Полный текст (3 210 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
أَبُو الْحَارِثِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ خَطَأٌ.
ثُمَّ قِصَّةُ مَيْمُونَةَ مُخْتَلِفَةٌ كَمَا سَبَقَ فَيَتَعَارَضُ ذَلِكَ وَمَا سَبَقَ لَا مُعَارِضَ لَهُ ثُمَّ رِوَايَةُ الْحِلِّ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ وَفِيهَا صَاحِبُ الْقِصَّةِ وَالسَّفِيرُ فِيهَا وَلَا مَطْعَنَ فِيهَا وَيُوَافِقُهَا مَا سَبَقَ وَفِيهَا زِيَادَةٌ مَعَ صِغَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ إذَنْ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ أَظْهَرَ تَزْوِيجِهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ أَوْ فِعْلَهُ خَاصٌّ بِهِ ﷺ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مِنْ خَصَائِصِهِ فَلِهَذَا قَالَ تَبَعًا لِلتَّنْقِيحِ كَالْمُنْتَهَى (إلَّا فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ ) فَلَا يَكُونُ مَحْظُورًا بِخِلَافِ أُمَّتِهِ لِمَا تَقَدَّمَ وَرَوَى مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ " أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ مُحْرِمٌ فَرَدَّ عُمَرُ نِكَاحَهُ " وَعَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ مَعْنَاهُ رَوَاهُمَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ؛ وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ الْوَطْءَ وَدَوَاعِيَهُ فَمَنَعَ عَقْدَ النِّكَاحِ كَالْعِدَّةِ.
(وَالِاعْتِبَارُ بِحَالَةِ الْعَقْدِ) أَيْ: عَقْدِ النِّكَاحِ لَا بِحَالَةِ الْوَكَالَةِ (فَلَوْ وَكَّلَ مُحْرِمٌ حَلَالًا) فِي عَقْدِ النِّكَاحِ (فَعَقَدَهُ بَعْدَ حِلِّهِ) مِنْ إحْرَامِهِ (صَحَّ) عَقْدُهُ لِوُقُوعِهِ حَالَ حِلِّ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ.
(وَلَوْ وَكَّلَ حَلَالٌ حَلَالًا فَعَقَدَهُ) الْوَكِيلُ (بَعْد أَنْ أَحْرَمَ) هُوَ أَوْ مُوَكِّلُهُ فِيهِ (لَمْ يَصِحَّ) الْعَقْدُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ وَكَّلَهُ) أَيْ: الْحَلَالُ (ثُمَّ أَحْرَمَ) الْمُوَكِّلُ (لَمْ يَنْعَزِلْ وَكِيلُهُ) بِإِحْرَامِهِ (فَإِذَا أَحَلَّ) الْمُوَكِّلُ (كَانَ لِوَكِيلِهِ عَقْدُهُ) لِزَوَالِ الْمَانِعِ.
(وَلَوْ وَكَّلَ حَلَالٌ حَلَالًا) فِي عَقْدِ النِّكَاحِ (فَعَقَدَهُ وَأَحْرَمَ الْمُوَكِّلُ فَقَالَتْ الزَّوْجَةُ: وَقَعَ فِي الْإِحْرَامِ وَقَالَ الزَّوْجُ) وَقَعَ (قَبْلَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) أَيْ: الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي صِحَّةَ الْعَقْدِ وَهِيَ الظَّاهِرُ.
(وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ) بِأَنْ قَالَتْ الزَّوْجَةُ: وَقَعَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَقَالَ الزَّوْجُ: فِي الْإِحْرَامِ (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهُ أَيْضًا) ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ فَسْخَهُ فَقُبِلَ إقْرَارُهُ بِهِ (وَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا يُقْبَلُ عَلَيْهَا فِي إسْقَاطِهِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
(وَيَصِحُّ) النِّكَاحُ (مَعَ جَهْلِهِمَا) أَيْ: الزَّوْجَيْنِ (وُقُوعَهُ) أَيْ: وُقُوعِ النِّكَاحِ هَلْ كَانَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ أَوْ فِيهِ؟ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْعُقُودِ الصِّحَّةُ وَإِنْ قَالَ تَزَوَّجْتُكِ وَقَدْ حَلَلْتُ وَقَالَتْ: بَلْ كُنْتُ مُحْرِمَةً صَدَقَ وَتُصْدَقُ هِيَ فِي نَظِيرَتِهَا فِي الْعِدَّةِ.
(وَإِنْ أَحْرَمَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ) لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ وَلَا الْخَاصَّةِ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (وَلَا) أَنْ (يُزَوِّجَ أَقَارِبَهُ) بِالْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ (وَلَا) أَنْ يُزَوِّجَ (غَيْرَهُمْ) مِمَّنْ لَا وَلِيَّ لَهُ (بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ) كَالْخَاصَّةِ.
(وَ) يَجُوزُ أَنْ (يُزَوِّجَ خُلَفَاؤُهُ) مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ أَوْ لَهَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بِوِلَايَةِ الْحُكْمِ مَا لَا يَجُوزُ بِوِلَايَةِ النَّسَبِ بِدَلِيلِ تَزْوِيجِ الْكَافِرَةِ وَأَمَّا وُكَلَاؤُهُ فِي تَزْوِيجِ نَحْو بِنْتِهِ فَلَا لِمَا سَبَقَ.
(وَإِنْ أَحْرَمَ نَائِبُهُ فَكَهُوَ) أَيْ: فَكَإِحْرَامِ الْإِمَامِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ
стр. 947
وَلَا أَنْ يُزَوِّجَ أَقَارِبَهُ وَلَا غَيْرَهُمْ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ وَيُزَوِّجُ نُوَّابُهُ.
(وَتُكْرَهُ خِطْبَةُ مُحْرِمٍ) بِكَسْرِ الْخَاءِ امْرَأَةً (عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ وَخِطْبَةِ مَحِلٌّ مُحْرِمَةً كَخُطْبَةِ عَقْدِهِ) بِضَمِّ الْخَاءِ أَيْ: عَقْدِ النِّكَاحِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ " وَلَا يَخْطُبُ ".
(وَ) يُكْرَهُ (حُضُورُهُ) أَيْ: الْمُحْرِمِ (وَشَهَادَتُهُ فِيهِ) أَيْ: فِي النِّكَاحِ نَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يَخْطُبُ قَالَ مَعْنَاهُ لَا يَشْهَدُ النِّكَاحَ وَمَا رُوِيَ فِيهِ " وَلَا يُشْهَدُ " فَلَا يَصِحُّ.
(وَتُبَاحُ الرَّجْعَةُ لِلْمُحْرِمِ وَتَصِحُّ) ؛ لِأَنَّهَا إمْسَاكٌ؛ وَلِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ قَبْلَ الرَّجْعَةِ فَلَا إحْلَالَ (كَشِرَاءِ أَمَةٍ لِوَطْءٍ وَغَيْرِهِ) لِوُرُودِ عَقْدِ النِّكَاحِ عَلَى مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ خَاصَّةً بِخِلَافِ شِرَاءِ الْأَمَةِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ الْمَجُوسِيَّةِ وَلَا الْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعِ وَنَحْوِهَا وَصَحَّ شِرَاؤُهَا.
(وَيَصِحُّ اخْتِيَارُ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ لِبَعْضِهِنَّ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ) ؛ لِأَنَّهُ إمْسَاكٌ وَاسْتِدَامَةٌ لَا ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ كَالرَّجْعَةِ وَأَوْلَى (وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ) أَيْ: جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صُوَرِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَسَدَ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ فَلَمْ تَجِبْ بِهِ فِدْيَةٌ (كَشِرَاءِ الصَّيْدِ) وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْإِحْرَامِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ.
[فَصْلٌ الْجِمَاعُ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ]
فَصْلٌ (الثَّامِنُ الْجِمَاعُ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " هُوَ الْجِمَاعُ " بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] يَعْنِي: الْجِمَاعَ (قُبُلًا كَانَ) الْفَرْجُ (أَوْ دُبُرًا مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ) حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ لِوُجُوبِ الْحَدِّ وَالْغُسْلِ (فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ: جَامَعَ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ (قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ وَلَوْ بَعْدَ الْوُقُوفِ) بِعَرَفَةَ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ (فَسَدَ نُسُكُهُمَا) حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ النُّسُكُ إلَّا بِهِ.
وَفِي الْمُوَطَّأِ بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا وَأَبَا هُرَيْرَةَ سُئِلُوا عَنْ رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالُوا يَنْفُذَانِ لِوَجْهِهِمَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا ثُمَّ عَلَيْهِمَا حَجٌّ مِنْ قَابِلٍ وَالْهَدْيُ وَلَمْ يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ (وَلَوْ) كَانَ الْمُجَامِعُ (سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا، نَصًّا أَوَنَائِمَةً) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّ مَنْ
стр. 948
تَقَدَّمَ مِنْ الصَّحَابَةِ قَضَوْا بِفَسَادِ النُّسُكِ وَلَمْ يَسْتَفْصِلُوا.
(وَيَجِبُ بِهِ) أَيْ: بِالْجِمَاعِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ فِي الْحَجِّ (بَدَنَةٌ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَهْدِ نَاقَةً وَلْتُهْدِ نَاقَةً.
" (وَلَا يَفْسُدُ) الْإِحْرَامُ (بِ) شَيْءٍ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ (غَيْرِ الْجِمَاعِ) لِعَدَمِ النَّصِّ فِيهِ وَالْإِجْمَاعِ.
(وَعَلَيْهِمَا) أَيْ: الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ (الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ وَحُكْمُهُ) أَيْ: الْإِحْرَامِ الَّذِي أَفْسَدَهُ بِالْجِمَاعِ حُكْمُ الْإِحْرَامِ الصَّحِيحِ (فَيَفْعَلُ بَعْدَ الْإِفْسَادِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ قَبْلَهُ مِنْ الْوُقُوفِ وَغَيْرِهِ وَيَجْتَنِبُ مَا يُجْتَنَبُ قَبْلَهُ) أَيْ: الْفَسَادِ (مِنْ الْوَطْءِ وَغَيْرِهِ وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ إذَا فَعَلَ مَحْظُورًا بَعْدَهُ) لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ إلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ " أَنَّ رَجُلًا أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو فَسَأَلَهُ عَنْ مُحْرِمٍ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ؟ فَأَشَارَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ: اذْهَبْ إلَى ذَلِكَ وَاسْأَلْهُ قَالَ شُعَيْبٌ فَلَمْ يَعْرِفْهُ الرَّجُلُ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَسَأَلَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: بَطَلَ حَجُّكَ فَقَالَ الرَّجُل أَفَأَقْعُدُ؟ قَالَ لَا بَلْ تَخْرُج مَعَ النَّاسِ وَتَصْنَعُ مَا يَصْنَعُونَ فَإِذَا أَدْرَكْتَ قَابِلًا فَحُجَّ وَأَهْدِ فَرَجَعَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْبَرَهُ ثُمَّ قَالَ اذْهَبْ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَاسْأَلْهُ قَالَ شُعَيْبٌ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ: مِثْلَ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَرَجَعَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْبَرَهُ ثُمَّ قَالَ مَا تَقُولُ أَنْتَ قَالَ أَقُولُ مِثْلَ مَا قَالَا " وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَزَادَ وَحُلَّ إذَا حَلَّوْا فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ فَاحْجُجْ أَنْتَ وَامْرَأَتُكَ وَأَهْدِيَا فَإِنْ لَمْ تَجِدَا فَصُومَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعْتُمَا وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ حَدِيثُهُ حَسَنٌ قَالَ الْبُخَارِيُّ رَأَيْتُ عَلِيًّا وَأَحْمَدَ وَالْحُمَيْدِيَّ وَإِسْحَاقَ يَحْتَجُّونَ بِهِ قِيلَ لَهُ: فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ مَاذَا يَقُولُ قَالَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ وَنَحْوُ هَذَا.
(وَ) عَلَيْهِمَا (الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ وَلَوْ نَذْرًا أَوْ نَفْلًا) ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَ بِالدُّخُولِ فِيهِ؛ وَلِأَنَّ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الصَّحَابَةِ لَمْ يَسْتَفْصِلُوا (إنْ كَانَا) أَيْ: الْوَاطِئُ وَالْمَوْطُوءَةُ (مُكَلَّفَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُمَا لَا عُذْرَ لَهُمَا فِي التَّأْخِيرِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقَضَاءِ.
(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مُكَلَّفَيْنِ حَالَ الْإِفْسَادِ قَضَيَاهُ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ التَّكْلِيفِ (بَعْدَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) وَتَقَدَّمَ (عَلَى الْفَوْرِ) حَيْثُ لَا عُذْرَ فِي التَّأْخِيرِ وَتَقَدَّمَ حُكْمُ مَا لَوْ بَلَغَ فِي الْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْحَجِّ.
(وَيَصِحُّ قَضَاءُ عَبْدٍ فِي رِقِّهِ) وَكَذَا قَضَاءُ أَمَةٍ فِي رِقِّهَا لِتَكْلِيفِهَا (وَتَقَدَّمَ حُكْمُ إفْسَادِ حَجِّهِ) أَيْ: الْقِنِّ (وَ) حُكْمُ إفْسَادِ (حَجِّ الصَّبِيِّ) فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْحَجِّ.
وَيَكُونُ إحْرَامُ الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ فِي
стр. 949
الْقَضَاءِ (مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَا أَوَّلَا مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ قَبْلَهُ) ؛ لِأَنَّ الْحُرُمَاتِ قِصَاصٌ بِخِلَافِ الْمُحْصَرِ إذَا قَضَى لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامَ إلَّا مِنْ الْمِيقَاتِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُحْصَرَ فِيهِ لَمْ يَلْزَمْهُ إتْمَامُهُ وَذَكَرَهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ فِي الْحَادِيَةِ وَالثَّلَاثِينَ.
(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُونَا أَحْرَمَا قَبْلَ الْمِيقَاتِ (لَزِمَهُمَا) الْإِحْرَامُ (مِنْ الْمِيقَاتِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ تَجَاوُزُهُ بِلَا إحْرَامٍ (وَإِنْ أَفْسَدَ الْقَضَاءَ قَضَى الْوَاجِبَ لَا الْقَضَاءَ) كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَزْدَادُ بِفَوَاتِهِ وَإِنَّمَا يَبْقَى مَا كَانَ وَاجِبًا فِي الذِّمَّةِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ (وَنَفَقَةُ الْمَرْأَةِ فِي الْقَضَاءِ عَلَيْهَا إنْ طَاوَعَتْ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ " أَهْدِيَا هَدْيًا " أَضَافَ الْفِعْلَ إلَيْهِمَا.
وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَهْدِ نَاقَةً وَلْتُهْدِ نَاقَةً "؛ وَلِأَنَّهَا بِمُطَاوَعَتِهَا أَفْسَدَتْ نُسُكَهَا فَكَانَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا كَالرَّجُلِ (وَإِنْ أُكْرِهَتْ) الْمَرْأَةُ (فَ) النَّفَقَةُ (عَلَى الزَّوْجِ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُفْسِدُ لِنُسُكِهَا فَكَانَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا كَنَفَقَةِ نُسُكِهِ (وَتُسْتَحَبُّ تَفْرِقَتُهُمَا فِي الْقَضَاءِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ «رَجُلًا جَامَعَ امْرَأَةً وَهُمَا مُحْرِمَانِ فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُمَا: أَتِمَّا حَجَّكُمَا ثُمَّ ارْجِعَا وَعَلَيْكُمَا حَجَّةٌ أُخْرَى مِنْ قَابِلٍ حَتَّى إذَا كُنْتُمَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتَهَا فَأَحْرِمَا وَتَفَرَّقَا وَلَا يُوَاكِلْ أَحَدُكُمَا صَاحِبَهُ ثُمَّ أَتِمَّا مَنَاسِكَكُمَا وَأَهْدِيَا» وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ (إلَى أَنْ يُحِلَّا) مِنْ إحْرَامِهِمَا؛ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ خَوْفُ الْمَحْظُورِ وَيَحْصُلُ التَّفْرِيقُ (بِأَنْ لَا يَرْكَبَ مَعَهَا عَلَى بَعِيرٍ وَلَا يَجْلِسَ مَعَهَا فِي خِبَاءٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ بَلْ يَكُونُ قَرِيبًا مِنْهَا فَيُرَاعِي أَحْوَالَهَا؛ لِأَنَّهُ مَحْرَمُهَا) وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا مَحْرَمٌ غَيْرُهُ.
وَ (الْعُمْرَةُ فِي ذَلِكَ كَالْحَجِّ) كَالْحَجِّ لِأَنَّهَا أَحَدُ النُّسُكَيْنِ فَ (يُفْسِدُهَا الْوَطْءُ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ السَّعْيِ) كَالْحَجِّ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ وَ (لَا) يُفْسِدُهَا الْوَطْءُ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ السَّعْيِ (وَقَبْلَ حَلْقٍ) كَالْوَطْءِ فِي الْحَجِّ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ.
(وَيَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهَا) أَيْ: الْعُمْرَةِ (وَيَجِبُ الْقَضَاءُ) فَوْرًا كَالْحَجِّ (وَالدَّمُ وَهُوَ شَاةٌ) لِنَقْصِ الْعُمْرَةِ عَنْ الْحَجِّ.
(لَكِنْ إنْ كَانَ) الْمُفْسِدُ لِعُمْرَتِهِ (مَكِّيًّا أَوْ حَصَلَ بِهَا) أَيْ: بِمَكَّةَ (مُجَاوِرًا أَحْرَمَ لِلْقَضَاءِ مِنْ الْحِلِّ سَوَاءٌ كَانَ قَدْ أَحْرَمَ بِهَا) أَيْ: بِالْعُمْرَةِ الَّتِي أَفْسَدَهَا (مِنْهُ أَوْ مِنْ الْحَرَمِ) ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ هُوَ مِيقَاتُهَا.
(وَإِنْ أَفْسَدَ الْمُتَمَتِّعُ عُمْرَتَهُ وَمَضَى فِي فَاسِدِهَا وَأَتَمَّهَا خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ) مَكَانَ الَّتِي أَفْسَدَهَا؛ لِأَنَّ الْحُرُمَاتِ قِصَاصٌ (فَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ
стр. 950
دَمٌ فَإِنْ فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ خَرَجَ فَأَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ الَّتِي أَفْسَدَهَا وَعَلَيْهِ هَدْيٌ يَذْبَحُهُ إذَا قَدِمَ مَكَّةَ لِمَا أَفْسَدَ مِنْ عُمْرَتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ أَفْسَدَ الْمُفْرِدُ حَجَّتَهُ وَأَتَمَّهَا فَلَهُ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ) ؛ لِأَنَّهُ مِيقَاتُهَا.
(وَإِنْ أَفْسَدَ الْقَارِنُ نُسُكَهُ فَعَلَيْهِ فِدَاءٌ وَاحِدٌ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عَمَلَ الْقَارِنِ كَعَمَلِ الْمُفْرِدِ.
(وَإِنْ جَامَعَ) الْمُحْرِمُ (بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ وَقَبْلَ) التَّحَلُّلِ (الثَّانِي) بِأَنْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَحَلَقَ مَثَلًا ثُمَّ جَامَعَ قَبْلَ الطَّوَافِ (لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ قَارِنًا كَانَ أَوْ مُفْرِدًا) أَوْ مُتَمَتِّعًا لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ يَوْمَ النَّحْرِ " يَنْحَرَانِ جَزُورًا بَيْنَهُمَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ رَوَاهُ مَالِكٌ وَلَا يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ (لَكِنْ فَسَدَ إحْرَامُهُ) بِالْوَطْءِ (فَيَمْضِي إلَى الْحِلِّ) التَّنْعِيمِ أَوْ غَيْرِهِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ (فَيُحْرِمَ مِنْهُ لِيَطُوفَ لِلزِّيَارَةِ فِي إحْرَامٍ صَحِيحٍ وَيَسْعَى إنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى وَتَحَلَّلَ؛ لِأَنَّ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَلَيْسَ هَذَا عُمْرَةً حَقِيقِيَّةً) وَالْإِحْرَامُ إنَّمَا وَجَبَ لِيَأْتِيَ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْحَجِّ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الْخِرَقِيُّ فَقَوْلُ أَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ: أَنَّهُ يَعْتَمِرُ، يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا هَذَا وَسَمَّوْهُ عُمْرَةً؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَفْعَالُهَا وَصَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا عُمْرَةً حَقِيقَةً فَيَلْزَمُهُ سَعْيٌ وَتَقْصِيرٌ وَعَلَى هَذَا نُصُوصُ أَحْمَدَ وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ لِمَا سَبَقَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَلِأَنَّهُ إحْرَامٌ مُسْتَأْنَفٌ فَكَانَ فِيهِ طَوَافٌ وَسَعْيٌ وَتَقْصِيرٌ كَالْعُمْرَةِ الْمُفْرَدَةِ تَجْرِي مَجْرَى الْحَجِّ بِدَلِيلِ الْقِرَانِ بَيْنَهُمَا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَيَلْزَمُهُ شَاةٌ) لِعَدَمِ إفْسَادِهِ لِلْحَجِّ كَوَطْءٍ دُونَ فَرْجٍ بِلَا إنْزَالٍ وَلِخِفَّةِ الْجِنَايَةِ فِيهِ.
(وَالْقَارِنُ كَالْمُفْرِدِ) ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ لِلْحَجِّ لَا لِلْعُمْرَةِ بِدَلِيلِ تَأْخِيرِ الْحَلْقِ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ (فَإِنْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ) أَيْ: وَحَلَقَ (وَلَمْ يَرْمِ) جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (ثُمَّ وَطِئَ فَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: لَا يَلْزَمُهُ إحْرَامٌ مِنْ الْحِلِّ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِوُجُودِ أَرْكَانِ الْحَجِّ.
وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ كَمَا سَبَقَ) لِوُجُودِهِ الْوَطْءَ قَبْلَ مَا يَتِمُّ بِهِ التَّحَلُّلُ (وَهُوَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ مُحْرِمٌ لِبَقَاءِ تَحْرِيمِ الْوَطْءِ الْمُنَافِي وُجُودَ صِحَّةِ الْإِحْرَامِ) فَيَفْسُدُ إحْرَامُهُ بِالْوَطْءِ بَعْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَالْمُرَادُ فَسَادُ مَا بَقِيَ مِنْهُ لَا مَا مَضَى إذْ لَوْ فَسَدَ كُلُّهُ لَوَقَعَ الْوُقُوفُ فِي غَيْرِ إحْرَامٍ.
стр. 951
[فَصْلٌ الْمُبَاشَرَةُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ]
فَصْلٌ (التَّاسِعُ الْمُبَاشَرَةُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لِشَهْوَةٍ بِوَطْءٍ، أَوْ قُبْلَةٍ، أَوْ لَمْسٍ وَكَذَا نَظْرَةٌ لِشَهْوَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ فَكَانَ حَرَامًا (فَإِنْ فَعَلَ فَأَنْزَلَ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّهَا مُبَاشَرَةٌ اقْتَرَنَ بِهَا الْإِنْزَالُ فَأَوْجَبَتْهَا كَالْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ (وَلَمْ يَفْسُدْ نُسُكُهُ) لِعَدَمِ الدَّلِيلِ؛ وَلِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ لَمْ يَجِبْ بِنَوْعِهِ الْحَدُّ فَلَمْ يُفْسِدْهُ (كَمَا لَوْ لَمْ يُنْزِلْ وَكَمَا لَوْ لَمْ يَكُنِ) الْإِنْزَالُ (لِشَهْوَةٍ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّوْمِ: أَنَّهُ يُفْسِدُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ بِخِلَافِ الْحَجِّ لَا يُفْسِدُهُ إلَّا الْجِمَاعُ وَالرَّفَثُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَلَمْ نَقُلْ بِجَمِيعِهِ مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْقَوْلُ بِهِ فِي الْفُسُوقِ وَالْجِدَالِ (وَتَأْتِي تَتِمَّةٌ فِي الْبَابِ بَعْدَهُ) .
[فَصْلٌ الْمَرْأَةُ إحْرَامُهَا فِي وَجْهِهَا]
فَصْلٌ (وَالْمَرْأَةُ إحْرَامُهَا فِي وَجْهِهَا فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا تَغْطِيَتُهُ بِبُرْقُعٍ أَوْ نِقَابٍ أَوْ غَيْرِهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ " لَا تَتَنَقَّبْ الْمَرْأَةُ وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ إحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا وَإِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ (فَإِنْ غَطَّتْهُ) أَيْ: الْوَجْهَ (لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَدَتْ) كَمَا لَوْ غَطَّى الرَّجُلُ رَأْسَهُ (وَالْحَاجَةُ: كَمُرُورِ رِجَالٍ قَرِيبًا مِنْهَا تُسْدِلُ الثَّوْبَ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا) لِفِعْلِ عَائِشَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا.
(وَلَوْ مَسَّ) الثَّوْبُ (وَجْهَهَا) وَشَرَطَ الْقَاضِي فِي السَّاتِرِ أَنْ لَا يُصِيبَ بَشَرَتَهَا فَإِنْ أَصَابَهَا ثُمَّ ارْتَفَعَ بِسُرْعَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا وَإِلَّا فَدَتْ لِاسْتِدَامَةِ السِّتْرِ وَرَدَّهُ الْمُوَفَّقُ بِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَيْسَ هُوَ عَنْ أَحْمَدَ وَلَا هُوَ فِي الْخَبَرِ بَلْ الظَّاهِرُ مِنْهُ خِلَافُهُ فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ الْمَسْدُولُ مِنْ إصَابَةِ الْبَشَرَةِ فَلَوْ كَانَ شَرْطًا لَبُيِّنَ.
وَيَجِبُ عَلَيْهَا تَغْطِيَةُ رَأْسِهَا كُلِّهِ (وَلَا يُمْكِنُهَا تَغْطِيَةُ جَمِيعِ الرَّأْسِ إلَّا بِجُزْءٍ مِنْ الْوَجْهِ وَلَا كَشْفُ جَمِيعِ الْوَجْهِ إلَّا بِجُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ فَسَتْرُ الرَّأْسِ كُلِّهِ أَوْلَى) ؛ لِأَنَّهُ آكَدُ لِوُجُوبِ سَتْرِهِ مُطْلَقًا.
(وَلَا تَحْرُمُ تَغْطِيَةُ كَفَّيْهَا) خِلَافًا لِأَبِي الْفَرَجِ حَيْثُ أَلْحَقَهَا بِالْوَجْهِ.
(وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا مَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ) مِنْ إزَالَةِ
стр. 952
الشَّعْرِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ وَنَحْوِهَا لِدُخُولِهَا فِي عُمُومِ الْخِطَابِ (إلَّا لُبْسَ الْمَخِيطِ وَتَظْلِيلِ الْمَحْمَلِ وَغَيْرِهِ) كَالْهَوْدَجِ وَالْمِحَفَّةِ لِحَاجَتِهَا إلَى السَّتْرِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا وَكَعَقْدِ الْإِزَارِ لِلرَّجُلِ.
(وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا وَعَلَى رَجُلٍ لُبْسُ قُفَّازَيْنِ أَوْ قُفَّازًا وَاحِدًا وَهُمَا كُلُّ مَا يُعْمَلُ لِلْيَدَيْنِ إلَى الْكُوعَيْنِ يُدْخِلُهُمَا فِيهِ لِسَتْرِهِمَا مِنْ الْحَرِّ كَالْجَوَارِبِ لِلرِّجْلَيْنِ كَمَا يُعْمَلُ لِلْبُزَاةِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا " لَا تَتَنَقَّبْ الْمَرْأَةُ وَلَا تَلْبَسْ الْقُفَّازَيْنِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالرَّجُلُ أَوْلَى وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ تَغْطِيَتِهِمَا بِكُمِّهِمَا لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْ جَوَازِهِ بِهِمَا بِدَلِيلِ جَوَازِ تَغْطِيَةِ الرَّجُلِ قَدَمَهُ بِإِزَارِهِ لَا بِخُفٍّ.
وَإِنَّمَا جَازَ تَغْطِيَةُ قَدَمَيْهَا بِكُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُمَا عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ (وَفِيهِ) أَيْ: لُبْسِ الْقُفَّازَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا (الْفِدْيَةُ كَالنِّقَابِ قَالَ الْقَاضِي وَمِثْلُهُمَا لَوْ لَفَّتْ عَلَى يَدَيْهَا خِرْقَةً أَوْ خِرَقًا وَشَدَّتْهَا عَلَى حِنَّاءٍ أَوْ لَا كَشَدِّهِ) أَيْ: الرَّجُلِ (عَلَى جَسَدِهِ شَيْئًا) وَذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ عَنْ أَحْمَدَ وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ (وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ: لَا يَحْرُمُ وَإِنْ لَفَّتْهَا بِلَا شَدٍّ فَلَا بَأْسَ) ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ اللُّبْسُ لَا التَّغْطِيَةُ كَيَدَيْ الرَّجُلِ وَلَا بَأْسَ أَنْ تَطُوفَ مُنْتَقِبَةً إنْ لَمْ تَكُنْ مُحْرِمَةً فَعَلَتْهُ عَائِشَةُ.
(وَيُبَاحُ لَهَا خَلْخَالٌ وَنَحْوُهُ مِنْ حُلِيٍّ كَسِوَارٍ وَنَحْوِهِ) كَدُمْلُجٍ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ قَالَ نَافِعٌ " كُنَّ نِسَاءَ ابْنِ عُمَرَ يَلْبَسْنَ الْحُلِيَّ وَالْمُعَصْفَرَ وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ.
وَفِي خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ " وَيَلْبَسْنَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَ " وَلَا دَلِيلَ لِلْمَنْعِ (وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا لِبَاسُ زِينَةٍ.
وَفِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا: يُكْرَهُ) أَيْ: لِبَاسُ الزِّينَةِ قَالَ أَحْمَدُ الْمُحْرِمَةُ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا يَتْرُكَانِ الطِّيبَ وَالزِّينَةَ وَلَهُمَا سِوَى ذَلِكَ وَفِي التَّبْصِرَةِ: يَحْرُمُ.
(وَيُكْرَهُ لَهُمَا) أَيْ: لِلْمُحْرِمِ وَالْمُحْرِمَةِ (كُحْلٌ بِإِثْمِدٍ وَنَحْوِهِ) مِنْ كُلِّ كُحْلٍ أَسْوَدَ غَيْرِ مُطَيَّبٍ (لِزِينَةٍ لَا لِغَيْرِهَا) رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ (وَلَا يُكْرَهُ غَيْرُهُ) أَيْ: الْإِثْمِدِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا زِينَةَ بِهِ (إذَا لَمْ يَكُنْ مُطَيَّبًا) فَإِنْ كَانَ مُطَيَّبًا حُرِّمَ.
(وَيُكْرَهُ لَهَا خِضَابٌ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الزِّينَةِ كَالْكُحْلِ بِالْإِثْمِدِ وَ (لَا) يُكْرَهُ لَهَا الْخِضَابُ بِالْحِنَّاءِ (عِنْدَ) إرَادَةِ (الْإِحْرَامِ) بَلْ يُسْتَحَبُّ (وَتَقَدَّمَ) أَوَّلَ بَابِ الْإِحْرَامِ وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِلرَّجُلِ فِيمَا لَا تَشَبُّهَ فِيهِ بِالنِّسَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ وَلَا دَلِيلَ لِلْمَنْعِ.
(وَيَجُوزُ لَهُمَا لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ وَالْكُحْلِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَصْبَاغِ) لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «فِي حَقِّ الْمُحْرِمَةِ وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ مُعَصْفَرٍ أَوْ خَزٍّ أَوْ كُحْلِيٍّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ
стр. 953
وَأَسْمَاءَ " أَنَّهُمَا كَانَا يُحْرِمَانِ فِي الْمُعَصْفَرِ "؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ فَلَمْ يُكْرَهْ الْمَصْبُوغُ بِهِ كَالسَّوَادِ (إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ) ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ أَنَّهُ يُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ فَفِيهِ أَوْلَى هَكَذَا فِي الْإِنْصَافِ هُنَا وَمَعْنَاهُ فِي الشَّرْحِ وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِي الْإِحْرَامِ كَمَا فِي الْمُبْدِعِ وَالتَّنْقِيحِ وَغَيْرِهِمَا ذَكَرَهُ نَصًّا (وَلَهُمَا قَطْعُ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ بِغَيْرِ طِيبٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ بَلْ مَطْلُوبٌ فِعْلُهُ.
(وَالنَّظَرُ فِي الْمِرْآةِ) جَائِزٌ (لَهُمَا جَمِيعًا لِحَاجَةٍ كَمُدَاوَاةِ جُرْحٍ وَإِزَالَةِ شَعْرٍ بِعَيْنِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزِينَةٍ (وَيُكْرَهُ) نَظَرُهُمَا فِي الْمِرْآةِ (لِزِينَةٍ) كَالِاكْتِحَالِ بِالْإِثْمِدِ.
(وَلَهُ) أَيْ: الْمُحْرِمِ (لُبْسُ خَاتَمٍ) مِنْ فِضَّةٍ أَوْ عَقِيقٍ وَنَحْوِهِمَا لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " لَا بَأْسَ بِالْهِمْيَانِ وَالْخَاتَمِ لِلْمُحْرِمِ ".
(وَ) لَهُ (رَبْطُ جُرْحٍ وَ) لَهُ (خِتَانٌ) نَصًّا (وَقَطْعُ عُضْوٍ عِنْدَ الْحَاجَةِ) إلَيْهِ.
(وَأَنْ يَحْتَجِمَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا رَفَاهِيَةَ فِيهِ وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ احْتَاجَ) الْمُحْرِمُ (فِي الْحِجَامَةِ إلَى قَطْعِ شَعْرٍ فَلَهُ قَطْعُهُ وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ) لِمَا قَطَعَهُ مِنْ الشَّعْرِ كَمَا لَوْ احْتَاجَ لِحَلْقِ رَأْسِهِ.
(وَيَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (مَا نَهَى اللَّهُ) تَعَالَى (عَنْهُ مِنْ الرَّفَثِ وَهُوَ الْجِمَاعُ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ.
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الرَّفَثُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِكُلِّ مَا يُرِيدُهُ الرَّجُلُ مِنْ الْمَرْأَةِ (وَكَذَا التَّقْبِيلُ وَالْغَمْزُ وَأَنْ يُعَرِّضَ لَهَا بِالْفُحْشِ مِنْ الْكَلَامِ) رُوِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (وَالْفُسُوقُ وَهُوَ السِّبَابُ) وَقِيلَ الْمَعَاصِي (وَالْجِدَالُ وَهُوَ الْمِرَاءُ فِيمَا لَا يَعْنِي) أَيْ: يَهُمُّ قَالَ الْمُوَفَّقُ: الْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَقَالَ فِي الْفُصُولِ: يَجِبُ اجْتِنَابُ الْجِدَالِ وَهُوَ الْمُمَارَاةُ فِيمَا لَا يَعْنِي.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْفُسُوقُ وَهُوَ السِّبَابُ وَالْجِدَالُ وَهُوَ الْمُمَارَاةُ فِيمَا لَا يَعْنِي وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ: يُكْرَهُ كُلُّ جِدَالٍ وَمِرَاءٍ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ.
(وَيُسْتَحَبُّ لَهُ قِلَّةُ الْكَلَامِ إلَّا فِيمَا يَنْفَعُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ مَرْفُوعًا «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ مِثْلُهُ وَلَهُ أَيْضًا فِي لَفْظٍ " قِلَّةُ الْكَلَامِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ ".
(وَ) يُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ (أَنْ يَشْتَغِلَ بِالتَّلْبِيَةِ وَذِكْرِ اللَّهِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَتَعْلِيمِ الْجَاهِلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) مِنْ الْمَطْلُوبَاتِ (وَيُبَاحُ لَهُ أَنْ يَتَّجِرَ وَ) أَنْ (يَصْنَعَ الصَّانِعُ مَا لَمْ يَشْغَلْهُ) ذَلِكَ (عَنْ وَاجِبٍ أَوْ مُسْتَحَبٍّ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي الْمَوَاسِمِ
стр. 954
فَنَزَلَتْ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ التَّيْمِيِّ قَالَ «كُنْتُ رَجُلًا أُكَرِّي فِي هَذَا الْوَجْه وَكَانَ نَاسٌ يَقُولُونَ: لَيْسَ لَكَ حَجٌّ فَلَقِيتُ ابْنَ عُمَرَ فَقُلْتُ: إنِّي أُكَرِّي فِي هَذَا الْوَجْهِ وَإِنَّ أُنَاسًا يَقُولُونَ: لَيْسَ لَكَ حَجٌّ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَلَيْسَ تُحْرِمُ وَتُلَبِّي وَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَتُفِيضُ مِنْ عَرَفَاتٍ وَتَرْمِي الْجِمَارَ؟ فَقُلْتُ: بَلَى قَالَ فَإِنَّ لَكَ حَجًّا جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ مِثْلَ مَا سَأَلْتَنِي فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُ حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَةُ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فَأَرْسَلَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ لَكَ حَجٌّ»
إسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَأَحْمَدُ وَعِنْدَهُ " إنَّا نُكْرِي فَهَلْ لَنَا مِنْ حَجٍّ "؟ وَفِيهِ وَتَحْلِقُونَ رُءُوسَكُمْ وَفِيهِ: فَقَالَ: " أَنْتُمْ حُجَّاجٌ ".
[بَابُ الْفِدْيَةِ]
(بَابُ الْفِدْيَةِ) مَصْدَرُ فَدَاهُ يُقَالُ: فَدَاهُ وَأَفْدَاهُ: أَعْطَى فِدَاءَهُ وَيُقَالُ فَدَاهُ إذَا قَالَ لَهُ: جُعِلْتَ فِدَاكَ وَالْفِدْيَةُ وَالْفِدَاءُ وَالْفِدَى بِمَعْنَى، إذَا كُسِرَ أَوَّلُهُ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ وَإِذَا فُتِحَ أَوَّلُهُ قُصِرَ وَحَكَى صَاحِبُ الْمَطَالِعِ عَنْ يَعْقُوبَ فِدَاءَكَ مَمْدُودًا مَهْمُوزًا مُثَلَّثَ الْفَاءِ (وَهِيَ مَا) أَيْ: دَمٌ أَوْ صَوْمٌ أَوْ طَعَامٌ (يَجِبُ بِسَبَبِ نُسُكٍ) كَدَمِ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ وَمَا وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ إحْصَارٍ أَوْ لِفِعْلِ مَحْظُورٍ (أَوْ) تَجِبُ بِسَبَبِ (حَرَمٍ) مَكِّيٍّ كَالْوَاجِبِ فِي صَيْدِهِ وَنَبَاتِهِ (وَلَهُ تَقْدِيمُهَا) أَيْ: الْفِدْيَةِ (عَلَى الْفِعْلِ الْمَحْظُورِ) إذَا احْتَاجَ إلَى فِعْلِهِ (لِعُذْرٍ كَ) أَنْ يَحْتَاجَ إلَى (حَلْقٍ وَلُبْسٍ وَتَطَيُّبٍ) أَوْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ صَيْدٍ (بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ) أَيْ: الْعُذْرِ (الْمُبِيحِ) لِفِعْلِ الْمَحْظُورِ فِعْلُهُ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ فَجَازَ تَقْدِيمُهَا عَلَى وَقْتِ الْوُجُوبِ (كَكَفَّارَةِ يَمِينٍ) لَهُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْحِنْثِ بَعْدَ عَقْدِ الْيَمِينِ
стр. 955
وَكَتَعْجِيلِ الزَّكَاة لِحَوْلٍ أَوْ حَوْلَيْنِ بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ الزَّكَوِيِّ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ.
[الْفِدْيَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ]
[الضَّرْب الْأَوَّل مَا يَجِبُ عَلَى التَّخْيِيرِ]
(وَهِيَ) أَيْ: الْفِدْيَةُ (عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ) لَكِنَّهَا فِي التَّحْقِيقِ ضَرْبَانِ كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ (أَحَدُهَا) مَا يَجِبُ (عَلَى التَّخْيِيرِ وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: يُخَيَّرُ فِيهِ) الْمُخْرِجُ (بَيْنَ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ إطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ بُرٍّ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ شَعِيرٍ) كَفِطْرَةٍ (أَوْ ذَبْحِ شَاةٍ فَلَا يُجْزِئُ الْخُبْزُ) كَالْفِطْرَةِ وَالْكَفَّارَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ (وَاخْتَارَ الشَّيْخُ الْإِجْزَاءَ) أَيْ: إجْزَاءَ الْخُبْزِ كَاخْتِيَارِهِ فِي الْفِطْرَةِ وَالْكَفَّارَةِ.
(وَيَكُونُ الْخُبْزُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ) بِنَاءً عَلَى إجْزَائِهِ (رَطْلَيْنِ عِرَاقِيَّةً) كَمَا قِيلَ فِي الْكَفَّارَةِ (وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ) مَا يُخْرِجُهُ (بِأُدْمٍ) لِيَكْفِيَ الْمَسَاكِينَ الْمُؤْنَةَ عَلَى قِيَاسِ الْكَفَّارَةِ.
(وَ) إخْرَاجُ الْفِدْيَةِ (مِمَّا يَأْكُلُ أَفْضَلَ مِنْ بُرٍّ وَشَعِيرٍ) وَغَيْرِهِمَا كَالْكَفَّارَةِ وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ.
لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] (وَهِيَ) أَيْ: الْفِدْيَةُ الَّتِي يُخَيَّرُ فِيهَا بَيْنَ مَا ذُكِرَ (فِدْيَةُ حَلْقِ الشَّعْرِ) أَيْ: أَكْثَرَ مِنْ شَعْرَتَيْنِ (وَتَقْلِيمِ الْأَظَافِرِ) أَيْ: أَكْثَرَ مِنْ ظُفْرَيْنِ وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الشَّعْرَتَيْنِ وَالظُّفْرَيْنِ وَمَا دُونِهِمَا (وَ) فِدْيَةُ (تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ) مِنْ الذَّكَرِ أَوْ الْوَجْهِ مِنْ الْمَرْأَةِ.
(وَ) فِدْيَةُ (اللُّبْسِ وَالتَّطَيُّبِ وَلَوْ حَلَقَ وَنَحْوَهُ) بِأَنْ قَلَّمَ أَوْ لَبِسَ أَوْ تَطَيَّبَ (لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ «لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ قَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ ﷺ احْلِقْ رَأْسَكَ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ أَوْ أَنْسِكْ شَاةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ تَمْرٍ " فَدَلَّتْ الْآيَةُ وَالْخَبَرُ عَلَى وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى صِفَةِ التَّخْيِيرِ؛ لِأَنَّهُ مَدْلُولٌ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ وَقِيسَ عَلَيْهِ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَاللُّبْسُ، وَالطِّيبُ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ فِي الْإِحْرَامِ لِأَجْلِ التَّرَفُّهِ فَأَشْبَهَ حَلْقَ الرَّأْسِ وَثَبَتَ الْحُكْمُ فِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ تَبَعًا لَهُ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ كَفَّارَةٍ ثَبَتَ التَّخْيِيرُ فِيهَا مَعَ الْعُذْرِ ثَبَتَ مَعَ عَدَمِهِ كَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ لِجَوَازِ الْحَلْقِ لَا لِلتَّخْيِيرِ وَالْحَدِيثُ ذُكِرَ فِيهِ التَّمْرَ وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ الزَّبِيبُ وَقِيسَ عَلَيْهَا الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَالْأَقِطُ،
стр. 956
كَالْفِطْرَةِ وَالْكَفَّارَةِ.
(النَّوْعُ الثَّانِي) مِنْ الضَّرْبِ الَّذِي عَلَى التَّخْيِيرِ (جَزَاءُ الصَّيْدِ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ) إخْرَاجِ (الْمِثْلِ فَإِنْ اخْتَارَهُ ذَبَحَهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ حَيًّا) ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى سَمَّاهُ هَدْيًا وَالْهَدْيُ يَجِبُ ذَبْحُهُ (وَلَهُ ذَبْحُهُ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ فَلَا يَخْتَصُّ بِأَيَّامِ النَّحْرِ) ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِهِ مُطْلَقٌ (أَوْ تَقْوِيمِ الْمِثْلِ بِدَرَاهِمَ) وَيَكُونُ التَّقْوِيمُ (بِالْمَوْضِعِ الَّذِي أَتْلَفَهُ) أَيْ: الصَّيْدَ (فِيهِ وَبِقُرْبِهِ) أَيْ: قُرْبَ مَحَلِّ تَلَفِ الصَّيْدِ نَقَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٌّ (لِيَشْتَرِيَ بِهَا) أَيْ: الدَّرَاهِمِ (طَعَامًا يَجْزِي فِي الْفِطْرَةِ) كَوَاجِبٍ فِي فِدْيَةِ أَذًى وَكَفَّارَةٍ.
(وَإِنْ أَحَبَّ أَخْرَجَ مِنْ طَعَامٍ) مُجْزِئٍ (يَمْلِكُهُ بِقَدْرِ الْقِيمَةِ) مُتَحَرِّيًا الْعَدْلَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ الشِّرَاءِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالدَّرَاهِمِ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذَكَرَ فِي الْآيَةِ التَّخْيِيرَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ وَهَذَا لَيْسَ مِنْهَا.
(فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ) مِنْ مَسَاكِينِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ لَهُمْ (مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ) وَتَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُدِّ وَالصَّاعِ فِي الْغُسْلِ (أَوْ يَصُومُ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] فَعَطَفَ بِأَوْ وَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ بَقِيَ) مِنْ الطَّعَامِ (مَا لَا يَعْدِلُ يَوْمًا) بِأَنْ كَانَ دُونَ طَعَامِ مِسْكِينٍ (صَامَ يَوْمًا) كَامِلًا؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ.
(وَلَا يَجِبُ التَّتَابُعُ فِي هَذَا الصَّوْمِ) لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَالْأَمْرُ بِهِ مُطْلَقٌ فَتَنَاوَلَ الْحَالَيْنِ.
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ عَنْ بَعْضِ الْجَزَاءِ وَيُطْعِمَ عَنْ بَعْضِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَمْ يَجُزْ فِيهَا ذَلِكَ كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ (وَإِنْ كَانَ) الصَّيْدُ (مِمَّا لَا مَثِيلَ لَهُ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا) يُجْزِئُ فِي الْفِطْرَةِ وَإِنْ أَحَبَّ أَخْرَجَ مِنْ طَعَامٍ يَمْلِكُهُ بِقَدْرِ الْقِيمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ (فَيُطْعِمُهُ لِلْمَسَاكِينِ) كُلُّ مِسْكِينٍ مُدُّ بُرٍّ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ.
(وَبَيْنَ أَنْ يَصُومَ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا) لِتَعَذُّرِ الْمِثْلِ فَيُخَيَّرُ فِيمَا عَدَاهُ.
стр. 957
[فَصْلٌ الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ أَضْرُبِ الْفِدْيَةِ مَا يَجِب عَلَى التَّرْتِيبِ]
(فَصْلٌ الضَّرْبُ الثَّانِي) مِنْ أَضْرُبِ الْفِدْيَةِ (عَلَى التَّرْتِيبِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ أَحَدُهَا: دَمُ مُتْعَةٍ وَقِرَانٍ فَيَجِبُ الْهَدْيُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَقِيسَ الْقَارِنُ عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(فَإِنْ عَدِمَهُ) أَيْ: عَدِمَ الْمُتَمَتِّعُ وَالْقَارِنُ الْهَدْيَ (مَوْضِعَهُ أَوْ وَجَدَهُ) يُبَاعُ (وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ إلَّا فِي بَلَدِهِ فَصِيَامُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) قِيلَ مَعْنَاهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: فِي وَقْتِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إضْمَارٍ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ أَفْعَالٌ لَا يُصَامُ فِيهَا وَإِنَّمَا يُصَامُ فِي أَشْهُرِهَا أَوْ وَقْتِهَا وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] أَيْ: فِي أَشْهُرٍ.
(وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْتَرِضَ) ثَمَنَ الْهَدْيِ (وَلَوْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اسْتِمْرَارُ إعْسَارِهِ (وَيَعْمَلُ بِظَنِّهِ فِي عَجْزِهِ) عَنْ الْهَدْيِ (فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْمُعْسِرِ اسْتِمْرَارُ إعْسَارِهِ فَلِهَذَا جَازَ) لِلْمُعْسِرِ (الِانْتِقَالُ إلَى الصَّوْمِ قَبْلَ زَمَانِ الْوُجُوبِ) أَيْ: وُجُوبِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ.
(وَالْأَفْضَلُ: أَنْ يَكُونَ آخِرُ الثَّلَاثَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ) نَصَّ عَلَيْهِ (فَيَصُومَهُ) أَيْ: يَوْمَ عَرَفَةَ هُنَا اسْتِحْبَابًا (لِلْحَاجَةِ) إلَى صَوْمِهِ.
(وَيُقَدِّمُ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ فَيَكُونُ الْيَوْمُ السَّابِعُ مِنْ) ذِي (الْحِجَّةِ مُحْرِمًا) فَيُحْرِمُ قَبْلَ طُلُوعِ فَجْرِهِ (وَهُوَ أَوَّلُهَا) لِيَصُومَهَا كُلَّهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ.
(وَلَهُ تَقْدِيمُهَا) أَيْ: الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ (قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ بَعْدَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ) لَا قَبْلَهُ وَأَنْ يَصُومَهَا فِي إحْرَامِ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ أَحَدُ إحْرَامِي التَّمَتُّعِ فَجَازَ الصَّوْمُ فِيهِ وَبَعْدَهُ كَالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ؛ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْوَاجِبِ عَلَى وَقْتِ وُجُوبِهِ إذَا وُجِدَ سَبَبُ الْوُجُوبِ وَهُوَ هُنَا إحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَتَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ بَعْدَ الْيَمِينِ وَ (لَا) يَجُوزُ تَقْدِيمُ صَوْمِهَا (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ لِعَدَمِ وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ كَتَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْيَمِينِ (وَوَقْتُ وُجُوبِ صَوْمِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ: وَقْتُ وُجُوبِ الْهَدْيِ) وَهُوَ طُلُوعُ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُهُ.
(وَتَقَدَّمَ) وَقْتُ وُجُوبِهِ (وَ) صِيَامُ (سَبْعَةِ) أَيَّامٍ (إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ)
стр. 958
لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
(وَلَا يَصِحُّ صَوْمُهَا) أَيْ: السَّبْعَةِ (بَعْدَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْهُ) قَالُوا:؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] يَعْنِي مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ (وَلَا) يَصِحُّ صَوْمُهَا (فِي أَيَّامِ مِنًى لِبَقَاءِ أَعْمَالٍ مِنْ الْحَجِّ كَرَمْيِ الْجِمَارِ وَلَا) يَصِحُّ صَوْمُ السَّبْعَةِ (بَعْدَهَا) أَيْ: بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى (قَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ) ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ قُلْتُ وَكَذَا بَعْدَ الطَّوَافِ وَقَبْلَ السَّعْيِ.
(وَ) إنْ صَامَ السَّبْعَةَ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الطَّوَافِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: وَالسَّعْيُ (يَصِحُّ) ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ.
(وَالِاخْتِيَارُ) أَنْ يَصُومَهَا (إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ لَمْ يَصُمْ الثَّلَاثَةَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ صَامَ أَيَّامَ مِنًى) وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ " لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يَصُمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ؛ وَلِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَ بِصِيَامِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ فِي الْحَجِّ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ الْحَجِّ إلَّا هَذِهِ الْأَيَّامُ فَتَعَيَّنَ فِيهَا الصَّوْمُ.
(وَلَا دَمَ عَلَيْهِ) إذَا صَامَهَا أَيَّام مِنَى؛ لِأَنَّهُ صَامَهَا فِي الْحَجِّ (فَإِنْ لَمْ يَصُمْهَا) أَيْ: الثَّلَاثَةَ أَيَّامٍ (فِيهَا) أَيْ: فِي أَيَّامِ مِنًى وَلَا قَبْلَهَا (وَلَوْ لِعُذْرٍ) كَمَرَضٍ (صَامَ بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ) كَامِلَةً اسْتِدْرَاكًا لِلْوَاجِبِ (وَعَلَيْهِ دَمٌ) لِتَأْخِيرِهِ وَاجِبًا مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ عَنْ وَقْتِهِ.
(وَكَذَا إنْ أَخَّرَ الْهَدْيَ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ) فَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَأْخِيرِ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ عَنْ وَقْتِهِ فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ كَأَنْ ضَاعَتْ نَفَقَتُهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ (وَلَا يَجِبُ تَتَابُعٌ وَلَا تَفْرِيقٌ فِي صَوْمِ الثَّلَاثَةِ وَلَا) فِي صَوْمِ (السَّبْعَةِ وَلَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ إذَا قَضَى) الثَّلَاثَةَ أَوْ صَامَهَا أَيَّامَ مِنًى؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ وَرَدَ بِهَا مُطْلَقًا وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي جَمْعًا وَلَا تَفْرِيقًا.
(وَمَتَى وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ) لِعَجْزِهِ عَنْ الْهَدْيِ وَقْتَ وُجُوبِهِ (فَشَرَعَ فِيهِ) أَيْ: الصَّوْمِ (أَوْ لَمْ يَشْرَعْ) فِيهِ (ثُمَّ قَدِرَ عَلَى الْهَدْيِ لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ إلَيْهِ) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْوُجُوبِ كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ.
(وَإِنْ شَاءَ انْتَقَلَ) عَنْ الصَّوْمِ إلَى الْهَدْيِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَإِنْ صَامَ قَبْلَ الْوُجُوبِ ثُمَّ قَدِرَ عَلَى الْهَدْيِ وَقْتَ الْوُجُوبِ فَصَرَّحَ ابْنُ الزَّاغُونِيُّ: بِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ، وَإِطْلَاقُ الْأَكْثَرِينَ يُخَالِفُهُ.
وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ تَصْرِيحٌ بِهِ قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ وَاقْتَصَرَ
стр. 959
عَلَيْهِ فِي الْإِنْصَافِ (وَمَنْ لَزِمَهُ صَوْمُ الْمُتْعَةِ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ) كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ (لِغَيْرِ عُذْرٍ أَطْعَمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٍ) مِنْ تَرِكَتِهِ إنْ كَانَتْ وَإِلَّا اُسْتُحِبَّ لِوَلِيِّهِ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ وَلَا يُصَامُ عَنْهُ لِوُجُوبِهِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ بِخِلَافِ النَّذْرِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدَمُ إتْيَانِهِ بِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ بِأَنْ كَانَ لِعُذْرٍ (فَلَا) إطْعَامَ عَنْهُ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ.
النَّوْعُ (الثَّانِي) مِنْ الضَّرْبِ الثَّانِي (الْمُحْصَرُ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (يَنْحَرُهُ بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (مَكَانَهُ) أَيْ: الْإِحْصَارِ (كَمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ) مُوَضَّحًا.
(فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْمُحْصَرُ الْهَدْيَ (صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ) قِيَاسًا عَلَى هَدْيِ التَّمَتُّعِ (بِالنِّيَّةِ) أَيْ: نِيَّةِ التَّحَلُّلِ لِمَا تَقَدَّمَ (ثُمَّ حَلَّ) وَلَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ قَبْلَ ذَلِكَ (وَلَا إطْعَامَ فِيهِ) أَيْ: فِي هَذَا النَّوْعِ وَيَأْتِي إيضَاحُهُ فِي بَابِهِ.
النَّوْعُ (الثَّالِثُ فِدْيَةُ الْوَطْءِ تَجِب بِهِ بَدَنَةٌ) فِي حَجٍّ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ (قَارِنًا كَانَ أَوْ مُفْرِدًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا) أَيْ: الْبَدَنَةَ (صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثَلَاثَةً فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ) أَيْ: فَرَغَ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ (كَدَمِ الْمُتْعَةِ لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ بِهِ) قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَوَاهُ عَنْهُمْ الْأَثْرَمُ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ فَيَكُونُ إجْمَاعًا فَيَكُونُ بَدَلُهُ مَقِيسًا عَلَى بَدَلِ دَمِ الْمُتْعَةِ.
(وَ) تَجِبُ (شَاةٌ إنْ كَانَ) الْوَطْءُ (فِي الْعُمْرَةِ) وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ مُسْتَوْفًى (وَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُطَاوِعَةِ مِثْلُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ و (لَا) تَجِبُ فِدْيَةُ الْوَطْءِ عَلَى (الْمُكْرَهَةِ وَالنَّائِمَةِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (وَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَاطِئِ أَنْ يَفْدِيَ عَنْهَا وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ) فِي الْبَابِ قَبْلَهُ.
[فَصْلٌ الضَّرْبُ الثَّالِثُ مِنْ أَضْرُبِ الْفِدْيَةِ الدِّمَاءُ الْوَاجِبَةُ]
(فَصْلٌ الضَّرْبُ الثَّالِثُ) مِنْ أَضْرُبِ الْفِدْيَةِ (الدِّمَاءُ الْوَاجِبَةُ) لِغَيْرِ مَا تَقَدَّمَ كَدَمٍ وَجَبَ (لِفَوَاتِ الْحَجِّ بِعَدَمِ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ لِعُذْرِ حَصْرٍ أَوْ غَيْرِهِ) حَتَّى طَلَعَ فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ.
(وَلَمْ يَشْتَرِطْ: أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي) فَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ (أَوْ وَجَبَ) الدَّمُ (لِتَرْكِ وَاجِبٍ كَتَرْكِ
стр. 960
الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إلَى اللَّيْلِ) لِمَنْ وَقَفَ نَهَارًا (وَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ) كَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ أَوْ لَيَالِي مِنًى أَوْ رَمْي الْجِمَارِ أَوْ طَوَافِ الْوَدَاعِ (فَيَلْزَمُهُ مِنْ الْهَدْيِ مَا تَيَسَّرَ كَدَمِ الْمُتْعَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ حُكْمِهِ وَحُكْمُ الصِّيَامِ) بَدَلُهُ يَعْنِي: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ كَدَمِ الْمُتْعَةِ فَإِنْ عَدِمَهُ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ لَكِنْ فِي مَسْأَلَةِ الْفَوَاتِ لَا يُتَصَوَّرُ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ الْفَوَاتَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِطُلُوعِ فَجْرِهِ وَإِنَّمَا أُلْحِقَ بِدَمِ التَّمَتُّعِ لِتَرْكِهِ بَعْضَ مَا اقْتَضَاهُ إحْرَامُهُ فَصَارَ كَالْمُتَرَفِّهِ بِتَرْكِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ وَلَمْ يَلْحَقْ بِالْإِحْصَارِ مَعَ أَنَّهُ أَشْبَهَ بِهِ إذْ هُوَ إحْلَالٌ مِنْ إحْرَامِهِ قَبْلَ إتْمَامِهِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ فِي الْإِحْصَارِ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا ثَبَتَ قِيَاسًا وَقِيَاسُهُ عَلَى الْأَصْلِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوْلَى عَلَى أَنَّ الْهَدْيَ هُنَا كَهَدْيِ الْإِحْصَارِ وَالصِّيَامِ مِثْلَ الصِّيَامِ عَنْ دَمِ الْإِحْصَارِ إلَّا أَنَّ التَّحَلُّلَ فِي الْإِحْصَارِ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ ذَبْحِ الْهَدْيِ أَوْ الصِّيَامِ بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ وَهَذَا يَجُوزُ قَبْلَ الْحِلِّ وَبَعْدَهُ.
(وَمَا وَجَبَ) مِنْ الدِّمَاءِ (لِلْمُبَاشَرَةِ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ) كَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَالنَّظَرِ لِشَهْوَةٍ (فَمَا أَوْجَبَ مِنْهُ بَدَنَةً) وَهُوَ الَّذِي فِيهِ إنْزَالٌ وَكَانَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ مِنْ الْحَجِّ (فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ) فَتَجِبُ الْبَدَنَةُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثَلَاثَةً فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ وَجَبَ بِسَبَبِ الْمُبَاشَرَةِ أَشْبَهَ الْوَاجِبَ بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ.
(وَمَا عَدَا مَا يُوجِبُ بَدَنَةً بَلْ) أَوْجَبَ (دَمًا كَاسْتِمْتَاعٍ لَمْ يُنَزِّلْ فِيهِ) وَكَالْوَطْءِ فِي الْعُمْرَةِ وَبَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ فِي الْحَجِّ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (فَإِنَّهُ يُوجِبُ شَاةً وَحُكْمُهَا حُكْمُ فِدْيَةِ الْأَذَى) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّرَفُّهِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " فَمَنْ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي الْعُمْرَةِ قَبْلَ التَّقْصِيرِ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
(وَإِنْ كَرَّرَ النَّظَرَ) فَأَمْنَى (أَوْ قَبَّلَ) فَأَمْنَى (أَوْ لَمَسَ لِشَهْوَةٍ فَأَمْنَى أَوْ اسْتَمْنَى فَأَمْنَى فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ) قِيَاسًا عَلَى الْوَطْءِ.
(وَإِنْ أَمْذَى بِذَلِكَ) فَعَلَيْهِ شَاةٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ لِتَلَذُّذٍ كَاللَّمْسِ (أَوْ أَمْنَى بِنَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ ف) عَلَيْهِ (شَاةٌ) أَوْ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ إطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ كَفِدْيَةِ أَذًى؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ يَحْصُلُ بِهِ اللَّذَّةُ أَوْجَبَ الْإِنْزَالَ أَشْبَهَ اللَّمْسَ.
(وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ) بِالنَّظَرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ وَلَوْ كَرَّرَهُ وَأَمَّا الِاسْتِمْتَاعُ بِلَا إنْزَالٍ فَتَجِب بِهِ شَاةٌ كَمَا تَقَدَّمَ (أَوْ أَنْزَلَ عَنْ فِكْرٍ غَلَبَهُ) فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَتَكَلَّمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى تَكْرَارِ
стр. 961
النَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ دُونَهُ فِي اسْتِدْعَاءِ الشَّهْوَةِ وَإِفْضَائِهِ إلَى الْإِنْزَالِ.
وَيُخَالِفُهُ فِي التَّحْرِيمِ إذَا تَعَلَّقَ بِأَجْنَبِيَّةٍ أَوْ فِي الْكَرَاهَةِ إذَا تَعَلَّقَ بِمُبَاحَةٍ فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ (أَوْ أَمْذَى بِنَظْرَةٍ بِغَيْرِ تَكْرَارٍ) لِلنَّظَرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ (أَوْ احْتَلَمَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ (وَخَطَأٌ كَعَمْدٍ فِي الْكُلِّ) أَيْ: كُلِّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ وَتَكْرَارِ النَّظَرِ وَالتَّقْبِيلِ وَاللَّمْسِ لِشَهْوَةٍ فَلَا تَخْتَلِفُ لِلْفِدْيَةِ بِالْخَطَأِ وَالْعَمْدِ فِيهِ كَالْوَطْءِ.
(وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ مَعَ شَهْوَةٍ) فَيَجِبُ عَلَيْهَا مَعَ الشَّهْوَةِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي اللَّذَّةِ فَإِنْ لَمْ تُوجَد مِنْهَا شَهْوَةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا.
[فَصْلٌ كَرَّرَ الْمُحْرِم مَحْظُورًا مِنْ جِنْسِ غَيْرِ قَتْلِ صَيْدٍ]
فَصْلٌ (وَإِنْ كَرَّرَ مَحْظُورًا مِنْ جِنْسِ غَيْرِ) قَتْلِ (صَيْدٍ مِثْلَ أَنْ حَلَقَ) ثُمَّ أَعَادَ (أَوْ قَلَّمَ) ثُمَّ أَعَادَ (أَوْ لَبِسَ) مَخِيطًا ثُمَّ أَعَادَ (أَوْ تَطَيَّبَ) ثُمَّ أَعَادَ (أَوْ وَطِئَ) ثُمَّ أَعَادَ (أَوْ) فَعَلَ (غَيْرَهَا مِنْ الْمَحْظُورَاتِ) كَأَنْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ (ثُمَّ أَعَادَ) ذَلِكَ (ثَانِيًا وَلَوْ غَيْرَ الْمَوْطُوءَةِ) أَوْ لَا (أَوْ) كَانَ تَكْرِيرُهُ لِلْمَحْظُورِ (بِلُبْسِ مَخِيطٍ فِي رَأْسِهِ) فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ فَإِنْ لَبِسَ قَمِيصًا وَسَرَاوِيلَ وَعِمَامَةً وَخُفَّيْنِ كَفَاهُ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ لُبْسٌ فَأَشْبَهَ الطِّيبَ فِي رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ (أَوْ بِدَوَاءٍ مُطَيَّبٍ) ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ: الْمَذْهَبُ وَأَنَّ عَلَيْهِ الْأَصْحَاب وَبَنَاهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ عَلَى رِوَايَةٍ أَنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَسْبَابِ لَا بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَجْنَاسِ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذْ الطِّيبُ وَتَغْطِيَةُ الرَّأْسِ جِنْسَانِ كَمَا تَقَدَّمَ وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى تَكْرَارِ الطِّيبِ فَقَطْ بِأَنْ تَطَيَّبَ أَوْ لَا، ثُمَّ أَعَادَهُ بِدَوَاءٍ مُطَيَّبٍ فَهَذَا جِنْسٌ وَاحِدٌ لَا لُبْسَ مَعَهُ وَلَا تَغْطِيَةَ رَأْسٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ غَطَّى رَأْسَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ بِدَوَاءٍ مُطَيَّبٍ فَإِنَّهُ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِهِ يَلْزَمُهُ فِدْيَتَانِ لِتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ فِدْيَةٌ وَلِلطِّيبِ فِدْيَةٌ وَقَوْلُهُ (قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَنْ الْأَوَّلِ) مُتَعَلِّقٌ بِأَعَادَ (ف) عَلَيْهِ (كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ تَابَعَ الْفِعْلَ أَوْ فَرَّقَهُ) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ فِدْيَةً وَاحِدَةً وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا وَقَعَ فِي دَفْعَةٍ أَوْ دَفَعَاتٍ (فَلَوْ قَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَظْفَارٍ أَوْ قَطَعَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ فِي أَوْقَاتٍ قَبْلَ
стр. 962
التَّكْفِيرِ لَزِمَهُ دَمٌ) أَوْ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ إطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ وَلَمْ تَلْزَمْهُ ثَانِيَةً لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ كَفَّرَ عَنْ) الْفِعْلِ (الْأَوَّلِ لَزِمَهُ عَنْ الثَّانِي كَفَّارَةٌ) ثَانِيَةٌ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْكَفَّارَةِ الثَّانِيَةِ غَيْرُ عَيْنِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْكَفَّارَةِ الْأُولَى أَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ ثُمَّ حَنِثَ وَكَفَّرَ ثُمَّ حَلَفَ وَحَنِثَ.
(وَتَتَعَدَّدُ كَفَّارَةُ الصَّيْدِ) أَيْ: جَزَاؤُهُ (بِتَعَدُّدِهِ) أَيْ: الصَّيْدِ وَلَوْ قُتِلَتْ الصُّيُودُ مَعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَجَزَاءُ مِثْلِ الِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ مِثْلَ أَحَدِهِمَا.
(وَإِنْ فَعَلَ مَحْظُورًا مِنْ أَجْنَاسٍ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ) جِنْسٍ (وَاحِدٍ فِدَاءً) سَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ مُجْتَمِعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا اتَّحَدَتْ فِدْيَتُهَا أَوْ اخْتَلَفَتْ؛ لِأَنَّهَا مَحْظُورَاتٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَجْنَاسِ فَلَمْ يَتَدَاخَلْ مُوجِبُهَا كَالْحُدُودِ الْمُخْتَلِفَةِ.
(وَإِنْ حَلَقَ أَوْ قَلَّمَ) أَظْفَارَهُ (أَوْ وَطِئَ أَوْ قَتَلَ صَيْدًا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ مُخْطِئًا أَوْ مُكْرَهًا وَلَوْ نَائِمًا قَلَعَ شَعْرَةً أَوْ صَوَّبَ رَأْسَهُ إلَى تَنُّورٍ فَأَحْرَقَ اللَّهَبُ شَعْرَهُ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ إتْلَافٌ فَاسْتَوَى عَمْدُهَا وَسَهْوُهَا وَجَهْلُهَا كَإِتْلَافِ مَالِ الْآدَمِيِّ؛ وَلِأَنَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِأَذًى بِهِ وَهُوَ مَعْذُورٌ فَكَانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى غَيْرِ الْمَعْذُورِ وَدَلِيلًا عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْمَعْذُورِ بِنَوْعٍ آخَرَ كَالْمُحْتَجِمِ يَحْلِقُ مَوْضِعَ مَحَاجِمِهِ وَمَثَلُ ذَلِكَ الْمُبَاشَرَةُ دُونَ الْفَرْجِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
(وَإِنْ لَبِسَ) مَخِيطًا نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا (أَوْ تَطَيَّبَ) نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا (أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا فَلَا كَفَّارَةَ) لِقَوْلِهِ ﷺ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» قَالَ أَحْمَدُ إذَا جَامَعَ أَهْلَهُ بَطَلَ حَجُّهُ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ وَالصَّيْدُ إذَا قَتَلَهُ فَقَدْ ذَهَبَ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ وَالشَّعْرُ إذَا حَلَقَهُ فَقَدْ ذَهَبَ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ فِيهَا سَوَاءٌ وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ النِّسْيَانِ بَعْدَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ مِثْلَ مَا إذَا غَطَّى الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ ثُمَّ ذَكَرَ أَلْقَاهُ عَنْ رَأْسِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَوْ لَبِسَ خُفًّا نَزَعَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَيُلْحَقُ بِالْحَلْقِ: التَّقْلِيمُ بِجَامِعِ الْإِتْلَافِ (وَيَلْزَمُهُ غَسْلُ الطِّيبِ وَخَلْعُ اللِّبَاسِ فِي الْحَالِ) أَيْ: بِمُجَرَّدِ زَوَالِ الْعُذْرِ مِنْ النِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ وَالْإِكْرَاهِ لِخَبَرِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ وَعَلَيْهِ أَثَرُ خَلُوقٍ أَوْ قَالَ أَثَرُ صُفْرَةٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ
стр. 963
أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي قَالَ اخْلَعْ عَنْكَ هَذِهِ الْجُبَّةَ وَاغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الْخَلُوقِ أَوْ قَالَ أَثَرَ الصُّفْرَةِ وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكِ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْفِدْيَةِ مَعَ سُؤَالِهِ عَمَّا يَصْنَعُ وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ غَيْرُ جَائِزٍ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عَذَرَهُ لِجَهْلِهِ وَالنَّاسِي وَالْمُكْرَهُ فِي مَعْنَاهُ.
(وَمَتَى أَخَّرَهُ) أَيْ: غَسْلَ الطِّيبِ وَخَلْعَ اللِّبَاسِ (عَنْ زَمَنِ الْإِمْكَانِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ) لِاسْتِدَامَةِ الْمَحْظُورِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ (وَتَقَدَّمَ) حُكْمُ (غَسْلِ الطِّيبِ) فِي الْبَابِ قَبْلَهُ.
(وَمَنْ رَفَضَ إحْرَامَهُ لَمْ يَفْسُدْ) إحْرَامُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا بِالْفَسَادِ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا بِرَفْضِهَا بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ.
(وَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ لِرَفْضِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ نِيَّةٍ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ وَذَكَرَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَحُكْمُ إحْرَامِهِ بَاقٍ) ؛ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ مِنْ الْحَجِّ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ إمَّا بِكَمَالِ أَفْعَالِهِ أَوْ التَّحَلُّلِ مِنْهُ عِنْدَ الْحَصْرِ أَوْ بِالْعُذْرِ إذَا شَرَطَ فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي (فَإِنْ فَعَلَ مَحْظُورًا) بَعْدَ رَفْضِهِ إحْرَامَهُ (فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ) لِبَقَاءِ إحْرَامِهِ.
(وَمَنْ تَطَيَّبَ قَبْلَ إحْرَامِهِ فِي بَدَنِهِ فَلَهُ اسْتِدَامَةُ ذَلِكَ فِي إحْرَامِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فَإِنَّهُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ وَحَدِيثُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ كَانَ فِي عَامِ حُنَيْنٍ بِالْجِعْرَانَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ وَالْآثَارِ (وَتَقَدَّمَ) فِي الْبَابِ قَبْلَهُ.
(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: الْمُحْرِمِ (لُبْسُ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ بَعْدَ إحْرَامِهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَتَقَدَّمَ) فِي الْبَابِ قَبْلَهُ وَتَقَدَّمَ أَيْضًا حُكْمُ اسْتِدَامَةِ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ أَحْرَمَ فِيهِ.
(وَإِنْ أَحْرَمَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ وَنَحْوُهُ خَلَعَهُ) بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ وَالْآثَارِ (وَلَمْ يَشُقَّهُ) وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ إنَّمَا تَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُحْرِمِ لَا عَلَى الْمُحِلِّ لَا يُقَالُ: إنَّهُ بِإِقْدَامِهِ عَلَى إنْشَاءِ الْإِحْرَامِ وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِمَحْظُورَاتِهِ مُتَسَبِّبٌ إلَى مُصَاحَبَةِ اللُّبْسِ فِي الْإِحْرَامِ كَمَا لَا يُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْحَالِف وَالنَّاذِرِ فَإِنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ لَا يَحْلِفَ حَتَّى يَتْرُكَ التَّلَبُّسَ بِمَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ فَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْإِحْرَامُ وَعَلَيْهِ الْمَخِيطُ ثُمَّ يَخْلَعُهُ إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الرِّعَايَةِ أَنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ فَإِنَّ مُقْتَضَاهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ السَّابِعَةِ وَالْأَرْبَعِينَ (فَإِنْ اسْتَدَامَ لُبْسَهُ) أَيْ: الْمَخِيطَ (وَلَوْ لَحْظَةً فَوْقَ الْمُعْتَادِ مِنْ خَلْعِهِ فَدَى) لِاسْتِدَامَةِ الْمَحْظُورِ بِلَا
стр. 964
عُذْرٍ.
(فَإِنْ لَبِسَ بَعْدَ إحْرَامِهِ ثَوْبًا كَانَ مُطَيَّبًا أَوْ انْقَطَعَ رِيحُهُ) إذَا رُشَّ فِيهِ مَاءٌ فَاحَ رِيحُهُ فَدَى (أَوْ افْتَرَشَهُ وَلَوْ تَحْتَ حَائِلٍ غَيْرِ ثِيَابِهِ لَا يَمْنَعُ رِيحُهُ وَمُبَاشَرَتِهِ إذَا رَشَّ فِيهِ مَاءً فَاحَ رِيحُهُ فَدَى) ؛ لِأَنَّهُ مُطَيَّبٌ بِدَلِيلِ أَنَّ رَائِحَتَهُ تَظْهَرُ عِنْدَ رَشِّ الْمَاءِ وَالْمَاءُ لَا رَائِحَةَ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الطِّيبِ الَّذِي فِيهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ ظَهَرَتْ الرَّائِحَةُ بِنَفْسِهَا فَإِنْ كَانَ الْحَائِلُ غَيْرَ ثِيَابِهِ صَفِيقًا يَمْنَعُ رِيحَهُ وَمُبَاشَرَتَهُ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُسْتَعْمِلًا لَهُ.
[فَصْلٌ كُلُّ هَدْيٍ أَوْ إطْعَامٍ يَتَعَلَّقُ بِحَرَمٍ أَوْ إحْرَامٍ فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ]
فَصْلٌ (وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إطْعَامٍ يَتَعَلَّقُ بِحَرَمٍ أَوْ إحْرَامٍ كَجَزَاءِ صَيْدٍ وَمَا وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ) وَجَبَ ل (فَوَاتٍ أَوْ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ فِي الْحَرَمِ وَهَدْيِ تَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ وَمَنْذُورٍ وَنَحْوِهَا) فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ أَمَّا الْهَدْيُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] وَأَمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَأَمَّا مَا وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فَوَاتِ الْحَجِّ فَلِأَنَّهُ هَدْيٌ وَجَبَ لِتَرْكِ نُسُكٍ أَشْبَهَ دَمَ الْقِرَانِ وَالْإِطْعَامِ فِي مَعْنَى الْهَدْيِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " الْهَدْيُ وَالْإِطْعَامُ بِمَكَّةَ "؛ وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ يَنْفَعَهُمْ كَالْهَدْيِ وَكُلُّ هَدْيٍ قُلْنَا إنَّهُ لِمَسَاكِينِ الْحَرَم فَإِنَّهُ (يَلْزَمهُ ذَبْحه فِي الْحَرَم) وَيُجْزِئُهُ الذَّبْح فِي جَمِيع الْحَرَم لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِر مَرْفُوعًا «كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَلَكِنَّهُ فِي مُسْلِمٍ عَنْهُ مَرْفُوعًا «مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ» وَإِنَّمَا أَرَادَ الْحَرَمَ؛ لِأَنَّهُ كُلَّهُ طَرِيقٌ إلَيْهَا، وَالْفَجُّ الطَّرِيقُ وَقَوْلُهُ: هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] لَا يُمْنَعُ الذَّبْحُ فِي غَيْرِهَا كَمَا لَمْ يَمْنَعْهُ بِمِنًى.
(وَ) يَلْزَمُهُ (تَفْرِقَةُ لَحْمِهِ فِيهِ) أَيْ: فِي الْحَرَمِ (أَوْ إطْلَاقُهُ بَعْدَ ذَبْحِهِ لِمَسَاكِينِهِ) أَيْ: الْحَرَمِ (مِنْ الْمُسْلِمِينَ إنْ قَدِرَ عَلَى إيصَالِهِ إلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ يُرْسِلُهُ مَعَهُ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذَبْحِهِ بِالْحَرَمِ التَّوْسِعَةُ عَلَى مَسَاكِينِهِ وَلَا يَحْصُلُ بِإِعْطَاءِ غَيْرِهِمْ.
(وَهُمْ) أَيْ: مَسَاكِينُ الْحَرَم (مَنْ كَانَ) مُقِيمًا
стр. 965
(بِهِ أَوْ وَارِدًا إلَيْهِ مِنْ حَاجٍّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ أَخْذُ زَكَاةٍ لِحَاجَةٍ) كَالْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْغَارِمِ لِنَفْسِهِ (فَإِنْ دَفَعَ) مِنْ الْهَدْيِ أَوْ الْإِطْعَامِ (إلَى فَقِيرٍ فِي ظَنِّهِ فَبَانَ غَنِيًّا أَجْزَأَهُ) كَالزَّكَاةِ.
(وَيُجْزِئُ نَحْرُهُ فِي أَيِّ نَوَاحِي الْحَرَمِ كَانَ) الذَّبْحُ.
(قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ مَكَّةُ وَمِنًى وَاحِدٌ وَمُرَادُهُ: فِي الْإِجْزَاءِ لَا فِي التَّسَاوِي) فِي الْفَضِيلَةِ (وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمٍ (وَالْأَفْضَلُ: أَنْ يَنْحَرَ فِي الْحَجِّ بِمِنًى وَفِي الْعُمْرَةِ بِالْمَرْوَةِ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَالِكٍ ﵀.
(وَإِنْ سَلَّمَهُ) أَيْ: الْهَدْيَ حَيًّا (إلَيْهِمْ) أَيْ: إلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ (فَنَحَرُوهُ) بِالْحَرَمِ (أَجْزَأَ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَنْحَرُوهُ (اسْتَرَدَّهُ) مِنْهُمْ.
(وَنَحَرَهُ) لِوُجُوبِ نَحْرِهِ (فَإِنْ أَبَى) أَنْ يَسْتَرِدَّهُ (أَوْ عَجَزَ) عَنْ اسْتِرْدَادِهِ (ضَمِنَهُ) لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ لِعَدَمِ خُرُوجِهِ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ.
(فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إيصَالِهِ إلَيْهِمْ) أَيْ: إلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ (جَازَ نَحْرُهُ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ) كَالْهَدْيِ إذَا عَطِبَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
(وَ) جَازَ (تَفْرِقَتُهُ هُوَ) أَيْ: الْهَدْيَ الَّذِي عَجَزَ عَنْ إيصَالِهِ (وَ) تَفْرِقَةِ (الطَّعَامُ) إذَا عَجَزَ عَنْ إيصَالِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ يُرْسِلُهُ مَعَهُ (حَيْثُ نَحَرَهُ) أَيْ: بِالْمَكَانِ الَّذِي نَحَرَهُ فِيهِ لِمَا تَقَدَّمَ (فِدْيَةَ الْأَذَى وَاللُّبْسِ وَنَحْوِهِمَا كَطِيبٍ وَدَمِ الْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ إذَا لَمْ يُنْزِلْ وَمَا وَجَبَ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ خَارِجَ الْحَرَمِ وَلَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ غَيْرِ جَزَاءِ صَيْدٍ فَلَهُ تَفْرِقَتُهَا) أَيْ: الْفِدْيَةِ دَمًا كَانَتْ أَوْ طَعَامًا (حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهَا) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ «أَمَرَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ بِالْفِدْيَةِ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ» وَاشْتَكَى الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَأْسَهُ فَحَلَقَهُ عَلِيٌّ وَنَحَرَ عَنْهُ جَزُورًا بِالسُّقْيَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُمَا.
(وَ) لَهُ تَفْرِقَتُهَا (فِي الْحَرَم أَيْضًا) كَسَائِرِ الْهَدَايَا.
(وَوَقْتُ ذَبْحِ فِدْيَةِ الْأَذَى) أَيْ: حَلْقِ الرَّأْسِ (وَ) فِدْيَةِ (اللُّبْسِ وَنَحْوِهِمَا) كَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ وَالطِّيبِ.
(وَمَا لَحِقَ بِهِ) أَيْ: بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ (حِين فَعَلَهُ) أَيْ: الْمَحْظُورَ (وَلَهُ الذَّبْحُ قَبْلَهُ) إذَا أَرَادَ فِعْلَهُ (لِعُذْرٍ) كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَنَحْوِهَا وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ (وَكَذَلِكَ مَا وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ) أَيْ: يَكُونُ وَقْتُهُ مِنْ تَرْكِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ (وَلَوْ أَمْسَكَ صَيْدًا أَوْ جَرَحَهُ ثُمَّ أَخْرَجَ جَزَاءَهُ ثُمَّ تَلِفَ الْمَجْرُوحُ أَوْ الْمُمْسَكُ أَوْ قَدَّمَ مَنْ أُبِيحَ لَهُ الْحَلْقُ فَدِيَتُهُ قَبْلَ الْحَلْقِ ثُمَّ حَلَقَ أَجْزَأَهُ) وَلَا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ تَكْرَارِ مَعَ مَا قَبْلَهُ.
(وَدَم الْإِحْصَارِ يُخْرِجُهُ حَيْثُ
стр. 966
أُحْصِرَ) مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَحَرَ هَدْيَهُ فِي مَوْضِعِهِ بِالْحُدَيْبِيَةِ» وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] ؛ وَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ حِلِّهِ فَكَانَ مَوْضِعُ نَحْرِهِ كَالْحَرَمِ.
(وَأَمَّا الصِّيَامُ وَالْحَلْقُ) فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَان لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " الْهَدْيُ وَالْإِطْعَامُ بِمَكَّةَ وَالصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ "؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ إلَى أَحَدٍ فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهِ بِمَكَانٍ بِخِلَافِ الْهَدْيِ وَالْإِطْعَامِ وَلِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى التَّخْصِيصِ.
(وَ) أَمَّا (هَدْيُ التَّطَوُّعِ وَمَا يُسَمَّى نُسُكًا فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَان كَالْأُضْحِيَّةِ) ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ هَدْيَ التَّطَوُّعِ لِأَهْلِ الْحَرَمِ وَكَذَا مَا كَانَ نُسُكًا فَلَعَلَّ أَنْ يَكُونَ هُنَا نَقْصٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: لِعَدَمِ نَفْعِهِ وَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهِ بِمَكَانٍ وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُنَافِي هَدْيَ التَّطَوُّعِ وَمَا يُسَمَّى نُسُكًا فَإِنَّ فِيهِمَا نَفْعًا لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ.
(وَكُلُّ دَمٍ ذُكِرَ) وَلَمْ يُقَيَّدْ (يُجْزِئُ فِيهِ شَاةٌ كَأُضْحِيَّةٍ فَيُجْزِئُ الْجِذْعُ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ أَوْ سُبُعُ بَدَنَةٍ أَوْ سُبُعُ بَقَرَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي التَّمَتُّع: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ شَاةٌ أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ وقَوْله تَعَالَى فِي فِدْيَةِ الْأَذَى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَفَسَّرَهُ ﷺ فِي حَدِيث كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ " بِذِبْحِ شَاةٍ وَمَا سِوَى هَذَيْنِ مَقِيسٌ عَلَيْهِمَا.
(وَإِنْ ذَبَحَ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً فَهُوَ أَفْضَلُ وَتَكُونُ كُلُّهَا وَاجِبَةً) ؛ لِأَنَّهُ اخْتَارَ الْأَعْلَى لِأَدَاءِ فَرْضِهِ فَكَانَ كُلُّهُ وَاجِبًا كَمَا لَوْ اخْتَارَ الْأَعْلَى مِنْ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ.
(وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ أَجْزَأَتْهُ) عَنْهَا (بَقَرَةٌ) لِقَوْلِ جَابِرٍ " كُنَّا نَنْحَرُ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ فَقِيلَ لَهُ: وَالْبَقَرَةُ؟ فَقَالَ وَهَلْ هِيَ إلَّا مِنْ الْبُدْنِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (كَعَكْسِهِ) أَيْ: إجْزَاءِ الْبَدَنَةِ عَنْ بَقَرَةٍ.
(وَلَوْ) كَانَ ذَبَحَ الْبَقَرَةِ عَنْ الْبَدَنَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ (فِي جَزَاءِ صَيْدٍ وَنَذْرٍ) مُطْلَقٍ فَإِنْ نَوَى شَيْئًا بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ (وَيُجْزِئهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ (سَبْعُ شِيَاهٍ) وَلَوْ فِي نَذْرٍ أَوْ جَزَاءِ صَيْدٍ قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ (وَيُجْزِئُهُ عَنْ سَبْعِ شِيَاهٍ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ) سَوَاءٌ وَجَدَ الشِّيَاهَ أَوْ عَدِمَهَا؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَتَمَتَّعُونَ
стр. 967
فَيَذْبَحُونَ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ قَالَ جَابِرٌ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَذَكَر جَمَاعَةٌ إلَّا فِي جَزَاءِ صَيْدٍ) فَلَا تُجْزِئُ بَدَنَةٌ عَنْ بَقَرَةٍ وَلَا عَنْ سَبْعِ شِيَاهٍ.
[بَابٌ جَزَاءُ الصَّيْدِ]
(بَابٌ: جَزَاءُ الصَّيْدِ) عَلَى طَرِيقِ التَّفْصِيلِ (جَزَاؤُهُ مَا يُسْتَحَقُّ بَدَلُهُ) أَيْ: الصَّيْدِ عَلَى مَنْ أَتْلَفَهُ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ (مِنْ مِثْلِهِ) أَيْ: الصَّيْدِ.
(وَمُقَارِبِهِ وَشِبْهِهِ) لَعَلَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِلْمُرَادِ مِنْ الْمِثْلِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ إرَادَةِ الْمُمَاثَلَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَهِيَ اتِّحَادُ الِاثْنَيْنِ فِي النَّوْعِ كَمَا ذَكَرْتُهُ فِي الْحَاشِيَةِ عَنْ الْمَطَالِعِ وَالْجَزَاءُ بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ مَصْدَرُ جَزَيْتُهُ بِمَا صَنَعَ ثُمَّ أُطْلِقَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ قَالَهُ أَبُو عُثْمَانَ فِي أَفْعَالِهِ: جَزَا الشَّيْءَ عَنْكَ وَأَجْزَا: إذَا قَامَ مَقَامَكَ وَقَدْ يُهْمَزُ.
(وَيَجْتَمِعُ الضَّمَانُ) لِمَالِكِهِ (وَالْجَزَاءُ) لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ (إذَا كَانَ) الصَّيْدُ (مِلْكًا لِلْغَيْرِ) أَيْ: غَيْرِ مُتْلِفهِ؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مَضْمُونٌ بِالْكَفَّارَةِ فَجَازَ أَنْ يَجْتَمِعَ التَّقْوِيمُ وَالتَّكْفِيرُ فِي ضَمَانِهِ كَالْعَبْدِ (وَتَقَدَّمَ) فِي السَّادِسِ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ.
(وَيَجُوزُ إخْرَاجُ الْجَزَاءِ بَعْدَ الْجُرْحِ وَقَبْلَ الْمَوْتِ) كَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ وَتَقَدَّمَ.
(وَهُوَ) أَيْ: الصَّيْدُ (ضَرْبَانِ) (أَحَدُهُمَا لَهُ مِثْلٌ) أَيْ: شَبِيهٌ (مِنْ النَّعَمِ خِلْقَةً لَا قِيمَةً فَيَجِبُ فِيهِ مِثْلُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ لِلْآيَةِ (وَهُوَ) أَيْ: الَّذِي لَهُ مِثْلٌ (نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا مَا قَضَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ) أَيْ: وَلَوْ الْبَعْضُ لَا كُلُّهُمْ (فَفِيهِ مَا قَضَتْ بِهِ) الصَّحَابَةُ وَتَقَدَّمَ تَعْرِيفُ الصَّحَابِيِّ فِي الْخُطْبَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ أَقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» وَلِقَوْلِهِ ﷺ «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ؛ وَلِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ وَأَعْرَفُ بِمَوَاقِعِ الْخِطَابِ كَانَ حُكْمُهُمْ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ كَالْعَالِمِ مَعَ الْعَامِّيِّ (فَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةً) حَكَمَ بِهِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْبَعِيرَ فِي خِلْقَتِهِ فَكَانَ مِثْلًا لَهَا فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ وَجَعَلَهَا الْخِرَقِيُّ مِنْ أَقْسَامِ الطَّيْرِ؛ لِأَنَّ لَهَا جَنَاحَيْنِ
стр. 968
فَيُعَايَى بِهَا فَيُقَالُ: طَائِرٌ يَجِبُ فِيهِ بَدَنَةٌ.
(وَ) يَجِبُ (فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ حِمَارِ الْوَحْشِ) بَقَرَةٌ قَضَى بِهَا عُمَرُ وَقَالَهُ عُرْوَةُ وَمُجَاهِدٌ؛ لِأَنَّهَا شَبِيهَةٌ بِهِ (وَبَقَرَتُهُ) أَيْ: الْوَحْشِ: بَقَرَةٌ، قَضَى بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وَقَالَهُ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ (وَالْوَعَلُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ مَعَ فَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا وَسُكُونِهَا: تَيْسُ الْجَبَلِ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ (وَهُوَ الْأَرْوَى) قَالَ فِي الصِّحَاحِ: يُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ " فِي الْأَرْوَى بَقَرَةٌ " (يُقَالُ لِذَكَرِهِ الْأَيَلُ) عَلَى وَزْنِ قَتَبٍ وَخَلَبٍ وَسَيِّدٍ، وَفِيهِ بَقَرَةٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
(وَلِلْمُسِنِّ مِنْهُ التَّيْتَلُ) بِوَزْنِ جَعْفَرٍ (بَقَرَةٌ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
(وَفِي الضَّبُعِ: كَبْشٌ) لِقَوْلِ جَابِرٍ «سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الضَّبُعِ فَقَالَ: هُوَ صَيْدٌ وَفِيهِ كَبْشٌ إذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَى أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ جَابِرٍ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا وَقَضَى بِهِ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ (وَهُوَ) أَيْ: الْكَبْشُ (فَحْلُ الضَّأْنِ) .
(وَفِي الظَّبْيِ وَهُوَ الْغَزَالُ: عَنْزٌ) قَضَى بِهِ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَقَالَهُ عَطَاءٌ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلَا يُحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ شَبَهًا بِالْعَنْزِ؛ لِأَنَّهُ أَجْرَدُ الشَّعْرِ مُتَقَلِّصُ الذَّنَبِ (وَهُوَ الْأُنْثَى مِنْ الْمَعْزِ) .
(وَلَا شَيْءَ فِي الثَّعْلَبِ؛ لِأَنَّهُ سَبْعٌ) أَيْ: مُفْتَرِسٌ بِنَابِهِ فَيَحْرُمُ أَكْلُهُ فَلَيْسَ صَيْدًا.
(وَفِي الْوَبْرِ) بِسُكُونِ الْبَاءِ وَالْأُنْثَى: وَبْرَةٌ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَهُوَ دُوَيْبَّةٌ كَحْلَاءُ دُونَ السِّنَّوْرِ لَا ذَنَبَ لَهَا.
(وَ) فِي (الضَّبِّ: جَدْيٌ) قَضَى بِهِ عُمَرُ وَأَرْبَدُ وَالْوَبْرُ مَقِيسٌ عَلَى الضَّبِّ وَالْجَدْيِ (بِمَا بَلَغَ مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ) .
(وَفِي الْيَرْبُوعِ: جَفْرَةٌ مِنْ الْمَعْزِ لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) قَضَى بِهِ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَجَابِرٌ.
(وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ) قَضَى بِهِ عُمَرُ وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الْأَرْنَبِ: عَنَاقٌ وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْعَنَاقُ (أُنْثَى مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ أَصْغَرُ مِنْ الْجَفْرَةِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْفُرُوعِ) وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى.
(وَفِي وَاحِدِ الْحَمَامِ وَهُوَ كُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ: شَاةٌ) قَضَى بِهِ عُمَرُ وَابْنُهُ وَعُثْمَانُ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي حَمَامِ الْحَرَمِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا فِي حَالِ الْإِحْرَامِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْقِيمَةِ لِمَا سَبَقَ وَلِاخْتِلَافِ الْقِيمَةِ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَقَوْلُهُ: كُلُّ مَا عَبَّ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ: وَضَعَ مِنْقَارَهُ فِي الْمَاءِ فَيَكْرَعُ كَمَا تَكْرَعُ الشَّاةُ وَلَا يَأْخُذُ قَطْرَةً قَطْرَةً كَالدَّجَاجِ وَالْعَصَافِيرِ وَهَدَرَ أَيْ: صَوَّتَ وَإِنَّمَا أَوْجَبُوا فِيهِ شَاةً لِشَبَهِهِ بِهَا فِي كَرْعِ الْمَاءِ وَمِنْ هُنَا قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٍّ: كُلُّ طَيْرٍ يَعُبُّ الْمَاءَ كَالْحَمَامِ: فِيهِ شَاةٌ (فَيَدْخُلُ فِيهِ الْقِطُّ وَالْفَوَاخِتُ وَالْوَرَاشِينُ وَالْقَمَارِيُّ وَالدُّبَاسُ)
стр. 969
جَمْعُ دُبْسِيٍّ بِالضَّمِّ: ضَرَبٌ مِنْ الْفَوَاخِتِ قَالَهُ فِي حَاشِيَتِهِ.
وَفِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: هُوَ طَائِرٌ لَوْنُهُ بَيْنَ السَّوَادِ وَالْحُمْرَةِ يُقَرْقِرُ وَالْأُنْثَى دِبْسِيَّةٌ (وَنَحْوِهَا) كَالسِّفَانِينَ جَمْعُ سِفْنَةٍ بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَالنُّونِ مُشَدَّدَةً قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ: طَائِرٌ بِمِصْرَ لَا يَقَعُ عَلَى شَجَرَةٍ إلَّا أَكَلَ جَمِيعَ وَرَقِهَا؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّيهِ حَمَامًا.
وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: كُلُّ مُطَوَّقٍ: حَمَامٌ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْحَجَلُ؛ لِأَنَّهُ مُطَوَّقٌ.
(النَّوْعُ الثَّانِي مَا لَمْ تَقْضِ فِيهِ الصَّحَابَةُ فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] فَلَا يَكْفِي وَاحِدٌ (مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْحُكْمِ بِالْمِثْلِ إلَّا بِهِمَا فَيَعْتَبِرَانِ الشَّبَهَ خِلْقَةً لَا قِيمَةَ لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ.
(وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ أَحَدَهُمَا) نَصَّ عَلَيْهِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ " أَمَرَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْجَرَادَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَادَهُمَا وَهُوَ مُحْرِمٌ " وَأَمَرَ أَيْضًا " أَرْبَدَ بِذَلِكَ حِينَ وَطِئَ الضَّبَّ فَحَكَمَ عَلَى نَفْسِهِ بِجَدْيٍ فَأَقَرّهُ " وَكَتَقْوِيمِهِ عَرَضَ التِّجَارَةِ لِإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ.
(وَ) يَجُوزُ (أَنْ يَكُونَا) أَيْ: الْحَاكِمَانِ بِمِثْلِ الصَّيْدِ الْمَقْتُولِ (الْقَاتِلِينَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَحَمَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى مَا إذَا قَتَلَهُ خَطَأً أَوْ جَاهِلًا تَحْرِيمَهُ) لِعَدَمِ فِسْقِهِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَعَلَى قِيَاسِهِ: إذَا قَتَلَهُ لِحَاجَةِ أَكْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ مُبَاحٌ لَكِنْ يَجِبُ فِيهِ الْجَزَاء قَالَ فِي التَّنْقِيحِ: وَهُوَ قَوِيٌّ وَلَعَلَّهُ مُرَادُهُمْ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْعَمْدِ يُنَافِي الْعَدَالَةَ (وَيَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالصَّحِيحِ وَالْمَعِيبِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْحَائِلِ وَالْحَامِلِ بِمِثْلِهِ) لِلْآيَةِ؛ وَلِأَنَّ مَا يُضْمَنُ بِالْيَدِ وَالْجِنَايَةِ يَخْتَلِفُ ضَمَانُهُ بِذَلِكَ كَالْبَهِيمَةِ (وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ وَإِنْ فَدَى الصَّغِيرُ بِكَبِيرٍ وَ) فَدَى (الذَّكَرَ بِأُنْثَى) وَالْمَعِيبَ بِصَحِيحٍ (فَهُوَ أَفْضَلُ) ؛ لِأَنَّهُ زَادَ خَيْرًا.
(وَلَوْ جَنَى عَلَى الْحَامِل فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا مَيِّتًا ضَمِنَ نَقْصَ الْأُمِّ فَقَطْ كَمَا لَوْ جَرَحَهَا) ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ فِي الْبَهَائِمِ زِيَادَةٌ (وَإِنْ أَلْقَتْهُ) أَيْ: الْجَنِينَ (حَيًّا لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ جَزَاؤُهُ) وَإِنْ كَانَ لِوَقْتٍ لَا يَعِيشُ لِمِثْلِهِ فَكَالْمَيِّتِ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ.
(وَيَجُوزُ فِدَاءُ أَعْوَرَ مِنْ عَيْنٍ وَ) فِدَاءُ (أَعْرَجَ مِنْ قَائِمَةٍ بِأَعْوَرَ وَأَعْرَجَ مِنْ أُخْرَى) ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ يَسِيرٌ وَنَوْعُ الْعَيْبِ وَاحِدٌ وَ (لَا) يَجُوزُ (فِدَاءُ أَعْوَرَ بِأَعْرَجَ وَ) لَا (عَكْسُهُ) كَفِدَاءِ أَعْرَجَ بِأَعْوَرَ لِاخْتِلَافِ نَوْعِ الْعَيْبِ.
(وَيُجْزِئُ فِدَاءُ أُنْثَى بِذَكَرٍ كَعَكْسِهِ) أَيْ: فِدَاءِ ذَكَرٍ بِأُنْثَى؛ لِأَنَّ لَحْمَهُ أَوْفَر وَهِيَ أَطْيَبُ فَيَتَسَاوَيَانِ.
стр. 970
[فَصْلٌ مَا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ النَّعَمِ]
(فَصْلٌ الضَّرْبُ الثَّانِي مَا لَا مِثْلَ لَهُ) مِنْ النَّعَمِ (فَيَجِبُ فِيهِ قِيمَتُهُ مَكَانَهُ) أَيْ: مَكَانَ إتْلَافِهِ كَمَالِ الْآدَمِيِّ غَيْرِ الْمِثْلِيِّ (وَهُوَ سَائِرُ الطُّيُورِ وَلَوْ أَكَبَرَ مِنْ الْحَمَامِ كَالْإِوَزِّ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الزَّاي جَمْعُ إوَزَّةٍ وَيُقَالُ: وَزٌّ جَمْعُ وَزَّةٍ كَتَمْرٍ وَتَمْرَةٍ ذَكَرَهُ فِي حَاشِيَتِهِ (وَالْحُبَارَى وَالْحَجَلُ وَالْكَبِيرُ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ وَالْكَرْكِيّ وَغَيْرُ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ قِيَاسٌ تَرَكْنَاهُ فِي الْحَمَامِ لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ.
(وَإِنْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْ صَيْدٍ وَانْدَمَلَ) أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ جُزْءٌ مِنْهُ ثُمَّ انْدَمَلَ (وَهُوَ) أَيْ: الصَّيْدُ (مُمْتَنِعُ وَلَهُ مِثْلٌ) مِنْ النَّعَمِ (ضَمِنَهُ) أَيْ: الْجُزْءَ (بِمِثْلِهِ لَحْمًا مِنْ مِثْلِهِ) مِنْ النَّعَمِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ ضَمَانُ جُمْلَتِهِ بِالْمِثْلِ وَجَبَ فِي بَعْضِهِ مِثْلُهُ كَالْمَكِيلَاتِ وَالْمَشَقَّةُ مَدْفُوعَةٌ بِجَوَازِ عُدُولِهِ إلَى عَدْلِهِ طَعَامًا أَوْ صِيَامًا كَمَا سَبَقَ.
(وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ) إذَا تَلِفَ جُزْؤُهُ أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ ثُمَّ انْدَمَلَ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ يَضْمَنُ (مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ) ؛ لِأَنَّ جُمْلَتَهُ مَضْمُونَةٌ بِالْقِيمَةِ فَكَذَلِكَ أَبْعَاضُهُ فَيُقَوَّمُ الصَّيْدُ سَلِيمًا ثُمَّ مَجْنِيًّا عَلَيْهِ فَيَجِبُ مَا بَيْنَهُمَا لِيَشْتَرِيَ بِهِ طَعَامًا كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ نَفَّرَ) الْمُحْرِمُ (صَيْدًا فَتَلِفَ بِشَيْءٍ وَلَوْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ نَقَصَ فِي حَالِ نُفُورِهِ ضَمِنَهُ) ؛ لِأَنَّ عُمَرَ " دَخَلَ دَارَ النَّدْوَةِ فَعَلَّقَ رِدَاءَهُ فَوَقَعَ عَلَيْهِ حَمَامٌ فَأَطَارَهُ فَوَقَعَ عَلَى وَاقِفٍ فِي الْبَيْتِ فَخَرَجْتَ حَيَّةٌ فَقَتَلَتْهُ فَسَأَلَ مَنْ مَعَهُ فَحَكَمَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ بِشَاةٍ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَكَذَا إنْ جَرَحَهُ فَتَحَامَلَ فَوَقَعَ فِي شَيْءٍ تَلِفَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبِهِ وَ (لَا) يَضْمَنُهُ (إنْ تَلِفَ بَعْدَ نُفُورِهِ فِي مَكَانِهِ بَعْدَ أَمْنِهِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: أَمَّا إنْ نَفَّرَهُ إلَى مَكَان فَأَكْرَبَهُ ثُمَّ تَلِفَ فَلَا ضَمَانَ فِي الْأَشْهَرِ.
(وَإِنْ رَمَى) الْمُحْرِمُ (صَيْدًا فَأَصَابَهُ ثُمَّ سَقَطَ) الْمَرْمِيُّ (عَلَى آخَرَ فَمَاتَ ضَمِنَهُمَا) لِتَلَفِهِمَا بِجِنَايَتِهِ (فَلَوْ مَشَى الْمَجْرُوحُ قَلِيلًا ثُمَّ سَقَطَ عَلَى آخَرَ) فَمَاتَا (ضَمِنَ الْمَجْرُوحَ) لِمَوْتِهِ بِجِنَايَتِهِ (فَقَطْ) أَيْ: دُونَ مَا سَقَطَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ سُقُوطَهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ.
(وَإِنْ جَرَحَهُ) الْمُحْرِمُ (جُرْحًا غَيْرَ مُوحٍ فَغَابَ وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ فَيُقَوَّمُ صَحِيحًا وَجَرِيحًا غَيْرَ مُنْدَمِلٍ ثُمَّ يَخْرُجُ بِقِسْطِهِ مِنْ مِثْلِهِ) إنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَإِلَّا مَا نَقَصَهُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَكَذَا إنْ وَجَدَهُ مَيِّتًا) بَعْدَ جُرْحِهِ غَيْرَ مُوحٍ (وَلَمْ يُعْلَمْ مَوْتُهُ بِجُرْحِهِ) ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ حُصُولَ التَّلَفِ بِفِعْلِهِ.
(وَإِنْ
стр. 971
وَقَعَ) بَعْدَ جُرْحِهِ (فِي مَاءٍ أَوْ تَرَدَّى) مِنْ عُلُوٍّ (فَمَاتَ ضَمِنَهُ) لِتَلَفِهِ بِسَبَبِهِ (وَإِنْ انْدَمَلَ) الْجُرْحُ وَصَارَ الصَّيْدُ (غَيْرَ مُمْتَنِعٍ) فَعَلَيْهِ جَزَاءُ جَمِيعِهِ؛ لِأَنَّهُ عَطَّلَهُ فَصَارَ كَالتَّالِفِ.
(أَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا مُوحِيًا) أَيْ: لَا تَبْقَى مَعَهُ الْحَيَاةُ غَالِبًا (فَعَلَيْهِ فِدَاءُ جَمِيعِهِ) كَقَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْمَوْتِ.
(وَكُلُّ مَا يُضْمَنُ بِهِ الْآدَمِيُّ يُضْمَنُ بِهِ الصَّيْدُ) فِي الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ مِنْ (مُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ) كَدَلَالَةٍ وَإِشَارَةٍ وَإِعَانَةٍ.
(وَذَلِكَ مَا جَنَتْ دَابَّتُهُ بِيَدِهَا أَوْ فَمِهَا فَأَتْلَفَ صَيْدًا فَالضَّمَانُ عَلَى رَاكِبهَا أَوْ قَائِدِهَا أَوْ سَائِقِهَا) الْمُتَصَرِّفِ فِيهَا كَمَا لَوْ كَانَ الْمُتْلِفُ آدَمِيًّا.
(وَمَا جَنَتْ فَأَتْلَفَتْ بِرِجْلِهَا) أَيْ: نَفَحَتْ بِهَا (فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهَا) فِيهِ كَذَنَبِهَا بِخِلَافِ وَطْئِهَا بِهَا (وَتَقَدَّمَ) فِي السَّادِسِ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ " (وَإِنْ انْفَلَتَتْ) الدَّابَّةُ (فَأَتْلَفَتْ صَيْدًا لَمْ يَضْمَنْهُ كَالْآدَمِيِّ) إذَا أَتْلَفَتْهُ إذَنْ؛ لِأَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ عَلَيْهَا إلَّا الضَّارِيَةُ كَمَا يَأْتِي فِي الْغَصْبِ.
(وَإِنْ نَصَبَ) الْمُحْرِمُ (شَبَكَةً) أَوْ نَحْوَهَا فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ ضَمِنَهُ (أَوْ حَفَرَ) الْمُحْرِمُ (بِئْرًا بِغَيْرِ حَقٍّ) بِأَنْ حَفَرَهَا فِي غَصْبٍ أَوْ طَرِيقٍ وَلَوْ وَاسِعًا لِنَفْعِ نَفْسِهِ (فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ ضَمِنَهُ) لِعُدْوَانِهِ بِحَفْرِهَا.
(وَإِنْ نَصَبَ شَبَكَةً وَنَحْوَهَا) كَشِرْكٍ وَفَخٍّ (قَبْلَ إحْرَامِهِ فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ بَعْدَ إحْرَامِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ) إنْ لَمْ يَتَحَيَّلْ (كَمَا لَوْ صَادَهُ قَبْلَ إحْرَامِهِ وَتَرَكَهُ فِي مَنْزِلِهِ فَتَلِفَ بَعْدَ إحْرَامِهِ) وَكَذَا إنْ حَفَرَ بِئْرًا بِحَقٍّ فَتَلِفَ بِهَا صَيْدٌ وَتَقَدَّمَ.
(وَإِنْ نَتَفَ) الْمُحْرِمُ (رِيشَهُ) أَيْ: الصَّيْدِ (أَوْ شَعْرَهُ أَوْ وَبَرَهُ فَعَادَ) مَا نَتَفَهُ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ زَالَ أَشْبَهَ مَا لَوْ انْدَمَلَ الْجُرْحُ (فَإِنْ صَارَ) الصَّيْدُ (غَيْرَ مُمْتَنِعٍ) بِنَتْفِ رِيشِهِ وَنَحْوِهِ (كَالْجُرْحِ) أَيْ: فَكَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا صَارَ بِهِ غَيْر مُمْتَنِعٍ وَإِنْ نَتَفَهُ فَغَابَ وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ.
(وَإِنْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ مُمْسِكًا) لِلصَّيْدِ وَالْآخَرُ قَاتِلًا (أَوْ) كَانَ بَعْضُهُمْ (مُتَسَبِّبًا) كَالْمُشِيرِ وَالدَّالِّ وَالْمُعِينِ (وَالْآخَرُ قَائِلًا فَعَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ وَإِنْ كَفَّرُوا بِالصَّوْمِ) ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْجَبَ الْمِثْلَ أَوْ عَدْلَهُ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ الصِّيَامِ بِقَتْلِهِ فَلَا يَجِبُ غَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْوَاحِدِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْقَتْلُ هُوَ الْفِعْلُ الْمُؤَدِّي إلَى خُرُوجِ الرُّوحِ وَهُوَ فِعْلُ الْجَمَاعَةِ لَا كُلِّ وَاحِدٍ كَقَوْلِهِ: مَنْ جَاءَ بِعَبْدِي فَلَهُ دِرْهَمٌ فَجَاءَ بِهِ جَمَاعَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ ﷺ «جَعَلَ فِي الضَّبُعِ كَبْشًا» وَلَمْ يُفَرِّقْ وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ؛ وَلِأَنَّهُ جَزَاءٌ عَنْ مَقْتُولٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ: وَيُحْتَمَلُ التَّبْعِيضُ فَكَانَ وَاحِدًا كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ وَالدِّيَةِ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ.
(وَإِنْ
стр. 972
اشْتَرَكَ حَلَالٌ وَمُحْرِمٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ حَرَمِيٍّ فَالْجَزَاء عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ) لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْقَتْلِ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ جِهَةُ التَّحْرِيمِ فِي أَحَدِهِمَا وَاتَّحَدَتْ فِي الْآخَرِ (وَهَذَا الِاشْتِرَاكُ الَّذِي هَذَا حُكْمُهُ هُوَ الَّذِي يَقَعُ) فِيهِ (الْفِعْلُ مِنْهُمَا مَعًا أَوْ يَجْرَحُهُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ وَيَمُوتُ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الْجُرْحَيْنِ بِالسِّرَايَةِ (فَإِنْ جَرَحَهُ أَحَدُهُمَا وَقَتَلَهُ الْآخَرُ فَعَلَى الْجَارِحِ مَا نَقَصَهُ) أَيْ: أَرْشَ نَقْصِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشَارِكْ فِي الْقَتْلِ (وَعَلَى الْقَاتِلِ جَزَاؤُهُ مَجْرُوحًا) ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ كَذَلِكَ.
(وَإِذَا قَتَلَ الْقَارِنُ صَيْدًا فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ) لِعُمُومِ الْآيَةِ: وَكَذَا لَوْ تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ وَكَذَا الْمُحْرِمُ يَقْتُلُ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ وَكُلَّمَا قَتَلَ صَيْدًا حُكِمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ كَفَّارَةُ قَتْلِ الصَّيْدِ فَاسْتَوَى فِيهِ الْمُبْتَدِئُ وَالْعَائِدُ كَقَتْلِ الْآدَمِيِّ، وَالْآيَةُ اقْتَضَتْ الْجَزَاءَ عَلَى الْعَائِدِ لِعُمُومِهَا وَذِكْرُ الْعُقُوبَةِ فِي الْعَائِدِ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ.
[بَابُ صَيْدِ الْحَرَمَيْنِ وَنَبْتِهِمَا]
(بَابُ صَيْدِ الْحَرَمَيْنِ وَنَبْتِهِمَا) أَيْ: حَرَمِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ (يَحْرُمُ صَيْدُ حَرَمِ مَكَّةَ عَلَى الْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ) إجْمَاعًا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا أَنَّهُ «قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهَا إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا فَقَالَ الْعَبَّاسُ إلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ قَالَ إلَّا الْإِذْخِرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَكَّةَ كَانَتْ حَرَامًا قَبْلَ إبْرَاهِيمَ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَقِيلَ: إنَّمَا حُرِّمَتْ بِسُؤَالِ إبْرَاهِيمَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ " أَنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَهَا " أَيْ: أَظْهَرَ تَحْرِيمَهَا (فَمَنْ أَتْلَفَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ صَيْدٍ حَرَمِ مَكَّةَ (شَيْئًا وَلَوْ كَانَ الْمُتْلِفُ كَافِرًا أَوْ صَغِيرًا أَوْ عَبْدًا) ؛ لِأَنَّ ضَمَانَهُ كَالْمَالِ وَهُمْ يَضْمَنُونَهُ (فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُحْرِمِ فِي مِثْلِهِ) .
نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَصَيْدِ الْإِحْرَامِ، وَلِاسْتِوَائِهِمَا فِي التَّحْرِيمِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْجَزَاءِ فَإِنْ كَانَ الصَّيْدُ مِثْلِيًّا ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ وَإِلَّا فَبِقِيمَتِهِ (وَلَا يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ) بِقَتْلِ صَيْدِ الْحَرَمِ (جَزَاءَانِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِعُمُومِ الْآيَةِ (وَحُكْمُ صَيْدِهِ) أَيْ: حَرَمِ مَكَّةَ (حُكْمُ صَيْدِ الْإِحْرَامِ مُطْلَقًا) أَيْ: فِي التَّحْرِيم وَوُجُوبِ
стр. 973
الْجَزَاءِ لِلصَّوْمِ وَتَمَلُّكِهِ وَضَمَانِهِ بِالدَّلَالَةِ وَنَحْوِهَا سَوَاءٌ كَانَ الدَّالُّ فِي الْحِلِّ أَوْ الْحَرَمِ.
وَقَالَ الْقَاضِي لَا جَزَاءَ عَلَى الدَّالِّ إذَا كَانَ فِي الْحِلِّ وَالْجَزَاءُ عَلَى الْمَدْلُولِ فَكُلُّ مَا يُضْمَنُ فِي الْإِحْرَام يُضْمَنُ فِي الْحَرَمِ (إلَّا الْقَمْلَ فَإِنَّهُ لَا يُضْمَن) فِي الْحَرَمِ (وَلَا يُكْرَهُ قَتْلُهُ فِيهِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ حُرِّمَ فِي حَقّ الْمُحْرِم لِأَجْلِ التَّرَفُّهُ وَهُوَ مُبَاحٌ فِي الْحَرَمِ كَالطِّيبِ وَنَحْوِهِ.
(وَإِنْ رَمَى الْحَلَالُ مِنْ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحَرَم) كُلَّهُ (أَوْ بَعْضَ قَوَائِمِهِ فِيهِ) أَيْ: الْحَرَمِ ضَمِنَهُ وَكَذَا إنْ كَانَ جُزْءٌ مِنْهُ فِيهِ غَيْرَ قَوَائِمِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْحَظْرِ فَإِنْ كَانَتْ قَوَائِمُهُ الْأَرْبَعُ بِالْحِلِّ وَهُوَ قَائِمٌ وَرَأْسُهُ أَوْ ذَنَبُهُ بِالْحَرَمِ لَمْ يَكُنْ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ كَالشَّجَرَةِ إذَا كَانَتْ بِالْحِلِّ وَأَغْصَانُهَا بِالْحَرَمِ (أَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى صَيْدِ الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ ضَمِنَهُ (أَوْ قَتَلَ صَيْدًا عَلَى غُصْنٍ فِي الْحَرَمِ أَصْلُهُ) أَيْ: الْغُصْنِ (فِي الْحِلِّ) ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ فَهُوَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ (أَوْ أَمْسَكَ طَائِرًا فِي الْحِلِّ فَهَلَكَ فِرَاخُهُ) وَكَذَا لَوْ أَمْسَكَ وَحْشًا فَهَلَكَ أَوْلَادُهُ (فِي الْحَرَمِ ضَمِنَهُ) أَيْ: الْمَذْكُورَ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ " لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا " وَقَدْ اجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ صَيْدِ الْحَرَمِ وَهَذَا مِنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ صَيْدًا حَرَمِيًّا فَضَمِنَهُ كَمَا لَوْ كَانَ فِي الْحَرَم وَ (لَا) يَضْمَنُ (أُمَّهُ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ صَيْدِ الْحِلِّ وَهُوَ حَلَالٌ.
(وَلَوْ رَمَى الْحَلَالُ صَيْدًا ثُمَّ أَحْرَمَ قَبْل أَنْ يُصِيبَهُ ضَمِنَهُ) اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْإِصَابَةِ.
(وَلَوْ رَمَى الْمُحْرِمُ صَيْدًا ثُمَّ حَلَّ قَبْلَ الْإِصَابَةِ لَمْ يَضْمَنْ) الصَّيْدَ (اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْإِصَابَةِ) .
(وَإِنْ قَتَلَ) الْحَلَالُ (مِنْ الْحَرَمِ صَيْدًا فِي الْحِلِّ بِسَهْمِهِ أَوْ كَلْبِهِ) فَلَا جَزَاءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ فَلَيْسَ مَعْصُومًا (أَوْ) قَتَلَ (صَيْدًا عَلَى غُصْنٍ فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ) فَلَا جَزَاءَ فِيهِ لِتَبَعِيَّةِ الْهَوَاءِ لِلْقَرَارِ وَقَرَارُهُ حِلٌّ فَلَا يَكُونُ صَيْدُهُ مَعْصُومًا.
(أَوْ أَمْسَكَ حَمَامَةً) مَثَلًا (فِي الْحَرَمِ فَهَلَكَ فِرَاخُهَا فِي الْحِلِّ لَمْ يَضْمَنْ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ وَلَيْسَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ فَلَيْسَ بِمَعْصُومٍ.
(وَإِنْ كَانَ الصَّيْدُ وَالصَّائِدُ) لَهُ (فِي الْحِلِّ فَرَمَاهُ بِسَهْمِهِ أَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَيْهِ) فِي الْحِلِّ (فَدَخَلَ الْحَرَمَ ثُمَّ خَرَجَ فَقَتَلَهُ فِي الْحِلِّ فَلَا جَزَاءَ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَمِيٍّ.
(وَإِنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ مِنْ الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَقَتَلَهُ أَوْ غَيْرَهُ فِي الْحَرَمِ أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِسَهْمِهِ بِأَنْ شَطَحَ السَّهْمُ فَدَخَلَ الْحَرَمَ لَمْ يَضْمَنْ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْهُ عَلَى صَيْدِ الْحَرَمِ بَلْ دَخَلَ بِاخْتِيَارِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ وَكَذَا شُطُوحُ السَّهْمِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ.
(وَلَا يُؤْكَلُ) صَيْدٌ وُجِدَ سَبَبُ مَوْتِهِ بِالْحَرَمِ وَإِنْ
стр. 974
لَمْ يَضْمَنْ (كَمَا لَوْ ضَمِنَهُ) .
(وَلَوْ جَرَحَ) مُحِلٌّ مِنْ (الْحِلِّ صَيْدًا أَيْ: الْحِلِّ فَمَاتَ) الصَّيْدُ (فِي الْحَرَمِ حَلَّ وَلَمْ يَضْمَنْ) ؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ وُجِدَتْ بِالْحِلِّ.
[فَصْلٌ قَطْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ]
(فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِ الْحَرَمِ) الْمَكِّيِّ (حَتَّى مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ كَشَوْكٍ وَعَوْسَجٍ) وَالْعَوْسَجُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ: وَالسِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ ذُو شَوْكٍ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا» وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا لَا يَحْرُمُ مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ كَشَوْكٍ وَعَوْسَجٍ؛ لِأَنَّهُ مُؤْذٍ بِطَبْعِهِ كَالسِّبَاعِ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَ) يَحْرُمُ قَطْعُ (حَشِيشِ) الْحَرَمِ لِقَوْلِهِ ﷺ " لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا " (حَتَّى شَوْكٍ وَوَرَقٍ وَسِوَاكٍ وَنَحْوِهِ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ.
(وَيَضْمَنُهُ) أَيْ: شَجَرَ الْحَرَمِ وَحَشِيشَهُ حَتَّى شَوْكٍ وَوَرَقٍ وَسِوَاكٍ وَنَحْوِهِ وَيَأْتِي كَيْفِيَّةُ ضَمَانِهِ (إلَّا الْيَابِسَ) مِنْ شَجَرٍ وَحَشِيشٍ وَوَرَقٍ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ.
(وَ) إلَّا (مَازَالَ بِفِعْلِ غَيْرِ آدَمِيٍّ) فَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ فِي الْقَطْعِ (وَ) إلَّا مَا (انْكَسَرَ) و (لَمْ يَبِنْ) فَإِنَّهُ كَظُفْرٍ مُنْكَسِرٍ.
(وَ) إلَّا (الْإِذْخِرَ) لِقَوْلِهِ ﷺ " إلَّا الْإِذْخِرَ " وَهُوَ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَالْهَمْزَةِ قَالَهُ فِي حَاشِيَتِهِ (وَ) إلَّا (الْكَمْأَةَ وَالنَّقْعَ) ؛ لِأَنَّهُمَا لَا أَصْلَ لَهُمَا فَلَيْسَا بِشَجَرٍ وَلَا حَشِيشٍ فَائِدَةٌ: قَالَ الْقَزْوِينِيُّ فِي عَجَائِبِ الْمَخْلُوقَاتِ: الْعَرَبُ تَقُول إنَّ الْكَمْأَةَ تَبْقَى فِي الْأَرْضِ فَيُمْطَرُ عَلَيْهَا مَطَرُ الصَّيْف فَتَسْتَحِيلُ أَفَاعِي وَكَذَا أَخْبَرَ بِهَا غَيْرُ وَاحِدٍ قَالَهُ فِي حَاشِيَتِهِ (وَ) إلَّا (الثَّمَرَةَ) ؛ لِأَنَّهَا تُسْتَخْلَف.
(وَ) إلَّا (مَا زَرَعَهُ آدَمِيٌّ مِنْ بَقْلٍ وَرَيَاحِينَ وَزُرُوعٍ وَشَجَرِ غُرِسَ مِنْ غَيْرِ شَجَرِ الْحَرَمِ فَيُبَاح أَخْذُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكُ الْأَصْلِ كَالْأَنْعَامِ وَالنَّهْيُ عَنْ شَجَرِ الْحَرَمِ وَهُوَ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ وَهَذَا يُضَافُ إلَى مَالِكِهِ فَلَا يَعُمُّهُ الْخَبَر.
(وَ) يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ (بِمَا انْكَسَرَ مِنْ الْأَغْصَانِ وَ) بِمَا (انْقَلَعَ مِنْ الشَّجَرِ بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ) وَتَقَدَّمَ آنِفًا (وَكَذَا الْوَرَقُ السَّاقِطُ) يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ.
(وَيَجُوزُ رَعْيُ حَشِيشِ) الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ الْهَدَايَا كَانَتْ تَدْخُلُ فَتَكْثُرُ فِيهِ وَلَمْ يُنْقَلْ سَدُّ أَفْوَاهِهَا وَلِلْحَاجَةِ إلَيْهِ كَالْإِذْخِرِ.
وَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي الْخِلَافُ إنْ أَدْخَلَهَا لِلرَّعْيِ فَإِنْ أَدْخَلَهَا لِحَاجَتِهِ فَلَا ضَمَانَ وَلَا يَجُوزُ (الِاحْتِشَاشُ لِلْبَهَائِمِ) لِعُمُومِ
стр. 975
قَوْلِهِ ﷺ " لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا ".
(وَإِذَا قَطَعَ) الْآدَمِيُّ (مَا يَحْرُم قَطْعُهُ) مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ وَحَشِيشِهِ وَنَحْوِهِ (حَرُمَ انْتِفَاعُهُ) بِهِ (وَحَرُمَ انْتِفَاعُ غَيْرِهِ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ إتْلَافِهِ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ فَإِذَا قَطَعَهُ مَنْ يَحْرُم عَلَيْهِ قَطْعُهُ لَمْ يُنْتَفَع بِهِ (كَصَيْدٍ ذَبَحَهُ مُحْرِمٌ) لَا يَحِلُّ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ (وَمَنْ قَطَعَهُ) أَيْ: شَجَرَ الْحَرَم وَحَشِيشَهُ وَنَحْوَهُ (ضَمِنَ الشَّجَرَةِ الْكَبِيرَةِ وَالْمُتَوَسِّطَةِ) عُرْفًا (بِبَقَرَةٍ وَ) ضَمِنَ (الصَّغِيرَةَ) عُرْفًا (بِشَاةٍ) لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " فِي الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ وَفِي الْجَزْلَةِ شَاةٌ " وَقَالَهُ عَطَاءٌ وَالدَّوْحَةُ الشَّجَرَةُ الْعَظِيمَةُ وَالْجَزْلَةُ الصَّغِيرَةُ.
(وَ) يَضْمَنُ (الْحَشِيشَ وَالْوَرَقَةَ بِقِيمَتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْقِيمَةِ وَيَفْعَلُ بِالْقِيمَةِ كَمَا سَبَقَ لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ.
(وَ) يَضْمَنُ (الْغُصْنَ بِمَا نَقَصَ) أَصْلُهُ؛ لِأَنَّهُ نَقَصَ بِفِعْلِهِ فَوَجَبَ فِيهِ مَا نَقَصَهُ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى مَالِ آدَمِيٍّ فَنَقَصَهُ (وَإِنْ اسْتَخْلَفَ الْغُصْنَ وَالْحَشِيشَ سَقَطَ الضَّمَانُ) كَمَا لَوْ قُطِعَ شَعْرُ آدَمِيٍّ ثُمَّ نَبَتَ.
(وَكَذَا لَوْ رَدَّ شَجَرَةً) قَلَعَهَا مِنْ الْحَرَمِ إلَيْهِ (فَنَبَتَتْ) فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْهَا (وَيَضْمَنُ نَقْصَهَا إنْ نَبَتَتْ نَاقِصَةً) لِتَسَبُّبِهِ فِيهِ.
(وَإِنْ قَلَعَ شَجَرًا مِنْ الْحَرَمِ فَغَرَسَهُ فِي الْحِلِّ لَزِمَهُ رَدُّهُ) إلَى الْحَرَمِ لِإِزَالَةِ حُرْمَتِهَا (فَإِنْ تَعَذَّرَ) رَدُّهَا (أَوْ يَبِسَتْ) ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا (أَوْ قَلَعَهَا مِنْ الْحَرَمِ فَغَرَسَهَا فِي الْحَرَمِ فَيَبِسَتْ ضَمِنَهَا) لِمَا مَرَّ (فَإِنْ قَلَعَهَا غَيْرُهُ مِنْ الْحِلِّ بَعْدَ أَنْ غَرَسَهَا هُوَ) أَيْ: قَالِعُهَا مِنْ الْحَرَمِ (ضَمِنَهَا قَالِعُهَا) مِنْ الْحِلِّ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا (بِخِلَافِ مَنْ نَفَّرَ صَيْدًا فَخَرَجَ إلَى الْحِلِّ) فَقَتَلَهُ غَيْرُهُ فِيهِ (لَمْ يَضْمَنْهُ مُنَفِّرٌ وَلَا قَاتِلٌ) لِتَفْوِيتِهِ حُرْمَتَهُ بِإِخْرَاجِهِ وَالْفَرْقُ: أَنَّ الشَّجَرَ لَا يَنْتَقِلُ بِنَفْسِهِ وَلَا تَزُولُ حُرْمَتُهُ بِإِخْرَاجِهِ وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَى مُخْرِجِهِ رَدُّهُ فَكَانَ جَزَاؤُهُ عَلَى مُتْلِفِهِ وَالصَّيْدُ تَارَةً يَكُونُ فِي الْحَرَمِ وَمَرَّةً فِي الْحِلِّ فَمَنْ نَفَّرَهُ فَقَدْ فَوَّتَ حُرْمَتَهُ بِإِخْرَاجِهِ فَلَزِمَهُ جَزَاؤُهُ.
(وَيُخَيَّرُ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ جَزَاءُ شَجَرِ الْحَرَمِ وَحَشِيشِهِ وَصَيْدِهِ (بَيْنَ الْجَزَاءِ) أَيْ: ذَبْحِهِ وَعَطَائِهِ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ إنْ كَانَ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ (وَبَيْنَ تَقْوِيمِهِ وَيَفْعَلُ بِثَمَنِهِ) أَيْ: قِيمَتِهِ (كَجَزَاءِ صَيْدِ) الْإِحْرَامِ بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ طَعَامًا فَيُطْعِمَهُ لِلْمَسَاكِينِ كُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ بُرٍّ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ كَقِيمَةِ الْحَشِيشِ يُتَخَيَّرُ فِيهَا كَجَزَاءِ صَيْدٍ لَا مِثْلَ لَهُ عَلَى مَا سَبَقَ.
(وَإِنْ قَطَعَ غُصْنًا فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ أَوْ بَعْضُهُ فِي الْحَرَمِ ضَمِنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِأَصْلِهِ وَتَغْلِيبًا لِلْحُرْمَةِ كَالصَّيْدِ وَ (لَا) يَضْمَنُ الْغُصْنَ (إنْ قَطَعَهُ فِي الْحَرَمِ وَأَصْلُهُ كُلُّهُ فِي الْحِلِّ)
стр. 976
لِتَبَعِيَّتِهِ لِأَصْلِهِ.
(قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ لَا يَخْرُجُ مِنْ تُرَابِ الْحَرَمِ وَلَا يَدْخَلُ إلَيْهِ مِنْ الْحِلِّ) كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ (وَلَا يَخْرُجُ مِنْ حِجَارَةِ مَكَّةَ إلَى الْحِلِّ وَالْخُرُوجُ أَشَدُّ يَعْنِي فِي الْكَرَاهَةِ) وَاقْتُصِرَ فِي الشَّرْحِ عَلَى الْكَرَاهَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُكْرَهُ إخْرَاجُهُ إلَى الْحِلِّ وَفِي إدْخَالِهِ فِي الْحَرَمِ رِوَايَتَانِ.
وَفِي الْفُصُولِ يُكْرَهُ فِي تُرَابِ الْمَسْجِدِ كَتُرَابِ الْحَرَمِ وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ فِي تُرَابِ الْمَسْجِدِ انْتِفَاعًا بِالْمَوْقُوفِ فِي غَيْرِ جِهَتِهِ وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُسْتَشْفَى بِطِيبِ الْكَعْبَةِ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا وَيَلْزَقُ عَلَيْهَا طِيبًا مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ يَأْخُذُهُ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: لَا وَضْعَ الْحَصَا فِي الْمَسَاجِدِ أَيْ: لَا يُكْرَهُ وَيَحْرُمُ إخْرَاجُ تُرَابِهَا وَطِيبِهَا.
(وَلَا يُكْرَهُ إخْرَاجُ مَاءِ زَمْزَمَ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَخْلَفُ فَهُوَ كَالثَّمَرَةِ) قَالَ أَحْمَدُ أَخْرَجَهُ كَعْبٌ اهـ وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وَتُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَحْمِلُهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
(وَمَكَّةُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ ابْنِ الْحَمْرَاءِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ فِي سُوقِ مَكَّةَ وَاَللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلِمُضَاعَفَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ أَكْثَرُ وَأَمَّا حَدِيثُ «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ» فَلَمْ يَصِحَّ وَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا قَبْلَ الْفَتْحِ وَنَحْوُهُ: حَدِيثُ «اللَّهُمَّ إنَّهُمْ أَخْرَجُونِي مِنْ أَحَبِّ الْبِقَاعِ إلَيَّ فَأَسْكِنِّي فِي أَحَبِّ الْبِقَاعِ إلَيْكَ» يُرَدُّ أَيْضًا: بِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَمَعْنَاهُ: أَحَبُّ الْبِقَاعِ إلَيْك بَعْدَ مَكَّةَ (وَتُسْتَحَبُّ الْمُجَاوَرَةُ بِهَا) أَيْ: بِمَكَّةَ لِمَا سَبَقَ مِنْ أَفْضَلِيَّتِهَا وَجَزَمَ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ بِأَنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ، وَأَنَّ الْمُجَاوَرَةَ بِالْمَدِينَةِ أَفْضَلُ وَذَكَرَ قَوْلَ أَحْمَدَ الْمُقَامُ بِالْمَدِينَةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مَهَاجِرُ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ ﷺ «لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا إلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَسَعْدٍ وَفِيهِنَّ " أَوْ شَهِيدًا " وَتُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ بِمَكَانٍ وَزَمَانٍ فَاضِلَيْنِ (وَلِمَنْ هَاجَرَ مِنْهَا) أَيْ: مَكَّةَ (الْمُجَاوَرَةُ بِهَا) كَغَيْرِهِ.
(وَمَا خَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْ) نَبِيّنَا (مُحَمَّدٍ ﷺ ) كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْبَرَاهِينُ (وَأَمَّا نَفْسُ تُرَابِ تُرْبَتِهِ) ﷺ (فَلَيْسَ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْكَعْبَةِ بَلْ الْكَعْبَةُ أَفْضَلُ مِنْهُ) قَالَ فِي الْفُنُونِ: الْكَعْبَةُ أَفْضَلُ مِنْ مُجَرَّدِ الْحُجْرَةِ فَأَمَّا وَالنَّبِيُّ ﷺ -
стр. 977
فِيهَا فَلَا وَاَللَّهِ وَلَا الْعَرْشُ وَحَمَلَتُهُ وَالْجَنَّةُ؛ لِأَنَّ بِالْحُجْرَةِ جَسَدًا لَوْ وُزِنَ بِهِ لَرَجَحَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَلَّ كَلَامُ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ التُّرْبَةَ عَلَى الْخِلَافِ (وَلَا يُعْرَفُ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَضَّلَ تُرَابَ الْقَبْرِ عَلَى الْكَعْبَةِ إلَّا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَلَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ إلَيْهِ وَلَا وَافَقَهُ أَحَدٌ قَطُّ عَلَيْهِ) هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَقَالَ الْمُجَاوَرَةُ بِمَكَانٍ يَكْثُرُ فِيهِ إيمَانُهُ وَتَقْوَاهُ أَفْضَلُ حَيْثُ كَانَ.
(وَحَدُّ الْحَرَمِ) الْمَكِّيِّ (مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ عِنْدَ بُيُوتِ السُّقْيَا) وَيُقَالُ لَهَا: بُيُوتُ نِفَارٍ بِكَسْرِ النُّون وَبِالْفَاءِ وَهِيَ دُونَ التَّنْعِيمِ وَيُعْرَفُ الْآنَ بِمَسَاجِدِ عَائِشَةَ.
(وَ) حَدُّهُ (مِنْ) طَرِيقِ (الْيَمَنِ سَبْعَةُ) أَمْيَالٍ (عِنْدَ أَضَاةِ لِبْنٍ) أَمَّا أَضَاةُ فَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ بِوَزْنِ قَتَاةٍ وَأَمَّا لِبْنُ فَبِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ اهـ.
وَفِي الْهِدَايَةِ: عِنْدَ إضَاحَةِ لِبْنٍ (وَ) حَدُّهُ (مِنْ) طَرِيقِ (الْعِرَاقِ كَذَلِكَ) أَيْ: سَبْعَةِ أَمْيَالٍ (عَلَى ثَنِيَّةِ خَلٍّ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَلَامٍ مُشَدَّدَةٍ هَكَذَا فِي ضَبْطِ الْمُصَنِّفِ بِالْقَلَمِ.
وَفِي الْمُنْتَهَى وَالْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِمَا رِجْلٌ أَيْ: بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ (وَهُوَ جَبَلٌ بِالْمَقْطَعِ) بِقَافٍ سَاكِنَةٍ وَطَاءٍ مَفْتُوحَةٍ هَكَذَا ضَبَطَهُ الْمُصَنِّفُ بِالْقَلَمِ وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ بِالْمُنْقَطِعِ.
(وَمِنْ الْجِعْرَانَةِ) بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ (تِسْعَةَ أَمْيَالٍ فِي شِعْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ وَ) حَدُّهُ (مِنْ) طَرِيقِ (جَدَّةَ عَشْرَةُ أَمْيَالٍ عِنْدَ مُنْقَطَعِ الْأَعْشَاشِ) أَيْ: مُنْتَهَى طَرَفُهَا جَمْعُ عُشٍّ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ.
(وَ) حَدُّهُ (مِنْ) طَرِيقِ (الطَّائِفِ عَلَى عَرَفَاتٍ مِنْ بَطْنِ نَمِرَةَ سَبْعَةُ) أَمْيَالٍ (عِنْدَ طَرْفِ عُرَنَةَ وَ) حَدُّهُ (مِنْ بَطْنِ عُرَنَةَ أَحَدَ عَشَرَ مِيلًا) .
[فَصْلٌ صَيْدُ الْمَدِينَةِ]
(فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ صَيْدُ الْمَدِينَةِ) لِحَدِيثِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا «إنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهَا،
стр. 978
أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْمَدِينَةُ مِنْ الدِّينِ بِمَعْنَى الطَّاعَةِ؛ لِأَنَّ الْمُقَامَ بِهَا طَاعَةٌ أَوْ بِمَعْنَى الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهَا دِينُ أَهْلِهَا أَيْ: مِلْكُهُمْ يُقَالُ: فُلَانٌ فِي دِينِ فُلَانٍ أَيْ: فِي مِلْكِهِ وَطَاعَتِهِ وَتُسَمَّى أَيْضًا: طَابَةٌ وَطَيْبَةُ (وَالْأَوْلَى: أَنْ لَا تُسَمَّى بِيَثْرِبَ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَيَّرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّثْرِيبِ وَهُوَ التَّعْيِيرُ وَالِاسْتِقْصَاءُ فِي اللَّوْمِ وَمَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ حِكَايَةٌ لِمَقَالَةِ الْمُنَافِقِينَ وَيَثْرِبُ فِي الْأَصْلِ: اسْمُ رَجُلٍ مِنْ الْعَمَالِقَةِ بَنَى الْمَدِينَةَ فَسُمِّيَتْ بِهِ وَقِيلَ: يَثْرِبُ اسْمِ أَرْضِهَا ذَكَرَهُ فِي حَاشِيَتِهِ.
(فَلَوْ صَادَ) مِنْ حَرَمِ الْمَدِينَةِ (وَذَبَحَ) صَيْدَهَا (صَحَّتْ تَذْكِيَتُهُ) قَالَ الْقَاضِي تَحْرِيمُ صَيْدِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ ذَكَاتُهُ وَإِنْ قُلْنَا: تَصِحُّ؛ فَلِعَدَمِ تَأْثِيرِ هَذِهِ الْحُرْمَةِ فِي زَوَالِ مِلْكِ الصَّيْدِ نَصَّ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الصِّحَّةِ احْتِمَالَيْنِ.
(وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِهَا) أَيْ: الْمَدِينَةِ (وَحَشِيشِهَا) لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ كَذَا إلَى كَذَا لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» .
(وَيَجُوزُ أَخْذُ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ مِنْ شَجَرِهَا لِلرَّحْلِ) أَيْ: رَحْلِ الْبَعِيرِ وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْ الْقَتَبِ (وَالْقَتَبُ وَعَوَارِضُهُ وَآلَةُ الْحَرْثِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَآلَةِ الدَّيَّاسِ وَالْجَذَّاذِ وَالْحَصَّادِ (وَالْعَارِضَةِ لِسَقْفِ الْمَحْمَلِ وَالْمُسَانَدِ مِنْ الْقَائِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تُنْصَبُ الْبَكَرَةُ عَلَيْهِمَا وَالْعَارِضَةُ بَيْنَ الْقَائِمَتَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَعُودِ الْبَكَرَةِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا حَرَّمَ الْمَدِينَةَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا أَصْحَابُ عَمَلٍ وَأَصْحَابُ نُضَحٍ وَإِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَرْضًا غَيْرَ أَرْضِنَا فَرَخِّصْ لَنَا فَقَالَ: الْقَائِمَتَانِ وَالْوِسَادَةُ وَالْعَارِضَةُ وَالْمُسْنَدُ فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يُعْضَدُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ فَاسْتَثْنَى الشَّارِح ذَلِكَ وَجَعَلَهُ مُبَاحًا وَالْمُسْنَدُ: عُودُ الْبَكَرَةِ (وَ) يَجُوز أَخْذُ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ (مِنْ حَشِيشِهَا لِلْعَلَفِ) لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرَةٌ إلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّ الْمَدِينَةَ يَقْرُبُ مِنْهَا شَجَرٌ وَزَرْعٌ فَلَوْ مُنِعْنَا مِنْ احْتِشَاشِهَا أَفْضَى إلَى الضَّرَرِ بِخِلَافِ مَكَّةَ.
(وَمَنْ أَدْخَلَ إلَيْهَا صَيْدًا فَلَهُ إمْسَاكُهُ وَذَبْحُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِ أَنَسٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاس خُلُقًا وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ قَالَ أَحْسَبُهُ فَطِيمًا وَكَانَ إذَا جَاءَ قَالَ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ طَائِرٌ صَغِيرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَا جَزَاءَ فِي صَيْدِهَا) وَشَجَرِهَا
стр. 979
(وَحَشِيشِهَا) قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَلَا جَزَاءَ فِيمَا حُرِّمَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَلَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ حَكَمُوا فِيهِ بِجَزَاءٍ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُ حَرَمِهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَلَا تَصْلُحُ لِأَدَاءِ النُّسُكِ وَلَا لِذَبْحِ الْهَدَايَا فَكَانَتْ كَغَيْرِهَا مِنْ الْبُلْدَانِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُرْمَةِ الضَّمَانُ وَلَا لِعَدَمِهَا عَدَمُهُ.
(وَحَدُّ حَرَمِهَا: مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إلَى عَيْرٍ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «حَرَمُ الْمَدِينَةِ مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إلَى عَيْرٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَهُوَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ الرَّسُولُ ﷺ «مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّابَةُ الْحَرَّةُ وَهِيَ أَرْضٌ تَرْكَبُهَا حِجَارَةٌ سُودٌ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: رِوَايَةُ " مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا " أَرْجَحُ لَنَا لِتَوَارُدِ الرُّوَاةِ عَلَيْهَا وَرِوَايَة " جَبَلَيْهَا " لَا تُنَافِيهَا فَيَكُونُ عِنْدَ كُلِّ جَبَلٍ لَابَةٌ أَوْ لَابَتَيْهَا مِنْ جِهَة الْجَنُوب وَالشِّمَال وَجَبَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَعَاكَسَهُ فِي الْمَطْلَعِ.
(وَقَدْرُهُ بَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ نَصًّا) قَالَ أَحْمَدُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ بَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ كَذَا فَسَّرَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ (وَهُمَا) أَيْ: ثَوْرٌ وَعَيْرٌ (جَبَلَانِ بِالْمَدِينَةِ فَثَوْرٌ) أَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ خَطَأٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ إيَّاهُ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ (جَبَلٌ صَغِيرٌ) لَوْنُهُ يَضْرِبُ (إلَى الْحُمْرَةِ بِتَدْوِيرٍ) لَيْسَ بِمُسْتَطِيلٍ (خَلْفَ أُحُدٍ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ) قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي نَقْلًا عَنْ شَيْخِهِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حُسَيْنٍ الْمَرَاغِيِّ: أَنَّ خَلَفَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَنْقُلُونَ عَنْ سَلَفِهِمْ أَنَّ خَلْفَ أُحُدٍ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ جَبَلًا صَغِيرًا إلَى الْحُمْرَةِ بِتَدْوِيرٍ يُسَمَّى ثَوْرًا قَالَ وَقَدْ تَحَقَّقْتُهُ بِالْمُشَاهَدَةِ (وَعَيْرٌ) جَبَلٌ (مَشْهُورٌ بِهَا) أَيْ: بِالْمَدِينَةِ قَالَ فِي الْمَطْلَعِ: وَقَدْ أَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ «وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ حَوْلَ الْمَدِينَةِ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حِمًى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(وَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحِلِّ صَيْدُ وَجٍّ وَشَجَرِهِ) وَحَشِيشِهِ.
(وَهُوَ وَادٍ بِالطَّائِفِ) كَغَيْرِهِ مِنْ الْحِلِّ أَمَّا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا «إنَّ صَيْدَ وَجٍّ وَعِضَاهَهُ حَرَمٌ» مَحْرَمٌ لِلَّهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِهِ الطَّائِفَ وَحِصَارِهِ ثَقِيفًا فَقَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدٌ لَيْسَ بِقَوِيٍّ فِي حَدِيثِهِ نَظَرٌ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ وَالْأَزْدِيُّ: لَمْ يَصِحَّ حَدِيثُهُ وَحَمَلَ الْقَاضِي ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ.
стр. 980
[بَابٌ دُخُولُ مَكَّةَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَغَيْرِهِ]
(بَابٌ: دُخُولُ مَكَّةَ) وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَغَيْرِهِ (يُسَنُّ الِاغْتِسَالُ لِدُخُولِهَا) وَلَوْ كَانَ بِالْحَرَمِ وَلِدُخُولِ حَرَمِهَا (وَلَوْ لِحَائِضٍ) وَمِثْلُهَا النُّفَسَاءُ فَتَغْتَسِلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَتَقَدَّمَ فِي الْغُسْلِ.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَدْخُلَهَا نَهَارًا) لِفِعْلِهِ ﷺ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَقِيلَ: وَلَيْلًا نَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: لَا بَأْسَ بِهِ وَإِنَّمَا كَرِهَهُ مِنْ السُّرَّاقِ انْتَهَى وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ أَنَّهُ ﷺ «دَخَلَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا مِنْ أَعْلَاهَا» أَيْ: مَكَّةَ (مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ مَمْدُودٌ مَهْمُوزٌ مَصْرُوفٌ وَغَيْرُ مَصْرُوفٍ ذَكَرَهُ فِي الْمَطَالِعِ وَيُعْرَفُ الْآن بِبَابِ الْمُعَلَّاةِ.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَخْرُجَ مِنْ كُدًى) بِضَمِّ الْكَاف وَتَنْوِينِ الدَّالِ عِنْدَ ذِي طُوَى بِقُرْبِ شِعْبِ الشَّافِعِيِّينَ (مِنْ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى) وَيُقَالُ لَهَا: بَابُ شَبَكَةٍ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُ مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ وَيَخْرُجُ مِنْ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا كُدَيّ مُصَغَّرًا فَأَبَاحَهُ لِمَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْيَمَنِ وَلَيْسَ مِنْ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ فِي شَيْءٍ.
(وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ) الْحَرَامَ (مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ) وَبِإِزَائِهِ الْآنَ الْبَابُ الْمَعْرُوفُ بِبَابِ السَّلَامِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ ارْتِفَاعَ الضُّحَى وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ عِنْدَ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ ثُمَّ دَخَلَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَيَقُولَ عِنْد دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْمَشْيِ إلَى الصَّلَاةِ.
وَقَالَ فِي أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ: يُسَنُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ دُخُولِهِ: بِسْمِ اللَّهِ وَبِاَللَّهِ وَمِنْ اللَّهِ وَإِلَى اللَّهِ اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ (فَإِذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ) رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ مَرْفُوعًا وَقَوْلِ جَابِرٍ " مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا إلَّا الْيَهُودُ الْحَدِيثَ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ رُدَّ بِأَنَّهُ قَوْلُ جَابِرٍ عَنْ ظَنِّهِ.
وَخَالَفَهُ ابْنُ عَمْرٍو وَابْنِ عَبَّاسٍ وَكَثِيرٌ لِلْحَدِيثِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ وَحَكَاهُ فِي الْفُرُوعِ بِقِيلَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ وَقِيلَ: وَيُهْلِلُ.
(وَقَالَ " اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ ") كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ ذَلِكَ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالسَّلَامُ الْأَوَّلُ: اسْمٌ اللَّهِ وَالثَّانِي مَنْ أَكْرَمْتَهُ بِالسَّلَامِ وَالثَّالِثُ: سَلِّمْنَا بِتَحِيَّتِكَ إيَّانَا مِنْ جَمِيعِ الْآفَاتِ ذَكَرَ ذَلِكَ الْأَزْهَرِيُّ (اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَعْظِيمًا) أَيْ: تَبْجِيلًا (وَتَشْرِيفًا) أَيْ: رِفْعَةً وَإِعْلَاءً (وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً) أَيْ: تَوْقِيرًا.
(وَبِرًّا) بِكَسْرِ الْبَاءِ
стр. 981
اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ (وَزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا) رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جُرَيْجٍ مَرْفُوعًا (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَثِيرًا، كَمَا هُوَ أَهْلُهُ وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرِيمِ وَجْهِهِ وَعِزِّ جَلَالِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ وَرَآنِي لِذَلِكَ أَهْلًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ اللَّهُمَّ إنَّك دَعَوْتَ إلَى حَجِّ بَيْتِكَ) الْحَرَامِ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ انْتَشَرَتْ وَأُرِيدَ بِتَحْرِيمِ الْبَيْتِ سَائِرُ الْحَرَمِ قَالَهُ الْعُلَمَاءُ.
(وَقَدْ جِئْتُكَ لِذَلِكَ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي وَاعْفُ عَنِّي وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لَا إلَه إلَّا أَنْتَ) ذَكَرَ ذَلِكَ الْأَثْرَمُ وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ «إذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» (يَرْفَعُ بِذَلِكَ) الدُّعَاءِ (صَوْتَهُ إنْ كَانَ رَجُلًا) ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ فَاسْتُحِبَّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ كَالتَّلْبِيَةِ (وَمَا زَادَ مِنْ الدُّعَاءِ فَحَسَنٌ) ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْبِقَاعَ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ.
(ثُمَّ يَبْدَأُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ إنْ كَانَ مُعْتَمِرًا) أَيْ: مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ مُتَمَتِّعًا أَوْ غَيْرَهُ (وَلَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَطُوفَ لَهَا طَوَافَ قُدُومٍ) كَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَإِنَّهُ يُكْتَفَى بِهَا عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ.
(وَ) يَبْتَدِئُ (بِطَوَافِ الْقُدُومِ وَيُسَمَّى طَوَافَ الْوُرُودِ إنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا وَهُوَ تَحِيَّةُ الْكَعْبَةِ) فَاسْتُحِبَّتْ الْبُدَاءَةُ بِهِ وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِهِ وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمْ.
(وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ (الصَّلَاةُ وَتُجْزِئُ عَنْهَا الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الطَّوَافِ) وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الطَّوَافُ؛ لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ وَهَذَا تَفْصِيلُهُ (فَيَكُونُ أَوَّلَ مَا يُبْدَأُ بِهِ الطَّوَاف) لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ أَوْ ذَكَرَ فَرِيضَةً فَائِتَةً أَوْ خَافَ فَوَاتَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَوْ الْوِتْرِ أَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ فَيُقَدِّمَهَا عَلَيْهِ) أَيْ: الطَّوَافِ لِاتِّسَاعِ وَقْتِهِ وَأَمْنِ فَوَاتِهِ (ثُمَّ يَطُوفَ) إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ تِلْكَ.
(وَالْأَوْلَى لِلْمَرْأَةِ: تَأْخِيرُهُ) أَيْ: الطَّوَافِ (إلَى اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ إنْ أَمِنَتْ الْحَيْضَ أَوْ النِّفَاسَ وَلَا تُزَاحِمُ الرِّجَالَ لِتَسْتَلِمَ الْحَجَرَ) الْأَسْوَدَ وَلَا لِغَيْرِهِ خَوْفَ الْمَحْظُورِ (لَكِنْ تُشِيرُ) الْمَرْأَةُ (إلَيْهِ) الْحَجَرِ (كَ) الرَّجُلِ (الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَيْهِ) إلَّا بِمَشَقَّةٍ.
(وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ وَ) فِي (طَوَافِ الْعُمْرَةِ لِلْمُتَمَتِّعِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ غَيْرِ حَامِلٍ مَعْذُورٍ) بِحَمْلِهِ بِرِدَائِهِ (فِي جَمِيع أُسْبُوعِهِ فَيَجْعَلُ وَسَطَهُ) أَيْ: الرِّدَاءِ (تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ وَ) يَجْعَلُ (طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ)
стр. 982
مَأْخُوذٌ مِنْ الضَّبُعِ وَهُوَ عَضُدُ الْإِنْسَانِ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ مُضْطَبِعًا وَعَلَيْهِ بُرْدٌ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنْ الْجِعْرَانَةِ فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمْ الْيُسْرَى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ (فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الطَّوَافِ سَوَّاهُ) أَيْ: الرِّدَاءَ فَجَعَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ (وَلَا يُضْطَبَعُ فِي السَّعْي) لِعَدَمِ وُرُودِهِ وَقَالَ أَحْمَدُ مَا سَمِعْنَا فِيهِ شَيْئًا وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ إلَّا فِيمَا عَقَلَ مَعْنَاهُ وَهَذَا تَعَبُّدِيٌّ مَحْضٌ.
(وَيَبْتَدِئُ) الطَّوَافَ (مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ) ؛ لِأَنَّهُ ﷺ «كَانَ يَبْتَدِئُ بِهِ وَقَالَ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (وَهُوَ جِهَةُ الْمَشْرِقِ فَيُحَاذِيهِ) أَيْ: الْحَجَرَ (أَوْ) يُحَاذِي (بَعْضَهُ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ) ؛ لِأَنَّ مَا لَزِمَ اسْتِقْبَالُهُ لَزِمَ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ كَالْقِبْلَةِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) أَيْ: يُحَاذِي الْحَجَرَ أَوْ بَعْضَهُ بِكُلِّ بَدَنِهِ بِأَنْ ابْتَدَأَ بِالطَّوَافِ عَنْ جَانِبِ الرُّكْنِ مِنْ جِهَةِ الْبَابِ بِحَيْثُ خَرَجَ شَيْءٌ مِنْ بَدَنِهِ عَنْ مُحَاذَاةِ الْحَجَرِ (أَوْ بَدَأَ بِالطَّوَافِ مِنْ دُون الرُّكْنِ) الَّذِي بِهِ الْحَجَرُ (كَالْبَابِ وَنَحْوِهِ) كَالْمُلْتَزَمِ (لَمْ يُحْتَسَبْ بِذَلِكَ الشَّوْطُ) لِعَدَمِ مُحَاذَاةِ بَدَنِهِ لِلْحَجَرِ وَيُحْتَسَبُ لَهُ بِالثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ وَيَصِيرُ الثَّانِي أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ يُحَاذِي فِيهِ الْحَجَرَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ (ثُمَّ يَسْتَلِمُهُ) أَيْ: الْحَجَرَ (أَيْ: يَمْسَحُهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى) لِقَوْلِ جَابِرٍ إنَّ «الرَّسُولَ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ» الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالِاسْتِلَامُ: افْتِعَالٌ مِنْ السَّلَامِ وَهُوَ التَّحِيَّةُ وَأَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ الْمُحَيَّا؛ لِأَنَّ النَّاسَ يُحَيُّونَهُ بِالِاسْتِلَامِ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ الْجَنَّةِ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ " لَمَّا أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ كَتَبَ كِتَابًا فَأَلْقَمَهُ الْحَجَرَ فَهُوَ يَشْهَدُ لِلْمُؤْمِنِ بِالْوَفَاءِ وَعَلَى الْكَافِرِ بِالْجُحُودِ " وَذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْفَرَجِ.
(وَيُقَبِّلُهُ) أَيْ: الْحَجَرَ (مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ يَظْهَرُ لِلْقُبْلَةِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ اسْتَقْبَلَ الْحَجَرَ وَوَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَبْكِي فَقَالَ: يَا عُمَرُ هَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ أَسْلَمَ قَالَ " رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَبَّلَ الْحَجَرَ وَقَالَ إنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ " (وَنَصَّ) أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ (وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ) فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ.
(فَإِنْ شَقَّ اسْتِلَامُهُ) وَتَقْبِيلُهُ لَمْ يُزَاحِمْ وَاسْتَلَمَهُ بِيَدِهِ
стр. 983
(وَقَبَّلَ يَدَهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ " وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ (فَإِنْ شَقَّ) اسْتِلَامُهُ بِيَدِهِ (اسْتَلَمَهُ بِشَيْءٍ وَقَبَّلَهُ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا (فَإِنْ شَقَّ) اسْتِلَامُهُ بِشَيْءٍ (أَشَارَ إلَيْهِ بِيَدِهِ أَوْ بِشَيْءٍ وَاسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهِهِ وَلَا يُقَبِّلُ الْمُشَارَ بِهِ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ (وَلَا يُزَاحِم) لِاسْتِلَامِ الْحَجَرِ أَوْ تَقْبِيلِهِ أَوْ السُّجُودِ عَلَيْهِ (فَيُؤْذِي أَحَدًا) مِنْ الطَّائِفِينَ.
(وَيَقُولُ) عِنْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ أَوْ اسْتِقْبَالِهِ بِوَجْهِهِ إذَا شَقَّ اسْتِلَامُهُ (بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ إيمَانًا بِكَ وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيَّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَيَقُولُ ذَلِكَ كُلَّمَا اسْتَلَمَهُ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ اسْتِلَامِهِ " (وَزَادَ جَمَاعَةٌ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ) .
(فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَجَرُ مَوْجُودًا) وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ (وَقَفَ مُقَابِلًا لِمَكَانِهِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ إذَا هُدِمَتْ.
(وَاسْتَلَمَ الرُّكْن وَقَبَّلَهُ فَإِنْ شَقَّ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ) لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
(ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَمِينِهِ مِمَّا يَلِي بَابَ الْبَيْتِ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَيَجْعَلُهُ) أَيْ: الْبَيْتَ (عَلَى يَسَارِهِ) لِفِعْلِهِ ﷺ مَعَ قَوْلِهِ «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (لِيُقَرِّبَ جَانِبَهُ الْأَيْسَرَ) الَّذِي هُوَ مَقَرُّ الْقَلْبِ (إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْبَيْتِ (فَأَوَّلُ رُكْنٍ يَمُرُّ بِهِ) الطَّائِفُ (يُسَمَّى الشَّامِيَّ وَالْعِرَاقِيَّ وَهُوَ جِهَةُ الشَّامِ ثُمَّ يَلِيهِ الرُّكْنُ الْغَرْبِيُّ وَالشَّامِيُّ وَهُوَ جِهَةُ الْمَغْرِبِ ثُمَّ الْيَمَانِيُّ جِهَةُ الْيَمَنِ فَإِذَا أَتَى عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الرُّكْن الْيَمَانِيِّ (اسْتَلَمَهُ وَلَمْ يُقَبِّلْهُ) .
وَحَدِيثُ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ اسْتَلَمَهُ وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَيْهِ» فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا لَا يَصِحُّ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ التَّقْبِيلُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ (وَلَا يَسْتَلِمُ وَلَا يُقَبِّلُ الرُّكْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ) أَيْ: الشَّامِيَّ وَالْغَرْبِيَّ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَمْسَحُ مِنْ الْأَرْكَانِ إلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ " مَا أَرَاهُ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْتَلِمْ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ إلَّا؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَتِمَّ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ وَلَا طَافَ النَّاسُ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ إلَّا لِذَلِكَ " وَطَافَ مُعَاوِيَةُ " فَجَعَلَ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِمَ تَسْتَلِمْ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فَقَالَ مُعَاوِيَةُ صَدَقْتَ ".
стр. 984
(وَلَا) يَسْتَلِمُ وَلَا يُقَبِّلُ (صَخْرَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَلَا غَيْرَهَا مِنْ الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَافِنِ الَّتِي فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمُعَاوِيَةَ بَلْ هَذِهِ أَوْلَى.
(وَيَطُوفُ سَبْعًا يَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْهَا مَاشٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي عُمَرِهِ كُلِّهَا وَفِي حَجِّهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَالْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الرَّمَلِ لِإِظْهَارِ الْجَلَدِ لِلْمُشْرِكِينَ فَبَقِيَ الْحُكْمُ بَعْدَ زَوَالِ عِلَّتِهِ لِمَا تَقَدَّمَ (غَيْرُ رَاكِبٍ وَ) غَيْرُ (حَامِلٍ مَعْذُورٍ وَ) غَيْرُ (نُفَسَاءَ وَ) غَيْرُ (مُحْرِمٍ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ قُرْبِهَا فَلَا يُسَنُّ هُوَ) أَيْ: الرَّمَلُ (وَلَا الِاضْطِبَاعُ لَهُمْ) لِعَدَمِ وُجُودِ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ شُرِعَ الرَّمَلُ وَهُوَ إظْهَارُ الْجَلَدِ وَالْقُوَّةِ لِأَهْلِ الْبَلَدِ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ لَمْ يَرْمُلْ وَمَنْ لَا يُشْرَع لَهُ الرَّمَلُ لَا يُشْرَعُ لَهُ الِاضْطِبَاعُ (وَلَا) يُسَنُّ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ (فِي غَيْرِ هَذَا الطَّوَافِ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ إنَّمَا اضْطَبَعُوا وَرَمَلُوا فِيهِ.
(وَلَا يَقْضِيهِ) أَيْ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ الِاضْطِبَاعِ وَالرَّمَلِ (وَلَا) يَقْضِي (بَعْضَهُ) إذَا فَاتَهُ (فِي) طَوَافِ (غَيْرِهِ) خِلَافًا لِلْقَاضِي كَمَنْ تَرَكَ الْجَهْرَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ لَا يَقْضِيهِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَلَا يَقْتَضِي الْقِيَاسُ أَنْ تُقْضَى هَيْئَةُ عِبَادَةٍ فِي عِبَادَةٍ أُخْرَى.
(وَهُوَ) أَيْ: الرَّمَلُ (إسْرَاعُ الْمَشْي مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَى فِي غَيْرِ وَثْبٍ وَالرَّمَلُ أَوْلَى مِنْ الدُّنُوِّ مِنْ الْبَيْتِ بِدُونِهِ) أَيْ: دُونَ رَمَلٍ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ مَعَ الْقُرْبِ لِلزِّحَامِ؛ لِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِنَفَسِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى فَضِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَكَانِهَا أَوْ زَمَانِهَا (وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الرَّمَلِ أَيْضًا) أَيْ: مَعَ الْبُعْدِ مِنْ الْبَيْتِ لِقُوَّةِ الزِّحَامِ.
(وَلَوْ) كَانَ إذَا تَأَخَّرَ فِي حَاشِيَةِ الْقَوْمِ لِلرَّمَلِ (يَخْتَلِطُ بِالنِّسَاءِ فَالدُّنُوُّ) مِنْ الْبَيْتِ مَعَ تَرْكِ الرَّمَلِ (أَوْلَى) مِنْ الْبُعْدِ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْمُعَارِضِ.
(وَيَطُوفُ) مَعَ الزِّحَامِ (كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ) بِحَيْثُ لَا يُؤْذِي أَحَدًا (فَإِذَا وَجَدَ فُرْجَةً رَمَلَ فِيهَا) مَا دَامَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ لِبَقَاءِ مَحِلِّهِ (وَتَأْخِيرِ الطَّوَافِ) حَتَّى يَزُولَ الزِّحَامُ (لَهُ) أَيْ: الرَّمَلِ (وَالدُّنُوُّ) مِنْ الْبَيْتِ (أَوْ لِأَحَدِهِمَا أَوْلَى) مِنْ تَقْدِيمِهِ مَعَ فَوَاتِهِمَا أَوْ فَوَاتِ أَحَدِهِمَا لِيَأْتِيَ بِالطَّوَافِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ.
(وَيَمْشِي الْأَرْبَعَةَ الْأَشْوَاطَ الْبَاقِيَةَ) (مِنْ الطَّوَافِ) لِلْأَخْبَارِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا الَّتِي تَقَدَّمْتِ الْإِشَارَةُ إلَيْهَا.
(وَكُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ اسْتَلَمَهُمَا) اسْتِحْبَابًا لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ نَافِعٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَإِنْ شَقَّ) أَيْ: اسْتِلَامُهُمَا لِلزِّحَامِ
стр. 985
(أَشَارَ إلَيْهِمَا) لِمَا مَرَّ (وَيَقُولُ كُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَطْ) لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعِيرٍ كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ بِيَدِهِ وَكَبَّرَ» .
(وَلَهُ الْقِرَاءَةُ فِي الطَّوَافِ فَتُسْتَحَبُّ) الْقِرَاءَةُ فِيهِ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ؛ وَلِأَنَّهُ صَلَاةٌ وَفِيهَا قِرَاءَةٌ وَدُعَاءٌ فَيَجِبُ كَوْنُهُ مِثْلُهَا وَ (لَا) يُسْتَحَبُّ (الْجَهْرُ بِهَا) أَيْ: بِالْقِرَاءَةِ فِي الطَّوَافِ.
(وَيُكْرَهُ) الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ (إنْ غَلَطَ الْمُصَلِّينَ) قُلْتُ أَوْ الطَّائِفِينَ.
(وَ) يَقُولُ (بَيْنَ) الرُّكْنِ الَّذِي بِهِ الْحَجَرُ (الْأَسْوَدُ) (وَ) الرُّكْنُ (الْيَمَانِيُّ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاسِكِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ «وُكِّلَ بِهِ أَيْ: الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ فَمَنْ قَالَ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ قَالُوا: آمِينَ» .
(وَيُكْثِرُ فِي بَقِيَّةِ طَوَافِهِ مِنْ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَمِنْهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَسَعْيًا مَشْكُورًا) أَيْ: عَمَلًا مُتَقَبَّلًا يَزْكُو لِصَاحِبِهِ ثَوَابُهُ وَمَسَاعِي الرَّجُلِ أَعْمَالُهُ الصَّالِحَةُ وَاحِدُهَا مَسْعَاةٌ قَالَهُ فِي حَاشِيَتِهِ (وَذَنْبًا مَغْفُورًا رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمْ وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ فَفِي حَالِ تَلَبُّسِهِ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى (وَيَدَعُ الْحَدِيثَ إلَّا الذِّكْرَ وَالْقِرَاءَةَ وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَرِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ فَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرٍ» .
(وَمَنْ طَافَ أَوْ سَعَى رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يُجْزِئْهُ) الطَّوَافُ وَلَا السَّعْيُ لِقَوْلِهِ ﷺ «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» ؛ وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ فَلَمْ يَجُزْ فِعْلُهَا رَاكِبًا كَالصَّلَاةِ، وَالسَّعْيُ كَالطَّوَافِ.
(وَ) الطَّوَافُ أَوْ السَّعْيُ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا (لِعُذْرٍ يُجْزِئُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ» وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ «فَشَكَوْتُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي فَقَالَ: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا وَكَانَ طَوَافُهُ ﷺ رَاكِبًا لِعُذْرٍ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ هَذَا مُحَمَّدٌ حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنْ الْبُيُوتِ وَكَانَ
следующие страницы →