Полный текст (3 205 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
لِأَحَدٍ عَنْهُ وَلَا مُخَلِّصَ وَلَا مَنَاصَ وَمَضَى لِسَبِيلِهِ صُرِفَ مَا كَانَ مَصْرُوفًا إلَيْهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ مِنْ ذَلِكَ الْفَاضِلِ فَيُبْدَأُ مِنْهُ أَوَّلًا بِمَا يَحُجُّ عَنْهُ رَجُلٌ مُصْلِحٌ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ فَيُعْطَى كِفَايَتُهُ لِذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ وَمَا فَضَلَ مِنْ ذَلِكَ بُدِئَ بِالتَّضْحِيَةِ بِكَذَا شِيَاهٍ إحْدَاهَا عَنْ سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﷺ وَالثَّانِي عَنْ وَالِدِ هَذَا الْوَاقِفِ فُلَانٍ وَالثَّالِثَةُ عَنْ وَالِدَةِ هَذَا الْوَاقِفِ فُلَانَةَ بِنْتِ فُلَانٍ، وَالرَّابِعَةُ عَنْ هَذَا الْوَاقِفِ فَيُضَحِّي بِذَلِكَ كُلِّهِ كُلَّ سَنَةٍ فِي أَيَّامِ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَانْقِرَاضِ حَيَاتِهِ تَبَرُّكًا إلَى اللَّهِ وَوَسِيلَةً بِهَا إلَيْهِ وَيُعْطَى أَجْرُ السَّلَّاخِ مِنْ الْفَاضِلِ وَيُتَصَدَّقُ بِلُحُومِهَا وَشُحُومِهَا وَدُسُومِهَا وَأَكَارِعِهَا وَسَقَطِهَا عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَمَحَاوِيجِهِمْ، وَمَا فَضَلَ مِنْ ذَلِكَ يُصْرَفُ إلَى مَرْسُومَاتِ عَاشُورَاءَ الَّتِي تَعْرِفُهَا الْأَغْنِيَاءُ فِي هَذَا الْيَوْمِ مِنْ شِرَاءِ الرُّغْفَانِ وَاِتِّخَاذِ الْخَبِيصِ وَشِرَاءِ الْكِيزَانِ وَالْمِلْحِ وَالْكِبْرِيتِ بِكَذَا مُوسِعُ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى هَذَا الْقَيِّمِ.
وَمَا فَضَلَ مِنْ ذَلِكَ يُصْرَفُ كَذَا كَذَا إلَى فَوَائِتِ صَلَوَاتِهِ وَكَذَا كَذَا إلَى فَوَائِتِ زَكَوَاتِهِ وَكَذَا إلَى فَوَائِتِ نُذُورِهِ وَكَفَّارَاتِهِ وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ أَنْ يَأْكُلَ بِنَفْسِهِ مِنْهَا وَأَنْ يُؤَكِّلَ مَنْ شَاءَ وَمَا فَضَلَ مِنْ ذَلِكَ يُصْرَفُ إلَى مَصَالِحِ السِّقَايَةِ الَّتِي هِيَ بِمَحَلَّةِ كَذَا وَإِلَى شِرَاءِ الْجَمْدِ وَأُجْرَةِ السُّقَاةِ وَيُتَّخَذُ مَاءُ الْجَمْدِ فِيهَا أَيَّامَ الصَّيْفِ وَمَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ، وَصَارَتْ هَذِهِ صَدَقَةً مَاضِيَةً صَافِيَةً لَا يَزِيدُهَا مُرُورُ الْأَيَّامِ إلَّا تَسْدِيدًا وَلَا مُضِيُّ الْأَعْوَامِ إلَّا تَأْكِيدًا وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مِنْ الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ تَبْدِيلُ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا وَلَا تَغْيِيرُ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَا تَعْطِيلُهَا ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] وَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
وَالْأَحْوَطُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُلْحِقَ فِي الْوَقْفِ حُكْمُ قَاضٍ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَزُولَ الْخِلَافُ، وَصُورَةُ جَرَيَانِ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ أَنْ يَكْتُبَ عَلَى ظَهْرِ الصَّكِّ لِلْوَقْفِ يَقُولُ الْقَاضِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْمُتَوَلِّي لِعَمَلِ الْقُضَاةِ وَالْأَحْكَامِ وَالْأَوْقَافِ بِكُورَةِ كَذَا وَنَوَاحِيهَا نَافِذُ الْقَضَاءِ وَالْإِمْضَاءِ وَالِاسْتِنَابَةِ فِيمَا بَيْنَ أَهْلِهَا: حَكَمْت بِصِحَّةِ هَذَا الْوَقْفِ الْمُبَيَّنِ الْمَوْصُوفِ فِي بَطْنِ هَذَا الصَّكِّ وَجَوَازِهِ وَلُزُومِهِ فِي جَمِيعِ مَا بُيِّنَ مَوْضِعُهُ وَحُدُودُهُ فِيهِ مِنْ الْحَوَانِيتِ وَالرِّبَاطَاتِ وَالْخَانَاتِ وَالْحَمَّامَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ بِجَمِيعِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَبْنِيَةِ فِي سُفْلِهِ وَعُلُوِّهِ مِنْ الْحُجُرَاتِ وَالْمَنَازِلِ وَالصَّحْنِ وَالْمَرَابِطِ عَلَى السُّبُلِ وَالْوُجُوهِ وَالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ عَمَلًا بِقَوْلِ مَنْ يَرَى صِحَّةَ هَذَا الْوَقْفِ وَجَوَازِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ بِشُرُوطِهَا وَسُبُلِهَا الْمُفَسَّرَةِ فِيهِ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ بَعْدَ خُصُومَةٍ صَحِيحَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ جَرَتْ بَيْنَ يَدَيْ هَذَا الْوَاقِفِ الْمُسَمَّى فِيهِ وَبَيْنَ مَنْ خَاصَمَهُ فِيهِ مِمَّنْ لَهُ حَقُّ الْخُصُومَةِ فِي جَوَازِ هَذَا الْوَقْفِ وَصِحَّتِهِ.
وَجَوَابُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْإِنْكَارِ لِصِحَّتِهِ وَجَوَازُهُ وَمَيْلُهُ إلَى جِهَةِ الْفَسَادِ حُكْمًا أَبْرَمْته وَقَضَاءً نَفَّذْته عَلَى هَذَا الْوَاقِفِ بِحَضْرَتِهِ فِي وَجْهِهِ وَوَجْهِ مَنْ خَاصَمَهُ فِيهِ، بَعْدَ مَا عَرَفْت مَوَاضِعَ الِاخْتِلَافِ وَوَقَعَ اجْتِهَادِي عَلَى صِحَّتِهِ وَنَفَاذِهِ وَكَلَّفْت هَذَا الْوَاقِفَ قَصْرَ يَدِهِ عَنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْمَحْدُودَاتِ وَتَسْلِيمَهَا إلَى هَذَا الْقَيِّمِ الْمُسَمَّى فِيهِ وَتَرْكَ التَّعَرُّضِ لَهُ مِنْهُ فِيمَا يُخَالِفُ مُقْتَضَى الصِّحَّةِ وَالْجَوَازِ لِهَذَا الْوَقْفِ وَهَذِهِ الصَّدَقَةِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي مَجْلِسِ قَضَائِي عَلَى سَبِيلِ الشُّهْرَةِ وَالْإِعْلَانِ دُونَ الْخِفْيَةِ وَالْكِتْمَانِ، وَأَمَرْت بِكِتَابَةِ هَذَا السِّجِلِّ عَلَى ظَهْرِ هَذَا الصَّكِّ حُجَّةً لَهُ فِي ذَلِكَ وَأَشْهَدْت مَنْ حَضَرَنِي مِنْ الثِّقَاتِ بِتَارِيخِ كَذَا كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةَ.
[كِتَابُ الْحِيَلِ وَفِيهِ فُصُولٌ]
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ جَوَازِ الْحِيَلِ]
(كِتَابُ الْحِيَلِ) وَفِيهِ فُصُولٌ
стр. 3117
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ جَوَازِ الْحِيَلِ وَعَدَمِ جَوَازِهَا فَنَقُولُ: مَذْهَبُ عُلَمَائِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ كُلَّ حِيلَةٍ يَحْتَالُ بِهَا الرَّجُلُ لِإِبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ أَوْ لِإِدْخَالِ شُبْهَةٍ فِيهِ أَوْ لِتَمْوِيهِ بَاطِلٍ فَهِيَ مَكْرُوهَةٌ وَكُلُّ حِيلَةٍ يَحْتَالُ بِهَا الرَّجُلُ لِيَتَخَلَّصَ بِهَا عَنْ حَرَامٍ أَوْ لِيَتَوَصَّلَ بِهَا إلَى حَلَالٍ فَهِيَ حَسَنَةٌ، وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْحِيَلِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] وَهَذَا تَعْلِيمُ الْمَخْرَجِ لِأَيُّوبَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ يَمِينِهِ الَّتِي حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ امْرَأَتَهُ مِائَةَ عُودٍ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّ حُكْمَهَا لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي مَسَائِلِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ]
ِ خَنْدَقٌ لَهُ طُولٌ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ وَفِيهِ مَاءٌ إلَّا أَنَّ عَرْضَهُ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةٍ فَعَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ فِيهِ، وَالْحِيلَةُ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ أَنْ يَحْفِرَ حَفِيرَةً قَرِيبَةً مِنْ الْخَنْدَقِ، ثُمَّ يَحْفِرَ نَهِيرَةً مِنْ الْخَنْدَقِ إلَى الْحَفِيرَةِ وَيُسَيَّلَ الْمَاءَ مِنْ الْخَنْدَقِ إلَى الْحَفِيرَةِ فَيَصِيرُ الْمَاءُ جَارِيًا فِي الْخَنْدَقِ، فَإِنْ شَاءَ تَوَضَّأَ مِنْ الْخَنْدَقِ، وَإِنْ شَاءَ تَوَضَّأَ مِنْ النَّهِيرَةِ.
إذَا تَوَضَّأَ الرَّجُلُ فَرَأَى الْبَلَلَ سَائِلًا مِنْ ذَكَرِهِ، وَكَانَ الشَّيْطَانُ يُرِيهِ ذَلِكَ كَثِيرًا فَالْحِيلَةُ فِي قَطْعِ هَذِهِ الْوَسْوَسَةِ أَنْ يَنْضَحَ فَرْجَهُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا أَرَاهُ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ أَحَالَهُ عَلَى الْمَاءِ إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْحِيلَةَ، إنَّمَا تَنْفَعُ إذَا كَانَ الْعَهْدُ قَرِيبًا وَلَمْ يَجِفَّ الْبَلَلُ فَأَمَّا إذَا جَفَّ الْبَلَلُ، ثُمَّ رَأَى الْبَلَلَ عَلَى ذَكَرِهِ يُعِيدُ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إحَالَتُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ.
إذَا أَصَابَتْ النَّجَاسَةُ خُفًّا أَوْ نَعْلًا وَلَمْ يَكُنْ لَهَا جُرْمٌ كَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْغَسْلِ رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا وَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَ رَطْبًا أَنْ يَمْشِيَ فِي التُّرَابِ أَوْ الرَّمْلِ حَتَّى يَلْصَقَ بَعْضُهُ بِالتُّرَابِ وَيَجِفَّ، ثُمَّ يَمْسَحَهُ بِالْأَرْضِ فَيَطْهُرَ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ الْجَفَافَ.
إذَا صَلَّى الظُّهْرَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ أَقَامَ الْمُؤَذِّنُ وَعَلِمَ الْمُصَلِّي أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ فِي الْمَسْجِدِ فَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ وَيَكُونُ فَرْضُهُ مَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ وَكَرِهَ أَنْ يُفْسِدَ مَا صَلَّى فَالْحِيلَةُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَقْعُدَ فِي الرَّابِعَةِ وَيَقُومَ إلَى الْخَامِسَةِ فَيُصَلِّيَ الْخَامِسَةَ وَالسَّادِسَةَ حَتَّى تَصِيرَ هَذِهِ الصَّلَاةُ نَفْلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -، ثُمَّ يُصَلِّيَ الْفَرِيضَةَ مَعَ الْإِمَامِ ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(رَجُلٌ) جَاءَ إلَى الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَخَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ لَوْ اشْتَغَلَ بِالسُّنَّةِ جَازَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ وَيَتْرُكَ السُّنَّةَ، ثُمَّ يَقْضِيَهَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا يَقْضِيَهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَالْحِيلَةُ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ سُنَّةَ الْفَجْرِ بَعْدَ مَا صَلَّى الْفَجْرَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَنْ يَشْرَعَ فِي السُّنَّةِ، ثُمَّ يُفْسِدَهَا عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ يَشْرَعَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ، فَإِذَا فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ الْفَرِيضَةِ يَقْضِيَهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهَا بِالْإِفْسَادِ صَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ وَقَضَاءُ الدَّيْنِ فِي هَذَا الْوَقْتِ لَا يُكْرَهُ هَكَذَا حُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْجَلِيلِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالُوا: هَذَا إذَا لَمْ يَتَّخِذْ ذَلِكَ عَادَةً بَلْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحْيَانًا، أَمَّا إذَا اتَّخَذَ ذَلِكَ عَادَةً لَهُ فَإِنَّهُ يَكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - قَالُوا: هَاهُنَا حِيلَةٌ أُخْرَى هِيَ أَحْسَنُ فَإِنَّ فِي هَذَا الطَّرِيقِ يَحْتَاجُ إلَى إفْسَادِ مَا شَرَعَ فِيهِ مِنْ عَمَلِ الْآخِرَةِ وَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَشْرَعَ فِي السُّنَّةِ، ثُمَّ يُكَبِّرَ مَرَّةً ثَانِيَةً لِلْفَرِيضَةِ فَيَخْرُجَ بِهَذَا التَّكْبِيرِ عَنْ السُّنَّةِ وَيَصِيرَ شَارِعًا فِي
стр. 3118
الْفَرِيضَةِ وَلَا يَصِيرُ مُفْسِدًا لِلْعَمَلِ بَلْ يَصِيرُ مُجَاوِزًا عَنْ عَمَلٍ إلَى عَمَلٍ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي مَسَائِلِ الزَّكَاةِ]
ِ رَجُلٌ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ أَرَادَ أَنْ لَا تَلْزَمَهُ الزَّكَاةُ فَالْحِيلَةُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ حَتَّى يَكُونَ النِّصَابُ نَاقِصًا فِي آخِرِ الْحَوْلِ أَوْ يَهَبَ ذَلِكَ الدِّرْهَمَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ أَوْ يَهَبَ الدَّرَاهِمَ كُلَّهَا لِابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ يَصْرِفَ الدَّرَاهِمَ عَلَى أَوْلَادِهِ فَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ، قَالَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَرِهَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - الْحِيلَةَ فِي إسْقَاطِ الزَّكَاةِ وَرَخَّصَ فِيهَا بَعْضُهُمْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الَّذِي كَرِهَهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ﵀ وَاَلَّذِي رَخَّصَ فِيهَا أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَدْ ذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْحِيلَةَ فِي إسْقَاطِ الزَّكَاةِ وَأَرَادَ بِهِ الْمَنْعَ عَنْ الْوُجُوبِ لَا الْإِسْقَاطَ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَمَشَايِخُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَخَذُوا بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْفُقَرَاءِ فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَتْ لَهُ سَائِمَةٌ لَا يَعْجِزُ أَنْ يَسْتَبْدِلَ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ بِجِنْسِهَا أَوْ بِخِلَافِ جِنْسِهَا فَيَنْقَطِعُ بِهِ حُكْمُ الْحَوْلِ أَوْ يَهَبَ النِّصَابَ مِنْ رَجُلٍ يَثِقُ بِهِ، ثُمَّ يَرْجِعَ بَعْدَ الْحَوْلِ فِي هِبَتِهِ فَيُعْتَبَرَ الْحَوْلُ مِنْ وَقْتِ الرُّجُوعِ وَالْقَبْضِ وَلَا يُعْتَبَرُ مَا مَضَى مِنْ الْحَوْلِ وَكَذَا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ يَفْعَلُ هَكَذَا فَيُؤَدِّي إلَى إلْحَاقِ الضَّرَرِ بِالْفُقَرَاءِ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ مَسْأَلَتَيْنِ وَهَدَى إلَى الْحِيلَةِ فِيهِمَا مَعَ أَنَّ فِيهِمَا إسْقَاطَ حَقِّ الشَّرْعِ إحْدَاهُمَا رَجُلٌ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَلَهُ خَادِمٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ بِالصَّوْمِ، ثُمَّ قَالَ وَلَوْ بَاعَ الْخَادِمَ أَوْ وَهَبَهُ مِنْ إنْسَانٍ، ثُمَّ صَامَ، ثُمَّ رَجَعَ فِي الْهِبَةِ أَوْ أَقَالَ الْبَيْعَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُهُ وَيَبْقَى الْخَادِمُ عَلَى مِلْكِهِ فَقَدْ هُدِيَ إلَى الْحِيلَةِ، الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ رَجُلٌ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَعِنْدَهُ طَعَامٌ يَكْفِيهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصُومَ عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِهِ إذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ طَعَامٌ وَهُوَ يَصُومُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسْتَحِيلُ أَيْضًا أَنْ يُكَفِّرَ بِالطَّعَامِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ صَرَفَ الطَّعَامَ أَوَّلًا إلَى الدَّيْنِ، ثُمَّ صَامَ عَنْ يَمِينِهِ يَجُوزُ فَقَدْ هُدِيَ إلَى الْحِيلَةِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا مِنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إجَازَةً لِلْحِيلَةِ صَارَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي بَابِ الزَّكَاةِ رِوَايَتَانِ.
رَجُلٌ لَهُ عَلَى فَقِيرٍ مَالٌ وَأَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ عَلَى غَرِيمِهِ وَيَحْتَسِبَ بِهِ عَنْ زَكَاةِ مَالِهِ فَقَدْ عُرِفَ مِنْ أَصْلِ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَتَأَدَّى بِالدَّيْنِ زَكَاةُ الْعَيْنِ وَلَا زَكَاةُ دَيْنٍ آخَرَ وَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَصَدَّقَ صَاحِبُ الْمَالِ عَلَى الْغَرِيمِ بِمِثْلِ مَا لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ الْعَيْنِ نَاوِيًا عَنْ زَكَاةِ مَالِهِ وَيَدْفَعُهُ إلَيْهِ، فَإِذَا قَبَضَهُ الْغَرِيمُ وَدَفَعَهُ إلَى صَاحِبِ الْمَالِ قَضَاءً بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ يَجُوزُ، وَذُكِرَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سُئِلَ عَنْ هَذَا فَأَجَابَ وَقَالَ: هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ، وَمَشَايِخُنَا الْمُتَقَدِّمُونَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى يَسْتَعْمِلُونَ هَذِهِ الْحِيلَةَ مَعَ غُرَمَائِهِمْ الْمَفَالِيسِ وَكَانُوا لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا، فَإِنْ خَافَ الطَّالِبُ أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ مِقْدَارَ الدَّيْنِ إلَى الْغَرِيمِ يَمْتَنِعُ عَنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخَافَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ وَيَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ، فَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ يُدَافِعُهُ وَيُمَانِعُهُ يَرْفَعُ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي فَيَجِدُهُ الْقَاضِي مَلِيئًا فَيُكَلِّفُهُ
стр. 3119
قَضَاءَ الدَّيْنِ.
(وَحِيلَةٌ أُخْرَى) أَنْ يَقُولَ الطَّالِبُ لِلْمَطْلُوبِ مِنْ الِابْتِدَاءِ وَكِّلْ وَاحِدًا مِنْ خَدَمِي لِيَقْبِضَ لَك زَكَاةَ مَالِي، ثُمَّ وَكِّلْهُ بِقَضَاءِ دَيْنِك، فَإِذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ يَصِيرُ الْمَقْبُوضُ مِلْكًا لِمُوَكِّلِهِ وَهُوَ الْمَدْيُونُ وَالْوَكِيلُ بِالْقَبْضِ وَكِيلٌ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ فَيَقْضِي دَيْنَهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ بِحُكْمِ وَكَالَتِهِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي أَصْلِ هَذِهِ الْحِيلَةِ أَنْ يُعْطِيَ صَاحِبُ الْمَالِ الْمَدْيُونَ مِنْ مَالِهِ الْعَيْنِ زِيَادَةً عَلَى مِقْدَارِ الدَّيْنِ حَتَّى يَقْضِيَ الدَّيْنَ بِمِقْدَارِهِ مِنْ الْمَالِ الْعَيْنِ وَيَبْقَى لَهُ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ يَنْتَفِعُ بِهِ فَلَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ أَنْ لَا يَفِيَ بِمَا شَرَطَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ شَرِيكٌ فِي هَذَا الدَّيْنِ بِأَنْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَحْتَالَ بِمَا ذَكَرْنَا فِي نَصِيبِهِ وَأَرَادَ الشَّرِيكُ الْآخَرُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِيمَا قَبَضَ مِنْ الدَّيْنِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ لَا يُشَارِكَهُ ذَلِكَ الْغَيْرُ فِيمَا قَبَضَ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ بَعْدَمَا دَفَعَ صَاحِبُ الْمَالِ مِنْ مَالِهِ الْعَيْنِ إلَى الْغَرِيمِ قَدْرَ الدَّيْنِ نَاوِيًا عَنْ الزَّكَاةِ يَتَصَدَّقُ صَاحِبُ الْمَالِ عَلَى هَذَا الْمَدْيُونِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ، ثُمَّ إنَّ الْمَدْيُونَ يَهَبُ ذَلِكَ الْمَقْبُوضَ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ فَيَصِحُّ وَلَا يَكُونُ لِشَرِيكِهِ حَقُّ الْمُشَارَكَةِ مَعَهُ فِي الْمَقْبُوضِ.
(وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ) أَنْ يَسْتَقْرِضَ الْمَدْيُونُ مِنْ رَجُلِ مَالًا بِقَدْرِ حِصَّةِ هَذَا الشَّرِيكِ وَيَهَبَ مِنْ هَذَا الشَّرِيكِ، ثُمَّ إنَّ هَذَا الشَّرِيكَ يَتَصَدَّقُ بِذَلِكَ عَلَى الْمَدْيُونِ نَاوِيًا عَنْ زَكَاةِ مَالِهِ، ثُمَّ يُبْرِئَ هَذَا الشَّرِيكُ الْمَدْيُونَ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ الدَّيْنِ فَلَا يَكُونُ لِشَرِيكِهِ الْآخَرِ عَلَيْهِ سَبِيلُ مَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ.
إذَا أَرَادَ أَنْ يُكَفِّنَ مَيِّتًا عَنْ زَكَاةِ مَالِهِ لَا يَجُوزُ (وَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى فَقِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ) ، ثُمَّ هُوَ يُكَفِّنُ بِهِ الْمَيِّتَ فَيَكُونُ لَهُ ثَوَابُ الصَّدَقَةِ وَلِأَهْلِ الْمَيِّتِ ثَوَابُ التَّكْفِينِ، وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الْبِرِّ الَّتِي لَا يَقَعُ بِهَا التَّمْلِيكُ كَعِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالرِّبَاطَاتِ لَا يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ.
(وَالْحِيلَةُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِقْدَارِ زَكَاتِهِ) عَلَى فَقِيرٍ، ثُمَّ يَأْمُرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالصَّرْفِ إلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ فَيَكُونَ لِلْمُتَصَدِّقِ ثَوَابُ الصَّدَقَةِ وَلِذَلِكَ الْفَقِيرِ ثَوَابُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَالْقَنْطَرَةِ وَفِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَوَاضِعُ مَوَاتٍ عَلَى شَطِّ جَيْحُونَ عَمَّرَهَا أَقْوَامٌ كَانَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْخُذَ الْعُشْرَ مِنْ غَلَّاتِهَا وَهَذَا الْجَوَابُ، إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ مَاءَ جَيْحُونَ عِنْدَهُ عُشْرِيٌّ وَالْمُؤْنَةُ تَدُورُ مَعَ الْمَاءِ وَلَوْ أَبَاحَ السُّلْطَانُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لِرِبَاطٍ ثَمَّةَ لَا يَجُوزُ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى الرِّبَاطِ.
(وَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ) أَنْ يَتَصَدَّقَ السُّلْطَانُ بِذَلِكَ عَلَى الْفُقَرَاءِ، ثُمَّ الْفُقَرَاءُ يَدْفَعُونَ ذَلِكَ إلَى الْمُتَوَلِّي يَصْرِفُ ذَلِكَ إلَى الرِّبَاطِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي الصَّوْمِ]
(الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي الصَّوْمِ) إذَا الْتَزَمَ صَوْمَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وَصَامَ رَجَبَ وَشَعْبَانَ، فَإِذَا شَعْبَانُ نَقَصَ يَوْمًا فَالْحِيلَةُ أَنْ يُسَافِرَ مُدَّةَ السَّفَرِ فَيَنْوِيَ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ عَمَّا الْتَزَمَهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يُؤَدِّيَ الْفِدْيَةَ عَنْ صَوْمِ أَبِيهِ أَوْ صَلَاتِهِ وَهُوَ فَقِيرٌ فَإِنَّهُ يُعْطِي مَنَوَيْنِ مِنْ الْحِنْطَةِ فَقِيرًا، ثُمَّ يُسْتَوْهَبَهُ، ثُمَّ يُعْطِيَهُ هَكَذَا إلَى أَنْ يَتِمَّ كَذَا فِي الْفَتَاوَى السِّرَاجِيَّةِ.
(فِي الْعُيُونِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَصُومُ هَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ) بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ امْرَأَتَهُ فَأَرَادَ أَنْ لَا يَحْنَثَ فَالْحِيلَةُ أَنْ يُسَافِرَ وَيُفْطِرَ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
стр. 3120
[الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي الْحَجِّ]
(الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي الْحَجِّ) الْحِيلَةُ لِلْآفَاقِيِّ إذَا أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ مِنْ غَيْرِ إحْرَامٍ مِنْ الْمِيقَاتِ أَنْ لَا يَقْصِدَ دُخُولَ مَكَّةَ وَإِنَّمَا يَقْصِدُ مَكَانًا آخَرَ وَرَاءَ الْمِيقَاتِ خَارِجَ الْحَرَمِ نَحْوَ بُسْتَانِ بَنِي عَامِرٍ فَإِنَّ بُسْتَانَ بَنِي عَامِرٍ مَوْضِعٌ هُوَ دَاخِلُ الْمِيقَاتِ إلَّا أَنَّهُ خَارِجُ الْحَرَمِ أَوْ مَوْضِعًا آخَرَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِحَاجَةٍ، ثُمَّ إذَا وَصَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ يَدْخُلُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
[الْفَصْلُ السَّادِسُ فِي النِّكَاحِ]
(الْفَصْلُ السَّادِسُ فِي النِّكَاحِ) ادَّعَتْ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ نِكَاحًا وَالرَّجُلُ يَجْحَدُ وَلَا بَيِّنَةَ لِلْمَرْأَةِ وَالِاسْتِحْلَافُ لَا يَجْرِي فِي النِّكَاحِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ لِلْقَاضِي: لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَتَزَوَّجَ؛ لِأَنَّ هَذَا زَوْجِي وَقَدْ أَنْكَرَ النِّكَاحَ فَمُرْهُ لِيُطَلِّقَنِي حَتَّى أَتَزَوَّجَ وَالزَّوْجُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا؛ لِأَنَّ بِالطَّلَاقِ يَصِيرُ مُقِرًّا بِالنِّكَاحِ فَمَاذَا يَصْنَعُ، حُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الزَّاهِدِ عَلِيٍّ الْبَزْدَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْقَاضِيَ يَقُولُ لِلزَّوْجِ قُلْ لَهَا: إنْ كُنْتِ امْرَأَتِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةً فَإِنَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الزَّوْجُ لَا يَصِيرُ مُقِرًّا بِالنِّكَاحِ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَتْ امْرَأَةً لَهُ تَتَخَلَّصُ مِنْهُ وَيُمْكِنُهَا التَّزَوُّجُ بِغَيْرِهِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا وَأَرَادَ الْقَاضِي تَحْلِيفَهَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فَالْحِيلَةُ لَهَا فِي دَفْعِ الْيَمِينِ عَنْ نَفْسِهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ فَإِنَّ بَعْدَ مَا تَزَوَّجَتْ لَا تُسْتَحْلَفُ لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الِاسْتِحْلَافِ النُّكُولُ الَّذِي هُوَ إقْرَارٌ وَلَوْ أَقَرَّتْ بِالنِّكَاحِ لِلْمُدَّعِي بَعْدَ مَا تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهَا فَلَا تُسْتَحْلَفُ لِانْعِدَامِ الْفَائِدَةِ.
إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُجَدِّدَ نِكَاحَ امْرَأَتِهِ وَلَا يَلْزَمَهُ مَهْرٌ آخَرُ بِلَا خِلَافٍ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى مَهْرٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا بِمَهْرٍ مُسَمًّى هَلْ يَجِبُ التَّسْمِيَتَانِ، فَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ وَقَدْ مَرَّتْ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، ثُمَّ إذَا أَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ مَهْرٌ آخَرُ بِلَا خِلَافٍ يَنْبَغِي أَنْ يُجَدِّدَ النِّكَاحَ وَلَا يَذْكُرَ الْمَهْرَ أَوْ يُجَدِّدَ النِّكَاحَ بِذَلِكَ الْمَهْرِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَهْرٌ آخَرُ.
الْأَبُ إذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنْ إنْسَانٍ فَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُقِرَّ بِقَبْضِ شَيْءٍ مِنْ الصَّدَاقِ فَالْإِقْرَارُ بِالْقَبْضِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْمَجْلِسِ يَعْرِفُونَ أَنَّهُ كَذِبٌ حَقِيقَةً وَأَمَّا الْهِبَةُ، فَإِنْ كَانَتْ الْبِنْتُ كَبِيرَةً وَالْأَبُ يَقُولُ: أَهَبُ بِإِذْنِ الْبِنْتِ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ يَضْمَنُ لِلزَّوْجِ عَنْهَا وَيَقُولُ: إنْ أَنْكَرَتْ الْإِذْنَ بِالْهِبَةِ وَرَجَعْت عَلَيْك فَأَنَا ضَامِنٌ لَك عَنْهَا يَكُونُ هَذَا الضَّمَانُ صَحِيحًا لِكَوْنِهِ مُضَافًا إلَى سَبَبِ الْوُجُوبِ، وَإِنْ كَانَتْ الِابْنَةُ صَغِيرَةً فَالْهِبَةُ لَا تَصْلُحُ حِيلَةً وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُحِيلَ الزَّوْجُ بَعْضَ الصَّدَاقِ عَلَى أَبِي الصَّغِيرَةِ وَيُفْرِغَ ذِمَّتَهُ إنْ كَانَ أَبُو الصَّغِيرَةِ أَمْلَأَ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ يَعْقِدَانِ الْعَقْدَ عَلَى مَا وَرَاءَ مَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى هِبَتِهِ حَتَّى إنَّهُ إنْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ مِنْ الْخَمْسِمِائَةِ مِائَةً يَنْبَغِي أَنْ يُعْقَدَ الْعَقْدُ عَلَى أَرْبَعِمِائَةٍ وَإِذَا جَعَلَ بَعْضَ مَهْرِ ابْنَتِهِ الْبَالِغَةِ مُعَجَّلًا وَالْبَعْضَ مُؤَجَّلًا وَالْبَعْضَ هِبَةً كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ وَطَلَبُوا مِنْ الْأَبِ الضَّمَانَ وَمُرَادُ الْأَبِ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ يَقُولُ الْأَبُ: أَهَبُ كَذَا، فَإِنْ لَمْ تُجِزْ الِابْنَةُ الْهِبَةَ فَهِيَ عَلِيَّ، وَلَا يَقُولُ: أَهَبُ بِإِذْنِ الِابْنَةِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يُلْزَمُ الْأَبُ بِشَيْءٍ.
لَهُ مَمْلُوكٌ سَأَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ أَمَةً أَوْ حُرَّةً فَخَافَ الْمَوْلَى إنْ زَوَّجَهُ يَتَكَاسَلُ فِي أُمُورِهِ أَوْ لَا يَرْغَبَ أَحَدٌ فِي شِرَائِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْحِيلَةُ لِلْمَوْلَى أَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُك أَمَتِي هَذِهِ أَوْ هَذِهِ الْحُرَّةَ عَلَى أَنَّ أَمْرَهَا بِيَدِي أُطَلِّقُهَا كَمَا أُرِيدُ، فَإِذَا قَبِلَ الْعَبْدُ نِكَاحَهَا يَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِ الْمَوْلَى يُطَلِّقُهَا الْمَوْلَى كُلَّمَا أَرَادَ.
رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَخَافَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ تِلْكَ الْبَلْدَةِ أَوْ خَافَتْ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا
стр. 3121
أَوْ يَتَسَرَّى فَأَرَادَتْ التَّوَثُّقَ مِنْهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ فَالْحِيلَةُ أَنْ تُزَوِّجَهُ نَفْسَهَا عَلَى مَهْرٍ مُسَمًّى عَلَى أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ الْبَلْدَةِ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ الْبَلْدَةِ فَلَهَا تَمَامُ مَهْرِ مِثْلِهَا وَيُقِرُّ الزَّوْجُ أَنَّ مَهْرَ مِثْلِ نِسَائِهَا كَذَا وَكَذَا بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا مِمَّا يَثْقُلُ عَلَى الزَّوْجِ وَيَشْهَدُ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ عَزَمَ عَلَى إخْرَاجِهَا مِنْ تِلْكَ الْبَلْدَةِ أَخَذَتْهُ بِتَمَامِ مَهْرِ مِثْلِ نِسَائِهَا، وَكَانَ الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: إنَّمَا يَصِحُّ هَذَا الْإِقْرَارُ مِنْ الزَّوْجِ إذَا كَانَ فِي حَيِّزِ الِاحْتِمَالِ، أَمَّا إذَا كَانَ فِي حَيِّزِ الْمُحَالِ فَلَا يَصِحُّ وَمِنْ الْمَشَايِخِ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ قَالَ: مَا ذُكِرَ، إنَّمَا يَسْتَقِيمُ حِيلَةً عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الشَّرْطَ الثَّانِيَ جَائِزٌ كَالْأَوَّلِ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الشَّرْطَ الثَّانِيَ لَا يَصِحُّ، فَإِذَا لَمْ يُقِرَّ بِهِ كَانَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ لَا غَيْرُ لَا تَسْتَقِيمُ هَذِهِ الْحِيلَةُ، ثُمَّ إذَا جَازَ هَذَا الْإِقْرَارُ وَجَازَ هَذَا الشَّرْطُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِجَوَازِهِ وَهِيَ تَعْلَمُ أَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا فَلَهَا أَنْ تَأْخُذَ جَمِيعَ الْمُقَرِّ بِهِ فِي الْقَضَاءِ.
أَمَّا فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ الزِّيَادَةَ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا إلَّا إذَا أَعْطَاهَا الزَّوْجُ ذَلِكَ بِطِيبِ نَفْسِهِ، فَأَمَّا إذَا تَزَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْحِيلَةِ فَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهَا الزَّوْجُ فَأَرَادَتْ حِيلَةً لَا يُمْكِنُهُ إخْرَاجُهَا مِنْ الْبَلْدَةِ فَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنْ تُقِرَّ الْمَرْأَةُ بِالدَّيْنِ مِمَّنْ تَثِقُ بِهِ مِنْ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ وَالْأَخِ وَتُشْهِدَ عَلَى إقْرَارِهَا حَتَّى إنَّ الزَّوْجَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ الْبَلْدَةِ فَالْمُقَرُّ لَهُ بِالدَّيْنِ يَمْنَعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الْحِيلَةَ، إنَّمَا تَكُونُ حِيلَةً عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَصِحُّ إقْرَارُهَا بِالدَّيْنِ فِي حَقِّ نَفْسِهَا لَا فِي حَقِّ الزَّوْجِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِلْمُقَرِّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ مَعَ الزَّوْجِ، فَإِنْ خَافَ الْمُقَرُّ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ الزَّوْجُ بِاَللَّهِ أَنَّ لَك عَلَيْهَا هَذَا الْمَالَ.
(قَالَ) يَبِيعُهَا بِذَلِكَ الْمَالِ ثَوْبًا حَتَّى إذَا حَلَفَ لَا يَأْثَمُ وَهَذَا، إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ لِلْمُقَرِّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ مَعَ الزَّوْجِ فَكَانَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمُقَرَّ لَهُ بِاَللَّهِ أَنَّ مَا أَقَرَّتْ لَك بِهِ حَقٌّ، وَلَكِنَّ الْحِيلَةَ الَّتِي تَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ أَنْ تَشْتَرِيَ مِمَّنْ تَثِقُ بِهِ شَيْئًا بِثَمَنٍ غَالٍ أَوْ تَكْفُلُ عَنْ غَيْرِهَا مِمَّنْ تَثِقُ بِهِ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّ لِلْبَائِعِ وَالْمَكْفُولِ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ مَعَ الزَّوْجِ عِنْدَ الْكُلِّ إلَى أَنْ تُؤَدِّيَ الثَّمَنَ أَوْ الدَّيْنَ وَإِذَا أَقَرَّتْ بِالْكَفَالَةِ كَانَ لِلْمَكْفُولِ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا عَنْ الْخُرُوجِ عِنْدَ الْكُلِّ فَتَصِيرُ هَذِهِ حِيلَةً عِنْدَ الْكُلِّ أَيْضًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ أَقَرَّتْ وَذَكَرَتْ لِلْمُقَرِّ بِهِ سَبَبًا يَصِحُّ إقْرَارُهَا فِي حَقِّ الْمُقَرِّ لَهُ وَفِي حَقِّ الزَّوْجِ عِنْدَ الْكُلِّ حَتَّى كَانَ لِلْمُقَرِّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا عَنْ الْخُرُوجِ مَعَ الزَّوْجِ عِنْدَ الْكُلِّ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ أَقَرَّتْ وَلَمْ تَذْكُرْ لِلْمُقَرِّ بِهِ سَبَبًا كَانَ فِي صِحَّةِ إقْرَارِهَا فِي حَقِّ الزَّوْجِ اخْتِلَافٌ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا.
وَإِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ فَسَدَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهَا مَلَكَتْ جَمِيعَ رَقَبَةِ زَوْجِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَارِثٌ وَشِقْصًا مِنْهُ إنْ كَانَ مَعَهَا وَارِثٌ وَأَيُّمَا كَانَ فَسَدَ النِّكَاحُ، فَإِنْ أَرَادَ الْمَوْلَى أَنْ لَا يَنْفَسِخَ النِّكَاحُ بِمَوْتِهِ فَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يُكَاتِبَ لِلْعَبْدِ عَلَى مَالٍ، ثُمَّ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ مِنْهُ وَلَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ بِمَوْتِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ رَقَبَتِهِ بِمَوْتِ الْأَبِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يُورَثُ لَكِنَّ لَهَا حَقَّ الْمِلْكِ فِي رَقَبَتِهِ وَحَقُّ الْمِلْكِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ وَلَا يَمْنَعُ الْبَقَاءَ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
رَجُلٌ خَطَبَ امْرَأَةً إلَى نَفْسِهَا فَأَجَابَتْهُ إلَى ذَلِكَ وَكَرِهَتْ أَنْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ أَوْلِيَاؤُهَا فَجَعَلَتْ أَمْرَهَا فِي تَزْوِيجِهَا إلَيْهِ يَجُوزُ هَذَا النِّكَاحُ، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ كَرِهَ أَنْ يُسَمِّيَهَا عِنْدَ الشُّهُودِ فَمَا الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ (قَالَ) الْحِيلَةُ أَنَّهُ إذَا جَعَلَتْ أَمْرَهَا إلَيْهِ فِي النِّكَاحِ، وَكَانَ تَوَافَقَ مَعَهَا عَلَى الْمَهْرِ فَالزَّوْجُ يَجِيءُ إلَى الشُّهُودِ وَيَقُولُ لَهُمْ: إنِّي خَطَبَتْ امْرَأَةً إلَى نَفْسِي وَبَذَلْت لَهَا مِنْ الصَّدَاقِ كَذَا فَرَضِيَتْ بِذَلِكَ وَجَعَلَتْ أَمْرَهَا إلَيَّ لِأَتَزَوَّجَهَا فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةَ الَّتِي جَعَلَتْ
стр. 3122
أَمْرَهَا إلَيَّ عَلَى صَدَاقِ كَذَا فَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ كُفْئًا لَهَا هَكَذَا.
ذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي حِيلَةٍ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْخَصَّافُ اكْتَفَى بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ التَّعْرِيفِ لِجَوَازِ النِّكَاحِ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا كَانُوا يَقُولُونَ هَذَا رَأْيُ الْخَصَّافِ.
وَفِي جَوَازِ هَذَا النِّكَاحِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَصِرْ مَعْرِفَةً وَفِي بَابِ النِّكَاحِ يُسْتَقْصَى فِي التَّعْرِيفِ غَايَةَ الِاسْتِقْصَاءِ وَهَكَذَا حُكِيَ عَنْ مَشَايِخِ بَلْخٍ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّ الْخَصَّافَ كَبِيرٌ فِي الْعِلْمِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ هَكَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَسُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ أَخَوَيْنِ تَزَوَّجَا أُخْتَيْنِ فَزُفَّتْ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا امْرَأَةُ أَخِيهِ فَلَمْ يَعْلَمُوا بِذَلِكَ حَتَّى أَصْبَحُوا فَذُكِرَ ذَلِكَ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَ: لِيُطَلِّقْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً، ثُمَّ يَتَزَوَّجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْمَرْأَةَ الَّتِي دَخَلَ بِهَا وَفِي مَنَاقِبِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذُكِرَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حِكَايَةٌ أَنَّهَا وَقَعَتْ لِبَعْضِ الْأَشْرَافِ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ قَدْ جَمَعَ الْعُلَمَاءَ لِوَلِيمَةٍ وَفِيهِمْ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَكَانَ فِي عِدَادِ الشُّبَّانِ يَوْمَئِذٍ فَكَانُوا جَالِسِينَ عَلَى الْمَائِدَةِ إذْ سَمِعُوا وَلْوَلَةَ النِّسَاءِ فَقِيلَ: مَاذَا أَصَابَهُنَّ فَذَكَرُوا أَنَّهُمْ غَلِطُوا فَأَدْخَلُوا امْرَأَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَدَخَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِاَلَّتِي أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَقَالُوا: إنَّ الْعُلَمَاءَ عَلَى مَائِدَتِكُمْ فَسَلُوهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَسَأَلُوا فَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهَا قَضَى عَلِيٌّ ﵁ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ الْمَهْرَ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الْعِدَّةَ، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَنْكُتُ بِإِصْبَعِهِ عَلَى طَرَفِ الْمَائِدَةِ كَالْمُتَفَكِّرِ فِي شَيْءٍ فَقَالَ لَهُ مَنْ إلَى جَنْبِهِ أَبْرِزْ مَا عِنْدَك هَلْ عِنْدَك شَيْءٌ آخَرُ فَغَضِبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَ مَاذَا يَكُونُ عِنْدَهُ بَعْدَ قَضَاءِ عَلِيٍّ ﵁ يَعْنِي فِي الْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ.
فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَلِيَّ بِالزَّوْجَيْنِ فَأُتِيَ بِهِمَا فَسَأَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ هَلْ تُعْجِبُك الْمَرْأَةُ الَّتِي دَخَلْت بِهَا قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: طَلِّقْ امْرَأَتَك تَطْلِيقَةً فَطَلَّقَهَا، ثُمَّ زَوَّجَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْمَرْأَةَ الَّتِي دَخَلَ بِهَا وَقَالَ: قُومَا إلَى أَهْلِكُمَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ سُفْيَانُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْت فَقَالَ: أَحْسَنُ الْوُجُوهِ وَأَقْرَبُهَا إلَى الْأُلْفَةِ وَأَبْعَدُهَا عَنْ الْعَدَاوَةِ أَرَأَيْت لَوْ صَبَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ أَمَا كَانَ يَبْقَى فِي قَلْبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ بِدُخُولِ أَخِيهِ بِزَوْجَتِهِ وَلَكِنِّي أَمَرْت كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ دُخُولٌ وَلَا خَلْوَةٌ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا مِنْ الطَّلَاقِ، ثُمَّ زَوَّجْتُ كُلَّ امْرَأَةٍ مِمَّنْ وَطِئَهَا وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ مِنْهُ وَعِدَّتُهُ لَا تَمْنَعُ نِكَاحَهُ وَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ زَوْجَتِهِ وَلَيْسَ فِي قَلْبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ فَعَجِبُوا مِنْ فِطْنَةِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَحُسْنِ تَأَمُّلِهِ وَفِي هَذِهِ الْحِكَايَةِ بَيَانُ فِقْهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي خُتِمَ بِهَا الْكِتَابُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
[الْفَصْلُ السَّابِعُ فِي الطَّلَاقِ]
(الْفَصْلُ السَّابِعُ فِي الطَّلَاقِ) رَجُلٌ كَتَبَ إلَى امْرَأَتِهِ كُلُّ امْرَأَةٍ لِي غَيْرِك وَغَيْرِ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ، ثُمَّ مَحَا ذِكْرَ فُلَانَةَ وَبَعَثَ بِالْكِتَابِ إلَى امْرَأَتِهِ لَا تَطْلُقُ فُلَانَةُ وَهَذِهِ حِيلَةٌ جَدِيدَةٌ.
(الْحِيلَةُ لِلْمُطَلَّقَةِ الثَّلَاثِ إذَا خَافَتْ أَنْ يُمْسِكَهَا الزَّوْجُ الثَّانِي) أَنْ يَقُولَ الَّذِي يُرِيدُ التَّحْلِيلَ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا: إنْ تَزَوَّجْتُك وَجَامَعْتُك مَرَّةً فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا. أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَائِنَةً. وَإِذَا قَالَ ذَلِكَ فَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْهُ، فَإِذَا جَامَعَهَا مَرَّةً يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ وَيَحْصُلُ لَهَا الْخَلَاصُ
стр. 3123
وَإِنْ خَافَتْ أَنْ يُمْسِكَهَا زَمَانًا طَوِيلًا وَلَا يُطَلِّقَهَا وَلَا يُجَامِعَهَا كَيْ لَا يَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا فَالْحِيلَةُ لَهَا أَنْ يَقُولَ قَبْلَ التَّزَوُّجِ: إنْ تَزَوَّجْتُك وَأَمْسَكْتُك وَلَمْ أُجَامِعْك فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَهْوَاهُ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِذَا قَالَ الزَّوْجُ ذَلِكَ تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْهُ، فَإِذَا مَضَتْ تِلْكَ الْمُدَّةُ يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ وَيَحْصُلُ الْخَلَاصُ (حِيلَةٌ أُخْرَى فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ) أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ لِلْمُحَلِّلِ زَوَّجْتُ نَفْسِي مِنْك عَلَى أَنَّ أَمْرِي بِيَدِي أُطَلِّقُ نَفْسِي كُلَّمَا أُرِيدُ، ثُمَّ يَقْبَلُ الزَّوْجُ فَيَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا تُطَلِّقُ نَفْسَهَا كُلَّمَا أَرَادَتْ وَلَوْ بَدَأَ الْمُحَلِّلُ فَقَالَ تَزَوَّجْتُك عَلَى أَنَّ أَمْرَك بِيَدِك بَعْدَمَا تَزَوَّجْتُك وَطَلِّقِي نَفْسَك كُلَّمَا تُرِيدِينَ فَقَبِلَتْ لَا يَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا
(وَحِيلَةٌ أُخْرَى) أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ الْمُحَلِّلُ لِلْمَرْأَةِ: تَزَوَّجْتُكِ عَلَى أَنَّ أَمْرَك بِيَدِك بَعْدَ مَا تَزَوَّجْتُك وَطَلِّقِي نَفْسَك كُلَّمَا تُرِيدِينَ فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ قَبِلْت يَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا أَيْضًا الْمُطَلَّقَةُ الثَّلَاثُ إذَا أَرَادَتْ التَّزَوُّجَ وَالرُّجُوعَ إلَى الزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَهِيَ تَكْرَهُ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا رَجُلًا فَتَشْتَهِرُ بِأَنَّهَا قَدْ اسْتَحَلَّتْ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ لَهَا مَالٌ تَهَبُ لِبَعْضِ مَنْ تَثِقُ بِهِ ثَمَنَ مَمْلُوكٍ، ثُمَّ يَشْتَرِيَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ مَمْلُوكًا صَغِيرًا مُرَاهِقًا يُجَامِعُ مِثْلُهُ النِّسَاءَ، ثُمَّ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا مِنْهُ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ بِإِذْنِ مَوْلَى الْغُلَامِ، فَإِذَا دَخَلَ بِهَا الْغُلَامُ يَهَبُ الْمُشْتَرِي هَذَا الْغُلَامَ لِلْمَرْأَةِ فَتَقْبَلُهُ وَتَقْبِضُهُ فَيَبْطُلُ النِّكَاحُ، فَإِذَا اعْتَدَّتْ رَجَعَتْ إلَى زَوْجِهَا بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ، ثُمَّ تَبْعَثُ بِالْمَمْلُوكِ إلَى بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ فَيُبَاعُ هُنَاكَ فَيَبْقَى أَمْرُهَا مَسْتُورًا، هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذِهِ الْحِيلَةَ.
وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ وَلَا يَقَعَ طَلَاقُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَثْنِيَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مَوْصُولًا مَلْفُوظًا حَتَّى إنَّ الْمَفْصُولَ لَا يَعْمَلُ وَكَذَا الْمُضْمَرُ فِي قَلْبِهِ وَكَوْنُهُ مَسْمُوعًا هَلْ هُوَ شَرْطٌ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ بَعْضُهُمْ قَالُوا لَيْسَ بِشَرْطٍ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ وَالتَّكَلُّمُ بِهِ وَبَعْضُهُمْ قَالُوا كَوْنُهُ مَسْمُوعًا شَرْطٌ وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَصْلِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ إذَا قُرِنَ بِهِ الِاسْتِثْنَاءُ هَلْ يَتَّصِفُ الشَّخْصُ بِكَوْنِهِ مُوقِعًا أَمْ لَا قَالَ بَعْضُهُمْ: يَتَّصِفُ بِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الْوُقُوعُ حَتَّى مَنْ حَلَفَ وَقَالَ: وَاَللَّهِ لَأُطَلِّقَنَّ الْيَوْمَ امْرَأَتِي تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا فَقَالَ لَهَا فِي الْيَوْمِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا عَلَى أَلْفٍ فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ لَا أَقْبَلُ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ بَارًّا وَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ مَشَايِخِ بَلْخٍ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ مَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأُطَلِّقَنَّ امْرَأَتِي الْيَوْمَ ثَلَاثًا أَوْ قَالَ وَاحِدَةً فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ يَقُولَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَا تَقْبَلُ الْمَرْأَةُ وَلَا يَحْنَثُ الرَّجُلُ وَيَكُونُ بَارًّا فِي يَمِينِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ أَنْ يَبِيعَ فَبَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا فَقَدْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ فَاعْتُبِرَ بَائِعًا وَمُوجِبًا الْمِلْكَ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ فَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الطَّلَاقِ يُعْتَبَرُ مُوقِعًا، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ الْوُقُوعُ وَمَشَايِخُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُونَ: لَا يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ مُوقِعًا وَجَعَلُوا هَذَا جَوَابَ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَقَالُوا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا: إنَّ الْحَالِفَ لَا يَصِيرُ بَارًّا فِي
стр. 3124
يَمِينِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ لَمْ أُطَلِّقْك الْيَوْمَ فَأَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا فَالْحِيلَةُ أَنْ يَقُولَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا عَلَى كَذَا وَلَا تَقْبَلُ الْمَرْأَةُ وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
لَوْ أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ بَائِنًا وَأَنْكَرَ فَالسَّبِيلُ أَنْ تَدْخُلَ الْمَرْأَةُ بَيْتًا فِيهِ زَوْجُهَا فَيُقَالُ لَهُ: إنَّك تَزَوَّجَتْ امْرَأَةً وَهِيَ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَقَالَ: لَيْسَتْ لِي امْرَأَةٌ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَيُقَالُ لَهُ كُلُّ امْرَأَةٍ لَك فِي هَذِهِ الدَّارِ فَهِيَ طَالِقٌ بَائِنٌ، فَإِذَا حَلَفَ تَبْرُزُ الْمَرْأَةُ إلَيْهِ فَيَظْهَرُ طَلَاقُهَا.
إذَا حَلَفَ بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ أَنْ لَا يُكَلِّمَ فُلَانًا فَالسَّبِيلُ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً بَائِنَةً وَيَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، ثُمَّ يُكَلِّمَ فُلَانًا، ثُمَّ يَتَزَوَّجَهَا كَذَا فِي السِّرَاجِيَّةِ.
[الْفَصْلُ الثَّامِنُ فِي الْخُلْعِ]
(الْفَصْلُ الثَّامِنُ فِي الْخُلْعِ) سُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ سَأَلْتِنِي الْخُلْعَ إنْ لَمْ أَخْلَعْك وَحَلَفَتْ الْمَرْأَةُ بِعِتْقِ مَمَالِيكِهَا وَتَصَدُّقِ مَالَهَا إنْ لَمْ تَسْأَلْهُ الْخُلْعَ قَبْلَ اللَّيْلِ فَجَاءَا إلَى أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلْمَرْأَةِ سَلِيهِ الْخُلْعَ فَقَالَتْ لِزَوْجِهَا أَسْأَلُك أَنْ تَخْلَعَنِي فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلزَّوْجِ: قُلْ قَدْ خَلَعْتُك عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ تُعْطِيَنِيهَا فَقَالَ لَهَا الزَّوْجُ ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلْمَرْأَةِ: قَوْلِي لَا أَقْبَلُهُ فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ لَا أَقْبَلُ مَا قُلْت فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَوْمِي مَعَ زَوْجِك فَقَدْ بَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا فِي يَمِينِهِ.
(حِيلَةٌ أُخْرَى لِلْمَرْأَةِ) إذَا كَانَتْ يَمِينُ الْمَرْأَةِ بِعِتْقِ مَمَالِيكِهَا وَصَدَقَةِ مَالِهَا أَنْ تَبِيعَ جَمِيعَ ذَلِكَ مِمَّنْ تَثِقُ بِهِ حَتَّى يَمْضِيَ وَلَيْسَ فِي مُلْكِهَا شَيْءٌ فَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ لَا إلَى جَزَاءٍ، ثُمَّ تَسْتَقِيلُ الْبَيْعَ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
[الْفَصْلُ التَّاسِعُ فِي الْأَيْمَانِ]
(الْفَصْلُ التَّاسِعُ فِي الْأَيْمَانِ) رَجُلٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ بِالْكُوفَةِ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَخْرُجَ الزَّوْجُ وَوَلِيُّ الْمَرْأَةِ مِنْ الْكُوفَةِ وَيَعْقِدَا النِّكَاحَ خَارِجَ الْكُوفَةِ فَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ.
(حِيلَةٌ أُخْرَى) أَنْ يُوَكِّلَ الْحَالِفُ رَجُلًا فَيَخْرُجَ الْوَكِيلُ وَالْمَرْأَةُ مِنْ الْكُوفَةِ وَيَعْقِدَانِ النِّكَاحَ ثَمَّةَ أَوْ تُوَكِّلَ الْمَرْأَةُ أَيْضًا وَيَخْرُجَ الْوَكِيلَانِ مِنْ الْكُوفَةِ فَيَعْقِدَانِ النِّكَاحَ خَارِجَ الْكُوفَةِ فَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي هَذَا الْبَابِ حِنْثُ الْوَكِيلِ لَا حِنْثُ الْمُوَكِّلِ.
إذَا حَلَفَ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ بِبُخَارَى فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى قِيَاسِ مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بُخَارَى وَيُطَلِّقَهَا أَوْ يُوَكِّلَ رَجُلًا حَتَّى يُطَلِّقَهَا الْوَكِيلُ خَارِجَ بُخَارَى فَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ.
إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُسَافِرَ فَتُحَلِّفُهُ امْرَأَتُهُ بِعِتْقِ كُلِّ جَارِيَةٍ يَشْتَرِيهَا فَتَقُولُ لَهُ: كُلُّ جَارِيَةٍ تَشْتَرِيهَا فَهِيَ حُرَّةٌ فَالْحِيلَةُ لِلزَّوْجِ إذَا حَلَّفَتْهُ بِهَذَا أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: نَعَمْ بَلْدَةً قَرِيبَةً أَوْ قَرْيَةً بِعَيْنِهَا، فَإِذَا نَوَى ذَلِكَ، ثُمَّ اشْتَرَى جَارِيَةً لَا تُعْتَقُ عَلَيْهِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُشِيرُ إلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا عَرَضَ عَلَى غَيْرِهِ يَمِينًا مِنْ الْأَيْمَانِ فَيَقُولُ ذَلِكَ الْغَيْرُ نَعَمْ أَنَّهُ يَكْفِي وَيَصِيرُ حَالِفًا بِتِلْكَ الْيَمِينِ الَّتِي عَرَضَ عَلَيْهِ وَهَذَا فَصْلٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ، قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَكْفِي قَوْلُهُ نَعَمْ وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُصَرِّحَ بِالْيَمِينِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَكْفِي وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
رَجُلٌ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَبْدِي حُرٌّ وَجَمِيعُ مَا أَمْلِكُهُ صَدَقَةٌ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَهَبَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ وَيُسَلِّمَ إلَيْهِ وَيَفْعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَسْتَوْهِبُهُ.
رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يُكَاتِبَ جَارِيَةً لَهُ وَيَطَأَهَا فَإِنَّهُ يَهَبُهَا
стр. 3125
لِابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا إنْ لَمْ تَكُنْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ وَيَكُونُ أَوْلَادُهُ أَحْرَارًا، كَذَا فِي السِّرَاجِيَّةِ.
وَفِي الْعُيُونِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يُدَبِّرَ عَبْدَهُ وَيُجَوِّزَ بَيْعَهُ فَإِنَّهُ يَقُولُ: إذَا مِتَّ وَأَنْتَ فِي مُلْكِي فَأَنْتَ حُرٌّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَإِذَا مَاتَ يُعْتَقُ، هَكَذَا رَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
(نَوْعٌ فِي قَبْضِ الدَّيْنِ) إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَقَالَ رَبُّ الدَّيْنِ: عَبْدِي حُرٌّ إنْ أَخَذْتهَا الْيَوْمَ مُتَفَرِّقًا فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ فِي ذَلِكَ بَعْضَ الْمِائَةِ مُتَفَرِّقًا أَوْ جُمْلَةً، وَإِنْ قَالَ: إنْ أَخَذْتهَا الْيَوْمَ إلَّا جُمْلَةً فَعَبْدِي حُرٌّ فَأَخَذَ جَمِيعَ الْمِائَةِ مِنْهُ، ثُمَّ وَجَدَ فِيهَا دِرْهَمًا سَتُّوقَةً فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَبْدِلَهُ فِي الْغَدِ فَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَسْتَبْدِلَهُ فِي الْغَدِ فَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ الِاسْتِبْدَالَ أَصْلًا وَلَوْ اسْتَبْدَلَهُ الْيَوْمَ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ.
إذَا حَلَفَ لَيَأْخُذَنَّ مِنْ فُلَانٍ حَقَّهُ أَوْ لَيَقْبِضَنَّهُ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ لَا يَأْخُذَ بِنَفْسِهِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ حَتَّى يَأْخُذَ وَلَا يَحْنَثَ وَكَذَلِكَ لَوْ بَدَا لَهُ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ وَكِيلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَلَا يَحْنَثُ وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَذَ مِنْ رَجُلٍ كَفَلَ بِالْمَالِ عَنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِأَمْرِهِ أَوْ مِنْ رَجُلٍ أَحَالَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ بِأَمْرِهِ فَقَدْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ هَكَذَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ وَذُكِرَ فِي الْعُيُونِ مَسْأَلَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ وَصُورَةُ مَا ذُكِرَ فِي الْعُيُونِ إذَا حَلَفَ الرَّجُلُ لَا يَقْبِضُ مَالَهُ مِنْ الْمَطْلُوبِ الْيَوْمَ فَقَبَضَ مِنْ وَكِيلِ الْمَطْلُوبِ حَنِثَ، وَإِنْ قَبَضَهُ مِنْ الْمُتَطَوِّعِ لَمْ يَحْنَثْ وَكَذَلِكَ لَوْ قَبَضَهُ مِنْ كَفِيلٍ لَهُ أَوْ مُحْتَالٍ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَفِي الْقُدُورِيِّ لَوْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ لَيُعْطِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالْأَدَاءِ أَوْ أَحَالَ فَقَبَضَ بَرَّ فِي يَمِينِهِ، وَإِنْ قَضَى عَنْهُ مُتَبَرِّعٌ، وَإِنْ عَنَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ صَدَقَ دِيَانَةً وَقَضَاءً، وَفِيهِ أَيْضًا لَوْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ أَنْ لَا يُعْطِيَهُ فَأَعْطَاهُ بِأَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ حَنِثَ، وَإِنْ عَنَى أَنْ لَا يُعْطِيَهُ بِنَفْسِهِ لَمْ يُدَيَّنْ فِي الْقَضَاءِ وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ يَصْدُقُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
لَوْ أَنَّ رَجُلًا سَاوَمَ رَجُلًا بِثَوْبٍ وَأَبَى الْبَائِعُ أَنْ يُنْقِصَهُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ فَقَالَ الْمُشْتَرِي: عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ اشْتَرَاهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِأَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَدِينَارًا أَوْ بَاعَ بِأَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَثَوْبًا لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ وَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ جَوَابُ الْقِيَاسِ أَمَّا عَلَى جَوَابِ الِاسْتِحْسَانِ يَحْنَثُ فَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ عَبْدَهُ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ إلَّا بِأَكْثَرَ أَوْ إلَّا بِأَزْيَدَ فَبَاعَهُ بِتِسْعَةٍ وَدِينَارٍ الْقِيَاسُ أَنْ يَحْنَثَ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْفَصْلِ مَا إذَا بَاعَهُ بِتِسْعَةٍ وَثَوْبٍ.
قَالَ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ مَعَ الدَّرَاهِمِ جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا فَلَا تَكْثُرُ الدَّرَاهِمُ بِالثَّوْبِ فَلَا يَكُونُ هَذَا الْبَيْعُ مُسْتَثْنًى عَنْ الْيَمِينِ بَلْ كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ الْيَمِينِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا
وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ عَبْدَهُ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ حَتَّى يُزَادَ، ثُمَّ احْتَاجَ إلَى بَيْعِهِ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَشْتَرِي بِالزِّيَادَةِ قَالَ يَنْبَغِي أَنْ يَبِيعَهُ: بِتِسْعَةِ دَرَاهِمَ وَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ تَمَامَ يَمِينِهِ الْبَيْعُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْعَشَرَةِ وَلَمْ تُوجَدْ الْغَايَةُ فَبَقِيَتْ الْيَمِينُ فَيَجِبُ أَنْ يَحْنَثَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِعَشَرَةٍ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحِنْثَ لَا يَقَعُ بِبَقَاءِ الْيَمِينِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ بِوُجُودِ شَرْطِ الْحِنْثِ وَلَكِنْ فِي حَالِ بَقَاءِ الْيَمِينِ فَفِيمَا إذَا بَاعَهُ بِتِسْعَةٍ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْحِنْثِ لِمَا مَرَّ فَلَا يَحْنَثُ لِعَدَمِ شَرْطِ الْحِنْثِ لَا لِعَدَمِ بَقَاءِ الْيَمِينِ وَفِيمَا إذَا بَاعَهُ بِعَشْرَةٍ وُجِدَ شَرْطُ الْحِنْثِ وَالْيَمِينُ بَاقِيَةٌ فَيَحْنَثُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنْ الْجَامِعِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ الْأَخِيرَةَ هِشَامٌ فِي
стр. 3126
نَوَادِرِهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَ: الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَحْنَثَ وَبِهِ نَأْخُذُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ هَذَا الثَّوْبَ مِنْ فُلَانٍ بِثَمَنٍ أَبَدًا فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ الثَّوْبَ مِنْهُ وَمِنْ رَجُلٍ آخَرَ وَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ.
(حِيلَةٌ أُخْرَى) أَنْ يَبِيعَ هَذَا الثَّوْبَ مِنْهُ بِعَرَضٍ (حِيلَةٌ أُخْرَى) أَنْ يُوَكِّلَ رَجُلًا حَتَّى يَبِيعَ الثَّوْبَ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي أَيْمَانِ الْأَصْلِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَشْتَرِيَ فَأَمَرَ إنْسَانًا بِذَلِكَ لَا يَحْنَثُ إلَّا إذَا كَانَ سُلْطَانًا لَا يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَيَحْنَثُ بِالْأَمْرِ وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ.
(وَحِيلَةٌ أُخْرَى) أَنْ يَبِيعَ هَذَا الثَّوْبَ فُضُولِيٌّ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ الْحَالِفَ يُجِيزُ الْبَيْعَ وَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
(إذَا قَالَ) إنْ اشْتَرَيْت هَذَا الْعَبْدَ فَهُوَ حُرٌّ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْعَبْدَ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ فِيهِ بِالْخِيَارِ وَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ.
(حِيلَةٌ أُخْرَى) عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ يَشْتَرِيَهُ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ فَخِيَارُ الْمُشْتَرِي يَمْنَعُ دُخُولَ الْمُشْتَرَى فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرَى بِنَفْسِ الشِّرَاءِ فَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ وَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ لَا إلَى جَزَاءٍ، هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي حِيلَةٍ وَفِي هَذِهِ الْحِيلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْخَصَّافُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ نَوْعُ شُبْهَةٍ فَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ وَقَالَ: إنْ اشْتَرَيْت هَذَا الْعَبْدَ فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَاهُ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ عَتَقَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافِ الْمَشَايِخِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى خَرَّجُوا الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا فَقَالُوا: أَمَّا عَلَى قَوْلِهِمْ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْمُشْتَرِي عِنْدَهُمَا لَا يَمْنَعُ دُخُولَ الْعَبْدِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي فَوُجِدَ شَرْطُ الْعِتْقِ وَالْعَبْدُ فِي مِلْكِهِ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلِأَنَّ عِنْدَهُ خِيَارَ الشَّرْطِ، وَإِنْ كَانَ يَمْنَعُ دُخُولَ الْمُشْتَرَى فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي إلَّا أَنَّ الْإِعْتَاقَ يَتَعَلَّقُ بِالشِّرَاءِ لَا بِالْمِلْكِ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَالْمُرْسَلِ فَيَصِيرُ قَائِلًا بَعْدَ الشِّرَاءِ هَذَا الْعَبْدُ حُرٌّ.
(حِيلَةٌ أُخْرَى) أَنْ يَشْتَرِيَ هَذَا الْعَبْدَ مَعَ رَجُلٍ آخَرَ (وَحِيلَةٌ أُخْرَى) أَنْ يَشْتَرِيَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سَهْمًا مِنْ هَذَا الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ يَشْتَرِيَ السَّهْمَ الْبَاقِيَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ لِامْرَأَتِهِ بِأَمْرِهَا أَوْ يَشْتَرِيَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سَهْمًا لِنَفْسِهِ، ثُمَّ إنَّ الْبَائِعَ يُقِرُّ لَهُ بِالسَّهْمِ الْبَاقِي وَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ: إنْ اشْتَرَيْتُ هَذِهِ الدَّارَ فَكَذَا فَاشْتَرَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سَهْمًا لِنَفْسِهِ وَاشْتَرَى السَّهْمَ الْبَاقِيَ لِابْنِهِ أَوْ لِامْرَأَتِهِ، وَلَوْ وُهِبَ لَهُ السَّهْمُ الْبَاقِي فَفِي الْعَبْدِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ تَصِحُّ الْهِبَةُ وَفِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ لَا تَصِحُّ الْهِبَةُ وَفِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
(نَوْعٌ آخَرُ فِي الْأَكْلِ) إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ أَكَلْتِ مِنْ هَذَا الْخُبْزِ فَأَنْت طَالِقٌ فَالْحِيلَةُ لَهَا حَتَّى أَنْ تَأْكُلَ وَلَا تَطْلُقَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَدُقَّ ذَلِكَ الْخُبْزَ وَتُلْقِيهِ فِي عَصِيدَةٍ وَتَطْبُخَهُ حَتَّى يَصِيرَ هَالِكًا، فَإِذَا أَكَلْت لَا يَحْنَثُ وَفِي الْقُدُورِيِّ هُدِيَ إلَى حِيلَةٍ أُخْرَى فَقَالَ: لَوْ جَفَّفَهُ وَدَقَّهُ، ثُمَّ شَرِبَهُ بِمَاءٍ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ أَكَلَهُ مَبْلُولًا حَنِثَ.
إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا لِفُلَانٍ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَأْكُلَ فَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَبِيعَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مَا هَيَّأَ مِنْ الطَّعَامِ مِنْ الْحَالِفِ، ثُمَّ يَأْكُلُ الْحَالِفُ فَلَا يَحْنَثُ وَكَذَلِكَ لَوْ أَهْدَى الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ طَعَامًا لِلْحَالِفِ فَأَكَلَ الْحَالِفُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ صَارَ مِلْكًا لِلْحَالِفِ بِالْبَيْعِ وَالْإِهْدَاءِ فَكَانَ الْحَالِفُ آكِلًا طَعَامَ نَفْسِهِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْخَصَّافُ جَوَّزَ بَيْعَ الطَّعَامِ هُنَا مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا يَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ إذَا كَانَ الطَّعَامُ مُشَارًا إلَيْهِ أَوْ يُشِيرُ الْبَائِعُ إلَى مَوْضِعِهِ بِأَنْ يَقُولَ مِنْ بَيْدَرِ كَذَا أَوْ مِنْ حِينِ كَذَا أَوْ يُعَرِّفُهُ بِشَيْءٍ
стр. 3127
أَمَّا إذَا أَطْلَقَ إطْلَاقًا لَا يَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ.
رَجُلٌ أَخَذَ لُقْمَةً وَوَضَعَهَا فِي فِيهِ لِيَأْكُلَهَا فَحَلَفَ رَجُلٌ وَقَالَ: إنْ أَكَلْتهَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَقَالَ: رَجُلٌ آخَرُ إنْ أَلْقَيْتهَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ فَالْحِيلَةُ أَنْ يُلْقِيَ بَعْضَ اللُّقْمَةِ وَيَأْكُلَ بَعْضَ اللُّقْمَةِ فَلَا يَحْنَثُ وَاحِدٌ مِنْ الْحَالِفَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ هَذَا وَلَكِنْ جَاءَ إنْسَانٌ آخَرُ وَأَخْرَجَ اللُّقْمَةَ مِنْ فَمِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَأَلْقَاهَا قَالَ: إنْ أَخْرَجَهَا وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ جَاهِدٌ عَلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ مُمْتَنِعٌ بِجَهْدِهِ مَغْلُوبٌ عَلَى ذَلِكَ لَا يَحْنَثُ وَاحِدٌ مِنْ الْحَالِفَيْنِ.
(نَوْعٌ آخَرُ مِنْ مَسَائِلِ النَّفَقَةِ) رَجُلٌ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَهَبَهَا مَالًا حَتَّى تُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهَا أَوْ يُقْرِضَهَا مَالًا أَوْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا شَيْئًا بِمَالٍ أَوْ يَسْتَأْجِرَ مِنْهَا شَيْئًا بِمَالٍ فَتُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ وَلَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا بَلْ أَنْفَقَتْ عَلَى نَفْسِهَا مِنْ مَالِ نَفْسِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَ لَهَا حَانُوتًا تَسْتَغِلُّهُ وَتُنْفِقُ مِنْ غَلَّتِهِ أَوْ آجَرَ الْحَانُوتَ مِنْهَا بِشَيْءٍ يَسِيرٍ حَتَّى أَنْفَقَتْ عَلَى نَفْسِهَا مِنْ غَلَّتِهِ لَا يَحْنَثُ لِمَا قُلْنَا.
وَوَجْهٌ آخَرُ أَنْ تَسْتَأْجِرَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا كُلَّ سَنَةٍ بِكَذَا عَلَى أَنْ يَتَّجِرَ لَهَا فِي أَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ فَيَكُونُ كَسْبُهُ لَهَا تُنْفِقُ مِنْهُ عَلَيْهِ وَعَلَى نَفْسِهَا وَهَذِهِ الْحِيلَةُ ظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِئْجَارَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ وَالْبَدَلُ مَعْلُومٌ، فَإِذَا صَحَّتْ الْإِجَارَةُ صَارَتْ مَنَافِعُ الزَّوْجِ مَمْلُوكَةً لِلْمَرْأَةِ فَمَا حَدَثَ مِنْ الْكَسْبِ يَكُونُ بَدَلَ مِلْكِهَا فَصَارَتْ هِيَ مُنْفِقَةً عَلَى مِلْكِ نَفْسِهَا، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ خَيَّاطًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الصِّنَاعَاتِ اسْتَأْجَرَتْهُ عَلَى أَنْ يَخِيطَ لَهَا مُشَاهَرَةً وَيَتَقَبَّلُ الْعَمَلَ فَيَجُوزُ ذَلِكَ وَيَكُونُ الْكَسْبُ لَهَا، فَإِذَا أَنْفَقَتْ عَلَى نَفْسِهَا وَعَلَيْهِ لَا يَحْنَثُ.
(وَمِنْ جِنْسِ مَسَائِلِ النَّفَقَةِ مَا ذُكِرَ فِي حِيَلِ الْأَصْلِ) رَجُلٌ وَهَبَ لِرَجُلٍ مَالًا، ثُمَّ قَالَ الْوَاهِبُ: امْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ أَنْفَقْتَ هَذَا الْمَالَ الَّذِي أَنْفَقْتُهُ لَك إلَّا عَلَى أَهْلِك فَأَرَادَ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِبَعْضِ ذَلِكَ الْمَالِ دَيْنًا عَلَيْهِ وَيُنْفِقَ الْبَعْضَ عَلَى أَهْلِهِ هَلْ يَحْنَثُ الْحَالِفُ؟ قَالَ: لَا حَتَّى يُنْفِقَ كُلَّ الْمَالِ عَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
(سُئِلَ) شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْحَسَنِ عَمَّنْ لَهُ امْرَأَتَانِ طَلَبَتْ أَحَدُهُمَا مِنْ الزَّوْجِ أَنْ يُطَلِّقَ صَاحِبَتَهَا وَضَيَّقَتْ الْأَمْرَ عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يَتَخَلَّصُ عَنْهَا وَلَيْسَ مِنْ رَأْيِهِ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَتَهَا فَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً أُخْرَى بِاسْمِ صَاحِبَتِهَا، ثُمَّ يَقُولُ: طَلَّقْت امْرَأَتِي فُلَانَةَ وَيَعْنِي بِهَا الَّتِي تَزَوَّجَهَا.
(وَوَجْهٌ آخَرُ) أَنْ يَكْتُبَ اسْمَ الْمَرْأَةِ وَاسْمَ أَبِيهَا عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى وَيُشِيرَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى إلَى الْمَكْتُوبِ وَيَقُولَ: طَلَّقْت فُلَانَةَ هَذِهِ بِنْتَ فُلَانٍ فَتُتَوَهَّمُ الطَّالِبَةُ أَنَّهُ يُطَلِّقُ الَّتِي تَطْلُبُ مِنْهُ طَلَاقَهَا، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
(لَوْ دَخَلَ) جَمَاعَةٌ عَلَى رَجُلٍ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُ وَحَلَفُوا أَنْ لَا يُخْبِرَ بِأَسْمَائِهِمْ فَالسَّبِيلُ أَنْ يُقَالَ لَهُ: إنَّا نَعُدُّ عَلَيْك أَسْمَاءً وَأَلْقَابًا فَمَنْ لَيْسَ بِسَارِقٍ إذَا ذَكَرْنَاهُ قُلْ لَا وَإِذَا انْتَهَيْنَا إلَى السَّارِقِ فَاسْكُتْ أَوْ قُلْ لَا أَقُولُ فَيَظْهَرُ الْأَمْرُ وَلَا يَحْنَثُ.
رَجُلٌ عَلِمَ أَنَّ أَمِيرَ الْبَلَدِ أَرَادَ أَنْ يُحَلِّفَهُ أَنْ لَا يُخَالِفَ الْمَلِكِ يَكْتُبُ عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى الْمَلِكَ فَلَمَّا قِيلَ لَهُ وَعَلَيْك كَذَا عَبِيدُك وَنِسَاؤُك كَذَا إنْ كُنْت تُخَالِفُ هَذَا الْمَلِكَ جَعَلَ الرَّجُلُ يُشِيرُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى إلَى الْمَلِكِ الْمَكْتُوبِ عَلَى الْكَفِّ وَكِلْتَا يَدَيْهِ فِي الْكُمِّ وَهُوَ يَقُولُ: لَا أُخَالِفُ هَذَا الْمَلِكَ فَلَمْ يَحْنَثْ، كَذَا فِي السِّرَاجِيَّةِ.
(رَجُلَانِ) حَلَفَا أَنْ لَا يَدْخُلَ كُلٌّ مِنْهُمَا هَذِهِ الدَّارَ قَبْلَ صَاحِبِهِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَدْخُلَا مَعًا وَكَذَلِكَ الْحِيلَةُ فِي الْيَمِينِ بِالْكَلَامِ إذَا قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ لَا أَبْتَدِئُ بِكَلَامٍ تَكَلَّمَا مَعًا فَلَا يَحْنَثُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
(إذَا حَلَفَ الرَّجُلُ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ) فَأُدْخِلَ مُكْرَهًا لَا يَحْنَثُ هَذَا إذَا حَمَلَهُ إنْسَانٌ وَأَدْخَلَهُ مُكْرَهًا فَأَمَّا إذَا أَكْرَهَهُ حَتَّى دَخَلَ مَعَهُ بِنَفْسِهِ يَحْنَثُ عِنْدَنَا إذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَدْخُلَ الْحَالِفُ أَوَّلًا، ثُمَّ
стр. 3128
يَدْخُلَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
[الْفَصْلُ الْعَاشِرُ فِي الْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ]
(الْفَصْلُ الْعَاشِرُ فِي الْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ) رَجُلٌ لَهُ جَارِيَةٌ عَرَضَ عَلَيْهَا الْعِتْقَ وَالتَّدْبِيرَ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ وَقَالَتْ: الْبَيْعُ نَسَمَةً أَحَبُّ إلَيَّ، فَالْبَيْعُ نَسَمَةً الْبَيْعُ مِمَّنْ يُرِيدُ إعْتَاقَهَا فَأَرَادَ الْمَوْلَى أَنْ يُوصِيَ بِأَنْ تُبَاعَ مِمَّنْ يُرِيدُ شِرَاءَهَا نَسَمَةً وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَطِّ شَيْءٍ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهَا لِيَرْغَبَ الْمُشْتَرِي فِي شِرَائِهَا، فَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ تُبَاعَ وَيَحُطَّ عَنْ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الثَّمَنِ لَا تَصِحُّ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ لِلْمَجْهُولِ وَالْوَصِيَّةُ لِلْمَجْهُولِ لَا تَجُوزُ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الْمَوْلَى: بِيعُوهَا مِمَّنْ أَحَبَّتْ وَحَيْثُ أَرَادَتْ وَحُطُّوا عَنْ الْمُشْتَرِي مِنْ ثَمَنِهَا كَذَا، فَإِذَا أَحَبَّتْ وَعَيَّنَتْ إنْسَانًا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ الرَّجُلُ لِلْوَصِيَّةِ بِالْمُحَابَاةِ فَيُقَالُ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: إنَّ فُلَانًا أَوْصَى بِأَنْ تُبَاعَ هَذِهِ الْجَارِيَةُ مِنْك نَسَمَةً بِثَمَنِ مِثْلِهَا وَيُحَطَّ عَنْك مِنْ ثَمَنِهَا كَذَا، فَإِنْ رَغِبْت فِي شِرَائِهَا تُبَاعُ مِنْك وَهَذِهِ الْحِيلَةُ مَشْرُوعَةٌ مِمَّا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ مَنْ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ وَقَالَ: ضَعْ ثُلُثَ مَالِي حَيْثُ شِئْت أَوْ حَيْثُ أَحْبَبْت يَجُوزُ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَضَعَ ثُلُثَ مَالِهِ حَيْثُ أَحَبَّ فَهَاهُنَا كَذَلِكَ، فَإِنْ أَرَادَ الْمَوْلَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُوصِيَ لَهَا بِشَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ يَقُولُ: بِيعُوهَا مِمَّنْ أَحَبَّتْ وَادْفَعُوا إلَيْهَا مِنْ ثَمَنِهَا أَلْفَ دِرْهَمٍ وَصِيَّةً لَهَا فَيَكُونُ هَذَا مِنْ الْمَوْلَى وَصِيَّةً بِشَيْئَيْنِ بِالْبَيْعِ نَسَمَةً وَبِالْمَالِ، فَإِذَا عَيَّنَتْ رَجُلًا وَبِيعَتْ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَأَعْتَقَهَا الْمُشْتَرِي كَانَ لَهَا مِنْ ثَمَنِهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَإِنْ لَمْ يُعْتِقْهَا الْمُشْتَرِي كَانَ الْأَلْفُ وَصِيَّةً لِلْمُشْتَرِي إذْ الْوَصِيَّةُ لِلْمَمْلُوكِ وَصِيَّةٌ لِلْمَالِكِ
(رَجُلٌ) لَهُ مَمْلُوكٌ أَرَادَ أَنْ يُدَبِّرَهُ عَلَى وَجْهٍ يُعْتَقُ بِمَوْتِهِ وَيَكُونُ لَهُ بَيْعَةٌ مَتَى شَاءَ فَالْحِيلَةُ أَنْ يُدَبِّرَهُ تَدْبِيرًا مُقَيَّدًا بَعْدَ مَوْتِهِ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ حَالَ حَيَاتِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ صَاحِبُ الْكِتَابِ تَفْسِيرَ التَّقْيِيدِ فِي التَّدْبِيرِ فَقَالَ كَقَوْلِ الْمَوْلَى: إنْ مِتَّ وَأَنْتَ فِي مِلْكِي فَأَنْتَ حُرٌّ، وَكَانَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ يَقُولُ: لَيْسَ هَذَا التَّدْبِيرُ مُقَيَّدًا بَلْ هَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: أَنْتَ مُدَبَّرٌ؛ لِأَنَّ تَفْسِيرَ الْمُدَبَّرِ أَنْ يُعْتَقَ بَعْدَ مَوْتِهِ إذَا مَاتَ الْمُدَبَّرُ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ هُنَا إلَّا هَذَا اللَّفْظُ فَلَا يَكُونُ مُدَبَّرًا مُقَيَّدًا وَلَكِنَّ التَّدْبِيرَ الْمُقَيَّدَ أَنْ يُقَدِّمَ الْعِتْقَ عَلَى الْمَوْتِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ يُؤَخِّرَهُ عَنْ الْمَوْتِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ يُقَيِّدَ الْعِتْقَ بِالْمَوْتِ فِي سَفَرٍ بِعَيْنِهِ أَوْ مَرَضٍ بِعَيْنِهِ غَيْرَ أَنَّ الْعِتْقَ إذَا أُضِيفَ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِزَمَانٍ لَا يُعْتَقُ الْعَبْدُ إلَّا بِإِعْتَاقِ الْوَصِيِّ أَوْ الْوَارِثِ.
(عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ) دَبَّرَهُ أَحَدُهُمَا صَارَ كُلُّهُ مُدَبَّرًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعَامَّةِ فُقَهَائِنَا وَضَمِنَ الْمُدَبَّرُ قِيمَةَ حِصَّةِ صَاحِبِهِ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مُدَبَّرًا لَهُمَا وَلَا يَضْمَنُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُوَكِّلَ الْمَوْلَيَانِ رَجُلًا يُدَبِّرُ عَنْهُمَا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ الْمَسْأَلَةُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَقُولَ الْوَكِيلُ لِلْعَبْدِ: جَعَلْت نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَوْلَيَيْك مُدَبَّرًا عَنْهُ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ يَصِيرُ مُدَبَّرًا بَيْنَهُمَا أَوْ يَقُولَ: أَنْتَ مُدَبَّرٌ عَنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفِي هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا يَصِيرُ مُدَبَّرًا بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَوْلَيَيْنِ بِحَرْفِ الْجَمْعِ وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِلَفْظِ الْجَمْعِ بِأَنْ قَالَ: أَنْتَ مُدَبَّرٌ عَنْهُمَا لَا شَكَّ أَنَّهُ يَصِيرُ مُدَبَّرًا عَنْهُمَا كَذَا هُنَا فَقَدْ أَمَرَهُمَا بِالتَّوْكِيلِ وَلَمْ يَقُلْ يُدَبِّرَانِ مَعًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَمَرَهُمَا بِذَلِكَ رُبَّمَا يَسْبِقُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَيَصِيرُ كُلُّهُ مُدَبَّرًا لِلْأَوَّلِ فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُمَا، ثُمَّ قَالَ: يُوَكِّلَانِ رَجُلًا، وَلَمْ يَقُلْ: يُوَكِّلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَقَالَ الْوَكِيلُ لِلْعَبْدِ: أَنْتَ مُدَبَّرٌ عَنِّي وَعَنْ فُلَانٍ يَصِيرُ كُلُّهُ مُدَبَّرًا عَنْ الْمُدَبِّرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ دَبَّرَ بِحُكْمِ الْوَكَالَةِ وَالْمِلْكِ جَمِيعًا وَمِنْ مَذْهَبِهِمَا أَنَّ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ وَالْوَكِيلِ إذَا اجْتَمَعَا وَخَرَجَا مَعًا يُعْتَبَرُ تَصَرُّفُ الْمَالِكِ سَابِقًا وَإِذَا اُعْتُبِرَ تَصَرُّفُ الْمَالِكِ سَابِقًا يَصِيرُ الْعَبْدُ كُلُّهُ مُدَبَّرًا لِلْمُدَبِّرِ
стр. 3129
فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُمَا.
(وَحِيلَةٌ أُخْرَى) أَنْ يَقُولَ الَّذِي يُرِيدُ التَّدْبِيرَ إنْ مِتَّ وَنَصِيبِي مِنْ الْعَبْدِ فِي مِلْكِي فَهُوَ حُرٌّ فَيَجُوزُ وَلَا يَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ شَيْئًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ هَذَا مُدَبَّرًا مُقَيَّدًا وَفِي التَّدْبِيرِ الْمُقَيَّدِ لَا يَجِبُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْبَيْعَ (فَإِنْ) أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُعْتِقَ الْعَبْدَ الْمُشْتَرَكَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ شَيْئًا فَالْحِيلَةُ لَهُ أَنْ يُشْهِدَ أَنَّ بَائِعَهُ قَدْ كَانَ أَعْتَقَهُ فَيُعْتِقُ نَصِيبَهُ عِنْدَ ذَلِكَ وَلَا يَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ شَيْئًا، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ قَدْ وُلِدَ فِي مِلْكِهِ وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فَيُعْتَقُ الْعَبْدُ وَلَمْ يَضْمَنْ لِشَرِيكِهِ وَيَسْعَى الْعَبْدُ فِي جَمِيعِ قِيمَتِهِ لَهُمَا كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَذَا عِنْدَهُمَا إنْ كَانَ مُعْسِرًا، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا يَسْعَى فِي نَصِيبِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ خَاصَّةً.
(وَحِيلَةٌ أُخْرَى) أَنْ يُوَكِّلَ الْمُرِيدُ لِلْعِتْقِ شَرِيكَهُ بِإِعْتَاقِ نَصِيبِ الْمُرِيدِ لِلْعِتْقِ، فَإِذَا قَبِلَ الْوَكَالَةَ وَأَعْتَقَ لَا يَضْمَنُ لَهُ الْمُوَكِّلُ شَيْئًا (وَأُخْرَى) أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ مِنْ مُعْسِرٍ فَيُعْتِقُهُ الْمُشْتَرِي فَلَا يَضْمَنُ هُوَ لِعِسَارِهِ وَلَا الْبَائِعُ مِنْهُ.
(رَجُلٌ) لَهُ جَارِيَةٌ طَلَبَتْ مِنْ الْمَوْلَى أَنْ يَعْتِقَهَا وَيَتَزَوَّجَهَا فَكَرِهَ الْمَوْلَى ذَلِكَ وَأَرَادَ أَنْ يُطَيِّبَ نَفْسَهَا مَا الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: الْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَهَا مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ سِرًّا مِنْهَا أَوْ يَهَبَهَا لَهُ وَيَقْبِضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ، ثُمَّ يَعْتِقَهَا بِحَضْرَةِ شُهُودِ الْبَيْعِ وَيَتَزَوَّجَهَا بِحَضْرَتِهِمْ، ثُمَّ يَقُولُ لِلَّذِي بَاعَهَا مِنْهُ: أَقِلْنِي الْبَيْعَ فِيهَا، فَإِذَا أَقَالَ الْبَيْعَ فِيهَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ وَتَرْجِعُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَلَا تَعْلَمُ الْجَارِيَةُ مِنْ هَذَا فَتَطِيبُ نَفْسُ الْجَارِيَةِ وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ غَيْرَ أَنَّ فِي هَذَا نَوْعَ غُرُورٍ فَإِنَّهُ يُعَامِلُهَا مُعَامَلَةَ الْإِمَاءِ وَلَكِنَّهُ يُعَامِلُهَا مُعَامَلَةَ الْحَرَائِرِ فَيَكُونُ فِيهِ نَوْعُ تَلْبِيسٍ وَتَدْلِيسٍ وَغُرُورٍ، ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ فِي الْحِيلَةِ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ وَالْبَيْعُ أَحَبُّ وَأَيْسَرُ إذْ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّسْلِيمِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
(عَبْدٌ) بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَاتَبَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ صَارَ الْكُلُّ مُكَاتَبًا عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -، وَلِشَرِيكِهِ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ نَقَضَ الْكِتَابَةَ فِي كُلِّ الْعَبْدِ وَأَبْطَلَهَا، وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُكَاتَبُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُكَاتَبًا عَلَيْهِ وَلَا يَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ شَيْئًا فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا فِي فَصْلِ التَّدْبِيرِ أَنْ يُوَكِّلَا رَجُلًا بِأَنْ يُكَاتِبَ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَقُولُ الْوَكِيلُ لِلْعَبْدِ: كَاتَبْتُك عَنْ الْمَوْلَيَيْنِ جَمِيعًا عَلَى كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا قَبِلَ الْعَبْدُ صَارَ مُكَاتَبًا لِلْمَوْلَيَيْنِ جَمِيعًا وَلَا يَضْمَنُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ عِنْدَهُمَا وَلَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِنْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ شَيْئًا شَارَكَهُ الْآخَرُ فِيمَا قَبَضَ سَوَاءٌ كَانَ بَدَلُ الْكِتَابَةِ عَنْ الْمَوْلَيَيْنِ جَمِيعًا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، ثُمَّ الْحِيلَةُ لَهُمَا حَتَّى يَكُونَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُكَاتَبًا لَهُ وَلَا يُشَارِكُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فِيمَا قَبَضَ مِنْ الْمُكَاتَبِ أَنْ يُوَكِّلَا رَجُلًا يُكَاتِبُ هَذَا الْعَبْدَ وَيُفَصِّلُ الْوَكِيلُ الْكِتَابَةَ تَفْصِيلًا فِي نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيُخَالِفُهُ فِي التَّسْمِيَةِ أَوْ يُوَافِقُهُ فِيهَا فَيَقُولُ الْوَكِيلُ لِلْعَبْدِ: كَاتَبْتُكَ عَلَى أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ نَصِيبُ فُلَانٍ بِأَلْفٍ وَنَصِيبُ فُلَانٍ الْآخَرَ بِخَمْسِمِائَةٍ فَيَقُولُ الْعَبْدُ قَبِلْت ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ يَقُولُ كَاتَبْتُك عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَخَمْسِينَ دِينَارًا نَصِيبُ فُلَانٍ بِأَلْفٍ وَنَصِيبُ فُلَانٍ الْآخَرِ بِخَمْسِينَ دِينَارًا فَيَقُولُ الْعَبْدُ قَبِلْت ذَلِكَ كُلَّهُ إذَا فَعَلَ الْوَكِيلُ هَذَا فَقَدْ اسْتَوْثَقَ وَلَا يَضْمَنُ أَحَدُهُمَا شَيْئًا لِصَاحِبِهِ وَمَا قَبَضَهُ أَحَدُهُمَا لَا يُشَارِكُهُ الْآخَرُ وَيَصِيرُ كَمَا لَوْ فَرَّقَ عَقْدَ الْكِتَابَةِ فِي انْتِفَاءِ الشَّرِكَةِ فِي الْمَقْبُوضِ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
رَجُلٌ لَهُ عَبْدٌ أَرَادَ أَنْ يَعْتِقَهُ الْمَوْلَى وَالْمَوْلَى مَرِيضٌ فَلَمْ يَأْمَنْ الْمَوْلَى أَنْ يُنْكِرَ وَارِثُهُ تَرِكَتَهُ فَيَأْخُذُ الْعَبْدَ بِالسِّعَايَةِ وَلَهُ مَالٌ يُخْرِجُ الْعَبْدَ مِنْ ثُلُثِهِ قَالَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَهُ
стр. 3130
نَفْسَهُ بِمَالٍ وَيَقْبِضَ الْمَالَ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ فَيُعْتَقُ الْعَبْدُ بِشِرَاءِ نَفْسِهِ وَيَبْرَأُ بِقَبْضِ الْمَوْلَى ذَلِكَ مِنْهُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - شَرَطَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ يَكُونَ قَبْضُ الْمَوْلَى الْبَدَلَ بِمُعَايَنَةِ الشُّهُودِ، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى هَذَا إذَا كَانَ عَلَى الْمَوْلَى دَيْنُ الصِّحَّةِ حَتَّى لَا يَصِحَّ إقْرَارٌ بِاسْتِيفَاءِ مَا وَجَبَ لَهُ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنُ الصِّحَّةِ وَأَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْمَرَضِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ.
(أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ) إذَا كَاتَبَ عَبْدَهُ فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ أَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنُ الصِّحَّةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ وَيُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَ فِي الْمَرَضِ، ثُمَّ أَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ وَيُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَأَمَّا إذَا أَعْتَقَهُ عَلَى مَالٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، ثُمَّ أَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ الْبَدَلِ وَعَلَيْهِ دَيْنُ الصِّحَّةِ يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ بِخِلَافِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ تَسْلَمُ لِلْمُكَاتَبِ رَقَبَتُهُ بِإِقْرَارِ الْمَوْلَى بِاسْتِيفَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ وَالْإِقْرَارُ وُجِدَ الْآنَ فَجَازَ أَنْ يُعْتَبَرَ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ فِي الْحَالِ فَأَمَّا فِي الْعِتْقِ عَلَى مَالٍ فَرَقَبَةُ الْعَبْدِ، إنَّمَا تَسْلَمُ لَهُ بِقَبُولِ بَدَلِ الْعِتْقِ بِإِقْرَارِ الْمَوْلَى بِالِاسْتِيفَاءِ فَكَانَ نَظِيرَ الثَّمَنِ فِي بَابِ الْبَيْعِ فَيَصِيرُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَدَّقَ الْمَوْلَى إذَا أَقَرَّ بِالِاسْتِيفَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْضُرَ الِاسْتِيفَاءَ شُهُودٌ لَكِنَّ الْخَصَّافَ زَادَ فِي التَّوْثِيقِ وَالِاحْتِيَاطِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ مَالٌ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَدْفَعَ الْمَوْلَى إلَيْهِ مَالًا فِي السِّرِّ وَيَكْتُمَ ذَلِكَ عَنْ الْوَرَثَةِ، ثُمَّ يَدْفَعَ الْعَبْدُ ذَلِكَ الْمَالَ إلَى الْمَوْلَى بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ فَيُعْتَقُ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ سَبِيلٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ أَنَّ الْمَوْلَى أَعْطَاهُ شَيْئًا وَذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي حِيَلِ الْأَصْلِ وَقَالَ: الْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَ الْمَوْلَى هَذَا الْعَبْدَ مِمَّنْ يَثِقُ وَيَقْبِضُ الثَّمَنَ مِنْهُ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ فَيُعْتِقُهُ الْمُشْتَرِي فَيَصِحُّ إعْتَاقُهُ، ثُمَّ الْمَرِيضُ يَهَبُ الثَّمَنَ مِنْ الْمُشْتَرِي سِرًّا فَلَا يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ سَبِيلٌ لَا عَلَى الْعَبْدِ وَلَا عَلَى الْمُشْتَرِي، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
[الْفَصْلُ الْحَادِيَ عَشَرَ فِي الْوَقْفِ]
(الْفَصْلُ الْحَادِيَ عَشَرَ فِي الْوَقْفِ) رَجُلٌ لَا وَارِثَ لَهُ وَلَهُ عَقَارَاتٌ أَرَادَ أَنْ يُوقِفَهَا عَلَى أَقْوَامٍ يَأْخُذُونَ غَلَّتَهَا فَالْحِيلَةُ لَهُ أَنْ يُقِرَّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ النَّاسِ وَلَمْ يُسَمِّهِ وَقَفَ هَذِهِ الضَّيَاعَ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَقْفًا صَحِيحًا وَيَذْكُرُ فِيهِ شَرَائِطَ الْوَقْفِ وَهَذِهِ حِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْإِنْسَانِ فِيمَا فِي يَدِهِ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ وَأَرَادَ أَنْ يُوقِفَ جَمِيعَ عَقَارَاتِهِ يُقِرُّ بِالْوَقْفِ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا وَيُقِرُّ أَيْضًا أَنَّهُ يَتَوَلَّى أَمْرَ هَذِهِ الصَّدَقَةِ مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ لِهَذِهِ الضَّيْعَةِ وَجَعَلَهَا وَقْفًا فِي يَدِهِ عَلَى هَذَا السَّبِيلِ الَّذِي وَصَفْنَا، فَإِذَا أَقَرَّ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِوَارِثِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ لِوَارِثِهِ مَا كَانَ مِلْكًا لَهُ يَوْمَ الْمَوْتِ وَهُنَا قَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِلْكًا لَهُ وَقْتَ الْمَوْتِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ غَلَّةَ دَارِهِ صَدَقَةً وَأَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ بِذَلِكَ كِتَابًا وَخَافَ أَنْ يُبْطِلَهُ قَاضٍ وَطَلَبَ لِذَلِكَ حِيلَةً، فَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى لَا يُجَوِّزُ أَنْ يَجْعَلَ أَحَدٌ غَلَّةَ دَارِهِ صَدَقَةً مَوْقُوفَةً عَلَى الْمَسَاكِينِ وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ يُجَوِّزُونَهَا، فَإِذَا طَلَبَ لِذَلِكَ حِيلَةً كَيْ لَا يُبْطِلَهُ قَاضٍ يَرَى مَذْهَبَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى.
فَالْحِيلَةُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَ غَلَّةَ دَارِهِ صَدَقَةً مَوْقُوفَةً عَلَى الْمَسَاكِينِ حَالَ حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ وَيَذْكُرَ فِي الْكِتَابِ، فَإِنْ رَدَّ ذَلِكَ سُلْطَانٌ أَوْ قَاضٍ تُبَاعُ الدَّارُ وَيُتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ فَيَقَعُ الْأَمْنُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَقُلْ بِعَدَمِ جَوَازِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ دَارِهِ أَوْ ضَيَاعَهُ صَدَقَةً مَوْقُوفَةً عَلَى الْمَسَاكِينِ حَالَ حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ وَخَافَ أَنْ يُرْفَعَ إلَى قَاضٍ يَرَى مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَيُبْطِلُ هَذِهِ الصَّدَقَةَ وَهَذَا الْوَقْفَ وَطَلَبَ لِذَلِكَ حِيلَةً فَاعْلَمْ بِأَنَّ الْوَقْفَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَصِحُّ مُضَافًا إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ إلَّا بِطَرِيقِ
стр. 3131
الْوَصِيَّةِ هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَمَحْفُوظُنَا أَنَّ الْوَقْفَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - صَحِيحٌ إذَا كَانَ مُضَافًا إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ كَانَ مُوصًى بِهِ وَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَدْفَعَ الْوَاقِفُ مَا وَقَفَهُ إلَى رَجُلٍ وَيَجْعَلَهُ قَيِّمًا لِهَذَا الْوَقْفِ، ثُمَّ إنَّ الْوَاقِفَ يَمْتَنِعُ عَنْ صَرْفِ الْغَلَّةِ إلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ يَبِيعُ الْوَاقِفُ هَذَا الْوَقْفَ مِنْ إنْسَانٍ وَيُسَلِّمُهُ إلَى الْمُشْتَرِي، ثُمَّ إنَّ الْمُتَوَلِّيَ يُخَاصِمُ الْمُشْتَرِيَ فِي فَصْلِ الْبَيْعِ وَيُخَاصِمُ الْوَاقِفَ فِي فَصْلِ امْتِنَاعِهِ عَنْ صَرْفِ الْغَلَّةِ إلَى الْمَسَاكِينِ وَيُقَدِّمُهُ إلَى قَاضٍ يَرَى صِحَّةَ الْوَقْفِ فَيَقْضِي الْقَاضِي بِصِحَّةِ هَذَا الْوَقْفِ وَيَصِحُّ الْقَضَاءُ لِوُجُودِ الدَّعْوَى مِنْ الْمُدَّعِي وَالْخُصُومَةِ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ إبْطَالُهُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ صَادَفَ مَحِلًّا مُجْتَهَدًا فِيهِ فَنَفَذَ وَصَارَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
رَجُلٌ لَهُ مَالٌ مِنْ وَقْفٍ أُوقِفَ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ وَلَزِمَهُ دَيْنٌ فَأَرَادَ أَنْ يُوَكِّلَ غَرِيمَهُ بِقَبْضِ مَا يَصِيرُ لَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْ غَلَّةِ هَذَا الْوَقْفِ قَضَاءً مِنْ دَيْنِهِ فَقَالَ الْغَرِيمُ: لَسْت آمَنُ مِنْ أَنْ تُخْرِجَنِي مِنْ الْوَكَالَةِ فَأُرِيدُ أَنْ تُوَكِّلَنِي وَكَالَةً لَا تَقْدِرُ عَلَى إخْرَاجِي مِنْهَا حَتَّى أَسْتَوْفِيَ مَا لِي عَلَيْك فَالْحِيلَةُ أَنْ يُقِرَّ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَنَّ الْوَاقِفَ كَانَ شَرَطَ فِي أَصْلِ الْوَقْفِ أَنْ يُنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ مِنْ غَلَّةِ هَذَا الْوَقْفِ فِي كُلِّ سَنَةٍ كَذَا وَكَذَا مَا دَامَ حَيًّا، وَأَنْ يُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ يُبْدَأُ بِذَلِكَ، ثُمَّ بَاقِي الْغَلَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَنْ وُقِفَ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ كَانَ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ يُسَمِّي غَرِيمَهُ عَلَى فُلَانٍ الْوَاقِفِ مِنْ الدَّيْنِ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا دَيْنًا صَحِيحًا وَقَدْ كُنْت ضَمِنْت لَهُ جَمِيعَ ذَلِكَ الْمَالِ عَنْهُ ضَمَانًا صَحِيحًا جَائِزًا بَاتًّا، وَأَنَّ الْوَاقِفَ جَعَلَ وِلَايَةَ هَذِهِ الصَّدَقَةِ إلَى فُلَانٍ يَعْنِي صَاحِبَ الدَّيْنِ فِي حَيَاتِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ مِنْ غَلَّتِهِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَكْتُبُ أَيْضًا إنِّي قَدْ جَعَلْته وَكِيلًا فِي قَبْضِ نَصِيبِي مِنْ غَلَّةِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مَا ضَمِنْت لَهُ مِنْ الدَّيْنِ عَنْ الْوَاقِفِ.
فَإِذَا أَقَرَّ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ إخْرَاجُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْحِيلَةِ نَوْعُ اشْتِبَاهٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ يُبْدَأَ بِنَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ وَقَضَاءِ دُيُونِهِ فَيَكُونُ هَذَا اسْتِثْنَاءَ بَعْضِ الْوَقْفِ لِنَفْسِهِ وَهَذَا بَاطِلٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَائِزٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ أَيْضًا فِي الْكِتَابِ أَقَرَّ هَذَا الْمَدْيُونُ أَنَّ قَاضِيًا قَضَى بِجَوَازِهِ فَيَصِيرُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ فِي هَذِهِ الْحِيلَةِ، وَأَنَّهُ وَجَبَ لِفُلَانٍ يُسَمِّي غَرِيمَهُ عَلَى هَذَا الْوَاقِفِ كَذَا فَيَصِحُّ هَذَا الْإِقْرَارُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِتَقْدِيمِ حَقِّ الْغَيْرِ فَيُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ كَالْوَارِثِ إذَا أَقَرَّ عَلَى مُوَرِّثِهِ بِدَيْنٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ هَذَا؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِتَقْدِيمِ حَقِّ غَيْرِهِ فَصَاحِبُ الدَّيْنِ يُقَدَّمُ عَلَى الْوَارِثِ فَكَذَا هَاهُنَا، ثُمَّ قَالَ: وَيَكْتُبُ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ: إنِّي قَدْ كُنْت ضَمِنْت جَمِيعَ ذَلِكَ ضَمَانًا صَحِيحًا وَفِيهِ نَوْعُ شُبْهَةٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ، إنَّمَا يَصِحُّ إذَا مَاتَ الْوَاقِفُ مَلِيًّا أَمَّا إذَا مَاتَ مُفْلِسًا لَا يَصِحُّ هَذَا الضَّمَانُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحِقَ بِهِ حُكْمَ الْحَاكِمِ حَتَّى يَصِيرَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ هَذَا إنَّ الْوَاقِفَ جَعَلَ وِلَايَةَ هَذِهِ الصَّدَقَةِ إلَى فُلَانٍ الْغَرِيمِ وَجَعَلَ هَذِهِ الضَّيْعَةَ فِي يَدَيْهِ يَقْبِضُ غَلَّتَهَا وَيَصِحُّ هَذَا الْإِقْرَارُ مِنْهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِتَقْدِيمِ حَقِّ غَيْرِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَيَصِحُّ، ثُمَّ يَكْتُبُ إذَا اسْتَوْفَى فُلَانٌ الْغَرِيمُ هَذَا الدَّيْنَ لَا يَدَ لَهُ عَلَى الضَّيْعَةِ حَتَّى لَا يَدَّعِيَ الِاسْتِحْقَاقَ لِنَفْسِهِ بِكَوْنِهَا فِي يَدِهِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
[الْفَصْلُ الثَّانِيَ عَشَرَ فِي الشَّرِكَةِ]
(الْفَصْلُ الثَّانِيَ عَشَرَ فِي الشَّرِكَةِ) رَجُلَانِ أَرَادَا أَنْ يَشْتَرِكَا وَمَعَ أَحَدِهِمَا مِائَةُ دِينَارٍ وَمَعَ الْآخَرِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَالشَّرِكَةُ جَائِزَةٌ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمَالَيْنِ لَا يَخْتَلِطُ بِالْآخَرِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَاطَ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ فِي كِتَابِ
стр. 3132
الشَّرِكَةِ، فَإِنْ ضَاعَ أَحَدُ الْمَالَيْنِ بَعْدَ الشَّرِكَةِ قَبْلَ الشِّرَاءِ يَهْلِكُ مِنْ صَاحِبِهِ وَهَذَا مَعْرُوفٌ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ مَا ضَاعَ مِنْ أَحَدِ الْمَالَيْنِ قَبْلَ الشِّرَاءِ يَكُونُ عَلَيْهِمَا مَا الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ قَالَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَ صَاحِبُ الدَّنَانِيرِ نِصْفَ دَنَانِيرِهِ مِنْ صَاحِبِ الدَّرَاهِمِ بِنِصْفِ دَرَاهِمِهِ فَيَصِيرُ الْمَالَانِ مُشْتَرَكَيْنِ بَيْنَهُمَا.
ثُمَّ يَتَعَاقَدَانِ عَقْدَ الشَّرِكَةِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَا يُرِيدَانِ.
وَلَوْ كَانَ مَعَ أَحَدِهِمَا مَتَاعٌ وَمَعَ الْآخَرِ مَالٌ وَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي ذَلِكَ كَانَتْ هَذِهِ الشَّرِكَةُ بِالْعُرُوضِ وَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ قَالَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ بِنِصْفِ الْمَالِ فَيَصِيرُ الْمَالُ وَالْمَتَاعُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، ثُمَّ يَتَعَاقَدَانِ عَقْدَ الشَّرِكَةِ عَلَى مَا يُرِيدَانِ وَهَذِهِ حِيلَةٌ وَاضِحَةٌ ذَكَرَهَا مُحَمَّدٌ فِي شَرِكَةِ الْأَصْلِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَوْلُ الْخَصَّافِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، ثُمَّ يَتَعَاقَدَانِ عَقْدَ الشَّرِكَةِ عَلَى مَا يُرِيدَانِ يَسْتَقِيمُ فِي حَقِّ النَّقْدِ فَإِنَّ التَّفَاضُلَ فِي الرِّبْحِ فِي النَّقْدِ يَجُوزُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عُرُوضًا لَا يَجُوزُ شَرْطُ التَّفَاضُلِ فِي الرِّبْحِ وَيَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْخَصَّافَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَرَادَ بِمَا قَالَ فِي حِصَّةِ النَّقْدِ دُونَ الْمَتَاعِ.
وَلَوْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَتَاعٌ فَأَرَادَا الشَّرِكَةَ قَالَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ مَتَاعِهِ بِنِصْفِ مَتَاعِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ يَتَعَاقَدَانِ عَقْدَ الشَّرِكَةِ عَلَى مَا يُرِيدَانِ وَهَذَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ مَتَاعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلَ قِيمَةِ مَتَاعِ صَاحِبِهِ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ مَتَاعِ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ بِأَنْ كَانَتْ قِيمَةُ مَتَاعِ أَحَدِهِمَا أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَقِيمَةُ الْآخَرِ أَلْفٌ فَإِنَّ صَاحِبَ الْأَقَلِّ يَبِيعُ مِنْ مَتَاعِهِ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ بِخُمُسِ مَتَاعِ صَاحِبِهِ فَيَصِيرُ الْمَتَاعُ كُلُّهُ بَيْنَهُمَا أَخْمَاسًا وَيَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ رَأْسِ مَالِهِمَا رَجُلَانِ مَعَ أَحَدِهِمَا أَلْفُ دِرْهَمٍ وَمَعَ الْآخَرِ أَلْفَا دِرْهَمٍ، فَإِنْ أَرَادَا أَنْ يَشْتَرِكَا عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَالْوَضِيعَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْوَضِيعَةَ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ قَالَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقْرِضَ صَاحِبُ الْأَلْفَيْنِ نِصْفَ الْأَلْفِ الزَّائِدَةِ صَاحِبَهُ حَتَّى يَصِيرَ رَأْسُ مَالِهِمَا عَلَى السَّوَاءِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْوَضِيعَةِ عَلَيْهِمَا عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَ أَحَدِهِمَا مَالٌ وَلَا مَالَ مَعَ الْآخَرِ فَاشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَا بِمَالِ صَاحِبِ الْمَالِ لَا يَجُوزُ وَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقْرِضَ صَاحِبُ الْمَالِ بَعْضَ مَالِهِ صَاحِبَهُ حَتَّى يَجُوزَ.
(أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ إذَا أَرَادَ نَقْضَ الشَّرِكَةِ حَالَ غَيْبَةِ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ) قَالَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَبْعَثَ الْحَاضِرُ إلَى الْغَائِبِ رَسُولًا أَوْ كِتَابًا حَتَّى يُخْبِرَهُ بِنَقْضِ الشَّرِكَةِ أَوْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا حَتَّى يَذْهَبَ إلَى الشَّرِيكِ لِيُنَاقِضَهُ الشَّرِكَةَ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهَذِهِ الْحِيلَةُ فِي كُلِّ عَقْدٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ نَحْوُ عَزْلِ الْوَكِيلِ وَالْحَجْرِ عَلَى الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ وَفَسْخِ الْمُضَارَبَةِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
[الْفَصْلُ الثَّالِثَ عَشَرَ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاء]
(الْفَصْلُ الثَّالِثَ عَشَرَ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ) رَجُلٌ لَهُ دَارٌ أَوْ ضَيْعَةٌ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ رَجُلٍ وَلَيْسَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُسَلِّمَهَا إلَى الْمُشْتَرِي فَأَرَادَ حِيلَةً عَلَى أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَهُ تَسْلِيمُهَا إلَى الْمُشْتَرِي سَلَّمَهَا إلَيْهِ وَإِلَّا رَدَّ عَلَيْهِ الثَّمَنَ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ الْبَائِعُ بِأَنْ يُسَلِّمَهَا إلَيْهِ لَا مَحَالَةَ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقِرَّ الْمُشْتَرِي أَنَّ الْبَائِعَ بَاعَ هَذِهِ الضَّيْعَةَ وَهِيَ فِي يَدَيْ ظَالِمٍ مُقِرٍّ بِالْغَصْبِ غَصَبَهُ إيَّاهَا وَإِنَّهَا لَيْسَتْ فِي يَدِهِ يَوْمَ بَاعَهَا مِنْهُ وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، ثُمَّ يَكْتُبُ كِتَابَ الشِّرَاءِ وَلَا يَكْتُبُ فِيهِ قَبْضَ الضَّيْعَةِ
стр. 3133
وَيَكْتُبُ فِيهِ إقْرَارَ الْبَائِعِ بِقَبْضِ الثَّمَنِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى تَسْلِيمِ الضَّيْعَةِ وَإِلَّا رَدَّ الثَّمَنَ عَلَى الْمُشْتَرِي، هَذَا إذَا كَانَ الْغَاصِبُ مُقِرًّا فَأَمَّا إذَا كَانَ الْغَاصِبُ جَاحِدًا ذَكَرَ ثَمَّةَ أَيْضًا أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ وَقَاسَهُ عَلَى بَيْعِ الْآبِقِ، ثُمَّ قَالَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي تَعْلِيمِ هَذِهِ الْحِيلَةِ يُقِرُّ الْمُشْتَرِي بِأَنَّ الضَّيْعَةَ الْمَبِيعَةَ فِي يَدَيْ غَاصِبٍ مُقِرٍّ بِالْغَصْبِ وَذَلِكَ الْمُشْتَرِي لَوْ لَمْ يُقِرَّ بِذَلِكَ رُبَّمَا طَالَبَ الْبَائِعَ بِتَسْلِيمِ الضَّيْعَةِ وَسَأَلَ الْقَاضِيَ حَبْسَهُ فَالْقَاضِي يَحْبِسُهُ وَإِذَا عَرَفَ الْقَاضِي إقْرَارَ الْمُشْتَرِي مَغْصُوبًا لَا يَحْبِسُهُ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ الرِّضَا مِنْ الْمُشْتَرِي بِتَأْخِيرِ الْقَبْضِ إلَى وَقْتِ الْإِمْكَانِ، ثُمَّ قَالَ: وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ الْبَائِعُ بِذَلِكَ الْإِقْرَارِ لِيُمْكِنَهُ إثْبَاتُ الْإِقْرَارِ عِنْدَ الْقَاضِي بِالْبَيِّنَةِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
(رَجُلٌ) أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ رَجُلٍ دَارًا وَلَمْ يَأْمَنْ الْمُشْتَرِي أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ قَدْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهَا فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ إنْ اُسْتُحِقَّتْ الدَّارُ مِنْ يَدِهِ رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ بِضِعْفِ الثَّمَنِ فَيَكُونُ ذَلِكَ حَلَالًا لَهُ مَا الْحِيلَةُ فِيهِ؟ قَالَ: يَبِيعُ الْمُشْتَرِي مِنْ بَائِعِ الدَّارِ ثَوْبًا بِمِائَةِ دِينَارٍ مَثَلًا، ثُمَّ يَشْتَرِي مِنْهُ الدَّارَ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَيَدْفَعُهَا إلَيْهِ وَبِالْمِائَةِ الدِّينَارِ الَّتِي هِيَ ثَمَنُ الثَّوْبِ فَيَصِيرُ ثَمَنُ الدَّارِ مِائَتَيْ دِينَارٍ إنْ اُسْتُحِقَّتْ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِمِائَتَيْ دِينَارٍ وَيَكُونُ ذَلِكَ حَلَالًا.
(وَجْهٌ آخَرُ) أَنَّ مُشْتَرِيَ الدَّارِ يَبِيعُ ثَوْبًا لَهُ يُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ رَبِّ الدَّارِ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَيَدْفَعُ الثَّوْبَ إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ مُشْتَرِيَ الدَّارِ يَشْتَرِي مِنْ صَاحِبِ الدَّارِ دَارِهِ وَهِيَ تُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَيَقْبِضُ الدَّارَ، ثُمَّ يَتَقَاصَّانِ الثَّمَنَ بِمَا وَجَبَ لَهُ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ، فَإِذَا فَعَلَا ذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَ مُسْتَحِقٌّ يَسْتَحِقُّ الدَّارَ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنَّ مُشْتَرِيَ الدَّارِ يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِ الدَّارِ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَذَلِكَ ضِعْفُ مَا حَصَّلَ لَهُ الدَّارَ بِهِ، وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي حِيَلِ الْأَصْلِ وَقَالَ: الْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَ الدَّارَ مِنْ الْمُشْتَرِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ يَبِيعَ الْمُشْتَرِي مِنْ بَائِعِ الدَّارِ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ ثَوْبًا قِيمَتُهُ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَيَقْبِضُ بَائِعُ الدَّارِ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبِيعُ بَائِعُ الدَّارِ الثَّوْبَ مِنْ مُشْتَرِي الدَّارِ بِخَمْسِمِائَةٍ، فَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ الدَّارُ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِضِعْفِ مَا أَعْطَى فَإِنَّهُ أَعْطَى لِلْبَائِعِ فِي الْحَاصِلِ خَمْسَمِائَةٍ، ثُمَّ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِأَلْفٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ حَلَالًا لَهُ.
(رَجُلٌ) أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ دَارًا لَهُ وَجَارِيَةً أَوْ شَيْئًا آخَرَ وَيُرِيدُ أَنْ يَبْرَأَ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ إلَّا عَنْ سَرِقَةٍ أَوْ جِزْيَةٍ فَلَمْ يَأْمَنْ الْبَائِعُ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي وَيَقُولُ: لَمْ تُسَمِّ عَيْبًا وَلَمْ تَضَعْ يَدَك عَلَيْهَا وَيَرْفَعُ الْأَمْرَ إلَى قَاضٍ لَا يَرَى الْبَرَاءَةَ عَنْ الْعُيُوبِ إلَّا أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْبَرَاءَةِ وَيُسَمِّيَهَا مَا الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ بِأَنَّ مَنْ بَاعَ عَبْدًا أَوْ شَيْئًا آخَرَ وَيَبْرَأُ عَنْ عَيْبِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيَبْرَأُ عَنْ الْعُيُوبِ كُلِّهَا، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الْعُيُوبَ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ مَا لَمْ يُسَمِّ الْعُيُوبَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَعَ تَسْمِيَةِ الْعُيُوبِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَوْضِعِ الْعَيْبِ وَيَقُولُ: أَتَبَرَّأُ عَنْ الْعَيْبِ الَّذِي سَمَّيْت وَوَضَعْت يَدِي عَلَيْهِ. أَمَّا بِدُونِ ذَلِكَ لَا تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
ثُمَّ إذَا لَمْ يُسَمِّ الْعُيُوبَ وَلَمْ يَضَعْ يَدَهُ عَلَى مَحِلِّ الْعُيُوبِ لِمَا أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَسَامِيَ الْعُيُوبِ أَوْ لَا يَعْرِفُ جَمِيعَ الْعُيُوبِ الَّتِي بِالْمَبِيعِ حَتَّى يُسَمِّيَهَا وَيَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَحِلِّهَا وَخَافَ أَنْ يُرْفَعَ الْأَمْرُ إلَى قَاضٍ لَا يَرَى الْبَرَاءَةَ عَنْ الْعُيُوبِ بِدُونِ التَّسْمِيَةِ وَبِدُونِ وَضْعِ الْيَدِ عَلَى مَحِلِّ الْعَيْبِ صَحِيحَةً وَطَلَبَ الْحِيلَةَ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْمُرَ صَاحِبُ
стр. 3134
الْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ رَجُلًا غَرِيبًا لَا يَعْرِفُ حَتَّى يَبِيعَ تِلْكَ الْعَيْنِ مِنْ الْمُشْتَرِي عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْعَيْنِ ضَامِنٌ لِلْمُشْتَرِي مَا أَدْرَكَ فِي ذَلِكَ مِنْ دَرْكٍ وَمِنْ سَرِقَةٍ وَمِنْ جِزْيَةٍ وَيَخْرُجُ الْغَرِيبُ حَيْثُ شَاءَ فَيَحْصُلُ التَّوْثِيقُ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا وَجَدَ عَيْبًا سِوَى السَّرِقَةِ وَالْجِزْيَةِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُخَاصِمَ صَاحِبَ الْعَيْنِ فِي الرَّدِّ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَرْجِعُ إلَى الْعَاقِدِ وَمَوْلَى ذَلِكَ لَيْسَ بِعَاقِدٍ وَالْعَاقِدُ غَرِيبٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي حِيَلِ الْأَصْلِ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ، وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَقَالَ: الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْمُرَ الْبَائِعُ رَجُلًا غَرِيبًا يَشْتَرِي الْجَارِيَةَ مِنْ الْبَائِعِ، ثُمَّ يَبِيعُهَا مِنْ الْمُشْتَرِي عَلَى أَنَّ مَوْلَى الْجَارِيَةِ ضَامِنٌ لِمَا أَدْرَكَ الْمُشْتَرِيَ فِيهَا مِنْ دَرْكٍ مِنْ سَرِقَةٍ أَوْ جِزْيَةٍ خَاصَّةٍ وَيَغِيبُ الْغَرِيبُ، فَإِذَا وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِهَا عَيْبًا آخَرَ سِوَى هَذَيْنِ الْعَيْبَيْنِ لَا يُمْكِنُهُ الرَّدُّ عَلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ غَائِبٌ وَلَا يُمْكِنُهُ الرَّدُّ عَلَى بَائِعِ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِهَا مِنْهُ فَيَحْصُلُ مَقْصُودُ الْبَائِعِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا ذُكِرَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْثَقُ لِمَوْلَى الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَتْ تَرْجِعُ إلَى الْوَكِيلِ عِنْدَنَا إلَّا أَنَّ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ تَرْجِعُ إلَى الْمُوَكِّلِ وَرُبَّمَا يَرْفَعُ الْمُشْتَرِي الْأَمْرَ إلَى قَاضٍ يَرَى الرَّدَّ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ مَوْلَى الْجَارِيَةِ رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الْجَارِيَةَ نَسَمَةً وَخَافَ الْبَائِعُ أَنْ لَا يُعْتِقَهَا الْمُشْتَرِي، وَلَوْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَسَدَ الْبَيْعُ كَيْفَ الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: يَقُولُ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: أَشْهِدْ عَلَى نَفْسِك بِأَنَّك إنْ اشْتَرَيْتهَا فَهِيَ حُرَّةٌ، فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ فَإِنَّهَا تُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ وَيَجُوزُ هَذَا؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْعِتْقِ إلَى الشِّرَاءِ جَائِزَةٌ عِنْدَنَا، فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: إنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَعْتِقَهَا فِي حَيَاتِي وَأَحْتَاجُ إلَى خِدْمَتِهَا وَلَكِنِّي لَا أَبِيعُهَا فَأَرَادَ الْبَائِعُ الثِّقَةَ فِي ذَلِكَ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي: إنْ اشْتَرَيْتهَا فَهِيَ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ يَقُولَ: إنْ اشْتَرَيْتهَا فَهِيَ مُدَبَّرَةٌ، فَإِذَا اشْتَرَاهَا تَصِيرُ مُدَبَّرَةً فَيَسْتَخْدِمُهَا فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَلَا يَبِيعُهَا؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَيَحْصُلُ مَقْصُودُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي.
(رَجُلٌ) غَصَبَ مِنْ رَجُلٍ ضَيْعَةً وَأَبَى أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ وَقَالَ بِعْنِيهَا وَهُوَ يُقِرُّ بِهِ فِي السِّرِّ وَيَجْحَدُ فِي الْعَلَانِيَةِ فَأَرَادَ حِيلَةً يَتَخَلَّصُ بِهَا ضَيْعَتَهُ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الضَّيْعَةَ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ سِرًّا وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَبِيعَهَا مِنْ الْغَاصِبِ وَيَجْعَلَ بَيْنَ الْعَقْدَيْنِ مُدَّةً لَا يَشْتَبِهُ التَّارِيخُ عَلَى الشُّهُودِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ يَجِيءُ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ وَيُقِيمُ بَيِّنَةَ أَنَّ شِرَاءَهُ كَانَ أَسْبَقَ فَيَأْخُذُ مِنْ الْغَاصِبِ وَفِي شِرَاءِ الْمَغْصُوبِ إذَا كَانَ الْغَاصِبُ جَاحِدًا اخْتِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى رِوَايَةِ النَّوَادِرِ يَجُوزُ فَتَكُونُ هَذِهِ حِيلَةً عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
[مَسَائِلُ الِاسْتِبْرَاءِ]
(مَسَائِلُ الِاسْتِبْرَاءِ) وَلَا بَأْسَ بِالِاحْتِيَالِ فِي إسْقَاطِ الِاسْتِبْرَاءِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْمَأْخُوذُ بِهِ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا إذَا عُلِمَ أَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يُقِرَّ بِهَا فِي طُهْرِهَا ذَلِكَ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا إذْ أَقَرَّ بِهَا وَالْحِيلَةُ فِيهِ إذَا لَمْ تَكُنْ تَحْتَ الْمُشْتَرِي حُرَّةٌ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا قَبْلَ الشِّرَاءِ، ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا وَلَوْ كَانَتْ فَالْحِيلَةُ أَنْ يُزَوِّجَهَا الْبَائِعُ قَبْلَ الشِّرَاءِ أَوْ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ، ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا وَيَقْبِضَهَا أَوْ يَقْبِضَهَا، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ عِنْدَ وُجُودِ السَّبَبِ وَهُوَ اسْتِحْدَاثُ الْمِلْكِ الْمُؤَكَّدِ بِالْقَبْضِ إذَا لَمْ يَكُنْ فَرْجُهَا حَلَالًا لَهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ، وَإِنْ حَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَوَانُ وُجُودِ السَّبَبِ كَمَا إذَا كَانَتْ مُعْتَدَّةَ الْغَيْرِ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ (رَجُلٌ) اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ جَارِيَةً فَأَرَادَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ الِاسْتِبْرَاءُ مَا الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ الْخَصَّافُ: الْحِيلَةُ أَنْ
стр. 3135
يُزَوِّجَهَا الْبَائِعُ مِنْ رَجُلٍ يَثِقُ بِهِ وَلَيْسَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ، ثُمَّ يَبِيعَهَا مِنْ الْمُشْتَرِي فَيَقْبِضَهَا الْمُشْتَرِي، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَلَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ اسْتِحْدَاثُ مِلْكِ الْوَطْءِ بِاسْتِحْدَاثِ مِلْكِ الْيَمِينِ بِالشِّرَاءِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَسْبَابِ مِلْكِ الْيَمِينِ وَوَقْتِ الشِّرَاءِ كَانَ بُضْعُهَا حَرَامًا عَلَى الْمُشْتَرِي فَلَمْ يَجِبْ الِاسْتِبْرَاءُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَلَا يَجِبُ بَعْدَهُ وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْلَى الَّذِي زَوَّجَهَا اسْتَبْرَأَهَا أَوَّلًا بِحَيْضَةٍ، ثُمَّ زَوَّجَهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَلِكَ يَكُونُ فِي هَذَا اجْتِمَاعُ الرَّجُلَيْنِ عَلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ وَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وَهَكَذَا الْجَوَابُ فِيمَنْ وَطِئَ أَمَتَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ إنْسَانٍ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ، ثُمَّ يُزَوِّجَهَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَوْ كَانَ الْبَائِعُ وَطِئَهَا قَبْلَ التَّزْوِيجِ فَلَا بَأْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَطَأَهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ، ثُمَّ إنَّ الْخَصَّافَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ فِي تَعْلِيمِ هَذِهِ الْحِيلَةِ يَقْبِضُهَا الْمُشْتَرِي، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا الزَّوْجُ، وَإِنَّمَا شُرِطَ الطَّلَاقُ بَعْدَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ قَبَضَ الْمُشْتَرِي يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ لَهُ شَبَهٌ بِالْعَقْدِ وَعَلَيْهِ مَدَارُ الْأَحْكَامِ خُصُوصًا فِيمَا بُنِيَ أَمْرُهُ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَلَوْ اشْتَرَاهَا الْمُشْتَرِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ فَكَذَا إذَا وُجِدَ الْقَبْضُ الَّذِي لَهُ شَبَهٌ بِالْعَقْدِ فَيُشْتَرَطُ الطَّلَاقُ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي.
لِهَذَا وَفِي بُيُوعِ الْأَصْلِ إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً لَهَا زَوْجٌ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي فَعَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ وَفِي حِيَلِ الْأَصْلِ لَا اسْتِبْرَاءَ عَلَى الْمُشْتَرِي فَعَلَى رِوَايَةِ الْحِيَلِ اُعْتُبِرَ وَقْتُ الشِّرَاءِ وَوَقْتُ الشِّرَاءِ هِيَ مَشْغُولَةٌ بِحَقِّ الْغَيْرِ وَعَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ اُعْتُبِرَ وَقْتُ الْقَبْضِ وَوَقْتُ الْقَبْضِ هِيَ فَارِغَةٌ عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ أَبَى الْبَائِعُ أَنْ يُزَوِّجَهَا قَبْلَ الْبَيْعِ مَا الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ الْحِيلَةُ: أَنْ يَشْتَرِيَهَا الْمُشْتَرِي وَيَدْفَعَ الثَّمَنَ وَلَا يَقْبِضَ الْجَارِيَةَ وَلَكِنْ يُزَوِّجُهَا مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ وَلَيْسَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ، ثُمَّ يَقْبِضُهَا بَعْدَ التَّزْوِيجِ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا الزَّوْجُ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي فَلَا يَكُونُ عَلَى الْمُشْتَرِي الِاسْتِبْرَاءُ؛ لِأَنَّهُ حِينَ تَأَكَّدَ مِلْكُهُ فِيهَا كَانَ بُضْعُهَا حَرَامًا عَلَيْهِ وَحِينَ صَارَ بُضْعُهَا حَلَالًا لَهُ يَحْدُثُ الْمِلْكُ فِيهَا فَلَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ إلَّا أَنَّ مَشَايِخَنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى قَالُوا: يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ فِي هَذَا الْوَجْهِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ حِينَ اشْتَرَاهَا فَقَدْ وَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ حُكْمًا لِحُدُوثِ الْمِلْكِ فَلَا يُسْقِطُ ذَلِكَ الِاسْتِبْرَاءَ الْوَاجِبَ بِالتَّزْوِيجِ وَإِذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ وَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ إلَّا أَنْ تَكُونَ حَاضَتْ حَيْضَةً بَعْدَ النِّكَاحِ قَبْلَ الطَّلَاقِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَحِينَئِذٍ لَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ ذَاقَ مَرَارَةَ الِاسْتِبْرَاءِ مَرَّةً، فَإِنْ خَافَ الْمُشْتَرِي أَنْ لَا يُطَلِّقَهَا الزَّوْجُ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ عَلَى أَنَّ أَمْرَهَا فِي طَلَاقِهَا كُلَّمَا شَاءَ مَوْلَاهَا فِي يَدِ الْمَوْلَى إذَا تَزَوَّجَهَا، وَإِذَا زَوَّجَهَا إيَّاهُ عَلَى ذَلِكَ كَانَ طَلَاقُهَا فِي يَدِ الْمَوْلَى، وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِي يَدِ الْمَوْلَى كُلَّمَا شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ كُلَّمَا شَاءَ يَقْتَصِرُ عَلَى الْمَجْلِسِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ وَرُبَّمَا لَا يُمْكِنُهُ الْإِيقَاعُ فِي الْمَجْلِسِ فَيَخْرُجُ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهِ فَاخْتَارَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لِيُمْكِنَهُ إيقَاعُ الطَّلَاقِ مَتَى شَاءَ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي تَزَوَّجَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِنَفْسِهِ قَبْلَ الشِّرَاءِ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا وَقَبَضَهَا لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِبْرَاءُ؛ لِأَنَّ بِالنِّكَاحِ ثَبَتَ لَهُ عَلَيْهَا الْفِرَاشُ فَإِنَّمَا اشْتَرَاهَا وَهِيَ فِي فِرَاشِهِ وَقِيَامُ الْفِرَاشِ لَهُ عَلَيْهَا دَلِيلُ فَرَاغِ رَحِمِهَا شَرْعًا، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
стр. 3136
[الْفَصْلُ الرَّابِعَ عَشَرَ فِي الْهِبَةِ]
(الْفَصْلُ الرَّابِعَ عَشَرَ فِي الْهِبَةِ) امْرَأَةٌ حَامِلٌ تُرِيدُ أَنْ تَهَبَ الْمَهْرَ مِنْ زَوْجِهَا عَلَى أَنَّهَا إنْ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا كَانَ الزَّوْجُ بَرِيئًا عَنْ مَهْرِهَا، وَإِنْ عَاشَتْ وَسَلِمَتْ مِنْ نِفَاسِهَا عَادَ الْمَهْرُ عَلَى زَوْجِهَا فَالْحِيلَةُ لَهَا أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْ الزَّوْجِ شَيْئًا قَلِيلَ الْقِيمَةِ بِمَا لَهَا مِنْ الْمَهْرِ وَالْمَرْأَةُ لَا تَنْظُرُ إلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإِنْ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَدْ بَرِئَ الزَّوْجُ، وَإِنْ سَلِمَتْ رَدَّتْ الشَّيْءَ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ فَيَعُودُ الْمَهْرُ عَلَى زَوْجِهَا قَالُوا: وَهَكَذَا فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يَغِيبَ وَلَهُ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ الْغَرِيمُ بَرِيئًا إنْ لَمْ يَعُدْ، وَإِنْ عَادَ أَخَذَ الْمَالَ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَشْتَرِيَ صَاحِبُ الدَّيْنِ مِنْ الْغَرِيمِ شَيْئًا وَيَضَعَهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ إنْ عَادَ يَرُدُّهُ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ فَيَعُودُ الدَّيْنُ، وَإِنْ مَاتَ لَزِمَهُ الْبَيْعُ وَبَرِئَ الْمَدْيُونُ عَنْ الدَّيْنِ بِشَيْءٍ قَلِيلِ الْقِيمَةِ، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَهَذَا يَسْتَقِيمُ إذَا بَقِيَ الشَّيْءُ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ غَيْرُ مُوَقَّتٍ وَبِهِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ مِنْ الْأَصْلِ فَيَعُودُ الْمَهْرُ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ إلَّا أَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَتَغَيَّبُ عِنْدَهَا أَوْ يَهْلَكُ فَيَتَعَذَّرُ رَدُّهُ فَالسَّبِيلُ أَنْ تَشْتَرِيَ الثَّوْبَ وَتُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْ الزَّوْجِ كَيْ لَا يَتَعَذَّرَ عَلَيْهَا الرَّدُّ إذَا سَلِمَتْ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ.
(رَجُلٌ) قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ تَهَبِي صَدَاقَكِ مِنِّي الْيَوْمَ فَأَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا فَاسْتَأْذَنَتْ أَبَاهَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْأَبُ: إنْ وَهَبْتِ صَدَاقَكِ فَأُمُّكِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْ زَوْجِهَا ثَوْبًا مَلْفُوفًا فِي شَيْءٍ بِمَهْرِهَا وَتَقْبِضَ ذَلِكَ الشَّيْءَ مِنْ الزَّوْجِ، فَإِذَا مَضَى ذَلِكَ الْيَوْمُ فَقَدْ مَضَى وَقْتُ الْيَمِينِ وَلَا مَهْرَ لَهَا فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ فَتَسْقُطُ الْيَمِينُ وَلَا يَحْنَثُ الزَّوْجُ بِتَرْكِ الْهِبَةِ، ثُمَّ تَكْشِفُ عَنْ الثَّوْبِ الْمُشْتَرَى فَتَرُدُّهُ بِخِيَارِ الشَّرْطِ وَيَعُودُ الْمَهْرُ عَلَى الزَّوْجِ وَلَا تَطْلُقُ أُمُّهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا مَا وَهَبَتْ الْمَهْرَ، وَإِنَّمَا اشْتَرَتْ بِهِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
[الْفَصْل الْخَامِسَ عَشَر فِي الرَّجُلِ يطلب مِنْ غَيْرِهِ مُعَامَلَة]
(الْفَصْلُ الْخَامِسَ عَشَرَ فِي الرَّجُلِ يَطْلُبُ مِنْ غَيْرِهِ مُعَامَلَةً) الرَّجُلُ إذَا طَلَبَ مِنْ غَيْرِهِ مُعَامَلَةً مَثَلًا بِمِقْدَارِ ثَمَانِمِائَةٍ وَأَبَى الْمَطْلُوبُ مِنْهُ ذَلِكَ إلَّا بِرِبْحِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَأَرَادَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ مَتَاعًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إلَى سَنَةٍ، ثُمَّ يَشْتَرِيَ مِنْهُ ذَلِكَ الْمَتَاعَ بِثَمَانِمِائَةٍ حَالَّةٍ يَدْفَعُهَا إلَى الطَّالِبِ لِيَحْصُلَ فِي يَدِ الطَّالِبِ ثَمَانُمِائَةٍ وَيَكُونُ لِلْمَطْلُوبِ مِنْهُ عَلَى الطَّالِبِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَيَحْصُلُ مَقْصُودُهُمَا فَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ يَصِيرُ مُشْتَرِيًا مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهُ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى مَا عُرِفَ، فَإِنْ طَلَبَا فِي ذَلِكَ حِيلَةً فَالْحِيلَةُ أَنْ يُدْخِلَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَتَاعِ نُقْصَانًا يَسِيرًا، ثُمَّ يَبِيعَهُ مِنْ بَائِعِهِ بِثَمَانِمِائَةٍ فَيَكُونُ نُقْصَانُ الثَّمَنِ بِمُقَابَلَةِ الْجُزْءِ الَّذِي اُحْتُبِسَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَيَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْجُزْءُ قَلِيلًا؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ الْقَلِيلَ يَجُوزُ أَنْ يُقَابِلَهُ بَدَلٌ كَثِيرٌ هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذِهِ الْحِيلَةَ وَهَذَا مِنْهُ نَوْعُ تَوْسِعَةٍ حَيْثُ جَعَلَ بِمُقَابَلَةِ الْجُزْءِ الْقَلِيلِ الْبَدَلَ الْكَثِيرَ، وَإِنَّمَا فَعَلَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ شِرَاءَ مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ جَوَازُهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا وُجِدَ أَدْنَى عِلَّةٍ وَهُوَ احْتِبَاسُ جُزْءٍ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بُنِيَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ وَعُوِّلَ عَلَيْهِ.
(حِيلَةٌ أُخْرَى) أَنْ يَحْتَبِسَ الْمُشْتَرِي بِبَعْضِ الْأَمْتِعَةِ شَيْئًا يَسِيرًا، ثُمَّ يَبِيعَ الْبَاقِيَ مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى فَيَجُوزُ وَيَكُونُ النُّقْصَانُ بِمُقَابَلَةِ مَا اُحْتُبِسَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ شَيْئًا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَهَبَهُ أَوْ يَحْتَبِسَ بَعْضَهُ نَحْوَ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ جَوْهَرًا أَوْ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ الْمُشْتَرِي الْمَطْلُوبَ مِنْهُ مَعَ الْمَتَاعِ الَّذِي يُرِيدُ بَيْعَهُ شَيْئًا آخَرَ يَسِيرَ الْمِقْدَارِ، ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ يَحْبِسُ ذَلِكَ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ وَيَبِيعُ الْمَتَاعَ مِنْ الْبَائِعِ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى وَيَكُونُ نُقْصَانُ الثَّمَنِ بِمُقَابَلَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ فَيَجُوزُ.
(حِيلَةٌ أُخْرَى) أَنْ يَهَبَ الْمُشْتَرِي
стр. 3137
جَمِيعَ مَا اشْتَرَى مِنْ وَلَدِ الْبَائِعِ أَوْ يَهَبَ مِنْ بَعْضِ مَنْ يَثِقُ بِهِ الْمَوْهُوبَ لَهُ يَقْبِضُ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبِيعُهُ مِنْ الْبَائِعِ بِثَمَنٍ قَلِيلٍ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَ قَدْ اخْتَلَفَ وَالْمِلْكُ أَيْضًا قَدْ اخْتَلَفَ فَلَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ شِرَاءُ مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
[الْفَصْلُ السَّادِسَ عَشَرَ فِي الْمُدَايَنَاتِ]
(الْفَصْلُ السَّادِسَ عَشَرَ فِي الْمُدَايَنَاتِ) رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ بِغَيْرِ شُهُودٍ فَأَبَى الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِهِ إلَّا أَنْ يُؤَجِّلَهُ أَوْ قَالَ: صَالِحْنِي مِنْهُ عَلَى الشَّطْرِ وَيُرِيدُ صَاحِبُ الْمَالِ حِيلَةً حَتَّى يُقِرَّ لَهُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ تَأْجِيلُهُ وَلَا صُلْحُهُ فَاعْلَمْ أَنَّ الْمَدْيُونَ إذَا قَالَ لِرَبِّ الدَّيْنِ: لَا أُقِرُّ لَك بِالْمَالِ حَتَّى تُؤَجِّلَنِي أَوْ لَا أُقِرُّ لَك حَتَّى تُصَالِحَنِي أَوْ لَا أُقِرُّ لَك حَتَّى تَحُطَّ عَنِّي بَعْضَ مَا تَدَّعِي فَهَذَا هَلْ يَكُونُ إقْرَارًا بِالْمَالِ؟ فَعِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ يَكُونُ إقْرَارًا فَلَا يَحْتَاجُ صَاحِبُ الْمَالِ إلَى الْحِيلَةِ.
وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ وَقَالَ: لَا يَكُونُ إقْرَارًا وَإِذَا طَلَبَ صَاحِبُ الْمَالِ الْحِيلَةَ حَتَّى يَصِيرَ مُقِرًّا بِالِاتِّفَاقِ وَلَا يَصِحُّ تَأْجِيلُهُ وَلَا صُلْحُهُ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقِرَّ صَاحِبُ الْمَالِ بِهَذَا الْمَالِ لِرَجُلٍ يَثِقُ بِهِ وَيَشْهَدُ لَهُ بِهِ، وَأَنَّ اسْمَهُ فِي ذَلِكَ عَارِيَّةٌ وَيُوَكِّلُهُ بِقَبْضِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ الرَّجُلُ الْمُقَرُّ لَهُ وَصَاحِبُ الْمَالِ إلَى الْقَاضِي وَيَقُولُ الْمُقَرُّ لَهُ: إنَّ لِي بِاسْمِ هَذَا عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ عِنْدَ الْقَاضِي فَالْمُقِرُّ يَقُولُ لِلْقَاضِي: امْنَعْ هَذَا الْمُقِرَّ مِنْ قَبْضِ هَذَا الْمَالِ وَمِنْ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ حَدَثًا أَوْ اُحْجُرْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ الْقَبْضَ عَلَى مَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَلِهَذَا اُحْتِيجَ إلَى حَجْرِ الْقَاضِي، فَإِذَا طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ فَالْقَاضِي يَحْجُرُ عَلَيْهِ وَيَمْنَعُهُ مِنْ الْقَبْضِ وَمِنْ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ حَدَثًا، ثُمَّ يَجِيءُ الْمُقِرُّ إلَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيُصَالِحُهُ أَوْ يُؤَجِّلُهُ حَتَّى يُقِرَّ لَهُ بِالدَّيْنِ يَجِيءُ الْمُقَرُّ لَهُ إلَى الْقَاضِي وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا جَرَى مِنْ الْأَمْرِ قَبْلَ هَذَا وَيَبْطُلُ الصُّلْحُ مِنْ الْمُقِرِّ وَتَأْجِيلُهُ وَيَأْخُذُ الْمَالَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا يُوجَدُ فِي الْمَبْسُوطِ، وَإِنَّمَا اُسْتُفِيدَتْ مِنْ جِهَةِ الْخَصَّافِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْحِيلَةِ نَوْعُ نَظَرٍ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْجُرَ الْقَاضِي عَلَى الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّ فِي حَجْرِهِ عَلَيْهِ إبْطَالُ حَقِّ الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ اسْتَحَقَّ الْبَرَاءَةَ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ بِإِيفَاءِ الْحَقِّ إلَى الْمُقِرِّ وَبِإِبْرَائِهِ وَتَأْجِيلِهِ فَفِي جَوَازِ هَذَا الْحَجْرِ إبْطَالُ حَقِّ الْمَطْلُوبِ عَلَيْهِ وَالْقَاضِي لَا يَحْجُرُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَكَأَنَّ الْخَصَّافَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخَذَ هَذَا مِمَّا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي آخِرِ كِتَابِ الْحَجْرِ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا أَذِنَ رَجُلًا بِالتَّصَرُّفِ فَلَمَّا تَصَرَّفَ وَدَايَنَ النَّاسَ فَسَدَ الرَّجُلُ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَنْحَجِرُ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ الْقَاضِي، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَنْحَجِرُ إلَّا بِحَجْرِ الْقَاضِي وَإِذَا حَجَرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي صَحَّ حَجْرُهُ وَانْحَجَرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ وَهُنَاكَ الْمَدْيُونُ أَيْضًا اسْتَحَقَّ الْبَرَاءَةَ بِالْإِيفَاءِ إلَى الْمَحْجُورِ وَبِإِبْرَائِهِ، فَفِي هَذَا الْحَجْرِ إبْطَالُ حَقِّهِ عَلَيْهِ وَمَعَ هَذَا جَوَّزَ ذَلِكَ وَكَثِيرًا مَا يُوجَدُ فِي كِتَابِ الْحَجْرِ مِثْلُ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ فَهَهُنَا أَيْضًا كَذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَعْدَ هَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَجُوزُ قَبْضُ الَّذِي كَانَ بِاسْمِهِ الْمَالُ بَعْدَ إقْرَارِهِ وَيَجُوزُ تَأْجِيلُهُ وَإِبْرَاؤُهُ وَهِبَتُهُ وَمَا صَنَعَ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا خَصَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الْحَجْرَ جَائِزًا وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ الْحَجْرُ عِنْدَهُ صَارَ الْحَالُ بَعْدَ الْحَجْرِ كَالْحَالِ قَبْلَهُ وَقَبْلَ الْحَجْرِ كَانَ يَجُوزُ تَصَرُّفَاتُ الْمُقِرِّ فِي الدَّيْنِ الْمُقَرِّ بِهِ فَقَدْ عُرِفَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَى النَّاسِ لِرَجُلٍ يَصِحُّ إقْرَارُهُ وَيَكُونُ حَقُّ الْقَبْضِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي عَامَلَ وَعَاقَدَ وَالْعَاقِدُ يَمْلِكُ التَّأْجِيلَ وَالْإِبْرَاءَ عَنْ الثَّمَنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -
стр. 3138
كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ إذَا أَبْرَأَ الْمُشْتَرِيَ عَنْ الثَّمَنِ يَجُوزُ عِنْدَهُمَا وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ.
(رَجُلٌ) لَهُ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ فَأَرَادَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ أَنْ يَتَحَوَّلَ الْمَالُ الَّذِي عَلَيْهِ لِرَجُلٍ آخَرَ فَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَقُولَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَتَحَوَّلَ الْمَالُ لَهُ: بِعْ عَبْدَك هَذَا أَوْ مَتَاعَك هَذَا مِنْ فُلَانٍ الطَّالِبِ بِالْأَلْفِ الَّتِي لَهُ عَلَيَّ، فَإِذَا بَاعَ الْمَأْمُورُ عَبْدَهُ مِنْ صَاحِبِ الْمَالِ بِالْمَالِ الَّذِي لَهُ عَلَى فُلَانٍ وَقَبِلَ صَاحِبُ الْمَالِ الْبَيْعَ مِنْ صَاحِبِ الْعَبْدِ يَتَحَوَّلُ الدَّيْنُ وَيَصِيرُ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَهَذَا لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا يَتَعَيَّنَانِ فِي الْعَقْدِ عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمِثْلِهَا دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ: بِعْ عَبْدَك مِنْ فُلَانٍ بِمِثْلِ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَيَّ، ثُمَّ اجْعَلْ ثَمَنَهُ قِصَاصًا بِمَالِهِ عَلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ وَذَلِكَ جَائِزٌ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَحَوَّلُ الْمَالُ إلَى صَاحِبِ الْعَبْدِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ذَكَرَهَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَذَكَرَ هُنَاكَ حِيلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا مَا ذَكَرْنَا وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَأْمُرَ الْمَدْيُونُ ذَلِكَ الرَّجُلَ حَتَّى يُصَالِحَ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي لِلطَّالِبِ عَلَى الْمَطْلُوبِ عَلَى عَبْدِهِ هَذَا، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ صَارَ الْمَالُ عَلَى الْمَطْلُوبِ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ غَيْرَ أَنَّ فِي فَصْلِ الصُّلْحِ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ بِالْعَبْدِ لَا بِبَدَلِهِ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ إذَا أُضِيفَ إلَى دَيْنٍ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِهِ لَا بِمِثْلِهِ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ وَلِهَذَا إذَا صَالَحَهُ عَلَى دَيْنٍ، ثُمَّ تَصَادَفَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَبْطُلُ الصُّلْحُ وَإِذَا حَصَلَ الصُّلْحُ بِالْعَبْدِ وَقَعَ الْقَضَاءُ بِعَيْنِ الْعَبْدِ وَصَارَ الْمَدْيُونُ مُسْتَقْرِضًا مِنْ الْمَأْمُورِ عَبْدَهُ وَاسْتِقْرَاضُ الْعَبْدِ يُوجِبُ الْقِيمَةَ.
أَمَّا فِي بَابِ الْبَيْعِ الْعَقْدُ لَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الدَّيْنِ بَلْ بِمِثْلِهِ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى رَبُّ الدَّيْنِ مِنْ الْمَدْيُونِ شَيْئًا بِمَا لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ، ثُمَّ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ لَا دَيْنَ لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ وَلَمَّا كَانَ هَكَذَا صَارَ الْمَأْمُورُ قَابِضًا دَيْنَ الْآمِرِ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ كَأَنَّهُ بَاعَ الْعَبْدَ بِدَرَاهِمَ، ثُمَّ جَعَلَ ثَمَنَهُ قِصَاصًا بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْآمِرِ لِلْمُشْتَرِي، وَلَوْ كَانَ هَكَذَا رَجَعَ الْمَأْمُورُ عَلَى الْآمِرِ بِثَمَنِ الْعَبْدِ وَهُوَ مِثْلُ الدَّيْنِ كَذَا هُنَا وَلَوْ أَنَّ الْمَطْلُوبَ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الطَّالِبُ ذَلِكَ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَشْتَرِيَ الطَّالِبُ الْعَبْدَ أَوْ الْمَتَاعَ مِنْ مَوْلَاهُ بِالْأَلْفِ دِرْهَمٍ مُطْلَقَةً وَلَا يَقُولُ بِالْأَلْفِ الَّتِي لَهُ عَلَى فُلَانٍ الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ فِي هَذَا تَمْلِيكُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَلَكِنْ يَشْتَرِي بِالْأَلْفِ مُطْلَقَةً، ثُمَّ يُحِيلُ بِهَا الْبَائِعُ عَلَى الْمَدْيُونِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ الدَّيْنُ لِلْبَائِعِ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ الْحَوَالَةَ هَلْ يَتِمُّ قَالَ لَا؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْمُطَالَبَةِ وَلَا تَتَحَوَّلُ الْمُطَالَبَةُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِرِضَاهُ فَإِنْ طَلَبَ حِيلَةً يَصِيرُ ذَلِكَ الْمَالُ لِلْبَائِعِ مِنْ غَيْرِ حَوَالَةٍ فَالْوَجْهُ مَا ذَكَرْنَا أَنْ يُقِرَّ الطَّالِبُ بِالدَّيْنِ لِبَائِعِهِ وَيُوَكِّلَهُ بِقَبْضِهِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ صَاحِبُ الْعَبْدِ يُبْرِئُهُ عَنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ وَإِذَا خَافَ الْمُقَرُّ لَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ عَنْ الْوَكَالَةِ فَالْوَجْهُ مَا قَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَيْضًا، فَإِنْ قَالَ: الْمُقَرُّ لَهُ بِالدَّيْنِ وَهُوَ الْبَائِعُ إذَا أَبْرَأْته عَنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ لَا آمَنُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي قَبْضِ هَذَا الدَّيْنِ وَيُحَلِّفَنِي عَلَيْهِ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكْتُبَ إقْرَارَ الطَّالِبِ بِذَلِكَ الدَّيْنِ لِلْمُقَرِّ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا وَيَكْتُبَ فِيهِ أَيْضًا إقْرَارَ الطَّالِبِ بِذَلِكَ وَهُوَ الْمُقِرُّ إنِّي ادَّعَيْتُ عَلَى فُلَانٍ الْمُقَرِّ لَهُ عِنْدَ قَاضٍ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ وَكِيلِي فِي قَبْضِ هَذَا الدَّيْنِ وَحَلَّفْتُهُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَمِينَ لِي عَلَيْهِ بَعْدَ هَذَا فِي هَذِهِ الدَّعْوَى، فَإِذَا أَقَرَّ بِهَذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ وَلَا عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ بَعْدَ ذَلِكَ سَبِيلٌ.
(رَجُلٌ) لَهُ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ فَسَأَلَ الْمَطْلُوبُ الطَّالِبَ أَنْ يُؤَجِّلَ لَهُ هَذَا الْمَالَ إلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ أَوْ يُنَجِّمَهُ عَلَيْهِ فَأَجَابَهُ الطَّالِبُ إلَى ذَلِكَ فَخَافَ الْمَطْلُوبُ أَنْ يَحْتَالَ عَلَيْهِ الطَّالِبُ فَيُقِرُّ بِالْمَالِ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ يُؤَجِّلُهُ أَوْ يُنَجِّمُهُ فَلَا يَجُوزُ تَأْجِيلُهُ وَلَا تَنْجِيمُهُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَطَلَبَ حِيلَةً حَتَّى يَصِحَّ تَأْجِيلُهُ وَتَنْجِيمُهُ عِنْدَ الْكُلِّ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقِرَّ الطَّالِبُ أَنَّ هَذَا الْمَالَ حِينَ وَجَبَ عَلَى هَذَا الْمَطْلُوبِ، إنَّمَا وَجَبَ مُؤَجَّلًا إلَى وَقْتِ كَذَا، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُنَجِّمَهُ عَلَيْهِ يُقِرُّ الطَّالِبُ أَنَّ هَذَا
стр. 3139
الْمَالَ حِينَ وَجَبَ عَلَى الْمَطْلُوبِ، إنَّمَا وَجَبَ مُنَجَّمًا إلَى وَقْتِ كَذَا وَيَصِفُ النُّجُومَ وَهَذَا لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ هَلْ يَمْلِكُ التَّأْجِيلَ وَالتَّنْجِيمَ بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ الْبَيْعَ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وَمُنَجَّمٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقِرَّ الطَّالِبُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمْ يُجَوِّزْ التَّأْجِيلَ وَالتَّنْجِيمَ بَعْدَ مَا ثَبَتَ الدَّيْنُ مُطْلَقًا وَجَوَّزَ الْإِقْرَارَ بِوُجُوبِ الْمَالِ مُؤَجَّلًا وَمُنَجَّمًا مِنْ الْأَصْلِ وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَالُوا فِي الدَّيْنِ إذَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُؤَجِّلَ فِي نَصِيبِهِ وَأَبَى الْآخَرُ لَا يَجُوزُ هَذَا التَّأْجِيلُ أَصْلًا، فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا هَذَا الدَّيْنُ حِينَ وَجَبَ وَجَبَ مُؤَجَّلًا وَأَنْكَرَ الْآخَرُ ثَبَتَ التَّأْجِيلُ فِي نَصِيبِ الْمُقِرِّ وَكَذَلِكَ حَدُّ الْقَذْفِ إذَا وَجَبَ عَلَى الْقَاذِفِ فَأَرَادَ الْمَقْذُوفُ أَنْ يَعْفُوَ لَا يَعْمَلُ عَفَوْهُ وَلَوْ قَالَ الْمَقْذُوفُ: كُنْتُ مُبْطِلًا فِي دَعْوَايَ سَقَطَ الْحَدُّ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِسَبَبِ الشَّيْءِ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَقَرَّ وَمَنْ أَرَادَ بِإِقْرَارِهِ تَغْيِيرَ سَبَبٍ قَدْ صَحَّ لَا يَعْمَلُ إقْرَارُهُ فَكَذَا فِي مَسْأَلَتِنَا قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهَذَا إذَا كَانَ الْأَجَلُ مُتَعَارَفًا فَأَمَّا إذَا كَانَ أَجَلًا يُخَالِفُ عُرْفَ النَّاسِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ إذَا بَاعَ بِأَجَلٍ يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَيْفَمَا كَانَ، وَعِنْدَهُمَا يَصِحُّ مِنْ التَّأْجِيلِ مَا كَانَ مُتَعَارَفًا وَيَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ الطَّالِبُ لِلْمَطْلُوبِ أَيْضًا مَا يَبْدُو لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ دَرْكٍ مِنْ قِبَلِهِ وَبِأَسْبَابِهِ مِنْ إقْرَارٍ وَتَلْجِئَةٍ وَهِبَةٍ وَتَمْلِيكٍ وَتَوْكِيلٍ وَحَدَثٍ إنْ كَانَ أَحْدَثَهُ فِي هَذَا الْمَالِ يَبْطُلُ بِهِ التَّأْجِيلُ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ فُلَانٌ فَهُوَ ضَامِنٌ حَتَّى يُخَلِّصَهُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مَا يَلْزَمُهُ احْتَالَا بِهَذِهِ الْحِيلَةِ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ قَدْ كَانَ الطَّالِبُ أَقَرَّ لَهُ بِالْمَالِ قَبْلَ التَّأْجِيلِ فَأَخَذَ الْمَطْلُوبُ بِالْمَالِ وَكَذَّبَهُ فِي التَّأْجِيلِ لَا يَثْبُتُ التَّأْجِيلُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَكِنْ يَكُونُ لِلْمَطْلُوبِ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الطَّالِبِ بِمَا ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمِنَ لَهُ مَا يَلْحَقُهُ مِنْ دَرْكٍ وَقَدْ لَحِقَهُ الدَّرْكُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ فَإِمَّا أَنْ يُخَلِّصَهُ الطَّالِبُ، وَإِمَّا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا ضَمِنَ فَيَكُونُ عَلَيْهِ إلَى وَقْتِ أَجَلِهِ وَتَنْجِيمِهِ.
(رَجُلٌ) لَهُ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ فَمَاتَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ فَسَأَلَ الْوَارِثُ صَاحِبَ الْمَالِ أَنْ يَضْمَنَهُ هَذَا الْمَالَ إلَى أَجَلٍ يَعْنِي يُؤَجِّلُ هَذَا الْمَالَ قَالَ: لَا يَجُوزُ التَّأْجِيلُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا تُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَةِ الْخَصَّافِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ لَا ذِكْرَ لَهَا فِي الْمَبْسُوطِ وَلَكِنْ ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ الْمَالُ إذَا مَاتَ حَلَّ الْأَجَلُ بِمَوْتِهِ وَذَكَرَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْفَصْلَ هُنَاكَ وَقَالَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَجَلُ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْوَارِثِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَيْسَ عَلَيْهِ فَلَا يَثْبُتُ الْأَجَلُ فِي حَقِّهِ فَبَعْدَ هَذَا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَثْبُتَ الْأَجَلُ لِلْمَيِّتِ أَوْ يَثْبُتَ فِي الْمَالِ لَا وَجْهَ أَنْ يَثْبُتَ لِلْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ قَدْ سَقَطَ عَنْ ذِمَّتِهِ بِالْمَوْتِ فَكَيْفَ يَعُودُ الْأَجَلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَجَلَ الثَّابِتَ لِهَذَا الشَّخْصِ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ فَكَيْفَ يَثْبُتُ الْأَجَلُ لَهُ ابْتِدَاءً بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَا جَائِزَ أَنْ يَثْبُتَ فِي الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنٌ وَالْأَعْيَانُ لَا تَقْبَلُ الْآجَالَ فَلِذَلِكَ قُلْنَا: إنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْأَجَلُ وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ الْأَجَلُ وَرَدُّوا هَذَا إلَى مَسْأَلَةٍ وَهِيَ أَنَّ غَرِيمَ الْمَيِّتِ إذَا أَبْرَأَ الْمَيِّتَ عَنْ الدَّيْنِ فَرَدَّهُ الْوَارِثُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَعْمَلُ رَدُّهُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَيْسَ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَعْمَلُ رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَطْلُوبُ بِالدَّيْنِ فَلَمَّا عَمِلَ رَدَّهُ وَجُعِلَ كَأَنَّ الدَّيْنَ عَلَيْهِ عَمِلَ أَيْضًا الْأَجَلُ وَيَثْبُتُ فِي حَقِّهِ هَكَذَا قَالُوا: وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ عَلَى الِاتِّفَاقِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
ثُمَّ إذَا كَانَ لَا يَثْبُتُ الْأَجَلُ فِي حَقِّ الْوَارِثِ مَا الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ قَالَ الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقِرَّ الْوَارِثُ إنِّي قَدْ كُنْتُ ضَمِنْتُ هَذَا الْمَالَ عَنْ الْمَيِّتِ فِي حَيَاتِهِ لِفُلَانٍ إلَى وَقْتِ كَذَا
стр. 3140
وَيُقِرَّ هَذَا الطَّالِبُ أَنَّ هَذَا الْمَالَ كَانَ مُؤَجَّلًا عَلَى الْمَيِّتِ وَعَلَى كَفِيلِهِ هَذَا إلَى هَذَا الْوَقْتِ وَيُقِرَّ الطَّالِبُ أَيْضًا أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى هَذَا الْوَارِثِ شَيْءٌ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ، فَإِذَا أَقَرَّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَحِينَئِذٍ يَبْقَى الْمَالُ عَلَى الْوَارِثِ مُؤَجَّلًا، وَإِنَّمَا كَانَ هَكَذَا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ، وَإِنْ سَقَطَ فِي حَقِّ الْأَصْلِ بِمَوْتِهِ لَكِنْ لَا يَسْقُطُ فِي حَقِّ الْكَفِيلِ فَيَبْقَى عَلَى الْوَارِثِ مُؤَجَّلًا هَكَذَا ذَكَرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَيُقِرُّ الطَّالِبُ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى هَذَا الْوَارِثِ شَيْءٌ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ قَدْ حَلَّ عَلَى الْأَصِيلِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ وَيَأْخُذَهُ أَيْنَمَا وُجِدَ فَيُقِرُّ هَكَذَا حَتَّى يَكُونَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْوَارِثِ قَالَ فِي الْكِتَابِ وَلَا يُقِرُّ أَنَّهُ مَاتَ مُفْلِسًا وَضَمِنَ الْوَارِثُ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَكِنْ يُقِرُّ أَنَّهُ كَانَ ضَمِنَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْكَفَالَةَ بِالدَّيْنِ عَنْ مَيِّتٍ مُفْلِسٍ لَا تَصِحُّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَحَرَّزَ عَنْهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
[الْفَصْلُ السَّابِعَ عَشَرَ فِي الْإِجَارَاتِ]
(الْفَصْلُ السَّابِعَ عَشَرَ فِي الْإِجَارَاتِ) قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي إجَارَاتِ الْأَصْلِ رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ مِنْ آخَرَ حَمَّامًا وَشَرَطَ رَبُّ الْحَمَّامِ الْمَرَمَّةَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ قَدْرَ الْمَرَمَّةِ يَصِيرُ أَجْرًا وَإِنَّهُ مَجْهُولٌ، وَإِنْ أَرَادَ الْحِيلَةَ فِي ذَلِكَ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى قَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْمَرَمَّةِ وَيَضُمَّ ذَلِكَ إلَى الْأُجْرَةِ، ثُمَّ يَأْمُرَ صَاحِبُ الْحَمَّامِ الْمُسْتَأْجِرَ بِصَرْفِ مَا ضَمَّ إلَى الْأَجْرِ لِلْمَرَمَّةِ إلَى الْمَرَمَّةِ، حَتَّى إنَّهُ إذَا كَانَ الْأَجْرُ عَشْرَةً وَالْقَدْرُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْمَرَمَّةِ أَيْضًا عَشْرَةٌ فَصَاحِبُ الْحَمَّامِ يُؤَاجِرُ الْحَمَّامَ مِنْهُ بِعِشْرِينَ وَيَأْمُرُ بِصَرْفِ الْعَشَرَةِ إلَى الْمَرَمَّةِ فَيَصِيرُ الْمُسْتَأْجِرُ وَكِيلًا مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الْحَمَّامِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَإِنَّهُ مَعْلُومٌ فَيَجُوزُ وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ: هَذِهِ الْحِيلَةُ مُسْتَقِيمَةٌ عَلَى قَوْلِهِمَا غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ دَيْنٌ وَقَدْ أَمَرَهُ بِالصَّرْفِ إلَى الْمَجْهُولِ وَهُوَ بَائِعٌ آلَاتِ الْمَرَمَّةِ وَالْأَجْرُ مَجْهُولٌ وَإِنَّهُ يَمْنَعُ جَوَازَ الْوَكَالَةِ عَلَى قَوْلِهِ كَمَا إذَا قَالَ صَاحِبُ الدَّيْنِ لِلْمَدْيُونِ أَسْلِمْ مَا لِي عَلَيْك فِي كَذَا أَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي بِمَا لِي عَلَيْكَ كَذَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا بَلْ هَذِهِ الْحِيلَةُ مُسْتَقِيمَةٌ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّةِ بَعْضُهُمْ قَالُوا حَالَةُ التَّوْكِيلِ الْأُجْرَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ لِيَكُونَ أَمْرًا بِصَرْفِ الدَّيْنِ إلَى الْمَجْهُولِ وَهُوَ الْمَانِعُ مِنْ الْوَكَالَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَمَرَهُ بِهَذَا قَبْلَ الْإِجَارَةِ جَازَتْ الْوَكَالَةُ، وَإِنَّمَا جَارَتْ لِمَا قُلْنَا بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ السَّلَمِ؛ لِأَنَّ الدِّينَ هُنَاكَ وَاجِبٌ وَقْتَ الْوَكَالَةِ، فَإِذَا وَكَّلَهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْمُسْلِمُ إلَيْهِ فَقَدْ أَمَرَهُ بِصَرْفِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ إلَى الْمَجْهُولِ فَلَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: ادْفَعْ مَا لِي عَلَيْك إلَى رَجُلٍ مِنْ عَرَضِ النَّاسِ أَمَّا هَهُنَا فَبِخِلَافِهِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْأُجْرَةُ وَاجِبَةً وَقْتَ التَّوْكِيلِ يَجِبُ أَنْ لَا يَجُوزَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا لَمْ يُعَيِّنْ الْأَجْرَ وَبَاعَهُ الْآلَاتِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ السَّلَمِ.
وَبَعْضُهُمْ قَالُوا: إنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا لَا يُجَوِّزُ التَّوْكِيلَ بِصَرْفِ الدَّيْنِ إذَا كَانَ الْمَصْرُوفُ إلَيْهِ مَجْهُولًا أَمَّا إذَا كَانَ مَعْلُومًا فَلَا أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ مِنْ آخَرَ دَابَّةً أَوْ غُلَامًا وَأَمَرَ الْآجِرُ الْمُسْتَأْجِرَ أَنْ يُنْفِقَ بَعْضَ الْأُجْرَةِ فِي عَلَفِ الدَّابَّةِ وَنَفَقَةِ الْغُلَامِ يَجُوزُ لَمَّا كَانَ مَحِلُّ الصَّرْفِ وَهُوَ الْغُلَامُ وَالدَّابَّةُ مَعْلُومًا وَهَهُنَا مَحِلُّ الصَّرْفِ وَهُوَ مَرَمَّةُ الْحَمَّامِ مَعْلُومٌ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ السَّلَمِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ مَحِلُّ الصَّرْفِ وَالْمَدْفُوعُ إلَيْهِ مَجْهُولٌ حَتَّى لَوْ كَانَ مَعْلُومًا بِأَنْ قَالَ: أَسْلِمْ مَا لِي عَلَيْك مِنْ الدَّيْنِ إلَى فُلَانٍ وَعَيَّنَهُ يَجُوزُ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِنْ قَالَ الْمُسْتَأْجِرُ: قَدْ رَمَمْتُ الْحَمَّامَ بِهَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَشْهَدَ رَبُّ الْحَمَّامِ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ مُصَدَّقٌ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الْإِنْفَاقِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ إلَّا بِحُجَّةٍ يَعْنِي أَشْهَدَ وَقْتَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ وَوَقْتَ
стр. 3141
اشْتِرَاطِ الْمَرَمَّةِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ مُصَدَّقٌ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الْإِنْفَاقِ بَعْدَ ذَلِكَ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ بِدَعْوَى الْإِنْفَاقِ يَدَّعِي إيفَاءَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْرِ وَرَبُّ الْحَمَّامِ يُنْكِرُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لِرَبِّ الْحَمَّامِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُسْتَأْجِرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَى كَمَا لَوْ ادَّعَى الْإِيفَاءَ حَقِيقَةً وَالْحِيلَةُ لِلْمُسْتَأْجِرِ حَتَّى يُقْبَلَ قَوْلُهُ فِي دَعْوَى مَا أَنْفَقَ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ أَنْ يُعَجِّلَ الْمُسْتَأْجِرُ مِقْدَارَ الْمَرَمَّةِ وَيَدْفَعَهُ إلَى صَاحِبِ الْحَمَّامِ، ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْحَمَّامِ يَدْفَعُ ذَلِكَ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَيَأْمُرُهُ بِإِنْفَاقِ ذَلِكَ فِي مَرَمَّةِ الْحَمَّامِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي إنْفَاقِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ بِالتَّعْجِيلِ يَصِيرُ الْمُعَجَّلُ مِلْكًا لِصَاحِبِ الْحَمَّامِ، فَإِذَا دَفَعَ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ بَعْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ الْمُسْتَأْجِرُ أَمِينًا فِيهِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَمِينِ فِي صَرْفِ الْأَمَانَةِ إلَى مَصْرِفِهَا.
(وَحِيلَةٌ أُخْرَى لِإِسْقَاطِ الْبَيِّنَةِ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ) أَنْ يَجْعَلَا مِقْدَارَ الْمَرَمَّةِ فِي يَدِ عَدْلٍ حَتَّى يَكُونَ الْقَوْلُ لِلْعَدْلِ فِيمَا يُنْفِقُ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ أَمِينٌ وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ مِنْ آخِرِ عَرْصَةِ دَارٍ بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً وَأَذِنَ لَهُ رَبُّ الدَّارِ أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا كَذَا وَكَذَا وَيَحْسِبُ لَهُ مَا أَنْفَقَ فِي الْبِنَاءِ مِنْ الْأَجْرِ فَهَذَا جَائِزٌ.
أَلَا تَرَى إلَى مَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَنْ اسْتَأْجَرَ حَمَّامًا وَوَكَّلَهُ رَبُّ الْحَمَّامِ أَنْ يَرُمَّ مَا اسْتَرَمَّ مِنْ الْحَمَّامِ وَيَحْسِبُ لَهُ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْرِ يَجُوزُ وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ وَأَنْفَقَ فِي الْبِنَاءِ اسْتَوْجَبَ عَلَى الْآجِرِ قَدْرَ مَا أَنْفَقَ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ بِأَمْرِهِ وَالْأَجْرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دَيْنٌ فَيَلْتَقِيَانِ قِصَاصًا إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَضْلٌ وَيَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَضْلٌ وَيَكُونُ الْبِنَاءُ لِصَاحِبِ الْعَرْصَةِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَذْكُرْ صَاحِبُ الْحَمَّامِ الْمُحَاسَبَةَ مِنْ الْأَجْرِ إنَّمَا أَمَرَهُ بِالْبِنَاءِ لَا غَيْرُ بِأَنْ قَالَ ابْنِ فِيهَا كَذَا وَكَذَا وَلَمْ يَقُلْ أُحَاسِبُك بِمَا أَنْفَقْت فِي الْبِنَاءِ مِنْ الْأَجْرِ فَبَنَى فِيهَا فَالْبِنَاءُ لِمَنْ يَكُونُ؟ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْبِنَاءُ يَكُونُ لِصَاحِبِ الْعَرْصَةِ وَاسْتُدِلَّ بِمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ أَنَّ مَنْ آجَرَ مِنْ آخَرَ حَمَّامًا وَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الْحَمَّامِ: رُمَّ مَا اسْتَرَمَّ فَفَعَلَ فَالْعِمَارَةُ تَكُونُ لِصَاحِبِ الْحَمَّامِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَكُونُ لِلْمُسْتَأْجِرِ وَاسْتُدِلَّ بِمَا ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ أَنَّ مَنْ اسْتَعَارَ مِنْ آخَرَ دَارًا أَوْ بَنَى فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّ الدَّارِ أَنَّ الْبِنَاءَ يَكُونُ لِلْمُسْتَعِيرِ، ثُمَّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْبِنَاءَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَكُونُ لِلْمُسْتَأْجِرِ لَا يَكُونُ لِلْمُسْتَأْجِرِ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْآجِرِ بِمَا أَنْفَقَ فِي الْبِنَاءِ، فَإِنْ خَافَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنَّهُ لَوْ بَنَى وَانْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ قَبْلَ تَمَامِ هَذِهِ السِّنِينَ رُبَّمَا يَرْفَعُ الْأَمْرَ إلَى قَاضٍ لَا يَرَى لَهُ حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَى الْآجِرِ بِمَا أَنْفَقَ فِي الْبِنَاءِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَمَا هُوَ قَوْلُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا فَتَذْهَبُ نَفَقَتُهُ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ وَطَلَبَ لِذَلِكَ حِيلَةً فَالْحِيلَةُ أَنْ يَقُولَ لِصَاحِبِ السَّاحَةِ حِينَ يَأْمُرُهُ بِالْإِنْفَاقِ فِي الْبِنَاءِ وَأُحَاسِبُك بِمَا أَنْفَقْت فِي الْبِنَاءِ مِنْ الْأُجْرَةِ فَيَكُونُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْآجِرِ بِمَا أَنْفَقَ بِالْإِنْفَاقِ مَتَى انْقَضَتْ الْإِجَارَةُ قَبْلَ تَمَامِ هَذِهِ السِّنِينَ.
(وَحِيلَةٌ أُخْرَى) أَنْ يَنْظُرَ إلَى مِقْدَارِ هَذِهِ النَّفَقَةِ كَمْ يَكُونُ وَيَضُمَّ ذَلِكَ إلَى أَجْرِ الدَّارِ فِي السَّنَةِ الْأَخِيرَةِ وَيَجْعَلَ الْكُلَّ أَجْرَ السَّنَةِ الْأَخِيرَةِ، ثُمَّ يُقِرَّ رَبُّ الدَّارِ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ أَسْلَفَهُ أَيْ عَجَّلَهُ مِنْ أُجْرَةِ السَّنَةِ الْأَخِيرَةِ كَذَا وَكَذَا وَقَبَضَ ذَلِكَ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ حَتَّى إذَا انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ قَبْلَ مُضِيِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ فَالْمُسْتَأْجِرُ يَرْجِعُ عَلَى الْآجِرِ بِمَا أَقَرَّ أَنَّهُ أَسْلَفَ مِنْ أُجْرَةِ السَّنَةِ الْأَخِيرَةِ، وَإِنْ تَمَّتْ الْإِجَارَةُ حَصَلَ مَقْصُودُ الْمُسْتَأْجِرِ وَلَا يَكُونُ لَهُ عَلَى صَاحِبِ السَّاحَةِ سَبِيلٌ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ فَإِنْ خَافَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ الْمُؤَاجِرُ بِاَللَّهِ لَقَدْ أَسْلَفْته كَذَا وَكَذَا وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْلِفَ لَا بُدَّ مِنْ حِيلَةٍ أُخْرَى فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ الْمُسْتَأْجِرُ شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ الْمُؤَاجِرِ بِقَدْرِ النَّفَقَةِ وَيَدْفَعَ ذَلِكَ الشَّيْءَ إلَيْهِ، فَإِنْ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ قَبْلَ مُضِيِّ هَذِهِ السِّنِينَ فَالْمُسْتَأْجِرُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِثَمَنِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ لَهُ عَلَى الْمُؤَاجِرِ هَذَا الْقَدْرَ؛ لِأَنَّهُ جَرَتْ الْمُبَايَعَةُ بَيْنَهُمَا بِهَذَا الْقَدْرِ.
(وَإِذَا) أَرَادَ الرَّجُلُ
стр. 3142
أَنْ يُؤَاجِرَ أَرْضًا لَهُ فِيهَا زَرْعٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا حِيلَةٌ إلَّا خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ أَنْ يَبِيعَهُ الزَّرْعَ، ثُمَّ يُؤَاجِرَهُ الْأَرْضَ؛ لِأَنَّ شَرْطَ جَوَازِ عَقْدِ الْإِجَارَةِ أَنْ يَتَمَكَّنَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْأَرْضِ بَعْدَ الْإِجَارَةِ وَإِذَا بَاعَهُ الزَّرْعَ ثُمَّ آجَرَهُ الْأَرْضَ فَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ يَرَى زَرْعَهُ فِيهَا وَإِذَا لَمْ يَبِعْهُ الزَّرْعَ لَا يَتَمَكَّنُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا وَهِيَ مَشْغُولَةٌ بِزَرْعِ الْآجِرِ وَلَا يُمْكِنُهُ التَّسْلِيمُ إلَّا بِقَلْعِ زَرْعِهِ وَفِيهِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ عَلَيْهِ فَلِهَذَا كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ أَشْجَارٌ أَوْ بِنَاءٌ فَأَرَادَ أَنْ يُؤَاجِرَهَا مِنْهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْأَشْجَارَ أَوْ الْبِنَاءَ مِنْهُ أَوَّلًا، ثُمَّ يُؤَاجِرَ الْأَرْضَ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
(رَجُلٌ) أَرَادَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ أَرْضًا وَفِيهَا زَرْعُ صَاحِبِ الْأَرْضِ لَا يَجُوزُ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فِي تَعْلِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ آجَرَ أَرْضًا لَا يُمْكِنُ لِلْمُسْتَأْجِرِ الِانْتِفَاعُ بِهَا وَصَارَ كَمَا لَوْ آجَرَ أَرْضًا سَبْخَةً أَوْ أَرْضًا نَزَّةً وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ، إنَّمَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ يَدَ رَبِّ الْأَرْضِ قَائِمَةٌ عَلَى الْأَرْضِ حُكْمًا لِكَوْنِ الْأَرْضِ مَشْغُولَةً بِالزَّرْعِ الَّذِي هُوَ مِلْكُهُ وَقَدْ آجَرَ مَا لَا يَقْدِرُ الْمُؤَاجِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَصِحُّ، فَإِنْ طَلَبَ الْحِيلَةَ فِي ذَلِكَ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَ رَبُّ الْأَرْضِ الزَّرْعَ مِنْ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ أَوَّلًا ثُمَّ يُؤَاجِرَهُ الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ بِالْبَيْعِ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْمُسْتَأْجِرِ فَالْمُسْتَأْجِرُ يَنْتَفِعُ بِالْأَرْضِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَنْمُو زَرْعُهُ بِهَا فَقَدْ آجَرَ مَا يَقْدِرُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَلِأَنَّ الزَّرْعَ إذَا صَارَ مَمْلُوكًا لِلْمُسْتَأْجِرِ فَقَدْ زَالَ يَدُ الْآجِرِ عَنْ الْأَرْضِ حُكْمًا وَحَقِيقَةً فَقَدْ آجَرَ مَا يَقْدِرُ الْمُؤَاجِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَيَصِحُّ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنَّمَا تَصِحُّ إجَارَةُ الْأَرْضِ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ إذَا كَانَ بَيْعُ الزَّرْعِ بَيْعَ رَغْبَةٍ وَجِدٍّ أَمَّا إذَا كَانَ بَيْعَ هَزْلٍ وَتَلْجِئَةٍ فَلَا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بَيْعَ هَزْلٍ فَالزَّرْعُ لَا يَزُولُ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ فَيَبْقَى الْحَالُ بَعْدَ بَيْعِ الزَّرْعِ كَالْحَالِ قَبْلَهُ، وَعَلَامَةُ كَوْنِ هَذَا الْبَيْعِ بَيْعَ رَغْبَةٍ وَجِدٍّ أَنْ يَكُونَ بَيْعُ الزَّرْعِ بِقِيمَتِهِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ قَدْرَ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ.
وَعَلَامَةُ كَوْنِهِ بَيْعَ هَزْلٍ أَنْ يَكُونَ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الزَّرْعِ مِقْدَارِ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ إذَا كَانَ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ مِقْدَارِ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ فَهُوَ بَيْعُ رَغْبَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَتَجُوزُ الْإِجَارَةُ، وَعِنْدَهُمَا بَيْعُ هَزْلٍ فَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ وَبَعْضُهُمْ قَالُوا: هَذَا الْبَيْعُ إذَا كَانَ بِأَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ فَهُوَ بَيْعُ جِدٍّ بِالِاتِّفَاقِ فَلَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْإِجَارَةِ، وَبَيَانُ كَوْنِهِ بَيْعَ جِدٍّ أَنَّهُمَا قَصَدَا صِحَّةَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ وَلَا صِحَّةَ لَهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ بَيْعُ الزَّرْعِ جِدًّا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا بَاشَرَاهُ جِدًّا تَحْقِيقًا لِغَرَضِهِمَا.
(وَإِذَا) آجَرَ الرَّجُلُ أَرْضَهُ مِنْ رَجُلٍ وَشَرَطَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ خَرَاجَهَا مَعَ الْأَجْرِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ قَدْ يَنْتَقِصُ وَقَدْ يَزْدَادُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ آجَرَ دَارِهِ سَنَةً بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ وَمَرَمَّتِهَا وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَرَمَّةَ مَجْهُولَةٌ فَتَصِيرُ الْأُجْرَةُ مَجْهُولَةً وَلِأَنَّ خَرَاجَ الْأَرْضِ عَلَى مَالِكِ الْأَرْضِ فَإِذَا شَرَطَهُ مَالِكُهَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ صَارَ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ قَالَ لِلْمُسْتَأْجِرِ: آجَرْتُك أَرْضِي هَذِهِ سَنَةً بِكَذَا دِرْهَمًا عَلَى أَنْ تَحْتَالَ عَنِّي لِلسُّلْطَانِ بِالْخَرَاجِ الَّذِي يَلْزَمُ عَلَيَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَوْ قَالَ هَكَذَا لَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ عَقْدَ إجَارَةٍ شُرِطَ فِيهِ حَوَالَةُ دَيْنٍ فَيَفْسُدُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ، ثُمَّ الْحِيلَةُ فِي أَنْ تَجُوزَ هَذِهِ الْإِجَارَةُ وَلَا تَفْسُدَ أَنْ يُؤَاجِرَهَا إيَّاهُ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ وَيَزِيدَ فِي الْأُجْرَةِ قَدْرَ مَا يَرَى أَنَّهُ يَلْزَمُ الْأَرْضَ مِنْ الْخَرَاجِ وَيُؤَاجِرَهَا بِجَمِيعِ ذَلِكَ وَيُشْهِدَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ مِنْ أَجْرِ الْأَرْضِ فِي خَرَاجِهَا كَذَا دِرْهَمًا وَهَذَا وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ وَقَعَتْ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ فَصَحَّتْ، ثُمَّ الْآجِرُ فَوَّضَ أَدَاءَ الْخَرَاجِ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ مِنْ الْأَجْرِ فَيَكُونُ الْمُسْتَأْجِرُ وَكِيلًا لِلْآجِرِ بِأَدَاءِ الْأُجْرَةِ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ عَلَيْهِ فَيَصِحُّ التَّفْوِيضُ وَهَذَا كَمَا قَالُوا فِي
стр. 3143
مَرَمَّةِ الدَّارِ أَنَّهُ إذَا آجَرَ دَارِهِ مِنْ رَجُلٍ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ وَأَمَرَهُ الْآجِرُ أَنْ يَرُمَّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ مَا اسْتَرَمَّ فِيهَا مِنْ أَجْرِ الدَّارِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ التَّفْوِيضُ وَعَقْدُ الْإِجَارَةِ، كَذَا هَذَا، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الْحِيلَةَ ضَعِيفَةٌ فَإِنَّ الْآجِرَ وَالْمُسْتَأْجِرَ إذَا اخْتَلَفَا فِي أَدَاءِ الْأَخْرِجَةِ فَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ: أَدَّيْت أَخْرِجَتَهَا وَمَا هُوَ مِنْ رِيعِهَا وَكَذَّبَهُ الْآجِرُ أَوْ اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الْمُؤَدَّى فَالْقَوْلُ لِلْآجِرِ وَلَا يُصَدَّقُ الْمُسْتَأْجِرُ فِيمَا ادَّعَى مِنْ أَدَاءِ أَخْرِجَتِهَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ ضَمِينٌ غَيْرُ أَمِينٍ، فَهُوَ بِهَذَا يُرِيدُ أَنْ يُبْرِئَ ذِمَّتَهُ عَنْ ضَمَانِ الْأُجْرَةِ وَالْآجِرُ مُنْكَرٌ لِلِاسْتِيفَاءِ فَكَانَ الْقَوْلُ لِلْآجِرِ.
وَكَذَلِكَ فِي مَرَمَّةِ الدَّارِ إذَا اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ لِلْآجِرِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَالْحِيلَةُ الْأَوْثَقُ فِيهَا أَنْ يَدْفَعَ الْمُسْتَأْجِرُ إلَى رَبِّ الْأَرْضِ جَمِيعَ الْأَجْرِ مُعَجَّلًا، ثُمَّ يَدْفَعُ ذَلِكَ رَبُّ الْأَرْضِ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَيُوَكِّلُهُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ عَنْهُ إلَى وُلَاةِ الْخَرَاجِ فَيَكُونُ الْمُسْتَأْجِرُ فِي ذَلِكَ مُصَدَّقًا أَنَّهُ قَدْ أَدَّاهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ يَسْأَلُهَا إيَّاهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَمَّا عَجَّلَ الْأَجْرَ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ الْأَجْرِ بِالتَّعْجِيلِ فَبَعْدَ ذَلِكَ لَمَّا دَفَعَهُ رَبُّ الْأَرْضِ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَوَكَّلَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ إلَى وُلَاةِ الْخَرَاجِ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ أَمِينًا فِي هَذَا الْأَدَاءِ، فَإِذَا قَالَ: أَدَّيْت كَانَ مُصَدَّقًا كَسَائِرِ الْأُمَنَاءِ.
وَهَكَذَا الْجَوَابُ فِي مَرَمَّةِ الدَّارِ إذَا عَجَّلَ الْمُسْتَأْجِرُ الْأُجْرَةَ ثُمَّ الْآجِرُ دَفَعَهَا إلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَوَكَّلَهُ أَنْ يَرُمَّ مِنْ الْأَجْرِ الْمَدْفُوعِ مَا اسْتَرَمَّ مِنْ الدَّارِ فَقَالَ الْمُسْتَأْجِرُ فَعَلْتُ وَأَنْفَقْتُ فَالْقَوْلُ لِلْمُسْتَأْجِرِ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا، ثُمَّ إنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - شَرَطَ أَدَاءَ الْخَرَاجِ إلَى وُلَاةِ الْخَرَاجِ يَعْنِي نَائِبَ السُّلْطَانِ أَوْ مَأْمُورَهُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ أَوْ مَنْ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ إذَا أَدَّى الْخَرَاجَ إلَى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ لَا يَبْرَأُ وَيَضْمَنُ ثَانِيًا، وَكَذَا إذَا أَدَّى إلَى جَابِي الْقَرْيَةِ أَوْ أَمِينِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَائِبِ السُّلْطَانِ وَلَا مَأْمُورٍ فَبِالْأَدَاءِ إلَيْهِ لَا يَبْرَأُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْجَابِي نَائِبَ السُّلْطَانِ أَوْ مَأْمُورَهُ فَحِينَئِذٍ يَبْرَأُ بِالْأَدَاءِ إلَيْهِ.
(وَمِنْ جِنْسِ مَسْأَلَةِ الْخَرَاجِ) مَسْأَلَةٌ ذَكَرَهَا مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي حِيَلِ الْأَصْلِ وَصُورَتُهَا رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً وَشَرَطَ الْعَلَفَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ مَعَ الْأَجْرِ لَا يَجُوزُ وَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ لِأَجْلِ الْعَلَفِ فَيَضُمَّ ذَلِكَ إلَى الْأُجْرَةِ فَيَسْتَأْجِرَهَا الْمُسْتَأْجِرُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، ثُمَّ يُوَكِّلَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ الْمُسْتَأْجِرَ أَنْ يَعْلِفَهَا بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ إلَّا أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الْإِنْفَاقِ فَالْأَحْوَطُ أَنْ يُعَجِّلَ الْمُسْتَأْجِرُ مِقْدَارَ الْعَلَفِ وَيَدْفَعَهُ إلَى الْآجِرِ ثُمَّ يَدْفَعَهُ الْآجِرُ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَيَأْمُرَهُ حَتَّى يُنْفِقَ عَلَى دَابَّتِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ أَجِيرًا وَشَرَطَ طَعَامَ الْأَجِيرِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لَا يَجُوزُ وَالْحِيلَةُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مِقْدَارِ طَعَامِ الْأَجِيرِ وَيَضُمَّ ذَلِكَ إلَى أَجْرِهِ.
(رَجُلٌ) اسْتَأْجَرَ دَارًا مُشَاهَرَةً فَخَافَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنَّهُ إنْ سَكَنَهَا شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ فَإِذَا دَخَلَ مِنْ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ وَهُوَ سَاكِنٌ فِي الدَّارِ أَنْ يَلْزَمَ أَجْرُ جَمِيعِ الشَّهْرِ الدَّاخِلِ فِيهِ فَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مُيَاوَمَةً كُلَّ يَوْمٍ بِكَذَا فَمَتَى شَاءَ فَرَّغَهَا وَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا كِرَاءُ مَا سَكَنَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ إذَا دَخَلَ مِنْ الشَّهْرِ الْآخَرِ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ وَهُوَ سَاكِنٌ فِي الدَّارِ أَنْ يَلْزَمَهُ أَجْرُ جَمِيعِ الشَّهْرِ حَقِيقَةَ الْأَجْرِ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ لَا يَجِبُ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ الشَّهْرِ وَلَكِنْ أَرَادَ بِهِ إذَا دَخَلَ الشَّهْرُ يَلْزَمُهُ إجَارَةُ ذَلِكَ الشَّهْرِ، وَفِي جَامِعِ الْفَتَاوَى وَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا وَأَرَادَ أَنْ لَا تُنْتَقَضَ بِمَوْتِ الْمُؤَاجِرِ يُقِرُّ الْمُؤَاجِرُ أَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ لِفُلَانٍ عَشْرَةَ سِنِينَ يَزْرَعُ فِيهَا مَا شَاءَ فَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَهُوَ لَهُ.
وَوَجْهٌ آخَرُ أَنْ يُقِرَّ الْمُسْتَأْجِرُ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهَا لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَيُقِرُّ الْمُؤَاجِرُ أَنَّهُ يُؤَاجِرُهَا لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، وَإِذَا كَانَ فِي أَرْضِ الْإِجَارَةِ عَيْنُ النَّفْطِ وَالْقِيرِ فَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَرَبُّ الْأَرْضِ يُقِرُّ أَنَّ الْعَيْنَ لِلْمُسْتَأْجِرِ لَهُ حَقُّ الِانْتِفَاعِ عَشْرَ سِنِينَ فَيَجُوزُ.
وَفِي السِّرَاجِيَّةِ إذَا آجَرَ أَرْضَهُ وَفِيهَا نَخِيلٌ فَأَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَ التَّمْرَ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ النَّخِيلَ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ مُعَامَلَةً عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْمَالِ جُزْءًا مِنْ
стр. 3144
أَلْفِ جُزْءٍ مِنْ الثَّمَرِ وَالْبَاقِي لِلْمُسْتَأْجِرِ.
وَفِي الْعُيُونِ إذَا اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ دَارًا فَأَمَرَهُ رَبُّ الدَّارِ أَنْ يُنْفِقَ فِيهَا مِنْ أَجْرِهَا فَلَوْ أَنْفَقَ فِيهَا فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ أَمِينًا فَالْحِيلَةُ لَهُ فِيهِ أَنْ يُعَجِّلَ الْأَجْرَ ثُمَّ يَقْبِضَ مِنْهُ بِأَمْرِهِ لِيُنْفِقَ فِيهَا فَيَكُونَ أَمِينًا فِي ذَلِكَ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
[الْفَصْلُ الثَّامِنَ عَشَرَ فِي الدَّفْعِ عَنْ الدَّعْوَى]
(الْفَصْلُ الثَّامِنَ عَشَرَ فِي الدَّفْعِ عَنْ الدَّعْوَى) رَجُلٌ فِي يَدِهِ ضَيْعَةٌ أَوْ دَارٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَادَّعَاهَا رَجُلٌ وَالْمُدَّعِي ظَالِمٌ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَكْرَهُ الْيَمِينَ فَأَرَادَ حِيلَةً حَتَّى تَنْدَفِعَ عَنْهُ الْيَمِينُ قَالَ الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ: أَنْ يُقِرَّ بِالْمُدَّعَى بِهِ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ يُقِرَّ بِهِ لِلْأَجْنَبِيِّ فَتَنْدَفِعَ عَنْهُ الْخُصُومَةُ وَالْيَمِينُ هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي حِيلَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي أَدَبِ الْقَاضِي اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَعْضُهُمْ قَالُوا: كَمَا قَالَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَبَعْضُهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَمَا إذَا أَقَرَّ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَبَيْنَمَا إذَا أَقَرَّ لِلْأَجْنَبِيِّ فَقَالُوا: إذَا أَقَرَّ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ تَنْدَفِعُ عَنْهُ الْيَمِينُ وَإِذَا أَقَرَّ لِلْأَجْنَبِيِّ لَا تَنْدَفِعُ الْيَمِينُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَنْدَفِعُ عَنْهُ الْيَمِينُ فِي الصُّورَتَيْنِ جَمِيعًا قَطْعًا لِبَابِ الْحِيلَةِ قَالَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي إنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمَّا أَقَرَّ بِالضَّيْعَةِ الْمُدَّعَى بِهَا لِابْنِهِ أَوْ لِلْأَجْنَبِيِّ صَارَ مُسْتَهْلِكًا لِمَالِي وَوَجَبَ لِي عَلَيْهِ الْقِيمَةُ فَلِي أَنْ أُحَلِّفَهُ بِاَللَّهِ مَا لِي عَلَيْك قِيمَةُ هَذِهِ الضَّيْعَةِ قَالَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْآخِرِ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ الْيَمِينُ، هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ غَصْبَ الْعَقَارِ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ يُوجِبُ الضَّمَانَ.
ثُمَّ بَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا بِأَنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي الْغَصْبِ الْمُجَرَّدِ فَأَمَّا الْجُحُودُ فَيُوجِبُ الضَّمَانَ بِالِاتِّفَاقِ، وَبَعْضُهُمْ قَالُوا فِي الْجُحُودِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْكُلِّ عَلَى السَّوَاءِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الضَّمَانُ هَهُنَا بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ هَذَا إتْلَافُ الْمِلْكِ وَالْعَقَارُ يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّاهِدَ بِالْعَقَارِ يَضْمَنُ عِنْدَ الرُّجُوعِ بِالْإِجْمَاعِ لِإِتْلَافِهِ الْمِلْكَ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ عَرْضًا أَوْ جَارِيَةً أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْعَقَارِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يُغَيِّرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُدَّعَى بِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَعْرِفُهُ الْمُدَّعِي ثُمَّ يَعْرِضُهُ عَلَى هَذَا الْمُدَّعِي لِيُسَاوِمَهُ فَتَبْطُلَ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَاوَمَهُ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِي الْمُدَّعَى بِهِ فَتَبْطُلُ دَعْوَاهُ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
[الْفَصْلُ التَّاسِعَ عَشَرَ فِي الْوَكَالَةِ]
(الْفَصْلُ التَّاسِعَ عَشَرَ فِي الْوَكَالَةِ) إذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ جَارِيَةً بِعَيْنِهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَقَبِلَ الْوَكِيلُ الْوَكَالَةَ فَلَمَّا رَآهَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِنَفْسِهِ فَالْحِيلَةُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِجِنْسٍ آخَرَ غَيْرِ مَا أَمَرَهُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ بِأَلْفِ
стр. 3145
دِرْهَمٍ فَيَشْتَرِيهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَيَشْتَرِيهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ يَشْتَرِيهَا بِجِنْسِ مَا أَمَرَهُ بِهِ وَلَكِنْ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُخَالِفًا أَمْرَهُ فَيَنْفُذُ عَلَيْهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا عُرِفَ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِجِنْسِ مَا أَمَرَهُ بِهِ وَبِذَلِكَ الْقَدْرِ وَلَكِنْ صَرَّحَ بِالشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ يَصِيرُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ لَا يَصِيرُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَا يَمْلِكُ الشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ وَلَا يُمْكِنُهُ عَزْلُ نَفْسِهِ بِغَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ هَذَا عَزْلٌ قَصْدِيٌّ فَيُشْتَرَطُ لَهُ حُضُورُ الْمُوَكِّلِ.
وَإِذَا لَمْ يَنْعَزِلْ يَصِيرُ مُشْتَرِيًا لِلْآمِرِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَشْهَدَ قَبْلَ الشِّرَاءِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهَا سَاعَتِئِذٍ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، فَإِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا فِي مَجْلِسِ الْإِشْهَادِ يَصِيرُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْ الْمَجْلِسِ، فَإِنْ عَلِمَ بِمَقَالَةِ الْوَكِيلِ وَبِإِشْهَادِهِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْوَكِيلُ ثُمَّ اشْتَرَى الْوَكِيلُ يَصِيرُ الْوَكِيلُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ.
وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ حَتَّى اشْتَرَاهَا الْوَكِيلُ يَصِيرُ مُشْتَرِيًا لِلْمُوَكِّلِ، فَقَدْ جَعَلَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَجْعَلْهُمَا جِنْسًا وَاحِدًا إذْ لَوْ جَعَلَهُمَا جِنْسًا وَاحِدًا صَارَ الْوَكِيلُ مُشْتَرِيًا لِلْآمِرِ فِيمَا إذَا وَكَّلَهُ بِالشِّرَاءِ بِالدَّرَاهِمِ وَقَدْ اشْتَرَى بِالدَّنَانِيرِ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ فِي بَابِ الْمُسَاوَمَةِ أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ قِيَاسًا فِي حَقِّ حُكْمِ الرِّبَا حَتَّى جَازَ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا وَفِيمَا عَدَا حُكْمِ الرِّبَا جُعِلَا جِنْسًا وَاحِدًا اسْتِحْسَانًا حَتَّى يَكْمُلُ نِصَابُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَالْقَاضِي فِي قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَوَّمَ بِالدَّرَاهِمِ.
وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَ بِالدَّنَانِيرِ وَالْمُكْرَهُ عَلَى الْبَيْعِ بِالدَّرَاهِمِ إذَا بَاعَ بِالدَّنَانِيرِ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ كَانَ بَيْعُهُ بَيْعَ مُكْرَهٍ كَمَا لَوْ بَاعَ بِالدَّرَاهِمِ، وَصَاحِبُ الدَّرَاهِمِ إذَا ظَفِرَ بِدَنَانِيرَ مَنْ عَلَيْهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِجِنْسِ حَقِّهِ كَمَا لَوْ ظَفِرَ بِدَرَاهِمِهِ إلَّا رِوَايَةً شَاذَّةً عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِذَا بَاعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِالدَّنَانِيرِ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ، وَكَانَ الثَّانِي أَقَلَّ قِيمَةً مِنْ الْأَوَّلِ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا اسْتِحْسَانًا وَتَبَيَّنَ بِمَا ذُكِرَ هَهُنَا أَنَّهُمَا اُعْتُبِرَا جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِيمَا وَرَاءَ حُكْمِ الرِّبَا أَيْضًا وَكَذَلِكَ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ اُعْتُبِرَا جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ حَتَّى إذَا كَانَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ شَهِدَ بِالدَّرَاهِمِ وَالْآخَرُ بِالدَّنَانِيرِ أَوْ شَهِدَ بِالدَّرَاهِمِ وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي الدَّنَانِيرَ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ.
وَكَذَلِكَ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ اُعْتُبِرَا جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ حَتَّى إنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ مِنْ آخَرَ دَارًا بِدَرَاهِمَ وَآجَرَهَا مِنْ غَيْرِهِ بِدَنَانِيرَ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ، وَقِيمَةُ الثَّانِي أَكْثَرُ مِنْ الْأَوَّلِ تَطِيبُ لَهُ الزِّيَادَةُ فَمَا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ أَنَّهُمَا جُعِلَا جِنْسًا وَاحِدًا فِيمَا عَدَا حُكْمِ الرِّبَا عَلَى الْإِطْلَاقِ غَيْرُ صَحِيحٍ.
(وَحِيلَةٌ أُخْرَى) أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِمِثْلِ مَا أَمَرَهُ بِهِ وَبِشَيْءٍ آخَرَ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ بِأَنْ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَيَشْتَرِيَهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَثَوْبٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّ فِي هَذِهِ
стр. 3146
الصُّورَةِ يَصِيرُ الْوَكِيلُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ أَيْضًا، فَإِنْ وَكَّلَهُ بِالشِّرَاءِ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ ثَمَنًا، فَإِنْ اشْتَرَى الْوَكِيلُ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ إمَّا بِالدَّرَاهِمِ أَوْ بِالدَّنَانِيرِ يَصِيرُ مُشْتَرِيًا لِلْمُوَكِّلِ، وَإِنْ اشْتَرَى بِمَا سِوَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ يَصِيرُ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالشِّرَاءِ مُطْلَقًا يَنْصَرِفُ إلَى الشِّرَاءِ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِحُكْمِ الْعُرْفِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ بِخِلَافِ التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالُوا: وَهُنَا حِيلَةٌ أُخْرَى فِي الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُوَكِّلَ الْوَكِيلُ رَجُلًا بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ هَذِهِ الْجَارِيَةَ فَاشْتَرَاهَا حَالَ غَيْبَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ فَاعْلَمْ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَمَّا إنْ لَمْ يَقُلْ الْآمِرُ لِلْوَكِيلِ الْأَوَّلِ اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِك مَا صَنَعْت مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا إمَّا أَنْ يَشْتَرِيَهَا الْوَكِيلُ الثَّانِي بِحَضْرَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ.
وَفِي هَذَا الْوَجْهِ إنْ اشْتَرَاهَا بِالْقَدْرِ الَّذِي أَمَرَهُ الْآمِرُ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ أَوْ بِأَقَلَّ مِنْهُ يَنْفُذُ عَلَى الْآمِرِ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ الْجِنْسِ أَوْ بِذَلِكَ الْجِنْسِ وَلَكِنْ بِأَزْيَدَ مِنْهُ يَنْفُذُ عَلَى الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْوَكِيلِ الثَّانِي بِحَضْرَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ بِمَنْزِلَةِ شِرَاءِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ بِنَفْسِهِ، وَلَوْ اشْتَرَاهَا الْأَوَّلُ بِنَفْسِهِ كَانَ الْجَوَابُ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي قُلْنَا فَهَهُنَا كَذَلِكَ.
وَإِنْ اشْتَرَاهَا حَالَ غَيْبَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ لَمْ يُقَدِّرْ لِلْوَكِيلِ الثَّانِي ثَمَنًا يَصِيرُ الْوَكِيلُ الثَّانِي مُشْتَرِيًا لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ هَذَا الشِّرَاءَ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ أَمْرِ الْآمِرِ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْآمِرِ بِالشِّرَاءِ بِحَضْرَةِ رَأْيِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ وَهَذَا الشِّرَاءُ لَمْ يَحْضُرْهُ رَأْيُ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ قَدَّرَ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ لِلْوَكِيلِ الثَّانِي ثَمَنًا فَاشْتَرَاهَا الْوَكِيلُ الثَّانِي بِغَيْبَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ يَنْفُذُ الشِّرَاءُ عَلَى الْآمِرِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يَنْفُذُ الشِّرَاءُ عَلَى الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ.
(رَجُلٌ) وَكَّلَ رَجُلًا بِأَنْ يَبِيعَ جَارِيَتَهُ وَقَبِلَ الْوَكِيلُ الْوَكَالَةَ، ثُمَّ أَرَادَ الْوَكِيلُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِنَفْسِهِ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الْوَكِيلُ لِمَوْلَى الْجَارِيَةِ: وَكِّلْنِي بِبَيْعِ هَذِهِ الْجَارِيَةِ وَأَجْرِ أَمْرِي فِيهَا وَمَا عَمِلْت فِي ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ رَجُلًا بِبَيْعِ هَذِهِ الْجَارِيَةِ، ثُمَّ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ يَشْتَرِيهَا مِنْ الْوَكِيلِ الثَّانِي فَيَجُوزُ، وَهَذَا لِأَنَّ صَاحِبَ الْجَارِيَةِ أَجَازَ صَنِيعَ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ وَالتَّوْكِيلُ مِنْ صَنِيعِهِ فَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ مِنْهُ فَصَارَ الْوَكِيلُ الثَّانِي وَكِيلًا عَنْ صَاحِبِ الْجَارِيَةِ لَا عَنْ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ مَاتَ صَاحِبُ الْجَارِيَةِ يَنْعَزِلَانِ جَمِيعًا وَكَذَلِكَ لَوْ عَزَلَهُمَا يَنْعَزِلَانِ وَإِذَا عَزَلَ الثَّانِيَ وَحْدَهُ يَنْعَزِلُ وَإِذَا عَزَلَ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ الْوَكِيلَ الثَّانِيَ يَنْعَزِلُ الثَّانِي عَلَى رِوَايَةِ كِتَابِ الْحِيَلِ وَأَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الثَّانِيَ وَكِيلٌ عَنْ الْأَوَّلِ وَلَكِنْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ صَاحِبَ الْجَارِيَةِ أَجَازَ صَنِيعَ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ، وَعَزْلُ الثَّانِي مِنْ صَنِيعِهِ فَنَفَذَ عَلَيْهِ، وَإِذَا صَارَا وَكِيلَيْ صَاحِبِ الْجَارِيَةِ كَانَ لِلْوَكِيلِ الثَّانِي أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ كَمَا لَوْ وَكَّلَ صَاحِبُ الْجَارِيَةِ بِبَيْعِ الْجَارِيَةِ بِنَفْسِهِ. وَإِنْ لَمْ يُجِزْ مَوْلَى الْجَارِيَةِ صَنِيعَ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَهَا الْوَكِيلُ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ بِمِثْلِ قِيمَتِهَا حَتَّى يَجُوزَ الْبَيْعُ بِلَا خِلَافٍ وَيَدْفَعَهَا إلَى الْمُشْتَرِي، ثُمَّ يَسْتَقِيلَهُ الْعَقْدَ وَتَنْفُذُ الْإِقَالَةُ عَلَى
стр. 3147
الْوَكِيلِ خَاصَّةً أَوْ يَطْلُبُ مِنْ الْمُشْتَرِي أَنْ يُوَلِّيَهُ الْبَيْعَ أَوْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ ابْتِدَاءً فَتَصِيرُ الْجَارِيَةُ لِلْوَكِيلِ
(رَجُلٌ) كَتَبَ إلَى رَجُلٍ وَهُوَ فِي مَدِينَةٍ غَيْرِ الْمَدِينَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ مَتَاعًا يَصِفُهُ لَهُ وَعِنْدَ الرَّجُلِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ مَتَاعٌ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ وَقَدْ أَمَرَهُ صَاحِبُهُ أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ مَا الْحِيلَةُ فِي أَنْ يَصِيرَ الْمَتَاعُ لِلرَّجُلِ الَّذِي كَتَبَ إلَيْهِ قَالَ يَبِيعُ ذَلِكَ الْمَتَاعَ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ بَيْعًا صَحِيحًا وَيَدْفَعُ إلَيْهِ ثُمَّ يَشْتَرِي مِنْهُ الرَّجُلُ الَّذِي يَكْتُبُ إلَيْهِ وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ الْمَتَاعَ بِنَفْسِهِ مِنْ الرَّجُلِ الَّذِي كَتَبَ إلَيْهِ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَتَوَلَّى الْعَقْدَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَلَكِنْ يَفْعَلُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا وَيَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا جَرَى بَيْنَ اثْنَيْنِ.
(رَجُلٌ) وَكَّلَ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ دَارًا أَوْ مَتَاعًا أَوْ غَيْرَهُ فَأَرَادَ الْوَكِيلُ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ لِلْبَائِعِ عَلَيْهِ إلَى أَجَلٍ وَيَكُونُ الثَّمَنُ حَالًّا عَلَى الْآمِرِ يَأْخُذُهُ مِنْهُ وَالْبَائِعُ يُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ مَا الْحِيلَةُ فِيهِ قَالَ: الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْوَكِيلُ ذَلِكَ الشَّيْءَ بِالثَّمَنِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ فَإِذَا تَوَاجَبَا الْبَيْعَ وَجَبَ الثَّمَنُ لِلْبَائِعِ عَلَى الْوَكِيلِ وَوَجَبَ لِلْوَكِيلِ الثَّمَنُ عَلَى الْآمِرِ يَأْخُذُهُ مِنْهُ ثُمَّ يُؤَجِّلُ الْبَائِعُ الْوَكِيلَ بِالثَّمَنِ إلَى الْأَجَلِ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ فَيَجُوزُ التَّأْجِيلُ لِلْوَكِيلِ وَيَكُونُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَأْخُذَ الْآمِرَ بِالثَّمَنِ حَالًّا وَهَذَا لِأَنَّ مُطْلَقَ الْبَيْعِ يُوجِبُ الثَّمَنَ حَالًّا وَيَكُونُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُوَكِّلِ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَكَانَ دَيْنُ الْوَكِيلِ عَلَى الْمُوَكِّلِ حَالًّا بِسَبَبِ الْعَقْدِ، وَتَأْجِيلُ الْبَائِعِ الْوَكِيلَ لَهُ لَا يَتَعَدَّى إلَى الْمُوَكِّلِ لِأَنَّ التَّأْجِيلَ إبْرَاءٌ مُؤَقَّتٌ فَيُعْتَبَرُ بِالْإِبْرَاءِ الْمُؤَبَّدِ وَالْبَائِعُ لَوْ أَبْرَأَ الْوَكِيلَ عَنْ الثَّمَنِ أَوْ وَهَبَ لَهُ لَا يَظْهَرُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ فَكَذَا هَذَا بِخِلَافِ حَطِّ بَعْضِ الثَّمَنِ عَنْ الْوَكِيلِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ أَيْضًا بِذَلِكَ الْقَدْرِ لِأَنَّ الْحَطَّ يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ وَيَصِيرُ كَأَنَّ الْعَقْدَ وَرَدَ عَلَى مَا بَقِيَ أَمَّا الْإِبْرَاءُ عَنْ كُلِّ الثَّمَنِ لَا يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ فَلَا يَظْهَرُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ وَهُوَ نَظِيرُ مَا قُلْنَا فِي الْبَائِعِ إذَا أَبْرَأَ الْمُشْتَرِيَ عَنْ جَمِيعِ الثَّمَنِ فَالشَّفِيعُ يَأْخُذُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
وَلَوْ حَطَّ الْبَائِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الثَّمَنِ فَالشَّفِيعُ يَأْخُذُ بِمَا وَرَاءَ الْمَحْطُوطِ فَهَهُنَا كَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ إذَا بَاعَ وَأَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَحُطَّ الْوَكِيلُ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ الثَّمَنِ فَفَعَلَ الْوَكِيلُ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فَمِنْ مَذْهَبِهِمَا أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ إذَا أَبْرَأَ الْمُشْتَرِيَ عَنْ الثَّمَنِ أَوْ وَهَبَ الثَّمَنَ مِنْهُ أَوْ حَطَّ بَعْضَ الثَّمَنِ عَنْهُ صَحَّ وَيَضْمَنُ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْمُوَكِّلِ مِنْ مَالِهِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ طَلَبَ حِيلَةً حَتَّى يَصِحَّ عِنْدَ الْكُلِّ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَهَبَ الْوَكِيلُ لِلْمُشْتَرِي دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ قَدْرَ مَا يُرِيدُ الْهِبَةَ أَوْ الْحَطَّ وَيَدْفَعُ ذَلِكَ إلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ يَبِيعُ الْعَيْنَ مِنْ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ الَّذِي يُرِيدُ الْبَيْعَ بِهِ ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ يَدْفَعُ مَا قَبَضَ بِحُكْمِ الْهِبَةِ إلَى الْوَكِيلِ قَضَاءً مِنْ الثَّمَنِ وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي بِمَنْزِلَةِ الْحَطِّ وَيَحْصُلُ مَقْصُودُهُمَا، ثُمَّ اعْلَمْ بِأَنَّ إبْرَاءَ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ الْمُشْتَرِيَ عَنْ جَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ عَنْ بَعْضِهِ، وَهِبَةَ جَمِيعِ الثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ بَعْضِهِ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ صَحِيحٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ
стр. 3148
وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَكَذَلِكَ حَطُّ بَعْضِ الثَّمَنِ عَنْ الْمُشْتَرِي قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ صَحِيحٌ عِنْدَهُمَا، فَأَمَّا حَطُّ كُلِّ الثَّمَنِ عَنْ الْمُشْتَرِي قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَيَصِحُّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَيُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ.
(رَجُلٌ) أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ مَتَاعًا مِنْ بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ فَخَافَ الْوَكِيلُ أَنْ لَوْ بَعَثَ بِذَلِكَ مَعَ غَيْرِهِ يَضْمَنُ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُجِيزَ لَهُ الْمُوَكِّلُ مَا صَنَعَ فَإِذَا أَجَازَ لَهُ ذَلِكَ يَبْعَثُ هُوَ بِالْمَتَاعِ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ وَلَا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ أَمِينٌ أُجِيزَ لَهُ مَا صَنَعَ وَكَذَا الْحِيلَةُ إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَسْتَوْدِعَ الْمَتَاعَ الْمُشْتَرَى مِنْ غَيْرِهِ وَلَا يَضْمَنُ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
[الْفَصْلُ الْعِشْرُونَ فِي الشُّفْعَة]
(الْفَصْلُ الْعِشْرُونَ فِي الشُّفْعَةِ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: جَمَعَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَسَائِلَ بَعْضَهَا لِمَنْعِ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ وَبَعْضَهَا لِتَقْلِيلِ الرَّغْبَةِ، فَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَنْ يَهَبَ الْبَائِعُ الدَّارَ مِنْ الْمُشْتَرِي وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ الْمُشْتَرِي يَهَبُ الثَّمَنَ مِنْ الْبَائِعِ وَيُشْهِدُ عَلَيْهِ وَذُكِرَ فِي حِيَلِ الْأَصْلِ ثُمَّ الْمُشْتَرِي يُعَوِّضُهُ مِقْدَارَ الثَّمَنِ فَإِذَا فَعَلَا ذَلِكَ لَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ يَخْتَصُّ بِالْمُعَاوَضَاتِ، وَالْهِبَةُ إذَا لَمْ تَكُنْ بِشَرْطِ الْعِوَضِ لَا تَصِيرُ مُعَاوَضَةً بِالتَّعْوِيضِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُ الْمُبَادَلَةِ مِنْ رَدِّ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِالْعَيْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَإِذَا لَمْ تَصِرْ مُبَادَلَةً بَقِيَتْ هِبَةً مَحْضَةً فَلَا تَثْبُتُ فِيهَا الشُّفْعَةُ غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ حِيلَةٌ يَمْلِكُهَا بَعْضُ النَّاسِ دُونَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ كَالْأَبِ وَالْوَصِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْوُكَلَاءِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ هِبَةُ الدَّارِ مِنْ الْمُشْتَرِي بِشَرْطِ الْعِوَضِ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ، ذُكِرَ فِي شُفْعَةِ الْأَصْلِ وَفِي مَوَاضِعَ مِنْ الْمَبْسُوطِ أَنَّهَا بِمَعْنَى الْبَيْعِ. وَيَثْبُتُ لِلشَّفِيعِ فِيهَا حَقُّ الشُّفْعَةِ وَذُكِرَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ النَّوَادِرِ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّ فِي الْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ أَوْ خِلَافٌ لَا يَصْلُحُ حِيلَةً لِإِبْطَالِ الشُّفْعَةِ، وَلَكِنْ يَتَأَتَّى فِي هَذِهِ الْهِبَةِ حِيلَةُ تَأْخِيرِ حَقِّ الشَّفِيعِ بِأَنْ يَقْبِضَ الْمُشْتَرِي الدَّارَ إلَّا جُزْءًا مِنْهَا أَوْ يُسَلِّمَ الثَّمَنَ إلَّا جُزْءًا مِنْهُ، فَلَا يَكُونُ لِلشَّفِيعِ حَقُّ الْأَخْذِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ إنَّمَا تَصِيرُ بَيْعًا بَعْدَ قَبْضِ كُلِّ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، أَمَّا قَبْلَ قَبْضِ كُلِّ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا تَصِيرُ بَيْعًا، حَتَّى رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ فِي الْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ: يَثْبُتُ لِلْوَاهِبِ حَقُّ الرُّجُوعِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ أَوْ رِضًا مَا لَمْ يَقْبِضْ الْمَوْهُوبُ لَهُ كُلَّ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
(وَمِنْ جُمْلَةِ الْحِيَلِ) أَنْ يَتَصَدَّقَ صَاحِبُ الدَّارِ بِالدَّارِ عَلَى الَّذِي يُرِيدُ الشِّرَاءَ ثُمَّ يَتَصَدَّقَ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِمِثْلِ الثَّمَنِ، كَمَا فِي الْهِبَةِ. وَالصَّدَقَةُ إنَّمَا تُفَارِقُ الْهِبَةَ فِي حَقِّ الرُّجُوعِ فِيهَا، فَأَمَّا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ فَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ سَوَاءٌ. (وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ) أَنْ يُقِرَّ صَاحِبُ الدَّارِ بِالدَّارِ لِلَّذِي يُرِيدُ شِرَاءَهَا ثُمَّ
стр. 3149
يُقِرَّ الَّذِي يُرِيدُ شِرَاءَ الدَّارِ بِالثَّمَنِ لِلْبَائِعِ فَلَا يَثْبُتُ لِلشَّفِيعِ حَقُّ الشُّفْعَةِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْإِقْرَارَ لَيْسَ بِحَقٍّ، وَالْإِقْرَارُ إذَا لَمْ يَكُنْ بِحَقٍّ هَلْ يَنْقُلُ الْمِلْكَ أَوْ لَا يَنْقُلُ؟ فِيهِ كَلَامٌ عُرِفَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ فَهَذَا يَكُونُ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ.
(وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ) أَنْ يُبَيِّنَ مَوْضِعًا مِنْ الدَّارِ وَيَخُطَّ خَطًّا وَيَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِطَرِيقِهِ أَوْ يَهَبَهُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ بِطَرِيقِهِ، ثُمَّ يَشْتَرِيَ بَقِيَّةَ الدَّارِ فَلَا يَثْبُتُ حَقُّ الشُّفْعَةِ لِلشَّفِيعِ، وَإِنَّمَا قَالَ: يَخُطَّ خَطًّا كَيْ لَا تَكُونَ هَذِهِ هِبَةَ الْمُشَاعِ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، وَإِنَّمَا لَا يَكُونُ فِي هَذِهِ لِلشَّفِيعِ حَقُّ الشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ صَارَ شَرِيكًا وَالشَّرِيكُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجَارِ، وَإِنَّمَا شُرِطَ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَصَدَّقْ بِطَرِيقَةِ صَارَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ جَارًا لِلدَّارِ الْمُشْتَرَاةِ فَلَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْجَارِ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الْحِيلَةَ إنَّمَا تَكُونُ حِيلَةً لِإِبْطَالِ حَقِّ الْجَارِ لَا لِإِبْطَالِ حَقِّ الْخَلِيطِ. (وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ) مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ: إذَا كَانَتْ الدَّارُ مِمَّا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ يَهَبُ جُزْءًا شَائِعًا مِنْ الدَّارِ مِنْ الَّذِي يُرِيدُ شِرَاءَ الدَّارِ، ثُمَّ يَتَرَافَعَانِ إلَى الْحَاكِمِ الَّذِي يَرَى جَوَازَ هِبَةِ الْمُشَاعِ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ فَيُجَوِّزُهَا، ثُمَّ لَا يُبْطِلُهَا قَاضٍ آخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى قَضَاءِ قَاضٍ فِي شَيْءٍ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، حَتَّى لَوْ كَانَ شَيْئًا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ نَحْوَ الْبَيْتِ الصَّغِيرِ وَالْحَانُوتِ يَهَبُ جُزْءًا شَائِعًا مِنْ الَّذِي يُرِيدُ الشِّرَاءَ ثُمَّ يَبِيعُ الْبَاقِيَ مِنْهُ فَلَا يَثْبُتُ لِلشَّفِيعِ حَقُّ الشُّفْعَةِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَضَاءِ الْقَاضِي، ثُمَّ ذَكَرَ حِيلَةً لِرَغْبَتِهِ عَنْ الْأَخْذِ، (فَقَالَ) : يَشْتَرِي الْبِنَاءَ أَوَّلًا بِثَمَنٍ رَخِيصٍ ثُمَّ يَشْتَرِي الْعَرْصَةَ بَعْدَ ذَلِكَ بِصَفْقَةٍ أُخْرَى بِثَمَنٍ غَالٍ، فَلَا يَثْبُتُ لِلشَّفِيعِ حَقُّ الشُّفْعَةِ فِي الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَقْلِيٌّ وَلَا يَرْغَبُ فِي أَخْذِ الْعَرْصَةِ لِكَثْرَةِ ثَمَنِهَا. وَلَوْ كَانَ اشْتَرَى الْبِنَاءَ بِأَصْلِهِ حَتَّى صَارَ مَا تَحْتَ الْجِدَارِ لَهُ يَكُونُ هُوَ شَرِيكًا فِي الدَّارِ فَلَا يَثْبُتُ لِلْجَارِ حَقُّ الشُّفْعَةِ؛ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ هَذِهِ الْحِيلَةُ لِمَنْعِ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ. (وَمِنْ جُمْلَةِ الْحِيَلِ) إذَا وَهَبَ الْبِنَاءَ مِنْ الَّذِي يُرِيدُ شِرَاءَ الدَّارِ بِأَصْلِهِ ثُمَّ اشْتَرَى الْعَرْصَةَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ لِلشَّفِيعِ حَقُّ الشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَهَبَ الْبِنَاءَ بِأَصْلِهِ صَارَ مَا تَحْتَ الْبِنَاءِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فَصَارَ هُوَ شَرِيكًا فِي الدَّارِ فَيَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى الْجَارِ. (وَفِي الْكُرُومِ وَالْأَرَاضِي) إنْ أَرَادَ الْحِيلَةَ لِمَنْعِ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ يَبِيعُ الْأَشْجَارَ بِأَصْلِهَا أَوْ يَهَبُ الْأَشْجَارَ بِأَصْلِهَا فَيَصِيرُ هُوَ شَرِيكًا ثُمَّ يَشْتَرِي الْبَاقِيَ وَإِنْ أَرَادَ الْحِيلَةَ لِرَغْبَتِهِ عَنْ الْأَخْذِ يَبِيعُ الْأَشْجَارَ أَوَّلًا بِثَمَنٍ رَخِيصٍ ثُمَّ يَشْتَرِي الْأَرَاضِيَ مِنْهُ بِثَمَنٍ غَالٍ. (حِيلَةٌ أُخْرَى) أَنْ يَشْتَرِيَ سَهْمًا مِنْ الدَّارِ بِثَمَنٍ غَالٍ فِي صَفْقَةٍ ثُمَّ يَشْتَرِيَ الْبَاقِيَ بِثَمَنٍ يَسِيرٍ فَلَا يَكُونُ لِلْجَارِ حَقُّ الشُّفْعَةِ فِي الصَّفْقَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ شَرِيكٌ فِي الدَّارِ عِنْدَ مُبَاشَرَةِ الصَّفْقَةِ الثَّانِيَةِ، إنَّمَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِي الصَّفْقَةِ الْأُولَى وَهُوَ لَا يَرْغَبُ فِيهَا لِمَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ اشْتَرَى ذَلِكَ بِثَمَنٍ غَالٍ، فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: أَخَافُ أَنْ لَا يَبِيعَنِي الْبَائِعُ الْبَاقِيَ لَوْ اشْتَرَيْت مِنْهُ هَذَا السَّهْمَ بِثَمَنٍ غَالٍ، فَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يُقِرَّ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي بِسَهْمٍ مِنْ أَلْفِ سَهْمٍ مُشَاعٍ ثُمَّ يَشْتَرِيَ الْبَاقِيَ.
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الْخُوَارِزْمِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُخَطِّئُ الْخَصَّافَ فِي فَصْلِ إقْرَارِ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي بِسَهْمٍ مِنْ الدَّارِ وَكَانَ يُفْتِي بِوُجُوبِ
стр. 3150
الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ مَا ثَبَتَتْ إلَّا بِإِقْرَارِهِ، وَإِقْرَارُ الْإِنْسَانِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَكَانَ يَسْتَدِلُّ بِمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ إذَا أَقَرَّ أَنَّ الدَّارَ الَّتِي فِي يَدَيْهِ لِفُلَانٍ أَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ لَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ بِهَذَا الْإِقْرَارِ، وَطَرِيقُهُ مَا قُلْنَا فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ: أَخَافُ أَنْ يَصِيرَ شَرِيكِي بِالْإِقْرَارِ، ثُمَّ لَا يَشْتَرِي الْبَاقِيَ؛ فَالْحِيلَةُ أَنْ يُدْخِلَا بَيْنَهُمَا مَنْ يَثِقَانِ بِهِ فَيَكُونَ الْإِقْرَارُ بِهَذَا السَّهْمِ لَهُ ثُمَّ يَشْتَرِيَ الْمُقَرُّ لَهُ بِالسَّهْمِ بَاقِيَ الدَّارِ فَتَحْصُلُ الثِّقَةُ لَهُمَا. (وَحِيلَةٌ أُخْرَى) أَنَّهُ إذَا أَرَادَ شِرَاءَ الدَّارِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ يَشْتَرِيهَا فِي الظَّاهِرِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرَ وَيَدْفَعُ إلَى الْبَائِعِ بِالْأَلْفِ ثَوْبًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ أَوْ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ قِيمَتُهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَإِذَا جَاءَ الشَّفِيعُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا بِثَمَنِ الظَّاهِرِ وَهُوَ لَا يَرْغَبُ فِيهِ لِكَثْرَتِهِ. (وَحِيلَةٌ أُخْرَى) أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي لِلشَّفِيعِ: إنْ أَحْبَبْت أُوَلِّيكَهَا بِمَا اشْتَرَيْت فَعَلْت ذَلِكَ، فَإِذَا قَالَ الشَّفِيعُ: نَعَمْ وَلِّنِهَا بَطَلَتْ الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّهُ رَغِبَ عَنْ الشُّفْعَةِ حِينَ طَلَبِ التَّوْلِيَةِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ هُوَ الْأَخْذُ بِالشِّرَاءِ الْأَوَّلِ لَا بِشِرَاءٍ آخَرَ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الشُّفْعَةِ يُبْطِلُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ.
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْمُشْتَرِي لِلشَّفِيعِ: إنْ أَحْبَبْت بِعْتهَا مِنْك دُونَ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ، وَفِي الْعُيُونِ سَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الطَّلَبِ أَوْ بَعْدَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلَ الْمُشْتَرِي رَسُولًا إلَى الشَّفِيعِ حَتَّى قَالَ لِلشَّفِيعِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا، فَإِذَا قَالَ الشَّفِيعُ مُجِيبًا: نَعَمْ؛ تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ. (وَحِيلَةٌ أُخْرَى) أَنْ يَتَصَادَقَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي أَنَّ الْبَيْعَ كَانَ فَاسِدًا أَوْ كَانَ تَلْجِئَةً أَوْ كَانَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُمَا، وَإِذَا قَبِلْنَا قَوْلَهُمَا لَا يَجِبُ لِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ لِمَا عُرِفَ أَنَّ ثُبُوتَ حَقِّ الشُّفْعَةِ يَعْتَمِدُ زَوَالَ مِلْكِ الْبَائِعِ بِسَبَبٍ صَحِيحٍ وَلَمْ يُوجَدُ هَذَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ. (وَحِيلَةٌ أُخْرَى) أَنْ يَأْمُرَ الْمُشْتَرِي رَجُلًا حَتَّى يَقُولَ لِلشَّفِيعِ: لَقَدْ كُنْت اشْتَرَيْت هَذِهِ الدَّارَ مِنْ فُلَانٍ الْبَائِعِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا فُلَانٌ الْمُشْتَرِي.
فَإِذَا قَالَ الشَّفِيعُ: صَدَقْت؛ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ أَنَّ شِرَاءَ الْمُشْتَرِي كَانَ بَعْدَ شِرَائِهِ فَقَدْ أَقَرَّ أَنَّ شِرَاءَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَصِحَّ فَصَارَ مُقِرًّا بِبُطْلَانِ الشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ يَسْتَدْعِي شِرَاءً صَحِيحًا. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِلشَّفِيعِ: هَذِهِ الدَّارُ لَك، وَلَمْ تَكُنْ لِفُلَانٍ الْبَائِعِ، فَقَالَ الشَّفِيعُ: نَعَمْ؛ تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِرًّا بِأَنَّ شِرَاءَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَصِحَّ فَصَارَ مُقِرًّا بِبُطْلَانِ شُفْعَتِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: قَدْ اشْتَرَيْتُ هَذِهِ الدَّارَ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَحُطُّ مِنْ ثَمَنِهَا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، فَقَالَ الشَّفِيعُ: نَعَمْ قَدْ أَحْبَبْتَ؛ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ. وَكَانَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: إنَّمَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ إذَا قَالَ: أَحُطُّكَ مِنْ ثَمَنِهَا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَأَبِيعُهَا مِنْك بِتِسْعِينَ دِينَارًا؛ فَقَالَ الشَّفِيعُ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ لَمَّا رَغِبَ فِي شِرَائِهِ بِأَقَلَّ مِنْ الْمِائَةِ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَقُلْ: وَأَبِيعُهَا مِنْك بِتِسْعِينَ دِينَارًا لَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْإِعْرَاضُ عَنْ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُ قَصَدَ حَطَّ الْعَشَرَةِ لِيَأْخُذَهَا بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الشَّفِيعُ لِلْمُشْتَرِي: حُطَّ عَنِّي عَشَرَةً إنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي الْبَاقِيَ بِتِسْعِينَ دِينَارًا؛ تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ وَإِلَّا فَلَا. (وَجْهٌ آخَرُ) أَنْ يَشْتَرِيَ وَيَجْعَلَ الشَّفِيعَ
стр. 3151
الْكَفِيلَ فِي الْبَيْعِ بِالثَّمَنِ أَوْ بِالْعُهْدَةِ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
[الْفَصْلُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ فِي الْكَفَالَةِ]
(الْفَصْلُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ فِي الْكَفَالَةِ) رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ رَجُلٍ كَفِيلًا لَا يَقْدِرُ الْكَفِيلُ أَنْ يَبْرَأَ عَنْ الْكَفَالَةِ بِتَسْلِيمِ الْمَكْفُولِ بِهِ مَا الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الْكَفِيلُ: قَدْ كَفَلْت لَك بِنَفْسِ فُلَانٍ عَلَى أَنِّي كُلَّمَا دَفَعْته إلَيْك فَأَنَا كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ كَفَالَةً مُجَدَّدَةً فَهَذَا جَائِزٌ، وَإِنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَيْسَ عَنْ أَصْحَابِنَا فِيهِ رِوَايَةٌ، وَفِي الْوَكَالَةِ فِي نَظِيرِهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ مِنْ أَهْلِ الشُّرُوطِ، وَهُوَ مَا إذَا وَكَّلَ رَجُلًا فِي حَادِثَةٍ ثُمَّ قَالَ لِلْوَكِيلِ: كُلَّمَا عَزَلْتُك فَأَنْت وَكِيلِي عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَتَجَدَّدُ الْوَكَالَةُ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي زَيْدٍ الشُّرُوطِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَتَجَدَّدُ وَالْكَفَالَةُ عَلَى قِيَاسِهَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
[الْفَصْلُ الثَّانِي وَالْعُشْرُونَ فِي الْحَوَالَةِ]
(الْفَصْلُ الثَّانِي وَالْعُشْرُونَ فِي الْحَوَالَةِ) رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ وَأَرَادَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ أَنْ يُحِيلَهُ عَلَى رَجُلٍ بِهَذَا الْمَالِ عَلَى أَنَّهُ إنْ مَاتَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا لَا يَرْجِعُ الطَّالِبُ عَلَى الْمُحِيلِ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ، وَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقِرَّ الْمُحِيلُ وَالْمُحْتَالُ لَهُ، فِي كِتَابِ الْحَوَالَةِ أَنَّ هَذَا الْمُحِيلَ أَحَالَ بِهَذَا الْمَالِ عَلَى فُلَانٍ وَيُسَمِّيَانِ رَجُلًا مَجْهُولًا لَا يُعْرَفُ وَقَبِلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْحَوَالَةَ ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ أَحَالَ هَذَا الْمُحْتَالَ لَهُ بِهَذَا الْمَالِ عَلَى هَذَا الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ فَإِذَا فَعَلَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ثُمَّ مَاتَ هَذَا الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا لَا يَكُونُ لِلْمُحْتَالِ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمُحِيلَ الْأَوَّلَ مَا أَحَالَ الْمُحْتَالَ لَهُ عَلَى هَذَا الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ، إنَّمَا أَحَالَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ وَلَمْ يَعْرِفْ مَوْتَ ذَلِكَ الرَّجُلِ عَنْ إفْلَاسٍ.
وَإِذَا أَرَادَ الْمَطْلُوبُ أَنْ يُحِيلَ الطَّالِبَ بِالْمَالِ عَلَى غَرِيمٍ لَهُ فَقَالَ الطَّالِبُ لِلْمَطْلُوبِ: أَنْتَ عِنْدِي أَوْثَقُ مِنْ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ وَلَا آمَنُ أَنْ يَتْوَى مَالِي إنْ أَحَلْت بِهِ عَلَيْهِ وَطَلَبَ حِيلَةً حَتَّى لَا يَبْرَأَ الْأَصِيلُ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَضْمَنَ غَرِيمُ الْمَطْلُوبِ لِلطَّالِبِ عَنْ الْمَطْلُوبِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَلَا يَبْرَأُ الْأَصِيلُ وَكَانَ لِلطَّالِبِ أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهُمَا شَاءَ فَيَحْصُلَ مَقْصُودُهُمَا جَمِيعًا (وَجْهٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ) أَنْ يُوَكِّلَ الْمَطْلُوبُ الطَّالِبَ حَتَّى يَقْبِضَ الدَّيْنَ وَيَجْعَلَهُ قِصَاصًا بِمَالِهِ فَيَجُوزُ، أَمَّا التَّوْكِيلُ
стр. 3152
بِقَبْضِ الدَّيْنِ فَجَوَازُهُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا جَعْلُ الْمَقْبُوضِ قِصَاصًا بِمَالِهِ ظَاهِرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ طَرِيقَ قَضَاءِ الدَّيْنِ هَذَا عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ، فَإِنْ قَالَ الْمَطْلُوبُ: أَخَافُ أَنْ يَقْبِضَ الطَّالِبُ مِنْ غَرِيمِي، وَيَقُولَ: ضَاعَ قَبْلَ أَنْ أَقْبِضَهُ لِنَفْسِي، وَيَكُونَ الْقَوْلُ لَهُ فِي ذَلِكَ. مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ لَمَّا وَكَّلَ الطَّالِبَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ مِنْ غَرِيمِهِ وَلَمْ يَقُلْ: اقْبِضْهُ لِنَفْسِك يَقَعُ قَبْضُ الطَّالِبِ لِلْمَطْلُوبِ أَوَّلًا ثُمَّ يَحْتَاجُ الطَّالِبُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ لِنَفْسِهِ لِيَقَعَ الْقَبْضُ لِلطَّالِبِ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ فِي يَدِ الْوَكِيلِ أَمَانَةٌ وَالْقَبْضَ لِنَفْسِهِ قَبْضُ ضَمَانٍ، وَقَبْضُ الْأَمَانَةِ لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الضَّمَانِ فَيَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ لِنَفْسِهِ.
وَإِذَا قَالَ هَلَكَ الْمَقْبُوضُ قَبْلَ أَنْ أَقْبِضَ لِنَفْسِي فَقَدْ ادَّعَى هَلَاكَ الْأَمَانَةِ قَبْلَ إحْدَاثِ سَبَبِ الضَّمَانِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ فَإِذَا عَرَفْت تَفْسِيرَ الْمَسْأَلَةِ فَالثِّقَةُ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ الْمَطْلُوبُ غَرِيمَهُ هَذَا أَنْ يَضْمَنَ عَنْهُ الْمَالَ لِلطَّالِبِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ بِهِ أَيَّهُمَا شَاءَ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ صَارَ الْمَالُ عَلَيْهِمَا فَإِذَا أَخَذَ الطَّالِبُ مِنْ غَرِيمِ الْمَطْلُوبِ شَيْئًا يَصِيرُ آخِذًا لِنَفْسِهِ، وَلَوْ هَلَكَ يُهْلَكُ عَلَيْهِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ فِي الصُّلْحِ]
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ فِي الصُّلْحِ) قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي حِيَلِ الْأَصْلِ: رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ صَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ يُؤَدِّيهَا إلَيْهِ فِي هِلَالِ شَهْرِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ مِائَتَا دِرْهَمٍ جَازَ هَذَا الصُّلْحُ فِي قَوْلِنَا وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَالْوَضْعِ لَمْ يَذْكُرْهَا مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الصُّلْحِ إنَّمَا هِيَ مِنْ خَصَائِصِ كِتَابِ الْحِيَلِ، وَالْحُكْمُ فِيهَا أَنَّ الْمَطْلُوبَ إذَا أَدَّى مِائَةً فِي الْوَقْتِ الْمَشْرُوطِ بَرِئَ عَنْ الْبَاقِي وَإِذَا لَمْ يُؤَدِّ فَعَلَيْهِ مِائَتَا دِرْهَمٍ.
وَإِنَّمَا الْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ: (أَحَدُهَا) إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقَالَ صَاحِبُ الْمَالِ لِلْمَدْيُونِ: حَطَطْتُ عَنْك خَمْسَمِائَةٍ لِتُؤَدِّي خَمْسَمِائَةٍ غَدًا إلَيَّ، أَوْ قَالَ: لِتُؤَدِّي إلَيَّ خَمْسَمِائَةٍ غَدًا وَقَبِلَ الْآخَرُ، وَذَكَرَ أَنَّ الصُّلْحَ وَالْحَطَّ جَائِزَانِ أَدَّى الْمَدْيُونُ إلَيْهِ خَمْسَمِائَةٍ غَدًا أَوْ لَمْ يُؤَدِّ. (الثَّانِي) إذَا قَالَ: حَطَطْتُ عَنْك خَمْسَمِائَةٍ عَلَى أَنْ تُعَجِّلَنِي خَمْسَمِائَةٍ فَإِنْ لَمْ تُعَجِّلْ فَالْأَلْفُ عَلَيْك عَلَى حَالِهَا، وَقَبِلَ الْآخَرُ وَذَكَرَ أَنَّ الْمَدْيُونَ إنْ عَجَّلَ خَمْسَمِائَةٍ فَهُوَ بَرِيءٌ عَنْ الْخَمْسِمِائَةِ الْأُخْرَى وَإِنْ لَمْ يُعَجِّلْ فَالْأَلْفُ عَلَيْهِ بِحَالِهَا وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْأَلْفَ عَلَى الْمَدْيُونِ عَلَى حَالِهَا عَجَّلَ الْخَمْسَمِائَةِ أَوْ لَمْ يُعَجِّلْ، وَبِالْقِيَاسِ أَخَذَ بَعْضُ النَّاسِ.
(الثَّالِثُ) إذَا قَالَ: حَطَطْتُ عَنْك خَمْسَمِائَةٍ عَلَى أَنْ تُعَجِّلَنِي خَمْسَمِائَةٍ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، وَذَكَرَ فِيهِ خِلَافًا فَقَالَ: عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّ عَجَّلَ خَمْسَمِائَةٍ بَرِئَ عَنْ الْخَمْسِمِائَةِ الْأُخْرَى، وَإِنْ لَمْ يُعَجِّلْ فَالْأَلْفُ عَلَيْهِ عَلَى حَالِهَا وَبَطَلَ الصُّلْحُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَبْطُلُ الصُّلْحُ وَعَلَى الْمَطْلُوبِ خَمْسُمِائَةٍ عَجَّلَ الْخَمْسَمِائَةِ أَوْ لَمْ يُعَجِّلْ، فَهَذَا جُمْلَةُ مَا أَوْرَدَهُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الصُّلْحِ (جِئْنَا إلَى مَسْأَلَةِ كِتَابِ الْحِيَلِ) فَصُورَتُهَا وَحُكْمُهَا مَا ذَكَرْنَا وَإِنَّمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مَسْأَلَةِ كِتَابِ الْحِيَلِ لَيُبَيِّنَ أَنَّ
стр. 3153
هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الِاتِّفَاقِ لَا خِلَافَ فِيهَا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ كِتَابِ الصُّلْحِ، فَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ كِتَابِ الْحِيَلِ فَفِيهَا مُخَالِفٌ قِيلَ: الْمُخَالِفُ زُفَرُ، وَقِيلَ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى.
فَإِنْ طَلَبَا حِيلَةً حَتَّى يَجُوزَ هَذَا أَيْضًا بِلَا خِلَافٍ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَ: يَحُطُّ رَبُّ الْمَالِ عَنْ الْمَدْيُونِ ثَمَانَمِائَةٍ يَبْقَى مِائَتَا دِرْهَمٍ فَصَالَحَهُ مِنْ هَاتَيْنِ الْمِائَتَيْنِ عَلَى مِائَةٍ يُؤَدِّيهَا إلَيْهِ فِي وَقْتِ كَذَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا صُلْحَ بَيْنَهُمَا.
وَمِثْلُ هَذَا الصُّلْحِ جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: فِي هَذِهِ الْحِيلَةِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فِيهَا تَعْلِيقُ الْبَرَاءَةِ عَمَّا زَادَ عَلَى الْمِائَةِ إلَى تَمَامِ الْمِائَتَيْنِ، أَيْضًا وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ الْحِيَلِ أَنَّ هَذَا الصُّلْحَ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَفِي الْوَاقِعَاتِ السَّمَرْقَنْدِيَّة إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ صَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ إلَى شَهْرٍ فَإِنْ لَمْ يُعْطِهَا إلَى شَهْرٍ فَمِائَتَا دِرْهَمٍ فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الصُّلْحُ حَطَّا؛ لِأَنَّ الْمَحْطُوطَ مَجْهُولٌ وَهُوَ تِسْعُمِائَةٍ إنْ أَوْفَاهُ مِائَةً فِي الْوَقْتِ الْمَشْرُوطِ وَإِنْ لَمْ يُوفِهِ فَالْمَحْطُوطُ ثَمَانُمِائَةٍ، وَجَهَالَةُ الْمَحْطُوطِ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْحَطِّ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِي مَسْأَلَةِ الْحِيَلِ كَذَلِكَ فَيَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ.
(رَجُلٌ) مَاتَ وَتَرَكَ ابْنًا وَامْرَأَةً وَفِي أَيْدِيهِمَا دَارٌ جَاءَ رَجُلٌ وَادَّعَى أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ دَارُهُ فَصَالَحَاهُ مِنْ دَعْوَاهُ عَلَى مَالٍ؛ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: إنْ كَانَا صَالَحَاهُ عَلَى غَيْرِ إقْرَارٍ فَالْمَالُ عَلَيْهِمَا أَثْمَانًا وَالدَّارُ بَيْنَهُمَا أَثْمَانًا، وَإِنْ كَانَا صَالَحَاهُ عَلَى إقْرَارٍ مِنْهُمَا فَالدَّارُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَالْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَإِنْ طَلَبًا حِيلَةً حَتَّى يَكُونَ الصُّلْحُ عَنْ إقْرَارٍ وَتَكُونَ الدَّارُ بَيْنَهُمَا أَثْمَانًا وَالْمَالُ بَيْنَهُمَا أَثْمَانًا فَالْحِيلَةُ أَنْ يُصَالِحَ رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُمَا عَلَى إقْرَارٍ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَلِلِابْنِ سَبْعَةَ أَثْمَانٍ، فَإِذَا وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صَحَّ الصُّلْحُ وَكَانَتْ الدَّارُ بَيْنَهُمَا أَثْمَانًا ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُصَالِحُ عَلَيْهِمَا بِبَدَلِ الصُّلْحِ أَثْمَانًا إنْ كَانَا أَمَرَاهُ بِالصُّلْحِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْأَجْنَبِيِّ لَا يَصِحُّ فِي حَقِّهِمَا فَكَانَ صُلْحُهُ مُسْقِطًا دَعْوَى الْمُدَّعِي فَإِذَا سَقَطَتْ دَعْوَاهُ صَارَتْ الدَّارُ مَمْلُوكَةً لَهُمَا بِجِهَةِ الْإِرْثِ فَتَكُونُ عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَبَدَلُ الصُّلْحِ يَكُونُ كَذَلِكَ.
وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي شَرْحِ حِيَلِ الْأَصْلِ وَقَالَ: الْحِيلَةُ أَنْ يُقِرَّا لِلْمُدَّعِي بِالدَّارِ ثُمَّ يُصَالِحَاهُ مِنْهَا عَلَى كَذَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْمَرْأَةِ ثُمُنُ الدَّارِ وَلِلِابْنِ سَبْعَةُ أَثْمَانِ الدَّارِ، فَإِذَا صَرَّحَا بِذَلِكَ كَانَ الْمِلْكُ فِي الدَّارِ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا صَرَّحَا بِهِ وَالثُّمُنُ كَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَيَا دَارًا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا ثُمُنُهَا وَلِلْآخَرِ سَبْعَةُ أَثْمَانٍ.
(رَجُلٌ) مَاتَ وَتَرَكَ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ أَوْ عُرُوضًا فَأَرَادَ وَرَثَةُ الزَّوْجِ أَنْ يُصَالِحُوا الْمَرْأَةَ مِنْ حِصَّتِهَا مِنْ التَّرِكَةِ عَلَى دَرَاهِمَ أَوْ عَلَى دَنَانِيرَ اعْلَمْ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَا تَخْلُو مِنْ وَجْهَيْنِ: (الْأَوَّلُ) إذَا لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ وَقَدْ تَرَكَ الزَّوْجُ دَرَاهِمَ وَعُرُوضًا وَصُولِحَتْ عَلَى دَرَاهِمَ، إنْ كَانَ مَا أَخَذَتْ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ جَازَ وَيُجْعَلُ الْمِثْلُ مِنْ الدَّرَاهِمِ بِالْمِثْلِ وَالْبَاقِي بِمُقَابَلَةِ الْعُرُوضِ، غَيْرَ أَنَّ مَا يَخُصُّ الدَّرَاهِمَ مِنْ الدَّرَاهِمِ يَكُونُ صَرْفًا فَيُشْتَرَطُ قَبْضُ الْبَدَلَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ إذَا كَانَتْ الْوَرَثَةُ مُقِرِّينَ بِالتَّرِكَةِ غَيْرَ مَانِعِينَ
стр. 3154
لِنَصِيبِهَا مِنْ التَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ نَصِيبَهَا مِنْ التَّرِكَةِ أَمَانَةٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي أَيْدِيهِمْ وَقَبْضُ الْأَمَانَةِ لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الضَّمَانِ فَإِنْ صَارَ نَصِيبُهَا مَضْمُونًا عَلَى الْوَرَثَةِ بِأَنْ كَانُوا جَاحِدِينَ لِلتَّرِكَةِ أَوْ مُقِرِّينَ إلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا مَانِعِينَ نَصِيبَهَا مِنْ التَّرِكَةِ الْآنَ لَا يُحْتَاجُ إلَى قَبْضِ الْبَدَلَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْغَصْبِ يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الضَّمَانِ وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى قَبْضِ بَدَلِ الصُّلْحِ لَا غَيْرُ.
وَإِنْ كَانَ مَا أَخَذَتْ مِثْلَ نَصِيبِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى الْعَرْضُ خَالِيًا عَنْ الْعِوَضِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَا أَخَذَتْ أَقَلَّ مِنْ نَصِيبِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى الْعَرْضُ مَعَ بَعْضِ الدَّرَاهِمِ خَالِيًا عَنْ الْعِوَضِ فَتَعَذَّرَ تَجْوِيزُ هَذَا الصُّلْحِ بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ وَتَعَذَّرَ تَجْوِيزُهُ بِطَرِيقِ الْإِبْرَاءِ عَنْ الْبَاقِي؛ لِأَنَّ التَّرِكَةَ عَيْنٌ، وَالْإِبْرَاءُ عَنْ الْأَعْيَانِ بَاطِلٌ. قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنَّمَا يَبْطُلُ الصُّلْحُ عَلَى مِثْلِ نَصِيبِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ عَلَى أَقَلَّ مِنْ نَصِيبِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ حَالَةَ التَّصَادُقِ، وَأَمَّا حَالَةَ الْمُنَاكَرَةِ فَالصُّلْحُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْمُنَاكَرَةِ الْمُعْطِي يُعْطِي الْمَالَ لِقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ وَتَفْدِيَةِ يَمِينِهِ فَلَا يَتَمَكَّنُ الرِّبَا، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الصُّلْحِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ نَصِيبِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ الَّتِي تَرَكَهَا الزَّوْجُ لَمْ يَجُزْ الصُّلْحُ؛ لِأَنَّ هَذَا الصُّلْحَ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ صَحِيحٌ مِنْ وَجْهٍ فَكَانَتْ الْعِبْرَةُ لِجَانِبِ الْفَسَادِ.
وَإِنْ صُولِحَتْ عَلَى عَرْضٍ أَوْ دَنَانِيرَ جَازَ وَإِنْ قَلَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ الرِّبَا فِي خِلَافِ الْجِنْسِ وَهَذَا هُوَ الْحِيلَةُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَإِنْ كَانَتْ تَرِكَةُ الزَّوْجِ دَنَانِيرَ أَوْ عُرُوضًا فَصُولِحَتْ عَلَى دَنَانِيرَ فَهُوَ عَلَى التَّفَاصِيلِ الَّتِي قُلْنَا فِي الدَّرَاهِمِ، وَإِنْ صُولِحَتْ عَلَى دَرَاهِمَ جَازَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِنْ كَانَتْ فِي تَرِكَةِ الزَّوْجِ دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ وَعُرُوضٌ فَصُولِحَتْ عَلَى دَرَاهِمَ أَوْ عَلَى دَنَانِيرَ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا كَانَ بَدَلُ الصُّلْحِ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهَا مِنْ ذَلِكَ النَّقْدِ حَتَّى يَكُونَ الْمِثْلُ بِالْمِثْلِ مِنْ النَّقْدِ وَالْبَاقِي بِإِزَاءِ الْعُرُوضِ وَالنَّقْدِ لِلْآخَرِ، وَإِنْ صُولِحَتْ عَلَى دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ جَازَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَيُصْرَفُ الْجِنْسُ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ وَهَذَا هُوَ الْحِيلَةُ فِي هَذَا الْبَابِ، إلَّا أَنَّ مَا يَخُصُّ الدَّرَاهِمَ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَمَا يَخُصُّ الدَّنَانِيرَ مِنْ الدَّرَاهِمِ صَرْفٌ فَيُشْتَرَطُ قَبْضُ الْبَدَلَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ وَمَا يَخُصُّ الْعُرُوضَ لَيْسَ بِصَرْفٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ قَبْضُ الْبَدَلَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الْحِيلَةَ مُسْتَقِيمَةٌ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ عِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْرِفُ الْجِنْسَ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِكْرَاهِ.
فَالثِّقَةُ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ أَنْ يُصَالِحُوهَا مِنْ جَمِيعِ نَصِيبِهَا مِنْ جَمِيعِ تَرِكَةِ الزَّوْجِ عَلَى عَرْضٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، ثُمَّ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجُوزُ هَذَا الصُّلْحُ لَا يُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ حِصَّتِهَا مِنْ جُمْلَةِ التَّرِكَةِ وَهَذَا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ جَوَازَ هَذَا الصُّلْحِ بِطَرِيقِ الْبَيْعِ إلَّا أَنَّ هَذَا بَيْعٌ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّسْلِيمِ وَبَيْعُ مَا لَمْ يَعْلَمْ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي مِقْدَارَهُ إذَا كَانَ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّسْلِيمِ جَائِزٌ، أَلَا يَرَى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَ مِنْ فُلَانٍ شَيْئًا أَوْ أَقَرَّ أَنَّ فُلَانًا أَوْدَعَهُ شَيْئًا ثُمَّ إنَّ الْمُقِرَّ اشْتَرَى ذَلِكَ الشَّيْءَ مِنْ الْمُقَرِّ لَهُ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَا لَا يَعْرِفَانِ مِقْدَارَهُ كَذَا هُنَا، فَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ مَجْهُولَةً لَا يُدْرَى مَا هِيَ ذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ
стр. 3155
كِتَابِ الشُّرُوطِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ احْتِمَالِ الرِّبَا بِأَنْ كَانَ فِي التَّرِكَةِ مَكِيلٌ أَوْ مَوْزُونٌ وَنَصِيبُهَا مِنْ ذَلِكَ مِثْلُ بَدَلِ الصُّلْحِ أَوْ أَكْثَرُ.
وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَجُوزُ هَذَا الصُّلْحُ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي التَّرِكَةِ مِنْ جِنْسِ بَدَلِ الصُّلْحِ وَإِنْ كَانَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَصِيبُهَا مِنْ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ بَدَلِ الصُّلْحِ أَوْ أَقَلَّ فَيَكُونُ فِيهِ احْتِمَالُ الِاحْتِمَالِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا وَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ عَقَارًا وَأَرَاضِيَ وَحَيَوَانًا وَأَمْتِعَةً وَكُلُّ ذَلِكَ فِي أَيْدِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ إلَّا أَنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يَدْرِي مَا هُوَ فَصَالَحَهُمْ عَلَى مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ جَازَ وَقَدْ مَرَّ جِنْسُ هَذَا. (الْوَجْهِ الثَّانِي) إذَا كَانَ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ فَإِنْ أَدْخَلُوا الدَّيْنَ فِي الصُّلْحِ بِأَنْ صَالَحُوهَا مِنْ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ عَلَى مَالٍ أَوْ صَالَحُوهَا عَلَى أَنْ تَأْخُذَ هِيَ الدَّيْنَ مِنْ الْغَرِيمِ وَتَتْرُكَ حَقَّهَا فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَمَتَى فَسَدَ الصُّلْحُ فِي حِصَّةِ الدَّيْنِ فَسَدَ فِي حِصَّةِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَاحِدٌ، وَإِنْ لَمْ يُدْخِلُوا الدَّيْنَ فِي الصُّلْحِ صَحَّ الصُّلْحُ عَنْ بَاقِي التَّرِكَةِ وَبَقِيَ الدَّيْنُ عَلَى الْغَرِيمِ بَيْنَهُمْ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَهَذَا نَوْعُ حِيلَةٍ فِي تَصْحِيحِ هَذَا الصُّلْحِ أَنْ يَسْتَثْنُوا الدَّيْنَ وَيَذْكُرُوا فِي الْوَثِيقَةِ مَا خَلَا الدَّيْنَ، وَإِنْ أَرَادُوا إدْخَالَ الدَّيْنِ فِي الصُّلْحِ فَالْوَجْه أَنْ تَسْتَقْرِضَ الْمَرْأَةُ مِنْ الْوَرَثَةِ مِثْلَ نَصِيبِهَا مِنْ الدَّيْنِ ثُمَّ تُحِيلَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى الْغَرِيمِ لِيُعْطِيَهُمْ مِنْ نَصِيبِهَا وَيَقْبَلَ الْغَرِيمُ ذَلِكَ، ثُمَّ يُصَالِحُونَهَا عَنْ بَقِيَّةِ الْمَالِ فَيَصِيرَ جَمِيعُ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ مِلْكًا لَهُمْ أَوْ يُعَجِّلُوا لِلْمَرْأَةِ نَصِيبَهَا يَعْنِي الْوَرَثَةَ مِنْ الدَّيْنِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مُتَطَوِّعِينَ عَنْ الْغَرِيمِ، فَإِنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ عَنْ غَيْرِهِ مُتَطَوِّعًا جَائِزٌ ثُمَّ يُصَالِحُونَهَا عَمَّا بَقِيَ فَالْإِقْرَاضُ أَنْفَعُ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ، حَتَّى أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَصِلُوا إلَى حَقِّهِمْ مِنْ الدُّيُونِ يَرْجِعُونَ بِمَا أَدَّوْا عَلَى الْمَرْأَةِ، أَمَّا لَوْ عَجَّلُوا نَصِيبَهَا مُتَطَوِّعِينَ لَا يَصِلُونَ إلَى مَا أَدَّوْا لَا مِنْ جِهَةِ الْغَرِيمِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا رُجُوعَ لِلْمُتَطَوِّعِ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ أَبَتْ الْوَرَثَةُ أَنْ يُقْرِضُوا نَصِيبَهَا مِنْ الدَّيْنِ فَالْحِيلَةُ أَنْ تَسْتَقْرِضَ نَصِيبَهَا مِنْ الدَّيْنِ مِنْ رَجُلٍ وَيُعَجَّلُ نَصِيبُهَا مِنْ الدَّيْنِ ثُمَّ يُصَالِحُونَهَا مِنْ الْمَالِ الْعَيْنِ، فَإِنْ أَبَى الْغَرِيمُ أَنْ يُقْرِضَ نَصِيبَهَا فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَ الْوَرَثَةُ أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَرَضًا مِنْ عُرُوضِهِ مِنْ الْمَرْأَةِ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً بِخَمْسِينَ الَّذِي هُوَ نَصِيبُهَا وَقَدْ يَفْعَلُ الْوَارِثُ هَذَا لِأَجْلِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ صِحَّةُ الصُّلْحِ وَخُرُوجُهَا مِنْ الْبَيْنِ ثُمَّ تُحِيلُ الْمَرْأَةُ بِثَمَنِ ذَلِكَ الْعَرْضِ عَلَى الْغَرِيمِ ثُمَّ يُصَالِحُونَهَا مِنْ الْمَالِ الْعَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ لَا تُجِيبُ إلَى ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يُتْوَى الْمَالُ عَلَى الْغَرِيمِ وَيَرْجِعُ الْوَارِثُ عَلَيْهَا بِثَمَنِ الْعَرَضِ فَالْحِيلَةُ أَنْ تُقِرَّ الْمَرْأَةُ بِاسْتِيفَاءِ نَصِيبِهَا مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْغَرِيمِ.
وَتَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهَا بِالِاسْتِيفَاءِ ثُمَّ يُصَالِحُونَهَا مِنْ الْمَالِ الْعَيْنِ عَلَى مَا وَصَفْنَا، وَفِي الْمُنْتَقَى قَالَ هِشَامٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي نَوَادِرِهِ: قُلْت لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: مَا نَقُولُ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِخِدْمَةِ عَبْدٍ لَهُ سَنَةً فَمَاتَ الْمُوصِي فَأَرَادَ الْوَارِثُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الْمُوصَى لَهُ وَصِيَّتَهُ فِي الْعَبْدِ؟ لَا يَجُوزُ فَإِنَّهُ إذَا مَاتَ لَا يُورَثُ حَقُّ وَصِيَّتِهِ كَمَا لَا يُورَثُ حَقُّ الشَّفِيعِ فِي الشُّفْعَةِ وَلِأَنَّ حَقَّهُ لَا مَالِيَّةَ لَهُ وَلَا ثَمَنَ، وَعَقْدُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَقْدٌ خَاصٌّ يَرِدُ عَلَى مَالِهِ ثَمَنٌ وَلَهُ مَالِيَّةٌ، وَعَنْ هَذَا قُلْنَا: إنَّ
следующие страницы →