← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21644

مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر

داماد أفندي عبد الرحمن شيخي زاده

Полный текст (1 543 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لِفَرْضِيَّةِ الِاسْتِمَاعِ إلَّا إذَا قَرَأَ قَوْله تَعَالَى ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الْآيَةَ فَيُصَلِّي سِرًّا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ (وَالنَّائِي) أَيْ الْبَعِيدُ الَّذِي لَا يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ (وَالدَّانِي) أَيْ الْقَرِيبُ (سَوَاءٌ) فِي وُجُوبِ الِاسْتِمَاعِ وَالْإِنْصَاتِ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ. [فَصْلٌ الْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ] فَصْلٌ (الْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) أَيْ قَرِيبَةٌ مِنْ الْوَاجِبِ حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا أَهْلُ مِصْرٍ لَقُوتِلُوا وَإِذَا تَرَكَ وَاحِدٌ ضُرِبَ وَحُبِسَ وَلَا يُرَخَّصُ لِأَحَدٍ تَرْكُهَا إلَّا لِعُذْرٍ مِنْهُ الْمَطَرُ وَالطِّينُ وَالْبَرْدُ الشَّدِيدُ وَالظُّلْمَةُ الشَّدِيدَةُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا فَرِيضَةٌ ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِيهَا فِي قَوْلٍ عَنْهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَهُوَ أَيْضًا رِوَايَةٌ عَنْهُمَا. وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فَرْضُ عَيْنٍ وَهُوَ أَيْضًا رِوَايَةٌ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِنَا وَلَكِنْ غَيْرُ شَرْطٍ لِجَوَازِهَا فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ صَلَّى بِغَيْرِ جَمَاعَةٍ وَلَكِنْ يَأْثَمُ فَيَؤُولُ إلَى كَوْنِ الْمُرَادِ بِهِ الْوُجُوبَ. وَفِي الْمُفِيدِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَتَسْمِيَتُهَا سُنَّةً لِوُجُوبِهَا بِالسُّنَّةِ لَكِنْ إنْ فَاتَتْهُ جَمَاعَةٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ. وَفِي الْجَوْهَرَةِ: لَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ بِزَوْجَتِهِ أَوْ وَلَدِهِ فَقَدْ أَتَى بِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ. [أَوْلَى النَّاسِ بِالْإِمَامَةِ] (وَأَوْلَى النَّاسِ بِالْإِمَامَةِ أَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ) أَيْ بِمَا يُصْلِحُ الصَّلَاةَ وَيُفْسِدُهَا وَقَيَّدَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ تَقْدِيمَ الْأَعْلَمِ بِغَيْرِ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ، وَأَمَّا الرَّاتِبُ فَهُوَ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَفْقَهَ مِنْهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْكَلَامُ فِي أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي نَصْبِ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ. وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ: وَصَاحِبُ الْبَيْتِ أَوْلَى، وَكَذَا إمَامُ الْحَيِّ إلَّا إذَا كَانَ الضَّعِيفُ ذَا سُلْطَانٍ (ثُمَّ) أَيْ بَعْدَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْعِلْمِ (أَقْرَؤُهُمْ) أَيْ أَعْلَمُهُمْ بِالتَّجْوِيدِ وَالْمُرَاعِي لَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَحْفَظَهُمْ لِلْقُرْآنِ، وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ. (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِالْعَكْسِ) فَإِنَّهُ يَقُولُ: الْأَوْلَى أَقْرَؤُهُمْ لِقَوْلِهِ ﵊ «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى» لَهُمَا أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْعِلْمِ أَشَدُّ حَتَّى إذَا عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ أَمْكَنَهُ إصْلَاحُ صَلَاتِهِ فَكَانَ أَوْلَى. وَفِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ كَانُوا يَتَلَقَّوْنَ الْقُرْآنَ بِأَحْكَامِهِ فَكَانَ أَقْرَؤُهُمْ أَعْلَمَهُمْ. وَفِي زَمَانِنَا أَنَّهُ أَكْثَرُ مَنْ يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ لَا حَظَّ لَهُ مِنْ الْعِلْمِ فَالْأَعْلَمُ أَوْلَى لَكِنْ هَذَا بَعْدَمَا يُحْسِنُ مِنْ الْقِرَاءَةِ قَدْرَ مَا تَقُومُ بِهِ سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ وَلَمْ يُطْعَنْ فِي دِينِهِ، (ثُمَّ أَوَرَعُهُمْ) أَيْ أَشَدُّهُمْ اجْتِنَابًا عَنْ الشُّبُهَاتِ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ صَلَّى خَلْفَ عَالِمٍ تَقِيٍّ فَكَأَنَّمَا صَلَّى خَلْفَ نَبِيٍّ» (ثُمَّ أَسَنُّهُمْ) أَيْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا؛ لِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ الْأَسَنِّ تَكْثِيرَ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ أَخْشَعُ مِنْ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْأَقْدَمُ إسْلَامًا فَعَلَى هَذَا لَا يُقَدَّمُ شَيْخٌ أَسْلَمَ عَلَى شَابٍّ نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ أَسْلَمَ قَبْلَهُ لَكِنْ فِي الْمُحِيطِ مَا يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْبَرَ، وَالْآخَرُ أَوَرَعَ فَالْأَكْبَرُ أَوْلَى إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فِسْقٌ ظَاهِرٌ (ثُمَّ أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا) أَيْ أَحْسَنُهُمْ فِي الْمُعَاشَرَةِ مَعَ إخْوَانِهِ. وَفِي الْمِعْرَاجِ ثُمَّ أَحْسَنُهُمْ وَجْهًا أَيْ أَكْثَرُهُمْ صَلَاةً بِاللَّيْلِ لِلْحَدِيثِ الشَّرِيفِ «مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ

стр. 107

بِالنَّهَارِ» لَكِنْ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّكَلُّفِ بَلْ يَبْقَى عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ سَمَاحَةَ الْوَجْهِ سَبَبٌ لِكَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ خَلْفَهُ ثُمَّ أَشْرَفُهُمْ نَسَبًا ثُمَّ أَنْظَفُهُمْ ثَوْبًا؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ تَكْثِيرَ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ اسْتَوَوْا يُقْرَعُ أَوْ الْخِيَارُ إلَى الْقَوْمِ. (وَتُكْرَهُ إمَامَةُ الْعَبْدِ) سَوَاءٌ كَانَ مُعْتَقًا أَوْ غَيْرَهُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ نَقْلًا عَنْ الْخُلَاصَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّغُ لِلتَّعَلُّمِ (وَالْأَعْرَابِيِّ) وَهُوَ الَّذِي يَسْكُنُ الْبَادِيَةَ عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ عَجَمِيًّا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ الْجَهْلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ الْقَوْمِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا تُكْرَهُ إمَامَةُ الْعَرَبِيِّ الْبَلَدِيِّ لَكِنْ فِي الْكَرْمَانِيِّ أَنَّهُ تُكْرَهُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَالْأَعْمَى) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَةَ وَلَا يَهْتَدِي إلَى الْقِبْلَةِ بِنَفْسِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِيعَابِ الْوُضُوءِ غَالِبًا كَمَا فِي الدُّرَرِ وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ غَالِبًا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ بِعَدَمِ التَّقْيِيدِ أَنْ لَا تَجُوزَ الصَّلَاةُ أَصْلًا لِنُقْصَانِ الْوُضُوءِ. وَفِي الْبُرْهَانِ لَوْ لَمْ يُوجَدْ بَصِيرٌ أَفْضَلُ مِنْهُ يَكُونُ هُوَ أَوْلَى لِاسْتِخْلَافِ النَّبِيِّ ﵊ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ حِينَ خَرَجَ إلَى تَبُوكَ وَكَانَ أَعْمَى. (وَالْفَاسِقِ) أَيْ الْخَارِجِ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - بِارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُهِمُّ بِأَمْرِ دِينِهِ وَكَذَا إمَامَةُ النَّمَّامِ وَالْمُرَائِي وَالْمُتَصَنِّعِ وَشَارِبِ الْخَمْرِ (وَالْمُبْتَدِعِ) أَيْ صَاحِبِ هَوًى لَا يُكَفَّرُ بِهِ صَاحِبُهُ حَتَّى إذَا كُفِّرَ بِهِ لَمْ تَجُزْ أَصْلًا قَالَ الْمَرْغِينَانِيُّ: تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَ صَاحِبِ هَوًى إلَّا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ خَلْفَ الرَّافِضِيِّ وَالْجُهَنِيِّ وَالْقَدَرِيِّ وَالْمُشَبِّهَةِ، وَمَنْ يَقُولُ: بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَالرَّافِضِيُّ إنْ فَضَّلَ عَلِيًّا فَهُوَ مُبْتَدِعٌ، وَإِنْ أَنْكَرَ خِلَافَةَ الصِّدِّيقِ فَهُوَ كَافِرٌ. (وَوَلَدِ الزِّنَا) أَيْ لَيْسَ لَهُ أَبٌ يُؤَدِّبُهُ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْجَهْلُ كَمَا فِي الدُّرَرِ لَكِنْ هَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ الْكَرَاهَةِ إذَا كَانَ أَعْلَمَ زَمَانِهِ بَلَى الْأَوْجَهُ تَنَفُّرُ الطَّبْعِ عَنْهُ فَيَلْزَمُ تَقْلِيلُ الْجَمَاعَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي اقْتِدَاءِ الشَّافِعِيِّ وَفِي وِتْرِ النِّهَايَةِ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ. وَفِي الْجَوَاهِرِ فَالْأَحْوَطُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ خَلْفَهُ هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ، وَأَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَتَعَصَّبُ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ فَصْدِهِ وَنَحْوِهِ أَوْ لَمْ يَغْسِلْ ثَوْبَهُ مِنْ الْمَنِيِّ، أَوْ لَمْ يَفْرُكْهُ أَوْ تَوَضَّأَ مِنْ مَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ أَوْ نَجِسٍ أَوْ أَشْبَاهِهَا مِمَّا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ عِنْدَنَا لَا يَجُوزُ اقْتِدَاؤُهُ (فَإِنْ تَقَدَّمُوا جَازَ) لِقَوْلِهِ ﵊ «صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ» ، وَالْفَاسِقُ إذَا تَعَذَّرَ مَنْعُهُ تُصَلَّى الْجُمُعَةُ خَلْفَهُ وَفِي غَيْرِهَا يَنْتَقِلُ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يُصَلِّيَانِ الْجُمُعَةَ خَلْفَ الْحَجَّاجِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ أَفْسَقَ أَهْلِ زَمَانِهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ. (وَيُكْرَهُ تَطْوِيلُ الْإِمَامِ) عَنْ الْقَدْرِ الْمَسْنُونِ (الصَّلَاةَ) بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا إذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ. (وَكَذَا) يُكْرَهُ (جَمَاعَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ) ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُنَّ إحْدَى الْمَحْظُورَيْنِ إمَّا قِيَامُ الْإِمَامِ وَسَطَ الصَّفِّ، أَوْ تَقَدُّمُهُ وَهُمَا مَكْرُوهَانِ فِي حَقِّهِنَّ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ إلَّا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَإِنَّهَا لَا تُكْرَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا فَرِيضَةٌ وَلَا تُتْرَكُ بِالْمَحْظُورِ (فَإِنْ فَعَلْنَ) أَيْ إنْ صَلَّيْنَ جَمَاعَةً وَارْتَكَبْنَ الْكَرَاهَةَ (يَقِفُ الْإِمَامُ) الْإِمَامُ مَنْ يُؤْتَمُّ بِهِ أَيْ يُقْتَدَى بِهِ ذَكَرًا كَانَ

стр. 108

أَوْ أُنْثَى فَلِهَذَا لَمْ يُدْخِلْ تَاءَ التَّأْنِيثِ (وَسَطَهُنَّ) ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ فَعَلَتْ كَذَا حِينَ كَانَتْ جَمَاعَتُهُنَّ مُسْتَحَبَّةً ثُمَّ نُسِخَ الِاسْتِحْبَابُ. وَفِي السِّرَاجِ وَإِنَّمَا أَرْشَدَ إلَى التَّوَسُّطِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ كَرَاهَةً مِنْ التَّقَدُّمِ لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَقِبَهَا عَنْ عَقِبِ مَنْ خَلْفَهَا لِيَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ حَتَّى لَوْ تَأَخَّرَ لَمْ يَصِحَّ وَالْوَسَطُ بِالتَّحْرِيكِ اسْمُ مَا بَيْنَ طَرَفَيْ الشَّيْءِ كَمَرْكَزِ الدَّائِرَةِ وَبِالسُّكُونِ اسْمٌ لِدَاخِلِهَا وَكِلَاهُمَا مُحْتَمَلٌ هَا هُنَا بَلْ الْأَوَّلُ أَوْلَى كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَقَعُ مَوْقِعَ الْآخَرِ، قَالَ الْجَزَرِيُّ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ كَمَا فِي الرَّامُوزِ، وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا قِيلَ، وَلَا يَجُوزُ فَتْحُهَا فَلْيُتَأَمَّلْ (كَالْعُرَاةِ) التَّشْبِيهُ رَاجِعٌ إلَى الْحُكْمِ وَالْكَيْفِيَّةِ لَا مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْعُرَاةِ قُعُودًا أَفْضَلُ دُونَ النِّسَاءِ. (وَلَا يَحْضُرْنَ الْجَمَاعَاتِ) فِي كُلِّ الصَّلَاةِ نَهَارِيَّةً أَوْ لَيْلِيَّةً لِقَوْلِهِ ﵊ «صَلَاتُهَا فِي قَعْرِ بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي صَحْنِ دَارِهَا وَصَلَاتُهَا فِي صَحْنِ دَارِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي مَسْجِدِهَا وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» وَلِأَنَّهُ لَا تُؤْمَنُ الْفِتْنَةُ مِنْ خُرُوجِهِنَّ (إلَّا الْعَجُوزَ فِي الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) وَكَذَا الْعِيدَيْنِ لِنَوْمِ الْفُسَّاقِ فِي الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ وَاشْتِغَالِهِمْ بِالْأَكْلِ فِي الْمَغْرِبِ وَاتِّسَاعِ الْجَبَّانَةِ فِي الْعِيدَيْنِ فَيُمْكِنُهَا الِاعْتِزَالُ عَنْ الرِّجَالِ هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَقِيلَ الْمَغْرِبُ كَالظُّهْرِ وَالْجُمُعَةُ كَالْعِيدَيْنِ (وَجَوَّزَا) أَيْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ (حُضُورَهَا) أَيْ الْعَجُوزِ (فِي الْكُلِّ) لِانْعِدَامِ الْفِتْنَةِ لِقِلَّةِ الرَّغْبَةِ فِيهِنَّ، لَكِنْ هَذَا الْخِلَافُ فِي زَمَانِهِمْ وَأَمَّا فِي زَمَانِنَا فَيُمْنَعْنَ عَنْ حُضُورِ الْجَمَاعَاتِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَقَيَّدَ بِالْعَجُوزِ؛ لِأَنَّ الشَّابَّةَ لَيْسَ لَهَا الْحُضُورُ اتِّفَاقًا الشَّابَّةُ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ إلَى تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَالْعَجُوزُ مِنْ خَمْسِينَ إلَى آخِرِ الْعُمُرِ. (وَمَنْ صَلَّى مَعَ وَاحِدٍ أَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ) أَيْ يَقِفُ الْمُؤْتَمُّ الْوَاحِدُ رَجُلًا أَوْ صَبِيًّا فِي جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ مُسَاوِيًا لَهُ وَلَا يَتَأَخَّرُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَضَعُ أَصَابِعَهُ عِنْدَ عَقِبِ الْإِمَامِ، وَلَوْ قَامَ عَنْ يَسَارِهِ جَازَ وَيُكْرَهُ. وَفِي كَرَاهَةِ الْقِيَامِ خَلْفَهُ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فَإِنَّهُ يُقِيمُ الرَّجُلَ عَنْ يَمِينِهِ وَالْمَرْأَةَ خَلْفَهُمَا. (وَيَتَقَدَّمُ) أَيْ الْإِمَامُ (عَلَى الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا) ؛ لِأَنَّهُ ﵊ فَعَلَ ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُتَوَسَّطُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَقَدَّمَ إذَا كَانَ الْمُؤْتَمُّ مُتَعَدِّدًا لَا أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالتَّأْخِيرِ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ. (وَيُصَفُّ الرِّجَالُ) فِي الِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُوا الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» ، (ثُمَّ الصِّبْيَانُ) ، (ثُمَّ الْخَنَاثَى) بِفَتْحِ الْخَاءِ جَمْعُ الْخُنْثَى وَهُوَ مَعْرُوفٌ وَالْمُرَادُ مِنْهُ مَنْ يَكُونُ حَالُهُ مُشْكِلًا فَإِنْ تَبَيَّنَ حَالُهُ يُعَدُّ مِنْهُ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ صِيَغَ الْجَمْعِ فِي بَيَانِ الصُّفُوفِ؛ لِأَنَّ الصَّفَّ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى الْجَمَاعَةِ، (ثُمَّ النِّسَاءُ) . وَفِي الْبَحْرِ قِيلَ وَلَيْسَ هَذَا التَّرْتِيبُ بِحَاصِرٍ بِجُمْلَةِ الْأَقْسَامِ الْمُمْكِنَةِ فَإِنَّهَا تَنْتَهِي إلَى اثْنَيْ عَشَرَ قِسْمًا وَالتَّرْتِيبُ الْحَاصِرُ لَهَا أَنْ يُقَدَّمَ الْأَحْرَارُ الْبَالِغُونَ ثُمَّ الْأَحْرَارُ الصِّبْيَانُ ثُمَّ الْعَبِيدُ الْبَالِغُونَ ثُمَّ الْعَبِيدُ الصِّبْيَانُ ثُمَّ الْأَحْرَارُ الْخَنَاثَى الْكِبَارُ ثُمَّ الْأَحْرَارُ الْخَنَاثَى الصِّغَارُ ثُمَّ الْأَرِقَّاءُ الْخَنَاثَى الْكِبَارُ ثُمَّ الْأَرِقَّاءُ

стр. 109

الْخَنَاثَى الصِّغَارُ ثُمَّ الْحَرَائِرُ الْكِبَارُ ثُمَّ الْحَرَائِرُ الصِّغَارُ ثُمَّ الْإِمَاءُ الْكِبَارُ ثُمَّ الْإِمَاءُ الصِّغَارُ. (فَإِنْ حَاذَتْهُ) أَيْ حَاذَتْ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ، وَحَدُّ الْمُحَاذَاةِ أَنْ يُحَاذِيَ عُضْوٌ مِنْهَا عُضْوًا مِنْ الرَّجُلِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الظُّلَّةِ وَالرَّجُلُ بِحِذَائِهَا أَسْفَلَ مِنْهَا إنْ كَانَ يُحَاذِي الرَّجُلُ مِنْهَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ. وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: الْمُعْتَبَرُ فِي الْمُحَاذَاةِ الْكَعْبُ وَالسَّاقُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي إطْلَاقِهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ قَلِيلَ الْمُحَاذَاةِ مُفْسِدٌ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَيُشْتَرَطُ مِقْدَارُ رُكْنٍ حَتَّى لَوْ تَحَرَّمَتْ فِي صَفٍّ وَرَكَعَتْ فِي آخَرَ وَسَجَدَتْ فِي ثَالِثٍ فَسَدَتْ صَلَاةُ مَنْ عَنْ يَمِينِهَا أَوْ يَسَارِهَا وَخَلْفَهَا مِنْ كُلِّ صَفٍّ (مُشْتَهَاةٌ) أَيْ امْرَأَةٌ عَاقِلَةٌ مُشْتَهَاةٌ فِي الْحَالِ، وَفِي الْمَاضِي مَحْرَمًا كَانَتْ أَوْ أَجْنَبِيَّةً فَيَدْخُلُ فِيهَا الْعَجُوزُ وَتَخْرُجُ عَنْهَا الصَّبِيَّةُ الَّتِي لَا تُشْتَهَى، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَةَ لَا تُفْسِدُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهَا لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَجْنُونَةَ لَا تَخْرُجُ بِالْمُشْتَهَاةِ كَمَا تَوَهَّمَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الشَّهْوَةِ فِي الْجُمْلَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْقَيْدِ فَلْيُتَأَمَّلْ، (فِي صَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ) وَهِيَ الَّتِي لَهَا رُكُوعٌ وَسُجُودٌ وَلَوْ بِالْإِيمَاءِ وَاحْتَرَزَ بِهَا عَنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ (مُشْتَرَكَةٍ) ؛ لِأَنَّ مُحَاذَاتَهَا لِمُصَلٍّ لَيْسَ فِي صَلَاتِهَا لَا تُفْسِدُ لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (تَحْرِيمَةً) بِأَنْ يَبْنِيَ أَحَدُهُمَا تَحْرِيمَتَهُ عَلَى تَحْرِيمَةِ الْآخَرِ أَوْ بَنَيَا تَحْرِيمَتَهُمَا عَلَى تَحْرِيمَةٍ ثَالِثَةٍ (وَأَدَاءً) بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا إمَامًا لِلْآخَرِ أَوْ يَكُونَ لَهُمَا إمَامًا فِيمَا يُؤَدِّيَانِهِ حَقِيقَةً كَالْمُدْرِكِ، وَهُوَ الَّذِي أَتَى الصَّلَاةَ جَمِيعَهَا مَعَ الْإِمَامِ بِأَنْ تَكُونَ تَحْرِيمَتُهُ عَلَى تَحْرِيمَةِ الْإِمَامِ وَأَدَاؤُهُ عَلَى أَدَائِهِ أَوْ تَقْدِيرًا كَاللَّاحِقِ وَهُوَ الَّذِي فَاتَهُ مِنْ آخِرِ الصَّلَاةِ بِسَبَبِ نَوْمٍ أَوْ سَبْقِ حَدَثٍ بِأَنْ يَكُونَ تَحْرِيمَتُهُ عَلَى تَحْرِيمَةِ الْإِمَامِ حَقِيقَةً وَأَدَاؤُهُ فِيمَا يَقْضِيهِ عَلَى أَدَائِهِ تَقْدِيرًا؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ مُتَابَعَتَهُ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ بِالتَّحْرِيمَةِ؛ وَلِهَذَا لَا يَقْرَأُ فِيمَا يَقْضِيهِ وَلَا يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِتَبَدُّلِ اجْتِهَادِهِ فِي الْقِبْلَةِ وَلَا يَنْقَلِبُ فَرْضُهُ أَرْبَعًا إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ وَإِنَّمَا قَيَّدَ الِاشْتِرَاكَ بِالْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ لَوْ ثَبَتَ فِي التَّحْرِيمَةِ دُونَ الْأَدَاءِ كَمَا إذَا كَانَا مَسْبُوقَيْنِ وَقَامَا لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُمَا لَا تُفْسِدُ مُحَاذَاتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِمُشْتَرِكَيْنِ أَدَاءً بَلْ هُمَا فِي حُكْمِ الْمُنْفَرِدَيْنِ فِيمَا يَقْضِيَانِهِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِمَا وَالسُّجُودِ لِسَهْوِهِمَا، وَيَنْقَلِبُ الْفَرْضُ أَرْبَعًا إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: إنَّ ذِكْرَ الِاشْتِرَاكِ فِي الْأَدَاءِ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ الِاشْتِرَاكِ فِي التَّحْرِيمَةِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ بِاسْتِدْرَاكِ الْأَدَاءِ أَيْضًا فَإِنَّ الْمُشْتَرِكَةَ عَلَى مَا فِي الْيَنَابِيعِ أَنْ تَقْتَدِيَ الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ الرِّجَالِ مِنْ أَوَّلِ صَلَاةِ الْإِمَامِ انْتَهَى، لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ أَوْرَدَ كُلًّا مِنْهُمَا بِالذِّكْرِ تَفْصِيلًا بِمَحَلِّ الْخِلَافِ عَنْ مَحَلِّ الْوِفَاقِ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْمُؤَلِّفِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ تَحْرِيمَةً شَرْطٌ اتِّفَاقًا، وَالِاشْتِرَاكُ أَدَاءً شَرْطٌ عَلَى الْأَصَحِّ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ (فِي مَكَان مُتَّحِدٍ بِلَا حَائِلٍ) وَأَدْنَاهُ قَدْرُ مُؤَخِّرَةِ الرِّجْلِ

стр. 110

وَغِلَظُهُ غِلَظُ الْأُصْبُعِ، وَالْفُرْجَةُ تَقُومُ مَقَامَهُ، وَأَدْنَاهَا قَدْرُ مَا يَقُومُ الرَّجُلُ (فَسَدَتْ صَلَاتُهُ) أَيْ صَلَاةُ الرَّجُلِ اسْتِحْسَانًا دُونَ صَلَاتِهَا لِتَرْكِهِ فَرْضَ الْمَقَامِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّأْخِيرِ لِقَوْلِهِ ﵊ «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» وَأَنَّهُ مِنْ الْمَشَاهِيرِ، وَهُوَ الْمُخَاطَبُ دُونَهَا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَفْسُدَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ اعْتِبَارًا بِصَلَاتِهَا (إنْ نُوِيَتْ إمَامَتُهَا) أَيْ إنْ نَوَى الْإِمَامُ إمَامَتَهَا بِعَيْنِهَا أَوْ إمَامَةَ النِّسَاءِ وَقْتَ الشُّرُوعِ لَا بَعْدَهُ. وَفِي الْبَحْرِ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا الْقَيْدِ؛ لِأَنَّهُ عُلِمَ مِنْ قَيْدِ الِاشْتِرَاكِ؛ لِأَنَّهُ لَا اشْتِرَاكَ إلَّا بِنِيَّةِ إمَامَتِهَا؛ إذْ لَوْ لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهَا لَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهَا. (وَلَا تَدْخُلُ فِي صَلَاتِهِ بِلَا نِيَّتِهِ إيَّاهَا) أَيْ لَا تَدْخُلُ الْمَرْأَةُ فِي صَلَاةِ الرَّجُلِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهَا الْإِمَامُ. وَقَالَ زُفَرُ: تَدْخُلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ كَالرَّجُلِ، وَلَنَا أَنَّهُ يَلْحَقُهُ مِنْ جِهَتِهَا ضَرَرٌ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِمَالِ بِأَنْ تَقِفَ فِي جَنْبِهِ فَتُفْسِدَ صَلَاتَهُ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَحْتَرِزَ عَنْ ذَلِكَ بِتَرْكِ السُّنَّةِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَالتَّعْلِيلِ لِمَا قَبْلَهَا. (وَفَسَدَ اقْتِدَاءُ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ) لِمَا رَوَيْنَا. وَفِي الْخُلَاصَةِ وَإِمَامَةُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ لِلنِّسَاءِ جَائِزَةٌ وَلِلرِّجَالِ، وَالْخُنْثَى مِثْلِهِ لَا يَجُوزُ (أَوْ صَبِيٍّ) أَيْ فَسَدَ اقْتِدَاءُ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ بِصَبِيٍّ فِي فَرْضٍ قَضَاءً وَأَدَاءً بِالِاتِّفَاقِ إلَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ يَجُوزُ وَفِي النَّفْلِ رِوَايَتَانِ عَنَّا قِيلَ: يَجُوزُ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّ نَفْلَ الصَّبِيِّ دُونَ نَفْلِ الْبَالِغِ حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بِالْإِفْسَادِ، وَلَا يُبْنَى الْقَوِيُّ عَلَى الضَّعِيفِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَدَى بِهِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَإِلَى أَنَّهُ يَقْتَدِي الصَّبِيُّ بِالصَّبِيِّ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ (وَطَاهِرٍ) أَيْ صَحِيحٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ (بِمَعْذُورٍ) أَيْ بِمَنْ بِهِ عُذْرٌ، وَهُوَ كَسَلَسِ الْبَوْلِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّي مَعَ الْحَدَثِ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا جُعِلَ حَدَثُهُ كَالْعَدَمِ لِلْحَاجَةِ إلَى الْأَدَاءِ فَكَانَ أَضْعَفَ حَالًا مِنْ الطَّاهِرِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ اقْتِدَاءِ الْمَعْذُورِ بِمِثْلِهِ إنْ اتَّحَدَ عُذْرُهُمَا، وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ. وَفِي الْمُجْتَبَى: وَاقْتِدَاءُ الْمُسْتَحَاضَةِ بِالْمُسْتَحَاضَةِ وَالضَّالَّةِ بِالضَّالَّةِ لَا يَجُوزُ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَعَلَّهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ حَائِضًا أَمَّا إذَا انْتَفَى الِاحْتِمَالُ فَيَنْبَغِي الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَّحِدِ (وَقَارِئٍ بِأُمِّيٍّ) وَالْأُمِّيُّ فِي الْأَصْلِ مَنْ لَا يَكْتُبُ وَلَا يَقْرَأُ أَوْ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْخَطَّ مَنْسُوبٌ إلَى الْأُمَّةِ فَحُذِفَتْ التَّاءُ فَهُوَ كَالْعَامِّيِّ أَوْ عَادَةِ الْعَامَّةِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى اقْتِدَاءِ أَخْرَسَ بِأَخْرَسَ أَوْ أُمِّيٍّ بِأُمِّيٍّ كَمَا فِي الْمُحِيطِ. وَفِي إمَامَةِ الْأَخْرَسِ بِالْأُمِّيِّ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْأُمِّيَّ أَقْوَى حَالًا مِنْهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى التَّحْرِيمَةِ (وَمُكْتَسٍ) أَيْ لَابِسٍ. وَلَوْ قَالَ وَمَسْتُورٍ بِعَارٍ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَنْ سَتَرَ عَوْرَتَهُ بِالسَّرَاوِيلِ لَا يُسَمَّى مُكْتَسِيًا فِي الْعُرْفِ مَعَ أَنَّهُ تَصِحُّ صَلَاةُ الْمُكْتَسِي خَلْفَهُ كَمَا أَفَادَهُ صَاحِبُ السِّرَاجِ (بِعَارٍ وَغَيْرِ مُومٍ بِمُومٍ) خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ فِيهِمَا (وَمُفْتَرِضٍ) . وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْفَرْضُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ كَمَا إذَا نَذَرَ (بِمُتَنَفِّلٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَضْعَفُ حَالًا مِنْهُ (أَوْ بِمُفْتَرِضٍ فَرْضًا آخَرَ) كَمُصَلِّي الظُّهْرِ اقْتَدَى بِمُصَلِّي الْعَصْرِ

стр. 111

لِانْتِفَاءِ الشَّرِكَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَكُونُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا قَضَاءً، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ فِيهِمَا، وَكَذَا لَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ النَّاذِرِ بِالنَّاذِرِ إلَّا إذَا نَذَرَ أَحَدُهُمَا عَيْنَ مَا نَذَرَهُ الْآخَرُ، وَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ الْحَالِفِ بِالْحَالِفِ وَلَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ النَّاذِرِ بِالْحَالِفِ وَبِالْعَكْسِ يَجُوزُ. وَفِي النَّوَادِرِ رَجُلَانِ افْتَتَحَا الصَّلَاةَ وَنَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ إمَامًا لِصَاحِبِهِ فَصَلَاتُهُمَا تَامَّةٌ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ فَلَغَتْ النِّيَّةُ، وَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ شَارِعًا فِي صَلَاةِ نَفْسِهِ، وَإِنْ نَوَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنْ يَأْتَمَّ بِصَاحِبِهِ فَصَلَاتُهُمَا فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ قَصَدَ الِاشْتِرَاكَ وَلَمْ تَصِحَّ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ إمَامًا وَمُؤْتَمًّا. (وَيَجُوزُ) (اقْتِدَاءُ غَاسِلٍ بِمَاسِحٍ) لِاسْتِوَاءِ حَالِهِمَا؛ لِأَنَّ الْخُفَّ مَانِعٌ مِنْ سِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ وَمَا حَلَّ بِالْخُفِّ يُزِيلُهُ الْمَسْحُ، وَالْمَاسِحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ كَالْمَاسِحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَلْ هُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ كَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهُ. (وَمُتَنَفِّلٍ بِمُفْتَرِضٍ) ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَقْوَى؛ إذْ الْحَاجَةُ فِي حَقِّ الْمُتَنَفِّلِ إلَى أَصْلِ الصَّلَاةِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْفَرْضِ، وَزِيَادَةُ صِفَةِ الْفَرْضِيَّةِ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْأَخِيرَيْنِ فَرْضٌ فِي حَقِّ الْمُتَنَفِّلِ وَفِي الْفَرْضِ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي أَخَذَتْ حُكْمَ صَلَاةِ الْإِمَامِ بِسَبَبِ الِاقْتِدَاءِ (وَمُومٍ بِمِثْلِهِ) سَوَاءٌ كَانَا قَائِمَيْنِ أَوْ قَاعِدَيْنِ أَوْ مُسْتَلْقِيَيْنِ أَوْ مُضْطَجِعَيْنِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُومِي قَاعِدًا بِالْمُومِي مُضْطَجِعًا وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُشْعِرُ عَدَمَ الْجَوَازِ كَمَا فِي الدُّرَرِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بِمِثْلِهِ وَلَمْ يَقُلْ بِمُومٍ لَكِنْ فِي النِّهَايَةِ الْأَصَحُّ الْجَوَازُ (وَقَائِمٍ بِأَحْدَبَ) أَيْ الْمُنْحَنِي سَوَاءٌ كَانَ أَحْدَبَ أَوْ أَقْعَسَ لِاسْتِوَاءِ النِّصْفِ الْأَسْفَلِ وَكَذَا الْأَعْرَجُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْأَحْدَبِ لِلْقَائِمِ وَقِيلَ: تَجُوزُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. (وَكَذَا) يَجُوزُ (اقْتِدَاءُ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ خَلَفٌ عَنْ الْمَاءِ عِنْدَهُمَا فَيَكُونُ شَرْطُ الصَّلَاةِ مَوْجُودًا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا فِي الْغَاسِلِ وَالْمَاسِحِ وَلَا يَقْتَدِي بِالْمُتَيَمِّمِ مُتَوَضِّئٌ مَعَهُ مَاءٌ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ (وَالْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ) ؛ لِأَنَّهُ ﵊ «صَلَّى آخِرَ صَلَاتِهِ قَاعِدًا، وَالْقَوْمُ خَلْفَهُ قِيَامٌ» (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي أَوَّلٍ التَّيَمُّمُ خَلَفٌ عَنْ الْوُضُوءِ فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ؛ إذْ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْأَصْلِ أَنْ يَبْنِيَ صَلَاتَهُ عَلَى صَلَاةِ صَاحِبِ الْخَلَفِ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ حَالَ الْقَائِمِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ كَامِلٌ فَلَا يَجُوزُ اقْتِدَاؤُهُ بِالنَّاقِصِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ. (وَإِنْ عَلِمَ) الْمَأْمُومُ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ (أَنَّ إمَامَهُ كَانَ مُحْدِثًا) حِينَ صَلَّى (أَعَادَ) لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ أَمَّ قَوْمًا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا أَعَادَ صَلَاتَهُ، وَأَعَادُوا» وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاقْتِدَاءَ عِنْدَهُ أَدَاءٌ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَافَقَةِ لَا فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ. وَفِي التَّنْوِيرِ إذَا ظَهَرَ حَدَثُ إمَامِهِ بَطَلَتْ فَيَلْزَمُ إعَادَتُهَا، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الْكَنْزِ حَيْثُ قَالَ: أَعَادَ أَيْ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ، وَمُرَادُهُ بِالْإِعَادَةِ الْإِتْيَانُ بِالْفَرْضِ لَا الْإِعَادَةُ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ الْجَابِرَةُ لِلنَّقْصِ فِي الْمُؤَدَّى

стр. 112

انْتَهَى، وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ عِبَارَةَ الْكَنْزِ مُوَافِقَةٌ لِلْحَدِيثِ، وَالْمُوَافِقَةُ أَوْلَى فَلِهَذَا اخْتَارَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ. (وَإِنْ اقْتَدَى أُمِّيٌّ وَقَارِئٌ بِأُمِّيٍّ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْكُلِّ) عِنْدَ الْإِمَامِ سَوَاءٌ عَلِمَ الْإِمَامُ أَنَّ فِي خَلْفِهِ قَارِئًا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (وَقَالَا: صَلَاةُ الْقَارِئِ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ الْأُمِّيَّ مَعْذُورٌ مِثْلُ الْإِمَامِ كَمَا إذَا أَمَّ الْعَارِي عَارِيًّا وَكَاسِيًا وَالْجَرِيحُ جَرِيحًا وَصَحِيحًا وَلَهُ أَنَّ الْإِمَامَ تَرَكَ فَرْضَ الْقِرَاءَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَدَى بِالْقَارِئِ تَكُونُ قِرَاءَتُهُ قِرَاءَةً لَهُ بِخِلَافِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَأَمْثَالِهَا؛ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ لَا يَكُونُ مَوْجُودًا فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي، وَلَوْ كَانَ يُصَلِّي الْأُمِّيُّ وَحْدَهُ، وَالْقَارِئُ وَحْدَهُ جَازَ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُمَا رَغْبَةٌ فِي الْجَمَاعَةِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. وَفِي النِّهَايَةِ لَوْ اقْتَدَى الْأُمِّيُّ أُمِّيًّا ثُمَّ حَضَرَ الْقَارِئُ فَفِيهِ قَوْلَانِ، وَلَوْ حَضَرَ الْأُمِّيُّ بَعْدَ افْتِتَاحِ الْقَارِئِ فَلَمْ يَقْتَدِ بِهِ، وَصَلَّى مُنْفَرِدًا فَالْأَصَحُّ أَنَّ صَلَاتَهُ فَاسِدَةٌ انْتَهَى فَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا فِي الْهِدَايَةِ تَدَبَّرْ. (وَلَوْ اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ الْقَارِئُ أُمِّيًّا فِي الْأُخْرَيَيْنِ) بَعْدَ مَا قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ (فَسَدَتْ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ صَلَاةٌ فَلَا يَجُوزُ خُلُوُّهَا عَنْ الْقِرَاءَةِ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا وَلَا تَقْدِيرَ فِي حَقِّ الْأُمِّيِّ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ. وَقَالَ زُفَرُ: لَا تَفْسُدُ لِتَأَدِّي فَرْضِ الْقِرَاءَةِ هَذَا إذَا قَدَّمَهُ فِي التَّشَهُّدِ قَبْلَ الْفَرَاغِ أَمَّا لَوْ اسْتَخْلَفَهُ بَعْدَهُ فَهُوَ صَحِيحٌ بِالْإِجْمَاعِ لِخُرُوجِهِ عَنْ الصَّلَاةِ بِصُنْعِهِ وَقِيلَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ كَمَا فِي الْغَايَةِ. [بَابُ الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ] لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ السَّالِمَةِ فِي حَالَةِ الِانْفِرَادِ وَالْجَمَاعَةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَلْحَقُهَا مِنْ الْعَوَارِضِ الْمَانِعَةِ مِنْ الْمُضِيِّ فِيهَا (مَنْ سَبَقَهُ) أَيْ عَرَضَ لَهُ بِلَا اخْتِيَارٍ (حَدَثٌ) غَيْرُ مَانِعٍ لِلْبِنَاءِ كَالْجَنَابَةِ وَغَيْرِهَا (فِي الصَّلَاةِ تَوَضَّأَ) بِلَا مُكْثٍ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِلَا مُكْثٍ لِأَنَّ جَوَازَ الْبِنَاءِ شَرْطُهُ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنْ سَاعَتِهِ حَتَّى لَوْ أَدَّى رُكْنًا مَعَ حَدَثٍ أَوْ مَكَثَ مَكَانَهُ قَدْرَ مَا يُؤَدِّي رُكْنًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ لَيْسَ بِإِطْلَاقِهِ لِأَنَّهُ إذَا أَحْدَثَ بِالنَّوْمِ وَمَكَثَ سَاعَةً ثُمَّ انْتَبَهَ فَإِنَّهُ يَبْنِي كَمَا فِي التَّبْيِينِ (وَبَنَى) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ بَلْ يَسْتَقْبِلُ لِأَنَّ الْحَدَثَ يُنَافِي الصَّلَاةَ إذْ لَا وُجُودَ لِلشَّيْءِ مَعَ مُنَافِيه وَهُوَ الْقِيَاسُ لَكِنْ تَرَكْنَاهُ بِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ أَوْ أَمَذَى فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ» (وَالِاسْتِئْنَافُ أَفْضَلُ) تَحَرُّزًا عَنْ شُبْهَةِ الْخِلَافِ وَقِيلَ إنَّ الْمُنْفَرِدَ يَسْتَأْنِفُ وَالْإِمَامَ وَالْمُقْتَدِيَ يَبْنِيَانِ لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ. (وَإِنْ كَانَ) الْمُحْدِثُ (إمَامًا جَرَّ) بِأَخْذِ الثَّوْبِ أَوْ الْإِشَارَةِ (آخَرَ) مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ، وَالْمُدْرِكُ أَوْلَى مِنْ اللَّاحِقِ

стр. 113

وَالْمَسْبُوقِ (إلَى مَكَانِهِ) وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى فَمِهِ مُوهِمًا أَنَّهُ رَعَفَ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ وَلَوْ أَحْدَثَ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ يَتَأَخَّرُ مُحْدَوْدِبًا ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَلَا يَرْتَفِعُ مُسْتَوِيًا فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَيُشِيرُ إلَيْهِ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَى الرُّكْبَةِ لِتَرْكِ الرُّكُوعِ وَعَلَى الْجَبْهَةِ لِلسُّجُودِ وَعَلَى الْفَمِ لِلْقِرَاءَةِ وَيُشِيرُ بِأُصْبُعٍ إلَى رَكْعَةِ وَبِأُصْبُعَيْنِ إلَى رَكْعَتَيْنِ هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْخَلِيفَةُ ذَلِكَ أَمَّا إذَا عَلِمَ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ، (فَإِذَا تَوَضَّأَ) الْإِمَامُ (عَادَ وَأَتَمَّ فِي مَكَانِهِ حَتْمًا إنْ كَانَ إمَامُهُ) أَيْ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ فَإِنَّهُ إمَامٌ لَهُ وَلِلْقَوْمِ (لَمْ يَفْرُغْ) عَنْ الصَّلَاةِ وَكَذَا الْمُقْتَدِي إذَا سَبَقَهُ حَدَثٌ حَتَّى لَوْ صَلَّى فِي مَكَان آخَرَ لَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَقَدْ بَنَى فِي مَوْضِعٍ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ انْفِرَادُهُ لِأَنَّ الِانْفِرَادَ فِي مَوْضِعِ الِاقْتِدَاءِ مُفْسِدٌ. وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ يَشْتَغِلُ أَوَّلًا بِقَضَاءِ مَا سَبَقَهُ الْإِمَامُ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ لِأَنَّهُ لَاحِقٌ ثُمَّ يَقْضِي آخِرَ صَلَاتِهِ وَلَوْ تَابَعَ الْإِمَامَ أَوَّلًا جَازَ وَيَقْضِي مَا فَاتَهُ لِأَنَّ تَرْتِيبَ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ كَانَ إمَامُهُ قَدْ فَرَغَ مِنْهَا (فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْعَوْدِ وَبَيْنَ الْإِتْمَامِ حَيْثُ) أَيْ فِي مَكَان (تَوَضَّأَ) وَإِنَّمَا خُيِّرَ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ أَدَاءَ الصَّلَاةِ فِي مَكَان وَاحِدٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَالْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ وَهُوَ أَفْضَلُ كَمَا فِي الْكَافِي وَفِي الثَّانِي قِلَّةَ الْمَشْيِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبَعْضِ (كَالْمُنْفَرِدِ) أَيْ كَمَا هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا. (وَلَوْ أَحْدَثَ) الْمُصَلِّي (عَمْدًا) أَيْ بِاخْتِيَارِهِ وَقَصْدِهِ (اسْتَأْنَفَ) لِأَنَّ الْبِنَاءَ ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَاقْتَصَرَ عَلَى مَوْرِدِهِ فَلَمْ يَجُزْ الْبِنَاءُ فِي الْعَمْدِ. (وَكَذَا لَوْ جُنَّ) هُوَ مِنْ أَفْعَالٍ لَمْ يُسْتَعْمَلْ إلَّا مَجْهُولًا (أَوْ أُغْمِيَ) عَلَيْهِ أَوْ احْتَلَمَ بِأَنْ نَامَ فِي الصَّلَاةِ نَوْمًا لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ أَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ غُسْلٌ فَيَشْمَلُ مَا إذَا حَاضَتْ أَوْ أَنْزَلَ بِالنَّظَرِ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ قَهْقَهَ) نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا لِأَنَّهُ كَالْكَلَامِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الضَّحِكَ غَيْرُ مَانِعٍ كَمَا فِي الْمُحِيطِ (أَوْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ مَانِعَةٌ) مِنْ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ بَدَنِهِ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا فِي الْمَنْحِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْبِنَاءِ نَجَاسَةُ الْغَيْرِ لَا نَجَاسَتُهُ وَهَذَا يُخَالِفُ مَا فِي الْمِنَحِ تَدَبَّرْ. (أَوْ شُجَّ) فَسَالَ دَمُهُ وَقَالَ ابْنُ مَلَكٍ. وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ وَقَعَ عَلَى رَأْسِهِ الْكُمَّثْرَى مِنْ الشَّجَرَةِ فِي صَلَاتِهِ فَشَجَّهُ يَبْنِي عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ فَصَارَ كَالسَّمَاوِيِّ وَعِنْدَهُمَا لَا يَبْنِي لِأَنَّ إنْبَاتَ الشَّجَرَةِ كَانَ بِصُنْعِ الْعِبَادِ فَلَا يَكُونُ كَالسَّمَاوِيِّ انْتَهَى. وَقَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ: نَعَمْ إنْبَاتُ الشَّجَرَةِ كَانَ بِصُنْعِ الْعِبَادِ لَكِنْ لَيْسَ بِصُنْعِ الْمُصَلِّي انْتَهَى، وَفِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِصُنْعِ الْمُصَلِّي وَهَذَا يَكْفِي أَنْ لَا يَكُونَ كَالسَّمَاوِيِّ فَلْيَتَأَمَّلْ. (أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ أَحْدَثَ فَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ جَاوَزَ الصُّفُوفَ خَارِجَهُ) حَالَ كَوْنِهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَإِنَّ مَكَانَ الصُّفُوفِ فِي الصَّحْرَاءِ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ إنْ مَشَى يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً أَوْ خَلْفًا، وَإِنْ مَشَى أَمَامَهُ أَوْ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ

стр. 114

سُتْرَةٌ فَالصَّحِيحُ هُوَ التَّقْدِيرُ بِمَوْضِعِ السُّجُودِ. وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ الصَّحْرَاءِ بِالْخُرُوجِ عَنْ مَوْضِعِ سُجُودِهِ عَنْ الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعِ (ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ) يَسْتَأْنِفُ فِي هَذِهِ الْحَوَادِثِ كَمَا لَوْ أَحْدَثَ عَمْدًا لِأَنَّ وُجُودَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ نَادِرٌ فَلَا يُقَاسُ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ (وَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ) أَيْ الْإِمَامُ أَوْ الْمُقْتَدِي مِنْ الْمَسْجِدِ (أَوْ لَمْ يُجَاوِزْ الصُّفُوفَ) خَارِجَهُ (بَنَى) فِي الصُّورَتَيْنِ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ غَرَضَهُ الْإِصْلَاحُ فَأُلْحِقَ غَرَضُهُ بِحَقِيقَةِ الْإِصْلَاحِ مَا لَمْ يَخْتَلِفْ الْمَكَانُ وَالْقِيَاسُ الِاسْتِئْنَافُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ لِوُجُودِ الِانْصِرَافِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ كَوْنِهَا مُسْتَفَادَةً مِنْ الْمَفْهُومِ تَفْصِيلًا لِمَحَلِّ الْخِلَافِ كَمَا بَيَّنَ. (وَلَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ بَعْدَ) مَا قَعَدَ قَدْرَ (التَّشَهُّدِ) فِي آخِرِ الصَّلَاةِ (تَوَضَّأَ) بِلَا تَوَقُّفٍ (وَسَلَّمَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ سِوَى السَّلَامِ، وَلِأَنَّ التَّسْلِيمَ وَاجِبٌ فَيَتَوَضَّأُ لِيَأْتِيَ بِهِ (وَإِنْ تَعَمَّدَهُ) أَيْ الْحَدَثَ (فِي هَذِهِ الْحَالَةِ) أَيْ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ (أَوْ عَمِلَ مَا يُنَافِيهَا) أَيْ الصَّلَاةَ (تَمَّتْ صَلَاتُهُ) لِوُجُودِ الْخُرُوجِ بِصُنْعِهِ وَقَدْ وُجِدَتْ أَرْكَانُهَا. (وَتَبْطُلُ عِنْدَ الْإِمَامِ إنْ رَأَى) الْمُصَلِّي (فِي هَذِهِ الْحَالَةِ) أَيْ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ (وَهُوَ مُتَيَمِّمُ مَاءً) مَفْعُولُ رَأَى، وَالْمُرَادُ بِالرُّؤْيَةِ الْقُدْرَةُ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ، وَلَوْ قَالَ: إنْ قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ لَكَانَ أَحْسَنَ. وَفِي الدُّرَرِ تَفْصِيلٌ فَلْيُرَاجَعْ (أَوْ تَمَّتْ مُدَّةُ) مَسْحِ (الْمَاسِحِ) وَهُوَ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ (أَوْ نَزَعَ خُفَّيْهِ بِعَمَلٍ قَلِيلٍ) لِأَنَّ الْعَمَلَ الْكَثِيرَ يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الصَّلَاةِ فَتَتِمُّ صَلَاتُهُ اتِّفَاقًا وَلَوْ قَالَ: أَوْ نَزَعَ خُفَّهُ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْخُفِّ الْوَاحِدِ كَذَلِكَ (أَوْ تَعَلَّمَ الْأُمِّيُّ سُورَةً) أَيْ تَذَكَّرَ بَعْدَ النِّسْيَانِ وَقِيلَ: حَفِظَهُ بِالسَّمَاعِ مِنْ غَيْرِهِ بِلَا اشْتِغَالٍ بِالتَّعَلُّمِ وَإِلَّا تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَلَوْ قَالَ آيَةً لَكَانَ أَحْسَنَ لِأَنَّ عِنْدَ الْإِمَامِ الْآيَةَ تَكْفِي. (أَوْ وَجَدَ الْعَارِي ثَوْبًا) تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ (أَوْ قَدَرَ الْمُومِي عَلَى الْأَرْكَانِ) لِأَنَّ آخِرَ صَلَاتِهِ أَقْوَى فَلَا يَجُوزُ بِنَاؤُهُ عَلَى الضَّعِيفِ. (أَوْ تَذَكَّرَ صَاحِبُ التَّرْتِيبِ) صَلَاةً (فَائِتَةً) وَفِي الْوَقْتِ سِعَةٌ. وَفِي السِّرَاجِ: ثُمَّ هَذِهِ الصَّلَاةُ لَا تَبْطُلُ مُطْلَقًا عِنْدَ الْإِمَامِ بَلْ تَبْقَى مَوْقُوفَةً إنْ صَلَّى بَعْدَ خَمْسِ صَلَوَاتٍ وَهُوَ يَذْكُرُ الْفَائِتَةَ فَإِنَّهَا تَنْقَلِبُ جَائِزَةً وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ تَبَعًا لِمَا فِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ. (أَوْ اسْتَخْلَفَ) الْإِمَامُ (الْقَارِئَ أُمِّيًّا) . وَفِي الْبَحْرِ وَاخْتَارَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ لَا فَسَادَ بِالِاسْتِخْلَافِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ بِالْإِجْمَاعِ وَصَحَّحَهُ فِي الْكَافِي وَغَايَةِ الْبَيَانِ لِأَنَّ اسْتِخْلَافَ الْأُمِّيِّ فِعْلٌ مُنَافٍ لِلصَّلَاةِ فَيَكُونُ مُخْرِجًا مِنْهَا. (أَوْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فِي الْفَجْرِ أَوْ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ فِي الْجُمُعَةِ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا تُتَصَوَّرُ إلَّا عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ إنَّ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، كَمَا هُوَ قَوْلُهُمَا كَمَا فِي الْيَنَابِيعِ وَغَيْرِهِ قَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ نَعَمْ يَتَحَقَّقُ الْخُرُوجُ لَكِنْ قِيلَ أَوْ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَقْتٌ مُهْمَلٌ عِنْدَهُ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْعَصْرِ بَلْ يَخْرُجُ وَقْتُ الْجُمُعَةِ انْتَهَى، هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ

стр. 115

فَإِنَّهُ قَالَ وَرَوَى حَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْهُ إذَا صَارَ كُلُّ شَيْءٍ مِثْلَهُ سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ، وَرَوَى أَسَدُ بْنُ عُمَرَ عَنْهُ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ سَوَاءٌ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَلَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَقْتٌ مُهْمَلٌ لَا عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ فَافْهَمْ. وَفِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ هَذَا عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ، وَفِي الْمِعْرَاجِيَّةِ قِيلَ تَخْصِيصُ الْجُمُعَةِ اتِّفَاقِيٌّ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الظُّهْرِ كَذَلِكَ. (أَوْ زَالَ عُذْرُ الْمَعْذُورِ) وَالْمُرَادُ بِالزَّوَالِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الِانْقِطَاعُ وَقْتًا كَامِلًا فَلَوْ انْقَطَعَ الْعُذْرُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَسَالَ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ أُخْرَى فَالصَّلَاةُ الْأُولَى جَائِزَةٌ عِنْدَ الْإِمَامِ وَإِنْ لَمْ يَسَلْ فَهِيَ بَاطِلَةٌ لِتَحْقِيقِ الِانْقِطَاعِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ. (أَوْ سَقَطَتْ الْجَبِيرَةُ عَنْ بُرْءٍ) لِأَنَّ سُقُوطَهَا بِغَيْرِ صُنْعِهِ فَيَكُونُ مُبْطِلًا لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ بِصُنْعِهِ فَرْضٌ عِنْدَ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةٍ كَمَا بَيَّنَ آنِفًا لَا عِنْدَهُمَا وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ تُسَمَّى اثْنَيْ عَشْرِيَّةٍ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ قِيلَ: هِيَ خَطَأٌ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ النِّسْبَةُ إلَى اثْنَيْ عَشَرَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعَدَدِ الْمُرَكَّبِ إلَّا إذَا كَانَ عَلَمًا فَحِينَئِذٍ يُنْسَبُ إلَى صَدْرِهِ يُقَالُ خَمْسِيٌّ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ وَبَعْلِيٌّ فِي بَعْلَبَكَّ كَمَا فِي الْمُفَصَّلِ وَإِنَّمَا قَالَ الْإِمَامُ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لِأَنَّ مَا يُغَيِّرُ الصَّلَاةَ فِي أَثْنَائِهَا يُغَيِّرُهَا فِي آخِرِهَا كَنِيَّةِ الْإِقَامَةِ وَاقْتِدَاءِ الْمُسَافِرِ بِالْمُقِيمِ. (وَلَوْ اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ مَسْبُوقًا) وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُدْرِكْ أَوَّلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ (صَحَّ) اسْتِخْلَافُهُ لِوُجُودِ الْمُشَارَكَةِ فِي التَّحْرِيمَةِ، وَيَنْبَغِي لِهَذَا الْمَسْبُوقِ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ وَلَوْ تَقَدَّمَ جَازَ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ مُسَافِرًا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ مُقِيمًا (فَإِذَا أَتَمَّ) الْمَسْبُوقُ الْمُسْتَخْلَفُ (صَلَاةَ الْإِمَامِ) بِأَنْ انْتَهَى إلَى السَّلَامِ يُقَدِّمُ مُدْرِكًا أَيْ يَسْتَخْلِفُهُ وَيَجُرُّ مَكَانَهُ (لِيُسَلِّمَ بِهِمْ) أَيْ الْقَوْمِ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ التَّسْلِيمِ وَيَقُومُ هُوَ إلَى قَضَاءِ مَا سَبَقَ (تَمَّ لَوْ فَعَلَ) ذَلِكَ الْمَسْبُوقُ (مُنَافِيًا) أَيْ مَا يُنَافِي الصَّلَاةَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ تَمَامِ صَلَاةِ الْإِمَامِ (يَضُرُّهُ) أَيْ الْمَسْبُوقَ. (وَالْأَوَّلَ) بِالنَّصْبِ أَيْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ الْمُنَافِي وَيَضُرُّ الْإِمَامَ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي خِلَالِ صَلَاتِهِمَا (إنْ لَمْ يَكُنْ) الْإِمَامُ الْأَوَّلُ (فَرَغَ) مِنْ صَلَاتِهِ. (وَلَا يَضُرُّ مَنْ فَرَغَ) بِأَنْ تَوَضَّأَ وَأَدْرَكَ خَلِيفَتَهُ بِحَيْثُ لَمْ يَسْبِقْهُ شَيْءٌ وَأَتَمَّ صَلَاتَهُ خَلْفَ خَلِيفَتِهِ فَحِينَئِذٍ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ فِعْلَ الْمَسْبُوقِ الْمُسْتَخْلِفِ مُنَافِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الْإِتْمَامِ فِي حَقِّهِ وَكَذَا لَمْ يَضُرَّ الْقَوْمَ إذْ قَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُمْ. (وَلَوْ قَهْقَهَ الْإِمَامُ عِنْدَ الِاخْتِتَامِ) أَيْ بَعْدَمَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ (أَوْ أَحْدَثَ عَمْدًا) فِي ذَلِكَ الْحِينِ وَإِنَّمَا قُيِّدَ عِنْدَ الِاخْتِتَامِ لِأَنَّهُ قَبْلَهُ أَفْسَدَ صَلَاةَ الْجَمِيعِ بِالِاتِّفَاقِ (فَسَدَتْ صَلَاةُ مَنْ كَانَ مَسْبُوقًا) قَيَّدَ بِالْمَسْبُوقِ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمُدْرِكِ لَا تَفْسُدُ وَفِي صَلَاةِ اللَّاحِقِ رِوَايَتَانِ (لَا إنْ تَكَلَّمَ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ) أَيْ لَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمَسْبُوقِ بِخُرُوجِ إمَامِهِ وَكَلَامِهِ بَعْدَ الْقُعُودِ وَلَا خِلَافَ فِي الثَّانِي وَخَالَفَا فِي الْأَوَّلِ

стр. 116

قِيَاسًا لِلثَّانِي لِأَنَّ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي مَبْنِيَّةٌ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ صِحَّةً وَفَسَادًا وَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاةُ الْإِمَامِ اتِّفَاقًا فِي الْكُلِّ فَكَذَا الْمُقْتَدِي وَفَرَّقَ الْإِمَامُ بِأَنَّ الْحَدَثَ مُفْسِدٌ لِلْجُزْءِ الَّذِي يُلَاقِيه مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَيَفْسُدُ مِثْلُهُ مِنْ صَلَاةِ الْمُقْتَدِي غَيْرَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْبِنَاءِ وَالْمَسْبُوقَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ، وَالْبِنَاءُ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ بِخِلَافِ السَّلَامِ لِأَنَّهُ مِنْهُ وَالْكَلَامُ فِي مَعْنَاهُ، وَلِهَذَا لَا يَخْرُجُ الْمُقْتَدِي مِنْهَا بِسَلَامِ الْإِمَامِ وَكَلَامِهِ فَيُسَلِّمُ وَيَخْرُجُ بِحَدَثِهِ عَمْدًا فَلَا يُسَلِّمُ بَعْدَهُ كَمَا فِي الْمِنَحِ، وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ أَخْذًا بِقَوْلِ الْإِمَامِ. (وَمَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَعَادَهُمَا) بَعْدَ التَّوَضُّؤِ (حَتْمًا) إنْ بَنَى لِأَنَّ تَمَامَ الرُّكْنِ بِالِانْتِقَالِ وَمَعَ الْحَدَثِ لَا يَتَحَقَّقُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِعَادَةِ. (وَمَنْ تَذَكَّرَ سَجْدَةً) نَسِيَهَا فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ (فِي رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ فَسَجَدَهَا) أَيْ قَضَاهَا فِي ذَلِكَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (نُدِبَ إعَادَتُهُمَا) لِتَقَعَ الْأَفْعَالُ مُرَتَّبَةً بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ الْقَوْمَةَ الَّتِي بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عِنْدَهُ فَرْضٌ. (وَمَنْ أَمَّ فَرْدًا فَأَحْدَثَ فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ رَجُلًا) صَالِحًا لِلِاسْتِخْلَافِ (تَعَيَّنَ لِلِاسْتِخْلَافِ وَإِنْ) وَصْلِيَّةً (لَمْ يَسْتَخْلِفْهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَةِ الصَّلَاةِ إذْ خُلُوُّ مَكَانِ الْإِمَامَةِ عَنْ الْإِمَامِ يُفْسِدُ صَلَاةَ الْمُقْتَدِي، حَتَّى لَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فَلَمْ يُقَدِّمْ أَحَدًا حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ تَفْسُدُ صَلَاةُ الْقَوْمِ وَتَعْيِينُ الْإِمَامِ لِقَطْعِ الْمُزَاحَمَةِ عِنْدَ كَثْرَةِ الْقَوْمِ وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ لِلِاسْتِخْلَافِ بِلَا مُزَاحِمٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِخْلَافِ. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ الْمَأْمُومُ لِلْإِمَامَةِ مِثْلُ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ وَالْخُنْثَى (فَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ) ذَلِكَ الْفَرْدُ (فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُمَا) وَجْهُ فَسَادِ صَلَاةِ الْإِمَامِ اسْتِخْلَافُهُ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ وَعِلَّةُ فَسَادِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ خُلُوُّ مَكَانِ الْإِمَامَةِ عَنْ الْإِمَامِ، (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ) أَيْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ فَقَطْ (دُونَ) صَلَاةِ (الْإِمَامِ) لِأَنَّ الْإِمَامَ مُنْفَرِدٌ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِالْخُرُوجِ عَنْ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْحَدَثِ وَالْمُقْتَدِي يَكُونُ مُقْتَدِيًا بِمَنْ هُوَ خَارِجُ الْمَسْجِدِ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ. (وَلَوْ حُصِرَ) الْإِمَامُ (عَنْ الْقِرَاءَةِ جَازَ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ) عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا لَمْ يَقْرَأْ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ، أَمَّا إذَا قَرَأَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْكَعَ وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ إجْمَاعًا. [بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَمَا يُكْرَهُ فِيهَا] لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْعَوَارِضِ الْجَبْرِيَّةِ الْمُسَمَّاةِ بِالسَّمَاوِيَّةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْعَوَارِضِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْمُسَمَّاة بِالْكَسْبِيَّةِ وَقَدَّمَ السَّمَاوِيَّةَ لِأَصَالَتِهَا (يُفْسِدُهَا الْكَلَامُ وَلَوْ سَهْوًا) وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى قَوْلِهِ سَهْوًا مَعَ أَنَّ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ دَاخِلَانِ فِي الْحُكْمِ لِعَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا شَرْعًا كَمَا لَمْ يُفَرِّقْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ (أَوْ فِي نَوْمٍ)

стр. 117

وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْمَشَايِخِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَفِي الْمِنَحِ وَاخْتَارَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ أَنَّهَا لَا تَفْسُدُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَفْسُدُ فِي الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ إذَا كَانَ التَّكَلُّمُ قَلِيلًا، (وَكَذَا) أَيْ تُفْسِدُهَا (الدُّعَاءُ بِمَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ وَهُوَ مَا يُمْكِنُ طَلَبُهُ مِنْهُمْ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَوَجْهُهُ بُيِّنَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ (وَالْأَنِينُ) صَوْتُ الْمُتَوَجِّعِ قِيلَ: هُوَ أَنْ يَقُولَ آهِ بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْهَاءِ (وَالتَّأَوُّهُ) أَنْ يَقُولَ: أَوْهِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْهَاءِ (وَالتَّأْفِيفُ) أَنْ يَقُولَ: أُفٍّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ بِالتَّنْوِينِ وَبِدُونِهِ وَلُغَاتُهُ أَكْثَرُ مِنْ الْعَشَرَةِ كَمَا فِي الرِّضَا. (وَلَوْ كَانَتْ بِحَرْفَيْنِ) أَيْ يُفْسِدُهَا وَلَوْ كَانَتْ بِحَرْفَيْنِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) وَفِي الْمُجْتَبَى الصَّحِيحِ أَنَّ خِلَافَهُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُخَفَّفِ، وَفِي الْمُشَدَّدِ تَفْسُدُ عِنْدَهُمْ انْتَهَى. وَفِي الْخُلَاصَةِ أَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ أَنَّ فِي الْحَرْفَيْنِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَفِي أَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ تَفْسُدُ وَفِي ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهَا وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تَفْسُدُ، هَذَا يُخَالِفُ مَا فِي الْمُجْتَبَى تَدَبَّرْ. (وَالْبُكَاءُ بِصَوْتٍ) وَيَحْصُلُ بِهِ حَرْفٌ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ الدَّمْعُ بِلَا صَوْتٍ لَمْ تَفْسُدْ وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ تُفْسِدُهَا إنْ كَانَتْ (لِوَجَعٍ أَوْ مُصِيبَةٍ) فَصَارَ كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا مُصَابٌ فَعَزُّونِي وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ تَفْسُدُ الصَّلَاةُ لِكَوْنِهِ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، (لَا) أَيُّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ لَا تُفْسِدُهَا إنْ كَانَتْ (لِذِكْرِ جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ) فَصَارَ كَأَنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنِّي أَسْأَلُك الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِك مِنْ النَّارِ وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ لَا تَفْسُدُ لِكَوْنِهِ دُعَاءً لَا يُمْكِنُ طَلَبُهُ مِنْ النَّاسِ. (وَ) يُفْسِدُهَا (التَّنَحْنُحُ بِلَا عُذْرٍ) هُوَ أَنْ يَقُولَ أَحْ أَحْ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ وَإِنَّمَا يُفْسِدُ لِأَنَّهُ حَصَلَ مِنْهُ الْحُرُوفُ بِلَا عُذْرٍ وَلَا غَرَضٍ صَحِيحٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فِي الْحَرْفَيْنِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِلَا عُذْرٍ لِأَنَّهُ بِعُذْرٍ كَمَنْ لَهُ سُعَالٌ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ

стр. 118

حَصَلَ بِهِ حُرُوفٌ، وَلَوْ قَالَ بِلَا عُذْرٍ أَوْ غَرَضٍ صَحِيحٍ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَتَحْسِينِ صَوْتِهِ لِلْقِرَاءَةِ أَوْ لِلْإِعْلَامِ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لِيَهْتَدِيَ إمَامُهُ عِنْدَ خَطَئِهِ فَالصَّحِيحُ عَدَمُ الْفَسَادِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ عَدَمُ الْفَسَادِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ. (وَتَشْمِيتُ عَاطِسٍ) التَّسْمِيتُ بِالْمُهْمَلَةِ عِنْدَ أَبِي الْعَبَّاسِ مَأْخُوذٌ مِنْ السَّمْتِ وَهُوَ الْقَصْدُ، وَبِالْمُعْجَمَةِ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ وَهُوَ أَفْصَحُ لِأَنَّهُ أَعْلَى فِي كَلَامِهِمْ وَأَكْثَرُ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الْمُصَلِّي لِلْعَاطِسِ: يَرْحَمُك اللَّهُ، وَلَوْ قَالَ لِنَفْسِهِ لَا تَفْسُدُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ يَرْحَمُنِي اللَّهُ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةَ، وَأَمَّا إذَا قَالَ أَحَدُهُمَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ لَا تَفْسُدُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ (وَقَصْدُ الْجَوَابِ بِالْحَمْدَلَةِ أَوْ الْهَيْلَلَةِ أَوْ السَّبْحَلَةِ أَوْ الِاسْتِرْجَاعِ أَوْ الْحَوْقَلَةِ) صُورَتُهُ رَجُلٌ أَخْبَرَ الْمُصَلِّيَ بِمَا يَسُرُّهُ، أَوْ قَالَ: هَلْ مَعَ اللَّهِ آلِهَةٌ أُخْرَى؟ ، أَوْ أَخْبَرَ بِمَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ، أَوْ أَخْبَرَ بِمَوْتِ رَجُلٍ، أَوْ أَخْبَرَ بِمَا يَسُوءُهُ فَقَالَ الْمُصَلِّي: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَوْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهَ، أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ، أَوْ إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، أَوْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ مُرِيدًا بِهِ جَوَابُهُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ جَوَابًا لَهُ وَهُوَ صَالِحٌ لَهُ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي مَوْضِعِهِ عُرْفًا (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ ثَنَاءٌ بِأَصْلِهِ فَلَا يَخْرُجُ بِإِرَادَةِ الْجَوَابِ عَنْ الثَّنَاءِ كَمَا لَا يَصِيرُ كَلَامُ النَّاسِ بِالْقَصْدِ ثَنَاءً لَكِنَّ الصَّحِيحَ قَوْلُهُمَا. (وَلَوْ أَرَادَ) الْمُصَلِّي (بِذَلِكَ) أَيْ بِأَحَدِ الْمَذْكُورَاتِ (إعْلَامَهُ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ لَا تَفْسُدُ اتِّفَاقًا) لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا نَابَتْ أَحَدُكُمْ نَائِبَةً فِي الصَّلَاةِ فَلْيُسَبِّحْ» . (وَلَوْ فَتَحَ) الْمُصَلِّي (عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ فَسَدَتْ) صَلَاةُ نَفْسِهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ فِي صَلَاةٍ أَوْ لَا لِأَنَّهُ تَعْلِيمٌ وَتَعَلُّمٌ فَكَانَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ التِّلَاوَةَ دُونَ التَّعْلِيمِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ صَلَاةَ الْمَفْتُوحِ عَلَيْهِ لَمْ تَفْسُدْ بِالْأَخْذِ وَإِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَكْرَارُ الْفَتْحِ لِلْفَسَادِ. وَفِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ، (لَا) أَيْ لَا تَفْسُدُ (إنْ فَتَحَ عَلَى إمَامِهِ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ قَرَأَ مِقْدَارَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ أَوْ لَمْ يَقْرَأْ، أَوْ تَحَوَّلَ إلَى آيَةٍ أُخْرَى أَوْ لَمْ يَتَحَوَّلْ، (وَالْأَصَحُّ) وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ إذَا قَرَأَ مِقْدَارَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ أَوْ انْتَقَلَ إلَى آيَةٍ أُخْرَى فَفَتَحَ تَفْسُدُ صَلَاةُ الْفَاتِحِ وَإِنْ أَخَذَ الْإِمَامُ مِنْهُ تَفْسُدُ صَلَاةُ الْإِمَامِ أَيْضًا لِأَنَّ هَذَا الْفَتْحَ لَمْ يَكُنْ كَلَامًا اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَى إصْلَاحِ صَلَاتِهِ فَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْمَالِ صَلَاتِهِ مَعْنًى لَكِنْ يَنْبَغِي لِلْمُقْتَدِي أَنْ لَا يُعَجِّلَ الْفَتْحَ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُلْجِئَهُمْ إلَيْهِ بَلْ يَرْكَعُ إذَا قَرَأَ مِقْدَارَ مَا يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ وَإِلَّا انْتَقَلَ إلَى آيَةٍ أُخْرَى. (وَ) يُفْسِدُهَا (السَّلَامُ عَمْدًا) وَإِنْ لَمْ يَقُلْ عَلَيْكُمْ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْعَمْدِ لِأَنَّ السَّلَامَ سَهْوًا غَيْرُ مُفْسِدٍ لَكِنْ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ لِلْخُرُوجِ عَنْ الصَّلَاةِ سَاهِيًا قَبْلَ إتْمَامِهَا وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُظَنُّ أَنَّهُ أَكْمَلَ، لَا السَّلَامُ عَلَى إنْسَانٍ سَهْوًا إذْ قَدْ صَرَّحُوا أَنَّهُ إذَا سَلَّمَ سَهْوًا عَلَى إنْسَانٍ فَقَالَ: السَّلَامُ ثُمَّ عَلِمَ فَسَكَتَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، كَمَا قَالَهُ الْكَمَالُ فِي مُقَدَّمَتِهِ فَهَذَا التَّحْقِيقُ يَنْدَفِعُ

стр. 119

مَا قِيلَ إنَّ إطْلَاقَ صَاحِبِ الْكَافِي وَصَاحِبَ الْكَنْزِ شَامِلٌ لِلسَّهْوِ وَالْعَمْدِ فَتَلْزَمُ الْمُخَالَفَةُ انْتَهَى لِأَنَّ شُمُولَ إطْلَاقِهِمَا لِلسَّهْوِ يُمْكِنُ بِحَمْلِ السَّلَامِ عَلَى إنْسَانٍ هَاهُنَا فَلَا حُكْمَ بِالْمُخَالَفَةِ تَدَبَّرْ، (وَرَدُّهُ) أَيْ يُفْسِدُهَا رَدُّ السَّلَامِ سَوَاءٌ كَانَ سَاهِيًا أَوْ عَامِدًا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْأَذْكَارِ بَلْ هُوَ كَلَامٌ وَلَوْ قَيَّدَهُ بِلِسَانِهِ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ رَدَّهُ بِيَدِهِ أَوْ بِرَأْسِهِ أَوْ بِأُصْبُعِهِ لَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ فِي فَصْلِ الْكَرَاهَةِ عَدَمَ الْفَسَادِ بِالْإِشَارَةِ بِالْيَدِ. (وَ) تُفْسِدُهَا (قِرَاءَتَهُ مِنْ مُصْحَفٍ) عِنْدَ الْإِمَامِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا كَمَا فِي الْجَامِعِ، وَقِيلَ إنْ قَرَأَ آيَةً وَقِيلَ: إنْ قَرَأَ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ لِأَنَّ حَمْلَ الْمُصْحَفِ وَوَضْعَهُ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَرَفْعَهُ عِنْدَ الْقِيَامِ وَتَقْلِيبَ أَوْرَاقِهِ عَمَلٌ كَثِيرٌ، وَأَنَّ التَّلَقِّيَ مِنْ الْمُصْحَفِ شَبِيهٌ بِالتَّلَقِّي مِنْ الْمُعَلِّمِ، فَعَلَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِالْقُرْآنِ مِنْ الْمَوْضُوعِ عَلَى شَيْءٍ، وَعَلَى الثَّانِي لَا تَجُوزُ، وَعِنْدَهُمَا تَجُوزُ صَلَاةُ مَنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ إذَا قَرَأَ مِنْ مُصْحَفٍ مِنْ غَيْرِ حَمْلٍ كَذَا فِي الشُّمُنِّيِّ وَغَيْرِهِ لَكِنَّ إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ مُشِيرٌ إلَى أَنَّ الْحَافِظَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ، (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ لَا تُفْسِدُ قِرَاءَةُ الْمُصَلِّي مِنْ الْمُصْحَفِ عِنْدَهُمَا وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ عِبَادَةٌ وَالنَّظَرَ فِي الْمُصْحَفِ عِبَادَةٌ أُخْرَى، وَالْعِبَادَةُ الْوَاحِدَةُ غَيْرُ مُفْسِدَةٍ فَكَيْفَ إذَا انْضَمَّتْ إلَى أُخْرَى، إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِأَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِصَنِيعِ الْكُفَّارِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَفِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّ التَّشْبِيهَ مُطْلَقًا لَا يُكْرَهُ لِأَنَّا نَأْكُلُ كَمَا يَأْكُلُونَ بَلْ إنَّمَا هُوَ التَّشْبِيهُ فِيمَا كَانَ مَذْمُومًا وَفِيمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّشْبِيهُ، فَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ لَمْ يُكْرَهْ عِنْدَهُمَا كَمَا فِي الْبَحْرِ. (وَأَكْلُهُ وَشُرْبُهُ) يُفْسِدَانِهَا مُطْلَقًا عَامِدًا كَانَ الْمُصَلِّي أَوْ نَاسِيًا فَرْضًا كَانَتْ الصَّلَاةُ أَوْ نَفْلًا، وَقِيلَ: يَجُوزُ الشُّرْبُ فِي النَّفْلِ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النِّسْيَانُ عَفْوًا كَمَا فِي الصَّوْمِ، أُجِيبُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالصَّوْمِ لِأَنَّ حَالَتَهَا مُذَكِّرَةٌ دُونَ حَالَتِهِ وَلَوْ أَكَلَ سِمْسِمَةً مِنْ خَارِجٍ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَكَذَا لَوْ وَقَعَتْ فِي فَمِهِ مَطَرٌ فَابْتَلَعَهَا. (وَسُجُودُهُ عَلَى نَجَسٍ) أَيْ يُفْسِدُهَا عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا أَعَادَهُ عَلَى طَاهِرٍ) ، يَعْنِي يَقُولُ: إذَا سَجَدَ عَلَى نَجِسٍ يُفْسِدُ السَّجْدَةَ لَا الصَّلَاةَ حَتَّى لَوْ أَعَادَهَا عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ صَحَّتْ السَّجْدَةُ أَيْضًا لِأَنَّ أَدَاءَهَا عَلَى النَّجَاسَةِ كَالْعَدَمِ كَمَا لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً فَأَدَّاهَا بَعْدَ فَرَاغِهِ جَازَتْ صَلَاتُهُ، وَلَهُمَا فَسَادُ الْكُلِّ لِفَسَادِ جُزْئِهِ بِخِلَافِ تَرْكِهَا فَإِنَّ الْجُزْءَ لَمْ يَفْسُدْ بَلْ تُرِكَ. (وَالْعَمَلُ الْكَثِيرُ) وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّهِ قِيلَ: هُوَ مَا يَحْتَاجُ إلَى الْيَدَيْنِ، وَقِيلَ: مَا يَشُكُّ النَّاظِرُ أَنَّ عَامِلَهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَا وَهُوَ اخْتِيَارُ الْعَامَّةِ، وَقِيلَ مَا يَكُونُ ثَلَاثًا مُتَوَالِيًا حَتَّى لَوْ رَوَّحَ عَلَى نَفْسِهِ بِمِرْوَحَةٍ ثَلَاثًا أَوْ حَكَّ مَوْضِعًا مِنْ جَسَدِهِ ثَلَاثًا تُفْسِدَانِ عَلَى الْوَلَاءِ وَقِيلَ: مَا يَكُونُ مَقْصُودًا لِلْفَاعِلِ بِأَنْ يُفْرَدَ لَهُ مَجْلِسٌ عَلَى حِدَةٍ كَمَا إذَا مَسَّ زَوْجَتَهُ بِشَهْوَةٍ فَإِنَّهُ مُفْسِدٌ، وَقِيلَ: مَا يَسْتَكْثِرُهُ الْمُصَلِّي قَالَ السَّرَخْسِيُّ: هَذَا أَقْرَبُ إلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ فَإِنَّ دَأْبَهُ فِي مِثْلِهِ التَّفْوِيضُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ.

стр. 120

(وَشُرُوعُهُ فِي غَيْرِهَا) أَيْ يُفْسِدُهَا شُرُوعُ الْمُصَلِّي فِي صَلَاةٍ غَيْرِ مَا صَلَّى صُورَتُهَا صَلَّى رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ مَثَلًا ثُمَّ افْتَتَحَ الْعَصْرَ أَوْ التَّطَوُّعَ فَقَدْ نَقَضَ الظُّهْرَ لِأَنَّهُ صَحَّ شُرُوعُهُ فِي غَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ فَيَخْرُجُ عَمَّا هُوَ فِيهِ فَيَتِمُّ الثَّانِي وَلَا تُحْسَبُ مِنْهَا الرَّكْعَةُ الَّتِي صَلَّاهَا قَبْلَهَا، (لَا شُرُوعُهُ فِيهَا ثَانِيًا) أَيْ لَا يُفْسِدُهَا افْتِتَاحُ الظُّهْرِ بَعْدَمَا صَلَّى مِنْ الظُّهْرِ رَكْعَةً بَلْ يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ حَتَّى يُجْزِئُ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ حَتَّى إذَا لَمْ يَقْعُدْ فِي الرَّابِعَةِ الَّتِي ثَالِثَةٌ عِنْدَهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ نَوَى الشُّرُوعَ فِي عَيْنِ مَا هُوَ فِيهِ إلَّا إذَا كَبَّرَ يَنْوِي إمَامَةَ النِّسَاءِ أَوْ الِاقْتِدَاءَ بِالْإِمَامِ أَوْ كَانَ مُقْتَدِيًا يَنْوِي الِانْفِرَادَ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ شَارِعًا فِيمَا كَبَّرَ وَيَبْطُلُ مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ لِلتَّغَايُرِ، وَلَوْ قُيِّدَ إذَا لَمْ يَتَلَفَّظْ بِلِسَانِهِ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ إنْ نَوَى بِقَلْبِهِ وَتَلَفَّظَ بِلِسَانِهِ فَسَدَتْ الْأُولَى وَصَارَ مُسْتَأْنِفًا لِلْمَنْوِيِّ ثَانِيًا مُطْلَقًا لِأَنَّ الْكَلَامَ مُفْسِدٌ. (وَلَا إنْ نَظَرَ إلَى مَكْتُوبٍ وَفَهِمَهُ) يَعْنِي إذَا كَانَ قُدَّامَ الْمُصَلِّي شَيْءٌ مَكْتُوبٌ عَلَى الْجِدَارِ أَوْ كِتَابٌ مَنْشُورٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَنَظَرَ فِيهِ وَفَهِمَ مَعْنَاهُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَقْرَأُ كِتَابَ فُلَانٍ حَيْثُ يَحْنَثُ بِالْفَهْمِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَاكَ الْفَهْمُ أَمَّا فَسَادُ الصَّلَاةِ فَبِالْعَمَلِ الْكَثِيرِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. (أَوْ أَكَلَ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ دُونَ الْحِمِّصَةِ) لِعَدَمِ إمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ فَيُتْبِعُ لِرِيقِهِ ضَرُورَةً وَلِهَذَا لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَقِيلَ: مَا دُونَ مِلْءِ الْفَمِ حَتَّى لَوْ ابْتَلَعَ شَيْئًا بَيْنَ أَسْنَانِهِ قَدْرَ الْحِمِّصَةِ لَا تُفْسِدُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَكَذَا لَوْ ابْتَلَعَ عَيْنًا مِنْ السُّكَّرِ قَبْلَ الشُّرُوعِ ثُمَّ ابْتَلَعَ حَلَاوَتَهُ لَمْ تَفْسُدْ (وَتَفْسُدُ فِي قَدْرِهَا) أَيْ الْحِمِّصَةِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا يُؤْكَلُ مِنْ الْخَارِجِ. (وَإِنْ مَرَّ مَارٌّ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ إذَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ حَاذَى الْأَعْضَاءُ الْأَعْضَاءَ إذَا كَانَ عَلَى الدُّكَّانِ أَثِمَ الْمَارُّ وَلَا تَفْسُدُ) ، يَعْنِي شَرَطَ فِي كَوْنِ الْمَارِّ آثِمًا أَنْ يَمُرَّ فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ إذَا كَانَ الْمُصَلِّي قَائِمًا عَلَى الْأَرْضِ، أَوْ أَنْ يُحَاذِيَ جَمِيعُ أَعْضَائِهِ أَعْضَاءَ الْمُصَلِّي كُلَّهَا عِنْدَ الْبَعْضِ أَوْ أَكْثَرَهَا عِنْدَ الْآخَرِ إذَا كَانَ الْمُصَلِّي قَائِمًا عَلَى مَكَان مُرْتَفِعٍ دُونَ قَامَةٍ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَكَانُ بِقَدْرِ قَامَةِ الرَّجُلِ فَلَا يَأْثَمُ، وَفِي تَفْسِيرِ مَوْضِعِ السُّجُودِ تَفْصِيلٌ، فَاعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ إنْ كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ الصَّغِيرِ هُوَ أَقَلُّ مِنْ سِتِّينَ ذِرَاعًا، وَقِيلَ مِنْ أَرْبَعِينَ فَالْمُرُورُ أَمَامَ الْمُصَلِّي حَيْثُ كَانَ يُوجِبُ الْإِثْمَ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ الصَّغِيرَ مَكَانٌ وَاحِدٌ فَأَمَامُ الْمُصَلِّي حَيْثُ كَانَ فِي حُكْمِ مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ الْكَبِيرِ أَوْ فِي الصَّحْرَاءِ فَعِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ إنْ مَرَّ فِي مَوْضِعِ السُّجُودِ يَأْثَمُ وَإِلَّا فَلَا، وَعِنْدَ الْبَعْضِ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إذَا كَانَ الْمُصَلِّي نَاظِرًا فِي مَوْضِعِ سُجُودِهِ فِي حُكْمِ مَوْضِعِ السُّجُودِ فَيَأْثَمُ بِالْمُرُورِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ كَمَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ، وَقِيلَ

стр. 121

فِي الصَّحْرَاءِ: إنَّهُ يَأْثَمُ فِي مِقْدَارِ صَفَّيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، وَقِيلَ: خَمْسَةٍ، وَقِيلَ: أَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: خَمْسِينَ، (وَيَنْبَغِي) لِلْمُصَلِّي (أَنْ يَغْرِزَ أَمَامَهُ فِي الصَّحْرَاءِ سُتْرَةً) لِقَوْلِهِ ﵊ «لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ وَلَوْ بِسَهْمٍ» (طُولَ ذِرَاعٍ وَغِلَظَ أُصْبُعٍ) لِأَنَّ مَا دُونَهُ لَا يَبْدُو لِلنَّاظِرِ مِنْ بَعِيدٍ فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ (وَيَقْرَبُ مِنْهَا) أَيْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي قَرِيبًا مِنْ السُّتْرَةِ (وَيَجْعَلُهَا عَلَى أَحَدِ حَاجِبِيهِ) أَيْ الْأَيْسَرِ وَالْأَيْمَنِ وَهُوَ أَفْضَلُ لِأَنَّ الْأَثَرَ وَرَدَ بِهِ، (وَلَا يَكْفِي الْوَضْعُ) أَيْ لَا يَكْفِي وَضْعُ السُّتْرَةِ عَلَى الْأَرْضِ بَدَلًا عَنْ الْغَرْزِ. (وَلَا) يَكْفِي (الْخَطُّ) بِأَنْ يَرْسِمَ عَلَى الْأَرْضِ هَذَا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ بِحَيْثُ يُغْرَزُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ صُلْبَةً اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ: تُوضَعُ، وَقِيلَ: لَا وَأَمَّا الْخَطُّ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ حَسْبَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْوَضْعِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يَغْرِزُهُ أَوْ يَضَعُهُ فَالْمَانِعُ يَقُولُ: لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِهِ إذْ لَا يَظْهَرُ مِنْ بَعِيدٍ وَالْمُجِيزُ يَقُولُ: وَرَدَ الْأَثَرُ بِهِ وَهُوَ مَا فِي أَبِي دَاوُد «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُنَصِّبْ عَصًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا وَلَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ أَمَامَهُ» وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ خِلَافَ هَذَا لَكِنَّ الْأَوْلَى اتِّبَاعُ الْأَثَرِ مَعَ أَنَّهُ يَظْهَرُ فِي الْجُمْلَةِ إذْ الْمَقْصُودُ جَمْعُ الْخَاطِرِ بِرَبْطِ الْخَيَالِ بِهِ كَيْ لَا يُنْشَرُ قَالَ أَبُو دَاوُد: قَالُوا: الْخَطُّ بِالطُّولِ وَقَالُوا بِالْعَرْضِ كَمَا فِي الْفَتْحِ. (وَيَدْرَأُ) أَيْ يَدْفَعُ الْمُصَلِّي (الْمَارَّ) بَيْنَ يَدَيْهِ (بِالْإِشَارَةِ) بِالرَّأْسِ أَوْ الْعَيْنِ أَوْ الْيَدِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﵊ بِوَلَدِ أُمِّ سَلَمَةَ (أَوْ التَّسْبِيحِ) لِلْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا (لَا بِهِمَا) أَيْ لَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَكَذَا لَا يَدْرَأُ بِأَخْذِ الثَّوْبِ وَلَا بِالضَّرْبِ الْوَجِيعِ (إنْ عَدِمَتْ السُّتْرَةُ، أَوْ قَصَدَ) الْمَارُّ (الْمُرُورَ بَيْنَهُ) أَيْ بَيْنَ الْمُصَلِّي (وَبَيْنَهَا) أَيْ بَيْنَ السُّتْرَةِ. (وَجَازَ تَرْكُهَا) أَيْ السُّتْرَةُ إذَا عَدِمَ الدَّاعِي إلَيْهَا وَذَلِكَ (عِنْدَ أَمْنِ الْمُرُورِ) لِأَنَّ اتِّخَاذَ السُّتْرَةِ لِلْحِجَابِ عَلَى الْمَارِّ وَلَا حَاجَةَ عِنْدَ عَدَمِ الْمَارِّ لَكِنَّ الْأَوْلَى اتِّخَاذُهَا لِمَقْصُودٍ آخَرَ وَهُوَ كَفُّ بَصَرِهِ عَمَّا وَرَاءَهَا وَجَمْعُ خَاطِرِهِ بِرَبْطِ الْخَيَالِ بِهَا (وَسُتْرَةُ الْإِمَامِ مُجْزِئَةٌ) أَيْ كَافِيَةٌ (عَنْ الْقَوْمِ) وَإِنْ كَانَ مَسْبُوقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى سُتْرَتِهِ ﵊ وَهِيَ سُتْرَةٌ لِلْقَوْمِ. (وَلَوْ صَلَّى عَلَى ثَوْبٍ بِطَانَتُهُ نَجِسَةٌ صَحَّ) مَا صَلَّى (إنْ لَمْ يَكُنْ) الثَّوْبُ (مُضْرَبًا) أَيْ مَخِيطًا مَا بَيْنَ جَانِبَيْهِ بِخُيُوطٍ، أَمَّا لَوْ كَانَتْ جَوَانِبُهُ مَخِيطَةً وَلَمْ يَكُنْ وَسَطُهُ مَخِيطًا فَلَا لِكَوْنِهِ فِي حُكْمِ ثَوْبَيْنِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ. (وَكَذَا لَوْ صَلَّى عَلَى الطَّرَفِ الطَّاهِرِ مِنْ بِسَاطٍ طَرَفٌ مِنْهُ نَجِسٌ) أَيْ لَوْ كَانَ طَرَفٌ مِنْهُ طَاهِرًا وَطَرَفٌ آخَرُ نَجِسًا فَصَلَّى عَلَى الطَّرَفِ الطَّاهِرِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ لِطَهَارَةِ مَكَانِهَا (سَوَاءٌ تَحَرَّكَ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ طَرَفَيْهِ (بِحَرَكَةِ الْآخَرِ أَمْ لَا) . وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ صَلَّى عَلَى خَشَبٍ وَفِي جَانِبِهِ الْآخَرِ نَجَاسَةٌ إنْ كَانَ غَلُظَ الْخَشَبُ بِحَيْثُ يَقْبَلُ الْقَطْعَ تَجُوزُ وَإِلَّا فَلَا.

стр. 122

[فَصْلٌ مَا يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةَ] فَصْلٌ لَمَّا فَرَغَ عَنْ بَيَانِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُكْرَهُ فِيهَا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ الْعَوَارِضِ إلَّا أَنَّهُ قَدَّمَ الْمُفْسِدَ لِقُوَّتِهِ (وَكُرِهَ عَبَثُهُ) أَيْ لَعِبُهُ وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى الْمُصَلِّي بِقَرِينَةِ الْمَحَلِّ (بِثَوْبِهِ أَوْ بَدْلِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا مُتَوَالِيًا وَذَكَرَ مِنْهَا الْعَبَثَ فِي الصَّلَاةِ» لِأَنَّ الْعَبَثَ خَارِجَ الصَّلَاةِ حَرَامٌ فَمَا ظَنُّك فِيهَا وَكَرَاهَتُهُ تَحْرِيمِيَّةٌ حَتَّى لَوْ كَثُرَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِكَوْنِهِ عَمَلًا كَثِيرًا، قِيلَ: الْعَبَثُ الْفِعْلُ الَّذِي فِيهِ غَرَضٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِشَرْعِيٍّ وَالسَّفَهُ مَا لَا غَرَضَ فِيهِ أَصْلًا وَقِيلَ: الْعَبَثُ عَمَلٌ لَيْسَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ وَلَا مُنَازَعَةٌ فِي الِاصْطِلَاحِ (وَقَلْبُ الْحَصَى إلَّا مَرَّةً لِيُمْكِنَهُ السُّجُودُ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ أَيْضًا وَالرُّخْصَةُ فِي الْمَرَّةِ قَالَ ﵊ «يَا أَبَا ذَرٍّ مَرَّةً أَوْ ذَرْ» وَلِأَنَّ فِيهِ إصْلَاحَ صَلَاتِهِ (وَفَرْقَعَةُ الْأَصَابِعِ) هِيَ أَنْ يَغْمُرَهَا أَوْ يَمُدَّهَا حَتَّى تَصُوتَ وَكَذَا يُكْرَهُ تَشْبِيكُهَا هُوَ أَنْ يُدْخِلَ أَصَابِعَ إحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ أَصَابِعِ الْأُخْرَى فِي الصَّلَاةِ (وَالتَّخَصُّرُ) هُوَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَقِيلَ: هُوَ التَّوَكُّؤُ عَلَى الْعَصَا وَقِيلَ: هُوَ أَنْ لَا يُتِمَّ صَلَاتَهُ فِي رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا أَوْ حُدُودِهَا وَقِيلَ: أَنْ يَخْتَصِرَ السُّورَةَ فَيَقْرَأُ آخِرَهَا (وَالِالْتِفَاتُ) بِأَنْ يَلْوِيَ عُنُقَهُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ وَجْهُهُ مُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةِ وَأَمَّا النَّظَرُ بِمُؤَخِّرَةِ عَيْنَيْهِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْوِيَ عُنُقَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ. وَفِي الْخُلَاصَةِ خِلَافُ هَذَا وَعِبَارَتُهُ وَلَوْ حَوَّلَ وَجْهَهُ عَنْ الْقِبْلَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَسَدَتْ وَجَعَلَ فِيهَا الِالْتِفَاتَ الْمَكْرُوهَ أَنْ يُحَوِّلَ بَعْضَ وَجْهِهِ عَنْ الْقِبْلَةِ انْتَهَى، لَكِنَّ الْأَشْبَهَ مَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ مِنْ أَنَّ الِالْتِفَاتَ الْمَكْرُوهَ أَعَمُّ مِنْ تَحْوِيلِ جَمِيعِ الْوَجْهِ أَوْ بَعْضِهِ فَلَا تَفْسُدُ بَلْ تَفْسُدُ بِتَحْوِيلِ صَدْرِهِ (وَالْإِقْعَاءُ) وَهُوَ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ أَنْ يَقْعُدَ عَلَى أَلْيَتَيْهِ وَيَنْصِبَ فَخْذَيْهِ وَيَضُمَّ رُكْبَتَيْهِ إلَى صَدْرِهِ وَيَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ. وَعِنْدَ الْكَرْخِيِّ أَنْ يَنْصِبَ قَدَمَيْهِ وَيَقْعُدَ عَلَى عَقَبِهِ وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصَحُّ لَكِنَّ كِلَاهُمَا مَكْرُوهَانِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ. (وَافْتِرَاشُ ذِرَاعَيْهِ) بِلَا عُذْرٍ وَمَعَهُ لَا يُكْرَهُ لِقَوْلِ أَبِي ذَرٍّ «نَهَانِي خَلِيلِي عَنْ ثَلَاثٍ أَنْ أَنْقُرَ نَقْرَ الدِّيكِ وَأَنْ أَقْعَى إقْعَاءَ الْكَلْبِ، وَأَنْ أَفْتَرِشَ افْتِرَاشَ الثَّعْلَبِ» وَهُوَ بَسْطُ ذِرَاعَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ. (وَرَدُّ السَّلَامِ بِيَدِهِ) . وَفِي الْمَجْمَعِ خِلَافُهُ لِأَنَّهُ قَالَ: أَوْ رَدَّ السَّلَامَ بِلِسَانِهِ أَوْ يَدِهِ فَسَدَتْ لَكِنَّ الْأَصَحَّ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَفِي الرَّأْسِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ يُكْرَهُ وَفِي رِوَايَةٍ لَا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، (وَالتَّرَبُّعُ بِلَا عُذْرٍ) لِتَرْكِ السُّنَّةِ فِي الصَّلَاةِ، لَا لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ لِتَرَبُّعِهِ ﵊ خَارِجَ الصَّلَاةِ مَعَ أَصْحَابِهِ

стр. 123

فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ، وَقُيِّدَ بِلَا عُذْرٍ لِأَنَّهُ بِعُذْرٍ لَا يُكْرَهُ (وَكَفُّ ثَوْبِهِ) وَهُوَ رَفْعُهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أَوْ مِنْ خَلْفِهِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ لِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ السُّنَّةِ سَوَاءٌ كَانَ يَقْصِدُ رَفْعَهُ عَنْ التُّرَابِ أَوْ لَا، وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِصَوْنِهِ عَنْ التُّرَابِ (وَسَدْلُهُ) وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ كَتِفَيْهِ وَيُرْسِلَ جَوَانِبَهُ وَمِنْهُ أَنْ يَجْعَلَ الْقَبَاءَ عَلَى كَتِفَيْهِ وَلَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ حَتَّى إذَا أَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ لَا يُكْرَهُ. وَفِي الْخُلَاصَةِ إذَا لَمْ يُدْخِلْ الْيَدَ فِي كُمِّ الْفَرَجِيِّ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، وَقِيلَ: مَا ذُكِرَ أَوَّلًا فِي الطَّيْلَسَانِ لِأَنَّهُ فِعْلُ أَهْلِ الْكِتَابِ (وَالتَّثَاؤُبُ) وَهُوَ حَالَةٌ تَعْرِضُ عَلَى الْإِنْسَانِ عِنْدَ الْكَسَلِ (وَالتَّمَطِّي) أَيْ التَّمَدُّدُ وَهُوَ مَدُّ يَدَيْهِ وَإِبْدَاءُ صَدْرِهِ لِأَنَّهُ مِنْ سُوءِ الْأَدَبِ (وَتَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ إلَّا إذَا قَصَدَ قَطْعَ النَّظَرِ عَنْ الْأَغْيَارِ وَالتَّوَجُّهَ إلَى جَنَابِ الْمَلِكِ السَّتَّارِ، قَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ لَيْتَ شِعْرِي لِمَ نُهِيَ عَنْهُ وَلَهُ فِي جَمْعِ الْخَاطِرِ فِي الصَّلَاةِ مَدْخَلٌ عَظِيمٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ التَّجْرِبَةُ وَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِجَمْعِ الْخَاطِرِ فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً بَيَّنَ سِرَّ وَجْهِ النَّهْيِ عَنْهُ انْتَهَى وَسِرُّهُ أَنَّ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَرْمِيَ بَصَرَهُ إلَى مَوْضِعِ السُّجُودِ وَفِي التَّغْمِيضِ تَرْكُ هَذِهِ السُّنَّةِ لِأَنَّ كُلَّ عُضْوٍ وَطَرَفٍ ذُو حَظٍّ مِنْ هَذِهِ الْعِبَادَةِ وَكَذَا الْعَيْنُ تُفَكِّرُ وَفِي التَّغْمِيضِ تَرْكُ هَذِهِ السُّنَّةِ لِأَنَّهُ مُخِلٌّ لِلْأَدَبِ، تَدَبَّرْ. (وَالصَّلَاةُ) حَالَ كَوْنِهِ (مَعْقُوصَ الشَّعْرِ) وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَهُ عَلَى الرَّأْسِ ثُمَّ يَشُدُّهُ بِشَيْءٍ حَتَّى لَا يَنْحَلَّ وَهَذَا فِي الصَّلَاةِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ. وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: وَحِكْمَةُ النَّهْيُ عَنْهُ أَنَّ الشَّعْرَ يَسْجُدُ مَعَهُ (وَحَاسِرَ الرَّأْسِ) أَيْ كَاشِفًا إيَّاهُ وَهَذَا إذَا كَانَ لِلتَّكَاسُلِ وَقِلَّةِ رِعَايَتِهَا لَا الْإِهَانَةِ بِهَا لِأَنَّهَا كُفْرٌ (لَا تَذَلُّلًا) أَيْ لَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ لِلتَّذَلُّلِ. (وَفِي ثِيَابِ الْبِذْلَةِ) عَطْفٌ عَلَى حَاسِرٍ لِأَنَّ فِي الْحَالِ مَعْنَى الظَّرْفِيَّةِ وَهِيَ مَا يُلْبَسُ فِي الْبَيْتِ وَلَا يَذْهَبُ بِهِ إلَى الْأَكَابِرِ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ النَّجَاسَةِ الْقَلِيلَةِ وَعَنْ الْأَوْسَاخِ الْكَرِيهَةِ، (وَمَسْحُ جَبْهَتِهِ فِيهَا) أَيْ الصَّلَاةِ مِنْ التُّرَابِ لِأَنَّهُ اشْتِغَالٌ بِعَمَلٍ غَيْرِ لَائِقٍ لِلصَّلَاةِ وَإِزَالَةٌ لِأَثَرِ السَّجْدَةِ الْمُشْعِرَةِ بِقُرْبِ اللَّهِ تَعَالَى وَذُكِرَ فِي الْخُلَاصَةِ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ لَكِنَّ الصَّحِيحَ مَا فِي الْمَتْنِ، (وَنَظَرُهُ إلَى السَّمَاءِ) لِأَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِالْمُجَسِّمَةِ وَعَبَدَةِ الْكَوَاكِبِ وَالْتِفَاتٌ إلَى غَيْرِ مَوْضِعِ نَظَرِ الْمُصَلِّي (وَعَدُّ الْآيِ) جَمْعُ آيَةٍ. (وَ) عَدُّ (التَّسْبِيحِ بِيَدِهِ) عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّهُمَا قَالَا لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّ الْمُصَلِّي يُضْطَرُّ إلَى ذَلِكَ لِمُرَاعَاةِ سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ وَالْعَمَلِ بِمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ قُلْنَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَعُدَّ ذَلِكَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فَيُسْتَغْنَى عَنْ الْعَدِّ بَعْدَهُ، وَأَمَّا فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ فَلَا ضَرُورَةَ أَيْضًا إلَى الْعَدِّ بِالْيَدِ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِغَمْزِ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ وَأَفَادَ إطْلَاقُهُ الشُّمُولَ لِلْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ جَمِيعًا بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْمِنَحِ قِيلَ: الْخِلَافُ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَقِيلَ: فِي التَّطَوُّعِ

стр. 124

وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ أَصْحَابِنَا: إنَّهُ يُكْرَهُ فِيهِمَا وَقَيَّدَ بِالْيَدِ لِأَنَّ الْعَدَّ بِالْقَلْبِ لَا يُكْرَهُ اتِّفَاقًا وَالْعَدَّ بِاللِّسَانِ يُفْسِدُ اتِّفَاقًا. (وَقِيَامُ الْإِمَامِ فِي طَاقِ الْمَسْجِدِ) أَيْ مِحْرَابِهِ مُمْتَازًا عَنْ الْقَوْمِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ امْتِيَازَ الْإِمَامِ مُقَرَّرٌ مَطْلُوبٌ فِي الشَّرْعِ فِي حَقِّ الْمَكَانِ حَتَّى كَانَ التَّقَدُّمُ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَغَايَةُ مَا هُنَاكَ كَوْنُهُ فِي خُصُوصِ مَكَان وَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ بُنِيَ فِي الْمَسَاجِدِ الْمَحَارِيبُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ وَلَوْ لَمْ تُبْنَ كَانَتْ السُّنَّةُ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي مُحَاذَاةِ ذَلِكَ الْمَكَانِ لِأَنَّهُ يُحَاذِي وَسَطَ الصَّفِّ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ إذْ قِيَامُهُ فِي غَيْرِ مُحَاذَاتِهِ مَكْرُوهٌ، وَغَايَتُهُ اتِّفَاقُ الْمِلَّتَيْنِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَلَا بِدْعَ فِيهِ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ إنَّمَا يَخُصُّونَ الْإِمَامَ بِالْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ عَلَى مَا قِيلَ فَلَا تَشَبُّهَ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَذَهَبَ أَبُو جَعْفَرٍ إلَى أَنَّ فِيهِ اشْتِبَاهَ الْحَالِ عَلَى مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ، وَالتَّقَدُّمُ شُرِعَ لِلتَّيْسِيرِ عَلَى الْقَوْمِ لِيَظْهَرَ حَالُهُ لَهُمْ فَإِذَا أَفْضَى إلَى خِلَافِ مَوْضُوعِهِ كُرِهَ فَعَلَى هَذَا لَا يُكْرَهُ عِنْدَ عَدَمِ الِاشْتِبَاهِ، لَكِنَّ مُقْتَضَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَرَاهَةُ قِيَامِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ اشْتَبَهَ حَالُهُ أَمْ لَا، فَاللَّائِقُ لَنَا أَنْ نَجْتَنِبَ عَنْهَا وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يُكْرَهُ قِيَامُهُ (وَانْفِرَادُهُ عَلَى الدُّكَّانِ) وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ وَالْقَوْمُ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ قَدْرُ الِارْتِفَاعِ قَامَةُ الرَّجُلِ وَلَا بَأْسَ بِمَا دُونَهَا لَكِنَّ إطْلَاقَهُ شَامِلٌ لِمَا دُونَهَا وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لِإِطْلَاقِ النَّهْيِ، وَقِيلَ: مِقْدَارُ ذِرَاعٍ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ. وَفِي الْغَايَةِ هُوَ الصَّحِيحُ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ هُوَ الْمُخْتَارُ (أَوْ الْأَرْضِ) أَيْ انْفِرَادُهُ عَلَى الْأَرْضِ وَالْقَوْمُ عَلَى الدُّكَّانِ لِأَنَّهُ ازْدِرَاءٌ بِالْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ بَعْضُ الْقَوْمِ لَا يُكْرَهُ فِيهِمَا فِي الصَّحِيحِ. (وَالْقِيَامُ خَلْفَ صَفٍّ فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الصَّفِّ (فُرْجَةٌ) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فُرْجَةٌ لَمْ يُكْرَهْ كَمَا فِي التُّحْفَةِ هَذَا إذَا كَانَ هُوَ فِي الصَّفِّ الْآخَرِ وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا يُكْرَهُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فُرْجَةً أَمَامَهُ فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ يَجْذِبَ أَحَدًا مِنْ الصَّفِّ أَوَّلًا ثُمَّ يُكَبِّرُ كَمَا فِي الِاصْطِلَاحِ وَالْأَصَحُّ أَنْ يَنْتَظِرَ إلَى الرُّكُوعِ فَإِنْ جَاءَ رَجُلٌ وَإِلَّا جَذَبَ رَجُلًا لَكِنَّ الْأَوْلَى فِي زَمَانِنَا الْقِيَامُ وَحْدَهُ لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ فَإِنَّهُ إذَا جَذَبَ أَحَدًا رُبَّمَا أَفْسَدَ صَلَاتَهُ. وَقَالَ الزَّاهِدِيُّ: دَخَلَ فُرْجَةَ الصَّفِّ أَحَدٌ فَتَجَانَبَ الْمُصَلِّي تَوَسُّعَةً لَهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ امْتِثَالٌ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الصَّلَاةِ. (وَلُبْسُ ثَوْبٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ) وَهُوَ فِي نَفْسِهِ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ حَامِلَ الصَّنَمِ فَكَيْفَ فِي الصَّلَاةِ. (وَأَنْ تَكُونَ فَوْقَ رَأْسِهِ) أَيْ فِي السَّقْفِ (أَوْ بَيْنَ يَدْيِهِ) بِأَنْ تَكُونَ مُعَلَّقَةً أَوْ مَوْضُوعَةً فِي حَائِطِ الْقِبْلَةِ (أَوْ بِحِذَائِهِ) أَيْ عَلَى أَحَدِ جَانِبَيْهِ (صُورَةٌ) وَاخْتُلِفَ فِيمَا إذَا كَانَ خَلْفَهُ وَالْأَظْهَرُ الْكَرَاهَةُ لِأَنَّ تَنْزِيهَ مَكَانَ الصَّلَاةِ عَمَّا يَمْنَعُ دُخُولَ الْمَلَائِكَةِ مُسْتَحَبٌّ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْبِسَاطُ الْمُصَوَّرُ فِي الْبَيْتِ مَكْرُوهًا وَإِنْ كَانَ تَحْتَ الْقَدَمِ كَمَا فِي التَّسْهِيلِ أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ إنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي تَرْكِ الْمُسْتَحَبِّ وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ لِمَا فِيهِ

стр. 125

مِنْ التَّعْظِيمِ لَهَا وَالتَّشَبُّهِ بِعِبَادَتِهَا فَلِهَذَا قَالُوا: وَأَشَدُّهَا كَرَاهَةً أَنْ تَكُونَ أَمَامَ الْمُصَلِّي ثُمَّ فَوْقَ رَأْسِهِ ثُمَّ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ عَنْ يَسَارِهِ ثُمَّ خَلْفَهُ، فَلَا يُكْرَهُ إنْ كَانَتْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لِعَدَمِ التَّعْظِيمِ، تَأَمَّلْ (إلَّا أَنْ تَكُونَ صَغِيرَةً) جِدًّا بِحَيْثُ (لَا تَبْدُو لِلنَّاظِرِ) إلَيْهَا إلَّا بَعْدَ تَدْقِيقٍ، (أَوْ لِغَيْرِ ذِي رُوحٍ) مِثْلُ الْأَشْجَارِ وَالْأَزْهَارِ (أَوْ مَقْطُوعَةَ الرَّأْسِ) أَيْ مَمْحُوَّةً فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ كَذَلِكَ لَا تُعْبَدُ فَلَا تُكْرَهُ، وَلَوْ قُطِعَ يَدَاهَا أَوْ رِجْلَاهَا لَا تُرْفَعُ الْكَرَاهَةُ وَكَذَا لَوْ أُزِيلَ الْحَاجِبَانِ وَالْعَيْنَانِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي أُدِّيَتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ تُعَادُ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مَكْرُوهٍ. وَفِي الْمُضْمَرَاتِ إذَا دَخَلَ فِيهِ نُقْصَانٌ أَوْ كَرَاهَةٌ فَالْأَوْلَى الْإِعَادَةُ، وَقَالَ الْوَبَرِيُّ إذَا لَمْ يَتِمَّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ لَا بَعْدَهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ التَّرْجُمَانِيُّ: إنَّ الْإِعَادَةَ أَوْلَى فِي الْحَالَيْنِ، وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: إنَّ الْكَرَاهَةَ إذَا كَانَتْ فِي رُكْنٍ فَالْإِعَادَةُ مُسْتَحَبَّةٌ وَفِي جَمِيعِ الْأَرْكَانِ وَاجِبَةٌ وَهَذَا حَسَنٌ جِدًّا. (لَا) أَيْ لَا يُكْرَهُ (قَتْلُ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ) فِي الصَّلَاةِ سَوَاءٌ كَانَتْ جِنِّيَّةً وَهِيَ بَيْضَاءُ لَهَا ضَفِيرَتَانِ تَمْشِي مُسْتَوِيَةً أَوْ غَيْرَ جِنِّيَّةٍ وَهِيَ سَوْدَاءُ تَمْشِي مُلْتَوِيَةً لِقَوْلِهِ ﵊ «اُقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ أَيْ الْعَقْرَبَ وَالْحَيَّةَ» وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ قَتْلِ الْجِنِّيَّةِ وَغَيْرِهَا وَقِيلَ: لَا يَحِلُّ قَتْلُ الْجِنِّيَّةِ كَمَا فِي غَيْرِهَا إلَّا إذَا قِيلَ: خَلِّي طَرِيقَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ أَبَتْ فَحِينَئِذٍ تُقْتَلُ، وَالطَّحَاوِيُّ يَقُولُ: إنَّهُ فَاسِدٌ مِنْ حَيْثُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ عَاهَدَ الْجِنَّ بِأَنْ لَا يَظْهَرُوا لِأُمَّتِهِ فِي صُورَةِ الْجِنِّ وَلَا يَدْخُلُوا بُيُوتَهُمْ» فَإِذَا نَقَضُوا الْعَهْدَ يُبَاحُ قَتْلُهَا، وَذَكَرَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ الصَّحِيحُ أَنْ يَحْتَاطَ فِي قَتْلِهَا حَتَّى لَا يَقْتُلَ جِنِّيًّا فَإِنَّهُمْ يُؤْذُونَهُ إيذَاءً كَثِيرًا، وَإِنَّ وَاحِدًا مِنْ إخْوَانِي أَكْبَرَ سِنًّا مِنِّي قَتَلَ حَيَّةً كَبِيرَةً بِسَيْفٍ فِي دَارٍ لَنَا فَضَرَبَهُ الْجِنُّ حَتَّى جَعَلُوهُ بِحَيْثُ لَا يَتَحَرَّكُ رِجْلَاهُ قَرِيبًا مِنْ الشَّهْرِ، ثُمَّ عَالَجْنَاهُ بِإِرْضَاءِ الْجِنِّ حَتَّى تَرَكُوهُ فَزَالَ مَا بِهِ وَهَذَا مِمَّا عَايَنْتُهُ كَمَا فِي النِّهَايَةِ هَذَا إذَا خَشِيَ أَنْ تُؤْذِيَهُ وَإِلَّا فَيُكْرَهُ قَتْلُهَا. (وَقِيَامُ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ سَاجِدًا فِي طَاقِهِ) فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْقِدَمِ. (وَالصَّلَاةُ) مُتَوَجِّهًا (إلَى ظَهْرِ قَاعِدٍ يَتَحَدَّثُ) هَذَا رَدٌّ لِمَنْ قَالَ: كُرِهَ ذَلِكَ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ نَهَى عَنْ أَنْ يُصَلِّيَ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ يَتَحَدَّثُونَ» وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ عِنْدَنَا إذَا رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ عَلَى وَجْهٍ يُخَافُ وُقُوعُ الْغَلَطِ فِي الصَّلَاةِ وَإِلَّا فَالْأَصْحَابُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كَانَ بَعْضُهُمْ يُصَلُّونَ وَبَعْضُهُمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَبَعْضُهُمْ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَالْفِقْهَ وَلَمْ يَمْنَعْ عَنْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊ كَمَا فِي الْبَيَانِيَّةِ وَقَيَّدَ بِالظَّهْرِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِالْوَجْهِ مَكْرُوهٌ. (وَإِلَى مُصْحَفٍ أَوْ سَيْفٍ مُعَلَّقٍ) أَيْ لَا يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَأَمَامُهُ مُصْحَفٌ أَوْ سَيْفٌ سَوَاءٌ كَانَا مُعَلَّقَيْنِ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ لِأَنَّهُمَا لَا يُعْبَدَانِ، وَالْكَرَاهَةُ بِاعْتِبَارِهَا هَذَا رَدٌّ لِمَنْ قَالَ: كُرِهَ ذَلِكَ، وَعَلَّلَ بِأَنَّ السَّيْفَ آيَةُ الْحَرْبِ وَفِيهِ

стр. 126

بَأْسٌ شَدِيدٌ فَلَا يَلِيقُ تَقْدِيمُهُ فِي مَقَامِ الِابْتِهَالِ وَفِي اسْتِقْبَالِ الْمُصْحَفِ مُعَلَّقًا تَشَبُّهٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ اسْتِقْبَالَهُمْ إيَّاهُ لِلْقِرَاءَةِ مِنْهُ لَا لِأَنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ عِنْدَنَا بَلْ مُفْسِدٌ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْمُعَلَّقِ لِبَيَانِ مَحَلِّ الْخِلَافِ لَا لِمَا تَوَهَّمَ الْبَعْضُ فَإِنَّهُ قَالَ: وَذِكْرُ التَّعْلِيقِ بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ، تَدَبَّرْ (أَوْ إلَى شَمْعٍ أَوْ سِرَاجٍ) إذْ لَا يُعْبَدَانِ لِأَنَّ الْمَجُوسَ يَعْبُدُونَ الْجَمْرَ لَا اللَّهَبَ وَقِيلَ: يُكْرَهُ. (وَعَلَى بِسَاطٍ ذِي تَصَاوِيرَ إنْ لَمْ يَسْجُدْ عَلَيْهَا) إذْ الْأَدَاءُ عَلَيْهِ إهَانَةٌ وَلَا يُكْرَهُ كَمَا فِي التَّسْهِيلِ لَكِنْ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْبِسَاطُ الْمُصَوَّرَةُ فِي الْبَيْتِ مَكْرُوهًا وَإِنْ كَانَتْ تَحْتَ الْقَدَمِ تَنَاقُضٌ فَلْيَتَأَمَّلْ. (وَكُرِهَ الْبَوْلُ وَالتَّخَلِّي) أَيْ التَّغَوُّطُ (وَالْوَطْءُ فَوْقَ مَسْجِدٍ) لِأَنَّ سَطْحَ الْمَسْجِدِ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ لِمَنْ تَحْتَهُ وَالْمُرَادُ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذِهِ مَعَ أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ اسْتِطْرَادًا. (وَغَلْقُ بَابِهِ) أَيْ بَابِ الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ شِبْهُ الْمَنْعِ عَنْ الصَّلَاةِ وَهُوَ حَرَامٌ وَالْغَلْقُ بِالسُّكُونِ اسْمٌ مِنْ الْإِغْلَاقِ كَمَا فِي الصِّحَاحِ وَبِضَمَّتَيْنِ بِمَعْنَى الْمُغْلَقِ وَأَمَّا بِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْنَى مَا يُغْلَقُ بِهِ الْبَابُ وَيُفْتَحُ بِالْمَفَاتِيحِ فَمَجَازٌ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى مَتَاعِهِ) . وَفِي الْعَيْنِيِّ وَلَا يُكْرَهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِكَثْرَةِ اللُّصُوصِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَالْحُكْمُ قَدْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَقِيلَ إذَا تَقَارَبَ الْوَقْتَانِ كَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لَا يُغْلَقُ وَإِذَا تَبَاعَدَ كَالْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ يُغْلَقُ. (وَيَجُوزُ نَقْشُهُ بِالْجِصِّ وَمَاءِ الذَّهَبِ) وَغَيْرِ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَكَلَّفَ لِدَقَائِقِ النَّقْشِ فِي الْمِحْرَابِ وَالْجِدَارِ الَّذِي قُدَّامَ الْمُصَلِّي. وَفِي الْفَتْحِ دَقَائِقُ النُّقُوشِ وَنَحْوُهَا مَكْرُوهٌ خُصُوصًا فِي الْمِحْرَابِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُثَابُ وَيَكْفِيهِ أَنْ يَنْجُوَ رَأْسًا بِرَأْسٍ كَمَا قَالَ السَّرَخْسِيُّ وَقِيلَ يُكْرَهُ لِقَوْلِهِ ﵇ «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ تَزْيِينُ الْمَسَاجِدِ» وَقِيلَ: يُثَابُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْثِيرِ الْجَمَاعَةِ، إلَّا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ طَيِّبِ مَالِهِ يُلَوِّثُ بَيْتَهُ تَعَالَى هَذَا إذَا فَعَلَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَأَمَّا إذَا فَعَلَهُ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ يَضْمَنُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْوَاقِفُ هَذَا فِي زَمَانِهِمْ وَأَمَّا فِي زَمَانِنَا لَوْ صَرَفَ مَا يَفْضُلُ مِنْ الْعِمَارَةِ إلَى النَّقْشِ يَجُوزُ لِأَنَّ الظَّلَمَةَ يَأْخُذُونَ ذَلِكَ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَلَيْسَ بِمُسْتَحْسَنٍ كِتَابَةُ الْقُرْآنِ عَلَى الْمَحَارِيبِ وَالْجُدْرَانِ لِمَا يَخَافُ مِنْ سُقُوطِ الْكِتَابَةِ وَأَنْ تُوطَأَ. (وَ) يَجُوزُ (الْبَوْلُ وَنَحْوُهُ فَوْقَ بَيْتٍ فِيهِ مَسْجِدٌ) وَهُوَ مَكَانٌ فِي الْبَيْتِ أُعِدَّ لِلصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ حُكْمَ الْمَسْجِدِ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِيهِ إلَّا لِلنِّسَاءِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْفَوْقَ هَاهُنَا اتِّفَاقِيٌّ فَلَا يُكْرَهُ فِي الْعَرْصَةِ وَالْفَنَاءِ وَالْبِنَاءِ لَهُ. وَفِي الْمُحِيطِ وَالصَّحِيحِ أَنَّ مُصَلَّى الْجَنَائِزِ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ لِأَنَّهُ مَا أُعِدَّ لِلصَّلَاةِ حَقِيقَةً وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي مُصَلَّى الْعِيدِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَسْجِدٌ فِي حَقِّ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ وَإِنْ انْفَصَلَ الصُّفُوفُ لِأَنَّهُ أُعِدَّ لِلصَّلَاةِ حَقِيقَةً.

стр. 127

[بَابُ الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ] لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْفَرَائِضِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا شَرَعَ فِيمَا يَلِيهَا فِي الرُّتْبَةِ وَهُوَ الْوِتْرُ ثُمَّ فِيمَا يَلِيهِ وَهُوَ النَّفَلُ وَالْوِتْرُ بِالْكَسْرِ الْفَرْدُ وَبِالْفَتْحِ الْعَدَدُ وَيُقَالُ الْكَسْرُ لُغَةُ الْحِجَازِ وَالْفَتْحُ لُغَةُ غَيْرِهِمْ وَالنَّافِلَةُ عَطِيَّةُ التَّطَوُّعِ مِنْ حَيْثُ لَا يَجِبُ وَمِنْهُ نَافِلَةُ الصَّلَاةِ (الْوِتْرُ وَاجِبٌ) عِنْدَ الْإِمَامِ وَهُوَ آخِرُ أَقْوَالِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «أَنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً أَلَا وَهِيَ الْوِتْرُ فَأَدُّوهَا بَيْنَ الْعِشَاءِ الْأَخِيرَةِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ» وَالزِّيَادَةُ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ جِنْسِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ وَالْأَمْرُ بِالْأَدَاءِ دَلِيلُ الْوُجُوبِ إلَّا أَنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ فَلَمْ يَفْدِ الْفَرْضِيَّةَ عَلَى مَا وَجَبَ الْعَمَلُ فَلِهَذَا وَجَبَ قَضَاؤُهُ وَإِنَّمَا لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ أَيْ لَا يُنْسَبُ إلَى الْكُفْرِ لِأَنَّهُ أَدْوَنُ دَرَجَةً مِنْ الْفَرِيضَةِ كَمَا فِي بَعْضِ الْمُعْتَبَرَاتِ. وَفِي الْمُحِيطِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَفِي الْخَانِيَّةِ هُوَ وَالْأَصَحُّ. وَفِي النِّهَايَةِ لَيْسَ فِي الْوِتْرِ رِوَايَةٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي الظَّاهِرِ وَذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ أَيْ فِي غَيْرِ الظَّاهِرِ فَرْضٌ وَبِهِ أَخَذَ زُفَرُ. وَفِي التُّحْفَةِ ثُمَّ رَجَعَ، وَوَاجِبٌ، وَسُنَّةٌ وَوَفَّقَ الْمَشَايِخُ بَيْنَهَا بِمَا هُوَ فَرْضٌ عَمَلًا وَوَاجِبٌ اعْتِقَادًا وَسُنَّةٌ ثُبُوتًا (وَقَالَا سُنَّةٌ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] وَالْوُسْطَى هُوَ الْفَرْضُ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ وَلَوْ كَانَ الْوِتْرُ فَرْضًا لَكَانَتْ الْفَرَائِضُ سِتًّا وَالسِّتُّ لَا وُسْطَى لَهَا وَلِقَوْلِهِ ﵊ «ثَلَاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ وَهِيَ لَكُمْ سُنَّةُ الْوِتْرِ وَالضُّحَى وَالْأَضْحَى» كَمَا فِي التَّسْهِيلِ لَكِنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْفَرْضِ الْقَطْعِيِّ لَا عَلَى عَدَمِ الْوَاجِبِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ بِهَا (وَهُوَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ بِسَلَامٍ وَاحِدٍ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يُسَلِّمُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ» رَوَاهُ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَدْنَاهَا رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ وَأَكْثَرُهَا إحْدَى عَشْرَ أَوْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَأَدْنَى الْكَمَالِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِتَسْلِيمَتَيْنِ وَاحِدَةٌ بَعْدَ الْأَوَّلِيَّيْنِ وَثَانِيَةٌ بَعْدَ الثَّالِثَةِ. (يَقْرَأُ) الْمُصَلِّي (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْوَتْرِ (الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً) بِلَا تَعْيِينٍ. وَفِي الْكَرْمَانِيِّ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] ، وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ، وَفِي الثَّالِثَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] » . وَفِي التَّجْنِيسِ لَوْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا. (وَيَقْنُتُ فِي ثَالِثَتِهِ دَائِمًا) فِي كُلِّ السُّنَّةِ هَذَا احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ فَإِنَّهُمَا قَالَا: وَلَا يَقْنُتُ فِي الْوِتْرِ إلَّا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ (قَبْلَ الرُّكُوعِ) . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَهُ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ قَنَتَ فِي آخِرِ الْوِتْرِ» وَهُوَ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ قَنَتَ فِي آخِرِ الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ» وَمَا زَادَ عَلَى نِصْفِ شَيْءٍ أَخَّرَهُ (بَعْدَمَا كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ) يَعْنِي إذَا فَرَغَ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ يُكَبِّرُ رَافِعًا يَدَيْهِ ثُمَّ يَقْرَأُ دُعَاءَ الْقُنُوتِ وَالْقُنُوتُ عِنْدَنَا اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك وَنَسْتَغْفِرُك وَنَسْتَهْدِيك

стр. 128

وَنُؤْمِنُ بِك وَنَتُوبُ إلَيْك وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْك وَنُثْنِي عَلَيْك الْخَيْرَ كُلَّهُ نَشْكُرُك وَلَا نَكْفُرُك وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يُفْجِرُك اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ وَلَك نُصَلِّي وَنَسْجُدُ وَإِلَيْك نَسْعَى وَنَحْفِدُ نَرْجُو رَحْمَتَك وَنَخْشَى عَذَابَك إنَّ عَذَابَك بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ وَالْمَعْنَى يَا اللَّهَ نَطْلُبُ مِنْك الْعَوْنَ عَلَى الطَّاعَةِ وَنَطْلُبُ مِنْك الْمَغْفِرَةَ لِذُنُوبِنَا وَنَطْلُبُ مِنْك الْهِدَايَةَ، وَنُؤْمِنُ بِك أَيْ بِجَمِيعِ تَفَاصِيلِهِ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ حَقَّ التَّوَكُّلِ، وَنُثْنِي مِنْ الثَّنَاءِ وَهُوَ الْمَدْحُ وَانْتِصَابُ الْخَيْرِ عَلَى الْمَصْدَرِ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِلثَّنَاءِ لِأَنَّ الثَّنَاءَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ كَقَوْلِهِمْ: أَثْنَى عَلَيَّ شَرًّا وَلَا نَكْفُرُكَ أَيْ لَا نَكْفُرُكَ نِعْمَتَكَ، وَنَخْلَعُ أَيْ نَطْرَحُ وَنَتْرُكُ وَيَتَوَجَّهُ الْفِعْلَانِ إلَى الْمَوْصُولِ مَنْ يَفْجُرُكَ أَيْ يُخَالِفُك، وَنَسْعَى مِنْ السَّعْيِ وَهُوَ الْإِسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ وَهُوَ التَّوَجُّهُ التَّامُّ وَنَحْفِدُ، بِالْكَسْرِ أَيْ نَعْمَلُ لَك بِطَاعَتِك، وَمُلْحِقٌ بِالْكَسْرِ أَيْ لَاحِقٌ وَقِيلَ الْمُرَادُ: مُلْحِقٌ بِالْكُفَّارِ قَالَ الْمُطَرِّزِيِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى، وَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى هَذَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ثَلَاثًا وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ أَبِي اللَّيْثِ أَوْ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] كَمَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَقْرَأُ مَعَهُ: اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَ وَقِنَا يَا رَبَّنَا شَرَّ مَا قَضَيْت فَإِنَّك تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ فَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا قَضَيْتَ وَنَسْتَغْفِرُكَ اللَّهُمَّ وَنَتُوبُ إلَيْكَ ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨] . (وَلَا يَقْنُتُ فِي صَلَاةٍ غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ صَلَاةِ الْوِتْرِ عِنْدَنَا قَالَ الْإِمَامُ: الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ بِدْعَةٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّ الْقُنُوتَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ مَسْنُونٌ عِنْدَهُ فِي جَمِيعِ السُّنَّةِ لِرِوَايَةِ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ إلَى أَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا» وَلَنَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ «أَنَّهُ ﵊ قَنَتَ شَهْرًا ثُمَّ تَرَكَهُ» وَالتَّرْكُ دَلِيلُ النَّسْخِ. (وَيَتْبَعُ الْمُؤْتَمُّ) الْحَنَفِيُّ فِي الْقُنُوتِ إمَامًا شَافِعِيًّا (قَانِتَ الْوِتْرِ وَلَوْ بَعْدَ الرُّكُوعِ) وَكَذَا يَتْبَعُ السَّاجِدَ قَبْلَ السَّلَامِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا يُتَابِعُهُ فِي السَّلَامِ إذَا سَلَّمَ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ بَلْ يُتِمُّ صَلَاتَهُ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ (وَلَا يَتْبَعُ) الْمُؤْتَمُّ الْحَنَفِيُّ شَافِعِيًّا (قَانِتَ الْفَجْرِ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ لِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَلَا اتِّبَاعَ فِي الْمَنْسُوخِ بَلْ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَقْتَدِيَ بِهِ فِيهَا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّهُ يَقُولُ يُتَابِعُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمُتَابَعَةُ وَالْقُنُوتُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَلَا يُتْرَكُ الْأَصْلُ بِالشَّكِّ فَصَارَ كَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ اقْتِدَاءِ الْحَنَفِيِّ بِالشَّافِعِيِّ إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَحْتَاطُ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ كَمَا بُيِّنَ فِي فَصْلِ الْجَمَاعَةِ (بَلْ يَقِفُ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وَلَا يَتْبَعُ (سَاكِتًا فِي) الْقَوْلِ (الْأَظْهَرِ) لِأَنَّ فِعْلَ الْإِمَامِ كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى مَشْرُوعٍ وَهُوَ الْقِيَامُ وَعَلَى غَيْرِ

стр. 129

مَشْرُوعٍ وَهُوَ الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ فَمَا كَانَ مَشْرُوعًا يُتَابِعُهُ فِيهِ وَمَا كَانَ غَيْرَ مَشْرُوعٍ لَا وَقَيْدُ الْأَظْهَرِ احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: يَقْعُدُ تَحْقِيقًا لِلْمُخَالَفَةِ. (وَالسُّنَّةُ قَبْلَ) فَرْضِ (الْفَجْرِ) لَمَّا بَيَّنَ أَحْكَامَ الْوِتْرِ شَرَعَ فِي النَّوَافِلِ وَالنَّفَلُ أَعَمُّ مِنْ السُّنَّةِ مُؤَكَّدَةٍ وَغَيْرِ مُؤَكَّدَةٍ وَابْتَدَأَ بِسُنَّةِ الْفَجْرِ لِأَنَّهَا أَقْوَى السُّنَنِ حَتَّى رَوَى الْحَسَنُ عَنْ الْإِمَامِ لَوْ صَلَّاهَا قَاعِدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَا تَجُوزُ. وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» قَالُوا الْعَالِمُ إذَا صَارَ مَرْجِعًا لِلْفَتْوَى يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ سَائِرِ السُّنَنِ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَّا سُنَّةَ الْفَجْرِ وَتُقْضَى إذَا فَاتَتْ مَعَهُ بِخِلَافِ سَائِرِ السُّنَنِ وَفِي الْبَحْرِ مَنْ أَنْكَرَ سُنَّةَ الْفَجْرِ يُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرُ. وَفِي الْمَبْسُوطِ ابْتَدَأَ بِسُنَّةِ الظُّهْرِ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ فِي الْوُجُودِ لِأَنَّ السُّنَّةَ تَبَعٌ لِلْفَرْضِ. (وَبَعْدَ) فَرْضِ (الظُّهْرِ وَ) بَعْدَ فَرْضِ (الْمَغْرِبِ) فَالْأَفْضَلُ مَا لِلظُّهْرِ ثُمَّ الْمَغْرِبِ وَذَهَبَ الْحَلْوَانِيُّ إلَى الْعَكْسِ فَإِنَّهُ ﵊ لَمْ يَدَعْ سُنَّةَ الْمَغْرِبِ فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ (وَ) بَعْدَ فَرْضِ (الْعِشَاءِ) تَأْخِيرُهَا يَدُلُّ عَلَى انْحِطَاطِهَا عَنْهُمَا (رَكْعَتَانِ) خَبَرُ السُّنَّةِ. (وَ) السُّنَّةُ (قَبْلَ) فَرْضِ (الظُّهْرِ) وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا دُونَ الْعِشَاءِ كَمَا قَالَ الْحَلْوَانِيُّ وَقِيلَ: آكَدُ مِنْ غَيْرِهَا بَعْدَ سَنَةِ الْفَجْرِ وَقِيلَ هُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ فِيهَا وَعِيدًا مَعْرُوفًا وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ تَرَكَ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ لَمْ تَنَلْهُ شَفَاعَتِي» وَلِذَا قِيلَ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهَا أَفْضَلُ مِنْ التَّعَلُّمِ. وَفِي التَّجْنِيسِ وَغَيْرِهِ رَجُلٌ تَرَكَ سُنَنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ إنْ لَمْ يَرَ السُّنَنَ حَقًّا فَقَدْ كَفَرَ لِأَنَّهُ اسْتِخْفَافٌ وَإِنْ رَأَى حَقًّا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَأْثَمُ لِأَنَّهُ جَاءَ الْوَعِيدُ بِالتَّرْكِ. (وَ) قَبْلَ (الْجُمُعَةِ) أَرْبَعٌ بِلَا خِلَافٍ (وَبَعْدَهَا أَرْبَعٌ) بِتَسْلِيمَةٍ فَلَوْ صَلَّى بِتَسْلِيمَتَيْنِ لَمْ يُعَدّ مِنْ السُّنَّةِ لِأَنَّهُ ﵊ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْأَرْبَعِ بِتَسْلِيمَةٍ أَمْ بِتَسْلِيمَتَيْنِ فَقَالَ: بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ. وَفِي الشُّمُنِّيِّ أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ بَعْدَهَا سُنَّةٌ يُكْرَهُ لَهُ الْقُعُودُ بَعْدَهَا بَلْ يَشْتَغِلُ بِالسُّنَّةِ لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ إذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ مِقْدَارَ مَا يَقُولُ اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ وَإِلَيْكَ يَعُودُ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» وَبِمَا نَقَلَ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْرَأَ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالسُّنَّةِ أَوْرَادَهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَنَّ مَا فِي الشُّمُنِّيِّ مَحْمُولٌ عَلَى الْقُعُودِ الَّذِي لَا قِرَاءَةَ فِيهِ وَلَا ذِكْرَ تَدَبَّرْ. وَفِي الْقُنْيَةِ: الْكَلَامُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَا يُسْقِطُ السُّنَّةَ وَلَكِنْ يُنْقِصُ ثَوَابَهُ وَكُلُّ عَمَلٍ يُنَافِي التَّحْرِيمَةَ أَيْضًا وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَوْ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الظُّهْرِ وَاشْتَغَلَ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ أَوْ الْأَكْلِ يُعِيدُ السُّنَّةَ أَمَّا بِأَكْلِ لُقْمَةٍ أَوْ شَرْبَةٍ فَلَا. (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بَعْدَ الْجُمُعَةِ سِتٌّ) يُصَلِّي أَرْبَعًا وَبَعْدَهُ رَكْعَتَيْنِ بِتَسْلِيمَتَيْنِ وَبِهِ أَخَذَ الطَّحَاوِيُّ وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ مِنَّا وَبِهِ يُعْمَلُ الْيَوْمَ. وَفِي الِاخْتِيَارِ بِتَسْلِيمَةٍ وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ الْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ مَرَّةً أَرْبَعًا وَمَرَّةً سِتًّا جَمْعًا بَيْنَهُمَا. (وَنُدِبَ)

стр. 130

أَيْ حُبِّبَ (الْأَرْبَعُ قَبْلَ الْعَصْرِ أَوْ رَكْعَتَانِ) لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ وَالْأَخْبَارِ لَكِنَّ أَفْضَلِيَّةَ الْأَرْبَعِ أَظْهَرُ. (وَالسِّتُّ بَعْدَ الْمَغْرِبِ) تُسَمَّى صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ قَالَ ﵊ «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ بَيْنَهُنَّ بِشَيْءٍ عَدَلْنَ لَهُ بِعِبَادَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً» هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَكْعَتَيْ الْمَغْرِبِ مَحْسُوبَةٌ مِنْ السِّتِّ لَكِنَّ فِي الْأَشْبَاهِ خِلَافَهُ تَتَبَّعْ. (وَالْأَرْبَعُ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَبَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَهُوَ أَفْضَلُ وَقِيلَ أَرْبَعًا عِنْدَهُ وَرَكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا كَمَا فِي النِّهَايَةِ. وَفِي الْمُضْمَرَاتِ الْأَحْسَنُ أَنْ يُصَلِّيَ سِتًّا أَوْ أَرْبَعًا ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ ثَابَرَ أَيْ دَاوَمَ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَأَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَهَذِهِ مُؤَكَّدَاتٌ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا وَلَمْ يُذْكَرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْأَرْبَعُ قَبْلَ الْعَصْرِ وَقَبْلَ الْعِشَاءِ وَبَعْدَهَا لِهَذَا أَطْلَقَ عَلَيْهَا اسْمَ النَّدْبِ لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ فِيهَا. (وَكُرِهَ الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعِ) رَكَعَاتٍ (بِتَسْلِيمَةٍ فِي نَفْلِ النَّهَارِ لَا) أَيْ لَا تُكْرَهُ (فِي نَفْلِ اللَّيْلِ إلَى ثَمَانٍ) رَكَعَاتٍ عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّ السُّنَّةَ وَرَدَتْ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ إلَى أَرْبَعٍ وَصَلَاةِ اللَّيْلِ إلَى ثَمَانٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ فَعَلَ فِي تَهَجُّدِهِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تُكْرَهُ لِمَا فِيهَا مِنْ وَصْلِ الْعِبَادَةِ وَهُوَ أَفْضَلُ. وَفِي الْبَدَائِعِ وَهَذَا يُشْكِلُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ فِي النَّهَارِ فَإِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ بِالْإِجْمَاعِ ثُمَّ قَالَ: وَالصَّحِيحُ الْكَرَاهَةُ لِأَنَّهَا لَمْ تُرْوَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ (خِلَافًا لَهُمَا) ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الثَّمَانُ فِي اللَّيْلِ مَكْرُوهَةً عِنْدَهُمَا كَمَا فِي النَّهَارِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالتَّبْيِينِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّافِلَةَ فِي اللَّيْلِ بِتَسْلِيمَةٍ إلَى ثَمَانٍ جَائِزَةٌ بِغَيْرِ كَرَاهَةٍ اتِّفَاقًا فِي عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ فِي الْكُتُبِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا قَالَا: لَا يَزِيدُ بِاللَّيْلِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْأَفْضَلِيَّةِ نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهُ مَا فِي الْهِدَايَةِ وَالتَّبْيِينِ بِهَذَا لَكِنْ لَا يُمْكِنُ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ سِيَاقُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ وَقَالَا فِي اللَّيْلِ: الْمَثْنَى أَفْضَلُ تَتَبَّعْ (وَلَا تُزَادُ عَلَى الثَّمَانِ) فِي اللَّيْلِ (وَالْأَفْضَلُ فِيهِمَا) أَيْ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (رُبَاعُ) عِنْدَ الْإِمَامِ لِمَا رَوِيَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهُ «﵊ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعِشَاءِ أَرْبَعًا وَكَانَ يُوَاظِبُ عَلَى الْأَرْبَعِ فِي الضُّحَى» (وَقَالَا فِي) نَفْلِ (اللَّيْلِ الْمَثْنَى أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الرَّكْعَتَانِ أَفْضَلُ فِيهِمَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» لَكِنْ مَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ مَثْنَى شَفْعٌ لَا وَتْرٌ وَلَفْظُ النَّهَارِ فِي الْحَدِيثِ غَرِيبٌ فَلَا يُعْمَلُ بِهِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ. (وَطُولُ الْقِيَامِ أَفْضَلُ مِنْ كَثْرَةِ الرَّكَعَاتِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ» كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ، وَلَا يَخْفَى

стр. 131

أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلِيَّةُ الطُّولِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَصْرِ فَلَا يُفِيدُ مَا ادَّعَاهُ. وَفِي الْمُجْتَبَى أَنَّ كَثْرَةَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ ﵊ «عَلَيْك بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» وَقَوْلُهُ ﵊ «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» وَلِأَنَّ السُّجُودَ غَايَةُ التَّوَاضُعِ وَالْعُبُودِيَّةِ. وَفِي الْبَحْرِ أَنَّ كَثْرَةَ الرَّكَعَاتِ أَفْضَلُ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ وَذَكَرَ وَجْهَهُ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ. (وَالْقِرَاءَةُ فَرْضٌ فِي رَكْعَتَيْ الْفَرْضِ) حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْرَأْ فِي الْكُلِّ أَوْ قَرَأَ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَلَمْ يُقَيِّدْ الرَّكْعَتَيْنِ بِالْأُولَيَيْنِ لِأَنَّ تَعْيِينَهُمَا لِلْقِرَاءَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا فِيهِمَا وَقَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ جَازَتْ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ إنْ سَهَا وَيَأْثَمُ إنْ عَمَدَ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بَاشَا: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهَا هَهُنَا لِأَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ مِنْ قَبْلُ عَلَى أَنَّ الْبَابَ بَابُ النَّوَافِلِ فَلَا وَجْهَ لِذِكْرِ الْفَرْضِ لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ ذِكْرَهُ تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ وَكُلِّ النَّفْلِ وَالْوِتْرِ تَدَبَّرْ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تُفْرَضُ الْقِرَاءَةُ فِي جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ (وَكُلِّ النَّفْلِ وَالْوِتْرِ) أَيْ الْقِرَاءَةُ تُفْرَضُ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ وَالْوِتْرِ أَمَّا النَّفَلُ فَلِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْهُ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ وَالْقِيَامُ إلَى الثَّالِثَةِ كَتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ بِالتَّحْرِيمَةِ الْأُولَى إلَّا رَكْعَتَانِ فِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَصْحَابِنَا وَلِهَذَا قَالُوا: يَسْتَفْتِحُ فِي ثَلَاثَةٍ وَأَمَّا الْوِتْرُ فَلِلِاحْتِيَاطِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَزَادَ فِي الْفَتْحِ وَيُصَلِّي فِي كُلِّ قَعْدَةٍ قِيَاسُهُ أَنْ يَتَعَوَّذَ فِي كُلِّ شَفْعٍ انْتَهَى لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّهُ لَا يَشْمَلُ السُّنَّةَ الرَّبَاعِيَةَ الْمُؤَكَّدَةَ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ فَرْضٌ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِهَا مَعَ أَنَّ الْقِيَامَ إلَى الثَّالِثَةِ لَيْسَ بِتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ بَلْ هِيَ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ وَلِهَذَا لَا يَسْتَفْتِحُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي وَلَا يُصَلِّي فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى وَإِنْ أُرِيدَ بِالنَّفْلِ مَا لَيْسَ بِسُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ لَمْ يَتِمَّ أَيْضًا لِخُلُوِّهِ عَنْ إفَادَةِ حُكْمِ الْقِرَاءَةِ فِي السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ كَمَا فِي شَرْحِ التَّنْوِيرِ. (وَيَلْزَمُ إتْمَامُ نَفْلٍ شَرَعَ فِيهِ قَصْدًا) حَتَّى لَوْ نَقَضَهُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ. (وَلَوْ) شَرَعَ (عِنْدَ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ) وَالِاسْتِوَاءِ كَمَا ذُكِرَ فِي أَكْثَرِ الْمُتُونِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ الْإِمَامِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَفِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فَلَا يَقْضِي لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ فِيهِ وَلَا لُزُومَ عَلَى الْمُتَبَرِّعِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ عِنْدَهُ الْإِتْمَامُ إذَا كَانَ فِي وَقْتٍ غَيْرِ مَكْرُوهٍ، وَلَنَا أَنَّ الْمُؤَدَّى وَقَعَ قُرْبَةً فَلَزِمَهُ الْإِتْمَامُ صَوْنًا عَنْ الْبُطْلَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] (لَا إنْ شَرَعَ ظَانًّا أَنَّهُ) أَيْ الشُّرُوعَ (وَاجِبٌ عَلَيْهِ) كَمَا إذَا شَرَعَ فِي الظُّهْرِ مَثَلًا يَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ فَتَذَكَّرَ أَنَّهُ صَلَّاهَا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ وَلَا الْقَضَاءُ عِنْدَ الْفَسَادِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَإِنْ فَهِمْت مِمَّا سَبَقَ وَهُوَ قَوْلُهُ وَيَلْزَمُ نَفْلٌ شَرَعَ فِيهِ قَصْدًا فَهَاهُنَا صَرَّحَ بِهَا كَمَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ لَكِنَّ قَوْلَهُ قَصْدًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ احْتِرَازًا عَنْ الشُّرُوعِ سَهْوًا كَمَا إذَا قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ فِي الْفَرْضِ الرُّبَاعِيِّ فَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ لَا يَلْزَمُ التَّكْرَارُ وَالتَّوْجِيهُ بِالتَّصْرِيحِ تَأَمَّلْ. (وَلَوْ نَوَى أَرْبَعًا) أَيْ إذَا شَرَعَ فِي أَرْبَعِ

стр. 132

رَكَعَاتٍ مِنْ النَّفْلِ (وَأَفْسَدَ) فِي الشَّفْعِ الثَّانِي (بَعْدَ الْقُعُودِ الْأَوَّلِ أَوْ قَبْلَهُ) أَيْ أَفْسَدَهَا فِي الشَّفْعِ الْأَوَّلِ قَبْلَ الْقُعُودِ (قَضَى رَكْعَتَيْنِ) فَقَطْ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ. (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَقْضِي أَرْبَعًا لَوْ أَفْسَدَ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْقُعُودِ لِأَنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ كَالنَّذْرِ وَعَنْهُ رِوَايَتَانِ فِيمَا إذَا نَوَى سِتًّا أَوْ ثَمَانِيًا ثُمَّ أَفْسَدَهَا فِي رِوَايَةٍ يَقْضِي أَرْبَعًا. وَفِي رِوَايَةٍ يَقْضِي جَمِيعَ مَا نَوَى. وَفِي الشُّمُنِّيِّ نَقْلًا عَنْ الْمُنْتَقَى قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا أَفْسَدَهَا بِمَا لَا يُوجِبُ الْخُرُوجَ مِنْ التَّحْرِيمَةِ كَتَرْكِ الْقِرَاءَةِ وَأَمَّا إذَا أَفْسَدَهَا بِالْكَلَامِ وَنَحْوِهِ فَلَا يَلْزَمُ عِنْدَهُ إلَّا رَكْعَتَانِ وَلَهُمَا أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا لِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ مِنْ النَّفْلِ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ وَلَا تَعَلُّقَ لِأَحَدِ الشَّفْعَيْنِ بِالْآخَرِ بِخِلَافِ النَّذْرِ لِأَنَّهُ مُلْزِمٌ لِذَاتِهِ وَعَلَى هَذَا سُنَّةُ الظُّهْرِ لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ وَقِيلَ: يَقْضِي أَرْبَعًا احْتِيَاطًا. (وَكَذَا الْخِلَافُ لَوْ جَرَّدَ الْأَرْبَعَ عَنْ الْقِرَاءَةِ) أَيْ يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ لَمَّا فَسَدَتْ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ بَطَلَتْ التَّحْرِيمَةُ لِأَنَّهَا إنَّمَا انْعَقَدَتْ لِأَجْلِهَا فَلَمْ يَصِحَّ شُرُوعُهُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي فَيَلْزَمُ قَضَاءُ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ فَقَطْ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ التَّحْرِيمَةِ لِجَوَازِ صَلَاةِ الْأُمِّيِّ بِلَا قِرَاءَةٍ فَيَصِحُّ شُرُوعُهُ فِي الْأَرْبَعِ فَيَلْزَمُ قَضَاءُ الْأَرْبَعِ لِإِفْسَادِهَا بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ (أَوْ قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ فَحَسْبُ) أَيْ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَهُمَا وَقَضَاءُ أَرْبَعٍ عِنْدَهُ عَلَى قِيَاسِ مَا سَبَقَ. (وَلَوْ قَرَأَ فِي الْأُولَيَيْنِ أَوْ الْأُخْرَيَيْنِ فَقَطْ أَوْ تَرَكَهَا) أَيْ الْقِرَاءَةَ (فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ فَقَطْ أَوْ إحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ فَقَطْ قَضَى رَكْعَتَيْنِ اتِّفَاقًا) أَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَإِنَّهُ يَقْضِي الْأُخْرَيَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ لَمْ تَبْطُلْ عِنْدَهُمْ أَصْلًا فَصَحَّ الشُّرُوعُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي ثُمَّ فَسَادُ الثَّانِي بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِيهِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْأَوَّلِ وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَإِنَّ تَرْكَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ يُبْطِلُ التَّحْرِيمَةَ عِنْدَهُمَا كَمَا بَيَّنَ فَيَلْزَمُ أَنْ يَقْضِيَ الْأُولَيَيْنِ فَقَطْ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَإِنْ لَمْ يُبْطِلْ التَّحْرِيمَةَ لَكِنْ أَفْسَدَ الرَّكْعَتَيْنِ فَقَطْ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُمَا وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ قَاضِيًا لِلَّتِي لَمْ يَقْرَأْ إلَّا فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَيَكُونُ الْمَقْضِيُّ رَكْعَتَيْنِ فَقَطْ عَلَى قِيَاسِ مَا سَبَقَ. (وَلَوْ قَرَأَ فِي إحْدَى الْأُولَيَيْنِ لَا غَيْرَ أَوْ إحْدَى الْأُولَيَيْنِ وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ قَضَى أَرْبَعًا) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ لِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ لِأَنَّ تَرْكَ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ مِنْ الشَّفْعِ الْأَوَّلِ لَا يُبْطِلُ التَّحْرِيمَةَ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يُبْطِلُ التَّحْرِيمَةَ أَصْلًا بِالتَّرْكِ وَقَدْ أَفْسَدَ الشَّفْعَيْنِ بِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فَيَقْضِي أَرْبَعًا. (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ) لِأَنَّهُ تَرْكُ الْقِرَاءَةِ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ يُوجِبُ فَسَادَ التَّحْرِيمَةِ عِنْدَهُ فَلَمْ يَصِحَّ الشُّرُوعُ فِي الثَّانِي فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْأُولَيَيْنِ فَقَطْ. (وَلَوْ تَرَكَ الْقَعْدَةَ الْأُولَى فِيهِ) أَيْ فِي النَّفْلِ يَعْنِي إذَا صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ النَّفْلِ وَلَمْ يَقْعُدْ فِي وَسَطِهَا (لَا تَبْطُلُ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) لِأَنَّ كُلَّ شَفْعٍ عِنْدَهُ مِنْ النَّفْلِ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ

стр. 133

فَتَكُونُ الْقَعْدَةُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ فِي الْفَرْضِ فَتَفْسُدُ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَفْسُدُ وَهُوَ قَوْلُهُمَا لِأَنَّهُ لَمَّا قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ قَبْلَ الْقَعْدَةِ فَقَدْ جَعَلَهَا صَلَاةً وَاحِدَةً فَصَارَتْ الْقَعْدَةُ الْأُولَى فَاصِلَةً كَمَا فِي الْفَرْضِ فَتَكُونُ وَاجِبَةً وَالْخَاتِمَةُ هِيَ الْفَرْضِيَّةُ وَلِذَا لَوْ صَلَّى أَلْفَ رَكْعَةٍ مِنْ النَّفْلِ غَيْرَ قَاعِدٍ إلَّا فِي الْأَخِيرَةِ لَمْ تَفْسُدْ عِنْدَهُمَا كَمَا فِي الْكَافِي. (وَلَوْ نَذَرَ صَلَاةً فِي مَكَان) مَثَلًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (فَأَدَّاهَا) أَيْ الصَّلَاةَ الْمَنْذُورَةَ (فِي) مَكَان (أَدْنَى شَرَفًا مِنْهُ) أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي نَذَرَ فِيهِ (جَازَ) مَا أَدَّاهُ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَنَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْقُرْبَةُ فَيَبْطُلُ التَّعْيِينُ وَلَزِمَتْهُ الْقُرْبَةُ. وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ إلَّا فِيمَا عَيَّنَ مِنْ الْمَكَانِ أَوْ فِي مَكَان أَعْلَى مِنْهُ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ هَكَذَا فَيَلْزَمُ كَمَا الْتَزَمَ. (وَلَوْ نَذَرَتْ) امْرَأَةٌ (صَلَاةً أَوْ صَوْمًا فِي غَدٍ فَحَاضَتْ فِيهِ) أَيْ فِي الْغَدِ (لَزِمَهَا الْقَضَاءُ) عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ فِي يَوْمِ الْحَيْضِ وَلَنَا أَنَّ الْعِبَادَةَ تَلْزَمُهَا بِالنَّذْرِ وَالْحَيْضُ يَمْنَعُ الْأَدَاءَ لَا الْوُجُوبَ كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَقَيَّدَ بِالْغَدِ لِأَنَّهَا لَوْ قَالَتْ: عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ كَذَا يَوْمَ حَيْضِي لَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ نَذْرٌ بِمَعْصِيَةٍ مَقْصُودَةٍ. (وَلَا يُصَلِّي بَعْدَ صَلَاةٍ مِثْلَهَا) قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: هَذَا حَدِيثٌ خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ لِأَنَّ الرَّجُلَ يُصَلِّي سُنَّةَ الْفَجْرِ ثُمَّ الْفَرْضَ وَهُمَا مِثْلَانِ وَكَذَا يُصَلِّي سُنَّةَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا ثُمَّ الْفَرْضَ أَرْبَعًا وَهُمَا مِثْلَانِ وَكَذَا يُصَلِّي فَرْضَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ ثُمَّ يُصَلِّي السُّنَّةَ رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ إجْرَاؤُهُ عَلَى الْعُمُومِ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى أَخَصِّ الْخُصُوصِ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْعَامِّ الَّذِي لَمْ يُمْكِنْ الْعَمَلُ بِعُمُومِهِ فَقَالَ: الْمُرَادُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ بَعْدَ أَدَاءِ الظُّهْرِ نَافِلَةً رَكْعَتَانِ بِقِرَاءَةٍ وَرَكْعَتَانِ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ بَلْ يَقْرَأُ فِي جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ حَتَّى لَا يَكُونَ مِثْلًا لِلْفَرْضِ فَيَكُونُ فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ فَرْضِيَّةِ الْقِرَاءَةِ فِي جَمِيعِ رَكَعَاتِ النَّفْلِ كَذَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنَّ هَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فَكَيْفَ يَقْتَضِي الْفَرْضِيَّةَ وَلَئِنْ كَانَ مَشْهُورًا فَهُوَ مُؤَوَّلٌ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فَلَا يُوجِبُ الْعِلْمَ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ النَّهْيُ عَنْ تَكْرَارِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: هَذَا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ وَقِيلَ: لَا يَقْضِي مَا أَدَّى مِنْ الْفَرَائِضِ بِوَسْوَسَةٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ لَيْسَ بِثَابِتٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ بَلْ هُوَ كَلَامُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حَتَّى ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ بِإِسْنَادِهِ إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﵇. (وَصَحَّ النَّفَلُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ) بِلَا كَرَاهَةٍ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵇ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَاعِدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ» وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْمَكْتُوبَةُ وَالْوَاجِبَةُ وَالْمَنْذُورَةُ وَسُنَّةُ الْفَجْرِ وَالتَّرَاوِيحِ بِلَا عُذْرٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّ التَّرَاوِيحَ تَجُوزُ وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْقُعُودِ حَالَةَ الْقِرَاءَةِ رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَقْعُدُ كَيْفَ شَاءَ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لَهُ تَرْكُ أَصْلِ الْقِيَامِ فَتَرْكُ صِفَةِ الْقُعُودِ أَوْلَى جَوَازًا وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَتَرَبَّعُ لِأَنَّهُ أَعْدَلُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَحْتَبِي لِأَنَّ عَامَّةَ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﵊ فِي آخِرِ

стр. 134

عُمْرِهِ كَانَتْ بِالِاحْتِبَاءِ وَعَنْ زُفَرَ أَنَّهُ يَقْعُدُ فِي التَّشَهُّدِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِأَنَّهُ عُهِدَ مُشَرَّعًا فِي الصَّلَاةِ. (وَلَوْ قَعَدَ بَعْدَمَا افْتَتَحَهُ قَائِمًا جَازَ) عِنْدَ الْإِمَامِ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ. (وَيُكْرَهُ لَوْ بِلَا عُذْرٍ) عِنْدَهُ (وَقَالَا: لَا يَجُوزُ إلَّا بِعُذْرٍ) قِيَاسًا لِأَنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ كَالنَّذْرِ وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا فَكَذَا هَذَا. (وَيَتَنَفَّلُ) أَيْ يَجُوزُ النَّفَلُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ غَيْرُ النَّافِلَةِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ (رَاكِبًا) وَالدَّابَّةُ تَسِيرُ بِنَفْسِهَا فَإِنْ سَيَّرَهَا الرَّاكِبُ لَا لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْعَمَلِ الْكَثِيرِ (خَارِجَ الْمِصْرِ) أَيْ فِي خَارِجِهِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَتَنَفَّلُ بِمُجَرَّدِ الْمُجَاوَرَةِ عَنْ الْعُمْرَانِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ: قَدْرَ فَرْسَخَيْنِ وَقِيلَ: قَدْرَ مِيلٍ، وَإِلَى أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْمُسَافِرِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَنْ الشَّيْخَيْنِ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِهِ، وَإِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْمِصْرِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْمِصْرِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ (مُومِيًا) أَيْ يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ (إلَى أَيْ جِهَةٍ تَوَجَّهَتْ دَابَّتُهُ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى خَيْبَرَ يُومِئُ إيمَاءً» فَلَا يُشْتَرَطُ الِاسْتِقْبَالُ فِي الِابْتِدَاءِ وَالْبَقَاءُ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ اشْتَرَطَ فِي الِابْتِدَاءِ وَأَصْحَابُنَا لَمْ يَأْخُذُوا بِهِ لِإِطْلَاقِ الْمَرْوِيِّ وَلَوْ افْتَتَحَ خَارِجَ الْمِصْرِ ثُمَّ دَخَلَ قَبْلَ الْفَرَاغِ أَتَمَّهَا رَاكِبًا مَا لَمْ يَبْلُغْ مَنْزِلَهُ وَقِيلَ: أَتَمَّهَا نَازِلًا وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْمُصَنِّفُ طَهَارَةَ الدَّابَّةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى السَّرْجِ أَوْ عَلَى الرِّكَابَيْنِ أَوْ الدَّابَّةِ لِأَنَّ فِيهَا ضَرُورَةً فَسَقَطَ اعْتِبَارُهَا. (وَبَنَى بِنُزُولِهِ) يَعْنِي إذَا افْتَتَحَ رَاكِبًا ثُمَّ نَزَلَ يَبْنِي أَيْ يُوصِلُ مَا بَقِيَ إلَى مَا صَلَّى بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَهَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّ عِنْدَهُ يَسْتَقْبِلُ إذَا نَزَلَ (وَبِرُكُوبِهِ لَا يَبْنِي) يَعْنِي إذَا افْتَتَحَ نَازِلًا ثُمَّ رَكِبَ اسْتَقْبَلَ وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْأَوَّلَ أَدَّى أَكْمَلَ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ لِأَنَّ تَحْرِيمَتَهُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالثَّانِيَ أَدَّى أَنْقَصَ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ لِأَنَّ تَحْرِيمَتَهُ مُوجِبَةٌ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. [فَصْلٌ التَّرَاوِيحُ] فَصْلٌ (التَّرَاوِيحُ) جَمْعُ تَرْوِيحَةٍ وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى إيصَالِ الرَّاحَةِ ثُمَّ سُمِّيَتْ الرَّكَعَاتُ الَّتِي آخِرُهَا التَّرْوِيحَةَ بِهَا كَمَا أَطْلَقُوا اسْمَ الرُّكُوعِ عَلَى الْوَظِيفَةِ الَّتِي تُقْرَأُ فِي الْقِيَامِ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالرُّكُوعِ (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ مُنْكِرُهَا مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ. وَقَالَ ﵊: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَنَّ لَكُمْ قِيَامَهُ» وَقَالَ «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي» وَصَلَّى مَعَ الصَّحَابَةِ لَيْلَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعِ لَيَالِي كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَبَيَّنَ الْعُذْرَ فِي تَرْكِهِ الْمُوَاظَبَةَ وَهُوَ خَشْيَةُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْنَا وَصَلَّوْا بَعْدَهُ فُرَادَى إلَى أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ثُمَّ أَقَامَهَا عُمَرُ ﵁ فِي زَمَانِهِ حَيْثُ

стр. 135

أَمَرَ أُبَيّ بْنَ كَعْبٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ وَالصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - سَاعَدُوهُ وَوَافَقُوهُ وَأَمَرُوا بِذَلِكَ بِلَا نَكِيرٍ مِنْ أَحَدٍ وَقَدْ أَثْنَى عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حَيْثُ قَالَ: نَوَّرَ اللَّهُ مَضْجَعَ عُمَرَ كَمَا نَوَّرَ مَسَاجِدَنَا وَقِيلَ: هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ يَعْنِي الْقَوْلَ بِالسُّنِّيَّةِ. (فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ بَعْدَ الْعِشَاءِ) أَيْ وَقْتُ التَّرَاوِيحِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْعِشَاءِ دُونَ الْوِتْرِ حَتَّى لَوْ ظَهَرَ أَنَّ الْعِشَاءَ صُلِّيَتْ بِلَا طَهَارَةٍ وَالتَّرَاوِيحَ بِطَهَارَةٍ أُعِيدَتْ التَّرَاوِيحُ مَعَ الْعِشَاءِ لَا الْوِتْرُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ بُخَارَى إلَى أَنَّ اللَّيْلَ كُلَّهُ وَقْتٌ لَهَا قَبْلَ الْعِشَاءِ وَبَعْدَهُ لَا أَنَّهَا سُمِّيَتْ قِيَامَ اللَّيْلِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصَحُّ (قَبْلَ الْوِتْرِ وَبَعْدَهُ) وَالْمُسْتَحَبُّ فِعْلُهَا إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَقِيلَ بَعْدَ الْعِشَاءِ قَبْلَ الْوَتْرِ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ لِأَنَّهَا إنَّمَا عُرِفَتْ بِفِعْلِ الصَّحَابَةِ فَكَانَ وَقْتُهَا مَا صَلَّوْهَا فِيهِ وَهُوَ صَلَّوْهَا بَعْدَ الْعِشَاءِ قَبْلَ الْوِتْرِ فَإِنْ صَلَّاهَا قَبْلَ الْعِشَاءِ وَبَعْدَ الْوِتْرِ لَا يَكُونُ مِنْ التَّرَاوِيحِ وَلِهَذَا عَمَلُ النَّاسِ إلَى الْيَوْمِ عَلَى هَذَا لِأَنَّهُ وُجِدَتْ فِيهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا فَيَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ اخْتِيَارُ هَذَا لَا ذَاكَ تَتَبَّعْ. (بِجَمَاعَةٍ) أَيْ إقَامَتُهَا بِالْجَمَاعَةِ سُنَّةٌ فَمَنْ تَرَكَ التَّرَاوِيحَ بِالْجَمَاعَةِ وَصَلَّاهَا فِي الْبَيْتِ فَقَدْ أَسَاءَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ فَالصَّحِيحُ أَنَّ إقَامَتَهَا بِالْجَمَاعَةِ سُنَّةٌ عَلَى وَجْهِ الْكِفَايَةِ حَتَّى لَوْ تَرَكَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ كُلُّهُمْ الْجَمَاعَةَ أَسَاءُوا وَأَثِمُوا وَلَوْ أَقَامَهَا الْبَعْضُ فَالْمُتَخَلِّفُ عَنْهَا تَارِكُ الْفَضِيلَةِ، وَإِنْ صَلَّاهَا بِالْجَمَاعَةِ فِي الْبَيْتِ فَقَدْ حَازَ إحْدَى الْفَضِيلَتَيْنِ وَهِيَ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ دُونَ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ. (عِشْرُونَ رَكْعَةً) سِوَى الْوِتْرِ وَعِنْدَ مَالِكٍ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ رَكْعَةً (بِعَشْرِ تَسْلِيمَاتٍ) فَكُلُّ شَفْعٍ بِتَسْلِيمَةٍ فَلَوْ صَلَّى أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ وَلَمْ يَقْعُدْ فِي وَسَطِ كُلِّ أَرْبَعٍ لَا يَجُوزُ إلَّا عَنْ تَسْلِيمَةٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَلَوْ قَعَدَ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ عَنْ تَسْلِيمَتَيْنِ. وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ صَلَّى كُلَّهَا بِتَسْلِيمَةٍ وَقَدْ قَعَدَ عَلَى رَأْسِ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ عَنْ الْكُلِّ لِأَنَّهُ أَكْمَلَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُخَلِّ شَيْئًا مِنْ الْأَرْكَانِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ: لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ التَّوَارُثِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِكَرَاهَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى ثَمَانٍ فِي مُطْلَقِ التَّطَوُّعِ لَيْلًا فَلَأَنْ يُكْرَهُ هُنَا أَوْلَى انْتَهَى وَفِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ صَحَّحَ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ الزِّيَادَةَ عَلَى ثَمَانٍ فِي اللَّيْلِ كَمَا بَيَّنَ آنِفًا وَجَازَ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ مِنْهُمْ فَلَا تَلْزَمُ الْمُخَالَفَةُ تَدَبَّرْ (وَجَلْسَةٍ بَعْدَ كُلِّ أَرْبَعٍ بِقَدْرِهَا) أَيْ بِقَدْرِ أَرْبَعَةٍ مِنْ رَكَعَاتِهَا وَلَوْ قَالَ: وَانْتِظَارٌ بِقَدْرِهَا لَكَانَ أَوْلَى فَإِنَّ بَعْضَ أَهْلِ مَكَّةَ يَطُوفُونَ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ وَأَهْلَ الْمَدِينَةِ يُصَلُّونَ بَدَلَ ذَلِكَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَهْلُ كُلِّ بَلْدَةٍ بِالْخِيَارِ يُسَبِّحُونَ أَوْ يُهَلِّلُونَ أَوْ يَنْتَظِرُونَ سُكُوتًا وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الِانْتِظَارُ لِأَنَّ التَّرَاوِيحَ مَأْخُوذٌ مِنْ الرَّاحَةِ فَيُفْعَلُ مَا قُلْنَا تَحْقِيقًا لِلْمُسَمَّى. (وَالسُّنَّةُ فِيهَا) أَيْ فِي التَّرَاوِيحِ مِنْ حَيْثُ الْقِرَاءَةِ (الْخَتْمُ مَرَّةً) فَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةِ عَشْرَ آيَاتٍ قَالَ

стр. 136

الزَّيْلَعِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ السُّنَّةَ وَهُوَ الْخَتْمُ يَحْصُلُ بِذَلِكَ مَعَ التَّخْفِيفِ لِأَنَّ عَدَدَ الرَّكَعَاتِ فِي شَهْرٍ سِتُّمِائَةٍ وَعَدَدُ آيِ الْقُرْآنِ سِتَّةُ آلَافٍ وَشَيْءٌ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ الْخَتْمِ مِقْدَارَهُ وَهُوَ يَحْصُلُ وَلَوْ كَانَ أَيَّامُ الشَّهْرِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ فَإِنَّ الْقَرِيبَ لِلشَّيْءِ يُعْطَى لَهُ حُكْمُهُ، وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ اسْتَحَبَّ الْخَتْمَ الْحَقِيقِيَّ فِي اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ رَجَاءً لِنَيْلِ الْقَدْرِ عِنْدَ اخْتِتَامِهِ لِكَثْرَةِ الْأَخْبَارِ أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَلَوْ خَتَمَ فِي التَّرَاوِيحِ فِي لَيْلَةٍ ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ التَّرَاوِيحَ جَازَ بِلَا كَرَاهَةٍ لِأَنَّهُ مَا شُرِعَتْ التَّرَاوِيحُ إلَّا لِلْقِرَاءَةِ وَقِيلَ: الْأَفْضَلُ أَنْ يَقْرَأَ فِيهَا مِقْدَارَ مَا يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ وَقِيلَ: آيَتَيْنِ مُتَوَسِّطَتَيْنِ وَقِيلَ: آيَةً طَوِيلَةً أَوْ ثَلَاثَ آيَاتٍ قِصَارٍ وَهَذَا أَحْسَنُ وَبِهَذَا أَفْتَى الْمُتَأَخِّرُونَ لِأَنَّ الْحَسَنَ رَوَى عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ إذَا قَرَأَ فِي الْمَكْتُوبَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ثَلَاثَ آيَاتٍ فَقَدْ أَحْسَنَ وَلَمْ يُسِئْ هَذَا فِي الْمَكْتُوبَةِ فَمَا ظَنُّك فِي غَيْرِهَا وَقِيلَ: سُورَةُ الْإِخْلَاصِ وَقِيلَ: مِنْ سُورَةِ الْفِيلِ إلَى الْآخِرِ مَرَّتَيْنِ وَهُوَ الْأَحْسَنُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ. وَفِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ الْأَفْضَلُ فِي زَمَانِنَا أَنْ يَقْرَأَ بِمَا لَا يُؤَدِّي إلَى تَنْفِيرِ الْقَوْمِ عَنْ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّ تَكْثِيرَ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ وَبِهِ يُفْتَى (فَلَا يُتْرَكُ) الْخَتْمُ (لِكَسَلِ الْقَوْمِ) فَتُرِكَ لِغَيْرِ الْكَسَلِ وَهُوَ التَّثَاقُلُ عَمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَثَاقَلَ عَنْهُ وَلِذَا كَانَ مَذْمُومًا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَلَا يَزِيدُ الْإِمَامُ عَلَى قَدْرِ التَّشَهُّدِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُثْقِلُ عَلَى الْقَوْمِ لِأَنَّ الدَّعَوَاتِ لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُثْقِلُ عَلَيْهِمْ يَزِيدُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنَّ الْمُخْتَارَ أَنْ لَا يَتْرُكَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﵊ لِأَنَّهَا فَرْضٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَسُنَّةٌ عِنْدَنَا وَلَا يَتْرُكُ السُّنَنَ لِلْجَمَاعَةِ كَالتَّسْبِيحَاتِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ الْوَهْبَانِيَّةِ وَيَأْتِي الْإِمَامُ وَالْقَوْمُ بِالثَّنَاءِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ مِنْهَا. (وَتُكْرَهُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ) لِزِيَادَةِ تَأَكُّدِهَا. وَفِي الْخَانِيَّةِ أَدَاءِ التَّرَاوِيحِ قَاعِدًا اتَّفَقُوا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَوَازِ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ بِغَيْرِ عُذْرٍ اعْتِبَارًا بِسُنَّةِ الْفَجْرِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ وَهُوَ الصَّحِيحُ بِخِلَافِ سُنَّةِ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّهَا وَاجِبَةٌ إلَّا أَنَّ ثَوَابَهُ يَكُونُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ. (وَيُوتِرُ) أَيْ يُصَلِّي الْوِتْرَ (بِجَمَاعَةٍ فِي رَمَضَانَ فَقَطْ) لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُوتِرُ بِجَمَاعَةٍ فِي غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ لِأَنَّهُ نَفْلٌ مِنْ وَجْهٍ وَالْجَمَاعَةُ فِي النَّفْلِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ مَكْرُوهٌ فَالِاحْتِيَاطُ تَرْكُهَا قَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ صَلَّى الْوِتْرَ بِجَمَاعَةٍ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ لَهُ ذَلِكَ وَعَدَمُ الْجَمَاعَةِ فِي الْوِتْرِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ لَا لِأَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا إلَى وَقْتٍ تَتَعَذَّرُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ فَإِنْ صَحَّ هَذَا قُدِحَ فِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ فِي وِتْرِ رَمَضَانَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْجَمَاعَةُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الِانْفِرَادُ فِي الْمَنْزِلِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْفَتْحِ مَا يُرَجِّحُ الْأَوَّلَ فَيَنْبَغِي اتِّبَاعُهُ لِأَنَّهُ أَدَقُّ. (وَالْأَفْضَلُ فِي السُّنَنِ الْمَنْزِلُ) أَيْ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ لِبُعْدِهِ عَنْ الرِّيَاءِ لِقَوْلِهِ

стр. 137

- ﵊ «أَفْضَلُ صَلَاةِ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» (إلَّا التَّرَاوِيحَ) لِأَنَّهَا شُرِعَتْ فِي الْجَمَاعَةِ وَلَوْ تَرَكُوا الْجَمَاعَةَ فِي الْفَرْضِ لَمْ يُصَلُّوا التَّرَاوِيحَ بِجَمَاعَةٍ وَلَوْ لَمْ يُصَلِّهَا مَعَ الْإِمَامِ صَلَّى الْوِتْرَ بِهِ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِرَمَضَانَ وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَا لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلتَّرَاوِيحِ عِنْدَهُ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ الْوِتْرَ بِالْجَمَاعَةِ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ شَيْئًا مِنْ التَّرَاوِيحِ مَعَ الْإِمَامِ أَوْ صَلَّاهَا مَعَ غَيْرِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. [فَصْلٌ صَلَاةِ الْكُسُوفِ] فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَيْ كُسُوفِ الشَّمْسِ فَإِنَّ لِلْقَمَرِ الْخُسُوفَ كَمَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَهُوَ أَجْوَدُ الْكَلَامِ وَمَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ كُسُوفِهَا وَخُسُوفِهَا يُحْمَلُ عَلَى التَّغْلِيبِ وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ فِي خَبَرِ النَّوَافِلِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهَا مِنْهَا وَجَعَلَهَا فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ إشْعَارًا بِأَنَّهَا مُمْتَازَةٌ عَنْ النَّوَافِلِ بِعُرُوضِ أَسْبَابٍ سَمَاوِيَّةٍ نَادِرَةٍ (يُصَلِّي) فِي الْجَامِعِ أَوْ مُصَلَّى الْعِيدِ أَوْ مَسْجِدٍ آخَرَ وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ كَمَا فِي التُّحْفَةِ (أَمَامُ الْجُمُعَةِ بِالنَّاسِ) أَيْ إمَامٌ لَهُ دَخْلٌ فِي إقَامَتِهِ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ مِثْلُ السُّلْطَانِ أَوْ مَأْمُورِهِ مِمَّنْ لَهُ إقَامَةٌ نَحْوُ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ اجْتِمَاعٌ فَيُشْتَرَطُ هَذَا تَحَرُّزًا عَنْ الْفِتْنَةِ كَالْجُمُعَةِ (عِنْدَ كُسُوفِ الشَّمْسِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ بِالنَّاسِ وَدَعَا حَتَّى انْجَلَتْ وَقَالَ: إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَفْزَاعِ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ أَوْ إلَى الدُّعَاءِ» . وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ إنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ مَاتَ إبْرَاهِيمُ بْنُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ النَّاسُ إنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِهِ وَقَالَ النَّبِيُّ ﵊ هَذَا الْحَدِيثَ رَدًّا لِكَلَامِهِمْ لِأَنَّ كُسُوفَهَا مِنْ أَثَرِ الْإِرَادَةِ الْقَدِيمَةِ وَفِعْلِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ فَيَخْلُقُ النُّورَ وَالظُّلْمَةَ مَتَى شَاءَ بِلَا سَبَبٍ وَفِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ أَهْلِ الْهَيْئَةِ أَنَّ الْكُسُوفَ حَيْلُولَةُ الْقَمَرِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَرْضِ وَأَمْرٌ عَادٍ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ وَرَدَّ هَذَا الرَّدَّ لِأَنَّ الْحَيْلُولَةَ بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَبَطَ الْأَشْيَاءَ بِالْأَسْبَابِ وَهُوَ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ (رَكْعَتَيْنِ) كَهَيْئَةِ النَّافِلَةِ مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَتُؤَدَّى فِي الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبَّةِ لَا الْمَكْرُوهَةِ (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعٌ وَاحِدٌ) عِنْدَنَا لِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ لِرِوَايَةِ عَائِشَةَ ﵂ وَرَجَّحْنَا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ إذْ الْحَالُ أُكْشَفُ لِلرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ لِقُرْبِهِمْ. (وَيُطِيلُ الْقِرَاءَةَ) يَعْنِي الْأَفْضَلُ أَنْ يُطِيلَ الْقِرَاءَةَ فَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِقْدَارَ مِائَةِ آيَةٍ وَيَمْكُثُ فِي رُكُوعِهِ كَذَلِكَ فَإِذَا خُفِّفَتْ الْقِرَاءَةُ طُوِّلَ الدُّعَاءُ لِأَنَّ الْمَسْنُونَ اسْتِيعَابُ الْوَقْتِ بِالصَّلَاةِ (وَيَخْفِيهَا) أَيْ الْقِرَاءَةَ عِنْدَ الْإِمَامِ لِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. (وَقَالَا يَجْهَرُ) لِرِوَايَةِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَالتَّرْجِيحُ قَدْ مَرَّ. وَفِي التُّحْفَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ، (ثُمَّ يَدْعُو) الْإِمَامُ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ أَوْ مُسْتَقْبِلَ الْقَوْمِ بِوَجْهِهِ وَلَوْ قَامَ مُعْتَمِدًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ لَكَانَ حَسَنًا (بَعْدَهُمَا حَتَّى تَنْجَلِيَ

стр. 138

الشَّمْسُ) لِمَا رَوَيْنَاهُ آنِفًا وَالسُّنَّةُ تَأْخِيرُ الْأَدْعِيَةِ مِنْ الصَّلَاةِ. (وَلَا يَخْطُبُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ خُطْبَتَيْنِ كَمَا فِي الْعِيدِ لِرِوَايَةِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَلَنَا أَنَّهَا لَمْ تَنْقُلْ عَنْ غَيْرِهَا وَإِنْ صَحَّ فَتَأْوِيلُهُ أَنَّ خُطْبَتَهُ ﵊ إنَّمَا كَانَتْ لِرَدِّ قَوْلِ مَنْ قَالَ: الشَّمْسُ كَسَفَتْ لِمَوْتِ إبْرَاهِيمَ بْنِ النَّبِيِّ ﵊ (فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ) الْإِمَامُ (صَلَّوْا) فِي مَسَاجِدِهِمْ (فُرَادَى) مُنَوَّنًا أَوْ غَيْرَ مُنَوَّنٍ جَمْعُ فَرْدٍ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ (رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا كَالْخُسُوفِ) كَمَا يُصَلُّونَ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ فُرَادَى بِلَا جَمَاعَةٍ لِتَعَذُّرِ الِاجْتِمَاعِ بِاللَّيْلِ أَوْ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ. وَفِي التُّحْفَةِ يُصَلُّونَ فِي مَنَازِلِهِمْ وَقِيلَ: الْجَمَاعَةُ جَائِزَةٌ فِيهِ عِنْدَنَا لَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ وَلَا خُطْبَةَ فِيهَا بِالْإِجْمَاعِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ لِلْخُسُوفِ كَمَا فِي الْكُسُوفِ (وَالظُّلْمَةِ وَالرِّيحِ وَالْفَزَعِ) وَالزَّلَازِلِ وَالصَّوَاعِقِ وَانْتِشَارِ الْكَوَاكِبِ وَالْأَمْطَارِ الدَّائِمَةِ وَعُمُومِ الْأَمْرَاضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْزَاعِ وَالْأَهْوَالِ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الْآيَاتِ الْمُخَوِّفَةِ وَاَللَّهُ يُخَوِّفُ عِبَادَهُ لِيَتْرُكُوا الْمَعَاصِيَ وَيَرْجِعُوا إلَى طَاعَتِهِ الَّتِي فِيهَا فَوْزُهُمْ وَخَلَاصُهُمْ وَأَقْرَبُ أَحْوَالِ الْعَبْدِ فِي الرُّجُوعِ إلَى رَبِّهِ الصَّلَاةُ. [فَصْلٌ صَلَاة الِاسْتِسْقَاءِ] فَصْلٌ فِي الِاسْتِسْقَاءِ هُوَ مِنْ طَلَبِ السَّقْيِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ طُولِ انْقِطَاعِهِ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالْفَزَعِ إلَيْهِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ (لَا صَلَاةَ بِجَمَاعَةٍ فِي الِاسْتِسْقَاءِ) أَيْ لَيْسَ فِيهِ صَلَاةٌ مَسْنُونَةٌ فِي جَمَاعَةٍ عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ ﵊ اسْتَسْقَى وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ الصَّلَاةُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (بَلْ) هُوَ (دُعَاءٌ وَاسْتِغْفَارٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١] فَعَلَّقَ نُزُولَ الْغَيْثِ بِالِاسْتِغْفَارِ (فَإِنْ صَلَّوْا فُرَادَى جَازَ) عِنْدَهُ. (وَقَالَا: يُصَلِّي الْإِمَامُ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ) اعْتِبَارًا بِصَلَاةِ الْعِيدِ حَتَّى رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُكَبِّرُ كَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَفِي الْمَبْسُوطِ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ مَعَ الْإِمَامِ. وَفِي الْخُجَنْدِيِّ مَعَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ صَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقُلْنَا فَعَلَهُ ﵊ مَرَّةً وَتَرَكَهُ أُخْرَى فَلَمْ يَكُنْ سُنَّةً كَمَا فِي الْهِدَايَةِ فَإِنْ قِيلَ: بَيْنَ دَلِيلِهِ وَدَلِيلِهِمَا تَنَاقُضٌ لِأَنَّهُ قَالَ فِي دَلِيلِهِ: لَمْ يُرْوَ عَنْهُ الصَّلَاةُ وَفِي دَلِيلِهِمَا رُوِيَ عَنْهُ الصَّلَاةُ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَرْوِيَّ كَانَ شَاذًّا كَأَنَّهُ غَيْرُ مَرْوِيٍّ فَلَا تَنَاقُضَ. (وَيَخْطُبُ بَعْدَهُمَا خُطْبَتَيْنِ كَالْعِيدِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خُطْبَةً وَاحِدَةً) وَلَا خُطْبَةَ عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلْجَمَاعَةِ وَلَا جَمَاعَةَ عِنْدَهُ. (وَلَا يَقْلِبُ الْقَوْمُ أَرْدِيَتَهُمْ) لِأَنَّ التَّقْلِيبَ لَيْسَ بِسُنَّةٍ فَلَوْ قَلَبَ جَعَلَ الْجَانِبَ الْأَيْمَنَ مِنْهُ عَلَى الْأَيْسَرِ وَالْأَيْسَرَ مِنْهُ عَلَى الْأَيْمَنِ وَهَذَا فِي الْمُدَوَّرِ وَأَمَّا فِي الْمُرَبَّعِ فَجَعَلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ لِيَقْلِبَ الْحَالَ مِنْ الْجَدْبِ إلَى الْخِصْبِ

стр. 139

وَمِنْ الْعُسْرِ إلَى الْيُسْرِ (وَيَقْلِبُ) بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ (الْإِمَامُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) . وَفِي الْجَوْهَرَةِ عِنْدَهُمَا (وَيَخْرُجُونَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) مُتَتَابِعَاتٍ (فَقَطْ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَكْثَرُ مِنْهَا وَيَخْرُجُونَ مُشَاةً لَابِسِينَ ثِيَابًا خَلِقَةً أَوْ مُرَقَّعَةً مُتَذَلِّلِينَ خَاشِعِينَ لِلَّهِ نَاكِسِي رُءُوسِهِمْ وَيُقَدِّمُونَ الصَّدَقَةَ كُلَّ يَوْمٍ وَيُجَدِّدُونَ التَّوْبَةَ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَتَرَاضَوْنَ بَيْنَهُمْ وَيَسْتَسْقُونَ بِالضَّعَفَةِ وَالشُّيُوخِ وَالصِّبْيَانِ. وَفِي الْحَدِيثِ «لَوْلَا صِبْيَانٌ رُضَّعٌ وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ وَعِبَادُ اللَّهِ الرُّكَّعِ لَصَبَّ عَلَيْكُمْ الْعَذَابَ صَبًّا» . (وَلَا يَحْضُرُهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد: ١٤] هَذَا رَدٌّ لِقَوْلِ مَالِكٍ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَحْضُرُوا الِاسْتِسْقَاءَ لِأَنَّ دُعَاءَهُمْ قَدْ يُسْتَجَابُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا وَلَنَا أَنَّ الْكُفَّارَ أَهْلُ السَّخَطِ فَلَا يَصْلُحُ حُضُورُهُمْ وَقْتَ طَلَبِ الرَّحْمَةِ. [بَابُ إدْرَاكِ الْفَرِيضَةِ] لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَنْوَاعِ الصَّلَوَاتِ فَرْضِهَا وَوَاجِبِهَا وَنَفْلِهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ أَدَاءِ الْفَرْضِ الْكَامِلِ وَهُوَ الْأَدَاءُ بِالْجَمَاعَةِ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ نَقْضَ الْعِبَادَةِ قَصْدًا وَبِلَا عُذْرٍ حَرَامٌ وَأَمَّا إذَا كَانَ لِأَمْرٍ شَرْعِيٍّ مِثْلُ الْإِكْمَالِ فَيَجُوزُ وَإِنْ كَانَ نَقْضًا صُورَةً فَهُوَ إكْمَالٌ مَعْنًى كَهَدْمِ الْمَسْجِدِ لِتَجْدِيدِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ لِلْجَمَاعَةِ فَضِيلَةً عَلَى الِانْفِرَادِ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً (مَنْ شَرَعَ فِي فَرْضٍ فَأُقِيمَ) ذَلِكَ الْفَرْضُ وَوَقَعَ فِي الْوِقَايَةِ فَأُقِيمَتْ. وَقَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي تَفْسِيرِهِ: وَالضَّمِيرُ فِي أُقِيمَتْ يَرْجِعُ إلَى الْإِقَامَةِ كَمَا يُقَالُ ضَرْبُ الضَّرْبِ وَأَرَادَ بِالْإِقَامَةِ إقَامَةَ الْمُؤَذِّنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ بِهَا شُرُوعُ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ لَا إقَامَةُ الْمُؤَذِّنِ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ وَالرَّجُلُ لَمْ يُقَيِّدْ الرَّكْعَةَ الْأُولَى بِالسَّجْدَةِ يُتِمُّ رَكْعَتَيْنِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَلَيْسَ فِي إقَامَةِ ضَمِيرِ الْإِقَامَةِ مَقَامَ الْفَاعِلِ بِدُونِ الْوَصْفِ إشْكَالٌ فَإِنَّهَا مَفْعُولٌ بِهِ إذْ هِيَ اسْمٌ لِلْكَلِمَاتِ الْمَعْرُوفَةِ عَلَى أَنَّ سِيبَوَيْهِ أَجَازَ إسْنَادَ الْفِعْلِ إلَى الْمَصْدَرِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِلَا وَصْفٍ انْتَهَى، أَقُولُ فِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّهُ قَالَ ابْنُ الْخَرُوفِ شَارِحُ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ وَادِّعَاءُ الزَّجَّاجِ أَنَّهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ فَاسِدٌ لِأَنَّ سِيبَوَيْهِ لَا يُجِيزُ إضْمَارَ الْمَصْدَرِ الْمُؤَكَّدِ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْإِسْنَادِ إلَيْهِ وَاَلَّذِي أَجَازَهُ سِيبَوَيْهِ هُوَ إضْمَارُ الْمَصْدَرِ الْمَعْهُودِ الْمَقْصُودِ مِثْلُ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ يَنْتَظِرُ الْقُعُودَ قَدْ قَعَدَ بِنَاءً عَلَى قَرِينَةِ التَّوَقُّعِ أَيْ قَعَدَ الْقُعُودَ الْمُتَوَقَّعَ تَتَبَّعْ (إنْ لَمْ يَسْجُدْ) الشَّارِعُ (لِلْأُولَى يَقْطَعُ) بِالسَّلَامِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ رَاكِعًا وَهُوَ الصَّحِيحُ. (وَيَقْتَدِي) بِالْإِمَامِ فَلَوْ افْتَتَحَ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ سَمِعَ الْإِقَامَةَ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَقْطَعُ وَكَذَا الشَّارِعُ فِي الْمَنْذُورَةِ وَقَضَاءِ الْفَوَائِتِ وَلَا يَقْطَعُ فِي النَّفْلِ عَلَى الْمُخْتَارِ سَجَدَ أَوْ لَا إلَّا إذَا أَتَمَّ فِيهِ الشَّفْعَ. (وَإِنْ سَجَدَ) لِلْأُولَى (وَهُوَ فِي) الْفَرْضِ (الرُّبَاعِيِّ يُتِمُّ شَفْعًا) بِأَنْ يَضُمَّ إلَيْهَا رَكْعَةً

стр. 140

أُخْرَى وَيُسَلِّمُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ حَتَّى يَصِيرَ الرَّكْعَتَانِ نَافِلَةً. (وَلَوْ سَجَدَ لِلثَّالِثَةِ يُتِمُّ) لِأَنَّهُ قَدْ أَدَّى الْأَكْثَرَ وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ بِلَا تَقْيِيدِهَا بِالسَّجْدَةِ قَطَعَ غَيْرَ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ إنْ شَاءَ عَادَ وَقَعَدَ وَسَلَّمَ وَإِنْ شَاءَ كَبَّرَ قَائِمًا يَنْوِي الدُّخُولَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ. وَفِي الْمُحِيطِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَقْطَعُ قَائِمًا بِتَسْلِيمَةٍ وَكَذَا صَحَّحَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَيَقْتَدِي مُتَطَوِّعًا) الْمُتَبَادَرُ مِنْ هَذَا التَّعْبِيرِ وُجُوبُ الِاقْتِدَاءِ لِلنَّفْلِ وَلَا إلْزَامَ فِي النَّوَافِلِ أَصْلًا وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ الِاقْتِدَاءُ لِأَنَّهُ يُدْرَكُ بِهِ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ (إلَّا فِي الْعَصْرِ) لِأَنَّ النَّفَلَ بَعْدَهَا مَكْرُوهٌ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَيَقْتَدِي مُتَطَوِّعًا. (وَلَوْ) شَرَعَ (فِي الْفَجْرِ أَوْ الْمَغْرِبِ) ثُمَّ أُقِيمَ (يَقْطَعُ) الشَّارِعُ. (وَيَقْتَدِي) بِالْإِمَامِ (مَا لَمْ يُقَيِّدْ) الرَّكْعَةَ (الثَّانِيَةَ بِسَجْدَةٍ) لِأَنَّهُ لَوْ أَضَافَ أُخْرَى لَفَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ لِوُجُودِ الْفَرَاغِ فِي الْفَجْرِ حَقِيقَةً وَفِي الْمَغْرِبِ حُكْمًا إذْ لِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ (فَإِنْ قَيَّدَ) الثَّانِيَةَ بِهَا (يُتِمُّ وَلَا يَقْتَدِي) لِكَرَاهَةِ النَّفْلِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَكَذَا بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ التَّنَفُّلَ بِالثَّلَاثِ مَكْرُوهٌ وَفِي جَعْلِهَا أَرْبَعًا مُخَالَفَةُ أَمَامِهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَقْتَدِي فِي الْمَغْرِبِ وَيُسَلِّمُ مَعَهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَضُمَّ رَابِعَةً بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ وَهُوَ الْأَحْسَنُ عِنْدَهُ وَعِنْدَنَا وَلَوْ اقْتَدَى فِيهِ لِفِعْلٍ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى كَمَا فِي الْكِفَايَةِ. (وَلَوْ كَانَ فِي سُنَّةِ الظُّهْرِ أَوْ) سُنَّةِ (الْجُمُعَةِ فَأُقِيمَ) لِلظُّهْرِ (أَوْ خُطِبَ) فِي الْجُمُعَةِ (يَقْطَعُ عَلَى شَفْعٍ) لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْقَضَاءِ بَعْدَ الْفَرْضِ وَلَا إبْطَالَ فِي التَّسْلِيمِ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ فَلَا يُفَوِّتُ فَرْضَ الِاسْتِمَاعِ وَالْأَدَاءَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ بِلَا سَبَبٍ يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا. (وَقِيلَ) إنَّهُ (يُتِمُّهَا) أَرْبَعًا وَصَحَّحَهُ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ وَلَيْسَ الْقَطْعُ لِلْإِكْمَالِ بَلْ لِلْإِبْطَالِ صُورَةً وَمَعْنًى وَيَشْهَدُ لَهُمْ إثْبَاتُ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ لِلْأَرْبَعِ مِنْ عَدَمِ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. (وَكُرِهَ خُرُوجُهُ) أَيْ خُرُوجُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ لِأَجْلِ الطَّهَارَةِ بِنِيَّةِ الْعَوْدِ (مِنْ مَسْجِدٍ أُذِّنَ فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ (قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ مَا أُذِّنَ لَهَا) لِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ «مَنْ أَدْرَكَ الْأَذَانَ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يَخْرُجْ لِحَاجَةٍ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الرُّجُوعَ فَهُوَ مُنَافِقٌ» (إلَّا) خُرُوجَ (مَنْ تُقَامُ بِهِ جَمَاعَةٌ أُخْرَى) بِأَنْ يَكُونَ مُؤَذِّنًا أَوْ إمَامًا أَوْ الَّذِي تَتَفَرَّقُ جَمَاعَتُهُ بِغَيْبَتِهِ أَوْ تَقِلُّ لِأَنَّهُ تَرَكَ صُورَةَ تَكْمِيلٍ مَعْنًى وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعْنَى. وَفِي النِّهَايَةِ إنْ خَرَجَ لِيُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. (وَإِنْ صَلَّى) مَرَّةً (لَا يُكْرَهُ إلَّا فِي الظُّهْرِ وَالْعِشَاءِ إنْ شَرَعَ) الْمُؤَذِّنُ (فِي الْإِقَامَةِ) فَإِنَّهُ يُكْرَهُ الْخُرُوجُ بَعْدَ الْإِقَامَةِ لِجَوَازِ الِاقْتِدَاءِ فِيهِمَا نَفْلًا لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ بِمُخَالَفَةِ الْجَمَاعَةِ عِيَانًا بِلَا عُذْرٍ، وَفِي غَيْرِهِمَا يَخْرُجُ وَإِنْ أُقِيمَتْ لِأَنَّهُ إنْ صَلَّى يَكُونُ نَفْلًا وَالنَّفَلُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا وَأَمَّا فِي الْمَغْرِبِ فَإِنَّ

стр. 141

النَّافِلَةَ لَمْ تُشْرَعْ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ كَمَا بَيَّنَ آنِفًا. (وَمَنْ خَافَ فَوْتَ الْفَجْرِ بِجَمَاعَةٍ إنْ أَدَّى سُنَّتَهُ يَتْرُكُهَا) أَيْ السُّنَّةَ (وَيَقْتَدِي) لِأَنَّ ثَوَابَ الْجَمَاعَةِ أَعْظَمُ مِنْ ثَوَابِ السُّنَّةِ وَمَا قِيلَ إنَّهُ يَشْرَعُ فِيهَا أَيْ فِي السُّنَّةِ عِنْدَ خَوْفِ الْفَوَاتِ ثُمَّ يَقْطَعُهَا فَيَجِبُ الْقَضَاءُ بَعْدَ الصَّلَاةِ مَدْفُوعٌ وَدَرْءُ الْمَفْسَدَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ. (وَإِنْ رَجَا إدْرَاكَ رَكْعَةٍ) مِنْ الْفَرْضِ مَعَ الْإِمَامِ (لَا يَتْرُكُ) السُّنَّةَ (بَلْ يُصَلِّيهَا) أَيْ السُّنَّةَ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْجَمْعَ بَيْنَ فَضِيلَتَيْ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لَكِنْ يُصَلِّي السُّنَّةَ (عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ) وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ صَلَّاهَا فِي الشَّتْوِيِّ إذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي الصَّيْفِيِّ وَبِالْعَكْسِ فِي الْعَكْسِ وَكُرِهَ خَلْفَ الصَّفِّ بِلَا حَائِلٍ وَأَشَدُّهَا كَرَاهَةً أَنْ يُصَلِّيَ فِي الصَّفِّ مُخَالِفًا لِلْجَمَاعَةِ (وَيَقْتَدِي) بَعْدَ ذَلِكَ بِالْإِمَامِ. (وَلَا تُقْضَى) سُنَّةُ الْفَجْرِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (إلَّا) حَالَ كَوْنِهِ (تَبَعًا لِلْفَرْضِ) بَعْدَ الطُّلُوعِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَفِيمَا بَعْدَ الزَّوَالِ اخْتِلَافُ مَشَايِخِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَقْضِيهَا تَبَعًا وَلَا يَقْضِيهَا مَقْصُودَةً وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَقْضِيهَا لَا تَبَعًا وَلَا مَقْصُودَةً قِيلَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ. (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تُقْضَى) إذَا فَاتَتْ بِلَا فَرْضٍ (بَعْدَ الطُّلُوعِ) إلَى الزَّوَالِ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَضَاهَا مَعَ الْفَرْضِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ وَلَهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي السُّنَّةِ أَنْ لَا تُقْضَى لِاخْتِصَاصِ الْقَضَاءِ بِالْوَاجِبِ وَالْحَدِيثُ وَرَدَ فِي قَضَائِهَا تَبَعًا لِلْفَرْضِ فَيَبْقَى مَا وَرَائِهِ عَلَى الْأَصْلِ وَقَيَّدَ بَعْدَ الطُّلُوعِ إلَى الزَّوَالِ لِأَنَّهَا لَا تُقْضَى قَبْلَ الطُّلُوعِ وَبَعْدَ الزَّوَالِ بِالِاتِّفَاقِ وَقِيلَ: لَا خِلَافَ فِيهِ فَإِنَّ عِنْده لَوْ لَمْ يَقْضِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلَوْ قَضَى لَكَانَ حَسَنًا وَقِيلَ: الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ لَوْ قَضَى كَانَ نَفْلًا عِنْدَهُمَا سُنَّةً عِنْدَهُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ. (وَيَتْرُكُ سُنَّةَ الظُّهْرِ فِي الْحَالَيْنِ) أَيْ حَالَ إدْرَاكِ الظُّهْرِ وَعَدَمِهِ إذَا أَدَّاهَا لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَدَاؤُهَا بَعْدَ الْفَرْضِ هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ هَذَا احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: لَا يَقْضِيهَا (وَيَقْضِيهَا) أَيْ سُنَّةَ الظُّهْرِ (فِي وَقْتِهِ قَبْلَ شَفْعِهِ) أَيْ قَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الْفَرْضِ قِيلَ: هَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالْفَائِتَةِ أَوْلَى. وَفِي الْمُحِيطِ ذَكَرَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ مَعَهُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ بَعْدَهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأُولَى فَاتَتْ عَنْ مَحَلِّهَا ضَرُورَةً فَلَا مَعْنَى لِتَفْوِيتِ الثَّانِيَةِ أَيْضًا اخْتِيَارًا وَقِيلَ: الِاخْتِلَافُ عَلَى الْعَكْسِ وَحُكْمُ صَاحِبِ الْمَجْمَعِ بِكَوْنِهِ أَصَحَّ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَنْوِي الْقَضَاءَ كَمَا قِيلَ لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَنْوِيَ السُّنَّةَ كَمَا فِي الْحَقَائِقِ وَإِلَى أَنَّهُ لَا يَقْضِي بَعْدَ الْوَقْتِ لَا تَبَعًا وَلَا مَقْصُودَةً وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَفِي الْبَحْرِ وَحُكْمُ الْأَرْبَعِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ كَاَلَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ كَمَا لَا يَخْفَى. (وَغَيْرُهُمَا) أَيْ غَيْرُ سُنَّةِ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ مِنْ السُّنَنِ (وَغَيْرُ الْفَرَائِضِ الْخَمْسِ وَالْوِتْرِ لَا يُقْضَى أَصْلًا) أَيْ لَا فِي الْوَقْتِ وَلَا بَعْدَهُ وَلَا وَحْدَهَا بِالِاتِّفَاقِ وَلَا بِتَبَعِيَّةِ فَرَائِضِهَا إلَّا عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: يَقْضِيهَا تَبَعًا لِقَضَاءِ

стр. 142

فَرَائِضِهَا لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الدُّرَرِ. (وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً وَاحِدَةً مِنْ الظُّهْرِ بِجَمَاعَةٍ لَمْ يُصَلِّهِ بِجَمَاعَةٍ) فَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ لَا يُصَلِّي الظُّهْرَ بِجَمَاعَةٍ فَلَوْ كَانَ صَلَّى مَعًا ثَلَاثًا فَعَلَى ظَاهِرِ الْجَوَابِ لَا يَحْنَثُ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا بَلْ بَعْضَهَا بِجَمَاعَةٍ وَبَعْضُ الشَّيْءِ لَيْسَ بِذَلِكَ الشَّيْءِ وَاخْتَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ كَمَا فِي الْفَتْحِ (بَلْ أَدْرَكَ فَضْلَهَا) . وَفِي الْفَتْحِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: قَدْ أَدْرَكَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ وَأَحْرَزَ ثَوَابَهَا وِفَاقًا لِصَاحِبَيْهِ لَا كَمَا ظَنَّ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يُحْرِزُ فَضْلَهَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَسَبَبُ تَخْصِيصِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ التَّنْبِيهُ عَلَى بُطْلَانِ ذَلِكَ الزَّعْمِ. وَفِي التَّبْيِينِ وَمِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ قَالَ: إنَّ الْمَسْبُوقَ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ لَمْ تُشْرَعْ إلَّا لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ انْتَهَى أَقُولُ فِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ وَلِهَذَا اُرْتُكِبَ فِيهِ مَا لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ الْخَوْفِ فَكَأَنَّهُ صَلَّى الْمُقْتَدِي جَمِيعَ الرَّكَعَاتِ مَعَ الْإِمَامِ. (وَمَنْ أَتَى مَسْجِدًا) صَلَّى فِيهِ (وَلَمْ يُدْرِكْ جَمَاعَةً يَتَطَوَّعُ قَبْلَ الْفَرْضِ مَا شَاءَ مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَهُ) فَإِنْ خَافَ لَا يَتَطَوَّعُ قَبْلَهُ بِالْإِجْمَاعِ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ إمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ الْفَرْضَ بِجَمَاعَةٍ أَوْ مُنْفَرِدًا فَفِي الْأَوَّلِ يُصَلِّي الرَّوَاتِبَ وَلَا يَتَخَيَّرُ فِيهَا مَعَ الْإِمْكَانِ. وَفِي الثَّانِي الْجَوَابُ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ وَأَصَحُّ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَاظَبَ عَلَيْهَا وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ لَكِنْ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ يَتْرُكُ السُّنَّةَ وَيُؤَدِّي الْفَرْضَ حَذَرًا عَنْ التَّفْوِيتِ وَأَمَّا مَا زَادَ عَلَى الرَّوَاتِبِ وَهُوَ غَيْرُ الْمُؤَكَّدَةِ يَتَخَيَّرُ فِيهِ مُطْلَقًا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ. (وَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ) حَالَ كَوْنِهِ (رَاكِعًا فَكَبَّرَ وَوَقَفَ حَتَّى رَفَعَ) الْإِمَامُ (رَأْسَهُ لَمْ يُدْرِكْ) تِلْكَ (الرَّكْعَةَ) وَكَذَا لَوْ لَمْ يَقِفْ بَلْ انْحَطَّ فَرَفَعَ الْإِمَامُ مِنْهُ قَبْلَ رُكُوعِ الْمُقْتَدِي لَا يَصِيرُ مُدْرِكًا لِفَوْتِ الْمُشَارَكَةِ فِيهِ الْمُسْتَلْزِمُ لِفَوْتِ الرَّكْعَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُمَا يَقُولَانِ: إنَّهُ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِيمَا لَهُ حُكْمُ الْقِيَامِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمَا قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ رَكَعَ مَعَهُ (وَمَنْ رَكَعَ قَبْلَ إمَامِهِ) وَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ (فَأَدْرَكَ إمَامَهُ فِيهِ) أَيْ الرُّكُوعِ (صَحَّ رُكُوعُهُ) لِأَنَّ الشَّرْطَ الْمُشَارَكَةُ فِي جُزْءٍ مِنْ الرُّكْنِ وَقَدْ وُجِدَ لَكِنْ كُرِهَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُبَادِرُونِي بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» وَقَوْلُهُ ﵇ «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْكَعُ قَبْلَ الْإِمَامِ وَيَرْفَعُ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ بِرَأْسِ الْحِمَارِ» . وَقَالَ زُفَرُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُعَدَّ الرُّكُوعُ لِأَنَّ مَا أُتِيَ قَبْلَ الْإِمَامِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فَكَذَا مَا بُنِيَ عَلَيْهِ.

стр. 143

[بَابُ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ] لَا يَخْفَى عَلَيْك حُسْنُ تَأْخِيرِ الْقَضَاءِ عَنْ الْأَدَاءِ لِأَنَّهُ فَرْعُهُ قِيلَ: الْأَدَاءُ اسْمٌ لِتَسْلِيمِ نَفْسِ الْوَاجِبِ بِالْأَمْرِ وَالْقَضَاءُ اسْمٌ لِتَسْلِيمِ مِثْلِ الْوَاجِبِ بِهِ وَقَدْ يَسْتَعْمِلُ إحْدَى الْعِبَارَتَيْنِ مَقَامَ الْأُخْرَى وَقِيلَ: يَجِبُ الْقَضَاءُ بِمَا يَجِبُ بِهِ الْأَدَاءُ وَقِيلَ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ وَفِيهِ بَحْثٌ قَدْ عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ (التَّرْتِيبُ) عِنْدَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ وَلَوْ كَانَ جَاهِلًا وَعَنْ الْحَسَنِ عِنْدَ الْإِمَامِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ لَمْ يَجِبْ وَبِهِ أَخَذَ الْأَكْثَرُونَ (بَيْنَ الْفَائِتَةِ) فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا. (وَالْوَقْتِيَّةِ) وَكَذَا (بَيْنَ الْفَوَائِتِ شَرْطٌ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ بِشَرْطٍ أَصْلًا لَا بَيْنَ الْفَوَائِتِ وَلَا بَيْنَ الْفَائِتَةِ وَالْوَقْتِيَّةِ وَإِنَّمَا التَّرْتِيبُ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّ كُلَّ فَرْضٍ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ جَوَازُهُ عَلَى جَوَازِ غَيْرِهِ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ فَلْيُصَلِّ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ لِيُصَلِّ الَّتِي ذَكَرَهَا ثُمَّ لِيُعِدْ الَّتِي صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ» فَإِنْ قِيلَ الْكَلَامُ فِي فَرْضِيَّةِ التَّرْتِيبِ وَالْحَدِيثُ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ قُلْنَا: هُوَ لَيْسَ بِفَرْضٍ اعْتِقَادًا حَتَّى لَا يُكَفَّرَ جَاحِدُهُ وَلَكِنَّهُ وَاجِبٌ فِي قُوَّةِ الْفَرْضِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ وَمِثْلُهُ يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُ ﵊ صَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَمَا أَخَّرَ الْمَغْرِبَ الَّتِي يُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا لِأَمْرٍ مُسْتَحَبٍّ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّهُ ﵊ شُغِلَ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى ذَهَبَ مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ لَهُ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ» (فَلَوْ صَلَّى) تَفْرِيعٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ (فَرْضًا) حَالَ كَوْنِهِ (ذَاكِرًا فَائِتَةً فَسَدَ فَرْضُهُ مَوْقُوفًا عِنْدَهُ) لَا يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ حَتَّى لَوْ صَلَّى بَعْدَهُ سِتَّ صَلَوَاتٍ أَوْ أَكْثَرَ وَلَمْ يَقْضِ الْفَائِتَةَ انْقَلَبَ الْكُلُّ جَائِزًا عِنْدَ الْإِمَامِ وَلَوْ قَضَى الْفَائِتَةَ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ سِتَّةُ أَوْقَاتٍ بَطَلَ وَصْفُ الْفَرْضِيَّةِ وَانْقَلَبَ نَفْلًا (وَعِنْدَهُمَا) فَسَدَ فَرْضُهُ فَسَادًا (بَاتًّا) أَيْ قَطْعِيًّا لَكِنْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَسَدَ وَصْفُ الْفَرْضِيَّةِ وَانْقَلَبَ نَفْلًا وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَصْلُ الصَّلَاةِ. (فَلَوْ قَضَاهَا) أَيْ الْفَائِتَةَ (قَبْلَ أَدَاءِ سِتٍّ) مِنْ الصَّلَوَاتِ (بَطَلَتْ فَرْضِيَّةُ مَا صَلَّى) بِالِاتِّفَاقِ لَكِنْ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ تَصِيرُ نَفْلًا وَعِنْدَهُ يَبْطُلُ أَصْلُهَا كَمَا بَيَّنَ آنِفًا. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقْضِ الْفَائِتَةَ حَتَّى أَدَّى سَادِسًا (صَحَّتْ عِنْدَهُ) لِأَنَّ الْكَثْرَةَ صِفَةٌ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنْ الصَّلَوَاتِ فَإِذَا ثَبَتَتْ صِفَةٌ اسْتَنَدَتْ إلَى أَوَّلِهَا بِحُكْمِهَا وَهُوَ سُقُوطُ التَّرْتِيبِ فَسَقَطَ التَّرْتِيبُ فِي آحَادِهَا كَمَا سَقَطَ فِي أَعْيَانِهَا وَهَذَا كَمَرَضِ الْمَوْتِ لَمَّا ثَبَتَ لَهُ هَذَا الْوَصْفُ بِاتِّصَالِهِ بِالْمَوْتِ اسْتَنَدَ إلَى أَوَّلِهِ بِحُكْمِهِ. وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّ عَدَمَ

стр. 144

وُجُوبِ الْإِعَادَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ مَنْ فَاتَتْهُ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ وَفَسَادَ صَلَاتِهِ بِدُونِهِ أَمَّا إذَا عَلِمَ فَعَلَيْهِ إعَادَةُ الْكُلِّ اتِّفَاقًا لِأَنَّ الْعَبْدَ يُكَلَّفُ بِمَا عِنْدَهُ (لَا عِنْدَهُمَا) لِأَنَّ سُقُوطَ التَّرْتِيبِ حُكْمُ الْكَثْرَةِ وَكُلُّ مَا هُوَ حُكْمُ الْعِلَّةِ يَتَأَخَّرُ عَنْ عِلَّتِهِ فَسُقُوطُ التَّرْتِيبِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَقَعُ مِنْ الصَّلَوَاتِ بَعْدَ الْكَثْرَةِ لَا فِيمَا قَبْلَهَا وَهُوَ الْقِيَاسُ. وَقَالَ صَاحِبُ مِنَحِ الْغَفَّارِ وَعِبَارَةِ الْهِدَايَةِ: ثُمَّ الْعَصْرُ يَفْسُدُ فَسَادًا مَوْقُوفًا أَيْ لِتَرْكِ الظُّهْرِ حَتَّى لَوْ صَلَّى سِتَّ صَلَوَاتٍ وَلَمْ يُعِدْ الظُّهْرَ انْقَلَبَ الْكُلُّ جَائِزًا وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ حَتَّى لَوْ صَلَّى خَمْسَ صَلَوَاتٍ وَلَمْ يُعِدْ الظُّهْرَ انْقَلَبَ الْكُلُّ جَائِزًا لِأَنَّ كَثْرَةَ الْمُسْقِطَةِ بِصَيْرُورَةِ الْفَوَائِتِ سِتًّا وَإِذَا صَلَّى خَمْسًا وَخَرَجَ وَقْتُ الْخَمْسَةِ صَارَتْ الصَّلَوَاتُ سِتًّا بِالْفَائِتَةِ الْمَتْرُوكَةِ أَوَّلًا وَعَلَى مَا صَوَّرَهُ يَقْتَضِي أَنْ تَصِيرَ الصَّلَوَاتُ سَبْعًا وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ انْتَهَى، أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بِقَوْلِهِ حَتَّى لَوْ صَلَّى سِتَّ صَلَوَاتٍ تَأْكِيدُ خُرُوجِ وَقْتِ الْخَامِسَةِ مِنْ الْمُؤَدَّيَاتِ لَا أَدَاءِ السَّادِسَةِ وَيُؤَيِّدُهُ سِيَاقُ كَلَامِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ رَتَّبَهَا فِي الْقَضَاءِ إلَّا أَنْ تَزِيدَ عَلَى سِتٍّ فَقَدْ قَيَّدَ سُقُوطَ التَّرْتِيبِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى سِتٍّ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ وَكَذَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ وَحْدُ الْكُثْرِ أَنْ تَصِيرَ الْفَوَائِتُ سِتًّا بِخُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ السَّادِسَةِ وَلِهَذَا قَالَ صَاحِبُ الْفَتْحِ: إنَّ الْوَقْتِيَّةَ الْمُؤَدَّاةَ مَعَ تَذَكُّرِ الْفَائِتَةِ تَفْسُدُ فَسَادًا مَوْقُوفًا إلَى أَنْ يُصَلِّيَ إكْمَالَ خَمْسِ وَقْتِيَّاتٍ فَإِنْ لَمْ يُعِدْ شَيْئًا مِنْهَا حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ السَّادِسَةِ صَارَتْ كُلُّهَا صَحِيحَةً تَدَبَّرْ (وَالْوِتْرُ كَالْفَرْضِ عَمَلًا فَذِكْرُهُ مُفْسِدٌ) عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) وَمَبْنَى الْخِلَافِ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ عِنْدَهُ وَسُنَّةٌ عِنْدَهُمَا وَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ. (وَلَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ بِلَا وُضُوءٍ) حَالَ كَوْنِهِ (نَاسِيًا ثُمَّ صَلَّى السُّنَّةَ وَالْوِتْرَ بِهِ) أَيْ بِالْوُضُوءِ (يُعِيدُ السُّنَّةَ لِإِعَادَةِ الْعِشَاءِ) إذْ لَمْ يَصِحَّ أَدَاءُ السُّنَّةِ قَبْلَ الْفَرْضِ مَعَ أَنَّهَا أُدِّيَتْ بِالْوُضُوءِ لِأَنَّهَا تَبَعُ الْفَرْضِ. (وَلَا يُعِيدُ الْوَتْرَ) لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَدْ أَدَّاهُ فِي وَقْتِهِ بِطَهَارَةٍ إذْ وَقْتُهُ وَقْتُ الْعِشَاءِ لَا بَعْدَهُ وَقَدْ سَقَطَ التَّرْتِيبُ بِعُذْرِ النِّسْيَانِ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّهُ يُعِيدُ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا. (وَبِبُطْلَانِ الْفَرْضِيَّةِ لَا يَبْطُلُ أَصْلُ الصَّلَاةِ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ عُقِدَتْ لِلْفَرْضِ فَإِذَا بَطَلَتْ الْفَرْضِيَّةُ بَطَلَتْ أَصْلًا وَلَهُمَا أَنَّهَا عُقِدَتْ لِأَصْلِ الصَّلَاةِ بِوَصْفِ الْفَرْضِيَّةِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ ضَرُورَةِ بُطْلَانِ الْوَصْفِ بُطْلَانُ الْأَصْلِ. (وَيَسْقُطُ التَّرْتِيبُ بِضِيقِ الْوَقْتِ) عَنْ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ بِحَيْثُ لَا يَسَعُ الْوَقْتُ الْوَقْتِيَّةَ وَالْفَائِتَةَ جَمِيعًا وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي مِنْ الْوَقْتِ يَسَعُ فِيهِ أَحَدَهُمَا فَقَطْ تُقَدَّمُ الْوَقْتِيَّةُ لِأَنَّ الْبَاقِيَ وَقْتٌ لِلْوَقْتِيَّةِ بِالْكِتَابِ وَوَقْتٌ لِلْفَائِتَةِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ فَلَوْ قُلْنَا بِوُجُوبِ تَقْدِيمِ الْفَائِتَةِ يَلْزَمُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ سِعَةٌ يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِالْأَدِلَّةِ جَمِيعًا وَلَا يَلْزَمُ النَّسْخُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ شَرَعَ فِي الْوَقْتِيَّةِ وَفِي الْوَقْتِ سِعَةٌ وَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ حَتَّى ضَاقَ لَا تَجُوزُ

стр. 145

صَلَاتُهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَهَا وَيَشْرَعُ فِيهَا ثَانِيًا فِي ضِيقِ الْوَقْتِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ ظَنَّ سِعَةَ الْوَقْتِ ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ لَمْ تَجُزْ الْوَقْتِيَّةُ وَقِيلَ: جَازَ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ شَرَعَ فِي الْوَقْتِيَّةِ عِنْدَ الضِّيقِ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ فِي خِلَالِهَا لَمْ تَفْسُدْ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَإِلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ لِأَصْلِ الْوَقْتِ وَقِيلَ لِلْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ الَّذِي لَا كَرَاهِيَةَ فِيهِ وَالْأَوَّلُ قِيَاسُ قَوْلِهِمَا وَالثَّانِي قِيَاسُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ حَتَّى أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الظُّهْرُ وَأَمْكَنَ أَدَاؤُهُ قَبْلَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ وَلَكِنْ يَقَعُ كُلُّ الْعَصْرِ أَوْ بَعْضُهُ بَعْدَ التَّغْيِيرِ لَا يَلْزَمُهُ التَّرْتِيبُ عِنْدَهُ وَيَلْزَمُ عِنْدَهُمَا (وَبِالنِّسْيَانِ) تَوَسَّعُوا فِي عِبَارَةِ النِّسْيَانِ هُنَا حَيْثُ أَرَادُوا بِهِ مَا يَعُمُّ الْجَهْلَ الْمُسْتَمِرَّ حَتَّى قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ بَلْخِي: إنَّ مَنْ جَهِلَ فَرْضِيَّةَ التَّرْتِيبِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَالنَّاسِي كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ لَكِنَّ فِي الْأَصْلِ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا (وَبِصَيْرُورَةِ الْفَوَائِتِ سِتًّا) لِدُخُولِهَا فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْحَرَجِ وَالْكَثْرَةُ تَحْصُلُ بِالدُّخُولِ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ وَالدُّخُولُ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ يَحْصُلُ بِكَوْنِ الْفَوَائِتِ سِتًّا وَذَا يَحْصُلُ بِخُرُوجِ وَقْتِ السَّادِسَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ وَاكْتَفَى مُحَمَّدٌ بِدُخُولِ وَقْتِ السَّادِسَةِ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ كَذَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ (حَدِيثَةً أَوْ قَدِيمَةً) الْحَدِيثَةُ تُسْقِطُ التَّرْتِيبَ اتِّفَاقًا وَفِي الْقَدِيمَةِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَذَلِكَ كَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ شَهْرٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْوَقْتِيَّاتِ قَبْلَ قَضَائِهَا فَفَاتَتْ صَلَاةٌ مِنْهَا ثُمَّ صَلَّى أُخْرَى ذَاكِرًا لِلْفَائِتَةِ آنِفًا قِيلَ: تَجُوزُ الْوَقْتِيَّةُ مَعَ تَذَكُّرِ الْحَدِيثَةِ لِكَثْرَةِ الْفَوَائِتِ وَقِيلَ: لَا تَجُوزُ وَتُجْعَلُ الْقَدِيمَةُ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ زَجْرًا لَهُ عَنْ التَّهَاوُنِ قَالَ صَدْرُ الشَّهِيدِ: الصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ. وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ: الْأَوَّلُ أَصَحُّ وَالثَّانِي أَحْوَطُ وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: وَالْإِفْتَاءُ بِالْأَوَّلِ أَوْلَى لِأَنَّ التَّهَاوُنَ فِي الْعِبَادَاتِ فَاشٍ بَيْنَ الْعِبَادِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ: الْأَوَّلُ أَقْيَسُ وَالْفَتْوَى عَلَى الثَّانِي (وَلَا يَعُودُ) التَّرْتِيبُ (بِعَوْدِهَا) أَيْ بِعُودِ الْفَوَائِتِ (إلَى الْقِلَّةِ) يَعْنِي لَوْ قَضَى بَعْضَ الْفَوَائِتِ حَتَّى قَلَّ مَا بَقِيَ لَا يَعُودُ التَّرْتِيبُ هَذَا مُخْتَارُ الْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: يَعُودُ التَّرْتِيبُ عِنْدَ الْبَعْضِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ. وَفِي النِّهَايَةِ وَالْفَتْوَى عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ وَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّهُ يُوَافِقُ إطْلَاقَ الْمُتُونِ. (فَمَنْ تَرَكَ سِتًّا أَوْ أَكْثَرَ وَشَرَعَ يُؤَدِّي الْوَقْتِيَّاتِ مَعَ بَقَاءِ الْفَوَائِتِ ثُمَّ فَاتَهُ فَرْضٌ جَدِيدٌ فَصَلَّى وَقْتِيَّةً بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ فَرْضٍ جَدِيدٍ (ذَاكِرًا لَهُ) أَيْ لِهَذَا الْفَرْضِ الْجَدِيدِ (صَحَّتْ وَقْتِيَّتُهُ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ حَدِيثَةً أَوْ قَدِيمَةً كَمَا بَيَّنَ آنِفًا. (وَكَذَا لَوْ قَضَى تِلْكَ الْفَوَائِتِ إلَّا فَرْضًا أَوْ فَرْضَيْنِ فَصَلَّى وَقْتِيَّةً ذَاكِرًا) مَا عَلَيْهِ مِنْ الْفَوَائِتِ الْقَلِيلَةِ هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا يَعُودُ بِعَوْدِهَا إلَى الْقِلَّةِ. (وَلَا يُقْتَلُ تَارِكُ الصَّلَاةِ عَمْدًا مَا لَمْ يَجْحَدْ) لَكِنَّ مُنْكِرَهَا كَافِرٌ لِثُبُوتِهَا بِالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ الَّتِي لَا احْتِمَالَ فِيهَا لِلرَّيْبِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ وَتَارِكُهَا
следующие страницы →