Полный текст (3 210 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
(عُوقِبَ بِنَقِيضِهِ، كَالْمُرَابِي) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] .
(وَهِيَ) أَيْ الْكِيمْيَاءُ (أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْهُ) لِتَعَدِّي ضَرَرِهَا (وَلَوْ كَانَتْ حَقًّا مُبَاحًا لَوَجَبَ فِيهَا خُمُسٌ) كَالرِّكَازِ (أَوْ زَكَاةٍ) كَالزَّرْعِ وَالثَّمَرِ وَالْمَعْدِنِ.
(وَلَمْ يُوجِبْ عَالِمٌ فِيهَا شَيْئًا) فَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِهَا.
(وَالْقَوْلُ بِأَنَّ قَارُونَ عَمَلَهَا بَاطِلٌ وَلَمْ يَذْكُرْهَا، أَوْ يَعْمَلْهَا إلَّا فَيْلَسُوفٌ، أَوْ اتِّحَادِيٌّ أَوْ مَلِكٌ ظَالِمٌ وَقَالَ) .
الشَّيْخُ (يَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَضْرِبَ لَهُمْ) أَيْ الرَّعَايَا (فُلُوسًا تَكُونُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ لَهُمْ) تَسْهِيلًا عَلَيْهِمْ، وَتَيْسِيرًا لِمَعَاشِهِمْ (وَلَا يَتَّجِرُ ذُو السُّلْطَانِ فِي الْفُلُوسِ، بِأَنْ يَشْتَرِيَ نُحَاسًا فَيَضْرِبَهُ فَيَتَّجِرَ فِيهِ) لِأَنَّهُ تَضْيِيقٌ.
(وَلَا بِأَنْ يُحَرِّمَ عَلَيْهِمْ الْفُلُوسَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ وَيَضْرَبُ لَهُمْ غَيْرَهَا) لِأَنَّهُ إضْرَارٌ بِالنَّاسِ، وَخُسْرَانٌ عَلَيْهِمْ (بَلْ يَضْرِبُ) النُّحَاسَ فُلُوسًا (بِقِيمَتِهِ مِنْ غَيْرِ رِبْحٍ فِيهِ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَيُعْطِي أُجْرَةَ الصُّنَّاعِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنَّ التِّجَارَةَ فِيهَا ظُلْمٌ عَظِيمٌ مِنْ أَبْوَابِ ظُلْمِ النَّاسِ وَأَكْلِ أَمْوَالِهِمْ بِالْبَاطِلِ فَإِنَّهُ إذَا حَرَّمَ الْمُعَامَلَةَ بِهَا صَارَتْ عَرَضًا، وَ) إذَا ضَرَبَ لَهُمْ فُلُوسًا أُخْرَى أَفْسَدَ مَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْأَمْوَالِ بِنَقْصِ أَسْعَارِهَا فَظَلَمَهُمْ فِيمَا يَضْرِبُهُ بِإِغْلَاءِ سِعْرِهَا قُلْت: وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي زَمَنِنَا مَرَّاتٍ، وَفَسَدَتْ بِهِ أَمْوَالُ كَثِيرِينَ، وَزَادَ عَلَيْهِمْ الضَّرَرُ.
(وَفِي السُّنَنِ لِأَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ وَرَوَاهُ أَيْضًا أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ بَيْنَهُمْ إلَّا مِنْ بَأْسٍ» ) .
نَحْوُ أَنْ يُخْتَلَفَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا هَلْ هُوَ جَيِّدٌ أَوْ رَدِيءٌ؟ (فَإِذَا كَانَتْ) الْفُلُوسُ (مُسْتَوِيَةَ الْأَسْعَارِ بِسِعْرِ النُّحَاسِ وَلَمْ يَشْتَرِ وَلِيُّ الْأَمْرِ النُّحَاسَ وَالْفُلُوس الْكَاسِدَةَ لِيَضْرِبَهُمَا فُلُوسًا، وَيَتَّجِرَ فِي ذَلِكَ حَصَلَ الْمَقْصُود مِنْ الثَّمَنِيَّةِ وَكَذَلِكَ الدَّرَاهِمُ انْتَهَى) وَلَا مَزِيدَ عَلَى حُسْنِهِ وَلَا يُضْرَبُ لِغَيْرِ السُّلْطَانِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يُكْرَهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ كَذَا قَالَ وَقَالَ أَحْمَدُ (فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ) لَا يَصْلُحُ ضَرْبُ الدَّرَاهِمِ إلَّا فِي دَارِ الضَّرْبِ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ لِأَنَّ النَّاسَ إنْ رُخِّصَ لَهُمْ رَكِبُوا الْعَظَائِمَ قَالَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ فَقَدْ مُنِعَ مِنْ الضَّرْبِ بِغَيْرِ إذْنِ السُّلْطَانِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الِافْتِيَاتِ عَلَيْهِ (وَيُخْرِجُ عَنْ جَيِّدٍ صَحِيحًا وَرَدِيئًا مِنْ جِنْسِهِ) أَيْ فَيُخْرِجُ عَنْ جَيِّدٍ صَحِيحٍ: جِيدًا صَحِيحًا لِأَنَّ إخْرَاجَ غَيْرِ ذَلِكَ خَبِيثٌ فَلَمْ يَجُزْ، وَكَالْمَاشِيَةِ.
وَيُخْرِجُ عَنْ الرَّدِيءِ رَدِيئًا، لِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ (وَ) إنْ كَانَ الْمَالُ أَنْوَاعًا أَخْرَجَ (مِنْ كُلِّ
стр. 737
نَوْعٍ بِحِصَّتِهِ) كَالْحَبِّ وَالتَّمْرِ.
(وَإِنْ أَخْرَجَ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْ الْأَعْلَى، كَانَ أَفْضَلَ) لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ (وَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ الْأَعْلَى مُكَسَّرًا، أَوْ مُبَهْرَجًا، وَهُوَ الرَّدِيءُ، زَادَ قَدْرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَضْلِ وَأَجْزَأَ) هـ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَدَّى الْوَاجِبَ عَلَيْهِ قَدْرًا وَقِيمَةً، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَ مِنْ عَيْنِهِ.
(وَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ الْأَعْلَى بِقَدْرِ الْقِيمَةِ) أَيْ قِيمَةِ الْوَاجِبِ فِي الرَّدِيءِ (دُونَ الْوَزْنِ) كَمَا لَوْ أَخْرَجَ ثُلُثَ دِينَارٍ عَنْ نِصْفِ رَدِيءٍ بِقِيمَتِهِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) ذَلِكَ لِمُخَالَفَةِ النَّصِّ.
(وَيُجْزِئُ) إخْرَاجُ (قَلِيلِ الْقِيمَةِ عَنْ كَثِيرِهَا مَعَ الْوَزْنِ) لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالنَّوْعِ وَقَدْ أَخْرَجَ مِنْهُ (وَيُجْزِئُ) إخْرَاجُ (مَغْشُوشٍ عَنْ جَيِّدٍ) مَعَ الْفَضْلِ بَيْنَهُمَا (و) إخْرَاجُ (مُكَسَّرٍ عَنْ صَحِيحٍ) مَعَ الْفَضْلِ بَيْنَهُمَا (و) إخْرَاجُ (سُودٍ عَنْ بِيضٍ مَعَ الْفَضْلِ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُ أَدَّى الْوَاجِبَ قَدْرًا وَقِيمَةً وَكَمَا لَوْ أَدَّى مِنْ عَيْنِهِ وَالرِّبَا لَا يَجْرِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، كَمَا لَا يَجْرِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ.
(وَلَا يَلْزَمُ قَبُولُ رَدِيءٍ عَنْ جَيِّدٍ فِي عَقْدٍ وَغَيْرِهِ) كَقِيمَةِ مُتْلِفِهِ، وَأَرْشِ جِنَايَةٍ لِانْصِرَافِ الْإِطْلَاقِ إلَى الْجَهْدِ (وَيَثْبُتُ الْفَسْخُ) فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ إذَا بَانَ عِوَضُهُ الْمُعَيَّنُ مَعِيبًا، كَالْمَبِيعِ.
(وَيُضَمُّ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ إلَى الْآخَرِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ وَيَخْرُجُ عَنْهُ) لِأَنَّ مَقَاصِدَهُمَا وَزَكَاتَهُمَا مُتَّفِقَةٌ، فَهُمَا كَنَوْعَيْ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَاضِرٍ وَدَيْنٍ.
(وَيَكُونُ الضَّمُّ بِالْأَجْزَاءِ) كَالنِّصْفِ وَالرُّبْعِ، وَ (لَا) يَكُونُ الضَّمُّ (بِالْقِيمَةِ) لِأَنَّ الضَّمَّ بِالْأَجْزَاءِ مُتَيَقَّنٌ بِخِلَافِ الْقِيمَةِ، فَإِنَّهُ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ (فَعَشَرَةُ مَثَاقِيلَ ذَهَبًا نِصْفُ نِصَابٍ، وَمِائَةُ دِرْهَمٍ) فِضَّةً (نِصْفُ) نِصَابٍ (فَإِذَا ضُمَّا) أَيْ النِّصْفَانِ (كَمُلَ النِّصَابُ) فَتَجِبُ الزَّكَاةُ بِخِلَافِ عَشَرَةِ مَثَاقِيلَ وَتِسْعِينَ دِرْهَمَا تَبْلُغُ قِيمَتُهَا عَشَرَةَ مَثَاقِيلَ فَلَا ضَمَّ (وَإِنْ بَلَغَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا، ضُمَّ إلَيْهِ مَا نَقَصَ عَنْ الْآخَرِ) .
وَإِنْ اخْتَارَ الْمَالِكُ الدَّفْعَ مِنْ جِنْسِ الْوَاجِبِ، وَأَرَادَ الْفَقِيرُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَوْ لِضَرَرٍ يَلْحَقُهُ لَمْ يَلْزَمْ الْمَالِكُ إجَابَتُهُ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا فُرِضَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُكَلِّفْ سِوَاهُ (وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ الْفُلُوسِ عَنْهُمَا) أَيْ عَنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّهَا عُرُوضٌ.
(وَتُضَمُّ قِيمَةُ الْعُرُوضِ) الَّتِي لِلتِّجَارَةِ (إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا) قَالَ الْمُوَفَّقُ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا كَمَنْ لَهُ عَشَرَةُ مَثَاقِيلَ وَمَتَاعٌ، قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ أُخْرَى، أَوْ لَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَمَتَاعٌ، قِيمَتُهُ مِثْلُهَا لِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تَجِبُ فِي قِيمَةِ الْعُرُوضِ وَهِيَ تُقَوَّمُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا فَكَانَا مَعَ الْقِيمَةِ جِنْسًا وَاحِدًا (وَ) تُضَمُّ قِيمَةُ الْعُرُوضِ أَيْضًا (إلَيْهِمَا) فَلَوْ كَانَ لَهُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ وَعُرُوضٌ ضَمَّ الْجَمِيعَ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ لِأَنَّ الْعَرْضَ مَضْمُومٌ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَوَجَبَ ضَمُّهُمَا إلَيْهِ.
(وَيُضَمُّ جَيِّدُ
стр. 738
كُلِّ جِنْسٍ وَمَضْرُوبِهِ إلَى رَدِيئِهِ وَتِبْرِهِ) كَالْمَوَاشِي وَالْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَلِأَنَّهُ إذَا ضَمَّ أَحَدَ الْجِنْسَيْنِ هُنَا إلَى الْآخَرِ، فَضَمُّ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ أَوْلَى.
[فَصْلٌ وَلَا زَكَاةَ فِي حُلِيٍّ مُبَاحٍ لِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ]
ٍ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ مُعَدٍّ لِاسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ أَوْ إعَارَةٍ، وَلَوْ لَمْ يُعَرْ أَوْ يُلْبَسْ حَيْثُ أُعِدَّ لِذَلِكَ (أَوْ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ كَرَجُلٍ يَتَّخِذُ حُلِيَّ النِّسَاءِ لِإِعَارَتِهِنَّ وَامْرَأَةٍ تَتَّخِذُ حُلِيَّ الرِّجَالِ لِإِعَارَتِهِمْ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتَيْ أَبِي بَكْرٍ وَلِأَنَّهُ مُرْصَدٌ لِلِاسْتِعْمَالِ الْمُبَاحِ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالْعَوَامِلِ وَثِيَابِ الْقِنْيَةِ وَمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَالَ لِامْرَأَةٍ فِي يَدِهَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ هَلْ تُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟ قَالَتْ: لَا قَالَ: أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِسِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «فِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ» فَجَوَابُهُ: أَنَّهَا الدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا يُعْلَمُ هَذَا الِاسْمُ فِي الْكَلَامِ الْمَعْقُولِ عِنْدَ الْعَرَبِ إلَّا عَلَى الدَّرَاهِمِ الْمَضْرُوبَةِ ذَاتِ السِّكَّةِ السَّائِرَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَعَلَى تَقْدِيرِ الشُّمُولِ: يَكُونُ مَخْصُوصًا بِمَا ذَكَرْنَا.
وَ (لَا) تَسْقُطُ الزَّكَاةُ عَمَّنْ اتَّخَذَ حُلِيًّا (فَارًّا مِنْهَا) أَيْ الزَّكَاةُ، بَلْ تَلْزَمُهُ (وَإِنْ كَانَ) الْحُلِيُّ (لِيَتِيمٍ لَا يَلْبَسُهُ) الْيَتِيمُ (فَلِوَلِيِّهِ إعَارَتُهُ فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ أَعَارَهُ (فَلَا زَكَاةَ) فِيهِ (وَإِلَّا فَفِيهِ الزَّكَاةُ نَصًّا) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ.
(فَأَمَّا الْحُلِيُّ الْمُحَرَّمُ) كَطَوْقِ الرَّجُلِ وَسِوَارِهِ وَخَاتَمِهِ الذَّهَبِ، وَحِلْيَةِ مَرَاكِبِ الْحَيَوَانِ، وَلِبَاسِ الْخَيْلِ، كَاللُّجُمِ وَالسُّرُوجِ، وَقَلَائِدِ الْكِلَابِ وَحِلْيَةِ الرِّكَابِ وَالْمِرْآةِ وَالْمُشْطِ وَالْمُكْحُلَةِ وَالْمِيلِ وَالْمِسْرَحَةِ، وَالْمِرْوَحَةِ وَالْمِشْرَبَةِ وَالْمُدْهُنَةِ وَالْمِسْعَطِ وَالْمِجْمَرَةِ وَالْمِلْعَقَةِ وَالْقِنْدِيلِ، وَالْآنِيَةِ، وَحِلْيَةِ كُتُبِ الْعِلْمِ
стр. 739
بِخِلَافِ الْمُصْحَفِ فَيُكْرَهُ تَحْلِيَتُهُ (وَ) حِلْيَةِ (الدَّوَاةِ وَالْمِقْلَمَةِ وَمَا أُعِدَّ لِكِرَاءٍ، كَحُلِيِّ الْمَوَاشِطِ نَصًّا حَلَّ لَهُ) أَيْ الْمُتَّخَذَةَ لِكِرَاءٍ (لَبِسَهُ أَوْ لَا) أَيْ أَوْ لَمْ يَحِلَّ لَهُ (أَوْ أُعِدَّ لِلتِّجَارَةِ، كَحُلِيِّ الصَّيَارِفِ، أَوْ) أُعِدَّ لِ (قِنْيَةٍ أَوْ ادِّخَارٍ أَوْ نَفَقَةٍ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ شَيْئًا فَفِيهِ الزَّكَاةُ) إنْ بَلَغَ نِصَابًا لِأَنَّهَا إنَّمَا سَقَطَتْ فِي الْمُبَاحِ الْمُعَدِّ لِلِاسْتِعْمَالِ لِصَرْفِهِ عَنْ جِهَةِ النَّمَاءِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ.
(وَلَا زَكَاةَ فِي الْجَوْهَرِ وَاللُّؤْلُؤِ وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ، أَوْ كَانَ فِي حُلِيٍّ) كَسَائِرِ الْعُرُوضِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْحُلِيُّ (لِتِجَارَةٍ، فَيُقَوَّمُ جَمِيعُهُ) أَيْ مَا فِيهِ مِنْ جَوْهَرٍ وَلُؤْلُؤٍ وَغَيْرِهِمَا (تَبَعًا لِنَقْدٍ) أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ نَقْدٍ.
(وَالْفُلُوسُ: كَعُرُوضِ التِّجَارَةِ فِيهَا زَكَاةُ الْقِيمَةِ) كَبَاقِي الْعُرُوضِ وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ زَكَاتِهَا مِنْهَا.
(قَالَ الْمَجْدُ: وَإِنْ كَانَتْ) الْفُلُوسُ (لِلنَّفَقَةِ فَلَا) زَكَاةَ فِيهَا كَعُرُوضِ الْقِنْيَةِ (وَالِاعْتِبَارِ فِي نِصَابِ الْكُلِّ) أَيْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ مُبَاحٍ تَجِبُ فِيهِ وَمُحَرَّمٍ (بِوَزْنِهِ) لِعُمُومٍ " لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ " (إلَّا) الْحُلِيَّ (الْمُبَاحَ الْمُعَدَّ لِلتِّجَارَةِ وَلَوْ نَقْدًا فَالِاعْتِبَارُ بِقِيمَتِهِ نَصًّا) كَسَائِرِ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ (فَيُقَوَّمُ النَّقْدُ) الْمُعَدُّ لِلتِّجَارَةِ (بِنَقْدٍ آخَرَ، إنْ كَانَ أَحَظَّ لِلْفُقَرَاءِ، أَوْ نَقَصَ عَنْ نِصَابٍ لِأَنَّهُ عَرَضٌ) أَيْ مَالُ تِجَارَةٍ.
(وَإِنْ انْكَسَرَ الْحُلِيُّ وَأَمْكَنَ لُبْسُهُ، كَانْشِقَاقِهِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ) إلَّا أَنْ يَنْوِيَ تَرْكَ لُبْسِهِ (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لُبْسُهُ فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ فِي إصْلَاحِهِ إلَى سَبْكٍ وَتَجْدِيدِ صِنَاعَةٍ وَنَوَى إصْلَاحَهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) كَالصَّحِيحِ.
هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ نِيَّةَ إصْلَاحٍ وَلَا غَيْرِهَا وَذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَجْهًا فَقَالَ: مَا لَمْ يَنْوِ كَسْرَهُ فَيُزَكِّيهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ: أَنَّهُ يُزَكِّيهِ وَلَوْ نَوَى إصْلَاحَهُ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَجَزَمَ بِهِ الْمُوَفَّقُ وَلَمْ يَذْكُرْ نِيَّةَ إصْلَاحٍ وَلَا غَيْرِهَا قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ قَالَ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: فَإِنْ انْكَسَرَ الْحُلِيُّ كَسْرًا لَا يَمْنَعُ اللُّبْسَ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ تَرْكَ لُبْسِهِ وَإِنْ كَانَ كَسْرًا يَمْنَعُ الِاسْتِعْمَالَ فَفِيهِ الزَّكَاةُ لِأَنَّهُ صَارَ كَالنَّقْرَةِ (وَإِنْ نَوَى كَسْرَهُ) أَيْ الْحُلِيِّ (أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَفِيهِ الزَّكَاةُ) كَالنُّقْرَةِ.
(وَإِنْ احْتَاجَ إلَى تَجْدِيدِ صَنْعَةٍ زَكَّاهُ) إلَى أَنْ يُجَدِّدَ صَنْعَتَهُ، كَالسَّبِيكَةِ الَّتِي يُرِيدُ جَعْلَهَا حُلِيًّا (وَالِاعْتِبَارُ فِي الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحُلِيِّ الْمُحَرَّمِ: بِوَزْنِهِ) .
وَلَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ بِوَاسِطَةِ صَنْعَةٍ مُحَرَّمَةٍ، يَجِبُ إتْلَافُهَا شَرْعًا، فَلَمْ تُعْتَبَرْ (وَإِنْ كَانَ) الْحُلِيُّ (لِلتِّجَارَةِ) فَالِاعْتِبَارُ فِي الْإِخْرَاجِ بِقِيمَتِهِ لِأَنَّهُ مَالُ تِجَارَةٍ (أَوْ كَانَ) الْحُلِيُّ (مُبَاحَ الصِّنَاعَةِ، وَجَبَتْ زَكَاتُهُ لِعَدَمِ اسْتِعْمَالٍ، أَوْ لِعَدَمِ إعَارَةٍ وَنَحْوِهِ) كَنِيَّتِهِ بِهِ الْقِنْيَةَ
стр. 740
(فَالِاعْتِبَارُ فِي الْإِخْرَاجِ) مِنْهُ (بِقِيمَتِهِ) لِأَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِهِ وَزْنًا لَفَاتَتْ الصَّنْعَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ شَرْعًا عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ (فَإِنْ أَخْرَجَ مُشَاعًا) أَجْزَأَ مِنْهُ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ الْوَاجِبَ (أَوْ) أَخْرَجَ (مِثْلَهُ وَزْنًا مِمَّا يُقَابِلُ جُودَتَهُ زِيَادَةُ الصَّنْعَةِ جَازَ) لِأَنَّهُ أَخْرَجَ قَدْرَ الْوَاجِبِ وَزْنًا وَقِيمَةً.
(وَإِنْ أَرَادَ كَسْرَهُ) لِإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ (لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ كَسْرَهُ يُنْقِصُ قِيمَتَهُ) فَفِيهِ إضَاعَةُ مَالٍ بِلَا مَصْلَحَةٍ.
(وَيُبَاحُ لِلذَّكَرِ مِنْ الْفِضَّةِ خَاتَمٌ) لِأَنَّهُ ﷺ «اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ أَحْمَدُ فِي خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرَّجُلِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَهُ خَاتَمٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَظَاهِرُ مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا فَضْلَ فِيهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْره وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، قِدَمُهُ فِي الرِّعَايَةِ وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِقَصْدِ الزِّينَةِ جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ (وَلُبْسُهُ) أَيْ الْخَاتَمِ (فِي خِنْصَرِ يَسَارٍ أَفْضَلُ) مِنْ لُبْسِهِ فِي خِنْصَرِ الْيَمِينِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَالْفَضْلِ وَإِنَّهُ أَقَرُّ وَأَثْبَتُ وَضُعِّفَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَغَيْرِهِ: التَّخَتُّمُ فِي الْيُمْنَى قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ: الْمَحْفُوظُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَسَارِهِ، وَإِنَّهُ إنَّمَا كَانَ فِي الْخِنْصَرِ، لِكَوْنِهِ طَرَفًا، فَهُوَ أَبْعَدُ عَنْ الِامْتِهَانِ، فِيمَا تَتَنَاوَلُهُ الْيَدُ.
وَلِأَنَّهُ لَا يَشْغَلُ الْيَدَ عَمَّا تَتَنَاوَلُهُ (وَ) الْأَفْضَلُ: أَنْ (يَجْعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي ظَهْرَ كَفِّهِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ يَجْعَلُهُ مِمَّا يَلِي ظَهْرِ كَفّه قَالَ فِي الْفُرُوعِ (وَلَا بَأْسَ بِجَعْلِهِ مِثْقَالًا فَأَكْثَرَ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَحْدِيدٌ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْعَادَةِ) وَإِلَّا حَرُمَ لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ، خَرَجَ الْمُعْتَادُ لِفِعْلِهِ ﷺ وَفِعْلِ الصَّحَابَة.
(وَ) لَهُ (جَعْلُ فَصَّهُ مِنْهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ) لِأَنَّ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ " كَانَ فَصُّهُ مِنْهُ " وَلِمُسْلِمِ «كَانَ فَصُّهُ حَبَشِيًّا» (وَلَوْ) كَانَ فَصُّهُ (مِنْ ذَهَبٍ، إنْ كَانَ يَسِيرًا) فَيُبَاحُ، وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِإِبَاحَةِ يَسِيرِ الذَّهَبِ فِي اخْتِيَارِ أَبِي بَكْرِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْمَجْدِ، وَالشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي الْعِلْمِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ ابْنِ رَجَبٍ ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَقَالَ: وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَالْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ وَاخْتَارَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: التَّحْرِيمَ، وَقَطَعَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى فِي بَابِ الْآنِيَةِ.
(وَيُكْرَهُ لُبْسُهُ فِي سَبَّابَةٍ وَوُسْطَى) لِلنَّهْيِ الصَّحِيحِ عَنْ ذَلِكَ (وَظَاهِرُهُ: لَا يُكْرَهُ) لُبْسُهُ (فِي الْإِبْهَامِ وَالْبِنْصِرِ) وَإِنْ كَانَ الْخِنْصَرُ أَفْضَلَ، اقْتِصَارًا عَلَى النَّصِّ ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْبِنْصِرُ: بِكَسْرِ الْبَاءِ وَالصَّادِ، قَالَهُ فِي حَاشِيَتِهِ.
(وَيُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ) أَيْ الْخَاتَمِ ذِكْرُ اللَّهِ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ غَيْرِهِ
стр. 741
نَصًّا قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ لَا يَدْخُلُ الْخَلَاءَ فِيهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ أَحْمَدَ كَرِهَهُ لِذَلِكَ قَالَ وَلَمْ أَجِدْ لِلْكَرَاهَةِ دَلِيلًا سِوَى هَذَا، هِيَ تَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (وَيَحْرُمُ أَنْ يُنْقَشَ عَلَيْهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ.
(وَيَحْرُمُ لُبْسُهُ) أَيْ الْخَاتَمِ (وَهِيَ) أَيْ الصُّورَةُ (عَلَيْهِ) كَالثَّوْبِ الْمُصَوَّرِ.
(وَيُبَاحُ التَّخَتُّمُ بِالْعَقِيقِ) قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: لَا يُسْتَحَبُّ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَقَدْ سَأَلَهُ: مَا السُّنَّةُ يَعْنِي فِي التَّخَتُّمِ قَالَ: لَمْ تَكُنْ خَوَاتِيمُ الْقَوْمِ إلَّا مِنْ الْفِضَّةِ قَالَ الْعُقَيْلِيُّ: لَا يَصِحُّ فِي التَّخَتُّمِ بِالْعَقِيقِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ وَقَدْ ذَكَرَهَا كُلَّهَا ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ، وَأَعَلَّهَا وَاسْتَحَبَّهُ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْآدَابِ، وَتَبِعَهُمْ فِي الْمُنْتَهَى، وَحَدِيثُ «تَخَتَّمُوا بِالْعَقِيقِ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ» ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا الْخَبَرُ فِي إسْنَادِهِ يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ الَّذِي قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ وَبَاقِيهِ جَيِّدٌ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ مِنْ الْمَوْضُوعِ.
(وَيُكْرَهُ لِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ خَاتَمٌ حَدِيدٍ وَصُفْرٍ، وَنُحَاسٍ وَرَصَاصٍ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ وَنَقَلَ مُهَنَّا: أَكْرَهُ خَاتَمَ الْحَدِيدِ لِأَنَّهُ حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ (وَكَذَا دُمْلُجٌ) مِنْ حَدِيدٍ أَوْ صُفْرٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْخَاتَمِ وَجَوَّزَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
(وَيُبَاحُ لَهُ أَيْ الذَّكَرِ مِنْ الْفِضَّةِ: قَبِيعَةُ سَيْفٍ) لِقَوْلِ أَنَسٍ «كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ النَّبِيِّ ﷺ فِضَّةً» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَالْقَبِيعَةُ: مَا يُجْعَلُ عَلَى طَرَفِ الْقُبْضَةِ وَلِأَنَّهُ حِلْيَةٌ مُعْتَادَةٌ لِلرَّجُلِ أَشْبَهَتْ الْخَاتَمَ (وَ) يُبَاحُ لَهُ حِلْيَةُ مِنْطَقَةٍ وَهِيَ مَا شَدَدْت بِهِ وَسَطَك قَالَهُ الْخَلِيلُ وَتُسَمِّيهَا الْعَامَّةُ حِيَاصَةً، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اتَّخَذُوا الْمَنَاطِقَ مُحَلَّاةً بِالْفِضَّةِ وَهِيَ كَالْخَاتَمِ، قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَكِتَابَةُ الْقُرْآنِ عَلَى الْحِيَاصَةِ وَالدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ مَكْرُوهَةٌ.
(وَ) يُبَاحُ لَهُ مِنْ الْفِضَّةِ حِلْيَةُ (جَوْشَنٍ وَبَيْضَةٍ وَهِيَ الْخُوذَةُ، وَحِلْيَةُ خُفٍّ وَحِلْيَة رَانٍ، وَهُوَ شَيْءٌ يُلْبَسُ تَحْتَ الْخُفِّ، وَحَمَائِلُ) وَاحِدَتُهَا حَمَّالَةٌ، قَالَهُ الْخَلِيلُ.
(وَنَحْوُ ذَلِكَ، كَالْمِغْفَرِ وَالنَّعْلِ، وَرَأْسِ الرُّمْحِ وَشَعِيرَةِ السِّكِّينِ والتركاش، وَالْكَلَالِيبِ بِسَيْرٍ وَنَحْو ذَلِكَ) لِأَنَّهُ يُسَاوِي الْمِنْطَقَةَ مَعْنَى فَوَجَبَ أَنْ يُسَاوِيَهَا حُكْمًا وَعَلَّلَ الْمَجْدُ بِأَنَّهُ يَسِيرُ فِضَّةٍ فِي لِبَاسِهِ وَلِأَنَّهُ يَسِيرٌ تَابِعٌ، والتركاش وَالْكَلَالِيبُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ: وَغِشَاءُ الْقَوْسِ وَالنُّشَّابُ والغوفل، وَحِلْيَةُ الْمِهْمَازِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِرُكُوبِ الْخَيْلِ وَقَالَ: لَا حَدَّ لِلْمُبَاحِ مِنْ ذَلِكَ
стр. 742
ذَلِكَ (وَلَوْ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ عِدَّةَ خَوَاتِيمَ أَوْ) عِدَّةَ (مَنَاطِقَ) وَنَحْوِهَا (فَالْأَظْهَرُ جَوَازُهُ) إنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْعَادَةِ.
(وَ) الْأَظْهَر (عَدَمُ) وُجُوبِ (زَكَاتِهِ) لِأَنَّهُ حُلِيٌّ أُعِدَّ لِاسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ (وَ) الْأَظْهَرُ (جَوَازُ لُبْسِ خَاتَمَيْنِ فَأَكْثَرَ جَمِيعًا) إنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْعَادَةِ كَحُلِيِّ الْمَرْأَةِ.
(وَتَحْرُمُ حِلْيَةُ مَسْجِدٍ وَمِحْرَابٍ بِنَقْدِ) ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِأَنَّهُ تَرَفٌ، وَيُفْضِي إلَى كَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ.
(وَلَوْ وَقَفَ عَلَى مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ) كَمَدْرَسَةٍ وَرِبَاطِ (قِنْدِيلًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّة لَمْ يَصِحَّ) وَقْفُهُ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ.
(وَيَحْرُمُ) ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ الْآنِيَةِ.
(وَقَالَ الْمُوَفَّقُ) الشَّارِحُ (هُوَ) أَيْ وَقْفُهُ (بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ) بِهِ عَلَى الْمَسْجِدِ (فَيُكَسَّرُ، وَيُصْرَفُ فِي مَصْلَحَةِ الْمَسْجِدِ وَعِمَارَتِهِ) تَصْحِيحًا لِكَلَامِ الْمُكَلَّفِ حَيْثُ أَمْكَنَ (وَيَحْرُمُ تَمْوِيهُ سَقْفٍ وَحَائِطٍ) وَنَحْوِهِ (بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) لِأَنَّهُ سَرَفٌ، وَيُفْضِي إلَى الْخُيَلَاءِ وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ (وَتَجِبُ إزَالَتُهُ) كَسَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ.
(وَ) تَجِبُ (زَكَاتُهُ) إنْ بَلَغَ نِصَابًا بِنَفْسِهِ، أَوْ ضَمَّهُ إلَى غَيْرِهِ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (وَإِنْ اسْتَهْلَكَ) النَّقْدَ فِيمَا مَوَّهَ بِهِ (فَلَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُ شَيْءٌ) بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ (فَلَهُ اسْتِدَامَتُهُ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِ لِعَدَمِ الْمَالِيَّةِ) فَلَا فَائِدَةَ فِي إتْلَافِهِ وَإِزَالَتِهِ وَلَمَّا وُلِّيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز الْخِلَافَةَ أَرَادَ جَمْعَ مَا فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ مِمَّا مُوِّهَ بِهِ مِنْ الذَّهَبِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ لَا يُجْتَمَعُ مَنّهُ شَيْءٌ فَتَرَكَهُ (وَلَا يُبَاحُ مِنْ الْفِضَّةِ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الْأَصْحَابُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ) بَيَانُهُ (فَلَا يَجُوزُ لِذَكَرٍ وَخُنْثَى لُبْسُ مَنْسُوجٍ بِذَهَبِ أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ مُمَوَّهٍ بِأَحَدِهِمَا وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ) مُفَصَّلًا.
(وَيُبَاحُ لَهُ) أَيْ الذَّكَرِ (مِنْ الذَّهَبِ: قَبِيعَةُ السَّيْفِ) لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ لَهُ سَيْفٌ فِيهِ سَبَائِكُ مِنْ ذَهَبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ كَانَ فِي سَيْفِهِ مِسْمَارٌ مِنْ ذَهَبٍ ذَكَرَهُمَا أَحْمَدُ.
(وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّ قَبِيعَةَ سَيْفِ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِيَةُ مَثَاقِيلَ) وَحَكَاهُ فِي الْمُبْدِعِ عَنْ الْإِمَامِ قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ ذَهَبًا وَفِضَّةً وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ كَذَلِكَ.
(وَ) يُبَاحُ لِلذَّكَرِ مِنْ ذَهَبٍ (مَا دَعَتْ إلَيْهِ الضَّرُورَةُ كَأَنْفٍ) وَإِنْ أَمْكَنَ اتِّخَاذُهُ مِنْ فِضَّةٍ لِأَنَّ «عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكِلَابِ، فَاِتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ فِضَّةٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَاِتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَالْحِكْمَةُ فِي الذَّهَبِ أَنَّهُ لَا يَصْدَأُ بِخِلَافِ الْفِضَّةِ (وَكَرَبْطِ سِنٍّ أَوْ أَسْنَانٍ بِهِ) لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ وَأَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ وَأَبِي رَافِعٍ ثَابِتٍ اسْتَرْقُوا وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ زَيْدٍ بْنِ ثَابِتٍ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمْ شَدُّوا أَسْنَانَهُمْ بِالذَّهَبِ وَهِيَ
стр. 743
ضَرُورَةٌ فَأُبِيحَ كَالْأَنْفِ.
(وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ: مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ، كَطَوْقٍ وَخَلْخَالٍ وَسِوَارٍ وَدُمْلُجٍ وَقُرْطٍ) فِي أُذُنٍ.
(وَعِقْدٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ (وَهُوَ الْقِلَادَةُ، وَتَاجٍ وَخَاتَمٍ وَمَا فِي الْمُخَانِقِ وَالْمَقَالِدِ مِنْ حَرَائِزَ وَتَعَاوِيذَ وَأُكَرٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَلَوْ زَادَ عَلَى أَلْفِ مِثْقَالٍ، حَتَّى دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ مُعَرَّاةٍ) أَيْ ذَاتِ عُرَى جَمْعُ عُرْوَةٍ (أَوْ فِي مُرْسَلَةٍ) أَيْ قِلَادَةٍ طَوِيلَةٍ تَقَعُ عَلَى الصَّدْرِ لِقَوْلِهِ ﷺ «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِلْإِنَاثِ مِنْ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إلَى التَّجْمِيلِ وَالتَّزَيُّنِ لِزَوْجِهَا وَظَاهِرِهِ: أَنَّ مَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِلُبْسِهِ كَالنِّعَالِ الْمُذَهَّبَةِ: لَا يُبَاحُ لَهُنَّ، لِانْتِفَاءِ التَّجْمِيلِ فَلَوْ اتَّخَذَتْهُ حَرُمَ وَفِيهِ الزَّكَاةُ.
(وَيُبَاحُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ التَّحَلِّي بِالْجَوْهَرِ وَنَحْوِهِ) كَاللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ (وَلَوْ فِي حُلِيٍّ وَلَا زَكَاةَ فِيهِ) لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِلِاسْتِعْمَالِ، كَثِيَابِ الْبِذْلَةِ (إلَّا أَنْ يُعَدَّ) الْجَوْهَرُ وَنَحْوُهُ (فِيهِ) أَيْ فِي الْحُلِيِّ (لِلْكِرَاءِ أَوْ لِلتِّجَارَةِ) فَيَقُومُ مَا فِيهِ مِنْ الْجَوَاهِرِ وَنَحْوِهِ تَبَعًا لِلنَّقْدِ لِأَنَّهُ مَالُ تِجَارَةٍ (كَمَا تَقَدَّمَ) فِي الْبَابِ.
(وَيَحْرُمُ تَشَبُّهُ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ وَتَشَبُّهُ امْرَأَةٍ بِرَجُلٍ فِي لِبَاسٍ وَغَيْرِهِ) كَكَلَامٍ وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِلَعْنِ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِالْكَرَاهَةِ (وَيَجِبُ إنْكَارُهُ) بِالْيَدِ فَإِنْ عَجَزَ فَبِاللِّسَانِ مَعَ أَمْنِ الْعَاقِبَةِ فَإِنْ عَجَزَ فَبِقَلْبِهِ كَسَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ (وَتَقَدَّمَ) فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ أَنَّهُ يَحْرُمُ تَشَبُّهُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ.
[بَابُ زَكَاةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ]
ِ الْعُرُوض جَمْعُ عَرْضٍ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ وَهُوَ مَا عَدَا الْأَثْمَانِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَبِفَتْحِهَا: كَثْرَةُ الْمَالِ وَالْمَتَاعِ وَسُمِّيَ عَرَضًا لِأَنَّهُ يَعْرِضُ ثُمَّ يَزُولُ وَيَفْنَى وَقِيلَ لِأَنَّهُ يُعْرَضُ لِيُبَاعَ وَيُشْتَرَى تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ كَتَسْمِيَةِ الْمَعْلُومِ عِلْمًا وَفِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ: الْعَرَضُ بِفَتْحَتَيْنِ: مَا لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ تَبَعًا لِلْخِرَقِيِّ: بِزَكَاةٍ كَالتِّجَارَةِ وَهِيَ أَشْمَلُ لِدُخُولِ النَّقْدَيْنِ فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ عَدَلَ الْمُؤَلِّفُ عَنْهُ لِأَنَّهُ عَبَّرَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ عِنْدَ تَعْدَادِ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ: بِالْعُرُوضِ وَلِذَلِكَ قَالَ (وَهِيَ مَا يُعَدُّ لِبَيْعٍ وَشِرَاءٍ، لِأَجْلِ رِبْحٍ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ غَالِبًا) فَلَا يَرِدُ أَنَّ النَّقْدَيْنِ قَدْ يَعُدَّانِ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ.
(تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عُرُوضِ
стр. 744
التِّجَارَةِ إذَا بَلَغْت قِيمَتُهَا نِصَابًا) فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ وَادَّعَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ إجْمَاعٌ مُتَقَدِّمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] وَقَوْلِهِ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وَمَالُ التِّجَارَةِ أَعَمُّ الْأَمْوَالِ فَكَانَ أَوْلَى بِالدُّخُولِ وَلِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «وَفِي الْبَزِّ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقَيْنِ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُمَا وَقَالَ: إنَّهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِ عُمَرَ لِحَمَاسٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ " أَدِّ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَالَ: مَا لِي إلَّا جِبَابٌ وَأُدْمٌ فَقَالَ: قَوِّمْهَا وَأَدِّ زَكَاتَهَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَسَعِيدٌ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ مَشْهُورٌ لِأَنَّهُ مَالٌ نَامٍ فَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالسَّائِمَةِ وَقَوْلُهُ ﷺ «عَفَوْت لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ» الْمُرَادُ بِهِ زَكَاةُ الْعَيْنِ لَا الْقِيمَةِ عَلَى أَنَّ خَبَرَنَا خَاصٌّ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ وَقَالَ دَاوُد: لَا زَكَاةَ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ (وَيُؤْخَذُ) الْوَاجِبُ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْقِيمَةِ (لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْوُجُوبِ رُبْعُ الْعُشْرِ وَمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ فَبِحِسَابِهِ وَيُعْتَبَرُ الْحَوْلُ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ وَ (لَا) يُؤْخَذُ مِنْ الْعُرُوضِ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلَّ الْوُجُوبِ، فَإِخْرَاجُهَا كَالْإِخْرَاجِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ.
(وَلَا تَصِيرُ) الْعُرُوضِ (لِلتِّجَارَةِ إلَّا) بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا (أَنْ يَمْلِكَهَا بِفِعْلِهِ) بِخِلَافِ الْإِرْثِ وَنَحْوِهِ، مِمَّا يَدْخُلُ قَهْرًا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِهَاتِ التِّجَارَةِ الثَّانِي: الْمُنَبَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ حَالَ التَّمَلُّكِ بِأَنْ يَقْصِدَ التَّكَسُّبَ بِهَا) لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالتِّجَارَةُ عَمَلٌ فَوَجَبَ اقْتِرَانُ النِّيَّةِ بِهِ، كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ، وَلِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ فِي الْأَصْلِ لِلِاسْتِعْمَالِ، فَلَا تَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ إلَّا بِالنِّيَّةِ، كَعَكْسِهِ وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ أَمْكَنَ اعْتِبَارُهُ فِي جَمِيعِهِ، فَوَجَبَ كَالنِّصَابِ ثُمَّ أَخَذَ يُفَصِّلُ مِلْكَهُ إيَّاهَا فَقَالَ (إمَّا بِمُعَاوَنَةٍ مَحْضَةٍ) أَيْ خَالِصَةٍ (كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ الْمَالِ بِمَالٍ، وَلِلْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، وَالْهِبَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلثَّوَابِ) أَيْ الْمَشْرُوطِ فِيهَا عِوَضٌ مَعْلُومٌ (أَوْ اسْتَرَدَّ مَا بَاعَهُ) بِإِقَالَةٍ أَوْ إعْسَارِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ وَنَحْوِهِ، بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ (أَوْ) بِمُعَاوَضَةٍ (غَيْرِ مَحْضَةٍ، كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ) وَعِوَضِ الْخُلَعِ (أَوْ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ، كَالْهِبَةِ الْمُطْلَقَةِ) الَّتِي لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا ثَوَابٌ (وَالْغَنِيمَةُ وَالْوَصِيَّةُ، وَالِاحْتِشَاشُ وَالِاحْتِطَابُ وَالِاصْطِيَادُ) .
لِعُمُومِ خَبَرِ سَمُرَةَ
стр. 745
قَالَ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِمَّا نَعُدُّهُ لِلْبَيْعِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي إسْنَادِهِ جَعْفَرٌ وَخُبَيْبٌ مَجْهُولَانِ قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ: إسْنَادُهُ مُقَارِبٌ (فَإِنْ مَلَكَهَا بِإِرْثٍ) وَمِثْلِهِ: عَوْدُهَا إلَيْهِ بِطَلَاقٍ قَبْلَ الدُّخُولِ وَفَسَخَ مِنْ قِبَلِهَا، لَا مِنْ قِبَلِهِ، وَمَضَى حَوْلَ التَّعْرِيفِ فِي اللُّقْطَةِ، لَمْ تَصِرْ لِلتِّجَارَةِ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، فَجَرَى مَجْرَى الِاسْتِدَامَةِ (أَوْ مِلْكًا بِفِعْلِهِ بِغَيْرِ نِيَّةِ) التِّجَارَةِ (ثُمَّ نَوَى التِّجَارَةَ بِهَا لَمْ تَصِرْ لِلتِّجَارَةِ) لِفَقْدِ الشَّرْطِ الثَّانِي (إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهَا بِعَرْضِ تِجَارَةٍ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ) التِّجَارَةِ، بَلْ يَكْفِيهِ اسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا، بِأَنْ لَا يَنْوِيَهَا لِلْقِنْيَةِ.
(وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ عَرْضٌ لِلتِّجَارَةِ، فَنَوَاهُ لِلْقُنْيَةِ) بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِهَا: الْإِمْسَاكُ لِلِانْتِفَاعِ دُونَ التِّجَارَةِ (ثُمَّ نَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ) لِأَنَّ الْقِنْيَةَ هِيَ الْأَصْلُ فَيَكْفِي فِي الرَّدِّ إلَيْهِ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ، كَمَا لَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ.
وَلِأَنَّ نِيَّةَ التِّجَارَةِ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ فِيهَا فَإِذَا نَوَى الْقِنْيَةَ زَالَتْ نِيَّةُ التِّجَارَةِ فَفَاتَ شَرْطُ الْوُجُوبِ بِخِلَافِ السَّائِمَةِ إذَا نَوَى عَلْفَهَا فَإِنَّ الشَّرْطَ السَّوْمُ دُونَ نِيَّتِهِ (إلَّا حُلِيَّ اللُّبْسِ، إذَا نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ فَيَصِيرُ لَهَا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لِأَنَّ التِّجَارَةَ الْأَصْلُ فِيهِ) أَيْ فِي الْحُلِيِّ فَإِذَا نَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ فَقَدْ رَدَّهُ إلَى الْأَصْلِ.
(وَتُقَوَّمُ الْعُرُوض) الَّتِي تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي قِيمَتِهَا (عِنْدَ تَمَامِ) الْحَوْلِ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ (بِالْأَحَظِّ لِأَهْلِ الزَّكَاةِ وُجُوبًا مِنْ عَيْنٍ) أَيْ ذَهَبٍ (أَوْ وَرِقٍ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْوَرِقُ الدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ، وَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ وَرَقٌ كَوَتِدٍ، وَوَرْقٌ كَفَلْسٍ، وَوَرَقٌ كَقَلَمٍ وَرِقَةٌ كَعِدَةٍ سَوَاءٌ كَانَ) الْأَحَظُّ لِأَهْلِ الزَّكَاةِ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَهُوَ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْآخِذِ (أَوَّلًا) أَيْ أَوْ مِنْ غَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ لِحَظِّ أَهْلِ الزَّكَاةِ فَتُقَوَّمُ بِالْأَحَظِّ لَهُمْ وَسَوَاءٌ بَلَغْت قِيمَتُهَا أَيْ الْعُرُوضِ (بِكُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ الْعَيْنِ وَالْوَرِقِ نِصَابًا، (أَوْ) بَلَغْت نِصَابًا (بِأَحَدِهِمَا) دُونَ الْآخَرِ (وَلَا يُعْتَبَرُ مَا اشْتَرَيْت بِهِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ وَرِقٍ، لَا قَدْرًا وَلَا جِنْسًا) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ لِأَنَّ فِي تَقْوِيمِهَا بِمَا اُشْتُرِيَتْ بِهِ إبْطَالًا لِلتَّقْوِيمِ بِالْأَنْفَعِ.
فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا بِالدَّرَاهِمِ فَقَطْ قُوِّمَتْ بِهَا وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهَا بِالذَّهَبِ وَكَذَا عَكْسُهُ (وَلَا عِبْرَةَ بِنَقْصِهِ) أَيْ مَا قُوِّمَتْ بِهِ (بَعْدَ تَقْوِيمِهِ) إذَا كَانَ التَّقْوِيمُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ قَدْ اسْتَقَرَّتْ كَمَا لَوْ تَلِفَ النِّصَابُ وَأَوْلَى (وَلَا) عِبْرَةَ بِزِيَادَتِهِ أَيْ زِيَادَةِ مَا قُوِّمَتْ بِهِ بَعْدَ الْحَوْلِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَبْلُ، لِتَجَدُّدِهِ بَعْدَ الْحَوْلِ، بَلْ يُعْتَمَدُ بِهِ فِي الْقَابِلِ (إلَّا الْمُغَنِّيَةَ، فَتُقَوَّمُ سَاذَجَةً) لِأَنَّ صَنْعَةَ مَعْرِفَةِ الْغِنَاءِ لَا قِيمَةَ لَهَا
стр. 746
وَكَذَا الزَّامِرَةُ وَالضَّارِبَةُ عَلَى آلَةِ لَهْوٍ وَكُلُّ ذِي صِنَاعَةٍ مُحَرَّمَةٍ (وَلَا عِبْرَةَ بِقِيمَةِ آنِيَةِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) لِتَحْرِيمِهَا وَكَذَا رِكَابٌ وَسَرْجٌ وَلِجَامٌ وَنَحْوُهُ مُحَلًّى (وَيُقَوَّمُ الْخَصِيُّ) عَبْدًا أَوْ غَيْرَهُ (بِصِفَتِهِ) لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ الْفِعْلُ وَقَدْ انْقَطَعَ لِاسْتِدَامَتِهِ.
(وَإِنْ اشْتَرَى) أَوْ بَاعَ (عَرْضًا) لِلتِّجَارَةِ (بِنِصَابٍ مِنْ الْأَثْمَانِ، أَوْ مِنْ الْعُرُوضِ بُنِيَ عَلَى حَوْلِهِ) أَيْ حَوْلِ الْأَوَّلِ وِفَاقًا لِأَنَّ الزَّكَاةَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ تَتَعَلَّقُ بِالْقِيمَةِ، وَهِيَ لِلْأَثْمَانِ وَالْأَثْمَانُ يُبْنَى حَوْلَ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَلِأَنَّ وَضْعَ التِّجَارَةِ لِلتَّقَلُّبِ وَالِاسْتِبْدَالِ بِثَمَنٍ وَعَرْضٍ فَلَوْ لَمْ يَبْنِ بَطَلَتْ زَكَاةُ التِّجَارَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ النَّقْدُ نِصَابًا، فَحَوَّلَهُ مِنْ حِينِ كَمُلَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا لَا مِنْ حِينِ اشْتَرَاهُ.
(وَإِنْ اشْتَرَاهُ) أَيْ عَرْضَ التِّجَارَةِ (بِنِصَابٍ مِنْ السَّائِمَةِ أَوْ بَاعَهُ) أَيْ عَرْضَ التِّجَارَةِ (بِنِصَابٍ مِنْهَا) أَيْ السَّائِمَةِ (لَمْ يَبْنِ عَلَى حَوْلِهِ) لِاخْتِلَافِهِمَا فِي النِّصَابِ وَالْوَاجِبُ (وَإِنْ اشْتَرَى نِصَابَ سَائِمَةٍ لِتِجَارَةٍ بِنِصَابِ سَائِمَةٍ لِقِنْيَةٍ بَنَى عَلَى حَوْلِهِ لِأَنَّ السَّوْمَ سَبَبٌ لِلزَّكَاةِ، قُدِّمَ عَلَيْهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ لِقُوَّتِهِ، فَبِزَوَالِ الْمُعَارِضِ ثَبَتَ حُكْمُ السَّوْمِ لِظُهُورِهِ (وَإِنْ مَلَكَ نِصَابَ سَائِمَةٍ لِتِجَارَةِ، فَحَالَ الْحَوْلُ) عَلَيْهِ (وَالسَّوْمُ وَنِيَّةُ التِّجَارَةِ مَوْجُودَانِ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ تِجَارَةٍ، دُونَ) زَكَاةِ سَوْمٍ) لِأَنَّ وَضْعَ التِّجَارَةِ عَلَى التَّقْلِيبِ فَهِيَ تُزِيلُ سَبَبَ زَكَاةِ السَّوْمِ وَهُوَ الِاقْتِنَاءُ لِطَلَبِ النَّمَاءِ مَعَهُ وَاقْتَصَرَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْأَحَظِّ.
(وَلَوْ سَبَقَ حَوْلُ سَوْمٍ وَقْتَ وُجُوبِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ، مِثْلُ أَنْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً قِيمَتُهَا دُونَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، ثُمَّ صَارَتْ قِيمَتُهَا فِي نِصْفِ الْحَوْلِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ زَكَّاهَا زَكَاةَ تِجَارَةٍ إذَا تَمَّ حَوْلُهَا لِأَنَّهُ أَنْفَعْ لِلْفُقَرَاءِ) مِنْ زَكَاةِ السَّوْمِ (فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهَا نِصَابَ التِّجَارَةِ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ السَّوْمِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِلَا خِلَافٍ، لِوُجُودِ سَبَبِ الزَّكَاةِ فِيهِ، بِلَا مُعَارِضٍ فَلَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً لِلتِّجَارَةِ، لَا تَبْلُغُ قِيمَتُهَا نِصَابَ نَقْدٍ زَكَّاهَا لِلسَّوْمِ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ.
(وَلَوْ مَلَكَ سَائِمَةً لِلتِّجَارَةِ نِصْفَ حَوْلٍ، ثُمَّ قَطَعَ نِيَّةَ التِّجَارَةِ) فِيهَا (اسْتَأْنَفَ) بِهَا (حَوْلًا مِنْ قَطْعِ النِّيَّةِ) لِأَنَّ حَوْلَ التِّجَارَةِ انْقَطَعَ بِقَطْعِ النِّيَّةِ وَحَوْلُ السَّوْمِ لَا يَنْبَنِي عَلَى حَوْلِ التِّجَارَةِ.
(وَإِنْ اشْتَرَى أَرْضًا لِتِجَارَةٍ يَزْرَعُهَا) وَبَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا، زَكَّى الْجَمِيعَ زَكَاةَ قِيمَةٍ (أَوْ) اشْتَرَى أَرْضًا لِتِجَارَةٍ، وَ (زَرْعًا بِبَذْرِ تِجَارَةٍ) زَكَّى لِلْجَمِيعِ زَكَاةَ قِيمَةٍ، إنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا (أَوْ اشْتَرَى شَجَرًا لِتِجَارَةٍ، تَجِبُ فِي ثَمَرِهِ الزَّكَاةُ) كَالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ (فَأَثْمَرَ وَاتَّفَقَ حَوْلَاهُمَا، بِأَنْ يَكُونَ بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي الثَّمَرَةِ، وَاشْتِدَادِ الْحَبِّ: عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ) أَيْ حَوْلِ التِّجَارَةِ وَفِي تَسْمِيَةِ بُدُوِّ
стр. 747
الصَّلَاحِ وَاشْتِدَادِ الْحَبِّ حَوْلًا: تَسَمُّحٌ.
(وَكَانَتْ قِيمَةُ الْأَصْلِ) أَيْ الشَّجَرِ تَبْلُغُ نِصَابَ التِّجَارَةِ زَكَّى الْجَمِيعَ زَكَاةَ قِيمَةٍ لِأَنَّهُ مَالُ تِجَارَةٍ فَوَجَبَ زَكَاتُهَا كَالسَّائِمَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الثَّمَرَ وَالزَّرْعَ جُزْءُ الْخَارِجِ مِنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يُقَوَّمَ مَعَ الْأَصْلِ، كَالسِّخَالِ، وَالرِّبْحِ الْمُتَجَدِّدِ، إذَا كَانَتْ الْأُصُولُ لِلتِّجَارَةِ.
(وَ) كَذَا (لَوْ سَبَقَ وُجُوبُ الْعُشْرِ) بِأَنْ كَانَ بُدُوُّ صَلَاحِ الثَّمَرَةِ وَاشْتِدَادِ الْحَبِّ قَبْلَ تَمَامِ حَوْلِ التِّجَارَةِ فَيُزَكِّي زَكَاةَ قِيمَةٍ (وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَاجْتَمَعَ فِي مَالٍ وَاحِدٍ زَكَاتَانِ وَفِيهِ ضَرَرٌ بِالْمَالِكِ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا (مَا لَمْ تَكُنْ قِيمَتُهَا) أَيْ الْأَرْضِ بِزَرْعِهَا أَوْ الشَّجَرِ (دُونَ نِصَابٍ كَمَا تَقَدَّمَ) فِي السَّائِمَةِ (فَإِنْ كَانَتْ) قِيمَتُهَا (دُونَ نِصَابٍ فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ) لِوُجُودِ سَبَبِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ وَهُوَ أَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ.
(وَلَوْ زَرَعَ بَذْرًا لِقِنْيَةٍ فِي أَرْضِ التِّجَارَةِ فَوَاجِبُ الزَّرْعِ: الْعُشْرُ) لِأَنَّهُ لِلْقِنْيَةِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْدِعِ (وَوَاجِبُ الْأَرْضِ: زَكَاةُ الْقِيمَةِ) لِأَنَّهَا مَالُ تِجَارَةٍ وَمُقْتَضَى الْمُنْتَهَى: أَنَّ الْكُلَّ يُزَكَّى زَكَاةَ قِيمَةٍ لِأَنَّ الزَّرْعَ تَابِعٌ لِلْأَرْضِ (وَإِنْ زَرَعَ بَذْرَ التِّجَارَةِ فِي أَرْضِ الْقِنْيَةِ زَكَّى الزَّرْعَ زَكَاةَ قِيمَةٍ) لِأَنَّهُ مَالُ تِجَارَةٍ.
(وَلَوْ كَانَ الثَّمَرُ مِمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ، كَالسَّفَرْجَلِ وَالتُّفَّاحِ، وَنَحْوِهِمَا) كَالْمِشْمِشِ وَالزَّيْتُونِ وَالْكُمَّثْرَى (أَوْ كَانَ الزَّرْعُ لَا زَكَاةَ فِيهِ، كَالْخَضْرَاوَاتِ) مِنْ بِطِّيخٍ وَقِثَّاءٍ وَخِيَارٍ (أَوْ كَانَ لِعَقَارِ التِّجَارَةِ وَعَبِيدِهَا) وَدَوَابِّهَا (أُجْرَةٌ ضَمَّ قِيمَةَ الثَّمَرَةِ وَالْخَضْرَاوَاتِ وَالْأُجْرَةِ إلَى قِيمَةِ الْأَصْلِ فِي الْحَوْلِ كَالرِّبْحِ) لِأَنَّهُ نَمَاءٌ.
(وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ شِرَاءِ عَقَارٍ فَارًّا مِنْ الزَّكَاةِ زَكَّى قِيمَتَهُ) قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْفَائِقِ قَالَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَهُوَ الصَّوَابُ مُعَامَلَةً لَهُ بِضِدِّ مَقْصُودِهِ كَالْفَارِّ مِنْ الزَّكَاةِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ، أَوْ صَرِيحُهُ: لَا زَكَاةَ فِيهِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
(وَلَا زَكَاةَ فِيمَا أُعِدَّ لِلْكِرَاءِ مِنْ عَقَارٍ وَحَيَوَانٍ وَغَيْرِهِمَا) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِ تِجَارَةٍ (وَلَوْ اشْتَرَى شِقْصًا لِلتِّجَارَةِ بِأَلْفٍ فَصَارَ عِنْدَ الْحَوْلِ بِأَلْفَيْنِ زَكَّاهُمَا) أَيْ الْأَلْفَيْنِ لِأَنَّهُمَا قِيمَتُهُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ.
(وَأَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِأَلْفٍ) لِأَنَّهُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، وَالشَّفِيعُ يَأْخُذُ بِهِ وَكَذَا لَوْ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي لِعَيْبٍ فِيهِ، رَدَّهُ بِأَلْفٍ (وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ، فَصَارَ عِنْدَ حَوْلِهِ بِأَلْفٍ زَكَّى أَلْفًا) لِأَنَّهُ قِيمَتُهُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ.
(وَأَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِأَلْفَيْنِ) لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَكَذَا لَوْ رَدَّهُ لِعَيْبِهِ رَدَّهُ بِأَلْفَيْنِ (وَإِنْ اشْتَرَى صَبَّاغٌ مَا يُصْبَغُ بِهِ، وَيَبْقَى) أَثَرُهُ (كَزَعْفَرَانٍ وَنِيلٍ وَعُصْفُرٍ وَنَحْوِهِ) كَلَكٍّ وَبُقَّمٍ وَفُوَّةٍ (فَهُوَ عَرْضُ تِجَارَةٍ، يُقَوَّمُ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ،
стр. 748
لِاعْتِيَاضِهِ) أَيْ الصَّبَّاغِ (عَنْ صَبْغٍ قَائِمٍ بِالثَّوْبِ فَفِيهِ مَعْنَى التِّجَارَةِ وَمِثْلُهُ مَا يَشْتَرِيهِ دَبَّاغٌ لِيَدْبُغَ، كَعَفْصٍ وَقَرَظٍ وَمَا يُدْهَنُ بِهِ، كَسَمْنِ وَمِلْحٍ) ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنَّاءِ وَجَزَمَ فِي مُنْتَهَى الْغَايَةِ بِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ وَعَلَّلَ بِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَلَا زَكَاةَ فِيمَا لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ كَمَا يَشْتَرِيهِ قَصَّارٌ مِنْ حَطَبٍ وَقِلْيٍ وَنُورَةٍ وَصَابُونٍ وَأُشْنَانٍ وَنَحْوِهِ) كَنَطْرُونٍ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَاضُ عَنْ شَيْءٍ يُقَوَّمُ بِالثَّوْبِ وَإِنَّمَا يُعْتَاضُ عَنْ عَمَلِهِ.
(وَلَا زَكَاةَ فِي آلَاتِ الصُّنَّاعِ، وَأَمْتِعَةِ التِّجَارَةِ وَقَوَارِيرِ الْعَطَّارِ وَالسَّمَّانِ وَنَحْوِهِمْ) كَالزَّيَّاتِ وَالْعَسَّالِ (إلَّا أَنْ يُرِيدَ بَيْعَهَا) أَيْ الْقَوَارِيرَ (بِمَا فِيهَا) فَيُزَكِّي الْكُلَّ لِأَنَّهُ مَالُ تِجَارَةٍ.
(وَكَذَا آلَاتُ الدَّوَابِّ إنْ كَانَتْ لِحِفْظِهَا) فَلَا زَكَاةَ فِيهَا لِأَنَّهَا لِلْقِنْيَةِ (وَإِنْ كَانَ يَبِيعُهَا مَعَهَا فَهِيَ مَالُ تِجَارَةٍ) يُزَكِّيهَا (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَا مَلَكَهُ) لِلتِّجَارَةِ (عَيْنَ مَالٍ، بَلْ مَنْفَعَةُ عَيْنٍ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ) فِي قِيمَتِهَا، إنْ بَلَغَتْ نِصَابًا بِنَفْسِهَا أَوْ بِضَمِّهَا إلَى غَيْرِهَا، كَالْأَعْيَانِ لِأَنَّهَا مَالُ تِجَارَةٍ.
(وَلَوْ قُتِلَ عَبْدُ تِجَارَةٍ خَطَأً أَوْ عَمْدًا، فَصَالَحَ سَيِّدُهُ عَلَى مَالٍ صَارَ) الْمَالُ (لِلتِّجَارَةِ) بِاسْتِصْحَابِ نِيَّةِ التِّجَارَةِ، كَمَا لَوْ اعْتَاضَ عَنْهُ (وَلَوْ اتَّخَذَ عَصِيرًا لِلتِّجَارَةِ فَتَخَمَّرَ) الْعَصِيرُ (ثُمَّ تَخَلَّلَ عَادَ حُكْمُ التِّجَارَةِ) بِاسْتِصْحَابِ الْيَدِ، كَالرَّهْنِ.
(وَلَوْ اشْتَرَى عَرْضَ تِجَارَةٍ بِعَرْضِ قِنْيَةٍ فَرُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ) أَوْ غَيْرِهِ (انْقَطَعَ الْحَوْلُ) لِقَطْعِهِ نِيَّةَ التِّجَارَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَرَدَّهُ هُوَ لِعَيْبِ الثَّمَرِ وَنَحْوِهِ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ، وَتَقَدَّمَ (وَإِذَا أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ) أَيْ الْآذِنِ (فَأَخْرَجَاهَا مَعًا، أَوْ جَهِلَ السَّبْقَ، ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ لِأَنَّهُ انْعَزَلَ حُكْمًا وَلِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ) وَالْعَزْلُ حُكْمًا، الْعِلْمُ فِيهِ وَعَدَمِهِ سَوَاءٌ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدٍ، فَبَاعَهُ الْمُوَكَّلُ، أَوْ أَعْتَقَهُ، وَحِينَئِذٍ يَقَعُ الدَّفْعُ إلَى الْفَقِيرِ تَطَوُّعًا وَلَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِهِ، فَيَتَحَقَّقُ التَّفْوِيتُ بِفِعْلِ الْمُخْرَجِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ لِمَا إذَا أَخْرَجَ كُلٌّ مِنْهُمَا زَكَاةَ نَفْسِهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا إذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا بِالْإِخْرَاجِ، وَجَهِلَ، أَوْ نَسِيَ، فَلِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ إخْرَاجَ الْمُخْرِجِ عَنْ نَفْسِهِ وَقَعَ الْمَوْقِعَ بِخِلَافِ الْمُخْرِجِ عَنْ غَيْرِهِ.
وَأَيْضًا: الْأَصْلُ فِي الْقَابِضِ لِمَالِ غَيْرِهِ: الضَّمَانُ (وَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ) وَعَلِمَ وَلَمْ يَنْسَ (ضَمِنَ الثَّانِي) أَيْ الَّذِي أَخْرَجَ ثَانِيًا (نَصِيبَ) الْمُخْرِجِ (الْأَوَّلِ، عَلِمَ) الثَّانِي إخْرَاجَ الْأَوَّلِ (أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) بِهِ لِأَنَّهُ انْعَزَلَ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الْحُكْمِ وَالْعَزْلِ، كَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ مَاتَ الْمَالِكُ
стр. 749
وَ (لَا) يَضْمَنْ (إنْ أَدَّى دَيْنًا بَعْدَ أَدَاءِ مُوَكَّلِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ) بِأَدَاءِ مُوَكَّلِهِ لِأَنَّهُ غَرَّهُ.
(وَ) لِأَنَّهُ هُنَا لَمْ يَتَحَقَّقْ التَّفْوِيتُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ (يَرْجِعُ الْمُوَكَّلُ عَلَى الْقَابِضِ بِمَا قَبَضَ مِنْ الْوَكِيلِ) وَنَظِيرُ هَذَا فِي مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ لَوْ كَانَ الْقَابِضُ مِنْهُمَا السَّاعِي وَالزَّكَاةُ بِيَدِهِ، فَإِنَّ الْمُوَكِّلَ يَأْخُذُهَا مِنْهُ، مَا دَامَتْ بِيَدِهِ، وَلَا يَضْمَنُ وَكِيلُهُ لَهُ شَيْئًا لِعَدَمِ التَّفْوِيتِ (وَلَوْ أَذِنَ غَيْرُ شَرِيكَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَذِنَ (لِلْآخَرِ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ فَ) هُمَا (كَالشَّرِيكَيْنِ فِيمَا سَبَقَ) مِنْ التَّفْصِيلِ لِلتَّسَاوِي فِي الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلضَّمَانِ أَوْ عَدَمَهُ.
(وَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَكِيلِ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ أَوْ لَا) أَيْ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ مُوَكِّلِهِ بِخِلَافِ حَجِّ النَّائِبِ عَنْ غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ، فَإِنَّهَا مَالِيَّةٌ، كَقَضَاءِ دَيْنِ غَيْرِهِ قَبْلَ دَيْنِهِ (بَلْ يُسْتَحَبُّ) أَنْ يَبْدَأَ بِإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ أَوَّلًا مُسَارَعَةً لِلْخَيْرِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَخْلُ بِالْفَوْرِيَّةِ، مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ وَإِلَّا فَيَأْتِي أَنَّ إخْرَاجَ الزَّكَاةِ وَاجِبٌ فَوْرًا (وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْمُوَكَّلِ أَنَّهُ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ قَبْلَ دَفْعِ وَكِيلِهِ إلَى السَّاعِي) لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ فِي أَدَاءِ مَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ.
(وَ) يُقْبَلُ (قَوْلُ مَنْ دَفَعَ زَكَاةَ مَالِهِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى السَّاعِي (ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ أَخْرَجَهَا) قَبْلَ الدَّفْعِ إلَى السَّاعِي (وَتُؤْخَذُ مِنْ السَّاعِي) فِي الصُّورَتَيْنِ (إنْ كَانَتْ بِيَدِهِ) لِتَبَيُّنِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَكَاةٍ (فَإِنْ تَلِفَتْ) بِيَدِ السَّاعِي (أَوْ كَانَ) السَّاعِي (دَفَعَهَا إلَى الْفَقِيرِ أَوْ كَانَا) أَيْ الْوَكِيلُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَرَبُّ الْمَالِ فِي الثَّانِيَةِ (دَفَعَا إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْفَقِيرِ (فَلَا) رُجُوعَ لِأَنَّهَا انْقَلَبَتْ تَطَوُّعًا كَمَنْ دَفَعَ زَكَاةً يَعْتَقِدُهَا عَلَيْهِ، فَلَمْ تَكُنْ (وَمَنْ لَزِمَهُ نَذْرُ وَزَكَاةٌ قَدَّمَ الزَّكَاةَ) لِوُجُوبِهَا بِأَصْلِ الشَّرْعِ (فَإِنْ قَدَّمَ النَّذْرَ لَمْ يَصِرْ زَكَاةً) لِحَدِيثِ " وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى " وَإِنَّمَا خُولِفَ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ لِدَلِيلٍ خَاصٍّ (وَلَهُ) أَيْ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ (الصَّدَقَةِ تَطَوُّعًا قَبْلَ إخْرَاجِ زَكَاتِهِ) كَالصَّدَقَةِ قَبْلَ قَضَاءِ دَيْنِهِ، إنْ لَمْ يَضُرَّ بِغَرِيمِهِ.
[بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ]
ِ هُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ قَوْلِك: أَفْطَرَ الصَّائِمُ إفْطَارًا وَأُضِيفَتْ إلَى الْفِطْرِ لِأَنَّهُ سَبَبُ وُجُوبِهَا فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى سَبَبِهِ وَقِيلَ لَهَا فِطْرَةٌ: لِأَنَّ الْفِطْرَةَ الْخِلْقَةُ
стр. 750
قَالَ تَعَالَى ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وَهَذَا يُرَادُ بِهَا الصَّدَقَةُ عَنْ الْبَدَنِ وَالنَّفْسِ وَهِيَ بِضَمِّ الْفَاءِ: كَلِمَةٌ مُوَلَّدَةٌ وَقَدْ زَعْمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِمَّا يَلْحَنُ فِيهِ الْعَامَّةُ وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ لِاسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ لَهَا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَهِيَ صَدَقَةٌ تَجِبُ بِالْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ: طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ «فَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ: صَاعًا مِنْ بُرٍّ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «فَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ: طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّهْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَدَعْوَى أَنَّ " فَرَضَ " بِمَعْنَى قَدَّرَ: مَرْدُودٌ بِأَنَّ كَلَامَ الرَّاوِي لَا يُحْمَلُ إلَّا عَلَى الْمَوْضُوعِ بِدَلِيلِ الْأَمْرِ بِهَا فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَذَهَبَ الْأَصَمُّ وَابْنُ عُلَيَّةَ وَجَمَاعَةٌ إلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَقَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] إنَّهَا زَكَاةُ الْفِطْرِ رُدَّ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " إنَّهَا تُطَهِّرُ مِنْ الشِّرْكِ " وَالسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ وَلَمْ يَكُنْ بِهَا زَكَاةٌ وَلَا عِيدٌ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ فَرْضَهَا كَانَ مَعَ رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الزَّكَاةِ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ ذَلِكَ.
(وَمَصْرِفُهَا) أَيْ: زَكَاةِ الْفِطْرِ (كَزَكَاةِ) الْمَالِ لِعُمُومِ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] .
(وَهِيَ وَاجِبَةٌ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَتُسَمَّى فَرْضًا) كَقَوْلِ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَأَيْضًا فَالْفَرْضُ: إنْ كَانَ بِمَعْنَى الْوَاجِبِ، فَهِيَ وَاجِبَةٌ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْمُتَأَكِّدِ فَهِيَ مُتَأَكِّدَةٌ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (حُرٌّ، وَلَوْ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ خِلَافًا لِعَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ وَاللَّيْثِ فِي قَوْلِهِمْ " لَا تَلْزَمُ أَهْلَ الْبَوَادِي ".
(وَمُكَاتَبٌ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ فِي كَسْبِهِ، فَكَذَا فِطْرَتُهُ (ذَكَرٍ وَأُنْثَى كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ) لِمَا سَبَقَ مِنْ الْخَبَرِ (وَلَوْ يَتِيمًا) فَتَجِبُ فِي مَالِهِ نَصَّ عَلَيْهِ، كَزَكَاةِ الْمَالِ (وَيُخْرَجُ عَنْهُ) أَيْ الْيَتِيمِ (مِنْ مَالِ وَلِيِّهِ) كَمَا
стр. 751
يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ.
(وَ) تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى (سَيِّدٍ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِهِ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ كَانَ) الْعَبْدُ (لِلتِّجَارَةِ) فَلَا يَضُرُّ اجْتِمَاعُ زَكَاتَيْنِ فِيهِ لِأَنَّهُمَا بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفِينَ فَإِنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تَجِبُ عَلَى بَدَنِ الْمُسْلِمِ طُهْرَةً لَهُ، وَزَكَاةُ التِّجَارَةِ تَجِبُ مِنْ قِيمَتِهِ شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْغِنَى، مُوَاسَاةً لِلْفُقَرَاءِ وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ إيجَابُ زَكَاتَيْنِ فِي حَوْلٍ وَاحِدٍ وَمَتَى كَانَ عَبِيدُ التِّجَارَةِ بِيَدِ الْمُضَارِبِ فَفِطْرَتُهُمْ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ لِأَنَّ مُؤْنَتَهُمْ مِنْهَا قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، وَ (لَا) تَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ (الْكَافِرِ) لَوْ هَلَّ شَوَّالٌ وَفِي مِلْكِهِ عَبْدٌ مُسْلِمٌ، لِفَقْدِ شَرْطِ وُجُوبِهَا وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ فِي هَذِهِ: الْأَظْهَرُ وُجُوبُهَا عَلَى الْكَافِرِ.
(وَتَجِبُ فِي مَالِ صَغِيرٍ تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ نَفْسِهِ) لِغِنَاهُ بِمَالٍ أَوْ كَسْبٍ وَيُخْرِجُهَا أَبُوهُ مِنْهُ.
(وَ) تَجِبُ (فِي الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ، وَ) الْعَبْدُ (الْمُوصَى بِهِ عَلَى مَالِكِهِ وَقْتَ الْوُجُوبِ) أَيْ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ رَمَضَانَ (وَكَذَا) الْعَبْدُ (الْمَبِيعُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ) تَجِبُ فِطْرَتُهُ عَلَى مَنْ حَكَمَ لَهُ بِالْمِلْكِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمَذْهَبِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ شَيْءٌ غَيْرُ الْعَبْدِ) الْمَرْهُونِ (بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ الْفِطْرَةِ) كَأَرْشِ جِنَايَتِهِ (إذَا فَضَلَ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ الْمُسْلِمِ الَّذِي تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ نَفْسِهِ (عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ صَاعٌ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَهَمُّ فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «ابْدَأْ بِنَفْسِك ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَعْتَبِرُ لِوُجُوبِهَا مِلْكَ نِصَابٍ وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ.
" تَتِمَّةٌ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ مَنْ عَجَزَ عَنْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَقْتَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ أَيْسَرَ فَأَدَّاهَا فَقَدْ أَحْسَنَ (وَيَعْتَبِرُ كَوْنَ ذَلِكَ) أَيْ الصَّاعَ بَعْدَ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ (فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُهُ لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَدَابَّةٍ وَثِيَابٍ بِذْلَةٍ) كَسِدْرَةٍ: مَا يُمْتَهَنُ مِنْ الثِّيَابِ فِي الْخِدْمَةِ، وَالْفَتْحُ لُغَةٌ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَدَارٍ يَحْتَاجُ إلَى أَجْرِهَا لِنَفَقَتِهِ) وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ (وَسَائِمَةٍ يَحْتَاجُ إلَى نَمَائِهَا) مِنْ دَرٍّ وَنَسْلٍ وَنَحْوِهِمَا (وَبِضَاعَةٍ يَحْتَاجُ إلَى رِبْحِهَا وَنَحْوِهِ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ حَاجَتُهُ الْأَصْلِيَّةُ فَهُوَ كَنَفَقَتِهِ يَوْمَ الْعِيدِ.
(وَكَذَا كُتُبُ) عِلْمٍ (يَحْتَاجُهَا لِلنَّظَرِ وَالْحِفْظِ وَحُلِيِّ الْمَرْأَةِ لِلُبْسِهَا، أَوْ لِكِرَاءٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَهَمُّ مِنْ الْفِطْرَةِ، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهَا،
стр. 752
لَكِنْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْكُتُبِ وَحُلِيِّ الْمَرْأَةِ.
ذَكَرَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَلَمْ أَجِدْ هَذَا فِي كَلَامِ أَحَدٍ قَبْلَهُ وَلَمْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ قَالَ: وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الْوُجُوبِ، وَاقْتِصَارِهِمْ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الْمَانِعِ أَيْ مَا يَحْتَاجُهُ مِنْ مَسْكَنٍ وَعَبْدٍ، وَدَابَّةٍ وَثِيَابٍ بِذْلَةٍ: أَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَذَكَرَ احْتِمَالًا أَنَّ الْكُتُبَ تُمْنَعُ بِخِلَافِ الْحُلِيِّ لِلْحَاجَةِ إلَى الْعِلْمِ وَتَحْصِيلِهِ قَالَ: وَلِهَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ، أَيْ الْمُوَفَّقُ: أَنَّ الْكُتُبَ تُمْنَعُ فِي الْحَجِّ وَالْكَفَّارَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْحُلِيَّ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُنْتَهَى وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: هَلْ يَمْنَعُ ذَلِكَ أَخْذُ الزَّكَاةِ؟ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَتَوَجَّهُ احْتِمَالَانِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَتَصْحِيحِ الْفُرُوعِ الصَّوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ.
(وَتَلْزَمُ الْمُكَاتَبَ فِطْرَةُ زَوْجَتِهِ وَفِطْرَةُ قَرِيبِهِ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ) كَوَلَدِهِ التَّابِعُ لَهُ فِي الْكِتَابَةِ.
(وَ) فِطْرَةُ (رَقِيقِهِ) كَفِطْرَةِ نَفْسِهِ، لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ النَّصِّ، وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ مَنْ ذَكَرَ فَلَزِمَتْهُ فِطْرَتُهُ، كَالْحُرِّ، لَا عَلَى سَيِّدِهِ (وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ) مَعَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ (إلَّا بَعْضَ صَاعٍ، لَزِمَهُ إخْرَاجُهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَلِأَنَّهَا طُهْرَةٌ فَهِيَ كَالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْكَفَّارَةِ: أَنَّ الْكَفَّارَةَ بَدَلٌ بِخِلَافِ هَذِهِ فَيُخْرِجُ مَا وَجَدَهُ (عَنْ نَفْسِهِ) لِحَدِيثِ " ابْدَأْ بِنَفْسِك " وَيُكَمِّلُهُ مَنْ تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ، وَعَجَزَ عَنْ جَمِيعِهَا (فَإِنْ فَضَلَ) عِنْدَهُ (صَاعٌ وَبَعْضُ صَاعٍ، أَخْرَجَ الصَّاعَ عَنْ نَفْسِهِ) لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ.
(وَ) أَخْرَجَ بَعْضَ الصَّاعِ عَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ زَوْجَةٍ وَنَحْوِهَا (وَيُكَمِّلُهُ الْمَخْرَجُ عَنْهُ) إنْ قَدَرَ لِأَنَّ الْأَصِيلَ وَالْمَخْرَجُ مُتَحَمِّلٌ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ فِيمَا عَجَزَ عَنْهُ.
(وَيَلْزَمُ الْمُسْلِمَ فِطْرَةُ مَنْ يَمُونُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الزَّوْجَاتِ وَالْإِمَاءِ وَالْأَقَارِبِ وَالْمَوَالِي) ، فَلَا تَلْزَمُهُ فِطْرَةُ مَنْ يَمُونُهُ مِنْ الْكُفَّارِ، لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ لِلْمُخْرِجِ عَنْهُ وَلَا يُطَهِّرُهُ إلَّا الْإِسْلَامُ وَكَذَا عَبْدُ عَبْدِهِ (حَتَّى زَوْجَةُ عَبْدِهِ الْحُرَّةُ) كَنَفَقَتِهَا.
(وَ) حَتَّى (مَالِكُ نَفْعِ قِنٍّ فَقَطْ) لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ وَهُوَ الْمُوصَى لَهُ بِنَفْعِهِ فَتَجِبُ فِطْرَتُهُ عَلَيْهِ، كَنَفَقَتِهِ، لَا عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ.
(وَ) حَتَّى (خَادِمُ زَوْجَتِهِ إنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ) لِأَنَّ الْفِطْرَةَ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ وَكَذَا مَرِيضٌ لَا يَحْتَاجُ نَفَقَةً لِعُمُومِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ، وَالْعَبْدِ، مِمَّنْ تَمُونُونَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي
стр. 753
نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَلَا تَلْزَمُ) الْفِطْرَةُ (الزَّوْجَ لِبَائِنٍ حَامِلٍ) ، لِأَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ لَا لَهَا مِنْ أَجَلِ الْحَمْلِ وَالْحَمْلُ لَا تُلْزَمُ فِطْرَتُهُ (وَلَا) تَلْزَمُ الْفِطْرَةُ مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا أَوْ ظِئْرًا بِطَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ كَضَيْفٍ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هَهُنَا أُجْرَةٌ تَعْتَمِدُ الشَّرْطَ فِي الْعَقْدِ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ دَرَاهِمَ وَلِهَذَا تَخْتَصُّ بِزَمَنٍ مُقَدَّرٍ، كَسَائِرِ الْأُجَرِ.
(وَلَا) تَجِبُ فِطْرَةُ مَنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَعَبْدِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَعَبْدِ (الْفَيْءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَاللَّقِيطِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِنْفَاقٍ وَإِنَّمَا هُوَ إيصَالُ الْمَالِ فِي حَقِّهِ (وَلَا مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ لِأَمَةٍ لَيْلًا فَقَطْ بَلْ هِيَ عَلَى سَيِّدِهَا) أَيْ لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً، وَتَسَلَّمَهَا لَيْلًا فَقَطْ، فَفِطْرَتُهَا عَلَى السَّيِّدِ دُونَ الزَّوْجِ لِأَنَّهَا وَقْتَ الْوُجُوبِ فِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ.
(وَتَرْتِيبُهَا) أَيْ الْفِطْرَةِ (كَالنَّفَقَةِ) لِتَبَعِيَّتِهَا لَهَا (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَمُونُ جَمَاعَةً (مَا يُؤَدِّي عَنْ جَمِيعِهِمْ بَدَأَ لُزُومًا بِنَفْسِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا تَنْبَنِي عَلَى النَّفَقَةِ، وَنَفَقَةُ نَفْسِهِ مُقَدَّمَةٌ فَكَذَا فِطْرَتُهُ (ثُمَّ بِامْرَأَتِهِ وَلَوْ أَمَةً) تَسَلَّمَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا مُطْلَقًا بِخِلَافِ الْأَقَارِبِ وَقُمْت عَلَى غَيْرِهَا لِآكَدِيَّتِهَا، وَلِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ (ثُمَّ بِرَقِيقِهِ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ مَعَ الْإِعْسَارِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُحْتَمَلُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الزَّوْجَةِ، لِئَلَّا تَسْقُطُ بِالْكُلِّيَّةِ (ثُمَّ بِأُمِّهِ) لِتَقْدِيمِهَا عَلَى الْأَبِ فِي الْبِرِّ، لِحَدِيثِ مَنْ أَبَرُّ؟ " (ثُمَّ بِأَبِيهِ) لِحَدِيثِ «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيك» (ثُمَّ بِوَلَدِهِ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ فِي الْجُمْلَةِ (ثُمَّ عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ: الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ) لِأَنَّ الْأَقْرَبَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، فَقُدِّمَ كَالْمِيرَاثِ (وَإِنْ اسْتَوَى اثْنَانِ فَأَكْثَرُ) كَوَلَدَيْنِ أَوْ أَوْلَادٌ، أَوْ إخْوَةٌ وَلَمْ يَفْضُلْ غَيْرُ صَاعٍ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ) لِتَسَاوِيهِمْ وَعَدَمِ الْمُرَجَّحِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْقُرْعَةُ.
(وَلَا تَجِبُ) الْفِطْرَةُ (عَنْ جَنِينٍ) ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعُ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، لِأَنَّهَا لَوْ تَعَلَّقَتْ بِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ لَتَعَلَّقَتْ الزَّكَاةُ بِأَجِنَّةِ السَّوَائِمِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا إلَّا فِي الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ، بِشَرْطِ خُرُوجِهِ حَيًّا (بَلْ تُسْتَحَبُّ) الْفِطْرَةُ عَنْ الْجَنِينِ، لِفِعْلِ عُثْمَانَ، وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ " كَانَ يُعْجِبُهُمْ أَنْ يُعْطُوا زَكَاةَ الْفِطْرَةِ عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، حَتَّى عَنْ الْحَمْلِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي.
(وَمَنْ تَبَرَّعَ بِمُؤْنَةِ مُسْلِمٍ شَهْرَ رَمَضَانَ كُلَّهُ، لَزِمَتْهُ فِطْرَتُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ» وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُك " وَهَذَا
стр. 754
يَعُمُّ مَنْ يَمُونُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ تَبَرُّعًا فَإِنْ تَبَرَّعَ بِمُؤْنَتِهِ بَعْضَ رَمَضَانَ وَلَوْ آخِرَهُ، لَمْ تَلْزَمْهُ لِظَاهِرِ النَّصِّ وَ (لَا إنْ مَانَهُ جَمَاعَةٌ) فَلَا يَلْزَمُهُمْ فِطْرَتُهُ لِعَدَمِ أَمَانَةِ أَحَدِهِمْ لَهُ جَمِيعَ الشَّهْرِ.
(وَإِذَا كَانَ رَفِيقَ وَاحِدٍ بَيْنَ شُرَكَاءَ) فَعَلَيْهِمْ صَاعٌ وَاحِدٌ بِحَسَبِ مِلْكِهِمْ فِيهِ، كَنَفَقَتِهِ (أَوْ بَعْضُهُ حُرٌّ) وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ فَعَلَيْهِ وَعَلَى سَيِّدِهِ صَاعٌ، بِحَسَبِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ (أَوْ) كَانَ (قَرِيبٌ، أَوْ) عَتِيقٌ (تَلْزَمُ نَفَقَتُهُ اثْنَيْنِ) كَوَلَدَيْهِ أَوْ أَخَوَيْهِ، أَوْ مُعْتِقَيْهِ، أَوْ ابْنَيْ مُعْتِقَيْهِ، فَأَكْثَرُ فَفِطْرَتُهُ عَلَيْهِمْ كَنَفَقَتِهِ لَكِنْ لَوْ كَانَ أَبٌ وَأُمٌّ أَوْ جَدَّةٌ انْفَرَدَ بِهَا الْأَبُ كَالنَّفَقَةِ (أَوْ أَلْحَقَتْ الْقَافَةُ وَاحِدًا بِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرُ) عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي اللَّقِيطِ (فَعَلَيْهِمْ صَاعٌ وَاحِدٌ) لِأَنَّ الشَّارِعَ إنَّمَا أَوْجَبَ عَلَى الْوَاحِدِ صَاعًا فَأَجْزَأَ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ وَكَالنَّفَقَةِ وَمَاءِ طَهَارَتِهِ.
(وَلَا تَدْخُلُ الْفِطْرَةُ فِي الْمُهَايَأَةِ فِيمَنْ بَعْضُهُ حُرِّ) لِأَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ، كَالصَّلَاةِ وَالْمُهَايَأَةُ مُعَاوَضَةُ كَسْبٍ بِكَسْبٍ، (فَإِنْ كَانَ يَوْمَ الْعِيدِ نَوْبَةُ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ نِصْفُهُ مَثَلًا اعْتَبَرَ أَنْ يَفْضُلَ عَنْ قُوتِهِ نِصْفُ صَاعٍ) فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ لَمْ يَلْزَمْ سَيِّدُهُ سِوَى نِصْفِ الصَّاعِ كَمَا لَوْ عَجَزَ مُكَاتَبٌ عَنْهَا.
(وَإِنْ كَانَتْ نَوْبَةُ السَّيِّدِ) يَوْمَ الْعِيدِ (لَزِمَ الْعَبْدَ أَيْضًا نِصْفُ صَاعٍ) وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ لِأَنَّ مُؤْنَتَهُ عَلَى غَيْرِهِ (وَمَنْ عَجَزَ مِنْهُمْ) أَيْ الشُّرَكَاءِ فِي قِنٍّ أَوْ مِنْ وَارِثٍ لِقَرِيبٍ أَوْ عَتِيقٍ، أَوْ مَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ وَلَدٌ (عَمَّا) وَجَبَ (عَلَيْهِ) مِنْ الْفِطْرَةِ الْمُشْتَرَكَةِ (لَمْ يَلْزَمْ الْآخَرَ سِوَى قِسْطِهِ، كَشَرِيكٍ ذِمِّيٍّ) فَلَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ قِسْطُ الذِّمِّيِّ.
(وَإِنْ عَجَزَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ عَنْ فِطْرَتِهَا فَ) هِيَ (عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ حُرَّةً وَعَلَى سَيِّدِهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً) لِأَنَّ الزَّوْجَ كَالْمَعْدُومِ (وَلَا تَرْجِعُ) الزَّوْجَةُ (الْحُرَّةُ، وَ) لَا (السَّيِّدُ بِهَا) أَيْ الْفِطْرَةِ (عَلَى الزَّوْجِ إذَا أَيْسَرَ) لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قَبْلُ، لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلتَّحَمُّلِ وَالْمُوَاسَاةِ.
(وَمَنْ لَهُ عَبْدٌ آبِقٌ أَوْ ضَالٌّ، أَوْ مَغْصُوبٌ، أَوْ مَحْبُوسٌ كَأَسِيرٍ فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُ) لِلْعُمُومِ، وَلِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ بِدَلِيلِ رُجُوعِ مَنْ رَدَّ الْآبِقَ بِنَفَقَتِهِ عَلَى سَيِّدِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرْجُوَ رَجْعَتَهُ أَوْ يَيْأَسَ مِنْهَا وَلَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهَا حَتَّى يَعُودَ إلَيْهِ زَادَ بَعْضُهُمْ: أَوْ يَعْلَمُ مَكَانَ الْآبِقِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (إلَّا أَنْ يَشُكَّ) السَّيِّدُ (فِي حَيَاتِهِ) أَيْ الْآبِقِ وَنَحْوِهِ (فَتَسْقُطُ) فِطْرَتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بَقَاءَهُ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَالظَّاهِرُ مَوْتُهُ وَكَالنَّفَقَةِ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ (فَإِنْ عَلِمَ سَيِّدُهُ حَيَاتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَخْرَجَ لِمَا مَضَى) لِأَنَّهُ بَانَ لَهُ وُجُودُ سَبَبِ الْوُجُوبِ فِي الْمَاضِي، فَوَجَبَ
стр. 755
الْإِخْرَاجُ، كَمَالٍ غَائِبٍ بَانَتْ سَلَامَتُهُ.
(وَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ فِطْرَةُ زَوْجَةٍ نَاشِزٍ وَقْتَ الْوُجُوبِ) أَيْ وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ (وَلَوْ) كَانَتْ (حَامِلًا) لِأَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ وَلَا تَلْزَمُ فِطْرَتَهُ (وَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجُ) أَيْضًا فِطْرَةَ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا، كَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إذَا لَمْ تُسَلَّمْ إلَيْهِ أَيْ تَبْذُلُ التَّسْلِيمَ هِيَ أَوْ وَلِيُّهَا.
(وَالصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا) أَيْ بِنْتٌ دُونَ تِسْعٍ، لِأَنَّ الْفِطْرَةَ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ (وَتَلْزَمُهُ فِطْرَةُ مَرِيضَةٍ وَنَحْوِهَا، لَا تَحْتَاجُ إلَى نَفَقَةٍ) لِأَنَّ عَدَمَ احْتِيَاجِهَا لِلنَّفَقَةِ لَا لِخَلَلٍ فِي الْمُقْتَضَى لَهَا بِخِلَافِ مَا قَبْلُ.
(وَمَنْ لَزِمَ غَيْرَهُ فِطْرَتُهُ) كَالزَّوْجَةِ (فَأَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ إذْنِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ (أَجْزَأَ) إخْرَاجُهُ (كَمَا لَوْ أَخْرَجَ بِإِذْنِهِ) لِأَنَّهُ أَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ، فَأَجْزَأَهُ، كَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ (لِأَنَّ الْغَيْرَ مُحْتَمَلٌ) لِكَوْنِهَا طُهْرَةً (لَا أَصِيلَ) وَإِنْ كَانَ مُخَاطَبًا بِهَا (وَلَوْ لَمْ يُخْرِجْ مَنْ تَلْزَمُهُ فِطْرَةُ غَيْرِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ) كَالزَّوْجِ الْقَادِرِ إذَا لَمْ يُخْرِجْ فِطْرَةَ زَوْجَتِهِ (لَمْ يَلْزَمْ الْغَيْرَ) الَّذِي هُوَ الزَّوْجَةُ فِي الْمِثَالِ (شَيْءٌ) لِعَدَمِ خِطَابِهَا بِهَا.
(وَلَهُ) أَيْ الْغَيْرِ الَّذِي وَجَبَتْ فِطْرَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ (مُطَالَبَتُهُ بِالْإِخْرَاجِ) كَنَفَقَتِهِ قُلْت وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ وَلَدًا، فَيُطَالِبُ وَالِدَهُ بِهَا، كَالنَّفَقَةِ.
(وَلَوْ أَخْرَجَ الْعَبْدُ) فِطْرَتَهُ (بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لَمْ يُجْزِئُهُ) لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مَالِ سَيِّدِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
(وَإِنْ أَخْرَجَ) مَنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ (عَمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ) كَأَجْنَبِيٍّ (بِإِذْنِهِ، أَجْزَأَ) إخْرَاجُهُ عَنْهُ (وَإِلَّا فَلَا) قَالَ الْآجُرِّيُّ: هَذَا قَوْلُ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
(وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الْفِطْرَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُطَالَبًا بِهِ) لِتَأَكُّدِهَا، بِدَلِيلِ وُجُوبِهَا عَلَى الْفَقِيرِ، وَشُمُولِهَا لِكُلِّ مُسْلِمٍ قَدَرَ عَلَى إخْرَاجِهَا فَجَرَى مَجْرَى النَّفَقَةِ بِخِلَافِ زَكَاةِ الْمَالِ، فَإِنَّهَا تَجِبُ بِالْمِلْكِ، وَالدَّيْنُ يُؤَثِّرُ فِيهِ، وَالْفِطْرَةُ تَجِبُ عَلَى الْبَدَنِ، وَهُوَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مُطَالَبًا بِهِ مَنَعَ وُجُوبِهَا، لِوُجُوبِ أَدَائِهِ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ، وَتَأَكُّدِهِ بِكَوْنِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ، لَا يَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ، أَشْبَهَ مَنْ لَا فَضْلَ عِنْدَهُ.
(وَتَجِبُ) زَكَاةُ الْفِطْرِ (بِغُرُوبِ شَمْسِ لَيْلَةِ عِيدِ) (الْفِطْرِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ «فَرَضَ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، فَأَضَافَ الصَّدَقَةَ إلَى الْفِطْرِ فَكَانَتْ وَاجِبَةً بِهِ، لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تَقْتَضِي الِاخْتِصَاصَ، وَأَوَّلُ فِطْرٍ يَقَعُ مِنْ جَمِيعِ رَمَضَانَ بِمَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ (فَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ الْغُرُوبِ (أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بَعْدَهُ أَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ) بَعْدَهُ (أَوْ مَلَكَ عَبْدًا)
стр. 756
بَعْدَهُ (أَوْ كَانَ مُعْسِرًا وَقْتَ الْوُجُوبِ ثُمَّ أَيْسَرَ بَعْدَهُ، فَلَا فِطْرَةَ) عَلَيْهِ، لِعَدَمِ وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ (وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ) بِأَنْ أَسْلَمَ أَوْ تَزَوَّجَ أَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ مَلَكَ عَبْدًا (أَوْ أَيْسَرَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَجَبَتْ) الْفِطْرَةُ، لِوُجُودِ السَّبَبِ.
فَالِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْوُجُوبِ (وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْغُرُوبِ) هُوَ أَوْ زَوْجَتُهُ أَوْ رَقِيقُهُ أَوْ قَرِيبُهُ وَنَحْوُهُ (أَوْ أَعْسَرَ، أَوْ أَبَانَ الزَّوْجَةَ، أَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ وَنَحْوَهُ) كَمَا لَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ (لَمْ تَجِبْ) الْفِطْرَةُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا تَسْقُطُ) الْفِطْرَةُ (بَعْدَ وُجُوبِهَا بِمَوْتٍ وَلَا غَيْرِهِ) كَإِبَانَةِ زَوْجَةٍ، أَوْ عِتْقِ عَبْدٍ، أَوْ بَيْعِهِ لِاسْتِقْرَارِهَا وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ إجْمَاعًا فِي عِتْقِ عَبْدٍ.
(وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا) أَيْ الْفِطْرَةِ قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ " كَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (فَقَطْ) فَلَا تُجْزِئُ قَبْلَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ لِفَوَاتِ الْإِغْنَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «أَغْنُوهُمْ عَنْ الطَّلَبِ هَذَا الْيَوْمَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَعْشَرٍ وَفِيهِ كَلَامٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
بِخِلَافِ زَكَاةِ الْمَالِ (وَآخِرُ وَقْتِهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ يَوْمَ الْفِطْرِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «أَغْنُوهُمْ عَنْ الطَّلَبِ هَذَا الْيَوْمَ» (فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْهُ) أَيْ عَنْ يُومِ الْعِيدِ (أَثِمَ) لِتَأْخِيرِهِ الْوَاجِبَ عَنْ وَقْتِهِ، وَلِمُخَالَفَتِهِ الْأَمْرَ (وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَلَمْ تَسْقُطْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، كَالصَّلَاةِ (وَالْأَفْضَلُ: إخْرَاجُهَا) أَيْ الْفِطْرَةِ (يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ قَدْرِهَا) فِي مَوْضِعٍ لَا يُصَلَّى فِيهِ الْعِيدُ لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ " فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ جَمْعٌ: الْأَفْضَلُ أَنْ يُخْرِجَهَا إذَا خَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى.
(وَيَجُوزُ) إخْرَاجُهَا (فِي سَائِرِهِ) أَيْ بَاقِي يَوْمِ الْعِيدِ لِحُصُولِ الْإِغْنَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ (مَعَ الْكَرَاهَةِ) لِمُخَالَفَتِهِ الْأَمْرَ بِالْإِخْرَاجِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الْمُصَلَّى (وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِطْرَةُ غَيْرِهِ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ قَرِيبٍ أَخْرَجَهَا مَكَانَ نَفْسِهِ) مَعَ فِطْرَتِهِ لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ لَهُ بِخِلَافِ زَكَاةِ الْمَالِ (وَيَأْتِي) فِي الْبَابِ بَعْدَهُ.
[فَصْلٌ الْوَاجِبُ فِي زَكَاة الْفِطْر]
فَصْلٌ وَالْوَاجِبُ فِيهَا أَيْ الْفِطْرَةِ صَاعٌ عِرَاقِيٌّ لِأَنَّهُ الَّذِي أَخْرَجَ بِهِ فِي عَهْدِهِ ﷺ وَعِبَارَةُ الْمُبْدِعِ
стр. 757
صَاعٌ بِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ بِكَفَّيْ رَجُلٍ مُعْتَدِلِ الْقَامَةِ، وَحِكْمَتُهُ: كِفَايَةُ الصَّاعِ لِلْفَقِيرِ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ انْتَهَى وَهُوَ قَدْ حَانَ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْبُرِّ، أَوْ مِثْلِ مَكِيلِهِ مِنْ التَّمْرِ أَوْ الزَّبِيبِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ إجْمَاعًا.
(وَلَوْ) كَانَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ (مَنْزُوعِي الْعَجَمِ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ (أَوْ الشَّعِيرِ) ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ إجْمَاعًا (وَكَذَا الْأَقِطُ) وَيَأْتِي بَيَانُهُ (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ) الْأَقِطُ (قُوتُهُ وَ) لَوْ (لَمْ يَعْدَمْ الْأَرْبَعَةَ) أَيْ التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ وَالْبُرَّ وَالشَّعِيرَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ إذْ كَانَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ : صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(أَوْ) صَاعًا (مِنْ مُجْمَعٍ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالْأَقِطِ، فَإِذَا جَمَعَ مِنْهَا صَاعًا وَأَخْرَجَهُ أَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ خَالِصًا مِنْ أَحَدِهَا.
(وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَخْرَجُ قُوتًا لَهُ) أَيْ لِلْمُخْرِجِ كَالتَّمْرِ بِمِصْرَ فَإِنَّهُ لَيْسَ قُوتًا بِهَا غَالِبًا، وَيُجْزِئُ إخْرَاجُهُ، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (وَلَا عِبْرَةَ بِوَزْنِ تَمْرٍ وَغَيْرِهِ، مِمَّا يُخْرِجُهُ سِوَى الْبُرِّ) الْمُخْرَجُ مِنْ غَيْرِ الْبُرِّ (صَاعًا بِالْبُرِّ) بِأَنْ اتَّخَذَ مَا يَسَعُ صَاعًا مِنْ جَيِّدِ الْبُرِّ، وَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ صَاعًا (أَجْزَأَ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ) الْمُخْرَجُ (الْوَزْنَ) أَيْ وَزْنَ الصَّاعِ، لِخِفَّتِهِ كَالشَّعِيرِ (وَيُحْتَاطُ فِي الثَّقِيلِ فَيَزِيدُ عَلَى الْوَزْنِ) أَيْ وَزْنِ الصَّاعِ (شَيْئًا يُعْلَمُ أَنَّهُ) أَيْ الثَّقِيلَ (قَدْ بَلَغَ صَاعًا) كَيْلًا (لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ) فَيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ.
(وَلَا يُجْزِئُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ " فَفِيهِ مَقَالٌ لِأَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ قَالَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ (وَيُجْزِئُ صَاعُ دَقِيقٍ وَسَوِيقٍ، وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْحَبِّ) نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِزِيَادَةٍ انْفَرَدَ بِهَا ابْنُ عُيَيْنَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ " أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ لِابْنِ عُيَيْنَةَ: أَنَّ أَحَدًا لَا يَذْكُرُهُ فِيهِ قَالَ: بَلْ هُوَ فِيهِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ الْمَجْدُ: بَلْ أَوْلَى بِالْإِجْزَاءِ لِأَنَّهُ كَفَى مُؤْنَتَهُ، كَتَمْرٍ نُزِعَ نَوَاهُ (وَسَوِيقِ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ: يُحَمَّصُ) وَعِبَارَةُ الْمُبْدِعِ: يُقْلَى (ثُمَّ يُطْحَنُ وَصَاعُ الدَّقِيقِ) يُعْتَبَر بِ (وَزْنِ حَبِّهِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِتَفَرُّقِ الْأَجْزَاءِ بِالطَّحْنِ.
وَكَذَا السُّوَيْقُ (وَيُجْزِئُ دَقِيقٌ بِلَا نَخْلٍ) كَقَمْحٍ بِلَا تَنْقِيَةٍ (وَالْأَقِطُ لَبَنٌ جَامِدٌ يُجَفَّفُ بِالْمَصْلِ) أَيْ بِسَبَبِ الْمَصْلِ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ (يُعْمَلُ مِنْ
стр. 758
اللَّبَنِ الْمَخِيضِ) وَقِيلَ مِنْ لَبَنِ الْإِبِلِ خَاصَّةً.
(وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى تَحْصِيلِهَا) كَالدِّبْسِ وَالْمَصْلِ، وَالْجُبْنِ لِلْأَخْبَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ (وَلَا) إخْرَاجُ (الْقِيمَةِ) لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي زَكَاةِ الْأَمْوَالِ (فَإِنَّ عَدَمَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ أَخْرَجَ مَا يُقَوَّمُ مَقَامَهُ) مِنْ حَبٍّ وَتَمْرٍ يَقْتَاتُ إذَا كَانَ مَكِيلًا، (كَالذُّرَةِ وَالدُّخْنِ وَالْمَاشِ وَنَحْوِهِ) كَالْأُرْزِ وَالتِّينِ وَالتُّوتُ الْيَابِسُ لِأَنَّ ذَلِكَ أَشْبَهَ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَكَانَ أَوْلَى.
(وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ حَبٍّ مَعِيبٍ، كَمُسَوِّسٍ وَمَبْلُولٍ وَقَدِيمٍ، تَغَيَّرَ طَعْمُهُ وَنَحْوِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وَلِأَنَّ السُّوسَ يَأْكُلُ جَوْفَهُ وَالْبَلَلَ يَنْفُخُهُ (فَالْمُخْرِجُ لِصَاعٍ مِنْهُ لَيْسَ هُوَ الْوَاجِبُ شَرْعًا) وَلَا خُبْزٍ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ الْكَيْلِ وَالِادِّخَارِ وَفِيهِ شَبَهٌ بِإِخْرَاجِ الْقِيمَةِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُجْزِئُ (فَإِنْ خَالَطَ الْمُخْرَجُ) الْجَيِّدَ (مَا لَا يُجْزِئُ وَكَثُرَ لَمْ يُجْزِئْهُ) ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ قَلَّ الَّذِي لَا يُجْزِئُ زَادَ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ الْمُصَفَّى صَاعًا) لِأَنَّهُ لَيْسَ عَيْبًا لِقِلَّةِ مَشَقَّةِ تَنْقِيَتِهِ (وَأَحَبَّ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ (تَنْقِيَةَ الطَّعَامِ) وَحَكَاهُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ لِيَكُونَ أَكْمَلَ.
(وَأَفْضَلُ مُخْرَجٍ: تَمْرٌ) لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ لَهُ أَبُو مِجْلَزٍ " إنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْسَعَ، وَالْبُرُّ أَفْضَلُ فَقَالَ: إنَّ أَصْحَابِي سَلَكُوا طَرِيقًا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْلُكَهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ، وَلِأَنَّهُ قُوتٌ وَحَلَاوَةٌ وَأَقْرَبُ تَنَاوُلًا، وَأَقَلُّ كُلْفَةً (ثُمَّ زَبِيبٌ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّمْرِ فِيمَا تَقَدَّمَ (ثُمَّ بُرٌّ) لِأَنَّهُ أَنْفَعُ فِي الِاقْتِيَاتِ، وَأَبْلَغُ فِي دَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ (ثُمَّ أَنْفَعُ) لِلْفَقِيرِ (ثُمَّ شَعِيرٌ ثُمَّ دَقِيقُ بُرٍّ، ثُمَّ دَقِيقُ شَعِيرٍ ثُمَّ سُوَيْقُهُمَا) أَيْ سُوَيْقُ الْبُرِّ ثُمَّ الشَّعِيرُ (ثُمَّ أَقِطٌ) .
(وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الْجَمَاعَةَ) مِنْ الْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ (مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ) مِنْ فِطْرَةٍ أَوْ زَكَاةِ مَالٍ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، فَإِذَا أَعْطَى مِنْ كُلِّ صِنْفٍ ثَلَاثَةً، جَازَ لِأَنَّهُ دَفَعَ الصَّدَقَةَ إلَى مُسْتَحَقِّهَا (لَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ لَا يُنْقِصَهُ) أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخِذِينَ (عَنْ مُدِّ بُرٍّ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ) لِيَحْصُلَ إغْنَاؤُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمَأْمُورِ بِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) يَجُوزُ (أَنْ يُعْطِيَ الْوَاحِدَ مَا يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَجَازَ صَرْفُهَا لِوَاحِدٍ، كَالزَّكَاةِ.
(وَلِفَقِيرٍ إخْرَاجُ فِطْرَةٍ، وَزَكَاةٍ عَنْ نَفْسِهِ إلَى مَنْ أُخِذَتَا مِنْهُ) لِأَنَّهُ رَدَّ بِسَبَبٍ مُتَجَدِّدٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بِمِيرَاثٍ (مَا لَمْ
стр. 759
يَكُنْ حِيلَةً) كَأَنْ يَشْرِطُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِعْطَاءِ أَنْ يَرُدَّهَا إلَيْهِ عَنْ نَفْسِهِ.
(وَكَذَا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، إذَا حُصِّلَتَا) أَيْ الْفِطْرَةُ وَزَكَاةُ الْمَالِ (عِنْدَهُ، فَقَسَمَهُمَا رَدَّهُمَا) أَيْ جَازَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَرُدَّهُمَا (إلَى مَنْ أُخِذَتَا مِنْهُ وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ) وَتَوْضِيحُهُ (وَكَانَ عَطَاءٌ يُعْطِي عَنْ أَبَوَيْهِ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، حَتَّى مَاتَ، وَهُوَ تَبَرُّعٌ اسْتَحْسَنَهُ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) رَحِمِهِمَا اللَّهُ تَعَالَى.
[بَابُ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ حُكْمِ النَّقْلِ وَالتَّعْجِيلِ وَنَحْوِهِ]
ِ (لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ) أَيْ تَأْخِيرُ إخْرَاجِ زَكَاةِ الْمَالِ (عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهَا، مَعَ إمْكَانِهِ فَيَجِبُ إخْرَاجُهَا عَلَى الْفَوْرِ، كَنَذْرٍ مُطْلَقٍ، وَكَفَّارَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وَالْمُرَادُ: الزَّكَاةُ وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لِلْفَوْرِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُؤَخِّرَ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ، وَلَوْ جَازَ التَّأْخِيرُ لَكَانَ إمَّا إلَى غَايَةٍ، وَهُوَ مُنَافٍ لِلْوُجُوبِ، وَإِمَّا إلَى غَيْرِهَا، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ رُبَّمَا يُفْضِي إلَى سُقُوطِهَا إمَّا بِمَوْتِهِ، أَوْ تَلَفِ الْمَالِ، فَيَتَضَرَّرُ الْفَقِيرُ بِذَلِكَ، فَيَخْتَلُّ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِهَا: وَلِأَنَّهَا لِلْفَوْرِ بِطَلَبِ السَّاعِي، فَكَذَا بِطَلَبِ اللَّهِ تَعَالَى كَعَيْنٍ مَغْصُوبَةٍ.
وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ لِلْفَوْرِ، لَقُلْنَا بِهِ هُنَا.
وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَكَرَّرُ، فَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهَا إلَى دُخُولِ وَقْتِ مِثْلِهَا، كَالصَّلَاةِ (وَيَأْتِي) حُكْمُ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ وَالْكَفَّارَةِ فِي الْأَيْمَانِ (إلَّا أَنْ يَخَافَ) مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ (ضَرَرًا) فَيَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُهَا نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (كَرُجُوعِ سَاعٍ) عَلَيْهِ إذَا أَخْرَجَهَا هُوَ بِنَفْسِهِ، مَعَ غَيْبَةِ السَّاعِي (أَوْ خَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ وَنَحْوِهِ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ، وَإِذَا جَازَ تَأْخِيرُ دَيْنِ الْآدَمِيِّ لِذَلِكَ، فَهِيَ أَوْلَى (أَوْ كَانَ) الْمَالِكُ (فَقِيرًا مُحْتَاجًا إلَى زَكَاتِهِ تَخْتَلُّ كِفَايَتُهُ وَمَعِيشَتُهُ بِإِخْرَاجِهَا) نَصَّ عَلَيْهِ (وَتُؤْخَذُ مِنْهُ) الزَّكَاةُ (عِنْدَ يَسَارِهِ) لِمَا مَضَى، لِزَوَالِ الْعَارِضِ (أَوْ أَخَّرَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (لِيُعْطِيَهَا لِمَنْ حَاجَتُهُ أَشَدُّ) مِنْ غَيْرِهِ (أَوْ) لِيُعْطِيَهَا لِقَرِيبٍ أَوْ جَارٍ نَقَلَهُ يَعْقُوبُ فِيمَنْ حَاجَتُهُ أَشَدُّ، وَقَيَّدَهُ جَمَاعَةٌ
стр. 760
بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ لِلْحَاجَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ تَرْكُ وَاجِبٍ لِمَنْدُوبٍ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: الْمَنْعُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدُ الْكُلُّ بِمَا إذَا لَمْ يَشْتَدَّ ضَرَرُ الْحَاضِرِ (أَوْ) أَيْ وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الزَّكَاةِ (لِتَعَذُّرِ إخْرَاجِهَا مِنْ النِّصَابِ لِغَيْبَةِ) الْمَالِ (وَنَحْوِهَا) كَالْمَنْعِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ إذَنْ (وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْإِخْرَاجِ مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمَالِ الْمُزَكَّى فَلَا يَلْزَمُهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ إخْرَاجُ زَكَاةِ الْمَالِ مِنْهُ وَجَوَازُ الْإِخْرَاجِ مِنْ غَيْرِهِ رُخْصَةٌ فَلَا يَنْقَلِبُ تَضْيِيقًا.
(وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، أَوْ) أَيْ وَيَجُوزُ تَأْخِيرُهَا (لِغَيْبَةِ الْمُسْتَحِقِّ، أَوْ) غَيْبَةِ (الْإِمَامِ عِنْدَ خَوْفِ رُجُوعِهِ) عَلَيْهِ بِهَا لِلضَّرَرِ (وَكَذَا لِلْإِمَامِ وَالسَّاعِي التَّأْخِيرُ) أَيْ تَأْخِيرُ الزَّكَاةِ (عِنْدَ رَبِّهَا، لِعُذْرِ قَحْطٍ وَنَحْوِهِ) كَمَجَاعَةٍ احْتَجَّ أَحْمَدُ بِفِعْلِ عُمَرَ.
(فَإِنْ جَحَدَ) الْمُسْلِمُ الْحُرُّ الْمُكَلَّفُ (وُجُوبَهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (جَهْلًا بِهِ - وَمِثْلُهُ يَجْهَلُهُ - كَقَرِيبِ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ، أَوْ نُشُوئِهِ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ) بِحَيْثُ (يَخْفَى عَلَيْهِ) وُجُوبُ الزَّكَاةِ (عُرِّفَ ذَلِكَ) أَيْ وُجُوبَهَا، لِيَرْجِعَ عَنْ الْخَطَأِ وَلَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ (وَنُهِيَ عَنْ الْمُعَاوَدَةِ) لِجَحْدِ وُجُوبِهَا لِزَوَالِ عُذْرِهِ (فَإِنْ أَصَرَّ) عَلَى جَحْدِ الْوُجُوبِ بَعْدَ أَنْ عُرِّفَ (أَوْ كَانَ عَالِمًا بِوُجُوبِهَا كَفَرَ) إجْمَاعًا لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَلَوْ أَخْرَجَهَا وَهَذَا إذَا جَحَدَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَأَمَّا إنْ جَحْدَهُ فِي مَالٍ خَاصٍّ وَنَحْوِهِ فَإِنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا كَمَالِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَزَكَاةِ الْفِطْرِ، وَزَكَاةِ الْعَسَلِ وَمَا عَدَا الْبُرَّ وَالشَّعِيرَ وَالتَّمْرَ وَالزَّبِيبَ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَلَمْ يُنَبِّهْ لِذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمَّا يَأْتِي (وَأُخِذَتْ) الزَّكَاةُ مِنْهُ إنْ كَانَتْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ كُفْرِهِ، لِكَوْنِهَا لَا تَسْقُطُ بِهِ، كَالدَّيْنِ.
(وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وُجُوبًا) كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ (فَإِنْ لَمْ يَتُبْ) بِأَنْ يُقِرَّ بِوُجُوبِهَا مَعَ الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ (قُتِلَ كُفْرًا وُجُوبًا) لِقَوْلِهِ ﷺ «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ» وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ " لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَمَنْ مَنَعَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (بُخْلًا بِهَا أَوْ تَهَاوُنًا أُخِذَتْ مِنْهُ) قَهْرًا، كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَكَمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ طَلَبَهُ بِهِ فَهُوَ كَالْخَرَاجِ بِخِلَافِ الِاسْتِنَابَةِ فِي الْحَجِّ، وَالتَّكْفِيرِ بِالْمَالِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُحْبَسُ، حَتَّى يُؤَدِّيَ لِعَدَمِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَةِ مِنْ الْمُمْتَنِعِ (وَعَزَّرَهُ إمَامٌ عَدْلٌ فِيهَا) أَيْ فِي الزَّكَاةِ يَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا.
وَظَاهِرُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا فِي غَيْرِهَا
стр. 761
(أَوْ) عَزَّرَهُ (عَامِلُ زَكَاةٍ) لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْإِمَامِ فِيهَا وَإِنَّمَا عُزِّرَ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ وَهِيَ مَعْصِيَةٌ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ (مَا لَمْ يَكُنْ) مَانِعُ الزَّكَاةِ بُخْلًا أَوْ تَهَاوُنًا (جَاهِلًا) بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ فَلَا يُعَزَّرُ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ.
(وَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ مَنَعَ الزَّكَاةَ (لِكَوْنِ الْإِمَامُ غَيْرَ عَدْلٍ فِيهَا لَا يَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا لَمْ يُعَزَّرْ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي التَّأْخِيرِ (وَإِنْ غَيَّبَ) مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ (مَالَهُ أَوْ كَتَمَهُ) أَيْ غَلَّهُ.
(وَأَمْكَنَ أَخْذُهَا) بِأَنْ كَانَ فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ (أُخِذَتْ) الزَّكَاةُ (مِنْهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ) عَلَيْهَا لِأَنَّ الصِّدِّيقَ مَعَ الصَّحَابَةِ لَمَّا مَنَعَتْ الْعَرَبُ الزَّكَاةَ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُمْ زِيَادَةً عَلَيْهَا وَلِأَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى أَخْذِ الْحُقُوقِ مِنْ الظَّالِمِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا «فِي كُلِّ إبِلٍ سَائِمَةٍ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ، لَا تُفَرَّقُ إبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ إبِلِهِ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لَا يَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ «شَطْرَ مَالِهِ» وَهُوَ ثَابِتٌ إلَى بَهْزٍ وَقَدْ وَثَّقَهُ الْأَكْثَرُ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، حَيْثُ كَانَتْ الْعُقُوبَاتُ بِالْمَالِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ الصِّدِّيقِ «وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَ ذَلِكَ فَلَا يُعْطَهُ» وَلِأَنَّ مَنْعَ الزَّكَاةِ كَانَ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ مَعَ تَوَفُّرِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَخْذُ زِيَادَةٍ وَلَا قَوْلَ بِهِ.
(وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَخْذُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ بِالتَّغْيِيبِ أَوْ غَيْرِهِ (اُسْتُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وُجُوبًا) لِأَنَّ الزَّكَاةَ أَحَدُ مَبَانِي الْإِسْلَامِ فَيُسْتَتَابُ تَارِكُهَا كَالصَّلَاةِ (فَإِنْ تَابَ) وَ (أَخْرَجَ) كُفَّ عَنْهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ (قُتِلَ) لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى قِتَالِ مَانِعِهَا (حَدًّا) لَا كُفْرًا لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ " كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ تَرْكَهُ كُفْرًا إلَّا الصَّلَاةَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمَا حَكَى أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ " مَا مَانِعُ الزَّكَاةِ بِمُسْلِمٍ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، مَعْنَاهُ: التَّغْلِيظُ وَمُقَارَبَةُ الْكُفْرِ، دُونَ حَقِيقَتِهِ (وَأُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ) مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يُسْقِطُ حَقَّ الْآدَمِيِّ.
فَكَذَا الزَّكَاةُ (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَخْذُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ مِنْ مَانِعِهَا (إلَّا بِقِتَالٍ وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ قِتَالُهُ، إنْ وَضَعَهَا مَوَاضِعَهَا) لِاتِّفَاقِ الصِّدِّيقِ مَعَ الصَّحَابَةِ عَلَى قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَقَالَ " وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا - وَفِي لَفْظِ: عِقَالًا - كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهَا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَضَعْهَا مَوَاضِعَهَا لَمْ يُقَاتِلْهُ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ مَنْعَهُ إيَّاهَا لِاعْتِقَادِهِ ذَلِكَ عُذْرًا
стр. 762
(وَلَا يُكَفَّرُ) مَانِعُ الزَّكَاةِ تَهَاوُنًا أَوْ بُخْلًا (بِقِتَالِهِ لَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ.
وَلِأَنَّ عُمَرَ وَغَيْرَهُ امْتَنَعُوا ابْتِدَاءً مِنْ قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَلَوْ اعْتَقَدُوا كُفْرَهُمْ مَا امْتَنَعُوا مِنْهُ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى الْقِتَالِ فَبَقِيَ عَدَمُ التَّكْفِيرِ عَلَى اعْتِقَادِهِمْ الْأَوَّلِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ لَمَّا قَاتَلَ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَعَضَّتْهُمْ الْحَرْبُ قَالُوا، نُؤَدِّيهَا قَالَ " لَا أَقْبَلُهَا حَتَّى تَشْهَدُوا أَنَّ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَأَنَّ قَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ " يُحْتَمَلُ أَنَّهُ فِيمَنْ مَنَعَهَا جُحُودًا وَلَحِقَ بِأَهْلِ الرِّدَّةِ مِنْهُمْ فَقَدْ كَانَ فِيهِمْ طَائِفَةٌ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُكْمِ بِالنَّارِ الْحُكْمُ بِالْكُفْرِ، بِدَلِيلِ الْعُصَاةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَوْ فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ بِتَعَذُّرٍ فِيهَا وَالْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ دَفْعُ حَاجَةِ الْفَقِيرِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِأَدَائِهَا مَعَ الْقِتَالِ.
(وَمَنْ طُولِبَ بِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (فَادَّعَى مَا يَمْنَعُ وُجُوبَهَا مِنْ نُقْصَانِ الْحَوْلِ أَوْ) نُقْصَانِ (النِّصَابِ، أَوْ انْتِقَالِهِ) أَيْ مَلَكَ النِّصَابَ (فِي بَعْضِ الْحَوْلِ وَنَحْوِهِ، كَادِّعَائِهِ أَدَاءَهَا، أَوْ تَجَدُّدِ مِلْكِهِ قَرِيبًا أَوْ) ادَّعَى (أَنَّ مَا بِيَدِهِ) مِنْ الْمَالِ (لِغَيْرِهِ أَوْ) ادَّعَى أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ، أَوْ أَنَّهُ (مُخْتَلَطٌ قُبِلَ قَوْلِهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ (بِغَيْرِ يَمِينٍ) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ هُوَ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهَا فَلَا يُسْتَحْلَفُ عَلَيْهَا كَالصَّلَاةِ، نَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يُسْأَلُ الْمُتَصَدِّقُ عَنْ شَيْءٍ، وَلَا يُبْحَثُ، إنَّمَا يَأْخُذُ مَا أَصَابَهُ مُجْتَمَعًا، وَكَذَا الْحُكْمُ إنْ مَرَّ بِعَاشِرٍ وَادَّعَى أَنَّهُ عَشَّرَهُ آخَرُ.
(وَإِنْ أَقَرَّ بِقَدْرِ زَكَاتِهِ وَلَمْ يُخْبَرْ بِقَدْرِ مَالِهِ أُخِذَتْ مِنْهُ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يُكَلَّفْ إحْضَارَ مَالِهِ) لِمَا مَرَّ.
(وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ) تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَالِهِمَا لِمَا تَقَدَّمَ (يُخْرِجُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا فِي مَالِهِمَا) لِأَنَّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَيْهِمَا فَوَجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ أَدَاؤُهَا عَنْهُمَا (كَنَفَقَةِ أَقَارِبِهُمَا وَزَوْجَاتِهِمَا، وَأُرُوشِ جِنَايَاتِهِمَا) وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ مِنْ الْوَلِيِّ فِي الْإِخْرَاجِ، كَرَبِّ الْمَالِ.
(وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ تَفْرِقَةُ زَكَاتِهِ وَ) تَفْرِقَةُ (فِطْرَتِهِ بِنَفْسِهِ،، بِشَرْطِ أَمَانَتِهِ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ دَفْعِهَا إلَى إمَامٍ عَادِلٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] وَكَالدَّيْنِ وَلِأَنَّ الْقَابِضَ رَشِيدٌ قَبَضَ مَا يَسْتَحِقُّهُ، وَلِيَكُونَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ إيصَالِهَا إلَى مُسْتَحَقِّيهَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْوَالِ
стр. 763
الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ.
(وَلَهُ) أَيْ رَبِّ الْمَالِ (دَفْعُهَا إلَى السَّاعِي وَإِلَى الْإِمَامِ وَلَوْ فَاسِقًا يَضَعُهَا فِي مَوَاضِعِهَا) لِمَا رَوَى سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ " أَتَيْت سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ فَقُلْت: لِي مَالٌ وَأُرِيدُ إخْرَاجَ زَكَاتِهِ فَمَا تَأْمُرُنِي؟ فَقَالَ: ادْفَعْهَا إلَيْهِمْ فَأَتَيْت ابْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَلِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ مُسْتَحَقِّهَا فَجَازَ الدَّفْعُ إلَيْهِ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ (يَضَعْهَا مَوَاضِعَهَا حَرُمَ) دَفْعُهَا إلَيْهِ (وَيَجُوزُ) .
وَعِبَارَةُ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَكَثِيرٌ مِنْ النُّسَخِ: وَيَجِبُ وَهِيَ أَنْسَبُ بِمَا قَبْلَهُ (كَتَمَهَا إذَنْ) وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَنَصَّ الْإِمَامُ عَلَى خِلَافَهُ قَالَ فِي الشَّرْح: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ دَفْعَهَا لِلْإِمَامِ جَائِزٌ سَوَاءٌ كَانَ عَدْلًا أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ أَوْ الْبَاطِنَةِ وَيَبْرَأُ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ سَوَاءٌ تَلِفَتْ بِيَدِ الْإِمَامِ أَوْ لَا، أَوْ صَرَفَهَا فِي مَصَارِفهَا أَوْ لَمْ يَصْرِفْهَا اهـ، وَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إنَّهُمْ يُقَلِّدُونَ بِهَا الْكِلَابَ وَيَشْرَبُونَ بِهَا الْخُمُورَ فَقَالَ " ادْفَعْهَا إلَيْهِمْ " حَكَاهُ عَنْهُ أَحْمَدُ، وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ " ادْفَعُوهَا إلَى مَنْ غَلَبَ ".
وَفِي لَفْظٍ آخَرَ " ادْفَعُوهَا إلَى الْأُمَرَاءِ وَإِنْ كَرَعُوا بِهَا لُحُومَ الْكِلَابِ عَلَى مَوَائِدِهِمْ " رَوَاهُمَا عَنْهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: كَانُوا يَدْفَعُونَ الزَّكَاةَ إلَى الْأُمَرَاءِ.
وَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يَأْمُرُونَ بِدَفْعِهَا وَقَدْ عَلِمُوا فِيمَا يُنْفِقُونَهَا فَمَا أَقُولُ أَنَا؟ (وَيَبْرَأُ) دَافِعُ الزَّكَاةِ إلَى السَّاعِي أَوْ الْإِمَامِ (بِدَفْعِهَا إلَيْهِ وَلَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ، أَوْ لَمْ يَصْرِفُهَا فِي مَصَارِفِهَا) لِمَا سَبَقَ (وَيُجْزِئُ دَفْعُهَا إلَى الْخَوَارِجِ وَالْبُغَاةِ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْخَوَارِجِ، إذَا غَلَبُوا عَلَى بَلَدٍ، وَأَخَذُوا مِنْهُ الْعُشْرَ: وَقَعَ مَوْقِعَهُ وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ خَرَجُوا بِتَأْوِيلٍ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إنَّمَا يُجْزِئُ أَخْذُهُمْ إذَا نَصَبُوا لَهُمْ إمَامًا (وَكَذَلِكَ مَنْ أَخَذَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ مِنْ السَّلَاطِينِ قَهْرًا أَوْ اخْتِيَارًا عَدَلَ فِيهَا أَوْ جَارَ وَيَأْتِي فِي بَابِ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَلِلْإِمَامِ طَلَبُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَكَالزَّكَاةِ.
(وَ) لِلْإِمَامِ طَلَبُ (الزَّكَاةِ مِنْ الْمَالِ الظَّاهِرِ) كَالْمَوَاشِي وَالْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ (وَالْبَاطِنِ) كَالْأَثْمَانِ وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ (إنْ وَضَعَهَا فِي أَهْلِهَا، وَلَا يَجِبُ الدَّفْعُ إذَا طَلَبَهَا) بَلْ لِرَبِّهَا تَفْرِقَتُهَا بِنَفْسِهِ وَهُوَ أَفْضَلُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (أَنْ يُقَاتِلَ عَلَى) ذَلِكَ إذَا لَمْ يَمْنَعْ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ (إخْرَاجُهَا بِالْكُلِّيَّةِ) إذْ الْوَاجِبُ الْإِخْرَاجُ، لَا الدَّفْعُ إلَى الْإِمَامِ.
стр. 764
[فَصْلٌ لَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ الزَّكَاة إلَّا بِنِيَّةِ]
فَصْلٌ وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُهَا إلَّا بِنِيَّةٍ لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (مِنْ مُكَلَّفٍ) لَا صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِأَدَاءِ الْوَاجِبِ (وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ يَنْوِي عَنْهُ وَلِيُّهُ) لِقِيَامِهِ مُقَامَهُ (فَيَنْوِي الزَّكَاةَ، أَوْ الصَّدَقَةَ الْوَاجِبَةَ، أَوْ صَدَقَةَ الْمَالِ أَوْ صَدَقَةَ الْفِطْرِ فَلَوْ لَمْ يَنْوِ) لَمْ يُجْزِئْهُ مَا أَخْرَجَهُ وَلَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ لِأَنَّ صَرْفَ الْمَالِ إلَى الْفَقِيرِ لَهُ جِهَاتٌ مِنْ زَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ، وَنَذْرٍ وَصَدَقَةِ تَطَوُّعٍ وَلَا قَرِينَةَ تُعَيَّنُ، فَاعْتُبِرَتْ نِيَّةُ التَّمْيِيزِ (أَوْ نَوَى صَدَقَةً مُطْلَقَةً؟ لَمْ يَجُزْ) مَا أَخْرَجَهُ (عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ، حَتَّى وَلَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ الْمَالِ) كَمَا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ وَأَطْلَقَ وَ (كَصَدَقَتِهِ بِغَيْرِ النِّصَابِ مِنْ جِنْسِهِ وَالْأَوْلَى: مُقَارَنَتُهَا) أَيْ النِّيَّةِ (لِلدَّفْعِ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ.
(وَتَجُوزُ) النِّيَّةُ (قَبْلَهُ) أَيْ الْإِخْرَاجِ بِزَمَنٍ يَسِيرٍ (كَصَلَاةٍ وَلَا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْفَرْضِ) اكْتِفَاءً بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ، لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا فَرْضًا.
(وَلَا) يُعْتَبَرُ (تَعْيِينُ الْمَالِ الْمُزَكَّى عَنْهُ) لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ (فَلَوْ كَانَ لَهُ مَالَانِ غَائِبٌ وَحَاضِرٌ فَنَوَى زَكَاةَ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ) وَأَدَّاهَا (أَجْزَأَ) مَا دَفَعَهُ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ (بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ لَهُ أَرْبَعِينَ دِينَارًا، إذَا أَخْرَجَ نِصْفَ دِينَارٍ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْأَرْبَعِينَ (صَحَّ، وَوَقَعَ) الْإِخْرَاجُ (عَنْ عِشْرِينَ دِينَارًا مِنْهَا غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ) فَيُخْرِجُ نِصْفَ دِينَارٍ عَنْ الْعِشْرِينَ الْبَاقِيَةِ.
(وَلَوْ كَانَ لَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَأَرْبَعُونَ مِنْ الْغَنَمِ، فَقَالَ: هَذِهِ الشَّاةُ عَنْ الْإِبِلِ، أَوْ الْغَنَمِ أَجْزَأَتْهُ عَنْ أَحَدِهِمَا) وَيُخْرِجُ شَاةً أُخْرَى عَنْ الْآخَرِ (وَلَوْ) أَخْرَجَ قَدْرَ زَكَاةِ أَحَدِ مَالَيْهِ، وَ (نَوَى زَكَاةَ مَالِهِ الْغَائِبِ فَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَعَنْ الْحَاضِرِ أَجْزَأَ) الْمُخْرَجُ (عَنْهُ) أَيْ الْحَاضِرُ (إنْ كَانَ الْغَائِبُ تَالِفًا) بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لِاعْتِبَارِ التَّعْيِينِ فِيهَا فَإِنْ كَانَا سَالِمَيْنِ أَجْزَأَهُ أَحَدُهُمَا لِأَنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَلَوْ نَوَى أَنَّ هَذِهِ زَكَاةُ مَالِي، إنْ كَانَ سَالِمًا وَإِلَّا فَهُوَ تَطَوُّعٌ، مَعَ شَكٍّ فِي سَلَامَتِهِ، فَبَانَ سَالِمًا، أَجْزَأَتْ) .
وَكَذَا إنْ نَوَى عَنْ الْغَائِبِ إنْ كَانَ سَالِمًا، لِأَنَّ هَذَا فِي حُكْمِ الْإِطْلَاقِ، فَلَا يَضُرُّ تَقْيِيدُهُ بِهِ (وَلَوْ نَوَى عَنْ الْغَائِبِ فَبَانَ تَالِفًا لَمْ يَكُنْ لَهُ صَرْفُهُ إلَى غَيْرِهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَهُوَ لَمْ يَنْوِ غَيْرَ الْغَائِبِ (فَإِنْ قَالَ: هَذَا زَكَاةُ مَالِي أَوْ نَفْلٍ) لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلِص النِّيَّةَ لِلزَّكَاةِ (أَوْ قَالَ: هَذَا زَكَاةُ
стр. 765
إرْثِي مِنْ مُوَرِّثِي، إنْ كَانَ مَاتَ، لَمْ يُجْزِئْهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْنِ عَلَى أَصْلٍ قَالَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ: كَقَوْلِهِ لَيْلَةَ الشَّكِّ: إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ فَرْضِي وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: كَقَوْلِهِ: إنْ كَانَ وَقْتُ الظُّهْرِ دَخَلَ فَصَلَاتِي هَذِهِ عَنْهَا وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: التَّرَدُّدُ فِي الْعِبَادَةِ يُفْسِدُهَا وَلِهَذَا لَوْ صَلَّى وَنَوَى إنْ كَانَ الْوَقْتُ قَدْ دَخَلَ فَهِيَ فَرِيضَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ دَخَلَ فَهِيَ نَافِلَةٌ لَمْ تَصِحَّ لَهُ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا، وَإِنْ نَوَى عَنْ الْغَائِبِ إنْ كَانَ سَالِمًا وَإِلَّا فَأَرْجَعَ فَلَهُ الرُّجُوعُ إنْ بَانَ تَالِفًا ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي عَلَى قَوْلِ الرُّجُوعِ فِي التَّلَفِ.
(وَإِنْ أَخَذَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (الْإِمَامُ قَهْرًا لِامْتِنَاعِهِ) أَيْ رَبِّ الْمَالِ أَوْ تَغْيِيبِهِ مَالَهُ - (كَفَتْ نِيَّةُ الْإِمَامِ دُونَ نِيَّةِ رَبِّ الْمَالِ) فَلَا يَعْتَبِرُ لِلْإِجْزَاءِ ظَاهِرًا.
(وَأَجْزَأَتْهُ ظَاهِرًا) فَلَا يُطَالَبُ بِهَا بَعْدُ، وَ (لَا) تُجْزِئْهُ (بَاطِنًا) لِعَدَمِ النِّيَّةِ (وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ دَفَعَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (رَبُّ الْمَالِ إلَى مُسْتَحَقِّهَا كُرْهًا وَقَهْرًا) حَالَانِ مِنْ رَبِّ الْمَالِ فَتُجْزِئُهُ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى عِبَادَةٍ وَفَعَلَهَا لِدَاعِي الشَّرْعِ، صَحَّتْ لَا لِدَاعِي الْإِكْرَاهِ.
(وَإِنْ أَخَذَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (الْإِمَامُ أَوْ السَّاعِي لِغَيْبَةِ رَبِّ الْمَالِ، أَوْ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَيْهِ بِحَبْسٍ وَنَحْوِهِ) كَأَسْرٍ (أَجْزَأَتْهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا) لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى رَبِّ الْمَالِ إذَنْ، فَقَامَتْ نِيَّته كَوَلِيِّ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَلَا تَقْصِيرَ مِنْ رَبِّ الْمَالِ.
(وَإِنْ دَفَعَهَا رَبُّ الْمَالِ (إلَى الْإِمَامِ طَوْعًا نَاوِيًا) أَنَّهَا زَكَاةٌ (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامُ حَالَ دَفْعِهَا إلَى الْفُقَرَاءِ) مَثَلًا (جَازَ، وَإِنْ طَالَ) الزَّمَنُ لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِمَامَ (وَكِيلُ الْفُقَرَاءِ) لَا رَبُّ الْمَالِ.
وَ (لَا) تُجْزِئُ (إنْ نَوَاهَا الْإِمَامُ) زَكَاةً (دُونَهُ) أَيْ دُونَ رَبِّ الْمَالِ (أَوْ لَمْ يَنْوِيَاهَا) أَيْ لَا الْإِمَامُ وَلَا رَبُّ الْمَالِ، لِعَدَمِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ (وَتَقَعُ نَفْلًا) فَلَا رُجُوعَ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ (وَيُطَالَبُ) رَبُّ الْمَالِ (بِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ لِبَقَائِهَا فِي ذِمَّتِهِ وَعَدَمِ بَرَاءَتِهِ بِذَلِكَ الدَّفْعِ.
(وَلَا بَأْسَ بِالتَّوَكُّلِ فِي إخْرَاجِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ مَحْضَةٌ، كَتَفْرِقَةِ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ وَذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ.
(وَيُعْتَبَرُ كَوْنُ الْوَكِيلِ ثِقَةً مُسْلِمًا) لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا وَغَيْرُ الثِّقَةِ لَا يُؤَمَّنُ عَلَيْهَا (فَإِنْ دَفَعَهَا) الْمُوَكَّلُ (إلَى وَكِيلِهِ، أَجْزَأَتْ النِّيَّةُ مِنْ مُوَكَّلٍ، مَعَ قُرْبِ زَمَنِ الْإِخْرَاجِ) مِنْ زَمَنِ التَّوْكِيلِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُوَكَّلِ.
وَتَأَخُّرُ الْأَدَاءِ عَنْ النِّيَّةِ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ جَائِزٌ (وَمَعَ بُعْدِهِ) أَيْ بُعْدِ زَمَنِ الْإِخْرَاجِ (لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْمُوَكَّلِ حَالَ الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ) لِتَعَلُّقِ الْفَرْضِ بِالْمُوَكِّلِ، وَوُقُوعِ الْإِجْزَاءِ عَنْهُ (و) لَا بُدَّ مِنْ (نِيَّةِ الْوَكِيلِ عِنْدَ الدَّفْعِ إلَى الْمُسْتَحِقِّ) لِئَلَّا يَخْلُوَ الدَّفْعُ إلَيْهِ عَنْ نِيَّةٍ مُقَارِنَةٍ أَوْ مُقَارِبَةٍ (وَلَا
стр. 766
تُجْزِئُ نِيَّةُ الْوَكِيلِ وَحْدَهُ) أَيْ دُونَ نِيَّةِ الْمُوَكَّلِ لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالْمُوَكِّلِ، كَمَا سَبَقَ.
(وَإِنْ أَخْرَجَ) حُرٌّ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ (زَكَاةَ شَخْصٍ أَوْ كَفَّارَتَهُ مِنْ مَالِهِ) أَيْ مَالِ الْمُخْرِجِ (بِإِذْنِهِ صَحَّ) إخْرَاجُهُ عَنْهُ كَالْوَكِيلِ (وَلَهُ) أَيْ الْمُخْرِجِ (الرُّجُوعُ عَلَيْهِ إنْ نَوَاهُ) أَيْ نَوَى الرُّجُوعَ لَا إنْ نَوَى التَّبَرُّعَ، أَوْ أَطْلَقَ.
(وَإِنْ كَانَ) إخْرَاجُهُ لِزَكَاةِ غَيْرِهِ (بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَصِحَّ) لِعَدَمِ النِّيَّةِ مِنْ الْمُخْرَجِ عَنْهُ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ الْوُجُوبُ (كَمَا لَوْ أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِ الْمُخْرَجِ عَنْهُ بِلَا إذْنِهِ) لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ، وَوَكَالَتِهِ عَنْهُ (وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ وَدَفَعَ إلَيْهِ مَالًا وَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ وَلَمْ يَنْوِ الزَّكَاةَ فَأَخْرَجَهَا الْوَكِيلُ مِنْ) هَذَا (الْمَالِ الَّذِي دَفَعَهُ إلَيْهِ وَنَوَاهَا زَكَاةً أَجْزَأَتْ) لِأَنَّ الزَّكَاةَ صَدَقَةٌ هَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِاشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْمُوَكِّلِ فِي الْإِخْرَاجِ.
وَهُنَا لَمْ تُوجَدْ وَفِي التَّعْلِيلِ نَظَرٌ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ خَصَّهُ بِمَا يَقْتَضِي النَّفَلَ قَالَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ لَفْظِ الصَّدَقَةِ وَأَيْضًا الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ يَقِينًا فَلَا تَسْقُطُ بِمُحْتَمَلٍ وَأَيْضًا لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْمُوَكِّلِ وَهَذَا لَمْ يَنْوِ الزَّكَاةَ (وَلَوْ) وَكَّلَهُ فِي إخْرَاجِ زَكَاةِ مَالِهِ وَدَفَعَ إلَيْهِ مَالًا وَ.
(قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ نَفْلًا، أَوْ عَنْ كَفَّارَتِي، ثُمَّ نَوَى) الْمُوَكَّلُ (الزَّكَاةَ قَبْلَ أَنْ يَتَصَدَّقَ) وَكِيلُهُ (أَجْزَأَ عَنْهَا، لِأَنَّ دَفْعَ وَكِيلِهِ كَدَفْعِهِ) فَكَأَنَّهُ نَوَى الزَّكَاةَ ثُمَّ دَفَعَ بِنَفْسِهِ قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَعَلَّلَهُ بِذَلِكَ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ الْمَجْدِ لَا يُجْزِئُ لِاعْتِبَارِهِمْ النِّيَّةَ عِنْدَ التَّوْكِيلِ.
(وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ الْمُمَيِّزِ فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ) هَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: الْأَوْلَى الصِّحَّةُ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْعِبَادَةِ، وَالثَّانِي: عَدَمُ الصِّحَّةِ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ الْوَاجِبَةِ اهـ وَتَصْحِيحُ الْفُرُوعِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْإِنْصَافِ فِي التَّأْلِيفِ فَمَا فِيهِ يُخَالِفُ الْإِنْصَافَ، فَهُوَ كَالرُّجُوعِ عَنْهُ.
(وَمَنْ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ مِنْ مَالِ غَصْبٍ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَلَوْ أَجَازَهَا رَبُّهُ) كَبَيْعِهِ وَإِجَارَتِهِ لِأَنَّ مَا لَا يَصِحُّ ابْتِدَاءً لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا بِالْإِجَازَةِ.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ الْمُخْرِجُ عِنْدَ دَفْعِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا) أَيْ مُثْمِرَةً (وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا) مُنْقِصَةً لِلْمَالِ؛ لِأَنَّ التَّثْمِيرَ كَالْغَنِيمَةِ وَالتَّنْقِيصَ كَالْغَرَامَةِ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «إذَا أَعْطَيْتُمْ الزَّكَاةَ فَلَا تَنْسَوْا ثَوَابَهَا أَنْ تَقُولُوا: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ الْبَخْتَرِيِّ
стр. 767
(وَيَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى تَوْفِيقِهِ لِأَدَائِهَا) قَالَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَقُولَ) الْآخِذُ (لِلزَّكَاةِ) (سَوَاءٌ كَانَ) الْآخِذُ (الْفَقِيرَ أَوْ الْعَامِلَ أَوْ غَيْرَهُمَا وَ) الْقَوْلُ (فِي حَقِّ الْعَامِلِ آكَدُ) مِنْهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ (أَجَرَكَ اللَّهُ فِيمَا أَعْطَيْت وَبَارَكَ لَك فِيمَا أَبْقَيْت وَجَعَلَهُ لَك طَهُورًا) لِلْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أَيْ اُدْعُ لَهُمْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ وَلِهَذَا لَمْ يَأْمُرْ سُعَاتَهُ بِالدُّعَاءِ.
(وَإِظْهَارُ إخْرَاجِهَا مُسْتَحَبٌّ سَوَاءٌ كَانَ) الْإِخْرَاجُ (بِمَوْضِعٍ يُخْرِجُ أَهْلُهُ الزَّكَاةَ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ نُفِيَ عَنْهُ ظَنُّ السُّوءِ بِإِظْهَارِ إخْرَاجِهَا أَمْ لَا) لِمَا فِيهِ مِنْ نَفْيِ الرِّيبَةِ عَنْهُ وَلَعَلَّهُ يُقْتَدَى بِهِ " وَكَصَلَاةِ الْفَرْضِ.
(وَإِنْ عَلِمَ) الْمُخْرِجُ (أَنَّ الْآخِذَ) لِلزَّكَاةِ (لَيْسَ أَهْلًا لِأَخْذِهَا كُرِهَ إعْلَامُهُ بِأَنَّهَا زَكَاةٌ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لِمَ يُبَكِّتْهُ؟ يُعْطِيهِ؟ وَيَسْكُتُ مَا حَاجَتُهُ أَنْ يُقَرِّعَهُ وَإِنْ عَلِمَهُ أَهْلًا) لِأَخْذِ الزَّكَاةِ (وَالْمُرَادُ: ظَنَّهُ) أَهْلًا لِذَلِكَ لِقِيَامِ الظَّنِّ مَقَامَ الْعِلْمِ فِي جَوَازِ الدَّفْعِ إلَيْهِ.
(وَيَعْلَمُ) الْمُخْرِجُ (مِنْ عَادَتِهِ) أَيْ الْمَدْفُوعِ لَهُ (أَنَّهُ لَا يَأْخُذُهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (فَأَعْطَاهُ وَلَمْ يُعْلِمْهُ) أَنَّهَا زَكَاةٌ (لَمْ يُجْزِئْهُ) دَفْعُهَا لَهُ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ زَكَاةً ظَاهِرًا.
(وَلَهُ) أَيْ الْمُخْرِجُ (نَقْلُ زَكَاةٍ إلَى دُونِ مَسَافَةِ قَصْرٍ) مِنْ بَلَدِ الْمَالِ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ بَلَدٍ وَاحِدٍ، بِدَلِيلِ الْأَحْكَامِ، وَرُخِّصَ السَّفَرُ.
(وَ) تَفْرِقَتُهَا (فِي فُقَرَاءِ بَلَدِهِ أَفْضَلُ) مِنْ نَقْلِهَا إلَى غَيْرِهِ مِمَّا دُونَ الْمَسَافَةِ لِعُمُومِ حَدِيثِ مُعَاذٍ الْآتِي.
(وَلَا يَدْفَعُ الزَّكَاةَ إلَّا لِمَنْ يَظُنُّهُ أَهْلًا) لِأَخْذِهَا، لِأَنَّ دَفْعَهَا لِغَيْرِ أَهْلِهَا لَا يُبَرَّأُ بِهِ، وَالْعِلْمُ بِذَلِكَ رُبَّمَا يَتَعَذَّرُ، فَأُقِيمَ الظَّنُّ مَقَامَهُ (فَلَوْ لَمْ يَظُنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا فَدَفَعَ) زَكَاتَهُ (إلَيْهِ ثُمَّ بَانَ مِنْ أَهْلِهَا، لَمْ يُجْزِئْهُ) الدَّفْعُ إلَيْهِ لِاعْتِقَادِهِ حَالَ الدَّفْعِ أَنَّهُ لَيْسَ بِزَكَاةٍ، لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الْآخِذِ لَهَا فِي ظَنِّهِ.
(وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (عَنْ بَلَدِهَا إلَى مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَلَوْ) كَانَ النَّقْلُ (لِرَحِمٍ وَشِدَّةِ حَاجَةٍ أَوْ لِاسْتِيعَابِ الْأَصْنَافِ) وَالسَّاعِي وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ «أَخْبِرْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ طَاوُسٍ قَالَ فِي كِتَابِ مُعَاذٍ «مَنْ خَرَجَ مِنْ مِخْلَافٍ إلَى
стр. 768
مِخْلَافٍ، فَإِنَّ صَدَقَتَهُ وَعُشْرَهُ فِي مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ (فَإِنْ خَالَفَ وَفَعَلَ) أَيْ نَقَلَ الزَّكَاةَ إلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ (أَجْزَأَهُ) الْمَنْقُولُ لِلْعُمُومَاتِ وَلِأَنَّهُ دَفَعَ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ فَبَرِئَ كَالدَّيْنِ وَالْفِطْرَةُ كَزَكَاةِ الْمَالِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَالُ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ (بِبَادِيَةٍ أَوْ خَلَا بَلَدُهُ عَنْ مُسْتَحِقٍّ لَهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (فَرَّقَهَا) إنْ بَقِيَتْ كُلُّهَا (أَوْ مَا بَقِيَ مِنْهَا بَعْدَهُمْ) أَيْ بَعْدَ مُسْتَحِقِّي بَلَدِهِ (فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِ) لِأَنَّهُمْ أَوْلَى وَلَوْ عَبَّرَ بِمَوْضِعٍ وَنَحْوِهِ لَكَانَ أَشْمَلَ وَبَعَثَ مُعَاذٌ إلَى عُمَرَ صَدَقَةً مِنْ الْيَمَنِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ وَقَالَ " لَمْ أَبْعَثْكَ جَابِيًا وَلَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَأْخُذَ مِنْ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ فَتَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِهِمْ " فَقَالَ مُعَاذٌ " مَا بَعَثْت إلَيْك بِشَيْءٍ وَأَنَا أَجِدُ مَنْ يَأْخُذُهُ مِنِّي رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ.
(وَالْمُسَافِرُ بِالْمَالِ) الْمُزَكَّى (يُفَرِّقُهُ فِي مَوْضِعٍ أَكْثَرُ إقَامَةِ الْمَالِ فِيهِ) لِتَعَلُّقِ الْأَطْمَاعِ بِهِ غَالِبًا وَقَالَ الْقَاضِي يُفَرَّقُ مَكَانَهُ حَيْثُ حَالَ حَوْلُهُ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَأْخِيرِهَا.
(وَلَهُ نَقْلُ كَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ وَوَصِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ وَلَوْ) كَانَ النَّقْلُ (إلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ) بِخِلَافِ الزَّكَاةِ لِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ رَاتِبَةٌ فَكَانَتْ لِجُبْرَانِ الْمَالِ بِخِلَافِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ (لَا) نَقْلَ وَصِيَّةٍ (مُقَيَّدَةٍ) بِأَنْ عَيَّنَهَا الْمُوصِي (لِفُقَرَاءَ مَكَان مُعَيَّنٍ) فَيَجِبُ صَرْفُهَا لَهُمْ، لِتَعَيُّنِهِمْ مَصْرِفًا لَهَا.
(وَإِنْ كَانَ) الْمُزَكِّي فِي بَلَدٍ (وَمَالُهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ، أَوْ) فِي (أَكْثَرَ) مِنْ بَلَدٍ (أَخْرَجَ زَكَاةَ كُلِّ مَالٍ فِي بَلَدِهِ، أَيْ بَلَدِ الْمَالِ، مُتَفَرِّقًا كَانَ أَوْ مُجْتَمِعًا) لِئَلَّا تُنْقَلَ الصَّدَقَةُ عَنْ بَلَدِ الْمَالِ، وَلِأَنَّ الْمَالَ سَبَبُ الزَّكَاةِ، فَوَجَبَ إخْرَاجُهَا حَيْثُ وُجِدَ السَّبَبُ (إلَّا فِي نِصَابِ سَائِمَةٍ فِي بَلَدَيْنِ، فَيَجُوزُ الْإِخْرَاجُ فِي أَحَدِ الْبَلَدَيْنِ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَشْقِيصِ زَكَاةِ الْحَيَوَانِ) كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ عِشْرُونَ مُخْتَلِطَةٌ مَعَ عِشْرِينَ لِآخَرَ فِي بَلَدٍ، وَعِشْرُونَ أُخْرَى مُخْتَلِطَةٌ مَعَ عِشْرِينَ لِآخَرَ فِي بَلَدٍ آخَرَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ فَإِنَّ عَلَيْهِ فِي كُلِّ خَلْطَةٍ نِصْفُ شَاةٍ فَيُخْرِجُ شَاةً فِي أَيِّ الْبَلَدَيْنِ شَاءَ.
(وَيُخْرِجُ فِطْرَةَ نَفْسِهِ) فِي بَلَدِ نَفْسِهِ لَا مَالِهِ لِأَنَّ سَبَبَ الْفِطْرَةِ النَّفْسُ لَا الْمَالُ.
(وَ) يُخْرِجُ فِطْرَةَ مَنْ يَمُونُهُ فِي بَلَدِ نَفْسِهِ وَإِنْ كَانُوا فِي غَيْرِ بَلَدِهِ لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ لَهُ (وَتَقَدَّمَ) فِي الْبَابِ قَبْلَهُ (وَحَيْثُ جَازَ النَّقْلُ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَأُجْرَتُهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، كَأُجْرَةِ كَيْلٍ وَوَزْنٍ) لِأَنَّ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهَا لِأَهْلِهَا، فَكَانَ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُ، كَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، فَإِنْ كَانَ النَّقْلُ مُحَرَّمًا فَقِيَاسُ مَا يَأْتِي فِي الْإِجَارَةِ: لَا أُجْرَةَ كَالْأَجِيرِ لِحَمْلِ خَمْرٍ وَنَحْوِهِ لَكِنْ إنْ لَمْ يَعْلَمْ النَّاقِلُ أَنَّهَا زَكَاةٌ يَحْرُمُ نَقْلُهَا، فَلَهُ الْأُجْرَةُ عَلَى رَبِّهَا لِأَنَّهُ غَرَّهُ.
(وَإِذَا حَصَلَ عِنْدَ الْإِمَامِ مَاشِيَةٌ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ جِزْيَةٍ
стр. 769
(اُسْتُحِبَّ لَهُ) أَيْ الْإِمَامِ وَسْمُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي أَفْخَاذِهَا وَ) وَسْمُ (الْغَنَمِ فِي آذَانِهَا) لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ «غَدَوْتُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَهُ فَرَأَيْتُهُ فِي يَدِهِ الْمِيسَمُ يَسِمُ إبِلَ الصَّدَقَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ «وَهُوَ يَسِمُ غَنَمًا فِي آذَانِهَا» وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ لِتَتَمَيَّزَ عَنْ الضَّوَالِّ، وَلِتُرَدَّ إلَى مَوَاضِعَهَا إذَا شَرَدَتْ وَخُصَّ الْمَوْضِعَانِ لِخِفَّةِ الشَّعْرِ فِيهِمَا وَلِقِلَّةِ أَلَمِ الْوَسْمِ، وَيَأْتِي فِي النَّفَقَاتِ: يَحْرُمُ وَسْمٌ فِي الْوَجْهِ (فَإِنْ كَانَتْ) الْمَوْسُومَةُ (زَكَاةً كُتِبَ " لِلَّهِ " أَوْ زَكَاةٌ " وَإِنْ كَانَتْ جِزْيَةً كُتِبَ " صَغَارٌ " أَوْ جِزْيَةٌ " لِتَتَمَيَّزَ) بِذَلِكَ وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي أَنَّ الْوَسْمَ بِحِنَّاءٍ أَوْ قِير: أَفْضَلُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَفِيهِ شَيْءٌ.
[فَصْل تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ]
(فَصْل وَيَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ «أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي إسْنَادِهِ، وَذَكَرَ أَبُو دَاوُد أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ مُرْسَلًا وَأَنَّهُ أَصَحُّ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ أُجِّلَ لِلرِّفْقِ، فَجَازَ تَعْجِيلُهُ قَبْلَ أَجَلِهِ، كَالدَّيْنِ قَالَ الْأَثْرَمُ: هُوَ مِثْلُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ فَيَصِيرُ مِنْ تَقْدِيمِ الْحُكْمِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ وَقَبْلَ وُجُودِ شَرْطِهِ.
(وَتَرْكُهُ) أَيْ التَّعْجِيلُ (أَفْضَلُ) خُرُوجًا عَنْ الْخِلَافِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يُعْتَبَرُ الْمَصْلَحَةُ (لِحَوْلَيْنِ فَأَقَلَّ فَقَطْ) اقْتِصَارًا عَلَى مَا وَرَدَ، أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَعَجَّلَ مِنْ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ سَنَتَيْنِ لِقَوْلِهِ ﷺ «أَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (بَعْدَ كَمَالِ النِّصَابِ، لَا قَبْلَهُ) ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهَا فَلَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ كَالتَّكْفِيرِ قَبْلَ الْحَلِفِ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
(وَلَا) يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ (قَبْلَ السَّوْمِ) أَيْ الشُّرُوعِ فِيهِ إنْ قُلْنَا: إنَّهُ شَرْطٌ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: هَذَا الْمَذْهَبُ اهـ وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَدَمَهُ مَانِعٌ، فَيَصِحُّ إنْ تَعَجَّلَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ كَمَا قَطَعَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى فِي أَوَّلِ زَكَاةِ السَّائِمَةِ
стр. 770
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ مَنَعَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ تَحَقُّقَ هَذَا الْخِلَافِ وَرَدَّهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ بِمَا يَطُولُ فَرَاجِعْهُ فَهُوَ مُفِيدٌ.
(فَلَوْ مَلَكَ) حُرٌّ مُسْلِمٌ (بَعْضَ نِصَابٍ) مِنْ سَائِمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (فَعَجَّلَ زَكَاتَهُ) أَيْ زَكَاةَ مَا مَلَكَهُ (أَوْ) عَجَّلَ (زَكَاةَ نِصَابٍ لَمْ يُجْزِئْهُ) لِعَدَمِ وُجُودِ سَبَبِ الزَّكَاةِ.
(وَلَوْ ظَنَّ مَالَهُ أَلْفًا فَعَجَّلَ زَكَاتَهُ فَبَانَ خَمْسَمِائَةٍ أَجْزَأَهُ) الْمُعَجَّلُ (عَنْ عَامَيْنِ) لِتَبَيُّنِ عَدَمِ وُجُوبِ زَكَاةِ الْأَلْفِ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ دَفَعَ زِيَادَةً عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ مَعَ نِيَّةِ التَّعْجِيلِ.
(وَإِنْ أَخَذَ السَّاعِي) مِنْ الْمُزَكِّي (فَوْقَ حَقِّهِ حَسِبَهُ) رَبُّ الْمَالِ (مِنْ حَوْلٍ ثَانٍ) نَصَّ عَلَيْهِ.
(قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ يَحْسِبُ مَا أَهْدَاهُ لِلْعَامِلِ مِنْ الزَّكَاةِ أَيْضًا) وَعَنْهُ: لَا يَحْتَسِبُ بِالزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا غَصْبٌ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَجَمَعَ الْمُوَفَّقُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، فَقَالَ: إنْ كَانَ نَوَى الْمَالِكُ التَّعْجِيلَ اُعْتُدَّ بِهِ وَإِلَّا فَلَا وَحَمَلَهُمَا عَلَى ذَلِكَ وَحَمَلَ الْمَجْدُ: رِوَايَةَ الْجَوَازِ عَلَى أَنَّ السَّاعِيَ أَخَذَ الزِّيَادَةَ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ إذَا نَوَى التَّعْجِيلَ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيْهِ وَأَخَذَهَا، لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا غَصْبًا وَحَمَلَ الْقَاضِي الْمَسْأَلَةَ، أَنَّهُ يَحْتَسِبُ بِنِيَّةِ الْمَالِكِ وَقْتَ الْأَخْذِ وَإِلَّا لَمْ يُجْزِئْهُ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَا أَخَذَهُ بِاسْمِ الزَّكَاةِ وَلَوْ فَوْقَ الْوَاجِبِ بِلَا تَأْوِيلٍ، اُعْتُدَّ بِهِ وَإِلَّا فَلَا.
(وَلَيْسَ لِوَلِيِّ رَبِّ الْمَالِ أَنْ يُعَجِّلَ زَكَاتَهُ) أَيْ زَكَاةَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا فِيهِ الْأَحَظُّ لَهُ فِي مَالِهِ وَهَذَا أَحَدُ وَجْهَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَهُ ذَلِكَ قَدَّمَهُ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ هُنَا وَهُوَ كَالصَّرِيحِ فِيمَا نَقَلَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الْأُولَى، وَفِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهُوَ الصَّوَابُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِيهِ.
(وَإِنْ عَجَّلَ عَنْ النِّصَابِ) الْمَوْجُودِ (وَمَا يُنَمِّي فِي حَوْلِهِ أَجْزَأَ) التَّعْجِيلُ (عَنْ النِّصَابِ) لِمَا تَقَدَّمَ (دُونَ النَّمَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ عَجَّلَ زَكَاةَ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ، فَلَمْ يُوجَدْ السَّبَبُ كَمَا فِي النِّصَابِ الْأَوَّلِ.
(وَيَجُوزُ تَعْجِيلُ زَكَاةِ الثَّمَرِ بَعْدَ ظُهُورِهِ وَ) تَعْجِيلُ زَكَاةِ الثَّمَرِ (بَعْدَ طُلُوعِ الطَّلْعِ قَبْلَ تَشَقُّقِهِ) وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
(وَ) تَعْجِيلُ زَكَاةِ (الزَّرْعِ بَعْدَ نَبَاتِهِ، إذْ ظُهُورُهُ) أَيْ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ (كَالنِّصَابِ) الَّذِي هُوَ السَّبَبُ (وَإِدْرَاكُهُ) أَيْ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ (كَحَوَلَانِ الْحَوْلِ) فَلِذَلِكَ صَحَّ التَّعْجِيلُ (فَإِنْ عَجَّلَ) زَكَاتَهُ (قَبْلَ طُلُوعِ الطَّلْعِ، وَ) قَبْلَ طُلُوعِ (الْحِصْرِمِ وَ) قَبْلَ (نَبَاتِ الزَّرْعِ، لَمْ يُجْزِئْهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَقْدِيمٌ لَهَا قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهَا.
(وَإِنْ عَجَّلَ زَكَاةَ النِّصَابِ فَتَمَّ الْحَوْلُ وَهُوَ) أَيْ النِّصَابُ (نَاقِصٌ
стр. 771
قَدْرَ مَا عَجَّلَهُ أَجْزَأَ؛ إذْ الْمُعَجَّلُ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ) فِي مِلْكِهِ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا وَلِهَذَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ.
(وَإِنْ عَجَّلَ عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِهَا) لِحَوْلَيْنِ: أَجْزَأَهُ؛ لِبَقَاءِ النِّصَابِ.
(أَوْ) عَجَّلَ عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً (شَاةً مِنْهَا، وَأُخْرَى مِنْ غَيْرِهَا أَجْزَأَهُ عَنْ الْحَوْلَيْنِ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُعَجَّلَ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ.
(وَ) إنْ عَجَّلَ عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً (شَاتَيْنِ مِنْهَا) لِحَوْلَيْنِ (لَا يُجْزِئُ عَنْهُمَا وَيَنْقَطِعُ الْحَوْلُ) لِمَا يَأْتِي.
(وَكَذَا لَوْ عَجَّلَ) عَنْ الْأَرْبَعِينَ شَاةً (شَاةً) مِنْهَا (عَنْ الْحَوْلِ الثَّانِي وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ مَا عَجَّلَهُ مِنْهُ) أَيْ مَنْ النِّصَابِ (لِلْحَوْلِ الثَّانِي زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ، فَيَنْقُصُ) النِّصَابُ (بِهِ) بِخِلَافِ مَا عَجَّلَهُ عَنْ الْأُولَى لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ (وَإِنْ مَلَكَ شَاةً اسْتَأْنَفَ الْحَوْلَ مِنْ الْكَمَالِ) أَيْ كَمَالِ النِّصَابِ وَكَذَا لَوْ قُلْنَا: يَرْتَجِعُ مَا عَجَّلَهُ وَارْتَجَعَهُ؛ لِأَنَّهُ تَجْدِيدُ مِلْكٍ.
(وَإِنْ عَجَّلَ زَكَاةَ الْمِائَتَيْنِ) مِنْ الْغَنَمِ شَاتَيْنِ (فَنَتَجَتْ عِنْدَ الْحَوْلِ سَخْلَةً لَزِمَتْهُ ثَالِثَةٌ) ؛ لِأَنَّ الْمُعَجَّلَتَيْنِ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودَتَيْنِ فَكَأَنَّ الْحَوْلَ تَمَّ عَلَى مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ وَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ.
(وَإِنْ عَجَّلَ مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ) شَاةً (وَاحِدَةً ثُمَّ نَتَجَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ أُخْرَى لَزِمَهُ إخْرَاجُ) شَاةٍ (ثَانِيَةٍ) لِمَا مَرَّ.
(وَلَوْ عَجَّلَ عَنْ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الْإِبِلِ، وَعَنْ نَتَاجِهَا: بِنْتَ مَخَاضٍ فَنَتَجَتْ مِثْلَهَا) خَمْسَ عَشْرَةَ (لَمْ تُجْزِئْهُ) الْمُعَجَّلَةُ لِشَيْءٍ أَمَّا النَّتَاجُ فَلِعَدَمِ صِحَّةِ تَعْجِيلِ زَكَاتِهِ قَبْلَ وُجُودِهِ وَأَمَّا الْأَصْلُ فَلَمْ يَكُنْ الْوَاجِبُ فِيهِ إذْ ذَاكَ مِنْ جِنْسِهِ (وَيَلْزَمُهُ بِنْتُ مَخَاضٍ) إذَا تَمَّ الْحَوْلُ.
(وَلَوْ عَجَّلَ مُسِنَّةً عَنْ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ وَنَتَاجِهَا فَنَتَجَتْ عَشْرًا أَجْزَأَتْ) الْمُعَجَّلَةُ (عَنْ الثَّلَاثِينَ فَقَطْ) لِعَدَمِ صِحَّةِ التَّعْجِيلِ عَنْ النَّتَاجِ (وَيُخْرِجُ لِلْعَشْرِ) النَّتَاجِ (رُبْعَ مُسِنَّةٍ) زَكَاتَهَا.
(وَإِنْ عَجَّلَ عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً، ثُمَّ أَبْدَلَهَا) أَيْ الْأَرْبَعِينَ (بِمِثْلِهَا أَوْ نَتَجَتْ أَرْبَعِينَ سَخْلَةً ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ، أَجْزَأَ الْمُعَجَّلُ عَنْ الْبَدَلِ وَالسِّخَالِ) لِأَنَّهَا تُجْزِئُ مَعَ بَقَاءِ الْأُمَّهَاتِ عَنْ الْكُلِّ، فَعَنْ أَحَدِهِمَا أَوْلَى.
(وَلَوْ عَجَّلَ شَاةً عَنْ مِائَةِ شَاةٍ أَوْ) عَجَّلَ (تَبِيعًا عَنْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً، ثُمَّ نَتَجَتْ الْأُمَّهَاتُ مِثْلَهَا، ثُمَّ مَاتَتْ) الْأُمَّهَاتُ (أَجْزَأَ الْمُعَجَّلُ عَنْ النَّتَاجِ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
(وَلَوْ نَتَجَ نِصْفُ الشَّاةِ مِثْلَهَا) كَأَنْ نَتَجَتْ عِشْرُونَ مِنْ الْأَرْبَعِينَ أَرْبَعِينَ (ثُمَّ مَاتَتْ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ، أَجْزَأَ الْمُعَجَّلُ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْبَاقِي مِنْ الشِّيَاهِ وَعَنْ النَّتَاجِ (وَلَوْ نَتَجَ نِصْفُ الْبَقَرِ مِثْلَهَا) كَثَلَاثِينَ بَقَرَةً نَتَجَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْهَا ثَلَاثِينَ (ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ أَجْزَأَ الْمُعَجَّلُ) عَنْ الْبَاقِي، وَعَنْ النَّتَاجِ؛ لِإِجْزَائِهِ مَعَ عَدَمِ الْمَوْتِ، فَأَوْلَى مَعَهُ.
(وَلَوْ عَجَّلَ عَنْ أَحَدِ نِصَابَيْهِ) بِعَيْنِهِ (وَتَلِفَ لَمْ يَصْرِفْهُ إلَى الْآخَرِ) لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ
стр. 772
امْرِئٍ مَا نَوَى» (كَمَا لَوْ عَجَّلَ شَاةً عَنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ فَتَلِفَتْ) الْإِبِلُ (وَلَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً لَمْ يُجْزِئْهُ) مَا عَجَّلَهُ (عَنْهَا) أَيْ عَنْ الشِّيَاهِ؛ لِعَدَمِ نِيَّتِهِ إيَّاهَا.
(وَلَوْ كَانَتْ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَعَجَّلَ خَمْسِينَ) دِرْهَمًا (وَقَالَ: إنْ رَبِحْتُ أَلْفًا قَبْلَ الْحَوْلِ فَهِيَ) أَيْ الْخَمْسُونَ (عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْأَلْفِ وَرِبْحُهَا الْأَلْفُ الْأُخْرَى (وَإِلَّا كَانَتْ لِلْحَوْلِ الثَّانِي جَازَ) إنْ جَازَ تَعْجِيلُ زَكَاةِ الرِّبْحِ قَبْلَهُ كَمَا فِي الْإِنْصَافِ وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ عَجَّلَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (فَدَفَعَهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا فَمَاتَ قَابِضُهَا أَوْ ارْتَدَّ، أَوْ اسْتَغْنَى مِنْهَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، أَجْزَأَتْ عَنْهُ) كَمَا لَوْ عَدِمَتْ عِنْدَ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ وَقْتُ الْقَبْضِ؛ لِئَلَّا يَمْتَنِعَ التَّعْجِيلُ.
(وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى غَنِيٍّ أَوْ كَافِرٍ يَعْلَمُ غِنَاهُ) رَاجِعٌ إلَى غَنِيٍّ (أَوْ) يَعْلَمُ (كُفْرَهُ) أَيْ الْكَافِرِ وَكَذَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى غَالِبًا بِخِلَافِ الْغَنِيِّ (فَافْتَقَرَ) الْغَنِيُّ (عِنْدَ الْوُجُوبِ أَوْ أَسْلَمَ) الْكَافِرُ عِنْدَ الْوُجُوبِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَفْتَقِرْ أَوْ يُسْلِمْ.
(وَإِنْ عَجَّلَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ أَوْ نَقَصَ النِّصَابُ أَوْ مَاتَ الْمَالِكُ أَوْ ارْتَدَّ) الْمَالِكُ (قَبْلَ الْحَوْلِ) فَقَدْ بَانَ الْمُخْرَجُ غَيْرَ زَكَاةٍ لِانْقِطَاعِ الْوُجُوبِ بِذَلِكَ، فَإِنْ أَرَادَ الْوَارِثُ الِاحْتِسَابَ بِهَا عَنْ زَكَاةِ حَوْلِهِ لَمْ يَجُزْ وَ (لَمْ يَرْجِعْ) الْمُعَجَّلُ (عَلَى الْمِسْكِينِ سَوَاءٌ كَانَ الدَّافِعُ) لَهُ (رَبَّ الْمَالِ أَوْ السَّاعِي) وَسَوَاءٌ (أَعْلَمَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّهَا دُفِعَتْ إلَى مُسْتَحِقِّهَا، فَلَمْ يَمْلِكْ اسْتِرْجَاعَهَا لِوُقُوعِهِ نَفْلًا، بِدَلِيلِ مِلْكِ الْفَقِيرِ لَهَا (فَإِنْ كَانَتْ) الزَّكَاةُ الْمُعَجَّلَةُ (بِيَدِ السَّاعِي وَقْتَ التَّلَفِ) أَيْ تَلَفِ النِّصَابِ (رَجَعَ) بِهَا رَبُّهَا لِتَبَيُّنِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَكَاةٍ، وَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إنْ كَانَتْ بِيَدِ الْفَقِيرِ، وَلَا فِيمَا إذَا مَاتَ الْمُعَجِّلُ أَوْ ارْتَدَّ مُطْلَقًا، قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَلَا رُجُوعَ إلَّا فِيمَا بِيَدِ سَاعٍ عِنْدَ تَلَفٍ.
(وَلَا يَصِحُّ تَعْجِيلُ زَكَاةِ مَعْدِنٍ بِحَالٍ وَلَا) تَعْجِيلُ (مَا يَجِبُ فِي رِكَازٍ؛) لِأَنَّهُ تَعْجِيلٌ لَهَا قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهَا.
(وَلِلْإِمَامِ وَنَائِبِهِ اسْتِسْلَافُ زَكَاةٍ بِرِضَى رَبِّ الْمَالِ) لِقِصَّةِ الْعَبَّاسِ (لَا إجْبَارُهُ عَلَى ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّعْجِيلُ (فَإِنْ اسْتَسْلَفَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (فَتَلِفَتْ بِيَدِهِ لَمْ يَضْمَنْهَا، وَكَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْفُقَرَاءِ) فَتَفُوتُ عَلَيْهِمْ (سَوَاءٌ سَأَلَهُ ذَلِكَ) أَيْ الِاسْتِسْلَافَ (الْفُقَرَاءُ أَوْ رَبُّ الْمَالِ، أَوْ لَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ؛ لِأَنَّ لَهُ) أَيْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (قَبْضُهَا كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ) فَقَدْ فَعَلَ مَا يَجُوزُ، فَلَمْ يَضْمَنْ (وَإِنْ تَلْفِتْ) الزَّكَاةُ (فِي يَدِ الْوَكِيلِ) أَيْ وَكِيلِ رَبِّ الْمَالِ (قَبْلَ أَدَائِهَا، فَمِنْ ضَمَانِ رَبِّ الْمَالِ) لِعَدَمِ الْإِيتَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ؛ وَلِأَنَّ يَدَ الْوَكِيلِ كَيْدِ مُوَكِّلِهِ.
(وَيُشْتَرَطُ لِمِلْكِ الْفَقِيرِ لَهَا)
стр. 773
أَيْ الزَّكَاةِ (وَإِجْزَائِهَا عَنْ رَبِّهَا قَبْضُهُ لَهَا، فَلَا يُجْزِئُ غَدَاءُ الْفُقَرَاءِ وَلَا عَشَاؤُهُمْ) مِنْ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِيتَاءٍ.
(وَلَا يَقْضِي مِنْهَا دَيْنَ مَيِّتٍ غَرِمَ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ) حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعًا (لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ (لِقَبُولِهَا، كَمَا لَوْ كَفَّنَهُ) أَيْ رَبُّ الْمَالِ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ الزَّكَاةِ.
(وَلَا يَكْفِي إبْرَاءُ الْمَدِينِ مِنْ دَيْنِهِ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُخْرَجُ عَنْهُ دَيْنًا أَوْ عَيْنَا، وَلَا تَكْفِي الْحَوَالَةُ بِهَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إيتَاءً لَهَا، وَكَذَا الْحَوَالَةُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا دَيْنَ لَهُ يُحِيلُ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ.
(وَإِنْ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ) أَيْ عَزَلَهَا (فَتَلِفَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْفَقِيرُ لَزِمَهُ) أَيْ رَبَّ الْمَالِ (بَدَلُهَا) كَمَا قَبْلَ الْعَزْلِ؛ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْعَوْدُ فِيهَا إلَى بَدَلِهَا وَلَمْ يَمْلِكْهَا الْمُسْتَحِقُّ كَمَالٍ مَعْزُولٍ لِوَفَاءِ رَبِّ الدَّيْنِ بِخِلَافِ الْأَمَانَةِ.
(وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ الْفَقِيرِ) وَبَاقِي أَهْلِ الزَّكَاةِ فِيهَا (قَبْلَ قَبْضِهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا إلَّا بِهِ.
(وَلَوْ قَالَ الْفَقِيرُ لِرَبِّ الْمَالِ: اشْتَرِ لِي بِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (ثَوْبًا) أَوْ غَيْرَهُ مِنْ حَوَائِجِهِ (وَلَمْ يَقْبِضْهَا) الْفَقِيرُ (مِنْهُ لَمْ يُجْزِئْهُ) ذَلِكَ.
(وَلَوْ اشْتَرَاهُ) أَيْ رَبُّ الْمَالِ الثَّوْبَ (كَانَ) الثَّوْبُ (لِلْمَالِكِ) دُونَ الْفَقِيرِ (وَإِنْ تَلِفَ) الثَّوْبُ (كَانَ مِنْ ضَمَانِهِ) أَيْ الْمَالِكِ، لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَمْلِكُهَا إلَّا بِالْقَبْضِ، وَلَوْ وَكَّلَ الْفَقِيرُ رَبَّ الْمَالِ فِي الْقَبْضِ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ ثَوْبًا أَوْ نَحْوَهُ.
(وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ قِيمَةِ زَكَاةِ الْمَالِ وَ) لَا قِيمَةِ (الْفِطْرَةِ طَائِعًا) كَانَ الْمُخْرِجُ (أَوْ مُكْرَهًا، وَلَوْ لِلْحَاجَةِ) صَحَّ ذَلِكَ (مِنْ تَعَذُّرِ الْفَرْضِ وَنَحْوِهِ، أَوْ لِمَصْلَحَةٍ) كَأَنْ تَكُونَ أَنْفَعَ لِلْفُقَرَاءِ، وَتَقَدَّمَ بِدَلِيلِهِ، لَكِنْ مَا هُنَا فِيهِ زِيَادَةٌ، وَتَقَدَّمَ، أَنَّ أَخْذَ السَّاعِي لِلْقِيمَةِ يُجْزِئُ، وَإِنْ لَمْ يَرَهُ الدَّافِعُ.
(وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَبْعَثَ السُّعَاةُ عِنْدَ قُرْبِ) زَمَنِ (الْوُجُوبِ لِقَبْضِ زَكَاةِ الْمَالِ الظَّاهِرِ) وَهُوَ السَّائِمَةُ وَالزَّرْعُ وَالثِّمَارُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالْخُلَفَاءَ بَعْدَهُ " كَانُوا يَفْعَلُونَهُ " وَمِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يُزَكِّي وَلَا يَعْلَمُ مَا عَلَيْهِ، فَفِي إهْمَالِ ذَلِكَ تَرْكٌ لِلزَّكَاةِ.
(وَيَجْعَلُ حَوْلَ الْمَاشِيَةِ الْمُحَرَّمَ) لِأَنَّهُ أَوَّلُ السَّنَةِ وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي ذَلِكَ، وَمَيْلُهُ إلَى شَهْرِ رَمَضَانَ.
(وَإِنْ أَخَّرَ السَّاعِي قِسْمَةَ زَكَاةٍ عِنْدَهُ بِلَا عُذْرٍ، كَاجْتِمَاعِ الْفُقَرَاءِ، أَوْ) اجْتِمَاعِ (الزَّكَاةِ، لَمْ يَجُزْ) لَهُ ذَلِكَ (وَيَضْمَنُ) مَا تَلِفَ (لِتَفْرِيطِهِ) بِالتَّأْخِيرِ (كَوَكِيلٍ فِي إخْرَاجِهَا يُؤَخِّرُهُ) بِلَا عُذْرٍ.
(وَإِنْ وَجَدَ السَّاعِي مَالًا) زَكَوِيًّا (لَمْ يَحُلْ حَوْلُهُ وَلَمْ يُعَجِّلْهَا رَبُّهُ، وَكَّلَ) السَّاعِي (ثِقَةً فِي قَبْضِهَا عِنْدَ وُجُوبِهَا، وَصَرْفِهَا فِي مَصْرِفِهَا) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِذَلِكَ بِلَا تَأْخِيرٍ.
(وَلَا بَأْسَ بِجَعْلِهِ) أَيْ جَعْلِ السَّاعِي صَرْفَ
стр. 774
الزَّكَاةِ مَصْرِفَهَا عِنْدَ الْحَوْلِ (إلَى رَبِّ الْمَالِ، إنْ كَانَ ثِقَةً) لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِهِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) السَّاعِي (ثِقَةً أَخْرَجَهَا رَبُّهَا) لِلْفُقَرَاءِ (إنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا) لِوُجُوبِ الْإِخْرَاجِ عَلَى الْفَوْرِ إذَنْ (وَإِلَّا) بِأَنْ خَافَ ضَرَرًا، كَرُجُوعِ سَاعٍ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ (أَخَّرَهَا إلَى الْعَامِ الثَّانِي) لِحَدِيثِ «، لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» .
(وَإِذَا قَبَضَ السَّاعِي الزَّكَاةَ فَرَّقَهَا فِي مَكَانِهِ وَمَا قَارَبَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ (فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ حَمَلَهُ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِ مُعَاذٍ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ (فَلَا) حَمْلَ مَعَهُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعُدَّ الْمَاشِيَةَ عَلَى أَهْلِهَا عَلَى الْمَاءِ أَوْ فِي أَفْنِيَتِهِمْ لِلْخَبَرِ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ صَاحِبُ الْمَالِ بِعَدَدِهِ قُبِلَ مِنْهُ، وَلَا يُحَلِّفُهُ كَمَا سَبَقَ.
(وَلَهُ) أَيْ السَّاعِي (بَيْعُ الزَّكَاةِ مِنْ مَاشِيَةٍ وَغَيْرِهَا لِحَاجَةٍ كَخَوْفِ تَلَفٍ وَمُؤْنَةٍ وَمَصْلَحَةٍ) لِحَدِيثِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ وَيَأْتِي.
(وَ) لَهُ (صَرْفُهُ فِي الْأَحَظِّ لِلْفُقَرَاءِ، أَوْ حَاجَتِهِمْ، حَتَّى فِي أُجْرَةِ مَسْكَنٍ) ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ الزَّكَاةَ فِي حَاجَتِهِمْ أَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِمْ.
(وَإِنْ بَاعَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَمَصْلَحَةٍ) فَقَالَ الْقَاضِي: (لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ الْإِذْنِ) أَيْ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ (وَيَضْمَنُ قِيمَةَ مَا تَعَذَّرَ) رَدُّهُ، وَقِيلَ: يَصِحُّ، قَدَّمَهُ بَعْضُهُمْ، لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي إبِلِ الصَّدَقَةِ نَاقَةً كَوْمَاءَ، فَسَأَلَ عَنْهَا الْمُصَدَّقَ فَقَالَ: إنِّي ارْتَجَعْتُهَا بِإِبِلٍ، فَسَكَتَ عَنْهُ، فَلَمْ يَسْتَفْصِلْهُ» وَمَعْنَى الرَّجْعَةِ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا غَيْرَهَا.
(قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ إذَا أَخَذَ السَّاعِي زَكَاتَهُ كَتَبَ لَهُ بِهَا بَرَاءَةً؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا جَاءَ سَاعٍ آخَرُ فَيُطَالِبُهُ، فَيُخْرِجُ تِلْكَ الْبَرَاءَةَ، فَتَكُونُ حُجَّةً لَهُ) قَالَ الْقَاضِي: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِتَنْتَفِيَ التُّهْمَةُ عَنْهُ، أَيْ وَإِلَّا فَيُقْبَلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ،.
[بَابُ ذِكْرِ أَهْلِ الزَّكَاةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ]
(بَابُ ذِكْرِ أَهْلِ الزَّكَاةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ) مِنْ بَيَانِ شُرُوطِهِمْ وَقَدْرِ مَا يُعْطَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ (وَهُمْ) أَيْ أَهْلُ الزَّكَاةِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ الشَّرْعُ مَحَلًّا لِدَفْعِهَا إلَيْهِمْ (ثَمَانِيَةُ أَصْنَافٍ، لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا إلَى غَيْرِهِمْ) كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَالْقَنَاطِرِ، وَسَدِّ الْبُثُوقِ، وَتَكْفِينِ الْمَوْتَى،
стр. 775
وَوَقْفِ الْمَصَاحِفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ جِهَاتِ الْخَيْرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠] وَكَلِمَةُ " إنَّمَا " تُفِيد الْحَصْرَ، أَيْ تُثْبِتُ الْمَذْكُورِينَ وَتَنْفِي مَا عَدَاهُمْ، وَكَذَلِكَ تَعْرِيفُ الصَّدَقَاتِ بِأَلْ، فَإِنَّهَا تَسْتَغْرِقُهَا، فَلَوْ جَازَ صَرْفُ شَيْءٍ إلَى غَيْرِ الثَّمَانِيَةِ لَكَانَ لَهُمْ بَعْضُهَا لَا كُلُّهَا.
وَرُوِيَ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَبَايَعْتُهُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنْ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ، حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ أَحْمَدُ إنَّمَا هِيَ لِمَنْ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى (وَسُئِلَ الشَّيْخُ عَمَّنْ لَيْسَ مَعَهُ مَا يَشْتَرِي بِهِ كُتُبًا لِلْعِلْمِ يَشْتَغِلُ فِيهَا؟ فَقَالَ: يَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْهَا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ الَّتِي لَا بُدَّ لِمَصْلَحَةِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ مِنْهَا) قُلْتُ: وَلَعَلَّ ذَلِكَ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ الْأَصْنَافِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَحْتَاجُهُ طَالِبُ الْعِلْمِ، فَهُوَ كَنَفَقَتِهِ، وَيَأْتِي: إذَا تَفَرَّغَ قَادِرٌ عَلَى التَّكَسُّبِ لِلْعِلْمِ أَعْطَى (أَحَدَهُمْ) أَيْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ (الْفُقَرَاءَ) بَدَأَ بِهِمْ اتِّبَاعًا لِلنَّصِّ، وَلِشِدَّةِ حَاجَتِهِمْ.
(وَهُمْ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْمَسَاكِينِ) لِبُدَاءَةِ اللَّهِ بِهِمْ، وَإِنَّمَا يُبْدَأُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩] فَأَخْبَرَ أَنَّ لَهُمْ سَفِينَةً يَعْمَلُونَ فِيهَا، وَقَدْ سَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَسْكَنَةَ وَاسْتَعَاذَ مِنْ الْفَقْرِ فَقَالَ «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْأَلَ شِدَّةَ الْحَاجَةِ وَيَسْتَعِيذَ مِنْ حَالَةٍ أَصْلَحَ مِنْهَا، وَلِأَنَّ الْفَقِيرَ مُشْتَقٌّ مِنْ فِقَرِ الظَّهْرِ فَقِيلَ: فَقِيرٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَيْ مَفْقُورٍ وَهُوَ الَّذِي نُزِعَتْ فِقْرَةُ ظَهْرِهِ، فَانْقَطَعَ صُلْبُهُ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] وَهُوَ الْمَطْرُوحُ عَلَى التُّرَابِ، لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّعْبِيرُ عَنْ الْفَقِيرِ بِالْمِسْكَيْنِ مُطْلَقًا، وَأَنَّ هَذَا النَّعْتَ لَا يَسْتَحِقُّهُ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْمَسْكَنَةِ (وَالْفَقِيرُ: مَنْ لَا يَجِدُ شَيْئًا
следующие страницы →