Полный текст (1 543 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
النَّافِلَةَ لَمْ تُشْرَعْ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ كَمَا بَيَّنَ آنِفًا.
(وَمَنْ خَافَ فَوْتَ الْفَجْرِ بِجَمَاعَةٍ إنْ أَدَّى سُنَّتَهُ يَتْرُكُهَا) أَيْ السُّنَّةَ (وَيَقْتَدِي) لِأَنَّ ثَوَابَ الْجَمَاعَةِ أَعْظَمُ مِنْ ثَوَابِ السُّنَّةِ وَمَا قِيلَ إنَّهُ يَشْرَعُ فِيهَا أَيْ فِي السُّنَّةِ عِنْدَ خَوْفِ الْفَوَاتِ ثُمَّ يَقْطَعُهَا فَيَجِبُ الْقَضَاءُ بَعْدَ الصَّلَاةِ مَدْفُوعٌ وَدَرْءُ الْمَفْسَدَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(وَإِنْ رَجَا إدْرَاكَ رَكْعَةٍ) مِنْ الْفَرْضِ مَعَ الْإِمَامِ (لَا يَتْرُكُ) السُّنَّةَ (بَلْ يُصَلِّيهَا) أَيْ السُّنَّةَ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْجَمْعَ بَيْنَ فَضِيلَتَيْ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لَكِنْ يُصَلِّي السُّنَّةَ (عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ) وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ صَلَّاهَا فِي الشَّتْوِيِّ إذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي الصَّيْفِيِّ وَبِالْعَكْسِ فِي الْعَكْسِ وَكُرِهَ خَلْفَ الصَّفِّ بِلَا حَائِلٍ وَأَشَدُّهَا كَرَاهَةً أَنْ يُصَلِّيَ فِي الصَّفِّ مُخَالِفًا لِلْجَمَاعَةِ (وَيَقْتَدِي) بَعْدَ ذَلِكَ بِالْإِمَامِ.
(وَلَا تُقْضَى) سُنَّةُ الْفَجْرِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (إلَّا) حَالَ كَوْنِهِ (تَبَعًا لِلْفَرْضِ) بَعْدَ الطُّلُوعِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَفِيمَا بَعْدَ الزَّوَالِ اخْتِلَافُ مَشَايِخِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَقْضِيهَا تَبَعًا وَلَا يَقْضِيهَا مَقْصُودَةً وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَقْضِيهَا لَا تَبَعًا وَلَا مَقْصُودَةً قِيلَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ.
(وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تُقْضَى) إذَا فَاتَتْ بِلَا فَرْضٍ (بَعْدَ الطُّلُوعِ) إلَى الزَّوَالِ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَضَاهَا مَعَ الْفَرْضِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ وَلَهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي السُّنَّةِ أَنْ لَا تُقْضَى لِاخْتِصَاصِ الْقَضَاءِ بِالْوَاجِبِ وَالْحَدِيثُ وَرَدَ فِي قَضَائِهَا تَبَعًا لِلْفَرْضِ فَيَبْقَى مَا وَرَائِهِ عَلَى الْأَصْلِ وَقَيَّدَ بَعْدَ الطُّلُوعِ إلَى الزَّوَالِ لِأَنَّهَا لَا تُقْضَى قَبْلَ الطُّلُوعِ وَبَعْدَ الزَّوَالِ بِالِاتِّفَاقِ وَقِيلَ: لَا خِلَافَ فِيهِ فَإِنَّ عِنْده لَوْ لَمْ يَقْضِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلَوْ قَضَى لَكَانَ حَسَنًا وَقِيلَ: الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ لَوْ قَضَى كَانَ نَفْلًا عِنْدَهُمَا سُنَّةً عِنْدَهُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
(وَيَتْرُكُ سُنَّةَ الظُّهْرِ فِي الْحَالَيْنِ) أَيْ حَالَ إدْرَاكِ الظُّهْرِ وَعَدَمِهِ إذَا أَدَّاهَا لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَدَاؤُهَا بَعْدَ الْفَرْضِ هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ هَذَا احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: لَا يَقْضِيهَا (وَيَقْضِيهَا) أَيْ سُنَّةَ الظُّهْرِ (فِي وَقْتِهِ قَبْلَ شَفْعِهِ) أَيْ قَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الْفَرْضِ قِيلَ: هَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالْفَائِتَةِ أَوْلَى.
وَفِي الْمُحِيطِ ذَكَرَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ مَعَهُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ بَعْدَهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأُولَى فَاتَتْ عَنْ مَحَلِّهَا ضَرُورَةً فَلَا مَعْنَى لِتَفْوِيتِ الثَّانِيَةِ أَيْضًا اخْتِيَارًا وَقِيلَ: الِاخْتِلَافُ عَلَى الْعَكْسِ وَحُكْمُ صَاحِبِ الْمَجْمَعِ بِكَوْنِهِ أَصَحَّ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَنْوِي الْقَضَاءَ كَمَا قِيلَ لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَنْوِيَ السُّنَّةَ كَمَا فِي الْحَقَائِقِ وَإِلَى أَنَّهُ لَا يَقْضِي بَعْدَ الْوَقْتِ لَا تَبَعًا وَلَا مَقْصُودَةً وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَفِي الْبَحْرِ وَحُكْمُ الْأَرْبَعِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ كَاَلَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ كَمَا لَا يَخْفَى.
(وَغَيْرُهُمَا) أَيْ غَيْرُ سُنَّةِ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ مِنْ السُّنَنِ (وَغَيْرُ الْفَرَائِضِ الْخَمْسِ وَالْوِتْرِ لَا يُقْضَى أَصْلًا) أَيْ لَا فِي الْوَقْتِ وَلَا بَعْدَهُ وَلَا وَحْدَهَا بِالِاتِّفَاقِ وَلَا بِتَبَعِيَّةِ فَرَائِضِهَا إلَّا عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: يَقْضِيهَا تَبَعًا لِقَضَاءِ
стр. 142
فَرَائِضِهَا لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الدُّرَرِ.
(وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً وَاحِدَةً مِنْ الظُّهْرِ بِجَمَاعَةٍ لَمْ يُصَلِّهِ بِجَمَاعَةٍ) فَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ لَا يُصَلِّي الظُّهْرَ بِجَمَاعَةٍ فَلَوْ كَانَ صَلَّى مَعًا ثَلَاثًا فَعَلَى ظَاهِرِ الْجَوَابِ لَا يَحْنَثُ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا بَلْ بَعْضَهَا بِجَمَاعَةٍ وَبَعْضُ الشَّيْءِ لَيْسَ بِذَلِكَ الشَّيْءِ وَاخْتَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ كَمَا فِي الْفَتْحِ (بَلْ أَدْرَكَ فَضْلَهَا) .
وَفِي الْفَتْحِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: قَدْ أَدْرَكَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ وَأَحْرَزَ ثَوَابَهَا وِفَاقًا لِصَاحِبَيْهِ لَا كَمَا ظَنَّ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يُحْرِزُ فَضْلَهَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَسَبَبُ تَخْصِيصِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ التَّنْبِيهُ عَلَى بُطْلَانِ ذَلِكَ الزَّعْمِ.
وَفِي التَّبْيِينِ وَمِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ قَالَ: إنَّ الْمَسْبُوقَ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ لَمْ تُشْرَعْ إلَّا لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ انْتَهَى أَقُولُ فِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ وَلِهَذَا اُرْتُكِبَ فِيهِ مَا لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ الْخَوْفِ فَكَأَنَّهُ صَلَّى الْمُقْتَدِي جَمِيعَ الرَّكَعَاتِ مَعَ الْإِمَامِ.
(وَمَنْ أَتَى مَسْجِدًا) صَلَّى فِيهِ (وَلَمْ يُدْرِكْ جَمَاعَةً يَتَطَوَّعُ قَبْلَ الْفَرْضِ مَا شَاءَ مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَهُ) فَإِنْ خَافَ لَا يَتَطَوَّعُ قَبْلَهُ بِالْإِجْمَاعِ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ إمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ الْفَرْضَ بِجَمَاعَةٍ أَوْ مُنْفَرِدًا فَفِي الْأَوَّلِ يُصَلِّي الرَّوَاتِبَ وَلَا يَتَخَيَّرُ فِيهَا مَعَ الْإِمْكَانِ.
وَفِي الثَّانِي الْجَوَابُ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ وَأَصَحُّ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَاظَبَ عَلَيْهَا وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ لَكِنْ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ يَتْرُكُ السُّنَّةَ وَيُؤَدِّي الْفَرْضَ حَذَرًا عَنْ التَّفْوِيتِ وَأَمَّا مَا زَادَ عَلَى الرَّوَاتِبِ وَهُوَ غَيْرُ الْمُؤَكَّدَةِ يَتَخَيَّرُ فِيهِ مُطْلَقًا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ.
(وَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ) حَالَ كَوْنِهِ (رَاكِعًا فَكَبَّرَ وَوَقَفَ حَتَّى رَفَعَ) الْإِمَامُ (رَأْسَهُ لَمْ يُدْرِكْ) تِلْكَ (الرَّكْعَةَ) وَكَذَا لَوْ لَمْ يَقِفْ بَلْ انْحَطَّ فَرَفَعَ الْإِمَامُ مِنْهُ قَبْلَ رُكُوعِ الْمُقْتَدِي لَا يَصِيرُ مُدْرِكًا لِفَوْتِ الْمُشَارَكَةِ فِيهِ الْمُسْتَلْزِمُ لِفَوْتِ الرَّكْعَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُمَا يَقُولَانِ: إنَّهُ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِيمَا لَهُ حُكْمُ الْقِيَامِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمَا قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ رَكَعَ مَعَهُ
(وَمَنْ رَكَعَ قَبْلَ إمَامِهِ) وَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ (فَأَدْرَكَ إمَامَهُ فِيهِ) أَيْ الرُّكُوعِ (صَحَّ رُكُوعُهُ) لِأَنَّ الشَّرْطَ الْمُشَارَكَةُ فِي جُزْءٍ مِنْ الرُّكْنِ وَقَدْ وُجِدَ لَكِنْ كُرِهَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُبَادِرُونِي بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» وَقَوْلُهُ ﵇ «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْكَعُ قَبْلَ الْإِمَامِ وَيَرْفَعُ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ بِرَأْسِ الْحِمَارِ» .
وَقَالَ زُفَرُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُعَدَّ الرُّكُوعُ لِأَنَّ مَا أُتِيَ قَبْلَ الْإِمَامِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فَكَذَا مَا بُنِيَ عَلَيْهِ.
стр. 143
[بَابُ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ]
لَا يَخْفَى عَلَيْك حُسْنُ تَأْخِيرِ الْقَضَاءِ عَنْ الْأَدَاءِ لِأَنَّهُ فَرْعُهُ قِيلَ: الْأَدَاءُ اسْمٌ لِتَسْلِيمِ نَفْسِ الْوَاجِبِ بِالْأَمْرِ وَالْقَضَاءُ اسْمٌ لِتَسْلِيمِ مِثْلِ الْوَاجِبِ بِهِ وَقَدْ يَسْتَعْمِلُ إحْدَى الْعِبَارَتَيْنِ مَقَامَ الْأُخْرَى وَقِيلَ: يَجِبُ الْقَضَاءُ بِمَا يَجِبُ بِهِ الْأَدَاءُ وَقِيلَ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ وَفِيهِ بَحْثٌ قَدْ عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ (التَّرْتِيبُ) عِنْدَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ وَلَوْ كَانَ جَاهِلًا وَعَنْ الْحَسَنِ عِنْدَ الْإِمَامِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ لَمْ يَجِبْ وَبِهِ أَخَذَ الْأَكْثَرُونَ (بَيْنَ الْفَائِتَةِ) فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا.
(وَالْوَقْتِيَّةِ) وَكَذَا (بَيْنَ الْفَوَائِتِ شَرْطٌ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ بِشَرْطٍ أَصْلًا لَا بَيْنَ الْفَوَائِتِ وَلَا بَيْنَ الْفَائِتَةِ وَالْوَقْتِيَّةِ وَإِنَّمَا التَّرْتِيبُ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّ كُلَّ فَرْضٍ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ جَوَازُهُ عَلَى جَوَازِ غَيْرِهِ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ فَلْيُصَلِّ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ لِيُصَلِّ الَّتِي ذَكَرَهَا ثُمَّ لِيُعِدْ الَّتِي صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ» فَإِنْ قِيلَ الْكَلَامُ فِي فَرْضِيَّةِ التَّرْتِيبِ وَالْحَدِيثُ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ قُلْنَا: هُوَ لَيْسَ بِفَرْضٍ اعْتِقَادًا حَتَّى لَا يُكَفَّرَ جَاحِدُهُ وَلَكِنَّهُ وَاجِبٌ فِي قُوَّةِ الْفَرْضِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ وَمِثْلُهُ يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُ ﵊ صَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَمَا أَخَّرَ الْمَغْرِبَ الَّتِي يُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا لِأَمْرٍ مُسْتَحَبٍّ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّهُ ﵊ شُغِلَ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى ذَهَبَ مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ لَهُ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ» (فَلَوْ صَلَّى) تَفْرِيعٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ (فَرْضًا) حَالَ كَوْنِهِ (ذَاكِرًا فَائِتَةً فَسَدَ فَرْضُهُ مَوْقُوفًا عِنْدَهُ) لَا يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ حَتَّى لَوْ صَلَّى بَعْدَهُ سِتَّ صَلَوَاتٍ أَوْ أَكْثَرَ وَلَمْ يَقْضِ الْفَائِتَةَ انْقَلَبَ الْكُلُّ جَائِزًا عِنْدَ الْإِمَامِ وَلَوْ قَضَى الْفَائِتَةَ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ سِتَّةُ أَوْقَاتٍ بَطَلَ وَصْفُ الْفَرْضِيَّةِ وَانْقَلَبَ نَفْلًا (وَعِنْدَهُمَا) فَسَدَ فَرْضُهُ فَسَادًا (بَاتًّا) أَيْ قَطْعِيًّا لَكِنْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَسَدَ وَصْفُ الْفَرْضِيَّةِ وَانْقَلَبَ نَفْلًا وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَصْلُ الصَّلَاةِ.
(فَلَوْ قَضَاهَا) أَيْ الْفَائِتَةَ (قَبْلَ أَدَاءِ سِتٍّ) مِنْ الصَّلَوَاتِ (بَطَلَتْ فَرْضِيَّةُ مَا صَلَّى) بِالِاتِّفَاقِ لَكِنْ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ تَصِيرُ نَفْلًا وَعِنْدَهُ يَبْطُلُ أَصْلُهَا كَمَا بَيَّنَ آنِفًا.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقْضِ الْفَائِتَةَ حَتَّى أَدَّى سَادِسًا (صَحَّتْ عِنْدَهُ) لِأَنَّ الْكَثْرَةَ صِفَةٌ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنْ الصَّلَوَاتِ فَإِذَا ثَبَتَتْ صِفَةٌ اسْتَنَدَتْ إلَى أَوَّلِهَا بِحُكْمِهَا وَهُوَ سُقُوطُ التَّرْتِيبِ فَسَقَطَ التَّرْتِيبُ فِي آحَادِهَا كَمَا سَقَطَ فِي أَعْيَانِهَا وَهَذَا كَمَرَضِ الْمَوْتِ لَمَّا ثَبَتَ لَهُ هَذَا الْوَصْفُ بِاتِّصَالِهِ بِالْمَوْتِ اسْتَنَدَ إلَى أَوَّلِهِ بِحُكْمِهِ.
وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّ عَدَمَ
стр. 144
وُجُوبِ الْإِعَادَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ مَنْ فَاتَتْهُ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ وَفَسَادَ صَلَاتِهِ بِدُونِهِ أَمَّا إذَا عَلِمَ فَعَلَيْهِ إعَادَةُ الْكُلِّ اتِّفَاقًا لِأَنَّ الْعَبْدَ يُكَلَّفُ بِمَا عِنْدَهُ (لَا عِنْدَهُمَا) لِأَنَّ سُقُوطَ التَّرْتِيبِ حُكْمُ الْكَثْرَةِ وَكُلُّ مَا هُوَ حُكْمُ الْعِلَّةِ يَتَأَخَّرُ عَنْ عِلَّتِهِ فَسُقُوطُ التَّرْتِيبِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَقَعُ مِنْ الصَّلَوَاتِ بَعْدَ الْكَثْرَةِ لَا فِيمَا قَبْلَهَا وَهُوَ الْقِيَاسُ.
وَقَالَ صَاحِبُ مِنَحِ الْغَفَّارِ وَعِبَارَةِ الْهِدَايَةِ: ثُمَّ الْعَصْرُ يَفْسُدُ فَسَادًا مَوْقُوفًا أَيْ لِتَرْكِ الظُّهْرِ حَتَّى لَوْ صَلَّى سِتَّ صَلَوَاتٍ وَلَمْ يُعِدْ الظُّهْرَ انْقَلَبَ الْكُلُّ جَائِزًا وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ حَتَّى لَوْ صَلَّى خَمْسَ صَلَوَاتٍ وَلَمْ يُعِدْ الظُّهْرَ انْقَلَبَ الْكُلُّ جَائِزًا لِأَنَّ كَثْرَةَ الْمُسْقِطَةِ بِصَيْرُورَةِ الْفَوَائِتِ سِتًّا وَإِذَا صَلَّى خَمْسًا وَخَرَجَ وَقْتُ الْخَمْسَةِ صَارَتْ الصَّلَوَاتُ سِتًّا بِالْفَائِتَةِ الْمَتْرُوكَةِ أَوَّلًا وَعَلَى مَا صَوَّرَهُ يَقْتَضِي أَنْ تَصِيرَ الصَّلَوَاتُ سَبْعًا وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ انْتَهَى، أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بِقَوْلِهِ حَتَّى لَوْ صَلَّى سِتَّ صَلَوَاتٍ تَأْكِيدُ خُرُوجِ وَقْتِ الْخَامِسَةِ مِنْ الْمُؤَدَّيَاتِ لَا أَدَاءِ السَّادِسَةِ وَيُؤَيِّدُهُ سِيَاقُ كَلَامِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ رَتَّبَهَا فِي الْقَضَاءِ إلَّا أَنْ تَزِيدَ عَلَى سِتٍّ فَقَدْ قَيَّدَ سُقُوطَ التَّرْتِيبِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى سِتٍّ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ وَكَذَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ وَحْدُ الْكُثْرِ أَنْ تَصِيرَ الْفَوَائِتُ سِتًّا بِخُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ السَّادِسَةِ وَلِهَذَا قَالَ صَاحِبُ الْفَتْحِ: إنَّ الْوَقْتِيَّةَ الْمُؤَدَّاةَ مَعَ تَذَكُّرِ الْفَائِتَةِ تَفْسُدُ فَسَادًا مَوْقُوفًا إلَى أَنْ يُصَلِّيَ إكْمَالَ خَمْسِ وَقْتِيَّاتٍ فَإِنْ لَمْ يُعِدْ شَيْئًا مِنْهَا حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ السَّادِسَةِ صَارَتْ كُلُّهَا صَحِيحَةً تَدَبَّرْ (وَالْوِتْرُ كَالْفَرْضِ عَمَلًا فَذِكْرُهُ مُفْسِدٌ) عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) وَمَبْنَى الْخِلَافِ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ عِنْدَهُ وَسُنَّةٌ عِنْدَهُمَا وَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ.
(وَلَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ بِلَا وُضُوءٍ) حَالَ كَوْنِهِ (نَاسِيًا ثُمَّ صَلَّى السُّنَّةَ وَالْوِتْرَ بِهِ) أَيْ بِالْوُضُوءِ (يُعِيدُ السُّنَّةَ لِإِعَادَةِ الْعِشَاءِ) إذْ لَمْ يَصِحَّ أَدَاءُ السُّنَّةِ قَبْلَ الْفَرْضِ مَعَ أَنَّهَا أُدِّيَتْ بِالْوُضُوءِ لِأَنَّهَا تَبَعُ الْفَرْضِ.
(وَلَا يُعِيدُ الْوَتْرَ) لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَدْ أَدَّاهُ فِي وَقْتِهِ بِطَهَارَةٍ إذْ وَقْتُهُ وَقْتُ الْعِشَاءِ لَا بَعْدَهُ وَقَدْ سَقَطَ التَّرْتِيبُ بِعُذْرِ النِّسْيَانِ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّهُ يُعِيدُ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا.
(وَبِبُطْلَانِ الْفَرْضِيَّةِ لَا يَبْطُلُ أَصْلُ الصَّلَاةِ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ عُقِدَتْ لِلْفَرْضِ فَإِذَا بَطَلَتْ الْفَرْضِيَّةُ بَطَلَتْ أَصْلًا وَلَهُمَا أَنَّهَا عُقِدَتْ لِأَصْلِ الصَّلَاةِ بِوَصْفِ الْفَرْضِيَّةِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ ضَرُورَةِ بُطْلَانِ الْوَصْفِ بُطْلَانُ الْأَصْلِ.
(وَيَسْقُطُ التَّرْتِيبُ بِضِيقِ الْوَقْتِ) عَنْ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ بِحَيْثُ لَا يَسَعُ الْوَقْتُ الْوَقْتِيَّةَ وَالْفَائِتَةَ جَمِيعًا وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي مِنْ الْوَقْتِ يَسَعُ فِيهِ أَحَدَهُمَا فَقَطْ تُقَدَّمُ الْوَقْتِيَّةُ لِأَنَّ الْبَاقِيَ وَقْتٌ لِلْوَقْتِيَّةِ بِالْكِتَابِ وَوَقْتٌ لِلْفَائِتَةِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ فَلَوْ قُلْنَا بِوُجُوبِ تَقْدِيمِ الْفَائِتَةِ يَلْزَمُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ سِعَةٌ يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِالْأَدِلَّةِ جَمِيعًا وَلَا يَلْزَمُ النَّسْخُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ شَرَعَ فِي الْوَقْتِيَّةِ وَفِي الْوَقْتِ سِعَةٌ وَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ حَتَّى ضَاقَ لَا تَجُوزُ
стр. 145
صَلَاتُهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَهَا وَيَشْرَعُ فِيهَا ثَانِيًا فِي ضِيقِ الْوَقْتِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ ظَنَّ سِعَةَ الْوَقْتِ ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ لَمْ تَجُزْ الْوَقْتِيَّةُ وَقِيلَ: جَازَ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ شَرَعَ فِي الْوَقْتِيَّةِ عِنْدَ الضِّيقِ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ فِي خِلَالِهَا لَمْ تَفْسُدْ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَإِلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ لِأَصْلِ الْوَقْتِ وَقِيلَ لِلْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ الَّذِي لَا كَرَاهِيَةَ فِيهِ وَالْأَوَّلُ قِيَاسُ قَوْلِهِمَا وَالثَّانِي قِيَاسُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ حَتَّى أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الظُّهْرُ وَأَمْكَنَ أَدَاؤُهُ قَبْلَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ وَلَكِنْ يَقَعُ كُلُّ الْعَصْرِ أَوْ بَعْضُهُ بَعْدَ التَّغْيِيرِ لَا يَلْزَمُهُ التَّرْتِيبُ عِنْدَهُ وَيَلْزَمُ عِنْدَهُمَا (وَبِالنِّسْيَانِ) تَوَسَّعُوا فِي عِبَارَةِ النِّسْيَانِ هُنَا حَيْثُ أَرَادُوا بِهِ مَا يَعُمُّ الْجَهْلَ الْمُسْتَمِرَّ حَتَّى قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ بَلْخِي: إنَّ مَنْ جَهِلَ فَرْضِيَّةَ التَّرْتِيبِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَالنَّاسِي كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ لَكِنَّ فِي الْأَصْلِ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا (وَبِصَيْرُورَةِ الْفَوَائِتِ سِتًّا) لِدُخُولِهَا فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْحَرَجِ وَالْكَثْرَةُ تَحْصُلُ بِالدُّخُولِ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ وَالدُّخُولُ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ يَحْصُلُ بِكَوْنِ الْفَوَائِتِ سِتًّا وَذَا يَحْصُلُ بِخُرُوجِ وَقْتِ السَّادِسَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ وَاكْتَفَى مُحَمَّدٌ بِدُخُولِ وَقْتِ السَّادِسَةِ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ كَذَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ (حَدِيثَةً أَوْ قَدِيمَةً) الْحَدِيثَةُ تُسْقِطُ التَّرْتِيبَ اتِّفَاقًا وَفِي الْقَدِيمَةِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَذَلِكَ كَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ شَهْرٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْوَقْتِيَّاتِ قَبْلَ قَضَائِهَا فَفَاتَتْ صَلَاةٌ مِنْهَا ثُمَّ صَلَّى أُخْرَى ذَاكِرًا لِلْفَائِتَةِ آنِفًا قِيلَ: تَجُوزُ الْوَقْتِيَّةُ مَعَ تَذَكُّرِ الْحَدِيثَةِ لِكَثْرَةِ الْفَوَائِتِ وَقِيلَ: لَا تَجُوزُ وَتُجْعَلُ الْقَدِيمَةُ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ زَجْرًا لَهُ عَنْ التَّهَاوُنِ قَالَ صَدْرُ الشَّهِيدِ: الصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ.
وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلتُّمُرْتَاشِيِّ: الْأَوَّلُ أَصَحُّ وَالثَّانِي أَحْوَطُ وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: وَالْإِفْتَاءُ بِالْأَوَّلِ أَوْلَى لِأَنَّ التَّهَاوُنَ فِي الْعِبَادَاتِ فَاشٍ بَيْنَ الْعِبَادِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ: الْأَوَّلُ أَقْيَسُ وَالْفَتْوَى عَلَى الثَّانِي (وَلَا يَعُودُ) التَّرْتِيبُ (بِعَوْدِهَا) أَيْ بِعُودِ الْفَوَائِتِ (إلَى الْقِلَّةِ) يَعْنِي لَوْ قَضَى بَعْضَ الْفَوَائِتِ حَتَّى قَلَّ مَا بَقِيَ لَا يَعُودُ التَّرْتِيبُ هَذَا مُخْتَارُ الْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: يَعُودُ التَّرْتِيبُ عِنْدَ الْبَعْضِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
وَفِي النِّهَايَةِ وَالْفَتْوَى عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ وَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّهُ يُوَافِقُ إطْلَاقَ الْمُتُونِ.
(فَمَنْ تَرَكَ سِتًّا أَوْ أَكْثَرَ وَشَرَعَ يُؤَدِّي الْوَقْتِيَّاتِ مَعَ بَقَاءِ الْفَوَائِتِ ثُمَّ فَاتَهُ فَرْضٌ جَدِيدٌ فَصَلَّى وَقْتِيَّةً بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ فَرْضٍ جَدِيدٍ (ذَاكِرًا لَهُ) أَيْ لِهَذَا الْفَرْضِ الْجَدِيدِ (صَحَّتْ وَقْتِيَّتُهُ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ حَدِيثَةً أَوْ قَدِيمَةً كَمَا بَيَّنَ آنِفًا.
(وَكَذَا لَوْ قَضَى تِلْكَ الْفَوَائِتِ إلَّا فَرْضًا أَوْ فَرْضَيْنِ فَصَلَّى وَقْتِيَّةً ذَاكِرًا) مَا عَلَيْهِ مِنْ الْفَوَائِتِ الْقَلِيلَةِ هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا يَعُودُ بِعَوْدِهَا إلَى الْقِلَّةِ.
(وَلَا يُقْتَلُ تَارِكُ الصَّلَاةِ عَمْدًا مَا لَمْ يَجْحَدْ) لَكِنَّ مُنْكِرَهَا كَافِرٌ لِثُبُوتِهَا بِالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ الَّتِي لَا احْتِمَالَ فِيهَا لِلرَّيْبِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ وَتَارِكُهَا
стр. 146
عَمْدًا تَكَاسُلًا فَاسِقٌ يُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ وَقِيلَ: يُضْرَبُ حَتَّى يَسِيلَ مِنْهُ الدَّمُ مُبَالَغَةً فِي الزَّجْرِ وَلَوْ كَانَ التَّارِكُ صَبِيًّا وَسِنُّهُ عَشْرُ سِنِينَ لَوَجَبَ الضَّرْبُ عَلَى تَرْكِهَا لِقَوْلِهِ ﵇ «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ» وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ فَاعِلِهَا بِالْجَمَاعَةِ وَلَا تَجْزِي فِيهَا النِّيَابَةُ أَصْلًا.
(وَلَوْ ارْتَدَّ) وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى (عَقِيبَ فَرْضِ صَلَاةٍ ثُمَّ أَسْلَمَ فِي الْوَقْتِ لَزِمَهُ إعَادَتُهُ) عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
(وَلَا يَلْزَمُ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ زَمَانَ الرِّدَّةِ) يَعْنِي إذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ عَلَى رِدَّتِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ فِيهَا مِنْ الْفَرَائِضِ عِنْدَنَا وَيَجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ.
(وَلَا) يَلْزَمُ (قَضَاءُ مَا فَاتَهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ إنْ جَهِلَ فَرْضِيَّتَهُ) يَعْنِي إذَا أَسْلَمَ حَرْبِيٌّ بِدَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يَعْلَمْ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا وَمَكَثَ زَمَانًا ثُمَّ عَلِمَ بِهِ لَا يَلْزَمُ قَضَاؤُهُ عِنْدَنَا أَمَّا لَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالشَّرَائِعِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا دَارُ الْعِلْمِ وَشُيُوعُ الْأَحْكَامِ فَلَا يَكُونُ مَعْذُورًا فِي تَرْكِ الْعِلْمِ وَقَالَ زُفَرُ: يَلْزَمُهُ فِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ.
[بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ]
ِ إضَافَتُهُ إلَى السَّبَبِ وَهِيَ الْأَصْلُ وَالسَّهْوُ غَفْلَةُ الْقَلْبِ عَنْ الشَّيْءِ الْمَعْلُومِ فَيَتَنَبَّهُ لَهُ بِأَدْنَى تَنْبِيهٍ بِخِلَافِ النِّسْيَانِ فَإِنَّهُ زَوَالُ الْمَعْلُومِ فَيُسْتَأْنَفُ تَحْصِيلُهُ لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا وَكَذَا لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّكِّ وَالْأُدَبَاءُ عَرَّفُوا الشَّكَّ بِأَنَّهُ تَسَاوِي الْأَمْرَيْنِ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَالظَّنَّ تَسَاوِيهُمَا وَجِهَةُ الصَّوَابِ أَرْجَحُ وَالْوَهْمَ تَسَاوِيهُمَا وَجِهَةُ الْخَطَأِ أَرْجَحُ (إذَا سَهَا) الْمُصَلِّي (بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ سَجَدَ) لِلسَّهْوِ (سَجْدَتَيْنِ) هَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ الْوَقْتُ صَالِحًا حَتَّى أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ إذَا لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ بَعْدَ السَّلَامِ الْأَوَّلِ سَقَطَ السُّجُودُ (بَعْدَ التَّسْلِيمَتَيْنِ) بَيَانٌ لِمَحِلِّهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ قَبْلَ السَّلَامِ.
وَفِي التَّبْيِينِ وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ وَلَا خِلَافَ فِي الْجَوَازِ قَبْلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ مِثْلُ الْمَذْهَبَيْنِ قَوْلًا وَفِعْلًا لَكِنْ ذَكَرَ الْمَقْدِسِيُّ كَرَاهَتَهُ قَبْلَهُ تَنْزِيهًا.
(وَقِيلَ بَعْدَ) تَسْلِيمَةٍ (وَاحِدَةٍ) كَمَا هُوَ مُخْتَارُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَصَاحِبُ الْإِيضَاحِ وَصَاحِبُ الْكَافِي وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ.
وَفِي الْمُجْتَبَى وَهُوَ الْأَصَحُّ وَفِي الْمُحِيطِ عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ يُكْتَفَى بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ اخْتَارَ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ قَالَ ﵊: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ السَّلَامِ» وَالْمُتَعَارَفُ مِنْهُ مَا يَكُونُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ.
وَفِي الْهِدَايَةِ وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهُ قَوْلُ كِبَارِ الصَّحَابَةِ كَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَالْأَخْذُ بِرِوَايَةِ أَصْحَابٍ كَانُوا قَرِيبِينَ فِيهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ أَوْلَى وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ عَائِشَةَ وَكَانَتْ مِنْ صَفِّ النِّسَاءِ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَكَانَ مِنْ الصِّبْيَانِ فَيُحْمَلُ
стр. 147
عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَسْمَعَا وَسَوْقُ كَلَامِ الْفَرِيقَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَيْنِ لِلْإِمَامِ.
وَفِي الْمَجْمَعِ نَسَبَ الثَّانِيَ إلَى مُحَمَّدٍ وَالْأَوَّلَ إلَيْهِمَا كَمَا فِي الدُّرَرِ وَقِيلَ: لِلْمُنْفَرِدِ تَسْلِيمَتَانِ وَلِلْإِمَامِ تَسْلِيمَةٌ لِأَنَّهُ إذَا سَلَّمَ رُبَّمَا اشْتَغَلَ بَعْضُ الْجَمَاعَةِ بِمَا يُنَافِي فِي الصَّلَاةِ وَعَمَلُ النَّاسِ الْيَوْمَ عَلَى هَذَا التَّرَاعِي الرِّوَايَتَانِ (وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ وَيَأْتِي بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﵊ وَالدُّعَاءُ فِي قَعْدَةِ السَّهْوِ هُوَ الصَّحِيحُ) لِأَنَّ مَوْضِعَهُمَا آخِرُ الصَّلَاةِ هَذَا احْتِرَازٌ عَمَّا قَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي الْقَعْدَتَيْنِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا آخِرُ وَقِيلَ: قَبْلَ السُّجُودِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بَعْدَهُ لِأَنَّ سَلَامَ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ يُخْرِجُهُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ وَظَهِيرُ الدِّينِ أَنَّهُ أَيْ قَوْلَ الطَّحَاوِيِّ أَحْوَطُ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةَ وَالسَّهْوُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْمَكْتُوبَةِ وَاحِدٌ وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ: لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ لِئَلَّا يَقَعَ النَّاسُ فِي فِتْنَةٍ.
(وَيَجِبُ) فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِرَفْعِ نَقْصٍ تَمَكَّنَ فِي الصَّلَاةِ وَرَفْعُ ذَلِكَ وَاجِبٌ.
وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ وَيُسَنُّ عِنْدَ غَيْرِهِ (إنْ قَرَأَ) آيَةً (فِي رُكُوعٍ أَوْ قُعُودٍ) أَوْ سُجُودٍ أَوْ قَوْمَةٍ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا لَيْسَ بِمَحِلِّ الْقِرَاءَةِ فَيَكُونُ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ غَيْرَ وَاقِعٍ فِي مَحَلِّهِ فَيَجِبُ (أَوْ قَدَّمَ رُكْنًا) عَلَى مَحَلِّهِ وَرُكْنُ الشَّيْءِ جُزْءُ مَاهِيَّتِه فَرُكْنُ الصَّلَاةِ الْقِيَامُ وَالْقِرَاءَةُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَأَمَّا الْقَعْدَةُ فَشَرْطٌ لِصِحَّةِ الْخُرُوجِ (أَوْ أَخَّرَهُ) عَنْ مَحَلِّهِ (أَوْ كَرَّرَهُ) أَيْ الرُّكْنَ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَوْ كَرَّرَ وَاجِبًا لَمْ يَجِبْ السَّهْوُ لَكِنَّ فِي الْخِزَانَةِ وَغَيْرِهِ أَنَّ تَكْرَارَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ يُوجِبُ السَّهْوَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ التَّكْرَارَ لَمْ يُوجِبْ بَلْ تَرْكَ السُّورَةِ فَإِنَّهَا تَجِبُ أَنْ تَلِيَ الْفَاتِحَةَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ ذَلِكَ بِالْفَرَائِضِ لِأَنَّ تَكْرَارَ الْفَاتِحَةِ فِي النَّوَافِلِ لَمْ يُكْرَهْ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (أَوْ غَيَّرَ وَاجِبًا أَوْ تَرَكَهُ) رَأْسًا سَاهِيًا وَقَيَّدْنَا بِسَاهِيًا لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ عَامِدًا قِيلَ: يَأْثَمُ لِأَنَّهُ ذَنْبٌ عَظِيمٌ لَا تَرْفَعُهُ السَّجْدَتَانِ وَقِيلَ: تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَتَانِ تَرْكُ الْقَعْدَةِ الْأُولَى وَالْفِكْرُ فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ بَعْدَ الشَّكِّ حَتَّى شَغَلَهُ عَنْ رُكْنٍ فَإِنَّهُمَا مَعَ الْعَمْدِ يُوجِبَانِ سَجْدَةَ الْعُذْرِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
وَفِي الْيَنَابِيعِ نَقْلًا عَنْ النَّاطِفِي لَا سَهْوَ فِي الْعَمْدِ إلَّا فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْأَوَّلُ تَأْخِيرُ إحْدَى سَجْدَتَيْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ وَالثَّانِي تَرْكُ الْقَعْدَةِ الْأُولَى انْتَهَى فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ لَا فِي وَضْعَيْنِ فَتَأَمَّلْ ثُمَّ أَشَارَ إلَى أَمْثِلَةِ مَا تَقَدَّمَ عَلَى التَّرْتِيبِ فَقَالَ: (كَرُكُوعٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ) فَإِنَّ تَقْدِيمَهَا عَلَى الرُّكُوعِ وَاجِبٌ لَا فَرْضٌ خِلَافًا لِزُفَرَ وَأَمَّا تَقْدِيمُ الْقِيَامِ عَلَى الرُّكُوعِ وَالرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ فَرْضٌ كَمَا فِي الدُّرَرِ (وَتَأْخِيرِ الْقِيَامِ إلَى الثَّلَاثَةِ بِزِيَادَةٍ عَلَى التَّشَهُّدِ) وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ الزِّيَادَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِزِيَادَةِ حَرْفٍ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُشِيرُ إلَى هَذَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِقَدْرِ رُكْنٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجِبُ
стр. 148
حَتَّى يَقُولَ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَفِي الزَّاهِدِي وَعِنْدَهُمَا لَا سَهْوَ عَلَيْهِ أَصْلًا وَبِهِ أَفْتَى بَعْضُ أَهْلِ زَمَانِنَا.
وَفِي الْمُحِيطِ وَاسْتَقْبَحَ مُحَمَّدٌ السَّهْوَ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَرُكُوعَيْنِ) فَإِنَّ الِاقْتِصَارَ وَاجِبٌ فَفِي الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ تَرْكُهُ (وَالْجَهْرِ فِيمَا يَخْفَى) وَكَذَا الْمُخَافَتَةُ فِيمَا يُجْهَرُ.
وَفِي الْهِدَايَةِ وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْمِقْدَارِ وَالْأَصَحُّ قَدْرُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فِي الْفَصْلَيْنِ لِأَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَعَنْ الْكَثِيرِ مُمْكِنٌ وَمَا تَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ كَثِيرٌ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ آيَةٌ وَاحِدَةٌ وَعِنْدَهُمَا ثَلَاثُ آيَاتٍ لَكِنَّ هَذَا عَلَى رِوَايَةِ النَّوَادِرِ وَأَمَّا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَيَجِبُ سُجُودُ السَّهْوِ بِهِمَا مُطْلَقًا أَيْ قَلَّ أَوْ كَثُرَ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ تَتَبَّعْ وَهَذَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ دُونَ الْمُنْفَرِدِ لِأَنَّ الْجَهْرَ وَالْمُخَافَتَةَ مِنْ خَصَائِصِ الْجَمَاعَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
(وَتَرْكِ الْقُعُودِ الْأَوَّلِ) دُونَ الثَّانِي فَإِنَّهُ مُفْسِدٌ (وَقِيلَ) قَائِلُهُ صَدْرُ الْإِسْلَامِ (كُلُّهُ) أَيْ كُلُّ مَا ذُكِرَ تَقْدِيمُ الرُّكْنِ وَتَأْخِيرُهُ وَتَكْرِيرُهُ وَتَغْيِيرُ الْوَاجِبِ وَتَرْكُهُ (يَئُولُ) أَيْ يَرْجِعُ (إلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ كَذَلِكَ فَإِذَا فَعَلَ فَقَدْ تَرَكَ الْوَاجِبَ فَصَارَ تَرْكُ الْوَاجِبِ شَامِلًا لِلْكُلِّ.
وَفِي التَّبْيِينِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ لَا غَيْرَ.
(وَإِنْ تَشَهَّدَ فِي الْقِيَامِ أَوْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ لَا يَجِبُ) لِأَنَّهُ ثَنَاءٌ وَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ مَحَلٌّ لِلثَّنَاءِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَوْ تَشَهَّدَ فِي قِيَامِهِ قَبْلَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ وَبَعْدَهَا يَلْزَمُهُ سُجُودُ السَّهْوِ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(وَإِنْ سَهَا مِرَارًا يَكْفِيه سَجْدَتَانِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «سَجْدَتَانِ بَعْدَ السَّلَامِ تَجْزِيَانِ عَنْ كُلِّ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ» .
(وَيَلْزَمُ) سُجُودُ السَّهْوِ (الْمُقْتَدِي) أَيْ الْمُؤْتَمَّ الْحَقِيقِيَّ وَالْحُكْمِيَّ كَاللَّاحِقِ (بِسَهْوِ إمَامِهِ إنْ سَجَدَ) وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ لِسَهْوِهِ لَا يَسْجُدُ الْمُؤْتَمُّ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِإِمَامِهِ وَبِسُجُودِهِ بِدُونِهِ يَصِيرُ مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ السَّهْوِ مِنْ الْإِمَامِ حَالَةَ الِاقْتِدَاءِ بِهِ أَوْ قَبْلَهَا لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ إذَا تَقَرَّرَ فِي حَقِّ الْأَصْلِ يَتَقَرَّرُ عَلَى التَّبَعِ حَسْبَ تَقَرُّرِهِ عَلَى الْأَصْلِ وَلِهَذَا يَلْزَمُ الْأَرْبَعُ بِاقْتِدَائِهِ بِالْمُقِيمِ أَوْ بِنِيَّةِ إمَامِهِ الْإِقَامَةَ (لَا بِسَهْوِهِ) أَيْ لَا يَلْزَمُ سُجُودُ السَّهْوِ بِسَهْوِ الْمُقْتَدِي لَا عَلَيْهِ وَلَا عَلَى إمَامِهِ لِأَنَّهُ إنْ سَجَدَ وَحْدَهُ خَالَفَ إمَامَهُ وَإِنْ سَجَدَ الْإِمَامُ مَعَهُ انْقَلَبَ الْمَتْبُوعُ تَابِعًا وَالتَّابِعُ مَتْبُوعًا وَهُوَ قَلْبُ الْمَوْضُوعِ وَنَقْضُ الْمَشْرُوعِ (وَالْمَسْبُوقُ يَسْجُدُ مَعَ إمَامِهِ) تَبَعًا لَهُ وَلَا يُسَلِّمُ (ثُمَّ يَقْضِي) مَا فَاتَهُ وَلِهَذَا قِيلَ: الْأَوْلَى أَنْ لَا يَقُومَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَلَوْ قَامَ قَبْلَهُ فَقَرَأَ وَرَكَعَ وَلَمْ يَسْجُدْ فَسَجَدَ الْإِمَامُ لِسَهْوِهِ يُتَابِعُهُ فِيهِ لِعَدَمِ تَأَكُّدِ انْفِرَادِهِ وَيَقْعُدُ مَعَهُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ ثُمَّ يُعِيدُ الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ لِارْتِفَاضِهِمَا بِمُتَابَعَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ وَقَيَّدَ رَكْعَتَهُ بِالسَّجْدَةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ سَجَدَ قَبْلَ سُجُودِ إمَامِهِ لَا يُتَابِعُهُ لِتَأَكُّدِ
стр. 149
انْفِرَادِهِ وَيَسْجُدُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ لِسَهْوِ الْإِمَامِ اسْتِحْسَانًا لِالْتِزَامِهِ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَهُ كَمَا فِي الْبُرْهَانِ.
وَفِي الْبَدَائِعِ خِلَافُهُ فَلَا تَفْسُدُ بِتَرْكِ الْمُتَابَعَةِ وَلَوْ سَهَا فِيمَا يَقْضِي سَجَدَ ثَانِيًا إنْ كَانَ تَابِعَ الْإِمَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَفَاهُ سَجْدَتَانِ وَتَنْتَظِمُ الثَّانِيَةُ بِالْأُولَى وَلَوْ سَلَّمَ مَعَ الْإِمَامِ أَوْ قَبْلَهُ فَلَا سَهْوَ وَلَوْ بَعْدَهُ لَزِمَهُ وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ فِي التَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى.
(سَهَا) الْمُصَلِّي (عَنْ الْقُعُودِ الْأَوَّلِ) فِي ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ أَوْ الثَّلَاثِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ (وَهُوَ) أَيْ الْمُصَلِّي (إلَيْهِ) أَيْ الْقُعُودِ (أَقْرَبُ) مِنْ الْقِيَامِ إلَيْهِ بِأَنْ لَمْ يَرْفَعْ رُكْبَتَيْهِ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ كَمَا فِي الْمُضْمَرَاتِ وَقِيلَ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَوَى النِّصْفِ الْأَوَّلِ سَوَاءٌ كَانَ رَافِعَ الْأَلْيَةِ وَالرُّكْبَةِ أَوْ أَحَدَاهُمَا وَقِيلَ: بِأَنْ لَمْ يَسْتَوِ قَائِمًا وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
وَفِي التَّبْيِينِ وَهُوَ الْأَصَحُّ قَدَّمَ مَفْعُولَ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ تَوَسُّعًا (عَادَ) إلَى الْقُعُودِ وَتَشَهَّدَ لِأَنَّ مَا يَقْرَبُ إلَى الشَّيْءِ يَأْخُذُ حُكْمَهُ وَتَجِبُ عَلَيْهِ سَجْدَةُ السَّهْوِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ: تَجِبُ لِأَنَّ بِالْقِيَامِ وَإِنْ قَلَّ يُؤَخِّرُ الْقَعْدَةَ الْوَاجِبَةَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَيْهِ أَقْرَبُ بِأَنْ رَفَعَ رُكْبَتَيْهِ أَوْ بِأَنْ كَانَ مُسْتَوَى النِّصْفِ الْأَسْفَلِ دُونَ الْأَعْلَى أَوْ بِأَنْ اسْتَوَى قَائِمًا (لَا) أَيْ لَا يَعُودُ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَعْنًى فَكَانَ كَالْقَائِمِ حَقِيقَةً وَلَوْ عَادَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ رَفَضَ فَرْضًا بَعْدَ الشُّرُوعِ لِمَا لَيْسَ بِفَرْضٍ.
وَفِي الْمِنَحِ وَأَمَّا الْمَأْمُومُ إذَا قَامَ سَاهِيًا فَإِنَّهُ يَعُودُ وَيَقْعُدُ لِأَنَّ الْقُعُودَ فَرْضٌ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْمُتَابَعَةِ (وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ وَهُوَ الْقُعُودُ الْأَوَّلُ.
(وَإِنْ سَهَا عَنْ) الْقُعُودِ (الْأَخِيرِ) حَتَّى قَامَ لِرَكْعَةٍ أُخْرَى (عَادَ) إلَى الْقُعُودِ لِإِصْلَاحِ صَلَاتِهِ (مَا لَمْ يَسْجُدْ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ) لِتَأْخِيرِهِ فَرْضًا وَأَرَادَ بِالْأَخِيرِ الْقُعُودَ الْمَفْرُوضَ لِيَشْمَلَ الثَّانِيَ وَالثُّنَائِيَّ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: سُمِّيَ أَخِيرًا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ آخِرُ الصَّلَاةِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْمُشَاكَلَةِ (فَإِنْ سَجَدَ) سَجْدَةً تَامَّةً (بَطَلَ فَرْضُهُ) عِنْدَنَا ثُمَّ الْفَسَادُ (بِرَفْعِهِ) أَيْ الرَّأْسِ مِنْ السُّجُودِ (عِنْدَ مُحَمَّدٍ) لِأَنَّ تَمَامَ الشَّيْءِ بِآخِرِهِ وَهُوَ الرَّفْعُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِأَنَّهُ أَقْيَسُ وَأَوْفَقُ (وَبِوَضْعِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) لِأَنَّهُ سُجُودٌ كَامِلٌ فَإِذَا أَحْدَثَ فِيهِ لَا يَبْنِي عِنْدَهُ وَيَبْنِي عِنْدَ مُحَمَّدٍ كَمَا بَيَّنَ فِي مَحَلِّهِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُسَمَّى بِمَسْأَلَةِ زِهْ بِالزَّايِ الْمَكْسُورَةِ الْخَالِصَةِ وَهِيَ كَلِمَةٌ تَقُولُ الْأَعَاجِمُ عِنْدَ اسْتِحْسَانِ شَيْءٍ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي التَّهَكُّمِ وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ عِنْدَ بُلُوغِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ: زِهْ صَلَاةٌ فَسَدَتْ يُصْلِحُهَا الْحَدَثُ (وَصَارَتْ) أَيْ انْقَلَبَتْ صَلَاتُهُ (نَفْلًا) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ لِأَنَّ فَسَادَ وَصْفِ الْفَرْضِيَّةِ لَا يُبْطِلُ أَصْلَ الصَّلَاةِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ (فَيَضُمُّ سَادِسَةً إنْ شَاءَ) فَلَوْ لَمْ يَضُمَّ صَارَ الشَّفْعُ الْأَوَّلُ نَفْلًا وَبَطَلَ الثَّانِي وَلَا يَلْزَمُ قَضَاؤُهُ لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ وَالْمَظْنُونُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ كَمَا فِي التَّسْهِيلِ.
وَفِي الدُّرَرِ وَيُضَمُّ فِي الرُّبَاعِيِّ رَكْعَةً سَادِسَةً إنْ شَاءَ وَفِي الثُّلَاثِيِّ الصَّائِرِ أَرْبَعًا لَا يَحْتَاجُ الضَّمَّ إذْ
стр. 150
الرَّكَعَاتُ الثَّلَاثُ بِضَمِّ الرَّابِعَةِ إلَيْهَا تَحَوَّلَتْ إلَى النَّفْلِ فَحَصَلَتْ الصَّلَاةُ التَّامَّةُ وَفِي الثُّنَائِيِّ الصَّائِرِ ثَلَاثًا وَهُوَ الْفَجْرُ لَا يَضُمُّ رَابِعَةً لِيَكُونَ الْكُلُّ نَفْلًا لِأَنَّ النَّفَلَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَكْثَرَ مِنْ سُنَّةِ الْفَجْرِ مَكْرُوهٌ انْتَهَى.
وَفِي النِّهَايَةِ وَفِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَقْطَعُ سَوَاءً قَعَدَ عَلَى رَأْسِ الثَّانِيَةِ أَوْ لَمْ يَقْعُدْ لِأَنَّ التَّنَفُّلَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَهُ مَكْرُوهٌ سِوَى رَكْعَتَيْهَا.
وَقَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ: فِيهِ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا قَطَعَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَلَمْ يَضُمَّ إلَيْهِ رَكْعَةً هَلْ يَكُونُ نَفْلًا عِنْدَهُمَا كَمَا فِي غَيْرِهِ أَوْ يَبْطُلُ أَصْلًا إنْ قِيلَ: يَبْطُلُ أَصْلًا يَكُونُ مُخَالِفًا لِأَصْلِهِمَا وَإِنْ قِيلَ: يَكُونُ نَفْلًا يَلْزَمُ التَّنَفُّلُ بَعْدَ الصُّبْحِ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ وَهُوَ لَا يَجُوزُ انْتَهَى أَقُولُ فِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الْجَوَازِ لِأَنَّ عَدَمَ جَوَازِ التَّنَفُّلِ بِالْوِتْرِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الْقَصْدِ وَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِهِ فَلَا وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لَوْ قَطَعَهُ عَلَى أَنَّهُ فِي صُورَةِ الْقُعُودِ عَلَى رَأْسِ الثَّانِيَةِ فِي الْفَجْرِ تَتِمُّ صَلَاةُ الْفَجْرِ وَتَبْطُلُ الرَّكْعَةُ عِنْدَ الْقَطْعِ أَمَّا فِي صُورَةِ عَدَمِ الْقُعُودِ فَيَبْطُلُ أَصْلًا بِتَرْكِ الْقُعُودِ فَلَا مُخَالَفَةَ لِأَصْلِهِمَا لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالْقُعُودِ الْأَخِيرِ فَافْتَرَقَا تَأَمَّلْ.
(وَإِنْ قَعَدَ) قَدْرَ التَّشَهُّدِ (فِي) الرَّكْعَةِ (الرَّابِعَةِ ثُمَّ قَامَ) سَهْوًا (عَادَ) إلَى الْقُعُودِ (وَسَلَّمَ) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ حَالَ الْقِيَامِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ (مَا لَمْ يَسْجُدْ) فِي الْخَامِسَةِ.
(وَإِنْ سَجَدَ تَمَّ فَرْضُهُ) لِأَنَّ الْفَائِتَةَ عَنْهُ إصَابَةُ لَفْظِ السَّلَامِ فِي الْأَخِيرَةِ وَهُوَ لَيْسَ بِفَرْضٍ عِنْدَنَا (وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) رَاجِعٌ إلَى كُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَمَّا فِي الْأُولَى وَهِيَ مَا إذَا عَادَ وَسَلَّمَ فَظَاهِرٌ لِأَنَّهُ أَخَّرَ الْوَاجِبَ وَهُوَ السَّلَامُ وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِجَبْرِ نُقْصَانِ النَّفْلِ بِالدُّخُولِ فِيهِ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمَسْنُونِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لِنُقْصَانِ الْفَرْضِ بِتَرْكِ السَّلَامِ مِنْهُ.
وَقَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: الْأَصَحُّ أَنْ يَجْعَلَ السُّجُودَ جَبْرًا لِلنَّقْصِ الْمُتَمَكِّنِ فِي الْإِحْرَامِ فَيَنْجَبِرُ النَّقْصُ الْمُتَمَكِّنُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ جَمِيعًا.
(وَيَضُمُّ سَادِسَةً) هَذَا الضَّمُّ آكَدُ مِنْ الْأَوَّلِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ إنْ شَاءَ (وَالرَّكْعَتَانِ نَفْلٌ) إنْ كَانَ الْفَرْضُ رُبَاعِيًّا لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ نَهَى عَنْ الْبُتَيْرَاءِ» (وَلَا عُهْدَةَ لَوْ قَطَعَ) أَيْ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ ظَانٌّ فِيهَا لَكِنَّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَعَلَيْهِ أَنْ يُضِيفَ سَادِسَةً وَكَلِمَةُ عَلَى لِلْإِيجَابِ إلَّا أَنْ يُقَالَ كَلِمَةُ عَلَى تُسْتَعْمَلُ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْآكَدِيَّةِ لَا لِلْإِيجَابِ وَلَكِنْ خِلَافُ الظَّاهِرِ تَدَبَّرْ (وَلَا تَنُوبَانِ عَنْ سُنَّةِ الظُّهْرِ) عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى السُّنَّةِ إنَّمَا كَانَتْ بِتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ (وَمَنْ اقْتَدَى بِهِ) أَيْ بِالسَّاهِي (فِيهِمَا) أَيْ فِي إحْدَى هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ (صَلَّاهُمَا فَقَطْ) عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَكِنْ فِي الْهِدَايَةِ هَذَا قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَمَّا اسْتَحْكَمَ خُرُوجُهُ عَنْ الْفَرْضِ فَصَارَ كَتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ.
(وَلَوْ أَفْسَدَ) الْمُقْتَدِي إيَّاهُمَا (قَضَاهُمَا) عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ السُّقُوطَ بِعَارِضٍ يَخُصُّ الْإِمَامَ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ لَا نَصَّ عَنْ الْإِمَامِ لَكِنْ فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ أَنَّ هَذَا قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ.
стр. 151
(وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُصَلِّي سِتًّا) وَهُوَ أَقْيَسُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْكَافِي لِأَنَّهُ لَمَّا شَرَعَ فِي تَحْرِيمَةِ الْإِمَامِ لَزِمَهُ مَا أَدَّى بِهِ الْإِمَامُ وَقَدْ أَدَّى سِتًّا (وَلَا قَضَاءَ) عَلَى الْمُقْتَدِي عِنْدَ مُحَمَّدٍ (لَوْ أَفْسَدَ) اعْتِبَارًا بِالْإِمَامِ.
(وَلَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ فِي شَفْعِ التَّطَوُّعِ لَا يَبْنِي) شَفْعًا آخَرَ (عَلَيْهِ) كَيْ لَا يَقَعُ سُجُودُهُ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ إذْ السَّجْدَةُ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ لَمْ تُشْرَعْ.
(وَلَوْ بَنَى صَحَّ) لِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ وَيُعِيدُ سُجُودَ السَّهْوِ فِي الْمُخْتَارِ وَفِي السَّرَخْسِيِّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبِنَاءُ.
(وَسَلَامُ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ يُخْرِجُهُ مِنْ الصَّلَاةِ) خُرُوجًا (مَوْقُوفًا) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (إنْ سَجَدَ) لِلسَّهْوِ (عَادَ إلَيْهَا) أَيْ إلَى الصَّلَاةِ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ (لَا) أَيْ لَا يَعُودُ إلَيْهَا لِأَنَّ السَّلَامَ مُحَلِّلٌ وَالْحَاجَةَ إلَى أَدَاءِ السُّجُودِ مَانِعَةٌ عَنْ التَّحْلِيلِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ سُجُودٌ عَمِلَ السَّلَامُ عَمَلَهُ (فَيَصِحُّ اقْتِدَاءُ مَنْ اقْتَدَى بِهِ بَعْدَ سَلَامِهِ) الْأَوَّلُ قَبْلَ سُجُودِ السَّهْوِ لِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: يَخْرُجُ مِنْ الصَّلَاةِ مِنْ حِينِ سَلَّمَ وَتَنْقَطِعُ بِهِ التَّحْرِيمَةُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى قَوْلِهِمَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ (وَيَصِيرُ فَرْضُهُ) أَيْ فَرْضُ الْمُسَافِرِ (أَرْبَعًا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ) فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
(وَيَبْطُلُ وُضُوءُهُ بِقَهْقَهَةٍ) فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (إنْ سَجَدَ) لِلسَّهْوِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ (فَلَا) أَقُولُ فِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا قَيْدٌ لِلْجَمِيعِ مِنْ قَوْلِهِ فَيَصِحُّ إلَى هُنَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ بَعْدَ السَّلَامِ لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِأَنَّ السَّجْدَةَ لِلسَّهْوِ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ لَمْ تُشْرَعْ كَمَا بَيَّنَ آنِفًا فَلَا يَتَغَيَّرُ فَرْضُهُ أَرْبَعًا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ عِنْدَهُمَا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَكَذَا لَا يَبْطُلُ وُضُوءُهُ بِقَهْقَهَةٍ عِنْدَهُمَا لِأَنَّهَا لَمْ تُصَادِفْ حُرْمَةَ الصَّلَاةِ إذْ الْقَهْقَهَةُ قَاطِعَةٌ لِلتَّحْرِيمَةِ لِأَنَّهَا كَلَامٌ فَيَتَحَقَّقُ خُرُوجُهُ عَنْ الصَّلَاةِ فَكَيْفَ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ بَلْ قَيَّدَ لِقَوْلِهِ فَيَصِحُّ اقْتِدَاءُ مَنْ اقْتَدَى بِهِ بَعْدَ سَلَامِهِ فَقَطْ لَكِنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ لَمْ تُسَاعِدْهُ بَلْ هُوَ سَهْوٌ تَتَبَّعْ فَإِنَّهُ مِنْ مَزَالِقِ الْأَقْدَامِ.
(وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) وَزُفَرٍ (لَا يُخْرِجُهُ) أَصْلًا لِأَنَّ السُّجُودَ وَجَبَ لِجَبْرِ النُّقْصَانِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي إحْرَامِ الصَّلَاةِ لِيَتَحَقَّقَ الْجَبْرُ (فَتَثْبُتُ الْأَحْكَامُ الْمَذْكُورَةُ) مِنْ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ وَصَيْرُورَةِ فَرْضِهِ أَرْبَعًا وَبُطْلَانِ وُضُوئِهِ بِقَهْقَهَةٍ (سَجَدَ أَوْ لَا) أَيْ سَوَاءٌ سَجَدَ لِلسَّهْوِ أَوْ لَا لَكِنْ لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ بَعْدَ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ بَلْ يَتْرُكُهُ وَيَقُومُ لِأَنَّهُ لَوْ سَجَدَ لَبَطَلَ سُجُودُهُ لِوُقُوعِهِ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ.
(وَلَوْ سَلَّمَ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ بِنِيَّةِ أَنْ لَا يَسْجُدَ بَطَلَتْ نِيَّتُهُ) لِأَنَّهَا غَيْرُ الْمَشْرُوعِ فَلَغَتْ كَنِيَّةِ الظُّهْرِ سِتًّا (وَلَهُ أَنْ يَسْجُدَ) لِلسَّهْوِ لِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ مَا لَمْ يَفْعَلْ مَا يُنَافِي الصَّلَاةَ.
(وَإِنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ) أَنَّهُ (كَمْ صَلَّى إنْ كَانَ أَوَّلَ مَا عَرَضَ لَهُ) فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ كَمَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْفَضْلِ.
وَقَالَ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ: إنْ كَانَ أَوَّلَ مَا وَقَعَ لَهُ فِي عُمْرِهِ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: إنْ كَانَ السَّهْوُ لَيْسَ بِعَادَةٍ لَهُ وَهُوَ أَشْبَهُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ (اسْتَقْبَلَ) ثُمَّ الِاسْتِقْبَالُ لَا يُتَصَوَّرُ
стр. 152
إلَّا بِالْخُرُوجِ عَنْ الْأُولَى وَذَلِكَ بِالسَّلَامِ أَوْ الْكَلَامِ أَوْ عَمَلٍ آخَرَ مِمَّا يُنَافِي الصَّلَاةَ لَكِنَّ السَّلَامَ قَاعِدًا أَوْلَى وَمُجَرَّدُ النِّيَّةِ لَمْ تَكْفِ فِي الْقَطْعِ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَوَّلَ مَا عَرَضَ لَهُ بَلْ يَعْرِضُ كَثِيرًا (تَحَرَّى وَعَمِلَ بِغَلَبَةِ ظَنِّهِ) دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ حَتَّى لَوْ ظَنَّ أَنَّهَا أَرْبَعَةٌ مَثَلًا فَأَتَمَّ وَقَعَدَ وَضَمَّ إلَيْهَا أُخْرَى وَقَعَدَ احْتِيَاطًا كَانَ مُسِيئًا كَمَا فِي الْمُنْيَةِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ظَنٌّ بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ) الْمُتَيَقَّنِ (وَقَعَدَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ احْتَمَلَ أَنَّهُ مَوْضِعُ الْقُعُودِ) فَلَوْ شَكَّ مَثَلًا فِي ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ أَنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ لَمْ يُصَلِّ شَيْئًا فَقَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا ثُمَّ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَقْعُدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ التَّشَهُّدِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ آخِرَ صَلَاتِهِ وَالْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ فَرْضٌ فَلَوْ شَكَّ فِي الْوِتْرِ وَهُوَ قَائِمٌ أَنَّهَا ثَانِيَةٌ أَوْ ثَالِثَةٌ يُتِمُّ تِلْكَ الرَّكْعَةَ وَيَقْنُتُ فِيهَا وَيَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ وَيُصَلِّي أُخْرَى وَيَقْنُتُ فِيهَا أَيْضًا.
وَلَوْ شَكَّ أَنَّهُ صَلَّى أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ صَلَّاهَا.
وَلَوْ شَكَّ أَنَّهُ رَكَعَ فِي صَلَاتِهِ أَوْ لَا إنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ يَأْتِي بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فَعَلَهُ كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ.
(تَوَهَّمَ مُصَلِّي الظُّهْرَ أَنَّهُ أَتَمَّهَا فَسَلَّمَ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) وَهُوَ عَلَى مَكَانِهِ (أَتَمَّهَا وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ فَعَلَ كَذَلِكَ وَلِأَنَّ السَّلَامَ سَاهِيًا لَا يُبْطِلُ صَلَاتَهُ لِكَوْنِهِ دُعَاءً مِنْ وَجْهٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ سَلَّمَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ فَرْضَ الظُّهْرِ رَكْعَتَانِ أَوْ كَانَ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَظَنَّ أَنَّهَا التَّرَاوِيحُ فَسَلَّمَ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ وَكَذَا لَوْ سَلَّمَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ مُسَافِرٌ أَوْ عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا الْجُمُعَةُ أَوْ سَلَّمَ ذَاكِرًا أَنَّ عَلَيْهِ رُكْنًا فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ.
[بَابُ صَلَاةِ الْمَرِيضِ]
وَجْهُ مُنَاسَبَةِ هَذَا الْبَابِ بِمَا قَبْلَهُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ الْعَوَارِضِ السَّمَاوِيَّةِ غَيْرَ أَنَّ الْأَوَّلَ أَعَمُّ مَوْقِعًا لِأَنَّهُ يَقَعُ فِي صَلَاةِ الصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ فَقَدَّمَهُ لِشِدَّةِ مِسَاسِ الْحَاجَةِ إلَى بَيَانِهِ ثُمَّ إضَافَتِهِ إضَافَةَ الْفِعْلِ إلَى فَاعِلِهِ كَقِيَامِ زَيْدٍ (عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ) بِأَنْ لَا يَقُومَ أَصْلًا لَا بِقُوَّةِ نَفْسِهِ وَلَا بِالِاعْتِمَادِ عَلَى شَيْءٍ وَإِلَّا فَلَا يُجْزِيهِ إلَّا ذَلِكَ (أَوْ خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ) أَوْ بُطْأَهُ أَوْ يَجِدُ أَلَمًا شَدِيدًا (بِسَبَبِهِ) أَيْ الْقِيَامِ (صَلَّى قَاعِدًا) كَيْفَ شَاءَ.
وَقَالَ زُفَرُ: يَقْعُدُ قُعُودَ التَّشَهُّدِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى
стр. 153
لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْسَرُ عَلَى الْمَرِيضِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَيْسَرَ عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِكَيْفِيَّةٍ مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ لِأَنَّ عُذْرَ الْمَرَضِ أَسْقَطَ عَنْهُ الْأَرْكَانَ فَلَأَنْ تَسْقُطَ عَنْهُ الْهَيْئَاتُ أَوْلَى وَلَوْ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الْقِيَامِ بِأَنْ قَدَرَ عَلَى التَّكْبِيرِ قَائِمًا يَقُومُ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَقْعُدُ (يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ) إنْ قَدَرَ وَلَا يَتْرُكُهُمَا بِتَرْكِ الْقِيَامِ.
(وَإِنْ تَعَذَّرَ الرُّكُوعُ أَوْ السُّجُودُ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ) أَيْ يُشِيرُ إلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (قَاعِدًا) إنْ قَدَرَ عَلَى الْقُعُودِ لِأَنَّهُ وَسِعَهُ (وَجَعَلَ سُجُودَهُ) بِالْإِيمَاءِ (أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ) لِأَنَّ نَفْسَ السُّجُودِ أَخْفَضُ مِنْ الرُّكُوعِ فَكَذَا الْإِيمَاءُ بِهِ (وَلَا يَرْفَعُ إلَى وَجْهِهِ شَيْئًا لِلسُّجُودِ) رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ عَادَ مَرِيضًا فَرَآهُ يُصَلِّي عَلَى وِسَادَةٍ فَأَخَذَهَا فَرَمَى بِهَا وَأَخَذَ عُودًا لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ فَرَمَى بِهِ وَقَالَ صَلِّ عَلَى الْأَرْضِ إنْ اسْتَطَعْت وَإِلَّا فَأَوْمِ وَاجْعَلْ سُجُودَك أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِك» (فَإِنْ فَعَلَ) ذَلِكَ (وَهُوَ يَخْفِضُ رَأْسَهُ صَحَّ إيمَاؤُهُ) لِوُجُودِ الْإِيمَاءِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَخْفِضْهُ (فَلَا) يَصِحُّ لِعَدَمِ الْإِيمَاءِ.
وَفِي الشُّمُنِّيِّ لَوْ كَانَ الْمَرِيضُ يُصَلِّي بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ فَرُفِعَ إلَيْهِ شَيْءٌ فَسَجَدَ عَلَيْهِ قَالُوا: إنْ كَانَ إلَى السُّجُودِ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى الْقُعُودِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ لَوْ سَجَدَ عَلَى شَيْءٍ مَرْفُوعٍ مَوْضُوعٍ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يُكْرَهْ وَلَوْ سَجَدَ عَلَى دُكَّانٍ دُونَ صَدْرِهِ يَجُوزُ كَالصَّحِيحِ لَكِنْ لَوْ زَادَ يُومِئُ وَلَا يَسْجُدُ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ تَعَذَّرَ الْقُعُودُ أَوْمَأَ) بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (مُسْتَلْقِيًا) عَلَى ظَهْرِهِ وَوَضَعَ وِسَادَةً تَحْتَ رَأْسِهِ حَتَّى يَكُونَ شِبْهَ الْقَاعِدِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْإِيمَاءِ (وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ أَوْ) أَوْمَأَ (مُضْطَجِعًا وَوَجْهُهُ إلَيْهَا) أَيْ إلَى الْقِبْلَةِ وَرِجْلَاهُ نَحْوُهُ يَسَارَهَا أَوْ يُمْنَاهَا وَالْأَوَّلُ أَوْلَى خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
وَفِي الْمُنْيَةِ الْأَظْهَرُ أَنَّ الِاضْطِجَاعَ لَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ ﵊ «يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى قَفَاهُ يُومِئُ إيمَاءً وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِقَبُولِ الْعُذْرِ مِنْهُ» .
(وَإِنْ تَعَذَّرَ الْإِيمَاءُ بِرَأْسِهِ أُخِّرَتْ) الصَّلَاةُ فَلَا سَقَطَ عَنْهُ بَلْ يَقْضِيهَا إذَا قَدَرَ عَلَيْهَا وَلَوْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إذَا كَانَ مُضَيَّقًا وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَقْضِي أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهَذَا اخْتِيَارُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْعَقْلِ لَا يَكْفِي لِتَوَجُّهِ الْخِطَابِ.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى فَإِنْ مَاتَ بِلَا قَضَاءٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ (وَلَا يُومِئُ بِعَيْنَيْهِ وَلَا بِحَاجِبَيْهِ وَلَا بِقَلْبِهِ) لِمَا رَوَيْنَا وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ.
(وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ وَعَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ يُومِئُ قَاعِدًا) لِأَنَّ رُكْنِيَّةَ الْقِيَامِ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إلَى السُّجُودِ الَّذِي هُوَ نِهَايَةُ التَّعْظِيمِ فَيَسْقُطُ الْوَسِيلَةُ لِسُقُوطِ الْأَصْلِ.
(وَهُوَ) أَيْ الْإِيمَاءُ قَاعِدًا (أَفْضَلُ مِنْ الْإِيمَاءِ قَائِمًا) لِكَوْنِ رَأْسِهِ فِيهِ أَقْرَبَ
стр. 154
إلَى الْأَرْضِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: يُومِئُ لِلرُّكُوعِ قَائِمًا وَالسُّجُودِ قَاعِدًا.
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: يُصَلِّي قَائِمًا بِالْإِيمَاءِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(وَلَوْ مَرِضَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ بَنَى مَا قَدَرَ) يَعْنِي لَوْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ صَحِيحًا قَائِمًا فَحَدَثَ بِهِ مَرَضٌ يَمْنَعُهُ عَنْ الْقِيَامِ صَلَّى مَا بَقِيَ قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ أَوْ مُومِيًا قَاعِدًا إنْ لَمْ يَقْدِرْ أَوْ مُسْتَلْقِيًا إنْ لَمْ يَقْدِرْ لِأَنَّ بِنَاءَ الْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى كَاقْتِدَاءِ الْمُومِئِ بِالصَّحِيحِ.
(وَلَوْ افْتَتَحَهَا قَاعِدًا) لِلْعَجْزِ (يَرْكَعُ أَوْ يَسْجُدُ فَقَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ بَنَى قَائِمًا) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ.
(وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَسْتَأْنِفُ) لِأَنَّ اقْتِدَاءَ الْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ جَائِزٌ عِنْدَهُمَا فَجَازَ الْبِنَاءُ وَغَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَهُ فَلَمْ يَجُزْ الْبِنَاءُ.
(وَإِنْ افْتَتَحَهَا بِإِيمَاءٍ) لِلْعَجْزِ (فَقَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ اسْتَأْنَفَ) لِأَنَّ اقْتِدَاءَ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ بِالْمُومِئِ لَمْ يَجُزْ فَكَذَا الْبِنَاءُ وَلَوْ كَانَ يُومِئُ مُسْتَلْقِيًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْقُعُودِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ اسْتَأْنَفَ عَلَى الْمُخْتَارِ وَلَوْ افْتَتَحَهَا بِالْإِيمَاءِ ثُمَّ قَدَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ جَازَ لَهُ أَنْ يُتِمَّهَا بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كَمَا فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ.
(وَلِلْمُتَطَوِّعِ أَنْ يَتَّكِئَ عَلَى شَيْءٍ إنْ أُعْيِيَ) أَيْ أُتْعِبَ وَأَطْلَقَ الشَّيْءَ فَشَمَلَ الْعَصَا وَالْحَائِطَ لَكِنَّ الِاتِّكَاءَ بِعُذْرٍ غَيْرُ مَكْرُوهٍ إجْمَاعًا وَبِغَيْرِ عُذْرٍ كَذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا يُكْرَهُ.
(وَلَوْ صَلَّى) فَرْضًا (فِي فُلْكٍ جَارٍ قَاعِدًا بِلَا عُذْرٍ صَحَّ) عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا دَوَرَانُ الرَّأْسِ وَهُوَ كَالْمُتَحَقَّقِ إلَّا أَنَّ الْقِيَامَ أَفْضَلُ وَأَفْضَلُ مِنْ الْقِيَامِ الْخُرُوجُ إلَى الشَّطِّ إنْ أَمْكَنَ لِأَنَّهُ أَسْكَنُ لِلْقَلْبِ (خِلَافًا لَهُمَا) لِأَنَّ الْقِيَامَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ فَلَا يُتْرَكُ.
(وَفِي الْمَرْبُوطِ لَا يَجُوزُ بِلَا عُذْرٍ) أَيْ الْقُعُودُ بِلَا عُذْرٍ إجْمَاعًا هَذَا إنْ كَانَ مَرْبُوطًا عَلَى الشَّطِّ وَأَمَّا إنْ كَانَ مَرْبُوطًا فِي الْبَحْرِ وَهُوَ يَضْطَرِبُ اضْطِرَابًا شَدِيدًا فَهُوَ كَالسَّائِرِ فِي الْحُكْمِ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَكَالْوَاقِفِ.
وَفِي الْإِيضَاحِ إنْ كَانَ مَرْبُوطًا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إلَى الْبَرِّ لَمْ يَجُزْ الْفَرْضُ أَصْلًا إذَا لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَى الْأَرْضِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَرْبُوطٍ جَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ.
(وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ جُنَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً قَضَى مَا فَاتَ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إذَا اسْتَوْعَبَ وَقْتَ صَلَاةٍ كَامِلَةٍ لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمُدَّةَ إذَا طَالَتْ كَثُرَتْ الْفَوَائِتُ فَيَلْزَمُ الْحَرَجُ وَإِذَا قَصُرَتْ قَلَّتْ فَلَا حَرَجَ وَالْكَثِيرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ وَلِهَذَا قَالَ.
(وَإِنْ زَادَ) الْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ عَلَيْهِمَا (سَاعَةً) رُوِيَ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِ أَيْ فِي جُزْءٍ مِنْ الزَّمَانِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ وَالْمَعْنَى زَادَ عَلَيْهِمَا سَاعَةٌ (لَا يَقْضِي) مَا فَاتَ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بِزِيَادَةِ سَاعَةٍ مِنْ وَقْتِ صَلَاةٍ أُخْرَى.
(وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَقْضِي مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتَ) صَلَاةٍ كَامِلَةٍ (سَادِسَةٍ) لِأَنَّ التَّكْرَارَ يَتَحَقَّقُ بِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا بِالصَّلَاةِ الْكَامِلَةِ لِأَنَّهُ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ مَا لَمْ يَسْتَوْعِبْ الْإِغْمَاءُ أَوْقَاتَ سِتِّ
стр. 155
صَلَوَاتٍ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ مَا لَمْ يَمْضِ مَكَانُ مَا لَمْ يَدْخُلْ لَكَانَ أَوْلَى تَأَمَّلْ.
وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ حَصَلَ الْإِغْمَاءُ بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ كَشُرْبِ الْخَمْرِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَضَاءُ اتِّفَاقًا وَلَوْ حَصَلَ بِالْبَنْجِ قَالَ مُحَمَّدٌ: يَسْقُطُ وَقَالَ الْإِمَامُ: لَا يَسْقُطُ.
[بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ]
لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُنَاسِبَ أَنْ يَقْتَرِنَ بِسُجُودِ السَّهْوِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَجْدَةٌ لَكِنْ لَمَّا كَانَ صَلَاةُ الْمَرِيضِ بِعَارِضٍ سَمَاوِيٍّ كَالسَّهْوِ ذُكِرَ عَقِيبَهُ لِشِدَّةِ الْمُنَاسَبَةِ فَتَأَخَّرَ هَذَا الْبَابُ ضَرُورَةً وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى سَبَبِهِ وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالسَّمَاعِ بَيَانًا لِلسَّبَبَيْنِ مَعَ أَنَّ السَّمَاعَ سَبَبٌ أَيْضًا لِأَنَّ التِّلَاوَةَ لَمَّا كَانَتْ سَبَبًا لِلسَّمَاعِ كَانَ ذِكْرُهَا مُشْتَمِلًا عَلَى السَّمَاعِ مِنْ وَجْهٍ فَاكْتَفَى بِهِ.
وَفِي بَعْضِ الْمُعْتَبَرَاتِ أَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّ السَّامِعِ التِّلَاوَةُ فِي الْأَصَحِّ بِشَرْطِ السَّمَاعِ فَلَا إشْكَالَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ إضَافَةِ الْمُسَبَّبِ إلَى السَّبَبِ الْخَاصِّ (يَجِبُ) أَيْ سُجُودُ التِّلَاوَةِ عِنْدَنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ سُنَّةٌ لِأَنَّهُ ﵊ قَرَأَ وَلَمْ يَسْجُدْ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا أَوْ عَلَى مَنْ تَلَاهَا» وَكَلِمَةُ عَلَى لِلْوُجُوبِ وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى تَأْخِيرِ الْأَدَاءِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ (عَلَى مَنْ تَلَا آيَةً) تَامَّةً أَوْ أَكْثَرَهَا أَوْ نِصْفَهَا مَعَ كَلِمَةِ السَّجْدَةِ عَلَى الْخِلَافِ وَلَوْ قَرَأَهَا وَحْدَهَا فَلَا تَجِبُ بِكِتَابَةٍ وَلَا بِقِرَاءَةِ هِجَاءٍ (مِنْ أَرْبَعَ عَشَرَ آيَةً فِي) آخِرِ (الْأَعْرَافِ) وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْآخِرِ لِأَنَّ مَا فِي أَوَّلِهِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلسَّجْدَةِ اتِّفَاقًا وَالْآخِرُ بِمَعْنَى النِّصْفِ الْآخِرِ فَلَا يَكُونُ الشَّيْءُ ظَرْفًا لِنَفْسِهِ وَالْأَعْرَافُ عَلَمٌ لِلسُّورَةِ ظَاهِرًا وَقَدْ جَوَّزَهُ سِيبَوَيْهِ كَمَا جَوَّزَ هُوَ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْعَلَمَ سُورَةُ الْأَعْرَافِ وَحَذْفُ الْجُزْءِ جَائِزٌ بِلَا الْتِبَاسٍ وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ بَاقِي السُّوَرِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَالرَّعْدِ وَالنَّحْلِ وَالْأَسْرَى وَمَرْيَمَ وَالْحَجِّ أَوَّلًا) أَيْ أَوَّلَ مَا ذُكِرَ فِيهِ السُّجُودُ لِأَنَّ مَا فِي الثَّانِيَةِ لِلصَّلَاةِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: فِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَانِ (وَالْفُرْقَانِ وَالنَّمْلِ وَالَمْ تَنْزِيلُ وَصِّ) .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ فِي سُورَةِ (ص) سَجْدَةٌ (وَفُصِّلَتْ) وَاخْتُلِفَ فِي مَوْضِعِ السَّجْدَةِ بِهِ فَعِنْدَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هُوَ قَوْلُهُ ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَعِنْدَ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَوْلُهُ لَا يَسْأَمُونَ فَأَخَذْنَا بِهِ احْتِيَاطًا فَإِنَّ تَأْخِيرَ السَّجْدَةِ جَائِزٌ لَا تَقْدِيمَهَا (وَالنَّجْمِ وَالِانْشِقَاقِ وَالْعَلَقِ) وَقَالَ مَالِكٌ: سُورَةُ النَّجْمِ وَمَا بَعْدَهَا لَيْسَتْ مِنْ مَوَاضِعِ السُّجُودِ.
(وَ) تَجِبُ (عَلَى مَنْ سَمِعَ وَلَوْ غَيْرَ قَاصِدٍ) سَوَاءٌ كَانَتْ الْقِرَاءَةُ بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ بِالْفَارِسِيَّةِ فَهِمَ أَوْ لَا لَكِنْ فِي الْعَرَبِيَّةِ عَلَيْهِ السُّجُودُ بِكُلِّ حَالٍ وَفِي الْفَارِسِيَّةِ كَذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا أَنَّ السَّامِعَ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ قُرْآنٌ فَعَلَيْهِ السُّجُودُ وَإِلَّا فَلَا وَلَا بُدَّ
стр. 156
أَنْ يَكُونَ السَّامِعُ أَهْلًا لِوُجُوبِ صَلَاةٍ عَلَيْهِ حَتَّى تَجِبَ عَلَى جُنُبٍ إذَا سَمِعَ هُوَ دُونَ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ كَمَا فِي بَعْضِ الْمُعْتَبَرَاتِ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ سَمِعَ مِنْ كَافِرٍ أَوْ صَبِيٍّ عَاقِلٍ أَوْ حَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ أَوْ جُنُبٍ وَجَبَتْ وَلَوْ سَمِعَهَا مِنْ مَجْنُونٍ أَوْ نَائِمٍ لَا لِأَنَّ التِّلَاوَةَ صَدَرَتْ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ وَلَا تَمْيِيزٍ وَلَوْ قَرَأَهَا سَكْرَانُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ سَمِعَهَا مِنْهُ.
وَفِي الْفَتَاوَى إذَا سَمِعَهَا مِنْ مَجْنُونٍ تَجِبُ وَكَذَا مِنْ النَّائِمِ الْأَصَحُّ الْوُجُوبُ أَيْضًا انْتَهَى هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُحِيطِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ.
(وَعَلَى الْمُؤْتَمِّ بِتِلَاوَةِ إمَامِهِ) وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهَا بِأَنْ قَرَأَهَا الْإِمَامُ سِرًّا أَوْ جَهْرًا وَالْمَأْمُومُ بَعِيدٌ عَنْهُ أَوْ اقْتَدَى بِهِ بَعْدَ قِرَاءَتِهَا لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْجُدْ مَعَهُ يَلْزَمُ الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالتَّبَعِ فَلَا تَجُوزُ.
(وَلَا يَجِبُ) السُّجُودُ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمُؤْتَمِّ الْقَارِئِ وَلَا الْمُؤْتَمِّ الَّذِي هُوَ غَيْرُ ذَلِكَ الْمُؤْتَمِّ (بِتِلَاوَتِهِ) أَيْ بِتِلَاوَةِ الْمُؤْتَمِّ (أَصْلًا) لَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا هَذَا عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَسْجُدُونَهَا إذْ فَرَغُوا وَأَمَّا مَا قَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ أَصْلًا لَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا لَا عَلَى الْمُؤْتَمِّ وَلَا عَلَى الْإِمَامِ فَلَا يَخْلُو عَنْ قُصُورٍ تَدَبُّرٍ (إلَّا عَلَى سَامِعٍ لَيْسَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ) فَيَسْجُدُ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّ الْحَجْرَ مِنْ السَّجْدَةِ عِنْدَ تِلَاوَةِ الْمُؤْتَمِّ إنَّمَا ثَبَتَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْمُقْتَدِي فَلَا يَعْدُوهُمَا.
(وَلَوْ سَمِعَهَا الْمُصَلِّي مِمَّنْ لَيْسَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ لَا يَسْجُدُ فِي الصَّلَاةِ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاتِيَّةٍ لِأَنَّ سَمَاعَهُ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ.
(وَيَسْجُدُ بَعْدَهَا) لِتَحَقُّقِ سَبَبِهَا وَهُوَ السَّمَاعُ لِتِلَاوَةٍ صَحِيحَةٍ (فَإِنْ سَجَدَ فِيهَا لَا تَجُوزُ) فَيُعِيدُهَا لِأَنَّ فِعْلَهَا فِي الصَّلَاةِ وَقَعَ نَاقِصًا لِكَوْنِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ (وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ) وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ زِيدَتْ فِي الصَّلَاةِ كَزِيَادَةِ سَجْدَةٍ تَطَوُّعًا وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
وَفِي النَّوَادِرِ تَفْسُدُ لِأَنَّهُ اشْتَغَلَ فِيهَا بِمَا يُفْعَلُ بَعْدَهَا.
(وَلَوْ سَمِعَهَا مِنْ إمَامٍ) قَبْلَ الِاقْتِدَاءِ (فَاقْتَدَى بِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ) لِلتِّلَاوَةِ (سَجَدَ مَعَهُ) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْمَعْهَا يَسْجُدُ مَعَهُ تَبَعًا لَهُ فَهَاهُنَا أَوْلَى.
(وَإِنْ اقْتَدَى بَعْدَ مَا سَجَدَ) الْإِمَامُ (فَإِنْ) كَانَ (فِي تِلْكَ الرَّكْعَةِ) الَّتِي تُلِيَتْ فِيهَا آيَةُ السَّجْدَةِ (لَا يَسْجُدُ أَصْلًا) وَلَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا لِأَنَّهُ صَارَ مُدْرِكًا لِلسَّجْدَةِ بِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ فَيَصِيرُ مُؤَدِّيًا لَهَا.
وَفِي الْخُلَاصَةِ مَنْ سَمِعَ قَبْلَ الِاقْتِدَاءِ سَجَدَ بَعْدَ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا.
(وَإِنْ فِي غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ تِلْكَ الرَّكْعَةِ الَّتِي تُلِيَتْ فِيهَا آيَةُ السَّجْدَةِ (سَجَدَهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ) لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ وَهُوَ السَّمَاعُ لِتِلَاوَةٍ صَحِيحَةٍ (كَمَا لَوْ لَمْ يَقْتَدِ) بِالْإِمَامِ بَعْدَمَا سَمِعَهَا فَإِنَّهُ يَسْجُدُهَا لِتَقَرُّرِ السَّبَبِ فِي حَقِّهِ وَعَدَمِ الْمَانِعِ.
(وَلَا تَقْتَضِي الصَّلَاتِيَّةُ) لَحْنٌ وَالصَّوَابُ الصَّلَوِيَّةُ بِرَدِّ أَلِفِهِ وَاوًا وَحَذْفِ التَّاءِ لَكِنْ فِي الْعِنَايَةِ أَنَّهُ خَطَأٌ مُسْتَعْمَلٌ وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ خَيْرٌ مِنْ صَوَابٍ نَادِرٍ (خَارِجَهَا) لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ
стр. 157
أَفْضَلُ فَلَمْ يَجُزْ أَدَاؤُهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْكَامِلَ لَا يَتَأَدَّى بِالنَّاقِصِ إلَّا إذَا فَسَدَتْ الصَّلَاةُ فَيَسْجُدُ خَارِجَهَا وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ وُجُوبَ السَّجْدَةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْفَوْرِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُقْتَضَى فَأَسَاءَ بِتَرْكِهَا.
وَفِي الْخِزَانَةِ إنْ تَلَا آيَةَ سَجْدَةٍ فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ فِي وَسَطِ الْقِرَاءَةِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَرْكَعَ أَوْ يَسْجُدَ لِلتِّلَاوَةِ فِي الْحَالِ غَيْرَ رُكُوعِ الصَّلَاةِ وَغَيْرَ سُجُودِهَا ثُمَّ يَقُومَ وَيَقْرَأَ وَيُتِمَّ صَلَاتَهُ وَأَمَّا إنْ قَرَأَ بَعْدَهَا آيَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَ آيَاتٍ ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ لِصَلَاتِهِ جَازَ وَسَقَطَتْ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ عَنْهُ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا يَقْطَعُ الْفَوْرَ وَلَوْ رَكَعَ لِصَلَاتِهِ عَلَى الْفَوْرِ وَسَجَدَ تَسْقُطُ عَنْهُ السَّجْدَةُ نَوَى فِي السَّجْدَةِ التِّلَاوَةَ أَوْ لَمْ يَنْوِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ تَتَأَدَّى بِسَجْدَةِ الصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لِلتِّلَاوَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي الرُّكُوعِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: لَا بُدَّ لِلرُّكُوعِ مِنْ النِّيَّةِ حَتَّى يَنُوبَ عَنْ السَّجْدَةِ نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ وَإِنْ قَرَأَ بَعْدَ السَّجْدَةِ ثَلَاثَ آيَاتٍ وَرَكَعَ لِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ لَا يَنُوبُ الرُّكُوعُ عَنْ السَّجْدَةِ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ يَقْطَعُ الْفَوْرَ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: لَا يَقْطَعُ (تَلَاهَا) أَيْ آيَةَ السَّجْدَةِ وَلَمْ يَسْجُدْ (ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَأَعَادَهَا) أَيْ أَعَادَ تِلَاوَةَ تِلْكَ الْآيَةِ (وَسَجَدَ كَفَتْهُ عَنْ التِّلَاوَتَيْنِ) لِأَنَّ غَيْرَ الصَّلَاتِيَّةِ صَارَتْ تَبَعًا لِلصَّلَاتِيَّةِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَسْجُدْ فِيهَا سَقَطَتْ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْإِعَادَةُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى حَتَّى يَصِيرَ وِفَاقِيًّا وَإِلَّا يَنْبَغِي أَنْ يَتَدَاخَلَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ كَمَا فِي التَّسْهِيلِ.
وَفِي النَّوَادِرِ يَسْجُدُ أُخْرَى بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ لِأَنَّ لِلْأُولَى قُوَّةَ السَّبْقِ فَاسْتَوَتَا قُلْنَا: لِلثَّانِيَةِ قُوَّةُ اتِّصَالِ الْمَقْصُودِ فَتَرَجَّحَتْ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
(وَإِنْ سَجَدَ لِلْأُولَى ثُمَّ شَرَعَ) فِي الصَّلَاةِ (وَأَعَادَهَا) فِي الصَّلَاةِ (يَسْجُدُ) مَرَّةً (أُخْرَى) لِأَنَّ الصَّلَاتِيَّةَ أَقْوَى فَلَا يَكُونُ تَبَعًا لِلْأَضْعَفِ.
(وَلَوْ كَرَّرَ) تِلَاوَةَ (آيَةٍ وَاحِدَةٍ) أَوْ سَمِعَهَا مِنْ وَاحِدٍ أَوْ مُتَعَدِّدٍ (فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَفَتْهُ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ) لِأَنَّ مَبْنَى السُّجُودِ عَلَى التَّدَاخُلِ مَا أَمْكَنَ وَإِمْكَانُهُ عَلَى اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ لِكَوْنِهِ جَامِعًا لِلْمُتَفَرِّقَاتِ فِيمَا يَتَكَرَّرُ لِلْحَاجَةِ كَمَا فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَغَيْرِهِ وَالْقَارِئُ مُحْتَاجٌ إلَى التَّكْرَارِ لِلْحِفْظِ وَالتَّعْلِيمِ وَالِاعْتِبَارِ فَإِلْزَامُ التَّكْرَارِ فِي السَّجْدَةِ مُفْضٍ إلَى الْحَرَجِ لَا مَحَالَةَ وَهُوَ مَدْفُوعٌ وَالتَّدَاخُلُ قَدْ يَكُونُ فِي الْأَسْبَابِ بِأَنْ يَنُوبَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَمَّا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ وَهُوَ أَلْيَقُ بِالْعِبَادَةِ لِأَنَّ تَرْكَهَا مَعَ وُجُودِ سَبَبِهَا شَنِيعٌ وَقَدْ يَكُونُ فِي الْأَحْكَامِ وَهُوَ أَلْيَقُ بِالْعُقُوبَاتِ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِلزَّجْرِ فَهُوَ يَنْزَجِرُ بِوَاحِدَةٍ فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الثَّانِيَةِ.
(وَإِنْ بَدَّلَهَا) أَيْ آيَةَ السَّجْدَةِ (أَوْ الْمَجْلِسَ لَا) أَيْ لَا تَكْفِيهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ ثُمَّ الْمَجْلِسُ لَا يَخْتَلِفُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ وَلَا بِخُطْوَةٍ أَوْ خُطْوَتَيْنِ وَلَا بِالِانْتِقَالِ مِنْ زَاوِيَةٍ إلَى زَاوِيَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَبِيرًا كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَقِيلَ: خِلَافُهُ وَلَا يَأْكُلُ لُقْمَةً وَلَا يَشْرَبُ شَرْبَةً فَلَا يَلْزَمُ تَكْرَارُ السَّجْدَةِ بِتَكْرَارِهَا وَأَمَّا إذَا تَلَا فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ نَامَ مُضْطَجِعًا أَوْ عَمِلَ كَثِيرًا أَوْ أَخَذَ فِي عَقْدِ بَيْعٍ ثُمَّ تَلَا فَتَلْزَمُهُ سَجْدَةٌ
стр. 158
أُخْرَى اسْتِحْسَانًا (وَتَسْدِيَةُ الثَّوْبِ) أَيْ تَسْوِيَةُ سَدَاهُ يَغْرِزُ فِي الْأَرْضِ خَشَبَاتٍ ثُمَّ يَجِيءُ وَيَذْهَبُ مَعَ الْغَزْلِ لِيُسَوِّيَ السَّدَى (وَالدِّيَاسَةُ وَالِانْتِقَالُ مِنْ غُصْنِ) شَجَرَةٍ (إلَى) غُصْنٍ (آخَرَ) سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا (تَبْدِيلٌ) فَلَا تَكْفِي سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الْمَكَانَ تَبَدَّلَ حَقِيقَةً وَقِيلَ: تَكْفِيهِ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ غُصْنٍ إلَى غُصْنٍ آخَرَ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِأَصْلِ الشَّجَرِ وَهُوَ وَاحِدٌ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ السِّبَاحَةُ فِي الْمَاءِ وَلَوْ كَرَّرَهَا عَلَى الدَّابَّةِ وَهِيَ تَسِيرُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ تَتَكَرَّرُ السَّجْدَةُ لِأَنَّ سَيْرَ الدَّابَّةِ يُضَافُ إلَى رَاكِبِهَا وَلَا يَتَكَرَّرُ بِتَكْرَارِهَا فِي السَّفِينَةِ لِأَنَّ سَيْرَ السَّفِينَةِ غَيْرُ مُضَافٍ إلَى رَاكِبِهَا وَإِنَّمَا جَرَيَانُهَا بِالْمَاءِ وَالرِّيحِ فَصَارَ عَيْنُ السَّفِينَةِ مَكَانَ رَاكِبِهَا وَأَنَّهُ مُتَّحِدٌ.
وَلَوْ كَرَّرَ الْمُصَلِّي فِي رَكْعَةٍ كَفَتْهُ سَجْدَةٌ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا لِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ وَلَوْ فِي رَكْعَتَيْنِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
(وَلَوْ تَبَدَّلَ مَجْلِسُ السَّامِعِ تَكَرَّرَ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ وَإِنْ اتَّحَدَ مَجْلِسُ التَّالِي) بِاتِّفَاقِ الْمَشَايِخِ لِأَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّهِ السَّمَاعُ عَلَى مَا قِيلَ وَمَجْلِسُهُ مُتَعَدِّدٌ.
(وَإِنْ تَبَدَّلَ مَجْلِسُ التَّالِي وَاتَّحَدَ مَجْلِسُهُ لَا) أَيْ لَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَفِي السِّرَاجِيَّةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لَكِنْ هَذَا عَلَى أَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّ السَّامِعِ هُوَ السَّمَاعُ لَا التِّلَاوَةُ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ السَّبَبَ فِي حَقِّ السَّامِعِ التِّلَاوَةُ أَيْضًا وَالسَّمَاعُ شَرْطٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ فِي التَّكْرَارِ وَعَدَمِهِ تَبَدُّلُ مَجْلِسِ التَّالِي وَعَدَمُهُ كَمَا فِي الْمِنَحِ.
(وَكَيْفِيَّتُهُ) أَيْ سُجُودِ التِّلَاوَةِ (أَنْ يَسْجُدَ بِشَرَائِطِ الصَّلَاةِ) اعْتِبَارًا بِسَجْدَةِ الصَّلَاةِ خِلَافًا لِابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَإِنَّهُ يَسْجُدُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ (بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ) وَاحِدَةٍ عِنْدَ الْوَضْعِ وَأُخْرَى عِنْدَ الرَّفْعِ (مِنْ غَيْرِ رَفْعِ يَدٍ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُولُ: إنَّهَا عِبَادَةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا فَاعْتُبِرَ لَهَا مَا اُعْتُبِرَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ السُّجُودُ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا بِالرَّأْيِ (وَلَا تَشَهُّدٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ إلَّا فِي الْقُعُودِ وَلَا قُعُودَ عَلَيْهِ.
(وَلَا سَلَامٍ) لِأَنَّهُ لِلتَّحْلِيلِ وَهُوَ يَقْتَضِي سَبْقَ التَّحْرِيمَةِ وَهِيَ مُنْعَدِمَةٌ فَإِذَا أَرَادَ السُّجُودَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقُومَ فَيَسْجُدُ لِأَنَّهُ مَأْثُورٌ.
(وَكُرِهَ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةً وَيَدَعَ آيَةَ السَّجْدَةِ) لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الِاسْتِنْكَافَ عَنْهَا وَذَا لَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ (لَا عَكْسُهُ) وَهُوَ أَنْ يَقْرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ وَيَدَعَ مَا سِوَاهَا لِأَنَّهُ مُبَادِرٌ إلَيْهَا حَتَّى قِيلَ مَنْ قَرَأَ آيَ السَّجْدَةِ كُلَّهَا فِي مَجْلِسٍ سَجَدَ لِكُلٍّ كَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا أَهَمَّهُ.
(وَنُدِبَ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهَا آيَةً أَوْ آيَتَيْنِ قَبْلَهَا) لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى إيهَامِ تَفْضِيلِ آيَةٍ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَبْلِهَا لِمُوَافَقَةِ عِبَارَةِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْرَأَ قَبْلَهَا آيَةً أَوْ آيَتَيْنِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ
стр. 159
إنْ قَرَأَ مَعَهَا آيَةً أَوْ آيَتَيْنِ فَهُوَ أَحَبُّ هَذَا أَشْمَلُ مِنْ عِبَارَةِ مُحَمَّدٍ لِتَنَاوُلِهَا لِمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا.
(وَاسْتُحْسِنَ) فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا (إخْفَاؤُهَا عَنْ السَّامِعِينَ) شَفَقَةً عَلَيْهِمْ لِأَنَّ السَّامِعَ رُبَّمَا لَا يُؤَدِّيهَا فِي الْحَالِ لِمَانِعٍ فَلَا يُؤَدِّيهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبَبِ النِّسْيَانِ فَيَبْقَى عَلَيْهِ الْوُجُوبُ فَيَأْثَمُ فَلَوْ كَانَ السَّامِعُ بِخِلَافِ ذَلِكَ بَلْ مُتَهَيِّئًا لِلسُّجُودِ يَنْبَغِي أَنْ يَجْهَرَ حَثًّا عَلَى الطَّاعَةِ.
(وَتُقْتَضَى) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَفِي التَّنْوِيرِ لَوْ سَمِعَ آيَةَ سَجْدَةٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ حَرْفًا لَمْ يَسْجُدْ فَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ اتِّحَادَ الثَّانِي شَرْطٌ.
وَفِي الْكَافِي تَلَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَسَجَدَ عِنْدَ الزَّوَالِ وَالْغُرُوبِ أَوْ رَاكِبًا فَنَزَلَ ثُمَّ رَكِبَ وَأَوْمَأَ لَهَا صَحَّ خِلَافًا لِزُفَرَ.
وَلَوْ تَلَا عَلَى الْأَرْضِ وَسَجَدَ رَاكِبًا لَا يَجُوزُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ.
[بَابُ صَلَاة الْمُسَافِرِ]
أَيْ بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ لَمَّا كَانَ السَّفَرُ مِنْ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ نَاسَبَ أَنْ يُذْكَرَ مَعَ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَإِنَّمَا قَدَّمَ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ لِأَنَّ سَبَبَ سُجُودِ التِّلَاوَةِ التِّلَاوَةُ وَهِيَ عِبَادَةٌ وَسَبَبُ قَصْرِ الصَّلَاةِ السَّفَرُ وَهُوَ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ وَهُوَ مُبَاحٌ وَالْعِبَادَةُ مُقَدَّمَةٌ وَالْإِضَافَةُ مِنْ بَابِ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى شَرْطِهِ أَوْ إلَى فَاعِلِهِ وَالسَّفَرُ فِي اللُّغَةِ قَطْعُ الْمَسَافَةِ وَالْمُرَادُ هُنَا قَطْعٌ خَاصٌّ يَتَغَيَّرُ بِهِ الْأَحْكَامُ وَهُوَ لَا يَتَيَسَّرُ إلَّا بِالْقَصْدِ فَلِهَذَا قَالَ مُرِيدًا لِأَنَّهُ لَوْ طَافَ جَمِيعَ الْعَالَمِ بِلَا قَصْدٍ سَيْرَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا وَلَوْ قَصَدَ وَلَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ فَكَذَلِكَ فَكَانَ الْمُعْتَبَرُ فِي حَقِّ تَغْيِيرِ الْأَحْكَامِ اجْتِمَاعَهُمَا (مَنْ جَاوَزَ بُيُوتَ مِصْرِهِ) وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَرْيَةَ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ فِي الْحُكْمِ وَلَيْسَ بِتَغْلِيبٍ كَمَا ظُنَّ وَهِيَ جَمْعُ بَيْتٍ مَأْوَى الْإِنْسَانِ مِنْ نَحْوِ حَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ صُوفٍ وَيَدْخُلُ مَا كَانَ مِنْ مَحَلِّهِ مُنْفَصِلَةً وَفِي الْقَدِيمِ كَانَتْ مُتَّصِلَةً وَتَدْخُلُ فِي بُيُوتِ الْمِصْرِ رَابِضَةً لِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَوْ جَاوَزْنَا هَذَا الْخُوصَ لَقَصَرْنَا كَمَا فِي الْفَتْحِ وَأَمَّا فِنَاءُ الْمِصْرِ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَالْهِدَايَةِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهُ وَقَدْ فَصَّلَ قَاضِي خَانْ فَقَالَ: إنْ كَانَ بَيْنَ الْمِصْرِ وَفِنَائِهِ أَقَلُّ مِنْ قَدْرِ غَلْوَةٍ وَلَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمَا مَزْرَعَةٌ تُعْتَبَرُ مُجَاوَزَةُ الْفِنَاءِ أَيْضًا وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مَزْرَعَةٌ أَوْ كَانَتْ الْمَسَافَةُ بَيْنَ الْمِصْرِ وَفِنَائِهِ قَدْرَ غَلْوَةٍ تُعْتَبَرُ مُجَاوَزَةُ عُمْرَانِ الْمِصْرِ وَكَذَا إذَا كَانَ الِانْفِصَالُ بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ أَوْ بَيْنَ قَرْيَةٍ
стр. 160
وَمِصْرٍ وَإِنْ كَانَتْ الْقُرَى مُتَّصِلَةً بِرَبْضِ الْمِصْرِ فَالْمُعْتَبَرُ مُجَاوَزَةُ الْقُرَى هُوَ الصَّحِيحُ وَإِنْ كَانَ مُتَّصِلَةً بِفِنَاءِ الْمِصْرِ لَا يُرَبَّضُ الْمِصْرُ يُعْتَبَرُ مُجَاوَزَةُ الْفِنَاءِ وَلَا يُعْتَبَرُ مُجَاوَزَةُ الْقُرَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْفَتْحِ بَعْدَمَا نَقَلَهُ: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قَدْ صَدَّقَ مُفَارَقَةَ بُيُوتِ الْمِصْرِ مَعَ عَدَمِ جَوَازِ الْقَصْرِ فَفِي عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ إرْسَالٌ غَيْرُ وَاقِعٍ وَلَوْ ادَّعَيْنَا أَنَّ بُيُوتَ تِلْكَ الْقُرَى دَاخِلَةٌ فِي مُسَمًّى بُيُوتِ الْمِصْرِ انْدَفَعَ هَذَا لَكِنَّهُ تَعَسُّفٌ ظَاهِرٌ (مِنْ جَانِبِ خُرُوجِهِ) وَإِنْ كَانَتْ بِحِذَائِهِ مِنْ جَانِبِ آخِرِ أَبْنِيَةٍ (مُرِيدًا) حَالٌ مِنْ الْفَاعِلِ (سَيْرًا وَسَطًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) أَيْ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا الْأَيَّامُ لِلْمَشْيِ وَاللَّيَالِي لِلِاسْتِرَاحَةِ وَلِهَذَا تَرَكْت لَكِنَّ قَدْرَ السَّيْرِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي زَمَانِ الِاعْتِدَالِ مَعَ الِاسْتِرَاحَاتِ الَّتِي تَكُونُ فِي خِلَالِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَمْشِيَ دَائِمًا بَلْ يَمْشِي فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَيَسْتَرِيحُ فِي بَعْضِهَا وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَقَدَّرَهُ أَبُو يُوسُفَ بِيَوْمَيْنِ وَأَكْثَرِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَالشَّافِعِيُّ بِيَوْمَيْنِ وَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا وَفِي قَوْلِهِ لَهُ بِيَوْمَيْنِ وَلَيْلَةٍ (قَصَرَ الْفَرْضَ الرُّبَاعِيَّ وَصَارَ فَرْضُهُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ) فَإِنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ فِي الْأَصْلِ رَكْعَتَيْنِ فَزِيدَتْ فِي الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ عَلَى أَصْلِهَا فِي السَّفَرِ كَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ: لَا تَقُولُوا قَصْرًا فَإِنَّ الَّذِي فَرْضُهَا فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا فَرْضُهَا فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ كَمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَنْ صَلَّى فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا كَانَ كَمَنْ صَلَّى فِي الْحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ وَعَنْهُ أَنَّ «صَلَاةَ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ» فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الْقَصْرَ عَزِيمَةٌ عِنْدَنَا وَمَنْ حَكَى خِلَافًا بَيْنَ الشَّارِحِينَ فِي أَنَّ الْقَصْرَ عِنْدَنَا عَزِيمَةٌ أَوْ رُخْصَةٌ فَقَدْ غَلِطَ لِأَنَّ مَنْ قَالَ: رُخْصَةٌ عَنَى رُخْصَةَ الْإِسْقَاطِ وَهِيَ الْعَزِيمَةُ وَتَسْمِيَتُهَا رُخْصَةً مَجَازٌ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فَرْضُهُ الْأَرْبَعُ وَالْقَصْرُ رُخْصَةُ إسْقَاطٍ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنْ لَا قَصْرَ فِي الثُّلَاثِيِّ وَالثُّنَائِيِّ وَكَذَا فِي الْوَتْرِ وَالسُّنَنِ وَاخْتَلَفُوا فِي تَرْكِ السُّنَنِ فَقِيلَ: الْأَفْضَلُ هُوَ التَّرْكُ تَرَخُّصًا وَقِيلَ الْفِعْلُ تَقَرُّبًا وَقِيلَ الْفِعْلُ نُزُولًا وَالتَّرْكُ سَيْرًا وَالْمُخْتَارُ الْفِعْلُ أَمْنًا وَالتَّرْكُ خَوْفًا لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِإِكْمَالِ الْفَرْضِ وَالْمُسَافِرُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ وَتُسْتَثْنَى مِنْهُ سُنَّةُ الْفَجْرِ عِنْدَ الْبَعْضِ وَقِيلَ: سُنَّةُ الْمَغْرِبِ.
(وَاعْتُبِرَ فِي الْوَسَطِ فِي السَّهْلِ) نَقِيضِ الْجَبَلِ (سَيْرُ الْإِبِلِ وَمَشْيُ الْأَقْدَامِ) بِالسَّيْرِ الْمُعْتَدِلِ وَهُوَ سَيْرُ الْقَافِلَةِ.
(وَفِي الْبَحْرِ اعْتِدَالُ الرِّيحِ وَفِي الْجَبَلِ مَا يَلِيقُ بِهِ) فَإِنَّهُ تُعْتَبَرُ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَإِنْ كَانَ مِثْلَ تِلْكَ الْمَسَافَةِ فِي السَّهْلِ تُقْطَعُ بِمَا دُونَهَا فَلَوْ كَانَ لِمَوْضِعٍ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَالْآخَرُ أَقَلُّ مِنْهَا فَفِي الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ يَقْصُرُ وَفِي الثَّانِي لَا وَكَلَامُهُ مُشْعِرٌ بِأَنْ لَا عِبْرَةَ بِالْفَرَاسِخِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقَدْ اعْتَبَرَ الْأَكْثَرُونَ بِأَحَدٍ وَعِشْرِينَ فَرْسَخًا كَأَنَّهُمْ قَدَّرُوا كُلَّ يَوْمٍ بِمَرْحَلَةِ سَبْعَةِ فَرَاسِخَ وَقِيلَ خَمْسَةَ
стр. 161
عَشَرَ لِأَنَّهُ قُدِّرَ بِخَمْسَةٍ وَقِيلَ: ثَمَانِيَةَ عَشَرَ لِأَنَّهُ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الْأَكْثَرِ وَالْأَقَلِّ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لَكِنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ وَالنَّصِّ الصَّرِيحِ.
(فَلَوْ أَتَمَّ الْمُسَافِرُ) الرُّبَاعِيَّ بِأَنْ يَأْتِيَ جَمِيعَ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ كَالْقِرَاءَةِ هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى كَوْنِ فَرْضِهِ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ (إنْ قَعَدَ فِي الثَّانِيَةِ) قَدْرَ التَّشَهُّدِ (صَحَّتْ) لِأَنَّ فَرْضَهُ ثِنْتَانِ وَالْقَعْدَةُ الْأُولَى فَرْضٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا آخِرُ صَلَاتِهِ فَإِذَا وُجِدَتْ يُتِمُّ فَرْضَهُ.
(وَ) لَكِنَّهُ (أَسَاءَ) لِتَأْخِيرِ السَّلَامِ وَمَا زَادَ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ نَفْلٌ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ فِي الثَّانِيَةِ (فَلَا تَصِحُّ) لِأَنَّهُ خَلَطَ النَّفَلَ بِالْفَرْضِ قَبْلَ إكْمَالِهِ فَانْقَلَبَ الْكُلُّ نَفْلًا إذَا اقْتَدَى بِمُقِيمٍ كَمَا سَيَأْتِي أَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ فِي الْقَوْمَةِ الثَّالِثَةِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُقِيمًا وَيَنْقَلِبُ فَرْضُهُ أَرْبَعًا وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ كَوْنِهَا مُسْتَفَادَةً مِنْ الْمَفْهُومِ تَفْصِيلًا لِمَحَلِّ الْخِلَافِ لِأَنَّهُ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ أَصْلًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ كَمَا بَيَّنَ آنِفًا.
(وَلَا يَزَالُ) أَيْ الْمُسَافِرُ عَنْ أَنْ يَكُونَ (عَلَى حُكْمِ السَّفَرِ حَتَّى يَدْخُلَ وَطَنَهُ) هَذَا إنْ أَكْمَلَ فِي ذَهَابِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأَمَّا إنْ لَمْ يُكْمِلْهَا فَيُتِمُّ بِمُجَرَّدِ رُجُوعِهِ لِأَنَّهُ نَقَضَ السَّفَرَ قَبْلَ اسْتِحْكَامِهِ (أَوْ يَنْوِيَ مُدَّةَ الْإِقَامَةِ بِبَلَدٍ آخَرَ أَوْ قَرْيَةٍ) لِأَنَّ الْإِقَامَةَ لَا تُعْتَبَرُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ صَالِحٍ لَهَا وَغَيْرُ الْبَلَدِ وَالْقَرْيَةِ لَا تَصْلُحُ لِلْإِقَامَةِ هَذَا إذَا سَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأَمَّا إذَا سَارَ دُونَهَا فَيُتِمُّ إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ وَلَوْ فِي الْمَفَازَةِ وَقُلَلِ الْجِبَالِ (وَهِيَ) أَيْ مُدَّةُ الْإِقَامَةِ (خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُمَا قَالَا: أَقَلُّ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ لَكِنَّ الْمُخْتَارَ فِي مَذْهَبِهِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ غَيْرَ يَوْمِ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ وَلَوْ تَرَكَ قَوْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ لَكَانَ أَخْصَرَ لِأَنَّهُ بَيَانُ أَقَلِّ الْمُدَّةِ فَقَدْ حَصَلَ بِدُونِهِ.
(وَلَوْ نَوَاهَا) أَيْ الْإِقَامَةَ (بِمَوْضِعَيْنِ كَمَكَّةَ وَمِنًى لَا يَصِيرُ مُقِيمًا إلَّا أَنْ يَبِيتَ بِأَحَدِهِمَا) لِأَنَّ إقَامَةَ الْمَرْءِ تُضَافُ إلَى مَبِيتِهِ هَذَا إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ أَصْلًا بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا تَبَعًا لِآخَرَ قَرِيبًا مِنْ الْمِصْرِ بِحَيْثُ تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى سَاكِنِهِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُقِيمًا فِيهِمَا بِدُخُولِ أَحَدِهِمَا أَيَّهُمَا كَانَ لِأَنَّهُمَا فِي الْحُكْمِ كَمَوْطِنٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
وَفِي السِّرَاجِيَّةِ رَجُلٌ قَدِمَ مَكَّةَ حَاجًّا فِي عَشْرِ الْأَضْحَى وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُقِيمَ بِهَا سَنَةً فَإِنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنًى لِأَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ لِلْحَالِ لَا مُعْتَبَرَ بِهَا لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَخْرُجَ إلَى مِنًى لِقَضَاءِ الْمَنَاسِكِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا وَإِذَا خَرَجَ إلَى مِنًى يُصَلِّي أَرْبَعًا إلَّا إذَا كَانَ لَاحِقًا.
(وَقَصَرَ إنْ نَوَى) الْإِقَامَةَ (أَقَلَّ مِنْهَا) أَيْ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ نِصْفُ الشَّهْرِ (أَوْ لَمْ يَنْوِ) شَيْئًا عَلَى عَزْمِ أَنْ يَخْرُجَ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ.
(وَلَوْ بَقِيَ سِنِينَ) لِأَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ
стр. 162
الْإِقَامَةُ بِدُونِ عَزِيمَتِهِ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ وَصَلَ الْحَاجُّ إلَى الشَّامِ وَعَلِمَ أَنَّ الْقَافِلَةَ إنَّمَا تَخْرُجُ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَعَزَمَ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَّا مَعَهُمْ لَا يَقْصُرُ لِأَنَّهُ كَنَاوِي الْإِقَامَةِ.
(وَكَذَا) يَقْصُرُ (عَسْكَرٌ نَوَاهَا) أَيْ الْإِقَامَةَ (بِأَرْضِ الْحَرْبِ أَوْ حَاصَرُوا مِصْرًا فِيهَا) أَيْ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَوْضِعَ الْإِقَامَةِ لِأَنَّهُمْ بَيْنَ الْقَرَارِ وَالْفِرَارِ لَكِنْ مَنْ دَخَلَ فِيهَا بِأَمَانٍ وَنَوَى الْإِقَامَةَ صَحَّتْ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ (أَوْ حَاصَرُوا أَهْلَ الْبَغْيِ فِي دَارِنَا فِي غَيْرِهِ) أَيْ الْمِصْرِ وَكَذَلِكَ إنْ حَاصَرُوا فِي الْبَحْرِ فَإِنَّهُمْ أَيْضًا يَقْصُرُونَ وَلَا تَجُوزُ إقَامَتُهُمْ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَصِحُّ إقَامَتُهُمْ إذَا كَانُوا فِي بُيُوتِ الْمَدَرِ.
(وَيُتِمُّ أَهْلُ الْأَخْبِيَةِ) كَالْأَعْرَابِ وَالْأَتْرَاكِ جَمْعُ خِبَاءٍ وَهُوَ بَيْتٌ مِنْ وَبَرٍ أَوْ صُوفٍ (لَوْ نَوَوْهَا) أَيْ الْإِقَامَةَ فِي مَوْضِعِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (فِي الْأَصَحِّ) احْتِرَازٌ عَمَّا قِيلَ لَا تَجُوزُ إقَامَتُهُمْ بَلْ يَقْصُرُونَ لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى.
وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ مُقِيمُونَ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ أَصْلٌ وَالسَّفَرَ عَارِضٌ وَهُمْ لَا يَنْوُونَ السَّفَرَ قَطُّ إنَّمَا يَنْتَقِلُونَ مِنْ مَاءٍ إلَى مَاءٍ وَمِنْ مَرْعًى إلَى مَرْعًى فَكَانُوا مُقِيمِينَ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ إلَّا إذَا ارْتَحَلُوا عَنْ مَوْضِعِ إقَامَتِهِمْ فِي الصَّيْفِ وَقَصَدُوا مَوْضِعَ إقَامَتِهِمْ فِي الشِّتَاءِ وَبَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّهُمْ يَصِيرُونَ مُسَافِرِينَ فِي الطَّرِيقِ وَقَيَّدَ بِأَهْلِ الْأَخْبِيَةِ لِأَنَّ غَيْرَ أَهْلِهَا مِنْ الْمُسَافِرِينَ لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ لَا تَصِحُّ عِنْدَ الْإِمَامِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الصَّحْرَاءَ لَيْسَتْ بِمَحَلِّ الْإِقَامَةِ فِي حَقِّ غَيْرِ أَهْلِهَا وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ الْإِتْمَامَ يَتَوَقَّفُ عَلَى سِتَّةِ شُرُوطٍ: النِّيَّةُ وَاسْتِقْلَالُ الرَّأْيِ وَالْمُدَّةُ وَتَرْكُ السَّيْرِ وَاتِّحَادُ الْمَوْضِعِ وَصَلَاحِيَّتُهُ.
(وَلَوْ اقْتَدَى الْمُسَافِرُ) فِي الرُّبَاعِيِّ وَلَوْ قَبْلَ السَّلَامِ (بِالْمُقِيمِ فِي الْوَقْتِ) وَلَوْ قَدْرَ التَّحْرِيمَةِ عَلَى الْأَصَحِّ (صَحَّ) اقْتِدَاؤُهُ.
(وَيُتِمُّ) مَا شَرَعَ فِيهِ أَرْبَعًا بِالتَّبَعِيَّةِ حَتَّى لَوْ أَفْسَدَهَا هُوَ أَوْ إمَامُهُ قَضَى رَكْعَتَيْنِ فَقَطْ (وَبَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ (لَا يَصِحُّ) لِأَنَّ فَرْضَ الْمُسَافِرِ لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَ الْوَقْتِ لِانْفِصَالِ سَبَبِهِ وَهُوَ الْوَقْتُ كَمَا لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَهُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ.
(وَاقْتِدَاءُ الْمُقِيمِ بِهِ) أَيْ بِالْمُسَافِرِ (صَحِيحٌ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ فِي الْحَالَيْنِ وَاحِدَةٌ وَالْقَعْدَةُ فَرْضٌ فِي حَقِّهِ غَيْرُ فَرْضٍ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي وَبِنَاءُ الضَّعِيفِ عَلَى الْقَوِيِّ جَائِزٌ.
(وَيَقْصُرُ هُوَ وَيُتِمُّ الْمُقِيمُ) لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْمُوَافَقَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَيَنْفَرِدُ فِي الْبَاقِي (بِلَا قِرَاءَةٍ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ فِيهِمَا كَأَنَّهُ مُؤْتَمٌّ فَلَا قِرَاءَةَ لِلْمُؤْتَمِّ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ لَا قِرَاءَةَ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَقْضُونَ وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِمْ إذَا سَهَوْا (وَيُسْتَحَبُّ لَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ الْمُسَافِرِ (أَنْ يَقُولَ لَهُمْ) أَيْ لِلْمُقِيمِينَ: (أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنِّي مُسَافِرٌ) هَكَذَا نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ يَقُولَ بَعْدَ الْفَرَاغِ.
وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُخْبِرَ الْإِمَامُ الْقَوْمَ قَبْلَ شُرُوعِهِ أَنَّهُ مُسَافِرٌ فَإِذَا لَمْ يُخْبِرْ أَخْبَرَ بَعْدَ السَّلَامِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْفَتْحِ مُعَلِّلًا لِلِاسْتِحْبَابِ: لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ خَلْفَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ وَلَا يَتَيَسَّرُ لَهُ الِاجْتِمَاعُ
стр. 163
بِالْإِمَامِ قَبْلَ ذَهَابِهِ فَيَحْكُمُ بِفَسَادِ صَلَاةِ نَفْسِهِ بِنَاءً عَلَى ظَنِّ إقَامَةِ الْإِمَامِ ثُمَّ إفْسَادِهِ بِسَلَامِهِ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ وَهَذَا مُجْمَلُ مَا فِي الْفَتَاوَى إذَا اقْتَدَى بِإِمَامٍ لَا يَدْرِي أَمُسَافِرٌ هُوَ أَمْ مُقِيمٌ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِحَالِ الْإِمَامِ شَرْطُ الْأَدَاءِ بِجَمَاعَةٍ انْتَهَى لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي الِابْتِدَاءِ.
(وَيَبْطُلُ الْوَطَنُ الْأَصْلِيُّ) وَهُوَ الْبَلْدَةُ أَوْ الْقَرْيَةُ الَّتِي وُلِدَ بِهَا أَوْ تَأَهَّلَ فِيهَا (بِمِثْلِهِ) أَلَا يَرَى أَنَّهُ ﵊ بَعْدَ الْهِجْرَةِ عَدَّ نَفْسَهُ بِمَكَّةَ مِنْ الْمُسَافِرِينَ حَتَّى قَصَرَ.
وَفِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ: لَوْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ بِالْكُوفَةِ وَأَهْلٌ بِالْبَصْرَةِ فَمَاتَ أَهْلُهُ بِالْبَصْرَةِ وَبَقِيَ لَهُ دُورٌ وَعَقَارٌ بِالْبَصْرَةِ قِيلَ: الْبَصْرَةُ لَا تَبْقَى وَطَنًا لَهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَتْ وَطَنًا لَهُ بِالْأَهْلِ لَا بِالْعَقَارِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَأَهَّلَ بِبَلْدَةٍ وَلَمْ يَكُنْ عَقَارٌ صَارَتْ وَطَنًا لَهُ وَقِيلَ تَبْقَى وَطَنًا لَهُ لِأَنَّهُ كَانَتْ وَطَنًا لَهُ بِالْأَهْلِ وَالدَّارِ جَمِيعًا فَبِزَوَالِ أَحَدِهِمَا لَا يَرْتَفِعُ الْوَطَنُ كَمَوْطِنِ الْإِقَامَةِ يَبْقَى بِبَقَاءِ الثَّقَلِ (لَا بِالسَّفَرِ) أَيْ لَا يَبْطُلُ الْوَطَنُ الْأَصْلِيُّ بِالسَّفَرِ بَلْ بِمُجَرَّدِ دُخُولِ الْمُسَافِرِ إلَى وَطَنِهِ الْأَصْلِيِّ يَصِيرُ مُقِيمًا وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةِ الْإِقَامَةِ.
(وَ) يَبْطُلُ (وَطَنُ الْإِقَامَةِ) وَهُوَ الْبَلْدَةُ أَوْ الْقَرْيَةُ الَّتِي لَيْسَ لِلْمُسَافِرِ فِيهَا أَهْلٌ وَنَوَى أَنْ يُقِيمَ فِيهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (بِمِثْلِهِ) لِأَنَّ الشَّيْءَ يُرْتَفَضُ بِمِثْلِهِ حَتَّى لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ فِي بَلَدٍ ثُمَّ رَاحَ مِنْهُ وَأَقَامَ فِي بَلَدٍ آخَرَ وَأَتَى الْبَلَدَ الْأَوَّلَ قَصَرَ مَا لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ ثَانِيًا (وَالسَّفَر) أَيْ يَبْطُلُ وَطَنُ الْإِقَامَةِ بِهِ لِأَنَّهُ ضِدُّ الْإِقَامَةِ فَلَا يَبْقَى مَعَهُ حَتَّى لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ فِي بَلَدٍ ثُمَّ سَافَرَ ثُمَّ أَتَى ذَلِكَ الْبَلَدَ قَصَرَ مَا لَمْ يَنْوِهَا.
(وَالْأَصْلِيُّ) أَيْ يَبْطُلُ وَطَنُ الْإِقَامَةِ بِهِ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ وَطَنِ الْإِقَامَةِ حَتَّى لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ فِي بَلَدٍ ثُمَّ دَخَلَ وَطَنَهُ الْأَصْلِيَّ ثُمَّ دَخَلَ ذَلِكَ الْبَلَدَ قَصَرَ مَا لَمْ يَنْوِهَا وَلَمْ يَذْكُرْ وَطَنَ السُّكْنَى وَهُوَ الْبَلَدُ الَّذِي يَنْوِي الْإِقَامَةَ فِيهِ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حُكْمُ الْإِقَامَةِ بَلْ حُكْمُ السَّفَرِ فِيهِ بَاقٍ كَذَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ لَكِنْ فِي الظَّهِيرِيَّةِ خِلَافُهُ فَلْيُرَاجَعْ.
(وَفَائِتَةُ السَّفَرِ تُقْضَى فِي الْحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ وَفَائِتَةُ الْحَضَرِ) رُبَاعِيَّةٌ (تُقْضَى فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا) لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى حَسَبِ الْأَدَاءِ.
(وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ) أَيْ وُجُوبِ الْأَرْبَعِ أَوْ رَكْعَتَيْنِ (آخِرُ الْوَقْتِ) لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْوَقْتِ حَتَّى لَوْ سَافَرَ آخِرَ الْوَقْتِ قَصَرَ وَإِنْ أَقَامَ الْمُسَافِرُ آخِرَ الْوَقْتِ تَمَّمَ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ.
(وَ) الْمُسَافِرُ (الْعَاصِي) فِي سَفَرِهِ كَإِبَاقِ الْعَبْدِ وَالْخُرُوجِ عَلَى الْإِمَامِ وَحَجِّ الْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ مَحْرَمٍ (كَغَيْرِهِ) أَيْ كَسَفَرِ الْمُطِيعِ فِي التَّرَخُّصِ كَاسْتِكْمَالِ مُدَّةِ الْمَسْحِ وَسُقُوطِ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي الْقَصْرِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يَتَرَخَّصُ الْعَاصِي فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ قَصْرُ الصَّلَاةِ وَتَرْكُ الصَّوْمِ لَهُمْ.
(وَنِيَّةُ الْإِقَامَةِ وَالسَّفَرِ تُعْتَبَرُ مِنْ الْأَصْلِ دُونَ التَّبَعِ) يَعْنِي إذَا نَوَى الْأَصْلُ السَّفَرَ أَوْ الْإِقَامَةَ يَكُونُ التَّبَعُ كَذَلِكَ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ اسْتِقْلَالًا (كَالْعَبْدِ) مَعَ مَوْلَاهُ.
(وَالْمَرْأَةِ)
стр. 164
مَعَ زَوْجِهَا فَإِنَّهَا تَكُونُ تَبَعًا لَهُ إذَا كَانَتْ مُسْتَوْفِيَةً لِمَهْرِهَا وَإِلَّا تُعْتَبَرُ نِيَّتُهَا (وَالْجُنْدِيِّ) مَعَ الْأَمِيرِ الَّذِي يَلِي عَلَيْهِ وَرِزْقُهُ مِنْهُ وَمِثْلُهُ الْأَمِيرُ مَعَ الْخَلِيفَةِ وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ تَبَعًا لَهُ إذَا كَانَ رِزْقُهُمْ مِنْهُ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ: لَيْسَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ قَصْرَ التَّبَعِ عَلَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ بَلْ هُوَ كُلُّ مَنْ كَانَ تَبَعًا لَهُ وَتَلْزَمُهُ طَاعَتُهُ.
وَفِي الدُّرَرِ السُّلْطَانُ إذَا سَافَرَ قَصَرَ إلَّا إذَا طَافَ فِي وِلَايَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ مَا يَصِلُ إلَيْهِ فِي مُدَّةِ السَّفَرِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مُسَافِرًا أَوْ طَلَبَ الْعَدُوَّ وَلَمْ يَعْلَمْ أَيْنَ يُدْرِكُهُ فَإِنَّهُ أَيْضًا لَا يَكُونُ حِينَئِذٍ مُسَافِرًا وَفِي الرُّجُوعِ يَقْصُرُ إنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْزِلِهِ مَسِيرَةُ سَفَرٍ.
[بَابُ صَلَاة الْجُمُعَةِ]
الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ تَنْصِيفُ الصَّلَاةِ لِعَارِضٍ إلَّا أَنَّ التَّنْصِيفَ هُنَا فِي خَاصٍّ مِنْ الصَّلَاةِ وَهُوَ الظُّهْرُ وَفِيمَا قَبْلَهُ وَفِي كُلِّ رَبَاعِيَةٍ وَتَقْدِيمُ الْعَامِّ هُوَ الْوَجْهُ وَهِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِهَا وَفَتْحِهَا حَكَى ذَلِكَ الْفَرَّاءُ وَالْوَاحِدِيُّ مِنْ الِاجْتِمَاعِ وَهِيَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ لَا يَسَعُ تَرْكُهَا وَيَكْفُرُ جَاحِدُهَا وَهِيَ فَرْضُ عَيْنٍ إلَّا عِنْدَ ابْنِ كَجٍّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يَقُولُ: فَرْضُ كِفَايَةٍ وَهُوَ غَلَطٌ كَمَا فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ.
وَقَالَ الْكَاكِيُّ: أُضِيفَ إلَيْهَا الْيَوْمُ وَالصَّلَاةُ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ حَتَّى حُذِفَ مِنْهَا الْمُضَافُ (لَا تَصِحُّ) الْجُمُعَةُ (إلَّا بِسِتَّةِ شُرُوطٍ) هَذِهِ الشُّرُوطُ لِلْأَدَاءِ وَإِنَّمَا قَدَّمَهَا عَلَى شُرُوطِ الْوُجُوبِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ عِنْدَ وُجُودِ الْأَسْبَابِ (الْمِصْرُ أَوْ فِنَاؤُهُ) حَتَّى لَا تَجُوزَ فِي الْمَفَاوِزِ وَلَا فِي الْقُرَى وَالْحُكْمُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى الْمُصَلَّى بَلْ تَجُوزُ فِي أَفْنِيَةِ الْمِصْرِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَجُوزُ فِي قَرْيَةٍ يَسْتَوْطِنُ فِيهَا أَرْبَعُونَ حُرًّا ذَكَرًا بَالِغًا وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ وَلَا صَلَاةَ فِطْرٍ وَلَا أَضْحَى إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنَّ هَذَا مُشْكِلٌ جِدًّا لِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي هُوَ فَرْضٌ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِقَطْعِيٍّ كَمَا فِي شَرْحِ التَّنْوِيرِ.
(وَالسُّلْطَانُ) أَيْ الْوَالِي الَّذِي لَا وَالِيَ فَوْقَهُ (أَوْ نَائِبُهُ) وَهُوَ الْأَمِيرُ أَوْ الْقَاضِي أَوْ الْخُطَبَاءُ وَإِنَّمَا كَانَ شَرْطًا لِلصِّحَّةِ لِأَنَّهَا لَا تُقَامُ بِجَمْعٍ عَظِيمٍ وَقَدْ تَقَعُ الْمُنَازَعَةُ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّقَدُّمِ وَقَدْ تَقَعُ فِي غَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ تَتْمِيمًا لِأَمْرِهِ وَاخْتُلِفَ فِي الْخَطِيبِ الْمُقَرَّرِ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ هَلْ يَمْلِكُ الِاسْتِنَابَةَ فِي الْخُطْبَةِ فَقَالَ صَاحِبُ الدُّرَرِ: لَيْسَ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ أَصْلًا وَلَا لِلصَّلَاةِ ابْتِدَاءً إلَّا أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهِ ذَلِكَ وَالنَّاسُ عَنْهُ غَافِلُونَ وَرَدَّ عَلَيْهِ الْمَوْلَى الْفَاضِلُ ابْنُ الْكَمَالِ فِي رِسَالَةٍ خَاصَّةٍ لَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَرْهَنَ فِيهَا عَلَى الْجَوَازِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَأَطْنَبَ فِيهَا وَأَبْدَعَ وَلِكَثِيرٍ مِنْ الْفَوَائِدِ أَوْدَعَ وَلَكِنَّ ذَلِكَ إنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ
стр. 165
تَشْغَلُهُ عَنْ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَفِي وَقْتِهَا وَإِلَّا فَلَا فَلْيُرَاجَعْ أَقُولُ: إنَّ الِاسْتِخْلَافَ جَائِزٌ مُطْلَقًا فِي زَمَانِنَا لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي تَارِيخِ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ إذْنٌ عَامٌّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ ذَلِكَ شَرْطًا اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَلَهُ إمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ فَلَا جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ» الْحَدِيثَ شَرَطَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ إمَامٌ (وَقْتَ الظُّهْرِ) أَيْ شَرْطُ أَدَائِهَا وَقْتُ الظُّهْرِ لَكِنَّ الْوَقْتَ سَبَبٌ لَا شَرْطٌ إلَّا أَنْ يُصَارَ إلَى الْمَجَازِ فَلَا تَجُوزُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ هَذَا حُجَّةٌ عَلَى قَوْلِ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ قَالَ: تَصِحُّ قَبْلَ الزَّوَالِ أَيْضًا وَقَوْلِ مَالِكٍ فَإِنَّهُ قَالَ: تَصِحُّ بَعْدَهُ مُمْتَدًّا إلَى الْمَغْرِبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَاحِدٌ عِنْدَهُ.
(وَالْخُطْبَةُ قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ الْجُمُعَةِ فَلَوْ صَلَّى ثُمَّ خَطَبَ لَا تَصِحُّ لِأَنَّهَا شَرْطٌ وَشَرْطُ الشَّيْءِ سَابِقٌ عَلَيْهِ (فِي وَقْتِهَا) أَيْ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ فَلَوْ خَطَبَ قَبْلَهُ وَصَلَّى فِي الْوَقْتِ لَمْ تَصِحَّ.
(وَالْجَمَاعَةُ) بِالْإِجْمَاعِ.
(وَالْإِذْنُ الْعَامُّ) وَهُوَ أَنْ يُفْتَحَ أَبْوَابُ الْجَامِعِ لِلْوَارِدِينَ قَالُوا: السُّلْطَانُ إذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ بِحَشَمِهِ فِي دَارِهِ فَإِنْ فَتَحَ الْبَابَ وَأَذِنَ إذْنًا عَامًّا جَازَتْ الصَّلَاةُ وَلَكِنْ يُكْرَهُ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ كَمَا فِي الْكَافِي وَمَا لَا يَقَعُ فِي بَعْضِ الْقِلَاعِ مِنْ غَلْقِ أَبْوَابِهِ خَوْفًا مِنْ الْأَعْدَاءِ أَوْ كَانَتْ لَهُ عَادَةٌ قَدِيمَةٌ عِنْدَ حُضُورِ الْوَقْتِ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّ إذْنَ الْعَامِّ مُقَرَّرٌ لِأَهْلِهِ وَلَكِنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَانَ أَحْسَنَ كَمَا فِي شَرْحِ عُيُونِ الْمَذَاهِبِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَالْمِنَحِ خِلَافُهُ لَكِنْ مَا قَرَّرْنَاهُ أَوْلَى لِأَنَّ الْإِذْنَ الْعَامَّ يَحْصُلُ بِفَتْحِ بَابِ الْجَامِعِ وَعَدَمِ الْمَنْعِ وَلَا مَدْخَلَ فِي غَلْقِ بَابِ الْقَلْعَةِ وَفَتْحِهِ وَلِأَنَّ غَلْقَ بَابِهَا لِمَنْعِ الْعَدُوِّ لَا لِمَنْعِ غَيْرِهِ تَدَبَّرْ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يُشْتَرَطُ الْإِذْنُ الْعَامُّ (وَالْمِصْرُ كُلُّ مَوْضِعٍ لَهُ أَمِيرٌ وَقَاضٍ يُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ وَيُقِيمُ الْحُدُودَ) هَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ السَّرَخْسِيُّ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ وَالْقُدُورِيِّ.
وَفِي الْغَايَةِ وَإِنَّمَا قَالَ: وَيُقِيمُ الْحُدُودَ بَعْدَ قَوْلِهِ يُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ لِأَنَّ تَنْفِيذَ الْأَحْكَامِ لَا تَسْتَلْزِمُ إقَامَةَ الْحُدُودِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ قَاضِيَةً تُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُقِيمَ الْحُدُودَ وَكَذَلِكَ الْمُحَكِّمُ انْتَهَى أَقُولُ: ظَاهِرُهُ أَنَّ الْبَلْدَةَ إذَا كَانَ قَاضِيهَا أَوْ أَمِيرُهَا امْرَأَةً لَا تَكُونُ مِصْرًا فَلَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ فِيهَا وَلَكِنْ فِي الْبَحْرِ خِلَافُهُ.
وَفِي الْبَدَائِعِ: السُّلْطَانُ إذَا كَانَ امْرَأَةً فَأَمَرَتْ رَجُلًا صَالِحًا لِلْإِمَامَةِ حَتَّى يُصَلِّيَ بِهِمْ الْجُمُعَةَ جَازَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَصْلُحُ سُلْطَانَةً أَوْ قَاضِيَةً فِي الْجُمُعَةِ فَتَصِحُّ إنَابَتُهَا تَدَبَّرْ (وَقِيلَ) : قَائِلُهُ صَاحِبُ الْوِقَايَةِ وَصَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَغَيْرُهُمَا (مَا لَوْ اجْتَمَعَ أَهْلُهُ فِي أَكْبَرِ مَسَاجِدِهِ لَا يَسَعُهُمْ) هَذَا رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ اخْتِيَارُ الثَّلْجِيِّ وَإِنَّمَا أُورِدَ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ هَذَا الْحَدَّ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مَعَ أَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَكُونُ مُلَائِمًا
стр. 166
بِشَرْطِ وُجُودِ السُّلْطَانِ وَنَائِبِهِ وَمُنَاسِبًا لِمَا قَالَهُ الْإِمَامُ ﵀ الْمِصْرُ كُلُّ بَلْدَةٍ فِيهَا سِكَكٌ وَأَسْوَاقٌ وَلَهَا رَسَاتِيقُ وَوَالٍ لِدَفْعِ الْمَظَالِمِ وَعَالِمٌ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي الْحَوَادِثِ.
وَفِي الْغَايَةِ هُوَ الصَّحِيحُ وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ كُلُّ مَوْضِعٍ لَا يَكُونُ فِيهِ كُلُّ مُحْتَرَفٍ وَيُوجَدُ فِيهِ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَيْهِ فِي مَعَاشِهِمْ وَفِيهِ فَقِيهٌ يُفْتِي وَقَاضٍ يُقِيمُ الْحُدُودَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ مَصَّرَهُ الْإِمَامُ فَهُوَ مِصْرٌ حَتَّى لَوْ بَعَثَ إلَى قَرْيَةٍ نَائِبًا لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ تَصِيرُ مِصْرًا فَإِذَا عَزَلَهُ يَلْتَحِقُ بِالْقُرَى (وَفِنَاؤُهُ) أَيْ الْمِصْرِ (مَا اتَّصَلَ بِهِ) أَيْ بِالْمِصْرِ (مُعَدًّا لِمَصَالِحِهِ) يَعْنِي لِحَوَائِجِ أَهْلِهِ مِنْ دَفْنِ الْمَوْتَى وَرَكْضِ الْخَيْلِ وَرَمْيِ السَّهْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالِاتِّصَالِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُنْفَصِلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِصْرِ بِالْمَزَارِعِ وَالْمَرَاعِي لَا يَكُونُ فِنَاءً لَهُ كَمَا بَيَّنَ فِي بَابِ الْمُسَافِرِ عَنْ الْخَانِيَّةِ لَكِنْ قَدْ خَطَّأَهُ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ حَيْثُ قَالَ: فَعَلَى قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ لَا تَجُوزُ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ بِبُخَارَى فِي مُصَلَّى الْعِيدِ لِأَنَّ بَيْنَ الْمِصْرِ وَبَيْنَ الْمُصَلَّى مَزَارِعَ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَرَّةً وَأَفْتَى بَعْضُ مَشَايِخِ زَمَانِنَا بِعَدَمِ الْجَوَازِ وَلَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَوَابٍ فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُنْكِرْ جَوَازَ صَلَاةِ الْعِيدِ فِي مُصَلَّى الْعِيدِ بِبُخَارَى لَا مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَلَا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَكَمَا أَنَّ الْمِصْرَ أَوْ فِنَاءَهُ شَرْطُ جَوَازِ الْجُمُعَةِ فَهُوَ شَرْطُ جَوَازِ الْعِيدِ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ.
(وَتَصِحُّ فِي مِصْرٍ) وَاحِدٍ (فِي مَوَاضِعَ هُوَ الصَّحِيحُ) وَهُوَ قَوْلُ الطَّرَفَيْنِ نَقْلًا عَنْ الْفَتْحِ.
وَفِي الْمِنَحِ: الْأَصَحُّ الْجَوَازُ مُطْلَقًا خُصُوصًا إذَا كَانَ مِصْرًا كَبِيرًا فَإِنَّ فِي اتِّحَادِ الْمَوْضِعِ حَرَجًا بَيِّنًا لِاسْتِدْعَائِهِ تَطْوِيلَ الْمَسَافَةِ عَلَى الْأَكْثَرِ.
وَفِي كَلَامِهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمِصْرُ صَغِيرًا لَا مَشَقَّةَ فِي اجْتِمَاعِ أَهْلِهِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لَا تَجُوزُ فِيهِ الزِّيَادَةُ عَلَى وَاحِدٍ.
(وَعَنْ الْإِمَامِ) لَا تَجُوزُ إلَّا (فِي مَوْضِعٍ فَقَطْ) لِأَنَّهَا مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ فَلَا يَجُوزُ تَقْلِيلُ جَمَاعَتِهَا.
وَفِي جَوَازِهَا فِي مَكَانَيْنِ تَقْلِيلُهَا فَإِنْ أُدِّيَتْ فِي مَوْضِعَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَالْجُمُعَةُ لِلْأَوَّلِ تَحْرِيمَةً فَإِنْ وَقَعَتَا مَعًا بَطَلَتَا لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ وَقِيلَ فَرَاغًا وَقِيلَ فِيهِمَا جَمِيعًا وَقِيلَ: تَجُوزُ فِي مَوْضِعَيْنِ وَلَا تَجُوزُ فِي أَكْثَرَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ وَلَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ الْإِمَامِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ مَا بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
(وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَجُوزُ فِي مَوْضِعَيْنِ إنْ حَالَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ) كَبِيرٌ كَبَغْدَادَ أَوْ كَانَ الْمِصْرُ كَبِيرًا كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ وَرَوَى عَنْهُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ جِسْرٌ وَعَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِرَفْعِ الْجِسْرِ فِي بَغْدَادَ وَقْتَ الصَّلَاةِ لِيَكُونَ كَمِصْرَيْنِ ثُمَّ كُلُّ مَوْضِعٍ وَقَعَ الشَّكُّ فِي جَوَازِ الْجُمُعَةِ بِتَفْوِيتِ شَرْطِهَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَيَنْوِيَ بِهَا الظُّهْرَ لِيَخْرُجُوا عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ بِيَقِينٍ لَوْ لَمْ تَقَعْ الْجُمُعَةُ مَوْقِعَهَا كَمَا فِي الْكَافِي.
وَفِي الْقُنْيَةِ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ لَمَّا اُبْتُلِيَ أَهْلُ مَرْوِ بِإِقَامَةِ جُمُعَتَيْنِ مَعَ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِهَا أَمَرَهُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِأَدَاءِ الْأَرْبَعِ بَعْدَ الظُّهْرِ حَتْمًا احْتِيَاطًا ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي
стр. 167
نِيَّتِهَا فَالْأَحْسَنُ وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ آخِرَ ظُهْرٍ أَدْرَكْت وَقْتَهُ وَلَمْ أُصَلِّهِ بَعْدُ لِأَنَّ ظُهْرَ يَوْمِهِ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِآخِرِ الْوَقْتِ كَمَا فِي الْمَطْلَبِ.
(وَمِنَى مِصْرٌ فِي الْمَوْسِمِ تَصِحُّ الْجُمُعَةُ فِيهَا) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ لِتَمَصُّرِهَا فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ لِاجْتِمَاعِ شَرَائِطِ الْمِصْرِ وَبَقَاؤُهَا مِصْرًا لَيْسَ بِشَرْطٍ لِأَنَّ الدُّنْيَا عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ لِأَنَّهَا قَرْيَةٌ أَوْ هُوَ مَنْزِلٌ مِنْ مَنَازِلِ الْحَاجِّ وَلِهَذَا لَا يُصَلُّونَ فِيهَا صَلَاةَ الْعِيدِ لَهُمَا عَدَمُ التَّعْيِيدِ بِمِنًى لِلتَّخْفِيفِ لِاشْتِغَالِ الْحَاجِّ بِالْمَنَاسِكِ لَا لِعَدَمِ الْمِصْرِيَّةِ (لِلْخَلِيفَةِ أَوْ أَمِيرِ الْحِجَازِ) وَهُوَ أَمِيرُ مَكَّةَ أَوْ الْمَأْذُونُ مِنْ جِهَتِهِمْ (لَا لِأَمِيرِ الْمَوْسِمِ) وَهُوَ الْمُسَمَّى بِأَمِيرِ الْحَاجِّ وَإِنْ كَانَ مُقِيمًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ إلَّا إذَا كَانَ مَأْذُونًا مِنْ جِهَةِ مَنْ لَهُ الْإِذْنُ وَقِيلَ: إنْ كَانَ مُقِيمًا تَجُوزُ وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا لَا تَجُوزُ وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ.
[الْجُمُعَةُ بِعَرَفَاتٍ]
(وَلَا) تَصِحُّ الْجُمُعَةُ (بِعَرَفَاتٍ) لِأَنَّهَا لَا تَتَمَصَّرُ بِاجْتِمَاعِ النَّاسِ وَحَضْرَةِ السُّلْطَانِ لِأَنَّهَا مِنْ الْبَرَارِي الْقِفَارِ.
[فرض الْخُطْبَة وسنتها]
(وَفَرْضُ الْخُطْبَةِ) عِنْدَ الْإِمَامِ (تَسْبِيحَةٌ أَوْ نَحْوُهَا) مِنْ تَهْلِيلَةٍ وَتَحْمِيدَةٍ وَتَكْبِيرَةٍ عَلَى قَصْدِ الْخُطْبَةِ (وَعِنْدَهُمَا لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرٍ طَوِيلٍ يُسَمَّى خُطْبَةً) عُرْفًا وَهُوَ مِقْدَارُ ثَلَاثِ آيَاتٍ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ وَقِيلَ مِقْدَارُ التَّشَهُّدِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ تَجِبُ فِي الْخُطْبَةِ تَحْمِيدَةٌ وَتَصْلِيَةٌ وَقِرَاءَةُ آيَةٍ وَمَوْعِظَةٌ فَإِنْ خَلَتْ عَنْ وَاحِدَةٍ مِنْهَا تَتِمُّ الْخُطْبَةُ عِنْدَهُمْ.
(وَسُنَّتُهَا) أَيْ الْخُطْبَةِ (أَنْ يَخْطُبَ قَائِمًا) قَيَّدَ بِقَائِمًا لِأَنَّهُ لَوْ خَطَبَ قَاعِدًا يُكْرَهُ لِمُخَالَفَتِهِ الْمُتَوَارَثَ (عَلَى طَهَارَةٍ) فَإِنْ خَطَبَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ جَازَ وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ (خُطْبَتَيْنِ) خَفِيفَتَيْنِ بِقَدْرِ سُورَةٍ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَزِيَادَةُ التَّطْوِيلِ مَكْرُوهَةٌ مُسْتَقْبِلًا لِلْقَوْمِ بِوَجْهِهِ فِيهِمَا وَيَجْهَرُ فِيهِمَا لَكِنْ فِي الثَّانِيَةِ لَا كَالْأُولَى وَيَبْدَأُ بِالتَّعَوُّذِ سِرًّا (يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجَلْسَةٍ) مِقْدَارِ قِرَاءَةِ ثَلَاثِ آيَاتٍ فِي الظَّاهِرِ وَتَارِكُهَا مُسِيءٌ عَلَى الْأَصَحِّ (مُشْتَمِلَتَيْنِ) صِفَةُ خُطْبَتَيْنِ (عَلَى تِلَاوَةِ آيَةٍ وَالْإِيصَاءِ بِالتَّقْوَى وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) لِأَنَّهُ الْمُتَوَارَثُ (فَيُكْرَهُ تَرْكُ ذَلِكَ) لِمُخَالَفَتِهِ الْمُتَوَارَثَ.
(وَأَقَلُّ الْجَمَاعَةِ ثَلَاثَةٌ سِوَى الْإِمَامِ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ وَالْخِطَابُ وَرَدَ لِلْجَمْعِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] فَإِنَّهُ يَقْضِي ثَلَاثًا سِوَى الْخَطِيبِ الذَّاكِرِ.
(وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ اثْنَانِ) سِوَى الْإِمَامِ لِأَنَّ لِلْمُثَنَّى حُكْمُ الْجَمَاعَةِ حَتَّى أَنَّ الْإِمَامَ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِمَا كَمَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَلِأَنَّ فِي الْجَمَاعَةِ مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ.
(وَقِيلَ مُحَمَّدٌ مَعَهُ) أَيْ مَعَ أَبِي يُوسُفَ لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ مَعَ الْإِمَامِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا حُرًّا مُقِيمًا سِوَى الْإِمَامِ.
(فَلَوْ نَفَرُوا) أَيْ تَفَرَّقَ الْجَمَاعَةُ (قَبْلَ سُجُودِهِ) أَيْ الْإِمَامِ وَلَوْ نَفَرُوا بَعْدَ سُجُودِهِ أَتَمَّهَا خِلَافًا لِزُفَرَ فَعِنْدَهُ إذَا نَفَرُوا قَبْلَ الْقَعْدَةِ بَطَلَتْ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فَلَا بُدَّ مِنْ دَوَامِهَا كَالْوَقْتِ (يَسْتَأْنِفُ الظُّهْرَ) عِنْدَ الْإِمَامِ
стр. 168
لِأَنَّ الِانْعِقَادَ بِالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِتَمَامِ الرَّكْعَةِ إذْ مَا دُونَهَا لَيْسَ بِصَلَاةٍ وَلَا عِبْرَةَ بِبَقَاءِ النِّسْوَانِ وَالصِّبْيَانِ وَلَا بِمَا دُونَ الثَّلَاثَةِ مِنْ الرِّجَالِ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ.
وَفِي النَّوَادِرِ لَوْ خَطَبَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَنَفَرَ النَّاسُ وَجَاءَ آخَرُونَ فَيُصَلِّي بِهِمْ الْجُمُعَةَ أَجْزَأَهُمْ لِأَنَّهُ خَطَبَ وَالْقَوْمُ حُضُورٌ وَصَلَّى وَالْقَوْمُ حُضُورٌ فَيَتَحَقَّقُ الشَّرْطُ (وَعِنْدَهُمَا لَا يَسْتَأْنِفُهَا) أَيْ صَلَاةَ الظُّهْرِ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطُ الِانْعِقَادِ وَقَدْ انْعَقَدَتْ فَلَا يُشْتَرَطُ دَوَامُهَا كَالْخُطْبَةِ (إلَّا إنْ نَفَرُوا قَبْلَ شُرُوعِهِ) فَحِينَئِذٍ يَسْتَأْنِفُ الظُّهْرَ اتِّفَاقًا.
(وَتَبْطُلُ) الْجُمُعَةُ (بِخُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ) فَيُقْضَى الظُّهْرُ وَلَا تُقَامُ الْجُمُعَةُ.
[شَرْطُ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ]
(وَشَرْطُ وُجُوبِهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ (سِتَّةٌ الْإِقَامَةُ بِمِصْرٍ) فَلَا تَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ وَإِنْ عَزَمَ أَنْ يَمْكُثَ فِيهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِخِلَافِ الْقَرَوِيِّ الْعَازِمِ فِيهِ فَإِنَّهُ كَأَهْلِ الْمِصْرِ (وَالذُّكُورَةُ) فَلَا تَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ لِلنَّهْيِ عَنْ الْخُرُوجِ سِيَّمَا إلَى مَجْمَعِ الرِّجَالِ (وَالصِّحَّةُ) فَلَا تَجِبُ عَلَى الْمَرِيضِ وَمِثْلُهُ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الضَّعِيفُ (وَالْحُرِّيَّةُ) فَلَا تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ لِأَنَّهُ مَشْغُولٌ بِخِدْمَةِ الْمَوْلَى وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ وَالْمُكَاتَبِ وَمُعْتَقِ الْبَعْضِ وَالْعَبْدِ الَّذِي حَضَرَ بَابَ الْجَامِعِ لِيَحْفَظَ دَابَّتَهُ قِيلَ: تَجِبُ عَلَيْهِمْ وَقِيلَ: لَا تَجِبُ.
(وَسَلَامَةُ الْعَيْنَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ) ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ يَقْتَضِي أَنَّ إحْدَاهُمَا لَوْ لَمْ تَسْلَمْ فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَعْمَى وَلَا بِمُقْعَدٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْمُثَنَّى أَبْطَلَتْ مَعْنَى التَّثْنِيَةِ كَالْجَمْعِ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُفْرَدِ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى مَا ذَكَرَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ شَرَائِطِهِ الْمَخْصُوصَةِ وَمَنْ رَامَ ذِكْرَ مُطْلَقِهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ الْعَقْلَ وَالْبُلُوغَ وَالْإِسْلَامَ أَيْضًا وَكَذَا لَا يُخَاطَبُ بِهَا الْمَحْبُوسُ وَالْخَائِفُ مِنْ السُّلْطَانِ أَوْ اللُّصُوصِ وَكَذَا مَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَطَرٌ شَدِيدٌ أَوْ الثَّلْجُ أَوْ الْوَحْلُ أَوْ نَحْوُهَا (فَلَا تَجِبُ عَلَى الْأَعْمَى) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَسَلَامَةُ الْعَيْنَيْنِ.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (وَجَدَ قَائِدًا) عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ قَادِرًا بِغَيْرِهِ (خِلَافًا لَهُمَا) لِأَنَّ الْأَعْمَى بِوَاسِطَةِ الْقَائِدِ قَادِرٌ عَلَى السَّعْيِ وَكَذَا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ.
(وَكَذَا الْخِلَافُ فِي الْحَجِّ) لَكِنْ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ فِي الْعُيُونِ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ عَلَى الْأَعْمَى الْجُمُعَةَ وَالْحَجَّ إذَا كَانَ لَهُ قَائِدٌ أَوْ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ بِهِ الْحَجَّ وَمَنْ يَحُجُّ مَعَهُ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ الْأَعْمَى إذَا وَجَدَ قَائِدًا يَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ كَالصَّحِيحِ الضَّالِّ إذَا وَجَدَ دَالًّا.
(وَمَنْ هُوَ خَارِجُ الْمِصْرِ) مُنْفَصِلًا عَنْهُ (إنْ كَانَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ) مِنْ الْمُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتٍ (تَجِبُ عَلَيْهِ) الْجُمُعَةُ (عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَبِهِ يُفْتِي) فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِأَنَّهُ صَرَّحَ صَاحِبُ الْفَتْحِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا تَجِبُ فِي ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْرِ مِيلٍ وَقِيلَ: قَدْرِ مِيلَيْنِ وَقِيلَ: سِتَّةٍ.
وَفِي الْوَلْوَالِجِيِّ أَنَّ الْمُخْتَارَ لِلْفَتْوَى قَدْرُ الْفَرْسَخِ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ عَلَى الْعَامَّةِ وَهُوَ
стр. 169
ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ وَقِيلَ: إنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَحْضُرَ الْجُمُعَةَ وَيَبِيتَ بِأَهْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَإِلَّا فَلَا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَهُوَ أَحْسَنُ.
وَفِي الْبَحْرِ وَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ الْأَحْوَطُ.
(وَمَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ إنْ أَدَّاهَا أَجْزَأَتْهُ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ) لِأَنَّ السُّقُوطَ لِلتَّخْفِيفِ فَصَارَ كَالْمُسَافِرِ إذَا صَامَ لَكِنْ فِي هَذَا الْقَوْلِ نَوْعُ خَلَلٍ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالْحُكْمُ فِيهِمَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَيَّدَ بِالْمُكَلَّفِ فَلَا يَلْزَمُ الْمَحْذُورُ تَدَبَّرْ.
(وَالْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ وَالْعَبْدُ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ عُذْرَ الْحَرَجِ لَمَّا زَالَ بِحُضُورِهِمْ وَقَعَتْ جُمُعَتُهُمْ فَرْضًا فَتَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ لِكَوْنِهِمْ أَهْلًا لِلْإِمَامَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ (وَتَنْعَقِدُ) الْجُمُعَةُ (بِهِمْ) أَيْ بِحُضُورِهِمْ فَحَسْبُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
(وَمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَهَا) يَعْنِي إذَا صَلَّى غَيْرُ الْمَعْذُورِ الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ قَبْلَ أَدَاءِ النَّاسِ الْجُمُعَةَ (جَازَ) الظُّهْرُ لِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَ الْوَقْتِ فَوَقَعَ مَوْقِعَهُ.
وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْفَرْضَ عَلَيْهِ هِيَ الْجُمُعَةُ وَالظُّهْرُ خَلَفَ عَنْهَا وَلَا صِحَّةَ لِلْخَلَفِ مَعَ قُدْرَةِ الْأَصْلِ (مَعَ الْكَرَاهَةِ) .
وَفِي الْفَتْحِ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمُرَادِ حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَصَحَّتْ الظُّهْرُ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْفَرْضَ الْقَطْعِيَّ بِاتِّفَاقِهِمْ الَّذِي هُوَ آكَدُ مِنْ الظُّهْرِ فَكَيْفَ لَا يَكُونُ مُرْتَكِبًا مُحَرَّمًا غَيْرَ أَنَّ الظُّهْرَ تَقَعُ صَحِيحَةً انْتَهَى لَكِنْ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: الْحَرَامُ إنَّمَا هُوَ تَفْوِيتُ الْجُمُعَةِ لَا صَلَاةِ الظُّهْرِ قَبْلَهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ التَّفْوِيتُ لَكِنْ لَمَّا كَانَ سَبَبًا لِلتَّفْوِيتِ بِاعْتِبَارِ اعْتِمَادِهِ عَلَيْهَا كُرِهَ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ بِغَيْرِ عُذْرٍ مَكْرُوهٌ حَتَّى يَلْزَمَ مَا ذُكِرَ (ثُمَّ) أَيْ بَعْدَ أَدَاءِ الظُّهْرِ (إذَا سَعَى إلَيْهَا) الْجُمُعَةِ (وَالْإِمَامُ فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ (تَبْطُلُ) صَلَاةُ (ظُهْرِهِ) بِمُجَرَّدِ سَعْيِهِ إلَيْهَا عِنْدَ الْإِمَامِ سَوَاءٌ أَدْرَكَهَا أَوْ لَا لِأَنَّ السَّعْيَ مِنْ فَرَائِضِ الْجُمُعَةِ وَخَصَائِصِهَا لِلْأَمْرِ وَالِاشْتِغَالَ بِفَرَائِضِ الْجُمُعَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهَا يُبْطِلُ الظُّهْرَ كَالتَّحْرِيمَةِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي السَّعْيِ الِانْفِصَالُ عَنْ دَارِهِ فَلَا تَبْطُلُ قَبْلَهُ عَلَى الْمُخْتَارِ قَالَ فِي الْحَقَائِقِ وَالْمَعْذُورُ كَالْعَبْدِ وَالْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ وَالْمُقْعَدُ سَوَاءٌ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ (وَقَالَا: لَا تَبْطُلُ مَا لَمْ يُدْرِكْ الْجُمُعَةَ وَيَشْرَعْ فِيهَا) لِأَنَّ السَّعْيَ دُونَ الظُّهْرِ فَلَا تَنْقُضُهُ بَعْدَ تَمَامِهِ وَالْجُمُعَةُ فَوْقَهُ فَتَنْقُضُهُ فَصَارَ كَالْمُتَوَجِّهِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ وَيَشْرَعُ فِيهَا لِأَنَّ الْإِدْرَاكَ بِدُونِ الشُّرُوعِ لَمْ يُبْطِلْ عِنْدَهُمَا وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: مَا لَمْ يَشْرَعْ لَكَانَ أَخْصَرَ.
(وَكُرِهَ لِلْمَعْذُورِ وَالْمَسْجُونِ أَدَاءُ الظُّهْرِ بِجَمَاعَةٍ فِي الْمِصْرِ يَوْمَهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ سَوَاءٌ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِخْلَالِ بِالْجُمُعَةِ لِأَنَّهَا جَامِعَةٌ لِلْجَمَاعَاتِ قَيَّدَ بِالْمِصْرِ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ فِي حَقِّ أَهْلِ السَّوَادِ وَتَخْصِيصُهَا بِالذِّكْرِ لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ بَلْ لِيُعْلَمَ مِنْهُ الْحُكْمُ فِي غَيْرِهِمَا بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ.
(وَمَنْ أَدْرَكَهَا) أَيْ الْجُمُعَةَ (فِي التَّشَهُّدِ أَوْ سُجُودِ السَّهْوِ يُتِمُّ جُمُعَةً) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ.
(وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُتِمُّ ظُهْرًا إنْ لَمْ يُدْرِكْ أَكْثَرَ الثَّانِيَةِ) بِأَنْ
стр. 170
أَدْرَكَهُ بَعْدَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ الْإِمَامُ مِنْ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ جُمُعَةٌ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّهُ نَوَى الْجُمُعَةَ لَا إدْرَاكَ جُزْءٍ مِنْهَا وَظُهْرٌ مِنْ وَجْهٍ لِانْعِدَامِ شَرْطِ الْجُمُعَةِ فِيمَا يَقْضِيهِ فَبِاعْتِبَارِ الْجُمُعَةِ تُفْتَرَضُ الْقَعْدَةُ عَلَى رَأْسِ الثَّانِيَةِ وَالْقِرَاءَةُ فِي الشَّفْعِ الثَّانِي لِأَنَّهُ تَطَوُّعٌ وَبِاعْتِبَارِ الظُّهْرِ لَا تُفْتَرَضُ فَوَجَبَتْ الْقَعْدَةُ وَالْقِرَاءَةُ فِي الْكُلِّ احْتِيَاطًا وَلِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا وَمَنْ أَدْرَكَهُمْ قُعُودًا صَلَّى أَرْبَعًا» وَلَهُمَا قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ» وَالْمُرَادُ مِنْ الْقَعْدَةِ فِيمَا رَوَاهُ قُعُودٌ بَعْدَ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ قُعُودًا فِي الصَّلَاةِ؛ وَالْجُمُعَةُ وَالظُّهْرُ مُخْتَلِفَانِ فَلَا يَبْنِي أَحَدُهُمَا عَلَى تَحْرِيمَةِ الْآخَرِ.
(وَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ) أَيْ صَعِدَ عَلَى الْمِنْبَرِ لِأَجْلِ الْخُطْبَةِ (فَلَا صَلَاةَ) فَمَنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ فَإِنْ كَانَتْ سُنَّةَ الْجُمُعَةِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُتِمُّ وَلَا يَقْطَعُ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجِيِّ.
(وَلَا كَلَامَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ) عِنْدَ الْإِمَامِ (وَقَالَا يُبَاحُ الْكَلَامُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي الْخُطْبَةِ) لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِلْإِخْلَالِ بِفَرْضِ الِاسْتِمَاعِ وَلَا اسْتِمَاعَ هُنَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا تَمْتَدُّ فَتُفْضِي إلَى الْإِخْلَالِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ الْكَلَامِ إذَا نَزَلَ حَتَّى يُكَبِّرَ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَفِي الْفَتْحِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﵊ عِنْدَ ذِكْرِهِ فِي الْخُطْبَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ فِي نَفْسِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَشْغَلُهُ عَنْ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ وَكَانَ إحْرَازًا بِفَضِيلَتَيْنِ وَهُوَ الصَّوَابُ.
(وَيَجِبُ السَّعْيُ وَتَرْكُ الْبَيْعِ بِالْأَذَانِ الْأَوَّلِ) وَالْوَاقِعِ عَقِيبَ الزَّوَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] وَقِيلَ بِالْأَذَانِ الثَّانِي لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْأَصَحُّ وَهُوَ مُخْتَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ لِأَنَّهُ لَوْ انْتَظَرَ الْأَذَانَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ يَفُوتُهُ أَدَاءُ السُّنَّةِ وَسَمَاعُ الْخُطْبَةِ وَرُبَّمَا يُفَوِّتُ الْجُمُعَةَ إذَا كَانَ بَيْتُهُ بَعِيدًا مِنْ الْجَامِعِ.
(فَإِذَا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ أُذِّنَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثَانِيًا) وَبِذَلِكَ جَرَى التَّوَارُثُ (وَاسْتَقْبَلُوهُ مُسْتَمِعِينَ) مُنْصِتِينَ سَوَاءٌ كَانُوا قَرِيبِينَ أَوْ بَعِيدِينَ فِي الْأَصَحِّ فَلَا يُشَمِّتُونَ عَاطِسًا وَلَا يَرُدُّونَ سَلَامًا وَلَا يَقْرَءُونَ قُرْآنًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَرُدُّونَ السَّلَامَ وَيُشَمِّتُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ كَمَا فِي الْمُحِيطِ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ مَا دَامَ الْخَطِيبُ فِي حَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالْمَوَاعِظِ فَعَلَيْهِمْ الِاسْتِمَاعُ فَإِذَا أَخَذَ فِي مَدْحِ الظَّلَمَةِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ فَلَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ.
(فَإِذَا أَتَمَّ) الْخَطِيبُ (الْخُطْبَةَ أُقِيمَتْ) وَصَلَّى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ
стр. 171
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ غَيْرُ الْخَطِيبِ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ مَعَ الْخُطْبَةِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ فَإِنْ فَعَلَ بِأَنْ خَطَبَ صَبِيٌّ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ وَصَلَّى بَالِغٌ جَازَ وَلَا بَأْسَ بِالسَّفَرِ يَوْمَهَا إذَا خَرَجَ مِنْ عُمْرَانِ الْبَلَدِ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ إنَّمَا تَجِبُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَهُوَ مُسَافِرٌ فِيهِ وَيَخْطُبُ بِسَيْفٍ فِي بَلْدَةٍ فُتِحَتْ بِالسَّيْفِ وَإِلَّا لَا.
[بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ]
وَمُتَعَلِّقِهِمَا وَسُمِّيَ يَوْمُ الْعِيدِ بِالْعِيدِ لِأَنَّ لِلَّهِ فِيهِ عَوَائِدَ الْإِحْسَانِ إلَى عِبَادِهِ أَوْ لِأَنَّهُ يَعُودُ وَيَتَكَرَّرُ أَوْ لِأَنَّهُ يَعُودُ بِالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَهُوَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْغَالِبَةِ عَلَى يَوْمِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى جَمْعُهُ أَعْيَادٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ يُقَالَ أَعْوَادٌ لِأَنَّهُ مِنْ الْعَوْدِ لَكِنْ جُمِعَ بِالْيَاءِ لِيَكُونَ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعُودِ أَيْ الْخَشَبِ وَكَانَتْ صَلَاةُ عِيدِ الْفِطْرِ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ الْهِجْرَةِ وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَوَجْهُ تَقْدِيمِهَا غَيْرُ خَفِيٍّ (تَجِبُ صَلَاةُ الْعِيدِ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] قِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا صَلَاةُ الْعِيدِ وَكَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] وَلِمُوَاظَبَتِهِ ﵊ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ وَذَا دَلِيلُ الْوُجُوبِ كَذَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ أَقُولُ: فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْمُوَاظَبَةِ كَلَامٌ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْمُوَاظَبَةِ لَا يُفِيدُ الْوُجُوبَ ذَكَرْنَاهُ فِي بَحْثِ الِاسْتِنْجَاءِ وَقِيلَ: سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُجْتَبَى وَلَا خِلَافَ فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ السُّنَّةَ الْمُؤَكَّدَةَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاجِبِ وَلِهَذَا كَانَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَأْثَمُ بِتَرْكِ الْمُؤَكَّدَةِ كَالْوَاجِبِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ.
[شَرَائِطُ صَلَاة الْعِيد]
(وَشَرَائِطُهَا كَشَرَائِطِ الْجُمُعَةِ وُجُوبًا وَأَدَاءً) تَمْيِيزٌ أَيْ كَشَرَائِطِ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَوُجُوبِ أَدَائِهَا مِنْ نَحْوِ الْإِقَامَةِ وَالْمِصْرِ فَلَا يُصَلِّي أَهْلُ الْقُرَى وَالْبَوَادِي (سِوَى الْخُطْبَةِ) فَإِنَّهَا تَجِبُ فِي الْجُمُعَةِ لَا فِي الْعِيدِ فَالْجُمُعَةُ بِدُونِ الْخُطْبَةِ لَا تَجُوزُ بِخِلَافِ صَلَاةِ الْعِيدِ وَلَكِنْ أَسَاءَ بِتَرْكِهَا لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ وَتُقَدَّمُ الْخُطْبَةُ فِي الْجُمُعَةِ وَتُؤَخَّرُ فِي الْعِيدِ.
وَلَوْ قُدِّمَتْ فِي الْعِيدِ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَلَا تُعَادُ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَتُقَدَّمُ صَلَاةُ الْعِيدِ عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ إذَا اجْتَمَعَتَا لَكِنْ تُقَدَّمُ عَلَى خُطْبَةِ الْعِيدِ.
(وَنُدِبَ) أَيْ اُسْتُحِبَّ (فِي الْفِطْرِ أَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا قَبْلَ صَلَاتِهِ) وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُلَ حُلْوًا.
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ «يَأْكُلُ تَمَرَاتٍ وَتْرًا» فَلَوْ لَمْ يَأْكُلْ قَبْلَهَا لَا يَأْثَمُ لَكِنْ بِالتَّرْكِ فِي الْيَوْمِ يُعَاقَبُ.
(وَيَسْتَاكُ وَيَغْتَسِلُ) وَهُمَا سُنَّتَانِ عَلَى الصَّحِيحِ ذَكَرَهُمَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ إلَّا أَنْ يُقَالَ سَمَّاهُمَا مُسْتَحَبًّا لِاشْتِمَالِ السُّنَّةِ عَلَى الْمُسْتَحَبِّ (وَيَتَطَيَّبُ) لِأَنَّهُ يَوْمُ اجْتِمَاعٍ لِئَلَّا يَقَعَ التَّأَذِّي بِالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ.
(وَيَلْبَسُ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ) جَدِيدًا كَانَ أَوْ مَغْسُولًا لِمَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ «كَانَ النَّبِيُّ ﵊ يَلْبَسُ يَوْمَ الْعِيدِ حُلَّةً حَمْرَاءَ» .
وَفِي الْفَتْحِ أَنَّ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ عِبَارَةٌ عَنْ ثَوْبَيْنِ مِنْ الْيَمَنِ فِيهِمَا خُطُوطٌ حُمْرٌ وَخُضْرٌ لَا أَنَّهُ أَحْمَرُ بَحْتٌ (وَيُؤَدِّي
стр. 172
فِطْرَتَهُ) الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّ لِصَدَقَةِ الْفِطْرِ أَحْوَالًا أَحَدُهَا قَبْلَ دُخُولِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَهُوَ جَائِزٌ ثَانِيهَا يَوْمَهُ قَبْلَ الْخُرُوجِ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ» ثَالِثُهَا يَوْمَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَهُوَ جَائِزٌ لِمَا رَوَيْنَاهُ رَابِعُهَا بَعْدَ يَوْمِ الْفِطْرِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَيَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ إلَّا أَنَّهُ يَرْتَفِعُ بِالْأَدَاءِ كَمَنْ أَخَّرَ الْحَجَّ بَعْدَ الْقُدْرَةِ (وَيَتَوَجَّهُ إلَى الْمُصَلَّى) وَالْمُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ مَاشِيًا إلَّا بِعُذْرٍ وَالرُّجُوعُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَلَى الْوَقَارِ مَعَ غَضِّ الْبَصَرِ عَمَّا لَا يَنْبَغِي وَالتَّهْنِئَةِ بِتَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ؛ لَا تُنْكَرُ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَكَذَا الْمُصَافَحَةُ بَلْ هِيَ سُنَّةٌ عَقِيبَ الصَّلَاةِ كُلِّهَا وَعِنْدَ الْمُلَاقَاةِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَتَجُوزُ صَلَاةُ الْعِيدِ فِي مِصْرٍ فِي مَوْضِعَيْنِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ كَمَا فِي الْفَتْحِ لَكِنْ قَدْ كَانَ جَوَازُ الْجُمُعَةِ فِي الْمِصْرِ الْكَبِيرِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ لِدَفْعِ الْحَرَجِ لِأَنَّ فِي اتِّحَادِ الْمَوْضِعِ حَرَجًا بَيِّنًا لِاسْتِدْعَائِهِ تَطْوِيلَ الْمَسَافَةِ عَلَى الْأَكْثَرِ كَمَا بُيِّنَ آنِفًا وَهَذِهِ الْعِلَّةُ تَجْرِي فِي الْعِيدِ عَلَى أَنَّهُ صَرَّحَ فِي بَعْضِ الْمُعْتَبَرَاتِ جَوَازَهُ اتِّفَاقًا وَبِهَذَا عَمِلَ النَّاسُ الْيَوْمَ.
(وَلَا يَجْهَرُ بِالتَّكْبِيرِ) فِي طَرِيقِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ يَجْهَرُ اعْتِبَارًا بِالْأَضْحَى وَلَهُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الذِّكْرِ الْإِخْفَاءُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وَقَدْ وَرَدَ الْجَهْرُ بِهِ فِي الْأَضْحَى لِكَوْنِهِ يَوْمَ تَكْبِيرٍ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ.
وَفِي التَّبْيِينِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ الْعَامَّةُ عَنْ ذَلِكَ لِقِلَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِي الْخَيْرَاتِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَصْلِ التَّكْبِيرِ لَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ لَا يُمْنَعُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِسَائِرِ الْأَلْفَاظِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ كَمَا فِي الْفَتْحِ بَلْ التَّكْبِيرُ سِرًّا فِي طَرِيقِهِ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْإِمَامِ.
(وَلَا يَتَنَفَّلُ قَبْلَهَا) فِي الْمُصَلَّى وَغَيْرِهِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
وَفِي التَّبْيِينِ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ قَبْلَهَا مُطْلَقًا وَبَعْدَهَا فِي الْمُصَلَّى لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ لَا يُصَلِّي قَبْلَ الْعِيدِ شَيْئًا فَإِذَا رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ» لَكِنَّ هَذَا لَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ بَلْ إنَّهُ لَيْسَ بِمَسْنُونٍ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ قَائِمَةٌ مَقَامَ الضُّحَى فَإِذَا فَاتَتْ بِعُذْرٍ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا وَهُوَ أَفْضَلُ وَيَقْرَأَ فِيهَا سُورَةَ الْأَعْلَى وَالشَّمْسِ وَاللَّيْلِ وَالضُّحَى كَمَا فِي الْمُحِيطِ.
وَفِي رِوَايَةٍ مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ ثَلَاثَةَ مَرَّاتٍ أُعْطِيَ لَهُ ثَوَابٌ بِعَدَدِ كُلِّ مَا نَبَتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَمَا فِي الْمَسْعُودِيَّةِ.
[وَقْتُ صَلَاة الْعِيد]
(وَوَقْتُهَا مِنْ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَدْرَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ إلَى زَوَالِهَا) أَيْ إلَى مَا قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ وَالْغَايَةُ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْمُغَيَّا بِقَرِينَةِ مَا مَرَّ أَنَّ الصَّلَاةَ الْوَاجِبَةَ لَمْ تَجُزْ عِنْدَ قِيَامِهَا رُوِيَ «أَنَّ قَوْمًا شَهِدُوا بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ بَعْدَ الزَّوَالِ فَأَمَرَ ﵊ بِالْخُرُوجِ إلَى الْمُصَلَّى مِنْ الْغَدِ» وَلَوْ جَازَ الْأَدَاءُ بَعْدَ الزَّوَالِ لَمَا أَخْرَجَهَا.
[صِفَةُ صَلَاة الْعِيد]
(وَصِفَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ) فَيَرْبِطُ يَدَيْهِ كَمَا فِي
стр. 173
حَالَةِ الْقِرَاءَةِ وَإِنَّمَا خَصَّهَا بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّهُ مَعْلُومٌ لَا بُدَّ مِنْهَا لِأَنَّ مُرَاعَاةَ لَفْظِ التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدِ وَاجِبٌ حَتَّى لَوْ قَالَ اللَّهُ أَجَلُّ أَوْ أَعْظَمُ سَاهِيًا وَجَبَ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ (ثُمَّ يُثْنِي) أَيْ يَقْرَأُ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ إلَى آخِرِهِ وَيَتَعَوَّذُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَتَعَوَّذُ بَعْدَ التَّكْبِيرَاتِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ (ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا) مِنْ تَكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَلَيْسَ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ وَلَا مُسْتَحَبٌّ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ الْمُكْثُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ مِقْدَارَ ثَلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ لَيْسَ هَذَا الْقَدْرُ بِلَازِمٍ بَلْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِكَثْرَةِ الزِّحَامِ وَقِلَّتِهِ (ثُمَّ يَقْرَءُوا الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً) أَيَّةَ سُورَةٍ شَاءَ لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ يَقْرَأُ الْأَعْلَى فِي الْأُولَى وَالْغَاشِيَةَ فِي الثَّانِيَةِ (ثُمَّ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ وَيَبْدَأُ فِي) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ بِالْقِرَاءَةِ) يَعْنِي يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً أَوَّلًا (ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا) أُخْرَى (ثُمَّ أُخْرَى لِلرُّكُوعِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُكَبِّرُ سَبْعًا فِي الْأَوَّلِ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَيَذْكُرُ اللَّهَ بَيْنَهُنَّ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَقَوْلُنَا مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الزَّوَائِدِ) ثُمَّ يُرْسِلُهُمَا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ وَلَوْ قَيَّدَهُ بِإِلَّا إذَا كَبَّرَ رَاكِعًا لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ لَوْ تَرَكَ تَكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ سَهْوًا فَذَكَرَهَا فِي الرُّكُوعِ قَضَاهَا فِيهِ وَلَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ (وَيَخْطُبُ بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ (خُطْبَتَيْنِ) وَيَبْدَأُ بِالتَّكْبِيرَاتِ فِي خُطْبَةِ الْعِيدَيْنِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَفْتِحَ خُطْبَةَ الْأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ تَتْرَى وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هُوَ مِنْ السُّنَّةِ وَيُكَبِّرُ قَبْلَ نُزُولِهِ مِنْ الْمِنْبَرِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى (يُعَلِّمُ النَّاسَ أَحْكَامَ الْفِطْرَةِ) لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِأَجْلِهَا.
(وَلَا تُقْضَى) صَلَاةُ الْعِيدِ (إنْ فَاتَتْ مَعَ الْإِمَامِ) كَلِمَةُ مَعَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي فَاتَتْ لَا بِفَاتَتْ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ صَلَّاهَا مَعَ جَمَاعَةٍ وَفَاتَتْ عَنْهُ الصَّلَاةُ بِالْجَمَاعَةِ لَا يَقْضِيهَا مَنْ فَاتَتْهُ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ تُقْضَى.
(وَإِنْ مَنَعَ عُذْرٌ) بِأَنْ غَمَّ الْهِلَالُ وَشَهِدُوا بِرُؤْيَتِهِ بَعْدَ الزَّوَالِ كَذَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنَّ التَّقْيِيدَ بِالْهِلَالِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِأَنَّهُ لَوْ حَصَلَ عُذْرٌ مَانِعٌ كَالْمَطَرِ الشَّدِيدِ وَشِبْهِهِ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا مِنْ الْغَدِ لِأَنَّهُ تَأْخِيرٌ لِلْعُذْرِ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ (عَنْهَا) أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ (فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ صَلَّوْهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي) مِنْ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ إلَى زَوَالِهَا وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا لَا تُؤَخَّرُ إلَى الْغَدِ بِغَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى لَوْ تُرِكَتْ سَقَطَتْ.
(وَلَا تُصَلَّى بَعْدَهُ) وَلَوْ بِعُذْرٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا أَنْ لَا تُقْضَى لَكِنْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِتَأْخِيرِهَا إلَى الْغَدِ لِلْعُذْرِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ.
(وَالْأَضْحَى كَالْفِطْرِ) فِي الْكُلِّ إلَّا فِي بَعْضِ أَحْكَامِهِ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (لَكِنْ يُسْتَحَبُّ) قِيلَ: يُسَنُّ مُطْلَقًا وَقِيلَ: يُسَنُّ لِمَنْ يُضَحِّي دُونَ غَيْرِهِ لِيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ أَوَّلًا (تَأْخِيرُ الْأَكْلِ فِيهَا إلَى أَنْ يُصَلِّيَ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ لَا يَطْعَمُ فِي يَوْمِ الْأَضْحَى حَتَّى يَرْجِعَ فَيَأْكُلُ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ» وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى
стр. 174
أَنَّ هَذَا الْإِمْسَاكَ لَيْسَ بِصَوْمٍ وَلِذَا لَمْ يَشْتَرِطْ النِّيَّةَ هَذَا فِي حَقِّ الْمِصْرِيِّ أَمَّا الْقَرَوِيُّ فَإِنَّهُ يَذُوقُ مِنْ حِينِ أَصْبَحَ وَلَا يُمْسِكُ.
(وَلَا يُكْرَهُ) الْأَكْلُ (قَبْلَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (فِي الْمُخْتَارِ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: الْأَكْلُ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَكْرُوهٌ.
(وَيَجْهَرُ بِالتَّكْبِيرِ فِي طَرِيقِ الْمُصَلَّى) .
وَفِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ، وَالْجَهْرُ سُنَّةٌ فِيهِ اتِّفَاقًا وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَقْطَعُ التَّكْبِيرَ عِنْدَ انْتِهَائِهِ إلَى الْمُصَلَّى لِأَنَّ إطْلَاقَهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِحْبَابِ فِي الْبَيْتِ وَفِي الْمُصَلَّى وَهُوَ رِوَايَةٌ وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى يَشْرَعَ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ كَمَا فِي الْكَافِي.
(وَيُعَلِّمُ فِي الْخُطْبَةِ تَكْبِيرَ التَّشْرِيقِ وَالْأُضْحِيَّةَ) لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِتَعْلِيمِ أَحْكَامِ الْوَقْتِ هَكَذَا ذَكَرُوا مَعَ أَنَّ تَكْبِيرَ التَّشْرِيقِ يَحْتَاجُ إلَى تَعْلِيمِهِ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ لِلْإِتْيَانِ بِهِ فِيهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَلَّمَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ الَّتِي يَلِيهَا الْعِيدُ وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا وَالْعِلْمُ أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِ الْعُلَمَاءِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(وَيَجُوزُ تَأْخِيرُهَا) أَيْ صَلَاةِ الْأَضْحَى (إلَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ بِعُذْرٍ وَبِغَيْرِ عُذْرٍ) وَلَا يُصَلِّي بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ بِوَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لَكِنَّهُ يُسِيءُ بِالتَّأْخِيرِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِمَا فِيهِ تَأْخِيرُ الْوَاجِبِ بِلَا ضَرُورَةٍ عِنْدَ الْقَائِلِ بِالْوُجُوبِ فَالْعُذْرُ فِي الْأَضْحَى لِنَفْيِ الْكَرَاهَةِ وَفِي الْفِطْرِ لِلْجَوَازِ.
(وَالِاجْتِمَاعُ يَوْمَ عَرَفَةَ) فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ (تَشَبُّهًا بِالْوَاقِفِينَ) بِعَرَفَاتٍ (لَيْسَ بِشَيْءٍ) قَالَ فِي الْفَتْحِ مِثْلُ هَذَا اللَّفْظِ أَنَّهُ مَطْلُوبُ الِاجْتِنَابِ.
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْ لَيْسَ بِشَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَّوَابُ وَهُوَ يَصْدُقُ عَلَى الْإِبَاحَةِ ثُمَّ قَالَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ: إنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنُ عَبَّاسٍ فِعْلُ ذَلِكَ بِالْبَصْرَةِ وَهَذِهِ الْمُقَاسَمَةُ تُفِيدُ أَنَّ مُقَابِلَهُ مِنْ رِوَايَةِ الْأُصُولِ الْكَرَاهَةُ وَهُوَ الَّذِي يُفِيدُهُ التَّعْلِيلُ بِأَنَّ الْوُقُوفَ عَهْدُ قُرْبَةٍ فِي مَكَان مَخْصُوصٍ فَلَا يَكُونُ قُرْبَةً فِي غَيْرِهِ انْتَهَى أَقُولُ: إنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْكَرَاهَةَ بَلْ أَنْ لَا يَكُونَ قُرْبَةً فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَلَّلَ بِمَا فِي الْكَافِي مِنْ قَوْلِهِ بَعْدَمَا ذَكَرَ وَلَا يَجُوزُ الِاخْتِرَاعُ فِي الدَّيْنِ وَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَحْمُولٌ عَلَى الْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ لَا عَلَى التَّشْبِيهِ.
(وَيَجِبُ تَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ) وَقِيلَ: يُسَنُّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِلْأَمْرِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ لَكِنْ لَمَّا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْمُرَادِ بِالْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ لَمْ يَكُنْ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ وَإِنْ كَانَ قَطْعِيَّ الثُّبُوتِ وَهُوَ يُفِيدُ الْوُجُوبَ لَا الِافْتِرَاضَ.
وَفِي الْفَتْحِ وَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ أَيْ التَّكْبِيرُ الَّذِي هُوَ التَّشْرِيقُ فَإِنَّ التَّكْبِيرَ لَا يُسَمَّى تَشْرِيقًا إلَّا إذَا كَانَ بِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَيَّامِ الْمَخْصُوصَةِ فَهُوَ حِينَئِذٍ مُتَفَرِّعٌ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ وَفُصِّلَ كُلَّ التَّفْصِيلِ فَلْيُرَاجَعْ (مِنْ فَجْرِ) يَوْمِ (عَرَفَةَ) لِاتِّفَاقِ كِبَارِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَبِهِ أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ ظُهْرِ النَّحْرِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَهُوَ مَذْهَبُ
стр. 175
مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَوْلِ الْأَشْهَرِ (إلَى عَصْرِ يَوْمِ الْعِيدِ) عِنْدَ الْإِمَامِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَيَكُونُ التَّكْبِيرُ عَقِيبَ ثَمَانِ صَلَوَاتٍ (عَلَى الْمُقِيمِ بِالْمِصْرِ) فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ وَالْقَرَوِيِّ (عَقِيبَ) كُلِّ (فَرْضٍ) بِلَا فَصْلٍ يَمْنَعُ الْبِنَاءَ فَلَا يُكَبِّرُ بَعْدَ الْوَاجِبَةِ وَالْمَسْنُونَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُكَبِّرُ بَعْدَهَا وَالْبَلْخِيُّونَ يُكَبِّرُونَ بَعْدَ الْعِيدِ لِأَنَّهُ كَالْجُمُعَةِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ لَكِنَّ إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي عَدَمَهُ (أُدِّيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ صِفَةُ فَرْضٍ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ فِي الْقَضَاءِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُكَبِّرُ فَوْرَ فَائِتَةِ هَذِهِ الْأَيَّامِ إذَا قَضَاهَا فِيهَا وَإِنْ قَضَى فَائِتَتَهَا فِيهَا مِنْ الْعَامِ الْقَابِلِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُكَبِّرُ وَإِنْ قَضَاهَا فِي غَيْرِهَا لَا يُكَبِّرُ كَمَا لَوْ قَضَى فَائِتَةً غَيْرَهَا فِيهَا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُكَبِّرُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ.
وَلَوْ قَالَ: أَوْ قَضَى فِيهَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ لَكَانَ أَوْلَى (بِجَمَاعَةٍ) فَلَا يُكَبِّرُ الْمُنْفَرِدُ (مُسْتَحَبَّةٍ) أَيْ غَيْرِ مَكْرُوهَةٍ فَلَا تُكَبِّرْ النِّسَاءُ الْمُصَلِّيَاتُ وَحْدَهُنَّ بِجَمَاعَةٍ وَكَذَا جَمَاعَةُ الْعُرَاةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَبِالِاقْتِدَاءِ) بِمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكْبِيرُ (يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ) بِلَا رَفْعِ الصَّوْتِ لِأَنَّ صَوْتَهَا عَوْرَةٌ (وَالْمُسَافِرِ) بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ وَأَمَّا الْمُسَافِرُونَ إذَا صَلَّوْا بِجَمَاعَةٍ فِي مِصْرٍ فَفِيهِمْ رِوَايَتَانِ (وَعِنْدَهُمَا إلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) فَيَكُونُ التَّكْبِيرُ عَقِيبَ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ وَأَحَدُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ (عَلَى مَنْ يُصَلِّي الْفَرْضَ) عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، سَوَاءٌ أَدَّى بِجَمَاعَةٍ أَوْ لَا وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُصَلِّي رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ مُسَافِرًا أَوْ مُقِيمًا أَوْ أَهْلَ قَرْيَةٍ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْمَكْتُوبَةِ.
(وَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَا قَالَهُ صَاحِبَاهُ (الْعَمَلُ) أَيْ عَمَلُ النَّاسِ احْتِيَاطًا فِي الْعِبَارَاتِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَغَيْرِهِ.
[صِفَةُ التَّكْبِيرِ فِي صَلَاة الْعِيد]
(وَصِفَتُهُ) أَيْ صِفَةُ التَّكْبِيرِ (أَنْ يَقُولَ مَرَّةً) حَتَّى لَوْ زَادَ لَقَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ تِسْعًا مُتَّصِلًا وَلَا يَذْكُرْ فِيهِ التَّهْلِيلَ وَالتَّحْمِيدَ (اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ) وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ الْخَلِيلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ (وَيَتْرُكُهُ الْمُؤْتَمُّ إنْ تَرَكَهُ إمَامُهُ) .
وَفِي الْهِدَايَةِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: صَلَّيْت بِهِمْ الْمَغْرِبَ أَيْ يَوْمَ عَرَفَةَ فَسَهَوْت أَنْ أُكَبِّرَ فَكَبَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ دَلَّ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ وَإِنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ لَا يَدَعُهُ الْمُقْتَدِي وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدَّى فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ فِيهِ حَتْمًا وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ وَيَنْبَغِي لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَنْتَظِرَ الْإِمَامَ إلَى أَنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ يَقْطَعُ التَّكْبِيرَ كَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَالْحَدَثِ الْعَمْدِ وَالْكَلَامِ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ تَكَلَّمَ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا أَوْ أَحْدَثَ عَامِدًا يُكَبِّرُ وَإِنْ أَحْدَثَ غَيْرَ عَامِدٍ يُكَبِّرُ وَإِنْ لَمْ يَتَطَهَّرْ لِأَنَّهُ يُؤَدَّى فِي غَيْرِ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ فَلَا تُشْتَرَطُ الطَّهَارَةُ لِإِتْيَانِهِ لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيُكَبِّرَ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَيَجِبُ عَلَى الْمَسْبُوقِ فَيُكَبِّرُ عَقِيبَ
стр. 176
الْقَضَاءِ وَيَبْدَأُ الْإِمَامُ بِسَجْدَةِ السَّهْوِ ثُمَّ بِالتَّكْبِيرِ ثُمَّ بِالتَّلْبِيَةِ لَوْ مُحْرِمًا.
[بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ]
(إنْ اشْتَدَّ الْخَوْفُ) وَفِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَيْسَ الِاشْتِدَادُ شَرْطًا عِنْدَ عَامَّةِ مَشَايِخِنَا قَالَ فِي التُّحْفَةِ: سَبَبُ جَوَازِ صَلَاةِ الْخَوْفِ نَفْسُ قُرْبِ الْعَدُوِّ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْخَوْفِ وَالِاشْتِدَادِ لَكِنْ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنْ يُقَالَ: إنَّ الْخَوْفَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ حَضْرَةِ الْعَدُوِّ وَالِاشْتِدَادُ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُقَابَلَةِ تَدَبَّرْ (مِنْ عَدُوٍّ) سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا بَاغِيًا أَوْ كَافِرًا طَاغِيًا وَالْعَدُوُّ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ (أَوْ سَبُعٍ) وَمَا أَشْبَهَهُ وَدَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَحَانَ خُرُوجُهُ (جَعَلَ الْإِمَامُ) أَيْ الْخَلِيفَةُ أَوْ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ النَّاسَ طَائِفَتَيْنِ (طَائِفَةً بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ) بِحَيْثُ لَا يَلْحَقُهُمْ أَذَاهُمْ وَضَرَرُهُمْ.
(وَصَلَّى بِطَائِفَةٍ) أُخْرَى (رَكْعَةً إنْ كَانَ) الْإِمَامُ (مُسَافِرًا أَوْ فِي) صَلَاةِ (الْفَجْرِ) أَوْ الْجُمُعَةِ أَوْ الْعِيدَيْنِ.
(وَ) صَلَّى (رَكْعَتَيْنِ) فِي الرُّبَاعِيِّ (إنْ كَانَ مُقِيمًا أَوْ فِي) صَلَاةِ (الْمَغْرِبِ) فَإِنَّ حُكْمَهَا كَحُكْمِ الرُّبَاعِيِّ (وَمَضَتْ) أَيْ ذَهَبَتْ (هَذِهِ) الطَّائِفَةُ الَّتِي صَلَّتْ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي الثُّنَائِيِّ وَبَعْدَ التَّشَهُّدِ فِي غَيْرِهِ (إلَى) جَانِبِ (الْعَدُوِّ وَجَاءَتْ) (تِلْكَ الطَّائِفَةُ) الْوَاقِعَةُ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ.
(وَصَلَّى) أَيْ الْإِمَامُ (بِهِمْ مَا بَقِيَ) وَهِيَ رَكْعَةٌ فِي الثُّنَائِيِّ وَالْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَانِ فِي غَيْرِهِمَا (وَسَلَّمَ) أَيْ الْإِمَامُ (وَحْدَهُ) بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَلَا يُسَلِّمُونَ (وَذَهَبُوا إلَى) وَجْهِ (الْعَدُوِّ) وَلَوْ أَتَمُّوا فِي مَكَانِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا جَازَ لَكِنَّ الْأَفْضَلَ مَا ذَكَرَهُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ (وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى وَأَتَمُّوا) مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمْ (بِلَا قِرَاءَةٍ) لِأَنَّهُمْ لَاحِقُونَ وَلِذَا لَوْ حَاذَتْهُمْ امْرَأَةٌ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ فَيَتَشَهَّدُونَ وَيُسَلِّمُونَ وَيَمْضُونَ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ (ثُمَّ) جَاءَتْ (الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى وَأَتَمُّوا) صَلَاتَهُمْ (بِقِرَاءَةٍ) لِأَنَّهُمْ مَسْبُوقُونَ وَالْمَسْبُوقُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَرِدِ فَيَتَشَهَّدُونَ وَيُسَلِّمُونَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ هَكَذَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إذَا كَانَ الْكُلُّ مُسَافِرِينَ أَوْ مُقِيمِينَ أَوْ الْإِمَامُ مُقِيمًا وَأَمَّا إذَا كَانَ الْإِمَامُ مُسَافِرًا وَالْقَوْمُ أَوْ بَعْضُهُمْ مُقِيمِينَ فَفِي الثُّنَائِيِّ يُصَلِّي الْإِمَامُ رَكْعَةً بِكُلِّ أُمَّةٍ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ جَاءَتْ الْأُولَى فَصَلَّى الْمُسَافِرُ رَكْعَةً بِلَا قِرَاءَةٍ وَالْمُقِيمُ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ بِغَيْرِهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بِقِرَاءَةٍ فِي الْأُخْرَيَيْنِ الْفَاتِحَةِ وَأَمَّا الْأُمَّةُ الثَّانِيَةُ فَتُصَلِّي بِقِرَاءَةِ الْمُسَافِرِ رَكْعَةً وَالْمُقِيمِ ثَلَاثًا لِأَنَّهُمْ مَسْبُوقُونَ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَاعْلَمْ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ إنَّمَا تَلْزَمُ إذَا تَنَازَعَ الْقَوْمُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ الْإِمَامِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَنَازَعُوا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ تَمَامَ الصَّلَاةِ وَيُصَلِّيَ بِالْأُخْرَى إمَامٌ آخَرُ وَهُنَاكَ كَيْفِيَّاتٌ أُخْرَى مَعْلُومَةٌ فِي الْخِلَافِيَّاتِ وَذَكَرَ فِي الْمُجْتَبَى أَنَّ الْكُلَّ جَائِزٌ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْأُولَى كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(وَيُبْطِلُهَا) أَيْ صَلَاةَ الْخَوْفِ (الْمَشْيُ) هَارِبًا عَنْ الْعَدُوِّ لَا الْمَشْيُ
стр. 177
نَحْوَهُ وَالرُّجُوعُ (وَالرُّكُوبُ وَالْمُقَاتَلَةُ) لِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ وَإِنَّمَا جَوَّزَ الْمَشْيَ وَنَحْوَهُ لِلضَّرُورَةِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ.
وَفِي الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ وَيُفْسِدُهَا الرُّكُوبُ مُطْلَقًا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَمِنْهَا يَعْنِي مِنْ شَرَائِطِ الْجَوَازِ أَنْ يَنْصَرِفَ مَاشِيًا وَلَا يَرْكَبُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ وَلَوْ رَكِبَ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَنَا لِأَنَّ الرُّكُوبَ عَمَلٌ كَثِيرٌ وَهُوَ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْمَشْيِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ حَتَّى يَصْطَفُّوا بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَلَا يَجُوزُ الْمَشْيُ وَالْقِتَالُ مُصَلِّيًا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَلَا يُصَلُّونَ وَهُمْ يَمْشُونَ كَمَا لَا يُصَلُّونَ وَهُمْ يُقَاتِلُونَ وَمِنْ الْمَنْقُولِينَ اتَّضَحَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الرُّكُوبِ لَمْ يُصِبْ انْتَهَى.
(وَإِنْ اشْتَدَّ الْخَوْفُ) بِحَيْثُ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُمْ النُّزُولُ عَنْ الدَّوَابِّ (وَعَجَزُوا عَنْ الصَّلَاةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ) الَّتِي مَرَّ ذِكْرُهَا (صَلَّوْا وُحْدَانًا) فَلَا تَجُوزُ الْجَمَاعَةُ إلَّا إذَا كَانَ الْمُقْتَدِي عَلَى دَابَّةٍ مَعَ الْإِمَامِ وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْجَمَاعَةَ جَائِزَةٌ كَمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ لَكِنْ فِي الْهِدَايَةِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِانْعِدَامِ الِاتِّحَادِ فِي الْمَكَانِ (رُكْبَانًا) جَمْعُ رَاكِبٍ هَذَا فِي غَيْرِ الْمِصْرِ إذْ التَّنَفُّلُ فِي الْمِصْرِ رَاكِبًا غَيْرُ صَحِيحٍ فَالْفَرْضُ أَوْلَى (يُومِئُونَ) أَيْ بِإِيمَاءِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (إلَى أَيِّ جِهَةٍ قَدَرُوا إنْ عَجَزُوا عَنْ التَّوَجُّهِ) إلَى الْقِبْلَةِ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ لِلضَّرُورَةِ.
(وَلَا تَجُوزُ) صَلَاةُ الْخَوْفِ (بِلَا حُضُورِ عَدُوٍّ) لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ حَتَّى لَوْ رَأَوْا سَوَادًا فَظَنُّوهُ عَدُوًّا فَصَلَّوْا لِلْخَوْفِ ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ تَجِبُ الْإِعَادَةُ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا فِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ (وَأَبُو يُوسُفَ لَا يُجِيزُهَا) أَيْ صَلَاةَ الْخَوْفِ (بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِأَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِلْأُصُولِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] الْآيَةُ وَجَوَابُهُ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - صَلَّوْهَا بِطَبَرِسْتَانَ وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْ أَحَدٍ فَكَانَ إجْمَاعًا كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ.
[بَابُ صَلَاةِ الْجَنَائِزِ]
جَمْعُ جِنَازَةٍ بِالْفَتْحِ الْمَيِّتُ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَبِالْكَسْرِ النَّعْشُ الَّذِي يُوضَعُ عَلَيْهِ الْمَيِّتُ لِلْغُسْلِ أَوْ الْحَمْلِ وَقِيلَ بِالْعَكْسِ وَقِيلَ هُمَا لُغَتَانِ وَعَنْ الْأَصْمَعِيِّ لَا يُقَالُ إلَّا بِالْفَتْحِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ حَالِ الْحَيَاةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ حَالِ الْمَمَاتِ وَأَخَّرَ الصَّلَاةَ فِي الْكَعْبَةِ لِيَكُونَ خَتَمَ كِتَابَ الصَّلَاةِ بِمَا يَتَبَرَّكُ بِهِ حَالًا وَمَكَانًا (يُوَجَّهُ الْمُحْتَضَرُ) بِفَتْحِ الضَّادِ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ أَمَارَاتُهُ وَأَمَّا مَا قِيلَ مَنْ حَضَرَتْهُ مَلَائِكَةُ الْمَوْتِ فَلَيْسَ بِسَدِيدٍ كَمَا لَا يَخْفَى وَعَلَامَةُ الِاحْتِضَارِ أَنْ يَسْتَرْخِيَ قَدَمَاهُ وَيَتَعَوَّجَ أَنْفُهُ وَيَنْخَسِفَ صُدْغَاهُ وَتَمْتَدَّ جِلْدَةُ الْخُصْيَةِ (إلَى الْقِبْلَةِ) مُضْطَجِعًا (عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) لِأَنَّهُ السُّنَّةُ الْمَنْقُولَةُ هَذَا إذَا لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ وَإِلَّا تُرِكَ عَلَى حَالِهِ وَجُعِلَ رِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَالْمَرْجُومُ لَا يُوَجَّهُ وَيُسْتَحَبُّ لِآبَائِهِ وَجِيرَانِهِ
стр. 178
أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ وَيَتْلُوا سُورَةَ يَس وَاسْتَحْسَنَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قِرَاءَةَ سُورَةِ الرَّعْدِ وَيَضَعُوا عِنْدَهُ الطِّيبَ (وَاخْتِيرَ الِاسْتِلْقَاءُ) قَالَ فِي التَّبْيِينِ وَالْمُخْتَارُ فِي زَمَانِنَا أَنْ يُلْقَى عَلَى قَفَاهُ وَقَدَمَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ قَالُوا: هُوَ أَيْسَرُ لِخُرُوجِ الرُّوحِ وَيُرْفَعُ رَأْسُهُ قَلِيلًا لِيَصِيرَ وَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ دُونَ السَّمَاءِ لَكِنْ لَمْ يُذْكَرْ وَجْهُ ذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ إلَّا نَقْلًا مَعَ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ السُّنَّةُ تَفَكَّرْ (وَيُلَقَّنُ الشَّهَادَةَ) فَيَجِبُ عَلَى إخْوَانِهِ وَأَصْدِقَائِهِ أَنْ يَقُولُوا عِنْدَهُ كَلِمَتَيْ الشَّهَادَةِ وَلَا يَقُولُوا لَهُ قُلْ كَيْ لَا يَأْبَى عَنْهَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» اللَّهُمَّ يَسِّرْهَا لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا أَجْمَعِينَ فَإِذَا قَالَهَا مَرَّةً كَفَاهُ وَلَا يُكْثِرُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَاخْتَلَفُوا فِي تَلْقِينِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ عِنْدَ الْوَضْعِ فِي الْقَبْرِ فَقِيلَ: يُلَقَّنُ لِأَنَّهُ يُعَادُ رُوحُهُ وَعَقْلُهُ وَيَفْهَمُ مَا يُلَقَّنُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَصِفَتُهُ أَنْ يَقُولَ: يَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ اُذْكُرْ دِينَك الَّذِي كُنْت عَلَيْهِ وَقُلْ رَضِيت بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ ﵊ نَبِيًّا وَقِيلَ لَا يُؤْمَرُ بِهِ وَلَا يُنْهَى.
وَقَالَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ: لَا يَجُوزُ لَكِنْ قَالَ مُحَمَّدٌ الْكَرْمَانِيُّ مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى حَسَنٌ فَالْأَحْسَنُ تَلْقِينُهُ.
(فَإِذَا مَاتَ شَدُّوا لَحْيَيْهِ) وَهُوَ مَنْبِتُ اللِّحْيَةِ (وَغَمَّضُوا) بِالتَّشْدِيدِ (عَيْنَيْهِ) لِلتَّوَارُثِ وَيَقُولُ مُغَمِّضُهُ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ اللَّهُمَّ يَسِّرْ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَسَهِّلْ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ وَأَسْعِدْهُ بِلِقَائِك وَاجْعَلْ مَا خَرَجَ إلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا خَرَجَ عَنْهُ ثُمَّ تُمَدُّ أَعْضَاؤُهُ وَيُوضَعُ سَيْفٌ عَلَى بَطْنِهِ لِئَلَّا يَنْتَفِخَ وَلَا يُقْرَأُ عِنْدَهُ الْقُرْآنُ إلَى أَنْ يُرْفَعَ إلَى الْغُسْلِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ نَقْلًا عَنْ النُّتَفِ لَكِنْ فِي النُّتَفِ وَقَعَ إلَى أَنْ يُرْفَعَ فَقَطْ وَفَسَّرُوهُ إلَى أَنْ يُرْفَعَ الرُّوحُ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ مَكْرُوهٌ عِنْدَهُ حَتَّى يُغَسَّلَ وَالْعَجَبُ أَنَّ الْقُهُسْتَانِيَّ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ إلَى الْغُسْلِ وَخَالَفَ أَكْثَرَ الْمُعْتَبَرَاتِ تَدَبَّرْ.
(وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ دَفْنِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «عَجِّلُوا دَفْنَ مَوْتَاكُمْ فَإِنْ كَانَ خَيْرًا قَدَّمْتُمُوهُ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَبَعِّدُوا أَهْلَ النَّارِ» وَلَا بَأْسَ بِإِعْلَامِ النَّاسِ لِأَنَّ فِيهِ تَكْثِيرَ الْمُصَلِّينَ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ لَهُ.
(وَإِذَا أَرَادُوا غَسْلَهُ) وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْأَحْيَاءِ (وُضِعَ عَلَى سَرِيرٍ) لِيُصَبَّ الْمَاءُ مِنْ (مِجْمَرٍ وَتْرًا) بِأَنْ يُدَارَ الْمِجْمَرُ حَوْلَ السَّرِيرِ مَرَّةً أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ خَمْسًا وَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ الْمَيِّتِ وَالْوَتْرُ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِهِ (وَتُسْتَرُ عَوْرَتُهُ) أَيْ يُشَدُّ الْإِزَارُ عَلَيْهَا لِأَنَّ النَّظَرَ إلَيْهَا حَرَامٌ كَعَوْرَةِ الْحَيِّ وَيُكْتَفَى بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ الْغَلِيظَةِ هُوَ الصَّحِيحُ تَيْسِيرًا لَكِنْ يَغْسِلُهَا بِخِرْقَةٍ فِي يَدِهِ كَذَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ وَقَعَ فِي التَّبْيِينِ وَالْغَايَةِ خِلَافُهُ لِأَنَّهُمَا قَالَا وَيُسْتَرُ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُغَسَّلُ فِي قَمِيصِهِ إذَا كَانَ كُمُّ الْقَمِيصِ وَاسِعًا بِحَيْثُ يُدْخِلُ الْغَاسِلُ يَدَهُ فَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا يُجَرَّدُ وَيُغَسَّلُ وَيُوضَعُ عَلَى السَّرِيرِ كَمَا تَيَسَّرَ وَقِيلَ: يُوضَعُ طُولًا وَقِيلَ
стр. 179
عَرْضًا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ فَلَا يُغَسَّلُ الْكَافِرُ فِي الْأَصَحِّ (وَيُجَرَّدُ) عَنْ ثِيَابِهِ لِيُمْكِنَ التَّنْظِيفُ قَالُوا يُجَرَّدُ كَمَا مَاتَ لِأَنَّ الثِّيَابَ يَحْمِي فَيُسَرَّعُ التَّغْيِيرُ (وَيُوَضَّأُ بِلَا مَضْمَضَةٍ وَاسْتِنْشَاقٍ) لِأَنَّ الْوُضُوءَ سُنَّةُ الِاغْتِسَالِ غَيْرَ أَنَّ إخْرَاجَ الْمَاءِ مُتَعَذِّرٌ فَيُتْرَكَانِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَفِي اقْتِصَارِ النَّفْيِ عَلَيْهِمَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ وُجُوبَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ وَالْمَسْحِ عَلَى الرَّأْسِ يُرَاعَى وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَغَيْرِهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَا وَأَطْلَقَهُ فَيَشْمَلُ الْبَالِغَ وَالصَّبِيَّ إلَّا أَنَّ الصَّبِيَّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ الصَّلَاةَ لَا يُوَضَّأُ (وَيُغَسَّلُ بِمَاءٍ مَغْلِيٍّ بِسِدْرٍ) وَهُوَ شَجَرٌ بِالْبَادِيَةِ وَالْمُرَادُ وَرَقُهُ (أَوْ حُرْضٍ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَهُوَ الْأُشْنَانُ (إنْ وُجِدَ) مُبَالَغَةً فِي التَّنْظِيفِ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْمَاءُ الْمَغْلِيُّ بِهِمَا (فَالْقَرَاحُ) بِفَتْحِ الْقَافِ أَيْ الْمَاءُ الَّذِي لَا يَشُوبُهُ شَيْءٌ وَالْمُسَخَّنُ أَبْلَغُ فِي التَّنْظِيفِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْغُسْلُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ أَفْضَلُ (وَغَسْلُ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ بِالْخِطْمِيِّ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا وَهُوَ نَبْتٌ مَشْهُورٌ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي اسْتِخْرَاجِ الْوَسَخِ وَالْمُرَادُ خِطْمِيُّ الْعِرَاقِ وَهُوَ مِثْلُ الصَّابُونِ فِي التَّنْظِيفِ إنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَبِصَابُونٍ وَنَحْوِهِ هَذَا إذَا كَانَ فِي رَأْسِهِ شَعْرٌ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْحَيَاةِ (وَأُضْجِعَ عَلَى يَسَارِهِ) لِلْبِدَايَةِ بِالْيَمِينِ (فَيُغَسَّلُ حَتَّى يَصِلَ الْمَاءُ إلَى مَا يَلِي التَّحْتَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ يَسَارِهِ (ثُمَّ) أُضْجِعَ (عَلَى يَمِينِهِ كَذَلِكَ) أَيْ وَيُغَسَّلُ حَتَّى يَصِلَ الْمَاءُ إلَى مَا يَلِي التَّحْتَ مِنْهُ (ثُمَّ يُجْلَسُ) حَالَ كَوْنِهِ (مُسْتَنِدًا وَيُمْسَحُ بَطْنُهُ بِرِفْقٍ) لِيَسِيلَ مَا بَقِيَ فِي الْمَخْرَجِ حَتَّى لَا يَتَلَوَّثَ الْكَفَنُ (فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ غَسَلَهُ) أَيْ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ تَنْظِيفًا لَهُ (وَلَا يُعِيدُ غُسْلَهُ) بِضَمِّ الْغَيْنِ وَفَتْحِهَا (وَلَا) يُعِيدُ (وُضُوءَهُ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ لِأَنَّ الْخَارِجَ إنْ كَانَ حَدَثًا فَالْمَوْتُ أَيْضًا حَدَثٌ وَهُوَ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَكَذَا هَذَا الْحَدَثُ وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْمَوْلَى سَعْدِيُّ أَفَنْدِي بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجِبْ لَمْ يُوَضَّأْ غَايَتُهُ أَنَّهُ يَكُونُ مِثْلَ الْمَعْذُورِ لَا يُوَضَّأُ مَرَّةً أُخْرَى لِهَذَا الْحَدَثِ الْقَائِمِ وَأَمَّا عَدَمُ التَّوَضُّؤِ لِحَدَثٍ آخَرَ فَلَا يَدُلُّ مَا ذَكَرَهُ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْمَعْذُورَ إذَا أَحْدَثَ بِحَدَثٍ آخَرَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ انْتَهَى لَكِنَّ التَّمْثِيلَ بِالْمَعْذُورِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَانْتِقَاضُ وُضُوئِهِ عِنْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَلَا وَقْتَ لَهُ بَلْ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ تَأَمَّلْ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُعِيدُ الْوُضُوءَ (وَيُنَشِّفُهُ بِثَوْبٍ) نَظِيفٍ حَتَّى يَجِفَّ كَيْ لَا تَبْتَلَّ أَكْفَانُهُ.
(وَيَجْعَلُ الْحَنُوطَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَهُوَ عِطْرٌ مُرَكَّبٌ مِنْ أَشْيَاءَ طَيِّبَةٍ وَلَا بَأْسَ بِسَائِرِ أَنْوَاعِ الطِّيبِ غَيْرِ زَعْفَرَانٍ وَوَرْسٍ اعْتِبَارًا بِالْحَيَاةِ (عَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ) لِأَنَّ التَّطَيُّبَ سُنَّةٌ.
(وَالْكَافُورُ عَلَى مَسَاجِدِهِ) أَيْ مَوَاضِعِ سُجُودِهِ مِنْ جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَقَدَمَيْهِ (وَلَا يُسَرَّحُ شَعْرُهُ وَلِحْيَتُهُ) التَّسْرِيحُ عِبَارَةٌ عَنْ تَخْلِيصِ بَعْضِهِ عَنْ بَعْضٍ وَقِيلَ تَخْلِيلُهُ بِالْمُشْطِ وَأَمَّا مَا قِيلَ وَلِحْيَتُهُ تَكْرَارٌ فَإِنَّ قَوْلَهُ وَشَعْرُهُ يُغْنِي عَنْهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ
стр. 180
لِأَنَّ الشَّعْرَ فِي الْعُرْفِ لَا يُطْلَقُ عَلَى اللِّحْيَةِ فَالْأَنْسَبُ ذِكْرُهَا.
(وَلَا يُقَصُّ ظُفْرُهُ وَشَعْرُهُ) لِأَنَّهَا لِلزِّينَةِ وَقَدْ اسْتَغْنَى عَنْهَا وَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ إذَا كَانَ الظُّفْرُ مُنْكَسِرًا فَلَا بَأْسَ بِأَخْذِهِ وَفِي الْعَتَّابِيِّ لَوْ قُطِعَ ظُفْرُهُ أَوْ شَعْرُهُ أُدْرِجَ مَعَهُ فِي الْكَفَنِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُسَرَّحُ بِمُشْطٍ وَاسِعٍ وَيُقَصُّ ظُفْرُهُ وَشَعْرُهُ.
(وَلَا يُخْتَنْ) لِأَنَّ الْخِتَانَ سُنَّةٌ فِي حَقِّ الْأَحْيَاءِ دُونَ الْأَمْوَاتِ.
[تَكْفِينُ الْمَيِّتِ]
(ثُمَّ يُكَفِّنُهُ) تَكْفِينُ الْمَيِّتِ لَفُّهُ بِالْكَفَنِ وَهُوَ وَاجِبٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَقْدِيمُهُ عَلَى الدَّيْنِ وَالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
وَفِي التُّحْفَةِ أَنَّهُ سُنَّةٌ فَالْمُرَادُ مَا ثَبَتَ بِهَا فَإِنْ كَفَّنَهُ مِنْ مَالِهِ وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَإِلَّا فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ.
(وَسُنَّةُ كَفَنِ الرَّجُلِ) ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ أَحَدُهَا (قَمِيصٌ وَهُوَ مِنْ الْمَنْكِبِ إلَى الْقَدَمِ) بِلَا جَيْبٍ وَلَا دِخْرِيصٍ وَلَا كُمَّيْنِ.
(وَ) ثَانِيهَا (إزَارٌ وَ) ثَالِثُهَا (لِفَافَةٌ) بِالْكَسْرِ (وَهُمَا مِنْ الْقَرْنِ) أَيْ مِنْ الرَّأْسِ (إلَى الْقَدَمِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إزَارٌ وَلِفَافَتَانِ.
(وَاسْتَحْسَنَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْعِمَامَةَ) بِالْكَسْرِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ كَانَ يُعَمِّمُ الْمَيِّتَ وَيَجْعَلُ ذَنَبَ الْعِمَامَةِ عَلَى وَجْهِهِ هَذَا إذَا كَانَ عَالِمًا مَعْرُوفًا أَوْ مِنْ الْأَشْرَافِ وَأَمَّا مِنْ الْأَوْسَاطِ فَلَا يُعَمَّمُ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ وَقِيلَ: إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْوَرَثَةِ صِغَارٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تُكْرَهُ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى (وَكِفَايَتُهُ) أَيْ كِفَايَةُ كَفَنِ الرَّجُلِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ النَّقْصُ عَنْهُ وَلَوْ كَانَ مَدْيُونًا (إزَارٌ وَلِفَافَةٌ) قِيلَ: قَمِيصٌ وَلِفَافَةٌ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
(وَسُنَّةُ كَفَنِ الْمَرْأَةِ) خَمْسَةٌ أَحَدُهَا (دِرْعٌ) أَيْ قَمِيصُهَا.
(وَ) ثَانِيهَا (إزَارٌ وَ) ثَالِثُهَا (خِمَارٌ) وَهُوَ مَا تُغَطِّي بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا.
(وَ) رَابِعُهَا (لِفَافَةٌ وَ) خَامِسُهَا (خِرْقَةٌ تُرْبَطُ عَلَى ثَدْيَيْهَا وَكِفَايَتُهَا إزَارٌ وَخِمَارٌ وَلِفَافَةٌ) فَإِنْ كَانَتْ بِالْمَالِ كَثْرَةٌ وَبِالْوَرَثَةِ قِلَّةٌ فَكَفَنُ السُّنَّةِ أَوْلَى وَإِنْ كَانَ عَلَى الْعَكْسِ فَكَفَنُ الْكِفَايَةِ أَوْلَى كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ.
(وَعِنْدَ الضَّرُورَةِ يَكْفِي الْوَاحِدُ وَلَا يُقْتَصَرُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَاحِدِ (بِلَا ضَرُورَةٍ) فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ بِلَا ضَرُورَةٍ وَلَا بَأْسَ بِكَفَنِ الصَّغِيرِ فِي ثَوْبٍ وَالصَّغِيرَةِ فِي ثَوْبَيْنِ لَكِنَّ الْأَحْسَنَ أَنْ يُكَفَّنَ فِيمَا يُكَفَّنُ فِيهِ الْبَالِغُ وَالْمُرَاهِقُ بِمَنْزِلَةِ الْبَالِغِ.
(وَيُسْتَحَبُّ الْأَبْيَضُ) لِأَنَّهُ أَمَارَةُ أَهْلِ الْإِيمَانِ.
(وَلَا يُكَفَّنُ) الرَّجُلُ (إلَّا فِيمَا يَجُوزُ لَهُ) أَيْ لِلْمَيِّتِ (لُبْسُهُ حَالَ حَيَاتِهِ) فَلَا يَجُوزُ الْحَرِيرُ وَنَحْوُهُ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْحَيَاةِ إلَّا لِلضَّرُورَةِ لَكِنْ لَا يُزَادُ عَلَى ثَوْبٍ وَيَجُوزُ لِلنِّسَاءِ الْحَرِيرُ وَالْمُزَعْفَرُ وَالْمُعَصْفَرُ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْحَيَاةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(وَتُجَمَّرُ الْأَكْفَانُ وَتْرًا) بِأَنْ يُدَارَ الْمِجْمَرُ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا (قَبْلَ أَنْ يُدْرَجَ) الْمَيِّتُ (فِيهَا) أَيْ الْأَكْفَانِ وَالْإِجْمَارُ هُوَ التَّطْيِيبُ.
(وَتُبْسَطُ اللِّفَافَةُ أَوَّلًا ثُمَّ الْإِزَارُ عَلَيْهَا ثُمَّ يُقَمَّصُ وَيُوضَعُ عَلَى الْإِزَارِ) تَقْمِيصًا (ثُمَّ يُلَفُّ الْإِزَارُ مِنْ قِبَلِ يَسَارِهِ
следующие страницы →