Полный текст (3 210 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
الشَّهَادَةِ وَمَقْصُودِهَا فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا قَبُولُهَا وَالْحُكْمُ بِهَا (وَهِيَ سِتَّةُ) أَشْيَاءَ (أَحَدُهَا قُرَابَةُ الْوِلَادَةِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ عَمُودِيِّ النَّسَبِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مِنْ وَالِدٍ وَإِنْ عَلَا وَلَوْ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ) كَأَبِي الْأُمِّ وَابْنِهِ وَجَدِهِ.
(وَ) مِنْ (وَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ مِنْ وَلَدِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَوْلَادِ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ لِأَنَّهُ يَمِيلُ إلَيْهِ بِطَبْعِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا» وَسَوَاءٌ اتَّفَقَ دِينُهُمْ أَوْ اخْتَلَفَ وَسَوَاءٌ جَرَّ بِهَا نَفْعًا لِلْمَشْهُودِ لَهُ أَوْ لَا كَقَذْفٍ وَعَقْدِ نِكَاحٍ (إلَّا مِنْ زِنًا أَوْ رَضَاعٍ) فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَلَدِ لِأَبِيهِ مِنْ زِنًا وَرَضَاعٍ وَعَكْسِهِ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْإِنْفَاقِ وَالصِّلَةِ وَعِتْقِ أَحَدهمَا عَلَى صَاحِبِهِ (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] وَلِأَنَّ شَهَادَتَهُ عَلَيْهِ لَا تُهْمَةَ فِيهَا وَهِيَ أَبْلَغُ فِي الصِّدْقِ كَشَهَادَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ.
(وَ) تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَدْلِ (لِبَاقِي أَقَارِبِهِ) الَّذِينَ لَيْسُوا مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِهِ (كَ) شَهَادَتِهِ لِ (أَخِيهِ وَعَمِّهِ وَابْنِ عَمِّهِ وَخَالِهِ وَنَحْوِهِمْ) كَابْنِ أَخِيهِ وَابْنِ أُخْتِهِ (وَ) شَهَادَةِ (الصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ وَ) شَهَادَةِ (الْمَوْلَى لِعَتِيقِهِ وَعَكْسِهِ) كَشَهَادَةِ الْعَتِيقِ لِمَوْلَاهُ.
(وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ الْمُعْتِقَ غَصَبَهُمَا مِنْهُ فَشَهِدَ الْعَتِيقَانِ بِصِدْقِ الْمُدَّعِي لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا لِرَدِّهِمَا إلَى الرِّقِّ وَكَذَا لَوْ شَهِدَا بَعْد عِتْقِهِمَا أَنَّ مُعْتِقَهُمَا كَانَ غَيْرَ بَالِغِ حَالَ الْعِتْقِ أَوْ) شَهِدَا (بِجَرْحِ شَاهِدَيْ حُرِّيَّتِهِمَا وَكَذَا لَوْ عَتَقَا بِتَدْبِيرٍ أَوْ وَصِيَّةٍ فَشَهِدَا بِدَيْنٍ يَسْتَوْعِبُ التَّرِكَةَ أَوْ وَصِيَّةٍ مُؤَثِّرَةٍ فِي الرِّقِّ) كَمَا لَوْ شَهِدَا بِوَصِيَّةٍ تَسْتَوْعِبُ التَّرِكَةَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا لِإِقْرَارِهِمَا بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ بِرِقِّهِمَا لِغَيْرِ سَيِّدِهِمَا.
الْمَانِعُ (الثَّانِي الزَّوْجِيَّةُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ) لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِشَهَادَتِهِ لِتَبَسُّطِ كُلِّ وَاحِدٍ فِي مَالِ الْآخَرِ وَاتِّسَاعِهِ بِسَعَتِهِ وَإِضَافَةِ مَالَ كُلِّ وَاحِدٍ إلَى الْآخَرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] وَ ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] لِأَنَّ يَسَارَ الرَّجُلِ يَزِيدُ فِي نَفَقَتِهِ امْرَأَتَهُ وَيَسَارَهَا يَزِيدُ فِي قِيمَةِ الْبُضْعِ الْمَمْلُوكِ لِزَوْجِهَا وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرِثُ الْآخَرَ مِنْ غَيْرِ حَجْبٍ فَأَوْجَبَ التُّهْمَةَ فِي شَهَادَتِهِ (وَلَوْ) كَانَتْ شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ (بَعْدَ الْفِرَاقِ) بِطَلَاقٍ أَوْ خُلْعٍ أَوْ فَسْخٍ لِنَحْوٍ عَنْهُ (إنْ كَانَتْ) الشَّهَادَةُ (رُدَّتْ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْفِرَاقِ لِلتُّهْمَةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُدَّتْ قَبْلَهُ وَإِنَّمَا
стр. 3152
شَهِدَا ابْتِدَاءً بَعْدَ الْفِرَاقِ (قُبِلَتْ) الشَّهَادَةُ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ.
وَقَالَ فِي التَّنْقِيحِ وَلَوْ فِي الْمَاضِي وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ رُدَّتْ قَبْلُ أَوْ لَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي حَاشِيَتِهِ وَهُوَ غَرِيبٌ مُنَاقِضٌ لِكَلَامِهِ انْتَهَى لَكِنَّ كَلَامَهُ فِي الْمُبْدِعِ مُوَافِقٌ لِلتَّنْقِيحِ قَالَ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بَعْدَ الْفِرَاقِ انْتَهَى وَيُؤَيِّدهُمَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِمُوَكِّلِهِ فِيمَا هُوَ مُوَكَّلٌ فِيهِ وَلَوْ بَعْدَ الْعَزْلِ مِنْ الْوَكَالَةِ (وَتُقْبَلُ) شَهَادَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى صَاحِبِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي دَعْوَى النَّسَبِ (فِي غَيْرِ الزِّنَا) فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهَا بِالزِّنَا لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِعَدَاوَتِهِ لَهَا لِإِفْسَادِهَا فِرَاشَهُ.
(وَلَا) تُقْبَلُ (شَهَادَةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ) لِأَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ فَشَهَادَتُهُ لَهُ شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ قَالَ فِي الشَّرْحِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِسَيِّدِهِ بِنِكَاحٍ وَلَا لِأَمَتِهِ بِطَلَاقٍ (وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ) لِأَنَّهُ يَنْبَسِطُ فِي مَالِهِ وَتَجِبُ فِيهِ نَفَقَتُهُ فَهُوَ كَالْأَبِ وَابْنِهِ زَادَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى بِمَالٍ.
(قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ لَوْ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْحَاكِمِ لَهُ كَشَهَادَةِ وَلَدِ الْحَاكِمِ عِنْدَ الْأَجْنَبِيِّ أَوْ) شَهَادَةِ (وَالِدِهِ) أَيْ الْحَاكِمِ (أَوْ) شَهَادَةِ (زَوْجَتِهِ فِيمَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ يَتَوَجَّهُ عَدَمُ قَبُولِهَا) أَيْ تِلْكَ الشَّهَادَةِ لَعَلَّ وَجْهَهُ عَدَمُ تَحَرِّيهِ فِي عَدَالَتِهِمْ لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْقَضَاءِ يَحْكُمُ بِشَهَادَتِهِمْ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَصَاحِبُ الْمُنْتَهَى وَغَيْرُهُمَا هُنَاكَ.
(وَقَالَ) ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ (لَوْ شَهِدَ عَلَى الْحَاكِمِ بِحُكْمِهِ مَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ بِالْمَحْكُومِ فِيهِ الْأَظْهَرُ لَا تُقْبَلُ وَقَالَ تَزْكِيَةُ الشَّاهِدِ رَفِيقَهُ فِي الشَّهَادَةِ لَا تُقْبَلُ انْتَهَى) أَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنَّهُ قَبِلَ شَهَادَتَهُ وَحَكَمَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ شَهَادَتُهُ فَيَكُونُ قَدْ شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِأَنَّ الْحَاكِمَ قَبِلَهُ وَأَمَّا فِي الْأَخِيرَةِ فَلِإِفْضَائِهِ إلَى انْحِصَارِ الشَّهَادَةِ فِي أَحَدِهِمَا.
(وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى أَبِيهِمَا بِقَذْفِ ضَرَّةِ أُمِّهِمَا وَهِيَ) أَيْ أُمُّهُمَا (تَحْتَهُ أَوْ) شَهِدَا عَلَى زَوْجِ أُمِّهِمَا بِ (طَلَاقِهَا) أَيْ طَلَاقِ ضَرَّةِ أُمِّهِمَا (قُبِلَتْ) شَهَادَتُهُمَا لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى الْأَبِ كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ أُمُّهُمَا تَحْتَهُ وَلِأَنَّ حَقَّ أُمِّهِمَا لَا يُزَادُ بِذَلِكَ وَتَوْفِيرُ الْمِيرَاثِ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ بِدَلِيلِ شَهَادَةِ الْوَارِثِ لِمَوْرُوثِهِ.
(قَالَ فِي التَّرْغِيبِ وَمِنْ مَوَانِعِهَا) أَيْ الشَّهَادَةِ (الْعَصَبِيَّةُ) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى (فَلَا شَهَادَةَ) مَقْبُولَةً (لِمَنْ عُرِفَ بِهَا وَبِالْإِفْرَاطِ فِي الْحَمِيَّةِ لِتَعَصُّبِ قَبِيلَةٍ عَلَى قَبِيلَةٍ وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ) الْعَصَبِيَّةُ رُتْبَةَ الْعَدَاوَةِ.
(وَمَنْ حَلَفَ مَعَ شَهَادَتِهِ لَمْ تُرَدَّ) شَهَادَتُهُ.
(الثَّالِثُ) مِنْ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ (أَنْ يَجُرَّ) الشَّاهِدُ (إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا) بِشَهَادَةٍ (كَشَهَادَةِ السَّيِّدِ لِمُكَاتَبِهِ وَ) شَهَادَةِ (الْمُكَاتَبِ لِسَيِّدِهِ) لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ رَقِيقٌ لِحَدِيثِ: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» (وَ)
стр. 3153
كَشَهَادَةِ (الْوَارِثِ بِجَرْحِ مَوْرُوثِهِ) قَبْلَ انْدِمَالِهِ فَلَا تُقْبَلُ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَسْرِي الْجَرْحُ إلَى النَّفْسِ فَتَجِبُ الدِّيَةُ لِلشَّاهِدِ بِشَهَادَتِهِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ شَهِدَ لِنَفْسِهِ.
(وَتُقْبَلُ) شَهَادَةُ الْوَارِثِ (لَهُ) أَيْ لِمَوْرُوثِهِ (بِدَيْنِهِ فِي مَرَضِهِ) لِأَنَّ هَذَا الدَّيْنَ يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى الشَّاهِدِ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَنْتَقِلَ إلَيْهِ وَالْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ مَا يَحْصُلُ بِهِ نَفْعٌ حَالَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ (فَلَوْ حُكِمَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ) ثُمَّ مَاتَ الْمَشْهُودُ لَهُ فَوَرِثَهُ الشَّاهِدُ (لَمْ يَتَغَيَّرْ الْحُكْمُ بَعْدَ مَوْتِهِ) لِوُقُوعِهِ صَحِيحًا وَلَمْ يَطْرَأ عَلَيْهِ مَا يُفْسِدُهُ.
(وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَصِيِّ لِلْمَيِّتِ وَلَوْ بَعْدَ عَزْلِهِ) مِنْ الْوَكَالَةِ (وَفَرَاغِ الْإِجَارَةِ وَانْفِصَالِ الشَّرِيكِ) مِنْ شَرِيكِهِ الْمَشْهُودِ لَهُ لِاتِّهَامِهِمْ وَالْوَصِيُّ يَثْبُتُ لَهُ فِيمَا يَشْهَدُ بِهِ حَقُّ التَّصَرُّفِ.
(وَلَا) شَهَادَةُ (أَحَدِ الشَّفِيعِينَ بِعَفْوِ الْآخَرِ عَنْ شُفْعَتِهِ) لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ.
(أَوْ) أَيْ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّفِيعِ (بِبَيْعِ الشِّقْصِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ) لِلتُّهْمَةِ (وَإِنْ أَسْقَطَ) الشَّفِيعُ (شُفْعَتَهُ قَبْلَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ) بِعَفْوِ شَرِيكِهِ أَوْ بَيْعِ الشِّقْصِ (قُبِلَتْ) شَهَادَتُهُ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ وَ (لَا) تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إنْ عَفَا عَنْ شُفْعَتِهِ (بَعْدَ الرَّدِّ) لِشَهَادَتِهِ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ لِكَوْنِهِ إنَّمَا عَفَا لِتُقْبَلَ شَهَادَتُهُ.
(وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ (غَرِيمٍ لِمُفْلِسٍ بِمَالٍ بَعْدَ الْحَجْرِ) عَلَى الْمَدِينِ لِلْمُفْلِسِ.
(أَوْ) أَيْ وَلَا تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْغَرِيمِ (لِمَيِّتٍ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِمَالٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ يَعُودُ إلَى الْغَرِيمِ فَكَأَنَّهُ شَهِدَ لِنَفْسِهِ.
(وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ (مُضَارِبٍ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ وَلَا حَاكِمٍ وَلَا وَصِيٍّ لِمَنْ فِي حَجْرِهِ) لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ.
(وَتُقْبَلُ) شَهَادَةُ الْوَارِثِ وَمَنْ بَعْدَهُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ لَهُ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ.
(وَلَا تُقْبَلُ) شَهَادَةٌ (لِمَنْ لَهُ كَلَامٌ وَاسْتِحْقَاقٌ فِي شَيْءٍ وَإِنْ قَلَّ) لِلْجِهَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا (كَرِبَاطٍ وَمَدْرَسَةٍ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي قَوْمٍ فِي دِيوَانِ أَجَّرُوا أَشْيَاءَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدٍ مِنْهُمْ عَلَى مُسْتَأْجَرِهِ لِأَنَّهُمْ وُكَلَاءُ أَوْ وُلَاةٌ قَالَ وَلَا شَهَادَةُ الْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ عَلَى الْخُصُومِ.
(الرَّابِعُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ) بِشَهَادَتِهِ (ضَرَرًا كَشَهَادَةِ الْعَاقِلَةِ بِجَرْحِ شُهُودِ الْخَطَأِ) لِمَا فِيهِ مِنْ التُّهْمَةِ بِدَفْعِ الدِّيَةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَإِنْ كَانَ الْجَارِحُ فَقِيرًا أَوْ بَعِيدًا فَاحْتِمَالَانِ أَحَدُهُمَا تُقْبَلُ لِأَنَّهُ لَا يَحْمِلُ شَيْئًا مِنْ الدِّيَةِ وَالثَّانِي لَا لِجَوَازِ أَنْ يُوسِرَ أَوْ يَمُوتَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ قَبْلَ الْحَوْلِ فَيَحْمِلُهَا (وَ) كَشَهَادَةِ (الْغُرَمَاءِ بِجَرْحِ شُهُودِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُفْلِسِ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَوْفِيرِ الْمَالِ عَلَيْهِمْ.
(وَ) كَشَهَادَةِ (السَّيِّدِ بِجَرْحِ مَنْ شَهِدَ عَلَى مُكَاتَبِهِ أَوْ عَبْدِهِ بِدَيْنٍ) لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيهَا لِمَا يَحْصُلُ بِهَا مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ فَكَأَنَّهُ شَهِدَ لِنَفْسِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ مَضَتْ السُّنَّةُ فِي الْإِسْلَامِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينَ وَالظَّنِينُ الْمُتَّهَمُ.
(وَ) كَشَهَادَةِ (الْوَصِيِّ بِجَرْحِ الشَّاهِدِ عَلَى الْأَيْتَامِ وَالشَّرِيكِ بِجَرْحِ الشَّاهِدِ عَلَى شَرِيكِهِ كَشَهَادَةِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِإِنْسَانٍ
стр. 3154
إذَا شَهِدَ بِجَرْحِ الشَّاهِدِ عَلَيْهِ) كَعَمُودَيْ النَّسَبِ وَالزَّوْجِ وَالْوَكِيلِ لِأَنَّهُمْ مُتَّهَمُونَ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ.
(وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الضَّامِنِ لِلْمَضْمُونِ عَنْهُ بِقَضَاءِ الْحَقِّ وَالْإِبْرَاءِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْحَقِّ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ بِبَرَاءَتِهِ (وَلَا شَهَادَةُ بَعْضِ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ عَلَى بَعْضٍ بِإِسْقَاطِ دَيْنِهِ أَوْ اسْتِيفَائِهِ) لِأَنَّ قِسْطَهُ يَتَوَفَّرُ عَلَيْهِمْ.
(وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ (مَنْ أُوصِيَ لَهُ بِمَالٍ) مُوصَى لَهُ (عَلَى آخَرَ بِمَا يُبْطِلُ وَصِيَّتَهُ إذَا كَانَتْ وَصِيَّتُهُ يَحْصُلُ بِهَا مُزَاحَمَةٌ إمَّا لِضِيقِ الثُّلُثِ عَنْهَا أَوْ لِكَوْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ بِمُعَيَّنٍ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ مُرْسَلًا قَالَ «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينَ.
(وَتُقْبَلُ فُتْيَا مَنْ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرًا بِهَا) أَيْ بِفُتْيَاهُ كَمَا تُقْبَلُ عَلَى عَدُوِّهِ وَلِوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَتَقَدَّمَ.
(الْخَامِسُ) مِنْ الْمَوَانِعِ (الْعَدَاوَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا قَالَ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ وَلَا زَانِيَةٍ وَلَا ذِي غَمْرٍ عَلَى أَخِيهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْغَمْرُ الْحِقْدُ وَلِأَنَّ الْعَدَاوَةَ تُورِثُ تُهْمَةً شَدِيدَةً فَمُنِعَتْ بِالشَّهَادَةِ كَالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ (كَشَهَادَةِ الْمَقْذُوفِ عَلَى قَاذِفِهِ وَالزَّوْجِ عَلَى امْرَأَتِهِ بِالزِّنَا) لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ لِعَدَاوَتِهِ بِهَا لِفَسَادِ فِرَاشِهِ.
(وَلَا) شَهَادَةُ (الْمَقْتُولِ وَلِيِّهِ عَلَى الْقَاتِلِ وَ) لَا شَهَادَةُ (الْمَجْرُوحِ عَلَى الْجَارِحِ وَ) لَا شَهَادَةُ (الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ عَلَى قَاطِعِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَلَوْ شَهِدُوا أَنَّ هَؤُلَاءِ قَطَعُوا الطَّرِيقَ عَلَيْنَا أَوْ عَلَى الْقَافِلَةِ لَمْ تُقْبَلْ) شَهَادَتُهُمْ (وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّ هَؤُلَاءِ قَطَعُوا الطَّرِيقَ بَلْ هَؤُلَاءِ قُبِلَتْ) شَهَادَتُهُمْ (وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ هَلْ قَطَعُوا الطَّرِيقَ عَلَيْكُمْ مَعَهُمْ) أَوْ لَمْ يَقْطَعُوهَا عَلَيْكُمْ مَعَهُمْ لِأَنَّهُ لَا يَبْحَثُ عَمَّا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ (وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُمْ عَرَضُوا لَنَا وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ عَلَى غَيْرِنَا قُبِلَتْ) شَهَادَتُهُمْ قَدَّمَهُ فِي الْفُصُولِ قَالَ وَعِنْدِي لَا تُقْبَلُ.
(وَيُعْتَبَرُ فِي عَدَمِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ) لِلْعَدَاوَةِ (كَوْنُ الْعَدَاوَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ) تَعَالَى (سَوَاءٌ) كَانَتْ الْعَدَاوَةُ (مَوْرُوثَةً أَوْ مُكْتَسَبَةً) .
وَفِي الْحَدِيثِ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْجُو مِنْهُنَّ أَحَدٌ: الْحَسَدُ وَالظَّنُّ وَالطِّيَرَةُ وَسَأُحَدِّثُكُمْ بِالْمَخْرَجِ مِنْ ذَلِكَ إذَا حَدَّثْتَ فَلَا تَبْغِ وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقِّقْ وَإِذَا تَطَيَّرْتَ فَامْضِ» .
(فَأَمَّا الْعَدَاوَةُ فِي الدِّينِ كَالْمُسْلِمِ يَشْهَدُ عَلَى الْكَافِرِ وَالْمُحِقُّ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يَشْهَدُ عَلَى الْمُبْتَدِعِ فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِأَنَّ الدِّينَ يَمْنَعُهُ مِنْ ارْتِكَابِ مَحْظُورٍ فِي دِينِهِ) .
(وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ لِعَدُوِّهِ) لِعَدَمِ التُّهْمَةِ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى عَدُوِّهِ (فِي عَقْدِ نِكَاحٍ) بِأَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ عَدُوًّا لِلزَّوْجَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا
стр. 3155
أَوْ لِلْوَلِيِّ وَتَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ.
(وَمَنْ شَهِدَ بِحَقٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ مَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ وَبَيْنَ مَنْ لَا تُرَدُّ) شَهَادَتُهُ لَهُ (لَمْ تُقْبَلْ) الشَّهَادَةُ (لِأَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ فِي نَفْسِهَا وَمَنْ سَرَّهُ مُسَاءَةُ أَحَدٍ أَوْ غَمَّهُ فَرَحًا وَطَلَبَ لَهُ الشَّرَّ وَنَحْوَهُ فَهُوَ عَدُوُّهُ) لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ لِلتُّهْمَةِ.
(السَّادِسُ مَنْ شَهِدَ عِنْدَ حَاكِمٍ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ بِتُهْمَةٍ لِرَحِمٍ أَوْ زَوْجِيَّةٍ أَوْ عَدَاوَةٍ أَوْ طَلَبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ ثُمَّ زَالَ الْمَانِعُ فَادَّعَاهَا لَمْ تُقْبَلْ كَمَا لَوْ رُدَّتْ لِفِسْقٍ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ التَّوْبَةِ) لِلتُّهْمَةِ فِي أَدَائِهَا لِكَوْنِهِ يُعَيَّرُ بِرَدِّهَا فَرُبَّمَا قَصَدَ بِأَدَائِهَا أَنْ يُقْبَلَ لِإِزَالَةِ الْعَارِ الَّذِي لَحِقَهُ بِرَدِّهَا وَلِأَنَّهَا رُدَّتْ بِاجْتِهَادٍ فَقَبُولُهَا نَقْضٌ لِذَلِكَ الِاجْتِهَادِ.
(تَنْبِيهٌ) يُتَصَوَّرُ زَوَالُ الرَّحِمِ فِي نَحْوِ مَا لَوْ شَهِدَ ابْنٌ لِأَبِيهِ الْغَائِبِ بِحَقٍّ ثُمَّ حَضَرَ وَلَاعَنَ عَلَى نَفْيِهِ بِشَرْطِهِ فَإِنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُ بِاللِّعَانِ فَإِذَا أَعَادَ شَهَادَةً بَعْدُ لَمْ تُقْبَلْ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ بِهَا الْفَاسِقُ عِنْدَ الْحَاكِمِ حَتَّى صَارَ عَدْلًا قُبِلَتْ) شَهَادَتُهُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِأَنَّ التُّهْمَةَ كَانَتْ مِنْ أَجْلِ الْعَارِ الَّذِي يَلْحَقُهُ فِي الرَّدِّ وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا.
(وَإِنْ رُدَّتْ) الشَّهَادَةُ (لِكُفْرٍ أَوْ صِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ خَرَسٍ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ قُبِلَتْ) شَهَادَتُهُ لِأَنَّ التُّهْمَةَ هُنَا مُنْتَفِيَةٌ لِأَنَّ رَدَّ الشَّهَادَةِ فِي تِلْكَ الْحَالَاتِ لَا غَضَاضَةَ فِيهِ وَلِأَنَّ الصِّبْيَانَ فِي زَمَنِهِ ﷺ كَانُوا يَرْوُونَ بَعْدَ مَا كَبِرُوا كَابْنِ الزُّبَيْرِ وَالشَّهَادَةُ فِي مَعْنَى الرِّوَايَةِ.
وَإِنْ شَهِدَ الشَّاهِدُ (عِنْدَهُ) أَيْ الْحَاكِمِ ثُمَّ حَدَثَ مَانِعٌ مِنْ عَمًى أَوْ خَرَسٍ أَوْ صَمَمٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ مَوْتٍ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ (لَمْ يُمْنَعْ الْحُكْمُ) لِأَنَّهُ مَعْنًى لَا يَقْتَضِي تُهْمَةً فِي حَالِ الشَّهَادَةِ فَلَمْ يُمْنَعْ قَبُولُهَا (إلَّا كُفْرٌ أَوْ فِسْقٌ أَوْ تُهْمَةٌ) فَيُمْنَعُ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ لِاحْتِمَالِ وُجُودِ ذَلِكَ عِنْدَ الشَّهَادَةِ وَانْتِفَاءِ ذَلِكَ حَالَ الشَّهَادَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْحُكْمِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَهُ.
(فَأَمَّا عَدَاوَةٌ ابْتَدَأَهَا مَشْهُودٌ عَلَيْهِ كَقَذْفِهِ الْبَيِّنَةَ لَمَّا شَهِدَتْ عَلَيْهِ لَمْ تُرَدّ شَهَادَتُهَا بِذَلِكَ وَكَذَا مُقَاوَلَتُهُ) أَيْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لِلْبَيِّنَةِ (وَقْتَ غَضَبٍ وَمُحَاكَمَةٍ بِدُونِ عَدَاوَةٍ ظَاهِرَةٍ سَابِقَةٍ) فَإِنَّهَا لَا تَمْنَعُ الْحُكْمَ وَإِلَّا لَتَمَكَّنَ كُلُّ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مِنْ إبْطَالِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِابْتِدَاءِ عَدَاوَةِ الشَّاهِدِ فَوَجَبَ أَنْ لَا تُمْنَعَ لِذَلِكَ قَالَ فِي التَّرْغِيبِ مَا لَمْ يَصِلْ إلَى حَدِّ الْعَدَاوَةِ أَوْ الْفِسْقِ وَحُدُوثِ مَانِعٍ فِي شَاهِدٍ أَصْلِيٍّ كَحُدُوثِهِ فِيمَنْ أَقَامَ الشَّهَادَةَ.
(وَإِنْ حَدَثَ مَانِعٌ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يُسْتَوْفَ حَدٌّ وَلَوْ قَذْفًا) لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ (وَلَا قَوَدٌ) لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لَا يُمْكِنُ تَلَافِيهِ (بَلْ) يَسْتَوْفِي (مَالٌ) حُكِمَ بِهِ لِنُفُوذِ الْحُكْمِ ظَاهِرًا.
(وَإِنْ شَهِدَ) السَّيِّدُ (لِمُكَاتَبِهِ أَوْ) شَهِدَ الْوَارِثُ (لِمَوْرُوثِهِ بِجُرْحٍ قَبْلَ بُرْئِهِ فَرُدَّتْ) الشَّهَادَةُ (ثُمَّ أَعَادَهَا مَا بَعْدَ
стр. 3156
الْعِتْقِ وَالْبُرْءِ لَمْ تُقْبَلْ) الشَّهَادَةُ لِأَنَّهَا رُدَّتْ لِلتُّهْمَةِ أَشْبَهَتْ الْمَرْدُودَةَ لِفِسْقٍ وَلِأَنَّ رَدَّهَا كَانَ بِاجْتِهَادٍ فَلَا يَنْقَضِ بِاجْتِهَادٍ آخَرَ أَوْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِدَفْعِ ضَرَرٍ أَوْ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ عَدَاوَةٍ ثُمَّ زَالَ الْمَانِعُ وَأَعَادَهَا.
[بَاب ذِكْرِ أَقْسَامِ الْمَشْهُودِ بِهِ وَذِكْرِ عَدَدِ شُهُودِهِ]
ِ أَيْ شُهُودِ كُلِّ قِسْمٍ مِنْهُ لِأَنَّ عَدَدَ الشُّهُودِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَقْسَامِ الْمَشْهُودِ بِهِ كَمَا سَتَرَاهُ وَأَقْسَامٌ مَشْهُودٌ بِهِ سَبْعَةٌ أَحَدُهَا الزِّنَا وَاللِّوَاطُ فَ (لَا يُقْبَلُ فِي الزِّنَا وَاللِّوَاطِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ) عُدُولٍ يَشْهَدُونَ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣] الْآيَةُ فَجَعَلَهُمْ كَاذِبِينَ إنْ لَمْ يَأْتُوا بِالْأَرْبَعَةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا تُقْبَلُ الثَّلَاثَةُ «وَقَالَ ﷺ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ: أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» وَاللِّوَاطُ مِنْ الزِّنَا (وَكَذَا الْإِقْرَارُ بِهِ) أَيْ بِالزِّنَا أَوْ اللِّوَاطِ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَرْبَعَةٍ (يَشْهَدُونَ أَنَّهُ أَقَرَّ أَرْبَعًا) لِأَنَّهُ إثْبَاتٌ لِلزِّنَا فَاعْتُبِرَ فِيهِ أَرْبَعَةٌ كَشُهُودِ الْفِعْلِ.
(فَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ بِهِمَا) أَيْ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ (أَعْجَمِيًّا قُبِلَ فِيهِ تُرْجُمَانَانِ) قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَتَقَدَّمَ فِي طَرِيقِ الْحُكْمِ وَصِفَتِهِ أَنَّ التَّرْجَمَةَ كَالشَّهَادَةِ فَلَا بُدَّ هُنَا مِنْ أَرْبَعَةٍ.
(وَمَنْ عُزِّرَ بِوَطْءِ فَرْجٍ مِنْ بَهِيمَةٍ وَأَمَةٍ مُشْتَرَكَةٍ) بَيْن الْوَاطِئِ وَغَيْرِهِ (وَنَحْوِهَا) كَأَمَةٍ لِوَلَدِهِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا (ثَبَتَ) مُوجِبٌ تَعْزِيرُهُ (بِرَجُلَيْنِ) كَظُلْمِ النَّاسِ فَإِنْ كَانَ الْوَطْءُ مُبَاحًا كَوَطْءِ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ إذَا اُحْتِيجَ إلَى إثْبَاتِهِ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: فَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَهُ كَذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَثْبُتَ بِرَجُلَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ حَدًّا، وَلَيْسَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ النِّسَاءُ غَالِبًا حَتَّى يُكْتَفَى فِيهِ بِامْرَأَةٍ وَلَمْ أَجِدْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ.
(وَ) الْقِسْمُ الثَّانِي دَعْوَى الْفَقْرِ وَ (لَا يُقْبَلُ قَوْلُ مَنْ عُرِفَ بِالْغِنَى أَنَّهُ فَقِيرٌ) لِيَأْخُذَ مِنْ نَحْوِ زَكَاةٍ (إلَّا بِثَلَاثَةٍ) رِجَالٍ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ، لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ» (وَتَقَدَّمَ) فِي بَابِ أَهْلِ الزَّكَاةِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثِ بَقِيَّةُ الْحُدُودِ (فَلَا تَثْبُتُ بَقِيَّةُ الْحُدُودِ)
стр. 3157
كَحَدِّ الْقَذْفِ وَالشُّرْبِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ (بِأَقَلَّ مِنْ رَجُلَيْنِ) لِقَوْلِ الزُّهْرِيُّ مَضَتْ السُّنَّةُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ (وَكَذَا الْقَوَدُ) فَيَثْبُتُ بِرَجُلَيْنِ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ فَيُقْبَلُ فِيهِ اثْنَانِ كَقَطْعِ الطَّرِيقِ بِخِلَافِ الزِّنَا.
(وَيَثْبُتُ الْقَوَدُ بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً) لِأَنَّ الْقَتْلَ فِيهِ حَقٌّ آدَمِيٌّ أَشْبَهَ الْمَالِ، وَكَذَا الْقَذْفُ وَالشُّرْبُ بِخِلَافِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَتَقَدَّمَ.
(وَ) الْقِسْمُ الرَّابِعُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَلَا يُقْبَلُ فِيمَا لَيْسَ بِعُقُوبَةٍ وَلَا مَالٍ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا كَنِكَاحٍ وَطَلَاقٍ وَرَجْعَةٍ وَنَسَبٍ وَوَلَاءٍ وَإِيصَاءٍ) فِي غَيْرِ مَالٍ (وَتَوْكِيلٍ فِي غَيْرِ مَالٍ وَتَعْدِيلِ شُهُودٍ وَجُرْحَتِهِمْ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] قَالَهُ فِي الرَّجْعَةِ وَالْبَاقِي قِيَاسًا وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ أَشْبَهَ الْعُقُوبَاتِ.
وَذَكَرَ الْقِسْمَ الْخَامِسَ بِقَوْلِهِ (وَيُقْبَلُ فِي مُوضِحَةٍ وَنَحْوِهَا) كَهَاشِمَةٍ وَمُنَقِّلَةٍ وَدَاءٍ بِعَيْنٍ (وَدَاءِ دَابَّةِ طَبِيبٌ وَاحِدٌ وَبَيْطَارٌ وَاحِدٌ مَعَ عَدَمِ غَيْرِهِ) لِأَنَّهُ مِمَّا يَعْسُرُ إشْهَادُ اثْنَيْنِ عَلَيْهِ فَكَفَى الْوَاحِدُ كَالرَّضَاعِ (فَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ) غَيْرُ الْوَاحِدِ (فَاثْنَانِ) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.
(فَإِنْ اخْتَلَفَا) بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا بِوُجُودِ الدَّاءِ وَالْآخَرُ بِعَدَمِهِ (قُدِّمَ قَوْلٌ مُثْبِتٌ) لِأَنَّهُ يَشْهَدُ بِزِيَادَةٍ لَمْ يُدْرِكْهَا الثَّانِي.
الْقِسْمُ السَّادِسُ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَيُقْبَلُ فِي مَالٍ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ كَالْبَيْعِ وَأَجَلِهِ) أَيْ أَجَلِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ أَوْ الْمُثَمَّنِ إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ (وَخِيَارِهِ) أَيْ خِيَارِ الشَّرْطِ فِي الْبَيْعِ (وَرَهْنٍ وَمَهْرٍ وَتَسْمِيَتِهِ وَرِقٍّ مَجْهُولِ النَّسَبِ وَإِجَارَةٍ وَشَرِكَةٍ وَصُلْحٍ وَهِبَةٍ وَإِيصَاءٍ فِي مَالٍ وَتَوْكِيلٍ فِيهِ وَقَرْضٍ وَجِنَايَةِ الْخَطَأِ وَوَصِيَّةٍ لِمُعَيَّنٍ وَوَقْفٍ عَلَيْهِ وَشُفْعَةٍ وَحَوَالَةٍ وَغَصْبٍ وَإِتْلَافِ مَالٍ وَضَمَانِهِ، وَفَسْخِ عَقْدٍ مُعَاوَضَةٍ وَدَعْوَى قَتْلِ كَافِرٍ لِأَخْذِ سَلْبِهِ وَدَعْوَى أَسِيرٍ تَقَدَّمَ إسْلَامُهُ لِمَنْعِ رِقٍّ وَعِتْقٍ وَكِتَابَةٍ وَتَدْبِيرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ) مِمَّا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ (رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ فَامْرَأَتَانِ) فَاعِلٌ يُقْبَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَسِيَاقُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِالْأَمْوَالِ.
وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى ذَلِكَ (أَوْ رَجُلٌ وَيَمِينُ الْمُدَّعِي) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عُمَارَةَ بْنِ حَزْمٍ وَحَدِيثُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ مِثْلُهُ وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَضَى بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَيَمِينِ صَاحِبِ الْحَقِّ» وَقَضَى بِهِ عَلِيٌّ بِالْعِرَاقِ رَوَاهُ
стр. 3158
أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَرُوِيَ الْحَدِيثُ عَنْ ثَمَانِيَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأُبَيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَعَنْ عُمَارَةَ بْنِ حَزْمٍ.
أَيْضًا كَمَا سَبَقَ وَلِأَنَّ الَّذِي هُنَا قَوَّى جَانِبَهُ بِالشَّاهِدِ وَظَهَرَ صِدْقُهُ أَشْبَهَ صَاحِبَ الْيَدِ وَالْمُنْكِرِ لِقُوَّةِ جَانِبِهِ.
(وَيَجِبُ تَقْدِيمُ الشَّاهِدِ عَلَى الْيَمِينِ) لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا شُرِعَتْ فِي حَقِّهِ لِقُوَّةِ جَانِبِهِ وَلَا يَقْوَى جَانِبُهُ إلَّا بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ (وَلَا يُشْتَرَطُ فِي يَمِينِهِ) أَيْ الْمُدَّعِي (أَنْ يَقُولَ وَإِنَّ شَاهِدِي صَادِقٌ فِي شَهَادَتِهِ) لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ يَمِينُ الْمَشْهُودِ لَهُ فِي ثُبُوتِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَلِذَلِكَ لَوْ طَلَبَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُجِيبَهُ وَقَدْ ثَبَتَتْ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ فَلَمْ يَجِبْ حَلِفُ الْمَشْهُودِ لَهُ عَلَى صِحَّتِهَا كَمَا لَوْ كَانَ مَعَ الشَّاهِدِ غَيْرِهِ (وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُبِلَ فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ فَلَا فَرْقَ بَيْن كَوْنِ الْمُدَّعِي مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا أَوْ عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً) لِأَنَّ مَنْ شُرِعَتْ الْيَمِينُ فِي حَقِّهِ لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ كَالْمُنْكِرِ.
(وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينُ الْمُدَّعِي) لِأَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ نَاقِصَةٌ وَإِنَّمَا انْجَبَرَتْ بِانْضِمَامِ الرَّجُلِ إلَيْهَا (وَلَا) شَهَادَةُ (أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَأَكْثَرَ مَقَامَ رَجُلَيْنِ) إجْمَاعًا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(قَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَا لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ مِثْلُ أَنْ يَجِدَ بِخَطِّهِ دَيْنًا لَهُ عَلَى إنْسَانٍ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ لَا يَكْتُبُ إلَّا حَقًّا وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَوْ يَجِدْ فِي روزمانج أَبِيهِ بِخَطِّهِ دَيْنًا لَهُ عَلَى إنْسَانٍ وَيَعْرِفُ مِنْ أَبِيهِ الْأَمَانَةَ وَأَنَّهُ لَا يَكْتُبُ إلَّا حَقًّا فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ) مَعَ شَاهِدٍ أَقَامَهُ بِهِ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ) أَيْ بِمَا وَجَدَهُ مِنْ خَطِّهِ مِنْ شَهَادَتِهِ أَوْ شَهَادَةِ أَبِيهِ وَتَقَدَّمَ.
(وَلَوْ أَخْبَرَهُ بِحَقِّ أَبِيهِ ثِقَةٌ) أَيْ عَدْلٌ ضَابِطٌ (فَسَكَنَ إلَيْهِ جَازَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ) إذَا أَقَامَ بِهِ شَاهِدًا (وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالشَّهَادَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ حَقٌّ لِغَيْرِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَنْ لَهُ الشَّهَادَةُ قَدْ زَوَّرَ عَلَى خَطِّهِ الثَّانِي أَمَّا مَا يَكْتُبُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ حُقُوقٍ بِكُتُبِهِ فَيَنْسَى بَعْضَهُ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ (وَالْأَوْلَى الْوَرَعُ عَنْ) الْحَلِفِ عَلَى (ذَلِكَ) احْتِيَاطًا.
(فَلَوْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ هَكَذَا فِي الْمُبْدِعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا وَلَعَلَّ الْمُرَادَ انْقَطَعَتْ الْخُصُومَةُ فَقَطْ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (فَإِنْ نَكَلَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ (حُكِمَ عَلَيْهِ) بِالنُّكُولِ وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي جِهَتِهِ وَقَدْ أَسْقَطَهَا بِنُكُولِهِ عَنْهَا وَصَارَتْ فِي جَنْبَةِ غَيْرِهِ فَلَمْ تَعُدْ إلَيْهِ كَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا نَكَلَ عَنْهَا.
(وَلَوْ كَانَ لِجَمَاعَةٍ حَقٌّ بِشَاهِدٍ فَأَقَامُوهُ) بَعْدَ دَعْوَاهُمْ (فَمَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ أَخَذَ نَصِيبَهُ) مِنْ الْحَقِّ لِكَمَالِ النِّصَابِ مِنْ جِهَتِهِ (وَلَا
стр. 3159
يُشَارِكُهُ) فِيمَا أَخَذَهُ (مَنْ لَمْ يَحْلِفْ) لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ لَهُ شَيْءٌ قَبْلَ حَلِفِهِ.
(وَلَا يَحْلِفُ وَارِثٌ نَاكِلٌ إلَّا أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ نُكُولِهِ) فَيَحْلِفُ وَارِثُهُ وَيَأْخُذُ مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ.
(وَيُقْبَلُ فِي جِنَايَةِ عَمْدٍ مُوجِبُهَا الْمَالُ دُونَ قِصَاصٍ فِي قَوَدٍ كَمَأْمُومَةٍ وَهَاشِمَةٍ وَمُنَقِّلَةٍ لَهُ قَوَدٌ مُوضِحَةٌ فِي ذَلِكَ) لَوْ ثَبَتَ بِشَاهِدَيْنِ.
(وَ) يُقْبَلُ أَيْضًا (فِي عَمْدٍ لَا قِصَاصَ فِيهِ حَالَ) كَالْجَائِفَةِ رَجُلَانِ وَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ وَ (شَاهِدٌ وَيَمِينٌ) لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْمَالَ أَشْبَهَ الْبَيْعَ وَكَذَا جِنَايَةُ أَبٍ عَلَى وَلَدِهِ وَقَتْلُ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ وَحُرٍّ لِعَبْدٍ (فَيَثْبُتُ الْمَالُ) بِشَهَادَةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ وَالرَّجُلُ وَالْيَمِينُ دُونُ مِنْ قَوَدِ الْمُوضِحَةِ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ رَجُلَيْنِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ ادَّعَى أَنَّ زَيْدًا ضَرَبَ أَخَاهُ بِسَهْمٍ عَمْدًا فَقَتَلَهُ وَنَفَذَ) السَّهْمُ (إلَى أَخِيهِ الْآخَرِ فَقَتَلَهُ خَطَأً وَأَقَامَ بِذَلِكَ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ ثَبَتَ قَالَ الثَّانِي فَقَطْ) لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لِلْمَالِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ قَتْلَهُ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ وَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِرَجُلَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ.
الْقِسْمُ السَّابِعُ هُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَيُقْبَلُ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ كَعُيُوبِ النِّسَاءِ تَحْتَ الثِّيَابِ وَالْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ وَالْحَيْضِ وَالْوِلَادَةِ وَالرَّضَاعِ وَالِاسْتِهْلَالِ وَنَحْوِهِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْبَرَصُ فِي الْجَسَدِ تَحْتَ الثِّيَابِ وَالْقَرْنُ وَالرَّتْقُ وَالْعَفَلُ (شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ عَدْلٍ وَكَذَا جِرَاحَةٌ وَغَيْرُهَا فِي حَمَّامٍ وَعُرْسٍ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لَا يَحْضُرُهُ رِجَالٌ) لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا» ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ.
وَرَوَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَجْزِي فِي الرَّضَاعِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ» وَلِأَنَّ ذَلِكَ مَعْنًى ثَبَتَ بِقَوْلِ النِّسَاءِ مُفْرَدَاتٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ كَالرِّوَايَةِ وَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ (وَالْأَحْوَطُ اثْنَتَانِ) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (وَإِنْ شَهِدَ بِهِ رَجُلٌ كَانَ أَوْلَى لِكَمَالِهِ) أَيْ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْ الْمَرْأَةِ وَكَالرِّوَايَةِ.
(وَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ) شَهِدَ (رَجُلٌ مَعَ يَمِينٍ فِيمَا يُثْبِتُ الْقَوَدَ) مِنْ قَتْلٍ أَوْ قَطْعِ طَرَفٍ (لَمْ يَثْبُتْ بِهِ قَوَدٌ وَلَا مَالٌ) لِأَنَّ الْعَمْدَ يُوجِبُ الْقِصَاصَ وَالْمَالُ بَدَلٌ مِنْهُ فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْأَصْلُ لَمْ يَثْبُتْ بَدَلُهُ، وَإِنْ قُلْنَا مُوجِبُهُ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ فَأَحَدُهُمَا لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِالِاخْتِيَارِ فَلَوْ أَوْجَبْنَا بِذَلِكَ الدِّيَةَ أَوْجَبْنَا مُعَيَّنًا بِدُونِ الِاخْتِيَارِ.
(وَإِنْ أَتَى بِذَلِكَ) أَيْ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ رَجُلٍ مَعَ يَمِينٍ (فِي) دَعْوَى (سَرِقَةٍ ثَبَتَ الْمَالُ) الْمَسْرُوقُ لِكَمَالِ بَيِّنَتِهِ (دُونَ الْقَطْعِ) لِأَنَّ السَّرِقَةَ تُوجِبُ الْمَالَ وَالْقَطْعَ، فَإِذَا كَانَ قَصُرَتْ الْبَيِّنَةُ عَنْ أَحَدِهِمَا ثَبَتَ الْآخَرُ.
(وَإِنْ أَتَى بِذَلِكَ) أَيْ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَيَمِينٍ (رَجُلٌ فِي) دَعْوَى
стр. 3160
(خُلْعٍ ثَبَتَ لَهُ الْعِوَضُ) لِأَنَّهُ يَدَّعِي الْمَالَ الَّذِي خَالَعَ بِهِ وَهُوَ يَثْبُتُ بِذَلِكَ (وَتَثْبُتُ الْبَيْنُونَةُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ) لِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ فَيُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ.
(وَإِنْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ) عَلَى زَوْجِهَا (الْخُلْعَ لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ إلَّا رَجُلَانِ) لِأَنَّهَا لَا تَقْصِدُ بِذَلِكَ إلَّا الْفَسْخَ، وَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي عِوَضٍ ثَبَتَ بِرَجُلَيْنِ وَرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ وَيَمِينٍ (وَلَوْ أَتَتْ) مَنْ ادَّعَتْ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى كَذَا (بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ) أَوْ رَجُلٍ وَحَلَفَتْ مَعَهُ يَمِينًا (أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِمَهْرٍ ثَبَتَ الْمَهْرُ) دُونَ النِّكَاحِ (لِأَنَّ النِّكَاحَ حَقٌّ لَهُ) أَيْ لِلرَّجُلِ فَلَا تَصِحُّ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِهِ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ وَلَا الدَّعْوَى بِهِ مِنْهَا إلَّا لِإِثْبَاتِ الْمَهْرِ.
(وَلَوْ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ) مَالًا (أَوْ غَصَبَهُ مَالًا فَحَلَفَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ مَا سَرَقَ مِنْهُ وَلَا غَصَبَهُ، وَأَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ شَهِدَ بِالسَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ أَوْ) أَقَامَ بِذَلِكَ (شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ اسْتَحَقَّ) الْمُدَّعِي (الْمَسْرُوقَ وَالْمَغْصُوبَ) لِكَمَالِ بَيِّنَتِهِ (وَلَمْ يَثْبُتْ طَلَاقٌ وَلَا عِتْقٌ) لِأَنَّهُ لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ لَهُ، لَكِنَّ الْعِتْقَ ثَبَتَ بِالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ أَوْ وَالْيَمِينِ فَيَثْبُتُ الْعِتْقُ أَيْضًا بِخِلَافِ الطَّلَاقِ، وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ فِي الْمُنْتَهَى عَلَى الطَّلَاقِ.
(وَإِنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى آخَرَ أَمَةً بِيَدِهِ لَهَا وَلَدٌ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ وَأَنَّ وَلَدَهَا وَلَدُهُ وَشَهِدَ بِذَلِكَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) أَوْ رَجُلٌ وَحَلَفَ مَعَهُ (حُكِمَ لَهُ بِالْأَمَةِ وَأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لَهُ) لِأَنَّهُ يَدَّعِي مِلْكَهَا، وَقَدْ أَقَامَ بَيِّنَةً كَافِيَةً فِيهِ وَثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ بِإِقْرَارِهِ لِأَنَّ إقْرَارَهُ نَافِذٌ فِي مِلْكِهِ وَالْمِلْكُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ أَوْ وَالْيَمِينِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلَّفِ أَنَّهُ حَصَلَ بِقَوْلِ الْبَيِّنَةِ وَلَيْسَ هُوَ بِمُرَادٍ بَلْ مُرَادُهُ الْحُكْمُ بِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ عِلَّةِ ذَلِكَ وَعِلَّتُهُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ مُقِرٌّ بِأَنَّ وَطْأَهَا كَانَ فِي مِلْكِهِ (وَلَا يَحْكُمُ لَهُ بِالْوَلَدِ وَلَا بِحُرِّيَّتِهِ) لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تَصْلُحُ لِإِثْبَاتِ ذَلِكَ (وَيُقِرُّ) الْوَلَدَ (فِي يَدِ الْمُنْكِرِ مَمْلُوكًا لَهُ) لِعَدَمِ مَا يَرْفَعُ يَدَهُ.
(وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكَهُ فَأَعْتَقَهَا، وَشَهِدَ بِذَلِكَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) أَوْ رَجُلٌ وَحَلَفَ (لَمْ يَثْبُتْ مِلْكٌ وَلَا عِتْقٌ) قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ بِمِلْكٍ قَدِيمٍ فَلَمْ يَثْبُتْ وَالْحُرِّيَّةُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَقِيلَ تَثْبُتُ كَالَّتِي قَبْلَهَا.
(وَلَوْ وَجَدَ عَلَى دَابَّةٍ مَكْتُوبٌ حَبِيسٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ) وَجَدَ (عَلَى أُسْكُفَّةِ دَارٍ أَوْ) عَلَى (حَائِطِهَا وَقْفٌ أَوْ مَسْجِدٌ أَوْ مَدْرَسَةٌ حُكِمَ بِهِ) أَيْ بِمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَلَيْهَا أَمَارَةٌ قَوِيَّةٌ فَعَمِلَ بِهَا لَا سِيَّمَا عِنْد عَدَمِ الْمُعَارَضَةِ وَأَمَّا إذَا عَارَضَ ذَلِكَ بَيِّنَةٌ لَا تُتَّهَمُ وَلَا تَسْتَنِدُ إلَى مُجَرَّدِ الْيَدِ، بَلْ تَذْكُرُ سَبَبَ الْمِلْكِ وَاسْتِمْرَارِهِ فَإِنَّهَا تُقَدَّمُ عَلَى هَذِهِ الْأَمَارَاتِ وَأَمَّا إنْ عَارَضَهَا مُجَرَّدُ
стр. 3161
الْيَدِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهَا، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَمَارَاتِ بِمَنْزِلَةِ الْبَيِّنَةِ وَالشَّاهِدُ وَالْيَدُ تُرْفَعُ لِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ فِي آخِرِ الطَّرِيقِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ (وَلَوْ وَجَدَ عَلَى كُتُبِ عِلْمٍ فِي خِزَانَةٍ) بِكَسْرِ الْخَاءِ (هَذِهِ طَوِيلَةٌ فَكَذَلِكَ) أَيُّ حُكْمٌ بِوَقْفِهَا عَمَلًا بِتِلْكَ الْقَرِينَةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَقَرَّ الْكُتُبِ وَلَا عَرَفَ مَنْ كَتَبَ عَلَيْهَا الْوَقْفِيَّةَ (تَوَقَّفَ فِيهَا وَعَمِلَ بِالْقَرَائِنِ) فَإِنْ قَوِيَتْ حُكْمًا بِمُوجِبِهَا وَإِنْ ضَعَفَتْ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهَا، وَإِنْ تَوَسَّطَتْ طَلَبَ الِاسْتِظْهَارَ وَسَلَكَ طَرِيقَ الِاحْتِيَاطِ ذَكَرَهُ مُلَخَّصًا فِي الطُّرُقِ الْمَكِّيَّةِ.
[بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ]
ِ سَوَاءٌ كَانَتْ أَصَالَةً أَوْ عَلَى شَهَادَةٍ وَلِذَلِكَ لَمْ يُضْمَرْ.
(وَ) بَابُ (أَدَائِهَا) أَيْ كَيْفِيَّةُ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ مُطْلَقًا قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فَقَالَ هِيَ جَائِزَةٌ وَكَانَ قَوْمٌ يُسَمُّونَهَا التَّأْوِيلَ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَجْمَعَتْ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ عَلَى إمْضَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ وَالْمَعْنَى شَاهِدٌ بِذَلِكَ لِأَنَّ
الْحَاجَةَ
دَاعِيَةٌ إلَيْهَا لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تُقْبَلْ لَتَعَطَّلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْوُقُوفِ وَمَا يَتَأَخَّرُ إثْبَاتُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ مَاتَتْ شُهُودُهُ وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى النَّاسِ وَمَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ فَوَجَبَ قَبُولُهَا كَشَهَادَةِ الْأَصْلِ.
(لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ إلَّا فِي حَقٍّ يُقْبَلُ فِيهِ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي) وَهُوَ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ مِنْ مَالٍ وَقِصَاصٍ وَحَدٍّ وَقَذْفٍ (وَتَرِدُ) الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ (فِيمَا يَرِدُ) كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهُ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي كَوْنِهِمَا فَرْعًا لِأَصْلٍ، وَلِأَنَّ الْحُدُودَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السَّتْرِ وَالدَّرْءِ بِالشُّبُهَاتِ وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيهَا شُبْهَةٌ يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا احْتِمَالُ الْغَلَطِ وَالسَّهْوِ وَالْكَذِبِ فِي شُهُودِ الْفَرْعِ مَعَ احْتِمَالِ ذَلِكَ فِي شُهُودِ الْأَصْلِ وَهَذَا احْتِمَالٌ زَائِدٌ لَا يُوجَدُ فِي شُهُودِ الْأَصْلِ وَلِأَنَّهَا إنَّمَا تُقْبَلُ لِلْحَاجَةِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا فِي الْحَدِّ لِأَنَّ سَتْرَ صَاحِبِهِ أَوْلَى مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ.
(وَلَا يُحْكَمُ بِهَا) أَيْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ إلَّا بِشُرُوطٍ أَحَدِهَا مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ شَهَادَةُ شُهُودِ الْأَصْلِ بِمَوْتٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ غَيْبَةٍ إلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ أَوْ خَوْفٍ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ حَبْسٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ، وَفِي مَعْنَاهُ الْجَهْلُ بِمَكَانِهِمْ وَلَوْ فِي الْمِصْرِ) لِأَنَّ شَهَادَةَ الْأَصْلِ أَقْوَى
стр. 3162
لِأَنَّهَا تُثْبِتُ نَفْسَ الْحَقِّ وَهَذِهِ لَا تُثْبِتُهُ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا أَمْكَن أَنْ يَسْمَعَ شَهَادَةَ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ اُسْتُغْنِيَ عَنْ الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَةِ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ، وَكَانَ أَحْوَطَ لِلشَّهَادَةِ فَإِنَّ سَمَاعَهُ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ مَعْلُومٌ وَصِدْقَ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ عَلَيْهِمَا مَظْنُونٌ وَالْعَمَلُ بِالْيَقِينِ مَعَ إمْكَانِهِ أَوْلَى مِنْ اتِّبَاعِ الظَّنِّ (وَالْمَرْأَةُ الْمُخَدَّرَةُ) أَيْ الْمُلَازِمَةُ لِلْخِدْرِ وَهُوَ السِّتْرُ وَيُقَالُ امْرَأَةٌ خَفِرَةٌ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ شَدِيدَةُ الْحَيَاءِ وَهِيَ ضِدُّ الْبَرْزَةِ (كَالْمَرِيضِ) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهُ.
(وَ) الشَّرْطُ الثَّانِي: اسْتِرْعَاءُ الْأَصْلِ الْفَرْعَ عَلَى مَا يَذْكُرهُ وَ (لَا يَجُوزُ لِشَاهِدِ الْفَرْعِ أَنْ يَشْهَدَ إلَّا أَنْ يَسْتَرْعِيَهُ شَاهِدُ الْأَصْلِ أَوْ يَسْتَرْعِيَ) الْأَصْلُ (غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ الشَّاهِدِ الْفَرْعِ (وَهُوَ يَسْمَعُ) وَأَصْلُ الِاسْتِرْعَاءِ مِنْ قَوْلِ الْمُحَدِّثِ لِمَنْ يُحَدِّثُهُ: أَرِعْنِي سَمْعَكَ، يُرِيدُ اسْمَعْ مِنِّي (فَيَقُولُ) الْأَصْلُ لِغَيْرِهِ (اشْهَدْ أَنِّي أَشْهَدُ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا أَوْ اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي بِكَذَا) قَالَ أَحْمَدُ: لَا تَكُونُ شَهَادَةٌ إلَّا أَنْ يُشْهِدْكَ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيهَا مَعْنَى النِّيَابَةِ، وَالنِّيَابَةُ بِغَيْرِ إذْنٍ لَا تَجُوزُ (أَوْ يَسْمَعُهُ يَشْهَدُ عِنْد الْحَاكِمِ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ) تُزِيلُ الِاحْتِمَالَ أَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَرْعَاهُ (أَوْ) يَسْمَعُهُ (يَشْهَدُ بِحَقٍّ يُعْزِيهِ إلَى سَبَبٍ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ إجَارَةٍ وَنَحْوِهِ فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ) عَلَى شَهَادَتِهِ لِأَنَّهُ بِنِسْبَتِهِ الْحَقَّ إلَى سَبَبِهِ يَزُولُ الِاحْتِمَالُ أَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَرْعَاهُ.
(وَ) الشَّرْطُ الثَّالِثُ (أَنْ يُؤَدِّيَهَا الْفَرْعُ بِصِفَةٍ) تَحَمُّلِهِ لَهَا (فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ وَقَدْ عَرَفْتُهُ بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَعَدَالَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ عَدَالَتَهُ لَمْ يَذْكُرْهَا أَشْهَدَنِي أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانَ ابْنِ فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ كَذَا، أَوْ) يَقُولُ (أَشْهَدَنِي أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا وَإِنْ سَمِعَهُ) شَاهِدُ الْفَرْع (يُشْهِدُ غَيْرَهُ، قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا بْنَ فُلَانٍ أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ أَنَّ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ كَذَا وَإِنْ كَانَ سَمِعَهُ يَشْهَدُ عِنْدَ الْحَاكِمِ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا بْنَ فُلَانٍ شَهِدَ عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِكَذَا وَإِنْ كَانَ) شَاهِدُ الْحَقِّ يَنْسِبُ (الْحَقَّ إلَى سَبَبِهِ) مِنْ قَرْضٍ أَوْ ثَمَنٍ مَبِيعٍ وَنَحْوِهِ فَسَمِعَهُ شَاهِدُ الْفَرْعِ.
(قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا بْنَ فُلَانٍ قَالَ اشْهَدْ أَنَّ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ كَذَا مِنْ جِهَةِ كَذَا) فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّهَا الْفَرْعَ عَلَى صِفَةِ تَحَمُّلِهِ لَمْ يُحْكَمْ بِهَا لِلِاخْتِلَافِ فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِرْعَاءِ، فَقَدْ يَرَى الشَّاهِدُ فِي الِاسْتِرْعَاءِ مَا لَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ فَلَا يَسُوغُ لَهُ الْحُكْمُ.
(وَإِنْ أَرَادَ الْحَاكِمُ أَنْ يَكْتُبَ) أَدَاءَ الْفَرْعِ لِشَهَادَتِهِ (كَتَبَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْأَدَاءِ) أَيْ عَلَى صِفَةِ الْأَدَاءِ لِيَكُونَ مَا كَتَبَهُ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ (وَمَا عَدَا هَذِهِ الْمَوَاضِعَ) الْمَذْكُورَةَ فِي الِاسْتِرْعَاءِ (لَا يَجُوزُ) لِلْفَرْعِ أَنْ يَشْهَدَ فِيهَا عَلَى الشَّهَادَةِ، فَإِذَا سَمِعَهُ يَقُولُ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ (أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ
стр. 3163
عَلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ) لِمَنْ سَمِعَهُ (أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ لِأَنَّهُ) أَيْ الْأَصْلَ (لَمْ يَسْتَرْعِهِ) أَيْ الْفَرْعَ (الشَّهَادَةُ وَلَمْ يَعْزُهَا) الْأَصْلُ (إلَى سَبَبٍ) مِنْ بَيْعٍ وَنَحْوِهِ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ وَعْدٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالشَّهَادَةِ الْعِلْمَ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ مَعَ الِاحْتِمَالِ بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَرْعَاهُ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَرْعِيهِ إلَّا عَلَى وَاجِبٍ وَبِخِلَافِ الْإِقْرَارِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى إقْرَارِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَرْعِهِ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ قَوْلُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ عَلَيْهَا (وَلَوْ قَالَ شَاهِدُ الْأَصْلِ أَنَا أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفًا فَاشْهَدْ بِهِ أَنْتَ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ) لِلْفَرْعِ (أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ) لِعَدَمِ الِاسْتِرْعَاءِ وَإِعْزَائِهَا إلَى سَبَبٍ.
(وَلَا تَثْبُتُ شَهَادَةُ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ إلَّا بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ) فَأَكْثَرَ (يَشْهَدَانِ عَلَيْهِمَا سَوَاءٌ شَهِدَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْأَصْلَيْنِ (أَوْ شَهِدَ عَلَى كُلِّ شَاهِدٍ) أَصْلٌ (شَاهِدٌ) فَرْعٌ كَمَا لَوْ شَهِدَا بِنَفْسِ الْحَقِّ لِأَنَّ شُهُودَ الْفَرْعِ بَدَلٌ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ فَاكْتُفِيَ بِمِثْلِ عَدَدِهِمْ (وَالنِّسَاءُ تَدْخُلُ فِي شَهَادَةِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي كُلِّ حَقٍّ يَثْبُتُ بِشَهَادَتَيْنِ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ شَهَادَتِهِنَّ إثْبَاتُ الْحَقِّ الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ شُهُودُ الْأَصْلِ فَيَدْخُلُ النِّسَاءُ فِيهِ كَمَا لَوْ شَهِدَتْ بِأَصْلِ الْحَقِّ (فَيَشْهَدُ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ) يَشْهَدُ (رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ عَلَى رَجُلَيْنِ) فِي الْمَالِ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ لِأَنَّ لَهُنَّ مَدْخَلًا فِيهِ (فَتَصِحُّ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ عَلَى امْرَأَةٍ) كَالرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ (وَسَأَلَهُ) أَيْ الْإِمَامُ (حَرْبٌ عَنْ شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ عَلَى امْرَأَتَيْنِ فَقَالَ يَجُوزُ) لِأَنَّهُ مِمَّا لِلنِّسَاءِ مَدْخَلٌ فِيهِ.
(وَإِنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ شَاهِدُ الْأَصْلِ وَشَاهِدًا فَرْعٍ يَشْهَدَانِ) عَلَى أَصْلٍ آخَرَ جَازَ (أَوْ) شَهِدَ بِالْحَقِّ شَاهِدُ الْأَصْلِ وَفَرْعٌ (وَاحِدٌ عَلَى شَهَادَةِ أَصْلٍ آخَرَ جَازَ) أَيْ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ وَحُكِمَ بِهَا لِأَنَّ الشَّاهِدَ الْفَرْعَ بَدَلٌ عَنْ شَاهِدِ الْأَصْلِ فَيَقُومُ مَقَامَهُ.
وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدٌ فَرْعٌ عَلَى أَصْلٍ وَتَعَذَّرَ الْأَصْلُ (الْآخَرُ) أَوْ فَرْعُهُ حَلَفَ الْمُدَّعِي (وَاسْتَحَقَّ) فِيمَا يُقْضَى فِيهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لِقِيَامِ الْفَرْعِ مَقَامَ الْأَصْلِ.
(وَتَصِحُّ شَهَادَةُ فَرْعٍ عَلَى فَرْعٍ بِشَرْطِهِ) مِنْ التَّعَذُّرِ وَالِاسْتِرْعَاءِ وَغَيْرِهِمَا لِأَنَّ
الْحَاجَةَ
تَدْعُو إلَى ذَلِكَ.
الشَّرْطِ الرَّابِعِ عَدَمُ تَعَذُّرِ شُهُودِ الْأَصْلِ إلَى صُدُورِ الْحُكْمِ فَ (إذَا شَهِدَ الْفُرُوعُ فَلَمْ يَحْكُمْ الْحَاكِمُ حَتَّى حَضَرَ الْأُصُولُ) مِنْ السَّفَرِ (أَوْ) حَتَّى (صَحُّوا) مِنْ الْمَرَضِ (أَوْ) حَتَّى (زَالَ خَوْفُهُمْ) مِنْ سُلْطَانٍ وَنَحْوِهِ (وَقَفَ حُكْمُهُ عَلَى سَمَاعِهِ شَهَادَتَهُمْ مِنْهُمْ) لِأَنَّهُ قَدِرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ الْعَمَلِ بِالْبَدَلِ كَالْمُتَيَمِّمِ يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ.
(وَإِنْ حَدَثَ فِيهِمْ) أَيْ الْأُصُولِ (مَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ) نَحْوُ رِدَّةٍ أَوْ فِسْقٍ (لَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ) بِشَهَادَةِ الْفَرْعِ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَنْبَنِي عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلِ أَشْبَهَ مَا لَوْ فَسَقَ شُهُودُ الْفَرْعِ.
стр. 3164
(وَ) الشَّرْطُ الْخَامِسُ عَدَالَةُ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ فَ (لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمَ بِالْفُرُوعِ حَتَّى تَثْبُتَ عَدَالَتُهُمْ وَعَدَالَةُ أُصُولِهِمْ) لِأَنَّهُمَا شَهَادَتَانِ فَلَا يُحْكَمُ بِهِمَا بِدُونِ عَدَالَةِ الشُّهُودِ وَالْحُكْمُ يَنْبَنِي عَلَى كُلٍّ مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ فَاعْتُبِرَتْ لِلشُّرُوطِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا.
(وَلَا يَجِبُ عَلَى فَرْعٍ تَعْدِيلُ أَصْلِهِ) لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْرِفَهُ (وَيَتَوَلَّى الْحَاكِمُ ذَلِكَ) أَيْ الْبَحْثَ عَنْ عَدَالَةِ الْأُصُولِ كَمَا لَوْ شَهِدُوا عِنْدَهُ ابْتِدَاءً (وَإِنْ عَدَّلَهُ) أَيْ الْأَصْلُ (الْفَرْعَ قُبِلَ) إكْفَاءً بِمَا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ عَدَالَةِ الْفَرْعِ.
(وَلَا تَصِحُّ تَزْكِيَةُ أَصْلٍ لِرَقِيقِهِ) وَلَا أَنْ يَكُونَ فَرْعًا عَنْهُ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى انْحِصَارِ الشَّهَادَةِ فِي أَحَدِهِمَا (وَتَقَدَّمَ) .
وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا تَعْيِينُ أَصْلٍ كَفَرْعٍ قَالَ الْقَاضِي حَتَّى لَوْ قَالَ شَافِعِيَّانِ أَشْهَدَنَا صَحَابِيَّانِ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُعَيِّنَاهُمَا وَدَوَامُ عَدَالَةِ الْجَمِيعِ إلَى صُدُورِ الْحُكْمِ.
(وَإِذَا حُكِمَ بِشَهَادَةِ شُهُودِ الْفَرْعِ ثُمَّ رَجَعُوا) عَنْ شَهَادَتِهِمْ (لَزِمَهُمْ الضَّمَانُ) لِأَنَّ الْإِتْلَافَ حَصَلَ بِشَهَادَتِهِمْ كَمَا لَوْ أَتْلَفُوهُ بِأَيْدِيهِمْ (مَا لَمْ يَقُولُوا بَانَ) أَيْ ظَهَرَ (لَنَا كَذِبُ الْأُصُولِ أَوْ غَلَطِهِمْ) لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهُمْ لَيْسَ بِرُجُوعٍ عَنْ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي شَهَادَةَ الْأُصُولِ.
(وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ الْأَصْلِ قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ يُحْكَمْ بِهَا) لِتَأَكُّدِ الشَّهَادَةِ بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ.
(وَإِنْ رَجَعُوا) أَيْ شُهُودُ الْأَصْلِ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْحُكْمِ (فَقَالُوا كَذَبْنَا أَوْ غَلِطْنَا ضَمِنُوا) لِاعْتِرَافِهِمْ بِتَعَمُّدِ الْإِتْلَافِ بِقَوْلِهِمْ كَذَبْنَا أَوْ بِخَطَئِهِمْ بِقَوْلِهِمْ غَلِطْنَا.
(وَلَوْ قَالُوا) أَيْ الْأُصُولُ (بَعْدَ الْحُكْمِ مَا أَشْهَدْنَاهُمْ بِشَيْءٍ لَمْ يَضْمَنْ الْفَرِيقَانِ شَيْئًا) مِمَّا فَاتَ بِالْحُكْمِ لِأَنَّ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ لَمْ يَثْبُتْ كَذِبُهُمَا وَشَاهِدَيْ الْأَصْلِ لَمْ يَثْبُتْ رُجُوعُهُمَا لِأَنَّ الرُّجُوعَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الشَّهَادَةِ فَإِنْكَارُ أَصْلِ الشَّهَادَةِ لَا يَكُونُ رُجُوعًا عَنْهَا.
(وَمَنْ زَادَ فِي شَهَادَتِهِ أَوْ نَقَصَ بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ قَبْلَ الْحُكْمِ مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ بِمِائَةٍ ثُمَّ يَقُولُ بَلْ هِيَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ أَوْ) يَقُولُ (بَلْ هِيَ تِسْعُونَ) قَبْلُ وَيُحْكَمُ بِمَا شَهِدَ بِهِ أَخِيرًا لِأَنَّ شَهَادَتَهُ الْأَخِيرَةَ شَهَادَةٌ مِنْ عَدْلٍ غَيْرِ مُتَّهَمٍ لَمْ يَرْجِعْ عَنْهَا فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِهَا كَمَا لَمْ يَتَقَدَّمْهَا مَا يُخَالِفُهَا وَلَا تُعَارِضُهَا الشَّهَادَةُ الْأُولَى لِأَنَّهَا قَدْ بَطَلَتْ بِرُجُوعِهِ عَنْهَا.
(أَوْ أَدَّى) الشَّهَادَةَ (بَعْدَ إنْكَارِهَا) أَيْ الشَّهَادَةِ بِأَنْ قَالَ لَيْسَ لِي عَلَيْهِ شَهَادَةٌ ثُمَّ أَدَّاهَا وَقَالَ كُنْتُ أُنْسِيتُهَا قُبِلَ نَصٌّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي حَقِّ الْمَرْأَتَيْنِ ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَقَبِلَهَا بَعْدَ إثْبَاتِ الضَّلَالِ وَالنِّسْيَانِ فِي حَقِّهَا فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُ الْعَدْلِ فِيمَا نَسِيَهُ ثُمَّ ذَكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ (كَقَوْلِهِ لَا أَعْرِفُ الشَّهَادَةَ ثُمَّ يَشْهَدُ) فَتُقْبَلُ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ إذَا قُبِلَتْ بَعْدَ إنْكَارِهَا
стр. 3165
فَهُنَا أَوْلَى.
(وَإِنْ كَانَ) زَادَ فِي شَهَادَتِهِ أَوْ نَقَصَ (بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَمَّ فَلَا يَنْقُضُ بَعْدَ تَمَامِهِ.
(وَإِنْ رَجَعَ) عَنْ شَهَادَتِهِ (قَبْلَهُ) أَيْ الْحُكْمِ (لَغَتْ) شَهَادَتَهُ لِأَنَّ الرُّجُوعَ أَوْجَبَ ظَنًّا فِي شَهَادَتِهِ بِبُطْلَانِهَا فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهَا (وَلَا حُكِمَ) بِشَهَادَتِهِ بَعْدَ رُجُوعِهِ عَنْهَا وَلَوْ أَدَّاهَا بَعْدَ ذَلِكَ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى (وَلَمْ يَضْمَنْ) شَيْئًا لِأَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَتِمَّ.
(وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ) الشَّاهِدُ (بِالرُّجُوعِ) عَنْ شَهَادَتِهِ (بَلْ قَالَ لِلْحَاكِمِ تَوَقَّفْ فَتَوَقَّفَ ثُمَّ أَعَادَ الشَّهَادَةَ قُبِلَتْ) شَهَادَتُهُ (وَيُعْتَدُّ بِهَا) أَيْ فَيَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا لِأَنَّ قَوْلَهُ تَوَقَّفْ لَيْسَ رُجُوعًا.
[فَصْل وَإِذَا رَجَعَ شُهُودُ الْمَالِ بَعْدَ الْحُكْمِ]
ِ (أَوْ) رَجَعَ شُهُودُ (الْعِتْقِ بَعْدَ الْحُكْمِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يَنْقَضِ الْحُكْمُ لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ وَوَجَبَ الْمَشْهُودُ بِهِ لِلْمَشْهُودِ لَهُ وَرُجُوعُ الشَّاهِدِ عَنْ شَهَادَةِ الْمَحْكُومِ بِهَا لَا يُوجِبُ نَقْضَهُ وَإِنْ قَالَا أَخْطَأْنَا لَمْ يَجِبْ النَّقْضُ أَيْضًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَا أَخْطَآ فِي قَوْلِهِمَا الثَّانِي) بِأَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمَا الْحَالُ (وَيَلْزَمُهُمْ) أَيْ الشُّهُودَ (الضَّمَانُ) أَيْ بَدَلُ الْمَالِ الَّذِي شَهِدُوا بِهِ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ الْمَشْهُودِ بِعِتْقِهِ قُبِضَ أَوْ لَمْ يُقْبَض تَلِفَ أَوْ لَا لِأَنَّهُمَا أَخْرَجَاهُ مِنْ يَدِ مَالِكِهِ وَحَالَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَلَزِمَهُمَا ضَمَانُهُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَاهُ.
وَكَذَا لَوْ شَهِدَا عَلَى مُوسِرٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَسَرَى إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ وَغَرِمَ لَهُ قِيمَتُهُ ثُمَّ رَجَعَا غَرِمَا قِيمَةَ الْعَبْدِ كُلِّهِ لِأَنَّهُمَا ضَيَّعَا عَلَيْهِ نَصِيبَهُ وَقِيمَةَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ فَوَّتَاهُ بِفِعْلِهِمَا كَجَرْحٍ (مَا لَمْ يُصَدِّقْهُمْ الْمَشْهُودُ لَهُ) بِالْمَالِ فَلَا تَضْمَنُهُ الشُّهُودُ ثُمَّ إنْ كَانَ قَبَضَ مِنْهُ شَيْئًا رَدَّهُ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَوْ بَدَّلَهُ إنْ تَلِفَ لِاعْتِرَافِهِ بِأَخْذِ ذَلِكَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَ شَيْئًا بَطَلَ حَقُّهُ مِنْ الْمَشْهُودِ بِهِ.
(وَلَا ضَمَانَ عَلَى مُزَكٍّ إذَا رَجَعَ مُزَكٍّ) لِأَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمُزَكِّينَ لِأَنَّ الْمُزَكِّينَ أَخْبَرُوا بِظَاهِرِ حَالِ الشُّهُودِ وَأَمَّا بَاطِنُهُ فَعِلْمُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
(وَإِنْ شَهِدُوا بِدَيْنٍ) وَحُكِمَ بِشَهَادَتِهِمْ (فَأَبْرَأ) الْمَدِينُ (مِنْهُ مُسْتَحَقَّهُ ثُمَّ رَجَعَا) أَيْ الشَّاهِدَانِ (لَمْ يَغْرَمَاهُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَغْرَمْ شَيْئًا وَكَذَا لَوْ شَهِدَا عَلَى سَيِّدِ عَبْدٍ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ عَلَى مِائَةٍ وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا لَمْ يَغْرَمَا شَيْئًا لِأَنَّهُمَا لَمْ يُفَوِّتَا عَلَى رَبِّ الْعَبْدِ شَيْئًا.
(وَلَوْ قَبَضَهُ) أَيْ الدَّيْنَ (مَشْهُودٌ لَهُ ثُمَّ وَهَبَهُ لِمَشْهُودٍ عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَا) عَنْ شَهَادَتِهِمَا (غَرِمَاهُ) أَيْ غَرِمَا
стр. 3166
الْمَالَ الْمَشْهُودَ بِهِ كَمَا لَوْ تَنَصَّفَ الصَّدَاقُ بَعْدَ هِبَتِهَا إيَّاهُ لِزَوْجِهَا فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَغْرَمُ لِلزَّوْجِ نِصْفَهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ طَلَاقٍ قَبْلَ الدُّخُولِ بِالْمُطَلَّقَةِ وَبَعْدَ الْحُكْمِ غَرِمُوا نِصْفَ الْمُسَمَّى أَوْ بَدَلَهُ) وَهُوَ الْمُتْعَةُ لَمْ يُسَمَّ لَهَا مَهْرُ الشُّهُودِ أَلْزَمُوهُ لِلزَّوْجِ بِشَهَادَتِهِمْ بِطَلَاقِهَا كَمَا يَغْرَمُ ذَلِكَ مَنْ فُسِخَ نِكَاحُهُ بِرَضَاعٍ وَنَحْوِهِ (وَإِنْ كَانَ) الطَّلَاقُ الْمَشْهُودُ بِهِ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْد الدُّخُولِ وَحُكِمَ بِشَهَادَتِهِمْ ثُمَّ رَجَعُوا (وَلَوْ) كَانَ الطَّلَاقُ (بَائِنًا لَمْ يَغْرَمُوا) أَيْ الشُّهُودُ شَيْئًا مِنْ الْمَهْرِ لِأَنَّ الْمَهْرَ قَدْ تَقَرَّرَ عَلَيْهِ كُلُّهُ بِالدُّخُولِ فَلَمْ يُقَرِّرُوا عَلَيْهِ شَيْئًا بِشَهَادَتِهِمْ وَلَمْ يُخْرِجُوا عَنْ مِلْكِهِ شَيْئًا مُتَقَوِّمًا أَشْبَهُوا قَاتِلَهَا.
(وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ قِصَاصٍ أَوْ) شُهُودُ (حَدٍّ بَعْدَ الْحُكْمِ) بِشَهَادَتِهِمْ (وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ لَمْ يُسْتَوْفَ) الْقَوَدُ وَلَا الْحَدُّ لِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ عُقُوبَةٌ لَا سَبِيلَ إلَى جَبْرِهَا إذَا اُسْتُوْفِيَتْ بِخِلَافِ الْمَالِ وَلِأَنَّ رُجُوعَ الشُّهُودِ شُبْهَةٌ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِمْ وَالْقَوَدُ وَالْحَدُّ يُدْرَآنِ بِالشُّبْهَةِ (وَوَجَبَتْ دِيَةُ قَوَدٍ لِلْمَشْهُودِ لَهُ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِالْعَمْدِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ وَقَدْ سَقَطَ أَحَدُهُمَا فَتَعَيَّنَ الْآخَرُ وَيَرْجِعُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِمَا غَرِمَهُ مِنْ الدِّيَةِ عَلَى الْمَشْهُودِ.
(وَيُسْتَوْفَى) الْقِصَاصُ أَوْ الْحَدُّ (إذَا طَرَأَ فِسْقُهُمْ) بَعْدَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ هَذَا مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ فِي الْإِنْصَافِ وَالْمُبْدِعِ وَتَقَدَّمَ فِي آخِرِ الْمَوَانِعِ أَنَّهُ لَا يُسْتَوْفَى حَدٌّ وَلَا قَوَدٌ إذْن بَلْ الْمَالُ.
(وَإِنْ كَانَ) رُجُوعُهُمْ عَنْ الشَّهَادَةِ أَوْ فِسْقُهُمْ (بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ) لِلْمَحْكُومِ بِهِ (لَمْ يُبْطِلْ الْحُكْمَ) لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ بِشُرُوطِهِ (وَلَا يَلْزَمُ الْمَشْهُودُ لَهُ شَيْءٌ سَوَاءٌ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ مَالًا أَوْ عُقُوبَةً) لِأَنَّ قَوْلَ الشُّهُودِ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي نَصِّ الْحُكْمِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(فَإِنْ قَالُوا) أَيْ الشُّهُودُ (عَمَدْنَا عَلَيْهِ بِالزُّورِ لِيُقْتَلَ أَوْ يُقْطَعَ فَعَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ) فِي النَّفْسِ أَوْ الطَّرَفِ وَتَقَدَّمَ فِي الْجِنَايَاتِ (وَإِنْ قَالُوا عَمَدْنَا الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ وَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهَا وَكَانَا مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يَجْهَلَ ذَلِكَ وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي أَمْوَالِهِمَا مُغَلَّظَةٌ لِإِقْرَارِهِمَا بِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِسَبَبِهِمَا وَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ إقْرَارًا كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ قَالُوا أَخْطَأْنَا فَعَلَيْهِمْ دِيَةُ مَا تَلِفَ) مُخَفَّفَةً لِأَنَّهُ خَطَأٌ وَتَكُونُ فِي أَمْوَالِهِمْ لِأَنَّهُ بِإِقْرَارِهِمْ وَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُهُ (أَوْ أَرْشُ الضَّرْبِ) إنْ كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا أَوْ حَصَلَ بِهِ نَقْصٌ (وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ) .
(وَكُلُّ مَوْضِعٍ وَجَبَ) فِيهِ (الضَّمَانُ عَلَى الشُّهُودِ بِالرُّجُوعِ فَإِنَّهُ) أَيْ الْغُرْمَ (يُوَزَّعُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ بِحَيْثُ لَوْ رَجَعَ شَاهِدٌ مِنْ عَشْرَةٍ غَرِمَ الْعَشْرُ) لِأَنَّ التَّفْوِيتَ حَصَلَ مِنْهُمْ كُلِّهِمْ فَوَجَبَ التَّقْسِيطُ عَلَى عَدَدِهِمْ كَمَا لَوْ اتَّفَقَ جَمَاعَةٌ وَأَتْلَفُوا مَالًا لِإِنْسَانٍ.
(وَتَغْرَمُ الْمَرْأَةُ كَنِصْفِ مَا يَغْرَمُ الرَّجُلُ) فِي الشَّهَادَةِ بِالْمَالِ لِأَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ يَعْدِلَانِ فِيهِ رَجُلًا (وَإِنْ رَجَعَ رَجُلٌ وَثَمَانِ نِسْوَةٍ لَزِمَ الرَّجُلُ الْخَمْسَ
стр. 3167
وَكُلُّ امْرَأَةٍ الْعُشْرَ) مِنْ الْغُرْمِ بِسَبَبِ شَهَادَتِهِمْ.
(وَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِأَرْبَعِمِائَةٍ فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِهَا ثُمَّ رَجَعَ وَاحِدٌ مِنْ مِائَةٍ وَ) رَجَعَ (آخَرُ عَنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَ) رَجَعَ (الرَّابِعُ عَنْ أَرْبَعِمِائَةٍ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا رَجَعَ عَنْهُ بِقِسْطِهِ فَعَلَى الْأَوَّلِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ) رُبْعُ الْمِائَةِ الَّتِي رَجَعَ عَنْهَا لِأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ (وَعَلَى الثَّانِي خَمْسُونَ) رُبْعُ الْمِائَتَيْنِ اللَّتَيْنِ رَجَعَ عَنْهُمَا وَهُوَ وَاحِدٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ (وَعَلَى الثَّالِثِ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ) رُبُعُ الثَّلَاثِمِائَةِ (وَعَلَى الرَّابِعِ مِائَةٌ) رُبْعُ الْأَرْبَعِمِائَة لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ رُبْعَ مَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ثُمَّ رَجَعَ الشَّاهِدُ غَرِمَ الْمَالُ كُلُّهُ) لِأَنَّ الشَّاهِدَ حُجَّةُ الدَّعْوَى فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ كَالشَّاهِدَيْنِ مُحَقَّقَةٌ أَنَّ الْيَمِينَ قَوْلُ الْخَصْمِ وَقَوْلُ الْخَصْمِ لَيْسَ حُجَّةً عَلَى خَصْمِهِ وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطُ الْحُكْمِ فَجَرَى مَجْرَى مُطَالَبَةِ الْحَاكِمِ بِالْحُكْمِ.
(وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ وَحْدَهُ فَكَرُجُوعِهِمَا فِي أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَحْكُمُ بِشَهَادَتِهِمَا إذَا كَانَ رُجُوعُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ) لِأَنَّ رُجُوعَهُ لِمَعْنًى بِشَهَادَتِهِ وَشَهَادَةِ رَفِيقِهِ وَحْدَهُ لَا يُحْكَمُ بِهَا.
وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ أَوْ الْقِصَاصِ لَمْ يَسْتَوْفِ وَوَجَبَتْ دِيَةُ قَوَدٍ (وَإِنْ كَانَ) الرُّجُوعُ (بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ لَزِمَهُ حُكْمُ إقْرَارِهِ) كَمَا لَوْ رَجَعَ الشَّاهِدَانِ مَعًا.
(وَإِنْ شَهِدَ عَلَيْهِ سِتَّةٌ بِزِنًا فَرُجِمَ ثُمَّ رَجَعَ مِنْهُمْ اثْنَانِ غَرِمَا ثُلُثَ الدِّيَةِ) لِأَنَّهُمَا ثُلُثُ الْبَيِّنَةِ.
(وَ) إنْ رَجَعَ (ثَلَاثَةٌ) غَرِمُوا (النِّصْفَ) لِأَنَّهُمْ نِصْفُ الْبَيِّنَةِ (وَ) إنْ رَجَعَ (الْكُلُّ تَلْزَمُهُمْ الدِّيَةُ أَسْدَاسًا) لِأَنَّهُمْ سِتَّةٌ فَتَسْقُطُ الْغَرَامَةُ عَلَيْهِمْ.
(وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِزِنًا وَ) شَهِدَ (اثْنَانِ) آخَرَانِ (بِإِحْصَانٍ فَرُجِمَ ثُمَّ رَجَعُوا) أَيْ السِّتَّةُ (لَزِمَتْهُمْ الدِّيَةُ أَسْدَاسًا) كَشُهُودِ الزِّنَا لِأَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ مِنْ جَمِيعِهِمْ (وَإِنْ كَانَ شَاهِدَا الْإِحْصَانِ مِنْ الْأَرْبَعَةِ) الَّذِينَ شَهِدُوا بِالزِّنَا ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ رَجْمِهِ فَعَلَيْهِمَا ثُلُثَا الدِّيَةِ ثُلُثٌ لِشَهَادَتِهِمَا بِالْإِحْصَانِ وَثُلُثٌ لِشَهَادَتِهِمَا بِالزِّنَا (وَعَلَى الْآخَرَيْنِ) الشَّاهِدَيْنِ بِالزِّنَا فَقَطْ (الثُّلُثُ) مِنْ الدِّيَةِ (وَلَوْ رَجَعَ شُهُودُ الزِّنَا دُونَ) شُهُودِ (الْإِحْصَانِ أَوْ بِالْعَكْسِ) بِأَنْ رَجَعَ شُهُودُ الْإِحْصَانِ دُونَ الزِّنَا (لَزِمَ الرَّاجِعَ الضَّمَانُ كَامِلًا) لِأَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ بِشَهَادَتِهِمْ إذْ لَوْلَا ثُبُوتُ الزِّنَا لَمْ تُقْبَلْ وَلَوْ كَانَ مُحْصَنًا وَلَوْلَا الْإِحْصَانُ لَمْ يُقْتَلْ وَلَوْ زَنَى.
(وَإِنْ رَجَعَ الزَّائِدُ عَنْ الْبَيِّنَةِ) بِأَنْ شَهِدَ بِالْقَتْلِ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ رَجَعَ وَاحِدٌ أَوْ شَهِدَ بِالزِّنَا خَمْسَةٌ ثُمَّ رَجَعَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ (قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ اسْتَوْفَى الْمَشْهُودُ بِهِ لِأَنَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْبَيِّنَةِ كَافٍ فِيهِ وَيُحَدُّ الرَّاجِعُ) عَنْ شَهَادَتِهِ بِالزِّنَا (لِقَذْفِهِ) أَيْ لِأَنَّهُ قَاذِفٌ (وَرُجُوعُ شُهُودِ تَزْكِيَةٍ كَرُجُوعِ مَنْ زَكُّوهُمْ) فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَسَائِلِ.
(وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ تَعْلِيقِ عِتْقٍ
стр. 3168
أَوْ طَلَاقٍ) قَبْلَ الدُّخُولِ (وَ) رَجَعَ (شُهُودُ وُجُودٍ بِشَرْطِهِ) بِأَنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ إذَا جَاءَ زَيْدٌ فَأَنْتِ ظَاهِرٌ أَوْ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَشَهِدَ آخَرَانِ بِمَجِيءِ زَيْدٍ ثُمَّ رَجَعَ الْأَرْبَعَةُ قَبْلَ الْحُكْمِ (فَالْغُرْمُ) لِقِيمَةِ الْعَبْدِ أَوْ نِصْفُ الْمُسَمَّى يُقَسَّطُ (عَلَى عَدَدِهِمْ كَشُهُودِ الزِّنَا مَعَ شُهُودِ الْإِحْصَانِ لِأَنَّ شُهُودَ الْعِتْقِ أَوْ الطَّلَاقِ هُنَا كَشُهُودِ الزِّنَا وَشُهُودُ وُجُودِ الشَّرْطِ كَشُهُودِ الْإِحْصَانِ) .
(وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ قَرَابَةٍ) وَلَوْ مَعَ شُهُودِ شِرَاءٍ بِأَنْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى إنْسَانٍ أَنَّهُ اشْتَرَى هَذَا الْعَبْدَ وَآخَرَانِ أَنَّهُ أَبُو الْمُشْتَرِي أَوْ ابْنُهُ وَنَحْوُهُ وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِعِتْقِهِ ثُمَّ رَجَعَ الْأَرْبَعَةُ (غَرِمُوا) أَيْ شُهُودُ الْقَرَابَةِ وَحْدَهُمْ (قِيمَتَهُ لِمُعْتِقِهِ) لِأَنَّ شُهُودَ الْقَرَابَةِ هُمْ الْمُفَوِّتُونَ عَلَيْهِ لِلْعَبْدِ كَمَا لَوْ شَهِدُوا بِعِتْقِهِ.
(وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ كِتَابَةٍ غَرِمُوا مَا بَيْن قِيمَتِهِ سَلِيمًا) أَيْ غَيْرَ مُكَاتَبٍ (وَمُكَاتَبًا) لِأَنَّ النَّقْصَ فَاتَ بِشَهَادَتِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَنْقُصْ مَالُ الْكِتَابَةِ عَنْ قِيمَتِهِ فَلَا غُرْمَ (فَإِنْ عَتَقَ) بِأَنْ أَدَّى مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ أَوْ أُبْرِئَ مِنْهُ (غَرِمُوا مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ وَمَالِ كِتَابَتِهِ) إنْ كَانَ ثَمَّ تَفَاوُتٍ لِمَا تَقَدَّمَ وَإِلَّا فَلَا غُرْمَ (وَكَذَا شُهُودٌ بِاسْتِيلَادِ أَمَتِهِ فَيَضْمَنُونَ نَقْصَ) .
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ نِصْفَ (قِيمَتِهَا) وَهُوَ غَلَطٌ (فَإِنْ عَتَقَتْ بِالْمَوْتِ فَ) عَلَى الشُّهُودِ (تَمَامُ قِيمَتِهَا) لِأَنَّهُمْ فَوَّتُوهَا بِذَلِكَ كَمَا لَوْ شَهِدُوا بِعِتْقِهَا ابْتِدَاءً.
وَلَوْ شَهِدَا بِتَأْجِيلٍ وَحُكْمٍ ثُمَّ رَجَعَا غَرِمَا تَفَاوَتَ مَا بَيْنَ الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ نَقَلَهُ فِي الْفُرُوعِ عَنْ بَعْضِهِمْ (وَإِنْ رَجَعَ شُهُودُ تَأْجِيلِ ثَمَنِ مَبِيعٍ وَنَحْوِهِ) كَأُجْرَةٍ (بَعْدَ الْحُكْمِ غَرِمُوا مَا تَفَاوَتَ مَا بَيْنَ الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ) لِأَنَّهُ فَاتَ بِسَبَبِ شَهَادَتِهِمْ.
(وَلَا ضَمَانَ بِرُجُوعٍ عَنْ شَهَادَةِ كَفَالَةٍ بِنَفْسٍ أَوْ) عَنْ شَهَادَةٍ (بِبَرَاءَةٍ مِنْهَا أَوْ) عَنْ شَهَادَةِ ب (أَنَّهَا زَوْجَتُهُ أَوْ أَنَّهُ عَفَا عَنْ دَمِ عَمْدٍ لِعَدَمِ تَضَمُّنِهِ) أَيْ مَا ذَكَرَ (مَالًا) قَالَ الْقَاضِي هَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ قَدْ تَتَضَمَّنُ الْمَالَ بِهَرَبِ الْمَكْفُولِ وَالْقَوَدُ قَدْ يَجِبُ بِهِ مَالٌ.
وَإِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى آخَرَ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ بِصَدَاقٍ ذَكَرَاهُ وَشَهِدَ آخَرُ بِدُخُولِهِ ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ الْحُكْمِ لَزِمَ شُهُودَ النِّكَاحِ الضَّمَانُ لِأَنَّهُمْ أَلْزَمُوهُ الْمُسَمَّى وَقِيلَ عَلَيْهِ النِّصْفُ وَعَلَى الْآخَرَيْنِ النِّصْفُ وَإِنْ شَهِدَ مَعَ هَذَا شَاهِدَانِ بِالطَّلَاقِ لَمْ يَلْزَمْهُمَا شَيْءٌ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُوجِبَا عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَمَنْ شَهِدَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِمُنَافٍ لِلشَّهَادَةِ الْأُولَى فَكَرُجُوعٍ) عَنْ شَهَادَةِ (وَأَوْلَى بِالضَّمَانِ مِنْ الرُّجُوعِ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَقَالَ فِي شَاهِدٍ خَامِسٍ بِكَذَا وَكَتَبَ خَطَّهُ بِالصِّحَّةِ فَاسْتَخْرَجَ الْوَكِيلَ عَلَى حُكْمِهِ ثُمَّ قَاسَ وَكَتَبَ خَطَّهُ بِزِيَادَةٍ فَغَرِمَ الْوَكِيلُ الزِّيَادَةَ قَالَ: يَغْرَمُ الشَّاهِدُ مَا غَرِمَهُ الْوَكِيلُ مِنْ الزِّيَادَةِ بِسَبَبِهِ تَعَمَّدَ الْكَذِبَ
стр. 3169
أَوْ أَخْطَأَ كَالرُّجُوعِ) .
(وَإِنْ بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ كَافِرَانِ أَوْ فَاسِقَانِ نَقَضَ) حُكْمُهُ لِأَنَّ شَرْطَهُ كَوْنُ الشَّاهِدِ مُسْلِمًا عَدْلًا وَلَمْ يُوجَدْ (فَيَنْقُضُهُ الْإِمَامُ أَوْ غَيْرُهُ) لِفَسَادِهِ لَكِنْ تَقَدَّمَ حَيْثُ قُلْنَا يَنْقُضُ فَالنَّاقِضُ لَهُ حَاكِمُهُ إنْ كَانَ (وَرَجَعَ) الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ (بِالْمَالِ أَوْ بِبَدَلِهِ) عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ نُقِضَ فَيَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ الْحَقُّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ.
(وَ) رَجَعَ (بِبَدَلِ قَوَدٍ مُسْتَوْفًى عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ) لِتَعَذُّرِ الرُّجُوعِ بِالْقَوَدِ فَيَتَعَيَّنُ بَدَلَهُ (وَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ إتْلَافًا) كَقَتْلٍ (فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُزَكِّينَ وَكَذَا إنْ كَانَ) الْحُكْمُ (لِلَّهِ) تَعَالَى (بِإِتْلَافٍ حِسِّيٍّ) كَقَتْلٍ لِرِدَّةٍ أَوْ رَجْمٍ لِزِنًا أَوْ قَطْعٍ لِسَرِقَةٍ (أَوْ) كَانَ الْحُكْمُ (بِمَا سَرَى إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْإِتْلَافِ بِأَنْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِحَدِّ شُرْبٍ أَوْ تَعْزِيرٍ فَسَرَى إلَى نَفْسِهِ أَوْ عُضْوٍ مِنْهَا وَبَانَ كُفْرُ الشُّهُودِ أَوْ فِسْقُهُمْ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُزَكِّينَ لِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ قَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ وَشُهُودُ التَّزْكِيَةِ أَلْجَئُوا الْحَاكِمَ إلَى الْحُكْمِ فَلَزِمَهُمْ الضَّمَانُ لِتَفْرِيطِهِمْ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُزَكُّونَ فَعَلَى الْحَاكِمِ) لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ أَوْ بِأَمْرِهِ فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ لِتَفْرِيطِهِ وَكَذَا إنْ كَانَ مُزَكُّونَ فَمَاتُوا ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَالرِّعَايَةِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ قَالَ: وَلَا قَوَدَ لِأَنَّهُ مُخْطِئٌ وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَعَنْهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
(وَإِنْ شَهِدُوا عِنْدَ الْحَاكِمِ بِحَقٍّ ثُمَّ مَاتُوا أَوْ جُنُّوا حُكِمَ بِشَهَادَتِهِمْ إذَا كَانُوا عُدُولًا) لِأَنَّ الْمَوْتَ أَوْ الْجُنُونَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الشَّهَادَةِ وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْكَذِبِ فِيهَا وَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حَالَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ بِخِلَافِ الْعِتْقِ.
(وَإِنْ بَانَ الشُّهُودُ عَبِيدًا أَوْ وَالِدًا أَوْ وَلَدًا أَوْ عَدُوًّا وَالْحَاكِمُ لَا يَرَى الْحُكْمَ بِهِ نَقَضَهُ) بَعْدَ إثْبَاتِ السَّبَبِ (وَلَمْ يُنَفَّذْ) لِأَنَّهُ حَكَمَ بِمَا لَا يَعْتَقِدُهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ (وَإِنْ كَانَ) الْحَاكِمُ (يَرَى الْحُكْمَ بِهِ) أَيْ بِمَا ذُكِرَ مِنْ شَهَادَةِ الْعَبِيدِ أَوْ الْوَالِد أَوْ الْوَلَدِ أَوْ الْعَدُوِّ (لَمْ يُنْقَضْ) حُكْمُهُ إذَا بَانَ الشَّاهِدُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَحْكُم بِمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ فِيمَا هُوَ سَائِغٌ فِيهِ أَشْبَهَ بَاقِيَ مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَهَذَا فِي الْمُجْتَهِدِ وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ فَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُرَاعِي أَلْفَاظَ إمَامِهِ وَمُتَأَخِّرَهَا وَيُقَلِّدُ كِبَارَ مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَذْهَبِ إمَامِهِ فَإِنْ كَانَ قَدْ وُلِّيَ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يُنَفَّذْ حُكْمُهُ لِقُصُورِ وِلَايَتِهِ وَإِلَّا انْبَنَى نَقْضُهُ عَلَى مَنْعِ تَقْلِيدِ غَيْرِهِ وَتَقَدَّمَ.
(وَيُعَزَّرُ شَاهِدُ زُورٍ) رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ عُمَرَ وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ مُحَرَّمٌ وَيُضَرُّ بِهِ النَّاسُ أَشْبَهَ السَّبَّ (وَلَوْ نَابَ) فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَهُمَا فِي كُلِّ نَائِبٍ بَعْدَ وُجُوبِ التَّعْزِيرِ وَتَعْزِيرِهِ (بِمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ إنْ لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا أَوْ مَعْنَى نَصٍّ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا يَزِيدُ عَلَى عَشْرِ جَلْدَاتٍ (وَيُطَافُ بِهِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَشْتَهِرُ فِيهَا فَيُقَالُ إنَّا وَجَدْنَا هَذَا شَاهِدَ زُورٍ فَاجْتَنِبُوهُ) لِيَحْصُلَ إعْلَامُ النَّاسِ بِذَلِكَ فَإِنْ
стр. 3170
تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ كَسَائِرِ التَّائِبِينَ.
(وَلَهُ) أَيْ لِلْحَاكِمِ (أَنْ يَجْمَعَ لَهُ) أَيْ لِشَاهِدِ الزُّورِ (مِنْ عُقُوبَاتٍ إنْ لَمْ يَرْتَدِعْ إلَّا بِهِ) قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ (وَلَا يُعَزَّرُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ شَاهِدُ زُورٍ وَ) أَنَّهُ (تَعَمَّدَ ذَلِكَ إمَّا بِإِقْرَارِهِ) بِذَلِكَ (أَوْ يَشْهَدَ بِمَا يَقْطَعُ بِكَذِبِهِ) فِيهِ (مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى رَجُلٍ يَفْعَلُ فِي الشَّامِ وَيَعْلَمُ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي الْعِرَاقِ أَوْ يَشْهَدَ بِقَتْلِ رَجُلٍ وَهُوَ حَيٌّ أَوْ) يَشْهَدَ (أَنَّ هَذِهِ الْبَهِيمَةَ فِي يَدِ هَذَا مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ وَسِنُّهَا أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قُتِلَ فِي) وَقْتِ كَذَا (وَقَدْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ وَأَشْبَاهُ هَذَا بِمَا يُعْلَمُ بِهِ كَذِبُهُ وَيُعْلَمُ تَعَمُّدُهُ لِذَلِكَ) وَإِلَّا لَمْ يُعَزَّرْ لِأَنَّهُ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ.
(وَيَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ) أَيْ بِمَا يَقْطَعُ بِكَذِبِهِ فِيهِ (أَنَّ الْحُكْمَ كَانَ بَاطِلًا) لِعَدَمِ مُطَابَقَتِهِ لِلْوَاقِعِ (وَلَزِمَ نَقْضُهُ) لِعَدَمِ نُفُوذِهِ (فَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ مَالًا رُدَّ إلَى صَاحِبِهِ) لِتَبَيُّنِ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْمُدَّعِي لَهُ (وَإِنْ كَانَ) الْمَحْكُومُ بِهِ (إتْلَافًا فَعَلَى الشَّاهِدَيْنِ ضَمَانُهُ) لِحُصُولِ التَّلَفِ بِسَبَبِهِمَا (إلَّا أَنْ يَثْبُتَ) زُورُ الشَّاهِدَيْنِ (بِإِقْرَارِهِمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْ غَيْرِ مُوَافَقَةِ الْمَحْكُومِ لَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ رُجُوعًا مِنْهُمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَضَى) أَيْ تَقَدَّمَ (حُكْمُ ذَلِكَ) أَيْ حُكْمُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ آنِفًا (وَتَقَدَّمَ فِي) بَابِ (التَّعْزِيرِ) تَعْزِيرِ شَاهِدِ الزُّورِ.
(وَلَا يُعَزَّرُ) الشَّاهِدُ (بِتَعَارُضِ الْبَيِّنَةِ) لِأَنَّ التَّعَارُضَ لَا يُعْلَمُ بِهِ كَذِبُ أَحَدِ الْبَيِّنَتَيْنِ بِعَيْنِهَا (وَلَا) يُعَزَّرُ (بِغَلَطِهِ فِي شَهَادَتِهِ) لِأَنَّ الْغَلَطَ قَدْ يَعْرِضُ لِلصَّادِقِ الْعَدْلِ وَلَا يَتَعَمَّدُهُ.
(وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ مِنْ نَاطِقٍ إلَّا بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ حُضُورٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِفِعْلِهَا الْمُشْتَقِّ مِنْهَا وَلِأَنَّ فِيهَا مَعْنًى لَا يَحْصُلُ فِي غَيْرِهَا بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي اللِّعَانِ وَلَا يَحْصُلُ بِغَيْرِهَا (فَإِنْ قَالَ أَعْلَمُ أَوْ أُحِقُّ أَوْ أَتَيَقَّنُ وَنَحْوَهُ) لَمْ تُقْبَلْ لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَعْتَمِدُ لَفْظَ الشَّهَادَةِ وَلَمْ يُوجَدْ (أَوْ قَالَ آخَرُ) بَعْدَ شَهَادَةِ الْأَوَّلِ (أَشْهَدُ بِمِثْلِ مَا شَهِدَ بِهِ أَوْ) قَالَ مَنْ كَتَبَ شَهَادَتَهُ أَشْهَدُ (بِمَا وَضَعْتُ بِهِ خَطِّي لَمْ يُقْبَلْ) فَلَا يَحْكُمُ بِهَا (وَإِنْ قَالَ بَعْدَ الْأَوَّلِ وَبِذَلِكَ أَشْهَدُ وَكَذَلِكَ أَشْهَدُ قُبِلَتْ) قَالَ فِي النُّكَتِ وَالْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ فِي الْجَمِيعِ أَوْلَى (وَقَالَ) أَبُو الْخَطَّابِ وَ (الشَّيْخُ وَابْنُ الْقَيِّمِ: لَا يُعْتَبَرُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا نَعْلَمُ عَنْ صَحَابِيٍّ وَلَا تَابِعِيٍّ لَفْظَ الشَّهَادَةِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: أَقُولُ إنَّ الْعَشَرَةَ فِي الْجَنَّةِ وَلَا أَشْهَدُ فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: مَتَى قُلْتَ فَقَدْ شَهِدْتَ وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: وَهَلْ مَعْنَى الْقَوْلِ وَالشَّهَادَةِ إلَّا وَاحِدٌ وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ الْعِلْمُ شَهَادَةٌ.
стр. 3171
[بَابٌ الْيَمِينُ فِي الدَّعَاوَى]
أَيْ ذِكْرُ مَا تَجِبُ فِيهِ الْيَمِينُ وَبَيَانُ لَفْظِهَا وَصِفَتِهَا (الْيَمِينُ تَقْطَعُ الْخُصُومَةَ فِي الْحَالِ وَلَا تُسْقِطُ الْحَقَّ) فَتُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ بَعْدَ الْيَمِينِ وَلَوْ رَجَعَ الْحَالِفُ إلَى الْحَقِّ وَأَدَّى مَا عَلَيْهِ قُبِلَ مِنْهُ وَحَلَّ لِرَبِّهِ أَخْذه.
(وَلَا يُسْتَحْلَفُ الْمُنْكِرُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَحَدٍّ وَعِبَادَةٍ وَصَدَقَةٍ وَكَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ) لِأَنَّ الْحُدُودَ الْمَطْلُوبَ فِيهَا السَّتْرُ وَالتَّعْرِيضُ لِلْمُقِرِّ لِيَرْجِعَ فَلِأَنَّ لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهَا أَوْلَى وَمَا عَدَا الْحُدُودَ مِمَّا ذُكِرَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَأَشْبَهَ الْحَدَّ.
(فَإِنْ تَضَمَّنَتْ دَعْوَاهُ) أَيْ الْحَدُّ (حَقًّا لَهُ) أَيْ الْآدَمِيِّ (مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ سَرِقَةَ مَالِهِ لِيَضْمَنَ السَّارِقَ أَوْ لِيَأْخُذَ مِنْهُ مَا سَرَقَهُ أَوْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ الزِّنَا بِجَارِيَتِهِ لِيَأْخُذَ مَهْرَهَا مِنْهُ سَمِعْت دَعْوَاهُ وَيُسْتَحْلَفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ دُونَ حَقِّ اللَّهِ) تَعَالَى كَمَا لَوْ انْفَرَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا.
(وَيُسْتَحْلَفُ فِي كُلِّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالِهِمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَغَيْرِ نِكَاحٍ وَرَجْعَةٍ وَطَلَاقٍ وَإِيلَاءٍ وَ) غَيْرِ أَصْلِ رِقٍّ لِدَعْوَى رِقِّ لَقِيطٍ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحْلَفُ إذَا أَنْكَرَ (وَ) غَيْرِ (وَلَاءٍ وَاسْتِيلَادٍ) بِأَنْ يَدَّعِيَ اسْتِيلَادَ أَمَةٍ فَتُنْكِرُهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هِيَ الْمُدَّعِيَةُ (وَ) غَيْرِ نَسَبٍ وَقَذْفٍ وَقِصَاصٍ فِي غَيْرِ قَسَامَةٍ فَلَا يَمِينَ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْعَشَرَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ فَأَشْبَهَ الْحُدُودَ (وَفِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ وَلَا يَحْلِفُ شَاهِدٌ) عَلَى صَدَقَةٍ (وَ) لَا (حَاكِمٌ وَ) لَا (وَصِيٌّ عَلَى نَفْيِ دَيْنٍ عَلَى الْمُوصِي) قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: بَلْ عَلَى نَفْيِ لُزُومِهِ مِنْ التَّرِكَةِ إلَى الْمُدَّعَى (وَلَا) يَحْلِفُ (مُنْكِرُ وَكَالَةِ وَكِيلٍ) وَتَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ.
وَتَحْلِفُ الْمَرْأَةُ إذَا ادَّعَتْ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا قَبْلَ رَجْعَةِ زَوْجِهَا وَيَحْلِفُ الْمَوْلَى إذَا أَنْكَرَ مُضِيَّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ مُوَضَّحًا فِي مَوَاضِعِهِ.
(وَمَا يَقْضِي فِيهِ بِالنُّكُولِ هُوَ الْمَالُ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ) مِمَّا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ (وَمَنْ لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِنُكُولٍ) إذَا نَكَلَ (خَلَّى سَبِيلَهُ) وَلَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ فِي غَيْرِ الْمَالِ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ.
(وَيَثْبُتُ عِتْقٌ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الْعَبْدِ) لِأَنَّ عِتْقَهُ نَقْلُ مِلْكٍ أَشْبَهَ الْبَيْعَ (وَتَقَدَّمَ) فِي بَابِ الْمَشْهُودِ بِهِ.
(وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ) بِأَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ غَصَبَهُ وَنَحْوَهُ ثَوْبًا وَأَقَامَ بِذَلِكَ شَاهِدًا وَأَرَادَ
стр. 3172
أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ (أَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى غَيْرِهِ (فِي إثْبَاتٍ) بِأَنْ ادَّعَى دَيْنًا عَلَى زَيْدٍ مَثَلًا فَأَنْكَرَ وَأَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَأَرَادَ الْحَلِفَ مَعَهُ عَلَى الْبَتِّ (أَوْ) حَلَفَ عَلَى فِعْلِ (نَفْسِهِ) مِثْلُ أَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ إنْسَانٌ أَنَّهُ غَصَبَهُ وَنَحْوَهُ شَيْئًا فَأَنْكَرَ وَأَرَادَ الْمُدَّعِي يَمِينَهُ حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ (أَوْ) عَلَى (دَعْوَى عَلَيْهِ) بِأَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ دَيْنًا فَأَنْكَرَهُ وَطَلَبَ يَمِينَهُ (حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ) أَيْ الْقَطْعِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ حَلَّفَهُ: قُلْ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَالَهُ عِنْدِي شَيْءٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ إنْسَانٌ عَيْنًا فِي يَدِهِ فَأَنْكَرَهُ وَأَرَادَ تَحْلِيفَهُ فَيَقُولُ: وَاَللَّهِ هَذِهِ الْعَيْنُ مِلْكِي وَلَا يَكْفِي قَوْلُهُ وَاَللَّهِ لَا أَعْلَمُ إلَّا أَنَّهَا مِلْكِي.
(وَمَنْ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ غَيْرِهِ) نَحْوَ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ أَنَّ أَبَاهُ اغْتَصَبَ كَذَا وَهُوَ بِيَدِهِ فَأَنْكَرَ وَأَرَادَ الْمُدَّعِي يَمِينَهُ فَعَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْحَضْرَمِيِّ أَلَكَ بَيِّنَةٌ قَالَ: لَا وَلَكِنْ أُحَلِّفُهُ وَاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أَرْضِي اغْتَصَبَهَا أَبُوهُ فَتَهَيَّأَ الْكِنْدِيُّ لِلْيَمِينِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَلِأَنَّهُ لَا تُمْكِنُهُ الْإِحَاطَةُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ فِعْلِ نَفْسِهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُكَلَّفَ، الْيَمِينَ مِنْهُ عَلَى الْبَتِّ (أَوْ) حَلَفَ عَلَى (نَفْيِ دَعْوَى عَلَيْهِ) أَيْ غَيْرِهِ كَأَنَّ ادَّعَى عَلَى أَبِيهِ دَيْنًا فَأَنْكَرَ الْوَارِث وَطَلَبَ يَمِينَهُ (فَعَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَعَبْدِهِ) وَأَمَتِهِ (كَأَجْنَبِيٍّ فِي حَلِفٍ عَلَى الْبَتِّ أَوْ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ) فَمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ عَبْدَهُ جَنَى عَلَيْهِ وَنَحْوَهُ فَأَنْكَرَ وَطَلَبَ يَمِينَهُ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ.
وَ (أَمَّا بَهِيمَتُهُ) أَيْ جِنَايَةُ بَهِيمَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (فَمَا نُسِبَ إلَى تَقْصِيرٍ وَتَفْرِيطٍ فَعَلَى الْبَتِّ) كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ بَهَائِمَهُ أَكَلَتْ زَرْعَهُ لَيْلًا بِتَفْرِيطِهِ لِتَرْكِهَا مِنْ غَيْرِ رَبْطٍ وَلَا حَبْسٍ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَأَرَادَ الْمُدَّعِي تَحْلِيفَهُ حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ لِأَنَّهُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَهُوَ عَدَمُ التَّفْرِيطِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْسِبْ الْمُدَّعِي جِنَايَةَ الْبَهِيمَةِ إلَى تَقْصِيرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَتَفْرِيطِهِ كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَى سَائِقٍ أَوْ قَائِدٍ أَوْ رَاكِبٍ أَنَّ الدَّابَّةَ أَتْلَفَتْ شَيْئًا بِوَطْئِهَا عَلَيْهِ فَأَنْكَرَهُ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ (عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ) لِأَنَّهُ يَنْفِي فِعْلَهَا.
(وَمَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْحَلِفُ بِحَقِّ جَمَاعَةٍ فَبَذَلَ لَهُمْ يَمِينًا وَاحِدَةً وَرَضُوا بِهَا جَازَ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ وَقَدْ رَضُوا بِإِسْقَاطِهِ (وَإِنْ أَبَوْا) أَيْ الِاكْتِفَاءَ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ (حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ) مِنْهُمْ (يَمِينًا) لِأَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ غَيْرُ حَقِّ الْآخَرِ فَإِذَا طَلَبَ كُلُّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ يَمِينًا كَانَ لَهُ ذَلِكَ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ إذَا انْفَرَدَ بِهَا.
(وَلَوْ ادَّعَى وَاحِدٌ حُقُوقًا عَلَى وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ فِي كُلِّ حَقٍّ يَمِينٌ) إذَا تَعَدَّدَتْ الدَّعْوَى وَلَوْ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ فَإِنْ اتَّحَدَتْ الدَّعَاوَى فَيَمِينٌ وَاحِدَةٌ لِلْكُلِّ كَمَا فِي الْمُبْدِعِ.
стр. 3173
[فَصْل وَالْيَمِينُ الْمَشْرُوعَةِ هِيَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ جَلَّ اسْمُهُ]
ُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٩] وَلِلْإِخْبَارِ وَتُجْزِئُ بِاَللَّهِ وَحْدَهُ لِمَا تَقَدَّمَ «وَاسْتَحْلَفَ النَّبِيُّ ﷺ رُكَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ فِي الطَّلَاقِ فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا أَرَدْتُ إلَّا وَاحِدَةً» وَقَالَ عُثْمَانُ لِابْنِ عُمَرَ تَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَقَدْ بِعْتَهُ وَمَا بِهِ دَاءٌ تَعْلَمُهُ.
(فَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ تَغْلِيظَهَا بِلَفْظٍ أَوْ زَمَانٍ أَوْ مَكَان) فَاضِلَيْنِ (جَازَ وَلَمْ يُسْتَحَبَّ) لِأَنَّهُ أَرْدَعُ لِلْمُنْكِرِ (فَ) التَّغْلِيظُ (فِي اللَّفْظِ) أَنْ (يَقُولَ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الطَّالِبُ الْغَالِبُ الضَّارُّ النَّافِعُ الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ) أَيْ مَا يُضْمَرُ فِي النَّفْسِ وَيَكُفُّ عَنْهُ اللِّسَانُ وَيُومِئُ إلَيْهِ بِالْعَيْنِ (وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) أَيْ تُضْمِرُهُ.
(وَ) التَّغْلِيظُ فِي (الزَّمَانِ أَنْ يَحْلِفَ بَعْدَ الْعَصْرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ١٠٦] قِيلَ الْمُرَادُ صَلَاةُ الْعَصْرِ لِأَنَّهُ وَقْتٌ تُعَظِّمُهُ أَهْلُ الْأَدْيَانِ كَمَا تَقَدَّمَ (أَوْ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ) لِأَنَّهُ وَقْتٌ يُرْجَى فِيهِ إجَابَةُ الدُّعَاءِ فَتُرْجَى فِيهِ مُعَالَجَةُ الْكَاذِبِ وَالْمَكَانُ بِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ لِأَنَّهُ مَكَانٌ شَرِيفٌ زَائِدٌ عَلَى غَيْرِهِ فِي الْفَضِيلَةِ.
(وَ) بِ (بَيْتِ الْمَقْدِسِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ) لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ هِيَ الْجَنَّةُ.
(وَ) بِ (سَائِرِ الْبِلَادِ) كَمَدِينَتِهِ ﷺ وَغَيْرِهَا (عِنْدَ مِنْبَرِ الْجَامِعِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا يَمِينًا آثِمَةً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَاقِي الْقِيَاسُ عَلَيْهِ (وَتَقِفُ الْحَائِضُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ) لِأَنَّهُ يُحْرَمُ عَلَيْهَا اللُّبْثُ فِيهِ.
(وَيَحْلِفُ أَهْلُ الذِّمَّةِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُعَظِّمُونَهَا) لِأَنَّ الْيَمِينَ تَغْلُظُ فِي حَقِّهِمْ زَمَانًا فَكَذَا مَكَانًا (وَاللَّفْظُ) الَّذِي يَغْلُظُ بِهِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ (أَنْ يَقُولَ الْيَهُودِيُّ وَاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَفَلَقَ لَهُ الْبَحْرَ وَأَنْجَاهُ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْيَهُودِ نَشَدْتُكُمْ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَ) يَقُولُ (النَّصْرَانِيُّ وَاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى وَجَعَلَهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَيُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ) لِأَنَّهُ لَفْظٌ تَتَأَكَّدُ بِهِ يَمِينُهُ أَشْبَهَ الْيَهُودِيَّ (وَ) يَقُولُ
стр. 3174
(الْمَجُوسِيُّ: وَاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَنِي وَصَوَّرَنِي وَرَزَقَنِي) لِأَنَّهُ يُعَظِّمُ خَالِقَهُ وَرَازِقَهُ أَشْبَهَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ عِنْدَ الْمُسْلِمِ (وَالْوَثَنِيُّ وَالصَّابِئُ وَمَنْ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ وَحْدَهُ) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ لِمَا تَقَدَّمَ وَلِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَعْتَقِدْ هَذِهِ يَمِينًا ازْدَادَ إثْمًا وَرُبَّمَا عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ فَيَسْقُطُ بِذَلِكَ وَيَرْتَدُّ بِهِ.
(وَلَا تُغَلَّظُ الْيَمِينُ إلَّا فِيمَا لَهُ خَطَرٌ كَجِنَايَةٍ لَا تُوجِبُ قَوَدًا أَوْ) ك (عِتْقٍ وَنِصَابِ زَكَاةٍ) لِأَنَّ التَّغْلِيظَ لِلتَّأْكِيدِ وَمَا لَا خَطَرَ فِيهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَأْكِيدٍ (وَلَوْ أَبَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ التَّغْلِيظَ لَمْ يَصِرْ نَاكِلًا) عَنْ الْيَمِينِ لِأَنَّهُ قَدْ بَذَلَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فَيَجِبُ الِاكْتِفَاءُ بِهِ وَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لَهُ قَالَهُ فِي النُّكَتِ قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ وَلِجَوَازِ أَنْ يُقَالَ يَجِبُ التَّغْلِيظُ إذَا رَآهُ الْحَاكِمُ وَطَلَبَهُ وَإِلَّا لَمَا كَانَ فِيهِ فَائِدَةُ زَجْرٍ قَطُّ وَمَالَ إلَيْهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَلَا يَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ وِفَاقًا لِلْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ قَالَهُ الشَّيْخُ) وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعًا قُلْتُ وَلَا بِعَتَاقٍ لِحَدِيثِ «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ» (وَفِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ لِلْوَلِيِّ إحْلَافُ الشُّهُودِ اسْتِبْرَاءً وَتَغْلِيظًا فِي الْكَشْفِ فِي حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ آدَمِيٍّ وَتَحْلِيفُهُ بِطَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَصَدَقَةٍ وَنَحْوِهِ وَسَمَاعِ شَهَادَةِ أَهْلِ الْيَمِينِ إذَا كَثُرُوا وَلَيْسَ لِلْقَاضِي ذَلِكَ) .
(وَمَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ وَهُوَ فِيهَا صَادِقٌ أَوْ تَوَجَّهَتْ لَهُ) الْيَمِينُ بِأَنْ أَقَامَ شَاهِدًا بِمَالٍ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ وَهُوَ صَادِقٌ (أُبِيحَ لَهُ الْحَلِفُ) لِأَنَّهُ مُحِقٌّ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ إثْمٍ وَلَا غَيْرِهِ) لِأَنَّ اللَّهَ شَرَعَ الْيَمِينَ وَلَا يُشَرِّعُ مُحَرَّمًا (وَالْأَفْضَلُ افْتِدَاءُ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا صَادَفَ قَدَرًا فَيُوجِبُ رِيبَةً وَتَقَدَّمَ فِي الْأَيْمَانِ.
(وَمَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ دَيْنٌ هُوَ عَلَيْهِ وَهُوَ مُعْسِرٌ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ) وَلَوْ نَوَى السَّاعَةَ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ وَسَوَاءٌ خَافَ حَبْسًا أَوْ لَا وَجَوَّزَهُ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ بِالنِّيَّةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ.
(وَيَمِينُ الْحَالِفِ عَلَى حَسْبِ جَوَابِهِ فَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ غَصَبَهُ أَوْ أَوْدَعَهُ أَوْ بَاعَهُ أَوْ اقْتَرَضَ مِنْهُ فَإِنْ قَالَ مَا غَصَبْتُكَ وَلَا اسْتَوْدَعْتُكَ وَلَا بِعْتَنِي وَلَا أَقْرَضْتَنِي كُلِّفَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ) لِيُطَابِقَ جَوَابَهُ (وَإِنْ قَالَ مَالَكَ عَلَيَّ حَقٌّ أَوْ لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا أَوْ لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ مَا ادَّعَيْتَهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ كَانَ جَوَابًا صَحِيحًا وَلَا يُكَلَّفُ الْجَوَابُ عَنْ الْغَصْبِ وَغَيْرِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ غَصَبَ مِنْهُ ثُمَّ رَدَّهُ وَكَذَلِكَ الْبَاقِي) مِنْ الِاسْتِيدَاعِ وَالْبَيْعِ وَالْقَرْضِ (فَلَوْ كُلِّفَ جَحْدُ ذَلِكَ لَكَانَ كَاذِبًا) مَعَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِجَوَابِ صَادِقٍ.
(وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ ثُمَّ ادَّعَى الرَّدَّ لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ بِلَا بَيِّنَةٍ فَيَعُودُ عَلَيْهِ بِالضَّرَرِ وَعَدَمِ قَبُولِ دَعْوَى الرَّدِّ فِي الْوَدِيعَةِ لِتَقَدُّمِ إنْكَارٍ وَنَحْوِهِ.
(وَلَا تَدْخُلُ النِّيَابَةُ فِي الْيَمِينِ فَلَا يَحْلِفُ أَحَدٌ عَنْ غَيْرِهِ فَلَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا لَمْ يَحْلِفْ) لِأَنَّهُ لَا يُعَوَّلُ عَلَى قَوْلِهِ (وَوَقْفُ الْأَمْرِ إلَى أَنْ يُكَلَّفَا)
стр. 3175
فَيُقِرَّا أَوْ يَحْلِفَا أَوْ يُقْضَى عَلَيْهِمَا بِالنُّكُولِ.
(فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لِغَيْرِ الْمُكَلَّفِ وَادَّعَاهُ وَلِيُّهُ وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ) حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ لِلْمُدَّعِي كَسَائِرِ الدَّعَاوَى (فَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ) بِالنُّكُولِ كَغَيْرِهِ.
(وَإِنْ ادَّعَى عَلَى الْعَبْدِ دَعْوَى وَكَانَتْ مِمَّا يُقْبَلُ قَوْلُ الْعَبْدِ فِيهَا) أَوْ أَقَرَّ بِهَا (كَالْقِصَاصِ) فِيمَا دُونَ النَّفْسِ (وَالطَّلَاقِ وَالْقَذْفِ فَالْخُصُومَةُ مَعَهُ دُونَ سَيِّدِهِ) لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُ مِنْهُ إلَّا الْمَالَ وَلِقَوْلِهِ ﷺ «الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» وَمَنْ مَلَكَ إنْشَاءَ شَيْءٍ مَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ وَالْخُصُومَةَ فِيهِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمُدَّعِي عَلَى الْعَبْدِ (مِمَّا لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْعَبْدِ فِيهِ كَإِتْلَافِ مَالٍ أَوْ جِنَايَةٍ تُوجِبُهُ فَالْخَصْمُ) فِيهِ (سَيِّدُهُ) لِأَنَّهُ الْمُطَالَبُ بِهِ (وَالْيَمِينُ عَلَيْهِ) أَيْ السَّيِّدِ إذَا أَنْكَرَ (وَلَا يَحْلِفُ الْعَبْدُ فِيهَا بِحَالٍ) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ طَلَبُهُ بِهَا حَتَّى لَوْ أَقَرَّ لَمْ يُسْمَعْ إقْرَارُهُ.
وَالْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ جَوَابُهُ مِنْ الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ مَعًا لِأَنَّ إقْرَارَ أَحَدِهِمَا بِهِ عَلَى الْآخَرِ غَيْرُ مَقْبُولٍ.
(وَمَنْ حَلَفَ فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ أُعِيدَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ) لِيَأْتِيَ بِهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ وَتَقَدَّمَ (وَكَذَلِكَ إنْ وَصَلَ كَلَامُهُ بِشَرْطٍ أَوْ كَلَامٍ غَيْرِ مَفْهُومٍ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً أَوْ نَحْوَهُ.
(وَإِنْ حَلَفَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ الْحَاكِمُ أَوْ اسْتَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ الْمُدَّعِي) إحْلَافَهُ (أُعِيدَتْ عَلَيْهِ) الْيَمِينُ لِأَنَّهَا حَقٌّ فَلَا تُسْتَوْفَى إلَّا بِطَلَبِهِ.
(وَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ حَقًّا فَقَالَ) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (أَبْرَأْتَنِي مِنْهُ أَوْ) قَالَ (وَاسْتَوْفَيْتَهُ مِنِّي فَأَنْكَرَ) الْمُدَّعِي (فَقَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْحَقِّ (فَيَحْلِفُ) الْمُدَّعِي (بِاَللَّهِ) تَعَالَى (إنَّ هَذَا الْحَقَّ وَيُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ مَا بَرِئَتْ ذِمَّتُكَ مِنْهُ وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ) وَأَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ (وَإِنْ ادَّعَى اسْتِيفَاءَهُ أَوْ الْبَرَاءَةَ) مِنْهُ (بِجِهَةٍ مَعْلُومَةٍ) كَمَا لَوْ قَالَ الْمُدَّعِي بَرِئْتَ لِدَفْعِهِ عَنْك فِي دَيْنٍ وَاجِبٍ عَلَيْكَ أَوْ فِي نَفَقَةٍ وَاجِبَةٍ لِزَيْدٍ بِإِذْنِكَ وَنَحْوِ ذَلِكَ (كَفَى الْحَلِفُ عَلَى تِلْكَ الْجِهَةِ وَحْدَهَا) بِأَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا بَرِئْتَ مِنْهُ وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ فِي الْجِهَةِ الْمُسَمَّاةِ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي غَيْرَهَا لِيَحْلِفَ عَلَيْهِ.
[كِتَابُ الْإِقْرَارِ]
ِ (وَهُوَ) لُغَةً الِاعْتِرَافُ بِالْحَقِّ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمُقَرِّ كَأَنَّ الْمُقِرَّ جَعَلَ الْحَقَّ فِي مَوْضِعِهِ وَشَرْعًا (إظْهَارُ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ مَا عَلَيْهِ لَفْظًا) أَيْ بِلَفْظٍ (أَوْ كِتَابَةً أَوْ إشَارَةً مِنْ أَخْرَسَ
стр. 3176
أَوْ عَلَى مُوَكِّلِهِ أَوْ مُوَلِّيهِ) مِمَّا يُمْكِنُ إنْشَاؤُهُ لَهُمَا (أَوْ) عَلَى (مَوْرُوثِهِ بِمَا يُمْكِنُ صِدْقُهُ) وَأَتَى مُحْتَرَزَ قُيُودِهِ وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] الْآيَةَ ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] وَ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] «وَرَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ بِإِقْرَارِهِمَا» وَلِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَلَى وَجْهٍ يَنْتَفِي فِيهِ التُّهْمَةُ وَالرِّيبَةُ وَلِهَذَا كَانَ آكَدَ مِنْ الشَّهَادَةِ.
فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا اعْتَرَفَ لَا تُسْمَعُ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ وَإِنْ كَذَّبَ الْمُدَّعِي بَيِّنَتَهُ لَمْ تُسْمَعْ وَإِذَا أَنْكَرَ ثُمَّ أَقَرَّ سُمِعَ إقْرَارُهُ (وَلَيْسَ) الْإِقْرَارُ (بِإِنْشَاءٍ) بَلْ هُوَ إخْبَارٌ وَإِظْهَارٌ لِمَا هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
(فَيَصِحُّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُكَلَّفِ الْمُخْتَارِ الْإِقْرَارُ (بِمَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْتِزَامُهُ) بِخِلَافِ مَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ جِنَايَةً مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً وَعُمْرُهُ عِشْرُونَ سَنَةً أَوْ أَقَلُّ فَهَذَا لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ بِمَا يُمْكِنُ صِدْقُهُ.
(بِشَرْطِ كَوْنِهِ) أَيْ الْمُقَرِّ بِهِ (بِيَدِهِ) أَيْ الْمُقِرِّ (وَوِلَايَتِهِ وَاخْتِصَاصِهِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى يَعْنِي وِلَايَتَهُ أَوْ اخْتِصَاصَهُ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِشَيْءٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ أَوْ فِي وِلَايَةِ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَجْنَبِيٌّ عَلَى صَغِيرٍ أَوْ وَقَفَ فِي وِلَايَةِ غَيْرِهِ أَوْ اخْتِصَاصِهِ انْتَهَى.
فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِمَا فِي وِلَايَتِهِ أَوْ اخْتِصَاصِهِ كَأَنْ يُقِرَّ وَلِيُّ الْيَتِيمِ وَنَحْوُهُ أَوْ نَاظِرُ الْوَقْفِ أَنَّهُ جَرَّ عَقَارَهُ وَنَحْوَهُ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إنْشَاءَ ذَلِكَ فَصَحَّ إقْرَارُهُ بِهِ.
(وَ) لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُقَرِّ بِهِ أَنْ يَكُونَ (مَعْلُومًا) فَيَصِحُّ بِالْمُجْمَلِ وَيُطَالَبُ بِالْبَيَانِ وَيَأْتِي.
(وَيَصِحُّ مِنْ أَخْرَسَ بِإِشَارَةٍ مَعْلُومَةٍ) لِقِيَامِهَا مَقَامَ نُطْقِهِ.
وَ (لَا) يَصِحُّ الْإِقْرَارُ (بِهَا) أَيْ بِالْإِشَارَةِ (مِنْ نَاطِقٍ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ.
(وَلَا) يَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِالْإِشَارَةِ (مِمَّنْ اُعْتُقِلَ لِسَانُهُ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْيُوسٍ مِنْ نُطْقِهِ أَشْبَهَ النَّاطِقَ.
(وَيَصِحُّ إقْرَارُ الصَّبِيِّ) الْمَأْذُونِ لَهُ (وَ) إقْرَارُ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ (كَالْحُرِّ الْبَالِغِ لِأَنَّهُ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِيمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ) دُونَ مَا رَآهُ عَلَى مَا أُذِنَ فِيهِ لَهُمَا لِأَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ عَدَمُ صِحَّةِ إقْرَارِهِمَا تَرْكُ الْعَمَلِ بِهِ فِيمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَاهُ.
(وَإِنْ أَقَرَّ مُرَاهِقٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ) فِي التِّجَارَةِ (ثُمَّ اخْتَلَفَ هُوَ وَالْمُقَرُّ لَهُ فِي بُلُوغِهِ فَقَوْلُ الْمُقِرِّ) فِي عَدَمِ بُلُوغِهِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (وَلَا يَحْلِفُ) لِأَنَّنَا حَكَمْنَا بِعَدَمِ بُلُوغِهِ (إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِبُلُوغِهِ) قُلْتُ وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ لَوْ بَاعَ أَوْ وَهَبَ أَوْ وَقَفَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ أَجَّرَ وَنَحْوَهُ ثُمَّ أَنْكَرَ بُلُوغِهِ حَالَ
стр. 3177
الشَّكِّ فِيهِ قُبِلَ قَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ لِمَا تَقَدَّمَ وَيُحْمَلُ نَصُّ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ إذَا قَالَ الْبَائِعُ بِعْتُك قَبْلَ الْبُلُوغِ وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ بُلُوغِكَ إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي عَلَى مَا إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ تَيَقُّنِ بُلُوغِهِ.
(وَيَصِحُّ إقْرَارُ الصَّبِيِّ أَنَّهُ بَلَغَ بِاحْتِلَامٍ إذَا بَلَغَ عَشْرًا) أَيْ عَشْرَ سِنِينَ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ وَكَذَا الْجَارِيَةُ إذَا بَلَغَتْ تِسْعًا (وَلَا يُقْبَلُ) مِنْهُ أَنَّهُ بَلَغَ (بِسِنٍّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّهُ لَا تَتَعَذَّرُ إقَامَتُهَا عَلَى ذَلِكَ.
(وَإِنْ أَقَرَّ) تِسْعًا (بِمَالٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ وَنَحْوِهِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ) تَحَقُّقِ (بُلُوغِهِ لَمْ أَكُنْ حِينَ الْإِقْرَارِ بَالِغًا لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ الصِّحَّةُ.
(وَإِنْ أَقَرَّ بِالْبُلُوغِ مَنْ شُكَّ فِي بُلُوغِهِ ثُمَّ أَنْكَرَهُ مَعَ الشَّكِّ صُدِّقَ) لِأَنَّ الْأَصْلَ الصِّغَرُ (بِلَا يَمِينٍ) لِلْحُكْمِ بَعْدَ بُلُوغِهِ.
(وَلَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِإِقْرَارِ شَخْصٍ لَمْ تَفْتَقِرْ صِحَّةُ الشَّهَادَةِ إلَى أَنْ يَقُولُوا) أَقَرَّ (طَوْعًا فِي صِحَّةِ عَقْلِهِ) عَمَلًا بِالظَّاهِرِ وَتَقَدَّمَ.
(وَيَصِحُّ إقْرَارُ سَكْرَانٍ) بِمَعْصِيَةٍ لِأَنَّ أَفْعَالَهُ تَجْرِي مَجْرَى أَفْعَالِ الصَّاحِي (كَطَلَاقٍ، وَكَذَا مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِمَعْصِيَةٍ كَمَنْ شَرِبَ مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ عَامِدًا لِغَيْرِ حَاجَةٍ) فَيُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ.
وَ (لَا) يَصِحُّ إقْرَارُ (مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ أَوْ) بِسَبَبٍ (مَعْذُورٍ فِيهِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ عَاقِلٍ وَلَا مَعْصِيَةَ تَغْلُظُ عَلَيْهِ لِأَجْلِهَا.
(وَإِنْ ادَّعَى الصَّبِيُّ الَّذِي أُنْبِتَ) الشَّعْرُ الْخَشِنُ حَوْلَ قُبُلِهِ (أَنَّهُ أُنْبِتَ بِعِلَاجٍ كَدَوَاءٍ لَا بِالْبُلُوغِ لَمْ يُقْبَلْ) ذَلِكَ مِنْهُ وَلَزِمَهُ حُكْمُ تَصَرُّفِهِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ إقْرَارٍ وَنَحْوِهِمَا لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيهِ.
(وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ الْمَجْنُونِ) لِحَدِيثِ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» الْخَبَرَ (إلَّا فِي حَالِ إفَاقَتِهِ) فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ لِأَنَّهُ عَاقِلٌ أَشْبَهَ مَنْ لَمْ يُجَنَّ (وَكَذَا الْمُبَرْسَمُ وَالنَّائِمُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ الْتِزَامُ حَقٍّ بِالْقَوْلِ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ كَالْبَيْعِ.
(وَإِنْ ادَّعَى جُنُونًا لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ: يُقْبَلُ أَيْضًا إنْ عُهِدَ مِنْهُ جُنُونٌ فِي بَعْضِ أَوْقَاتِهِ وَإِلَّا فَلَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ قَبُولُهُ مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِ.
(وَلَا) يَصِحُّ (إقْرَارُ مُكْرَهٍ) لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِغَيْرِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ مِثْلُ أَنْ يُكْرَهَ) عَلَى (أَنْ يُقِرَّ لِزَيْدٍ فَيُقِرَّ لِعَمْرٍو أَوْ عَلَى أَنْ يُقِرَّ بِدَرَاهِمَ فَيُقِرَّ بِدَنَانِيرَ أَوْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ فَيُقِرَّ بِطَلَاقِ غَيْرِهَا أَوْ) عَلَى أَنْ يُقِرَّ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ فَ (يُقِرَّ بِعِتْقِ عَبْدٍ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ إذَنْ) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِغَيْرِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَصَحَّ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ ابْتِدَاءً.
(وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى وَزْنِ مَالٍ فَمَالٌ مَلَكَهُ لِذَلِكَ صَحَّ) الْبَيْعُ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرَهْ عَلَيْهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُكْرَهْ أَصْلًا وَيُكْرَهُ الشِّرَاءُ مِنْهُ (وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ كِتَابِ الْبَيْعِ) .
(وَمَنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُكْرَهًا لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ دَعْوَى الْإِكْرَاهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (إلَّا
стр. 3178
بِبَيِّنَةٍ) لِحَدِيثِ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» (إلَّا أَنْ تَكُونَ هُنَاكَ دَلَالَةٌ عَلَى الْإِكْرَاهِ كَقَيْدٍ وَحَبْسٍ وَتَوَكُّلٍ بِهِ) أَيْ تَرْسِيمٌ عَلَيْهِ (فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْإِكْرَاهِ قَالَ الْأَزَجِيُّ: أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِأَمَارَةِ الْإِكْرَاهِ اسْتَفَادَ بِهَا أَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ فَيَحْلِفُ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ قَالَ فِي النُّكَتِ: وَعَلَى هَذَا تَحْرُمُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ وَكَتْبُ حُجَّةٍ عَلَيْهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْحَالِ (وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ إكْرَاهٍ عَلَى بَيِّنَةِ طَوَاعِيَةٍ) لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ.
(وَإِنْ قَالَ مَنْ ظَاهِرُهُ الْإِكْرَاهُ عَلِمْتُ أَنِّي لَوْ لَمْ أُقِرَّ أَيْضًا أَطْلَقُونِي فَلَمْ أَكُنْ مُكْرَهًا لَمْ يَصِحَّ) قَوْلُهُ ذَلِكَ وَلَمْ يُمْنَعْ كَوْنُهُ مُكْرَهًا (لِأَنَّهُ ظَنَّ) مِنْهُ (فَلَا يُعَارِضُ يَقِينَ الْإِكْرَاهِ) لِقُوَّةِ الْيَقِينِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ أَقَرَّ طَوْعًا، وَنَقَلَ أَبُو هَانِئٍ فِيمَنْ تَقَدَّمَ إلَى سُلْطَانٍ فَهَدَّدَهُ فَيُدْهَشُ فَيُقِرُّ يُؤْخَذُ بِهِ فَيَرْجِعُ وَيَقُولُ هَدَّدَنِي، وَدُهِشْتُ يُؤْخَذُ وَمَا عَلِمْته أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْجَزَعِ وَالْفَزَعِ.
(وَمَنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِشَيْءٍ فَكَإِقْرَارِهِ فِي صِحَّتِهِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ (إلَّا فِي إقْرَارِهِ بِمَالٍ لِوَارِثٍ فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إجَازَةٍ) مِنْ بَاقِي الْوَرَثَةِ لِأَنَّهُ إيصَالُ الْمَالِ إلَى وَارِثِهِ بِقَوْلِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ رِضَا بَقِيَّةِ وَرَثَتِهِ كَهِبَتِهِ وَلِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ أَشْبَهَ تَبَرُّعَهُ لَهُ.
(وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الْمَرِيضُ (أَنْ يُقِرَّ) لِوَارِثِهِ بِدَيْنِهِ وَنَحْوِهِ (وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُ الْإِقْرَارُ (إذْ كَانَ) إقْرَارُهُ (حَقًّا) كَالْأَجْنَبِيِّ.
(وَإِنْ اشْتَرَى وَارِثُهُ شَيْئًا فَأَقَرَّ لَهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ قُبِلَ مِنْهُ) ذَلِكَ وَلَزِمَهُ بِعَقْدِ الْبَيْعِ لَا بِإِقْرَارِهِ.
(وَلَا يُحَاصُّ الْمُقَرُّ لَهُ) وَلَوْ أَجْنَبِيًّا (غُرَمَاءَ الصِّحَّةِ بَلْ يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بَعْدَ تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِمَالِهِ) أَشْبَهَ إقْرَارَ الْمُفْلِسِ.
(لَكِنْ لَوْ أَقَرَّ) لِأَجْنَبِيٍّ (فِي مَرَضِهِ بِعَيْنٍ ثُمَّ بِدَيْنٍ أَوْ عَكْسِهِ) بِأَنْ أَقَرَّ بِهِ بِدَيْنٍ ثُمَّ بِعَيْنٍ (فَرَبُّ الْعَيْنِ أَحَقُّ بِهَا) مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالدَّيْنِ يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ، وَالْإِقْرَارُ بِالْعَيْنِ يَتَعَلَّقُ بِذَاتِهَا فَتَعَلُّقُهُ بِالذَّاتِ أَقْوَى، وَلِهَذَا لَوْ أَرَادَ بَيْعَ الْعَيْنِ لَمْ يَصِحَّ وَمُنِعَ مِنْهُ لِحَقِّ الْمُقَرِّ لَهُ بِهَا.
فَرْعٌ إذَا خَافَ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ ظَالِمٌ أَوْ الْمَالَ الَّذِي بِيَدِهِ لِلنَّاسِ إمَّا بِحُجَّةِ أَنَّهُ مَيِّتٌ لَا وَارِثَ لَهُ أَوْ أَنَّهُ مَالُ غَائِبٍ أَوْ بِلَا حُجَّةٍ أَصْلًا جَازَ لَهُ الْإِقْرَارُ بِمَا يَدْفَعُ هَذَا الظُّلْمَ وَيَحْفَظُ الْمَالَ لِصَاحِبِهِ مِثْلُ أَنْ يُقِرَّ بِحَاضِرٍ أَنَّهُ ابْنُهُ أَوْ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ كَذَا أَوْ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي بِيَدِهِ لِفُلَانٍ، وَيَتَأَوَّل فِي إقْرَارِهِ بِأَنْ يَعْنِيَ بِكَوْنِهِ ابْنَهُ صِغَرَهُ أَوْ بِقَوْلِهِ أَخِي أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ، أَوْ بِقَوْلِهِ الَّذِي بِيَدِهِ لَهُ أَيْ لَهُ وِلَايَةُ قَبْضِهِ لِكَوْنِي قَدْ وَكَّلْتُهُ فِي إيصَالِهِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ وَنَحْوِهِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ لَهُ أَمِينًا، وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ أَنَّ هَذَا إقْرَارُ تَلْجِئَةٍ تَفْسِيرُهُ كَذَا وَكَذَا قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ مُلَخَّصًا.
(وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ أَوْ وَهَبَهُ،
стр. 3179
ثُمَّ أَقَرَّ بِدَيْنٍ نَفَذَ عِتْقُهُ وَهِبَتُهُ وَلَمْ يُنْقَضَا بِإِقْرَارِهِ) نَصًّا لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مُنَجَّزٌ تَعَلَّقَ بِعَيْنِ مَالٍ أَزَالَهُ عَنْ مِلْكِهِ فَلَمْ يَقْضِهِ مَا تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ أَوْ وَهَبَ ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ (وَتَقَدَّمَ حُكْمُ إقْرَارِ مُفْلِسٍ وَسَفِيهٍ فِي) كِتَابِ (الْحَجْرِ) مُفَصَّلًا.
(وَإِنْ أَقَرَّ لِامْرَأَتِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِمَهْرٍ لَمْ يُقْبَلْ) لِأَنَّهُ إقْرَارٌ لِوَارِثٍ (وَيَلْزَمُهُ مَهْرُ مِثْلِهَا) إنْ ادَّعَتْهُ (بِالزَّوْجِيَّةِ) أَيْ بِمُقْتَضَى كَوْنِهَا زَوْجَتَهُ (لَا بِإِقْرَارِهِ) لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ دَلَّتْ عَلَى الْمَهْرِ وَوُجُوبِهِ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ.
(وَيَصِحُّ إقْرَارُهُ) أَيْ الْمَرِيضِ (بِأَخْذِ دَيْنٍ) لَهُ (مِنْ أَجْنَبِيٍّ) لِأَنَّهُ إقْرَارٌ لِمَنْ لَا يُتَّهَمُ فِي حَقِّهِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ) الْمَرِيضُ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ (لِوَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ صَحَّ) الْإِقْرَارُ (لِلْأَجْنَبِيِّ) بِغَيْرِ إجَازَةٍ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ آكَدُ مِنْهَا وَلِذَلِكَ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَالَةُ، وَيُوقَفُ إقْرَارُهُ عَلَى إجَازَةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ.
(وَالِاعْتِبَارُ) فِي كَوْنِهِ وَارِثًا أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ (بِحَالَةِ الْإِقْرَارِ) لِأَنَّهُ قَوْلٌ تُعْتَبَرُ فِيهِ التُّهْمَةُ فَاعْتُبِرَتْ حَالَةُ وُجُودِهِ دُونَ غَيْرِهَا كَالشَّهَادَةِ (لَا بِحَالَةِ الْمَوْتِ) بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ (فَلَوْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ غَيْرَ وَارِثٍ لَمْ يَلْزَمْ إقْرَارُهُ) لِاقْتِرَانِ التُّهْمَةِ بِهِ فَلَا يَنْقَلِبُ لَازِمًا بَعْدَ ذَلِكَ (لَا أَنَّهُ) أَيْ الْإِقْرَارَ بَاطِلٌ كَمَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الْمُقْنِعِ وَغَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَهِيَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْإِجَازَةِ لَا بَاطِلَةٌ، وَفِي نُسَخٍ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ وَلَيْسَ بِمُنَاسِبٍ لِقَوْلِهِ لَمْ يَلْزَمْ.
(وَإِنْ أَقَرَّ لِغَيْرِ وَارِثٍ) صَحَّ وَإِنْ صَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَارِثًا، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لِابْنِ ابْنِهِ مَعَ ابْنٍ فَمَاتَ ابْنُهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُ الْإِقْرَارِ لِوُقُوعِهِ مِنْ أَهْلِهِ خَالِيًا مِنْ التُّهْمَةِ يَثْبُتُ الْحَقُّ بِهِ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُسْقِطُهُ.
(أَوْ أَعْطَاهُ) أَيْ أَعْطَى غَيْرَ وَارِثٍ لَزِمَتْ الْعَطِيَّةُ وَ (صَحَّ) الْعَقْدُ (وَإِنْ صَارَ) الْمُعْطِي (عِنْدَ الْمَوْتِ وَارِثًا) لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْفُرُوعِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَبَرُّعَاتِ الْمَرِيضِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ وَقْتُ الْمَوْتِ فِي الْعَطِيَّةِ كَالْوَصِيَّةِ وَقَطَعَ بِهِ صَاحِبُ الْفُرُوعِ هُنَاكَ كَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَكَانَ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَ كَلَامَ صَاحِبِ التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ فِي بَابِ تَبَرُّعِ الْمَرِيضِ عَقِبَ الْمَسْأَلَةِ لِيُعْلَمَ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا، لَا يَقْطَعُ فِي مَكَان بِشَيْءٍ وَيُقْطَعُ بِضِدِّهِ فِي غَيْرِهِ.
(وَإِنْ أَقَرَّتْ) الْمَرِيضَةُ (فِي مَرَضِهَا أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجِ (لَمْ يَصِحَّ) الْإِقْرَارُ إنْ لَمْ يُجِزْهُ بَاقِي وَرَثَتِهَا لِلتُّهْمَةِ (إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً بِأَخْذِهِ) أَيْ الصَّدَاقِ مُطْلَقًا (أَوْ بِإِسْقَاطِهِ) فِي غَيْرِ مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ وَهَذَا مَعْنَى مُهَنَّا وَنَقَلَ إبْرَاهِيمُ: لَوْ كَانَ مَهْرُهَا عَشْرَةَ آلَافٍ فَقَالَتْ مَالِي عَلَيْهِ إلَّا سِتَّةُ آلَافٍ الْقَضَاءُ مَا قَضَتْ عَلَيْهِ اقْتَصَرَ فِي الْفُرُوعِ فِي تَبَرُّعَاتِ الْمَرِيضِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِمَا لِي عَلَيْهِ إلَّا سِتَّةُ آلَافٍ أَيْ لَمْ يَتَزَوَّجْنِي إلَّا عَلَيْهَا لَا أَنَّهَا أَقَرَّتْ بِقَبْضِ أَرْبَعَةٍ بِخِلَافِ
стр. 3180
مَا هُنَا (وَكَذَا حُكْمُ) كُلِّ (دَيْنٍ ثَابِتٍ عَلَى وَارِثٍ) لَا يَصِحُّ إقْرَارُ الْمَرِيضِ بِقَبْضِهِ إلَّا بِإِجَازَةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِوَارِثٍ صَحَّ) إقْرَارُهُ لِأَنَّهُ لِغَيْرِ وَارِثٍ فَصَحَّ، كَمَا لَوْ لَمْ يَصِرْ وَارِثًا؛ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ) الْمَرِيضُ (لِامْرَأَتِهِ ثُمَّ أَبَانَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا) قُلْتُ: أَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا (وَمَاتَ مِنْ مَرَضِهِ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ) بِغَيْرِ إجَازَةِ الْبَاقِي لِأَنَّهُ إقْرَارٌ لِوَارِثٍ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ أَشْبَهَ مَا لَمْ يُبِنْهَا؛ وَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالِ الْإِقْرَارِ وَهِيَ وَارِثَةٌ حِينَهُ.
وَفِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: لَوْ أَقَرَّ لَهَا بِدَيْنٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَمَاتَ بَطَلَ إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ (وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ طَلَّقَهَا فِي صِحَّتِهِ لَمْ يَسْقُطْ مِيرَاثُهَا) لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ وَكَمَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ.
" تَتِمَّةٌ " يَصِحُّ إقْرَارُ الْمَرِيضِ بِإِحْبَالِ الْأَمَةِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ ذَلِكَ فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ وَكَذَا كُلُّ مَا مَلَكَهُ مَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ فَإِذَا أَقَرَّ بِذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ فَإِنْ بَيَّنَ أَنَّهُ اسْتَوْلَدَهَا فِي مِلْكِهِ فَوَلَدَتْ حُرَّ الْأَصْلِ فَأُمُّ وَلَدٍ تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
وَإِنْ أَقَرَّ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ عَتَقَ الْوَلَدُ وَلَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ السَّبَبَ فَالْأَصْلُ الرِّقُّ وَلَا وَلَاء عَلَى الْوَلَدِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ قَامَ مَقَامَهُ فِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ اسْتِيلَادِهَا.
[فَصْلُ أَقَرَّ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ وَلَوْ آبِقًا بِحَدٍّ]
فَصْلٌ وَإِنْ أَقَرَّ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ وَلَوْ آبِقًا بِحَدٍّ أَوْ أَقَرَّ عَبْدٌ (بِطَلَاقٍ أَوْ) أَقَرَّ قِنٌّ (بِقِصَاصٍ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ أُخِذَ بِهِ) أَيْ بِإِقْرَارِهِ (فِي الْحَالِ) لِأَنَّ لَهُ ذَلِكَ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْ بَدَنِهِ وَهُوَ دُونَ سَيِّدِهِ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُ مِنْهُ إلَّا الْمَالَ وَلِقَوْلِهِ ﷺ «الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» وَمَنْ مَلَكَ الْإِنْشَاءَ مَلَكَ الْإِقْرَارَ.
(وَإِنْ أَقَرَّ) الْقِنُّ (بِقِصَاصٍ فِي النَّفْسِ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ فِي الْحَالِ) لِأَنَّهُ يَسْقُطُ حِقُّ السَّيِّدِ بِهِ أَشْبَهَ الْإِقْرَارَ بِقَتْلِ الْخَطَأِ؛ وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي أَنْ يُقِرَّ لِمَنْ يَعْفُو عَلَى مَالٍ يَسْتَحِقُّ رَقَبَتَهُ لِتَخْلُصَ مِنْ سَيِّدِهِ (وَيَتْبَعَ بِهِ) أَيْ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ إذَا أَقَرَّ بِهِ فِي رِقِّهِ (بَعْدَ الْعِتْقِ) لِزَوَالِ الْمُعَارِضِ (وَطَلَبَ جَوَابِ الدَّعْوَى) لِلْقَتْلِ عَمْدًا (مِنْهُ) أَيْ الْقِنِّ (وَمِنْ سَيِّدِهِ) جَمِيعًا كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ أَقَرَّ السَّيِّدُ عَلَيْهِ) أَيْ الْقِنِّ (بِمَالٍ أَوْ بِمَا يُوجِبُهُ) أَيْ الْمَالَ (كَجِنَايَةِ الْخَطَأِ) وَالْعَمْدِ الَّذِي لَا يُوجِبُ قِصَاصًا بِحَالٍ كَالْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ (صَحَّ) إقْرَارُهُ لِأَنَّ الْمَالَ
стр. 3181
يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ وَهِيَ مَالُ السَّيِّدِ فَصَحَّ إقْرَارُهُ بِهِ (وَيُؤْخَذُ مِنْهُ) أَيْ السَّيِّدِ (دِيَةُ ذَلِكَ) يَعْنِي أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ فِدَائِهِ وَبَيْعِهِ وَتَسْلِيمِهِ فِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَبَقَ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِالنِّيَّةِ.
وَ (لَا) يَصِحُّ إقْرَارُ السَّيِّدِ عَلَى قِنِّهِ (بِمَا يُوجِبُ قِصَاصًا وَلَوْ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مِنْهُ إلَّا الْمَالَ.
(وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ) وَمِثْلُهُ الْأَمَةُ (بِجِنَايَةِ خَطَأٍ أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ سَرِقَةِ مَالٍ) لَمْ يُقْبَلْ عَلَى السَّيِّدِ (أَوْ) أَقَرَّ الْقِنُّ غَيْرُ الْمَأْذُونِ لَهُ بِمَالٍ عَنْ مُعَامَلَةٍ أَوْ (أَقَرَّ بِمَالٍ) مُطْلَقًا وَلَمْ يُبَيِّنْ كَوْنَهُ عَنْ مُعَامَلَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يُقْبَلْ عَلَى السَّيِّدِ (أَوْ) أَقَرَّ مِنْ مَأْذُونٍ لَهُ وَمِثْلُهُ حُرٌّ صَغِيرٌ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التِّجَارَةِ (بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالتِّجَارَةِ) كَقَرْضٍ وَجِنَايَةٍ (وَكَذَّبَهُ السَّيِّدُ لَمْ يُقْبَلْ) إقْرَارُهُ (عَلَى السَّيِّدِ) لِأَنَّهُ إقْرَارٌ مِنْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ.
(وَإِنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ) أَيْ الْقِنِّ (يَمِينٌ عَلَى مَالٍ فَنَكَلَ عَنْهَا فَكَإِقْرَارِهِ فَلَا يَجِبُ الْمَالُ) لِأَنَّهُ كَالْإِقْرَارِ عَلَى غَيْرِهِ (وَسَوَاءٌ كَانَ مَا أَقَرَّ) الْقِنُّ (بِسَرِقَتِهِ بَاقِيًا أَوْ تَالِفًا فِي يَدِ السَّيِّدِ أَوْ يَدِ الْعَبْدِ وَيَتْبَعُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ) لِزَوَالِ الْمَانِعِ.
(وَيُقْطَعُ لِلسَّرِقَةِ فِي الْمَالِ) إذَا أَقَرَّ بِهَا (فِي الْحَالِ) أَيْ حَالِ الْإِقْرَارِ لِأَنَّ الْقَطْعَ حَقُّ لَهُ فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِقِصَاصٍ بِطَرَفٍ.
(قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِي عَبْدٍ أَقَرَّ بِسَرِقَةِ دَرَاهِمَ فِي يَدِهِ أَنَّهُ سَرَقَهَا مِنْ رَجُلٍ وَالرَّجُلُ يَدَّعِي ذَلِكَ) أَيْ أَنَّهُ سَرَقَ الدَّرَاهِمَ مِنْهُ (وَالسَّيِّدُ يُكَذِّبُهُ فَالدَّرَاهِمُ لِسَيِّدِهِ) لِأَنَّ الْمَالَ حَقٌّ لِلسَّيِّدِ فَلَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُ الْعَبْدِ بِهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِمَالٍ فِي يَدِهِ (وَيُقْطَعُ الْعَبْدُ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَتْبَعُ بِذَلِكَ) الْمَالُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ (بَعْدَ الْعِتْقِ) لِزَوَالِ الْمُعَارِضِ (وَمَا صَحَّ إقْرَارُ الْعَبْدِ بِهِ) كَالْحَدِّ وَالطَّلَاقِ وَالْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ (فَهُوَ الْخَصْمُ فِيهِ) وَحْدَهُ فَطُلِبَ جَوَابُ دَعْوَاهُ مِنْهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُ الْعَبْدِ بِهِ كَالْمَالِ الْخَصْمُ فِيهِ (سَيِّدُهُ) وَالْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ هُمَا الْخَصْمُ فِيهِ كَمَا سَبَقَ.
(وَإِنْ أَقَرَّ بِالْجِنَايَةِ مُكَاتَبٌ تَعَلَّقَتْ بِرَقَبَتِهِ وَذِمَّتِهِ) وَلَا يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِالسَّيِّدِ (وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُ سَيِّدِهِ) أَيْ الْمُكَاتَب (عَلَيْهِ بِذَلِكَ) أَيْ بِجِنَايَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ غَيْرُ مُكَاتَبٍ بِمَالٍ لِسَيِّدِهِ أَوْ) أَقَرَّ (سَيِّدُهُ لَهُ) بِمَالٍ (لَمْ يَصِحَّ) الْإِقْرَارُ لِأَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وَشَمَلَ ذَلِكَ الْقِنَّ وَالْمُدَبَّرَ وَأُمَّ الْوَلَدِ وَالْمُعَلَّقَ عِتْقِهِ بِصِفَةٍ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ قَالَهُ يَمْلِكُ كَسْبَهُ وَمَنَافِعَهُ، وَعُلِمَ مِنْهُ صِحَّةُ إقْرَارِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ بِنَحْوِ حَدٍّ.
(وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ) أَوْ الْأَمَةُ (بِرِقِّهِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ لَمْ يُقْبَلْ) وَإِنْ أَقَرَّ السَّيِّدُ بِذَلِكَ قُبِلَ لِأَنَّهُ فِي يَدِ السَّيِّدِ لَا فِي يَدِ نَفْسِهِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ السَّيِّدُ أَنَّهُ بَاعَ عَبْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ بِأَلْفٍ وَصَدَّقَهُ صَحَّ) ذَلِكَ (وَلَزِمَهُ الْأَلْفُ)
стр. 3182
وَيَكُونُ كَالْكِتَابَةِ لِأَنَّ الْأَلْفَ بَدَلٌ عَنْ رَقَبَتِهِ (فَإِنْ أَنْكَرَ) الْعَبْدُ شِرَاءَهُ نَفْسَهُ حَلَفَ الْعَبْدُ عَلَى ذَلِكَ (وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَالْأَصْلُ بَرَاءَتُهُ (وَيُعْتَقُ) الْعَبْدُ (فِيهِمَا) أَيْ فِي مَسْأَلَتَيْ التَّصْدِيقِ وَالْإِنْكَارِ لِأَنَّ السَّيِّدَ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ وَالْأَمَةُ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ وَنَظَائِرُهُ.
(وَإِنْ أَقَرَّ لِعَبْدٍ غَيْرِهِ بِمَالٍ صَحَّ) الْإِقْرَارُ (وَكَانَ) الْمَالُ (لِمَالِكِهِ) لِأَنَّهُ هُوَ الْجِهَةُ الَّتِي يَصِحُّ بِهَا الْإِقْرَارُ فَتَعَيَّنَ جَعْلُ الْمَالِ لَهُ فَكَانَ الْإِقْرَارُ لِسَيِّدِهِ (وَ) حِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ بِتَصْدِيقِهِ وَ (يَبْطُل بِرَدِّهِ) أَيْ رَدِّ مَالِكِهِ لِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ كَيَدِ سَيِّدِهِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ مُكَلَّفٌ لَهُ) أَيْ لِلْعَبْدِ (بِنِكَاحٍ) فَصَدَّقَهُ الْعَبْدُ صَحَّ قَالَ فِي الْكَافِي: وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِنِكَاحٍ صَحَّ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَصِحُّ نِكَاحُهُ بِدُونِ إذْنِ سَيِّدِهِ لِأَنَّ فِي ثُبُوتِ نِكَاحِ الْعَبْدِ ضَرَرًا عَلَيْهِ فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بِتَصْدِيقِ السَّيِّدِ.
(أَوْ) أَقَرَّ لِقِنٍّ (بِقِصَاصٍ أَوْ تَعْزِيرٍ لِقَذْفٍ فَصَدَّقَهُ الْعَبْدُ صَحَّ) الْإِقْرَارُ (وَلَهُ) أَيْ الْقِنِّ (الْمُطَالَبَةُ بِهِ وَالْعَفْوُ عَنْهُ وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مُطَالَبَةُ) الْمُقِرِّ (بِذَلِكَ وَلَا عَفْوَ عَنْهُ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فِيهِ دُونَ سَيِّدِهِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ لِبَهِيمَةٍ) بِشَيْءٍ (لَمْ يَصِحَّ) الْإِقْرَارُ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ وَلَا لَهَا أَهْلِيَّةُ الْمِلْكِ.
(وَإِنْ قَالَ عَلَيَّ أَلْفٌ بِسَبَبِ هَذِهِ الْبَهِيمَةِ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا لِأَحَدٍ) لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ ذِكْرَ الْمُقَرِّ لَهُ (وَإِنْ قَالَ لِمَالِكِهَا) أَوْ لِزَيْدٍ (عَلَيَّ أَلْفٌ بِسَبَبِهَا صَحَّ) قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ.
(وَإِنْ قَالَ) عَلَيَّ كَذَا (بِسَبَبِ حَمْلِ هَذِهِ الْبَهِيمَةِ لَمْ يَصِحَّ) إقْرَارُهُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ شَيْءٍ بِسَبَبِ الْحَمْلِ إلَّا أَنْ يَنْفَصِلَ الْحَمْلُ مَيِّتًا وَيَدَّعِي مَالِكُهَا أَنَّهُ بِسَبَبِهِ فَيَلْزَمُهُ مَا أَقَرَّ بِهِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ لِمَسْجِدٍ أَوْ مَقْبَرَةٍ أَوْ طَرِيقٍ وَنَحْوِهِ) كَقَنْطَرَةِ وَسِقَايَةٍ (صَحَّ الْإِقْرَارُ وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ سَبَبًا) كَغَلَّةِ وَقْفٍ أَوْ وَصِيَّةٍ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ مِنْ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ فَلَزِمَهُ كَمَا لَوْ عَيَّنَ السَّبَبَ (وَيَكُونُ لِمَصَالِحِهَا) أَيْ الْمَذْكُورَاتِ.
(وَلَا يَصِحُّ) الْإِقْرَارُ (لِدَارٍ) وَنَحْوِهَا (إلَّا مَعَ) بَيَانِ (السَّبَبِ) مِنْ غَصْبٍ أَوْ إجَارَةٍ وَنَحْوِهِمَا لِأَنَّ الدَّارَ لَا تَجْرِي عَلَيْهَا صَدَقَةٌ فِي الْغَالِبِ بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ فَأَقَرَّتْ بِالرِّقِّ لَمْ يُقْبَلْ) إقْرَارُهَا لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا تَرْتَفِعُ بِقَوْلِ أَحَدٍ كَالْإِقْرَارِ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ بِوَلَدِ أَمَتِهِ أَنَّهُ ابْنُهُ ثُمَّ مَاتَ) الْمُقِرُّ (وَلَمْ يُتَبَيَّنْ هَلْ أَتَتْ بِهِ) أَيْ الْوَلَدِ (فِي مِلْكِهِ أَوْ) فِي (غَيْرِهِ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ) لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا أَتَتْ بِهِ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ (إلَّا بِقَرِينَةٍ) تَدُلُّ أَنَّهَا حَمَلَتْ بِهِ وَهِيَ فِي مِلْكِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَلَكَهَا بِكْرًا أَوْ صَغِيرَةً.
стр. 3183
[فَصْل أَقَرَّ مُكَلَّفٌ بِنَسَبٍ]
فَصْل وَإِنْ أَقَرَّ مُكَلَّفٌ بِنَسَبِ (صَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ) بِأَنْ قَالَ (أَنَّهُ ابْنُهُ وَهُوَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُولَدَ لِمِثْلِ الْمُقِرِّ) بِأَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ أَكْبَرَ مِنْهُ بِعَشْرِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ (وَلَمْ يُنَازِعْهُ مُنَازِعٌ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الشَّخْصَ لَا يُلْحَقُ بِهِ مَنْ لَيْسَ مِنْهُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ.
(وَإِنْ كَانَ الصَّغِيرُ أَوْ الْمَجْنُونُ) الْمُقَرُّ بِهِ (مَيِّتًا وَرِثَهُ) لِأَنَّ سَبَبَ ثُبُوتِ النَّسَبِ مَعَ الْحَيَاةِ الْإِقْرَارُ وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا.
(وَإِنْ كَانَ) الْمُقَرُّ بِهِ (كَبِيرًا عَاقِلًا لَمْ يَثْبُتْ) نَسَبُهُ مِنْ الْمُقِرِّ (حَتَّى يُصَدِّقَهُ) لِأَنَّ لَهُ قَوْلًا صَحِيحًا فَاعْتُبِرَ تَصْدِيقُهُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِمَالٍ.
(وَإِنْ كَانَ) الْكَبِيرُ الْعَاقِلُ الْمُقَرُّ بِهِ (مَيِّتًا ثَبَتَ إرْثُهُ وَنَسَبُهُ) لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ أَشْبَهَ الصَّغِيرَ.
(وَإِنْ ادَّعَى نَسَبَ مُكَلَّفٍ فِي حَيَاتِهِ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ حَتَّى مَاتَ الْمُقِرُّ، ثُمَّ صَدَّقَهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ) لِأَنَّ بِتَصْدِيقِهِ حَصَلَ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى التَّوَارُثِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا.
(مَنْ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَلَهُ أُمٌّ فَجَاءَتْ بَعْدَ مَوْتِ الْمُقِرِّ تَدَّعِي زَوْجِيَّتَهُ) أَيْ الْمُقِرِّ (لَمْ تَثْبُتْ) الزَّوْجِيَّةُ (بِذَلِكَ لِأَنَّ الرَّجُلَ إذَا أَقَرَّ بِنَسَبٍ صَغِيرٍ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِزَوْجِيَّةِ أُمِّهِ) لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ وَكَذَا لَوْ ادَّعَتْ أُخْتُهُ الْبُنُوَّةَ ذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ.
وَمَنْ أَنْكَرَ زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا كَانَ لَهَا طَلَبُهُ بِحَقِّهَا.
(وَإِنْ قَدِمَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ وَمَعَهَا طِفْلٌ فَأَقَرَّ بِهِ رَجُلٌ أَنَّهُ ابْنُهُ) مَعَ إمْكَانِهِ وَلَا مُنَازِعَ (لَحِقَهُ) نَسَبُهُ لِوُجُودِ الْإِمْكَانِ وَعَدَمِ الْمُنَازِعِ وَالنَّسَبُ يُحْتَاطُ لِإِثْبَاتِهِ (وَلِهَذَا لَوْ وَلَدَتْ امْرَأَةُ رَجُلٍ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ غَيْبَتِهِ لَحِقَهُ الْوَلَدُ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ) أَيْ الرَّجُلِ (قُدُومٌ إلَيْهَا وَلَا عُرِفَ لَهَا خُرُوجٌ مِنْ بَلَدِهَا) .
وَمَنْ لَهُ أَمَتَانِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَدٌ وَلَا زَوْجَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَمْ يُقِرَّ بِوَطْئِهَا فَقَالَ أَحَدُ هَذَيْنِ ابْنِي أُخِذَ بِالْبَيَانِ فَإِنْ عُيِّنَ أَحَدُهُمَا ثَبَتَ نَسَبُهُ وَحُرِّيَّتُهُ وَيُطَالَبُ بِبَيَانِ الِاسْتِيلَادِ فَإِنْ قَالَ اسْتَوْلَدْتُهَا فِي مِلْكِي فَالْوَلَدُ حُرُّ الْأَصْلِ وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ وَإِنْ قَالَ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ فَأُمُّهُ رَقِيقَةُ قِنٍّ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ وَتُرَقُّ الْأُخْرَى وَوَلَدُهَا وَإِنْ ادَّعَتْ الْأُخْرَى أَنَّهَا الْمُسْتَوْلَدَةُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ أَوْ لَمْ يُعَيِّنْ الْوَارِثَ عُرِضَ
стр. 3184
عَلَى الْقَافَةِ فَأُلْحِقَ بِهِ مَنْ تُلْحِقُهُ بِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَافَةً أَوْ أُشْكِلَ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا فَيُعْتَقُ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ وَتَقَدَّمَ لَا مَدْخَلَ لِلْقُرْعَةِ فِي تَمْيِيزِ النَّسَبِ وَيُجْعَلُ سَهْمُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّا نَعْلَمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَسْتَحِقُّ نَصِيبَ وَلَدٍ وَلَا يُعْرَفُ عَيْنُهُ فَلَا اسْتَحَقَّهُ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ قَالَهُ السَّامِرِيُّ.
(وَإِنْ أَقَرَّ بِنَسَبِ أَخٍ أَوْ عَمٍّ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ لَمْ يُقْبَلْ) لِأَنَّ قَرَارَ الْإِنْسَانِ عَلَى غَيْرِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ (وَإِنْ كَانَ) إقْرَارُهُ بِنَسَبِ الْأَخِ أَوْ الْعَمِّ (بَعْدَ مَوْتِهِمَا) أَيْ الْأَبِ وَالْجَدِّ (وَهُوَ) أَيْ الْمُقِرُّ (الْوَارِثُ وَحْدَهُ صَحَّ إقْرَارُهُ وَثَبَتَ النَّسَبُ) لِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَلِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ مُوَرِّثِهِ فِي حُقُوقِهِ وَهَذَا مِنْهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ قَدْ نَفَاهُ قَبْلَ مَوْتِهِ وَتَقَدَّمَ فِي اللِّعَانِ وَيَدْخُلُ فِي كَلَامِهِ إذَا كَانَ الْوَارِثُ ابْنَةً وَاحِدَةً لِأَنَّهَا تَرِثُ الْمَالَ فَرْضًا وَرَدًّا وَتَقَدَّمَ.
(وَإِنْ كَانَ مَعَهُ) أَيْ الْمُقِرِّ (غَيْرُهُ لَمْ يَثْبُتْ) النَّسَبُ الْمُقَرُّ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَوْفِي حَقَّ شَرِيكِهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ فِي حَقِّهِ.
(وَلِلْمُقَرِّ لَهُ مِنْ الْمِيرَاثِ مَا فَضَلَ فِي يَدِ الْمُقِرِّ) مُؤَاخَذَةً لَهُ بِمُقْتَضَى إقْرَارِهِ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي) بَ (الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ) مُفَصَّلًا وَبَيَانُ طَرِيقِهِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ بِأَبٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ مَوْلًى أَعْتَقَهُ قُبِلَ إقْرَارُهُ) لِعَدَمِ التُّهْمَةِ (وَلَوْ أَسْقَطَ بِهِ وَارِثًا وَفَّاهُ) لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْوَارِثِ فِي الْحَالِ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْإِرْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ بِشَرْطِ خُلُوِّهِ مِنْ مُسْقِطٍ (إذَا أَمْكَنَ صَدَّقَهُ) أَيْ الْمُقِرُّ بِأَنْ لَا يُكَذِّبَهُ فِيهِ ظَاهِرُ حَالِهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ صِدْقُهُ كَإِقْرَارِ الْإِنْسَانِ بِمَنْ فِي سِنِّهِ أَوْ أَكْبَرَ مِنْهُ لَمْ يُقْبَلْ (وَلَمْ يَدْفَعْ بِهِ) أَيْ بِإِقْرَارِهِ (نَسَبًا لِغَيْرِهِ) فَإِنْ دَفَعَ بِهِ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ (وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ بِهِ) الْمُكَلَّفُ وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلْ (أَوْ كَانَ) الْمُقَرُّ بِهِ (مَيِّتًا إلَّا الْوَلَدَ الصَّغِيرَ وَالْمَجْنُونَ فَلَا يُشْتَرَطُ تَصْدِيقُهُمَا) لِمَا مَرَّ (فَإِنْ كَبِرَا وَعَقِلَا وَأَنْكَرَا) النَّسَبَ (لَمْ يُسْمَعْ إنْكَارُهُمَا) لِأَنَّهُ نَسَبٌ حُكِمَ بِثُبُوتِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِرَدِّهِ كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ (وَلَوْ طَلَبَا إحْلَافَ الْمُقِرِّ لَمْ يُسْتَحْلَفْ لِأَنَّ الْأَبَ لَوْ عَادَ فَجَحَدَ النَّسَبَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ) لِأَنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ لَهُ بِخِلَافِ الْمَالِ.
(وَيَكْفِي فِي تَصْدِيقِ وَالِدٍ بِوَلَدِهِ وَعَكْسِهِ) كَتَصْدِيقِ وَلَدٍ بِوَالِدِهِ (سُكُوتُهُ إذَا أَقَرَّ بِهِ) لِأَنَّهُ يَغْلِبُ فِي ذَلِكَ ظَنُّ التَّصْدِيقِ (وَلَا يُعْتَبَرُ فِي تَصْدِيقِ أَحَدِهِمَا) أَيْ الْوَالِدِ بِوَلَدِهِ وَعَكْسِهِ (تَكْرَارُهُ) أَيْ التَّصْدِيقِ (فَيَشْهَدُ الشَّاهِدُ بِنَسَبِهِمَا) بِدُونِ تَكْرَارِ التَّصْدِيقِ وَمَعَ السُّكُوتِ (وَتَقَدَّمَ فِي) كِتَابِ (الشَّهَادَاتِ) مُفَصَّلًا.
(وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ مَنْ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ بِغَيْرِ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ) وَهُمْ الْأَبُ وَالِابْنُ وَالزَّوْجُ وَالْمَوْلَى كَجَدٍّ يُقِرُّ بِابْنِ ابْنٍ وَعَكْسِهِ وَكَأَخٍ لَا يُقِرُّ
стр. 3185
بِأَخٍ وَالْعَمُّ يُقِرُّ بِابْنِ أَخٍ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ عَلَى غَيْرِهِ نَسَبًا فَلَمْ يُقْبَلْ (إلَّا وَرَثَةٌ أَقَرُّوا لِمَنْ) لَوْ (أَقَرَّ بِهِ مُوَرِّثُهُمْ) ثَبَتَ نَسَبُهُ فَيَصِحَّ لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ وَتَقَدَّمَ فِي عِبَارَتِهِ نَظَرٌ لَكِنْ تَوْضِيحُهَا مَا قَدَّرْتُهُ لِيُوَافِقَ كَلَامَ غَيْرِهِ.
(وَإِنْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ مُكَلَّفَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ صَغِيرٍ) أَوْ مَجْنُونٍ (ثُمَّ مَاتَ الْمُنْكِرُ وَالْمُقِرُّ وَحْدَهُ وَارِثٌ) لِلْمُنْكِرِ (ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ مِنْهُمَا) لِانْحِصَارِ الْإِرْثِ فِيهِ (فَلَوْ مَاتَ الْمُقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ بَنِي عَمٍّ وَعَنْ الْأَخِ الْمُقَرِّ بِهِ وَرِثَهُ) الْأَخُ الْمُقِرُّ بِهِ (دُونَهُمْ) أَيْ دُونَ بَنِي الْعَمِّ لِأَنَّ الْأَخَ يَحْجُبُهُمْ وَقَدْ ثَبَتَ نَسَبُهُ بِإِقْرَارِ الْمَيِّتِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ مَنْ عَلَيْهِ وَلَاءٌ بِنَسَبِ وَارِثٍ لَمْ يُقْبَلْ) إقْرَارُهُ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ بِدَفْعِ مَوْلَاهُ عَنْ مِيرَاثِهِ (إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ مَوْلَاهُ) فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ لِعَدَمِ الْمَانِعِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمُقِرُّ بِنَسَبٍ (مَجْهُولَ النَّسَبِ وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ فَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ بِهِ وَأَمْكَن قُبِلَ) وَلَوْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ أَخًا أَوْ عَمًّا لِأَنَّ نَسَبَهُ لَا يُعْرَفُ مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ فَوَجَبَ قَبُولُهُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِحَقِّ غَيْرِهِ.
(وَإِنْ أَقَرَّتْ امْرَأَةٌ وَلَوْ بِكْرًا بِنِكَاحٍ عَلَى نَفْسِهَا قُبِلَ) إقْرَارُهَا لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهَا فَيُقْبَلُ إقْرَارُهَا بِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ بِمَالٍ وَلِزَوَالِ التُّهْمَةِ بِإِضَافَةِ الْإِقْرَارِ إلَى شَرَائِطِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ أَنَّ وَلِيَّهَا بَاعَ أَمَتَهَا فِي صِغَرِهَا (إنْ كَانَ مُدَّعِيهِ) أَيْ النِّكَاحِ (وَاحِدًا) قَالَ فِي الشَّرْحِ فَإِنْ ادَّعَاهَا اثْنَانِ فَأَقَرَّتْ لِأَحَدِهِمَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا لِأَنَّ الْآخَرَ يَدَّعِي مِلْكَ بَعْضِهَا وَهِيَ مُعْتَرِفَةٌ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ مَلَكَ عَلَيْهَا فَصَارَ إقْرَارهَا لِحَقِّ غَيْرِهَا وَلِأَنَّهَا مُتَّهَمَةٌ فَإِنَّهَا لَوْ أَرَادَتْ ابْتِدَاء تَزْوِيجِ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَهَا قَبْلَ الِانْفِصَالِ مِنْ دَعْوَى الْآخَرِ اثْنَيْنِ وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْمَيْمُونِيِّ وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ.
وَفِي الْمُغْنِي فِي أَثْنَاءِ الدَّعَاوَى وَصَحَّحَ فِي الْإِنْصَافِ وَتَصْحِيحِ الْفُرُوعِ أَنَّهُ يُقْبَلُ إقْرَارُهَا بِالنِّكَاحِ عَلَى نَفْسِهَا.
وَقَالَ صَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي مُحَرَّرِهِ وَصَاحِبُ التَّصْحِيحِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي فِي النِّكَاحِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي النَّظْمِ وَغَيْرِهِ انْتَهَى وَقَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ فِي طَرِيقِ الْحُكْمِ وَصِفَتِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى (وَتَقَدَّمَ فِي طَرِيقِ الْحُكْمِ وَصِفَتِهِ) .
(فَلَوْ أَقَرَّتْ) الْمَرْأَةُ بِالنِّكَاحِ (لِاثْنَيْنِ وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ قُدِمَ أَسْبِقُهُمَا) تَارِيخًا لِأَنَّ نِكَاحَ الْمُتَأَخِّرِ بَاطِلٌ (فَإِنْ جُهِلَ) التَّارِيخُ (فُسِخَا) أَيْ النِّكَاحَانِ لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ فَإِنْ عَلِمَ الْوَلِيُّ التَّارِيخَ قُبِلَ قَوْلُهُ وَكَانَ السَّابِقُ صَحِيحًا (وَلَا يَحْصُلُ التَّرْجِيحُ بِالْيَدِ) أَيْ لَا يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا بِكَوْنِهَا بِيَدِهِ لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْيَدِ (وَإِنْ أَقَرَّ رَجُلٌ) بِزَوْجِيَّةِ امْرَأَةٍ (أَوْ) أَقَرَّتْ (امْرَأَةٌ بِزَوْجِيَّةِ الْآخَرِ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْآخَرُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ صَحَّ) التَّصْدِيقُ (وَوَرِثَهُ) لِقِيَامِ النِّكَاحِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ
стр. 3186
كَذَّبَهُ فِي حَيَاتِهِ) فَلَا يُقْبَلُ تَصْدِيقُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بَطَلَ تَكْذِيبُهُ.
(وَإِنْ أَقَرَّ وَلِيٌّ لِمُمَيِّزَةٍ عَلَيْهَا بِنِكَاحٍ قُبِلَ) إقْرَارُهُ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ (وَإِنْ كَانَتْ) الْمَرْأَةُ (غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ وَهِيَ مُقِرَّةٌ لَهُ) أَيْ لِلْوَلِيِّ (بِالْإِذْنِ قُبِلَ أَيْضًا) لِأَنَّهُ يَمْلِكُ عَقْدَ النِّكَاحِ عَلَيْهَا بِمُقْتَضَى الْإِذْنِ فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ كَالْوَكِيلِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ غَيْرُ الْمُمَيِّزَةِ مُقِرَّةً بِالْإِذْنِ (فَلَا) يُقْبَلُ إقْرَارُ الْوَلِيِّ عَلَيْهَا بِالنِّكَاحِ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَيْهَا أَشْبَهَ الْإِقْرَارَ عَلَيْهَا بِمَالٍ.
(وَإِنْ أَقَرَّ) مُكَلَّفٌ (بِنِكَاحِ صَغِيرَةٍ بِيَدِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) حَيْثُ لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِمُجَرَّدِهِ وَتَصْدِيقُهَا لَاغٍ لِصِغَرِهَا (وَفَسَخَهُ حَاكِمٌ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ صَدَّقَتْهُ) الْمَرْأَةُ (إذَا بَلَغَتْ قُبِلَ) تَصْدِيقُهَا لِعَدَمِ الْمَانِعِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ (فَدَلَّ أَنَّ مَنْ ادَّعَتْ أَنَّ فُلَانًا زَوْجُهَا فَأَنْكَرَ فَطَلَبَتْ الْفُرْقَةَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ) بِالْفُرْقَةِ وَقَدْ سُئِلَ عَنْهَا الْمُوَفَّقُ فَلَمْ يُجِبْ فِيهَا بِشَيْءٍ.
(وَلَوْ أَقَرَّتْ مُزَوَّجَةٌ بِوَلَدٍ لَحِقَهَا) لِإِقْرَارِهَا (دُونَ زَوْجِهَا) لِعَدَمِ إقْرَارِهِ بِهِ وَكَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَإِنَّهُ لَا يُلْحَقُ بِامْرَأَتِهِ (وَ) دُونَ (أَهْلِهَا) هَذِهِ عِبَارَةُ الرِّعَايَةِ وَفِيهَا نَظَرٌ لِأَنَّهُ إذَا لَحِقَهَا نَسَبٌ تَبِعَهَا أَهْلُهَا كَالرَّجُلِ وَهَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ الْجُمْهُورِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ الْوَرَثَةُ بِدَيْنٍ عَلَى مُوَرِّثِهِمْ لَزِمَهُمْ قَضَاؤُهُ) لِأَنَّهُمْ أَقَرُّوا بِاسْتِحْقَاقِ ذَلِكَ عَلَى مَوْرُوثِهِمْ (إمَّا مِنْ التَّرِكَةِ لِتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِهَا) أَيْ التَّرِكَةِ (فَلِلْوَرَثَةِ تَسْلِيمُهَا فِيهِ) أَيْ فِي الدَّيْنِ كَتَسْلِيمِ الْعَبْدِ الْجَانِي فِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ (وَإِنْ أَحَبُّوا) أَيْ الْوَرَثَةُ (اسْتِخْلَاصَهَا) أَيْ التَّرِكَةِ (وَوَفَاءَ الدَّيْنِ مِنْ مَالِهِمْ فَلَهُمْ ذَلِكَ) لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَمْنَعُ انْتِقَالَهَا إلَيْهِمْ وَكَالْعَبْدِ الْجَانِي (وَيَلْزَمُهُمْ) أَيْ الْوَرَثَةَ (أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ بِمَنْزِلَةِ) الْقِنِّ (الْجَانِي) بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَأَمْرِهِ.
(وَإِنْ أَقَرَّ بَعْضُهُمْ) أَيْ الْوَرَثَةِ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ بِلَا شَهَادَةٍ (لَزِمَهُ) مِنْ الدَّيْنِ (بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ) لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا لَوْ أَقَرَّ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ فَإِذَا وَرِثَ النِّصْفَ فَنِصْفُ الدَّيْنِ (كَإِقْرَارِهِ) أَيْ بَعْضِ الْوَرَثَةِ (بِوَصِيَّةٍ) فَيَلْزَمُهُ مِنْهَا بِقَدْرِ إرْثِهِ (مَا لَمْ يَشْهَدْ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الْوَرَثَةِ (عَدْلَانِ أَوْ عَدْلٌ وَيَمِينٌ فَيَلْزَمُهُمْ الْجَمِيعُ) أَيْ جَمِيعُ الدَّيْنِ (إنْ وَفَّتْ بِهِ التَّرِكَةُ) كَمَا لَوْ شَهِدَ بِهِ عَدْلَانِ مِنْ غَيْرِهِمْ (وَيَأْتِي آخِرَ بَابِ مَا إذَا وَصَلَ بِإِقْرَارِهِ مَا يُغَيِّرُهُ) .
وَإِنْ أَقَرَّ بَعْضُ الْوَرَثَةِ بِمَا يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ أُخِذَ كُلُّ مَا بِيَدِهِ (وَيُقَدَّمُ) مِنْ الدُّيُونِ عَلَى الْمَيِّتِ (مَا ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ) نَصًّا لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ فِيهِ (أَوْ) يُعَيَّن ثُمَّ مَا ثَبَتَ (بِإِقْرَارِ) الْمَيِّتِ فَيُقَدَّمُ (عَلَى مَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِ وَرَثَةٍ إنْ حَصَلَتْ مُزَاحَمَةٌ) لِأَنَّ إقْرَارَ الْوَرَثَةِ إنَّمَا يَلْزَمُ فِي حَقِّهِمْ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ التَّرِكَةَ بَعْدَ أَدَاءِ الدَّيْنِ الثَّابِتِ عَلَيْهَا فَوَجَبَ أَدَاءُ مَا ثَبَتَ بِغَيْرِ
стр. 3187
إقْرَارِهِمْ أَوَّلًا ثُمَّ مَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِمْ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ تَرِكَةٌ) أَوْ كَانَتْ وَاسْتَغْرَقَهَا مَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ إقْرَارِ الْمَيِّتِ (لَمْ يَلْزَمْهُمْ شَيْءٌ) لِأَنَّهُمْ لَا يَلْزَمُهُمْ دِيَةٌ إذَا كَانَ حَيًّا مُفْلِسًا فَكَذَا هُنَا إذَا كَانَ مَيِّتًا.
(وَإِنْ أَقَرَّ الْوَارِثُ لِرَجُلٍ) مَثَلًا (بِدَيْنٍ يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ ثُمَّ أَقَرَّ بِمِثْلِهِ لِلْآخَرِ فِي مَجْلِسٍ ثَانٍ لَمْ يُشَارِكِ الثَّانِي الْأَوَّلَ) لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْتَحَقَّ تَسَلُّمَهُ كُلَّهُ بِالْإِقْرَارِ فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُ الْوَارِثِ بِمَا يُسْقِطُ حَقَّهُ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ (وَيَغْرَمُهُ) أَيْ قَدْرَ التَّرِكَةِ (الْمُقِرُّ لِلثَّانِي) لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِهِ لِلْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ تَخَاصَمَا.
(وَإِنْ أَقَرَّ) مُكَلَّفٌ (لِحَمْلِ امْرَأَةٍ بِمَالٍ صَحَّ) الْإِقْرَارُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَجْهٌ فَصَحَّ كَالطِّفْلِ (إلَّا أَنْ تُلْقِيَهُ) أَيْ الْحَمْلَ (مَيِّتًا أَوْ يُتَبَيَّنَ أَنْ لَا حَمْلَ أَوْ لَا نَتَيَقَّنَ أَنَّ الْحَمْلَ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْإِقْرَارِ) بِأَنْ وَلَدَتْهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَقَبْلَ أَرْبَعِ سِنِينَ مَعَ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ (فَيَبْطُلُ) الْإِقْرَارُ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ (وَإِنْ وَلَدَتْ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا فَالْمَالُ لِلْحَيِّ) لِأَنَّ الشَّرْطَ فِيهِ مُتَحَقِّقٌ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ (وَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى حَيَّيْنِ فَ) الْمَالُ الْمُقَرُّ بِهِ (لَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ) لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَمُطْلَقُ الْإِضَافَةِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ (إلَّا أَنْ يَعْزُوهُ) أَيْ الْمَالَ (إلَى مَا يَقْتَضِي التَّفَاضُلَ فَيُعْمَلُ بِهِ) أَيْ بِمَا عَزَاهُ إلَيْهِ وَيَكُونُ عَلَى التَّفَاضُلِ.
(وَإِنْ قَالَ لِلْحَمْلِ عَلَيَّ أَلْفٌ جَعَلْتُهَا لَهُ وَنَحْوِهِ) كَوَهَبْتُهَا لَهُ أَوْ تَصَدَّقْتُ بِهَا عَلَيْهِ أَوْ أَعْدَدْتُهَا لَهُ (فَهُوَ وَعْدٌ) لَا يُؤْخَذُ بِهِ (وَإِنْ قَالَ لَهُ) أَيْ الْحَمْلِ (عَلَيَّ أَلْفٌ أَقْرَضَنِيهِ أَوْ) قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ (وَدِيعَةً أَخَذْتُهَا مِنْهُ لَزِمَهُ) لِأَنَّ قَوْلَهُ لِلْحَمْلِ عَلَيَّ أَلْفٌ إقْرَارٌ بِالْأَلْفِ فَلَا يَرْتَفِعُ بِمَا ذَكَرَهُ بَعْدُ وَ (لَا) يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِي قَوْلِهِ (أَقْرَضَنِي) الْحَمْلُ (أَلْفًا) لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ قَرْضٌ.
(وَمَنْ أَقَرَّ لِكَبِيرٍ عَاقِلٍ بِمَالٍ فِي يَدِهِ وَلَوْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ عَبْدًا أَوْ) كَانَ (نَفْسَ الْمُقِرِّ بِأَنْ أَقَرَّ بِرِقِّ نَفْسِهِ لِلْغَيْرِ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ) الْمُقَرُّ لَهُ (بَطَلَ إقْرَارُهُ) لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ فِي ثُبُوتِ مِلْكِهِ (وَيُقَرُّ بِيَدِ الْمُقِرِّ) لِأَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ فَإِذَا بَطَلَ إقْرَارُهُ بَقِيَ كَأَنْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ (فَإِنْ عَادَ الْمُقِرُّ فَادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِثَالِثٍ قُبِلَ مِنْهُ) لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ لَهُ فِيهِ (وَلَمْ يُقْبَلْ بَعْدَ مَا) أَيْ بَعْدَ دَعْوَى الْمُقِرِّ الْمُقَرَّ بِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِثَالِثٍ (عَادَ الْمُقَرُّ لَهُ أَوَّلًا إلَى دَعْوَاهُ وَكَذَا لَوْ كَانَ عَوْدُهُ إلَى دَعْوَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ قَبْلَ دَعْوَى الْمُقِرِّ الْمُقَرَّ بِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِنَفْسِهِ.
стр. 3188
[بَاب مَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِقْرَارُ]
ُ مِنْ الْأَلْفَاظِ (إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَلْفًا فَقَالَ نَعَمْ أَوْ أَجَلْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْجِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَهُوَ حَرْفُ تَصْدِيقٍ كَنَعَمْ قَالَ الْأَخْفَشُ إنَّهُ أَحْسَنُ مِنْ نَعَمْ فِي التَّصْدِيقِ وَنَعَمْ أَحْسَنُ مِنْهُ فِي الِاسْتِفْهَامِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] وَقِيلَ لِسَلْمَانَ ﵁ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ أَيْ كَيْفِيَّةَ مَا يَتَغَوَّطُ الْإِنْسَانُ قَالَ أَجَلْ (أَوْ) قَالَ (صَدَقْتَ أَوْ أَنَا مُقِرٌّ بِهِ أَوْ) أَنَا مُقِرٌّ (بِدَعْوَاكَ كَانَ مُقِرًّا) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وُضِعَتْ لِلتَّصْدِيقِ.
(وَإِنْ قَالَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُحِقًّا أَوْ عَسَى) أَنْ تَكُونَ مُحِقًّا (أَوْ لَعَلَّ) أَنْ تَكُونَ مُحِقًّا (أَوْ أَظُنُّ أَوْ أَحْسَبُ أَوْ أُقَدِّرُ) أَنَّك مُحِقٌّ (أَوْ) قَالَ (خُذْ أَوْ اتَّزِنْ أَوْ أَحْرِزْ أَوْ أَنَا أُقِرُّ أَوْ لَا أُنْكِرُ أَوْ افْتَحْ كُمَّكَ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا) لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنَا أُقِرُّ وَعْدٌ بِالْإِقْرَارِ وَالْوَعْدُ بِالشَّيْءِ لَا يَكُونُ إقْرَارًا بِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ لَا أُنْكِرُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْإِنْكَارِ الْإِقْرَارُ فَإِنَّ بَيْنَهُمَا قِسْمًا آخَرَ، وَهُوَ السُّكُوتُ عَنْهُمَا وَفِي قَوْلِهِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُحِقًّا لِجَوَازِ أَنْ لَا يَكُونَ مُحِقًّا لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ الشَّيْءِ وُجُوبُهُ وَقَوْلُهُ عَسَى وَلَعَلَّ لِأَنَّهُمَا وُضِعَا لِلتَّرَجِّي وَقَوْلُهُ أَظُنُّ أَوْ أَحْسَبُ أَوْ أُقَدِّرُ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّكِّ أَيْضًا وَقَوْلُهُ خُذْ يُحْتَمَلُ أَنَّ مَعْنَاهُ: خُذْ الْجَوَابَ مِنِّي وَقَوْلُهُ اتَّزِنْ وَأَحْرِزْ مَالَكَ عَلَى غَيْرِي وَقَوْلُهُ افْتَحْ كُمَّك لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ اسْتِهْزَاءً لَا إقْرَارًا، وَكَذَا قَوْلُهُ اخْتِمْ عَلَيْهِ أَوْ اجْعَلْهُ فِي كِيسِكَ أَوْ سَافِرْ بِدَعْوَاكَ وَنَحْوِهِ.
(وَإِنْ قَالَ أَنَا مُقِرٌّ أَوْ) قَالَ (خُذْهَا أَوْ اتَّزِنْهَا أَوْ أَحْرِزْهَا أَوْ اقْبِضْهَا أَوْ هِيَ صِحَاحٌ كَانَ مُقِرًّا) لِأَنَّهُ عَقِبَ الدَّعْوَى فَيُصْرِفُ إلَيْهَا، وَلِأَنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلَى مَا تَقَدَّمَ وَكَذَا أَقْرَرْتُ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: ٨١] فَكَانَ مِنْهُمْ إقْرَارًا.
(وَإِنْ قَالَ أَلَيْسَ لِي عَلَيْك كَذَا، فَقَالَ بَلَى فَإِقْرَارٌ) صَحِيحٌ لِأَنَّ بَلَى جَوَابٌ لِلسُّؤَالِ بِحَرْفِ النَّفْيِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وَ (لَا) يَكُونُ مُقِرًّا إنْ قَالَ (نَعَمْ وَقِيلَ إقْرَارٌ مِنْ عَامِّيٍّ) وَجَزَمَ بِهِ فِي
стр. 3189
الْمُنْتَهَى وَقَالَ فِي شَرْحِهِ فِي الْأَصَحِّ.
(قَالَ فِي الْإِنْصَافِ هَذَا عَيْنُ الصَّوَابِ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ) «وَفِي قِصَّةِ إسْلَامِ عَمْرِو بْنِ عَنْبَسَةَ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنِي؟ فَقَالَ نَعَمْ أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ قَالَ فَقُلْتُ بَلَى» قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِيهِ صِحَّةُ الْجَوَابِ بِبَلَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهَا نَفْيٌ وَصِحَّةُ الْإِقْرَارِ بِهَا قَالَ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا.
(وَإِنْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ أَوْ لَكَ عَلَيَّ أَلْفٌ إنْ شِئْتَ أَوْ لَهُ عَلِيَّ أَلْفٌ لَا يَلْزَمُنِي إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أَوْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ أَوْ إلَّا أَنْ أَقُومَ أَوْ) قَالَ لَهُ (عَلَيَّ أَلْفٌ) أَوْ (فِي عِلْمِ اللَّهِ أَوْ فِيمَا أَعْلَمُ لَا فِيمَا أَظُنُّ إقْرَارٌ) لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ وَعَقِبَهُ بِمَا يَرْفَعُهُ فَلَمْ يَرْتَفِعْ الْحُكْمُ بِهِ، وَلِأَنَّ مَا عَلِمَهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْوُجُوبِ بِخِلَافِ مَا ظَنَّهُ.
(وَإِنْ قَالَ بِعْتُك) إنْ شَاءَ اللَّهُ (أَوْ زَوَّجْتُكَ) إنْ شَاءَ اللَّهُ (أَوْ قَبِلْتُ إنْ شَاءَ اللَّهُ صَحَّ) النِّكَاحُ وَالْبَيْعُ، وَكَذَا الْإِجَارَةُ وَغَيْرُهَا (كَالْإِقْرَارِ) الْمُعَلَّقِ بِالْمَشِيئَةِ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهَا غَالِبًا التَّبَرُّكُ (وَكَمَا لَوْ قَالَ أَنَا صَائِمٌ غَدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهُ تَصِحُّ نِيَّتُهُ وَصَوْمُهُ) إنْ لَمْ يَكُنْ مُتَرَدِّدًا، وَكَذَا أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ غَيْرُ مُتَرَدِّدٍ فِي الْحَالِ.
(وَكَذَا قَوْلُهُ اقْضِنِي دَيْنِي عَلَيْك أَلْفًا أَوْ أَعْطِنِي) فَرَسِي هَذِهِ (الْمُشْتَرِي فَرَسِي هَذِهِ أَوْ سَلِّمْ إلَيَّ ثَوْبِي هَذَا أَوْ الْأَلْفَ الَّذِي لِي عَلَيْك أَوْ أَلْفًا مِنْ الَّذِي لِي عَلَيْك أَوْ لِي) عَلَيْك أَلْفٌ (أَوْ هَلْ لِي عَلَيْك أَلْفٌ فَقَالَ نَعَمْ) فَهُوَ إقْرَارٌ لِأَنَّهُ جَوَابٌ صَرِيحٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ عِنْدِي (أَوْ قَالَ أَمْهِلْنِي يَوْمًا أَوْ حَتَّى أَفْتَحَ الصُّنْدُوقَ) فَهُوَ إقْرَارٌ لِأَنَّ طَلَبَ الْمُهْلَةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ قَالَ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ) فَلَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ (أَوْ) قَالَ (إنْ شَاءَ) فُلَانٌ فَلَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ (أَوْ) قَالَ (إنْ شَهِدَ بِهِ فُلَانٌ فَلَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ أَوْ) قَالَ (لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ أَوْ إنْ دَخَلَ الدَّارَ أَوْ إنْ شَهِدَ بِهِ فُلَانٌ صَدَّقْتُهُ أَوْ) فَ (هُوَ صَادِقٌ أَوْ إنْ جَاءَ الْمَطَرُ أَوْ إنْ جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَلَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ) مِنْ كُلِّ إقْرَارٍ مُعَلَّقٍ عَلَى شَرْطٍ مُقَدَّمٍ أَوْ مُؤَخَّرٍ (لَيْسَ بِإِقْرَارٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُقِرٍّ فِي الْحَالِ وَمَا لَا يَلْزَمُهُ فِي الْحَالِ لَا يَصِيرُ وَاجِبًا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا يَقْتَضِي إيجَابَ ذَلِكَ (فَإِنْ قَالَ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ أَوْ وَقْتُ كَذَا فَعَلَيَّ لِزَيْدٍ أَلْفٌ إقْرَارٌ) هَذَا أَحَدُ وَجْهَيْنِ وَالْأَشْهَرُ لَا يَكُونُ إقْرَارًا لِأَنَّهُ قَدْ بَدَأَ بِالشَّرْطِ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ لَفْظًا يَصْلُحُ لِلْإِقْرَارِ وَيَصْلُحُ لِلْوَعْدِ، فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا مَعَ الِاحْتِمَالِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ يُنْظَرُ وَلَوْ أَخَّرَ الشَّرْطَ بِأَنْ قَالَ لِزَيْدٍ عَلَيَّ أَلْفٌ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ أَوْ وَقْتُ كَذَا فَهُوَ إقْرَارٌ قَطَعَ بِهِ فِي الْمُقْنِعِ وَالتَّنْقِيحِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَنَقَلَهُ فِي الْمُبْدِعِ عَنْ الْأَصْحَابِ
стр. 3190
لِأَنَّهُ قَدْ بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ فَعَمِلَ بِهِ.
وَقَوْلُهُ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَحِلَّ فَلَا يَبْطُلُ الْإِقْرَارُ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ (فَإِنْ فَسَّرَهُ) أَيْ الْمُقِرُّ (بِأَجَلٍ أَوْ وَصِيَّةٍ قُبِلَ مِنْهُ) لِأَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُهُ.
(وَإِنْ أَقَرَّ الْعَرَبِيُّ بِالْعَجَمِيَّةِ أَوْ بِالْعَكْسِ) بِأَنْ أَقَرَّ الْأَعْجَمِيُّ بِالْعَرَبِيَّةِ (وَقَالَ لَمْ أَدْرِ مَا قُلْتُ فَقَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ أَدْرَى بِنَفْسِهِ وَالظَّاهِرُ مَعَهُ.
[بَابُ الْحُكْمِ فِيمَا إذَا وَصَلَ بِإِقْرَارِهِ مَا يُغَيِّرُهُ]
ُ (إذَا وَصَلَ بِهِ مَا يُسْقِطُهُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ عَلَيَّ أَلْفٌ لَا يَلْزَمُنِي أَوْ قَدْ قَبَضَهُ وَاسْتَوْفَاهُ أَوْ) لَهُ عَلَيَّ (أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ) مِنْ ثَمَنِ خِنْزِيرٍ أَوْ مِنْ ثَمَنِ طَعَامٍ مَكِيلٍ وَنَحْوِهِ (اشْتَرَيْتُهُ فَهَلَكَ قَبْلَ قَبْضِهِ أَوْ) مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ فَاسِدٍ لَمْ أَقْبِضْهُ أَوْ مِنْ مُضَارَبَةٍ تَلِفَتْ وَشَرَطَ عَلَى ضَمَانِهَا أَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ (تَكَفَّلْتُ بِهِ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ) لَزِمَهُ الْأَلْفُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ رُفِعَ لِجَمِيعِ مَا أَقَرَّ بِهِ فَلَا يُقْبَلُ كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ وَتَنَاقُضُ كَلَامِهِ غَيْرُ خَافٍ فَإِنَّ ثُبُوتَ الْأَلْفِ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ لَا يُتَصَوَّرُ وَإِقْرَارُهُ إخْبَارٌ بِثُبُوتِهِ فَتَنَافَيَا وَلِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالْأَلْفِ وَادَّعَى مَا لَمْ يَثْبُتْ مَعَهُ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَلِأَنَّهُ فِي صُورَةٍ مَا إذَا قَالَ قَبَضَهُ أَوْ اسْتَوْفَاهُ إقْرَارٌ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ بِالْقَبْضِ أَوْ الِاسْتِيفَاءِ، وَالْإِنْسَانُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَى غَيْرِهِ.
(أَوْ) قَالَ لَهُ عَلَيَّ (أَلْفٌ إلَّا أَلْفًا) لَزِمَهُ الْأَلْفُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِأَنَّ الْكُلَّ اسْتِثْنَاءٌ بَاطِلٌ.
(أَوْ) قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ (إلَّا سِتَّمِائَةٍ لَزِمَهُ الْأَلْفُ) لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى الْأَكْثَرَ وَلَمْ يَرِدْ ذَلِكَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ فَيَبْطُلُ.
(وَإِنْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ) أَوْ خِنْزِيرٍ وَنَحْوِهِ (أَلْفٌ لَمْ يَلْزَمْهُ) شَيْءٌ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِثَمَنِ خَمْرٍ وَقَيَّدَهُ بِالْأَلْفِ وَثَمَنُ الْخَمْرِ لَا يَجِبُ فَلَمْ يَلْزَمْهُ.
(وَإِنْ قَالَ كَانَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَقَضَيْتُهُ إيَّاهُ أَوْ أَبْرَأَنِي مِنْهُ أَوْ بَرِئْتُ إلَيْهِ مِنْهُ أَوْ قَبَضَ مِنِّي كَذَا أَوْ أَبْرَأَنِي مِنْهُ) أَيْ مِنْ كَذَا (أَوْ قَضَيْتُهُ مِنْهَا خَمْسَمِائَةٍ) مَثَلًا فَهُوَ مُنْكِرٌ هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَعَامَّةِ شُيُوخِنَا وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّ أَحْمَدَ احْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُمْكِنُ صِدْقُهُ، وَلَا تَنَاقُضَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ فَوَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ كَاسْتِثْنَاءِ الْبَعْضِ بِخِلَافِ الْمُنْفَصِلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَقَرَّ بِسُكُوتِهِ عَلَيْهِ وَلِهَذَا لَا يَرْفَعُهُ اسْتِثْنَاءٌ وَلَا غَيْرُهُ.
(أَوْ قَالَ) الْمُدَّعِي (لِي عَلَيْك مِائَةٌ)
следующие страницы →