Полный текст (3 205 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
الْكَفِيلَ فِي الْبَيْعِ بِالثَّمَنِ أَوْ بِالْعُهْدَةِ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
[الْفَصْلُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ فِي الْكَفَالَةِ]
(الْفَصْلُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ فِي الْكَفَالَةِ) رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ رَجُلٍ كَفِيلًا لَا يَقْدِرُ الْكَفِيلُ أَنْ يَبْرَأَ عَنْ الْكَفَالَةِ بِتَسْلِيمِ الْمَكْفُولِ بِهِ مَا الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: الْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الْكَفِيلُ: قَدْ كَفَلْت لَك بِنَفْسِ فُلَانٍ عَلَى أَنِّي كُلَّمَا دَفَعْته إلَيْك فَأَنَا كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ كَفَالَةً مُجَدَّدَةً فَهَذَا جَائِزٌ، وَإِنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَيْسَ عَنْ أَصْحَابِنَا فِيهِ رِوَايَةٌ، وَفِي الْوَكَالَةِ فِي نَظِيرِهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ مِنْ أَهْلِ الشُّرُوطِ، وَهُوَ مَا إذَا وَكَّلَ رَجُلًا فِي حَادِثَةٍ ثُمَّ قَالَ لِلْوَكِيلِ: كُلَّمَا عَزَلْتُك فَأَنْت وَكِيلِي عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَتَجَدَّدُ الْوَكَالَةُ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي زَيْدٍ الشُّرُوطِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَتَجَدَّدُ وَالْكَفَالَةُ عَلَى قِيَاسِهَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
[الْفَصْلُ الثَّانِي وَالْعُشْرُونَ فِي الْحَوَالَةِ]
(الْفَصْلُ الثَّانِي وَالْعُشْرُونَ فِي الْحَوَالَةِ) رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ وَأَرَادَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ أَنْ يُحِيلَهُ عَلَى رَجُلٍ بِهَذَا الْمَالِ عَلَى أَنَّهُ إنْ مَاتَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا لَا يَرْجِعُ الطَّالِبُ عَلَى الْمُحِيلِ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ، وَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقِرَّ الْمُحِيلُ وَالْمُحْتَالُ لَهُ، فِي كِتَابِ الْحَوَالَةِ أَنَّ هَذَا الْمُحِيلَ أَحَالَ بِهَذَا الْمَالِ عَلَى فُلَانٍ وَيُسَمِّيَانِ رَجُلًا مَجْهُولًا لَا يُعْرَفُ وَقَبِلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْحَوَالَةَ ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ أَحَالَ هَذَا الْمُحْتَالَ لَهُ بِهَذَا الْمَالِ عَلَى هَذَا الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ فَإِذَا فَعَلَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ثُمَّ مَاتَ هَذَا الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا لَا يَكُونُ لِلْمُحْتَالِ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمُحِيلَ الْأَوَّلَ مَا أَحَالَ الْمُحْتَالَ لَهُ عَلَى هَذَا الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ، إنَّمَا أَحَالَهُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ وَلَمْ يَعْرِفْ مَوْتَ ذَلِكَ الرَّجُلِ عَنْ إفْلَاسٍ.
وَإِذَا أَرَادَ الْمَطْلُوبُ أَنْ يُحِيلَ الطَّالِبَ بِالْمَالِ عَلَى غَرِيمٍ لَهُ فَقَالَ الطَّالِبُ لِلْمَطْلُوبِ: أَنْتَ عِنْدِي أَوْثَقُ مِنْ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ وَلَا آمَنُ أَنْ يَتْوَى مَالِي إنْ أَحَلْت بِهِ عَلَيْهِ وَطَلَبَ حِيلَةً حَتَّى لَا يَبْرَأَ الْأَصِيلُ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَضْمَنَ غَرِيمُ الْمَطْلُوبِ لِلطَّالِبِ عَنْ الْمَطْلُوبِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَلَا يَبْرَأُ الْأَصِيلُ وَكَانَ لِلطَّالِبِ أَنْ يَأْخُذَ أَيَّهُمَا شَاءَ فَيَحْصُلَ مَقْصُودُهُمَا جَمِيعًا (وَجْهٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ) أَنْ يُوَكِّلَ الْمَطْلُوبُ الطَّالِبَ حَتَّى يَقْبِضَ الدَّيْنَ وَيَجْعَلَهُ قِصَاصًا بِمَالِهِ فَيَجُوزُ، أَمَّا التَّوْكِيلُ
стр. 3152
بِقَبْضِ الدَّيْنِ فَجَوَازُهُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا جَعْلُ الْمَقْبُوضِ قِصَاصًا بِمَالِهِ ظَاهِرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ طَرِيقَ قَضَاءِ الدَّيْنِ هَذَا عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ، فَإِنْ قَالَ الْمَطْلُوبُ: أَخَافُ أَنْ يَقْبِضَ الطَّالِبُ مِنْ غَرِيمِي، وَيَقُولَ: ضَاعَ قَبْلَ أَنْ أَقْبِضَهُ لِنَفْسِي، وَيَكُونَ الْقَوْلُ لَهُ فِي ذَلِكَ. مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ لَمَّا وَكَّلَ الطَّالِبَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ مِنْ غَرِيمِهِ وَلَمْ يَقُلْ: اقْبِضْهُ لِنَفْسِك يَقَعُ قَبْضُ الطَّالِبِ لِلْمَطْلُوبِ أَوَّلًا ثُمَّ يَحْتَاجُ الطَّالِبُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ لِنَفْسِهِ لِيَقَعَ الْقَبْضُ لِلطَّالِبِ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ فِي يَدِ الْوَكِيلِ أَمَانَةٌ وَالْقَبْضَ لِنَفْسِهِ قَبْضُ ضَمَانٍ، وَقَبْضُ الْأَمَانَةِ لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الضَّمَانِ فَيَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ لِنَفْسِهِ.
وَإِذَا قَالَ هَلَكَ الْمَقْبُوضُ قَبْلَ أَنْ أَقْبِضَ لِنَفْسِي فَقَدْ ادَّعَى هَلَاكَ الْأَمَانَةِ قَبْلَ إحْدَاثِ سَبَبِ الضَّمَانِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ فَإِذَا عَرَفْت تَفْسِيرَ الْمَسْأَلَةِ فَالثِّقَةُ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ الْمَطْلُوبُ غَرِيمَهُ هَذَا أَنْ يَضْمَنَ عَنْهُ الْمَالَ لِلطَّالِبِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ بِهِ أَيَّهُمَا شَاءَ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ صَارَ الْمَالُ عَلَيْهِمَا فَإِذَا أَخَذَ الطَّالِبُ مِنْ غَرِيمِ الْمَطْلُوبِ شَيْئًا يَصِيرُ آخِذًا لِنَفْسِهِ، وَلَوْ هَلَكَ يُهْلَكُ عَلَيْهِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ فِي الصُّلْحِ]
(الْفَصْلُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ فِي الصُّلْحِ) قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي حِيَلِ الْأَصْلِ: رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ صَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ يُؤَدِّيهَا إلَيْهِ فِي هِلَالِ شَهْرِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ مِائَتَا دِرْهَمٍ جَازَ هَذَا الصُّلْحُ فِي قَوْلِنَا وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَالْوَضْعِ لَمْ يَذْكُرْهَا مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الصُّلْحِ إنَّمَا هِيَ مِنْ خَصَائِصِ كِتَابِ الْحِيَلِ، وَالْحُكْمُ فِيهَا أَنَّ الْمَطْلُوبَ إذَا أَدَّى مِائَةً فِي الْوَقْتِ الْمَشْرُوطِ بَرِئَ عَنْ الْبَاقِي وَإِذَا لَمْ يُؤَدِّ فَعَلَيْهِ مِائَتَا دِرْهَمٍ.
وَإِنَّمَا الْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ: (أَحَدُهَا) إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقَالَ صَاحِبُ الْمَالِ لِلْمَدْيُونِ: حَطَطْتُ عَنْك خَمْسَمِائَةٍ لِتُؤَدِّي خَمْسَمِائَةٍ غَدًا إلَيَّ، أَوْ قَالَ: لِتُؤَدِّي إلَيَّ خَمْسَمِائَةٍ غَدًا وَقَبِلَ الْآخَرُ، وَذَكَرَ أَنَّ الصُّلْحَ وَالْحَطَّ جَائِزَانِ أَدَّى الْمَدْيُونُ إلَيْهِ خَمْسَمِائَةٍ غَدًا أَوْ لَمْ يُؤَدِّ. (الثَّانِي) إذَا قَالَ: حَطَطْتُ عَنْك خَمْسَمِائَةٍ عَلَى أَنْ تُعَجِّلَنِي خَمْسَمِائَةٍ فَإِنْ لَمْ تُعَجِّلْ فَالْأَلْفُ عَلَيْك عَلَى حَالِهَا، وَقَبِلَ الْآخَرُ وَذَكَرَ أَنَّ الْمَدْيُونَ إنْ عَجَّلَ خَمْسَمِائَةٍ فَهُوَ بَرِيءٌ عَنْ الْخَمْسِمِائَةِ الْأُخْرَى وَإِنْ لَمْ يُعَجِّلْ فَالْأَلْفُ عَلَيْهِ بِحَالِهَا وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْأَلْفَ عَلَى الْمَدْيُونِ عَلَى حَالِهَا عَجَّلَ الْخَمْسَمِائَةِ أَوْ لَمْ يُعَجِّلْ، وَبِالْقِيَاسِ أَخَذَ بَعْضُ النَّاسِ.
(الثَّالِثُ) إذَا قَالَ: حَطَطْتُ عَنْك خَمْسَمِائَةٍ عَلَى أَنْ تُعَجِّلَنِي خَمْسَمِائَةٍ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، وَذَكَرَ فِيهِ خِلَافًا فَقَالَ: عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّ عَجَّلَ خَمْسَمِائَةٍ بَرِئَ عَنْ الْخَمْسِمِائَةِ الْأُخْرَى، وَإِنْ لَمْ يُعَجِّلْ فَالْأَلْفُ عَلَيْهِ عَلَى حَالِهَا وَبَطَلَ الصُّلْحُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَبْطُلُ الصُّلْحُ وَعَلَى الْمَطْلُوبِ خَمْسُمِائَةٍ عَجَّلَ الْخَمْسَمِائَةِ أَوْ لَمْ يُعَجِّلْ، فَهَذَا جُمْلَةُ مَا أَوْرَدَهُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الصُّلْحِ (جِئْنَا إلَى مَسْأَلَةِ كِتَابِ الْحِيَلِ) فَصُورَتُهَا وَحُكْمُهَا مَا ذَكَرْنَا وَإِنَّمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مَسْأَلَةِ كِتَابِ الْحِيَلِ لَيُبَيِّنَ أَنَّ
стр. 3153
هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الِاتِّفَاقِ لَا خِلَافَ فِيهَا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ كِتَابِ الصُّلْحِ، فَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ كِتَابِ الْحِيَلِ فَفِيهَا مُخَالِفٌ قِيلَ: الْمُخَالِفُ زُفَرُ، وَقِيلَ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى.
فَإِنْ طَلَبَا حِيلَةً حَتَّى يَجُوزَ هَذَا أَيْضًا بِلَا خِلَافٍ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَ: يَحُطُّ رَبُّ الْمَالِ عَنْ الْمَدْيُونِ ثَمَانَمِائَةٍ يَبْقَى مِائَتَا دِرْهَمٍ فَصَالَحَهُ مِنْ هَاتَيْنِ الْمِائَتَيْنِ عَلَى مِائَةٍ يُؤَدِّيهَا إلَيْهِ فِي وَقْتِ كَذَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا صُلْحَ بَيْنَهُمَا.
وَمِثْلُ هَذَا الصُّلْحِ جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: فِي هَذِهِ الْحِيلَةِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فِيهَا تَعْلِيقُ الْبَرَاءَةِ عَمَّا زَادَ عَلَى الْمِائَةِ إلَى تَمَامِ الْمِائَتَيْنِ، أَيْضًا وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ الْحِيَلِ أَنَّ هَذَا الصُّلْحَ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَفِي الْوَاقِعَاتِ السَّمَرْقَنْدِيَّة إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ صَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ إلَى شَهْرٍ فَإِنْ لَمْ يُعْطِهَا إلَى شَهْرٍ فَمِائَتَا دِرْهَمٍ فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الصُّلْحُ حَطَّا؛ لِأَنَّ الْمَحْطُوطَ مَجْهُولٌ وَهُوَ تِسْعُمِائَةٍ إنْ أَوْفَاهُ مِائَةً فِي الْوَقْتِ الْمَشْرُوطِ وَإِنْ لَمْ يُوفِهِ فَالْمَحْطُوطُ ثَمَانُمِائَةٍ، وَجَهَالَةُ الْمَحْطُوطِ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْحَطِّ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِي مَسْأَلَةِ الْحِيَلِ كَذَلِكَ فَيَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ.
(رَجُلٌ) مَاتَ وَتَرَكَ ابْنًا وَامْرَأَةً وَفِي أَيْدِيهِمَا دَارٌ جَاءَ رَجُلٌ وَادَّعَى أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ دَارُهُ فَصَالَحَاهُ مِنْ دَعْوَاهُ عَلَى مَالٍ؛ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: إنْ كَانَا صَالَحَاهُ عَلَى غَيْرِ إقْرَارٍ فَالْمَالُ عَلَيْهِمَا أَثْمَانًا وَالدَّارُ بَيْنَهُمَا أَثْمَانًا، وَإِنْ كَانَا صَالَحَاهُ عَلَى إقْرَارٍ مِنْهُمَا فَالدَّارُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَالْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَإِنْ طَلَبًا حِيلَةً حَتَّى يَكُونَ الصُّلْحُ عَنْ إقْرَارٍ وَتَكُونَ الدَّارُ بَيْنَهُمَا أَثْمَانًا وَالْمَالُ بَيْنَهُمَا أَثْمَانًا فَالْحِيلَةُ أَنْ يُصَالِحَ رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُمَا عَلَى إقْرَارٍ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَلِلِابْنِ سَبْعَةَ أَثْمَانٍ، فَإِذَا وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صَحَّ الصُّلْحُ وَكَانَتْ الدَّارُ بَيْنَهُمَا أَثْمَانًا ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُصَالِحُ عَلَيْهِمَا بِبَدَلِ الصُّلْحِ أَثْمَانًا إنْ كَانَا أَمَرَاهُ بِالصُّلْحِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْأَجْنَبِيِّ لَا يَصِحُّ فِي حَقِّهِمَا فَكَانَ صُلْحُهُ مُسْقِطًا دَعْوَى الْمُدَّعِي فَإِذَا سَقَطَتْ دَعْوَاهُ صَارَتْ الدَّارُ مَمْلُوكَةً لَهُمَا بِجِهَةِ الْإِرْثِ فَتَكُونُ عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَبَدَلُ الصُّلْحِ يَكُونُ كَذَلِكَ.
وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي شَرْحِ حِيَلِ الْأَصْلِ وَقَالَ: الْحِيلَةُ أَنْ يُقِرَّا لِلْمُدَّعِي بِالدَّارِ ثُمَّ يُصَالِحَاهُ مِنْهَا عَلَى كَذَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْمَرْأَةِ ثُمُنُ الدَّارِ وَلِلِابْنِ سَبْعَةُ أَثْمَانِ الدَّارِ، فَإِذَا صَرَّحَا بِذَلِكَ كَانَ الْمِلْكُ فِي الدَّارِ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا صَرَّحَا بِهِ وَالثُّمُنُ كَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَيَا دَارًا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا ثُمُنُهَا وَلِلْآخَرِ سَبْعَةُ أَثْمَانٍ.
(رَجُلٌ) مَاتَ وَتَرَكَ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ أَوْ عُرُوضًا فَأَرَادَ وَرَثَةُ الزَّوْجِ أَنْ يُصَالِحُوا الْمَرْأَةَ مِنْ حِصَّتِهَا مِنْ التَّرِكَةِ عَلَى دَرَاهِمَ أَوْ عَلَى دَنَانِيرَ اعْلَمْ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَا تَخْلُو مِنْ وَجْهَيْنِ: (الْأَوَّلُ) إذَا لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ وَقَدْ تَرَكَ الزَّوْجُ دَرَاهِمَ وَعُرُوضًا وَصُولِحَتْ عَلَى دَرَاهِمَ، إنْ كَانَ مَا أَخَذَتْ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ جَازَ وَيُجْعَلُ الْمِثْلُ مِنْ الدَّرَاهِمِ بِالْمِثْلِ وَالْبَاقِي بِمُقَابَلَةِ الْعُرُوضِ، غَيْرَ أَنَّ مَا يَخُصُّ الدَّرَاهِمَ مِنْ الدَّرَاهِمِ يَكُونُ صَرْفًا فَيُشْتَرَطُ قَبْضُ الْبَدَلَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ إذَا كَانَتْ الْوَرَثَةُ مُقِرِّينَ بِالتَّرِكَةِ غَيْرَ مَانِعِينَ
стр. 3154
لِنَصِيبِهَا مِنْ التَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ نَصِيبَهَا مِنْ التَّرِكَةِ أَمَانَةٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي أَيْدِيهِمْ وَقَبْضُ الْأَمَانَةِ لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الضَّمَانِ فَإِنْ صَارَ نَصِيبُهَا مَضْمُونًا عَلَى الْوَرَثَةِ بِأَنْ كَانُوا جَاحِدِينَ لِلتَّرِكَةِ أَوْ مُقِرِّينَ إلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا مَانِعِينَ نَصِيبَهَا مِنْ التَّرِكَةِ الْآنَ لَا يُحْتَاجُ إلَى قَبْضِ الْبَدَلَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْغَصْبِ يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الضَّمَانِ وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى قَبْضِ بَدَلِ الصُّلْحِ لَا غَيْرُ.
وَإِنْ كَانَ مَا أَخَذَتْ مِثْلَ نَصِيبِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى الْعَرْضُ خَالِيًا عَنْ الْعِوَضِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَا أَخَذَتْ أَقَلَّ مِنْ نَصِيبِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى الْعَرْضُ مَعَ بَعْضِ الدَّرَاهِمِ خَالِيًا عَنْ الْعِوَضِ فَتَعَذَّرَ تَجْوِيزُ هَذَا الصُّلْحِ بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ وَتَعَذَّرَ تَجْوِيزُهُ بِطَرِيقِ الْإِبْرَاءِ عَنْ الْبَاقِي؛ لِأَنَّ التَّرِكَةَ عَيْنٌ، وَالْإِبْرَاءُ عَنْ الْأَعْيَانِ بَاطِلٌ. قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنَّمَا يَبْطُلُ الصُّلْحُ عَلَى مِثْلِ نَصِيبِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ عَلَى أَقَلَّ مِنْ نَصِيبِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ حَالَةَ التَّصَادُقِ، وَأَمَّا حَالَةَ الْمُنَاكَرَةِ فَالصُّلْحُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْمُنَاكَرَةِ الْمُعْطِي يُعْطِي الْمَالَ لِقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ وَتَفْدِيَةِ يَمِينِهِ فَلَا يَتَمَكَّنُ الرِّبَا، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الصُّلْحِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ نَصِيبِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ الَّتِي تَرَكَهَا الزَّوْجُ لَمْ يَجُزْ الصُّلْحُ؛ لِأَنَّ هَذَا الصُّلْحَ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ صَحِيحٌ مِنْ وَجْهٍ فَكَانَتْ الْعِبْرَةُ لِجَانِبِ الْفَسَادِ.
وَإِنْ صُولِحَتْ عَلَى عَرْضٍ أَوْ دَنَانِيرَ جَازَ وَإِنْ قَلَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ الرِّبَا فِي خِلَافِ الْجِنْسِ وَهَذَا هُوَ الْحِيلَةُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَإِنْ كَانَتْ تَرِكَةُ الزَّوْجِ دَنَانِيرَ أَوْ عُرُوضًا فَصُولِحَتْ عَلَى دَنَانِيرَ فَهُوَ عَلَى التَّفَاصِيلِ الَّتِي قُلْنَا فِي الدَّرَاهِمِ، وَإِنْ صُولِحَتْ عَلَى دَرَاهِمَ جَازَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِنْ كَانَتْ فِي تَرِكَةِ الزَّوْجِ دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ وَعُرُوضٌ فَصُولِحَتْ عَلَى دَرَاهِمَ أَوْ عَلَى دَنَانِيرَ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا كَانَ بَدَلُ الصُّلْحِ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهَا مِنْ ذَلِكَ النَّقْدِ حَتَّى يَكُونَ الْمِثْلُ بِالْمِثْلِ مِنْ النَّقْدِ وَالْبَاقِي بِإِزَاءِ الْعُرُوضِ وَالنَّقْدِ لِلْآخَرِ، وَإِنْ صُولِحَتْ عَلَى دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ جَازَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَيُصْرَفُ الْجِنْسُ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ وَهَذَا هُوَ الْحِيلَةُ فِي هَذَا الْبَابِ، إلَّا أَنَّ مَا يَخُصُّ الدَّرَاهِمَ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَمَا يَخُصُّ الدَّنَانِيرَ مِنْ الدَّرَاهِمِ صَرْفٌ فَيُشْتَرَطُ قَبْضُ الْبَدَلَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ وَمَا يَخُصُّ الْعُرُوضَ لَيْسَ بِصَرْفٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ قَبْضُ الْبَدَلَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الْحِيلَةَ مُسْتَقِيمَةٌ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ عِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْرِفُ الْجِنْسَ إلَى خِلَافِ الْجِنْسِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِكْرَاهِ.
فَالثِّقَةُ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ أَنْ يُصَالِحُوهَا مِنْ جَمِيعِ نَصِيبِهَا مِنْ جَمِيعِ تَرِكَةِ الزَّوْجِ عَلَى عَرْضٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، ثُمَّ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجُوزُ هَذَا الصُّلْحُ لَا يُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ حِصَّتِهَا مِنْ جُمْلَةِ التَّرِكَةِ وَهَذَا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ جَوَازَ هَذَا الصُّلْحِ بِطَرِيقِ الْبَيْعِ إلَّا أَنَّ هَذَا بَيْعٌ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّسْلِيمِ وَبَيْعُ مَا لَمْ يَعْلَمْ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي مِقْدَارَهُ إذَا كَانَ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّسْلِيمِ جَائِزٌ، أَلَا يَرَى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَ مِنْ فُلَانٍ شَيْئًا أَوْ أَقَرَّ أَنَّ فُلَانًا أَوْدَعَهُ شَيْئًا ثُمَّ إنَّ الْمُقِرَّ اشْتَرَى ذَلِكَ الشَّيْءَ مِنْ الْمُقَرِّ لَهُ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَا لَا يَعْرِفَانِ مِقْدَارَهُ كَذَا هُنَا، فَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ مَجْهُولَةً لَا يُدْرَى مَا هِيَ ذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ
стр. 3155
كِتَابِ الشُّرُوطِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ احْتِمَالِ الرِّبَا بِأَنْ كَانَ فِي التَّرِكَةِ مَكِيلٌ أَوْ مَوْزُونٌ وَنَصِيبُهَا مِنْ ذَلِكَ مِثْلُ بَدَلِ الصُّلْحِ أَوْ أَكْثَرُ.
وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَجُوزُ هَذَا الصُّلْحُ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي التَّرِكَةِ مِنْ جِنْسِ بَدَلِ الصُّلْحِ وَإِنْ كَانَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَصِيبُهَا مِنْ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ بَدَلِ الصُّلْحِ أَوْ أَقَلَّ فَيَكُونُ فِيهِ احْتِمَالُ الِاحْتِمَالِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا وَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ عَقَارًا وَأَرَاضِيَ وَحَيَوَانًا وَأَمْتِعَةً وَكُلُّ ذَلِكَ فِي أَيْدِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ إلَّا أَنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يَدْرِي مَا هُوَ فَصَالَحَهُمْ عَلَى مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ جَازَ وَقَدْ مَرَّ جِنْسُ هَذَا. (الْوَجْهِ الثَّانِي) إذَا كَانَ فِي التَّرِكَةِ دَيْنٌ فَإِنْ أَدْخَلُوا الدَّيْنَ فِي الصُّلْحِ بِأَنْ صَالَحُوهَا مِنْ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ عَلَى مَالٍ أَوْ صَالَحُوهَا عَلَى أَنْ تَأْخُذَ هِيَ الدَّيْنَ مِنْ الْغَرِيمِ وَتَتْرُكَ حَقَّهَا فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَمَتَى فَسَدَ الصُّلْحُ فِي حِصَّةِ الدَّيْنِ فَسَدَ فِي حِصَّةِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَاحِدٌ، وَإِنْ لَمْ يُدْخِلُوا الدَّيْنَ فِي الصُّلْحِ صَحَّ الصُّلْحُ عَنْ بَاقِي التَّرِكَةِ وَبَقِيَ الدَّيْنُ عَلَى الْغَرِيمِ بَيْنَهُمْ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَهَذَا نَوْعُ حِيلَةٍ فِي تَصْحِيحِ هَذَا الصُّلْحِ أَنْ يَسْتَثْنُوا الدَّيْنَ وَيَذْكُرُوا فِي الْوَثِيقَةِ مَا خَلَا الدَّيْنَ، وَإِنْ أَرَادُوا إدْخَالَ الدَّيْنِ فِي الصُّلْحِ فَالْوَجْه أَنْ تَسْتَقْرِضَ الْمَرْأَةُ مِنْ الْوَرَثَةِ مِثْلَ نَصِيبِهَا مِنْ الدَّيْنِ ثُمَّ تُحِيلَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى الْغَرِيمِ لِيُعْطِيَهُمْ مِنْ نَصِيبِهَا وَيَقْبَلَ الْغَرِيمُ ذَلِكَ، ثُمَّ يُصَالِحُونَهَا عَنْ بَقِيَّةِ الْمَالِ فَيَصِيرَ جَمِيعُ الدَّيْنِ وَالْعَيْنِ مِلْكًا لَهُمْ أَوْ يُعَجِّلُوا لِلْمَرْأَةِ نَصِيبَهَا يَعْنِي الْوَرَثَةَ مِنْ الدَّيْنِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مُتَطَوِّعِينَ عَنْ الْغَرِيمِ، فَإِنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ عَنْ غَيْرِهِ مُتَطَوِّعًا جَائِزٌ ثُمَّ يُصَالِحُونَهَا عَمَّا بَقِيَ فَالْإِقْرَاضُ أَنْفَعُ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ، حَتَّى أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَصِلُوا إلَى حَقِّهِمْ مِنْ الدُّيُونِ يَرْجِعُونَ بِمَا أَدَّوْا عَلَى الْمَرْأَةِ، أَمَّا لَوْ عَجَّلُوا نَصِيبَهَا مُتَطَوِّعِينَ لَا يَصِلُونَ إلَى مَا أَدَّوْا لَا مِنْ جِهَةِ الْغَرِيمِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا رُجُوعَ لِلْمُتَطَوِّعِ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ أَبَتْ الْوَرَثَةُ أَنْ يُقْرِضُوا نَصِيبَهَا مِنْ الدَّيْنِ فَالْحِيلَةُ أَنْ تَسْتَقْرِضَ نَصِيبَهَا مِنْ الدَّيْنِ مِنْ رَجُلٍ وَيُعَجَّلُ نَصِيبُهَا مِنْ الدَّيْنِ ثُمَّ يُصَالِحُونَهَا مِنْ الْمَالِ الْعَيْنِ، فَإِنْ أَبَى الْغَرِيمُ أَنْ يُقْرِضَ نَصِيبَهَا فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَ الْوَرَثَةُ أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَرَضًا مِنْ عُرُوضِهِ مِنْ الْمَرْأَةِ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً بِخَمْسِينَ الَّذِي هُوَ نَصِيبُهَا وَقَدْ يَفْعَلُ الْوَارِثُ هَذَا لِأَجْلِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ صِحَّةُ الصُّلْحِ وَخُرُوجُهَا مِنْ الْبَيْنِ ثُمَّ تُحِيلُ الْمَرْأَةُ بِثَمَنِ ذَلِكَ الْعَرْضِ عَلَى الْغَرِيمِ ثُمَّ يُصَالِحُونَهَا مِنْ الْمَالِ الْعَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ لَا تُجِيبُ إلَى ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يُتْوَى الْمَالُ عَلَى الْغَرِيمِ وَيَرْجِعُ الْوَارِثُ عَلَيْهَا بِثَمَنِ الْعَرَضِ فَالْحِيلَةُ أَنْ تُقِرَّ الْمَرْأَةُ بِاسْتِيفَاءِ نَصِيبِهَا مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْغَرِيمِ.
وَتَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهَا بِالِاسْتِيفَاءِ ثُمَّ يُصَالِحُونَهَا مِنْ الْمَالِ الْعَيْنِ عَلَى مَا وَصَفْنَا، وَفِي الْمُنْتَقَى قَالَ هِشَامٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي نَوَادِرِهِ: قُلْت لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: مَا نَقُولُ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِخِدْمَةِ عَبْدٍ لَهُ سَنَةً فَمَاتَ الْمُوصِي فَأَرَادَ الْوَارِثُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الْمُوصَى لَهُ وَصِيَّتَهُ فِي الْعَبْدِ؟ لَا يَجُوزُ فَإِنَّهُ إذَا مَاتَ لَا يُورَثُ حَقُّ وَصِيَّتِهِ كَمَا لَا يُورَثُ حَقُّ الشَّفِيعِ فِي الشُّفْعَةِ وَلِأَنَّ حَقَّهُ لَا مَالِيَّةَ لَهُ وَلَا ثَمَنَ، وَعَقْدُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَقْدٌ خَاصٌّ يَرِدُ عَلَى مَالِهِ ثَمَنٌ وَلَهُ مَالِيَّةٌ، وَعَنْ هَذَا قُلْنَا: إنَّ
стр. 3156
بَيْعَ الْمَنَافِعِ بَاطِلٌ وَالْإِجَارَةُ لَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ عَقْدٌ يَرِدُ عَلَى مَا لَهُ مَالِيَّةٌ وَالْمَنَافِعُ لَا مَالِيَّةَ فِيهَا فَلَا يَرِدُ عَلَيْهَا الْبَيْعُ، كَذَا هُنَا فِي مَسْأَلَتِنَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَقُّ الشُّفْعَةِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِي إذَا اشْتَرَى مِنْ الشَّفِيعِ حَقَّهُ بِمَالٍ كَانَ الشِّرَاءُ بَاطِلًا وَكَانَ ذَلِكَ تَسْلِيمًا لِلشُّفْعَةِ وَإِبْطَالًا لَحَقِّهِ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَجَدْت هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُشْكِلَةً لَيْسَ لَهَا فِي الْأُمَّةِ مَنْ يَفْتَحُهَا، وَإِنَّمَا تُشْكِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِإِشْكَالِ هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَرِدُ إلَّا عَلَى مَا لَهُ مَالِيَّةٌ وَثَمَنِيَّةٌ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَسَائِلِ وَتُشْكِلُ هَذِهِ بِمَسْأَلَةِ الطَّلَاق فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إذَا قَالَتْ لِزَوْجِهَا: اشْتَرَيْت طَلَاقِي مِنْك بِكَذَا، فَقَالَ الزَّوْجُ: بِعْت؛ صَحَّ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ. وَكَذَا لَوْ بَاعَ الزَّوْجُ مِنْهَا طَلَاقَهَا بِمَالٍ أَوْ بَاعَ بِضْعَهَا مِنْهَا بِمَالٍ وَاشْتَرَتْ مِنْهُ يَصِحُّ وَيَجِبُ الْبَدَلُ وَلَا مَالِيَّةَ فِي نَفْسِهَا وَلَا ثَمَنِيَّةَ، وَكَذَا لَا مَالِيَّةَ فِي طَلَاقِهَا وَلَا ثَمَنِيَّةَ، وَمَعَ ذَلِكَ صَحَّ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، وَصِحَّةُ الطَّلَاقِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ تَقْتَضِي جَوَازَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، وَجَوَازَ بَيْعِ الْمَنَافِعِ وَجَوَازَ بَيْعِ الْوَصِيَّةِ، قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنَّ مَشَايِخَنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - تُكَلَّفُوا لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْكَرْخِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَعْيَاهُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا حَتَّى رَجَعَ عَنْ قَوْلِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ بِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ.
وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ فِي انْعِقَادِ الْإِجَارَةِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِجَوَازِ بَيْعِ الْمُوصَى لَهُ وَصِيَّتَهُ مِنْ الْوَارِثِ بِمَالٍ وَلَكِنَّ ظَاهِرَ الْمَبْسُوطِ يُخَالِفُهُ وَإِذَا لَمْ يَجُزْ لِلْوَارِثِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الْمُوصَى لَهُ وَصِيَّتَهُ بِمَالٍ كَيْفَ الْحِيلَةُ وَالثِّقَةُ لِلْوَارِثِ فِيهِ فَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يُصَالِحَ الْوَارِثُ الْمُوصَى لَهُ مِنْ وَصِيَّتِهِ عَلَى دَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ يَدْفَعُهَا إلَيْهِ فَيَجُوزُ وَيَبْطُلُ حَقُّ صَاحِبِ الْخِدْمَةِ وَيَصِيرُ الْعَبْدُ لِلْوَارِثِ يَصْنَعُ بِهِ مَا بَدَا لَهُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ هَذَا الصُّلْحُ؛ لِأَنَّ هَذَا الصُّلْحَ وَقَعَ عَلَى خِلَافِ جِنْسِ حَقِّهِ، وَالصُّلْحُ إذَا كَانَ وَاقِعًا عَلَى خِلَافِ جِنْسِ الْحَقِّ يُعْتَبَرُ مُعَاوَضَةً وَتَمْلِيكًا وَتَعَذَّرَ اعْتِبَارُ هَذَا الصُّلْحِ تَمْلِيكًا؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ مَلَكَ خِدْمَةَ الْعَبْدِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَمَنْ مَلَكَ مَنْفَعَةً بِغَيْرِ عِوَضٍ لَا يَمْلِكُ التَّمْلِيكَ مِنْ غَيْرِهِ بَعُوضٍ كَالْمُسْتَعِيرِ. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ الصُّلْحَ مَتَى تَعَذَّرَ اعْتِبَارُهُ تَمْلِيكًا فَإِنَّهُ مُعْتَبَرٌ إسْقَاطًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
[الْفَصْلُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ فِي الرَّهْنِ]
(الْفَصْلُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ فِي الرَّهْنِ) رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَرْهَنَ نِصْفَ دَارِهِ أَوْ نِصْفَ ضِيَاعِهِ شَائِعًا لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا، وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ فَإِنْ طَلَبَا حِيلَةً فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ نِصْفَ دَارِهِ أَوْ نِصْفَ ضِيَاعِهِ بِالْمَالِ الَّذِي يُرِيدُ اسْتِقْرَاضَهُ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ فِيهِ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِذَا تَقَابَضَا فَسَخَ الْمُشْتَرِي الْعَقْدَ فَيَبْقَى الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ عَلَى حُكْمِ الرَّهْنِ بِذَلِكَ الثَّمَنِ إنْ هَلَكَ هَلَكَ بِالثَّمَنِ وَإِنْ دَخَلَهُ عَيْبٌ ذَهَبَ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِهِ، هَكَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي حِيَلِهِ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرَى فِي
стр. 3157
خِيَارِ الشَّرْطِ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَ الْفَسْخِ مَضْمُونٌ بِالثَّمَنِ لَا بِالْقِيمَةِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي بُيُوعِ الْجَامِعِ فِي بَابِ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا الْمُشْتَرَى فِي خِيَارِ الشَّرْطِ لِلْبَائِعِ بَعْدَ الْفَسْخِ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ لَا بِالثَّمَنِ كَمَا قَبْلَ الْفَسْخِ وَالرَّدُّ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ بِقَضَاءِ نَظِيرِ الرَّدِّ بِخِيَارِ الشَّرْطِ لِلْمُشْتَرِي.
وَذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي حِيَلِ الْأَصْلِ وَقَالَ: الْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَ الْمُسْتَقْرِضُ نِصْفَ دَارِهِ مِنْ الْمُقْرِضِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ إلَى وَقْتِ كَذَا شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ رَدَّ الْمَالَ فِيهِ فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ فَالْخِيَارُ بَاطِلٌ وَالْبَيْعُ لَازِمٌ. وَقَدْ عُرِفَ مِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ وَلَكِنَّ هَذِهِ الْحِيلَةَ لَا تَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِلْبَائِعِ فَنَقَضَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ بَعْدَ مَا تَقَابَضَا فَالْجَوَابُ فِيهِ وَاحِدٌ إلَّا أَنَّ هَذَا الْمَبِيعَ يَكُونُ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ إنْ هَلَكَ أَوْ دَخَلَهُ عَيْبٌ وَيَسْقُطُ الدَّيْنُ بِطَرِيقِ الْمُقَاصَّةِ لَوْ كَانَ الدَّيْنُ مِثْلَ قِيمَتِهِ وَيُتَرَادَّانِ الْفَضْلَ إنْ كَانَ هُنَاكَ فَضْلٌ.
(رَجُلٌ) أَرَادَ أَنْ يَرْتَهِنَ مِنْ رَجُلٍ رَهْنًا وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالرَّهْنِ بِأَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ أَرْضًا أَرَادَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يَزْرَعَهَا أَوْ يَكُونَ دَارًا أَرَادَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يَسْكُنَهَا؛ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَرْتَهِنَ ذَلِكَ الشَّيْءَ وَيَقْبِضَهُ ثُمَّ يَسْتَعِيرَ الْمُرْتَهِنُ ذَلِكَ الشَّيْءَ مِنْ الرَّاهِنِ، فَإِذَا أَعَارَهُ إيَّاهُ وَأَذِنَ لَهُ بِالِانْتِفَاعِ طَابَ لَهُ ذَلِكَ وَالْعَارِيَّةُ لَا تَرْفَعُ الرَّهْنَ وَلَكِنْ مَا دَامَ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُرْتَهِنُ لَا يَظْهَرُ حُكْمُ الرَّهْنِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ لَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الِانْتِفَاعِ يَعُودُ رَهْنًا كَمَا كَانَ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ فَإِنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ يُبْطِلُ الرَّهْنَ وَالْمَسْأَلَةُ مَعْرُوفَةٌ ثُمَّ ذَكَرَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ إذَا تَرَكَ الِانْتِفَاعَ بِالدَّارِ وَفَرَّغَهَا تَعُودُ رَهْنًا فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ مَعَ تَرْكِ الِانْتِفَاعِ التَّفْرِيغَ شَرْطٌ لِيَعُودَ رَهْنًا. وَفِي الْمَبْسُوطِ قَالَ: إذَا تَرَكَ الِانْتِفَاعَ بِهِ عَادَ رَهْنًا، فَظَاهِرُ مَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَرْهُونُ دَارًا اسْتَعَارَهَا الْمُرْتَهِنُ مِنْ الرَّاهِنِ، وَنَقَلَ إلَيْهَا مَتَاعَهُ ثُمَّ تَرَكَ سُكْنَاهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ أَنَّهَا تَعُودُ رَهْنًا وَإِنْ لَمْ يُفَرِّغْ الدَّارَ. وَشَرَطَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - التَّفْرِيغَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْفَظَ هَذَا مِنْ الْخَصَّافِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(رَجُلٌ) فِي يَدَيْهِ رَهْنٌ وَالرَّاهِنُ غَائِبٌ فَأَرَادَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يُثْبِتَ الرَّهْنَ عِنْدَ الْقَاضِي حَتَّى يُسَجِّلَ لَهُ بِذَلِكَ وَيَحْكُمَ بِأَنَّهَا رَهْنٌ فِي يَدَيْهِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَأْمُرَ الْمُرْتَهِنُ رَجُلًا غَرِيبًا حَتَّى يَدَّعِيَ رَقَبَةَ هَذَا الرَّهْنِ وَيَقْدَمَ الْمُرْتَهِنُ إلَى الْقَاضِي فَيُقِيمَ الْمُرْتَهِنُ بَيِّنَةً عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُ رَهَنَ عِنْدَهُ فَيَسْمَعَ الْقَاضِي بَيِّنَتَهُ عَلَى الرَّهْنِ وَيَقْضِيَ بِكَوْنِهِ رَهْنًا عِنْدَهُ وَيَدْفَعَ خُصُومَةَ الْغَرِيبِ، فَهَذَا تَنْصِيصٌ مِنْ الْخَصَّافِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الرَّاهِنِ مَقْبُولَةٌ وَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ غَائِبًا. وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ وَشَوَّشَ فِيهِ الْجَوَابَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ شَرَطَ حَضْرَةَ الرَّاهِنِ لِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الرَّهْنِ وَالْمَشَايِخُ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ، بَعْضُهُمْ قَالُوا: مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ وَقَعَ غَلَطًا مِنْ الْكَاتِبِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تُقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ، كَمَا لَوْ أَقَامَ صَاحِبُ الْيَدِ بَيِّنَةً أَنَّ هَذَا الشَّيْءَ فِي يَدِهِ وَدِيعَةً مِنْ جِهَةِ فُلَانٍ أَوْ مُضَارَبَةً أَوْ غَصْبًا أَوْ إجَارَةً، وَبَعْضُهُمْ قَالُوا: فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ فِي إحْدَى
стр. 3158
الرِّوَايَتَيْنِ تُقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَهَنَهُ فَقَدْ اسْتَحْفَظَهُ فَإِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْحِفْظُ إلَّا بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَإِثْبَاتِ الْمِلْكِ لِلرَّاهِنِ صَارَ خَصْمًا فِي ذَلِكَ كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ وَأَشْبَاهِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَا تُقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ لِإِثْبَاتِ الرَّهْنِ عَلَى الْغَائِبِ وَإِلَيْهِ مَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَهَذَا؛ لِأَنَّ فِي قَبُولِ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ لِإِثْبَاتِ الرَّهْنِ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ وَلَا حَاجَةَ لِصَاحِبِ الْيَدِ إلَى إثْبَاتِ الرَّهْنِ لِدَفْعِ الْخُصُومَةِ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ بِمُجَرَّدِ الْيَدِ تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ مِنْهُ، كَمَا لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا وَدِيعَةٌ فِي يَدِهِ وَقَدْ أَجَابَ بِمِثْلِ هَذَا فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ فِي نَظَائِرِهِ، فَقَالَ: الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ إذَا أُسِرَ وَوَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ فَوَجَدَهُ الْمُرْتَهِنُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ رَهْنٌ عِنْدَهُ لِفُلَانٍ وَأَخَذَهُ لَا يَكُونُ هَذَا قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ بِالرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ الرَّهْنِ فَإِنَّ كَوْنَ الْعَبْدِ فِي يَدِهِ وَقْتَ الْأَسْرِ كَافٍ لَهُ؛ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ قَبُولَ الْبَيِّنَةِ لِإِثْبَاتِ الرَّهْنِ عَلَى الْغَائِبِ فِي مَسْأَلَتِنَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ. وَفِي جَامِعِ الْفَتَاوَى وَلَوْ أَرَادَ أَنْ لَا يُبْطِلَ الدَّيْنَ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ يَشْتَرِيَ مِنْهُ عَبْدًا بِذَلِكَ الدَّيْنِ وَلَا يَقْبِضُهُ فَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ لَا يَبْطُلُ دَيْنُهُ وَلَوْ مَاتَ الْمَطْلُوبُ فَالطَّالِبُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ، فَلَوْ قَضَى دَيْنَهُ فِي الْحَيَاةِ أَقَالَهُ الْبَيْعُ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ الْمَالَ مُضَارَبَةً وَيَكُونَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا يُقْرِضَهُ رَبُّ الْمَالِ إلَّا دِرْهَمًا، ثُمَّ يُشَارِكَهُ بِالدَّرَاهِمِ الْبَاقِيَةِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَا ثُمَّ عَمِلَ أَحَدُهُمَا يَجُوزُ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
[الْفَصْلُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْمُزَارَعَةِ]
(الْفَصْلُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْمُزَارَعَةِ) الْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لَهُمَا، قَالَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ حَتَّى تَجُوزَ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ أَنْ يَتَنَازَعَا إلَى قَاضٍ يَرَى الْمُزَارَعَةَ جَائِزَةً فَيَحْكُمُ بِجَوَازِهَا فَتَجُوزُ عِنْدَ الْكُلِّ. (وَحِيلَةٌ أُخْرَى) أَنْ يَكْتُبَا كِتَابَ الْإِقْرَارِ مِنْهُمَا يُقِرَّانِ فِيهِ أَنَّ رَقَبَةَ هَذِهِ الضَّيْعَةِ لِفُلَانٍ الَّذِي هُوَ مَالِكُهَا وَيُقِرَّانِ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ فِي يَدِ فُلَانٍ وَأَنَّ مُزَارَعَتَهَا لَهُ كَذَا كَذَا مِنْ السِّنِينَ فَيَزْرَعُهَا مَا بَدَا لَهُ مِنْ غَلَّةِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ بِبَذْرِهِ وَنَفَقَتِهِ وَأَعْوَانِهِ، فَمَا رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ غَلَّتِهَا فِي هَذِهِ السِّنِينَ فَهُوَ كُلُّهُ لَهُ، وَيُقِرَّانِ أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ صَارَ لَهُ بِأَمْرِ حَقٍّ وَاجِبٍ لَازِمٍ فَإِذَا أَقَرَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ نَفَذَ إقْرَارُهُمَا عَلَيْهِمَا وَيَكُونُ كُلُّ الْغَلَّةِ لِلْمَزَارِعِ ثُمَّ إنَّ هَذَا الْمَزَارِعَ يَحْتَالُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ فِي نِصْفِ الْغَلَّةِ أَيْضًا بِحِيلَةِ الْهِبَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا قَالَهُ الْخَصَّافُ فِي هَذِهِ الْحِيلَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا أَوَّلًا أَنَّهُمَا يَرْفَعَانِ إلَى قَاضٍ يَرَى جَوَازَ الْمُزَارَعَةِ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ يَرْفَعُ إلَى قَاضٍ مُوَلًّى حَتَّى يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ فَيَجُوزُ وَفِي كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ فِيهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ الْمُحَكَّمِ وَكَانَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: بَعْضُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - مَالُوا عَنْ تَجْوِيزِ حُكْمِ الْحَاكِمِ الْمُحَكَّمِ فِي هَذِهِ الْمُجْتَهَدَاتِ، وَقَالُوا: يُحْتَاجُ إلَى حُكْمِ قَاضٍ مُوَلًّى وَكَذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ
стр. 3159
الْمُضَافِ، يَعْنِي مَشَايِخَنَا مَالُوا عَنْ تَجْوِيزِ حُكْمِ الْحَاكِمِ الْمُحَكَّمِ فِيهِ، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجُوزُ حُكْمُ الْحَاكِمِ الْمُحَكَّمِ فِيهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُجْتَهَدَاتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ فِي مَوَاضِعَ أَنَّهُ يَنْفُذُ حُكْمُ الْحَاكِمِ الْمُحَكَّمِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَاللِّعَانِ، وَلَكِنْ لَا يُفْتَى لِلْعَوَامِّ بِهَذَا كَيْ لَا يَتَجَاوَزُوا الْحَدَّ وَلَا يَتَخَبَّطُوا بِهِ إلَّا أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ الْمُحَكَّمِ لَا يَلْزَمُ فِي حَقِّ الْقَاضِي الْمُوَلَّى، حَتَّى لَوْ رَفَعَ حُكْمَهُ إلَى قَاضٍ مُوَلًّى يَرَى إبْطَالَهُ وَأَبْطَلَهُ صَحَّ إبْطَالُهُ إذَا شَرْطًا فِي الْمُزَارَعَةِ أَنَّ صَاحِبَ الْبَذْرِ يَرْفَعُ قَدْرَ بَذْرِهِ وَيَكُونُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا فَهَذِهِ الْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ فِي الْخَارِجِ عَسَى.
وَمِثْلُ هَذَا الشَّرْطِ يُوجِبُ فَسَادَ الْمُزَارَعَةِ فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ صَاحِبُ الْبَذْرِ إلَى مِقْدَارِ بَذْرِهِ وَإِلَى مِقْدَارِ مَا يَخْرُجُ مِنْ مِثْلِ تِلْكَ الْأَرْضِ عَادَةً حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ بَذْرَهُ مِنْ الْخَارِجِ كَمْ يَكُونُ، فَإِنْ كَانَ قَدْرُ بَذْرِهِ مِنْ الْخَارِجِ الْعُشْرَ يَشْتَرِطُ لِنَفْسِهِ الْعُشْرَ، وَإِنْ كَانَ قَدْرُ بَذْرِهِ الثُّلُثَ يَشْتَرِطُ لِنَفْسِهِ الثُّلُثَ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ فَافْهَمْ. وَفِي الْقُدُورِيِّ إذَا دَفَعَ بَذْرًا إلَى رَجُلٍ لِيَزْرَعَهُ فِي أَرْضِهِ بِنِصْفِ الْخَارِجِ فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنْ طَلَبًا حِيلَةً فِي ذَلِكَ حَتَّى تَجُوزَ بِلَا خِلَافٍ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَشْتَرِيَ صَاحِبُ الْأَرْضِ مِنْ صَاحِبِ الْبَذْرِ نِصْفَ بَذْرِهِ وَيُبَرِّئَهُ صَاحِبُ الْبَذْرِ عَنْ الثَّمَنِ ثُمَّ يَقُولَ صَاحِبُ الْأَرْضِ: ازْرَعْ أَرْضَك بِالْبَذْرِ كُلِّهِ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَنَا نِصْفَانِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
[الْفَصْلُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْوَصِيِّ وَالْوَصِيَّةِ]
(الْفَصْلُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْوَصِيِّ وَالْوَصِيَّةِ) رَجُلٌ جَعَلَ رَجُلًا وَصِيَّهُ فِي مَالِهِ بِالْكُوفَةِ وَجَعَلَ رَجُلًا آخَرَ وَصِيَّهُ فِي مَالِهِ بِالشَّامِ وَجَعَلَ رَجُلًا آخَرَ وَصِيَّهُ فِي مَالِهِ بِبَغْدَادَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ أَوْصِيَاءُ الْمَيِّتِ فِي جَمِيعِ تَرِكَاتِهِ بِالْكُوفَةِ وَالشَّامِ وَبَغْدَادَ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَكُونُ وَصِيًّا فِي الْمَكَانِ الَّذِي أُوصِي إلَيْهِ خَاصَّةً. وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُضْطَرِبٌ فِي الْكُتُبِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْوِصَايَةُ لَا تَقْبَلُ التَّخْصِيصَ بِنَوْعٍ وَاحِدٍ وَبِمَكَانٍ وَاحِدٍ وَزَمَانٍ وَاحِدٍ بَلْ تَعُمُّ فِي الْأَنْوَاعِ وَالْأَمْكِنَةِ كُلِّهَا، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تُتَخَصَّصُ بِنَوْعٍ وَمَكَانٍ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُضْطَرِبٌ، هَكَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ فِي شَرْحِ حِيَلِ الْخَصَّافِ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ حِيَلِ الْأَصْلِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ مَعَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَذَكَرَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَصِيرُ وَصِيًّا فِي الْمَكَانِ الَّذِي خَصَّهُ وَفِي النَّوْعِ الَّذِي خَصَّهُ، ثُمَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَصِيًّا وَقَيِّمًا فِي جَمِيعِ التَّرِكَةِ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمْ بِالتَّصَرُّفِ وَإِنْ كَانَتْ الْوِصَايَةُ مُتَفَرِّقَةً فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَوْصِيَاءِ وَصِيًّا فِي جَمِيعِ التَّرِكَةِ وَيَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ
стр. 3160
بِالِاتِّفَاقِ - فَالْحِيلَةُ أَنْ يَجْعَلَهُمْ أَوْصِيَاءَ فِي جَمِيعِ تَرِكَاتِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ فَهُوَ وَصِيٌّ فِي جَمِيعِ تَرِكَاتِهِ، وَعَلَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَقُومَ بِوَصِيَّتِهِ وَتَنْفِيذِ أَمْرِهِ فِيهَا، فَإِذَا فَعَلَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَصِيًّا عَامًا مُنْفَرِدًا بِالتَّصَرُّفِ بِالِاتِّفَاقِ اعْتِبَارًا لِشَرْطِ الْمُوصِي، فَإِنْ أَرَادَ الْمُوصِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَوْصِيَاءِ وَصِيًّا فِيمَا أُوصِيَ إلَيْهِ خَاصَّةً لَا يَدْخُلُ مَعَ الْآخَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَقَاوِيلِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَقُولَ: أَوْصَيْت إلَى فُلَانٍ فِي مَالِي بِبَغْدَادَ خَاصَّةً دُونَ مَا سِوَاهَا مِنْ الْبُلْدَانِ وَأَوْصَيْت إلَى فُلَانٍ آخَرَ فِي مَالِي بِالشَّامِ دُونَ مَا سِوَاهَا مِنْ الْبُلْدَانِ، فَإِذَا قَالَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَتَخَصَّصُ وِصَايَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَوْصِيَاءِ بِالْمَالِ الَّذِي فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي عَيَّنَهُ لِهَذَا الْوَصِيِّ بِالِاتِّفَاقِ اعْتِبَارًا لِشَرْطِ الْمُوصِي.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: فِي هَذِهِ الْحِيلَةِ نَوْعُ نَظَرٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " أَوْصَيْت إلَى فُلَانٍ " لَفْظٌ عَامٌّ يَقْتَضِي ثُبُوتَ وِلَايَةِ التَّصَرُّفِ لِفُلَانٍ عَامًّا ثُمَّ تَخْصِيصُهُ بِمَالِهِ بِبَغْدَادَ يَكُونُ فِي مَعْنَى الْحَجْرِ الْخَاصِّ، وَالْحَجْرُ الْخَاصُّ إذَا وَرَدَ عَلَى الْإِذْنِ الْعَامِّ لَا يُعْتَبَرُ فَإِنَّهُ ذُكِرَ فِي الْمَأْذُونِ أَنَّ الْمَوْلَى إذَا أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ إذْنًا عَامًّا ثُمَّ حَجَرِ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ التِّجَارَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الْحَجْرُ، كَذَا هُنَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ التَّخْصِيصُ وَيَصِيرَ وَصِيًّا عَامًّا. وَمَسْأَلَةٌ أُخْرَى يَتَرَدَّدُ فِيهَا الْمَشَايِخُ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ مَنْ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ وَجَعَلَهُ قَيِّمًا فِيمَا لَهُ عَلَى النَّاسِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ قَيِّمًا فِيمَا لِلنَّاسِ عَلَيْهِ، بَعْضُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ هَذَا التَّقْيِيدُ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَيَصِيرُ وَصِيًّا فِي الْكُلِّ فَعُلِمَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْحِيلَةِ نَوْعَ شُبْهَةٍ.
(أَوْصَى) إلَى رَجُلٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَقْبَلْ وَصِيَّتَهُ فَفُلَانٌ رَجُلٌ آخَرُ وَصِيُّهُ فَهَذَا جَائِزٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْوِصَايَةَ نِيَابَةٌ فَصَارَتْ كَالْوَكَالَةِ ثُمَّ التَّوْكِيلُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ جَائِزٌ، إلَّا أَنْ يَعْزِلَهُ غَيْرَ أَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَنْعَزِلُ مَا لَمْ يَعْلَمْ وَالْوَصِيُّ يَنْعَزِلُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَزْلِ وَالْفَرْقُ عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
[الْفَصْلُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ فِي أَفْعَالِ الْمَرِيضِ]
(الْفَصْلُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ فِي أَفْعَالِ الْمَرِيضِ) قَالَ الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: مَرِيضٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ وَأَرَادَ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِدَيْنِهِ فَقَدْ عُرِفَ مِنْ أَصْلِ أَصْحَابِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ إقْرَارَ الْمَرِيضِ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ لَا يَصِحُّ، فَالْحِيلَةُ الَّتِي تَتَأَتَّى فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ أَنْ يُقِرَّ الْمَرِيضُ بِالدَّيْنِ لِأَجْنَبِيٍّ يَثِقُ بِهِ وَيَأْمُرَ الْأَجْنَبِيَّ حَتَّى يَقْبِضَ وَيَدْفَعَهُ إلَى الْوَارِثِ، وَإِنْ قَالَ الْأَجْنَبِيُّ: أَخَافُ أَنْ يُحَلِّفَنِي الْحَاكِمُ بِاَللَّهِ هَذَا الدَّيْنُ وَاجِبٌ لَك عَلَى الْمَيِّتِ وَمَا أَبْرَأْت الْمَيِّتَ مِنْهُ وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى مَا يَسْتَحْلِفُ عَلَيْهِ غُرَمَاءَ الْمَيِّتِ فَلَا يَجُوزُ لِي أَنْ أَحْلِفَ عَلَيْهِ، فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْمُرَ الْمَرِيضُ هَذَا الْأَجْنَبِيَّ حَتَّى يَبِيعَ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ يَعْنِي مَالَ الْأَجْنَبِيِّ مِنْ الْوَارِثِ بِالدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَى الْمَرِيضِ، فَإِذَا بَاعَهُ وَقَبِلَ الْوَارِثُ ذَلِكَ صَارَ دَيْنُ الْوَارِثِ عَلَى الْمَرِيضِ لِلْأَجْنَبِيِّ فَإِذَا حَلَّفَهُ الْحَاكِمُ كَانَ حَلِفُهُ عَلَى أَمْرٍ صَحِيحٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ
стр. 3161
الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْقَاضِيَ يُحَلِّفُ الْأَجْنَبِيَّ الْمُقَرَّ لَهُ بِالدَّيْنِ بِاَللَّهِ هَذَا الدَّيْنُ وَاجِبٌ لَك عَلَى الْمَيِّتِ وَمَا أَبْرَأْته مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الْيَمِينِ طَالِبٌ هُنَا وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ هُنَا إنَّمَا تَقَعُ لِلْمَيِّتِ وَالْقَاضِي نَائِبُ الْمَيِّتِ فَيُحَلِّفُهُ احْتِيَاطًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا طَالِبٌ وَكَانَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: كُنَّا عَرَفْنَا أَنَّ الدَّيْنَ إذَا تَقَادَمَ وُجُوبُهُ حَتَّى يُتَوَهَّمَ سُقُوطُهُ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ فَغَرِيمُ الْمَيِّتِ يُسْتَحْلَفُ بِاَللَّهِ مَا سَقَطَ دَيْنُك وَلَا بَعْضُهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَكُنَّا نَظُنُّ أَنَّ الدَّيْنَ إذَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِ الْمَرِيضِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي هُوَ قَرِيبٌ إلَى الْمَوْتِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحْلَفُ الْغَرِيمُ بَلْ يُعْطَى حَقَّهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ فِي مَوَاضِعَ أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِالدُّيُونِ لِلْغُرَمَاءِ فَإِنَّهُمْ يُعْطُونَ ذَلِكَ وَلَمْ يُشْتَرَطْ الْيَمِينُ. وَالْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذَكَرَ الْيَمِينَ هُنَا فَهَذَا شَيْءٌ اُسْتُفِيدَ مِنْ جِهَتِهِ،
قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْأَجْنَبِيِّ شَيْءٌ يَبِيعُهُ مِنْ الْوَارِثِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَهَبَ الْوَارِثُ لِلْأَجْنَبِيِّ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ ثُمَّ يَبِيعَ الْأَجْنَبِيُّ تِلْكَ الْعَيْنَ بَعْدَمَا قَبَضَ مِنْ الْوَارِثِ بِدَيْنِهِ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا وَحِيلَةٌ أُخْرَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُحْضِرَ الْوَارِثُ مَتَاعًا أَوْ شَيْئًا تَكُونُ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَى الْمَرِيضِ وَيَبِيعَ ذَلِكَ الشَّيْءَ مِنْ الْمَرِيضِ بِمَحْضَرِ جَمَاعَةٍ مِنْ الشُّهُودِ بِكَذَا وَكَذَا يُسَلِّمُهُ إلَيْهِ، فَيَصِيرُ مَالُ الْوَارِثِ دَيْنًا عَلَى الْمَرِيضِ بِالْبَيِّنَةِ، ثُمَّ الْمَرِيضُ يَهَبُ تِلْكَ الْعَيْنَ مِنْ إنْسَانٍ لَا يُعْرَفُ سِرًّا ثُمَّ الْمَوْهُوبُ لَهُ يَهَبُ تِلْكَ الْعَيْنَ مِنْ الْوَارِثِ فَيَرْجِعُ إلَى الْوَارِثِ مَتَاعُهُ وَيَصِيرُ مَالُ الْوَارِثِ دَيْنًا عَلَى الْمَرِيضِ بِالْبَيِّنَةِ فَيَسْتَوْفِي الْوَارِثُ ذَلِكَ مِنْ الْمَرِيضِ كَالْأَجْنَبِيِّ وَقَالُوا: هَذِهِ حِيلَةٌ حَسَنَةٌ، إلَّا أَنَّ فِيهَا نَوْعُ شُبْهَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ فِيهِ وُجُوبُ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْمَيِّتِ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَبِالْبَيْعِ يَجِبُ دَيْنٌ آخَرُ وَالْوَارِثُ اسْتَوْفَى الدَّيْنَ الْحَادِثَ الَّذِي ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ وَلَمْ يَسْتَوْفِ ذَلِكَ الدَّيْنَ الَّذِي ثَبَتَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِذَا بَقِيَ ذَلِكَ الدَّيْنُ فِي التَّرِكَةِ لَا يَحِلُّ لِسَائِرِ الْوَرَثَةِ الِانْتِفَاعُ بِالتَّرِكَةِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ فَهَذِهِ تَصْلُحُ حِيلَةً فِي الظَّاهِرِ لَا فِي الْبَاطِنِ، وَكَأَنَّ الْخَصَّافَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَنَى الْأَمْرَ عَلَى الظَّاهِرِ، ثُمَّ إنَّ الْخَصَّافَ قَالَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْحِيلَةِ: يَبِيعُ الْوَارِثُ مَتَاعًا مِنْ الْمَرِيضِ بِالدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شِرَاءَ الْمَرِيضِ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ مَالِ الْوَارِثِ صَحِيحٌ بِلَا خِلَافٍ. وَهَكَذَا ذَكَرِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ فِي بَابِ مُزَارَعَةِ الْمَرِيضِ مَسْأَلَةَ الْمَرِيضِ يَشْتَرِي عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ مَالِ وَارِثِهِ مُطْلَقَةً مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ. وَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ جَمِيعًا وَأَحَالَهُ إلَى بَابِ إقْرَارِ الْعَبْدِ لِمَوْلَاهُ مِنْ كِتَابِ الْمَأْذُونِ الْكَبِيرِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ وَحِيلَةٌ أُخْرَى لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَذْكُرْهَا الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهِيَ أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى قَاضٍ يَرَى الْإِقْرَارَ لِلْوَارِثِ بِالدَّيْنِ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ اخْتِلَافًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَنَا لَا يَجُوزُ هَذَا الْإِقْرَارُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجُوزُ، فَإِذَا قَضَى الْقَاضِي بِالْجَوَازِ يَصِيرُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ.
стр. 3162
قَالَ) إنْ جَعَلَ لِبِنْتٍ لَهُ صَغِيرَةٍ شَيْئًا إمَّا مَتَاعًا أَوْ حُلِيًّا أَوْ مَا أَشْبَهَهُ وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَرِضَ وَلَا يَأْمَنُ مِنْ الْوَرَثَةِ أَنْ لَا يُسَلِّمُوا لَهَا ذَلِكَ، قَالَ: أَمَّا مَا كَانَ مِنْ حُلِيٍّ أَوْ مَتَاعٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ يَدْفَعُهُ سِرًّا إلَى مَنْ يَثِقُ بِهِ، وَيُعْلِمُهُ أَنَّ ذَلِكَ لِابْنَتِهِ فُلَانَةَ وَيُوصِي إلَيْهِ بِأَنْ يَحْفَظَ لَهَا ذَلِكَ، فَإِذَا كَبِرَتْ دَفَعَهُ إلَيْهَا، وَأَمَّا الدَّارُ وَالضَّيْعَةُ إذَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً لِلْمَرِيضِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ بِالْعَقَارِ مَا فَعَلَ بِالْمَنْقُولِ وَلَكِنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى مَنْ يَثِقُ بِهِ مَالًا سِرًّا وَيَقُولَ لَهُ: هَذَا الْمَالُ مَالُ ابْنَتِي فُلَانَةَ فَاشْتَرِ هَذَا الْعَقَارَ مِنِّي لِابْنَتِي فُلَانَةَ بِهَذَا الْمَالِ، ثُمَّ يَبِيعُ الْعَقَارَ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ، وَلَا يَقُولُ ذَلِكَ الرَّجُلُ عِنْدَ الشِّرَاءِ: اشْتَرَى هَذِهِ الضِّيَاعَ لِابْنَةِ هَذَا.
وَكَذَلِكَ لَا يَقُولُ الْمَرِيضُ عِنْدَ الْبَيْعِ: بِعْت لِابْنَتِي، بَلْ يُطْلِقَانِ الْكَلَامَ إطْلَاقًا فَإِذَا كَبِرَتْ الِابْنَةُ فَالْمُشْتَرِي يَدْفَعُ الضِّيَاعَ إلَيْهَا. وَقَدْ اخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فِي فَصْلِ أَنَّ مَنْ جَهَّزَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ وَلَمْ يُسَلِّمْ إلَيْهَا وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَرِضَ فَأَرَادَ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى رَجُلٍ سِرًّا لِيَحْفَظَ لِابْنَتِهِ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا هَلْ يَحِلُّ لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ؟ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُصَدِّقُ أَبَا الصَّغِيرَةِ أَنَّ هَذَا مِلْكُ الصَّغِيرَةِ فَكَذَلِكَ لَا يُصَدِّقُ ذَلِكَ الرَّجُلَ وَلَا يَسَعُهُ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَيَبْطُلَ بِهِ حَقُّ سَائِرِ الْوَرَثَةِ، إلَّا أَنَّ الْخَصَّافَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَشَارَ فِي فَصْلِ الْحُلِيِّ وَالْمَتَاعِ أَنَّهُ يَحِلُّ لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ، فَإِنْ خَافَ الْأَجْنَبِيُّ أَنْ تَلْزَمَهُ يَمِينٌ إنْ كَانَ الْمَرِيضُ وَهَبَ الثَّمَنَ مِنْ ابْنَتِهِ ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى الْمُشْتَرِي فَاشْتَرَى لَهَا بِذَلِكَ الْمَالِ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ فِي يَمِينِهِ شَيْءٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَقْرَضَ الْمَرِيضُ مِنْ إنْسَانٍ مَالًا ثُمَّ وَهَبَهُ لِابْنَتِهِ ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى الرَّجُلِ حَتَّى اشْتَرَى الضِّيَاعَ مِنْهُ لِابْنَتِهِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَلَيْسَ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ فِي يَمِينِهِ شَيْءٌ، عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الْعَقْدَ لَا يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِمِثْلِهَا دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، وَلَا يَكُونُ هُوَ بِالْحَلِفِ بِالشِّرَاءِ حَانِثًا، قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: هَذِهِ الْحِيلَةُ تَصِحُّ عَلَى قَوْلِهِمَا.
فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيْعُ الْمَرِيضِ مِنْ وَارِثِهِ وَمِنْ وَكِيلِ وَارِثِهِ لَا يَصِحُّ، فَلَا تَصِحُّ هَذِهِ الْحِيلَةُ عِنْدَهُ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ دَارٌ أَوْ ضِيَاعٌ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ وَخَافَ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ لِلْوَارِثِ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ، فَالْحِيلَةُ أَنْ يَقُولَ لِأَجْنَبِيٍّ: هَذِهِ الدَّارُ دَارُك، وَيَقُولَ الْأَجْنَبِيُّ: هَذِهِ الدَّارُ لِوَارِثِك فُلَانٍ وَلَيْسَتْ لِي.
(قَالَ) وَإِذَا كَانَ لِامْرَأَةِ الْمَرِيضِ أَوْ لِوَارِثٍ آخَرَ عَلَى الْمَرِيضِ دِينُ مِائَةِ دِينَارٍ فَخَافَ الْمَرِيضُ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ لِلْوَارِثِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَجِيءَ رَبُّ الدَّيْنِ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ فَيُقِرَّ الْمَرِيضُ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ أَنَّ وَارِثَهُ فُلَانًا وَكَّلَهُ بِقَبْضِ الْمِائَةِ الدِّينَارِ الَّتِي لَهُ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ وَيَقُولَ: قَبَضْت هَذِهِ الْمِائَةَ الدِّينَارَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ لِوَارِثِي فُلَانٍ، ثُمَّ يُنْكِرَ وَارِثُهُ الْوَكَالَةَ وَيَرْجِعَ وَارِثُهُ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَإِذَا رَجَعَ كَانَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَرِيضِ، فَإِنْ خَافَ الرَّجُلُ أَنْ تَلْزَمَهُ الْيَمِينُ فَالْوَجْهُ أَنْ يَبِيعَ الْوَارِثُ مِنْهُ شَيْئًا بِمَالِهِ كَمَا وَصَفْنَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
[الْفَصْلُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ فِي اسْتِعْمَالِ الْمَعَارِيضِ]
стр. 3163
يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمَعَارِيضِ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْكَذِبِ لَا بَأْسَ بِهِ، جَاءَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: إنَّ فِي مَعَارِيضِ الْكَلَامِ مَا يُغْنِي الرَّجُلَ عَنْ الْكَذِبِ، وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: إنَّ فِي مَعَارِيضِ الْكَلَامِ لَمَنْدُوحَةً عَنْ الْكَذِبِ أَيْ سَعَةً، وَفِي ذَلِكَ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا - أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ وَيُرِيدَ بِهَا غَيْرَ مَا وُضِعَتْ لَهُ الْكَلِمَةُ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرِ إلَّا أَنَّ مَا أَرَادَهُ يَكُونُ مِنْ مُحْتَمِلَاتِ لَفْظِهِ الطَّرِيقُ الثَّانِي أَنْ يُقَيِّدَ الْكَلَامَ بِلَعَلَّ وَعَسَى، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ يُخْرِجُ الْكَلَامَ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَزِيمَةً، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ الْمَعَارِيضِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ مِنْ الْمَعَارِيضِ مَا لَمْ يُبِحْ صَرِيحَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] ثُمَّ قَالَ ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة: ٢٣٥] فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ مُعْتَدَّةً لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَخْطُبَهَا صَرِيحًا، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ: إنَّك جَمِيلَةٌ حَسَنَةٌ وَمِثْلُك يَصْلُحُ لِمِثْلِي وَسَيَقْضِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ.
فَلَا بَأْسَ بِهِ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ لِلِاسْتِرَاحَةِ يَقُولُ لِخَادِمِهِ: إذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدٌ فِي الدُّخُولِ عَلَيَّ فَقُلْ: لَيْسَ الشَّيْخُ هُنَا وَاعْنِ الْمَكَانَ الَّذِي أَنْتَ قَائِمٌ فِيهِ. وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ إذَا اسْتَأْذَنَ مِنْهُ ثَقِيلٌ لِلدُّخُولِ عَلَيْهِ كَانَ يَرْكَبُ عَلَى دَارٍ أَوْ فَرَسٍ أَوْ وِسَادَةٍ وَيَقُولُ لِخَادِمِهِ: قُلْ: إنَّ الشَّيْخَ قَدْ رَكِبَ حَتَّى يَقَعَ عِنْدَ السَّامِعِ أَنَّهُ قَدْ رَكِبَ عَلَى دَابَّتِهِ لِحَاجَةٍ لَهُ فَيَرْجِعَ، وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ إذَا اسْتَعَارَ مِنْهُ إنْسَانٌ شَيْئًا كَانَ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَقُولُ: لَيْسَ الشَّيْءُ الَّذِي تَسْتَعِيرُهُ هُنَا وَيُرِيدُ بِهِ فِي مَوْضِعِ وَضْعِ يَدِهِ فَيَظُنُّ السَّامِعُ أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ لَيْسَ بِحَضْرَتِهِ أَوْ فِي دَارِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
[الْفَصْلُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْمُتَفَرِّقَاتِ]
ِ إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ لِأَجْلِ صَلَوَاتِهِ الْفَائِتَاتِ وَلَا يَأْمَنُ مِنْ الْوَارِثِ أَنْ لَا يُنَفِّذَ وَصِيَّتَهُ لَوْ أَوْصَى بِذَلِكَ وَرُبَّمَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَوْ أَوْصَى بِهَذَا أَيْضًا - دَخَلَ هَذَا فِي الثُّلُثِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ هَذَا وَرَاءَ الثُّلُثِ، فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ أَمْلَاكِهِ فِي حَيَاتِهِ وَصِحَّتِهِ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وَيُسَلِّمَ الْمَبِيعَ وَيُبَرِّئَهُ مِنْ الثَّمَنِ حَتَّى يَبِيعَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ الشَّيْءَ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَيَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ عَنْهُ فَيَجُوزُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 3164
فَإِنْ خَافَ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مَا قُلْنَا وَيُمْسِكَ ذَلِكَ الشَّيْءَ لِنَفْسِهِ وَلَا يَبِيعَهُ وَلَا يَصْرِفَ ثَمَنَهُ فِي الْوَجْهِ الَّذِي قَالَ، فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ تِلْكَ الْعَيْنَ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِشَيْءٍ مَلْفُوفٍ وَيَكُونَ الْمَلْفُوفُ مَعِيبًا بِقَلِيلِ عَيْبٍ وَلَا يَرَى الْبَائِعُ الْمَلْفُوفَ وَلَا يَرْضَى بِالْعَيْبِ وَيُوصِي إلَى إنْسَانٍ أَنْ يَرَى ذَلِكَ الشَّيْءَ الْمَعِيبَ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَيَرُدَّهُ الْوَصِيُّ بِالْعَيْبِ إذَا امْتَنَعَ مُشْتَرِي ذَلِكَ الشَّيْءِ عَنْ الْبَيْعِ فَيَعُودُ ذَلِكَ الشَّيْءُ إلَى مِلْكِ وَرَثَتِهِ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا خِيَارَ الْعَيْبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ يَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ وَخِيَارَ الرُّؤْيَةِ لَا يَبْقَى.
(الْوَصِيُّ) إذَا قَسَّمَ التَّرِكَةَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْوَرَثَةُ صِغَارٌ كُلُّهُمْ لَيْسَ فِيهِمْ كَبِيرٌ لَا تَجُوزُ قِسْمَتُهُ؛ لِأَنَّ فِي الْقِسْمَةِ مَعْنَى الْبَيْعِ، وَالْوَصِيُّ إذَا بَاعَ مَالَ بَعْضِ الصِّغَارِ مِنْ الْبَعْضِ لَا يَجُوزُ، فَكَذَا لَا تَجُوزُ الْقِسْمَةُ وَالْحِيلَةُ لِلْوَصِيِّ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَ الصَّغِيرُ اثْنَيْنِ أَنْ يَبِيعَ الْوَصِيُّ حِصَّةَ أَحَدِهِمَا مِنْ رَجُلٍ مُشَاعَةً ثُمَّ يُقَاسِمَ مَعَ الْمُشْتَرِي حِصَّةَ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يَبِعْ نَصِيبَهُ ثُمَّ يَشْتَرِيَ حِصَّةَ الصَّغِيرِ الَّذِي بَاعَ نَصِيبَهُ حَتَّى يَمْتَازَ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ، وَإِنَّمَا جَازَتْ هَذِهِ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّهَا جَرَتْ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَحِيلَةٌ أُخْرَى أَنْ يَبِيعَ حِصَّتَهُمَا مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ يَشْتَرِيَ مِنْ الْمُشْتَرِي حِصَّةَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُفْرَزَةً.
(إذَا) قَالَ الْمَرِيضُ: حُجُّوا عَنِّي بِثُلُثِ مَالِي حَجَّةً وَاحِدَةً، أَوْ قَالَ: حَجَّةً، وَلَمْ يَقُلْ: وَاحِدَةً - فَدَفَعَ الْوَصِيُّ إلَى رَجُلٍ مَالًا مُقَدَّرًا لِيُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الطَّرِيقِ ذَاهِبًا وَجَائِيًا وَبِمَكَّةَ فَأَنْفَقَ وَبَقِيَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ قَلِيلٌ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ لِلْمَأْمُورِ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَالْقِيَاسُ أَنْ يَصِيرَ ضَامِنًا لِمَا أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَصِيرُ ضَامِنًا وَكَانَ عَلَى الْمَأْمُورِ أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ فِي يَدِهِ عَلَى الْوَصِيِّ، وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ أَوْصَى أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي لِلْمَأْمُورِ فَإِنْ كَانَ عَيَّنَ رَجُلًا لِيَحُجَّ عَنْهُ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِالْبَاقِي جَائِزَةً لَهُ لِحُصُولِهَا لِلْمَعْلُومِ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً وَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الْمُوصِي لِلْوَصِيِّ: أَعْطِ مَا بَقِيَ مِنْ النَّفَقَةِ مَنْ شِئْت فَإِذَا أَعْطَى الْوَصِيُّ الْمَأْمُورُ مَا بَقِيَ مِنْ النَّفَقَةِ يَجُوزُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ الْمُوصِي لِلْوَصِيِّ: أَعْطِ ثُلُثَ مَالِي مَنْ شِئْت، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْخُنْثَى وَفِيهِ فَصْلَانِ]
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِير الْخُنْثَى]
(كِتَابُ الْخُنْثَى) وَفِيهِ فَصْلَانِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ - فِي تَفْسِيرِهِ وَوُقُوعِ الْإِشْكَالِ فِي حَالِهِ يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ بِأَنَّ الْخُنْثَى مَنْ يَكُونُ لَهُ مَخْرَجَانِ قَالَ الْبَقَّالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْ لَا يَكُونَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَيَخْرُجُ الْبَوْلُ مِنْ ثُقْبَةٍ وَيُعْتَبَرُ الْمَبَالُ فِي حَقِّهِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ فَإِنْ كَانَ يَبُولُ مِنْ الذَّكَرِ فَهُوَ غُلَامٌ، وَإِنْ كَانَ يَبُولُ مِنْ الْفَرْجِ فَهُوَ أُنْثَى، وَإِنْ بَالِ مِنْهُمَا فَالْحُكْمُ لِلْأَسْبَقِ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي السَّبَقِ فَهُوَ خُنْثَى
стр. 3165
مُشْكِلٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَتَرَجَّحُ بِالْكَثْرَةِ مِنْ جِنْسِهِ، وَقَالَا: يُنْسَبُ إلَى أَكْثَرِهِمَا بَوْلًا وَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْهُمَا عَلَى السَّوَاءِ فَهُوَ مُشْكِلٌ بِالِاتِّفَاقِ، كَذَا فِي الْكَافِي قَالُوا: وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ هَذَا الْإِشْكَالُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، فَأَمَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْإِدْرَاكِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ فَإِنْ بَلَغَ وَجَامَعَ بِذَكَرِهِ فَهُوَ رَجُلٌ، وَكَذَا إذَا لَمْ يُجَامِعْ بِذَكَرِهِ وَلَكِنْ خَرَجَتْ لِحْيَتُهُ فَهُوَ رَجُلٌ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَكَذَا إذَا احْتَلَمَ كَمَا يَحْتَلِمُ الرَّجُلُ أَوْ كَانَ لَهُ ثَدْيٌ مُسْتَوٍ، وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ ثَدْيٌ كَثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ نَزَلَ لَهُ لَبَنٌ فِي ثَدْيَيْهِ أَوْ حَاضَ أَوْ حَبِلَ أَوْ أَمْكَنَ الْوُصُولُ إلَيْهِ مِنْ الْفَرْجِ فَهُوَ امْرَأَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ إحْدَى هَذِهِ الْعَلَامَاتِ فَهُوَ خُنْثَى مُشْكِلٌ، وَكَذَا إذَا تَعَارَضَتْ هَذِهِ الْمَعَالِمُ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَأَمَّا خُرُوجُ الْمَنِيِّ فَلَا اعْتِبَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ مِنْ الْمَرْأَةِ كَمَا يَخْرُجُ مِنْ الرَّجُلِ، كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ النَّيِّرَةِ قَالَ: وَلَيْسَ الْخُنْثَى يَكُونُ مُشْكِلًا بَعْدَ الْإِدْرَاكِ عَلَى حَالٍ مِنْ الْحَالَاتِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَحْبَلَ أَوْ يَحِيضَ أَوْ يَخْرُجَ لَهُ لِحْيَةٌ أَوْ يَكُونَ لَهُ ثَدْيَانِ كَثَدْيَيْ الْمَرْأَةِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ حَالُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ رَجُلٌ؛ لِأَنَّ عَدَمَ نَبَاتِ الثَّدْيَيْنِ كَمَا يَكُونُ لِلنِّسَاءِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَلَى أَنَّهُ رَجُلٌ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الْخُنْثَى]
الْفَصْلُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِهِ الْأَصْلُ فِي الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ أَنْ يُؤْخَذَ فِيهِ بِالْأَحْوَطِ وَالْأَوْثَقِ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَأَنَّ لَا يُحْكَمَ بِثُبُوتِ حُكْمٍ وَقَعَ الشَّكُّ فِي ثُبُوتِهِ فَإِنْ وَقَفَ خَلْفَ الْإِمَامِ قَامَ بَيْنَ صَفِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَلَا يَتَخَلَّلُ الرِّجَالَ حَتَّى لَا تَفْسُدَ صَلَاتُهُمْ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ وَلَا يَتَخَلَّلُ النِّسَاءَ حَتَّى لَا تَفْسُدَ صَلَاتُهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ رَجُلٌ، فَإِنْ قَامَ فِي صَفِّ النِّسَاءِ يُعِيدُ صَلَاتَهُ احْتِيَاطًا؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ رَجُلٌ وَإِنْ قَامَ فِي صَفِّ الرِّجَالِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَيُعِيدُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ وَمَنْ خَلْفَهُ بِحِذَائِهِ صَلَاتَهُمْ احْتِيَاطًا؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ وَيَجْلِسُ فِي صَلَاتِهِ كَجُلُوسِ الْمَرْأَةِ، كَذَا فِي الْكَافِي قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُصَلِّيَ بِقِنَاعٍ يُرِيدُ بِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَإِنْ صَلَّى بِغَيْرِ قِنَاعً لَا يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ إلَّا اسْتِحْبَابًا، هَذَا إذَا كَانَ الْخُنْثَى مُرَاهِقًا غَيْرَ بَالِغٍ، أَمَّا إذَا كَانَ بَالِغًا فَإِنْ بَلَغَ بِالسِّنِّ وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ عَلَامَةِ الرِّجَالِ أَوْ النِّسَاءِ لَا تُجْزِئُهُ الصَّلَاةُ بِغَيْرِ قِنَاعٍ إذَا كَانَ الْخُنْثَى حُرًّا.
(قَالَ) : وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ الْحُلِيَّ وَأَرَادَ بِهِ مَا بَعْدَ الْبُلُوغِ بِالسِّنِّ إذَا لَمْ تَظْهَرْ بِهِ عَلَامَةٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى كَوْنِهِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً وَيُكْرَهُ لَهُ لُبْسُ الْحَرِيرِ أَيْضًا، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَنْكَشِفَ قُدَّامَ الرِّجَالِ أَوْ قُدَّامَ النِّسَاءُ وَأَنْ يَخْلُوَ بِهِ غَيْرُ مَحْرَمٍ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَأَنْ يُسَافِرَ مِنْ غَيْرِ مَحْرَمٍ. وَإِنْ أَحْرَمَ وَقَدْ رَاهَقَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا عِلْمَ لِي فِي لِبَاسِهِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَلْبَسُ لِبَاسَ الْمَرْأَةِ، كَذَا فِي الْكَافِي وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُسَافِرَ الْخُنْثَى مَعَ مَحْرَمٍ مِنْ الرِّجَالِ ثَلَاثَةَ
стр. 3166
أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا وَهَذَا ظَاهِرٌ.
قُلْت: أَرَأَيْت هَذَا الْخُنْثَى هَلْ يَخْتِنُهُ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ؟ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مُرَاهِقًا أَوْ غَيْرَ مُرَاهِقٍ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُرَاهِقٍ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْتِنَهُ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى صَبِيٌّ أَوْ صَبِيَّةٌ فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا فَلَا بَأْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْتِنَهُ، وَإِنْ كَانَ مُرَاهِقًا يُشْتَهَى فَإِذَا كَانَ غَيْرَ مُرَاهِقٍ لَا يُشْتَهَى أَوْلَى وَإِنْ كَانَ صَبِيَّةً فَلَا بَأْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْتِنَهَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُرَاهِقَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تُشْتَهَى وَبِسَبَبِ الشَّهْوَةِ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى الْفَرْجِ وَلَا بَأْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْتِنَهُ؛ لِأَنَّهُ صَبِيٌّ أَوْ صَبِيَّةٌ فَإِنْ كَانَتْ صَبِيَّةً فَلَا بَأْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْتِنَهَا إذَا كَانَتْ مُرَاهِقَةً تُشْتَهَى، فَإِذَا كَانَتْ غَيْرَ مُرَاهِقَةٍ وَهِيَ لَا تُشْتَهَى أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَهَى وَبِسَبَبِ الشَّهْوَةِ يَحْرُمُ لِلْمَرْأَةِ النَّظَرُ إلَى فَرْجِ الْأَجْنَبِيِّ وَإِنْ كَانَ مُرَاهِقًا فَإِنَّهُ لَا يَخْتِنُهُ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ أَمَّا أَنَّهُ لَا يَخْتِنُهُ رَجُلٌ فَلِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ صَبِيَّةً وَلَا يُبَاحُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْتِنَهَا وَيَنْظُرَ إلَى فَرْجِهَا؛ لِأَنَّهَا مُرَاهِقَةٌ وَالْمُرَاهِقَةُ مِمَّنْ تُشْتَهَى فَكَانَتْ كَالْبَالِغَةِ، وَلَا يَخْتِنُهَا الرَّجُلُ فَكَذَلِكَ هَذَا وَلَا تَخْتِنُهُ امْرَأَةٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ صَبِيًّا مُرَاهِقًا فَلَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ أَنْ تَخْتِنَهُ وَتَنْظُرَ إلَى فَرْجِهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْبَالِغِ.
وَلَكِنَّ الْحِيلَةَ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرِ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْخُنْثَى إذَا كَانَ مُوسِرًا فَإِنَّ الْوَلِيَّ يَشْتَرِي لَهُ جَارِيَةً عَالِمَةً بِأَمْرِ الْخِتَانِ حَتَّى تَخْتِنَهُ فَإِذَا خَتَنَتْهُ بَاعَهَا الْوَلِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا اشْتَرَى الْأَبُ جَارِيَةً مِنْ مَالِهِ حَتَّى تَخْتِنَهُ، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ مُعْسِرًا أَيْضًا فَإِنَّ الْإِمَامَ يَشْتَرِي لَهُ جَارِيَةً مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِذَا خَتَنَتْهُ الْجَارِيَةُ بَاعَهَا الْإِمَامُ وَرَدَّ ثَمَنَهَا إلَى بَيْتِ الْمَالِ. وَتَزَوُّجُ الْمَرْأَةِ لِلْخُنْثَى لَا يُفِيدُ إبَاحَةَ الْخِتَانِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ مَوْقُوفٌ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبِينَ أَمْرُهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا فَيَجُوزَ النِّكَاحُ وَيَجُوزَ أَنْ يَكُونَ أُنْثَى فَلَا يَجُوزَ، وَإِذَا كَانَ مُشْكِلَ الْحَالِ كَانَ النِّكَاحُ مَوْقُوفًا وَالنِّكَاحُ الْمَوْقُوفُ لَا يُفِيدُ إبَاحَةَ النَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ؛ فَلِهَذَا قَالَ: يَشْتَرِي لَهُ جَارِيَةً لِلْخِتَانِ وَلَمْ يَقُلْ: يُزَوِّجُ لَهُ امْرَأَةً بِمَالِهِ حَتَّى تَخْتِنَهُ، هَكَذَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِهِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا لَمْ يَقُلْ: يُزَوِّجُ لَهُ امْرَأَةً بِمَالِهِ؛ لِأَنَّا لَا نَتَيَقَّنُ بِصِحَّةِ نِكَاحِهِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَمْرُهُ وَلَكِنْ لَوْ فَعَلَ مَعَ هَذَا كَانَ مُسْتَقِيمًا؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى إنْ كَانَ امْرَأَةً فَهَذَا نَظَرُ الْجِنْسِ إلَى الْجِنْسِ وَالنِّكَاحُ لَغْوٌ، وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَهَذَا نَظَرُ الْمَنْكُوحَةِ إلَى زَوْجِهَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبِينَ أَمْرُهُ لَمْ يُغَسِّلْهُ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ بَلْ يُيَمَّمُ فَإِنْ يَمَّمَهُ أَجْنَبِيٌّ يُيَمِّمُهُ بِخِرْقَةٍ، وَإِنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ يَمَّمَهُ بِغَيْرِ خِرْقَةٍ، وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: يُجْعَلُ فِي كُوَّارَةٍ وَيُغَسَّلُ هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ يُشْتَهَى، أَمَّا إذَا كَانَ طِفْلًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يُغَسِّلَهُ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ، كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ النَّيِّرَةِ.
(نَوْعٌ آخَرُ فِي مَسَائِلِ النِّكَاحِ) لَوْ زَوَّجَ الْأَبُ هَذَا الْخُنْثَى امْرَأَةً قَبْلَ بُلُوغِهِ أَوْ زَوَّجَهُ مِنْ رَجُلٍ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَالنِّكَاحُ مَوْقُوفٌ لَا يُنَفِّذُهُ وَلَا يُبْطِلُهُ وَلَا يَتَوَارَثَانِ حَتَّى يَسْتَبِينَ أَمْرُ الْخُنْثَى، فَإِنْ زَوَّجَهُ الْأَبُ امْرَأَةً وَبَلَغَ وَظَهَرَ عَلَامَاتُ الرِّجَالِ وَحَكَمَ بِجَوَازِ النِّكَاحِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا فَإِنَّهُ يُؤَجَّلُ سَنَةً كَمَا يُؤَجَّلُ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَا يَصِلُ إلَى
стр. 3167
امْرَأَتِهِ.
قُلْت: أَرَأَيْت هَذَا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ الْمُرَاهِقُ، وَخُنْثَى مِثْلُهُ مُشْكِلٌ تَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا رَجُلٌ وَالْآخَرَ امْرَأَةٌ؟ قَالَ: إذَا عُلِمَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُشْكِلٌ فَإِنَّ النِّكَاحَ يَكُونُ مَوْقُوفًا إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ حَالُهُمَا؛ لِجَوَازِ أَنَّهُمَا ذَكَرَانِ فَيَكُونُ هَذَا ذَكَرًا تَزَوَّجَ بِذَكَرٍ فَيَكُونُ النِّكَاحُ بَاطِلًا، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا أُنْثَيَيْنِ فَيَكُونُ النِّكَاحُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ امْرَأَةٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى فَيَكُونُ النِّكَاحُ جَائِزًا، فَإِذَا كَانَا مُشْكِلَيْنِ لَا يُدْرَى حَالُهُمَا يَكُونُ النِّكَاحُ مَوْقُوفًا إلَى أَنْ يَسْتَبِينَ حَالُهُمَا، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ مَاتَا قَبْلَ أَنْ يَزُولَ الْإِشْكَالُ لَمْ يَتَوَارَثَا؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ التَّبَيُّنِ النِّكَاحُ مَوْقُوفٌ وَالنِّكَاحُ الْمَوْقُوفُ لَا يُسْتَفَادُ الْإِرْثُ بِهِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْرِفْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مُشْكِلٌ أَجَزْت النِّكَاحَ إذَا كَانَ الْأَبَوَانِ هُمَا اللَّذَانِ زَوَّجَا؛ لِأَنَّ أَبَا الزَّوْجِ مِنْهُمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ رَجُلٌ وَأَبَا الْمَرْأَةِ مِنْهَا أَخْبَرَ أَنَّهَا امْرَأَةٌ وَخَبَرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْبُولٌ شَرْعًا مَا لَمْ يُعْرَفْ خِلَافُ ذَلِكَ فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ مَاتَا بَعْدَ الْأَبَوَيْنِ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ وَرَثَتِهِمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ هُوَ الزَّوْجُ وَأَنَّ الْآخَرَ هِيَ الزَّوْجَةُ لَمْ أَقْضِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قُلْت: فَإِنْ جَاءَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ قَبْلَ الْأُخْرَى فَقَضَيْت بِهَا ثُمَّ جَاءَتْ الْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى؟ قَالَ: أُبْطِلُ الْبَيِّنَةَ الْأُخْرَى وَالْقَضَاءُ الْأَوَّلُ مَاضٍ عَلَى حَالِهِ. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَبَّلَ هَذَا الْخُنْثَى بِشَهْوَةٍ لَيْسَ لِهَذَا الرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهُ حَتَّى يَسْتَبِينَ أَمْرَهُ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
(نَوْعٌ آخَرُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ) وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَذَفَ هَذَا الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ قَبْلَ الْبُلُوغِ أَوْ قَذَفَ الْخُنْثَى رَجُلًا فَلَا حَدَّ عَلَى الْقَاذِفِ، أَمَّا إذَا كَانَ الْقَاذِفُ هُوَ الْخُنْثَى فَلِأَنَّهُ مَرْفُوعُ الْقَلَمِ؛ لِأَنَّهُ صَبِيٌّ أَوْ صَبِيَّةٌ. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْقَاذِفُ رَجُلًا آخَرَ فَلِأَنَّهُ قَذَفَ غَيْرَ مُحْصَنٍ؛ لِأَنَّ الْبُلُوغَ مِنْ أَحَدِ شُرُوطِ إحْصَانِ الْقَذْفِ كَالْإِسْلَامِ وَإِنْ قَذَفَ الْخُنْثَى بَعْدَ بُلُوغِهِ بِالسِّنِّ وَلَكِنْ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ عَلَامَةٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى كَوْنِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى فَقَذَفَ الْخُنْثَى رَجُلًا أَوْ قَذَفَهُ رَجُلٌ قَالَ فِي الْكِتَابِ: هَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ. قَالَ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: أَرَادَ بِهَذَا التَّسْوِيَةَ فِي حَقِّ قَذْفِ الْخُنْثَى، وَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِ الْخُنْثَى لَا قَبْلَ الْبُلُوغِ وَلَا بَعْدَ الْبُلُوغِ مُشْكِلًا؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى وَإِنْ صَارَ مُحْصَنًا بِالْبُلُوغِ إلَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ تَظْهَرْ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْأُنُوثَةِ أَوْ الذُّكُورَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا وَأَنْ يَكُونَ امْرَأَةً فَإِنْ كَانَ رَجُلًا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَجْبُوبِ وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ الرَّتْقَاءِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُجَامَعُ وَمَنْ قَذَفَ رَجُلًا مَجْبُوبًا أَوْ امْرَأَةً رَتْقَاءَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، أَمَّا إذَا لَمْ يُرِدْ بِهَذَا التَّسْوِيَةَ فِيمَا إذَا كَانَ الْخُنْثَى هُوَ الْقَاذِفُ، وَإِذَا كَانَ الْخُنْثَى هُوَ الْقَاذِفُ وَقَذَفَ رَجُلًا قَبْلَ الْبُلُوغِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَبَعْدَ الْبُلُوغِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ مَجْبُوبٌ بَالِغٌ أَوْ رَتْقَاءُ بَالِغَةٌ وَالْمَجْبُوبُ الْبَالِغُ أَوْ الرَّتْقَاءُ الْبَالِغَةُ إذَا قَذَفَ إنْسَانًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ سَرَقَ بَعْدَمَا يُدْرِكُ؟ قَالَ: عَلَيْهِ الْحَدُّ وَإِنْ سُرِقَ مِنْهُ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً مِنْ حِرْزٍ يَقْطَعُ يَدَ السَّارِقِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
قُلْت: أَرَأَيْت هَذَا
стр. 3168
الْخُنْثَى إنْ قَطَعَ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ أَوْ يَسْتَبِينَ أَمْرُهُ؟ فَإِنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَى قَاطِعِهِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَتَلَ الْخُنْثَى رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ عَمْدًا كَانَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَطَعَ هَذَا الْخُنْثَى يَدَ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ؟ قَالَ: عَلَى عَاقِلَتِهِ أَرْشُ ذَلِكَ وَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ بَالِغًا بِالسِّنِّ وَلَمْ يَسْتَبِنْ أَمْرُهُ بَعْدُ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ إذَا كَانَ الْخُنْثَى لَمْ يُدْرِكْ بَعْدُ وَبَعْدَ الْبُلُوغِ إذَا قَطَعَ يَدَ إنْسَانٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبِينَ أَمْرُهُ عَمْدًا فَإِنَّهُ يَجِبُ الْأَرْشُ فِي مَالِهِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
فَإِنْ أَفْرَضَ هَذَا الْخُنْثَى فِي الْمُقَاتَلَةِ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَسْتَبِينَ أَمْرُهُ. وَإِنْ شَهِدَ الْوَاقِعَةَ رُضِخَ لَهُ بِسَهْمٍ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
قُلْت: فَإِنْ أُخِذَ أَسِيرًا فِي الْغَزْوِ؟ قَالَ: لَا يُقْتَلُ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَبَعْدَ الْبُلُوغِ حَتَّى يَسْتَبِينَ أَمْرُهُ.
قُلْت: فَإِنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ أَوْ بَعْدَمَا أَدْرَكَ؟ لَا يُقْتَلُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا.
قُلْت: فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ؟ قَالَ: لَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ خَرَاجُ رَأْسِهِ حَتَّى يُدْرِكَ وَيَسْتَبِينَ أَمْرُهُ.
قُلْت: هَلْ يَدْخُلُ فِي الْقَسَامَةِ؟ قَالَ: لَا يَدْخُلُ فِي الْقَسَامَةِ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَبَعْدَ الْبُلُوغِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
(نَوْعٌ آخَرُ فِي الْأَيْمَانِ) رَجُلٌ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فَقَالَ: إنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَأَنْت طَالِقٌ، أَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: إنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَأَنْت حُرَّةٌ، فَوَلَدَتْ هَذَا الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ، قَالَ: لَا تَطْلُقُ امْرَأَتُهُ وَلَا تُعْتَقُ أَمَتُهُ فِي قَوْلِ عُلَمَائِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى يَسْتَبِينَ أَمْرُهُ فَإِنْ ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ غُلَامٌ طَلُقَتْ الْمَرْأَةُ وَعَتَقَتْ الْأَمَةُ وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ جَارِيَةٌ لَا تُعْتَقُ الْأَمَةُ، وَلَا تَطْلُقُ الْمَرْأَةُ وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: كُلُّ عَبْدٍ لِي حُرٌّ وَلَهُ عَبْدٌ خُنْثَى مُشْكِلٌ، لَا يُعْتَقُ الْعَبْدُ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: كُلُّ أَمَةٍ لِي حُرَّةٌ لَا يُعْتَقُ هَذَا الْخُنْثَى، وَإِنْ قَالَ الْقَوْلَيْنِ وَحَلَفَ بِالْيَمِينَيْنِ جَمِيعًا فَإِنَّهُ يُعْتَقُ وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: إنْ مَلَكْت عَبْدًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَاشْتَرَى هَذَا الْخُنْثَى لَا تَطْلُقُ امْرَأَتُهُ، وَإِنْ قَالَ كِلَا الْقَوْلَيْنِ ثُمَّ اشْتَرَى مِثْلَ هَذَا الْخُنْثَى تَطْلُقُ امْرَأَتُهُ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
(نَوْعٌ آخَرُ فِي إقْرَارِ الْخُنْثَى أَنَّهُ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى وَفِي إقْرَارِ أَبِيهِ أَوْ وَصِيِّهِ بِذَلِكَ) فَإِنْ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ هَذَا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ: أَنَا ذَكَرٌ، أَوْ قَالَ: أَنَا أُنْثَى، لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَقَبْلَ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ مُشْكِلٌ إذَا قَالَ أَنَّهُ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ أَمِينٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَمِينِ مَا لَمْ يُعْرَفْ خِلَافُهُ، وَمَتَى لَمْ يُعْرَفُ كَوْنُهُ مُشْكِلًا لَمْ يُعْرَفُ
стр. 3169
خِلَافُ مَا قَالَ، قُلْت: أَرَأَيْت أَنْ لَوْ كَانَ هَذَا الْخُنْثَى أَبُوهُ حَيًّا فَقَالَ هُوَ غُلَامٌ وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ؟ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: هُوَ جَارِيَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَا لَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ مُشْكِلُ الْحَالِ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَ هَذَا الْخُنْثَى قَدْ رَاهَقَ وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ وَلَهُ وَصِيٌّ فَأَقَرَّ وَصِيُّهُ أَنَّهُ جَارِيَةٌ أَوْ غُلَامٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُشْكِلَ الْحَالِ وَإِذَا كَانَ مُشْكِلَ الْحَالِ لَمْ يُصَدَّقْ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مَسَائِلُ شَتَّى]
(مَسَائِلُ شَتَّى) وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْخُنْثَى حَتَّى يُدْرِكَ؛ لِأَنَّهُ صَبِيٌّ أَوْ صَبِيَّةٌ وَبَعْدَمَا أَدْرَكَ إذَا لَمْ يَسْتَبِنْ أَمْرُهُ يَتَوَقَّفُ أَمْرُهُ فِي حَقِّ الشَّهَادَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ ذَكَرٌ.
قُلْت: أَرَأَيْت رَجُلًا أَوْصَى لِمَا فِي بَطْنِ امْرَأَةٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إنْ كَانَ غُلَامًا وَبِخَمْسِمِائَةٍ إنْ كَانَ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ هَذَا الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ؟ قَالَ: يُعْطَى لَهُ خَمْسُمِائَةٍ وَتُوقَفُ الْخَمْسُمِائَةِ الْأُخْرَى إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ حَالُهُ أَوْ يَمُوتَ قَبْلَ التَّبَيُّنِ فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ ذَكَرٌ دُفِعَتْ الزِّيَادَةُ إلَيْهِ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ جَارِيَةٌ دُفِعَ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي، وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ قَبْلَ التَّبَيُّنِ يُدْفَعُ الْمَوْقُوفُ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي، وَهَذَا قَوْلُ عُلَمَائِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
إيمَاءُ الْأَخْرَسِ وَكِتَابَتُهُ كَالْبَيَانِ فِي الْوَصِيَّةِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْقَوَدِ لَا فِي الْحَدِّ بِخِلَافِ مُعْتَقَلِ اللِّسَانِ. اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا قُرِئَ عَلَى الْأَخْرَسِ كِتَابُ وَصِيَّةٍ فَقِيلَ لَهُ: أَنَشْهَدُ عَلَيْك بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ أَيْ نَعَمْ أَوْ كَتَبَ نَعَمْ، فَإِذَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُعْرَفُ أَنَّهُ إقْرَارٌ فَهُوَ جَائِزٌ. وَلَوْ اعْتَقَلَ لِسَانُ الرَّجُلِ فَقُرِئَ عَلَيْهِ وَصِيَّةٌ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَيْ نَعَمْ أَوْ كَتَبَ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَيَجُوزُ نِكَاحُ الْأَخْرَسِ وَطَلَاقُهُ وَعَتَاقُهُ وَبَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَيُقْتَصُّ مِنْهُ وَيُقْتَصُّ لَهُ إذَا كَانَ يَكْتُبُ أَمْ يُومِئُ إيمَاءً يُعْرَفُ بِهِ وَلَا يُحَدُّ وَلَا يُحَدُّ لَهُ. (ثُمَّ الْكِتَابَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ) مُسْتَبِينٌ مَرْسُومٌ أَيْ مُعَنْوَنٌ وَهُوَ يَجْرِي مَجْرَى النُّطْقِ فِي الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ عَلَى مَا قَالُوا، وَمُسْتَبِينٌ غَيْرُ مَرْسُومٍ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْجِدَارِ وَأَوْرَاقِ الْأَشْجَارِ وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُ مُسْتَبِينٍ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْهَوَاءِ وَالْمَاءِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ كَلَامٍ غَيْرِ مَسْمُوعٍ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ، وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ صَمَتَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ بِعَارِضٍ فَكَتَبَ أَوْ أَشَارَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ مِنْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ.
(غَنَمٌ مَذْبُوحَةٌ) وَفِيهَا مَيْتَةٌ فَإِنْ كَانَتْ الْمَذْبُوحَةُ أَكْثَرَ تَحَرَّى فِيهَا وَأَكَلَ وَإِنْ كَانَتْ الْمَيْتَةُ أَكْثَرَ أَوْ كَانَا نِصْفَيْنِ لَمْ يُؤْكَلْ، وَهَذَا فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ بِأَنْ يَجِدَ ذَكِيَّةً بِيَقِينٍ، وَأَمَّا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ تَحَرَّى وَأَكَلَ سَوَاءٌ كَانَتْ الْمَذْبُوحَةُ أَكْثَرَ أَوْ كَانَا سَوَاءً أَوْ كَانَتْ الْمَيْتَةُ أَكْثَرَ، كَذَا فِي الْكَافِي.
(لُفَّ) ثَوْبٌ نَجِسٌ رَطْبٌ فِي ثَوْبٍ طَاهِرٍ يَابِسٍ فَظَهَرَتْ رُطُوبَتُهُ عَلَى ثَوْبٍ طَاهِرٍ لَكِنْ لَا يَنْعَصِرُ لَوْ عُصِرَ لَا يَتَنَجَّسُ.
(رَأْسُ شَاةٍ) مُتَلَطِّخٍ بِالدَّمِ أُحْرِقَ وَزَالَ عَنْهُ الدَّمُ فَاِتَّخَذَ مَرَقَةً مِنْهُ جَازَ وَالْحَرْقُ كَالْغَسْلِ.
(سُلْطَانٌ) جَعَلَ الْخَرَاجَ لِرَبِّ الْأَرْضِ جَازَ وَإِنْ جَعَلَ الْعُشْرَ لَا، كَذَا فِي الْكَنْزِ
стр. 3170
وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَجُوزُ فِيهِمَا وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْفَتْوَى.
(أَصْحَابُ الْخَرَاجِ) إذَا عَجَزُوا عَنْ زِرَاعَةِ الْأَرْضِ وَأَدَاءِ الْخَرَاجِ دَفَعَ الْإِمَامُ الْأَرَاضِيَ إلَى غَيْرِهِمْ بِالْأُجْرَةِ أَيْ يُؤَاجِرُ الْأَرَاضِيَ لِلْقَادِرَيْنِ عَلَى الزِّرَاعَةِ، وَيَأْخُذُ الْخَرَاجَ مِنْ أُجْرَتِهَا فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ أُجْرَتِهَا يَدْفَعُهُ إلَى أَصْحَابِهَا وَهُمْ الْمُلَّاكُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَأْجِرُهَا بَاعَهَا الْإِمَامُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى الزِّرَاعَةِ، ثُمَّ إذَا بَاعَهَا يَأْخُذُ الْأَخْرِجَةَ الْمَاضِيَةَ مِنْ الثَّمَنِ إنْ كَانَ عَلَيْهِمْ خَرَاجٌ وَرَدَّ الْفَضْلَ عَلَى أَصْحَابِهَا ثُمَّ قِيلَ: هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا الْقَاضِي يَمْلِكُ بَيْعَ مَالِ الْمَدْيُونِ بِالدَّيْنِ وَالنَّفَقَةِ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ فَلَا يَبِيعُهَا لَكِنْ يَأْمُرُ مُلَّاكَهَا بِبَيْعِهَا، وَقِيلَ: هَذَا قَوْلُ الْكُلِّ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
وَلَوْ نَوَى قَضَاءَ رَمَضَانَ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْيَوْمَ صَحَّ وَلَوْ عَنْ رَمَضَانَيْنِ كَقَضَاءِ الصَّلَاةِ صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ أَوَّلَ صَلَاةٍ أَوْ آخِرَ صَلَاةٍ عَلَيْهِ، كَذَا فِي الْكَنْزِ وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي رَمَضَانَ وَاحِدٍ وَلَا يَجُوزُ فِي رَمَضَانَيْنِ مَا لَمْ يُعَيِّنْ أَنَّهُ صَائِمٌ عَنْ رَمَضَانَ سَنَةَ كَذَا وَكَذَا فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ لَا يَجُوزُ مَا لَمْ يُعَيِّنْ الصَّلَاةَ وَيَوْمَهَا بِأَنْ يُعَيِّنَ ظُهْرَ يَوْمِ كَذَا مَثَلًا، وَلَوْ نَوَى أَوَّلَ ظُهْرٍ عَلَيْهِ أَوْ آخِرَ ظُهْرٍ عَلَيْهِ جَازَ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
دَخَلَ دَمْعٌ كَثِيرٌ فَمَ الصَّائِمِ حَتَّى وَجَدَ مُلُوحَتَهُ وَابْتَلَعَ فَسَدَ وَلَوْ قَلِيلٌ كَقَطْرَتَيْنِ لَا.
(ابْتَلَعَ) بُزَاقَ غَيْرِهِ كَفَّرَ لَوْ صَدَّ بُقَّهُ وَإِلَّا لَا.
(قَتْلُ) بَعْضِ الْحَاجِّ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْحَجِّ.
(بَاعَ) أَتَانًا لَا يَدْخُلُ جَحْشُهَا فِي الْبَيْعِ.
(الْعَقَارُ) الْمُتَنَازِعُ فِيهِ لَا يَخْرُجُ مِنْ يَدِ ذِي الْيَدِ مَا لَمْ يُبَرْهِنْ الْمُدَّعِي (عَقَارٌ) لَا فِي وِلَايَةِ الْقَاضِي لَا يَصِحُّ قَضَاؤُهُ فِيهِ.
(إذَا) قَضَى الْقَاضِي فِي حَادِثَةٍ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ قَالَ: رَجَعْت عَنْ قَضَائِي أَوْ بَدَا لِي غَيْرُ ذَلِكَ أَوْ وَقَعْت فِي تَلْبِيسِ الشُّهُودِ أَوْ أَبْطَلْت حُكْمِي وَنَحْوُ ذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ، وَالْقَضَاءُ مَاضٍ إنْ كَانَ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ وَشَهَادَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ.
(خَبَّأَ قَوْمًا) ثُمَّ سَأَلَ رَجُلًا عَنْ شَيْءٍ فَأَقَرَّ بِهِ وَهُمْ يَرَوْنَهُ وَيَسْمَعُونَ كَلَامَهُ وَهُوَ لَا يَرَاهُمْ جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْإِقْرَارِ، وَإِنْ سَمِعُوا كَلَامَهُ وَلَمْ يَرَوْهُ لَا.
(بَاعَ) عَقَارًا وَبَعْضُ أَقَارِبِهِ حَاضِرٌ يَعْلَمُ الْبَيْعَ ثُمَّ ادَّعَى لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ
(وَهَبَتْ) مَهْرَهَا لِزَوْجِهَا فَمَاتَتْ فَطَلَبَ وَرَثَتُهَا مَهْرَهَا مِنْهُ وَقَالُوا: كَانَتْ الْهِبَةُ فِي مَرَضِ مَوْتِهَا، وَقَالَ: بَلْ فِي الصِّحَّةِ فَالْقَوْلُ لَهُ.
(قَالَ) لِآخَرَ: وَكَّلْتُك بِبَيْعِ كَذَا فَسَكَتَ صَارَ وَكِيلًا.
وَكَّلَهَا بِطَلَاقِهَا لَا يَمْلِكُ عَزْلَهَا.
وَكَّلْتُك بِكَذَا عَلَى أَنِّي مَتَى عَزَلْتُك فَأَنْت وَكِيلِي يَقُولُ فِي عَزْلِهِ: عَزَلْتُك ثُمَّ عَزَلْتُك، كَذَا فِي الْكَنْزِ.
وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا عَزَلْتُك فَأَنْت وَكِيلِي يَقُولُ: رَجَعْت عَنْ الْوَكَالَةِ الْمُعَلَّقَةِ وَعَزَلْتُك عَنْ الْوَكَالَةِ الْمُنَجَّزَةِ، وَقِيلَ: يَقُولُ فِي عَزْلِهِ: كُلَّمَا وَكَّلْتُك فَأَنْتَ مَعْزُولٌ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
وَيُبْطِلُ الشَّرْطُ الْفَاسِدُ وَجَهَالَةُ الْبَدَلِ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ وَالْقِسْمَةَ وَالصُّلْحَ عَنْ دَعْوَى الْمَالِ، وَلَا يُبْطِلُ الشَّرْطُ الْفَاسِدُ وَجَهَالَةُ الْبَدَلِ الْعِتْقَ وَالنِّكَاحَ وَالْخُلْعَ وَالصُّلْحَ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَالْكِتَابَةُ تَبْطُلُ بِجَهَالَةِ الْبَدَلِ إذَا كَانَتْ فَاحِشَةً لَا بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ، وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فَقَبِلَ الْعَقْدَ فِي أَحَدِهِمَا فَفِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ سَمَّى لِكُلِّ
стр. 3171
وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَلًا أَوْ لَمْ يُسَمِّ، وَصَحَّ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي بِكُلِّ حَالٍ، وَفِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ إنْ سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَلًا صَحَّ وَإِلَّا لَا.
(رَجُلٌ) قَالَ لِآخَرَ: بِعْتُك هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ أَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ فَقَبِلَ فِي أَحَدِهِمَا لَا يَصِحُّ. وَكَذَا لَوْ آجَرَ شَيْئَيْنِ فَقَبِلَ فِي أَحَدِهِمَا أَوْ قَالَ: قَاسَمْتُك عَلَى أَنَّ هَذَا وَهَذَا لِي وَهَذَا وَهَذَا لَك فَقَبِلَ فِي أَحَدِهِمَا. وَكَذَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ أَوْ الْقِسْمَةِ أَوْ بَيْنَ الْقِسْمَةِ وَبَيْنَ الْبَيْعِ أَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْكُلِّ وَأَجْمَلَ أَوْ فَصَّلَ فَقَبِلَ فِي أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ تَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَضَمُّ الْجَيِّدِ إلَى الرَّدِيءِ مُعْتَادٌ فَصَارَ الْقَبُولُ فِي أَحَدِهِمَا شَرْطًا لِصِحَّةِ الْقَبُولِ فِي الْآخَرِ، فَإِذَا لَمْ يَقْبَلْ صَارَ شَرْطًا فَاسِدًا.
وَلَوْ قَالَ: زَوَّجْتُك هَاتَيْنِ الْأَمَتَيْنِ، بِأَلْفٍ فَقَبِلَ نِكَاحَ إحْدَاهُمَا، أَوْ قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ: خَالَعْتُكُمَا بِكَذَا فَقَبِلَتْ إحْدَاهُمَا أَوْ قَالَ لِعَبْدَيْهِ: أَعْتَقْتُكُمَا بِأَلْفٍ فَقَبِلَ أَحَدُهُمَا أَوْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَلَى رَجُلٍ قِصَاصٌ فَقَالَا: صَالَحْنَاكَ عَلَى أَلْفٍ فَقَبِلَ مِنْ أَحَدِهِمَا صَحَّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ لَا تَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ. وَلَوْ قَالَ لِعَبْدَيْهِ: كَاتَبْتُكُمَا بِأَلْفٍ فَقَبِلَ أَحَدُهُمَا لَا يَصِحُّ وَإِنْ فَصَّلَ فَقَبِلَ أَحَدُهُمَا صَحَّ، وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ أَوْ الْإِجَارَةِ فَقَبِلَ أَحَدُهُمَا إنْ قَبِلَ النِّكَاحَ صَحَّ وَإِنْ قَبِلَ الْبَيْعَ أَوْ الْإِجَارَةَ لَا، وَعَلَى هَذَا غَيْرُهُمَا وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ الْكِتَابَةِ وَالطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ إنْ قَبِلَ الطَّلَاقَ أَوْ الْعَتَاقَ صَحَّ أَجْمَلَ أَوْ فَصَّلَ وَإِنْ قَبِلَ الْكِتَابَةَ إنْ فَصَّلَ صَحَّ وَإِنْ أَجْمَلَ لَا.
(رَجُلٌ) لَهُ أَرْضٌ يَزْرَعُهَا أَوْ حَانُوتٌ يُسْتَغَلُّ وَغَلَّتُهَا تَكْفِي لَهُ وَلِعِيَالِهِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ الزَّكَاةُ وَإِلَّا حَلَّتْ.
(مَنْعُهَا) زَوْجَهَا عَنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا نُشُوزٌ.
طَلَّقَهَا ثِنْتَيْنِ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا عَلَى أَلْفٍ كَانَ جَمِيعُ الْأَلْفِ بِإِزَاءِ الْوَاحِدَةِ.
قَالَ لِعَبْدِهِ: يَا سَيِّدِي، أَوْ لِأَمَتِهِ: أَنَا عَبْدُك لَا يُعْتَقُ.
(إنْ) فَعَلْت كَذَا مَا دُمْت بِبُخَارَى فَكَذَا وَخَرَجَ مِنْهَا ثُمَّ رَجَعَ وَفَعَلَ لَا يَحْنَثُ.
قَالَ الْمُدَّعِي: لَا بَيِّنَةَ لِي، فَبَرْهَنَ. أَوْ قَالَ الشُّهُودُ: لَا شَهَادَةَ لَنَا، ثُمَّ شَهِدُوا تُقْبَلُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا تُقْبَلُ وَالْأَصَحُّ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
أَقَرَّ بِدَيْنٍ لِإِنْسَانٍ ثُمَّ قَالَ: كُنْت كَاذِبًا فِي إقْرَارِي حَلَفَ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى أَنَّ الْمُقِرَّ مَا كَانَ كَاذِبًا فِيمَا أَقَرَّ لَك بِهِ وَلَسْت بِمُبْطِلٍ فِيمَا تَدَّعِيهِ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَ هُمَا يُؤْمَرُ بِتَسْلِيمِ الْمُقَرِّ بِهِ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ، وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهُ.
(لَوْ) قَالَ لَهُ: عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا دِرْهَمًا لَزِمَهُ ثَمَانِيَةٌ وَإِنْ قَالَ: إلَّا سَبْعَةً إلَّا خَمْسَةً إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا دِرْهَمًا - لَزِمَهُ سِتَّةٌ.
خَبَّازٌ اتَّخَذَ حَانُوتًا فِي وَسَطِ الْبَزَّازِينَ مُنِعَ، وَكَذَا كُلُّ ضَرَرٍ عَامٍّ.
جَعْلُ شَيْءٍ مِنْ الطَّرِيقِ مَسْجِدًا أَوْ جَعْلُ شَيْءٍ مِنْ الْمَسْجِدِ طَرِيقًا لِلْعَامَّةِ صَحَّ.
(أَهْلُ) بَلَدٍ تَرَكُوا الْخِتَانَ يُحَارِبُهُمْ الْإِمَامُ.
(كُرِهَ) مَسْحُ الْيَدِ وَالسِّكِّينِ بِالْخُبْزِ وَوَضْعُ الْخُبْزِ تَحْتَ الْقَصْعَةِ وَالْمَمْلَحَةِ وَانْتِظَارُ الْإِدَامِ إنْ حَضَرَ الْخُبْزُ وَأَكْلُ طَعَامٍ حَارٍّ وَشَمُّهُ وَنَفْخُهُ، كَذَا فِي الْكَافِي.
قَبْضُ بَدَلِ الصُّلْحِ شَرْطٌ إنْ كَانَ دَيْنًا بِدَيْنٍ بِأَنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى دَرَاهِمَ عَنْ دَنَانِيرَ أَوْ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَيْنًا بِدَيْنٍ لَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ. ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى صَبِيٍّ دَارًا فَصَالَحَهُ أَبُوهُ عَلَى مَالِ الصَّبِيِّ فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ جَازَ إنْ كَانَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْ أَكْثَرَ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ
стр. 3172
يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَوْ كَانَتْ غَيْرُ عَادِلَةٍ لَا وَإِنْ كَانَ الْأَبُ هُوَ الْمُدَّعِي لِلصَّغِيرِ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ يَجُوزُ كَيْفَمَا كَانَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالْمِثْلِ أَوْ بِأَقَلِّ قَدْرِ مَا يُتَغَابَنُ فِيهِ، وَوَصِيُّ الْأَبِ فِي هَذَا كَالْأَبِ.
(لِلْإِمَامِ) الَّذِي وَلَّاهُ الْخَلِيفَةُ أَنْ يُقْطِعَ إنْسَانًا مِنْ طَرِيقِ الْجَادَّةِ إنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْمَارَّةِ.
(مَنْ صَادَرَهُ) السُّلْطَانُ وَلَمْ يُعَيِّنْ بَيْعَ مَالِهِ فَبَاعَ مَالَهُ صَحَّ
(خَوَّفَهَا) بِالضَّرْبِ حَتَّى وَهَبَتْهُ مَهْرَهَا لَمْ تَصِحَّ إنْ قَدَرَ عَلَى الضَّرْبِ وَإِنْ أَكْرَهَهَا عَلَى الْخُلْعِ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَلَا يَسْقُطُ الْمَالُ، وَلَوْ أَحَالَتْ إنْسَانًا عَلَى الزَّوْجِ ثُمَّ وَهَبَتْ الْمَهْرَ لِلزَّوْجِ لَا تَصِحُّ.
(اتَّخَذَ) بِئْرًا فِي مِلْكِهِ أَوْ بَالُوعَةً فَنَزَّ مِنْهَا حَائِطُ جَارِهِ فَطَلَبَ تَحْوِيلَهُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ فَإِنْ سَقَطَ الْحَائِطُ مِنْهُ لَمْ يَضْمَنْ.
(عَمَّرَ) دَارَ زَوْجَتِهِ بِمَالِهِ بِإِذْنِهَا فَالْعِمَارَةُ لَهَا وَالنَّفَقَةُ دَيْنٌ عَلَيْهَا، وَإِذَا عَمَّرَهَا لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْمَرْأَةِ كَانَتْ الْعِمَارَةُ لَهُ وَإِذَا عَمَّرَهَا لَهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا كَانَ الْبِنَاءُ لَهَا وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي الْبِنَاءِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا بِهِ.
وَلَوْ أَخَذَ غَرِيمَهُ فَنَزَعَهُ إنْسَانٌ مِنْ يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْ النَّازِعُ إذَا هَرَبَ الْغَرِيمُ.
(فِي يَدِهِ) مَالُ إنْسَانٍ فَقَالَ لَهُ سُلْطَانٌ: ادْفَعْ إلَيَّ هَذَا الْمَالَ وَإِلَّا أَقْطَعُ يَدَك أَوْ أَضْرِبُك خَمْسِينَ؛ فَدَفَعَ لَمْ يَضْمَنْ الدَّافِعُ.
(وَضَعَ) مِنْجَلًا فِي الصَّحْرَاءِ لِيَصِيدَ بِهِ حِمَارَ وَحْشٍ وَسَمَّى عَلَيْهِ، فَجَاءَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَوَجَدَ الْحِمَارَ مَجْرُوحًا مَيِّتًا لَمْ يُؤْكَلْ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَذْبَحَهُ إنْسَانٌ أَوْ يَجْرَحَهُ وَبِدُونِ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ وَهُوَ كَالنَّطِيحَةِ أَوْ الْمُتَرَدِّيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ، وَتَقْيِيدُهُ بِالْيَوْمِ الثَّانِي وَقَعَ اتِّفَاقًا حَتَّى لَوْ وَجَدَهُ مَيِّتًا مِنْ سَاعَتِهِ لَا يَحِلُّ لِعَدَمِ شَرْطِهِ الْمَذْكُورِ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
كُرِهَ مِنْ الشَّاةِ الْحَيَاءُ وَالْخُصْيَةِ وَالْغُدَّةُ وَالْمَثَانَةُ وَالْمَرَارَةُ وَالدَّمُ الْمَسْفُوحُ وَالذَّكَرُ وَالنُّخَاعُ الصُّلْبُ، كَذَا فِي الْكَنْزِ.
لِلْقَاضِي أَنْ يُقْرِضَ مَالَ الْغَائِبِ وَالطِّفْلِ وَاللُّقَطَةِ.
صَبِيٌّ حَشَفَتُهُ ظَاهِرَةٌ بِحَيْثُ لَوْ رَآهُ إنْسَانٌ ظَنَّهُ مَخْتُونًا وَلَا تُقْطَعُ جِلْدَةُ ذَكَرِهِ إلَّا بِتَشْدِيدِ تَرْكٍ، كَشَيْخٍ أَسْلَمَ فَقَالَ أَهْلُ الْبَصِيرَةِ: لَا يُطِيقُ الْخِتَانَ وَوَقْتُهُ سَبْعُ سِنِينَ وَخِتَانُ الْمَرْأَةِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مَكْرُمَةٌ لِلرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ أَلَذُّ فِي الْجِمَاعِ وَقِيلَ: سُنَّةٌ.
وَيَجُوزُ كَيُّ الصَّغِيرِ وَبَطُّ قُرْحَتِهِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُدَاوَاةِ وَكَذَا يَجُوزُ ثَقْبُ أُذُنِ الْبَنَاتِ الْأَطْفَالِ.
وَالْحَامِلُ لَا تَفْعَلُ مَا يَضُرُّ بِالْوَلَدِ وَلَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَحْتَجِمَ مَا لَمْ يَتَحَرَّك الْوَلَدُ، فَإِذَا تَحَرَّكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ تَقْرُبُ الْوِلَادَةُ فَإِذَا قَرُبَتْ لَا تَحْتَجِمُ، وَأَمَّا الْفَصْدُ فَلَا تَفْعَلُهُ مُطْلَقًا مَا دَامَتْ حُبْلَى.
وَكَذَا يَجُوزُ فَصْدُ الْبَهَائِمِ وَكَيُّهَا وَكَذَا كُلُّ عِلَاجٍ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهَا.
وَجَازَ قَتْلُ مَا يَضُرُّ مِنْ الْبَهَائِمِ كَالْكَلْبِ الْعَقُورِ وَالْهِرَّةِ إذَا كَانَتْ تَأْكُلُ الْحَمَامَ وَالدَّجَاجَ وَيَذْبَحُهَا ذَبْحًا وَلَا يَضُرُّ بِهَا.
(وَالْمُسَابِقَةُ) بِالْفَرَسِ وَالْإِبِلِ وَالْأَرْجُلِ وَالرَّمْيِ جَائِزَةٌ، وَحُرِّمَ شَرْطُ الْجُعَلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لَا مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَمَعْنَى شَرْطِ الْجُعَلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَنْ يَقُولَ: إنْ سَبَقَ فَرَسُك فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا، وَإِنْ سَبَقَ فَرَسِي فَلِي عَلَيْك كَذَا وَهُوَ قِمَارٌ فَلَا يَجُوزُ، وَإِذَا شُرِطَ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ بِأَنْ يَقُولَ: إنْ سَبَقْتَنِي فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا، وَإِنْ سَبَقْتُك فَلَا شَيْءَ لِي عَلَيْك جَازَ اسْتِحْسَانًا وَلَا يَجُوزُ فِيمَا عَدَا الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ كَالْبَغْلِ، وَإِنْ كَانَ الْجُعَلُ
стр. 3173
مَشْرُوطًا مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَشَرْطُهُ أَنْ تَكُونَ الْغَايَةُ مِمَّا يَحْتَمِلُهَا الْفَرَسُ، وَكَذَا شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرَسَيْنِ احْتِمَالُ السَّبَقِ، أَمَّا إذَا عُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَسْبِقُ لَا مَحَالَةَ فَلَا يَجُوزُ، وَلَوْ شَرَطَا الْجُعَلَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَأَدْخَلَا ثَالِثًا مُحَلِّلًا جَازَ إذَا كَانَ فَرَسُ الْمُحَلِّلِ كُفُؤًا لِفَرَسَيْهِمَا يَجُوزُ أَنْ يَسْبِقَ وَيُسْبَقَ، وَإِنْ كَانَ يَسْبِقُ أَوْ يُسْبَقُ لَا مَحَالَةَ فَلَا يَجُوزُ، وَصُورَةُ إدْخَالِ الْمُحَلِّلِ أَنْ يَقُولَا لِلثَّالِثِ: إنْ سَبَقْتنَا فَالْمَالَانِ لَك، وَإِنْ سَبَقْنَاك فَلَا شَيْءَ لَنَا عَلَيْك، وَلَكِنَّ الشَّرْطَ الَّذِي شَرْطَاهُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ أَيُّهُمَا يَسْبِقُ كَانَ لَهُ الْجُعَلُ عَلَى صَاحِبِهِ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ، فَإِنْ غَلَبَهُمَا أَخَذَ الْمَالَيْنِ وَإِنْ غَلَبَاهُ فَلَا شَيْءَ لَهُمَا عَلَيْهِ وَيَأْخُذُ أَيُّهُمَا غَلَبَ الْمَالَ الْمَشْرُوطَ مِنْ صَاحِبِهِ.
وَلَوْ قَالَ وَاحِدٌ مِنْ النَّاسِ لِجَمَاعَةٍ مِنْ الْفُرْسَانِ أَوْ لِلِاثْنَيْنِ: فَمَنْ سَبَقَ فَلَهُ كَذَا مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، أَوْ قَالَ لِلرُّمَاةِ: مَنْ أَصَابَ هَدَفًا فَلَهُ كَذَا جَازَ. وَعَلَى هَذَا الْفُقَهَاءُ إذَا تَنَازَعُوا فِي الْمَسَائِلِ وَشُرِطَ لِلْمُصِيبِ مِنْهُمْ جُعْلٌ جَازَ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِالْجَوَازِ الْمَذْكُورِ فِي بَابِ الْمُسَابِقَةِ الْحِلُّ دُونَ الِاسْتِحْقَاقِ حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ الْمَغْلُوبُ مِنْ الدَّفْعِ لَا يُجْبِرُهُ الْقَاضِي وَلَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِهِ.
وَلَا يُصَلِّي عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ إلَّا بِطَرِيقِ التَّبَعِ بِأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَنَحْوَهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي التَّرَحُّمِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ مُحَمَّدًا ﷺ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ ثُمَّ الْأَوْلَى أَنْ يَدْعُوَ لِلصَّحَابَةِ بِالرِّضَا فَيَقُولَ رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمْ، وَلِلتَّابِعَيْنِ بِالرَّحْمَةِ فَيَقُولَ: رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى، وَلِمَنْ بَعْدَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ وَالتَّجَاوُزِ فَيَقُولَ: غَفَرَ اللَّهُ لَهُمْ وَتَجَاوَزَ عَنْهُمْ.
وَالْإِعْطَاءُ بِاسْمِ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ لَا يَجُوزُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْجَامِعِ الْأَصْغَرِ: إذَا أَهْدَى يَوْمَ النَّيْرُوزِ إلَى مُسْلِمٍ آخَرَ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ تَعْظِيمَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَكِنْ جَرَى عَلَى مَا اعْتَادَهُ بَعْضُ النَّاسِ لَا يَكْفُرُ وَلَكِنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ خَاصَّةً وَيَفْعَلَهُ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ كَيْ لَا يَكُونَ تَشَبُّهًا بِأُولَئِكَ الْقَوْمِ.
وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْقَلَانِسِ، وَنُدِبَ لُبْسُ السَّوَادِ وَإِرْسَالُ ذَنَبِ الْعِمَامَةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ إلَى وَسَطِ الظَّهْرِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُجَدِّدَ اللَّفَّ لِعِمَامَتِهِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْقُضَهَا كَوْرًا كَوْرًا فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْسَنُ مِنْ رَفْعِهَا عَنْ الرَّأْسِ وَإِلْقَائِهَا فِي الْأَرْضِ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
وَيُكْرَهُ لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ وَالْمُزَعْفَرِ وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَلْبَسَ أَحْسَنَ الثِّيَابِ وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُوصِي أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ.
وَلِلشَّابِّ الْعَالِمِ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الشَّيْخِ الْجَاهِلِ.
وَلِحَافِظِ الْقُرْآنِ أَنْ يَخْتِمَ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَهْمُ مَعَانِيهِ وَالِاعْتِبَارُ بِمَا فِيهِ لَا مُجَرَّدُ التِّلَاوَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [محمد: ٢٤] وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالتَّأَنِّي لَا بِالتَّوَانِي فِي الْمَعَانِي فَقُدِّرَ لِلْخَتْمِ أَقَلُّهُ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا يَقْرَأُ فِي كُلِّ يَوْمٍ حِزْبًا وَنِصْفَ حِزْبٍ أَوْ أَقَلَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
[كِتَابُ الْفَرَائِضِ وَفِيهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ بَابًا]
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَعْرِيفِ الْفَرَائِض]
(كِتَابُ الْفَرَائِضِ) وَفِيهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ بَابًا (الْبَابُ الْأَوَّلُ - فِي تَعْرِيفِهَا وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَةِ)
стр. 3174
الْفَرَائِضُ جَمْعُ فَرِيضَةٍ مِنْ الْفَرْضِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ التَّقْدِيرُ وَالْقَطْعُ وَالْبَيَانُ وَفِي الشَّرْعِ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ وَسُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْفِقْهِ فَرَائِضَ لِأَنَّهُ سِهَامٌ مُقَدَّرَةٌ مَقْطُوعَةٌ مُبَيَّنَةٌ ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ فَقَدْ اشْتَمَلَ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ وَالْإِرْثُ فِي اللُّغَةِ الْبَقَاءُ وَفِي الشَّرْعِ انْتِقَالُ مَالِ الْغَيْرِ إلَى الْغَيْرِ عَلَى سَبِيلِ الْخِلَافَةِ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
التَّرِكَةُ تَتَعَلَّقُ بِهَا حُقُوقٌ أَرْبَعَةٌ: جِهَازُ الْمَيِّتِ وَدَفْنُهُ وَالدَّيْنُ وَالْوَصِيَّةُ وَالْمِيرَاثُ. فَيُبْدَأُ أَوَّلًا بِجَهَازِهِ وَكَفَنِهِ وَمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي دَفْنِهِ بِالْمَعْرُوفِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ حَقٌّ تَعَلَّقَ بِعَيْنٍ كَالرَّهْنِ وَالْعَبْدِ الْجَانِي فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ وَوَلِيَّ الْجِنَايَةِ أَوْلَى بِهِ مِنْ تَجْهِيزِهِ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ وَيُكَفَّنُ فِي مِثْلِ مَا كَانَ يَلْبَسُ مِنْ الثِّيَابِ الْحَلَالِ حَالَ حَيَاتِهِ عَلَى قَدْرِ التَّرِكَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْتِيرٍ وَلَا تَبْذِيرٍ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ ثُمَّ بِالدَّيْنِ وَأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ دُيُونَ الصِّحَّةِ أَوْ دُيُونَ الْمَرَضِ، أَوْ كَانَ الْبَعْضُ دَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْبَعْضُ دَيْنَ الْمَرَضِ، فَإِنْ كَانَ الْكُلُّ دُيُونَ الصِّحَّةِ أَوْ دُيُونَ الْمَرَضِ فَالْكُلُّ سَوَاءٌ لَا يُقَدَّمُ الْبَعْضُ عَلَى الْبَعْضِ، وَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ دَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْبَعْضُ دَيْنَ الْمَرَضِ يُقَدَّمُ دَيْنُ الصِّحَّةِ إذَا كَانَ دَيْنُ الْمَرَضِ ثَبَتَ بِإِقْرَارِ الْمَرِيضِ، وَأَمَّا مَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْمُعَايَنَةِ فَهُوَ وَدَيْنُ الصِّحَّةِ سَوَاءٌ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ ثُمَّ تُنَفَّذُ وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِ مَا يَبْقَى بَعْدَ الْكَفَنِ وَالدَّيْنِ إلَّا أَنْ تُجِيزَ الْوَرَثَةُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ ثُمَّ يُقَسَّمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْوَرَثَةِ عَلَى سِهَامِ الْمِيرَاثِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ شَائِعَةً نَحْوَ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ أَوْ الرُّبُعِ لَا تُقَدَّمُ الْوَصِيَّةُ عَلَى الْمِيرَاثِ بَلْ يَكُونُ الْمُوصَى لَهُ شَرِيكَ الْوَرَثَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَزْدَادُ بِزِيَادَةِ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ وَيَنْتَقِصُ حَقُّهُ بِنُقْصَانِ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَيُسْتَحَقُّ الْإِرْثُ بِإِحْدَى خِصَالٍ ثَلَاثٍ: بِالنَّسَبِ وَهُوَ الْقَرَابَةُ، وَالسَّبَبِ وَهُوَ الزَّوْجِيَّةُ، وَالْوَلَاءِ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: وَلَاءُ عَتَاقَةٍ وَوَلَاءُ مُوَالَاةٍ وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا يَرِثُ الْأَعْلَى مِنْ الْأَسْفَلِ وَلَا يَرِثُ الْأَسْفَلُ مِنْ الْأَعْلَى إلَّا إذَا شَرَطَ فَقَالَ: إنْ مِتُّ فَمَالِي مِيرَاثٌ لَك؛ فَحِينَئِذٍ يَرِثُ الْأَسْفَلُ مِنْ الْأَعْلَى، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
وَالْوَارِثُونَ أَصْنَافٌ ثَلَاثَةٌ: أَصْحَابُ الْفَرَائِضِ وَالْعَصَبَاتُ وَذَوُو الْأَرْحَامِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْمُسْتَحَقُّونَ لِلتَّرِكَةِ عَشَرَةُ أَصْنَافٍ مُرَتَّبَةٌ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ فَيُبْدَأُ بِذِي الْفَرْضِ ثُمَّ بِالْعَصَبَةِ النِّسْبِيَّةِ ثُمَّ بِالْعَصَبَةِ السَّبَبِيَّةِ وَهُوَ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ، ثُمَّ عَصَبَةِ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ ثُمَّ الرَّدِّ عَلَى ذَوِي الْفُرُوضِ النِّسْبِيَّةِ بِقَدْرِ حُقُوقِهِمْ، ثُمَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ ثُمَّ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ ثُمَّ الْمُقَرُّ لَهُ بِالنَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ بِحَيْثُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ بِإِقْرَارِهِ مِنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ إذَا مَاتَ الْمُقِرُّ مُصِرًّا عَلَى إقْرَارِهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِأَخٍ أَوْ أُخْتٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ثُمَّ الْمُوصَى لَهُ بِجَمِيعِ الْمَالِ ثُمَّ بَيْتِ الْمَالِ، كَذَا فِي الْكَافِي.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي ذَوِي الْفُرُوضِ]
(الْبَابُ الثَّانِي فِي ذَوِي الْفُرُوضِ) وَهُمْ كُلُّ مَنْ كَانَ لَهُ سَهْمٌ مُقَدَّرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَوْ بِالْإِجْمَاعِ.
стр. 3175
كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ وَهُمْ اثْنَا عَشَرَةَ نَفَرًا عَشَرَةٌ مِنْ النَّسَبِ وَاثْنَانِ مِنْ السَّبَبِ.
أَمَّا الْعَشَرَةُ بِالنَّسَبِ فَثَلَاثَةٌ مِنْ الرِّجَالِ وَسَبْعَةٌ مِنْ النِّسَاءِ أَمَّا الرِّجَالُ فَالْأَوَّلُ الْأَبُ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: الْفَرْضُ الْمَحْضُ وَهُوَ السُّدُسُ مَعَ الِابْنِ أَوْ ابْنِ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ، وَالتَّعْصِيبُ الْمَحْضُ وَذَلِكَ أَنْ لَا يُخَلَّفَ غَيْرُهُ فَلَهُ جَمِيعُ الْمَالِ بِالْعُصُوبَةِ وَكَذَا إذَا اجْتَمَعَ مَعَ ذِي فَرْضٍ لَيْسَ بِوَلَدٍ وَلَا وَلَدِ ابْنٍ كَزَوْجٍ وَأُمٍّ وَجَدَّةٍ فَيَأْخُذُ ذُو الْفَرْضِ فَرْضَهُ وَالْبَاقِي لِلْأَبِ بِالْعُصُوبَةِ، وَالتَّعْصِيبُ وَالْفَرْضُ مَعًا وَذَلِكَ مَعَ الْبِنْتِ وَبِنْتِ الِابْنِ فَلَهُ السُّدُسُ فَرْضًا وَالنِّصْفُ لِلْبِنْتِ أَوْ الثُّلُثَانِ لِلْبِنْتَيْنِ فَصَاعِدًا وَالْبَاقِي لَهُ بِالتَّعْصِيبِ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
وَالثَّانِي - الْجَدُّ وَالْمُرَادُ الْجَدُّ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ وَهُوَ الَّذِي لَا تَدْخُلُ فِي نِسْبَتِهِ إلَى الْمَيِّتِ أُمٌّ كَأَبِي الْأَبِ أَوْ أَبِي أَبِي الْأَبِ، فَإِنْ دَخَلَ فِي نِسْبَتِهِ إلَى الْمَيِّتِ أُمٌّ فَهُوَ فَاسِدٌ كَأَبِي أُمِّ الْأَبِ أَوْ كَأَبِي أَبِي أُمِّ الْأَبِ أَوْ كَأَبِي أَبِي أُمِّ أَبِي الْأَبِ، ثُمَّ الْجَدُّ الصَّحِيحُ كَالْأَبِ عِنْدَ عَدَمِهِ إلَّا فِي رَدِّ الْأُمِّ إلَى ثُلُثِ مَا بَقِيَ وَحَجْبِ أُمِّ الْأَبِ وَهُوَ يَحْجُبُ جَمِيعَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي الْكَافِي.
وَالثَّالِثُ - الْأَخُ لِأُمٍّ وَلَهُ السُّدُسُ وَلِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثُ وَإِنْ اجْتَمَعَ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ اسْتَوَوْا فِي الثُّلُثِ.
وَأَمَّا النِّسَاءُ فَالْأُولَى الْبِنْتُ وَلَهَا النِّصْفُ إذَا انْفَرَدَتْ وَلِلْبِنْتَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثَانِ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ وَإِذَا اخْتَلَطَ الْبَنُونَ وَالْبَنَاتُ عَصَبَ الْبَنُونَ الْبَنَاتِ فَيَكُونُ لِلِابْنِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
الثَّانِيَةُ - بِنْتُ الِابْنِ فَلِلْوَاحِدَةِ النِّصْفُ وَلِلثِّنْتَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثَانِ فَهُنَّ كَالصُّلْبِيَّاتِ عِنْدَ عَدَمِ وَلَدِ الصُّلْبِ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ فَإِنْ اجْتَمَعَ أَوْلَادُ الصُّلْبِ وَأَوْلَادُ الِابْنِ فَإِنْ كَانَ فِي أَوْلَادِ الصُّلْبِ ذَكَرٌ فَلَا شَيْءَ لِأَوْلَادِ الِابْنِ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا أَوْ مُخْتَلِطِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَوْلَادِ الصُّلْبِ ذَكَرٌ وَلَا فِي أَوْلَادِ الِابْنِ ذَكَرٌ، فَإِنْ كَانَتْ ابْنَةُ الصُّلْبِ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِبَنَاتِ الِابْنِ السُّدُسُ وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ ابْنَةُ الصُّلْبِ ثِنْتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ وَلَا شَيْءَ لِبَنَاتِ الِابْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَوْلَادِ الصُّلْبِ ذَكَرٌ وَكَانَ فِي أَوْلَادِ الِابْنِ ذَكَرٌ فَإِنْ انْفَرَدَ الذُّكُورُ مِنْ أَوْلَادِ الِابْنِ فَالْبَاقِي بَعْدَ نَصِيبِ الْبَنَاتِ لَهُمْ نِصْفًا كَانَ أَوْ ثُلُثًا فَإِنْ اخْتَلَطَ الذُّكُورُ بِالْإِنَاثِ مِنْ أَوْلَادِ الِابْنِ فَنَقُولُ: إنْ كَانَتْ بَنَاتُ الصُّلْبِ ثِنْتَيْنِ فَصَاعِدًا فَلَهُنَّ الثُّلُثَانِ وَالْبَاقِي بَيْنَ أَوْلَادِ الِابْنِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ عِنْدَ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنْ كَانَتْ ابْنَةُ الصُّلْبِ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَالْبَاقِي بَيْنَ أَوْلَادِ الِابْنِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
بِنْتَانِ وَبِنْتُ ابْنٍ وَبِنْتُ ابْنِ ابْنٍ، وَابْنُ ابْنِ ابْنٍ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ وَالْبَاقِي بَيْنَ بِنْتِ الِابْنِ وَمَنْ دُونَهَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
وَلَوْ تَرَكَ ثَلَاثَ بَنَاتِ ابْنٍ بَعْضُهُنَّ أَسْفَلُ مِنْ بَعْضٍ وَثَلَاثَ بَنَاتِ ابْنِ ابْنٍ بَعْضُهُنَّ أَسْفَلُ مِنْ بَعْضٍ وَثَلَاثَ بَنَاتِ ابْنِ ابْنِ ابْنٍ بَعْضُهُنَّ أَسْفَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَصُورَتُهُ إذَا كَانَ لِابْنِ الْمَيِّتِ ابْنٌ وَبِنْتٌ وَلِابْنِ ابْنِهِ ابْنٌ وَبِنْتٌ وَلِابْنِ ابْنِ ابْنِهِ ابْنٌ وَبِنْتٌ فَمَاتَ الْبَنُونَ وَبَقِيَتْ.
стр. 3176
الْبَنَاتُ، وَكَذَلِكَ ثَلَاثُ بَنَاتِ ابْنٍ، وَكَذَلِكَ ثَلَاثُ بَنَاتِ ابْنِ ابْنٍ، وَكَذَلِكَ ثَلَاثُ بَنَاتِ ابْنِ ابْنِ ابْنٍ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ.
مَيِّتٌ: الْفَرِيقُ الْأَوَّلِ ابْنٌ، ابْنُ بِنْتٍ، ابْنُ بِنْتٍ، ابْنُ بِنْتٍ. الْفَرِيقُ الثَّانِي ابْنٌ، ابْنٌ، ابْنُ بِنْتٍ، ابْنُ بِنْتٍ، ابْنُ بِنْتٍ. الْفَرِيقُ الثَّالِثُ ابْنٌ، ابْنٌ، ابْنٌ، ابْنُ بِنْتٍ، ابْنُ بِنْتٍ، ابْنُ بِنْتٍ. الْعُلْيَا مِنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ لَا يُوَازِيهَا أَحَدٌ، وَالْوُسْطَى مِنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ يُوَازِيهَا الْعُلْيَا مِنْ الْفَرِيقِ الثَّانِي، وَالسُّفْلَى مِنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ يُوَازِيهَا الْوُسْطَى مِنْ الْفَرِيقِ الثَّانِي، وَالْعُلْيَا مِنْ الْفَرِيقِ الثَّالِثِ وَالسُّفْلَى مِنْ الْفَرِيقِ الثَّانِي يُوَازِيهَا الْوُسْطَى مِنْ الْفَرِيقِ الثَّالِثِ، وَالسُّفْلَى مِنْ الْفَرِيقِ الثَّالِثِ لَا يُوَازِيهَا أَحَدٌ، فَلِلْعُلْيَا مِنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ النِّصْفُ، وَلِلْوُسْطَى مِنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ وَالْعُلْيَا مِنْ الْفَرِيقِ الثَّانِي السُّدُسُ تَكْمِلَةً لِلثُّلُثَيْنِ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الدَّرَجَةِ وَلَا شَيْءَ لِلْبَاقِيَاتِ، فَإِنْ كَانَ مَعَ الْعُلْيَا مِنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ غُلَامٌ فَالْمَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَسَقَطَ الْبَاقِيَاتُ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْوُسْطَى مِنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ غُلَامٌ فَالنِّصْفُ لِلْعُلْيَا مِنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ وَالْبَاقِي بَيْنَ الْغُلَامِ وَبَيْنَ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ مَعَ السُّفْلَى مِنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ غُلَامٌ فَالنِّصْفُ لِلْعُلْيَا مِنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ وَالسُّدُسُ لِلْوُسْطَى مِنْهُ مَعَ مَنْ يُوَازِيهَا تَكْمِلَةً لِلثُّلُثَيْنِ وَالْبَاقِي بَيْنَ الْغُلَامِ وَبَيْنَ مَنْ يُوَازِيهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَيَسْقُطُ الْبَاقِيَاتُ، وَإِنْ كَانَ مَعَ السُّفْلَى مِنْ الْفَرِيقِ الثَّانِي غُلَامٌ فَالنِّصْفُ لِلْعُلْيَا مِنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ وَالسُّدُسُ تَكْمِلَةً لِلثُّلُثَيْنِ لِلْوُسْطَى مِنْهُ وَلِمَنْ يُوَازِيهَا وَالْبَاقِي بَيْنَ الْغُلَامِ وَمَنْ يُوَازِيهِ وَمَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ مِمَّنْ لَا فَرْضَ لَهُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَيَسْقُطُ الْبَاقِيَاتُ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ بِنْتَ الِابْنِ تَصِيرُ عَصَبَةً بِابْنِ الِابْنِ سَوَاءٌ كَانَ فِي دَرَجَتِهَا أَوْ أَسْفَلَ مِنْهَا إذَا لَمْ تَكُنْ صَاحِبَةَ فَرْضٍ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
وَالثَّالِثَةُ - الْأُمُّ وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: السُّدُسُ مَعَ الْوَلَدِ وَوَلَدِ الِابْنِ أَوْ اثْنَيْنِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنْ أَيْ جِهَةٍ كَانُوا وَالثُّلُثُ عِنْدَ عَدَمِ هَؤُلَاءِ وَثُلُثُ مَا يَبْقَى بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ وَذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ: زَوْجٌ وَأَبَوَانِ، أَوْ زَوْجَةٌ وَأَبَوَانِ. فَإِنَّ لِلْأُمِّ ثُلُثَ مَا يَبْقَى بَعْدَ نَصِيبِ الزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ وَالْبَاقِي لِلْأَبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَإِنْ كَانَ مَكَانَ الْأَبِ جَدٌّ فَلِلْأُمِّ ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ، كَذَا
стр. 3177
فِي الْكَافِي.
الرَّابِعَةُ - الْجَدَّةُ الصَّحِيحَةُ كَأُمِّ الْأُمِّ وَإِنْ عَلَتْ وَأُمِّ الْأَبِ وَإِنْ عَلَا، وَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ فِي نِسْبَتِهَا أَبٌ بَيْنَ أُمَّيْنِ فَهِيَ فَاسِدَةٌ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ وَلَهَا السُّدُسُ لِأَبٍ كَانَتْ أَوْ لِأُمٍّ وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ أَكْثَرَ فَيَشْتَرِكْنَ فِي السُّدُسِ إذَا كُنَّ ثَابِتَاتٍ مُتَحَاذِيَاتٍ فِي الدَّرَجَةِ، كَذَا فِي الْكَافِي ثُمَّ الْجَدَّةُ إذَا كَانَتْ ذَاتَ جِهَتَيْنِ وَالْأُخْرَى ذَاتَ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - السُّدُسُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي الْمُضْمَرَاتِ
(مِثَالُهُ) امْرَأَةٌ زَوَّجَتْ بِنْتَ بِنْتِهَا مِنْ ابْنِ ابْنِهَا فَوُلِدَ مِنْهُمَا وَلَدٌ فَهَذِهِ الْمُزَوِّجَةُ أُمُّ أُمِّ أُمِّ الْوَلَدِ، وَهِيَ أَيْضًا أُمُّ أَبِ أَبِ الْوَلَدِ وَالْجَدَّةُ الْأُخْرَى أُمُّ أُمِّ أَبِ الْوَلَدِ، فَإِنْ تَزَوَّجَ هَذَا الْوَلَدُ سَبْطًا لَهُمَا آخَرَ فَوُلِدَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ صَارَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ جَدَّةً لِهَذَا الْوَلَدِ الْآخَرِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، فَإِنَّ تَزَوَّجَ هَذَا الْوَلَدُ سَبْطًا آخَرَ فَوُلِدَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ صَارَتْ هَذِهِ الْجَدَّةُ جَدَّةً لِهَذَا الْوَلَدِ الْآخَرِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ وَقِسْ عَلَيْهِ الْبَاقِيَ، كَذَا فِي الْكَافِي.
الْخَامِسَةُ - الْأَخَوَاتُ لِأَبٍ وَأُمٍّ لِلْوَاحِدَةِ النِّصْفُ وَلِلثِّنْتَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثَانِ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ وَمَعَ الْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَلَهُنَّ الْبَاقِي مَعَ الْبَنَاتِ أَوَمَعَ بَنَاتِ الِابْنِ، كَذَا فِي الْكَافِي.
السَّادِسَةُ - الْأَخَوَاتُ لِأَبٍ وَهُنَّ كَالْأَخَوَاتِ لِأَبَوَيْنِ عِنْدَ عَدَمِهِنَّ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ فَلِلْوَاحِدَةِ النِّصْفُ وَلِلْأَكْثَرِ الثُّلُثَانِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَخَوَاتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَلَهُنَّ السُّدُسُ مَعَ الْأُخْتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ تَكْمِلَةً لِلثُّلُثَيْنِ وَلَا يَرِثْنَ مَعَ الْأُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ أَخٌ لِأَبٍ فَيَعْصِبَهُنَّ فَيَكُونَ لِلْأُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ الثُّلُثَانِ، وَالْبَاقِي بَيْنَ أَوْلَادِ الْأَبِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَلَهُنَّ الْبَاقِي مَعَ الْبَنَاتِ أَوْ مَعَ بَنَاتِ الِابْنِ، كَذَا فِي الْكَافِي.
السَّابِعَةُ - الْأَخَوَاتُ لِأُمٍّ لِلْوَاحِدَةِ السُّدُسُ وَلِلثِّنْتَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثُ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ وَيَسْقُطُ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ بِالِابْنِ وَابْنِ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ وَبِالْأَبِ بِالِاتِّفَاقِ وَبِالْجَدِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَيَسْقُطُ أَوْلَادُ الْأَبِ بِهَؤُلَاءِ وَبِالْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَيَسْقُطُ أَوْلَادُ الْأُمِّ بِالْوَلَدِ وَإِنْ كَانَ بِنْتًا وَوَلَدِ الِابْنِ وَالْأَبِ وَالْجَدِّ بِالِاتِّفَاقِ، كَذَا فِي الْكَافِي.
وَأَمَّا الِاثْنَانِ مِنْ السَّبَبِ فَالزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَوَلَدِ الِابْنِ، وَالرُّبُعُ مَعَ الْوَلَدِ أَوْ وَلَدِ الِابْنِ وَلِلزَّوْجَةِ الرُّبُعُ عِنْدَ عَدَمِهِمَا وَالثُّمُنُ مَعَ أَحَدِهِمَا، وَالزَّوْجَاتُ وَالْوَاحِدَةُ يَشْتَرِكْنَ فِي الرُّبُعِ وَالثُّمُنِ وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ.
(الْفُرُوضُ الْمُقَدَّرَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى سِتَّةٌ) النِّصْفُ وَالرُّبُعُ وَالثُّمُنُ وَالثُّلُثَانِ وَالثُّلُثُ وَالسُّدُسُ أَمَّا النِّصْفُ فَفَرْضُ خَمْسَةِ أَصْنَافٍ فَرْضُ الزَّوْجِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ ابْنٍ وَفَرْضُ بِنْتِ الصُّلْبِ وَفَرْضُ بِنْتِ الِابْنِ عِنْدَ عَدَمِ بِنْتِ الصُّلْبِ وَفَرْضُ الْأُخْتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَفَرْضُ الْأُخْتِ لِأَبٍ عِنْدَ عَدَمِ الْأُخْتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ.
وَأَمَّا الرُّبُعُ فَفَرْضُ صِنْفَيْنِ فَرْضُ الزَّوْجِ إذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ وَفَرْضُ الزَّوْجَةِ أَوْ الزَّوْجَاتِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ ابْنٍ وَأَمَّا الثُّمُنُ فَفَرْضُ الزَّوْجَةِ أَوْ الزَّوْجَاتِ إذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ.
وَأَمَّا
стр. 3178
الثُّلُثَانِ فَفَرْضُ أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ: فَرْضُ بِنْتَيْ الصُّلْبِ فَصَاعِدًا، وَفَرْضُ بِنْتَيْ الِابْنِ فَصَاعِدًا عِنْدَ عَدَمِ بِنْتِ الصُّلْبِ، وَفَرْضُ الْأُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَصَاعِدًا، وَفَرْضُ الْأُخْتَيْنِ لِأَبٍ فَصَاعِدًا عِنْدَ عَدَمِ الْأُخْتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ.
وَأَمَّا الثُّلُثُ فَفَرْضُ صِنْفَيْنِ: فَرْضُ الْأُمِّ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ ابْنٍ وَلَا اثْنَانِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَفَرْضُ الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنْ أَوْلَادِ الْأُمِّ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا.
وَأَمَّا السُّدُسُ فَفَرْضُ سَبْعَةِ أَصْنَافٍ: فَرْضُ الْأَبِ إذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ، وَفَرْضُ الْجَدِّ كَذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ، وَفَرْضُ الْأُمِّ إذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ أَوْ اثْنَانِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَفَرْضُ الْجَدَّةِ الْوَاحِدَةِ وَالْجَدَّاتِ إذَا اجْتَمَعْنَ حِينَ يَرِثْنَ، وَفَرْضُ بِنْتِ الِابْنِ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ تَكْمِلَةً لِلثُّلُثَيْنِ، وَفَرْضُ الْأُخْتِ لِأَبٍ مَعَ الْأُخْتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ تَكْمِلَةً لِلثُّلُثَيْنِ، وَفَرْضُ الْوَاحِدِ مِنْ أَوْلَادِ الْأُمِّ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْعَصَبَاتِ]
(الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْعَصَبَاتِ) وَهُمْ كُلُّ مَنْ لَيْسَ لَهُ سَهْمٌ مُقَدَّرٌ وَيَأْخُذُ مَا بَقِيَ مِنْ سِهَامِ ذَوِي الْفُرُوضِ وَإِذَا انْفَرَدَ أَخَذَ جَمِيعَ الْمَالِ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ.
فَالْعُصْبَةُ نَوْعَانِ: نِسْبِيَّةٌ وَسَبَبِيَّةٌ، فَالنِّسْبِيَّةُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: عَصَبَةٌ بِنَفْسِهِ وَهُوَ كُلُّ ذَكَرٍ لَا يَدْخُلُ فِي نِسْبَتِهِ إلَى الْمَيِّتِ أُنْثَى وَهُمْ أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ: جُزْءُ الْمَيِّتِ وَأَصْلُهُ وَجُزْءُ أَبِيهِ وَجُزْءُ جَدِّهِ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ فَأَقْرَبُ الْعَصَبَاتِ الِابْنُ ثُمَّ ابْنُ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ ثُمَّ الْأَبُ ثُمَّ الْجَدُّ أَبُ الْأَبِ وَإِنْ عَلَا، ثُمَّ الْأَخُ لِأَبٍ وَأُمٍّ، ثُمَّ الْأَخُ لِأَبٍ ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِأَبٍ ثُمَّ الْعَمُّ لِأَبٍ وَأُمٍّ ثُمَّ الْعَمُّ لِأَبٍ ثُمَّ ابْنُ الْعَمِّ لِأَبٍ وَأُمٍّ، ثُمَّ ابْنُ الْعَمِّ لِأَبٍ ثُمَّ عَمُّ الْأَبِ لِأَبٍ وَأُمٍّ ثُمَّ عَمُّ الْأَبِ لِأَبٍ ثُمَّ ابْنُ عَمِّ الْأَبِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، ثُمَّ ابْنُ عَمِّ الْأَبِ لِأَبٍ ثُمَّ عَمُّ الْجَدِّ، هَكَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَإِذَا اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُصْبَةِ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ يُقَسَّمُ الْمَالُ عَلَيْهِمْ بِاعْتِبَارِ أَبْدَانِهِمْ لَا بِاعْتِبَارِ أُصُولِهِمْ مِثَالُهُ ابْنُ أَخٍ وَعَشَرَةٌ بَنِي أَخٍ آخَرَ أَوْ ابْنُ عَمٍّ وَعَشَرَةٌ بَنِي عَمٍّ آخَرَ الْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا لِكُلِّ وَاحِدٍ سَهْمٌ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ وَعَصَبَةٌ بِغَيْرِهِ وَهِيَ كُلُّ أُنْثَى تَصِيرُ عَصَبَةً بِذَكَرٍ يُوَازِيهَا وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الْبِنْتُ بِالِابْنِ وَبِنْتُ الِابْنِ بِابْنِ الِابْنِ وَالْأُخْتُ لِأَبٍ وَأُمٍّ بِأَخِيهَا وَالْأُخْتُ لِأَبٍ بِأَخِيهَا، هَكَذَا فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَبَاقِي الْعَصَبَاتِ يَنْفَرِدُ بِالْمِيرَاثِ ذُكُورُهُمْ دُونَ أَخَوَاتِهِمْ وَهُمْ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا: الْعَمُّ وَابْنُ الْعَمِّ وَابْنُ الْأَخِ وَابْنُ الْمُعْتَقِ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
وَعَصَبَةٌ مَعَ غَيْرِهِ وَهِيَ كُلُّ أُنْثَى تَصِيرُ عَصَبَةً مَعَ أُنْثَى أُخْرَى كَالْأَخَوَاتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ يَصِرْنَ عَصَبَةً مَعَ الْبَنَاتِ أَوْ بَنَاتِ الِابْنِ، هَكَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ مِثَالُهُ بِنْتٌ وَأُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ وَأَخٌ أَوْ إخْوَةٌ لِأَبٍ فَالنِّصْفُ لِلْبِنْتِ وَالنِّصْفُ الثَّانِي لِلْأُخْتِ وَلَا شَيْءَ لِلْإِخْوَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا صَارَتْ عَصَبَةً نَزَلَتْ مَنْزِلَةَ الْأَخِ لِأَبَوَيْنِ، وَمَنْ تَرَكَ ابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ فَلِلْأَخِ السُّدُسُ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا زَوْجًا فَلَهُ
стр. 3179
بِالزَّوْجِيَّةِ فَرْضُهُ وَهُوَ النِّصْفُ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
وَعَصَبَةُ وَلَدِ الزِّنَا وَوَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ مَوَالِي أُمِّهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا أَبَ لَهُ فَتَرِثُهُ قَرَابَةُ أُمِّهِ وَيَرِثُهُمْ، فَلَوْ تَرَكَ بِنْتًا وَأُمًّا وَالْمُلَاعَنَ فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ وَالْبَاقِي يُرَدُّ عَلَيْهِمَا كَأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَهُمَا زَوْجٌ أَوْ زَوْجَةٌ أَخَذَ فَرْضَهُ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا فَرْضًا وَرَدًّا، وَلَوْ تَرَكَ أُمَّهُ وَأَخَاهُ لِأُمِّهِ وَابْنَ الْمُلَاعَنِ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ وَلِأَخِيهِ لِأُمِّهِ السُّدُسُ وَالْبَاقِي يُرَدُّ عَلَيْهِمَا وَلَا شَيْءَ لِابْنِ الْمُلَاعَنِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَخَ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ وَلَوْ مَاتَ وَلَدُ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ وَرِثَهُ قَوْمُ أَبِيهِ وَهُمْ الْإِخْوَةُ وَلَا يَرِثُهُ قَوْمُ جَدِّهِ وَهُمْ الْأَعْمَامُ وَأَوْلَادُهُمْ وَبِهَذَا يُعْرَفُ بَقِيَّةُ مَسَائِلِهِ، وَهَكَذَا وَلَدُ الزِّنَا إلَّا أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ أَنَّ وَلَدَ الزِّنَا يَرِثُ تَوْأَمَهُ مِيرَاثَ أَخٍ لِأُمٍّ وَوَلَدُ الْمُلَاعَنَةِ يَرِثُ التَّوْأَمَ مِيرَاثَ أَخٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ.
إذَا اجْتَمَعَتْ الْعَصَبَاتُ بَعْضُهَا عَصَبَةٌ بِنَفْسِهَا وَبَعْضُهَا عَصَبَةٌ بِغَيْرِهَا وَبَعْضُهَا عَصَبَةٌ مَعَ غَيْرِهَا فَالتَّرْجِيحُ مِنْهَا بِالْقُرْبِ إلَى الْمَيِّتِ لَا بِكَوْنِهَا عَصَبَةً بِنَفْسِهَا، حَتَّى أَنَّ الْعَصَبَةَ مَعَ غَيْرِهَا إذَا كَانَتْ أَقْرَبَ إلَى الْمَيِّتِ مِنْ الْعَصَبَةِ بِنَفْسِهَا كَانَتْ الْعَصَبَةُ مَعَ غَيْرِهَا أَوْلَى. بَيَانُهُ إذَا هَلَكَ الرَّجُلُ وَتَرَكَ بِنْتًا وَأُخْتًا لِأَبٍ وَأُمٍّ وَابْنَ أَخٍ لِأَبٍ فَنِصْفُ الْمِيرَاثِ لِلْبِنْتِ وَالنِّصْفُ لِلْأُخْتِ وَلَا شَيْءَ لِابْنِ الْأَخِ؛ لِأَنَّ الْأُخْتَ صَارَتْ عَصَبَةً مَعَ الْبِنْتِ وَهِيَ إلَى الْمَيِّتِ أَقْرَبُ مِنْ ابْنِ الْأَخِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَ ابْنِ الْأَخِ عَمٌّ لَا شَيْءَ لِلْعَمِّ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَكَانُ ابْنِ الْأَخِ أَخًا لِأَبٍ لَا شَيْءَ لِلْأَخِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ أَمَّا الْعَصَبَةُ السَّبَبِيَّةُ فَالْمُعْتَقُ ثُمَّ عَصَبَتُهُ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي مَرَّ فِي الْعَصَبَاتِ النِّسْبِيَّةِ، كَذَا فِي الْكَافِي.
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الْحَجْبِ]
(الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الْحَجْبِ) وَهُوَ نَوْعَانِ: حَجْبُ نُقْصَانٍ وَحَجْبُ حِرْمَانٍ. فَحَجْبُ النُّقْصَانِ هُوَ الْحَجْبُ مِنْ سَهْمٍ إلَى سَهْمٍ، وَأَمَّا حَجْبُ الْحِرْمَانِ فَنَقُولُ: سِتَّةٌ لَا يُحْجَبُونَ أَصْلًا، الْأَبُ وَالِابْنُ وَالزَّوْجُ وَالْأُمُّ وَالْبِنْتُ وَالزَّوْجَةُ وَمَنْ عَدَا هَؤُلَاءِ فَالْأَقْرَبُ يَحْجُبُ الْأَبْعَدَ كَالِابْنِ يَحْجُبُ أَوْلَادَ الِابْنِ وَالْأَخِ لِأَبَوَيْنِ يَحْجُبُ الْإِخْوَةَ لِأَبٍ وَمَنْ يُدْلِي بِشَخْصٍ لَا يَرِثُ مَعَهُ إلَّا أَوْلَادَ الْأُمِّ.
(أَمْثِلَةُ ذَلِكَ) زَوْجٌ وَأُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ وَأُخْتٌ لِأَبٍ، لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُخْتِ لِأَبَوَيْنِ النِّصْفُ وَلِلْأُخْتِ لِأَبٍ السُّدُسُ تَكْمِلَةً لِلثُّلُثَيْنِ أَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ وَتَعُولُ إلَى سَبْعَةٍ فَإِنْ كَانَ مَعَ الْأُخْتِ لِأَبٍ أَخٌ عَصَبَهَا فَلَا تَرِثُ شَيْئًا فَهَذَا أَخٌ مَشْئُومٌ زَوْجٌ وَأَبَوَانِ وَبِنْتٌ وَبِنْتُ ابْنٍ أَصْلُهَا مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ وَتَعُولُ إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ - لِلزَّوْجِ الرُّبُعُ ثَلَاثَةٌ وَلِلْأَبَوَيْنِ السُّدُسَانِ أَرْبَعَةٌ وَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ سِتَّةٌ وَلِبِنْتِ الِابْنِ السُّدُسُ سَهْمَانِ، وَلَوْ كَانَ مَعَ بِنْتِ الِابْنِ ابْنٌ عَصَبَهَا سَقَطَتْ وَتَعُولُ إلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ.
وَهَذَا أَيْضًا أَخٌ مَشْئُومٌ أُخْتَانِ لِأَبَوَيْنِ وَأُخْتٌ لِأَبٍ فَالْمَالُ لِلْأُخْتَيْنِ فَرْضًا وَرَدًّا وَلَا شَيْءَ لِلْأُخْتِ لِأَبٍ، فَإِنْ كَانَ مَعَهَا أَخُوهَا عَصَبَهَا فَلَهُمَا الْبَاقِي وَهُوَ الثُّلُثُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظُّ
стр. 3180
الْأُنْثَيَيْنِ وَهَذَا أَخٌ مُبَارَكٌ. (الْمَحْرُومُ لَا يَحْجُبُ) كَالْكَافِرِ وَالْقَاتِلِ وَالرَّقِيقِ لَا نُقْصَانًا وَلَا حِرْمَانًا، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ وَالْمَحْجُوبُ يَحْجُبُ بِالِاتِّفَاقِ كَالْأَخَوَيْنِ أَوْ الْأُخْتَيْنِ فَصَاعِدًا بِأَيِّ جِهَةٍ كَانَا لَا يَرِثَانِ مَعَ الْأَبِ وَيَحْجُبَانِ الْأُمَّ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ، كَذَا فِي الْكَافِي وَيَسْقُطُ بَنُو الْأَعْيَانِ وَهُمْ الْإِخْوَةُ لِأَبَوَيْنِ بِالِابْنِ وَابْنِهِ وَبِالْأَبِ وَفِي الْجَدِّ خِلَافٌ، وَيَسْقُطُ بَنُو الْعَلَّاتِ وَهُمْ الْإِخْوَةُ لِأَبٍ بِهِمْ وَبِهَؤُلَاءِ وَيَسْقُطُ بَنُو الْأَخْيَافِ وَهُمْ الْإِخْوَةُ لِأُمٍّ بِالْوَلَدِ وَوَلَدِ الِابْنِ وَالْأَبِ وَالْجَدِّ بِالِاتِّفَاقِ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ.
وَيَسْقُطُ جَمِيعُ الْجَدَّاتِ بِالْأُمِّ الْأَبَوِيَّاتُ وَالْأُمِّيَّاتُ وَتَسْقُطُ الْأَبَوِيَّاتُ بِالْأَبِ كَالْجَدِّ مَعَ الْأَبِ وَكَذَا يَسْقُطْنَ بِالْجَدِّ إذَا كُنَّ مِنْ قِبَلِهِ وَلَا تَسْقُطُ أُمُّ الْأَبِ بِالْجَدِّ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ قِبَلِهِ وَالْجَدَّاتُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ لَا يَسْقُطْنَ بِالْأَبِ فَلَوْ تَرَكَ أَبًا وَأُمَّ أَبٍ وَأُمَّ أُمٍّ فَأُمُّ الْأَبِ مَحْجُوبَةٌ بِالْأَبِ وَاخْتَلَفُوا مَاذَا لِأُمِّ الْأُمِّ؟ قِيلَ: لَهَا السُّدُسُ، وَقِيلَ: لَهَا نِصْفُ السُّدُسِ وَالْقُرْبَى تَحْجُبُ الْبُعْدَى وَارِثَةً كَانَتْ أَوْ مَحْجُوبَةً.
صُورَتُهَا تَرَكَ أَبًا وَأُمَّ أَبٍ وَأُمَّ أُمِّ أُمٍّ قِيلَ: الْكُلُّ لِلْأَبِ؛ لِأَنَّهُ يَحْجُبُ أُمَّهُ وَهِيَ حَجَبَتْ أُمَّ أُمِّ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ مِنْهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَدَّةِ أَنَّهَا هَلْ تَرِثُ مَعَ ابْنِهَا الَّذِي هُوَ عَمُّ الْمَيِّتِ أَمْ لَا؟ قَالَ عَامَّةُ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: تَرِثُ مَعَ ابْنِهَا الَّذِي هُوَ عَمُّ الْمَيِّتِ وَالْجَدَّاتُ عَلَى مَرَاتِبَ: الْأُولَى - جَدَّتَا الْمَيِّتِ أُمُّ أُمِّهِ وَأُمُّ أَبِيهِ وَهَاتَانِ وَارِثَتَانِ.
الثَّانِيَةُ - أَرْبَعُ جَدَّاتٍ جَدَّتَا أَبِيهِ وَجَدَتَا أُمِّهِ فَالْأُولَيَانِ أُمُّ أَبِ أَبِيهِ وَأُمُّ أُمِّ أَبِيهِ وَالْأُخْرَيَانِ أُمُّ أُمِّ أُمِّهِ وَأُمُّ أَبِ أُمِّهِ وَالْكُلُّ وَارِثَاتٌ إلَّا الْأَخِيرَةَ.
الثَّالِثَةُ - ثَمَانُ جَدَّاتٍ جَدَّتَا أَبِ أَبِيهِ وَهُمَا أُمُّ أَبِ أَبِ أَبِيهِ وَأُمُّ أُمِّ أَبِ أَبِيهِ وَهَاتَانِ وَارِثَتَانِ وَجَدَتَا أُمُّ أَبِيهِ وَهُمَا أُمُّ أُمِّ أُمِّ أَبِيهِ وَهِيَ وَارِثَةٌ وَأُمُّ أَبِ أُمِّ أَبِيهِ وَهِيَ سَاقِطَةٌ، وَجَدَتَا أَبِ أُمِّهِ وَهُمَا أُمُّ أُمِّ أَبِ أُمِّهِ وَأُمُّ أَبِ أَبِ أُمِّهِ وَهُمَا سَاقِطَتَانِ، وَجَدَتَا أُمِّ أُمِّهِ وَهُمَا أُمُّ أُمِّ أُمِّ أُمِّهِ وَهِيَ وَارِثَةٌ وَأُمُّ أَبِ أُمِّ أُمِّهِ وَهِيَ غَيْرُ وَارِثَةٍ فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ جَدَّتَانِ يَصِرْنَ سِتَّةَ عَشْرَ وَهِيَ الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ السِّتَّةَ عَشْرَ جَدَّتَانِ يَصِرْنَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَهَكَذَا، ثُمَّ الْجَدَّاتُ الثَّابِتَاتُ عَلَى ضَرْبَيْنِ مُتَحَاذِيَاتٌ مُتَسَاوِيَاتٌ فِي الدَّرَجَةِ وَمُتَفَاوِتَاتٌ فِي الدَّرَجَةِ وَتُعْرَفُ الْمُتَحَاذِيَاتُ الْوَارِثَاتُ بِأَنْ تُلْفَظَ بِعَدَدِهِنَّ أُمَّهَاتٌ ثُمَّ تُبَدَّلُ الْأُمُّ الْأَخِيرَةُ أَبًا فِي كُلِّ مَرْتَبَةٍ إلَى أَنْ لَا تَبْقَى إلَّا أُمٌّ وَاحِدَةٌ وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي خَمْسِ جَدَّاتٍ مُتَحَاذِيَاتٍ أُمُّ أُمِّ أُمِّ أُمِّ أُمٍّ، وَأُمُّ أُمِّ أُمِّ أُمِّ أَبٍ، وَأُمُّ أُمِّ أُمِّ أَبِ أَبٍ، وَأُمُّ أُمِّ أَبِ أَبِ أَبٍ، وَأُمُّ أَبِ أَبِ أَبِ أَبٍ وَأَمَّا الْمُتَفَاوِتَاتُ فِي الدَّرَجَةِ فَالْقُرْبَى تَحْجُبُ الْبُعْدَى، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا تُتَصَوَّرُ الْجَدَّةُ الْوَارِثَةُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ إلَّا وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَاتِ مِنْهُنَّ أَنْ لَا يَدْخُلَ بَيْنَ أُمَّيْنِ أَبٌ فَكَانَتْ الْوَارِثَةُ أُمَّ الْأُمِّ وَإِنْ عَلَتْ وَالْقُرْبَى تَحْجُبُ الْبُعْدَى فَلَا تَرِثُ إلَّا جَدَّةٌ وَاحِدَةٌ.
وَأَمَّا الْأَبَوِيَّاتُ فَيُتَصَوَّرُ أَنْ يَرِثَ الْكَثِيرُ مِنْهُنَّ عَلَى مَا صُوِّرَ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ.
[الْبَابُ الْخَامِسُ فِي مَوَانِعِ الْإِرْث]
(الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الْمَوَانِعِ)
стр. 3181
الرِّقُّ يَمْنَعُ الْإِرْثَ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قِنًّا وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَنْعَقِدْ لَهُ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ أَصْلًا وَبَيْنَ أَنْ يَنْعَقِدَ لَهُ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ كَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَمُعْتَقِ الْبَعْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَأَمَّا الْمُسْتَسْعَى فِي إعْتَاقِ الرَّاهِنِ الْمُعْسِرِ فَيَرِثُ وَيُورَثُ عَنْهُ، كَذَا فِي الْكَافِي.
الْقَاتِلُ بِغَيْرِ حَقٍّ لَا يَرِثُ مِنْ الْمَقْتُولِ شَيْئًا عِنْدَنَا سَوَاءٌ قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَكَذَلِكَ كُلُّ قَاتِلٍ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْخَاطِئِ كَالنَّائِمِ إذَا انْقَلَبَ عَلَى مُورِثِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ سَقَطَ مِنْ سَطْحٍ عَلَى مُورِثِهِ فَقَتَلَهُ أَوْ أَوْطَأَ بِدَابَّتِهِ مُورِثَهُ وَهُوَ رَاكِبُهَا، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَقَتْلُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ وَالْمُبَرْسَمِ وَالْمُوَسْوَسِ لَا يُوجِبُ حِرْمَانَ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّ الْحِرْمَانَ يَنْبَتُّ جَزَاءَ قَتْلٍ مَحْظُورٍ وَفِعْلُ هَؤُلَاءِ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ وَالتَّسَبُّبُ إلَى الْقَتْلِ لَا يَحْرِمُ الْمِيرَاثَ كَحَافِرِ الْبِئْرِ وَوَاضِعِ الْحَجَرِ وَصَابِّ الْمَاءِ فِي الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ، وَكُلُّ قَتْلٍ أَوْجَبَ الْقِصَاصَ أَوْ الْكَفَّارَةَ كَانَ مُبَاشَرَةً فَيَحْرُمُ بِهِ الْمِيرَاثُ وَمَا لَا يُوجِبُ ذَلِكَ فَهُوَ تَسَبُّبٌ لَا يَحْرِمُ الْمِيرَاثَ وَالْقَائِدُ وَالسَّائِقُ مُتَسَبِّبَانِ، وَفِي قَتْلِ الْبَاغِي الْعَادِلِ وَعَكْسِهِ تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ عُرِفَ فِي السِّيَرِ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ.
الْأَبُ إذَا خَتَنَ وَلَدَهُ أَوْ حَجَمَهُ أَوْ بَطَّ قُرْحَةً بِهِ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُحْرَمْ الْمِيرَاثَ، وَلَوْ أَدَّبَ وَلَدَهُ بِالضَّرْبِ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَضْمَنُ دِيَتَهُ وَيُحْرَمُ الْمِيرَاثَ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَا يَضْمَنُ شَيْئًا وَلَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ. وَلَوْ أَنَّ الْمُعَلِّمَ هُوَ الَّذِي ضَرَبَهُ بِإِذْنِ الْأَبِ فَمَاتَ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا بِالِاتِّفَاقِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَاخْتِلَافُ الدَّيْنِ أَيْضًا يَمْنَعُ الْإِرْثَ وَالْمُرَادُ بِهِ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ، وَأَمَّا اخْتِلَافُ مِلَلِ الْكُفَّارِ كَالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ وَعَبَدَةِ الْوَثَنِ فَلَا يَمْنَعُ الْإِرْثَ حَتَّى يَجْرِيَ التَّوَارُثُ بَيْنَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ.
وَاخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ يَمْنَعُ الْإِرْثَ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَلَكِنَّ هَذَا الْحُكْمَ فِي حَقِّ أَهْلِ الْكُفْرِ لَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى لَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ يَرِثُهُ ابْنُهُ الَّذِي فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ اخْتِلَافُ الدَّارِ عَلَى نَوْعَيْنِ: حَقِيقِيٌّ كَحَرْبِيٍّ مَاتَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَهُ أَبٌ أَوْ ابْنٌ ذِمِّيٌّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُ الذِّمِّيُّ مِنْ ذَلِكَ الْحَرْبِيِّ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ ذِمِّيٌّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَهُ أَبٌ أَوْ ابْنٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُ ذَلِكَ الْحَرْبِيُّ مِنْ هَذَا الذِّمِّيِّ. وَالْحُكْمِيُّ كَالْمُسْتَأْمَنِ وَالذِّمِّيِّ حَتَّى لَوْ مَاتَ مُسْتَأْمَنٌ فِي دَارِنَا لَا يَرِثُ مِنْهُ وَارِثُهُ الذِّمِّيُّ وَالدَّارُ إنَّمَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَنَعَةِ أَيْ الْجَيْشِ وَالْمِلْكِ لِانْقِطَاعِ الْعِصْمَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، كَذَا فِي الْكَافِي.
وَإِذَا مَاتَ الْمُسْتَأْمَنُ عِنْدَنَا وَتَرَكَ مَالًا يَجِبُ أَنْ نَبْعَثَهُ إلَى وَرَثَتِهِ وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا وَارِثَ لَهُ فَمَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ.
[الْبَابُ السَّادِسُ فِي مِيرَاثِ أَهْلِ الْكُفْرِ]
(الْبَابُ السَّادِسُ فِي مِيرَاثِ أَهْلِ الْكُفْرِ) الْكُفَّارُ يَتَوَارَثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي يَتَوَارَثُ بِهَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ النَّسَبِ وَالسَّبَبِ، وَيَرِثُ
стр. 3182
الْكَافِرُ بِالسَّبَبَيْنِ كَالْمُسْلِمِ بِأَنْ تَرَكَ ابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ أَوْ زَوْجٌ، كَذَا فِي الْكَافِي لَوْ اجْتَمَعَتْ فِي الْكَافِرِ قَرَابَتَانِ لَوْ تَفَرَّقَتَا فِي شَخْصَيْنِ حَجَبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَرِثُ بِالْحَاجِبِ وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْ يَرِثُ بِالْقَرَابَتَيْنِ، كَمَا إذَا تَزَوَّجَ مَجُوسِيٌّ أُمَّهُ فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنًا فَهَذَا الْوَلَدُ ابْنُهَا وَابْنُ ابْنِهَا فَيَرِثُ مِنْهَا إذَا مَاتَتْ عَلَى أَنَّهُ ابْنٌ وَلَا يَرِثُ عَلَى أَنَّهُ ابْنُ ابْنٍ، وَلَوْ وَلَدَتْ لَهُ بِنْتًا مَكَانَ الِابْنِ تَرِثُ الثُّلُثَيْنِ النِّصْفُ عَلَى أَنَّهَا بِنْتٌ وَالسُّدُسُ عَلَى أَنَّهَا بِنْتُ ابْنٍ تَكْمِلَةً لِلثُّلُثَيْنِ وَتَرِثُ مِنْ أَبِيهَا عَلَى أَنَّهَا بِنْتٌ وَلَا تَرِثُ عَلَى أَنَّهَا أُخْتٌ مِنْ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْأُخْتَ مِنْ الْأُمِّ تَسْقُطُ بِالْبِنْتِ. وَلَوْ تَزَوَّجَ بِنْتَهُ فَوَلَدَتْ بِنْتًا تَرِثُ مِنْ أُمِّهَا النِّصْفَ عَلَى أَنَّهَا بِنْتٌ وَتَرِثُ الْبَاقِيَ عَلَى أَنَّهَا عَصَبَةٌ؛ لِأَنَّهَا أُخْتُهَا مِنْ أَبِيهَا وَهِيَ عَصَبَةٌ مَعَ الْبِنْتِ، فَإِنْ مَاتَ أَبُوهَا تَرِثُ النِّصْفَ عَلَى أَنَّهَا بِنْتٌ وَلَا تَرِثُ عَلَى أَنَّهَا بِنْتُ بِنْتٍ؛ لِأَنَّهَا مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ فَلَا تَرِثُ مَعَ وُجُودِ ذِي سَهْمٍ أَوْ عَصَبَةٍ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَبِهِ أَخَذَ أَصْحَابُنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ بِنِكَاحٍ مُحَرَّمٍ كَمَا إذَا تَزَوَّجَ الْمَجُوسِيُّ أُمَّهُ أَوْ غَيْرَهَا مِنْ الْمَحَارِمِ لَا يَرِثُ مِنْهَا بِالنِّكَاحِ، هَكَذَا فِي التَّبْيِينِ.
(وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِهَذَا الْبَابِ مِيرَاثُ الْمُرْتَدِّ) الْمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا مِنْ مُرْتَدٍّ مِثْلِهِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ الْمُرْتَدُّ إذَا قُتِلَ أَوْ مَاتَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَمَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ إسْلَامِهِ هُوَ مِيرَاثٌ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ تَرِثُ زَوْجَتُهُ مِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ مُسْلِمَةً وَمَاتَ الْمُرْتَدُّ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، فَأَمَّا إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا قَبْلَ مَوْتِ الْمُرْتَدِّ أَوْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ ارْتَدَّتْ مَعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْهُ مِيرَاثٌ كَمَا لَا يَرِثُ أَقَارِبَهُ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ فَإِنْ ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ مَعًا ثُمَّ وَلَدَتْ مِنْهُ ثُمَّ مَاتَ الْمُرْتَدُّ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْهُ وَإِنْ بَقِيَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ ارْتَدَّ فَلَهُ الْمِيرَاثُ، وَأَمَّا إذَا وَلَدَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ ارْتَدَّ فَلَا يَرِثُ، ثُمَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا يُورَثُ مِنْهُ مَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ، فَأَمَّا مَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالَةِ الرِّدَّةِ فَيَكُونُ فَيْئًا يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى كَسْبُ الرِّدَّةِ يُورَثُ عَنْهُ كَكَسْبِ الْإِسْلَامِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
فَأَمَّا الْمُرْتَدَّةُ إذَا مَاتَتْ فَزَوْجُهَا هَلْ يَرِثُ مِنْهَا؟ يُنْظَرُ إنْ ارْتَدَّتْ وَهِيَ صَحِيحَةٌ لَا يَرِثُ زَوْجُهَا مِنْهَا وَإِنْ ارْتَدَّتْ وَهِيَ مَرِيضَةٌ فَإِنْ مَاتَتْ وَعِدَّتُهَا لَمْ تَنْقَضِ بَعْدُ لَا تَصِيرُ فَارَّةً قِيَاسًا وَلَا يَرِثُ مِنْهَا، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ تَصِيرُ فَارَّةً وَيَرِثُ مِنْهَا، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُرْتَدَّةُ إذَا مَاتَتْ قُسِّمَ مَالُهَا بَيْنَ وَرَثَتِهَا عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ كَانَ كَسْبَ الْإِسْلَامِ أَوْ كَسْبَ الرِّدَّةِ كِلَا الْكَسْبَيْنِ يَصِيرُ مِيرَاثًا عَنْهَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
[الْبَابُ السَّابِعُ فِي مِيرَاثِ الْحَمْلِ]
(الْبَابُ السَّابِعُ فِي مِيرَاثِ الْحَمْلِ) الْحَمْلُ يَرِثُ وَيُوقَفُ نَصِيبُهُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فَإِنْ وُلِدَ إلَى سَنَتَيْنِ حَيًّا وَرِثَ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْحَمْلُ مِنْ الْمَيِّتِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الْمَيِّتِ كَمَا إذَا مَاتَ وَأُمُّهُ حَامِلٌ مِنْ غَيْرِ أَبِيهِ وَزَوْجُهَا حَيٌّ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَا يَرِثُ لِاحْتِمَالِ حُدُوثِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا يَرِثُ بِالشَّكِّ إلَّا أَنْ يُقِرَّ الْوَرَثَةُ بِحَمْلِهَا يَوْمَ الْمَوْتِ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ.
стр. 3183
لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّهُ يَرِثُ ثُمَّ الْحَمْلُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَحْجُبُ حَجْبَ حِرْمَانٍ أَوْ حَجْبَ نُقْصَانٍ أَوْ يَكُونَ مُشَارِكًا لَهُمْ فَإِنْ كَانَ يَحْجُبُ حَجْبَ حِرْمَانٍ فَإِنْ كَانَ يَحْجُبُ الْجَمِيعَ كَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ يُوقَفُ جَمِيعُ التَّرِكَةِ إلَى أَنْ تَلِدَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ ابْنًا، وَإِنْ كَانَ يَحْجُبُ الْبَعْضَ كَالْإِخْوَةِ وَالْجَدَّةِ تُعْطَى الْجَدَّةُ السُّدُسَ وَيُوقَفُ الْبَاقِي وَإِنْ كَانَ يُحْجَبُ حَجْبَ نُقْصَانٍ كَالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ يُعْطَوْنَ أَقَلَّ النَّصِيبَيْنِ وَيُوقَفُ الْبَاقِي، وَكَذَلِكَ يُعْطَى الْأَبُ السُّدُسَ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ابْنٌ وَإِنْ كَانَ لَا يَحْجُبُهُمْ كَالْجَدِّ وَالْجَدَّةِ يُعْطَوْنَ نَصِيبَهُمْ وَيُوقَفُ الْبَاقِي وَإِنْ كَانَ لَا يَحْجُبُهُمْ وَلَكِنْ يُشَارِكُهُمْ بِأَنْ تَرَكَ بَنِينَ أَوْ بَنَاتٍ وَحَمْلًا. رَوَى الْخَصَّافُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ قَوْلُهُ: إنَّهُ كَانَ يُوقِفُ نَصِيبَ ابْنٍ وَاحِدٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَإِنْ وُلِدَ مَيِّتًا لَا حُكْمَ لَهُ وَلَا إرْثَ وَإِنَّمَا تُعْرَفُ حَيَاتُهُ بِأَنْ تَنَفَّسَ، كَمَا وُلِدَ أَوْ اسْتَهَلَّ بِأَنْ سُمِعَ لَهُ صَوْتٌ أَوْ عَطَسَ أَوْ تَحَرَّكَ عُضْوٌ مِنْهُ كَعَيْنَيْهِ أَوْ شَفَتَيْهِ أَوْ يَدَيْهِ فَإِنْ خَرَجَ الْأَكْثَرُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ وَرِثَ وَبِالْعَكْسِ لَا اعْتِبَارَ لِلْأَكْثَرِ فَإِنْ خَرَجَ مُسْتَقِيمًا فَإِذَا خَرَجَ صَدْرُهُ وَرِثَ وَإِنْ خَرَجَ مَنْكُوسًا يُعْتَبَرُ خُرُوجُ سُرَّتِهِ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الِاسْتِهْلَالِ وَرِثَ وَوُرِثَ عَنْهُ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ.
وَمَتَى انْفَصَلَ الْحَمْلُ مَيِّتًا إنَّمَا لَا يَرِثُ إذَا انْفَصَلَ بِنَفْسِهِ، فَأَمَّا إذَا فُصِلَ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْوَرَثَةِ. وَبَيَانُهُ أَنَّهُ إذَا ضَرَبَ إنْسَانٌ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَهَذَا الْجَنِينُ مِنْ جُمْلَةِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ عَلَى الضَّارِبِ الْغُرَّةَ وَوُجُوبُ الضَّمَانِ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْحَيِّ دُونَ الْمَيِّتِ فَإِذَا حَكَمْنَا بِحَيَاتِهِ كَانَ لَهُ الْمِيرَاثُ وَيُورَثُ عَنْهُ نَصِيبُهُ كَمَا يُورَثُ عَنْهُ بَدَلُ نَفْسِهِ وَهُوَ الْغُرَّةُ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمَبْسُوطِ.
[الْبَاب الثَّامِن فِي الْمَفْقُود وَالْأَسِير وَالْغَرْقَى وَالْحَرْقَى]
(الْبَابُ الثَّامِنُ فِي الْمَفْقُودِ وَالْأَسِيرِ وَالْغَرْقَى وَالْحَرْقَى) الْمَفْقُودُ هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يَخْرُجُ فِي وَجْهٍ فَيُفْقَدُ وَلَا يُعْرَفُ مَوْضِعُهُ وَلَا تَسْتَبِينُ حَيَاتُهُ وَلَا مَوْتُهُ أَوْ يَأْسِرُهُ الْعَدُوُّ فَلَا يَسْتَبِينُ مَوْتُهُ وَلَا قَتْلُهُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ قَالَ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: مَدَارُ مَسْأَلَةِ الْمَفْقُودِ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ إنَّ الْمَفْقُودَ يُعْتَبَرُ حَيًّا فِي مَالِهِ مَيِّتًا فِي مَالِ غَيْرِهِ حَتَّى يَنْقَضِيَ مِنْ الْمُدَّةِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَى مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ، أَوْ تَمُوتَ أَقْرَانُهُ وَبَعْدَ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ مَيِّتًا فِي مَالِهِ يَوْمَ تَمَّتْ الْمُدَّةُ أَوْ مَاتَ الْأَقْرَانُ وَفِي مَالِ الْغَيْرِ يُعْتَبَرُ مَيِّتًا كَأَنَّهُ مَاتَ يَوْمَ فُقِدَ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ مَنْ مَاتَ فِي حَالِ فَقْدِهِ مِمَّنْ يَرِثُهُ الْمَفْقُودُ يُوقَفُ نَصِيبُ الْمَفْقُودِ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ حَالُهُ؛ لِاحْتِمَالِ بَقَائِهِ فَإِذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَحَكَمْنَا بِمَوْتِهِ قُسِّمَتْ أَمْوَالُهُ بَيْنَ الْمَوْجُودِينَ مِنْ وَرَثَتِهِ، وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ مِنْ تَرِكَةِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ عَلَى وَرَثَةِ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ كَأَنَّ الْمَفْقُودَ لَمْ يَكُنْ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَهُ وَارِثٌ يُحْجَبُ بِهِ لَا يُعْطَى شَيْئًا وَإِنْ كَانَ لَا يُحْجَبُ وَلَكِنْ يَنْقُصُ يُعْطَى أَقَلَّ النَّصِيبَيْنِ وَيُوقَفُ الْبَاقِي. مِثَالُهُ مَاتَ عَنْ بِنْتَيْنِ وَابْنٍ مَفْقُودٍ وَابْنِ ابْنٍ وَبِنْتِ ابْنٍ تُعْطَى الْبِنْتَانِ النِّصْفَ؛ لِأَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ وَيُوقَفُ النِّصْفُ الْآخَرُ وَلَا يُعْطَى وَلَدُ الِابْنِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمْ يُحْجَبُونَ بِهِ فَلَا يُعْطَوْنَ بِالشَّكِّ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ وَارِثٌ لَا يُحْجَبُ كَالْجَدِّ وَالْجَدَّةِ يُعْطَى كُلٌّ
стр. 3184
نَصِيبَهُ كَمَا فِي الْحَمْلِ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ.
(وَحُكْمُ الْأَسِيرِ) كَحُكْمِ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمِيرَاثِ مَا لَمْ يُفَارِقْ دِينَهُ فَإِنْ فَارَقَ دِينَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ رِدَّتُهُ وَلَا حَيَاتُهُ وَلَا مَوْتُهُ فَحُكْمُهُ كَحُكْمِ الْمَفْقُودِ، كَذَا فِي السِّرَاجِيَّةِ.
إذَا مَاتَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْغَرَقِ وَالْحَرْقِ وَلَا يُدْرَى أَيُّهُمْ مَاتَ أَوَّلًا جُعِلُوا كَأَنَّهُمْ مَاتُوا جَمِيعًا مَعًا فَيَكُونُ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِوَرَثَتِهِ وَلَا يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إلَّا إذَا عُرِفَ تَرْتِيبُ مَوْتِهِمْ فَيَرِثُ الْمُتَأَخِّرُ مِنْ الْمُتَقَدِّمِ، وَكَذَا الْحُكْمُ إنْ مَاتُوا بِانْهِدَامِ الْجِدَارِ عَلَيْهِمْ أَوْ فِي الْمَعْرَكَةِ وَلَا يُدْرَى أَيُّهُمْ مَاتَ أَوَّلًا، كَذَا فِي التَّبْيِينِ مِثَالُهُ أَخَوَانِ غَرِقَا وَلِكُلِّ وَاحِدٍ تِسْعُونَ دِينَارًا وَخَلَّفَ بِنْتًا وَأُمًّا وَعَمًّا فَعِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - يُقَسَّمُ تَرِكَةُ كُلِّ وَاحِدٍ بَيْنَ الْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ الْبِنْتِ وَالْأُمِّ وَالْعَمِّ عَلَى سِتَّةٍ، وَلَا يَرِثُ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ وَإِنْ عُلِمَ مَوْتُ أَحَدِهِمَا أَوَّلًا وَلَا يُدْرَى أَيُّهُمْ هُوَ أُعْطِيَ كُلُّ وَاحِدٍ الْيَقِينَ وَوُقِفَ الْمَشْكُوكُ حَتَّى يُتَبَيَّنَ أَوْ يَصْطَلِحُوا، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
[الْبَابُ التَّاسِعُ فِي مِيرَاثِ الْخُنْثَى]
. (الْبَابُ التَّاسِعُ فِي مِيرَاثِ الْخُنْثَى) إذَا كَانَ لِلْمَوْلُودِ فَرْجٌ وَذَكَرٌ فَهُوَ خُنْثَى، فَإِنْ كَانَ يَبُولُ مِنْ الذَّكَرِ فَهُوَ غُلَامٌ وَإِنْ كَانَ يَبُولُ مِنْ الْفَرْجِ فَهُوَ أُنْثَى، وَإِنْ بَالَ مِنْهُمَا فَالْحُكْمُ لِلْأَسْبَقِ وَإِنْ اسْتَوَيَا فَمُشْكِلٌ، وَإِنْ كَانَا فِي السَّبَقِ سَوَاءً فَلَا مُعْتَبَرَ بِالْكَثْرَةِ، فَإِذَا بَلَغَ الْخُنْثَى وَخَرَجَتْ لِحْيَتُهُ أَوْ وَصَلَ إلَى النِّسَاءِ فَهُوَ رَجُلٌ، وَكَذَا إذَا احْتَلَمَ كَمَا يَحْتَلِمُ الرَّجُلُ أَوْ كَانَ لَهُ ثَدْيٌ مُسْتَوٍ وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ ثَدْيٌ كَثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ نَزَلَ لَهُ لَبَنُ ثَدْيِهِ أَوْ حَاضَ أَوْ حَبِلَ أَوْ أَمْكَنَ الْوُصُولُ إلَيْهِ مِنْ الْفَرْجِ فَهُوَ امْرَأَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ إحْدَى هَذِهِ الْعَلَامَاتِ أَوْ تَعَارَضَتْ هَذِهِ الْمَعَالِمُ فَهُوَ خُنْثَى مُشْكِلٌ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ وَالْأَصْلُ فِيهَا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُعْطِيهِ أَخَسَّ النَّصِيبَيْنِ فِي الْمِيرَاثِ احْتِيَاطًا فَلَوْ مَاتَ أَبُوهُ وَتَرَكَهُ وَابْنًا فَلِلِابْنِ سَهْمَانِ وَلَهُ سَهْمٌ، وَلَوْ تَرَكَهُ وَبِنْتًا فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَرْضًا وَرَدًّا. أُخْتٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَخُنْثَى لِأَبٍ وَعَصَبَةٌ لِلْأُخْتِ النِّصْفُ وَلِلْخُنْثَى السُّدُسُ تَكْمِلَةً لِلثُّلُثَيْنِ كَالْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ، زَوْجٌ وَأُمٌّ وَخُنْثَى لِأَبَوَيْنِ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ وَالْبَاقِي لِلْخُنْثَى وَيُجْعَلُ ذَكَرًا؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ زَوْجٌ وَأُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ وَخُنْثَى لِأَبٍ سَقَطَ وَيُجْعَلُ عَصَبَةً؛ لِأَنَّهُ أَسْوَأُ الْحَالَيْنِ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ.
وَلَوْ مَاتَ وَتَرَكَ وَلَدًا خُنْثَى وَعَصَبَةً ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبِينَ أَمْرُهُ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوَّلًا لَا يُعْطَى إلَّا مِيرَاثُ جَارِيَةٍ، وَذَلِكَ نِصْفُ الْمَالِ وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ مَعَ ذَلِكَ ابْنٌ مَعْرُوفٌ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - الْمَالُ بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَتَكَلَّمُوا فِيمَا إذَا كَانَ الْخُنْثَى حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبِينَ أَمْرُهُ فِي الثَّانِي أَنَّهُ كَيْفَ يُقَسَّمُ الْمَالُ بَيْنَهُمَا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يُدْفَعُ الثُّلُثُ إلَى الْخُنْثَى وَالنِّصْفُ إلَى الِابْنِ، وَيُوقَفُ السُّدُسُ كَمَا فِي الْحَمْلِ وَالْمَفْقُودِ فَإِنَّهُ يُوقَفُ نَصِيبُهَا إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ حَالُهُمَا وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى.
стр. 3185
أَنَّهُ يُدْفَعُ ذَلِكَ إلَى الِابْنِ وَإِذَا دُفِعَ الثُّلُثَانِ إلَى الِابْنِ فَهَلْ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْكَفِيلُ؟ قَالَ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: وَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا دَفَعَ الْمَالَ إلَى الْوَارِثِ الْمَعْرُوفِ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ كَفِيلًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعِنْدَهُمَا يُحْتَاطُ فِي أَخْذِ الْكَفِيلِ مِنْهُ وَقِيلَ: بَلْ هُنَا يُحْتَاطُ فِي أَخْذِ الْكَفِيلِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا، فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْخُنْثَى ذَكَرٌ اسْتَرَدَّ ذَلِكَ مِنْ أَخِيهِ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أُنْثَى فَالْمَقْبُوضُ سَالِمٌ لِلِابْنِ.
ابْنَةُ أَخٍ خُنْثَى وَابْنَةُ ابْنِ أَخٍ خُنْثَى وَابْنُ ابْنِ ابْنِ أَخٍ مَعْرُوفٌ فَعَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - الْمَالُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ غَيْرَ هَذَيْنِ الْخُنْثَيَيْنِ فَالْمَالُ كُلُّهُ لِلْعُلْيَا فِي قَوْلِنَا؛ لِأَنَّهُمَا ابْنَتَانِ وَابْنَةُ الْأَخِ مُقَدَّمَةٌ فِي الْمِيرَاثِ عَلَى ابْنَةِ ابْنِ أَخٍ.
فَإِنْ تَرَكَ بِنْتًا خُنْثَى وَأُخْتًا خُنْثَى وَمَاتَتَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَبِينَ أَمْرُهُمَا فَلِلِابْنَةِ النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِلْأُخْتِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُمَا أُنْثَيَانِ وَالْأُخْتُ مَعَ الْبِنْتِ عَصَبَةٌ.
وَإِنْ تَرَكَ أُخْتًا خُنْثَى وَابْنَةَ أَخٍ خُنْثَى وَعَصَبَةً. فَفِي قَوْلِنَا: لِلْأُخْتِ النِّصْفُ وَلِلْعَصَبَةِ النِّصْفُ؛ لِأَنَّ الْخُنْثَيَيْنِ أُنْثَيَانِ فَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ وَلَا شَيْءَ لِابْنَةِ الْأَخِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ عَصَبَةٌ فَالْمَالُ كُلُّهُ لِلْأُخْتِ بِالْفَرْضِ وَالرَّدُّ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ لِذَوِي الْأَرْحَامِ مَعَ وُجُودِ ذِي السَّهْمِ، وَابْنَةُ الْأَخِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ.
وَكَذَا لَوْ تَرَكَ ابْنَةً خُنْثَى وَابْنَةَ أَخٍ خُنْثَى وَلَا عَصَبَةَ لَهُ فَالْجَوَابُ عَلَى مَا وَصَفْنَا فِي الْأُخْتِ فَإِنْ تَرَكَ ابْنَةً خُنْثَى وَابْنَةَ ابْنٍ خُنْثَى وَابْنَةَ ابْنِ ابْنٍ خُنْثَى وَعَصَبَةً فَعَلَى قَوْلِنَا: الْخَنَاثَى إنَاثٌ، فَلِلْعُلْيَا النِّصْفُ وَلِلْوُسْطَى السُّدُسُ تَكْمِلَةً لِلثُّلُثَيْنِ وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ وَلَا شَيْءَ لِلسُّفْلَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ عَصَبَةٌ فَالْبَاقِي يُرَدُّ عَلَى الْعُلْيَا وَالْوُسْطَى أَرْبَاعًا عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمَا.
فَإِنْ تَرَكَ ابْنَةً وَثَلَاثَ بَنَاتِ ابْنٍ بَعْضُهُنَّ أَسْفَلُ مِنْ بَعْضٍ خَنَاثَى كُلُّهُنَّ وَعَصَبَةً. فَعِنْدَنَا لِلِابْنَةِ النِّصْفُ وَلِلْعُلْيَا السُّدُسُ وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ؛ لِأَنَّ الْخَنَاثَى إنَاثٌ مَا لَمْ يَسْتَبِنْ حَالُهُنَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَصَبَةٌ فَالْبَاقِي رَدٌّ عَلَى الِابْنَةِ وَابْنَةِ الِابْنِ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمَا أَرْبَاعًا، فَإِنْ كَانَ أَسْفَلَ مِنْهُنَّ غُلَامٌ مَعْرُوفٌ فَعِنْدَنَا لِلِابْنَةِ النِّصْفُ وَلِلْعُلْيَا مِنْ بَنَاتِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةً لِلثُّلُثَيْنِ وَالْبَاقِي بَيْنَ الذَّكَرِ الْأَسْفَلِ وَبَيْنَ الْوُسْطَى وَالسُّفْلَى لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا أُنْثَيَانِ وَالذَّكَرُ مِنْ أَوْلَادِ الِابْنِ يَعْصِبُ مَنْ فَوْقَهُ مِنْ الْإِنَاثِ مِمَّنْ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا بِالْفَرِيضَةِ.
رَجُلٌ مَاتَ وَتَرَكَ امْرَأَتَهُ وَأَخَوَيْنِ لِأُمِّهِ وَأُخْتًا لِأَبٍ وَأُمٍّ هِيَ خُنْثَى. فَعِنْدَنَا لِلْمَرْأَةِ الرُّبُعُ وَلِلْأَخَوَيْنِ لِلْأُمِّ الثُّلُثُ وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِلْأُخْتِ الْخُنْثَى، فَإِنْ تَرَكَ مَعَ ذَلِكَ أُمًّا فَفِي قَوْلِنَا لِلْأُمِّ السُّدُسُ سَهْمَانِ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ وَلِلْمَرْأَةِ الرُّبُعُ ثَلَاثَةٌ، وَلِلْأَخَوَيْنِ لِأُمٍّ أَرْبَعَةٌ وَلِلْخُنْثَى مَا بَقِيَ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ النَّصِيبَيْنِ نَصِيبُ الذَّكَرِ هُنَا، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ لِشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ
[الْبَابُ الْعَاشِرُ فِي ذَوِي الْأَرْحَامِ]
. (الْبَابُ الْعَاشِرُ فِي ذَوِي الْأَرْحَامِ) وَذَوُو الْأَرْحَامِ كُلُّ قَرِيبٍ لَيْسَ بِذِي سَهْمٍ وَلَا عَصَبَةٍ وَهُمْ كَالْعَصَبَاتِ مَنْ انْفَرَدَ مِنْهُمْ أَخَذَ جَمِيعَ الْمَالِ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ وَذَوُو الْأَرْحَامِ أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ يَنْتَمِي إلَى الْمَيِّتِ وَهُمْ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ وَأَوْلَادُ
стр. 3186
بَنَاتِ الِابْنِ، وَصِنْفٌ يَنْتَمِي إلَيْهِمْ الْمَيِّتُ وَهُمْ الْأَجْدَادُ الْفَاسِدُونَ وَالْجَدَّاتُ الْفَاسِدَاتُ، وَصِنْفٌ يَنْتَمِي إلَى أَبَوَيْ الْمَيِّتِ كَبَنَاتِ الْإِخْوَةِ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ وَأَوْلَادِ الْإِخْوَةِ لِأُمٍّ وَأَوْلَادِ الْأَخَوَاتِ كُلِّهَا، وَصِنْفٌ يَنْتَمِي إلَى جَدَّيْ الْمَيِّتِ كَالْأَعْمَامِ لِأُمٍّ وَأَوْلَادِهِمْ وَالْعَمَّاتِ وَأَوْلَادِهِنَّ وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ وَأَوْلَادِهِمْ وَبَنَاتِ الْأَعْمَامِ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ - فَهَؤُلَاءِ وَكُلُّ مَنْ يُدْلِي بِهِمْ ذَوُو الْأَرْحَامِ الْأَوْلَى الصِّنْفُ الْأَوَّلُ وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثُ ثُمَّ الرَّابِعُ عَلَى تَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ وَهُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ، كَذَا فِي الْكَافِي ذَكَرَ رَضِيُّ الدِّينِ النَّيْسَابُورِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي فَرَائِضِهِ أَنَّهُ لَا يَرِثُ أَحَدٌ مِنْ الصِّنْفِ الثَّانِي وَإِنْ قَرُبَ وَهُنَاكَ أَحَدٌ مِنْ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ وَإِنْ بَعُدَ، وَكَذَا الثَّالِثُ مَعَ الثَّانِي وَالرَّابِعُ مَعَ الثَّالِثِ قَالَ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى وَالْمَعْمُولُ بِهِ مِنْ جِهَةِ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - تَقْدِيمُ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ مُطْلَقًا ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثُ ثُمَّ الرَّابِعُ، قَالَ: وَهَكَذَا ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ الصَّدْرُ الْكُوفِيُّ فِي فَرَائِضِهِ فَعَلَى هَذَا بِنْتُ الْبِنْتِ وَإِنْ سَفْلَتَ أَوْلَى مِنْ أَبِي الْأُمِّ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ.
وَإِنَّمَا يَرِثُ ذَوُو الْأَرْحَامِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ مِمَّنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ عَصَبَةٌ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ لَا يُحْجَبُونَ بِالزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ أَيْ يَرِثُونَ مَعَهُمَا فَيُعْطَى لِلزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ نَصِيبُهُمَا ثُمَّ يُقَسَّمُ الْبَاقِي بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ، كَمَا لَوْ انْفَرَدُوا. (مِثَالُهُ) زَوْجٌ وَبِنْتُ بِنْتٍ وَخَالَةٌ وَبِنْتُ عَمٍّ فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِبِنْتِ الْبِنْتِ، ثُمَّ الْأَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنْ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ الْأَقْرَبُ إلَى الْمَيِّتِ كَبِنْتِ الْبِنْتِ أَوْلَى مِنْ بِنْتِ بِنْتِ الْبِنْتِ فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الدَّرَجَةِ أَيْ فِي الْقُرْبِ فَوَلَدُ الْوَارِثِ أَوْلَى سَوَاءٌ كَانَ وَلَدُ عَصَبَةٍ أَوْ وَلَدُ صَاحِبِ فَرْضٍ كَبِنْتِ بِنْتِ الِابْنِ أَوْلَى مِنْ ابْنِ بِنْتِ الْبِنْتِ وَابْنِ بِنْتِ ابْنٍ أَوْلَى مِنْ ابْنِ بِنْتِ بِنْتٍ، كَذَا فِي الْكَافِي وَاخْتَلَفُوا فِي وَلَدِ وَلَدِ الْوَارِثِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَوْلَى، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ وَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْقُرْبِ وَلَيْسَ فِيهِمْ وَلَدُ الْوَارِثِ فَالْمَالُ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ إنْ كَانُوا ذُكُورًا كُلَّهُمْ أَوْ إنَاثًا كُلَّهُنَّ فَإِنْ كَانُوا مُخْتَلِطِينَ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ إنْ اتَّفَقَتْ صِفَةُ الْأُصُولِ أَيْ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ فِي الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ صِفَةُ الْأُصُولِ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُعْتَبَرُ أَبْدَانُ الْفُرُوعِ وَيُقَسَّمُ الْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ إنْ كَانَ الْكُلُّ ذُكُورًا أَوْ كَانَ الْكُلُّ إنَاثًا وَإِنْ كَانُوا مُخْتَلِطِينَ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُؤْخَذُ الْعَدَدُ مِنْ أَبْدَانِهِمْ وَالْوَصْفُ مِنْ الْبَطْنِ الَّذِي اخْتَلَفَ حَتَّى لَوْ تَرَكَ ابْنَ بِنْتٍ وَبِنْتَ بِنْتٍ فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْأَبْدَانِ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْأُصُولِ مُتَّفِقَةٌ. وَكَذَا لَوْ تَرَكَ ابْنَ ابْنِ بِنْتِ بِنْتٍ وَبِنْتَ بِنْتِ بِنْتِ بِنْتٍ فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ لِاتِّفَاقِ الْأُصُولِ وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ.
وَلَوْ تَرَكَ بِنْتَ بِنْتِ بِنْتٍ وَبِنْتَ ابْنِ بِنْتٍ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ اعْتِبَارًا لِأَبْدَانِهِمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمَالُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا ثُلُثَاهُ لِبِنْتِ ابْنِ الْبِنْتِ وَثُلُثُهُ لِبِنْتِ بِنْتِ الْبِنْتِ اعْتِبَارًا لِلْأُصُولِ كَأَنَّهُ مَاتَ عَنْ ابْنِ بِنْتٍ وَعَنْ بِنْتِ بِنْتٍ، ثُمَّ مَا أَصَابَ ابْنَ الْبِنْتِ فَلِوَلَدِهِ.
стр. 3187
وَمَا أَصَابَ بِنْتَ الْبِنْتِ فَلِوَلَدِهَا.
وَلَوْ تَرَكَ وَلَدَيْ بِنْتِ بِنْتٍ وَوَلَدَيْ ابْنِ بِنْتٍ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمَالُ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ الْأَبْدَانِ عَلَى سِتَّةٍ لِكُلِّ ذَكَرٍ سَهْمَانِ وَلِكُلِّ أُنْثَى سَهْمٌ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُقَسَّمُ بِاعْتِبَارِ الْأُصُولِ فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ تَرَكَ بِنْتَ بِنْتٍ وَابْنَ بِنْتٍ فَيَكُونُ ثُلُثَا الْمَالِ لِابْنِ الْبِنْتِ وَثُلُثُهُ لِبِنْتِ الْبِنْتِ، ثُمَّ مَا أَصَابَ ابْنَ الْبِنْتِ يُقَسَّمُ بَيْنَ وَلَدَيْهِ أَثْلَاثًا ثُلُثَاهُ لِابْنِهِ وَمَا أَصَابَ بِنْتَ الْبِنْتِ يُقَسَّمُ بَيْنَ وَلَدَيْهَا أَثْلَاثًا ثُلُثَاهُ لِابْنِهَا وَثُلُثُهُ لَبِنْتِهَا فَتَكُونُ الْقِسْمَةُ مِنْ تِسْعَةٍ.
وَلَوْ تَرَكَ بِنْتَيْ ابْنِ بِنْتٍ وَابْنَ بِنْتِ بِنْتٍ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ظَاهِرٌ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ أَخْمَاسًا، خُمُسُ الْمَالِ لِابْنِ بِنْتِ بِنْتٍ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لَبِنْتَيْ ابْنِ بِنْتٍ، كَأَنَّهُ مَاتَ عَنْ ابْنَيْ بِنْتٍ وَبِنْتِ بِنْتٍ فَمَا أَصَابَ بِنْتَ الْبِنْتِ فَلِوَلَدِهَا وَمَا أَصَابَ الِابْنَ فَلِوَلَدَيْهِ.
وَلَوْ تَرَكَ ابْنَيْ بِنْتِ بِنْتِ بِنْتٍ وَبِنْتَ ابْنِ بِنْتِ بِنْتٍ وَابْنَتَيْ بِنْتِ ابْنِ بِنْتٍ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمَالُ بَيْنَ الْفُرُوعِ أَسْبَاعًا بِاعْتِبَارِ أَبْدَانِهِمْ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُقَسَّمُ الْمَالُ عَلَى أَعْلَى الْخِلَافِ أَيْ فِي الْبَطْنِ الثَّانِي أَسْبَاعًا بِاعْتِبَارِ عَدَدِ الْفُرُوعِ فِي الْأُصُولِ أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِهِ لَبِنْتَيْ بِنْتِ ابْنِ الْبِنْتِ نَصِيبُ جَدِّهِمَا وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ وَهُوَ نَصِيبُ الْبِنْتَيْنِ يُقَسَّمُ عَلَى وَلَدَيْهِمَا فِي الْبَطْنِ الثَّالِثِ أَيْضًا فَنِصْفُهَا لِبِنْتِ ابْنِ بِنْتِ الْبِنْتِ نَصِيبُ أَبِيهَا وَالنِّصْفُ الْآخَرُ لِابْنَيْ بِنْتِ بِنْتِ الْبِنْتِ نَصِيبُ أُمِّهِمَا، وَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي جَمِيعِ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَقَالَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمَبْسُوطِ: قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ: وَمَشَايِخُ بُخَارَى أَخَذُوا بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، كَذَا فِي الْكَافِي.
وَلَوْ كَانَ لِبَعْضِهِمْ جِهَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ تُعْتَبَرُ الْجِهَتَانِ أَوْ الْجِهَاتُ فَيَرِثُ بِكُلِّ جِهَةٍ غَيْرَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَعْتَبِرُهَا فِي الْفُرُوعِ وَمُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْأُصُولِ بِخِلَافِ الْجَدَّةِ حَيْثُ لَا تَرِثُ إلَّا بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَذُو الرَّحِمِ يَرِثُ بِجِهَتَيْنِ عِنْدَهُ فِي الصَّحِيحِ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ. (مِثَالُهُ) ابْنُ ابْنِ بِنْتٍ هُوَ ابْنُ بِنْتِ بِنْتٍ وَبِنْتُ بِنْتِ بِنْتٍ (صُورَتُهُ) رَجُلٌ لَهُ بِنْتَانِ مَاتَتَا وَخَلَّفَتْ إحْدَاهُمَا ابْنًا وَالْأُخْرَى بِنْتًا فَتَزَوَّجَ الِابْنُ الْبِنْتَ فَوَلَدَتْ ابْنًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ آخَرُ فَوَلَدَتْ لَهُ بِنْتًا فَالْمَوْلُودُ أَوَّلًا ابْنُ ابْنِ بِنْتٍ هُوَ ابْنُ بِنْتِ بِنْتٍ، وَالْمَوْلُودُ ثَانِيًا بِنْتُ بِنْتِ بِنْتٍ، فَلَوْ مَاتَ الزَّوْجَانِ ثُمَّ مَاتَتْ الْجَدَّةُ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمَالُ بَيْنَهُمَا أَخْمَاسًا خُمُسُ الْمَالِ لِبِنْتِ بِنْتِ الْبِنْتِ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِذِي الْقَرَابَتَيْنِ لِمَكَانِ الذُّكُورَةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سُدُسُ الْمَالِ لِبِنْتِ بِنْتِ الْبِنْتِ وَخَمْسُ أَسْدَاسِهِ لِذِي الْقَرَابَتَيْنِ.
(وَالصِّنْفُ الثَّانِي) وَهُمْ الْأَجْدَادُ الْفَاسِدُونَ وَالْجَدَّاتُ الْفَاسِدَاتُ أَوْلَاهُمْ بِالْمِيرَاثِ أَقْرَبُهُمْ إلَى الْمَيِّتِ كَأَبِي أُمٍّ وَأَبِي أُمِّ أُمٍّ، وَأَبِي أُمِّ أَبٍ، الْمَالُ لِلْأَوَّلِ لِقُرْبِهِ، وَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْقُرْبِ لَمْ يَكُنْ الْإِدْلَاءُ بِوَارِثٍ مُوجِبًا لِلتَّقْدِيمِ
стр. 3188
فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ الْقَرَابَةُ دُونَ الْإِدْلَاءِ بِوَارِثٍ مِثَالُهُ أَبُو أُمِّ أُمٍّ وَأَبُو أَبِي أُمٍّ فَهُمَا سَوَاءٌ، وَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْقُرْبِ وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يُدْلِي بِوَارِثٍ نُظِرَ فَإِنْ كَانُوا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ مِنْ جَانِبِ الْأَبِ أَوْ مِنْ جَانِبِ الْأُمِّ وَاتَّفَقَتْ صِفَةُ مَنْ يُدْلُونَ بِهِ - فَالْقِسْمَةُ عَلَى أَبْدَانِهِمْ إنْ كَانُوا ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا فَبِالسَّوِيَّةِ وَإِنْ كَانُوا مُخْتَلِطِينَ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ صِفَةُ مَنْ يُدْلُونَ بِهِ انْقَسَمَ عَلَى أَوَّلِ بَطْنٍ إلَى الْمَيِّتِ اخْتَلَفَ كَمَا فِي الصِّنْفِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ الْجَانِبَيْنِ يُجْعَلُ الثُّلُثَانِ لِقَرَابَةِ الْأَبِ وَالثُّلُثُ لِقَرَابَةِ الْأَبِ وَالثُّلُثُ لِقَرَابَةِ الْأُمِّ، ثُمَّ مَا أَصَابَ كُلَّ فَرِيقٍ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ كَمَا لَوْ انْفَرَدُوا مِثَالُهُ أَبُو أُمِّ أَبِي الْأَبِ وَأَبُو أَبِي أُمِّ أَبٍ فَهُمَا جَدَّانِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، وَأَبُو أُمِّ أَبِي الْأُمِّ وَأَبُو أَبِي أُمِّ الْأُمِّ فَهُمَا جَدَّانِ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ؛ فَيُقَسَّمُ الْمَالُ أَثْلَاثًا ثُلُثَاهُ لِقَرَابَةِ الْأَبِ وَالثُّلُثُ لِقَرَابَةِ الْأُمِّ، ثُمَّ مَا أَصَابَ قَرَابَةَ الْأَبِ يُقَسَّمُ أَثْلَاثًا ثُلُثَاهُ لِجَدِّهِ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَهُوَ أَبُو أُمِّ أَبِي الْأَبِ وَثُلُثُهُ لِجَدِّهِ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ وَهُوَ أَبُو أَبِي أُمِّ الْأَبِ وَمَا أَصَابَ قَرَابَةَ الْأُمِّ فَكَذَلِكَ ثُلُثَاهُ لِجَدِّهَا مِنْ قِبَلِ أَبِيهَا وَهُوَ أَبُو أُمِّ أَبِي الْأُمِّ، وَثُلُثُهُ لِجَدِّهَا مِنْ قِبَلِ أُمِّهَا وَهُوَ أَبُو أَبِي أُمِّ الْأُمِّ، وَهَذَا الْجَوَابُ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَعْتَبِرُ الْمُدْلِيَ بِالْوَارِثِ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
(وَالصِّنْفُ الثَّالِثُ) وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: الْأَوَّلُ - بَنَاتُ الْإِخْوَةِ وَأَوْلَادُ الْأَخَوَاتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَأَوْلَادُهُمْ. وَالثَّانِي - بَنَاتُ الْإِخْوَةِ وَأَوْلَادُ الْأَخَوَاتِ لِأَبٍ وَأَوْلَادُهُمْ. وَالثَّالِثُ - أَوْلَادُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِأُمٍّ وَأَوْلَادُهُمْ فَإِنْ كَانُوا مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي فَهُمْ كَالصِّنْفِ الْأَوَّلِ فِي تَسَاوِي الدَّرَجَةِ وَالْقُرْبِ وَالْإِدْلَاءِ بِوَارِثٍ وَالْقِسْمَةِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُعْتَبَرُ الْأَبْدَانُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُعْتَبَرُ الْأَبْدَانُ وَوَصْفُ الْأُصُولِ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ (مِثَالُهُ) بِنْتُ الْأُخْتِ أَوْلَى مِنْ بِنْتِ بِنْتِ الْأُخْتِ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ. بِنْتُ ابْنِ الْأَخِ أَوْلَى مِنْ بِنْتِ بِنْتِ الْأَخِ؛ لِأَنَّهَا وَلَدُ الْوَارِثِ. بِنْتُ أُخْتٍ وَابْنُ أُخْتٍ فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. بِنْتُ ابْنِ أَخٍ وَابْنُ بِنْتِ أَخٍ وَبِنْتُ بِنْتِ أُخْتٍ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُعْتَبَرُ الْأَبْدَانُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خُمُسُ الْمَالِ لِبِنْتِ بِنْتِ الْأُخْتِ وَثُلُثَا أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ لِابْنِ بِنْتِ الْأَخِ وَثُلُثُ أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ لِبِنْتِ ابْنِ الْأَخِ. ابْنُ أُخْتٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَبِنْتُ أَخٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَعْتَبِرُ الْأَبْدَانَ دُونَ الْأُصُولِ، فَعِنْدَهُ ثُلُثُ الْمَالِ لِبِنْتِ الْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَثُلُثَاهُ لِابْنِ الْأُخْتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَالْكَلَامُ فِي أَوْلَادِ الْأَخَوَاتِ وَالْإِخْوَةِ لِأَبٍ كَالْكَلَامِ فِي الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ عِنْدَ عَدَمِهِمْ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ النَّوْعِ الثَّالِثِ فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ اعْتِبَارًا بِأُصُولِهِمْ وَلَا خِلَافَ فِيهِ إلَّا مَا رُوِيَ شَاذًّا عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يُقَسَّمُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ الْأَنْوَاعِ وَتَسَاوَوْا فِي الدَّرَجَةِ فَالْمُدْلِي بِوَارِثٍ أَوْلَى ثُمَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ كَانَ مِنْهُمْ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْلَى، ثُمَّ لِأَبٍ ثُمَّ لِأُمٍّ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُقَسَّمُ الْمَالُ عَلَى أُصُولِهِمْ وَيَنْتَقِلُ نَصِيبُ كُلِّ أَصْلٍ إلَى فَرْعِهِ.
(مِثَالُهُ) ثَلَاثُ بَنَاتِ أَخَوَاتٍ.
стр. 3189
مُتَفَرِّقَاتٍ، عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمَالُ كُلُّهُ لِبِنْتِ الْأُخْتِ لِأَبَوَيْنِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَهَا ثَلَاثَةُ أَخْمَاسٍ وَلِبِنْتِ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ خُمُسٌ وَلِبِنْتِ الْأُخْتِ لِأُمٍّ خُمُسٌ لِاعْتِبَارِ الْأُصُولِ فَرْضًا وَرَدًّا ثَلَاثُ بَنَاتِ إخْوَةٍ مُتَفَرِّقِينَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كُلُّ الْمَالِ لِبِنْتِ الْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِبِنْتِ الْأَخِ مِنْ الْأُمِّ السُّدُسُ وَالْبَاقِي لِبِنْتِ الْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ بِنْتُ أُخْتٍ لِأَبٍ وَبِنْتُ أُخْتٍ لِأُمٍّ الْمَالُ لِلْأُولَى عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَهَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ وَلِلْأُخْرَى الرُّبُعُ فَرْضًا وَرَدًّا اعْتِبَارًا بِالْأُصُولِ.
ابْنَا أُخْتٍ لِأَبَوَيْنِ وَبِنْتُ أُخْتٍ لِأُمٍّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمَالُ لِلِابْنَيْنِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ابْنَا أُخْتٍ كَأُخْتَيْنِ فَيُقَسَّمُ الْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى خَمْسَةٍ (وَأَوْلَادُ هَؤُلَاءِ كَأُصُولِهِمْ) الْمُدْلِي بِوَارِثٍ أَوْلَى إذَا اسْتَوَوْا. مِثَالُهُ ابْنُ ابْنِ أَخٍ لِأُمٍّ وَابْنُ بِنْتِ أَخٍ لِأَبَوَيْنِ وَبِنْتُ ابْنِ أَخٍ لِأَبٍ الْمَالُ لِلْبِنْتِ؛ لِأَنَّهَا تُدْلِي بِوَارِثٍ، كَذَا فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ.
(الصِّنْفُ الرَّابِعُ) إذَا انْفَرَدَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ اسْتَحَقَّ كُلَّ الْمَالِ وَهَذَا الْحُكْمُ يَتَأَتَّى فِي جَمِيعِ الْأَصْنَافِ، وَإِنْ اجْتَمَعُوا وَكَانَ حَيِّزُ قَرَابَتِهِمْ مُتَّحِدًا بِأَنْ كَانَ الْكُلُّ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَالْأَقْوَى أَوْلَى بِالْإِجْمَاعِ أَيْ مَنْ كَانَ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْلَى مِمَّنْ كَانَ لِأَبٍ وَمَنْ كَانَ لِأَبٍ أَوْلَى مِمَّنْ كَانَ لِأُمٍّ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا، كَذَا فِي الْكَافِي ثُمَّ وَلَدُ الْوَارِثِ أَوْلَى فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا وَلَدَ الْوَارِثِ غَيْرَ أَنَّهُ ذُو قَرَابَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْآخَرُ وَلَدَ ذِي الرَّحِمِ لَكِنْ ذَا قَرَابَتَيْنِ الصَّحِيحُ أَنَّ ذَا قَرَابَتَيْنِ أَوْلَى.
مِثَالُهُ بِنْتُ ابْنِ عَمٍّ لِأَبٍ وَابْنُ ابْنِ عَمَّةٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَالثَّانِي أَوْلَى، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ وَإِنْ كَانُوا ذُكُورًا وَإِنَاثًا وَاسْتَوَتْ قَرَابَتُهُمْ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ كَعَمٍّ وَعَمَّةٍ كِلَاهُمَا لِأُمٍّ أَوْ خَالٍ وَخَالَةٍ كِلَاهُمَا لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ، وَإِنْ كَانَ حَيِّزُ قَرَابَتِهِمْ مُخْتَلِفًا كَعَمَّةٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَخَالَةٍ لِأُمٍّ أَوْ خَالٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَعَمَّةٍ لِأُمٍّ فَالثُّلُثَانِ لِقَرَابَةِ الْأَبِ، وَهُوَ نَصِيبُ الْأَبِ وَالثُّلُثُ لِقَرَابَةِ الْأُمِّ وَهُوَ نَصِيبُ الْأُمِّ. (وَكَذَا فِي أَوْلَادِهِمْ) أَوْلَاهُمْ بِالْمِيرَاثِ أَقْرَبُهُمْ إلَى الْمَيِّتِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَ وَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْقُرْبِ وَكَانَ حَيِّزُ قَرَابَتِهِمْ مُتَّحِدًا فَوَلَدُ الْعَصَبَةِ أَوْلَى كَبِنْتِ الْعَمِّ وَابْنِ الْعَمَّةِ كِلَاهُمَا لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ؛ فَالْمَالُ كُلُّهُ لِبِنْتِ الْعَمِّ. وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا لِأَبٍ وَأُمٍّ وَالْآخَرُ لِأَبٍ الْمَالُ كُلُّهُ لِمَنْ لَهُ قُوَّةُ الْقَرَابَةِ. بَيَانُهُ ثَلَاثُ عَمَّاتٍ عَمَّةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَعَمَّةٌ لِأَبٍ وَعَمَّةٌ لِأُمٍّ، وَثَلَاثُ خَالَاتٍ خَالَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَخَالَةٍ لِأَبٍ وَخَالَةٍ لِأُمٍّ.
فَثُلُثًا الْمَالِ لِلْعَمَّاتِ كُلُّهُ لِلْعَمَّةِ لِأَبٍ وَأُمٍّ لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ، وَثُلُثُ الْمَالِ لِلْخَالَاتِ كُلُّهُ لِلْخَالَةِ لِأَبٍ وَأُمٍّ لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ. خَالَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَخَالٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَعَمَّةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَعَمَّةٌ لِأَبٍ فَثُلُثَا الْمَالِ لِلْعَمَّةِ الَّتِي لِأَبٍ وَأُمٍّ لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ وَثُلُثُهُ بَيْنَ الْخَالِ وَالْخَالَةِ لِأَبٍ وَأُمٍّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ بِنْتُ الْخَالِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَبِنْتُ الْعَمَّةِ لِأُمٍّ فَثُلُثَا الْمَالِ لِبِنْتِ الْعَمَّةِ، وَالثُّلُثُ لِبِنْتِ الْخَالِ. بِنْتُ خَالَةٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَبِنْتُ عَمٍّ لِأُمٍّ، فَالثُّلُثَانِ لِبِنْتِ الْعَمِّ لِأُمٍّ وَالثُّلُثُ لِبِنْتِ الْخَالَةِ. بِنْتُ عَمٍّ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَبِنْتُ عَمَّةٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَالْمَالُ كُلُّهُ لِبِنْتِ الْعَمِّ؛ لِأَنَّهَا وَلَدُ
стр. 3190
الْعَصَبَةِ بِنْتُ عَمَّةٍ لِأَبٍ وَبِنْتُ عَمَّةٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَالْمَالُ كُلُّهُ لِبِنْتِ الْعَمَّةِ لِأَبٍ وَأُمٍّ لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ. بِنْتُ خَالَةٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَبِنْتُ خَالٍ لِأَبٍ؛ فَالْمَالُ كُلُّهُ لِبِنْتِ الْخَالَةِ لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ، كَذَا فِي الْكَافِي.
قَالَ ﵁: اعْلَمْ بِأَنَّ الْأَقْرَبَ مِنْ أَوْلَادِ الْعَمَّاتِ وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَبْعَدِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، سَوَاءٌ اتَّحَدَتْ الْجِهَةُ أَوْ اخْتَلَفَتْ وَالتَّفَاوُتُ بِالْقُرْبِ بِالتَّفَاوُتِ فِي الْبُطُونِ، فَمَنْ يَكُونُ مِنْهُمْ ذَا بَطْنٍ وَاحِدٍ فَهُوَ أَقْرَبُ مِمَّنْ يَكُونُ ذَا بَطْنَيْنِ وَذُو الْبَطْنَيْنِ أَقْرَبُ مِنْ ذِي ثَلَاثَةِ بُطُونٍ، وَبَيَانُهُ فِيمَا إذَا تَرَكَ بِنْتَ خَالَةٍ وَبِنْتَ بِنْتِ خَالَةٍ أَوْ بِنْتَ ابْنِ خَالَةٍ أَوْ ابْنَ ابْنِ خَالَةٍ فَالْمِيرَاثُ لِبِنْتِ الْخَالَةِ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ بِدَرَجَةٍ. وَكَذَلِكَ إنْ تَرَكَ بِنْتَ عَمَّةٍ وَبِنْتَ بِنْتِ خَالَةٍ فَبِنْتُ الْعَمَّةِ أَوْلَى بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ بِدَرَجَةٍ، وَإِنْ كَانَا مِنْ جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ. وَإِنْ تَرَكَ بَنَاتِ الْعَمَّةِ مَعَ ابْنَةِ خَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَلِبَنَاتِ الْعَمَّةِ الثُّلُثَانِ وَلِابْنَةِ الْخَالَةِ الثُّلُثُ. وَإِنْ كَانَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ ذَوِي قَرَابَتَيْنِ وَبَعْضُهُمْ ذَوِي قَرَابَةٍ وَاحِدَةٍ فَعِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِهَةِ لَا يَقَعُ التَّرْجِيحُ بِهَذَا وَعِنْدَ اتِّحَادِ الْجِهَةِ الَّذِي لِأَبٍ أَوْلَى مِنْ الَّذِي لِأُمٍّ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى. بَيَانُهُ فِيمَا إذَا تَرَكَ ثَلَاثَ بَنَاتِ عَمَّاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ فَإِنَّ الْمَالَ كُلَّهُ لِابْنَةِ الْعَمَّةِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَكَذَلِكَ ثَلَاثُ بَنَاتِ خَالَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ، فَإِنْ تَرَكَ ابْنَةَ خَالَةٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَابْنَةَ عَمَّةٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَلِابْنَةِ الْعَمَّةِ الثُّلُثَانِ وَلِابْنَةِ الْخَالَةِ الثُّلُثُ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا وَلَدَ عَصَبَةٍ أَوْ وَلَدَ صَاحِبِ فَرْضٍ فَعِنْدَ اتِّحَادِ الْجِهَةِ يُقَدَّمُ وَلَدُ الْعَصَبَةِ وَصَاحِبُ الْفَرْضِ، وَعِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِهَةِ لَا يَقَعُ التَّرْجِيحُ بِهَذَا بَلْ تُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ فِي الِاتِّصَالِ بِالْمَيِّتِ. بَيَانُهُ فِيمَا إذَا تَرَكَ ابْنَةَ عَمٍّ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ وَابْنَةَ عَمَّةٍ فَالْمَالُ كُلُّهُ لِابْنَةِ الْعَمِّ؛ لِأَنَّهَا وَلَدُ عَصَبَةٍ. وَلَوْ تَرَكَ ابْنَةَ عَمٍّ وَابْنَةَ خَالٍ أَوْ خَالَةٍ فَلِابْنَةِ الْعَمِّ الثُّلُثَانِ وَلِابْنَةِ الْخَالِ أَوْ الْخَالَةِ الثُّلُثُ؛ لِأَنَّ الْجِهَةَ مُخْتَلِفَةٌ هُنَا وَلَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا بِكَوْنِهِ وَلَدَ عَصَبَةٍ، وَهَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَأَمَّا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَلَدُ الْعَصَبَةِ أَوْلَى سَوَاءٌ اخْتَلَفَتْ الْجِهَةُ أَوْ اتَّحَدَتْ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْعَصَبَةِ أَقْرَبُ اتِّصَالًا بِوَارِثِ الْمَيِّتِ، فَكَأَنَّهُ أَقْرَبُ اتِّصَالًا بِالْمَيِّتِ، فَإِنْ كَانَ قَوْمٌ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ مِنْ بَنَاتِ الْأَخْوَالِ أَوْ الْخَالَاتِ وَقَوْمٌ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ مِنْ بَنَاتِ الْعَمَّاتِ وَالْأَعْمَامِ لِأُمٍّ.
فَالْمَالُ مَقْسُومٌ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ أَثْلَاثًا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ذُو قَرَابَتَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ ذُو قَرَابَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ مَا أَصَابَ كُلَّ فَرِيقٍ فِيمَا بَيْنَهُمْ يَتَرَجَّحُ جِهَةُ ذِي الْقَرَابَتَيْنِ عَلَى ذِي قَرَابَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَذَلِكَ يَتَرَجَّحُ فِيهِ مَنْ كَانَتْ قَرَابَتُهُ لِأَبٍ عَلَى مَنْ كَانَتْ قَرَابَتُهُ لِأُمٍّ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْقَرَابَةِ فَالْقِسْمَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى الْأَبْدَانِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ، وَعَلَى أَوَّلِ مَنْ يَقَعُ الْخِلَافُ بِهِ مِنْ الْآبَاءِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيَانُهُ فِيمَا إذَا تَرَكَ ابْنَ خَالَةٍ وَابْنَةَ خَالَةٍ فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْأَبْدَانِ؛ لِأَنَّ الْآبَاءَ قَدْ اتَّفَقَتْ. فَإِنْ تَرَكَ ابْنَةَ خَالٍ وَابْنَ خَالَةٍ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْآخَرِ لِابْنِ الْخَالَةِ الثُّلُثَانِ وَلِابْنَةِ الْخَالِ الثُّلُثُ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى عَكْسِ هَذَا.
وَلَوْ تَرَكَ ابْنَ عَمَّةٍ وَابْنَةَ عَمَّةٍ فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ
следующие страницы →