Полный текст (1 543 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فِي الصَّيْفِ لِقِصَرِ لَيْلِهِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَفْوِيتِ فَرْضِ الصُّبْحِ عَنْ وَقْتِهِ، وَفِي الْقُنْيَةِ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إلَى مَا زَادَ عَلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَالْعَصْرِ إلَى وَقْتِ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ وَالْمَغْرِبِ إلَى اشْتِبَاكِ النُّجُومِ يُكْرَهُ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ وَيُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَالتَّكَلُّمُ بِكَلَامِ الدُّنْيَا بَعْدَ أَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ إلَّا إذَا كَانَ لِمُذَاكَرَةِ الْفِقْهِ وَنَحْوِهِ أَوْ لِأَمْرٍ مُهِمٍّ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ (الْوِتْرِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ آخِرِ اللَّيْلِ (لِمَنْ يَثِقُ بِالِانْتِبَاهِ، وَإِلَّا فَقَبْلَ النَّوْمِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِهِ أَوْتَرَ قَبْلَ النَّوْمِ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَهُ» .
(وَ) يُسْتَحَبُّ (تَعْجِيلُ ظُهْرِ الشِّتَاءِ) أَيْ أَدَاؤُهُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لِرِوَايَةِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵊ إذَا كَانَ فِي الشِّتَاءِ بَكَّرَ بِالظُّهْرِ وَإِذَا كَانَ فِي الصَّيْفِ أَبْرَدَ بِهَا» .
وَفِي الْبَحْرِ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الرَّبِيعِ وَالْخَرِيفِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الرَّبِيعَ مُلْحَقٌ بِالشِّتَاءِ، وَالْخَرِيفُ بِالصَّيْفِ انْتَهَى أَقُولُ: وَفِيهِ كَلَامٌ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ (الْمَغْرِبِ) فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا لِقَوْلِهِ ﵊ «بَادِرُوا بِالْمَغْرِبِ قَبْلَ اشْتِبَاكِ النُّجُومِ» أَيْ كَثْرَتِهَا.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (تَعْجِيلُ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ يَوْمَ الْغَيْمِ) ؛ لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِ الْعَصْرِ تَوَهُّمَ الْوُقُوعِ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ، وَفِي تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ تَقْلِيلُ الْجَمَاعَةِ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَطَرِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ (تَأْخِيرُ غَيْرِهِمَا) وَهُوَ الْفَجْرُ وَالظُّهْرُ وَالْمَغْرِبُ؛ لِأَنَّ الْفَجْرَ وَالظُّهْرَ لَا كَرَاهَةَ فِي وَقْتِهِمَا فَلَا يَضُرُّ التَّأْخِيرُ وَالْمَغْرِبُ يُخَافُ وُقُوعُهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ لِشِدَّةِ الِالْتِبَاسِ.
وَفِي التُّحْفَةِ: وَكُلُّ صَلَاةٍ فِي أَوَّلِ اسْمِهَا عَيْنٌ يُعَجَّلُ وَمَا لَمْ يَكُنْ فِي أَوَّلِ اسْمِهَا عَيْنٌ يُؤَخَّرُ.
[الْأَوْقَات المنهي عَنْ الصَّلَاة فِيهَا]
(وَمُنِعَ عَنْ الصَّلَاةِ) فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي سَتُذْكَرُ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ فِي ثَلَاثَةِ أَوْقَاتٍ نَهَانَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نُصَلِّيَ، وَأَنْ نُقْبِرَ فِيهَا مَوْتَانَا وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: بِأَنْ نُقْبِرَ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَعِنْدَ اسْتِوَائِهَا حَتَّى تَزُولَ وَحِينَ تُضَيِّفُ أَيْ قَبْلَ الْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا كَذَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ.
وَقَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ: وَلَوْ صَلَّى التَّطَوُّعَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ انْتَهَى لَكِنْ يُمْكِنُ تَوْجِيهُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا بِأَنْ يُرَادَ مِنْ الصَّلَاةِ أَنْوَاعُهَا الْكَامِلَةُ وَهِيَ الْفَرَائِضُ وَالْوَاجِبَاتُ وَالْمَنْذُورَاتُ دُونَ جِنْسِهَا؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ حَتَّى لَوْ صَلَّى النَّوَافِلَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ جَازَتْ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا نَاقِصَةً كَمَا وَجَبَتْ؛ لِأَنَّ النَّافِلَةَ تَجِبُ بِالشُّرُوعِ وَشُرُوعُهُ حَصَلَ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ فَيَتَأَدَّى بِصِفَةِ النُّقْصَانِ كَمَا وَجَبَتْ نَاقِصَةً
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: وَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَقْطَعَهَا وَيَقْضِيَهَا فِي الْوَقْتِ الْمُبَاحِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ الْفَرْضُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ، وَيَجُوزُ النَّفَلُ بِمَكَّةَ بِلَا كَرَاهَةٍ.
(وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ) الَّتِي وَجَبَتْ قَبْلَهَا وَأَمَّا إذَا وَجَبَتْ بِالتِّلَاوَةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ جَازَ أَدَاؤُهَا مِنْ غَيْرِ
стр. 72
كَرَاهَةٍ لَكِنَّ الْأَفْضَلَ تَأْخِيرُهَا لِيُؤَدِّيَهَا فِي الْوَقْتِ الصَّحِيحِ.
وَفِي الْقُنْيَةِ لَا يُكْرَهُ سَجْدَةُ الشُّكْرِ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَسَجْدَةُ السَّهْوِ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ حَتَّى لَوْ دَخَلَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ بَعْدَ السَّلَامِ وَعَلَيْهِ سَهْوٌ فَإِنَّهُ لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَيَسْقُطُ عَنْ ذِمَّتِهِ انْتَهَى وَلِهَذَا لَوْ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ السَّجْدَةَ، وَاسْتَثْنَى سَجْدَةَ الشُّكْرِ لَكَانَ أَحْسَنَ.
(وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ) حَضَرَتْ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ حَضَرَتْ فِيهَا جَازَتْ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ كَذَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ.
وَفِي التُّحْفَةِ وَغَيْرِهَا وَأَمَّا لَوْ تَلَا آيَةَ السَّجْدَةِ فِي وَقْتٍ مَكْرُوهٍ وَسَجَدَهَا فِيهَا أَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ فِيهَا وَصَلَّاهَا تَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ انْتَهَى هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ (عِنْدَ الطُّلُوعِ) أَيْ ظُهُورِ شَيْءٍ مِنْ جِرْمِ الشَّمْسِ مِنْ الْأُفُقِ، وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ مَا لَمْ تَرْتَفِعْ الشَّمْسُ قَدْرَ الرُّمْحِ فَهِيَ فِي حُكْمِ الطُّلُوعِ وَقِيلَ: إنَّ الْإِنْسَانَ مَا دَامَ يَقْدِرُ عَلَى النَّظَرِ فِي قُرْصِ الشَّمْسِ فِي الطُّلُوعِ فَلَا تَحِلُّ الصَّلَاةُ.
(وَالِاسْتِوَاءُ) أَيْ وَقْتُ وُقُوفِ الشَّمْسِ فِي نِصْفِ النَّهَارِ (وَالْغُرُوبُ) أَيْ عِنْدَ أُفُولِ الشَّمْسِ إلَى أَنْ يَغِيبَ جِرْمُهَا، وَقِيلَ مِنْ وَقْتِ التَّغَيُّرِ إلَى أَنْ يَغِيبَ جِرْمُهَا (إلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ) وَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ عَلَى تَقْدِيرِ إرَادَةِ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ وَكَذَا عَلَى إرَادَةِ نَوْعِ الْفَرَائِضِ؛ لِأَنَّ فَرَضَ الْعَصْرِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا جَازَ عَصْرُ يَوْمِهِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا كَمَا وَجَبَتْ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ الْجُزْءُ الْقَائِمُ مِنْ الْوَقْتِ أَيْ الَّذِي يَلِيهِ الشُّرُوعُ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ الْوَقْتِ سَبَبًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كُلُّهُ سَبَبًا لَوَقَعَ الْأَدَاءُ بَعْدَهُ لِوُجُوبِ تَقَدُّمِ السَّبَبِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ عَلَى الْمُسَبَّبِ فَلَا يَكُونُ أَدَاءً وَلَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى قَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يُجْعَلَ بَعْضٌ مِنْهُ سَبَبًا، وَأَقَلُّ مَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ الْجُزْءُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ، وَالْجُزْءُ السَّابِقُ لِعَدَمِ مَا يُزَاحِمُهُ أَوْلَى فَإِنْ اتَّصَلَ بِهِ الْأَدَاءُ تَعَيَّنَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ الْأَدَاءُ وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ يَنْتَقِلُ إلَى الْجُزْءِ الَّذِي يَلِيه ثُمَّ وَثُمَّ إلَى أَنْ يَتَضَيَّقَ الْوَقْتُ، وَلَمْ يَتَقَرَّرْ عَلَى الْجُزْءِ الْمَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَقَرَّرَ عَلَيْهِ كَانَتْ الصَّلَاةُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ قَضَاءً وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَكَانَ الْجُزْءُ الَّذِي يَلِيهِ الْأَدَاءُ هُوَ السَّبَبَ أَوْ الْجُزْءُ الْمُضَيَّقُ، أَوْ كُلُّ الْوَقْتِ إنْ لَمْ يَقَعْ الْأَدَاءُ فِي جُزْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ الْكُلِّ إلَى الْجُزْءِ كَانَ لِضَرُورَةِ وُقُوعِ الْأَدَاءِ خَارِجَ الْوَقْتِ عَلَى تَقْدِيرِ سَبَبِيَّةِ الْكُلِّ وَقَدْ زَالَتْ فَيَعُودُ كُلُّ الْوَقْتِ سَبَبًا ثُمَّ الْجُزْءُ الَّذِي يَتَعَيَّنُ يَصِيرُ سَبَبًا لِتَغَيُّرِ صِفَتِهِ مِنْ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَلَا يَتَأَدَّى بِصِفَةِ النُّقْصَانِ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَدَّى بِصِفَةِ النُّقْصَانِ وَفِيهِ يُعْتَبَرُ حَالُ الْمُكَلَّفِ إسْلَامًا وَعَقْلًا وَبُلُوغًا وَطُهْرًا وَحَيْضًا وَسَفَرًا وَإِقَامَةً إذَا تَقَرَّرَ هَذَا نَقُولُ إنْ لَمْ يَتَّصِلْ الْأَدَاءُ بِالْجُزْءِ الْأَخِيرِ فِي الْعَصْرِ وَانْتَقَلَتْ السَّبَبِيَّةُ إلَى كُلِّ الْوَقْتِ وَجَبَتْ كَامِلًا فَلَا يَتَأَدَّى بِصِفَةِ النُّقْصَانِ حَتَّى لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ عَصْرَ أَمْسِهِ بَعْدَ الِاصْفِرَارِ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ عَصْرِ يَوْمِهِ كَذَا فِي الْمَطْلَبِ.
(وَ) مُنِعَ (عَنْ التَّنَفُّلِ
стр. 73
وَرَكْعَتِي الطَّوَافِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ)
لِمَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ (لَا عَنْ قَضَاءِ فَائِتَةٍ وَسَجْدَةِ تِلَاوَةٍ وَصَلَاةِ جِنَازَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ كَانَتْ لِحَقِّ الْفَرْضِ لِيَصِيرَ الْوَقْتُ كَالْمَشْغُولِ لِفَرْضِهِ لَا لِمَعْنًى فِي الْوَقْتِ، وَالْفَرْضُ التَّقْدِيرِيُّ أَقْوَى مِنْ النَّفْلِ ثَوَابًا فَمُنِعَ وَلَمْ يُمْنَعْ نَحْوُ قَضَاءِ الْفَرَائِضِ إذْ الْفَرْضُ الْحَقِيقِيُّ أَقْوَى مِنْ الْفَرْضِ التَّقْدِيرِيِّ.
(وَ) مُنِعَ (عَنْ النَّفْلِ) فَقَطْ (بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ) الصَّادِقِ (بِأَكْثَرَ مِنْ سُنَّتِهِ) ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ يُوهِمُ جَوَازَ التَّنَفُّلِ بِمِقْدَارِ سُنَّةٍ مَا عَدَا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ سُنَّةُ الْفَجْرِ فَقَطْ لَا غَيْرُ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَا تُصَلُّوا إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» .
وَفِي الْقُنْيَةِ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَمَا رَوَيْنَاهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ تَدَبَّرْ.
وَفِي التَّجْنِيسِ: الْمُتَنَفِّلُ إذَا صَلَّى رَكْعَةً فَطَلَعَ الْفَجْرُ كَانَ الْإِتْمَامُ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْفَجْرِ لَا عَنْ قَصْدٍ.
(وَ) مُنِعَ عَنْ النَّفْلِ فَقَطْ بَعْدَ الْغُرُوبِ (قَبْلَ) صَلَاةِ (الْمَغْرِبِ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ.
(وَ) مُنِعَ عَنْ النَّفْلِ فَقَطْ (وَقْتَ الْخُطْبَةِ أَيًّا كَانَتْ) سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْجُمُعَةِ أَوْ الْعِيدِ أَوْ فِي الْحَجِّ أَوْ غَيْرِهَا أَيْ لَا يَجُوزُ الشُّرُوعُ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ وَقْتَ الْخُرُوجِ أَمَّا لَوْ شَرَعَ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ لِلْخُطْبَةِ ثُمَّ خَرَجَ الْإِمَامُ فَلَا يَقْطَعُهَا بَلْ يُتِمُّهَا رَكْعَتَيْنِ إنْ كَانَتْ نَفْلًا، وَإِنْ كَانَتْ سُنَّةَ الْجُمُعَةِ قِيلَ: يَقْطَعُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ، وَقِيلَ: يُتِمُّهَا أَرْبَعًا وَإِنَّمَا يُمْنَعُ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاشْتِغَالِ عَنْ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ (وَقَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ) فِي الْمُصَلَّى وَغَيْرِهِ وَكَذَا بَعْدَهَا فِي الْمُصَلَّى.
(وَ) مُنِعَ (عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ) لِعُذْرٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ الْجَمْعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِعُذْرِ الْمَطَرِ وَالْمَرَضِ وَالسَّفَرِ (إلَّا بِعَرَفَةَ) فَإِنَّ الْحَاجَّ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ (وَمُزْدَلِفَةَ) فَإِنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ.
(وَمَنْ طَهُرَتْ فِي وَقْتِ عَصْرٍ أَوْ عِشَاءٍ صَلَّتْهُمَا فَقَطْ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يَقُولُ: إنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ وَقْتٌ لِلظُّهْرِ وَوَقْتُ الْعِشَاءِ وَقْتٌ لِلْمَغْرِبِ لَا إنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَقْتٌ وَاحِدٌ وَكَذَا وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَإِلَّا لَكَفَى عِنْدَهُ وُجُودُ الْحَدَثِ فِي أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْعُذْرِ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ.
(وَمَنْ هُوَ أَهْلُ فَرْضٍ فِي آخَرِ وَقْتٍ) بِأَنْ بَلَغَ أَوْ أَسْلَمَ آخِرَ الْوَقْتِ أَوْ طَهُرَتْ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ وَقَدْ بَقِيَ قَدْرُ التَّحْرِيمَةِ أَوْ طَهُرَتْ لِأَقَلَّ مِنْ أَكْثَرِهِ، وَقَدْ بَقِيَ قَدْرُ التَّحْرِيمَةِ وَالْغُسْلِ (يَقْضِيهِ ذَلِكَ) الْفَرْضَ فَقَطْ لَا الْفَرْضَ الْمُقَدَّمَ وَاحْتُرِزَ بِهِ عَمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فَإِنَّ عِنْدَهُ إذَا وَجَبَ الْعَصْرُ وَجَبَ الظُّهْرُ أَيْضًا كَالْعِشَاءَيْنِ (لَا) تَقْضِي بِالْإِجْمَاعِ (مَنْ حَاضَتْ) أَوْ نَفِسَتْ أَوْ جُنَّ مَثَلًا (فِيهِ) أَيْ فِي آخِرِ الْوَقْتِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَدَاءِ فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي السَّبَبِيَّةِ آخِرَ الْوَقْتِ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: وَلَوْ شَرَعَتْ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ أَوْ الصَّوْمِ فَحَاضَتْ تَقْضِي وَفِي الْفَرْضِ لَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 74
[بَابُ الْأَذَانِ]
ِ) هُوَ لُغَةً الْإِعْلَامُ مُطْلَقًا وَشَرْعًا إعْلَامُ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِوَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَيُطْلَقُ عَلَى الْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ وَالتَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا مَسْنُونٌ فَلَوْ غُيِّرَ التَّرْتِيبُ كَانَتْ الْإِعَادَةُ أَفْضَلَ وَسَبَبُهُ ابْتِدَاءُ أَذَانِ مَلَكٍ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، وَإِقَامَتُهُ حِينَ صَلَّى النَّبِيُّ ﵊ إمَامًا بِالْمَلَائِكَةِ وَأَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ رُؤْيَا مِنْ الصَّحَابَةِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ مَشْهُورٌ، وَقِيلَ: نُزُولُ جِبْرِيلَ ﵊ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَسْبَابِ لِإِمْكَانِ ثُبُوتِهِ بِمَجْمُوعِهَا
(سُنَّ) سُنَّةً مُؤَكَّدَةً هُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: وَاجِبٌ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ بِمُقَاتَلَةِ أَهْلِ بَلْدَةٍ اجْتَمَعُوا عَلَى تَرْكِهِ وَأَبُو يُوسُفَ يُحْبَسُونَ وَيُضْرَبُونَ وَلَا يُقَاتَلُونَ (لِلْفَرَائِضِ) أَيْ فَرَائِضِ الرِّجَالِ - وَهِيَ الرَّوَاتِبُ الْخَمْسُ - وَقَضَائِهَا وَالْجُمُعَةِ (دُونَ غَيْرِهَا) أَيْ لَا يُسَنُّ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالتَّطَوُّعِ وَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالْوِتْرِ وَغَيْرِهَا.
(وَلَا يُؤَذَّنُ لِصَلَاةٍ قَبْلَ) دُخُولِ (وَقْتِهَا) ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ، وَفِي ذَلِكَ تَضْلِيلٌ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّ مَنْعَهُ بِالْأَوْلَوِيَّةِ فَإِنَّهَا بَعْدَ الْأَذَانِ.
وَلَوْ أَقَامَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى الْفَوْرِ قَالُوا: إنْ طَالَ الْفَصْلُ يُعَادُ، وَإِلَّا لَا.
(وَيُعَادُ فِيهِ لَوْ فَعَلَ) أَيْ لَوْ أَذَّنَ قَبْلَ الْوَقْتِ يُعَادُ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فِي الْفَجْرِ) فَإِنَّ عِنْدَهُ يَجُوزُ الْأَذَانُ لِلْفَجْرِ قَبْلَ وَقْتِهِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي رِوَايَةٍ، وَأُخْرَى عَنْهُ فِي جَمِيعِ اللَّيْلِ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمَا مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ أَنَّهُ «قَالَ يَا بِلَالُ لَا تُؤَذِّنْ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» .
(وَيُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ) الْوَاحِدَةِ (وَيُقِيمُ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَضَى الْفَجْرَ بِآذَانٍ وَإِقَامَةٍ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي اكْتِفَائِهِ بِالْإِقَامَةِ فَقَطْ.
(وَكَذَا) يُؤَذِّنُ، وَيُقِيمُ (لِأُولَى الْفَوَائِتِ وَخُيِّرَ فِيهِ لِلْبَوَاقِي) إنْ شَاءَ أَذَّنَ وَأَقَامَ وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ فَقَطْ هَذَا إذَا كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي مَجَالِسَ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ كِلَاهُمَا كَمَا فِي الْمُسْتَصْفَى.
وَفِي التَّبْيِينِ إنَّ كُلَّ فَرْضٍ أَدَاءً وَقَضَاءً يُؤَذِّنُ لَهُ وَيُقِيمُ سَوَاءٌ أَدَّاهُ مُنْفَرِدًا أَوْ بِجَمَاعَةٍ إلَّا الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْمِصْرِ فَإِنْ أَدَّاهُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ يُكْرَهُ.
(وَكُرِهَ تَرْكُهُمَا مَعًا لِلْمُسَافِرِ) وَلَوْ مُنْفَرِدًا «لِقَوْلِهِ ﵊ لِابْنَيْ أَبِي مُلَيْكَةَ إذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا سِنًّا» وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا مَعًا؛ لِأَنَّ تَرْكَ أَحَدِهِمَا، وَهُوَ أَذَانُ الْمُنْفَرِدِ لَا يُكْرَهُ، وَأَمَّا أَذَانُ الْجَمَاعَةِ فَفِيهِ خِلَافٌ (لَا) يُكْرَهُ تَرْكُهُمَا مَعًا (لِمُصَلٍّ فِي بَيْتِهِ فِي الْمِصْرِ) إذَا وُجِدَ فِي مَسْجِدِ الْمَحَلَّةِ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي رِوَايَةٍ يَكْفِينَا أَذَانُ الْحَيِّ وَإِقَامَتُهُ.
(وَنُدِبَا) أَيْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةُ مَعًا (لَهُمَا) أَيْ الْمُسَافِرِ وَالْمُصَلِّي فِي بَيْتِهِ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا مَعًا لِدَفْعِ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ قَوْلَهُ وَنُدِبَا لَهُمَا يُخَالِفُ لِمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَكُرِهَ تَرْكُهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي تَرْكِ الْمَنْدُوبِ
стр. 75
فَلْيُتَأَمَّلْ (لَا لِلنِّسَاءِ) ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ سُنَنِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ.
[صِفَةُ الْأَذَانِ]
(وَصِفَةُ الْأَذَانِ مَعْرُوفَةٌ) لَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهَا إلَّا عِنْدَ مَالِكٍ يُكَبِّرُ فِي أَوَّلِهِ مَرَّتَيْنِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ.
(وَيُزَادُ بَعْدَ فَلَاحِ أَذَانِ الْفَجْرِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ) رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ قَوْلَهُ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ بَعْدَ الْأَذَانِ لَا فِيهِ؛ لِأَنَّ إدْخَالَ كَلِمَةٍ أُخْرَى بَيْنَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ لَا يَلِيقُ (وَالْإِقَامَةُ مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الْأَذَانِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّ الْإِقَامَةَ عِنْدَهُ فُرَادَى فُرَادَى إلَّا قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ.
(وَيُزَادُ بَعْدَ فَلَاحِهَا قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ) هَكَذَا فَعَلَ الْمَلَكُ النَّازِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
(وَيَتَرَسَّلُ فِيهِ) أَيْ يَتَمَهَّلُ فِي الْأَذَانِ بِأَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ وَلَا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ سُنَّةٌ كَمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.
وَفِي الْقُنْيَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَفْصِلَ قَلِيلًا، وَإِلَّا فَالْإِعَادَةُ (وَيُحْدِرُ فِيهَا) أَيْ يُسْرِعُ فِي الْإِقَامَةِ وَيَكُونُ صَوْتُهُ فِيهَا أَخْفَضَ مِنْ صَوْتِهِ فِي الْأَذَانِ.
(وَيُكْرَهُ التَّرْجِيعُ) التَّرْجِيعُ لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ الْأَذَانِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَهُوَ أَنْ يَخْفِضَ صَوْتَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ ثُمَّ يَرْجِعَ وَيَرْفَعَ صَوْتَهُ.
(وَ) يُكْرَهُ (التَّلْحِينُ) وَالْمُرَادُ بِهِ التَّطْرِيبُ يُقَالُ: لَحَّنَ فِي قِرَاءَتِهِ إذَا طَرِبَ بِهَا أَيْ يُكْرَهُ تَغْيِيرُ الْكَلِمَةِ عَنْ وَضْعِهَا بِزِيَادَةِ حَرْفٍ أَوْ حَرَكَةٍ أَوْ مَدٍّ أَوْ غَيْرِهَا سَوَاءٌ فِي الْأَوَائِلِ أَوْ فِي الْأَوَاخِرِ وَكَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَلَا يَحِلُّ الِاسْتِمَاعُ وَلَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ مِنْ الْمَجْلِسِ إذَا قُرِئَ بِاللَّحْنِ، وَأَمَّا تَحْسِينُ الصَّوْتِ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ تَغَنٍّ قِيلَ لَا يَحِلُّ سَمَاعُ الْمُؤَذِّنِ إذَا لَحَّنَ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: إنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ مِنْ الْأَذْكَارِ، أَمَّا فِي قَوْلِهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ لَا بَأْسَ فِيهِ بِإِدْخَالِ مَدٍّ وَنَحْوِهِ.
(وَيَسْتَقْبِلُ بِهِمَا الْقِبْلَةَ) ؛ لِأَنَّ الْمَلَكَ فَعَلَ كَذَا وَلَوْ تُرِكَ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
(وَيُحَوِّلُ وَجْهَهُ) ؛ لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِلْقَوْمِ أَيْ لَا صَدْرَهُ (يَمْنَةً وَيَسْرَةً عِنْدَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ وَحَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ) وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ: إذَا أَذَّنَ لِنَفْسِهِ لَا يُحَوِّلُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُحَوِّلُ فَيُوَاجِهُهُمْ بِهِ، وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ فِي الْيَمِينِ، وَالْفَلَاحُ فِي الشِّمَالِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُجِيبَ الْمُسْتَمِعُ وَيَقُولَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ إلَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ وَالصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ بَلْ يَقُولُ فِي الْأَوَّلِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَمَا قُدِّرَ سَيَكُونُ وَفِي الثَّانِي صَدَقْت وَبِالْحَقِّ نَطَقْت.
وَفِي الْجَوَاهِرِ: أَنَّ إجَابَةَ الْمُؤَذِّنِ سُنَّةٌ هَكَذَا يُجِيبُ فِي الْإِقَامَةِ أَيْضًا إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى قَوْلِهِ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ فَحِينَئِذٍ يُجِيبُ بِالْفِعْلِ دُونَ الْقَوْلِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِالْقَوْلِ فَيَقُولُ أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ فَإِذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ الْأَذَانِ يَقُولُ الْمُسْتَمِعُ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ وَالْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْته إنَّك لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَيَقْطَعُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ لَوْ بِمَنْزِلِهِ وَيُجِيبُ وَلَوْ بِمَسْجِدٍ لَا لِأَنَّهُ أَجَابَ بِالْحُضُورِ.
(وَيَسْتَدْبِرُ فِي صَوْمَعَتِهِ إنْ لَمْ يَقْدِرْ التَّحْوِيلَ
стр. 76
وَاقِفًا) لِلْإِعْلَامِ لِاتِّسَاعِ الصَّوْمَعَةِ قَالَ صَاحِبُ الدُّرَرِ: وَيَلْتَفِتُ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ يَمِينًا وَيَسَارًا إنْ أَمْكَنَ الْإِسْمَاعُ بِالثَّبَاتِ فِي مَكَانِهِ وَإِلَّا اسْتَدَارَ فِي صَوْمَعَتِهِ يَعْنِي إذَا كَانَتْ مِئْذَنَةٌ بِحَيْثُ لَوْ حَوَّلَ وَجْهَهُ مَعَ ثَبَاتِ قَدَمَيْهِ لَا يَحْصُلُ الْإِعْلَامُ اسْتَدَارَ فِيهَا فَيُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنْ الْكُوَّةِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ مَا قَالَهُ ثُمَّ يَذْهَبُ إلَى الْكُوَّةِ الْيُسْرَى فَيَفْعَلُ فِيهِ مَا فَعَلَ وَقَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ: وَوَقَعَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْوِقَايَةِ وَيَسْتَدِيرُ فِي صَوْمَعَتِهِ إنْ لَمْ يُمْكِنْ التَّحْوِيلُ مَعَ الثَّبَاتِ فِي مَكَانِهِ ثُمَّ فَسَّرَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ بِقَوْلِهِ: الْمُرَادُ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْمِئْذَنَةُ بِحَيْثُ لَوْ حَوَّلَ وَجْهَهُ مَعَ ثَبَاتِ قَدَمَيْهِ لَا يَحْصُلُ الْإِعْلَامُ فَحِينَئِذٍ يَسْتَدِيرُ فِيهَا دَفْعًا لِمَا يَرِدُ عَلَى كَلَامِ صَاحِبِ الْوِقَايَةِ مِنْ أَنَّهُ كَيْفَ لَا يُمْكِنُ التَّحْوِيلُ فَالْمُنَاسِبُ تَحْوِيلُ التَّحْوِيلِ إلَى الْإِعْلَامِ فَيَكُونُ مُرَادُ صَاحِبِ الْوِقَايَةِ إنْ لَمْ يُمْكِنْ التَّحْوِيلُ الْمُؤَدِّي إلَى الْإِعْلَامِ مَعَ الثَّبَاتِ فِي مَكَانِهِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ وَلِهَذَا غَيَّرَ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ وَقَالَ: إنْ لَمْ يُمْكِنْ الْإِعْلَامُ انْتَهَى
هَذَا مُسَلَّمٌ إنْ كَانَ الْمُرَادُ الْإِعْلَامَ فَقَطْ بِدُونِ التَّحْوِيلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّحْوِيلَ صَارَ سُنَّةَ الْأَذَانِ حَتَّى قَالُوا فِي الَّذِي يُؤَذِّنُ لِلْمَوْلُودِ يَنْبَغِي أَنْ يُحَوِّلَ وَجْهَهُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً عِنْدَ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ تَدَبَّرْ.
(وَيَجْعَلُ) الْمُؤَذِّنُ (أُصْبُعَيْهِ فِي) صِمَاخِ (أُذُنَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ، وَجَازَ وَضْعُ يَدَيْهِ أَيْضًا كَمَا فِي الدُّرَرِ (وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي أَثْنَائِهِمَا) أَيْ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ أَيَّ تَكَلُّمٍ حَتَّى لَوْ تَكَلَّمَ لَأَعَادَ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالتَّعْظِيمِ وَيُغَيِّرُ النَّظْمَ.
(وَيَجْلِسُ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ وَصْلَ الْأَذَانِ بِالْإِقَامَةِ مَكْرُوهٌ وَأَمَّا مَا قَدَّرَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي الْفَجْرِ وَغَيْرِهِ فَغَيْرُ لَازِمٍ بَلْ يَفْصِلُ مِقْدَارَ مَا يَحْضُرُ أَكْثَرُ الْقَوْمِ مَعَ مُرَاعَاةِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ (إلَّا فِي الْمَغْرِبِ فَيَفْصِلُ بِسَكْتَةٍ) عِنْدَ الْإِمَامِ فَلَا يُسَنُّ الْجُلُوسُ بَلْ السُّكُوتُ مِقْدَارَ ثَلَاثِ آيَاتٍ أَوْ مِقْدَارَ ثَلَاثِ خُطُوَاتٍ (وَقَالَا) يَفْصِلُ (بِجِلْسَةٍ خَفِيفَةٍ) قَدْرَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ
وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ الْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ حَتَّى لَوْ جَلَسَ جَازَ عِنْدَ الْإِمَامِ.
(وَاسْتَحْسَنَ الْمُتَأَخِّرُونَ التَّثْوِيبَ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ) هُوَ الْإِعْلَامُ بَعْدَ الْإِعْلَامِ بِحَسَبِ مَا تَعَارَفَهُ أَهْلُ كُلِّ بَلْدَةٍ بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا الْمُتَقَدِّمُونَ إنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ إلَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَوْلِ الْجَدِيدِ يُكْرَهُ فِي الْفَجْرِ أَيْضًا لَكِنْ جَوَّزَهُ أَبُو يُوسُفَ فِي حَقِّ أُمَرَاءِ زَمَانِهِ لِاشْتِغَالِهِمْ بِأُمُورِ بِالْمُسْلِمِينَ وَلَا كَذَلِكَ أُمَرَاءُ زَمَانِنَا فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَشْغُولِينَ بِهَا.
(وَيُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ عَلَى طُهْرٍ) ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ فَيُسْتَحَبُّ فِيهِ الطَّهَارَةُ كَالْقُرْآنِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ وَالْمُرَادُ مِنْ الطَّهَارَةِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْحَدَثِ سَوَاءٌ كَانَ الْأَصْغَرَ أَوْ الْأَكْبَرَ لَا أَكْبَرَ فَقَطْ كَمَا تَوَهَّمَ الْبَعْضُ.
(وَجَازَ أَذَانُ الْمُحْدِثِ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَلَا يُكْرَهُ فِي الصَّحِيحِ وَقِيلَ: يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ دَاعِيًا إلَى
стр. 77
مَا لَا يُجِيبُ بِنَفْسِهِ وَدَاخِلًا تَحْتَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] كَمَا فِي الْفَرَائِدِ أَقُولُ: وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ لِلْأَذَانِ مَنْدُوبٌ كَمَا تَقَرَّرَ آنِفًا فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ تَرْكُهُ مَكْرُوهًا، وَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الْإِجَابَةِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْوُضُوءُ بَعْدَهُ فَيَكُونُ مُجِيبًا حُكْمًا.
(وَكُرِهَ إقَامَتُهُ) وَفِي رِوَايَةٍ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ كِلَاهُمَا ذِكْرٌ كَمَا فِي الْبَاقَانِيِّ لَكِنْ أَقُولُ: إنَّمَا كُرِهَتْ الْإِقَامَةُ مَعَ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ مُتَّصِلًا إلَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ ذِكْرٌ وَلَا كَذَلِكَ الْأَذَانُ كَمَا فِي الْمُسْتَصْفَى.
(وَ) كُرِهَ (أَذَانُ الْجُنُبِ) ؛ لِأَنَّ لَهُ شَبَهًا بِالصَّلَاةِ حَتَّى يُشْتَرَطَ لَهُ دُخُولُ الْوَقْتِ، وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ، وَالشُّرُوعُ بِالتَّكْبِيرِ، وَالتَّرْتِيبِ فَاشْتُرِطَ لَهُ الطَّهَارَةُ عَنْ أَغْلَظِ الْحَدَثَيْنِ دُونَ أَخَفِّهِمَا عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ.
(وَيُعَادُ) أَذَانُهُ؛ لِأَنَّ تَكْرَارَهُ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ (كَأَذَانِ الْمَرْأَةِ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ) فَإِنَّ أَذَانَ هَؤُلَاءِ يُعَادُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إنْ رَفَعَتْ صَوْتَهَا فَقَدْ بَاشَرَتْ مُنْكَرًا؛ لِأَنَّ صَوْتَهَا عَوْرَةٌ وَإِنْ لَمْ تَرْفَعْ فَقَدْ أَخَلَّتْ بِالْإِعْلَامِ فَيُعَادُ أَذَانُهَا نَدْبًا، وَالْمَجْنُونُ وَالسَّكْرَانُ لَا يَعْلَمَانِ مَا يَقُولَانِهِ كَمَا فِي الْفَرَائِدِ أَقُولُ: وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ صَوْتَهَا مُطْلَقًا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَإِلَّا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يُكْرَهَ تَكَلُّمُهَا مَعَ الْأَجْنَبِيِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يُكْرَهُ رَفْعُ صَوْتِهَا تَدَبَّرْ (وَلَا تُعَادُ الْإِقَامَةُ) لِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ تَكْرِيرِهَا.
(وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ الْمُؤَذِّنِ عَالِمًا بِالسُّنَّةِ وَالْأَوْقَاتِ) ؛ لِأَنَّ لِلْأَذَانِ سُنَنًا وَآدَابًا فَلَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ بِهَا لِيَنَالَ الثَّوَابَ الَّذِي وُعِدَ لِلْمُؤَذِّنِينَ.
(وَكُرِهَ أَذَانُ الْفَاسِقِ) لِعَدَمِ الِاعْتِمَادِ وَلَكِنْ لَا يُعَادُ (وَالصَّبِيِّ) ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ بِأَهْلٍ لَهَا حَتَّى يَدْعُوَ غَيْرَهُ، فَيُعَادُ (وَالْقَاعِدِ) لِتَرْكِ سُنَّةِ الْأَذَانِ مِنْ الْقِيَامِ وَلِأَنَّ الْقَائِمَ أَبْلَغُ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤَذِّنَ لِنَفْسِهِ قَاعِدًا مُرَاعِيًا لِسُنَّةِ الْأَذَانِ.
(لَا) يُكْرَهُ (أَذَانُ الْعَبْدِ وَالْأَعْمَى وَالْأَعْرَابِيِّ وَوَلَدِ الزِّنَا) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ.
(وَإِذَا قَالَ) الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ (حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَامَ الْإِمَامُ وَالْجَمَاعَةُ) عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ لِلْإِجَابَةِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَزُفَرُ: إذَا قَالَ قَدْ قَامَتْ قَامُوا إلَى الصَّفِّ وَإِذَا قَالَ مَرَّةً ثَانِيَةً كَبَّرُوا وَالصَّحِيحُ قَوْلُ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ.
وَفِي الْوِقَايَةِ وَيَقُومُ الْإِمَامُ وَالْقَوْمُ عِنْدَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ أَيْ قُبَيْلَهُ.
(وَإِذَا قَالَ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ شَرَعُوا) .
وَفِي الْوِقَايَةِ عِنْدَ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ أَيْ قُبَيْلَهُ.
وَفِي الْأَصْلِ بَعْدَهُ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الطَّرَفَيْنِ وَالثَّانِي قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِي الْخِلَافِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَالْأَصَحُّ الثَّانِي كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
(وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ غَائِبًا أَوْ هُوَ الْمُؤَذِّنَ لَا يَقُومُونَ حَتَّى يَحْضُرَ)
стр. 78
لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْقِيَامِ وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ نَقْلًا عَنْ الْمُحِيطِ لَوْ كَانَ الْإِمَامُ مُؤَذِّنًا لَمْ يَقُمْ الْقَوْمُ إلَّا عِنْدَ الْفَرَاغِ انْتَهَى فَعَلَى هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ هُوَ رَاجِعًا إلَى الْإِمَامِ.
[بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ]
جَمْعُ شَرْطٍ بِالتَّسْكِينِ، وَالشَّرِيطَةُ فِي مَعْنَاهُ وَجَمْعُهَا شَرَائِطُ وَالشَّرَطُ بِالتَّحْرِيكِ الْعَلَامَةُ وَالْجَمْعُ أَشْرَاطٌ وَمِنْهُ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ أَيْ عَلَامَاتُهَا وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ الشُّرُوطُ لَا الْأَشْرَاطُ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ شُرُوطَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الشَّيْءِ مَا يَتَوَقَّفُ وُجُودُ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْعِلَّةِ، أَوْ فِي الْحُكْمِ فَإِنَّ عِلَّةَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ كَمَا تَتَوَقَّفُ عَلَى شَرَائِطِهَا مِنْ الْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ فَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ، وَهِيَ الْحُكْمُ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ شَرَائِطِهَا مِنْ الطَّهَارَةِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَغَيْرِهِمَا فَالْمَشْرُوطُ يُضَافُ إلَى شَرْطِهِ وُجُودًا عِنْدَهُ وَالْمَعْلُولُ يُضَافُ إلَى عِلَّتِهِ وُجُوبًا وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالشَّرْطِ أَنَّ الرُّكْنَ دَاخِلٌ فِي الْمَاهِيَّةِ وَالشَّرْطَ خَارِجُهَا وَيَفْتَرِقَانِ افْتِرَاقَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ فَكُلُّ رُكْنٍ شَرْطٌ وَلَا يَنْعَكِسُ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْعَامِّ عَدَمُ الْخَاصِّ، وَالْأَعَمُّ وَالْأَخَصُّ عَلَى الْعَكْسِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْأَعَمِّ وُجُودُ الْأَخَصِّ وَيَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْأَعَمِّ عَدَمُ الْأَخَصِّ.
ثُمَّ قَدَّمَ الطَّهَارَةَ عَلَى سَائِرِ الشُّرُوطِ؛ لِأَنَّهَا أَهَمُّ مِنْ غَيْرِهَا؛ إذْ لَا تَسْقُطُ بِحَالٍ بِخِلَافِ غَيْرِهَا ثُمَّ قَدَّمَ الْوَقْتَ؛ لِأَنَّهُ كَمَا هُوَ شَرْطٌ فَهُوَ عِلَّةُ الْوُجُوبِ أَيْضًا فَكَانَ لَهُمَا زِيَادَةُ قُوَّةٍ عَلَى سَائِرِ الشُّرُوطِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ.
وَفِي الدُّرَرِ لَمْ يَقُلْ الَّتِي تَتَقَدَّمُهَا؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَهُ جَعَلَهُ صِفَةً كَاشِفَةً لَا مُمَيِّزَةً؛ إذْ لَيْسَ مِنْ الشُّرُوطِ مَا لَا يَكُونُ مُقَدَّمًا حَتَّى يَكُونَ احْتِرَازًا عَنْهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْقَيْدِ احْتِرَازًا عَنْ الشُّرُوطِ الَّتِي تَتَقَدَّمُهَا بَلْ يُقَارِنُهَا أَوْ يَتَأَخَّرُ عَنْهَا وَهِيَ الَّتِي تُذْكَرُ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ كَالتَّحْرِيمَةِ وَالتَّرْتِيبِ وَالْخُرُوجِ بِصُنْعِهِ، وَالْمُرَادُ شَرْطُ الصِّحَّةِ لَا شَرْطُ الْوُجُودِ وَلِذَلِكَ صَحَّ تَنَوُّعُهُ إلَى النَّوْعَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ انْتَهَى
أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَشَرْطُ الْخُرُوجِ وَالْبَقَاءِ عَلَى الصِّحَّةِ لَيْسَا بِشَرْطَيْنِ لِلصَّلَاةِ بَلْ لِأَمْرٍ آخَرَ، وَهُوَ الْخُرُوجُ وَالْبَقَاءُ، وَإِنَّمَا يُسَوَّغُ أَنْ يُقَالَ: شَرْطُ الصَّلَاةِ نَوْعَانِ مِنْ التَّجَوُّزِ إطْلَاقًا لِاسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ وَعَلَى الْوَصْفِ الْمُجَاوِرِ تَأَمَّلْ فَإِنَّهُ مِنْ مَزَالِقِ الْأَقْدَامِ (هِيَ طَهَارَةُ بَدَنِ الْمُصَلِّي مِنْ حَدَثٍ) أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وَلِآيَةِ الْوُضُوءِ (وَخَبَثٍ) لِقَوْلِهِ ﵊ «اسْتَنْزِهُوا عَنْ الْبَوْلِ» الْحَدِيثَ وَقَدَّمَ الْحَدَثَ عَلَى الْخَبَثِ لِقُوَّتِهِ؛ لِأَنَّ قَلِيلَهُ مَانِعٌ بِخِلَافِ قَلِيلِ الْخَبَثِ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ عِنْدِي؛ لِأَنَّ الْقَطْرَةَ مِنْ الْخَرْءِ وَنَحْوِهِ يُنَجِّسُ الْبِئْرَ وَالْمُحْدِثُ أَوْ الْجُنُبُ إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ لَا يُنَجَّسُ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ فِيهِ تَقْدِيمٌ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ انْتَهَى
أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الصُّورِيِّ لَا يَقْتَضِي وَجْهًا فَيَلْزَمُ بَيَانُهُ وَإِنْ كَانَ الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ وَأَمَّا قِيَاسُ تَنَجُّسِ الْبِئْرِ وَالْمَاءِ بِالنَّجَاسَةِ
стр. 79
الْقَلِيلَةِ فَلَيْسَ بِمَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ طَهَارَةُ بَدَنِ الْمُصَلِّي فَلَا مَدْخَلَ فِي تَنَجُّسِهِمَا (وَثَوْبِهِ وَمَكَانِهِ) مِنْ خَبَثٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] وَالْمَكَانُ بِمَعْنَاهُ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا: مِنْ خَبَثٍ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ عِبَارَتِهِ يُوهِمُ طَهَارَتَهُمَا عَنْ الْحَدَثِ أَيْضًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَمْ يُقَيِّدْ الْمُصَنِّفُ اعْتِمَادًا عَلَى ظُهُورِهِ.
(وَسِتْرُ عَوْرَتِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] أَيْ مَا يُوَارِي عَوْرَتِكُمْ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الزِّينَةِ عَنْهَا لَا يُمْكِنُ فَيَكُونُ الْمُرَادُ مَحَلَّهَا إطْلَاقًا لِاسْمِ الْحَالِّ عَلَى الْمَحَلِّ وَأُرِيدَ بِالْمَسْجِدِ الصَّلَاةُ إطْلَاقًا لِاسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ فَإِنْ قِيلَ: الْآيَةُ وَرَدَتْ فِي شَأْنِ الطَّوَافِ لَا فِي حَقِّ الصَّلَاةِ كَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قُلْنَا: الْعِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَهُنَا عُمُومٌ فِي اللَّفْظِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ فَقَدْ أُمِرَ بِأَخْذِهِ الزِّينَةَ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، وَهَذَا مِمَّا يَمْنَعُ الْقَصْرَ عَلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَذَا فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ قَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ: كَلَامُهُمْ يُوهِمُ كَوْنَ الْمَسْجِدِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَقَدْ قَالُوا قُبَيْلَهُ فِيهِ إطْلَاقُ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ مَتْرُوكًا بِالْكُلِّيَّةِ فِي الِاسْتِعَارَةِ انْتَهَى
أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ نُسَلِّمُ الْإِيهَامَ؛ لِأَنَّ السَّائِلَ وَالْمُجِيبَ يُسَلِّمَانِ كَوْنَ الْمَسْجِدِ هُنَا مَجَازًا مِنْ قَبِيلِ ذِكْرِ الْمَحَلِّ وَإِرَادَةِ الْحَالِّ إلَّا أَنَّ السَّائِلَ يُخَصِّصُ الْمَسْجِدَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَيُرِيدُ الطَّوَافَ، وَالْمُجِيبُ يُعَمِّمُ وَيُرِيدُ الصَّلَاةَ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ مُرْسَلٌ لَا اسْتِعَارَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ التَّشْبِيهِ تَدَبَّرْ ثُمَّ إنَّ سِتْرَ الْعَوْرَةِ عَنْ الْغَيْرِ شَرْطٌ بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا السِّتْرُ عَنْ نَفْسِهِ فَفِيهِ خِلَافُ الْمَشَايِخِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ نَفْسِهِ أَيْضًا حَتَّى لَوْ صَلَّى فِي قَمِيصٍ يَرَى عَوْرَتَهُ مِنْ الْجَيْبِ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ، وَعَامَّتُهُمْ عَلَى خِلَافِهِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبَيْنِ حَتَّى يَحْصُلَ السِّتْرُ التَّامُّ، وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ قَالُوا: الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ قَمِيصٍ وَإِزَارٍ وَعِمَامَةٍ.
(وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ) عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَلَيْسَ السِّينُ لِلطَّلَبِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ الْمُقَابَلَةُ لَا طَلَبُهَا، وَالْقِبْلَةُ فِي الْأَصْلِ الْحَالَةُ الَّتِي يُقَابَلُ الشَّيْءُ عَلَيْهَا كَالْجِلْسَةِ لِلْحَالَةِ الَّتِي يَجْلِسُ عَلَيْهَا وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يُقَابِلُونَهَا فِي صَلَاتِهِمْ وَتَقَابُلِهِمْ وَهِيَ شَرْطٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] ثُمَّ أُمِرَ بِالتَّوَجُّهِ إلَى شَطْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَضَى عَلَى ذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ فَكَانَ إجْمَاعًا عَلَى ذَلِكَ.
(وَالنِّيَّةُ) أَيْ نِيَّةُ الصَّلَاةِ لَا الْكَعْبَةِ فَإِنَّهَا لَا تُشْتَرَطُ عَلَى الصَّحِيحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وَلِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» أَيْ حُكْمُ الْأَعْمَالِ وَثَوَابُهَا مُلْصَقٌ بِهَا ثُمَّ أَشَارَ إلَى تَفْصِيلِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْهَا فَقَالَ.
(وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ مِنْ تَحْتِ سُرَّتِهِ إلَى تَحْتِ رُكْبَتِهِ) فَالسُّرَّةُ لَيْسَتْ مِنْ الْعَوْرَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ بِخِلَافِ الرُّكْبَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الرُّكْبَةُ لَيْسَتْ مِنْ الْعَوْرَةِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ فِي التَّبْيِينِ الرُّكْبَةُ عَوْرَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ زُفَرُ
стр. 80
كِلَاهُمَا مِنْ الْعَوْرَةِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ نَقْلًا عَنْ أَبِي عِصْمَةَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّ السُّرَّةَ إحْدَى حَدِّ الْعَوْرَةِ فَتَكُونُ مِنْ الْعَوْرَةِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الِاشْتِهَاءِ فَوْقَ الرُّكْبَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ الْعَوْرَةُ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ فَقَطْ فَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ ﵊ «عَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ» وَيُرْوَى مَا دُونَ سُرَّتِهِ حَتَّى يُجَاوِزَ رُكْبَتَيْهِ وَكَلِمَةُ إلَى بِمَعْنَى مَعَ عَمَلًا بِكَلِمَةِ حَتَّى.
(وَ) عَوْرَةُ (الْأَمَةِ) قِنًّا كَانَتْ أَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مُكَاتَبَةً وَكَذَا الْمُسْتَسْعَاةُ عِنْدَ الْإِمَامِ (مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الرَّجُلِ فِي كَوْنِ مَا دُونَ سُرَّتِهَا إلَى رُكْبَتَيْهَا عَوْرَةً (مَعَ زِيَادَةِ بَطْنِهَا وَظَهْرِهَا) ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ مُشْتَهًى فَأَشْبَهَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ أَنَّهَا كَالرَّجُلِ.
(وَجَمِيعُ بَدَنِ الْحُرَّةِ عَوْرَةٌ إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا) لِقَوْلِهِ ﵊ «بَدَنُ الْحُرَّةِ كُلُّهَا عَوْرَةٌ إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا» وَالْكَفُّ مِنْ الرُّسْغِ إلَى الْأَصَابِعِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْكَفِّ دُونَ الْيَدِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ ظَهْرَهُ عَوْرَةٌ؛ لِأَنَّ الْكَفَّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ الْبَطْنُ لَا الظَّهْرُ.
وَفِي الْبَحْرِ أَنَّ ظَاهِرَ الْكَفِّ وَبَاطِنَهُ لَيْسَا بِعَوْرَةٍ.
وَفِي الْمُنْتَقَى تُمْنَعُ الشَّابَّةُ عَنْ كَشْفِ وَجْهِهَا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الْفِتْنَةِ وَفِي زَمَانِنَا الْمَنْعُ وَاجِبٌ بَلْ فَرْضٌ لِغَلَبَةِ الْفَسَادِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - جَمِيعُ بَدَنِ الْحُرَّةِ عَوْرَةٌ إلَّا إحْدَى عَيْنَيْهَا فَحَسْبُ لِانْدِفَاعِ الضَّرُورَةِ (وَقَدَمَيْهَا فِي رِوَايَةٍ) أَيْ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ وَهِيَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مُبْتَلَاةٌ بِإِبْدَاءِ قَدَمَيْهَا فِي مَشْيِهَا إذْ رُبَّمَا لَا تَجِدُ الْخُفَّ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا عَوْرَةٌ.
وَفِي الِاخْتِيَارِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ فِي الصَّلَاةِ وَعَوْرَةٍ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَلَوْ انْكَشَفَ ذِرَاعُهَا جَازَتْ صَلَاتُهَا؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى كَشْفِهِ فِي الْخِدْمَةِ وَسِتْرِهِ أَفْضَلُ.
(وَكَشْفُ رُبْعِ عُضْوٍ هُوَ عَوْرَةٌ) مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ غَلِيظَةٌ أَوْ خَفِيفَةٌ، وَالْعَوْرَةُ الْغَلِيظَةُ قُبُلٌ وَدُبُرٌ وَمَا حَوْلَهُمَا وَالْخَفِيفَةُ مَا عَدَا ذَلِكَ (يَمْنَعُ) صِحَّةَ الصَّلَاةِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ لِلرُّبْعِ حُكْمَ الْكُلِّ
وَاعْلَمْ أَنَّ انْكِشَافَ مَا دُونَ الرُّبْعِ عَفْوٌ إذَا كَانَ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا كَانَ عُضْوَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَجُمِعَ وَبَلَغَ رُبْعَ أَدْنَى عُضْوٍ مِنْهَا يَمْنَعُ كَمَا لَوْ انْكَشَفَ شَيْءٌ عَنْ شَعْرِهَا وَبَعْضٌ عَنْ فَخِذِهَا وَبَعْضٌ عَنْ أُذُنِهَا لَوْ جُمِعَ وَبَلَغَ رُبْعَ الْأُذُنِ يَكُونُ مَانِعًا كَمَا فِي شَرْحِ الزِّيَادَاتِ (كَالْبَطْنِ وَالْفَخِذِ) فَإِنَّهُ عُضْوٌ تَامٌّ بِنَفْسِهِ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، أَوْ مَعَ الرُّكْبَةِ عِنْدَ الْبَعْضِ.
(وَالسَّاقِ) مِنْ أَسْفَلِ الرُّكْبَةِ إلَى أَعْلَى الْكَعْبِ (وَشَعْرِهَا النَّازِلِ) مِنْ الرَّأْسِ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالنَّازِلِ احْتِرَازًا عَمَّا قِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ الشَّعْرِ مَا عَلَى الرَّأْسِ فَإِنَّهُ عَوْرَةٌ كَرَأْسِهَا، وَأَمَّا النَّازِلُ فَلَيْسَ فِي حُكْمِ الرَّأْسِ فَلَا يَكُونُ عَوْرَةً.
(وَذَكَرِهِ بِمُفْرَدِهِ وَالْأُنْثَيَيْنِ وَحْدَهُمَا) وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الدِّيَةِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِمُفْرَدِهِ وَالْأُنْثَيَيْنِ بِوَحْدِهِمَا احْتِرَازًا عَمَّا قِيلَ: إنَّهُ عُضْوٌ وَاحِدٌ مَعَ الْخُصْيَتَيْنِ (وَحَلَقَةِ الدُّبُرِ بِمُفْرَدِهَا) احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا قِيلَ الدُّبُرُ عُضْوٌ مَعَ الْأَلْيَتَيْنِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنَّمَا يَمْنَعُ) صِحَّةَ الصَّلَاةِ (انْكِشَافُ الْأَكْثَرِ) أَيْ أَكْثَرِ الْعُضْوِ
(وَفِي النِّصْفِ
стр. 81
عَنْهُ رِوَايَتَانِ) فِي رِوَايَةٍ يَمْنَعُ وَفِي أُخْرَى: لَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ كَشْفُ شَيْءٍ مِنْهَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا وَاعْلَمْ أَنَّ الِانْكِشَافَ الْكَثِيرَ فِي الزَّمَنِ الْقَلِيلِ لَا يَمْنَعُ حَتَّى لَوْ انْكَشَفَ كُلُّهَا وَغَطَّاهَا فِي الْحَالِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَالْقَلِيلُ مُقَدَّرٌ بِمَا لَا يُؤَدَّى فِيهِ الرُّكْنُ.
(وَعَادِمُ مَا يُزِيلُ) بِهِ (النَّجَاسَةَ) الْحَقِيقِيَّةَ عَنْ ثَوْبِهِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ يَجِدَ الْمُزِيلَ لَكِنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالٍ لِمَانِعٍ كَالْعَطَشِ وَالْعَدُوِّ (يُصَلِّي مَعَهَا) أَيْ مَعَ النَّجَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ.
(وَلَا يُعِيدُ) الصَّلَاةَ إذَا وَجَدَ الْمُزِيلَ وَإِنْ بَقِيَ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا فِي وُسْعِهِ هَذَا فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ؛ لِأَنَّ لِلْمُقِيمِ اشْتِرَاطَ مَا يَسْتُرُ بِهِ الْعَوْرَةَ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْهُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
(وَلَوْ وَجَدَ ثَوْبًا رُبْعُهُ طَاهِرٌ وَصَلَّى عَارِيًّا لَا يُجْزِيهِ) ؛ لِأَنَّ رُبْعَ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَ كُلِّهِ فَيُجْعَلُ كَأَنَّ كُلَّهُ طَاهِرٌ فِي مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ فَتُفْرَضُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فِيهِ (وَفِي أَقَلَّ مِنْ رُبْعِهِ يُخَيَّرُ) بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ عُرْيَانًا وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ وَحُكْمُ مَا كُلُّهُ نَجِسٌ كَحُكْمِ مَا أَقَلُّ مِنْ رُبْعِهِ طَاهِرٌ كَمَا فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَفِي مَا كُلُّهُ نَجِسٌ يُخَيَّرُ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ بِهِ حُكْمَ الْأَقَلِّ بِخِلَافِ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فَإِنَّهُ غَيْرُ وَافٍ كَمَا لَا يَخْفَى.
(وَالْأَفْضَلُ الصَّلَاةُ بِهِ) أَيْ بِالثَّوْبِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ السِّتْرِ عَامٌّ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ، وَفَرْضُ الطَّهَارَةِ مُخْتَصٌّ بِهَا (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَلْزَمُ) الصَّلَاةُ فِيهِ؛ لِأَنَّ فِيهَا تَرْكَ فَرْضٍ وَاحِدٍ، وَفِي الصَّلَاةِ عُرْيَانًا تَرْكُ فُرُوضٍ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
(وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ فَصَلَّى قَائِمًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ جَازَ) .
وَفِي الْهِدَايَةِ: وَمَنْ لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا صَلَّى عُرْيَانًا قَاعِدًا يُومِي بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ هَكَذَا فَعَلَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ فَإِنْ صَلَّى قَائِمًا أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ فِي الْقُعُودِ سِتْرُ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ، وَفِي الْقِيَامِ أَدَاءُ هَذِهِ الْأَرْكَانِ فَيَمِيلُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ.
وَفِي مُلْتَقَى الْبِحَارِ إنْ شَاءَ صَلَّى عُرْيَانًا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْ مُومِيًا بِهَا إمَّا قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا، قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَهَذَا نَصٌّ عَلَى جَوَازِ الْإِيمَاءِ قَائِمًا انْتَهَى
أَقُولُ: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْإِيمَاءَ لَوْ كَانَ جَائِزًا حَالَةَ الْقِيَامِ لَمَا اسْتَقَامَ هَذَا الْكَلَامُ تَدَبَّرْ (وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا بِإِيمَاءٍ) ؛ لِأَنَّ السِّتْرَ وَجَبَ لِحَقِّ الصَّلَاةِ وَحَقِّ النَّاسِ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ لَمْ يَجِبَا إلَّا لِحَقِّ الصَّلَاةِ، وَكَيْفِيَّةُ الْقُعُودِ أَنْ يَقْعُدَ مَادًّا رِجْلَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ لِيَكُونَ أَسْتَرَ هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ قَدْرَ مَا يَسْتُرُ بِهِ الْعَوْرَةَ مِنْ الْحَشِيشِ وَالنَّبَاتِ فَإِنْ وَجَدَ وَجَبَ السِّتْرُ.
وَعَنْ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ إذَا وَجَدَ طِينًا يُلَطِّخُ عَوْرَتَهُ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ وَالْعُرَاةُ يُصَلُّونَ وُحْدَانًا مُتَبَاعِدِينَ يُومُونَ إيمَاءً وَإِنْ صَلَّوْا بِجَمَاعَةٍ يَتَوَسَّطُهُمْ الْإِمَامُ وَالْأَفْضَلُ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ فُرَادَى، وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: وَالْعَارِي يُصَلِّي قَائِمًا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ ظُلْمَتَهَا تَسْتُرُ عَوْرَتَهُ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ وَهَذَا لَيْسَ بِمَرْضِيٍّ؛ لِأَنَّ
стр. 82
السِّتْرَ الَّذِي يَحْصُلُ فِي ظُلْمَةٍ لَا عِبْرَةَ بِهِ انْتَهَى
أَقُولُ هَذَا مُسَلَّمٌ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ أَمَّا فِي حَالَةِ الِاضْطِرَارِ فَيُكْتَفَى بِهَا.
(وَقِبْلَةُ مَنْ بِمَكَّةَ عَيْنُ الْكَعْبَةِ) لِلْقُدْرَةِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَإِطْلَاقُهُ شَامِلٌ مَا كَانَ بِمُعَايَنَتِهَا مِنْ الْمُجَاوِرِينَ وَمَا لَمْ يَكُنْ حَتَّى لَوْ صَلَّى مَكِّيٌّ فِي بَيْتِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَتْ الْجُدْرَانُ يَقَعُ اسْتِقْبَالُهُ عَلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ كَمَا فِي الْكَافِي.
وَفِي الدِّرَايَةِ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ حَائِلٌ الْأَصَحُّ أَنَّهُ كَالْغَائِبِ وَلَوْ كَانَ الْحَائِلُ أَصْلِيًّا كَالْجَبَلِ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ وَالْأَوْلَى أَنْ يَصْعَدَهُ لِيُصَلِّيَ عَلَى التَّعْيِينِ.
وَفِي الْفَتْحِ: أَنَّ فِي جَوَازِ التَّحَرِّي مَعَ إمْكَانِ صُعُودِهِ إشْكَالًا؛ لِأَنَّ الْمَصِيرَ إلَى الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ، وَتَرْكُ الْقَاطِعِ مَعَ إمْكَانِهِ لَا يَجُوزُ (وَ) قِبْلَةُ (مَنْ بَعْدَ جِهَتِهَا) هِيَ الْجَانِبُ الَّذِي إذَا تَوَجَّهَ إلَيْهِ الْإِنْسَانُ يَكُونُ مُسَامِتًا لِلْكَعْبَةِ أَوْ لِهَوَائِهَا تَحْقِيقًا أَوْ تَقْرِيبًا، وَمَعْنَى التَّحْقِيقِ: أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ خَطٌّ مِنْ جَبِينِهِ عَلَى زَاوِيَةٍ قَائِمَةٍ إلَى الْأُفُقِ يَكُونُ مَارًّا عَلَى الْكَعْبَةِ أَوْ لِهَوَائِهَا وَمَعْنَى التَّقْرِيبِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُنْحَرِفًا عَنْهَا أَوْ هَوَائِهَا انْحِرَافًا لَا تَزُولُ بِهِ الْمُقَابَلَةُ بِالْكُلِّيَّةِ ثُمَّ إنَّ مَكَّةَ لَمَّا بَعُدَتْ عَنْ دِيَارِنَا بُعْدًا مُفْرِطًا يَتَحَقَّقُ الْمُقَابَلَةُ إلَيْهَا فِي مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ فَإِنَّا لَوْ فَرَضْنَا خَطًّا مِنْ جَبِينِ مَنْ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ عَلَى التَّحْقِيقِ فِي دِيَارِنَا ثُمَّ فَرَضْنَا خَطًّا آخَرَ يَقْطَعُ ذَلِكَ الْخَطَّ عَلَى زَاوِيَتَيْنِ قَائِمَتَيْنِ عَنْ يَمِينِ الْمُسْتَقْبِلِ وَشِمَالِهِ لَا تَزُولُ تِلْكَ الْمُقَابَلَةُ وَالتَّوَجُّهُ بِالِانْتِقَالِ إلَى الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ عَلَى الْخَطِّ الثَّانِي بِفَرَاسِخَ كَثِيرَةٍ فَلِذَلِكَ وَضَعَ الْعُلَمَاءُ الْقِبْلَةَ فِي الْبِلَادِ الْمُتَقَارِبَةِ عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ.
وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ: يَجِبُ عَلَى الْآفَاقِيِّ اسْتِقْبَالُ عَيْنِهَا أَيْضًا وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ فَعِنْدَهُ تُشْتَرَطُ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ لَا تُشْتَرَطُ، وَبَعْضُ الْمَشَايِخِ يَقُولُ: إنْ كَانَ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ لَا تُشْتَرَطُ وَإِنْ كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ تُشْتَرَطُ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا لَا تُشْتَرَطُ.
وَفِي النَّظْمِ أَنَّ الْكَعْبَةَ قِبْلَةٌ لِمَنْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَهُوَ قِبْلَةٌ لِمَنْ فِي مَكَّةَ وَمَكَّةُ قِبْلَةٌ لِمَنْ فِي الْحَرَمِ وَالْحَرَمُ قِبْلَةُ الْعَالَمِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: قِبْلَةُ الْبَشَرِ الْكَعْبَةُ وَقِبْلَةُ أَهْلِ السَّمَاءِ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ وَقِبْلَةُ الْكَرُوبِيِّينَ الْكُرْسِيُّ وَقِبْلَةُ حَمَلَةِ الْعَرْشِ الْعَرْشُ وَمَطْلُوبُ الْكُلِّ وَجْهُ اللَّهِ - تَعَالَى .
(فَإِنْ جَهِلَهَا) أَيْ جِهَةَ الْقِبْلَةِ (وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْهَا) مِنْ أَهْلِ الْمَكَانِ وَهُوَ يَعْلَمُ جِهَةَ الْقِبْلَةِ وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَعْلَمُ فَهُوَ وَالْمُتَحَرِّي سَوَاءٌ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ مَنْ يَعْلَمُهَا لَكَانَ أَوْلَى تَدَبَّرْ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا مِنْ أَهْلِ الْمَكَانِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسَافِرًا لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدًا آخَرَ (تَحَرَّى وَصَلَّى) وَالتَّحَرِّي طَلَبُ أَحْرَى الْأَمْرَيْنِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ إذَا لَمْ يَسْأَلْهُ وَتَحَرَّى وَصَلَّى فَإِنْ أَصَابَ الْقِبْلَةَ جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ سَأَلَهُ وَلَمْ يُخْبِرْهُ وَتَحَرَّى وَصَلَّى ثُمَّ أَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يُصِبْ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَوْ اكْتَفَى الْآخَرُ بِتَحَرِّي الْأَوَّلِ لَا يَجُوزُ وَلَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ إذَا تَحَرَّيَا مُخْتَلِفًا.
وَفِي التُّحْفَةِ: لَوْ كَانَ يَعْرِفُ الِاسْتِدْلَالَ بِالنُّجُومِ عَلَى الْقِبْلَةِ لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي؛ لِأَنَّهُ فَوْقَهُ وَلَوْ كَانَ فِي مَفَازَةٍ وَأَخْبَرَهُ رَجُلَانِ إلَى جَانِبٍ آخَرَ أَخَذَ بِقَوْلِهِمَا إنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ
стр. 83
ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَإِلَّا لَا وَكَذَا إنْ أَخْبَرَهُ مُسْلِمٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ؛ لِأَنَّ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ مِنْ الدِّيَانَاتِ فَيُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ رَجُلٌ صَلَّى بِالتَّحَرِّي إلَى جِهَةٍ فِي الْمَفَازَةِ وَالسَّمَاءُ مُضْحِيَةٌ لَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ النُّجُومَ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ هَلْ يَجُوزُ قَالَ ظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ: يَجُوزُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي الْجَهْلِ بِالْأَدِلَّةِ الظَّاهِرَةِ الْمُعْتَادَةِ نَحْوَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَمَّا دَقَائِقُ عِلْمِ الْهَيْئَةِ وَصُوَرِ النُّجُومِ الثَّوَابِتِ فَهُوَ مَعْذُورٌ فِي الْجَهْلِ بِهَا وَذَكَرَ فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ إذَا اشْتَبَهَ عَلَى الْمُصَلِّي اسْتِوَاءُ الْقِبْلَةِ فَالتَّيَامُنُ أَوْلَى مِنْ التَّيَاسُرِ تَدَبَّرْ (فَإِنْ عَلِمَ بِخَطَئِهِ بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ الصَّلَاةِ (لَا يُعِيدُ) ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَاجِبِ فِي حَقِّهِ وَهُوَ الصَّلَاةُ إلَى جِهَةِ تَحَرِّيهِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ إذَا كَانَ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ.
(وَإِنْ عَلِمَ بِهِ) أَيْ بِخَطَئِهِ (فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ (اسْتَدَارَ وَبَنَى) ؛ لِأَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ لَمَّا سَمِعُوا بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ اسْتَدَارُوا كَهَيْئَتِهِمْ، وَاسْتَحْسَنَهُ النَّبِيُّ ﵊ قَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ: بَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ وَبَيْنَ قِصَّةِ أَهْلِ قُبَاءَ فَرْقٌ جَلِيٌّ فَأَنَّى يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَيْهِ لَكِنْ أَقُولُ: هَذَا الِاسْتِدْلَال ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ، وَعَدَمُ فَهْمِ هَذَا الْقَائِلِ جَلِيٌّ يَظْهَرُ لِلْمُتَأَمِّلِ بِأَدْنَى التَّأَمُّلِ.
(وَكَذَا) الْحُكْمُ (إنْ تَحَوَّلَ رَأْيُهُ) إلَى جِهَةٍ أُخْرَى فِيهَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالِاجْتِهَادِ وَاجِبٌ إذَا لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ أَقْوَى، وَلِأَنَّ دَلِيلَ الِاجْتِهَادِ بِمَنْزِلَةِ دَلِيلِ النَّسْخِ، وَأَثَرُ النَّسْخِ يَظْهَرُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا فِي الْمَاضِي فَكَذَا الِاجْتِهَادُ.
(وَإِنْ شَرَعَ بِلَا تَحَرٍّ لَا تَجُوزُ) صَلَاتُهُ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (أَصَابَ) الْقِبْلَةَ حَتَّى رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ مَنْ صَلَّى بِدُونِ الِاجْتِهَادِ يُكَفَّرُ لِاسْتِخْفَافِهِ بِالدِّينِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إنْ أَصَابَ) الْقِبْلَةَ (جَازَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَ لَمْ يَسْتَأْنِفْ إلَى غَيْرِهِ هَذِهِ الْجِهَةَ فَلَا يُفِيدُ لَهُمَا أَنَّ بِنَاءَ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ فَاسِدٌ، وَحَالُهُ بَعْدُ أَقْوَى مِنْ حَالِهِ قَبْلَهُ، وَهَذَا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا إذَا تَبَيَّنَ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَجَائِزَةٌ بِالِاتِّفَاقِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ.
(وَإِنْ تَحَرَّى قَوْمٌ جِهَاتٍ) فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهَا (وَجَهِلُوا حَالَ إمَامِهِمْ جَازَتْ صَلَاةُ مَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ) إلَى أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ لِوُجُودِ التَّوَجُّهِ إلَى جِهَةِ التَّحَرِّي، وَهَذِهِ الْمُخَالَفَةُ غَيْرُ مَانِعَةٍ كَمَا فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ (بِخِلَافِ مَنْ تَقَدَّمَهُ) فَإِنَّهُ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِتَرْكِهِ فَرْضَ الْمَقَامِ (أَوْ عَلِمَ وَخَالَفَهُ) فَإِنَّهُ تَفْسُدُ أَيْضًا لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ إمَامَهُ عَلَى الْخَطَأِ هَذَا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْأَدَاءِ فَلَا يَضُرُّ.
(وَقِبْلَةُ الْخَائِفِ) مِنْ عَدُوٍّ أَوْ غَيْرِهِ (جِهَةُ قُدْرَتِهِ) لِتَحَقُّقِ عَجْزِهِ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ وَلَوْ قَالَ وَقِبْلَةُ نَحْوِ الْخَائِفِ لَكَانَ أَشْمَلَ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ الَّذِي لَا يَجِدُ مَنْ يُحَوِّلُهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَالْأَسِيرَ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِقْبَالِهِ جَازَ اسْتِقْبَالُهُ إلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرَ وَهُوَ عَاجِزٌ لَا خَائِفٌ تَدَبَّرْ.
(وَيَصِلُ قَصْدَ قَلْبِهِ) وَهُوَ النِّيَّةُ (الصَّلَاةَ بِتَحْرِيمَتِهَا) أَيْ وَيَقْصِدُ الْمُصَلَّى بِقَلْبِهِ صَلَاتَهُ مُتَّصِلًا
стр. 84
ذَلِكَ الْقَصْدُ بِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ فَلَا تَجُوزُ بِنِيَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عَنْهَا؛ لِأَنَّ أَوَّلَ جُزْءٍ مِنْ الْقِيَامِ لَا يَخْلُو عَنْ النِّيَّةِ.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ تَصِحُّ النِّيَّةُ مَا دَامَ الثَّنَاءُ وَقِيلَ تَصِحُّ إذَا تَقَدَّمَتْ عَلَى الرُّكُوعِ وَقِيلَ إلَى الرُّكُوعِ وَقِيلَ إلَى الْقُعُودِ، وَلَا يَصِحُّ تَقْدِيمُ نِيَّةِ اقْتِدَائِهِ عَلَى تَحْرِيمَةِ الْإِمَامِ وَيُفْرَضُ أَنْ تَكُونَ بُعَيْدَهَا، وَقِيلَ: يَنْوِي بَعْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ اللَّهُ قَبْلَ قَوْلِهِ: أَكْبَرُ.
وَقَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ يَنْوِي حِينَ وَقَفَ الْإِمَامِ مَوْقِفَ الْإِمَامَةِ، وَهَذَا أَجْوَدُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ وَجَازَ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى التَّكْبِيرِ، وَلَوْ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ مَا لَمْ يُوجَدْ قَاطِعُ النِّيَّةِ مِنْ عَمَلٍ غَيْرِ لَائِقٍ بِصَلَاةٍ كَأَكْلٍ وَشُرْبٍ وَكَلَامٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ تُبْطِلُ الصَّلَاةَ فَتُبْطِلُ النِّيَّةَ بِخِلَافِ الْمَشْيِ وَالْوُضُوءِ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُهَا.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا إلَّا فِي الصَّوْمِ.
وَفِي الْبَحْرِ أَنَّ الْأَحْوَطَ أَنْ يَنْوِيَ مُقَارِنًا لِلتَّكْبِيرِ وَمُخَالِطًا لَهُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ قَالَ الطَّحَاوِيُّ لَكِنْ عِنْدَنَا هَذَا الِاحْتِيَاطُ مُسْتَحَبٌّ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ شَرْطٌ، وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ يَظْهَرُ فَسَادُ اعْتِرَاضِ صَاحِبِ الْفَرَائِدِ عَلَى صَاحِبِ الْإِصْلَاحِ؛ لِأَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْإِصْلَاحِ بِقَوْلِهِ: وَنُدِبَ أَنْ يَصِلَ إلَى آخِرِهِ إنْ قَرَنَتْ النِّيَّةُ لِلتَّكْبِيرِ فَهُوَ مَنْدُوبٌ، وَإِنْ لَمْ تَقْرِنْ بَلْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ فَهُوَ جَائِزٌ لَا مَا فَهِمَ هَذَا الرَّادُّ تَدَبَّرْ.
(وَضَمُّ التَّلَفُّظِ إلَى الْقَصْدِ أَفْضَلُ) لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِحْضَارِ الْقَلْبِ لِاجْتِمَاعِ الْعَزِيمَةِ بِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: النِّيَّةُ بِالْقَلْبِ فَرْضٌ، وَذِكْرُهَا بِاللِّسَانِ سُنَّةٌ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَفْضَلُ.
وَفِي الْقُنْيَةِ أَنَّهَا بِدْعَةٌ إلَّا إذَا كَانَ لَا يُمْكِنُهُ إقَامَتُهَا فِي الْقَلْبِ إلَّا بِإِجْرَائِهَا عَلَى اللِّسَانِ فَحِينَئِذٍ تُبَاحُ، وَكَيْفِيَّةُ التَّلَفُّظِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ أَدَاءَ صَلَاةِ ظُهْرِ الْيَوْمِ أَوْ فَرْضِ الْوَقْتِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَيَسِّرْهَا لِي وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي، وَعَلَى هَذَا سَائِرُ الْعِبَادَاتِ، وَالْإِمَامُ يَنْوِي مِثْلَ الْمُنْفَرِدِ إلَّا أَنَّهُ يَنْوِي لِلنِّسَاءِ الَّتِي خَلْفَهُ فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ لَهُنَّ إلَّا بِالنِّيَّةِ.
(وَيَكْفِي مُطْلَقُ النِّيَّةِ) بِأَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الصَّلَاةَ (لِلنَّفْلِ) بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ اسْمِ الصَّلَاةِ مُنْصَرِفٌ إلَى النَّفْلِ؛ لِأَنَّهُ الْأَدْنَى فَهُوَ مُتَيَقَّنٌ (وَالسُّنَّةِ) الْمُؤَكَّدَةِ.
(وَالتَّرَاوِيحِ فِي الصَّحِيحِ) كَذَا فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّهَا نَوَافِلُ فِي الْأَصْلِ فَيَكْفِي مُطْلَقُ النِّيَّةِ لَكِنْ صَحَّحَ قَاضِي خَانْ عَدَمَ جَوَازِ أَدَاءِ السُّنَنِ بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ وَبِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ فَقَالَ: لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَخْصُوصَةٌ فَتَجِبُ مُرَاعَاةُ الصِّفَةِ لِلْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَنْوِيَ السُّنَّةَ أَوْ مُتَابَعَةَ النَّبِيِّ ﵊ كَمَا فِي الْمَكْتُوبَةِ؛ وَلِهَذَا الْأَحْوَطُ التَّصْرِيحُ.
(وَلِلْفَرْضِ شُرِطَ تَعْيِينُهُ كَالْعَصْرِ مَثَلًا) لِاخْتِلَافِ الْفُرُوضِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّمْيِيزِ، وَلَوْ نَوَى، وَلَمْ يَقُلْ: ظُهْرَ الْوَقْتِ لَا يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ عَلَيْهِ ظُهْرٌ آخَرُ فَلَا يَتَعَيَّنُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ النِّيَّةِ يَنْصَرِفُ إلَى ظُهْرِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلِيٌّ، وَالْفَائِتُ عَارِضٌ وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَصْلِيِّ دُونَ الْعَارِضِيِّ وَلَوْ نَوَى فَرْضَ الْوَقْتِ يَجُوزُ إلَّا فِي الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهَا فَرْضَ الْوَقْتِ
стр. 85
وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: ظُهْرَ الْيَوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: ظُهْرَ الْوَقْتِ وَكَانَ خَارِجًا وَهُوَ لَا يَعْلَمُهُ لَا يُجْزِيهِ بِخِلَافِ ظُهْرِ الْيَوْمِ.
(وَالْمُقْتَدِي يَنْوِي الْمُتَابَعَةَ أَيْضًا) بِأَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ عَصْرَ هَذَا الْيَوْمِ مُقْتَدِيًا بِهَذَا الْإِمَامِ أَوْ بِمَنْ هُوَ إمَامِي وَلَوْ اقْتَدَى بِالْإِمَامِ، وَلَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ مَنْ هُوَ أَوْ هُوَ زَيْدٌ فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو جَازَ.
وَفِي التَّبْيِينِ وَلَوْ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِزَيْدٍ فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِالْغَائِبِ انْتَهَى لَكِنْ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ تَنَاقُضٌ فِي الظَّاهِرِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فَنَقُولُ: إنَّ فِي الْأُولَى شَخْصُ الْإِمَامِ مَعْلُومٌ غَايَتُهُ أَنَّ الْخَطَأَ فِي تَعْيِينِ اسْمِهِ.
وَفِي الثَّانِيَةِ يَعْرِفُ أَنَّهُ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو فَاقْتَدَى بِزَيْدٍ مَعْلُومٍ فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو مَعْلُومٌ لَمْ يَجُزْ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ الِاقْتِدَاءُ.
(وَلِلْجِنَازَةِ يَنْوِي الصَّلَاةَ لِلَّهِ تَعَالَى وَالدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ) بِأَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ لَك وَأَدْعُوَ لِهَذَا الْمَيِّتِ فَيَسِّرْهَا لِي وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي، وَلَوْ لَمْ يَعْرِفْ الْجِنَازَةَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى يَقُولُ: أُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ عَلَى الْمَيِّتِ الَّذِي يُصَلَّى عَلَيْهِ.
(وَلَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ) فَإِنَّ نِيَّةَ عَدَدِ رَكَعَاتِهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ قَصْدَ التَّعْيِينِ يُغْنِي عَنْهُ وَلَوْ نَوَى الْفَجْرَ أَرْبَعًا جَازَ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَلَوْ فَارِسِيًّا؛ لِأَنَّهُ الْأَغْلَبُ فِي الْإِنْشَاءَاتِ وَتَصِحُّ بِلَفْظِ الْحَالِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ]
أَيْ مَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ وَهَذَا شُرُوعٌ فِي الْمَقْصُودِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ مُقَدَّمَاتِهِ قِيلَ الصِّفَةُ وَالْوَصْفُ وَاحِدٌ فِي اللُّغَةِ وَفِي عُرْفِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ الْوَصْفَ ذِكْرُ مَا يُوصَفُ بِهِ، وَالصِّفَةُ هِيَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِذَاتِ الْمَوْصُوفِ فَقَوْلُ الْقَائِلِ: زَيْدٌ عَالِمٌ وَصْفٌ لِزَيْدٍ لَا صِفَةٌ لَهُ، وَالْعِلْمُ الْقَائِمُ بِهِ صِفَتُهُ لَا وَصْفُهُ ثُمَّ الْمُرَادُ هُنَا بِصِفَةِ الصَّلَاةِ الْأَوْصَافُ النَّفْسِيَّةُ لَهَا وَهِيَ الْأَجْزَاءُ الْعَقْلِيَّةُ الصَّادِقَةُ عَلَى الْخَارِجِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَجْزَاءُ الْهُوِيَّةِ مِنْ الْقِيَامِ الْجُزْئِيِّ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ ظَهَرَ عَدَمُ قِيَامِ الْعَرْضِ بِالْعَرْضِ وَإِضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ كَمَا تَوَهَّمَ
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِثُبُوتِ الشَّيْءِ سِتَّةُ أَشْيَاءَ الْعَيْنُ، وَهِيَ مَاهِيَّةُ الشَّيْءِ، وَالْعَيْنُ هُنَا الصَّلَاةُ، وَالرُّكْنُ، وَهُوَ جُزْءُ الْمَاهِيَّةِ كَالْقِيَامِ، وَالْحُكْمُ وَهُوَ الْأَمْرُ الثَّابِتِ بِالشَّيْءِ كَجَوَازِهِ وَفَسَادِهِ وَثَوَابِهِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَهُوَ الْآدَمِيُّ الْمُكَلَّفُ، وَشَرْطُهُ كَالطَّهَارَةِ، وَالسَّبَبُ كَالْوَقْتِ (فَرْضُهَا) يَعْنِي مَا لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ (التَّحْرِيمَةُ) وَهُوَ جَعْلُ الْأَشْيَاءِ الْمُبَاحَةِ قَبْلَهَا حَرَامًا بِهَا، وَالتَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ.
(وَهِيَ شَرْطٌ) عِنْدَهُمَا، وَفَرْضٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَفَائِدَتُهُ فِيمَا إذَا فَسَدَتْ الْفَرِيضَةُ تَنْقَلِبُ نَفْلًا عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ لَا.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا رُكْنٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ فَرْضُ الصَّلَاةِ لِيَشْمَلَ الرُّكْنَ
стр. 86
وَالشَّرْطَ، فَإِنَّ الْفَرْضَ أَعَمُّ مِنْهُمَا (وَالْقِيَامُ) أَيْ قِيَامٌ وَاحِدٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ (وَالْقِرَاءَةُ) لِلْقَادِرِ عَلَيْهَا قَدْرَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَاخْتُلِفَ فِي رُكْنِيَّتِهَا فَذَهَبَ صَاحِبُ الْحَاوِي إلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ، وَالْجُمْهُورُ أَنَّهَا رُكْنٌ زَائِدٌ، وَهُوَ مَا يَسْقُطُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَالْمُقْتَدِي لَا أَصْلِيٌّ، وَهُوَ مَا لَا يَسْقُطُ إلَّا لِضَرُورَةٍ.
وَفِي التَّلْوِيحِ أَنَّ مَعْنَى الرُّكْنِ الزَّائِدِ هُوَ الْجُزْءُ الَّذِي إذَا انْتَفَى كَانَ الْحُكْمُ الْمُرَكَّبُ بَاقِيًا بِحَسَبِ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ، وَهَذَا قَدْ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْكَيْفِيَّةِ كَالْإِقْرَارِ فِي الْإِيمَانِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْكَمِّيَّةِ كَالْأَقَلِّ فِي الْمُرَكَّبِ مِنْ الْأَكْثَرِ حَيْثُ يُقَالُ: لِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ مُخَالَفَةُ ابْنِ الْمَلِكِ الْجُمْهُورَ بِجَعْلِ الْقِرَاءَةِ رُكْنًا أَصْلِيًّا (وَالرُّكُوعُ) وَهُوَ الِانْحِنَاءُ وَالْمَيْلُ (وَالسُّجُودُ) وَهُوَ وَضْعُ الْجَبْهَةِ أَوْ الْأَنْفِ عَلَى الْأَرْضِ بِطَرِيقِ الْخُضُوعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] وَالْمُرَادُ بِالسُّجُودِ السَّجْدَتَانِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ يَدُلُّ عَلَى الْعَدَدِ عَنْ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ إلَّا أَنَّهُ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا كَذَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ مَشَايِخِنَا: هُوَ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ لَمْ يُعْقَلْ لَهُ مَعْنًى.
(وَالْقُعُودُ الْأَخِيرُ قَدْرَ) مَا يُقْرَأُ فِيهِ (التَّشَهُّدُ) «لِقَوْلِهِ ﵊ لِعَبْدِ اللَّهِ إذَا رَفَعْت رَأْسَك مِنْ السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ وَقَعَدْت قَدْرَ التَّشَهُّدِ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُك» عَلَّقَ تَمَامَ الصَّلَاةِ بِهَا قَرَأَ التَّشَهُّدَ أَوْ لَا وَقِيلَ: مِقْدَارَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَقِيلَ: أَدْنَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ كَالرُّكُوعِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ
(وَهِيَ) أَيْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ مَا عَدَا التَّحْرِيمَةَ (أَرْكَانٌ) رُكْنُ الشَّيْءِ مَا يَقُومُ بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ وَفِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ أَنَّ الْقَعْدَةَ الْأَخِيرَةَ فَرْضٌ لَا رُكْنٌ لِعَدَمِ تَوَقُّفِ الْمَاهِيَّةِ عَلَيْهَا شَرْعًا؛ لِأَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي يَحْنَثُ بِالرَّفْعِ مِنْ السُّجُودِ بِدُونِ تَوَقُّفٍ عَلَى الْقَعْدَةِ انْتَهَى
لَكِنْ أَقُولُ: يُمْكِنُ تَوْجِيهُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِأَنْ يُرَادَ مِنْ الرُّكْنِ الرُّكْنُ الزَّائِدُ لَا الْأَصْلِيُّ كَمَا تَقَرَّرَ آنِفًا وَبِهَذَا تَبَيَّنَ قُصُورُ مَا قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الْأَرْكَانَ أَصْلِيَّةٌ.
(وَالْخُرُوجُ) مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ التَّحْرِيمَةِ (بِصُنْعِهِ) أَيْ بِفِعْلِهِ الِاخْتِيَارِيِّ الْمُنَافِي لِصَلَاتِهِ (فَرْضٌ) عِنْدَ الْإِمَامِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَرْدَعِيُّ أَخَذَهُ مِنْ اثْنَيْ عَشْرِيَّةَ الْآتِيَةِ (خِلَافًا لَهُمَا) ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا يَجُوزُ وَصْفُهُ بِالْفَرْضِيَّةِ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ إنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ
стр. 87
عِنْدَهُمْ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
[وَاجِبَات الصَّلَاة]
(وَوَاجِبُهَا) أَيْ وَاجِبُ الصَّلَاةِ الَّذِي لَا يَلْزَمُ فَسَادُهَا بِتَرْكِهِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْإِثْمَ إنْ كَانَ عَمْدًا وَسَجْدَتَيْ السَّهْوِ إنْ كَانَ خَطَأً (قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ) فَلَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا عِنْدَنَا.
وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهَا فَرْضٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وَالزِّيَادَةُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا تَجُوزُ وَلَكِنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ فَعَمِلْنَا بِوُجُوبِهَا وَمَا رَوَوْهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْيِ الْفَضِيلَةِ.
وَفِي الْمُجْتَبَى: إذَا تَرَكَ الْفَاتِحَةَ يُؤْمَرُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خِلَافُ الْمَذْهَبِ فَلِذَلِكَ قَالَ يُؤْمَرُ وَلَمْ يَقُلْ يُبْطِلُ.
(وَضَمُّ) مِقْدَارُ (سُورَةٍ) مِنْ آيَةٍ طَوِيلَةٍ أَوْ ثَلَاثِ آيَاتٍ قِصَارٍ إلَى الْفَاتِحَةِ فَلَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا بَلْ يَجِبُ سُجُودُ السَّهْوِ إنْ تَرَكَهَا سَاهِيًا كَمَا تَقَرَّرَ آنِفًا، وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْوَاجِبَ تَقْدِيمُ الْفَاتِحَةِ عَلَى السُّورَةِ.
وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ الضَّمُّ سُنَّةٌ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ مُسْتَحَبٌّ.
وَعَنْ مَالِكٍ فَرْضٌ كَمَا فِي عُيُونِ الْمَذَاهِبِ فَلَا وَجْهَ لِاعْتِرَاضِ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فَمِنْ أَيْنَ عَلِمَ هَذَا.
(وَتَعْيِينُ الْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ) فِي الرُّبَاعِيَّةِ وَالثُّلَاثِيَّةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي كُلِّ الرَّكَعَاتِ وَعِنْدَ مَالِكٍ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنْ الرُّبَاعِيِّ وَالِاثْنَيْنِ مِنْ الثَّلَاثِي إقَامَةً لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ.
وَقَالَ زُفَرُ: فَرْضٌ فِي الْوَاحِدَةِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ.
(وَرِعَايَةُ التَّرْتِيبِ فِي فِعْلٍ مُكَرَّرٍ) قَالَ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ لَا بُدَّ مِنْ قَيْدِ التَّكْرَارِ احْتِرَازًا عَنْ التَّرْتِيبِ بَيْنَ مَا لَا يَتَكَرَّرُ فَإِنَّهُ فَرْضٌ كَالتَّرْتِيبِ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَبَيْنَ السُّجُودِ وَالْقَعْدَةِ قَالَ فِي الْكَافِي: إنَّ التَّرْتِيبَ فَرْضٌ فِيمَا اتَّحَدَتْ شَرْعِيَّتُهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ، وَلَيْسَ بِفَرْضٍ فِيمَا تَعَدَّدَتْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ كَالسَّجْدَةِ فَلَوْ رَكَعَ قَبْلَ الْقِيَامِ أَوْ سَجَدَ قَبْلَ الرُّكُوعِ لَمْ يَجُزْ وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ التَّكَرُّرِ التَّكَرُّرُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لَا فِي الصَّلَاةِ انْتَهَى قَالَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ وَصَاحِبُ الْكَافِي فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ: إنَّ تَقْدِيمَ الْقِرَاءَةِ عَلَى الرُّكُوعِ وَالرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ وَاجِبٌ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ انْتَهَى
أَقُولُ: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلْنَاهُ آنِفًا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوْفِيقِ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ، وَبِهَذَا انْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى صَدْرِ الشَّرِيعَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(وَتَعْدِيلُ الْأَرْكَانِ) أَيْ تَسْكِينُ الْجَوَارِحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهَا وَاجِبٌ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ وَأَدْنَاهُ مِقْدَارُ تَسْبِيحَةٍ، وَهُوَ تَخْرِيجُ الْكَرْخِيِّ.
وَفِي تَخْرِيجِ الْجُرْجَانِيِّ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِتَكْمِيلِ الْأَرْكَانِ وَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ لِذَاتِهِ أَمَّا الِاطْمِئْنَانُ فِي الْقَوْمَةِ وَالْجِلْسَةِ فَسُنَّةٌ عَلَى تَخْرِيجِهِمَا جَمِيعًا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ، وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا فِي الْقُنْيَةِ قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ: إنَّهُ فِي الْكُلِّ وَاجِبٌ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ فَبِالتَّرْكِ سَهْوًا يَسْجُدُ وَعَمْدًا يُكْرَهُ أَشَدَّ الْكَرَاهَةِ، وَتَلْزَمُ الْإِعَادَةُ.
(وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (هُوَ) أَيْ التَّعْدِيلُ (فَرْضٌ) فِي الْكُلِّ
стр. 88
وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي رَمْزِ الْحَقَائِقِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «قَالَ لِرَجُلٍ تَرَكَ التَّعْدِيلَ فِي صَلَاتِهِ: قُمْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ» لَهُمَا قَوْله تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] أَمْرٌ بِالرُّكُوعِ وَهُوَ الِانْحِنَاءُ لُغَةً، وَبِالسُّجُودِ وَهُوَ الِانْخِفَاضُ لُغَةً فَتَتَعَلَّقُ الرُّكْنِيَّةُ بِالْأَدْنَى مِنْهُمَا وَفِي آخَرَ مَا رُوِيَ سَمَّاهُ صَلَاةً فَقَالَ «إذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُك، وَمَا نَقَصْتَ مِنْ هَذَا شَيْئًا فَقَدْ نَقَصْتَ مِنْ صَلَاتِك» وَلَمْ يَذْهَبْ كُلُّهَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(وَالْقُعُودُ الْأَوَّلُ) يَعْنِي إذَا كَانَ لَهَا قُعُودٌ ثَانٍ كَمَا فِي غَيْرِ الثُّنَائِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ هُوَ الصَّحِيحُ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ وَالْكَرْخِيُّ هُوَ سُنَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: إنَّ الْقَعْدَةَ الْأُولَى مِنْ النَّفْلِ فَرْضٌ.
(وَالتَّشَهُّدَانِ) أَيْ التَّشَهُّدُ فِي الْقَعْدَتَيْنِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ كَمَا فِي التُّحْفَةِ وَعَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَصَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ وَإِنْ كَانَ سَكَتَ عَنْهُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ لَيْسَ ذِكْرَ جَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ بَلْ بَيَانُ أَنَّ مَا سِوَى الْمَذْكُورِ لَيْسَ بِمُنْحَصِرٍ فِي السُّنَّةِ وَلِذَا أَتَى بِكَافِ التَّشْبِيهِ الْمُشْعِرَةِ بِعَدَمِ الْحَصْرِ؛ وَبِهَذَا ظَهَرَ فَسَادُ مَا قِيلَ: إنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ جَعَلَهُ سُنَّةً تَدَبَّرْ.
(وَلَفْظُ السَّلَامِ) عِنْدَنَا وَعِنْدَ الثَّلَاثَةِ هُوَ فَرْضٌ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ عَدَمُ تَعْلِيمِهِ ﵊ الْأَعْرَابِيَّ حِينَ عَلَّمَهُ الصَّلَاةَ، وَلَوْ كَانَ فَرْضًا لَعَلَّمَهُ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْوَاجِبَ السَّلَامُ فَقَطْ دُونَ عَلَيْكُمْ وَإِلَى أَنَّ لَفْظًا آخَرَ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَلَوْ كَانَ بِمَعْنَاهُ، وَإِلَى أَنَّ الْمُرَادَ السَّلَامُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ الصَّلَاةِ بِتَسْلِيمَةٍ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَقِيلَ بِتَسْلِيمَتَيْنِ، وَإِلَى أَنَّ الِالْتِفَاتَ يَمِينًا وَيَسَارًا غَيْرُ وَاجِبٍ بَلْ هُوَ سُنَّةٌ.
(وَقُنُوتُ الْوِتْرِ) وَهُوَ الطَّاعَةُ وَالْقِيَامُ وَالدُّعَاءُ وَالْمَشْهُورُ الْأَخِيرُ، وَقَوْلُهُمْ: دُعَاءُ الْقُنُوتِ إضَافَةٌ بَيَانِيَّةٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ وَاجِبٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا.
وَفِي شَرْحِ الْكَنْزِ أَنَّهُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا كَنَفْسِ الصَّلَاةِ وَعِنْدَ الثَّلَاثَةِ سُنَّةٌ إلَّا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَقَطْ.
(وَتَكْبِيرَاتُ) صَلَاةِ (الْعِيدَيْنِ) وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالزَّوَائِدِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لَفْظُ التَّكْبِيرِ فِي الِافْتِتَاحِ، وَلَا تَكْبِيرُ الرُّكُوعِ فِيهَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُمَا وَاجِبَانِ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ هِيَ سُنَّةٌ.
(وَالْجَهْرُ فِي مَحَلِّهِ) أَيْ جَهْرُ الْإِمَامِ فِي مَحَلِّ الْجَهْرِ (وَالْإِسْرَارُ فِي مَحَلِّهِ) وَقِيلَ سُنَّتَانِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْقِرَاءَةُ، وَهِيَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ فَإِنَّهَا تَفْسُدُ بِالتَّعَمُّدِ عِنْدَهُ.
[سُنَن الصَّلَاة]
(وَسُنَّتُهَا رَفْعُ الْيَدَيْنِ لِلتَّحْرِيمَةِ، وَنَشْرُ أَصَابِعِهِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ إذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ نَاشِرًا أَصَابِعَهُ» وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ لَا يَضُمَّ كُلَّ الضَّمِّ وَلَا يُفَرِّجَ كُلَّ التَّفْرِيجِ بَلْ يَتْرُكَهَا عَلَى حَالِهَا مَنْشُورَةً كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ، وَبِهَذَا يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: وَالْأَصَابِعُ بِحَالِهَا لَا مَضْمُومَةً وَلَا مُنْفَرِجَةً؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ يُشْعِرُ بِأَنْ يَكُونَ النَّشْرُ كَامِلًا وَلَيْسَ بِمُرَادٍ وَالْمُرَادُ بِهِ النَّشْرُ دُونَ الضَّمِّ
стр. 89
وَلَا التَّفْرِيجِ كَذَا قَالَهُ الْهِنْدُوَانِيُّ.
(وَجَهْرُ الْإِمَامِ بِالتَّكْبِيرِ) لِحَاجَتِهِ إلَى الْإِعْلَامِ بِالدُّخُولِ، وَالِاسْتِقْبَالُ قُيِّدَ بِالْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ وَالْمُنْفَرِدَ لَا يُسَنُّ لَهُمَا الْجَهْرُ بِهِ.
(وَالثَّنَاءُ) أَيْ قِرَاءَةُ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ إلَى آخِرِهِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى (وَالتَّعَوُّذُ) فِي أَوَّلِ الْقِرَاءَةِ لِأَجْلِهَا، وَالْمُخْتَارُ فِيهِ أَنْ يَقُولَ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
وَفِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا: وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَسْتَعِيذُ بِاَللَّهِ لِيُوَافِقَ الْقُرْآنَ انْتَهَى لَكِنْ أَقُولُ: الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] الْآيَةَ قَالَ الْقَاضِي فِي تَفْسِيرِ فَاسْتَعِذْ أَيْ فَاسْأَلْ اللَّهَ - تَعَالَى - أَنْ يُعِيذَك مِنْ وَسَاوِسِهِ وَمُقْتَضَاهُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ فَفِي قَوْلِهِ لِيُوَافِقَ الْقُرْآنَ نَظَرٌ.
(وَالتَّسْمِيَةُ وَالتَّأْمِينُ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (سِرًّا) أَيْ خُفْيَةً سَوَاءٌ كَانَ فِي النَّفْلِ أَوْ فِي الْفَرْضِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ جَهْرِيَّةً أَوْ غَيْرَهَا، وَقَوْلُهُ: سِرًّا رَاجِعٌ إلَى هَذِهِ الْأَرْبَعِ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ أَيْ تُسَرُّ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ سِرًّا أَوْ يُسِرُّهَا الْمُصَلِّي سِرًّا.
(وَوَضْعُ يَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ تَحْتَ سُرَّتِهِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى» هَذَا حُجَّةٌ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ بِالْإِرْسَالِ.
(وَتَكْبِيرُ الرُّكُوعِ) وَقِيلَ وَاجِبٌ وَإِضَافَةُ التَّكْبِيرِ إلَى الرُّكُوعِ مَعْنَوِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ لَيْسَ هُوَ مَعْمُولَ التَّكْبِيرِ إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ تَكْبِيرُ هَذَا الْخُضُوعِ (وَتَسْبِيحُهُ) أَيْ الرُّكُوعِ (ثَلَاثًا) وَمَعْنَى التَّسْبِيحِ: التَّقْدِيسُ وَالتَّنْزِيهُ وَيَكُونُ بِمَعْنَى الذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ.
وَقَالَ أَبُو الْمُطِيعِ تَسْبِيحُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَاجِبٌ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَسْبِيحَ فِي الرُّكُوعِ أَصْلًا.
(وَالرَّفْعُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الرُّكُوعِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ الْإِمَامِ فَرْضٌ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ.
(وَأَخْذُ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ) أَيْ وَضْعُ الْكَفَّيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ فِي الرُّكُوعِ (وَتَفْرِيجُ أَصَابِعِهِ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «إذَا رَكَعْت فَضَعْ يَدَيْك عَلَى رُكْبَتَيْك وَفَرِّجْ بَيْنَ أَصَابِعِك» .
(وَتَكْبِيرُ السُّجُودِ وَتَسْبِيحُهُ ثَلَاثًا) وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ فَرْضٌ.
(وَوَضْعُ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ) حَالَةَ السُّجُودِ لِقَوْلِهِ ﵊ «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ» وَعَدَّ مِنْهَا الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَنَا لِتَحَقُّقِ السُّجُودِ بِدُونِ وَضْعِهِمَا، وَأَمَّا وَضْعُ الْقَدَمَيْنِ فَقَدْ ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ فَرْضٌ فِي السُّجُودِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(وَافْتِرَاشُ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَنَصْبُ الْيُمْنَى) فِي حَالَةِ الْقُعُودِ لِلتَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّهُ ﵊ فَعَلَ كَذَلِكَ.
(وَالْقَوْمَةُ) مِنْ الرُّكُوعِ (وَالْجِلْسَةُ) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَقَدْ عَرَفْت الِاخْتِلَافَ فِيهِمَا.
(وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فَرْضٌ.
(وَالدُّعَاءُ) يَعْنِي بَعْدَ التَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ إنْ كَانَا مُؤْمِنَيْنِ وَلِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - ثُمَّ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ بِالدُّعَاءِ.»
[آدَابُ الصَّلَاةِ]
(وَآدَابُهَا) أَيْ آدَابُ الصَّلَاةِ (نَظَرُهُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ) حَالَ قِيَامِهِ، وَإِلَى ظَهْرِ قَدَمَيْهِ حَالَ رُكُوعِهِ، وَإِلَى أَرْنَبَةِ أَنْفِهِ حَالَ سُجُودِهِ
стр. 90
وَإِلَى حِجْرِهِ حَالَ قُعُودِهِ وَإِلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ وَالْأَيْسَرِ عِنْدَ التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْخُضُوعُ وَفِي إطْلَاقِهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ النَّظَرَ إلَى مَوْضِعِ السُّجُودِ فَقَطْ فِي الْكُلِّ.
(وَكَظْمُ فَمِهِ) أَيْ إمْسَاكُهُ (عِنْدَ التَّثَاؤُبِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «التَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ» وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ غَطَّاهُ بِيَدِهِ أَوْ كُمِّهِ.
(وَإِخْرَاجُ كَفَّيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ عِنْدَ التَّكْبِيرِ) ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى التَّوَاضُعِ وَأَبْعَدُ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْجَبَابِرَةِ وَأَمْكَنُ مِنْ نَشْرِ الْأَصَابِعِ إلَّا لِضَرُورَةِ الْبَرْدِ وَنَحْوِهِ قَيَّدَ بَدْرُ الدِّينِ الْعَيْنِيُّ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ: عِنْدَ التَّكْبِيرِ الْأَوَّلِ لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ أَطْلَقَهُ، وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ يَجُوزُ إدْخَالُهُمَا فِي الْكُمَّيْنِ فِي غَيْرِ حَالِ التَّكْبِيرِ لَكِنْ الْأَوْلَى إخْرَاجُهُمَا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ هَذَا فِي الرِّجَالِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَتَجْعَلُ يَدَيْهَا فِي كُمَّيْهَا.
(وَدَفْعُ السُّعَالِ مَا اسْتَطَاعَ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَحَصَلَتْ مِنْهُ حُرُوفٌ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ.
(وَالْقِيَامُ) أَيْ قِيَامُ الْإِمَامِ وَالْقَوْمِ إلَى الصَّلَاةِ (عِنْدَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ وَقِيلَ عِنْدَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ) أَيْ حِينَ يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِهِ فَتُسْتَحَبُّ الْمُسَارَعَةُ إلَيْهِ إنْ كَانَ الْإِمَامُ بِقُرْبِ الْمِحْرَابِ، وَإِلَّا فَيَقُومُ كُلُّ صَفٍّ يَنْتَهِي إلَيْهِ الْإِمَامُ عَلَى الْأَظْهَرِ.
(وَالشُّرُوعُ عِنْدَ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ) أَيْ شُرُوعُ الْإِمَامِ عِنْدَ مَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ الْأَوَّلُ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ لِئَلَّا يَكْذِبَ الْمُؤَذِّنُ وَفِيهِ مُسَارَعَةٌ لِلْمُنَاجَاةِ، وَقَدْ تَابَعَ الْمُؤَذِّنَ فِي الْأَكْثَرِ فَيَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُشْرَعُ مَا لَمْ يَفْرُغْ الْمُؤَذِّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ مُحَافَظَةً عَلَى تَحْصِيلِ فَضِيلَةِ مُتَابَعَةِ الْمُؤَذِّنِ وَإِعَانَةً لَهُ عَلَى الشُّرُوعِ مَعَهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ مَالِكٌ يَشْرَعُ إذَا أُقِيمَ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ أَخَّرَ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ لَا بَأْسَ بِهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
[فَصْلٌ صِفَةِ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاة]
فَصْلٌ
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَشَرَائِطِهَا وَوَاجِبَاتِهَا وَسُنَنِهَا وَآدَابِهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ الشُّرُوعِ فَقَالَ (يَنْبَغِي) لِلْمُصَلِّي (الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] .
(وَإِذَا أَرَادَ) الْمُصَلِّي (الدُّخُولَ) أَيْ الشُّرُوعَ (فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ (كَبَّرَ) أَيْ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي التَّكْبِيرِ فِي حَالِ الْقِيَامِ أَوْ فِيمَا هُوَ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ الرُّكُوعِ أَمَّا لَوْ كَبَّرَ قَاعِدًا ثُمَّ قَامَ فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا، وَلَوْ كَانَ أَخْرَسَ أَوْ أُمِّيًّا لَا يُحْسِنُ شَيْئًا فَيَكُونُ شَارِعًا بِالنِّيَّةِ فَلَا يَلْزَمُهُ تَحْرِيكُ اللِّسَانِ وَكَذَا الْعَاجِزُ عَنْ النُّطْقِ عَلَى الصَّحِيحِ (حَاذِفًا) وَهُوَ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِالْمَدِّ فِي هَمْزَةِ اللَّهُ وَلَا فِي بَاءِ أَكْبَرُ فَإِنْ أَتَى بِهِ إنْ كَانَ فِي الْهَمْزَةِ فَهُوَ مُفْسِدٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ، وَإِنْ تَعَمَّدَ كَفَرَ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ أَقُولُ فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ الْهَمْزَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّقْرِيرِ فَلَا كُفْرَ تَدَبَّرْ وَإِنْ أَتَى بِهِ فِي بَاءِ أَكْبَرُ
стр. 91
فَقَطْ قِيلَ تَفْسُدُ؛ لِأَنَّ أَكْبَارَ جَمْعٌ فَكَانَ فِيهِ إثْبَاتُ الشَّرِكَةِ وَقِيلَ أَكْبَارُ اسْمُ الشَّيْطَانِ فَتَفْسُدُ الصَّلَاةُ وَقِيلَ لَا تَفْسُدُ وَأَمَّا مَدُّ الْأَلْفِ فِي آخِرِ الْجَلَالَةِ فَلَا يَضُرُّ لَكِنْ حَذْفُهُ أَوْلَى وَيَرْفَعُ الْجَلَالَةَ وَلَا يَجْزِمُ وَيَجْزِمُ الرَّاءَ فِي التَّكْبِيرِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «الْأَذَانُ جَزْمٌ وَالْإِقَامَةُ وَالتَّكْبِيرُ جَزْمٌ» وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا قِيلَ وَلَا يَجْزِمُ أَكْبَرُ وَيَجُوزُ فِيهِ الْجَزْمُ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ وَالْأَوْلَى فِيهِ الْجَزْمُ مُوَافَقَةً لِلْحَدِيثِ تَدَبَّرْ (بَعْدَ رَفْعِ يَدَيْهِ) وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ نَفْيُ الْكِبْرِيَاءِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَالنَّفْيُ مُقَدَّمٌ (مُحَاذِيًا) أَيْ مُقَابِلًا (بِإِبْهَامَيْهِ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ إذَا كَبَّرَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَ إبْهَامَاهُ قَرِيبًا مِنْ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ» (وَقِيلَ) قَائِلُهُ صَاحِبُ الْوِقَايَةِ (مَاسًّا) بِإِبْهَامَيْهِ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَتَعْلِيلُ صَاحِبِ النُّقَايَةِ لِيَتَيَقَّنَ مُحَاذَاةَ يَدَيْهِ لِأُذُنَيْهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ تَدَبَّرْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ» قُلْنَا: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْعُذْرِ، وَالْأَخْذُ بِمَا رَوَيْنَا أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ إثْبَاتِ الزِّيَادَةِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْعَمَلِ بِالرِّوَايَاتِ؛ لِأَنَّ بِمُحَاذَاةِ الْإِبْهَامَيْنِ الشَّحْمَتَيْنِ يَكُونُ أَصْلُ الْكَفِّ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ، وَأُصُولُ الْأَصَابِعِ إلَى الرَّأْسِ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ ضَعْفُ مَا قِيلَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فَوْقَ الرَّأْسِ فَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرَّفْعِ الْمَسْنُونِ أَوْ قَدَرَ عَلَى رَفْعِ يَدٍ دُونَ أُخْرَى رَفَعَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ.
(وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَرْفَعُ مَعَ التَّكْبِيرِ لَا قَبْلَهُ) وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ هَذَا، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَوْلًا وَالْمَحْكِيُّ عَنْ الطَّحَاوِيِّ فِعْلًا وَاخْتَارَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَقَاضِي خَانْ وَصَاحِبُ الْخُلَاصَةِ وَجَمَاعَةٌ حَتَّى قَالَ الْبَقَّالِيُّ هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا
الثَّانِي يَرْفَعُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ وَنَسَبَهُ فِي الْمَجْمَعِ إلَى مُحَمَّدٍ وَفِي الْغَايَةِ إلَى عَامَّةِ عُلَمَائِنَا.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا وَهُوَ اخْتِيَارُ النَّسَفِيِّ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ الثَّالِثُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ فَيُكَبِّرُ أَوَّلًا ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ.
(وَالْمَرْأَةُ تَرْفَعُ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهَا) هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ هَذَا أَسْتَرُ لَهَا وَعَنْ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا كَالرَّجُلِ.
(وَمُقَارَنَةُ تَكْبِيرِ الْمُؤْتَمِّ تَكْبِيرَ الْإِمَامِ أَفْضَلُ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكُهُ فِي الصَّلَاةِ وَحَقِيقَةُ الْمُشَارَكَةِ فِي الْمُقَارَنَةِ (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ وَعِنْدَهُمَا الْأَفْضَلُ أَنْ يُكَبِّرَ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ، وَأَظُنُّ أَنَّ مَا قَالَاهُ يَلْزَمُ فِيمَا احْتَاجَ الْمُقْتَدِي إلَى السَّمَاعِ، وَلَوْ قَالَ الْمُؤْتَمُّ قَبْلَ الْإِمَامِ: اللَّهُ أَكْبَرُ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ شَارِعًا فِيهَا وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ فَرَغَ مِنْ قَوْلِهِ: أَكْبَرُ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ لَا يَكُونُ شَارِعًا كَمَا فِي الدُّرَرِ.
(وَلَوْ قَالَ بَدَلَ التَّكْبِيرِ: اللَّهُ أَجَلُّ أَوْ) اللَّهُ (أَعْظَمُ أَوْ الرَّحْمَنُ أَكْبَرُ أَوْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) أَوْ غَيْرَهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى (أَوْ كَبَّرَ بِالْفَارِسِيَّةِ) بِأَنْ يَقُولَ " خذا بزركست "
стр. 92
أَوْ " نام خذا بزركست " (صَحَّ) مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَوْ لَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا لَا إلَّا أَنْ لَا يُحْسِنَ الْعَرَبِيَّةَ وَالْأَصَحُّ رُجُوعُ الْإِمَامِ إلَى قَوْلِهِمَا
اعْلَمْ أَنَّ الْمَشَايِخَ اخْتَلَفُوا فِي الذِّكْرِ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ إلَّا بِقَوْلِهِ اللَّهُ أَكْبَرُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ إلَّا بِاللَّهِ أَكْبَرُ أَوْ اللَّهُ أَكْبَرُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِاللَّهِ أَكْبَرُ أَوْ اللَّهُ الْأَكْبَرُ وَاَللَّهُ كَبِيرٌ أَوْ اللَّهُ الْكَبِيرُ مُعَرَّفًا أَوْ مُنَكَّرًا وَعِنْدَهُمَا يَصِحُّ الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ بِكُلِّ ذِكْرٍ وَهُوَ ثَنَاءٌ خَالِصٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - يُرَادُ بِهِ تَعْظِيمُهُ لَا غَيْرُ نَحْوُ اللَّهُ إلَهٌ أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ لَا إلَهَ غَيْرُهُ وَمَا كَانَ خَبَرًا كَقَوْلِهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ لَا يَصِيرُ شَارِعًا.
وَفِي الذَّخِيرَةِ وَلَوْ افْتَتَحَ بِقَوْلِهِ الرَّحْمَنُ يَصِيرُ شَارِعًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ وَلَوْ افْتَتَحَ بِالتَّعَوُّذِ أَوْ بِالْبَسْمَلَةِ لَا يَصِيرُ شَارِعًا عِنْدَهُمَا، وَلَوْ افْتَتَحَ بِاللَّهُمَّ يَصِيرُ شَارِعًا عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ؛ لِأَنَّ الْمِيمَ بَدَلٌ مِنْ حَرْفِ النِّدَاءِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ لَا وَلَوْ ذَكَرَ الِاسْمَ دُونَ الصِّفَةِ بِأَنْ قَالَ: اللَّهُ أَوْ الرَّبُّ أَوْ الْكَبِيرُ أَوْ أَكْبَرُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ يَصِيرُ شَارِعًا عِنْدَ الْإِمَامِ وَلَا يَصِيرُ شَارِعًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ إلَّا بِالِاسْمِ وَالصِّفَةِ، وَمُرَادُهُ: الْمُبْتَدَأُ وَالْخَبَرُ، وَلَوْ قَالَ: أَجَلُّ أَوْ أَعْظَمُ لَا يَصِيرُ شَارِعًا إجْمَاعًا.
(وَكَذَا لَوْ قَرَأَ بِهَا) أَيْ بِالْفَارِسِيَّةِ (عَاجِزًا عَنْ الْعَرَبِيَّةِ) التَّقْيِيدُ بِالْعَجْزِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ جَائِزَةٌ عِنْدَ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ الْمَعْنَى، وَالْفَارِسِيَّةُ تَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى فَيَكُونُ جَائِزًا فِي حَقِّ الصَّلَاةِ خَاصَّةً وَرُوِيَ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَالْمُصَنِّفُ اخْتَارَ رُجُوعَهُ إلَى قَوْلِهِمَا وَلِهَذَا سَاقَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي صُورَةِ الِاتِّفَاقِ (أَوْ ذَبَحَ وَسَمَّى بِهَا) أَيْ بِالْفَارِسِيَّةِ وَهُوَ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِيهِ الذِّكْرُ وَهُوَ حَاصِلٌ بِأَيِّ لُغَةٍ كَانَ.
(وَغَيْرُ الْفَارِسِيَّةِ مِنْ الْأَلْسُنِ مِثْلُهَا) أَيْ مِثْلُ الْفَارِسِيَّةِ (فِي الصَّحِيحِ) ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيُّ لَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ الْفَارِسِيَّةِ لِمَزِيَّتِهَا عَلَى غَيْرِهَا لِلْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «لِسَانُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْعَرَبِيَّةُ وَالْفَارِسِيَّةُ الدُّرِّيَّةُ» وَفِيهِ نَظَرٌ.
(وَلَوْ شَرَعَ بِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي لَا يَجُوزُ) ؛ لِأَنَّهُ مَشُوبٌ بِحَاجَتِهِ فَلَمْ يَكُنْ تَعْظِيمًا خَالِصًا (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ كَانَ يُحْسِنُ التَّكْبِيرَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِهِ) وَقَدْ بَيَّنَّاهُ آنِفًا.
(ثُمَّ يَعْتَمِدُ بِيَمِينِهِ عَلَى رُسْغِ يَسَارِهِ تَحْتَ سُرَّتِهِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَحْتَ الصَّدْرِ كَمَا فِي وَضْعِ الْمَرْأَةِ عِنْدَنَا وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ الْوَضْعِ فَقِيلَ يَضَعُ بَاطِنَ كَفِّهِ الْيُمْنَى عَلَى ظَاهِرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَيُحَلِّقُ بِالْخِنْصِرِ وَالْإِبْهَامِ عَلَى الرُّسْغِ.
وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَضَعُ رُسْغَهُ الْيُسْرَى فِي وَسَطِ كَفِّهِ الْيُمْنَى قَابِضًا عَلَيْهَا وَعَنْهُمَا يَضَعُ بَاطِنَ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الرُّسْغِ طُولًا، وَلَا يَقْبِضُ.
وَفِي النَّوَادِرِ ذَكَرَ الْخِلَافَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ يَقْبِضُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى رُسْغَ يَدِهِ الْيُسْرَى، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ يَضَعُ وَاخْتَارَ الْهِنْدُوَانِيُّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَفِي الْمُفِيدِ وَالْمَزِيدِ يَأْخُذُ رُسْغَهَا
стр. 93
بِالْخِنْصِرِ وَالْإِبْهَامِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ (فِي كُلِّ قِيَامٍ سُنَّ فِيهِ ذِكْرٌ) ؛ لِأَنَّ الْوَضْعَ شَرْعٌ لِلْخُضُوعِ، وَهُوَ مَطْلُوبٌ فِي حَالَةِ الذِّكْرِ، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: إنَّ كُلَّ قِيَامٍ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ فَالسُّنَّةُ فِيهِ الْإِرْسَالُ، وَكُلُّ قِيَامٍ فِيهِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ فَالسُّنَّةُ فِيهِ الْوَضْعُ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَالصَّدْرُ الْكَبِيرُ بُرْهَانُ الْأَئِمَّةِ وَالصَّدْرُ الشَّهِيدُ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْقِيَامِ مَا هُوَ الْأَعَمُّ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَ يَفْعَلُ كَذَلِكَ.
(وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) يُعْتَمَدُ (فِي) كُلِّ (قِيَامٍ شُرِعَ فِيهِ قِرَاءَةٌ) ؛ لِأَنَّ الْوَضْعَ إنَّمَا شُرِعَ مَخَافَةَ اجْتِمَاعِ الدَّمِ فِي رُءُوسِ الْأَصَابِعِ وَإِنَّمَا يُخَافُ حَالَةَ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ تَطْوِيلُهَا (فَيَضَعُ فِي الْقُنُوتِ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي كُلِّ قِيَامٍ سُنَّ فِيهِ ذِكْرٌ أَيْ يَضَعُ يَدَيْهِ فِي الْقُنُوتِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ فِيهِمَا ذِكْرًا مَسْنُونًا (خِلَافًا لَهُ) أَيْ لِمُحَمَّدٍ فَيُرْسِلُ فِيهِمَا عِنْدَهُ لِعَدَمِ الْقِرَاءَةِ (وَيُرْسِلُ فِي قَوْمَةِ الرُّكُوعِ وَبَيْنَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ اتِّفَاقًا) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا ذِكْرٌ مَسْنُونٌ مُمْتَدٌّ وَقِرَاءَةٌ.
(ثُمَّ يَقْرَأُ سُبْحَانَكَ اللَّهُ إلَى آخِرِهِ) أَيْ سَبَّحْتُك بِجَمِيعِ آلَائِك يَا اللَّهُ تَسْبِيحًا وَاشْتَغَلْت بِحَمْدِك فَإِنَّهُ رُوِيَ - سُبْحَانَك اللَّهُ بِحَمْدِك - وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ بِزِيَادَةِ الْوَاوِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِقِيَاسٍ وَتَبَارَكَ اسْمُك أَيْ دَامَ خَيْرُك وَتَعَالَى جَدُّك أَيْ تُجَاوِزُ عَظَمَتُك عَنْ دَرْكِ أَفْهَامِنَا وَلَمْ يُنْقَلْ فِي الْمَشَاهِيرِ: وَجَلَّ ثَنَاؤُك فَلَا يَأْتِي بِهِ فِي الْفَرَائِضِ وَلَا إلَهَ غَيْرُك بِفَتْحِهِمَا وَرَفْعِهِمَا وَفَتْحِ الْأَوَّلِ وَرَفْعِ الثَّانِي وَبِالْعَكْسِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَإِنَّمَا أَتَى بِثُمَّ لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَ الْمَعْطُوفَيْنِ لَا لِلتَّرَاخِي وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَأْتِي بِهِ كُلُّ مُصَلٍّ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا إلَّا إذَا كَانَ مَسْبُوقًا وَإِمَامُهُ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي بِهِ وَصَحَّحَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ وَلَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ تَرَكَ الثَّنَاءَ وَلَوْ أَدْرَكَهُ فِي السُّجُودِ يُكَبِّرُ وَيَأْتِي بِالثَّنَاءِ ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَسْجُدُ.
(وَلَا يَضُمُّ وَجَّهْت وَجْهِي إلَى آخِرِهِ) أَيْ إلَى آخِرِ الذِّكْرِ وَهُوَ وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَلَا بَعْدَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّ عِنْدَهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَيَبْدَأُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَأُخْرَى أَنَّ «الْبُدَاءَةَ بِالتَّسْبِيحِ أَوْلَى لِمَا رَوَى جَابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا» .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَأْتِي بِالتَّوْجِيهِ فَقَطْ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ كَبَّرَ ثُمَّ قَالَ وَجَّهْت وَجْهِي» إلَى آخِرِهِ وَلَهُمَا مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ» إلَى آخِرِهِ رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجُمْهُورِ التَّابِعِينَ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِمَا، وَرِوَايَةُ جَابِرٍ مَحْمُولٌ عَلَى التَّهَجُّدِ وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ نُسِخَ وَعِنْدَ مَالِكٍ يَقُولُ إنِّي وَجَّهْت وَجْهِي إلَى آخِرِهِ قَبْلَ التَّكْبِيرِ وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَّا وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَقُولُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ ذَلِكَ
стр. 94
وَفِي الْهِدَايَةِ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَأْتِيَ بِالتَّوْجِيهِ قَبْلَ التَّكْبِيرِ لِيَتَّصِلَ النِّيَّةُ بِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
(ثُمَّ يَتَعَوَّذُ سِرًّا لِلْقِرَاءَةِ) فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] وَالْأَمْرُ بِالِاسْتِعَاذَةِ مُتَعَلِّقٌ بِإِرَادَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ لَا يُوجَدُ قَبْلَ وُجُودِهِ، وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ فَإِنَّهُ لَا يَرَى ذَلِكَ (فَيَأْتِي بِهِ الْمَسْبُوقُ عِنْدَ قَضَاءِ مَا سَبَقَ) ؛ لِأَنَّهُ يَقْرَأُ فَيَتَعَوَّذُ (لَا الْمُقْتَدِي) أَيْ لَا يَأْتِي بِهِ الْمُقْتَدِي؛ لِأَنَّهُ يُثْنِي، وَلَا يَقْرَأُ فَلَا يَتَعَوَّذُ (وَيُؤَخِّرُ عَنْ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ) ؛ لِأَنَّهُ يَقْرَأُ بَعْدَهَا لَا قَبْلَهَا، وَالتَّعَوُّذُ تَبَعٌ لِلْقِرَاءَةِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ.
(وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ الْإِمَامِ (هُوَ) أَيْ التَّعَوُّذُ (تَبَعٌ لِلثَّنَاءِ) وَهُوَ لِلصَّلَاةِ عِنْدَهُ، فَإِنَّ التَّعَوُّذَ وَرَدَ بِهِ النَّصُّ صِيَانَةً لِلْعِبَادَةِ عَنْ الْخَلَلِ الْوَاقِعِ فِيهَا بِسَبَبِ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، وَالصَّلَاةُ تَشْتَمِلُ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَالْأَذْكَارِ وَالْأَفْعَالِ فَكَانَتْ أَوْلَى (فَيَأْتِي بِهِ الْمُقْتَدِي، وَيُقَدَّمُ عَلَى تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ) وَلَمْ يَذْكُرْ، وَلَا يَأْتِي بِهِ الْمَسْبُوقُ مَعَ أَنَّهُ لَازِمُ الذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي عِنْدَهُ بِنَاءً عَلَى ظُهُورِهِ.
(وَيُسَمِّي سِرًّا) إلَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ جَهْرًا فِيمَا يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ (أَوَّلَ كُلِّ رَكْعَةٍ) عِنْدَهُمَا.
وَعِنْدَ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَقَطْ، وَالْأَوَّلُ أَحْوَطُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (لَا) يُسَمِّي (بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فِي صَلَاةِ الْمُخَافَتَةِ) فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا بَيْنَهُمَا فِي الْمُخَافَتَةِ عِنْدَهُ وَلَا يَأْتِي بِهَا فِي الْجَهْرِيَّةِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْإِخْفَاءُ بَيْنَ الْجَهْرَيْنِ، وَهُوَ شَنِيعٌ.
(وَهِيَ) أَيْ الْبَسْمَلَةُ (آيَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ أُنْزِلَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ، وَلَا مِنْ كُلِّ سُورَةٍ) بَيَانٌ لِلْأَصَحِّ مِنْ الْأَقْوَالِ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ إنَّهَا لَيْسَتْ بِآيَةٍ فِي غَيْرِ سُورَةِ النَّمْلِ وَهُوَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَرَدٌّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّهَا آيَةٌ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهَا آيَةٌ فِي حُرْمَةِ الْمَسِّ لَا فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَكْفُرْ جَاحِدُهَا لِشُبْهَةٍ فِيهَا.
(ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ) لِقَوْلِهِ ﵊ «كُلُّ صَلَاةٍ لَمْ يُقْرَأْ فِيهَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ أَيْ نَاقِصَةٌ» (وَسُورَةٌ) أُخْرَى بَعْدَهَا (أَوْ ثَلَاثَ آيَاتٍ) مِنْ أَيِّ سُورَةٍ شَاءَ لِمُوَاظَبَتِهِ ﵊ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ.
وَفِي الْمُنْيَةِ إذَا قَرَأَ آيَةً وَآيَتَيْنِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّ الْكَرَاهَةِ وَإِنْ قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ يَخْرُجُ لَكِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي حَدِّ الِاسْتِحْبَابِ.
(وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ أَمَّنَ هُوَ) أَيْ يَقُولُ الْإِمَامُ آمِينَ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ مَعَ تَخْفِيفِ الْمِيمِ وَالْأَوَّلُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ مِنْ التَّشْدِيدِ كَمَا قَالَهُ الْوَاحِدِيُّ قِيلَ: لَوْ قَالَ آمِّينَ بِالتَّشْدِيدِ تَفْسُدُ
стр. 95
وَقِيلَ لَا تَفْسُدُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُوَ اسْمُ فِعْلٍ مَعْنَاهُ اسْتَجِبْ وَهُوَ تَعْرِيبٌ هَمِينَ.
وَفِي الرَّضِيِّ أَنَّهُ سُرْيَانِيٌّ كَقَابِيلَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(وَ) أَمَّنَ (الْمُؤْتَمُّ) أَيْضًا لِقَوْلِ ﵊ «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ بَعْدَ إتْيَانِ الْإِمَامِ وَعَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ ذَلِكَ (سِرًّا) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي الْجَهْرِيَّةِ.
(ثُمَّ يُكَبِّرُ رَاكِعًا) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعَ الِانْحِطَاطِ كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَقَالُوا: وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ ﵊ فَعَلَ كَذَا.
وَفِي الْقُدُورِيِّ: ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْمُقَارَنَةِ وَضِدِّهَا وَلِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لِلْوَاوِ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَلَا يَقْتَضِي الْمُقَارَنَةَ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَحْضِ الْقِيَامِ كَمَا تَوَهَّمَ.
(وَيَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ) الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ يَتَّكِئُ بِيَدَيْهِ (عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ مِنْ الْأَخْذِ بِالرُّكَبِ فَإِنَّ الْأَخْذَ وَالتَّفْرِيجَ وَالْوَضْعَ سُنَّةٌ (بَاسِطًا ظَهْرَهُ) بِحَيْثُ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ قَدَحُ مَاءٍ لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ النِّصْفُ الْأَسْفَلُ مُسْتَوِيًا (غَيْرَ رَافِعٍ رَأْسَهُ وَلَا مُنَكِّسٍ لَهُ) مِنْ نَكَّسَهُ أَيْ جَعَلَهُ مَقْلُوبًا عَلَى رَأْسِهِ مَعْنَاهُ يَسْتَوِي رَأْسُهُ بِعَجْزِهِ، وَلَوْ قَالَ: وَلَا خَافِضٍ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَفَضَ رَأْسَهُ قَلِيلًا كَانَ خِلَافًا لِلسُّنَّةِ.
(وَيَقُولُ) أَيْ الْمُصَلِّي فِي رُكُوعِهِ مَرَّاتٍ (ثَلَاثًا سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ قَالَ فِي رُكُوعِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ» وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَدْنَى الْجَوَازِ وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ أَدْنَى الْكَمَالِ لِجَوَازِ الرُّكُوعِ بِتَوَقُّفِ قَدْرِ التَّسْبِيحَةِ بَلْ أَقَلُّ وَلَوْ بِلَا ذِكْرٍ (وَهُوَ أَدْنَاهُ) أَيْ أَدْنَى التَّسْبِيحِ الْمَسْنُونِ مِنْ الْخَمْسِ وَالسَّبْعِ وَالتِّسْعِ، وَلَا يَرِدُ إشْكَالٌ عَلَى أَصْلِ الْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى التِّسْعِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى التَّغْلِيبِ، وَعَلَى إفْرَادِ الْمُضَافِ إلَيْهِ الْمُعَرَّفِ لِاسْمِ التَّفْضِيلِ كَوْنُهُ كِنَايَةً عَنْ اسْمِ الْجِنْسِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
(وَتُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ مَعَ الْإِيتَارِ لِلْمُنْفَرِدِ) وَإِنْ كَانَ إمَامًا فَلَا يَزِيدُ عَلَى وَجْهٍ يَمَلُّ الْقَوْمُ وَقَالُوا: يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ خَمْسًا لِيَتَمَكَّنَ الْقَوْمُ مِنْ الثَّلَاثِ وَلَا يُطَوِّلُ لِإِدْرَاكِ الْجَائِي فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَقِيلَ مُفْسِدٌ وَكُفْرٌ وَقِيلَ جَائِزٌ إنْ كَانَ الْجَائِي فَقِيرًا وَقِيلَ مَأْجُورٌ إنْ أَرَادَ الْقُرْبَةَ.
(ثُمَّ يَرْفَعُ الْإِمَامُ) رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ (قَائِلًا سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) هَذَا مَجَازٌ عَنْ الْإِجَابَةِ يُقَالُ سَمِعَ الْأَمِيرِيُّ أَيْ أَجَابَ، وَمِنْهُ يُقَالُ: سَمِعَ الْقَاضِي بَيِّنَتَهُ أَيْ تَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ، وَاللَّامُ لِعَوْدِ الْمَنْفَعَةِ، وَقِيلَ: بِمَعْنَى مِنْ، وَالْهَاءُ لِلْكِنَايَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [العنكبوت: ١٧] وَقِيلَ لِلسَّكْتَةِ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الثِّقَاتِ وَمَعْنَاهُ قِيلَ: ثَنَاءُ مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ وَأَجَابَ.
(وَيَكْتَفِي) الْإِمَامُ (بِهِ) أَيْ بِالتَّسْمِيعِ فَقَطْ عِنْدَ الْإِمَامِ.
(وَقَالَا يَضُمُّ إلَيْهِ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) سِرًّا (وَيَكْتَفِي الْمُقْتَدَى بِالتَّحْمِيدِ) وَاخْتَلَفَتْ الْأَخْبَارُ فِي لَفْظِ التَّحْمِيدِ فَفِي بَعْضِهَا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ وَفِي بَعْضِهَا رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ، وَفِي بَعْضِهَا رَبَّنَا اسْتَجِبْ، وَلَك الْحَمْدُ، وَفِي بَعْضِهَا اللَّهُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ وَالثَّانِي الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَهُوَ الصَّحِيحُ (اتِّفَاقًا) مِنْ عُلَمَائِنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجْمَعُ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ بَيْنَ
стр. 96
الذِّكْرَيْنِ (وَالْمُنْفَرِدُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا) وَيَأْتِي بِالتَّسْمِيعِ حَالَ الِارْتِفَاعِ وَبِالتَّحْمِيدِ حَالَ الِانْحِطَاطِ، وَقِيلَ: حَالَ الِاسْتِوَاءِ (فِي الْأَصَحِّ) أَيْ أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ.
(وَقِيلَ كَالْمُقْتَدِي) أَيْ يَأْتِي بِالتَّحْمِيدِ لَا غَيْرُ، وَصَحَّحَهُ فِي الْكَافِي، وَقَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: هُوَ الْأَصَحُّ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَالْهِدَايَةِ: الْأَصَحُّ الْجَمْعُ وَقَالَ صَدْرُ الشَّهِيدِ: وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَلِهَذَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ فِي الْأَصَحِّ عَنْهُ وَعَمَّا رُوِيَ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَأْتِي بِالتَّسْمِيعِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ كَالْإِمَامِ.
(ثُمَّ يُكَبِّرُ) خَافِضًا (وَيَسْجُدُ) مَجَازٌ أَيْ يَمِيلُ إلَى السَّجْدَةِ (فَيَضَعُ) عَلَى الْأَرْضِ (رُكْبَتَيْهِ) وَيُقَدِّمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَالْفَاءُ لِعِطْفِ الْمُفَصَّلِ عَلَى الْمُجْمَلِ (ثُمَّ يَدَيْهِ) أَيْ يَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ الْيُسْرَى (ثُمَّ) يَضَعُ.
(وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ ضَامًّا أَصَابِعَ يَدَيْهِ) فَإِنَّ الْأَصَابِعَ تُتْرَكُ عَلَى الْعَادَةِ فِيمَا عَدَا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ (مُحَاذِيَةً أُذُنَيْهِ) يَجُوزُ بِالتَّنْوِينِ وَالْإِضَافَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ سُنَّةٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ: الْأَوْلَى أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ (وَيُبْدِئُ) بِالْهَمْزَةِ مِنْ الْإِبْدَاءِ وَهُوَ الْإِظْهَارُ وَبِغَيْرِ الْهَمْزَةِ مُشَدَّدَةَ الدَّالِ أَيْ يُبِدُّ مِنْ الْإِبْدَادِ، وَهُوَ الْإِبْعَادُ (ضَبْعَيْهِ) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْبَاءِ هُوَ الْعَضُدُ وَقِيلَ وَسَطُهُ وَبَاطِنُهُ أَيْ يُجَافِي مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ إلَّا إذَا كَانَ الْمُصَلِّي فِي الصَّفِّ، فَإِنَّهُ لَا يُبْدِي عَضُدَيْهِ كَيْ لَا يُؤْذِيَ أَحَدًا.
(وَيُجَافِي) أَيْ يُبَاعِدُ (بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ وَيُوَجِّهُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ) أَيْ رُءُوسَ أَصَابِعِهِمَا بِأَنْ يَضَعَ صَدْرَ الْقَدَمِ مَعَ بُطُونِ الْأَصَابِعِ عَلَى الْأَرْضِ (نَحْوَ الْقِبْلَةِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا سَجَدَ الْمُؤْمِنُ يَسْجُدُ كُلُّ عُضْوٍ مَعَهُ فَلْيُوَجِّهْ مِنْ أَعْضَائِهِ الْقِبْلَةَ مَا اسْتَطَاعَ» .
وَفِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ: أَنَّ انْحِرَافَ أَصَابِعِهِمَا عَنْ الْقِبْلَةِ مَكْرُوهٌ.
(وَالْمَرْأَةُ تَنْخَفِضُ وَتُلْزِقُ) مِنْ الْإِلْزَاقِ وَهُوَ الْإِلْصَاقُ (بَطْنَهَا بِفَخِذَيْهَا) ؛ لِأَنَّهُ أُسْتَرُ لَهَا (وَيَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا) لِقَوْلِهِ ﵊ «وَإِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ فِي سُجُودِهِ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا» (وَهُوَ أَدْنَاهُ) أَيْ أَدْنَى الْكَمَالِ لَا الْجَوَازِ.
(وَيَسْجُدُ بِأَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ) .
وَفِي التُّحْفَةِ: يَضَعُ الْجَبْهَةَ ثُمَّ الْأَنْفَ، وَقِيلَ يَضَعُهُمَا مَعًا (فَإِنْ اقْتَصَرَ) فِي سُجُودِهِ (عَلَى أَحَدِهِمَا) أَيْ عَلَى الْجَبْهَةِ أَوْ الْأَنْفِ (أَوْ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ) أَيْ دَوْرِهَا (جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ) عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَجُوزُ السَّجْدَةُ عَلَيْهِ، وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا وَجَدَ حَجْمَ الْأَرْضِ أَمَّا بِدُونِهِ فَلَا إجْمَاعًا، وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ السُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَنْفِ عُذْرٌ وَعَلَيْهِ رِوَايَةُ الْكَنْزِ وَكُرِهَ بِأَحَدِهِمَا وَمَا قَالَهُ فِي الْكَنْزِ حَكَاهُ الزَّيْلَعِيُّ أَيْضًا عَنْ الْمُفِيدِ وَالْمَزِيدِ لَكِنْ فِي الْبَدَائِعِ وَالتُّحْفَةِ وَالِاخْتِيَارِ: عَدَمُ الْكَرَاهَةِ بِتَرْكِ السُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ وَمَا فِي الْكِتَابِ يُخَالِفُهُ مَا فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ وَاخْتَارَ مَا فِي الْكَنْزِ إرَادَةَ أَنَّ
стр. 97
فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْجَبْهَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ تَرْكَ الْأَحْوَطِ فِي أَمْرِ الْعِبَادَةِ كَمَا فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَنْفِ.
(وَقَالَا: لَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَنْفِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ) وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِقَوْلِهِ ﵊ «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» وَعَدَّ مِنْهَا الْجَبْهَةَ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَتَأَدَّى بِوَضْعِ الْأَنْفِ مُجَرَّدًا كَمَا لَا يَتَأَدَّى بِوَضْعِ الْخَدِّ وَالذَّقَنِ وَلِلْإِمَامِ أَنَّ الْمَشْهُورَ فِي الْخَبَرِ الْوَجْهُ لَا الْجَبْهَةُ لَكِنْ كُلُّ الْوَجْهِ غَيْرُ مُرَادٍ بِالْإِجْمَاعِ فَيُرَادُ بَعْضُهُ وَالْخَدُّ وَالذَّقَنُ خَرَجَا عَنْهُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ التَّعْظِيمَ لَمْ يُشْرَعْ بِوَضْعِهِمَا فَبَقِيَ الْجَبْهَةُ وَالْأَنْفُ فَكَمَا جَازَ الِاكْتِفَاءُ بِالْجَبْهَةِ يَجُوزُ بِالْأَنْفِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ.
(وَيَجُوزُ) أَيْ السُّجُودُ (عَلَى فَاضِلِ ثَوْبِهِ) كَكُمِّهِ وَذَيْلِهِ إنْ كَانَ الْمَكَانُ طَاهِرًا أَمَّا لَوْ بَسَطَ كُمَّهُ عَلَى نَجَاسَةٍ فَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْجَوَازِ، وَصَحَّحَ الشُّمُنِّيُّ وَالزَّيْلَعِيُّ الْجَوَازَ.
(وَعَلَى شَيْءٍ يَجِدُ) السَّاجِدُ (حَجْمَهُ وَتَسْتَقِرُّ جَبْهَتُهُ عَلَيْهِ لَا عَلَى مَا لَا تَسْتَقِرُّ) وَحَدُّ الِاسْتِقْرَارِ أَنَّ السَّاجِدَ إنْ بَالَغَ لَا يُنْزِلُ رَأْسَهُ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا لَا تَجُوزُ السَّجْدَةُ عَلَى الثَّلْجِ بِأَنْ غَابَ وَجْهُهُ فِيهِ، وَإِنْ اسْتَقَرَّ وَوَجَدَ حَجْمَهُ بِأَنْ تَلَبَّدَ الثَّلْجُ تَجُوزُ وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ التُّرَابُ وَنَحْوُهُ.
(وَإِنْ سَجَدَ لِلزَّحْمَةِ عَلَى ظَهْرِ مَنْ هُوَ مَعَهُ فِي صَلَاتِهِ) يَعْنِي لَوْ سَجَدَ لِلزِّحَامِ عَلَى ظَهْرِ مَنْ يُصَلِّي صَلَاتَهُ (جَازَ) لِلضَّرُورَةِ، وَلَا تَجُوزُ لَوْ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ مَنْ لَا يُصَلِّي أَوْ يُصَلِّي وَلَكِنْ لَا يُصَلِّي صَلَاتَهُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ، وَهَذَا إذَا كَانَ رُكْبَتَاهُ عَلَى الْأَرْضِ وَإِلَّا فَلَا يُجْزِيه وَقِيلَ لَا يُجْزِيه إلَّا إذَا سَجَدَ الثَّانِي عَلَى الْأَرْضِ.
(وَهِيَ) أَيْ السَّجْدَةُ (ثُمَّ بِالرَّفْعِ) أَيْ بِرَفْعِ الْجَبْهَةِ (عِنْدَ مُحَمَّدٍ) وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي الْجَامِعِ.
(وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِالْوَضْعِ) أَيْ بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا وَلَمْ يَقْعُدْ فِي الرَّابِعَةِ فَسَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي السَّجْدَةِ مِنْ الْخَامِسَةِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ لِلتَّوَضُّؤِ وَالْبِنَاءُ جَازَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ.
(ثُمَّ يَرْفَعُ) الْمُصَلِّي (رَأْسَهُ) مِنْ السُّجُودِ (مُكَبِّرًا) الرَّفْعُ فَرْضٌ، وَالتَّكْبِيرُ سُنَّةٌ كَذَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَنَّ الِانْتِقَالَ فَرْضٌ، وَالرَّفْعُ سُنَّةٌ كَمَا فِي الْمَطْلَبِ.
(وَيَجْلِسُ)
стр. 98
بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (مُطْمَئِنًّا) أَيْ سَاكِنًا بِقَدْرِ تَسْبِيحَةٍ، وَلَيْسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ عِنْدَنَا وَكَذَا بَعْدَ رَفْعِهِ، وَمَا وَرَدَ فِيهِمَا مِنْ الدُّعَاءِ فَمَحْمُولٌ عَلَى التَّهَجُّدِ وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الرَّفْعِ فَرُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ إنْ كَانَ إلَى الْقُعُودِ أَقْرَبَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ قَاعِدًا، وَإِنْ كَانَ إلَى الْأَرْضِ أَقْرَبَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ سَاجِدًا.
وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: هُوَ الْأَصَحُّ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ: إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ بِحَيْثُ لَا يُشْكِلُ عَلَى النَّاظِرِ أَنَّهُ قَدْ رَفَعَ يَجُوزُ وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ الْإِمَامِ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِقْدَارَ مَا يُسَمِّي رَافِعًا جَازَ لِوُجُودِ الْفَصْلِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَالَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ هُوَ الْأَصَحُّ وَرُوِيَ عَنْهُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِقْدَارَ مَا تَمُرُّ الرِّيحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ جَازَ.
(وَيُكَبِّرُ) لِلسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ خَافِضًا (وَيَسْجُدُ مُطْمَئِنًّا) قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي تَكْرَارِ السَّجْدَةِ أَنَّ الْأُولَى لِامْتِثَالِ الْأَمْرِ، وَالثَّانِيَةُ لِتَرْغِيمِ إبْلِيسَ فَإِنَّهُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ فَلَمْ يَفْعَلْ فَنَحْنُ أُمِرْنَا بِهِ فَنَسْجُدُ مَرَّتَيْنِ تَرْغِيمًا لَهُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ إبْلِيسَ سَجَدَ لِلَّهِ - تَعَالَى - كَثِيرًا وَمَا امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا امْتِنَاعُهُ مِنْ السُّجُودِ لِآدَمَ ﵇ كَمَا قَالَ السُّرُوجِيُّ فِي غَايَتِهِ وَقِيلَ: الْأُولَى إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ، وَالثَّانِيَةُ إلَى أَنَّهُ يَعُودُ إلَيْهِ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُمَا أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ فَلَا يُطْلَبُ فِيهِ الْمَعْنَى كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ.
(ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلنُّهُوضِ فَيَرْفَعُ وَجْهَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ) عَلَى عَكْسِ السُّجُودِ.
وَفِي التَّبْيِينِ وَيُكْرَهُ تَقْدِيمُ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ عِنْدَ النُّهُوضِ، وَيُسْتَحَبُّ الْهُبُوطُ بِالْيُمْنَى، وَالنُّهُوضُ بِالشِّمَالِ.
(وَيَنْهَضُ قَائِمًا) بَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ النُّهُوضُ الْقِيَامُ فَيَكُونُ الْمَعْنَى وَيَقُومُ قَائِمًا، وَلَا مَعْنَى لَهُ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّجْرِيدِ وَيُجْعَلَ بِمَعْنَى يَسْتَوِي، وَهُوَ بَعِيدٌ وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ النُّهُوضَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الِاسْتِوَاءِ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى التَّوَجُّهِ كَمَا فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهِ وَكِلَاهُمَا مُوَافِقٌ لِهَذَا الْمَقَامِ فَلَمْ يَتَفَطَّنْ هَذَا الرَّادُّ فَقَالَ مَا قَالَ (مِنْ غَيْرِ قُعُودٍ، وَلَا اعْتِمَادٍ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ) أَمَّا الِاعْتِمَادُ عَلَى فَخِذَيْهِ أَوْ رُكْبَتَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ اتِّفَاقًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجْلِسُ بَعْدَهَا جِلْسَةً خَفِيفَةً وَتُسَمَّى جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ، وَيَقُومُ مُعْتَمِدًا؛ لِأَنَّهُ ﵊ فَعَلَ كَذَا، وَلَنَا أَنَّهُ ﵊ «كَانَ يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صَدْرِ قَدَمَيْهِ» وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ مَا وُضِعَتْ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الضَّعْفِ وَالْكِبَرِ.
وَفِي الْمُجْتَبَى قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَعْتَمِدَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ شَيْخًا كَانَ أَوْ شَابًّا، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
(وَالثَّانِيَةُ) أَيْ الرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ (كَالْأُولَى) أَيْ يَفْعَلُ فِيهَا مَا يَفْعَلُ فِي الْأُولَى (إلَّا أَنَّهُ لَا يُثْنِي) ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ فِي أَوَّلِ الْعِبَادَةِ دُونَ أَثْنَائِهَا.
(وَلَا يَتَعَوَّذُ) ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ فِي أَوَّلِ الْقِرَاءَةِ لِدَفْعِ الْوَسْوَسَةِ (وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا فِي فَقْعَسَ صَمْعَجَ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي ثَمَانِيَةِ مَوَاطِنَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَقُنُوتِ الْوِتْرِ وَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ وَعِنْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ وَعِنْدَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَعِنْدَ الْمَوْقِفَيْنِ وَعِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ» فَلِكُلٍّ حَرْفٌ
стр. 99
مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ إشَارَةٌ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى التَّرْتِيبِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَرْفَعُ فِي الرُّكُوعِ وَفِي الرَّفْعِ مِنْهُ.
(فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ افْتَرَشَ) أَيْ بَسَطَ عَلَى الْأَرْضِ (رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَجَلَسَ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الرِّجْلِ.
(وَنَصَبَ يُمْنَاهُ) مِنْ الرِّجْلِ (نَصْبًا وَوَجَّهَ أَصَابِعَهَا نَحْوَ الْقِبْلَةِ) بِقَدْرِ مَا اسْتَطَاعَ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَقْعُدُ الْقَعْدَتَيْنِ عَلَى هَذَا» .
(وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ) بِحَيْثُ تَكُونُ أَطْرَافُ الْأَصَابِعِ عِنْدَ الرُّكْبَةِ (وَبَسَطَ أَصَابِعَهُ مُوَجَّهَةً نَحْوَ الْقِبْلَةِ) وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّ السُّنَّةَ عِنْدَهُ أَنْ يَعْقِدَ الْخِنْصِرَ وَالْبِنْصِرَ وَيُحَلِّقَ الْوُسْطَى وَالْإِبْهَامَ وَيُشِيرَ بِالسَّبَّابَةِ عِنْدَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَمِثْلُ هَذَا جَاءَ عَنْ عُلَمَائِنَا أَيْضًا.
(وَقَرَأَ) أَيْ الْمُصَلِّي (تَشَهُّدَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁) وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَشَهُّدِ غَيْرِهِ مِنْ وُجُوهٍ تُذْكَرُ فِي الْمُطَوَّلَاتِ فَلْيُطْلَبْ مِنْهَا (وَهُوَ التَّحِيَّاتُ) أَيْ الْعِبَادَاتُ الْقَوْلِيَّةُ (لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ) أَيْ: الْعِبَادَاتُ الْفِعْلِيَّةُ لِلَّهِ (وَالطَّيِّبَاتُ) أَيْ الْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةُ لِلَّهِ تَعَالَى (السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) قِيلَ لَمَّا أَثْنَى النَّبِيُّ ﵊ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ ﵊ بِمُقَابَلَةِ التَّحِيَّاتِ السَّلَامَ وَالرَّحْمَةَ بِمُقَابَلَةِ الصَّلَوَاتِ وَالْبَرَكَاتِ أَيْ النَّمَاءَ وَالزِّيَادَةَ بِمُقَابَلَةِ الطَّيِّبَاتِ (السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) وَهَذَا السَّلَامُ مَقُولُ النَّبِيِّ ﵊ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ (أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) أَيْ أَعْلَمُ وَأَتَيَقَّنُ أُلُوهِيَّةَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَعُبُودِيَّةَ مُحَمَّدٍ ﵊ وَرِسَالَتَهُ.
(وَلَا يَزِيدُ) شَيْئًا (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى التَّشَهُّدِ وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ، وَهَذَا فِي الْفَرَائِضِ وَأَمَّا فِي التَّطَوُّعِ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ (فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى) ؛ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ فِيهَا.
(وَيَقْرَأُ فِيمَا بَعْدَ) الرَّكْعَتَيْنِ (الْأُولَيَيْنِ) وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ لِيَدْخُلَ فِيهِ الْفَرْدُ الثَّالِثُ مِنْ الْمَغْرِبِ (الْفَاتِحَةَ خَاصَّةً) أَيْ لَا يَضُمُّ مَعَهَا السُّورَةَ، وَلَوْ ضَمَّ فَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَلَمْ يَذْكُرْ التَّسْمِيَةَ وَالتَّأْمِينَ اعْتِمَادًا عَلَى تَبَعِيَّةِ الْفَاتِحَةِ.
(وَهِيَ) أَيْ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ (أَفْضَلُ وَإِنْ سَبَّحَ)
стр. 100
بِقَدْرِهَا أَوْ ثَلَاثَ تَسْبِيحَاتٍ (أَوْ سَكَتَ) بِقَدْرِهَا أَوْ بِقَدْرِ ثَلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ (جَازَ) وَقِيلَ: إنَّ الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا وَاجِبَةٌ حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا عَمْدًا كَانَ مُسِيئًا وَلَوْ سَاهِيًا سَجَدَ لِلسَّهْوِ.
(وَالْقُعُودُ الثَّانِي كَالْأَوَّلِ) فِي افْتِرَاشِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصْبِ الْيُمْنَى، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّهُ يَتَوَرَّكُ فِيهَا فَالتَّشْبِيهُ فِي الْكَيْفِيَّةِ لَا فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقُعُودَ فَرْضٌ، وَالْأَوَّلُ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ، وَلَوْ قَالَ: وَالْقُعُودُ فِي الْأَخِيرِ كَالْقُعُودِ فِي الْأَوَّلِ لَكَانَ أَحْسَنَ لِيَتَنَاوَلَ الْقُعُودَ فِي الْفَجْرِ وَقُعُودَ الْمُسَافِرِ كَمَا فِي الْمَطْلَبِ (وَالْمَرْأَةُ تَتَوَرَّكُ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْقَعْدَتَيْنِ (وَهُوَ) أَيْ التَّوَرُّكُ (أَنْ تَجْلِسَ عَلَى أَلْيَتِهَا) بِالْفَتْحِ (الْيُسْرَى وَتُخْرِجَ كِلْتَا رِجْلَيْهَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ) ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا، وَتَضُمَّ فَخِذَيْهَا وَتَجْعَلَ السَّاقَ الْيُمْنَى عَلَى السَّاقِ الْيُسْرَى كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ.
(فَإِذَا أَتَمَّ) الْمُصَلِّي (التَّشَهُّدَ فِيهِ) أَيْ فِي الْقُعُودِ الثَّانِي (صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَنَا وَفَرْضٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﵊ وَاجِبَةٌ عَلَى الْإِنْسَانِ مَرَّةً إنْ شَاءَ جَعَلَهَا فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا.
وَعَنْ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ كُلَّمَا ذُكِرَ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: وَمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ فَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﵊ كُلَّمَا ذُكِرَ مُسْتَحَبَّةٌ وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَكَيْفِيَّةُ الصَّلَاةِ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُقَالَ: وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ كَمَا رَحِمْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ تَقْصِيرًا لِلْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؛ إذْ الرَّحْمَةُ تَكُونُ بِإِتْيَانِ مَا يُلَامُ عَلَيْهِ، وَالصَّحِيحُ أَنْ لَا يُكْرَهَ كَذَا قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ.
(وَدَعَا) بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﵊ لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (بِمَا شَاءَ مِمَّا يُشْبِهُ أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ) نَحْوَ ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا﴾ [الحشر: ١٠] الْآيَةَ وَ ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣] الْآيَةَ وَ ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ [آل عمران: ١٩٢] الْآيَةَ.
(وَالْأَدْعِيَةَ الْمَأْثُورَةَ) يَجُوزُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى أَلْفَاظَ وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْقُرْآنِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ نَحْوَ «اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك وَارْحَمْنِي إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» ، وَنَحْوَ «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ الْخَيْرِ كُلِّهِ مَا عَلِمْت مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ وَأَعُوذُ بِك مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ مَا عَلِمْت مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ» (لَا) يَدْعُو (بِمَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ) نَحْوَ اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي مَالًا
стр. 101
وَاَللَّهُمَّ زَوِّجْنِي فُلَانَةَ وَاَللَّهُمَّ اقْضِ دَيْنِي الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَا يَسْتَحِيلُ السُّؤَالُ مِنْ النَّاسِ فَلَيْسَ بِكَلَامِهِمْ وَمَا لَا يَسْتَحِيلُ مِنْهُمْ فَهُوَ كَلَامُهُمْ فَيُفْسِدُ الصَّلَاةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ فِي الصَّلَاةِ بِكُلِّ مَا جَازَ خَارِجَهَا، وَلَوْ قَالَ لَا بِمَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ لَكَانَ مُنَاسِبًا لِمَا قَبْلَهُ تَدَبَّرْ.
(ثُمَّ يُسَلِّمُ) الْمُصَلِّي (عَنْ يَمِينِهِ مَعَ الْإِمَامِ) كَمَا فِي التَّحْرِيمَةِ وَعِنْدَهُمَا بَعْدَهُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ (فَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ) إلَى جَانِبَيْهِ وَالسُّنَّةُ أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ أَخْفَضَ مِنْ الْأُولَى وَلَا يَقُولُ: وَبَرَكَاتُهُ.
(وَ) يُسَلِّمُ (عَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ) خِلَافًا لِمَالِكٍ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ مَرَّةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ يُسَلِّمُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ» وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدَّيْهِ» وَلَوْ سَلَّمَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ يُصْرَفُ ذَلِكَ عِنْدَنَا إلَى الْيَمِينِ فَيُعِيدُهُ عَنْ يَسَارِهِ.
(وَيَنْوِي الْإِمَامُ بِهِ) أَيْ بِالتَّسْلِيمِ (مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ مِنْ الْحَفَظَةِ) وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ النِّيَّةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْوِي الْكِرَامَ الْكَاتِبِينَ، وَهُمَا اثْنَانِ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِهِ وَوَاحِدٌ عَنْ شِمَالِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنْ يَنْوِيَ الْحَفَظَةَ وَلَا يَنْوِيَ عَدَدًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ بِطَرِيقِ الْإِحَاطَةِ؛ لِأَنَّ الْآثَارَ قَدْ اخْتَلَفَتْ فَقِيلَ: مَعَ كُلٍّ مَلَكَانِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ خَمْسَةٌ وَقِيلَ سِتُّونَ وَقِيلَ مِائَةٌ وَسِتُّونَ (وَالنَّاسَ الَّذِينَ) كَانُوا (مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ) فَلَا يَنْوِي مَنْ لَا شَرِكَةَ لَهُ فِي صَلَاتِهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ يَنْوِي جَمِيعَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَقِيلَ: لَا يَنْوِي النِّسَاءَ فِي زَمَانِنَا لِعَدَمِ حُضُورِهِنَّ الْجَمَاعَةَ وَلَوْ قَدَّمَ الْبَشَرَ عَلَى الْمَلَكِ لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ خَوَاصَّ الْبَشَرِ وَأَوْسَاطَهُ أَفْضَلُ مِنْ خَوَاصِّ الْمَلَكِ وَأَوْسَاطِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ فَلَا دَلَالَةَ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْمُقَدَّمِ.
(وَالْمُقْتَدِي كَذَلِكَ) أَيْ يَنْوِي فِي جِهَتَيْهِ الْحَفَظَةَ وَالنَّاسَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ (وَيَنْوِي) الْمُقْتَدِي أَيْضًا (إمَامَهُ فِي الْجَانِبِ الَّذِي هُوَ) أَيْ الْإِمَامُ (فِيهِ) أَيْ ذَلِكَ الْجَانِبِ يَعْنِي إنْ كَانَ الْإِمَامُ عَنْ يَمِينِهِ نَوَاهُ فِي التَّسْلِيمِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ فِي شِمَالِهِ نَوَاهُ فِي الثَّانِي، وَإِنَّمَا خَصَّ الْإِمَامَ بِالنِّيَّةِ مَعَ دُخُولِهِ فِي الْحَاضِرِينَ؛ لِأَنَّهُ أَحْسَنَ إلَيْهِ بِالْتِزَامِ صَلَاتِهِ صِحَّةً وَفَسَادًا.
(وَفِيهِمَا إنْ حَاذَاهُ) أَيْ إنْ كَانَ الْمَأْمُومُ مُحَاذِيًا لِلْإِمَامِ نَوَاهُ فِي التَّسْلِيمَتَيْنِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ حَظًّا مِنْ الْجَانِبَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: نَوَاهُ فِي الْأُولَى فَقَطْ (وَ) يَنْوِي (الْمُنْفَرِدُ الْحَفَظَةَ) فِي الْجَانِبَيْنِ (فَقَطْ) إذْ لَيْسَ مَعَهُ سِوَاهُمْ لَا يَصِحُّ خِطَابُ الْغَائِبِ.
وَفِي الْجَامِعِ الْأَصْغَرِ: يَنْوِي رِجَالَ الْعَالَمِ وَنِسَاءَهُ، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يَنْوِيَ لِلتَّسْلِيمَتَيْنِ جَمِيعَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي أَحْكَام الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاة]
فَصْلٌ
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ صِفَةِ الصَّلَاةِ وَكَيْفِيَّتِهَا وَأَرْكَانِهَا وَفَرَائِضِهَا وَوَاجِبَاتِهَا
стр. 102
وَسُنَّتِهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْقِرَاءَةِ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ لِزِيَادَةِ أَحْكَامٍ تَعَلَّقَتْ بِهَا دُونَ سَائِرِ الْأَرْكَانِ وَابْتَدَأَ بِذِكْرِ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ دُونَ ذِكْرِ الْقَدْرِ؛ لِأَنَّ الْجَهْرَ وَالْإِسْرَارَ وَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمِقْدَارُ الزَّائِدُ عَلَى الرُّكْنِ سُنَّةٌ (يَجْهَرُ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْفَجْرِ وَأُولَيَيْ الْعِشَاءَيْنِ) يَعْنِي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ تَغْلِيبًا (أَدَاءً وَقَضَاءً) هُوَ قَيْدٌ لِلثَّلَاثِ الْأَخِيرَةِ فَلَا يَجْهَرُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِنْ كَانَ بِعَرَفَاتٍ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَأْثُورُ الْمُتَوَارَثُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ إلَى هَذَا الزَّمَانِ خِلَافًا لِمَالِكٍ فِيهَا.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمِنَحِ: وَيَجْهَرُ فِي تَرَاوِيحَ وَوِتْرٍ بَعْدَهَا وَقَيَّدْنَا الْوِتْرَ بِكَوْنِهِ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجْهَرُ فِي الْوِتْرِ إذَا كَانَ فِي رَمَضَانَ لَا فِي غَيْرِهِ كَمَا أَفَادَهُ ابْنُ النُّجَيْمِ فِي بَحْرِهِ وَهُوَ وَارِدٌ عَلَى إطْلَاقِ الزَّيْلَعِيِّ الْجَهْرَ فِي الْوِتْرِ إذَا كَانَ إمَامًا انْتَهَى وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا صَلَّى الْوِتْرَ فِي رَمَضَانَ يَجْهَرُ سَوَاءٌ كَانَ صَلَّى التَّرَاوِيحَ أَوْ لَمْ يُصَلِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فَفِي تَقْيِيدِهِ بِبَعْدِهَا وَإِيرَادِهِ عَلَى إيرَادِ الزَّيْلَعِيِّ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الْوِتْرِ بِالْجَمَاعَةِ لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ إلَّا مَعَ الْكَرَاهَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْإِمَامَةُ لَا تُتَصَوَّرُ بِغَيْرِ الْجَمَاعَةِ فَيَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ فِيهِ فَالْإِطْلَاقُ يَكُونُ فِي مَحَلِّهِ تَدَبَّرْ.
(وَخُيِّرَ الْمُنْفَرِدُ) بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ (فِي نَفْلِ اللَّيْلِ) ؛ لِأَنَّ النَّوَافِلَ أَتْبَاعُ الْفَرَائِضِ لِكَوْنِهَا مُكَمِّلَاتٍ لَهَا فَيُخَيَّرُ فِيهَا كَمَا يُخَيَّرُ فِي الْفَرَائِضِ، وَإِنْ كَانَ إمَامًا جَهَرَ لِمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهَا أَتْبَاعُ الْفَرَائِضِ؛ وَلِهَذَا يُخْفِي فِي نَوَافِلِ النَّهَارِ، وَلَوْ كَانَ إمَامًا.
(وَفِي الْفَرْضِ الْجَهْرِيِّ إنْ كَانَ فِي وَقْتِهِ) أَيْ إذَا أَرَادَ الْمُنْفَرِدُ أَدَاءَ الْجَهْرِيِّ خُيِّرَ إنْ شَاءَ جَهَرَ لِكَوْنِهِ إمَامَ نَفْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ؛ إذْ لَيْسَ خَلْفَهُ مَنْ يُسْمِعُهُ.
(وَفُضِّلَ الْجَهْرُ) لِيَكُونَ الْأَدَاءُ عَلَى هَيْئَةِ الْجَمَاعَةِ وَرُوِيَ أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ صَلَّتْ بِصَلَاتِهِ صُفُوفٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ وَقَيَّدَ بِالْجَهْرِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَيَّرُ فِي غَيْرِهِ بَلْ يُخَافِتُ حَتْمًا وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ: إنْ كَانَ فِي وَقْتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُنْفَرِدَ إذَا قَضَى الْجَهْرَ يُخَافِتُ وَلَا يَتَخَيَّرُ حَتَّى قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِشَاءِ فَصَلَّاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إنْ أَمَّ فِيهَا جَهَرَ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ خَافَتَ وَلَا يَتَخَيَّرُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْجَهْرَ يَخْتَصُّ إمَّا بِالْجَمَاعَةِ حَتْمًا أَوْ بِالْوَقْتِ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ، وَلَمْ يُوجَدْ أَحَدُهُمَا انْتَهَى لَكِنْ هَذَا الْحُصْرُ مَمْنُوعٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِلْجَهْرِ سَبَبٌ آخَرُ وَهُوَ مُوَافَقَةُ الْأَدَاءِ كَمَا اخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَفِي الْخَانِيَّةِ: هُوَ الصَّحِيحُ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ: هُوَ الْأَصَحُّ.
(وَيُخْفِيَانِ) أَيْ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ (حَتْمًا) أَيْ وُجُوبًا (فِيمَا سِوَى ذَلِكَ) أَيْ فِيمَا سِوَى الْمَذْكُورَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ التَّرَاوِيحَ وَالْوِتْرَ لِعَدَمِ الْتِفَاتِهِ إلَى مَا سِوَى الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ الْمُسْتَقِلَّةِ.
(وَأَدْنَى الْجَهْرِ) فِي حَقِّ الْإِمَامِ (إسْمَاعُ غَيْرِهِ) أَيْ أَحَدًا سِوَاهُ فَإِنَّ الْغَيْرَ بِمَعْنَى الْمُغَايَرَةِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَأَعْلَاهُ أَنْ يُسْمِعَ الْكُلَّ لَكِنْ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَجْتَهِدَ نَفْسَهُ بِالْجَهْرِ، فَإِنَّ سَمَاعَ بَعْضِ الْقَوْمِ يَكْفِي كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُ إسْمَاعُ الْكُلِّ فَلَوْ سَمِعَ رَجُلَانِ فِي الْمُخَافَتَةِ لَمْ يَكُنْ
стр. 103
جَهْرًا لَا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ لَوْ كَانُوا كَثِيرًا وَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُسْمِعَ الْكُلَّ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُخَافَتَةً.
(وَأَدْنَى الْمُخَافَتَةِ إسْمَاعُ نَفْسِهِ) فَقَطْ وَهُوَ قَوْلُ الْهِنْدُوَانِيِّ وَعَلَى أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ (فِي الصَّحِيحِ) احْتِرَازٌ عَمَّا قِيلَ: إنَّ أَدْنَى الْجَهْرِ إسْمَاعُ نَفْسِهِ وَأَدْنَى الْمُخَافَتَةِ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ وَهُوَ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ وَصَحَّحَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَقَالَ: هُوَ الْأَقْيَسُ وَفِي قَوْلِهِ أَدْنَى إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ غَيْرُ سَاقِطٍ عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبَارِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ أَعْلَى الْمُخَافَتَةِ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
(وَكَذَا كُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّطْقِ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَغَيْرِهَا) مِنْ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالْإِيلَاءِ وَالْيَمِينِ أَيْ أَدْنَى الْمُخَافَتَةِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إسْمَاعُ نَفْسِهِ حَتَّى لَوْ طَلَّقَ بِحَيْثُ صَحَّحَ الْحُرُوفَ، وَلَكِنْ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ لَا يَقَعُ، وَلَوْ طَلَّقَ جَهْرًا وَوَصَلَ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ بِحَيْثُ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ عَنْ الْهِنْدُوَانِيِّ خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ.
(وَلَوْ تَرَكَ سُورَةَ أُولَيَيْ الْعِشَاءِ) بِأَنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فَقَطْ (قَضَاهَا) أَيْ السُّورَةَ (فِي الْأُخْرَيَيْنِ مَعَ الْفَاتِحَةِ) أَيْ مُقَارِنًا بِفَاتِحَةِ الْأُخْرَيَيْنِ (وَجَهَرَ بِهِمَا) وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ شَنِيعٌ.
(وَلَوْ تَرَكَ فَاتِحَتَهُمَا) أَيْ فَاتِحَةَ الْأُولَيَيْنِ (لَا يَقْضِيهَا) فِي الْأُخْرَيَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَرَأَهَا فِيهِمَا يَلْزَمُ تَكْرَارُ الْفَاتِحَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَذَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ هَذَا عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَقْضِي وَاحِدَةً مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ إذَا فَاتَ عَنْ وَقْتِهِ لَا يُقْضَى إلَّا بِدَلِيلٍ ثُمَّ الْمَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ وَهُوَ قَوْلُهُ قَرَأَهَا.
وَفِي الْأَصْلِ بِلَفْظِ الِاسْتِحْبَابِ فَقَالَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْضِيَهَا.
(وَفَرْضُ الْقِرَاءَةِ آيَةٌ) يَعْنِي مَا يُؤَدَّى بِهِ فَرْضُ الْقِرَاءَةِ آيَةٌ عِنْدَ الْإِمَامِ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْآيَةُ قَصِيرَةً هِيَ كَلِمَتَانِ أَوْ كَلِمَاتٌ فَتَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْمَشَايِخِ، وَأَمَّا مَا هِيَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ كَمُدْهَامَّتَانِ أَوْ حَرْفٌ كَصّ كَمَا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى عَادًّا لَا قَارِئًا وَفِي الْفَتْحِ: كَوْنُ (ص) حَرْفًا غَلَطٌ بَلْ الْحَرْفُ مُسَمًّى ذَلِكَ وَهُوَ لَيْسَ الْمَقْرُوءُ بَلْ الْمَقْرُوءُ هُوَ الِاسْمُ أَعْنِي (ص) كَلِمَةً انْتَهَى وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ مَا هُوَ الْمَكْتُوبُ فِي الْمَصَاحِفِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ حَرْفٌ غَايَتُهُ أَنْ لَا يُتَصَوَّرُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ إلَّا بِالِاسْمِ، وَلَوْ قَرَأَ نِصْفَ آيَةٍ طَوِيلَةٍ فِي رَكْعَةٍ وَنِصْفَهَا فِي أُخْرَى قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الطَّوِيلِ يَعْدِلُ ثَلَاثَ آيَاتٍ قِصَارٍ فَلَا يَكُونُ أَدْنَى مِنْ آيَةٍ.
وَلَوْ قَرَأَ نِصْفَ آيَةٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ كَلِمَةً وَاحِدَةً مِرَارًا حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرَ آيَةٍ تَامَّةٍ لَا يَجُوزُ (وَقَالَا: ثَلَاثُ آيَاتٍ قِصَارٍ أَوْ آيَةٌ طَوِيلَةٌ) تَعْدِلُهَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْقِرَاءَةِ وَبِمَا دُونَ هَذَا الْقَدْرِ لَا يُسَمَّى قَارِئًا عُرْفًا فَأَشْبَهَ بِمَا دُونَ الْآيَةِ وَلَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ إلَّا أَنَّ مَا دُونَ الْآيَةِ خَارِجٌ
стр. 104
إجْمَاعًا فَيَكُونُ الْآيَةُ مُرَادَةً، وَهَذَا الْخِلَافُ رَاجِعٌ إلَى أَصْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ وَهُوَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْمُسْتَعْمَلَةَ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ عِنْدَهُ وَالْعَكْسُ أَوْلَى عِنْدَهُمَا.
(وَسُنَّتُهَا) أَيْ الْقِرَاءَةِ (فِي السَّفَرِ عَجَلَةً) بِفَتْحَتَيْنِ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَيْ وَقْتَ الْعَجَلَةِ وَقِيلَ عَلَى الْحَالِيَّةِ مِنْ فَاعِلِ السَّفَرِ، وَفِيهِ أَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَقَعُ حَالًا بِلَا تَأْوِيلٍ (الْفَاتِحَةُ وَأَيُّ سُورَةٍ شَاءَ) مِنْ الْقِصَارِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ «قَرَأَ النَّبِيُّ ﵊ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ» .
(وَأَمَنَةً) بِالْفَتَحَاتِ أَيْ وَقْتَ الْأَمْنِ (نَحْوَ الْبُرُوجِ وَانْشَقَّتْ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (فِي الْفَجْرِ) لِإِمْكَانِ مُرَاعَاةِ السُّنَّةِ بِذَلِكَ مَعَ التَّخْفِيفِ، وَكَذَا فِي الظُّهْرِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَالْعِشَاءِ نَحْوَ الطَّارِقِ وَالشَّمْسِ، وَفِيمَا عَدَاهُمَا نَحْوَ الْإِخْلَاصِ.
(وَفِي الْحَضَرِ) حَالَ السَّعَةِ (أَرْبَعُونَ آيَةً أَوْ خَمْسُونَ) سِوَى الْفَاتِحَةِ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَيُرْوَى مِنْ أَرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ وَمِنْ سِتِّينَ إلَى مِائَةٍ لِلْأَثَرِ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَوَفَّقُوا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ فَقِيلَ: أَرْبَعُونَ لِلْكُسَالَى، وَإِلَى سِتِّينَ لِلْأَوْسَاطِ وَإِلَى مِائَةٍ لِلرَّاغِبِينَ، وَقِيلَ يُنْظَرُ إلَى طُولِ اللَّيَالِي وَقِصَرِهَا، وَقِيلَ إلَى طُولِ الْآيَاتِ وَقِصَرِهَا، وَقِيلَ إلَى قِلَّةِ الِاشْتِغَالِ وَكَثْرَتِهَا، وَقِيلَ إلَى خِفَّةِ النَّفْسِ وَثِقَلِهَا، وَقِيلَ: إلَى حُسْنِ الصَّوْتِ وَقُبْحِهِ،، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُحْتَرَزُ عَمَّا يُنَفِّرُ الْقَوْمَ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى تَقْلِيلِ الْجَمَاعَةِ (وَاسْتَحْسَنُوا طِوَالَ الْمُفَصَّلِ فِيهَا) أَيْ فِي الْفَجْرِ.
(وَفِي الظُّهْرِ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي سَعَةِ الْوَقْتِ، وَقِيلَ: فِي الظُّهْرِ دُونَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ شُغْلٍ تَحَرُّزًا عَنْ الْمَلَالِ، وَطِوَالٌ جَمْعُ طَوِيلَةٍ وَالْمُفَصَّلُ السُّبْعُ الْأَخِيرُ مِنْ الْقُرْآنِ سُمِّيَ بِهِ لِكَثْرَةِ الْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَقِيلَ: لِقِلَّةِ الْمَنْسُوخِ.
(وَأَوْسَاطُهُ فِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ وَقِصَارُهُ فِي الْمَغْرِبِ) هَكَذَا كَتَبَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَلَا تُعْرَفُ الْمَقَادِيرُ إلَّا سَمَاعًا ثُمَّ أَشَارَ إلَى بَيَانِ الْمُفَصَّلِ مَعَ أَقْسَامِهِ بِقَوْلِهِ.
(وَمِنْ الْحُجُرَاتِ إلَى الْبُرُوجِ طِوَالٌ) قَالَ ذَلِكَ الْحَلْوَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقِيلَ مِنْ سُورَةِ الْقِتَالِ، وَقِيلَ مِنْ (ق) ، وَقِيلَ مِنْ الْجَاثِيَةِ (وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ الْبُرُوجِ (إلَى " لَمْ يَكُنْ " أَوْسَاطٌ وَمِنْهَا) أَيْ وَمِنْ " لَمْ يَكُنْ " (إلَى الْآخِرِ) أَيْ آخِرِ الْقُرْآنِ (قِصَارٌ) .
وَفِي النِّهَايَةِ مِنْ الْحُجُرَاتِ إلَى عَبَسَ ثُمَّ التَّكْوِيرِ إلَى وَالضُّحَى ثُمَّ الِانْشِرَاحِ إلَى الْآخِرِ (وَفِي الضَّرُورَةِ بِقَدْرِ الْحَالِ) يَعْنِي يَقْرَأُ بِقَدْرِ مَا اقْتَضَاهُ الْحَالُ إذَا اُضْطُرَّ إلَى التَّعْجِيلِ.
(وَتُطَالُ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الْفَجْرِ فَقَطْ) بَيَانٌ لِلسُّنَّةِ، وَهَذَا يَعْنِي إطَالَةَ الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الْفَجْرِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِلتَّوَارُثِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ إعَانَةِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى إدْرَاكِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ، وَفِي قَوْلِهِ فَقَطْ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا تَطْوِيلَ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ.
(وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي الْكُلِّ)
стр. 105
لِأَنَّ التَّطْوِيلَ فِي الْفَجْرِ لِلْإِعَانَةِ عَلَى إدْرَاكِ النَّاسِ الْجَمَاعَةَ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ لَكِنْ هَذَا فِي حَالِ الْيَقَظَةِ فَلَا يُقَاسُ عَلَى الْفَجْرِ لِوُجُودِ الْفَارِقِ قَالَ الْمَرْغِينَانِيُّ: تُعْتَبَرُ الْآيُ إنْ كَانَتْ مُتَقَارِبَةً فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ وَإِنْ كَانَتْ مُتَفَاوِتَةً تُعْتَبَرُ الْكَلِمَاتُ وَالْحُرُوفُ، وَلَا يُعْتَبَرُ بِمَا دُونَ ثَلَاثَةِ آيَاتٍ، وَقِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّفَاوُتُ بِالثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ الثُّلُثَانِ فِي الْأُولَى، وَالثُّلُثُ فِي الثَّانِيَةِ وَهَذَا بَيَانُ الِاسْتِحْبَابِ، وَأَمَّا بَيَانُ الْحُكْمِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ كَانَ فَاحِشًا سَوَاءٌ فِي الْأُولَى أَوْ فِي الثَّانِيَةِ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْرَأَ سُورَةً فِي الْأُولَى وَيُعِيدَهَا فِي الثَّانِيَةِ.
(وَلَا يَتَعَيَّنُ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ لِصَلَاةٍ بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ) احْتِرَازٌ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ عَيَّنَ الْفَاتِحَةَ لِجَوَازِ الصَّلَاةِ، حَتَّى لَا يَجُوزَ إذَا لَمْ يَقْرَأْهَا لِحَدِيثِ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] فَلَا تَثْبُتُ الزِّيَادَةُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْمَقْصُودُ التَّعْظِيمُ.
(وَكُرِهَ التَّعْيِينُ) أَيْ تَعْيِينُ سُورَةٍ لِلصَّلَاةِ مِثْلَ أَنْ يَقْرَأَ الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةَ وَهَلْ أَتَى فِي الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالُوا هَذَا إذَا رَآهُ حَتْمًا إمَّا لَوْ فَعَلَهَا لِأَجْلِ التَّبَرُّكِ أَوْ لِبَعْضِ الْخَصَائِصِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَلَكِنْ يَتْرُكُهَا أَحْيَانًا وَيَقْرَأُ غَيْرَهَا، وَهَذَا كَتَعْيِينِ مَكَان مَخْصُوصٍ فِي مَسْجِدٍ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُدَاوَمَةَ مَكْرُوهَةٌ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْكَرَاهَةِ لَمْ يُفَصَّلْ، وَهُوَ إيهَامُ التَّفْضِيلِ، وَهَجْرُ الْبَاقِي، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُكْرَهُ بَلْ يُسْتَحَبُّ.
(وَلَا يَقْرَأُ الْمُؤْتَمُّ) خَلْفَ الْإِمَامِ فِي السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ (بَلْ يَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ) مِنْ الْإِنْصَاتِ بِمَعْنَى السُّكُوتِ خِلَافًا لِلشَّافِعِي فَإِنَّهُ يَقُولُ يَجِبُ عَلَى الْمُؤْتَمِّ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَمَعَ الْإِمَامِ فِي السِّرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ مِنْ الْأَرْكَانِ فَيَشْتَرِكَانِ، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانُوا يَقْرَءُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَنَزَلَتْ.
وَقَالَ أَحْمَدُ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الصَّلَاةِ وَقَوْلُهُ ﵊ «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَهُوَ رُكْنٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا لَكِنَّ حَظَّ الْمُقْتَدِي الْإِنْصَاتُ وَالِاسْتِمَاعُ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَا يُرْوَى عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ اسْتَحْسَنَ فِيمَا لَا يَجْهَرُ احْتِيَاطًا (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (قَرَأَ إمَامُهُ آيَةَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِمَاعَ فَرْضٌ بِالنَّصِّ، وَسُؤَالُ الْجَنَّةِ وَالتَّعَوُّذُ مِنْ النَّارِ كُلُّ ذَلِكَ مُخِلٌّ بِهِ (أَوْ خَطَبَ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَرَأَ لَمَّا كَانَتْ الْخُطْبَةُ قَائِمَةً مَقَامَ رَكْعَتَيْ الظُّهْرِ نَزَّلَ مَنْ حَضَرَهَا مَنْزِلَ الْمُؤْتَمِّ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ ثُمَّ إنَّ الْخُطْبَةَ الَّتِي يَجِبُ اسْتِمَاعُهَا فَهِيَ ذِكْرُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْخُلَفَاءِ وَالْأَتْقِيَاءِ وَالْمَوَاعِظِ وَأَمَّا مَا عَدَاهَا مِنْ ذِكْرِ الظَّلَمَةِ فَخَارِجٌ عَنْهَا.
وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّ التَّبَاعُدَ مِنْ الْإِمَامِ أَوْلَى عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَيْ لَا يَسْمَعَ مَدْحَ الظَّلَمَةِ (أَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ )
стр. 106
لِفَرْضِيَّةِ الِاسْتِمَاعِ إلَّا إذَا قَرَأَ قَوْله تَعَالَى ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الْآيَةَ فَيُصَلِّي سِرًّا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ (وَالنَّائِي) أَيْ الْبَعِيدُ الَّذِي لَا يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ (وَالدَّانِي) أَيْ الْقَرِيبُ (سَوَاءٌ) فِي وُجُوبِ الِاسْتِمَاعِ وَالْإِنْصَاتِ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ.
[فَصْلٌ الْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ]
فَصْلٌ
(الْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) أَيْ قَرِيبَةٌ مِنْ الْوَاجِبِ حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا أَهْلُ مِصْرٍ لَقُوتِلُوا وَإِذَا تَرَكَ وَاحِدٌ ضُرِبَ وَحُبِسَ وَلَا يُرَخَّصُ لِأَحَدٍ تَرْكُهَا إلَّا لِعُذْرٍ مِنْهُ الْمَطَرُ وَالطِّينُ وَالْبَرْدُ الشَّدِيدُ وَالظُّلْمَةُ الشَّدِيدَةُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا فَرِيضَةٌ ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِيهَا فِي قَوْلٍ عَنْهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَهُوَ أَيْضًا رِوَايَةٌ عَنْهُمَا.
وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فَرْضُ عَيْنٍ وَهُوَ أَيْضًا رِوَايَةٌ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِنَا وَلَكِنْ غَيْرُ شَرْطٍ لِجَوَازِهَا فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ صَلَّى بِغَيْرِ جَمَاعَةٍ وَلَكِنْ يَأْثَمُ فَيَؤُولُ إلَى كَوْنِ الْمُرَادِ بِهِ الْوُجُوبَ.
وَفِي الْمُفِيدِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَتَسْمِيَتُهَا سُنَّةً لِوُجُوبِهَا بِالسُّنَّةِ لَكِنْ إنْ فَاتَتْهُ جَمَاعَةٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَبُ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ.
وَفِي الْجَوْهَرَةِ: لَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ بِزَوْجَتِهِ أَوْ وَلَدِهِ فَقَدْ أَتَى بِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ.
[أَوْلَى النَّاسِ بِالْإِمَامَةِ]
(وَأَوْلَى النَّاسِ بِالْإِمَامَةِ أَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ) أَيْ بِمَا يُصْلِحُ الصَّلَاةَ وَيُفْسِدُهَا وَقَيَّدَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ تَقْدِيمَ الْأَعْلَمِ بِغَيْرِ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ، وَأَمَّا الرَّاتِبُ فَهُوَ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَفْقَهَ مِنْهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْكَلَامُ فِي أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي نَصْبِ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ.
وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ: وَصَاحِبُ الْبَيْتِ أَوْلَى، وَكَذَا إمَامُ الْحَيِّ إلَّا إذَا كَانَ الضَّعِيفُ ذَا سُلْطَانٍ (ثُمَّ) أَيْ بَعْدَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْعِلْمِ (أَقْرَؤُهُمْ) أَيْ أَعْلَمُهُمْ بِالتَّجْوِيدِ وَالْمُرَاعِي لَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَحْفَظَهُمْ لِلْقُرْآنِ، وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ.
(وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِالْعَكْسِ) فَإِنَّهُ يَقُولُ: الْأَوْلَى أَقْرَؤُهُمْ لِقَوْلِهِ ﵊ «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى» لَهُمَا أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْعِلْمِ أَشَدُّ حَتَّى إذَا عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ أَمْكَنَهُ إصْلَاحُ صَلَاتِهِ فَكَانَ أَوْلَى.
وَفِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ كَانُوا يَتَلَقَّوْنَ الْقُرْآنَ بِأَحْكَامِهِ فَكَانَ أَقْرَؤُهُمْ أَعْلَمَهُمْ.
وَفِي زَمَانِنَا أَنَّهُ أَكْثَرُ مَنْ يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ لَا حَظَّ لَهُ مِنْ الْعِلْمِ فَالْأَعْلَمُ أَوْلَى لَكِنْ هَذَا بَعْدَمَا يُحْسِنُ مِنْ الْقِرَاءَةِ قَدْرَ مَا تَقُومُ بِهِ سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ وَلَمْ يُطْعَنْ فِي دِينِهِ، (ثُمَّ أَوَرَعُهُمْ) أَيْ أَشَدُّهُمْ اجْتِنَابًا عَنْ الشُّبُهَاتِ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ صَلَّى خَلْفَ عَالِمٍ تَقِيٍّ فَكَأَنَّمَا صَلَّى خَلْفَ نَبِيٍّ» (ثُمَّ أَسَنُّهُمْ) أَيْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا؛ لِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ الْأَسَنِّ تَكْثِيرَ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ أَخْشَعُ مِنْ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْأَقْدَمُ إسْلَامًا فَعَلَى هَذَا لَا يُقَدَّمُ شَيْخٌ أَسْلَمَ عَلَى شَابٍّ نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ أَسْلَمَ قَبْلَهُ لَكِنْ فِي الْمُحِيطِ مَا يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْبَرَ، وَالْآخَرُ أَوَرَعَ فَالْأَكْبَرُ أَوْلَى إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فِسْقٌ ظَاهِرٌ (ثُمَّ أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا) أَيْ أَحْسَنُهُمْ فِي الْمُعَاشَرَةِ مَعَ إخْوَانِهِ.
وَفِي الْمِعْرَاجِ ثُمَّ أَحْسَنُهُمْ وَجْهًا أَيْ أَكْثَرُهُمْ صَلَاةً بِاللَّيْلِ لِلْحَدِيثِ الشَّرِيفِ «مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ
стр. 107
بِالنَّهَارِ» لَكِنْ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّكَلُّفِ بَلْ يَبْقَى عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ سَمَاحَةَ الْوَجْهِ سَبَبٌ لِكَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ خَلْفَهُ ثُمَّ أَشْرَفُهُمْ نَسَبًا ثُمَّ أَنْظَفُهُمْ ثَوْبًا؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ تَكْثِيرَ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ اسْتَوَوْا يُقْرَعُ أَوْ الْخِيَارُ إلَى الْقَوْمِ.
(وَتُكْرَهُ إمَامَةُ الْعَبْدِ) سَوَاءٌ كَانَ مُعْتَقًا أَوْ غَيْرَهُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ نَقْلًا عَنْ الْخُلَاصَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّغُ لِلتَّعَلُّمِ (وَالْأَعْرَابِيِّ) وَهُوَ الَّذِي يَسْكُنُ الْبَادِيَةَ عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ عَجَمِيًّا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ الْجَهْلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ الْقَوْمِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا تُكْرَهُ إمَامَةُ الْعَرَبِيِّ الْبَلَدِيِّ لَكِنْ فِي الْكَرْمَانِيِّ أَنَّهُ تُكْرَهُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَالْأَعْمَى) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَةَ وَلَا يَهْتَدِي إلَى الْقِبْلَةِ بِنَفْسِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِيعَابِ الْوُضُوءِ غَالِبًا كَمَا فِي الدُّرَرِ وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ غَالِبًا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ بِعَدَمِ التَّقْيِيدِ أَنْ لَا تَجُوزَ الصَّلَاةُ أَصْلًا لِنُقْصَانِ الْوُضُوءِ.
وَفِي الْبُرْهَانِ لَوْ لَمْ يُوجَدْ بَصِيرٌ أَفْضَلُ مِنْهُ يَكُونُ هُوَ أَوْلَى لِاسْتِخْلَافِ النَّبِيِّ ﵊ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ حِينَ خَرَجَ إلَى تَبُوكَ وَكَانَ أَعْمَى.
(وَالْفَاسِقِ) أَيْ الْخَارِجِ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - بِارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُهِمُّ بِأَمْرِ دِينِهِ وَكَذَا إمَامَةُ النَّمَّامِ وَالْمُرَائِي وَالْمُتَصَنِّعِ وَشَارِبِ الْخَمْرِ (وَالْمُبْتَدِعِ) أَيْ صَاحِبِ هَوًى لَا يُكَفَّرُ بِهِ صَاحِبُهُ حَتَّى إذَا كُفِّرَ بِهِ لَمْ تَجُزْ أَصْلًا قَالَ الْمَرْغِينَانِيُّ: تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَ صَاحِبِ هَوًى إلَّا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ خَلْفَ الرَّافِضِيِّ وَالْجُهَنِيِّ وَالْقَدَرِيِّ وَالْمُشَبِّهَةِ، وَمَنْ يَقُولُ: بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَالرَّافِضِيُّ إنْ فَضَّلَ عَلِيًّا فَهُوَ مُبْتَدِعٌ، وَإِنْ أَنْكَرَ خِلَافَةَ الصِّدِّيقِ فَهُوَ كَافِرٌ.
(وَوَلَدِ الزِّنَا) أَيْ لَيْسَ لَهُ أَبٌ يُؤَدِّبُهُ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْجَهْلُ كَمَا فِي الدُّرَرِ لَكِنْ هَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ الْكَرَاهَةِ إذَا كَانَ أَعْلَمَ زَمَانِهِ بَلَى الْأَوْجَهُ تَنَفُّرُ الطَّبْعِ عَنْهُ فَيَلْزَمُ تَقْلِيلُ الْجَمَاعَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي اقْتِدَاءِ الشَّافِعِيِّ وَفِي وِتْرِ النِّهَايَةِ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَفِي الْجَوَاهِرِ فَالْأَحْوَطُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ خَلْفَهُ هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ، وَأَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَتَعَصَّبُ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ فَصْدِهِ وَنَحْوِهِ أَوْ لَمْ يَغْسِلْ ثَوْبَهُ مِنْ الْمَنِيِّ، أَوْ لَمْ يَفْرُكْهُ أَوْ تَوَضَّأَ مِنْ مَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ أَوْ نَجِسٍ أَوْ أَشْبَاهِهَا مِمَّا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ عِنْدَنَا لَا يَجُوزُ اقْتِدَاؤُهُ (فَإِنْ تَقَدَّمُوا جَازَ) لِقَوْلِهِ ﵊ «صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ» ، وَالْفَاسِقُ إذَا تَعَذَّرَ مَنْعُهُ تُصَلَّى الْجُمُعَةُ خَلْفَهُ وَفِي غَيْرِهَا يَنْتَقِلُ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يُصَلِّيَانِ الْجُمُعَةَ خَلْفَ الْحَجَّاجِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ أَفْسَقَ أَهْلِ زَمَانِهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(وَيُكْرَهُ تَطْوِيلُ الْإِمَامِ) عَنْ الْقَدْرِ الْمَسْنُونِ (الصَّلَاةَ) بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا إذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ.
(وَكَذَا) يُكْرَهُ (جَمَاعَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ) ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُنَّ إحْدَى الْمَحْظُورَيْنِ إمَّا قِيَامُ الْإِمَامِ وَسَطَ الصَّفِّ، أَوْ تَقَدُّمُهُ وَهُمَا مَكْرُوهَانِ فِي حَقِّهِنَّ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ إلَّا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَإِنَّهَا لَا تُكْرَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا فَرِيضَةٌ وَلَا تُتْرَكُ بِالْمَحْظُورِ (فَإِنْ فَعَلْنَ) أَيْ إنْ صَلَّيْنَ جَمَاعَةً وَارْتَكَبْنَ الْكَرَاهَةَ (يَقِفُ الْإِمَامُ) الْإِمَامُ مَنْ يُؤْتَمُّ بِهِ أَيْ يُقْتَدَى بِهِ ذَكَرًا كَانَ
стр. 108
أَوْ أُنْثَى فَلِهَذَا لَمْ يُدْخِلْ تَاءَ التَّأْنِيثِ (وَسَطَهُنَّ) ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ فَعَلَتْ كَذَا حِينَ كَانَتْ جَمَاعَتُهُنَّ مُسْتَحَبَّةً ثُمَّ نُسِخَ الِاسْتِحْبَابُ.
وَفِي السِّرَاجِ وَإِنَّمَا أَرْشَدَ إلَى التَّوَسُّطِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ كَرَاهَةً مِنْ التَّقَدُّمِ لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَقِبَهَا عَنْ عَقِبِ مَنْ خَلْفَهَا لِيَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ حَتَّى لَوْ تَأَخَّرَ لَمْ يَصِحَّ وَالْوَسَطُ بِالتَّحْرِيكِ اسْمُ مَا بَيْنَ طَرَفَيْ الشَّيْءِ كَمَرْكَزِ الدَّائِرَةِ وَبِالسُّكُونِ اسْمٌ لِدَاخِلِهَا وَكِلَاهُمَا مُحْتَمَلٌ هَا هُنَا بَلْ الْأَوَّلُ أَوْلَى كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَقَعُ مَوْقِعَ الْآخَرِ، قَالَ الْجَزَرِيُّ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ كَمَا فِي الرَّامُوزِ، وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا قِيلَ، وَلَا يَجُوزُ فَتْحُهَا فَلْيُتَأَمَّلْ (كَالْعُرَاةِ) التَّشْبِيهُ رَاجِعٌ إلَى الْحُكْمِ وَالْكَيْفِيَّةِ لَا مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْعُرَاةِ قُعُودًا أَفْضَلُ دُونَ النِّسَاءِ.
(وَلَا يَحْضُرْنَ الْجَمَاعَاتِ) فِي كُلِّ الصَّلَاةِ نَهَارِيَّةً أَوْ لَيْلِيَّةً لِقَوْلِهِ ﵊ «صَلَاتُهَا فِي قَعْرِ بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي صَحْنِ دَارِهَا وَصَلَاتُهَا فِي صَحْنِ دَارِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي مَسْجِدِهَا وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» وَلِأَنَّهُ لَا تُؤْمَنُ الْفِتْنَةُ مِنْ خُرُوجِهِنَّ (إلَّا الْعَجُوزَ فِي الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) وَكَذَا الْعِيدَيْنِ لِنَوْمِ الْفُسَّاقِ فِي الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ وَاشْتِغَالِهِمْ بِالْأَكْلِ فِي الْمَغْرِبِ وَاتِّسَاعِ الْجَبَّانَةِ فِي الْعِيدَيْنِ فَيُمْكِنُهَا الِاعْتِزَالُ عَنْ الرِّجَالِ هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَقِيلَ الْمَغْرِبُ كَالظُّهْرِ وَالْجُمُعَةُ كَالْعِيدَيْنِ (وَجَوَّزَا) أَيْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ (حُضُورَهَا) أَيْ الْعَجُوزِ (فِي الْكُلِّ) لِانْعِدَامِ الْفِتْنَةِ لِقِلَّةِ الرَّغْبَةِ فِيهِنَّ، لَكِنْ هَذَا الْخِلَافُ فِي زَمَانِهِمْ وَأَمَّا فِي زَمَانِنَا فَيُمْنَعْنَ عَنْ حُضُورِ الْجَمَاعَاتِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَقَيَّدَ بِالْعَجُوزِ؛ لِأَنَّ الشَّابَّةَ لَيْسَ لَهَا الْحُضُورُ اتِّفَاقًا الشَّابَّةُ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ إلَى تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَالْعَجُوزُ مِنْ خَمْسِينَ إلَى آخِرِ الْعُمُرِ.
(وَمَنْ صَلَّى مَعَ وَاحِدٍ أَقَامَهُ عَنْ يَمِينِهِ) أَيْ يَقِفُ الْمُؤْتَمُّ الْوَاحِدُ رَجُلًا أَوْ صَبِيًّا فِي جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ مُسَاوِيًا لَهُ وَلَا يَتَأَخَّرُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَضَعُ أَصَابِعَهُ عِنْدَ عَقِبِ الْإِمَامِ، وَلَوْ قَامَ عَنْ يَسَارِهِ جَازَ وَيُكْرَهُ.
وَفِي كَرَاهَةِ الْقِيَامِ خَلْفَهُ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فَإِنَّهُ يُقِيمُ الرَّجُلَ عَنْ يَمِينِهِ وَالْمَرْأَةَ خَلْفَهُمَا.
(وَيَتَقَدَّمُ) أَيْ الْإِمَامُ (عَلَى الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا) ؛ لِأَنَّهُ ﵊ فَعَلَ ذَلِكَ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُتَوَسَّطُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَقَدَّمَ إذَا كَانَ الْمُؤْتَمُّ مُتَعَدِّدًا لَا أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالتَّأْخِيرِ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ.
(وَيُصَفُّ الرِّجَالُ) فِي الِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُوا الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» ، (ثُمَّ الصِّبْيَانُ) ، (ثُمَّ الْخَنَاثَى) بِفَتْحِ الْخَاءِ جَمْعُ الْخُنْثَى وَهُوَ مَعْرُوفٌ وَالْمُرَادُ مِنْهُ مَنْ يَكُونُ حَالُهُ مُشْكِلًا فَإِنْ تَبَيَّنَ حَالُهُ يُعَدُّ مِنْهُ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ صِيَغَ الْجَمْعِ فِي بَيَانِ الصُّفُوفِ؛ لِأَنَّ الصَّفَّ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى الْجَمَاعَةِ، (ثُمَّ النِّسَاءُ) .
وَفِي الْبَحْرِ قِيلَ وَلَيْسَ هَذَا التَّرْتِيبُ بِحَاصِرٍ بِجُمْلَةِ الْأَقْسَامِ الْمُمْكِنَةِ فَإِنَّهَا تَنْتَهِي إلَى اثْنَيْ عَشَرَ قِسْمًا وَالتَّرْتِيبُ الْحَاصِرُ لَهَا أَنْ يُقَدَّمَ الْأَحْرَارُ الْبَالِغُونَ ثُمَّ الْأَحْرَارُ الصِّبْيَانُ ثُمَّ الْعَبِيدُ الْبَالِغُونَ ثُمَّ الْعَبِيدُ الصِّبْيَانُ ثُمَّ الْأَحْرَارُ الْخَنَاثَى الْكِبَارُ ثُمَّ الْأَحْرَارُ الْخَنَاثَى الصِّغَارُ ثُمَّ الْأَرِقَّاءُ الْخَنَاثَى الْكِبَارُ ثُمَّ الْأَرِقَّاءُ
стр. 109
الْخَنَاثَى الصِّغَارُ ثُمَّ الْحَرَائِرُ الْكِبَارُ ثُمَّ الْحَرَائِرُ الصِّغَارُ ثُمَّ الْإِمَاءُ الْكِبَارُ ثُمَّ الْإِمَاءُ الصِّغَارُ.
(فَإِنْ حَاذَتْهُ) أَيْ حَاذَتْ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ، وَحَدُّ الْمُحَاذَاةِ أَنْ يُحَاذِيَ عُضْوٌ مِنْهَا عُضْوًا مِنْ الرَّجُلِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الظُّلَّةِ وَالرَّجُلُ بِحِذَائِهَا أَسْفَلَ مِنْهَا إنْ كَانَ يُحَاذِي الرَّجُلُ مِنْهَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: الْمُعْتَبَرُ فِي الْمُحَاذَاةِ الْكَعْبُ وَالسَّاقُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي إطْلَاقِهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ قَلِيلَ الْمُحَاذَاةِ مُفْسِدٌ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَيُشْتَرَطُ مِقْدَارُ رُكْنٍ حَتَّى لَوْ تَحَرَّمَتْ فِي صَفٍّ وَرَكَعَتْ فِي آخَرَ وَسَجَدَتْ فِي ثَالِثٍ فَسَدَتْ صَلَاةُ مَنْ عَنْ يَمِينِهَا أَوْ يَسَارِهَا وَخَلْفَهَا مِنْ كُلِّ صَفٍّ (مُشْتَهَاةٌ) أَيْ امْرَأَةٌ عَاقِلَةٌ مُشْتَهَاةٌ فِي الْحَالِ، وَفِي الْمَاضِي مَحْرَمًا كَانَتْ أَوْ أَجْنَبِيَّةً فَيَدْخُلُ فِيهَا الْعَجُوزُ وَتَخْرُجُ عَنْهَا الصَّبِيَّةُ الَّتِي لَا تُشْتَهَى، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَةَ لَا تُفْسِدُ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهَا لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَجْنُونَةَ لَا تَخْرُجُ بِالْمُشْتَهَاةِ كَمَا تَوَهَّمَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الشَّهْوَةِ فِي الْجُمْلَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْقَيْدِ فَلْيُتَأَمَّلْ، (فِي صَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ) وَهِيَ الَّتِي لَهَا رُكُوعٌ وَسُجُودٌ وَلَوْ بِالْإِيمَاءِ وَاحْتَرَزَ بِهَا عَنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ (مُشْتَرَكَةٍ) ؛ لِأَنَّ مُحَاذَاتَهَا لِمُصَلٍّ لَيْسَ فِي صَلَاتِهَا لَا تُفْسِدُ لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (تَحْرِيمَةً) بِأَنْ يَبْنِيَ أَحَدُهُمَا تَحْرِيمَتَهُ عَلَى تَحْرِيمَةِ الْآخَرِ أَوْ بَنَيَا تَحْرِيمَتَهُمَا عَلَى تَحْرِيمَةٍ ثَالِثَةٍ (وَأَدَاءً) بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا إمَامًا لِلْآخَرِ أَوْ يَكُونَ لَهُمَا إمَامًا فِيمَا يُؤَدِّيَانِهِ حَقِيقَةً كَالْمُدْرِكِ، وَهُوَ الَّذِي أَتَى الصَّلَاةَ جَمِيعَهَا مَعَ الْإِمَامِ بِأَنْ تَكُونَ تَحْرِيمَتُهُ عَلَى تَحْرِيمَةِ الْإِمَامِ وَأَدَاؤُهُ عَلَى أَدَائِهِ أَوْ تَقْدِيرًا كَاللَّاحِقِ وَهُوَ الَّذِي فَاتَهُ مِنْ آخِرِ الصَّلَاةِ بِسَبَبِ نَوْمٍ أَوْ سَبْقِ حَدَثٍ بِأَنْ يَكُونَ تَحْرِيمَتُهُ عَلَى تَحْرِيمَةِ الْإِمَامِ حَقِيقَةً وَأَدَاؤُهُ فِيمَا يَقْضِيهِ عَلَى أَدَائِهِ تَقْدِيرًا؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ مُتَابَعَتَهُ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ بِالتَّحْرِيمَةِ؛ وَلِهَذَا لَا يَقْرَأُ فِيمَا يَقْضِيهِ وَلَا يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِتَبَدُّلِ اجْتِهَادِهِ فِي الْقِبْلَةِ وَلَا يَنْقَلِبُ فَرْضُهُ أَرْبَعًا إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ وَإِنَّمَا قَيَّدَ الِاشْتِرَاكَ بِالْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ لَوْ ثَبَتَ فِي التَّحْرِيمَةِ دُونَ الْأَدَاءِ كَمَا إذَا كَانَا مَسْبُوقَيْنِ وَقَامَا لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُمَا لَا تُفْسِدُ مُحَاذَاتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِمُشْتَرِكَيْنِ أَدَاءً بَلْ هُمَا فِي حُكْمِ الْمُنْفَرِدَيْنِ فِيمَا يَقْضِيَانِهِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِمَا وَالسُّجُودِ لِسَهْوِهِمَا، وَيَنْقَلِبُ الْفَرْضُ أَرْبَعًا إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: إنَّ ذِكْرَ الِاشْتِرَاكِ فِي الْأَدَاءِ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ الِاشْتِرَاكِ فِي التَّحْرِيمَةِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ بِاسْتِدْرَاكِ الْأَدَاءِ أَيْضًا فَإِنَّ الْمُشْتَرِكَةَ عَلَى مَا فِي الْيَنَابِيعِ أَنْ تَقْتَدِيَ الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ الرِّجَالِ مِنْ أَوَّلِ صَلَاةِ الْإِمَامِ انْتَهَى، لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ أَوْرَدَ كُلًّا مِنْهُمَا بِالذِّكْرِ تَفْصِيلًا بِمَحَلِّ الْخِلَافِ عَنْ مَحَلِّ الْوِفَاقِ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْمُؤَلِّفِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ تَحْرِيمَةً شَرْطٌ اتِّفَاقًا، وَالِاشْتِرَاكُ أَدَاءً شَرْطٌ عَلَى الْأَصَحِّ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ (فِي مَكَان مُتَّحِدٍ بِلَا حَائِلٍ) وَأَدْنَاهُ قَدْرُ مُؤَخِّرَةِ الرِّجْلِ
стр. 110
وَغِلَظُهُ غِلَظُ الْأُصْبُعِ، وَالْفُرْجَةُ تَقُومُ مَقَامَهُ، وَأَدْنَاهَا قَدْرُ مَا يَقُومُ الرَّجُلُ (فَسَدَتْ صَلَاتُهُ) أَيْ صَلَاةُ الرَّجُلِ اسْتِحْسَانًا دُونَ صَلَاتِهَا لِتَرْكِهِ فَرْضَ الْمَقَامِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّأْخِيرِ لِقَوْلِهِ ﵊ «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» وَأَنَّهُ مِنْ الْمَشَاهِيرِ، وَهُوَ الْمُخَاطَبُ دُونَهَا
وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَفْسُدَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ اعْتِبَارًا بِصَلَاتِهَا (إنْ نُوِيَتْ إمَامَتُهَا) أَيْ إنْ نَوَى الْإِمَامُ إمَامَتَهَا بِعَيْنِهَا أَوْ إمَامَةَ النِّسَاءِ وَقْتَ الشُّرُوعِ لَا بَعْدَهُ.
وَفِي الْبَحْرِ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا الْقَيْدِ؛ لِأَنَّهُ عُلِمَ مِنْ قَيْدِ الِاشْتِرَاكِ؛ لِأَنَّهُ لَا اشْتِرَاكَ إلَّا بِنِيَّةِ إمَامَتِهَا؛ إذْ لَوْ لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهَا لَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهَا.
(وَلَا تَدْخُلُ فِي صَلَاتِهِ بِلَا نِيَّتِهِ إيَّاهَا) أَيْ لَا تَدْخُلُ الْمَرْأَةُ فِي صَلَاةِ الرَّجُلِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهَا الْإِمَامُ.
وَقَالَ زُفَرُ: تَدْخُلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ كَالرَّجُلِ، وَلَنَا أَنَّهُ يَلْحَقُهُ مِنْ جِهَتِهَا ضَرَرٌ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِمَالِ بِأَنْ تَقِفَ فِي جَنْبِهِ فَتُفْسِدَ صَلَاتَهُ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَحْتَرِزَ عَنْ ذَلِكَ بِتَرْكِ السُّنَّةِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَالتَّعْلِيلِ لِمَا قَبْلَهَا.
(وَفَسَدَ اقْتِدَاءُ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ) لِمَا رَوَيْنَا.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَإِمَامَةُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ لِلنِّسَاءِ جَائِزَةٌ وَلِلرِّجَالِ، وَالْخُنْثَى مِثْلِهِ لَا يَجُوزُ (أَوْ صَبِيٍّ) أَيْ فَسَدَ اقْتِدَاءُ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ بِصَبِيٍّ فِي فَرْضٍ قَضَاءً وَأَدَاءً بِالِاتِّفَاقِ إلَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ يَجُوزُ وَفِي النَّفْلِ رِوَايَتَانِ عَنَّا قِيلَ: يَجُوزُ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّ نَفْلَ الصَّبِيِّ دُونَ نَفْلِ الْبَالِغِ حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بِالْإِفْسَادِ، وَلَا يُبْنَى الْقَوِيُّ عَلَى الضَّعِيفِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَدَى بِهِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَإِلَى أَنَّهُ يَقْتَدِي الصَّبِيُّ بِالصَّبِيِّ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ (وَطَاهِرٍ) أَيْ صَحِيحٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ (بِمَعْذُورٍ) أَيْ بِمَنْ بِهِ عُذْرٌ، وَهُوَ كَسَلَسِ الْبَوْلِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّي مَعَ الْحَدَثِ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا جُعِلَ حَدَثُهُ كَالْعَدَمِ لِلْحَاجَةِ إلَى الْأَدَاءِ فَكَانَ أَضْعَفَ حَالًا مِنْ الطَّاهِرِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ اقْتِدَاءِ الْمَعْذُورِ بِمِثْلِهِ إنْ اتَّحَدَ عُذْرُهُمَا، وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
وَفِي الْمُجْتَبَى: وَاقْتِدَاءُ الْمُسْتَحَاضَةِ بِالْمُسْتَحَاضَةِ وَالضَّالَّةِ بِالضَّالَّةِ لَا يَجُوزُ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَعَلَّهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ حَائِضًا أَمَّا إذَا انْتَفَى الِاحْتِمَالُ فَيَنْبَغِي الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَّحِدِ (وَقَارِئٍ بِأُمِّيٍّ) وَالْأُمِّيُّ فِي الْأَصْلِ مَنْ لَا يَكْتُبُ وَلَا يَقْرَأُ أَوْ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْخَطَّ مَنْسُوبٌ إلَى الْأُمَّةِ فَحُذِفَتْ التَّاءُ فَهُوَ كَالْعَامِّيِّ أَوْ عَادَةِ الْعَامَّةِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى اقْتِدَاءِ أَخْرَسَ بِأَخْرَسَ أَوْ أُمِّيٍّ بِأُمِّيٍّ كَمَا فِي الْمُحِيطِ.
وَفِي إمَامَةِ الْأَخْرَسِ بِالْأُمِّيِّ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْأُمِّيَّ أَقْوَى حَالًا مِنْهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى التَّحْرِيمَةِ (وَمُكْتَسٍ) أَيْ لَابِسٍ.
وَلَوْ قَالَ وَمَسْتُورٍ بِعَارٍ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَنْ سَتَرَ عَوْرَتَهُ بِالسَّرَاوِيلِ لَا يُسَمَّى مُكْتَسِيًا فِي الْعُرْفِ مَعَ أَنَّهُ تَصِحُّ صَلَاةُ الْمُكْتَسِي خَلْفَهُ كَمَا أَفَادَهُ صَاحِبُ السِّرَاجِ (بِعَارٍ وَغَيْرِ مُومٍ بِمُومٍ) خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ فِيهِمَا (وَمُفْتَرِضٍ) .
وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْفَرْضُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ كَمَا إذَا نَذَرَ (بِمُتَنَفِّلٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَضْعَفُ حَالًا مِنْهُ (أَوْ بِمُفْتَرِضٍ فَرْضًا آخَرَ) كَمُصَلِّي الظُّهْرِ اقْتَدَى بِمُصَلِّي الْعَصْرِ
следующие страницы →