Полный текст (643 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الْقَبْضِ حَتَّى يَكُونَ الْمَالِكُ هُوَ الَّذِي أَقْبَضَهُ إيَّاهُ وَأَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهِ، فَلَوْ تَوَلَّى الْمُرْتَهِنُ قَبْضَهُ دُونَ إقْبَاضِ مَالِكِهِ وَإِذْنِهِ لِمَ يَكُنْ رَهْنًا بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ الرِّهَانَ بِكَوْنِهَا مَقْبُوضَةٌ، وَلَفْظُ مَقْبُوضَةٍ يَقْتَضِي قَابِضًا وَمَقْبُوضًا فَلَا بُدَّ مِنْ الْمَقْبُوضِ مِنْهُ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ مَقْبُوضًا: وَلَمَّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ صَحَّ قَبْضُ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَالْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ دُونَ إقْبَاضٍ مِنْ الْوَاهِبِ وَالْمُتَصَدِّقِ اهـ (قَوْلُهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) يَعْنِي كَاشْتِرَاطِ حَوْزِهِ وَانْقِسَامِهِ إلَى مَا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَمَا يُضْمَنُ، وَمَا لَا يُضْمَنُ، وَمَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ مَنْفَعَتِهِ، وَمَا لَا يَجُوزُ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ فِيهِ التَّدَاعِي بَيْنَ الْمُتَرَاهِنَيْنِ.
الرَّهْنُ تَوْثِيقٌ بِحَقِّ الْمُرْتَهِنْ ... وَإِنْ حَوَى قَابِلَ غَيْبَةٍ ضَمِنْ
مَا لَمْ تَقُمْ لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَهْ ... لِمَا جَرَى فِي شَأْنِهِ مُعَيَّنَهْ
وَإِنْ يَكُنْ عِنْدَ أَمِينٍ وُقِفَا ... فَلَا ضَمَانَ فِيهِ مَهْمَا تَلِفَا
اشْتَمَلَ الْبَيْتَانِ الْأَوَّلَانِ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَى حَدُّ الرَّهْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَالٌ قُبِضَ تَوَثُّقًا بِهِ فِي دَيْنٍ، الثَّانِيَةُ أَنَّ الرَّهْنَ إذَا كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ وَكَانَ تَحْتَ يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَادَّعَى ضَيَاعَهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ إلَّا إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهِ بِغَيْرِ سَبَبِهِ فَلَا يَضْمَنُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ يَضْمَنُهُ وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي كَوْنِ الضَّمَانِ ضَمَانَ تُهْمَةٍ أَوْ ضَمَانَ أَصَالَةٍ.
(وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: قَابِلَ غَيْبَةٍ: أَنَّهُ إنْ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ؛ فَلَا يَضْمَنُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ) . وَاشْتَمَلَ الْبَيْتُ الثَّالِثُ عَلَى مَسْأَلَةٍ وَهِيَ أَنَّ الرَّهْنَ إذَا كَانَ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ فَتَلِفَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَيْضًا، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
وَإِنْ يَكُنْ عِنْدَ أَمِينٍ وُقِفَا
الْبَيْتَ (ابْنُ يُونُسَ) قَالَ مَالِكٌ: وَمَا قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ رَهْنٍ غَابَ عَلَيْهِ فَضَاعَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى
стр. 107
هَلَاكِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبِهِ.
(قَالَ الْمُتَيْطِيُّ) . هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ، وَبِهِ الْحُكْمُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ اهـ فَقَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ سَبَبِهِ يُرِيدُ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِتَعَدِّي أَجْنَبِيٍّ فَذَلِكَ مِنْ الرَّاهِنِ، وَلَهُ طَلَبُ الْمُتَعَدِّي (ابْنُ الْحَاجِبِ.) وَإِنَّ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ كَالْحُلِيِّ وَالثِّيَابِ عِنْدَ مُؤْتَمَنٍ فَكَالْأَوَّلِ. (التَّوْضِيحُ) أَيْ فَالضَّمَانُ مِنْ الرَّاهِنِ اهـ وَفَاعِلُ حَوَى لِلْمُرْتَهِنِ وَمَعْنَى حَوَاهُ: ضَمَّهُ وَكَانَ تَحْتَ يَدِهِ. وَقَابِلَ: صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ: رَهْنًا قَابِلَ غَيْبَةٍ. وَفَاعِلُ ضَمِنَ لِلْمُرْتَهِنِ أَيْضًا، وَمَا ظَرْفِيَّةٌ مَصْدَرِيَّةٌ، وَضَمِيرُ (لَهُ) لِلْمُرْتَهِنِ أَيْضًا، وَضَمِيرُ عَلَيْهِ: لِلرَّهْنِ وَبَيِّنَةٌ فَاعِلُ تَقُمْ وَمُعَيَّنَةٌ: صِفَةٌ لِبَيِّنَةٍ وَلِمَا جَرَى مُتَعَلِّقٌ بِمُعَيَّنَةٍ، وَاسْمُ يَكُنْ: لِلرَّهْنِ، وَجُمْلَةُ وُقِفَا: خَبَرُ يَكُنْ، وَعِنْدَ: يَتَعَلَّقُ بِوَقَفَا.
(فَرْعٌ) قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا غَرِمَ الْمُتَعَدِّي الْقِيمَةَ فَأَحَبُّ مَا فِيهِ إنْ أَتَى الرَّاهِنُ بِرَهْنٍ ثِقَةٍ مَكَانَ ذَلِكَ الرَّهْنِ أَخَذَ الْقِيمَةَ وَإِلَّا جُعِلَتْ هَذِهِ الْقِيمَةُ رَهْنًا وَطُبِعَ عَلَيْهَا. قَالَ: وَمَا قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ رَهْنٍ لَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ رَبْعٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ رَقِيقٍ فَالْمُرْتَهِنُ مُصَدَّقٌ فِيهِ، وَلَا يَضْمَنُ مَا زَعَمَ أَنَّهُ هَلَكَ أَوْ عَطِبَ أَوْ أَبَقَ أَوْ دَخَلَهُ عَيْبٌ، وَيَكُونُ ضَمَانُهُ مِنْ الرَّاهِنِ. (وَفِي الْمُقَرَّبِ) ": وَمَا كَانَ مِنْ الْعُرُوضِ كُلِّهَا الَّتِي يُغَابُ عَلَيْهَا إذَا جُعِلَتْ رَهْنًا عَلَى يَدِ مَنْ ارْتَضَيَاهُ فَهَلَكَ فَهُوَ مِنْ الرَّاهِنِ ".
(قَالَ ابْنُ يُونُسَ) لِبَيَانِ بَرَاءَةِ الْمُرْتَهِنِ: وَلَمْ يَضْمَنْ الْأَمِيرُ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ، وَإِنَّمَا قَبَضَهُ لِمَنْفَعَةِ غَيْرِهِ كَالْمُودَعِ.
(فَرْعٌ) قَالَ اللَّخْمِيُّ: إنْ اخْتَلَفَا فَدَعَا أَحَدُهُمَا إلَى كَوْنِهِ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ وَالْآخَرُ إلَى أَنْ يَكُونَ عَلَى يَدِ عَدْلٍ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ دَعَا إلَى الْعَدْلِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الرَّهْنِ: التَّوَثُّقُ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِكَوْنِهِ عَلَى يَدِ عَدْلٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ تَسْلِيمَهُ إلَى يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ لِمَ تَكُنْ عَادَةً كَانَ لِلرَّاهِنِ أَنْ لَا يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: لَا آمَنُكَ عَلَيْهِ. وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ لَا يَقْبِضَهُ لِأَنَّهُ يَقُولُ: عَلَيَّ فِي قَبْضِهِ مَضَرَّةٌ أَضْمَنُهُ إنْ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ وَأَتَكَلَّفُ حِفْظَهُ إنْ كَانَ حَيَوَانًا.
(قَالَ الشَّارِحُ) : " فَعَلَى هَذَا إنْ كَانَ الرَّهْنُ أَصْلًا مِمَّا لَا يُضْمَنُ وَلَا يُتَكَلَّفُ حِفْظُهُ يُلْزَمُ الْمُرْتَهِنَ قَبْضُهُ وَإِنْ لِمَ تَكُنْ هُنَاكَ عَادَةً " مَعَ أَنَّ فِي قَوْلِ اللَّخْمِيِّ: " إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ تَسْلِيمَهُ لِلْمُرْتَهِنِ " بَحْثًا؛ لِأَنَّهُ مَا أَبْدَاهُ مِنْ حُجَّةِ الْمُرْتَهِنِ فِي عَدَمِ قَبْضِهِ وَاضِحَةٌ فَكَيْفَ تُرَدُّ عَلَيْهِ بِعَادَةِ غَيْرِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
(وَالْجَوَابُ) - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -: أَنَّهُ إنْ دَخَلَا عَلَى الْمُسَاكَتَةِ وَلَمْ يُبَيِّنَا عِنْدَ مَنْ يَكُونُ الرَّهْنُ فَيُرْجَعُ لِلْعَادَةِ؛ لِأَنَّهَا كَالشَّرْطِ وَإِنْ امْتَنَعَ ابْتِدَاءً، وَذَكَرَ عُذْرَهُ فِي عَدَمِ قَبْضِهِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَبْضُهُ عِنْدَ أَمِينٍ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ دَعَا إلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ. .
وَالْحَوْزُ مِنْ تَمَامِهِ وَإِنْ حَصَلْ ... وَلَوْ مُعَارًا عِنْدَ رَاهِنٍ بَطَلْ
يَعْنِي أَنَّ الْحَوْزَ مِنْ تَمَامِ الرَّهْنِ وَلَا يَصِحّ إلَّا بِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا عَادَ لِيَدِ رَاهِنِهِ بِأَيِّ وَجْهِ فَرْضٍ بَطَلَ
стр. 108
ابْنُ يُونُسَ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فَلَزِمَ بِهَذَا اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ وَهُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ، فَمَتَى عَادَ إلَى الرَّاهِنِ بِوَجْهٍ مَا بَطَلَ كَالِابْتِدَاءِ، (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) : مَنْ ارْتَهَنَ رَهْنًا فَقَبَضَهُ ثُمَّ أَوْدَعَهُ عِنْدَ الرَّاهِنِ، أَوْ آجَرَهُ مِنْهُ، أَوْ أَعَارَهُ إيَّاهُ، أَوْ رَدَّهُ إلَيْهِ بِأَيِّ وَجْهٍ حَتَّى يَكُونَ الرَّاهِنُ هُوَ الْحَائِزُ لَهُ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ) ثُمَّ إنْ قَامَ الْمُرْتَهِنُ بِرَدِّهِ قُضِيَ لَهُمْ بِذَلِكَ مَا لَمْ يَدْخُلْهُ فَوْتٌ مِنْ تَحْبِيسٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ تَدْبِيرٍ أَوْ بَيْعٍ، أَوْ قَامَ غُرَمَاؤُهُ.
(وَفِي الْمُقَرَّبِ) : " وَإِنْ اسْتَعَارَهُ مِنْهُ الرَّاهِنُ ثُمَّ اسْتَحْدَثَ دَيْنًا أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ الْمُرْتَهِنُ كَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ " وَفِيهِ قَالَ (ابْنُ الْقَاسِمِ) وَمَنْ ارْتَهَنَ دَارًا ثُمَّ أَذِنَ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَسْكُنَهَا أَوْ يُكْرِيَهَا فَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ، وَإِنْ لِمَ يَسْكُنْ وَلَمْ يُكْرِ (ابْنُ حَارِثٍ) اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِقَبْضِهِ، فَإِنْ تَرَاخَى بِقَبْضِهِ إلَى قِيَامِ الْغُرَمَاءِ بَطَلَ وَلَوْ كَانَ جَادًّا فِي طَلَبِهِ.
(فَرْعٌ) إذَا وُجِدَ الرَّهْنُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ بَعْدَ مَوْتِ رَاهِنِهِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ: حُزْتُهُ فِي صِحَّتِهِ، وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ.
(الْمَوَّاقُ) وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ: " لَا يَنْفَعُ ذَلِكَ حَتَّى تُعْلَمَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ حَازَهُ قَبْلَ الْمَوْتِ أَوْ الْفَلَسِ.
(قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ) : صَوَابُهُ لَا يَنْفَعُهُ إلَّا بِمُعَايَنَةِ الْحَوْزِ (ابْنُ رُشْدٍ) يَجْرِي هَذَا الْخِلَافُ فِي الصَّدَقَةِ تُوجَدُ بِيَدِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُتَصَدِّقِ فَيَدَّعِي قَبْضَهَا فِي صِحَّتِهِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ دَلِيلُ الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا (الْبَاجِيُّ) عِنْدِي لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ وَجَدَهُ بِيَدِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ أَوْ الْفَلَسِ كَانَ رَهْنًا وَإِنْ لِمَ يَحْضُرُوا الْحِيَازَةَ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مَقْبُوضًا وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ بِالِاكْتِفَاءِ بِالْحَوْزِ (ابْنُ يُونُسَ) . قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: صَوَابُهُ لَا يَنْفَعُ إلَّا بِمُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ الْحَوْزَ بَعْدَ الِارْتِهَانِ.
(وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ اللَّخْمِيِّ) إذْ لَا بُدَّ مِنْ مُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ لِقَبْضِ الْمُرْتَهَنِ وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَكْفِي إلَّا التَّحْوِيزُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَوْزَ رَفْعُ مُبَاشَرَةِ الرَّاهِنِ
стр. 109
التَّصَرُّفَ فِي الرَّهْنِ، وَالتَّحْوِيزُ هُوَ تَسْلِيمُ الْعَطِيَّةِ أَوْ الرَّهْنِ مِنْ الْمُعْطِي أَوْ الرَّاهِنِ لِمَنْ ثَبَتَ لَهُ ذَلِكَ. (الرَّصَّاعُ) . وَالصَّحِيحُ أَنَّ الرَّهْنَ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّحْوِيزُ، وَلَا يَكْفِي الْحَوْزُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَلِذَلِكَ يُكْتَبُ فِي وَثِيقَةِ الرَّهْنِ " وَبَسَطَ يَدَهُ عَلَى حَوْزِ الرَّهْنِ فَحَازَهُ مُعَايَنَةً "، وَلَا يُحْتَاجُ ذَلِكَ فِي وَثِيقَةِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، وَكَتْبُهُ فِيهِمَا مِنْ جَهْلِ الْمُوَثِّقِ. وَإِلَى ذَلِكَ أَشَرْنَا بِقَوْلِنَا فِي تَكْمِيلِ الْمَنْهَجِ.
وَالْقَبْضُ فِي غَيْرِ الرِّهَانِ كَافِ ... وَفِيهِ الْإِقْبَاضُ عَلَى خِلَافِ
لِذَاكَ قَالُوا فِي رُسُومِ الرَّهْنِ قَطُّ ... يَدًا عَلَى الْحَوْزِ لِرَهْنٍ قَدْ بَسَطْ
وَكَتْبُهُ فِي غَيْرِهِ دَلَّ عَلَى ... جَهْلِ الْمُوَثِّقِ كَذَاكَ نُقِلَا
(فَرْعٌ) إذَا كَانَ الرَّهْنُ بِيَدِ مَنْ هُوَ مِنْ الرَّاهِنِ بِسَبَبٍ كَمُدَبَّرِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ وَعَبْدِهِ وَوَلَدِهِ
стр. 110
الصَّغِيرِ فَالِاتِّفَاقُ عَلَى لَغْوِ حَوْزِهِمْ، وَأَمَّا مِثْلُ وَلَدِهِ الْكَبِيرِ وَمُكَاتَبِهِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِمَّا يُخْتَلَفُ فِيهِ حَسْبَمَا يَظْهَرُ مِنْ النُّقُولِ.
(قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) : " وَلَمَّا كَانَ الْحَوْزُ رَفْعَ مُبَاشَرَةِ الرَّاهِنِ التَّصَرُّفَ فِي الرَّهْنِ صَحَّ بِيَدِ مَنْ لَا تَسَلُّطَ لِلرَّاهِنِ عَلَى مَا فِي يَدِهِ، وَبَطَلَ فِي غَيْرِهِ ".
(ابْنُ شَاسٍ) : " يَصِحُّ حَوْزُ مُكَاتَبِ الرَّاهِنِ رَهْنَهُ لِمُرْتَهِنِهِ ".
(فَرْعٌ) وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ مَثَلِهَا الثَّالِثِ: إنْ كَانَ لَك عَلَى رَجُلٍ طَعَامُ سَلَمٍ حَلَّ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُوَكَّلَ عَلَى قَبْضِهِ مِنْهُ عَبْدُهُ وَمُدَبَّرُهُ وَأُمُّ وَلَدِهِ وَزَوْجَتُهُ أَوْ صِغَارُ بَنِيهِ. وَهُوَ كَتَوْكِيلِكَ إيَّاهُ فَلَا تَبِعْهُ بِذَلِكَ الْقَبْضِ، وَلَك أَنْ تَبِيعَهُ بِقَبْضِ الْكَبِيرِ مِنْ وَلَدِهِ الْبَائِنِ عَنْهُ اهـ مِنْ الشَّارِحِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْبَابِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ (مَسْأَلَةٌ فِي الطُّرَرِ) : " وَلَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُكْرِيَ الرَّهْنَ مِنْ قَرِيبِ الرَّاهِنِ، وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ سَبَبِهِ، وَلَا لِصَدِيقِهِ الْمُلَاطِفِ، وَلَا لِأَحَدٍ يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ اكْتَرَى ذَلِكَ لِرَبِّ الدَّارِ، فَإِنْ أَكْرَاهُ لِأَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ ثُمَّ أَكْرَاهُ لِصَاحِبِ الدَّارِ خَرَجَ الرَّهْنُ عَنْ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا لِلتُّهْمَةِ الدَّاخِلَةِ فِيهِ مِنْ إجَارَتِهِ مِمَّنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ وَنَحْوُهُ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ. اهـ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ فَإِنْ أَكْرَاهُ مِنْ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ. إلَخْ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ إذَا أَكْرَاهُ لِأَجْنَبِيٍّ مِنْ الرَّاهِنِ ثُمَّ أَكْرَاهُ ذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّ مِنْ الرَّاهِنِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَبْطُلُ، وَبِهَذَا رَأَيْنَا الْعَمَلَ. .
وَالْعَقْدُ فِيهِ بِمُسَاقَاةٍ وَمَا ... أَشْبَهَهَا حَوْزٌ وَإِنْ تَقَدَّمَا
يَعْنِي أَنَّ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ إجَارَةٍ أَوْ كِرَاءٍ لِلرَّهْنِ حَوْزٌ لِلْمُرْتَهِنِ، فَمَنْ ارْتَهَنَ شَيْئًا ثُمَّ عَقَدَ فِيهِ مَنْ رَاهَنَهُ مُسَاقَاةً أَوْ كِرَاءً وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْعُقُودِ فَإِنَّ ذَلِكَ حَوْزٌ لَهُ سَوَاءٌ تَأَخَّرَ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ وَنَحْوِهَا عَنْ الرَّهْنِ - كَمَا ذُكِرَ - أَوْ تَقَدَّمَ عَقْدُ ذَلِكَ عَلَى الرَّهْنِ كَأَنْ يَكُونَ فِي يَدِهِ حَائِطُ مُسَاقَاةٍ، أَوْ دَارٌ مُكْتَرَاةٌ ثُمَّ يَرْتَهِنُ ذَلِكَ مِنْ رَبِّهِ فَإِنَّ ذَلِكَ حَوْزٌ لَهُ أَيْضًا. وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: " وَإِنْ تَقَدَّمَا " أَيْ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ وَنَحْوِهَا عَلَى الرَّهْنِ. أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ تَقَدُّمُ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ وَنَحْوِهَا عَلَى الرَّهْنِ فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُسْتَأْجِرِ لِلْمُسْتَأْجَرِ وَغَيْرِهِ.
(التَّوْضِيحُ) .
يَعْنِي إذَا دَفَعَ رَجُلٌ حَائِطَ مُسَاقَاةٍ لِرَجُلٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْهَنَ ذَلِكَ الْحَائِطَ، وَكَذَا يَصِحُّ رَهْنُ الشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ لِمَنْ هُوَ فِي إجَارَتِهِ وَغَيْرِهِ. (وَفِي الْجَلَّابِ) " مَنْ آجَرَ دَارِهِ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ رَهَنَهَا مِنْهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ آجَرَهَا مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ رَهَنَهَا مِنْ غَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَنْ سَاقَى حَائِطَهُ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ رَهَنَهُ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ ". وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ يُونُسَ أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَرْتَهِنَ مَا هُوَ بِيَدِهِ بِإِجَارَةٍ أَوْ مُسَاقَاةٍ وَيَكُونُ ذَلِكَ حَوْزًا لِلْمُرْتَهِنِ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى وَهِيَ تَقَدُّمُ الرَّهْنِ عَلَى الْمُسَاقَاةِ وَنَحْوِهَا فَلَمْ أَقِفْ الْآنَ فِيهِ عَلَى نَصٍّ صَرِيحٍ وَظَهَرَ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّهُ أَحْرَى؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ
стр. 111
الْمُتَقَدِّمُ عَلَى الرَّهْنِ حَوْزًا لِلْمُرْتَهِنِ فَأَحْرَى عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ الرَّهْنِ أَنْ يَكُونَ حَوْزًا لِلْمُرْتَهَنِ، وَلِذَلِكَ عُنِيَ النَّاظِمُ بِتَقَدُّمِ الْمُسَاقَاةِ وَغَيْرِهَا عَلَى الرَّهْنِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ خِلَافٍ. وَلَفْظُ الشَّارِحِ وَقَوْلُ الشَّيْخِ: " وَإِنْ تَقَدَّمَا " هُوَ فِي مَسَاقِ الْغَايَةِ لِلْخِلَافِ الَّذِي فِي كَوْنِ الْعَقْدِ سَابِقًا اهـ.
وَالشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ مَا يُرْتَهَنُ ... مِمَّا بِهِ اسْتِيفَاءُ حَقٍّ يُمْكِنُ
فَخَارِجٌ كَالْخَمْرِ بِاتِّفَاقِ ... وَدَاخِلٌ كَالْعَبْدِ ذِي الْإِبَاقِ
يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الرَّهْنِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَوْفَى مِنْهُ الْحَقُّ الَّذِي رُهِنَ فِيهِ سَوَاءٌ أَمْكَنَ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ عَيْنِهِ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَكَالْمِثْلِيَّاتِ إذَا اُرْتُهِنَتْ فِي مِثْلِهَا وَطُبِعَ عَلَيْهَا، أَوْ مِنْ قِيمَتِهِ كَرَهْنِ ثَوْبٍ فِي دَرَاهِمَ، أَوْ ثَمَنِ مَنَافِعِهِ كَرَهْنِ حَائِطٍ فِي دَيْنٍ؛ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْ ثَمَنِ غَلَّتِهِ، وَأَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْهُ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فَلَا يَصِحُّ رَهْنُهُ. وَتَعْبِيرُهُمْ بِالْإِمْكَانِ لِيَدْخُلَ رَهْنُ الْعَبْدِ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْهُ إذَا ظَفِرَ بِهِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ إنْ لَمْ يَظْفَرْ بِهِ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ كُلَّ مَا يَجُوزُ بِغَيْرِ عِوَضٍ جَازَ فِيهِ الْغَرَرُ، وَذَلِكَ كَالطَّلَاقِ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِعِوَضٍ وَهُوَ الْخُلْعُ؛ وَيَجُوزُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَيَجُوزُ أَنْ تُخَالِعَهُ بِعَبْدٍ آبِقٍ أَوْ بَعِيرٍ شَارِدٍ، وَكَذَلِكَ الدَّيْنُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ سَلَفٍ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ عَنْهُ وَثِيقَةَ رَهْنٍ، وَيَجُوزُ مِنْ غَيْرِ رَهْنٍ، فَيَجُوزُ فِي الرَّهْنِ الْغَرَرُ؛ لِأَنَّ غَايَةَ الْأَمْرِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَظْفَرْ بِذَلِكَ يَكُونُ بَاعَ أَوْ سَلَّفَ مِنْ غَيْرِ رَهْنٍ، وَذَلِكَ جَائِزٌ.
(قَالَ ابْنُ شَاسٍ) : وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَوْفَى مِنْهُ، أَوْ مِنْ ثَمَنِهِ، أَوْ ثَمَنِ مَنَافِعِهِ الدَّيْنُ الَّذِي رُهِنَ بِهِ أَوْ بَعْضُهُ.
(وَفِي الْمُدَوَّنَةِ) " لَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَرْتَهِنَ مِنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا ".
(قَالَ أَشْهَبُ) : فَإِنْ قَبَضَهُ ثُمَّ فُلِّسَ الذِّمِّيُّ هُوَ فِيهِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجُزْ فِي الْأَصْلِ.
(وَفِي ابْنِ يُونُسَ، وَابْنِ الْمَوَّازِ) " يَجُوزُ ارْتِهَانُ الْبَعِيرِ الشَّارِدِ وَالْعَبْدِ الْآبِقِ إنْ قَبَضَهُ قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِهِ أَوْ فَلَسِهِ " (قَالَ الشَّارِحُ) : وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الشَّيْخِ أَنَّ رَهْنَ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِلْغَرَرِ كَالْآبِقِ وَالشَّارِدِ، وَالتَّمْرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ جَائِزٌ فِي الْقَرْضِ وَبَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ وَفِي عَقْدِ الْبَيْعِ، فَأَمَّا جَوَازُ ذَلِكَ فِي الْقَرْضِ وَبَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ فَقَدْ حَكَى ذَلِكَ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ فَفِيهِ خِلَافٌ.
حَكَى ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ الْمَشْهُورَ جَوَازُهُ قَالَ: " وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقَاتِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ ".
(وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) الْمَازِرِيُّ فِي رَهْنِ مَا فِيهِ غَرَرٌ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلرَّهْنِ حَظًّا مِنْ الثَّمَنِ أَوَّلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَتِمَّةٌ) وَكَمَا يُشْتَرَطُ فِي الرَّهْنِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْهُ كَذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِي الرَّاهِنِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ الْبَيْعُ (ابْنُ شَاسٍ) " يَصِحُّ الرَّهْنُ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ الْبَيْعُ فَلَا يَرْهَنُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ وَلَا أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ ".
وَجَازَ فِي الرَّهْنِ اشْتِرَاطُ الْمَنْفَعَهْ ... إلَّا فِي الْأَشْجَار فَكُلٌّ مَنَعَهْ
إلَّا إذَا النَّفْعُ لِعَامٍ عُيِّنَا ... وَالْبَدْءُ لِلصَّلَاحِ قَدْ تَبَيَّنَا
وَفِي الَّذِي الدَّيْنُ بِهِ مِنْ سَلَفِ ... وَفِي الَّتِي وَقْتُ اقْتِضَائِهَا خَفِيَ
стр. 112
يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَشْتَرِطَ الِانْتِفَاعَ بِالرَّهْنِ إنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ شَرْعًا مِثْلُ سُكْنَى الدَّارِ وَاعْتِمَارِ الْأَرْضِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: مَنْفَعَةِ الْأَشْجَارِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهَا وَإِلَّا إذَا كَانَ الدَّيْنُ مِنْ سَلَفٍ وَإِلَّا مَا يَخْتَلِفُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ.
(فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) وَهِيَ مَنْ ارْتَهَنَ أَشْجَارًا فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ مَنْفَعَتِهَا وَهِيَ ثِمَارُهَا لِكَوْنِ ذَلِكَ مِنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخْلَقْ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخْلَقْ إلَّا أَنْ يَكُونَ النَّفْعُ لِعَامٍ عُيِّنَ. وَقَدْ بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِخُرُوجِهِ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخْلَقْ وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا.
(الْمُتَيْطِيُّ) مَنْ ارْتَهَنَ أَشْجَارًا وَاشْتَرَطَ ثِمَارَهَا فِي ذَلِكَ الْعَامِ فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ فِي سَلَفٍ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَ عَنْ بَيْعٍ وَالثَّمَرَةُ قَدْ طَابَتْ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَوْ كَانَتْ سَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَجُزْ. (وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) وَهِيَ إذَا كَانَ الدَّيْنُ الْمُرْتَهَنُ فِيهِ مِنْ سَلَفٍ فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْمَنْفَعَةِ أَيْضًا لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا.
(قَالَ الْمُتَيْطِيُّ) : " وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْمَنْفَعَةِ بِالرَّهْنِ فِي السَّلَفِ كَانَ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ وَهُوَ فِي الْعَقْدِ سَلَفٌ بِزِيَادَةٍ وَبَعْدَ الْعَقْدِ هَدِيَّةُ مِدْيَانٍ وَكَذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ فِي الْبَيْعِ أَيْضًا.
(وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) وَهِيَ إذَا كَانَ الرَّهْنُ ثِيَابًا أَوْ حَيَوَانًا وَنَحْوَهُمَا مِمَّا يَخْتَلِفُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ مَنْفَعَتِهِ، فَرُبَّ مُرْتَهِنٍ ثَوْبًا يُسَخِّرُهُ ضِعْفَيْ مُرْتَهِنٍ آخَرَ وَمُسْتَعْمَلِ دَابَّةٍ كَذَلِكَ، وَرُبَّ لَابِسِ ثَوْبٍ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً يَنْقُصُ مِنْهُ مَا لَا يَنْقُصُ لَوْ لَبِسَهُ غَيْرُهُ عَشْرَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَعَنْ هَذَا الْمَعْنَى عَبَّرَ بِقَوْلِهِ:
وَفِي الَّتِي وَقْتُ اقْتِضَائِهَا خَفِيَ
أَيْ وَإِلَّا الْمَنْفَعَةُ الَّتِي وَقْتُ اقْتِضَائِهَا يَخْتَلِفُ.
وَخَرَجَ بِذَلِكَ الدُّورُ وَالْأَرْضُونَ وَنَحْوُهَا؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهَا لَا تَخْتَلِفُ؛ لِأَنَّ فِي الدُّورِ السُّكْنَى، وَفِي الْأَرْضِ الِاعْتِمَارُ فَلَا يُنْقِصُ اسْتِعْمَالُهَا مِنْهَا، وَلَا كَذَلِكَ الثِّيَابُ وَالْحَيَوَانُ.
(قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) : قُلْت: فَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَشْتَرِطَ شَيْئًا مِنْ مَنْفَعَةِ الرَّهْنِ؟ فَقَالَ: إنْ كَانَ مِنْ بَيْعٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَرْضٍ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً. إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي: إذَا بَاعَهُ بَيْعًا، وَارْتَهَنَ رَهْنًا، وَاشْتَرَطَ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ إلَى أَجَلٍ فَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ، وَأَكْرَهُ ذَلِكَ فِي الثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ وَقَوْلُهُ " وَفِي الَّذِي " عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ " إلَّا فِي الْأَشْجَارِ فَاَلَّذِي: صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ وَإِلَّا الرَّهْنُ الَّذِي لِلدَّيْنِ، وَضَمِيرُ بِهِ: لِلرَّهْنِ الْمَوْصُوفِ بِاَلَّذِي، وَبَاؤُهُ ظَرْفِيَّةٌ وَكَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ أَيْ إلَّا الدَّيْنَ الَّذِي فِيهِ الرَّهْنُ مِنْ سَلَفٍ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ: إلَّا الْعَقْدَ الَّذِي الرَّهْنُ فِيهِ مِنْ سَلَفٍ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ اشْتِرَاطُ الْمَنْفَعَةِ. .
وَبِجَوَازِ بَيْعِ مَحْدُودِ الْأَجَلْ ... مِنْ غَيْرِ إذْنِ رَاهِنٍ جَرَى الْعَمَلْ
مَعَ جَعْلِهِ ذَاكَ لَهُ وَلَمْ يَحِنْ ... دَيْنٌ وَلَا بِعُقْدَةِ الْأَصْلِ قُرِنْ
стр. 113
يَعْنِي أَنَّ مَنْ رَهَنَ رَهْنًا فِي حَقٍّ إلَى أَجَلٍ مَحْدُودٍ وَجَعَلَ لِلْمُرْتَهِنِ بَيْعَ ذَلِكَ الرَّهْنِ بِمَعْنَى أَنَّهُ وَكَّلَهُ عَلَى بَيْعِهِ إنْ حَلَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَقْضِهِ حَقَّهُ، وَكَانَ جَعْلُهُ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ عَقْدِ الْمُعَامَلَةِ، وَقَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ أَيْ فِيمَا بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ جَرَى الْعَمَلُ بِجَوَازِ بَيْعِ الْمُرْتَهِنِ لِلرَّهْنِ الْمَذْكُورِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَقْضِهِ حَقَّهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ إذْنًا ثَانِيًا. وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ لَهُ بَيْعَهُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، أَوْ بَعْدَ حُلُولِ الدَّيْنِ فَإِنَّ ذَلِكَ كَالْعَدَمِ؛ لِأَنَّهَا وَكَالَةُ اضْطِرَارٍ، وَعَلَى اعْتِبَارِ الْإِذْنِ الْحَاصِلِ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ. لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَمِينِ ذَهَبَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: " وَلِلْأَمِينِ بَيْعُهُ بِإِذْنٍ فِي عَقْدِهِ ".
فَقَوْلُهُ " وَبِجَوَازِ ": يَتَعَلَّقُ بِجَرَى، " وَمَحْدُودِ ": صِفَةٌ فِي اللَّفْظِ الْمَحْذُوفِ أَيْ رَهْنٍ مَحْدُودٍ أَجَلُهُ، " وَمِنْ غَيْرِهِ ": يَتَعَلَّقُ بِبَيْعٍ أَيْضًا، " وَجَعْلُ ": مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ أَيْ مَعَ جَعْلِ الرَّاهِنِ ذَلِكَ الْبَيْعَ لَهُ أَيْ لِلْمُرْتَهِنِ، وَالْحَالَةُ أَنَّهُ لَمْ يَحِنْ أَيْ لَمْ يَحِلَّ أَجَلُ ذَلِكَ الدَّيْنِ وَلَا قُرِنَ أَيْ الْجُعْلُ الَّذِي هُوَ التَّوْكِيلُ عَلَى الْبَيْعِ بِعُقْدَةِ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْبَيْعُ أَوْ الْقَرْضُ، بَلْ بَعْدَهُ، وَقَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ " فَقُرِنْ ": عُطِفَ عَلَى يَحِنْ، " وَبِعُقْدَةِ ": يَتَعَلَّقُ بِقُرِنَ، وَنَائِبُ قُرِنَ يَعُودُ عَلَى الْجُعْلِ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ النَّاظِمِ، وَهُوَ الَّذِي فِي ابْنِ سَلْمُونٍ وَلَفْظُهُ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِنَّمَا لَا يُغْنِي التَّقْدِيمُ فِي الْبَيْعِ - وَإِنْ جُعِلَ لَهُ ذَلِكَ - دُونَ مَشُورَتِهِ، وَلَا سُلْطَانَ إذَا كَانَ التَّقْدِيمُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، أَوْ عِنْدَ حُلُولِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهَا وَكَالَةُ اضْطِرَارٍ. .
(وَقَالَ إسْمَاعِيلُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ) : ذَلِكَ جَائِزٌ نَافِذٌ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ وَقَبْلَ حُلُولِ أَجَلِ الدَّيْنِ لَجَازَ الشَّرْطُ وَعَمِلَتْ الْوَكَالَةُ بِاتِّفَاقٍ؛ لِأَنَّهَا عَلَى طَوَاعِيَةٍ.
(قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ) : " وَإِذَا كَانَ هَذَا التَّقَدُّمُ وَالرَّهْنُ فِي قَرْضٍ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةٍ إذْ قَدْ رَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ الْمُؤْنَةَ فِي بَيْعِهِ وَمَشُورَةِ الْقَاضِي ". (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ) : " ذَلِكَ جَائِزٌ ". فَقَوْلُهُ " وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ " إلَى قَوْلِهِ " عَلَى طَوَاعِيَةٍ ". هُوَ مَنْطُوقُ قَوْلِ النَّاظِمِ
مَعَ جَعْلِهِ ذَاكَ لَهُ
الْبَيْتَ. وَقَوْلُهُ: " وَإِنَّمَا لَا يُغْنِي التَّقْدِيمُ فِي الْبَيْعِ " إلَى قَوْلِهِ: " لِأَنَّهَا وَكَالَةُ اضْطِرَارٍ " هُوَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ:
مَعَ جَعْلِهِ ذَاكَ لَهُ
الْبَيْتَ. وَقَوْلُهُ " وَقَالَ إسْمَاعِيلُ الْقَاضِي " هُوَ مُقَابِلُ قَوْلِهِ " وَإِنَّمَا لَا يُغْنِي التَّقْدِيمُ " وَقَالَ إسْمَاعِيلُ الْقَاضِي: يُغْنِي أَيْ يَكْفِي. وَقَوْلُهُ " قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ. إلَخْ " لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ التَّقْدِيمَ عَلَى الْبَيْعِ إذَا كَانَ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَقَبْلَ حُلُولِ
стр. 114
أَجَلِ الدَّيْنِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَكَانَ ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ اسْتَدْرَكَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عُمَرَ قَيَّدَ جَوَازَ ذَلِكَ بِالْبَيْعِ دُونَ الْقَرْضِ، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ أَجَازَ ذَلِكَ فِي الْقَرْضِ وَالْبَيْعِ مَعًا، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ النَّظْمِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ " وَلَا بِعُقْدَةِ الْأَصْلِ قُرِنَ " أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ بَيْعُ الرَّهْنِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ إذَا لَمْ يَكُنِ الرَّهْنُ مَقْرُونًا بِعُقْدَةِ الْبَيْعِ أَوْ الْقَرْضِ؛ بِأَنْ كَانَ مُتَطَوِّعًا بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ، أَمَّا إنْ كَانَ مُشْتَرَطًا فِي أَصْلِ الْمُعَامَلَةِ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ فَنَائِبُ قُرِنَ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ ضَمِيرُ الرَّهْنِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِنَقْلِ الشَّارِحِ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ أَنَّهُ إنْ اشْتَرَطَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ أَنَّ لَهُ بَيْعَ الرَّهْنِ عِنْدَ الْأَجَلِ مِنْ غَيْرِ مُؤَامَرَةِ صَاحِبِهِ، أَوْ الْعَدْلِ إنْ كَانَ عَلَى يَدِ عَدْلٍ جَازَ إنْ كَانَ الرَّهْنُ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ مِنْ الرَّاهِنِ وَالْإِذْنِ فِي بَيْعِهِ.
(قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ) : وَذَلِكَ جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ. وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُبَاعُ إلَّا بِأَمْرِ السُّلْطَانِ إنْ كَانَ الرَّهْنُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ، أَوْ بِيَدِ عَدْلٍ فَإِنْ بِيعَ نَفَذَ الْبَيْعُ وَلَمْ يُرَدَّ.
(ثُمَّ قَالَ) : وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: " وَلَوْ طَاعَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ بَعْدَ الْبَيْعِ، وَقَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ بِأَنْ رَهَنَهُ رَهْنًا، وَوَكَّلَهُ عَلَى بَيْعِهِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ دُونَ مُؤَامَرَةِ سُلْطَانٍ جَازَ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ شَرْطُ تَوْكِيلِ غَيْرِهِمَا، وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي عَصْرِنَا اهـ (وَحَاصِلُهُ) أَنَّ الرَّهْنَ إذَا كَانَ مُتَطَوَّعًا بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ فَلِلْمُرْتَهِنِ بَيْعُهُ اتِّفَاقًا. وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: " وَلَا بِعُقْدَةِ الْأَصْلِ قُرِنَ ". وَمَفْهُومُهُ إنْ كَانَ مَشْرُوطًا مَدْخُولًا عَلَيْهِ فَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ بَيْعُهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ الْمُؤَيَّدُ بِكَلَامِ ابْنِ سَلْمُونٍ هُوَ أَقْرَبُ لِعِبَارَةِ النَّاظِمِ حَيْثُ عَيَّنَ وَقْتَ الْجُعْلِ بِقَوْلِهِ
مَعَ جَعْلِهِ ذَاكَ لَهُ وَلَمْ يَحِنْ
إلَخْ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي عِبَارَةِ الْمُتَيْطِيِّ عَلَى نَقْلِ الشَّارِحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ) : (الْأَوَّلُ) مَا ذَكَرَهُ النَّاظِمُ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَذِنَ بَعْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ وَقَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ جَازَ لِلْمُرْتَهِنِ الْبَيْعُ بِذَلِكَ. (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَابْنُ مَرْزُوقٍ: لَكِنْ نَقَلَ الْمُتَيْطِيُّ عَنْ بَعْضِ الْمُوَثَّقِينَ مَنْعَهُ؛ لِأَنَّهُ هَدِيَّةُ مِدْيَانٍ.
(وَالثَّانِي) مَا فُهِمَ مِنْ كَلَامِ النَّاظِمِ مِنْ أَنَّ الْإِذْنَ إذَا كَانَ بَعْدَ الْأَجَلِ لَا عِبْرَةَ بِهِ هُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ " وَلَا يَسْتَقِلُّ الْمُرْتَهِنُ بِالْبَيْعِ إلَّا بِإِذْنٍ بَعْدَ الْأَجَلِ " (التَّوْضِيحُ) قَوْلُهُ " وَلَا يَسْتَقِلُّ بَلْ يُرْفَعُ إلَى الْحَاكِمِ لِيُطَالِبَ الرَّاهِنَ أَوْ يُكَلِّفَهُ الْبَيْعَ فَإِنْ امْتَنَعَ بَاعَ عَلَيْهِ اهـ.
الثَّالِثُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْجَوَاهِرِ: فَلَوْ قَالَ الرَّاهِنُ، لِمَنْ عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ مِنْ مُرْتَهِنٍ أَوْ عَدْلٍ: إنْ لَمْ آتِ إلَى أَجَلِ كَذَا فَأَنْتَ مُسَلَّطٌ عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ فَلَا يَبِيعُهُ إلَّا بِأَمْرِ السُّلْطَانِ، فَإِنْ بَاعَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ نَفَذَ اهـ وَنَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ. ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ هُنَا لِلْأَمِينِ إلَّا بِأَمْرِ السُّلْطَانِ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ الْبَيْعَ بِأَنْ لَمْ يَأْتِ، وَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ أَتَى أَوْ حَاضِرًا مَعَهُ فِي الْبَلَدِ، فَلِذَلِكَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَظَرِ السُّلْطَانِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ إذْنًا مُطْلَقًا. وَعَلَى مَا فِي الْجَوَاهِرِ وَالْمُدَوَّنَةِ مِنْ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ إنْ لَمْ آتِ عَوَّلَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ مَعَ اعْتِبَارِ الْإِذْنِ الْحَاصِلِ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَمِينِ وَالْحَاصِلِ بَعْدَ الْعَقْدِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُرْتَهِنِ حَيْثُ قَالَ: وَلِلْأَمِينِ بَيْعُهُ بِإِذْنٍ فِي عَقْدِهِ إنْ لِمَ يَقُلْ إنْ لَمْ آتِ كَالْمُرْتَهِنِ بَعْدَهُ وَإِلَّا مَضَى فِيهِمَا.
(فَرْعٌ) إذْنُ الرَّاهِنِ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ هُوَ تَوْكِيلٌ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ لِلْمُوَكِّلِ عَزْلَ وَكِيلِهِ إلَّا إذَا تَعَلَّقَ بِالْوَكَالَةِ حَقُّ الْغَيْرِ كَمَسْأَلَتِنَا هَذِهِ، فَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ عَزْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ تَعَلَّقَ لَهُ حَقٌّ بِالْوَكَالَةِ.
(قَالَ اللَّخْمِيُّ) : لِأَنَّ فِي ذَلِكَ حَقًّا لِلطَّالِبِ إنْ كَانَ حَاضِرًا فَلَهُ أَنْ لَا يَتَكَلَّفَ مُطَالَعَةَ سُلْطَانٍ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا أَنْ لَا يَتَكَلَّفَ إثْبَاتَهَا اهـ.
وَجَازَ رَهْنُ الْعَيْنِ حَيْثُ يُطْبَعُ ... عَلَيْهِ أَوْ عِنْدَ أَمِينٍ يُوضَعُ
يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ رَهْنُ الْعَيْنِ ذَهَبًا كَانَ أَوْ فِضَّةً إذَا طُبِعَ عَلَيْهِ أَوْ جُعِلَ بِيَدِ أَمِينٍ لِأَنَّهُ حَيْثُ لِمَ يُطْبَعْ
стр. 115
عَلَيْهِ وَلَا جُعِلَ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ يُتَّهَمُ الْمُرْتَهِنُ بِسَلَفِهِ وَرَدِّ مِثْلِهِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَمَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ إنْ لَمْ يُطْبَعْ عَلَيْهِ أَوْ يَكُنْ عِنْدَ أَمِينٍ امْتَنَعَ مُطْلَقًا.
(وَقَالَ أَشْهَبُ) : إنْ كَانَ نَقْدًا لِقُوَّةِ التُّهْمَةِ.
(التَّوْضِيحُ) : يَعْنِي أَنَّ الرَّهْنَ إذَا كَانَ مِمَّا يُعْرَفُ كَالْحَيَوَانِ وَالْكِتَابِ.
(قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) : وَالْحُلِيِّ جَازَ أَنْ يُوضَعَ تَحْتَ يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ إلَّا أَنْ يُطْبَعَ عَلَيْهِ أَوْ يُوضَعَ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ (الْمَازِرِيُّ) وَإِنَّمَا امْتَنَعَ إذَا لَمْ يُطْبَعْ عَلَيْهِ أَنْ يُوضَعَ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ حِمَايَةً لِلذَّرِيعَةِ أَنْ يَكُونَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ قَصَدَا أَنْ يُقْبَضَ عَلَى جِهَةِ السَّلَفِ، وَيُسَمِّيَا ذَلِكَ الْقَبْضَ رَهْنًا. وَاشْتِرَاطُ السَّلَفِ فِي الْمُدَايَنَةِ وَالْمُبَايَعَةِ مَمْنُوعٌ، وَالتَّطَوُّعُ بِهِ كَهِبَةِ مِدْيَانٍ وَقَوْلُهُ " مُطْلَقًا " أَيْ كَانَ نَقْدًا أَوْ طَعَامًا مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا.
(وَقَالَ أَشْهَبُ) : إنَّمَا يَمْتَنِعُ فِي النَّقْدِ. وَهَكَذَا نَقَلَ (الْمَازِرِيُّ) وَلَفْظُهُ: " وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَلَيْسَ مِنْ الْأَثْمَانِ الَّتِي هِيَ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ وَالْفُلُوسُ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ: الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا إلْحَاقُ ذَلِكَ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. " وَقَدْ أَجَازَ أَشْهَبُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ مِمَّنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا مُسْتَخَفٌّ، وَيَبْعُدُ اسْتِخْفَافُ ذَلِكَ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ اهـ.
(قَالَ الشَّارِحُ) ظَاهِرُ اقْتِصَارِ الشَّيْخِ عَلَى ذِكْرِ الْعَيْنِ دُونَ الطَّعَامِ وَمَا أَشْبَهَهُ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَا نُقِلَ عَنْ (أَشْهَبَ) فِي الْمَجْمُوعَةِ دُونَ مَا تَقَدَّمَ (لِابْنِ الْقَاسِمِ) فِي إلْحَاقِهِ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ بِالْعَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
وَالرَّهْنُ لِلْمُشَاعِ مَعَ مَنْ رَهَنَا ... قَبْضُ جَمِيعِهِ لَهُ تَعَيَّنَا
وَمَعَ غَيْرِ رَاهِنٍ يَكْفِيهِ أَنْ ... يَحُلَّ فِيهِ كَحُلُولِ مَنْ رَهَنْ
تَكَلَّمَ فِي الْبَيْتَيْنِ عَلَى كَيْفِيَّةِ قَبْضِ الرَّهْنِ إذَا كَانَ جُزْءًا مُشَاعًا أَيْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ بَلْ هُوَ عَامٌّ شَائِعٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمُرْتَهَنِ بَعْضِهِ كَنِصْفِ دَارٍ أَوْ رُبْعِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْزَاءِ، فَإِنَّ النِّصْفَ مَثَلًا لَا يَخْتَصُّ بِمَوْضِعٍ مِنْهَا دُونَ آخَرَ بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا هَكَذَا الرُّبْعُ وَالثُّمُنُ، وَسَائِرُ الْأَجْزَاءِ الْمُشَاعَةِ لَا تَخْتَصُّ بِمَحَلٍّ دُونَ آخَرَ.
فَمَنْ رَهَنَ جُزْءًا كَرُبْعٍ مَثَلًا فَإِنَّ مَا عَدَا ذَلِكَ الْجُزْءِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ لِلرَّاهِنِ أَيْضًا كَمَالِكِ دَارٍ رَهَنَ نِصْفَهَا مَثَلًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ الرَّاهِنِ كَمَنْ يَمْلِكُ نِصْفَ دَارٍ فَرَهَنَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلرَّاهِنِ وَلِغَيْرِهِ مَعًا كَمَنْ يَمْلِكُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ دَارٍ فَرَهَنَ نِصْفَهَا فَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ لَا يَتِمُّ الرَّهْنُ فِيهِ إلَّا بِحَوْزِ جَمِيعِ الدَّارِ مَثَلًا، وَإِلَى هَذَا الْوَجْهِ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي فَيَكْفِي فِي حَوْزِهِ حَوْزُ النِّصْفِ الَّذِي يَمْلِكُهُ الرَّاهِنُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ " وَمَعَ غَيْرِ رَاهِنٍ " الْبَيْتَ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ حَوْزِ الثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ إذْ بِحَوْزِهَا يَحِلُّ مَحَلَّ الرَّاهِنِ، وَيَصْدُقُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا قَوْلُهُ " وَمَعَ غَيْرِ رَاهِنٍ. " إلَخْ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ بِغَيْرِ الرَّاهِنِ وَحْدَهُ كَمَا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَبِغَيْرِ الرَّاهِنِ وَلِغَيْرِ الرَّاهِنِ مَعًا كَمَا فِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ.
وَالْمَقْصُودُ فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا رَفْعُ يَدِ الرَّاهِنِ وَعَدَمُ جَوَلَانِهَا فِي الرَّهْنِ (قَالَ ابْنُ يُونُسَ) : قَالَ (مَالِكٌ) : وَلَا بَأْسَ بِرَهْنِ جُزْءٍ مُشَاعٍ غَيْرِ مَقْسُومٍ مِنْ رَبْعٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ عَرَضٍ وَقَبْضِهِ - إنْ كَانَ بَيْنَ الرَّاهِنِ وَغَيْرِهِ - أَنْ يَحُوزَ الْمُرْتَهِنُ حِصَّةَ الرَّاهِنِ وَيُكْرِيهِ وَيُوَلِّيهِ مَعَ مَنْ لَهُ فِيهِ شِرْكٌ كَرَبِّهِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَضَعَاهُ عَلَى يَدِ الشَّرِيكِ، وَالْحَوْزُ فِي ارْتِهَانِ مَا يَمْلِكُ الرَّاهِنُ جَمِيعَهُ مِنْ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ ثَوْبٍ قَبْضُ جَمِيعِهِ.
(قَالَ ابْنُ يُونُسَ) : وَاخْتُلِفَ فِي الدَّارِ فَقِيلَ: لَا يَجُوزُ حَتَّى يَقْبِضَ الْمُرْتَهِنُ جَمِيعَهَا أَوْ تَكُونَ عَلَى يَدِ عَدْلٍ، وَقِيلَ: تَكُونُ بِيَدِ الرَّاهِنِ مَعَ يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَيُكْرِيَانِ جَمِيعًا، وَيَصِحُّ الْحَوْزُ أَوْ يَضَعَانِهَا جَمِيعًا عَلَى غَيْرِهِمَا مَا لَمْ يَكُنِ الْمَوْضُوعُ عَلَى يَدِهِ هُوَ الْقَيِّمُ بِهِ مِثْلُ عَبْدِهِ أَوْ أَجِيرِهِ. (قَالَ الشَّارِحُ) إطْلَاقُ الشَّيْخِ ﵀ فِي جَوَازِ رَهْنِ الْمُشَاعِ مَعَ غَيْرِ الرَّاهِنِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ لَهُ بِإِذْنِ الشَّرِيكِ إنْ كَانَ غَيْرَ رَبْعٍ وَلَا يَنْقَسِمُ يَقْتَضِي أَنَّهُ اعْتَمَدَ قَوْلَ (ابْنِ الْقَاسِمِ) فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ إذْنُ الشَّرِيكِ (ابْنُ عَرَفَةَ) فِي الْكَلَامِ عَلَى رَهْنِ الْمُشَاعِ وَهُوَ فِيمَا بَاقِيهِ لِغَيْرِ الرَّاهِنِ رَبْعًا أَوْ مُنْقَسِمًا لَا يَفْتَقِرُ لِإِذْنِ شَرِيكِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَفِي كَوْنِهِ كَذَلِكَ. وَوَقْفِهِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ (لِابْنِ الْقَاسِمِ) (وَأَشْهَبَ) قَائِلًا لِأَنَّ رَهْنَهُ يَمْنَعُهُ مِنْ بَيْعِهِ نَاجِزًا اهـ وَكَذَلِكَ إطْلَاقُهُ فِي حَوْزِ الْمُشَاعِ بِحُلُولِ الْمُرْتَهِنِ
стр. 116
مَحَلَّ الرَّاهِنِ دُونَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ كَوْنِهِ دَارًا أَوْ أَرْضًا فَيَكْفِي فِيهِ ذَلِكَ وَبَيْنَ كَوْنِهِ مِمَّا يُنْقَلُ كَالثَّوْبِ وَالْعَبْدِ فَيَكْفِي فِيهِ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ (ابْنِ الْقَاسِمِ) دُونَ قَوْلِ (أَشْهَبَ) " أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِيهِ ذَلِكَ "، يَقْتَضِي أَنَّهُ اعْتَمَدَ قَوْلَ (ابْنِ الْقَاسِمِ) أَيْضًا فِي ذَلِكَ دُونَ قَوْلِ أَشْهَبَ.
وَالرَّهْنُ مَحْبُوسٌ بِبَاقِي مَا وَقَعْ ... فِيهِ وَلَا يَرُدُّ قَدْرَ مَا انْدَفَعْ
يَعْنِي أَنَّهُ إذَا أَدَّى الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ بَعْضَ حَقِّهِ وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَرُدَّ لَهُ مِنْ الرَّهْنِ مَا يُقَابِلُ مَا دَفَعَ مِنْ الْحَقِّ إذَا كَانَ الرَّهْنُ مِمَّا يَنْقَسِمُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَا الْمُرْتَهِنِ، وَالرَّهْنُ بِجُمْلَتِهِ مَحْبُوسٌ بِبَاقِي الْحَقِّ إلَى أَنْ يَقَعَ مِنْهُ الْخَلَاصُ (ابْنُ عَرَفَةَ) .
وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ الرَّهْنِ رَهْنٌ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ رُهِنَ فِيهِ بِمَعْنَى الْكُلِّيَّةِ فِيهِمَا لَا بِمَعْنَى التَّوْزِيعِ إنْ اتَّحَدَ مَالِكُ الدَّيْنِ وَإِنْ تَعَدَّدَ وَلَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمْ فِيهِ فَعَلَى مَعْنَى التَّوْزِيعِ، وَفِيهَا مَنْ رَهَنَ امْرَأَتَهُ رَهْنًا بِكُلِّ الْمَهْرِ قَبْلَ الْبِنَاءِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَهُ لِمَ يَكُنْ لَهُ أَخْذُ نِصْفِ الرَّهْنِ. وَالرَّهْنُ أَجْمَعُ رَهْنٌ بِنِصْفِ الْمَهْرِ كَمَنْ قَضَى بَعْضَ الدَّيْنِ أَوْ وُهِبَ لَهُ فَكُلُّ الرَّهْنِ رَهْنٌ بِمَا بَقِيَ. وَفِيهَا مَنْ رَهَنَ دَارًا مِنْ رَجُلَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً فِي دَيْنٍ لَهُمَا وَلَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمَا فَقَضَى أَحَدُهُمَا كُلَّ حَقِّهِ أَخَذَ حِصَّتَهُ مِنْ الدَّارِ.
(وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ) مَنْ ارْتَهَنَ دَابَّةً أَوْ دَارًا أَوْ ثَوْبًا فَاسْتَحَقَّ نِصْفَ ذَلِكَ مِنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَبَاقِيهِ رَهْنٌ بِجَمِيعِ الْحَقِّ. اهـ (وَفِي مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ) " وَإِذَا قَضَى بَعْضَ الدَّيْنِ أَوْ سَقَطَ فَجَمِيعُ الرَّهْنِ فِيمَا بَقِيَ كَاسْتِحْقَاقِ بَعْضِهِ وَ (بِبَاقِي) يَتَعَلَّقُ بِمَحْبُوسٍ، وَمَا: مَوْصُولٌ مُضَافٌ إلَيْهِ مَا قَبْلَهُ وَاقِعٌ عَلَى الدَّيْنِ أَيْ بِبَاقِي الدَّيْنِ الَّذِي وَقَعَ الرَّهْنُ فِيهِ، وَلَا يُرَدُّ مِنْ الرَّهْنِ قَدْرُ مَا دُفِعَ مِنْ الدَّيْنِ.
وَشَرْطُ مِلْكِ الرَّهْنِ حَيْثُ لَا يَقَعْ ... إنْصَافُهُ مِنْ حَقِّهِ النَّهْيُ وَقَعْ
يَعْنِي أَنَّهُ نُهِيَ عَنْ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُنْصِفْهُ مِنْ حَقِّهِ لِأَجَلِ كَذَا مَلَكَ الرَّهْنَ فِي ذَلِكَ الْحَقِّ، وَذَلِكَ هُوَ غَلْقُ الرَّهْنِ الَّذِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ. (ذَكَرَ) (الْإِمَامُ مَالِكٌ) فِي مُوَطَّئِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : قَالَ «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» (قَالَ مَالِكٌ) : تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِيمَا نُرَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ الرَّهْنَ عِنْدَ الرَّجُلِ بِشَيْءٍ وَفِي الرَّهْنِ فَضْلٌ عَمَّا رَهَنَ بِهِ فَيَقُولُ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ: إنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ إلَى أَجَلٍ يُسَمِّيهِ لَهُ وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَك بِمَا فِيهِ. فَهَذَا لَا يَصِحُّ، وَلَا يَحِلُّ، وَهُوَ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ. وَإِنْ جَاءَهُ صَاحِبُهُ بِاَلَّذِي رَهَنَ بِهِ بَعْدَ الْأَجَلِ فَهُوَ لَهُ، وَأُرَى هَذَا الشَّرْطَ مُنْفَسِخًا. .
(وَفِي ابْنِ يُونُسَ) " وَمَنْ لَك عَلَيْهِ دَيْنٌ إلَى أَجَلٍ مَعَ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ فَيَرْهَنُكَ بِهِ رَهْنًا عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَفْتَدِهِ مِنْكَ إلَى أَجَلٍ فَالرَّهْنُ لَك بِدَيْنِكَ لَمْ يَجُزْ وَيُنْقَضُ هَذَا الرَّهْنُ وَلَا يُنْتَظَرُ بِهِ الْأَجَلُ ".
(قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:) وَيَصِيرُ السَّلَفُ حَالًّا وَلَكَ أَنْ تَحْبِسَ الرَّهْنَ حَتَّى تَأْخُذَ حَقَّكَ وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ.
(قَالَ ابْنُ يُونُسَ:) وَهَذَا إذَا كَانَ الرَّهْنُ فِي أَصْلِ الْبَيْعِ أَوْ السَّلَفِ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَسَدَ الْبَيْعُ وَالسَّلَفُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَصِحُّ لَهُ فِي ثَمَنِ سِلْعَتِهِ الثَّمَنُ أَوْ الرَّهْنُ. وَكَذَلِكَ فِي السَّلَفِ لَا يَدْرِي هَلْ يُرْجِعُ إلَيْهِ مَا أَسْلَفَ أَوْ الرَّهْنَ وَلَوْ كَانَ هَذَا الرَّهْنُ بَعْدَ أَنْ وَقَعَ الْبَيْعُ أَوْ السَّلَفُ لَمْ يُفْسَخْ إلَّا الرَّهْنُ وَحْدَهُ، وَيَأْخُذُهُ رَبُّهُ وَيَبْقَى الْبَيْعُ وَالسَّلَفُ بِلَا رَهْنٍ إلَى أَجَلِهِ، وَلَا يَكُونُ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِهَذَا الرَّهْنِ فِي فَلَسٍ وَلَا مَوْتٍ. اهـ (وَشَرْطُ) : مُبْتَدَأٌ أَوَّلٌ وَهُوَ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ، وَإِنْصَافُهُ: فَاعِلُ يَقَعُ، وَمِنْ حَقِّهِ: يَتَعَلَّقُ بِإِنْصَافِهِ، وَالنَّهْيُ: مُبْتَدَأٌ ثَانٍ خَبَرُهُ جُمْلَةُ وَقَعَ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الْأَوَّلِ، وَفَاعِلُ وَقَعَ يَعُودُ عَلَى النَّهْيِ، وَالرَّابِطُ لِجُمْلَةِ الْخَبَرِ بِالْمُبْتَدَأِ الْأَوَّلِ مَحْذُوفٌ أَيْ (عَنْهُ) ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ الزَّوَائِدِ عَلَى مَا فِي الْمُخْتَصَرِ. .
[فَصْلٌ فِي اخْتِلَافِ الْمُتَرَاهِنَيْنِ]
ِ ذَكَرَ النَّاظِمُ مِنْ اخْتِلَافِ الْمُتَرَاهِنَيْنِ ثَلَاثَ مَسَائِلَ: الِاخْتِلَافَ فِي عَيْنِ الرَّهْنِ، وَالِاخْتِلَافَ فِي حُلُولِ الْأَجَلِ، وَالِاخْتِلَافَ فِي صِفَةِ الرَّهْنِ.
стр. 117
وَفِي اخْتِلَافِ رَاهِنٍ وَمُرْتَهِنْ ... فِي عَيْنِ رَهْنٍ كَانَ فِي حَقٍّ رُهِنْ
الْقَوْلُ قَوْلُ رَاهِنٍ إنْ صَدَّقَا ... مَقَالَهُ شَاهِدُ حَالٍ مُطْلَقَا
كَأَنْ يَكُونَ الْحَقُّ قَدْرُهُ مِائَهْ ... وَقِيمَةُ الرَّهْنِ لِعَشْرٍ مُبْدِئَهْ
يَعْنِي أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَرَاهِنَانِ فِي عَيْنِ الرَّهْنِ فَقَالَ الرَّاهِنُ لَيْسَ هَذَا رَهْنِي وَرَهْنِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ بَلْ هُوَ رَهْنُكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ إنْ صَدَّقَهُ الْعُرْفُ وَالْحَالُ.
(قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ) قَالَ أَصْبَغُ فِيمَنْ رَهَنَ رَهْنًا بِأَلْفِ دِينَارٍ فَجَاءَ لِيَقْبِضَهُ فَأَخْرَجَ الْمُرْتَهِنُ رَهْنًا يُسَاوِي مِائَةَ دِينَارٍ فَقَالَ الرَّاهِنُ: لَيْسَ هَذَا رَهْنِي وَقِيمَةُ رَهْنِي أَلْفُ دِينَارٍ وَذَكَرَ صِفَةً تُسَاوِي أَلْفَ دِينَارٍ فَالرَّاهِنُ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ لِكَوْنِهِ ادَّعَى مَا يُشْبِهُ وَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ مَا لَا يُشْبِهُ، فَإِذَا حَلَفَ - أَيْ الرَّاهِنُ - سَقَطَ عَنْهُ مِنْ الدَّيْنِ مِقْدَارُ قِيمَةِ رَهْنِهِ. اهـ وَنَقَلَهُ الْمَوَّاقُ وَقَالَ: إثْرَهُ مَا نَصُّهُ، وَقَالَ (أَشْهَبُ) : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ وَإِنْ لَمْ يُسَاوِ إلَّا دِرْهَمًا وَاحِدًا، وَقَالَ عِيسَى عَنْ (ابْنِ الْقَاسِمِ) نَحْوَ قَوْلِ أَشْهَبَ (ابْنُ حَبِيبٍ) ، وَبِهِ أَقُولُ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ (ابْنُ يُونُسَ) كَمَا لَوْ قَالَ لَمْ تُرْهِنِّي شَيْئًا اهـ.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَ (الشَّيْخُ خَلِيلٌ) بِقَوْلِهِ " لَا الْعَكْسُ أَيْ لَا يَكُونُ شَاهِدًا عَلَى الرَّهْنِ.
(قَوْلُهُ " فِي عَيْنِ رَهْنٍ ") يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ قَدْرَ الدَّيْنِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَجُمْلَةُ " كَانَ فِي حَقِّ " صِفَةٌ لِرَهْنٍ، وَمَقَالَهُ مَفْعُولُ (صَدَّقَا) وَ (شَاهِدُ) فَاعِلُهُ، وَمَعْنَى الْإِطْلَاقِ: كَانَ الرَّاهِنُ مُتَّهَمًا أَوْ لَا، كَذَا قَالَ بَعْضُ مَنْ شَرَحَهُ وَجُمْلَةُ (قَدْرُهُ مِائَهْ) خَبَرُ يَكُونُ، وَجُمْلَةُ
وَقِيمَةُ الرَّهْنِ لِعَشْرٍ مُبْدِئَهْ
حَالِيَّةٌ.
(وَقَدْ اسْتَطْرَدَ) الشَّارِحُ هُنَا حُكْمَ اخْتِلَافِ الْمُتَرَاهِنَيْنِ فِي صِفَةِ الرَّهْنِ إذَا ضَاعَ مَعَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ أَوْ اخْتِلَافِهِمَا فِيهِ، وَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ شَيْئَيْنِ فَضَاعَ أَحَدُهُمَا أَوْ اخْتَلَفَا فِي كَوْنِهِ رَهْنًا أَوْ وَدِيعَةً أَوْ عَارِيَّةً اُنْظُرْهُ فِيهِ إنْ شِئْتَ. .
стр. 118
وَالْقَوْلُ حَيْثُ يَدَّعِي مَنْ ارْتَهَنْ ... حُلُولَ وَقْتِ الرَّهْنِ قَوْلُ مَنْ رَهَنْ
وَفِي كَثَوْبٍ خَلَقٍ وَيَدَّعِي ... جِدَّتَهُ الرَّاهِنُ عَكْسَ ذَا وُعِيَ
إلَّا إذَا خَرَجَ عَمَّا يُشْبِهُ ... فِي ذَا وَذَا وَالْعَكْسُ لَا يُشْتَبَهُ
اشْتَمَلَ الْبَيْتَانِ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ: (الْأُولَى) إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَرَاهِنَانِ فِي حُلُولِ أَجَلِ الدَّيْنِ الْمَرْهُونِ فِيهِ فَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ حُلُولَ أَجَلِهِ وَادَّعَى الرَّاهِنُ عَدَمَ الْحُلُولِ فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الرَّاهِنِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ إلَّا إذَا خَرَجَ قَوْلُهُ عَمَّا يُشْبِهُ وَأَشْبَهَ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا اخْتَلَفَا فِي جِدَّةِ الرَّهْنِ وَكَوْنِهِ خَلَقًا بَالِيًا مَعَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ هُوَ فَقَالَ الرَّاهِنُ كَانَ جَدِيدًا وَإِنَّمَا خَلِقَ بِاسْتِعْمَالِ الْمُرْتَهِنِ وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ كَذَلِكَ رَهَنْتُهُ خَلَقًا بَالِيًا فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ إلَّا إذَا خَرَجَ قَوْلُهُ عَمَّا يُشْبِهُ وَأَشْبَهَ قَوْلُ الرَّاهِنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
(قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) : قُلْت لَهُ: فَإِنْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي حُلُولِ الْحَقِّ فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ قَدْ حَلَّ وَقَالَ الرَّاهِنُ لَمْ يَحِلَّ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ قَدْ أَقَرَّ أَنَّ الْحَقَّ إلَى أَجَلٍ وَادَّعَى انْقِضَاءَهُ وَالْأَصْلُ الِاسْتِصْحَابُ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الرَّاهِنُ مِنْ الْأَجَلِ مَا لَا يُشْبِهُ فَلَا يُصَدَّقُ.
(وَفِي طُرُرِ ابْنِ عَاتٍ) . وَكَذَلِكَ إنْ أَتَى بِثَوْبٍ خَلَقٍ وَقَالَ الرَّاهِنُ: كَانَ جَدِيدًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ بِيَمِينِهِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ (الْجَوْهَرِيُّ) . وَمِلْحَفَةٌ خَلَقٌ وَثَوْبٌ خَلَقٌ أَيْ بَالٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ الْأَخْلَقِ أَيْ الْأَمْلَسِ، وَالْجَمْعُ خُلْقَانٌ وَمِلْحَفَةٌ خُلَيْقٌ صَغَّرُوهُ بِلَا هَاءٍ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ وَالْهَاءُ لَا تَلْحَقُ تَصْغِيرَ الصِّفَاتِ كَمَا قَالُوا نُصَيْفٌ فِي تَصْغِيرِ امْرَأَةٍ نَصَفِ. وَقَدْ خَلُقَ الثَّوْبُ بِالضَّمِّ خُلُوقًا أَيْ بَلِيَ، وَأَخْلَقَ الثَّوْبُ مِثْلُهُ، وَأَخْلَقْتُهُ أَنَا يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى وَأَخْلَقْتُهُ ثَوْبًا إذَا كَسَوْتُهُ ثَوْبًا خَلَقًا، وَثَوْبٌ أَخْلَاقٌ إذَا كَانَتْ الْخُلُوقَةُ فِيهِ كُلِّهِ كَمَا قَالُوا بُرْمَةُ أَعْشَارِ وَأَرْضٌ سَبَاسِبُ اهـ.
[بَابُ الضَّمَانِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]
ِ عَبَّرَ بَعْضُهُمْ بِالضَّمَانِ كَابْنِ الْحَاجِبِ وَبَعْضُهُمْ بِالْحَمَالَةِ.
(قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ:) الْحَمَالَةُ الْتِزَامُ دَيْنٍ لَا يُسْقِطُهُ أَوْ طَلَبُ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ لِمَنْ هُوَ لَهُ. (قَوْلُهُ لَا يُسْقِطُهُ) فِي مَحَلِّ خَفْضٍ صِفَةٌ لِدَيْنٍ، وَفَاعِلُ يُسْقِطُ ضَمِيرُ الِالْتِزَامِ، وَمَفْعُولُهُ الْبَارِزُ لِلدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ لَا يُسْقِطُ الْحَقَّ عَنْ الْمَضْمُونِ. وَأَخْرَجَ بِذَلِكَ الْحَوَالَةَ فَإِنَّ الْتِزَامَ قَبُولِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِلْحَوَالَةِ وَإِنْ كَانَ لَا يُشْتَرَطُ عَلَى الْمَشْهُورِ يُسْقِطُ الدَّيْنَ الَّذِي كَانَ لِلْمُحَالِ بِالْفَتْحِ عَلَى الْمُحِيلِ بِالْكَسْرِ، وَيَصِيرُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ " أَوْ طَلَبِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ " (طَلَبِ) بِالْخَفْضِ عَطْفٌ عَلَى دَيْنٍ مَدْخُولِ الِالْتِزَامِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْحَمَالَةُ بِالْوَجْهِ وَالْحَمَالَةُ بِالطَّلَبِ.
وَسُمِّيَ الضَّامِنُ بِالْحَمِيلِ ... كَذَاكَ بِالزَّعِيمِ وَالْكَفِيلِ
يَعْنِي أَنَّ الضَّامِنَ يُسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي هِيَ الْحَمِيلُ وَالزَّعِيمُ وَالْكَفِيلُ وَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ بَيَانُ صِيَغِ الضَّمَانِ.
(قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ:) الصِّيغَةُ مَا دَلَّ عَلَى الْحَقِيقَةِ عُرْفًا فَفِيهَا مَنْ قَالَ: أَنَا حَمِيلٌ بِفُلَانٍ أَوْ زَعِيمٌ أَوْ كَفِيلٌ أَوْ ضَامِنٌ أَوْ قَبِيلٌ أَوْ هُوَ لَك عِنْدِي أَوْ عَلَيَّ أَوْ إلَيَّ أَوْ قِبَلِي فَهِيَ حَمَالَةٌ لَازِمَةٌ إنْ أَرَادَ
стр. 119
الْوَجْهَ لَزِمَهُ وَإِنْ أَرَادَ الْمَالَ لَزِمَهُ. .
وَهُوَ مِنْ الْمَعْرُوفِ فَالْمَنْعُ اقْتَضَى ... مِنْ أَخْذِهِ أَجْرًا بِهِ أَوْ عِوَضَا
يَعْنِي أَنَّ الضَّمَانَ مِنْ الْمَعْرُوفِ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَتِهِ.
(قَالَ ابْنُ يُونُسَ:) وَقَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: لَا خَيْرَ فِي الْحَمَالَةِ بِجُعْلٍ (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ:) فَإِنْ نَزَلَ وَكَانَ يَعْلَمُ صَاحِبَ الْحَقِّ سَقَطَتْ الْحَمَالَةُ وَرَدَّ الْجُعْلَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ فَالْحَمَالَة لَازِمَةٌ لِلْحَمِيلِ وَيُرَدُّ الْجُعْلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَقَالَهُ أَصْبَغُ.
(وَقَالَ اللَّخْمِيُّ) الْحَمَالَةُ بِجُعْلٍ فَاسِدَةٌ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ الْجُعْلَ فَإِنْ كَانَ الْمُتَحَمَّلُ عَنْهُ مُوسِرًا كَانَ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ
стр. 120
النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَغَرِمَ الْحَمِيلُ كَانَ رِبَا سَلَفٍ بِزِيَادَةٍ فَقَضَاؤُهُ عَنْهُ سَلَفٌ، وَالزِّيَادَةُ الْجُعْلُ الْمُتَقَدِّمُ وَهَذَا إذَا كَانَ الْجُعْلُ يَأْخُذُهُ الْحَمِيلُ أَوْ غَيْرُهُ وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ يَحْصُلُ الْجُعْلُ أَوْ الْمَنْفَعَةُ لِلْغَرِيمِ وَكَانَتْ الْحَمَالَةُ بِمَا حَلَّ؛ لِيُؤَخِّرَهُ بِهِ إلَى أَجَلٍ أَوْ بِمَا لَمْ يَحِلَّ؛ لِيَأْخُذَهُ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَإِذَا كَانَ الْجُعْلُ تَحْصُلُ مَنْفَعَتُهُ لِلْحَمِيلِ رُدَّ الْجُعْلُ قَوْلًا وَاحِدًا. وَيَفْتَرِقُ الْجَوَابُ فِي ثُبُوتِ الْحَمَالَةِ وَسُقُوطِهَا وَفِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَفَسَادِهِ وَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. اُنْظُرْ تَمَامَهُ فِي الشَّرْحِ إنْ شِئْتَ (ابْنُ الْحَاجِبِ) .
وَلَا يَجُوزُ الضَّمَانُ بِجُعْلٍ.
(التَّوْضِيحُ) أَيْ لَا يَجُوزُ لِلضَّامِنِ أَنْ يَأْخُذَ جُعْلًا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ أَوْ الْمِدْيَانِ أَوْ غَيْرِهِمَا.
(الْمَازِرِيُّ) وَلِلْمَنْعِ عِلَّتَانِ: أَوَّلُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بِيَاعَاتِ الْغَرَرِ؛ لِأَنَّ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً وَقَالَ لِرَجُلٍ: تَحَمَّلْ عَنِّي بِثَمَنِهَا وَهُوَ مِائَةٌ عَلَى أَنْ أُعْطِيَكَ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ، أَوْ بَاعَ سِلْعَةً وَقَالَ لِآخَرَ تَحَمَّلْ عَنِّي الدَّرْكَ فِي ثَمَنِهَا إنْ وَقَعَ الِاسْتِحْقَاقُ وَأَنَا أُعْطِيكَ عَشْرَةً لَمْ يَدْرِ الْحَمِيلُ هَلْ يُفْلِسُ مَنْ تَحَمَّلَ عَنْهُ أَوْ يَغِيبُ فَيَخْسَرُ مِائَةَ دِينَارٍ وَلَمْ يَأْخُذْ إلَّا عَشْرَةً أَوْ يَسْلَمَ مِنْ الْغَرَامَةِ فَيَأْخُذُ الْعَشَرَةَ. ثَانِيهِمَا أَنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مَمْنُوعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَدَّى الْغَرِيمُ كَانَ لَهُ الْجُعْلُ بَاطِلًا وَإِنْ أَدَّى الْحَمِيلُ وَرَجَعَ بِهِ عَلَى الْمَضْمُونِ صَارَ كَأَنَّهُ أَسْلَفَهُ مَا أَدَّى وَرَبِحَ ذَلِكَ الْجُعْلَ فَكَانَ سَلَفًا بِزِيَادَةٍ (مَالِكٌ) وَيُرَدُّ الْجُعْلُ (ابْنُ الْقَاسِمِ) . وَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ الطَّالِبُ سَقَطَتْ الْحَمَالَةُ وَإِلَّا رَدَّ الْجُعْلَ. وَالْحَمَالَةُ عَامَّةٌ وَهَذَا إذَا كَانَ الْفَسَادُ فِي الْحَمَالَةِ مَحَلَّ الْحَاجَةِ مِنْهُ الْآنَ.
(فَائِدَةٌ) ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ لَا تُفْعَلُ إلَّا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا: أَحَدُهَا الضَّمَانُ، وَالثَّانِي رِفْقُ الْجَاهِ، وَالثَّالِثُ الْقَرْضُ وَقَدْ جَمَعَهَا شَيْخُنَا الْعَالِمُ الْمُتَفَنِّنُ الْمَرْحُومُ بِفَضْلِ اللَّهِ وَكَرَمِهِ أَبُو مُحَمَّدٍ سَيِّدِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَاشِرٍ فِي بَيْتٍ فَقَالَ:
الْقَرْضُ وَالضَّمَانُ رِفْقُ الْجَاهِ ... تُمْنَعُ أَنْ تُرَى لِغَيْرِ اللَّهِ.
وَالْحُكْمُ ذَا حَيْثُ اشْتِرَاطُ مَنْ ضَمِنْ ... حَطًّا مِنْ الْمَضْمُونِ عَمَّنْ قَدْ ضَمِنْ
يَعْنِي أَنَّ الْحُكْمَ الْمُتَقَدِّمَ وَهُوَ الْمَنْعُ وَعَدَمُ الْجَوَازِ جَارٍ فِيمَا إذَا اشْتَرَطَ الضَّامِنُ عَلَى الْمَضْمُونِ لَهُ أَنْ يَحُطَّ عَنْ الْمَضْمُونِ بَعْضَ دَيْنِهِ الْحَالِّ وَيَضْمَنُ لَهُ بَاقِيه إلَى أَجَلٍ يَضْرِبَانِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَقِيلَ بِجَوَازِ ذَلِكَ وَهُوَ أَبْيَنُ.
(قَالَ اللَّخْمِيُّ) : وَاخْتُلِفَ عَنْ (مَالِكٍ) فِيمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ فَأَخَّرَهُ إلَى أَجَلٍ عَلَى أَنْ يَتَحَمَّلَ بِهِ رَجُلٌ، وَيُسْقِطُ الطَّالِبُ بَعْضَ دَيْنِهِ.
فَقَالَ (مَالِكٌ) (وَابْنُ الْقَاسِمِ) (وَأَشْهَبُ) وَغَيْرُهُمْ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ حَالٌّ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ ضَعْ لَهُ بَعْضَ دَيْنِكَ عَلَيْهِ وَأَنَا أَتَحَمَّلُ لَك بِمَا بَقِيَ إلَى أَجَلٍ آخَرَ: لَا بَأْسَ بِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِحَقِّهِ حَالًّا، فَتَأْخِيرُهُ لَهُ بِحَمِيلٍ. وَقَالَ: سَلَفَ مِنْهُ بِحَمِيلٍ اخْتَلَفَتْ رِوَايَةُ أَشْهَبَ عَنْهُ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ.
(وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ) : لَا يَصِحُّ ذَلِكَ قَالَ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ لَوْ قَالَ: أَعْطِنِي عَشْرَةَ دَرَاهِمَ مِنْ دَيْنِكَ وَأَنَا أَتَحَمَّلُ لَك، فَتَكُونُ الْحَمَالَةُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ حَرَامًا وَالْأَوَّلُ أَبْيَنُ.
(وَقَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ) فِيمَنْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ عَشْرَةُ دَنَانِيرَ إلَى أَجَلٍ فَقَالَ لَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ: " هَلْ لَك أَنْ أَحُطَّ عَنْكَ دِينَارَيْنِ وَتُعْطِينِي بِالثَّمَانِيَةِ رَهْنًا أَوْ حَمِيلًا " فَلَا بَأْسَ بِهِ (وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ:) لَا يَجُوزُ. اهـ قِيلَ: لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ رَهْنًا أَوْ حَمِيلًا فِي حُكْمِ مَنْ تَعَجَّلَ حَقَّهُ عَلَى أَنْ يُسْقِطَ بَعْضَهُ. وَقَدْ ذَهَبَ النَّاظِمُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَهُوَ الْمَنْعُ وَعَدَمُ الْجَوَازِ حَلَّ الدَّيْنُ أَوْ لَمْ يَحِلَّ، وَلَفْظُهُ يَشْمَلُهُمَا. .
وَبِاشْتِرَاكٍ وَاسْتِوَاءٍ فِي الْعَدَدْ ... تَضَامُنٌ خُفِّفَ فِيهِ إنْ وَرَدْ
التَّضَامُنُ تَفَاعُلٌ مَصْدَرٌ مِنْ تَضَامَنَ، وَهُوَ أَنْ يَضْمَنَ كُلٌّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ مَنْعُهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَمِنَ صَاحِبَهُ؛ لِأَجْلِ أَنْ يَضْمَنَهُ هُوَ فَلَمْ يَقَع الضَّمَانُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَى وَجْهِ الرُّخْصَةِ وَالتَّوْسِعَةِ أَنْ يَشْتَرِيَ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ سِلْعَةً بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِمَا عَلَى أَنْ يَضْمَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ مِنْهُمْ بَقِيَّةَ أَصْحَابِهِ لَكِنْ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا وُقُوعُ الِاشْتِرَاكِ فِي السِّلْعَةِ الْوَاقِعِ فِيهَا التَّضَامُنُ، وَثَانِيهِمَا الِاسْتِوَاءُ فِي الِاشْتِرَاكِ فِيهَا فَإِنْ. انْخَرَمَ أَحَدُ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ أَوْ كِلَاهُمَا فَيَمْتَنِعُ ذَلِكَ.
(قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ:) لَوْ اشْتَرَيَا سِلْعَةً بَيْنَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ لَجَازَ لِلْعَمَلِ فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ لِلْعَمَلِ أَنَّ الْقِيَاسَ
стр. 121
الْمَنْعُ وَالْجَوَازُ لِعَمَلِ الْمَاضِينَ.
(قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) : قُلْت: وَلِأَنَّ اسْتِوَاءَهُمَا فِي الْبَيْعِ وَثَمَنِهِ يُوجِبُ شِبْهَ مَجْمُوعِهِمَا بِشَخْصٍ وَاحِدٍ، وَاخْتِلَافُهُمَا فِي أَحَدِهِمَا يُوجِبُ تَعَدُّدَهُمَا الْمُقْتَضِي لِلضَّمَانِ بِالْجُعْلِ اهـ. وَقَدْ ذَكَرُوا هُنَا مَسْأَلَةَ الْحُمَلَاءِ السِّتِّ فَرَاجِعْهَا إنْ شِئْتَ فِي التَّوْضِيحِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمُطَوَّلَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَ (تَضَامُنٌ) مُبْتَدَأٌ سَوَّغَهُ الْعَمَلُ فِي اشْتِرَاكٍ، وَ (فِي) بِمَعْنَى مَعَ، (وَاسْتِوَاءٍ) عَطْفٌ عَلَيْهِ، وَجُمْلَةُ (خُفِّفَ) فِيهِ خَبَرُ تَضَامُنٌ، وَ (إنْ وَرَدْ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا فَالْكَسْرُ عَلَى أَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ حُذِفَ جَوَابُهَا لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وَالْفَتْحُ عَلَى أَنَّهَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ خُفِّفَ فِيهِ، لِأَنَّ (وَرَدْ) أَيْ لِوُرُودِهِ فَحُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ مَعَ أَنَّ وَهُوَ كَثِيرٌ. .
وَصَحَّ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعَاتِ ... وَثُلْثِ مَنْ يُمْنَعُ كَالزَّوْجَاتِ
يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الضَّامِنِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَهُ التَّبَرُّعُ فِي الْمَالِ، وَلَا حَجْرَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ فِي الزَّائِدِ عَلَى ثُلُثِهِ كَالْمَرِيضِ وَالزَّوْجَةِ؛ فَإِنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُهُ فِيمَا لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ فِيهِ وَهُوَ مِقْدَارُ ثُلُثِهِ فَأَقَلَّ. فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْمَحْجُورِ مُطْلَقًا، وَلَا ضَمَانُ الْمَرِيضِ أَوْ الزَّوْجَةِ فِي الزَّائِدِ عَلَى ثُلُثِهِمَا. فَفَاعِلُ (صَحَّ) الضَّمَانُ (وَثُلُثِ) بِالْخَفْضِ عُطِفَ عَلَى أَهْلِ أَيْ وَصَحَّ الضَّمَانُ مِنْ ثُلُثِ مَنْ يُمْنَعُ مِنْ التَّبَرُّعِ فِي الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ فَيَصِحُّ فِي الثُّلُثِ فَدُونَ، وَلَا يَصِحُّ فِي أَكْثَرَ مِنْهُ (ابْنُ عَرَفَةَ) .
(الْبَاجِيُّ) : الْحَمِيلُ مَنْ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِيهَا كَفَالَةُ ذَاتِ الزَّوْجِ فِي ثُلُثِهَا، وَإِنْ تَكَفَّلَتْ لِزَوْجِهَا. فَفِيهَا (قَالَ مَالِكٌ:) عَطِيَّتُهَا زَوْجَهَا جَمِيعَ مَا لِهَا جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ كَفَالَتُهَا عَنْهُ (الْبَاجِيُّ) . يُرِيدُ بِإِذْنِهِ، وَفِيهَا كَفَالَةُ الْمَرِيضِ فِي ثُلُثِهِ اهـ وَإِنَّمَا مُنِعَتْ الزَّوْجَةُ مِنْ الضَّمَانِ إلَّا فِي ثُلُثِهَا لِأَجْلِ الزَّوْجِ، فَإِذَا أَذِنَ لَهَا - وَلَا حَجْرَ عَلَيْهَا - صَحَّ ضَمَانُهَا، وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ مُنِعَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، فَإِذَا أَجَازُوا ضَمَانَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ قَبْلَهُ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ صَحَّ.
(وَفِي مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ) " وَصَحَّ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ كَمُكَاتَبٍ وَمَأْذُونٍ إنْ أَذِنَ سَيِّدُهُمَا وَزَوْجَةٍ وَمَرِيضٍ بِثُلُثٍ.
وَهُوَ بِوَجْهٍ أَوْ بِمَالٍ جَارِ ... وَالْأَخْذُ مِنْهُ أَوْ عَلَى الْخِيَارِ
يَعْنِي أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ ضَمَانُ الْوَجْهِ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: (الْأَوَّلُ أَنْ يَتَبَرَّأَ ضَامِنُ الْوَجْهِ مِنْ الْمَالِ فَلَا يَلْزَمُهُ مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا إنْ فَرَّطَ، وَيَبْرَأُ بِإِحْضَارِ الْمَضْمُونِ وَلَوْ مَيِّتًا:) : وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ لَا يَتَبَرَّأَ مِنْ الْمَالِ وَيَقَعَ الضَّمَانُ مُجْمَلًا فَيَلْزَمُهُ الْمَالُ كَمَا يُصَرَّحُ بِهِ بَعْدُ فِي قَوْلِهِ:
وَإِنَّ ضَمَانَ الْوَجْهِ جَاءَ مُجْمَلًا
إلَخْ (قَالَ فِي النَّوَادِرِ:) قَالَ (مَالِكٌ) : مَنْ تَحَمَّلَ بِوَجْهِ رَجُلٍ أَوْ بِعَيْنِهِ أَوْ بِنَفْسِهِ فَهُوَ سَوَاءٌ إنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ وَإِلَّا غَرِمَ الْمَالَ حَتَّى يَشْتَرِطَ فِي حَمَالَتِهِ لَسْتُ مِنْ الْمَالِ فِي شَيْءٍ، (مُحَمَّدٌ) .
أَوْ يَقُولُ: لَا أَضْمَنُ إلَّا الْوَجْهَ، فَهَذَا لَا يَضْمَنُ إلَّا الْوَجْهَ غَابَ الْغَرِيمُ أَوْ حَضَرَ أَوْ مَاتَ أَوْ فَلَّسَ لَا يُطْلَبُ إلَّا بِإِحْضَارِهِ. الْوَجْهُ الثَّانِي ضَمَانُ الْمَالِ، وَفِي تَعْيِينِ الْمَطَالِبِ بِالْمَالِ مِنْ الْغَرِيمِ أَوْ الضَّامِنِ تَفْصِيلٌ. كَانَ الْإِمَامُ مَالِكٌ
стр. 122
أَوَّلًا يَقُولُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَنْ شَاءَ إمَّا الْغَرِيمُ أَوْ الضَّامِنُ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَنَّهُ لَا يُطَالِبُ الضَّامِنَ وَالْغَرِيمُ حَاضِرٌ مَلِيٌّ وَإِنَّمَا يُطَالِبُ إذَا غَابَ الْمَدِينُ أَوْ فَلَّسَ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ (ابْنُ رُشْدٍ) . وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي الْمُخْتَصَرِ بِقَوْلِهِ: " وَلَا يُطَالَبُ إنْ حَضَرَ الْغَرِيمُ مُوسِرًا. فَقَوْلُ النَّاظِمِ: " وَالْأَخْذُ مِنْهُ " أَيْ مِنْ الْغَرِيمِ الْحَاضِرِ الْمَلِيِّ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ الْمَشْهُورُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلِذَلِكَ قَدَّمَهُ، وَقَوْلُهُ: " أَوْ عَلَى الْخِيَارِ " هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ: " الْأَوَّلِ الْمَرْجُوعِ عَنْهُ ".
(قَالَ الشَّارِحُ:) وَاعْتَمَدَ الْقُضَاةُ قَوْلَ مَالِكٍ الْأَوَّلَ الْمَرْجُوعَ عَنْهُ. .
وَلَا اعْتِبَارَ بِرِضَا مَنْ ضَمِنَا ... إذْ قَدْ يُؤَدِّي دَيْنَ مَنْ لَا أَذِنَا
يَعْنِي أَنَّ مَنْ ضَمِنَ عَنْ شَخْصٍ حَقًّا مِنْ الْحُقُوقِ فَإِنَّ الضَّمَانَ يَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنِ الْمَضْمُونُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ (قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) : قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ تَخَاصَمَا فِي مَطْلَبٍ فَقَالَ رَجُلٌ لِلطَّالِبِ مَا ثَبَتَ لَك قِبَلَ فُلَانٍ فَأَنَا كَفِيلٌ بِهِ فَاسْتَحَقَّ الْحَقَّ قِبَلَ الْمَطْلُوبِ كَانَ الْكَفِيلُ ضَامِنًا.
(قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) : وَلَوْ مَاتَ الْكَفِيلُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَحِقَّ الْحَقُّ لِطَالِبِهِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ بَعْدَ مَوْتِ الْكَفِيلِ لَكَانَ ذَلِكَ فِي مَالِهِ. اهـ وَكُلُّ مَنْ تَبَرَّعَ بِكَفَالَةٍ لَزِمَتْهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَدَّعِي قِبَلَ أَخِيهِ حَقًّا: مَا تَصْنَعُ يَا أَخِي؟ احْلِفْ أَنَّ حَقَّكَ حَقٌّ وَأَنَا ضَامِنٌ لِذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ إنْ حَلَفَ الْمُدَّعِي، فَلَوْ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ أَنَا ضَامِنٌ: إنَّمَا قُلْتُهُ قَوْلًا وَلَا أُرَى أَفْعَلُهُ وَلَا أَضْمَنُ لَمْ يَنْفَعْهُ قَوْلُهُ وَلَا رُجُوعُهُ إذَا رَضِيَ الْمُدَّعِي بِقَوْلِهِ.
(قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) : وَمَنْ قَالَ لِقَوْمٍ: اشْهَدُوا أَنِّي ضَامِنٌ بِمَا قُضِيَ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ، أَوْ قَالَ أَنَا كَفِيلٌ بِمَا ادَّعَى فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ وَهُمَا غَائِبَانِ جَمِيعًا أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ كَانَا حَاضِرَيْنِ لَزِمَهُ مَا قَالَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا أَلْزَمَ الْمَعْرُوفَ مَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَوْ غَابَ الضَّامِنُ لَكَانَ ذَلِكَ فِي مَالِهِ اهـ.
(قَالَ الشَّارِحُ) : أَقُولُ: " وَعَلَى الْوَاقِعِ فِي الْمَغْرِبِ هُوَ عَمَلُ الْمُوَثَّقِينَ فِي ضَمَانِ مَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْغَرِيمِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ ". وَعَلَّلَ النَّاظِمُ مَا ذُكِرَ مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ رِضَا الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي الدَّيْنَ عَنْ الْمَدِينِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ، أَيْ فَكَمَا يُؤَدِّي عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَكَذَلِكَ يَضْمَنُ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّ الضَّامِنَ هُوَ بِصَدَدِ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْ الْمَضْمُونِ فَالضَّمَانُ أَخَفُّ مِنْ الْأَدَاءِ.
قَالَ فِي (الْمُقَرَّبِ) : قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَدَّى حَقًّا عَنْ رَجُلٍ كَانَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّى عَنْهُ. انْتَهَى. .
(تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ) يُقَيَّدُ قَوْلَهُ (قَدْ يُؤَدِّي دَيْنَ مَنْ لَا إذْنَ) بِقَيْدَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَقْصِدَ الْمُؤَدِّي التَّضْيِيقَ عَلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ وَالْإِضْرَارَ بِهِ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا وَنَحْوِهِ فَإِنْ قَصَدَ ذَلِكَ مُنِعَ، الثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ فِيمَنْ أَدَّى بِقَصْدِ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ، وَأَمَّا إنْ أَدَّى بِقَصْدِ التَّبَرُّعِ وَالْهِبَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُلْزِمُ الْمُؤَدَّى عَنْهُ إذْ لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْهِبَةِ.
(التَّنْبِيهُ الثَّانِي) : مَا جَرَى
стр. 123
عَلَيْهِ عَمَلُ الْمُوَثَّقِينَ مِنْ تَضْمِينِهِمْ حُضُورَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَإِذْنُهُ فِي الضَّمَانِ هُوَ مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِنْ بِنَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَطْعًا لِلنِّزَاعِ وَالْخِصَامِ، إذْ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَشْتَرِطُ رِضَا الْمَضْمُونِ عَنْهُ. .
وَيَسْقُطُ الضَّمَانُ فِي فَسَادِ ... أَصْلِ الَّذِي الضَّمَانُ فِيهِ بَادِ
يَعْنِي إذَا فَسَدَتْ الصَّفْقَةُ الْوَاقِعُ فِيهَا الضَّمَانُ فَإِنَّ الضَّمَانَ يَسْقُطُ فِي ذَلِكَ عَنْ الضَّامِنِ. (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَلَا يَجُوزُ ضَمَانٌ بِجُعْلٍ. أَمَّا إذَا كَانَ الْفَسَادُ فِي الْمُحْتَمَلِ بِهِ كَمَا لَوْ أَعْطَاهُ دِينَارًا فِي دِينَارَيْنِ إلَى شَهْرٍ وَتَحَمَّلَ لَهُ رَجُلٌ بِدِينَارٍ فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: " إنَّ حُكْمَ الْحَمَالَةِ سَاقِطٌ "، وَمِثْلُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا " وَكُلُّ حَمَالَةٍ وَقَعَتْ عَلَى حَرَامٍ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِمَا أَوْ بَعْدَهُ فَهِيَ سَاقِطَةٌ، وَلَا يَلْزَمُ الْحَمِيلَ بِهَا شَيْءٌ عَلِمَ الْمُتَبَايِعَانِ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ أَوْ جَهِلَا، عَلِمَ الْحَمِيلُ بِذَلِكَ أَوْ جَهِلَهُ " (مُحَمَّدٌ) ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْفَسَادُ مِنْ عَقْدِ الْبَيْعِ أَوْ بِسَبَبِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ: " إنَّ الْحَمَالَةَ بِالْحَرَامِ أَوْ بِالْأَمْرِ الْفَاسِدِ بَاطِلَةٌ " وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الَّذِي تَحَمَّلَ بِهِ الْحَمِيلُ وَهُوَ الثَّمَنُ لَمَّا سَقَطَ عَنْ الْمُتَحَمِّلِ عَنْهُ لِفَسَادِ الْبَيْعِ سَقَطَ عَنْ الْحَمِيلِ.
(الْقَوْلُ الثَّانِي) " أَنَّ الْحَمَالَةَ لَازِمَةٌ عَلِمَ الْحَمِيلُ بِفَسَادِ الْبَيْعِ أَمْ لَا " وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَقَوْلُ غَيْرِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَ الْمُتَحَمَّلَ لَهُ دَفْعَ مَالِهِ لِلثِّقَةِ بِهِ فَعَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ السِّلْعَةِ أَوْ الثَّمَنِ الَّذِي تَحَمَّلَ بِهِ.
(الثَّالِثُ) التَّفْصِيلُ بَيْنَ عِلْمِ الْحَمِيلِ بِالْفَسَادِ فَعَلَيْهِ أَوَّلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَتْ الْحَمَالَةُ فِي أَصْلِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ بَعْدَ عَقْدِهِ فَهِيَ سَاقِطَةٌ بِالِاتِّفَاقِ اهـ بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ.
وَهُوَ بِمَا عَيَّنَ لِلْمُعَيَّنِ ... وَهُوَ بِمَالٍ حَيْثُ لَمْ يُعَيَّنْ
تَقَدَّمَ أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى وَجْهَيْنِ: ضَمَانُ الْمَالِ وَضَمَانُ الْوَجْهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ إنْ وَقَعَ الضَّمَانُ مُعَيِّنًا لِلْمَضْمُونِ مِنْ مَالٍ أَوْ وَجْهٍ فَذَلِكَ لَازِمٌ بِلَا إشْكَالٍ، وَإِنْ وَقَعَ الضَّمَانُ مُجْمَلًا مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمَالِ.
(وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ:) اخْتَلَفَ فُقَهَاؤُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ إذَا قَالَ: أَنَا حَمِيلٌ لَك أَوْ زَعِيمٌ أَوْ كَفِيلٌ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا هَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ حَمِيلٌ بِالْمَالِ أَوْ عَلَى الْوَجْهِ إذَا عُرِّيَ الْكَلَامُ مِنْ دَلِيلٍ؟ وَالصَّوَابُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بِالْمَالِ لِقَوْلِهِ ﵊ «الزَّعِيمُ غَرِيمٌ.» .
وَلِأَنَّ حَمِيلَ الْوَجْهِ إذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ غَرِمَ الْمَالَ. فَالْأَصْلُ فِي الْحَمَالَةِ الْمَالُ؛ لِأَنَّهُ الْمَطْلُوبُ حَتَّى يُشْتَرَطَ الْوَجْهُ أَوْ يَقْتَضِيهِ لَفْظُهُ، وَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَا فَقَالَ الطَّالِبُ شَرَطْتُ لَك الْحَمَالَةَ بِالْمَالِ وَقَالَ الْكَفِيلُ بِالْوَجْهِ وَقَدْ أُحْضِرَ الْغَرِيمُ مُعْدَمًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْحَمِيلِ؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ يَدَّعِي اشْتِغَالَ ذِمَّتِهِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ. (قَالَ ابْنُ يُونُسَ:) وَلِأَنَّ الْحَمَالَةَ مِنْ الْمَعْرُوفِ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَا أَقَرَّ بِهِ مُعْطِيهِ اهـ.
(وَرَدَّ) فِي (التَّوْضِيحِ) الِاسْتِدْلَالَ بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ بَيَانِ وَجْهِ الْمُطَالَبَةِ لِلْكَفِيلِ بِمَا ضَمِنَهُ وَلَمْ يُقْصَدْ بِهِ بَيَانُ حُكْمِ إطْلَاقِ اللَّفْظَةِ. الثَّانِي أَنَّ الْغَرَامَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْأَمْوَالِ لَا فِي الْأَبَدَانِ إذْ الْبَدَنُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُغَرَّمَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: " الزَّعِيمُ غَرِيمٌ بِمَا ضَمِنَ ". وَالضَّمَانُ الَّذِي يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْغَرَامَةُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَالِ. .
وَإِنْ ضَمَانُ الْوَجْهِ جَاءَ مُجْمَلَا ... فَالْحُكْمُ أَنَّ الْمَالَ قَدْ تُحُمِّلَا
يَعْنِي أَنَّ ضَامِنَ الْوَجْهِ إذَا لَمْ يَتَبَرَّأْ مِنْ الْمَالِ وَإِنَّمَا ضَمِنَ ضَمَانًا مُجْمَلًا فَإِنَّ الْحُكْمَ أَنَّ الْمَالَ لَازِمٌ لِلضَّامِنِ.
стр. 124
قَالَ فِي الرِّسَالَةِ:) " وَحَمِيلُ الْوَجْهِ إنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ غَرِمَ حَتَّى يَشْتَرِطَ أَنْ لَا يَغْرَمَ ". (قَالَ ابْنُ فَتُّوحٍ:) " وَإِذَا وَقَعَ ضَمَانُ الْوَجْهِ مُجْمَلًا وَلَمْ يُحْضِرْ الْوَجْهَ ضَمِنَ أَيْضًا الْمَالَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّهُ يَضْمَنُ الْوَجْهَ خَاصَّةً وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ شَيْءٌ فَلَهُ شَرْطٌ ".
(وَفِي الْمُقَرَّبِ) قَالَ سَحْنُونٌ: " قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ تَكَفَّلَ بِوَجْهِ رَجُلٍ إلَى أَجَلٍ فَمَضَى الْأَجَلُ فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَتَلَوَّمُ لَهُ، فَإِنْ أَتَى بِهِ وَإِلَّا غَرِمَ الْمَالَ، فَإِنْ أَغْرَمَهُ ثُمَّ أَتَى بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ وَلَكِنْ يَتْبَعُ بِهِ الَّذِي تَحَمَّلَ بِهِ عَنْهُ. " قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ أَتَى بِهِ عِنْدَ الْأَجَلِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمَالَةِ شَيْءٌ إنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ عَدِيمًا. اهـ ثُمَّ قَالَ.
وَجَائِزٌ ضَمَانُ مَا تَأَجَّلَا ... مُعَجَّلًا وَعَاجِلٍ مُؤَجَّلَا
قَوْلُهُ
وَجَائِزٌ ضَمَانُ مَا تَأَجَّلَا
مُعَجَّلًا يَعْنِي أَنَّ مَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ إلَى أَجْلٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ حَمِيلًا بِذَلِكَ الدَّيْنِ عَلَى أَنْ يُوَفِّيَهُ عَاجِلًا إمَّا الْآنَ أَوْ قَبْلَ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ الْأَجَلِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُعَجَّلٌ وَإِلَى هَذَا الْفَرْعِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ
وَجَائِزٌ ضَمَانُ مَا تَأَجَّلَا مُعَجَّلًا
وَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ الْحَمِيلُ بِالْمُؤَجَّلِ إلَى الْأَجَلِ نَفْسِهِ كَمَا سَيَأْتِي عَنْ الْمُدَوَّنَةِ. وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ (مُعَجَّلًا) أَنَّهُ لَوْ أَعْطَاهُ الْحَمِيلَ لِأَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا فَالسَّلَفُ التَّأْخِيرُ بَعْدَ الْأَجَلِ، وَالنَّفْعُ التَّوَثُّقُ بِالْحَمِيلِ وَهَذَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ مِمَّا لِلْمَدِينِ تَعْجِيلُهُ قَبْلَ أَجَلِهِ كَالْعَيْنِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ، وَالْعَرَضِ وَالْحَيَوَانِ وَالطَّعَامِ مِنْ قَرْضٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الدَّيْنُ عَرَضًا أَوْ حَيَوَانًا مِنْ بَيْعٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ حَمِيلًا بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ حَالًّا؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ (حُطَّ عَنِّي الضَّمَانَ فِي الْمُدَّةِ الْبَاقِيَةِ مِنْ الْأَجَلِ وَأَزِيدُكَ تَوَثُّقًا بِالْحَمِيلِ) (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ " وَمَنْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ إلَى أَجَلٍ وَأَخَذَ مِنْهُ قَبْلَ الْأَجَلِ حَمِيلًا أَوْ رَهْنًا عَلَى أَنْ يُوَفِّيَهُ حَقَّهُ إلَى الْأَجَلِ أَوْ إلَى دُونِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ تَوَثُّقٍ ".
(ابْنُ يُونُسَ) : " إنَّمَا يَجُوزُ إلَى دُونِ الْأَجَلِ إنْ كَانَ الْحَقُّ مِمَّا لَهُ تَعْجِيلُهُ وَأَمَّا إنْ كَانَ حَيَوَانًا مِنْ بَيْعٍ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ (حُطَّ عَنِّي الضَّمَانَ وَأَزِيدُكَ تَوَثُّقًا) . وَنُقِلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مَا نَصُّهُ " وَلَيْسَ بِبَيِّنٍ لِأَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ مَا أَخَذَ زِيَادَةً فِي نَفْسِ الْحَقِّ، وَلَا مُنْفَصِلَةً يَنْتَفِعُ بِهَا، وَإِنَّمَا قَصَدَ التَّوَثُّقَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا غَرَضَ لَهُ فِي التَّأْخِيرِ، وَلَا غَرَضَ لِلْآخَرِ فِي بَقَاءِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ. وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ مَعَ التَّأْخِيرِ لَا مَعَ التَّعْجِيلِ. اهـ (وَفِي الْمُقَرَّبِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: " وَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ حَمِيلًا قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ أَوْ رَهْنًا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ حَقَّهُ قَبْلَ
стр. 125
مَحِلِّ الْأَجَلِ أَوْ بَعْدَ مَحِلِّهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهِ ".
(وَقَالَ فِيهِ) : وَمَنْ أَعْطَى لِصَاحِبِ الْحَقِّ حَمِيلًا قَبْلَ مَحِلِّ أَجَلِ الدَّيْنِ عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ حَلَّ أَجَلُ الدَّيْنِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ فِي هَذَا ".
(وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) : لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا عَنْ ظَهْرِ يَدٍ وَأَخَذَ بِهِ حَمِيلًا ". وَإِلَى فَرْعِ النَّاظِمِ أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ فِي مُخْتَصَرِهِ " وَالْمُؤَجَّلُ حَالًّا إنْ كَانَ مِمَّا يُعَجَّلُ " قَوْلُهُ: (وَعَاجِلٍ مُؤَجَّلًا) عَاجِلٍ بِالْخَفْضِ عَطْفٌ عَلَى مَا وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ لَهُ دَيْنٌ حَالٌّ - وَعَنْ حُلُولِهِ عَبَّرَ (بِعَاجِلٍ) - أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمَدِينِ حَمِيلًا بِذَلِكَ الدَّيْنِ إلَى أَجَلٍ، وَأَطْلَقَ فِي الْجَوَازِ وَقَيَّدَهُ غَيْرُهُ بِمَا إذَا كَانَ الْمَدِينُ مُوسِرًا؛ لِأَنَّهُ كَابْتِدَاءِ دَيْنٍ بِحَمِيلٍ.
(اللَّخْمِيِّ) إنْ حَلَّ الدَّيْنُ فَأَعْطَاهُ حَمِيلًا عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ فَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ مُوسِرًا بِجَمِيعِ الْحَقِّ كَانَ التَّأْخِيرُ وَالْحَمَالَةُ جَائِزَةً. اهـ وَكَذَا إنْ كَانَ عَدِيمًا وَكَانَ لَا يُوسِرُ فِي الْأَجَلِ كَالْمُحْبَسِ عَلَيْهِ أُصُولٌ لَهَا غَلَّاتٌ لَيْسَ لَهُ مِنْهَا إلَّا مَا يُقْبَضُ فِي تِلْكَ الْغَلَّاتِ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَأَعْطَاهُ حَمِيلًا بِهِ لِسِتَّةِ شُهُورٍ مَثَلًا وَلَا تُوجَدُ غَلَّةُ أُصُولِهِ وَلَا يَحِلُّ بَيْعُهَا إلَّا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ فَذَلِكَ جَائِزٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مُعْسِرٌ وَإِنْظَارُهُ وَاجِبٌ.
(التَّوْضِيحُ) أَمَّا إنْ لَمْ يُوسِرْ إلَّا عِنْدَ الْأَجَلِ أَوْ بَعْدَهُ فَيَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ. اهـ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ عَدِيمًا وَيُوسِرُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مَثَلًا فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ لِوُجُودِ الْغَلَّةِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَفِي جَوَازِ التَّأْخِيرِ لِتَمَامِ الْأَجَلِ وَمَنْعِهِ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَهَبَ فِي الْمُخْتَصَرِ، حَيْثُ قَالَ: " وَعَكْسُهُ إنْ أَيْسَرَ غَرِيمُهُ أَوْ يُوسَرُ فِي الْأَجَلِ إذْ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا أَيَسَرَ فِي الْأَجَلِ لَمْ يَجُزْ " وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَإِلَى مَسْأَلَةِ الْخِلَافِ فِيهِ أَشَارَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ: " وَلَوْ شَرَطَ الْأَجَلَ فِي الْحَالِ وَالْغَرِيمُ مُعْسِرٌ يُوسِرُ فِي مِثْلِهِ " مَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ.
(التَّوْضِيحُ) يَعْنِي لَوْ شَرَطَ الضَّامِنُ التَّأْجِيلَ بِالدَّيْنِ الْحَالِّ عَلَى الْغَرِيمِ وَالْغَرِيمُ حِينَئِذٍ مُعْسِرٌ يُوسِرُ قَبْلَ تَمَامِ الْأَجَلِ فَهَلْ يُمْنَعُ؟ لِأَنَّ الزَّمَانَ الْمُتَأَخِّرَ عَنْ يَسَارِهِ يُعَدُّ صَاحِبُ الْحَقِّ فِيهِ مُسَلِّفًا؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَ مَا عَجَّلَ فَيَمْتَنِعُ؛ لِأَنَّهُ مُسَلِّفٌ قَدْ انْتَفَعَ بِالْحَمِيلِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ غَرِيمِهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْيَسَارَ الْمُتَرَقَّبَ كَالْمُحَقَّقِ أَوْ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِصْحَابُ عُسْرِهِ، وَيُسْرُهُ قَدْ لَا يَكُونُ فَلَمْ يَضُرَّهُ وَكَانَ الْمُعْسِرُ تَبَرَّعَ بِالضَّمَانِ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ. أَمَّا إنْ لَمْ يُوسِرْ إلَّا عِنْدَ الْأَجَلِ أَوْ بَعْدَهُ فَيَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ وَهَذَا مَفْهُومُ الْمُصَنِّفِ، وَقَوْلُهُ فِي (مِثْلِهِ) لَفْظَةُ (مِثْلِ) زَائِدَةٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ فِي الْأَجَلِ قَبْلَ فَرَاغِهِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ (يُوسِرُ قَبْلَ) أَيْ الْغَالِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُوسِرَ قَبْلَهُ كَبَعْضِ أَصْحَابِ الْغَلَّاتِ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ (وَالْغَرِيمُ مُعْسِرٌ) أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُوسِرًا لَجَازَ، وَكَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ.
(كَلَامُ التَّوْضِيحِ بِلَفْظِهِ) وَقَدْ أَطَالَ الشَّارِحُ هُنَا بِمَسْأَلَةٍ سُئِلَ عَنْهَا الْأُسْتَاذُ أَبُو سَعِيدِ بْنُ لُبٍّ هِيَ مِنْ مَعْنَى مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ فَلْيُرَاجِعْهَا فِيهِ مَنْ أَرَادَهَا.
وَمَا عَلَى الْحَمِيلِ غُرْمُ مَا حَمَلْ ... إنْ مَاتَ مَضْمُونٌ وَلَمْ يَحِنْ أَجَلْ
يَعْنِي أَنَّهُ إذَا مَاتَ الْغَرِيمُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِ الضَّمَانِ فَلَا غُرْمَ عَلَى الْحَمِيلِ إذْ ذَاكَ، فَإِنْ تَرَكَ الْمَضْمُونُ مَالًا أَخَذَهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ وَبَرِئَ الضَّامِنُ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ رَأْسًا، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ مَالًا فَلَا غُرْمَ عَلَى الْحَمِيلِ - أَيْ - الْآنَ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ، وَأَمَّا بَعْدَ حُلُولِهِ فَيَغْرَمُ. فَنَفْيُ الْغُرْمِ عَنْ الْحَمِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَيْتِ هُوَ عِنْدَ مَوْتِ الْغَرِيمِ، وَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ. (قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) : " وَإِنْ مَاتَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ كَانَ لِلَّذِي لَهُ الْحَقُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْكَفِيلَ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ ". وَنَحْوَهُ نَقَلَ الْمَوَّاقُ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ (قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) : وَمَوْتُ الْغَرِيمِ مَلِيًّا يُوجِبُ تَعْجِيلَ الْقَضَاءِ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَمَوْتُهُ عَدِيمًا لَا يُوجِبُ عَلَى الْحَمِيلِ تَعْجِيلَهُ. هَذَا حُكْمُ مَوْتِ الْغَرِيمِ قَبْلَ حُلُولِ أَجْلِ الدَّيْنِ. أَمَّا إذَا مَاتَ الضَّامِنُ قَبْلَ الْأَجَلِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا مَاتَ الضَّامِنُ قَبْلَ الْأَجَلِ فَلِلطَّالِبِ تَعْجِيلُ حَقِّهِ مِنْ تَرِكَتِهِ ثُمَّ لَا رُجُوعَ لِوَرَثَتِهِ عَلَى الْغَرِيمِ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ وَلَهُ مُحَاصَّةُ غُرَمَائِهِ أَيْضًا. (وَفِي ابْنِ عَرَفَةَ أَثَرُ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ) . وَفِي كَوْنِ مَوْتِ الْحَمِيلِ يُوجِبُ تَعْجِيلَ الْحَقِّ مِنْ تَرِكَتِهِ وَيَقْتَضِيهِ وَارِثُهُ عِنْدَ حُلُولِهِ وَوَقْفِهِ لِحُلُولِهِ فَإِنْ حَلَّ وَالْغَرِيمُ مَلِيٌّ رُدَّ لِوَارِثِهِ وَإِلَّا أَخَذَهُ الطَّالِبُ رِوَايَتَانِ لَهُ وَلِابْنِ وَهْبٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى ذَهَبَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَعُجِّلَ بِمَوْتِ الضَّامِنِ وَرَجَعَ وَارِثُهُ بَعْدَ أَجَلِهِ وَقَدْ كُنْتُ نَظَمْتُ بَيْتًا فِي
стр. 126
حُكْمِ مَوْتِ الضَّامِنِ وَهُوَ
وَعُجِّلَ الْحَقُّ بِمَوْتِ مَنْ ضَمِنْ ... وَارِثُهُ يَرْجِعُ بَعْدَ أَنْ يَحِنْ
قَالَ النَّاظِمُ ﵀:
وَيَأْخُذُ الضَّامِنُ مِنْ مَضْمُونِهِ ... ثَابِتَ مَا أَدَّاهُ مِنْ دُيُونِهِ
يَعْنِي أَنَّ الضَّامِنَ إذَا أَدَّى الْحَقَّ الَّذِي ضَمِنَهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَثَبَتَ ذَلِكَ يَعْنِي إمَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَضْمُونِ لَهُ فَإِنَّهُ يُرْجَعُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِمَا أَدَّى عَنْهُ مِنْ الدَّيْنِ.
(ابْنُ الْحَاجِبِ) " وَيَرْجِعُ بِمَا أَدَّى بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَضْمُونِ لَهُ وَلَا يَكْفِيهِ إقْرَارُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ ".
(وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ) " مَنْ تَحَمَّلَ بِعَبْدٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ عَرَضٍ أَوْ طَعَامٍ فَأَدَّاهُ الْحَمِيلُ مِنْ عِنْدِهِ رَجَعَ بِذَلِكَ كُلِّهِ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ " (ابْنُ يُونُسَ) وَهُوَ الصَّوَابُ (وَفِي التَّوْضِيحِ) (فَرْعٌ) وَيَرْجِعُ بِمِثْلِ مَا أَدَّى إذَا كَانَ مِثْلِيًّا، وَاخْتُلِفَ إذَا تَكَفَّلَ بِعَرَضٍ وَأَدَّاهُ. فَالْمَشْهُورُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ يَرْجِعُ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ كَالسَّلَفِ.
(وَفِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ) " الْمَطْلُوبُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ دَفَعَ مِثْلَهُ وَإِنْ شَاءَ دَفَعَ قِيمَتَهُ ".
(وَفِي الْوَاضِحَةِ) " لِأَنَّهُ لَا يَغْرَمُ إلَّا مِثْلَهُ " (قَالَ فِي الْبَيَانِ) : " وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إنْ اشْتَرَى الْعَرَضَ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِثَمَنِهِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ مَا لَمْ يُحَابِ فَلَا يَرْجِعْ بِالزِّيَادَةِ " اهـ.
وَالشَّاهِدُ الْعَدْلُ لِقَائِمٍ بِحَقْ ... إعْطَاءُ مَطْلُوبٍ بِهِ الضَّامِنَ حَقْ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ ادَّعَى دَعْوَى وَأَقَامَ عَلَيْهَا شَاهِدًا وَاحِدًا عَدْلًا فَإِنَّ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمَطْلُوبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ضَامِنًا بِذَلِكَ الْحَقَّ.
(قَالَ الشَّارِحُ:) لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ قَارَبَ أَنْ يَتَوَجَّهَ إمَّا بِإِضَافَةِ شَاهِدٍ ثَانٍ لِلْأَوَّلِ، وَإِمَّا بِيَمِينِ الْقَائِمِ مَعَ شَاهِدِهِ، وَأَيَّا مَا كَانَ فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِهِ.
وَالضَّامِنُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِمَّا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَيَظْهَرُ أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ مِنْ عِنْدِ مَنْ يُجِيزُ الْحُكْمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ. (فَفِي كِتَابِ ابْنِ يُونُسَ) قَالَ ابْن الْقَاسِمِ: " وَإِنْ سَأَلَهُ كَفِيلًا بِالْحَقِّ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُقِيمَ شَاهِدًا فَلَهُ أَخْذُ الْكَفِيلِ وَإِلَّا فَلَا إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ بَيِّنَةً يُحْضِرُهَا مِنْ السُّوقِ أَوْ مِنْ بَعْضِ الْقَبَائِلِ، فَلْيُوقِفْ الْقَاضِي الْمَطْلُوبَ عِنْدَهُ لِمَجِيءِ الْبَيِّنَةِ فَإِنْ جَاءَ بِهَا وَإِلَّا خَلَّى سَبِيلَهُ ".
وَهَذَا الَّذِي نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَإِنْ ادَّعَى بَيِّنَةً بِكَالسُّوقِ وَقَفَهُ الْقَاضِي عِنْدَهُ. انْتَهَى كَلَامُ الشَّارِحِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا أَنَّ الْحَمِيلَ مَعَ الشَّاهِدِ بِالْوَجْهِ، وَكَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِ آخِرَ الشَّهَادَاتِ حَيْثُ قَالَ: كَحِسَابٍ وَشِبْهِهِ بِكَفِيلٍ بِالْمَالِ كَأَنْ أَرَادَ إقَامَةَ ثَانٍ أَوْ لِإِقَامَةِ بَيِّنَةٍ فَبِالْحَمِيلِ بِالْوَجْهِ عَلَى قَاعِدَتِهِ الْأَكْثَرِيَّةِ مِنْ رُجُوعِ الْقَيْدِ لِمَا بَعْدَ الْكَافِ. وَفِي التَّوْضِيحِ: آخِرِ الشَّهَادَاتِ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْحَمِيلَ بِالْمَالِ وَلَفْظُهُ " فَأَمَّا الْمَطْلُوبُ إذَا أُجِّلَ لِدَفْعِ الْبَيِّنَةِ فَلِلطَّالِبِ أَخْذُ حَمِيلٍ بِالْمَالِ ".
(الْمَازِرِيُّ) . وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدًا وَطَلَبَ ذَلِكَ الْمُدَّعِي أَنْ يَأْتِيَ بِشَاهِدٍ آخَرَ. اهـ مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ، فَظَاهِرُ قَوْلِ الْمَازِرِيِّ " وَكَذَلِكَ. " إلَخْ أَوْ صَرِيحُهُ أَنَّ الْحَمِيلَ بِالْمَالِ لَا بِالْوَجْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ قَالَ ﵀.
стр. 127
وَضَامِنُ الْوَجْهِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَا ... دَعْوَى امْرِئٍ خَشْيَةَ أَنْ لَا يَحْضُرَا
مِنْ بَعْدِ تَأْجِيلٍ لِهَذَا الْمُدَّعِي ... بِقَدْرِ مَا اسْتَحَقَّ فِيمَا يَدَّعِي
وَقِيلَ إنْ لَمْ يُلْفِ مَنْ يَضْمَنُهُ ... لِلْخَصْمِ لَازِمْهُ وَلَا يَسْجُنُهُ
وَأَشْهَبُ بِضَامِنِ الْوَجْهِ قَضَى ... عَلَيْهِ حَتْمًا وَبِقَوْلِهِ الْقَضَا
لَمَّا ذَكَرَ فِي الْبَيْتِ قَبْلَ هَذَا حُكْمَ مَنْ ادَّعَى دَعْوَى وَقَامَ لَهُ بِهَا شَاهِدٌ ذَكَرَ هُنَا حُكْمَ مَنْ ادَّعَى دَعْوَى وَلَا مُصَدِّقَ لَهُ مِنْ شَاهِدٍ وَلَا غَيْرِهِ وَزَعَمَ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَضْرِبَ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي أَجَلًا لِإِثْبَاتِ دَعْوَاهُ بِقَدْرِ مَا يَلِيقُ بِهِ، وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيَأْمُرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِإِعْطَاءِ حَمِيلٍ بِالْوَجْهِ خَشْيَةَ أَنْ لَا يَجِدَهُ الْمُدَّعِي إذَا أَتَى بِبَيِّنَةٍ.
وَلِذَلِكَ قَالَ خَشْيَةَ أَنْ لَا يَحْضُرَ أَيْ لِيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى عَيْنِهِ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَضْمَنُهُ فَيَقُولُ لِلْمُدَّعِي لَازِمْهُ وَلَا يَسْجُنُهُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى. هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(قَالَ أَشْهَبُ) : " لَا بُدَّ مِنْ ضَامِنِ الْوَجْهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ سُجِنَ " وَالْقَضَاءُ بِقَوْلِهِ. وَإِنَّمَا يُسْجَنُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعِي أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً غَائِبَةً وَلَيْسَ فِي النَّظْمِ مَا يُشْعِرُ بِحَلِفِهِ. هَذَا حَاصِلُ مَا نَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ مَعَ طُولِ عِبَارَتِهَا. فَقَوْلُهُ (وَضَامِنُ الْوَجْهِ) مُبْتَدَأٌ وَمُضَافٌ إلَيْهِ، وَ (عَلَى مَنْ أَنْكَرَا) خَبَرَهُ أَيْ وَاجِبٌ أَوْ لَازِمٌ، (وَخَشْيَةَ) مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، وَ (مِنْ بَعْدِ) يَتَعَلَّقُ بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْخَبَرُ وَفَاعِلُ (اسْتَحَقَّ) لِلْمُدَّعِي أَيْ يُؤَجَّلُ الْمُدَّعِي بِقَدْرِ مَا اسْتَحَقَّ مِنْ التَّأْجِيلِ مِمَّا يَسَعُهُ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ
وَقِيلَ إنْ لَمْ يُلْفِ مَنْ يَضْمَنُهُ
أَيْ يُقَالُ لِلْمُدَّعِي وَهُوَ الَّذِي كَنَّى عَنْهُ بِالْخَصْمِ فَلِلْخَصْمِ يَتَعَلَّقُ بِقِيلِ إنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَضْمَنُ وَجْهَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ (لَازِمْهُ) هَذَا هُوَ الْمَحْكِيُّ بِالْقَوْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَبْرَأُ الْحَمِيلُ لِلْوَجْهِ مَتَى ... أَحْضَرَ مَضْمُونًا لِخَصْمٍ مَيِّتَا
يَعْنِي أَنَّ الْحَمِيلَ بِالْوَجْهِ الَّذِي اُشْتُرِطَ أَنْ لَا يَغْرَمَ الْمَالَ يَبْرَأُ مِنْ الْحَمَالَةِ بِإِحْضَارِ الْمَضْمُونِ لِلْمَضْمُونِ لَهُ سَوَاءٌ أَحْضَرَهُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا.
(قَالَ اللَّخْمِيُّ:) " وَالْحَمَالَةُ بِالْوَجْهِ تَسْقُطُ عَنْ الْحَمِيلِ بِإِحْضَارِ الْمَضْمُونِ وَإِنْ كَانَ مُعْدَمًا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ حَاضِرَ الْبَلَدِ مَسْجُونًا كَانَ سِجْنُهُ ذَلِكَ فِي حَقٍّ أَوْ تَعَدِّيًا عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ كَمَوْتِهِ إذَا تَعَدَّى عَلَيْهِ بِالسِّجْنِ ". وَمِنْ (الْمُقَرَّبِ) فِي الْحَمَالَةِ بِالْوَجْهِ: " وَإِنْ مَاتَ الْغَرِيمُ بَرِئَ الْحَمِيلُ أَيْضًا، لِأَنَّهُ إنَّمَا تَحَمَّلَ بِنَفْسِهِ وَقَدْ ذَهَبَتْ نَفْسُهُ ". اهـ وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ (أَحْضَرَ) أَنَّهُ إنْ لَمْ يُحْضِرْهُ، وَإِنَّمَا أَثْبَتَ مَوْتَهُ
стр. 128
فَإِنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ. .
وَأَخَّرُوا السَّائِلَ لِلْإِرْجَاءِ ... كَالْيَوْمِ عِنْدَ الْحُكْمِ لِلْأَدَاءِ
إنْ جَاءَ فِي الْحَالِ بِضَامِنٍ وَإِنْ ... لَمْ يَأْتِ بِالْحَمِيلِ بِالْمَالِ سُجِنْ
هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ بَابِ الْمِدْيَانِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا هُنَا لِمُنَاسَبَتِهَا بِالْبَابِ فِي مُطْلَقِ إعْطَاءِ الضَّامِنِ، وَ (الْإِرْجَاءُ) التَّأْخِيرُ، يَعْنِي أَنَّ الْمِدْيَانَ إذَا حُكِمَ عَلَيْهِ بِأَدَاءِ الدَّيْنِ وَسَأَلَ أَنْ يُؤَخَّرَ الزَّمَانَ الْيَسِيرَ كَالْيَوْمِ وَشِبْهِهِ فَإِنَّهُ يُجَابُ إلَى مَا سَأَلَ لَكِنْ إنْ جَاءَ بِضَامِنٍ يَضْمَنُ الْمَالَ لِصَاحِبِهِ يَعْنِي أَوْ جَاءَ بِرَهْنٍ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يُسْجَنُ.
(فَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ) " سُئِلَ سَحْنُونٌ عَمَّنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَسَأَلَ أَنْ يُؤَخَّرَ يَوْمًا أَوْ نَحْوَهُ قَالَ: يُؤَخَّرُ وَيُعْطِي حَمِيلًا بِالْمَالِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَمِيلًا بِالْمَالِ إلَى يَوْمٍ وَلَا وَجَدَ الْمَالَ سُجِنَ ". (وَفِي مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ) وَإِنْ وَعَدَ بِقَضَاءِ دَيْنٍ وَسَأَلَ تَأْخِيرَهُ كَالْيَوْمِ أَعْطَى حَمِيلًا بِالْمَالِ وَإِلَّا سُجِنَ. .
[بَابُ الْوَكَالَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]
(ابْنُ عَرَفَةَ) . الْوَكَالَةُ نِيَابَةُ ذِي حَقٍّ غَيْرِ ذِي امْرَأَةٍ وَلَا عِبَادَةٍ لِغَيْرِهِ فِيهِ غَيْرِ مَشْرُوطَةٍ بِمَوْتِهِ. (قَوْلُهُ ذِي حَقٍّ) أَخْرَجَ بِهِ مَنْ لَا حَقَّ لَهُ فَإِنَّهُ لَا نِيَابَةَ لَهُ، (وَقَوْلُهُ غَيْرِ ذِي امْرَأَةٍ) أَخْرَجَ بِهِ الْوِلَايَةَ الْعَامَّةَ وَالْخَاصَّةَ، (وَقَوْلُهُ وَلَا عِبَادَةَ لِغَيْرِهِ فِيهِ) أَخْرَجَ بِهِ إمَامَةَ الصَّلَاةِ (وَقَوْلُهُ لِغَيْرِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِنِيَابَةٍ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ الَّذِي هُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ، (وَقَوْلُهُ غَيْرِ مَشْرُوطَةٍ بِمَوْتِهِ) أَخْرَجَ بِهِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِيهِ عُرْفًا: وَكِيلٌ، وَلِذَا فَرَّقُوا بَيْنَ (فُلَانٍ وَكِيلِي وَوَصِيِّي) . اهـ وَقَدْ عَقَدَ النَّاظِمُ فِي هَذَا الْبَابِ الْكَلَامَ عَلَى الْوَكَالَةِ بِقِسْمَيْهَا مِنْ تَعْمِيمٍ وَتَخْصِيصٍ. وَمَسَائِلُهَا مِمَّا يَكْثُرُ وُقُوعُهَا بَيْنَ يَدَيْ الْقُضَاةِ. هَذَا مَعَ أَنَّ الْوَارِدَ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ﵃ فِي ذَمِّ الْخُصُومَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَفِيمَا يَخُصُّ عَيْنَ الْمَسْأَلَةِ مِمَّا لَا يُحْصَى كَثْرَةً، فَمِنْ ذَلِكَ مَا حَكَاهُ الْمُتَيْطِيُّ قَالَ: وَكَرِهَ مَالِكٌ الْخُصُومَاتِ لِذَوِي الْهَيْئَاتِ. وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ " قَالَ مَالِكٌ: أُرَى الْمُخَاصِمَ رَجُلَ سَوْءٍ ". وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ» .
(وَفِي جَامِعِ الْبَيَانِ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ حَادَّ اللَّهَ، وَمَنْ تَكَلَّمَ فِي خُصُومَةٍ لَا عِلْمَ لَهُ بِهَا لَمْ يَزَلْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ "
يَجُوزُ تَوْكِيلٌ لِمَنْ تَصَرَّفَا ... فِي مَالِهِ لِمَنْ بِذَاكَ اتَّصَفَا
يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُوَكِّلَ عَلَى قَبْضِ حُقُوقِهِ وَاقْتِضَاءِ دُيُونِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِ لَكِنْ إنَّمَا لَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ رَشِيدًا لَا حَجْرَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ (لِمَنْ تَصَرَّفَا فِي مَالِهِ) فَالرُّشْدُ شَرْطٌ فِي الْمُوَكِّلِ بِالْكَسْرِ، وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِي الْمُوَكَّلِ الرُّشْدُ أَيْضًا، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ (لِمَنْ بِذَاكَ اتَّصَفَا) فَيُشْتَرَطُ فِي الْمُوَكَّلِ بِالْفَتْحِ الرُّشْدُ أَيْضًا، وَفُهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَحْجُورَ لَا يُوَكِّلُ غَيْرَهُ عَلَى حُقُوقِهِ، وَلَا يَكُونُ وَكِيلًا لِغَيْرِهِ.
(ابْنُ عَرَفَةَ) . " قَالَ ابْنُ شَاسٍ كُلُّ مَنْ جَازَ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ جَازَ تَوْكِيلُهُ، وَمَنْ جَازَ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ جَازَ كَوْنُهُ وَكِيلًا إلَّا لِمَانِعٍ.
وَمَسَائِلُ الْمَذْهَبِ وَاضِحَةٌ بِهِ وَبِامْتِنَاعِ تَوْكِيلِ مَنْ لَيْسَ لَهُ جَائِزُ الْأَمْرِ ".
(وَفِي سَمَاعِ يَحْيَى) فِي تَوْكِيلِ بِكْرٍ مَنْ يُخَاصِمُ لَهَا، تَوْكِيلُهَا غَيْرُ جَائِزٍ لَهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَلِي هَذَا مِنْ أَمْرِهَا إنَّمَا يَلِيهِ وَصِيُّهَا وَمَنْ يُوَكِّلُهُ السُّلْطَانُ. وَوَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يُوهِمُ صِحَّةَ وَكَالَةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي عِتْقِهَا. الثَّانِي إنْ دَفَعَ الْعَبْدُ مَالًا لِرَجُلٍ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَهُ وَيُعْتِقَهُ فَفَعَلَ فَالْبَيْعُ لَازِمٌ، فَإِنْ اسْتَثْنَى مَالَهُ لَمْ يَغْرَمْ الْمَالَ ثَانِيًا وَإِلَّا غَرِمَهُ وَيُعْتَقُ الْعَبْدُ وَلَا يُتْبَعُ بِشَيْءٍ.
(ثُمَّ قَالَ الشَّارِحُ) : وَأَمَّا مَنْعُ كَوْنِ الْوَكِيلِ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَقَالَ اللَّخْمِيُّ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ تَضْيِيعٌ لِلْمَالِ (قُلْتُ) : وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ بَلَدِنَا.
وَظَاهِرُ كِتَابِ الْمِدْيَانِ جَوَازُهُ، فَفِيهَا مَا نَصُّهُ (قُلْتُ) : إنْ دَفَعْتُ إلَى عَبْدٍ أَجْنَبِيٍّ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ مَالًا يَتَّجِرُ لِي بِهِ أَوْ لِيَتِيمٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ ثُمَّ لَحِقَهُمَا دَيْنٌ يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِمَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: " يَكُونُ فِي الْمَالِ الَّذِي دُفِعَ إلَيْهِمَا وَمَا زَادَ فَهُوَ سَاقِطٌ عَنْهُمَا ".
(قُلْتُ) : ظَاهِرُهُ جَوَازُ تَوْكِيلِهِمَا إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَيْهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ.
стр. 129
وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَهُوَ الْأَكْثَرُ مِنْ أَخْذِ الشُّيُوخِ الْأَحْكَامَ مِنْ مَفْرُوضَاتِ الْمُدَوَّنَةِ اهـ فَقِفْ عَلَى أَنَّ مَسَائِلَ الْمُدَوَّنَةِ تُؤْخَذُ مِنْهَا الْأَحْكَامُ، وَلَا يُقَالُ إنَّ تِلْكَ الْأَحْكَامَ هِيَ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ لَا ابْتِدَاءً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي شَرْحِ الْحَطَّابِ لِقَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ " وَإِنَّمَا تَصِحُّ مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ " بَعْدَ أَنْ أَطَالَ الْكَلَامَ عَلَى تَوْكِيلِ الْمَحْجُورِ وَتَوَكُّلِهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى بِكْرًا أَوْ غَيْرَهَا. ثُمَّ قَالَ: " فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذِهِ النُّقُولِ أَنَّ تَوْكِيلَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي الْخِصَامِ فِي تَخْلِيصِ مَالِهِ وَطَلَبِ حُقُوقِهِ لَا يَجُوزُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ "، وَيَصِحُّ عَلَى مَا قَالَهُ فِي اللُّبَابِ وَنَقَلَهُ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ غَيْرَهُ خَالَفَهُ. فِيهِ وَأَمَّا تَوْكِيلُهُ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي مَالِهِ فَلَا يَجُوزُ وَلَمْ أَرَ فِيهِ خِلَافًا بَعْدَ الْبَحْثِ إلَّا مَا يُؤْخَذُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ الَّتِي فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا.
وَأَمَّا تَوْكِيلُ الْمَرْأَةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا فِي لَوَازِمِ عِصْمَتِهَا فَيَجُوزُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّوْضِيحِ بَلْ لَيْسَ لِوَلِيِّهَا الْقِيَامُ بِذَلِكَ إلَّا بِتَوْكِيلٍ مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا كَوْنُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا وَكِيلًا فَيَجُوزُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ رَاشِدٍ فِي اللُّبَابِ وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ الْحَاجِّ. وَيُؤْخَذُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمِنْ مَسْأَلَةِ كِتَابِ الْمِدْيَانِ مِنْهَا وَلَا يَجُوزُ عَلَى مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ.
(وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) : عَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ بَلَدِنَا، وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَتَابِعُوهُ كَالْقَرَافِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَقَبْلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُؤَلِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ وَغَيْرُهُمْ، فَتَحَصَّلَ فِي ذَلِكَ طَرِيقَانِ. قَالَ: وَإِنَّمَا أَطَلْت الْكَلَامَ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ فِي الْوَكَالَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ هُنَا الْمَنْعُ مِنْ تَوْكِيلِهِ وَتَوَكُّلِهِ وَهِيَ إحْدَى الطَّرِيقَيْنِ كَمَا عَمِلْتَ وَلَكِنْ يُقَيَّدُ ذَلِكَ فِيمَا عَدَا تَوْكِيلَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا فِي لَوَازِمِ الْعِصْمَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ.
(وَلِمَنْ تَصَرَّفَا) يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِتَوْكِيلٌ أَوْ بِيَجُوزُ (لِمَنْ بِذَاكَ اتَّصَفَا) يَتَعَلَّقُ بِتَوْكِيلٌ وَ (بِذَاكَ اتَّصَفَا) وَالْإِشَارَةُ لِلتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ.
وَمَنَعُوا التَّوْكِيلَ لِلذِّمِّيِّ ... وَلَيْسَ إنْ وَكَّلَ بِالْمَرْضِيِّ
يَعْنِي أَنَّ الْفُقَهَاءَ مَنَعُوا أَنْ يُوَكِّلَ الْمُسْلِمُ ذِمِّيًّا؛ لِكَوْنِهِ لَا يَتَّقِي الْحَرَامَ فِي مُعَامَلَاتِهِ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَرْتَضُوا أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ وَكِيلًا لِذِمِّيٍّ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إهَانَتِهِ وَالِاعْتِذَارِ عَلَيْهِ.
(قَالَ الشَّارِحُ) : وَكَأَنَّ الْحُكْمَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى أَشَدُّ وَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهُ الشَّيْخُ بِلَفْظِ الْمَنْعِ، وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ بِنَفْيِ الرِّضَا اهـ.
(قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) : " قَالَ مَالِكٌ: " لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ نَصْرَانِيًّا إلَّا لِخِدْمَةٍ فَأَمَّا لِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ تَقَاضٍ أَوْ لِيُبْضِعَ مَعَهُ فَلَا يَجُوزُ لِعَمَلِهِمْ بِالرِّبَا وَاسْتِحْلَالِهِمْ لَهُ ".
(قَالَ مَالِكٌ) : " وَكَذَا عَبْدُهُ النَّصْرَانِيُّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِبَيْعِ شَيْءٍ وَلَا شِرَائِهِ وَلَا اقْتِضَائِهِ، وَلَا يَمْنَعُ الْمُسْلِمُ عَبْدَهُ النَّصْرَانِيَّ أَنْ يَأْتِيَ الْكَنِيسَةَ وَلَا مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ الْخِنْزِيرِ ".
(قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) : " وَلَا يُشَارِكُ الْمُسْلِمُ ذِمِّيًّا إلَّا أَنْ لَا يَغِيبَ عَلَى بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ إلَّا بِحَضْرَةِ الْمُسْلِمِ ". قَالَ: " وَلَا بَأْسَ أَنْ يُسَاقِيَهُ إذَا كَانَ الذِّمِّيُّ لَا يَعْصِرُ حِصَّتَهُ خَمْرًا ". قَالَ: " وَلَا أُحِبُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَدْفَعَ لِذِمِّيٍّ قِرَاضًا لِعَمَلِهِ بِالرِّبَا وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ قِرَاضًا لِئَلَّا يُذِلَّ نَفْسَهُ ".
يُرِيدُ: " وَإِنْ وَقَعَ لَمْ يُفْسَخْ " اهـ. وَهَذَا النَّصُّ كُلُّهُ فِي الْفَرْعِ الْأَوَّلِ أَعْنِي تَوْكِيلَ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ إلَّا قَوْلَهُ آخِرًا وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ قِرَاضًا لِئَلَّا
стр. 130
يُذِلَّ نَفْسَهُ فَإِنَّهُ شَاهِدٌ لِلْفَرْعِ الثَّانِي وَهُوَ كَوْنُ الْمُسْلِمِ وَكِيلًا لِلذِّمِّيِّ، وَالْمُرَادُ بِالذِّمِّيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمِ الْكَافِرُ مِنْ حَيْثُ هُوَ ذِمِّيًّا كَانَ أَوْ حَرْبِيًّا. (وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ) قَالَ الشَّعْبَانِيُّ: الْوَكَالَاتُ أَمَانَاتٌ وَيَنْبَغِي لِأُولِي الْأَمَانَاتِ أَنْ لَا يُوَكِّلُوا أُولِي الْخِيَانَاتِ. (قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ) : كَفَى بِالْمَرْءِ خِيَانَةً أَنْ يَكُونَ أَمِينًا لِلْخَوَنَةِ.
وَمَنْ عَلَى قَبْضٍ صَبِيًّا قَدَّمَا ... فَقَبْضُهُ بَرَاءَةٌ لِلْغُرَمَا
تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْوَكِيلِ أَنْ يَكُونَ رَشِيدًا لِقَوْلِهِ فِي الشَّطْرِ الثَّانِي مِنْ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ (لِمَنْ بِذَاكَ اتَّصَفَا) وَذَكَرَ هُنَا أَنَّ مَنْ قَدَّمَ أَيْ وَكَّلَ صَبِيًّا عَلَى قَبْضِ دَيْنٍ فَقَبَضَهُ فَإِنَّ الْغَرِيمَ يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ لَهُ.
(قَالَ فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ) : " مَنْ وَكَّلَ عَلَى قَبْضِ دَيْنٍ لَهُ صَبِيًّا قَبْلَ الْبُلُوغِ فَقَبْضُهُ بَرَاءَةٌ لِلْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ قَدْ رَضِيَ بِهِ وَأَنْزَلَهُ مَنْزِلَتَهُ ". وَظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ كَالْمُخَالِفِ لِهَذِهِ الْفَتْوَى مِنْ كَوْنِهِ عَلَّلَ الْمَنْعَ مِنْ تَوْكِيلِ مَنْ لَيْسَ لَهُ بِجَائِزِ الْأَمْرِ بِأَنَّهُ تَضْيِيعٌ لِلْمَالِ، فَعَلَى ذَلِكَ كَانَ النَّظَرُ هُنَا أَنْ تُمْنَعَ هَذِهِ الْوَكَالَةُ فَتَأَمَّلْهُ.
(وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ) " وَلَا يُوَكِّلُ مُسْلِمٌ لِكَافِرٍ، وَلَا كَبِيرٌ لِطِفْلٍ، وَلَا طِفْلٌ لِكَبِيرٍ مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ " فَمَنْ مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ صِلَتُهُ قَدَّمَا، (وَصَبِيًّا) مَفْعُولُهُ (وَعَلَى قَبْضٍ) يَتَعَلَّقُ بِقَدِمَ، وَجُمْلَةُ (فَقَبْضُهُ بَرَاءَةٌ) خَبَرُ مَنْ، (وَلِلْغُرَمَاءِ) يَتَعَلَّقُ بِبَرَاءَةٍ انْتَهَى.
وَجَازَ لِلْمَطْلُوبِ أَنْ يُوَكِّلَا ... وَمَنْعُ سَحْنُونٍ لَهُ قَدْ نُقِلَا
يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَطْلُوبِ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يُخَاصِمُ عَنْهُ وَيَدْفَعُ حُجَّةَ طَالِبِهِ، كَمَا يَجُوزُ لِلْمَطْلُوبِ عِنْدَ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ إلَّا سَحْنُونًا؛ فَإِنَّهُ أَبَاحَ ذَلِكَ لِلطَّالِبِ وِفَاقًا لِغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَمَنَعَ ذَلِكَ لِلْمَطْلُوبِ.
(قَالَ الْمُتَيْطِيُّ) : فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ التَّوْكِيلَ جَازَ ذَلِكَ لَهُ طَالِبًا كَانَ أَوْ مَطْلُوبًا هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ. وَكَانَ سَحْنُونٌ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْمَطْلُوبِ وَكِيلًا إلَّا مِنْ امْرَأَةٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهَا أَوْ مَرِيضٍ أَوْ مُرِيدِ سَفَرٍ أَوْ مَنْ تَبَيَّنَ عُذْرُهُ أَوْ مَنْ كَانَ فِي شُغْلِ الْأَمِيرِ أَوْ عَلَى خُطَّةٍ لَا يَسْتَطِيعُ مُفَارَقَتَهَا كَالْحِجَابَةِ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ يَقْبَلُ التَّوْكِيلَ مِنْ كُلِّ طَالِبٍ.
وَحَيْثُمَا التَّوْكِيلُ بِالْإِطْلَاقِ ... فَذَلِكَ التَّفْوِيضُ بِاتِّفَاقِ
يَعْنِي أَنَّ الْوَكَالَةَ عَلَى وَجْهَيْنِ تَكُونُ مُفَوَّضَةً أَيْ عَامَّةً فِي كُلِّ شَيْءٍ فَلَا تُخَصُّ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، وَتَكُونُ مُقَيَّدَةً كَوَكَّلْتُكَ عَلَى كَذَا فَتَخْتَصُّ بِذَلِكَ فَإِذَا وَرَدَ لَفْظُ التَّوْكِيلِ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ فَيُحْمَلُ عَلَى الْوَكَالَةِ الْمُفَوَّضَةِ الْعَامَّةِ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ. وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْبَيْتِ، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ لَفْظَ التَّوْكِيلِ إذَا كَانَ مُقَيَّدًا بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِهِ وَلَا يَتَعَدَّاهُ لِغَيْرِهِ (ابْنُ عَرَفَةَ) شَرْطُ صِحَّتِهَا عِلْمُ مُتَعَلَّقِهَا خَاصًّا أَوْ عَامًّا بِلَفْظٍ أَوْ قَرِينَةٍ أَوْ عُرْفٍ خَاصٍّ أَوْ عَامٍّ، فَلَوْ أَتَى لَفْظُ التَّوْكِيلِ مُطْلَقًا كَأَنْتَ وَكِيلِي أَوْ وَكَّلْتُكَ فَطَرِيقَانِ (فَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ) وَابْنُ شَاسٍ: " لَغْوٌ "، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ: " لَمْ يُفِدْ. " وَقَالَ ابْن رُشْدٍ: إنَّمَا
стр. 131
تَكُونُ الْوَكَالَةُ مُفَوَّضَةً فِي كُلِّ شَيْءٍ إذَا لَمْ يُسَمَّ فِيهَا شَيْءٌ، وَلِهَذَا قَالُوا فِي الْوَكَالَةِ إذَا طَالَتْ قَصُرَتْ وَإِذَا قَصُرَتْ طَالَتْ وَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ إذَا قَالَ الرَّجُلُ فُلَانٌ وَصِيِّي وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ كَانَ وَصِيًّا لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ فِي مَالِهِ وَبُضْعِ بَنَاتِهِ وَإِنْكَاحِ بَنِيهِ الصِّغَارِ، وَهَذَا قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَلَيْسَ يَمْضِي غَيْرُ مَا فِيهِ نَظَرْ ... إلَّا بِنَصٍّ فِي الْعُمُومِ مُعْتَبَرْ
يَعْنِي أَنَّ فِعْلَ الْوَكِيلِ مَاضٍ لَا يُرَدُّ إلَّا مَا كَانَ مِنْهُ غَيْرَ نَظَرٍ وَغَيْرَ سَدَادٍ فَيُرَدُّ، وَلَا يَمْضِي إلَّا أَنْ يَنُصَّ لَهُ الْمُوَكِّلُ عَلَى الْعُمُومِ وَالِاسْتِغْرَاقِ، وَأَنَّ فِعْلَهُ مَاضٍ نَظَرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ نَظَرٍ فَيَمْضِي وَلَوْ كَانَ غَيْرَ نَظَرٍ إلَّا فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: طَلَاقِ زَوْجَتِهِ،، وَإِنْكَاحِ أَبْكَارِ بَنَاتِهِ، وَبَيْعِ دَارِ سُكْنَاهُ، وَعِتْقِ عَبْدِهِ، فَلَا يَمْضِي فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَلَوْ فُوِّضَ لَهُ فِي النَّظَرِ وَغَيْرِهِ. (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) " وَشَرَطَ الْمُصَنِّفُ أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهُ نَظَرًا؛ لِأَنَّهُ مَعْزُولٌ عَنْ غَيْرِهِ بِالْعَادَةِ إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ لَهُ بِذَلِكَ فَيَقُولُ نَظَرًا وَغَيْرَ نَظَرٍ " " وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا يَأْذَنُ الشَّرْعُ فِي السَّفَهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ الْوَكِيلُ إذْ لَا يَحِلُّ لَهُمَا ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ".
(ابْنُ رَاشِدٍ) . وَذَكَرَ غَيْرُ الْمُصَنِّفِ وَابْنُ شَاسٍ وَابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ بَيْعُ دَارِ السُّكْنَى، وَبَيْعُ الْعَبْدِ، وَزَوَاجُ الْبِكْرِ، وَطَلَاقُ الزَّوْجَةِ. إذْ الْعُرْفُ قَاضٍ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ عُمُومِ التَّفْوِيضِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ الْوَكِيلُ إذَا وَقَعَ النَّصُّ عَلَيْهِ اهـ (الْحَطَّابُ) . فَقَوْله إلَّا الطَّلَاقَ وَإِنْكَاحَ بِكْرِهِ. . إلَخْ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ " وَغَيْرُ نَظَرٍ " وَإِذَا اُسْتُثْنِيَتْ هَذِهِ مَعَ وُجُودِ هَذَا الْقَيْدِ فَأَحْرَى أَنْ تُسْتَثْنَى فِي عَدَمِهِ. ثُمَّ قَالَ الْحَطَّابُ: " وَفَهِمَ ابْنُ فَرْحُونٍ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى خِلَافِ مَا فَهِمَهُ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ هَذَا مِثَالٌ لِوَكَالَةِ التَّفْوِيضِ وَلَفْظُ مَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ وَمَعْنَاهُ، فَلَوْ قَالَ لَهُ وَكَّلْتُكَ بِمَا تُعَاطِيهِ مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَطَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَقَلِيلِ الْأَشْيَاءِ وَكَثِيرِهَا جَازَ فِعْلُ الْوَكِيلِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ، وَعَكْسُهُ هُوَ مَعْزُولٌ عَنْهُ بِالْعَادَةِ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ افْعَلْ مَا رَأَيْتَ كَانَ نَظَرًا عِنْدَ أَهْلِ الْبَصَرِ وَالْمَعْرِفَةِ أَوْ غَيْرَ نَظَرٍ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ افْعَلْ مَا شِئْتَ وَإِنْ كَانَ سَفَهًا كَمَا فَهِمَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ " (ثُمَّ قَالَ ح) : وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: " وَيَمْضِي النَّظَرُ أَيْ " مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ تَعُودُ بِتَنْمِيَةِ الْمَالِ لَا التَّبَرُّعَاتِ كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ إلَّا أَنْ يَقُولَ: وَكَّلْتُكَ وَكَالَةً مُفَوَّضَةً وَأَذِنْتُ لَك أَنْ تَفْعَلَ جَمِيعَ مَا تَرَاهُ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ نَظَرٍ أَيْ لَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ تَعُودُ بِتَنْمِيَةِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَتَمْضِي التَّبَرُّعَاتُ، وَلَا يُقَالُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ: إنَّهَا سَفَهٌ أَوْ فَسَادٌ إلَّا مَا تَفَاحَشَ مِنْ ذَلِكَ وَخَرَجَ عَنْ الْحَدِّ وَلَمْ يَكُنْ فَاعِلُهُ مِنْ أَهْلِ الْيَقِينِ وَالتَّوَكُّلِ، فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
وَذَا لَهُ تَقْدِيمُ مَنْ يَرَاهُ ... بِمِثْلِهِ أَوْ بَعْضِ مَا اقْتَضَاهُ
وَمَنْ عَلَى مُخَصَّصٍ وُكِّلَ لَمْ ... يُقَدِّمْ إلَّا إنْ بِهِ الْجَعْلُ حَكَمْ
الْإِشَارَةُ إلَى الْوَكِيلِ الْمُفَوَّضِ لَهُ يَعْنِي أَنَّ الْوَكِيلَ الْمُفَوَّضَ إلَيْهِ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ عَلَى مِثْلِ مَا وُكِّلَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى بَعْضِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا الْوَكِيلُ الْمَخْصُوصُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ إلَّا إنْ جُعِلَ لَهُ ذَلِكَ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي.
(قَالَ الْمُتَيْطِيُّ) : " وَذَكَرْنَا فِي هَذَا النَّصِّ أَنَّهُ: إنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ عَنْهُ
стр. 132
مَنْ شَاءَ إلَخْ هُوَ أَحْسَنُ مِنْ إسْقَاطِ ذِكْرِهِ لِاخْتِلَافِ الشُّيُوخِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ: إذَا وَكَّلَهُ تَوْكِيلًا مُفَوَّضًا فَلَهُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الْمُوَكِّلُ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ: لَيْسَ لِلْوَكِيلِ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَنُصَّ فِي تَوْكِيلِهِ عَلَى ذَلِكَ ".
(قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ) : " وَلَا أَحْفَظُ فِي ذَلِكَ قَوْلًا مَنْصُوصًا لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ ". وَالْأَظْهَرُ أَنَّ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ قَدْ أَنْزَلَهُ مَنْزِلَتَهُ وَجَعَلَهُ عِوَضَهُ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا كَانَ لِمُوَكِّلِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ اهـ.
(وَفِي ابْنِ سَلْمُونٍ) : " وَلِلْمُفَوَّضِ إلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ عَنْ مُوَكِّلِهِ غَيْرَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ أَوْ بِمَا يَقْتَضِيهِ رَأْيُهُ مِنْ مَعَانِي التَّفْوِيضِ الْمَذْكُورَةِ، وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ حَتَّى يُنَصَّ لَهُ عَلَيْهِ ".
(قَالَ ابْنُ رُشْدٍ) : " وَلَا أَعْلَمُ لِلْمُتَقَدِّمِينَ فِي ذَلِكَ نَصًّا، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ فِي ذَلِكَ ". وَالْأَظْهَرُ أَنَّ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ الْمُوَكِّلُ ذَلِكَ. فَمَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ فَلْيَكْتُبْ فِي الْعَقْدِ مَا نَصُّهُ: " وَجَعَلَ لَهُ أَنْ يُفَوِّضَ عَنْهُ إلَى مَنْ شَاءَ بِمِثْلِ ذَلِكَ ". أَوْ بِمَا شَاءَ مِنْ الْفُصُولِ الْمُنْدَرِجَةِ تَحْتَ عُمُومِهِ، وَالْعَزْلُ وَالتَّبْدِيلُ مَا أَحَبَّ. وَأَمَّا الْوَكِيلُ الْمَخْصُوصُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ بِاتِّفَاقٍ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ لَهُ ذَلِكَ الْمُوَكِّلُ اهـ.
(تَنْبِيهٌ) اسْتَثْنَى ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ الْوَكِيلِ الْمَخْصُوصِ مَسْأَلَتَيْنِ: (الْأُولَى) أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ لَا يَلِيقُ بِهِ تَوَلِّي الْمُوَكَّلِ فِيهِ كَمَنْ وَكَّلَ رَجُلًا شَرِيفًا مَعْرُوفًا بِالْجَلَالَةِ عَلَى بَيْعِ ثَوْبٍ أَوْ دَابَّةٍ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَمَّا كَانَ لَا يَتَصَرَّفُ فِي هَذَا لِنَفْسِهِ كَانَ ذَلِكَ قَرِينَةً فِي إجَازَةِ تَوْكِيلِهِ غَيْرَهُ فَكَانَ ذَلِكَ كَالتَّصْرِيحِ بِإِجَازَةِ التَّوْكِيلِ.
(وَالثَّانِيَةُ) أَنْ يُوَكِّلَهُ عَلَى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ لَا يُمْكِنُ الْوَكِيلُ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِهَا؛ لِأَنَّهُ بِالْعَادَةِ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّوْكِيلِ اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ.
(وَمُخَصَّصٍ) فِي الْبَيْتِ الثَّانِي بِفَتْحِ الصَّادِ اسْمُ مَفْعُولٍ نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ وَوُكِّلَ عَلَى شَيْءٍ مَخْصُوصٍ، وَالْمُخَصِّصُ لَهُ الْمُوَكِّلُ؛ (وَالْجَعْلُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ فَاعِلٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ حُكِمَ، فَهُوَ إمَّا بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ أَيْ الْجَاعِلِ وَإِمَّا عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ ذُو الْجَعْلِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُوَكِّلُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَمَعْنَى (لَمْ يُقَدِّمْ) أَيْ لَمْ يُوَكِّلْ، وَمَعْنَى (حُكِمَ بِهِ) أَيْ جُعِلَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ لَهُ، وَضَمِيرُ بِهِ لِلتَّقْدِيمِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ لَمْ يُقَدِّمْ.
وَمَا مِنْ التَّوْكِيلِ لِاثْنَيْنِ فَمَا ... زَادَ مِنْ الْمَمْنُوعِ عِنْدَ الْعُلَمَا
يَعْنِي أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَيْ الْفُقَهَاءَ مَنَعُوا مِنْ تَوْكِيلِ وَكِيلَيْنِ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَى الْمُوَكَّلِ عَلَيْهِ.
(قَالَ الْمُتَيْطِيُّ) : " وَلَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ وَلَا امْرَأَةٍ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْخِصَامِ أَكْثَرَ مِنْ وَكِيلٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ وَكِيلَيْنِ " اهـ. وَهَذَا فِي التَّوْكِيلِ عَلَى الْخُصُومَةِ، وَأَمَّا بَيْعٌ أَوْ شِرَاءٌ أَوْ نِكَاحٌ وَنَحْوُهَا فَيَجُوزُ تَوْكِيلُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ. (وَمَا) مُبْتَدَأٌ مَوْصُولٌ، وَ (مِنْ التَّوْكِيلِ) يَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ مَا يَقَعُ صِلَةَ مَا، (وَلِاثْنَيْنِ) يَتَعَلَّقُ بِتَوْكِيلٍ، وَ (مَا) عَطْفٌ عَلَى اثْنَيْنِ، (وَزَادَ) صِلَةُ مَا الثَّانِيَةِ، وَ (مِنْ الْمَمْنُوعِ) خَبَرُ مَا الْأُولَى وَ (عِنْدَ) يَتَعَلَّقُ بِالْمَمْنُوعِ.
وَالنَّقْصُ لِلْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ مِنْ ... تَوْكِيلِ الِاخْتِصَامِ بِالرَّدِّ قَمِنْ
وَحَيْثُ الْإِقْرَارُ أَتَى بِمَعْزِلِ ... مِنْ الْخِصَامِ فَهُوَ غَيْرُ مُعْمَلِ
يَعْنِي أَنَّ التَّوْكِيلَ عَلَى الْخُصُومَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ الْإِقْرَارُ وَالْإِنْكَارُ أَيْ لَمْ يَجْعَلْ الْمُوَكِّلُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُقِرَّ عَنْهُ أَوْ يُنْكِرَ، وَعَنْ عَدَمِ فِعْلِ ذَلِكَ عَبَّرَ بِالنَّقْصِ، فَرَدَّ الْمُوَكَّلُ عَلَيْهِ التَّوْكِيلَ؛ لَمَّا انْتَقَصَ مِنْهُ مِنْ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ. قَالَ: لَا أُخَاصِمُكَ حَتَّى يَجْعَلَ لَك الْإِقْرَارَ وَالْإِنْكَارَ، فَإِنَّ ذَلِكَ التَّوْكِيلَ الْمَنْقُوصَ مِنْهُ ذَلِكَ حَقِيقٌ بِأَنْ يُرَدَّ؛ لِمَا لِخَصْمِهِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَقِّ.
(وَقَمِنْ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ حَقِيقٌ وَهُوَ خَبَرُ النَّقْصِ وَلِلْإِقْرَارِ، وَ (مِنْ تَوْكِيلِ) يَتَعَلَّقَانِ بِالنَّقْصِ، وَكَانَ الْمُرَادُ أَنَّ التَّوْكِيلَ عَلَى الْخِصَامِ الْمَنْقُوصِ مِنْهُ الْإِقْرَارُ وَالْإِنْكَارُ إذَا رَدَّهُ الْخَصْمُ فَهُوَ حَقِيقٌ بِأَنْ يُرَدَّ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى قَوْلِ الْمُتَيْطِيِّ " وَقَوْلُنَا فِي النَّقْصِ وَعَلَى الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ وَالْإِنْكَارِ عَنْهُ هُوَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا يَتِمُّ التَّوْكِيلُ عَلَى
стр. 133
الْمُخَاصَمَةِ إلَّا بِهِ فَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ الْإِقْرَارُ وَالْإِنْكَارُ كَانَ لِخَصْمِهِ أَنْ يَضْطَرَّهُ إلَى التَّوْكِيلِ عَلَى هَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ هَذَا، هُوَ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ الْمَعْلُومُ، وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ عِنْدَ الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ " اهـ. وَهَذَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْعَطَّارِ وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ، فَلِذَلِكَ اعْتَمَدَهُ النَّاظِمُ. وَفِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ خِلَافُهُ ثُمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَقَدْ نَزَلَتْ فَقَضَى فِيهَا بِأَنْ لَا يُقْبَلَ إلَّا أَنْ يَحْضُرَ مَعَ وَكِيلِهِ لِيُقِرَّ بِمَا يُوقَفُ عَلَيْهِ خَصْمُهُ أَوْ يَكُونَ فِي وَقْتِ الْحُكْمِ قَرِيبًا مِنْ مَجْلِسِ الْقَاضِي اهـ.
(ابْنُ عَرَفَةَ) وَفِي (نَوَازِلِ أَصْبَغَ) : " وَهِيَ عَلَى الْخِصَامِ فَقَطْ لَا تَشْمَلُ صُلْحًا وَلَا إقْرَارًا وَلَا يَصِحُّ مِنْ الْوَكِيلِ أَحَدُهُمَا إلَّا أَنْ يَنُصَّ مُوَكِّلُهُ عَلَيْهِ. " (وَفِي التَّوْضِيحِ) " وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْوَكِيلِ الْإِقْرَارُ إنْ نَهَاهُ مُوَكِّلُهُ عَنْهُ، وَأَمَّا إنْ أَطْلَقَ الْوَكَالَةَ فَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْوَكَالَةَ عَلَى الْخِصَامِ لَا تَسْتَلْزِمُ الْوَكَالَةَ عَلَى الْإِقْرَارِ إذَا لَمْ يَجْعَلْهُ إلَيْهِ، وَلَوْ أَقَرَّ لَمْ يَلْزَمْ. " وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ لُزُومُ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْأَنْدَلُسِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ: إنَّ مِنْ حَقِّ الْخَصْمِ أَنْ لَا يُخَاصِمَ الْوَكِيلَ حَتَّى يَجْعَل لَهُ الْإِقْرَارَ.
(قَالَ فِي الْبَيَانِ) : " وَنَزَلَتْ عِنْدِنَا فَقَضَى فِيهَا بِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْوَكَالَةُ إلَّا أَنْ يَحْضُرَ الْمُوَكِّلُ مَعَ وَكِيلِهِ فِي وَقْتِ الْحُكْمِ أَوْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنْ مَجْلِسِ الْقَاضِي، وَأَمَّا إنْ جَعَلَ لَهُ الْإِقْرَارَ فَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ يَلْزَمُهُ مَا أَقَرَّ بِهِ الْوَكِيلُ. " (قَالَ فِي الْكَافِي) : وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ عِنْدَنَا. وَزَعَمَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ أَنَّ تَحْصِيلَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إقْرَارُهُ.
(قَالَ فِي الْكَافِي) : وَهَذَا غَيْرُ الْمُفَوَّضِ. قَالَ: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ قَالَ: مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَيَّ فُلَانٌ فَهُوَ لَازِمٌ لِي أَنْ لَا يَلْزَمَهُ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ إذَا قَالَ الْمُوَكِّلُ لِوَكِيلِهِ: أَقِرَّ عَنِّي لِفُلَانٍ بِأَلْفٍ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ إقْرَارًا بِالْأَلْفِ لِفُلَانٍ أَوْ لَا؟ وَاخْتَارَ الْمَازِرِيُّ أَنَّهُ إقْرَارٌ لَهُ وَقَدْ اشْتَمَلَ الْبَيْتُ الْأَوَّلُ عَلَى مَسْأَلَةٍ وَهِيَ أَنَّ نَقْصَ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ مِنْ وَكَالَةِ الْخِصَامِ يُوجِبُ رَدَّ الْوَكَالَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُتَيْطِيِّ، وَفِي قَوْلِ التَّوْضِيحِ. وَعَلَى الْأَوَّلِ فَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ إلَى قَوْلِهِ مِنْ مَجْلِسِ الْقَاضِي: وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ (تَوْكِيلُ الِاخْتِصَامِ) أَنَّ الْوَكَالَةَ الْمُفَوَّضَةَ لَا تُرَدُّ بِعَدَمِ النَّصِّ عَلَى الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ بَلْ إنْ نَصَّ عَلَيْهِ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ سَكَتَ عَنْهُ شَمِلَهُ التَّفْوِيضُ وَصَحَّ إقْرَارُ الْوَكِيلِ عَنْ مُوَكِّلِهِ. وَاشْتَمَلَ الْبَيْتُ الثَّانِي عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ وَكَالَةَ الْخِصَامِ إذَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا الْإِقْرَارُ ثُمَّ أَقَرَّ الْوَكِيلُ فَإِنَّ إقْرَارَهُ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ، وَفِي قَوْلِ صَاحِبِ التَّوْضِيحِ. وَأَمَّا إنْ أَطْلَقَ الْوَكَالَةَ إلَى قَوْلِهِ (مَا أَقَرَّ بِهِ) وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ الْإِقْرَارُ حَيْثُ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ فَأَحْرَى إنْ نَهَاهُ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كَلَامِ التَّوْضِيحِ.
وَمَنْ عَلَى خُصُومَةٍ مُعَيَّنَهْ ... تَوْكِيلُهُ فَالطُّولُ لَنْ يُوَهِّنَهْ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ وُكِّلَ عَلَى الْخِصَامِ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ طَالَ الزَّمَانُ قَبْلَ كَمَالِ تِلْكَ الْخُصُومَةِ سَوَاءٌ ابْتَدَأَهَا ثُمَّ حَصَلَ الطُّولُ أَوْ حَصَلَ قَبْلَ ابْتِدَائِهَا فَإِنَّ لِلْوَكِيلِ تَمَامَ تِلْكَ الْخُصُومَةِ، وَلَا يُوهِنُ تَوْكِيلَهُ أَوْ
стр. 134
يُضْعِفُهُ ذَلِكَ الطُّولُ. فَفِي مَسَائِلِ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ سَحْنُونٌ فِيمَنْ وُكِّلَ عَلَى خُصُومَةٍ فَلَمْ يَقُمْ الْوَكِيلُ بِذَلِكَ إلَّا بَعْدَ سِنِينَ إمَّا أَنْشَبَ الْخُصُومَةَ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِشَيْءٍ ثُمَّ قَامَ يَطْلُبُ بِتِلْكَ الْوَكَالَةِ الْقَدِيمَةِ فَقَالَ: " يَبْعَثُ الْقَاضِي إلَى الْمُوَكِّلِ يَسْأَلُ أَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ أَمْ خَلَعَهُ؟ فَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَالْوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ ".
(قَالَ الشَّارِحُ) : " وَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا مَا يَشْهَدُ لِهَذَا ". وَ (مَنْ) مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ وَجُمْلَةُ تَوْكِيلُهُ عَلَى خُصُومَةٍ فِي الْمُبْتَدَأِ، وَالْخَبَرُ صِلَةُ (مَنْ) وَجُمْلَةُ (فَالطُّولُ لَنْ يُوَهِّنَهْ) خَبَرُ (مَنْ) .
وَإِنْ يَكُنْ قَدَّمَ لِلْمُخَاصَمَهْ ... وَتَمَّ مَا أَرَادَ مَعَ مَنْ خَاصَمَهْ
وَرَامَ أَنْ يُنْشِئَ أُخْرَى فَلَهُ ... ذَاكَ إذَا أَطْلَقَ مَنْ وَكَّلَهُ
وَلَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ نِصْفُ عَامِ ... مِنْ زَمَنِ التَّوْكِيلِ لِلْخِصَامِ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ قُدِّمَ أَيْ وُكِّلَ عَلَى الْخُصُومَةِ فَخَاصَمَ وَتَمَّ خِصَامُهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُنْشِئَ خُصُومَةً أُخْرَى عَنْ مُوَكِّلِهِ الْأَوَّلِ فَلَهُ ذَلِكَ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ وَكَالَةً مُطْلَقَةً غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِخُصُومَةٍ بِعَيْنِهَا، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ (إذَا أَطْلَقَ مَنْ وَكَّلَهُ) الثَّانِي أَنْ لَا يَبْعُدَ مَا بَيْنَ التَّوْكِيلِ وَالْخُصُومَةِ الثَّانِيَةِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ
وَلَمْ يَجُزْ عَلَيْهِ نِصْفُ عَامٍ
إلَخْ (قَالَ فِي الْمَقْصِدِ الْمَحْمُودِ) : " وَإِنْ كَانَتْ الْوَكَالَةُ مُبْهَمَةً، لِلْوَكِيلِ أَنْ يُخَاصِمَ عَنْهُ فِي قَضِيَّةٍ أُخْرَى يُحْدِثَانِ الْقَضِيَّةَ الْأُولَى، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي قَضِيَّةٍ مُفَسَّرَةٍ بِمُطَالَبَةِ فُلَانٍ وَلَا فِي الْمُبْهَمَةِ إذَا طَالَ الزَّمَانُ نَحْوَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَأَمَّا إذَا اتَّصَلَ الْخِصَامُ فِيهَا فَلَهُ التَّكَلُّمُ عَنْهُ وَإِنْ طَالَ الْأَمَدُ اهـ.
(وَسُئِلَ) الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ عَمَّنْ قَامَ وَكَالَةً عَنْ غَائِبٍ بَعْدَ نَحْوِ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَلَمْ يَكُنْ أَشْهَدَ بِقَبُولِ الْوَكَالَةِ وَقَدْ تَعَلَّقَ الْآنَ لِوَلَدِ الْقَائِمِ بِالْوَكَالَةِ حَقٌّ فِي مَالِ الْغَائِبِ (فَأَجَابَ) بِأَنَّ عَدَمَ الْإِشْهَادِ بِقَبُولِ الْوَكَالَةِ مَعَ تَرْكِهِ النَّظَرَ فِيمَا وُكِّلَ عَلَيْهِ الثَّلَاثِينَ سَنَةً وَنَحْوَهَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْهَا وَلَا الْتَفَتَ إلَى قَبُولِهَا فَلَا يَصِحُّ الْآنَ الْقِيَامُ بِهَا إلَّا بِتَجْدِيدِ وَكَالَةٍ أُخْرَى مِنْ الْمُوَكِّلِ الْغَائِبِ، أَوْ يَنْظُرُ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ فَيُقَدِّمُ لِلنَّظَرِ فِي مَالِ الْغَائِبِ مَنْ يَرْتَضِيهِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ مِنْ دَعْوَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْوَكَالَةِ حَتَّى الْآنَ إذَا كَانَ حَاضِرًا بِالْبَلَدِ الَّذِي وُكِّلَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي مَا لَا يُشْبِهُ؛ وَلِأَنَّهُ يُتَّهَمُ حِينَ تَعَلَّقَ لِابْنِهِ حَقٌّ فِي مَالِ الْغَائِبِ اهـ.
(فَرْعٌ) مِمَّا يَدْخُلُ فِي الْإِطْلَاقِ فِي التَّوْكِيلِ قِيَامُ الْوَكِيلِ عِنْدَ مَنْ شَاءَ مِنْ الْقُضَاةِ بِخِلَافِ مَا إذَا خَصَّهُ بِقَاضٍ بِعَيْنِهِ، وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْمُوَثِّقُونَ. (قَالَ ابْنُ فَتُّوحٍ) : وَإِذَا وَكَّلَهُ عَلَى الْخِصَامِ عِنْدَ حَاكِمٍ بِعَيْنِهِ قَدْ صَرَّحَ بِاسْمِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ عِنْدَ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَكُنِ التَّوْكِيلُ مُجْمَلًا، وَإِذَا كَانَ التَّوْكِيلُ مُجْمَلًا وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ عِنْدَ حَاكِمِ كَذَا فَلَهُ أَنْ يُنَاظِرَ عَنْهُ حَيْثُ شَاءَ اهـ.
وَمَوْتُ مَنْ وَكَّلَ أَوْ وَكِيلِ ... يَبُتُّ مَا كَانَ مِنْ التَّوْكِيلِ
وَلَيْسَ مَنْ وَكَّلَهُ مُوَكَّلُ ... بِمَوْتِ مَنْ وَكَّلَهُ يَنْعَزِلُ
وَالْعَزْلُ لِلْوَكِيلِ وَالْمُوَكَّلِ ... مِنْهُ يَحِقُّ بِوَفَاةِ الْأَوَّلِ
стр. 135
اشْتَمَلَ كُلُّ بَيْتٍ مِنْ الْأَبْيَاتِ الثَّلَاثَةِ عَلَى مَسْأَلَةٍ، فَمَسْأَلَةُ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ هِيَ أَنَّ مَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا فَمَاتَ الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيلُ فَإِنَّ التَّوْكِيلَ يَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ لِغَيْرِهِ مِنْ الْوَرَثَةِ وَلَا إشْكَالَ فِي بُطْلَانِهِ بِمَوْتِ الْوَكِيلِ؛ إذْ لَيْسَتْ الْوَكَالَةُ حَقًّا لِلْوَكِيلِ فَتُورَثُ عَنْهُ. وَمَسْأَلَةُ الْبَيْتِ الثَّانِي هِيَ أَنَّ مَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا فَوَكَّلَ الْوَكِيلُ وَكِيلًا آخَرَ مِنْ تَحْتِهِ لِكَوْنِ الْمُوَكَّلِ جَعَلَ لَهُ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ وَكِيلًا مُفَوَّضًا فَمَاتَ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ فَإِنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِي لَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الثَّانِيَ وَكِيلٌ عَنْ الْمُوَكِّلِ أَيْضًا كَالْأَوَّلِ لَا عَنْ الثَّانِي، فَمِنْ قَوْلِهِ (وَلَيْسَ مَنْ وَكَّلَهُ) وَاقِعَةٌ عَلَى الْوَكِيلِ الثَّانِي (وَمَنْ) الثَّانِيَةُ وَاقِعَةٌ عَلَى الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ.
وَمَسْأَلَةُ الْبَيْتِ الثَّالِثِ هِيَ أَنَّ مَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا فَوَكَّلَ الْوَكِيلُ وَكِيلًا آخَرَ مِنْ تَحْتِهِ ثُمَّ مَاتَ الْمُوَكِّلُ فَإِنَّ الْوَكِيلَيْنِ مَعًا يَنْعَزِلَانِ، فَهِيَ كَالثَّانِيَةِ إلَّا أَنَّ الْمَيِّتَ فِي الثَّانِيَةِ هُوَ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ وَالْمَيِّتُ فِي الثَّالِثَةِ هُوَ الْمُوَكِّلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَالَ ابْنُ يُونُسَ) : " قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: " مَنْ أَمَرَ رَجُلًا يَشْتَرِي لَهُ سِلْعَةً وَلَمْ يَدْفَعْ لَهُ ثَمَنَهَا أَوْ دَفَعَهُ إلَيْهِ وَاشْتَرَاهَا الْوَكِيلُ بَعْدَ مَوْتِ الْآمِرِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِهِ أَوْ اشْتَرَاهَا ثُمَّ مَاتَ الْآمِرُ فَذَلِكَ لَازِمٌ لِلْوَرَثَةِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ بِمَوْتِ الْآمِرِ فَلَا يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ غُرْمُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ وَكَالَتَهُ قَدْ انْفَسَخَتْ ". وَقَالَهُ مَالِكٌ فِيمَنْ لَهُ وَكِيلٌ بِبَلَدٍ يُجَهِّزُ إلَيْهِ الْمَتَاعَ: " إنَّ مَا بَاعَ أَوْ اشْتَرَى بَعْدَ مَوْتِ الْآمِرِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِهِ فَهُوَ لَازِمٌ لِلْوَرَثَةِ، وَمَا بَاعَ أَوْ اشْتَرَى بَعْدِ عِلْمِهِ بِمَوْتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُمْ؛ لِأَنَّ وَكَالَتَهُ قَدْ انْفَسَخَتْ ".
ثُمَّ قَالَ: " إلَّا أَنْ يَمُوتَ عِنْدَمَا أَشْرَفَ الْوَكِيلُ عَلَى تَمَامِ الْخُصُومَةِ، وَبِحَيْثُ لَوْ أَرَادَ الْمَيِّتُ فَسْخَ وَكَالَتِهِ وَيُخَاصِمُ هُوَ أَوْ يُوَكِّلُ غَيْرَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ لَا تَنْفَسِخُ وَكَالَتُهُ بِمَوْتِ الْآمِرِ، قَالَ: " وَمَا كَانَ مِنْ يَمِينٍ يَحْلِفُهَا الْآمِرُ حَلَفَهَا الْوَرَثَةُ إنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ بَلَغَهُ عِلْمُ ذَلِكَ " اهـ. وَهَذَا فِقْهُ مَوْتِ الْمُوَكِّلِ وَهُوَ أَحَدُ طَرَفَيْ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى.
(وَقَالَ الْمَازِرِيُّ مَا مَعْنَاهُ) : إذَا وَكَّلَ الْوَكِيلُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَصِحُّ لَهُ التَّوْكِيلُ ثُمَّ مَاتَ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ فَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِي لَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ انْعِزَالِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ بِمَوْتِ مَنْ وَكَّلَهُ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ الْأَوَّلَ إذَا وَكَّلَ رَجُلًا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ فَكَأَنَّ رَبَّ الْمَالِ وَكَّلَهُ وَنَابَ عَنْهُ هُوَ فِي هَذَا، فَيَكُونُ تَصَرُّفُ هَذَا الْوَكِيلِ الثَّانِي فِيمَا يَكُونُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ لَازِمًا لِرَبِّ الْمَالِ كَتَصَرُّفِ رَبِّ الْمَالِ نَفْسِهِ اهـ وَهَذَا فِقْهُ مَوْتِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ. قَالَ يَحْيَى عَنْ ابْنِ وَهْبٍ: وَإِذَا مَاتَ الْوَكِيلُ فَلَيْسَ وَلَدُهُ بِمَثَابَتِهِ. اهـ وَهَذَا فِقْهُ مَوْتِ الْوَكِيلِ. وَإِنَّ الْوَكَالَةَ تَنْفَسِخُ أَيْضًا وَهُوَ الطَّرَفُ الثَّانِي لِلْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. وَلَمْ يَنْقُلْ الشَّارِحُ عَلَى فَسْخِ وَكَالَةِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ فِقْهًا صَرِيحًا، وَلَكِنَّهُ ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ فَسْخِهَا بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ إذْ ظَاهِرُهُ كَانَ الْوَكِيلُ وَاحِدًا أَوْ مُتَعَدِّدًا بِسَبَبِ تَوْكِيلِ الْوَكِيلِ وَكِيلًا آخَرَ مِنْ تَحْتِهِ.
وَمَا لِمَنْ حَضَرَ فِي الْجِدَالِ ... ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ انْعِزَالِ
إلَّا لِعُذْرِ مَرَضٍ أَوْ لِسَفَرْ ... وَمِثْلُهُ مُوَكِّلٌ ذَاكَ حَضَرْ
اشْتَمَلَ الْبَيْتَانِ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا الْوَكِيلُ إذَا جَالَسَ خَصْمَهُ عِنْدَ الْقَاضِي ثَلَاثًا فَأَكْثَرَ فَلَيْسَ
стр. 136
لِمُوَكِّلِهِ عَزْلُهُ وَلَا لَهُ هُوَ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ، وَيَنْحَلَّ مِنْ التَّوْكِيلِ لِمَا يَلْحَقُ خَصْمَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ إلَّا لِعُذْرٍ يَحْدُثُ لِلْوَكِيلِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفْرٍ فَيَنْعَزِلَ إذْ ذَاكَ. وَعَلَى هَذَا نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَشَطْرِ الثَّانِي. الثَّانِيَةُ: أَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ إذَا قَاعَدَ خَصْمَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَيْ فَأَكْثَرَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُوَكِّلَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ أَيْضًا، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
وَمِثْلُهُ مُوَكِّلٌ ذَاكَ حَضَرَ
وَسَمَّاهُ مُوَكِّلًا بِالْكَسْرِ بِاعْتِبَارِ الْمَآلِ وَهَذَا مَا لَمْ يَرْضَ الْمُوَكَّلُ عَلَيْهِ بِعَزْلِ الْوَكِيلِ فِي الْأُولَى وَبِالتَّوْكِيلِ فِي الثَّانِيَةِ فَلَهُ ذَلِكَ.
(قَالَ الْمُتَيْطِيُّ) : " وَلِلْمُوَكِّلِ عَزْلُ الْوَكِيلِ مَا لَمْ يُنَاشِبْ الْخُصُومَةَ فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ قَدْ نَازَعَ خَصْمَهُ وَجَالَسَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْلُهُ ". قَالَ: " وَفِي الْمَكَانِ الَّذِي لَا يَكُونُ لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَهُ عَنْ الْخِصَامِ لَا يَكُونُ لَهُ هُوَ أَنْ يَنْحَلَّ عَنْهُ إذَا قَبِلَ الْوَكَالَةَ " قَالَ: " وَإِنْ خَاصَمَ الرَّجُلُ عَنْ نَفْسِهِ وَقَاعَدَ خَصْمَهُ أَيْضًا ثَلَاثَ مَجَالِسَ وَانْعَقَدَتْ الْمَقَالَاتُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُوَكِّلَ خَصْمًا يَتَكَلَّمَ عَنْهُ إذَا مَنَعَهُ صَاحِبُهُ مِنْ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَمْرَضَ أَوْ يُرِيدَ سَفَرًا، وَيُعَرِّفُ ذَلِكَ وَلَا يُمْنَعُ الْخَصْمَانِ مِنْ السَّفَرِ، وَلَا مَنْ أَرَادَهُ مِنْهُمَا وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ عَنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ.
(قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَطَّانُ) : وَيَلْزَمُهُ فِي السَّفَرِ الْيَمِينُ أَنَّهُ مَا اسْتَعْمَلَ السَّفَرَ لِيُوَكِّلَ غَيْرَهُ فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَمْ يُبَحْ لَهُ تَوْكِيلُ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ خَصْمُهُ.
(وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْفَخَّارِ) لَا يَمِينَ عَلَيْهِ اهـ.
(وَمَا) نَافِيَةٌ، (وَمَنْ) مَوْصُولَةٌ وَاقِعَةٌ عَلَى الْوَكِيلِ، وَجُمْلَةُ (حَضَرْ) صِلَةُ مَنْ، (وَانْعِزَالِ) مُبْتَدَأٌ جُرَّ بِمِنْ الزَّائِدَةِ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ وَهُوَ (لِمَنْ حَضَرَ) خَبَرُ (انْعِزَالِ) ، مُوَكِّلٌ بِالْكَسْرِ مُبْتَدَأٌ، (وَذَاكَ حَضَرَ) صِفَتُهُ، وَهُوَ الْمُسَوِّغُ، (وَمِثْلُهُ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَالْإِشَارَةُ لِمُقَاعَدَةِ الْخَصْمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وَمَنْ لَهُ مُوَكَّلٌ وَعَزَلَهْ ... لِخَصْمِهِ إنْ شَاءَ أَنْ يُوَكِّلَهْ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا ثُمَّ عَزَلَهُ - حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ - فَأَرَادَ خَصْمُهُ أَنْ يُوَكِّلَ ذَلِكَ الْوَكِيلَ الْمَعْزُولَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ عَزَلَهُ أَنْ يَقُولَ: إنَّهُ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى خُصُومَتِي وَعَلِمَ كُنْهَ حُجَّتِي فَلَا يَتَوَكَّلُ عَلَيَّ. (قَالَ فِي الِاسْتِغْنَاءِ) : " مَنْ عَزَلَ وَكِيلَهُ فَأَرَادَ خَصْمُهُ تَوْكِيلَهُ فَأَبَى الْأَوَّلُ وَذَلِكَ لِمَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ عَوْرَاتِهِ وَوُجُوهِ
стр. 137
خُصُومَاتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَلَهُ أَنْ يُوَكِّلَهُ إنْ شَاءَ " اهـ. .
وَكُلُّ مَنْ عَلَى مَبِيعٍ وُكِّلَا ... كَانَ لَهُ الْقَبْضُ إذَا مَا أَغْفَلَا
يَعْنِي أَنَّ مَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا عَلَى بَيْعِ شَيْءٍ فَبَاعَهُ فَإِنَّ لِلْوَكِيلِ مُطَالَبَةَ الْمُشْتَرِي بِدَفْعِهِ الثَّمَنَ سَوَاءٌ نَصَّ لَهُ الْمُوَكِّلُ عَلَى قَبْضِ الثَّمَنِ أَوْ لَمْ يَنُصَّ لَهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ (إذَا مَا أَغْفَلَا) فَمَا زَائِدَةٌ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ (إذَا مَا أَغْفَلَا) أَنَّ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ إذَا نَصَّ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَهُوَ كَذَلِكَ.
(قَالَ الْمُتَيْطِيُّ) : " وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَنْتَهِيَ مِنْ وَكَالَتِهِ إلَى أَكْثَرَ مِمَّا جَعَلَهُ إلَيْهِ مُوَكِّلُهُ بِإِفْصَاحٍ أَوْ تَبْيِينٍ إلَّا الْمَأْمُورَ بِالْبَيْعِ فَلَهُ قَبْضُ الثَّمَنِ فَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ ضَمِنَهُ إنْ مَاتَ مُبْتَاعُ ذَلِكَ الشَّيْءِ ".
(قَالَ ابْنُ فَتُّوحٍ) : " وَمَنْ وُكِّلَ عَلَى بَيْعِ سِلْعَةٍ وَلَمْ يُوَكَّلْ عَلَى قَبْضِ الثَّمَنِ فَإِنَّ لِلْوَكِيلِ قَبْضُهُ دُونَ تَوْكِيلٍ " اهـ.
(قَالَ الشَّارِحُ) : " وَمِمَّا يُشْبِهُ قَبْضَ ثَمَنِ الْمَبِيعِ لِلْوَكِيلِ عَلَى الْبَيْعِ قَبْضُ الْمَبِيعِ لِلْوَكِيلِ عَلَى الشِّرَاءِ ".
وَظَاهِرُ إطْلَاقَاتِهِمْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
(وَفِي ابْنِ الْحَاجِبِ) " وَيَمْلِكُ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُطَالَبَةِ بِالثَّمَنِ وَقَبْضِهِ وَقَبْضِ الْمَبِيعِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ " (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : " يَعْنِي أَنَّ التَّوْكِيلَ عَلَى الْمَبِيعِ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ لِلْوَكِيلِ الْمُطَالَبَةُ بِالثَّمَنِ وَقَبْضُ الثَّمَنِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ الْمَبِيعَ وَهُوَ لَمْ يَقْبِضْ ثَمَنَهُ، وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ تَكُنِ الْعَادَةُ التَّرْكَ فَقَدْ نَصَّ أَبُو عِمْرَانَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ فِي الرِّبَاعِ أَنَّ وَكِيلَ الْبَيْعِ لَا يَقْبِضُ الثَّمَنَ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ ". وَقَوْلُهُ (وَقَبْضُ الْمَبِيعِ) أَيْ وَالْوَكَالَةُ عَلَى الشِّرَاءِ تَسْتَلْزِمُ قَبْضَ مَا اشْتَرَاهُ، وَتَسْتَلْزِمُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: كُلُّ مَنْ نُصَّ لَهُ فِي الْوَكَالَةِ عَلَى شَيْءٍ فَلَا يَتَعَدَّاهُ إلَّا هُنَا، وَأَمَّا لَوْ وَكَّلَهُ عَلَى الْبَيْعِ وَصَرَّحَ بِأَنْ لَا يَقْبِضَ الثَّمَنَ فَلَا يَكُونُ لَهُ الْقَبْضُ وَقَوْلُهُ (وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ) يُرِيدُ وَلَمْ يَعْلَمْ الْوَكِيلُ بِالْعَيْبِ قَبْلَ شِرَائِهِ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ (فَإِنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ كَانَ لَهُ أَيْ كَانَ الْمَبِيعُ لِلْوَكِيلِ) وَلَا يَرُدُّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ يَسِيرًا أَوْ فِي شِرَائِهِ غِبْطَةٌ وَنَظَرٌ فَيَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ صَحَّ وَآخِرُهُ بِالْمَعْنَى وَقَوْلُهُ (عَلَى مَبِيعٍ) أَيْ عَلَى بَيْعِ مَبِيعٍ أَيْ بَيْعِ مَا يُبَاعُ.
стр. 138
وَغَائِبٌ يَنُوبُ فِي الْقِيَامِ ... عَنْهُ أَبٌ وَابْنٌ وَفِي الْخِصَامِ
وَجَائِزٌ إثْبَاتُ غَيْرِ الْأَجْنَبِي ... لِمَنْ يَغِيبُ وَاخْتِصَامُهُ أَبِي
يَعْنِي أَنَّ الْغَائِبَ إذَا ظَهَرَ لَهُ حَقٌّ كَظُهُورِ دَابَّةٍ أَوْ عَبْدٍ سُرِقَ لَهُ أَوْ أُخِذَ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ أَوْ أُحْدِثَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي دَارِهِ مَثَلًا أَوْ أَرْضِهِ وَلَمْ يَتْرُكْ وَكِيلًا يَقُومُ بِأُمُورِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِأَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ أَنْ يَقُومَ عَنْهُ، وَيُخَاصِمَ عَنْهُ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ فَقَوْلُهُ (وَفِي الْخِصَامِ) عَطْفٌ عَلَى (الْقِيَامِ) ، وَأَمَّا غَيْرُ الْأَبِ وَالِابْنِ فَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا فَلَا كَلَامَ لَهُ وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الْقِيَامِ، وَلَا مِنْ الْخِصَامِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ أَجْنَبِيٍّ يُمَكَّنُ مِنْ الْقِيَامِ وَالْإِثْبَاتِ وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الْخِصَامِ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي فَظَاهِرُ الْبَيْتَيْنِ أَنَّ هَذَا قَوْلٌ وَاحِدٌ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ الْقَرِيبِ جِدًّا وَهُوَ الْأَبُ فِي مَالِ ابْنِهِ وَالِابْنُ فِي مَالِ أَبِيهِ، وَالْقَرِيبِ لِأَحَدٍ، وَبَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ، وَكَذَا قَرَّرَهُ الشَّارِحُ قَائِلًا: " الْأَصْلُ أَنْ لَا يَنُوبَ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ إلَّا بِاسْتِخْلَافِهِ إيَّاهُ وَاسْتِنَابَتِهِ لَهُ إلَّا أَنَّهُمْ اسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ قِيَامَ الْأَبِ عَنْ ابْنِهِ وَقِيَامَ الِابْنِ عَنْ أَبِيهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِخْلَافِ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ. وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلْخُصُوصِيَّةِ الَّتِي اقْتَضَتْهَا نِسْبَةُ الْأُبُوَّةِ مِنْ الْبُنُوَّةِ وَنِسْبَةُ الْبُنُوَّةِ مِنْ الْأُبُوَّةِ، فَلِذَلِكَ أُنْزِلَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ مَنْزِلَةَ الْوَكِيلِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ النَّصُّ عَلَى تَوْكِيلِهِ فَأَبَاحُوا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقِيَامَ عَنْ صَاحِبِهِ، وَلَمَّا كَانَ مَنْ سِوَاهُمَا مِنْ الْأَقَارِبِ لَا تُوجَدُ فِيهِ هَذِهِ الْخُصُوصِيَّةُ أَبَاحُوا لَهُ إثْبَاتَ حَقِّ الْغَائِبِ خِيفَةَ ضَيَاعِهِ بِمَوْتِ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ أَوْ بِغَيْبَتِهِ، وَلِكَوْنِهِ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي إثْبَاتِ حَقِّهِ لَهُ، وَمَنَعُوا مِنْ الْخُصُومَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا لِعَدَمِ فَوْتِ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلِاتِّقَاءِ الْمَضَرَّةِ الدَّاخِلَةِ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ مَنْ يَخْتَصِمُ عَنْهُ مِمَّنْ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَكُونَ اسْتَوْفَى حُجَّتَهُ اهـ بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ. ثُمَّ جَلَبَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْعُتْبِيَّةِ وَابْنِ رُشْدٍ قَائِلًا: " أَجَازَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِلِابْنِ أَنْ يُخَاصِمَ عَنْ أَبِيهِ الْغَائِبِ فِي رِبَاعِهِ وَحَيَوَانِهِ وَجَمِيعِ مَالِهِ دُونَ الْوَكِيلِ وَكَذَلِكَ الْأَبُ فِيمَا ادَّعَى لِابْنِهِ ".
(وَقَالَ فِي الْوَاضِحَةِ) : " إنَّ ذَلِكَ فِي الْأَبِ أَبْيَنُ مِنْهُ فِي الِابْنِ. " وَلَمْ يُرْوَ ذَلِكَ لِمَنْ سِوَى الْأَبِ وَالِابْنِ مِنْ الْقَرَابَةِ وَالْعَشِيرَةِ، وَيُمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَإِثْبَاتِ الْحَقِّ لَا أَكْثَرَ. ثُمَّ قَالَ: " وَالصَّوَابُ أَنَّ الْأَبَ وَالِابْنَ يُمَكَّنَانِ مِنْ الْإِثْبَاتِ وَالْخُصُومَةِ عَنْ الْغَائِبِ، وَمَنْ عَدَاهُمَا مِنْ الْقَرَابَةِ لَا يُمَكَّنُونَ إلَّا مِنْ الْإِثْبَاتِ لَا غَيْرُ، وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ الْخُصُومَةِ. وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ لَا يُمَكَّنُ مِنْ شَيْءٍ. وَاَلَّذِي فِي التَّوْضِيحِ قَبْلَ بَابِ الْعَدَالَةِ مُتَّصِلًا بِهِ إذَا قَامَ عَنْ الْغَائِبِ مُحْتَسِبٌ فِي شَيْءٍ تُسُوِّرَ فِيهِ عَلَى الْغَائِبِ، أَوْ أُخِذَ لَهُ، أَوْ فِي عَيْبٍ أُحْدِثَ عَلَيْهِ فِي دَارِهِ أَوْ أَرْضِهِ فَهَلْ يُمَكِّنُ الْقَاضِي هَذَا الْقَائِمَ مِنْ مُخَاصِمَةِ ذَلِكَ الْمُتَعَدِّي أَمْ لَا؟ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْأَبُ وَالِابْنُ وَمَنْ لَهُ قَرَابَةٌ قَرِيبَةٌ، ثُمَّ إذَا مَكَّنَهُ مِنْ الْمُخَاصَمَةِ فَلَا يُخْرِجُ الْمِلْكَ مِنْ يَدِ حَائِزِهِ، وَلَا يُزِيلُ الْعَيْبَ الَّذِي أُحْدِثَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُقِرَّ بِهِ الْغَائِبُ أَوْ يُقِرَّ أَنَّهُ أُعْلِمَ بِمَا أُحْدِثَ، وَإِنَّمَا يَشْهَدُ بِذَلِكَ خَوْفًا مِنْ مَوْتِ الشُّهُودِ ثُمَّ يُنْظَرُ الْغَائِبُ، وَلَوْ أَقَرَّ مَنْ بِيَدِهِ الْعَقَارُ أَوْ غَيْرُهُ أَنَّهُ لِغَائِبٍ أَخْرَجَهُ عَنْهُ وَجَعَلَهُ بِيَدِ ثِقَةٍ، وَيَقْطَعُ الْعَيْبَ إنْ اعْتَرَفَ بِإِحْدَاثِهِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ الْقَرِيبُ وَالْأَجْنَبِيُّ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا، وَذَهَبَ سَحْنُونٌ إلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يُوَكِّلُ عَنْ الْغَائِبِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الْخُصُومَةِ، وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَلَا مِنْ الْخُصُومَةِ إلَّا بِتَوْكِيلِ الْغَائِبِ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٌ فِي الْوَاضِحَةِ، خَامِسُهَا: أَنَّ الْقَرِيبَ وَالْأَجْنَبِيَّ يُمَكَّنُ مِنْ الْخُصُومَةِ فِي الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ دُونَ تَوْكِيلٍ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَفُوتُ وَتَحُولُ وَتَغِيبُ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الْخُصُومَةِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ إلَّا الْأَبُ وَالِابْنُ، حَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَمُطَرِّفٌ. وَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّمْكِينِ فَهَلْ هَذَا فِي الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، أَوْ فِي الْبَعِيدِ خَاصَّةً؟ قَوْلَانِ قَالَ سَحْنُونٌ: فِي الْقَرِيبِ الْغَيْبَةِ دُونَ بِعِيدِهَا، وَقِيلَ: فِي الْبَعِيدِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ، وَقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ اهـ (وَفِي مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ) ، وَفِي تَمْكِينِ الدَّعْوَى لِغَائِبٍ بِلَا وَكَالَة تَرَدُّدٌ (تَنْبِيهٌ) : يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْخِلَافِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى مَنْ تَعَلَّقَ بِهِ ضَمَانُ مَالِ الْغَائِبِ الْمُدَّعَى فِيهِ كَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُرْتَهِنِ إذَا كَانَ الشَّيْءُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِهَذَا الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُرْتَهِنِ الْمُخَاصَمَةُ وَالدَّعْوَى، وَإِثْبَاتَ مِلْكِ الْغَائِبِ وَتَسَلُّمَهُ. الثَّانِيَةُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْ ذَلِكَ الْمُدَّعَى فِيهِ شَيْئًا لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمَالِكِ الْغَائِبِ وَذَلِكَ الْمُرْتَهَنِ، لَهُ أَنْ يُثْبِتَ مِلْكَ الرَّاهِنِ لِيَبِيعَهُ، وَيَسْتَوْفِيَ مِنْهُ حَقَّهُ. وَزَوْجَةُ الْغَائِبِ وَغُرَمَاؤُهُ يُثْبِتُونَ مَا لَهُ
стр. 139
لِيُبَاعَ لَهُمْ وَيَسْتَوْفُوا حَقَّهُمْ، وَمَا عَدَا هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ هُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ. رَاجِعْ الْحَطَّابَ آخِرَ بَابِ الْقَضَاءِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ حَقُّ الْغَائِبِ فَهَلْ يُوقَفُ حَتَّى يُحَلَّفَ يَمِينَ الِاسْتِظْهَارِ؟ أَوْ يُسَلَّمَ لِوَكِيلِهِ وَتُؤَخَّرَ الْيَمِينُ حَتَّى يَقْدَمَ فَيَحْلِفَ أَوْ يَمُوتَ فَتَحْلِفَ وَرَثَتُهُ وَإِنْ نَكِلَ أَوْ نَكَلُوا رَجَعَ عَلَيْهِ؟ ذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ. قَالَ الْحَطَّابُ: " وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ: وَإِنْ قَالَ أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُك الْغَائِبُ. إلَخْ، وَكَذَلِكَ إذَا أَرَدْتَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَهُوَ غَائِبٌ ".
(قَالَ ابْنُ رُشْدٍ) : الَّذِي أَرَاهُ أَنْ يُؤْخَذَ حَمِيلٌ بِالثَّمَنِ مِنْ الَّذِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ ابْتِدَاءً إلَى أَنْ يَكْتُبَ لِلْغَائِبِ الَّذِي رُدَّتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ بِهِ فَيَحْلِفُ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَرِيبَ الْغَيْبَةِ أَوْ بَعِيدَهَا مِنْ الْحَطَّابِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَذْكُورِ. .
[فَصْلٌ فِي تَدَاعِي الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ]
ِ
وَإِنْ وَكِيلٌ ادَّعَى إقْبَاضَ مَنْ ... وَكَّلَهُ مَا حَازَ فَهْوَ مُؤْتَمَنْ
مَعَ طُولِ مُدَّةٍ وَإِنْ يَكُنْ مَضَى ... شَهْرٌ يُصَدَّقْ مَعَ يَمِينٍ تُقْتَضَى
وَإِنْ يَكُنْ بِالْفَوْرِ الْإِنْكَار لَهُ ... فَالْقَوْلُ مَعَ حَلْفٍ لِمَنْ وَكَّلَهُ
ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَالْخَمْسِ بَعْدَهَا حُكْمَ مَا إذَا أَقَرَّ الْوَكِيلُ بِقَبْضِ مَا وُكِّلَ عَلَى قَبْضِهِ أَوْ قَبْضِ ثَمَنِ مَا وُكِّلَ عَلَى بَيْعِهِ، وَادَّعَى أَنَّهُ دَفَعَ لِمُوَكِّلِهِ مَا قَبَضَ لَهُ، وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا وَأَنَّهُ بَاقٍ تَحْتَ يَدِ الْوَكِيلِ، فَحَكَى الْمُؤَلِّفُ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ تَدَاعِيهِمَا بَعْدَ طُولِ الْمُدَّةِ مِنْ زَمَنِ قَبْضِ الْوَكِيلِ كَالْعَامِ وَنَحْوِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَامَ لَهُ شَاهِدَانِ: الْأَمَانَةُ وَطُولُ الْمُدَّةِ، وَإِنْ كَانَ التَّدَاعِي بِالْقُرْبِ كَالشَّهْرِ وَنَحْوِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لَكِنْ مَعَ يَمِينِهِ.
(قَالَ الشَّارِحُ) : لِأَنَّ شَهَادَةَ الْأَمَانَةِ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَقِصَرُ الْمُدَّةِ يُوجِبُ لِلْمُوَكِّلِ حَقًّا فَوَجَبَتْ لَهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَإِنْ كَانَ التَّدَاعِي بِالْقُرْبِ فَلَا قَوْلَ لِلْوَكِيلِ بَلْ لِلْمُوَكَّلِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّ قَبْضَ الْوَكِيلِ مُحَقَّقٌ إمَّا بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ، فَالْوَكِيلُ مُدَّعٍ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ عِمَارَتِهَا وَلَمْ يَقَعْ مِنْ التَّرَاخِي فِي الزَّمَانِ مَا يَشْهَدُ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ. (قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ) : " قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَسَأَلْتُ مُطَرِّفًا عَنْ الرَّجُلِ يُوَكَّلُ عَلَى التَّقَاضِي أَوْ عَلَى قَبْضِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ أَوْ عَلَى بَيْعِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ أَوْ عَلَى الْخُصُومَةِ، أَوْ الْوَكِيلِ الْمُفَوَّضِ إلَيْهِ الَّذِي تُؤْخَذُ مِنْهُ الْبَرَاءَاتُ بِمَا دُفِعَ إلَيْهِ مِنْ الدُّيُونِ وَمَا حُكِمَ لَهُ بِاسْمِ صَاحِبِهِ، فَاخْتَلَفَ هَذَا وَاَلَّذِي وَكَّلَهُ، فَقَالَ الْمُوَكِّلُ: هَاتِ مَا قَبَضْتَ لِي، وَقَالَ: الْوَكِيلُ قَدْ بَرِئْتُ إلَيْك بِهِ، فَقَالَ لِي: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: " الْوَكِيلُ عَلَى هَذِهِ الْأَوْجَهِ الَّتِي ذَكَرْتَ ضَامِنٌ بِمَنْزِلَةِ إذَا ادَّعَى بِحَضْرَةٍ مَا قَبَضَ الْمَالَ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَهُ، وَأَنْكَرَ صَاحِبُ حَلِفٍ - صَاحِبُ الْحَقِّ - بِاَللَّهِ مَا قَبَضْتُ وَأُغْرِمَهُ
стр. 140
الْوَكِيلُ.
وَذَلِكَ إذَا كَانَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ وَقُرْبِهِ بِالْأَيَّامِ الْيَسِيرَةِ، أَمَّا إنْ تَبَاعَدَ ذَلِكَ مِثْلَ الشَّهْرِ وَنَحْوِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ فِي الدَّفْعِ بِيَمِينِهِ يَحْلِفُ وَيُبَرَّأُ، وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ جِدًّا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْوَكِيلِ يَمِينٌ وَكَانَ بَرِيئًا وَلَمْ يَضُرَّهُ مَا كُتِبَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَرَاءَةِ إلَيْهِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ وَإِنْ كَانَتْ مِنْهُ وَالدَّفْعُ وَإِنْ كَانَ إلَيْهِ، إنَّمَا الْبَرَاءَةُ عَلَى الَّذِي وَكَّلَهُ، وَالدَّفْعُ كَأَنَّهُ إلَيْهِ حِينَ ثَبَتَ أَنَّهُ وَكِيلُهُ وَأَنَّهُ فِي كُلِّ مَا قَبَضَ أَوْ دَفَعَ أَوْ أَقَرَّ أَوْ جَحَدَ بِمَنْزِلَتِهِ كَنَفْسِهِ فَلَا إشْهَادَ وَلَا بَرَاءَةَ عَلَى الْوُكَلَاءِ بِدَفْعِ مَا دَفَعُوا إلَى الَّذِينَ وَكَّلُوهُمْ بِمَا قَبَضُوا لَهُمْ وَجَرْيِ أَيْدِيهِمْ. فَقَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ فَاعِلٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ادَّعَى، (وَإِقْبَاضٌ) مَصْدَرُ أَقْبَضَ أُضِيفَ لِلْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَنْ، (وَمَا حَازَ) مَفْعُولٌ ثَانٍ، وَفَاعِلُ حَازَ لِلْوَكِيلِ.
وَجُمْلَةُ (فَهُوَ مُؤْتَمَنْ) جَوَابُ إنْ، (وَمَعَ) يَتَعَلَّقُ بِمُؤْتَمَنٍ، وَجُمْلَةُ (تُقْتَضَى) صِفَةٌ لِيَمِينٍ (وَالْإِنْكَارُ) اسْمٌ (بِالْفَوْرِ) خَبَرُهَا، وَجُمْلَةُ (فَالْقَوْلُ لِمَنْ وَكَّلَهُ) جَوَابُ إنْ يَكُنْ (وَمَعْ حَلْفٍ) حَالٌ لِلْقَوْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقِيلَ إنَّ الْقَوْلَ لِلْوَكِيلِ ... مَعَ الْيَمِينِ دُونَ مَا تَفْصِيلِ
هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي فِي الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَكِيلِ مَعَ يَمِينِهِ مُطْلَقًا أَيْ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ طُولِ الْمُدَّةِ وَقِصَرِهَا، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَنَصُّ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ، وَصَدَقَ فِي الرَّدِّ كَالْمُودَعِ فَالْأَوْلَى لِلنَّاظِمِ تَقْدِيمُهُ عَلَى قَوْلِ مُطَرِّفٍ الَّذِي بَدَأَ بِهِ (ابْنُ يُونُسَ) . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهَا فِي الْوَكِيلِ الْمُفَوَّضِ إلَيْهِ أَوْ الْمَخْصُوصِ أَوْ الزَّوْجِ: يُوَكَّلُونَ عَلَى قَبْضِ حَقٍّ فَيَدَّعُونَ أَنَّهُمْ قَبَضُوهُ وَدَفَعُوهُ إلَى مَنْ وَكَّلَهُمْ أَنَّهُمْ مُصَدَّقُونَ فِي ذَلِكَ كُلُّهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ كَالْمُودَعِ يَقُولُ رَدَدْتُ الْوَدِيعَةَ وَيُنْكِرُهَا. وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ خِلَافًا لِمُطَرِّفٍ وَابْنِ حَبِيبٍ (ابْنُ عَرَفَةَ) . وَفِيهَا وَالْوَكِيلُ مَبِيعٌ مُصَدَّقٌ فِي دَفْعِ ثَمَنِهِ لِلْآمِرِ.
وَقِيلَ إنْ أَنْكَرَ بَعْدَ حِينِ ... فَهْوَ مُصَدَّقٌ بِلَا يَمِينِ
وَإِنْ يَمُرَّ الزَّمَنُ الْقَلِيلُ ... فَمَعْ يَمِينٍ قَوْلُهُ مَقْبُولُ
وَقِيلَ بَلْ يَخْتَصُّ بِالْمُفَوَّضِ ... إلَيْهِ ذَا الْحُكْمُ لِفَرْقٍ مُقْتَضِ
وَمَنْ لَهُ وَكَالَةٌ مُعَيَّنَهْ ... يَغْرَمُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَهْ
ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ بَقِيَّةَ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ وَهُوَ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ. فَالثَّالِثُ التَّفْصِيلُ أَيْضًا بَيْنَ أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ بِلَا يَمِينٍ وَعَنْ طُولِهِ عَبَّرَ بِالْحِينِ وَالْحِينُ يُطْلَقُ عَلَى السَّنَةِ وقَوْله تَعَالَى ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥] . وَكَذَا تَقَدَّمَ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالطُّولِ السَّنَةُ وَنَحْوُهَا وَبَيَّنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالْقُرْبِ فَالْقَوْلُ لِلْوَكِيلِ مَعَ يَمِينِهِ. وَبَقِيَ مِنْ التَّقْسِيمِ الْمَذْكُورِ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ حُكْمُ مَا إذَا قَامَ بِالْفَوْرِ وَلَعَلَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا لِلْوَكِيلِ وَكَذَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ مَنْ شَرَحَهُ. فَإِنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ الْإِنْكَارُ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ أَوْ بِقُرْبِهِ بِالْأَيَّامِ الْيَسِيرَةِ صَدَقَ الْوَكِيلُ مِنْ يَمِينِهِ وَبِهَذَا يَفْتَرِقُ هَذَا الْقَوْلُ مَعَ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ إنْ أُقِيمَ فِيهِ بِالْفَوْرِ فَالْقَوْلُ لِلْمُوَكَّلِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(الْقَوْلُ الرَّابِعُ) : إنَّ هَذَا الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ فِي الْقَوْلِ الثَّالِثِ إنَّمَا هُوَ فِي الْوَكِيلِ الْمُفَوَّضِ إلَيْهِ وَأَمَّا الْوَكَالَةُ الَّتِي عَيَّنَ فِيهَا الْآمِرُ الْمُوَكَّلَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الرَّدِّ لِلْمُوَكِّلِ، وَقَوْلُهُ (لِفَرْقٍ مُقْتَضِ) ، (قَالَ الشَّارِحُ) : هُوَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - ظُهُورُ الْوُثُوقِ مِنْ الْمُوَكِّلِ بِأَمَانَةِ الْمُفَوَّضِ إلَيْهِ دُونَ ظُهُورِ ذَلِكَ مِنْ الْمُوَكِّلِ لِلْوَكِيلِ الْمَخْصُوصِ (ابْنُ عَرَفَةَ) . وَفِيهَا " وَالْوَكِيلُ عَلَى بَيْعٍ مُصَدَّقٌ فِي دَفْعِ ثَمَنِهِ لِلْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينُهُ " (ابْن رُشْدٍ) " فِي قَبُولِ قَوْلِ الْوَكِيلِ مَعَ حَلِفِهِ أَنَّهُ دَفَعَ لِمُوَكِّلِهِ مَا أَمَرَهُ بِقَبْضِهِ مِنْ مَبِيعٍ أَوْ غَرِيمٍ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ بَعْدَ شَهْرٍ وَنَحْوِهِ إنْ طَالَ لَمْ يَحْلِفْ "، ثَالِثُهَا: إنْ كَانَ بِالْقُرْبِ بِيَسِيرِ الْأَيَّامِ أَحْلَفَهُ وَإِنْ طَالَ لَمْ يَحْلِفْ، وَرَابِعُهَا: الْوَكِيلُ عَلَى مُعَيَّنٍ غَارِمٌ مُطْلَقًا وَالْمُفَوَّضُ إلَيْهِ يَحْلِفُ فِي الْقُرْبِ لَا فِي الْبُعْدِ لِسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَهَا وَرِوَايَةِ مُطَرِّفٍ وَقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ اهـ فَقَوْلُهُ (ذَا الْحُكْمُ) ذَا اسْمُ إشَارَةٍ فَاعِلٌ بِ يَخْتَصُّ، وَالْحُكْمُ نَعْتٌ لَهُ، وَ (بِالْمُفَوَّضِ) يَتَعَلَّقُ بِ يَخْتَصُّ، وَكَذَا الْفَرْقُ وَقَوْلُهُ (وَمَنْ لَهُ وَكَالَةٌ مُعَيَّنَهْ) الْبَيْتَ. هُوَ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ (يَخْتَصُّ بِالْمُفَوَّضِ إلَيْهِ) .
وَأَمَّا
стр. 141
غَيْرُهُ فَيَغْرَمُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ.
وَالزَّوْجُ لِلزَّوْجَةِ كَالْمُوَكَّلِ ... فِيمَا مِنْ الْقَبْضِ لِمَا بَاعَتْ يَلِي
يَعْنِي أَنَّ الزَّوْجَ لِلزَّوْجَةِ كَالْوَكِيلِ فَإِذَا بَاعَتْ شَيْئًا وَقَبَضَ الزَّوْجُ ثَمَنَهُ أَوْ قَبَضَ لَهَا دَيْنًا ثُمَّ تَنَازَعَا فَادَّعَتْ أَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ لَهَا مَا قَبَضَ وَادَّعَى هُوَ أَنَّهُ دَفَعَ لَهَا ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجْرِي عَلَى الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْوَكِيلِ مِنْ كَوْنِ النِّزَاعِ بَعْدَ طُولِ الْمُدَّةِ أَوْ بِالْقُرْبِ أَوْ بِالْفَوْرِ، اجْرِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِي مُنْتَخَبِهِ إثْرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي شَرْحِ الْأَبْيَاتِ الثَّلَاثِ، وَكَذَا الزَّوْجُ فِيمَا بَاعَ لِامْرَأَتِهِ بِإِذْنِهَا إذَا ادَّعَتْ أَنَّهَا لَمْ تَقْبِضْ ذَلِكَ مِنْهُ وَادَّعَى أَنَّهُ قَدْ بَرِئَ بِدَفْعِ ذَلِكَ إلَيْهَا. " (وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) : " وَفِي حَمْلِ الزَّوْجِ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ لِزَوْجِهِ عَلَى الْوَكَالَةِ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ أَوْ حَتَّى يَثْبُتَ دَلِيلَا سَمَاعُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الْمِدْيَانِ وَسَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى ".
(قَالَ الشَّارِحُ) : " يَظْهَرُ أَنَّ الْوَكَالَةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ بِالنَّصِّ - وَلَا إشْكَالَ - وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ كَالزَّوْجِ مَعَ زَوْجَتِهِ وَكَالِابْنِ مَعَ أَبِيهِ وَهُوَ دَلِيلُ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الزَّوْجَةِ وَصِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَى أُخْتِهِ الْبِكْرِ إذَا أَجَازَهُ الْأَبُ، وَإِبَاحَةِ الْمُخَاصَمَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَبِ وَالِابْنِ عَنْ صَاحِبِهِ.
وَمَوْتُ زَوْجٍ أَوْ وَكِيلٍ إنْ عَرَضْ ... مِنْ غَيْرِ دَفْعِ مَا بِتَحْقِيقٍ قَبَضْ
مِنْ مَالِهِ يَأْخُذُ ذَاكَ قَائِمُ ... بِالْفَوْرِ وَالْعَكْسُ لِعَكْسٍ لَازِمُ
يَعْنِي إذَا قَبَضَ الزَّوْجُ ثَمَنَ مَا بَاعَتْهُ زَوْجَتُهُ أَوْ قَبَضَ دَيْنًا لَهَا عَلَى غَيْرِهِ أَوْ قَبَضَ الْوَكِيلُ ذَلِكَ مِنْ مُوَكِّلِهِ ثُمَّ مَاتَ الْقَابِضُ مِنْ زَوْجٍ أَوْ وَكِيلٍ وَلَمْ يُحَقِّقْ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ مِمَّا قَبَضَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُ قَرِيبًا مِنْ قَبْضِهِ لِمَا قَبَضَ، أَوْ بَعْدَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ فَلَا شَيْءَ لِلزَّوْجَةِ قِبَلَ وَرَثَةِ الزَّوْجِ، وَلَا لِلْمُوَكِّلِ قِبَلَ وَرَثَةِ الْوَكِيلِ، وَغَايَةُ مَا تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ الْيَمِينُ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَقِيَ قِبَلَ مَوْرُوثِهِمْ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ أَوْ الْوَكِيلُ بِالْقُرْبِ فَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ أَمْوَالِهِمَا إذَا عُرِفَ الْقَبْضُ وَجُهِلَ الدَّفْعُ وَالْمَرْأَةُ وَالْمُوَكِّلُ يَدَّعِيَانِ عَدَمَ الدَّفْعِ.
(قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ) : " قَالَ مُطَرِّفٌ: " فَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ وَالْوَكِيلُ بِحِدْثَانِ مَا جَرَى عَلَى أَيْدِيهِمَا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فَذَلِكَ كُلُّهُ فِي أَمْوَالِهِمَا إذَا كَانَ قَدْ عُرِفَ الْقَبْضُ وَجُهِلَ الدَّفْعُ وَالْمَرْأَةُ وَالْمُوَكِّلُ يَدَّعِيَانِ ذَلِكَ وَمَا كَانَ مِنْ مَوْتِهِمَا بِغَيْرِ حِدْثَانِهِ وَمَا يُمْكِنُ فِيهِ الْمَخْرَجُ وَالْقَضَاءُ وَالدَّفْعُ فَلَا شَيْءَ فِي أَمْوَالِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ الدَّفْعُ وَلَمْ يُذْكَرْ ".
(ابْنُ عَرَفَةَ) وَإِنْ مَاتَ الْوَكِيلُ بِحِدْثَانِ قَبْضِهِ كَانَ فِي مَالِهِ وَبَعْدَهُ مِمَّا يُمْكِنُ فِيهِ الْقَضَاءُ وَالدَّفْعُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ اهـ.
(وَسُئِلَ) الْأُسْتَاذُ أَبُو سَعِيدِ بْنُ لُبٍّ عَنْ امْرَأَةٍ تُوُفِّيَ وَالِدُهَا وَتَوَلَّى زَوْجُهَا قَبْضَ مِيرَاثِهَا مِنْهُ، ثُمَّ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا فَأَثْبَتَتْ أَنَّ مَا قَبَضَ زَوْجُهَا مِنْ مَتْرُوكِ وَالِدِهَا أَدْخَلَهُ فِي مَصَالِحِهِ وَلَمْ يُمَكِّنْهَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ، (فَأَجَابَ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّ مَا قَبَضَ لَمْ يُمَكِّنْهَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ لَمْ تُثْبِتْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِالْقَبْضِ خَاصَّةً فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ قَبَضَ بِإِذْنِ الزَّوْجَةِ وَمَاتَ بِحِدْثَانِ الْقَبْضِ فَذَلِكَ لَازِمٌ لِتَرِكَتِهِ بَعْدَ يَمِينِ الْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ حِدْثَانِهِ بَلْ بَعْدَ شَهْرٍ وَنَحْوِهِ فَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ مَا قَبَضَ، وَإِنْ كَانَ الْقَبْضُ تَعَدِّيًا مِنْهُ وَتَجَاسُرًا عَلَى مَالِ الزَّوْجَةِ وَتَحَامُلًا فَذَلِكَ لَازِمٌ لِمَالِهِ وَلِتَرِكَتِهِ بَعْدَ يَمِينِ الْقَضَاءِ. انْتَهَى.
[بَابُ الصُّلْحِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]
стр. 142
(ابْن عَرَفَةَ) : الصُّلْحُ انْتِقَالٌ عَنْ حَقٍّ أَوْ دَعْوَى بِعِوَضٍ لِرَفْعِ نِزَاعٍ أَوْ خَوْفِ وُقُوعِهِ. وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ هُوَ قَبْضُ شَيْءٍ عَنْ عِوَضٍ يَدْخُلُ فِيهِ مَحْضُ الْبَيْعِ وَهُوَ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَقَدْ يَعْرِضُ وُجُوبُهُ عِنْدَ تَعْيِينِ مَصْلَحَتِهِ وَحُرْمَتِهِ وَكَرَاهَتِهِ لَا لِاسْتِلْزَامِ مَفْسَدَةٍ وَاجِبَةِ الدَّرْءِ أَوْ رَاجِحَتِهِ (الرَّصَّاعُ) . قَوْلُهُ (عَنْ حَقٍّ أَوْ دَعْوَى) الْأَوَّلُ الصُّلْحُ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَالثَّانِي عَلَى الْإِنْكَارِ (وَبِعِوَضٍ) يَتَعَلَّقُ بِانْتِقَالٍ وَخَرَجَ الِانْتِقَالُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَقَوْلُهُ لِرَفْعِ نِزَاعٍ يَخْرُجُ بِهِ بَيْعُ الدَّيْنِ وَمَا شَابَهَهُ، وَقَوْلُهُ أَوْ خَوْفِ وُقُوعِهِ يَدْخُلُ فِيهِ الصُّلْحُ عَنْ الْمَحْجُورِ وَمَا شَابَهَهُ.
الصُّلْحُ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ ... لَكِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ
وَهُوَ كَمِثْلِ الْبَيْعِ فِي الْإِقْرَارِ ... كَذَاكَ لِلْجُمْهُورِ فِي الْإِنْكَارِ
فَجَائِزٌ فِي الْبَيْعِ جَازَ مُطْلَقَا ... فِيهِ وَمَا اُتُّقِيَ بَيْعًا يُتَّقَى
كَالصُّلْحِ بِالْفِضَّةِ أَوْ بِالذَّهَبِ ... تَفَاضُلًا أَوْ بِتَأَخُّرٍ أَبِي
أَخْبَرَ أَنَّ الصُّلْحَ جَائِزَةٌ وَأَنَّ جَوَازَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ.
(التَّوْضِيحُ) " الصُّلْحُ مَأْخُوذٌ مِنْ صَلَحَ الشَّيْءُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا إذَا كَمُلَ وَهُوَ خِلَافُ الْفَسَادِ، وَالصُّلْحُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَقَدْ اصْطَلَحَا وَاصَّالَحَا وَتَصَالَحَا. (وَرَوَى) التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» . اهـ بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ. وَالْمُرَادُ بِالْجَائِزِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الْجَوَازُ الْأَعَمُّ الشَّامِلُ لِلْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ، وَالْمُبَاحِ، وَالْمَكْرُوهِ، وَقَوْلُهُ
لَكِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ
أَيْ لَكِنَّ جَوَازَهُ لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَيْ فِي كُلِّ صُورَةٍ صُورَةٌ وَفِي وَجْهٍ وَجْهٌ بَلْ هُوَ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ وَمِنْهُ مَا هُوَ غَيْرُ جَائِزٍ ثُمَّ بَيَّنَ وَجْهَ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ الصُّلْحَ كَالْبَيْعِ وَالْبَيْعُ مِنْهُ مَا هُوَ جَائِزٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مَمْنُوعٌ فَكَذَلِكَ الصُّلْحُ فَلِذَلِكَ أَتَى بِالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ (فَجَائِزٌ) أَيْ فَمَا جَازَ فِي الْبَيْعِ جَازَ فِي الصُّلْحِ وَمَا امْتَنَعَ فِي الْبَيْعِ امْتَنَعَ فِي الصُّلْحِ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ (وَهُوَ كَمِثْلِ الْبَيْعِ.) الْبَيْتَيْنِ.
فَقَوْلُهُ (جَازَ فِيهِ) أَيْ فِي الصُّلْحِ، وَ (مَا اُتُّقِيَ بَيْعًا) أَيْ فِي الْبَيْعِ يُتَّقَى فِي الصُّلْحِ، وَالْكَافُ الدَّاخِلَةُ عَلَى (مِثْلِ) زَائِدَةٌ عَلَى حَدِّ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وَكَوْنُ الصُّلْحِ كَالْبَيْعِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَهُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ الصُّلْحُ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَأَمَّا عَلَى الْإِنْكَارِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، وَعَلَى هَذَا نَبَّهَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ (وَهُوَ كَمِثْلِ الْبَيْعِ.) الْبَيْتَ، وَقَوْلُهُ
كَالصُّلْحِ بِالْفِضَّةِ أَوْ بِالذَّهَبِ
الْبَيْتَ هُوَ تَمْثِيلٌ لِبَعْضِ مَا شَمِلَهُ قَوْلُهُ (وَمَا اُتُّقِيَ بَيْعًا يُتَّقَى) وَ (أَبِي) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْبَاءِ مَبْنِيًّا لِلنَّائِبِ أَيْ أَبَاهُ الْفُقَهَاءُ وَمَنَعُوهُ وَكَأَنَّهُ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ (وَمَا اُتُّقِيَ بَيْعًا يُتَّقَى) (قَالَ فِي الْمُفِيدِ) : " وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الصُّلْحِ عَلَى الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ إذَا كَانَ عَلَى طَوْعٍ مِنْ الْمُتَصَالِحَيْنِ لَا يَدْخُلُهُ إكْرَاهٌ وَالصُّلْحُ كَالْبَيْعِ فَمَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ جَازَ فِي الصُّلْحِ، وَمَا امْتَنَعَ فِي الْبَيْعِ امْتَنَعَ فِي الصُّلْحِ. اهـ.
(وَفِي ابْنِ الْحَاجِبِ) " الصُّلْحُ مُعَاوَضَةٌ كَالْبَيْعِ وَإِبْرَاءٌ وَإِسْقَاطٌ ".
(التَّوْضِيحُ) عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ " الْمُعَاوَضَةُ أَخْذُ مَا يُخَالِفُ الشَّيْءَ الْمُدَّعَى فِيهِ إمَّا فِي الْجِنْسِ أَوْ فِي الصِّفَةِ، وَالْإِبْرَاءُ إسْقَاطُ بَعْضِ مَا فِي الذِّمَّةِ إذَا كَانَ الْمُدَّعَى فِيهِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَالْإِسْقَاطُ وَضْعُ بَعْضِ الْمُدَّعَى فِيهِ الْمُعَيَّنِ كَدَارٍ أُخِذَ بَعْضُهَا " اهـ. وَذُكِرَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ " هَذِهِ احْتِمَالَاتٌ أُخَرُ ".
(وَفِي الْجَوَاهِرِ) " الصُّلْحُ عَنْ الدَّيْنِ كَبَيْعِ الدَّيْنِ وَإِنْ صَالَحَ عَنْ بَعْضِهِ فَهُوَ إبْرَاءٌ مِنْ الْبَعْضِ، وَلَوْ صَالَحَ مِنْ حَالٍّ إلَى مُؤَجَّلٍ مِثْلِهِ أَوْ أَقَلَّ جَازَ وَلَا يَجُوزُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ، وَإِنْ صَالَحَ عَنْ مُؤَجَّلٍ عَلَى حَالِّ بَعْضِهِ وَإِسْقَاطِ بَعْضِهِ لَمْ يَجُزْ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا الْقِسْمُ مِنْ الصُّلْحِ بَيْعٌ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَيْعِ فِي الْمُعَيَّنِ كَانَ أَوْ فِي الدَّيْنِ، وَيُقَدَّرُ الْمُدَّعَى بِهِ وَالْمَقْبُوضُ كَالْعِوَضَيْنِ فِيمَا يَجُوزُ بَيْنَهُمَا وَمَا يُمْنَعُ، وَتَمْنَعُ الْجَهَالَةُ وَالْغَرَرُ وَوَاحِدٌ بِاثْنَيْنِ مِنْ جِنْسٍ إلَى أَجَلٍ وَالْوَضْعُ عَلَى التَّعْجِيلِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُشْبِهُ اهـ.
وَهَذَا كُلُّهُ مُنْدَرِجٌ فِي قَوْلِهِ (فَجَائِزٌ فِي الْبَيْعِ) الْبَيْتُ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ (كَالصُّلْحِ بِالْفِضَّةِ) إلَى أَنَّهُ كَمَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَبِيعَ فِضَّةً مَصُوغَةً بِفِضَّةٍ مَسْكُوكَةً أَكْثَرَ مِنْهَا أَوْ ذَهَبٍ مَسْكُوكًا بِذَهَبٍ مَصُوغٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فَكَذَلِكَ يَمْتَنِعُ الصُّلْحُ عَنْ أَحَدِهِمَا بِجِنْسِهِ أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ أَقَلَّ وَلَوْ يَدًا بِيَدٍ لِفَوَاتِ الْمُمَاثَلَةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ وَكَذَلِكَ يَمْتَنِعُ الصُّلْحُ عَنْ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ كَذَهَبٍ بِفِضَّةٍ، وَبِالْعَكْسِ نَسِيئَةً، وَلَوْ مِثْلًا بِمِثْلٍ لِفَوَاتِ الْمُنَاجَزَةِ، وَأَمَّا
стр. 143
أَخْذُ الْفِضَّةِ عَنْ فِضَّةٍ قَدْرِهَا، أَوْ ذَهَبٍ عَنْ ذَهَبٍ قَدْرِهِ، وَلَوْ نَسِيئَةً، فَجَائِزٌ لِأَنَّ هَذَا اقْتِضَاءُ دَيْنٍ لَا صُلْحٌ فَقَوْلُهُ كَالصُّلْحِ بِالْفِضَّةِ أَيْ عَنْ الْفِضَّةِ أَيْضًا، لَكِنْ تَفَاضُلًا، وَقَوْلُهُ أَوْ بِالذَّهَبِ أَيْ عَنْ الذَّهَبِ أَيْضًا مُتَفَاضِلًا. قَوْلُهُ أَوْ بِتَأَخُّرٍ أَيْ الصُّلْحُ عَنْ الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ، أَوْ الْعَكْسِ مِنْ غَيْرِ يَدٍ بِيَدٍ.
وَكَذَا الصُّلْحُ عَنْ أَحَدِهِمَا بِجِنْسِهِ غَيْرِ يَدٍ بِيَدٍ، لَا عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ مِنْ الدَّيْنِ، وَقَدْ نَقَلَ الْمَوَّاقُ فِي قَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ: " وَجَازَ عَنْ دَيْنٍ بِمَا يُبَاعُ بِهِ فُرُوعًا خَمْسَةً، عَنْ ابْنِ يُونُسَ فِي بَيْعِ الدَّيْنِ. وَقَدْ نَقَلْنَا عَنْهُ فِي فَصْلِ بَيْعِ الدَّيْنِ. فَلِذَلِكَ لَمْ نُعِدْهُ هُنَا (ابْنُ الْحَاجِبِ) " الصُّلْحُ عَنْ الدَّيْنِ كَبَيْعِ الدَّيْنِ، وَيُقَدَّرُ الدَّيْنُ، وَالْمَقْبُوضُ كَالْعِوَضَيْنِ فَيُعْتَبَرُ: ضَعْ، وَتَعَجَّلْ، وَحُطَّ الضَّمَانَ وَأَزِيدُكَ، وَبَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ " (التَّوْضِيحُ) عُطِفَ قَوْلُهُ: " فَيُعْتَبَرُ ضَعْ " بِالْفَاءِ؛ لِأَنَّهُ كَالنَّتِيجَةِ عَمَّا قَبْلَهُ، " وَضَعْ وَتَعَجَّلْ " يَكُونُ فِي الْعَيْنِ وَغَيْرِهِ، كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ عَشْرَةِ أَثْوَابٍ إلَى شَهْرٍ فَأَقَرَّ بِذَلِكَ، ثُمَّ صَالَحَهُ عَلَى ثَمَانِيَةٍ نَقْدًا، " وَحُطَّ الضَّمَانَ، وَأَزِيدُكَ " إنَّمَا يَكُونُ فِي غَيْرِ الْعَيْنِ كَمَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِعَشْرَةِ أَثْوَابٍ إلَى شَهْرٍ، فَصَالَحَهُ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ نَقْدًا، وَإِنْ صَالَحَهُ عِنَبًا بِدَنَانِيرَ مُؤَجَّلَةٍ، أَوْ دَرَاهِمَ مُؤَجَّلَةٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: " وَبَيْعُ الدَّيْنِ بِالدِّينِ "، وَكَذَلِكَ يُعْتَبَرُ الصَّرْفُ الْمُؤَخَّرُ كَمَا لَوْ صَالَحَهُ عَلَى دَنَانِيرَ مُؤَجَّلَةٍ بِدَرَاهِمَ، أَوْ بِالْعَكْسِ، وَكَذَلِكَ يُعْتَبَرُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ ادَّعَى بِطَعَامٍ مِنْ بَيْعٍ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهُ بِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ يُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ مَا يُصَالِحُ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا لَمْ يَجُزْ. وَلِذَلِكَ اشْتَرَطَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي صُلْحِ الْوَلَدِ لِلزَّوْجَةِ عَلَى إرْثِهَا مَعْرِفَتَهَا لِجَمِيعِ التَّرِكَةِ، وَحُضُورَ أَصْنَافِهَا، وَحُضُورَ مَنْ عَلَيْهِ الْعَرْضُ، وَإِقْرَارَهُ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ. وَكَانَ الْمُصَنِّفُ عَبَّرَ بِالْمَوَانِعِ الثَّلَاثَةِ عَلَى مَا عَدَاهَا اهـ.
وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُ الشُّيُوخِ هَذِهِ الْمَوَانِعَ الَّتِي تُتَّقَى فِي بَيْعِ الدَّيْنِ بِقَوْلِهِ:
جَهْلًا وَفَسْخًا وَنَسَا وَحُطَّ ضَعْ ... وَالْبَيْعُ قَبْلَ الْقَبْضِ إنْ صَالَحْتَ دَعْ
أَيْ إنْ صَالَحْتَ فَدَعْ أَيْ اُتْرُكْ الْجَهْلَ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ، وَهُوَ فَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ، وَرِبَا النَّسَاءِ أَيْ التَّأَخُّرِ فِي الصَّرْفِ مَثَلًا، وَحُطَّ الضَّمَانَ وَأَزِيدُكَ وَضَعْ وَتَعَجَّلْ، وَبَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ (فَرْعَانِ: الْأَوَّلُ) :.
اُخْتُلِفَ فِي الصُّلْحِ عَنْ تَرْكِ الْقِيَامِ بِالْعَيْبِ فَابْنُ الْقَاسِمِ يَرَى أَنَّهُ مُبَايَعَةٌ بَعْدَ فَسْخِ الْأَوَّلِ، يُعْتَبَرُ مَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ وَفَسْخِ دَيْنٍ وَأَشْهَبُ يَرَى الْبَيْعَ الْأَوَّلَ بَاقِيًا وَهَذَا عِوَضٌ عَنْ الْإِسْقَاطِ، فَيَعْتَبِرُ مَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنْ سَلَفٍ جَرَّ مَنْفَعَةً وَفَسْخِ دَيْنٍ اُنْظُرْ مَا يَنْبَنِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ابْنِ الْحَاجِبِ فِي التَّوْضِيحِ أَوَّلَ بَابِ الصُّلْحِ (الثَّانِي) مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَوَازِ الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ هُوَ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَإِلَّا فَلِجَوَازِهِ شُرُوطُهُ، فَشُرُوطُهُ عِنْدَ مَالِكٍ ثَلَاثَةٌ: وَهُوَ أَنْ يَجُوزَ عَلَى دَعْوَى الْمُدَّعِي، وَعَلَى إنْكَارِ الْمُنْكِرِ، وَعَلَى ظَاهِرِ الْحُكْمِ، وَابْنُ الْقَاسِمِ يَشْتَرِطُ الْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ. وَأَصْبَغُ يَشْتَرِطُ شَرْطًا وَاحِدًا: وَهُوَ أَنْ لَا تَتَّفِقَ دَعْوَاهُمَا عَلَى فَسَادٍ. اُنْظُرْ بَيَانَ ذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ.
وَالصُّلْحُ بِالْمَطْعُومِ فِي الْمَطْعُومِ ... نَسِيئَةً رُدَّ عَلَى الْعُمُومِ
وَالْوَضْعُ مِنْ دَيْنٍ عَلَى التَّعْجِيلِ ... أَوْ الْمَزِيدُ فِيهِ لِلتَّأْجِيلِ
وَالْجَمْعُ فِي الصُّلْحِ لِبَيْعٍ وَسَلَفْ ... وَمَا أَبَانَ غَرَرًا بِذَا اتَّصَفْ
وَالصُّلْحُ بِالْمَطْعُومِ قَبْلَ الْقَبْضِ ... مِنْ ذِمَّةٍ فَذَاكَ غَيْرُ مَرْضِي
وَإِنْ يَكُنْ يَقْبِضُ مِنْ أَمَانَهْ ... فَحَالَةُ الْجَوَازِ مُسْتَبَانَهْ
. جَمِيعُ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْأَبْيَاتُ الْخَمْسُ، هُوَ مِمَّا انْدَرَجَ فِي قَوْلِهِ: " قَبْلُ " وَهُوَ كَمِثْلِ الْبَيْعِ، إلَى أَنْ قَالَ
стр. 144
فَجَائِزٌ فِي الْبَيْعِ جَازَ مُطْلَقَا ... فِيهِ وَمَا اُتُّقِيَ بَيْعًا يُتَّقَى
وَقَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَى مَسَائِلَ:
(الْأُولَى) - مَنْ لَك عَلَيْهِ طَعَامٌ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ وَدِيعَةٍ، أَوْ هِبَةٍ فَصَالَحْتَهُ بِطَعَامٍ آخَرَ إلَى أَجَلٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ طَعَامٌ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ، وَفَسْخُ دَيْنٍ فِي دِينٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الطَّعَامُ الَّذِي لَكَ عَلَى الْغَرِيمِ مِنْ بَيْعٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَأْخُذَ عَنْهُ غَيْرَهُ، لَا طَعَامًا وَلَا غَيْرَهُ لَا نَقْدًا وَلَا إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَفَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، (قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِي مُنْتَخَبِهِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَسَأَلْتُ مُطَرِّفًا وَابْنَ الْمَاجِشُونِ عَنْ الصُّلْحِ يَقَعُ بِمَا لَا يَجُوزُ التَّبَايُعُ بِهِ.
مِثْلُ الرَّجُلِ يَدَّعِي عَلَى الرَّجُلِ شَعِيرًا، فَيُصَالِحَهُ بِقَمْحٍ إلَى أَجَلٍ، فَقَالَ: لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ بِمَا ذَكَرْتَ؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ صُرَاحٌ، وَالصُّلْحُ بِهِ مَفْسُوخٌ إنْ عُثِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَفُوتَ، فَإِنْ فَاتَ قَبْلَ الْفَسْخِ؛ صُحِّحَ بِالْقِيمَةِ عَلَى قَابِضِهِ، كَمَا يُصَحَّحُ الْبَيْعُ الْحَرَامُ إذَا فَاتَ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ فِي دَعْوَاهُ الْأُولَى، إلَّا أَنْ يَصْطَلِحَا صُلْحًا آخَرَ بِمَا يَجُوزُ بِهِ الصُّلْحُ، وَمَفْهُومُ قَوْلِ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ: " فَصَالَحَهُ بِقَمْحٍ إلَى أَجَلٍ " أَنَّهُ لَوْ صَالَحَهُ بِقَمْحٍ عَجَّلَهُ لَهُ جَازَ وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ إنْ كَانَ كَمِثْلِ الشَّعِيرِ فِي الْكَيْلِ، وَهَذَا أَيْضًا إذَا كَانَ الشَّعِيرُ تَرَتَّبَ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ وَدِيعَةٍ، أَوْ نَحْوِهَا، وَأَمَّا إنْ تَرَتَّبَ مِنْ شِرَاءٍ، فَإِنْ قُلْنَا الْمُخَالَفَةُ فِي الصِّنْفِ كَالْمُخَالَفَةِ فِي الْجِنْسِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ كَالْمُخَالِفِ فِي الْجِنْسِ جَازَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَتَذَكَّرْ قَوْلَهُ فِي بُيُوعِ الْآجَالِ، وَهَلْ غَيْرُ صِنْفِ طَعَامِهِ كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ مُخَالِفٌ، أَوْ لَا تَرَدُّدَ؟ وَإِلَى هَذَا الْفَرْعِ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ فَقَوْلُهُ: " نَسِيئَةً " حَالٌ مِنْ الْمَطْعُومِ الْأَوَّلِ، " وَفِي " الدَّاخِلَةُ عَلَى الْمَطْعُومِ الثَّانِي بِمَعْنَى " عَنْ "، وَجُمْلَةُ رُدَّ خَبَرُ الصُّلْحِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " عَلَى الْعُمُومِ " أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسَيْنِ، كَقَوْلِ مُؤَخَّرٍ عَنْ قَمْحٍ، أَوْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مُخْتَلِفِ الصِّنْفِ مُتَّفِقِ الْقَدْرِ، كَقَمْحٍ مُؤَخَّرٍ عَنْ شَعِيرٍ، أَوْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَصِنْفٍ وَاحِدٍ، كَقَمْحٍ مُؤَخَّرٍ عَنْ قَمْحٍ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ، فَهَذِهِ الْوُجُوهُ مَمْنُوعَةٌ فِي الْبَيْعِ، فَتُمْنَعُ فِي الصُّلْحِ أَيْضًا، فَالْمَنْعُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي لِلنَّسَاءِ فَقَطْ، وَفِي الثَّالِثِ لِلْفَضْلِ وَالنَّسَاءِ مَعًا، وَأَمَّا أَخْذُ قَمْحٍ مَثَلًا مُؤَخَّرٍ عَنْ قَمْحٍ مُمَاثِلٍ لِلْأَوَّلِ فِي الصِّفَةِ وَالْقَدْرِ، فَلَيْسَ بِصُلْحٍ وَإِنَّمَا هُوَ اقْتِضَاءٌ بَعْدَ تَأْجِيلٍ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) - الْوَضْعُ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى تَعْجِيلِهِ. كَأَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ عَشْرَةً إلَى شَهْرٍ، فَيَقُولُ: أَعْطِنِي ثَمَانِيَةً نَقْدًا. فَهَذَا مَمْنُوعٌ فِي الْبَيْعِ، وَكَذَلِكَ فِي الصُّلْحِ، وَلَعَلَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي تَسْمِيَتِهِ بَيْعًا أَوْ صُلْحًا، وَوَجْهُ مَنْعِهِ أَنَّ مَنْ عَجَّلَ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ يُعَدُّ مُسَلِّفًا، فَقَدْ سَلَّفَ الْآنَ ثَمَانِيَةً لِيَقْتَضِيَ مِنْ نَفْسِهِ عَشْرَةً عِنْدَ الْأَجَلِ، فَهُوَ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا، وَكَذَلِكَ تَأْخِيرُ الدَّيْنِ لِلزِّيَادَةِ فِيهِ، كَمَنْ كَانَ لَكَ عَلَيْهِ عَشْرَةٌ حَلَّتْ، فَأَخَّرْتَهُ شَهْرًا مَثَلًا لِيُعْطِيَكَ أَحَدَ عَشْرَ، لِأَنَّ مَنْ أَخَّرَ مَا وَجَبَ لَهُ عُدَّ مُسَلِّفًا، فَقَدْ سَلَّفَ لِيَنْتَفِعَ وَإِلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ " وَالْوَضْعُ مِنْ دَيْنٍ " الْبَيْتَ (قَالَ فِي الْمُفِيدِ) : وَاَلَّذِي لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ فِيهِ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ قِبَلَ الرَّجُلِ حَقٌّ إلَى أَجَلٍ، فَيُصَالِحَهُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ بَعْضَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، وَيَحُطَّ عَنْهُ بَعْضَهُ فَهَذَا لَا يَجُوزُ.
(وَفِي الرِّسَالَةِ) وَكَانَ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ فِي الدُّيُونِ إمَّا أَنْ يَقْضِيَهُ، وَإِمَّا أَنْ يُرْبِيَ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ وَلَا تَجُوزُ الْوَضِيعَةُ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى تَعْجِيلِهِ، وَلَا التَّأْخِيرُ بِهِ عَلَى الزِّيَادَةِ فِيهِ، وَإِلَى هَذَا الْفَرْعِ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الْجَمْعُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ. فَكَمَا يَمْتَنِعُ فِي بَابِ الْبُيُوعِ يَمْتَنِعُ فِي بَابِ الصُّلْحِ (قَالَ الشَّارِحُ) : وَمِثَالُ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ فِي الصُّلْحِ أَنْ يَكُونَ لِلْغَرِيمِ قِبَلِ غَرِيمِهِ دِينَارٌ، وَهُوَ لَهُ مُنْكِرٌ أَوْ بِهِ مُقِرٌّ، فَيَصْطَلِحَانِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ عَرَضًا بِنِصْفِ دِينَارٍ، وَيُؤَخِّرَهُ بِالنِّصْفِ الْبَاقِي إلَى أَجَلٍ، فَقَدْ اجْتَمَعَ الْبَيْعُ وَالسَّلَفُ، لِأَنَّ الْعَرَضَ مَبِيعٌ بِنِصْفِ دِينَارٍ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ مِنْ الدِّينَارِ سَلَفٌ إلَى الْأَجَلِ الَّذِي أَخَّرَهُ إلَيْهِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَالْجَمْعُ فِي الصُّلْحِ لِبَيْعٍ وَسَلَفْ
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) الصُّلْحُ بِمَا فِيهِ غَرَرٌ. كَالْعَبْدِ الْآبِقِ، وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ، فَكَمَا يَمْتَنِعُ بَيْعُ ذَلِكَ يَمْتَنِعُ الصُّلْحُ بِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَمَا أَبَانَ غَرَرًا بِذَا اتَّصَفْ
(الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) أَنْ يُصَالِحَ عَنْ دَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ، بِطَعَامٍ لَمْ يَقْبِضْهُ مِنْ ذِمَّةِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ، فَكَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ بِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الطَّعَامُ الْمُصَالَحُ بِهِ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ هِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا؛ فَيَجُوزُ الصُّلْحُ بِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ (قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) فِي بَابِ مَا يَجُوزُ مِنْ مُصَالَحَةِ الْوَرَثَةِ لِزَوْجِ الْمُتَوَفَّى وَمَا لَا يَجُوزُ مَا نَصُّهُ (قُلْتُ) : فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مِنْ سَلَمٍ
стр. 145
فَقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَالِحُوهَا - يَعْنِي الزَّوْجَةَ - بِشَيْءٍ، عَلَى أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَفِيهِ فِي جَامِعِ الصُّلْحِ (قُلْتُ) : فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ إرْدَبُّ حِنْطَةٍ، وَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ، فَصَالَحَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا أَيَجُوزُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَ الطَّعَامُ مِنْ قَرْضٍ اهـ. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَالصُّلْحُ بِالْمَطْعُومِ قَبْلَ الْقَبْضِ
الْبَيْتَيْنِ وَقَوْلُهُ: (مِنْ أَمَانَهْ) هُوَ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: (مِنْ ذِمَّةِ) (وَالْوَضْعُ) مُبْتَدَأٌ، وَ (الْمَزِيدُ) (وَالْجَمْعُ) (وَمَا أَبَانَ) مَعْطُوفَاتٌ عَلَيْهِ، وَجُمْلَةُ (اتَّصَفَ بِذَا) خَبَرُ الْوَضْعِ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ، وَالْإِشَارَةُ (بِذَا) لِرَدِّ الصُّلْحِ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهِ: (رُدَّ عَلَى الْعُمُومِ) .
[فَصْلٌ وَلِلْأَبِ الصُّلْحُ عَلَى الْمَحْجُورِ]
فَصْلٌ
وَلِلْأَبِ الصُّلْحُ عَلَى الْمَحْجُورِ ... وَلَوْ بِدُونِ حَقِّهِ الْمَأْثُورِ
إنْ خَشِيَ الْفَوْتَ عَلَى جَمِيعِ مَا ... هُوَ بِهِ يَطْلُبُ مَنْ قَدْ خَصَمَا
وَالْبِكْرُ وَحْدَهَا تُخَصُّ هَاهُنَا ... بِعَفْوِهِ عَنْ مَهْرِهَا قَبْلَ الْبِنَا
يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يُصَالِحَ عَنْ وَلَدِهِ الْمَحْجُورِ، ذَكَرًا كَانَ الْوَلَدُ أَوْ أُنْثَى، بِحَقِّهِ الْوَاجِبِ لَهُ فَأَكْثَرَ - وَلَا إشْكَالَ - كَأَنْ يَكُونَ لِوَلَدِهِ عَرَضٌ عَلَى مَدِينٍ، فَيُصَالِحُهُ الْأَبُ عَلَى عَرَضٍ آخَرَ، يُسَاوِي قِيمَةَ الْعَرَضِ الَّذِي فِي الذِّمَّةِ أَوْ أَكْثَر، وَكَذَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْ وَلَدِهِ بِأَقَلَّ مِنْ حَقِّهِ، لَكِنْ بِشَرْطٍ وَهُوَ أَنْ يَخْشَى فَوَاتَ جَمِيعِ الْحَقِّ، فَالصُّلْحُ بِبَعْضِهِ أَوْلَى مِنْ فَوْتِ جَمِيعِهِ، وَتَخْتَصُّ الْبِكْرُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لِأَبِيهَا الْعَفْوُ عَنْ نِصْفِ صَدَاقِهَا؛ إنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الْبِنَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] إلَى قَوْلِهِ: ﴿عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] (قَالَ فِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ) : قَالَ جَمَاعَةٌ فِي تَفْسِيرِ ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] : هُوَ الْأَبُ فِي ابْنَتِهِ الْبِكْرِ، مِنْهُمْ الزُّهْرِيُّ وَعَلْقَمَةُ وَالْحَسَنُ وَطَاوُسٌ وَمَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ وَبِهِ الْفَتْوَى (قَالَ فِي الْمُفِيدِ) : وَإِذَا صَالَحَ الرَّجُلُ عَلَى ابْنَتِهِ الْبِكْرِ بِبَعْضِ حَقِّهَا مِنْ مِيرَاثٍ، أَوْ صَدَاقٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ حَقُّهَا عَيْنًا، لَا خِصَامَ فِيهِ وَلَا دَعْوَى، فَلَا يَجُوزُ صُلْحُهُ عَلَيْهَا بِأَقَلَّ مِنْ حَقِّهَا، إذْ لَا يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ.
فَإِنْ رُفِعَ رَجَعَتْ بِبَاقِي حَقِّهَا عَلَى مَنْ هُوَ لَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى وَالِدِهَا، إلَّا أَنْ يَتَحَمَّلَ فِي ذَلِكَ مَا يُدْرِكُهُ مِنْ دَرْكٍ، فَيَكُونُ هُوَ الْمَطْلُوبُ بِهِ فِي عُسْرِهِ وَيُسْرِهِ، وَيَتْبَعُهُ بِذَلِكَ غَرِيمُ الِابْنَةِ، وَإِنْ كَانَ غَرِيمُهَا عَدِيمًا؛ طَلَبَتْ وَالِدَهَا بِحَقِّهَا قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ (قَالَ الشَّارِحُ) : " وَالِابْنُ وَالْبِنْتُ فِي هَذَا سَوَاءٌ، وَلِذَلِكَ أَتَى الشَّيْخُ بِلَفْظِ " الْمَحْجُورِ " الشَّامِلِ لَهُمَا "، وَذِكْرُ ابْنِ هِشَامٍ الْبِنْتَ فَقَطْ، هُوَ عَلَى وَجْهِ التَّمْثِيلِ فَقَطْ، وَلَا تَخْتَصُّ الْبِنْتُ إلَّا بِجَوَازِ الْعَفْوِ عَنْ نِصْفِ مَهْرِهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّاظِمُ بِالْبَيْتِ الثَّالِثِ (وَفِي الطُّرَرِ) قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ صَدَاقِهَا - يُرِيدُ الْبِكْرَ - إلَّا الْأَبُ وَحْدَهُ، لَا وَصِيٌّ وَلَا غَيْرُهُ (وَفِي ابْنِ يُونُسَ) : " فَأَمَّا قَبْلَ الطَّلَاقِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَضَعَ مِنْ صَدَاقِهَا شَيْئًا ".
(التَّوْضِيحُ) وَأَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَفْوَ الْوَلِيِّ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَيْضًا، وَرَأَى أَنَّهُ إذَا جَازَ ذَلِكَ لِتَحْصِيلِ زَوْجٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَلَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ الْحَاصِلِ لَهَا الَّذِي لَمْ يُطَلِّقْهَا أَوْلَى اهـ. وَالْعَفْوُ قَبْلَ الطَّلَاقِ إمَّا عَلَى شَرْطِ التَّطْلِيقِ، أَوْ عَلَى بَقَاءِ الْعِصْمَةِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَتْرُكَ لَهَا مَا يَحِلُّ بِهِ النِّكَاحُ.
وَلِلْوَصِيِّ الصُّلْحُ عَمَّنْ قَدْ حُجْر ... وَلَا يَجُوزُ مَعَ غَبْنٍ أَوْ ضَرَرْ
يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُصَالِحَ عَنْ مَحْجُورِهِ إذَا كَانَ نَظَرًا لِلْمَحْجُورِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ غَبْنٌ وَنَقْصٌ مِنْ حَقِّهِ، أَوْ عَلَيْهِ فِيهِ ضَرَرٌ لَمْ يَجُزْ.
(قَالَ ابْنُ رُشْدٍ) : وَقَعَتْ هَذِهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَظَاهِرُهَا أَنَّ الْوَصِيَّ
следующие страницы →