Полный текст (3 210 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
قَاتِلُ الْأَبِ (لِذَلِكَ) أَيِّ لِإِرْثِهِ بَعْضَ دَمِ نَفْسِهِ وَذَلِكَ ثَمَنُ دَمِ الْأَبِ (وَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ الثَّانِي) فَلِأَخِيهِ قَتْلُهُ وَيَرِثُهُ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْ قَاتَلَ الْأَبِ (لِأَنَّ الْقَتِيلَ الثَّانِي) وَهُوَ الْأُمُّ (وَرِثَ جُزْءًا مِنْ دَمِ الْأَوَّلِ) وَهُوَ الثَّمَنُ (فَلَمَّا قُتِلَ وَرِثَهُ) قَاتِلُ الْأَبِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ (فَصَارَ لَهُ جُزْءٌ مِنْ دَمِ نَفْسِهِ) وَهُوَ الثَّمَنُ (فَسَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَاتِلُ الْأَبِ، لِإِرْثِهِ ثَمَنَ أُمِّهِ وَعَلَيْهِ سَبْعَةُ أَثْمَانِ دِيَتِهِ لِأَخِيهِ) قَاتِلِ أُمِّهِ لِإِرْثِهِ ذَلِكَ مِنْ أَبِيهِ (وَلَهُ) أَيْ قَاتِلِ الْأَبِ (أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أَخِيهِ) قَاتِلِ أُمِّهِ (وَيَرِثَهُ) لِأَنَّ الْقَتْلَ بِحَقٍّ لَا يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ (وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ بَائِنًا) أَوْ قَتَلَاهُمَا مَعًا مُطْلَقًا (فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقِصَاصُ لِأَخِيهِ) لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَرِثُ مِنْ دَمِ نَفْسِهِ شَيْئًا لِعَدَمِ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ لِمَوْتِهِمَا مَعًا.
(فَإِنْ بَادَرَ أَحَدُهُمَا فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا أَخَاهُ سَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ يَرِثُ أَخَاهُ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَقْتُولُ ابْنًا أَوْ ابْنَ ابْنٍ فَإِنْ كَانَ) لَهُ ابْنٌ أَوْ ابْنُ ابْنٍ فَالْأَخُ مَحْجُوبٌ بِهِ (فَلَهُ) أَيْ الِابْنِ أَوْ ابْنِ الِابْنِ (قَتْلُ عَمِّهِ وَيَرِثُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ سِوَاهُ) لِمَا مَرَّ أَنَّ الْقَتْلَ بِحَقٍّ لَا يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ (فَإِنْ تَشَاحَّا فِي الْمُبْتَدِئِ مِنْهُمَا بِالْقَتْلِ احْتَمَلَ أَنْ يُبْدَأَ بِقَتْلِ الْقَاتِلِ الْأَوَّلِ) وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَمْدَانَ (أَوْ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا قَدَّمَهُ فِي الْمُبْدِعِ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَهُوَ قَوْلُ) الْقَاضِي (وَأَيُّهُمَا قَتَلَ صَاحِبَهُ أَوْ بِمُبَادَرَةٍ أَوْ قُرْعَةٍ وَرِثَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ سِوَاهُ) لِأَنَّ قَتْلَهُ بِحَقٍّ (وَسَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ) لِإِرْثِهِ دَمَ نَفْسِهِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْأَخُ الْقَاتِلُ لِأَخِيهِ (مَحْجُوبًا عَنْ مِيرَاثِهِ كُلِّهِ) بِابْنٍ أَوْ ابْنِ ابْنٍ (فَلِوَارِثِ الْقَتْلِ) وَهُوَ وَارِثُ الْمَالِ قَتْلُ الْآخَرِ لِإِرْثِهِ دَمَهُ وَعَدَمِ الْمَانِعِ، وَلَهُ الْعَفْوُ إلَى الدِّيَةِ أَوْ مَجَّانًا (وَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمَا أَيْ الْأَخَوَيْنِ عَنْ الْآخَرِ ثُمَّ قَتَلَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ الْعَافِيَ وَرِثَهُ أَيْضًا) إنْ لَمْ يَكُنْ حَاجِبٌ لِأَنَّهُ قَتَلَ بِحَقٍّ (وَسَقَطَ عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الدِّيَةِ) إذْ لَا يَجِبُ لِلْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ شَيْءٌ (وَإِنْ تَعَافَيَا جَمِيعًا بِأَنْ عَفَا كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ عَلَى الدِّيَةِ تَقَاصَّا بِمَا اسْتَوَيَا فِيهِ) فَيَسْقُطُ مِنْ دِيَةِ الْأَبِ بِقَدْرِ دِيَةِ الْأُمِّ (وَوَجَبَ لِقَاتِلِ الْأُمِّ الْفَضْلُ عَنْ قَاتِلِ الْأَبِ لِأَنَّ عَقْلَهَا) أَيْ دِيَتَهَا (نِصْفُ عَقْلِ الْأَبِ، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) ابْنٌ أَوْ ابْنُ ابْنٍ (يَحْجُبُ عَمَّهُ مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهِ) بِأَنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ مَانِعٌ (فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَرِثَهُ ابْنُهُ) أَوْ ابْنُ ابْنِهِ (وَلِلِابْنِ) أَوْ ابْنِ الِابْنِ (أَنْ يَقْتُلَ) عَمَّهَ لِإِرْثِهِ دَمَهُ (وَيَرِثُهُ) أَيْ الْمَقْتُولَ مِنْهُمَا ابْنُهُ أَوْ ابْنُ ابْنِهِ (وَيَرِثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الِابْنَيْنِ مَالَ أَبِيهِ وَمَالَ جَدِّهِ الَّذِي قَتَلَهُ عَمُّهُ دُونَ) الْقَتِيلِ الَّذِي قَتَلَهُ أَبُوهُ ضَرُورَةَ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ الْمَقْتُولَ (وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنْتٌ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُ لِأَنَّهُ يَرِثُ نِصْفَ
стр. 2697
مِيرَاثِ أَخِيهِ وَنِصْفَ قِصَاصِ نَفْسِهِ فَوَرِثَ مَالَ أَبِيهِ الَّذِي قَتَلَهُ أَخُوهُ) ، أَوْ مَالَ أُمِّهَا الَّذِي قَتَلَهَا أَخُوهُ، (وَ) وَرِثَ (نِصْفَ مَالِ أَبِيهِ الَّذِي قَتَلَهُ هُوَ، وَوَرِثَتْ الْبِنْتُ الَّذِي قُتِلَ أَبُوهَا نِصْفَ مَالِ أَبِيهَا وَنِصْفَ مَالِ جَدِّهَا الَّذِي قَتَلَهُ عَمُّهَا وَلَهَا عَلَى عَمِّهَا نِصْفُ دِيَةِ قَتِيلِهِ) .
(وَإِذَا كَانَ أَرْبَعُ إخْوَةٍ قَتَلَ الْأَوَّلُ الثَّانِي وَ) قَتَلَ (الثَّالِثُ الرَّابِعَ فَالْقِصَاصُ عَلَى الثَّالِثِ) دُونِ الْأَوَّلِ لِإِرْثِهِ نِصْفَ دَمِهِ عَنْ الرَّابِعِ (وَوَجَبَ لَهُ) أَيْ الثَّالِثِ (نِصْفُ الدِّيَةِ عَلَى الْأَوَّلِ) لِقَتْلِهِ أَخَاهُ ضَرُورَةَ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ، (وَلِلْأَوَّلِ قَتْلُهُ) أَيْ الثَّالِثِ بِأَخِيهِ الرَّابِعِ (فَإِنْ قَتَلَهُ وَرِثَهُ) لِأَنَّهُ قَاتِلٌ بِحَقٍّ (وَوَرِثَ مَا يَرِثُهُ مِنْ أَخِيهِ الثَّانِي) لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ تَرِكَتِهِ (فَإِنْ عَفَا) الْأَوَّلُ عَنْهُ أَيْ الثَّالِثِ (إلَى الدِّيَةِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ) أَيْ الثَّالِثِ (بِكَمَالِهَا يُقَاصُّهُ) الثَّالِثُ (بِنِصْفِهَا) الَّذِي وَرِثَهُ مِنْ الثَّانِي وَيُعْطِيهِ نِصْفَهَا (وَإِنْ كَانَ لَهُمَا) أَيْ لِلْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ (وَرَثَةٌ) تَحْجُبُ الْآخَرَ أَوَّلًا (فَتَفْصِيلُهُمَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا) فِيمَا إذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا أَبَاهُ وَالْآخَرُ أُمَّهُ.
الشَّرْطُ (الْخَامِسُ بِأَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ عَمْدًا) مَحْضًا بِخِلَافِ شِبْهِ الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ فَلَا قِصَاصَ فِيهِمَا إجْمَاعًا حَكَاهُ فِي الشَّرْحِ (وَإِنْ قُتِلَ مَنْ لَا يُعْرَفُ) بِإِسْلَامٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ (وَادَّعَى كُفْرَهُ أَوْ رِقَّهُ) وَجَبَ الْقِصَاصُ، لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ بِالدَّارِ، وَلِهَذَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ اللَّقِيطِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ، وَالرِّقُّ طَارِئٌ أَوْ.
(ضَرَبَ مَلْفُوفًا فَقَدَّهُ، أَوْ أَلْقَى عَلَيْهِ) أَيْ الْمَلْفُوفِ (حَائِطًا وَادَّعَى، أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا وَأَنْكَرَ وَلِيّهُ) وَجَبَ الْقِصَاصُ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحَيَاةُ (أَوْ قَطَعَ طَرَفَ الْبَنَانِ وَادَّعَى شَلَلَهُ أَوْ قَلَعَ عَيْنًا وَادَّعَى عَمَاهَا) وَأَنْكَرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَجَبَ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ، (أَوْ قَطَعَ سَاعِدًا وَادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ كَفٌّ، أَوْ) قَطَعَ (سَاقًا وَادَّعَى أَنَّهَا) أَيْ السَّاقُ (لَمْ يَكُنْ لَهَا قَدَمٌ) وَجَبَ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْكَفِّ وَالْقَدَمِ.
(أَوْ قَتَلَ) مُكَلَّفٌ (رَجُلًا فِي دَارِهِ وَادَّعَى أَنَّهُ دَخَلَ لِقَتْلِهِ أَوْ أَخْذِ مَالِهِ أَوْ يُكَابِرُهُ عَلَى أَهْلِهِ فَقَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ) أَوْ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ (وَأَنْكَرَ وَلِيُّهُ) وَجَبَ الْقِصَاصُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيهِ سَوَاءٌ وُجِدَ فِي دَارِ الْقَاتِلِ أَوْ غَيْرِهَا، مَعَهُ سِلَاحٌ أَوْ لَا لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ " سُئِلَ عَمَّنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا آخَرَ فَقَتَلَهُ فَقَالَ: إنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةٍ فَلِيُعْطَ بِرُمَّتِهِ " رَوَاهُ سَعِيدٌ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ عَدَمُهُ فِي مَعْرُوفٍ بِالْفَسَادِ (أَوْ تَجَارَحَ اثْنَانِ وَادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ جَرَحَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ) وَأَنْكَرَ الْآخَرُ (وَجَبَ الْقِصَاصُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ إذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (وَمَتَى صُدِّقَ الْمُنْكِرُ) فِي شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ
стр. 2698
مِنْ الصُّوَرِ (فَلَا قَوَدَ وَلَا دِيَةَ) لِقَوْلِ عُمَرَ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ وَرُوِيَ عَنْ الزُّبَيْرِ نَحْوُهُ، وَلِأَنَّ الْخَصْمَ اعْتَرَفَ بِمَا يُبِيحُ قَتْلَهُ فَسَقَطَ حَقُّهُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ قِصَاصًا.
(وَإِنْ ادَّعَى الْقَاتِلُ أَنَّ الْمَقْتُولَ زَنَى وَهُوَ مُحْصَنٌ لَمْ تَقْبَلْ دَعْوَاهُ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ (وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ بِإِحْصَانِهِ قُبِلَ) بِخِلَافِ الزِّنَا فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَرْبَعَةٍ كَمَا يَأْتِي.
(وَإِنْ اخْتَصَمَ قَوْمٌ بِدَارٍ فَجَرَحَ) بَعْضُهُمْ بَعْضًا (وَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَجُهِلَ الْحَالُ) بِأَنْ لَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ وَلَا الْجَارِحُ (فَعَلَى عَاقِلَةِ الْمَجْرُوحِينَ دِيَةُ الْقَتْلَى يَسْقُطُ مِنْهَا أَرْشُ الْجِرَاحِ) قَضَى بِهِ عَلِيٌّ رَوَاهُ أَحْمَدُ (فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ) أَيْ الْمُخْتَصِمِينَ مَنْ لَيْسَ بِهِ جُرْحٌ شَارَكَ الْمَجْرُوحِينَ فِي دِيَةِ الْقَتْلِ، هَذَا أَحَدُ وَجْهَيْنِ أَطْلَقَهُمَا ابْنُ حَمْدَانَ، قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ فِي التَّصْحِيحِ الْكَبِيرِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا دِيَةَ عَلَيْهِمْ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ.
(وَيَأْتِي فِي الْقِسَامَةِ: إذَا قَالَ إنْسَانٌ: مَا قَتَلَ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَلْ أَنَا قَتَلْتُهُ، وَلَهُ قَتَلَ مَنْ وَجَدَهُ يَفْجُرُ بِأَهْلِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: لَا فَرُقَ بَيْنَ كَوْنِهِ) أَيْ الْفَاجِرِ (مُحْصِنًا أَوْ غَيْرِهِ) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ (وَصَرَّحَ بِهِ الشَّيْحُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَدٍّ وَإِنَّمَا هُوَ عُقُوبَةٌ عَلَى فِعْلِهِ وَإِلَّا اُعْتُبِرَتْ شُرُوطُ الْحَدِّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَهُ قَتْلُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إذَا كَانَ الزَّانِي مُحْصَنًا، وَلِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلَانِ فِي اعْتِبَارِ إحْصَانِهِ (وَالْحُرُّ الْمُسْلِمُ يُقَدْ بِهِ قَاتِلُهُ) عُدْوَانًا (وَإِنْ كَانَ مُجْدَعَ الْأَطْرَافِ) أَيْ مَقْطُوعَهَا (مَعْدُومَ الْحَوَاسِّ) مِنْ سَمْعٍ وَبَصَرٍ وَشْمٍ وَذَوْقٍ وَلَمْسٍ (وَالْقَاتِلُ صَحِيحٌ سَوِيُّ الْخَلْقِ وَبِالْعَكْسِ) بِأَنْ كَانَ الْقَاتِلُ مُجْدَعَ الْأَطْرَافِ مَعْدُومَ الْحَوَاسِّ وَالْمَقْتُولُ صَحِيحٌ سَوِيُّ الْخَلْقِ.
(وَكَذَلِكَ إنْ تَفَاوَتَا فِي الْعِلْمِ وَالشَّرَفِ وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ وَالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَالْحِذْقِ وَالْبَلَادَةِ إجْمَاعًا حَكَاهُ فِي الشَّرْحِ لِعُمُومِ الْآيَاتِ، لِقَوْلِهِ ﷺ «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» (وَيَجْرِي فِي الْقِصَاصِ بَيْنَ الْوُلَاةِ) جَمْعُ وَالٍ، وَيَتَنَاوَلُ الْإِمَامَ وَالْقَاضِيَ وَالْأَمِيرَ (وَالْعُمَّالَ) عَلَى الصَّدَقَاتِ أَوْ الْخَرَاجِ أَوْ غَيْرِهِمَا (وَبَيْنَ رَعِيَّتِهِمْ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا لِعُمُومِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ (وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ كَوْنُ الْقَتْلِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ) فَيُقْتَلُ مُكَافِئُهُ بِشُرُوطِهِ، وَإِنْ كَانَ بِدَارِ حَرْبٍ سَوَاءٌ كَانَ هَاجَرَ أَوْ لَمْ يُهَاجِرْ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ.
(وَقَتْلُ الْغِيلَةِ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ الْقَتْلُ عَلَى غُرَّةٍ وَغَيْرُهُ أَيْ غَيْرُ قَتْلِ الْغِيلَةِ سَوَاءٌ فِي (الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ (وَذَلِكَ) أَيْ الْقِصَاصُ وَالْعَفْوُ فِي قَتْلِ الْغِيلَةِ وَغَيْرِهِ (لِلْوَلِيِّ) الْوَارِثِ لِلْمَقْتُولِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ (دُونَ السُّلْطَانِ) فَلَيْسَ لَهُ قِصَاصٌ
стр. 2699
وَلَا عَفْوٌ مَعَ وُجُودِ وَارِثٍ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] وَقَوْلِهِ ﷺ : «فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ لَهُ الْقِصَاصُ» وَالْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ لَا مَجَّانًا.
[بَابُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ]
(بَابُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ وَهُوَ) أَيْ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ (فِعْلُ مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ) إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ (أَوْ) فِعْلُ (وَلِيِّهِ) أَيْ وَارِثِهِ إنْ كَانَتْ عَلَى النَّفْسِ (بِجَانٍ عَامِدٍ مِثْلَ مَا فَعَلَ) الْجَانِي (أَوْ شِبْهِهِ) أَيْ شِبْهِ فِعْلِ الْجَانِي (وَلَهُ) أَيْ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ (ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِقُّهُ مُكَلَّفًا) لِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَيْسَ أَهْلًا لِلِاسْتِيفَاءِ بَعْدَ تَكْلِيفِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ وَلَا تَصَرُّفُهُ (فَإِنْ كَانَ) مُسْتَحَقَّ الْقِصَاصِ (صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا لَمْ يَجُزْ) لِآخَرَ (اسْتِيفَاؤُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَيُحْبَسُ الْقَاتِلُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ وَ) حَتَّى (يَعْقِلَ الْمَجْنُونُ) لِأَنَّ فِيهِ حَظًّا لِلْقَاتِلِ بِتَأْخِيرِ قَتْلِهِ وَحَظًّا لِلْمُسْتَحِقِّ بِإِيصَالِهِ إلَى حَقِّهِ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ إتْلَافَ نَفْسِهِ وَمَنْفَعَتِهِ فَإِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ النَّفْسِ لِعَارِضٍ بَقِيَ إتْلَافُ الْمَنْفَعَةِ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ وَقَدْ حَبَسَ مُعَاوِيَةُ هُدْبَةَ بْنَ خَشْرَمٍ فِي قَوَدٍ حَتَّى بَلَغَ ابْنُ الْقَتِيلِ فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ وَكَانَ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ.
(وَلَيْسَ لِأَبِيهِمَا) أَيْ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ (اسْتِيفَاؤُهُ) لَهُمَا (كَوَصِيٍّ وَحَاكِمٍ) لِأَنَّ الْقَصْدَ التَّشَفِّي وَتَرْكُ الْغَيْظِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِاسْتِيفَاءِ الْأَبِ أَوْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الدِّيَةِ فَإِنَّ الْغَرَضَ يَحْصُلُ بِاسْتِيفَائِهِ، وَلِأَنَّ الدِّيَةَ يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَهَا إذَا تَعَيَّنَتْ وَالْقِصَاصَ لَا يَتَعَيَّنُ (فَإِنْ كَانَا مُحْتَاجَيْنِ إلَى نَفَقَةٍ فَلِوَلِيِّ الْمَجْنُونِ الْعَفْوُ إلَى الدِّيَةِ دُونَ وَلِيِّ الصَّغِيرِ نَصَّا) لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَيْسَ فِي حَالَةٍ مُعْتَادَةٍ يُنْتَظَرُ فِيهَا إفَاقَتُهُ وَرُجُوعُ عَقْلِهِ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَتَقَدَّمَ فِي اللَّقِيطِ مَا فِي ذَلِكَ.
(وَإِنْ مَاتَا) أَيْ: الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ (قَبْلَ الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ قَامَ وَارِثُهُمَا مَقَامَهُمَا فِيهِ) أَيْ: فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُمَا فَانْتَقَلَ بِمَوْتِهِمَا إلَى وَارِثِهِمَا كَسَائِرِ حُقُوقِهِمَا، (وَإِنْ قَتَلَا قَاتِلَ أَبِيهِمَا أَوْ قَطَعَا قَاطِعَهُمَا) أَيْ: الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ (قَهْرًا) سَقَطَ حَقُّهُمَا لِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَيْنَ حَقِّهِ فَسَقَطَ الْحَقُّ
стр. 2700
أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ لَهُمَا وَدِيعَةٌ عِنْدَ شَخْصٍ فَأَتْلَفَاهَا (أَوْ اقْتَصَّا مِمَّنْ لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ دِيَتَهُ بِالْعَبْدِ سَقَطَ حَقُّهُمَا) وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ دَيْنِهِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فَلَمْ يَكُنْ إلَّا سُقُوطُهُ.
الشَّرْطُ (الثَّانِي اتِّفَاقُ الْمُسْتَحِقِّينَ لَهُ) أَيْ: الْقِصَاصِ (عَلَى اسْتِيفَائِهِ) لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ لَا يُمْكِنُ تَبْعِيضُهُ فَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ (وَلَيْسَ لِبَعْضِهِمْ اسْتِيفَاؤُهُ دُونَ بَعْضٍ) لِأَنَّهُ يَكُونُ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ الدَّيْنَ (فَإِنْ فَعَلَ) بِأَنْ اسْتَوْفَى أَحَدُهُمْ الْقِصَاصَ بِدُونِ إذْنِ الْبَاقِي (فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا يَسْتَحِقُّ بَعْضَهَا فَلَمْ يَجِبْ قَتْلُهُ بِهَا، لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تُؤْخَذُ بِبَعْضِ نَفْسٍ، وَلِأَنَّهُ مُشَارِكٌ فِي اسْتِحْقَاقِ الْقَتْلِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَوَدٌ كَالشَّرِيكِ فِي الْجَارِيَةِ إذَا وَطِئَهَا وَيُفَارِقُ مَا إذَا قَتَلَ الْجَمَاعَةُ وَاحِدًا فَإِنَّا لَمْ نُوجِبْ الْقِصَاصَ بِقَتْلِ بَعْضِ النَّفْسِ (وَلِشُرَكَائِهِ فِي تَرِكَةِ الْجَانَّيْ حَقُّهُمْ مِنْ الدِّيَةِ) لِأَنَّ حَقَّهُمْ مِنْ الْقِصَاصِ سَقَطَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ الْقَاتِلُ (وَتَرْجِعُ وَرَثَةُ الْجَانِي عَلَى الْمُقْتَصِّ بِمَا فَوْقَ حَقِّهِ) مِنْ الدِّيَةِ.
(فَلَوْ كَانَ الْجَانِي أَقَلَّ دِيَةً مِنْ قَاتِلِهِ مِثْلُ امْرَأَةٍ قَتَلَتْ رَجُلًا لَهُ ابْنَانِ قَتَلَهَا أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ) الِابْنِ (الْآخَرِ فَلِلْآخَرِ نِصْفُ دِيَةِ أَبِيهِ فِي تَرِكَةِ الْمَرْأَةِ) الَّتِي قَتَلَتْهُ كَمَا لَوْ مَاتَتْ (وَتَرْجِعُ وَرَثَتُهَا بِنِصْفِ دِيَتِهَا عَلَى قَاتِلِهَا) لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ سِوَى نِصْفِ دَمِهَا وَقَدْ اسْتَوْفَاهُ (وَهُوَ) أَيْ: نِصْفُ دِيَةِ الْمَرْأَةِ (رُبْعُ دِيَةِ الرَّجُلِ) لِأَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ كَمَا يَأْتِي (وَإِنْ عَفَا بَعْضُهُمْ) أَيْ: الْوَرَثَةُ عَنْ الْقِصَاصِ (وَكَانَ مِمَّنْ يَصِحُّ عَفَوْهُ) بِأَنْ كَانَ مُكَلَّفًا (وَلَوْ) كَانَ الْعَفْوُ (إلَى الدِّيَةِ سَقَطَ الْقِصَاصُ) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ لِأَنَّ الْقِصَاصُ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَرَثَةِ لَا يَتَبَعَّضُ مَبْنَاهُ عَلَى الدَّرْءِ وَالْإِسْقَاطِ فَإِذَا أَسْقَطَ بَعْضُهُمْ حَقَّهُ سَرَى إلَى الْبَاقِي كَالْعِتْقِ (وَإِنْ كَانَ الْعَافِي) عَلَى الْقِصَاصِ (زَوْجًا أَوْ زَوْجَةً) لِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ: " إنَّ عُمَرَ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَتَلَ قَتِيلًا فَجَاءَ وَرَثَةُ الْمَقْتُولِ لِيَقْتُلُوهُ فَقَالَتْ امْرَأَةُ الْمَقْتُولِ وَهِيَ أُخْتُ الْقَاتِلِ: عَفَوْتُ عَنْ حَقِّي فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ عَتَقَ الْقَتِيلُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد لِأَنَّ مَنْ وَرِثَ الْمَالَ وَرِثَ الْقَوَدَ كَمَا يَأْتِي.
(وَكَذَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمْ) أَيْ الْوَرَثَةِ (وَلَوْ مَعَ فِسْقِهِ بِعَفْوِ بَعْضِهِمْ) فَإِنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّ الْجَمِيعِ مِنْ الْقِصَاصِ لِكَوْنِ شَهَادَتِهِ إقْرَارًا بِأَنَّ نَصِيبَهُ مِنْ الْقِصَاصِ سَقَطَ وَهُوَ لَا يَتَبَعَّضُ (وَلِلْبَاقِي) الَّذِينَ لَمْ يَعْفُوا (حَقُّهُمْ مِنْ الدِّيَةِ عَلَى الْجَانِي) سَوَاءٌ عَفَا مُطْلَقًا أَوْ إلَى الدِّيَةِ لِأَنَّ حَقَّهُ مِنْ الْقِصَاصِ سَقَطَ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَثَبَتَ لَهُ الْبَدَلُ كَمَا لَوْ وَرِثَ بَعْضَ دَمِهِ أَوْ مَاتَ (فَإِنْ قَتَلَهُ الْبَاقُونَ عَالِمِينَ بِالْعَفْوِ وَ) عَالِمِينَ
стр. 2701
(بِسُقُوطِ الْقِصَاصِ فَعَلَيْهِمْ الْقَوَدُ حَكَمَ بِالْعَفْوِ حَاكِمٌ أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قُتِلَ عَمْدًا عُدْوَانًا أَشْبَهَ مَا قَتَلُوهُ ابْتِدَاء (وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِالْعَفْوِ) وَبِسُقُوطِ الْقِصَاصِ (فَلَا قَوَدَ) عَلَيْهِمْ (وَلَوْ كَانَ قَدْ حُكِمَ بِالْعَفْوِ) لِأَنَّ عَدَمَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ شُبْهَةٌ دَرَأَتْ الْقَوَدَ كَالْوَكِيلِ إذَا قَتَلَهُ بَعْدَ الْعَفْوِ وَقَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ (وَعَلَيْهِمْ) أَيْ الْقَاتِلِينَ (دِيَتُهُ) لِأَنَّ الْقَتْلَ قَدْ تَعَذَّرَ وَالدِّيَةَ بَدَلُهُ، (وَسَوَاءٌ كَانَ الْجَمِيعُ حَاضِرِينَ أَوْ) كَانَ بَعْضُهُمْ حَاضِرًا وَ (بَعْضُهُمْ غَائِبًا) لِاسْتِوَائِهِمْ مَعْنًى، (فَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ هُوَ الْعَافِي فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ) ، وَلَوْ ادَّعَى نِسْيَانَهُ أَوْ جَوَازَهُ، (وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ) أَيْ: الْوَرَثَةِ (غَائِبًا انْتَظَرَ قُدُومَهُ وُجُوبًا) لِأَنَّهُ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ عَبْدًا مُشْتَرَكًا.
(وَيُحْبَسُ الْقَاتِلُ حَتَّى يَقْدَمَ) الْغَائِبُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ (وَكُلُّ مَنْ وَرِثَ الْمَالَ وَرِثَ الْقِصَاصَ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِ مِنْ الْمَالِ حَتَّى الزَّوْجَيْنِ وَذَوِي الْأَرْحَامِ) لِأَنَّهُ حَقٌّ فَيَسْتَحِقُّهُ الْوَارِثُ مِنْ جِهَةِ مُوَرِّثِهِ، أَشْبَهَ الْمَالَ، وَالْأَحْسَنُ رَفْعُ الزَّوْجَيْنِ وَذَوِي الْأَرْحَامِ عَطْفًا عَلَى " كُلُّ "، وَعَلَى عِبَارَةِ الْمُصَنَّفِ تَبَعًا لِلْمُقْنِعِ تَكُونُ حَتَّى حَرْفَ جَرٍّ لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ أَيْ كُلُّ مَنْ وَرِثَ الْمَالَ وَرِثَ الْقِصَاصَ يَنْتَهِي ذَلِكَ إلَى الزَّوْجَيْنِ وَذَوِي الْأَرْحَامِ (وَمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ فَوَلِيُّهُ الْإِمَامُ) لِأَنَّهُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ (إنْ شَاءَ اقْتَصَّ) لِأَنَّ بِنَا حَاجَةً إلَى عِصْمَةِ الدِّمَاءِ فَلَوْ لَمْ يَقْتُلْ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ لَقُتِلَ (وَإِنْ شَاءَ عَفَا إلَى دِيَةٍ كَامِلَةٍ) فَأَكْثَرَ لِأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَرَى فِيهِ الْمَصْلَحَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ (وَلَيْسَ لَهُ الْعَفْوُ مَجَّانًا) وَلَا عَلَى أَقَلَّ مِنْ دِيَةٍ لِأَنَّهَا لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا حَظَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ.
(وَإِذَا اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَتْلِ وَاحِدٍ فَعَفَا عَنْهُمْ) وَرَثَتُهُ (إلَى الدِّيَةِ فَعَلَيْهِمْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ عَفَا عَنْ بَعْضِهِمْ فَعَلَى الْمَعْفُوِّ عَنْهُ قِسْطُهُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الدِّيَةِ بَدَلَ الْمَحَلِّ وَهُوَ وَاحِدٌ فَتَكُونُ دِيَتُهُ وَاحِدَةً سَوَاءٌ أَتْلَفَهُ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ وَأَمَّا الْقِصَاصُ فَهُوَ عُقُوبَةٌ عَلَى الْفِعْلِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ.
الشَّرْطُ (الثَّالِثُ أَنْ يُؤْمَنَ فِي الِاسْتِيفَاءِ التَّعَدِّي إلَى غَيْرِ الْجَانِي) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] وَإِذَا أَفْضَى إلَى التَّعَدِّي فَفِيهِ إسْرَافٌ.
(فَلَوْ وَجَبَ الْقَوَدُ أَوْ الرَّجْمُ عَلَى حَامِلٍ أَوْ عَلَى حَائِلٍ وَ) حَمَلَتْ بَعْدَ وُجُوبِهِ (لَمْ تُقْتَلْ حَتَّى تَضَعَ الْوَلَدَ وَتَسْقِيَهُ اللَّبَأَ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَشَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ قَالُوا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا قَتَلَتْ الْمَرْأَةُ عَمْدًا فَلَا تُقْتَلُ حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا إنْ كَانَتْ حَامِلًا وَحَتَّى
стр. 2702
تَكْفُلَ وَلَدَهَا، وَإِنْ زَنَتْ لَمْ تُرْجَمْ حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا، وَحَتَّى تَكْفُلَ وَلَدهَا» وَلِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَى وَلَدِهَا، وَقَتْلُهُ حَرَامٌ، وَالْوَلَدُ يَتَضَرَّرُ بِتَرْكِ اللِّبَأِ ضَرَرًا كَثِيرًا، وَقَالَ فِي الْكَافِي: لَا يَعِيشُ إلَّا بِهِ (ثُمَّ إنْ وَجَدَ مَنْ يُرْضِعُهُ مُرْضِعَةً رَاتِبَةً قُتِلَتْ) ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ قَتْلِهَا إنَّمَا كَانَ لِلْخَوْفِ عَلَى وَلَدِهَا، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ.
(وَإِنْ وَجَدَ مُرْضِعَاتٍ غَيْرَ رَوَاتِبَ، أَوْ) وَجَدَ (لَبَنَ شَاةٍ وَنَحْوِهَا لِيَسْقِيَ مِنْهُ رَاتِبًا جَازَ قَتْلُهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ عَلَى الْوَلَدِ إذَنْ التَّلَفُ (وَيُسْتَحَبُّ لِوَلِيِّ الْقَتْلِ تَأْخِيرُهُ) حِينَئِذٍ (إلَى الْفِطَامِ) دَفْعًا لِضَرَرِ الْوَلَدِ بِذَلِكَ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ الْوَلَدِ (مَنْ يُرْضِعُهُ تُرِكَتْ حَتَّى تُرْضِعَهُ حَوْلَيْنِ ثُمَّ تَقْطَعُهُ) لِلْخَبَرِ وَالْمَعْنَى لِأَنَّ الْقَتْلَ إذَا أُخِّرَ مِنْ أَجْلِ حِفْظِ الْحَمْلِ فَلَأَنْ يُؤَخَّرَ مِنْ أَجْلِ حِفْظِ الْوَلَدِ أَوْلَى (وَلَا تُجْلَدُ) الْحَامِلُ (فِي الْحَدِّ) حَتَّى تَضَعَ (وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهَا فِي الطَّرَفِ حَتَّى تَضَعَ) لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ التَّعَدِّي إلَى تَلَفِ الْوَلَدِ أَشْبَهَ الِاقْتِصَاصَ فِي النَّفْسِ بَلْ يُقَادُ مِنْهَا بِمُجَرَّدِ الْوَضْعِ صَرَّحَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى.
(قَالَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ) حَتَّى تَضَعَ (وَتَسْقِيَهُ اللِّبَأَ) قَالَ فِي الْمُبْدِع وَهُوَ ظَاهِرٌ (فَإِذَا أَوَضَعَتْ الْوَلَدَ وَانْقَطَعَ النِّفَاسُ وَكَانَتْ قَوِيَّةً يَوْمَ تَلَفِهَا وَلَا يُخَافُ عَلَى الْوَلَدِ الضَّرَرُ مِنْ تَأَثُّرِ اللَّبَنِ أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ مِنْ قَطْعِ الطَّرَفِ وَالْجِلْدِ) لِعَدَمِ الْمَانِعِ (وَإِنْ كَانَتْ فِي نِفَاسِهَا أَوْ ضَعِيفَةً يُخَافُ تَلَفُهَا لَمْ يُقَمْ عَلَيْهَا حَتَّى تَطْهُرَ وَتَقْوَى) دَفْعًا لِلضَّرَرِ وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا بِالْوَضْعِ قَالَ فِي التَّنْقِيحِ بَلْ بِمُجَرَّدِ الْوَضْعِ قَبْلَ سَقْيِ اللَّبَنِ (وَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْحُدُودِ) بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا.
(وَإِنْ ادَّعَتْ مِنْ وُجِدَ عَلَيْهَا الْقِصَاصُ الْحَمْلَ قُبِلَ مِنْهَا إنْ أَمْكَنَ) لِأَنَّ لِلْحَمْلِ أَمَارَاتٌ خَفِيَّةٌ تَعْلَمُهَا مِنْ نَفْسِهَا دُونَ غَيْرِهَا لَوَجَبَ أَنْ يُحْتَاطَ لَهُ كَالْحَيْضِ (وَتُحْبَسُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهَا) احْتِيَاطًا لِمَنْ وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ (وَلَا تُحْبَسُ لِحَدٍّ) يَعْنِي لَوْ ادَّعَتْ مِنْ وَجَبَ عَلَيْهَا الْحَدُّ أَنَّهَا حَامِلٌ قُبِلَ مِنْهَا إنْ أَمْكَنَ وَلَمْ تُحْبَسْ.
(وَإِنْ اُقْتُصَّ مِنْ حَامِلٍ فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَضَعْهُ) وَلَمْ تَتَيَقَّنْهُ حَمْلًا (لَكِنْ مَاتَتْ عَلَى مَا بِهَا مِنْ انْتِفَاخِ الْبَطْنِ وَأَمَارَةِ الْحَمْلِ فَلَا ضَمَانَ فِي حَقِّ الْجَنِينِ لِأَنَّهُ لَا يُتَحَقَّقُ أَنَّ الِانْتِفَاخَ حَمْلٌ) فَلَا تُوجَبُ بِالشَّكِّ (وَإِنْ أَلْقَتْهُ) أَيْ الْجَنِينَ (حَيًّا فَعَاشَ فَلَا كَلَامَ) أَيْ لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُقْتَصِّ لَكِنْ يُؤَدِّبُ (وَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا وَبَقِيَ) الْوَلَدُ (خَاضِعًا ذَلِيلًا زَمَانًا يَسِيرًا ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ إذَا كَانَ وَضْعُهُ لِوَقْتٍ يَعِيشُ مِثْلَهُ) وَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ (وَإِنْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا فِي وَقْتٍ لَا يَعِيشُ) فِيهِ (مِثْلُهُ) وَهُوَ مَا دُونَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ (فَفِيهِ غُرَّةٌ) عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ كَمَا يَأْتِي فِي الْجَنِينِ (وَالضَّمَانُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُقْتَصِّ
стр. 2703
مِنْ أُمِّهِ) لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ وَالْحَاكِمُ الَّذِي مَكَّنَهُ مُتَسَبِّبٌ وَإِنْ عَلِمَ الْحَاكِمُ دُونَ الْوَلِيِّ فَالضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ وَحْدَهُ، كَالسَّيِّدِ إذَا أَمَرَ عَبْدَهُ الْأَعْجَمِيَّ الَّذِي لَا يَعْرِفُ تَحْرِيمَ الْقَتْلِ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ وَيَكُونُ وُجُوبُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الدِّيَةِ أَوْ الْغُرَّةِ (مَعَ الْكَفَّارَةِ) عَلَى الْمُقْتَصِّ لِأَنَّهُ قَاتِلُ نَفْسٍ.
[فَصْلٌ وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ إلَّا بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ]
(فَصْلٌ وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ وَلَوْ فِي النَّفْسِ إلَّا بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ وُجُوبًا) لِأَنَّهُ يُفْتَقَرُ إلَى اجْتِهَادِهِ وَلَا يُؤْمَنُ فِيهِ الْحَيْفُ مَعَ قَصْدِ التَّشَفِّي (فَلَوْ خَالَفَ) الْوَلِيُّ (وَفَعَلَ) أَيْ اقْتَصَّ بِغَيْرِ حَضْرَةِ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ (وَقَعَ الْمُوقَعُ) لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ (وَلَهُ) أَيْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (تَعْزِيرُهُ) لِافْتِيَاتِهِ عَلَى السُّلْطَانِ.
وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ لَا يُعَزِّرُهُ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ كَالْمَالِ (وَيُسْتَحَبُّ إحْضَارُ شَاهِدَيْنِ) عِنْدَ الِاسْتِيفَاءِ لِئَلَّا يُنْكِرَهُ الْمُقْتَصُّ (وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْآلَةُ) الَّتِي يُسْتَوْفَى بِهَا الْقِصَاصُ (مَاضِيَةً) لِحَدِيثِ «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» (وَعَلَى الْإِمَامِ تَفَقُّدُهَا) أَيْ آلَةِ الِاسْتِيفَاءِ لِأَنَّ مِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِيفَاءُ بِهِ (فَإِنْ كَانَتْ) الْآلَةُ (كَالَّةً أَوْ مَسْمُومَةً مَنَعَهُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ بِهَا) لِخَبَرِ «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ شَدَّادٍ وَلِئَلَّا يُعَذَّبَ الْمَقْتُولُ وَلِأَنَّ الْمَسْمُومَةَ تُفْسِدُ الْبَدَن وَرُبَّمَا مَنَعَتْ غَسَلَهُ (فَإِنْ عَجَّلَ الْوَلِيُّ) وَاسْتَوْفَى (بِهَا) أَيْ بِالْآلَةِ الْكَالَّةِ أَوْ الْمَسْمُومَةِ (عُزِّرَ) لِفِعْلِهِ مَا لَا يَجُوزُ.
(وَ) يَنْظُرُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ فِي الْوَلِيِّ (إنْ كَانَ الْوَلِيُّ يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ بِالْقُوَّةِ وَالْمَعْرِفَةِ مَكَّنَهُ مِنْهُ الْإِمَامُ وَخَيَّرَهُ بَيْنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالتَّوْكِيلِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] وَلِأَنَّهُ ﵊ «آتَاهُ رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ فَقَالَ إنَّ هَذَا قَتَلَ أَخِي فَاعْتَرَفَ بِقَتْلِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الْوَلِيُّ الِاسْتِيفَاءَ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ (أَمَرَهُ بِالتَّوْكِيلِ) لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ اسْتِيفَائِهِ فَيُوَكِّلُ فِيهِ مَنْ يُحْسِنُهُ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ.
(فَإِنْ ادَّعَى) الْوَلِيُّ (الْمَعْرِفَةَ فَأَمْكَنَهُ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (فَضَرَبَ بِعُنُقِهِ فَأَبَانَهُ فَقَدْ اُسْتُوْفِيَ) الْقِصَاصُ (وَإِنْ أَصَابَ غَيْرَ الْعُنُقِ وَأَقَرَّ بِتَعَمُّدِ ذَلِكَ عُزِّرَ) لِفِعْلِهِ مَا لَا يَجُوزُ (فَإِنْ قَالَ) الْوَلِيُّ (أَخْطَأْتُ وَكَانَتْ الضَّرْبَةُ قَرِيبًا مِنْ الْعُنُقِ كَالرَّأْسِ وَالْمَنْكِبِ قَبْلَ قَوْلِهِ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ
стр. 2704
مُمْكِنٌ (وَإِنْ كَانَ) الضَّرْبُ (بَعِيدًا) عَنْ الْعُنُقِ (كَالْوَسَطِ وَالرِّجْلَيْنِ لَمْ يُقْبَلْ) لِقَوْلِ الْوَلِيِّ إنَّهُ أَخْطَأَ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (ثُمَّ إنْ أَرَادَ) الْوَلِيُّ الْعَوْدَ لِلِاسْتِيفَاءِ (لَمْ يُمْكِنْ لِأَنَّهُ ظَهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ) فَيُوَكَّل مَنْ يُحْسِنْهُ.
(وَإِنْ احْتَاجَ الْوَكِيلُ إلَى أُجْرَةٍ فَمِنْ مَالِ الْجَانِي كَالْحَدِّ) لِأَنَّهُ أُجْرَةٌ لِإِيفَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ فَكَانَتْ لَازِمَةً لَهُ كَأُجْرَةِ الْكَيَّالِ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُرْزَقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ رَجُلٌ يَسْتَوْفِي الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ فَعَلَى الْجَانِي لِأَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الَّذِي عَلَى الْجَانِي التَّمْكِينُ لَا الْفِعْلُ (وَ) لِهَذَا (إنْ بَاشَرَ الْوَلِيُّ الِاسْتِيفَاءَ فَلَا أُجْرَة لَهُ) عَلَى الْجَانِي لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ.
(وَيَجُوزُ اقْتِصَاصُ جَانٍ مِنْ نَفْسِهِ بِرِضَا الْوَلِيِّ) وَيَكُونُ نَائِبًا عَنْهُ كَالْأَجْنَبِيِّ (وَلَوْ أَقَامَ) الْمَحْدُودُ (حَدَّ زِنًا) عَلَى نَفْسِهِ (أَوْ) حَدَّ قَذْفٍ عَلَى نَفْسِهِ (أَوْ قَطَعَ سَرِقَةً عَلَى نَفْسِهِ بِإِذْنٍ سَقَطَ قَطْعُ السَّرِقَةِ فَقَطْ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ قَطْعُ الْعُضْوِ الْوَاجِبِ قَطْعُهُ بِخِلَافِ حَدِّ الزِّنَا وَالْقَذْفِ لِعَدَمِ حُصُولِ الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ بِجَلْدِهِ نَفْسِهِ وَلَهُ خَتْنُ نَفْسِهِ إنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَأَحْسَنَهُ نَصًّا لِأَنَّهُ يَسِيرٌ.
(وَإِنْ كَانَ) الْحَقُّ فِي (الِاسْتِيفَاءِ لِجَمَاعَةٍ) بِأَنْ كَانَ الْوَارِثُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَلَّاهُ جَمِيعُهُمْ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِ الْجَانِي وَتَعَدُّدِ أَفْعَالِهِمْ (وَأُمِرُوا بِتَوْكِيلِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ) لِيَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ لَهُمْ (فَإِنْ تَشَاحُّوا وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ قُدِّمَ أَحَدُهُمْ بِقُرْعَةٍ) لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمْ كَمَا لَوْ تَشَاحُّوا فِي تَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهِمْ (لَكِنْ لَا يَجُوزُ) لِمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ (الِاسْتِيفَاءُ حَتَّى يُوَكِّلَهُ الْبَاقُونَ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ (فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى التَّوْكِيلِ مُنِعَ الِاسْتِيفَاءُ حَتَّى يُوَكِّلُوا) وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى إذَا تَشَاحُّوا أَمَرَ الْإِمَامُ مَنْ شَاءَ بِاسْتِيفَائِهِ.
[فَصْلٌ وَلَا يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ إلَّا بِالسَّيْفِ]
(فَصْلٌ وَلَا يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ إلَّا بِالسَّيْفِ فِي الْعُنُقِ سَوَاءٌ كَانَ الْقَتْلُ بِهِ) أَيْ السَّيْفِ (أَوْ بِمُحَرَّمٍ لِعَيْنِهِ) أَيْ ذَاتِهِ (كَسِحْرٍ وَتَجْرِيعِ خَمْرٍ وَلِوَاطٍ أَوْ قَتَلَهُ بِحَجَرٍ وَتَغْرِيقٍ أَوْ تَحْرِيقٍ أَوْ هَدْمِ) حَائِطٍ عَلَيْهِ (أَوْ حَبْسٍ أَوْ خَنْقٍ أَوْ قَطَعَ يَدَهُ مِنْ مَفْصِلٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ أَوْضَحَهُ أَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ثُمَّ عَادَ فَضَرَبَ بِعُنُقِهِ قَبْلَ الْبُرْءِ أَوْ أَجَافَهُ) بِأَنْ جَرَحَهُ جُرْحًا وَصَلَ إلَى جَوْفِهِ فَمَاتَ (أَوْ أَمَّهُ) أَيْ جَنَى عَلَيْهِ آمَّةً وَهِيَ مَا تَصِلُ إلَى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ
стр. 2705
فَمَاتَ (أَوْ قَطَعَ يَدًا نَاقِصَةَ الْأَصَابِعِ أَوْ شَلَّاءَ أَوْ زَائِدَةً فَمَاتَ) (أَوْ) جَنَى (جِنَايَةً غَيْرَ ذَلِكَ) عَلَيْهِ (فَمَاتَ) لِعُمُومِ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ وَقَالَ أَحْمَدُ لَيْسَ إسْنَادُهُ بِجَيِّدٍ (وَيَدْخُلُ قَوَدُ الْعُضْوِ فِي قَوَدِ النَّفْسِ) لِأَنَّ الْقِصَاصَ حَدٌّ بَدَلَ النَّفْسِ فَدَخَلَ الطَّرَفُ فِي حُكْمِ الْجُمْلَةِ كَالْيَدِ.
(وَلَا يُفْعَلُ بِهِ) أَيْ بِالْمُقْتَصِّ مِنْهُ (كَمَا فَعَلَ إذَا كَانَ الْقَتْلُ بِغَيْرِ السَّيْفِ) لِلنَّهْيِ عَنْ الْمُثْلَةِ وَلِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةُ تَعْذِيبٍ (فَإِنْ فَعَلَ) الْوَلِيُّ بِهِ كَمَا فَعَلَ (فَقَدْ أَسَاءَ) بِالْمُخَالَفَةِ (وَلَمْ يَضْمَنْ) شَيْئًا كَمَا لَوْ اُسْتُوْفِيَ بِآلَةٍ كَالَّةٍ (فَإِنْ ضَرَبَهُ) الْوَلِيُّ (بِالسَّيْفِ فَلَمْ يَمُتْ كَرَّرَ عَلَيْهِ) الضَّرْبَ (حَتَّى يَمُوتَ) لِيَحْصُلَ الِاسْتِيفَاءُ.
(وَلَا يَجُوزُ) اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ (بِسِكِّينٍ) لِأَنَّ السَّيْفَ أَوْحَى (وَلَا) يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ (فِي طَرَفٍ إلَّا بِهَا) أَيْ بِسِكِّينٍ لِئَلَّا تُحِيفَ، وَذَكَرَ فِي الِانْتِصَارِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الرَّجْمَ بِحَجَرٍ لَا يَجُوزُ بِسَيْفٍ (وَيَأْتِي فِيمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ) أَيْ أَنَّهُ لَا يُسْتَوْفَى إلَّا بِسِكِّينٍ، وَبَيَانُ كَيْفِيَّةِ اسْتِيفَائِهِ.
(وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ أَيْضًا عَلَى مَا أَتَى بِهِ) الْجَانِي (وَلَا قَطْعُ شَيْءٍ مِنْ أَطْرَافِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ قَطَعَ الْوَلِيُّ شَيْئًا مِنْ أَطْرَافِهِ (فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ تُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ وَهِيَ هُنَا مُتَحَقِّقَةٌ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِإِتْلَافِ الطَّرَفِ ضِمْنًا لِاسْتِحْقَاقِ إتْلَافِ الْجُمْلَةِ (وَيَجِبُ فِيهِ) أَيْ الزَّائِدِ (دِيَتُهُ) أَيْ دِيَةُ ذَلِكَ الزَّائِدِ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِالتَّعَدِّي سَوَاءٌ عَفَا عَنْهُ الْوَلِيُّ (أَوْ قَتَلَهُ) لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ إتْلَافِ الطَّرَفِ مَوْجُودٌ فِي حَالَتَيْ الْعَفْوِ وَالْقَتْلِ (وَإِنْ زَادَ) الْمُقْتَصُّ (فِي الِاسْتِيفَاءِ مِنْ الطَّرَفِ مِثْلَ أَنْ يَسْتَحِقَّ قَطْعَ أُصْبُعٍ فَيَقْطَعَ اثْنَيْنِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقَاطِعِ ابْتِدَاءً إنْ كَانَ) الْقَطْعُ (عَمْدًا مِنْ مَفْصِلٍ) وَجَبَ الْقِصَاصُ لِانْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ (أَوْ) زَادَ الْمُقْتَصُّ عَمْدًا فِي (شَجَّةٍ يَجِبُ فِي مِثْلِهَا الْقِصَاصُ) وَهِيَ الْمُوضِحَةُ (فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الزِّيَادَةِ) لِانْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ.
(وَإِنْ كَانَ) ذَلِكَ (خَطَأً أَوْ) كَانَ (جُرْحًا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ مِثْلَ مَنْ يَسْتَحِقُّ مُوضِحَةً فَاسْتَوْفَى هَاشِمَةً فَعَلَيْهِ أَرْشُ الزِّيَادَةِ) كَالْجَانِي ابْتِدَاءً (إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ) الْحَاصِلُ زِيَادَةً (بِسَبَبٍ مِنْ الْجَانِي) الْمُقْتَصِّ مِنْهُ (كَاضْطِرَابِهِ حَالَ الِاسْتِيفَاءِ) مِنْهُ (فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُقْتَصِّ) لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ (فَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيِّ الْمُقْتَصُّ وَالْمُقْتَصُّ مِنْهُ (عَلَى فِعْلِهِ) أَيْ قَطْعِ الزَّائِدِ وَنَحْوِهِ (عَمْدًا
стр. 2706
أَوْ خَطَأً) فَقَوْلُ الْمُقْتَصِّ لِأَنَّهُ أَدْرَى بِنِيَّتِهِ (أَوْ قَالَ الْمُقْتَصُّ حَصَلَ هَذَا بِاضْطِرَابِك أَوْ) بِفِعْلٍ (مِنْ جِهَتِكَ) وَقَالَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ بَلْ بِجِنَايَتِكَ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقْتَصِّ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ.
(وَإِنْ قَطَعَ) الْجَانِي (يَدَهُ فَقَطَعَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ رِجْلَ الْجَانِي لَزِمَهُ) أَيْ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ (دِيَةُ رِجْلِهِ) لِأَنَّ الْجَانِيَ لَمْ يَقْطَعْهَا (وَإِنْ سَرَى الِاسْتِيفَاءُ الَّذِي حَصَلَتْ بِهِ الزِّيَادَةُ إلَى نَفْسِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ أَوْ) سَرَى (إلَى بَعْضِ أَعْضَائِهِ مِثْلَ أَنْ قَطَعَ أُصْبُعَهُ فَسَرَى إلَى جَمِيعِ يَدِهِ أَوْ اقْتَصَّ مِنْهُ بِآلَةٍ كَالَّةٍ أَوْ) بِآلَةٍ (مَسْمُومَةٍ) فَسَرَى (أَوْ) اقْتَصَّ مِنْهُ (فِي حَالِ حَرٍّ مُفْرِطٍ أَوْ) فِي بَرْدٍ شَدِيدٍ فَسَرَى فَعَلَى الْمُقْتَصِّ (نِصْفُ الدِّيَةِ) وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى فِي آخِرِ بَابِ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ يَلْزَمُهُ بَقِيَّةُ الدِّيَةِ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِفِعْلٍ جَائِزٍ وَمُحَرَّمٍ.
(قَالَ الْقَاضِي كَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحَيْنِ جُرْحًا فِي رِدَّتِهِ وَجُرْحًا بَعْدَ إسْلَامِهِ فَمَاتَ مِنْهُمَا) أَيْ مَنْ الْجُرْحَيْنِ.
(وَإِنْ قَطَعَ الْجَانِي بَعْضَ أَعْضَائِهِ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (ثُمَّ قَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ بَرِئَتْ الْجِرَاحُ مِثْلَ أَنْ قَطَعَ) الْجَانِي (يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَبَرِئَتْ جِرَاحَتُهُ ثُمَّ قَتَلَهُ) الْجَانِي (فَقَدْ اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْقَطْعِ) بِالْبُرْءِ (وَلِوَلِيِّ الْقَتِيلِ) وَهُوَ وَارِثُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (الْخِيَارُ) بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ فَإِنْ (شَاءَ عَفَا وَأَخَذَ ثَلَاثَ دِيَاتٍ) : دِيَةً لِلْيَدَيْنِ وَدِيَةً لِلرِّجْلَيْنِ وَدِيَةً لِلنَّفْسِ (وَإِنْ شَاءَ) الْوَلِيُّ (قَتَلَهُ وَأَخَذَ دِيَتَيْنِ) : دِيَةً لِلْيَدَيْنِ وَدِيَةً لِلرِّجْلَيْنِ (وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَأَخَذَ دِيَةَ نَفْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ) الْوَلِيُّ (قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ وَأَخَذَ دِيَتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ) الْوَلِيُّ (قَطَعَ طَرَفًا وَاحِدًا) مِنْ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ (وَأَخَذَ دِيَةَ الْبَاقِي) وَهُوَ دِيَتَانِ وَنِصْفٌ لِأَنَّ كُلَّ جِنَايَةٍ مِنْ ذَلِكَ اسْتَقَرَّ حُكْمُهَا فَهِيَ كَالْمُتَّحِدَةِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي انْدِمَالِ الْجُرْحِ قَبْلَ الْقَتْلِ وَكَانَتْ الْمُدَّةُ بَيْنَهُمَا يَسِيرَةً لَا يُحْتَمَلُ انْدِمَالُهُ فِي مِثْلِهَا) عَادَةً (فَقَوْلُ الْجَانِي) فِي عَدَمِهِ (بِغَيْرِ يَمِينٍ) لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي مُضِيِّهَا) أَيْ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَنْدَمِلُ فِيهَا الْجُرْحُ (فَقَوْلُهُ) أَيْ الْجَانِي (أَيْضًا مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِانْدِمَالِ وَعَدَمُ الْمُضِيِّ (وَإِنْ كَانَتْ الْمُدَّةُ) الَّتِي مَضَتْ بَيْنَ الْجَرْحِ وَالْقَتْلِ (مَا يُحْتَمَلُ الْبُرْءُ فِيهَا فَقَوْلُ الْوَلِيِّ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ سُقُوطِ حُكْمِ الْجِنَايَةِ (فَإِنْ كَانَ لِلْجَانَّيْ بَيِّنَةٌ بِبَقَاءِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ضِمْنًا حَتَّى قَتَلَهُ حُكِمَ لَهُ بِبَيِّنَتِهِ) لِعَدَمِ مَا يُعَارِضُهَا (وَإِنْ كَانَتْ) الْبَيِّنَةُ (لِلْوَلِيِّ بِبُرْئِهِ حُكِمَ لَهُ) أَيْ لِلْوَلِيِّ (أَيْضًا) بِبَيِّنَتِهِ لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ لَهَا (فَإِنْ تَعَارَضَتَا) أَيْ الْبَيِّنَتَانِ (قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْوَلِيِّ لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ لِلْبُرْءِ) وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي (وَإِنْ ظَنَّ وَلِيُّ دَمٍ أَنَّهُ اقْتَصَّ فِي النَّفْسِ فَلَمْ يَكُنْ، وَدَاوَاهُ)
стр. 2707
أَيْ الْجَانِي (أَهْلُهُ حَتَّى بَرِئَ فَإِنْ شَاءَ الْوَلِيُّ دَفَعَ إلَيْهِ دِيَةَ فِعْلِهِ) الَّذِي فَعَلَهُ بِهِ، وَقَتَلَهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ الْوَلِيُّ ذَلِكَ (تَرَكَهُ) وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا قَضَاءُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَيَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ذَكَرَهُ أَحْمَدُ.
[فَصْلٌ وَإِنْ قَتَلَ وَاحِدٌ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ]
(فَصْلٌ وَإِنْ قَتَلَ وَاحِدٌ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ أَوْ دَفْعَةً وَاحِدَةً) فَاتَّفَقَ أَوْلِيَاؤُهُمْ عَلَى قَتْلِهِ قُتِلَ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ كَمَا لَوْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبِيدًا خَطَأً فَرَضُوا بِأَخْذِهِ، وَلِأَنَّهُمْ رَضُوا بِبَعْضِ حَقِّهِمْ كَمَا لَوْ رَضِيَ صَاحِبُ الْيَدِ الصَّحِيحَةِ بِالشَّلَّاءِ (وَلَا شَيْءَ لَهُمْ سِوَاهُ) أَيْ سِوَى الْقَتْلِ؛ لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِقَتْلِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ سِوَاهُ، وَإِنْ طَلَبِ أَحَدُهُمْ الْقِصَاصَ وَالْبَاقُونَ الدِّيَةَ فَلَهُمْ ذَلِكَ (وَإِنْ تَشَاحُّوا فِيمَنْ يَقْتُلُهُ مِنْهُمْ عَلَى الْكَمَالِ أُقِيدَ لِلْأَوَّلِ إنْ كَانَ قَتَلَهُمْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ) لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ، وَلِأَنَّ الْمَحِلّ صَارَ مُسْتَحَقًّا لَهُ بِالْقَتْلِ (وَلِلْبَاقِينَ) بَعْدَ الْأَوَّلِ (دِيَةُ قَتَلَاهُمْ) لِأَنَّ الْقَتْلَ إذَا فَاتَ تَعَيَّنَتْ الدِّيَةُ (كَمَا لَوْ بَادَرَ غَيْرُ وَلِيِّ الْأَوَّلِ وَاقْتَصَّ) بِجِنَايَتِهِ فَلِلْبَاقِينَ الدِّيَةُ (فَإِنْ كَانَ وَلِيُّ الْأَوَّلِ غَائِبًا أَوْ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا اُنْتُظِرَ) قُدُومُهُ أَوْ بُلُوغُهُ أَوْ عَقْلُهُ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ (وَإِنْ قَتَلَهُمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَتَشَاحُّوا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ) فَيَقْتُلُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ وَلِلْبَاقِينَ الدِّيَةُ.
(وَإِنْ بَادَرَ غَيْرُ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَقَتَلَهُ) فَقَدْ (اسْتَوْفَى حَقَّهُ وَسَقَطَ حَقُّ الْبَاقِينَ إلَى الدِّيَةِ) لِفَوَاتِ الْقَتْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ (وَإِنْ قَتَلَهُمْ مُتَفَرِّقًا) وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ (وَأَشْكَلَ الْأَوَّلُ وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْ الْأَوْلِيَاءِ (الْأَوَّلِيَّةَ وَلَا بَيِّنَةَ) لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ (فَأَقَرَّ الْقَاتِلُ لِأَحَدِهِمْ قُدِّمَ) الْمُقَرُّ لَهُ بِالْأَوَّلِيَّةِ (بِإِقْرَارِهِ) أَيْ الْقَاتِلِ عَلَى نَفْسِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ الْقَاتِلُ بِالْأَوَّلِيَّةِ لِأَحَدِهِمْ (أُقْرِعَ) كَمَا لَوْ قَتَلَهُمْ مَعًا.
(فَإِنْ عَفَا وَلِيُّ الْأَوَّلِ عَنْ الْقَوَدِ قُدِّمَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ بَعْدَهُ) لِأَنَّ الْأَوَّلَ إنَّمَا قُدِّمَ عَلَيْهِ بِسَبْقِهِ، وَقَدْ سَقَطَ حَقُّهُ لِرِضَاهُ بِالدِّيَةِ (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَوَّلِيَّةٌ بَعْدَهُ) أَيْ الْعَافِي (أَوْ جُهِلَتْ) الْأَوَّلِيَّةُ بَعْدَهُ (فَبِقُرْعَةٍ) لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ غَيْرُهَا (وَإِنْ عَفَا أَوْلِيَاءُ الْجَمِيعِ إلَى الدِّيَاتِ فَلَهُمْ ذَلِكَ) لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِبَعْضِ حَقِّهِمْ، وَلَا تَتَدَاخَلُ حُقُوقُهُمْ، لِأَنَّهَا حُقُوقٌ مَقْصُودَةٌ لِآدَمِيٍّ فَلَا تَتَدَاخَلُ كَالدُّيُونِ.
(وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ الْقَوَدَ وَ) أَرَادَ (الْآخَرُ الدِّيَةَ قُتِلَ لِمَنْ اخْتَارَ الْقَوَدَ وَأُعْطِيَ الْبَاقُونَ دِيَةَ قَتَلَاهُمْ
стр. 2708
مِنْ مَالِ الْقَاتِلِ) لِأَنَّهُ عَمْدٌ مَحْضٌ، فَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ.
(وَإِنْ قَتَلَ) رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً (وَقَطَعَ طَرَفًا مِنْ آخَرَ قُطِعَ طَرَفُهُ أَوَّلًا) لِأَنَّهُ لَوْ بُدِئَ بِالْقَتْلِ لَفَاتَ الْقَطْعُ وَفِيهِ تَفْوِيتٌ لِحَقِّ الْمَقْطُوعِ فَوَجَبَ تَقْدِيمُ الْقَطْعِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ حَقَّيْ الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ (ثُمَّ قُتِلَ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ بَعْدَ الِانْدِمَالِ) لِأَنَّهُ مُعَارِضٌ لَهُ (تَقَدَّمَ الْقَتْلُ) عَلَى الْقَطْعِ (أَوْ تَأَخَّرَ) عَنْهُ لِأَنَّهُمَا جِنَايَتَانِ عَلَى شَخْصَيْنِ فَلَمْ يَتَدَاخَلَا كَقَطْعِ يَدِ رَجُلَيْنِ وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، فَلَمْ يَجُزْ إسْقَاطُ أَحَدِهِمَا.
(وَإِنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ وَقَتَلَ آخَرَ ثُمَّ سَرَى الْقَطْعُ إلَى نَفْسِ الْمَقْطُوعِ فَمَاتَ، فَهُوَ قَاتِلٌ لَهُمَا) لِأَنَّ سِرَايَةَ الْعَمْدِ مَضْمُونَةٌ (فَإِنْ تَشَاحَّا فِي الِاسْتِيفَاءِ قُتِلَ بِاَلَّذِي قَتَلَهُ) لِسَبْقِهِ وَتَأَخُّرِ السِّرَايَةِ (وَوَجَبَتْ الدِّيَةُ كَامِلَةً لِلْمَقْتُولِ بِالسِّرَايَةِ وَلَمْ يُقْطَعْ طَرَفُهُ) لِأَنَّهُ قَطْعٌ صَارَ قَتْلًا.
(وَإِنْ قَطَعَ يَدَ وَاحِدٍ وَأُصْبُعَ آخَرَ مِنْ يَدٍ نَظِيرَتُهَا قُدِّمَ رَبُّ الْيَدِ إنْ كَانَ أَوَّلًا لِسَبْقِهِ) وَلِلْآخَرِ دِيَةُ أُصْبُعِهِ (لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ) فِيهِ (وَمَعَ أَوَّلِيَّتِهِ) بِأَنْ كَانَ قَطَعَ الْأُصْبُعَ أَوَّلًا (تُقْطَعُ أُصْبُعُهُ ثُمَّ يَقْتَصُّ رَبُّ الْيَدِ بِلَا أَرْشٍ) لِأَنَّهُ لَا يُجْمَعُ فِي عَفْوٍ وَاحِدٍ بَيْنَ قِصَاصٍ وَدِيَةِ النَّفْسِ، وَهَذَا بِخِلَافِ النَّفْسِ، فَإِنَّهَا لَا تَنْقُصُ بِقَطْعِ الطَّرَفِ فَقَطْعُهُ لَا يَمْنَعُ التَّكَافُؤَ، بِدَلِيلِ أَخْذِ صَحِيحِ الْأَطْرَافِ بِمَقْطُوعِهَا وَقَطْعُ الْأُصْبُعِ مِنْ الْيَدِ لَا يَمْنَعُ التَّكَافُؤَ فِي الْيَدِ، بِدَلِيلِ أَنَّا لَا نَأْخُذُ الْكَامِلَةَ بِالنَّاقِصَةِ وَاخْتِلَافِ دِيَتِهَا.
(وَإِنْ قَطَعَ أَيْدِي جَمَاعَةٍ) اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ دَفْعَةً أَوْ مُتَفَرِّقًا (فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقَتْلِ فِيمَا تَقَدَّمَ) لِأَنَّ الْقَطْعَ كَالْقَتْلِ فَإِنْ رَضُوا بِقَطْعِ يَدِهِ قُطِعَتْ لَهُمْ وَلَا شَيْءَ لَهُمْ سِوَاهُ، وَإِنْ تَشَاحُّوا بُدِئَ بِالْأَوَّلِ وَلِمَنْ بَقِيَ الدِّيَةُ، وَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ مَعًا أَوْ جُهِلَ الْأَوَّلُ أُقْرِعَ، وَإِنْ رَضِيَ الْأَوَّلُ بِالدِّيَةِ أُعْطِيهَا وَقُطِعَ لِلْبَاقِينَ (وَإِنْ بَادَرَ بَعْضُهُمْ فَاقْتَصَّ بِجِنَايَتِهِ فِي النَّفْسِ أَوْ الطَّرَفِ فَلِمَنْ بَقِيَ الدِّيَةُ عَلَى الْجَانِي) فِي مَالِهِ وَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ لِأَنَّهُ عَمْدٌ مَحْضٌ (وَيَأْتِي إذَا قَتَلَ) خَارِجَ الْحَرَمِ ثُمَّ لَجَأَ إلَيْهِ (أَوْ أَتَى حَدًّا خَارِجَ الْحَرَمِ ثُمَّ لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ آخِرَ كِتَابِ الْحُدُودِ) مُفَصَّلًا.
[بَابُ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ]
(بَابُ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ) أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ وَأَنَّهُ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]
стр. 2709
وَالْقِصَاصُ كَانَ حَتْمًا عَلَى الْيَهُودِ وَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ الْعَفْوُ وَالدِّيَةُ، وَكَانَتْ الدِّيَةُ حَتْمًا عَلَى النَّصَارَى وَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ فَخُيِّرَتْ الْأُمَّةُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ وَالْعَفْوِ تَخْفِيفًا وَرَحْمَةً، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا يُرْفَعُ إلَيْهِ أَمْرٌ فِيهِ الْقِصَاصُ إلَّا أَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِيهِ لِأَنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ لَهُ فَجَازَ تَرْكُهُ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ وَالْعَفْوُ: الْمَحْوُ وَالتَّجَاوُزُ.
(الْوَاجِبُ بِقَتْلِ الْعَمْدِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ الْقَوَدُ أَوْ الدِّيَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] أَوْجَبَ الِاتِّبَاعَ بِمُجَرَّدِ الْعَفْوِ، وَلَوْ أَوْجَبَ الْعَمْدَ بِالْقِصَاصِ عَيْنًا لَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ عِنْدَ الْعَفْوِ الْمُطْلَقِ (فَيُخَيَّرُ الْوَلِيُّ بَيْنَهُمَا) فَإِنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ (وَلَوْ لَمْ يَرْضَ الْجَانِي) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ الدِّيَةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] الْآيَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إمَّا أَنْ يُودَى وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَإِنْ عَفَا مَجَّانًا فَهُوَ أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ بِهِ (ثُمَّ لَا عُقُوبَةَ عَلَى جَانٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَلَيْهِ حَقٌّ وَاحِدٌ وَقَدْ سَقَطَ) كَعَفْوٍ عَنْ دِيَةِ قَاتِلٍ خَطَأً قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْعَدْلُ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا: هُوَ الْغَايَةُ وَهُوَ الْعَدْلُ بَيْنَ النَّاسِ، وَالثَّانِي: مَا يَكُونُ الْإِحْسَانُ أَفْضَلَ مِنْهُ وَهُوَ عَدْلُ الْإِنْسَانِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ فِي الدَّمِ وَالْمَالِ وَالْعِرْضِ فَإِنَّ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ عَدْلٌ وَالْعَفْوُ إحْسَانٌ وَالْإِحْسَانُ هُنَا أَفْضَلُ، لَكِنَّ هَذَا الْإِحْسَانَ لَا يَكُونُ إحْسَانًا إلَّا بَعْدَ الْعَدْلِ وَهُوَ أَنْ لَا يَحْصُلَ بِالْعَفْوِ ضَرَرٌ فَإِذَا حَصَلَ مِنْهُ ضَرَرٌ كَانَ ظُلْمًا مِنْ الْعَافِي لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا لِغَيْرِهِ فَلَا يُشْرَعُ، وَمَحِلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ لِمَجْنُونٍ أَوْ صَغِيرٍ فَلَا يَصِحُّ الْعَفْوُ إلَى غَيْرِ مَالٍ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إسْقَاطَ حَقِّهِ.
(وَإِنْ اخْتَارَ)
стр. 2710
الْوَلِيُّ (الْقَوَدَ أَوْ عَفَا عَنْ الدِّيَةِ فَقَطْ فَلَهُ أَخْذُهَا) أَيْ الدِّيَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ لَهُ وَلِلْجَانِي، وَتَكُونُ بَدَلًا عَنْ الْقِصَاصِ وَلَيْسَتْ الَّتِي وَجَبَتْ بِالْقَتْلِ (وَلَوْ سَخَطَ الْجَانِي) لِأَنَّ الدِّيَةَ دُونَ الْقِصَاصِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَيْهَا لِأَنَّهَا أَقَلُّ مِنْ حَقِّهِ (وَلَهُ) أَيْ لِمَنْ وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ (الصُّلْحُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا) أَيْ الدِّيَةِ (وَتَقَدَّمَ فِي الصُّلْحِ) مُوَضَّحًا (وَمَتَى اخْتَارَ) الْوَلِيُّ (الدِّيَةَ تَعَيَّنَتْ وَسَقَطَ الْقَوَدُ) قَالَ أَحْمَدُ: إذَا أَخَذَ الدِّيَةَ فَقَدْ عَفَا عَنْ الدَّمِ (وَلَا يَمْلِكُ طَلَبَهُ) أَيْ الْقَوَدِ (بَعْدُ) أَيْ بَعْدَ اخْتِيَارِ الدِّيَةِ لِأَنَّهُ إذَا أَسْقَطَ لَا يَعُودُ (فَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ اخْتِيَارِ الدِّيَةِ (قُتِلَ بِهِ) لِأَنَّهُ عَمْدُ عُدْوَانٍ.
(وَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا) بِأَنْ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِقَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ فَلَهُ الدِّيَةُ لِانْصِرَافِ الْعَفْوِ إلَى الْقَوَدِ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الِانْتِقَامِ، وَالِانْتِقَامُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْقَتْلِ (أَوْ) عَفَا عَلَى غَيْرِ مَالٍ بِأَنْ عَفَا عَلَى خَمْرٍ وَنَحْوِهِ فَلَهُ الدِّيَةُ (أَوْ) عَفَا (عَلَى الْقَوَدِ مُطْلَقًا) بِأَنْ قَالَ عَفَوْتُ عَنْ الْقَوَدِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ (وَلَوْ) كَانَ الْعَفْوُ (عَنْ يَدِهِ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ رِجْلِهِ وَنَحْوِهِمَا (فَلَهُ الدِّيَةُ) لِانْصِرَافِ الْعَفْوِ إلَى الْقَوَدِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ قَالَ مُسْتَحِقُّ الْقَوَدِ (لِمَنْ) لَهُ (عَلَيْهِ قَوَدٌ عَفَوْت عَنْ جِنَايَتِكَ أَوْ) عَفَوْتُ، (عَنْكَ بَرِئَ مِنْ الدِّيَةِ كَالْقَوَدِ نَصًّا)) لِأَنَّ عَفْوَهُ عَنْ ذَلِكَ يَتَنَاوَلُهُمَا.
(وَإِذَا جَنَى عَبْدٌ عَلَى حُرٍّ جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ فَاشْتَرَاهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ سَقَطَ الْقِصَاصُ) لِأَنَّ شِرَاءَهُ بِالْأَرْشِ اخْتِيَارٌ لِلْمَالِ وَلَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَعْرِفَا قَدْرَ الْأَرْشِ فَالثَّمَنُ مَجْهُولٌ وَشَرْطُ الْبَيْعِ مَعْرِفَةُ الثَّمَنِ (وَإِنْ عَرَفَا عَدَدَ الْإِبِلِ) أَوْ الْبَقَرِ أَوْ الْغَنَمِ (أَوْ أَسْنَانِهَا فَصِفَتُهَا مَجْهُولَةٌ) وَذَلِكَ يُنَافِي صِحَّةَ الْبَيْعِ (فَإِنْ قُدِّرَ الْأَرْشُ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَبَاعَهُ بِهِ صَحَّ) الْبَيْعُ لِلْعِلْمِ بِالثَّمَنِ (وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ قَبْلَهُ عَفْوُ وَلِيِّ الْمَجْنُونِ وَالصَّغِيرِ وَيَصِحُّ عَفْوُ الْمُفْلِسِ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ عَنْ الْقِصَاصِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ.
(وَإِنْ أَرَادَ الْمُفْلِسُ الْقِصَاصَ لَمْ يَكُنْ لِغُرَمَائِهِ إجْبَارُهُ عَلَى تَرْكِهِ) لِيَأْخُذَ الدِّيَةَ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ لَهُ (وَإِنْ أَحَبَّ) الْمُفْلِسُ (الْعَفْوَ عَنْهُ إلَى مَالٍ فَلَهُ ذَلِكَ) كَغَيْرِ الْمُفْلِسِ وَ (لَا) يَعْفُو (مَجَّانًا) لِأَنَّ الْمَالَ وَاجِبٌ وَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُهُ إذَا قُلْنَا الْوَاجِبُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ، وَإِنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ الْقَوَدُ عَيْنًا صَحَّ عَفْوُهُ عَنْهُ مَجَّانًا لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ إلَّا الْقَوَدُ وَقَدْ أَسْقَطَهُ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ.
وَفِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ يَصِحُّ عَفْوُهُ مَجَّانًا لِأَنَّ الدِّيَةَ لَمْ تَتَعَيَّنْ، وَقَالَهُ فِي الْمُغْنِي (وَكَذَا) أَيْ كَالْمُفْلِسِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ أَوْ مَجَّانًا (السَّفِيهُ وَوَارِثُ الْمُفْلِسِ وَالْمُكَاتَبُ وَكَذَا الْمَرِيضُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ) وَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ الْعَفْوِ مِنْ هَؤُلَاءِ مَجَّانًا، لِأَنَّ الدِّيَةَ لَمْ تَتَعَيَّنْ كَمَا
стр. 2711
تَقَدَّمَ فِي الْمُفْلِسِ.
(إنْ مَاتَ الْقَاتِلُ، أَوْ قُتِلَ وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي تَرِكَتِهِ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْقَوَدُ مِنْ غَيْرِ إسْقَاطٍ (كَتَعَذُّرِهِ فِي طَرَفِهِ) أَيْ تَعَذُّرِ الْقَوَدِ فِي طَرَفِ الْجَانِي لِقَطْعٍ أَوْ شَلَلٍ.
(وَ) كَ (قَتْلِ غَيْرِ الْمُكَافِئ وَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ) الْجَانِي (تَرِكَةً سَقَطَ الْحَقُّ) يَعْنِي لَمْ تُطَالِبْ بِهِ عَاقِلَتُهُ لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ الْمَحْضَ (وَإِنْ قَطَعَ) الْجَانِي (أُصْبُعًا عَمْدًا فَعَفَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَنْهُ ثُمَّ سَرَتْ) الْجِنَايَةُ (إلَى الْكَفِّ أَوْ إلَى النَّفْسِ وَالْعَفْوُ عَلَى مَالٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ مَالٍ فَلَهُ تَمَامُ دِيَةِ مَا سَرَتْ إلَيْهِ) الْجِنَايَةُ لِأَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ إنَّمَا عَفَا عَنْ دِيَةِ الْأُصْبُعِ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ تَمَامُ الدِّيَةِ ضَرُورَةَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهُ، وَلَا قِصَاصَ لِتَعَذُّرِهِ فِي النَّفْسِ دُونَ مَا عَفَا عَنْهُ فَسَقَطَ فِي النَّفْسِ كَمَا لَوْ عَفَا بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ.
(وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ لَا قِصَاصَ فِيهِ كَالْجَائِفَةِ فَعَفَا) الْمَجْرُوحُ (عَنْ الْقِصَاصِ ثُمَّ سَرَى إلَى النَّفْسِ فَلِوَلِيِّهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْ قَوَدِ مَا لَا قَوَدَ فِيهِ) فَلَمْ يُؤَثِّرْ عَفْوُهُ (وَلَهُ) أَيْ وَلِيِّ الْمَجْرُوحِ (بَعْدَ السِّرَايَةَ الْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ وَلَهُ) حِينَئِذٍ (كَمَالُ الدِّيَةِ) كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ عَفْوٌ.
(وَإِنْ عَفَا) الْمَجْرُوحُ (عَنْ دِيَةِ الْجُرْحِ صَحَّ) عَفْوُهُ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ وَقَدْ وَجَبَ بِالْجِنَايَةِ وَقَدْ أَسْقَطَهُ (وَلَهُ) أَيْ لِوَرَثَتِهِ (بَعْدَ السِّرَايَةِ دِيَةُ النَّفْسِ) قَالَ فِي الشَّرْحِ إلَّا أَرْشَ الْجُرْحِ اهـ لِأَنَّ الْجُرْحَ مُوجِبٌ وَإِنَّمَا سَقَطَ الْوُجُوبُ بِالْعَفْوِ فَيَخْتَصُّ الْقَوَدُ بِمَحِلِّ الْعَفْوِ.
(وَإِنْ عَفَا) وَلِيُّ الْقَوَدِ (مُطْلَقًا) بِأَنْ قَالَ عَفَوْت فَقَطْ فَلَهُ الدِّيَةُ (أَوْ عَفَا عَنْ الْقَوَدِ مُطْلَقًا) بِأَنْ قَالَ عَفَوْت عَنْ الْقَوَدِ (فَلَهُ الدِّيَةُ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُ شَيْئَيْنِ فَإِذَا سَقَطَ الْقَوَدُ تَعَيَّنَتْ الدِّيَةُ (وَإِنْ قَالَ الْجَانِي) لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ (عَفَوْت مُطْلَقًا) أَيْ عَنْ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ (أَوْ) قَالَ الْجَانِي (عَفَوْت عَنْهَا) أَيْ الْجِنَايَةِ (وَعَنْ سِرَايَتِهَا قَالَ) وَلِيُّ الْجِنَايَةِ (بَلْ عَفَوْت إلَى مَالٍ أَوْ عَفَوْت عَنْهَا) أَيْ الْجِنَايَةِ (دُونَ سِرَايَتِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ وَلِيّه) مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ (وَإِنْ قَتَلَ الْجَانِي الْعَافِيَ فِيمَا إذَا عَفَا عَلَى مَالٍ قَبْلَ الْبُرْءِ فَالْقَوَدُ) أَيْ لِوَلِيِّ الْعَافِي الْقَوَدُ لِأَنَّ قَتْلَهُ انْفَرَدَ عَنْ قَطْعِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الْقَاطِعُ غَيْرَهُ (أَوْ الدِّيَةُ كَامِلَةً) لِأَنَّ الْقَتْلَ مُنْفَرِدٌ عَنْ الْقَطْعِ فَلَمْ يَدْخُلْ حُكْمُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ وَلِأَنَّ الْقَتْلَ مُوجِبٌ لَهُ فَأَوْجَبَ الدِّيَةَ كَامِلَةً كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ عَفْوٌ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْعَفْوُ عَلَى غَيْرِ مَالٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ فِي الشَّرْحِ قَالَ وَسَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرَ كَانَ الْعَافِي عَنْ الْجُرْحِ أَخَذَ دِيَةَ طَرَفِهِ أَوْ لَمْ يَأْخُذْهَا.
(وَإِنْ وَكَّلَ) مُسْتَحِقُّ الْقَوَدِ (فِي قِصَاصٍ ثُمَّ عَفَا) الْمُوَكَّلُ (وَلَمْ يَعْلَمْ الْوَكِيلُ حَتَّى اقْتَصَّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا) أَمَّا الْمُوَكَّلُ فَلِأَنَّ الْعَفْوَ إحْسَانٌ فَلَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الضَّمَانِ
стр. 2712
وَأَمَّا الْوَكِيلُ فَلِأَنَّهُ لَا تَفْرِيطَ مِنْهُ كَمَا لَوْ عَفَا بَعْدَ مَا رَمَاهُ (وَإِنْ عَلِمَ الْوَكِيلُ) بِعَفْوِ الْمُوَكِّلِ (فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ) لِأَنَّهُ قَتَلَهُ ظُلْمًا كَمَا لَوْ قَتَلَهُ ابْتِلَاءً.
(وَإِنْ عَفَا) الْمَجْرُوحُ (عَنْ قَاتِلِهِ بَعْدَ الْجُرْحِ صَحَّ سَوَاءٌ كَانَ) الْعَفْوُ (بِلَفْظِ الْعَفْوِ أَوْ الْوَصِيَّةِ أَوْ الْإِبْرَاءِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لِلْحَقِّ فَصَحَّ بِكُلِّ لَفْظٍ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ (فَإِنْ قَالَ) وَلِيُّ الْجِنَايَةِ: (عَفَوْتُ عَنْ الْجِنَايَةِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا صَحَّ) الْعَفْوُ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لِلْحَقِّ بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِهِ (وَلَمْ يَضْمَنْ) الْجَانِي (السِّرَايَةَ) لِلْعَفْوِ عَنْهَا (فَإِنْ كَانَ) الْجُرْحُ (عَمْدًا لَمْ يَضْمَنْ) الْجَانِي (شَيْئًا) وَلَمْ يُعْتَبَرْ خُرُوجُ ذَلِكَ مِنْ الثُّلُثِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْقَوَدُ عَيْنًا أَوْ أَحَدُ شَيْئَيْنِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ إسْقَاطُ أَحَدِهِمَا (وَإِنْ كَانَ) الْجُرْحُ (خَطَأً اُعْتُبِرَ خُرُوجُهُمَا) أَيْ الْجِنَايَةِ وَسِرَايَتِهَا (مِنْ الثُّلُثِ) كَالْوَصِيَّةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ سَقَطَ عَنْهُ أَيْ الْجَانِي (مِنْ دِيَتِهَا) أَيْ السِّرَايَةِ (مَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ) كَوَصِيَّةٍ.
(وَإِنْ أَبْرَأَهُ) أَيْ أَبْرَأَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْجَانِيَ (مِنْ الدِّيَةِ أَوْ وَصَّى لَهُ بِهَا فَهُوَ وَصِيَّةٌ لِقَاتِلٍ وَتَصِحُّ) لِتَأَخُّرِهَا عَنْ الْجِنَايَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَصَّى لَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ (وَتَقَدَّمَ فِي الْمُوصَى لَهُ) مُفَصَّلًا (وَتُعْتَبَرُ) الْبَرَاءَةُ مِنْ الدِّيَةِ أَوْ الْوَصِيَّةُ بِهَا لِلْقَاتِلِ (مِنْ الثُّلُثِ) كَسَائِرِ الْعَطَايَا فِي الْمَرَضِ وَالْوَصَايَا (وَإِنْ أَبْرَأَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ وَارِثُهُ (الْقَاتِلَ مِنْ الدِّيَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ أَوْ) أَبْرَأَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ وَارِثُهُ (الْعَبْدَ مِنْ الْجِنَايَةِ الْمُتَعَلِّقِ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ لَمْ يَصِحَّ) الْإِبْرَاءُ لِأَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِنْ حَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّ الدِّيَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الْقَاتِلِ وَالْجِنَايَةُ الْمُتَعَلِّقُ أَرْشُهَا بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ بَلْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمِلْكِ السَّيِّدِ (وَإِنْ أَبْرَأَ الْعَاقِلَةَ أَوْ) أَبْرَأَ (السَّيِّدَ صَحَّ) لِأَنَّهُ أَبْرَأَهُمَا مِنْ حَقٍّ عَلَيْهِمَا كَالدَّيْنِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمَا.
(وَإِنْ وَجَبَ لِعَبْدٍ قِصَاصٌ) فِي الطَّرَفِ، (أَوْ تَعْزِيرُ قَذْفٍ فَلَهُ) أَيْ الْعَبْدِ (طَلَبُهُ وَالْعَفْوُ عَنْهُ) لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ، وَالْقَصْدُ مِنْهُ التَّشَفِّي (وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلسَّيِّدِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ لَهُ (إلَّا أَنْ يَمُوتَ الْعَبْدُ) فَيَنْتَقِلُ إلَيْهِ وَحِينَئِذٍ فَلَهُ طَلَبُهُ وَإِسْقَاطُهُ كَالْوَارِثِ.
(وَمَنْ صَحَّ عَفْوُهُ مَجَّانًا فَإِنْ أَوْجَبَ الْجُرْحُ مَالًا عَيْنًا) كَالْجَائِفَةِ وَجِنَايَةِ الْخَطَإِ (فَكَوَصِيَّةٍ) يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمَالٍ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ الْمَالُ عَيْنًا كَالْعَمْدِ الْمَحْضِ (فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ) لِأَنَّ الْمَالَ لَمْ يَتَعَيَّنْ.
(وَيَصِحُّ قَوْلُ مَجْرُوحٍ) لِجَانٍ (أَبْرَأْتُكَ وَحَلَلْتُكَ مِنْ دَمِي أَوْ قَتْلِي أَوْ وَهَبْتُكَ ذَلِكَ أَوْ نَحْوُهُ) كَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ دَمِي، أَوْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْك (مُعَلِّقًا) ذَلِكَ (بِمَوْتِهِ) بِأَنْ يَقُولَ إنْ مِتُّ فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ دَمِي، أَوْ وَهَبْتُك دَمِي إنْ مِتُّ وَنَحْوَهُ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا (فَلَوْ بَرِئَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ
стр. 2713
مِنْ الْجِنَايَةِ (بَقِيَ حَقُّهُ) فَيُطَالِبُ بِهِ لِعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ (بِخِلَافِ عَفَوْتُ عَنْهُ وَنَحْوِهِ) كَأَبْرَأْتُك مِنْ دَمِي فَإِنَّهُ يَبْرَأُ مُطْلَقًا بَرِئَ أَوْ عُوفِيَ لِأَنَّهُ إبْرَاءٌ مُنَجَّزٌ اهـ.
[بَابُ مَا يُوجِب قِصَاصًا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ الْأَطْرَافِ]
(بَابُ مَا يُوجِب قِصَاصًا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ الْأَطْرَافِ، وَالْجِرَاحِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] وَقَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الرُّبَيِّعِ عَمَّتِهِ «لَمَّا كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ وَطَلَبُوا الْعَفْوَ فَأَبَوْا وَعَرَضُوا الْأَرْشَ، فَأَبَوْا فَقَالَ النَّبِيُّ: ﷺ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ إذَا أَمْكَنَ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ النَّفْسِ كَالنَّفْسِ فِي الْحَاجَةِ إلَى حِفْظِهِ بِالْقِصَاصِ فَكَانَ كَالنَّفْسِ فِي وُجُوبِهِ (كُلُّ مَنْ أُقِيدَ بِغَيْرِهِ فِي النَّفْسِ أُقِيدَ بِهِ فِيمَا دُونَهَا مِنْ حُرٍّ وَعَبْدٍ) ؛ لِأَنَّ مَنْ أُقِيدَ بِهِ فِي النَّفْسِ إنَّمَا أُقِيدَ بِهِ لِحُصُولِ الْمُسَاوَاةِ الْمُعْتَبَرَةِ لِلْقَوَدِ فَوَجَبَ أَنْ يُقَادَ بِهِ فِيمَا دُونَهَا، فَلَوْ قَطَعَ مُسْلِمٌ يَدَ مُسْلِمٍ قُطِعَتْ يَدُهُ؛ لِأَنَّهُ يُقَادُ بِهِ فِي النَّفْسِ.
(وَمَنْ لَا يَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا فِي النَّفْسِ لَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا فِي الطَّرَفِ كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ) وَكَ (الْحُرِّ مَعَ الْعَبْدِ وَ) كَ (الْمُسْلِمِ مَعَ الْكَافِرِ) فَلَا تُقْطَعُ يَدُ الْأَبِ بِيَدِ ابْنِهِ وَلَا يَدُ الْحُرِّ بِيَدِ الْعَبْدِ، وَلَا يَدُ الْمُسْلِمِ بِيَدِ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَادُ بِهِ فِي النَّفْسِ (وَلَا يَجِبُ) الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ (إلَّا بِمَا يُوجِبُ الْقَوَدَ فِي النَّفْسِ وَهُوَ الْعَمْدُ الْمَحْضُ فَلَا قَوَدَ فِي شَبَهِ الْعَمْدِ) خِلَافًا لِأَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى (وَلَا) قَوَدَ فِي (خَطَأٍ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ إجْمَاعًا وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِهِمَا (وَهُوَ) أَيْ مَا دُونَ النَّفْسِ (نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا الْأَطْرَافُ) لِمَا ذَكَرْنَا (فَتُؤْخَذُ الْعَيْنُ) بِالْعَيْنِ الْيُمْنَى بِالْيُمْنَى وَالْيُسْرَى بِالْيُسْرَى (وَ) يُؤْخَذُ (الْأَنْفُ) بِالْأَنْفِ.
(وَ) يُؤْخَذُ (الْحَاجِزُ وَهُوَ وَتَرُ الْأَنْفِ) بِمِثْلِهِ (وَ) تُؤْخَذُ (الْأُذُنُ) بِالْأُذُنِ (وَ) يُؤْخَذُ (السِّنُّ) بِالسِّنِّ (وَالْجَفْنُ) بِالْجَفْنِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَحَكَى ابْنُ سِيدَهْ كَسْرَهَا (وَالشَّفَةُ) بِمِثْلِهَا (وَالْيَدُ وَالرِّجْلُ وَاللِّسَانُ وَالْأُصْبُعُ وَالْكَتِفُ وَالْمِرْفَقُ وَالذَّكَرُ وَالْخُصْيَةُ وَالْأَلْيَةُ وَشُفْرُ الْمَرْأَةِ بِمِثْلِهِ) لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ مَوْجُودَةٌ وَالْقِصَاصُ مُمْكِنٌ فَوَجَبَ
стр. 2714
إلْحَاقًا لِغَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بِالْمَنْصُوصِ وَالشُّفْرُ بِضَمِّ الشِّينِ أَحَدُ شُفْرَيْ الْمَرْأَةِ، فَأَمَّا شُفْرُ الْعَيْنِ فَهُوَ مَنْبَتُ الْهُدْبِ، وَقَدْ حُكِيَ فِيهِ الْفَتْحُ.
[فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِلْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ أَحَدُهَا إمْكَانُ الِاسْتِيفَاءِ بِلَا حَيْفٍ]
(فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِلْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ) أَحَدُهَا إمْكَانُ الِاسْتِيفَاءِ بِلَا حَيْفٍ؛ لِأَنَّ الْحَيْفَ جَوْرٌ وَظُلْمٌ، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ الْقِصَاصُ إلَّا بِهِ لَمْ يَجُزْ فِعْلُهُ (وَأَمَّا الْأَمْنُ مِنْ الْحَيْفِ فَشَرْطٌ لِجَوَازِ الِاسْتِيفَاءِ) مَعَ أَنَّهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَاجِبٌ إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَهُوَ الْعُدْوَانُ عَلَى مَنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا مَعَ الْمُسَاوَاةِ فِي الِاسْمِ وَالصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ لَكِنَّ الِاسْتِيفَاءَ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِخَوْفِ الْعُدْوَانِ عَلَى الْجَانِي، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّا إذَا قُلْنَا: إنَّهُ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ تَعَيَّنَتْ الدِّيَةُ إذَا لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ شَرْطٌ لِلِاسْتِيفَاءِ دُونَ الْوُجُوبِ انْبَنَى عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ الْوَاجِبَ مَاذَا؟ فَإِنْ قُلْنَا: الْقِصَاصُ عَيْنًا لَمْ يَجِبْ بِذَلِكَ شَيْءٌ، إلَّا أَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ إذَا عَفَا يَكُونُ قَدْ عَفَا عَمَّنْ يَحْصُلْ لَهُ ثَوَابُهُ، وَإِنْ قُلْنَا مُوجِبُ الْعَمْدِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ انْتَقَلَ الْوُجُوبُ إلَى الدِّيَةِ كَغَيْرِهِ، وَإِمْكَانُ الِاسْتِيفَاءِ بِلَا حَيْفٍ (بِأَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ مِنْ مِفْصَلٍ) لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يُسْتَوْفَى أَكْثَرُ مِنْ الْحَقِّ (أَوْ) يَكُونُ الْقَطْعُ (لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي) الْقَطْعُ (إلَيْهِ كَمَارِنِ الْأَنْفِ وَهُوَ مَا لَانَ مِنْهُ وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ أَوْ الدِّيَةُ دُونَ الْقَصَبَةِ) لِأَنَّ لِذَلِكَ حَدًّا يُنْتَهَى إلَيْهِ أَشْبَهَ الْيَدَ (فَإِنْ قَطَعَ الْقَصَبَةَ) أَيْ قَصَبَةَ الْأَنْفِ (أَوْ قَطَعَ مِنْ نِصْفِ كُلٍّ مِنْ السَّاعِدِ أَوْ الْكَفِّ أَوْ السَّاقِ أَوْ الْعَضُدِ أَوْ الْوَرِك أَوْ قَطَعَ يَدَهُ مِنْ الْكُوعِ ثُمَّ تَآكَلَتْ إلَى نِصْفِ الذِّرَاعِ فَلَا قِصَاصَ، وَلَهُ الدِّيَةُ) لِخَبَرِ «أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَجُلًا عَلَى سَاعِدِهِ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا مِنْ غَيْرِ مِفْصَلٍ فَاسْتَدْعَى عَلَيْهِ النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ لَهُ بِالدِّيَةِ فَقَالَ إنِّي أُرِيدُ الْقِصَاصَ قَالَ خُذْ الدِّيَةَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّ الْقَطْعَ لَيْسَ مِنْ مِفْصَلٍ فَلَا يُؤْمَنُ فِيهِ مِنْ الْحَيْفِ (وَلَا أَرْشَ لِلْبَاقِي) أَيْ لَا يَجِبُ سِوَى دِيَةِ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ لِئَلَّا يُجْمَعَ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ بَيْنَ دِيَةٍ وَحُكُومَةٍ.
(وَلَا قَوَدَ فِي اللَّطْمَةِ وَنَحْوِهَا) لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِيهَا غَيْرُ مُمْكِنَةٍ.
(وَيُؤْخَذُ الْأَنْفُ الْكَبِيرُ بِالْأَنْفِ الصَّغِيرِ) لِمُسَاوَاتِهِ لَهُ فِي الِاسْمِ
стр. 2715
(وَ) يُؤْخَذُ (الْأَنْفُ الْأَقْنَى بِالْأَفْطَسِ وَالْأَشَمُّ بِالْأَخْشَمِ الَّذِي لَا شَمَّ لَهُ) لِأَنَّ عَدِمَ الشَّمِّ لِعِلَّةٍ فِي الدِّمَاغِ، وَنَفْسُ الْأَنْفِ صَحِيحٌ فَوَجَبَ أَخْذُ الْأَشَمِّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ.
(وَ) يُؤْخَذُ الْأَنْفُ (الصَّحِيحُ بِ) الْأَنْفِ (الْأَجْذَمِ) لِأَنَّهُ مِثْلُهُ (مَا لَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ) أَيْ الْأَجْذَمِ (شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ) السَّاقِطُ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ فَيُؤْخَذُ مِنْ الصَّحِيحِ مِثْلُ مَا بَقِيَ مِنْهُ أَيْ الْأَجْذَمِ (أَوْ يَأْخُذُ أَرْشَ ذَلِكَ فَلَا يُشْتَرَطُ) لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ (التَّسَاوِي فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ فِي الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ وَنَحْوِهِمَا فَتُقْلَعُ عَيْنُ الشَّابِّ بِعَيْنِ الشَّيْخِ الْمَرِيضَةِ وَ) تُقْلَعُ (عَيْنُ الْكَبِيرِ بِعَيْنِ الصَّغِيرِ وَ) تُقْلَعُ الْعَيْنُ الصَّحِيحَةُ بِعَيْنِ الْأَعْمَشِ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الصِّفَةِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ (لَكِنْ إنْ كَانَ) الْجَانِي قَلَعَ عَيْنَهُ (بِإِصْبَعِهِ لَا يَجُوزُ) لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (أَنْ يَقْتَصَّ بِإِصْبَعِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْمُمَاثَلَةُ فِيهِ) .
(وَلَا تُؤْخَذُ) الْعَيْنُ (الصَّحِيحَةُ بِالْقَائِمَةِ) وَهِيَ صَحِيحَةٌ فِي مَوْضِعِهَا وَإِنَّمَا ذَهَبَ نُورُهَا وَإِبْصَارُهَا لِانْتِفَاءِ اسْتِوَائِهِمَا فِي الصِّحَّةِ (وَتُؤْخَذُ) الْعَيْنُ (الْقَائِمَةُ بِالصَّحِيحَةِ) لِأَنَّهَا دُونَ حَقِّهِ (وَلَا أَرْشَ لَهَا مَعَهَا) لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ (كَمَا يَأْتِي) .
(وَتُؤْخَذُ أُذُنُ السَّمِيعِ بِمِثْلِهَا) أَيْ بِأُذُنِ سَمِيعٍ لِلْمُمَاثَلَةِ (وَ) تُؤْخَذُ أُذُنُ السَّمِيعِ (بِأُذُنِ الْأَصَمِّ) لِأَنَّ الْعُضْوَ صَحِيحٌ وَمَقْصُودُهُ الْجَمَالُ وَذَهَابُ السَّمْعِ لِعِلَّةٍ فِي الرَّأْسِ، لِأَنَّهُ مَحَلُّهُ وَلَيْسَ بِنَقْصٍ فِي الْأُذُنِ (تُؤْخَذُ أُذُنُ الْأَصَمِّ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ أُذُنِ السَّمِيعِ وَالْأَصَمِّ (وَتُؤْخَذُ) الْأُذُنُ (الصَّحِيحَةُ بِ) الْأُذُنِ (الْمَثْقُوبَةِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَقْصٍ فِي الْأُذُنِ وَإِنَّمَا يُفْعَلُ فِي الْعَادَةِ لِلْقُرْطِ وَالتَّزَيُّنِ بِهِ (فَإِنْ كَانَ الثُّقْبُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ أَوْ كَانَتْ) الْأُذُنُ (مَخْرُومَةً أُخِذَتْ بِالصَّحِيحَةِ) لِأَنَّهُ رَضِيَ بِدُونِ حَقِّهِ (وَلَمْ تُؤْخَذْ) الْأُذُنُ (الصَّحِيحَةُ بِهَا) أَيْ بِالْمَثْقُوبَةِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الثُّقْبِ أَوْ بِالْمَخْرُومَةِ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ فَتَفُوتُ الْمُسَاوَاةُ (وَيُخَيَّرُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بَيْنَ أَخْذِ الدِّيَةِ إلَّا قَدْرَ النَّقْصِ وَبَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ فِيمَا سِوَى الْعَيْبِ وَيَتْرُكَهُ مِنْ أُذُنِ الْجَانِي، وَيَجِبُ لَهُ فِي قَدْرِ النَّقْصِ حُكُومَةٌ) .
(وَإِنْ قَطَعَ) الْجَانِي (بَعْضَ أُذُنِهِ فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أُذُنِ الْجَانِي بِقَدْرِ مَا قَطَعَ مِنْ أُذُنِهِ وَيُقَدَّرُ ذَلِكَ بِالْأَجْزَاءِ) كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ وَ (لَا) يُؤْخَذُ (بِالْمِسَاحَةِ) لِأَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إلَى أَخْذِ جَمِيعِ أُذُنِ الْجَانِي لِصِغَرِهِ بِبَعْضِ أُذُنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِكِبَرِهِ وَكَذَا أَنْفٌ وَلِسَانٌ وَشَفَةٌ.
(وَمَنْ قُطِعَ طَرَفُهُ مِنْ أُذُنٍ أَوْ غَيْرِهَا فَرَدَّهُ فَالْتَحَمَ) بِحَرَارَةِ الدَّمِ (وَثَبَتَ فَلَا قِصَاصَ) فِي ذَلِكَ الْقَطْعِ، لِأَنَّهَا لَمْ تُبَنْ عَلَى الدَّوَامِ فَلَا يَسْتَحِقُّ إبَانَةَ أُذُنِ الْجَانِي دَوَامًا (وَلَا دِيَةَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ بِالْكُلِّيَّةِ (وَلَا أَرْشَ نَقْصِهِ خَاصَّةً نَصًّا) قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى، وَذَلِكَ حُكُومَةٌ لِأَنَّهَا أَرْشُ كُلِّ
стр. 2716
نُقْصَانٍ حَصَلَ بِالْجِنَايَةِ (وَإِنْ سَقَطَ مَا كَانَ) رَدَّهُ وَالْتَحَمَ (بَعْدَ ذَلِكَ) بِغَيْرِ جِنَايَةٍ (قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا فَلَهُ الْقِصَاصُ وَيَرُدُّ مَا أَخَذَهُ) مِنْ الْأَرْشِ لِأَنَّ ذَلِكَ الِالْتِحَامَ كَعَدَمِهِ (وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ الطَّرَفِ فَالْتَصَقَ فَلَهُ أَرْشُ الْجُرْحِ وَلَا قِصَاصَ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْأُذُنِ.
(وَمَنْ قُطِعَتْ أُذُنُهُ وَنَحْوُهَا) كَمَارِنِهِ (قِصَاصًا فَأَلْصَقَهَا فَالْتَصَقَتْ فَطَلَبَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ إبَانَتَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى الْقِصَاصَ قَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يُقَادُ ثَانِيًا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ فِي دِيَاتِ الْأَعْضَاءِ وَمَنَافِعِهَا أُقِيدَ ثَانِيَةً عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَطَعَ بِهِ فِي التَّنْقِيحِ هُنَاكَ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى قَالَ فِي شَرْحِهِ: لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إبَانَتُهُ ثَانِيًا نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَبَانَ عُضْوًا مِنْ غَيْرِهِ دَوَامًا فَوَجَبَتْ إبَانَتُهُ مِنْهُ دَوَامًا لِتَحَقُّقِ الْمُقَاصَّةِ.
(فَإِنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَمْ يَقْطَعْ جَمِيعَ الطَّرَفِ وَإِنَّمَا قَطَعَ بَعْضَهُ فَالْتَصَقَ فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَطْعُ جَمِيعِهِ) لِيَسْتَوْفِيَ تَمَامَ حَقِّهِ (وَالْحُكْمُ فِي السِّنِّ) إذَا قَلَعَهَا ثُمَّ أُعِيدَتْ (كَالْحُكْمِ فِي الْأُذُنِ) عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ التَّفْصِيلِ.
(وَتُؤْخَذُ السِّنُّ رَبَطَهَا بِذَهَبٍ أَوْ لَا بِالسِّنِّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] (الثَّنِيَّةُ بِالثَّنِيَّةِ وَالنَّابُ بِالنَّابِ وَالضَّاحِكُ بِالضَّاحِكِ وَالضِّرْسُ بِالضِّرْسِ، الْأَعْلَى بِالْأَعْلَى وَالْأَسْفَلُ بِالْأَسْفَلِ) لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ مَوْجُودَةٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (مِمَّنْ قَدْ أَثْغَرَ أَيْ سَقَطَتْ رَوَاضِعُهُ ثُمَّ نَبَتَتْ) قَالَ فِي حَاشِيَتِهِ: يُقَالُ: ثُغِرَ الصَّبِيُّ بِضَمِّ الثَّاءِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ يُثْغَرُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ فَهُوَ مَثْغُورٌ إذَا سَقَطَتْ رَوَاضِعُهُ فَإِذَا نَبَتَتْ قِيلَ اتَّغَرَ بِتَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقُ مُشَدَّدَةً عَلَى مِثَالِ اتَّزَرَ قُلِبَتْ الثَّاءُ تَاءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ (وَإِنْ كَسَرَ) الْجَانِي (بَعْضَهَا) أَيْ السِّنِّ (يُرَدُّ مِنْ سِنِّ الْجَانِي مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلَمَا كَسَرَهُ (إذَا أُمِنَ قَلْعُهَا وَسَوَادُهَا) لِإِمْكَانِ الِاسْتِيفَاءِ بِلَا حَيْفٍ فَإِنْ لَمْ يَأْمَنْ ذَلِكَ سَقَطَ الْقِصَاصُ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) الْمَجْنِيُّ عَلَى سِنِّهِ (اثَّغَرَ لَمْ يُقْتَصَّ) لَهُ مِنْ الْجَانِي فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ يُرْجَى عَوْدُهُ وَ (لَا قَوَدَ وَلَا دِيَةَ لِمَا رُجِيَ عَوْدُهُ مِنْ عَيْنٍ) كَسِنٍّ (أَوْ مَنْفَعَةٍ) كَعَدْوٍ (فِي مُدَّةٍ تَقُولُهَا أَهْلُ الْخِبْرَةِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ عَوْدُهُ فَلَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ وَتَسْقُطُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ فَوَجَبَ تَأْخِيرُهُ (فَإِنْ عَادَ مِثْلُهَا) أَيْ السِّنِّ وَنَحْوِهَا وَالْمَنْفَعَةُ كَالْعَدْوِ (فِي مَوْضِعهَا عَلَى صِفَتِهَا) أَيْ الذَّاهِبَةِ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ الْجَانِي؛ لِأَنَّ الْمُتْلَفَ عَادَ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ شَيْءٌ كَمَا لَوْ قَطَعَ شَعْرَهُ وَعَادَ (وَإِنْ عَادَتْ) السِّنُّ (مَائِلَةً أَوْ مُتَغَيِّرَةً عَنْ صِفَتِهَا فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ) لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ بِفِعْلِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ.
стр. 2717
(وَإِنْ عَادَتْ) السِّنُّ (قَصِيرَةً ضَمِنَ مَا نَقَصَ) مِنْهَا (بِالْحِسَابِ فَفِي ثُلُثِهَا ثُلُثُ دِيَتِهَا) كَمَا لَوْ كَسَرَ ثُلُثَهَا جَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَإِنْ عَادَ نَاقِصًا فِي قَدْرٍ أَوْ صِفَةٍ فَحُكُومَةٌ، كَمَا قَالَ فِي شَرْحِهِ كَمَا لَوْ ضَرَبَهُ فَانْكَسَرَ بَعْضُهُ أَوْ اسْوَدَّ (وَإِنْ عَادَتْ) السِّنُّ (وَالدَّمُ يَسِيلُ فَفِيهَا حُكُومَةٌ) لِمَا نَقَصَتْهُ بِسَبَبِ اسْتِدَامَةِ سَيَلَانِ الدَّمِ لِحُصُولِهِ بِجِنَايَتِهِ (وَإِنْ مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ عَوْدُهَا) أَيْ السِّنِّ الذَّاهِبَةِ وَنَحْوِهَا (فِيهِ فَلَمْ تَعُدْ وَأَيِسَ مِنْ عَوْدِهَا بِقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالطِّبِّ خُيِّرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ) كَسَائِرِ الْجِنَايَاتِ الْعَمْدِ الْمَحْضِ (فَإِنْ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ) فِي الْمُدَّةِ الَّتِي قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: إنَّهُ يَعُودُ فِيهَا (قَبْلَ الْإِيَاسِ مِنْ عَوْدِهَا فَلَا قِصَاصَ) لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ لَهُ أَقَلُّهُ غَيْرُ مُحَقَّقٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْقَوَدِ (وَتَجِبُ الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى الْعَوْدُ بَعْدَ مَوْتِهِ (وَإِنْ) قَلَعَ الْجَانِي (لَهُ سِنًّا زَائِدًا قَلَعَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (لَهُ) سِنًّا (مِثْلَهَا إنْ كَانَ) لَهُ سِنٌّ مِثْلُهَا لِلْمُسَاوَاةِ (أَوْ حُكُومَةً) إنْ اخْتَارَ عَدَمَ الْقِصَاصِ إذَنْ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ الْجَانِي سِنٌّ (زَائِدٌ فَحُكُومَةٌ) لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ.
(وَإِنْ) قَلَعَ الْجَانِي (سِنًّا فَاقْتُصَّ مِنْهُ ثُمَّ عَادَتْ سِنُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَقَلَعَهَا الْجَانِي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ لَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ لِأَنَّ سِنَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَمَّا عَادَتْ وَجَبَ لِلْجَانِي عَلَيْهِ دِيَةُ سِنِّهِ فَلَمَّا قَلَعَهَا وَجَبَ عَلَى الْجَانِي دِيَتُهَا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَقَدْ وَجَبَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا دِيَةٌ فَيَتَقَاصَّانِ.
(وَيُؤْخَذُ كُلٌّ مِنْ جَفْنِ الْبَصِيرِ وَالضَّرِيرِ بِالْآخَرِ) أَيْ يُؤْخَذُ جَفْنُ الْبَصِيرِ بِجَفْنِ الضَّرِيرِ وَجَفْنُ الضَّرِيرِ بِجَفْنِ الْبَصِيرِ لِلْمُسَاوَاةِ وَعَدَمُ الْمُسَاوَاةِ وَعَدَمُ الْبَصَرِ نَقْصٌ فِي غَيْرِهِ وَيُؤْخَذُ جَفْنُ الْبَصِيرِ بِجَفْنِ الْبَصِيرِ وَجَفْنُ الضَّرِيرِ (بِمِثْلِهِ) لِلْمُمَاثَلَةِ.
(وَإِنْ قَطَعَ) الْجَانِي (الْأَصَابِعَ الْخَمْسَ مِنْ مَفَاصِلِهَا فَلَهُ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (الْقَوَدُ) لِأَنَّ الْقَطْعَ مِنْ مِفْصَلٍ فَأَمْنُ الْحَيْفِ مَوْجُودٌ (وَإِنْ قَطَعَهَا) أَيْ الْأَصَابِعَ مِنْ الْكُوعِ فَلَهُ الْقَوَدُ مِنْهُ أَيْ الْكُوعِ لِلْمُمَاثَلَةِ (فَإِنْ أَرَادَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (قَطْعَ الْأَصَابِعِ فَقَطْ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّ لِلْجِنَايَةِ عَلَيْهِ مَحَلًّا يُمْكِنُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ وَهُوَ مِفْصَلُ الْكُوعِ فَلَا يُقْتَصُّ مِنْ غَيْرِهِ لِاعْتِبَارِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْمَحَلِّ حَيْثُ لَا مَانِعَ (فَإِنْ قَطَعَ الْجَانِي مِنْ الْمِرْفَقِ فَلَهُ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (الْقِصَاصُ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْمِرْفَقِ لِإِمْكَانِ الْمُمَاثَلَةِ (فَإِنْ أَرَادَ الْقَوَدَ مِنْ الْكُوعِ مُنِعَ) لِمَا سَبَقَ (وَإِنْ قَطَعَ) الْجَانِي مِنْ الْكَتِفِ أَوْ خَلَعَ عَظْمَ الْمَنْكِبِ وَيُقَالُ لَهُ مُشْطُ الْكَتِفِ فَلَهُ الْقَوَدُ إذَا لَمْ يَخَفْ جَائِفَةً) بِلَا نِزَاعٍ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُغْنِي (فَإِنْ خِيفَ) إنَّ اُقْتُصَّ مِنْ مَنْكِبٍ جَائِفَةٌ وَهِيَ الْجُرْحُ الَّذِي يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ يَفْسُدُ بِدُخُولِ الْهَوَاءِ فِيهِ (فَلَهُ) أَيْ الْمَجْنِيِّ
стр. 2718
عَلَيْهِ (أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ مِرْفَقِهِ) لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا أَمْكَنَ مِنْ حَقِّهِ (وَمَتَى خَالَفَ وَاقْتَصَّ مَعَ خَشْيَةِ الْحَيْفِ) مِنْ مَنْكِبٍ أَوْ نَحْوِهِ (أَوْ) اقْتَصَّ (مِنْ مَأْمُومَةٍ أَوْ) جَائِفَةٍ أَوْ (مِنْ نِصْفِ الذِّرَاعِ وَنَحْوِهِ) كَالسَّاعِدِ وَالسَّاقِ (أَجْزَأَ) أَيْ وَقَعَ الْمَوْقِعُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ كَمَا فُعِلَ بِهِ (وَالرِّجْلُ كَالْيَدِ فِيمَا تَقَدَّمَ) مِنْ التَّفْصِيلِ.
(وَيُؤْخَذُ الذَّكَرُ بِالذَّكَرِ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ ذَكَرُ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالذَّكَرُ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ وَالصَّحِيحُ وَالْمَرِيضُ) لِأَنَّ مَا وَجَبَ فِيهِ الْقِصَاصُ مِنْ الْأَطْرَافِ لَا يَخْتَلِفُ بِهَذِهِ الْمَعَانِي كَذَلِكَ الذَّكَرُ (وَالْمَخْتُونُ وَالْأَقْلَفُ) لِلْمُسَاوَاةِ فِي الِاسْمِ وَالْقُلْفَةُ فِي زِيَادَةٍ تُسْتَحَقُّ إزَالَتُهَا (وَيُؤْخَذُ ذَكَرُ الْخَصِيِّ) بِذَكَرِ الْخَصِيِّ (وَ) ذَكَرُ (الْعِنِّينِ بِمِثْلِهِ) لِحُصُولِ الْمُسَاوَاةِ، لَا ذَكَرُ فَحْلٍ بِذَكَرِ خَصِيٍّ أَوْ عِنِّينٍ، لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِمَا (وَتُؤْخَذُ الْأُنْثَيَانِ بِالْأُنْثَيَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] (فَإِنْ قَطَعَ إحْدَاهُمَا) أَيْ الْأُنْثَيَيْنِ (فَقَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ) بِالطِّبِّ (إنَّهُ يُمْكِنُ أَخْذُهَا مَعَ سَلَامَةِ الْأُخْرَى جَازَ الْقَوَدُ) لِعَدَمِ الْمَانِعِ (وَإِلَّا فَلَا) يَجُوزُ الْقَوَدُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَيْفِ (وَلَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ) .
(وَإِنْ قَطَعَ الْجَانِي ذَكَرَ خُنْثَى مُشْكِلٍ أَوْ) قَطَعَ (أُنْثَيَيْهِ أَوْ) قَطَعَ (شُفْرَيْهِ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ) لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّ الْمَقْطُوعَ فَرْجٌ أَصْلِيٌّ (وَيَقِفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ) أَيْ الْخُنْثَى فَتَتَّضِحَ ذُكُورَتُهُ أَوْ أُنُوثِيَّتُهُ (وَإِنْ اخْتَارَ) الْخُنْثَى (الدِّيَةَ وَكَانَ يُرْجَى انْكِشَافُ حَالِهِ) بِأَنْ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ (أُعْطِيَ الْيَقِينَ) لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا نُوجِبُهُ بِالشَّكِّ (وَهُوَ) أَيْ الْيَقِينُ (الْحُكُومَةُ فِي الْمَقْطُوعِ) مِنْ الذَّكَرِ أَوْ الْأُنْثَيَيْنِ أَوْ الشُّفْرَيْنِ لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ (وَإِنْ كَانَ) الْجَانِي (قَدْ قَطَعَ جَمِيعَهَا) أَيْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ وَالشُّفْرَيْنِ (فَلَهُ) أَيْ الْخُنْثَى (دِيَةُ امْرَأَةٍ فِي الشُّفْرَيْنِ وَحُكُومَةٌ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ) لِأَنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ أُنْثَى (وَإِنْ يُئِسَ مِنْ انْكِشَافِ حَالِهِ) بِأَنْ بَلَغَ وَلَمْ يَتَّضِحْ (أُعْطِيَ نِصْفَ دِيَةِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، وَنِصْفَ دِيَةِ الشُّفْرَيْنِ وَحُكُومَةً فِي نِصْفِ ذَلِكَ كُلِّهِ) كَمَا فِي دِيَتِهِ لَوْ قَتَلَ وَمِيرَاثِهِ.
(وَإِنْ أَوْضَحَ) الْجَانِي (إنْسَانًا فَذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ أَوْ) ذَهَبَ (سَمْعُهُ أَوْ شَمُّهُ فَإِنَّهُ يُوضِحُهُ) كَمَا فَعَلَ بِهِ لِأَنَّهُ جُرْحٌ يُمْكِنُ الْقَوَدُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ لِأَنَّ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إلَيْهِ (فَإِنْ ذَهَبَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَوْفَى) حَقَّهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ (اسْتَعْمَلَ مَا يُذْهِبُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْنِيَ عَلَى حَدَقَتِهِ أَوْ أُذُنِهِ أَوْ أَنْفِهِ) لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي حَقَّهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فَيَطْرَحُ فِي الْعَيْنِ كَافُورًا
стр. 2719
أَوْ يُقَرِّبُ مِنْهُ مِرْآةً أَوْ يَحْمِي لَهُ حَدِيدَةً أَوْ مِرْآةً ثُمَّ يُقْطِرُ عَلَيْهَا مَاءً ثُمَّ يُقْطِرُ مِنْهُ فِي الْعَيْنِ لِيُذْهِبَ بَصَرَهَا (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ) اسْتِعْمَالُ مَا يُذْهِبُ ضَوْءَ الْبَصَرِ أَوْ السَّمْعِ أَوْ الشَّمِّ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ عَلَى الْعُضْوِ (سَقَطَ الْقَوَدُ إلَى الدِّيَةِ) لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ بِلَا حَيْفٍ.
(وَإِنْ أَذْهَبَ ذَلِكَ) أَيْ ضَوْءَ الْبَصَرِ أَوْ السَّمْعِ أَوْ الشَّمِّ (بِشَجَّةٍ لَا قَوَدَ فِيهَا مِثْلُ أَنْ تَكُونَ دُونَ الْمُوضِحَةِ أَوْ لَطَمَهُ فَأَذْهَبَ ذَلِكَ) أَيْ بَصَرَهُ أَوْ سَمْعَهُ أَوْ شَمَّهُ (لَمْ يَجُزْ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ) لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِيهَا غَيْرُ مُمْكِنَةٍ (لَكِنْ يُعَالِجُ بِمَا يُذْهِبُ ذَلِكَ) أَيْ الْبَصَرَ وَالسَّمْعَ وَالشَّمَّ (فَإِنْ لَمْ يُذْهِبْ سَقَطَ الْقَوَدُ إلَى الدِّيَةِ) لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ بِلَا حَيْفٍ وَقَالَ الْقَاضِي لَهُ أَنْ يَلْطِمَهُ مِثْلَ لَطْمَتِهِ فَإِنْ ذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ وَإِلَّا أَذْهَبَهُ بِمَا ذُكِرَ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: وَلَا يَصِحُّ هَذَا، لِأَنَّ اللَّطْمَةَ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا مُنْفَرِدَةً، فَكَذَا إذَا سَرَتْ إلَى الْعَيْنِ كَالشَّجَّةِ دُونَ الْمُوضِحَةِ انْتَهَى وَكَلَامُهُ فِي التَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى يُوهِمُ الْقِصَاصَ فِيهِمَا، وَصَرَّحَ بِهِ شَارِحُ الْمُنْتَهَى.
(وَإِنْ لَطَمَ الْجَانِي عَيْنَهُ فَذَهَبَ بَصَرُهَا أَوْ ابْيَضَّتْ وَشَخَصَتْ عُولِجَتْ عَيْنُ الْجَانِي حَتَّى تَصِيرَ كَذَلِكَ بِدَوَاءٍ أَوْ بِمِرْآةٍ وَمَحْمِيَّةٍ وَنَحْوِهَا تُقَرَّبُ إلَى عَيْنِهِ حَتَّى يَذْهَبَ بَصَرُهَا بَعْدَ تَغْطِيَةِ عَيْنِهِ الْأُخْرَى بِقُطْنٍ وَنَحْوِهِ) لِئَلَّا يَذْهَبَ ضَوْءُهَا (وَإِنْ وَضَعَ فِيهَا) أَيْ عَيْنِ الْجَانِي (كَافُورًا فَذَهَبَ ضَوْءُهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْنِيَ عَلَى الْحَدَقَةِ جَازَ) لِحُصُولِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ عَلَى الْحَدَقَةِ (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا ذَهَابُ بَعْضِ ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَذْهَبَ بَصَرُهَا دُونَ أَنْ تَبْيَضَّ وَتَشْخَصُ فَعَلَيْهِ لَمْ يُمْكِنْ الْقِصَاصُ مِنْهُ) لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ فِيهِ.
[فَصْل الثَّانِي الْمُمَاثَلَةُ فِي الِاسْمِ وَالْمَوْضِعِ]
(فَصْلٌ الشَّرْطُ الثَّانِي الْمُمَاثَلَةُ فِي الِاسْمِ وَالْمَوْضِعِ) قِيَاسًا عَلَى النَّفْسِ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يَعْتَمِدُ الْمُمَاثَلَةَ وَلِأَنَّهَا جَوَارِحُ مُخْتَلِفَةُ الْمَنَافِعِ وَالْأَمَاكِنِ فَلَمْ يُؤْخَذْ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ كَالْعَيْنِ بِالْأَنْفِ (فَتُؤْخَذُ الْيَمِينُ بِالْيَمِينِ وَ) تُؤْخَذُ الْيَسَارُ بِالْيَسَارِ مِنْ كُلِّ مَا انْقَسَمَ إلَى يَمِينٍ وَيَسَارٍ مِنْ يَدٍ وَرِجْلٍ وَأُذُنٍ وَمَنْخِرٍ وَثَدْيٍ وَأَلْيَةٍ وَخُصْيَةٍ وَ (شُفْرٍ) وَتُؤْخَذُ الْعُلْيَا بِالْعُلْيَا وَالسُّفْلَى بِالسُّفْلَى مِنْ شَفَةٍ وَجَفْنٍ وَأُنْمُلَةٍ فَلَا تُؤْخَذُ يَمِينٌ بِيَسَارٍ وَلَا يَسَارٌ بِيَمِينٍ وَلَا (سُفْلَى بِعُلْيَا وَلَا عُلْيَا بِسُفْلَى) لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْمَوْضِعِ (وَتُؤْخَذُ الْإِصْبَعِ) بِمِثْلِهَا
стр. 2720
(وَ) تُؤْخَذُ (السِّنُّ) بِمِثْلِهَا (وَ) تُؤْخَذُ (الْأُنْمُلَةُ بِمِثْلِهَا فِي الِاسْمِ وَالْمَوْضِعِ) دُونَ مَا خَالَفَهَا فِي ذَلِكَ (وَلَوْ قَطَعَ أُنْمُلَةَ رِجْلٍ عُلْيَا وَقَطَعَ) أَيْضًا الْأُنْمُلَةَ (الْوُسْطَى مِنْ تِلْكَ وَالْأُصْبُعَ مِنْ رِجْلِ آخَرَ لَيْسَ لَهُ عُلْيَا فَصَاحِبُ) الْأُنْمُلَةِ (الْوُسْطَى مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِ عَقْلِ أُنْمُلَتِهِ الْآنَ وَلَا قِصَاصَ لَهُ بَعْدَ) ذَلِكَ وَلَوْ ذَهَبَتْ الْأُنْمُلَةُ الْعُلْيَا لِأَنَّ أَخْذَ عَقْلِهَا عَفْوٌ عَنْ الْقِصَاصِ (وَبَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى تَذْهَبَ عُلْيَا قَاطِعٍ بِقَوَدٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَقْتَصُّ مِنْ الْوُسْطَى) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْقِصَاصُ فِي الْحَالِّ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَيْفِ وَأَخْذِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْوَاجِبِ وَلَا سَبِيلَ إلَى تَأْخِيرِ حَقِّهِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الْقِصَاصِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرُورَةِ فَوَجَبَتْ الْخِيرَةُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ (وَلَا أَرْشَ لَهُ) أَيْ لِصَاحِبِ الْوُسْطَى (الْآنَ) إذَا اخْتَارَ الصَّبْرَ حَتَّى تَذْهَبَ عُلْيَا قَاطَعٍ (لِ) أَجْلِ (الْحَيْلُولَةِ) : بِخِلَافِ غَصْبِ مَالٍ لِسَدِّ مَالٍ مَسَدَّ مَالٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ قَطَعَ مَنْ قَطَعَ أُنْمُلَةً مِنْ رِجْلٍ وَالْوُسْطَى مِنْ آخَرَ مِنْ أُصْبُعِ نَظِيرَتِهَا مِنْ ثَالِثٍ) الْأُنْمُلَةَ السُّفْلَى فَلِأَوَّلٍ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ الْعُلْيَا ثُمَّ لِلثَّانِي أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ الْوُسْطَى ثُمَّ لِلثَّالِثِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ السُّفْلَى سَوَاءٌ جَاءُوا مَعًا أَوْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ لِأَنَّ كُلًّا يَسْتَوْفِي حَقَّهُ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُ الْوُسْطَى أَوْ) صَاحِبُ السُّفْلَى بِطَلَبِ الْقِصَاصِ قَبْلَ صَاحِبِ الْعُلْيَا لَمْ يُجَبْ إلَيْهِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ لَمْ تَجُزْ إجَابَتُهُ إلَى مَا طَلَبَهُ مِنْ الْقِصَاصِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَيْفِ (وَيُخَيَّرَانِ) أَيْ صَاحِبُ السُّفْلَى وَالْوُسْطَى (بَيْنَ أَنْ يَرْضَيَا بِالْعَقْلِ) أَيْ دِيَةِ الْأُنْمُلَتَيْنِ (أَوْ الصَّبْرِ حَتَّى يَقْتَصَّ الْأَوَّلُ) وَلَا أَرْشُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ عَفَا) أَيْ صَاحِبُ الْعُلْيَا (فَلَا قِصَاصَ لَهُمَا) أَيْ لِصَاحِبِ الْوُسْطَى وَالسُّفْلَى فِي الْحَالِ وَيُخَيَّرَانِ كَمَا سَبَقَ.
(وَإِنْ اقْتَصَّ) صَاحِبُ الْعُلْيَا (فَلِلثَّانِي) وَهُوَ صَاحِبُ الْوُسْطَى (الِاقْتِصَاصُ) لِأَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ بِغَيْرِ حَيْفٍ وَحُكْمُ الثَّالِثِ صَاحِبِ السُّفْلَى (مَعَ الثَّانِي صَاحِبِ الْوُسْطَى حُكْمُ الثَّانِي مَعَ الْأَوَّلِ) صَاحِبِ الْعُلْيَا فَإِنْ اقْتَصَّ مِنْ الْوُسْطَى جَازَ لِلثَّالِثِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ السُّفْلَى وَإِلَّا فَلَا مَا لَمْ تَذْهَبْ الْوُسْطَى قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الثَّالِثُ عَقْلَ السُّفْلَى (فَإِنْ قَطَعَ صَاحِبُ الْوُسْطَى الْوُسْطَى وَالْعُلْيَا) فَعَلَيْهِ دِيَةُ الْعُلْيَا لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ عَنْ حَقِّهِ وَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي قَطْعِ الْوُسْطَى فَدُرِئَ لَهَا الْقِصَاصُ (تُدْفَعُ) دِيَةُ الْعُلْيَا (إلَى صَاحِبِ الْعُلْيَا) أَيْ إلَى الْجَانِي لِيَدْفَعَهَا لِصَاحِبِ الْعُلْيَا أَوْ يَدْفَعُ لَهُ مِنْ مَالِهِ نَظِيرَهَا هَذَا مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ،.
(وَإِنْ قَطَعَ) صَاحِبُ الْوُسْطَى الْأُصْبُعَ كُلَّهَا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْأُنْمُلَةِ الثَّالِثَةِ السُّفْلَى لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِي قَطْعِهَا (وَعَلَيْهِ أَرْشُ الْعُلْيَا لِلْأَوَّلِ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ، (وَأَرْشُ السُّفْلَى عَلَى الْجَانِي لِصَاحِبِهَا) لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ (وَإِنْ عَفَا الْجَانِي عَنْ قِصَاصِهَا)
стр. 2721
أَيْ: السُّفْلَى (وَجَبَ أَرْشُهَا) أَيْ السُّفْلَى (بِدَفْعِهِ إلَيْهِ لِيَدْفَعَهُ إلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) بِقَطْعِ أُنْمُلَتِهِ السُّفْلَى (وَإِنْ قَطَعَ أُنْمُلَةَ رَجُلٍ الْعُلْيَا) ثُمَّ قَطَعَ أُنْمُلَتَيْ آخَرَ الْعُلْيَا وَالْوُسْطَى مِنْ تِلْكَ الْأُصْبُعِ، فَلِلْأَوَّلِ قَطْعُ الْعُلْيَا لِسَبْقِهِ (ثُمَّ يَقْطَعُ الثَّانِي الْوُسْطَى) لِأَنَّهُ لَا مُعَارِضَ لَهُ فِيهَا (وَيَأْخُذُ أَرْشَ الْعُلْيَا مِنْ الْجَانِي) لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ بِفَوَاتِهَا كَمَا لَوْ سَقَطَتْ بِتَآكُلٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَإِنْ بَادَرَ الثَّانِي فَقَطَعَ الْأُنْمُلَتَيْنِ فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ) لِأَنَّهُ مَجْنِيٌّ عَلَيْهِ فِيهِمَا وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ الْأَوَّلُ التَّقْدِيمَ لِسَبْقِهِ (وَلِلْأَوَّلِ الْأَرْشُ) أَيْ دِيَةُ الْأُنْمُلَةِ (عَلَى الْجَانَّيْ) لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ فِيهَا.
(وَإِنْ كَانَ قَطَعَ الْأُنْمُلَتَيْنِ أَوَّلًا قُدِّمَ صَاحِبُهُمَا فِي الْقِصَاصِ) لِسَبْقِهِ (وَلِصَاحِبِ الْعُلْيَا أَرْشُهَا) لِفَوَاتِ الْقِصَاصِ (فَإِنْ بَادَرَ صَاحِبُهَا) أَيْ الْعُلْيَا (فَقَطَعَهَا فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ ثُمَّ تُقْطَعُ الْوُسْطَى لِلْأَوَّلِ وَيَأْخُذُ) الْأَوَّلُ أَرْشَ الْعُلْيَا كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ قَطَعَ أُنْمُلَةَ رَجُلٍ الْعُلْيَا وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَاطِعِ أُنْمُلَةٌ) عُلْيَا نَظِيرَتُهَا (فَاسْتَوْفَى) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِنْ (الْجَانِي مِنْ الْوُسْطَى، فَإِنْ عَفَا) صَاحِبُ الْوُسْطَى (إلَى الدِّيَةِ تَقَاصَّا وَتَسَاقَطَا) لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ مِثْلُ مَا وَجَبَ لَهُ (وَإِنْ اخْتَارَ الْجَانِي) الْقِصَاصَ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الْوُسْطَى (فَلَهُ ذَلِكَ) أَيْ الْقِصَاصُ (وَيَدْفَعُ أَرْشَ الْعُلْيَا) أَيْ دِيَتَهَا قَالَ فِي الشَّرْحِ: يَجِيءُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِأَنَّ دِيَتَهُمَا وَاحِدَةٌ، وَاسْمُ الْأُنْمُلَةِ يَشْمَلُهُمَا فَتَسَاقَطَا كَقَوْلِهِ فِي إحْدَى الْيَدَيْنِ بَدَلًا عَنْ الْأُخْرَى.
(وَلَا تُؤْخَذُ أَصْلِيَّةٌ بِزَائِدَةٍ) لِأَنَّ الزَّائِدَةَ دُونَهَا (وَلَا زَائِدَةٌ بِأَصْلِيَّةٍ) لِأَنَّهَا لَا تُمَاثِلُهَا (وَيُؤْخَذُ زَائِدٌ بِمِثْلِهِ مَوْضِعًا وَخِلْقَةً وَلَوْ تَفَاوَتَا قَدْرًا) كَالْأَصْلِيِّ بِالْأَصْلِيِّ إذَا اتَّفَقَا فِي الْمَوْضِعِ وَالْخِلْقَةِ وَاخْتَلَفَا فِي الْقَدْرِ (فَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الزَّائِدَانِ (فِي غَيْرِ الْقَدْرِ) بِأَنْ اخْتَلَفَا فِي الْمَوْضِعِ أَوْ الْخِلْقَةِ (لَمْ يُؤْخَذْ) أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ (وَلَوْ بِتَرَاضِيهِمَا) لِمَا يَأْتِي (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْجَانِي زَائِدًا يُؤْخَذُ) بِمَا جَنَى عَلَيْهِ (فَحُكُومَةٌ) لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ (وَتُؤْخَذُ) يَدٌ أَوْ رِجْلٌ (كَامِلَةُ الْأَصَابِعِ) بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ (زَائِدَةٍ إصْبَعًا) لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَيْبٌ وَنَقْصٌ فِي الْمَعْنَى فَلَمْ يَمْنَع وُجُودَهَا الْقِصَاصُ كَالسِّلْعَةِ.
(وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى أَخْذِ الْأَصْلِيَّةِ بِالزَّائِدَةِ، أَوْ) عَلَى (عَكْسِهِ) كَأَخْذِ الزَّائِدَةِ بِالْأَصْلِيَّةِ (أَوْ تَرَاضَيَا) عَلَى أَخْذِ (خِنْصَرٍ بِبِنْصِرٍ، أَوْ) عَلَى (أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ (بِمَا يُخَالِفُهُ) فِي الِاسْمِ أَوْ الْمَوْضِعِ (لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الدِّمَاءَ لَا تُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ وَالْبَدَلِ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ قَتْلُ نَفْسِهِ وَلَا قَطْعُ طَرَفِهِ، وَلَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ) ذَلِكَ (بِبَذْلِهِ) أَيْ بِإِبَاحَتِهِ لَهُ لِحَقِّ (اللَّهِ تَعَالَى) فَإِنْ فَعَلَا (فَقَطَعَ يَسَارَ جَانٍ مَنْ لَهُ قَوَدٌ فِي يَمِينِهِ) بِتَرَاضِيهِمَا (أَوْ عَكْسَهُ) بِأَنْ قَطَعَ يَمِينَ جَانٍ مَنْ لَهُ قَوَدُ يَسَارِهِ (بِتَرَاضِيهِمَا) أَجْزَأَتْ
стр. 2722
وَسَقَطَ الْقَوَدُ لِأَنَّ الْقَوَدَ سَقَطَ فِي الْأُولَى بِإِسْقَاطِ صَاحِبِهَا.
وَفِي الثَّانِيَةِ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا فِي قَطْعِهَا وَدِيَتُهَا مُسَاوِيَةٌ قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ (أَوْ قَطَعَهَا) أَيْ الْيَسَارَ مَنْ لَهُ قَوَدُ الْيَمِينِ أَوْ بِالْعَكْسِ (تَعَدِّيًا) أَجْزَأَتْ وَلَا قَوَدَ لِأَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَتَانِ فِي الدِّيَةِ وَالْأَلَمِ وَالِاسْمِ فَتَسَاقَطَا، وَلِأَنَّ إيجَابَ الْقَوَدِ يُفْضِي إلَى قَطْعِ يَدِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَإِذْهَابِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، وَكُلٌّ مِنْ الْقَطْعَيْنِ مَضْمُونٌ بِسَرَايَتِهِ لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ (أَوْ) قَطَعَ خِنْصَرًا (بِبِنْصِرٍ) أَجْزَأَتْ وَلَا ضَمَانَ لِمَا سَبَقَ.
(أَوْ قَالَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لِلْجَانِي (أَخْرِجْ يَمِينَكَ فَأَخْرَجَ يَسَارَهُ عَمْدًا أَوْ غَلَطًا أَوْ ظَنًّا أَنَّهَا تُجْزِئُ فَقَطَعَهَا أَجْزَأَتْ عَلَى كُلِّ حَالٍ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَلَمْ يَبْقَ قَوَدٌ وَلَا ضَمَانٌ كَقَطْعِ يَسَارِ السَّارِقِ بَدَلَ يَمِينِهِ (حَتَّى وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا) أَيْ الْجَانِي وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (مَجْنُونًا لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى التَّعَدِّي) بِخِلَافِ مَا إذَا قَطَعَ يَدَ إنْسَانٍ وَهُوَ سَاكِتٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْبَذْلُ وَقَدْ أَشَرْتُ فِي الْحَاشِيَةِ إلَى مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْمُنْتَهَى بِمَا يُغْنِي عَنْ الْإِعَادَةِ.
[فَصْلٌ الثَّالِثُ اسْتِوَاؤُهُمَا أَيْ الطَّرَفَانِ فِي الصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ]
(فَصْلٌ الشَّرْطُ الثَّالِثُ) اسْتِوَاؤُهُمَا أَيْ الطَّرَفَانِ (فِي الصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ) لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَعْتَمِدُ الْمُمَاثَلَةَ (فَلَا تُؤْخَذُ صَحِيحَةٌ) مِنْ يَدٍ أَوْ غَيْرُهَا (بِشَلَّاءَ) لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيمَا سِوَى الْجَمَالِ فَلَا يُؤْخَذُ بِمَا فِيهِ نَفْعٌ (وَلَا) تُؤْخَذُ (كَامِلَةُ الْأَصَابِعِ) مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ (بِنَاقِصَةِ) الْأَصَابِعِ.
فَلَوْ قَطَعَ مَنْ لَهُ خَمْسُ أَصَابِعَ يَدَ مَنْ لَهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ الْقِصَاصُ لِأَنَّهَا فَوْقَ حَقِّهِ وَهَلْ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ مِنْ أَصَابِعِ الْجَانِي بِعَدَدِ أَصَابِعِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَلَا) تُؤْخَذُ يَدٌ أَوْ رِجْلٌ ذَاتُ أَظْفَارٍ (بِمَا لَا أَظْفَارَ لَهَا) لِزِيَادَتِهَا عَلَى حَقِّهِ (وَلَا بِنَاقِصَةِ الْأَظْفَارِ، رَضِيَ الْجَانِي) بِذَلِكَ (أَوْ لَا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الدِّمَاءَ لَا تُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ (فَلَوْ قَطَعَ مَنْ لَهُ خَمْسُ أَصَابِعَ يَدَ مَنْ لَهُ أَرْبَعُ) أَصَابِعَ فَأَقَلَّ (أَوْ قَطَعَ مَنْ لَهُ أَرْبَعُ) أَصَابِعَ (يَدَ مَنْ لَهُ ثَلَاثُ) أَصَابِعَ فَأَقَلَّ، فَلَا قِصَاصَ لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ (أَوْ قَطَعَ ذُو الْيَدِ الْكَامِلَةِ يَدًا فِيهَا إصْبَعٌ شَلَّاءُ فَلَا قِصَاصَ) لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ.
(وَإِنْ كَانَتْ الْمَقْطُوعَةُ) مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ ذَاتِ أَظْفَارٍ إلَّا أَنَّهَا أَيْ الْأَظْفَارَ (خَضْرَاءُ أَوْ مُسْتَحْشِفَةٌ) أَيْ رَدِيئَةٌ (أُخِذَتْ بِهَا السَّلِيمَةُ) كَمَا يُؤْخَذُ الصَّحِيحُ بِالْمَرِيضِ، (وَلَا يُؤْخَذُ لِسَانُ نَاطِقٍ) بِلِسَانِ أَخْرَسَ لِنَقْصِهِ.
(وَلَا) يُؤْخَذُ ذَكَرٌ صَحِيحٌ بِأَشَلَّ، (وَلَا ذَكَرُ
стр. 2723
فَحْلٍ بِذَكَرِ خَصِيٍّ أَوْ عِنِّينٍ) لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِمَا، لِأَنَّ الْخَصِيَّ لَا يُولَدُ لَهُ، وَلَا يُنْزِلُ وَلَا يَكَادُ الْعِنِّينُ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْوَطْءِ فَهُمَا كَالْأَشَلِّ.
(وَيُؤْخَذُ مَارِنُ الْأَشَمِّ الصَّحِيحِ بِمَارِنِ الْأَخْشَمِ) الَّذِي لَا يَجِدُ رَائِحَةَ شَيْءٍ، لِعَدَمِ الشَّمِّ لِعِلَّةٍ فِي الدِّمَاغِ وَنَفْسُ الْأَنْفِ صَحِيحٌ فَوَجَبَ أَخْذُ الْأَخْشَمِ بِهِ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ.
(وَ) يُؤْخَذُ مَارِنُ الصَّحِيحِ بِ (الْمَجْذُومِ وَهُوَ الْمَقْطُوعُ وَتَرُ أَنْفِهِ، وَ) بِ (الْمُسْتَحْشَفِ وَهُوَ الرَّدِيءُ) لِأَنَّ ذَلِكَ مَرَضٌ وَلِأَنَّهُ لَا يَقُومُ مَقَامَ الصَّحِيحِ.
(وَتُؤْخَذَ أُذُنُ سَمِيعٍ صَحِيحَةٌ بِأُذُنِ أَصَمَّ شَلَّاءَ) لِأَنَّ الْعُضْوَ صَحِيحٌ وَمَقْصُودُهُ الْجَمَالُ لَا السَّمْعُ، وَذَهَابُ السَّمْعِ لِنَقْصٍ فِي الرَّأْسِ لِأَنَّهُ مَحَلُّهُ وَلَيْسَ بِنَقْصٍ فِي الْأُذُنِ (وَيُؤْخَذُ مَعِيبٌ مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ (كُلِّهِ بِصَحِيحٍ) لِأَنَّهُ رَضِيَ بِدُونِ حَقِّهِ كَمَا رَضِيَ الْمُسْلِمُ بِالْقَوَدِ مِنْ الذِّمِّيِّ وَالْحُرُّ مِنْ الْعَبْدِ.
(وَ) يُؤْخَذُ مَعِيبٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ (بِمِثْلِهِ) لِحُصُولِ الْمُسَاوَاةِ (فَتُؤْخَذُ الشَّلَّاءُ) مِنْ يَدٍ أَوْ نَحْوِهَا (بِالشَّلَّاءِ إذَا أُمِنَ مِنْ قَطْعِ الشَّلَّاءِ التَّلَفُ) بِأَنْ يَسْأَلَ أَهْلَ الْخِبْرَةِ فَإِنْ قَالُوا إنَّهَا إذَا قُطِعَتْ لَمْ تَفْسُدْ الْعُرُوقُ وَلَمْ يَدْخُلْ الْهَوَاءُ، أُجِيبَ إلَى ذَلِكَ، وَإِنْ قَالُوا: يَدْخُلُ الْهَوَاءُ فِي الْبَدَنِ فَيَفْسُدُ سَقَطَ الْقِصَاصُ.
(وَتُؤْخَذُ النَّاقِصَةُ بِالنَّاقِصَةِ إذَا تَسَاوَتَا فِيهِ) أَيْ فِي النَّقْصِ (بِأَنْ يَكُونَ الْمَقْطُوعُ مِنْ يَدِ الْجَانِي كَالْمَقْطُوعِ مِنْ يَدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) لِحُصُولِ الْمُمَاثَلَةِ (فَإِنْ اخْتَلَفَا) فِي النَّقْصِ (فَكَانَ الْمَقْطُوعُ مِنْ يَدِ أَحَدِهِمَا الْإِبْهَامَ، وَالْمَقْطُوعُ مِنْ الْأُخْرَى أُصْبُعٌ غَيْرُهَا) كَالسَّبَّابَةِ (لَمْ يَجُزْ الْقِصَاصُ) لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ (وَلَا يَجِبُ لَهُ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (إذَا أُخِذَ الْمَعِيبُ بِالصَّحِيحِ وَ) أُخِذَ (النَّاقِصُ بِالزَّائِدِ مَعَ ذَلِكَ) الْأَخْذِ أَرْشٌ لِأَنَّ الْأَشَلَّ كَالصَّحِيحِ فِي الْخِلْقَةِ وَإِنَّمَا نَقَصَ فِي الصِّفَةِ وَلِأَنَّ الْفِعْلَ الْوَاحِدَ لَا يُوجِبُ مَالًا وَقَوَدًا (وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الْجَانِي وَوَلِيُّ الْجِنَايَةِ (فِي شَلَلِ الْعُضْوِ وَصِحَّتِهِ) بِأَنْ قَالَ الْجَانِي كَانَ أَشَلَّ وَأَنْكَرَهُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ مَعَ يَمِينِهِ) وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي نَقْصِ الْعُضْوِ بِغَيْرِ شَلَلٍ لِأَنَّ الظَّاهِرَ السَّلَامَةُ (وَظُفْرٌ كَسِنٍّ فِي انْقِلَاعٍ وَ) فِي عَوْدٍ عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ.
(وَإِنْ قَطَعَ الْجَانِي بَعْضَ لِسَانٍ أَوْ) بَعْضَ (شَفَةٍ أَوْ بَعْضَ حَشَفَةٍ أَوْ) بَعْضَ (ذَكَرٍ أَوْ) بَعْضَ (أُذُنٍ قُدِّرَ بِالْأَجْزَاءِ كَنِصْفٍ وَثُلُثٍ وَرُبُعٍ وَأُخِذَ مِنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] وَلِأَنَّهُ يُؤْخَذُ جَمِيعُهُ بِجَمِيعِهِ فَأُخِذَ بَعْضُهُ بِبَعْضِهِ وَ (لَا) يُؤْخَذُ (بِالْمِسَاحَةِ) لِئَلَّا يُفْضِي إلَى أَخْذِ جَمِيعِ عُضْوِ الْجَانِي بِبَعْضِ عُضْوِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
стр. 2724
[فَصْلٌ الْقِصَاص فِي الْجِرَاحُ]
(فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّانِي الْجِرَاحُ) لِلْآيَةِ وَالْخَبَرِ (فَيُقْتَصُّ فِي كُلِّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إلَى عَظْمٍ كَالْمُوضِحَةِ فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ وَجُرْحِ الْعَضُدِ وَالسَّاعِدِ وَالْفَخِذِ وَالسَّاقِ وَالْقَدَمِ) لِأَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ وَلَا زِيَادَةٍ لِانْتِهَائِهِ إلَى عَظْمٍ أَشْبَهَ قَطْعَ الْكَفِّ مِنْ الْكُوعِ وَلِأَنَّ اللَّهَ نَصَّ عَلَى الْقِصَاصِ فِي الْجُرُوحِ فَلَوْ لَمْ يَجِبْ فِي كُلِّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إلَى عَظْمٍ سَقَطَ حُكْمُ الْآيَةِ.
(وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بِالسَّيْفِ) فَوْقَ التَّعَدِّي (وَلَا) يُسْتَوْفَى (بِآلَةٍ يُخْشَى مِنْهَا الزِّيَادَةُ) لِأَنَّهَا عُدْوَانٌ وَسَوَاءٌ كَانَ الْجُرْحُ بِهَا أَيْ بِالْآلَةِ الَّتِي يُخْشَى مِنْهَا الزِّيَادَةُ (أَوْ بِغَيْرِهَا) لِحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» (فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ مُوضِحَةً أَوْ مَا أَشْبَهَهَا فَ) إنَّهُ يُسْتَوْفَى (بِالْمُوسَى أَوْ حَدِيدَةٍ مَاضِيَةٍ مُعَدَّةٍ) لِذَلِكَ لَا يُخْشَى مِنْهَا الزِّيَادَةُ.
(وَلَا يَسْتَوْفِي) ذَلِكَ (إلَّا مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ كَالْجَرَائِحِ وَمَنْ أَشْبَهَهُ) مِمَّنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِذَلِكَ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ عِلْمٌ بِذَلِكَ أَمَرَهُ بِالِاسْتِنَابَةِ) لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ كَالنَّفْسِ (وَلَا يُقْتَصُّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ فِي غَيِّرْ جُرْحٌ يَنْتَهِي إلَى عَظْمٍ (مِنْ الشِّجَاجِ وَالْجُرْحُ كَمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ) كَالْبَاضِعَةِ (أَوْ أَعْظَمَ مِنْهَا) أَيْ الْمُوضِحَةِ (كَالْهَاشِمَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَالْمَأْمُومَةِ) وَأُمِّ الدِّمَاغِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ (وَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ فِيهِنَّ) أَيْ فِي الْهَاشِمَةِ وَمَا بَعْدَهَا مُوضِحَةٌ لِأَنَّهُ يَقْتَصُّ عَلَى بَعْضِ حَقِّهِ وَيَقْتَصُّ مِنْ مَحِلِّ جِنَايَتِهِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا وَضَعَ السِّكِّينَ فِي مَوْضِعٍ وَضَعَهَا الْجَانِي فِيهِ، لِأَنَّ سِكِّينَ الْجَانِي وَصَلَتْ إلَى الْعَظْمِ ثُمَّ تَجَاوَزَتْهُ، بِخِلَافِ قَاطَعِ السَّاعِدِ فَإِنَّهُ لَا يَضَعُ سَكِينَهُ فِي الْكُوعِ.
(وَيَجْبُ لَهُ) إذَا اقْتَصَّ مُوضِحَةٌ وَالْجِنَايَةُ فَوْقَهَا (مَا بَيْنَ دِيَةِ الْمُوضِحَةِ وَدِيَةِ تِلْكَ الشَّجَّةِ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ فِيهِ الْقِصَاصُ فَوَجَبَ الْأَرْشُ، كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ فِي جَمِيعِهَا وَفَارَقَ الزِّيَادَةَ ثَمَّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَلَيْسَتْ مُتَمَيِّزَةً بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا (فَيَأْخُذُ فِي الْهَاشِمَةِ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ) لِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنهَا وَبَيْنَ الْمُوضِحَةِ.
(وَ) يَأْخُذُ (فِي الْمُنَقِّلَةِ عَشْرًا) مِنْ الْإِبِلِ، لِأَنَّهُ مَا بَيْنَ الْمُوضِحَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ (وَفِي الْمَأْمُومَةِ) وَأُمِّ الدِّمَاغِ (ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرِينَ) بَعِيرًا (وَثُلُثًا) مِنْ بَعِيرٍ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِمَا ثُلُثُ الدِّيَةِ فَإِذَا سَقَطَ مِنْهَا دِيَةُ مُوضِحَةٍ خُمْسٌ بَقِيَ ذَلِكَ (وَيُعْتَبَرُ قَدْرُ الْجُرْحِ
стр. 2725
بِالْمِسَاحَةِ دُونَ كَثَافَةِ اللَّحْمِ) لِأَنَّ حَدَّهُ أَعْظَمُ وَالنَّاسُ يَخْتَلِفُونَ فِي قِلَّةِ اللَّحْمِ وَكَثْرَتِهِ فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ.
(فَلَوْ أَوْضَحَ) الشَّاجُّ (إنْسَانًا فِي بَعْضِ رَأْسِهِ) وَ (مِقْدَارُ ذَلِكَ الْبَعْضِ جَمِيعُ رَأْسِ الشَّاجِّ وَزِيَادَةٌ كَانَ لَهُ) أَيْ الْمَشْجُوجِ (أَنْ يُوضِحَهُ فِي جَمِيعِ رَأْسِهِ) لِتَحْصُلَ الْمُمَاثَلَةُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَلِأَنَّ الْجَمِيعَ رَأْسٌ (وَلَا أَرْشَ لَهُ) أَيْ لِلْمَشْجُوجِ (لِلزَّائِدِ) لِئَلَّا يَجْتَمِعَ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ قِصَاصٌ وَدِيَةٌ.
(وَإِنْ أَوْضَحَ) الْجَانِي (كُلَّ الرَّأْسِ وَرَأْسُ الْجَانِي أَكْبَرُ) مِنْ رَأْسِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (فَلَهُ قَدْرُ شَجَّتِهِ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ شَاءَ الْمُقْتَصُّ) لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَحَلُّ الْجِنَايَةِ وَ (لَا) يُسْتَوْفَى مِنْ جَانِبَيْنِ جَمِيعًا لِأَنَّهُ يَأْخُذُ (مُوضِحَتَيْنِ بِمُوضِحَةٍ) وَذَلِكَ حَيْفٌ.
(وَإِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَكْبَرَ فَأَوْضَحَهُ الْجَانِي فِي مُقَدَّمِهِ وَمُؤَخَّرِهِ مُوضِحَتَيْنِ قَدْرُهُمَا قَدْرُ جَمِيعِ رَأْسِ الْجَانِي فَلَهُ) أَيْ الْمُقْتَصِّ (الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يُوضِحَهُ مُوضِحَةً وَاحِدَةً فِي جَمِيعِ رَأْسِهِ) لِأَنَّ الْجَمِيعَ رَأْسٌ (أَوْ يُوضِحَهُ مُوضِحَتَيْنِ يَقْتَصُّ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى قَدْرِ مُوضِحَتِهِ) لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الزَّائِدِ لَهُ وَقَدْ تَرَكَهُ (وَلَا أَرْشَ) لِلْمُقْتَصِّ (لِذَلِكَ) الْمَتْرُوكِ، لِأَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِيفَاءَ مَعَ إمْكَانِهِ (وَإِنْ كَانَتْ الشَّجَّةُ بِقَدْرِ بَعْضِ الرَّأْسِ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ (لَمْ يَعْدِلْ عَنْ جَانِبِهَا إلَى غَيْرِهِ) لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مَا وَجَبَ لَهُ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْعُدُولُ إلَى غَيْرِهِ (وَإِذَا أَرَادَ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ مُوضِحَةٍ وَشِبْهِهَا) مِنْ الْجُرُوحِ الْمَنْهِيَّةِ إلَى الْعَظْمِ (فَإِنْ كَانَ عَلَى مَوْضِعهَا شَعْرٌ أَزَالَهُ) بِحَلْقٍ أَوْ غَيْرِهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ (وَيَعْمِدُ إلَى مَوْضِعِ الشَّجَّةِ مِنْ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ، فَعَلِمَ طُولَهَا وَعَرْضَهَا بِخَشَبَةٍ أَوْ خَيْطٍ) فَعَلِمَ حَتَّى يَقْتَصَّ مِنْ الْجَانِي مِثْلَهُ (ثُمَّ يَضَعُهَا) أَيْ الْخَشَبَةَ أَوْ نَحْوَهَا عَلَى رَأْسِ الشَّاجِّ (وَيَعْلَمُ طَرَفَيْهِ) أَيْ الْمَوْضِعِ عَلَى رَأْسِ الْجَانِي أَوْ غَيْرِهِ مِنْ خَشَبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا (بِسَوَادٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَأْخُذُ حَدِيدَةً عَرْضُهَا كَعَرْضِ الشَّجَّةِ فَيَضَعُهَا فِي أَوَّلِ الشَّجَّةِ وَيَجُرُّهَا إلَى آخِرِهَا فَيَأْخُذُ مِثْلَ الشَّجَّةِ طُولًا وَعَرْضًا) لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَعْتَمِدُ الْمُمَاثَلَةَ (وَلَا يُرَاعِي الْعُمْقُ) لِأَنَّ حَدَّهُ الْعَظْمُ وَلَوْ رُوعِيَ لَتَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي قِلَّةِ اللَّحْمِ وَكَثْرَتِهِ كَمَا سَبَقَ.
[فَصْلٌ وَإِنْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَطْعِ طَرَفٍ أَوْ فِي جُرْحٍ مُوجِبٍ لِلْقِصَاصِ]
(فَصْلٌ وَإِنْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَطْعِ طَرَفٍ أَوْ فِي جُرْحٍ مُوجِبٍ لِلْقِصَاصِ) حَتَّى وَلَوْ فِي مُوضِحَةٍ أَوْ تَسَاوَتْ أَفْعَالُهُمْ فَلَمْ يَتَمَيَّزْ فِعْلُ أَحَدِهِمْ عَنْ فِعْلِ الْآخَرِ مِثْلُ أَنْ
стр. 2726
يَضَعُوا حَدِيدَةً عَلَى يَدِهِ وَيَتَحَامَلُوا عَلَيْهَا جَمِيعًا حَتَّى تَبِينَ أَيْ تَنْفَصِلَ الْيَدُ (أَوْ يَشْهَدُوا بِمَا يُوجِبُ قَطْعَهُ) كَسَرِقَةٍ (فَيُقْطَعُ ثُمَّ يَرْجِعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ، أَوْ يُكْرِهُوا إنْسَانًا عَلَى قَطْعِ طَرَفٍ) فَيَقْطَعَهُ (فَيَجِبُ قَطْعُ الْمُكْرِهِينَ وَالْمُكْرَهِ) كَمَا يُقْتَلُونَ بِالنَّفْسِ (أَوْ يُلْقُوا صَخْرَةً عَلَى طَرَفِ إنْسَانٍ فَتَقْطَعَهُ) الصَّخْرَةُ (أَوْ يَمُدَّهَا) أَيْ الْيَدَ وَنَحْوَهَا (فَتَبِينُ) بِالْمَدِّ (وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ مَا ذُكِرَ كَمَا لَوْ أَلْقَمُوهَا لِسَبْعٍ أَوْ نَحْوِهِ فَعَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ الْقِصَاصُ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ لِلشَّاهِدَيْنِ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُكُمَا " فَأَخْبَرَ أَنَّ الْقِصَاصَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا لَوْ تَعَمَّدَ، أَوْ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ فَتُؤْخَذُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ كَالنَّفْسِ.
وَفِي الِانْتِصَارِ لَوْ حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَقْطَعُ يَدًا حَنِثَ بِذَلِكَ، وَعَنْهُ لَا قَوَدَ لِأَنَّهُ لَا تَسَاوِيَ بَيْنَ طَرَفٍ وَأَطْرَافٍ.
وَفِي الرِّعَايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ الْخِلَافِ: وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ دِيَةُ الطَّرَفِ وَالْجُرْحِ كَمَا لَوْ قَطَعَ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْ جَانِبٍ أَوْ فِي وَقْتٍ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَشْتَرِكُوا فِي دِيَتِهِ اهـ.
قُلْتُ هُنَا الِاحْتِمَالُ هُوَ قِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي النَّفْسِ (وَإِنْ تَفَرَّقَتْ أَفْعَالُهُمْ) أَيْ الْقَاطِعِينَ فَقَطَعَ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْ جَانِبٍ أَوْ قَطَعَ أَحَدُهُمْ بَعْضَ الْمِفْصَلِ وَأَتَمَّهُ غَيْرُهُ بِأَنْ قَطَعَ الْبَاقِي أَوْ ضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حَدِيدَةٍ أَوْ نَحْوِهَا وُضِعَتْ عَلَى الْيَدِ أَوْ نَحْوِهَا (ضَرْبَةً حَتَّى) انْفَصَلَتْ (أَوْ وَضَعُوا مِنْشَارًا عَلَى مِفْصَلٍ ثُمَّ مَدَّهُ كُلُّ وَاحِدٍ مَرَّةً حَتَّى بَانَتْ الْيَدُ) أَوْ نَحْوُهَا (فَلَا قِصَاصَ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمْ يَقْطَعْ الْيَدَ وَلَمْ يُشَارِكْ فِي قَطْعِ جَمِيعِهَا (وَسِرَايَةُ الْجِنَايَةِ) مَضْمُونَةٌ (كَهِيَ) أَيْ الْجِنَايَةِ (فِي الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ فِي النَّفْسِ وَدُونَهَا) لِأَنَّ السِّرَايَةَ أَثَرُ الْجِنَايَةِ وَالْجِنَايَةُ مَضْمُونَةٌ فَكَذَا أَثَرُهَا (حَتَّى لَوْ انْدَمَلَ الْجُرْحُ فَاقْتَصَّ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (ثُمَّ انْتَقَضَ) الْجُرْحُ (فَسَرَى) كَانَتْ سِرَايَتُهُ مَضْمُونَةً، لِأَنَّهُ إعْرَاضٌ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، لِاعْتِمَادِهِ عَلَى الظَّاهِرِ.
(فَلَوْ قَطَعَ أُصْبُعًا فَتَآكَلَتْ أُخْرَى إلَى جَانِبِهَا وَسَقَطَ مِنْ مِفْصَلٍ) وَجَبَ الْقِصَاصُ (أَوْ) قَطَعَ أُصْبُعًا فَ (تَآكَلَتْ الْيَدُ وَسَقَطَتْ مِنْ الْكُوعِ) أَوْ الْمِرْفَقِ (وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي ذَلِكَ) لِأَنَّ مَا وَجَبَ فِيهِ الْقَوَدُ بِالْجِنَايَةِ وَجَبَ بِالسِّرَايَةِ كَالنَّفْسِ، وَفَارَقَ مَا لَوْ رَمَى سَهْمًا إلَى شَخْصٍ فَمَرَقَ مِنْهُ إلَى آخَرَ لِأَنَّ ذَلِكَ فِعْلٌ وَلَيْسَ بِسِرَايَةٍ،.
وَلَوْ قَصَدَ قَطْعَ إبْهَامِهِ فَقَطَعَ سَبَّابَتَهُ وَجَبَ الْقِصَاصُ (وَإِنْ شَلَّ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَقِيلَ بِضَمِّهَا أَيْ فَسَدَ الْعُضْوُ وَذَهَبَتْ حَرَكَتُهُ بِالسِّرَايَةِ (فَفِيهِ دِيَتُهُ دُونَ الْقِصَاصِ) لِعَدَمِ إمْكَانِ الْقِصَاصِ فِي الشَّلَلِ فَيُضْمَنُ بِمَا يُضْمَنُ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ قَطْعٌ (وَسِرَايَةُ الْقَوَدِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ أَنَّ عُمَرَ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَا: مَنْ مَاتَ مِنْ حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ
стр. 2727
لَا دِيَةَ لَهُ، الْحَقُّ قَتَلَهُ " وَلِأَنَّهُ قَطْعٌ مُسْتَحَقٌّ فَلَا تُضْمَنُ سِرَايَتُهُ كَقَطْعِ السَّارِقِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ سِرَايَتِهِ إلَى النَّفْسِ أَوْ مَا دُونَهَا.
(فَلَوْ قَطَعَ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (الْيَدَ قِصَاصًا فَمَاتَ الْجَانِي فَهَدَرٌ) لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لَهُ (لَكِنْ لَوْ اقْتَصَّ) الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ (قَهْرًا) عَلَى الْجَانِي (مَعَ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ بِآلَةٍ كَالَّةٍ أَوْ مَسْمُومَةٍ وَنَحْوِهِ) كَمَا لَوْ حَرَقَ الْعُضْوَ الْمُسْتَحَقَّ لَهُ فَسَرَى فَمَاتَ (لَزِمَهُ بَقِيَّةُ الدِّيَةِ) يَعْنِي أَنَّهُ يَضْمَنُ دِيَةَ النَّفْسِ مَنْقُوصًا مِنْهَا دِيَةُ ذَلِكَ الْعُضْوِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ فِيهِ فَلَوْ وَجَبَ لَهُ فِي يَدٍ كَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي جَفْنٍ كَانَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا وَهَكَذَا.
(وَيَحْرُمُ أَنْ يُقْتَصّ مِنْ طَرَفٍ قَبْلَ بُرْئِهِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ فَجَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَقِدْنِي فَقَالَ: حَتَّى تَبْرَأَ ثُمَّ جَاءَ إلَيْهِ فَقَالَ: أَقِدْنِي فَأَقَادَهُ، ثُمَّ جَاءَ إلَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَرَجْتُ فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِي فَأَبْعَدَكَ اللَّهُ وَأَبْطَلَ عَرَجَكَ، ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيِّ، وَلِأَنَّ الْجُرْحَ لَا يُدْرَى أَيُؤَدِّي إلَى الْقَتْلِ أَمْ لَا؟ فَوَجَبَ أَنْ يُنْتَظَرَ لِيُعْلَمَ حُكْمُهُ.
(فَإِنْ فَعَلَ أَيْ اقْتَصَّ لِلطَّرَفِ، قَبْلَ بُرْئِهِ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ سِرَايَتِهِ فَلَوْ سَرَى) الْجُرْحُ بَعْدُ (إلَى نَفْسِهِ) فَهَدَرٌ لِلْخَبَرِ (أَوْ سَرَى الْقِصَاصُ إلَى نَفْسِ الْجَانَّيْ فَهَدَرٌ) وَتَقَدَّمَ.
(وَإِنْ قَطَعَ) جَانٍ (يَدَ رَجُلٍ مِنْ الْكُوعِ ثُمَّ) قَطَعَهَا جَانٍ (آخَرُ مِنْ الْمِرْفَقِ فَاتَ الْمَجْنِيُّ) عَلَيْهِ (بِسِرَايَتِهِمَا) أَيْ الْقِطْعَتَيْنِ (فَلِلْوَلِيِّ قَتْلُ الْقَاطِعَيْنِ) لِأَنَّهُمَا قَاتِلَانِ، لِأَنَّ سِرَايَةَ الْجِنَايَةِ مَضْمُونَةٌ بِالْقَوَدِ كَمَا سَبَقَ.
[كِتَابُ الدِّيَاتِ]
стр. 2728
(وَهِيَ جَمْعُ دِيَةٍ) مُخَفَّفَةٍ وَأَصْلُهَا وَدَيٌ، وَالْهَاءُ بَدَلٌ مِنْ الْوَاوِ كَالْعِدَةِ مِنْ الْوَعْدِ وَالزِّنَةِ مِنْ الْوَزْنِ يُقَالُ: وَدَيْتُ الْقَتِيلَ أَدِيهِ دِيَة إذَا أَعْطَيْت دِيَتَهُ وَاتَّدَيْت إذَا أَخَذْت الدِّيَةَ (وَهِيَ) فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ (الْمَالُ الْمُؤَدَّى إلَى مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ أَوْ وَلِيِّهِ بِسَبَبِ جِنَايَةٍ) كَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] .
وَفِي الْخَبَرِ «فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» (كُلُّ مَنْ أَتْلَفَ إنْسَانًا) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا مُسْتَأْمَنًا أَوْ مُهَادِنًا بِمُبَاشَرَةٍ) لِإِتْلَافِهِ (أَوْ سَبَبٍ) كَشَهَادَةٍ عَلَيْهِ أَوْ إكْرَاهٍ عَلَى قَتْلِهِ أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ تَعَدِّيًا (عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ لَزِمَتْهُ دِيَتُهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَمَّا كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا فِي الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَالدِّيَاتِ: فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هُوَ كِتَابٌ مَشْهُورٌ عِنْد أَهْلِ السِّيَرِ وَمَعْرُوفٌ عِنْد أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْرِفَةً يُسْتَغْنَى بِشُهْرَتِهَا عَنْ الْإِسْنَادِ أَشْبَهَ الْمُتَوَاتِرَ (إمَّا فِي مَالِهِ) أَيْ: الْقَاتِلِ (أَوْ عَلَى عَاقِلَتِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي) تَفْصِيلُهُ بِقَوْلِهِ.
(فَإِنْ كَانَ) الْقَتْلُ (عَمْدًا مَحْضًا فَهِيَ) أَيْ: الدِّيَةُ (فِي مَالِ الْجَانِي) لِأَنَّ بَدَلَ الْمُتْلَفِ وَأَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْجَانِي قَالَ ﷺ «وَلَا يَجْنِي جَانٍ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ» وَلِأَنَّ الْعَامِدَ لَا عُذْرَ لَهُ فَلَا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ وَلَا يُوجَدُ فِيهِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلْمُوَاسَاةِ فِي الْخَطَأِ (حَالَّةٌ) كَالْقِصَاصِ وَأَرْشِ أَطْرَافِ الْعَبْدِ وَلِأَنَّ الْقَاتِلَ غَيْرُ مَعْذُورٍ بِخِلَافِ شِبْهِ الْعَمْدِ.
(وَ) دِيَةُ (شِبْهِ الْعَمْدِ
стр. 2729
وَالْخَطَأِ وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَاهُ) أَيْ: الْخَطَأُ كَانْقِلَابِ النَّائِم عَلَى إنْسَانٍ فَيَقْتُلهُ وَحَفْرِ الْبِئْرِ تَعَدِّيًا فَيَقَعُ فِيهِ فَيَمُوتُ بِهِ (عَلَى عَاقِلَتِهِ) مُؤَجَّلَةً عَلَى ثَلَاثِ سِنِينَ كَمَا يَأْتِي لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِر إجْمَاعًا فِي الْخَطَأِ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ جِنَايَاتِ الْخَطَأِ تَكْثُرُ وَدِيَةُ الْآدَمِيِّ كَثِيرَةٌ فَإِيجَابُهَا عَلَى الْجَانِي فِي مَالِهِ يُجْحِفُ بِهِ فَاقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ إيجَابَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ لِلْقَاتِلِ وَالْإِعَانَةِ لَهُ تَخْفِيفًا لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ وَ (لَا يَلْزَمهُ) أَيْ الْقَاتِلُ (شَيْءٌ مِنْهَا) أَيْ الدِّيَة لِلْخَبَرِ السَّابِقِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِجَمِيعِ الدِّيَةِ (فَإِنْ كَانَ التَّالِفُ جُزْءًا مِنْ الْإِنْسَانِ فَسَيَأْتِي) بِبَيَانِ دِيَتهِ وَيَأْتِي بَيَانُ مَا تَحْمِلهُ الْعَاقِلَةُ مِنْهُ (فِي بَابِ الْعَاقِلَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ) تَعَالَى مُفَصَّلًا.
(فَإِذَا أَلْقَاه عَلَى) أَفْعَى وَهِيَ حَيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ وَالْأَكْثَرُ عَلَى صَرْفِهَا كَعَصَا وَقِيلَ تُمْنَعُ مِنْ الصَّرْفِ لِوَزْنِ الْفِعْلِ وَشَبَهِهَا بِالْمُشْتَقِّ وَهُوَ تَصَوُّرُ أَذَاهَا (أَوْ أَلْقَاهَا) أَيْ الْأَفْعَى (عَلَيْهِ فَقَتَلَتْهُ) فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِأَنَّهُ أُتْلِفَ بِعُدْوَانِهِ كَالْمُبَاشِرِ (أَوْ طَلَبَهُ بِسَيْفٍ مُجَرَّدٍ) مِنْ غِمْدِهِ (وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ السَّيْفِ (أَوْ) طَلَبه بِ (مَا يُخِيفُ كَلْت وَدَبُّوس فَهَرَبَ مِنْهُ فَتَلِفَ فِي هَرَبِهِ بِأَنْ سَقَطَ مِنْ شَاهِقٍ أَوْ انْخَسَفَ بِهِ سَقْفٌ أَوْ خَرَّ فِي مَهْوَاة مِنْ بِئْرٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ سَقَطَ فَتَلِفَ أَوْ لَقِيَهُ سَبُعٌ) أَوْ نَحْوُهُ (فَافْتَرَسَهُ أَوْ غَرَق فِي مَاءٍ أَوْ احْتَرَقَ بِنَارٍ سَوَاءٌ كَانَ الْمَطْلُوبُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا أَوْ أَعْمَى أَوْ بَصِيرًا أَوْ عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا) فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ لِأَنَّهُ هَلَكَ بِسَبَبِ عُدْوَانِهِ فَضَمِنَهُ قَالَ فِي التَّرْغِيبِ وَالْبُلْغَةِ وَعِنْدِي مَا لَا يَتَعَمَّدُ إلْقَاءَ نَفْسِهِ مَعَ الْقَطْعِ بِتَلَفِهِ لِأَنَّهُ كَمُبَاشِرٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَجْزِمَ بِهِ أَنَّهُ مُرَادٌ الْأَصْحَابِ وَكَلَامُهُمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
(أَوْ رَوَّعَهُ بِأَنْ شَهَرَ السَّيْفَ فِي وَجْهِهِ أَوْ دَلَّاهُ مِنْ شَاهِقٍ فَمَاتَ مِنْ رَوْعَتِهِ أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ) فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِمَا سَبَقَ (أَوْ حَفَرَ بِئْرًا مُحَرَّمًا حَفْرُهَا فِي فِنَائِهِ أَوْ فِي فِنَاءِ غَيْرِهِ أَوْ فِي طَرِيقٍ) وَلَوْ وَاسِعًا (لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي مُلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ صَاحِبِ الْمُلْكِ فَتَلِفَ بِهَا إنْسَانٌ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِعُدْوَانِهِ (أَوْ وَضَعَ حَجَرًا) فِي طَرِيقٍ فَتَلِفَ بِهِ إنْسَانٌ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِتَعَدِّيهِ إنْ لَمْ يَضَعْهُ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْ وَضَعَهُ بِطِينٍ لِيَطَأَ عَلَيْهِ النَّاسُ (أَوْ رَمَاهُ) أَيْ الْحَجَرَ (أَوْ) رَمَى (غَيْرَهُ مِنْ مَنْزِلِهِ) أَوْ غَيْرَهُ فَتَلِفَ بِهِ شَيْءٌ ضَمِنَهُ (أَوْ حَمَلَ بِهِ رُمْحًا جَعَلَهُ) أَيْ الرُّمْحَ (بَيْن يَدَيْهِ أَوْ خَلْفِهِ) فَتَلِفَ بِهِ شَيْءٌ ضَمِنَهُ (لَا) إنْ كَانَ الرُّمْحُ (قَائِمًا فِي الْهَوَاءِ
стр. 2730
وَهُوَ يَمْشِي) فَلَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ (لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ) فَأَتْلَفَ مَا تَقَدَّمَ (إنْسَانًا أَوْ غَيْرَهُ) مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرَهُ ضَمِنَهُ.
(أَوْ صَبَّ مَاءً فِي طَرِيقٍ أَوْ) صَبَّ مَاءً فِي (فِنَائِهِ) أَيْ مَا اتَّسَعَ حَوْلَ دَارِهِ (أَوْ رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ أَوْ) قِشْرَ (خِيَارٍ أَوْ) قِشْرَ (بَاقِلَا) وَنَحْوَهُ (فِي طَرِيقٍ) فَتَلِفَ بِهِ شَيْءٌ ضَمِنَهُ (أَوْ بَالَ) فِي طَرِيقٍ (أَوْ بَالَتْ دَابَّتُهُ فِي طَرِيقٍ وَيَدُهُ عَلَيْهَا رَاكِبًا كَانَ أَوْ مَاشِيًا أَوْ قَائِدًا فَتَلِفَ بِهِ إنْسَانٌ أَوْ مَاشِيَةٌ أَوْ تَكَسَّرَ مِنْهُ عُضْوٌ فَعَلَيْهِ ضَمَانٌ مَا لَا تَحْمِلهُ الْعَاقِلَةُ) كَالْعَبْدِ وَالْبَهَائِم وَمَا دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ عَنْ عَاقِلَتِهِ كَمَا لَوْ جَنَتْ بِيَدِهَا أَوْ فَمِهَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
وَفِي الشَّرْحِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِذَلِكَ أَيْ بِبَوْلِ الدَّابَّةِ فِي الطَّرِيقِ وَكَمَا لَوْ سَلَّمَ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ أَمْسَكَ يَدَهُ حَتَّى مَاتَ لِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَتْ بِرِجْلِهَا وَيُفَارِقُ مَا إذَا أَتْلَفَتْ بِيَدِهَا أَوْ فَمِهَا لِأَنَّهُ يُمْكِنهُ حِفْظُهَا.
(وَإِنْ حَفَرَ) إنْسَانٌ (بِئْرًا أَوْ نَصَبَ سِكِّينًا وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا) أَوْ نَحْوَهُ (فَعَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ فَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ أَوْ عَلَى السِّكِّينِ ضَمِنَ وَاضِعُ الْحَجَرِ الْمَالَ) حَيَوَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (وَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ الْحُرِّ) لِأَنَّ الْحَجَرَ (كَدَافِعٍ) وَلِأَنَّ الْوَضْعَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْحَفْرِ وَالنَّصْبِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْحَافِرِ وَالنَّاصِبِ إذَنْ لِأَنَّ وَاضِعَ الْحَجَرِ قَطْعٌ لِتَسَبُّبِهِمَا وَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْقَتْلَ عَادَةً لِمُعَيَّنٍ بِخِلَافِ مُكْرَهٍ (إذَا تَعَدَّيَا) أَيْ الْحَافِرَ وَوَاضِعَ الْحَجَرِ (وَإِلَّا) يَعْنِي وَإِنْ تَعَدَّى أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ (ف) الضَّمَانُ (عَلَى مُتَعَدٍّ مِنْهُمَا) لِتَعَدِّيهِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّيَا وَلَا أَحَدُهُمَا بِأَنْ كَانَتْ الْبِئْرُ فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي مَوَاتٍ أَوْ فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ بِلَا ضَرَر وَوُضِعَ الْحَجَرُ بِطِينٍ لِيَطَأَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا لِعَدَمِ الْعُدْوَانِ.
(وَإِنْ أَعْمَقَ) إنْسَانٌ (بِئْرًا قَصِيرَةً وَلَوْ) كَانَتْ ذِرَاعًا فَحَفَرَهَا آخَرُ إلَى الْقَرَارِ ضَمِنَا التَّالِفَ بَيْنَهُمَا إنْ كَانَ التَّالِفُ (مَالًا وَدِيَةُ الْحُرِّ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا) لِأَنَّ السَّبَبَ حَصَلَ مِنْهُمَا وَكَمَا لَوْ جَرَحَهُ وَاحِدٌ جُرْحًا (فَإِنْ) حَفَرَ إنْسَانٌ بِئْرًا وَعَمَّقَهَا آخَرُ وَ (وَضَعَ آخَرُ فِيهَا سِكِّينًا فَ) الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ (أَثْلَاثًا) لِتَسَبُّبِهِمْ.
(وَإِنْ حَفَرَهَا) أَيْ الْبِئْرَ (بِمِلْكِهِ أَوْ وَضَعَ فِيهَا) أَيْ فِي بِئْرٍ بِمِلْكِهِ (حَجَرًا أَوْ حَدِيدَةً وَسَتَرَهَا) لِيَقَعَ فِيهَا أَحَدٌ (فَمَنْ دَخَلَ بِإِذْنِهِ وَتَلِفَ بِهَا فَالْقَوَدُ) لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ كَمَا لَوْ قَدَّمَ لَهُ طَعَامًا مَسْمُومًا فَأَكَلَهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ (فَلَا) ضَمَانَ (كَ) مَا لَوْ كَانَتْ الْبِئْرُ (مَكْشُوفَةً بِحَيْثُ يَرَاهَا) الدَّاخِلُ (إنْ كَانَ بَصِيرًا) لِأَنَّهُ الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ كَآكِلِ السُّمِّ عَالِمًا بِهِ (أَوْ) كَانَ ضَرِيرًا أَوْ (دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ) فَلَا ضَمَانَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَبَّبْ فِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ) بِالْإِذْنِ
стр. 2731
(أَعْمَى أَوْ كَانَ بَصِيرًا لَكِنْ فِي ظُلْمَةٍ لَا يُبْصِرُهَا) أَيْ الْبِئْرَ (ضَمِنَهُ) الْآذِنُ لِتَسَبُّبِهِ فِي هَلَاكِهِ (وَإِنْ قَالَ صَاحِبُ الدَّار مَا أَذِنْتُ لَهُ فِي الدُّخُولِ وَادَّعَى وَلِيُّ الْهَالِكِ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ) فِي الدُّخُولِ (فَقَوْلُ الْمَالِكِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْإِذْنِ.
(وَإِنْ قَالَ) صَاحِبُ الدَّارِ (كَانَتْ) الْبِئْرُ (مَكْشُوفَةً) بِحَيْثُ يَرَاهَا (وَقَالَ الْآخَرُ) وَهُوَ وَلِيُّ الْهَالِكِ (كَانَتْ مُغَطَّاةً فَقَوْلُ وَلِيِّ الدَّاخِلِ) بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ إذْ لَوْ كَانَتْ مَكْشُوفَةً بِحَيْثُ يَرَاهَا لَمْ يَسْقُطْ فِيهَا.
(وَإِنْ تَلِفَ أَجِيرٌ لِحَفْرِهَا) أَيْ الْبِئْرَ (بِهَا أَوْ دَعَا مَنْ يَحْفِرُهَا لَهُ بِدَارِهِ أَوْ بِمَعْدِنٍ فَمَاتَ بِهَدْمٍ فَهَدَرٌ) لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ فِي ذَلِكَ مُبَاشَرَةٌ وَلَا تَسَبُّبٌ وَكَذَا أَجِيرٌ لِبِنَاءِ أَوْ هَدْمِ حَائِطٍ.
(وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ أَوْ) حَفَرَهَا (فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) بِسَبَبِ الْحَفْرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ بِهِ (وَكَذَلِكَ إنْ حَفَرَهَا) أَيْ الْبِئْرَ (فِي مَوَاتٍ) لِتَمَلُّكٍ أَوْ ارْتِفَاقٍ أَوْ نَفْعِ الْمُسْلِمِينَ (أَوْ وَضَعَ حَجَرًا) بِطِينٍ لِيَطَأَ عَلَيْهِ النَّاسُ (أَوْ وَضَعَهُ فِي مَوَاتٍ أَوْ نَصَبَ شَرَكًا أَوْ شَبَكَةً أَوْ مِنْجَلًا لِيَصِيدَ بِهَا) فَتَلِفَ بِذَلِكَ شَيْءٌ فَلَا ضَمَانَ لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ (وَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) بِأَنْ حَفَرَ الْبِئْرَ أَوْ وَضَعَ الْحَجَرَ لَا لِيَطَأَ عَلَيْهِ النَّاسُ بِطِينٍ أَوْ نَصَبَ شَرَكًا أَوْ شَبَكَةً أَوْ مِنْجَلًا (فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِهِ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ) فِي ذَلِكَ (أَوْ لَمْ يَأْذَنْ) فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ فِيمَا فِيهِ ضَرَرٌ (وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ الْإِمَامُ لَضَمِنَ) مَا يَتْلَفُ بِهِ لِعُدْوَانِهِ.
(فَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ وَاسِعًا فَحَفَرَهَا) أَيْ الْبِئْرَ (فِي مَكَان مِنْهَا يَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ) كَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ (ضَمِنَ) مَا تَلِفَ بِهَا (وَإِنْ كَانَ) حَفَرَهَا فِي مَكَان (لَا يَضُرُّ) بِالْمُسْلِمِينَ (وَحَفَرَهَا لِنَفْسِهِ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ حَفَرَهَا لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ فِي الطَّرِيقِ الْوَاسِعِ بِلَا ضَرَرٍ فَلَا ضَمَانَ وَتَقَدَّمَ (وَإِنْ حَفَرَهَا) أَيْ الْبِئْرَ (فِي مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ) أَيْ بِسَبَبِ حَفْرِهِ (جَمِيعَهُ) لِتَعَدِّيهِ بِالْحَفْرِ (وَتَقَدَّمَتْ أَحْكَامُ الْبِئْرِ فِي آخِرِ الْغَصْبِ) .
(وَإِنْ غَصَبَ) أَيْ حَبَسَ (صَغِيرًا حُرًّا) عَنْ أَهْلِهِ (فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ أَوْ أَصَابَتْهُ صَاعِقَةُ) نَارٍ تَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ فِيهَا رَعْدٌ شَدِيدٌ (فَفِيهِ الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ تَلِفَ فِي يَدِهِ الْعَادِيَةِ (وَإِنْ كَانَ) الْمَغْصُوبُ (قِنًّا) فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ أَوْ أَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ أَوْ تَلِفَ بِغَيْرِ ذَلِكَ (ف) عَلَى الْغَاصِبِ (الْقِيمَةُ) أَيْ قِيمَةُ الْقِنِّ لِمَالِكِهِ لِأَنَّ الْقِنَّ تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْيَدُ.
(قَالَ الشَّيْخُ: وَمِثْلُ ذَلِكَ) أَيْ نَهْشُ الْحَيَّةِ وَإِصَابَةُ الصَّاعِقَةِ (كُلُّ سَبَبٍ يَخْتَصُّ الْبُقْعَةَ كَالْوَبَاءِ وَانْهِدَامِ سَقْفٍ عَلَيْهِ وَنَحْوِهِمَا انْتَهَى) لِأَنَّهُ بِحَبْسِهِ مَنَعَهُ مِنْ الْهَرَبِ (وَإِنْ مَاتَ) الْمَغْصُوبُ (بِمَرَضٍ أَوْ) مَاتَ (فَجْأَةً لَمْ يَضْمَنْ) الْغَاصِبُ (الْحُرَّ) لِأَنَّهُ لَا تَثْبُت عَلَيْهِ
стр. 2732
الْيَدُ بِخِلَافِ الْقِنِّ (وَإِنْ قَيَّدَ حُرًّا مُكَلَّفًا وَغَلَّهُ فَتَلِفَ بِصَاعِقَةٍ أَوْ حَيَّةٍ وَجَبَتْ الدِّيَةُ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّغِيرِ.
[فَصْلٌ وَإِنْ اصْطَدَمَ حُرَّانِ مُكَلَّفَانِ بَصِيرَانِ أَوْ ضَرِيرَانِ]
(فَصْلٌ وَإِنْ اصْطَدَمَ حُرَّانِ مُكَلَّفَانِ بَصِيرَانِ أَوْ ضَرِيرَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا) بَصِيرٌ وَالْآخَرُ ضَرِيرٌ (وَهُمَا مَاشِيَانِ أَوْ رَاكِبَانِ أَوْ رَاكِبٌ وَمَاشٍ فَمَاتَا فَعَلَى عَاقِلَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَاتَ مِنْ صَدْمَةِ صَاحِبهِ وَذَلِكَ خَطَأٌ فَكَانَتْ دِيَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى عَاقِلَةِ صَاحِبِهِ (وَقِيلَ بَلْ) عَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا (نِصْفُهَا) أَيْ الدِّيَةُ (لِأَنَّهُ هَلَكَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَفِعْلِ صَاحِبِهِ فَيَهْدُر فِعْلَ نَفْسِهِ وَهَذَا هُوَ الْعَدْل، وَكَالْمَنْجَنِيقِ إذَا رَجَعَ فَقَتَلَ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ) الرَّامِينَ لَهُ فَإِنَّهُ يَهْدُر فِعْلَ نَفْسِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ إنْ غَلَبَتْ الدَّابَّةُ رَاكِبَهَا بِلَا تَفْرِيطٍ فَلَا ضَمَانَ وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ فِي تَرِكَتِهِ (وَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الْمُتَصَادِمَيْنِ) دُونَ الْآخَرِ (فَدِيَتُهُ كُلُّهَا أَوْ نِصْفُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ) لِمَا تَقَدَّمَ (عَلَى الْخِلَافِ) فَإِنْ قُلْنَا فِيمَا سَبَقَ عَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ فَالْوَاجِبُ هُنَا الدِّيَةُ كَامِلَةٌ وَإِنْ قُلْنَا نِصْفَهَا هُنَاكَ فَالنِّصْفُ هُنَا (وَإِنْ اصْطَدَمَا عَمْدًا وَيَقْتُلُ ذَلِكَ) الصَّدْمَ (غَالِبًا ف) الْقَتْلُ (عَمْدٌ يَلْزَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةَ الْآخَرِ فِي ذِمَّتِهِ فَيَتَقَاصَّانِ) وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ، وَعَلَى هَذَا إنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ فَالْقِصَاصُ أَوْ الدِّيَةُ فِي مَالِ صَاحِبِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الصَّدْمُ يَقْتُلُ غَالِبًا (فَ) هُوَ (شِبْهُ عَمْدٍ) فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا.
(وَلَوْ تَجَاذَبَا حَبْلًا وَنَحْوَهُ) كَثَوْبٍ (فَانْقَطَعَ) الْحَبْلُ أَوْ نَحْوُهُ (فَسَقَطَا فَمَاتَا فَكَمُتَصَادَمِينَ سَوَاءٌ انْكَبَّا أَوْ اسْتَلْقَيَا أَوْ انْكَبَّ أَحَدُهُمَا وَاسْتَلْقَى الْآخَرُ لَكِنْ نِصْفُ دِيَةِ الْمُنْكَبِّ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُسْتَلْقِي مُغَلَّظَةٌ وَنِصْفُ دِيَةِ الْمُسْتَلْقِي عَلَى عَاقِلَةِ الْمُنْكَبِّ مُخَفَّفَةٌ) قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ.
(وَإِنْ اصْطَدَمَ قِنَّانِ مَاشِيَانِ فَمَاتَا فَهَدْرٌ) لِأَنَّ قِيمَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجَبَتْ فِي رَقَبَةِ الْآخَرِ وَقَدْ تَلِفَ الْمَحِلُّ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ فَذَهَبَا هَدْرًا، قُلْتُ فَإِنْ كَانَا رَاكِبَيْنِ وَهُمَا بَالِغَانِ فَكَذَلِكَ وَإِنْ كَانَا صَغِيرَيْنِ وَأَرْكَبَهُمَا سَيِّدُهُمَا لِمَصْلَحَةٍ أَوْ رَكِبَا مِنْ عِنْد أَنْفُسِهِمَا فَكَذَلِكَ وَإِلَّا فَعَلَى مُرَكِّبِ كُلٍّ مِنْهُمَا ضَمَانُ الْآخَرِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا صَغِيرًا وَالْآخَرُ كَبِيرًا فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ (وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الْقِنَّيْنِ الْمَاشِيَيْنِ
стр. 2733
الْمُصْطَدِمَيْنِ (فَقِيمَتُهُ فِي رَقَبَةِ الْآخَرِ) لِأَنَّهُ مَاتَ بِجِنَايَتِهِ (كَسَائِرِ جِنَايَاتِهِ) .
(وَإِنْ كَانَ) أَيْ الْمُصْطَدِمَانِ (حُرًّا وَقِنًّا وَمَاتَا) بِالصَّدْمِ (ضُمِنَتْ قِيمَةُ الْقِنِّ فِي تَرِكَةِ الْحُرِّ) لِأَنَّ الْعَاقِلَة لَا تَحْمِلُهَا (وَوَجَبَتْ دِيَةُ الْحُرِّ كَامِلَةَ فِي تِلْكَ الْقِيمَةِ) لِتَعَلُّقِ جِنَايَتَهُ بِرَقَبَتِهِ وَالْقِيمَةُ قَائِمَةٌ مَقَامَهَا فَإِنْ تَسَاوَيَا تَقَاصَّا وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ سَقَطَ مِنْهَا بِقَدْرِ الدِّيَةِ وَبَاقِيهَا لِلسَّيِّدِ وَإِنْ كَانَتْ الدِّيَةُ أَكْثَرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ اصْطَدَمَ امْرَأَتَانِ فَمَاتَتَا فَكَرَجُلَيْنِ) فَإِنْ كَانَ عَمْدًا وَيَقْتُلُ غَالِبًا فَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا دِيَةُ الْأُخْرَى فِي ذِمَّتِهَا فَيَتَقَاصَّانِ وَإِلَّا فَشِبْهُ عَمْدٍ (فَإِنْ أَسْقَطَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جَنِينَهَا فَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ) مِنْهُمَا (نِصْفُ ضَمَانِ جَنِينِهَا وَنِصْفُ ضَمَانِ جَنِينِ صَاحِبَتِهَا) لِمُشَارَكَتِهَا فِي قَتْلِ الْجَنِينِ (وَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ) مِنْهُمَا فِي مَالِهَا (عِتْقُ ثَلَاثِ رِقَابٍ، وَاحِدَةٌ لِقَتْلِ صَاحِبَتِهَا وَاثْنَتَانِ لِمُشَارَكَتِهَا فِي) قَتْلِ (الْجَنِينَيْنِ فَإِنْ أُسْقِطَتْ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى) وَمَاتَتَا (اشْتَرَكَتَا فِي ضَمَانِهِ) أَيْ الْجَنِينِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي قَتْلِهِ (وَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عِتْقُ رَقَبَتَيْنِ) رَقَبَةٌ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي قَتْلِ الْجَنِينِ وَرَقَبَةٌ لِقَتْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا الْأُخْرَى، وَدِيَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى عَاقِلَةِ الْأُخْرَى إنْ لَمْ يَكُنْ عَمْدًا يَقْتُلُ غَالِبًا وَيَأْتِي أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ الْغُرَّةَ إذَا سَقَطَ بِجِنَايَةٍ عَلَى أُمّهِ وَمَاتَ مَعَهَا أَوْ بَعْدهَا لَا قَبْلَهَا.
(وَإِنْ كَانَ الْمُتَصَادِمَانِ رَاكِبَيْنِ فَرَسَيْنِ أَوْ بَغْلَيْنِ أَوْ حِمَارَيْنِ أَوْ جَمَلَيْنِ) أَوْ فِيلَيْنِ أَوْ نَحْوَهُمَا (أَوْ) كَانَ (أَحَدُهُمَا رَاكِبًا فَرَسًا وَالْآخَرُ) رَاكِبًا (غَيْرَهُ) وَكَانَا (مُقْبِلَيْنِ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا مُقْبِلٌ عَلَى الْآخَر (أَوْ مُدْبِرَيْنِ) أَيْ ظَهْرَ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ (فَمَاتَتْ الدَّابَّتَانِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيمَةُ دَابَّةِ الْآخَرِ أَوْ نِصْفُهَا عَلَى الْخِلَافِ) السَّابِقِ لِأَنَّهَا مَاتَتْ بِفِعْلِهِ أَوْ مُشَارَكَتِهِ (وَإِنْ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا) أَيْ إحْدَى الدَّابَّتَيْنِ (فَعَلَى الْآخَرِ قِيمَتُهَا) أَوْ نِصْفُهَا عَلَى الْخِلَافِ (وَإِنْ نَقَصَتْ فَعَلَيْهِ نَقْصُهَا) أَيْ نَقْصُ دَابَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَعَلَى الْآخَرِ أَرْشُ نَقْصِهَا وَإِنْ نَقَصَتْ دَابَّةُ أَحَدِهِمَا فَعَلَى الْآخَرُ أَرْشُ نَقْصِهَا (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) أَيْ الرَّاكِبَيْنِ (يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيَّ الْآخَرِ فَأَدْرَكَهُ الثَّانِي فَصَدَمَهُ فَمَاتَتْ الدَّابَّتَانِ أَوْ إحْدَاهُمَا فَالضَّمَانُ عَلَى اللَّاحِقِ) لِأَنَّهَا تَلِفَتْ بِصَدْمِهِ وَإِنْ مَاتَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَدِيَةُ السَّابِقِ عَلَى عَاقِلَةِ اللَّاحِق (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَسِيرُ وَالْآخَرُ وَاقِفًا) أَوْ قَاعِدًا (فَعَلَى عَاقِلَةِ السَّائِرِ دِيَةُ الْوَاقِفِ) وَالْقَاعِدِ لِأَنَّهُ قَتِيلُ خَطَأٍ (وَعَلَيْهِ) أَيْ السَّائِرِ (ضَمَانُ دَابَّتِهِ) أَيْ دَابَّةِ الْوَاقِفِ أَوْ الْقَاعِدِ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُهَا.
(فَإِنْ مَاتَ الصَّادِمُ أَوْ) تَلِفَتْ (دَابَّتُهُ فَهَدَر) لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ عَلَيْهِ أَحَدٌ بَلْ هُوَ الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ (وَإِنْ انْحَرَفَ الْوَاقِفُ فَصَادَفَتْ الصَّدْمَةُ انْحِرَافَهُ فَهُمَا كَالسَّائِرَيْنِ)
стр. 2734
عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ هَذَا كُلُّهُ إذَا وَقَفَ أَوْ قَعَدَ فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ (فَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ) يَعْنِي غَيْرَ السَّائِرِ (فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ لَهُ) حَالَ كَوْنِهِ (قَاعِدًا أَوْ وَاقِفًا فَلَا ضَمَانَ فِيهِ) لِأَنَّ السَّائِرَ لَمْ يَتَعَدَّ عَلَيْهِ بَلْ الْقَاعِدُ وَالْوَاقِفُ هُوَ الْمُتَعَدِّي (وَإِنْ كَانَ) الطَّرِيقُ الضَّيِّقُ (مَمْلُوكًا لِلْوَاقِفِ) أَوْ الْقَاعِدِ (ضَمِنَهُ السَّائِرُ) لِتَعَدِّيهِ بِسُلُوكِهِ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ مَعَ أَنَّ الْوَاقِفَ وَالْقَاعِدَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِوُقُوفِهِ فِي مِلْكِهِ (وَلَا يَضْمَن وَاقِفٌ) أَوْ قَاعِدٌ (لِسَائِرٍ شَيْئًا وَلَوْ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ) غَيْرَ مَمْلُوكٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ عَلَيْهِ.
(وَمَنْ أَرْكَبَ صَغِيرَيْنِ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا فَاصْطَدَمَا فَمَاتَا فَعَلَى الَّذِي أَرْكَبَهُمَا دِيَتُهُمَا فِي مَالِهِ) لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِذَلِكَ وَتَصَادُمُهُمَا أَثَرُ رُكُوبِهِمَا وَفِعْلُهُمَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَوَجَبَ إضَافَةُ الْقَتْلِ إلَى مَنْ أَرْكَبَهُمَا.
وَفِي التَّرْغِيبِ وَالْمُقْنِعِ وَالْوَجِيزِ دِيَتُهُمَا عَلَى عَاقِلَتِهِ لِأَنَّهُ خَطَأٌ فَتَحْمِلهُ الْعَاقِلَةُ (وَمَا تَلِفَ مِنْ مَالِهِمَا فَفِي مَالِهِ) أَيْ الْمُرَكِّبِ لَهُمَا (أَيْضًا) لِأَنَّهُ تَلِفَ بِتَعَدِّيهِ وَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُهُ (وَإِنْ رَكِبَا) أَيْ الصَّغِيرَانِ (مِنْ عِنْد أَنْفُسِهِمَا فَكَالْبَالِغَيْنِ الْمُخْطِئَيْنِ) عَلَى كُلِّ مِنْهُمَا مَا تَلِفَ مِنْ مَالِ الْآخَرِ وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ (وَكَذَا إنْ أَرْكَبَهُمَا وَلِيٌّ لِمَصْلَحَةٍ كَمَا إذَا أَرَادَ أَنْ يُمَرِّنَهُمَا عَلَى الرُّكُوبِ وَكَانَا يُثْبِتَانِ أَنْفُسَهُمَا) عَلَى مَا أَرْكَبَهُ لَهُمَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى عَاقِلَتِهِ لِأَنَّهُ إرْكَابٌ مَأْذُونٌ فِيهِ فَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُتَعَدِّي (فَأَمَّا إنْ كَانَا لَا يَثْبُتَانِ بِأَنْفُسِهِمَا فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِي الرُّكُوبِ إذَنْ قَالَ فِي التَّرْغِيبِ إنْ صَلَحَا لِلرُّكُوبِ وَأَصْلَحَهُمَا لِلرُّكُوبِ وَأَرْكَبَهُمَا مَا يَصْلُحُ لِرُكُوبِ مِثْلِهِمَا وَإِلَّا ضَمِنَ.
(وَإِنْ اصْطَدَمَ صَغِيرٌ وَكَبِيرٌ فَإِنْ مَاتَ الصَّغِيرُ ضَمِنَهُ الْكَبِيرُ) لِتَلَفِهِ بِصَدْمِهِ (وَإِنْ مَاتَ الْكَبِيرُ ضَمِنَهُ الَّذِي أَرْكَبَ الصَّغِيرَ) لِتَلَفِهِ بِسَبَبِ إرْكَابِهِ لِلصَّغِيرِ، وَكَذَا حُكْمُ مَا يَتْلَفُ مِنْ دَابَّتِهِمَا وَنَقَلَ حَرْبٌ إنْ حَمَلَ رَجُلٌ صَبِيًّا عَلَى دَابَّةٍ فَسَقَطَ ضَمِنَ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ أَهْلُهُ بِحَمْلِهِ.
(وَإِنْ قَرَّبَ) إنْسَانٌ (صَغِيرًا مِنْ هَدَفٍ فَأَصَابَهُ سَهْمٌ ضَمِنَهُ الْمُقَرِّبُ) دُونَ رَامِي السَّهْمِ إذَا لَمْ يَقْصِدْهُ لِأَنَّ الْقُرْبَ هُوَ الَّذِي عَرَّضَهُ لِلتَّلَفِ بِتَقْرِيبِهِ وَالرَّامِي لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ لِأَنَّ الرَّامِيَ كَحَافِرِ الْبِئْرِ وَالْمُقَرِّبِ كَالدَّافِعِ فَإِنْ قَصَدَهُ الرَّامِي فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ وَحْدَهُ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ (وَإِنْ أَرْسَلَهُ) أَيْ أَرْسَلَ إنْسَانٌ الصَّغِيرَ (فِي حَاجَةٍ فَأَتْلَفَ) الصَّغِيرُ (مَالًا أَوْ نَفْسًا) فَأَكْثَرَ (فَجِنَايَتُهُ خَطَأُ مِنْ مُرْسِلِهِ) لِتَعَدِّيهِ بِإِرْسَالِهِ فَيَضْمَنُ الْمَالَ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ الْآدَمِيِّ (وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الصَّغِيرِ الْمُرْسَل فِي حَاجَةٍ (ضَمِنَهُ) مُرْسِلُهُ لِتَسَبُّبِهِ (ذَكَرَهُ فِي الْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِ) قَالَ ابْنُ حَمْدَان: إنْ تَعَذَّرَ تَضْمِينُ الْجَانِي لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ
стр. 2735
وَالْمُرْسِلُ مُتَسَبِّبٌ (وَتَقَدَّمَ فِي الْغَصْبِ إذَا اصْطَدَمَ سَفِينَتَانِ) .
[فَصْلٌ وَإِنْ رَمَى ثَلَاثَةٌ بِمَنْجَنِيقٍ فَرَجَعَ الْحَجَرُ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ فَقَتَلَ رَابِعًا]
(فَصْلٌ وَإِنْ رَمَى ثَلَاثَةٌ بِمَنْجَنِيقٍ فَرَجَعَ الْحَجَرُ) أَوْ لَمْ يَرْجِعْ (فَقَتَلَ رَابِعًا) حُرًّا (فَعَلَى عَوَاقِلِهِمْ دِيَتُهُ أَثْلَاثًا) لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ الثُّلُثَ فَمَا زَادَ (وَلَا قَوَدَ) عَلَيْهِمْ (وَلَوْ قَصَدُوهُ بِعَيْنِهِ) لِعَدَمِ إمْكَانِ الْقَصْدِ (فَإِنْ قَصَدَهُ) بِالرَّمْيِ (أَوْ قَصَدُوا جَمَاعَةً) قَلِيلَةً (فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ) لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا الْجِنَايَةَ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا (لِأَنَّ قَصْدَ وَاحِدٍ) وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ (بِالْمَنْجَنِيقِ لَا يَكَادُ يُفْضِي إلَى إتْلَافِهِ) هَذَا مُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَالَ وَاخْتَارَ فِي الرِّعَايَةِ أَنَّ ذَلِكَ عَمْدٌ إنْ كَانَ الْغَالِبُ الْإِصَابَةَ قُلْتُ: إنْ قَصَدُوا رَمْيَهُ كَانَ عَمْدًا وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى وَعَلَيْهِ مَشَى فِي الْمُنْتَهَى (وَإِنْ لَمْ يَقْصِدُوا) أَيْ رُمَاةُ الْمَنْجَنِيقِ (قَتْلَ آدَمِيٍّ) أَصَابَ آدَمِيًّا فَقَتَلَهُ (فَهُوَ خَطَأٌ) لِعَدَمِ الْقَصْدِ (فَإِنْ كَانُوا) أَيْ الرُّمَاةُ (أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَالدِّيَةُ حَالَّةٌ فِي أَمْوَالِهِمْ) لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ مَا دُونَ الثُّلُثِ وَالتَّأْجِيلِ فِي الدِّيَاتِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ.
(وَإِنْ قَتَلَ) الْحَجَرُ (أَحَدَهُمْ) أَيْ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الرُّمَاةِ بِالْمَنْجَنِيقِ فَعَلَى كُلُّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ كَمَا لَوْ شَارَكَ فِي قَتْلِ غَيْرِهِ وَ (سَقَطَ فِعْلُ نَفْسِهِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ) مِنْ وُجُوبِ ثُلُثِ الدِّيَةِ (وَعَلَى عَاقِلَةُ صَاحِبَيْهِ ثُلُثَا الدِّيَةِ) كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ جِرَاحَتِهِمَا وَجِرَاحَةِ نَفْسِهِ وَكَمَا لَوْ شَارَكَ فِي قَتْلِ بَهِيمَةٍ وَلِأَنَّهُ شَارَكَ فِي الْقَتْلِ فَلَا تَكْمُل الدِّيَةُ عَلَى شَرِيكِهِ كَمَا لَوْ قَتَلُوا وَاحِدًا غَيْرَهُمْ وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ الشَّعْبِيُّ " وَذَلِكَ أَنَّ ثَلَاثَ جَوَارٍ اجْتَمَعَتْ فَرَكِبَتْ إحْدَاهُنَّ عَلَى عُنُقِ أُخْرَى وَقَرَصَتْ الثَّالِثَةَ الْمَرْكُوبَةَ فَقَمَصَتْ فَسَقَطَتْ الرَّاكِبَةُ فَوُقِصَتْ عُنُقُهَا فَمَاتَتْ فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عَلِيٍّ فَقَضَى بِالدِّيَةِ أَثْلَاثًا عَلَى عَوَاقِلهنَّ وَأَلْقَى الثُّلُثَ الَّذِي قَابَلَ فِعْلَ الْوَاقِصَةِ لِأَنَّهَا أَعَانَتْ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهَا " وَهَذِهِ تُشْبِهُ مَسْأَلَتَنَا (وَإِنْ رَجَعَ الْحَجَرُ فَقَتَلَ اثْنَيْنِ) مِنْ الثَّلَاثَةِ (وَجَبَ عَلَى عَاقِلَةِ الْحَيِّ مِنْهُمْ لِكُلِّ مَيِّتٍ ثُلُثُ دِيَتِهِ) لِأَنَّهُ شَارَكَهُمَا فِي الْقَتْلِ (وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَيِّتَيْنِ ثُلُثُ دِيَةِ صَاحِبِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَيُلْغِي فِعْلَ نَفْسِهِ) لِمُشَارَكَتِهِ فِي الْقَتْلِ كَمَا مَرَّ (وَالضَّمَانُ فِي ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِمَنْ مَدَّ الْحِبَالَ وَرَمَى الْحَجَرَ دُونَ مَنْ وَضَعَهُ) أَيْ الْحَجَرَ (فِي الْكِفَّةِ) بِتَثْلِيثِ الْكَافِ
следующие страницы →