← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21642

كشاف القناع عن متن الإقناع - ت مصيلحي

البهوتي

Полный текст (3 210 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ (وَزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا) رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جُرَيْجٍ مَرْفُوعًا (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَثِيرًا، كَمَا هُوَ أَهْلُهُ وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرِيمِ وَجْهِهِ وَعِزِّ جَلَالِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ وَرَآنِي لِذَلِكَ أَهْلًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ اللَّهُمَّ إنَّك دَعَوْتَ إلَى حَجِّ بَيْتِكَ) الْحَرَامِ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ انْتَشَرَتْ وَأُرِيدَ بِتَحْرِيمِ الْبَيْتِ سَائِرُ الْحَرَمِ قَالَهُ الْعُلَمَاءُ. (وَقَدْ جِئْتُكَ لِذَلِكَ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي وَاعْفُ عَنِّي وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لَا إلَه إلَّا أَنْتَ) ذَكَرَ ذَلِكَ الْأَثْرَمُ وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ «إذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» (يَرْفَعُ بِذَلِكَ) الدُّعَاءِ (صَوْتَهُ إنْ كَانَ رَجُلًا) ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ فَاسْتُحِبَّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ كَالتَّلْبِيَةِ (وَمَا زَادَ مِنْ الدُّعَاءِ فَحَسَنٌ) ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْبِقَاعَ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ. (ثُمَّ يَبْدَأُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ إنْ كَانَ مُعْتَمِرًا) أَيْ: مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ مُتَمَتِّعًا أَوْ غَيْرَهُ (وَلَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَطُوفَ لَهَا طَوَافَ قُدُومٍ) كَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَإِنَّهُ يُكْتَفَى بِهَا عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ. (وَ) يَبْتَدِئُ (بِطَوَافِ الْقُدُومِ وَيُسَمَّى طَوَافَ الْوُرُودِ إنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا وَهُوَ تَحِيَّةُ الْكَعْبَةِ) فَاسْتُحِبَّتْ الْبُدَاءَةُ بِهِ وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِهِ وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمْ. (وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ (الصَّلَاةُ وَتُجْزِئُ عَنْهَا الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الطَّوَافِ) وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الطَّوَافُ؛ لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ وَهَذَا تَفْصِيلُهُ (فَيَكُونُ أَوَّلَ مَا يُبْدَأُ بِهِ الطَّوَاف) لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ أَوْ ذَكَرَ فَرِيضَةً فَائِتَةً أَوْ خَافَ فَوَاتَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَوْ الْوِتْرِ أَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ فَيُقَدِّمَهَا عَلَيْهِ) أَيْ: الطَّوَافِ لِاتِّسَاعِ وَقْتِهِ وَأَمْنِ فَوَاتِهِ (ثُمَّ يَطُوفَ) إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ تِلْكَ. (وَالْأَوْلَى لِلْمَرْأَةِ: تَأْخِيرُهُ) أَيْ: الطَّوَافِ (إلَى اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ إنْ أَمِنَتْ الْحَيْضَ أَوْ النِّفَاسَ وَلَا تُزَاحِمُ الرِّجَالَ لِتَسْتَلِمَ الْحَجَرَ) الْأَسْوَدَ وَلَا لِغَيْرِهِ خَوْفَ الْمَحْظُورِ (لَكِنْ تُشِيرُ) الْمَرْأَةُ (إلَيْهِ) الْحَجَرِ (كَ) الرَّجُلِ (الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَيْهِ) إلَّا بِمَشَقَّةٍ. (وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ وَ) فِي (طَوَافِ الْعُمْرَةِ لِلْمُتَمَتِّعِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ غَيْرِ حَامِلٍ مَعْذُورٍ) بِحَمْلِهِ بِرِدَائِهِ (فِي جَمِيع أُسْبُوعِهِ فَيَجْعَلُ وَسَطَهُ) أَيْ: الرِّدَاءِ (تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ وَ) يَجْعَلُ (طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ)

стр. 982

مَأْخُوذٌ مِنْ الضَّبُعِ وَهُوَ عَضُدُ الْإِنْسَانِ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ مُضْطَبِعًا وَعَلَيْهِ بُرْدٌ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنْ الْجِعْرَانَةِ فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمْ الْيُسْرَى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ (فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الطَّوَافِ سَوَّاهُ) أَيْ: الرِّدَاءَ فَجَعَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ (وَلَا يُضْطَبَعُ فِي السَّعْي) لِعَدَمِ وُرُودِهِ وَقَالَ أَحْمَدُ مَا سَمِعْنَا فِيهِ شَيْئًا وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ إلَّا فِيمَا عَقَلَ مَعْنَاهُ وَهَذَا تَعَبُّدِيٌّ مَحْضٌ. (وَيَبْتَدِئُ) الطَّوَافَ (مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ «كَانَ يَبْتَدِئُ بِهِ وَقَالَ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (وَهُوَ جِهَةُ الْمَشْرِقِ فَيُحَاذِيهِ) أَيْ: الْحَجَرَ (أَوْ) يُحَاذِي (بَعْضَهُ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ) ؛ لِأَنَّ مَا لَزِمَ اسْتِقْبَالُهُ لَزِمَ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ كَالْقِبْلَةِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) أَيْ: يُحَاذِي الْحَجَرَ أَوْ بَعْضَهُ بِكُلِّ بَدَنِهِ بِأَنْ ابْتَدَأَ بِالطَّوَافِ عَنْ جَانِبِ الرُّكْنِ مِنْ جِهَةِ الْبَابِ بِحَيْثُ خَرَجَ شَيْءٌ مِنْ بَدَنِهِ عَنْ مُحَاذَاةِ الْحَجَرِ (أَوْ بَدَأَ بِالطَّوَافِ مِنْ دُون الرُّكْنِ) الَّذِي بِهِ الْحَجَرُ (كَالْبَابِ وَنَحْوِهِ) كَالْمُلْتَزَمِ (لَمْ يُحْتَسَبْ بِذَلِكَ الشَّوْطُ) لِعَدَمِ مُحَاذَاةِ بَدَنِهِ لِلْحَجَرِ وَيُحْتَسَبُ لَهُ بِالثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ وَيَصِيرُ الثَّانِي أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ يُحَاذِي فِيهِ الْحَجَرَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ (ثُمَّ يَسْتَلِمُهُ) أَيْ: الْحَجَرَ (أَيْ: يَمْسَحُهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى) لِقَوْلِ جَابِرٍ إنَّ «الرَّسُولَ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ» الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالِاسْتِلَامُ: افْتِعَالٌ مِنْ السَّلَامِ وَهُوَ التَّحِيَّةُ وَأَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ الْمُحَيَّا؛ لِأَنَّ النَّاسَ يُحَيُّونَهُ بِالِاسْتِلَامِ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ الْجَنَّةِ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ " لَمَّا أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ كَتَبَ كِتَابًا فَأَلْقَمَهُ الْحَجَرَ فَهُوَ يَشْهَدُ لِلْمُؤْمِنِ بِالْوَفَاءِ وَعَلَى الْكَافِرِ بِالْجُحُودِ " وَذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْفَرَجِ. (وَيُقَبِّلُهُ) أَيْ: الْحَجَرَ (مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ يَظْهَرُ لِلْقُبْلَةِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ اسْتَقْبَلَ الْحَجَرَ وَوَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَبْكِي فَقَالَ: يَا عُمَرُ هَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ أَسْلَمَ قَالَ " رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَقَالَ إنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ " (وَنَصَّ) أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ (وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ) فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ. (فَإِنْ شَقَّ اسْتِلَامُهُ) وَتَقْبِيلُهُ لَمْ يُزَاحِمْ وَاسْتَلَمَهُ بِيَدِهِ

стр. 983

(وَقَبَّلَ يَدَهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ " وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ (فَإِنْ شَقَّ) اسْتِلَامُهُ بِيَدِهِ (اسْتَلَمَهُ بِشَيْءٍ وَقَبَّلَهُ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا (فَإِنْ شَقَّ) اسْتِلَامُهُ بِشَيْءٍ (أَشَارَ إلَيْهِ بِيَدِهِ أَوْ بِشَيْءٍ وَاسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهِهِ وَلَا يُقَبِّلُ الْمُشَارَ بِهِ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ (وَلَا يُزَاحِم) لِاسْتِلَامِ الْحَجَرِ أَوْ تَقْبِيلِهِ أَوْ السُّجُودِ عَلَيْهِ (فَيُؤْذِي أَحَدًا) مِنْ الطَّائِفِينَ. (وَيَقُولُ) عِنْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ أَوْ اسْتِقْبَالِهِ بِوَجْهِهِ إذَا شَقَّ اسْتِلَامُهُ (بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ إيمَانًا بِكَ وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيَّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَيَقُولُ ذَلِكَ كُلَّمَا اسْتَلَمَهُ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ اسْتِلَامِهِ " (وَزَادَ جَمَاعَةٌ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ) . (فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَجَرُ مَوْجُودًا) وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ (وَقَفَ مُقَابِلًا لِمَكَانِهِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ إذَا هُدِمَتْ. (وَاسْتَلَمَ الرُّكْن وَقَبَّلَهُ فَإِنْ شَقَّ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ) لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَمِينِهِ مِمَّا يَلِي بَابَ الْبَيْتِ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَيَجْعَلُهُ) أَيْ: الْبَيْتَ (عَلَى يَسَارِهِ) لِفِعْلِهِ ﷺ مَعَ قَوْلِهِ «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (لِيُقَرِّبَ جَانِبَهُ الْأَيْسَرَ) الَّذِي هُوَ مَقَرُّ الْقَلْبِ (إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْبَيْتِ (فَأَوَّلُ رُكْنٍ يَمُرُّ بِهِ) الطَّائِفُ (يُسَمَّى الشَّامِيَّ وَالْعِرَاقِيَّ وَهُوَ جِهَةُ الشَّامِ ثُمَّ يَلِيهِ الرُّكْنُ الْغَرْبِيُّ وَالشَّامِيُّ وَهُوَ جِهَةُ الْمَغْرِبِ ثُمَّ الْيَمَانِيُّ جِهَةُ الْيَمَنِ فَإِذَا أَتَى عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الرُّكْن الْيَمَانِيِّ (اسْتَلَمَهُ وَلَمْ يُقَبِّلْهُ) . وَحَدِيثُ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ اسْتَلَمَهُ وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَيْهِ» فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا لَا يَصِحُّ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ التَّقْبِيلُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ (وَلَا يَسْتَلِمُ وَلَا يُقَبِّلُ الرُّكْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ) أَيْ: الشَّامِيَّ وَالْغَرْبِيَّ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ مِنْ الْأَرْكَانِ إلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ " مَا أَرَاهُ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْتَلِمْ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ إلَّا؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَتِمَّ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ وَلَا طَافَ النَّاسُ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ إلَّا لِذَلِكَ " وَطَافَ مُعَاوِيَةُ " فَجَعَلَ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِمَ تَسْتَلِمْ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فَقَالَ مُعَاوِيَةُ صَدَقْتَ ".

стр. 984

(وَلَا) يَسْتَلِمُ وَلَا يُقَبِّلُ (صَخْرَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَلَا غَيْرَهَا مِنْ الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَافِنِ الَّتِي فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمُعَاوِيَةَ بَلْ هَذِهِ أَوْلَى. (وَيَطُوفُ سَبْعًا يَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْهَا مَاشٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي عُمَرِهِ كُلِّهَا وَفِي حَجِّهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَالْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الرَّمَلِ لِإِظْهَارِ الْجَلَدِ لِلْمُشْرِكِينَ فَبَقِيَ الْحُكْمُ بَعْدَ زَوَالِ عِلَّتِهِ لِمَا تَقَدَّمَ (غَيْرُ رَاكِبٍ وَ) غَيْرُ (حَامِلٍ مَعْذُورٍ وَ) غَيْرُ (نُفَسَاءَ وَ) غَيْرُ (مُحْرِمٍ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ قُرْبِهَا فَلَا يُسَنُّ هُوَ) أَيْ: الرَّمَلُ (وَلَا الِاضْطِبَاعُ لَهُمْ) لِعَدَمِ وُجُودِ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ شُرِعَ الرَّمَلُ وَهُوَ إظْهَارُ الْجَلَدِ وَالْقُوَّةِ لِأَهْلِ الْبَلَدِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ لَمْ يَرْمُلْ وَمَنْ لَا يُشْرَع لَهُ الرَّمَلُ لَا يُشْرَعُ لَهُ الِاضْطِبَاعُ (وَلَا) يُسَنُّ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ (فِي غَيْرِ هَذَا الطَّوَافِ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ إنَّمَا اضْطَبَعُوا وَرَمَلُوا فِيهِ. (وَلَا يَقْضِيهِ) أَيْ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ الِاضْطِبَاعِ وَالرَّمَلِ (وَلَا) يَقْضِي (بَعْضَهُ) إذَا فَاتَهُ (فِي) طَوَافِ (غَيْرِهِ) خِلَافًا لِلْقَاضِي كَمَنْ تَرَكَ الْجَهْرَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ لَا يَقْضِيهِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَلَا يَقْتَضِي الْقِيَاسُ أَنْ تُقْضَى هَيْئَةُ عِبَادَةٍ فِي عِبَادَةٍ أُخْرَى. (وَهُوَ) أَيْ: الرَّمَلُ (إسْرَاعُ الْمَشْي مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَى فِي غَيْرِ وَثْبٍ وَالرَّمَلُ أَوْلَى مِنْ الدُّنُوِّ مِنْ الْبَيْتِ بِدُونِهِ) أَيْ: دُونَ رَمَلٍ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ مَعَ الْقُرْبِ لِلزِّحَامِ؛ لِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِنَفَسِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَكَانِهَا أَوْ زَمَانِهَا (وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الرَّمَلِ أَيْضًا) أَيْ: مَعَ الْبُعْدِ مِنْ الْبَيْتِ لِقُوَّةِ الزِّحَامِ. (وَلَوْ) كَانَ إذَا تَأَخَّرَ فِي حَاشِيَةِ الْقَوْمِ لِلرَّمَلِ (يَخْتَلِطُ بِالنِّسَاءِ فَالدُّنُوُّ) مِنْ الْبَيْتِ مَعَ تَرْكِ الرَّمَلِ (أَوْلَى) مِنْ الْبُعْدِ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْمُعَارِضِ. (وَيَطُوفُ) مَعَ الزِّحَامِ (كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ) بِحَيْثُ لَا يُؤْذِي أَحَدًا (فَإِذَا وَجَدَ فُرْجَةً رَمَلَ فِيهَا) مَا دَامَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ لِبَقَاءِ مَحِلِّهِ (وَتَأْخِيرِ الطَّوَافِ) حَتَّى يَزُولَ الزِّحَامُ (لَهُ) أَيْ: الرَّمَلِ (وَالدُّنُوُّ) مِنْ الْبَيْتِ (أَوْ لِأَحَدِهِمَا أَوْلَى) مِنْ تَقْدِيمِهِ مَعَ فَوَاتِهِمَا أَوْ فَوَاتِ أَحَدِهِمَا لِيَأْتِيَ بِالطَّوَافِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ. (وَيَمْشِي الْأَرْبَعَةَ الْأَشْوَاطَ الْبَاقِيَةَ) (مِنْ الطَّوَافِ) لِلْأَخْبَارِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا الَّتِي تَقَدَّمْتِ الْإِشَارَةُ إلَيْهَا. (وَكُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ اسْتَلَمَهُمَا) اسْتِحْبَابًا لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ نَافِعٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَإِنْ شَقَّ) أَيْ: اسْتِلَامُهُمَا لِلزِّحَامِ

стр. 985

(أَشَارَ إلَيْهِمَا) لِمَا مَرَّ (وَيَقُولُ كُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَطْ) لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ بِيَدِهِ وَكَبَّرَ» . (وَلَهُ الْقِرَاءَةُ فِي الطَّوَافِ فَتُسْتَحَبُّ) الْقِرَاءَةُ فِيهِ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ؛ وَلِأَنَّهُ صَلَاةٌ وَفِيهَا قِرَاءَةٌ وَدُعَاءٌ فَيَجِبُ كَوْنُهُ مِثْلُهَا وَ (لَا) يُسْتَحَبُّ (الْجَهْرُ بِهَا) أَيْ: بِالْقِرَاءَةِ فِي الطَّوَافِ. (وَيُكْرَهُ) الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ (إنْ غَلَطَ الْمُصَلِّينَ) قُلْتُ أَوْ الطَّائِفِينَ. (وَ) يَقُولُ (بَيْنَ) الرُّكْنِ الَّذِي بِهِ الْحَجَرُ (الْأَسْوَدُ) (وَ) الرُّكْنُ (الْيَمَانِيُّ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاسِكِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ «وُكِّلَ بِهِ أَيْ: الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ فَمَنْ قَالَ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ قَالُوا: آمِينَ» . (وَيُكْثِرُ فِي بَقِيَّةِ طَوَافِهِ مِنْ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَمِنْهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَسَعْيًا مَشْكُورًا) أَيْ: عَمَلًا مُتَقَبَّلًا يَزْكُو لِصَاحِبِهِ ثَوَابُهُ وَمَسَاعِي الرَّجُلِ أَعْمَالُهُ الصَّالِحَةُ وَاحِدُهَا مَسْعَاةٌ قَالَهُ فِي حَاشِيَتِهِ (وَذَنْبًا مَغْفُورًا رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمْ وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ فَفِي حَالِ تَلَبُّسِهِ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى (وَيَدَعُ الْحَدِيثَ إلَّا الذِّكْرَ وَالْقِرَاءَةَ وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَرِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ فَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرٍ» . (وَمَنْ طَافَ أَوْ سَعَى رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يُجْزِئْهُ) الطَّوَافُ وَلَا السَّعْيُ لِقَوْلِهِ ﷺ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» ؛ وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ فَلَمْ يَجُزْ فِعْلُهَا رَاكِبًا كَالصَّلَاةِ، وَالسَّعْيُ كَالطَّوَافِ. (وَ) الطَّوَافُ أَوْ السَّعْيُ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا (لِعُذْرٍ يُجْزِئُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ» وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ «فَشَكَوْتُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي فَقَالَ: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا وَكَانَ طَوَافُهُ ﷺ رَاكِبًا لِعُذْرٍ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ هَذَا مُحَمَّدٌ حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنْ الْبُيُوتِ وَكَانَ

стр. 986

النَّبِيُّ ﷺ لَا تَضْرِبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَمَّا كَثُرُوا عَلَيْهِ رَكِبَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: يُجْزِئُ السَّعْيُ رَاكِبًا وَلَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ (وَيَقَعُ الطَّوَافُ) أَوْ السَّعْيُ (عَنْ الْمَحْمُولِ إنْ نَوَيَا) أَيْ: الْحَامِلُ وَالْمَحْمُولُ (عَنْهُ أَوْ نَوَى كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ نَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا الْفِعْلُ وَهُوَ وَاحِدٌ فَلَا يَقَع عَنْ شَخْصَيْنِ وَوُقُوعُهُ عَنْ الْمَحْمُولِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ بِطَوَافِهِ إلَّا لِنَفْسِهِ وَالْحَامِلُ لَمْ يَخْلُصْ قَصْدُهُ بِالطَّوَافِ لِنَفْسِهِ؛ وَلِأَنَّ الطَّوَافَ عِبَادَةٌ أَدَّى بِهَا الْحَامِلُ فَرْضَ غَيْرِهِ فَلَمْ تَقَعْ عَنْ فَرْضِهِ كَالصَّلَاةِ وَصِحَّةِ أَخْذِ الْحَامِلِ عَنْ الْمَحْمُولِ الْأُجْرَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَخْذُهُ عَنْ شَيْءٍ يَفْعَلُهُ لِنَفْسِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. (وَإِنْ نَوَيَا) أَيْ: الْحَامِلُ وَالْمَحْمُولُ الطَّوَافَ (عَنْ الْحَامِلِ وَقَعَ) الطَّوَافُ (عَنْهُ) أَيْ الْحَامِلِ لِخُلُوصِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالنِّيَّةِ لِلْحَامِلِ (وَإِنْ نَوَى أَحَدُهُمَا) الطَّوَافَ (عَنْ نَفْسِهِ وَالْآخَرُ لَمْ يَنْوِ) الطَّوَافَ (وَقَعَ لِمَنْ نَوَى) لِحَدِيثِ " إنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ". (وَإِنْ عُدِمَتْ النِّيَّةُ مِنْهُمَا أَوْ نَوَى كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ لَمْ يَصِحَّ) الطَّوَافُ (لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا) لِخُلُوِّ طَوَافِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ نِيَّةٍ مِنْهُ (وَإِنْ حَمَلَهُ بِعَرَفَاتٍ) لِعُذْرٍ أَوْ لَا (أَجْزَأَ) الْوُقُوفُ (عَنْهُمَا) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْحُصُولُ بِعَرَفَةَ وَهُوَ مَوْجُودٌ. (وَإِنْ طَافَ مُنَكِّسًا بِأَنْ جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَمِينِهِ) لَمْ يُجْزِئْهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَقَدْ جَعَلَ الْبَيْتَ فِي طَوَافِهِ عَلَى يَسَارِهِ وَكَذَا لَوْ طَافَ الْقَهْقَرَى (أَوْ) طَافَ (عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ لَمْ يُجْزِئْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وَالْحِجْرُ مِنْهُ وَلِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ " هُوَ مِنْ الْبَيْتِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَمَنْ لَمْ يَطُفْ بِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِطَوَافِهِ (أَوْ) طَافَ (عَلَى شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَة بِفَتْحِ الذَّال) الْمُعْجَمَة (وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي تُرِكَ خَارِجًا عَنْ عَرْضِ الْجِدَارِ مُرْتَفِعًا مِنْ الْأَرْضِ قَدْرَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ) لَمْ يُجْزِئْهُ (؛ لِأَنَّهُ) أَيْ: الشَّاذَرْوَانَ (مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْكَعْبَةِ. (أَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الطَّوَافِ وَإِنْ قَلَّ) لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَطُفْ بِجَمِيعِ الْبَيْتِ (أَوْ لَمْ يَنْوِ) الطَّوَافَ لَمْ يُجْزِئْهُ لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ؛ وَلِأَنَّهُ صَلَاةٌ لِلْخَبَرِ وَالصَّلَاةُ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ. (أَوْ) طَافَ (خَارِجَ الْمَسْجِدِ) لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ وَلَا يَحْنَثُ بِهِ مَنْ حَلَفَ لَا يَطُوفُ (أَوْ) طَافَ. (أَوْ) طَافَ (مُحْدِثًا وَلَوْ حَائِضًا) لِقَوْلِهِ ﷺ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْأَثْرَمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «وَقَالَ ﷺ لِعَائِشَةَ حِينَ حَاضَتْ افْعَلِي مَا يَفْعَلُ

стр. 987

الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» (وَيَلْزَمُ النَّاسَ انْتِظَارُهَا) أَيْ: الْحَائِضِ (لِأَجْلِهِ فَقَطْ إنْ أَمْكَنَ) لِتَطُوفَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُمْ انْتِظَارُهَا لِلنِّفَاسِ لِطُولِ مُدَّتِهِ. (أَوْ) طَافَ (نَجِسًا) ثَوْبَهُ أَوْ بَدَنُهُ أَوْ بُقْعَتَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ كَالْمُحْدِثِ. (أَوْ) طَافَ (شَاكًّا فِيهِ) أَيْ: فِي الطَّوَاف (فِي طَهَارَتِهِ) وَقَدْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ لَمْ يُجْزِئْهُ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ وَ (لَا) يَضُرُّهُ شَكُّهُ فِي طَهَارَتِهِ (بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ) أَيْ: الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِحَّتُهُ كَشَكِّهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ. (أَوْ) طَافَ (عُرْيَانًا) لَمْ يُجْزِئْهُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّ أَبَا بَكْرٍ بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (أَوْ قَطَعَهُ) أَيْ: الطَّوَافَ (بِفَصْلٍ طَوِيلٍ عُرْفًا وَلَوْ سَهْوًا أَوْ لِعُذْرٍ) لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّهُ ﷺ " وَالَى بَيْنَ طَوَافِهِ وَقَالَ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ "؛ وَلِأَنَّهُ صَلَاةٌ فَاعْتُبِرَتْ فِيهِ الْمُوَالَاةُ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ (أَوْ أَحْدَثَ فِي بَعْضِهِ لَا يُجْزِئْهُ) ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ فِيهِ وَإِذَا وُجِدَ الْحَدَثُ بَطَلَتْ فَيَبْطُلُ كَالصَّلَاةِ (فَتُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ فِيهِ وَفِي سَعْيٍ) لِمَا مَرَّ. (وَعِنْد الشَّيْخِ الشَّاذَرْوَانُ لَيْسَ مِنْ الْكَعْبَة بَلْ جُعِلَ عِمَادًا لِلْبَيْتِ) فَيَصِحُّ الطَّوَافُ عَلَيْهِ (وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ مَسَّ الْجُدُرَ بِيَدِهِ فِي مُوَازَاةِ الشَّاذَرْوَانِ صَحَّ طَوَافُهُ) اعْتِبَارًا بِجُمْلَتِهِ كَمَا لَا يَضُرُّ الْتِفَاتُ الْمُصَلِّي بِوَجْهِهِ وَعَلَى قِيَاسِهِ: وَلَوْ مَسَّ أَعْلَى جِدَارِ الْحَجَرِ. (وَإِنْ طَافَ فِي الْمَسْجِد مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ مِنْ قُبَّةٍ وَغَيْرِهَا أَجْزَأَهُ) الطَّوَافُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَسْجِدِ. (وَإِنْ طَافَ عَلَى سَطْحِهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (تَوَجَّهَ الْإِجْزَاءُ) كَصَلَاتِهِ عَلَيْهَا (قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ) . وَإِنْ قَصَدَ فِي طَوَافِهِ غَرِيمًا وَقَصَدَ مَعَهُ طَوَافًا بِنِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَا حُكْمِيَّةٍ تَوَجَّهَ الْإِجْزَاءُ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِمْ وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ كَعَاطِسٍ قَصَدَ بِحَمْدِهِ قِرَاءَةً وَفِي الْإِجْزَاءِ عَنْ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ وَجْهَانِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. (وَإِنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الْأَشْوَاطِ أَخَذَ بِالْيَقِينِ) لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ (وَيُقْبَلُ قَوْلُ عَدْلَيْنِ) فِي عَدَدِ الْأَشْوَاطِ كَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ فِي الصَّلَاةِ. (وَيُسَنُّ فِعْلُ سَائِرِ الْمَنَاسِكِ مِنْ السَّعْي وَالْوُقُوفِ وَالرَّمْيِ وَغَيْرِهَا عَلَى طَهَارَةٍ) وَتَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ. (وَإِنْ قَطَعَ الطَّوَافَ بِفَصْلٍ يَسِيرٍ) بَنَى مِنْ الْحَجَرِ لِعَدَمِ فَوَاتِ الْمُوَالَاةِ بِذَلِكَ (أَوْ أُقِيمَتْ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ) صَلَّى وَبَنَى لِحَدِيثِ «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةُ» وَالطَّوَافُ صَلَاةٌ فَتَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ (أَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ صَلَّى وَبَنَى) ؛ لِأَنَّهَا تَفُوتُ بِالتَّشَاغُلِ عَنْهَا (وَيَكُونُ الْبِنَاءُ مِنْ الْحَجَرِ) الْأَسْوَدِ (وَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ مِنْ أَثْنَاءِ الشَّوْطِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ

стр. 988

بِبَعْضِ شَوْطٍ قُطِعَ فِيهِ وَحُكْمُ السَّعْيِ فِي ذَلِكَ كَطَوَافٍ. (ثُمَّ) بَعْدَ تَمَامِ الطَّوَافِ (يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَالْأَفْضَلُ) كَوْنُهُمَا (خَلْفَ الْمَقَامِ) أَيْ: مَقَامِ إبْرَاهِيمَ لِقَوْلِ جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ «حَتَّى أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا ثُمَّ تَقَدَّمَ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ» . (وَحَيْثُ رَكَعَهُمَا مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ جَازَ) لِعُمُومِ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا» وَصَلَّاهُمَا عُمَرُ بِذِي طُوَى (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِتَرْكِ صَلَاتِهِمَا خَلْفَ الْمَقَامِ. (وَهُمَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ يَقْرَأُ فِيهِمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وَ) يَقْرَأُ (فِي الثَّانِيَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] لِحَدِيثِ جَابِرٍ «فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ: فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ، وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ثُمَّ عَادَ إلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّفَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ، وَيَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ الطَّائِفُونَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ «صَلَّاهُمَا وَالطَّوَافُ بَيْنَ يَدَيْهِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ» وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُصَلِّي وَالطَّوَافُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَمُرُّ الْمَرْأَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَنْتَظِرُهَا حَتَّى تَرْفَعَ رِجْلَهَا ثُمَّ يَسْجُدُ وَكَذَا سَائِرُ الصَّلَوَاتِ بِمَكَّةَ لَا يُعْتَبَرُ لَهَا سُتْرَةٌ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَتَقَدَّمَ) فِي الصَّلَاةِ مُوَضَّحًا (وَيَكْفِي عَنْهُمَا) أَيْ: عَنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ (مَكْتُوبَةٌ وَسُنَّةٌ رَاتِبَةٌ) كَرَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ. (وَيُسَنُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الطَّوَافِ كُلَّ وَقْتٍ) وَتَقَدَّمَ نَصُّ الْإِمَامِ: أَنَّ الطَّوَافَ لِغَرِيبٍ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. (وَلَهُ جَمْع أَسَابِيعَ) مِنْ الطَّوَافِ (فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا رَكَعَ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ) لِفِعْلِ عَائِشَةَ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ (وَالْأَوْلَى) أَنْ يُصَلِّيَ (لِكُلِّ أُسْبُوعٍ عَقِبَهُ) لِفِعْلِهِ ﷺ (وَلَا يُشْرَع تَقْبِيلُ الْمَقَامِ وَلَا مَسْحُهُ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ. (فَرْعٌ: إذَا فَرَغَ الْمُتَمَتِّعُ) مِنْ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ (ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فِي أَحَدِ الطَّوَافَيْنِ وَجَهِلَهُ) أَيْ: الطَّوَافَ الَّذِي كَانَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ (لَزِمَهُ الْأَشَدُّ) لِيُبَرِّئَ ذِمَّتَهُ بِيَقِينٍ (وَهُوَ) أَيْ: الْأَشَدُّ (كَوْنُهُ) بِلَا طَهَارَةٍ (فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ فَلَمْ تَصِحَّ) لِفَسَادِ طَوَافِهَا (وَلَمْ يُحِلَّ مِنْهَا) بِالْحَلْقِ لِفَسَادِ الطَّوَافِ (فَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِلْحَلْقِ) لِبَقَاءِ إحْرَامِهِ. (وَيَكُونُ قَدْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَيَصِيرُ قَارِنًا وَيُجْزِئُهُ الطَّوَافُ لِلْحَجِّ) أَيْ: طَوَاف الْإِفَاضَةِ (عَنْ النُّسُكَيْنِ) أَيْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كَالْقَارِنِ فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ قُلْتُ: الَّذِي

стр. 989

يَظْهَرُ: لُزُومُ إعَادَةِ الطَّوَافِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ فِيهِ الطَّهَارَةُ: هُوَ طَوَافُ الْحَجِّ فَلَا يَبْرَأُ بِيَقِينٍ إلَّا بِإِعَادَتِهِ (وَلَوْ قَدَّرْنَاهُ) أَيْ: الطَّوَافَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ (مِنْ الْحَجِّ لَزِمَهُ إعَادَةُ الطَّوَافِ) لِوُقُوعِهِ غَيْرَ صَحِيحٍ. (وَيَلْزَمُهُ إعَادَةُ السَّعْيِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ بَعْدَ طَوَافٍ غَيْرِ مُعْتَدٍّ بِهِ) ؛ لِأَنَّا قَدَّرْنَا كَوْنَهُ وَقَعَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ. (وَإِنْ كَانَ وَطِئَ بَعْدَ حِلِّهِ مِنْ الْعُمْرَةِ) وَقَدْ فَرَضْنَا طَوَافَهَا بِلَا طَهَارَةٍ (حَكَمْنَا بِأَنَّهُ أَدْخَلَ حَجًّا عَلَى عُمْرَةٍ فَاسِدَةٍ فَلَا يَصِحُّ) إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَيْهَا (وَيَلْغُو مَا فَعَلَهُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ) لِعَدَمِ صِحَّةِ الْإِحْرَامِ بِهِ. (وَيَتَحَلَّلُ بِالطَّوَافِ الَّذِي قَصَدَهُ لِلْحَجِّ مِنْ عُمْرَتِهِ الْفَاسِدَةِ وَعَلَيْهِ) دَمَانِ (دَمٌ لِلْحَلْقِ وَدَمٌ لِلْوَطْءِ فِي عُمْرَتِهِ وَلَا يَحْصُلُ لَهُ حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ) لِفَسَادِ الْعُمْرَةِ بِالْوَطْءِ فِيهَا وَعَدَمِ صِحَّةِ إدْخَالِ الْحَجِّ عَلَيْهَا إذَنْ (وَلَوْ قَدَّرْنَاهُ) أَيْ: الطَّوَافَ بِلَا طَهَارَةٍ (مِنْ الْحَجِّ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ إعَادَةِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ) لِلْحَجِّ. (وَيَحْصُلُ لَهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ) لِحُصُولِ الْوَطْءِ زَمَنَ الْإِحْلَالِ. [فَصْلٌ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الطَّوَافِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَيْئًا] (فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الطَّوَافِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَيْئًا الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالنِّيَّةُ) كَسَائِرِ الْعِبَادَات (وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَطَهَارَةُ الْحَدَثِ) ؛ لِأَنَّهُ صَلَاةٌ وَ (لَا) تُشْتَرَطُ طَهَارَةُ الْحَدَثِ (لِطِفْلٍ دُونَ التَّمْيِيزِ) لِعَدَمِ إمْكَانِهَا مِنْهُ. (وَطَهَارَةُ الْخَبَثِ) وَظَاهِرُهُ: حَتَّى لِلطِّفْلِ (وَتَكْمِيلُ السَّبْع وَجَعْلُ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ، وَالطَّوَافُ بِجَمِيعِهِ) أَيْ: الْبَيْتِ بِأَنْ لَا يَطُوفَ عَلَى جِدَارِ الْحَجَرِ أَوْ شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَةِ. (وَأَنْ يَطُوفَ مَاشِيًا مَعَ الْقُدْرَةِ) عَلَى الْمَشْيِ (وَأَنْ يُوَالِيَ بَيْنَهُ) إلَّا إذَا حَضَرَتْ جِنَازَةٌ أَوْ أُقِيمَتْ صَلَاةٌ وَتَقَدَّمَ (وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ) يَعْنِي: أَنْ يَطُوفَ فِي الْمَسْجِدِ (وَأَنْ يَبْتَدِئَ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَيُحَاذِيَهُ) بِكُلِّ بَدَنِهِ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ كُلُّهُ مُوَضَّحًا. (وَسُنَنُهُ) أَيْ: الطَّوَافِ (عَشْرٌ اسْتِلَامُ الرُّكْنِ) يَعْنِي: بِهِ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ (وَتَقْبِيلُهُ أَوْ مَا يَقُوم مَقَامَهُ مِنْ الْإِشَارَةِ) عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاسْتِلَامِ. (وَاسْتِلَامُ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالِاضْطِبَاعُ وَالرَّمَلُ وَالْمَشْيُ فِي مَوَاضِعِهِ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مُفَصَّلًا (وَالدُّعَاءُ وَالذِّكْرُ وَالدُّنُوُّ مِنْ الْبَيْتِ، وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ) وَتَقَدَّمَتْ أَدِلَّةُ ذَلِكَ كُلِّهِ. (وَإِذَا فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَأَرَادَ السَّعْيَ سُنَّ عَوْدُهُ إلَى الْحَجَرِ فَيَسْتَلِمُهُ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا (ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ)

стр. 990

أَيْ: بَابِ الْمَسْجِد الْمَعْرُوف بِبَابِ الصَّفَا. (وَهُوَ) أَيْ: الصَّفَا (طَرْفُ جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ وَعَلَيْهِ دَرَجَ وَفَوْقَهَا أَزَجٌ كَإِيوَانٍ فَيَرْقَى عَلَيْهِ نَدْبًا حَتَّى يَرَى الْبَيْتَ إنْ أَمْكَنَهُ فَيَسْتَقْبِلَهُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا فَعَلَا عَلَيْهِ حَتَّى نَظَرَ إلَى الْبَيْتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيَدْعُو مَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي حَدِيث جَابِرٍ «فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ» لِحَدِيثٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا وَيَقُولُ ثَلَاثًا: لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ) أَيْ: الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ وَالْيَهُودُ. (وَيَقُولُ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِدِينِكَ وَطَوَاعِيَتِكَ وَطَوَاعِيَةِ رَسُولِكَ اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي حُدُودَكَ) أَيْ: مَحَارِمَكَ (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يُحِبُّكَ وَيُحِبُّ مَلَائِكَتَكَ وَأَنْبِيَاءَكَ وَرُسُلَكَ وَعِبَادَكَ الصَّالِحِينَ اللَّهُمَّ حَبِّبْنِي إلَيْكَ وَإِلَى مَلَائِكَتِكَ وَإِلَى رُسُلِكَ وَإِلَى عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي الْيُسْرَى وَجَنِّبْنِي الْعُسْرَى وَاغْفِرْ لِي فِي الْآخِرَة وَالْأُولَى وَاجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ وَاغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ اللَّهُمَّ قُلْتَ ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ اللَّهُمَّ إذْ هَدَيْتَنِي لِلْإِسْلَامِ فَلَا تَنْزِعَنِي مِنْهُ وَلَا تَنْزِعَهُ مِنِّي حَتَّى تَتَوَفَّانِي عَلَى الْإِسْلَامِ اللَّهُمَّ لَا تُقَدِّمْنِي لِلْعَذَابِ وَلَا تُؤَخِّرنِي لِسُوءِ الْفِتَنِ) . هَذَا دُعَاءُ ابْنِ عُمَرَ قَالَ أَحْمَدُ يَدْعُو بِهِ قَالَ نَافِعٌ بَعْدَهُ " وَيَدْعُو دُعَاءً كَثِيرًا حَتَّى إنَّهُ لَيُمِلّنَا وَنَحْنُ شَبَابٌ " (وَلَا يُلَبِّي) عَلَى الصَّفَا لِعَدَمِ وُرُودِهِ وَيَأْتِي حُكْمُ التَّلْبِيَةِ فِي السَّعْيِ (ثُمَّ يَنْزِلُ مِنْ الصَّفَا وَيَمْشِي حَتَّى يُحَاذِيَ الْعَلَمَ وَهُوَ الْمِيلُ الْأَخْضَرُ الْمُعَلَّقُ بِرُكْنِ الْمَسْجِدِ عَلَى يَسَارِهِ نَحْو سِتَّةِ أَذْرُعٍ) يَعْنِي يَمْشِي مِنْ الصَّفَا حَتَّى يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَلَمِ الْمَذْكُورِ نَحْو سِتَّةِ أَذْرُعٍ (فَيَسْعَى مَاشِيًا سَعْيًا شَدِيدًا نَدْبًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤْذِيَ وَلَا يُؤْذَى حَتَّى يَتَوَسَّطَ بَيْنَ الْمِيلَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ وَهُمَا الْعَلَمُ الْآخَرُ أَحَدُهُمَا بِرُكْنِ الْمَسْجِدِ وَالْآخَرُ بِالْمَوْضِعِ الْمَعْرُوفِ بِدَارِ الْعَبَّاسِ فَيَتْرُكَ شِدَّةَ السَّعْيِ ثُمَّ يَمْشِيَ حَتَّى يَأْتِيَ الْمَرْوَةَ وَهِيَ أَنْفُ) جَبَل (قُعَيْقِعَانَ فَيَرْقَاهَا نَدْبًا وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ

стр. 991

وَيَقُولَ عَلَيْهَا مَا قَالَ عَلَى الصَّفَا) لِمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دَنَا مِنْ الصَّفَا قَرَأَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَقَالَ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ فَقَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى إذَا صَعِدْنَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَيَجِبُ اسْتِيعَابُ مَا بَيْنَهُمَا) أَيْ: الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِفِعْلِهِ ﷺ وَقَوْلِهِ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (فَإِنْ لَمْ يَرْقَهُمَا أَلْصَقَ عَقِبَ رِجْلَيْهِ بِأَسْفَلِ الصَّفَا وَ) أَلْصَقَ (أَصَابِعَهُمَا أَسْفَلَ الْمَرْوَةِ) لِيَسْتَوْعِبَ مَا بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ رَاكِبًا لِعُذْرٍ فَعَلَ ذَلِكَ بِدَابَّتِهِ لَكِنْ قَدْ حَصَلَ عُلُوٌّ فِي الْأَرْضِ مِنْ الْأَتْرِبَةِ وَالْأَمْطَارِ بِحَيْثُ تَغَطَّى مِنْ دَرَجِهِمَا فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ قَدْرَ الْمُغَطَّى يَحْتَاطُ لِيَخْرُجَ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ بِيَقِينٍ (ثُمَّ يَنْقَلِبُ) فَيَنْزِلُ عَنْ الْمَرْوَةِ (إلَى الصَّفَا فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ إلَى الصَّفَا يَفْعَلُ) السَّاعِي (ذَلِكَ سَبْعًا يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً وَ) يَحْتَسِبُ (بِالرُّجُوعِ سَعْيَةً يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ) لِخَبَرِ جَابِرٍ وَسَبَقَ (فَإِنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ لَمْ يَحْتَسِبْ بِذَلِكَ الشَّوْطِ) لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» . (وَيُكْثِرُ مِنْ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ) أَيْ: الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (وَمِنْهُ) أَيْ: مِنْ الدُّعَاءِ مَا وَرَدَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ إذَا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة قَالَ (رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمْ وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ) وَقَالَ ﷺ «إنَّمَا جُعِلَ رَمْيُ الْجِمَارِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَلَا يُسَنُّ السَّعْيُ بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) فَهُوَ رُكْنٌ فِيهِمَا كَمَا يَأْتِي فَلَيْسَ السَّعْيُ كَالطَّوَافِ فِي أَنَّهُ يُسَنُّ كُلَّ وَقْتٍ لِعَدَمِ وُرُودِ التَّطَوُّعِ بِهِ مُفْرَدًا (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْعَى طَاهِرًا مِنْ الْحَدَثِ) الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ. (وَ) مِنْ (النَّجَاسَةِ) فِي بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ (مُسْتَتِرًا) أَيْ: سَاتِرًا لِعَوْرَتِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ سَعَى عُرْيَانًا أَجْزَأَهُ وَإِلَّا فَكَشْفُ الْعَوْرَةِ غَيْرُ جَائِزٍ. (وَتُشْتَرَطُ) لِلسَّعْيِ (النِّيَّةُ) لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَالْمُوَالَاةُ) قِيَاسًا عَلَى الطَّوَافِ قَالَهُ الْقَاضِي.

стр. 992

(وَالْمَرْأَةُ لَا تَرْقَى) الصَّفَا وَلَا الْمَرْوَةَ (وَلَا تَسْعَى) بَيْنَ الْمِيلَيْنِ سَعْيًا (شَدِيدًا) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ " لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ رَمَلٌ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَقَالَ " لَا تَصْعَدُ الْمَرْأَةُ فَوْقَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالتَّلْبِيَةِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ؛ وَلِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهَا السِّتْرُ وَفِي ذَلِكَ تَعَرُّضٌ لِلِانْكِشَافِ وَالْقَصْدُ بِشِدَّةِ السَّعْيِ: إظْهَارُ الْجَلَدِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَطْلُوبًا فِي حَقِّهَا. (وَإِنْ سَعَى عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ) بِأَنْ سَعَى مُحْدِثًا أَوْ نَجِسًا (كُرِهَ) لَهُ ذَلِكَ وَأَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ أَشْبَهَ الْوُقُوفَ. (وَيُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ الطَّوَاف عَلَيْهِ وَلَوْ) كَانَ الطَّوَافُ الَّذِي تَقَدَّمَ عَلَيْهِ (مَسْنُونًا كَطَوَافِ الْقُدُومِ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا سَعَى بَعْدَ الطَّوَافِ وَقَالَ «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» . (فَإِنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِهِ) الْوَاجِبِ أَوْ الْمَسْنُونِ (ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ طَافَ غَيْرَ مُتَطَهِّرٍ لَمْ يُجْزِئْهُ السَّعْيُ) لِبُطْلَانِ الطَّوَافِ الَّذِي تَقَدَّمَهُ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ. (وَلَهُ) أَيْ: لِلسَّاعِي (تَأْخِيرُهُ) أَيْ: السَّعْيِ (عَنْ طَوَافِهِ بِطَوَافٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا تَجِبُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ (فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطُوفَ أَوَّلَ النَّهَارِ وَيَسْعَى آخِرَهُ) أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ لَكِنْ تُسَنُّ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا. (وَلَا تُسَنُّ عَقِبَهُ) أَيْ: السَّعْيِ (صَلَاةٌ) لِعَدَمِ الْوُرُودِ. (وَإِنْ سَعَى) الْمُفْرِدُ أَوْ الْقَارِنُ (مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ لَمْ يُعِدْهُ) أَيْ: السَّعْيَ (مَعَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ تَكْرَارُهُ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ أَوْ كَانَ مُتَمَتِّعًا (سَعَى بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ لِيَأْتِيَ بِرُكْنِ الْحَجِّ. (فَإِذَا فَرَغَ مِنْ السَّعْيِ فَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا بِلَا هَدْيٍ) أَيْ: لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ (حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ مِنْ جَمِيعِ شَعْرِهِ وَقَدْ حَلَّ وَلَوْ كَانَ مُلَبِّدًا رَأْسه فَيَسْتَبِيح جَمِيعَ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَالْأَفْضَلُ هُنَا: التَّقْصِيرُ لِيَتَوَفَّرَ الْحَلَقُ لِلْحَجِّ وَلَا يُسَنُّ تَأْخِيرُ التَّحَلُّلِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «تَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَلَمَّا قَدِمَ ﷺ مَكَّةَ قَالَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَإِنَّهُ لَا يُحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حُرِمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيُحْلِلْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَإِنْ تَرَكَ التَّقْصِيرَ وَالْحَلْقَ فَعَلَيْهِ دَمٌ فَإِنْ وَطِئَ قَبْلَهُ فَعُمْرَتُهُ صَحِيحَةٌ وَعَلَيْهِ دَمٌ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ. (وَإِنْ كَانَ مَعَهُ) أَيْ: الْمُتَمَتِّعِ هَدْيٌ (أَدْخَل الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ) وَيَصِيرُ قَارِنًا وَتَقَدَّمَ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحِلَّ وَلَا) أَنْ (يَحْلِقَ حَتَّى يَحُجَّ فَيُحْرِمَ بِهِ) أَيْ: بِالْحَجِّ (بَعْدَ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ لِعُمْرَتِهِ كَمَا يَأْتِي) .

стр. 993

(وَيُحِلُّ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (يَوْمَ النَّحْرِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ لِحَدِيثِ حَفْصَةَ قَالَتْ «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا مِنْ الْعُمْرَةِ وَلَمْ تَحُلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ فَقَالَ: إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَإِنْ كَانَ) الَّذِي طَافَ وَسَعَى لِعُمْرَتِهِ (مُعْتَمِرًا غَيْرَ مُتَمَتِّعٍ فَإِنَّهُ يُحِلُّ) أَيْ: يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ وَقَدْ حَلَّ (وَلَوْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ) سَوَاءٌ كَانَ (فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) وَلَمْ يَقْصِدْ الْحَجَّ مِنْ عَامِهِ (أَوْ) كَانَ (فِي غَيْرِهَا) أَيْ: غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَوْ قَصَدَهُ مِنْ عَامِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرَ سِوَى عُمْرَتِهِ الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ بَعْضُهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ " وَقِيلَ: كُلُّهُنَّ وَكَانَ يُحِلُّ مِنْهَا وَمَتَى كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ نَحَرَهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ وَحَيْثُ نَحَرَهُ مِنْ الْحَرَمِ جَازَ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ كَانَ) الَّذِي طَافَ وَسَعَى (حَاجًّا) مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا (بَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ) حَتَّى يَتَحَلَّلَ يَوْمَ النَّحْرِ لِفِعْلِهِ ﷺ . (وَمَنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَوْ مُعْتَمِرًا قَطَعَ التَّلْبِيَةَ إذَا شَرَعَ فِي الطَّوَافِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ «كَانَ يُمْسِكُ عَنْ التَّلْبِيَةِ فِي الْعُمْرَةِ إذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرَ وَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ» وَلِشُرُوعِهِ فِي التَّحَلُّلِ كَالْحَاجِّ يَقْطَعُهَا إذَا شَرَعَ فِي رَمْي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (وَلَا بَأْسَ بِهَا فِي طَوَافِ الْقُدُومِ) نَصَّ عَلَيْهِ (سِرًّا) وَمَعْنَى كَلَامِ الْقَاضِي يُكْرَهُ أَيْ: الْجَهْرُ بِهَا فِيهِ وَكَذَا السَّعْيُ بَعْدَهُ: يَتَوَجَّهُ أَنَّ حُكْمَهُ كَذَلِكَ وَهُوَ مُرَادُ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. [بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ] (بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (يُسْتَحَبُّ لِمُتَمَتِّعٍ حِلٌّ مِنْ عُمْرَتِهِ وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْمُحِلِّينَ بِمَكَّةَ) وَقُرْبِهَا (الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) لِقَوْلِ جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ «فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إلَّا النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ» . (وَهُوَ) أَيْ: يَوْمُ التَّرْوِيَةِ (الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ)

стр. 994

قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: اعْلَمْ أَنَّ أَيَّامَ الْمَنَاسِكِ سَبْعَةٌ أَوَّلُهَا: سَابِعُ ذِي الْحِجَّةِ وَآخِرُهَا ثَالِثُ عَشْرِهِ فَالسَّابِعُ ذَكَرَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي بَابِ عَمَلِ الْحَجِّ: أَنَّ اسْمَهُ يَوْمُ الزِّينَةِ أَيْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُزَيِّنُونَ مَحَامِلَهُمْ وَهَوَادِجَهُمْ لِلْخُرُوجِ وَأَمَّا يَوْمُ الثَّامِنِ: فَاسْمُهُ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَرْوِيَتِهِمْ فِيهِ الْمَاءَ وَسُمِّيَ يَوْمَ النَّقْلَةِ لِانْتِقَالِهِمْ فِيهِ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِنًى وَالتَّاسِعُ: يَوْمُ عَرَفَةَ وَالْعَاشِرُ: يَوْمُ النَّحْرِ وَالْحَادِيَ عَشَرَ يَوْمُ الْقَرِّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ؛ لِأَنَّهُمْ قَارُّونَ فِيهِ بِمِنًى وَالثَّانِي عَشَرَ يَوْمُ النَّفْرِ الْأَوَّلِ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَالثَّالِثُ عَشَرَ يَوْمُ النَّفْرِ الثَّانِي (إلَّا لِمَنْ) أَيْ: مُتَمَتِّعٍ (لَمْ يَجِد هَدْيًا تَمَتُّعٍ ف) . يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ (يُحْرِمَ يَوْمَ السَّابِعِ) مِنْ ذِي الْحِجَّةِ (لِيَكُونَ آخِرُ تِلْكَ الثَّلَاثَةِ) يَعْنِي أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا فِيهِ فَيُقَدَّمُ الْإِحْرَامُ عَلَيْهِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ بَابِ الْفِدْيَةِ (لِيَكُونَ) صَوْمُ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ وَيَكُونُ (آخِرُ) تِلْكَ (الثَّلَاثَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ) فَيَصُومُ السَّابِعَ وَالثَّامِنَ وَالتَّاسِعَ. (وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَفْعَلَ عِنْدَ إحْرَامِهِ) مِنْ مَكَّةَ أَوْ قُرْبِهَا (مَا يَفْعَلُهُ عِنْدَ إحْرَامِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ مِنْ غُسْلٍ وَغَيْرِهِ) أَيْ: تَنْظِيفٍ وَتَطَيُّبٍ فِي بَدَنِهِ وَتَجَرُّدٍ مِنْ مَخِيطٍ وَلُبْسِ إزَارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضَيْنِ نَظِيفَيْنِ وَنَعْلَيْنِ (ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ (يَطُوفُ أُسْبُوعًا وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ الْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَحْتِ الْمِيزَابِ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْهِجِ وَالْإِيضَاحِ وَكَانَ عَطَاءٌ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ ثُمَّ يَنْطَلِقُ مُهِلًّا بِالْحَجِّ " (وَتَقَدَّمَ فِي) بَابِ (الْمَوَاقِيتِ) . (وَلَا يَطُوفُ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ (لِوَدَاعِ الْبَيْتِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " لَا أَرَى لِأَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَطُوفُوا بَعْدَ أَنْ يُحْرِمُوا بِالْحَجِّ وَلَا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يَرْجِعُوا " (فَلَوْ طَافَ وَسَعَى بَعْدَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ) سَعْيُهُ (عَنْ السَّعْيِ الْوَاجِبِ قَبْلَ خُرُوجِهِ) مِنْ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ طَوَافٌ وَاجِبٌ وَلَا مَسْنُونٌ. (وَلَا يَخْطُبُ يَوْمَ السَّابِعِ بَعْدَ صَلَاةِ الظَّهْرِ بِمَكَّةَ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ (ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى مِنًى قَبْلَ الزَّوَالِ فَيُصَلِّي بِهَا

стр. 995

الظُّهْرَ مَعَ الْإِمَامِ وَيَبِيتُ بِهَا) أَيْ: بِمِنًى (إلَى أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ (الْفَجْرَ) لِقَوْلِ جَابِرٍ «وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى مِنًى فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ» . (وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا) بَلْ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ تَخَلَّفَتْ لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ وَصَلَّى ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَلَوْ صَادَفَ يَوْمَ جُمُعَةٍ وَهُوَ مُقِيمٌ بِمَكَّةَ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَزَالَتْ الشَّمْسُ) وَهُوَ بِمَكَّةَ (فَلَا يَخْرُج قَبْلَ صَلَاتِهَا) أَيْ: الْجُمُعَةِ لِوُجُوبِهَا بِالزَّوَالِ (وَقَبْلَ الزَّوَالِ إنْ شَاءَ خَرَجَ) إلَى مِنًى. (وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ) بِمَكَّةَ (حَتَّى يُصَلِّيَهَا) أَيْ: الْجُمُعَةَ (فَإِنْ خَرَجَ الْإِمَامُ أَمَرَ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ) الْجُمُعَةَ إنْ اجْتَمَعَ مَعَهُ الْعَدَدُ لِئَلَّا تَفُوتَهُمْ. (فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ) مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ (سَارَ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَةَ فَأَقَامَ بِنَمِرَةَ نَدْبًا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ وَنَمِرَةُ مَوْضِعٌ بِعَرَفَةَ) وَقِيلَ بِقُرْبِهَا وَهُوَ خَارِجٌ عَنْهَا (وَهُوَ الْجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ نِصَابٌ) أَيْ: عَلَامَاتُ (الْحَرَمِ عَلَى يَمِينِكَ إذَا خَرَجْتَ مِنْ مَأْزِمِي عَرَفَةَ تُرِيدُ الْمَوْقِفَ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ اُسْتُحِبَّ لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَنْ يَخْطُبَ خُطْبَةً وَاحِدَةً يُقْصِرُهَا) لِقَوْلِ سَالِمٍ لِلْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ يَوْمَ عَرَفَةَ " إنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ فَقَصِّرْ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلْ الصَّلَاةَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ صَدَقَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَيَفْتَتِحَهَا بِالتَّكْبِيرِ يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهَا مَنَاسِكَهُمْ مِنْ الْوُقُوفِ وَوَقْتِهِ وَالدَّفْعِ مِنْ عَرَفَاتٍ وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَغَيْرِ ذَلِكَ) مِنْ الْحَلْقِ وَالنَّحْرِ (فَإِذَا فَرَغَ مِنْ خُطْبَتِهِ نَزَلَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمْعًا إنْ جَازَ لَهُ) الْجَمْعُ كَالْمُسَافِرِ سَفَرَ قَصْرٍ. (وَتَقَدَّمَ) فِي الْجَمْعِ (بِأَذَانٍ) لِلْأُولَى (وَإِقَامَتَيْنِ) لِكُلِّ صَلَاةٍ إقَامَةٍ لِقَوْلِ جَابِرٍ «وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ فَضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَجَازَ ﷺ حَتَّى إذَا أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقُصْوَى فَرَحَلَتْ لَهُ فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَلَا إنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمِي مَوْضُوعٌ وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُهُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ

стр. 996

مَوْضُوعٌ كُلُّهُ فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فِرَاشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَد أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إلَى النَّاسِ اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ثَلَاثَ مَرَّات ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَى الظُّهْرُ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» . (وَإِنْ لَمْ يُؤَذَّنْ) لِلصَّلَاةِ (فَلَا بَأْسَ) أَيْ: لَا كَرَاهَةَ قَالَ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْأَذَانُ أَوْلَى (وَكَذَا يَجْمَعُ غَيْرُهُ) أَيْ: غَيْرُ الْإِمَامِ (وَلَوْ مُنْفَرِدًا) ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْجَمْعِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَحَلِّهِ. (ثُمَّ يَأْتِي مَوْقِفُ عَرَفَةَ وَيَغْتَسِلُ لَهُ) أَيْ: لِلْوُقُوفِ اسْتِحْبَابًا لِفِعْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ وَتَقَدَّمَ (وَكُلُّهَا) أَيْ: عَرَفَةَ (مَوْقِفٌ إلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الْوُقُوفُ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَقِفْ بِعُرَنَةَ وَلِقَوْلِهِ ﷺ «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (وَحَدُّ عَرَفَاتٍ مِنْ الْجَبَلِ الْمُشْرِفِ عَلَى عُرَنَةَ إلَى الْجِبَالِ الْمُقَابِلَةِ لَهُ إلَى مَا يَلِي حَوَائِطَ بَنِي عَامِرٍ) . (وَيُسَنُّ أَنْ يَقِفَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ وَجَبَلِ الرَّحْمَةِ وَاسْمُهُ الْآلُ عَلَى وَزْنِ هِلَالٍ وَلَا يُشْرَعُ صُعُودُهُ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إجْمَاعًا وَيُقَالُ لِجَبَلِ الرَّحْمَةِ: جَبَلُ الدُّعَاءِ. (وَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ رَاكِبًا) لِقَوْلِ جَابِرٍ «ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقُصْوَى إلَى الصَّخْرَاتِ وَجَعَلَ جَبَلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ» (بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَنَاسِكِ وَالْعِبَادَاتِ ف) إنَّهُ يَفْعَلُهَا (رَاجِلًا) . وَفِي الِانْتِصَارِ وَمُفْرَدَاتِ أَبِي يَعْلَى الصَّغِيرِ: أَفْضَلِيَّةُ الْمَشْي فِي الْحَجِّ عَلَى الرُّكُوبِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي مُثِيرِ الْعَزْمِ السَّاكِنِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْأَخْبَارَ فِي ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُبَّادِ وَأَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ حَجَّ خَمْسَ عَشْرَةَ حَجَّةً مَاشِيًا وَذَكَر غَيْرُهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ وَالْجَنَائِبُ تُقَادُ مَعَهُ. وَقَالَ فِي أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ: فَصْلٌ فِي فَضْلِ الْمَاشِي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ مَاشِيًا حَتَّى يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ سَبْعَمِائَةِ حَسَنَةٍ مِنْ

стр. 997

حَسَنَاتِ الْحَرَمِ قِيلَ لَهُ: وَمَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ قَالَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ مِائَةُ أَلْفِ حَسَنَةٍ» قَالَ وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتُصَافِحُ رُكْبَانَ الْحَاجِّ وَتُعَانِقُ الْمُشَاةَ» كَذَا ذَكَرَ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ. (وَيُكْثِرُ بِعَرَفَةَ مِنْ الدُّعَاءِ وَمِنْ قَوْلِ: لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ) لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ بِفَتْحِ الْكَافِ وَآخِرُهُ زَايٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيك لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» وَلِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» . وَسُئِلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَفْضَلِ الدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَقَالَ " لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيك لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قِيلَ لَهُ: هَذَا ثَنَاءٌ وَلَيْسَ بِدُعَاءٍ فَقَالَ أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الشَّاعِرِ: أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي ... حَيَاؤُكَ إنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ إذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ وَمَا فِي الْمَتْنِ مَأْثُورٌ عَنْ عَلِيٍّ. وَفِي الْوَجِيزِ: يَدْعُو بِمَا وَرَدَ وَمِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ دَعَا فَقَالَ «اللَّهُمَّ إنَّك تَرَى مَكَانِي وَتَسْمَعُ كَلَامِي وَتَعْلَمُ سِرِّي وَعَلَانِيَتِي وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِي أَنَا الْبَائِسُ الْفَقِيرُ الْمُسْتَغِيثُ الْمُسْتَجِيرُ الْوَجِلُ الْمُشْفِقُ الْمُقِرُّ الْمُعْتَرِفُ بِذَنْبِهِ أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ الْمِسْكِينِ وَأَبْتَهِلُ إلَيْكَ ابْتِهَالَ الْمُذْنِبِ الذَّلِيلِ وَأَدْعُوكَ دُعَاءَ الْخَائِفِ الضَّرِيرِ مَنْ خَشَعَتْ لَكَ رَقَبَتُهُ وَذَلَّ لَكَ جَسَدُهُ وَفَاضَتْ لَكَ عَيْنَاهُ وَرَغِمَ لَكَ أَنْفُهُ» . وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ " اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، اللَّه أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ اللَّهُمَّ اهْدِنِي بِالْهُدَى وَقِنِي بِالتَّقْوَى وَاغْفِرْ لِي فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى " وَيَرُدُّ يَدَيْهِ وَيَسْكُتُ قَدْرَ مَا كَانَ إنْسَانٌ قَارِئًا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ ثُمَّ يَعُودُ فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُولُ

стр. 998

مِثْلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى أَفَاضَ. (وَوَقْتُ الْوُقُوفِ: مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ) لِحَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ الطَّائِيِّ قَالَ «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِالْمُزْدَلِفَةِ حِين خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي جِئْتُ مِنْ جَبَلَيْ طَيِّئٍ أَكَلَلْتُ رَاحِلَتِي وَأَتْعَبْت نَفْسِي وَاَللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ لَهُ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ كَافَّةِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ؛ وَلِأَنَّ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ فَكَانَ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ كَمَا بَعْدَ الزَّوَالِ وَتَرْكُهُ ﷺ الْوُقُوفَ فِيهِ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ كَمَا بَعْدَ الْعِشَاءِ وَإِنَّمَا وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ وَقْتَ الْفَضِيلَةِ. (وَاخْتَارَ الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ) كَأَبِي حَفْصٍ الْعُكْبَرِيِّ (وَحَكَى إجْمَاعًا) أَنَّ وَقْتَ الْوُقُوفِ (مِنْ الزَّوَالِ يَوْمِ عَرَفَةَ) وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ (إلَى طُلُوعِ فَجْرِ) يَوْمِ (النَّحْرِ) لِقَوْلِ جَابِرٍ «لَا يَفُوتُ الْحَجُّ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ فَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ فَقُلْتُ لَهُ أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ» (فَمَنْ حَصَلَ بِعَرَفَةَ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَلَوْ لَحْظَةً وَلَوْ مَارًّا بِهَا أَوْ نَائِمًا أَوْ جَاهِلًا بِهَا) أَيْ: بِأَنَّهَا عَرَفَةُ. (وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْوُقُوفِ) بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا عَاقِلًا مُحْرِمًا بِالْحَجِّ (صَحَّ حَجُّهُ) وَأَجْزَأَهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إنْ كَانَ حُرًّا بَالِغًا وَإِلَّا فَنَفْلٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «وَقَدْ أَتَى عَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» . وَ (لَا) يَصِحُّ الْوُقُوفُ مِنْ (مَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ وَسَكْرَانَ) لِعَدَمِ عَقْلِهِ (إلَّا أَنْ يُفِيقُوا وَهُمْ بِهَا قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الْوُقُوفِ) وَكَذَا لَوْ أَفَاقُوا بَعْدَ الدَّفْعِ مِنْهَا وَعَادُوا فَوَقَفُوا بِهَا فِي الْوَقْتِ. (وَمَنْ فَاتَهُ ذَلِكَ) أَيْ: الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ (فَاتَهُ الْحَجُّ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ جَابِرٍ. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ طَاهِرًا مِنْ الْحَدَثَيْنِ) قُلْتُ وَمِنْ نَجَاسَةٍ بِبَدَنِهِ وَثَوْبِهِ كَسَائِرِ الْمَنَاسِكِ. (وَيَصِحُّ وُقُوفُ الْحَائِضِ إجْمَاعًا وَوَقَفَتْ عَائِشَةُ) الصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ (﵂) وَعَنْ أَبِيهَا وَعَنْ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ (حَائِضًا بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ) وَتَقَدَّمَ فِي دُخُولِ مَكَّةَ. (وَلَا يُشْتَرَطُ) لِلْوُقُوفِ (سِتَارَةٌ وَلَا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَلَا نِيَّةٌ) بِخِلَافِ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّهُ صَلَاةٌ وَغَيْرُهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.

стр. 999

(وَيَجِبُ أَنْ يَجْمَعَ فِي الْوُقُوفِ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَنْ وَقَفَ نَهَارًا) لِفِعْلِهِ ﷺ مَعَ قَوْلِهِ «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (فَإِنْ دَفَعَ) مِنْ عَرَفَةَ (قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ دَمٌ إنْ لَمْ يَعُدْ قَبْلَهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا لَا يَفْسُدُ الْحَجُّ بِتَرْكِهِ أَشْبَهَ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ وَإِنْ عَادَ إلَيْهَا لَيْلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَاجِبِ وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (وَإِنْ وَافَاهَا) أَيْ: عَرَفَةَ (لَيْلًا فَوَقَفَ بِهَا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ) . (وَإِنْ خَافَ فَوْتَ وَقْتِ الْوُقُوفِ) بِعَرَفَةَ إنْ صَلَّى صَلَاةَ آمِنٍ (صَلَّى صَلَاةَ خَائِفٍ إنْ رَجَا إدْرَاكَهُ) لِمَا فِي فَوْتِ الْحَجِّ مِنْ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ. (وَوَقْفَةُ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ يَوْمِهَا سَاعَةُ الْإِجَابَةِ) لِلْخَبَرِ (فَإِذَا اجْتَمَعَ فَضْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَيَوْمِ عَرَفَةَ كَانَ لَهَا مَزِيَّةٌ عَلَى سَائِرِ الْأَيَّامِ) قِيلَ وَلِهَذَا اشْتَهَرَ وَصْفُ الْحَجِّ بِالْأَكْبَرِ إذَا كَانَتْ الْوَقْفَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ وَلِأَنَّ فِيهَا مُوَافَقَةَ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّ وَقْفَةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَانَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْحَدِيثَيْنِ الْآتِيَيْنِ. (قَالَ) ابْنُ الْقَيِّمِ (فِي الْهَدْي) النَّبَوِيِّ (وَأَمَّا مَا اسْتَفَاضَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَوَامّ مِنْ أَنَّهَا تَعْدِلُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ حَجَّةً فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ) لَكِنْ أَخْرَجَ رَزِينٌ مَرْفُوعًا «يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ إلَّا يَوْمَ عَرَفَةَ وَإِنْ وَافَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ حَجَّةً فِي غَيْرِ يَوْمِ جُمُعَةٍ» ذَكَرَهُ ابْنُ جَمَاعَةٍ فِي مَنَاسِكِهِ وَالْكَازَرُونِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ الْمَعْرُوفُ بِالْأَخَوَيْنِ وَالشَّيْخُ نُورُ الدِّينِ عَلِيٌّ الزِّيَادِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ وَحَدِيثُ «إذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ غَفَرَ اللَّهُ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْمَوْقِفَ» قَدْ يُسْتَشْكَلُ بِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ مِثْلُهُ فِي مُطْلَقِ الْحَجِّ وَيُمْكِنُ حَمْلُ هَذَا عَلَى مَغْفِرَتِهِ لَهُمْ بِلَا وَاسِطَةٍ وَحَمْلُ غَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ يَهَبُ قَوْمًا لِقَوْمٍ ذَكَرَهُ الْكَازَرُونِيُّ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ جَمَاعَةٍ فِي مَنَاسِكِهِ عَنْ أَبِيهِ. [فَصْلٌ يَدْفَعُ الْمُحْرِم بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ عَرَفَةَ بِسَكِينَةٍ] (فَصْلٌ ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ) مِنْ عَرَفَةَ (بِسَكِينَةٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ «فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ غَدَاةَ جَمَعَ لِلنَّاسِ حِينَ دَفَعُوا

стр. 1000

عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ. (قَالَ أَبُو حَكِيمٍ) إبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ النَّهْرَوَانِيُّ: وَيَكُونُ (مُسْتَغْفِرًا) حَالَ دَفْعِهِ مِنْ عَرَفَةَ (إلَى مُزْدَلِفَةَ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مِنْ الزَّلَفِ وَهُوَ التَّقَرُّبُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَّ إذَا أَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ ازْدَلَفُوا إلَيْهَا أَيْ: تَقَرَّبُوا وَمَضَوْا إلَيْهَا وَتُسَمَّى أَيْضًا: جَمْعًا لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ بِهَا (عَلَى طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ سَلَكَهَا وَهُمَا جَبَلَانِ صَغِيرَانِ (مَعَ إمَامٍ وَنَائِبِهِ وَهُوَ أَمِيرُ الْحَاجِّ فَإِنْ دَفَعَ قَبْلَهُ كُرِهَ) لِقَوْلِ أَحْمَدَ مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَدْفَعَ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ. (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) فِي الدَّفْعِ قَبْلَ الْإِمَامِ (يُسْرِعُ فِي الْفَجْوَةِ) لِقَوْلِ أُسَامَةَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسِيرُ الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْعَنَقُ انْبِسَاطُ السَّيْرِ وَالنَّصِّ: فَوْقَهُ. (وَيُلَبِّي فِي الطَّرِيقِ) لِقَوْلِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَيَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى) ؛ لِأَنَّهُ فِي زَمَنِ السَّعْيِ إلَى شَعَائِرِهِ. (فَإِذَا وَصَلَهَا) أَيْ: مُزْدَلِفَةَ (صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمْعًا) إنْ كَانَ مِمَّنْ يُبَاحُ لَهُ الْجَمْعُ (قَبْلَ حَطِّ رَحْلِهِ بِإِقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ بِلَا أَذَانٍ) هَذَا اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ هُوَ آخِرُ قَوْلِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ رِوَايَةُ أُسَامَةَ وَهُوَ أَعْلَمُ بِحَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ رَدِيفَهُ وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَذِّنْ لِلْأُولَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْأَذَانِ وَلِقَوْلِ جَابِرٍ «حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ» . (وَإِنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ لِلْأُولَى فَقَطْ) أَيْ: وَلَمْ يُقِمْ لِلثَّانِيَةِ (فَحَسَنٌ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ» لَكِنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُقِيمَ لَهَا لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا يَتَطَوَّعُ بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ لِقَوْلِ أُسَامَةَ وَابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا» لَكِنْ لَمْ يَبْطُلْ جَمْعُ التَّأْخِيرِ بِالتَّطَوُّعِ بَيْنَ الْمَجْمُوعَتَيْنِ بِخِلَافِ جَمْعِ التَّقْدِيمِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجَمْعِ (فَإِنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الطَّرِيقِ تَرَكَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْهُ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ صَلَاتَيْنِ جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جَازَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ وَفِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَفْضَلِ. (وَإِنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ بِهَا) أَيْ: بِمُزْدَلِفَةَ (أَوْ بِعَرَفَةَ جَمَعَ وَحْدَهُ) لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ (ثُمَّ يَبِيتُ بِهَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيُصَلِّيَ الْفَجْرَ) لِقَوْلِ جَابِرٍ ثُمَّ «اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ» .

стр. 1001

(وَلَهُ الدَّفْعُ قَبْلَ الْإِمَامِ وَلَيْسَ لَهُ الدَّفْعُ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ وَيُبَاحُ) الدَّفْعُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ. (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ وَافَاهُ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ أُمَّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَرَمَتْ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَإِنْ جَاءَ) مُزْدَلِفَةَ (بَعْدَ الْفَجْرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِتَرْكِهِ نُسُكًا وَاجِبًا. (وَإِنْ دَفَعَ غَيْرُ رُعَاةٍ وَسُقَاةٍ قَبْلَ نِصْفِهِ) أَيْ: اللَّيْلِ (فَعَلَيْهِ دَمٌ إنْ لَمْ يَعُدْ إلَيْهَا) قَبْلَ الْفَجْرِ عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا ذَاكِرًا أَوْ نَاسِيًا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ نُسُكًا وَاجِبًا وَالنِّسْيَانُ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي جَعْلِ الْمَوْجُودِ كَالْمَعْدُومِ لَا فِي جَعْلِ الْمَعْدُومِ كَالْمَوْجُودِ فَإِنْ عَادَ إلَيْهَا (وَلَوْ بَعْدَ نِصْفِهِ) فَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَأَمَّا الرُّعَاةُ وَالسُّقَاةُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِمْ بِالدَّفْعِ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ لِحَدِيثِ عَدِيٍّ وَرَخَّصَ لِلْعَبَّاسِ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ لِأَجْلِ سِقَايَتِهِ؛ وَلِأَنَّ عَلَيْهِمْ مَشَقَّةً لِحَاجَتِهِمْ إلَى حِفْظِ مَوَاشِيهِمْ وَسَقْيِ الْحَاجِّ فَكَانَ لَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ كَلَيَالِي مِنًى. (وَحَدُّ الْمُزْدَلِفَةَ مَا بَيْنَ الْمَأْزِمَيْنِ) بِكَسْرِ الزَّايِ (وَوَادِي مُحَسِّرٍ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَلَيْسَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ لِقَوْلِهِ ﷺ «وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ» قَالَ فِي الشَّرْحِ. (فَإِذَا أَصْبَحَ) بِمُزْدَلِفَةَ (صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ أَوَّلَ وَقْتِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَلِيَتَّسِعْ وَقْتُ الْوُقُوفِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ (ثُمَّ يَأْتِي الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ) سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَلَامَاتِ الْحَجِّ وَتُسَمَّى أَيْضًا الْمُزْدَلِفَةَ بِذَلِكَ تَسْمِيَةً لِلْكُلِّ بِاسْمِ الْبَعْضِ وَاسْمُهُ فِي الْأَصْلِ: قُزَحٌ وَهُوَ جَبَلٌ صَغِيرٌ بِالْمُزْدَلِفَةِ (فَيَرْقَى عَلَيْهِ إنْ أَمْكَنَهُ وَإِلَّا وَقَفَ عِنْدَهُ وَيَحْمَدُ اللَّهَ) تَعَالَى (وَيُهَلِّلُهُ وَيُكَبِّرُهُ وَيَدْعُو وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ كَمَا وَفَّقْتَنَا فِيهِ وَأَرَيْتنَا إيَّاهُ فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ كَمَا هَدَيْتَنَا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا كَمَا وَعَدْتَنَا بِقَوْلِكَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨] ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩] ثُمَّ لَا يَزَالُ يَدْعُو إلَى أَنْ يُسْفِرَ جِدًّا) لِقَوْلِ جَابِرٍ «ثُمَّ رَكِبَ الْقُصْوَى حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا» . (وَلَا بَأْسَ بِتَقْدِيمِ

стр. 1002

الضَّعَفَةِ وَالنِّسَاءِ) فِي الدَّفْعِ مَنْ مُزْدَلِفَةَ إلَى مِنًى بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ. [فَصْلٌ يَدْفَعُ الْمُحْرِم قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى مِنًى] (فَصْلٌ " ثُمَّ يَدْفَعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى مِنًى ") لِقَوْلِ عُمَرَ «كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَيَقُولُونَ: أَشْرَقَ ثَبِيرُ كَيْمَا نُغِيرُ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَالَفَهُمْ فَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ «أَرْدَفَ النَّبِيُّ ﷺ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ فَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ» . (فَإِذَا بَلَغَ وَادِي مُحَسِّرٍ) بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَحْسُرُ سَالِكَهُ (أَسْرَعَ رَاكِبًا كَانَ) فَيُحَرِّكُ دَابَّتَهُ (أَوْ مَاشِيًا قَدْرَ رَمْيِهِ حَجَرٍ) لِقَوْلِ جَابِرٍ «حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ حَرَّكَ قَلِيلًا» وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمَّا أَتَى مُحَسِّرًا أَسْرَعَ وَقَالَ إلَيْكَ تَعْدُو قَلَقًا وَضَيْنُهَا مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا (وَيَكُونُ مُلَبِّيًا إلَى أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) لِقَوْلِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ «لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُلَبِّيًا حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُخْتَصَرًا. (وَهِيَ) أَيْ: جَمْرَة الْعَقَبَةِ (آخِرُ الْجَمَرَاتِ مِمَّا يَلِي) مِنًى (وَأَوَّلُهَا مِمَّا يَلِي مَكَّةَ وَيَأْخُذُ حَصَى الْجِمَارِ مِنْ طَرِيقِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى مِنًى أَوْ) يَأْخُذَهُ (مِنْ مُزْدَلِفَةَ وَمِنْ حَيْثُ أَخَذَهُ) أَيْ: الْحَصَا (جَازَ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ اُلْقُطْ لِي حَصًا فَلَقَطْتُ لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَا الْخَذْفِ فَجَعَلَ يَقْبِضُهُنَّ فِي كَفِّهِ وَيَقُولُ: أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَكَانَ ذَلِكَ بِمِنًى. قَالَ فِي الشَّرْحِ وَفِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُ الْحَصَا مِنْ جَمْعٍ وَفَعَلَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَالَ كَانُوا يَتَزَوَّدُونَ الْحَصَا مِنْ جَمْعٍ وَذَلِكَ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ عِنْدَ قُدُومِهِ مِنًى بِشَيْءٍ قَبْلَ الرَّمْيِ؛ لِأَنَّ الرَّمْيَ تَحِيَّةُ مِنًى كَمَا يَأْتِي فَلَا يُبْدَأُ بِشَيْءٍ قَبْلَهُ. (وَيُكْرَهُ) أَخْذُ الْحَصَا (مِنْ مِنًى وَسَائِرِ الْحَرَمِ) هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي

стр. 1003

الْفُرُوعِ وَالْإِنْصَافِ وَالتَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ فِي الْإِنْصَافِ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْ طَرِيقِهِ وَمِنْ مُزْدَلِفَةَ وَمِنْ حَيْثُ شَاءَ وَإِنَّهُ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَهُوَ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ وَمِنْ حَيْثُ أَخَذَهُ جَازَ قَالَ أَحْمَدُ خُذْ الْحَصَى مِنْ حَيْثُ شِئْتَ وَفِي حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ حِينَ دَخَلَ مُحَسِّرًا قَالَ " عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ تَرْمِي بِهِ الْجَمْرَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ وَقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: عَمَّا فِي الْفُرُوعِ: إنَّهُ سَهْوٌ وَقَالَ لَعَلَّهُ أَرَادَ حَرَمَ الْكَعْبَةِ وَفِي مَعْنَاهُ قُوَّةٌ انْتَهَى أَيْ: أَرَادَ بِالْحَرَمِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِهَا جَازَ إلَّا مِنْ الْمَسْجِدِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُكْرَهُ إخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ حَصَى الْحَرَمِ وَتُرَابِهِ انْتَهَى، وَقَوْلِ ابْنِ جَمَاعَةَ فِي مَنَاسِكهِ الْكُبْرَى: وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إنَّهُ يُكْرَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَمِنْ الْحِلِّ انْتَهَى، وَمَا أُجِيبَ بِهِ عَنْ الْفُرُوعِ لَا يَتَأَتَّى الْجَوَابُ بِهِ عَنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. (وَ) يُكْرَهُ (تَكْسِيرُهُ) أَيْ: الْحَصَى لِئَلَّا يَطِيرَ إلَى وَجْهِهِ شَيْءٌ فَيُؤْذِيَهُ وَكُرِهَ أَخْذُهُ مِنْ الْخَشَنِ (وَيَكُونُ) حَصَى الْجِمَارِ (أَكْبَرَ مِنْ الْحِمِّص وَدُونَ الْبُنْدُقِ كَحَصَى الْخَذْفِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَخِيهِ الْفَضْلِ (فَلَا يُجْزِئُ صَغِيرٌ جِدًّا وَلَا كَبِيرٌ) لِأَمْرِهِ ﷺ بِالرَّمْيِ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ فَلَا يَتَنَاوَلُ مَا لَا يُسَمَّى حَصَى وَلَا كَبِيرَةً تُسَمَّى حَجَرًا. (وَيُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ) الرَّمْيُ بِحَصًى (نَجِسٍ) أَمَّا إجْزَاؤُهُ فَلِعُمُومِ الْأَمْرِ وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ فَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (فَإِنْ غَسَلَهُ) أَيْ: النَّجَسَ (زَالَتْ) الْكَرَاهَةُ لِزَوَالِ عِلَّتِهَا (وَ) تُجْزِئُ (حَصَاةٌ فِي خَاتَمٍ إنْ قَصَدَهَا) بِالرَّمْيِ كَغَيْرِهَا فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهَا لَمْ تُجْزِئْهُ لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْحَصَى أَبْيَضَ أَوْ أَسْوَدَ أَوْ كَدَانًا أَوْ أَحْمَرَ مِنْ مَرْمَرٍ وَبِرَامٍ وَمَرْوٍ وَهُوَ حَجَرُ الصَّوَّانِ وَرُخَامٍ وَسَنٍّ وَغَيْرِهَا) لِعُمُومِ الْإِخْبَارِ. (وَعَدَدُ الْحَصَى: سَبْعُونَ حَصَاةً وَلَا يُسْتَحَبُّ غَسْلُهُ) قَالَ أَحْمَدُ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ (إلَّا أَنْ يُعْلَمَ نَجَاسَتُهُ) فَيَغْسِلَهُ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ فِي إجْزَائِهِ. (فَإِذَا وَصَلَ إلَى مِنًى، وَحَدُّهَا: مِنْ وَادِي مُحَسِّرٍ إلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ) وَوَادِي مُحَسِّرٍ وَجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ لَيْسَا مِنْ مِنًى وَيُسْتَحَبُّ سُلُوكُ الطَّرِيقِ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَلَكَهَا كَذَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (بَدَأَ بِهَا رَاكِبًا إنْ كَانَ) رَاكِبًا لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّهُ انْتَهَى إلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَرَمَاهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي

стр. 1004

بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَهُوَ رَاكِبٌ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا ثُمَّ قَالَ هَهُنَا كَانَ يَقُومُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ مَاشِيًا. (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَاكِبًا رَمَاهَا (مَاشِيًا) وَقَوْلُهُ (؛ لِأَنَّهَا تَحِيَّةُ مِنًى) تَعْلِيلٌ لِبُدَاءَتِهِ بِهَا كَمَا أَنَّ الطَّوَافَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ فَلَا يُبْدَأ بِشَيْءٍ قَبْلَهُ. (فَرَمَاهَا) أَيْ: جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (بِسَبْعِ) حَصَيَاتٍ (وَاحِدَةٌ بَعْدَ وَاحِدَةٍ) أَيْ: حَصَاةٍ بَعْدَ حَصَاةٍ (بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ نَدْبًا) لِقَوْلِ جَابِرٍ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرْمِي الْجَمْرَةَ ضُحَى يَوْمِ النَّحْرِ وَحْدَهُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (فَإِنْ رَمَى بَعْدَ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ أَجْزَأَهُ) الرَّمْيُ قُلْتُ إنْ كَانَ وَقَفَ وَإِلَّا فَبَعْدَهُ كَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَمَرَ أُمَّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَرَمَتْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ وَرُوِيَ أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تُعَجِّل الْإِفَاضَةَ وَتُوَافِي مَكَّةَ مَعَ صَلَاةِ الْفَجْرِ» احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ؛ وَلِأَنَّهُ وَقَّتَ لِلدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ فَكَانَ وَقْتًا لِلرَّمْيِ كَمَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَحَدِيث أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» مَحْمُولٌ عَلَى وَقْتِ الْفَضِيلَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ. (وَإِنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ) قَبْلَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ (ف) إنَّهُ يَرْمِيهَا (بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ الْغَدِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ مَنْ فَاتَهُ الرَّمْيُ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ فَلَا يَرْمِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنْ الْغَدِ ". (فَإِنْ رَمَاهَا) أَيْ: السَّبْعَ (دَفْعَةً وَاحِدَةً لَمْ يُجْزِئْهُ) الرَّمْيُ (إلَّا عَنْ) حَصَاةٍ (وَاحِدَةٍ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «رَمَى سَبْعَ رَمْيَاتٍ وَقَالَ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (وَيُؤَدَّبُ نَصًّا) نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ (وَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِحُصُولِهَا) أَيْ: السَّبْعِ حَصَيَاتٍ (فِي الْمَرْمَى) فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ. (وَفِي سَائِرِ الْجَمَرَاتِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الرَّمْيِ فِي ذِمَّتِهِ فَلَا يَزُولُ عَنْهُ بِالظَّنِّ وَلَا بِالشَّكِّ فِيهِ. (وَلَا يُجْزِئُ وَضْعُهَا) أَيْ: الْحَصَيَاتِ فِي الْمَرْمَى؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرَمْيٍ (بَلْ) يُعْتَبَرُ (طَرْحُهَا) لِفِعْلِهِ ﷺ وَقَوْلِهِ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» . (وَلَوْ أَصَابَتْ) الْحَصَاةُ (مَكَانًا صَلْبًا) بِفَتْحِ الصَّادِ وَسُكُونِ اللَّامِ (فِي غَيْرِ الْمَرْمَى ثُمَّ تَدَحْرَجَتْ إلَى الْمَرْمَى أَوْ أَصَابَتْ ثَوْبَ إنْسَانٍ ثُمَّ طَارَتْ فَوَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى أَجْزَأَتْهُ) ؛ لِأَنَّ الرَّامِيَ انْفَرَدَ بِرَمْيِهَا (وَكَذَا لَوْ نَفَضَهَا) أَيْ: الْحَصَاةَ (مَنْ وَقَعَتْ عَلَى ثَوْبِهِ فَوَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى) أَجْزَأَتْهُ " (نَصًّا) لِحُصُولِهَا فِي الْمَرْمَى. (وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا تُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ حُصُولَهَا فِي الْمَرْمَى بِفِعْلِ الثَّانِي) دُونَ الْأَوَّلِ

стр. 1005

(قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: قُلْتُ وَهُوَ الصَّوَابُ) وَهُوَ كَمَا قَالَ " تَنْبِيهٌ " قَدْ عَلِمْتَ مِمَّا سَبَقَ: أَنَّ الْمَرْمَى مُجْتَمَعُ الْحَصَى كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا نَفْسُ الشَّاخِصِ وَلَا مَسِيلُهُ. (وَإِنْ رَمَاهَا) أَيْ: الْحَصَاةَ (فَاخْتَطَفَهَا طَائِرٌ قَبْلَ حُصُولِهَا فِيهِ) أَيْ: الْمَرْمَى (أَوْ ذَهَبَ بِهَا) الرِّيحُ (عَنْ الْمَرْمَى لَمْ يُجْزِئْهُ) أَيْ: لَمْ يُعْتَدَّ لَهُ بِهَا لِعَدَمِ حُصُولِهَا فِيهِ الْمَرْمَى. (وَيُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) لِفِعْلِهِ ﷺ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ (وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِي) لِفِعْلِهِ ﷺ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. (وَيَقُولُ) مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا) أَيْ: مَقْبُولًا يُقَالُ: بَرَّ اللَّهُ حَجَّهُ أَيْ: تَقَبَّلَهُ (وَذَنْبًا مَغْفُورًا وَعَمَلًا مَشْكُورًا) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا رَوَاهُ حَنْبَلٌ وَكَذَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُهُ. (وَيَرْفَعُ الرَّامِي) لِلْجِمَارِ (يُمْنَاهُ حَتَّى يُرَى) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (بَيَاضُ إبِطِهِ) ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَعُونَةً عَلَى الرَّمْيِ (وَيُومِئُهَا عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ) لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ «لَمَّا أَتَى عَبْدُ اللَّهِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ اسْتَبْطَنَ الْوَادِي وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَجَعَلَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ رَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ثُمَّ قَالَ وَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ مِنْ هَهُنَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. (وَلَهُ رَمْيُهَا) أَيْ: جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (مِنْ فَوْقِهَا) لِفِعْلِ عُمَرَ (وَلَا يَقِفُ) الرَّامِي (عِنْدَهَا) أَيْ: جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (بَلْ يَرْمِيهَا وَهُوَ مَاشٍ) يَعْنِي بِلَا وُقُوفٍ عِنْدَهَا لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةَ انْصَرَفَ وَلَمْ يَقِفْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَلِضِيقِ الْمَكَانِ. (وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ رَمْي أَوَّلِ حَصَاةٍ مِنْهَا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ «حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَطَعَ عِنْدَ أَوَّلِ حَصَاةٍ» رَوَاهُ حَنْبَلٌ فِي مَنَاسِكِهِ. (فَإِنْ رَمَى بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ) رَمَى ب (غَيْرِ الْحَصَا مِنْ الْجَوَاهِرِ الْمُنْطَبِعَةِ وَالْفَيْرُوزَجِ وَالْيَاقُوتِ وَالطِّينِ وَالْمَدَرِ) وَهُوَ التُّرَابُ الْمُلَبَّدُ (أَوْ) رَمَى (بِغَيْرِ جِنْسِ الْأَرْضِ) كَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَالْخَشَبِ لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّهُ ﷺ رَمَى بِالْحَصَى. وَقَالَ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (أَوْ) رَمَى (بِحَجَرٍ) أَيْ: حَصَاةٍ (رَمَى بِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ) نَصًّا؛ لِأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي عِبَادَةٍ فَلَا يُسْتَعْمَلُ فِيهَا ثَانِيًا كَمَاءِ الْوُضُوءِ؛ وَلِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ " مَا تُقُبِّلَ مِنْهُ رُفِعَ ". (ثُمَّ يَنْحَرُ هَدْيًا إنْ كَانَ مَعَهُ وَاجِبًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا)

стр. 1006

لِقَوْلِ جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجِّهِ ﷺ أَنَّهُ «رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ» (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ وَكَانَ عَلَيْهِ هَدْيٌ وَاجِبٌ) لِتَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ أَوْ نَحْوِهِمَا (اشْتَرَاهُ) وَذَبَحَهُ. (وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُضَحِّيَ اشْتَرَى مَا يُضَحِّي بِهِ) وَكَذَا إنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهَدْيٍ. (ثُمَّ يَحْلِقَ رَأْسَهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَيَبْدَأُ بِأَيْمَنِهِ) أَيْ: شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى مِنًى فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ ثُمَّ قَالَ لِلْحَلَّاقِ: خُذْ وَأَشَارَ إلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِيهِ) أَيْ: فِي الْحَلْقِ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ أَشْبَهَ سَائِرَ الْمَنَاسِكِ (وَيُكَبِّرُ وَقْتَ الْحَلْقِ) كَالرَّمْيِ. (وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُشَارِطَ الْحَلَّاقَ عَلَى أُجْرَةٍ) قَالَ أَبُو حَكِيمٍ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ (وَإِنْ قَصَّرَ فَمِنْ جَمِيعِ شَعْرِ رَأْسِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ (لَا مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ بِعَيْنِهَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِحَلْقِهِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ شَعْرِ الرَّأْسِ وَقَدْ حَلَقَ ﷺ جَمِيعَ رَأْسِهِ فَكَانَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِمُطْلَقِ الْأَمْرِ بِالْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ فَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ وَمَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ أَوْ ضَفَّرَهُ أَوْ عَقَصَهُ فَكَغَيْرِهِ (وَالْمَرْأَةُ تُقَصِّرُ مِنْ شَعْرِهَا عَلَى أَيِّ: صِفَةٍ كَانَ مِنْ ضَفْرٍ وَعَقْصٍ وَغَيْرِهِمَا قَدْرَ أُنْمُلَةٍ فَأَقَلُّ مِنْ رُءُوسِ الضَّفَائِرِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ إنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّهُ مُثْلَةٌ فِي حَقِّهِنَّ (وَكَذَا عَبْدٌ) يُقَصِّرُ (وَلَا يَحْلِقُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ يُنْقِصُ قِيمَتَهُ) . (وَيُسَنُّ أَخْذُ أَظْفَارِهِ) أَيْ: الْحَاجِّ (وَشَارِبِهِ وَنَحْوِهِ) كَعَانَتِهِ وَإِبِطِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ» وَكَانَ ابْن عُمَرَ يَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ وَأَظْفَارِهِ وَيُسْتَحَبُّ إذَا حَلَقَ أَنْ يَبْلُغَ الْعَظْمَ الَّذِي عِنْدَ مُنْقَطَعِ الصُّدْغِ مِنْ الْوَجْهِ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ لِلْحَالِقِ " أَبْلِغْ الْعَظْمَاتِ، افْصِلْ الرَّأْسَ مِنْ اللِّحْيَةِ وَكَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ مِنْ السُّنَّةِ إذَا حَلَقَ أَنْ يَبْلُغَ الْعَظْمَاتِ " (وَمَنْ عَدِمَ الشَّعْرَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُمِرَّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ) وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَلَا يَجِبُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ. (ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الطِّيبِ وَغَيْرِهِ إلَّا النِّسَاءَ) نَصَّ

стр. 1007

عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ (مِنْ الْوَطْءِ وَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ لِشَهْوَةٍ وَعَقْدِ النِّكَاحِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا قَالَ «إذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ الطِّيبُ وَالثِّيَابُ وَكُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ» رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ قَبْل أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِاثْنَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةٍ] (فَصْلٌ " وَيَحْصُلُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِاثْنَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةٍ رَمْيٍ) لِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ " (وَحَلْقٍ) أَوْ تَقْصِيرٍ (وَطَوَافِ) إفَاضَةٍ لِحَدِيثِ سَعِيدٍ عَنْ عَائِشَةَ السَّابِقِ وَقِيسَ عَلَى الْحَلْقِ وَالرَّمْي الْبَاقِي فَلَوْ حَلَقَ وَطَافَ ثُمَّ وَاقَعَ أَهْلَهُ قَبْلَ الرَّمْي فَحَجُّهُ صَحِيحٌ وَعَلَيْهِ دَمٌ. (وَ) يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ (الثَّانِي بِالثَّالِثِ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْحَلْقِ وَالرَّمْيِ وَالطَّوَافِ مَعَ السَّعْيِ إنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَوْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا وَلَمْ يَسْعَ مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ (فَالْحَلْقُ وَالتَّقْصِيرُ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ (نُسُكٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] فَوَصَفَهُمْ وَامْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَدَلَّ أَنَّهُ مِنْ الْعِبَادَةِ لَا إطْلَاقَ مِنْ مَحْظُورٍ وَلِقَوْلِهِ ﷺ «فَلْيُقَصِّرْ ثُمَّ لِيُحِلَّ» وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نُسُكًا لَمْ يَتَوَقَّفْ الْحِلُّ عَلَيْهِ وَدَعَا ﷺ لِلْمُحَلِّقِينَ وَالْمُقَصِّرِينَ وَفَاضَلَ بَيْنَهُمْ فَلَوْلَا أَنَّهُ نُسُكٌ لَمَا اسْتَحَقُّوا لِأَجْلِهِ الدُّعَاءَ وَلَمَا وَقَعَ التَّفَاضُلُ فِيهِ إذْ لَا مُفَاضَلَةَ فِي الْمُبَاحِ فَفِي تَرْكِهِمَا دَمٌ (وَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ مِنًى فَلَا دَمَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا آخِرَ لِوَقْتِهِ. (وَإِنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى الرَّمْيِ) أَوْ عَلَى (النَّحْرِ أَوْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ قَبْلَ رَمْيِهِ) أَوْ نَحَرَ قَبْلَ رَمْيِهِ (جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَكَذَا لَوْ كَانَ عَالِمًا) لِحَدِيثِ عَطَاءٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ رَجُلٌ أَفَضْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ قَالَ ارْمِ وَلَا حَرَجَ» وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا قَبْلَ شَيْءٍ فَلَا حَرَجَ» رَوَاهُمَا سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ قَالَ اذْبَحْ

стр. 1008

وَلَا حَرَجَ فَقَالَ آخَرُ ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ قَالَ ارْمِ وَلَا حَرَجَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ قَالَ «فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ فَمَا سَمِعْتُهُ يُسْأَلُ يَوْمَئِذٍ عَنْ أَمْرٍ مِمَّا يَنْسَى الْمَرْءُ أَوْ يَجْهَلُ مِنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأُمُورِ عَلَى بَعْضٍ وَأَشْبَاهِهَا إلَّا قَالَ افْعَلُوا وَلَا حَرَجَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (لَكِنْ يُكْرَهُ) ذَلِكَ لِلْعَالِمِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ. (وَإِنْ قَدَّمَ) طَوَافَ (الْإِفَاضَةِ عَلَى الرَّمْيِ أَجْزَأَهُ طَوَافُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ. (ثُمَّ يَخْطُب الْإِمَامُ يَوْمَ النَّحْرِ بُكْرَةَ النَّهَارِ بِمِنًى خُطْبَةً مُفْتَتَحَةً بِالتَّكْبِيرِ يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا النَّحْرَ وَالْإِفَاضَةَ وَالرَّمْيَ) نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ يَعْنِي بِمِنًى» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ؛ وَلِأَنَّهُ يَوْمٌ تَكْثُرُ فِيهِ أَفْعَالُ الْحَجِّ مِنْ الْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَالدَّفْعِ مِنْهُ إلَى مِنًى وَالرَّمْيِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ وَالْإِفَاضَةِ وَالرُّجُوعِ إلَى مِنًى لِيَبِيتَ بِهَا وَلَيْسَ فِي غَيْرِهِ مِثْلُهُ فَلِذَلِكَ يُسَمَّى يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ وَلِهَذَا «قَالَ ﷺ فِي خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (ثُمَّ يُفِيضُ إلَى مَكَّةَ فَيَطُوفُ مُتَمَتِّعٌ لِقُدُومِهِ) كَطَوَافِهِ ل (عُمْرَتِهِ) السَّابِقِ فِي دُخُولِ مَكَّةَ (نَصًّا) هَكَذَا فِي الْإِنْصَافِ وَبَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا: لِعُمْرَتِهِ وَالْمَعْنَى عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ (بِلَا رَمَلٍ) ثُمَّ يَطُوفُ لِلزِّيَارَةِ وَاحْتَجَّ الْإِمَامُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ " فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلَقُوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا " فَحَمَلَ أَحْمَدُ قَوْلَ عَائِشَةَ عَلَى أَنَّ طَوَافَهُمْ لِحَجِّهِمْ هُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ مَشْرُوعٌ فَلَمْ يَكُنِ الطَّوَافُ طَوَافَ الزِّيَارَةِ مُسْقِطًا لَهُ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ عِنْدَ دُخُولِهِ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالْفَرْضِ وَاخْتَارَ ذَلِكَ الْخِرَقِيُّ وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. (وَكَذَا يَطُوفُهُ) أَيْ: طَوَافَ الْقُدُومِ (بِرَمَلٍ مُفْرِدٌ وَقَارِنٌ لَمْ يَكُونَا دَخَلَا مَكَّةَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَلَا طَافَاهُ نَصًّا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَقِيلَ: لَا يَطُوفُ لِلْقُدُومِ أَحَدٌ مِنْهُمْ اخْتَارَهُ الشَّيْخُ وَالْمُوَفَّقُ وَرَدَّهُ) الْمُوَفَّقُ (الْأَوَّلُ وَقَالَ) الْمُوَفَّقُ (لَا نَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ) بَلْ الْمَشْرُوعُ طَوَافٌ وَاحِدٌ لِلزِّيَارَةِ كَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَإِنَّهُ يُكْتَفَى بِهَا عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ

стр. 1009

الَّذِينَ تَمَتَّعُوا مَعَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَلَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أَحَدًا وَحَدِيثُ عَائِشَةَ دَلِيل عَلَى هَذَا فَإِنَّهَا قَالَتْ " طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا بَعْد أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ " وَهَذَا هُوَ طَوَاف الزِّيَارَة وَلَمْ تَذْكُر طَوَافًا آخَرَ وَلَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَتْهُ طَوَاف الْقُدُوم لَكَانَتْ قَدْ أَخَلَّتْ بِذِكْرِ طَوَاف الزِّيَارَة الَّذِي هُوَ رُكْن الْحَجّ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ وَذَكَرَتْ مَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ وَعَلَى كُلّ حَالَ فَمَا ذَكَرَتْ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا فَمِنْ أَيْنَ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى طَوَافَيْنِ. (قَالَ) أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ زَيْنُ الدِّينِ (ابْنُ رَجَبٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ ثُمَّ يَطُوفُ لِلزِّيَارَةِ) سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي مِنْ مِنًى فَيَزُورُ الْبَيْتَ وَلَا يُقِيمُ بِمَكَّةَ بَلْ يَرْجِعُ إلَى مِنًى (وَيُسَمَّى الْإِفَاضَةُ) ؛ لِأَنَّهُ يَفْعَلُ بَعْدَهَا (وَ) يُسَمَّى (الصَّدَرُ) بِفَتْحِ الصَّادِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ رُجُوعُ الْمُسَافِرِ مِنْ مَقْصِدِهِ؛ لِأَنَّهُ يَفْعَلُ بَعْدَهُ أَيْضًا وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ إنَّهُ يُسَمَّى طَوَافَ الصَّدَرِ قَالَهُ فِي الْمَطْلَعِ وَالرِّعَايَةِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَقَدَّمَهُ الزَّرْكَشِيّ وَصَحَّحَ فِي الْإِنْصَافِ أَنَّ طَوَافَ الصَّدَرِ هُوَ طَوَافُ الْوَدَاعِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى. (وَيُعَيِّنُهُ) أَيْ: طَوَافَ الزِّيَارَةِ (بِنِيَّتِهِ) لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَكَالصَّلَاةِ وَيَكُونُ (بَعْد وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ طَافَ كَذَلِكَ. وَقَالَ «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (وَهُوَ الطَّوَافُ الْوَاجِبُ الَّذِي بِهِ تَمَامُ الْحَجِّ) فَهُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهِ إجْمَاعًا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا حَائِضٌ قَالَ أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ اُخْرُجُوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ كَانَتْ حَابِسَتَهُمْ فَيَكُونُ الطَّوَافُ حَابِسًا لِمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ (فَإِنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ (رَجَعَ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ بَلَدِهِ (مُحْرِمًا) أَيْ: بَاقِيًا عَلَى إحْرَامِهِ بِمَعْنَى بَقَاءِ تَحْرِيمِ النِّسَاءِ عَلَيْهِ لَا الطِّيبِ وَلُبْس الْمَخِيطِ وَنَحْوِهِ لِحُصُولِ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ إنْ كَانَ رَمَى وَحَلَقَ (فَطَافَهُ) أَيْ: طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَحَلَّ بَعْدَهُ وَتَقَدَّمَ حُكْمُ مَا لَوْ وَطِئَ وَحَلَّ وَيُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ إذَا وَصَلَ الْمِيقَاتَ فَإِذَا حَلّ مِنْهَا طَافَ لِلْإِفَاضَةِ (وَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ)

стр. 1010

أَيْ: عَنْ طَوَاف الْإِفَاضَةِ (غَيْرُهُ) مِنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ أَوْ غَيْرِهِ لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . (وَأَوَّلُ وَقْتِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ بَعْدَ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ (وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ يَوْمَ النَّحْرِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ أَخَّرَهُ إلَى اللَّيْلِ فَلَا بَأْسَ) بِذَلِكَ. (وَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ يَوْمِ النَّحْرِ (وَ) أَخَّرَهُ (عَنْ أَيَّامِ مِنًى جَازَ كَالسَّعْيِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ آخِرَ وَقْتِهِ مَحْدُودٌ. (ثُمَّ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا وَلَا يَكْتَفِي بِسَعْيِ عُمْرَتِهِ) ؛ لِأَنَّهَا نُسُكٌ آخَرُ بَلْ يَسْعَى لِحَجِّهِ (أَوْ) كَانَ (غَيْرَ مُتَمَتِّعٍ وَلَمْ يَكُنْ سَعَى مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ) مُفْرِدًا كَانَ أَوْ قَارِنًا (فَإِنْ كَانَ قَدْ سَعَى) بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ (لَمْ يَسْعَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ التَّطَوُّعُ بِالسَّعْيِ كَسَائِرِ الْأَنْسَاكِ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. (وَالسَّعْيُ رُكْنٌ فِي الْحَجِّ فَلَا يَتَحَلَّلُ) التَّحَلُّلَ الثَّانِي (إلَّا بِفِعْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ) لِحَدِيثِ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تُجْزَأَةَ قَالَتْ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالنَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ وَرَاءَهُمْ وَهُوَ يَسْعَى حَتَّى أَرَى رُكْبَتَيْهِ مِنْ شِدَّةِ السَّعْي يَدُورُ بِهِ إزَارُهُ وَهُوَ يَقُولُ: اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَعَنْ عَائِشَةَ «مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلَا عُمْرَتَهُ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» مُتَّفَق عَلَيْهِ مُخْتَصَر. (فَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ: السَّعْيَ (قَبْلَ الطَّوَافِ عَالِمًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَعَادَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ شَرْطَهُ وُقُوعُهُ بَعْدَ الطَّوَافِ. (ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ) حَتَّى النِّسَاءِ (وَيُسْتَحَبُّ التَّطَيُّبُ عِنْدَ الْإِحْلَالِ) الْأَوَّلِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ (ثُمَّ يَأْتِي زَمْزَمَ فَيَشْرَبُ مِنْهَا لِمَا أَحَبَّ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ ابْن عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ (وَيَتَضَلَّعُ) مِنْهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ آيَةَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ أَنْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (زَادَهُ فِي التَّبْصِرَةِ: وَيَرُشُّ عَلَى بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ وَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وَرَيًّا) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا مَعَ تَشْدِيدِ الْيَاءِ وَكَرِضًا. (وَشِبَعًا) بِكَسْرِ الشِّينِ وَفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا وَسُكُونِهَا: مَصْدَرُ شَبِعَ (وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِي وَامْلَأْهُ مِنْ خَشْيَتِكَ) زَادَ بَعْضُهُمْ وَحِكْمَتِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ لَائِقٌ بِهَذَا الْفِعْلِ وَهُوَ شَامِلٌ لِخَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ " كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ

стр. 1011

إذَا شَرِبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ قَالَ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. (وَيُسَنُّ أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَالْحِجْرَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْبَيْتِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَتَقَدَّمَ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ. (وَيَكُونُ) حَالَ دُخُولِ الْبَيْتِ وَالْحِجْرِ (حَافِيًا بِلَا خُفٍّ وَلَا نَعْلٍ) لِمَا رَوَى الْأَزْرَقِيُّ عَنْ الْوَاقِدِيِّ عَنْ أَشْيَاخِهِ " أَوَّلَ مَنْ خَلَعَ الْخُفَّ وَالنَّعْلَ فَلَمْ يَدْخُلْهَا أَيْ: الْكَعْبَةَ بِهِمَا الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ إعْظَامًا لَهَا فَجَرَى ذَلِكَ سُنَّةً " (بِغَيْرِ سِلَاحٌ نَصًّا وَيُكَبِّرُ) فِي نَوَاحِيهِ (وَيَدْعُو فِي نَوَاحِيهِ وَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَبِلَالٌ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَقُلْتُ لِبِلَالٍ هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ أَيْنَ قَالَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ قَالَ وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى» ؟ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَيُكْثِرُ النَّظَرَ إلَيْهِ) أَيْ: الْبَيْتِ (الْبَيْتِ لِأَنَّهُ) أَيْ: النَّظَرَ إلَيْهِ (عِبَادَةُ فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهُ فَلَا بَأْسَ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا وَهُوَ مَسْرُورٌ ثُمَّ رَجَعَ وَهُوَ كَئِيبٌ فَقَالَ: إنِّي دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ وَلَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا دَخَلْتُهَا إنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ شَقَقْتُ عَلَى أُمَّتِي» (وَيَتَصَدَّقُ بِثِيَابِ الْكَعْبَةِ إذَا نُزِعَتْ نَصًّا) لِفِعْلِ عُمَرَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ فَهُوَ مُرْسَلٌ وَرَوَى الثَّوْرِيُّ أَنَّ شَيْبَةَ كَانَ يَدْفَعُ خَلْقَانَ الْبَيْتِ إلَى الْمَسَاكِينِ وَقِيَاسًا عَلَى الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ بِجَامِعِ انْقِطَاعِ الْمَصْرِفِ (وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَشْفِيَ بِشَيْءٍ مِنْ طِيبِهَا) أَيْ: الْكَعْبَةَ (فَلْيَأْتِ بِطِيبٍ مِنْ عِنْدِهِ فَلْيُرِقْهُ عَلَى الْبَيْتِ ثُمَّ يَأْخُذَهُ وَلَا يَأْخُذَ مِنْ طِيبِ الْكَعْبَةِ شَيْئًا) أَيْ: يَحْرُمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ لِلْمَوْقُوفِ فِي غَيْرِ مَا وُقِفَ عَلَيْهِ.

стр. 1012

[فَصْلٌ يَرْجِعُ مَنْ أَفَاضَ إلَى مَكَّةَ بَعْدَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ] فَصْلٌ (ثُمَّ يَرْجِعُ) مَنْ أَفَاضَ إلَى مَكَّةَ بَعْدَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ " عَلَى مَا تَقَدَّمَ (إلَى مِنًى فَيَبِيتُ بِهَا) وُجُوبًا لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «لَمْ يُرَخِّصْ النَّبِيُّ ﷺ لَأَحَدٍ يَبِيتُ بِمَكَّةَ إلَّا لِلْعَبَّاسِ لِأَجْلِ سِقَايَتِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (ثَلَاثَ لَيَالٍ) إنْ لَمْ يَتَعَجَّلْ فِي يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ إنْ تَعَجَّلَ. (وَيُصَلِّي بِهَا ظُهْرَ يَوْمِ النَّحْرِ) نَصًّا نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَيَرْمِي الْجَمَرَاتِ بِهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) وَهِيَ أَيَّامُ مِنًى الثَّلَاثَةُ الَّتِي تَلِي يَوْمَ النَّحْرِ (كُلُّ يَوْمٍ بَعْدَ الزَّوَالِ) لِقَوْلِ جَابِرٍ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي الْجَمْرَةَ ضُحَى يَوْمِ النَّحْرِ وَرَمَى بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ وَقَدْ قَالَ ﷺ لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ " كُنَّا نَتَحَيَّنُ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ رَمَيْنَا " وَأَيّ وَقْتٍ رَمَى بَعْدَ الزَّوَالِ أَجْزَأَهُ إلَّا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ الْمُبَادَرَةُ إلَيْهَا حِينَ الزَّوَالِ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ (إلَّا السُّقَاةَ وَالرُّعَاةَ فَلَهُمْ الرَّمْيُ لَيْلًا وَنَهَارًا) لِلْعُذْرِ (وَلَوْ) كَانَ رَمْيُهُمْ (فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَإِنْ رَمَى غَيْرُهُمْ) أَيْ: غَيْرُ السُّقَاةِ وَالرُّعَاةِ (قَبْلَ الزَّوَالِ) أَوْ لَيْلًا (لَمْ يُجْزِئْهُ) الرَّمْيُ (فَيُعِيدُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَآخِرُ وَقْتِ رَمْيِ كُلِّ يَوْمٍ) مِنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ الْأَرْبَعَةِ (إلَى الْمَغْرِبِ) ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ النَّهَارِ. (وَيُسْتَحَبُّ) الرَّمْيُ أَيَّامَ مِنًى (قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْمِي الْجِمَارَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ قَدْرَ مَا إذَا فَرَغَ مِنْ رَمْيِهِ صَلَّى الظُّهْرَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ لَا يَدَعَ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ فِي مَسْجِدِ مِنًى وَهُوَ مَسْجِدُ الْخَيْفِ) لِفِعْلِهِ ﷺ وَفِعْلِ أَصْحَابِهِ (فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ غَيْرَ مَرْضِيٍّ) لِفِسْقٍ أَوْ نَحْوِهِ (صَلَّى الْمَرْءُ بِرُفْقَتِهِ) مُحَافَظَةً عَلَى الْجَمَاعَةِ. (وَيَرْمِي كُلَّ جَمْرَةٍ) مِنْ الثَّلَاثِ (بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي رَمْي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (فَيَبْدَأُ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى وَهِيَ أَبْعَدُهُنَّ مِنْ مَكَّةَ وَتَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَسَارِهِ وَيَرْمِيهَا) بِالسَّبْعِ حَصَيَاتٍ (ثُمَّ يَتَقَدَّمُ قَلِيلًا لِئَلَّا يُصِيبَهُ الْحَصَى فَيَقِفُ فَيَدْعُو اللَّهَ رَافِعًا يَدَيْهِ وَيُطِيلُ ثُمَّ يَأْتِي الْوُسْطَى فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ) وَيَرْمِيهَا كَذَلِكَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَيَقِفُ

стр. 1013

عِنْدَهَا أَيْ: بَعْدَ أَنْ يَتَقَدَّمَ قَلِيلًا لِئَلَّا يُصِيبَهُ الْحَصَى وَيَدْعُو اللَّهَ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيُطِيلُ ثُمَّ يَأْتِي لِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ كَذَلِكَ وَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ (وَيَسْتَبْطِنهُ الْوَادِي) عِنْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِي الْجَمَرَاتِ كُلِّهَا) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «أَفَاضَ الرَّسُولُ ﷺ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِنًى فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يَرْمِي الْجَمْرَةَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، كُلُّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَيَقِفُ عِنْدَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَيَتَضَرَّعُ وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ «كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْأُولَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ عَلَى أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يَسْهُلَ وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ طَوِيلًا ثُمَّ يَدْعُو فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذُ بِذَاتِ الشِّمَالِ، فَيَسْهُلُ وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَدْفَعُ فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلًا ثُمَّ يَرْمِي حَجَرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد " أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَدْعُو بِدُعَائِهِ الَّذِي دَعَا بِهِ بِعَرَفَةَ، وَيَزِيدُ: وَأَصْلِحْ، أَوْ أَتِمَّ لَنَا مَنَاسِكَنَا ". وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ " كَانَ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولَانِ عِنْدَ الرَّمْي: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا ". (وَتَرْتِيبُهَا) أَيْ: الْجَمَرَاتِ (شَرْطُ بِأَنْ يَرْمِيَ أَوَّلًا) الْجَمْرَةَ (الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الْعَقَبَةِ فَإِنْ نَكَّسَهُ) أَيْ: الرَّمْيَ بِأَنْ قَدَّمَ عَلَى الْأُولَى غَيْرَهَا (لَمْ يُجْزِئْهُ) مَا قَدَّمَهُ عَلَى الْأُولَى نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَتَّبَهَا فِي الرَّمْيِ، وَقَالَ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ؛ وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ مُتَكَرِّرٌ، فَاشْتُرِطَ التَّرْتِيبُ فِيهِ كَالسَّعْيِ (وَإِنْ أَخَلَّ بِحَصَاةٍ مِنْ الْأُولَى لَمْ يَصِحّ رَمْيُ الثَّانِيَةِ) وَكَذَا لَوْ أَخَلَّ بِحَصَاةٍ مِنْ الثَّانِيَةِ لَمْ يَصِحّ رَمْيُ الثَّالِثَةِ لِإِخْلَالِهِ بِالتَّرْتِيبِ. (وَإِنْ جَهِلَ) الرَّامِي (مَحَلَّهَا) بِأَنْ جَهِلَ مِنْ أَيِّ جَمْرَةٍ تَرَكَ الْحَصَاةَ (بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) فَإِنْ شَكَّ: أَمِنَ الْأُولَى أَوْ مَا بَعْدَهَا؟ جَعَلَهُ مِنْ الْأُولَى أَوْ شَكَّ فِي كَوْنِهِ مِنْ الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ؟ جَعَلَهُ مِنْ الثَّانِيَةِ، لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ بِيَقِينٍ كَمَا لَوْ تَيَقَّنَ تَرْكَ رُكْنٍ وَجَهِلَ مَحَلَّهُ (ثُمَّ يَرْمِي فِي الْيَوْمِ الثَّانِي) الثَّلَاثَ الْجَمَرَاتِ مُرَتَّبَةً عَلَى صِفَةِ مَا تَقَدَّمَ (وَ) يَرْمِي فِي الْيَوْمِ (الثَّالِثِ كَذَلِكَ) إنْ لَمْ يَكُنْ تَعَجَّلَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي. (وَعَدَدُ الْحَصَى) لِكُلِّ جَمْرَةٍ (سَبْعٌ) لِمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا مَجْمُوعُ حَصَى الْجِمَارِ فَسَبْعُونَ يَرْمِي مِنْهَا

стр. 1014

جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعَةٍ يَوْمَ النَّحْرِ وَبَاقِيهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كُلَّ يَوْمٍ إحْدَى وَعِشْرِينَ حَصَاةً فِي الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ أَخَّرَ الرَّمْيَ كُلَّهُ مَعَ رَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ) بِأَنْ أَخَّرَ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَرَمَى الْيَوْمَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (فَرَمَاهُ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَجْزَأَهُ أَدَاؤُهُ؛ لِأَنَّ أَيَّامَ الرَّمْي كُلّهَا بِمَثَابَةِ الْيَوْمِ الْوَاحِدِ) ؛ لِأَنَّهَا كُلّهَا وَقْتٌ لِلرَّمْيِ فَإِذَا أَخَّرَهُ مِنْ أَوَّلِ وَقْتِهِ إلَى آخِرِهِ أَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ إلَى آخِرِ وَقْتِهِ. (وَكَانَ) بِتَأْخِيرِ الرَّمْيِ إلَى آخِرِهَا (تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ) وَهُوَ الْإِتْيَانُ بِالرَّمْيِ فِي مَوَاضِعِهِ السَّابِقَةِ (وَيَجِبُ تَرْتِيبُهُ بِنِيَّةٍ) كَالْمَجْمُوعَتَيْنِ وَالْفَوَائِتِ مِنْ الصَّلَاةِ (وَكَذَا لَوْ أَخَّرَ رَمْيَ يَوْمٍ) وَاحِدٍ (أَوْ) رَمْيَ (يَوْمَيْنِ) ثُمَّ رَمَاهُ فِيمَا بَعْدُ قَبْلَ مُضِيِّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَإِنَّهُ يَكُونُ أَدَاءً لِمَا سَبَقَ ". (وَإِنْ أَخَّرَ الرَّمْيَ كُلَّهُ) عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (أَوْ) أَخَّرَ (جَمْرَةَ) الْعَقَبَةِ (عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، أَوْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِمِنًى لَيْلَةً أَوْ أَكْثَرَ) مِنْ لَيَالِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ تَرَكَ نُسُكًا أَوْ نَسِيَهُ فَإِنَّهُ يُهْرِيقُ دَمًا وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ: لَوْ تَرَكَ دُونَ لَيْلَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ أَكْثَرَهَا (وَلَا يَأْتِي بِهِ) أَيْ: بِالرَّمْيِ بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (كَالْبَيْتُوتَةِ) بِمِنًى لَيَالِيهَا إذَا تَرَكَهَا لَا يَأْتِي بِهَا لِفَوَاتِ وَقْتِهِ، وَاسْتِقْرَارِ الْفِدَاءِ الْوَاجِبِ فِيهِ. (وَفِي تَرْكِ حَصَاةٍ) وَاحِدَةٍ (مَا فِي) حَلْقِ (شَعْرَةٍ وَفِي) تَرْكِ (حَصَاتَيْنِ مَا فِي) حَلْقِ (شَعْرَتَيْنِ) وَفِي أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ دَمٌ؛ لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ. (وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ سِقَايَةِ الْحَاجِّ) وَهُمْ سُقَاةُ زَمْزَمَ، عَلَى مَا فِي الْمَطْلَعِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُبْدِعِ (وَ) لَا عَلَى (الرُّعَاةِ مَبِيتٌ بِمِنًى وَلَا بِمُزْدَلِفَةَ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ «الْعَبَّاسَ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَاصِمٍ قَالَ «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرُعَاةِ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ النَّحْرِ، فَيَرْمُونَهُ فِي أَحَدِهِمَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ (فَإِنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَهُمْ) أَيْ: أَهْلُ سِقَايَةِ الْحَجِّ وَالرُّعَاةِ (بِمِنًى لَزِمَ الرُّعَاةَ الْمَبِيتُ) لِانْقِضَاءِ وَقْتِ الرَّعْيِ، وَهُوَ النَّهَارُ (دُونَ أَهْلِ السِّقَايَةِ) فَلَا يَلْزَمُهُمْ الْمَبِيتُ وَلَوْ غَرَبَتْ وَهُمْ بِمِنًى؛ لِأَنَّهُمْ يَسْقُونَ بِاللَّيْلِ ". (وَقِيلَ: أَهْلُ الْأَعْذَارِ مِنْ غَيْرِ الرُّعَاةِ كَالْمَرْضَى، وَمَنْ لَهُ مَالٌ يَخَافُ ضَيَاعَهُ وَنَحْوَهُ حُكْمُهُمْ حُكْمُ الرُّعَاةِ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ) جَزَمَ بِهِ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَابْنُ تَمِيمٍ. (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا أَوْ لَهُ عُذْرٌ

стр. 1015

جَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَرْمِي عَنْهُ) كَالْمَعْضُوبِ يَسْتَنِيبُ فِي الْحَجِّ كُلِّهِ إذَا عَجَزَ عَنْهُ (وَالْأَوْلَى: أَنْ يَشْهَدَهُ إنْ قَدَرَ) عَلَى الْحُضُورِ لِيَتَحَقَّقَ الرَّمْيُ. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَضَعَ) الْمَرِيضُ وَنَحْوُهُ (الْحَصَا فِي يَدِ النَّائِبِ لِيَكُونَ لَهُ عَمَلٌ فِي الرَّمْيِ وَلَوْ أُغْمِيَ عَلَى الْمُسْتَنِيبِ لَمْ تَنْقَطِعْ النِّيَابَةُ) بِذَلِكَ كَمَا لَوْ نَامَ. (وَيُسْتَحَبُّ خُطْبَةُ إمَامٍ) أَوْ نَائِبِهِ (فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الزَّوَالِ) خُطْبَةٌ (يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا حُكْمَ التَّعْجِيلِ وَالتَّأْخِيرِ وَالتَّوْدِيعِ) لِحَدِيثِ سَرَّاءَ بِنْتِ نَبْهَانَ قَالَتْ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الرُّءُوسِ فَقَالَ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: أَلَيْسَ أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؟» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَى تَعْلِيمِ مَا ذُكِرَ. (وَلِكُلِّ حَاجٍّ، وَلَوْ أَرَادَ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ: التَّعْجِيلُ إنْ أَحَبَّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] قَالَ عَطَاءٌ هِيَ لِلنَّاسِ عَامَّةٌ يَعْنِي: أَهْلَ مَكَّةَ وَغَيْرَهُمْ وَلِقَوْلِهِ ﷺ «أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ (إلَّا الْإِمَامَ الْمُقِيمَ لِلْمَنَاسِكِ فَلَيْسَ لَهُ التَّعْجِيلُ لِأَجْلِ مَنْ يَتَأَخَّرُ) مِنْ النَّاسِ (فَإِنْ أَحَبَّ) غَيْرُ الْإِمَامِ (أَنْ يَتَعَجَّلَ فِي ثَانِي) أَيَّامِ (التَّشْرِيقِ وَهُوَ النَّفْرُ الْأَوَّلُ خَرَجَ) مِنْ مِنًى (قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ) لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ (لَا يَضُرُّهُ رُجُوعُهُ) إلَى مِنًى بَعْدَ ذَلِكَ لِحُصُولِ الرُّخْصَةِ. (وَلَيْسَ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُتَعَجِّلِ (فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ رَمْيٌ) نَصَّ عَلَيْهِ (وَيُدْفَنُ بَقِيَّةَ الْحَصَا) وَهُوَ حَصَا الْيَوْمِ الثَّالِثِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فِي الْأَشْهَرِ زَادَ بَعْضُهُمْ (فِي الْمَرْمَى) وَفِي مَنْسَكِ ابْنِ الزَّاغُونِيِّ: أَوْ يَرْمِي بِهِنَّ كَفِعْلِهِ فِي اللَّوَاتِي قَبْلَهُنَّ (وَإِنْ غَرَبَتْ) الشَّمْسُ (وَهُوَ بِهَا) أَيْ: بِمِنًى (لَزِمَ الْمَبِيتُ وَالرَّمْيُ مِنْ الْغَدِ بَعْدَ الزَّوَالِ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَثَبَتَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَدْرَكَهُ الْمَسَاءُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَلْيَقُمْ إلَى الْغَدِ وَلْيَنْفِرْ مَعَ النَّاسِ " (ثُمَّ يَنْفِرُ) الْإِمَامُ وَمَنْ لَمْ يَنْفِرْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي. (وَهُوَ النَّفْرُ الثَّانِي) فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ. (وَيُسَنُّ إذَا نَفَرَ مِنًى: نُزُولُهُ بِالْأَبْطُحِ وَهُوَ الْمُحَصَّبُ) وَالْخَيْفُ وَالْبَطْحَاءُ وَالْحَصْبَةُ (وَحْدَهُ: مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ إلَى الْمَقْبَرَةِ فَيُصَلِّي بِهِ الظُّهْرَيْنِ وَالْعِشَاءَيْنِ، وَيَهْجَعُ يَسِيرًا ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ) قَالَ نَافِعٌ " كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَيَهْجَعُ هَجْعَةً وَذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ

стр. 1016

«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ يَنْزِلُونَ الْأَبْطَحَ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «التَّحْصِيبُ لَيْسَ بِشَيْءٍ إنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ نُزُولَ الْأَبْطُحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ إنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيَكُونَ أَسْمَحَ بِخُرُوجِهِ إذَا خَرَجَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. [فَصْلٌ أَرَادَ الْمُحْرِم الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ] " (فَصْلٌ فَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ) مِنْ مَكَّةَ (لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِالطَّوَافِ إذَا فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ أُمُورِهِ إنْ لَمْ يُقِمْ بِمَكَّةَ أَوْ حَرَمِهَا) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ عَهْدَهُمْ بِالْبَيْتِ إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ قَالَ «كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» وَلِأَبِي دَاوُد " حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ. (وَمَنْ كَانَ خَارِجَهُ) أَيْ: خَارِجَ الْحَرَمِ ثُمَّ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ (فَعَلَيْهِ الْوَدَاعُ) سَوَاءٌ أَرَادَ الرُّجُوعَ إلَى بَلَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا لِمَا تَقَدَّمَ. (وَهُوَ عَلَى كُلِّ خَارِجٍ مِنْ مَكَّةَ) قَالَ الْقَاضِي وَالْأَصْحَابُ: إنَّمَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعَزْمِ عَلَى الْخُرُوجِ وَاحْتَجَّ بِهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحَجِّ (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ) كَسَائِرِ الطَّوَّافَاتِ (وَيَأْتِي الْحَطِيمَ وَهُوَ تَحْتَ الْمِيزَابِ فَيَدْعُو ثُمَّ يَأْتِي زَمْزَمَ فَيَشْرَبُ مِنْهَا ثُمَّ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ وَيُقَبِّلهُ وَيَدْعُو فِي الْمُلْتَزَمِ بِمَا يَأْتِي) مِنْ الدُّعَاءِ. (فَإِنْ وَدَّعَ ثُمَّ اشْتَغَلَ بِغَيْرِ شَدِّ رَحْلٍ وَنَحْوِهِ أَوْ اتَّجَرَ أَوْ أَقَامَ أَعَادَ الْوَدَاعَ) وُجُوبًا؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ خُرُوجِهِ، لَيَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ وَلَا يُعِيدُ الْوَدَاعَ (إنْ اشْتَرَى حَاجَةً فِي طَرِيقِهِ) أَوْ اشْتَرَى زَادَا أَوْ شَيْئًا لِنَفْسِهِ (أَوْ صَلَّى) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ أَنَّ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ الطَّوَافُ. (فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الْوَدَاعِ (فَعَلَيْهِ الرُّجُوعُ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْوَدَاعِ (لِفِعْلِهِ إنْ كَانَ قَرِيبًا) دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَلَمْ (يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ فَوَاتِ رُفْقَتِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) مِنْ الْأَعْذَارِ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا رَجَعَ) قَرِيبًا سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ لَهُ عُذْرٌ يُسْقِطُ عَنْهُ الرُّجُوعَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الدَّمَ لَمْ

стр. 1017

يَسْتَقِرّ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ) الرُّجُوعُ لِعُذْرٍ مِمَّا تَقَدَّمَ أَوْ لِغَيْرِهِ (أَوْ أَمْكَنَهُ) الرُّجُوعُ لِلْوَدَاعِ. (وَلَمْ يَرْجِعْ أَوْ بَعْدَ مَسَافَةِ قَصْرٍ) عَنْ مَكَّةَ (فَعَلَيْهِ دَمٌ رَجَعَ) إلَى مَكَّةَ وَطَافَ لِلْوَدَاعِ (أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ بِبُلُوغِهِ مَسَافَةَ الْقَصْرِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِرُجُوعِهِ كَمَنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ثُمَّ أَحْرَمَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ (وَسَوَاءٌ تَرَكَهُ) أَيْ: طَوَافَ الْوَدَاعِ (عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ نِسْيَانًا) لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ وَالْمَعْذُورُ وَغَيْرُهُ كَسَائِرِ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ (وَمَتَى رَجَعَ مَعَ الْقُرْبِ لَمْ يَلْزَمْهُ إحْرَامٌ) ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ (وَيَلْزَمُهُ مَعَ الْبُعْدِ الْإِحْرَامُ بِعُمْرَةٍ يَأْتِي بِهَا) فَيَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ (ثُمَّ يَطُوفُ لِلْوَدَاعِ) إذَا فَرَغَ مِنْ أُمُورِهِ. (وَإِنْ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ) وَنَصَّهُ (أَوْ الْقُدُومِ فَطَافَهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ كَفَاهُ) ذَلِكَ الطَّوَافُ (عَنْهُمَا) ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ وَقَدْ فَعَلَ؛ وَلِأَنَّ مَا شُرِعَ مِثْلُ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ يُجْزِئ عَنْهُ الْوَاجِبُ مِنْ جِنْسِهِ كَإِجْزَاءِ الْمَكْتُوبَةِ عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَكَإِجْزَاءِ الْمَكْتُوبَةِ أَيْضًا عَنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَعَنْ رَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ فَإِنْ نَوَى بِطَوَافِهِ الْوَدَاعَ لَمْ يُجْزِئهُ عَنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . (وَلَا وَدَاعَ عَلَى حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْحَائِضِ» وَالنُّفَسَاءُ فِي مَعْنَاهَا (وَلَا فِدْيَةَ عَلَى الْحَائِضِ أَوْ النُّفَسَاءِ) لِظَاهِرِ حَدِيثِ صَفِيَّةَ فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهَا بِفِدْيَةٍ (إلَّا أَنْ تَطْهُرَ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْبُنْيَانِ فَتَرْجِعُ وَتَغْتَسِلُ) لِلْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ. (وَتُوَدِّعُ) ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْحَاضِرَةِ (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ) أَيْ: تَرْجِعُ لِلْوَدَاعِ مَعَ طُهْرِهَا قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْبُنْيَانِ (وَلَوْ لِعُذْرٍ فَعَلَيْهَا دَمٌ) لِتَرْكِهَا نُسُكًا وَاجِبًا. (فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْوَدَاعِ وَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَقَبَّلَهُ وَقَفَ فِي الْمُلْتَزَمِ) وَهُوَ (مَا بَيْنَ) الرُّكْنِ الَّذِي بِهِ (الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ وَبَابُ الْكَعْبَةِ) وَذَرْعُهُ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ (فَيَلْتَزِمَهُ) أَيْ: الْمُلْتَزَمَ (مُلْصِقًا بِهِ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ وَبَطْنَهُ وَيَبْسُطُ يَدَيْهِ عَلَيْهِ وَيَجْعَلُ يَمِينَهُ نَحْوَ الْبَابِ وَيَسَارَهُ نَحْوَ الْحَجَرِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «طُفْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ فَلَمَّا جَاءَ دُبُرَ الْكَعْبَةِ قُلْتُ: أَلَا تَتَعَوَّذُ؟ قَالَ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ النَّارِ ثُمَّ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ فَقَامَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ فَوَضَعَ صَدْرَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَكَفَّيْهِ هَكَذَا وَبَسَطَهُمَا بَسْطًا وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ مِنْ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنْهُ: اللَّهُمَّ هَذَا بَيْتُكَ وَأَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ

стр. 1018

أَمَتِكَ حَمَلْتَنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِي مِنْ خَلْقِكَ وَسَيَّرْتنِي فِي بِلَادِكَ حَتَّى بَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ إلَى بَيْتِكَ، وَأَعَنْتَنِي عَلَى أَدَاءِ نُسُكِي فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا، وَإِلَّا فَمُنَّ) الْوَجْهُ فِيهِ ضَمُّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدُ النُّونِ عَلَى أَنَّهُ صِيغَةُ أَمْرٍ مِنْ مَنَّ يَمُنُّ مَقْصُودًا بِهِ الدُّعَاءَ وَيَجُوزُ كَسْرُ الْمِيمِ وَفَتْحُ النُّونِ عَلَى أَنَّهُ حَرْفُ جَرٍّ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ (الْآنَ) أَيْ: هَذَا الْوَقْتُ الْحَاضِرُ وَجَمْعُهُ آوِنَةٌ كَزَمَانٍ وَأَزْمِنَةٍ (قَبْلَ أَنْ تَنْأَى) أَيْ: تَبْعُدَ (عَنْ بَيْتِكَ دَارِي، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي) أَيْ: زَمَنُهُ (إنْ أَذِنْتَ لِي غَيْرُ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلَا بِبَيْتِكَ وَلَا رَاغِبٌ عَنْكَ وَلَا عَنْ بَيْتِكَ اللَّهُمَّ فَأَصْحَبَنِي) بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ (الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي وَالصِّحَّةَ فِي جِسْمِي وَالْعِصْمَةَ فِي دِينِي) وَهِيَ الْمَنْعُ مِنْ الْمَعَاصِي. (وَأَحْسِنْ) بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ (مُنْقَلَبِي وَارْزُقْنِي طَاعَتَكَ مَا أَبْقَيْتَنِي وَاجْمَعْ لِي خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ وَإِنْ أَحَبَّ دَعَا بِغَيْرِ ذَلِكَ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا خَرَجَ وَلَّاهَا ظَهْرَهُ وَلَا يَلْتَفِتُ) قَالَ أَحْمَدُ فَإِذَا وَلَّى لَا يَقِفُ وَلَا يَلْتَفِتُ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: الْتَفَتَ (أَعَادَ الْوَدَاعَ) نَصَّ عَلَيْهِ يَعْنِي: (اسْتِحْبَابًا) قَالَ فِي الشَّرْحِ: إذْ لَا نَعْلَمُ لِإِيجَابِ ذَلِكَ عَلَيْهِ دَلِيلًا. (وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ إذَا كِدْتَ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَالْتَفِتْ ثُمَّ اُنْظُرْ إلَى الْكَعْبَةِ فَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلهُ آخِرَ الْعَهْدِ) وَرَوَى حَنْبَلٌ عَنْ الْمُهَاجِرِ قَالَ قُلْتُ: لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّجُلُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيُصَلِّي فَإِذَا انْصَرَفَ خَرَجَ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ؟ فَقَالَ جَابِرٌ مَا كُنْتُ أَحْسَبُ يَصْنَعُ هَذَا إلَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَكَرَهُ ذَلِكَ (وَالْحَائِضُ) أَوْ النُّفَسَاءُ (تَقِفُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ (وَتَدْعُو بِذَلِكَ) الدُّعَاءِ اسْتِحْبَابًا لِتَعَذُّرِ دُخُولِهِ عَلَيْهَا. [فَصْلٌ إذَا فَرَغَ مِنْ الْحَجِّ اُسْتُحِبَّ لَهُ زِيَارَةُ النَّبِيِّ ﷺ ] (فَصْلٌ وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْحَجِّ اُسْتُحِبَّ لَهُ زِيَارَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَقَبْرَيْ صَاحِبَيْهِ) أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -) لِحَدِيثِ

стр. 1019

الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ وَفَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» . وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ سَعِيدٌ " تَنْبِيهٌ " قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: لَازِمُ اسْتِحْبَابِ زِيَارَةِ قَبْرِهِ ﷺ اسْتِحْبَابُ شَدِّ الرِّحَالِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ زِيَارَتَهُ لِلْحَاجِّ بَعْدَ حَجِّهِ لَا تُمْكِنُ بِدُونِ شَدِّ الرَّحْلِ فَهَذَا كَالتَّصْرِيحِ بِاسْتِحْبَابِ شَدِّ الرَّحْلِ لِزِيَارَتِهِ ﷺ . (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ إذَا حَجَّ الَّذِي لَمْ يَحُجَّ قَطُّ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الشَّامِ لَا يَأْخُذُ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثُ الْمَوْتِ كَانَ فِي سَبِيلِ الْحَجِّ) وَهُوَ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَيَكُونُ شَهِيدًا، عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَحْثُهُ عَنْ صَاحِبِ الْفُرُوعِ وَعِبَارَةُ الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: لَا يَأْخُذُ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يَحْدُثَ بِهِ حَدَثٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ مَكَّةَ مِنْ أَقْصَرِ الطَّرِيقِ وَلَا يَتَشَاغَلَ بِغَيْرِهِ (وَإِنْ كَانَ) الْحَجُّ (تَطَوُّعًا بَدَأَ بِالْمَدِينَةِ) قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي هَذَا: إنَّ الزِّيَارَةَ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ وَإِنَّ حَجَّ الْفَرْضِ أَفْضَلُ مِنْهَا انْتَهَى قُلْتُ: قَدْ يَتَوَقَّفُ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَنْضَمَّ إلَى قَصْدِ الْحَجِّ قَصْدُ الزِّيَارَةِ، فَيُثَابُ عَلَيْهِمَا بِخِلَافِ حَجِّ الْفَرْضِ فَيُمَحِّضُ النِّيَّةَ لَهُ. (فَإِذَا دَخَلَ مَسْجِدَهَا) أَيْ: مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ (سُنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ) عِنْدَ دُخُولِهِ (مَا يَقُولَ فِي دُخُولِ غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ) وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ (ثُمَّ يُصَلِّيَ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ) لِعُمُومِ الْأَوَامِرِ (ثُمَّ يَأْتِيَ الْقَبْرَ الشَّرِيفَ، فَيَقِفَ قُبَالَةَ وَجْهِهِ ﷺ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ، وَيَسْتَقْبِلَ جِدَارَ الْحُجْرَةِ، وَ) يَسْتَقْبِلَ (الْمِسْمَارَ الْفِضَّةَ فِي الرُّخَامَةِ الْحَمْرَاءِ) وَيُسْمَى الْآنَ بِالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ (فَيُسَلِّمَ عَلَيْهِ) ﷺ (فَيَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ) عَبْدُ اللَّهِ (ابْنُ عُمَرَ ﵁) وَعَنْ أَبِيهِ وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ (لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ زَادَ) عَلَيْهِ (فَحَسَنٌ) . قَالَ فِي الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَخِيرَتِهِ مِنْ خَلْقِهِ وَعِبَادِهِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَشْهَدُ أَنَّكَ بَلَّغْتَ رِسَالَاتِ رَبِّكَ، وَنَصَحْتَ لِأُمَّتِكَ

стр. 1020

وَدَعَوْتَ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَعَبَدْتَ اللَّهَ حَتَّى أَتَاكَ الْيَقِينُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ كَثِيرًا كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى اللَّهُمَّ أَجْزِ عَنَّا نَبِيَّنَا أَفْضَلَ مَا جَزَيْتَ أَحَدًا مِنْ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ إنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] وَقَدْ أَتَيْتُكَ مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذُنُوبِي مُسْتَشْفِعًا بِكَ إلَى رَبِّكَ فَأَسْأَلُكَ يَا رَبِّ أَنْ تُوجِبَ لِي الْمَغْفِرَةَ كَمَا أَوْجَبْتَهَا لِمَنْ آتَاهُ فِي حَيَاتِهِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ أَوَّلَ الشَّافِعِينَ، وَأَنْجَحَ السَّائِلِينَ وَأَكْرَمَ الْأَوَّلِينَ، وَالْآخِرِينَ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ثُمَّ يَدْعُو لِوَالِدَيْهِ وَلِإِخْوَانِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ. " فَائِدَةٌ " يُرْوَى عَنْ الْعُتْبِيِّ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] وَقَدْ جِئْتُكَ مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذُنُوبِي مُسْتَشْفِعًا بِكَ إلَى رَبِّي ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أَعْظُمُهُ ... فَطَابَ مِنْ طِيبِهِنَّ الْقَاعُ وَالْأَكَمُ نَفْسِي الْفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُهُ ... فِيهِ الْعَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرَمُ ثُمَّ انْصَرَفَ الْأَعْرَابِيُّ، فَحَمَلَتْنِي عَيْنَيَّ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّوْمِ فَقَالَ: يَا عُتْبِيُّ الْحَقْ الْأَعْرَابِيَّ فَبَشِّرْهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لَهُ. (وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢]
следующие страницы →