَكَذَا كَانَ يُفْتِي الْقَاضِي الْإِمَامُ شَمْسُ الْإِسْلَامِ مَحْمُودْ عَبْدَ الْعَزِيزِ الْأُوزْجَنْدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَى الْغَائِبِ سَبَبًا لِثُبُوتِ الْمُدَّعَى عَلَى الْحَاضِرِ لَا مَحَالَةَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْكُتُبِ فِي الْمَوَاضِعِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. ثُمَّ سَوَّى الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ بَيْنَمَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَى الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ شَيْئَيْنِ وَبَيْنَمَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى شَيْئًا وَاحِدًا فَتُشْتَرَطُ السَّبَبِيَّةُ لِانْتِصَابِ الْحَاضِرِ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ فِي كَشْفِ الْمُشْكَلِ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ فِي شُرُوحِهِمْ أَنَّ السَّبَبِيَّةَ تُشْتَرَطُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى شَيْئَيْنِ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ. وَالْأَقْرَبُ إلَى الْفِقْهِ بَيَانُ هَذَا الْأَصْلِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمَا وَاحِدًا. إذَا ادَّعَى رَجُلٌ دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا دَارُهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ، وَهُوَ يَمْلِكُهَا، وَقَدْ غَصَبَهَا ذُو الْيَدِ مِنِّي، وَقَالَ ذُو الْيَدِ: الدَّارُ دَارِي فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ قَضَاءً عَلَى الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ وَيَنْتَصِبُ الْحَاصِرُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ، أَمَّا عَلَى مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فَلِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَى الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَالْمُدَّعَى عَلَى الْغَائِبِ سَبَبٌ لِثُبُوتِ الْمُدَّعَى عَلَى الْحَاضِرِ لَا مَحَالَةَ، وَأَمَّا عَلَى مَا ذَكَرَهُ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ فَلِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَى الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. إذَا ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ كَفَلَ عَنْ فُلَانٍ بِمَا يَذُوبُ لَهُ عَلَيْهِ فَأَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْكَفَالَةِ وَأَنْكَرَ الْحَقَّ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ذَابَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ كَذَا فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهَا فِي حَقِّ الْكَفِيلِ الْحَاضِرِ وَفِي حَقِّ الْغَائِبِ جَمِيعًا حَتَّى لَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ وَأَنْكَرَ لَا يُلْتَفَتُ إلَى إنْكَارِهِ إذَا ادَّعَى الشُّفْعَةَ فِي دَارٍ هِيَ فِي يَدِ إنْسَانٍ وَقَالَ ذُو الْيَدِ: الدَّارُ دَارِي مَا اشْتَرَيْتُهَا مِنْ أَحَدٍ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ أَنَّ ذَا الْيَدِ اشْتَرَى هَذِهِ الدَّارَ مِنْ فُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ يَمْلِكُهَا، وَأَنَّهُ شَفِيعُهَا يُقْضَى بِالشِّرَاءِ فِي حَقِّ ذِي الْيَدِ وَالْغَائِبِ جَمِيعًا كَذَا فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ. بَيَانُ هَذَا الْأَصْلِ. فِيمَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمَا شَيْئَيْنِ إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ مِنْ الْحُقُوقِ فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: هُمَا عَبْدَانِ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ فَأَقَامَ الْمَشْهُودُ لَهُ بَيِّنَةً أَنَّ فُلَانًا الْغَائِبَ أَعْتَقَهُمَا، وَهُوَ يَمْلِكُهُمَا فَإِنَّهُ تُقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ وَيَثْبُتُ الْعِتْقُ فِي حَقِّ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ جَمِيعًا. وَالْمُدَّعَى شَيْئَانِ الْمَالُ عَلَى الْحَاضِرِ وَالْعِتْقُ عَلَى الْغَائِبِ إلَّا أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَى الْغَائِبِ سَبَبٌ لِثُبُوتِ الْمُدَّعَى عَلَى الْحَاضِرِ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ ثُبُوتِ وِلَايَةِ الشَّهَادَةِ بِحَالٍ فَصَارَ الشَّيْءُ وَاحِدًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَيَنْتَصِبُ الْحَاضِرُ خَصْمًا وَيُقْضَى بِالْعِتْقِ فِي حَقِّ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ جَمِيعًا كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. إذَا قَذَفَ مُحْصَنًا حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَقَالَ الْقَاذِفُ: أَنَا عَبْدٌ

стр. 1496

وَعَلَيَّ نِصْفُ حَدِّ الْقَذْفِ وَقَالَ الْمَقْذُوفُ: لَا، بَلْ أَعْتَقَكَ مَوْلَاكَ وَلِي عَلَيْكَ حَدُّ الْأَحْرَارِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ تُقْبَلُ وَيُقْضَى بِالْعِتْقِ حَقِّ فِي الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ حَتَّى لَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ وَأَنْكَرَ الْعِتْقَ لَا يُلْتَفَتُ إلَى إنْكَارِهِ، وَإِنْ ادَّعَى شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَى الْحَاضِرِ حَدًّا كَامِلًا، وَعَلَى الْغَائِبِ الْعِتْقَ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْعِتْقُ سَبَبًا لِثُبُوتِ مَا يُدَّعَى عَلَى الْحَاضِرِ قُضِيَ بِالْبَيِّنَةِ فِي حَقِّ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ جَمِيعًا. وَإِذَا قُتِلَ رَجُلٌ عَمْدًا وَلَهُ وَلِيَّانِ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ فَادَّعَى الْحَاضِرُ عَلَى الْقَاتِلِ أَنَّ الْغَائِبَ عَفَا عَنْ نَصِيبِهِ وَانْقَلَبَ نَصِيبِي مَالًا وَأَنْكَرَ الْقَاتِلُ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ تُقْبَلُ وَيُقْضَى بِهَا فِي حَقِّ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ كَذَا فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ. وَإِذَا كَانَ الْمُدَّعَى شَيْئَيْنِ إلَّا أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَى الْغَائِبِ لَيْسَ سَبَبًا لِثُبُوتِ الْمُدَّعَى عَلَى الْحَاضِرِ لَا مَحَالَةَ بَلْ قَدْ لَا يَكُونُ سَبَبًا - لَا يَنْتَصِبُ الْحَاضِرُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ. بَيَانُ هَذَا الْأَصْلِ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَةِ رَجُلٍ غَائِبٍ: إنَّ زَوْجَكِ فُلَانًا الْغَائِبَ وَكَّلَنِي أَنْ أَحْمِلَكِ إلَيْهِ فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ إنَّهُ كَانَ قَدْ طَلَّقَنِي ثَلَاثًا وَأَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً قُبِلَتْ بَيِّنَتُهَا فِي حَقِّ قَصْرِ يَدِ الْوَكِيلِ عَنْهَا لَا فِي حَقِّ إثْبَاتِ الطَّلَاقِ عَلَى الْغَائِبِ حَتَّى لَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ وَأَنْكَرَ الطَّلَاقَ فَالْمَرْأَةُ تَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. جَاءَ رَجُلٌ إلَى عَبْدِ إنْسَانٍ وَقَالَ مَوْلَاكَ وَكَّلَنِي بِنَقْلِي إيَّاكَ إلَيْهِ فَبَرْهَنَ الْعَبْدُ عَلَى أَنَّهُ حَرَّرَهُ تُقْبَلُ فِي قَصْرِ يَدِ الْحَاضِرِ لَا فِي حَقِّ ثُبُوتِ الْعِتْقِ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَلَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ وَأَنْكَرَ لَا بُدَّ مِنْ إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ. وَإِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمَا شَيْئَيْنِ، وَالْمُدَّعَى عَلَى الْغَائِبِ سَبَبٌ لِثُبُوتِ الْمُدَّعَى عَلَى الْحَاضِرِ بِاعْتِبَارِ الْبَقَاءِ لَا بِنَفْسِهِ لَا يُلْتَفَتُ إلَى دَعْوَى الْمُدَّعِي، وَلَا يُقْضَى بِبَيِّنَتِهِ لَا عَلَى الْحَاضِرِ، وَلَا عَلَى الْغَائِبِ. بَيَانُ هَذَا الْأَصْلِ رَجُلٌ اشْتَرَى مِنْ آخَرَ جَارِيَةً، ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ ادَّعَى أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ كَانَ زَوَّجَهَا مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ قَبْلَ أَنْ أَشْتَرِيَهَا، وَقَدْ اشْتَرَيْتُهَا، وَلَمْ أَعْلَمْ بِذَلِكَ وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ دَعْوَاهُ فَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً يُرِيدُ رَدَّ الْجَارِيَةِ فَالْقَاضِي لَا يَقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ لَا عَلَى الْحَاضِرِ، وَلَا عَلَى الْغَائِبِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى شَيْئَانِ النِّكَاحُ عَلَى الْغَائِبِ وَالرَّدُّ عَلَى الْحَاضِرِ، وَالْمُدَّعَى عَلَى الْغَائِبِ مِنْ النِّكَاحِ نَفْسِهِ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِمَا يَدَّعِيه عَلَى الْحَاضِرِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْبَقَاءِ فَإِنَّ الْبَائِعَ لَوْ كَانَ زَوَّجَهَا، ثُمَّ إنَّ الزَّوْجَ طَلَّقَهَا لَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي الرَّدُّ، وَإِنَّمَا السَّبَبُ بَقَاءُ النِّكَاحِ إلَى حَالَةِ الرَّدِّ، وَلَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْبَقَاءِ، وَلَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْبَقَاءِ لَا تُقْبَلُ أَيْضًا، وَلَا يُقْضَى بِالرَّدِّ؛ لِأَنَّ الْبَقَاءَ تَبَعٌ لِلِابْتِدَاءِ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُجْعَلَ خَصْمًا فِي نَفْسِ النِّكَاحِ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُجْعَلَ خَصْمًا فِي إثْبَاتِ الْبَقَاءِ، وَكَذَا الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ بَاعَ مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ يُرِيدُ إبْطَالَ حَقِّ الْبَائِعِ

стр. 1497

فِي الِاسْتِرْدَادِ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ لَا فِي حَقِّ الْحَاضِرِ وَلَا فِي حَقِّ الْغَائِبِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا فِي يَدَيْهِ دَارٌ بِيعَتْ بِجَنْبِهَا دَارٌ فَأَرَادَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ أَنْ يَأْخُذَ الْمُشْتَرَاةَ بِالشُّفْعَةِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي لِلشَّفِيعِ: الدَّارُ الَّتِي فِي يَدَيْكَ لَيْسَتْ بِدَارٍ لَكَ إنَّمَا هِيَ لِفُلَانٍ وَأَقَامَ الشَّفِيعُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الدَّارَ الَّتِي فِي يَدَيْهِ دَارُهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ لَا يُقْضَى بِالشِّرَاءِ لَا فِي حَقِّ الْحَاضِرِ، وَلَا فِي حَقِّ الْغَائِبِ ذَكَرَ فِي طَلَاقِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ طَلَّقَ فُلَانٌ امْرَأَتَهُ فَأَنْت طَالِقٌ، ثُمَّ امْرَأَةُ الْحَالِفِ ادَّعَتْ عَلَى الْحَالِفِ أَنَّ فُلَانًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَفُلَانٌ غَائِبٌ وَأَقَامَتْ الْمَرْأَةُ الْبَيِّنَةَ لَا تُقْبَلُ مِنْهَا هَذِهِ الْبَيِّنَةُ، وَلَا يُحْكَمُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا، وَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِقَبُولِ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ وَبِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلَ فُلَانٌ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ إنَّ الْمَرْأَةَ أَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ أَنَّ فُلَانًا دَخَلَ وَفُلَانٌ غَائِبٌ تُقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ وَيُحْكَمُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا؟ قُلْنَا: ذَلِكَ لَيْسَ بِقَضَاءٍ عَلَى الْغَائِبِ إذْ لَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقٍّ عَلَى الْغَائِبِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالُ نِكَاحِ الْغَائِبِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى شَرْطِ حَقِّهِ بِإِثْبَاتِ فِعْلٍ عَلَى الْغَائِبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْغَائِبِ تُقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ وَيَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْغَائِبِ أَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ وَيُقْضَى عَلَى الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ جَمِيعًا. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ، وَلَا يَنْتَصِبُ الْحَاضِرُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي ظَهِيرُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَمَسْأَلَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ وَمَا يَفْعَلُهُ الْوُكَلَاءُ عَلَى بَابِ الْقُضَاةِ الْيَوْمَ مِنْ إثْبَاتِ الْبَيْعِ أَوْ الْوَقْفِ، أَوْ الطَّلَاقِ عَلَى الْغَائِبِ بِجَعْلِهِ شَرْطًا لِوَكَالَةِ الْحَاضِرِ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ زَيْدٌ مَثَلًا لِجَعْفَرٍ: إنْ كَانَ عَمْرٌو مَثَلًا بَاعَ دَارِهِ، أَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، أَوْ وَقَفَ ضِيَاعَهُ عَلَى سَبِيلِ كَذَا فَأَنْتَ وَكِيلِي فِي إثْبَاتِ حُقُوقِي عَلَى النَّاسِ وَالْخُصُومَةِ فِيهَا وَقَبْضِهَا، ثُمَّ إنَّ جَعْفَرًا أَحْضَرَ رَجُلًا يَدَّعِي عَلَيْهِ مَالًا وَيَدَّعِي أَنَّ زَيْدًا قَدْ وَكَّلَهُ بِقَبْضِ حُقُوقِهِ عَلَى النَّاسِ وَإِثْبَاتِهَا وَالْخُصُومَةِ فِيهَا وَالْوَكَالَةُ مُعَلَّقَةٌ بِشَرْطٍ كَائِنٍ، وَهُوَ بَيْعُ عَمْرٍو ضِيَاعَهُ مِنْ فُلَانٍ، أَوْ طَلَاقُ عَمْرٍو امْرَأَتَهُ، وَأَنَّ عَمْرًا قَدْ كَانَ بَاعَ ضِيَاعَهُ، أَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ تَوْكِيلِ زَيْدٍ إيَّايَ. وَقَدْ صِرْت وَكِيلًا عَنْ زَيْدٍ بِالْخُصُومَةِ فِي حُقُوقِهِ وَقَبْضِهَا، وَأَنَّ لِزَيْدٍ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِجَعْفَرٍ: إنَّ زَيْدًا قَدْ كَانَ وَكَّلَكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قُلْتَ، إنِّي لَا أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ هَلْ كَانَ؟ وَهَلْ صِرْتَ أَنْتَ وَكِيلًا؟ فَيُقِيمُ جَعْفَرٌ الْبَيِّنَةَ عَلَى بَيْعِ عَمْرٍو دَارِهِ، أَوْ عَلَى طَلَاقِ امْرَأَتِهِ فَيَقْضِي الْقَاضِي بِالْبَيْعِ عَلَى عَمْرٍو وَوَكَالَةِ الْحَاضِرِ فَهَذَا فَتْوَى بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَيْضًا، وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ لَا تُقْبَلُ لِمَا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الْأَصْغَرِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ حَقِّ الْغَيْرِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. إذَا كَفَلَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَغَابَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ وَادَّعَى الْكَفِيلُ عَلَى الطَّالِبِ أَنَّ الْأَلْفَ الَّذِي كُفِلْتَ بِهِ عَنْ فُلَانٍ ثَمَنُ خَمْرٍ، وَقَالَ الطَّالِبُ: لَا، بَلْ كَانَ ثَمَنَ عَبْدٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الطَّالِبِ، فَإِنْ أَرَادَ الْكَفِيلُ

стр. 1498

أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى الطَّالِبِ بِذَلِكَ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ، وَلَا يَنْتَصِبُ الطَّالِبُ خَصْمًا لَهُ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْمَطْلُوبُ حَاضِرًا وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الطَّالِبِ عَلَى أَنَّ الْأَلْفَ الَّذِي يُدَّعَى عَلَيَّ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ حَيْثُ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا أَلْفُ دِرْهَمٍ لِرَجُلٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ، ثُمَّ جَحَدَ الْمَالَ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَى أَحَدِهِمَا بِالْمَالِ وَقَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالْمَالِ وَالْكَفَالَةِ فَلَمْ يَأْخُذْ الطَّالِبُ شَيْئًا حَتَّى غَابَ، ثُمَّ قَدِمَ الْآخَرُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي عَلَيْهِ بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ بِخَمْسِمِائَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ لِنَفْسِهِ وَلِغَائِبٍ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ، أَوْ ثَوْبٍ بَاعَاهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَقْضِي بِنَصِيبِ الْحَاضِرِ دُونَ الْغَائِبِ حَتَّى لَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ كُلِّفَ إعَادَةَ الْبَيِّنَةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يُقْضَى بِنَصِيبِ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ جَمِيعًا قَالَ صَاحِبُ شَرْحِ الْأَقْضِيَةِ وَذُكِرَ بَعْدَ هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فِي الظَّاهِرِ، وَعَلَى مَا عَلَيْهِ عَامَّةُ الرِّوَايَاتِ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَذُكِرَ فِي الْمُنْتَقَى قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَعَ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ فِي الْمُنْتَقَى: وَإِنْ كَانَ الْأَلْفُ مِيرَاثًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَائِبِ لَا يُكَلَّفُ الْغَائِبُ إعَادَةَ الْبَيِّنَةِ إذَا حَضَرَ بِلَا خِلَافٍ. ثُمَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْمُنْتَقَى إذَا حَضَرَ الْغَائِبُ وَصَدَّقَ الْحَاضِرَ فِيمَا ادَّعَى كَانَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ يُشَارِكُ الْمُدَّعِي فِيمَا قَبَضَ، ثُمَّ يَتْبَعَانِ الْمَطْلُوبَ، وَإِنْ شَاءَ اتَّبَعَ الْمَطْلُوبَ وَيَأْخُذُ نَصِيبَهُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ الْغَائِبُ حَتَّى رَجَعَ الشَّاهِدَانِ عَنْ شَهَادَتِهِمَا فَإِنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَبْطُلُ حَقُّ الْغَائِبِ، وَلَا يُقْضَى لَهُ بِشَيْءٍ، ثُمَّ يُشَارِكُ الْغَائِبُ إذَا حَضَرَ الْحَاضِرَ فِيمَا قَبَضَ، ثُمَّ إذَا شَارَكَهُ فَالْحَاضِرُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِشَيْءٍ. وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ وَفُلَانًا الْغَائِبَ اشْتَرَيْنَا هَذِهِ الدَّارَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَنَقَدْنَا لَهُ الثَّمَنَ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُقْضَى لِلْحَاضِرِ بِنِصْفِ الدَّارِ، فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ كُلِّفَ إعَادَةَ الْبَيِّنَةِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُقْضَى بِالدَّارِ كُلِّهَا لِلْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ وَيُدْفَعُ إلَى الْحَاضِرِ نِصْفُ الدَّارِ وَيُوضَعُ النِّصْفُ الثَّانِي عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ ثِقَةٍ قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَلَا أَقْسِمُهَا حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ، قَالَ فِي الْمُنْتَقَى: فَإِنْ قَدِمَ الْغَائِبُ وَجَحَدَ الشِّرَاءَ بَطَلَ نَصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ وَجَازَ نَصِيبُ الْحَاضِرِ وَقَالَ: هَذَا بِلَا خِلَافٍ. وَذَكَرَ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمُنْتَقَى عَلَى الْخِلَافِ وَذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمَبْسُوطِ وَقَالَ تُقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ فِي حَقِّ الْحَاضِرِ، وَلَا تُقْبَلُ فِي حَقِّ الْغَائِبِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا خِلَافًا وَذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْخِلَافِ عَلَى حَسَبِ مَا ذُكِرَ فِي الْمُنْتَقَى وَذَكَرْنَا أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُنْزَعُ نَصِيبُ الْغَائِبِ مِنْ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا: هَذَا إذَا وَصَلَ الثَّمَنُ إلَى الْبَائِعِ كَمَا هُوَ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ

стр. 1499

الْمُدَّعِيَ قَالَ: وَنَقَدْنَا لَهُ الثَّمَنَ، أَمَّا إذَا كَانَ لَمْ يَصِلْ لَا يُنْزَعُ وَبَعْضُهُمْ قَالُوا: نَقْدُ الثَّمَنِ يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلدَّفْعِ إلَى الْمُشْتَرِي وَنَحْنُ لَا نَدْفَعُهُ إلَى الْمُشْتَرِي بَلْ نَضَعُهُ عَلَى يَدِ الْعَدْلِ وَيَدُ الْعَدْلِ فِي الْحَبْسِ نَظِيرُ يَدِ الْبَائِعِ كَمَا أَنَّ يَدَ الْعَدْلِ فِي الرَّهْنِ نَظِيرُ يَدِ الْمُرْتَهِنِ فِي الْحَبْسِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ. ذَكَرَ فِي دِيَاتِ الْمَبْسُوطِ أَنَّ أَحَدَ الْوَرَثَةِ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْقِصَاصِ عَلَى رَجُلٍ يَثْبُتُ ذَلِكَ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ حَتَّى لَا يُكَلَّفَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ إذَا حَضَرُوا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَثْبُتُ حَقُّ الْحَاضِرِ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ، وَلَا يَثْبُتُ حَقُّ الْغَائِبِ حَتَّى يُكَلَّفَ الْغَائِبُ إذَا حَضَرَ إعَادَةَ الْبَيِّنَةِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. وَذَكَرَ فِي دَعْوَى الْمَبْسُوطِ: دَارٌ فِي يَدِ رَجُلٍ أَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ وَتَرَكَ هَذِهِ الدَّارَ مِيرَاثًا لَهُ وَلِأَخِيهِ فُلَانٍ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرَهُمَا وَأَخُوهُ غَائِبٌ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِحِصَّةِ الْحَاضِرِ وَيَنْزِعُ نَصِيبَهُ مِنْ يَدِهِ وَيُسَلِّمُهُ إلَيْهِ، وَأَمَّا نَصِيبُ الْغَائِبِ فَيُتْرَكُ فِي يَدِ ذِي الْيَدِ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانَ صَاحِبُ الْيَدِ مُنْكِرًا كَمَا هُوَ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ حَتَّى اُحْتِيجَ إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ يُخْرِجُ نَصِيبَ الْغَائِبِ مِنْ يَدِهِ وَيَضَعُهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ، وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا يُتْرَكُ نَصِيبُ الْغَائِبِ فِي يَدَيْهِ، فَإِنْ تُرِكَ نَصِيبُ الْغَائِبِ فِي يَدَيْ ذِي الْيَدِ، ثُمَّ حَضَرَ الْغَائِبُ هَلْ يُكَلَّفُ إعَادَةَ الْبَيِّنَةِ لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا الْفَصْلَ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُكَلِّفُهُ إعَادَةَ الْبَيِّنَةِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْقِصَاصِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يُكَلِّفُهُ إعَادَةَ الْبَيِّنَةِ وَجَعَلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْوِفَاقِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ: مَسْأَلَةُ دَعْوَى الدَّيْنِ بِالْإِرْثِ تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا كَمَسْأَلَةِ الْقِصَاصِ وَصَاحِبُ الْأَقْضِيَةِ ذَكَرَهَا مُطْلَقَةً مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ وَلَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ. وَمِنْ جِنْسِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. مَسْأَلَةُ الْهِبَةِ وَصُورَتُهَا رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ وَهَبَ لَهُ هِبَةً وَلِفُلَانٍ الْغَائِبِ وَسَلَّمَهَا إلَيْهِمَا، فَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ شَيْئًا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ صَحَّتْ هَذِهِ الدَّعْوَى وَقُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ فِي حَقِّ الْحَاضِرِ دُونَ الْغَائِبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ فِي حَقِّ الْغَائِبِ أَيْضًا كَمَا فِي الشِّرَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ شَيْئًا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ بِأَنْ كَانَ دَارًا لَمْ تَصِحَّ هَذِهِ الدَّعْوَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لِأَنَّ عِنْدَهُ هِبَةَ الدَّارِ مِنْ رَجُلَيْنِ فَاسِدَةٌ، وَعِنْدَهُمَا هِبَةُ الدَّارِ مِنْ رَجُلَيْنِ صَحِيحَةٌ فَتَصِحُّ هَذِهِ الدَّعْوَى وَمَنْ هَذَا الْجِنْسِ. مَسْأَلَةُ الرَّهْنِ وَصُورَتُهَا رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنِّي وَفُلَانًا الْغَائِبَ ارْتَهَنَّا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الدَّارَ الَّتِي فِي يَدَيْهِ بِدَيْنٍ لَنَا عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تُقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ إنَّمَا تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ فِي نَصِيبِ الْحَاضِرِ لَا غَيْرَ، وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ رَهْنَ الْمُشَاعِ وَرَهْنُ الْمُشَاعِ لَا يَجُوزُ وَمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَمَا لَا يَحْتَمِلُ فِيهِ عَلَى السَّوَاءِ، وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ. مَسْأَلَةُ الْوَصِيَّةِ وَصُورَتُهَا رَجُلٌ مَاتَ وَأَوْصَى بِوَصَايَا

стр. 1500

شَتَّى لِأُنَاسٍ مُخْتَلِفِينَ فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ فَحَضَرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ مِمَّنْ أَوْصَى لَهُ وَقَدَّمَ بَعْضَ الْوَرَثَةِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَصِيَّةِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُقْضَى بِنَصِيبِ الْحَاضِرِ دُونَ الْغَائِبِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُقْضَى بِجَمِيعِ الْوَصِيَّةِ حَتَّى إذَا حَضَرَ الْغَائِبُ لَا يُكَلَّفُ إعَادَةَ الْبَيِّنَةِ ثَانِيًا. ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَوْ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عَلَى رَجُلَيْنِ مَالًا فِي صَكٍّ وَأَحَدُهُمَا حَاضِرٌ يَجْحَدُ وَالْآخَرُ غَائِبٌ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: أَقْضِي بِالْمَالِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْغَائِبِ جَمِيعًا قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: هَذَا الْجَوَابُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّ الْحَاضِرَ لَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ عِنْدَهُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَرَأَيْتُ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ: أَقْضِي عَلَى الْحَاضِرِ بِنِصْفِ الْمَالِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَقْضِي عَلَى الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ بِجَمِيعِ الْمَالِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ فِي الْمَبْسُوطِ وَأَجَابَ فِي الْكُلِّ عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْقَضَاءُ عَلَى الْحَاضِرِ وَلِلْحَاضِرِ، يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ. وَصَاحِبُ الْأَقْضِيَةِ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقْتَصِرُ الْقَضَاءُ عَلَى الْحَاضِرِ وَذَكَرَ فِي بَعْضِهَا أَنَّهُ يَتَعَدَّى الْقَضَاءُ إلَى الْغَائِبِ، وَتَارَةً ذَكَرَ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَتَارَةً ذَكَرَ قَوْلَهُ بِخِلَافِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَتَارَةً ذَكَرَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَتَارَةً ذَكَرَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَعَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِخِلَافِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَكَانَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رِوَايَتَانِ فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا، وَكَذَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رِوَايَتَانِ، وَكَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رِوَايَتَانِ، وَأَمَّا الْفَرْقُ فَلَا وَجْهَ لَهُ. رَجُلٌ بَاعَ عَبْدًا مِنْ رَجُلَيْنِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ، ثُمَّ إنَّ الْبَائِعَ لَقِيَ أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ وَأَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ عَلَى هَذَا وَعَلَى فُلَانٍ الْغَائِبِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ بِأَمْرِهِ فَإِنَّهُ يُقْضَى لَهُ عَلَى الْحَاضِرِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَإِنْ حَضَرَ الْغَائِبُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ إلَّا بِخَمْسِمِائَةٍ وَهِيَ الْأَصْلِيَّةُ عَلَيْهِ، يُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ إذَا حَضَرَ الْغَائِبُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الْبَائِعُ مِنْ الْحَاضِرِ شَيْئًا لَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَأْخُذَ الَّذِي حَضَرَ إلَّا بِخَمْسِمِائَةٍ وَهِيَ الْأَصْلِيَّةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى كَفِيلِهِ بِهَا قَضَاءٌ عَلَيْهِ وَالْقَضَاءُ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ لَا يَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْكَفِيلِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ. رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَبِهِ كَفِيلٌ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إنَّ الطَّالِبَ لَقِيَ الْأَصِيلَ قَبْلَ أَنْ يَلْقَى الْكَفِيلَ وَأَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّ لِي عَلَيْكَ أَلْفًا وَفُلَانٌ كَفِيلٌ بِهِ بِأَمْرِكَ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَلَا يَكُونُ هَذَا قَضَاءً عَلَى الْكَفِيلِ حَتَّى لَوْ لَقِيَ الْكَفِيلَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يُعِيدَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ. وَلَوْ لَقِيَ الْكَفِيلَ أَوَّلًا وَادَّعَى أَنَّ لِي عَلَى فُلَانٍ أَلْفًا وَأَنْتَ كَفِيلٌ بِهِ لِي عَنْهُ بِأَمْرِهِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ يَثْبُتُ

стр. 1501

الْمَالُ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْغَائِبِ وَيَنْتَصِبُ الْكَفِيلُ خَصْمًا عَنْ الْأَصِيلِ، أَمَّا الْأَصِيلُ فَلَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْكَفِيلِ كَذَا فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ. وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّكَ كَفَلْتَ لِي وَفُلَانٍ الْغَائِبِ عَنْ رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً وَقُضِيَ عَلَيْهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ حَضَرَ الْغَائِبُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْغَائِبَ بِجَمِيعِ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ قُضِيَ بِهِ عَلَى الْحَاضِرِ قُضِيَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ كَفِيلٌ عَنْ الْمَطْلُوبِ وَعَنْ الْكَفِيلِ، أَلَا يُرَى أَنِّي لَوْ لَمْ أَجْعَلْهُ كَفِيلًا عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إذَا أَدَّى أَنْ يَرْجِعَ بِهِ كُلِّهِ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ؟ . وَفِي نَوَادِرِ بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رَجُلٍ ادَّعَى شِرَاءَ دَارٍ مِنْ نَفَرٍ، وَهِيَ فِي أَيْدِيهِمْ وَبَعْضُهُمْ حُضُورٌ وَبَعْضُهُمْ غُيَّبٌ وَالْحَاضِرُ مُقِرٌّ لِلْغَائِبِ بِنَصِيبِهِ جَاحِدٌ لِلْبَيْعِ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ فَالْقَاضِي لَا يَقْضِي إلَّا عَلَى الْحَاضِرِ فِي حِصَّتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَيْضًا هَذَا إذَا كَانَ الْحَاضِرُ مُقِرًّا بِنَصِيبِ الْغَائِبِ، وَإِنْ كَانَ جَاحِدًا نَصِيبَ الْغَائِبِ فَالْقَاضِي يَقْضِي بِالدَّارِ كُلِّهَا لِلْمُدَّعِي، وَإِذَا ادَّعَى هِبَةً، أَوْ صَدَقَةً، أَوْ رَهْنًا مِنْ رَجُلَيْنِ وَأَحَدُ الرَّجُلَيْنِ غَائِبٌ وَالدَّارُ فِي يَدِ الْحَاضِرِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الْهِبَةِ وَالْقَبْضِ، أَوْ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْقَبْضِ أَوْ عَلَى الرَّهْنِ وَالْقَبْضِ - فَإِنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تُقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ فِي فَصْلِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْقَضَاءَ يَقْتَصِرُ عَلَى نَصِيبِ الْحَاضِرِ، وَرَهْنُ الْمُشَاعِ بَاطِلٌ، فَأَمَّا فِي الْهِبَةِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ فِي حَقِّ الْحَاضِرِ دُونَ الْغَائِبِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِنَصِيبِ الْحَاضِرِ هَاهُنَا مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ الشُّيُوعَ فِيهِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْهِبَةِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَفِي فَصْلِ الرَّهْنِ الْقَاضِي لَا يَقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ أَصْلًا، وَفِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ إنْ كَانَتْ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ مِمَّا لَا يُقَسَّمُ يَقْضِي عَلَى الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ جَمِيعًا حَتَّى إذَا حَضَرَ الْغَائِبُ لَا يُكَلَّفُ الْمُدَّعِي إعَادَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ وَيَقْضِي عَلَيْهِ بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ مِمَّا يُقَسَّمُ فَالْقَاضِي يَقْضِي بِهِبَةِ الْكُلِّ وَلَكِنْ يُنَفِّذُ فِي النِّصْفِ فِي الْحَالِ، وَفِي النِّصْفِ الْآخَرِ يَتَوَقَّفُ إلَى أَنْ يَحْضُرَ الْغَائِبُ فَيُنَفِّذَ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ مَالًا فَقَضَى الْقَاضِي لَهُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ أَقَامَهَا الْمُدَّعِي، ثُمَّ غَابَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ، أَوْ مَاتَ وَلَهُ وَرَثَةٌ وَلَهُ مَالٌ فِي الْمِصْرِ فِي يَدِ أَقْوَامٍ وَهُمْ مُقِرُّونَ بِهِ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ، قَالَ: لَا أَدْفَعُ إلَى الْمُدَّعِي مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا حَتَّى يَحْضُرَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ إنْ كَانَ غَائِبًا، أَوْ وَرَثَتُهُ إنْ كَانَ مَيِّتًا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ نَصَبَ نَاظِرًا وَلَيْسَ مِنْ النَّظَرِ فِي حَقِّ الْغَائِبِ دَفْعُ مَالِهِ إلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ فَلَعَلَّ أَنَّهُ قَضَى هَذَا الدَّيْنَ أَوْ وَارِثُهُ فَوَقَفْنَا الْأَمْرَ لِهَذَا كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَيْضًا، وَإِذَا غَابَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ مَاتَ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي، وَقَدْ زُكِّيَتْ الْبَيِّنَةُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ لَا يَقْضِي حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ، أَوْ نَائِبُهُ، أَوْ يَحْضُرَ وَارِثُ الْمَيِّتِ، فَإِذَا حَضَرَ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ فَالْقَاضِي يَقْضِي بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ لِلْقَضَاءِ، وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقَرَّ بِمَا ادَّعَاهُ

стр. 1502

الْمُدَّعِي، ثُمَّ غَابَ فَالْقَاضِي يَقْضِي عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ، فَبَعْدَ هَذَا يُنْظَرُ: إنْ كَانَ الْمَقَرُّ بِهِ عَيْنًا فَالْقَاضِي يَأْمُرُ مَنْ فِي يَدَيْهِ بِالتَّسْلِيمِ إذَا كَانَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ مُقِرًّا أَنَّهُ مِلْكُ الْمُقِرِّ. وَفِي الدَّيْنِ إذَا ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ يَأْمُرُهُ بِالْأَخْذِ، وَلَا يَبِيعُ فِي ذَلِكَ الْعُرُوضَ وَالْعَقَارَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَقْضِي الْقَاضِي حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ فِي الْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ جَمِيعًا، ذُكِرَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَكَذَا، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْمَذْكُورُ عَنْهُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ غَيْرُ هَذَا، فَالْمَذْكُورُ عَنْهُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ أَوَّلًا إنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي فِي فَصْلِ الْبَيِّنَةِ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ، وَفِي فَصْلِ الْإِقْرَارِ يَقْضِي، حَتَّى اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ وَقَالَ: يَقْضِي فِيهِمَا جَمِيعًا اسْتَحْسَنَ ذَلِكَ حِفْظًا لِأَمْوَالِ النَّاسِ وَصِيَانَةً لِحُقُوقِهِمْ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الزِّيَادَاتِ: أَمَةٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ إبْرَاهِيمُ لِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ: يَا مُحَمَّدُ الْأَمَةُ الَّتِي فِي يَدِ عَبْدِ اللَّهِ كَانَتْ أَمَتِي بِعْتُهَا مِنْكَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَسَلَّمْتُهَا إلَيْكَ إلَّا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَدْ غَصَبَهَا مِنْكَ وَصَدَّقَهُ مُحَمَّدٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ يُنْكِرُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَقُولُ: الْجَارِيَةُ جَارِيَتِي، فَالْقَوْلُ فِي الْجَارِيَةِ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ وَيُقْضَى بِالثَّمَنِ لِإِبْرَاهِيم عَلَى مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ وَتَصَادُقُهُمَا حُجَّةٌ فِي حَقِّهِمَا، فَلَوْ اسْتَحَقَّ أَحَدٌ الْأَمَةَ فِي يَدِ عَبْدِ اللَّهِ بَعْدَ مَا أَخَذَ إبْرَاهِيمُ الثَّمَنَ مِنْ مُحَمَّدٍ فَأَرَادَ مُحَمَّدٌ أَنْ يَرْجِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَقَالَ: الْجَارِيَةُ الَّتِي اشْتَرَيْتُهَا مِنْكَ وَرَدَ عَلَيْهَا الِاسْتِحْقَاقُ لَا يُلْتَفَتُ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالِاسْتِحْقَاقِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ اقْتَصَرَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، وَلَمْ يَتَعَدَّ إلَى مُحَمَّدٍ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ عَلَى ذِي الْيَدِ يَكُونُ قَضَاءً عَلَى ذِي الْيَدِ، وَعَلَى مَنْ تَلَقَّى ذُو الْيَدِ الْمِلْكَ مِنْ جِهَتِهِ، وَلَا يَكُونُ قَضَاءً عَلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَذُو الْيَدِ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَدَّعِي تَلَقِّيَ الْمِلْكِ مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدٍ فَلَمْ يَصِرْ مُحَمَّدٌ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ بِالْقَضَاءِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَمَا لَمْ يَصِرْ مُحَمَّدٌ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ لَا يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَصِرْ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الْمُسْتَحِقِّ أَنَّ الْجَارِيَةَ جَارِيَتُهُ اشْتَرَاهَا مِنْ إبْرَاهِيمَ، وَهُوَ يَمْلِكُهَا قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ، وَلَوْ صَارَ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ لَمَا قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ الَّذِي اسْتَحَقَّهَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ اسْتَحَقَّهَا بِالنَّتَاجِ بِأَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهَا جَارِيَتُهُ وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ وَقَضَى الْقَاضِي بِهَا لِلْمُسْتَحِقِّ لَمْ يَرْجِعْ مُحَمَّدٌ بِالثَّمَنِ عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَإِنْ ظَهَرَ بِبَيِّنَةِ الْمُسْتَحِقِّ أَنَّ إبْرَاهِيمَ بَاعَ جَارِيَةَ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالِاسْتِحْقَاقِ اقْتَصَرَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، وَلَمْ يَصِرْ مُحَمَّدٌ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ. (بَيَانُهُ) وَهُوَ أَنَّ النَّتَاجَ هَاهُنَا غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ خَارِجٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ قُبِلَتْ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ دَعْوَى النَّتَاجِ وَبَقِيَ دَعْوَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ؟ وَفِي دَعْوَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ لَا يَصِيرُ مُحَمَّدٌ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ بِالْقَضَاءِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَكَذَا هُنَا قَالَ فِي الْكِتَابِ: أَلَا يُرَى أَنَّ مُحَمَّدًا لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ أَنَّ الْجَارِيَةَ جَارِيَتُهُ اشْتَرَاهَا مِنْ إبْرَاهِيمَ بِكَذَا، وَهُوَ يَمْلِكُهَا؟ أَنَّهُ يُقْضَى بِهَا لِمُحَمَّدٍ، وَلَوْ صَارَ مُحَمَّدٌ مَقْضِيًّا

стр. 1503

عَلَيْهِ بِالْقَضَاءِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ لَمَا قُضِيَ لَهُ، وَلَوْ أَعَادَ الْمُسْتَحِقُّ الْبَيِّنَةَ عَلَى مُحَمَّدٍ أَنَّهَا أَمَتُهُ وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ قُضِيَ بِهَا لِلْمُسْتَحِقِّ وَتَرَجَّحَتْ بَيِّنَتُهُ عَلَى بَيِّنَةِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ النَّتَاجِ لَا تُعَارِضُهَا بَيِّنَةُ الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ النَّتَاجِ أَكْثَرُ ثَبَاتًا وَيَرْجِعُ مُحَمَّدٌ بِالثَّمَنِ عَلَى إبْرَاهِيمَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا صَارَ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ بِهَذَا الْقَضَاءِ قَالَ: وَلَوْ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْجَارِيَةَ أَحَدٌ وَلَكِنْ أَقَامَتْ الْجَارِيَةُ الْبَيِّنَةَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهَا حُرَّةُ الْأَصْلِ وَقَضَى الْقَاضِي بِحُرِّيَّتِهَا رَجَعَ مُحَمَّدٌ بِالثَّمَنِ عَلَى إبْرَاهِيمَ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا صَارَ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَالْقَضَاءُ بِالْحُرِّيَّةِ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا قَضَاءٌ عَلَى النَّاسِ كَافَّةً؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ تَعْلَقُ بِهَا أَحْكَامٌ مُتَعَدِّيَةٌ إلَى النَّاسِ مِنْ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ وَالْقَضَاءِ وَالْوِلَايَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَانْتَصَبَ ذُو الْيَدِ خَصْمًا عَنْ النَّاسِ كَافَّةً فَكَانَ الْقَضَاءُ عَلَى ذِي الْيَدِ قَضَاءً عَلَى النَّاسِ كَافَّةً، أَمَّا الْمِلْكُ الْمُطْلَقُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ أَحْكَامٌ مُتَعَدِّيَةٌ إلَى النَّاسِ كَافَّةً فَلَمْ يَنْتَصِبْ ذُو الْيَدِ خَصْمًا عَنْ النَّاسِ كَافَّةً، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهَا كَانَتْ أَمَتَهُ أَعْتَقَهَا وَقَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ رَجَعَ مُحَمَّدٌ بِالثَّمَنِ عَلَى إبْرَاهِيمَ فَهَذَا وَالْقَضَاءُ بِحُرِّيَّةِ الْأَصْلِ سَوَاءٌ كَذَا فِي الْمُحِيطِ. أَمَّا الْقَضَاءُ بِالْوَقْفِيَّةِ عَلَى ذِي الْيَدِ هَلْ يَكُونُ قَضَاءً عَلَى النَّاسِ كَافَّةً؟ حُكِيَ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ وَالْقَاضِي الْإِمَامِ رُكْنِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ يَكُونُ قَضَاءً عَلَى النَّاسِ كَافَّةً حَتَّى لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ هَذِهِ الْأَرْضَ لِنَفْسِهِ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، أَلْحَقَاهُ بِالْقَضَاءِ بِحُرِّيَّةِ الْأَصْلِ. وَفِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ قَضَاءً عَلَى النَّاسِ حَتَّى لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ الْأَرْضَ لِنَفْسِهِ مِلْكًا مُطْلَقًا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَأَلْحَقَهُ بِالْقَضَاءِ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ وَبِهِ أَخَذَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ. ادَّعَى رَجُلٌ دَارًا فِي يَدَيْ رَجُلٍ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ وَتَرَكَهَا مِيرَاثًا لَهُ وَلِأَخِيهِ فُلَانٍ، وَأَخُوهُ مُنْكِرٌ دَعْوَاهُ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الدَّارِ، فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ وَقُضِيَ لَهُ بِنِصْفِ الدَّارِ، ثُمَّ رَجَعَ أَخُوهُ إلَى تَصْدِيقِهِ لَمْ يُقْضَ لَهُ بِشَيْءٍ، فَإِنْ جَاءَ الْغَرِيمُ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَثْبَتَ دَيْنَهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الْوَارِثِ بِبَيِّنَتِهِ وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يَقْضِيَ لِلْمَيِّتِ بِالدَّارِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْتَقْبِلُ الْقَضَاءَ فَيَقْضِي لِلْمَيِّتِ بِالدَّارِ كُلِّهَا بِالشَّهَادَةِ الْأُولَى وَتُبَاعُ الدَّارُ وَيَقْضِي الْغَرِيمَ حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ ثَمَنِهَا يَجْعَلُ نِصْفَهَا لِلِابْنِ الْمُدَّعِي وَيَرُدُّ الْبَاقِيَ عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بِالدَّارِ، وَلَا أَجْعَلُ لِلِابْنِ الْمُنْكِرِ مِنْ الْفَضْلِ شَيْئًا كَذَا فِي الْمُحِيطِ. ذَكَرَ فِي شَهَادَاتِ الْجَامِعِ أَنَّ فِي دَعْوَى الْعَيْنِ أَحَدُ الْوَرَثَةِ إنَّمَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ لِلْمُدَّعِي فِي عَيْنٍ هِيَ فِي يَدِ ذَلِكَ الْوَارِثِ لَا فِي عَيْنٍ لَيْسَتْ فِي يَدِهِ حَتَّى أَنَّ مَنْ ادَّعَى عَيْنًا مِنْ التَّرِكَةِ وَأَحْضَرَ وَارِثًا لَيْسَتْ تِلْكَ الْعَيْنُ فِي يَدِ هَذَا الْوَارِثِ الَّذِي أَحْضَرَهُ لَا يَسْمَعُ دَعْوَاهُ عَلَيْهِ وَفِي دَعْوَى الدَّيْنِ أَحَدُ الْوَرَثَةِ يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ التَّرِكَةِ قَالَ: إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى غَيْرِهِ أَنَّكَ كَفَلْتَ لِي عَنْ فُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لِي عَلَيْهِ بِأَمْرِهِ وَجَحَدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْكَفَالَةَ وَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ فَالْقَاضِي يَقْضِي بِالْمَالِ عَلَى الْكَفِيلِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ حَتَّى لَوْ حَضَرَ الْأَصِيلُ وَأَنْكَرَ مَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي كَانَ لِلْكَفِيلِ

стр. 1504

أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالْمَالِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَضَرَ الْغَائِبُ قَبْلَ دَفْعِ الْكَفِيلِ الْمَالَ إلَى الْمُدَّعِي كَانَ لِلْمُدَّعِي الْخِيَارُ إنْ شَاءَ طَالَبَ الْكَفِيلَ بِالْمَالِ، وَإِنْ شَاءَ طَالَبَ الْأَصِيلَ، وَمَتَى أَدَّى الْكَفِيلُ يَرْجِعُ عَلَى الْأَصِيلِ بِمَا أَدَّى، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ، وَلَا يَكُونُ لِلْأَصِيلِ أَنْ يَحْتَجَّ عَلَى الْكَفِيلِ بِإِنْكَارِ الْكَفَالَةِ، وَالْأَمْرُ بِبُطْلَانِ جُحُودِهِ لِجَرَيَانِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعِي ادَّعَى الْكَفَالَةَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَدَّعِ الْأَمْرَ وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ وَقَضَى الْقَاضِي عَلَى الْكَفِيلِ بِالْمَالِ لَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ الْقَضَاءُ إلَى الْغَائِبِ حَتَّى لَوْ حَضَرَ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ سَبِيلٌ إلَّا بَعْدَ إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ. هَذَا إذَا كَانَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْكَفِيلِ، وَقَدْ ادَّعَاهُ الطَّالِبُ كَفَالَةً مُفَسَّرَةً، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْكَفِيلِ، وَقَدْ ادَّعَاهُ كَفَالَةً مُبْهَمَةً بِأَنْ قَالَ: كَفَلْتَ لِي عَنْ فُلَانٍ بِكُلِّ مَالِي، وَلَمْ يُقَدِّرْهُ بِتَقْدِيرٍ بَلْ أَبْهَمَهُ وَأَطْلَقَهُ وَجَحَدَ الْكَفِيلُ ذَلِكَ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ أَنَّ لَهُ عَلَى فُلَانٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ كَانَتْ قَبْلَ الْكَفَالَةِ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَقُضِيَ بِالْمَالِ عَلَى الْكَفِيلِ وَتَعَدَّى الْقَضَاءُ إلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ الْغَائِبِ حَتَّى لَوْ حَضَرَ كَانَ لِلطَّالِبِ أَنْ يُطَالِبَهُ سَوَاءٌ ادَّعَى الطَّالِبُ الْكَفَالَةَ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ ادَّعَى الْكَفَالَةَ بِأَمْرِهِ فَالْكَفِيلُ يَرْجِعُ بِمَا ادَّعَى عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ، وَإِنْ ادَّعَى الْكَفَالَةَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَالْكَفِيلُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّى، أَمَّا فِي حَقِّ وُجُوبِ الْمَالِ لِلطَّالِبِ فَدَعْوَى الْأَمْرِ وَعَدَمِهِ عَلَى السَّوَاءِ. وَكُلُّ جَوَابٍ عَرَفْتَهُ فِي الْكَفَالَةِ فَهُوَ الْجَوَابُ فِي الْحَوَالَةِ، هَذَا إذَا كَانَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْكَفِيلِ وَالْمَكْفُولُ عَنْهُ غَائِبٌ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَ الْكَفِيلِ وَالْمَكْفُولِ عَنْهُ وَالطَّالِبُ غَائِبٌ بِأَنْ ادَّعَى رَجُلٌ وَقَالَ: إنِّي كَفَلْتُ عَنْكَ لِفُلَانٍ بِكَذَا بِأَمْرِكَ وَقَضَيْتُهُ ذَلِكَ عَنْكَ فَالْآنَ أَرْجِعُ عَلَيْكَ بِذَلِكَ، وَجَحَدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دَعْوَاهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، أَوْ أَقَرَّ بِالْكَفَالَةِ بِالْأَمْرِ وَلَكِنْ أَنْكَرَ الْقَضَاءَ وَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ فَالْقَاضِي يَقْضِي بِالْمَالِ لِلْكَفِيلِ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ لِإِثْبَاتِهِ ذَلِكَ بِالْحُجَّةِ وَيَكُونُ ذَلِكَ قَضَاءً عَلَى الطَّالِبِ الْغَائِبِ حَتَّى لَوْ حَضَرَ وَأَنْكَرَ الْقَبْضَ لَا يُلْتَفَتُ إلَى إنْكَارِهِ، وَالْجَوَابُ فِي الْحَوَالَةِ نَظِيرُ الْجَوَابِ فِي الْكَفَالَةِ. قَالَ: وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: اضْمَنْ لِفُلَانٍ عَنِّي ثَمَنَ مَا بَايَعَنِي بِهِ، أَوْ مَا دَايَنَنِي أَوْ مَا أَقْرَضَنِي فَفَعَلَ ذَلِكَ وَغَابَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ، ثُمَّ أَقَامَ الْمَكْفُولُ لَهُ بَيِّنَةً عَلَى مُبَايَعَتِهِ، أَوْ مُدَايَنَتِهِ، أَوْ إقْرَاضِهِ إيَّاهُ بَعْدَ كَفَالَةِ هَذَا الْكَفِيلِ وَالْكَفِيلُ يَجْحَدُ ذَلِكَ كُلَّهُ قَضَى الْقَاضِي عَلَى الْكَفِيلِ بِالْمَالِ وَيَكُونُ ذَلِكَ قَضَاءً عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ الْغَائِبِ حَتَّى لَوْ حَضَرَ وَجَحَدَ مَا ادَّعَاهُ الْمَكْفُولُ عَنْهُ لَا يُلْتَفَتُ إلَى جُحُودِهِ، وَيَلْزَمُهُ الْمَالُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَاجَ الْمَكْفُولُ لَهُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ، وَإِنْ غَابَ الْمَكْفُولُ لَهُ وَحَضَرَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ فَادَّعَى الْكَفِيلُ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ أَنَّ الْمَكْفُولَ لَهُ قَدْ دَايَنَكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَنِّي قَضَيْتُ عَنْكَ عَنْ الْكَفَالَةِ الَّتِي أَمَرْتَنِي بِهَا، وَجَحَدَ الْأَصِيلُ ذَلِكَ كُلَّهُ، أَوْ أَقَرَّ بِالْمُدَايَنَةِ وَلَكِنْ جَحَدَ الْقَضَاءَ وَأَقَامَ عَلَيْهِ الْكَفِيلُ الْبَيِّنَةَ بِذَلِكَ قَضَى الْقَاضِي بِالْمَالِ لِلْكَفِيلِ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ لِثُبُوتِ الْأَدَاءِ

стр. 1505

مِنْ الْكَفِيلِ بَعْدَ الْمُدَايَنَةِ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ وَيَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْمَكْفُولِ لَهُ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. ذَكَرَ فِي فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ لَوْ طَالَبَ رَبُّ الدَّيْنِ الْكَفِيلَ بِالدَّيْنِ فَقَالَ الْكَفِيلُ إنَّ الْمَدْيُونَ أَدَّاهُ، وَالْمَدْيُونُ غَائِبٌ فَأَقَامَ الْكَفِيلُ بَيِّنَةً عَلَى أَدَاءِ مَالِ الْمَدْيُونِ تُقْبَلُ وَيَنْتَصِبُ الْكَفِيلُ خَصْمًا عَلَى الْمَدْيُونِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُ رَبِّ الْمَالِ إلَّا بِهَذَا فَيَنْتَصِبُ خَصْمًا كَذَا فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ. هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ سَأَلْتُ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ قَنَاةٍ فِي قَوْمٍ كَثِيرِينَ فِيهِمْ الشَّاهِدُ وَالْغَائِبُ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ فَأَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ عَلَى بَعْضِهِمْ أَنَّهُمْ احْتَفَرُوا هَذِهِ الْقَنَاةَ فِي أَرْضِهِ غَصْبًا وَهُمْ قَوْمٌ كَثِيرُونَ لَا نَقْدِرُ عَلَى أَنْ نَجْمَعَهُمْ قَالَ جَعَلْتُ لَهُمْ وَكِيلًا وَقَضَيْتُ عَلَى وَكِيلِهِمْ كَذَا فِي الْمُحِيطِ. رَجُلٌ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ نِصْفَ الْعَبْدِ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَأَوْدَعَهُ نِصْفَهُ، ثُمَّ غَابَ الْبَائِعُ فَجَاءَ رَجُلٌ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ لَهُ نِصْفَ الْعَبْدِ فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي إذَا أَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَائِعٍ فِي دَارِ الدُّنْيَا إذَا بَاعَ يَنْصَرِفُ بِبَيْعِهِ إلَى مِلْكِ نَفْسِهِ دُونَ مِلْكِ شَرِيكِهِ وَظَهَرَ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ شَرِيكُ الْبَائِعِ وَالْإِيدَاعَ حَصَلَ فِي النِّصْفِ الْمَقْضِيِّ بِهِ، فَالِاسْتِحْقَاقُ وَرَدَ عَلَى الْوَدِيعَةِ، وَالْمُودِعُ لَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا كَذَا فِي الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْبَابُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ فِي الْمُتَفَرِّقَاتِ] وَإِذَا كَانَ عُلُوٌّ لِرَجُلٍ وَسُفْلٌ لِآخَرَ فَلَيْسَ لِصَاحِبِ السُّفْلِ أَنْ يَتِدَ فِيهِ وَتَدًا، وَلَا أَنْ يَنْقُبَ فِيهِ كُوَّةً بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِ الْعُلُوِّ وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ أَنْ يَبْنِيَ فِي عُلُوِّهِ، وَلَا أَنْ يَضَعَ عَلَيْهِ جِذْعًا لَمْ يَكُنْ، وَلَا يُحْدِثَ كَنِيفًا إلَّا بِرِضَا صَاحِبِ السُّفْلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَا: جَازَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَصْنَعَ مَا لَا يَضُرُّ بِهِ، وَقِيلَ: هَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَعْنِي أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا مَنَعَ عَمَّا مَنَعَ إذَا كَانَ مُضِرًّا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فَلَمْ يَمْنَعْ كَمَا هُوَ قَوْلُهُمَا فَكَانَ جَوَازُ التَّصَرُّفِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْآخَرُ فَصْلًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ حَصَلَ فِي مِلْكِهِ فَيَكُونُ الْمَنْعُ لِعِلَّةِ الضَّرَرِ لِصَاحِبِهِ، وَقِيلَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِتَفْسِيرٍ لَهُ، وَإِنَّمَا الْأَصْلُ عِنْدَهُمَا الْإِبَاحَةُ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ وَالْمِلْكُ يَقْتَضِي الْإِطْلَاقَ فَلَا يُمْنَعُ عَنْهُ إلَّا بِعَارِضِ الضَّرَرِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ضَرَرٌ لَا يُمْنَعُ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ ثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ إذَا أُشْكِلَ فَعِنْدَهُمَا لَمْ يَجُزْ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ مُتَيَقَّنٌ وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، وَالْأَصْلُ عِنْدَهُ الْحَظْرُ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مَحِلٍّ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ مُحْتَرَمٌ لِلْغَيْرِ، وَهُوَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ؛ لِأَنَّ قَرَارَهُ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا يُمْنَعُ مِنْ الْهَدْمِ اتِّفَاقًا، وَتَعَلُّقُ حَقِّ الْغَيْرِ يَمْنَعُ الْمَالِكَ عَنْ التَّصَرُّفِ كَمَا مَنَعَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَأْجِرِ الْمَالِكَ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمَرْهُونِ وَالْمُسْتَأْجَرِ، وَالْإِطْلَاقُ بِعَارِضٍ، وَهُوَ الرِّضَا بِهِ دُونَ عَدَمِ الضَّرَرِ بِهِ، فَإِذَا أَشْكَلَ لَا يَزُولُ الْمَنْعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْرَى عَنْ نَوْعِ ضَرَرٍ بِالْعُلُوِّ مِنْ تَوْهِينِ بِنَاءٍ، أَوْ نَقْضِهِ فَيُمْنَعُ عَنْهُ كَذَا فِي

стр. 1506

الْعِنَايَةِ. وَالْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى أَنَّهُ إذَا أَشْكَلَ أَنَّهُ يَضُرُّ أَوْ لَا - يَمْلِكُ، وَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ يَضُرُّ لَا يَمْلِكُ كَذَا فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ. وَإِذَا كَانَتْ زَائِغَةٌ مُسْتَطِيلَةٌ تَتَشَعَّبُ مِنْهَا زَائِغَةٌ مُسْتَطِيلَةٌ وَهِيَ غَيْرُ نَافِذَةٍ، وَكَذَلِكَ الزَّائِغَةُ الْأُولَى أَيْضًا غَيْرُ نَافِذَةٍ هَكَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ وَالْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ. فَلَيْسَ لِأَهْلِ الزَّائِغَةِ الْأُولَى أَنْ يَفْتَحُوا بَابًا فِي الزَّائِغَةِ الْقُصْوَى؛ لِأَنَّ فَتْحَهُ لِلْمُرُورِ، وَلَا حَقَّ لَهُمْ فِي الْمُرُورِ إذْ هُوَ لِأَهْلِهَا خُصُوصًا حَتَّى لَا يَكُونَ لِأَهْلِ الْأُولَى فِيمَا بِيعَ فِيهَا حَقُّ الشُّفْعَةِ، بِخِلَافِ النَّافِذَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرُورَ فِيهَا حَقُّ الْعَامَّةِ قِيلَ: الْمَنْعُ مِنْ الْمُرُورِ لَا مِنْ فَتْحِ الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ جِدَارَهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْفَتْحِ؛ لِأَنَّ بَعْدَ الْفَتْحِ لَا يُمْكِنُهُ الْمَنْعُ مِنْ الْمُرُورِ كُلَّ سَاعَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَدِيرَةً قَدْ لَزِقَ طَرَفَاهَا فَلَهُمْ أَنْ يَفْتَحُوا؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَقُّ الْمُرُورِ فِي كُلِّهَا إذْ هِيَ سَاحَةٌ مُشْتَرَكَةٌ، وَلِهَذَا يَشْتَرِكُونَ فِي الشُّفْعَةِ إذَا بِيعَتْ دَارٌ مِنْهَا. وَمَنْ ادَّعَى فِي دَارٍ دَعْوَى وَأَنْكَرَهَا الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ صَالَحَهُ مِنْهَا فَهُوَ جَائِزٌ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ وَالْمُدَّعَى وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا فَالصُّلْحُ عَلَى مَعْلُومٍ عَنْ مَجْهُولٍ جَائِزٌ عِنْدَنَا. وَمَنْ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهُ وَهَبَهَا لَهُ فِي وَقْتِ كَذَا فَسُئِلَ الْبَيِّنَةَ فَقَالَ: جَحَدَنِي الْهِبَةَ فَاشْتَرَيْتُهَا وَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي يَدَّعِي فِيهِ الْهِبَةَ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ لِظُهُورِ التَّنَاقُضِ إذْ هُوَ يَدَّعِي الشِّرَاءَ بَعْدَ الْهِبَةِ وَهُمْ يَشْهَدُونَ بِهِ قَبْلَهَا، وَلَوْ شَهِدُوا بِهِ بَعْدَهُ تُقْبَلُ لِوُضُوحِ التَّوْفِيقِ، وَلَوْ كَانَ ادَّعَى الْهِبَةَ، ثُمَّ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ قَبْلَهَا، وَلَمْ يَقُلْ جَحَدَنِي الْهِبَةَ فَاشْتَرَيْتُهَا لَمْ تُقْبَلْ أَيْضًا ذَكَرَهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْهِبَةِ إقْرَارٌ مِنْهُ بِالْمِلْكِ لِلْوَاهِبِ عِنْدَنَا وَدَعْوَى الشِّرَاءِ رُجُوعٌ مِنْهُ فَعُدَّ مُنَاقِضًا بِخِلَافِ مَا إذَا ادَّعَى الشِّرَاءَ بَعْدَ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ مِلْكُهُ عِنْدَهَا. وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: اشْتَرَيْتَ مِنِّي هَذِهِ الْجَارِيَةَ فَأَنْكَرَ الْآخَرُ إنْ أَجْمَعَ الْبَائِعُ عَلَى تَرْكِ الْخُصُومَةِ وَسِعَهُ أَنْ يَطَأَهَا. وَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْ فُلَانٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا زُيُوفٌ صُدِّقَ بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ الْجِيَادَ، أَوْ حَقَّهُ، أَوْ الثَّمَنَ، أَوْ اسْتَوْفَى لِإِقْرَارِهِ بِقَبْضِ الْجِيَادِ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً، فَلَا يُصَدَّقُ وَالنَّبَهْرَجَةُ كَالزُّيُوفِ وَفِي السَّتُّوقَةِ لَا يُصَدَّقُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ. وَالزَّيْفُ مَا زَيَّفَهُ بَيْتُ الْمَالِ وَالنَّبَهْرَجُ مَا يَرُدُّهُ التُّجَّارُ وَالسَّتُّوقُ مَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْغِشُّ. وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ: لَكَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ: لَيْسَ لِي عَلَيْكَ شَيْءٌ، ثُمَّ قَالَ فِي مَكَانِهِ: بَلْ لِي عَلَيْكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَقَدْ ارْتَدَّ بِرَدِّ الْمُقَرِّ لَهُ، وَالثَّانِي دَعْوَى فَلَا بُدَّ مِنْ الْحُجَّةِ، أَوْ تَصْدِيقِ خَصْمِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ اشْتَرَيْتَ

стр. 1507

وَأَنْكَرَ لَهُ أَنْ يُصَدِّقَهُ. وَمَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ مَالًا فَقَالَ: مَا كَانَ لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ قَطُّ، فَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَى الْأَلْفِ وَأَقَامَ هُوَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْقَضَاءِ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ، وَكَذَلِكَ عَلَى الْإِبْرَاءِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: لَيْسَ لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ قَطُّ، وَلَوْ قَالَ: مَا كَانَ لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ قَطُّ، وَلَا أَعْرِفُكَ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ عَلَى الْقَضَاءِ، وَكَذَا عَلَى الْإِبْرَاءِ وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ تُقْبَلُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُحْتَجِبَ، أَوْ الْمُخَدَّرَةَ قَدْ يُؤْذَى بِالشَّغَبِ عَلَى بَابِهِ فَيَأْمُرُ بَعْضَ وُكَلَائِهِ بِإِرْضَائِهِ، وَلَا يَعْرِفُهُ، ثُمَّ يَعْرِفُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَمْكَنَ التَّوْفِيقُ. وَمَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ بَاعَهُ جَارِيَةً وَقَالَ لَمْ أَبِعْهَا مِنْكَ قَطُّ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الشِّرَاءِ فَوَجَدَ بِهَا أُصْبُعًا زَائِدَةً وَأَقَامَ الْبَائِعُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ بَرِئَ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَةُ الْبَائِعِ. ذِكْرُ حَقٍّ كُتِبَ فِي أَسْفَلِهِ، وَمَنْ قَامَ بِهَذَا الذِّكْرِ الْحَقِّ فَهُوَ وَلِيُّ مَا فِيهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -، أَوْ كُتِبَ فِي الشِّرَاءِ فَعَلَى فُلَانٍ خَلَاصُ ذَلِكَ وَتَسْلِيمُهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - بَطَلَ الذِّكْرُ كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَا: إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - هُوَ عَلَى الْخَلَاصِ، وَعَلَى مَنْ قَامَ بِذِكْرِ الْحَقِّ وَقَوْلُهُمَا اسْتِحْسَانٌ ذَكَرَهُ فِي الْإِقْرَارِ، وَلَوْ تَرَكَ فُرْجَةً قَالُوا لَا يَلْتَحِقُ بِهِ وَيَصِيرُ كَفَاصِلِ السُّكُوتِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ. أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ فِي دَارِهِ تَنُّورًا لِلْخُبْزِ الدَّائِمِ كَمَا يَكُونُ فِي الدَّكَاكِينِ، أَوْ رَحًى لِلطَّحْنِ، أَوْ مِدْقَاقَ الْقَصَّارِينَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِجِيرَانِهِ ضَرَرًا فَاحِشًا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ وَلَهُ أَنْ يَتَّخِذَ فِيهَا حَمَّامًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ إلَّا بِالنَّدَاوَةِ، وَالتَّحَرُّزُ عَنْهَا مُمْكِنٌ بِأَنْ يَبْنِيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ جَارِهِ حَائِطًا بِنُورَةٍ قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: وَالْجُمْلَةُ فِي هَذِهِ أَنَّ الْقِيَاسَ لَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ لَكِنْ تَرَكَ الْقِيَاسَ وَأَخَذَ بِالِاسْتِحْسَانِ لِأَجْلِ الْمَصْلَحَةِ قَالَ: وَكَانَ وَالِدِي يُفْتِي إذَا كَانَ ضَرَرًا بَيِّنًا يُمْنَعُ وَبِهِ يُفْتَى، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اتَّخَذَ دَارِهِ حَمَّامًا وَتَأَذَّى الْجِيرَانُ مِنْ دُخَانِهَا فَلَهُمْ مَنْعُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ دُخَانُ الْحَمَّامِ مِثْلَ دُخَانِهِمْ، وَلَوْ اتَّخَذَ دَارِهِ حَظِيرَةَ غَنَمٍ وَالْجِيرَانُ يَتَأَذَّوْنَ مِنْ نَتْنِ السِّرْقِينِ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْحُكْمِ مَنْعُهُ، وَلَوْ حَفَرَ فِي دَارِهِ بِئْرًا نَزَّ مِنْهَا حَائِطُ جَارِهٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ، وَقِيلَ: إذَا كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَلَهُ مَنْعُهُ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا. سَقَطَ حَائِطٌ بَيْنَ دَارَيْنِ وَلِأَحَدِهِمَا عَوْرَاتٌ وَطَلَبَ مِنْ جَارِهِ أَنْ يُسَاعِدَهُ فِي الْبِنَاءِ قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُجْبَرُ وَقَالَ الْفَقِيهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يُجْبَرُ فِي زَمَانِنَا، وَقِيلَ: إنْ كَانَ يَقَعُ بَصَرُهُ فِي الصُّعُودِ فِي دَارِ جَارِهِ فَلَهُ مَنْعُهُ عَنْ الصُّعُودِ حَتَّى يَتَّخِذَ سُتْرَةً، وَإِنْ كَانَ يَقَعُ فِي سَطْحِهِ فَلَا كَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ كَذَا فِي النِّهَايَةِ. شَافِعِيُّ الْمَذْهَبِ إذَا جَاءَ إلَى الْقَاضِي وَادَّعَى الشُّفْعَةَ بِالْجِوَارِ فَالْقَاضِي هَلْ يَقْضِي لَهُ بِالشُّفْعَةِ؟ لَا ذِكْرَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهَا بَعْضُهُمْ قَالُوا لَا يَقْضِي، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَقْضِي، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إذَا تَقَدَّمَ إلَى الْقَاضِي

стр. 1508

فَالْقَاضِي يَقُولُ: هَلْ تَعْتَقِدُ وُجُوبَ الشُّفْعَةِ بِالْجِوَارِ؟ إنْ قَالَ نَعَمْ يَقْضِي لَهُ بِهَا، وَإِنْ قَالَ لَا أَقَامَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَلَمْ يَسْمَعْ كَلَامَهُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا أَوْجَهُ الْأَقَاوِيلِ وَأَحْسَنُهَا. وَفِي الْمُنْتَقَى: قُضَاةٌ ثَلَاثَةٌ بِبَغْدَادَ كُلُّ قَاضٍ عَلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ فَادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ دَعْوَى وَاخْتَلَفَا فِيمَنْ يَخْتَصِمَانِ إلَيْهِ بَيْنَهُمْ، فَإِنْ كَانَ مَنْزِلُ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ يَخْتَصِمَانِ إلَى الْقَاضِي الَّذِي هُوَ فِي مَوْضِعِهِمَا، وَإِنْ كَانَ مَنْزِلَاهُمَا مُخْتَلِفَيْنِ أَحَدُهُمَا مِنْ هَذَا الْجَانِبِ وَالْآخَرُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: ذَلِكَ إلَى الْمُدَّعِي حَيْثُ شَاءَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: ذَلِكَ إلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ عَسْكَرِيًّا فَقَالَ نَذْهَبُ إلَى قَاضِي الْعَسْكَرِ وَالْخَصْمُ الْآخَرُ كَانَ بَلَدِيًّا فَقَالَ نَذْهَبُ إلَى قَاضِي الْبَلْدَةِ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ. قَالَ: إذَا قَالَ الْقَاضِي لِرَجُلٍ: قَدْ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ هَذَا سَرَقَ فَاقْطَعْ يَدَهُ، أَوْ قَالَ إنَّهُ زَنَى فَحُدَّهُ، أَوْ قَالَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فَاقْتُلْهُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ وَيَحُدَّهُ وَيَرْجُمَهُ وَيَسَعُهُ ذَلِكَ عِنْدَهُمَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَسَعُهُ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ الْقَاضِي عِنْدَهُ عَدْلًا وَحَتَّى يَشْهَدَ مَعَهُ رَجُلٌ آخَرُ إنْ كَانَ فِي حَقٍّ تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ وَإِلَى ثَلَاثَةٍ أُخْرَى إنْ كَانَ هَذَا فِي الزِّنَا وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا هَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي عَالِمًا عَادِلًا، أَوْ عَالِمًا ظَالِمًا، أَوْ عَادِلًا جَاهِلًا، أَمَّا إذَا كَانَ عَالِمًا عَادِلًا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَفْسِرَ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا ظَالِمًا فَإِنَّهُ لَا يَأْتَمِرُ بِأَمْرِهِ سَوَاءٌ فَسَّرَهُ، أَوْ لَمْ يُفَسِّرْهُ، وَإِنْ كَانَ عَادِلًا جَاهِلًا فَإِنَّهُ لَا يَأْتَمِرُ بِأَمْرِهِ حَتَّى يُفَسِّرَهُ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُخْطِئُ فِي الْقَضَاءِ فَيَسْأَلُهُ عَنْ الْحُجَّةِ. وَالْمَسْأَلَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - مُصَوَّرَةٌ فِي الْقَاضِي الْعَالِمِ الْعَادِلِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْقَاضِي: أَقَرَّ هَذَا الرَّجُلُ عِنْدِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لِهَذَا وَالْمُقِرُّ يُنْكِرُ فَقَوْلُ الْقَاضِي مَقْبُولٌ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ. وَإِذَا أَرَادَ إثْبَاتَ قَضَاءِ الْخَلِيفَةِ عِنْدَ قَاضِي الْأَصْلِ يَقُولُ النَّائِبُ عِنْدَ قَاضِي الْأَصْلِ: أَقَرَّ فُلَانٌ لِفُلَانٍ بِكَذَا حَكَمْتُ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا فَثَبَتَ إقْرَارُ فُلَانٍ وَحُكْمُ النَّائِبِ وَجَمِيعُ مَا أَخْبَرَ النَّائِبُ عِنْدَ قَاضِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ النَّائِبَ قَاضٍ فِي الْمَكَانِ الَّذِي الْأَصْلُ فِيهِ قَاضٍ وَقَوْلُ الْقَاضِي فِي مَكَانِ قَضَائِهِ مَقْبُولٌ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. وَإِذَا قَضَى الْقَاضِي بِحَضْرَةِ وَكِيلِ الْغَائِبِ، أَوْ بِحَضْرَةِ وَصِيِّ الْمَيِّتِ يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ، وَعَلَى الْمَيِّتِ، وَلَا يَقْضِي عَلَى الْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ وَيَكْتُبُ فِي السِّجِلِّ أَنَّهُ قَضَى عَلَى الْمَيِّتِ، وَعَلَى الْغَائِبِ وَلَكِنْ بِحَضْرَةِ وَكِيلِهِ وَبِحَضْرَةِ وَصِيِّهِ. ذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَدَبِ الْقَاضِي فِي بَابِ الْعَدْوَى: إذَا أَمَرَ الْقَاضِي رَجُلًا بِمُلَازَمَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِاسْتِخْرَاجِ الْمَالِ وَيُسَمَّى بِالْفَارِسِيَّةِ مُوَكَّلٌ فَمُؤْنَتُهُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ صَدْرُ الْإِسْلَامِ وَعَلَيْهِ بَعْضُ الْقُضَاةِ. وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا: هِيَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَهُوَ الْأَصَحُّ

стр. 1509

لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ تَعُودُ إلَى الْمُدَّعِي. وَإِذَا أَقَرَّ رَجُلٌ لِإِنْسَانٍ بِمَالٍ وَمَاتَ الْمُقِرُّ فَقَالَتْ وَرَثَتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ إنَّ أَبَانَا أَقَرَّ بِمَا أَقَرَّ كَذِبًا فَلَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ، وَأَنْتَ أَيُّهَا الْمُقِرُّ لَهُ عَالِمٌ بِذَلِكَ وَأَرَادُوا تَحْلِيفَهُ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُحَلِّفُوهُ، وَإِذَا قَالَ الْمَدْيُونُ أَبِيعُ عَبْدِي هَذَا وَأَقْضِي حَقَّهُ ذَكَرَ صَاحِبُ شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْعِصَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَوَّلِ مَكَاتِبِهِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْبِسُهُ بَلْ يُؤَجِّلُهُ يَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً. ادَّعَى عَلَى آخَرَ مَالًا وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، ثُمَّ ادَّعَى عَلَيْهِ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ أَنَّكَ اسْتَمْهَلْتَ مِنِّي هَذَا الْمَالَ وَصِرْتَ مُقِرًّا بِالْمَالِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُنْكِرُ الْمَالَ وَالِاسْتِمْهَالَ جَمِيعًا فَالْقَاضِي يُحَلِّفُهُ عَلَى الْمَالِ، أَوْ عَلَى الِاسْتِمْهَالِ، وَقَدْ قِيلَ: يُحَلِّفُهُ عَلَى الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ بِالِاسْتِمْهَالِ يُعْتَبَرُ مُقِرًّا وَالْإِقْرَارُ حُجَّةُ الْمُدَّعِي، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا يَحْلِفُ عَلَى حُجَّةِ الْمُدَّعِي فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ. وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَجُلٌ قَالَ لِآخَرَ لِي عَلَيْكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إنْ حَلَفْتَ أَنَّهَا لَكَ عَلَيَّ أَدَّيْتُهَا فَحَلَفَ الرَّجُلُ فَأَدَّاهَا إلَيْهِ إنْ أَدَّاهَا عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي شَرَطَ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا دَفَعَ إلَيْهِ. رَجُلٌ أَخْرَجَ صَكًّا بِإِقْرَارِ رَجُلٍ فَقَالَ الْمُقِرُّ قَدْ أَقْرَرْتُ لَكَ بِهَذَا الْمَالِ إلَّا أَنَّكَ رَدَدْتَ إقْرَارِي يَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهُ كَمَنْ ادَّعَى الْبَيْعَ عَلَى إنْسَانٍ فَقَالَ الْبَائِعُ بِعْتُهُ مِنْكَ إلَّا أَنَّكَ أَقَلْتَنِي فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مُدَّعِي الشِّرَاءَ. رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَابْنَتَهَا فِي عُقْدَتَيْنِ وَقَالَ لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا الْأُولَى يَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَا تَزَوَّجَهَا قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْقَاضِي يَبْدَأُ فِي التَّحْلِيفِ بِأَيَّتِهِمَا شَاءَ، فَإِذَا حَلَّفَهُ لِإِحْدَاهُمَا وَحَلَفَ يَثْبُتُ نِكَاحُ الْأُخْرَى، وَإِنْ نَكِلَ لَزِمَهُ نِكَاحُ هَذِهِ وَبَطَلَ نِكَاحُ الْأُخْرَى، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى قَوْلِهِمَا، أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَا يَجْرِي الِاسْتِحْلَافُ فِي النِّكَاحِ. الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالدَّارِ إذَا قَالَ: أَنَا بَنَيْتُ هَذِهِ الدَّارَ وَالْمُدَّعِي يَعْلَمُ بِذَلِكَ وَطَلَبَ يَمِينَ الْمُدَّعِي لَا يَحْلِفُ الْمُدَّعِي لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الْبَانِي وَيَكُونَ الْبِنَاءُ لِلْمُدَّعِي بِأَنْ يَبْنِيَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَمْرِ الْمُدَّعِي حَتَّى لَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَنَيْتُ الدَّارَ لِنَفْسِي بِغَيْرِ أَمْرِ الْمُدَّعِي يُحَلِّفُ الْمُدَّعِيَ الْحَاكِمُ الْمُحَكَّمُ إذَا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَحَلَفَ، ثُمَّ تَرَافَعَا إلَى قَاضٍ مُوَلًّى فَالْقَاضِي الْمُوَلَّى لَا يُحَلِّفُهُ ثَانِيًا كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ فَاسِقًا عِنْدَنَا كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. دَارٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ ادَّعَاهَا رَجُلٌ آخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْهُ، فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: هَذِهِ الدَّارُ كَانَتْ لِي وَقَفْتُهَا عَلَى كَذَا، وَكَذَا وَأَرَادَ الْمُدَّعِي تَحْلِيفَهُ يَحْلِفُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لَهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ غَصْبَ الدَّارِ يَتَحَقَّقُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَانَ فِي التَّحْلِيفِ فَائِدَةٌ حَتَّى لَوْ نَكِلَ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُحَلِّفَهُ عَلَى الْعَيْنِ لِيَأْخُذَ الْعَيْنَ لَا يَحْلِفُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الدَّارَ صَارَتْ مُسْتَهْلَكَةً لِصَيْرُورَتِهَا وَقْفًا، وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - دَفْعًا لِلْحِيلَةِ، وَهَذَا كَرَجُلٍ فِي يَدَيْهِ عَبْدٌ قَالَ: هَذَا الْعَبْدُ لِفُلَانٍ اغْتَصَبَهُ مِنْ فُلَانٍ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ فِي إقْرَارِهِ أَنَّهُ لِفُلَانٍ، وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ أَنَّهُ اغْتَصَبَهُ مِنْ فُلَانٍ وَيُصَدَّقُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ حَتَّى يَضْمَنَ قِيمَتَهُ لِلثَّانِي. رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ ضَيْعَةٌ يَزْعُمُ أَنَّهَا وَقْفُ جَدِّهِ وَقَفَهَا عَلَيَّ وَعَلَى ابْنِهِ وَأَوْلَادِ ابْنِهِ خَاصَّةً

стр. 1510

فَجَاءَ رَجُلٌ وَادَّعَاهَا وَقَالَ: إنَّ الْوَاقِفَ هَذَا وَقَفَهَا عَلَى جَمِيعِ أَوْلَادِهِ وَأَنَا مِنْ جُمْلَةِ أَوْلَادِهِ وَأَرَادَ تَحْلِيفَ صَاحِبِ الْيَدِ لَا يُحَلَّفُ إلَّا إذَا كَانَ فِي يَدِ صَاحِبِ الْيَدِ شَيْءٌ مِنْ غَلَّةِ هَذِهِ الضَّيْعَةِ فَحِينَئِذٍ يُحَلِّفُهُ عَلَى نَصِيبِ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي مِلْكَ ذَلِكَ الْقَدْرِ لِنَفْسِهِ وَذُو الْيَدِ يُنْكِرُ فَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا كَذَلِكَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ، وَهَذَا الْجَوَابُ مُسْتَقِيمٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ حَقُّ الْخُصُومَةِ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الْخُصُومَةِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى مِنْ الْمُتَوَلَّى حَتَّى يَحْلِفَ الْمُدَّعِي فِي الْوَجْهِ الثَّانِي. قَاضِي الْعَسْكَرِ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى غَيْرِ الْعَسْكَرِ، وَلَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ إلَّا إذَا شُرِطَ ذَلِكَ عِنْدَ التَّقْلِيدِ، وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ، وَهُوَ يَعْمَلُ فِي السُّوقِ وَيَحْتَرِفُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ. سُئِلَ شَمْسُ الْإِسْلَامِ الْأُوزْجَنْدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ وَقَفَ ضَيْعَةً عَلَى عُلَمَاءِ خُوَاقَنْدَ وَسَلَّمَ إلَى الْمُتَوَلِّي، ثُمَّ ادَّعَى عَلَى الْمُتَوَلِّي فَسَادَ الْوَقْفِيَّةِ بِسَبَبِ الشُّيُوعِ بَيْنَ يَدَيْ قَاضِي خُوَاقَنْدَ فَحُكِمَ بِصِحَّةِ الْوَقْفِيَّةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ وَقَاضِي خُوَاقَنْدَ مِنْ عُلَمَاءِ خُوَاقَنْدَ هَلْ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ؟ قَالَ: يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ شَاهِدًا فِي هَذَا فَيَصْلُحُ قَاضِيًا، وَإِنَّمَا يَصْلُحُ شَاهِدًا فِي هَذَا اسْتِدْلَالًا بِمَا ذَكَرَ هِلَالٌ فِي وَقْفِهِ إذَا وَقَفَ الرَّجُلُ عَلَى فُقَرَاءِ جِيرَانِهِ، ثُمَّ شَهِدَ بَعْضُ فُقَرَاءِ جِيرَانِهِ عَلَى الْوَقْفِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّ الْجِوَارَ لَيْسَ بِلَازِمٍ. الْقَاضِي لَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ الصِّغَارِ إلَّا إذَا كُتِبَ فِي مَنْشُورِهِ ذَلِكَ. إذَا مَاتَ الْقَاضِي قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ يَسْقُطُ رِزْقُهُ ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَوَّلِ بَابِ النَّفَقَةِ مِنْ أَدَبِ الْقَاضِي فِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ. قَاضِي كَرْخَ وَقَاضِي خَيْبَرَ أَنَّهُ إذَا الْتَقَيَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ إنَّ فُلَانًا أَقَرَّ لِفُلَانٍ بِكَذَا لَا يَقْضِي بِهِ حَتَّى يَبْعَثَ إلَيْهِ الرُّقْعَةَ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي، قَالُوا: هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَمَانَ الْإِخْبَارِ فِي مَكَان هُوَ قَاضٍ فِيهِ، أَمَّا إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَكَان هُوَ قَاضٍ فِيهِ يَنْبَغِي أَنْ يُقْضَى بِهِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ أَقْوَى مِنْ الرُّقْعَةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ. قَاضٍ بَاعَ مَالَ الْيَتِيمِ بِنَفْسِهِ، أَوْ أَوْدَعَهُ، أَوْ بَاعَ أَمِينُهُ بِأَمْرِهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْ رَجُلٍ، ثُمَّ مَاتَ هَذَا الْقَاضِي وَاسْتَقْضَى غَيْرُهُ فَشَهِدَ قَوْمٌ عِنْدَهُ أَنَّهُمْ سَمِعُوا الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ يَقُولُ بِعْتُ فُلَانًا مَالَ الْيَتِيمِ بِكَذَا، وَكَذَا فَهَذِهِ الشَّهَادَةُ تُقْبَلُ وَيُؤْخَذُ الْمُشْتَرَى بِالْمَالِ، وَكَذَا الْوَدِيعَةُ فِي الْمُلْتَقَطِ وَلَوْ مَاتَ أَحَدٌ، وَلَا يُعْلَمُ لَهُ وَارِثٌ فَبَاعَ الْقَاضِي دَارِهِ يَجُوزُ، وَلَوْ ظَهَرَ الْوَارِثُ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ مَاضٍ فِي الْفَتَاوَى الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ لَهُ عَلَى آخَرَ دَعَاوَى مُتَفَرِّقَةٌ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالضِّيَاعِ قَالَ: تُجْمَعُ دَعَاوَاهُ كُلُّهَا وَيَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ. رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ مَالًا فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَأَخْرَجَ الْمُدَّعِي خَطًّا بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْمَالِ، وَقَالَ: هَذَا خَطُّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ خَطَّهُ فَاسْتُكْتِبَ وَكَتَبَ وَكَانَ بَيْنَ الْخَطَّيْنِ مُشَابَهَةٌ ظَاهِرَةٌ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَقْضِي الْقَاضِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْمَالِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَقْضِي، وَهُوَ الصَّحِيحُ
следующие страницы →