← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21642

كشاف القناع عن متن الإقناع - ت مصيلحي

البهوتي

Полный текст (3 210 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

بِقُرْبِ السَّاحِلِ مَوْضِعٌ حَصَلَ فِيهِ الْمَاءُ صَارَ مِلْحًا مُلِكَ بِالْإِحْيَاءِ وَلِلْإِمَامِ إقْطَاعُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا تَضْيِيقَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ، بَلْ يَحْدُثُ نَفْعُهُ بِالْعَمَلِ فِيهِ فَلَمْ يُمْنَعُ مِنْهُ، كَبَقِيَّةِ الْمَوَاتِ وَإِحْيَاؤُهُ بِتَهْيِئَتِهِ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ حَفْرِ تُرَابِهِ وَتَمْهِيدِهِ وَفَتْحِ قَنَاةٍ إلَيْهِ يَتَهَيَّأُ بِهَذَا لِلِانْتِفَاعِ بِهِ. (وَإِذَا مَلَكَ الْمُحْيَا) بِأَنْ أَحْيَا مَا يَجُوزُ لَهُ إحْيَاؤُهُ (مَلَكَهُ بِمَا فِيهِ مِنْ الْمَعَادِنِ الْجَامِدَةِ، كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَنَحْوِهِمَا) كَالْجَوَاهِرِ (بَاطِنَةً كَانَتْ) الْمَعَادِنُ (أَوْ ظَاهِرَةً) تَبَعًا لِلْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْأَرْضَ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَطَبَقَاتِهَا وَهَذَا مِنْهَا فَدَخَلَ فِي مِلْكِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ وَيُفَارِقُ الْكَنْزَ؛ لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا لِلنَّقْلِ عَنْهَا فَالْبَاطِنَةُ كَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ، وَالرَّصَاصِ وَالظَّاهِرَةُ كَالْكُحْلِ، وَالْجَصِّ، وَالزِّرْنِيخِ، وَالْكِبْرِيتِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ:. : وَلَوْ تَحَجَّرَ الْأَرْضَ أَوْ قَطَعَهَا فَظَهْرَ فِيهَا الْمَعْدِنُ قَبْلَ إحْيَائِهَا كَانَ لَهُ إحْيَاؤُهَا، وَيَمْلِكُهَا بِمَا فِيهَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَحَقَّ بِتَحَجُّرِهِ وَإِقْطَاعِهِ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ إتْمَامِ حَقِّهِ. (وَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ) أَيْ الْمُحْيَا مِنْ الْأَرْضِ (عَيْنُ مَاءٍ مَاءٍ أَوْ مَعْدِنٍ جَارٍ إذَا أُخِذَ مِنْهُ شَيْءٌ خَلَفَهُ غَيْرُهُ، كَنَفْطٍ وَقَارٍ أَوْ) ظَهَرَ فِيهَا (كَلَأٌ، أَوْ شَجَرٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ) لِأَنَّهُ لَوْ سَبَقَ إلَى الْمُبَاحِ الَّذِي لَيْسَ بِأَرْضِهِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ سَبَقَ إلَى مَاءٍ لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَفِي لَفْظٍ «فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» فَهُنَا أُولَى (وَلَا يَمْلِكُهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّارِ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَابْنُ مَاجَهْ وَزَادَ «وَثَمَنُهُ حَرَامٌ» وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ فَلَمْ تُمْلَكْ بِمِلْكِهَا كَالْكَنْزِ. (وَمَا فَضَلَ مِنْ مَائِهِ الَّذِي فِي قَرَارِ الْعَيْنِ، الْعَيْنِ أَوْ) فِي قَرَارِ (الْبِئْرِ) عَنْ حَاجَتِهِ وَحَاجَةِ عِيَالِهِ وَمَاشِيَتِهِ وَزَرْعِهِ (لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِبَهَائِمِ غَيْرِهِ إنْ لَمْ يُوجَدْ مَاءٌ مُبَاحٌ وَلَمْ يَتَضَرَّرْ) رَبُّ الْأَرْضِ (بِهِ سَوَاءٌ، اتَّصَلَ) مَوْضِعُ الْمَاءِ (بِالْمَرْعَى، أَوْ بَعُدَ عَنْهُ وَيَلْزَمُ) أَيْضًا (بَذْلُهُ لِزَرْعِ غَيْرِهِ مَا لَمْ يُؤْذِهِ بِالدُّخُولِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ الْكَلَأَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا «مَنْ مَنَعَ فَضْلَ مَائِهِ، أَوْ فَضْلَ كَلَئِهِ مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَا يَتَوَعَّدُ عَلَى مَا يَحِلُ. (فَإِنْ آذَاهُ) بِالدُّخُولِ فَلَهُ مَنْعُهُ، وَكَذَا لَوْ تَضَرَّرَ بِبَذْلِهِ، أَوْ وَجَدَهُ مُبَاحًا غَيْرُهُ، (أَوْ كَانَ لَهُ فِيهِ) أَيْ الْبِئْرِ (مَاءُ السَّمَاءِ فَيَخَافُ عَطَشًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمْنَعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْحِيَازَةِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ بِخِلَافِ الْعِدِّ. (وَكَذَا لَوْ حَازَهُ) أَيْ الْمَاءَ الْعِدَّ (فِي إنَاءٍ) لَمْ يَلْزَمْهُ

стр. 1787

بَذْلُهُ لِغَيْرِهِ لِمَا تَقْدَمَ، إلَّا عِنْدَ الِاضْطِرَارِ بِشَرْطِهِ (وَعِنْدَ الْأَذَى يُورِدُ الْمَاشِيَةَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمَاءِ الْعِدِّ الْفَاضِلِ عَنْ حَاجَةِ رَبِّ أَرْضِهِ (فَيَجُوزُ لِرُعَاتِهَا سَوْقُ فَضْلِ الْمَاءِ إلَيْهَا) ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْصِيلًا لِلْمَقْصُودِ بِلَا مَفْسَدَةٍ. (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بَذْلُ الْمَاءِ (بَذْلُ آلَةِ الِاسْتِسْقَاءِ، كَالْحَبْلِ وَالدَّلْوِ وَالْبَكَرَةِ) ؛ لِأَنَّهَا تَتْلَفُ بِالِاسْتِعْمَالِ أَشْبَهَتْ بَقِيَّةَ مَالِهِ لَكِنْ إنْ اُضْطُرَّ بِلَا ضَرَرٍ عَلَى رَبِّهَا لَزِمَ بَذْلُهَا وَيَأْتِي فِي الْأَطْعِمَةِ. (وَإِذَا حَفَرَ بِئْرًا بِ) أَرْضٍ (مَوَاتٍ لِلسَّابِلَةِ) أَيْ لِنَفْعِ الْمُجْتَازِينَ (فَالنَّاسُ مُشْتَرِكُونَ فِي مَائِهَا، وَالْحَافِرُ لَهَا كَأَحَدِهِمْ فِي السَّقْيِ وَالزَّرْعِ وَالشُّرْبِ) ؛ لِأَنَّ الْحَافِرَ لَمْ يَخُصَّ بِهَا نَفْسَهُ وَلَا غَيْرَهُ. (وَعِنْدَ الضَّيِّقِ) أَيْ التَّزَاحُمِ (يُقَدَّمُ الْآدَمِيُّ) فِي السَّقْيِ؛ لِأَنَّهُ أَشَدُّ حُرْمَةً (ثُمَّ) تُقَدَّمُ (الْبَهَائِمُ) ؛ لِأَنَّ لَهَا حُرْمَةً (ثُمَّ) يُسْقَى (الزَّرْعُ) . (وَإِنْ حَفَرَهَا) أَيْ الْبِئْرِ (لِيَرْتَفِقَ هُوَ) أَيْ الْحَافِرُ (بِمَائِهَا كَحَفْرِ السِّفَارَةِ فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ) بِئْرًا لِيَرْتَفِقُوا بِمَائِهَا وَكَحَفْرِ الْمُنْتِجِينَ (كَالْأَعْرَابِ وَالتُّرْكُمَانِ يُنْتِجُونَ أَرْضًا فَيَحْفِرُونَ لِشُرْبِهِمْ وَشُرْبِ دَوَابِّهِمْ لَمْ يَمْلِكُوهَا) ؛ لِأَنَّهُمْ جَازِمُونَ بِانْتِقَالِهِمْ عَنْهَا وَتَرْكِهَا لِمَنْ يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُمْ بِخِلَافِ الْحَافِرِ لِلتَّمَلُّكِ. (وَهُمْ أَحَقُّ بِمَائِهَا مَا أَقَامُوا) لِسَبْقِهِمْ (وَعَلَيْهِمْ بَذْلُ الْفَاضِلِ) مِنْ الْمَاءِ (لِشَارِبِهِ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ (وَبَعْدَ رَحِيلِهِمْ تَكُونُ سَابِلَةً لِلْمُسْلِمِينَ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِمَّنْ لَمْ يَحْفُرْهَا أَحَقَّ مِنْ الْآخَرِ (فَإِنْ عَادُوا) أَيْ الْحَافِرُونَ (إلَيْهَا كَانُوا أَحَقَّ بِهَا) مَنْ غَيْرِهِمْ،؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْفِرُوهَا إلَّا لِأَنْفُسِهِمْ وَمِنْ عَادَتِهِمْ الرَّحِيلُ وَالرُّجُوعُ فَلَمْ تَزَلْ أَحَقِّيَّتُهُمْ بِذَلِكَ. (قَالَ فِي الْمُغْنِي) وَالشَّرْحِ (وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنْ الْمَاءِ الْجَارِي لِشُرْبِهِ وَطَهَارَتِهِ وَغَسْلِ ثِيَابِهِ وَانْتِفَاعِهِ بِهِ، فِي أَشْبَاهِ ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ الشُّرْبِ وَالطَّهَارَةِ وَغَسْلِ الثِّيَابِ (مِمَّا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ) رَبِّهِ (إذَا لَمْ يَدْخُلْ إلَيْهِ فِي مَكَان مَحُوطٍ عَلَيْهِ وَلَا يَحِلُّ لِصَاحِبِهِ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ كَانَ بِفَضْلِ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ ابْنَ السَّبِيلِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَأَمَّا مَا يُؤَثِّرُ فِيهِ كَسَقْيِ الْمَاشِيَةِ الْكَثِيرَةِ فَإِنْ فَضَلَ الْمَاءُ عَنْ حَاجَةِ صَاحِبِهِ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا وَتَقَدَّمَ (وَقَالَ الْحَارِثِيُّ الْفَضْلُ الْوَاجِبُ بَذْلُهُ مَا فَضَلَ عَنْ شَفَتِهِ وَشَفَةِ عِيَالِهِ، وَعَجِينِهِمْ، وَطَبِيخِهِمْ، وَطَهَارَتِهِمْ، وَغَسْلِ ثِيَابِهِمْ، وَنَحْوِ ذَلِكَ وَعَنْ مَوَاشِيهِ وَمَزَارِعِهِ وَبَسَاتِينِهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ حَاجَتِهِ. وَإِنْ حَفَرَ الْبِئْرَ بِمَوَاتٍ تَمَلَّكَهَا فَهِيَ لَهُ كَمَا يَأْتِي كَمَا لَوْ حَفَرَهَا بِمِلْكِهِ الْحَيِّ.

стр. 1788

[فَصْلٌ إحْيَاء الْأَرْضِ الْمَوَاتِ] فَصْلٌ وَإِحْيَاءُ الْأَرْضِ الْمَوَاتِ (أَنْ يَحُوزَهَا بِحَائِطٍ مَنِيعٍ) بِحَيْثُ (يَمْنَعُ) الْحَائِطُ (مَا وَرَاءَهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد عَنْ جَابِرٍ وَلَهُمَا مِثْلُهُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ. (وَيَكُونُ الْبِنَاءُ مِمَّا جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ الْبَلَدِ الْبِنَاءُ بِهِ مِنْ لَبِنٍ، أَوْ آجُرٍّ أَوْ حَجَرٍ، أَوْ قَصَبٍ، أَوْ خَشَبٍ وَنَحْوِهِ سَوَاءٌ أَرَادَهَا) الْمُحْيِي (لِبِنَاءٍ، أَوْ زَرْعٍ، أَوْ) أَرَادَهَا (حَظِيرَةَ غَنَمٍ، أَوْ) حَظِيرَةَ (خَشَبٍ وَنَحْوَهُمَا وَلَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الْإِحْيَاءِ (تَسْقِيفٌ) وَلَا نَصْبُ بَابٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْخَبَرِ، وَالسُّكْنَى مُمْكِنَةٌ بِدُونِهِ (أَوْ) أَنْ (يُجْرِيَ لَهَا مَاءً بِأَنْ يَسُوقَ إلَيْهَا) مَاءَ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ (إنْ كَانَتْ لَا تُزْرَعُ إلَّا بِهِ) أَيْ بِالْمَاءِ الْمَسُوقِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ نَفْعَ الْأَرْضِ بِالْمَاءِ أَكْثَرُ مِنْ الْحَائِطِ (أَوْ) أَنْ (يَحْفِرَ فِيهَا بِئْرًا يَكُونُ فِيهَا مَاءٌ فَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى الْمَاءِ فَهُوَ كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ عَلَى مَا يَأْتِي) تَفْصِيلُهُ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ. وَإِنْ خَرَجَ الْمَاءُ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ إلَّا أَنْ تَحْتَاجَ إلَى طَيٍّ فَتَمَامُ الْإِحْيَاءِ طَيُّهَا (أَوْ أَنْ يَغْرِسَ فِيهَا شَجَرًا) بِأَنْ كَانَتْ لَا تَصْلُحُ لِلْغِرَاسِ لِكَثْرَةِ أَحْجَارِهَا، أَوْ نَحْوِهَا، فَيُنَقِّيهَا وَيَغْرِسُهَا؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلْبَقَاءِ كَالْحَائِطِ (أَوْ) أَنْ (يَمْنَعَ) عَنْ الْمَوَات (مَا لَا يُمْكِنُ زَرْعُهَا إلَّا بِحَبْسِهِ عَنْهَا، كَأَرْضِ الْبَطَائِحِ) ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَتَمَكَّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَزْرَعهَا وَيَسْقِيَهَا. (وَإِنْ كَانَ الْمَانِعُ مِنْ زَرْعِهَا كَثْرَةُ الْأَحْجَارِ كَأَرْضِ اللَّجَأَةِ) نَاحِيَةٌ بِالشَّامِ (فَإِحْيَاؤُهَا بِقَلْعِ أَحْجَارِهَا وَتَنْقِيَتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ غِيَاضًا وَأَشْجَارًا كَأَرْضِ الشَّعْرِ فَبِأَنْ يَقْلَعَ أَشْجَارَهَا، وَيُزِيلَ عُرُوقَهَا الْمَانِعَةَ مِنْ الزَّرْعِ) ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا. (وَلَا يَحْصُلُ الْإِحْيَاءُ بِمُجَرَّدِ الْحَرْثِ وَالزَّرْعِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ لِلْبَقَاءِ بِخِلَافِ الْغَرْسِ (وَلَا) يَحْصُلُ الْإِحْيَاءُ أَيْضًا (بِخَنْدَقٍ يَجْعَلُهُ عَلَيْهَا) أَيْ حَوْلَ الْأَرْضِ الَّتِي يُرِيدُ إحْيَاءَهَا (أَوْ) بِ (شَوْكٍ وَشِبْهِهِ يُحَوِّطُهَا بِهِ وَيَكُونُ تَحَجُّرًا) ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ قَدْ يَنْزِلُ مَنْزِلًا وَيُحَوِّطُ عَلَى رَحْلِهِ بِنَحْوِ ذَلِكَ. (وَإِنْ حَفَرَ) فِي مَوَاتٍ (بِئْرًا عَادِيَّةً) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ نِسْبَةً إلَى عَادٍ وَلَمْ يُرِدْ عَادًا بِعَيْنِهَا لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ عَادٌ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ وَكَانَتْ لَهَا آثَارٌ فِي الْأَرْضِ نُسِبَ إلَيْهَا كُلُّ قَدِيمٍ فَلِذَا قَالَ. (وَهِيَ

стр. 1789

الْقَدِيمَةُ الَّتِي انْطَمَّتْ وَذَهَبَ مَاؤُهَا، فَجُدِّدَ حَفْرُهَا وَعِمَارَتُهَا أَوْ انْقَطَعَ مَاؤُهَا فَاسْتَخْرَجَهُ مَلَكَهَا وَمَلَكَ حَرِيمَهَا خَمْسِينَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَ) الْبِئْرُ (غَيْرُ الْعَادِيَّةِ) حَرِيمُهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَرِيمِ الْعَادِيَّةِ فَهُوَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ " السُّنَّةُ فِي حَرِيمِ الْقَلِيبِ الْعَادِيِّ خَمْسُونَ ذِرَاعًا وَالْبَدِيءُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ " وَرَوَى الْخَلَّالُ وَالدَّارَقُطْنِيّ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ: أَنَّ الْبِئْرَ الَّتِي لَهَا مَاءٌ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ لَيْسَ لِأَحَدٍ احْتِجَارُهُ كَالْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ (وَحَرِيمُ عَيْنٍ وَقَنَاةٍ) مِنْ مَوَاتٍ حَوْلَهَا (خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ) قُلْتُ: لَعَلَّ الْمُرَادَ بِذِرَاعِ الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (وَحَرِيمُ نَهْرٍ مِنْ حَافَتَيْهِ مَا يَحْتَاجُ) النَّهْرُ (إلَيْهِ لِطَرْحِ كِرَايَتِهِ) أَيْ مَا يُلْقَى مِنْهُ طَلَبًا لِسُرْعَةِ جَرْيِهِ. (وَطَرِيقِ شَاوِيهِ) أَيْ: قَيِّمِهِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَالْكِرَايَةُ وَالشَّايُ لَمْ أَجِدْ لَهُمَا أَصْلًا فِي اللُّغَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى وَلَعَلَّهُمَا مُوَلَّدَتَانِ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ الشَّامِ (وَمَا يَسْتَضِرُّ صَاحِبُهُ بِتَمَلُّكِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَثُرَ) ، وَكَذَا مَا يَرْتَفِقُ بِدُخُولِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِهِ. (وَلَهُ) أَيْ لِصَاحِبِ النَّهْرِ (عَمَلُ أَحْجَارِ طَحْنٍ عَلَى النَّهْرِ وَنَحْوِهِ وَمَوْضِعُ غَرْسٍ وَزَرْعٍ وَنَحْوِهِمَا) قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ قَالَ:، وَإِنْ كَانَ بِجَنْبِهِ مُسَنَّاةٌ لِغَيْرِهِ ارْتَفَقَ بِهَا فِي ذَلِكَ، أَيْ فِي تَنْظِيفِهِ ضَرُورَةً (وَحَرِيمُ شَجَرَةٍ قَدْرُ مَدِّ أَغْصَانِهَا وَ) الْحَرِيمُ (فِي النَّخْلِ) (مَدُّ جَرِيدِهَا) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «اُخْتُصِمَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرِيمِ نَخْلَةٍ فَأَمَرَ بِجَرِيدَةٍ مِنْ جَرَائِدِهَا فَذُرِعَتْ فَكَانَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ، أَوْ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ فَقَضَى بِذَلِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَحَرِيمُ أَرْضٍ) أُحْيِيَتْ (لِزَرْعٍ) قَدْرَ (مَا يَحْتَاجهُ) زَارِعُهَا (لِسَقْيِهَا وَرَبْطِ دَوَابِّهَا وَطَرْحِ سَبَخِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَمَصْرِفِ مَائِهَا عِنْدَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ مَرَافِقِهَا (وَحَرِيمُ دَارٍ مِنْ مَوَاتٍ حَوْلَهَا مَطْرَحُ تُرَابٍ وَكُنَاسَةٍ وَثَلْجٍ وَمَاءٍ وَمِيزَابٍ وَمَمَرٍّ إلَى بَابِهَا) ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ يَرْتَفِقُ بِهِ سَاكِنُهَا. (وَلَا حَرِيمَ لِدَارٍ مَحْفُوفَةٍ بِمِلْكِ الْغَيْرِ) مِنْ كُلِّ جَانِبٍ؛ لِأَنَّ الْحَرِيمَ مِنْ الْمَرَافِقِ وَلَا يَرْتَفِقُ بِمِلْكِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مَالِكَهُ أَحَقُّ بِهِ (وَيَتَصَرَّفُ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْهُمْ (فِي مِلْكِهِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ بِحَسْبِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فَإِنْ تَعَدَّى) الْعَادَةَ (مُنِعَ) التَّعَدِّي، عَمَلًا بِالْعَادَةِ. (وَمَنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا) أَيْ شَرَعَ فِي إحْيَائِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُتِمَّهُ (بِأَنْ حَفَرَ بِئْرًا وَلَمْ يَصِلْ إلَى مَائِهَا، أَوْ أَدَارَ حَوْلَ الْأَرْضِ) الَّتِي أَرَادَ إحْيَاءَهَا (تُرَابًا أَوْ أَحْجَارًا، أَوْ جِدَارًا صَغِيرًا) لَا يَمْنَعُ مَا وَرَاءَهُ (أَوْ سَبَقَ إلَى شَجَرٍ مُبَاحٍ كَالزَّيْتُونِ وَالْخَرْنُوبِ وَنَحْوِهِمَا

стр. 1790

فَشَفَاهُ) بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ أَيْ قَطَعَ الْأَغْصَانَ الرَّدِيئَةَ لِتَخْلُفَهَا أَغْصَانٌ جَيِّدَةٌ كَمَا ذَكَرَهُ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ وَأَطَالَ فِيهِ وَذَكَرْنَاهُ فِي حَاشِيَةِ الْمُنْتَهَى. (وَأَصْلَحَهُ وَلَمْ يَرْكَبْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ) بِأَنْ خَنْدَقَ حَوْلَ الْأَرْضِ أَوْ حَرَثَهَا، أَوْ أَدَارَ حَوْلَهَا شَوْكًا أَوْ نَحْوَهُ لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ (أَوْ أَقْطَعَهُ لَهُ إمَامٌ لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْإِحْيَاءِ وَلَمْ يُوجَدْ (وَهُوَ) أَيْ الْمُتَحَجِّرُ (أَحَقُّ بِهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ سَبَقَ إلَى مَاءٍ لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَ) كَذَا (وَارِثُهُ بَعْدَهُ) يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ تَرَكَ حَقًّا، أَوْ مَالًا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» ؛ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمُوَرِّثِ فَقَامَ وَارِثَهُ مَقَامَهُ فِيهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ (وَكَذَا مَنْ يَنْقُلُهُ) الْمُتَحَجِّرُ، أَوْ وَارِثُهُ (إلَيْهِ بِغَيْرِ بِيَعٍ) فَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَهُ الْحَقُّ أَقَامَهُ مَقَامَهُ فِيهِ. (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْمُتَحَجِّرِ أَوْ وَارِثِهِ أَوْ مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ أَحَدِهِمَا بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ وَشَرْطُ الْمَبِيعِ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا. (فَإِنْ فَإِنْ، أَيْ أَطْعَمَ الزَّيْتُونَ وَالْخَرْنُوبَ) بَعْدَ أَنْ شَفَاهُ وَأَصْلَحَهُ (مَلَكَهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَهَيَّأَ بِذَلِكَ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ لِمَا يُرَادُ مِنْهُ فَهُوَ كَسَوْقِ الْمَاءِ إلَى الْأَرْضِ الْمَوَاتِ (وَ) مَلَكَ أَيْضًا (حَرِيمَهُ) تَبَعًا لَهُ وَتَقَدَّمَ. (فَإِنْ لَمْ يَتِمّ إحْيَاؤُهُ) أَيْ إحْيَاءُ مَا تَحَجَّرَ مِمَّا تَقَدَّمَ (أَوْ طَالَتْ الْمُدَّةُ عُرْفًا كَنَحْوِ ثَلَاثِ سِنِينَ قِيلَ لَهُ) أَيْ: الْمُتَحَجِّرِ (إمَّا أَنْ تُحْيِيَهُ) فَتَمْلِكَهُ (أَوْ تَتْرُكَهُ) لِمَنْ يُحْيِيهِ (إنْ حَصَلَ مُتَشَوِّفٌ لِلْإِحْيَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ ضَيَّقَ عَلَى النَّاسِ فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمْ فَلَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ وَقَفَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ، أَوْ مَشْرَعَةِ مَاءٍ أَوْ مَعْدِنٍ لَا يَنْتَفِعُ وَلَا يَدَعُ غَيْرَهُ يَنْتَفِعُ. (فَإِنْ طَلَبَ) الْمُتَحَجِّرُ (الْمُهْلَةَ لِعُذْرٍ أُمْهِلَ شَهْرَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً، أَوْ أَقَلَّ عَلَى مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ) ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فَلَا يُمْهَلُ) بَلْ يُقَالُ لَهُ: إمَّا أَنْ تَعْمُر وَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ يَدَك فَإِنْ لَمْ يَعْمُرْهَا كَانَ لِغَيْرِهِ عِمَارَتُهَا. (وَإِنْ أَحْيَاهُ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْمُتَحَجِّرِ (فِي مُدَّةِ الْمُهْلَةِ أَوْ قَبْلَهَا لَمْ يَمْلِكُهُ) لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ» ؛ وَلِأَنَّهُ إحْيَاءٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَلَمْ يَمْلِكْهُ؛ وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُتَحَجِّرِ أَسْبَقُ فَكَانَ أَوْلَى. (وَ) إنْ أَحْيَاهُ أَحَدٌ (بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْمُهْلَةِ (مَلَكَهُ) مَنْ أَحْيَاهُ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا انْتَهَى وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا مِلْكَ لَهُ، وَحَقُّهُ زَالَ بِإِعْرَاضِهِ حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ الْإِمْهَالِ. (وَمَنْ) (نَزَلَ عَنْ وَظِيفَةٍ) مِنْ إمَامَةٍ إمَامَةٍ أَوْ خَطَابَةٍ خَطَابَةٍ أَوْ تَدْرِيسٍ وَنَحْوِهِ (لِزَيْدٍ وَهُوَ) أَيْ زَيْدٌ (لَهَا) أَيْ الْوَظِيفَةِ (أَهْلٌ لَمْ يَتَقَرَّرْ غَيْرُهُ فِيهَا) لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِهَا (فَإِنْ قَرَّرَ هُوَ) أَيْ قَرَّرَهُ مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ كَالنَّاظِرِ تَمَّ الْأَمْرُ لَهُ. (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُقَرِّرْهُ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّقْرِيرِ

стр. 1791

(فَهِيَ) أَيْ: الْوَظِيفَةُ (لِلنَّازِلِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ رَغْبَةٌ مُطْلَقَةٌ عَنْ وَظِيفَتِهِ (وَقَالَ الشَّيْخُ: لَا يَتَعَيَّنُ الْمَنْزُولُ لَهُ، وَيُوَلِّي مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا شَرْعًا) وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ أَبِي الْمَجْدِ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ نُزُولُهُ بِعِوَضٍ أَوْ لَا، وَعَلَى كُلٍّ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ رَغْبَةٌ مُطْلَقَةٌ عَنْ وَظِيفَتِهِ ثُمَّ قَالَ: وَكَلَامُ الشَّيْخِ فِي قَضِيَّةِ عَيْنٍ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَنْزُولَ لَهُ لَيْسَ أَهْلًا، وَيُحْتَمَلُ عَدَمُهُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ النُّزُولَ يُفِيدُ الشُّغُورَ وَقَدْ سَقَطَ حَقُّهُ بِشُغُورِهِ إذْ السَّاقِطُ لَا يَعُودُ وَقَوْلُهُ: فِي قَضِيَّةِ عَيْنٍ الْأَصْلُ عَدَمُهُ وَقَالَ فِي الْمُوَضِّحِ: مُلَخَّصُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ: يَسْتَحِقُّهَا مَنْزُولٌ لَهُ إنْ كَانَ أَهَلًا وَإِلَّا فَلِنَاظِرٍ تَوْلِيَةُ مُسْتَحِقِّهَا شَرْعًا انْتَهَى. وَمِمَّا يُشْبِهُ النُّزُولَ عَنْ الْوَظَائِفِ: النُّزُولُ عَنْ الْإِقْطَاعِ فَإِنَّهُ نُزُولٌ عَنْ اسْتِحْقَاقٍ يَخْتَصُّ بِهِ لِتَخْصِيصِ الْإِمَامِ لَهُ اسْتِغْلَالَهُ أَشْبَهَ مُسْتَحِقَّ الْوَظِيفَةِ وَأَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ ذَلِكَ قَرِيبٌ مِنْ الْخُلْعِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ وَغَيْرُهُ قُلْتُ:، وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ النُّزُولُ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِمَا بَذَلَهُ مِنْ الْعِوَضِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ. (وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَمَنْ بِيَدِهِ أَرْضٌ خَرَاجِيَّةٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالْخَرَاجِ كَالْمُسْتَأْجَرِ) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ أَقَرَّهَا بِأَيْدِي أَرْبَابِهَا بِالْخَرَاجِ الَّذِي ضَرَبَهُ أُجْرَةً لَهَا كُلَّ عَامٍ، فَمَلَكُوا مَنَافِعَهَا بِالْخَرَاجِ الَّذِي يَبْذُلُونَهُ (وَيَرِثُهَا وَرَثَتُهُ كَذَلِكَ) فَيَكُونُونَ أَحَقَّ بِهَا بِالْخَرَاجِ (وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَخَذُهَا مِنْهُ) أَيْ: مِمَّنْ هِيَ بِيَدِهِ وَلَا مِنْ وَرَثَتِهِ (وَدَفْعُهَا إلَى غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ (وَإِنْ نَزَلَ عَنْهَا، أَوْ آثَرَ بِهَا) أَحَدًا (فَالْمَنْزُولُ لَهُ) أَحَقُّ بِهَا (وَالْمُؤْثَرُ أَحَقُّ بِهَا) مِنْ غَيْرِهِ (وَتَقَدَّمَ) فِي الْأَرْضِينَ الْمَغْنُومَةِ. (وَمِثْلُهُ مَا صَحَّحَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ وَغَيْرُهُ لَوْ آثَرَ شَخْصًا بِمَكَانِهِ فِي الْجُمُعَةِ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ) أَيْ الْمُؤْثَرِ (سَبْقُهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ مَقَامَهُ أَشْبَهَ مَنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا، أَوْ سَبَقَ إلَيْهِ) أَيْ الْمَوَاتِ (أَوْ آثَرَ بِهِ) فَإِنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ سَبْقُهُ إلَيْهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ، أَيْ الْمُتَحَجِّرِ فِي أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ وَمَنْ يَنْقُلُهُ إلَيْهِ فِي نُزُولٍ مُسْتَحِقٍّ عَنْ وَظِيفَةٍ لِزَيْدٍ، هَلْ يَتَقَرَّرُ فِيهَا غَيْرُهُ؟ (فَمُرَادُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ بِالتَّشْبِيهِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ النُّزُولُ الْمَذْكُورُ، إمَّا لِسُكُونِهِ قَبْلَ الْقَبُولِ مَنْ الْمَنْزُولِ لَهُ، أَوْ قَبْلَ الْإِمْضَاءِ إذَا كَانَ النُّزُولُ مُعَلَّقًا بِشَرْطِ الْإِمْضَاءِ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُشْبِهُ الْمُتَحَجِّرَ فَيَجْرِي فِيهِ مَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ أَمَّا إذَا تَمَّ النُّزُولُ إمَّا بِالْقَبُولِ) . مِنْ الْمَنْزُولِ لَهُ (أَوْ الْإِمْضَاءِ) مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ ذَلِكَ (وَوَقَعَ) الْمَنْزُولُ (الْمَوْقِعَ) لِأَهْلِيَّةِ الْمَنْزُولِ لَهُ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ (فَلَيْسَ لِأَحَدٍ التَّقَرُّرُ) عَنْ الْمَنْزُولِ لَهُ (وَلَا) لِنَاظِرٍ وَلَا غَيْرِهِ (التَّقْرِيرُ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَنْزُولِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ إلَى الْمَنْزُولِ لَهُ عَاجِلًا بِقَبُولِهِ. وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَقْرِيرِ نَاظِرٍ وَلَا مُرَاجَعَتِهِ،

стр. 1792

إذْ هُوَ حَقٌّ لَهُ نَقَلَهُ إلَى غَيْرِهِ وَهُوَ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ فِي حُقُوقِهِ لَيْسَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَشْبَهَ سَائِرَ حُقُوقِهِ هَذَا وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قَبْلَهُ مُلَخَّصُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي الْمَجْدِ وَقَدْ ذَكَرَهُ بِطُولِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى (وَهُوَ) أَيْ الْمَنْزُولُ عَنْهُ (حِينَئِذٍ يُشْبِهُ بِالْمُتَحَجَّرِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ (إذَا أَحْيَاهُ مَنْ تَحَجَّرَهُ وَ) يُشْبِهُ (بِالْمُؤْثَرِ بِالْمَكَانِ إذَا صَارَ فِيهِ) لَيْسَ لِأَحَدٍ نَزْعُهُ مِنْهُ (لِأَنَّهُ لَا يَرْفَعُ يَدَ الْمُحْيِي عَمَّا أَحْيَاهُ وَلَا الْمُؤْثَرُ يُزَالُ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي أُوثِرَ بِهِ وَصَارَ فِيهِ) بَلْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ. [فَصْلٌ فِي الْإِقْطَاعِ] ِ وَقَدْ قَسَّمَهُ الْأَصْحَابُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ إقْطَاعُ تَمْلِيكٍ وَإِقْطَاعُ اسْتِغْلَالٍ، وَإِقْطَاعُ إرْفَاقٍ وَقَسَّمَ الْقَاضِي إقْطَاعَ التَّمْلِيكِ إلَى مَوَاتٍ وَعَامِرٍ، وَمَعَادِنَ وَجَعَلَ إقْطَاعَ الِاسْتِغْلَالِ عَلَى ضَرْبَيْنِ عُشْرٍ، وَخَرَاجٍ (وَلِلْإِمَامِ إقْطَاعُ مَوَاتٍ لِمَنْ يُحْيِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ «أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْعَقِيقَ وَأَقْطَعَ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ أَرْضًا» وَأَقْطَعَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَجَمْعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ. (وَلَا يَمْلِكُهُ) أَيْ الْمَوَاتَ (بِالْإِقْطَاعِ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَهُ مَا جَازَ اسْتِرْجَاعُهُ (بَلْ يَصِيرُ) الْمُقْطَعُ (كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ تَرَجَّحَ بِالْإِقْطَاعِ عَلَى غَيْرِهِ وَيُسَمَّى تَمَلُّكًا لِمَا لَهُ إلَيْهِ. (وَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُقْطِعَ إلَّا مَا قَدَرَ) الْمُقْطَعُ (عَلَى إحْيَائِهِ) ؛ لِأَنَّ فِي إقْطَاعِهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ تَضْيِيقًا عَلَى النَّاسِ فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمْ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ. (فَإِنْ أَقْطَعَ) الْإِمَامُ أَحَدًا (أَكْثَرَ مِنْهُ) أَيْ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَى إحْيَائِهِ (ثُمَّ تَبَيَّنَ عَجْزُهُ عَنْ إحْيَائِهِ اسْتَرْجَعَهُ) الْإِمَامُ مِنْهُ كَمَا اسْتَرْجَعَ عُمَرُ مِنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ مَا عَجَزَ عَنْ عِمَارَتِهِ مِنْ الْعَقِيقِ الَّذِي أُقْطِعَهُ أَيَّامَ الرَّسُولِ ﷺ . (وَلَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ (إقْطَاعُ غَيْرِ مَوَاتٍ تَمْلِيكًا وَانْتِفَاعًا لِلْمَصْلَحَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَجُوزُ الْإِقْطَاعُ مِنْ مَالِ الْجِزْيَةِ) الْمَعْرُوفِ فِي مِصْرَ بِالْجَوَالِي (كَمَا فِي الْإِقْطَاعِ مِنْ مَالِ الْخَرَاجِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ) أَيْ الْأَصْحَابِ (بِالْمَصْلَحَةِ) الَّتِي يَجُوزُ الْإِقْطَاعُ لِأَجْلِهَا (ابْتِدَاءً وَدَوَامًا فَلَوْ كَانَ ابْتِدَاؤُهُ) أَيْ الْإِقْطَاعِ (لِمَصْلَحَةٍ ثُمَّ فِي أَثْنَاءِ الْحَالِ فُقِدَتْ) الْمَصْلَحَةُ (فَلِلْإِمَامِ اسْتِرْجَاعُهَا) أَيْ الْأَرْضِ الَّتِي أَقْطَعَهَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ. (وَلَهُ) أَيْ

стр. 1793

الْإِمَامِ (إقْطَاعُ الْجُلُوسِ فِي الطَّرِيقِ الْوَاسِعَةِ وَفِي رِحَابِ الْمَسَاجِدِ الْمُتَّسِعَةِ غَيْرِ الْمَحُوطَةِ) ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ اجْتِهَادًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجُلُوسُ إلَّا فِيمَا لَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ فَكَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُجْلِسَ فِيهَا (مَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى النَّاسِ فَيُحَرَّمُ) عَلَيْهِ أَنْ يُجْلِسَ مَنْ يَرَى أَنَّهُ يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ. (وَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ الْمَقْطَعُ وَيَكُونُ) (أَحَقَّ بِالْجُلُوسِ فِيهَا) بِمَنْزِلَةِ السَّابِقِ إلَيْهَا بِلَا انْقِطَاعٍ، لَكِنْ لَا يَسْقُطُ حَقُّهُ بِنَقْلِ مَتَاعِهِ بِخِلَافِ السَّابِقِ (مَا لَمْ يَعِدْ الْإِمَامُ فِيهِ) أَيْ فِي إقْطَاعِهِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّ لَهُ اجْتِهَادًا فِي الْإِقْطَاعِ لَهُ اجْتِهَادٌ فِي اسْتِرْجَاعِهِ وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّ رَحْبَةَ الْمَسْجِدِ لَوْ كَانَتْ مَحُوطَةً لَمْ يَجُزْ إقْطَاعُ الْجُلُوسِ بِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَسْجِدِ (فَإِنْ لَمْ يُقْطِعْهَا) أَيْ الطَّرِيقَ الْوَاسِعَةَ وَرِحَابَ الْمَسْجِدِ غَيْرَ الْمَحُوطَةِ (الْإِمَامُ) أَحَدًا (فَلِمَنْ سَبَقَ إلَيْهَا الْجُلُوسُ فِيهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ سَبَقَ إلَى مَاءٍ لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْأَمْصَارِ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ عَلَى إقْرَارِ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يُضَيِّقْ أَوْ يَضُرَّ بِالْمَارَّةِ (وَيَكُونُ) السَّابِقُ إلَيْهَا (أَحَقَّ بِهَا وَلَوْ لَيْلًا مَا لَمْ يَنْقُلْ مَتَاعَهُ عَنْهَا) لِمَا سَبَقَ. (وَإِنْ أَطَالَ الْجُلُوسَ فِيهَا أُزِيلَ) ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُتَمَلِّكِ وَيَخْتَصُّ بِنَفْعٍ يُسَاوِيهِ فِيهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ قَامَ وَتَرَكَ مَتَاعَهُ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ إزَالَتُهُ، وَإِنْ نَقَلَ مَتَاعَهُ كَانَ لِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهَا وَلَوْ لَمْ يَأْتِ اللَّيْلُ (وَإِنْ) نَقَلَ مَتَاعَهُ لَكِنْ (أَجْلَسَ غُلَامَهُ أَوْ أَجْنَبِيًّا لِيَحْفَظَ لَهُ الْمَكَانَ حَتَّى يَعُودَ فَهُوَ كَمَا لَوْ تَرَكَ الْمَتَاعَ فِيهِ) فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ. (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْجَالِسِ بِطَرِيقٍ وَاسِعٍ وَنَحْوِهِ (الْجُلُوسُ بِحَيْثُ يَمْنَعُ جَارَهُ رُؤْيَةَ الْمُعَامِلِينَ لِمَتَاعِهِ، أَوْ) يَمْنَعُ (وُصُولَهُمْ) أَيْ: الْمُعَامِلِينَ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى جَارِهِ (أَوْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى جَارِهِ (فِي كَيْلٍ، أَوْ وَزْنٍ أَوْ أَخْذٍ، أَوْ إعْطَاءٍ) لِحَدِيثِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (وَلَهُ) أَيْ: الْجَالِسِ بِطَرِيقٍ وَاسِعٍ أَوْ رَحْبَةِ مَسْجِدٍ غَيْرِ مَحُوطَةٍ (أَنْ يُظَلِّلَ عَلَى نَفْسِهِ فِيهَا بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ مِنْ بَارِيَّةٍ) أَيْ حَصِيرٍ. (وَكِسَاءٍ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ دِكَّةً وَلَا غَيْرَهَا) فِي الطَّرِيقِ وَلَوْ وَاسِعًا وَتَقَدَّمَ فِي الصُّلْحِ، وَلَا فِي رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيقِ. (فَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ إلَيْهَا) أَيْ: إلَى الطَّرِيقِ الْوَاسِعِ أَوْ إلَى رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ غَيْرِ الْمَحُوطَةِ (أَوْ) سَبَقَ (إلَى خَانٍ مُسْبِلٍ، أَوْ سَبَقَ إلَى رِبَاطٍ، أَوْ) إلَى (مَدْرَسَةٍ، أَوْ) إلَى (خَانِكَاهْ) وَيُقَالُ: خَانْقَاهْ (وَلَمْ يَتَوَقَّفْ فِيهَا) أَيْ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ الرِّبَاطِ وَالْمَدْرَسَةِ وَالْخَانِكَاهْ (عَلَى تَنْزِيلِ نَاظِرٍ) وَضَاقَ الْمَكَانُ عَنْ انْتِفَاعِ جَمِيعِهِمْ (أَقْرَعَ) لِأَنَّهُمْ اسْتَوَوْا فِي السَّبَقِ وَالْقُرْعَةُ مُمَيِّزَةٌ. (وَمَنْ سَبَقَ إلَى مَعْدِنٍ مُبَاحٍ) غَيْرِ

стр. 1794

مَمْلُوكٍ (فَهُوَ أَحَقُّ بِمَا يَنَالُهُ مِنْهُ) بَاطِنًا كَانَ الْمَعْدِنُ، أَوْ ظَاهِرًا لِحَدِيثِ «مَنْ سَبَقَ إلَى مَاءٍ لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ» (وَلَا يُمْنَعُ) السَّابِقُ (مَا دَامَ آخِذًا) لِلْحَدِيثِ (وَلَوْ طَالَ) مَقَامُهُ. (وَ) قَالَ (فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: فَإِنْ أَخَذَ قَدْرَ حَاجَتِهِ وَأَرَادَ الْإِقَامَةَ فِيهِ بِحَيْثُ يَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنْهُ مُنِعَ مَنْ ذَلِكَ) لِعَدَمِ دُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. (فَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْمَعْدِنِ الْمُبَاحِ (وَضَاقَ الْمَكَانُ عَنْ أَخْذِهِمْ جُمْلَةً أَقْرَعَ كَطَرِيقٍ) أَيْ كَمَا لَوْ سَبَقَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ إلَى طَرِيقٍ وَاسِعٍ وَضَاقَ عَنْ جُلُوسِهِمَا فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا كَمَا سَبَقَ. (وَإِنْ حَفَرَهُ) أَيْ الْمَعْدِنَ إنْسَانٌ مَنْ جَانِبٍ آخَرَ غَيْرَ الَّذِي حَفَرَ مِنْهُ السَّابِقُ (فَوَصَلَ إلَى النَّيْلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ السَّابِقِ (مَنْعُهُ) ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِمَا وَصَلَ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ. (وَمَنْ سَبَقَ إلَى مُبَاحٍ فَأَخَذَهُ مِثْلَ مَا يَنْبُتُ فِي الْجَزَائِرِ وَالرَّقَاقِ، وَكُلِّ مَوَاتٍ مِنْ الطَّرْفَاءِ وَالْقَصَبِ وَالشَّعْرِ، وَثَمَرِ الْجَبَلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النَّبَاتَاتِ، أَوْ) سَبَقَ (إلَى صَيْدٍ وَلَوْ سَمَكًا، أَوْ) سَبَقَ إلَى عَنْبَرٍ وَحَطَبٍ وَثَمَرٍ مُبَاحٍ (وَلُؤْلُؤٍ وَمِرْجَانٍ وَنَحْوِهِ) كَمِسْكٍ وَعَسَلِ نَحْلٍ. (وَمَا يَنْبِذُهُ النَّاسُ رَغْبَةً عَنْهُ) كَعَظْمٍ بِهِ شَيْءٌ مِنْ لَحْمٍ رَغِبَ عَنْهُ، وَنُثَارٍ فِي عُرْسٍ وَنَحْوِهِ، وَمَا يَتْرُكُهُ الْحَصَّادُ مِنْ الزَّرْعِ وَاللُّقَّاطُ مِنْ الثَّمَرِ رَغْبَةً عَنْهُ (مَلَكَهُ) آخِذُهُ مُسْلِمًا كَانَ، أَوْ ذِمِّيًّا لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ (وَالْمِلْكُ مَقْصُورٌ فِيهِ عَلَى الْقَدْرِ الْمَأْخُوذِ) فَلَا يَمْلِكُ مَا لَمْ يَحُزْهُ وَلَا يَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنْهُ. (وَإِنْ سَبَقَ إلَيْهِ) أَيْ: الْمُبَاحِ (اثْنَانِ) فَأَكْثَرُ (قُسِمَ بَيْنَهُمَا) بِالسَّوِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ اسْتَوَوْا فِي السَّبَبِ وَالْقِسْمَةُ مُمْكِنَةٌ وَحَذَرًا مِنْ تَأْخِيرِ الْحَقِّ (وَلَوْ كَانَ الْآخِذُ لِلتِّجَارَةِ، أَوْ الْحَاجَةِ) أَيْ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَاجَةِ وَالتَّاجِرِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالسَّبَبِ لَا بِالْحَاجَةِ. (وَلَا يَقْتَرِعَانِ) بَلْ يَقْتَسِمَانِ لِمَا سَبَقَ (وَكَذَا لَوْ سَبَقَ وَاحِدٌ) أَوْ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ (إلَى مَا ضَاعَ مِنْ النَّاسِ مِمَّا لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ) أَيْ: هِمَّةُ أَوْسَاطِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِمُجَرَّدِ الِالْتِقَاطِ وَلَا يَحْتَاجُ لِتَعْرِيفٍ. (وَ) كَذَا مَنْ سَبَقَ إلَى (مَا يَسْقُطُ مِنْ الثَّلْجِ وَالْمَنِّ وَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ) كَاللَّاذَنِ. (وَإِنْ سَبَقَ) إنْسَانٌ (إلَى لَقِيطٍ، أَوْ) إلَى لُقَطَةٍ، أَوْ سَبَقَ (إلَى طَرِيقٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) لِحَدِيثِ مَنْ سَبَقَ إلَخْ " ((فَإِنْ رَأَى اللُّقَطَةَ) أَوْ اللَّقِيطَ (وَاحِدٌ وَسَبَقَ آخَرُ إلَى أَخَذِهَا) ، أَوْ أَخَذَهُ أَيْ اللَّقِيطَ (فَهِيَ) وَهُوَ أَيْ اللَّقِيطُ (لِمَنْ سَبَقَ) لِلْحَدِيثِ (فَإِنْ) رَآهُمَا اثْنَانِ وَأَمَرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِأَخْذِهَا) ، أَوْ أَخَذَهُ (فَأَخَذَهَا) ، أَوْ أَخَذَهُ. (وَنَوَاهُ) أَيْ الْآخِذُ (لِنَفْسِهِ فَهِيَ) أَيْ اللُّقَطَةُ، أَوْ اللَّقِيطُ (لَهُ) أَيْ: لِلْآخِذِ؛ لِأَنَّهُ السَّابِقُ وَقَدْ عَزَلَ نَفْسَهُ عَنْ التَّوْكِيلِ بِنِيَّةِ الْأَخْذِ لَهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَأْخُذْهَا لِنَفْسِهِ فَاللُّقَطَةُ وَاللَّقِيطُ (لِمَنْ

стр. 1795

أَمَرَهُ) بِالْأَخْذِ لَهُ (فِي قَوْلِ) مَنْ يَقُولُ بِصِحَّةِ التَّوْكِيلِ فِي الِالْتِقَاطِ وَجَزَمَ بِهِ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ وَالْمَذْهَبُ لَا يَصِحُّ وَتَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاصْطِيَادِ. [فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مِنْ أَحْكَامِ الِانْتِفَاعِ بِالْمِيَاهِ غَيْرِ الْمَمْلُوكَةِ وَنَحْوِهَا] (وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي نَهْرٍ) صَغِيرٍ (غَيْرِ مَمْلُوكٍ كَمِيَاهِ الْأَمْطَارِ، وَ) كَ (الْأَنْهَارِ الصِّغَارِ وَازْدَحَمَ النَّاسُ فِيهِ) أَيْ: الْمَاءِ (وَتَشَاحُّوا فَلِمَنْ فِي أَعْلَاهُ) أَيْ: النَّهْرِ (أَنْ يَبْدَأَ) بِالسَّقْيِ (فَيَسْقِي) أَرْضَهُ. (وَيَحْبِسُ الْمَاءَ) بِهَا (حَتَّى يَصِلَ إلَى كَعْبِهِ ثُمَّ يُرْسِلُهُ إلَى مَنْ يَلِيهِ) فَيَسْقِي وَيَحْبِسُهُ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى كَعْبِهِ، ثُمَّ يُرْسِلُهُ إلَى مَنْ يَلِيهِ فَيَفْعَلُ (كَذَلِكَ) وَهَلُمَّ جَرًّا (إلَى آخِرِهِمْ) لِحَدِيثِ عُبَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَضَى فِي شُرْبِ النَّخْلِ مِنْ السَّيْلِ أَنَّ الْأَعْلَى يَشْرَبُ قَبْلَ الْأَسْفَلِ، وَيَتْرُكُ الْمَاءَ إلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُرْسِلُ الْمَاءَ إلَى الْأَسْفَلِ الَّذِي يَلِيهِ، وَكَذَلِكَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَوَائِطُ، أَوْ يَفْنَى الْمَاءُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ وَمَعْنَاهُ قِصَّةُ الزُّبَيْرِ مَعَ الْأَنْصَارِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ. (فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ مِنْ الْمَاءِ مِنْ الْأَوَّلِ) شَيْءٌ (أَوْ) لَمْ يَفْضُلْ (عَمَّنْ يَلِيهِ) أَيْ الْأُوَلِ (شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لِلْبَاقِي) أَيْ لِمَنْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا مَا فَضَلَ فَهُوَ كَالْعَصَبَةِ مَعَ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ فِي الْمِيرَاثِ. (الْمِيرَاثِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَرْضِ أَحَدِهِمْ مُسْتَقِلًّا وَ) كَانَ (بَعْضُهَا مُسْتَعْلِيًا سَقَى كُلَّ وَاحِدَةٍ عَلَى حِدَتِهَا) أَيْ انْفِرَادِهَا فَيَسْقِي الْأَعْلَى ثُمَّ يُرْسِلُ الْمَاءَ إلَى مَنْ يَلِيهِ، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى يَصِلَ إلَى الْأَسْفَلِ فَيَسْقِيه لِمَا تَقَدَّمَ. (فَإِنْ اسْتَوَى اثْنَانِ) فَأَكْثَرُ (فِي الْقُرْبِ مِنْ أَوَّلِ النَّهْرِ اقْتَسَمَا الْمَاءَ بَيْنِهِمَا) عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ (إنْ أَمْكَنَ) قَسْمُهُ لِتُسَاوِيهِمَا فِي الْحَقِّ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْ قَسْمُهُ بَيْنَهُمْ (أَقْرَعَ فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ لَا يَفْضُلُ عَنْ) سَقْيِ (أَحَدِهِمَا سَقَى الْقَارِعُ) أَوَّلًا (بِقَدْرِ حَقِّهِ مِنْ الْمَاءِ ثُمَّ يَتْرُكُهُ) أَيْ الْمَاءَ (لِلْآخَرِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ بِجَمِيعِ الْمَاءِ لِمُسَاوَاةِ الْآخَرِ لَهُ) فِي اسْتِحْقَاقِ الْمَاءِ (وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ لِلتَّقَدُّمِ) فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ لَا فِي أَصْلِ الْحَقِّ (بِخِلَافِ الْأَعْلَى مَعَ الْأَسْفَلِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْأَسْفَلِ حَقٌّ إلَّا فِي الْفَاضِلِ عَنْ الْأَعْلَى) كَمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ كَانَتْ أَرْضُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْضِ الْآخَرِ قُسِمَ الْمَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ) فَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا جَرِيبٌ وَلِلْآخَرِ جَرِيبَانِ

стр. 1796

مَثَلًا قُسِمَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا لِذِي الْجَرِيبِ ثُلُثٌ وَلِلْآخَرِ ثُلُثَانِ وَهَكَذَا،؛ لِأَنَّ مَنْ أَرْضُهُ أَكْثَرُ مُسَاوٍ لِلْآخَرِ فِي الْقُرْبِ فَاسْتَحَقَّ جُزْءًا مِنْ الْمَاءِ فِي نَظِيرِ الزَّائِدِ. (وَلَوْ احْتَاجَ الْأَعْلَى إلَى الشُّرْبِ) أَيْ: سَقْيِ أَرْضَهُ (ثَانِيًا قَبْلَ انْتِهَاءِ سَقْيِ الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ سَقْيُ الْأَرَاضِي لِيَحْصُلَ التَّعَادُلُ. (وَمَنْ سَبَقَ إلَى قَنَاةٍ لَا مَالِكَ لَهَا وَسَبَقَ آخَرُ إلَى بَعْضِ أَفْوَاهِهَا مِنْ فَوْقٍ أَوْ مِنْ أَسْفَلَ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا سَبَقَ إلَيْهِ) لِحَدِيثِ «مَنْ سَبَقَ إلَى مَاءٍ لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ» . (وَلِمَالِكِ أَرْضٍ مَنْعُهُ مِنْ الدُّخُولِ بِهَا) أَيْ: بِأَرْضِهِ (وَلَوْ كَانَتْ رُسُومُهَا) أَيْ الْقَنَاةِ (فِي أَرْضِهِ) فَلَا يَدْخُلُ الْمُحْيِي أَرْضَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَا يُعَارِضُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الصُّلْحِ مِنْ دَلَالَةِ الرُّسُومِ عَلَى الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْمُحْيِيَ إنَّمَا يَمْلِكُ الْقَنَاةَ بِالْإِحْيَاءِ فَوُجُودُ الرُّسُومِ لَا يَدُلُّ عَلَى سَبْقِ مِلْكِهِ بِخِلَافِ الْجَارِ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ مِلْكِهِ ثَابِتٌ. (وَإِنَّهُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ (لَا يَمْلِكُ) رَبُّ أَرْضٍ (تَضْيِيقَ مَجْرَى قَنَاةٍ فِي أَرْضِهِ خَوْفَ لِصٍّ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ مَجْرَاهَا (لِصَاحِبِهَا) أَيْ الْقَنَاةِ فَلَا يَتَصَرَّفُ غَيْرُهُ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. (وَإِنْ كَانَ النَّهْرُ كَبِيرًا لَا يَحْصُلُ فِيهِ تَزَاحُمٌ كَالنِّيلِ وَالْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ فَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَسْقِيَ مِنْهُ مَا شَاءَ مَتَى شَاءَ كَيْفَ شَاءَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ. (فَإِنْ أَرَادَ إنْسَانٌ إحْيَاءَ أَرْضٍ يَسْقِيهَا مِنْهُ) أَيْ: مِنْ السَّيْلِ (أَوْ) يَسْقِيهَا (مِنْ غَيْرِ مَمْلُوكٍ تَجْرِي فِيهِ مِيَاهُ الْأَمْطَارِ وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى أَوَّلِ النَّهْرِ لَمْ يُمْنَعْ) أَيْ لَمْ يَمْنَعْهُ مَنْ لَهُ حَقٌّ فِي هَذَا الْمَاءِ مِنْ الْإِحْيَاءِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْمَاءِ لَا فِي الْمَوَاتِ (مَا لَمْ يَضُرَّ بِأَهْلِ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ) فَيَمْلِكُونَ مَنْعَهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمْ. (وَلَا يَسْقِي) مَنْ أَحْيَا بَعْدَهُمْ (قَبْلَهُمْ) ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ أَسْبَقُ؛ وَلِأَنَّ مَنْ مَلَكَ أَرْضًا مَلَكَهَا بِحُقُوقِهَا وَمَرَافِقِهَا فَلَا يَمْلِكُ غَيْرُهُ إبْطَالَ حُقُوقِهَا، وَسَبْقُهُمْ إيَّاهُ بِالسَّقْيِ مِنْ حُقُوقِهَا (وَلَوْ أَحْيَا سَابِقٌ فِي أَسْفَلِهِ) أَيْ: النَّهْرِ الصَّغِيرِ (ثُمَّ) (أَحْيَا آخَرُ فَوْقَهُ ثُمَّ) أَحْيَا (ثَالِثٌ فَوْقَ الثَّانِي سَقَى الْمُحْيِي أَوَّلًا ثُمَّ) سَقَى (الثَّانِي ثُمَّ) سَقَى (الثَّالِثُ) ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ السَّبْقُ إلَى الْإِحْيَاءِ لَا إلَى أَوَّلِ النَّهْرِ. (وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ بِنَهْرٍ مَمْلُوكٍ كَحَفْرِ نَهْرٍ صَغِيرٍ سِيقَ الْمَاءُ إلَيْهِ مِنْ نَهْرٍ كَبِيرٍ فَمَا حَصَلَ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ مِلْكٌ) لِلْحِيَازَةِ (فَلَوْ كَانَ) النَّهْرُ (لِجَمَاعَةٍ فَ) الْمَاءُ (بَيْنَهُمْ) عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمْ فِي النَّهْرِ وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى حَسَبِ الْعَمَلِ وَالنَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا مُلِكَ بِالْعِمَارَةِ وَالْعِمَارَةُ بِالنَّفَقَةِ وَالْعَمَلِ (فَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمْ) الْمَاءُ (وَتَرَاضَوْا عَلَى قِسْمَتِهِ جَازَ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَعْدُوهُمْ. (وَإِلَّا) أَيْ لَمْ يَتَرَاضَوْا عَلَى قِسْمَتِهِ (قَسَمَهُ الْحَاكِمُ) بَيْنَهُمْ (عَلَى

стр. 1797

قَدْرِ مُلْكِهِمْ) أَيْ قَسَمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَاءِ بِقَدَرِ مَا يَمْلِكُ مِنْ النَّهْرِ (فَتُؤْخَذُ خَشَبَةٌ، أَوْ حَجَرٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ وَالْوَسَطِ فَتُوضَعُ عَلَى مَوْضِعٍ مُسْتَوٍ مِنْ الْأَرْضِ فِي مَصَدِّ الْمَاءِ فِيهِ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ الْخَشَبَةِ أَوْ الْحَجَرِ (حُزُوزٌ أَوْ ثُقُوبٌ مُتَسَاوِيَةٌ فِي السَّعَةِ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ يُخْرَج مَنْ كُلِّ حَزٍّ، أَوْ ثُقْبٍ إلَى سَاقِيَةٍ مُفْرَدَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَإِذَا حَصَلَ الْمَاءُ فِي سَاقِيَتِهِ انْفَرَدَ بِهِ) فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ بِمَا أَحَبَّ؛ لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِمِلْكِهِ (فَإِنْ كَانَتْ أَمْلَاكُهُمْ) مُسْتَوِيَةً فَوَاضِحٌ وَإِنْ كَانَتْ (مُخْتَلِفَةً قُسِمَ) الْمَاءُ (عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ) أَيْ: أَمْلَاكِهِمْ (فَإِنْ كَانَ لِأَحَدٍ نِصْفُهُ وَلِلثَّانِي ثُلُثُهُ وَلِلثَّالِثِ سُدُسُهُ جَعَلَ فِيهِ سِتَّةَ ثُقُوبٍ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةُ) ثُقُوبٍ (تَصُبُّ فِي سَاقِيَتِهِ: وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ اثْنَانِ) يَصُبَّانِ فِي سَاقِيَتِهِ (وَلِصَاحِبِ السُّدُسِ وَاحِدٌ) يَصُبُّ فِي سَاقِيَتِهِ. (فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يُجْرِيَ مَاءَهُ فِي سَاقِيَةِ غَيْرِهِ لِيُقَاسِمَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَمْ يَجُزْ) لَهُ ذَلِكَ (بِغَيْرِ رِضَاهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي سَاقِيَتِهِ وَيُخَرِّبُ حَافَّتَهَا وَيَخْلِطُ حَقَّهُ بِحَقِّ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ. (وَمَا حَصَلَ لِأَحَدِهِمْ فِي سَاقِيَتِهِ تَصَرَّفَ فِيهِ بِمَا أَحَبَّ مِنْ عَمَلِ رَحًى عَلَيْهَا) أَيْ السَّاقِيَةِ (أَوْ) عَمَلِ (دُولَابٍ، أَوْ عَبَّارَةٍ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ (وَهِيَ خَشَبَةٌ تُمَدُّ عَلَى طَافِي النَّهْرِ، أَوْ) عَمَلِ (قَنْطَرَةٍ يَعْبُرُ الْمَاءُ عَلَيْهَا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ) ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ لَا حَقّ لِغَيْرِهِ فِيهَا. (وَأَمَّا النَّهْرُ الْمُشْتَرَكُ) بَيْنَ جَمَاعَةٍ (فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَتَصَرَّف فِيهِ بِذَلِكَ) أَيْ بِمَا أَحَبَّ (فَلَيْسَ لَهُ) أَيْ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ (فَتْحُ سَاقِيَةٍ إلَى جَانِبِهِ) أَيْ النَّهْرِ (قَبْلَ الْمَقْسِمِ) بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ: مَوْضِعِ الْقَسْمِ وَهُوَ الْحَجَرُ أَوْ الْخَشَبَةُ الَّتِي بِهَا الثُّقُوبُ (يَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْهَا وَلَا أَنْ يَنْصِبَ عَلَى حَافَتَيْ النَّهْرِ رَحًى تَدُورُ بِالْمَاءِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ) مِنْ نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ (؛ لِأَنَّ حَرِيمَ النَّهْرِ مُشْتَرَكٌ فَلَمْ يُمْلَكْ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ) كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ. " تَتِمَّةٌ " نَقَلَ يَعْقُوبُ فِيمَنْ غَصَبَ حَقَّهُ مِنْ مَاءٍ مُشْتَرَكٍ لِلْبَقِيَّةِ أَخْذُ حَقِّهِمْ. (وَإِذَا اقْتَسَمُوا مَاءَ النَّهْرِ الْمُشْتَرَكِ بِالْمُهَايَأَةِ وَكَانَ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَعْلُومًا مِثْلَ أَنْ يَجْعَلُوا لِكُلِّ حِصَّةٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً، أَوْ لِوَاحِدٍ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الزَّوَالِ، وَلِلْآخَرِ مِنْ الزَّوَالِ إلَى الْغُرُوبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) جَازَ (أَوْ اقْتَسَمُوهُ بِالسَّاعَاتِ وَأَمْكَنَ ضَبْطُ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ جَازَ إذَا تَرَاضَوْا بِهِ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَتَجَاوَزُهُمْ. (وَتَقَدَّمَ فِي الصُّلْحِ لَوْ احْتَاجَ النَّهْرُ) الْمُشْتَرَكُ (وَنَحْوُهُ إلَى عِمَارَةٍ، أَوْ كَرْيٍ) أَيْ تَنْظِيفٍ وَأَنَّهُ عَلَى الشُّرَكَاءِ بِحَسَبِ أَمْلَاكِهِمْ وَمَنْ سَدَّ لَهُ مَاءً لِجَاهِهِ فَلِغَيْرِهِ السَّقْيُ مِنْهُ لِحَاجَةٍ مَا لَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ يَرُدُّهُ عَلَى مَنْ سَدَّ عَنْهُ.

стр. 1798

(وَمَنْ تَرَكَ دَابَّةً بِمَهْلَكَةٍ أَوْ) بِ (فَلَاةٍ لِعَجْزِهِ عَنْ عَلَفِهَا أَوْ) تَرْكَهَا بِهِمَا (لِانْقِطَاعِهَا) أَيْ: عَجْزِهَا عَنْ الْمَشْيِ (وَيَأْسِهِ مِنْهَا مَلَكَهَا مُسْتَنْقِذُهَا نَصًّا) لِمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ مَرْفُوعًا «مَنْ وَجَدَ دَابَّةً عَجَزَ عَنْهَا أَهْلُهَا، فَسَيَّبُوهَا، فَأَخَذَهَا، فَأَحْيَاهَا فَهِيَ لَهُ» قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقُلْتُ: يَعْنِي: لِلشَّعْبِيِّ مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا قَالَ: غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ وَالدَّارَقُطْنِيّ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءً لَهَا، وَإِنْقَاذًا مِنْ الْهَلَاكِ، وَصَوْنًا لِلْمَالِ عَنْ الضَّيَاعِ، وَحِفْظًا لِحُرْمَةِ الْحَيَوَانِ. (لَا) إنْ أَخَذَ (عَبْدًا أَوْ مَتَاعًا تَرَكَهُ) رَبُّهُ (عَجْزًا) عَنْهُ فَلَا يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ، اقْتِصَارًا عَلَى صُورَةِ النَّصِّ؛ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ يُمْكِنُهُ فِي الْعَادَةِ التَّخَلُّصَ إلَى الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَعِيشُ بِهَا، وَالْمَتَاعُ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ كَالْخَشْيَةِ عَلَى الْحَيَوَانِ فَإِنَّ الْحَيَوَانَ يَمُوتُ إذَا لَمْ يُطْعَمْ، وَيُسْقَى، وَتَأْكُلُهُ السِّبَاعُ، وَالْمَتَاعُ يَبْقَى. (وَلَا مَا أُلْقِيَ فِي الْبَحْرِ خَوْفًا مِنْ الْغَرَقِ) فَلَا يَمْلِكُهُ آخِذُهُ قَالَ الْحَارِثُ نَصَّ عَلَيْهِ وَقِيلَ: يَمْلِكُهُ آخِذُهُ قَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، وَقَطَعَ بِهِ فِي التَّنْقِيحِ، وَالْمُنْتَهَى، وَتَبِعَهُمْ الْمُصَنِّفُ فِي اللُّقَطَةِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ. (أَوْ انْكَسَرَتْ السَّفِينَةُ السَّفِينَةُ وَأَخْرَجَهُ) أَيْ: الْمَتَاعَ الَّذِي كَانَ فِيهَا (قَوْمٌ) فَلَا يَمْلِكُونَهُ (فَيَرْجِعُ آخِذُهُ) أَيْ: الْعَبْدُ عَلَى رَبِّهِ (بِنَفَقَةٍ وَاجِبَةٍ وَ) بِ (أُجْرَةِ حَمْلِ مَتَاع) وَإِنْقَاذِ الْعَبْد أَوْ الْمَتَاعِ مِنْ الْبَحْرِ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ رَبُّهُ كَمَا يَأْتِي فِي الْجِعَالَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَثًّا، وَتَرْغِيبًا فِي إنْقَاذِ الْأَمْوَالِ مِنْ الْهَلَكَةِ. (، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ) ، وَفِي نُسَخٍ: أَنْ يُحْيِيَ، وَالْأَوَّلُ الصَّوَابُ كَمَا فِي الْمُقْنِعِ، وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ آخِرُ كَلَامِهِ (أَرْضَ مَوَاتٍ لِرَعْيِ دَوَابِّ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَقُومُ بِحِفْظِهَا مِنْ الصَّدَقَةِ، وَالْجِزْيَةِ، وَدَوَابِّ الْغُزَاةِ، وَ) رَعْيِ (مَاشِيَةِ الضُّعَفَاءِ عَنْ الْبُعْدِ لِلرَّعْيِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - " الْمَالُ مَالُ اللَّهِ، وَالْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ، وَاَللَّهِ لَوْلَا مَا أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْتُ مِنْ الْأَرْضِ شِبْرًا فِي شِبْرٍ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ مَالِكٌ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ الظَّهْرِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ عُثْمَانَ حَمَى، وَاشْتَهَرَ، وَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ (لَيْسَ ذَلِكَ) أَيْ: الْحِمَى (لِغَيْرِهِ) أَيْ: الْإِمَامِ لِقِيَامِ الْإِمَامِ مَقَامَ الْمُسْلِمِينَ، فِيمَا هُوَ مِنْ مَصَالِحِهِمْ دُونَ غَيْرِهِ. غَيْرِهِ وَمَا حَمَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ أَوْ غَيْرِهِمْ (نَقْضُهُ نَقْضُهُ وَلَا تَغْيِيرُهُ) لَا (مَعَ بَقَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَ) لَا مَعَ (عَدَمِهَا، وَلَا إحْيَاؤُهُ فَإِنْ أَحْيَاهُ لَمْ يَمْلِكْهُ) ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ، (وَكَانَ لَهُ ﷺ فَقَطْ) دُونَ غَيْرِهِ

стр. 1799

(أَنْ يَحْمِيَ لِنَفْسِهِ) لِقَوْلِهِ: ﷺ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ، وَلِرَسُولِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ صَلَاحَهُ يَعُودُ إلَى صَلَاحِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَالُهُ كَانَ يَرُدُّهُ فِي الْمُسْلِمِينَ فَفَارَقَ الْأَئِمَّةُ فِي ذَلِكَ، وَسَاوَوْهُ فِيمَا كَانَ صَلَاحُهُ لِلْمُسْلِمِينَ (وَلَمْ يَفْعَلْ) أَيْ: لَمْ يَحْمِ ﷺ لِنَفْسِهِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا حَمَى لِلْمُسْلِمِينَ، فَرَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ «حَمَى النَّبِيُّ ﷺ النَّقِيعَ لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَالنَّقِيعُ بِالنُّونِ مَوْضِعٌ يُنْتَقَعُ فِيهِ الْمَاءُ فَيَكْثُرُ فِيهِ الْخِصْبُ. (وَمَا حَمَاهُ غَيْرُهُ) أَيْ: غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ (مِنْ الْأَئِمَّةِ جَازَ لَهُ) أَيْ: لِذَلِكَ الْحَامِي نَقْضُهُ (وَ) جَازَ (لِلْإِمَامِ غَيْرُهُ نَقْضُهُ) ؛ لِأَنَّ حِمَى الْأَئِمَّة اجْتِهَادٌ فِي حِمَاهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ دُونَ غَيْرِهَا (وَ) يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ (يَمْلِكُهُ مُحْيِيهِ) ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْأَرْضِ بِالْأَحْيَاءِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَالنَّصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الِاجْتِهَادِ. (وَلَيْسَ لِلْأَئِمَّةِ أَنْ يَحْمُوا لِأَنْفُسِهِمْ شَيْئًا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ، وَلِرَسُولِهِ» . (وَمَنْ أَخَذَ مِمَّا حَمَاهُ إمَامٌ عُزِّرَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَام (وَظَاهِرُهُ: وَلَا ضَمَانَ) عَلَى مَنْ أَخَذَ مِمَّا حَمَاهُ الْإِمَامُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ، وَالْمَنْعُ مِنْ حَيْثُ الِافْتِيَاتُ فَقَطْ. وَلَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَرْبَابِ الدَّوَابِّ عِوَضًا عَنْ مَرْعَى مَوَاتٍ أَوْ حِمًى؛ لِأَنَّهُ ﷺ " شَرَّكَ النَّاسَ فِيهِ " قَالَهُ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَإِذَا كَانَ الْحِمَى لِكَافَّةِ النَّاسِ تَسَاوَى فِيهِ جَمِيعُهُمْ فَإِنْ خَصَّ بِهِ الْمُسْلِمِينَ اشْتَرَكَ فِيهِ غَنِيُّهُمْ، وَفَقِيرُهُمْ، وَمُنِعَ أَهْلُ الذِّمَّةِ، وَإِنْ خُصَّ بِهِ الْفُقَرَاءُ مُنِعَ مِنْهُ الْأَغْنِيَاءُ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ بِهِ الْأَغْنِيَاءُ، وَلَا أَهْلُ الذِّمَّةِ. [بَابُ الْجَعَالَةِ] ِ بِتَثْلِيثِ الْجِيم رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَالِكٍ، مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْجَعْلِ، بِمَعْنَى التَّسْمِيَةِ؛ لِأَنَّ الْجَاعِلَ يُسَمِّي الْجَعْلَ لِمَنْ يَعْمَلُ لَهُ الْعَمَلَ، أَوْ مِنْ الْجَعْلِ بِمَعْنَى الْإِيجَابِ يُقَالُ: جَعَلْتُ لَهُ كَذَا أَيْ: أَوْجَبْتُ، وَيُسَمَّى مَا يُعْطَاهُ الْإِنْسَانُ عَلَى أَمْرٍ يَفْعَلُهُ: جَعْلًا، وَجَعَالَةً، وَجَعِيلَةً قَالَهُ ابْنُ فَارِسٍ، وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢] ،

стр. 1800

وَحَدِيثُ اللَّدِيغِ (وَهِيَ جَعْلُ شَيْءٍ) مِنْ الْمَالِ (مَعْلُومٍ كَأُجْرَةٍ) بِالرُّؤْيَةِ أَوْ الْوَصْفِ. وَ (لَا) يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا إنْ كَانَ مِنْ مَالِ حَرْبِيٍّ، فَيَصِحُّ أَنْ يَجْعَلَ الْإِمَامُ مِنْ مَالِ حَرْبِيٍّ (مَجْهُولًا) كَثُلُثِ مَالِ فُلَانٍ الْحَرْبِيِّ، وَنَحْوِهِ، لِمَنْ يَدُلُّ عَلَى قَلْعَةٍ، وَنَحْوِهَا، وَتَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ (لِمَنْ يَعْمَلُ لَهُ عَمَلًا مُبَاحًا) مُتَعَلِّقٌ بِجَعْلٍ. (وَلَوْ) كَانَ الْعَمَلُ الْمُبَاحُ (مَجْهُولًا) كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ لَمْ يَصِفْهَا، وَرَدِّ لُقَطَةٍ لَمْ يُعَيِّنْ مَوْضِعَهَا؛ لِأَنَّ الْجَعَالَةَ لَهُ جَائِزَةٌ لِكُلِّ مِنْهُمَا فَسْخُهَا، فَلَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ يُلْزِمَهُ مَجْهُولًا بِخِلَافِ إجَارَةٍ. (وَ) يَصِحُّ أَيْضًا أَنْ يُجَاعِلَ (عَلَى) أَنْ يَعْمَلَ لَهُ (مُدَّةً، وَلَوْ مَجْهُولَةً) كَمَنْ حَرَسَ زَرْعِي فَلَهُ كُلَّ يَوْمٍ كَذَا (سَوَاءٌ جَعَلَهُ لِمُعَيَّنٍ، بِأَنْ يَقُولَ: مَنْ تَصِحُّ إجَارَتُهُ) ، وَهُوَ جَائِزُ التَّصَرُّفِ لِزَيْدٍ مِثْلًا (إنْ رَدَدْتَ لُقَطَتِي فَلَكَ كَذَا، فَ) يَسْتَحِقُّهُ إنْ رَدَّهَا، وَ (لَا يَسْتَحِقُّ مَنْ رَدَّهَا سِوَاهُ) أَيْ: سِوَى الْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَبَّهَا لَمْ يُجَاعِلْهُ عَلَى رَدِّهَا. وَإِنْ كَانَتْ بِيَدِ إنْسَانٍ فَجَعَلَ لَهُ مَالِكُهَا جُعْلًا لِيَرُدَّهَا لَمْ يُبَحْ لَهُ أَخْذُهُ ذِكْرُهُ فِي الْمُبْدِعِ. (أَوْ) جَعَلَهُ لِ (غَيْرِ مُعَيَّنٍ بِأَنْ يَقُولَ: مَنْ رَدَّ لُقَطَتِي أَوْ وَجَدَهَا) فَلَهُ كَذَا (أَوْ) مَنْ (بَنِي لِي هَذَا الْحَائِطَ أَوْ) مَنْ (رَدَّ عَبْدِي) الْآبِقَ (فَلَهُ كَذَا، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ) مَعَ كَوْنِهِ تَعْلِيقًا؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ لَا تَعْلِيقًا مَحْضًا. (وَيَسْتَحِقُّ) الْعَامِلُ (الْجُعْلَ بِالرَّدِّ) أَيْ: بِعَمَلِ مَا جُوعِلَ عَلَيْهِ كَرَدِّ اللُّقَطَةِ أَوْ الْعَبْدِ، وَبِنَاءِ الْحَائِطِ، وَنَحْوِهِ (وَلَوْ كَانَ) الْمُسَمَّى فِي رَدِّ الْآبِقِ (أَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ أَوْ) أَكْثَرَ مِنْ (اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا) فِضَّةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَقَرَّ عَلَى الْجَاعِلِ بِالْفِعْلِ. (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) الْمُسَمَّى (أَكْثَرَ) مِنْ دِينَارٍ أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا (فَلَهُ) أَيْ: الْعَامِلِ (فِي) رَدِّ (الْعَبْدِ) الْآبِقِ (مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ) دِينَارًا أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَتُلْغَى التَّسْمِيَةُ قَطَعَ بِهِ الْحَارِثِيُّ، وَصَاحِبُ الْمُبْدِعِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الشَّارِعُ شَيْئًا مُقَدَّرًا مِنْ الْمَالِ عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ كَامِلًا بِوُجُودِ سَبَبِهِ، كَأَدَاءِ رُبُعِ مَالِ الْكِتَابَةِ لِلْمُكَاتَبِ عِنْدَ أَدَائِهِ مَالَ كِتَابَتِهِ، وَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقّ إلَّا الْمُسَمَّى قَالَ فِي التَّنْقِيحِ، وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ، وَأَطْلَقَ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُنْتَهَى. (فَمَنْ فَعَلَهُ) أَيْ: الْعَمَلَ الْمُسَمَّى عَلَيْهِ الْجُعْلُ (بَعْدَ أَنْ بَلَغَهُ الْجُعْلُ اسْتَحَقَّهُ كَدَيْنٍ) أَيْ: كَسَائِرِ الدُّيُونِ عَنْ الْمُجَاعِلِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ اسْتَقَرَّ بِتَمَامِ الْعَمَلِ فَاسْتَحَقَّ مَا جُعِلَ لَهُ كَالرِّبْحِ فِي الْمُضَارَبَةِ. (وَ) مَنْ بَلَغَهُ الْجُعْلُ (فِي أَثْنَائِهِ) أَيْ: أَثْنَاءِ الْعَمَلِ الَّذِي سُمِّيَ الْجُعْلُ لِمَنْ عَمِلَهُ (يَسْتَحِقُّ) مِنْ الْجُعْلِ (حِصَّةَ تَمَامِهِ)

стр. 1801

أَيْ: الْعَمَلِ إنْ أَتَمَّهُ بِنِيَّةِ الْجُعْلِ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ قَبْلَ بُلُوغِ الْجُعْلِ، وَقَعَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عَنْهُ عِوَضًا؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ مَنَافِعَهُ مُتَبَرِّعًا بِهَا،، وَيَأْتِي مَنْ فَعَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ الْجُعْلُ. (مَثَلًا وَالْجَمَاعَةُ) إنْ فَعَلَتْ الْمُجَاعَلِ عَلَيْهِ (تَقْتَسِمُهُ) أَيْ: الْجُعْلِ؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْعَمَلِ الَّذِي بِهِ اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ هَذَا الثَّقْبَ فَلَهُ دِينَارٌ، فَدَخَلَهُ جَمَاعَةٌ اسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِينَارًا؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ دُخُولًا كَامِلًا بِخِلَافِ رَدِّ اللُّقَطَةِ، وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرُدَّهَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ رَدًّا كَامِلًا، وَمِنْ نَحْوِ ذَلِكَ لَوْ قَالَ: مَنْ نَقَبَ السُّورَ فَلَهُ دِينَارٌ فَنَقَبَهُ ثَلَاثَةٌ نَقْبًا وَاحِدًا اشْتَرَكُوا فِي الدِّينَارِ، وَإِنْ نَقَبَ كُلُّ وَاحِدٍ نَقْبًا اسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ دِينَارًا. (وَإِذَا رَدَّ) الْعَامِلُ اللُّقَطَةَ أَوْ الْعَبْدَ، وَنَحْوَهُمَا (لَمْ يَكُنْ لَهُ الْحَبْسُ) أَيْ: حَبْسُ الْمَرْدُودِ (عَلَى الْجُعْلِ) فَإِنْ حَبْسَهُ عَلَيْهِ، وَتَلِفَ ضَمِنَهُ. (وَإِنْ تَلِفَ الْجُعْلُ) بِيَدِ الْمُجَاعِلِ (كَانَ لَهُ) أَيْ: الْعَامِلِ (مِثْلُهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا (فَقِيمَتُهُ) إذَا رَدَّ. (فَإِنْ فَاوَتَ بَيْنَهُمْ) أَيْ: بَيْنَ الْجَمَاعَةِ الْعَامِلِينَ (فَجَعَلَ لِ وَاحِدٍ) عَلَى رَدِّهِ (دِينَارًا، وَ) جَعْلَ (الْآخَرِ) دِينَارَيْنِ (اثْنَيْنِ، وَ) جَعَلَ (لِآخَرَ ثَلَاثَةَ) دَنَانِيرَ (جَازَ) عَلَى مَا تَرَاضَوْا عَلَيْهِ (فَإِنْ) رَدَّهُ وَاحِدٌ اسْتَحَقَّ جُعْلَهُ، وَإِنْ (رَدَّهُ الثَّلَاثَةُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُ جُعْلِهِ) ، وَإِنْ رَدَّهُ اثْنَانِ مِنْهُمْ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ جُعْلِهِ. وَإِنْ جَعَلَ لِأَحَدِهِمْ دِينَارًا دِينَارًا وَلِلْآخَرَيْنِ عِوَضًا مَجْهُولًا فَرَدُّوهُ، فَلِصَاحِبِ الدِّينَارِ ثُلُثُهُ، وَلِلْآخَرَيْنِ أُجْرَةُ عَمَلِهِمَا. (وَإِنْ جَعَلَ) رَبُّ الْعَبْدِ الْآبِقِ مِثْلًا (لِوَاحِدٍ مُعَيَّنٍ) كَزَيْدٍ (شَيْئًا فِي رَدِّهِ فَرَدَّهُ) ، زَيْدٌ (هُوَ وَآخَرَانِ مَعَهُ، وَقَالَا: رَدَدْنَاهُ مُعَاوَنَةً لَهُ) أَيْ: لِزَيْدٍ مَثَلًا (اسْتَحَقَّ) زَيْدٌ (جَمِيعَ الْجُعْلِ، وَلَا شَيْءَ لَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُمَا تَبَرَّعَا بِعَمَلِهِمَا (وَإِنْ قَالَا: رَدَدْنَاهُ لِنَأْخُذَ الْعِوَضَ لِأَنْفُسِنَا، فَلَا شَيْءَ لَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُمَا عَمِلَا مِنْ غَيْرِ جُعْلٍ (وَلَهُ) أَيْ: زَيْدٍ (ثُلُثُ الْجُعْلِ) ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ ثُلُثَ الْعَمَلِ. (وَإِنْ نَادَى غَيْرُ صَاحِبِ الضَّالَّةِ، فَقَالَ مَنْ رَدِّهَا فَلَهُ دِينَارٌ، فَرَدَّهَا رَجُلٌ) أَوْ امْرَأَةٌ (فَالدِّينَارُ عَلَى الْمُنَادِي؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ) أَيْ: الْتَزَمَ (الْعِوَضَ) ، وَلَا شَيْءَ عَلَى رَبِّهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ. (وَإِنْ قَالَ) الْمُنَادِي غَيْرِ رَبِّ الضَّالَّة (فِي النِّدَاءِ قَالَ فُلَانٌ مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ دِينَارٌ) دِينَارٌ وَلَمْ يَكُنْ رَبُّهَا قَالَ ذَلِكَ (فَرَدَّهَا رَجُلٌ لَمْ يَضْمَنْ الْمُنَادِي) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ (الْعِوَضَ) ، وَالرَّادُّ مُقَصِّرٌ بِعَدَمِ الِاحْتِيَاطِ. (وَإِنْ رَدَّهُ) أَيْ: الْعَبْدَ، وَنَحْوَهُ (مَنْ دُونِ الْمَسَافَةِ الْمُعَيَّنَةِ، كَأَنْ قَالَ) رَبُّ آبِقٍ مَنْ رَدَّ عَبْدِي مِنْ بَلَدِ كَذَا فَلَهُ كَذَا، فَرَدَّهُ إنْسَانٌ (مِنْ بَعْضِ طَرِيقِهِ) أَيْ: طَرِيقِ الْبَلَدِ الْمُسَمَّى (فَ) إنَّهُ يَسْتَحِقُّ (بِالْقِسْطِ) مِنْ الْجُعْلِ الْمُسَمَّى، فَإِنْ كَانَ الْمَحَلُّ الَّذِي رَدَّ مِنْهُ نِصْف الْمَسَافَةِ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْمُسَمَّى، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَبِحِسَابِهِ. (وَ) إنْ رَدَّهُ (مِنْ) مَوْضِعٍ (أَبْعَدَ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْبَلْدَةِ الْمُسَمَّاةِ (لَهُ الْمُسَمَّى فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَلزَّائِدَ عَلَى الْمَسَافَةِ عِوَضًا، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الرَّادُّ فِي مُقَابَلَتِهِ شَيْئًا. (وَإِنْ رَدَّهُ) الْعَامِلُ (مِنْ غَيْرِ الْبَلَدِ الْمُسَمَّى) الْمُسَمَّى وَمِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ (فَلَا شَيْءَ

стр. 1802

لَهُ) ؛ لِأَنَّ رَبَّهُ لَمْ يَجْعَل عَلَى رَدِّهِ مِنْ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي عَيَّنَهُ عِوَضًا، فَالرَّادُّ مُتَبَرِّعٌ بِعَمَلِهِ (كَمَا لَوْ جَعَلَ) رَبُّ آبِقَيْنِ (لَهُ فِي رَدِّ أَحَدِ عَبْدَيْهِ) كَسَالِمٍ شَيْئًا (مُعَيَّنًا، فَرَدَّ) الْعَبْدَ (الْآخَرَ) فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُعَيَّنَ قُلْت بَلْ مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ، وَكَذَا الَّتِي قَبْلَهَا. (وَإِنْ قَالَ) رَبُّ آبِقَيْنِ: (مَنْ رَدَّ عَبْدَيَّ فَلَهُ كَذَا، فَرَدَّ أَحَدَهُمَا فَلَهُ نِصْفُ الْجَعَالَة) ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ نِصْفَهَا، وَيَأْتِي لَوْ هَرَبَ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا. (وَمَنْ فَعَلَهُ) أَيْ: الْعَمَلَ الْمُجَاعَلَ عَلَيْهِ (قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ الْجُعْلُ لَمْ يَسْتَحِقُّهُ) أَيْ: الْجَعْلَ، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِعَمَلِهِ (وَحَرُمَ) عَلَيْهِ (أَخْذُهُ) أَيْ: الْجَعْلِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ. (وَسَوَاءٌ رَدَّهُ) قَبْل بُلُوغِ الْجُعْلِ أَوْ بَعْدَهُ؛ إذْ الْجُعْلُ فِي مُقَابَلَةِ الْعَمَلِ لَا التَّسْلِيمِ أَيْ: سَلَّمَ الْمَرْدُودَ، وَنَحْوَهُ. (وَيَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ) كَأَنْ يَقُولَ: مَنْ خَاطَ لِي هَذَا الثَّوْبَ فِي يَوْمٍ فَلَهُ كَذَا، فَإِنْ أَتَى بِهِ فِيهَا اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ آخَرُ، وَإِنْ لَمْ يَفِ بِهِ فِيهَا، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لَهُ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ بِخِلَافِ الْإِجَارَة، فَالْجَعَالَةُ، وَإِنْ كَانَتْ نَوْعَ إجَارَةٍ، لَكِنْ تُخَالِفُهَا فِي أَشْيَاءَ، مِنْهَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَمِنْهَا أَنَّ الْفَاعِلَ لَمْ يَلْتَزِمْ الْفِعْلَ، وَأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ يَقَعُ لَا مَعَ مُعَيَّنٍ، كَمَنْ فَعَلَ كَذَا فَلَهُ كَذَا. (وَكُلُّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْإِجَارَةِ جَازَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْجَعَالَةِ) فَيَصِحُّ أَنْ يَجْعَلَ لِعَامِلِ نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ، كَاسْتِئْجَارِهِ بِذَلِكَ مُفْرَدًا أَوْ مَعَ دَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ، وَتَزِيدُ الْجَعَالَةُ بِجُعْلٍ مَجْهُولٍ مِنْ مَالِ حَرْبِيٍّ، وَتَقَدَّمَ. (وَكُلّ مَا جَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ الْأَعْمَالِ جَازَ أَخْذُهُ) أَيْ: الْعِوَضِ (عَلَيْهِ فِي الْجَعَالَةِ، وَمَا لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ كَالْغِنَاءِ، وَالزَّمْرِ، وَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجُعْلِ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] . (وَالْعُدْوَانِ وَمَا يَخْتَصُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ) بِأَنْ اشْتَرَطَ إسْلَامَ فَاعِلِهِ (مِمَّا لَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ فَاعِلَهُ كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجُعْلِ عَلَيْهِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَةِ (فَأَمَّا مَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ كَالْأَذَانِ، وَنَحْوِهِ) كَتَعْلِيمِ فِقْهٍ، وَقُرْآنٍ، وَقَضَاءٍ، وَإِفْتَاءٍ عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي فِي الْقَضَاءِ، وَرُقْيَةٍ (فَيَجُوزُ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ (وَتَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَةِ) مُفَصَّلًا. (وَإِنْ جَعَلَ) لِمَنْ عَمِلَ لَهُ عَمَلًا (عِوَضًا مَجْهُولًا كَقَوْلِهِ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي الْآبِقَ فَلَهُ نِصْفُهُ أَوْ مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ ثُلُثُهَا أَوْ فَلَهُ ثَوْبٌ، وَنَحْوُهُ) مِنْ الْمَجْهُولَاتِ (أَوْ) جَعَلَ لَهُ عِوَضًا (مُحَرَّمًا كَالْخَمْرِ فَلَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ) ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِعِوَضٍ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ. (وَإِنْ قَالَ مَنْ دَاوَى لِي هَذَا) الْجَرِيحَ (حَتَّى يَبْرَأَ مِنْ جُرْحِهِ أَوْ) دَاوَى هَذَا الْمَرِيضَ حَتَّى يَبْرَأ مِنْ (مَرَضِهِ أَوْ)

стр. 1803

دَاوَى هَذَا الْأَرْمَدَ حَتَّى يَبْرَأَ مِنْ (رَمَدِهِ فَلَهُ كَذَا لَمْ يَصِحَّ) الْعَقْدُ فِيهَا مُطْلَقًا صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ، وَغَيْرِهِ. (وَهِيَ) أَيْ: الْجَعَالَةُ (عَقْدٌ جَائِزٌ) مِنْ الطَّرَفَيْنِ قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الْجَاعِلِ، وَالْمَجْعُولِ لَهُ الْمُعَيَّنَ (فَسْخُهَا) مَتَى شَاءَ كَسَائِرِ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ. (فَإِنْ فَسَخَهَا الْعَامِلُ) ، وَلَوْ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْعَمَلِ (لَمْ يَسْتَحِقَّ) لِمَا عَمِلَهُ (شَيْئًا) ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ حَيْثُ لَمْ يَأْتِ بِمَا شُرِطَ عَلَيْهِ، كَعَامِلِ الْمُسَاقَاةِ. (وَإِنْ فَسَخَهَا الْجَاعِلُ) قَبْلَ شُرُوعِ الْعَامِلِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وَ (بَعْدَ الشُّرُوعِ فَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ) مِثْلِ (عَمَلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِعِوَضٍ، وَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ فَكَانَ لَهُ أُجْرَةُ عَمَلِهِ، وَمَا عَمِلَهُ بَعْد الْفَسْخِ لَا أُجْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ. وَإِنْ زَادَ الْجَاعِلُ أَوْ نَقَصَ مِنْ الْجُعْلِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ جَازَ، وَعُمِلَ بِهِ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ فَجَازَ فِيهِ ذَلِكَ كَالْمُضَارَبَةِ. (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْجُعْلِ) أَيْ: التَّسْمِيَةِ بِأَنْ أَنْكَرَهَا أَحَدُهُمَا (فَقَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ. (وَ) إنْ اخْتَلَفَا (فِي قَدْرِهِ) أَيْ: الْجُعْلِ (أَوْ) اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ (الْمَسَافَةِ) بِأَنْ قَالَ الْجَاعِلُ: جَعَلْتُ ذَلِكَ لِمَنْ رَدَّهُ مِنْ عَشَرَةِ أَمْيَالٍ، فَقَالَ الْعَامِلُ: بَلْ مِنْ سِتَّةِ أَمْيَالٍ مَثَلًا (فَقَوْلُ جَاعِلٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يَدَّعِيهِ الْعَامِلُ زِيَادَةً عَمَّا يَعْتَرِفُ بِهِ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ مِنْهُ، وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي عَيْن الْعَبْدِ الَّذِي جُعِلَ الْعِوَضُ فِي رَدِّهِ. (وَمَنْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلًا بِغَيْرِ جُعْلٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ مَنْفَعَتَهُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ فَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ، وَلِئَلَّا يَلْزَمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَلَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِهِ (إنْ لَمْ يَكُنْ) الْعَامِلُ (مُعَدًّا لِأَخَذِ الْأُجْرَةِ فَإِنْ كَانَ) مُعَدًّا لِذَلِكَ (كَالْمَلَّاحِ، وَالْمُكَارِي، وَالْحَجَّامِ، وَالْقَصَّارِ، وَالْخَيَّاطِ، وَالدَّلَّالِ، وَنَحْوِهِمْ) كَالنَّقَّادِ، وَالْكَيَّالِ، وَالْوَزَّانِ، وَشِبْهِهِمْ (مِمَّنْ يَرْصُدُ نَفْسَهُ لِلتَّكَسُّبِ بِالْعَمَلِ، وَأَذِنَ لَهُ) الْمَعْمُول فِي الْعَمَلِ (فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ) لِدَلَالَةِ الْعُرْفِ عَلَى ذَلِكَ (وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي الْإِجَارَةِ) . (إلَّا فِي تَخْلِيصِ مَتَاعِ غَيْرِهِ مِنْ بَحْرٍ أَوْ فَمِ سَبْعٍ أَوْ فَلَاةٍ، وَلَوْ) كَانَ الْمُخَلَّصُ (عَبْدًا فَلَهُ) أَيْ: الْعَامِلِ (أُجْرَةُ مِثْلِهِ) ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ رَبُّهُ؛ لِأَنَّهُ يَخْشَى هَلَاكَهُ، وَتَلَفُهُ عَلَى مَالِكِهِ بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ، وَكَذَا لَوْ انْكَسَرَتْ السَّفِينَةُ فَخَلَّصَ قَوْمٌ الْأَمْوَالَ مِنْ الْبَحْرِ فَتَجِبُ لَهُمْ الْأُجْرَةُ عَلَى الْمُلَّاكِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَثًّا، وَتَرْغِيبًا فِي إنْقَاذِ الْأَمْوَالِ مِنْ الْهَلَكَةِ، فَإِنَّ الْغَوَّاصَ إذَا عَلِمَ أَنَّ لَهُ الْأُجْرَةَ غَرَّرَ بِنَفْسِهِ، وَبَادَرَ إلَى التَّخْلِيصِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ. (وَإِلَّا فِي رَدِّ آبِقٍ مِنْ قِنٍّ مَثَلًا وَمُدَبَّرٍ مَثَلًا وَأُمِّ وَلَدٍ إذَا كَانَ) الرَّادُّ (غَيْرَ الْإِمَامِ فَلَهُ مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ دِينَارٌ، أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ مُرْسَلًا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -

стр. 1804

جَعَلَ فِي رَدِّ الْآبِقِ إذَا جَاءَ بِهِ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ دِينَارًا» ، وَالْمَعْنَى فِيهِ الْحَثُّ عَلَى حِفْظِهِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَصِيَانَةُ الْعَبْدِ عَمَّا يُخَافُ مِنْ لِحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَالسَّعْيِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ جُعْلِ الْآبِقِ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَعَلَى الْأُوَلِ فَإِنْ رَدَّهُ الْإِمَامُ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي رَدِّهِ نَصًّا لِانْتِصَابِهِ لِلْمَصَالِحِ، وَلَهُ حَقٌّ فِي بَيْتِ الْمَالِ عَلَى ذَلِكَ (سَوَاءٌ رَدَّهُ) أَيْ: الْآبِقَ (مِنْ دَاخِلِ الْمِصْرِ أَوْ خَارِجِهِ، قَرُبَتْ الْمَسَافَةُ أَوْ بَعُدَتْ، وَسَوَاءٌ كَانَ) الْآبِقُ (يُسَاوِي الْمِقْدَارَ) الَّذِي قَدَّرَهُ الشَّارِعُ (أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ) الرَّادُّ (زَوْجًا لِلرَّقِيقِ) الْآبِقِ (أَوْ ذَا رَحِمٍ فِي عِيَالِ الْمَالِك أَوْ لَا) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ " تَنْبِيهٌ " يُقَالُ: أَبَقَ الْعَبْدُ، إذَا هَرَبَ مِنْ سَيِّدِهِ - بِفَتْحِ الْبَاء - يَأْبِق، بِكَسْرِهَا، وَضَمِّهَا فَهُوَ آبِقٌ، وَقَالَ الثَّعَالِبِيُّ: فِي سِرِّ اللُّغَةِ: لَا يُقَالُ لِلْعَبْدِ آبِقٌ إلَّا إذَا كَانَ ذَهَابُهُ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا كَدٍّ فِي الْعَمَلِ، وَإِلَّا فَهُوَ هَارِبٌ. (وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ وُصُولِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ) إلَيْهِ (عَتَقَا) إنْ خَرَجَ الْمُدَبَّرُ مِنْ الثُّلُثِ (وَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ: لِرَادِّهِمَا فِي نَظِيرِ الرَّدِّ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ لَمْ يَتِمْ؛ لِأَنَّ الْعَتِيقَ لَا يُسَمَّى آبِقًا (وَيَأْخُذُ) رَادُّ الْآبِقِ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ سَيِّدِهِ أَوْ تَرِكَتِهِ (مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ) . (وَ) مَا أَنْفَقَ عَلَى (دَابَّةٍ) يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا " (فِي قُوتٍ، وَعَلَفٍ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ) الْمُنْفِقُ (الْمَالِكَ) فِي الْإِنْفَاقِ (مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الِاسْتِئْذَانِ؛ لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا، لِحُرْمَةِ النَّفْسِ، وَحَثًّا عَلَى صَوْنِ ذَلِكَ عَلَى رَبِّهِ، بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ، وَنَحْوِهَا (حَتَّى، وَلَوْ هَرَبَ الْمُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ وَاجِدِهِ (فِي طَرِيقِهِ أَوْ مَاتَ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ قَبْلَ هَرَبِهِ) أَوْ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ مَأْذُونٌ فِيهَا شَرْعًا أَشْبَهَ مَا لَوْ أَنْفَقَ بِإِذْنِ مَالِكِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَرْجِعُ بِنَفَقَتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَحِقَّ جُعْلًا كَرَدِّهِ مِنْ غَيْرِ بَلَدٍ سَمَّاهُ أَوْ هَرَّبَهُ مِنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ (مَا لَمْ يَنْوِ التَّبَرُّعَ) فَلَا نَفَقَةَ لَهُ، وَكَذَا لَوْ نَوَى بِالْعَمَلِ التَّبَرُّعَ، وَلَا أُجْرَة لَهُ، وَمُقْتَضَاهُ لَا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الرُّجُوعِ بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ، وَنَحْوِهَا (لَكِنْ لَا جُعْل لَهُ إذَا هَرَبَ) الْآبِقُ مِنْهُ (قَبْلَ تَسْلِيمِهِ) لِسَيِّدِهِ (أَوْ مَاتَ) الْآبِقُ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ الْعَمَلَ. (وَلَوْ أَرَادَ) وَاجِدُ الْآبِقِ (اسْتِخْدَامَهُ بَدَلَ النَّفَقَةِ لَمْ يَجُزْ) ذَلِكَ (كَالْعَبْدِ الْمَرْهُونِ) ، وَأَوْلَى. (وَمَنْ أَخَذَ الْآبِقَ أَوْ) أَخَذَ غَيْرَهُ مِنْ الْمَالِ الضَّائِعِ لِيَرُدَّهُ لِرَبِّهِ (فَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ إنْ تَلِفَ) قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ رَدِّهِ (مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ) ، وَلَا تَعَدٍّ (فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ بِأَخْذِهِ. (وَإِنْ وَإِنْ وَجَدَ)

стр. 1805

رَادَّ الْآبِقِ (صَاحِبَهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ إذَا اعْتَرَفَ الْعَبْدُ أَنَّهُ سَيِّدُهُ، إنْ كَانَ كَبِيرًا) ؛ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَحَقَّ أَخْذَهُ بِوَصْفِهِ إيَّاهُ فَبِتَصْدِيقِهِ عَلَى أَنَّهُ مِلْكُهُ أَوْلَى، وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَقَوْلُهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ (أَوْ أَقَامَ) صَاحِبُهُ (بَيِّنَةً) أَنَّهُ لَهُ فَيَدْفَعُهُ إلَيْهِ. (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) وَاجِدُ الْآبِقِ (سَيِّدَهُ دَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ أَوْ) إلَى (نَائِبِهِ، فَيَحْفَظُهُ لِصَاحِبِهِ) إلَى أَنْ يَجِدَهُ (أَوْ يَبِيعَهُ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (إنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ) أَيْ: فِي بَيْعِهِ، وَيَحْفَظُ ثَمَنَهُ لِرَبِّهِ لِانْتِصَابِهِ لِذَلِكَ. (فَإِنْ بَاعَهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ لِمَصْلَحَةٍ رَآهَا، فَجَاءَ سَيِّدُهُ فَاعْتَرَفَ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ) قَبْلَ بِيَعِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (قُبِلَ قَوْلُهُ، وَبَطَلَ الْبَيْعُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ بِهِ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا ضَرَرًا، وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مَا يُنَافِيهِ. (يُنَافِيه وَلَيْسَ لِوَاجِدِهِ) أَيْ: الْعَبْدِ (بَيْعُهُ وَلَا تَمَلُّكُهُ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ) ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَتَحَفَّظُ بِنَفْسِهِ (فَهُوَ كَضَوَالِّ الْإِبِلِ) لَكِنْ جَازَ الْتِقَاطُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ لِحَاقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَارْتِدَادُهُ، وَاشْتِغَالُهُ بِالْفَسَادِ. (وَمَتَى كَانَ الْعَمَلُ فِي مَالِ الْغَيْرِ إنْقَاذًا لَهُ مِنْ التَّلَفِ الْمُشْرِف عَلَيْهِ كَانَ جَائِزًا) بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ؛ لِأَنَّهُ إحْسَانٌ إلَيْهِ (كَذَبْحِ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ إذَا خِيفَ مَوْتُهُ، وَلَا يَضْمَنُ مَا نَقَصَ بِمَوْتِهِ) أَيْ: ذَبْحِهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ بِهِ. وَلَوْ (وَقَعَ الْحَرِيقُ بِدَارٍ وَنَحْوِهَا فَهَدَمَهَا غَيْرُ صَاحِبِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ عَلَى النَّارِ لِئَلَّا تَسْرِيَ) النَّارُ (أَوْ هَدَمَ قَرِيبًا مِنْهَا إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْوُصُولِ إلَيْهَا، وَخِيفَ تَعَدِّيهَا، وَعُتُوُّهَا لَمْ يَضْمَنْ، ذَكَرَهُ) ابْنُ الْقَيِّمِ (فِي الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ رَأَى السَّيْلَ يَقْصِدُ الدَّارَ الْمُؤَجَّرَةَ فَبَادَرَ وَهَدَمَ الْحَائِطَ لِيُخْرِجَ السَّيْلَ وَلَا يَهْدِمُ الدَّارَ كَانَ مُحْسِنًا، وَلَا يَضْمَنُ انْتَهَى) ، وَكَذَا فِي إعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ. (وَإِنْ وَجَدَ فَرَسًا لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَعَ أُنَاسٍ مِنْ الْعَرَبِ أَيْ: مِنْ الْبَدْوِ، فَأَخَذَ الْفَرَسَ مِنْهُمْ، ثُمَّ إنَّ الْفَرَسَ مَرِضَ بِحَيْثُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَشْيِ جَازَ لِلْآخِذِ بَيْعُهُ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَبِيعَهُ لِصَاحِبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَكَّلَهُ فِي الْبَيْعِ، وَقَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَنَظَائِرِهَا، وَيَحْفَظُ الثَّمَنَ) لِرَبِّهِ. (قَالَهُ الشَّيْخُ، وَهِيَ) أَيْ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ (فِي) الْجُزْءِ (الْخَامِسِ مِنْ الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ) . [بَابُ اللُّقَطَةِ] ِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: اللُّقَطَةُ مُحَرَّكَةٌ، وَكَحُرْمَةٍ، وَهُمَزَةٍ، وَثُمَامَةَ: مَا اُلْتُقِطَ انْتَهَى، وَقَوْلُهُ: مُحَرَّكَةٌ أَيْ: مَفْتُوحَةُ اللَّامِ، وَالْقَافِ، وَحُكِيَ عَنْ الْخَلِيلِ: اللُّقَطَةُ بِضَمِّ اللَّامِ، وَفَتْحِ الْقَافِ

стр. 1806

الْكَثِيرُ الِالْتِقَاطِ، وَحُكِيَ عَنْهُ فِي الشَّرْحِ: أَنَّهَا اسْمٌ لِلْمُلْتَقِطِ؛ لِأَنَّ مَا جَاءَ عَلَى فُعَلَةٍ فَهُوَ اسْمُ الْفَاعِلِ، كَالضُّحَكَةِ، وَالْهُمَزَةِ، وَاللُّمَزَةِ (وَهِيَ اسْمٌ لِمَا يُلْتَقَط مِنْ مَالٍ) ضَائِعٍ (أَوْ مُخْتَصٍّ ضَائِعٍ) كَالسَّاقِطِ مِنْ رَبِّهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ. (وَمَا فِي مَعْنَاهُ) أَيْ: مَعْنَى الضَّائِعِ، كَالْمَتْرُوكِ قَصْدًا لِأَمْرٍ يَقْتَضِيهِ (لِغَيْرِ حَرْبِيٍّ) فَإِنْ كَانَتْ لِحَرْبِيٍّ مَلَكَهَا وَاجِدُهَا، كَالْحَرْبِيِّ إذَا ضَلَّ الطَّرِيقَ فَوَجَدَهُ إنْسَانٌ فَأَخَذَهُ مَلَكَهُ، وَتَقَدَّمَ (يَلْتَقِطُهُ غَيْرُ رَبِّهِ) فَإِنْ الْتَقَطَهُ رَبُّهُ لَمْ يُسَمَّ لُقَطَةً عُرْفًا، وَالْأَصْلُ فِي اللُّقَطَةِ: مَا رَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ قَالَ «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ فَقَالَ: اعْرِفْ وِكَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَك فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ فَادْفَعْهَا إلَيْهِ، وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ فَقَالَ: مَا لَكَ، وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا، وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا، وَسَأَلَهُ عَنْ الشَّاةِ؟ فَقَالَ: خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. مَثَلًا وَأَرْكَانُهَا ثَلَاثَةٌ: مُلْتَقِطٌ، وَمَلْقُوطٌ، وَالْتِقَاطٌ (وَالْتِقَاطٌ وَيَنْقَسِمُ) الْمَالُ الضَّائِعُ، وَنَحْوُهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا لَا تَتْبَعُهُ هِمَّةُ أَوْسَاطُ النَّاسِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْهِمَّةُ بِالْكَسْرِ، وَتُفْتَحُ مَا هَمَّ بِهِ مِنْ أَمْرٍ لِيَفْعَلَ (كَالسَّوْطِ) مَا يُضْرَب بِهِ. وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ هُوَ فَوْقَ الْقَضِيبِ، وَدُونَ الْعَصَا، وَفِي الْمُخْتَارِ هُوَ سَوْطٌ لَا ثَمَرَةَ لَهُ (وَالشِّسْعِ) أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ الَّذِي يَدْخُلُ بَيْنَ الْإِصْبَعَيْنِ (وَالرَّغِيفِ، وَالْكِسْرَةِ، وَالتَّمْرَةِ، وَالْعَصَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَالْخِرْقَةِ، وَالْحَبْلِ، وَمَا لَا خَطَرَ لَهُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَالْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ تَقْيِيدُهُ بِمَا لَا تَتْبَعُهُ هِمَّةُ أَوْسَاطِ النَّاسِ، وَلَوْ كَثُرَ، وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ صَدَقَةَ أَنَّهُ يُعَرِّفُ الدِّرْهَمَ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَجِبُ تَعْرِيفُ الدَّانِقِ، وَحَمَلَهُ فِي التَّلْخِيصِ عَلَى دَانِقِ الذَّهَبِ نَظَرًا لِعُرْفِ الْعِرَاقِ. (وَمَا قِيمَتُهُ كَقِيمَةِ ذَلِكَ، فَيُمْلَكُ بِأَخْذِهِ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ آخِذُهُ بِلَا تَعْرِيفٍ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ «رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْعَصَا، وَالسَّوْطِ، وَالْحَبْلِ يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ) ذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ. (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُلْتَقِطَ (دَفْعُ بَدَلِهِ إنْ وَجْدَ رَبَّهُ) ؛ لِأَنَّ لَاقِطَهُ مَلَكَهُ بِأَخْذِهِ (وَلَعَلَّ الْمُرَادَ إذَا تَلِفَ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: إذَا الْتَقَطَهُ إنْسَانٌ، وَانْتَفَعَ بِهِ، وَتَلِفَ فَلَا ضَمَانَ. (فَأَمَّا إنْ كَانَ) مَا الْتَقَطَهُ مِمَّا لَا تَتْبَعُهُ الْهِمَّةُ (مَوْجُودًا وَوَجَدَ) مُلْتَقِطُهُ (رَبَّهُ فَيَلْزَمُهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ) ، وَيُؤَيِّدُهُ: تَعْبِيرُهُمْ بِالْبَدَلِ

стр. 1807

إذْ لَا يُعْدَلُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ تَلَفِ الْمُبْدَلُ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُوَضِّحِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَلْزَمُ دَفْعُ عَيْنِهِ. (وَكَذَا لَوْ لَقِيَ كَنَّاسٌ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ) كَالْمُقْلِشِ (قِطَعًا صِغَارًا مُفَرَّقَةً) مِنْ الْفِضَّةِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهَا بِأَخْذِهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُهَا، وَلَا بَدَلُهَا إنْ وَجَدَ رَبَّهَا (وَلَوْ كَثُرَتْ) بِضَمِّ بَعْضِهَا إلَى بَعْضِ؛ لِأَنَّ تَفَرُّقهَا يَدُلُّ عَلَى تَغَايُرِ أَرْبَابِهَا. (وَمَنْ تَرَكَ دَابَّةً بِمَهْلَكَةٍ أَوْ فَلَاةٍ تَرْكَ إيَاسٍ لِانْقِطَاعِهَا) أَيْ: عَجْزِهَا عَنْ الْمَشْي (أَوْ) تَرْكَهَا لِ (عَجْزِهِ عَنْ عَلَفِهَا، مَلَكَهَا آخِذُهَا) لِحَدِيثِ الشَّعْبِيِّ، وَتَقَدَّمَ بِخِلَافِ عَبْدٍ، وَمَتَاعٍ (إلَّا أَنْ يَكُونَ تَرَكَهَا لِيَرْجِعَ إلَيْهَا، أَوْ ضَلَّتْ مِنْهُ) فَلَا يَمْلِكَهَا آخِذُهَا (، وَتَقَدَّمَ آخِرَ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ) مُوَضَّحًا. (وَكَذَا مَا أُلْقِيَ خَوْفُ الْغَرَقِ) فِي الْبَحْرِ فَيَمْلِكُهُ آخِذُهُ؛ لِأَنَّ مَالِكَهُ أَلْقَاهُ بِاخْتِيَارِهِ فَأَشْبَهَ الْمَنْبُوذَ رَغْبَةً عَنْهُ كَمَا فِي التَّنْقِيحِ، وَالْمُنْتَهَى، وَغَيْرِهِمَا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَاد التَّشْبِيهُ فِي تَقَدُّمِ حُكْمِهِ أَوْ أَنَّهُ مُشَبَّهٌ بِالْمُسْتَثْنَى فَلَا مُخَالَفَةَ، وَتَقَدَّمَ تَوْضِيحُ ذَلِكَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَبَيَانُ الْخِلَافِ فِيهِ. الْقِسْمُ (الثَّانِي: الضَّوَالُّ الَّتِي تَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ مِثْلَ ثَعْلَبٍ، وَذِئْبٍ، وَابْنِ آوَى، وَوَلَدِ الْأَسَدِ) ، وَالضَّوَالُّ جَمْعُ ضَالَّةٍ، وَهِيَ اسْمُ حَيَوَانٍ خَاصَّةً، وَيُقَالُ لَهَا الْهَوَامِي، وَالْهَوَافِي، وَالْحَوَامِلُ، وَامْتِنَاعُهَا إمَّا لِكِبَرِ جُثَثِهَا (كَإِبِلٍ، وَخَيْلٍ، وَبَقَرٍ، وَبِغَالٍ وَ) إمَّا لِطَيَرَانِهَا كَ (طُيُورٍ تَمْتَنِعُ بِطَيَرَانِهَا وَ) إمَّا بِسُرْعَةِ عَدْوِهَا (كَظِبَاءٍ، وَ) إمَّا بِنَابِهَا (كَفُهُودٍ مُعَلَّمَةٍ) أَوْ قَابِلَةٍ لِلتَّعْلِيمِ، وَإِلَّا فَلَيْسَتْ مَالًا، كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ (وَكَ) إبِلٍ (حُمُرٍ) أَهْلِيَّةٍ. (وَخَالَفَ الْمُوَفَّقُ فِيهَا) فَقَالَ: الْأَوْلَى إلْحَاقُهَا بِالشَّاةِ لِمُسَاوَاتِهَا لَهَا فِي الْعِلَّةِ (فَهَذَا الْقِسْمُ غَيْرُ الْآبِقِ يَحْرُمُ الْتِقَاطُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «لَمَّا سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ مَا لَكَ، وَلَهَا دَعْهَا فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا، وَسِقَاءَهَا تَرِدُ الْمَاءِ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» ، وَحِذَاؤُهَا خُفُّهَا؛ لِأَنَّهُ لِقُوَّتِهِ، وَصَلَابَتِهِ يَجْرِي مُجْرَى الْحِذَاءِ، وَسِقَاؤُهَا بَطْنُهَا؛ لِأَنَّهَا تَأْخُذُ فِيهِ مَاءً كَثِيرًا، فَيَبْقَى مَعَهَا يَمْنَعُهَا الْعَطَشَ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يُؤْوِي الضَّالَّةَ إلَّا ضَالٌّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا الْآبِقُ فَيَجُوزُ الْتِقَاطُهُ صَوْنًا لَهُ عَنْ اللُّحُوقِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَارْتِدَادِهِ، وَسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ، وَتَقَدَّمَ (وَ) هَذَا الْقِسْمُ (لَا يَمْلِكُهُ) مُلْتَقِطُهُ (بِتَعْرِيفِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِأَخْذِهِ كَالْغَاصِبِ لِعَدَمِ إذْنِ الْمَالِكِ، وَالشَّارِعِ سَوَاءٌ كَانَ زَمَنَ أَمْنٍ أَوْ فَسَادٍ. (وَإِنْ أَنْفَقَ) الْمُلْتَقِطُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْقِسْمِ (لَمْ يَرْجِعْ) عَلَى رَبِّهِ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ (لِتَعَدِّيهِ بِالْتِقَاطِهِ) ، وَإِمْسَاكِهِ. (فَإِنْ تَبِعَ شَيْءٌ مِنْهَا)

стр. 1808

أَيْ: الضَّوَالِّ الْمَذْكُورَةِ (دَوَابَّهُ فَطَرَدَهُ) فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ (أَوْ دَخَلَ) شَيْءٌ مِنْهَا (دَارِهِ فَأَخْرَجَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَأْخُذْهُ، وَلَمْ تَثْبُتْ يَدُهُ عَلَيْهِ) . (لَكِنْ لِلْإِمَامِ وَنَائِبِهِ فَقَطْ) دُونَ غَيْرِهِمَا (أَخْذُ ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ الضَّوَالِّ (لِيَحْفَظَهُ لِرَبِّهِ) ؛ لِأَنَّ لَهُمَا نَظَرًا فِي حِفْظِ مَالِ الْغَائِبِ، وَفِي أَخَذِهَا عَلَى وَجْهِ الْحِفْظِ مَصْلَحَةً لِرَبِّهَا لِصَوْنِهَا، وَ (لَا) يَجُوزُ لَهُمَا كَغَيْرِهِمَا أَخَذُهَا (عَلَى سَبِيلِ الِالْتِقَاطِ) لِمَا تَقَدَّمَ. (مَثَلًا وَلَا يَلْزَمُهُمَا) أَيْ: الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ (تَعْرِيفُهُ) أَيْ: تَعْرِيفُ مَا أَخَذَهُ مِنْ الضَّوَالِّ لِيَحْفَظَهُ لِرَبِّهِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمْ يَكُنْ لِيُعَرِّفَ الضَّوَالَّ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا عُرِفَ مِنْ الْإِمَامِ حِفْظُ الضَّوَالِّ فَمَنْ كَانَتْ لَهُ ضَالَّةٌ جَاءَ إلَى مَوْضِعِ الضَّوَالِّ فَمَنْ عَرَفَ مَالَهُ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ (وَلَا تَكْفِي فِيهِ الصِّفَةُ) ؛ لِأَنَّ الضَّالَّةَ كَانَتْ ظَاهِرَةً لِلنَّاسِ حِينَ كَانَتْ فِي يَدِ مَالِكِهَا فَلَا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَةِ صِفَاتِهَا دُونَ غَيْرِهِ، وَإِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا مُمْكِنَةٌ لِظُهُورِهَا لِلنَّاسِ. (وَمَنْ أَخَذَهُ) أَيْ: مَا يَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، وَلَمْ يَكْتُمْهُ ضَمِنَهُ إنْ تَلِفَ أَوْ نَقَصَ قَبْلَ رَدِّهِ (كَالْغَاصِبِ) قَبْلَ أَدَائِهِ؛ لِأَنَّ الْتِقَاطَهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ (وَإِنْ كَتَمَهُ، وَتَلِفَ ضَمِنَهُ) الْكَاتِمُ (بِقِيمَتِهِ مَرَّتَيْنِ) لِرَبِّهِ (إمَامًا كَانَ) الْمُلْتَقِطُ (أَوْ غَيْرَهُ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ: ثَبَتَ خَبَرٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «فِي الضَّالَّةِ الْمَكْتُومَةِ غَرَامَتُهَا، وَمِثْلُهَا مَعَهَا» قَالَ: وَهَذَا حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يُرَدُّ. (وَإِنْ لَمْ يَتْلَفْ) مَا الْتَقَطَهُ مِنْ الضَّوَالِّ (رَدَّهُ) إلَى رَبِّهِ إنْ وَجَدَهُ بِلَا غُرْمٍ إنْ لَمْ يُنْقَصْ، وَإِلَّا فَأَرْشُ نَقْصِهِ، وَتَقَدَّمَ. (فَإِنْ دَفَعَهُ إلَى إمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ) لِيَحْفَظَهُ لِرَبِّهِ زَالَ عَنْهُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ نَظَرًا فِيهَا. (أَوْ أَمَرَهَ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (بِرَدِّهِ إلَى مَكَانِهِ زَالَ عَنْهُ الضَّمَانُ) لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ بِسَنَدِهِ " أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِرَجُلٍ وَجَدَ بَعِيرًا: أَرْسِلْهُ حَيْثُ وَجَدْتَهُ "؛ وَلِأَنَّ أَمْرَهُ بِرَدِّهِ كَأَخْذِهِ مِنْهُ،. فَإِنْ رَدَّهُ إلَى مَكَانِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ وَتَلِفَ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ بِأَخْذِهِ لَزِمَهُ حِفْظُهُ، وَتَرْكُهُ تَضْيِيعٌ لَهُ. (وَكَذَا مَنْ أَخَذَ مِنْ نَائِمٍ أَوْ) أَخَذَ مِنْ (سَاهٍ) أَيْ: غَافِلٍ (شَيْئًا لَا يَبْرَأُ بِرَدِّهِ) لَهُ نَائِمًا أَوْ سَاهِيًا (بَلْ بِتَسْلِيمِهِ لِرَبِّهِ بَعْدَ انْتِبَاهِهِ) مِنْ النَّوْمِ، وَالسَّهْوِ؛ لِأَنَّ الْآخِذَ مُتَعَدٍّ بِالْأَخْذِ فَهُوَ سَارِقٌ أَوْ غَاصِبٌ فَلَا يَبْرَأُ مِنْ عُهْدَتِهِ إلَّا بِرَدِّهِ فِي حَالٍ يَصِحُّ قَبْضُ مَالِكِهِ لَهُ فِيهَا (أَوْ) بِتَسْلِيمِهِ (لِإِمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ) لِيَحْفَظَهُ لِرَبِّهِ فَيَبْرَأُ بِذَلِكَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَا وِلَايَةَ لِحَاكِمٍ عَلَى نَائِمٍ، وَسَاهٍ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُنْتَهَى، وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ. (وَيَجُوزُ الْتِقَاطُ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ) الصَّيْدَ عِنْدَ الْقَاضِي، وَغَيْرِهِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ أَصَحّ

стр. 1809

لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي الْمَنْعِ، وَلَيْسَ فِي مَعْنَى الْمَمْنُوعِ (وَيَنْتَفِعُ بِهِ فِي الْحَالِ) بِلَا تَعْرِيفٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَقَدَّمَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى أَنَّهُ يَحْرُمُ الْتِقَاطُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّنْقِيحِ تَبَعًا لِلْمُغْنِي، وَغَيْرِهِ لَكِنْ لَا ضَمَانَ. (ضَمَانُ وَيَسِمُ الْإِمَامُ) مِنْ الْوَسْمِ وَهُوَ الْعَلَامَةُ (مَا يَحْصُلُ عِنْدَهُ مِنْ الضَّوَالِّ) ، وَقَوْلُهُ (بِأَنَّهَا ضَالَّةٌ) مُتَعَلِّقٌ بِيَسِمُ (، وَيُشْهِدُ عَلَيْهَا) لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِهِ (ثُمَّ إنْ كَانَ لَهُ حِمًى يَرْعَى فِيهِ) مَا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ مِنْ الدَّوَابِّ (تَرَكَهَا) تَرْعَى (فِيهِ إنْ رَأَى ذَلِكَ، وَإِنْ رَأَى) الْمَصْلَحَةَ فِي (بَيْعِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حِمًى بَاعَهَا بَعْدَ أَنْ يُحَلِّيَهَا، وَيَحْفَظَ صِفَاتِهَا، وَيَحْفَظَ ثَمَنَهَا لِصَاحِبِهَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَحْفَظُ لَهَا؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا يُفْضِي إلَى أَنْ تَأْكُلَ جَمِيعَ ثَمَنِهَا. (وَيَجُوزُ الْتِقَاطُ الصُّيُودِ الْمُتَوَحِّشَةِ الَّتِي إذَا تُرِكَتْ رَجَعَتْ إلَى الصَّحْرَاءِ بِشَرْطِ عَجْزِ رَبِّهَا عَنْهَا) ؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا أَضْيَعُ لَهَا مِنْ سَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَالْمَقْصُودُ حِفْظُهَا لِصَاحِبِهَا لَا حِفْظُهَا فِي نَفْسِهَا، وَلَوْ كَانَ الْقَصْدُ حِفْظَهَا فِي نَفْسِهَا لَمَا جَازَ الْتِقَاطُ الْأَثْمَانِ، فَإِنَّ الدِّينَارَ دِينَارٌ حَيْثُمَا كَانَ، وَلَا يَمْلِكُهَا بِالتَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ فِيهَا. وَمِثْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي، وَغَيْرِهِ لَوْ وَجَدَ الضَّالَّةَ فِي أَرْضٍ مَسْبَعَةٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْأَسَدَ يَفْتَرِسُهَا إنْ تُرِكَتْ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ يَخَافُ عَلَيْهَا مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ بِمَحَلٍّ يَسْتَحِلُّ أَهْلُهُ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ كَوَادِي التَّيْمِ، أَوْ فِي بَرِيَّةٍ لَا مَاءَ فِيهَا، وَلَا مَرْعًى فَالْأَوْلَى جَوَازُ أَخَذِهَا لِلْحِفْظِ، وَلَا ضَمَانَ، وَيُسَلِّمُهَا لِنَائِبِ الْإِمَامِ، وَلَا يَمْلِكُهَا بِالتَّعْرِيفِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ فِي الْإِنْصَافِ لَوْ قِيلَ بِوُجُوبِ أَخَذِهَا، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ. (وَجْهٌ وَأَحْجَارُ الطَّوَاحِينَ) مُبْتَدَأٌ (الْكَبِيرَةُ وَالْقُدُورُ، الضَّخْمَةُ وَالْأَخْشَابُ الْكَبِيرَةُ) ، وَقَوْلُهُ (مُلْحَقَةٌ بِإِبِلٍ) خَبَرُهُ، أَيْ: فَلَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَكَادُ تَضِيعُ عَنْ صَاحِبِهَا، وَلَا تَبْرَحُ مِنْ مَكَانِهَا، فَهِيَ أَوْلَى بِعَدَمِ التَّعَرُّضِ مِنْ الضَّوَالِّ. (وَيَجُوزُ الْتِقَاطُ قِنٍّ صَغِيرٍ ذَكَرًا كَانَ) الْقِنُّ (أَوْ أُنْثَى) كَالشَّاةِ (وَلَا يُمْلَكُ بِالِالْتِقَاطِ) ، وَلَوْ عَرَّفَهُ حَوْلًا. (قَالَ الْمُوَفَّقُ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ: اللَّقِيطَ (مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ) ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ عَلَى مَا يَأْتِي فِي اللَّقِيطِ. الْقِسْمُ (الثَّالِثُ: سَائِرُ) أَيْ: بَاقِي (الْأَمْوَالِ، كَالْأَثْمَانِ، وَالْمَتَاعِ، وَمَا لَا يَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، كَالْغَنَمِ، وَالْفُصْلَانِ) بِضَمِّ الْفَاءِ، وَكَسْرِهَا جَمْعُ فَصِيلٍ، وَهُوَ وَلَدُ النَّاقَةِ إذَا فَصَلَ عَنْ أُمِّهِ (وَالْعَجَاجِيلُ) جَمْعُ عِجْلٍ، وَهُوَ وَلَدُ الْبَقَرَةِ (وَجِحَاشُ الْحَمِيرِ، وَالْأَفْلَاءِ) بِالْمَدِّ جَمْعُ فِلْوٍ، بِوَزْنِ سِحْرٍ، وَجِرْوٍ، وَعَدُوٍّ، وَسُمُوٍّ، وَهُوَ الْجَحْشُ، وَالْمُهْرُ إذَا فُطِمَا أَوْ بَلَغَا السَّنَةَ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ (وَالْإِوَزِّ، وَالدَّجَاجِ، وَنَحْوِهَا) كَالْخَشَبَةِ

стр. 1810

الصَّغِيرَةِ، وَقِطَعِ الْحَدِيدِ، وَالنُّحَاسِ، وَالرَّصَاصِ، وَالزِّقِّ مِنْ الدُّهْنِ أَوْ الْعَسَلِ، وَالْغِرَارَةِ مِنْ الْحَبِّ، وَالْكُتُبِ، وَمَا جَرَى مُجْرَى ذَلِكَ، وَالْمَرِيضِ مِنْ كِبَارِ الْإِبِلِ وَنَحْوِهِ، كَالصَّغِيرِ (سَوَاءٌ وُجِدَ ذَلِكَ بِمِصْرٍ، أَوْ بِمَهْلَكَةٍ لَمْ يَنْبُذْهُ رَبُّهُ رَغْبَةً عَنْهُ) فَإِنْ نَبَذَهُ كَذَلِكَ، مَلَكَهُ آخِذُهُ، وَتَقَدَّمَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ. (فَمَنْ لَا يَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ (لَا يَجُوزُ لَهُ أَخَذُهَا بِحَالٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَتِهَا عَلَى رَبِّهَا، فَهُوَ كَإِتْلَافِهَا، وَكَمَا لَوْ نَوَى تَمَلُّكَهَا فِي الْحَالِ أَوْ كِتْمَانَهَا. (فَإِنْ أَخَذَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (بِهَذِهِ النِّيَّةِ) أَيْ: بِنِيَّةِ الْخِيَانَةِ (ضَمِنَهَا) إنْ تَلِفَتْ (وَلَوْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ فَضَمِنَهُ، كَالْغَاصِبِ (وَلَمْ يَمْلِكْهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ، إذَا أَخَذَهَا، وَهُوَ لَا يَأْمَنُ لِنَفْسِهِ عَلَيْهَا، أَوْ نَوَى تَمَلُّكَهَا فِي الْحَالِ أَوْ كِتْمَانَهَا (وَإِنْ عَرَّفَهَا) ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُحَرَّمَ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ بِدَلِيلِ السَّرِقَةِ. (وَمَنْ أَخَذَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (بِنِيَّةِ الْأَمَانَةِ ثُمَّ طَرَأَ) لَهُ (قَصْدُ الْخِيَانَةِ لَمْ يَضْمَنْ) اللُّقَطَةَ إنْ تَلِفَتْ بِلَا تَفْرِيطٍ فِي الْحَوْلِ كَمَا لَوْ كَانَ أَوْدَعَهُ إيَّاهَا. (وَمَنْ أَمِنَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ (اللُّقَطَةِ وَقَوِيَ عَلَى تَعْرِيفِهَا فَلَهُ أَخْذُهَا) لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْمَذْكُورِ أَوَّلَ الْبَابِ فِي النَّقْدَيْنِ، وَقِيسَ عَلَيْهِمَا كُلُّ مُتَمَوَّلٍ غَيْرِ الْحَيَوَانِ، وَفِي الْحَيَوَانِ لَا يَمْتَنِعُ بِنَفْسِهِ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِمَامِ، وَغَيْرِهِ (وَالْأَفْضَلُ) لِمَنْ أَمِنَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا، وَقَوِيَ عَلَى تَعْرِيفِهَا (تَرْكُهَا) أَيْ: عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهَا قَالَ أَحْمَدُ: الْأَفْضَلُ تَرْكُ الِالْتِقَاطِ. وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ ﵁ (وَلَوْ وَجَدَهَا بِمَضْيَعَةٍ) ؛ لِأَنَّ فِي الِالْتِقَاطِ تَعْرِيضًا بِنَفْسِهِ لِأَكْلِ الْحَرَامِ، وَتَضْيِيعِ الْوَاجِبِ مِنْ تَعْرِيفِهَا، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ فِيهَا، فَتَرْكُ ذَلِكَ أَوْلَى، وَأَسْلَمُ. (وَإِنْ عَجَزَ عَنْ تَعْرِيفِهَا فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهَا) وَلَوْ بِنِيَّةِ الْأَمَانَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنْ وُصُولِهَا إلَى رَبِّهَا. (وَمَتَى أَخَذَهَا) أَيْ: أَخَذَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ (ثُمَّ رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا) ضَمِنَهَا (أَوْ فَرَّطَ فِيهَا) فَتَلِفَتْ (ضَمِنَهَا) ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ حَصَلَتْ فِي يَدِهِ، فَلَزِمَهُ حِفْظُهَا كَسَائِرِ الْأَمَانَاتِ، وَتَرْكُهَا، وَالتَّفْرِيطُ فِيهَا تَضْيِيعٌ لَهَا. (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْمُلْتَقِطُ (رَدَّهَا بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ) إلَى مَوْضِعِهِ، فَلَا يَضْمَنُهَا؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ نَظَرًا فِي الْمَالِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ مَالِكُهُ، وَكَذَا لَوْ الْتَقَطَهَا وَدَفَعَهَا لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ. (وَلَوْ) كَانَ الْمُلْتَقَطُ (مُمْتَنِعًا) مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ وَرَدَّهُ إلَى مَكَانِهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ ضَمَانِهَا (كَمَا تَقَدَّمَ) . ، (وَإِنْ ضَاعَتْ اللُّقَطَةُ مِنْ مُلْتَقِطِهَا فِي حَوْلِ التَّعْرِيفِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ) مِنْهُ (فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ فَلَمْ يَضْمَنْهَا كَالْوَدِيعَةِ. (فَإِنْ)

стр. 1811

ضَاعَتْ مِنْهُ فَ (الْتَقَطَهَا آخَرُ فَعَلِمَ) الثَّانِي (أَنَّهَا ضَاعَتْ مِنْ الْأَوَّلِ فَعَلَيْهِ) أَيْ: الثَّانِي (رَدُّهَا إلَيْهِ) أَيْ: الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ التَّمَوُّلِ، وَوِلَايَةُ التَّعْرِيفِ، وَالْحِفْظِ، فَلَا يَزُول ذَلِكَ بِالضَّيَاعِ (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الثَّانِي بِالْحَالِ حَتَّى عَرَّفَهَا حَوْلًا مَلَكَهَا) ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ وُجِدَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ عُدْوَانٍ (وَلَا يَمْلِكُ الْأَوَّلُ انْتِزَاعَهَا مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ التَّمَلُّكِ (فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا أَخَذَهَا مِنْ الثَّانِي وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ. (وَإِنْ عَلِمَ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ فَرَدَّهَا إلَيْهِ فَأَبَى) الْأَوَّلُ (أَخْذَهَا مَثَلًا وَقَالَ) لِلثَّانِي (عَرِّفْهَا أَنْتَ فَعَرَّفَهَا) الثَّانِي حَوْلًا (مَلَكَهَا أَيْضًا) ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَرَكَ حَقَّهُ فَسَقَطَ. (وَإِنْ قَالَ) الْأَوَّلُ لِلثَّانِي (عَرِّفْهَا وَتَكُونُ مِلْكًا لِي فَفَعَلَ) الثَّانِي (فَهُوَ نَائِبُهُ فِي التَّعْرِيفِ، وَيَمْلِكُهَا الْأَوَّلُ) ؛ لِأَنَّهُ، وَكَّلَهُ فِي التَّعْرِيفِ فَصَحَّ كَمَا لَوْ كَانَتْ بِيَدِ الْأَوَّلِ. (وَإِنْ قَالَ) الْأَوَّلُ لِلثَّانِي (عَرِّفْهَا مَثَلًا وَتَكُونُ بَيْنِنَا، فَفَعَلَ) أَيْ: عَرَّفَهَا (صَحَّ أَيْضًا، وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ نِصْفِهَا، وَوَكَّلَهُ فِي الْبَاقِي. (وَإِنْ غَصَبَهَا غَاصِبٌ مِنْ الْمُلْتَقِطِ وَعَرَّفَهَا) الْغَاصِبُ (لَمْ يَمْلِكْهَا) ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِأَخْذِهَا وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ سَبَبُ تَمَلُّكِهَا، فَإِنَّ الِالْتِقَاطَ مِنْ جُمْلَةِ السَّبَبِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ الْتَقَطَهَا ثَانٍ، فَإِنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ الِالْتِقَاطُ. (وَاللُّقَطَةُ) الَّتِي أُبِيحَ الْتِقَاطُهَا وَلَمْ تُمْلَكْ بِهِ، وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ (عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا حَيَوَانٌ) مَأْكُولٌ، كَفَصِيلٍ، وَشَاةٍ، وَدَجَاجَةٍ (فَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُلْتَقِطَ فِعْلُ الْأَحَظِّ لِمَالِكِهِ (مِنْ) أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ (أَكْلُهُ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) فِي الْحَالِ لِقَوْلِهِ ﷺ «وَسُئِلَ عَنْ لُقَطَةِ الشَّاةِ هِيَ لَك أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذِّئْبِ» فَجَعَلَهَا لَهُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الذِّئْبِ، وَالذِّئْبُ لَا يُسْتَأْنَى بِأَكْلِهَا؛ وَلِأَنَّ فِي أَكْلِ الْحَيَوَانِ فِي الْحَالِ إغْنَاءً عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، وَحِرَاسَتِهِ لِمَالِيَّتِهِ عَلَى صَاحِبِهِ إذَا جَاءَ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ قِيمَتَهُ بِكَمَالِهَا (أَوْ) مِنْ (بَيْعِهِ) أَيْ: الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَكْلُهُ، فَبَيْعُهُ أَوْلَى. (وَ) إذَا بَاعَهُ (حَفِظَ ثَمَنَهُ لِصَاحِبِهِ وَلَهُ) أَيْ: الْمُلْتَقِطِ (أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ فِي الْأَكْلِ) لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ (وَ) لَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ أَيْضًا فِي (الْبَيْعِ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَكْلُهُ بِلَا إذْنِهِ، فَبَيْعُهُ أَوْلَى (يَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُلْتَقِطَ (حِفْظُ صِفَتِهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ (فِيهِمَا) أَيْ: فِيمَا إذَا أَرَادَ الْأَكْلَ أَوْ الْبَيْعَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الرَّدِّ إذَا وَصَفَهَا رَبُّهَا (أَوْ) مَنْ (حَفِظَهُ) أَيْ: الْحَيَوَانَ. (وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حِفْظِهِ عَلَى مَالِكِهِ (وَلَا يَتَمَلَّكُهُ) أَيْ: لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَمَلَّكَ الْمُلْتَقِطُ الْحَيَوَانَ وَلَوْ بِثَمَنٍ

стр. 1812

كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ لَا يَبِيعُ مِنْ نَفْسِهِ. (فَإِنْ تَرَكَهُ) أَيْ: تَرَكَ الْحَيَوَانَ (وَلَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهِ) حَتَّى تَلِفَ (ضَمِنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ. (مُفَرِّطٌ وَيَرْجِعُ) الْمُلْتَقِطُ (بِهِ) أَيْ: بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَى الْحَيَوَانِ (مَا لَمْ يَتَعَدَّ) بِأَنْ الْتَقَطَهُ لَا لِيُعَرِّفَهُ، أَوْ بِنِيَّةِ تَمَلُّكِهِ فِي الْحَالِ، وَنَحْوِهِ (وَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ) عَلَى مَالِكِهِ إنْ وَجَدَهُ بِمَا أَنْفَقَ كَالْوَدِيعَةِ. (وَإِلَّا) بِأَنْ أَنْفَقَ وَلَمْ يَنْوِ الرُّجُوعَ (فَلَا) رُجُوعَ لَهُ بِمَا أَنْفَقَ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ. (فَإِنْ اسْتَوَتْ) الْأُمُورُ (الثَّلَاثَةُ) فِي نَظَرِ الْمُلْتَقِطِ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ الْأَحَظُّ مِنْهَا (خُيِّرَ بَيْنَهَا) لِجَوَازِ كُلٍّ مِنْهَا مَعَ عَدَمِ ظُهُورِ الْأَحَظِّ. (قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَأَوْلَى الْأُمُور: الْحِفْظُ مَعَ الْإِنْفَاقِ، ثُمَّ الْبَيْعُ، وَحِفْظُ الثَّمَنِ، ثُمَّ الْأَكْلُ، وَغُرْمُ الْقِيمَةِ) ، وَفِي التَّرْغِيبِ: لَا يَبِيعُ بَعْضَ الْحَيَوَانِ. الضَّرْبُ الثَّانِي مَا يُخْشَى فَسَادُهُ بِتَبْقِيَتِهِ (كَطَبِيخٍ، وَبِطِّيخٍ، وَفَاكِهَةٍ، وَخَضْرَاوَاتٍ، وَنَحْوِهَا، فَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُلْتَقِطَ (فِعْلُ الْأَحَظِّ مِنْ أَكْلِهِ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَبَيْعُهُ) وَلَوْ (بِلَا حُكْمِ) أَيْ: إذْنِ (حَاكِمٍ، وَحِفْظُ ثَمَنِهِ) ؛ لِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا حِفْظًا لِمَالِيَّتِهِ عَلَى رَبِّهِ،، وَكَالْحَيَوَانِ. (وَلَوْ تَرَكَهُ) أَيْ: تَرَكَ الْمُلْتَقِطُ مَا يُخْشَى فَسَادَهُ بِلَا أَكْلٍ وَلَا بِيَعٍ (حَتَّى تَلِفَ ضَمِنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ. (فَإِنْ اسْتَوَيَا) فِي نَظَرِ الْمُلْتَقِطِ (خُيِّرَ بَيْنَهُمَا) فَأَيُّهُمَا فَعَلَ جَازَ لَهُ (وَقَيَّدَهُ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ الْبَيْعِ، وَالْأَكْلِ (جَمَاعَةٌ، بَعْدَ تَعْرِيفِهِ بِقَدْرِ مَا يَخَافُ مَعَهُ فَسَادَهُ، ثُمَّ هُوَ بِالْخِيَارِ) بَيْنَ أَكْلِهِ، وَبَيْعِهِ. (إلَّا أَنْ يُمْكِنَ تَجْفِيفُهُ) أَيْ: تَجْفِيفُ مَا يُخْشَى فَسَادُهُ (كَالْعِنَبِ فَيَفْعَلُ) الْمُلْتَقِطُ (مَا يَرَى الْحَظَّ فِيهِ لِمَالِكِهِ مِنْ الْأَكْلِ) بِقِيمَتِهِ (وَالْبَيْعِ) مَعَ حِفْظِ ثَمَنِهِ (وَالتَّجْفِيفِ) ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ بِيَدِهِ، وَفِعْلُ الْأَحَظِّ فِي الْأَمَانَةِ مُتَعَيِّنٌ. (مُتَعَيِّنٍ وَغَرَامَةِ التَّجْفِيفِ) إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهَا (مِنْهُ فَيَبِيعُ) الْمُلْتَقِطُ (بَعْضَهُ فِي ذَلِكَ) أَيْ: فِي تَجْفِيفِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَتِهِ فَإِنْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ رَجَعَ بِهِ فِي الْأَصَحِّ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. وَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُهُ وَلَمْ يُمْكِنْ تَجْفِيفُهُ تَعَيَّنَ أَكْلُهُ. الضَّرْبُ (الثَّالِثُ: سَائِرُ الْأَمْوَالِ) أَيْ: مَا عَدَا الضَّرْبَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ كَالْأَثْمَانِ، وَالْمَتَاعِ، وَنَحْوِهِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُلْتَقِطَ حِفْظُ الْجَمِيعِ مِنْ حَيَوَانٍ حَيَوَانٍ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَمَانَةً فِي يَدِهِ بِالْتِقَاطِهِ. (وَ) يَلْزَمُهُ (تَعْرِيفُهُ عَلَى الْفَوْرِ) لِظَاهِرِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ الْفَوْرِ؛ وَلِأَنَّ صَاحِبَهَا يَطْلُبُهَا عَقِبَ ضَيَاعِهَا (حَيَوَانًا كَانَ) الْمُلْتَقَطُ (أَوْ غَيْرَهُ) سَوَاءٌ أَرَادَ الْمُلْتَقِطُ تَمَلُّكَهُ أَوْ حِفْظَهُ لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِهِ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَلَمْ يُفَرِّقْ وَلَا حَفِظَهَا لِصَاحِبِهَا إنَّمَا يُفِيدُ بِوُصُولِهَا إلَيْهِ، وَطَرِيقُهُ التَّعْرِيفُ. وَيَكُونُ التَّعْرِيفُ (بِالنِّدَاءِ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُلْتَقَطِ (بِنَفْسِهِ) أَيْ: الْمُلْتَقِطِ (أَوْ بِنَائِبِهِ) ، وَيَكُونُ النِّدَاءُ (فِي مَجَامِعِ

стр. 1813

النَّاسِ كَالْأَسْوَاقِ، وَالْحَمَّامَاتِ، وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إشَاعَةُ ذِكْرِهَا. (وَيُكْرَهُ) النِّدَاءُ عَلَيْهَا (فِيهَا) أَيْ: فِي الْمَسَاجِدِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا أَدَّاهَا اللَّهُ إلَيْك فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» ، وَالْإِنْشَادُ دُونَ التَّعْرِيفِ فَهُوَ أَوْلَى. (أَوْلَى وَيَكْثُرُ مِنْهُ) أَيْ: التَّعْرِيفِ (فِي مَوْضِعِ وُجْدَانِهَا) ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ طِلَبِهَا (وَ) يَكْثُرُ أَيْضًا مِنْهُ (فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَلِي الْتِقَاطَهَا) ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَطْلُبُهَا عَقِبَ ضِيَاعِهَا، فَالْإِكْثَارُ مِنْهُ إذَنْ أَقْرَبُ إلَى وُصُولِهَا إلَيْهِ. ، وَيَكُونُ التَّعْرِيفُ (حَوْلًا كَامِلًا) لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ (نَهَارًا) ؛ لِأَنَّهُ مَجْمَعُ النَّاسِ، وَمُلْتَقَاهُمْ (كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً أُسْبُوعًا) أَيْ: سَبْعَةَ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ فِيهِ أَكْثَرُ (ثُمَّ) لَا يَجِبُ تَعْرِيفُهَا بَعْدَ أُسْبُوعٍ مُتَوَالِيًا بَلْ عَلَى عَادَةِ النَّاسِ قَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى، وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَ فِي التَّرْغِيبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهَا (مَرَّةً مِنْ كُلِّ أُسْبُوعٍ مِنْ شَهْرٍ ثُمَّ مَرَّةً فِي كُلِّ شَهْرٍ) حَتَّى يَتِمَّ الْحَوْلُ. (وَلَا يَصِفُهُ) أَيْ: لَا يَصِفُ مَا يُعَرِّفُهُ (بَلْ يَقُولُ: مَنْ ضَاعَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ مَنْ ضَاعَ مِنْهُ نَفَقَةٌ) قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ. وَفِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ فَيَقُولُ: مَنْ ضَاعَ مِنْهُ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ أَوْ دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ أَوْ ثِيَابٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ انْتَهَى، لَكِنْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِفُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَدَّعِيَهَا بَعْضُ مَنْ سَمِعَ صِفَتَهَا فَتَضِيعَ عَلَى مَالِكِهَا، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ: لَا يَصِفُهَا أَنَّهُ لَوْ وَصَفَهَا فَأَخَذَهَا غَيْرُ مَالِكِهَا بِالْوَصْفِ ضَمِنَهَا الْمُلْتَقِطُ لِمَالِكِهَا كَمَا لَوْ دَلَّ الْوَدِيعُ عَلَى الْوَدِيعَةِ مَنْ سَرَقَهَا. (وَإِنْ سَافَرَ) الْمُلْتَقِطُ فِي حَوْلِ التَّعْرِيفِ (وَكَّلَ مَنْ يُعَرِّفُهَا) عَنْهُ حَتَّى يَحْضُرَ، فَيَنُوبَ نَائِبُهُ مَنَابَهُ. (فَإِنْ الْتَقَطَ) اللُّقَطَةَ (فِي صَحْرَاءَ عَرَّفَهَا فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ مِنْ الصَّحْرَاءِ) الَّتِي الْتَقَطَهَا فِيهَا؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ طَلَبِهَا. (طَلَبُهَا وَأُجْرَةُ الْمُنَادِي عَلَى الْمُلْتَقِطِ) ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي الْعَمَلِ، فَكَانَتْ أُجْرَتُهُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ اكْتَرَى شَخْصًا يَقْلَعُ لَهُ مُبَاحًا (وَلَا يَرْجِعُ) الْمُلْتَقِطُ (بِهَا) أَيْ: بِأُجْرَةِ الْمُنَادِي عَلَى رَبِّ اللُّقَطَةِ وَلَوْ قَصَدَ حِفْظَهَا لِمَالِكِهَا خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُلْتَقِطِ فَأُجْرَتُهُ عَلَيْهِ. (وَلَا تُعَرَّفَ كِلَابٌ) وَلَوْ مُعَلَّمَةٌ (بَلْ يُنْتَفَعُ بِالْمُبَاحِ مِنْهَا) فَيَجُوزُ الْتِقَاطُهُ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي الْمَنْعِ وَلَيْسَ فِي مَعْنَى الْمَمْنُوعِ، وَفِي أَخْذِهِ حِفْظُهُ عَلَى مُسْتَحِقِّهِ أَشْبَهَ الْأَثْمَانَ، وَأَوْلَى مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَيْسَ مَالًا فَيَكُونُ أَخَفَّ. (وَإِنْ كَانَ لَا يُرْجَى وُجُودُ صَاحِبِ اللُّقَطَةِ) ، وَمِنْهُ لَوْ كَانَتْ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ لَيْسَتْ بِصُرَّةٍ وَلَا نَحْوِهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي فِي مُغْنِي ذَوِي الْأَفْهَامِ حَيْثُ

стр. 1814

ذَكَر أَنَّهُ يَمْلِكُهَا مُلْتَقِطُهَا بِلَا تَعْرِيفٍ (لَمْ يَجِبْ تَعْرِيفُهَا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ) نَظَرًا إلَى أَنَّهُ كَالْعَبَثِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ التَّنْقِيحِ، وَالْمُنْتَهَى، وَغَيْرِهِمَا: يَجِبُ مُطْلَقًا. (وَلَوْ أَخَّرَ) الْمُلْتَقِطُ (التَّعْرِيفَ عَنْ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ) أَثِمَ، وَسَقَطَ (أَوْ) أَخَّرَهُ (بَعْضَهُ) أَيْ: بَعْضَ الْحَوْلِ الْأُوَلِ (أَثِمَ) الْمُلْتَقِطُ بِتَأْخِيرِهِ أَيْ: التَّعْرِيفِ لِوُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَسَقَطَ) التَّعْرِيفُ؛ لِأَنَّ حِكْمَةَ التَّعْرِيفِ لَا تَحْصُلُ بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ،. فَإِذَا تَرَكَهُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ عَرَّفَ بَقِيَّتَهُ فَقَطْ (كَ) مَا يَأْثَمُ (بِالْتِقَاطِهِ بِنِيَّةِ تَمَلُّكِهِ أَوْ) بِالْتِقَاطِ (مَا لَمْ يُرِدْ تَعْرِيفَهُ) ، وَتَقَدَّمَ. (وَلَا يَمْلِكُهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ إذَا لَمْ يُعَرِّفْهَا فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ (بِالتَّعْرِيفِ بَعْدَ الْحَوْلِ الْأُوَلِ) ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْمِلْكِ التَّعْرِيفُ فِيهِ وَلَمْ يُوجَدْ، وَهَلْ يَتَصَدَّقُ بِهَا أَوْ يَحْبِسُهَا عِنْدَهُ أَبَدًا عَلَى رِوَايَتَيْنِ. (وَكَذَا لَوْ تَرَكَهُ) أَيْ: التَّعْرِيفَ (فِيهِ) أَيْ: الْحَوْلِ الْأَوَّلِ (عَجْزًا كَمَرِيضٍ، وَمَحْبُوسٍ أَوْ) تَرَكَهُ فِيهِ (نِسْيَانًا) فَلَا يَمْلِكُهَا بِهِ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَهَا فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ سَبَبُ الْمِلْكِ، وَالْحُكْمُ يَنْتَفِي لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ سَوَاءٌ انْتَفَى لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَهَذَا أَحَدُ وَجْهَيْنِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي يَمْلِكُهَا بِتَعْرِيفِهَا حَوْلًا بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْ التَّعْرِيفَ عَنْ وَقْتِ إمْكَانِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَرَّفَهَا فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، وَمَفْهُومُ كَلَامِ التَّنْقِيحِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى. (أَوْ تَرَكَهُ) أَيْ: التَّعْرِيفَ (فِي بَعْضِ الْحَوْلِ) لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَلَا يَمْلِكُهَا وَلَوْ عَرَّفَهَا بَعْدَهُ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ وَجَدَهَا صَغِيرٌ، وَنَحْوُهُ) كَسَفِيهٍ (فَلَمْ يُعَرِّفْهَا وَلِيُّهُ) الْحَوْلَ الْأَوَّلَ فَلَا يَمْلِكُهَا لِانْتِفَاءِ سَبَبِ الْمِلْكِ كَمَا تَقَدَّمَ. (أَوْ ضَاعَتْ) اللُّقَطَةُ (فَعَرَّفَهَا) (الْمُلْتَقِطُ الثَّانِي مَعَ عِلْمِهِ بِ) الْمُلْتَقِطِ (الْأَوَّلِ وَلَمْ يَعْلَمْهُ) بِهَا لَمْ يَمْلِكْهَا (أَوْ أَعْلَمَهُ) أَيْ: أَعْلَمَ الثَّانِي الْأَوَّلَ (وَقَصَدَ) الثَّانِي (بِتَعْرِيفِهَا لِنَفْسِهِ) دُونَ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَأْذَنْهُ الْأَوَّلُ (لَمْ يَمْلِكْهَا) الثَّانِي؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّعْرِيفِ لِلْأَوَّلِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَهَا مِنْ الْمُلْتَقِطِ غَاصِبٌ فَعَرَّفَهَا، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَمْلِكُهَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلِكِ وُجِدَ مِنْهُ، وَالْأَوَّلُ لَمْ يَمْلِكْهَا قَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ وَقَطَعَ بِهِ فِي التَّنْقِيحِ، وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى، لَكِنْ تَوَهَّمَ فِي شَرْحِهِ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُهَا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا حَكَوْا الْوَجْهَيْنِ فِي مِلْكِ الثَّانِي لَهَا، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَعْرِيفٌ لَا بِنَفْسِهِ وَلَا بِنَائِبِهِ، وَالتَّعْرِيفُ هُوَ سَبَبُ الْمِلْكِ، وَالْحُكْمُ يَنْتَفِي لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ. (وَلَيْسَ خَوْفُهُ) أَيْ: الْمُلْتَقِطِ (أَنْ يَأْخُذَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (سُلْطَانٌ جَائِرٌ) عُذْرًا فِي تَرْكِ تَعْرِيفِهَا (أَوْ) خَوْفُهُ أَنْ (يُطَالِبَهُ بِأَكْثَرَ عُذْرًا فِي تَرْكِ تَعْرِيفِهَا) قَالَ فِي الْفُرُوعِ

стр. 1815

(فَإِنْ أَخَّرَهُ) أَيْ: التَّعْرِيفَ لِذَلِكَ الْخَوْفِ (لَمْ يَمْلِكْهَا إلَّا بَعْدَهُ) أَيْ: التَّعْرِيفِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَمُرَادُهُمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ عُذْرًا حَتَّى يَمْلِكَهَا بِلَا تَعْرِيفٍ، وَلِهَذَا ذَكَرُوا أَنَّهُ يَمْلِكُهَا بَعْدَهُ وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ خَوْفَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ تَبْقَى بِيَدِهِ فَإِذَا وَجَدَ أَمْنًا عَرَّفَهَا حَوْلًا انْتَهَى فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ تَأْخِيرَ التَّعْرِيفِ لِلْعُذْرِ لَا يُؤَثِّرُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ، وَأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا بَعْدُ، فَيَتَعَارَضُ كَلَامُهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: هَذَا مُتَأَخِّرٌ عَمَّا تَقَدَّمَ، فَكَأَنَّهُ رَجَعَ إلَى هَذَا. (وَإِذَا عَرَّفَهَا) أَيْ: عَرَّفَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ الْجَائِزَ الْتِقَاطِهَا حَوْلًا كَامِلًا فَوْرًا (فَلَمْ تُعَرَّفْ دَخَلَتْ) اللُّقَطَةُ (فِي مِلْكِهِ) أَيْ: الْمُلْتَقِطِ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا (بَعْدَ الْحَوْلِ) لِقَوْلِهِ ﵇ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ «فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا» . وَفِي لَفْظٍ «، وَإِلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مَالِكَ» ، وَفِي لَفْظٍ «ثُمَّ كُلْهَا» . وَفِي لَفْظٍ «فَانْتَفِعْ بِهَا» ، وَفِي لَفْظٍ «فَشَأْنُكَ بِهَا» ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ كَعْبٍ «فَاسْتَنْفِقْهَا» . وَفِي لَفْظٍ «فَاسْتَمْتِعْ بِهَا» ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَقَالَ: وَيَمْلِكُ اللُّقَطَةَ مِلْكًا مُرَاعًى يَزُولُ بِمَجِيءِ صَاحِبِهَا قَالَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَمْلِكُهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنَّمَا يَتَجَدَّدُ وُجُوبُ الْعِوَضِ بِوُجُودِ صَاحِبِهَا كَمَا يَتَجَدَّدُ وُجُوبُ نِصْفِ الصَّدَاقِ أَوْ بَدَلُهُ لِلزَّوْجِ بِالطَّلَاقِ (حُكْمًا كَالْمِيرَاثِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ؛ وَلِأَنَّ الِالْتِقَاطَ، وَالتَّعْرِيفَ سَبَبُ التَّمَلُّكِ، فَإِذَا تَمَّا وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ الْمِلْكُ حُكْمًا كَالْإِحْيَاءِ، وَالِاصْطِيَادِ، فَلَا يَقِفُ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا اخْتِيَارِهِ. (وَلَوْ) كَانَتْ اللُّقَطَةُ (عُرُوضًا) فَهِيَ (كَالْأَثْمَانِ) لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِي اللُّقَطَةِ جَمِيعِهَا، وَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ، وَالْأَثْرَمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ تَرَى مَتَاعًا يُوجَدُ فِي الطَّرِيقِ الْمِيتَاءِ؟ أَوْ فِي مَسْكُونَةٍ فَقَالَ: عَرِّفْهُ سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ، وَإِلَّا فَشَأْنُكَ بِهِ» . (وَ) لَوْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ (لُقَطَةَ الْحَرَمِ) فَإِنَّهَا تُمْلَكُ بِالتَّعْرِيفِ حُكْمًا كَلُقَطَةِ الْحِلِّ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ ﵃، لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ؛ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْحَرَمَيْنِ فَأَشْبَهَ حَرَمَ الْمَدِينَةِ؛ وَلِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فَلَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهَا بِالْحِلِّ، وَالْحَرَمِ كَالْوَدِيعَةِ وَقَوْلُهُ ﵊ «لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ إلَّا لِمَنْ عَرَّفَهَا عَامًا، وَتَخَصُّصُهَا بِذَلِكَ لِتَأَكُّدِهَا لَا لِتَخْصِيصِهَا كَقَوْلِهِ ﵊ «ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرْقُ

стр. 1816

النَّارِ» ، وَضَالَّةُ الذِّمِّيِّ مَقِيسَةٌ عَلَيْهَا " تَتِمَّةُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُنْشِدُ الْمُعَرِّفُ، وَالنَّاشِدُ الطَّالِبُ (أَوْ كَانَ سُقُوطُهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ (مِنْ صَاحِبِهَا بِ) سَبَبِ (عُدْوَانِ غَيْرِهِ) عَلَيْهِ، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ. [فَصْلُ التَّصَرُّفُ فِي اللُّقَطَةِ] فَصْلٌ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَيْ: الْمُلْتَقِطِ (التَّصَرُّفُ فِيهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ بَعْدَ تَعْرِيفِهَا الْحَوْلَ وَلَوْ بِخَلْطٍ بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ (حَتَّى يَعْرِفَ وِعَاءَهَا، وَهُوَ ظَرْفُهَا، كِيسًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ) كَخِرْقَةٍ مَشْدُودَةٍ فِيهَا وَقِدْرٍ، وَزِقٍّ فِيهِ اللُّقَطَةُ الْمَائِعَةُ وَلُفَافَةٌ عَلَى ثِيَابٍ (وَ) حَتَّى يُعَرِّفَ (وِكَاءَهَا) بِالْمَدِّ (وَهُوَ الْخَيْطُ) أَوْ السَّيْرُ (الَّذِي تُشَدُّ بِهِ) فَيُعَرِّفُ كَوْنَهُ خَيْطًا أَوْ سَيْرًا، وَكَوْنُ الْخَيْطِ مِنْ إبْرَيْسَمٍ أَوْ قُطْنٍ أَوْ كَتَّانٍ، وَنَحْوِهِ (وَ) حَتَّى يُعَرِّفَ (عِفَاصَهَا) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ (وَهُوَ الشَّدُّ، وَالْعَقْدُ أَيْ: صِفَتُهُمَا) فَيُعَرِّفَ الرَّبْطَ هَلْ هُوَ عُقْدَةٌ أَوْ عُقْدَتَانِ، وَأُنْشُوطَةٌ أَوْ غَيْرُهَا لِلِاتِّفَاقِ عَلَى الْأَمْرِ بِمَعْرِفَةِ صِفَاتِهَا، وَهَذِهِ مِنْهَا. ، وَالْأُنْشُوطَةُ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: كَأُنْبُوبَةٍ عُقْدَةٌ يَسْهُلُ انْحِلَالُهَا كَعُقْدَةِ التِّكَّةِ وَقَالَ فِي الْعِفَاصِ: كَكِتَابِ: الْوِعَاءِ فِيهِ النَّفَقَةُ، جِلْدًا أَوْ خِرْقَةً، وَغِلَافُ الْقَارُورَةِ، وَالْجِلْدَةِ تُغَطِّي بِهِ رَأْسَهَا انْتَهَى فَالْعِفَاصُ مُشْتَرَكٌ لَكِنْ لَمَّا ذُكِرَ مَعَ الْوِعَاءِ حُمِلَ عَلَى مَا يُغَايِرُهُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْعَطْفِ (وَ) حَتَّى يُعَرِّفَ (قَدْرَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ بِمِعْيَارِهَا الشَّرْعِيِّ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ ذَرْعٍ أَوْ عَدٍّ. (وَ) يُعَرِّفَ (جِنْسَهَا، وَصِفَتَهَا) الَّتِي تَتَمَيَّزُ بِهَا، وَحَتَّى نَوْعَهَا وَلَوْنَهَا لِحَدِيثِ زَيْدٍ وَفِيهِ «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَّفَ وِعَاءَهَا، وَوِكَاءَهَا فَأَعْطِهَا إيَّاهُ، وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعَدَدِهَا، وَوِعَائِهَا، وَوِكَائِهَا فَأَعْطِهَا إيَّاهُ» . (أَيْ: تَجِبُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ عِنْدَ إرَادَةِ التَّصَرُّفِ فِيهَا) أَيْ: فِي اللُّقَطَةِ لِمَا تَقَدَّمَ؛ وَلِأَنَّ دَفْعَهَا إلَى رَبِّهَا يَجِبُ بِمَا ذُكِرَ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ نَظَرًا إلَى مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا عُدِمَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ سَبِيلُ إلَى مَعْرِفَتِهَا. (وَيُسَنُّ ذَلِكَ) أَيْ: أَنْ يُعَرِّفَ وِعَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا، وَجِنْسَهَا، وَصِفَتَهَا وَقَدْرَهَا (عِنْدَ وِجْدَانِهَا) ؛ لِأَنَّ

стр. 1817

فِيهِ تَحْصِيلًا لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ. (وَ) يُسَنُّ لِلْمُلْتَقِطِ أَيْضًا (إشْهَادُ عَدْلَيْنِ عَلَيْهَا) لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَ (لَا) يُسَنُّ الْإِشْهَادُ " (عَلَى صِفَتِهَا " أَيْ: اللُّقَطَةِ لِاحْتِمَالِ شُيُوعِهِ فَيَعْتَمِدُهُ الْمُدَّعِي الْكَاذِبُ قَالَ فِي الشَّرْحِ، وَالْمُبْدِعِ) ، وَيُسْتَحَبُّ كَتْبُ صِفَاتِهَا لِيَكُونَ أَثْبَتَ لَهَا مَخَافَةَ نِسْيَانِهَا. (فَمَتَى جَاءَ طَالِبُهَا) وَلَوْ بَعْدَ الْحَوْلِ (فَوَصَفَهَا) بِالصِّفَاتِ السَّابِقَةِ (لَزِمَ دَفْعُهَا إلَيْهِ إنْ كَانَتْ عِنْدَهُ، وَلَوْ بِلَا بَيِّنَةٍ، وَلَا يَمِينٍ ظَنَّ صِدْقَهُ أَوْ لَا) لِقَوْلِهِ ﵊ «فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إلَيْهِ» ؛ وَلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا غَالِبًا لِسُقُوطِهَا حَالَ الْغَفْلَةِ، وَالسَّهْوِ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ دَفْعُهَا بِالصِّفَةِ لِمَا جَازَ الْتِقَاطُهَا. (فَإِنْ وَجَدَهَا) طَالِبُهَا (قَدْ خَرَجَتْ عَنْ) مِلْكِ (الْمُلْتَقِطِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ) بِأَنْ بَاعَهَا الْمُلْتَقِطُ أَوْ وَهَبَهَا أَوْ وَقَفَهَا (بَعْدَ مِلْكِهَا) أَيْ: بَعْدَ أَنْ عَرَّفَهَا حَوْلًا كَامِلًا (فَلَا رُجُوعَ) لِطَالِبِهَا فِي عَيْنِهَا؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمُلْتَقِطِ وَقَعَ صَحِيحًا لِدُخُولِهَا فِي مِلْكِهِ (وَلَهُ) أَيْ: لِطَالِبِهَا (بَدَلُهَا) عَلَى الْمُلْتَقِطِ أَيْ: مِثْلُهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، وَإِلَّا فَقِيمَتُهَا لِتَعَذُّرِ رَدِّهَا لِمَا تَقَدَّمَ. (فَإِنْ أَدْرَكَهَا) طَالِبُهَا (مَبِيعَةً بَيْعَ الْخِيَارِ) بِأَنْ يَبْعَثَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ (لِلْبَائِعِ أَوْ لَهُمَا) أَيْ: الْبَائِعِ، وَالْمُشْتَرِي، وَقَوْلُهُ (فِي زَمَنِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِإِدْرَاكِهَا أَيْ: زَمَنَ الْخِيَارِ (وَجَبَ) عَلَى الْبَائِعِ (الْفَسْخُ) لِيَرُدَّهَا لِرَبِّهَا لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ زَمَنَ خِيَارٍ، وَتُرَدُّ لَهُ، وَعَلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا إلَّا الْبَدَلُ مَا لَمْ يَخْتَرْ الْمُشْتَرِي الْفَسْخَ وَلَا يَلْزَمُهُ. (أَوْ) أَدْرَكَهَا رَبُّهَا بَعْدَ الْحَوْلِ (مَرْهُونَةً) وَلَوْ مَقْبُوضَةً (فَلَهُ انْتِزَاعُهَا) مِنْ الْمُرْتَهِنِ أَوْ نَائِبِهِ لِقِيَامِ مِلْكِهِ، وَانْتِفَاءِ إذْنِهِ قَالَهُ الْحَارِثِيُّ وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ قُلْتُ: يَتَوَجَّهُ عَدَمُ الِانْتِزَاعِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الشَّرْحِ: وَسَائِرُ أَحْكَامِ الرُّجُوعِ هَهُنَا كَحُكْمِ رُجُوعِ الزَّوْجِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ. (فَإِنْ صَادَفَهَا رَبُّهَا قَدْ رَجَعَتْ إلَيْهِ) أَيْ: الْمُلْتَقِطِ بَعْدَ خُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِهِ (بِفَسْخٍ أَوْ غَيْرِهِ أَخَذَهَا) ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ فَكَانَ لَهُ أَخْذُهَا كَالزَّوْجِ إذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَوَجَدَ الصَّدَاقَ قَدْ رَجَعَ إلَى الْمَرْأَةِ، وَحَيْثُ أَخَذَ اللُّقَطَةَ طَالِبُهَا فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا (بِنَمَائِهَا الْمُتَّصِلِ) ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ مَالِكِهَا وَلَا يُمْكِنُ انْفِصَالُهَا عَنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ يَتْبَعُ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ. (فَأَمَّا) النَّمَاءُ (الْمُنْفَصِلُ قَبْلَ مُضِيِّ الْحَوْلِ فَ) هُوَ (لِمَالِكِهَا) ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ. (وَ) النَّمَاءُ الْمُنْفَصِلُ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ حَوْلِ التَّعْرِيفِ (لِوَاجِدِهَا) ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ اللُّقَطَةَ بِمُضِيِّ الْحَوْل فَنَمَاؤُهَا إذَنْ نَمَاءُ مِلْكِهِ؛ وَلِأَنَّهُ يَضْمَنُ النَّقْصَ بَعْدَ الْحَوْلِ فَتَكُونُ لَهُ الزِّيَادَةُ لِيَكُونَ الْخَرَاجُ

стр. 1818

بِالضَّمَانِ بِخِلَافِ الْمُفْلِسِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ النَّقْصَ لِغَيْرِهِ. (وَوَارِثٌ مُلْتَقِطٌ كَهُوَ) أَيْ: كَالْمُلْتَقِطِ (فِي تَعْرِيفٍ، وَغَيْرِهِ) لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ قَامَ وَارِثُهُ فِي إتْمَامِ تَعْرِيفِهَا، وَدَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ بَعْدَ تَمَامِ التَّعْرِيفِ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْحَوْلِ وَرِثَهَا وَرَثَتُهُ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ. (فَإِنْ مَاتَ الْمُلْتَقِطُ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا أَخَذَهَا مِنْ الْوَارِثِ) إنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً كَمَا يَأْخُذُهَا مِنْ الْمَوْرُوثِ (وَإِنْ كَانَتْ) اللُّقَطَةُ (مَعْدُومَةً فَصَاحِبُهَا غَرِيمٌ بِهَا) أَيْ: بِمِثْلِهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً أَوْ بِقِيمَتِهَا فَيَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِنْ ضَاقَتْ زَاحَمَ الْغُرَمَاءَ (وَإِنْ كَانَ تَلَفُهَا بَعْدَ الْحَوْلِ بِفِعْلِهِ) أَيْ: الْوَارِثِ (أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ) ؛ لِأَنَّهَا قَدْ دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ بِمُضِيِّ الْحَوْلِ. (وَإِنْ تَلِفَتْ) اللُّقَطَةُ (أَوْ نَقَصَتْ أَوْ ضَاعَتْ قَبْلَ مُضِيِّ الْحَوْلِ لَمْ يَضْمَنْهَا) الْمُلْتَقِطُ وَلَا وَارِثُهُ (إنْ لَمْ يُفَرِّطْ؛ لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ) . (وَ) إنْ تَلِفَتْ أَوْ نَقَصَتْ أَوْ ضَاعَتْ (بَعْدَ الْحَوْلِ يَضْمَنُهَا وَلَوْ لَمْ يُفَرِّطْ) لِدُخُولِهَا فِي مِلْكِهِ إذَنْ (بِمِثْلِهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، وَإِلَّا) تَكُنْ مِثْلِيَّةً ضَمِنَهَا (بِقِيمَتِهَا يَوْمَ عَرَّفَ بِهَا سَوَاءٌ تَلِفَتْ بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ) لِصَيْرُورَتِهَا بِمِلْكِهِ بَعْدَ حَوْلِ التَّعْرِيفِ. وَإِذَا مَاتَ الْمُلْتَقِطُ وَلَمْ يَعْلَمْ تَلَفَ اللُّقَطَةِ وَلَمْ تُوجَدْ فِي تَرِكَتِهِ فَصَاحِبُهَا غَرِيمٌ بِهَا سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلِ بَقَاؤُهَا. (وَلَا يَكْفِي تَصْدِيقُ عَبْدٍ) وَلَا أَمَةٍ (مُلْتَقِطٍ) أَيْ: لَوْ كَانَ بِيَدِ قِنٍّ عَيْنٌ وَجَاءَ طَالِبُهَا وَقَالَ: هِيَ لُقَطَةٌ لُقَطَةٌ وَوَصَفَهَا لَمْ يَكُنْ تَصْدِيقُ الْقَنِّ (لِوَاصِفٍ) عَلَى أَنَّهَا لُقَطَةٌ (بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْعَبْدِ لَا يَصِحُّ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ) أَيْ: بِرَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى سَيِّدِهِ بِخِلَافِ إقْرَارِهِ بِنَحْوِ طَلَاقٍ. (فَإِنْ وَصَفَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (اثْنَانِ) فَأَكْثَرُ (مَعًا أَوْ وَصَفَهَا الثَّانِي) بَعْدَ الْأَوَّلِ لَكِنْ (قَبْلَ دَفْعِهَا إلَى الْأَوَّلِ) أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا (أَوْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ) بِاللُّقَطَةِ (أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (فَمَنْ قَرَعَ) أَيْ: خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ (حَلَفَ) أَنَّ اللُّقَطَةَ لَهُ لِاحْتِمَالِ صِدْقِ صَاحِبِهِ (وَأَخَذَهَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَائِدَةُ الْقُرْعَةِ. (وَ) إنْ وَصَفَهَا إنْسَانٌ (بَعْدَ دَفْعِهَا) لِمَنْ وَصَفَهَا أَوَّلًا (لَا شَيْءَ لِلْوَاصِفِ الثَّانِي) ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْتَحَقَّهَا بِوَصْفِهِ إيَّاهَا مَعَ عَدَمِ الْمُنَازِعِ لَهُ حِينَ أَخَذَهَا، وَثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهَا وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَقْتَضِي انْتِزَاعَهَا مِنْهُ، فَوَجَبَ بَقَاؤُهَا لَهُ كَسَائِرِ مَالِهِ. (وَلَوْ ادَّعَاهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَوَصَفَهَا أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ حَلَفَ) وَاصِفُهَا (وَأَخَذَهَا) لِتَرَجُّحِهِ بِوَصْفِهَا (، وَمِثْلُهُ وَصْفُهُ مَغْصُوبًا، وَمَسْرُوقًا) ، وَمَنْهُوبًا، وَنَحْوَهُ فَإِنَّهُ (يَسْتَحِقُّهُ بِالْوَصْفِ) وَلَا يُكَلَّفُ بَيِّنَةً تَشْهَدُ بِهِ (ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ) أَيْ: الْإِمَامِ (إذَا اخْتَلَفَ الْمُؤَجِّرُ

стр. 1819

وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي دِفْنِ الدَّارِ) بِكَسْرِ الدَّال أَيْ: الْمَدْفُونِ بِهَا (مَنْ وَصَفَهُ فَهُوَ لَهُ) لِتَرَجُّحِهِ بِالْوَصْفِ قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّامِنَةِ، وَالتِّسْعِينَ: مَنْ ادَّعَى شَيْئًا، وَوَصَفَهُ دُفِعَ إلَيْهِ بِالصِّفَةِ، إذَا جُهِلَ رَبُّهُ وَلَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ يَدٌ مِنْ جِهَةِ مَالِكِهِ، وَإِلَّا فَلَا. (وَلَا يَجُوزُ) لِلْمُلْتَقِطِ (دَفْعُهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ لِطَالِبِهَا (بِغَيْرِ وَصْفٍ وَلَا بَيِّنَةٍ وَلَوْ ظَهَرَ صِدْقُهُ) لِاحْتِمَالِ كَذِبِهِ،. وَيَضْمَنُ الدَّافِعُ إنْ جَاءَ آخَرُ مَثَلًا وَوَصَفَهَا وَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْآخِذِ وَلِلْمُلْتَقِطِ مُطَالَبَةُ آخِذِهَا بِهَا، إنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مَجِيءَ رَبِّهَا، وَطَلَبَهُ بِهَا،؛ وَلِأَنَّهَا بِيَدِهِ أَمَانَةٌ. (وَإِنْ) وَصَفَهَا إنْسَانٌ وَدَفَعَهَا إلَيْهِ ثُمَّ (أَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ، أَخَذَهَا مِنْ الْوَاصِفِ) ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ أَقْوَى مِنْ الْوَصْفِ. (فَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَ الْوَاصِفِ ضَمِنَهَا) الْوَاصِفُ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَادِيَةٌ كَالْغَاصِبِ. (وَلَمْ يَضْمَنْ الدَّافِعُ، وَهُوَ الْمُلْتَقِطُ، إنْ كَانَ الدَّافِعُ بِإِذْنِ حَاكِمٍ) ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ إذَنْ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَمْ يَضْمَنْ كَالْمُكْرَهِ. (وَلَا يَرْجِعُ الْوَاصِفُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمُلْتَقِطِ بِمَا يَغْرَمُهُ لِمَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بَلْ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ (وَكَذَا لَوْ كَانَ الدَّفْعُ) مِنْ الْمُلْتَقِطِ لِلْوَاصِفِ (بِغَيْرِ إذْنِ حَاكِمٍ) ؛ لِأَنَّهُ بِإِذْنِ الشَّرْعِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ (لِوُجُوبِهِ) أَيْ: الدَّفْعِ (عَلَيْهِ) لِمَنْ وَصَفَهَا لِمَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ كَانَ الْوَاصِفُ أَخَذَ بَدَلَهَا لِتَلَفِهَا عِنْدَ الْمُلْتَقِطِ لَمْ يُطَالِبْهُ ذُو الْبَيِّنَةِ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُلْتَقِطُ عَلَى الْوَاصِفِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَقَرَّ لَهُ. (مَثَلًا وَمُؤْنَةُ رَدِّهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ (عَلَى رَبِّهَا) إنْ احْتَاجَتْ لِذَلِكَ كَالْوَدِيعَةِ. (وَلَوْ قَالَ مَالِكُهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ بَعْدَ تَلَفِهَا فِي حَوْلِ التَّعْرِيفِ بِلَا تَفْرِيطٍ (أَخَذْتَهَا لِتَذْهَبَ بِهَا) لَا لِتُعَرِّفَهَا فَأَنْتَ ضَامِنٌ (وَقَالَ الْمُلْتَقِطُ: بَلْ) أَخَذْتُهَا (لِأُعَرِّفَهَا فَقَوْلُهُ) أَيْ: الْمُلْتَقِطِ (مَعَ يَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ. (وَإِنْ وَجَدَ) مُشْتَرٍ (فِي حَيَوَانٍ اشْتَرَاهُ، كَشَاةٍ وَنَحْوِهَا نَقْدًا فَ) هُوَ (لُقَطَةٌ لِوَاجِدِهِ يُعَرِّفُهَا) أَيْ: يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُهَا كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الضَّائِعَةِ (وَيَبْدَأُ) فِي التَّعْرِيفِ (بِالْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ) الشَّاةُ (ابْتَلَعَتْهَا فِي مِلْكِهِ) ،. (كَمَا لَوْ وَجَدَ صَيْدًا مَخْضُوبًا أَوْ فِي أُذُنِهِ قُرْطٍ، أَوْ فِي عُنُقِهِ خَرَزٌ) فَإِنَّهُ لُقَطَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْخِضَابَ، وَنَحْوَهُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ. (وَإِنْ اصْطَادَ سَمَكَةً مِنْ الْبَحْرِ فَوَجَدَ فِي بَطْنِهَا دُرَّةً غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ فَهِيَ) أَيْ: الدُّرَّةُ (لَهُ) لِلصَّائِدِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ ابْتِلَاعُهَا مِنْ مَعْدِنِهَا؛ لِأَنَّ الدُّرَّ يَكُونُ فِي الْبَحْرِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤] . (وَإِنْ بَاعَهَا) أَيْ: السَّمَكَةَ (غَيْرَ عَالِمٍ بِهَا) أَيْ: بِالدُّرَّةِ (لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ) أَيْ: الصَّيَّادِ (عَنْهَا)

стр. 1820

أَيْ: الدُّرَّةِ (فَتُرَدُّ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ مَا فِي بَطْنِهَا لَمْ يَبِعْهُ، وَيَرْضَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ (كَمَا لَوْ بَاعَ دَارًا لَهُ فِيهَا مَالٌ) مَدْفُونٌ (لَمْ يَعْلَمْ بِهِ) . وَإِنْ (وَجَدَ) الصَّيَّادُ (فِي بَطْنِهَا) أَيْ: السَّمَكَةِ (مَا لَا يَكُونُ إلَّا لِلْآدَمِيِّ كَدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ) وَجَدَ فِيهِ دُرَّةً أَوْ غَيْرهَا مَثْقُوبَةً أَوْ مُتَّصِلَةً بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ (غَيْرِهِمَا) فَلُقَطَةٌ لَا يَمْلِكُهَا الصَّيَّادُ بَلْ يُعَرِّفُهَا (أَوْ) وَجَدَ مَا ذُكِرَ (فِي عَيْنٍ أَوْ نَهْرٍ وَلَوْ) كَانَ النَّهْرُ (مُتَّصِلًا بِالْبَحْرِ فَلُقَطَةٌ) عَلَى الصَّيَّادِ تَعْرِيفُهَا عَمَلًا بِالْقَرَائِنِ. (وَإِنْ وَجَدَهَا) أَيْ: الدَّرَاهِمَ أَوْ الدَّنَانِيرَ أَوْ الدُّرَّةَ الْمَثْقُوبَةَ الْمَثْقُوبَةَ وَنَحْوَهَا (الْمُشْتَرِي) لِلسَّمَكَةِ (فَالتَّعْرِيفُ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُلْتَقِطُ. (وَإِنْ اصْطَادَهَا) السَّمَكَةَ (مِنْ عَيْنٍ أَوْ نَهْرٍ غَيْرِ مُتَّصِلٍ بِالْبَحْرِ فَكَالشَّاةِ فِي أَنَّ مَا وُجِدَ فِي بَطْنِهَا مِنْ دُرَّةٍ مَثْقُوبَةٍ لُقَطَةٌ) ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ، وَالنَّهْرَ غَيْرَ الْمُتَّصِلِ لَيْسَ مَعْدِنًا لِلدُّرِّ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِالْبَحْرِ، وَكَانَتْ الدُّرَّةُ غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ أَنَّهَا لِلصَّيَّادِ. (وَإِنْ وَجَدَ) إنْسَانٌ (عَنْبَرَةً عَلَى السَّاحِلِ فَحَازَهَا فَهِيَ لَهُ) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبَحْرَ قَذَفَ بِهَا فَهِيَ مُبَاحَةٌ، وَمَنْ سَبَقَ إلَى مُبَاحٍ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى السَّاحِلِ فَلُقَطَةٌ يُعَرِّفُهَا. (وَمَنْ أُخِذَ مَتَاعُهُ، كَثِيَابٍ فِي حَمَّامٍ) حَمَّامٍ وَتُرِكَ لَهُ بَدَلُهُ فَلُقَطَةٌ (أَوْ أُخِذَ مَدَاسُهُ وَتُرِكَ بَدَلُهُ فَلُقَطَةٌ) لَا يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ سَارِقَ الثِّيَابِ، وَنَحْوِهَا لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ مَالِكِهَا مُعَاوَضَةٌ تَقْتَضِي زَوَالَ مِلْكِهِ عَنْهَا فَإِذَا أَخَذَهَا فَقَدْ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ وَلَا يُعْرَفُ صَاحِبُهُ فَيُعَرِّفُهُ كَاللُّقَطَةِ. (وَيَأْخُذُ) رَبُّ الثِّيَابِ، وَنَحْوِهَا (حَقَّهُ مِنْهُ) أَيْ: مِمَّا تَرَكَ لَهُ (بَعْدَ تَعْرِيفِهِ) مِنْ غَيْرِ رَفْعِهِ إلَى حَاكِمٍ قَالَ الْمُوَفَّقُ: هَذَا أَقْرَبُ إلَى الرِّفْقِ بِالنَّاسِ؛ لِأَنَّ فِيهَا نَفْعًا لِمَنْ سُرِقَتْ ثِيَابُهُ بِحُصُولِ عِوَضٍ عَنْهَا، وَنَفْعًا لِلْآخَرِ إنْ كَانَ سَارِقًا بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُ مِنْ الْإِثْمِ، وَحِفْظًا لِهَذِهِ الثِّيَابِ عَنْ الضَّيَاعِ فَلَوْ كَانَتْ الثِّيَابُ الْمَتْرُوكَةُ أَكْثَرَ قِيمَةً مِنْ الْمَأْخُوذِ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ مِنْهَا بِقَدْرِ قِيمَةِ ثِيَابِهِ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ فَاضِلٌ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ وَلَمْ يَرْضَ صَاحِبُهَا بِتَرْكِهَا عِوَضًا عَمَّا أَخَذَهُ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْبَاقِي. (وَمَنْ وَجَدَ لُقَطَةً بِدَارِ حَرْبٍ حَرْبٍ وَهُوَ) أَيْ: الْوَاجِدُ (فِي الْجَيْشِ عَرَّفَهَا سَنَةً، ابْتِدَاؤُهَا) أَيْ: السَّنَةِ (فِي الْجَيْشِ) لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ لِأَحَدِهِمْ. (وَ) يُعَرِّفُهَا (بَقِيَّتَهَا) أَيْ: بَقِيَّةَ السَّنَةِ (فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ) إذَا تَمَّ تَعْرِيفُهَا (وَضَعَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (فِي الْمَغْنَمِ) ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهَا بِقُوَّةِ الْجَيْشِ فَأَشْبَهَتْ مُبَاحَاتِ دَارِ الْحَرْبِ إذَا أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا. (وَإِنْ كَانَ) الْمُلْتَقِطُ (دَخَلَ) دَارَ الْحَرْبِ (بِأَمَانٍ عَرَّفَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (فِي دَارِهِمْ) حَوْلًا؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ (ثُمَّ هِيَ) أَيْ: اللُّقَطَةُ (لَهُ) أَيْ: لِوَاجِدِهَا (إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي جَيْشٍ، فَكَالَّتِي قَبْلَهَا) أَيْ:

стр. 1821

يَضَعُهَا فِي الْمَغْنَمِ لِمَا تَقَدَّمَ،. وَإِنْ دَخَلَ إلَيْهِمْ مُتَلَصِّصًا فَوَجَدَ لُقَطَةً عَرَّفَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُبَاحَةٌ لَهُ ثُمَّ يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ غَنِيمَتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ غَنِيمَةً لَهُ لَا تَحْتَاجُ إلَى تَعْرِيفٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي. (وَإِنْ وَجَدَ لُقَطَةً فِي غَيْرِ طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ) أَيْ: مَسْلُوكٍ (فَهِيَ لُقَطَةٌ) تُعَرَّفَ، كَالَّتِي فِي الطَّرِيقِ الْمَسْلُوكِ. [فَصْلٌ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمُلْتَقِطِ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا] فَصْلٌ وَلَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ تَعْرِيفِ اللُّقَطَةِ حَوْلًا وَمِلْكِهَا بَعْدَهُ (بَيْنَ كَوْنِ الْمُلْتَقِطِ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا يَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا) ؛ لِأَنَّ الِالْتِقَاطَ نَوْعُ اكْتِسَابٍ، فَاسْتَوَوْا فِيهِ كَالِاحْتِشَاشِ، وَالِاصْطِيَادِ، وَأَمَّا مَنْ لَا يَأْمَنُ نَفْسَهُ عَلَيْهَا فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُهَا، وَتَقَدَّمَ (وَيَضُمُّ) أَيْ: يَضُمُّ الْحَاكِمُ إذَا عَلِمَ بِهَا (إلَى الْكَافِرِ، وَالْفَاسِقِ أَمِينًا فِي تَعْرِيفِهَا، وَحِفْظِهَا) قَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُؤْمَنَانِ عَلَى تَعْرِيفِهَا وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يُخِلَّا فِي التَّعْرِيفِ بِشَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمَا قَالَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ فِي الْمُشْرِفِ عَلَى الْكَافِرِ وَقَالَا: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الْمُشْرِفَ حِفْظُهَا مِنْهُ اُنْتُزِعَتْ مِنْ يَدِهِ، وَتُرِكَتْ فِي يَدِ عَدْلٍ فَإِذَا عَرَّفَهَا، وَتَمَّتْ السَّنَةُ مَلَكَهَا مُلْتَقِطُهَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ وُجِدَ مِنْهُ. (وَإِنْ وَجَدَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (صَغِيرٌ أَوْ سَفِيهٌ أَوْ مَجْنُونٌ) صَحَّ الْتِقَاطُهُ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَكَسُّبٍ كَالِاصْطِيَادِ، وَ (قَامَ وَلِيُّهُ بِتَعْرِيفِهَا) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لِوَاجِدِهَا حَقُّ التَّمَلُّكِ فِيهَا فَكَانَ عَلَى وَلِيِّهِ الْقِيَامُ بِهَا (فَإِذَا عَرَّفَهَا) الْوَلِيُّ (فَهِيَ لِوَاجِدِهَا) ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ تَمَّ بِشَرْطِهِ وَلَوْ كَانَ الصَّغِيرُ مُمَيِّزًا فَعَرَّفَهَا بِنَفْسِهِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: فَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي عَدَمُ الْإِجْزَاءِ، وَالْأَظْهَرُ الْإِجْزَاءُ؛ لِأَنَّهُ يَعْقِلُ التَّعْرِيفَ فَالْمَقْصُودُ حَاصِلٌ انْتَهَى. وَإِنْ لَمْ يُعَرِّفْهَا الصَّغِيرُ وَلَا الْوَلِيُّ فَنَصَّ الْإِمَامُ إنْ وَجَدَ صَاحِبَهَا دَفَعَهَا إلَيْهِ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهَا قَدْ مَضَى أَجَلُ التَّعْرِيفِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ السِّنِينَ، وَهَذَا يُؤَيِّدَ مَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ تَأْخِيرَ التَّعْرِيفِ لِعُذْرٍ كَتَأْخِيرِهِ بِلَا عُذْرٍ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ مِنْ أَهْلِ الْعُذْرِ. (وَإِنْ تَرَكَهَا الْوَلِيُّ بِيَدِهِ) أَيْ: يَدِ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ أَوْ الْمَجْنُونِ (بَعْدَ عِلْمِهِ) أَيْ: الْوَلِيِّ بِهَا (ضَمِنَهَا الْوَلِيُّ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُضَيِّعُ لَهَا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ حِفْظُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ مُوَلِّيهِ. (وَإِنْ تَلِفَتْ) اللُّقَطَةُ (بِيَدِ أَحَدِهِمْ) أَيْ: الصَّغِيرِ أَوْ الْمَجْنُونِ أَوْ السَّفِيهِ (بِغَيْرِ

стр. 1822

تَفْرِيطٍ) مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَا مِنْ الْوَلِيِّ (فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهَا كَالْأَمَانَةِ. (وَإِنْ فَرَّطَ) فِيهَا وَاجِدُهَا الصَّغِيرُ أَوْ السَّفِيهُ أَوْ الْمَجْنُونُ فَتَلِفَتْ (ضَمِنَهَا فِي مَالِهِ كَإِتْلَافِهِ، وَكَعَبْدٍ) . (وَلِلْعَبْدِ الْتِقَاطُهَا) لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ؛ وَلِأَنَّ الِالْتِقَاطَ سَبَبٌ يَمْلِكُ بِهِ الصَّغِيرُ، وَيَصِحُّ مِنْهُ، فَصَحَّ مِنْ الرَّقِيقِ. (وَ) لِلْعَبْدِ إذَا الْتَقَطَهَا (تَعْرِيفُهَا بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ كَاحْتِطَابِهِ وَاحْتِشَاشِهِ، وَاصْطِيَادِهِ) ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ حِسِّيٌّ فَلَمْ يُمْكِنْ رَدُّهُ. (وَلَهُ) أَيْ: الْعَبْدِ (إعْلَامُ سَيِّدِهِ الْعَدْلِ بِهَا إنْ أَمِنَهُ) عَلَيْهَا (وَإِلَّا) يَأْمَنْ سَيِّدَهُ عَلَيْهَا (لَزِمَ) الْعَبْدَ (سَتْرُهَا عَنْهُ) أَيْ: عَنْ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ حِفْظُهَا، وَذَلِكَ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ، وَيُسَلِّمُهَا لِلْحَاكِمِ لِيُعَرِّفَهَا ثُمَّ يَدْفَعَهَا إلَى سَيِّدِهِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ. (وَلِسَيِّدِهِ الْعَدْلِ أَخْذُهَا مِنْهُ) لِيُعَرِّفَهَا فَإِنْ عَرَّفَهَا وَأَدَّى الْأَمَانَةَ فِيهَا فَتَلِفَتْ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ فَلَا ضَمَانَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتْلَفْ بِتَفْرِيطِ أَحَدِهِمَا (أَوْ تَرْكُهَا) أَيْ: وَلِسَيِّدِهِ تَرْكُهَا (مَعَهُ) أَيْ: الْعَبْدِ (لِيُعَرِّفَهَا إنْ كَانَ) الْعَبْدُ (عَدْلًا) فَيَكُونُ السَّيِّدُ مُسْتَعِينًا بِهِ فِي حِفْظِهَا كَمَا يَسْتَعِينُ بِهِ فِي حِفْظِ سَائِرِ مَالِهِ. وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ غَيْرَ أَمِينٍ كَانَ السَّيِّدُ مُفَرِّطًا بِإِقْرَارِهَا فِي يَدِهِ فَيَضْمَنُهَا إنْ تَلِفَتْ كَمَا لَوْ أَخَذَهَا مِنْ يَدِهِ ثُمَّ رَدَّهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ كَيَدِهِ. وَإِنْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ بَعْدَ الْتِقَاطِهِ كَانَ لَهُ انْتِزَاعُ اللُّقَطَةِ مِنْ يَدِهِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ كَسْبِهِ. (فَإِنْ أَتْلَفَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (الْعَبْدُ أَوْ تَلِفَتْ) اللُّقَطَةُ (بِتَفْرِيطِهِ قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ بَعْدَهُ فَفِي رَقَبَتِهِ) ضَمَانُهَا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ فَكَانَ ضَمَانُهُ فِي رَقَبَتِهِ كَغَيْرِ اللُّقَطَةِ (وَمِثْلُهُ) أَيْ: الْعَبْدِ فِيمَا تَقَدَّمَ (أُمُّ وَلَدٍ، وَمُدَبَّرٌ، وَمُعَلَّقٌ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ) . (لَكِنْ إنْ تَلِفَتْ) اللُّقَطَةُ (بِتَفْرِيطِ أُمِّ الْوَلَدِ فَدَاهَا سَيِّدُهَا بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ قِيمَةِ مَا أَتْلَفَتْهُ) كَسَائِرِ إتْلَافَاتِهَا. (وَالْمُكَاتَبُ) فِي الْتِقَاطِ (كَالْحُرِّ) ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَمْلِكُ أَكْسَابَهُ، وَهَذَا مِنْهَا، وَمَتَى عَادَ قِنًّا بِعَجْزِهِ كَانَتْ كَلُقَطَةِ الْقِنِّ. (وَ) لُقَطَةُ (مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ سَيِّدِهِ) عَلَى قَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ، وَالرِّقِّ كَسَائِرِ أَكْسَابِهِ (وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الْمُبَعَّضِ، وَسَيِّدِهِ (مُهَايَأَةٌ) أَيْ: مُوَافَقَةٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ كَسْبُهُ لِنَفْسِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً وَلِسَيِّدِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً (وَكَذَا حُكْمُ نَادِرِ مَنْ كَسْبُهُ كَهِبَةٍ، وَهَدِيَّةٍ، وَوَصِيَّةٍ وَرِكَازٍ، وَنَحْوِهِ) كَنِثَارٍ يَقَعُ فِي حِجْرِهِ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ النَّادِرَ لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ، وَلَا يُظَنُّ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأَةِ. وَإِنْ كَانَ الرَّقِيقُ الْمُلْتَقِطُ بَيْنَ شُرَكَاءَ فَاللُّقَطَةُ بَيْنِهِمْ عَلَى قَدْرِ حِصَّتِهِمْ مِنْهُ. (وَلَوْ اسْتَيْقَظَ نَائِمٌ) أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ (فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ مَالًا لَا يَدْرِي مَنْ صَرَّهُ) أَوْ وَجَدَ فِي كِيسِهِ قُلْتُ: أَوْ جَيْبِهِ مَا لَا يَدْرِي مَنْ وَضَعَهُ فِيهِ (فَهُوَ) أَيْ: الْمَالُ (لَهُ) أَيْ: لِلنَّائِمِ، وَنَحْوِهِ (وَلَا تَعْرِيفَ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ تَقْتَضِي تَمْلِيكَهُ لَهُ.

стр. 1823

[بَابُ اللَّقِيطِ] ِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، كَقَتِيلٍ وَجَرِيحٍ، وَالْأُنْثَى لَقِيطَةٌ (وَهُوَ) أَيْ: اللَّقِيطُ (طِفْلٌ) لَا مُمَيِّزَ (لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ وَلَا) يُعْرَفُ (رِقُّهُ، نُبِذَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: طُرِحَ فِي شَارِعٍ أَوْ بَابِ مَسْجِدٍ، وَنَحْوِهِ (أَوْ ضَلَّ) الطَّرِيقَ مَا بَيْنَ وِلَادَتِهِ (إلَى سِنِّ التَّمْيِيزِ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: فَقَطْ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. (وَقِيلَ: وَالْمُمَيِّزُ) لَقِيطٌ أَيْضًا (إلَى الْبُلُوغِ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ) قَالَهُ فِي التَّنْقِيحِ قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ الزَّرْكَشِيّ: هَذَا الْمَذْهَبُ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُمَيِّزَ: يَكُونُ لَقِيطًا،؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إذَا الْتَقَطَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ مَعًا مَنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِ سِنِينَ أُقْرِعَ وَلَمْ يُخَيَّرْ بِخِلَافِ الْأَبَوَيْنِ. وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ نُبِذَ أَوْ ضَلَّ طِفْلٌ مَعْرُوفُ النَّسَبِ أَوْ مَعْلُومُ الرِّقِّ فَرَفَعَهُ مَنْ يُعَرِّفُهُ أَوْ غَيْرُهُ فَهُوَ لَقِيطٌ لُغَةً لَا شَرْعًا (وَالْتِقَاطُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءُ نَفْسِهِ فَكَانَ وَاجِبًا كَإِطْعَامِهِ إذَا اضْطَرَّ، وَإِنْجَائِهِ مِنْ نَحْوِ غَرَقٍ فَلَوْ تَرَكَهُ جَمِيعُ مَنْ رَآهُ أَثِمُوا، وَيَحْرُمُ النَّبْذُ؛ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ بِالْمَنْبُوذِ لِلتَّلَفِ. (وَيُسْتَحَبَّ لِلْمُلْتَقِطِ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ) كَاللُّقَطَةِ، وَدَفْعًا لِنَفْسِهِ لِئَلَّا تُرَاوِدَهُ بِاسْتِرْقَاقِهِ (وَ) يُسْتَحَبُّ أَيْضًا لِلْمُلْتَقِطِ الْإِشْهَادُ (عَلَى مَا مَعَهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ مِنْ مَالٍ صَوْنًا لِنَفْسِهِ عَنْ جَحْدِهِ. (وَهُوَ) أَيْ: اللَّقِيطُ (حُرٌّ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ) حَتَّى فِي قَذْفِ، وَقَوَدٍ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِي الْآدَمِيِّينَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ، وَذُرِّيَّتَهُ أَحْرَارًا، وَإِنَّمَا الرِّقُّ لِعَارِضٍ، فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ الْعَارِضُ فَلَهُ حُكْمُ الْأَصْلِ، وَهُوَ أَيْضًا (مُسْلِمٌ) لِظَاهِرِ الدَّارِ، وَتَغْلِيبِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَعْلُو، وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ. (إلَّا أَنْ يُوجَدَ) اللَّقِيطُ (فِي بَلَدِ كُفَّارِ حَرْبٍ وَلَا مُسْلِمَ فِيهِ) أَيْ: فِي بَلَدِ الْحَرْبِ (أَوْ فِيهِ مُسْلِم كَتَاجِرٍ، وَأَسِيرٍ فَكَافِرٌ رَقِيقٌ) ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَهُمْ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمٌ كَانَ أَهْلُهَا مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا قَلِيلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ غَلَبَ فِيهَا حُكْمُ الْأَكْثَرِ مِنْ أَجْلِ كَوْنِ الدَّارِ لَهُمْ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ كَانَ فِيهَا مُسْلِمٌ سَاكِنٌ فَاللَّقِيطُ مُسْلِمٌ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْحَارِثِيُّ فَقَالَ: مَثَّلَ الْأَصْحَابَ فِي الْمُسْلِمِ هُنَا بِالتَّاجِرِ، وَالْأَسِيرِ، وَاعْتَبَرُوا

стр. 1824

إقَامَتَهُ زَمَنًا، حَتَّى صَرَّحَ فِي التَّلْخِيصِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي مُرُورُهُ مُسَافِرًا (فَإِنْ كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ) فِي دَارِ الْحَرْبِ (فَ) اللَّقِيطُ مُسْلِمٌ قُلْتُ حُرٌّ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ وُجِدَ) اللَّقِيطُ (فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فِي بَلَدٍ كُلُّ أَهْلِهَا) أَهْلُ (ذِمَّةٍ فَكَافِرٌ) ؛ لِأَنَّ تَغْلِيبَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَهَذِهِ لَا مُسْلِمَ فِيهَا يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ مِنْهُ وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ مُسْلِمٌ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْ مُسْلِمٍ يَكْتُمُ إيمَانَهُ. (وَإِنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ: بَلَدِ الْإِسْلَامِ الَّذِي كَانَ كُلُّ أَهْلِهِ أَهْلَ ذِمَّةٍ (مُسْلِمٌ) وَلَوْ وَاحِدًا (فَ) اللَّقِيطُ (مُسْلِمٌ إنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْمُسْلِمِ بِهَا تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ وَلِظَاهِرِ الدَّارِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ مَنْ قُلْنَا بِكُفْرِهِ تَبَعًا لِلدَّارِ حَتَّى صَارَتْ دَارَ إسْلَامٍ، فَمُسْلِمٌ. (وَلَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ عَلَى مُلْتَقِطِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُهُ (وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ (مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ قَالَ " وَجَدْتُ مَلْقُوطًا فَأَتَيْتُ بِهِ عُمَرَ ﵁ فَقَالَ عَرِيفِي: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقَالَ عُمَرُ: أَكَذَلِكَ هُوَ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَاذْهَبْ هُوَ حُرٌّ وَلَكَ وَلَاؤُهُ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ أَوْ رَضَاعُهُ ". (فَإِنْ تَعَذَّرَ) الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِكَوْنِهِ لَا مَالَ فِيهِ أَوْ لِكَوْنِ الْبَلَدِ لَيْسَ بِهَا بَيْتُ مَالٍ، وَنَحْوِهِ (اقْتَرَضَ حَاكِمٌ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ) وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مَعَ وُجُودِهِ مُتَبَرِّعٌ بِهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ بِدُونِ مِنَّةٍ تَلْحَقُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَشْبَهَ الْأَخْذَ لَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَى الْحَاكِمِ الِاقْتِرَاضُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ أَوْ كَانَ لَا يُمْكِنُ الْأَخْذُ مِنْهُ (فَعَلَى مَنْ عَلِمَ الْإِنْفَاقُ) عَلَيْهِ (مَجَّانًا) لِلْأَمْرِ بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ، وَالتَّقْوَى، وَبِالْعَدْلِ، وَالْإِحْسَانِ؛ وَلِأَنَّهُ إحْيَاءُ مَعْصُومٍ، وَإِنْقَاذٌ لَهُ مِنْ التَّلَفِ، فَوَجَبَ كَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ (وَلَا يَرْجِعُ) الْمُنْفِقُ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ (لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ) إذَا قَامَ بِهَا الْبَعْضُ سَقَطَتْ عَنْ الْبَاقِينَ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَإِنْ تَرَكَ الْكُلُّ أَثِمُوا؛ وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ لِلْمُوَاسَاةِ فَهِيَ كَنَفَقَةِ الْقَرِيبِ وَقِرَى الضَّيْفِ. (وَإِنْ اقْتَرَضَ الْحَاكِمُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ) أَيْ: اللَّقِيطِ (ثُمَّ بَانَ رَقِيقًا أَوْ لَهُ أَبٌ مُوسِرٌ رَجَعَ) الْحَاكِمُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى سَيِّدِ الرَّقِيقِ، وَأَبِي الْحُرِّ الْمُوسِرِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ حِينَئِذٍ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمَا قُلْتُ: وَقِيَاسُ الْأَبِ وَارِثُ مُوسِرٌ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ. (فَإِنْ) اقْتَرَضَ الْحَاكِمُ عَلَى اللَّقِيطَ وَ (لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَحَدٌ) تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ (وَفَّى) الْحَاكِمُ مَا اقْتَرَضَهُ (مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ حِينَئِذٍ وَاجِبَةٌ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ لِلَّقِيطِ مَالٌ تَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ مِنْهُ لِمَانِعٍ أَوْ يَنْتَظِرُ حُصُولَهُ مِنْ وَقْفٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلِمَنْ

стр. 1825

أَنْفَقَ عَلَيْهِ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ أَنْ يَرْجِعَ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ غَنِيٌّ عَنْ مَالِ الْغَيْرِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الْحَارِثِيِّ وَقَالَ، وَإِذَا أَنْفَقَ الْمُلْتَقِطُ أَوْ غَيْرُهُ نَفَقَةَ الْمِثْلِ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ لِيَرْجِعَ فَلَهُ الرُّجُوعُ وَقَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: وَإِنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ أَحَدٌ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ الْمُلْتَقِطُ أَوْ غَيْرُهُ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ إذَا أَيْسَرَ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ لَزِمَ اللَّقِيطَ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ النَّفَقَةُ قَصْدًا بِالْمَعْرُوفِ، وَبِغَيْرِ أَمْرِ الْحَاكِمِ فَقَالَ أَحْمَدُ: يُؤَدِّي النَّفَقَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. (الْمَالِ وَمَا وُجِدَ مَعَهُ) أَيْ: اللَّقِيطِ (مِنْ فِرَاشٍ تَحْتَهُ) كَوِطَاءٍ، وَبِسَاطٍ، وَوِسَادَةٍ، وَسَرِيرٍ (أَوْ ثِيَابٍ) أَوْ حُلِيٍّ أَوْ غِطَاءٍ عَلَيْهِ (أَوْ مَالٍ فِي جَيْبِهِ أَوْ تَحْتَ فِرَاشِهِ) أَوْ وِسَادَتِهِ (أَوْ مَدْفُونًا تَحْتَهُ طَرِيًّا أَوْ) وُجِدَ (مَطْرُوحًا قَرِيبًا مِنْهُ كَثَوْبٍ مَوْضُوعٍ إلَى جَانِبِهِ أَوْ حَيَوَانٍ مَشْدُودٍ بِثِيَابِهِ فَهُوَ لَهُ) ، وَكَذَا مَا طُرِحَ فَوْقَهُ أَوْ رُبِطَ بِهِ أَوْ بِثِيَابِهِ أَوْ سَرِيرِهِ، وَمَا بِيَدِهِ مِنْ عَنَانِ دَابَّةٍ أَوْ مَرْبُوطٍ عَلَيْهَا أَوْ مَرْبُوطَةٍ بِهِ أَوْ بِثِيَابِهِ قَالَهُ الْحَارِثِيُّ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَهُ كَالْمُكَلَّفِ، وَيُمْنَعُ الْتِقَاطُهُ بِدُونِ الْتِقَاطِ الْمَالِ الْمَوْجُودِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الْمَالِ، وَمَالِكِهِ. (وَإِنْ كَانَ) اللَّقِيطُ (فِي خَيْمَةٍ) أَوْ نَحْوِهَا (أَوْ دَارٍ فَهِيَ لَهُ) إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا غَيْرُهُ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ بَالِغٌ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ فَهُوَ بِهِ أَخَصُّ إضَافَةً لِلْحُكْمِ إلَى أَقْوَى السَّبَبَيْنِ، فَإِنَّ يَدَ اللَّقِيطِ ضَعِيفَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى يَدِ الْبَالِغِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَقِيطًا فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِاسْتِوَاءِ يَدِهِمَا إلَّا أَنْ تُوجَدَ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي اخْتِصَاصَ أَحَدِهِمَا بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، فَيَعْمَلَ بِهَا، وَمَا وُجِدَ بَعِيدًا عَنْهُ أَوْ مَدْفُونًا تَحْتَهُ غَيْرَ طَرِيٍّ فَلُقَطَةٌ. (وَأَوْلَى النَّاسِ بِحَضَانَتِهِ) وَاجِدُهُ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ إلَيْهِ، فَكَانَ أَوْلَى بِهِ، (وَ) أَوْلَى النَّاسِ بِ (حِفْظِ مَالِهِ وَاجِدُهُ) ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ (إنْ كَانَ أَمِينًا) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ ﵁ (مُكَلَّفًا) ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَا يَلِي أَمْرَ نَفْسِهِ فَلَا يَلِي أَمْرَ غَيْرِهِ (رَشِيدًا) ؛ لِأَنَّ السَّفِيهَ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى (حُرًّا) تَامَّ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْقِنِّ، وَالْمُدَبَّرِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ، وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ مَنَافِعُهُ مُسْتَحَقَّةٌ لِسَيِّدِهِ فَلَا يَصْرِفُهَا فِي غَيْرِ نَفْعِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَكَذَا الْمُكَاتَبُ لَيْسَ لَهُ التَّبَرُّعُ بِمَالِهِ وَلَا مَنَافِعِهِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ (عَدْلًا) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ أَقَرَّ اللَّقِيطَ فِي يَدِ أَبِي جَمِيلَةَ حِينَ قَالَ لَهُ عَرِيفُهُ " إنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ " (وَلَوْ) كَانَ (ظَاهِرًا) أَيْ: لَمْ تُعْلَمْ عَدَالَتُهُ بَاطِنًا كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَالشَّهَادَةِ فِيهِ، وَأَكْثَرُ الْأَحْكَامِ. (وَلَهُ) أَيْ: لِوَاجِدِهِ الْمُتَّصِفِ بِمَا تَقَدَّمَ (الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِمَّا وُجِدَ مَعَهُ بِغَيْرِ إذْنِ حَاكِمٍ) ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ بِخِلَافِ مَنْ أَوْدَعَ مَالًا، وَغَابَ وَلَهُ وَلَدٌ فَلَا يُنْفِقُ الْوَدِيعُ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ بَلْ تَقُومُ امْرَأَتُهُ إلَى الْحَاكِمِ حَتَّى يَأْمُرَهُ بِالْإِنْفَاقِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى نَظَرِ
следующие страницы →