Полный текст (3 210 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
ثَبَتَ بِالْبَيْعِ (فَيُنْقَضُ فَسْخُهُ) أَيْ: يُنْقَضُ فَسْخُ الْبَيْعِ بِتِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ إذَا أَخَذَ الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ (وَيَأْخُذُ) الشَّفِيعُ الشِّقْصَ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ بِ (الْإِقَالَةِ وَ) فَسْخِهِ بِ (الْعَيْبِ) أَيْ: عَيْبِ الشِّقْصِ (بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ) لِمَا يَأْتِي.
(وَ) يَأْخُذُ (فِي) الْفَسْخِ لِأَجْلِ (التَّحَالُفِ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ) ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ مُقِرٌّ بِالثَّمَنِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَمُقِرٌّ لِلشَّفِيعِ بِاسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ بِذَلك، فَإِذَا بَطَلَ حَقُّ الْمُشْتَرِي بِإِنْكَارِهِ لَمْ يَبْطُلْ حَقُّ الشَّفِيعِ بِذَلِكَ، فَلَهُ أَنْ يُبْطِلَ فَسْخَهُمَا وَيَأْخُذَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ.
(وَإِنْ فَسَخَ الْبَائِعُ) الْبَيْعَ (لِعَيْبٍ فِي ثَمَنِهِ) أَيْ: ثَمَنِ الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ (الْمُعَيَّنِ) كَمَا لَوْ اشْتَرَى الشِّقْصَ بِعَبْدٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ عَلِمَ الْبَائِعُ عَيْبَهُ وَفَسَخَ الْبَيْعَ (فَإِنْ كَانَ) الْفَسْخُ (قَبْلَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ فَلَا شُفْعَةَ) لِمَا فِيهَا مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْبَائِعِ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ مِنْ الْفَسْخِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ بِوُجُودِ الْعَيْبِ، وَالشُّفْعَةُ ثَبَتَتْ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ،؛ وَلِأَنَّ حَقَّ الْبَائِعِ فِي الْفَسْخِ أَسْبَقُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى وُجُودِ الْعَيْبِ وَهُوَ مَوْجُودٌ حَالَ الْبَيْعِ، وَالشُّفْعَةُ تَثْبُتُ بِالْبَيْعِ وَيُفَارِقُ مَا إذَا كَانَ الشِّقْصُ مَعِيبًا، فَإِنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي إنَّمَا هُوَ اسْتِرْجَاعُ الثَّمَنِ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ مِنْ الشَّفِيعِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الرَّدِّ.
وَفِي مَسْأَلَتِنَا حَقُّ الْبَائِعِ فِي اسْتِرْجَاعِ الشِّقْصِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مَعَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ الْفَسْخُ بَعْدَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ (اسْتَقَرَّتْ) لِلشَّفِيعِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الشِّقْصَ بِالْأَخْذِ، فَلَمْ يَمْلِكْ الْبَائِعُ إبْطَالَ مِلْكِهِ كَمَا لَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي لِأَجْنَبِيٍّ (وَلِلْبَائِعِ) إذَا فَسَخَ بَعْدَ أَخْذِ الشَّفِيعِ (إلْزَامُ الْمُشْتَرِي بِقِيمَةِ شِقْصِهِ) ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ بِمَنْزِلَةِ تَلَفِ الشِّقْصِ.
(وَيَتَرَاجَعُ الْمُشْتَرِي وَالشَّفِيعُ بِمَا بَيْنَ الْقِيمَةِ) أَيْ: قِيمَةِ الشِّقْصِ (وَالثَّمَنِ) الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، وَهُوَ قِيمَةُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ أَخَذَهُ قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَى عَيْبِ الْعَبْدِ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ الثَّمَنُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، وَبَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى عَيْبِ الْعَبْدِ وَفَسْخِ الْبَيْعِ وَتَعَذُّرِ الشِّقْصِ اسْتَقَرَّ الْعَقْدُ عَلَى قِيمَةِ الشِّقْصِ، وَالشَّفِيعُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَلِلْمُشْتَرِي الْمُطَالَبَةُ بِمَا أَدَّاهُ زِيَادَةً عَلَيْهِ (فَيَرْجِعُ دَافِعُ الْأَكْثَرِ مِنْهُمَا) عَلَى الْآخَرِ (بِالْفَضْلِ) فَإِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الشِّقْصِ مِائَةً وَقِيمَةُ الْعَبْدِ الَّذِي هُوَ الثَّمَنُ مِائَةً وَعِشْرِينَ.
وَكَانَ الْمُشْتَرِي أَخَذَ الْمِائَةَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ الشَّفِيعِ رَجَعَ الشَّفِيعُ عَلَيْهِ بِالْعِشْرِينَ،؛ لِأَنَّ الشِّقْصَ إنَّمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ بِالْمِائَةِ (وَلَا يَرْجِعُ شَفِيعٌ عَلَى مُشْتَرٍ بِأَرْشِ عَيْبٍ فِي ثَمَنٍ عَفَا عَنْهُ بَائِعٌ) أَيْ: لَوْ أَبْرَأَ الْبَائِعُ مُشْتَرِي الشِّقْصِ مِنْ الْعَيْبِ الَّذِي وَجَدَهُ بِالْعَبْدِ مَثَلًا، فَلَا رُجُوعَ لِلشَّفِيعِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي لَا يَمْلِكُ فَسْخَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ حَطَّ الْبَائِعُ عَنْهُ بَعْضَ الثَّمَنِ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ، وَإِنْ اخْتَارَ الْبَائِعُ
стр. 1752
أَخْذَ أَرْشِ الْعَيْبِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَرْجِعُ مُشْتَرٍ عَلَى شَفِيعٍ بِشَيْءٍ، إنْ دَفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ الْعَبْدِ سَلِيمًا، وَإِلَّا رَجَعَ عَلَيْهِ بِبَدَلِ مَا أَدَّى إلَى أَرْشِهِ، وَإِنْ عَادَ الشِّقْصُ بَعْدَ فَسْخِ الْعَقْدِ لِعَيْبِ الثَّمَنِ وَأَخْذِ الشَّفِيعِ إلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي مِنْ الشَّفِيعِ، أَوْ غَيْرِهِ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ إرْثٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يَمْلِكْ الْبَائِعُ اسْتِرْجَاعَهُ بِمُقْتَضَى الْفَسْخِ السَّابِقِ،؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي زَالَ عَنْهُ وَانْقَطَعَ حَقُّهُ مِنْهُ إلَى الْقِيمَةِ.
فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَبْقَ لَهُ حَقٌّ بِخِلَافِ غَاصِبٍ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ رَدُّ مَغْصُوبٍ فَأَدَّى قِيمَتَهُ ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ وَيَسْتَرْجِعُ الْقِيمَةَ، لِأَنَّ مِلْكَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ.
(وَإِنْ أَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ) بِالشُّفْعَةِ (ثُمَّ ظَهَرَ) أَيْ: اطَّلَعَ بِالشِّقْصِ (عَلَى عَيْبٍ لَمْ يَعْلَمَاهُ) أَيْ: الْمُشْتَرِي وَالشَّفِيعُ (فَلَهُ) أَيْ: الشَّفِيعِ (رَدُّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوْ أَخْذُ أَرْشِهِ) مِنْهُ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ.
(وَ) يَرْجِعُ (الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ كَذَلِكَ) أَيْ: بِالثَّمَنِ وَيَرُدُّ الشِّقْصَ إنْ رَدَّهُ الشَّفِيعُ عَلَيْهِ، أَوْ يَأْخُذُ الْأَرْشَ (وَأَيُّهُمَا) أَيْ: أَيُّ الشَّخْصَيْنِ مِنْ الشَّفِيعِ وَالْمُشْتَرِي (عَلِمَ بِهِ) أَيْ: بِالْعَيْبِ عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ قَبْلَهُ (لَمْ يَرُدَّهُ) أَيْ: الشِّقْصَ الْمَعِيبَ وَلَمْ يُطَالِبْ بِأَرْشٍ،؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ.
(وَلَكِنْ إذَا عَلِمَ الشَّفِيعُ وَحْدَهُ فَلَا رَدَّ لِلْمُشْتَرِي) لِخُرُوجِ الشِّقْصِ عَنْ مِلْكِهِ (وَلَهُ) أَيْ: الْمُشْتَرِي (الْأَرْشُ) لِلْعَيْبِ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْهُ.
(يَعْلَمْهُ وَإِنْ ظَهَرَ الثَّمَنُ الْمُعَيَّنُ مُسْتَحَقًّا فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ (وَلَا شُفْعَةَ) ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَثْبُتُ فِي عَقَدٍ يَنْقُلُ الْمِلْكَ إلَى الْمُشْتَرِي، فَإِنْ كَانَ الشَّفِيعُ قَدْ أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ لَزِمَهُ مَا أَخَذَ عَلَى الْبَائِعِ، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، أَوْ إقْرَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَالشَّفِيعِ، فَإِنْ أَقَرَّا وَأَنْكَرَ الشَّفِيعُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا عَلَيْهِ، وَلَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ، وَيَرُدَّ الْبَائِعُ الْعَبْدَ لِصَاحِبِهِ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِقِيمَةِ الشِّقْصِ، وَإِنْ أَقَرَّ الشَّفِيعُ وَالْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ لَمْ تَثْبُتْ الشُّفْعَةُ وَوَجَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّ قِيمَةِ الْعَبْدِ عَلَى صَاحِبِهِ، وَيَبْقَى الشِّقْصُ مَعَهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ لِلْبَائِعِ وَالْبَائِعُ يُنْكِرُهُ وَيَدَّعِي عَلَيْهِ وُجُوبَ رَدِّ الْعَبْدِ، فَيَشْتَرِي الشِّقْصَ مِنْهُ وَيَتَبَارَيَانِ،، وَإِنْ أَقَرَّ الشَّفِيعُ وَالْبَائِعُ وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي وَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ رَدُّ الْعَبْدِ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَمْ تَثْبُتْ الشُّفْعَةُ وَلَمْ يَمْلِكْ الْبَائِعُ مُطَالَبَةَ الْمُشْتَرِي بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ فِي الظَّاهِرِ، وَقَدْ أَدَّى ثَمَنَهُ الَّذِي هُوَ مِلْكُهُ فِي الظَّاهِرِ.
، وَإِنْ أَقَرَّ الشَّفِيعُ وَحْدَهُ لَمْ تَثْبُتْ الشُّفْعَةُ، وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْبُطْلَانِ فِي حَقِّ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَى الشِّقْصَ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ نَقَدَ الثَّمَنَ، فَبَانَ مُسْتَحَقًّا كَانَتْ الشُّفْعَةُ وَاجِبَةً؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ، فَإِنْ تَعَذَّرَ قَبْضُ الثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي لِإِعْسَارِهِ، أَوْ غَيْرِهِ، فَلِلْبَائِعِ فَسْخُ الْبَيْعِ، وَيُقَدَّمُ حَقُّ الشَّفِيعِ؛ لِأَنَّ بِالْأَخْذِ بِهَا يَحْصُلُ لِلْمُشْتَرِي مَا يُؤَدِّيهِ ثَمَنًا، فَتَزُولُ عُسْرَتُهُ وَيَحْصُل
стр. 1753
الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ (وَإِنْ ظَهَرَ بَعْضُهُ) أَيْ: بَعْضُ الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ (مُسْتَحَقًّا بَطَلَ الْبَيْعُ فِيهِ) أَيْ: فِيمَا ظَهَرَ مُسْتَحَقًّا، وَمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الشِّقْصِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ، وَصَحَّ فِي الْبَاقِي، وَتَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ.
(وَإِنْ كَانَ) الثَّمَنُ (مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا) مَوْزُونًا أَوْ مَعْدُودًا أَوْ مَذْرُوعًا (فَتَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ بَطَلَ الْبَيْعُ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَانْتَفَتْ الشُّفْعَةُ) إنْ كَانَ التَّلَفُ قَبْلَ الْأَخْذِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ فَتَعَذَّرَ أَيْضًا الْعَقْدُ، فَلَمْ تَثْبُتْ الشُّفْعَةُ كَالْفَسْخِ بِخِيَارٍ (فَإِنْ كَانَ الشَّفِيعُ أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ) قَبْلَ التَّلَفِ (لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ اسْتِرْدَادُهُ) أَيْ: الشِّقْصِ لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِ الشَّفِيعِ عَلَيْهِ، وَيَغْرَمُ مُشْتَرِيهِ لِبَائِعِهِ قِيمَةَ الْمَبِيعِ، وَيَأْخُذُ مِنْ الشَّفِيعِ بَدَلَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، وَتَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ.
(وَلَوْ ارْتَدَّ الْمُشْتَرِي فَقُتِلَ أَوْ مَاتَ) قَبْلَ عِلْمِ الشَّفِيعِ بِالْبَيْعِ (فَلِلشَّفِيعِ) إذَا عَلِمَ بِالْبَيْعِ (الْأَخْذُ) بِالشُّفْعَةِ (مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِانْتِقَالِ مَالِهِ) أَيْ: الْمُرْتَدِّ (إلَيْهِ) أَيْ: إلَى بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِالشِّرَاءِ وَانْتِقَالُهُ إلَى الْمُسْلِمِينَ بِقَتْلِهِ، أَوْ مَوْتِهِ لَا يَمْنَعُ الشُّفْعَةَ، كَمَا لَوْ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَوَرِثَهُ وَرَثَتُهُ، أَوْ صَارَ مَالُهُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ لِعَدَمِ وَرَثَتِهِ (وَالْمُطَالَبُ) بِفَتْحِ اللَّامِ (بِالشُّفْعَةِ وَكِيلُ بَيْتِ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ الْمُسْلِمِينَ الْآيِلِ إلَيْهِمْ الشِّقْصُ.
(وَلَا تَصِحُّ الْإِقَالَةُ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالشَّفِيعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ بَيْعٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مُشْتَرٍ) وَالْإِقَالَةُ إنَّمَا تَكُونُ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ، فَإِنْ بَاعَهُ إيَّاهُ، صَحَّ؛ لِأَنَّ الْعَقَارَ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ (وَإِنْ اسْتَغَلَّهُ) أَيْ: اسْتَغَلَّ الْمُشْتَرِي الشِّقْصَ قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ بِالشُّفْعَةِ (بِأَنْ أَخَذَ ثَمَرَتَهُ، أَوْ أُجْرَتَهُ فَهِيَ لَهُ) أَيْ: لِلْمُشْتَرِي (وَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ مُطَالَبَةُ الْمُشْتَرِي بِرَدِّهَا) لِحَدِيثِ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» .
(وَإِنْ أَخَذَهُ) أَيْ: الشِّقْصَ (شَفِيعٌ وَفِيهِ زَرْعٌ، أَوْ ثَمَرَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ) ثَمَرَةٌ (مُؤَبَّرَةٌ وَنَحْوُهُ) كَلُقْطَةٍ ظَاهِرَةٍ مِنْ بَاذِنْجَانٍ وَنَحْوِهِ (فَهِيَ) .
وَفِي نُسْخَةٍ: فَهُوَ أَيْ: الزَّرْعُ وَالثَّمَرَةُ وَاللُّقْطَةُ الظَّاهِرَتَانِ (لِمُشْتَرٍ) ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ (مَبْقِيّ إلَى أَوَانِ أَخْذِهِ بِحَصَادٍ أَوْ جِذَاذٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا) كَلُقَاطٍ (بِلَا أُجْرَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ زَرَعَهُ فِي مِلْكِهِ؛ وَلِأَنَّ أَخْذَهُ بِمَنْزِلَةِ بَيْعٍ ثَانٍ.
(وَإِنْ نَمَا) الشِّقْصُ (عِنْدَهُ) أَيْ: الْمُشْتَرِي (نَمَاءً مُتَّصِلًا كَشَجَرٍ كَبِرَ، وَطَلَعَ لَمْ يُؤَبَّرْ) يَعْنِي يَتَشَقَّقْ (تَبِعَهُ) أَيْ: الْأَصْلُ (فِي عَقْدٍ وَفَسْخٍ) كَالرَّدِّ بِعَيْبٍ، فَيَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِزِيَادَتِهِ لَا يُقَالُ: فَلِمَ لَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمُ الزَّوْجِ إذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ؟ ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَقْدِرُ عَلَى الرُّجُوعِ بِالْقِيمَةِ إذَا فَاتَهُ الرُّجُوعُ فِي الْعَيْنِ، وَهُنَا يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْهَا إذَا لَمْ يَرْجِعْ فِي الشِّقْصِ، فَافْتَرَقَا، وَلَوْ كَانَ الطَّلْعُ مَوْجُودًا حَالَ الشِّرَاءِ غَيْرَ مُؤَبَّرٍ، ثُمَّ أُبِّرَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَهُوَ لَهُ أَيْضًا مَبْقِيّ إلَى أَوَانِ جِذَاذِهِ، لَكِنْ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ الْأَرْضَ وَالنَّخْلَ بِحِصَّتِهِمَا مِنْ الثَّمَنِ،
стр. 1754
؛ لِأَنَّهُ فَاتَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَا شَمَلَهُ عَقْدُ الشِّرَاءِ، وَهُوَ الطَّلْعُ الَّذِي لَمْ يُؤَبَّرْ حَالَ الْعَقْدِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ شَمَلَ الشِّرَاءُ الشِّقْصَ وَعُرِضَ مَعَهُ.
(وَإِنْ قَاسَمَ الْمُشْتَرِي وَكِيلَ الشَّفِيعِ) فِي غَيْبَةِ الشَّفِيعِ (أَوْ قَاسَمَ) الْمُشْتَرِي (الشَّفِيعَ لِكَوْنِهِ أَظْهَرَ لَهُ زِيَادَةً فِي الثَّمَنِ، أَوْ) لِكَوْنِهِ أَظْهَرَ (أَنَّ الشِّقْصَ مَوْهُوبٌ لَهُ وَنَحْوَهُ) بِأَنْ أَظْهَرَ بِأَنَّ الشِّرَاءَ لِغَيْرِهِ (ثُمَّ غَرَسَ) الْمُشْتَرِي (أَوْ بَنَى) فِيمَا خَرَجَ لَهُ بِالْقِسْمَةِ (لَمْ تَسْقُطْ الشُّفْعَةُ) ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ لَمْ يَتْرُكْ الطَّلَبَ بِهَا إعْرَاضًا عَنْهَا، بَلْ لِمَا أَظْهَرَهُ الْمُشْتَرِي.
، وَكَذَا لَوْ كَانَ الشَّفِيعُ غَائِبًا، أَوْ صَغِيرًا وَطَالَبَ الْمُشْتَرِي الْحَاكِمَ بِالْقِسْمَةِ فَقَاسَمَ، ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ وَبَلَغَ الصَّغِيرُ، فَلَهُمَا الْأَخْذُ (وَلِلشَّفِيعِ الْأَخْذُ بِهَا إذَا عَلِمَ الْحَالَ، وَيَدْفَعُ قِيمَةَ الْغِرَاسِ، أَوْ الْبِنَاءِ) لِرَبِّهِمَا (حِينَ تَقْوِيمِهِ) أَيْ: الْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ (وَصِفَةُ تَقْوِيمِهِ: أَنَّ الْأَرْضَ تُقَوَّمُ مَغْرُوسَةً، أَوْ مَبْنِيَّةً ثُمَّ تُقَوَّمُ خَالِيَةً) مِنْ الْغِرَاسِ، أَوْ الْبِنَاءِ (فَيَكُونُ مَا بَيْنَهُمَا قِيمَةَ الْغِرَاسِ، أَوْ الْبِنَاءِ) لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي زَادَ بِالْغِرَاسِ أَوْ الْبِنَاءِ (فَيَمْلِكُهُ) أَيْ: الْغِرَاسَ، أَوْ الْبِنَاءَ الشَّفِيعُ بِمَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ (أَوْ يَقْلَعُهُ) أَيْ: الْغِرَاسَ، أَوْ الْبِنَاءَ إنْ أَحَبَّ.
(وَيَضْمَنُ نَقْصَهُ مِنْ الْقِيمَةِ) الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الْأَرْضِ مَغْرُوسَةً، أَوْ مَبْنِيَّةً وَبَيْنَ قِيمَتِهَا خَالِيَةً (بِالْقَلْعِ) مُتَعَلِّقٌ بِنَقْصِهِ، وَإِنْ غَرَسَ الْمُشْتَرِي مَثَلًا أَوْ بَنَى مَعَ الشَّفِيعِ أَوْ وَكِيلِهِ فِي الْمُشَاعِ ثُمَّ أَخَذَهُ الشَّفِيعُ فَالْحُكْمُ فِي أَخْذِ نَصِيبِهِ مِنْ ذَلِكَ كَالْحُكْمِ فِي أَخْذِ جَمِيعِهِ (فَإِنْ اخْتَارَ الشَّفِيعُ أَخَذَهُ) أَيْ: الْغِرَاسَ، أَوْ الْبِنَاءَ بِقِيمَتِهِ (وَأَرَادَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ) أَيْ: قَلْعَهُ لِأَنَّهُمَا مِلْكُهُ عَلَى انْفِرَادِهِ.
(وَلَوْ مَعَ ضَرَرٍ) يَلْحَقُ الْأَرْضَ؛ لِأَنَّهُ تَخْلِيصُ عَيْنِ مَالِهِ مِمَّا كَانَ حِينَ الْوَضْعِ فِي مِلْكِهِ (وَلَا يَضْمَنُ) مُشْتَرٍ (نَقْصَ الْأَرْضِ) بِقَلْعِ غِرَاسِهِ أَوْ بِنَائِهِ لِانْتِفَاءِ عُدْوَانِهِ، فَيُخَيَّرُ الشَّفِيعُ بَيْنَ أَخْذِ الشِّقْصِ نَاقِصًا بِكُلِّ الثَّمَنِ، أَوْ تَرْكِهِ.
(وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُشْتَرِي (تَسْوِيَةُ حُفَرِهَا) إذَا قَلَعَ غِرَاسَهُ، أَوْ بِنَاءَهُ لِعَدَمِ عُدْوَانِهِ (وَلَا يَلْزَمُ الشَّفِيعَ إذَا أَخَذَ الْغِرَاسَ أَوْ الْبِنَاءَ دَفْعُ مَا أَنْفَقَهُ) الْمُشْتَرِي عَلَى الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ (سَوَاءٌ كَانَ) مَا أَنْفَقَهُ (أَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ أَكْثَرُ) مِنْهَا بَلْ تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ فَقَطْ (وَإِنْ حَفَرَ) الْمُشْتَرِي (فِيهَا) أَيْ: الْبُقْعَةِ الْمَشْفُوعَةِ (بِئْرًا) بَعْدَ الْمُقَاسَمَةِ لِمَا تَقَدَّمَ، أَوْ حَفَرَهَا مَعَ الشَّفِيعِ، أَوْ وَكِيلِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ فِي الْبِنَاءِ، ثُمَّ أَخَذَ الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ (أَخَذَهَا) أَيْ: الْبِئْرَ (الشَّفِيعُ) مَعَ الشِّقْصِ (وَلَزِمَهُ) أَيْ: الشَّفِيعَ لِلْمُشْتَرِي (أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِحَفْرِهَا) ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِي لَمْ يَتَعَدَّ بِحَفْرِهَا.
(وَإِنْ بَاعَ شَفِيعٌ مِلْكَهُ مِنْ الْأَرْضِ) الَّتِي بِيعَ مِنْهَا الشِّقْصُ الْمَشْفُوعُ (أَوْ) بَاعَ (بَعْضَهُ) أَيْ: بَعْضَ مِلْكِهِ مِنْهَا (قَبْلَ الْعِلْمِ) بِبَيْعِ شَرِيكِهِ (لَا بَعْدَهُ،
стр. 1755
لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ) ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ لَهُ حِينَ بَيْعِ شَرِيكِهِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى عَفْوِهِ عَنْهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَ بَعْدَ الْعِلْمِ.
(وَلِلْمُشْتَرِي الشُّفْعَةُ فِيمَا بَاعَهُ الشَّفِيعُ) سَوَاءٌ أُخِذَ مِنْهُ مَا اشْتَرَاهُ بِالشُّفْعَةِ، أَوْ لَمْ يُؤْخَذْ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِي الرَّقَبَةِ، أَشْبَهَ الْمَالِكَ الَّذِي لَمْ تَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ شُفْعَةٌ.
(وَإِنْ مَاتَ الشَّفِيعُ) قَبْلَ الطَّلَبِ بِالشُّفْعَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ أَوْ الْإِشْهَادِ مَعَ الْعُذْرِ (بَطَلَتْ) شُفْعَتُهُ؛ لِأَنَّهَا نَوْعُ خِيَارٍ شُرِعَ لِلتَّمْلِيكِ، أَشْبَهَ الْقَبُولَ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ مَنْ يُرِيدُ الْقَبُولَ بَعْدَ إيجَابِ صَاحِبِهِ لَمْ يَقُمْ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الْقَبُولِ،؛ وَلِأَنَّا لَا نَعْلَمُ بَقَاءَهُ عَلَى الشُّفْعَةِ لِاحْتِمَالِ رَغْبَتِهِ عَنْهَا، وَلَا يُنْتَقَلُ إلَى الْوَرَثَةِ مَا شُكَّ فِي ثُبُوتِهِ.
(وَإِنْ طَالَبَ) الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ قَبْلَ مَوْتِهِ، أَوْ أَشْهَدَ مَعَ الْقُدْرَةِ أَنَّهُ مُطَالِبٌ بِهَا (فَلَا) سُقُوطَ بِمَوْتِهِ بَلْ تَنْتَقِلُ لِوَرَثَتِهِ خُصُوصًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَمْلِكُ الشِّقْصَ بِمُجَرَّدِ الطَّلَبِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ (وَتَكُونُ) الشُّفْعَةُ (لِوَرَثَتِهِ كُلِّهِمْ) إذَا مَاتَ بَعْدَ الطَّلَبِ (عَلَى حَسَبِ مِيرَاثِهِمْ) كَسَائِرِ حُقُوقِهِ.
(وَلَا فَرْقَ فِي الْوَارِثِ بَيْنَ ذَوِي الرَّحِمِ) أَيْ: الْأَقَارِبِ الْوَارِثِينَ بِفَرْضٍ، أَوْ تَعْصِيبٍ، أَوْ رَحِمٍ (وَالزَّوْجِ وَالْمَوْلَى) وَهُوَ الْمُعْتَقُ وَعَصَبَتُهُ الْمُتَعَصِّبُونَ بِأَنْفُسِهِمْ (وَبَيْتِ الْمَالِ، فَيَأْخُذُ الْإِمَامُ بِهَا) أَيْ: بِالشُّفْعَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَارِثٌ خَاصٌّ يَسْتَغْرِقُ بِفَرْضٍ، أَوْ تَعْصِيبٍ أَوْ رَدٍّ، أَوْ رَحِمٍ (فَإِنْ تَرَكَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ حَقَّهُ) مِنْ الشُّفْعَةِ (تَوَفَّرَ الْحَقُّ عَلَى بَاقِي الْوَرَثَةِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا إلَّا الْكُلَّ، أَوْ يَتْرُكُوا) الْكُلَّ؛ لِأَنَّ فِي أَخْذِ الْبَعْضِ وَتَرْكِ الْبَعْضِ إضْرَارًا بِالْمُشْتَرِي، لَكِنْ عَلَى الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ الشَّفِيعَ يَمْلِكُ الشِّقْصَ بِالطَّلَبِ لَا يَتَأَتَّى الْعَفْوُ بَعْدَهُ، بَلْ يَنْتَقِلُ الشِّقْصُ إلَى الْوَرَثَةِ كُلِّهِمْ عَلَى حَسَبِ إرْثِهِمْ قَهْرًا عَلَيْهِمْ، وَيُؤْخَذُ ثَمَنُهُ مِنْ التَّرِكَةِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ.
(وَإِذَا بِيعَ شِقْصٌ لَهُ شَفِيعَانِ فَعَفَا عَنْهَا) أَيْ: الشُّفْعَةِ (أَحَدُهُمَا وَطَالَبَ بِهَا الْآخَرُ، ثُمَّ مَاتَ الطَّالِبُ) لِلشُّفْعَةِ (فَوَرِثَهُ) الشَّرِيكُ (الْعَافِي) عَنْ الشُّفْعَةِ (فَلَهُ أَخْذُ الشِّقْصِ بِهَا) أَيْ: بِالشُّفْعَةِ،؛ لِأَنَّ عَفْوَهُ أَوَّلًا عَنْ حَقِّهِ الثَّابِتِ بِالْبَيْعِ لَا يُسْقِطُ حَقَّهُ الْمُتَجَدِّدَ بِالْإِرْثِ، وَإِذَا حَقَّقْتَ النَّظَرَ فَالْمِلْكُ قَدْ انْتَقَلَ إلَى الطَّالِبِ بِالطَّلَبِ، ثُمَّ إلَى وَارِثِهِ، فَقَوْلُهُ: فَلَهُ الْأَخْذُ: إنَّمَا هُوَ مُجَارَاةٌ لِلْخَصْمِ، أَوْ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِالطَّلَبِ، وَإِلَّا فَهُوَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ قَهْرًا.
стр. 1756
[فَصْلٌ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ بِلَا حُكْمِ حَاكِمٍ]
(فَصْلٌ وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ) الْمَشْفُوعَ (بِلَا حُكْمِ حَاكِمٍ) ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى حَاكِمٍ حَكَمَ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ (بِمِثْلِ الثَّمَنِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ) وَقْتَ لُزُومِهِ (قَدْرًا وَجِنْسًا وَصِفَةً) لِحَدِيثِ جَابِرٍ «فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ» رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُ فِي الْمُتَرْجِمِ،؛ وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ الشِّقْصَ بِالْبَيْعِ، فَكَانَ مُسْتَحِقًّا لَهُ بِالثَّمَنِ كَالْمُشْتَرِي لَا يُقَالُ: الشَّفِيعُ اسْتَحَقَّ أَخْذَ الشِّقْصِ بِغَيْرِ رِضَا مَالِكِهِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ كَالْمُضْطَرِّ إلَى طَعَامِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُضْطَرَّ اسْتَحَقَّهُ بِسَبَبِ حَاجَتِهِ، فَكَانَ الْمَرْجِعُ فِي بَدَلِهِ إلَى قِيمَتِهِ، وَالشَّفِيعُ اسْتَحَقَّهُ بِالْبَيْعِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِالْعِوَضِ الثَّابِتِ لَهُ (إنْ قَدَرَ) الشَّفِيعُ (عَلَيْهِ) أَيْ: الثَّمَنِ.
(وَإِنْ طَلَبَ) الشَّفِيعُ (الْإِمْهَالَ) لِتَحْصِيلِ الثَّمَنِ (أُمْهِلَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةَ) أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهَا حَدُّ جَمْعِ الْقِلَّةِ (فَإِذَا مَضَتْ) الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ (وَلَمْ يُحْضِرْهُ) أَيْ: يُحْضِرْ الشَّفِيعُ الثَّمَنَ (فَلِلْمُشْتَرِي الْفَسْخُ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَى الثَّمَنِ فَمَلَكَ الْفَسْخَ، كَبَائِعٍ بِثَمَنٍ حَالٍّ (مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ لَا يَقِفُ عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، فَلَا يَقِفُ فَسْخُ الْأَخْذِ بِهَا عَلَيْهِ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَحَيْثُ تَقَرَّرَ أَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ بِالثَّمَنِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ (فَإِنْ كَانَ) الثَّمَنُ (مِثْلِيًّا فَ) إنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُهُ (بِمِثْلِهِ) أَيْ: الثَّمَنَ.
(وَإِلَّا) يَكُنْ الثَّمَنُ مِثْلِيًّا (فَ) إنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُهُ (بِقِيمَتِهِ) أَيْ: الثَّمَنَ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُهُ فِي الْقَرْضِ وَالْإِتْلَافِ (وَقْتَ لُزُومِهِ) أَيْ: الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ اسْتِحْقَاقِ الْأَخْذِ.
(وَإِنْ دَفَعَ) الْمُشْتَرِي لِبَائِعٍ (مَكِيلًا) كَبُرٍّ وَزَيْتٍ (بِوَزْنٍ أَخَذَ) مِنْ الشَّفِيعِ (مِثْلَهُ كَيْلَهُ كَقَرْضٍ) أَيْ: كَمَا لَوْ أَقْرَضَهُ مَكِيلًا بِوَزْنٍ فَإِنَّهُ يَسْتَرِدُّ مِثْلَ كَيْلِهِ اعْتِبَارًا بِمِعْيَارِهِ الشَّرْعِيِّ، وَكَذَا عَكْسُهُ.
(وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ) عَنْ الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ (عَرْضًا مُتَقَوِّمًا مَوْجُودًا قُوِّمَ وَأَعْطَى) الشَّفِيعُ الْمُشْتَرِي (قِيمَتَهُ) ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُهُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ كَانَ) الْعَرْضُ الْمَجْعُولُ ثَمَنًا (مَعْدُومًا وَتَعَذَّرَتْ مَعْرِفَتُهُ كَانَتْ دَعْوَى) الْمُشْتَرِي (جَهْلَهُ) أَيْ: جَهْلَ قِيمَتِهِ (كَدَعَوَا) هـ (جَهْلَ الثَّمَنِ عَلَى مَا يَأْتِي) أَيْ: مَقْبُولَةٌ مِنْهُ بِيَمِينِهِ، وَتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ حَيْثُ لَا حِيلَةَ (فَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الشَّفِيعُ وَالْمُشْتَرِي (فِي قِيمَتِهِ) أَيْ: قِيمَةِ الْعَرْضِ الْمَجْعُولِ ثَمَنًا (وَالْحَالَةُ هَذِهِ) أَيْ: وَهُوَ مَعْدُومٌ (فَقَوْلُ مُشْتَرٍ)
стр. 1757
بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمَا عَقَدَ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الشِّقْصَ مِلْكُهُ، فَلَا يُنْزَعُ مِنْهُ بِغَيْرِ مَا يَدَّعِيهِ بِلَا بَيِّنَةٍ.
(وَإِنْ عَجَزَ) الشَّفِيعُ (عَنْ الثَّمَنِ أَوْ) عَجَزَ (عَنْ بَعْضِهِ سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَوْ أَتَى) الشَّفِيعُ (بِرَهْنٍ، أَوْ ضَمِينٍ) لَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِي قَبُولُهُمَا، وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ مُحْرَزًا وَالضَّمِينُ مَلِيئًا لِمَا عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ الضَّرَرِ بِتَأْخِيرِ الثَّمَنِ، وَالشُّفْعَةُ شُرِعَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، فَلَا تَثْبُتُ مَعَهُ (أَوْ بَذَلَ) الشَّفِيعُ (عِوَضًا عَنْ الثَّمَنِ) بِأَنْ كَانَ نَقْدًا فَدَفَعَ عَنْهُ عَرْضًا (لَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِي قَبُولُهُ) دَفْعًا لِمَا عَسَاهُ أَنْ يَتَضَرَّرَ بِهِ.
(وَالْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ نَوْعُ بَيْعٍ) كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ تَمَلُّكٌ لِلشِّقْصِ بِثَمَنِهِ (لَكِنْ لَا خِيَارَ فِيهِ) أَيْ: فِي الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّهُ قَهْرِيٌّ (وَلِهَذَا) أَيْ: لِكَوْنِهِ نَوْعَ بَيْعٍ (اُعْتُبِرَ لَهُ) أَيْ: لِصِحَّةِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ (الْعِلْمُ بِالشِّقْصِ) الْمَأْخُوذِ.
(وَ) الْعِلْمُ (بِالثَّمَنِ) الْمَأْخُوذِ بِهِ كَمَا يُعْتَبَرُ فِي الْبَيْعِ: الْعِلْمُ بِالْعِوَضَيْنِ (فَلَا يَصِحُّ) الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ (مَعَ جَهَالَتِهِمَا) وَلَا مَعَ جَهَالَةِ أَحَدِهِمَا، هَذَا مَعْنَى مَا قَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْإِنْصَافِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ.
وَقَالَ فِي التَّنْقِيحِ: وَلَا تُعْتَبَرُ رُؤْيَتُهُ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ أَيْ: الشِّقْصِ انْتَهَى، وَهُوَ مَعْنَى مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَهُوَ مَعْنَى مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ عَنْ التَّرْغِيبِ لِكَوْنِهِ قَهْرِيًّا بِخِلَافِ الْبَيْعِ (وَلَهُ) أَيْ: لِلشَّفِيعِ (الْمُطَالَبَةُ بِهَا) أَيْ: بِالشُّفْعَةِ (مَعَ الْجَهَالَةِ) أَيْ: جَهَالَةِ الشِّقْصِ وَالثَّمَنِ (ثُمَّ يَتَعَرَّفُ) مِقْدَارَ الثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي، أَوْ غَيْرِهِ، وَيَتَعَرَّفُ الْمَبِيعَ فَيَأْخُذُهُ بِثَمَنِهِ مِنْهُ وَظَاهِرُ عَطْفِهِ بِثُمَّ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْفَوْرُ لِلتَّعَرُّفِ وَالْأَخْذِ، اكْتِفَاءً بِالْمُطَالَبَةِ وَلَوْ مَعَ الْجَهَالَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ أَيْضًا (وَ) لَا (يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي تَسْلِيمُ الشِّقْصِ) لِلشَّفِيعِ (حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ) ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ قَهْرِيٌّ وَالْبَيْعَ عَنْ رِضًا.
(وَإِنْ أَفْلَسَ الشَّفِيعُ) بَعْدَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ (وَالثَّمَنُ) كُلُّهُ (فِي الذِّمَّةِ) أَيْ: ذِمَّةِ الشَّفِيعِ (خُيِّرَ مُشْتَرٍ بَيْنَ فَسْخِ) الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ (وَ) بَيْنَ (ضَرْبٍ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِالثَّمَنِ كَبَائِعٍ) مَعَ مُشْتَرٍ أَفْلَسَ، لِحَدِيثِ «مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ عِنْدَ مَنْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» وَتَقَدَّمَ فِي الْحَجْرِ.
(وَمَا يُزَادُ فِي الثَّمَنِ) فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ يُلْحَقُ بِهِ (أَوْ يُحَطُّ مِنْهُ) أَيْ: الثَّمَنِ (فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ) أَيْ: الْمَجْلِسِ، أَوْ الشَّرْطِ (يُلْحَقُ بِهِ) أَيْ: بِالْعَقْدِ،؛ لِأَنَّ زَمَنَ الْخِيَارِ كَحَالَةِ الْعَقْدِ وَ (لَا) يُلْحَقُ بِهِ (مَا) زِيدَ، أَوْ حُطَّ مِنْ الثَّمَنِ (بَعْدَهَا) أَيْ: مُدَّةِ الْخِيَارِ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ حِينَئِذٍ هِبَةٌ يُشْتَرَطُ لَهَا شُرُوطُهَا وَالنُّقْصَانُ إبْرَاءٌ فَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهُمَا فِي حَقِّ الشَّفِيعِ لِكَوْنِهِ وُجِدَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْعَقْدِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَهَبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ عَيْنًا أُخْرَى.
(وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ) عَنْ الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ (مُؤَجَّلًا
стр. 1758
أَخَذَهُ) أَيْ: الشِّقْصَ (الشَّفِيعُ بِالْأَجَلِ إنْ كَانَ) الشَّفِيعُ (مَلِيئًا وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ مُعْسِرًا (أَقَامَ) الشَّفِيعُ (كَفِيلًا مَلِيئًا) بِالثَّمَنِ (وَأَخَذَ) الشَّفِيعُ الشِّقْصَ (بِهِ) أَيْ: بِالثَّمَنِ مُؤَجَّلًا؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَسْتَحِقُّ الْأَخْذَ بِقَدْرِ الثَّمَنِ وَصِفَتِهِ، وَالتَّأْجِيلُ مِنْ صِفَتِهِ، وَاعْتُبِرَتْ الْمُلَاءَةُ، أَوْ الْكَفِيلُ دَفْعًا لِضَرَرِ الْمُشْتَرِي (فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ) الشَّفِيعُ بِالْبَيْعِ (حَتَّى حَلَّ) الثَّمَنُ الْمُؤَجَّلُ (فَ) الثَّمَنُ (كَالْحَالِ) أَيْ: كَمَا لَوْ اشْتَرَى بِهِ حَالًا.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الشَّفِيعُ وَالْمُشْتَرِي (فِي قَدْرِهِ) أَيْ: الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُهُ بِثَلَاثِينَ، وَقَالَ الشَّفِيعُ: بَلْ بِعِشْرِينَ مَثَلًا (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي) مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ الْعَاقِدُ فَهُوَ أَعْلَمُ بِالثَّمَنِ؛ وَلِأَنَّ الْمَبِيعَ مِلْكُهُ فَلَا يُنْزَعُ مِنْهُ بِدَعْوَى مُخْتَلِفٍ فِيهِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ) وَالشَّفِيعُ لَيْسَ بِغَارِمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ تَمَلُّكَ الشِّقْصِ بِثَمَنِهِ بِخِلَافِ غَاصِبٍ وَمُتْلِفٍ.
(وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً) بِمَا ادَّعَاهُ (قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الشَّفِيعِ) ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَائِعِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ: الشَّفِيعِ أَوْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ، وَيُقْبَلُ عَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ وَشَاهِدٌ وَيَمِينٌ (وَيُؤْخَذُ بِقَوْلِ مُشْتَرٍ فِي جَهْلِهِ بِهِ) أَيْ: بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ (فَيَحْلِفُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَهُ) أَيْ: الثَّمَنِ.
(وَلَا شُفْعَةَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْأَخْذُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا لَا يَدَّعِيهِ إلَّا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ تَحَيُّلًا عَلَى إسْقَاطِهَا فَلَا يَسْقُطُ (فَإِنْ اتَّهَمَهُ) الشَّفِيعُ (أَنَّهُ) أَيْ: الْمُشْتَرِي (فَعَلَهُ حِيلَةً) لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ (حَلَّفَهُ) أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ حِيلَةً (وَإِنْ وَقَعَ) ذَلِكَ (حِيلَةً دَفَعَ) الشَّفِيعُ (إلَيْهِ) أَيْ: الْمُشْتَرِي مِثْلَ (مَا أَعْطَاهُ) لِلْبَائِعِ إنْ عَلِمَ (أَوْ قِيمَةَ الشِّقْصِ) إنْ تَعَذَّرَتْ مَعْرِفَةُ الثَّمَنِ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ (فَإِنْ كَانَ) الثَّمَنُ (مَجْهُولًا كَصُبْرَةِ نَقْدٍ وَنَحْوِهِ) كَصُبْرَةِ بُرٍّ، أَوْ شَعِيرٍ (وَجَوْهَرَةٍ، دَفَعَ) الشَّفِيعُ (مِثْلَهُ) أَيْ: مِثْلَ الْمِثْلِيِّ (أَوْ قِيمَتَهُ) أَيْ: قِيمَةَ الْمُتَقَوِّمِ إنْ عَلِمَ ذَلِكَ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عِلْمُهُ لِتَلَفِهِ وَنَحْوِهِ (فَ) لِلشَّفِيعِ الْأَخْذُ بِ (قِيمَةِ الشِّقْصِ) حَيْثُ وَقَعَ ذَلِكَ حِيلَةً (وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ) فِي الْبَابِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الشَّفِيعُ وَالْمُشْتَرِي (فِي الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ) اللَّذَيْنِ (فِي الشِّقْصِ) الْمَشْفُوعِ (فَقَالَ الْمُشْتَرِي أَنَا أَحْدَثْتُهُ فَأَنْكَرَ الشَّفِيعُ) وَقَالَ: بَلْ اشْتَرَيْتُهُ مَغْرُوسًا وَمَبْنِيًّا (فَقَوْلُ الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ الْمُشْتَرِي وَالشَّفِيعُ يُرِيدُ تَمَلُّكَهُ عَلَيْهِ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ شَفِيعٍ.
(وَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْتُهُ بِأَلْفٍ وَأَقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً أَنَّهُ بَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِأَلْفٍ) لِأَنَّ الْمُشْتَرِي مُقِرٌّ لَهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ بِأَلْفٍ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الرُّجُوعَ بِأَكْثَرَ (فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: غَلِطْتُ، أَوْ نَسِيتُ، أَوْ كَذَبْتُ)
стр. 1759
وَالْبَيِّنَةُ صَادِقَةٌ (لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ) ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ إقْرَارِهِ بِحَقٍّ لِآدَمِيٍّ فَلَمْ يُقْبَلْ كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ.
(وَإِنْ ادَّعَى) الشَّفِيعُ (أَنَّكَ) أَيُّهَا الْوَاضِعُ يَدَكَ عَلَى الشِّقْصِ (اشْتَرَيْتَهُ بِأَلْفٍ) فَلِيَ الشُّفْعَةُ، احْتَاجَ إلَى تَحْرِيرِ الدَّعْوَى، فَيُحَدِّدُ الْمَكَانَ الَّذِي فِيهِ الشِّقْصُ، وَيَذْكُرُ قَدْرَ الشِّقْصِ وَثَمَنَهُ، فَإِنْ اعْتَرَفَ لَزِمَهُ، وَإِنْ أَنْكَرَ (فَقَالَ) وَاضِعُ الْيَدِ (بَلْ اتَّهَبْتُهُ، أَوْ وَرِثْتُهُ) فَلَا شُفْعَةَ (فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ) أَنَّهُ اتَّهَبَهُ، أَوْ وَرِثَهُ،؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ وَالْمُثْبِتُ لِلشُّفْعَةِ الْبَيْعُ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ.
، وَإِنْ قَالَ لَا تُسْتَحَقُّ عَلَيَّ شُفْعَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَهِيَ عَلَى حَسَبِ جَوَابِهِ (فَإِنْ نَكَلَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (عَنْهَا) أَيْ: الْيَمِينِ (أَوْ قَامَتْ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ) بِدَعْوَاهُ (فَلَهُ أَخْذُهُ) أَيْ: الشِّقْصِ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ ثَبَتَ بِالنُّكُولِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْإِقْرَارِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ، وَإِذَا ثَبَتَ تَبِعَتْهُ حُقُوقُهُ، وَالْأَخْذُ الثَّمَنَ فَإِنْ أَخَذَهُ دُفِعَ إلَيْهِ وَإِلَّا فَ (يَبْقَى الثَّمَنُ فِي يَدِهِ) يَعْنِي فِي ذِمَّةِ الشَّفِيعِ (إلَى أَنْ يَدَّعِيهِ الْمُشْتَرِي) فَيَدْفَعُ إلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى الشَّفِيعُ أَنَّ وَاضِعَ الْيَدِ اشْتَرَاهُ فَأَنْكَرَ وَأَقَرَّ الْبَائِعُ، وَيَأْتِي.
وَلَوْ ادَّعَى شَرِيكٌ عَلَى حَاضِرٍ بِيَدِهِ نَصِيبَ شَرِيكِهِ الْغَائِبِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِالشُّفْعَةِ فَصَدَّقَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَخَذَهُ مِنْهُ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى الشَّرِيكُ عَلَى الْحَاضِرِ أَنَّهُ بَاعَ نَصِيبَ الْغَائِبَ بِإِذْنِهِ فَقَالَ نَعَمْ، فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ فَأَنْكَرَ حَلَفَ وَانْتَزَعَ الشِّقْصَ وَطَالَبَ بِالْأُجْرَةِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الشَّفِيعِ، وَإِنْ أَنْكَرَ وَاضِعُ الْيَدِ أَنَّهُ اشْتَرَى نَصِيبَ الْغَائِبِ وَقَالَ: بَلْ أَنَا وَكِيلٌ فِي حِفْظِهِ، أَوْ مُسْتَوْدَعٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَلَ احْتَمَلَ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَقَضَى عَلَيْهِ، وَاحْتَمَلَ أَلَّا يَقْضِيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ عَلَى غَائِبٍ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا إقْرَارٍ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ،.
[لَا شُفْعَةَ فِي بَيْعٍ فِيهِ خِيَارُ مَجْلِسٍ أَوْ خِيَارُ شَرْطٍ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (وَلَا شُفْعَةَ فِي بَيْعٍ فِيهِ خِيَارُ مَجْلِسٍ أَوْ) خِيَارُ (شَرْطٍ قَبْلَ انْقِضَائِهِ) أَيْ: الْخِيَارِ (سَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا) أَيْ: الْمُتَبَايِعَيْنِ (أَوْ لِأَحَدِهِمَا) لِمَا فِي الْأَخْذِ مِنْ إبْطَالِ خِيَارِهِ، وَإِلْزَامِ الْمُشْتَرِي بِالْعَقْدِ قَبْلَ رِضَاهُ بِالْتِزَامِهِ، وَإِيجَابِ الْعُهْدَةِ عَلَيْهِ، وَتَفْوِيتِ حَقِّهِ مِنْ الرُّجُوعِ فِي عَيْنِ الثَّمَنِ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُ، وَتَفْوِيتِ حَقِّ الْبَائِعِ مِنْ الرُّجُوعِ فِي عَيْنِ الْمَبِيعِ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُ.
(وَبَيْعُ الْمَرِيضِ) وَلَوْ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفَ (كَبَيْعِ الصَّحِيحِ فِي الصِّحَّةِ) أَيْ: كَوْنِ الْبَيْعِ صَحِيحًا.
(وَ) فِي (ثُبُوتِ
стр. 1760
الشُّفْعَةِ وَغَيْرِهَا) مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ لَكِنْ فِي الْمُحَابَاةِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي بَيَانُهُ فِي عَطِيَّةِ الْمَرِيضِ (وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ) الْمَشْفُوعَ (بِمَا صَحَّ الْبَيْعُ فِيهِ) إذَا كَانَ فِيهِ مُحَابَاةٌ مِنْ الْمَرِيضِ عَلَى مَا يَأْتِي.
(وَإِنْ أَقَرَّ بَائِعٌ بِبَيْعِ) شِقْصٍ مَشْفُوعٍ (وَأَنْكَرَ مُشْتَرٍ) شِرَاءَهُ (وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ) مِنْ الثَّمَنِ،؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ أَقَرَّ بِحَقَّيْنِ: حَقٍّ لِلشَّفِيعِ، وَحَقٍّ لِلْمُشْتَرِي، فَإِذَا سَقَطَ حَقُّ الْمُشْتَرِي بِإِنْكَارِهِ ثَبَتَ حَقُّ الشَّفِيعِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَارٍ لِرَجُلَيْنِ، فَأَنْكَرَ أَحَدُهُمَا (فَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْبَائِعِ.
(وَيَدْفَعُ) الشَّفِيعُ (إلَيْهِ الثَّمَنَ إنْ لَمْ يَكُنْ) الْبَائِعُ (مُقِرًّا بِقَبْضِهِ) مِنْ الْمُشْتَرِي (وَإِنْ كَانَ) الْبَائِعُ (مُقِرًّا بِقَبْضِهِ) أَيْ: الثَّمَنِ (مِنْ الْمُشْتَرِي بَقِيَ فِي ذِمَّةِ الشَّفِيعِ إلَى أَنْ يَدَّعِيهِ الْمُشْتَرِي، وَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ، وَلَا لِلْبَائِعِ مُحَاكَمَةُ الْمُشْتَرِي لِيَثْبُتَ الْبَيْعُ فِي حَقِّهِ) لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، لِوُصُولِ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى مَقْصُودِهِ بِدُونِ الْمُحَاكَمَةِ.
(وَمَتَى ادَّعَى الْبَائِعُ) الثَّمَنَ دُفِعَ إلَيْهِ (إلَيْهِ أَوْ) مَتَى ادَّعَى (الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ دُفِعَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لِأَحَدِهِمَا، وَإِنْ ادَّعَيَاهُ) أَيْ: الثَّمَنَ (جَمِيعًا، فَأَقَرَّ الْمُشْتَرِي بِالْبَيْعِ، وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ الْقَبْضَ، فَهُوَ) أَيْ: الثَّمَنُ (لِلْمُشْتَرِي) فَيَأْخُذُهُ مِنْ الشَّفِيعِ، وَطَلَبُ الْبَائِعِ حِينَئِذٍ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، مَا لَمْ يَثْبُتْ دَفْعُهُ إلَيْهِ (وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي) ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ مَلَكَ الشِّقْصَ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي، فَهُوَ كَبَائِعِهِ (وَعُهْدَةُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ) لِمَا ذُكِرَ (إلَّا إذَا أَقَرَّ الْبَائِعُ وَحْدَهُ بِالْبَيْعِ) وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي الشِّرَاءَ، وَأَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ مِنْ الْبَائِعِ (فَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْبَائِعِ لِحُصُولِ الْمِلْكِ لِلشَّفِيعِ مِنْ جِهَتِهِ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيّ، وَالْعُمْدَةُ فِي الْأَصْلِ كِتَابُ الشِّرَاءِ.
(وَالْمُرَادُ بِالْعُهْدَةِ هُنَا رُجُوعُ مَنْ انْتَقَلَ الْمِلْكُ إلَيْهِ) مِنْ شَفِيعٍ أَوْ مُشْتَرٍ عَلَى مَنْ انْتَقَلَ عَنْهُ الْمِلْكُ مِنْ بَائِعٍ، أَوْ مُشْتَرٍ (بِالثَّمَنِ أَوْ الْأَرْشِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الشِّقْصِ أَوْ عَيْبِهِ) فَإِذَا ظَهَرَ الشِّقْصُ مُسْتَحَقًّا رَجَعَ الشَّفِيعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، ثُمَّ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ، وَإِنْ ظَهَرَ الشِّقْصُ مَعِيبًا، وَاخْتَارَ الشَّفِيعُ الْإِمْسَاكَ مَعَ الْأَرْشِ، رَجَعَ بِالْأَرْشِ عَلَى الْمُشْتَرِي، ثُمَّ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ أَبَى الْمُشْتَرِي قَبْضَ الْمَبِيعِ) لِيُسَلِّمَهُ لِلشَّفِيعِ (أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى قَبْضِ الشِّقْصِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ وَاجِبٌ، لِيَحْصُلَ حَقُّ الْمُشْتَرِي مِنْ تَسْلِيمِهِ وَمِنْ شَأْنِ الْحَاكِمِ أَنْ يُجْبِرَ الْمُمْتَنِعَ.
(وَإِنْ وَرِثَ اثْنَانِ شِقْصًا عَنْ أَبِيهِمَا) أَبِيهِمَا أَوْ أُمِّهِمَا أُمِّهِمَا أَوْ أَخُوهُمًا وَنَحْوِهِ (فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ) لِلْآخَرِ لِلْآخَرِ أَوْ غَيْرِهِ (فَالشُّفْعَةُ بَيْنَ أَخِيهِ وَشَرِيكِ أَبِيهِ) ، أَوْ أُمِّهِ، أَوْ أَخِيهِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُمَا شَرِيكَانِ حَالَ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ تَمَلَّكَاهَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ؛ وَلِأَنَّهَا تَثْبُتُ لِدَفْعِ ضَرَرِ
стр. 1761
الشَّرِيكِ الدَّاخِلِ عَلَى شُرَكَائِهِ بِسَبَبِ شَرِكَتِهِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ الْكُلِّ وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى اثْنَانِ نِصْفَ دَارٍ ثُمَّ اشْتَرَى اثْنَانِ نِصْفَهَا الْآخَرَ أَوْ وَرِثَاهُ أَوْ اتَّهَبَاهُ أَوْ وَصَلَ إلَيْهِمَا بِسَبَبٍ مَا مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ وَشَبَهُهَا دَاخِلَةٌ فِيمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: وَهِيَ بَيْنَ شُرَكَاءٍ عَلَى حَسَبِ أَمْلَاكِهِمْ.
(وَلَا شُفْعَةَ لِكَافِرٍ حِينَ الْبَيْعِ أَسْلَمَ بَعْدَ) الْبَيْعِ (أَوْ لَا) أَيْ: لَمْ يُسْلِمْ (عَلَى مُسْلِمٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا شُفْعَةَ لِنَصْرَانِيٍّ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ وَأَبُو بَكْرٍ، وَفِي إسْنَادِهِمَا بَابِلُ بْنُ نَجِيحٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ، وَبَابِلُ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَابْنُ عَدِيٍّ؛ وَلِأَنَّهُ مَعْنَى يَخْتَصُّ بِهِ الْعَقَارُ، أَشْبَهَ الِاسْتِعْلَاءَ فِي الْبُنْيَانِ.
(وَتَجِبُ) أَيْ: تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ (فِيمَا) أَيْ: فِي شِقْصٍ مَشْفُوعٍ (ادَّعَى شِرَاءَهُ لِمُوَلِّيهِ) أَيْ: مَحْجُورِهِ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ حَقٌّ ثَبَتَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ، فَاسْتَوَى فِيهِ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ، وَيُقْبَلُ إقْرَارُ وَلِيِّهِ بِهِ كَإِقْرَارِهِ بِعَيْبٍ فِي مَبِيعِهِ، وَكَذَا مَا ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِفُلَانٍ الْغَائِبِ، فَإِنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ فِيهِ، وَيَأْخُذُهُ الْحَاكِمُ وَيَدْفَعُهُ لِلشَّفِيعِ، وَالْغَائِبُ عَلَى حُجَّتِهِ إذَا قَدِمَ، وَأَمَّا لَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ لِمَحْجُورِهِ أَوْ مُوَكِّلِهِ الْغَائِبِ، ثُمَّ أَقَرَّ بِالشِّرَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ تَثْبُتْ الشُّفْعَةُ حَتَّى تَقُومَ بِالشِّرَاءِ بَيِّنَةٌ، أَوْ يَقْدَمَ الْغَائِبُ، أَوْ يَنْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْ الْمَحْجُورِ وَيَعْتَرِفَا بِالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ لَهُمَا بِالْإِقْرَارِ، وَإِقْرَارُهُ بِالشِّرَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ إقْرَارٌ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ الْمِلْكِ لَمْ يَسْأَلْهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ وَلَمْ يُطَالِبْ بِبَيَانِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْكَشْفِ عَنْهُ، ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ.
(وَ) تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ (لِلْمُسْلِمِ) عَلَى الْكَافِرِ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ؛ لِأَنَّهَا إذَا ثَبَتَتْ عَلَى الْمُسْلِمِ مَعَ عِظَمِ حُرْمَتِهِ، فَلَأَنْ تَثْبُتَ عَلَى الذِّمِّيِّ مَعَ دَنَاءَتِهِ أَوْلَى.
(وَ) تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ أَيْضًا (لِكَافِرٍ عَلَى كَافِرٍ) لِاسْتِوَائِهِمَا كَالْمُسْلِمَيْنِ (وَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ) لِلشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ (مُسْلِمًا) ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ مِنْ الْمُشْتَرِي الْمُسَاوِي لَهُ لَا مِنْ الْبَائِعِ.
(وَلَوْ تَبَايَعَ كَافِرَانِ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ) أَوْ نَحْوِهِمَا (وَتُقَابَضَا) قَبْلَ إسْلَامِهِمَا، إسْلَامِهِمَا أَوْ تَرَافُعِهِمَا إلَيْنَا (لَمْ يَنْقَضِ الْبَيْعُ) ، وَكَذَا سَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِمْ وَلَا شُفْعَةَ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ لَيْسَ بِمَالٍ وَتَقَدَّمَ.
(وَلَا شُفْعَةَ لِأَهْلِ الْبِدَعِ الْغُلَاةِ عَلَى مُسْلِمٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ وَأَهْلِ الْبِدَعِ الْغُلَاةِ (كَالْمُعْتَقِدِ أَنَّ جِبْرِيلَ غَلِطَ فِي الرِّسَالَةِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنَّمَا أُرْسِلَ إلَى عَلِيٍّ وَنَحْوِهِ) كَمَنْ يَعْتَقِدُ أُلُوهِيَّةَ عَلِيٍّ؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَثْبُتْ لِلذِّمِّيِّ الَّذِي يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى
стр. 1762
(وَكَذَا حُكْمُ مَنْ حُكِمَ بِكُفْرِهِ مِنْ الدُّعَاةِ إلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ) وَنَحْوِهِ، وَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ قَوْلُهُمْ: وَيَكْفُرُ مُجْتَهِدُهُمْ الدَّاعِيَةُ (وَتَثْبُتُ) الشُّفْعَةُ (لِكُلٍّ مَنْ حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ (كَالْفَاسِقِ بِالْأَفْعَالِ) مِنْ زِنًا وَلِوَاطٍ وَشُرْبِ خَمْرٍ وَنَحْوِهِ.
(وَ) تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ (لِكُلٍّ مِنْ الْبَدْوِيِّ) أَيْ: سَاكِنِ الْبَادِيَةِ (وَالْقَرَوِيِّ) أَيْ: سَاكِنِ الْقُرَى (عَلَى الْآخَرِ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِ الشُّفْعَةِ.
(وَلَمْ يَرَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِي أَرْضِ السَّوَادِ شُفْعَةً) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ وَقَفَهَا (وَكَذَا الْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْأَرْضِ) الَّتِي وَقَفَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (كَأَرْضِ الشَّامِّ وَ) أَرْضِ (مِصْرَ، وَغَيْرِهَا مِمَّا لَمْ يُقَسَّمْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ) ، قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: (إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِبَيْعِهَا حَاكِمٌ، أَوْ يَفْعَلَهُ) أَيْ: بَيْعَهَا (الْإِمَامُ، أَوْ نَائِبُهُ، فَتَثْبُتُ) الشُّفْعَةُ (فِيهِ) أَيْ: فِيمَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ لَوْ بَاعَهُ الْإِمَامُ، أَوْ نَائِبُهُ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَحُكْمُ الْحَاكِمِ يَنْفُذُ فِيهِ، وَفِعْلُهُ كَحُكْمِهِ، قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَيَخْرُجُ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الشِّرَاءِ ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّهَا فَرْعٌ مِنْهُ.
(وَلَا شُفْعَةَ لِمُضَارِبٍ عَلَى رَبِّ الْمَالِ إنْ ظَهَرَ رِبْحٌ) ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ لَهُ جُزْءٌ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَلَا تَثْبُتُ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ (وَإِلَّا) أَيْ:، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ (وَجَبَتْ) الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ (وَصُورَتُهُ: أَنْ يَكُونَ لِلْمُضَارِبِ شِقْصٌ فِي دَارٍ) تَنْقَسِمُ إجْبَارًا (فَيَشْتَرِي) الْمُضَارِبُ (مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ بَقِيَّتَهَا) أَيْ: الدَّارِ.
(وَلَا) شُفْعَةَ أَيْضًا (لِرَبِّ الْمَالِ عَلَى الْمُضَارِبِ، وَصُورَتُهُ: أَنْ يَكُونَ لِرَبِّ الْمَالِ شِقْصٌ فِي دَارٍ، فَيَشْتَرِي الْمُضَارِبُ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ بَقِيَّتَهَا) ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِرَبِّ الْمَالِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ عَلَى نَفْسِهِ.
(وَلَوْ بِيعَ شِقْصٌ) مَشْفُوعٌ مِنْ عَقَارٍ (فِيهِ شَرِكَةُ مَالِ الْمُضَارَبَةِ فَلِلْعَامِلِ الْأَخْذُ) أَيْ: أَخْذُ الشِّقْصِ (بِهَا) أَيْ: بِالشُّفْعَةِ لِلْمُضَارَبَةِ (إذَا كَانَ الْحَظُّ فِيهَا) أَيْ: فِي الشُّفْعَةِ أَيْ: فِي الْأَخْذِ بِهَا، كَمَا لَوْ كَانَ ثَمَنُهُ دُونَ ثَمَنِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ بِمَظِنَّةِ أَنْ يَرْبَحَ (فَإِنْ تَرَكَهَا) أَيْ: تَرَكَ الْعَامِلُ الْأَخْذَ
стр. 1763
بِالشُّفْعَةِ لِرَأْيٍ رَآهُ مِنْ بَيْعِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَنَحْوِهِ (فَلِرَبِّ الْمَالِ الْأَخْذُ) بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمُضَارَبَةِ مِلْكُهُ، وَالشَّرِكَةُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هِيَ لَهُ (وَلَا يَنْفُذُ عَفْوُ الْعَامِلِ) عَنْ الشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِغَيْرِهِ، أَشْبَهَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ.
(وَلَوْ بَاعَ الْمُضَارِبُ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ شِقْصًا) مَشْفُوعًا (فِي شَرِكَةِ نَفْسِهِ لَمْ يَأْخُذْ) أَيْ: الْمُضَارِبُ الشِّقْصَ (بِالشُّفْعَةِ) مِنْ نَفْسِهِ (؛ لِأَنَّهُ) أَيْ: الْمُضَارِبَ (مُتَّهَمٌ) أَشْبَهَ شِرَاءَهُ مِنْ نَفْسِهِ،.
وَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِلسَّيِّدِ عَلَى الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُ مَا فِي يَدِهِ وَلَا يُزَكِّيه وَلِهَذَا جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَا شُفْعَةَ لِسَيِّدِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَا بِيَدِهِ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي آخِرِ الْحَجْرِ،.
[بَابُ الْوَدِيعَةِ]
(بَابُ الْوَدِيعَةِ وَهِيَ) فَعِيلَةٌ مِنْ وَدَعَ الشَّيْءَ إذَا تَرَكَهُ، إذْ هِيَ مَتْرُوكَةٌ عِنْدَ الْمُودَعِ، وَقِيلَ: مُشْتَقَّةٌ مِنْ الدَّعَةِ، فَكَأَنَّهَا عِنْدَ الْمُودَعِ غَيْرُ مُبْتَذَلَةٍ لِلِانْتِفَاعِ، وَقِيلَ مِنْ وَدَعَ الشَّيْءَ إذَا سَكَنَ، فَكَأَنَّهَا سَاكِنَةٌ عِنْدَ الْمُودَعِ وَشَرْعًا (اسْمٌ لِلْمَالِ) ، أَوْ الْمُخْتَصِّ، كَكَلْبِ الصَّيْدِ (الْمُودَعِ) بِفَتْحِ الدَّالِ، أَيْ: الْمَدْفُوعِ إلَى مَنْ يَحْفَظُهُ بِلَا عِوَضٍ، فَخَرَجَ بِقَيْدِ " الْمَالِ "، أَوْ " الْمُخْتَصِّ " الْكَلْبُ الَّذِي لَا يُقْتَنَى وَالْخَمْرُ وَنَحْوُهُمَا مِمَّا لَا يُحْتَرَمُ، وَبِقَيْدِ " الْمَدْفُوعِ " مَا أَلْقَتْهُ الرِّيحُ إلَى دَارٍ مِنْ نَحْوِ ثَوْبٍ وَمَا أَخَذَهُ بِالتَّعَدِّي وَبِقَيْدِ " الْحِفْظِ " الْعَارِيَّةُ، وَنَحْوُهَا وَبِقَيْدِ " عَدَمِ الْعِوَضِ " الْأَجِيرُ عَلَى حِفْظِ الْمَالِ، وَبِمَا ذَكَرْتُهُ تَعْلَمُ مَا فِي كَلَامِهِ مِنْ الْقُصُورِ وَالدُّورِ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَسُمِّيَتْ وَدِيعَةٌ بِالْهَاءِ لِأَنَّهُمْ ذَهَبُوا بِهَا إلَى الْأَمَانَةِ انْتَهَى وَالْإِجْمَاعُ فِي كُلِّ عَصْرٍ عَلَى جَوَازِهَا وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] .
مَعَ السُّنَّةِ الشَّهِيرَةِ مِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالْمَعْنَى يَقْتَضِيهَا
لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهَا
؛ لِأَنَّهُ
стр. 1764
يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ حِفْظُ جَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ (وَالْإِيدَاعُ تَوْكِيلُ) رَبِّ الْمَالِ جَائِزُ التَّصَرُّفِ (فِي حِفْظِهِ تَبَرُّعًا) مِنْ الْحَافِظِ (وَالِاسْتِيدَاعُ تَوَكُّلٌ) جَائِزُ التَّصَرُّفِ (فِي حِفْظِهِ) أَيْ: حِفْظِ مَالِ غَيْرِهِ (كَذَلِكَ) أَيْ: تَبَرُّعًا (بِغَيْرِ تَصَرُّفٍ) فِي الْمَالِ الْمَحْفُوظِ وَمُحْتَرَزُ تِلْكَ الْقُيُودِ عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْتُهُ (وَيَكْفِي الْقَبْضُ قَبُولًا) لِلْوَدِيعَةِ كَالْوَكَالَةِ.
(وَقَبُولُهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةِ (مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْأَمَانَةَ) أَيْ: أَنَّهُ ثِقَةٌ قَادِرٌ عَلَى حِفْظِهَا، لِقَوْلِهِ ﷺ «وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِ إلَّا بِرِضَا رَبِّهَا انْتَهَى قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ إعْلَامُهُ بِذَلِكَ إنْ كَانَ لَا يَعْلَمُهُ لِئَلَّا يَغُرَّهُ.
(هِيَ) أَيْ: الْوَدِيعَةُ بِمَعْنَى الْعَقْدِ (عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ) ؛ لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ الْوَكَالَةِ (فَإِنْ أَذِنَ الْمَالِكُ) لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ الْمَالُ (فِي التَّصَرُّفِ) أَيْ: اسْتِعْمَالِهِ (فَفَعَلَ) أَيْ: اسْتَعْمَلَهُ حَسَبِ الْإِذْنِ (صَارَتْ عَارِيَّةً مَضْمُونَةً) كَالرَّهْنِ إذَا أَذِنَ رَبُّهُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي اسْتِعْمَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهَا فَهِيَ أَمَانَةٌ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَلَمْ يُوجَدْ، فَوَجَبَ تَغْلِيبُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ.
(وَيُشْتَرَطُ فِيهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةِ (أَرْكَانُ وَكَالَةٍ) أَيْ: مَا يُعْتَبَرُ فِي الْوَكَالَةِ مِنْ الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ وَالرُّشْدِ.
(وَتَنْفَسِخُ) الْوَدِيعَةُ (بِمَوْتِ) أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ (وَجُنُونِ) هـ (وَ) بِ (عَزْلٍ مَعَ عِلْمِهِ) بِالْعَزْلِ، فَإِنْ عَزَلَهُ رَبُّهَا وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُودَعُ بِذَلِكَ لَمْ يَنْعَزِلْ، لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ، إذْ الْمَالُ بِيَدِهِ أَمَانَةً لَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ.
(وَهِيَ) أَيْ: الْوَدِيعَةُ (أَمَانَةٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] (لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُودَعِ (فِيهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةِ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ أَوْدَعَ وَدِيعَةً فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ؛ وَلِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ يَحْفَظُهَا لِمَالِكِهَا، فَلَوْ ضُمِنَتْ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ الدُّخُولِ فِيهَا، وَذَلِكَ مُضِرٌّ، لِمَا فِيهِ مِنْ مَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا (إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى) الْوَدِيعُ (أَوْ يُفَرِّطَ) أَيْ: يُقَصِّرَ فِي حِفْظِ الْوَدِيعَةِ فَيَضْمَنُهَا؛ لِأَنَّ الْمُتَعَدِّي مُتْلِفٌ لِمَالِ غَيْرِهِ فَضَمِنَهُ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ مِنْ غَيْرِ إيدَاعٍ، وَالْمُفَرِّطُ مُتَسَبِّبٌ بِتَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حِفْظِهَا (فَإِنْ عَزَلَ) الْوَدِيعُ (نَفْسَهُ فَ) قَدْ انْعَزَلَ،؛ لِأَنَّهَا جَائِزَةٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَزَلَهُ رَبُّهَا.
وَ (هِيَ) أَيْ: الْوَدِيعَةُ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ عَزْلِهِ نَفْسَهُ (أَمَانَةٌ حُكْمُهَا) مَا دَامَتْ (فِي يَدِهِ حُكْمُ الثَّوْبِ الَّذِي أَطَارَتْهُ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا وَإِذْنُ
стр. 1765
رَبِّهَا لَهُ فِي حِفْظِهَا بَطَلَ بِعَزْلِهِ نَفْسَهُ (يَجِبُ) عَلَيْهِ (رَدُّهُ) إلَى رَبِّهِ فَوْرًا مَعَ التَّمَكُّنِ، لِعَدَمِ إذْنِ رَبِّهِ فِي بَقَائِهِ بِيَدِهِ " (فَإِنْ تَلِفَ) الْمَالُ الْمُودَعُ عِنْدَ الْوَدِيعِ بَعْدَ عَزْلِهِ نَفْسِهِ، أَوْ الثَّوْبُ الَّذِي أَطَارَتْهُ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ (قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ رَدِّهِ فَهَدَرٌ) لَا ضَمَانَ فِيهِ، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ تَلِفَ بَعْدَ تَمَكُّنِهِ مِنْ رَدِّهِ أَنَّهُ يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِإِمْسَاكِهِ فَوْقَ مَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الرَّدِّ.
(وَإِنْ تَلِفَتْ) الْوَدِيعَةُ (وَلَوْ لَمْ يَذْهَبْ) أَيْ: يَتْلَفُ (مَعَهَا شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ) أَيْ: الْوَدِيعِ (لَمْ يَضْمَنْ) الْوَدِيعُ الْوَدِيعَةَ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ وَمَا رَوَى سَعِيدٌ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - " ضَمَّنَهُ وَدِيعَةً ذَهَبَتْ مِنْ بَيْنِ مَالِهِ " مَحْمُولٌ عَلَى التَّفْرِيطِ مِنْ أَنَسٍ فِي حِفْظِهَا، فَلَا مُنَافَاةَ (إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى) الْوَدِيعُ (أَوْ يُفَرِّطَ فِي حِفْظِهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةِ فَتَتْلَفُ، فَيَضْمَنُهَا لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ شَرَطَ) رَبُّ الْوَدِيعَةِ (عَلَيْهِ) أَيْ: الْوَدِيعِ (ضَمَانَهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةِ لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ، وَلَا يَضْمَنُهَا الْوَدِيعُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَلَمْ يَصِحَّ، وَتَقَدَّمَ (أَوْ قَالَ) الْوَدِيعُ (أَنَا ضَامِنٌ لَهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةِ (لَمْ يَضْمَنْ) مَا تَلِفَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ، أَوْ تَفْرِيطٍ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْأَمَانَاتِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَتَقَدَّمَ فَلِذَلِكَ قَالَ (وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أَصْلُهُ الْأَمَانَةُ) كَالرَّهْنِ وَالْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ، وَالْمُوصَى بِنَفْعِهَا وَنَحْوِهَا لَا يَصِحُّ شَرْطُ ضَمَانِهَا لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْوَدِيعَ (حِفْظُهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةِ (بِنَفْسِهِ مَثَلًا أَوْ وَكِيلِهِ، أَوْ مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ، كَزَوْجَةٍ وَعَبْدٍ، كَمَا يَحْفَظُ) الْوَدِيعَةَ (مَالَهُ فِي حِرْزِ مِثْلِهَا عُرْفًا، كَحِرْزِ سَرِقَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلَّا بِالْحِفْظِ كَمَا ذُكِرَ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ مَنْ اسْتَوْدَعَ شَيْئًا حَفِظَهُ فِي حِرْزِ مِثْلِهِ عَاجِلًا مَعَ الْقُدْرَةِ وَإِلَّا ضَمِنَ (إنْ لَمْ يُعَيِّنْ رَبُّهَا حِرْزًا) فَإِنْ عَيَّنَهُ تَعَيَّنَ هُوَ، أَوْ مِثْلُهُ، وَيَأْتِي (فَإِنْ لَمْ يُحْرِزْهَا) الْوَدِيعُ (فِي حِرْزِ مِثْلِهَا) مَعَ عَدَمِ التَّعْيِينِ ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ (أَوْ سَعَى) الْوَدِيعُ (بِهَا إلَى ظَالِمٍ، أَوْ دَلَّ) الْوَدِيعُ (عَلَيْهَا لِصًّا فَأَخَذَهَا) اللِّصُّ (ضَمِنَهَا) الْوَدِيعُ لِتَعَدِّيهِ، أَوْ تَفْرِيطِهِ (وَإِنْ وَضَعَهَا) الْوَدِيعُ (فِي حِرْزِ مِثْلِهَا ثُمَّ نَقَلَهَا) الْوَدِيعُ (عَنْهُ إلَى حِرْزِ مِثْلِهَا، وَلَوْ كَانَ) الْمَنْقُولُ إلَيْهِ (دُونَ) الْحِرْزِ (الْأَوَّلِ لَمْ يَضْمَنْ) الْوَدِيعُ الْوَدِيعَةَ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا رَدَّ حِفْظَهَا إلَى اجْتِهَادِهِ وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ.
(وَلَوْ) (كَانَتْ الْعَيْنُ) الْمَقْصُودُ حِفْظُهَا (فِي بَيْتِ صَاحِبِهَا، فَقَالَ) صَاحِبُهَا (لِرَجُلٍ،
стр. 1766
بِأُجْرَةٍ أَوْ) بِ (لَا) أُجْرَةٍ (احْفَظْهَا فِي مَوْضِعِهَا فَنَقَلَهَا) الْمُسْتَحْفَظُ (عَنْهُ) أَيْ: عَنْ مَوْضِعِهَا (مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ) (ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُودَعٍ) بِفَتْحِ الدَّالِ (إنَّمَا هُوَ وَكِيلٌ فِي حِفْظِهَا فِي مَوْضِعِهَا) فَهُوَ مُتَعَدٍّ بِنَقْلِهَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ (إلَّا أَنَّهُ يَخَافَ) الْمُسْتَحْفَظُ (عَلَيْهَا) التَّلَفَ (فَعَلَيْهِ إخْرَاجُهَا) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حِفْظِهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
(وَإِنْ عَيَّنَ صَاحِبُهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةِ (حِرْزًا فَجَعَلَهَا) الْمُودَعُ (فِي) حِرْزٍ (دُونَهُ ضَمِنَ) الْوَدِيعُ (سَوَاءٌ رَدَّهَا) الْمُودَعُ (إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْحِرْزِ الَّذِي عَيَّنَهُ صَاحِبُهَا (أَوْ) لَا؛ لِأَنَّهُ خَالَفَهُ فِي حِفْظِ مَالِهِ.
(وَإِنْ أَحْرَزَهَا بِمِثْلِهِ) أَيْ: بِحِرْزٍ مِثْلِ الَّذِي عَيَّنَهُ صَاحِبُهَا فِي (الْحِفْظِ أَوْ) بِحِرْزٍ (فَوْقَهُ) أَيْ: أَحْرَزَ مِنْهُ، كَلُبْسِ خَاتَمٍ فِي خِنْصَرٍ فَلَبِسَهُ فِي بِنْصِرٍ لَا عَكْسِهِ (لَمْ يَضْمَنْ) الْوَدِيعُ.
(وَلَوْ) أَخْرَجَهَا (لِغَيْرِ حَاجَةٍ) ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَهُ الْحِرْزَ إذْنٌ فِيمَا هُوَ مِثْلُهُ، كَمَنْ اُكْتُرِيَ لِزَرْعِ حِنْطَةٍ فَلَهُ زَرْعُهَا وَزَرْعُ مِثْلِهَا فِي الضَّرَرِ، فَمَا فَوْقَهُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى.
(وَإِنْ نَهَاهُ) أَيْ: نَهَى صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ الْمُودَعَ (عَنْ إخْرَاجِهَا فَأَخْرَجَهَا) الْوَدِيعُ (لِغَشَيَانِ نَارٍ، أَوْ) غَشَيَانِ (سَيْلٍ، أَوْ) غَشَيَانِ (شَيْءٍ الْغَالِبُ فِيهِ التَّوَى) - بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة - أَيْ: الْهَلَاكُ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْوَدِيعَ (إخْرَاجُ الْوَدِيعَةِ إذَنْ) أَيْ: عِنْدَ غَشَيَانِ شَيْءٍ الْغَالِبُ مِنْهُ الْهَلَاكُ كَالنَّهْبِ (لَمْ يَضْمَنْ) الْوَدِيعُ الْوَدِيعَةَ إنْ تَلِفَتْ إذَنْ (إنْ وَضَعَهَا) الْوَدِيعُ (فِي حِرْزِ مِثْلِهَا، أَوْ) فِي حِرْزٍ (فَوْقَهُ) ؛ لِأَنَّ حِفْظَهَا نَقْلُهَا، وَتَرْكُهَا يُضَيِّعُهَا (فَإِنْ تَعَذَّرَا) أَيْ: حِرْزُ مِثْلِهَا وَمَا فَوْقَهُ عِنْدَ غَشَيَانِ مَا الْغَالِبُ مِنْهُ الْهَلَاكُ.
(وَأَحْرَزَهَا) الْوَدِيعُ (فِي دُونِهِ) فِي هَذِهِ الْحَالِ (فَلَا ضَمَانَ) عَلَى الْوَدِيعِ؛ لِأَنَّ إحْرَازَهَا بِهِ إذَنْ أَحْفَظُ لَهَا مِنْ تَرْكِهَا بِمَكَانِهَا وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ حِينَئِذٍ سِوَاهُ.
(وَإِنْ تَرَكَهَا) أَيْ: تَرَكَ الْوَدِيعُ الْوَدِيعَةَ فِي الْحِرْزِ الَّذِي عَيَّنَهُ رَبُّهَا مَعَ غَشَيَانِ مَا الْغَالِبُ مِنْهُ الْهَلَاكُ (فَتَلِفَتْ ضَمِنَ) هَا الْوَدِيعُ (سَوَاءٌ تَلِفَتْ بِالْأَمْرِ الْمَخُوفِ، أَوْ غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ بِهِ.
(وَإِنْ أَخْرَجَهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةَ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي عَيَّنَهُ رَبُّهَا وَنَهَاهُ عَنْ إخْرَاجِهَا مِنْهُ (لِغَيْرِ خَوْفٍ، وَيَحْرُمُ إخْرَاجُهَا) إذَنْ (ضَمِنَ) الْوَدِيعُ الْوَدِيعَةَ.
(وَلَوْ) أَخْرَجَهَا (إلَى حِرْزِ مِثْلِهَا، أَوْ) حِرْزٍ (فَوْقَهُ) ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ رَبَّهَا لِغَيْرِ فَائِدَةٍ، فَكَانَ مُتَعَدِّيًا بِذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَنْهَهُ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا،.
وَإِذَا أَخْرَجَ الْوَدِيعَةَ الْمَنْهِيَّ عَنْ إخْرَاجِهَا وَتَلِفَتْ فَادَّعَى الْوَدِيعُ أَنَّهُ أَخْرَجَهَا لِغَشَيَانِ شَيْءٍ الْغَالِبُ مِنْهُ الْهَلَاكُ، وَأَنْكَرَ صَاحِبُهَا وُجُودَهُ، فَعَلَى الْوَدِيعِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ كَانَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَا ادَّعَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ لِظُهُورِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي التَّلَفِ بِهِ بِيَمِينِهِ.
(وَإِنْ) عَيَّنَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ حِرْزًا، وَ (قَالَ)
стр. 1767
لِلْوَدِيعِ (لَا تُخْرِجْهَا) مِنْ ذَلِكَ الْحِرْزِ (وَإِنْ خِفْتَ عَلَيْهَا فَأَخْرِجْهَا عِنْدَ الْخَوْفِ) فَتَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْهَا؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ خَيْرٍ وَحِفْظٍ (أَوْ اُتْرُكْهَا) عِنْدَ الْخَوْفِ فَتَلِفَتْ (لَمْ يَضْمَنْ) هَا الْوَدِيعُ؛ لِأَنَّهُ مُمْتَثِلٌ أَمَرَ صَاحِبِهَا، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: أَتْلِفْهَا فَأَتْلَفَهَا وَالْحُكْمُ فِي إخْرَاجِهَا مِنْ الْخَرِيطَةِ، أَوْ الصُّنْدُوقِ كَالْحُكْمِ فِي إخْرَاجِهَا مِنْ الْبَيْتِ فِيمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ.
(وَإِنْ أَوْدَعَهُ بَهِيمَةً وَلَمْ يَأْمُرْهُ) رَبُّهَا (بِعَلْفِهَا وَ) لَا (سَقْيِهَا) لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ كَمَالِ الْحِفْظِ، بَلْ هُوَ الْحِفْظُ بِعَيْنِهِ،؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِي عَلْفَهَا وَسَقْيَهَا فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ عُرْفًا (أَوْ أَمَرَهُ) رَبُّ الْبَهِيمَةِ (بِذَلِكَ) أَيْ: بِعَلْفِهَا وَسَقْيِهَا (لَزِمَهُ) عَلْفُهَا وَسَقْيُهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ حِفْظِهَا (فَإِنْ لَمْ يَعْلِفْهَا) الْوَدِيعُ، أَوْ لَمْ يَسْقِهَا (حَتَّى مَاتَتْ) الْبَهِيمَةُ الْمُودَعَةُ جُوعًا، أَوْ عَطَشًا (ضَمِنَ) هَا الْوَدِيعُ لِتَفْرِيطِهِ فِي حِفْظِهَا وَتَعَدِّيهِ بِتَرْكِ مَا أُمِرَ بِهِ عُرْفًا، أَوْ نُطْقًا (إلَّا أَنْ يَنْهَاهُ) أَيْ: الْوَدِيعَ (الْمَالِكُ عَنْ عَلْفِهَا) ، أَوْ سَقْيِهَا فَيَتْرُكُهُ فَتَتْلَفُ (فَلَا يَضْمَنُ) الْوَدِيعُ؛ لِأَنَّ مَالِكهَا أَذِنَهُ فِي إتْلَافِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَمَرَهُ بِقَتْلِهَا (لَكِنْ يَأْثَمُ) الْوَدِيعُ بِتَرْكِ عَلْفِهَا وَسَقْيِهَا حَتَّى مَعَ الْأَمْرِ بِتَرْكِهِمَا لِحُرْمَةِ الْحَيَوَانِ.
(وَإِنْ قَدَرَ الْمُسْتَوْدَعُ عَلَى صَاحِبِهَا) أَيْ: الْبَهِيمَةِ (أَوْ) قَدَرَ عَلَى (وَكِيلِهِ طَالَبَهُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَوْ) طَالَبَهُ (بِرَدِّهَا) أَيْ: الْبَهِيمَةِ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى مَالِكِهَا، أَوْ وَكِيلِهِ (أَوْ) طَالَبَهُ بِأَنْ (يَأْذَنَ لَهُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا لِيَرْجِعَ) الْوَدِيعُ (بِهِ) أَيْ: بِمَا أَنْفَقَهُ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْحَيَوَانِ وَاجِبَةٌ عَلَى مَالِكِهِ، وَهَذِهِ طَرِيقُ الْوُصُولِ إلَيْهَا مِنْهُ (فَإِنْ عَجَزَ) الْمُسْتَوْدَعُ عَنْ صَاحِبِهَا وَعَجَزَ عَنْ.
(وَكِيلِهِ) ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يَتَوَصَّلَ إلَى أَحَدِهِمَا لِيُطَالِبَهُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، أَوْ اسْتِرْدَادِهَا، أَوْ أَنْ يَأْذَنَهُ فِي النَّفَقَةِ (رَفَعَ) الْمُسْتَوْدَعُ (الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ فَإِنْ وَجَدَ) الْحَاكِمُ (لِصَاحِبِهَا مَالًا أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ لِلْحَاكِمِ وِلَايَةٌ عَلَى مَالِ الْغَائِبِ.
(وَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْحَاكِمُ لِصَاحِبِهَا مَالًا (فَعَلَ) الْحَاكِمُ (مَا يَرَى فِيهِ الْحَظُّ) أَيْ: مَا يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ أَنَّهُ أَحَظُّ (لِصَاحِبِهَا مِنْ بَيْعِهَا) ، وَحِفْظِ ثَمَنِهَا لِرَبِّهَا (أَوْ بَيْعِ بَعْضِهَا وَإِنْفَاقِهِ) أَيْ: ثَمَنِ الْبَعْضِ (عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى مَا بَقِيَ مِنْهَا (أَوْ إجَارَتِهَا) وَيُنْفِقُ مِنْ أُجْرَتِهَا عَلَيْهَا وَيَحْفَظُ الْبَاقِيَ (أَوْ الِاسْتِدَانَةِ عَلَى صَاحِبِهَا فَيَدْفَعُهُ) أَيْ: مَا يَسْتَدِينُهُ الْحَاكِمُ (إلَى الْمُودَعِ، أَوْ) إلَى أَمِينٍ (غَيْرِهِ فَيُنْفِقُ) الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ (عَلَيْهَا) مِنْهُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ.
(وَيَجُوزُ) لِلْحَاكِمِ (أَنْ يَأْذَنَ لِلْمُودَعِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ) لِيَرْجِعَ عَلَى رَبِّهَا إذَا جَاءَ (وَيَكُونُ الْمُودَعُ) حِينَئِذٍ (قَابِضًا مِنْ نَفْسِهِ) لِمَا يُنْفِقُهُ عَلَيْهَا (لِنَفْسِهِ) وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ وَنَحْوِهِ (وَيَكِلُ) أَيْ: يُفَوِّضُ الْحَاكِمُ (ذَلِكَ إلَى اجْتِهَادِهِ) أَيْ: الْمُودَعِ (فِي قَدْرِ مَا يُنْفِقُ) عَلَى الْبَهِيمَةِ الْمُودَعَةِ مَعَ أَمَانَتِهِ قُلْتُ:
وَالْأَحْوَطُ أَنْ يُقَدِّرَ لَهُ مَا يُنْفِقُهُ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ بَعْدُ (وَيَرْجِعُ) الْمُسْتَوْدَعُ (بِهِ) أَيْ: بِمَا أَنْفَقَهُ
стр. 1768
بِإِذْنِ الْحَاكِمِ (عَلَى صَاحِبِهَا) لِقِيَامِ إذْنِ الْحَاكِمِ مَقَامَ إذْنِهِ (فَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الْمُودَعُ وَرَبُّهَا (فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ) بِأَنْ قَالَ الْمُودَعُ: أَنْفَقْتُ عَشَرَةً وَقَالَ رَبُّهَا: بَلْ ثَمَانِيَةً (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُ الْمُودَعِ) بِفَتْحِ الدَّالِ بِيَمِينِهِ (إذَا ادَّعَى النَّفَقَةَ بِالْمَعْرُوفِ) ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ (وَإِنْ ادَّعَى) الْمُودَعُ (زِيَادَةً) عَنْ النَّفَقَةِ بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ عَمَّا قَدَّرَهُ لَهُ الْحَاكِمُ إنْ قَدَّرَ شَيْئًا (لَمْ تُقْبَلْ) دَعْوَاهُ لِمُنَافَاةِ الْعُرْفِ لَهَا.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: رَبُّ الْبَهِيمَةِ وَالْمُودَعُ (فِي قَدْرِ الْمُدَّةِ) أَيْ: مُدَّةِ الْإِنْفَاقِ، بِأَنْ قَالَ رَبُّهَا: أَنْفَقْتُ مُنْذُ سَنَةٍ، فَقَالَ الْمُسْتَوْدَعُ: بَلْ مِنْ سَنَتَيْنِ (فَقَوْلُ صَاحِبِهَا) بِيَمِينِهِ،؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِمَّا ادَّعَاهُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُدَّةِ الزَّائِدَةِ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ.
(وَإِذَا أَنْفَقَ) الْمُسْتَوْدَعُ (عَلَيْهَا بِإِذْنِ حَاكِمٍ رَجَعَ بِهِ) أَيْ: بِمَا أَنْفَقَهُ لِمَا مَرَّ (وَإِنْ كَانَ) الْمُسْتَوْدَعُ أَنْفَقَ (بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ: الْحَاكِمِ (مَعَ تَعَذُّرِهِ) أَيْ: إذْنِ الْحَاكِمِ وَغَيْبَةِ رَبِّهَا أَوْ الْعَجْزِ عَنْ اسْتِئْذَانِهِ (وَأَشْهَدَ) الْمُسْتَوْدَعُ (عَلَى الْإِنْفَاقِ) أَيْ: عَلَى أَنَّهُ أَنْفَقَ لِيَرْجِعَ (رَجَعَ) بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَى صَاحِبِهَا لِقِيَامِهِ عَنْهُ بِوَاجِبٍ (وَإِنْ كَانَ) الْمُسْتَوْدَعُ أَنْفَقَ عَلَى الْبَهِيمَةِ (مَعَ إمْكَانِ إذْنِ الْحَاكِمِ وَلَمْ يَسْتَأْذِنْهُ) أَيْ: الْحَاكِمَ مَعَ الْعَجْزِ مِنْ اسْتِئْذَانِ رَبِّهَا (بَلْ نَوَى الرُّجُوعَ لَمْ يَرْجِعْ) عَلَى صَاحِبِهَا بِشَيْءٍ مِمَّا أَنْفَقَهُ صَحَّحَهُ هُنَا فِي الْإِنْصَافِ لِعَدَمِ إذْنِ رَبِّهَا، أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ (وَقِيلَ: يَرْجِعُ) الْمُسْتَوْدَعُ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهَا عَلَى رَبِّهَا إذَا تَعَذَّرَ اسْتِئْذَانُهُ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ حَاكِمًا مَعَ قُدْرَتِهِ وَلَمْ يُشْهِدْ (اخْتَارَهُ جَمْعٌ) ، مِنْهُمْ: ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَخَبِ وَصَحَّحَهُ الْحَارِثِيُّ وَصَاحِبُ الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالْفَائِقِ، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الصَّوَابُ انْتَهَى.
وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَصَاحِبُ الْمُنْتَهَى وَغَيْرُهُمَا فِي الرَّهْنِ وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ وَالسَّبْعِينَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ، لَكِنْ لَا يُنَاسِبُهُ قَوْلُهُ: وَتَقَدَّمَ فِي الرَّهْنِ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا هُنَا عَلَى مَا إذَا لَمْ يَنْهَهُ عَنْ عَلْفِهَا وَمَا هُنَاكَ عَلَى مَا إذَا نَهَاهُ عَنْهُ (وَتَقَدَّمَ فِي الرَّهْنِ) ،.
(وَمَتَى أَوْدَعَهُ) إنْسَانٌ وَدِيعَةً (وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِوَضْعِهَا فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ (فَتَرَكَهَا) الْمُسْتَوْدَعُ (فِي جَيْبِهِ) أَيْ: إذَا كَانَ مَزْرُورًا، أَوْ ضَيِّقَ الْفَمِ، فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا، أَوْ غَيْرَ مَزْرُورٍ ضَمِنَ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ (أَوْ) فِي (يَدِهِ، أَوْ شَدَّهَا فِي كُمِّهِ، أَوْ) شَدَّهَا فِي (عَضُدِهِ، أَوْ تَرَكَ) الْمُسْتَوْدَعُ (فِي كُمِّهِ) مُودَعًا (ثَقِيلًا) بِحَيْثُ يَشْعُرُ بِهِ إذَا سَقَطَ (بِلَا شَدٍّ) لَمْ يَضْمَنْهُ حَيْثُ لَمْ يُعَيِّنْ رَبُّهُ حِرْزًا لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِهِ (أَوْ تَرَكَهَا) أَيْ: تَرَكَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ (فِي وَسَطِهِ وَأَحْرَزَ) أَيْ: شَدَّ (عَلَيْهَا سَرَاوِيلَهُ لَمْ يَضْمَنْ) إنْ
стр. 1769
ضَاعَتْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُفَرِّطًا، وَفِي الْفُصُولِ: إنْ تَرَكَهَا فِي رَأْسِهِ، أَوْ غَرَزَهَا فِي عِمَامَتِهِ، أَوْ تَحْتَ قَلَنْسُوَتِهِ احْتَمَلَ أَنَّهُ حِرْزٌ.
(وَإِنْ عَيَّنَ) رَبُّ الْوَدِيعَةِ (جَيْبَهُ) بِأَنْ قَالَ لِلْمُسْتَوْدَعِ: اجْعَلْهَا فِي جَيْبِك (ضَمِنَ) الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ إنْ ضَاعَتْ وَقَدْ جَعَلَهَا (فِي يَدِهِ، أَوْ) فِي (كُمِّهِ) ؛ لِأَنَّ الْجَيْبَ أَحْرَزُ، وَرُبَّمَا نَسِيَ فَسَقَطَتْ مِنْ يَدِهِ، أَوْ كُمِّهِ وَ (لَا) يَضْمَنُ فِي (عَكْسِهِ) بِأَنْ عَيَّنَ يَدَهُ أَوْ كُمَّهُ فَجَعَلَهَا فِي جَيْبِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَزُ.
(وَإِنْ قَالَ) رَبُّ الْوَدِيعَةِ لِلْمُسْتَوْدَعِ (اُتْرُكْهَا فِي كُمِّكَ فَتَرَكَهَا فِي يَدِهِ) ضَمِنَهَا،؛ لِأَنَّ الْيَدَ يَسْقُطُ مِنْهَا الشَّيْءُ بِالنِّسْيَانِ بِخِلَافِ الْكُمِّ (أَوْ عَكْسِهِ) بِأَنْ قَالَ: اُتْرُكْهَا فِي يَدِكَ فَتَرَكَهَا فِي كُمِّهِ (ضَمِنَ) ؛ لِأَنَّ الْكُمَّ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الْبَسْطُ بِخِلَافِ الْيَدِ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا أَدْنَى مِنْ الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ، فَضَمِنَ لِمُخَالِفَتِهِ وَقَالَ الْقَاضِي: الْيَدُ أَحْرَزُ عِنْدَ الْمُغَالَبَةِ وَالْكُمُّ أَحْرَزُ عِنْدَ عَدَمِهَا.
(كَمَا) يَضْمَنُ الْمُسْتَوْدَعُ (لَوْ جَاءَهُ) رَبُّ الْوَدِيعَةِ (بِهَا فِي السُّوقِ وَأَمَرَهُ) رَبُّ الْوَدِيعَةِ بِحِفْظِهَا بِبَيْتِهِ فَتَرَكَهَا الْمُسْتَوْدَعُ (عِنْدَهُ) إلَى مُضِيِّهِ (إلَى مَنْزِلِهِ) ، أَوْ فَوْقَ مَا يُمْكِنُهُ الذَّهَابُ بِهَا فَتَلِفَتْ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ بِهَا إلَى بَيْتِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ أَحْفَظُ وَتَرَكَهَا فَوْقَ مَا يُذْهِبُ بِهَا تَفْرِيطٌ.
(وَإِنْ أَمَرَهُ) رَبُّ الْوَدِيعَةِ (أَنْ يَجْعَلَهَا فِي صُنْدُوقٍ وَقَالَ) رَبُّ الْوَدِيعَةِ لِلْمُسْتَوْدَعِ (لَا تَقْفِلْ عَلَيْهَا) الصُّنْدُوقَ (وَلَا تَنَمْ فَوْقَهَا فَخَالَفَهُ) وَقَفَلَ عَلَيْهَا أَوْ نَامَ عَلَيْهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ (أَوْ قَالَ) اجْعَلْهَا فِي صُنْدُوقٍ وَ (لَا تَقْفِلْ عَلَيْهَا إلَّا قُفْلًا وَاحِدًا فَجَعَلَ عَلَيْهَا قُفْلَيْنِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ قَالَ) رَبُّ الْوَدِيعَةِ (اجْعَلْهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ وَلَا تُدْخِلْهُ أَحَدًا فَ) جَعَلَهَا فِي الْبَيْتِ وَ (أَدْخَلَ إلَيْهِ قَوْمًا فَسَرَقَهَا أَحَدُهُمْ حَالَ دُخُولِهِمْ أَوْ بَعْدَهُ ضَمِنَهَا) ؛ لِأَنَّ الدَّاخِلَ رُبَّمَا شَاهَدَ الْوَدِيعَةَ فِي دُخُولِهِ الْبَيْتَ وَعَلِمَ مَوْضِعَهَا وَطَرِيقَ الْوُصُولِ إلَيْهَا فَسَرَقَهَا، وَإِنْ كَانَ السَّارِقُ مِنْ غَيْرِهِمْ أَوْ كَانَ التَّلَفُ بِحَرْقٍ، أَوْ غَرَقٍ، فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: لَا يَضْمَنُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ: إنَّهُ أَصَحُّ وَالثَّانِي: يَضْمَنُ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالْمُوَفَّقُ، وَمَالَ إلَيْهِ الشَّارِحُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى لِمُخَالَفَتِهِ.
(وَإِنْ أَوْدَعَهُ خَاتَمًا وَقَالَ) رَبُّهُ لِلْمُسْتَوْدَعِ (اجْعَلْهُ فِي الْخِنْصَرِ فَلَبِسَهُ) الْمُسْتَوْدَعُ (فِي الْبِنْصِرِ لَمْ يَضْمَنْ) الْخَاتَمَ إنْ ضَاعَ؛ لِأَنَّ الْبِنْصِرَ أَغْلَظُ، فَهِيَ أَحْرَزُ (لَكِنْ إنْ انْكَسَرَ) الْخَاتَمُ (لِغِلَظِهَا) أَيْ: الْبِنْصِرِ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ بِمَا لَمْ يَأْذَن فِيهِ مَالِكُهُ (أَوْ جَعَلَهُ) أَيْ: الْخَاتَمَ (فِي أُنْمُلَتِهَا) أَيْ: الْبِنْصِرِ الْعُلْيَا ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى مِنْ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَعِبَارَةُ الْإِنْصَافِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي جَمِيعِهَا، فَجَعَلَهُ
стр. 1770
فِي بَعْضِهَا ضَمِنَ (وَإِنْ قَالَ: اجْعَلْهُ فِي الْبِنْصِرِ فَجَعَلَهُ فِي الْخِنْصِرِ) ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ دُونَ الْمَأْمُورِ بِهِ (أَوْ) قَالَ: اجْعَلْهُ فِي الْبِنْصِرِ فَجَعَلَهُ (فِي الْوُسْطَى وَلَمْ يَدْخُلْ) الْخَاتَمُ (فِي جَمِيعِهَا ضَمِنَ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَوْ أَمَرَهُ) رَبُّ الْوَدِيعَةِ (أَنْ يَجْعَلَهَا فِي مَنْزِلِهِ فَتَرَكَهَا) الْمُسْتَوْدَعُ (فِي ثِيَابِهِ) وَلَوْ شَدَّهَا فِيهَا (وَخَرَجَ بِهَا ضَمِنَهَا) ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ أَحْرَزُ.
[فَصْلٌ دَفَعَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ إلَى مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ]
(فَصْلٌ) ، وَإِنْ (دَفَعَ الْمُسْتَوْدِعُ الْوَدِيعَةَ إلَى مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ) أَيْ: الْمُسْتَوْدَعِ عَادَةً (أَوْ) دَفَعَهَا إلَى مَنْ يَحْفَظُ (مَالَ رَبِّهَا عَادَةً، كَزَوْجَتِهِ وَعَبْدِهِ وَخَادِمِهِ وَنَحْوِهِمْ) كَخَازِنٍ (لَمْ يَضْمَنْ) الْمُسْتَوْدَعُ إنْ تَلِفَتْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ حِفْظُهَا، فَلَهُ تَوَلِّيهِ بِنَفْسِهِ وَبِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَلِقِيَامِهِ، وَلِقِيَامِهِمْ مَقَامَ الْمَالِكِ فِي الرَّدِّ (كَوَكِيلِ رَبِّهَا) وَكَمَا لَوْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ مَاشِيَةً فَدَفَعَهَا لِلرَّاعِي، أَوْ لِغُلَامِهِ لِيَسْقِيَهَا.
(وَلَوْ دَفَعَهَا) أَيْ: دَفَعَ الْمُسْتَوْدِعُ الْوَدِيعَةَ (إلَى الشَّرِيكِ) رَبِّهَا فِي غَيْرِهَا، أَوْ فِيهَا أَوْ دَفَعَهَا الْمُسْتَوْدِعُ إلَى شَرِيكِهِ نَفْسِهِ (ضَمِنَ) الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ إنْ تَلِفَتْ (كَالْأَجْنَبِيِّ الْمَحْضِ) الَّذِي لَيْسَ بِشَرِيكٍ، أَمَّا شَرِيكَا الْعَنَانِ فَإِنْ جَازَ إيدَاعُ أَحَدِهِمَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ فِي الرَّدِّ لِلْآخَرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الشَّرِكَةِ، وَالْعَيْنُ لِاثْنَيْنِ إذَا أَوْدَعَاهَا لَيْسَ لِلْمُسْتَوْدَعِ الرَّدُّ عَلَى أَحَدِهِمَا إلَّا بِإِذْنِ الْآخَرِ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ حِصَّتَهُ.
(وَلَهُ) أَيْ: الْمُسْتَوْدَعِ (الِاسْتِعَانَةُ بِالْأَجَانِبِ فِي الْحَمْلِ وَالنَّقْلِ) أَيْ: فِي حَمْلِ الْوَدِيعَةِ وَنَقْلِهَا مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ حَيْثُ جَازَ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِهِ.
(وَ) لَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِالْأَجَانِبِ أَيْضًا فِي (سَقْيِ الدَّابَّةِ) الْمُودَعَةِ وَ (وَعَلْفِهَا) ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ، فَكَذَا فِي الْوَدِيعَةِ.
(وَإِنْ دَفَعَهَا) أَيْ: دَفَعَ الْمُسْتَوْدِعُ الْوَدِيعَةَ (إلَى أَجْنَبِيٍّ) لِعُذْرٍ لَمْ يَضْمَنْ (أَوْ) دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَى (حَاكِمٍ لِعُذْرٍ) كَمَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ، أَوْ أَرَادَ سَفَرًا وَخَافَ عَلَيْهَا (لَمْ يَتَعَدَّ) وَلَمْ يُفَرِّطْ.
(وَلَا) بِأَنْ دَفَعَهَا لِأَجْنَبِيٍّ مَثَلًا أَوْ حَاكِمٍ بِلَا عُذْرٍ (ضَمِنَ) الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ لِتَعَدِّيهِ،؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدِعَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُودِعَ بِلَا عُذْرٍ، قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَعَلَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي الْحَاكِمِ انْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ الْحَاكِمُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ حَاضِرٍ.
(وَلِلْمَالِكِ) أَيْ: مَالِكِ الْوَدِيعَةِ (مُطَالَبَتُهُ) أَيْ: الْمُسْتَوْدَعِ بِبَدَلِ الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ ضَامِنًا بِنَفْسِ
стр. 1771
الدَّفْعِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الْحِفْظِ (وَ) لِمَالِكِ الْوَدِيعَةِ أَيْضًا (مُطَالَبَةُ الثَّانِي) وَهُوَ الْقَابِضُ مِنْ الْمُسْتَوْدَعِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ مَا لَيْسَ لَهُ قَبْضُهُ، أَشْبَهَ الْمُودَعَ مِنْ الْغَاصِبِ (وَلَوْ كَانَ) الثَّانِي (جَاهِلًا بِالْحَالِ) بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا وَدِيعَةٌ لَا عُذْرَ لِلْمُسْتَوْدَعِ فِي إيدَاعِهَا (وَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ) أَيْ: الثَّانِي (الضَّمَانُ إنْ كَانَ عَالِمًا) بِأَنَّهَا وَدِيعَةٌ لَا عُذْرَ فِي إيدَاعِهَا، فَإِنْ ضَمِنَهُ الْمَالِكُ ابْتِدَاءً لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ، وَإِنْ ضَمِنَ الْمُسْتَوْدَعُ رَجَعَ عَلَيْهِ،؛ لِأَنَّ التَّلَفَ وُجِدَ فِي يَدِهِ وَلَا تَغْرِيرَ.
(وَإِلَّا) يَكُنْ عَالِمًا بِأَنَّهَا وَدِيعَةٌ لَا عُذْرَ فِي إيدَاعِهَا (فَلَا) يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الضَّمَانُ بَلْ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ، فَإِنْ ضَمِنَ الْمَالِكُ الْمُسْتَوْدَعَ ابْتِدَاءً لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ، وَإِنْ ضَمِنَهُ رَجَعَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ.
(وَإِنْ أَرَادَ) الْمُسْتَوْدَعُ (سَفَرًا سَفَرًا أَوْ خَافَ عَلَيْهَا عِنْدَهُ فَلَهُ) أَيْ: الْمُسْتَوْدَعِ (رَدُّهَا عَلَى مَالِكِهَا الْحَاضِرِ، أَوْ مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ عَادَةً) كَزَوْجَتِهِ وَعَبْدِهِ وَخَازِنِهِ.
(وَ) رَدُّهَا إلَى (وَكِيلِهِ) أَيْ: وَكِيلِ رَبِّ الْوَدِيعَةِ (فِي قَبْضِهَا إنْ كَانَ) لِرَبِّهَا وَكِيلٌ فِي قَبْضِهَا، أَوْ قَبْضِ حُقُوقِهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَخْلِيصًا لَهُ مِنْ دَرْكِهَا، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ إذَا دَفَعَهَا إلَى الْحَاكِمِ إذَنْ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْحَاضِرِ وَيَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ الرَّدِّ لِتَعَدِّيهِ (وَلَهُ) أَيْ: الْمُسْتَوْدَعِ (السَّفَرُ بِهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ) أَيْ: وَرَبُّهَا حَاضِرٌ (إنْ لَمْ يَخَفْ) الْمُسْتَوْدِعُ (عَلَيْهَا، أَوْ كَانَ) السَّفَرُ (أَحْفَظُ لَهَا) مِنْ إبْقَائِهَا (وَلَمْ يَنْهَهُ) رَبُّ الْوَدِيعَةِ عَنْ السَّفَرِ بِهَا.
قَالَ فِي الْمُبْهِجِ وَالْمُوجِزِ: وَالْغَالِبُ السَّلَامَةُ، فَعَلَى هَذَا لَا يَضْمَنُهَا إنْ تَلِفَتْ مَعَهُ سَوَاءٌ كَانَ بِهِ ضَرُورَةٌ إلَى السَّفَرِ، أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ نَقَلَهَا إلَى مَوْضِعٍ مَأْمُونٍ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا كَمَا لَوْ نَقَلَهَا فِي الْبَلَدِ، وَكَأَبٍ وَوَصِيٍّ لَا كَمُسْتَأْجِرٍ لِحِفْظِ شَيْءٍ.
(وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ الْمَالِكِ وَمَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ وَوَكِيلِهِ (حَمَلَهَا) الْمُسْتَوْدَعُ (مَعَهُ فِي سَفَرِهِ) إنْ كَانَ السَّفَرُ (أَحْفَظَ لَهَا وَلَمْ يَنْهَهُ) رَبُّهَا عَنْ السَّفَرِ بِهَا (وَلَا ضَمَانَ) عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ إذْ سَافَرَ بِهَا مَعَ كَوْنِهِ أَحْفَظَ وَلَمْ يَنْهَهُ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ السَّفَرُ لَيْسَ أَحْفَظَ وَلَوْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ (فَلَا) يُسَافِرُ بِهَا، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ (وَإِنْ نَهَاهُ) أَيْ: نَهَى رَبُّ الْوَدِيعَةِ الْمُسْتَوْدَعَ عَنْ السَّفَرِ بِهَا (امْتَنَعَ) عَلَيْهِ السَّفَرُ بِهَا.
(وَضَمِنَ) إنْ سَافَرَ بِهَا وَتَلِفَتْ لِلْمُخَالَفَةِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ بِهَا لِعُذْرٍ، كَجَلَاءِ أَهْلِ الْبَلَدِ، أَوْ هُجُومِ عَدُوٍّ، أَوْ حَرْقٍ، أَوْ غَرَقٍ فَلَا ضَمَانَ) عَلَيْهِ إذَا سَافَرَ بِهَا وَتَلِفَتْ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، فَإِنْ تَرَكَهَا إذَنْ وَتَلِفَتْ فَمُقْتَضَى مَا صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ: يَضْمَنُ حَيْثُ تَرَكَ الْأَصْلَحَ.
(وَلَوْ أَوْدَعَ) رَبُّ وَدِيعَةٍ (مُسَافِرًا فَسَافَرَ) أَيْ: سَافَرَ الْمُسْتَوْدَعُ (بِهَا وَتَلِفَتْ بِالسَّفَرِ فَلَا
стр. 1772
ضَمَانَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ إيدَاعَ الْمَالِكِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَقْتَضِي الْإِذْنَ فِي السَّفَرِ الْوَدِيعَةِ (فَإِنْ هَجَمَ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمُسَافِرِ بِوَدِيعَةٍ حَيْثُ جَازَ لَهُ السَّفَرُ بِهَا (فَأَلْقَى الْمَتَاعَ) الْمُودَعَ (إخْفَاءً لَهُ وَضَاعَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ هَذَا عَادَةُ النَّاسِ فِي حِفْظِ أَمْوَالِهِمْ (فَإِنْ خَافَ) الْمُسْتَوْدَعُ (الْمُقِيمُ عَلَيْهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةِ (إذَا سَافَرَ بِهَا وَلَمْ يَجِدْ) الْمُسْتَوْدَعُ (مَالِكَهَا) وَلَا مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ عَادَةً (وَلَا وَكِيلَهُ) فِي قَبْضِهَا (دَفَعَهَا) الْمُسْتَوْدَعُ (إلَى الْحَاكِمِ) الْمَأْمُونِ،؛ لِأَنَّ فِي السَّفَرِ بِهَا غَرَرًا؛ لِأَنَّهُ عَرَّضَهُ لِلنَّهْبِ وَغَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ يَقُومُ مَقَامَ صَاحِبِهَا عِنْدَ غَيْبَتِهِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا أَوْدَعَهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْحَاكِمِ أَنَّهُ يَضْمَنُهَا (فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ) أَيْ: دَفْعُهَا إلَى الْحَاكِمِ الْمَأْمُونِ (أَوْدَعَهَا) الْمُسْتَوْدَعُ (ثِقَةً) لِفِعْلِهِ ﷺ «لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ أَوْدَعَ الْوَدَائِعَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِأُمِّ أَيْمَنَ وَأَمَرَ عَلِيًّا ﵁ أَنْ يَرُدَّهَا إلَى أَهْلِهَا» (أَوْ دَفَنَهَا) أَيْ: دَفَنَ الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ (إنْ لَمْ يَضُرَّهَا الدَّفْنُ، وَأَعْلَمَ) الْمُسْتَوْدَعُ (بِهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةِ الْمَدْفُونَةِ (ثِقَةً يَسْكُنُ تِلْكَ الدَّارِ) الَّتِي دَفَنَهَا بِهَا (فَيَكُونُ) الدَّفْنُ وَإِعْلَامُ الثِّقَةِ السَّاكِنِ (كَإِيدَاعِهِ) ؛ لِأَنَّ الْحِفْظَ يَحْصُلُ بِهِ (فَإِنْ دَفَنَهَا) الْمُسْتَوْدَعُ (وَلَمْ يُعْلِمْ بِهَا أَحَدًا، أَوْ) دَفَنَهَا وَ (أَعْلَمَ بِهَا غَيْرَ ثِقَةٍ، أَوْ) أَعْلَمَ بِهَا مَنْ لَا يَسْكُنُ الدَّارَ وَلَوْ ثِقَةً ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي الْحِفْظِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْلِمْ أَحَدًا قَدْ يَمُوتُ فِي سَفَرِهِ أَوْ يَضِلُّ عَنْ مَوْضِعِهَا فَلَا تَصِلُ لِرَبِّهَا، وَإِذَا أَعْلَمَ غَيْرَ ثِقَةٍ رُبَّمَا أَخَذَهَا، وَمَنْ لَا يَسْكُنُ الدَّارَ لَا يَتَأَتَّى حِفْظُهُ مَا فِيهَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ الدَّفْنُ يَضُرُّهَا.
(وَحُكْمُ مَنْ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ) وَعِنْدَهُ وَدِيعَةٌ (حُكْمُ مَنْ أَرَادَ سَفَرًا فِي دَفْعِهَا إلَى الْحَاكِمِ، أَوْ ثِقَةٍ) ، أَوْ دَفْنِهَا وَإِعْلَامِ سَاكِنٍ ثِقَةٍ إنْ لَمْ يَجِدْ رَبَّهَا وَلَا مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ عَادَةً وَلَا وَكِيلَهُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ.
(وَالْوَدَائِعُ الَّتِي جُهِلَ مُلَّاكُهَا يَجُوزُ) لِلْمُسْتَوْدَعِ (أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا بِدُونِ إذْنِ حَاكِمٍ) وَأَنْ يَدْفَعَهَا إلَى الْحَاكِمِ.
(وَكَذَلِكَ إنْ فُقِدَ مَالِكُهَا وَلَمْ يُطَّلَعْ عَلَى خَبَرِهِ وَلَيْسَ لَهُ وَرَثَةٌ) فَيَجُوزُ لِلْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَتَصَدَّقَ الْوَدِيعَةِ بِنِيَّةِ غُرْمِهَا إذَا عَرَفَهُ، أَوْ عَرَفَ وَارِثَهُ، وَأَنْ يَدْفَعَهَا لِلْحَاكِمِ (وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي) بَابِ (الْغَصْبِ وَ) فِي آخِرِ بَابِ (الرَّهْنِ) مُفَصَّلًا.
(وَ) تَقَدَّمَ أَيْضًا (أَنَّهُ يَلْزَمُ الْحَاكِمَ قَبُولُ ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ الْغَصْبِ وَالرَّهْنِ الْوَدِيعَةِ، وَكَذَا نَحْوُهَا (إذَا دُفِعَ إلَيْهِ) أَيْ: دَفَعَ ذَلِكَ إلَى الْحَاكِمِ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ مِنْ غَاصِبٍ وَمُرْتَهِنٍ وَوَدِيعٍ وَنَحْوِهِمْ.
(وَإِنْ تَعَدَّى) الْوَدِيعُ (فِيهَا) أَيْ: فِي الْوَدِيعَةِ (بِانْتِفَاعِهِ) بِهَا (فَرَكِبَ) الْوَدِيعُ (الدَّابَّةَ)
стр. 1773
الْمُودَعَةَ (لِغَيْرِ نَفْعِهَا) أَيْ: عَلْفِهَا وَسَقْيِهَا وَ (لَبِسَ الثَّوْبَ) الْمُودَعَ لَا لِخَوْفِ عُثٍّ وَنَحْوِهِ (أَوْ أَخْرَجَهَا لَا لِإِصْلَاحِهَا كَ) أَنْ أَخْرَجَهَا (لِنِفَاقِهَا، أَوْ) أَخْرَجَهَا (لِيَخُونَ فِيهَا، أَوْ) أَخْرَجَهَا (شَهْوَةً إلَى رُؤْيَتِهَا ثُمَّ رَدَّهَا) إلَى حِرْزِهَا (بِنِيَّةِ الْأَمَانَةِ) بَطَلَتْ وَضَمِنَ لِتَصَرُّفِهِ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ (أَوْ كَسَرَ) الْوَدِيعُ (خِتْمَ كِيسِهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةِ (أَوْ كَانَتْ) الْوَدِيعَةُ (مَشْدُودَةً فَحَلَّ) الْوَدِيعُ (الشَّدَّ، أَوْ) كَانَتْ (مَصْرُورَةً فِي خِرْقَةٍ فَفَتَحَ) الْوَدِيعُ (الصُّرَّةَ) أَوْ مَقْفُولَةً فَأَزَالَهُ، ضَمِنَ سَوَاءٌ أَخْرَجَ مِنْهَا شَيْئًا، أَوْ لَا، لِهَتْكِهِ الْحِرْزَ بِفِعْلٍ تَعَدَّى فِيهِ (أَوْ جَحَدَهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةَ (ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا) ضَمِنَ (؛ لِأَنَّهُ بِجَحْدِهَا خَرَجَ عَنْ الِاسْتِئْمَانِ عَنْهَا، فَلَمْ يَزُلْ عَنْهُ الضَّمَانُ بِالْإِقْرَارِ بِهَا،؛ لِأَنَّ يَدَهُ صَارَتْ يَدَ عُدْوَانٍ أَوْ مَنَعَهَا بَعْدَ طَلَبِ طَالِبهَا شَرْعًا) بِأَنْ طَلَبَهَا مَالِكُهَا، أَوْ وَلِيُّهُ أَوْ وَكِيلُهُ الثَّابِتَةُ وَكَالَتُهُ بِالْبَيِّنَةِ.
(وَ) بَعْدَ (التَّمَكُّنِ مِنْ دَفْعِهَا) إلَى ذَلِكَ الطَّالِبِ ضَمِنَ،؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَادِيَّةٌ إذَنْ بِمَنْعِهَا (أَوْ خَلَطَهَا بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ) كَزَيْتٍ بِزَيْتٍ، أَوْ شَيْرَجٍ، وَدَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ.
(وَلَوْ كَانَ التَّعَدِّي) بِشَيْءٍ مِمَّا سَبَقَ (فِي إحْدَى عَيْنَيْنِ) مُودَعَتَيْنِ وَكَانَ فِعْلُ مَا تَقَدَّمَ (بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ: الْمَالِكِ (بَطَلَتْ) الْوَدِيعَةُ.
(وَضَمِنَ) الْمُسْتَوْدَعُ؛ لِأَنَّهُ صَيَّرَهَا فِي حُكْمِ التَّالِفِ وَفَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ رَدَّهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَلْقَاهَا فِي بَحْرٍ وَسَوَاءٌ خَلَطَهَا بِمَالِهِ، أَوْ مَالِ غَيْرِهِ مِثْلِهَا، أَوْ دُونِهَا، أَوْ أَجْوَدَ، فِي الرِّعَايَةِ: إذَا خَلَطَ إحْدَى وَدِيعَتَيْ زَيْدٍ بِالْأُخْرَى بِلَا إذْنٍ وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ فَوَجْهَانِ (وَيَأْتِي بَعْضُهُ) فِي الْبَابِ.
(وَلَا تَعُودُ وَدِيعَةٌ) بَعْدَ التَّعَدِّي فِيهَا بِشَيْءٍ مِمَّا سَبَقَ (إلَّا بِعَقْدِ) وَدِيعَةٍ (جَدِيدٍ) لِبُطْلَانِ الِاسْتِئْمَانِ بِالْعُدْوَانِ.
(وَ) حَيْثُ بَطَلَتْ الْوَدِيعَةُ (وَجَبَ الرَّدُّ فَوْرًا) ؛ لِأَنَّ يَدَهُ صَارَتْ عَادِيَةً كَالْغَاصِبِ.
(وَإِنْ خَلَطَهَا غَيْرُهُ) أَيْ: خَلَطَ الْوَدِيعَةَ غَيْرُ الْمُسْتَوْدَعِ بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ (فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْخَالِطِ دُونَ الْمُسْتَوْدَعِ، لِوُجُودِ الْعُدْوَانِ مِنْ الْخَالِطِ.
(وَمَتَى جَدَّدَ) الْمُسْتَوْدَعُ (اسْتِئْمَانًا) بَرِئَ فَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدُ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِي الِاسْتِئْمَانِ الَّذِي تَلِفَتْ فِيهِ، وَالْأَوَّلُ قَدْ زَالَ (أَوْ أَبْرَأَهُ) الْمَالِكُ (مِنْ الضَّمَانِ) بِتَعَدِّيهِ (بَرِئَ) الْمُسْتَوْدَعُ، فَلَا يَضْمَنُهَا إنْ تَلِفَتْ بَعْدُ،؛ لِأَنَّهُ مُمْسِكُهَا بِإِذْنِ رَبِّهَا وَزَالَ حُكْمُ التَّعَدِّي بِالْبَرَاءَةِ.
(وَلَا يَضْمَنُ) الْمُسْتَوْدَعُ (بِمُجَرَّدِ نِيَّةِ التَّعَدِّي) فِي الْوَدِيعَةِ (إذَا تَلِفَتْ) الْوَدِيعَةُ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ بِخِلَافِ الْمُلْتَقِطِ نَوَى التَّمَلُّكَ، وَالْفَرْقُ: أَنَّ الْإِيدَاعَ عَقْدٌ وَالنِّيَّةُ ضَعِيفَةٌ فَلَا تُزِيلُهُ بِخِلَافِ
стр. 1774
الِالْتِقَاطِ.
(وَإِنْ خَلَطَهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةَ، مُسْتَوْدَعٌ (بِمُتَمَيِّزٍ كَدَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِمَ بِيضٍ بِسُودٍ) ، أَوْ بُرٍّ بِشَعِيرٍ، أَوْ عَدَسٍ، لَمْ يَضْمَنْ لِإِمْكَانِ التَّمْيِيزِ، فَلَا يَعْجِزُ بِذَلِكَ عَنْ رَدِّهَا، فَلَمْ يَضْمَنْهَا كَمَا لَوْ تَرَكَهَا فِي صُنْدُوقٍ فِيهِ أَكْيَاسٌ لَهُ.
(أَوْ اخْتَلَطَ) مُودَعٌ (غَيْرُ مُتَمَيِّزٍ) كَبُرٍّ بِبُرٍّ، أَوْ بِدَقِيقٍ (بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ) فَلَا ضَمَانَ، فَإِنْ ضَاعَ الْبَعْضُ جُعِلَ مِنْ مَالِ الْمُودَعِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ أَنَّهُمْ يَصِيرَانِ شَرِيكَيْنِ، قَالَ الْمَجْدُ: وَلَا يَبْعُدُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ الْهَالِكُ مِنْهُمَا، ذَكَرَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ.
(أَوْ رَكِبَ) الْمُسْتَوْدَعُ (الدَّابَّةَ) الْمُودَعَةَ (لِعَلْفِهَا أَوْ سَقْيِهَا) لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرَفًا.
(أَوْ لَبِسَ) الْمُسْتَوْدَعُ (الثَّوْبَ مِنْ نَحْوِ صُوفٍ خَوْفًا عَلَيْهِ مِنْ عُثٍّ) - جَمْعُ عُثَّةٍ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ -: سُوسَةٌ تَلْحَسُ الصُّوفَ (وَنَحْوَهُ) بِأَنْ كَانَتْ فَرْشًا وَنَحْوَهَا فَفَرِشَهَا لِخَوْفٍ مِنْ عُثٍّ أَوْ كَانَتْ آلَةَ صِنَاعَةٍ مِنْ خَشَبٍ فَاسْتَعْمَلَهَا لِخَوْفٍ مِنْ الْأَرَضَةِ (لَمْ يَضْمَنْ) ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ.
(وَإِنْ أَخَذَ) الْمُسْتَوْدَعُ (دِرْهَمًا) بِلَا إذْنٍ مِنْ وَدِيعَةٍ غَيْرِ مَخْتُومَةٍ وَلَا مَشْدُودَةٍ وَلَا مَصْرُورَةٍ (ثُمَّ رَدَّهُ) وَتَلِفَ ضَمِنَهُ وَحْدَهُ (أَوْ) أَخَذَ مِنْهَا دِرْهَمًا ثُمَّ رَدَّ (بَدَلَهُ مُتَمَيِّزًا) وَضَاعَتْ ضَمِنَهُ وَحْدَهُ (أَوْ أَذِنَ) الْمَالِكُ (لَهُ) أَيْ: الْمُسْتَوْدَعِ (فِي أَخْذِهِ) دِرْهَمًا (مِنْهَا) فَأَخَذَهُ (وَرَدَّ) الْمُسْتَوْدَعُ (بَدَلَهُ بِلَا إذْنٍ فَضَاعَ الْكُلُّ ضَمِنَهُ) أَيْ: الدِّرْهَمَ الْمَأْخُوذَ (وَحْدَهُ) ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ تَعَلَّقَ بِالْأَخْذِ، فَلَمْ يَضْمَنْ غَيْرَ مَا أَخَذَهُ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ قَبْلَ رَدِّهِ (إلَّا أَنْ تَكُونَ) الْوَدِيعَةُ دَرَاهِمَ (مَخْتُومَةً، أَوْ مَشْدُودَةً أَوْ مَصْرُورَةً) فَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ ضَمِنَ الْجَمِيعَ، لِهَتْكِ الْحِرْزِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ (أَوْ) إلَّا أَنْ (رَدَّ بَدَلَهُ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ) وَضَاعَتْ الْوَدِيعَةُ (فَيَضْمَنُ الْجَمِيعَ) لِخَلْطِهِ الْوَدِيعَةَ بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ (كَمَا لَوْ لَمْ يَدْرِ أَيُّهُمَا ضَاعَ) بِأَنْ ضَاعَ دِرْهَمٌ مَثَلًا وَلَمْ يَدْرِ أَهُوَ الْمَرْدُودُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْوَدِيعَةِ فَيَضْمَنُهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ بَرَاءَتِهِ.
(وَلَوْ خَرَقَ) الْمُسْتَوْدَعُ (الْكِيسَ) الْمَشْدُودَ عَلَى دَرَاهِمَ وَنَحْوِهَا مِنْ فَوْقِ الشَّدِّ لَمْ يَضْمَنُ إلَّا الْخَرْقَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَهْتِكْ الْحِرْزَ.
(وَ) بِخَرْقِ الْكِيسِ (مِنْ تَحْتِهِ) أَيْ: الشَّدِّ (يَضْمَنُ أَرْشَهُ) أَيْ: الْخَرْقِ (وَ) يَضْمَنُ (مَا فِيهِ) مِنْ دَرَاهِمَ وَنَحْوِهَا إنْ ضَاعَتْ لِهَتْكِهِ الْحِرْزَ.
(وَإِنْ أَوَدَعَهُ صَغِيرٌ مُمَيِّزٌ أَوْ لَا وَدِيعَةَ) مَثَلًا أَوْ أَوْدَعَهُ مَجْنُونٌ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ وَدِيعَةً (فَتَلِفَتْ) عِنْدَ الْمُسْتَوْدَعِ وَلَوْ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ (ضَمِنَهَا) الْمُسْتَوْدَعُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ شَرْعِيٍّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَهُ.
(وَلَا يَبْرَأُ) الْمُسْتَوْدَعُ مِنْ
стр. 1775
صَغِيرٍ وَنَحْوِهِ (إلَّا بِالتَّسْلِيمِ إلَى وَلِيِّهِ) كَدَيْنِهِ وَتَقَدَّمَ فِي الْحَجْرِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِحَظِّهِ (مُمَيَّزًا مَأْذُونًا) لَهُ فِي الْإِيدَاعِ (أَوْ يَخَافَ) الْآخِذُ لِمَا مَعَهُ (هَلَاكَهَا مَعَهُ فَيَأْخُذُهَا لِحِفْظِهَا) حَتَّى يُسَلِّمَهَا لِوَلِيِّهِ (حِسْبَةً فَلَا) ضَمَانَ عَلَيْهِ (كَالْمَالِ الضَّائِعِ وَالْمَوْجُودِ فِي مَهْلَكَةٍ إذَا أَخَذَهُ لِذَلِكَ) أَيْ: لِيَحْفَظَهُ لِرَبِّهِ (وَتَلِفَ) قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ رَدِّهِ.
(وَكَذَا لَوْ أَخَذَ) إنْسَانٌ (الْمَالَ مِنْ الْغَاصِبِ تَخْلِيصًا) لَهُ (لِيَرُدَّهُ إلَى مَالِكِهِ) فَتَلِفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ.
(وَإِنْ أَوْدَعُ) جَائِزُ التَّصَرُّفِ (الصَّغِيرُ) وَدِيعَةً (وَلَوْ) كَانَ الْمُسْتَوْدِعُ الصَّغِيرُ (قِنًّا،، أَوْ) أَوْدَعَ جَائِزُ التَّصَرُّفِ (الْمَجْنُونُ، أَوْ الْمَعْتُوهُ، وَهُوَ الْمُخْتَلُّ الْعَقْلُ) وَدِيعَةً (أَوْ) أَوْدَعَ جَائِزُ التَّصَرُّفِ (السَّفِيهُ وَدِيعَةً، أَوْ أَعَارَهُمْ) أَيْ: أَعَارَ جَائِزُ التَّصَرُّفِ الصَّغِيرَ أَوْ الْمَجْنُونَ، أَوْ الْمُخْتَلَّ الْعَقْلُ أَوْ السَّفِيهَ (شَيْئًا فَأَتْلَفُوهُ) بِأَكْلٍ، أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِمْ لَمْ يَضْمَنُوا) لِأَنَّ الْمَالِكَ سَلَّطَهُمْ عَلَى الْإِتْلَافِ بِالدَّفْعِ إلَيْهِمْ.
(وَيَضْمَنُ ذَلِكَ) أَيْ: الْمُودَعَ وَالْمُعَارَ (الْعَبْدُ الْمُكَلَّفُ) وَمِثْلُهُ الْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ عَلَى صِفَةٍ، وَأُمُّ وَلَدٍ (فِي رَقَبَتِهِ إذَا أَتْلَفَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ، فَصَحَّ اسْتِحْفَاظُهُ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّبِيِّ، وَكَوْنُهَا فِي رَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّ إتْلَافَهُ مِنْ جِنَايَتِهِ " تَنْبِيهٌ " ظَاهِرُ قَوْلِهِ " كَغَيْرِهِ إذَا أَتْلَفَهُ أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ بِيَدِهِ لَا ضَمَانَ وَلَوْ بِتَعَدٍّ أَوْ تَفْرِيطٍ، وَهُوَ كَالصَّرِيحِ فِي قَوْلِ التَّنْقِيحِ: وَلَا يَضْمَنُ الْكُلَّ أَيْ: الْوَدِيعَةَ وَالْعَارِيَّةَ بِتَلَفِهِمَا بِتَفْرِيطٍ، لَكِنْ مُقْتَضَى تَعْلِيلِهِمْ بِمَا تَقَدَّمَ: أَنَّهُ يَضْمَنُ إنْ تَعَدَّى أَوْ فَرَّطَ وَيَكُونُ كَإِتْلَافِهِ.
(وَإِذَا مَاتَ إنْسَانٌ وَثَبَتَ أَنَّ عِنْدَهُ وَدِيعَةً) أَوْ مُضَارَبَةً أَوْ رَهْنًا وَنَحْوَهَا مِنْ الْأَمَانَاتِ (وَلَمْ تُوجَدْ) تِلْكَ الْوَدِيعَةُ وَنَحْوُهَا (بِعَيْنِهَا) فِي تَرِكَتِهِ (فَهِيَ دَيْنٌ عَلَيْهِ تَغْرَمُهَا) الْوَرَثَةُ (مِنْ تَرِكَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ بَرَاءَتُهُ مِنْهَا (كَبَقِيَّةِ الدُّيُونِ) فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ سِوَاهَا فَهُمَا سَوَاءٌ، وَتَقَدَّمَ فِي الْمُضَارَبَةِ.
[فَصْلٌ الْمُودَعُ أَمِينٌ]
(فَصْلٌ) الْمُودَعُ أَمِينٌ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى سَمَّاهَا أَمَانَةً بِقَوْلِهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] .
стр. 1776
(وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ رَدٍّ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِي قَبْضِهَا، فَقُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ (وَلَوْ) ادَّعَى الرَّدَّ (عَلَى يَدِ عَبْدِهِ) أَيْ: عَبْدِ الْمَلِكِ (أَوْ زَوْجَتِهِ، أَوْ خَازِنِهِ) ، أَوْ وَكِيلِهِ، أَوْ حَافِظِ مَالِهِ،؛ لِأَنَّ أَيْدِيَهُمْ كَيَدِهِ، قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الرَّابِعَةِ وَالْأَرْبَعِينَ،.
وَإِنْ دَفَعَ الْمُسْتَوْدِعُ الْوَدِيعَةَ لِزَوْجَتِهِ نَفْسِهِ أَوْ خَازِنِهِ وَنَحْوِهِمَا وَادَّعَوْا الرَّدَّ فَقَوْلُهُمْ بِيَمِينِهِمْ، قَالَ فِي الْمُبْدِعِ بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ مَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ سَابِقًا مِنْ أَنَّ لِلْمُودِعِ دَفْعُ الْوَدِيعَةِ إلَى مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ عَادَةً كَزَوْجَتِهِ وَخَازِنِهِ وَذَكَرَ مُقَابِلَهُ: وَعَلَى الْأَوَّلِ يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الرَّدِّ أَوْ التَّلَفِ كَالْمُودَعِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَزَجِيُّ: إنْ ادَّعَى الرَّدَّ إلَى رَسُولٍ مُوَكَّلٍ وَمُودِعٍ فَأَنْكَرَ الْمُوَكَّلُ ضَمِنَ لِتَعَلُّقِ الدَّفْعِ بِثَالِثٍ، وَيُحْتَمَلُ لَا وَذَكَرَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: لَوْ أَوْدَعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حَيْثُ جَازَ وَادَّعَى الْوَدِيعُ الرَّدَّ إلَيْهِ قُبِلَ، كَمَا يُقْبَلُ عَلَى الْمَالِكِ الْمَحْضِ.
، وَإِنْ ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى الشَّرِيكِ الْآخَرِ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ (أَوْ) ادَّعَى الرَّدَّ (بَعْدَ مَوْتِ رَبِّهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةِ (إلَيْهِ) أَيْ: إلَى رَبِّ الْوَدِيعَةِ، بِأَنْ ادَّعَى وَرَثَةُ الْمَالِكِ عَلَى الْمُودَعِ الْوَدِيعَةِ، فَقَالَ: رَدَدْتُهَا إلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ قُبِلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَالِكُ هُوَ الْمُدَّعِي وَأَنْكَرَ (وَكَذَا دَعْوَى تَلَفٍ) مِنْ مُسْتَوْدَعٍ فَتُقْبَلُ بِيَمِينِهِ.
(وَلَوْ) كَانَ التَّلَفُ (بِسَبَبٍ خَفِيٍّ مِنْ سَرِقَةٍ، أَوْ ضَيَاعٍ وَنَحْوِهِ) لِتَعَذُّرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ، فَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِيهِ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ قَبُولِ الْأَمَانَاتِ مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ أَنَّ الْمُسْتَوْدَع إذَا أَحْرَزَ الْوَدِيعَةَ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهَا ضَاعَتْ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.
(فَإِنْ ادَّعَاهُ) أَيْ: ادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ التَّلَفَ (بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ كَحَرِيقٍ وَغَرَقٍ وَغَارَةٍ وَنَحْوِهَا) كَنَهْبِ جَيْشٍ (لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ ذَلِكَ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ (بِوُجُودِ ذَلِكَ السَّبَبِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ) فَإِنْ عَجَزَ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِ ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا تَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
(وَيَكْفِي فِي ثُبُوتِهِ) أَيْ: السَّبَبِ الظَّاهِرِ (الِاسْتِفَاضَةُ) قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَغَيْرِهَا، فَعَلَى هَذَا: إذَا عَلِمَهُ الْقَاضِي بِالِاسْتِفَاضَةِ قُبِلَ قَوْلُ الْوَدِيعِ بِيَمِينِهِ وَلَمْ يُكَلِّفْهُ بَيِّنَةً تَشْهَدُ بِالسَّبَبِ وَلَا يَكُونُ مِنْ الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ فِي الْحُكْمِ بِالِاسْتِفَاضَةِ لَا فِي خُصُوصِ هَذِهِ.
(فَإِذَا ثَبَتَ) السَّبَبُ الظَّاهِرُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ الِاسْتِفَاضَةِ (فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) أَيْ: الْوَدِيعِ (فِي التَّلَفِ مَعَ يَمِينِهِ) فَيَحْلِفُ أَنَّهَا ضَاعَتْ بِهِ (وَتَقَدَّمَ فِي الرَّهْنِ وَالْوَكَالَةِ) نَحْوُ ذَلِكَ.
(وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ) أَيْ: الْمُسْتَوْدَعِ (فِي الْإِذْنِ) أَيْ: أَنَّ الْمَالِكَ أَذِنَ لَهُ (فِي دَفْعِهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةِ (إلَى إنْسَانٍ)
стр. 1777
عَيَّنَهُ (وَأَنَّهُ دَفَعَ) هَا إلَيْهِ مَعَ إنْكَارِ الْمَالِكِ الْإِذْنَ وَلَا بَيِّنَةَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى دَفْعًا يَبْرَأُ بِهِ مِنْ الْوَدِيعَةِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيهِ كَمَا لَوْ ادَّعَى رَدَّهَا إلَى مَالِكِهَا، وَلَا يَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْمَالِكِ غَيْرَ الْيَمِينِ لِمَا لَمْ يُقِرَّ بِقَبْضِهِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ،.
وَلَوْ اعْتَرَفَ الْمَالِكُ بِالْإِذْنِ وَأَنْكَرَ الدَّفْعَ قُبِلَ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ، فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ بِالْقَبْضِ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ أَنْكَرَ حَلَفَ وَبَرِئَ أَيْضًا، وَفَاتَتْ عَلَى رَبِّهَا إنْ كَانَ الثَّانِي وَدِيعًا، وَإِنْ كَانَ ذَا دَيْنٍ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَضَمِنَ الدَّافِعُ إنْ لَمْ يَشْهَدْ لِتَقْصِيرِهِ، صَدَّقَهُ الْمَالِكُ، أَوْ كَذَّبَهُ، وَتَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ.
(وَ) يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ أَيْضًا فِي نَفْيِ (مَا يُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ خِيَانَةٍ وَتَفْرِيطٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُمَا.
(وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ) أَيْ: الْمُسْتَوْدَعِ (الرَّدَّ إلَى وَرَثَةِ الْمَالِكِ وَ) لَا دَعْوَاهُ الرَّدَّ إلَى (الْحَاكِمِ) إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْتَمِنُوهُ، وَكَذَا وَرَثَةُ الْمُودَعِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي الدَّفْعِ إلَى الْمَالِكِ وَلَا إلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُؤْتَمِنِينَ عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ مَالِكِهَا.
(فَإِنْ مَنَعَ) الْمُسْتَوْدَعُ (رَبَّهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةِ (مِنْهَا) أَيْ: مِنْ أَخْذِهَا (أَوْ مَطَلَهُ) أَيْ: أَخَّرَ دَفْعَهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا (بِلَا عُذْرٍ ثُمَّ ادَّعَى تَلَفًا) لِلْوَدِيعَةِ (لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ ذَلِكَ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ بِالْمَنْعِ، أَوْ الْمَطْلِ بَطَلَ الِاسْتِئْمَانُ، قُلْتُ: هُوَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَهُوَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي التَّلَفِ بِيَمِينِهِ وَيَضْمَنُ الْبَدَلَ.
(وَلَوْ سَلَّمَ الْمُسْتَوْدَعُ وَدِيعَةً إلَى غَيْرِ رَبِّهَا كُرْهًا) لَمْ يَضْمَنْ (أَوْ صَادَّهُ سُلْطَانٌ لَمْ يَضْمَنْ) الْوَدِيعَةَ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عُذْرٌ يُبِيحُ لَهُ دَفْعَهَا (كَمَا لَوْ أَخَذَهَا) السُّلْطَانُ (مِنْهُ) أَيْ: الْمُسْتَوْدَعِ (كُرْهًا) أَيْ: قَهْرًا وَعِنْدَ أَبِي الْوَفَاءِ: إنْ ظَنَّ أَخْذَهَا مِنْهُ بِإِقْرَارِهِ كَانَ دَالًّا، وَيَضْمَنُ.
(وَإِنْ آلَ الْأَمْرُ إلَى الْحَلِفِ) أَيْ:، وَإِنْ طُلِبَ مِنْ الْمُسْتَوْدَعِ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ لِفُلَانٍ (وَلَا بُدَّ) أَيْ: وَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ الْحَلِفِ بِأَنْ كَانَ الطَّالِبُ لِيَمِينِهِ مُتَغَلِّبًا عَلَيْهِ بِسَلْطَنَةٍ، أَوْ تَلَصُّصٍ وَلَا يُمْكِنُهُ الْخَلَاصُ مِنْهُ إلَّا بِالْحَلِفِ (حَلَفَ مُتَأَوِّلًا) فَيَنْوِي لَا وَدِيعَةَ عِنْدِي لِفُلَانٍ فِي مَوْضِعِ كَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَيْسَتْ بِهَا وَنَحْوِهِ وَلَمْ يَحْنَثْ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: لَهُ أَخْذُهَا (فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ حَتَّى أُخِذَتْ مِنْهُ وَجَبَ الضَّمَانُ) لِتَفْرِيطِهِ بِتَرْكِ الْحَلِفِ.
(وَإِنْ حَلَفَ) الْمُسْتَوْدَعُ أَنَّهُ لَا وَدِيعَةَ لِفُلَانٍ عِنْدَهُ وَلَمْ يَتَأَوَّلْ (أَثِمَ) لِحَلِفِهِ كَاذِبًا، لَكِنَّ إثْمَ حَلِفِهِ دُونَ إثْمِ إقْرَارِهِ بِهَا (وَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ) لِحِنْثِهِ بِالْحَلِفِ بِلَا تَأْوِيلٍ.
(وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ) أَنَّهُ لَا وَدِيعَةَ عِنْدَهُ لِفُلَانٍ (فَكَمَا لَوْ، أُكْرِهَ عَلَى إيقَاعِ الطَّلَاقِ) أَيْ: فَلَا تَنْعَقِدُ قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
(قَالَ الْحَارِثِيُّ) وَفِيهِ بَحْثٌ (وَحَاصِلُهُ) أَيْ: الْبَحْثِ (إنْ
стр. 1778
كَانَ الضَّرَرُ الْحَاصِلُ بِالتَّغْرِيمِ كَثِيرًا يُوَازِي الضَّرَرَ فِي صُوَرِ الْإِكْرَاهِ فَهُوَ إكْرَاهٌ لَا يَقَعُ وَإِلَّا وَقَعَ) عَلَى الْمَذْهَبِ انْتَهَى.
(وَإِنْ نَادَى السُّلْطَانُ: أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْمِلْ وَدِيعَةَ فُلَانٍ عُمِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا) مِنْ أَنْوَاعِ التَّهْدِيدِ (فَحَمَلَهَا مِنْ غَيْرِ مُطَالَبَةٍ أَثِمَ وَضَمِنَ) قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: إنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ، أَوْ عَيَّنَهُ وَتَهَدَّدَهُ وَلَمْ يَنَلْهُ بِعَذَابٍ أَثِمَ وَضَمِنَ وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى وَفِيمَا إذَا عَيَّنَهُ وَتَهَدَّدَهُ نَظَرَ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْإِيقَاعِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ.
(وَإِنْ سَلَّمَ) الْمُسْتَوْدَعُ (الْوَدِيعَةَ إلَى مَنْ يَظُنُّهُ صَاحِبَهَا فَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ ضَمِنَهَا) ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَى رَبِّهَا.
(وَإِنْ) أَنْكَرَ الْمُسْتَوْدَعُ الْإِيدَاعَ بِأَنْ (قَالَ: لَمْ تُودِعْنِي، ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا) أَيْ الْوَدِيعَةِ (أَوْ ثَبَتَ) الْإِيدَاعُ بِبَيِّنَةٍ فَادَّعَى رَدًّا أَوْ تَلَفًا سَابِقَيْنِ لِجُحُودِهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ذَلِكَ (وَإِنْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ ضَامِنًا بِجُحُودِهِ وَمُعْتَرِفًا عَلَى نَفْسِهِ بِالْكَذِبِ الْمُنَافِي لِلْأَمَانَةِ وَلِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِبَيِّنَةٍ بِجُحُودِهِ.
(وَإِنْ كَانَ) مَا ادَّعَاهُ مِنْ الرَّدِّ أَوْ التَّلَفِ (بَعْدَ جُحُودِهِ) كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ الْوَدِيعَةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَجَحَدَهَا ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا يَوْمَ السَّبْتِ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ رَدَّهَا، أَوْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً (قُبِلَتْ) بَيِّنَتُهُ (بِهِمَا) أَيْ بِالرَّدِّ، أَوْ التَّلَفِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِمُكَذِّبٍ لَهَا.
(فَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِالتَّلَفِ أَوْ الرَّدِّ) بَعْدَ جُحُودِ الْإِيدَاعِ (وَلَمْ يُعَيَّنْ هَلْ ذَلِكَ) التَّلَفُ أَوْ الرَّدُّ (قَبْلَ جُحُودِهِ أَوْ بَعْدَهُ، وَاحْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ لَمْ يَسْقُطْ الضَّمَانُ) ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ مُتَحَقِّقٌ فَلَا يُنْفَى بِأَمْرٍ مُتَرَدَّدٍ فِيهِ.
(وَيَأْتِي وَإِنْ قَالَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِوَدِيعَةٍ (مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ، أَوْ لَا حَقَّ لَكَ عَلَيَّ) عَلَيَّ أَوْ قِبَلِي ثُمَّ أَقَرَّ بِالْإِيدَاعِ أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ (قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ وَالتَّلَفِ) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي جَوَابَهُ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَوْدَعَهُ ثُمَّ تَلِفَتْ عِنْدَهُ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، أَوْ رَدَّهَا فَلَا يَكُونُ لَهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ.
(لَكِنْ إنْ وَقَعَ التَّلَفُ بَعْدَ الْجُحُودِ وَجَبَ الضَّمَانُ) لِاسْتِقْرَارِ حُكْمِهِ بِالْجُحُودِ فَيُشْبِهُ الْغَاصِبَ قُلْت: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً.
(وَلَوْ قَالَ) إنْسَانٌ لِآخَرَ (لَكَ عِنْدِي وَدِيعَةٌ ثُمَّ ادَّعَى) الْمُقِرُّ (ظَنَّ الْبَقَاءِ) أَيْ قَالَ: كُنْتُ أَظُنُّهَا بَاقِيَةً (ثُمَّ عَلِمْتُ تَلَفَهَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ) ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ إقْرَارٍ بِحَقٍّ لِآدَمِيٍّ وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْبَلُ وَيَأْتِي فِي الْإِقْرَارِ مَا فِيهِ.
(وَإِنْ مَاتَ الْمُودِعُ وَادَّعَى وَارِثُهُ الرَّدَّ) إلَى الْمَالِكِ، أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ) ادَّعَى الْوَارِثُ (أَنَّ مُوَرِّثَهُ) كَانَ (رَدَّهَا) لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ (أَوْ ادَّعَاهُ) أَيْ الرَّدَّ (الْمُلْتَقَطُ، أَوْ) ادَّعَاهُ (مَنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ ثَوْبًا لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَأْتَمِنْهُمْ.
(وَمَنْ حَصَلَ فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهَا كَاللُّقَطَةِ وَمَنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ ثَوْبًا وَجَبَتْ) عَلَيْهِ (الْمُبَادَرَةُ إلَى الرَّدِّ مَعَ الْعِلْمِ بِصَاحِبِهَا وَ) مَعَ (التَّمَكُّنِ مِنْهُ، وَكَذَا إعْلَامُهُ)
стр. 1779
أَيْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إمَّا الرَّدُّ، أَوْ الْإِعْلَامُ (ذَكَرَهُ جَمْعٌ) مِنْهُمْ: صَاحِبُ الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَنَحْوُهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَحَكَاهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ.
(قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ مُرَادُ غَيْرِهِمْ) ؛ لِأَنَّ مُؤْنَةَ الرَّدِّ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ التَّمْكِينُ مِنْ الْأَخْذِ قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَالْأَرْبَعِينَ (وَكَذَا الْوَدِيعَةُ وَالْمُضَارَبَةُ وَالرَّهْنُ وَنَحْوُهَا) كَالْعَيْنِ الْمُشْتَرَكَةِ.
(إذَا مَاتَ الْمُؤْتَمَنُ وَانْتَقَلَتْ إلَى وَارِثِهِ) وَجَبَ عَلَى مَنْ هِيَ بِيَدِهِ الْمُبَادَرَةُ إلَى الرَّدِّ مَعَ الْعِلْمِ بِصَاحِبِهَا وَالتَّمَكُّنِ مِنْهُ، أَوْ إعْلَامِهِ (لِزَوَالِ الِائْتِمَانِ، وَكَذَا لَوْ فَسَخَ الْمَالِكُ) فِي حَضْرَةِ الْأَمِينِ أَوْ غِيبَتِهِ عَقْدَ الِائْتِمَانِ فِي الْأَمَانَاتِ كَالْوَدِيعَةِ: وَالْوِكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ يَجِبُ الرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ لِزَوَالِ الِائْتِمَانِ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْ الْقَاضِي أَنَّهُ يَجِبُ فِعْلُ الرَّدِّ فَإِنَّ الْعِلْمَ هُنَا حَاصِلٌ لِلْمَالِكِ انْتَهَى قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مُؤْنَةَ الرَّدِّ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ.
وَلَوْ دَخَلَ حَيَوَانٌ لِغَيْرِهِ أَوْ عَبْدٌ لَهُ إلَى دَارِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَهُ لِيَذْهَبَ كَمَا جَاءَ؛ لِأَنَّ يَدَهُ لَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِمَا بِخِلَافِ الثَّوْبِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْأَرْبَعِينَ.
(وَإِنْ تَلِفَتْ) الْوَدِيعَةُ أَوْ نَحْوُهَا (عِنْدَ الْوَارِث قَبْلَ إمْكَانِ رَدِّهَا لَمْ يَضْمَنْهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ أَخَّرَ الرَّدَّ أَوْ الْإِعْلَامَ فَوْقَ مَا يُمْكِنُهُ وَتَلِفَتْ (ضَمِنَهَا) لِتَفْرِيطِهِ بِالتَّأْخِيرِ.
(وَيَجِبُ) عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ (رَدُّ الْوَدِيعَةِ إلَى مَالِكِهَا) أَيْ تَمْكِينُهُ مِنْ أَخْذِهَا لِمَا يَأْتِي.
(إذَا طَلَبَهَا فَإِنْ أَخَّرَهُ) أَيْ الرَّدَّ (بَعْدَ طَلَبِهَا بِلَا عُذْرٍ ضَمِنَ) إنْ تَلِفَتْ، أَوْ نَقَصَتْ كَالْغَاصِبِ، وَإِنْ طَلَبَهَا فِي وَقْتٍ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهَا إلَيْهِ لِبُعْدِهَا، أَوْ لِمَخَافَةٍ فِي طَرِيقِهَا، أَوْ لِلْعَجْزِ عَنْ حَمْلِهَا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُعْتَدِيًا بِتَرْكِ تَسْلِيمِهَا وَلَمْ يَضْمَنْهَا لِعَدَمِ عُدْوَانِهِ.
(وَيُمْهَلُ) الْمُسْتَوْدَعُ إذَا طُلِبَ مِنْهُ الرَّدُّ (لِأَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنَوْمٍ وَهَضْمِ طَعَامٍ وَمَطَرٍ كَثِيرٍ وَنَحْوِهِ) كَطَهَارَةٍ وَصَلَاةٍ (بِقَدْرِهِ) أَيْ بِقَدْرِ ذَلِكَ فَلَا يَضْمَنُهَا إنْ تَلِفَتْ زَمَنَ عُذْرِهِ لِعَدَمِ عُدْوَانِهِ.
(وَكَذَا لَوْ أَمَرَهُ بِالرَّدِّ) أَيْ رَدِّ الْوَدِيعَةِ (إلَى وَكِيلِهِ فَتَمَكَّنَ) الْمُسْتَوْدَعُ مِنْ رَدِّهَا لِلْوَكِيلِ (وَأَبَى) رَدَّهَا (ضَمِنَ) الْمُسْتَوْدَعُ الْوَدِيعَةَ إنْ تَلِفَتْ سَوَاءٌ (طَلَبَهَا الْوَكِيلُ أَمْ لَا) ؛ لِأَنَّهُ أَمْسَكَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ (وَمِثْلُهُ) أَيْ الْوَدِيعَةِ (مَنْ أَخَّرَ دَفْعَ مَالٍ أُمِرَ بِدَفْعِهِ بِلَا عُذْرٍ) وَتَلَفَ فَيَضْمَنُهُ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ مُؤْنَةُ الرَّدِّ) أَيْ رَدِّ الْوَدِيعَةِ (وَ) لَا مُؤْنَةَ (حَمْلِهَا إلَى رَبِّهَا إذَا كَانَتْ مِمَّا كَانَتْ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةً قَلَّتْ الْمُؤْنَةُ، أَوْ كَثُرَتْ) بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ التَّمْكِينُ مِنْ الْأَخْذِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الْعَيْنَ لِمَنْفَعَةِ مَالِكِهَا عَلَى الْخُصُوصِ بِخِلَافِ مُسْتَعِيرٍ.
(فَإِنْ سَافَرَ) الْمُسْتَوْدَعُ (بِهَا) أَيْ الْوَدِيعَةِ
стр. 1780
(بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهَا لَزِمَهُ) مُؤْنَةُ (رَدِّهَا إلَى بَلَدِهَا) وَلَعَلَّ الْمُرَادَ فِي حَالٍ لَا يَجُوزُ لَهُ السَّفَرُ بِهَا وَإِلَّا فَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ مَا أَنْفَقَ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ أَيْ؛ لِأَنَّ مُؤْنَةَ الرَّدِّ عَلَى رَبِّهَا وَقَدْ قَامَ بِهَا عَنْهُ الْوَدِيعُ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ.
(وَتَثْبُتُ الْوَدِيعَةُ بِإِقْرَارِ الْمَيِّتِ) بِأَنْ كَانَ أَقَرَّ أَنَّهَا لِفُلَانٍ (أَوْ) إقْرَارِ (وَرَثَتِهِ، أَوْ بَيِّنَتَهُ) كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
(وَإِنْ وُجِدَ عَلَيْهَا مَكْتُوبٌ: وَدِيعَةٌ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً) ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْوِعَاءَ كَانَتْ فِيهِ وَدِيعَةً قَبْلَ هَذِهِ، أَوْ كَانَ وَدِيعَةً لِلْمَيِّتِ عِنْدَ غَيْرِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَالْمُوَفَّقُ وَقَدَّمَهُ الشَّارِحُ وَنَصَرَهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ وَالنَّظْمِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ كَمَا فِي الْإِنْصَافِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِهِ وُجُوبًا وَقَطَعَ بِهِ فِي التَّنْقِيحِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى.
(وَإِنْ وَجَدَ) وَارِثٌ (خَطَّ مُورَثِهِ: لِفُلَانٍ عِنْدِي وَدِيعَةٌ، أَوْ) وَجْدَ (عَلَى كِيسٍ وَنَحْوِهِ) مَكْتُوبٌ (هَذَا لِفُلَانٍ عَمِلَ) الْوَارِثُ (بِهِ وُجُوبًا) كَمَا يَعْمَلُ بِإِقْرَارِهِ بِاللَّفْظِ.
(وَإِنْ وَجَدَ) وَارِثٌ (خَطَّهُ) أَيْ خَطَّ مُوَرِّثِهِ (بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى فُلَانٍ، جَازَ لِلْوَارِثِ الْحَلِفُ) إذَا أَقَامَ بِهِ شَاهِدًا مَثَلًا وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّ مُوَرِّثَهُ لَا يَكْتُبُ إلَّا حَقًّا وَأَنَّهُ صَادِقٌ أَمِينٌ (وَدَفَعَ) الدَّيْنَ (إلَيْهِ) فَيَجُوزُ الْحَلِفُ عَلَى مَا لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِهِ إذْ لَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ أَبِيهِ، أَوْ غَيْرِهَا إذَا رَآهَا بِخَطِّهِ.
(وَإِنْ وَجَدَ) وَارِثٌ (خَطَّهُ) أَيْ خَطَّ مُورَثِهِ (بِدَيْنٍ عَلَيْهِ) لِمُعَيَّنٍ (عَمِلَ الْوَارِثُ بِهِ) وُجُوبًا (وَدَفَعَ) الدَّيْنَ (إلَى مَنْ هُوَ مَكْتُوبٌ بِاسْمِهِ) كَالْوَدِيعَةِ.
(وَإِنْ ادَّعَى الْوَدِيعَةَ اثْنَانِ، فَأَقَرَّ) الْمُسْتَوْدَعُ (بِهَا لِأَحَدِهِمَا فَهِيَ لَهُ) أَيْ لِلْمُقَرِّ لَهُ (مَعَ يَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّ الْيَدَ كَانَتْ لِلْمُودَعِ، وَقَدْ نَقَلَهَا إلَى الْمُدَّعِي فَصَارَتْ الْيَدُ لَهُ.
وَمَنْ كَانَتْ الْيَدُ لَهُ قُبِلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ وَمِنْ أَفْرَادِ ذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمُودَعُ: أَوْدَعَنِيهَا الْمَيِّتُ وَقَالَ هِيَ لِفُلَانٍ وَقَالَ وَرَثَتُهُ: بَلْ هِيَ لَهُ أَفْتَى الشَّيْخُ التَّقِيُّ: بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُودَعِ مَعَ يَمِينِهِ.
(وَيَحْلِفُ الْمُودَعُ أَيْضًا لِلْمُدَّعِي الْآخَرِ) الَّذِي أَنْكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِدَعْوَاهُ وَتَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (فَإِنْ) حَلَفَ بَرِئَ، وَإِنْ (نَكَلَ لَزِمَهُ بَدَلُهَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا) عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِهَا بَعْدَ أَنْ أَقَرَّ بِهَا لِلْأَوَّلِ فَتُسَلَّمُ لِلْأَوَّلِ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا لِلثَّانِي نَصًّا.
(وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لَهُمَا) مَعًا (فَهِيَ لَهُمَا) أَيْ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ كَانَتْ بِأَيْدِيهِمَا وَتَدَاعَيَاهَا (وَيَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) يَمِينًا عَلَى نِصْفِهَا (فَإِنْ نَكَلَ) عَنْ الْيَمِينِ (لَزِمَهُ بَدَلُ نِصْفِهَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لِأَحَدِهِمَا فَقَطْ لَزِمَهُ لِمَنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَهُ عِوَضُ نِصْفِهَا (وَيَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْحَلِفُ لِصَاحِبِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِدَعْوَاهُ.
стр. 1781
(وَإِنْ قَالَ) الْمُودَعُ: هِيَ (لِأَحَدِهِمَا وَلَا أَعْرِفُ عَيْنَهُ فَإِنْ صَدَقَاهُ، أَوْ سَكَتَا) عَنْ تَصْدِيقِهِ وَتَكْذِيبِهِ (فَلَا يَمِينَ) عَلَيْهِ إذْ لَا اخْتِلَافَ (وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا) فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ سُلِّمَتْ إلَيْهِ بِيَمِينِهِ.
(وَإِنْ كَذَبَاهُ) بِأَنْ قَالَا: بَلْ تَعْرِفُ أَيُّنَا صَاحِبُهَا حَلَفَ لَهُمَا (يَمِينًا وَاحِدَةً أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ) عَيْنَهُ، وَكَذَا إنْ كَذَّبَهُ أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ (وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ قُرِعَ) أَيْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ (حَلَفَ) أَنَّهَا لَهُ، لِاحْتِمَالِ عَدَمِهِ.
(وَأَخَذَهَا) بِمُقْتَضَى الْقُرْعَةِ (فَإِنْ نَكَلَ) الْمُودَعُ عَنْ الْيَمِينِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ صَاحِبَهَا (حُكِمَ عَلَيْهِ) بِالنُّكُولِ (وَأُلْزِمَ التَّعْيِينَ) أَيْ تَعْيِينَ صَاحِبِهَا (فَإِنْ أَبَى) التَّعْيِينَ (أُجْبِرَ عَلَى الْقِيمَةِ) إذْ كَانَتْ مُتَقَوِّمَةً وَعَلَى الْمِثْلِ إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً (فَتُؤْخَذُ الْقِيمَةُ) ، أَوْ الْمِثْلُ (أَوْ الْعَيْنُ) فَيَقْتَرِعَانِ عَلَيْهِمَا.
(أَوْ يَتَّفِقَانِ) عَلَيْهِمَا قَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: أَعْلَمُ الْمُسْتَحِقَّ وَلَا أَحْلِفُ (ثُمَّ إنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالْعَيْنِ لِآخِذِ الْقِيمَةِ سُلِّمَتْ إلَيْهِ) الْعَيْنُ لِلْبَيِّنَةِ وَتَقْدِيمِهَا عَلَى الْقُرْعَةِ (وَرُدَّتْ الْقِيمَةُ إلَى الْمُودَعِ وَلَا شَيْءَ لِلْقَارِعِ) عَلَى الْمُودَعِ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ عَلَيْهِ شَيْئًا، بَلْ الْمُفَوِّتُ الْبَيِّنَةُ.
(وَإِنْ أَوَدَعُهُ اثْنَانِ مَكِيلًا مَثَلًا أَوْ مَوْزُونًا يَنْقَسِمُ) إجْبَارًا بِأَنْ لَا يَنْقُصَ بِتَفَرُّقِهِ (فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا حَقَّهُ) مِنْ الْمُودَعِ (لِغَيْبَةِ شَرِيكِهِ، أَوْ) حُضُورِهِ وَ (امْتِنَاعِهِ) مِنْ الْأَخْذِ وَمِنْ الْإِذْنِ لِصَاحِبِهِ فِي أَخْذِ حَقِّهِ (سَلَّمَهُ) الْمُودَعُ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمُطَالِبِ وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَمْيِيزُ نَصِيبِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ بِغَيْرِ غَبْنٍ وَلَا ضَرَرٍ فَإِذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لَزِمَ دَفْعُهُ إلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَ مُتَمَيِّزًا وَقَالَ الْقَاضِي لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى قِسْمَةٍ وَيَفْتَقِرُ إلَى حُكْمٍ أَوْ اتِّفَاقٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَى الْمُودَعِ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي الْقِسْمَةِ وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ الْمِثْلِيِّ؛ لِأَنَّ قِسْمَتَهُ لَا يُؤْمَنُ فِيهَا الْحَيْفُ، لِافْتِقَارِهَا إلَى التَّقْوِيمِ وَهُوَ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ.
(وَإِنْ غُصِبَتْ الْوَدِيعَةُ فَلِلْمُودِعِ الْمُطَالَبَةُ بِهَا) ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِهَا وَذَلِكَ مِنْهُ وَعَبَّرَ فِي الْفُرُوعِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ (وَكَذَا مُضَارِبٌ وَمُرْتَهِنٌ وَمُسْتَأْجِرٌ) قُلْتُ: وَمُسْتَعِيرٌ وَمُجَاعِلٌ عَلَى عَمَلِهَا.
(وَإِنْ قَالَ) رَبُّ الْوَدِيعَةِ لِلْمُودَعِ (كُلَّمَا خُنْتَ ثُمَّ عُدْتَ إلَى الْأَمَانَةِ فَأَنْتَ أَمِينٌ صَحَّ) لِصِحَّةِ تَعْلِيقِ الْإِيدَاعِ عَلَى الشَّرْطِ، كَالْوِكَالَةِ.
стр. 1782
[بَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ]
ِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هُوَ الْأَرْضُ الَّتِي لَيْسَ لَهَا مَالِكٌ وَلَا بِهَا مَاءٌ وَلَا عِمَارَةٌ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا انْتَهَى وَتُسَمَّى مَيْتَةً وَمَوَاتًا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ، وَالْمَوْتَانَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ الْمَوْتُ الذَّرِيعُ وَرَجُلٌ مَوْتَانُ الْقَلْبِ - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ يَعْنِي أَعْمَى الْقَلْبِ لَا يَفْهَمُ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي.
وَفِي الْقَامُوسِ: الْمَوَاتُ وَكَغُرَابٍ الْمَوْتُ وَكَسَحَابٍ: مَا لَا رَوْحَ فِيهِ وَأَرْضٌ لَا مَالِكَ لَهَا وَالْمَوَتَانُ بِالتَّحْرِيكِ خِلَافُ الْحَيَوَانِ، وَأَرْضٌ لَمْ تُحْيَا بَعْدُ، وَبِالضَّمِّ: مَوْتٌ يَقَعُ بِالْمَاشِيَةِ وَيُفْتَحُ (وَهِيَ الْأَرْضُ الْمُنْفَكَّةُ عَنْ الِاخْتِصَاصِيَّاتِ وَمِلْكٌ مَعْصُومٌ) مُسْلِمٌ، أَوْ كَافِرٌ وَيَأْتِي بَيَانُ الِاخْتِصَاصَاتِ.
وَالْأَصْلُ فِي إحْيَاءِ الْأَرْضِ حَدِيثُ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَحَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعَرَقِ ظَالِمٍ حَقٌّ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَرَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ وَأَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ مِثْلَهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ مُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: وَعَامَّةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْمَوَاتَ يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ.
وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي شُرُوطِهِ (فَإِنْ كَانَ الْمَوَاتُ) أَيْ الْأَرْضُ لِخَرَابِ الدِّرَاسَةِ (لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِأَحَدٍ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ أَثَرُ عِمَارَةٍ مُلِكَ بِالْإِحْيَاءِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِالْإِحْيَاءِ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ نَقَلَ أَبُو الْمُظَفَّرِ فِي أَرْضٍ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ لَيْسَ فِيهَا مَزَارِعُ وَلَا عُيُونٌ وَأَنْهَارٌ تَزْعُمُ كُلُّ قَرْيَةٍ أَنَّهَا لَهُمْ فِي حَرَمِهِمْ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ لِهَؤُلَاءِ وَلَا لِهَؤُلَاءِ، حَتَّى نَعْلَمَ أَنَّهُمْ أَحْيَوْهَا فَمَنْ أَحْيَاهَا فَلَهُ وَمَعْنَاهَا نَقْلَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَيَأْتِي مَفْهُومُ قَوْلِهِ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ أَثَرُ عِمَارَةٍ.
(وَإِنْ مَلَكَهَا مَنْ لَهُ حُرْمَةٌ) مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ مُعَاهِدٍ لَمْ تُمْلَكْ بِإِحْيَاءٍ (أَوْ) مَلَكَهَا مَنْ شُكَّ فِيهِ أَلَهُ حُرْمَةٌ أَمْ لَا (فَإِنْ وَجَدَ) هُوَ (أَوْ أَحَدٌ مِنْ وَرَثَتِهِ لَمْ يَمْلِكْ بِإِحْيَاءٍ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَا عُرِفَ بِمِلْكِ مَالِكٍ غَيْرِ مُنْقَطِعٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ لَأَحَدٍ غَيْرِ أَرْبَابِهِ انْتَهَى وَمُرَادُهُ: مَا مُلِكَ بِشِرَاءٍ، أَوْ هِبَةٍ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ مَا مُلِكَ بِإِحْيَاءٍ ثُمَّ دَثَرَ فَفِيهِ خِلَافٌ فَعِنْدَ مَالِكٍ: يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ.
(وَإِنْ عُلِمَ)
стр. 1783
مَالِكُهُ (وَلَمْ يُعْقِبْ) ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ (لَمْ يَمْلِكْ) أَيْضًا بِالْإِحْيَاءِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ تَرْفَعُهُ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ» (وَأَقْطَعهُ الْإِمَامُ مَنْ شَاءَ) ؛ لِأَنَّهُ فَيْءٌ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَوَاتُ (قَدْ مُلِكَ بِإِحْيَاءٍ ثُمَّ تُرِك حَتَّى دَثَرَ وَعَادَ مَوَاتًا لَمْ يَمْلِكْ بِإِحْيَاءٍ إنْ كَانَ لِمَعْصُومٍ) ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُحْيِي أَوَّلًا لَمْ يَزُلْ عَنْهَا بِالتَّرْكِ بِدَلِيلِ سَائِرِ الْأَمْلَاكِ.
(وَإِنْ عُلِمَ مِلْكُهُ) أَيْ الدَّارِسِ الْخَرَابِ (لِمُعَيَّنٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ) بِأَنْ كَانَ لِكَافِرٍ لَا ذِمَّةَ لَهُ وَلَا أَمَانَ (فَإِنْ كَانَ بِدَارِ حَرْبٍ وَانْدَرَسَ كَانَ كَمَوَاتٍ أَصْلِيٍّ يَمْلِكُهُ مُسْلِمٌ بِإِحْيَاءٍ) ؛ لِأَنَّ مِلْكَ مَنْ لَا عِصْمَةَ لَهُ كَعَدَمِهِ، وَإِنْ كَانَ بِدَارِ إسْلَامٍ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِالْإِحْيَاءِ، فَلَا أَثَرَ لِإِحْيَائِهِ.
وَإِنْ مَلَكَهُ بِنَحْوِ شِرَاءٍ، بِأَنْ وَكَّلَ غَيْرٌ الْمَعْصُومِ مَعْصُومًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ مَكَانًا فَاشْتَرَاهُ ثُمَّ تُرِكَ حَتَّى دَرَسَ، وَصَارَ مَوَاتًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ فَيَكُونُ فَيْئًا بِمَنْزِلَةِ مَا جَلَوْا عَنْهُ خَوْفًا مِنَّا لَكِنْ مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ أَنَّهُ يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ وَظَاهِرُهُ أَيْضًا: أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَمْلِكُهُ بِالْإِحْيَاءِ وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ.
(وَإِنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ الْخَرَابِ أَثَرٌ لِمِلْكٍ غَيْرِ جَاهِلِيٍّ، كَالْخَرَابِ الَّتِي ذَهَبَتْ أَنْهَارُهَا وَانْدَرَسَتْ آثَارُهَا وَلَمْ يُعْلَمْ الْآنَ لَهَا مَالِكٌ (مُلِكَ بِالْإِحْيَاءِ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ مِنْ الْأَخْبَارِ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ بِدَارِ الْحَرْبِ.
(وَكَذَا إنْ كَانَ) أَثَرُ الْمِلْكِ بِهِ (جَاهِلِيًّا قَدِيمًا كَدِيَارِ عَادٍ) وَآثَارِ الرُّومِ فَيَمْلِكُهُ مَنْ أَحْيَاهُ لِمَا سَبَقَ وَرَوَى سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْأَمْوَالِ عَنْ طَاوُسٍ عَنْهُ ﷺ «عَادِي الْأَرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّ هُوَ بَعْدُ لَكُمْ» .
(فَأَمَّا مَسَاكِنُ ثَمُودَ فَلَا تُمْلَكُ فِيهَا لِعَدَمِ دَوَامِ الْبُكَاءِ مَعَ السُّكْنَى وَ) مَعَ (الِانْتِفَاعِ قَالَهُ الْحَارِثِيُّ) وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ تُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ وَنَقَلَهُ فِي الشَّرْحِ، بَلْ صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى عَنْ جَمْعٍ مِنْ الْأَصْحَابِ، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ.
(وَيُكْرَهُ دُخُولُ دِيَارِهِمْ) أَيْ ثَمُودَ (إلَّا لِبَاكٍ مُعْتَبِرٍ، لَا يُصِيبُهُ مَا أَصَابَهُمْ) مِنْ الْعَذَابِ لِلْخَبَرِ.
(أَوْ) كَانَ أَثَرُ الْمِلْكِ بِهِ جَاهِلِيًّا (قَرِيبًا) فَيَمْلِكُ بِالْإِحْيَاءِ؛ لِأَنَّ أَثَرَ الْمِلْكِ الَّذِي بِهِ لَا حُرْمَةَ لَهُ أَشْبَهَ آثَارَ الْجَاهِلِيِّ الْقَدِيمِ.
(أَوْ تَرَدَّدَ فِي جَرَيَانِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ) وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مِلْكُهُ لِمَعْصُومِ مِلْكٍ بِالْإِحْيَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ جَرَيَانِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ.
(وَمَتَى أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ) أَيْ لِلْمُحْيِي (مُسْلِمًا كَانَ) الْمُحْيِي (أَوْ ذِمِّيًّا) ، وَسَوَاءٌ أَحْيَاهَا (بِإِذْنِ الْإِمَامِ، أَوْ) بِ (غَيْرِ إذْنِهِ، فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهَا) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ مِنْ الْأَخْبَارِ؛ وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ مُبَاحَةٌ فَلَمْ يُفْتَقَرْ مِلْكُهَا إلَى إذْنِ الْإِمَامِ، كَأَخْذِ الْمُبَاحِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ عُمُومَ الْأَشْخَاصِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الْأَحْوَالِ.
(إلَّا مَوَاتَ الْحَرَمِ) وَ (عَرَفَاتٍ)
стр. 1784
فَلَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ مُطْلَقًا لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيقِ فِي أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ، وَاخْتِصَاصِهِ بِمَحَلٍّ النَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ وَمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ عَلَى الْحَرَمِ كَمَا سَبَقَ فَلَا إحْيَاءَ بِهِمَا.
(وَمَوَاتُ الْعَنْوَةِ) كَأَرْضِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ (كَغَيْرِهِ) مِمَّا أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، كَالْمَدِينَةِ وَمَا صُولِحَ أَهْلُهُ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لِلْمُسْلِمِينَ (فَيُمْلَكُ) مَوَاتُ الْعَنْوَةِ بِالْإِحْيَاءِ.
(وَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ أَحْيَا مَوَاتَ الْعَنْوَةِ وَمَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ " لَيْسَ فِي أَرْضِ السَّوَادِ مَوَاتٌ " مُعَلَّلًا بِأَنَّهَا لِجَمَاعَةٍ فَلَا يَخْتَصُّ بِهَا أَحَدُهُمْ حَمَلَهَا الْقَاضِي عَلَى الْعَامِرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَهُ لِكَوْنِ السَّوَادِ كَانَ عَامِرًا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَحِينَ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْكُفَّارِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْمُحْيِي لِلْعَنْوَةِ (ذِمِّيًّا) فَعَلَيْهِ الْخَرَاجُ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا تُقَرُّ فِي يَدِ غَيْرِهِمْ بِدُونِ الْخَرَاجِ كَغَيْرِ الْمَوَاتِ وَهَلْ يَمْلِكُهُ مَعَ ذَلِكَ عِبَارَةُ الْإِنْصَافِ أَوَّلًا: تَقْتَضِي أَنَّهُ يَمْلِكُهُ وَثَانِيًا صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بَلْ يُقَرُّ بِيَدِهِ بِالْخَرَاجِ.
(وَلَا يَمْلِكُ مُسْلِمٌ) بِالْإِحْيَاءِ (مَا) أَيْ مَوَاتًا (أَحْيَاهُ مِنْ أَرْضِ كُفَّارٍ صُولِحُوا عَلَى أَنَّهَا) أَيْ الْأَرْضَ (لَهُمْ، وَلَنَا الْخَرَاجُ عَلَيْهَا) ؛ لِأَنَّهُمْ صُولِحُوا فِي بِلَادِهِمْ فَلَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لِشَيْءٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَوَاتَ تَابِعٌ لِلْبَلَدِ وَيُفَارِقُ دَارَ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهَا عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ.
(وَلَا يُمْلَكُ بِإِحْيَاءِ مَا قَرُبَ) عُرْفًا (مِنْ الْعَامِرِ وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ، كَطُرُقِهِ وَفِنَائِهِ) مَا اتَّسَعَ أَمَامَهُ (وَمُجْتَمَعِ نَادِيهِ) أَيْ جَمَاعَتِهِ (وَمَسِيلِ مِيَاهِهِ، وَمَطْرَحِ قُمَامَتِهِ، وَمُلْتَقَى تُرَابِهِ وَ) مَلْقَى (آلَاتِهِ) الَّتِي لَا نَفْعَ بِهَا (وَمَرْعَاهُ وَمُحْتَطَبِهِ، وَحَرِيمِ الْبِئْرِ، وَ) حَرِيمِ (النَّهْرِ، وَ) حَرِيمِ (الْعَيْنِ، وَمُرْتَكَضِ الْخَيْلِ) أَيْ الْمَحَلِّ الْمُعَدِّ لِرَكْضِهَا (وَمَدَافِنِ الْأَمْوَاتِ، وَمُنَاخِ الْإِبِلِ، وَالْمَنَازِلِ الْمُعْتَادَةِ لِلْمُسَافِرِينَ حَوْلَ الْمِيَاهِ، وَالْبِقَاعِ الْمُرْصَدَةِ لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ، وَ) لِصَلَاةِ (الِاسْتِسْقَاءِ، وَ) لِصَلَاةِ (الْجَنَائِزِ، وَ) الْبِقَاعِ الْمُرْصَدَةِ لِ (دَفْنِ الْمَوْتَى) وَلَوْ قَبْلَ الدَّفْنِ.
(وَنَحْوِهِ فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لَا يَجُوزُ إحْيَاءُ مَا تَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً مِنْ غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ» ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِ الْمِلْكِ فَأُعْطِيَ حُكْمَهُ وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ مُبَاحَ الْمَرَافِقِ لَا يَمْلِكُهَا الْمُحْيِي بِالْإِحْيَاءِ لَكِنْ هُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ.
(وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ إقْطَاعُ مَا لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ) مِمَّا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَمْلُوكِ لِأَهْلِ الْعَامِرِ.
(وَمَا) قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ لَكِنَّهُ (لَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِهِ مِلْكٌ بِإِحْيَاءٍ) كَالْبَعِيدِ عَنْهُ، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ، مَعَ انْتِفَاءِ الْمَانِعِ، وَهُوَ التَّعَلُّقُ بِمَصَالِحِ الْعَامِرِ.
(وَلِلْإِمَامِ إقْطَاعُهُ) أَيْ مَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ
стр. 1785
وَلَمْ وَلَمْ وَلَمْ بِمَصَالِحِهِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ «أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْعَقِيقَ» مَعَ قُرْبِهِ مِنْ عَامِرِ الْمَدِينَةِ.
(وَلَوْ اخْتَلَفُوا فِي الطَّرِيقِ وَقْتَ الْإِحْيَاءِ جُعِلَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ) لِلْخَبَرِ (وَلَا تُغَيَّرُ) الطَّرِيقُ (بَعْدَ وَضْعِهَا، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى سَبْعَةِ أَذْرُعٍ؛ لِأَنَّهَا لِلْمُسْلِمِينَ) فَلَا يَخْتَصُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِشَيْءٍ مِنْهَا.
(وَلَا تُمْلَكُ مَعَادِنُ ظَاهِرَةٌ) بِإِحْيَاءٍ (وَلَا تُحَجَّرُ) أَيْ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَحَجَّرَهَا لِيَخْتَصَّ بِهَا (وَهِيَ) أَيْ الْمَعَادِنُ الظَّاهِرَةُ (مَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى عَمَلٍ) بِأَنْ كَانَ يُتَوَصَّلُ إلَى مَا فِيهَا بِلَا مُؤْنَةٍ (كَمِلْحٍ وَقَارٍ، وَنَفْطٍ وَكُحْلٍ، وَجَصٍّ، وَيَاقُوتٍ وَمَاءٍ، وَثَلْجٍ) فِي عَدِّهِمَا مِنْ الْمَعَادِنِ نَظَرٌ (وَمُومْيَا، وَبِرَامٍ، وَكِبْرِيتٍ، وَمُقَاطِعِ طِينٍ) فِي جَعْلِهِ مِنْ الْمَعَادِنِ نَظَرٌ.
(وَنَحْوِهَا) ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا بِالْمُسْلِمِينَ وَتَضْيِيقًا عَلَيْهِمْ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَ أَبْيَضَ بْنَ حَمَّالٍ مَعْدِنَ الْمِلْحِ فَلَمَّا قِيلَ لَهُ إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْعِدِّ رَدَّهُ» كَذَا قَالَ أَحْمَدُ.
(وَلَا) تُمْلَكُ وَلَا تُحْتَجَرُ مَعَادِنُ (بَاطِنَةٌ) وَهِيَ الَّتِي تَحْتَاجُ فِي إخْرَاجِهَا إلَى حَفْرٍ وَمُؤْنَةٍ (ظَهَرَتْ) الْبَاطِنَةُ (أَوْ لَا كَحَدِيدٍ وَنَحْوِهِ) مِنْ نُحَاسٍ وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَجَوْهَرٍ وَشِبْهِهَا (بِإِحْيَاءِ) مُتَعَلِّقٌ بِلَا تَمَلُّكٍ؛ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ الَّذِي يُمْلَكُ بِهِ الْعَمَارُ الَّتِي يَتَهَيَّأُ بِهَا الْمُحْيَا لِلِانْتِفَاعِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارِ عَمَلٍ وَهَذَا حَفْرٌ وَتَخْرِيبٌ يَحْتَاجُ إلَى تَكْرَارٍ عِنْدَ كُلِّ انْتِفَاعٍ.
(وَلَا) يُمْلَكُ بِإِحْيَاءِ (مَا نَضَبَ) أَيْ غَارَ (عَنْهُ الْمَاءُ مِمَّا كَانَ مَمْلُوكًا وَغَلَبَ) الْمَاءُ (عَلَيْهِ ثُمَّ نَضَبَ) الْمَاءُ عَنْهُ، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ مُلَّاكِهِ قَبْلَ غَلَبَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ فَ (لَهُمْ أَخْذُهُ) ؛ لِأَنَّهَا لَا تُزِيلُ مِلْكَهُمْ عَنْهُ.
(أَمَّا مَا نَضَبَ) أَيْ غَارَ (عَنْهُ الْمَاءُ مِنْ الْجَزَائِرِ وَالرَّقَاقِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ أَرْضٌ لَيِّنَةٌ أَوْ رِمَالٌ يَتَّصِلُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَرْضٌ مُسْتَوِيَةٌ لَيِّنَةُ التُّرَابِ تَحْتَهَا صَلَابَةٌ (مِمَّا لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا فَلِكُلِّ أَحَدٍ إحْيَاؤُهُ) بَعُدَتْ، أَوْ قَرُبَتْ (كَمَوَاتٍ) قَالَ الْحَارِثِيُّ: مَعَ عَدَمِ الضَّرَرِ وَنَصَّ عَلَيْهِ انْتَهَى وَقَالَ فِي التَّنْقِيحِ: لَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى: إذَا نَضَبَ الْمَاءُ مِنْ جَزِيرَةٍ إلَى فِنَاءِ رَجُلٍ لَمْ يُبْنَ فِيهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ يَرْجِعُ، أَيْ يَرْجِعُ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ فَإِذَا وَجَدَهُ مَبْنِيًّا رَجَعَ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَأَضَرَّ بِأَهْلِهِ؛ وَلِأَنَّ الْجَزَائِرَ مَنْبَتُ الْكَلَأِ وَالْحَطَبِ، فَجَرَتْ مَجْرَى الْمَعَادِن الظَّاهِرَةِ.
(وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ إقْطَاعُ مَعَادِنَ ظَاهِرَةٍ أَوْ بَاطِنَةٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيقِ وَصَحَّحَ فِي الشَّرْحِ جَوَازَهُ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ جَلِيسَهَا وَغُوَيْرَهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.
(فَإِنْ كَانَ
стр. 1786
بِقُرْبِ السَّاحِلِ مَوْضِعٌ حَصَلَ فِيهِ الْمَاءُ صَارَ مِلْحًا مُلِكَ بِالْإِحْيَاءِ وَلِلْإِمَامِ إقْطَاعُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا تَضْيِيقَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ، بَلْ يَحْدُثُ نَفْعُهُ بِالْعَمَلِ فِيهِ فَلَمْ يُمْنَعُ مِنْهُ، كَبَقِيَّةِ الْمَوَاتِ وَإِحْيَاؤُهُ بِتَهْيِئَتِهِ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ حَفْرِ تُرَابِهِ وَتَمْهِيدِهِ وَفَتْحِ قَنَاةٍ إلَيْهِ يَتَهَيَّأُ بِهَذَا لِلِانْتِفَاعِ بِهِ.
(وَإِذَا مَلَكَ الْمُحْيَا) بِأَنْ أَحْيَا مَا يَجُوزُ لَهُ إحْيَاؤُهُ (مَلَكَهُ بِمَا فِيهِ مِنْ الْمَعَادِنِ الْجَامِدَةِ، كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَنَحْوِهِمَا) كَالْجَوَاهِرِ (بَاطِنَةً كَانَتْ) الْمَعَادِنُ (أَوْ ظَاهِرَةً) تَبَعًا لِلْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْأَرْضَ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَطَبَقَاتِهَا وَهَذَا مِنْهَا فَدَخَلَ فِي مِلْكِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ وَيُفَارِقُ الْكَنْزَ؛ لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا لِلنَّقْلِ عَنْهَا فَالْبَاطِنَةُ كَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ، وَالرَّصَاصِ وَالظَّاهِرَةُ كَالْكُحْلِ، وَالْجَصِّ، وَالزِّرْنِيخِ، وَالْكِبْرِيتِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ:.
: وَلَوْ تَحَجَّرَ الْأَرْضَ أَوْ قَطَعَهَا فَظَهْرَ فِيهَا الْمَعْدِنُ قَبْلَ إحْيَائِهَا كَانَ لَهُ إحْيَاؤُهَا، وَيَمْلِكُهَا بِمَا فِيهَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَحَقَّ بِتَحَجُّرِهِ وَإِقْطَاعِهِ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ إتْمَامِ حَقِّهِ.
(وَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ) أَيْ الْمُحْيَا مِنْ الْأَرْضِ (عَيْنُ مَاءٍ مَاءٍ أَوْ مَعْدِنٍ جَارٍ إذَا أُخِذَ مِنْهُ شَيْءٌ خَلَفَهُ غَيْرُهُ، كَنَفْطٍ وَقَارٍ أَوْ) ظَهَرَ فِيهَا (كَلَأٌ، أَوْ شَجَرٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ) لِأَنَّهُ لَوْ سَبَقَ إلَى الْمُبَاحِ الَّذِي لَيْسَ بِأَرْضِهِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ سَبَقَ إلَى مَاءٍ لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَفِي لَفْظٍ «فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» فَهُنَا أُولَى (وَلَا يَمْلِكُهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّارِ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَابْنُ مَاجَهْ وَزَادَ «وَثَمَنُهُ حَرَامٌ» وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ فَلَمْ تُمْلَكْ بِمِلْكِهَا كَالْكَنْزِ.
(وَمَا فَضَلَ مِنْ مَائِهِ الَّذِي فِي قَرَارِ الْعَيْنِ، الْعَيْنِ أَوْ) فِي قَرَارِ (الْبِئْرِ) عَنْ حَاجَتِهِ وَحَاجَةِ عِيَالِهِ وَمَاشِيَتِهِ وَزَرْعِهِ (لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِبَهَائِمِ غَيْرِهِ إنْ لَمْ يُوجَدْ مَاءٌ مُبَاحٌ وَلَمْ يَتَضَرَّرْ) رَبُّ الْأَرْضِ (بِهِ سَوَاءٌ، اتَّصَلَ) مَوْضِعُ الْمَاءِ (بِالْمَرْعَى، أَوْ بَعُدَ عَنْهُ وَيَلْزَمُ) أَيْضًا (بَذْلُهُ لِزَرْعِ غَيْرِهِ مَا لَمْ يُؤْذِهِ بِالدُّخُولِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ الْكَلَأَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا «مَنْ مَنَعَ فَضْلَ مَائِهِ، أَوْ فَضْلَ كَلَئِهِ مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَا يَتَوَعَّدُ عَلَى مَا يَحِلُ.
(فَإِنْ آذَاهُ) بِالدُّخُولِ فَلَهُ مَنْعُهُ، وَكَذَا لَوْ تَضَرَّرَ بِبَذْلِهِ، أَوْ وَجَدَهُ مُبَاحًا غَيْرُهُ، (أَوْ كَانَ لَهُ فِيهِ) أَيْ الْبِئْرِ (مَاءُ السَّمَاءِ فَيَخَافُ عَطَشًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمْنَعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْحِيَازَةِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ بِخِلَافِ الْعِدِّ.
(وَكَذَا لَوْ حَازَهُ) أَيْ الْمَاءَ الْعِدَّ (فِي إنَاءٍ) لَمْ يَلْزَمْهُ
стр. 1787
بَذْلُهُ لِغَيْرِهِ لِمَا تَقْدَمَ، إلَّا عِنْدَ الِاضْطِرَارِ بِشَرْطِهِ (وَعِنْدَ الْأَذَى يُورِدُ الْمَاشِيَةَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمَاءِ الْعِدِّ الْفَاضِلِ عَنْ حَاجَةِ رَبِّ أَرْضِهِ (فَيَجُوزُ لِرُعَاتِهَا سَوْقُ فَضْلِ الْمَاءِ إلَيْهَا) ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْصِيلًا لِلْمَقْصُودِ بِلَا مَفْسَدَةٍ.
(وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بَذْلُ الْمَاءِ (بَذْلُ آلَةِ الِاسْتِسْقَاءِ، كَالْحَبْلِ وَالدَّلْوِ وَالْبَكَرَةِ) ؛ لِأَنَّهَا تَتْلَفُ بِالِاسْتِعْمَالِ أَشْبَهَتْ بَقِيَّةَ مَالِهِ لَكِنْ إنْ اُضْطُرَّ بِلَا ضَرَرٍ عَلَى رَبِّهَا لَزِمَ بَذْلُهَا وَيَأْتِي فِي الْأَطْعِمَةِ.
(وَإِذَا حَفَرَ بِئْرًا بِ) أَرْضٍ (مَوَاتٍ لِلسَّابِلَةِ) أَيْ لِنَفْعِ الْمُجْتَازِينَ (فَالنَّاسُ مُشْتَرِكُونَ فِي مَائِهَا، وَالْحَافِرُ لَهَا كَأَحَدِهِمْ فِي السَّقْيِ وَالزَّرْعِ وَالشُّرْبِ) ؛ لِأَنَّ الْحَافِرَ لَمْ يَخُصَّ بِهَا نَفْسَهُ وَلَا غَيْرَهُ.
(وَعِنْدَ الضَّيِّقِ) أَيْ التَّزَاحُمِ (يُقَدَّمُ الْآدَمِيُّ) فِي السَّقْيِ؛ لِأَنَّهُ أَشَدُّ حُرْمَةً (ثُمَّ) تُقَدَّمُ (الْبَهَائِمُ) ؛ لِأَنَّ لَهَا حُرْمَةً (ثُمَّ) يُسْقَى (الزَّرْعُ) .
(وَإِنْ حَفَرَهَا) أَيْ الْبِئْرِ (لِيَرْتَفِقَ هُوَ) أَيْ الْحَافِرُ (بِمَائِهَا كَحَفْرِ السِّفَارَةِ فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ) بِئْرًا لِيَرْتَفِقُوا بِمَائِهَا وَكَحَفْرِ الْمُنْتِجِينَ (كَالْأَعْرَابِ وَالتُّرْكُمَانِ يُنْتِجُونَ أَرْضًا فَيَحْفِرُونَ لِشُرْبِهِمْ وَشُرْبِ دَوَابِّهِمْ لَمْ يَمْلِكُوهَا) ؛ لِأَنَّهُمْ جَازِمُونَ بِانْتِقَالِهِمْ عَنْهَا وَتَرْكِهَا لِمَنْ يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُمْ بِخِلَافِ الْحَافِرِ لِلتَّمَلُّكِ.
(وَهُمْ أَحَقُّ بِمَائِهَا مَا أَقَامُوا) لِسَبْقِهِمْ (وَعَلَيْهِمْ بَذْلُ الْفَاضِلِ) مِنْ الْمَاءِ (لِشَارِبِهِ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ (وَبَعْدَ رَحِيلِهِمْ تَكُونُ سَابِلَةً لِلْمُسْلِمِينَ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِمَّنْ لَمْ يَحْفُرْهَا أَحَقَّ مِنْ الْآخَرِ (فَإِنْ عَادُوا) أَيْ الْحَافِرُونَ (إلَيْهَا كَانُوا أَحَقَّ بِهَا) مَنْ غَيْرِهِمْ،؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْفِرُوهَا إلَّا لِأَنْفُسِهِمْ وَمِنْ عَادَتِهِمْ الرَّحِيلُ وَالرُّجُوعُ فَلَمْ تَزَلْ أَحَقِّيَّتُهُمْ بِذَلِكَ.
(قَالَ فِي الْمُغْنِي) وَالشَّرْحِ (وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنْ الْمَاءِ الْجَارِي لِشُرْبِهِ وَطَهَارَتِهِ وَغَسْلِ ثِيَابِهِ وَانْتِفَاعِهِ بِهِ، فِي أَشْبَاهِ ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ الشُّرْبِ وَالطَّهَارَةِ وَغَسْلِ الثِّيَابِ (مِمَّا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ) رَبِّهِ (إذَا لَمْ يَدْخُلْ إلَيْهِ فِي مَكَان مَحُوطٍ عَلَيْهِ وَلَا يَحِلُّ لِصَاحِبِهِ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ كَانَ بِفَضْلِ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ ابْنَ السَّبِيلِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فَأَمَّا مَا يُؤَثِّرُ فِيهِ كَسَقْيِ الْمَاشِيَةِ الْكَثِيرَةِ فَإِنْ فَضَلَ الْمَاءُ عَنْ حَاجَةِ صَاحِبِهِ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا وَتَقَدَّمَ (وَقَالَ الْحَارِثِيُّ الْفَضْلُ الْوَاجِبُ بَذْلُهُ مَا فَضَلَ عَنْ شَفَتِهِ وَشَفَةِ عِيَالِهِ، وَعَجِينِهِمْ، وَطَبِيخِهِمْ، وَطَهَارَتِهِمْ، وَغَسْلِ ثِيَابِهِمْ، وَنَحْوِ ذَلِكَ وَعَنْ مَوَاشِيهِ وَمَزَارِعِهِ وَبَسَاتِينِهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ حَاجَتِهِ.
وَإِنْ حَفَرَ الْبِئْرَ بِمَوَاتٍ تَمَلَّكَهَا فَهِيَ لَهُ كَمَا يَأْتِي كَمَا لَوْ حَفَرَهَا بِمِلْكِهِ الْحَيِّ.
стр. 1788
[فَصْلٌ إحْيَاء الْأَرْضِ الْمَوَاتِ]
فَصْلٌ وَإِحْيَاءُ الْأَرْضِ الْمَوَاتِ (أَنْ يَحُوزَهَا بِحَائِطٍ مَنِيعٍ) بِحَيْثُ (يَمْنَعُ) الْحَائِطُ (مَا وَرَاءَهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد عَنْ جَابِرٍ وَلَهُمَا مِثْلُهُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ.
(وَيَكُونُ الْبِنَاءُ مِمَّا جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ الْبَلَدِ الْبِنَاءُ بِهِ مِنْ لَبِنٍ، أَوْ آجُرٍّ أَوْ حَجَرٍ، أَوْ قَصَبٍ، أَوْ خَشَبٍ وَنَحْوِهِ سَوَاءٌ أَرَادَهَا) الْمُحْيِي (لِبِنَاءٍ، أَوْ زَرْعٍ، أَوْ) أَرَادَهَا (حَظِيرَةَ غَنَمٍ، أَوْ) حَظِيرَةَ (خَشَبٍ وَنَحْوَهُمَا وَلَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الْإِحْيَاءِ (تَسْقِيفٌ) وَلَا نَصْبُ بَابٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْخَبَرِ، وَالسُّكْنَى مُمْكِنَةٌ بِدُونِهِ (أَوْ) أَنْ (يُجْرِيَ لَهَا مَاءً بِأَنْ يَسُوقَ إلَيْهَا) مَاءَ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ (إنْ كَانَتْ لَا تُزْرَعُ إلَّا بِهِ) أَيْ بِالْمَاءِ الْمَسُوقِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ نَفْعَ الْأَرْضِ بِالْمَاءِ أَكْثَرُ مِنْ الْحَائِطِ (أَوْ) أَنْ (يَحْفِرَ فِيهَا بِئْرًا يَكُونُ فِيهَا مَاءٌ فَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى الْمَاءِ فَهُوَ كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ عَلَى مَا يَأْتِي) تَفْصِيلُهُ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ.
وَإِنْ خَرَجَ الْمَاءُ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ إلَّا أَنْ تَحْتَاجَ إلَى طَيٍّ فَتَمَامُ الْإِحْيَاءِ طَيُّهَا (أَوْ أَنْ يَغْرِسَ فِيهَا شَجَرًا) بِأَنْ كَانَتْ لَا تَصْلُحُ لِلْغِرَاسِ لِكَثْرَةِ أَحْجَارِهَا، أَوْ نَحْوِهَا، فَيُنَقِّيهَا وَيَغْرِسُهَا؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلْبَقَاءِ كَالْحَائِطِ (أَوْ) أَنْ (يَمْنَعَ) عَنْ الْمَوَات (مَا لَا يُمْكِنُ زَرْعُهَا إلَّا بِحَبْسِهِ عَنْهَا، كَأَرْضِ الْبَطَائِحِ) ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَتَمَكَّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَزْرَعهَا وَيَسْقِيَهَا.
(وَإِنْ كَانَ الْمَانِعُ مِنْ زَرْعِهَا كَثْرَةُ الْأَحْجَارِ كَأَرْضِ اللَّجَأَةِ) نَاحِيَةٌ بِالشَّامِ (فَإِحْيَاؤُهَا بِقَلْعِ أَحْجَارِهَا وَتَنْقِيَتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ غِيَاضًا وَأَشْجَارًا كَأَرْضِ الشَّعْرِ فَبِأَنْ يَقْلَعَ أَشْجَارَهَا، وَيُزِيلَ عُرُوقَهَا الْمَانِعَةَ مِنْ الزَّرْعِ) ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا.
(وَلَا يَحْصُلُ الْإِحْيَاءُ بِمُجَرَّدِ الْحَرْثِ وَالزَّرْعِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ لِلْبَقَاءِ بِخِلَافِ الْغَرْسِ (وَلَا) يَحْصُلُ الْإِحْيَاءُ أَيْضًا (بِخَنْدَقٍ يَجْعَلُهُ عَلَيْهَا) أَيْ حَوْلَ الْأَرْضِ الَّتِي يُرِيدُ إحْيَاءَهَا (أَوْ) بِ (شَوْكٍ وَشِبْهِهِ يُحَوِّطُهَا بِهِ وَيَكُونُ تَحَجُّرًا) ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ قَدْ يَنْزِلُ مَنْزِلًا وَيُحَوِّطُ عَلَى رَحْلِهِ بِنَحْوِ ذَلِكَ.
(وَإِنْ حَفَرَ) فِي مَوَاتٍ (بِئْرًا عَادِيَّةً) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ نِسْبَةً إلَى عَادٍ وَلَمْ يُرِدْ عَادًا بِعَيْنِهَا لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ عَادٌ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ وَكَانَتْ لَهَا آثَارٌ فِي الْأَرْضِ نُسِبَ إلَيْهَا كُلُّ قَدِيمٍ فَلِذَا قَالَ.
(وَهِيَ
стр. 1789
الْقَدِيمَةُ الَّتِي انْطَمَّتْ وَذَهَبَ مَاؤُهَا، فَجُدِّدَ حَفْرُهَا وَعِمَارَتُهَا أَوْ انْقَطَعَ مَاؤُهَا فَاسْتَخْرَجَهُ مَلَكَهَا وَمَلَكَ حَرِيمَهَا خَمْسِينَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَ) الْبِئْرُ (غَيْرُ الْعَادِيَّةِ) حَرِيمُهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَرِيمِ الْعَادِيَّةِ فَهُوَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ " السُّنَّةُ فِي حَرِيمِ الْقَلِيبِ الْعَادِيِّ خَمْسُونَ ذِرَاعًا وَالْبَدِيءُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ " وَرَوَى الْخَلَّالُ وَالدَّارَقُطْنِيّ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ: أَنَّ الْبِئْرَ الَّتِي لَهَا مَاءٌ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ لَيْسَ لِأَحَدٍ احْتِجَارُهُ كَالْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ (وَحَرِيمُ عَيْنٍ وَقَنَاةٍ) مِنْ مَوَاتٍ حَوْلَهَا (خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ) قُلْتُ: لَعَلَّ الْمُرَادَ بِذِرَاعِ الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (وَحَرِيمُ نَهْرٍ مِنْ حَافَتَيْهِ مَا يَحْتَاجُ) النَّهْرُ (إلَيْهِ لِطَرْحِ كِرَايَتِهِ) أَيْ مَا يُلْقَى مِنْهُ طَلَبًا لِسُرْعَةِ جَرْيِهِ.
(وَطَرِيقِ شَاوِيهِ) أَيْ: قَيِّمِهِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَالْكِرَايَةُ وَالشَّايُ لَمْ أَجِدْ لَهُمَا أَصْلًا فِي اللُّغَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى وَلَعَلَّهُمَا مُوَلَّدَتَانِ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ الشَّامِ (وَمَا يَسْتَضِرُّ صَاحِبُهُ بِتَمَلُّكِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَثُرَ) ، وَكَذَا مَا يَرْتَفِقُ بِدُخُولِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِهِ.
(وَلَهُ) أَيْ لِصَاحِبِ النَّهْرِ (عَمَلُ أَحْجَارِ طَحْنٍ عَلَى النَّهْرِ وَنَحْوِهِ وَمَوْضِعُ غَرْسٍ وَزَرْعٍ وَنَحْوِهِمَا) قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ قَالَ:، وَإِنْ كَانَ بِجَنْبِهِ مُسَنَّاةٌ لِغَيْرِهِ ارْتَفَقَ بِهَا فِي ذَلِكَ، أَيْ فِي تَنْظِيفِهِ ضَرُورَةً (وَحَرِيمُ شَجَرَةٍ قَدْرُ مَدِّ أَغْصَانِهَا وَ) الْحَرِيمُ (فِي النَّخْلِ) (مَدُّ جَرِيدِهَا) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «اُخْتُصِمَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرِيمِ نَخْلَةٍ فَأَمَرَ بِجَرِيدَةٍ مِنْ جَرَائِدِهَا فَذُرِعَتْ فَكَانَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ، أَوْ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ فَقَضَى بِذَلِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَحَرِيمُ أَرْضٍ) أُحْيِيَتْ (لِزَرْعٍ) قَدْرَ (مَا يَحْتَاجهُ) زَارِعُهَا (لِسَقْيِهَا وَرَبْطِ دَوَابِّهَا وَطَرْحِ سَبَخِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَمَصْرِفِ مَائِهَا عِنْدَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ مَرَافِقِهَا (وَحَرِيمُ دَارٍ مِنْ مَوَاتٍ حَوْلَهَا مَطْرَحُ تُرَابٍ وَكُنَاسَةٍ وَثَلْجٍ وَمَاءٍ وَمِيزَابٍ وَمَمَرٍّ إلَى بَابِهَا) ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ يَرْتَفِقُ بِهِ سَاكِنُهَا.
(وَلَا حَرِيمَ لِدَارٍ مَحْفُوفَةٍ بِمِلْكِ الْغَيْرِ) مِنْ كُلِّ جَانِبٍ؛ لِأَنَّ الْحَرِيمَ مِنْ الْمَرَافِقِ وَلَا يَرْتَفِقُ بِمِلْكِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مَالِكَهُ أَحَقُّ بِهِ (وَيَتَصَرَّفُ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْهُمْ (فِي مِلْكِهِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ بِحَسْبِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فَإِنْ تَعَدَّى) الْعَادَةَ (مُنِعَ) التَّعَدِّي، عَمَلًا بِالْعَادَةِ.
(وَمَنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا) أَيْ شَرَعَ فِي إحْيَائِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُتِمَّهُ (بِأَنْ حَفَرَ بِئْرًا وَلَمْ يَصِلْ إلَى مَائِهَا، أَوْ أَدَارَ حَوْلَ الْأَرْضِ) الَّتِي أَرَادَ إحْيَاءَهَا (تُرَابًا أَوْ أَحْجَارًا، أَوْ جِدَارًا صَغِيرًا) لَا يَمْنَعُ مَا وَرَاءَهُ (أَوْ سَبَقَ إلَى شَجَرٍ مُبَاحٍ كَالزَّيْتُونِ وَالْخَرْنُوبِ وَنَحْوِهِمَا
стр. 1790
فَشَفَاهُ) بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ أَيْ قَطَعَ الْأَغْصَانَ الرَّدِيئَةَ لِتَخْلُفَهَا أَغْصَانٌ جَيِّدَةٌ كَمَا ذَكَرَهُ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ وَأَطَالَ فِيهِ وَذَكَرْنَاهُ فِي حَاشِيَةِ الْمُنْتَهَى.
(وَأَصْلَحَهُ وَلَمْ يَرْكَبْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ) بِأَنْ خَنْدَقَ حَوْلَ الْأَرْضِ أَوْ حَرَثَهَا، أَوْ أَدَارَ حَوْلَهَا شَوْكًا أَوْ نَحْوَهُ لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ (أَوْ أَقْطَعَهُ لَهُ إمَامٌ لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْإِحْيَاءِ وَلَمْ يُوجَدْ (وَهُوَ) أَيْ الْمُتَحَجِّرُ (أَحَقُّ بِهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ سَبَقَ إلَى مَاءٍ لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَ) كَذَا (وَارِثُهُ بَعْدَهُ) يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ تَرَكَ حَقًّا، أَوْ مَالًا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» ؛ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمُوَرِّثِ فَقَامَ وَارِثَهُ مَقَامَهُ فِيهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ (وَكَذَا مَنْ يَنْقُلُهُ) الْمُتَحَجِّرُ، أَوْ وَارِثُهُ (إلَيْهِ بِغَيْرِ بِيَعٍ) فَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَهُ الْحَقُّ أَقَامَهُ مَقَامَهُ فِيهِ.
(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْمُتَحَجِّرِ أَوْ وَارِثِهِ أَوْ مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ أَحَدِهِمَا بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ وَشَرْطُ الْمَبِيعِ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا.
(فَإِنْ فَإِنْ، أَيْ أَطْعَمَ الزَّيْتُونَ وَالْخَرْنُوبَ) بَعْدَ أَنْ شَفَاهُ وَأَصْلَحَهُ (مَلَكَهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَهَيَّأَ بِذَلِكَ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ لِمَا يُرَادُ مِنْهُ فَهُوَ كَسَوْقِ الْمَاءِ إلَى الْأَرْضِ الْمَوَاتِ (وَ) مَلَكَ أَيْضًا (حَرِيمَهُ) تَبَعًا لَهُ وَتَقَدَّمَ.
(فَإِنْ لَمْ يَتِمّ إحْيَاؤُهُ) أَيْ إحْيَاءُ مَا تَحَجَّرَ مِمَّا تَقَدَّمَ (أَوْ طَالَتْ الْمُدَّةُ عُرْفًا كَنَحْوِ ثَلَاثِ سِنِينَ قِيلَ لَهُ) أَيْ: الْمُتَحَجِّرِ (إمَّا أَنْ تُحْيِيَهُ) فَتَمْلِكَهُ (أَوْ تَتْرُكَهُ) لِمَنْ يُحْيِيهِ (إنْ حَصَلَ مُتَشَوِّفٌ لِلْإِحْيَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ ضَيَّقَ عَلَى النَّاسِ فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمْ فَلَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ وَقَفَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ، أَوْ مَشْرَعَةِ مَاءٍ أَوْ مَعْدِنٍ لَا يَنْتَفِعُ وَلَا يَدَعُ غَيْرَهُ يَنْتَفِعُ.
(فَإِنْ طَلَبَ) الْمُتَحَجِّرُ (الْمُهْلَةَ لِعُذْرٍ أُمْهِلَ شَهْرَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً، أَوْ أَقَلَّ عَلَى مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ) ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فَلَا يُمْهَلُ) بَلْ يُقَالُ لَهُ: إمَّا أَنْ تَعْمُر وَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ يَدَك فَإِنْ لَمْ يَعْمُرْهَا كَانَ لِغَيْرِهِ عِمَارَتُهَا.
(وَإِنْ أَحْيَاهُ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْمُتَحَجِّرِ (فِي مُدَّةِ الْمُهْلَةِ أَوْ قَبْلَهَا لَمْ يَمْلِكُهُ) لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ» ؛ وَلِأَنَّهُ إحْيَاءٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَلَمْ يَمْلِكْهُ؛ وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُتَحَجِّرِ أَسْبَقُ فَكَانَ أَوْلَى.
(وَ) إنْ أَحْيَاهُ أَحَدٌ (بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْمُهْلَةِ (مَلَكَهُ) مَنْ أَحْيَاهُ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا انْتَهَى وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا مِلْكَ لَهُ، وَحَقُّهُ زَالَ بِإِعْرَاضِهِ حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ الْإِمْهَالِ.
(وَمَنْ) (نَزَلَ عَنْ وَظِيفَةٍ) مِنْ إمَامَةٍ إمَامَةٍ أَوْ خَطَابَةٍ خَطَابَةٍ أَوْ تَدْرِيسٍ وَنَحْوِهِ (لِزَيْدٍ وَهُوَ) أَيْ زَيْدٌ (لَهَا) أَيْ الْوَظِيفَةِ (أَهْلٌ لَمْ يَتَقَرَّرْ غَيْرُهُ فِيهَا) لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِهَا (فَإِنْ قَرَّرَ هُوَ) أَيْ قَرَّرَهُ مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ كَالنَّاظِرِ تَمَّ الْأَمْرُ لَهُ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُقَرِّرْهُ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّقْرِيرِ
следующие страницы →