Полный текст (3 210 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْإِنْزَالُ وَلَا التَّحْصِينُ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ (كَحَلِفِهِ لَا يَطَأُ) امْرَأَتَهُ أَوْ سُرِّيَّتَهُ أَوَ غَيْرَهَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ قُلْت وَبِمَا ذَكَر فِي التَّسَرِّي عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إخْرَاجُهَا عَلَى هَيْئَةِ الْأَحْرَارِ.
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَحُجُّ وَلَا يَعْتَمِرُ حَنِثَ بِإِحْرَامٍ) صَحِيحٍ أَوْ فَاسِدٍ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ يُسَمَّى حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا.
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَصُومُ حَنِثَ بِشُرُوعٍ صَحِيحٍ) فِي الصَّوْمِ لِأَنَّهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ يُسَمَّى صَائِمًا.
(وَلَوْ كَانَ حَالَ حَلِفِهِ) لَا يَصُومُ (صَائِمًا) فَاسْتَدَامَ لَمْ يَحْنَثْ (أَوْ) كَانَ حَالَ حَلِفِهِ لَا يَحُجُّ (حَاجًّا فَاسْتَدَامَ) لَمْ يَحْنَثْ (أَوْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ لَا يُصَلِّي وَهُوَ) أَيْ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (فِي الصَّلَاةِ فَاسْتَدَامَ لَمْ يَحْنَثْ) الْحَالِفُ بِالِاسْتِدَامَةِ.
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَصُومُ صَوْمًا لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَصُومَ يَوْمًا) لِأَنَّ يَمِينَهُ تَنْصَرِفُ لِلصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ وَإِمْسَاكِ بَعْضِ يَوْمٍ لَيْسَ بِصَوْمٍ شَرْعِيٍّ (وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يُصَلِّي صَلَاةً بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) لِأَنَّهُ يَدْخُلُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ فَيُسَمَّى مُصَلِّيًا.
(وَ) حَلَفَ (لَا يُصَلِّي صَلَاةً لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَفْرُغَ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلَاةِ) بِأَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَةً بِسَجْدَتِهَا لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلَاةِ شَرْعًا (وَيَشْمَلُ) يَمِينُهُ (صَلَاةَ الْجِنَازَةِ فِيهِمَا) أَيْ فِيمَا إذَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي وَلَا يُصَلِّي صَلَاةً لِأَنَّهُ يُقَالُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَتَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ.
(قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ الطَّوَافُ لَيْسَ بِصَلَاةٍ فِي الْحَقِيقَةِ) قَالَ الْمَجْدُ لَيْسَ صَلَاةً مُطْلَقَةً وَلَا مُضَافَةً لَكِنْ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ صَلَاةٌ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَغَيْرُهُ فِي الْحَدِيثِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ فِي الْأَحْكَامِ كُلِّهَا إلَّا فِيمَا اسْتَثْنَاهُ وَهُوَ النُّطْقُ.
(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَهَبُ لِزَيْدٍ شَيْئًا وَلَا يُوصِي لَهُ وَلَا يَتَصَدَّق عَلَيْهِ أَوْ لَا يُعِيرُهُ فَفَعَلَهُ) أَيْ وَهَبَ لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَوْ أَهْدَى لَهُ أَوْ أَعَارَهُ أَيْ أَتَى بِالْإِيجَابِ فِي هَذِهِ (وَلَمْ يَقْبَلْ زَيْدٌ حَنِثَ) الْحَالِفُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا عِوَضَ فِيهِ فَيَحْنَثُ بِالْإِيجَابِ فَقَطْ كَالْوَصِيَّةِ.
(وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَهَبَ لَهُ) أَيْ لِزَيْدٍ مَثَلًا (بَرَّ) النَّاذِرُ (بِالْإِيجَابِ) وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ زَيْدٌ قُلْتُ وَكَذَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَوْ أَنْ يُهْدِيَ لَهُ أَوْ أَنْ يُعِيرَهُ لِأَنَّ الِاسْمَ يَقَعُ عَلَيْهَا بِدُونِ الْقَبُولِ.
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَوَهَبَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الصَّدَقَةَ نَوْعٌ مِنْ الْهِبَةِ وَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ عَلَى نَوْعٍ بِفِعْلِ نَوْعٍ آخَرَ وَلَا يَثْبُتُ لِلْجِنْسِ حُكْمُ النَّوْعِ.
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَهَبُهُ فَأَسْقَطَ عَنْهُ دَيْنًا أَوْ أَعْطَاهُ مِنْ نَذْرِهِ أَوْ كَفَّارَتِهِ أَوْ صَدَقَتِهِ الْوَاجِبَةِ أَوْ أَعَارَهُ أَوْ أَوْصَى لَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِهِبَةٍ (فَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ تَطَوُّعًا) حَنِثَ لِأَنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْهِبَةِ (أَوْ أَهْدَى لَهُ أَوْ أَعْمَرَهُ) حَنِثَ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْهِبَةِ (أَوْ وَقَفَ عَلَيْهِ) حَنِثَ
стр. 2977
لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ لَهُ بِعَيْنٍ فِي الْحَيَاةِ فَهُوَ فِي الْعُرْفِ هِبَةٌ (أَوْ بَاعَهُ وَحَابَاهُ حَنِثَ) لِأَنَّهُ تَرَكَ لَهُ بَعْضَ الْمَبِيعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ أَوْ وَهَبَهُ بَعْضَ الثَّمَنِ.
(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَأَطْعَمَ عِيَالَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَيْهِمْ لَيْسَتْ صَدَقَةً عُرْفًا وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهَا فِي الْخَبَرِ صَدَقَةٌ فَبِاعْتِبَارِ تَرَتُّبِ الْأَجْرِ.
[فَصْلٌ وَالِاسْمُ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ الْحَقِيقَةُ أَيْ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي وَضْعٍ أَوَّلٍ]
ٍ (مَا لَمْ يَغْلِبْ مَجَازه فَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ فَأَكَلَ الشَّحْمَ أَوْ الْمُخَّ الَّذِي فِي الْعِظَامِ أَوْ) أَكَلَ (الْكِبْدَةَ أَوْ الطِّحَالَ أَوْ الْقَلْبَ أَوْ الْكَرِشَ أَوْ الْمُصْرَانَ أَوْ الْأَلْيَةَ أَوْ الدِّمَاغَ وَهُوَ الْمُخُّ الَّذِي فِي قِحْفِ الرَّأْسِ أَوْ الْقَانِصَةَ أَوْ الْكُلْيَةَ أَوْ الْكَوَارِعَ أَوْ لَحْمَ الرَّأْسِ أَوْ لَحْمَ خَدِّ الرَّأْسِ أَوْ اللِّسَانَ وَنَحْوَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى لَحْمًا وَيَنْفَرِدُ عَنْهُ بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ وَلَوْ أَمَرَ وَكِيلَهُ بِشِرَاءِ لَحْمٍ فَاشْتَرَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ لَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا وَلَا يُنَفَّذُ الشِّرَاءَ وَهُوَ مِنْ الْحَيَوَانِ كَالْعَظْمِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْحَالِفُ (أَرَادَ اجْتِنَابَ الدَّسَمِ) وَكَذَا (إذَا اقْتَضَاهُ السَّبَبُ فَيَحْنَثُ بِهَا) لِمَا فِيهَا مِنْ الدَّسَمِ (وَيَحْنَثُ) الْحَالِفُ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا (بِأَكْلِ لَحْمٍ وَلَوْ كَانَ مُحَرَّمًا ك) لَحْمِ (خِنْزِيرٍ وَمَيْتَةٍ وَمَغْصُوبٍ وَ) يَحْنَثُ (بِلَحْمِ سَمَكٍ وَلَحْمِ قَدِيدٍ وَلَحْمِ طَيْرٍ وَ) لَحْمِ (صَيْدٍ) لِدُخُولِ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي مُسَمَّى اللَّحْمِ.
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ شَحْمًا فَأَكَلَ شَحْمَ الْجَوْفِ مِنْ الْكُلَى أَوْ غَيْرِهِ أَوْ) أَكَلَ (مِنْ شَحْمِ الظَّهْرِ أَوْ) مِنْ (سَمِينِهِ وَنَحْوِهِ أَوْ) مِنْ (السَّنَامِ أَوْ الْأَلْيَةِ حَنِثَ) لِأَنَّ كُلَّ مَا يُذَوَّبَ بِالنَّارِ مِمَّا فِي الْحَيَوَانِ يُسَمَّى شَحْمًا وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى مَا عَلَى الظَّهْرِ مِنْ ذَلِكَ شَحْمًا بِقَوْلِهِ ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] فَاسْتَثْنَاهُ مِنْ الشَّحْمِ وَلَوْلَا دُخُولُهُ فِي مَفْهُومِ الشَّحْمِ لَمْ يَصِحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ وَ (لَا) يَحْنَثْ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَحْمًا (بِاللَّحْمِ الْأَحْمَرِ) لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الشَّحْمِ.
وَقَالَ الْخِرَقِيُّ يَحْنَثُ لِأَنَّ اللَّحْمَ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ.
стр. 2978
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ لَبَنًا فَأَكَلَ مِنْ لَبَنِ) بَهِيمَةِ (الْأَنْعَامِ) أَيْ الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ أَوْ الْغَنَمِ (أَوْ) مِنْ لَبَنِ (الصَّيْدِ أَوْ لَبَنِ آدَمِيَّةٍ حَلِيبًا كَانَ أَوْ رَائِبًا أَوْ مَائِعًا أَوْ مُجَمَّدًا حَنِثَ) لِأَنَّ الْجَمِيعَ لَبَنٌ (وَإِنْ أَكَلَ زُبْدًا أَوْ سَمْنًا أَوْ كَشْكًا وَهُوَ الَّذِي يُعْمَلُ مِنْ الْقَمْحِ وَاللَّبَنِ أَوْ) أَكَلَ (مَصْلًا) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْمَصْلُ وَالْمَصَالَةُ مَا سَالَ مِنْ الْأَقِطِ إذَا طُبِخَ ثُمَّ عُصِرَ (أَوْ) أَكَلَ (أَقِطًا أَوْ جُبْنًا لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى لَبَنًا (إنْ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ طَعْمُهُ) أَيْ اللَّبِنِ لَا يَحْنَثُ إذَنْ.
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا آكُلُ زُبْدًا فَأَكَلَ سَمْنًا أَوْ لَبَنًا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ) طَعْمُ (الزُّبْدِ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى زُبْدًا وَإِنْ كَانَ طَعْمُ الزُّبْدِ (ظَاهِرًا فِيهِ) أَيْ فِي السَّمْنِ أَوْ اللَّبِنِ (حَنِثَ) لِأَنَّ ظُهُورَهُ كَوُجُودِهِ (وَإِنْ أَكْلَ) مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ زُبْدًا (جُبْنًا أَوْ مَا يُصْنَعُ مِنْ اللَّبِنِ مِنْ كَشْكٍ أَوْ مَصْلٍ أَوْ أَقِطٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى زُبْدًا (وَلَا يَأْكُلُ سَمْنًا فَأَكَلَ زُبْدًا أَوْ مَا يُصْنَعُ مِنْ اللَّبِنِ) كَالْجُبْنِ وَنَحْوِهِ (سِوَى السَّمْنِ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَمْنٍ (وَإِنْ أَكَلَ) الْحَالِفُ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا (السَّمْنَ مُنْفَرِدًا أَوْ) أَكْلَ (فِي عَصِيدَةٍ أَوْ حَلْوَى أَوْ طَبِيخٍ مِنْ خَبِيصٍ وَنَحْوِهِ يَظْهَرُ طَعْمُهُ) أَيْ السَّمْنِ (فِيهِ حَنِثَ) لِأَنَّ ظُهُورَهُ كَوُجُودِهِ (وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا فَأَكَلَ طَبِيخًا فِيهِ لَبَنٌ) يَظْهَرُ طَعْمُهُ فِيهِ حَنِثَ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ خَلًّا فَأَكَلَ طَبِيخًا فِيهِ خَلٌّ يَظْهَرُ طَعْمُهُ فِيهِ حَنِثَ) .
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً حَنِثَ بِعِنَبٍ وَرُطَبٍ وَرُمَّانٍ وَسَفَرْجَلٍ وَتُفَّاحٍ وَكُمَّثْرَى وَخَوْخٍ وَأُتْرُجٍّ وَنَبْقٍ وَمَوْزٍ وَجُمَّيْزٍ وَبِطِّيخٍ) بِكَسْرِ الْبَاءِ لِأَنَّهُ يَنْضَجُ وَيَحْلُو وَكُلُّ ثَمَرِ الشَّجَرِ (وَكُلُّ ثَمَرِ شَجَرٍ غَيْرِ بَرِّيٍّ وَلَوْ يَابِسًا كَصَنَوْبَرٍ وَعُنَّابٍ وَجَوْزٍ وَلَوْزٍ وَبُنْدُقٍ وَتَمْرٍ وَتُوتٍ وَزَبِيبٍ وَمِشْمِشٍ) بِكَسْرِ مِيمَيْهِ (وَتِينٍ وَإِجَّاصٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَتَشْدِيدِ الْجِيم قَالَهُ فِي الْحَاشِيَة (وَنَحْوِهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى فَاكِهَةً عُرْفًا وَشَرْعًا وقَوْله تَعَالَى ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] الْعَطْفُ لِتَشْرِيفِهِمَا وَتَخْصِيصِهِمَا، كَقَوْلِهِ ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ﴾ [البقرة: ٩٨] الْآيَة (لَا) يَحْنَثْ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً بِأَكْلِ (قِثَّاءٍ وَخِيَارٍ وَخَسٍّ وَزَيْتُونٍ) لِأَنَّهُ لَا يُتَفَكَّهُ بِهِ بَلْ الْمَقْصُودُ زَيْتُهُ (وَبَلُّوطٍ وَبُطْمٍ) بِضَمِّ الْبَاءِ الْحَبَّةُ الْخَضْرَاءُ.
وَقَالَ الْخَلِيلُ شَجَرَةُ الْحَبَّةِ الْخَضْرَاءِ الْوَاحِدَةُ بُطْمَةٌ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَزُعْرُورٍ) بِضَمِّ الزَّاي (أَحْمَرَ) مِنْ ثَمَرِ
стр. 2979
الْبَادِيَةِ يُشْبِهُ النَّبْقَ فِي خَلْقِهِ وَفِي طَعْمِهِ حُمُوضَةٌ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَثَمَرِ قَيْقَبٍ) بِقَافٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ يَاءٍ مُثَنَّاةٍ تَحْتُ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ تَحْتُ (وَعَفْصٍ وَآسٍ وَخَوْخِ الدُّبِّ وَسَائِرِ ثَمَر كُلِّ شَجَرٍ لَا يُسْتَطَابُ وَلَا قَرْعٍ وَبَاذِنْجَانٍ وَجَزَرٍ وَلُفْتٍ وَفُجْلٍ وَقُلْقَاسٍ وَسَنَوْطَلٍ وَنَحْوِهِ) لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى فَاكِهَةً وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهَا.
(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا أَوْ بُسْرًا فَأَكَلَ مُذَنِّبًا بِكَسْرِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ) الَّذِي بَدَأَ فِيهِ الْإِرْطَابُ مِنْ قِبَلِ ذَنَبِهِ (أَوْ) أَكْلَ (مُنَصَّفًا) أَيْ مَا نِصْفُهُ رُطَبٌ وَنِصْفُهُ بُسْرٌ (حَنِثَ) لِأَنَّهُ قَدْ أَكَلَ الرُّطَبَ أَوْ الْبُسْرَ (كَمَا لَوْ أَكَلَ نِصْفَ رُطَبَةٍ وَنِصْفَ بُسْرَةٍ مُنْفَرِدَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْحَلِفُ عَلَى الرُّطَبِ فَأَكَلَ الْقَدْرَ الَّذِي أَرْطَبَ مِنْ النِّصْفِ) حَنِثَ (أَوْ كَانَ) الْحَلِفُ (عَلَى الْبُسْرِ فَأَكَلَ الْبُسْرَ الَّذِي فِي النِّصْفِ حَنِثَ) لِفِعْلِهِ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَكَلَهُ مُنْفَرِدًا (وَإِنْ أَكَلَ الْبُسْرَ مِنْ يَمِينِهِ عَلَى الرُّطَبِ أَوْ) أَكَلَ (الرُّطَبَ مِنْ يَمِينِهِ عَلَى الْبُسْرِ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُمَا لَمْ يَفْعَلَا مَا حَلَفَا عَلَى تَرْكِهِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْبُسْرِ وَالرُّطَبِ مُغَايِرٌ لِلْآخَرِ.
(وَإِنْ حَلَفَ وَاحِدٌ لَيَأْكُلَنَّ رُطَبًا وَ) حَلَفَ آخَرُ لِيَأْكُلَنَّ بُسْرًا فَأَكَلَ الْحَالِفُ عَلَى أَكْلِ الرُّطَبِ مَا فِي الْمُنَصَّفِ مِنْ الرُّطَبِ وَأَكَلَ الْآخَرُ بَاقِيهَا بَرَّا (جَمِيعًا) لِفِعْلِهِمَا مَا حَلَفَا عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَكَلَا مِنْ غَيْرِ الْمُنَصَّفِ.
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لِيَأْكُلَنَّ رُطَبَةً أَوْ بُسْرَةً أَوْ لَا يَأْكُلُ ذَلِكَ) أَيْ رُطَبَةً أَوْ بُسْرَةً (فَأَكَلَ مُنَصَّفًا لَمْ يَبَرَّ وَلَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ) أَيْ الْمُنَصَّفِ (رُطَبَةٌ وَلَا بُسْرَةٌ وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ رُطَبًا فَأَكَلُ تَمْرًا أَوْ بَلَحًا أَوْ بُسْرًا أَوْ) حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ تَمْرًا فَأَكَلَ بُسْرًا أَوْ بَلَحًا أَوْ رُطَبًا أَوْ دِبْسًا أَوْ نَاطِفًا لَمْ يَحْنَثْ) لِعَدَمِ فِعْلِهِ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ وَالْبُسْرُ هُوَ الْبَلَحُ إذَا أَخَذَ فِي الطُّولِ وَالتَّلَوُّنِ إلَى الْحُمْرَةِ أَوْ الصُّفْرَةِ، فَأَوَّلُهُ طَلْعٌ ثُمَّ خِلَالٌ ثُمَّ بَلَحٌ ثُمَّ بُسْرٌ ثُمَّ رُطَبٌ ثُمَّ تَمْرٌ الْوَاحِدَة بُسْرَةٌ وَالْجَمْعُ بُسُرَاتٌ وَبُسَرٌ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ عِنَبًا فَأَكَلَ زَبِيبًا أَوْ دِبْسًا أَوْ هُمَا أَوْ نَاطِفًا أَوْ لَا يُكَلِّمُ شَابًّا فَكَلَّمَ شَيْخًا أَوْ لَا يَشْتَرِي جَدْيًا فَاشْتَرَى تَيْسًا أَوْ لَا يَضْرِبُ عَبْدًا فَضَرَبَ عَتِيقًا لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا حَلَفَ لَا يَفْعَلهُ بَلْ غَيْرَهُ.
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْبَقَرَةِ لَمْ يَعُمَّ وَلَدًا وَلَبَنًا) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَبَادَرُ إلَى الذِّهْنِ مِنْهَا.
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الدَّقِيقِ فَأُسِيغَهُ أَوْ خُبْزَهُ فَأَكَلَهُ حَنِثَ) لِأَنَّهُ أَكْلَهُ قَالَ الرِّهَانِيُّ: حَقِيقَةُ الْأَكْلِ بَلْعُ الطَّعَامِ بَعْدَ مَضْغِهِ فَبَلْعُ الْحَصَا لَيْسَ بِأَكْلٍ حَقِيقَةً ذَكَرَهُ فِي حَاشِيَتِهِ (وَحَقِيقَةُ الْغَدَاءِ وَالْقَيْلُولَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَ) حَقِيقَةُ (الْعَشَاءِ بَعْدَهُ وَآخِرَهُ) أَيْ الْعَشَاءِ (نِصْف اللَّيْلِ) وَمَا بَعْدَهُ إلَى آخَرِ اللَّيْلِ يُسَمَّى سُحُورًا (فَلَوْ حَلَفَ لَا يَتَغَدَّى
стр. 2980
فَأَكَلَ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الزَّوَالِ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَدَاءٍ بَلْ عَشَاءٌ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يَتَعَشَّى فَأَكَلَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ) لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ سُحُورٌ لَا عَشَاءٌ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يَتَسَحَّرُ فَأَكَلَ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ (لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ عَشَاءٌ لَا سُحُورٌ (وَالْغَدَاءُ وَالْعَشَاءِ أَنْ يَأْكُلَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ شِبَعِهِ) فَلَا يَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ لَا يَتَغَدَّى أَوْ يَتَعَشَّى بِالنِّصْفِ فَأَقَلَّ.
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَنَامُ حَنِثَ بِأَدْنَى نَوْمٍ) وَكَذَا يَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ لَا يُسَافِرُ بِالسَّفَرِ الْقَصِيرِ.
(وَ) مَنْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ أُدْمًا حَنِثَ بِأَكْلِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِ الْخُبْزِ بِهِ مِنْ مُصْطَبَغٍ بِهِ) أَيْ مَا يُغْمَسُ فِيهِ الْخُبْزُ (كَالطَّبِيخِ وَالْمَرَقِ وَالْخَلِّ وَالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالشَّيْرَجِ وَاللَّبَنِ وَالدِّبْسِ وَالْعَسَلِ أَوْ جَامِدٍ كَالشِّوَاءِ وَالْجُبْنِ وَالْبَاقِلَّاءِ وَالزَّيْتُونِ وَالْبَيْضِ وَالْمِلْحِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَنَحْوِهِ) مِنْ كُلِّ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِ الْخُبْزِ بِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ التَّأَدُّمُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] وَقَالَ ﷺ «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ائْتَدِمُوا بِالزَّيْتِ وَادَّهِنُوا بِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
وَقَالَ ﷺ «سَيِّدُ أُدْمِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّحْمُ» رَوَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي غَرِيبِهِ.
وَقَالَ ﷺ «سَيِّدُ إدَامِكُمْ الْمِلْحُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
«وَمَضَغَ ﷺ تَمْرَةً عَلَى كِسْرَةٍ وَقَالَ: هَذِهِ إدَامُ هَذِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ (وَالْقُوتُ الْخُبْزُ وَحَبَّةٌ) مِنْ بُرٍّ وَشَعِيرٍ وَذَرَّةٍ وَدَخَنٍ وَنَحْوه (وَدَقِيقُهُ وَسَوِيقُهُ وَالْفَاكِهَةُ الْيَابِسَةُ) كَتَمْرٍ وَزَبِيبٍ وَمِشْمِشٍ وَتِينٍ وَتُوتٍ (وَاللَّحْمِ وَاللَّبَنِ وَنَحْوِهِ لَا عِنَبَ وَحِصْرِمَ وَخَلَّ وَنَحْوَهُ) كَمِلْحٍ وَرُطَبٍ (وَالطَّعَامُ مَا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ مِنْ قُوتٍ وَأُدْمٍ وَحُلْوٍ وَجَامِدٍ وَمَائِعٍ وَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ لَا مَاءٍ وَدَوَاءٍ وَوَرَقِ شَجَرٍ وَنُشَارَةِ خَشَبٍ وَتُرَابٍ وَنَحْوِهَا) كَفَحْمٍ لِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يُطْلِقُونَ اسْمَ الطَّعَامِ عَلَى هَذِهِ وَ (الْعَيْشُ فِي الْعُرْفِ الْخُبْزُ مِنْ حِنْطَةٍ) وَفِي الْفِقْهِ مِنْ الْعَيْشِ الْحَيَاة.
[فَصْل وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ شَيْئًا]
فَلَبِسَ ثَوْبًا أَوْ دِرْعًا أَوْ جَوْشَنًا أَوْ خُفًّا أَوْ نَعْلًا أَوْ عِمَامَةً أَوْ قَلَنْسُوَةً) بِفَتْحِ الْقَافِ
стр. 2981
وَضَمِّ السِّينِ (حَنِثَ) لِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ حَقِيقَةً وَعُرْفًا فَحَنِثَ بِهِ كَالثِّيَابِ (فَإِنْ تَرَكَ الْقَلَنْسُوَةَ فِي رَحْلِهِ أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْخُفِّ أَوْ النَّعْلِ) أَوْ الْقَلَنْسُوَةِ (لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَابِسًا لِذَلِكَ عَادَةً.
(وَ) مَنْ حَلَفَ (لَا يَلْبَسُ حُلِيًّا فَلَبِسَ حِلْيَةَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ) لَبِسَ (خَاتَمًا وَلَوْ فِي غَيْرِ الْخِنْصَرِ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فِي مُرْسَلَةٍ وَنَحْوِهَا أَوْ) لَبِسَ (لُؤْلُؤًا وَجَوَاهِرَ فِي مِخْنَقَةٍ أَوْ) لَبِسَ ذَلِكَ (مُنْفَرِدًا أَوْ) لَبِسَ (مِنْطَقَةً) وَتُسَمِّيهَا الْعَامَّة حِيَاصَةً (مُحَلَّاةً حَنِثَ) قَالَ تَعَالَى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: ٢٣] .
وَقَالَ ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤] وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْبَحْرِ الشَّرْقِيِّ إنِّي جَاعِلٌ فِيكَ الْحِلْيَةَ وَالصَّيْدَ وَالطَّيِّبَ " وَ (لَا) يَحْنَثُ إنْ لَبِسَ (سَبْحًا وَعَقِيقًا وَحَرِيرًا وَلَوْ لِامْرَأَةٍ وَلَا وَدَعًا أَوْ خَرَزَ زُجَاجٍ وَنَحْوَهُ وَلَا سَيْفًا مُحَلَّى دُونَ مِنْطَقَتِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحِلْيَةٍ.
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ أَوْ لَا يَرْكَبُ دَابَّتَهُ أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبَهُ فَدَخَلَ أَوْ رَكِبَ أَوْ لَبِسَ مَا هُوَ مِلْكٌ لَهُ أَوْ) مَا هُوَ مُؤَجَّرُهُ أَوْ مُسْتَأْجِرُهُ أَوْ جَعَلَهُ لِعَبْدِهِ حَنِثَ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ لِلِاخْتِصَاصِ وَسَاكِنُ الدَّارِ مُخْتَصٌّ بِهَا فَإِضَافَتُهَا إلَيْهِ صَحِيحَةٌ وَهِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْعُرْفِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] .
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وَمَا جَعَلَهُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِ السَّيِّدِ وَ (لَا) يَحْنَثْ مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبَهُ أَوْ لَا يَرْكَبُ دَابَّتَهُ (فَاسْتَعَارَهُ فُلَانٌ أَوْ) اسْتَعَارَهُ (عَبْدُهُ) أَوْ غَصَبَهُ مِنْ دَارٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ دَابَّةٍ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَنَافِعَهُ بِخِلَافِ الْمُسْتَأْجِرِ.
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ مَسْكَنَهُ حَنِثَ) الْحَالِفُ (بِ) دُخُولِهِ (مُسْتَأْجَرٍ) يَسْكُنهُ.
(وَ) دُخُول (مُسْتَعَار) يَسْكُنهُ (وَ) دُخُولِ (مَغْصُوبٍ يَسْكُنهُ) لِأَنَّهُ يَسْكُنهُ وَ (لَا) يَحْنَثُ (بِ) دُخُولِ (مِلْكِهِ الَّذِي لَا يَسْكُنُهُ) سَوَاءٌ كَانَ مَالِكًا لِعَيْنِهِ أَوْ مَنَافِعِهِ وَلَمْ يَسْكُنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَسْكَنَهُ (وَإِنْ قَالَ فِي) حَلِفٍ لَا يَدْخُلُ (مِلْكَهُ لَمْ يَحْنَثْ بِمُسْتَأْجَرٍ) لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِلْكَهُ أَشْبَهَ الْمُسْتَعَارَ لَهُ.
(وَ) مَنْ حَلَفَ (لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ عَبْدِ فُلَانٍ فَرَكِبَ دَابَّةً جُعِلَتْ بِرَسْمِهِ حَنِثَ) لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهَا حِينَئِذٍ (كَحَلِفِهِ
стр. 2982
لَا يَرْكَبُ رَحْلِ هَذِهِ الدَّابَّةِ أَوْ لَا يَبِيعهُ) أَوْ لَا يَهَبَهُ وَنَحْوَهُ.
(وَ) مَنْ حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ دَارًا فَدَخَلَ سَطْحَهَا حَنِثَ) لِأَنَّهُ مِنْ الدَّارِ وَحُكْمُهُ حُكْمُهَا بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ فِي سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَمَنْعِ الْحِنْثِ مِنْهُ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَ الدَّارَ نَفْسَهَا وَ (لَا) يَحْنَثُ مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا (إنْ وَقَفَ عَلَى الْحَائِطِ أَوْ فِي طَاقِ الْبَابِ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى دَاخِلًا الدَّارَ نَفْسَهَا وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا أَقَامَ فِي مَوْضِعٍ لَوْ أَغْلَقَ الْبَابَ كَانَ خَارِجًا مِنْهُ لَمْ يَحْنَثْ.
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ (أَوْ كَانَ فِي الْيَمِينِ دَلَالَةٌ لَفْظِيَّةٌ أَوْ حَالِيَّةٌ تَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْإِرَادَةِ بِدَاخِلِهَا مِثْلَ أَنْ يَكُونَ سَطْحُ الدَّارِ طَرِيقًا وَسَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي تَرْكَ وَصْلَةِ أَهْلِ الدَّارِ لَمْ يَحْنَثْ بِالْمُرُورِ عَلَى سَطْحِهَا) لِأَنَّ سَبَبَ الْيَمِينِ مُقَدَّمٌ عَلَى عُمُومِ اللَّفْظِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ نَوَى بَاطِنَ الدَّارِ تَقَيَّدَتْ بِهِ يَمِينُهُ) لِأَنَّ النِّيَّةَ تُخَصِّصُ اللَّفْظَ الْعَامَّ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ فِي الدَّارِ مِنْ خَارِجهَا لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْهَا (فَإِنْ صَعِدَ) عَلَى الشَّجَرَةِ (حَتَّى صَارَ فِي مُقَابَلَةِ سَطْحِهَا بَيْنَ حِيطَانِهَا) حَنِثَ لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ كَمَا لَوْ أَقَامَ عَلَى سَطْحِهَا (أَوْ كَانَتْ الشَّجَرَةُ فِي غَيْرِ الدَّارِ فَتَعَلَّقَ بِفَرْعٍ مَادٍّ عَلَى الدَّارِ فِي مُقَابَلَةِ سَطْحِهَا حَنِثَ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْهَا فَصَعَدَ سَطْحَهَا لَمْ يَبَرَّ) لِأَنَّ سَطْحَهَا مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَصَعَدَهُ) أَيْ السَّطْحَ (لَمْ يَحْنَثْ) لِمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ كَانَتْ نِيَّةٌ أَوْ سَبَبٌ عَمِلَ بِهَا.
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي الدَّارِ أَوْ لَا يَطَؤُهَا أَوْ لَا يَدْخُلُهَا فَدَخَلَهَا رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا أَوْ حَافِيًا أَوْ مُنْتَعِلًا حَنِثَ) وَ (لَا) يَحْنَثُ (بِدُخُولِ مَقْبَرَةٍ لِأَنَّهُ الْعُرْفُ) أَيْ لِأَنَّ دُخُولَ الدَّارِ وَوَضْعَ قَدَمِهِ فِيهَا هُوَ دُخُولُهَا كَيْفَ كَانَ عُرْفًا وَالْمَقْبَرَةُ لَا تُسَمَّى دَارًا عُرْفًا وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهَا ذَلِكَ فِي قَوْله ﷺ " أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ " قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الدَّارُ فِي اللُّغَةِ تَقَعُ عَلَى الرَّبْعِ الْمَسْكُونِ وَعَلَى الْخَرَابِ غَيْرِ الْمَأْهُولِ.
(وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ إنْسَانًا حَنِثَ بِكَلَامِ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ وَعَاقِلٍ وَمَجْنُونٍ) لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْي فَتَعُمُّ فَقَدْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ (وَلَا يُكَلِّمُ زَيْدًا وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَإِنْ زَجَرَهُ فَقَالَ) لَهُ (تَنَحَّ أَوْ اُسْكُتْ حَنِثَ) لِأَنَّ ذَلِكَ كَلَامٌ فَيَدْخُلُ فِيمَا حَلَفَ عَلَى عَدَمِهِ.
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَا (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْحَالِفُ (نَوَى كَلَامًا غَيْرَ هَذَا) فَلَا يَحْنَثُ بِهِ (وَإِنْ صَلَّى) الْحَالِفُ (بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ إمَامًا ثُمَّ سَلَّمَ) الْحَالِفُ (مِنْ الصَّلَاةِ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ السَّلَامَ وَكُلَّ مَشْرُوعٍ فِي الصَّلَاةِ لَا يَحْنَثُ بِهِ كَالتَّكْبِيرَاتِ (وَإِنْ اُرْتُجَّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (فِي الصَّلَاةِ
стр. 2983
فَفَتْحَ عَلَيْهِ الْحَالِفُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَلَيْسَ بِكَلَامِ الْآدَمِيِّينَ (وَلَوْ كَاتَبَهُ) الْحَالِفُ (أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا حَنِثَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا﴾ [الشورى: ٥١] وَقَوْلُ عَائِشَةَ «مَا بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمُصْحَفِ كَلَامُ اللَّهِ» وَلِأَنَّ ذَلِكَ وُضِعَ لِإِفْهَامِ الْآدَمِيِّينَ أَشْبَهَ الْخِطَابَ.
قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَكْلِيمٍ لَكِنْ إنْ نَوَى تَرْكَ مُرَاسَلَتِهِ أَوْ سَبَب يَمِينِهِ يَقْتَضِي هِجْرَانَهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْحَالِفُ (أَرَادَ أَنْ لَا يُشَافِهَهُ) فَلَا يَحْنَثُ بِالْمُكَاتَبَةِ وَلَا بِالْمُرَاسَلَةِ وَإِنْ أَرْسَلَ مَنْ يَسْأَلُ أَهْلَ الْعِلْمِ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَمْ يَحْنَثْ بِسُؤَالِ الرَّسُولِ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّلَاقِ لِأَنَّهُ لَمْ يُرَاسِلْهُ (وَإِنْ أَشَارَ إلَيْهِ حَنِثَ قَالَهُ الْقَاضِي) لِأَنَّ الْإِشَارَةَ فِي مَعْنَى الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ فِي الْإِفْهَامِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ قَالَ اللَّه تَعَالَى لِمَرْيَمَ ﵍ ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]- إلَى قَوْلِهِ - ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩] .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ وَقَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ هُوَ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِهَا (وَإِنْ نَادَاهُ) الْحَالِفُ (بِحَيْثُ) إنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ (يَسْمَعُ فَلَمْ يَسْمَعْ لِتَشَاغُلِهِ أَوْ غَفْلَةٍ) حَنِثَ لِأَنَّهُ كَلَّمَهُ (أَوْ سَلَّمَ) الْحَالِفُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمهُ (حَنِثَ) لِأَنَّ السَّلَامَ كَلَامٌ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ فَحَنِثَ بِهِ كَغَيْرِهِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ إنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَعْرِفْهُ فَوَجْهَانِ (وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ وَلَمْ يَعْلَمْ) بِهِ (فَكَنَاسٍ) فَيَحْنَثُ فِي طَلَاقٍ وَعِتْقٍ (وَإِنْ عَلِمَ بِهِ وَلَمْ يَنْوِهِ) الْحَالِفُ بِالسَّلَامِ (وَلَمْ يَسْتَثْنِهِ) الْحَالِفُ (بِقَلْبِهِ وَلَا بِلِسَانٍ كَأَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ إلَّا فُلَانًا حَنِثَ) لِأَنَّهُ كَلَّمَهُ لِدُخُولِهِ فِي التَّسْلِيمِ عَلَيْهِمْ وَالسَّلَامُ كَلَامٌ لِمَا سَبَقَ وَفُلَانٌ مَرْسُومٌ فِي النُّسَخِ بِلَا أَلِفٍ فَيَخْرُجُ عَلَى لُغَةِ رَبِيعَةَ لِأَنَّهُ صَوَابٌ لَا غَيْر.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَبْتَدِئُهُ بِكَلَامٍ فَتَكَلَّمَا مَعًا لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْتَدِئْهُ (بِخِلَافِ لَا كَلَّمْتُهُ حَتَّى يُكَلِّمَنِي أَوْ يَبْدَأنِي بِكَلَامٍ فَيَحْنَثُ بِكَلَامِهِمَا مَعًا) لِأَنَّ يَمِينَهُ هَذِهِ تَقْتَضِي تَرْتِيبَ كَلَامِهِ بِكَلَامِ فُلَانٍ فَإِذَا تَكَلَّمَا مَعًا لَمْ يُوجَدْ التَّرْتِيبُ فَيَحْنَثُ.
стр. 2984
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يُكَلِّمُهُ حِينًا فَالْحِينُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ إذَا أُطْلِقَ وَلَمْ يَنْوِ) الْحَالِفُ (شَيْئًا) لِأَنَّ الْحِينَ الْمُطْلَقَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَقَلُّهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَيُحْمَلُ مُطْلَقُ كَلَامِ الْآدَمِيِّ عَلَيْهِ قَالَ عِكْرِمَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] أَيْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]- الْآيَة وَقَوْلُهُ ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] فَصَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ صَارِفٌ (وَكَذَا الزَّمَانُ مُعَرَّفًا) أَيْ فَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ قَدَّمَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يُعَلِّلْهُ.
(وَإِنْ قَالَ زَمَنًا أَوْ دَهْرًا وَبَعِيدًا أَوْ مَلِيًّا أَوْ طَوِيلًا أَوْ وَقْتًا أَوْ عُمْرًا أَوْ حِقَبًا فَأَقَلُّ زَمَانٍ) لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهِ مَشْكُوكٌ فِي إرَادَتِهِ مِنْ اللَّفْظِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (وَإِنْ قَالَ الْأَبَدَ وَالدَّهْرَ وَالْعُمْرَ مُعَرِّفًا فَذَلِكَ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (عَلَى الزَّمَانِ كُلِّهِ) لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِيهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ (وَالْحِقْبُ ثَمَانُونَ سَنَةً) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ وَقَالَهُ فِي الصِّحَاحِ (وَالشُّهُورُ ثَلَاثَةٌ كَالْأَشْهُرِ وَالْأَيَّامِ) لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ عَلَى الْمُتَعَارَفِ.
(وَإِنْ قَالَ) لَا أُكَلِّمهُ وَنَحْوَهُ (إلَى الْحَوْلِ) فَحَوْلٌ كَامِل) مِنْ حِينِ الْيَمِينِ (لَا تَتِمَّتُهُ) إنْ حَلَفَ فِي أَثْنَاءِ حَوْلٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ أَوَمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ ثَلَاثَ لَيَالٍ دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْأَيَّامُ الَّتِي بَيْنَ اللَّيَالِي وَاللَّيَالِي الَّتِي بَيْنَ الْأَيَّامِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَإِنْ عَيَّنَ أَيَّامًا تَبِعَتْهَا اللَّيَالِي.
(وَ) مَنْ حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ بَابَ هَذِهِ الدَّارِ أَوْ قَالَ لَا دَخَلْتُ مِنْ بَابِ هَذِهِ الدَّارِ فَحَوَّلَ) الْبَابَ (وَدَخَلَهُ حَنِثَ) لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ.
(وَ) كَذَا (لَوْ) جُعِلَ لَهَا بَابٌ آخَرُ (مَعَ بَقَاءِ) الْبَابِ (الْأَوَّلِ) وَدَخَلَهُ حَنِثَ لِأَنَّهُ بَابُهَا (وَإِنْ قُلِعَ الْبَابُ وَنُصِبَ فِي دَارٍ أُخْرَى وَبَقِيَ الْمَمَرُّ حَنِثَ بِدُخُولِهِ الْمَمَرَّ فَقَطْ) أَيْ لَا إنْ دَخَلَ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي نُصِبَ فِيهِ الْبَابُ لِلدَّارِ الْأُخْرَى لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَابِ مَوْضِعُهُ لِأَنَّهُ مَكَانُ الدُّخُولِ لَا ذَاتُ الْخَشَبِ (وَلَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ بَابِهَا فَدَخَلَهَا مِنْ غَيْرِهِ حَنِثَ) قَالَ فِي الشَّرْحِ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى أَنْ يَحْنَثَ إذَا أَرَادَ بِيَمِينِهِ اجْتِنَاب الدَّارِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَابِ سَبَبٌ هَيَّجَ الْيَمِينَ (وَلَا يُكَلِّمهُ إلَى حِينِ الْحَصَادِ أَوْ الْجَذَاذِ انْتَهَى يَمِينُهُ بِأَوَّلِهِ)
стр. 2985
لِأَنَّ: " إلَى " لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ، فَيَنْتَهِي عِنْدَ أَوَّلِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] .
(وَإِنْ حَلَفَ لَا مَالَ لَهُ وَلَهُ مَالٌ وَلَوْ غَيْرُ زَكَوِيٍّ مِنْ الْأَثْمَانِ وَالْعَقَارَاتِ وَالْأَثَاثِ وَالْحَيَوَانِ وَنَحْوِهِ أَوْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِيءٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ) لَهُ (ضَائِعٌ وَلَمْ يَيْأَسْ مِنْ عَوْدِهِ أَوْ) لَهُ (مَغْصُوبٌ أَوْ مَحْجُورٌ) مِنْ دَيْنٍ أَوْ وَدِيعَةٍ وَنَحْوِهَا (حَنِثَ) لِأَنَّهُ مَالٌ فَوَجَبَ أَنْ يَحْنَثَ فِي يَمِينِهِ لِلْمُخَالَفَةِ وَالدَّيْنُ مَالٌ يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِالْإِبْرَاءِ وَالْحَوَالَة أَشْبَهَ الْمُودَى وَلِأَنَّ الْمَالَ مَا تَتَمَوَّلُهُ النَّاسُ عَادَةً لِطَلَبِ الرِّبْحِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمَيْلِ مِنْ يَدٍ إلَى يَدٍ وَجَانِبٍ إلَى جَانِبٍ قَالَ فِي الْوَاضِحِ (فَإِنْ أَيِسَ مِنْ عَوْدِهِ) أَيْ الضَّائِعِ (كَاَلَّذِي سَقَطَ فِي الْبَحْرِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُهُ (أَوْ كَانَ مُتَزَوِّجًا) لِأَنَّ الزَّوْجَةَ لَيْسَتْ بِمَالٍ وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً وَلَيْسَ مَالِكًا لَهَا بَلْ لِمَنْفَعَةِ الْبُضْعِ أَوْ الْحِلِّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (أَوْ) كَانَ (مُسْتَأْجِرًا عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ) كَحَيَوَانٍ وَأَثَاثٍ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَإِنَّمَا يَمْلِكُ مَنَافِعَهُ وَلَا تُسَمَّى مِلْكًا عُرْفًا (أَوْ وَجَبَ لَهُ حَقُّ شُفْعَةٍ لَمْ يَحْنَثْ) بِحَلِفِهِ لَا مَالَ لَهُ لِأَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ لَيْسَ بِمَالِ وَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) مَنْ حَلَفَ (لَا يَفْعَلُ شَيْئًا فَوَكَّلَ مَنْ يَفْعَلُهُ فَفَعَلَهُ) الْوَكِيلُ (حَنِثَ) الْحَالِفُ (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ) الْمُبَاشَرَةَ بِنَفْسِهِ لِأَنَّ فِعْلَ وَكِيلِهِ كَفِعْلِهِ نَصّ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الْفِعْلَ يُضَافُ إلَى الْمُوَكِّلِ فِيهِ وَالْأَمْرُ بِهِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ فَأَمَرَ مَنْ حَلَقَهُ.
فَلَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ عَبْدًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ فَكَلَّمَ عَبْدًا اشْتَرَاهُ وَكِيلُهُ أَوْ لَا يَضْرِبُ عَبْدَهُ فَضُرِبَ بِأَمْرِهِ حَنِثَ.
(وَلَوْ تَوَكَّلَ الْحَالِف فِيمَا حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ وَكَانَ) الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (عَقْدًا أَضَافَهُ إلَى الْمُوَكِّلِ) بِأَنْ قَالَ بِعْتُ عَنْ مُوَكِّلِي أَوْ اشْتَرَيْتُ لَهُ (وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يُضِفْهُ إلَى الْمُوَكِّلِ (لَمْ يَحْنَثْ) الْحَالِفُ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُوَكِّلِ كَمَا تَقَدَّمَ لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ لَا يَصِحُّ إذَا لَمْ يُضِفْهُ لِمُوَكِّلِهِ.
[فَصْل وَالْعُرْفِيُّ مَا اشْتَهَرَ مَجَازُهُ حَتَّى عَلَى حَقِيقَتِهِ]
ِ أَيْ اللُّغَوِيَّةِ (بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُهَا أَكْثَرُ النَّاسِ) لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَشْتَهِرْ يَكُونُ مَجَازًا لُغَةً سُمِّيَ
стр. 2986
عُرْفِيًّا لِاسْتِعْمَالِ أَهْلِ الْعُرْفِ لَهُ فِي غَيْرِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّفْظَ قَدْ يَكُونُ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً فِي مَعْنًى ثُمَّ يَغْلِبُ عَلَى مَعْنًى آخَرَ عُرْفِيٍّ (كَالرَّاوِيَةِ وَهِيَ فِي الْعُرْفِ اسْمٌ لِلْمَزَادَةِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْقِيَاسُ كَسْرُهَا وَهِيَ شَطْرُ الرَّاوِيَةِ وَالْجَمْعُ مَزَايِد قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَفِي الْحَقِيقَةِ اسْمٌ لِمَا يَسْتَقِي عَلَيْهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ) قَالَهُ فِي الشَّرْحِ فِي مَوْضِعٍ.
وَفِي الشَّرْحِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَالْمُبْدِعِ وَنَصَرَهُ الْمُنْتَهَى وَغَيْرهَا: لِلْجَمَلِ الَّذِي يُسْتَقَى عَلَيْهِ (وَالظَّعِينَةُ فِي الْعُرْفِ الْمَرْأَةُ وَفِي الْحَقِيقَةِ اسْمٌ لِلنَّاقَةِ الَّتِي يُظْعَنُ) أَيْ يُرْتَحَلُ (عَلَيْهَا وَالدَّابَّةُ فِي الْعُرْفِ اسْمٌ لِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ مِنْ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ.
وَفِي الْحَقِيقَةِ اسْمٌ لِمَا دَبَّ وَدَرَجَ وَالْعَذِرَةُ وَالْغَائِطُ فِي الْعُرْفِ الْفَضْلَةُ الْمُسْتَقْذَرَة وَفِي الْحَقِيقَة الْعَذِرَةُ فِنَاءُ الدَّارِ) وَمِنْهُ قَوْلُ عَلِيٍّ " مَا لَكُمْ لَا تُنَقُّونَ عَذْرَاتِكُمْ " يُرِيدُ أَفْنِيَتَكُمْ (وَالْغَائِطُ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ فَهَذَا) الْمَذْكُورُ (وَأَمْثَالُهُ تَنْصَرِفُ يَمِينُ الْحَالِف إلَى مَجَازِهِ) لِأَنَّهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْحَالِفَ لَا يُرِيدُ غَيْرَهُ فَصَارَ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ (دُونَ حَقِيقَتِهِ) لِأَنَّهَا صَارَتْ مَهْجُورَةً وَلَا يَعْرِفُهَا أَكْثَرُ النَّاسِ.
(فَإِنْ حَلَفَ عَلَى وَطْءِ امْرَأَةٍ تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِجِمَاعِهَا) لِأَنَّهُ الَّذِي يَنْصَرِفُ إلَيْهِ اللَّفْظُ فِي الْعُرْفِ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَشُمُّ الرَّيْحَانَ فَشَمَّ الْوَرْدَ وَالْبَنَفْسَجَ وَالْيَاسَمِينَ وَلَوْ يَابِسًا حَنِثَ) لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الرَّيْحَانِ حَقِيقَةً.
وَقَالَ الْقَاضِي: تَخْتَصُّ يَمِينُهُ بِالرَّيْحَانِ لِأَنَّهُ الْمُسَمَّى عُرْفًا وَقَدَّمَهُ فِي الْمُقْنِعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ (وَلَا يَشُمُّ الْوَرْدَ وَالْبَنَفْسَجَ فَشَمَّ دُهْنَهُمَا أَوْ شَمَّ مَاءَ الْوَرْدِ حَنِثَ) لِأَنَّ الشَّمَّ إنَّمَا هُوَ لِلرَّائِحَةِ دُونَ الذَّاتِ وَرَائِحَةُ الْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ مَوْجُودَةٌ فِي دُهْنِهِمَا وَرَائِحَةُ الْوَرْدِ مَوْجُودَةٌ فِي مَاءِ الْوَرْدِ.
(وَ) مَنْ حَلَفَ (لَا يَشُمُّ طِيبًا فَشَمَّ نَبْتًا رِيحُهُ طَيِّبٌ) كَمَرْزَجُوشٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الطِّيبِ فِي الْإِحْرَامِ (حَنِثَ) لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الطِّيبِ وَ (لَا) يَحْنَثُ إنْ شَمَّ (فَاكِهَةً) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الطِّيبِ (وَلَا يَأْكُلُ رَأْسًا حَنِثَ بِأَكْلِ كُلّ رَأْسِ حَيَوَانٍ مِنْ الْإِبِلِ) وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ (وَالصُّيُودِ وَيَأْكُلُ رُءُوسَ طُيُورٍ وَ) رُءُوسَ (سَمَكٍ وَجَرَادٍ) لِعُمُومِ الِاسْمِ فِيهِ حَقِيقَةً وَعُرْفًا (وَلَا يَأْكُلُ بَيْضًا حَنِثَ بِأَكْلِ كُلِّ بَيْضٍ يُزَايِلُ) أَيْ يُفَارِقُ (بَائِضَهُ، كَثُرَ وُجُودُهُ كَبَيْضِ الدَّجَاجِ أَوْ قَلَّ كَبَيْضِ النَّعَامِ لِأَنَّهُ الْعُرْفُ وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ بَيْضِ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ) عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَنَقَلَهُ فِي الشَّرْحِ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ خِلَافه، وَاخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَعِنْدَ الْقَاضِي يَحْنَثُ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ لِعُمُومِ الِاسْمِ فِيهِ حَقِيقَةً وَعُرْفًا وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ.
وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَقَطَعَ بِهِ
стр. 2987
فِي التَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى.
(وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً فَشَرِبَ مَاءً مِلْحًا أَوْ مَاءً نَجِسًا) حَنِثَ لِأَنَّهُ مَاءٌ (أَوْ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا فَأَكَلَ خُبْزَ الْأُرْزِ أَوْ الذُّرَةَ أَوْ غَيْرهمَا) كَخُبْزِ الدُّخْنِ (فِي مَكَان يُعْتَادُ أَكْلُهُ) فِيهِ (أَوَّلًا حَنِثَ) لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ لَهُ.
(وَلَوْ) حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ بَيْتًا فَدَخَلَ مَسْجِدًا أَوْ الْكَعْبَةَ أَوْ بَيْتَ رَحَا أَوْ) دَخَلَ (حَمَّامًا أَوْ بَيْتَ شَعْرٍ أَوْ) بَيْتَ (أُدْمٍ) أَيْ جِلْدٍ (أَوْ) دَخَلَ (خَيْمَةً حَنِثَ حَضَرِيًّا كَانَ الْحَالِفُ أَوْ بَدَوِيًّا) لِأَنَّهَا بُيُوتٌ حَقِيقَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] الْآيَة - وَقَوْلُهُ ﷺ : «بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَفِيهِ ضَعْفٌ وَإِذَا كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ بَيْتًا وَفِي عُرْفِ الشَّارِعِ حَنِثَ بِدُخُولِهِ وَأَمَّا بَيْتُ الشَّعْرِ وَالْأَدَمِ فَلِأَنَّ اسْمَ الْبَيْتِ يَقَعُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ [النحل: ٨٠] الْآيَة - وَالْخَيْمَةُ كَذَلِكَ وَ (لَا) يَحْنَثُ (إنْ دَخَلَ دِهْلِيزَ الدَّارِ أَوْ صُفَّتَهَا الَّتِي تَكُونُ وَرَاءَ الْبَابِ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى بَيْتًا.
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَرْكَبُ فَرَكِبَ سَفِينَةً حَنِثَ) لِأَنَّهُ رُكُوبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ارْكَبُوا فِيهَا﴾ [هود: ٤١] ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ [العنكبوت: ٦٥] .
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَتَكَلَّمُ فَقَرَأَ وَلَوْ خَارِجَ الصَّلَاةِ) أَوْ سَبَّحَ اللَّهَ (أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعُرْفِ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ " كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ ".
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١] فَأَمَرَهُ بِالذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ مَعَ قَطْعِ الْكَلَامِ عَنْهُ (وَحَقِيقَةُ الذِّكْرِ مَا نَطَقَ بِهِ فَتُحْمَلُ يَمِينُهُ عَلَيْهِ) لِأَنَّ مَا لَا يَنْطِقُ بِهِ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ.
(قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ:
стр. 2988
لَوْ حَلَفَ لَا يَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ فَسَمِعَ الْقُرْآنَ حَنِثَ إجْمَاعًا وَإِنْ اُسْتُؤْذِنَ عَلَيْهِ فَقَالَ: اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمَنِينَ يَقْصِدُ الْقُرْآنَ لِيُنَبِّهَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ مَعَ قَصْدِهِ الْقُرْآنَ مِنْ الْقُرْآنِ وَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْقُرْآنَ (حَنِثَ) لِأَنَّهُ إذَنْ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ سَوْطٍ أَوْ) مِائَةَ (عَصَا أَوْ) حَلَفَ (لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ ضَرْبَةٍ أَوْ مِائَةَ مَرَّةٍ فَجَمَعَهَا) أَيْ الْمِائَةَ (فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً لَمْ يَبَرَّ) لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ فِي الْعُرْفِ وَلِأَنَّ السَّوْطَ أَوْ الْعَصَا فِي قَوْلِهِ مِائَةَ سَوْطٍ أَوْ عَصًا آلَةٌ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْمَصْدَرِ وَانْتَصَبَتْ انْتِصَابَهُ فَصَارَ مَعْنَاهُ لَأَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ ضَرْبَةٍ بِسَوْطٍ أَوْ عَصًا فَلَا يَبَرُّ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَأَجَابَ فِي الشَّرْحِ عَنْ قِصَّةِ أَيُّوبَ بِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَوْ كَانَ عَامًّا لَمَا خُصَّ بِالْمِنَّةِ عَلَيْهِ وَعَنْ الْمَرِيضِ الْمَجْلُودِ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَعَدَّ هَذَا الْحُكْمَ فِي الْحَدِّ الَّذِي وَرَدَ النَّصُّ فِيهِ فَلَأَنْ لَا يَتَعَدَّى إلَى الْيَمِينِ (أَوْلَى وَيَبَرُّ بِمِائَةِ ضَرْبَةٍ مُؤْلِمَةٍ) لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ مِنْ يَمِينِهِ (وَإِنْ قَالَ) لَيَضْرِبَنَّهُ (بِمِائَةِ سَوْطٍ) فَجَمَعَهَا وَضَرَبَهُ بِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً (بَرَّ) لِأَنَّهُ ضَرَبَهُ بِمِائَةِ سَوْطٍ.
(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ) أَوْ غَيْرَهَا (فَخَنَقَهَا أَوْ نَتَفَ شَعْرَهَا أَوْ عَضَّهَا تَأْلِيمًا لَا تَلَذُّذًا حَنِثَ) لِأَنَّ الْمَقْصُود مِنْ الضَّرْبِ التَّأْلِيمُ وَهُوَ حَاصِلٌ بِذَلِكَ (وَلَوْ لَمْ يَنْوِ) أَنْ لَا يُؤْلِمَهَا فِي (يَمِينِهِ) هَذِهِ (وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا فَفَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ خَنَقَهَا أَوْ نَتَفَ شَعْرَهَا أَوْ عَضَّهَا تَأْلِيمًا (بَرَّ) لِحُصُولِ مَقْصُودِ الضَّرْبِ بِهِ.
(وَ) مَنْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ شَيْئًا فَأَكَلَهُ مُسْتَهْلَكًا فِي غَيْرِهِ مِثْلَ أَنْ) حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ لَبَنًا فَأَكَلَ زُبْدًا) لَا يَظْهَرُ فِيهِ طَعْمُ اللَّبَنِ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ سَمْنًا فَأَكَلَ خَبِيصًا فِيهِ سَمْنٌ لَا يَظْهَرُ مَعَهُ فِيهِ أَوْ) حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ بَيْضًا فَأَكَلَ نَاطِفًا أَوْ لَا يَأْكُلُ شَحْمًا فَأَكَلَ اللَّحْمَ الْأَحْمَرَ أَوْ لَا يَأْكُلُ شَعِيرًا فَأَكَلَ حِنْطَةً فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الْمُسْتَهْلَكَ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْمُسْتَهْلَكِ فِيهِ وَلِأَنَّ الْمُسْتَهْلَكَ فِي الشَّيْءِ يَصِيرُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ وَالظَّاهِرُ مِنْ الْحَالِفِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ حَلَفَ لِمَعْنًى فِي الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ) فِيمَا أَكَلَهُ (حَنِثَ) كَمَا لَوْ أَكَلَهُ مُنْفَرِدًا (وَلَا يَأْكُلُ سَوِيقًا فَشَرِبَهُ أَوْ لَا يَشْرَبُهُ) أَيْ السَّوِيقَ (فَأَكَلَهُ حَنِثَ) لِأَنَّ الْحَالِفَ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ يُقْصَدُ بِهِ فِي الْعُرْفِ اجْتِنَابُ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِالْكُلِّيَّةِ فَحُمِلَتْ يَمِينُهُ عَلَى ذَلِكَ
стр. 2989
أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٨] فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ تَحْرِيمَ شُرْبِهَا وَلَوْ قَالَ طَبِيبٌ لِمَرِيضٍ لَا تَأْكُلْ الْعَسَلَ كَانَ نَاهِيًا لَهُ عَنْ شُرْبِهِ وَبِالْعَكْسِ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ فَمَصَّ قَصَبَ السُّكَّرِ أَوْ) مَصَّ (الرُّمَّانَ وَنَحْوَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ لَا يُسَمَّى أَكْلًا وَلَا شُرْبًا (وَكَذَا) لَوْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ سُكَّرًا فَتَرَكَهُ فِي فِيهِ حَتَّى ذَابَ وَابْتَلَعَهُ) لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَكْلًا حَقِيقَةً كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الرُّمَّانِ.
(وَ) لَوْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ (لَا يَطْعَمُهُ حَنِثَ بِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَمَصِّهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ [البقرة: ٢٤٩] وَلِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ طُعْمٌ (وَإِنْ ذَاقَهُ وَلَمْ يَبْلَعْهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَكْلٍ وَلَا شُرْبٍ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّائِمَ لَا يُفْطِرُ بِهِ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَذُوقُهُ حَنِثَ بِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ لِأَنَّهُ ذَوْقٌ وَزِيَادَةٌ) قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَفِيمَنْ لَا ذَوْقَ لَهُ نَظَرٌ (وَكَذَلِكَ إنْ مَضَغَهُ وَرَمَى بِهِ لِأَنَّهُ قَدْ ذَاقَهُ وَلَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ مِنْ الْكُوزِ فَصَبَّ مِنْهُ فِي إنَاءٍ وَشَرِبَ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ (وَعَكْسُهُ) لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ (إنْ اغْتَرَفَ بِإِنَاءٍ مِنْ النَّهْرِ أَوْ الْبِئْرِ) وَشَرِبَ مِنْهُ حَنِثَ لِأَنَّ الشُّرْبَ مِنْهُمَا عُرْفًا كَذَلِكَ.
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ حَنِثَ بِالثَّمَرَةِ فَقَطْ وَلَوْ لَقَطَهَا مِنْ تَحْتِهَا) وَأَكَلَهَا لِأَنَّهَا مِنْ الشَّجَرَةِ وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْوَرَقِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ هِيَ الْمُتَبَادِرَةُ إلَى الذِّهْنِ.
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لِيَأْكُلَنَّ أَكْلَةً بِالْفَتْحِ) أَيْ فَتْحِ الْهَمْزَةِ (لَمْ يَبَرَّ حَتَّى يَأْكُلَ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ أَكْلَةً) وَهِيَ الْمَرَّةُ مِنْ الْأَكْلِ (وَالْأُكْلَةُ بِالضَّمِّ اللُّقْمَةُ وَ) مِنْهُ حَدِيثُ «فَلْيُنَاوِلْهُ فِي يَدِهِ أَكْلَةً أَوْ أَكْلَتَيْنِ» .
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَتَزَوَّجُ وَلَا يَتَطَهَّرُ وَلَا يَتَطَيَّبُ فَاسْتَدَامَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَا يُطْلَقُ اسْمُ الْفِعْلِ عَلَى مُسْتَدِيمِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَلَا يُقَالُ تَزَوَّجْتُ شَهْرًا وَلَا تَطَيَّبْتُ شَهْرًا وَإِنَّمَا يُقَالُ مُنْذُ شَهْرٍ وَلَمْ يُنَزِّلْ الشَّارِعُ اسْتِدَامَةَ التَّزْوِيجِ وَالطِّيبِ مَنْزِلَةَ ابْتِدَائِهِ فِي تَحْرِيمِهِ فِي الْإِحْرَامِ.
(وَ) مَنْ حَلَفَ (لَا يَرْكَبُ وَهُوَ رَاكِبٌ وَلَا يَلْبَسُ وَهُوَ لَابِسٌ وَلَا يَلْبَس مِنْ غَزْلِهَا وَعَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ أَوْ) حَلَفَ (لَا يَقُومُ وَلَا يَقْعُدُ وَلَا يَسْتَتِرُ وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَهُوَ كَذَلِكَ فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ) أَيْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ دَارًا وَهُوَ دَاخِلَهَا فَأَقَامَ فِيهَا أَوْ) حَلَفَ (لَا يُضَاجِعُهَا عَلَى فِرَاشٍ وَهُمَا
стр. 2990
مُتَضَاجِعَانِ فَاسْتَدَامَ أَوْ ضَاجَعَتْهُ وَدَامَ حَنِثَ) لِأَنَّ الْمُسْتَدِيمَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقَالُ: رَكِبَ شَهْرًا وَلَبِسَ شَهْرًا وَنَحْوَهُ وَقَدْ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ الِاسْتِدَامَةُ هُنَا فِي الْإِحْرَامِ حَيْثُ حَرَّمَ لِبْسَ الْمَخِيطِ فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ بِاسْتِدَامَتِهِ كَمَا لَوْ أَوْجَبَهَا فِي ابْتِدَائِهِ (وَكَذَا) لَوْ حَلَفَ (لَا يَطَؤُهَا) فَدَامَ (أَوْ) حَلَفَ (لَا يُمْسِكُ) شَيْئًا فَدَامَ (أَوْ لَا يُشَارِكُهُ فَدَامَ) عَلَى ذَلِكَ فَيَحْنَثُ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا فَدَخَلَ فُلَانٌ عَلَيْهِ فَأَقَامَ) الْحَالِفُ (مَعَهُ حَنِثَ) لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْمَقَامِ كَابْتِدَائِهِ فِي التَّحْرِيمِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَكَذَا هُنَا (مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ الْحَالِفِ (نِيَّةٌ) أَوْ لِلْيَمِينِ سَبَبٌ فَيُعْمَلُ بِذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ انْتَهَى.
[فَصْل وَإِنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارًا هُوَ سَاكِنُهَا]
أَوْ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا وَهُوَ مُسَاكِنُهُ وَلَمْ يَخْرُجْ فِي الْحَالِ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَتَاعِهِ الْمَقْصُودِ مَعَ إمْكَانِهِ حَنِثَ) لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ السُّكْنَى سُكْنَى بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ سَكَنَ الدَّارَ شَهْرًا (إلَّا أَنْ يُقِيم لِنَقْلِ مَتَاعِهِ) وَأَهْلِهِ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ وَإِنْ تَرَدَّدَ إلَى الدَّارِ لِنَقْلِ الْمَتَاعِ أَوْ عِيَادَةِ مَرِيضٍ لَمْ يَحْنَثْ، ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الشَّرْحِ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِسُكْنَى (أَوْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ الْخُرُوجَ فَيُقِيمُ إلَى أَنْ يُمْكِنَهُ الْخُرُوجُ) لِأَنَّهُ أَقَامَ لِدَفْعِ الضَّرَر وَإِزَالَتُهُ عِنْدَ ذَلِكَ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا، فَلَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ النَّهْي وَيَكُونُ خُرُوجُهُ (بِحَسَبِ الْعَادَةِ) لَا لَيْلًا (فَلَوْ كَانَ ذَا مَتَاعٍ كَثِيرٍ فَنَقَلَهُ قَلِيلًا قَلِيلًا عَلَى الْعَادَةِ بِحَيْثُ لَا يَتْرُكُ النَّقْلَ الْمُعْتَادَ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ الْمُعْتَادُ.
(وَإِنْ أَقَامَ عَلَى) ذَلِكَ (أَيَّامًا) لِلْحَاجَةِ (وَلَا يَلْزَمُهُ جَمْعُ دَوَابِّ الْبَلَدِ لِنَقْلِهِ وَلَا) يَلْزَمُهُ أَيْضًا (النَّقْلُ وَقْتَ الِاسْتِرَاحَةِ عِنْدَ التَّعَبِ وَلَا أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ) لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُعْتَادِ (وَإِنْ خَرَجَ دُونَ مَتَاعِهِ) الْمَقْصُودِ (وَأَهْلِهِ) مَعَ إمْكَانِ نَقْلِهِمْ (حَنِثَ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ) وَلِهَذَا يُقَالُ: فُلَانٌ سَاكِنٌ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ (إلَّا أَنْ يُودِعَ مَتَاعَهُ أَوْ يُعِيرَهُ أَوْ يَزُولَ مُلْكُهُ عَنْهُ أَوْ تَأْبَى امْرَأَتُهُ الْخُرُوجَ مَعَهُ وَلَا يُمْكِنُهُ إكْرَاهُهَا أَوْ كَانَ لَهُ عَائِلَةٌ فَامْتَنَعُوا وَلَا يُمْكِنُهُ إخْرَاجُهُمْ فَيَخْرُجُ وَحْدَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ
стр. 2991
زَوَالَ مِلْكِهِ وَإِبَاءَ امْرَأَتِهِ الْخُرُوجَ لَا يُتَصَوَّرُ مَعَهُمَا حِنْثٌ.
(وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الْمُقَامِ لَمْ يَحْنَثْ) مَا دَامَ الْإِكْرَاهُ فَإِذَا زَالَ بَادَرَ بِالْخُرُوجِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَكَذَا إنْ كَانَ) الْحَلِفُ (فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فِي وَقْتٍ لَا يَجِدُ مَنْزِلًا يَتَحَوَّلُ إلَيْهِ أَوْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَنْزِلِ) الَّذِي يَتَحَوَّلُ إلَيْهِ (أَبْوَابٌ مُغْلَقَةٌ لَا يُمْكِنهُ فَتْحُهَا أَوْ خَوْفٌ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ فَأَقَامَ فِي طَلَبِ النُّقْلَةِ أَوْ) أَقَامَ فِي (انْتِظَارِ زَوَالِ الْمَانِعِ أَوْ خَرَجَ طَالِبًا النُّقْلَةَ فَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ لَا يَجِدُ مَسْكَنًا يَتَحَوَّلُ إلَيْهِ لِتَعَذُّرِ الْكِرَاءِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ لَمْ يَجِدْ بَهَائِمَ يَنْقُلُ عَلَيْهَا وَلَمْ يُمْكِنْهُ النُّقْلَةُ بِدُونِهَا) أَيْ الْبَهَائِمِ (فَأَقَامَ نَاوِيًا لِلنُّقْلَةِ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهَا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ أَقَامَ أَيَّامًا وَلَيَالِيَ) لِأَنَّ إقَامَتَهُ عَنْ اخْتِيَارٍ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ النُّقْلَةِ كَالْمُقِيمِ لِلْإِكْرَاهِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَهُ النُّقْلَةُ بِحَمَّالِينَ بِلَا بَهَائِمَ وَأَقَامَ حَنِثَ وَأَنَّهُ إنْ أَقَامَ غَيْرَ نَاوٍ لِلنُّقْلَةِ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهَا حَنِثَ.
وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ (قَالَ الشَّيْخُ: وَالزِّيَارَةُ لَيْسَتْ سُكْنَى اتِّفَاقًا) فَلَوْ تَرَدَّدَ لِلدَّارِ الَّتِي حَلَفَ لَا يَسْكُنُهَا زَائِرًا لَمْ يَحْنَثْ وَلَوْ طَالَتْ مُدَّتُهَا (وَالسَّفَرُ الْقَصِيرُ سَفَرٌ) يَبَرُّ بِهِ مَنْ حَلَفَ لَيُسَافِرَنَّ، وَيَحْنَثُ بِهِ مَنْ حَلَفَ لَا يُسَافِرُ إلَّا أَنْ تَكُونَ نِيَّةٌ أَوْ سَبَبُ يَمِينٍ نَقَلَ الْأَثْرَمُ أَقَلَّ زَمَنٍ يَكُونُ سَفَرًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُهُ فَانْتَقَلَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَحْنَثْ) لِانْقِطَاعِ الْمُسَاكَنَةِ (وَإِنْ بَنَيَا بَيْنَهُمَا حَاجِزًا وَهُمَا عَلَى حَالِهِمَا فِي الْمُسَاكَنَةِ حَنِثَ لِأَنَّهُمَا بِتَشَاغُلِهِمَا بِبِنَاءِ الْحَاجِزِ قَدْ تَسَاكَنَا قَبْلَ وُجُودِهِ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ فِي الدَّارِ حُجْرَتَانِ كُلُّ حُجْرَةٍ تَخْتَصُّ بِبَابِهَا وَمَرَافِقِهَا فَسَكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْهُمَا (حُجْرَةً لَمْ يَحْنَثْ) حَيْثُ لَا نِيَّةَ وَلَا سَبَبَ كَمَا فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ سَاكِنٌ فِي حُجْرَتِهِ فَلَا يَكُونُ مُسَاكِنًا لِغَيْرِهِ، وَكَذَا لَوْ سَكَنَا فِي دَارَيْنِ مُتَجَاوِرَتَيْنِ وَالْحُجْرَةُ الْبَيْتُ وَكُلُّ بِنَاءٍ مَحُوطٍ عَلَيْهِ وَالْجَمْعُ حُجَرٌ وَحُجُرَاتٌ كَغُرَفٍ وَغُرُفَاتٍ.
(وَإِنْ كَانَا فِي حُجْرَةِ دَارٍ وَاحِدَةٍ حَالَةَ الْيَمِينِ فَخَرَجَ أَحَدُهُمَا مِنْهَا وَقَسَمَاهَا حُجْرَتَيْنِ وَفَتَحَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ الْبَيْتَيْنِ (بَابًا وَبَيْنَهُمَا حَاجِزٌ ثُمَّ سَكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حُجْرَةٍ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَسَاكِنَيْنِ (وَإِنْ سَكَنَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ كُلُّ وَاحِدٍ فِي بَيْتٍ ذِي بَابٍ وَغَلَقٍ رَجَعَ إلَى نِيَّتِهِ بِيَمِينِهِ) أَيْ الْحَالِفِ لَا يُسَاكِنُ (أَوْ إلَى سَبَبِهَا) أَيْ الْيَمِينِ (وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرَائِنُ أَحْوَالِهِ فِي الْمَحْلُوفِ عَلَى الْمُسَاكَنَةِ فِيهِ) لِأَنَّ النِّيَّةَ وَسَبَبَ الْيَمِينِ يُقَدَّمَانِ عَلَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ كَمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ) أَيْ النِّيَّةُ وَسَبَبُ الْيَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا (حَنِثَ) لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُسَاكِنًا لَهُ.
стр. 2992
تَتِمَّةٌ " قَالَ فِي الْفُنُونِ: فِيمَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ دَخَلْتِ عَلَيَّ الْبَيْتَ وَلَا كُنْتِ لِي زَوْجَةً إنْ لَمْ تَكْتُبِي لِي نِصْفَ مَالِكِ فَكَتَبَتْ لَهُ بَعْدَ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا يَقَعُ الثَّلَاثُ لِأَنَّهُ يَقَعُ بِاسْتِدَامَةِ الْمُقَامِ، فَكَذَا اسْتِدَامَةُ الزَّوْجِيَّةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَإِنْ حَلَفَ لَا سَاكَنْتُ فُلَانًا فِي هَذِهِ الدَّارِ وَهُمَا غَيْرُ مُتَسَاكِنَيْنِ) قُلْتُ: أَوْ خَرَجَ أَحَدُهُمَا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ (فَبَنَيَا بَيْنَهُمَا حَائِطًا وَفَتَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَابًا لِنَفْسِهِ وَسَكَنَاهَا) بَعْدَ ذَلِكَ (لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَا يُعَدَّ مُسَاكِنًا لَهُ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ فَخَرَجَ وَحْدَهُ دُونَ أَهْلِهِ بَرَّ) لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْخُرُوجِ لَمْ يُعَارِضْهَا مُعَارِضٌ فَوَجَبَ حُصُولُ الْبِرِّ لِحُصُولِ الْحَقِيقَةِ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَيَخْرُجَنَّ) مِنْ هَذِهِ الدَّارِ (أَوْ لَيَدْخُلَنَّ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَخَرَجَ دُونَ أَهْلِهِ لَمْ يَبَرَّ) لِأَنَّ الدَّارَ يَخْرُجُ مِنْهَا صَاحِبُهَا كُلَّ يَوْمٍ عَادَةً فَظَاهِرُ حَالِهِ إرَادَةُ خُرُوجِ غَيْرِ الْمُعْتَادِ بِخِلَافِ الْبَلَدِ (كَحَلِفِهِ لَا يَسْكُنُهَا) أَيْ الدَّارَ (أَوْ لَا يَأْوِيهَا أَوْ لَا يَنْزِلُهَا) فَلَا يَبَرُّ إلَّا إذَا خَرَجَ بِأَهْلِهِ وَمَتَاعِهِ الْمَقْصُودِ عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَيَخْرُجَنَّ) مِنْ الْبَلَدِ (أَوْ لَيَرْحَلَنَّ مِنْ الْبَلَدِ أَوْ لَيَرْحَلَنَّ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ فَفَعَلَ فَلَهُ الْعَوْدُ) إلَيْهَا (إنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ وَلَا سَبَبٌ) لِأَنَّ يَمِينَهُ عَلَى الْخُرُوجِ وَقَدْ وُجِدَ وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ وَكَقَوْلِهِ: إنْ خَرَجْتُ فَلَكَ دِرْهَمٌ اسْتَحَقَّ بِخُرُوجٍ أَوَّل ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
[فَصْل وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا فَحُمِلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَأُدْخِلَهَا]
وَأَمْكَنَهُ الِامْتِنَاعُ فَلَمْ يَمْتَنِعْ حَنِثَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُكْرَهٍ وَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ الدُّخُولُ (بِضَرْبٍ وَنَحْوِهِ) كَأَخْذِ مَالٍ يَضُرُّهُ أَوْ تَهْدِيدٍ بِقَتْلٍ أَوْ نَحْوِهِ (فَدَخَلَ لَمْ يَحْنَثْ) لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (وَيَحْنَثُ بِالِاسْتِدَامَةِ بَعْدَ) زَوَالِ (الْإِكْرَاهِ) لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الدُّخُولِ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَائِهِ لِمَا تَقَدَّمَ أَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَ مُخْتَارًا، وَمَتَى دَخَلَ بِاخْتِيَارِهِ حَنِثَ سَوَاءٌ كَانَ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا أَوْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي مَاءٍ فَجَرَّهُ إلَيْهَا أَوْ سَبَحَ فِيهِ فَدَخَلَهَا، وَسَوَاءٌ دَخَلَ مِنْ
стр. 2993
بَابِهَا أَوْ تَسَوَّرَ حَائِطَهَا أَوْ دَخَلَ مِنْ طَاقَةٍ فِيهَا أَوْ ثَقَبَ حَائِطِهَا وَدَخَلَ مِنْ ظَهْرِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَسْتَخْدِمُهُ فَخَدَمَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ حَنِثَ) لِأَنَّهُ قَصَدَ اجْتِنَابَ خِدْمَتِهِ وَلَمْ يَحْصُلْ (وَلَوْ كَانَ الْخَادِمُ عَبْدَهُ) فَإِنَّهُ يَحْنَثُ إذَا خَدَمَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ كَعَبْدِ غَيْرِهِ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَيَشْرَبَنَّ هَذَا الْمَاءَ غَدًا) فَتَلِفَ قَبْلَهُ (أَوْ) حَلَفَ (لَيَضْرِبَنَّ غُلَامَهُ غَدًا فَتَلِفَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَلَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ) أَيْ الْحَالِفِ (قَبْلَ الْغَدِ أَوْ) تَلِفَ (فِيهِ) أَيْ فِي الْغَدِ (وَلَوْ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ فِعْلِهِ) حَنِثَ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَحُجَّنَّ الْعَامَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَجِّ لِمَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لِمَعْنًى فِي الْمَجْلِسِ أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ ضَرْبَهُ لِصِغَرِهِ أَوْ تَرَكَ الْحَالِفُ الْحَجَّ لِصُعُوبَةِ الطَّرِيقِ (أَوْ) حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ هَذَا الْمَاءَ أَوْ لَيَضْرِبَنَّ غُلَامَهُ وَ (أَطْلَقَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِوَقْتٍ فَتَلِفَ قَبْلَ فِعْلِهِ حَنِثَ حَالَ تَلَفِهِ) لِلْيَأْسِ مِنْ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ مَاتَ الْحَالِفُ قَبْلَ الْغَدِ أَوْ جُنَّ فَلَمْ يُفِقْ إلَّا بَعْد خُرُوجِ الْغَدِ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الْحِنْثَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِفَوَاتِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ وَهُوَ الْغَدُ وَالْحَالِفُ قَدْ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُ حِنْثُهُ بِخِلَافِ مَوْتِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (وَإِنْ ضَرَبَهُ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْغَدِ لَمْ يَبَرَّ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَصَامَ يَوْمَ الْخَمِيسِ (أَوْ) ضَرَبَهُ (فِيهِ ضَرَبًا لَا يُؤْلِمُهُ) لَمْ يَبَرَّ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ الضَّرْبِ (أَوْ) ضَرَبَ فِي الْغَدِ (بَعْدَ مَوْتِ الْغُلَامِ) لَمْ يَبَرَّ لِعَدَمِ الْإِحْسَاسِ (أَوْ أَفَاقَ الْحَالِفُ مِنْ جُنُونِهِ فِي الْغَدِ وَلَوْ جُزْءًا يَسِيرًا، أَوْ مَاتَ فِيهِ) أَيْ فِي الْغَدِ حَنِثَ لِوُجُودِ جُزْءٍ هُوَ فِيهِ مُكَلَّفٌ فَيَصِحُّ لِشِبْهِ الْحِنْثِ إلَيْهِ فِيهِ.
(أَوْ هَرَبَ الْغُلَامُ أَوْ مَرِضَ هُوَ) أَيْ الْغُلَامُ (أَوْ الْحَالِفُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَرْبِهِ) فِي الْغَدِ (حَنِثَ) أَيْ الْحَالِفُ لِفَوَاتِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَضْرِبْهُ لِصِغَرِهِ (وَإِنْ جُنَّ الْغُلَامُ وَضَرَبَهُ فِيهِ) أَيْ فِي الْغَدِ (بَرَّ) لِأَنَّهُ لَا يَتَأَلَّمُ بِالضَّرْبِ (وَإِنْ ضَرَبَهُ فِي الْغَدِ أَوْ خَنَقَهُ أَوْ نَتْفَ شَعْرَهُ أَوْ عَصَرَ سَاقَهُ بِحَيْثُ يُؤْلِمُهُ بَرَّ) لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ الضَّرْبِ فَهُوَ فِي مَعْنَاهُ وَلِذَلِكَ يَحْنَثُ بِهِ لَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ وَتَقَدَّمَ.
(وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ هَذَا الْغُلَامَ الْيَوْمَ أَوْ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ الْيَوْمَ فَمَاتَ الْغُلَامَ أَوْ تَلِفَ الرَّغِيفُ أَوْ مَاتَ الْحَالِفُ) قَبْلَ فِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ (حَنِثَ) الْحَالِفُ فِي آخَرِ حَيَاةِ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا وَعِنْدَ تَلَفِ الرَّغِيفِ لِفَوَاتِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (وَلَا يَكْفُلُ بِمَالٍ فَكَفَلَ بِبَدَنٍ وَشَرَطَ الْبَرَاءَةَ) إنْ عَجَزَ عَنْ إحْضَارِهِ (لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَكْفُلْ مَالًا وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ
стр. 2994
يَشْتَرِطْ الْبَرَاءَةَ حَنِثَ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ مَا عَلَيْهِ إذَا عَجَزَ عَنْ إحْضَارِهِ.
(وَإِنْ حَلَفَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ لَيَقْضِيَنَّهُ) أَيْ رَبَّ الْحَقِّ (حَقَّهُ فَأَبْرَأَهُ) رَبُّ الْحَقِّ (أَوْ أَخَذَ عَنْهُ عِوَضًا لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْقَضَاءِ حُصُولُ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْحَقِّ وَقَدْ وُجِدَ (وَإِنْ مَاتَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْحَقِّ فَقَضَى) الْحَالِفُ (وَرَثَتَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ قَضَاءَ وَرَثَتِهِ يَقُومُ مَقَامَ قَضَائِهِ فِي بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ، فَكَذَا فِي يَمِينِهِ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ غَدًا أَبْرَأَهُ الْيَوْمَ أَوْ) أَبْرَأَهُ (قَبْلَ مُضِيِّهِ أَوْ مَاتَ رَبُّهُ فَقَضَاهُ) الْحَالِفُ (لِوَرَثَتِهِ لَمْ يَحْنَثْ) لِمَا سَبَقَ.
(وَإِنْ) حَلَفَ (لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ أَوْ مَعَ رَأْسِهِ أَوْ إلَى رَأْسِهِ أَوْ) إلَى (اسْتِهْلَالِهِ أَوْ عِنْدَ رَأْسِهِ أَوْ مَعَ رَأْسِهِ فَقَضَاهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ بَرَّ) لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَقْتُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لِأَنَّ غُرُوبَ الشَّمْسِ هُوَ آخِرُهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقْضِهِ عِنْدَ الْغُرُوبِ بَلْ بَعْدَهُ (فَلَا) بَرَّ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَحْنَثُ إذَا تَأَخَّرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ مَعَ إمْكَانِهِ (وَلَوْ شَرَعَ) الْحَالِفُ (فِي عَدِّهِ أَوْ كَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ أَوْ ذَرْعِهِ فَتَأَخَّرَ الْقَضَاءُ) لِكَثْرَتِهِ (لَمْ يَحْنَثْ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ فِي هَذَا الْوَقْتِ فَشَرَعَ فِي أَكْلِهِ فِيهِ وَتَأَخَّرَ الْفَرَاغُ لِكَثْرَتِهِ) وَفِي التَّرْغِيبِ: لَا تُعْتَبَرُ الْمُقَارَنَةُ فَيَكْفِي حَالُ الْغُرُوبِ.
(وَ) إنْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ (لَا أَخَذْتَ حَقَّكَ مِنِّي فَأُكْرِهَ) الْحَالِفُ (عَلَى دَفْعِهِ) لِغَرِيمِهِ فَأَخَذَهُ حَنِثَ (أَوْ أَخَذَهُ) أَيْ الْحَقَّ (حَاكِمٌ فَدَفَعَهُ إلَى غَرِيمِهِ فَأَخَذَهُ) الْغَرِيمُ (حَنِثَ) الْحَالِفُ لِأَنَّ غَرِيمَهُ أَخَذَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَقَدْ وُجِدَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لَا بِفِعْلِهِ اخْتِيَارًا (كَ) مَا لَوْ حَلَفَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ عَلَى رَبِّهِ (لَا تَأْخُذُ حَقَّكَ عَلِيَّ) فَأُكْرِهَ الْحَالِفُ عَلَى الدَّفْعِ لَهُ أَوْ أَخَذَهُ حَاكِمٌ فَدَفَعَهُ إلَى غَرِيمِهِ حَنِثَ الْحَالِفُ لِمَا سَبَقَ وَ (لَا) يَحْنَثُ الْحَالِفُ (إنْ أُكْرِهَ قَابِضُهُ) عَلَى قَبْضِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (وَلَا إنْ وَضَعَهُ الْحَالِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ الْغَرِيمِ (أَوْ فِي حِجْرِهِ فَلَمْ يَأْخُذهُ الْغَرِيمُ) فَلَا حِنْثَ عَلَى الْحَالِفِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأَخْذٍ (لِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مِثْلَ هَذَا مَالٌ وَلَا صَيْدٌ) فِي إحْرَامٍ أَوْ حَرَمٍ (وَيَحْنَثُ) الْحَالِفُ (لَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ لَا أُعْطِيكَ لِأَنَّهُ إعْطَاءٌ إذْ هُوَ) أَيْ الْإِعْطَاءُ (تَمْكِينٌ وَتَسْلِيمٌ بِحَقٍّ فَهُوَ كَتَسْلِيمِ ثَمَنٍ وَمُثَمَّنٍ وَأُجْرَةٍ وَزَكَاةٍ) فَإِنْ أَخَذَهُ حَاكِمٌ وَأَعْطَاهُ لِلْغَرِيمِ لَمْ يَحْنَثْ الْحَالِفُ لَا يُعْطِي لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِعْطَاءٍ.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا أُفَارِقَكَ حَتَّى أَسْتَوْفِي حَقِّي مِنْكَ فَفَارَقَهُ) الْحَالِفُ (مُخْتَارًا أَبْرَأَهُ مِنْ الْحَقِّ أَوْ بَقِيَ عَلَيْهِ أَوْ أَذِنَ الْحَالِفُ) لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي الْمُفَارَقَةِ (أَوْ فَارَقَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ) الْحَالِفِ
стр. 2995
(أَوْ هَرَبَ) الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنهُ مُلَازَمَتُهُ وَالْمَشْي مَعَهُ) حَنِثَ لِأَنَّهُ فَارَقَهُ بِاخْتِيَارِهِ (أَوْ أَحَالَهُ الْغَرِيمُ بِحَقِّهِ) فَفَارَقَهُ حَنِثَ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ حَقَّهُ وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ بَرَّ فَوَجْهَانِ (أَوْ فَلَّسَهُ الْحَاكِمُ وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِفِرَاقِهِ) فَفَارَقَهُ (أَوْ) لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ (كَمَنْ فَارَقَهُ لِعِلْمِهِ بِوُجُوبِ مُفَارَقَتِهِ) حَنِثَ لِأَنَّهُ فَارَقَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ حَقَّهُ (إلَّا أَنْ يَهْرُبَ) الْمَدِينُ (مِنْهُ) أَيْ الْحَالِفِ (بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ) فَلَا يَحْنَثُ كَمَا لَوْ فَارَقَهُ مُكْرَهًا (أَوْ قَضَاهُ عَنْ حَقِّهِ عَرْضًا ثُمَّ فَارَقَهُ) لِأَنَّهُ قَضَاهُ حَقَّهُ (كَ) مَا لَوْ حَلَفَ (لَا فَارَقْتُكَ تَبْرَأُ مِنْ حَقِّي أَوْ) لَا فَارَقْتُكَ (وَلِي قِبَلَكَ حَقٌّ) وَأَعْطَاهُ عَنْهُ عِوَضًا ثُمَّ فَارَقَهُ فَلَا حِنْثَ وَجْهًا وَاحِدًا ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ فِي الثَّانِيَةِ.
(وَإِنْ قَضَاهُ) الْمَدِينُ (قَدْرَ حَقِّهِ فَارَقَهُ ظَنًّا أَنَّهُ قَدْ وَفَّاهُ فَخَرَجَ رَدِيئًا أَوْ مُسْتَحَقًّا فَكَنَاسٍ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ فَيَحْنَثُ فِي طَلَاقٍ وَعَتَاقٍ لَا فِي يَمِينٍ بِاَللَّهِ وَنَذْرٍ (وَفِعْلٍ وَكِيلٍ كَهُوَ) أَيْ كَفِعْلٍ مُوَكَّلٍ (فَلَوْ وَكَّلَ) الْحَالِفُ لَا فَارَقْتُكَ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْكَ (فِي اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ فَفَارَقَهُ الْمُوَكَّلُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْوَكِيلِ حَنِثَ) لِأَنَّهُ فَارَقَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ (وَإِنْ فَارَقَهُ) الْحَالِفُ (مُكْرَهًا بِمَخُوفٍ كَإِلْجَاءٍ بِسَبِيلٍ وَنَحْوِهِ أَوْ تَهْدِيدٍ بِضَرْبٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يَحْنَثْ) لِلْخَبَرِ وَالْمَعْنَى.
(وَ) إنْ حَلَفَ (لَا فَارَقْتَنِي) حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْكَ وَنَحْوَهُ (فَفَارَقَهُ الْغَرِيمُ أَوْ الْحَالِفُ طَوْعًا حَنِثَ) لِأَنَّ مَعْنَى الْيَمِينِ لَا حَصَلَ مِنَّا فُرْقَةٌ وَقَدْ حَصَلَتْ وَ (لَا) يَحْنَثُ إنْ فَارَقَهُ (كَرْهًا) سَوَاءٌ كَانَ الْمُكْرَهُ الْحَالِفَ أَوْ الْغَرِيمُ لِمَا سَبَقَ.
(وَ) لَوْ حَلَفَ (لَا افْتَرَقْنَا) حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي (فَهَرَبَ) الْغَرِيمُ (حَنِثَ) الْحَالِفُ لِوُجُودِ الْفُرْقَةِ وَ (لَا) يَحْنَثُ (إنْ أُكْرِهَا) قُلْتُ أَوْ أَحَدُهُمَا لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَحَلَفَ رَبُّهُ (لَا فَارَقْتُك حَتَّى أُوَفِّيك حَقَّكَ فَأَبْرَأَهُ الْغَرِيمُ مِنْهُ فَكَمُكْرَهٍ) فَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ لِأَنَّ فَوَاتَ الْبِرِّ مِنْهُ لَا فِعْلَ لَهُ فِيهِ.
(وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَيْنًا) مِنْ وَدِيعَةٍ وَعَارِيَّةٍ وَنَحْوِهَا وَحَلَفَ لَا يُفَارِقهُ حَتَّى يُوَفِّيَهَا لَهُ (فَوَهَبَهَا لَهُ الْغَرِيمُ) أَيْ مَالِكُهَا (فَقَبِلَهَا) الْحَالِفُ (حَنِثَ) لِأَنَّ الْبِرَّ فَاتَهُ بِاخْتِيَارِهِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْقَبُولِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ (وَإِنْ قَبَضَهَا) أَيْ رَبُّهَا (مِنْهُ) أَيْ الْحَالِفِ (ثُمَّ وَهَبَهَا إيَّاهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ قَدْ وَفَّاهُ حَقَّهُ وَالْهِبَةُ الْمُتَجَدِّدَةُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تُنَافِيهِ (وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ لَا أُفَارِقُكَ وَلَك فِي قِبَلِي حَقٌّ لَمْ يَحْنَثْ إذَا أَبْرَأَهُ) رَبُّ الدَّيْنِ مِنْهُ (أَوْ وَهَبَ) رَبُّ الْعَيْنِ (الْعَيْنَ لَهُ أَوْ أَحَالَهُ) الْمَدِينُ بِدَيْنِهِ قُلْتُ وَكَذَا لَوْ أَحَالَ عَلَيْهِ رَبُّ الدَّيْنِ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْحَالِفُ رَبَّ الدَّيْنِ أَوْ الْعَيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَارِقْهُ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ (وَقَدْرُ الْفُرْقَةِ مَا عَدَّهُ النَّاسُ فِرَاقًا كَفُرْقَةٍ) تُبْطِلُ خِيَارَ الْمَجْلِسِ فِي (الْبَيْعِ)
стр. 2996
لِأَنَّ الشَّرْعَ رَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ أَحْكَامًا وَلَمْ يُبَيِّنْ مِقْدَارًا فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعَادَةِ كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ (وَمَا نَوَاهُ) الْحَالِفُ (بِيَمِينِهِ) مِمَّا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ فَهُوَ عَلَى مَا نَوَاهُ (وَكَذَا مَا اقْتَضَاهُ سَبَبُ الْيَمِينِ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَتَقَدَّمَ مَالَهُ تَعَلُّقٌ بِهَذَا الْبَابِ فِي) كِتَابِ (الطَّلَاقِ) فَالْحُكْمُ هُنَا وَهُنَاكَ وَاحِدٌ مَا عَدَا مَا يُنَبَّهُ عَنْهُ.
[بَاب النَّذْر]
(النَّذْر) مَصْدَرُ نَذَرْتُ أَنْذُرُ بِالضَّمِّ وَكَسْرِهَا فَأَنَا نَاذِرٌ أَيْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَالْأَصْلُ فِيهِ الْإِجْمَاعُ وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] وَقَوْله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] وَقَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَيَتَعَيَّنُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِ التَّبَرُّرِ (وَهُوَ) أَيْ النَّذْرُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ (مَكْرُوهُ وَلَوْ عِبَادَةً) لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْهُ.
وَقَالَ «إنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالنَّهْيُ عَنْهُ لِكَرَاهَتِهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَرَامًا لَمَا مَدَحَ الْمُوَفِّينَ بِهِ لِأَنَّ ذَمّهُمْ بِارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ أَشَدُّ مِنْ طَاعَتِهِمْ فِي وَفَائِهِ وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَفَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ (لَا يَأْتِي) أَيْ النَّذْرُ (بِخَيْرٍ) لِلْخَبَرِ (وَلَا يَرُدُّ قَضَاءً) وَلَا يَمْلِكُ بِهِ شَيْئًا مُحْدَثًا قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ (وَهُوَ) أَيْ النَّذْرُ (إلْزَامُ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ نَفْسَهُ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْقَوْلِ شَيْئًا غَيْرَ لَازِمٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ كَ) قَوْلِهِ (عَلَيَّ لِلَّهِ أَوْ نَذَرْتُ لِلَّهِ وَنَحْوِهِ) كَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا وَنَحْوِهِ مِمَّا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ فَلَا يُنَفَّذُ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ كَالْإِقْرَارِ وَلَا مِنْ مُكْرَهٍ وَلَا بِغَيْرِ قَوْلٍ إلَّا مِنْ أَخْرَسَ وَإِشَارَةٌ مَفْهُومَة كَيَمِينِهِ وَفِي نَذْرِ الْوَاجِبِ خِلَافٌ يَأْتِي فِي كَلَامِهِ (فَلَا تُعْتَبَر لَهُ صِيغَةٌ) بِحَيْثُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِهَا بَلْ يَنْعَقِدُ بِكُلِّ مَا أَدَّى مَعْنَاهُ كَالْبَيْعِ.
(وَيَصِحُّ) النَّذْرُ (مِنْ كَافِرٍ) وَلَوْ (بِعِبَادَةٍ) لِحَدِيثِ عُمَرَ «إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْفِ بِنَذْرِكَ» .
(فَإِنْ نَوَاهُ) أَيْ النَّذْرَ (النَّاذِرُ مِنْ
стр. 2997
غَيْرِ قَوْلٍ لَمْ يَصِحَّ كَالْيَمِينِ) لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِغَيْرِ الْقَوْلِ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَيَقْتَضِي تَشْبِيهُهُ بِالطَّلَاقِ صِحَّتَهُ بِالْكِتَابَةِ وَمُقْتَضَى تَشْبِيهِهِ بِالنِّكَاحِ انْعِقَادُهُ بِهَا لَكِنَّ النِّكَاحَ أَضْيَقُ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ بِخِلَافِ النَّذْرِ.
(وَيَنْعَقِدُ) النَّذْرُ (فِي وَاجِبٍ كَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ رَمَضَانَ وَنَحْوِهِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ بِيَمِينٍ إنْ تَرَكَهُ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُهُ فَفَعَلَهُ فَإِنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: مَا وَجَبَ بِالشَّرْعِ إذَا نَذَرَهُ الْعَبْدُ أَوْ عَاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ أَوْ بَايَعَ عَلَيْهِ الرَّسُولَ أَوْ الْإِمَامَ أَوْ تَحَالَفَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ فَإِنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ وَالْمَوَاثِيق تَقْتَضِي لَهُ وُجُوبًا ثَانِيًا غَيْرَ الْوُجُوبِ الثَّابِتِ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ وَاجِبًا مِنْ وَجْهَيْنِ وَيَكُونُ تَرْكُهُ مُوجِبَ التَّرْكِ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ وَالْوَاجِبِ بِالنَّذْرِ وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
وَقَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ (فَيُكَفِّرُ إنْ لَمْ يَصُمْهُ كَحَلِفِهِ عَلَيْهِ) أَيْ كَحَلِفِهِ لَيَصُومَنَّ رَمَضَانَ فَيُكَفِّرُ إنْ لَمْ يَصُمْهُ (وَعِنْدَ الْأَكْثَرِ لَا) يَنْعَقِدُ النَّذْرُ فِي وَاجِبٍ لِأَنَّ النَّذْرَ الْتِزَامٌ وَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُ مَا هُوَ لَازِمٌ (كَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُحَالِ) لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ انْعِقَادُهُ وَلَا الْوَفَاءُ بِهِ أَشْبَهَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ.
قَالَ الْمُوَفَّقُ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ وَمُوجِبَهُ مُوجِبُهَا إلَّا فِي لُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ إذَا كَانَ قُرْبَةً وَأَمْكَنَهُ فِعْلُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ : لِأُخْتِ عُقْبَةَ لَمَّا نَذَرَتْ الْمَشْيَ وَلَمْ تُطِقْهُ فَقَالَ: «لِتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا وَلْتَرْكَبْ» .
وَفِي رِوَايَةٍ " وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ " قَالَ أَحْمَدُ أَذْهَبُ إلَيْهِ وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْيَمِينِ فِي أَحَدِ أَقْسَامِهِ وَهُوَ نَذْرُ اللَّجَاجِ فَكَذَلِكَ فِي سَائِرِهِ سِوَى مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ قُلْتُ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُكَفِّرَ فِي الْحَالِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ.
(وَالنَّذْرُ الْمُنْعَقِدُ أَقْسَامُهُ) سِتَّةٌ (أَحَدُهَا) النَّذْرُ (الْمُطْلَقُ كَعَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ لِلَّهِ عَلِيَّ نَذْرٌ) سَوَاءٌ (أَطْلَقَ أَوْ قَالَ إنْ فَعَلْتُ كَذَا) وَفَعَلَهُ (وَلَمْ يَنْوِ) بِنَذْرِهِ (شَيْئًا) مُعَيَّنًا (فَيَلْزَمهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إذَا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَةَ يَمِينٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَجَابِرٌ وَعَائِشَةُ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ.
(الثَّانِي نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ وَهُوَ تَعْلِيقُهُ) يَعْنِي النَّذْرَ (بِشَرْطٍ يَقْصِدُ) النَّاذِرُ (الْمَنْعَ مِنْهُ) أَيْ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ (أَوْ الْحَمْلَ) أَيْ الْحَثَّ (عَلَيْهِ وَالتَّصْدِيقَ عَلَيْهِ) إذَا كَانَ خَبَرًا (كَقَوْلِهِ إنْ
стр. 2998
كَلَّمْتُكِ أَوْ إنْ لَمْ أَضْرِبكِ فَعَلَيَّ الْحَجُّ أَوْ صَوْمُ سَنَةٍ أَوْ عِتْقُ عَبْدِي أَوْ مَالِي صَدَقَةٌ، أَوْ إنْ لَمْ أَكُنْ صَادِقًا فَعَلَيَّ صَوْمُ كَذَا، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَكَفَّارَةِ يَمِينٍ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ) لِمَا رَوَى عُمَرُ أَنَّ ابْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ فَيَتَخَيَّرُ فِيهَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ، (وَلَا يَضُرُّ قَوْلُهُ) أَيْ النَّاذِرِ (عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُلْزِمُ بِذَلِكَ، أَوْ لَا أُقَلِّدُ مَنْ يَرَى الْكَفَّارَةَ) مُجْزِئَةً (وَنَحْوَهُ لِأَنَّ) هَذَا تَأْكِيدٌ وَ (الشَّرْعُ لَا يَتَغَيَّر بِتَوْكِيدٍ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ وَلَوْ عَلَّقَ الصَّدَقَةَ بِهِ بِبَيْعِهِ) بِأَنْ قَالَ: إنْ بِعْتُهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ (وَالْمُشْتَرِي عَلَّقَ الصَّدَقَةَ بِهِ بِشِرَائِهِ) بِأَنْ قَالَ: إنْ اشْتَرَيْتُهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ (فَاشْتَرَاهُ كَفَّرَ كُلٌّ مِنْهُمَا كَفَّارَةَ يَمِينٍ) ، ذَكَرَهُ السَّيَاعِرِيُّ وَابْنُ حَمْدَانَ كَمَا لَوْ حَلَفَا عَلَى ذَلِكَ قُلْتُ: إنْ تَصَدَّقَ بِهِ الْمُشْتَرِي خَرَجَ مِنْ الْعُهْدَةِ (وَمَنْ حَلَفَ فَقَالَ: عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ) إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَنَحْوَهُ (فَحَنِثَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) إنْ لَمْ يَعْتِقْ رَقَبَةً.
(الثَّالِثُ: نَذْرُ الْمُبَاحِ، كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلِيَّ أَنْ أَلْبَسَ ثَوْبِي أَوْ أَرْكَبَ دَابَّتِي فَيُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَكَفَّارَةِ يَمِينٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إذْ هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: أَبُو إسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَأَنْ يَصُومَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، فَإِنْ أَوْفَى بِهِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ «امْرَأَة أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ فَقَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِكِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِمَعْنَاهُ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، وَ (كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّهُ) أَيْ الْمُبَاحَ (فَلَمْ يَفْعَلْ) فَإِنَّهُ يُكَفِّرُ.
(الرَّابِعُ: نَذْرُ، مَكْرُوهٌ كَطَلَاقٍ وَنَحْوِهِ مِنْ أَكْلِ ثُومٍ وَبَصَلٍ) وَتَرَكِ سُنَّةٍ (فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَفِّرَ) لِيَخْرُجَ مِنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ، (وَلَا يَفْعَلُهُ) لِأَنَّ تَرْكَ الْمَكْرُوهِ أَوْلَى (فَإِنْ فَعَلَهُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ وَفَّى بِنَذْرِهِ.
(الْخَامِسُ نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَصَوْمِ يَوْمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَيَوْمِ الْعِيدِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَلَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» (وَيَقْضِي الصَّوْمَ) قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: غَيْرَ يَوْمِ حَيْضٍ انْتَهَى لِانْعِقَادِ نَذْرِهِ فَتَصِحُّ مِنْهُ الْقُرْبَةُ وَيَلْغُو تَعْيِينُهُ لِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً كَنَذْرِ مَرِيضٍ صَوْمًا يُخَافُ عَلَيْهِ فِيهِ يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ وَيَحْرُمُ صَوْمُهُ، وَكَذَا الصَّلَاةُ فِي ثَوْبِ حَرِيرٍ أَوْ مَقْبَرَةٍ وَنَذْرُ صَوْمِ لَيْلَةٍ لَا يَنْعَقِدُ وَلَا كَفَّارَةَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَمَنِ صَوْمٍ، وَكَذَا يَوْمُ
стр. 2999
أَكْلٍ فِيهِ وَيَوْمُ حَيْضٍ بِمُفْرَدِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَوْمِ الْعِيدِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنَّ الْأَكْلَ وَالْحَيْضَ مُنَافِيَانِ لِلصَّوْمِ لِمَعْنًى فِيهِمَا، وَالْعِيدَ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ لَيْسَ مُنَافِيًا لِلصَّوْمِ لِمَعْنًى فِيهِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ فِي ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى، أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ (وَيُكَفِّرُ) قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعِمْرَانُ وَسَمُرَةُ.
وَلِقَوْلِهِ ﷺ «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ وَلِأَنَّ النَّذْرَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ (فَإِنْ وَفَى) النَّاذِرُ (بِهِ) أَيْ بِنَذْرِ الْمَعْصِيَةِ (أَثِمَ وَلَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ مَعْصِيَةٍ، (وَمَنْ نَذَرَ ذَبْحَ مَعْصُومٍ وَلَوْ نَفْسَهُ كَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ) ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» ، وَلِأَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ أَشْبَهَ نَذْرَ ذَبْحِ أَخِيهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: مَنْ نَذَرَ فِعْلَ وَاجِبٍ أَوْ حَرَامٍ أَوْ مَكْرُوهٍ أَوْ مُبَاحٍ انْعَقَدَ نَذْرُهُ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ إنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا قَالَ مَعَ بَقَاءِ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ بِحَالِهِنَّ كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ.
(فَإِنْ نَذَرَ ذَبْحَ وَلَدِهِ وَكَانَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ وَلَدٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ وَاحِدًا) مِنْ أَوْلَادِهِ (بِنِيَّتِهِ وَلَا قَوْلِهِ لَزِمَهُ بِعَدَدِهِمْ) أَيْ الْأَوْلَادِ (كَفَّارَاتٌ) لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ (فَإِنْ نَذَرَ فِعْلَ طَاعَةٍ وَمَا لَيْسَ بِطَاعَةِ لَزِمَهُ فِعْلُ الطَّاعَةِ وَيُكَفِّرُ لِغَيْرِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الشَّالَنْجِيِّ وَإِذَا نَذَرَ نُذُورًا كَثِيرَةً لَا يُطِيقُهَا أَوْ مَا لَا يَمْلِكُ فَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ (وَلَوْ كَانَ الْمَتْرُوكُ خِصَالًا كَثِيرَةً أَجْزَأَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّهُ نَذْرٌ وَاحِدٌ وَكَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ.
(قَالَ الشَّيْخُ: وَالنَّذْرُ لِلْقُبُورِ أَوْ لِأَهْلِ الْقُبُورِ كَالنَّذْرِ لِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ) ﷺ (وَالشَّيْخِ فُلَانٍ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ لَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ وَإِنْ تَصَدَّقَ بِمَا نَذَرَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْفُقَرَاءِ وَالصَّالِحِينَ كَانَ خَيْرًا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَنْفَعَ) .
وَقَالَ: " مَنْ نَذَرَ إسْرَاجَ بِئْرٍ أَوْ مَقْبَرَةٍ أَوْ جَبَلِ أَوْ شَجَرَةٍ أَوْ نَذَرَ لَهُ أَوْ لِسُكَّانِهِ أَوْ الْمُضَافِينَ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ لَمْ يَجُزْ وَلَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ إجْمَاعًا وَيُصْرَفُ فِي الْمَصَالِحِ مَا لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ وَمِنْ الْحَسَنِ صَرْفُهُ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْمَشْرُوعِ وَفِي لُزُومِ الْكَفَّارَةِ خِلَافٌ.
(وَقَالَ فِيمَنْ نَذَرَ قِنْدِيلَ نَقْدٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ يُصْرَفُ لِجِيرَانِ النَّبِيِّ ﷺ قِيمَتُهُ وَأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْخَتْمَةِ وَقَالَ: وَأَمَّا مَنْ نَذَرَ لِلْمَسَاجِدِ مَا تَتَنَوَّرُ بِهِ أَوْ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِهَا فَهَذَا نَذْرُ بِرٍّ فَيُوَفِّي بِنَذْرِهِ) لِأَنَّ تَنْوِيرَهَا وَتَعْمِيرَهَا مَطْلُوبٌ.
(السَّادِسُ نَذَرُ التَّبَرُّرِ) أَيْ التَّقَرُّبِ يُقَالُ تَبَرَّرَ تَبَرُّرًا أَيْ تَقَرَّبَ تَقَرُّبًا (كَنَذْرِ
стр. 3000
الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالِاعْتِكَافِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْقُرَبِ) كَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ (عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ سَوَاءٌ نَذَرَهُ مُطْلَقًا أَوْ مُعَلَّقًا) بِشَرْطٍ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَنْعُ وَالْحَمْلُ (كَقَوْلِهِ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ سَلِمَ مَالِي أَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا أَوْ فَعَلْتُ كَذَا نَحْوَ تَصَدَّقْتُ بِكَذَا، وَنَصَّ عَلَيْهِ) أَحْمَدُ (فِي إنْ قَدِمَ فُلَانٌ تَصَدَّقْتُ بِكَذَا فَهَذَا نَذْرٌ) صَحِيحٌ (وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِ النَّذْرِ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ تَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ النَّذْرِ فَمَتَى وَجَدَ شَرْطَهُ) إذَا كَانَ النَّذْرُ مُعَلَّقًا (انْعَقَدَ نَذْرُهُ وَلَزِمَهُ فِعْلُهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ يَنْذِرُونَ وَلَا يُوَفُّونَ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥] الْآيَاتِ وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ نَذْرَ التَّبَرُّرِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ أَحَدُهَا: مَا كَانَ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ اسْتَجْلَبَهَا أَوْ نِقْمَةٍ اسْتَدْفَعَهَا وَكَذَا إنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَوْ قَدِمَ الْحَاجُّ وَنَحْوَهُ فَعَلْتُ كَذَا الثَّانِي: الْتِزَامُ طَاعَةٍ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ كَقَوْلِهِ ابْتِدَاءً لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمٌ أَوْ صَلَاةٌ أَوْ نَحْوُهُ الثَّالِثُ: نَذْرُ طَاعَةٍ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْوُجُوبِ كَالْإِعْتَاقِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(تَتِمَّةٌ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَعْلِيقُ النَّذْرِ بِالْمِلْكِ نَحْوَ: إنْ رَزَقَنِي اللَّهُ مَالًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ يَصِحُّ اتِّفَاقًا وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٥] الْآيَةَ (وَيَجُوزُ فِعْلُهُ) أَيْ النَّذْرِ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ وُجُودِ شَرْطِهِ كَإِخْرَاجِ الْكَفَّارَةِ بَعْدَ الْيَمِينِ وَقَبْلَ الْحِنْثِ (وَقَالَ الشَّيْخُ فِيمَنْ قَالَ: إنْ قَدِمَ فُلَانٌ أَصُومُ كَذَا: هَذَا نَذْرٌ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ لَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ بِنَذْرٍ فَقَدْ أَخْطَأَ.
وَقَالَ قَوْلُ الْقَائِلِ: لَئِنْ ابْتَلَانِي اللَّهُ لَأَصْبِرَنَّ، وَلَئِنْ لَقِيتُ الْعَدُوَّ لَأُجَاهِدَنَّ، وَلَوْ عَلِمْتُ أَنَّ الْعَمَلَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ لَعَمِلْتُهُ: نَذْرٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ كَقَوْلِ الْآخَرِ ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥] الْآيَةَ وَنَظِيرُهُ ابْتِدَاءُ الْإِيجَابِ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ وَيُشْبِهُهُ سُؤَالُ الْإِمَارَةِ فَإِيجَابُ الْمُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ إيجَابًا لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ بِنَذْرٍ وَعَهْدٍ وَطَلَبٍ وَسُؤَالِ جَهْلٍ مِنْهُ وَظُلْمٍ، وَقَوْلُهُ لَوْ ابْتَلَانِي اللَّهُ لَصَبَرْتُ وَنَحْوَ ذَلِكَ إنْ كَانَ وَعْدًا أَوْ الْتِزَامًا فَنَذْرٌ، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ الْحَالِ فَفِيهِ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ وَجَهْلٌ بِحَقِيقَةِ
стр. 3001
حَالِهَا انْتَهَى) .
وَتَوَقَّفَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي تَحْرِيمِ النُّذُورِ وَحَرَّمَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثَ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَمَنْ نَذَرَ التَّبَرُّرَ أَوْ حَلَفَ يَقْصِدُ التَّقَرُّبَ كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ إنْ سَلِمَ مَالِي لِأَتَصَدَّقَنَّ بِكَذَا فَوُجِدَ الشَّرْطُ لَزِمَهُ) الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَهُ لِأَنَّ النَّذْرَ لَيْسَ لَهُ صِيغَةٌ مُعَيَّنَةٌ بَلْ يَنْعَقِدُ بِكُلِّ قَوْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ وَهَذَا مِنْهُ.
(وَمَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مَالِهِ) أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ (أَوْ) نَذَرَ الصَّدَقَةَ (بِمُعَيَّنٍ وَهُوَ كُلُّ مَالِهِ) أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ (أَوْ) نَذَرَ الصَّدَقَةَ (بِأَلْفٍ وَنَحْوِهِ) كَمِائَةٍ (وَهُوَ كُلُّ مَالِهِ أَوْ يَسْتَغْرِقُ كُلَّ مَالِهِ) بِأَنْ كَانَ الْمَنْذُورُ أَكْثَرَ مِنْ مَالِهِ (نَذْرَ قُرْبَةٍ لَا) نَذْرَ (لَجَاجٍ وَغَضَبٍ أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ وَلَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِ «لِقَوْلِ كَعْبٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ هُوَ خَيْرٌ لَكَ» .
وَفِي قِصَّةِ تَوْبَةِ أَبِي لُبَابَةَ وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ بِالْجَمْعِ مَكْرُوهَةٌ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ لَيْسَ لَنَا فِي نَذْرِ الطَّاعَةِ مَا يُجْزِئُ بَعْضُهُ إلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ انْتَهَى فَإِنْ كَانَ نَذْرَ لَجَاجٍ وَغَضَبٍ أَجْزَأَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ (وَإِنْ نَوَى) مِنْ نَذْرِ الصَّدَقَةِ بِمَالِهِ (عَيْنًا) مِنْهُ (أَوْ) نَوَى (مَالًا دُونَ مَالِهِ كَصَامِتٍ أَوْ غَيْرِهِ أُخِذَ بِنِيَّتِهِ لِأَنَّ الْأَمْوَالَ تَخْتَلِفُ عِنْدَ النَّاسِ) وَالنِّيَّةُ مُخَصِّصَةٌ (وَثُلُثُ الْمَالِ مُعْتَبَرٌ بِيَوْمِ نَذْرِهِ) لِأَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ قَالَ فِي الْهَدْيِ: يُخْرِجُ قَدْرَ الثُّلُثِ يَوْمَ نَذْرِهِ وَلَا يَسْقُطُ مِنْهُ قَدْرُ دَيْنِهِ (وَلَا يَدْخُلُ مَا تَجَدَّدَ لَهُ مِنْ الْمَالِ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ النَّذْرِ.
(وَإِنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالٍ وَنِيَّتُهُ أَلْفٌ) أَوْ نَحْوُهُ (مُخْتَصَّةٌ يُخْرِجُ مَا شَاءَ) لِأَنَّ اسْمَ الْمَالِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَمَا نَوَاهُ زِيَادَةٌ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ، وَالنَّذْرُ لَا يَلْزَمُ بِالنِّيَّةِ (وَمَصْرِفُهُ) أَيْ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ (لِلْمَسَاكِينِ كَصَدَقَةٍ مُطْلَقَةٍ) وَتَقَدَّمَ فِي الْحَيْضِ أَنَّ النَّذْرَ الْمُطْلَقَ يُجْزِئُ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ.
(وَإِنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِبَعْضِ مَالِهِ) كَنِصْفِهِ أَوْ ثُلُثِهِ (أَوْ) نَذَرَ الصَّدَقَةَ (بِأَلْفٍ وَلَيْسَتْ كُلَّ مَالِهِ لَزِمَهُ جَمِيعُ مَا نَذَرَهُ) لِأَنَّهُ الْتَزَمَ مَا لَا يُمْنَعُ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ كَسَائِرِ النُّذُورِ.
(وَلَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ فَأَبْرَأَ غَرِيمَهُ مِنْ قَدْرِهِ يَقْصِدُ بِهِ وَفَاءَ النَّذْرِ لَمْ يُجْزِئْهُ) وَ (إنْ كَانَ الْغَرِيمُ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ) قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَقْصِدَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَمْلِيكٌ وَهَذَا إسْقَاطٌ فَلَمْ يُجْزِئْهُ كَالزَّكَاةِ (فَإِنْ أَخَذَهُ) أَيْ الدَّيْنَ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَدِينِ (ثُمَّ دَفَعَهُ إلَيْهِ) مِنْ النَّذْرِ (أَجْزَأَ) لِحُصُولِ التَّمْلِيكِ.
وَمَنْ حَلَفَ أَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ إلَّا مَا يَحْتَاجُهُ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِثُلُثِ الزَّائِدِ وَحَبَّةِ
стр. 3002
بُرٍّ وَنَحْوِهَا لَيْسَتْ سُؤَالَ السَّائِلِ.
وَإِنْ قَالَ إنْ مَلَكْتُ مَالَ فُلَانٍ فَعَلَيَّ الصَّدَقَةُ بِهِ فَمَلَكَهُ فَكَمَالِهِ (وَتَجِبُ كَفَّارَةُ النَّذْرِ عَلَى الْفَوْرِ وَتَقَدَّمَ آخِرَ كِتَابِ الْإِيمَانِ) وَكَذَلِكَ نَفْسُ النَّذْرِ يَجِبُ إخْرَاجُهُ فَوْرًا وَتَقَدَّمَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
(وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا أَوْ صِيَامَ نِصْفِ يَوْمٍ أَوْ رُبُعِهِ وَنَحْوِهِ) كَثُلُثِ يَوْمٍ (لَزِمَهُ صَوْمُ يَوْمٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرْعِ صَوْمٌ مُفْرَدٌ أَقَلُّ مِنْ يَوْمٍ فَلَزِمَهُ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ (بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ) لِأَنَّهُ وَاجِبٌ أَشْبَهَ قَضَاءَ رَمَضَانَ.
(وَإِنْ نَذَرَ صَلَاةً وَأَطْلَقَ فَرَكْعَتَانِ قَائِمًا لِقَادِرٍ) عَلَى الْقِيَامِ (لِأَنَّ الرَّكْعَةَ لَا تُجْزِئُ فِي فَرْضٍ وَإِنْ عَيَّنَ عَدَدًا) مِنْ صَوْمٍ وَصَلَاةٍ (أَوْ نَوَاهُ لَزِمَهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ) لِعَدَمِ الْمَانِعِ.
(وَإِنْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ فَمَاتَ) الْعَبْدُ (قَبْلَ مُعْتِقِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ عِتْقُ غَيْرِهِ) لِفَوَاتِ مَحَلِّ النَّذْرِ (وَيُكَفِّرُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ بِنَذْرِهِ (وَإِنْ قَتَلَهُ) أَيْ الْعَبْدَ الْمَنْذُورَ عِتْقُهُ (السَّيِّدُ فَالْكَفَّارَةُ فَقَطْ) وَلَا يَلْزَمُهُ عِتْقُ غَيْرِهِ بِقِيمَتِهِ لِأَنَّ الْعِتْقَ حَقٌّ لِلْمَنْذُورِ عِتْقُهُ وَقَدْ مَاتَ (وَإِنْ أَتْلَفَهُ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ سَيِّدِهِ (فَكَذَلِكَ) أَيْ الْكَفَّارَةُ فَقَطْ (وَلِلسَّيِّدِ الْقِيمَةُ وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ السَّيِّدَ (صَرْفُهَا فِي الْعِتْقِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ رَمَضَانُ وَيَوْمَا الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْبَلُ الصَّوْمَ عَنْ النَّذْرِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ (كَاللَّيْلِ) .
(وَإِنْ قَالَ:) لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ (سَنَةً وَأَطْلَقَ) وَلَمْ يُعَيِّنْهَا (لَزِمَهُ التَّتَابُعُ كَمَا فِي) نَذْرِ صَوْمِ (شَهْرٍ مُطْلَقٍ وَيَأْتِي وَيَصُومُ) مَنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ مُطْلَقَةٍ (اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا سِوَى رَمَضَانَ وَأَيَّامِ النَّهْيِ) أَيْ: يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ (وَلَوْ شَرَطَ التَّتَابُعَ) لِأَنَّهُ عَيَّنَ بِنَذْرِهِ سَنَةً فَانْصَرَفَ إلَى سَنَةٍ كَامِلَة وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا كَامِلَةً فَلَزِمَهُ قَضَاءُ رَمَضَانَ وَأَيَّامِ النَّهْيِ لِذَلِكَ.
(وَإِنْ قَالَ:) لِلَّهِ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ (سَنَةً مِنْ الْآنِ أَوْ مِنْ وَقْتِ كَذَا فَكَمُعَيَّنَةٍ) لِأَنَّ تَعْيِينَ أَوَّلِهَا تَعْيِينٌ لَهَا إذْ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، فَإِذَا عَيَّنَ أَوَّلَهَا تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ آخِرُهَا انْقِضَاءَ الثَّانِي عَشَرَ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي نَذْرِهِ رَمَضَانُ وَلَا أَيَّامُ النَّهْيِ.
(وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ لَزِمَهُ) كَبَقِيَّةِ النَّذْرِ (وَإِنْ أَفْطَرَ كَفَّرَ فَقَطْ) أَيْ بِلَا قَضَاءٍ (بِغَيْرِ صَوْمٍ) لِأَنَّ الزَّمَنَ مُسْتَغْرَقٌ بِالصَّوْمِ الْمَنْذُورِ وَيُكَفِّرُ لِتَرْكِ الْمَنْذُورِ (وَلَا يَدْخُلُ رَمَضَانُ وَيَوْمُ نَهْيٍ) فِي نَذْرِ صَوْمِ الدَّهْرِ كَاللَّيْلِ (وَيَقْضِي فِطْرَهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ رَمَضَانَ (لِعُذْرٍ) أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ فَيُقَدَّمُ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ كَتَقْدِيمِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْحَجَّةِ الْمَنْذُورَةِ، وَيُكَفِّرُ بِفِطْرِهِ لِرَمَضَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى (وَيُصَامُ لِظِهَارٍ وَنَحْوِهِ) كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْيَوْمِ الْمَنْذُورِ صَوْمُهُ (وَيُكَفِّرُ مَعَ صَوْمِ
стр. 3003
ظِهَارٍ) قَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَنَحْوِهِ (فَقَطْ) لِأَنَّهُ سَبَبُهُ بِخِلَافِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَقَضَائِهِ.
(وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْخَمِيسِ فَوَافَقَ يَوْمَ عِيدٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ أَفْطَرَ) لِأَنَّ الشَّارِعَ حَرَّمَ صَوْمَهُ (وَقَضَى) لِأَنَّهُ فَاتَهُ مَا نَذَرَ صَوْمَهُ (وَكَفَّرَ) لِعَدَمِ الْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ وَكَمَا لَوْ فَاتَهُ لِمَرَضٍ.
(وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا مُعَيَّنًا أَبَدًا ثُمَّ جَهِلَ فَقَالَ الشَّيْخُ: يَصُومُ يَوْمًا مِنْ الْأَيَّامِ مُطْلَقًا أَيَّ يَوْمٍ كَانَ انْتَهَى وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ التَّعْيِينِ) أَيْ لِفَوَاتِ التَّعْيِينِ قُلْتُ: فِيهِ شَيْءٌ لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ أَنَّ مَا صَامَهُ خِلَافُ مَا عَيَّنَهُ وَلَا تُوجِبُ الْكَفَّارَةَ بِالشَّكِّ.
[فَصْلٌ وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْم يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ لَيْلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ]
ِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُهُ فَلَمْ يَجِبْ نَذْرُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَصُومَ صَبِيحَتَهُ (وَيُسْتَحَبُّ صَوْمُ يَوْمِ صَبِيحَتِهِ) ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَخَبِ (وَإِنْ قَدِمَ) زَيْدٌ (نَهَارًا أَوْ هُوَ) أَيْ النَّاذِرُ (مُفْطِرٌ أَوْ) قَدِمَ (يَوْمَ عِيدٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ قَضَى وَكَفَّرَ) لِأَنَّهُ أَفْطَرَ مَا نَذَرَ صَوْمَهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْخَمِيسِ فَلَمْ يَصُمْهُ وَعُلِمَ مِنْهُ انْعِقَادُ نَذْرِهِ لِأَنَّهُ زَمَنٌ يَصِحُّ فِيهِ صَوْمُ التَّطَوُّعِ فَانْعَقَدَ نَذْرُهُ لِصَوْمِهِ، كَمَا لَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا تَطَوُّعًا وَنَذَرَ إتْمَامَهُ (وَإِنْ قَدِمَ زَيْدٌ وَهُوَ) أَيْ النَّاذِرُ (صَائِمٌ وَكَانَ قَدْ بَيَّتَ النِّيَّةَ بِخَبَرٍ سَمِعَهُ صَحَّ صَوْمُهُ وَأَجْزَأَهُ) وَفَاءً بِنَذْرِهِ.
(وَإِنْ نَوَى) النَّاذِرُ الصَّوْمَ (حِين قَدِمَ) زَيْد (لَمْ يُجْزِئْهُ) الصَّوْمُ لِعَدَمِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ (وَيَقْضِي وَيُكَفِّرُ) لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ (وَإِنْ وَافَقَ قُدُومُهُ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَصُمْهُ عَنْ نَذْرِهِ (وَالْكَفَّارَةُ) لِتَأْخِيرِ النَّذْرِ عَنْ ذِمَّتِهِ (وَإِنْ وَافَقَ قُدُومُهُ) أَيْ زَيْدٍ (وَهُوَ) أَيْ النَّاذِرُ صَائِمٌ عَنْ نَذْرٍ مُعَيَّنٍ أَتَمَّهُ وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ (وَلَا يُسْتَحَبُّ كَمَا فِي الْفُرُوعِ وَالْمُنْتَهَى وَيَقْضِي نَذْرَ الْقُدُومِ كَ) مَا لَوْ قَدِمَ زَيْدٌ فِي (صَوْمٍ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ مُطْلَقٍ وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مِنْ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ أَوَّلَ رَمَضَانَ) فَعَلَيْهِ قَضَاءُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةُ (وَعَلَيْهِ نَذْرُ الِاعْتِكَافِ كَالصَّوْمِ) فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ أَكَلَ فِيهِ فَلَغْوٌ) لَا قَضَاءَ فِيهِ وَلَا كَفَّارَةَ وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ (وَإِنْ وَافَقَ يَوْم نَذْرِهِ وَهُوَ) أَيْ النَّاذِرُ (مَجْنُونٌ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّكْلِيفِ قَبْلَ وَقْتِ النَّذْرِ.
(وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ) كَالْمُحَرَّمِ (فَلَمْ
стр. 3004
يَصُمْهُ قَضَى) لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ مُعَيَّنٌ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ (مُتَتَابِعًا) لِأَنَّ الْقَضَاءَ كَالْأَدَاءِ وَقَدْ وَجَبَ مُتَتَابِعًا فَكَذَلِكَ قَضَاؤُهُ (وَكَفَّرَ) سَوَاءٌ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ لِتَأْخِيرِ النَّذْرِ عَنْ وَقْتِهِ (وَإِنْ أَفْطَرَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الشَّهْرِ الْمُعَيَّنِ (لِغَيْرِ عُذْرٍ اسْتَأْنَفَ) لِأَنَّهُ صَوْمٌ يَجِبُ مُتَتَابِعًا بِالنَّذْرِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ التَّتَابُعَ فَيَسْتَأْنِفُ (شَهْرًا مِنْ يَوْمِ فِطْرِهِ وَكَفَّرَ) لِتَأْخِيرِ النَّذْرِ.
، (وَ) إنْ أَفْطَرَ مِنْهُ (لِعُذْرٍ يَبْنِي) عَلَى مَا صَامَهُ (وَيَقْضِي مَا أَفْطَرَهُ مُتَتَابِعًا مُتَّصِلًا بِتَمَامِهِ) لِأَنَّ بَاقِي الشَّهْرِ مَنْذُورٌ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ صَوْمِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ رَمَضَانَ وَالنَّذْرِ أَنَّ تَتَابُعَ رَمَضَانَ بِالشَّرْعِ وَتَتَابُعَ النَّذْرِ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى صِفَةٍ ثُمَّ فَرَّقَهَا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَيُكَفِّرُ) لِفَوَاتِ زَمَنِ النَّذْرِ (وَإِنْ صَامَ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الشَّهْرِ الْمُعَيَّنِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) الصَّوْمُ (كَالصَّلَاةِ) قَبْلَ وَقْتِهَا الْمُعَيَّنِ (وَكَذَلِكَ إنْ نَذَرَ الْحَجَّ فِي عَامٍ فَحَجَّ قَبْلَهُ) لَمْ يُجْزِئْهُ.
(فَإِنْ كَانَ نَذْرُهُ بِصَدَقَةِ مَالٍ جَازَ إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ كَالزَّكَاةِ) وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْحِنْثِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ وَتَقَدَّمَ (وَلَوْ جُنَّ) النَّاذِرُ (الشَّهْرَ الْمُعَيَّنَ كُلَّهُ) لِلصَّوْمِ أَوْ الِاعْتِكَافِ (لَمْ يَقْضِهِ) لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّكْلِيفِ (وَلَمْ يُكَفِّرْ) لِذَلِكَ (وَصَوْمُهُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ) أَوْ الْقَتْلِ أَوْ الْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ (فِي الشَّهْرِ الْمَنْذُورِ كَفِطْرِهِ فِيهِ) فَيَقْضِي وَيُكَفِّرُ (وَيَبْنِي مَنْ لَا يَقْطَعُ عُذْرُهُ تَتَابُعَ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ) أَيْ إذَا أَفْطَرَ لِعُذْرٍ لَا يَقْطَعُ تَتَابُعَ الصَّوْمِ فِي الْكَفَّارَةِ كَالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِعَدَمِ انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ وَيُكَفِّرُ لِتَأْخِيرِ النَّذْرِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ فِي عَامِي هَذَا فَلَمْ يَحُجَّ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا نَذَرَهُ (وَالْكَفَّارَةُ) لِتَأْخِيرِهِ عَنْ مَحَلِّهِ.
(وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ) شَهْرٍ (مُطْلَقٍ لَزِمَهُ التَّتَابُعُ) لِأَنَّ إطْلَاقَ الشَّهْرِ يَقْتَضِي التَّتَابُعَ كَمَا لَوْ نَوَاهُ (وَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ صَامَ شَهْرًا هِلَالِيًّا مِنْ أَوَّلِهِ وَلَوْ نَاقِصًا، وَإِنْ شَاءَ ابْتَدَأَ مِنْ أَثْنَاءِ الشَّهْرِ وَيَلْزَمُهُ شَهْرٌ بِالْعَدَدِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا) لِأَنَّ الشَّهْرَ يُطْلَقُ عَلَى مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ تَامًّا كَانَ أَوْ نَاقِصًا، وَعَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَأَيَّهُمَا فَعَلَهُ خَرَجَ بِهِ مِنْ الْعُهْدَةِ (فَإِنْ قَطَعَهُ) أَيْ الصَّوْمَ بِلَا عُذْرٍ اسْتَأْنَفَهُ (لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ الْبِنَاءُ بَطَلَ التَّتَابُعُ لِتَحَلُّلِ الْفِطْرِ فِيهِ وَ) إنْ أَفْطَرَ (مَعَ عُذْرٍ بِخَبَرٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ) أَيْ بَيْنَ الِاسْتِئْنَافِ (بِلَا كَفَّارَةٍ) لِأَنَّهُ فِعْلُ الْمَنْذُورِ عَلَى صِفَتِهِ (وَبَيْنَ الْبِنَاءِ، وَيُتِمُّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَيُكَفِّرُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ نَذَرَ صِيَامَ أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَلَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا لَمْ يَلْزَمْهُ تَتَابُعٌ) لِأَنَّ الْأَيَّامَ لَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى التَّتَابُعِ
стр. 3005
بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] (إلَّا بِشَرْطٍ) بِأَنْ يَقُولَ: مُتَتَابِعَةٍ (أَوْ نِيَّةٍ) فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ وَإِنْ شَرَطَ تَفْرِيقَهَا لَزِمَهُ فِي الْأَقْيَسِ، ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا مُتَتَابِعًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ) كَعَشْرَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ (فَأَفْطَرَ) فِي أَثْنَائِهَا (لِمَرَضٍ يَجِبُ مَعَهُ الْفِطْرُ) بِأَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ التَّلَفَ بِالصَّوْمِ (أَوْ) أَفْطَرَ لِ (حَيْضٍ خُيِّرَ بَيْنَ اسْتِئْنَافِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ (وَبَيْنَ الْبِنَاءِ عَلَى صَوْمِهِ فَيُكَفِّرُ) لِمُخَالَفَتِهِ فِيمَا نَذَرَهُ (وَإِنْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ) ضَرُورَةً لِلْوَفَاءِ بِالتَّتَابُعِ (بِلَا كَفَّارَةٍ) لِأَنَّهُ فَعَلَ الْمَنْذُورَ وَعَلَى وَجْهِهِ (وَإِنْ أَفْطَرَ) النَّاذِرُ صِيَامًا مُتَتَابِعًا (لِسَفَرٍ أَوْ مَا يُبِيحُ الْفِطْرَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الصَّوْمِ لَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ) لِأَنَّهُ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ أَشْبَهَ الْمَرَضَ الَّذِي يَجِبُ مَعَهُ الْفِطْرُ.
(وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا فَعَجَزَ عَنْهُ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ أَوْ نَذَرَهُ) أَيْ الصِّيَامَ فِي حَالِ عَجْزِهِ (أَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ) لِأَنَّ سَبَبَ الْكَفَّارَةِ عَدَمُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ وَالْإِطْعَامِ لِلْعَجْزِ عَنْ وَاجِب الصَّوْمِ، فَقَدْ اخْتَلَفَ السَّبَبَانِ وَاجْتَمَعَا فَلَمْ يَسْقُطْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ (وَإِنْ عَجَزَ) النَّاذِرُ عَنْ الصَّوْمِ (لِعَارِضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ انْتَظَرَ زَوَالَهُ) كَالْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ (وَلَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَلَا غَيْرُهَا) إذَا لَمْ يَكُنِ النَّذْرُ مُعَيَّنًا فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا وَفَاتَ مَحَلَّهُ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ صَارَ) الْمَرَضُ (غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ صَارَ) النَّاذِرُ (إلَى الْكَفَّارَةِ وَالْفِدْيَةِ) فِي الْإِطْعَامِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا كَمَا لَوْ كَانَ ابْتَدَأَ بِذَلِكَ.
(وَإِنْ نَذَرَ صَلَاةً وَنَحْوَهَا) كَطَوَافٍ (وَعَجَزَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَقَطْ) وَظَاهِرُ هَذَا انْعِقَادُ نَذْرِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُطِقْهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» وَلَوْلَا انْعِقَادُ نَذْرِهِ لَمْ تَجِبْ فِيهِ كَفَّارَةٌ (وَإِنْ نَذَرَ حَجًّا لَزِمَهُ) صَحِيحًا كَانَ أَوْ مَعْضُوبًا، وَيَحُجُّ عَنْهُ وَإِنْ أَطَاقَ الْبَعْضَ أَتَى بِهِ وَكَفَّرَ لِلْبَاقِي.
(وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ أَوْ الرُّكُوبَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ أَوْ) إلَى (مَوْضِعٍ مِنْ الْحَرَمِ كَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَبِي قُبَيْسٍ أَوْ مَكَّةَ وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ (أَوْ قَالَ: غَيْرُ حَاجٍّ وَلَا مُعْتَمِرٍ لَزِمَهُ إتْيَانُهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) لِأَنَّ الْمَشْيَ إلَيْهِ فِي الشَّرْعِ هُوَ الْمَشْيُ إلَيْهِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَيُحْمَلُ النَّذْرُ عَلَى الْمَعْهُودِ الشَّرْعِيِّ، وَيُلْغَى مَا يُخَالِفُهُ (مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ أَيْ مَكَانِهِ الَّذِي نَذَرَ فِيهِ) كَمَا فِي حَجِّ الْفَرْضِ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّ يُحْمَلُ عَلَى الْمَشْرُوعِ (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مِنْ
стр. 3006
مَكَان مُعَيَّنٍ فَيَلْزَمُهُ مِنْهُ عَلَى صِفَة مَا نَذَرَهُ مِنْ مَشْيٍ أَوْ رُكُوبٍ) لِأَنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ ذَلِكَ (إلَى أَنْ يَسْعَى فِي الْعُمْرَةِ أَوْ يَأْتِيَ بِالتَّحَلُّلَيْنِ فِي الْحَجِّ) .
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَلْزَمُهُ الْمَقْدُورُ مِنْهُمَا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إلَى أَنْ يَتَحَلَّلَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ انْقِضَاؤُهُ قَالَ أَحْمَدُ: إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ فَقَدْ فَرَغَ.
وَفِي التَّرْغِيبِ لَا يَرْكَبُ حَتَّى يَأْتِيَ التَّحَلُّلَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ (وَيَحْرُمُ ذَلِكَ) أَيْ لِإِتْيَانِهِ مَا نَذَرَهُ (مِنْ الْمِيقَاتِ) لِأَنَّ النَّذْرَ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ وَالْإِحْرَامِ الْوَاجِبِ مِنْ الْمِيقَاتِ (فَإِنْ تَرَكَ الْمَشْيَ الْمَنْذُورَ أَوْ) تَرَكَ (الرُّكُوبَ الْمَنْذُورَ لِعَجْزٍ أَوْ غَيْرِهِ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» وَلِأَنَّ الْمَشْيَ أَوْ الرُّكُوبَ فِيهَا لَا يُوجِبُهُ الْإِحْرَامُ فَلَا يَجِبُ بِهِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ دَم (فَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِالْمَشْيِ أَوْ الرُّكُوبِ حَقِيقَةَ ذَلِكَ) وَ (إنَّمَا أَرَادَ إتْيَانَهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لَزِمَهُ إتْيَانَهُ فِي ذَلِكَ) لِلْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ (وَلَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ مَشْيٌ وَلَا رُكُوبٌ) لِأَنَّهُمَا يَحْصُلَانِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَشْيِ أَوْ الرُّكُوبِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
(وَإِنْ نَذَرَهُمَا) أَيْ الْمَشْيَ وَالرُّكُوبَ (إلَى) مَوْضِعٍ (غَيْرَ الْحَرَمِ كَعَرَفَةَ وَمَوَاقِيتِ الْإِحْرَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ) مِنْ الْمَوَاضِعِ كَمَسْجِدٍ سِوَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَالْأَقْصَى (لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ، وَيَكُونُ كَنَذْرِ الْمُبَاحِ) فَيُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَكَفَّارَةِ يَمِينٍ (وَلَوْ أَفْسَدَ الْحَجَّ الْمَنْذُورَ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا وَجَبَ قَضَاؤُهُ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا) لِيَكُونَ الْقَضَاءُ عَلَى صِفَةِ الْأَدَاءِ (وَيَمْضِي فِي فَاسِدِهِ) أَيْ الْحَجِّ الْمَنْذُورِ (مَاشِيًا) إنْ كَانَ نَذَرَهُ مَاشِيًا (أَوْ رَاكِبًا) إنْ كَانَ نَذَرَهُ رَاكِبًا (حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُ) بِالتَّحَلُّلَيْنِ كَمَا فِي الصَّحِيحِ (وَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ) بِأَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ (سَقَطَ تَوَابِعُ الْوُقُوفِ وَ) هِيَ (الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ وَ) الْمَبِيتُ بِمِنًى وَالرَّمْيُ (وَتَحَلُّلٌ بِعُمْرَةٍ) إنْ لَمْ يَخْتَرْ الْبَقَاءَ عَلَى إحْرَامِهِ لِيَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ،.
وَإِذَا نَذَرَ الْحَجَّ الْعَامَ فَلَمْ يَحُجَّ ثُمَّ نَذَرَ أُخْرَى فِي الْعَامِ الثَّانِي، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ يَصِحّ وَأَنْ يَبْدَأَ بِالثَّانِيَةِ لِفَوْتِهَا وَيُكَفِّرُ لِتَأْخِيرِ الْأُولَى وَفِي الْمَعْذُورِ الْخِلَافُ.
(وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ أَوْ) أَنْ (يَذْهَبَ إلَيْهِ أَوْ يَحُجَّهُ أَوْ يَزُورَهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ) فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ (إنْ شَاءَ مَاشِيًا وَإِنْ شَاءَ رَاكِبًا) لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ أَحَدَهُمَا.
(وَلَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ) الْمُنَوَّرَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ (أَوْ) نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْمَسْجِدِ (الْأَقْصَى لَزِمَهُ ذَلِكَ) لِيُوَفِّيَ بِنَذْرِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: مُرَادُهُمْ لِغَيْرِ الْمَرْأَةِ لِأَفْضَلِيَّةِ بَيْتِهَا (وَأَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ) لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ غَيْرُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إنَّمَا تُقْصَدُ لِلصَّلَاةِ.
(وَإِنْ نَذَرَ إتْيَانَهُ مَسْجِدًا سِوَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا لَمْ يَلْزَمْهُ إتْيَانُهُ) لِحَدِيثِ:
стр. 3007
«لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» (وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِيهِ) أَيْ فِيمَا سِوَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ (لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ) لِحَدِيثِ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (فَيُصَلِّيهَا فِي أَيْ مَكَان شَاءَ وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إلَيْهِ وَالصَّلَاةُ فِيهِ) لِحَدِيثِ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» .
(وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ بَيْتًا) بِلَفْظِهِ (وَلَمْ يَنْوِهِ انْصَرَفَ إلَى بَيْتِ اللَّه الْحَرَامِ) لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ فَيَنْصَرِفُ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ.
(وَإِنْ نَذَرَ طَوَافًا) وَأَطْلَقَ (أَوْ) نَذَرَ (سَعْيًا) وَأَطْلَقَ (فَأَقَلُّهُ أُسْبُوعٌ) لِأَنَّهُ الْمَشْرُوعُ (وَتَقَدَّمَ نَذْرُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ) مُفَصَّلًا.
(وَإِنْ نَذَرَ رَقَبَةً فَهِيَ الَّتِي تُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الظِّهَارِ) لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ وَهُوَ الْوَاجِبُ فِي الْكَفَّارَةِ (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ رَقَبَةً بِعَيْنِهَا فَيَجْزِيهِ مَا عَيَّنَهُ) لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَتَقَيَّدُ بِالنِّيَّةِ كَالْقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ (لَكِنْ لَوْ مَاتَ الْمَنْذُورُ الْمُعَيَّنُ أَوْ أَتْلَفَهُ قَبْلَ عِتْقِهِ لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِلَا عِتْقٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ) .
(وَإِنْ نَذَرَ الطَّوَافَ عَلَى أَرْبَعَ طَافَ طَوَافَيْنِ) نَصَّ عَلَيْهِ سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «وَلِخَبَرِ مُعَاوِيَةَ بْنِ خَدِيجٍ الْكِنْدِيِّ: أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ أُمُّهُ كَبْشَةُ بِنْتُ مَعْدِي كَرِبَ عَمَّةُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ آلَيْتُ أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ حَبْوًا فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : طُوفِي عَلَى رِجْلَيْكِ سَبْعَيْنِ، سَبْعًا عَنْ يَدَيْكِ وَسَبْعًا عَنْ رِجْلَيْكِ» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (وَالسَّعْيُ) النُّذُورُ عَلَى أَرْبَعٍ (كَالطَّوَافِ) فِي ذَلِكَ فَيَسْعَى عَلَى رِجْلَيْهِ أُسْبُوعَيْنِ (وَكَذَا لَوْ نَذَرَ طَاعَةً عَلَى وَجْهٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ كَنَذْرِهِ صَلَاةً عُرْيَانًا أَوْ) نَذْرِهِ حَجًّا حَافِيًا حَاسِرًا، أَوْ نَذَرَتْ الْمَرْأَةُ (الْحَجَّ حَاسِرَةً وَنَحْوَهُ) كَالصَّلَاةِ بِثَوْبٍ نَجِسٍ (فَيَفِي بِالطَّاعَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ وَتُلْغَى تِلْكَ الصِّفَةُ) لِمَا.
رَوَى عِكْرِمَةُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ فَحَانَتْ مِنْهُ نَظْرَةٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ نَاشِرَةٌ شَعْرَهَا قَالَ: فَمُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ، وَمَرَّ بِرَجُلَيْنِ مَقْرُونَيْنِ فَقَالَ: أَطْلِقَا قِرَانَكُمَا» (وَيُكَفِّرُ) لِإِخْلَالِهِ بِصِفَةِ نَذْرِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَشْرُوعٍ كَمَا لَوْ كَانَ أَصْلُ النَّذْرِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ (وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ وَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ) نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ (وَيَحْرُمُ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: فَلَا يُخْبِرُ عَنْ شَيْءٍ سَيُوجَدُ إلَّا بِاعْتِبَارٍ جَازِمٍ أَوْ ظَنٍّ
стр. 3008
رَاجِحٍ.
قَالَ: وَتَعْلِيقُ الْخَبَرِ فِيهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ مُسْتَحَبٌّ، وَلَا يَجِبُ لِلْإِخْبَارِ الْمَشْهُورِ فِي تَرْكِهِ فِي الْخَبَرِ وَالْقَسَمِ انْتَهَى قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَمَذْهَبُ مَالِكٍ يَلْزَمُ أَيْ الْوَفَاءَ بِالْوَعْدِ بِسَبَبٍ كَمَنْ قَالَ: تَزَوَّجْ وَأُعْطِيكَ كَذَا، وَأَحْلِفْ لَا تَشْتُمُنِي وَلَكَ كَذَا وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) لَوْ قَالَ: إنْ مَلَكْتَ عَبْدَ زَيْدٍ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَهُ بِقَصْدِ الْقُرْبَةِ أُلْزِمَ بِعِتْقِهِ إذَا مَلَكَهُ.
وَإِذَا نَذَرَ الْحَجَّ عَاجِزٌ عَنْ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ حَالَ نَذْرِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ثُمَّ إنْ وَجَدَهُمَا لَزِمَهُ.
وَإِنْ نَذَرَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَتَيْنِ أَوْ أَطْلَقَ يُجْزَى بِتَسْلِيمَةٍ كَعَكْسِهِ،.
وَلِمَنْ نَذَرَ صَلَاةً جَالِسًا أَنْ يُصَلِّيَهَا قَائِمًا وَالْعَهْدُ غَيْرُ الْوَعْدِ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى الْيَمِينِ، وَالْأَمَانِ وَالذِّمَّةِ وَالْحِفْظِ وَالرِّعَايَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤] عَامٌّ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ وَالنَّاسِ ثُمَّ قَالَ الزَّجَّاجُ: كُلُّ مَا أَمْرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَنَهَى عَنْهُ فَهُوَ مِنْ الْوَعْدِ.
[كِتَابُ الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا]
(وَالْقَضَاءُ) مَصْدَرُ قَضَى يَقْضِي فَهُوَ قَاضٍ، إذَا حَكَمَ وَإِذَا فَصَلَ وَإِذَا حَكَمَ وَإِذَا أَمْضَى وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الشَّيْءِ وَإِذَا خَلَقَ، وَقَضَى فُلَانٌ وَاسْتَقْضَى صَارَ قَاضِيًا وَيُسَمَّى قَاضِيًا لِأَنَّهُ يُمْضِي الْأَحْكَامَ وَيَحْكُمُهَا وَيَكُونُ قَضَى بِمَعْنَى أَوْجَبَ وَ (جَمْعُهُ) أَيْ الْقَضَاءِ (أَقْضِيَةٌ) وَجُمِعَ مَعَ أَنَّهُ مَصْدَرٌ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهِ (وَهُوَ) أَيْ الْقَضَاءُ (الْإِلْزَامُ) بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ (وَفَصْلُ الْخُصُومَاتِ) وَالْحُكْمُ إنْشَاءٌ لِذَلِكَ الْإِلْزَامِ إنْ كَانَ فِيهِ إلْزَامٌ أَوْ لِلْإِبَاحَةِ وَالْإِطْلَاقِ إنْ كَانَ الْحُكْمُ فِي الْإِبَاحَةِ كَحُكْمِ الْحَاكِم بِأَنَّ الْمَوَاتَ إذَا بَطَلَ إحْيَاؤُهُ صَارَ مُبَاحًا لِجَمِيعِ النَّاسِ قَالَهُ ابْنُ قُنْدُسٍ.
وَفِي الِاخْتِيَارَاتِ الْحَاكِمُ فِيهِ صِفَاتٌ ثَلَاثَةٌ: فَمِنْ جِهَةِ الْإِثْبَاتِ هُوَ شَاهِدٌ، وَمِنْ جِهَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ هُوَ مُفْتٍ، وَمِنْ جِهَةِ الْإِلْزَامِ بِذَلِكَ هُوَ ذُو سُلْطَانٍ انْتَهَى.
وَأَرْكَانُ الْقَضَاءِ خَمْسَةٌ: الْقَاضِي وَالْمَقْضِيُّ بِهِ وَالْمُقْضَى فِيهِ وَالْمَقْضِيُّ لَهُ وَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥]
стр. 3009
وَقَوْلُهُ ﷺ «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى نَصْبِ الْقُضَاةِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ النَّاسِ (وَهُوَ) أَيْ الْقَضَاءُ (فَرْضُ كِفَايَةٍ كَالْإِمَامَةِ) الْعُظْمَى.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ لِئَلَّا تَذْهَبَ حُقُوقُ النَّاسِ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قَدْ أَوْجَبَ النَّبِيُّ ﷺ تَأْمِيرَ الْوَاحِدِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْقَلِيلِ الْعَارِضِ فِي السَّفَرِ، وَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنْوَاعِ الِاجْتِمَاعِ (وَإِذَا أَجْمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِ أَثِمُوا) قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إنْ لَمْ يَحْكُمُوا فِي غَيْرِهِ لَكِنْ الْمُخَاطَبُ بِنَصْبِ الْقَضَاءِ الْإِمَامُ كَمَا يَأْتِي (وَوِلَايَتُهُ) أَيْ الْقَضَاءِ (رُتْبَةٌ دِينِيَّةٌ وَنَصْبُهُ شَرْعِيَّةٌ وَفِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِمَنْ قَوِيَ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ وَأَدَاءِ الْحَقِّ فِيهِ) قَالَ ابْنُ مَسْرُوقٍ: لَأَنْ أَحْكُمَ يَوْمًا بِحَقٍّ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَغْزُو سَنَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
(قَالَ الشَّيْخُ: وَالْوَاجِبُ اتِّخَاذُهَا) أَيْ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ (دِينًا وَقُرْبَةً فَإِنَّهَا مِنْ أَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ) «وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (وَإِنَّمَا فَسَدَ حَالُ الْأَكْثَرِ لِطَلَبِ الرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ بِهَا انْتَهَى) .
(وَفِيهِ) أَيْ الْقَضَاءِ (خَطَرٌ عَظِيمٌ وَوِزْرٌ كَبِيرٌ لِمَنْ لَمْ يُؤَدِّ الْحَقَّ فِيهِ) وَلِهَذَا فِي الْحَدِيثِ: «مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ أَيْ مَنْ تَصَدَّى لِلْقَضَاءِ وَتَوَلَّاهُ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلذَّبْحِ فَلْيَحْذَرْهُ، وَالذَّبْحُ هَهُنَا مَجَازٌ عَنْ الْهَلَاكِ فَإِنَّهُ مِنْ أَسْرَعِ أَسْبَابِهِ قَالَهُ فِي حَاشِيَتِهِ (فَمَنْ عَرَفَ الْحَقِّ وَلَمْ يَقْضِ بِهِ أَوْ قَضَى عَلَى جَهْلٍ فَفِي النَّارِ، وَمَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَقَضَى بِهِ فَفِي الْجَنَّةِ) لِحَدِيثِ: «قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ» .
(وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُنَصِّبَ فِي كُلِّ إقْلِيمٍ قَاضِيًا) لِأَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ الرَّعِيَّةِ الْمُتَكَلِّمُ بِمَصْلَحَتِهِمْ، الْمَسْئُولُ عَنْهُمْ، فَيَبْعَثُ الْقُضَاةَ إلَى الْأَمْصَارِ لِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ وَلِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَوَقَّفَ الْأَمْرُ عَلَى السَّفَرِ إلَى الْإِمَامِ فَتَضِيعَ الْحُقُوقُ لِمَا فِي السَّفَرِ إلَيْهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَكُلْفَةِ النَّفَقَةِ وَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ قَاضِيًا إلَى الْيَمَنِ وَوَلَّى عُمَرُ شُرَيْحًا قَاضِيًا لِلْكُوفَةِ، وَكَعْبَ بْنَ سُورٍ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ.
وَالْإِقْلِيمُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَحَدُ الْأَقَالِيمِ السَّبْعَةِ قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ وَلَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مَحْضٍ (وَ) يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ (أَنْ يَخْتَارَ لِذَلِكَ أَفْضَلَ مَنْ يَجِدُ عِلْمًا وَوَرَعًا) لِأَنَّ الْإِمَامَ
стр. 3010
يَنْظُرُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ اخْتِيَارُ الْأَصْلَحِ لَهُمْ، فَيَخْتَارُ أَفْضَلَهُمْ عِلْمًا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالشَّرْعِ فَرْعٌ مِنْ الْعِلْمِ بِهِ، وَالْأَفْضَلُ أَثْبَتُ وَأَمْكَنُ، وَكَذَا مَنْ وَرَعُهُ أَشَدُّ لِسُكُونِ النَّفْسِ إلَى مَا يَحْكُمُ بِهِ أَعْظَمُ (وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ) الْإِمَامُ الْأَفْضَلَ (سَأَلَ عَمَّنْ يَصْلُحُ) قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] (فَإِنْ ذُكِرَ لَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (مَنْ لَا يَعْرِفُهُ أَحْضَرَهُ وَسَأَلَهُ) لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ لِلْمَسْئُولِ غَرَضٌ غَيْر الْمَطْلُوبِ وَكَانُوا يَمْتَحِنُونَ الْعُمَّالَ بِالْفَرَائِضِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْغَوَامِضِ (فَإِنْ عَرَفَ عَدَالَتَهُ) وَلَّاهُ (وَإِلَّا بَحَثَ عَنْهَا فَإِذَا عَرَفَهَا وَلَّاهُ) وَإِلَّا لَمْ يُوَلِّهِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا يَأْتِي (وَيَأْمُرُهُ) الْإِمَامُ (بِتَقْوَى اللَّهِ وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ وَ) يَأْمُرُهُ أَيْضًا (بِتَحَرِّي الْعَدْلِ وَالِاجْتِهَادِ فِي إقَامَةِ الْحَقِّ) لِأَنَّ ذَلِكَ تَذْكِرَةٌ لَهُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، وَإِعَانَةٌ لَهُ فِي إقَامَةِ الْحَقِّ وَتَقْوِيَةٌ لِقَلْبِهِ، وَتَنْبِيهُهُ عَلَى اعْتِنَاءِ الْإِمَامِ بِأَمْرِ الشَّرْعِ وَأَهْلِهِ.
(وَيَكْتُبُ) الْإِمَامُ (لَهُ) أَيْ الْقَاضِي (بِذَلِكَ عَهْدًا) إذَا كَانَ غَائِبًا عَنْهُ فَيَكْتُبُ لَهُ بِأَنَّهُ وَلَّاهُ، وَأَنَّهُ يَأْمُرُهُ بِتَقْوَى اللَّهِ إلَخْ.
(وَ) يَأْمُرُهُ (أَنْ يَتَخَلَّفَ فِي كُلِّ صُقْعٍ) بِضَمِّ الصَّادِ أَيْ نَاحِيَةٍ (أَصْلَحَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ) لَهُمَا لِأَنَّ فِي ذَلِكَ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ فِي جَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ وَتَنْبِيهًا عَلَى مَصْلَحَةِ رَعِيَّةِ بَلَدِ الْقَاضِي وَحَثًّا لَهُ عَلَى اخْتِيَارِ الْأَصْلَحِ.
، (وَ) يَجِبُ عَلَى (مَنْ يَصْلُحُ لَهُ) أَيْ الْقَضَاءِ (إذَا طُلِبَ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ الدُّخُولُ فِيهِ إنْ لَمْ يَشْغَلْهُ عَمَّا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ) لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَقُومُ بِهِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَنَحْوِهِ (وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ (طَلَبُهُ) وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَأَلَ الْقَضَاءَ وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ نَزَلَ مَلَكٌ يُسَدِّدُهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «مَنْ ابْتَغَى الْقَضَاءَ وَسَأَلَ فِيهِ شُفَعَاءَ وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ يُسَدِّدُهُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
(وَمَنْ لَا يُحْسِنُهُ) أَيْ الْقَضَاءَ (وَلَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ شُرُوطُهُ حَرُمَ عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِيهِ) لِعَدَمِ صِحَّةِ قَضَائِهِ فَيَعْظُمُ الْغَرَرُ وَالضَّرَرُ.
(وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ) أَيْ الْقَضَاءِ (وَيُوجَدُ غَيْرُهُ مِثْلُهُ) فِي الْأَهْلِيَّةِ (فَلَهُ أَنْ يَلِيَهُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ) الدُّخُولُ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ (وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُجِيبَ إذَا طُلِبَ) إذَنْ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَطَرِ وَالْمَشَقَّةِ الشَّدِيدَةِ وَلِمَا فِي تَرْكِهِ مِنْ السَّلَامَةِ وَذَلِكَ طَرِيقَةُ السَّلَفِ وَقَدْ أَرَادَ
стр. 3011
عُثْمَانُ تَوْلِيَةَ ابْنِ عُمَرَ الْقَضَاءَ فَأَبَى.
(وَيُكْرَهُ لَهُ طَلَبُهُ) أَيْ الْقَضَاءِ (وَكَذَلِكَ الْإِمَارَةُ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: «لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَطَرِيقَةُ السَّلَفِ الِامْتِنَاعُ) طَلَبًا لِلسَّلَامَةِ (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ بِالْوَاجِبِ لِظُلْمِ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ حَرُمَ) عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِيهِ (وَتَأَكَّدَ الِامْتِنَاعُ) مِنْ الْإِجَابَةِ إلَيْهِ.
(وَيَحْرُمُ بَذْلُ الْمَالِ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي نَصْبِهِ قَاضِيًا (وَيَحْرُمُ أَخْذُهُ) أَيْ أَخْذِ الْمَالِ عَلَى تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ (وَ) يَحْرُمُ (طَلَبُهُ وَفِيهِ مُبَاشِرٌ أَهْلٌ لَهُ) وَلَوْ كَانَ الطَّالِبُ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ إيذَاءِ الْقَائِمِ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُبَاشِرٌ أَهْلٌ لَمْ يَحْرُمْ طَلَبُهُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ قَصْدِهِ إزَالَتَهُ أُثِيبَ وَإِنْ كَانَ لِيَخْتَصَّ بِالنَّظَرِ أُبِيحَ، فَإِنْ ظَنَّ عَدَمَ تَمْكِينِهِ فَالِاحْتِمَالَانِ.
(وَتَصِحُّ تَوْلِيَةُ مَفْضُولٍ مَعَ وُجُودِ أَفْضَلَ) مِنْهُ لِأَنَّ الْمَفْضُولَ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانَ يُوَلَّى مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ مَعَ الِاشْتِهَارِ وَالتَّكْرَارِ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ فَكَانَ إجْمَاعًا وَتَصِحُّ أَيْضًا تَوْلِيَةُ حَرِيصٍ عَلَيْهَا بِلَا كَرَاهَةٍ.
(وَلَا تَثْبُتُ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ إلَّا بِتَوْلِيَةِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ) لِأَنَّ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، فَلَمْ تَجُزْ إلَّا مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ كَعَقْدِ الذِّمَّةِ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ صَاحِبُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهُوَ وَاجِبُ الطَّاعَةِ مَسْمُوعُ الْكَلِمَةِ.
(وَمِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهَا) أَيْ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ (مَعْرِفَةُ الْمُوَلِّي) بِكَسْرِ اللَّامِ (كَوْنَ الْمُوَلَّى) بِفَتْحِهَا (عَلَى صِفَةٍ تَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ) لِأَنَّ مَقْصُودَ الْقَضَاءِ لَا يَصْلُحُ إلَّا بِذَلِكَ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَمُ فَلَا تَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِأَهْلِيَّتِهِ، كَمَا لَا تَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِصَلَاحِيَتِهِ (وَ) مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا (تَعْيِينُ مَا يُوَلِّيهِ الْمُحَكَّمُ فِيهِ مِنْ الْأَعْمَالِ) كَمِصْرِ وَنَوَاحِيهَا (وَالْبُلْدَانِ) كَالْمَحِلَّةِ وَنَحْوِهَا لِيَعْلَمَ مَحَلَّ وِلَايَتِهِ فَيَحْكُمَ فِيهِ وَلَا يَحْكُمُ فِي غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ وِلَايَةٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالْوِكَالَةِ.
(وَ) مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا (مُشَافَهَتُهُ بِالْوِلَايَةِ فِي الْمَجْلِسِ) إنْ كَانَ حَاضِرًا (وَمُكَاتَبَتُهُ بِهَا) إنْ كَانَ غَائِبًا لِأَنَّ التَّوْلِيَةَ تَحْصُلُ بِذَلِكَ كَالتَّوْكِيلِ وَحِينَئِذٍ يَكْتُبُ لَهُ عَهْدًا بِمَا وَلَّاهُ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ» ، وَكَتَبَ عُمَرُ إلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ " أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ لَكُمْ عَمَّارًا أَمِيرًا، وَعَبْدَ اللَّهِ قَاضِيًا " (فِي الْبُعْدِ) أَيْ مُكَاتَبَتُهُ بِهَا فِي الْبُعْدِ (وَإِشْهَادُ عَدْلَيْنِ عَلَى تَوْلِيَتِهِ فَيَقْرَأُ) الْإِمَامُ (أَوْ نَائِبُهُ عَلَيْهِمَا الْعَهْدَ أَوْ يَقْرَؤُهُ غَيْرُهُ بِحَضْرَتِهِ لِيَمْضِيَا مَعَهُ إلَى بَلَدِ تَوْلِيَتِهِ فَيُقِيمَا لَهُ الشَّهَادَةَ وَيَقُولُ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (لَهُمَا اشْهَدَا
стр. 3012
عَلَيَّ أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُهُ قَضَاءَ الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ وَتَقَدَّمْتُ عَلَيْهِ بِمَا يَشْتَمِلُ هَذَا الْعَهْدِ عَلَيْهِ) أَيْ إذَا كَانَ الْبَلَدُ الَّذِي وَلَّاهُ فِيهِ بَعِيدًا لَا يَسْتَفِيضُ إلَيْهِ الْخَبَرُ بِمَا يَكُونُ فِي بَلَدِ الْإِمَامِ (وَلَا تَصِحُّ الْوِلَايَةُ بِمُجَرَّدِ الْكِتَابَةِ مِنْ غَيْرِ إشْهَادِ) عَدْلَيْنِ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْعِلْمَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِذَلِكَ.
(وَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ) الَّذِي وَلَّاهُ فِيهِ (قَرِيبًا مِنْ بَلَدِ الْإِمَامِ لِيَسْتَفِيضَ إلَيْهِ مَا يَجْرِي فِي بَلَدِ الْإِمَامِ نَحْوُ: أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا خَمْسَةُ أَيَّامٍ فَمَا دُونَهَا جَازَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِالِاسْتِفَاضَةِ دُونَ الشَّهَادَةِ كَالْكِتَابَةِ وَالْإِشْهَادِ) أَيْ كَمَا يَكْتَفِي بِالِاسْتِفَاضَةِ عَنْ الْكِتَابَةِ وَعَنْ الْإِشْهَادِ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْوِلَايَةِ يَحْصُلُ بِذَلِكَ وَأَطْلَقَ الْأَزَجِيُّ وَاسْتِفَاضَةٌ وَظَاهِرُهُ مَعَ الْبُعْدِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَلَا تُشْتَرَطُ عَدَالَةُ الْمُوَلِّي بِكَسْرِ اللَّامِ وَلَوْ كَانَ نَائِبَ الْإِمَامِ) لِأَنَّ وِلَايَةَ الْإِمَامِ الْكُبْرَى تَصِحُّ مِنْ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، فَتَصِحُّ وِلَايَتُهُ كَالْعَدْلِ، وَلِأَنَّهَا لَوْ اُعْتُبِرَتْ فِي الْمُوَلِّي أَفْضَى إلَى تَعَذُّرِهَا بِالْكُلِّيَّةِ فِيمَا إذَا كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ (وَأَلْفَاظُ التَّوْلِيَةِ الصَّحِيحَةِ سَبْعَةٌ: وَلَّيْتُكَ الْحُكْمَ وَقَلَّدْتُكَ) الْحُكْمَ (وَاسْتَنَبْتُكَ) فِي الْحُكْمِ (وَاسْتَخْلَفْتُكَ) فِي الْحُكْمِ (وَرَدَدْتُ إلَيْكَ) الْحُكْمَ (وَفَوَّضْتُ إلَيْكَ) الْحُكْمَ (وَجَعَلْتُ إلَيْكَ الْحُكْمَ، فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهَا) أَيْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ السَّبْعَةِ.
(وَقَبِلَ الْمُوَلَّى الْحَاضِرُ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ) قَبِلَ (الْغَائِبُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْمَجْلِسِ (أَوْ شَرَعَ الْغَائِبُ فِي الْعَمَلِ انْعَقَدَتْ) الْوِلَايَةُ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تَدُلُّ عَلَى وِلَايَةِ الْقَضَاءِ دَلَالَةً لَا تَفْتَقِرُ مَعَهَا إلَى شَيْءٍ آخَرَ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَصِحُّ الْقَبُولُ بِالشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ فِي الْأَصَحِّ انْتَهَى، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ وَهُوَ وَاضِحٌ (وَالْكِنَايَةُ نَحْوَ: اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ وَعَوَّلْتُ عَلَيْكَ وَوَكَّلْتُ إلَيْكَ وَأَسْنَدْتُ الْحُكْمَ إلَيْك فَلَا تَنْعَقِدُ) الْوِلَايَةُ بِكِنَايَةٍ مِنْهَا (حَتَّى تَقْتَرِنَ بِهَا قَرِينَةٌ نَحْوُ: فَاحْكُمْ أَوْ فَتَوَلَّ مَا عَوَّلْتُ فِيهِ عَلَيْكَ وَمَا أَشْبَهَهُ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تَحْتَمِلُ التَّوْلِيَةَ وَغَيْرَهَا مِنْ كَوْنِهِ يَأْخُذُ بِرَأْيِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا تَنْصَرِفُ إلَى التَّوْلِيَةِ إلَّا بِقَرِينَةٍ تَنْفِي الِاحْتِمَالَ.
[فَصْلٌ وَتُفِيدُ وِلَايَة الْحُكْمِ الْعَامَّةِ]
ُ أَيْ الَّتِي لَمْ تُخَصَّ بِحَالَةٍ دُونَ حَالَّةِ فَصْلِ الْخُصُومَاتِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ (وَيَلْزَمُ) الْقَاضِي (بِهَا) أَيْ بِسَبَبِ الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ (فَصْلُ الْخُصُومَاتِ وَاسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ وَدَفْعُهُ إلَى رَبِّهِ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقَضَاءِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ: تَذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ (وَالنَّظَرُ فِي أَمْوَالِ
стр. 3013
الْيَتَامَى وَالْمَجَانِينِ وَالسُّفَهَاءِ) لِأَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى ضَيَاعِ أَمْوَالِهِمْ (وَالْحَجْرُ عَلَى مَنْ يَرَى الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ) لِأَنَّ الْحَجْرَ يَفْتَقِرُ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ فَلِذَلِكَ كَانَ مُخْتَصًّا بِهِ.
(وَالنَّظَرُ فِي الْوُقُوفِ) الَّتِي (فِي عَمَلِهِ) أَيْ وِلَايَتِهِ (لِتَجْرِي بِإِجْرَائِهَا عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ) لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَدْعُو إلَى إجْرَائِهَا عَلَى شَرْطِهِ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ نَاظِرٌ خَاصٌّ أَوْ لَمْ يَكُنْ (وَتَنْفِيذُ الْوَصَايَا) لِأَنَّ الْمَيِّتَ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ كَغَيْرِهِ (وَتَزْوِيجُ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا وَلِيَّ لَهُنَّ) لِقَوْلِهِ ﷺ «فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» وَالْقَاضِي نَائِبُهُ (وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ) لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُقِيمُهَا وَالْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ (وَإِقَامَةُ الْجُمُعَةِ بِالْأَذَانِ فِي إقَامَتِهَا، وَنَصْبُ إمَامِهَا وَكَذَا الْعِيدُ) لِأَنَّ الْخُلَفَاءَ كَانُوا يُقِيمُونَهَا (مَا لَمْ يُخَصَّا بِإِمَامٍ) مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ أَوْ الْوَاقِفِ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَمْدَانَ (وَالنَّظَرُ فِي مَالِ الْغَائِبِ) لِئَلَّا يَضِيعَ.
(وَجِبَايَةُ الْخَرَاجِ وَأَخْذُ الصَّدَقَةِ) أَيْ الزَّكَاةِ (إنْ لَمْ يُخَصَّا بِعَامِلٍ) مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ قِيَاسًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَالنَّظَرُ فِي مَصَالِحِ عَمَلِهِ بِكَفِّ الْأَذَى عَنْ طُرُقَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَأَفْنِيَتِهِمْ) لِأَنَّهُ مُرْصَدٌ لِلْمَصَالِحِ (وَتَصَفُّحُ حَالِ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ لِيَسْتَبْقِيَ وَيَسْتَبْدِل مَنْ يَصْلُحُ) أَيْ يَسْتَبْقِي مَنْ يَصْلُحُ وَيَسْتَبْدِلُ مَنْ ثَبَتَ جَرْحُهُ كَمَا فِي الْمُقْنِعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا، لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي الْقَضَاءِ ذَلِكَ، فَعِنْدَ إطْلَاقِ الْوِلَايَةِ تَنْصَرِفُ إلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ.
(قَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: وَيَسْتَفِيدُ الِاحْتِسَابَ عَلَى الْبَاعَةِ وَالْمُشْتَرِينَ وَإِلْزَامِهِمْ بِالشَّرْعِ) .
وَفِي الْمُنْتَهَى: لَا يَسْتَفِيد ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَثْبُتْ بِتَوَلِّي الْقُضَاةِ لِذَلِكَ.
(قَالَ الشَّيْخُ: مَا يَسْتَفِيدُهُ بِالْوِلَايَةِ لَا حَدَّ لَهُ شَرْعًا بَلْ يُتَلَقَّى مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْأَحْوَالِ وَالْعُرْفِ) لِأَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يُحَدَّ شَرْعًا يُحَلُّ عَلَى الْعُرْفِ كَالْحِرْزِ وَالْقَبْضِ (وَلَا يَحْكُمُ) الْقَاضِي فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ (وَلَا يَسْمَعُ بَيِّنَةً غَيْرَ عَمَلِهِ وَهُوَ) فِي الْأَصْلِ مَا يَجْمَعُ بُلْدَانًا أَوْ قُرًى مُتَفَرِّقَةً، كَالْعِرَاقِ وَنَوَاحِيهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا (مَحَلُّ حُكْمِهِ) الَّذِي وَلِيَ لِيَحْكُمَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ يَجْمَعُ بُلْدَانًا أَوْ قُرًى مُتَفَرِّقَةً أَوْ بَلَدًا مُعَيَّنًا أَوْ مَحَلًّا مُعَيَّنًا مِنْ الْبَلَدِ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي الْحَاشِيَةِ.
(فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ حَكَمَ أَوْ وَلِيَ أَوْ سَمِعَ بَيِّنَةً فِي غَيْرِ عَمَلِهِ (لُغِيَ) ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ وِلَايَةً (وَتَجِبُ إعَادَةُ الشَّهَادَةِ كَتَعْدِيلِهَا) فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ نُفُوذِ حُكْمِهِ.
(وَلَهُ) أَيْ الْقَاضِي (طَلَبُ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِنَفْسِهِ وَأُمَنَائِهِ وَخُلَفَائِهِ) لِأَنَّ عُمَرَ رَزَقَ شُرَيْحًا فِي كُلِّ شَهْرٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَرَزَقَ ابْنَ مَسْعُودٍ نِصْفَ شَاةٍ كُلَّ يَوْمٍ وَإِذَا جَازَ لَهُ الطَّلَبُ لِنَفْسِهِ جَازَ لِمَنْ هُوَ فِي مَعْنَاهُ (مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا) لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ فَرَضُوا لَهُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ، وَفَرَضَ
стр. 3014
عُمَرُ لِزَيْدٍ وَغَيْرِهِ وَأَمَرَ بِفَرْضِ الرِّزْقِ لِمَنْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ فَرْضُ الرِّزْقِ لَتَعَطَّلَتْ وَضَاعَتْ الْحُقُوقُ (فَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ لَهُ) أَيْ الْقَاضِي (شَيْءٌ وَلَيْسَ لَهُ مَا يَكْفِيهِ وَقَالَ لِلْخَصْمَيْنِ: لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا إلَّا بِجُعْلٍ جَازَ) فِي الْأَصَحِّ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ.
(وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْقَضَاءِ) لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ وَلَا يَعْمَلُهُ إنْسَانٌ عَنْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ.
(وَلِلْمُفْتِي أَخْذُ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّ الْإِفْتَاءَ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ كَالْأَذَانِ (وَلَوْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَ وَلَا كِفَايَةَ لَمْ يَأْخُذْ) مِنْ الْمُسْتَفْتِي لِأَنَّهُ اعْتِيَاضٌ عَنْ وَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ (وَمَنْ أَخْذَ رِزْقًا) مِنْ بَيْتِ الْمَالِ (لَمْ يَأْخُذْ) مِنْ الْمُسْتَفْتِي أُجْرَةً لِفُتْيَاهُ وَلَا لِحَظِّهِ لِاسْتِغْنَائِهِ بِالرِّزْقِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذ رِزْقًا (أَخَذَ أُجْرَةَ حَظِّهِ) فَقَطْ.
(وَ) يَجِبُ (عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَفْرِضَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِمَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِتَدْرِيسِ، الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى فِي الْأَحْكَامِ مَا يُغْنِيهِ عَنْ التَّكَسُّبِ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى الْقِيَامِ بِذَلِكَ وَالِانْقِطَاعِ لَهُ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْإِمَامَةِ وَالْقَضَاءِ.
[فَصْلٌ وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ الْإِمَامُ عُمُومَ النَّظَرِ]
ِ (فِي عُمُومِ الْعَمَلِ بِأَنْ يُوَلِّيَهُ الْقَضَاءَ) فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ (فِي كُلِّ الْبُلْدَانِ) وَ) يَجُوزُ (أَنْ يُوَلِّيَهُ) الْإِمَامُ (خَاصًّا فِي أَحَدِهِمَا) أَيْ الْقَضَاءِ وَالْعَمَلِ (أَوْ) أَنْ يُوَلِّيَهُ خَاصًّا (فِيهِمَا) أَيْ فِي الْقَضَاءِ وَالْعَمَلِ (فَيُوَلِّيَهُ النَّظَرَ فِي بَلَدٍ) خَاصٍّ (أَوْ مَحَلَّةٍ خَاصَّةٍ فَيَنْفُذَ قَضَاؤُهُ فِي، أَهْلِهِ وَمَنْ طَرَأَ إلَيْهِ) لِأَنَّ الطَّارِئَ إلَيْهِ يُعْطَى حُكْمَ أَهْلِهِ بِدَلِيلِ أَنَّ الدِّمَاءَ الْوَاجِبَةَ لِأَهْلِ مَكَّةَ يَجُوزُ تَفْرِيقُهَا فِي الطَّارِئِ إلَيْهَا كَأَهْلِهَا (وَلَكِنْ لَوْ أَذِنَتْ لَهُ فِي تَزْوِيجِهَا) مِنْ الْأَوْلَى لَهَا وَهِيَ فِي عَمَلِهِ (فَلَمْ يُزَوِّجْهَا حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ عَمَلِهِ لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُهُ) لَهَا مَا دَامَتْ خَارِجَةً عَنْ عَمَلِهِ لِأَنَّهَا حَالَةَ التَّزْوِيجِ لَمْ تَكُنْ فِي عَمَلِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا وِلَايَةٌ (كَمَا لَوْ أَذِنَتْ لَهُ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ) أَنْ يُزَوِّجَهَا وَلَا يَصِحُّ.
(وَلَوْ دَخَلَتْ بَعْدَ) ذَلِكَ (إلَى عَمَلِهِ) لِأَنَّ إذْنهَا لَهُ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ لَا عِبْرَةَ بِهِ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ عَمَلِهِ فَلَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُهُ لَهَا كَمَا لَوْ لَمْ تَدْخُلْ إلَى عَمَلِهِ (فَإِنْ قَالَتْ) لِلْقَاضِي فِي غَيْرِ عَمَلِهِ (إذَا حَصُلْتُ فِي عَمَلِكَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَكَ) أَنْ تُزَوِّجَنِي (فَزَوَّجَهَا) بَعْدَ حُصُولِهَا (فِي عَمَلِهِ صَحَّ) تَزْوِيجُهُ لَهَا (بِنَاءً عَلَى جَوَازِ تَعْلِيقِ
стр. 3015
الْوِكَالَةِ بِالشَّرْطِ) وَالْإِذْنُ فِي مَعْنَى الْوِكَالَةِ وَلَيْسَ وَكَالَةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ عَزْلَهُ (أَوْ يَجْعَلُ) الْأَمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (إلَيْهِ) أَيْ الْقَاضِي (الْحُكْمَ فِي الْمُدَايِنَاتِ خَاصَّةً أَوْ) الْحُكْمَ (فِي قَدْرٍ مِنْ الْمَالِ لَا يُتَجَاوَزُ، أَوْ يُفَوِّضُ إلَيْهِ عُقُودَ الْأَنْكِحَةِ دُونَ غَيْرِهَا) فِي بَلَدٍ خَاصٍّ أَوْ جَمِيعِ الْبُلْدَانِ لِأَنَّ الْخِبْرَةَ مِنْ التَّوْلِيَةِ إلَى الْأَمَامِ فَكَذَا فِي صِفَتِهَا وَلَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِي الْكُلِّ فَكَذَا فِي الْبَعْضِ.
وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَنِيبُ أَصْحَابَهُ كُلًّا فِي شَيْءٍ، فَوَلَّى عُمَرَ الْقَضَاءَ، وَبَعَثَ عَلِيًّا قَاضِيًا بِالْيَمَنِ وَكَانَ يُرْسِلُ بَعْضَهُمْ لَقَبْضِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا وَكَذَا الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ.
(وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ) الْإِمَامُ قَاضِيًا (مِنْ غَيْرِ مَذْهَبِهِ) لِأَنَّ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَجْتَهِدَ رَأْيَهُ فِي قَضَائِهِ (وَإِنْ نَهَاهُ عَنْ الْحُكْمِ فِي مَسْأَلَةٍ فَلَهُ الْحُكْمُ بِهَا) هَذَا أَحَدُ وَجْهَيْنِ أَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَةِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ قُلْتُ: الصَّوَابُ الْجَوَازُ انْتَهَى قُلْتُ: فَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إذَا وَلَّاهُ ابْتِدَاءً شَيْئًا خَاصًّا وَبَيْنَ مَا إذَا وَلَّاهُ ثُمَّ نَهَاهُ عَنْ شَيْءٍ.
(وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ) مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ (قَاضِيَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ يَجْعَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمَلًا، سَوَاءٌ كَانَ الْمُوَلِّي الْإِمَامَ أَوْ الْقَاضِيَ) وَلَّى (خُلَفَاءَهُ مِثْلَ أَنْ يَجْعَلَ إلَى أَحَدِهِمَا الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ وَ) يَجْعَلَ (إلَى الْآخَرِ عُقُودَ الْأَنْكِحَةِ) لِأَنَّ الْإِمَامَ كَامِلُ الْوِلَايَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَ ذَلِكَ إذْ لَا ضَرَرَ فِيهِ كَتَوْلِيَةِ الْقَاضِي الْوَاحِدِ (فَإِنْ جَعَلَ إلَيْهِمَا) أَيْ الْقَاضِيَيْنِ (عَمَلًا وَاحِدًا جَازَ) لَهُ ذَلِكَ (فَيَحْكُمُ كُلُّ وَاحِدٍ بِاجْتِهَادِهِ) لِأَنَّهَا نِيَابَةٌ فَجَازَ جَعْلُهَا لِاثْنَيْنِ كَالْوِكَالَةِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ خَلِيفَتَيْنِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَالْإِمَامُ أَوْلَى (وَلَيْسَ) لِلْقَاضِي (الْآخَرِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى رَفِيقِهِ (وَلَا نَقْضَ حُكْمِهِ) كَمَا لَوْ قَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَمَلٍ خَاصٍّ (فَإِنْ تَنَازَعَ خَصْمَانِ فِي الْحُكْمِ عِنْدَ أَحَدِهِمْ قَدَّمَ قَوْلَ الطَّالِبِ) وَهُوَ الْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (وَلَوْ) كَانَ الطَّالِبُ يُرِيد الدَّعْوَى (عِنْدَ نَائِبٍ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فِي تَعْيِينِ الْقَاضِي (فَلَوْ تَسَاوَيَا) أَيْ الْخَصْمَانِ (فِي الدَّعْوَى كَالْمُدَّعِيَيْنِ اخْتَلَفَا فِي ثَمَنِ مَبِيعٍ بَاقٍ اُعْتُبِرَ أَقْرَبُ الْحَاكِمَيْنِ إلَيْهِمَا) لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى التَّكَلُّفِ لِلْأَبْعَدِ مِنْهُمَا (فَإِنْ اسْتَوَيَا) أَيْ الْحَاكِمَانِ فِي الْقُرْبِ (أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ إذَا طَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاضِيًا لِعَدَمِ التَّرْجِيحِ بِدُونِ الْقُرْعَةِ.
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ الْقَضَاءَ لِوَاحِدٍ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] وَالْحَقُّ لَا يَتَعَيَّنُ فِي مَذْهَبٍ وَقَدْ يَظْهَرُ الْحَقّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ وَلَّاهُ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبٍ
следующие страницы →