Полный текст (1 543 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، أَوْ شَيْئًا آخَرَ فِي الذِّمَّةِ؛ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا وَأَمَّا الْمُعَيَّنُ مِنْهُ فَكَالْعُرُوضِ وَإِنْ كَانَ تِبْرًا، أَوْ نُقْرَةَ ذَهَبًا، أَوْ فِضَّةً فَهِيَ كَالْعُرُوضِ فِي رِوَايَةٍ فَيُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ الْمُعَيَّنِ، وَفِي رِوَايَةٍ كَالْمَضْرُوبَةِ فَلَا يُجْبَرُ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(وَلَوْ قَبَضَتْ النِّصْفَ) مِنْ الْمَهْرِ (ثُمَّ وَهَبَتْ الْكُلَّ، أَوْ الْبَاقِيَ) فِي ذِمَّتِهِ (لَا يَرْجِعُ) الزَّوْجُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّهُمَا قَالَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْمَقْبُوضِ اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ وَهِبَةُ الْبَعْضِ حَطٌّ فَيَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ، وَلَهُ أَنَّ مَقْصُودَ الزَّوْجِ قَدْ حَصَلَ وَهُوَ سَلَامَهُ نِصْفِ الصَّدَاقِ بِلَا عِوَضٍ فَلَا يَسْتَوْجِبُ الرُّجُوعَ عِنْدَ الطَّلَاقِ وَالْحَطُّ لَا يَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ فِي النِّكَاحِ أَلَا يُرَى أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَلْتَحِقُ حَتَّى لَا تَتَنَصَّفَ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
(وَلَوْ وَهَبَتْ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ وَقَبَضَتْ الْبَاقِيَ رَجَعَ عَلَيْهَا إلَى تَمَامِ النِّصْفِ) يَعْنِي إذَا تَزَوَّجَهَا مَثَلًا عَلَى أَلْفٍ فَوَهَبَتْ لَهُ أَرْبَعَمِائَةٍ وَقَبَضَتْ سِتَّمِائَةٍ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا رَجَعَ عَلَيْهَا بِمِائَةٍ عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا بِنِصْفِ الْمَقْبُوضِ) فَفِيمَا صَوَّرْنَاهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِثَلَاثِمِائَةٍ (وَلَوْ لَمْ تَقْبِضْ شَيْئًا) مِنْ الْمَهْرِ (فَوَهَبَتْهُ لَا يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَكَذَا) أَيْ لَا يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ اسْتِحْسَانًا (لَوْ كَانَ الْمَهْرُ عَرْضًا) أَيْ عَيْنًا (فَوَهَبَتْهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ بَعْدَهُ) وَفِي الْقِيَاسِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ رَدُّ نِصْفِ عَيْنِ الْمَهْرِ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ حَقَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ سَلَامَةُ نِصْفِ الْمَقْبُوضِ مِنْ جِهَتِهَا وَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا دَفْعُ شَيْءٍ آخَرَ مَكَانَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَهْرُ دَيْنًا وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَتْ مِنْ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ بِبَدَلٍ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الْبُرْهَانِيِّ أَنَّهَا إنْ وَهَبَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَرْجِعُ بِلَا خِلَافٍ وَبَعْدَ الْقَبْضِ فِيهِ خِلَافُ زُفَرَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ مُسْتَدْرَكًا إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ هَهُنَا تَأَمَّلْ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ عُيُونِ الْمَذَاهِبِ وَيَرِدُ عَلَى كَلَامِ زُفَرَ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي الْهِبَةِ فَفِي صُورَةِ عَدَمِ الْقَبْضِ لَا يَتَحَقَّقُ الْهِبَةُ فَكَيْفَ يَرْجِعُ، انْتَهَى. لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِوَارِدٍ؛ لِأَنَّ هِبَةَ الْمَهْرِ قَبْلَ الْقَبْضِ إسْقَاطٌ، وَالْإِسْقَاطُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَبْضِ مَعَ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ قَبْضِ الْمَرْأَةِ الْعَيْنَ لَا قَبْضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ حَتَّى السُّؤَالِ. تَدَبَّرَ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِأَلْفٍ) مِنْ الدَّرَاهِمِ مَثَلًا (عَلَى أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ الْبَلَدِ) أَيْ بِشَرْطِ عَدَمِ الْإِخْرَاجِ مِنْ غَيْرِ تَرْدِيدٍ (أَوْ) تَزَوَّجَهَا بِأَلْفٍ (عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا) امْرَأَةً أُخْرَى، أَوْ عَلَى أَنْ يُهْدِيَ لَهَا هَدِيَّةً (فَإِنْ وَفَّى) بِمَا شَرَطَ (فَلَهَا الْأَلْفُ) ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى صَلُحَ لِلْمَهْرِ وَقَدْ تَمَّ رِضَاهَا بِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَفِ بِمَا شَرَطَ (فَمَهْرُ الْمِثْلِ) إذَا كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَكْثَرَ مِنْ الْأَلْفِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ
стр. 352
لِأَنَّهُ سَمَّى لَهَا مَا فِيهِ نَفْعٌ وَقَدْ فَاتَ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ لِعَدَمِ رِضَاهَا إلَّا بِهِ.
(وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إنْ أَقَامَ بِهَا) أَيْ بِزَوْجَتِهِ فِي بَلْدَةٍ مُعَيَّنَةٍ (وَعَلَى أَلْفَيْنِ إنْ أَخْرَجَهَا) مِنْ تِلْكَ الْبَلْدَةِ (فَإِنْ أَقَامَ) بِهَا (فَلَهَا الْأَلْفُ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ (فَمَهْرُ الْمِثْلِ) عِنْدَ الْإِمَامِ لَكِنْ فِي الثَّانِيَةِ (لَا يُزَادُ عَلَى أَلْفَيْنِ) إنْ زَادَ عَلَيْهِمَا؛؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِهِ (وَلَا يَنْقُصُ عَنْ أَلْفٍ) إنْ نَقَصَ مِنْهُ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ.
وَقَالَ زُفَرُ الشَّرْطَانِ فَاسِدَانِ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ بِكُلِّ حَالٍ (وَعِنْدَهُمَا لَهَا أَلْفَانِ إنْ أَخْرَجَهَا) ؛ لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ بِبَدَلَيْنِ مَعْلُومَيْنِ فَوَجَبَ تَصْحِيحُهُمَا عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ كَمَا صَحَّ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إنْ كَانَتْ قَبِيحَةً وَعَلَى أَلْفَيْنِ إنْ كَانَتْ جَمِيلَةً وَلَهُ أَنَّ الشَّرْطَ الْأَوَّلَ صَحِيحٌ بِالِاتِّفَاقِ فَتَعَلَّقَ الْعَقْدُ بِهِ وَصَحَّتْ التَّسْمِيَةُ الَّتِي مَعَهُ وَالشَّرْطُ الثَّانِي غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ نَشَأَتْ مِنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ مُنَافٍ لِمُوجَبِ مَا صَحَّ وَهُوَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ مُوجَبَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ عِنْدَ عَدَمِ الْإِيفَاءِ وَمُنَافِي مُوجَبِ مَا صَحَّ غَيْرُ صَحِيحٍ وَالنِّكَاحُ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ وَمَهْرُ الْمِثْلِ هُوَ الْأَصْلُ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الْمُسْتَشْهَدَةِ أَنَّ الْخَطَرَ فِي هَذِهِ دَخَلَ عَلَى التَّسْمِيَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَعْرِفُ هَلْ يُخْرِجُهَا أَوْ لَا وَلَا مُخَاطَرَةَ هُنَاكَ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ لَكِنَّ الزَّوْجَ لَا يَعْرِفُهَا وَجَهَالَتُهُ لَا تُوجِبُ خَطَرًا كَمَا فِي الْغَايَةِ وَغَيْرِهَا لَكِنَّ هَذَا مَنْقُوضٌ بِمَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا إنْ كَانَتْ حُرَّةَ الْأَصْلِ فَعَلَى أَلْفَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ مَوْلَاةً فَعَلَى أَلْفٍ، أَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفَيْنِ إنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَعَلَى أَلْفٍ إنْ لَمْ تَكُنْ امْرَأَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا مُخَاطَرَةَ فِيهِمَا وَلَكِنْ لَا يُعْرَفُ الْحَالُ مَعَ أَنَّهُمَا خِلَافِيَّتَانِ أَيْضًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.
وَفِي الْفَتْحِ وَالْأَوْلَى أَنْ تُجْعَلَ مَسْأَلَةُ الْقَبِيحَةِ وَالْجَمِيلَةِ عَلَى الْخِلَافِ فَقَدْ نَصَّ فِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَلَى الْخِلَافِ لَكِنْ قَالَهُ فِي الْبَحْرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، تَأَمَّلْ.
(وَلَوْ تَزَوَّجَهَا بِهَذَا الْعَبْدِ أَوْ بِهَذَا الْعَبْدِ) عَلَى الْإِبْهَامِ وَأَحَدُهُمَا أَعْلَى قِيمَةً مِنْ الْآخَرِ (فَلَهَا الْأَعْلَى إنْ كَانَ) الْأَعْلَى (مِثْلَ مَهْرِ مِثْلِهَا) لِرِضَاهَا بِهِ (أَوْ أَقَلَّ) عَنْ مَهْرِ مِثْلِهَا لِرِضَاهَا بِالْحَطِّ إلَّا أَنْ تَرْضَى الْمَرْأَةُ بِالْأَدْنَى (وَالْأَدْنَى) أَيْ فَلَهَا الْأَدْنَى (إنْ كَانَ) الْأَدْنَى (مِثْلَهُ) أَيْ مَهْرِ الْمِثْلِ لِرِضَاهَا بِهِ (أَوْ أَكْثَرَ) مِنْهُ لِرِضَاهُمَا بِالزِّيَادَةِ إلَّا أَنْ يَرْضَى الزَّوْجُ بِالْأَعْلَى وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ إنْ كَانَ مُسَاوِيًا لِأَحَدِ الْعَبْدَيْنِ قِيمَةً يَجِبُ الْعَبْدُ لِأَنَّهُ الْمُسَمَّى كَمَا فِي الْكَافِي (وَمَهْرُ مِثْلِهَا إنْ كَانَ) مَهْرُ مِثْلِهَا (بَيْنَهُمَا) بِأَنْ زَادَ عَلَى الْأَقَلِّ وَنَقَصَ مِنْ الْأَكْثَرِ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ أَصْلٌ يُعْدَلُ عَنْهُ بِصِحَّةِ التَّسْمِيَةِ بِكُلِّ وَجْهٍ وَلَمْ يَصِحَّ التَّسْمِيَةُ هُنَا مِنْ وَجْهٍ فَلَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ (وَعِنْدَهُمَا لَهَا الْأَدْنَى بِكُلِّ حَالٍ) إذْ الْمُسَمَّى هُوَ الْأَصْلُ وَبِتَعَذُّرِهِ بِكُلِّ وَجْهٍ يُعْدَلُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ وَلَا تَعَذُّرَ هُنَا لِتَعَيُّنِ الْأَقَلِّ هَذَا إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ الْخِيَارُ لَهَا لِتَأْخُذَ أَيًّا شَاءَتْ، أَوْ الْخِيَارُ لَهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ أَيًّا شَاءَ، فَإِنْ شُرِطَ صَحَّ اتِّفَاقًا لِانْتِفَاءِ
стр. 353
الْمُنَازَعَةِ، فَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ حَالَّةٍ، أَوْ مُؤَجَّلَةٍ إلَى سَنَةٍ وَمَهْرُ مِثْلِهَا أَلْقٌ أَوْ أَكْثَرُ فَلَهَا الْحَالَّةُ وَإِلَّا فَالْمُؤَجَّلَةُ وَعِنْدَهُمَا الْمُؤَجَّلَةُ؛ لِأَنَّهَا الْأَقَلُّ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ حَالَّةٍ، أَوْ عَلَى أَلْفَيْنِ إلَى سَنَةٍ وَمَهْرُ مِثْلِهَا كَالْأَكْثَرِ فَالْخِيَارُ لَهَا وَإِنْ كَانَ كَالْأَقَلِّ فَالْخِيَارُ لَهُ وَإِنْ بَيْنَهُمَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَعِنْدَهُمَا الْخِيَارُ لَهُ لِوُجُوبِ الْأَقَلِّ.
(وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهَا نِصْفُ الْأَدْنَى إجْمَاعًا) كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ؛ لِأَنَّهُ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَ نِصْفُ الْأَدْنَى أَقَلَّ مِنْ الْمُتْعَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إنْ كَانَ نِصْفُ الْأَدْنَى أَقَلَّ مِنْ الْمُتْعَةِ تَكُونُ لَهَا الْمُتْعَةُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِهَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ فَإِذَا أَحَدُهُمَا حُرٌّ فَلَهَا الْعَبْدُ فَقَطْ عِنْدَ الْإِمَامِ إنْ سَاوَى الْعَبْدُ) أَيْ قِيمَتُهُ (عَشَرَةً) مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَإِنْ لَمْ يُسَاوِ فَيُكْمِلُ الْعَشَرَةَ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَهُ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ تَزَوَّجْتُك عَلَى هَذَا الْحُرِّ وَعَلَى هَذَا الْعَبْدِ وَالْبَاقِي صَلُحَ مَهْرًا؛ لِكَوْنِهِ مَالًا فَيَجِبُ الْمُسَمَّى وَإِنْ قَلَّ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى يَمْنَعُ وُجُوبَ مَهْرِ الْمِثْلِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ لَهُ (الْعَبْدُ مَعَ قِيمَةِ الْحُرِّ لَوْ كَانَ عَبْدًا) ؛ لِأَنَّهُ أَطْعَمَهَا سَلَامَةَ الْعَبْدَيْنِ وَعَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِ أَحَدِهِمَا فَتَجِبُ قِيمَتُهُ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) لَهَا (الْعَبْدُ وَتَمَامُ مِثْلِ الْمَهْرِ إنْ هُوَ) أَيْ الْعَبْدُ (أَقَلُّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا حُرَّيْنِ يَجِبُ تَمَامُ مَهْرِ الْمِثْلِ عِنْدَهُ فَكَذَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا حُرًّا وَقُيِّدَ بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا حُرًّا إذْ لَوْ اُسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا فَلَهَا الْبَاقِي وَقِيمَةُ الْمُسْتَحَقِّ وَلَوْ اُسْتُحِقَّا جَمِيعًا فَلَهَا قِيمَتُهُمَا بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي الْبَحْرِ بِخِلَافِ مَا إذَا اُسْتُحِقَّ نِصْفَ الدَّارِ الْمَمْهُورَةِ فَإِنَّ لَهَا الْخِيَارَ إنْ شَاءَتْ أَخَذَتْ الْبَاقِيَ وَنِصْفَ الْقِيمَةِ وَإِنْ شَاءَتْ أَخَذَتْ كُلَّ الْقِيمَةِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَلَيْسَ لَهَا إلَّا النِّصْفُ الْبَاقِي كَمَا فِي الْمِنَحِ وَالتَّنْوِيرِ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى فَرَسٍ) وَقَدْ حَقَقْنَاهُ آنِفًا (أَوْ ثَوْبٍ هَرَوِيٍّ بَالَغَ فِي وَصْفِهِ أَوْ لَا) بِأَنْ يُبَيِّنَ طُولَهُ وَعَرْضَهُ (خُيِّرَ) الزَّوْجُ (بَيْنَ دَفْعِ الْوَسَطِ أَوْ قِيمَتِهِ) أَيْ الْوَسَطِ فَتُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى الْقَبُولِ، هَذَا إذَا ذَكَرَ الثَّوْبَ الْمَوْصُوفَ مُطْلَقًا أَمَّا إذَا عَيَّنَ ثُمَّ أَتَى بِالْقِيمَةِ لَا تُخَيَّرُ، وَكَذَا إذَا ذَكَرَهُ مُضَافًا إلَى نَفْسِهِ بِأَنْ قَالَ تَزَوَّجْتُك عَلَى ثَوْبِ كَذَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ كَالْإِشَارَةِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ.
وَقَالَ زُفَرُ إذَا بَالَغَ فِي وَصْفِهِ يَرْتَفِعُ الْخِيَارُ وَيُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى تَسْلِيمِ الْوَسَطِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا (وَكَذَا) خُيِّرَ الزَّوْجُ بَيْنَ تَسْلِيمِهِ وَتَسْلِيمِ قِيمَتِهِ.
(لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مَكِيلٍ، أَوْ مَوْزُونٍ) غَيْرَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ (بَيَّنَ جِنْسَهُ) أَيْ نَوْعَهُ (لَا صِفَتَهُ) بِأَنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى حِنْطَةٍ، أَوْ شَعِيرٍ كَذَا وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ بَيَّنَ صِفَتَهُ أَيْضًا) كَمَا بَيَّنَ جِنْسَهُ (وَجَبَ هُوَ) أَيْ الْمُسَمَّى (لَا قِيمَتُهُ)
стр. 354
فَيُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ؛ لِأَنَّ مَوْصُوفَهُ يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ ثُبُوتًا صَحِيحًا حَالًّا، أَوْ مُؤَجَّلًا (وَقِيلَ الثَّوْبُ مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الْمَكِيلِ (إنْ بُولِغَ فِي وَصْفِهِ) وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ كَمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا.
(وَإِنْ شَرَطَ) فِي النِّكَاحِ (الْبَكَارَةَ) بِلَا زِيَادَةِ شَيْءٍ لَهَا (فَوَجَدَهَا ثَيِّبًا لَزِمَهُ كُلُّ الْمَهْرِ) أَيْ جَمِيعُ مَهْرِ الْمِثْلِ بِلَا تَسْمِيَةٍ، أَوْ الْمُسَمَّى بِلَا نُقْصَانٍ وَلَا عِبْرَةَ بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ إنَّمَا شُرِعَ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِمْتَاعِ دُونَ الْبَكَارَةِ، وَكَذَا إنْ شَرَطَ أَنَّهَا شَابَّةٌ فَوَجَدَهَا عَجُوزًا.
(وَإِنْ اتَّفَقَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (عَلَى قَدْرٍ) مِنْ الْمَهْرِ (فِي السِّرِّ) بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ (وَأَعْلَنَا غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ (عِنْدَ الْعَقْدِ فَالْمُعْتَبَرُ مَا أَعْلَنَاهُ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مَا أَسَرَّاهُ) يَعْنِي مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِمَهْرٍ فِي السِّرِّ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا بِأَكْثَرَ مِنْهُ رِيَاءً وَسُمْعَةً لَهَا مَهْرُ السِّرِّ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَلَا يُعْتَبَرُ الْعَقْدُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَقْدٍ حَقِيقَةً وَقَالَا لَهَا مَهْرُ الْعَلَانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الثَّانِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ اسْتِئْنَافًا لَكِنَّ فِيهِ زِيَادَةَ الْمَهْرِ وَهِيَ صَحِيحَةٌ فَيُعْتَبَرُ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، هَذَا إذَا لَمْ يُشْهِدْ عَلَى أَنَّ مَا فِي الْعَلَانِيَةِ هَزْلٌ وَإِنْ أَشْهَدَ لَمْ تَجِبْ الزِّيَادَةُ اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالتَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ أَظْهَرَا أَكْثَرَ مِمَّا فِي السِّرِّ بِلَا عَقْدٍ آخَرَ لَمْ يُعْتَبَرْ الظَّاهِرُ اتِّفَاقًا وَقَيَّدْنَا التَّزَوُّجَ بِأَنْ يَكُونَ بِأَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَانِيَةً عَلَى أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا فَمَهْرُ السِّرِّ اتِّفَاقًا وَهَذَا إذَا تَعَاقَدَا بِجِنْسِ مَا تَوَاضَعَا، وَلَوْ تَعَاقَدَا بِخِلَافِ جِنْسِهِ كَمَا إذَا تَعَاقَدَا فِي السِّرِّ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَتَعَاقَدَا فِي الْعَلَانِيَةِ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ اتِّفَاقًا فِي الْأَصَحِّ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَغَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ مَرَّتَيْنِ عَقْدٌ فِي السِّرِّ وَعَقْدٌ فِي الْعَلَانِيَةِ لَكِنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْعَقْدِ فِي السِّرِّ بَلْ تَقَاوَلَا فِي الْمَهْرِ وَيَسْتَقِرُّ رَأْيُهُمَا عَلَى قَدْرٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَوْ اتَّفَقَا وَلَمْ يَقُلْ لَوْ تَعَاقَدَا، تَتْبَعُ.
[فَصْلٌ هَلْ يَجِب الْمَهْر فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ]
فَصْلٌ (وَلَا يَجِبُ شَيْءٌ) مِنْ الْمُسَمَّى وَمَهْرِ الْمِثْلِ وَالْمُتْعَةِ وَالْعِدَّةِ وَالنَّفَقَةِ (بِلَا وَطْءٍ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ) كَالنِّكَاحِ لِلْمَحَارِمِ الْمُؤَبَّدَةِ أَوْ الْمُؤَقَّتَةِ، أَوْ بِإِكْرَاهٍ مِنْ جِهَتِهَا أَوْ بِغَيْرِ شُهُودٍ، أَوْ لِلْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ، أَوْ فِي الْعِدَّةِ، أَوْ غَيْرِهَا.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (خَلَا بِهَا) إذْ لَا يَثْبُتُ لَهَا التَّمَكُّنُ فَصَارَ كَخَلْوَةِ الْحَائِضِ وَلِهَذَا قَالُوا الصَّحِيحَةُ فِي الْفَاسِدَةِ كَالْفَاسِدَةِ فِي الصَّحِيحَةِ (فَإِنْ وَطِئَ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ لَا يُزَادُ عَلَى الْمُسَمَّى) أَيْ إنْ زَادَ مَهْرُ مِثْلِهَا عَلَى الْمُسَمَّى لَا يُزَادُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا فِي الزِّيَادَةِ لِرِضَاهَا بِمَا دُونَهَا، وَعِنْدَ الثَّلَاثَةِ وَزُفَرَ يُزَادُ عَلَيْهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَقَلَّ مِنْ الْمُسَمَّى يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَهْرُ مُسَمًّى، أَوْ كَانَ مَجْهُولًا يَجِبُ بَالِغًا مَا بَلَغَ بِالْإِجْمَاعِ.
وَفِي الْعِنَايَةِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْجِمَاعُ فِي الْقُبُلِ حَتَّى
стр. 355
يَصِيرَ مُسْتَوْفِيًا لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهَاهُنَا كَلَامٌ وَهُوَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ وُجُوبَ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا كَمَا ذُكِرَ فِي أَكْثَرِ الْمُتُونِ تَدَبَّرْ وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا وَطِئَ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ مِرَارًا فَعَلَيْهِ مَهْرٌ وَاحِدٌ وَكَذَا لَوْ وَطِئَ مُكَاتَبَتَهُ، أَوْ جَارِيَةَ ابْنِهِ مِرَارًا أَمَّا لَوْ وَطِئَ الِابْنُ جَارِيَةَ أَبِيهِ بِشُبْهَةٍ يَجِبُ لِكُلِّ وَطْأَةٍ مَهْرٌ وَلَوْ وَطِئَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْجَارِيَةَ الْمُشْتَرَكَةَ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَطْأَةٍ نِصْفُ مَهْرٍ (وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ) بَعْدَ الْوَطْءِ لَا الْخَلْوَةِ فَلَوْ فُرِّقَ بِحُكْمِ فَسَادِ النِّكَاحِ بَعْدَ الدُّخُولِ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا صَحِيحًا فِي عِدَّتِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهَا الْمَهْرُ كَامِلًا وَلَهَا عِدَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ نِصْفُ الْمَهْرِ وَإِتْمَامُ الْعِدَّةِ الْأُولَى وَكَذَا الْخِلَافُ فِي النِّكَاحَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ (وَ) يُعْتَبَرُ (ابْتِدَاؤُهَا) أَيْ ابْتِدَاءُ الْعِدَّةِ (مِنْ حِينِ التَّفْرِيقِ لَا مِنْ آخِرِ الْوَطْآتِ) .
وَقَالَ زُفَرُ مِنْ آخِرِ الْوَطْآتِ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ (هُوَ الصَّحِيحُ) ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ تَجِبُ بِاعْتِبَارِ شُبْهَةِ النِّكَاحِ وَرَفْعُهَا بِالتَّفْرِيقِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَفِي الْمِنَحِ: وَالتَّفْرِيقُ فِي هَذَا إمَّا بِتَفْرِيقِ الْقَاضِي أَوْ بِمُتَارَكَةِ الزَّوْجِ وَلَا يَتَحَقَّقُ الطَّلَاقُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ بَلْ هُوَ مُتَارَكَةٌ فِيهِ وَلَا يَتَحَقَّقُ الْمُتَارَكَةُ إلَّا بِالْقَوْلِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا فَيَتَحَقَّقُ الْمُتَارَكَةُ بِالْقَوْلِ وَبِالتَّرْكِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَا إلَّا بِالْقَوْلِ فِيهِمَا فَعُلِمَ أَنَّ الْمُتَارَكَةَ لَا تَكُونُ مِنْ الْمَرْأَةِ أَصْلًا كَمَا قَيَّدَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِالزَّوْجِ لَكِنْ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخُ الْفَاسِدِ بِغَيْرِ حُضُورِ الْآخَرِ وَقِيلَ بَعْدَ الدُّخُولِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِحُضُورِ الْآخَرِ فَعَلَى هَذَا أَنَّ لِلْمَرْأَةِ فَسْخَهُ بِمَحْضَرِ الزَّوْجِ اتِّفَاقًا وَلَا شَكَّ أَنَّ الْفَسْخَ مُتَارَكَةٌ فَيَلْزَمُ التَّوْجِيهُ بِأَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ بَعِيدٌ، تَأَمَّلْ.
(وَيَثْبُتُ فِيهِ) أَيْ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ (النَّسَبُ) مِنْهُ لَوْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ إنْ اعْتَرَفَ بِالْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَلَا بِهَا، ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَنْكَرَ الْوَطْءَ لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ مِنْهُ (وَمُدَّتُهُ) أَيْ مُدَّةُ النَّسَبِ (مِنْ حِينِ الدُّخُولِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَبِهِ يُفْتَى) وَعِنْدَهُمَا مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَهُوَ أَبْعَدُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ لَيْسَ بِدَاعٍ إلَى الْوَطْءِ لِحُرْمَتِهِ وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ بِدُونِ الْوَطْءِ، أَوْ اللَّمْسِ أَوْ التَّقْبِيلِ، وَاعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ الدُّخُولِ فِي النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ كَالدُّخُولِ فِي الْفَاسِدِ فَيَسْقُطُ الْحَدُّ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ وَيَجِبُ الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى وَمِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَمَا فِي الِاخْتِيَارِ مِنْ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْعِدَّةُ وَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ فِي النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ قَبْلَ الْإِجَازَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ تَدَبَّرْ.
(وَمَهْرُ مِثْلِهَا يُعْتَبَرُ بِقَوْمِ أَبِيهَا) فِي وَقْتِ الْعَقْدِ وَالْأَوْلَى مِنْ قَرِيبِ أَبِيهَا لِأَنَّ الْقَوْمَ مُخْتَصٌّ بِالرِّجَالِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ كَالْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَبَنَاتِهِنَّ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مِنْ جِنْسِ أَبِيهِ وَإِنَّمَا تُعْرَفُ بِالنَّظَرِ إلَى قِيمَةِ جِنْسِهِ وَلِهَذَا صَحَّتْ
стр. 356
خِلَافَةُ ابْنِ الْأَمَةِ إذَا كَانَ أَبُوهُ قُرَيْشِيًّا (إنْ تَسَاوَيَا سِنًّا) أَيْ فِي السِّنِّ وَثُبُوتُهُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَلَفْظِ الشَّهَادَةِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَالْقَوْلُ لَهُ مَعَ الْيَمِينِ وَهَكَذَا فِي الْبَوَاقِي كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ (وَجَمَالًا) وَحُسْنًا وَقِيلَ لَا يُعْتَبَرُ الْجَمَالُ فِي الْحَسَبِ وَالشَّرَفِ بَلْ فِي أَوْسَاطِ النَّاسِ وَهَذَا جَيِّدٌ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ (وَمَالًا وَعَقْلًا) هُوَ قُوَّةٌ مُمَيِّزَةٌ بَيْنَ الْأُمُورِ الْحَسَنَةِ وَالْقَبِيحَةِ، أَوْ قُوَّةٌ يَحْصُلُ الْإِدْرَاكُ لِلْقَلْبِ بِإِشْرَاقِهَا كَمَا لِلْبَصَرِ بِالشَّمْسِ، أَوْ هَيْئَةٌ مَحْمُودَةٌ لِلْإِنْسَانِ فِي مِثْلِ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ كَمَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى شَامِلٌ لِمَا شُرِطَ فِي النُّتَفِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ وَالتَّقْوَى وَالْعِفَّةِ وَكَمَالِ الْخُلُقِ فَعَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ (وَدِينًا) أَيْ دِيَانَةً وَصَلَاحًا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَبَلَدًا وَعَصْرًا وَبَكَارَةً وَثَيَابَةً) بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ ثَيَّبَ لَيْسَ مِنْ كَلَامِهِمْ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ فَلَوْ قَالَ وَضِدَّهَا لَكَانَ أَصْوَبَ تَدَبَّرْ وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ الِاسْتِوَاءَ فِي هَذِهِ الْأَوْصَافِ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا لِاخْتِلَافِ الرَّغَبَاتِ فِيهَا (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ) مِثْلُهَا فِي تِلْكَ الْأَوْصَافِ (مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا (فَمِنْ الْأَجَانِبِ) فَيُعْتَبَرُ مَهْرُ مِثْلِهَا فِي تِلْكَ الْأَوْصَافِ مِنْ الْأَجَانِبِ مِنْ قَبِيلَةٍ هِيَ مِثْلُ قَبِيلَةِ أَبِيهَا وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ بِالْأَجَانِبِ.
وَفِي الْبَحْرِ نَقْلًا عَنْ الْفَتْحِ وَيَجِبُ حَالُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ لَهَا أَقَارِبُ وَإِلَّا امْتَنَعَ الْقَضَاءُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ فِي الْقَضَاءِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ لَمْ يَنْحَصِرْ فِي النَّظَرِ إلَى مَنْ يُمَاثِلُهَا مِنْ الْقَبَائِلِ فَلَوْ فَرَضَ لَهَا شَيْئًا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ صَحَّ.
(وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ جَمِيعُ ذَلِكَ) مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ (فِيمَا يُوجَدُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ اجْتِمَاعُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ فِي امْرَأَتَيْنِ فَتُعْتَبَرُ بِالْمَوْجُودِ مِنْهَا لِأُمِّهَا مِثْلُهَا كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ (وَلَا يُعْتَبَرُ) مِثْلُهَا (بِأُمِّهَا وَخَالَتِهَا) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَهَا مَهْرُ مِثْلِ نِسَائِهَا وَهُنَّ أَقَارِبُ الْأَبِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يُعْتَبَرُ بِأُمِّهَا وَقَوْمِ أُمِّهَا (إنْ لَمْ تَكُونَا مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا) فَإِنْ كَانَتْ مِنْهُمْ بِأَنْ تَكُونَ بِنْتَ عَمِّ أَبِيهَا فَيُعْتَبَر مَهْرُهَا لِمَا أَنَّهَا مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا، هَذَا كُلُّهُ بَيَانُ مَهْرِ الْمِثْلِ لِلْحُرَّةِ وَأَمَّا مَهْرُ مِثْلِ الْأَمَةِ فَهُوَ قَدْرُ الرَّغْبَةِ فِيهَا وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ثُلُثُ قِيمَتِهَا (وَصَحَّ ضَمَانُ وَلِيِّهَا) بِنَفْسِهِ، أَوْ رَسُولِهِ (مَهْرَهَا) ، هَذَا يَتَنَاوَلُ وَلِيَّ الصَّغِيرِ بِأَنْ يُزَوِّجَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ امْرَأَةً وَضَمِنَ عَنْهُ مَهْرَهَا صَحَّ ضَمَانُهُ، وَيَتَنَاوَلُ أَيْضًا وَلِيَّ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ بِأَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ، أَوْ الْكَبِيرَةَ وَهِيَ بِكْرٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ، ثُمَّ ضَمِنَ عَنْ الزَّوْجِ مَهْرَهَا صَحَّ مِنْ أَهْلِ الِالْتِزَامِ وَقَدْ أَضَافَ الضَّمَانَ إلَى مَا يَقْبَلُهُ وَهُوَ الْمَهْرُ فَيَصِحُّ وَهَذَا فِي صِحَّةِ الْوَلِيِّ وَأَمَّا فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَلَا لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ لِوَارِثِهِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا لَهُ فَالضَّمَانُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ مِنْ الثُّلُثِ (وَتُطَالِبُ) الْمَرْأَةُ (مَنْ شَاءَتْ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْوَلِيِّ الضَّامِنِ (وَمِنْ الزَّوْجِ) اعْتِبَارًا بِسَائِرِ
стр. 357
الْكَفَالَاتِ (وَيَرْجِعُ الْوَلِيُّ عَلَى الزَّوْجِ إذَا أَدَّى إنْ ضَمِنَ بِأَمْرِهِ) هَذَا فِي الْكَبِيرِ أَمَّا فِي الصَّغِيرِ فَلَا يُعْتَبَرُ أَمْرُهُ لَكِنْ فِي الذَّخِيرَةِ إنْ شَرَطَ الرُّجُوعَ فِي أَصْلِ الضَّمَانِ فَلَهُ الرُّجُوعُ وَكَانَ كَالْإِذْنِ مِنْ الْبَالِغِ فِي الْكَفَالَةِ.
وَفِي الْوَلَوْالِجيَّةِ لَا رُجُوعَ لَهُ إلَّا إذَا أَشْهَدَ عِنْدَ الْأَدَاءِ أَنَّهُ يُؤَدِّي لِيَرْجِعَ عَلَيْهِ فَعُلِمَ أَنَّ الْإِشْهَادَ يَقُومُ مَقَامَ الْأَمْرِ فِي حَقِّهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ بِأَمْرِهِ (فَلَا) يَرْجِعُ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ فِي مَحَلِّهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ مَسَائِلِ الْكَفَالَةِ وَلَوْ تَرَكَهَا لَكَانَ أَخْصَرَ تَدَبَّرْ.
(وَلِلْمَرْأَةِ مَنْعُ نَفْسِهَا مِنْ الْوَطْءِ وَالسَّفَرِ) إذَا أَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ يَطَأَهَا، أَوْ يُسَافِرَ بِهَا وَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ وَالْإِخْرَاجِ مَكَانَ السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُوهِمُ أَنَّهُ يَنْقُلُهَا لِمَحَلٍّ آخَرَ مِنْ بَلْدَتِهَا وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ الْإِيفَاءِ تَدَبَّرْ (حَتَّى يُوَفِّيَهَا قَدْرَ مَا بَيَّنَ تَعْجِيلَهُ مِنْ مَهْرِهَا كُلًّا، أَوْ بَعْضًا) ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ فِي الْمُبَدَّلِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَيَّنَ حَقُّهَا فِي الْبَدَلِ تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ (وَلَهَا) أَيْ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ (السَّفَرُ وَالْخُرُوجُ مِنْ الْمَنْزِلِ) أَيْ مَنْزِلِ زَوْجِهَا لِلْحَاجَةِ وَزِيَارَةِ أَهْلِهَا بِلَا إذْنِ الزَّوْجِ (أَيْضًا) أَيْ كَمَا جَازَ مَنْعُ نَفْسِهَا مِنْ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْحَبْسِ لِاسْتِيفَاءِ الْمُسْتَحَقِّ وَلَيْسَ لَهُ حَقُّ الِاسْتِيفَاءِ قَبْلَ الْإِيفَاءِ (وَلَهَا النَّفَقَةُ) أَيْ الطَّعَامُ، أَوْ هُوَ مَعَ الْكِسْوَةِ، أَوْ هُمَا مَعَ السُّكْنَى عَلَى الْخِلَافِ فِي مَفْهُومِ النَّفَقَةِ (لَوْ مَنَعَتْ) الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْ الْوَطْءِ (لِذَلِكَ) أَيْ لِاسْتِيفَاءِ مَهْرِهَا الْمُعَجَّلِ فَلَا تَكُونُ نَاشِزَةً؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ بِحَقٍّ (وَهَذَا) أَيْ الْمَنْعُ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْخُرُوجِ بِلَا إذْنٍ (قَبْلَ الدُّخُولِ) وَالْوَطْءِ حَقِيقَةً، أَوْ حُكْمًا كَالْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ.
(وَكَذَا بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الدُّخُولِ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ مُقَابَلٌ بِجَمِيعِ الْوَطْآتِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْمِلْكِ فَإِذَا سَلَّمَتْ بَعْضَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا يَسْقُطُ حَقُّهَا فِي حَبْسِ الْبَاقِي كَمَا لَوْ سَلَّمَ الْبَائِعُ بَعْضَ الْمَبِيعِ (خِلَافًا لَهُمَا فِيمَا لَوْ كَانَ الدُّخُولُ بِرِضَاهَا) .
وَفِي الْإِيضَاحِ أَنَّهُ قَوْلُ الْإِمَامِ أَوَّلًا لِأَنَّ تَسْلِيمَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ يَحْصُلُ بِالْوَطْأَةِ الْأُولَى فَيَسْقُطُ حَقُّ امْتِنَاعِهَا كَمَا يَسْقُطُ حَقُّ الْبَائِعِ فِي حَبْسِ الْمَبِيعِ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ قُيِّدَ بِرِضَاهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُكْرَهَةً فَلَهَا الِامْتِنَاعُ اتِّفَاقًا وَالْمُرَادُ بِالرِّضَى الرِّضَى الْمُعْتَبَرُ شَرْعًا فَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ
стр. 358
(غَيْرَ صَبِيَّةٍ وَلَا مَجْنُونَةٍ) تَأَمَّلْ (وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَ الْمُعَجَّلِ) أَيْ إنْ لَمْ يُبَيِّنْ مِقْدَارَهُمَا مُعَيَّنًا، أَوْ سَكَتَ عَنْ التَّعْجِيلِ وَالتَّأْجِيلِ مُطْلَقًا (فَقَدْرُ مَا يُعَجَّلُ مِنْ مِثْلِهِ عُرْفًا) أَيْ لَهَا الْمَنْعُ حَتَّى يُوَفِّيَهَا قَدْرَ مَا يُعَجَّلُ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ الْمَهْرِ عُرْفًا أَيْ مَا حَكَمَ بِهِ الْعُرْفُ يَعْنِي يُنْظَرُ إلَى الْمُسَمَّى وَالْمَرْأَةِ فَإِنْ حَكَمَ بِتَعْجِيلِ بَعْضٍ لَهَا وَتَأْجِيلِ بَعْضٍ فَذَاكَ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ كَالْمَشْرُوطِ بِخِلَافِ مَا إذَا شَرَطَا تَعْجِيلَ الْكُلِّ إذْ لَا عِبْرَةَ بِالْعُرْفِ.
وَفِي الْإِسْبِيجَابِيِّ أَنَّ الْمَهْرَ مُعَجَّلًا أَوْ مَسْكُوتًا عَنْهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ حَالًّا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَقَدْ تَعَيَّنَ حَقُّهُ فِي الزَّوْجَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَيَّنَ حَقُّهَا وَذَلِكَ بِالتَّسْلِيمِ.
وَفِي الْعِنَايَةِ مِثْلُ هَذَا لَكِنْ مُخَالِفٌ لِسَائِرِ الْكُتُبِ (غَيْرَ مُقَدَّرٍ بِرُبْعٍ وَنَحْوِهِ) .
وَفِي الصَّيْرَفِيَّةِ الْفَتْوَى عَلَى اعْتِبَارِ عُرْفِ بَلَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الثُّلُثِ أَوْ النِّصْفِ (وَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ) الْمَنْعُ (لَوْ أُجِّلَ كُلُّهُ) أَيْ الْمَهْرِ، وَكَذَا لَوْ أَجَّلَتْهُ بَعْدَ الْعَقْدِ مُدَّةً مَعْلُومَةً لِإِسْقَاطِهَا حَقَّهَا بِالتَّأْجِيلِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ تَأْجِيلَ الْكُلِّ إلَى غَايَةٍ مَجْهُولَةٍ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْغَايَةَ مَعْلُومَةٌ فِي نَفْسِهَا وَهُوَ الطَّلَاقُ، أَوْ الْمَوْتُ، وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْأَجَلُ مُبْهَمًا كَهُبُوبِ الرِّيحِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَهْرُ حَالًّا بِخِلَافِ قَلِيلَةِ الْجَهَالَةِ كَالْحَصَادِ وَنَحْوِهِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) أَيْ قَالَ: لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا إذَا كَانَ مُؤَجَّلًا اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا طَلَبَ تَأْجِيلَهُ كُلَّهُ فَقَدْ رَضِيَ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ.
وَقَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ وَبِهِ يُفْتَى، وَقَالَ صَدْرُ الشَّهِيدِ هَذَا أَحْسَنُ وَبِهِ يُفْتَى لَكِنْ فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا الْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ فَاخْتَارَ مَا فِي الْخُلَاصَةِ، تَتَبَّعْ (، وَإِذَا أَوْفَاهَا) أَيْ الْمَرْأَةَ (ذَلِكَ فَلَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ (نَقْلُهَا حَيْثُ شَاءَ مَا دُونَ) مُدَّةِ (السَّفَرِ) مِنْ الْمِصْرِ إلَى الْقَرْيَةِ وَبِالْعَكْسِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ.
وَفِي الْكَافِي وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَقَيَّدَهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة بِمَا إذَا كَانَتْ الْقَرْيَةُ قَرِيبَةً يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ اللَّيْلِ إلَى وَطَنِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِقَرْيَةٍ، وَذَكَرَ فِي الْقُنْيَةِ اخْتِلَافًا فِي نَقْلِهَا مِنْ الْمِصْرِ إلَى الرُّسْتَاقِ لَكِنْ فِي زَمَانِنَا يَنْبَغِي الْعَمَلُ بِالْقَوْلِ بِعَدَمِ نَقْلِهَا مِنْ الْمِصْرِ إلَى الْقَرْيَةِ لِفَسَادِ الزَّمَانِ (وَقِيلَ لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ (السَّفَرُ بِهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) وَبِهِ أَفْتَى صَاحِبُ مُلْتَقَى الْبِحَارِ إذَا كَانَ الزَّوْجُ مَأْمُونًا عَلَيْهَا وَأَوْفَاهَا كُلَّ الْمَهْرِ (وَالْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ) وَبِهِ أَفْتَى الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ لِفَسَادِ الزَّمَانِ وَإِضْرَارِ الْغَرِيبِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهَا فِي مَنْزِلِهَا فَكَيْفَ إذَا أُخْرِجَتْ وقَوْله تَعَالَى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦] مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ الْإِضْرَارِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُهُ فَلَا يَنْبَغِي مَا قَالَ الْمَرْغِينَانِيُّ أَنَّ الْأَخْذَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى أَوْلَى مِنْ الْأَخْذِ بِقَوْلِ الْفَقِيهِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الزَّوْجَانِ حَالَ قِيَامِ النِّكَاحِ (فِي قَدْرِ الْمَهْرِ) بِأَنْ ادَّعَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ وَادَّعَتْ أَنَّهُ بِأَلْفَيْنِ (فَالْقَوْلُ لَهَا إنْ كَانَ مَهْرُ
стр. 359
مِثْلِهَا كَمَا قَالَتْ أَوْ أَكْثَرَ) إنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا مُسَاوِيًا لِمَا تَدَّعِيهِ الْمَرْأَةُ، أَوْ أَكْثَرَ فَالْقَوْلُ لَهَا مَعَ يَمِينِهَا.
(وَ) الْقَوْلُ (لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ (إنْ كَانَ) مَهْرُ مِثْلِهَا (كَمَا قَالَ أَوْ أَقَلَّ) أَيْ إنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ مُسَاوِيًا لِمَا يَدَّعِيهِ الزَّوْجُ، أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ فَالْقَوْلُ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ (وَإِنْ كَانَ) مَهْرُ مِثْلِهَا (بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ مَا قَالَ الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ (تَحَالَفَا) وَيَجِبُ أَنْ يُقْرَعَ فِي الْبُدَاءَةِ بِالتَّحْلِيفِ؛ لِعَدَمِ الرُّجْحَانِ لِأَحَدِهِمَا.
وَقَالَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِ الِاسْتِحْلَافِ يُبْتَدَأُ بِيَمِينِ الزَّوْجِ وَأَيُّهُمَا نَكَلَ يَلْزَمُ مَا قَالَ الْآخَرُ.
(وَ) إنْ حَلَفَا (لَزِمَ مَهْرُ الْمِثْلِ) فَيَدْفَعُ مِنْهُ قَدْرَ مَا أَقَرَّ بِهِ تَسْمِيَةً فَلَا يَتَخَيَّرُ فِيهِ وَالزَّائِدُ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ هَذَا تَخْرِيجُ الرَّازِيِّ وَصَحَّحَهُ فِي النِّهَايَةِ.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ يَتَحَالَفَانِ فِي الْفُصُولِ الثَّلَاثَةِ، ثُمَّ يُحَكَّمُ مَهْرُ الْمِثْلِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَفِي شَرْحِ تَاجِ الشَّرِيعَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ (وَفِي الطَّلَاقِ) أَيْ إنْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ حَالَ الطَّلَاقِ (قَبْلَ الدُّخُولِ الْقَوْلُ لَهَا إنْ كَانَتْ مُتْعَةُ الْمِثْلِ كَنِصْفِ مَا قَالَتْ) الْمَرْأَةُ (أَوْ أَكْثَرَ) أَيْ إنْ كَانَتْ مُتْعَةُ الْمِثْلِ مُسَاوِيَةً لِنِصْفِ مَا تَدَّعِيه، أَوْ أَكْثَرَ فَالْقَوْلُ لَهَا مَعَ الْيَمِينِ (وَلَهُ إنْ كَانَتْ كَنِصْفِ مَا قَالَ أَوْ أَقَلَّ) أَيْ إنْ كَانَتْ مُتْعَةُ الْمِثْلِ مُسَاوِيَةً لِنِصْفِ مَا يَدَّعِيه، أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ فَالْقَوْلُ لَهُ مَعَ الْيَمِينِ.
(وَإِنْ كَانَتْ) مُتْعَةُ الْمِثْلِ (بَيْنَهُمَا تَحَالَفَا) كَمَا مَرَّ.
(وَ) إنْ حَلَفَا (لَزِمَتْ الْمُتْعَةُ) أَيْ مُتْعَةُ الْمِثْلِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَأَمَّا فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْأَصْلُ لَا تُحَكَّمُ الْمُتْعَةُ بَلْ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي نِصْفِ الْمَهْرِ عِنْدَهُمَا وَوَفَّقَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بَيْنَهُمَا فَلْيُطَالَعْ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْقَوْلُ لَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ) ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ الْقَوْلُ لَهُ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ لَكِنْ فِي الْهِدَايَةِ الْقَوْلُ قَوْلُهُ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَقَبْلَهُ عِنْدَهُ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ الْقَوْلُ لَهُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا عِنْدَهُ فَيَكُونُ مُخَالِفًا إلَّا أَنْ يُقَالَ الْقَوْلُ لَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ قَامَ النِّكَاحُ أَوْ لَا فَيَكُونُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ مُشْتَمِلًا عَلَى أَرْبَعِ صُوَرٍ: الْأُولَى اخْتِلَافُهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ حَالَ قِيَامِ النِّكَاحِ، وَالثَّانِيَةُ اخْتِلَافُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ حَالَ قِيَامِ النِّكَاحِ أَيْضًا، وَالثَّالِثَةُ اخْتِلَافُهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ بَعْدَ زَوَالِ النِّكَاحِ، وَالرَّابِعَةُ اخْتِلَافُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ بَعْدَ زَوَالِ النِّكَاحِ أَيْضًا فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْقَوْلُ لَهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَعِنْدَهُمَا تُحَكِّمُ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ وَتُحَكِّمُ مُتْعَةُ الْمِثْلِ فِي الثَّالِثَةِ عَلَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَيُعْتَبَرُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي نِصْفِ الْمَهْرِ عَلَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، تَتَبَّعْ، (إلَّا أَنْ يُذْكَرَ مَا لَا يُتَعَارَفُ مَهْرًا لَهَا) هُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ لَا يَصْلُحُ مَهْرًا شَرْعًا بِأَنْ قَلَّ عَنْ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَنْكَرٌ شَرْعًا قَالَ الْوَبَرِيُّ هَذَا أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ (وَأَيُّهُمَا) مِنْ الزَّوْجَيْنِ (بَرْهَنَ) عَلَى مَا ادَّعَاهُ (قُبِلَ) بُرْهَانُهُ فِي جَمِيعِ
стр. 360
هَذِهِ الْوُجُوهِ.
(وَإِنْ بَرْهَنَا فَبَيِّنَتُهُ أَوْلَى حَيْثُ يَكُونُ الْقَوْلُ لَهَا وَبَيِّنَتُهَا أَوْلَى حَيْثُ يَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ) ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ الظَّاهِرُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الْحَطَّ وَالزِّيَادَةَ لَكِنْ بَقِيَ فِيهِ صُورَتَانِ وَهِيَ أَنْ تَكُونَ مَهْرُ الْمِثْلِ بَيْنَهُمَا أَوْ مُتْعَةُ الْمِثْلِ بَيْنَهُمَا إنْ أَقَامَا كَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ، قُلْنَا الْمَفْهُومُ مِنْ الْعِنَايَةِ يُقْضَى بِمَا بَيْنَهُمَا فِي الصُّورَتَيْنِ.
وَفِي الدُّرَرِ وَغَيْرِهِ يُحْكَمُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ بَيِّنَتُهَا؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الزِّيَادَةَ وَلَمْ يَشْهَدْ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ كَمَا نَصَّ مُحَمَّدٌ فِي هَذَا. تَدَبَّرْ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (فِي أَصْلِهِ) أَيْ الْمُسَمَّى بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا لَمْ يُسَمَّ مَهْرٌ وَالْآخَرُ يَدَّعِي التَّسْمِيَةَ (وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ) بِالْإِجْمَاعِ الْمُرَكَّبِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ وَأَمَّا عِنْدَهُ فَلِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْقَضَاءُ بِالْمُسَمَّى لِعَدَمِ ثُبُوتِ التَّسْمِيَةِ لِلِاخْتِلَافِ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَفِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ لَا شَكَّ فِي قَبُولِهَا وَإِنْ لَمْ يُقِمْ فَعِنْدَهُمَا يَحْلِفُ فَإِنْ نَكَلَ ثَبَتَ دَعْوَى التَّسْمِيَةِ وَإِنْ حَلَفَ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَأَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْلِفَ فِي النِّكَاحِ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ انْتَهَى، لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَهْرِ دُونَ النِّكَاحِ وَيَجْرِي الْحَلِفُ فِي الْمَالِ اتِّفَاقًا وَقَدْ ذَكَرَهَا هُوَ بِنَفْسِهِ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى تَدَبَّرْ (وَمَوْتُ أَحَدِهِمَا كَحَيَاتِهِمَا) فِي الْحُكْمِ أَيْ الْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي حَالِ حَيَاتِهِمَا حَالَ قِيَامِ النِّكَاحِ فِي الْأَصْلِ وَالْقَدْرِ؛ لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ لَا يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وَلِهَذَا يَجِبُ فِي الْمُفَوِّضَةِ مَهْرُ الْمِثْلِ بَعْدَ مَوْتِ أَحَدِهِمَا بِالِاتِّفَاقِ (وَفِي مَوْتِهِمَا إنْ اخْتَلَفَتْ الْوَرَثَةُ فِي قَدْرِهِ) أَيْ الْمُسَمَّى (فَالْقَوْلُ) مَعَ الْيَمِينِ (لِوَرَثَةِ الزَّوْجِ عِنْدَ الْإِمَامِ) كَأَبِي يُوسُفَ حَالَ الْحَيَاةِ إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ الْقَوْلُ لِوَرَثَةِ الزَّوْجِ وَإِنْ ادَّعَوْا شَيْئًا قَلِيلًا فَلِذَا قَالَ (وَلَا يُسْتَثْنَى الْقَلِيلُ) الْمُسْتَنْكَرُ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَهُ يَسْقُطُ عِنْدَهُ بَعْدَ مَوْتِهِمَا (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ كَالْحَيَاةِ) أَيْ يَحْكُمُ مَهْرُ الْمِثْلِ (وَإِنْ اخْتَلَفُوا) أَيْ الْوَرَثَةُ (فِي أَصْلِهِ) أَيْ الْمُسَمَّى (يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ عِنْدَهُمَا) كَمَا فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ كَالْمُسَمَّى فَلَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ كَمَا إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا (وَبِهِ يُفْتَى) كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ (وَعِنْدَ الْإِمَامِ الْقَوْلُ لِمُنْكِرِ التَّسْمِيَةِ وَلَا يَجِبُ شَيْءٌ) ؛ لِأَنَّ التَّقَادُمَ دَلِيلُ انْقِرَاضِ الْأَقْرَانِ فَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ مَهْرِ الْمِثْلِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْرَفَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِتَصَادُقِ الْوَرَثَةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
وَفِي السَّرَخْسِيِّ هَذَا إذَا تَقَادَمَ الْعَهْدُ وَانْقَرَضَ الْعَصْرُ أَمَّا إذَا لَمْ يَتَقَادَمْ الْعَهْدُ يُقْضَى بِمَهْرِ الْمِثْلِ عِنْدَهُ أَيْضًا وَهَذَا إذَا لَمْ تُسَلِّمْ نَفْسَهَا فَإِنْ سَلَّمَتْهَا وَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْحَالَتَيْنِ لَا يُحْكَمُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ بَلْ يُقَالُ لَهَا لَا بُدَّ أَنْ تُقِرِّي بِمَا تَعَجَّلْت وَإِلَّا حَكَمْنَا عَلَيْك بِالْمُتَعَارَفِ فِي الْمُعَجَّلِ، ثُمَّ يُعْمَلُ فِي الْبَاقِي كَمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُسَلِّمُ نَفْسَهَا إلَّا بَعْدَ قَبْضِ شَيْءٍ مِنْ الْمَهْرِ عَادَةً كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ فِي الْبَحْرِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّهُ فِيمَا ادَّعَى الزَّوْجُ إيصَالَ الشَّيْءِ إلَيْهَا أَمَّا لَوْ لَمْ يَدَّعِ فَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ لَكِنْ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ تَأَمَّلْ.
(وَإِنْ بَعَثَ) الزَّوْجُ (إلَيْهَا شَيْئًا) لَمْ يَذْكُرْ جِهَةً
стр. 361
عِنْدَ الدَّفْعِ غَيْرَ جِهَةِ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ جِهَةً أُخْرَى لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ (فَقَالَتْ) الْمَرْأَةُ (هُوَ) أَيْ الْمَبْعُوثُ (هَدِيَّةٌ) أَيْ شَيْءٌ يُعْطَى لِلْمَوَدَّةِ (، وَقَالَ) الزَّوْجُ (مَهْرٌ) أَيْ لِأَجْلِ الْمَهْرِ، أَوْ مِنْ الْمَهْرِ (فَالْقَوْلُ لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا بَيِّنَةٌ؛ لِأَنَّهُ الْمُمَلِّكُ فَالْقَوْلُ لَهُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّمْلِيكِ؛ وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ يَشْهَدُ أَنَّهُ يَسْعَى فِي إسْقَاطِ الْوُجُوبِ عَنْ ذِمَّتِهِ (فِي غَيْرِ مَا هُيِّئَ لِلْأَكْلِ) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ فِيهِ وَالْقَوْلُ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ وَالظَّاهِرُ فِي مِثْلِهِ الْمُتَعَارَفُ أَنْ يَبْعَثَهُ هَدِيَّةً وَالْمُرَادُ مِنْهُ مَا يَفْسُدُ وَلَا يَبْقَى كَاللَّحْمِ وَالطَّعَامِ الْمَطْبُوخِ فَإِنَّ الْقَوْلَ لَهَا فِي ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا وَأَمَّا فِيمَا يَبْقَى كَالْحِنْطَةِ وَالدَّقِيقِ وَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ فَالْقَوْلُ لَهُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ.
وَفِي الْمُحِيطِ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْفَقِيهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ مِمَّا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ كَالْخِمَارِ وَالدِّرْعِ وَمَتَاعِ الْبَيْتِ فَهَدِيَّةٌ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ لَهُ كَالْخُفِّ وَالْمُلَاءَةِ.
وَفِي الْفَتْحِ وَاَلَّذِي يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِي دِيَارِنَا أَنَّ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحِنْطَةِ وَغَيْرِهَا يَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ الْمُتَعَارَفَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إرْسَالُهُ هَدِيَّةً فَالظَّاهِرُ مَعَ الْمَرْأَةِ لَا مَعَهُ وَلَا يَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ إلَّا فِي الثِّيَابِ وَالْجَارِيَةِ، ثُمَّ إذَا كَانَ الْقَوْلُ لَهُ فَالْمَتَاعُ تَرُدُّهُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ قَائِمًا أَوْ تَرْجِعُ بِمَهْرِهَا، وَإِنْ كَانَ هَالِكًا لَا تَرْجِعُ بِالْمَهْرِ بَلْ بِمَا بَقِيَ إنْ كَانَ يَبْقَى بَعْدَ قِيمَتِهِ شَيْءٌ.
وَفِي التَّنْوِيرِ خَطَبَ بِنْتَ رَجُلٍ وَبَعَثَ إلَيْهَا أَشْيَاءَ وَلَمْ يُزَوِّجْهَا أَبُوهَا فَمَا بَعَثَ لِلْمَهْرِ يُسْتَرَدُّ عَيْنُهُ قَائِمًا وَإِنْ تَغَيَّرَ بِالِاسْتِعْمَالِ، أَوْ قِيمَتُهُ هَالِكًا، وَكَذَا مَا بُعِثَ هَدِيَّةً وَهُوَ قَائِمٌ دُونَ الْهَالِكِ وَالْمُسْتَهْلَكِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْهِبَةِ وَلَوْ ادَّعَتْ أَنَّ الْمَبْعُوثَ مِنْ الْمَهْرِ.
وَقَالَ هُوَ وَدِيعَةٌ فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمَهْرِ فَالْقَوْلُ لَهَا وَإِنْ كَانَ الْمَبْعُوثُ مِنْ خِلَافِ الْجِنْسِ فَالْقَوْلُ لَهُ وَلَوْ أَنْفَقَ عَلَى مُعْتَدَّةِ الْغَيْرِ بِشَرْطِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إنْ زَوَّجَتْهُ لَا رُجُوعَ مُطْلَقًا، وَإِنْ أَبَتْ فَلَهُ الرُّجُوعُ إنْ كَانَ دَفَعَ لَهَا وَإِنْ أَكَلَتْ مَعَهُ فَلَا مُطْلَقًا كَمَا فِي فُصُولِ الْعِمَادِيِّ.
(وَإِنْ نَكَحَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّةً، أَوْ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً ثَمَّةَ) أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ (عَلَى مَيْتَةٍ أَوْ بِلَا مَهْرٍ) بِأَنْ سَكَتَا عَنْهُ أَوْ نَفَيَاهُ (وَذَلِكَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ النِّكَاحَ (جَائِزٌ فِي دِينِهِمْ) وَإِنَّمَا قُيِّدَ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَجُزْ هَذَا فِي دِينِهِمْ، أَوْ يَجِبُ الْمَهْرُ عِنْدَهُمْ لَا يَكُونُ الْحُكْمُ عَدَمَ الْوُجُوبِ (فَلَا شَيْءَ لَهَا) عِنْدَ الْإِمَامِ وَإِنْ أَسْلَمَا إذْ أُمِرْنَا بِتَرْكِهِمْ وَمَا يَدِينُونَ، وَكَذَا عِنْدَهُمَا فِي الْحَرْبِيِّينَ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ غَيْرُ مُلْتَزِمِينَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ وَوِلَايَةُ الْإِلْزَامِ مُنْقَطِعَةٌ لِتَبَايُنِ الدَّارِ (خِلَافًا لَهُمَا) وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ فِي الذِّمِّيِّينَ (سَوَاءٌ وُطِئَتْ، أَوْ طَلُقَتْ قَبْلَهُ) أَيْ الْوَطْءِ (أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا) قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ لَكِنَّ
стр. 362
عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ تُوجِبُ خِلَافَ الْإِمَامَيْنِ فِي الْكُلِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا فِي الذِّمِّيِّينَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ إنْ دَخَلَ بِهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَالْمُتْعَةُ إنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا؛ لِأَنَّهُمْ الْتَزَمُوا أَحْكَامَنَا مِنْ الطَّلَاقِ وَالْعِدَّةِ وَحُرْمَةِ نِكَاحِ الْمَحَارِمِ وَالتَّوَارُثِ بِالنَّسَبِ وَبِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَثُبُوتِ خِيَارِ الْبُلُوغِ وَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَالزِّنَا وَالرِّبَا وَغَيْرِهَا «لِقَوْلِهِ ﵊ لَهُمْ مَا لَنَا وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْنَا» لَكِنْ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَصِحَّ عِنْدَهُمَا تَبَايُعُهُمْ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ مَعَ أَنَّهُ جَائِزٌ إجْمَاعًا تَأَمَّلْ.
وَقَالَ زُفَرُ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا فِي الْحَرْبِيِّينَ أَيْضًا.
(وَإِنْ نَكَحَهَا) أَيْ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّةً (بِخَمْرٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَهَا ذَلِكَ) أَيْ الْمُعَيَّنُ مِنْ الْخَمْرِ أَوْ الْخِنْزِيرِ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهَا مَلَكَتْهُ بِالْعَقْدِ، وَالْإِسْلَامُ لَا يَمْنَعُ قَبْضَهُ.
(وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَقِيمَةُ الْخَمْرِ وَمَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْخِنْزِيرِ) عِنْدَ الْإِمَامِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ عِنْدَهُمْ مِثْلِيٌّ كَالْخَلِّ عِنْدَنَا وَلَا يَحِلُّ أَخْذُهَا فَإِيجَابُ الْقِيمَةِ يَكُونُ إعْرَاضًا عَنْ الْخَمْرِ وَأَمَّا الْخِنْزِيرُ فَمِنْ ذَوَاتِ الْقِيمَةِ عِنْدَهُمْ كَالشَّاةِ عِنْدَنَا فَإِيجَابُ الْقِيمَةِ فِيهِ لَا يَكُونُ إعْرَاضًا عَنْهُ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الْإِعْرَاضِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْوَجْهَيْنِ) أَيْ فِي الْمُعَيَّنِ وَغَيْرِ الْمُعَيَّنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ وَقْتَ الْعَقْدِ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ فَكَذَا هُنَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرُ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) لَهَا (الْقِيمَةُ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْمُعَيَّنِ وَغَيْرِ الْمُعَيَّنِ لِصِحَّةِ التَّسْمِيَةِ لِعَدَمِ الْإِسْلَامِ حَالَ الْعَقْدِ ثُمَّ بِالْإِسْلَامِ تَعَذَّرَ قَبْضُهُ فَتَجِبُ قِيمَتُهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ.
(وَفِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ يَجِبُ الْمُتْعَةُ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ مَهْرَ الْمِثْلِ وَنِصْفَ الْقِيمَةِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَهَا) .
وَفِي شَرْحِ الْكَنْزِ وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَفِي الْمُعَيَّنِ لَهَا نِصْفُ الْمُعَيَّنِ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَفِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ فَفِي الْخَمْرِ لَهَا نِصْفُ الْقِيمَةِ، وَفِي الْخِنْزِيرِ لَهَا الْمُتْعَةُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَهَا نِصْفُ الْقِيمَةِ بِكُلِّ حَالٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَهَا الْمُتْعَةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
стр. 363
[بَابُ نِكَاحِ الرَّقِيقِ]
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ نِكَاحِ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ النِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ شَرَعَ فِي بَيَانِ نِكَاحِ مَنْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ الرَّقِيقُ فِي اللُّغَةِ الْعَبْدُ وَيُقَالُ لِلْعَبِيدِ وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَمْلُوكُ مِنْ الْآدَمِيِّ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا إنَّ الْكَافِرَ إذَا أُسِرَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ رَقِيقٌ لَا مَمْلُوكٌ وَإِذَا أُخْرِجَ فَهُوَ مَمْلُوكٌ فَعَلَى هَذَا كُلُّ مَمْلُوكٍ مِنْ الْآدَمِيِّ رَقِيقٌ، وَلَا عَكْسَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِنِّ أَنَّ الرَّقِيقَ هُوَ الْمَمْلُوكُ كُلًّا، أَوْ بَعْضًا وَالْقِنَّ هُوَ الْمَمْلُوكُ كُلًّا كَمَا فِي الْمِنَحِ (نِكَاحُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ) سَوَاءٌ كَانَتْ قِنًّا، أَوْ مُكَاتَبَةً، أَوْ مُدَبَّرَةً (وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَأَمِّ الْوَلَدِ بِلَا إذْنِ السَّيِّدِ) (مَوْقُوفٌ) خِلَافًا لِمَالِكٍ فِي الْعَبْدِ مُطْلَقًا قَاسَهُ عَلَى الطَّلَاقِ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الْكَنْزِ وَهِيَ لَمْ تَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَدَمُ الْجَوَازِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ جَائِزٌ لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ (فَإِنْ أَجَازَ) الْمَوْلَى النِّكَاحَ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ بَعْدَهُ صَرِيحًا، أَوْ دَلَالَةً (نَفَذَ) النِّكَاحُ لَكِنْ لَوْ أَذِنَ بَعْدَهُ كُرِهَ لَهُ وَطْؤُهَا بِلَا نِكَاحٍ آخَرَ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
(وَإِنْ رَدَّ بَطَلَ) لِأَنَّهُ عَيْبٌ وَالْمُرَادُ بِالْمَوْلَى هُنَا مَنْ لَهُ وِلَايَةُ تَزْوِيجِ الرَّقِيقِ وَلَوْ غَيْرَ مَالِكٍ لَهُ وَلِهَذَا كَانَ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْقَاضِي وَالْوَصِيِّ تَزْوِيجُ أَمَةِ الْيَتِيمِ وَلَيْسَ لَهُمْ تَزْوِيجُ الْعَبْدِ لِمَا فِيهِ مِنْ عَدَمِ الْمَصْلَحَةِ (وَقَوْلُهُ) أَيْ السَّيِّدِ (طَلِّقْهَا رَجْعِيَّةً إجَازَةٌ) ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ سَبْقِ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ فَيَدُلُّ عَلَى إذْنٍ (لَا) أَيْ لَا يَكُونُ إجَازَةً لَوْ قَالَ لَهُ (طَلِّقْهَا أَوْ فَارِقْهَا) ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الرَّدَّ وَهُوَ الظَّاهِرُ هُنَا حَيْثُ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ بِأَنَّ سُكُوتَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ لَيْسَ بِإِجَازَةٍ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ (فَإِنْ نَكَحُوا بِإِذْنِهِ) أَيْ بِإِذْنِ السَّيِّدِ (فَالْمَهْرُ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى الْمَذْكُورِينَ فَلَوْ طَلَبَتْ (يُبَاعُ الْعَبْدُ فِيهِ) فَلَوْ بِيعَ فَلَمْ يَفِ ثَمَنُهُ بِالْمَهْرِ لَا يُبَاعُ ثَانِيًا وَيُطَالَبُ بِالْبَاقِي بَعْدَ الْعِتْقِ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ حَيْثُ يُبَاعُ مِرَارًا؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ سَاعَةً فَسَاعَةً فَلَمْ يَقَعْ الْبَيْعُ بِالْجَمِيعِ فَإِذَا مَاتَ يَسْقُطُ الْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ لِفَوَاتِ مَحَلِّ الِاسْتِيفَاءِ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ هَذَا إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِأَجْنَبِيَّةٍ وَلَوْ زَوَّجَ الْمَوْلَى أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ لَا يَجِبُ الْمَهْرُ وَهُوَ الْأَصَحُّ
стр. 364
(وَيَسْعَى) لِلْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ (الْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ وَلَا يُبَاعَانِ) ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَحْتَمِلَانِ النَّقْلَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ مَعَ بَقَاءِ الْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَكَذَا مُعْتَقُ الْبَعْضِ وَابْنُ أُمِّ الْوَلَدِ فَيُؤَدِّي مِنْ كَسْبِهِمَا فَإِنْ أَخْرَجَ الْمُدَبَّرَ عَنْ مِلْكِهِ كَانَ ضَامِنًا لِلْجَمِيعِ كَمَا إذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ فَرُدَّ إلَى الرِّقِّ فَإِنَّهُ يَكُونُ الْكُلُّ عَلَى الْمَوْلَى فَإِنْ أَوْفَاهَا وَإِلَّا بِيعَ لَهَا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَإِذْنُهُ) أَيْ السَّيِّدِ (لِعَبْدِهِ بِالنِّكَاحِ) مُطْلَقًا (يَشْمَلُ جَائِزَهُ) أَيْ النِّكَاحِ (وَفَاسِدَهُ) عِنْدَ الْإِمَامِ وَيُصْرَفُ إلَى الْجَائِزِ عِنْدَهُمَا وَالثَّلَاثَةِ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي أَمْرَيْنِ ذَكَرَ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ (فَيُبَاعُ فِي الْمَهْرِ) فِي الْحَالِ (لَوْ نَكَحَ فَاسِدًا فَوَطِئَ) وَلَوْ لَمْ يَطَأْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا لَا يُطَالَبُ إلَّا بَعْدَ الْعِتْقِ وَذَكَرَ الثَّانِيَ بِقَوْلِهِ: (وَيَتِمُّ الْإِذْنُ بِهِ) أَيْ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ (حَتَّى لَوْ نَكَحَ بَعْدَهُ) أَيْ لَوْ جَدَّدَ الْعَبْدُ نِكَاحَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ نِكَاحًا (جَائِزًا) ، أَوْ نَكَحَ امْرَأَةً بَعْدَهَا نِكَاحًا صَحِيحًا (تَوَقَّفَ عَلَى الْإِجَازَةِ) ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ بِالْعَقْدِ حَيْثُ يَنْتَهِي عِنْدَهُ وَلَا يَنْتَهِي بِهِ عِنْدَهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ وَهُوَ تَحْصِينُهُ مِنْ الزِّنَا إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْجَائِزِ دُونَ الْفَاسِدِ.
وَلَهُ أَنَّ الْإِذْنَ مُطْلَقٌ فَيُجْرَى عَلَى إطْلَاقِهِ وَلَا يَتَقَيَّدُ بِالصَّحِيحِ كَالْإِذْنِ بِالْبَيْعِ وَقُيِّدَ بِالْإِذْنِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالنِّكَاحِ لَا يَتَنَاوَلُ الْفَاسِدَ وَلَا يَنْتَهِي بِهِ اتِّفَاقًا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْمُسْتَصْفَى.
(وَإِنْ زَوَّجَ) السَّيِّدُ (عَبْدَهُ الْمَأْذُونَ الْمَدْيُونَ صَحَّ) النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبْتَنَى عَلَى مِلْكِ الرَّقَبَةِ فَيَجُوزُ تَحْصِينًا لَهُ (وَهِيَ) الْمَرْأَةُ (أُسْوَةً لِلْغُرَمَاءِ) فَيُبَاعُ فِي الْكُلِّ فَيُقَسَّمُ ثَمَنُهُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَّةِ فَتَأْخُذُ حِصَّةَ مَهْرِهَا إنْ كَانَ الْمَهْرُ غَيْرَ مُتَجَاوِزٍ عَنْ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ (فِي مَهْرِ مِثْلِهَا) فَفِي الْقَدْرِ الْمُتَجَاوِزِ عَنْهُ لَا تُزَاحِمُهُمْ تَأْخُذُهُ بَعْدَ اسْتِيفَائِهِمْ حُقُوقَهُمْ كَدَيْنِ الصِّحَّةِ مَعَ دَيْنِ الْمَرَضِ (وَمَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ لَا يَلْزَمُ تَبْوِئَتُهَا) وَإِنْ شَرَطَا وَقْتَ الْعَقْدِ التَّبْوِئَةُ تَفْعِلَةٌ يُقَالُ بَوَّأَ لَهُ مَنْزِلًا وَبَوَّأَهُ مَنْزِلَةً إذَا هَيَّأَ لَهُ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ (وَيَطَأُ الزَّوْجُ مَتَى ظَفِرَ) فَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ وِلَايَةُ الْمَنْعِ إلَّا قَبْلَ أَخْذِ الْمُعَجَّلِ وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ لِلزَّوْجِ مِلْكُ الْحِلِّ لَا غَيْرَ (وَ) لَكِنْ (لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجِ (إلَّا بِالتَّبْوِئَةِ) لِأَنَّ النَّفَقَةَ جَزَاءُ احْتِبَاسِهَا فَلَا يُوجَدُ احْتِبَاسُهَا إلَّا بِتَبْوِئَتِهَا (وَهِيَ) أَيْ التَّبْوِئَةُ (أَنْ يُخَلَّى بَيْنَهَا) أَيْ الْأَمَةِ (وَبَيْنَ الزَّوْجِ فِي مَنْزِلِهِ وَلَا يَسْتَخْدِمَهَا) وَلَوْ تَرَكَ الْإِضَافَةَ فِي مَنْزِلِهِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّبْوِئَةَ أَنْ يُخَلَّى بَيْنَهُمَا فِي أَيِّ مَنْزِلٍ كَانَ كَمَا فَسَّرَ الْخَصَّافُ فَلَا وَجْهَ لِلِاخْتِصَاصِ بِمَنْزِلِ الزَّوْجِ تَأَمَّلْ (فَإِنْ بَوَّأَهَا ثُمَّ رَجَعَ صَحَّ) رُجُوعُهُ؛ لِأَنَّهُ
стр. 365
حَقُّهُ لَا يَسْقُطُ بِهَا كَمَا لَا يَسْقُطُ بِالنِّكَاحِ (وَسَقَطَتْ النَّفَقَةُ) فَلَوْ بَوَّأَهَا عَادَتْ نَفَقَتُهَا كَالْحُرَّةِ إذَا نَشَزَتْ ثُمَّ عَادَتْ.
(وَإِنْ خَدَمَتْهُ) أَيْ الْجَارِيَةُ لِسَيِّدِهَا بَعْدَ التَّبْوِئَةِ (بِلَا اسْتِخْدَامِهِ) أَيْ السَّيِّدِ (لَا تَسْقُطُ) النَّفَقَةُ، وَكَذَا لَوْ اسْتَخْدَمَهَا السَّيِّدُ نَهَارًا وَأَعَادَهَا إلَى بَيْتِ الزَّوْجِ لَيْلًا كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ لَكِنْ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ نَقْلًا عَنْ الْقُنْيَةِ كَانَ نَفَقَةُ الْيَوْمِ عَلَى السَّيِّدِ وَاللَّيْلِ عَلَى الزَّوْجِ تَتَبَّعْ.
(وَإِنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ، ثُمَّ قَتَلَهَا) أَيْ الْأَمَةَ (قَبْلَ الدُّخُولِ) أَيْ الزَّوْجِ بِهَا (سَقَطَ الْمَهْرُ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ الْمُبْدَلَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَيُجَازَى بِمَنْعِ الْبَدَلِ كَالْحُرَّةِ إذَا ارْتَدَّتْ، وَقَالَ عَلَيْهِ الْمَهْرُ لِمَوْلَاهَا اعْتِبَارًا لِمَوْتِهَا حَتْفَ أَنْفِهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ هَذَا إذَا كَانَ السَّيِّدُ مِنْ أَهْلِ الْمُجَازَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بِأَنْ كَانَ صَبِيًّا لَا يَسْقُطُ اتِّفَاقًا.
وَقَالَ الْإِمَامُ الصَّفَّارُ فِعْلُ الصَّبِيِّ مُعْتَبَرٌ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِيهِ عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا، لَكِنْ رَجَّحَ صَاحِبُ الْمِنَحِ وَغَيْرُهُ الْأَوَّلَ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَيَّدَ بِالْمُكَلَّفِ لَكَانَ أَوْلَى، تَدَبَّرْ.
وَقَيَّدَ بِقَتْلِ السَّيِّدِ لِأَنَّ الْأَمَةَ لَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا، أَوْ قَتَلَهَا أَجْنَبِيٌّ لَا يَسْقُطُ اتِّفَاقًا إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ الْإِمَامِ وَقَيَّدَ بِالْأَمَةِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَوْ قَتَلَ زَوْجَ أَمَتِهِ لَا يَسْقُطُ اتِّفَاقًا وَقَيَّدَ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّ بَعْدَ الدُّخُولِ الْمَهْرُ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا (بِخِلَافِ مَا لَوْ قَتَلَتْ الْحُرَّةُ نَفْسَهَا قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الدُّخُولِ خِلَافًا لِزُفَرَ وَفِيهِ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِقَتْلِ الْحُرَّةِ نَفْسَهَا لَيْسَ احْتِرَازِيًّا؛ لِأَنَّ وَارِثَهَا لَوْ قَتَلَهَا قَبْلَهُ فَلَا يَسْقُطُ أَيْضًا وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ فِي مَحَلِّهَا لَكِنْ ذَكَرَهَا اسْتِطْرَادًا.
[الْإِذْنُ فِي الْعَزْلِ عَنْ الْأَمَةِ]
(وَالْإِذْنُ فِي الْعَزْلِ عَنْ الْأَمَةِ) أَيْ أَمَةِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ أَمَتَهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ بِلَا إذْنٍ (لِلسَّيِّدِ) عِنْدَ الْإِمَامِ وَصَاحِبَيْهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الْمَوْلَى وَهُوَ الْوَلَدُ فَيُعْتَبَرُ رِضَاهُ (عِنْدَهُمَا) فِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْإِذْنُ (لَهَا) ، فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُعَبِّرَ بِعَنْ لَا عِنْدَ، تَدَبَّرْ.
وَقَيَّدَ بِالْأَمَةِ؛ لِأَنَّ الْحُرَّةَ لَا يُبَاحُ الْعَزْلُ فِيهَا بِلَا رِضَاهَا بِالْإِجْمَاعِ وَقَالُوا فِي زَمَانِنَا يُبَاحُ لِفَسَادِ الزَّمَانِ وَأَفَادَ أَنَّ الْعَزْلَ جَائِزٌ بِالْإِذْنِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، ثُمَّ إذَا عَزَلَ وَظَهَرَ بِهَا حَبَلٌ إنْ لَمْ يَعُدْ إلَى وَطِئَهَا، أَوْ عَادَ بَعْدَ الْبَوْلِ جَازَ لَهُ نَفْيُهُ وَإِلَّا فَلَا.
(وَإِنْ تَزَوَّجَتْ أَمَةٌ، أَوْ مُكَاتَبَةٌ) كَبِيرَةٌ فَإِنَّهُ لَا خِيَارَ لِلصَّغِيرَةِ فَإِذَا بَلَغَتْ كَانَ لَهَا خِيَارُ الْعِتْقِ لَا خِيَارُ الْبُلُوغِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَلَوْ تَرَكَ الْمُكَاتَبَةَ لَكَانَ أَخْصَرَ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ شَامِلَةٌ لَهَا كَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةِ (بِالْإِذْنِ) أَيْ بِإِذْنِ السَّيِّدِ (ثُمَّ عَتَقَتْ) تِلْكَ الْأَمَةُ (فَلَهَا الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ) إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ فَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا قَبْلَ دُخُولِ الزَّوْجِ فَلَا مَهْرَ
стр. 366
لِأَحَدٍ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ قِبَلِهَا وَإِنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَالْمَهْرُ لِسَيِّدِهَا (حُرًّا كَانَ زَوْجَهَا أَوْ عَبْدًا) سَوَاءٌ كَانَ النِّكَاحُ بِرِضَاهَا، أَوْ لَا فَإِنْ كَانَتْ تَحْتَ الْعَبْدِ فَلَهَا الْخِيَارُ اتِّفَاقًا دَفْعًا لِلْعَارِ وَهُوَ كَوْنُ الْحُرَّةِ فِرَاشًا لِلْعَبْدِ وَإِنْ كَانَتْ تَحْتَ الْحُرِّ فَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَتْ بِلَا إذْنٍ) مِنْ سَيِّدِهَا (فَعَتَقَتْ) قَبْلَ إذْنِهِ وَقَبْلَ وَطْءِ مَوْلَاهَا فَإِنَّ الْوَطْءَ فَسْخٌ لِلنِّكَاحِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ (نَفَذَ) النِّكَاحُ خِلَافًا لِزُفَرَ لَكِنْ فِيهِ إشْكَالٌ لِأَنَّ الْأَمَةَ شَامِلَةٌ لِأُمِّ الْوَلَدِ، وَأَمُّ الْوَلَدِ إذَا أُعْتِقَتْ قَبْلَ وَطْءِ الزَّوْجِ بَطَلَ نِكَاحُهَا لِوُجُوبِ الْعِدَّةِ عَنْ الْمَوْلَى.
(وَكَذَا) أَيْ وَتَزَوَّجَهَا (الْعَبْدُ) بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى، ثُمَّ عَتَقَ نَفَذَ؛ لِأَنَّ تَوَقُّفَهُ كَانَ لِحَقِّ السَّيِّدِ وَقَدْ زَالَ، وَكَذَا لَوْ بَاعَهُ فَأَجَازَ الْمُشْتَرِي (وَلَا خِيَارَ لَهَا) لِلْعِتْقِ؛ لِأَنَّ النُّفُوذَ بَعْدَ الْعِتْقِ وَبَعْدَ النَّفَاذِ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا مِلْكٌ فَلَمْ يُوجَدْ سَبَبُ الْخِيَارِ فَلَا يَثْبُتُ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ الْعِتْقِ (وَالْمُسَمَّى) مِنْ الْمَهْرِ وَإِنْ زَادَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ (لِلسَّيِّدِ إنْ وُطِئَتْ) الْمَنْكُوحَةُ بِلَا إذْنٍ (قَبْلَ الْعِتْقِ) اسْتِحْسَانًا لِاسْتِيفَاءِ مَنَافِعَ مَمْلُوكَةٍ لِلْمَوْلَى وَالْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ الْمَهْرَانِ بِالْعَقْدِ وَالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْجَوَازَ اسْتَنَدَ إلَى أَصْلِ الْعَقْدِ وَلَوْ وَجَبَ مَهْرٌ آخَرُ لَوَجَبَ بِالْعَقْدِ مَهْرَانِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ يُشْكِلُ بِمَا ذُكِرَ فِي الْمَهْرِ فِي تَعْلِيلِ قَوْلِ الْإِمَامِ فِي حَبْسِ الْمَرْأَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِرِضَاهَا حَتَّى يُوَفِّيَهَا مَهْرَهَا لِأَنَّ الْمَهْرَ مُقَابَلٌ بِالْكُلِّ أَيْ بِجَمِيعِ وَطْآتٍ تُوجَدُ فِي النِّكَاحِ حَتَّى لَا يَخْلُوَ الْوَطْءُ عَنْ الْمَهْرِ فَقَضِيَّةُ هَذَا أَنْ يَكُونَ لَهَا شَيْءٌ مِنْ الْمَهْرِ بِمُقَابَلَةِ مَا اسْتَوْفَى بَعْدَ الْعِتْقِ وَلَا يَكُونُ الْكُلُّ لِلْمَوْلَى، انْتَهَى. لَكِنَّ الْعَقْدَ سَبَبٌ لِلْمَهْرِ، وَلُزُومُهُ بِالْوَطْءِ وَكِلَاهُمَا وَاقِعَانِ فِي مِلْكِ الْمَوْلَى مَعَ عَدَمِ الرِّضَا فَكَانَتْ الْوَطْآتُ الْوَاقِعَةُ فِي هَذَا الْعَقْدِ وَاقِعَةً فِي مِلْكِ الْمَوْلَى بِوُقُوعِ سَبَبِهِ فِيهِ، فَيَكُونُ كُلُّ الْمَهْرِ لَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا قِيسَ عَلَيْهِ، تَدَبَّرْ.
(وَلَهَا) أَيْ الْمُسَمَّى لِلْمَنْكُوحَةِ بِلَا إذْنٍ (إنْ وُطِئَتْ بَعْدَهُ) أَيْ الْعِتْقِ لِاسْتِيفَاءِ مَنَافِعَ مَمْلُوكَةٍ لَهَا فَوَجَبَ الْبَدَلُ لَهَا لَكِنْ لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ يَكُونُ نِصْفُ الْمَهْرِ لِلْمَوْلَى فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ نِصْفُهُ أَيْضًا لَهُ إذَا وَطِئَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَهْرُ قَدْ تَمَّ بِالْوَطْءِ وَهُوَ قَدْ وَقَعَ بَعْدَمَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ فَيَكُونُ كُلُّ الْمَهْرِ لَهَا، تَدَبَّرْ.
(وَمَنْ وَطِئَ أَمَةَ ابْنِهِ) أَيْ قِنِّهِ وَكَانَ الْأَبُ مُسْلِمًا مُكَلَّفًا (فَوَلَدَتْ) هَذِهِ الْأَمَةُ وَلَدًا (فَادَّعَاهُ) أَيْ الْأَبُ الْوَلَدَ سَوَاءٌ ادَّعَى الشُّبْهَةَ، أَوْ لَا (ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْأَبِ وَإِنْ كَذَّبَهُ الِابْنُ صِيَانَةً لِمَائِهِ عَنْ الضَّيَاعِ وَلِنَفْسِهِ عَنْ الزِّنَا هَذَا إذَا كَانَتْ فِي مِلْكِ الِابْنِ مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ إلَى وَقْتِ الدَّعْوَةِ حَتَّى إذَا كَانَتْ فِي مِلْكِهِ وَقْتَ الْعُلُوقِ فَبَاعَهَا، ثُمَّ رُدَّتْ بِخِيَارٍ أَوْ فَسَادٍ، ثُمَّ ادَّعَاهُ يَثْبُتُ إلَّا إذَا صَدَّقَهُ الِابْنُ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةَ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْمُسْلِمِ وَالْمُكَلَّفِ؛ لِأَنَّ دَعْوَةَ الْكَافِرِ وَالْعَبْدِ وَالْمَجْنُونِ لَا تَصِحُّ وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا الْأَمَةَ بِالْقِنَّةِ؛ لِأَنَّ دَعْوَةَ وَلَدِ
стр. 367
مُكَاتَبَتِهِ وَأَمِّ وَلَدِهِ وَمُدَبَّرَتِهِ لَمْ تَصِحَّ مَعَ أَنَّ الْأَمَةَ شَامِلَةٌ لَهُنَّ كَمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا (وَلَزِمَهُ) أَيْ الْأَبَ (قِيمَتُهَا) أَيْ الْأَمَةِ صِيَانَةً لِمَالِ الْوَلَدِ مَعَ حُصُولِ مَقْصُودِ الْأَبِ وَعَلَّلَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ لِئَلَّا يَكُونَ الْوَطْءُ حَرَامًا فَتَجِبُ قِيمَتُهَا، انْتَهَى. لَكِنَّ هَذَا الدَّلِيلَ يَقْتَضِي عَدَمَ وُجُوبِ الْعُقْرِ فِيمَا إذَا وَطِئَ الْأَبُ جَارِيَةَ ابْنِهِ غَيْرَ مُعَلِّقٍ مَعَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِوُجُوبِ الْعُقْرِ وَهَذَا يَنْفِي الْإِبَاحَةَ، تَدَبَّرْ.
(لَا مَهْرُهَا) أَيْ وَيَلْزَمُ عَقْرُهَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ وَقَعَ فِي مِلْكِهِ (وَلَا قِيمَةُ وَلَدِهَا) ؛ لِأَنَّهُ انْعَلَقَ حُرًّا لِاسْتِنَادِ الْمِلْكِ إلَى مَا قَبْلَ الِاسْتِيلَادِ (وَتَصِيرُ) تِلْكَ الْأَمَةُ (أُمَّ وَلَدِهِ) لِثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْهُ (وَالْجَدُّ) الصَّحِيحُ (كَالْأَبِ) فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ (بَعْدَ مَوْتِهِ) أَيْ الْأَبِ وَلَوْ حُكْمًا كَمَا إذَا كَانَ كَافِرًا أَوْ رَقِيقًا، أَوْ مَجْنُونًا وَلَوْ قَالَ عِنْدَ عَدَمِ وِلَايَتِهِ لَكَانَ شَامِلًا لَهَا حَقِيقَةً، تَدَبَّرْ.
(لَا قَبْلَهُ) وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ بَلْ هُوَ مُسْتَدْرَكٌ، تَدَبَّرْ.
(وَإِنْ زَوَّجَ أَمَةَ أَبَاهُ) وَالْأَوْلَى وَإِنْ زَوَّجَهَا أَبُوهُ لِشُمُولِهِ مَا إذَا كَانَتْ الْجَارِيَةُ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ فَتَزَوَّجَهَا الْأَبُ فَإِنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ (جَازَ) النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُ الْغَيْرِ حَقِيقَةً وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» مَجَازٌ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْمِلْكِ لِلْأَبِ مَتْرُوكٌ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي الْمُسْتَصْفَى وَعِنْدَ الثَّلَاثَةِ لَا يَصِحُّ نِكَاحُهَا وَعَلَيْهِ الْعُقْرُ لَكِنْ إذَا لَمْ يَصِحَّ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعُقْرُ تَأَمَّلْ.
وَقَالَ زُفَرُ يَجُوزُ النِّكَاحُ وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ إذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ لَكِنْ يُشْكِلُ بِلُزُومِ الْمُنَافَاةِ بَيْنَ كَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَصِحَّةِ النِّكَاحِ إذْ هُوَ يَقْتَضِي مِلْكَ يَمِينٍ وَالنِّكَاحُ غَيْرُهُ، تَدَبَّرْ.
(وَعَلَيْهِ) أَيْ الْأَبِ (مَهْرُهَا) لِالْتِزَامِهِ بِالنِّكَاحِ (لَا قِيمَتُهَا) لِعَدَمِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ (فَإِنْ أَتَتْ) الْأَمَةُ (بِوَلَدٍ) مِنْ الْأَبِ (لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ) ؛ لِأَنَّ انْتِقَالَهَا إلَى مِلْكِ الْأَبِ لِصِيَانَةِ مَائِهِ وَقَدْ صَارَ مَصُونًا بِدُونِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ (وَهُوَ) أَيْ الْوَلَدُ (حُرٌّ بِقَرَابَتِهِ) لِأَنَّهُ مُلِّكَ أَخَاهُ فَعَتَقَ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَالظَّاهِرُ يَقْتَضِي أَنَّ الْوَلَدَ عَلِقَ رَقِيقًا لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ يَعْتِقُ قَبْلَ الِانْفِصَالِ وَقِيلَ بَعْدَ الِانْفِصَالِ.
وَفِي الْغَايَةِ الْوَجْهُ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ حَدَثَ عَلَى مِلْكِ الْأَخِ مِنْ حِينِ الْعُلُوقِ فَكَمَا مَلَكَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ، تَدَبَّرْ.
(حُرَّةٌ قَالَتْ لِسَيِّدِ زَوْجِهَا) أَيْ تَزَوَّجَ عَبْدٌ حُرَّةً بِإِذْنِ مَوْلَاهُ فَقَالَتْ الزَّوْجَةُ لِلسَّيِّدِ (أَعْتِقْهُ عَنِّي بِأَلْفٍ فَفَعَلَ فَسَدَ النِّكَاحُ) هَذَا إذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ زَادَ عَلَيْهِ بِأَنْ قَالَ بِعْتُك بِأَلْفٍ، ثُمَّ أَعْتَقْتُ لَمْ يَصِرْ مُجِيبًا بَلْ مُبْتَدَأٌ وَوَقَعَ الْعِتْقُ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ رَجُلٌ تَحْتَهُ أَمَةٌ لِمَوْلَاهَا أَعْتِقْهَا عَنِّي بِأَلْفٍ فَفَعَلَ
стр. 368
عَتَقَتْ الْأَمَةُ وَفَسَدَ النِّكَاحُ إلَّا أَنْ فِي الْأُولَى يَسْقُطُ الْمَهْرُ، وَفِي الثَّانِيَةِ لَا (وَلَزِمَهَا الْأَلْفُ وَالْوَلَاءُ لَهَا وَيَصِحُّ عَنْ كَفَّارَتِهَا لَوْ نَوَتْ بِهِ) أَيْ لَوْ نَوَتْ بِهَذَا الْإِعْتَاقِ عَنْ الْكَفَّارَةِ.
وَعِنْدَ زُفَرَ النِّكَاحُ وَيَقَعُ الْوَلَاءُ عَنْ الْمَأْمُورِ وَأَصْلُهُ أَنَّهُ يَقَعُ الْعِتْقُ عَنْ الْآمِرِ عِنْدَنَا حَتَّى يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُ وَلَوْ نَوَى بِهِ الْكَفَّارَةَ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ وَعِنْدَهُ يَقَعُ عَنْ الْمَأْمُورِ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ أَنْ يُعْتِقَ الْمَأْمُورُ عَبْدَهُ عَنْهُ وَهَذَا مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ فَلَمْ يَصِحَّ الطَّلَبُ فَيَقَعُ الْعِتْقُ عَنْ الْمَأْمُورِ وَلَنَا أَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ بِتَقْدِيمِ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ إذْ الْمِلْكُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْعِتْقِ عَنْ الْآمِرِ فَيَصِيرُ قَوْلُهُ أَعْتِقْ طَلَبَ التَّمْلِيكِ مِنْ الْمَوْلَى بِالْأَلْفِ، ثُمَّ أَمْرُهُ بِالْإِعْتَاقِ عِنْدَ الْآمِرِ عَنْهُ وَقَوْلُهُ أَعْتَقْتُ تَمْلِيكًا مِنْ الْآمِرِ، ثُمَّ الْإِعْتَاقُ عَنْ الْآمِرِ وَإِذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْآمِرِ فَسَدَ النِّكَاحُ لِلتَّنَافِي بَيْنَ الْمِلْكَيْنِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (وَإِنْ لَمْ تَقُلْ) الْحُرَّةُ (بِأَلْفٍ لَا يَفْسُدُ) النِّكَاحُ (وَالْوَلَاءُ لَهُ) أَيْ لِلسَّيِّدِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) هُوَ يَقُولُ هَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ هُنَا بِطَرِيقِ الْهِبَةِ وَتَسْتَغْنِي الْهِبَةُ عَنْ الْقَبْضِ وَهُوَ شَرْطٌ كَمَا يَسْتَغْنِي الْبَيْعُ عَنْ الْقَبُولِ وَهُوَ رُكْنٌ، وَلَهُمَا: الْقَبُولُ رُكْنٌ يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ كَمَا فِي التَّعَاطِي وَأَمَّا الْقَبْضُ فَلَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ فِي الْهِبَةِ بِحَالٍ.
(وَلِلْمَوْلَى إجْبَارُ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ عَلَى النِّكَاحِ) وَمَعْنَى الْإِجْبَارِ أَنْ يَنْفُذَ نِكَاحُ الْمَوْلَى بِغَيْرِ رِضَاهُمَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ هَذَا إذَا كَانَا كَبِيرَيْنِ وَإِنْ كَانَا صَغِيرَيْنِ يَجُوزُ الْإِجْبَارُ عِنْدَهُ أَيْضًا (دُونَ مُكَاتَبِهِ وَمُكَاتَبَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُمَا الْتَحَقَا بِالْأَحْرَارِ فِي التَّصَرُّفِ فَيُشْتَرَطُ رِضَاهُمَا.
[بَابُ نِكَاحِ الْكَافِرِ]
ِ وَالْمُنَاسَبَةُ ظَاهِرَةٌ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الرِّقَّ أَثَرُ الْكُفْرِ إلَّا أَنَّ الْكَافِرَ أَدْنَى مِنْهُ وَالتَّعْبِيرُ بِالْكَافِرِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ بَعْضِهِمْ بِنِكَاحِ أَهْلِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْمَلُ الْكِتَابِيَّ (وَإِذَا) (تَزَوَّجَ كَافِرٌ بِلَا شُهُودٍ، أَوْ فِي عِدَّةِ كَافِرٍ آخَرَ) ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فِي عِدَّةِ مُسْلِمٍ فَسَدَ النِّكَاحُ بِالْإِجْمَاعِ.
(وَ) الْحَالُ أَنَّ (ذَلِكَ جَائِزٌ فِي دِينِهِمْ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَدِينُوا جَوَازَهُ لَمْ يُقِرَّا عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ (ثُمَّ أَسْلَمَا) (أُقِرَّا) أَيْ تُرِكَا (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى ذَلِكَ النِّكَاحِ وَلَمْ يُجَدَّدْ عِنْدَ الْإِمَامِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا حَقًّا لِلشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِالْفُرُوعِ وَلَاحِقًا لِلزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُهَا (خِلَافًا لَهُمَا فِي الْعِدَّةِ) ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ فِي الْعِدَّةِ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ وَهُمْ لَمْ يَلْتَزِمُوا أَحْكَامَنَا بِجَمِيعِ اخْتِلَافَاتِهَا لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ قَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ تَتَبَّعْ.
وَقَالَ زُفَرُ: النِّكَاحُ فَاسِدٌ فِي الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ تَبَعٌ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ وَهُمْ لَا يُجَوِّزُونَ نِكَاحَهُمْ بِغَيْرِ شُهُودٍ
стр. 369
وَفِي عِدَّةِ غَيْرِهِ، وَكَذَا أَهْلِ الذِّمَّةِ.
وَفِي النِّهَايَةِ هَذَا إذَا كَانَتْ الْمُرَافَعَةُ، أَوْ الْإِسْلَامُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَأَمَّا بَعْدَ انْقِضَائِهَا فَلَا يُفَرَّقُ اتِّفَاقًا.
(وَلَوْ تَزَوَّجَ الْمَجُوسِيُّ مَحْرَمَهُ) كَأُمِّهِ وَأُخْتِهِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْمَحَارِمِ (ثُمَّ أَسْلَمَا) مَعًا (أَوْ أَحَدُهُمَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) بِالْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ الْمَحَلِّيَّةِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الِابْتِدَاءُ وَالْبَقَاءُ، فَكَمَا لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءٌ فِي الْإِسْلَامِ فَكَذَا لَا يَجُوزُ بَقَاءٌ فِيهِ.
(وَكَذَا) يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا (لَوْ تَرَافَعَا) أَيْ الْمَحْرَمَانِ (إلَيْنَا) أَيْ عَرَضَا أَمْرَهُمَا إلَيْنَا وَهُمَا عَلَى الْكُفْرِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا لَا تَبِينُ بِلَا تَفْرِيقِ الْقَاضِي لَكِنْ فِي الْمُنْيَةِ تَبِينُ (وَبِمُرَافَعَةِ أَحَدِهِمَا لَا يُفَرَّقُ) عِنْدَ الْإِمَامِ إذْ بِمُرَافَعَةِ أَحَدِهِمَا لَا يَبْطُلُ حَقُّ الْآخَرِ لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ وِلَايَةُ إلْزَامِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ يُفَرَّقُ عِنْدَهُمَا بِمُرَافَعَةِ أَحَدِهِمَا كَإِسْلَامِهِ.
وَفِي الْجَوْهَرَةِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وُجِدَ التَّرَافُعُ أَوْ لَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إنْ وُجِدَ التَّرَافُعُ.
(وَالطِّفْلُ) الَّذِي لَا يَعْقِلُ الْإِسْلَامَ وَلَا يَصِفُهُ فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ، لَكِنْ أَفْتَى شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ وَإِنْ كَانَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ (مُسْلِمٌ إنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمًا) فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يَصِحُّ هَذَا التَّعْمِيمُ وَلَا وُجُودَ لِنِكَاحِ الْمُسْلِمَةِ مَعَ كَافِرٍ قُلْنَا: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْبَقَاءِ بِأَنْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ قَبْلَ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَى الزَّوْجِ (أَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا) ؛ لِأَنَّهُ أَنْظَرُ لَهُ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَخْتَلِفْ الدَّارُ بِأَنْ كَانَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ كَانَ الصَّغِيرُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَسْلَمَ الْوَالِدُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَوْ كَانَ الْوَلَدُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالْوَالِدُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ لَا يَتْبَعُهُ وَلَدُهُ وَلَا يَكُونُ مُسْلِمًا كَمَا فِي التَّبْيِينِ (وَ) الطِّفْلُ (كِتَابِيٌّ إنْ كَانَ بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَوْعَ نَظَرٍ لَهُ حَتَّى فِي الْآخِرَةِ بِنُقْصَانِ الْعِقَابِ فَإِنَّ الْمَجُوسِيَّ وَمِثْلَهُ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ شَرٌّ مِنْ الْكِتَابِيِّ.
(وَلَوْ أَسْلَمَتْ زَوْجَةُ الْكَافِرِ) كِتَابِيًّا، أَوْ لَا (أَوْ زَوْجُ الْمَجُوسِيَّةِ) وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهَا لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً فَلَا عَرْضَ وَلَا تَفْرِيقَ (عُرِضَ الْإِسْلَامُ عَلَى الْآخَرِ) فَلَوْ كَانَ مَنْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ الْأَدْيَانَ يُنْتَظَرُ عَقْلُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ غَايَةً مَعْلُومَةً، وَلَوْ كَانَ مَجْنُونًا لَا يُنْتَظَرُ بَلْ يُعْرَضُ عَلَى أَبَوَيْهِ فَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ بَقِيَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْمُسْلِمَ مِنْهُمَا كَمَا فِي الْفَتْحِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُعْرَضُ، وَتَبِينُ الْمَرْأَةُ فِي الْحَالِ إنْ كَانَ الْإِسْلَامُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى مُضِيِّ الْعِدَّةِ (فَإِنْ أَسْلَمَ) مَنْ عُرِضَ لَهُ الْإِسْلَامُ فَهِيَ أَيْ الْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ لَهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ (فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) أَيْ فَرَّقَ الْقَاضِي بِإِبَائِهِ عَنْ الْإِسْلَامِ.
وَفِي الْكَنْزِ إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِعَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْآخَرِ.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ هَذَا عَلَى إطْلَاقِهِ يَسْتَقِيمُ فِي الْمَجُوسِيَّيْنِ
стр. 370
وَأَمَّا إذَا كَانَا كِتَابِيَّيْنِ فَإِنْ أَسْلَمَتْ فَهِيَ كَذَلِكَ وَإِنْ أَسْلَمَ فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهَا وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ هِيَ كِتَابِيَّةً وَالزَّوْجُ مَجُوسِيًّا لَكِنَّ صَاحِبَ الْكَنْزِ قَالَ بَعْدَ عِدَّةِ أَسْطُرٍ، وَلَوْ أَسْلَمَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ بَقِيَ نِكَاحُهُمَا فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا مَا لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا وَكُفْرِ الْآخَرِ فَيَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ، تَدَبَّرْ.
(فَإِنْ أَبَى الزَّوْجُ) الْكَافِرُ عَنْ الْإِسْلَامِ (فَالْفُرْقَةُ طَلَاقٌ) وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ صَغِيرًا عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ حَتَّى يَنْقَضِيَ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ وَبِهِ يُفْتَى كَمَا فِي الْمَطْلَبِ وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ وَهُوَ إبَاؤُهُ عَنْ الْإِسْلَامِ وَذَلِكَ مِنْهُ تَفْوِيتُ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ فَتَعَيَّنَ التَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ وَالْإِحْسَانُ بِالتَّسْرِيحِ أَنْ يُوَفِّيَهَا مَهْرَهَا وَنَفَقَةَ عِدَّتِهَا كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّ عِنْدَهُ لَا تَكُونُ طَلَاقًا بَلْ فَسْخًا حَتَّى لَا يَنْتَقِصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ (لَا إنْ أَبَتْ هِيَ) أَيْ لَا تَكُونُ الْفُرْقَةُ طَلَاقًا إنْ أَبَتْ الْمَجُوسِيَّةُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَكُونُ مِنْ النِّسَاءِ حَتَّى يَنُوبُ الْقَاضِي مَنَابَهَا (وَلَهَا الْمَهْرُ) سَوَاءٌ كَانَ الْإِبَاءُ مِنْ قِبَلِهِ، أَوْ مِنْ قِبَلِهَا (لَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ) لِتَأَكُّدِهِ بِالدُّخُولِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْإِبَاءُ بَعْدَ الدُّخُولِ بَلْ قَبْلَهُ (فَنِصْفُهُ لَوْ أَبَى) الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ هُنَا طَلَاقٌ قَبْلَ الدُّخُولِ (وَلَا شَيْءَ لَوْ أَبَتْ) وُجُودَ الْفُرْقَةِ مِنْ قِبَلِهَا كَالْمُطَاوَعَةِ لِابْنِ زَوْجِهَا.
(وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ) أَيْ إسْلَامُ زَوْجَةِ الْكَافِرِ أَوْ زَوْجِ الْمَجُوسِيَّةِ (فِي دَارِهِمْ لَا تَبِينُ حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثًا) إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ فَلَوْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ لِصِغَرٍ، أَوْ كِبَرٍ فَلَا تَبِينُ إلَّا بِمُضِيِّ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَلَوْ قَالَ لَا تَبِينُ إلَّا بِمُضِيِّ الْعِدَّةِ أَوْ بِمُضِيِّ مِقْدَارِ الْعِدَّةِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ شَامِلٌ لِوَضْعِ الْحَمْلِ (قَبْلَ إسْلَامِ الْآخَرِ) ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ وَعَرْضُ الْإِسْلَامِ مُتَعَذِّرٌ لِقُصُورِ الْوِلَايَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ الْفُرْقَةِ رَفْعًا لِلْفَسَادِ فَأَقَمْنَا شَرْطَهَا وَهُوَ مُضِيُّ الْحَيْضِ مَقَامَ السَّبَبِ كَمَا فِي حَفْرِ الْبِئْرِ وَهَذِهِ الْحِيَضُ لَا تَكُونُ عِدَّةً؛ وَلِهَذَا يَسْتَوِي فِيهَا الْمَدْخُولُ بِهَا وَغَيْرُهَا، ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ كَانَتْ الْفُرْقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَإِنْ بَعْدَهُ فَكَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا تَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ (وَإِنْ أَسْلَمَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ بَقِيَ نِكَاحُهَا) ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّزَوُّجُ بِهَا ابْتِدَاءً فَالْبَقَاءُ أَوْلَى (وَتَبَايُنُ الدَّارَيْنِ سَبَبُ الْفُرْقَةِ) ؛ لِأَنَّ مَنْعَ التَّبَايُنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لِانْتِظَامِ مَصَالِحِ النِّكَاحِ وَمِنْ التَّبَايُنِ لَا يَنْتَظِمُ فَشَابَهُ الْمَحْرَمِيَّةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: سَبَبُ الْفُرْقَةِ السَّبْيُ دُونَ التَّبَايُنِ (لَا السَّبْيُ فَلَوْ) تَفْرِيعٌ لِقَوْلِهِ: وَتَبَايُنُ الدَّارَيْنِ (خَرَجَ أَحَدُهُمَا إلَيْنَا مُسْلِمًا) ، أَوْ ذِمِّيًّا، أَوْ أَسْلَمَ، أَوْ عَقَدَ الذِّمَّةَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ (أَوْ أُخْرِجَ) أَحَدُهُمَا إلَيْنَا (مَسْبِيًّا بَانَتْ) زَوْجَتُهُ لِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ.
(وَإِنْ سُبِيَا مَعًا) تَفْرِيعٌ لِقَوْلِهِ لَا السَّبْيُ (لَا) تَبِينُ عِنْدَنَا لِعَدَمِ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ خِلَافًا
стр. 371
لِلشَّافِعِيِّ.
(وَمَنْ هَاجَرَتْ إلَيْنَا) مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً أَيْ تَرَكَتْ أَرْضَ الْحَرْبِ وَهَاجَرَتْ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ (بَانَتْ) مِنْ زَوْجِهَا (وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا) عِنْدَ الْإِمَامِ إذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا لَا تُنْكَحُ قَبْلَ الْوَضْعِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ النِّكَاحُ وَلَا يَقْرَبُهَا الزَّوْجُ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا (خِلَافًا لَهُمَا) ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بِالدُّخُولِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَيَلْزَمُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ وَلَهُ أَنَّ الْعِدَّةَ لِحُرْمَةِ مِلْكِ النِّكَاحِ وَبِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ لَمْ يَبْقَ النِّكَاحُ فَلَا تَجِبُ الْعِدَّةُ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي أَنَّ الْحَرْبِيَّةَ إذَا دَخَلَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَلْزَمْ الْحَرْبِيَّ وَلَدُهَا لِعَدَمِ الْعِدَّةِ عِنْدَهُ إلَّا أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُ إلَى سَنَتَيْنِ لِقِيَامِ الْعِدَّةِ لَكِنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْعِدَّةِ كَوْنُهَا تَحْتَ كَافِرٍ لَا غَيْرُ كَمَا فِي الْكَافِي، قَيَّدَ بِالْمُهَاجِرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ هَاجَرَ زَوْجُهَا لَا تَجِبُ الْعِدَّةُ عَلَيْهَا اتِّفَاقًا.
(وَارْتِدَادُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ) أَيْ تَبَدُّلُ اعْتِقَادِ الْإِسْلَامِ بِالْكُفْرِ حَقِيقَةً عَلَى أَحَدِهِمَا كَمَا إذَا تَمَجَّسَ، أَوْ تَنَصَّرَ، أَوْ حُكْمًا كَمَا إذَا قَالَ بِالِاخْتِيَارِ مَا هُوَ كُفْرٌ بِالِاتِّفَاقِ (فُسِخَ) أَيْ رُفِعَ لِفَقْدِ النِّكَاحِ حَتَّى لَا يَنْتَقِصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ سَوَاءٌ كَانَتْ مَوْطُوءَةً، أَوْ غَيْرَهَا (فِي الْحَالِ) بِدُونِ الْقَضَاءِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ كَانَتْ الرِّدَّةُ بَعْدَ الدُّخُولِ لَا تَبِينُ مِنْهُ حَتَّى تَمْضِيَ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ وَإِنْ قَبْلَ الدُّخُولِ تَبِينُ فِي الْحَالِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ارْتِدَادُ الرَّجُلِ طَلَاقٌ) وَهُوَ يَعْتَبِرُهُ بِالْإِبَاءِ وَأَبُو يُوسُفَ مَرَّةً عَلَى أَصْلِهِ فِي الْإِبَاءِ وَهُوَ أَنَّ إبَاءَ الزَّوْجِ لَيْسَ بِطَلَاقٍ فَكَذَا الرِّدَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَوَجْهُهُ أَنَّ الرِّدَّةَ مُنَافِيَةٌ لِلنِّكَاحِ وَالطَّلَاقَ رَافِعٌ فَتَعَذَّرَتْ الرِّدَّةُ أَنْ يُجْعَلَ طَلَاقًا بِخِلَافِ الْإِبَاءِ، قَيَّدَ بِرِدَّتِهِ؛ لِأَنَّ رِدَّتَهَا فَسْخٌ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَشَايِخِ بَلْخِي وَسَمَرْقَنْدَ كَانُوا يُفْتُونَ بِعَدَمِ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ حَسْمًا لِبَابِ الْمَعْصِيَةِ وَعَامَّتُهُمْ يَقُولُونَ يَقَعُ الْفَسْخُ وَلَكِنْ يُجْبَرُ عَلَى النِّكَاحِ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِذَلِكَ وَمَشَايِخُ بُخَارَى كَانُوا عَلَى هَذَا.
وَفِي الْجَوْهَرَةِ وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَتُعَزَّرُ بِضَرْبٍ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ سَوْطًا وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ إلَّا بِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ وَلِكُلِّ قَاضٍ أَنْ يُجَدِّدَ بَيْنَهُمَا بِمَهْرٍ يَسِيرٍ، وَلَوْ دِينَارًا رَضِيَتْ أَوْ أَبَتْ كَمَا فِي الْمُنْيَةِ لَكِنْ إنْ ارْتَدَّ الزَّوْجُ لَا تُجْبَرُ عَلَى النِّكَاحِ بَعْدَ إسْلَامِهِ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ لَا رِدَّةَ لِلطِّفْلِ إذْ لَا اعْتِقَادَ لَهُ بِخِلَافِ آبَائِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إنَّ رِدَّتَهُ صَحِيحَةٌ كَإِبَائِهِ (وَلِلْمَوْطُوءَةِ الْمَهْرُ) أَيْ كُلُّ الْمَهْرِ مِنْ الْمُسَمَّى وَمَهْرِ الْمِثْلِ سَوَاءٌ ارْتَدَّ أَوْ ارْتَدَّتْ؛ لِأَنَّهُ تَأْكِيدٌ بِالدُّخُولِ فَلَا يُتَصَوَّرُ سُقُوطُهُ (وَلِغَيْرِهَا) أَيْ الْمَوْطُوءَةِ الْمَذْكُورَةِ (نِصْفُهُ) أَيْ الْمَهْرِ (إنْ ارْتَدَّ) الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ جِهَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ تُوجِبُ نِصْفَ الْمَهْرِ هَذَا إذَا كَانَ مُسَمًّى وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الْمُتْعَةُ (وَلَا شَيْءَ لَهَا) مِنْ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ
стр. 372
سِوَى السُّكْنَى (إنْ ارْتَدَّتْ) الزَّوْجَةُ.
؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ قِبَلِهَا (وَإِنْ ارْتَدَّا مَعًا وَأَسْلَمَا مَعًا) يَعْنِي لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ أَيَّهُمَا أَوَّلُ ارْتِدَادًا أَوْ إسْلَامًا (لَا تَبِينُ) وَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا اسْتِحْسَانًا لِمَا رُوِيَ أَنَّ بَنِي حَنِيفَةَ ارْتَدُّوا فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، ثُمَّ أَسْلَمُوا فَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِتَجْدِيدِ النِّكَاحِ.
وَقَالَ زُفَرُ وَالثَّلَاثَةُ تَبِينُ مِنْهُ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ تُنَافِي النِّكَاحَ وَرِدَّةُ أَحَدِهِمَا تُوجِبُ الْفُرْقَةَ فَرِدَّتُهُمَا أَوْلَى.
(وَإِنْ أَسْلَمَا مُتَعَاقِبًا بَانَتْ) فَإِنَّ إسْلَامَ أَحَدِهِمَا إذَا تَقَدَّمَ بَقِيَ الْآخَرُ عَلَى رِدَّتِهِ فَيَتَحَقَّقُ الِاخْتِلَافُ وَعِنْدَ الثَّلَاثَةِ تَبِينُ بِإِسْلَامِهَا قَبْلَ إسْلَامِهِ، وَفِي عَكْسِهِ لَا (وَلَا يَصِحُّ تَزَوُّجُ الْمُرْتَدِّ وَلَا الْمُرْتَدَّةِ أَحَدًا) مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -.
[بَابُ الْقَسْمِ]
ِ) وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ السِّينِ لُغَةً: قِسْمَةُ الْمَالِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ وَتَعْيِينُ أَنْصِبَائِهِمْ وَشَرْعًا: تَسْوِيَةُ الزَّوْجِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَالْمَلْبُوسِ وَالْبَيْتُوتَةِ لَا فِي الْمَحَبَّةِ وَالْوَطْءِ وَلِهَذَا قَالَ: (يَجِبُ) عَلَى الزَّوْجِ، وَلَوْ مَرِيضًا أَوْ مَجْبُوبًا، أَوْ خَصِيًّا، أَوْ عِنِّينًا، أَوْ غَيْرَهُمْ (الْعَدْلُ فِيهِ) أَيْ فِي الْقَسْمِ (بَيْتُوتَةً) ، وَكَذَا فِي الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَالْمَلْبُوسِ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: يَجِبُ الْعَدْلُ عَدَمُ الْجَوْرِ لَا التَّسْوِيَةُ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ كَمَا سَيَأْتِي (لَا وَطْئًا) ؛ لِأَنَّهُ يَبْتَنِي عَلَى النَّشَاطِ وَهُوَ نَظِيرُ الْمَحَبَّةِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى اعْتِبَارِ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إنْ تَرَكَهُ لِعَدَمِ الدَّاعِيَةِ فَهُوَ عُذْرٌ وَإِنْ تَرَكَهُ مَعَ الدَّاعِي إلَيْهِ لَكِنَّ دَاعِيَتَهُ إلَى الضَّرَّةِ أَقْوَى فَهُوَ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَإِنْ أَدَّى الْوَاجِبَ مِنْهُ لَمْ يَبْقَ لَهَا حَقٌّ وَلَمْ تَلْزَمْهُ التَّسْوِيَةُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ تَرْكَ جِمَاعِهَا مُطْلَقًا لَا يَحِلُّ لَهُ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ جِمَاعَهَا أَحْيَانَا وَاجِبٌ لَكِنْ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْقَضَاءِ وَالْإِلْزَامِ إلَّا الْوَطْأَةُ الْأُولَى.
(وَالْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ وَالْجَدِيدَةُ وَالْقَدِيمَةُ وَالْمُسْلِمَةُ وَالْكِتَابِيَّةُ فِيهِ) أَيْ الْقَسْمِ (سَوَاءٌ) ، وَكَذَا الْمَرِيضَةُ وَالصَّحِيحَةُ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْحَامِلُ وَالْحَائِلُ وَالرَّتْقَاءُ وَالْمَجْنُونَةُ الَّتِي لَا يُخَافُ مِنْهَا وَالصَّغِيرَةُ الَّتِي يُمْكِنُ وَطْؤُهَا وَالْمُحْرِمَةُ وَالْمُولَى مِنْهَا وَالْمُظَاهَرُ مِنْهَا وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يُقِيمُ عِنْدَ الْبِكْرِ الْجَدِيدَةِ فِي أَوَّلِهَا سَبْعَ لَيَالٍ وَعِنْدَ الثَّيِّبِ الْجَدِيدَةِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَدُورُ بِالتَّسْوِيَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْحُجَّةُ
стр. 373
عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ لِإِحْدَاهُمَا فِي الْقَسْمِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» أَيْ مَفْلُوجٌ وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْدِلُ فِي الْقَسْمِ بَيْنَ نِسَائِهِ وَكَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تُؤَاخِذْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ» يَعْنِي زِيَادَةَ الْمَحَبَّةِ.
وَفِي الْمِنَحِ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ أَقَامَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ شَهْرًا فِي غَيْرِ سَفَرٍ ثُمَّ خَاصَمَتْهُ الْأُخْرَى يُؤْمَرُ بِالْعَدْلِ بَيْنَهُمَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَهُدِرَ مَا مَضَى وَإِنْ أَثِمَ بِهِ، وَإِنْ عَادَ إلَى الْجَوْرِ بَعْدَ نَهْيِ الْقَاضِي إيَّاهُ عُزِّرَ لَكِنْ بِالضَّرْبِ لَا بِالْحَبْسِ.
وَفِي الْبَحْرِ الْقَسْمُ عِنْدَ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ فَمَنْ لَهُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يَتَعَيَّنُ حَقُّهَا فِي يَوْمٍ مِنْ كُلِّ أَرْبَعَةٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَأْمُرُ بِأَنْ يَصْحَبَهَا أَحْيَانَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ كَانَتْ لَهُ مُسْتَوْلَدَاتٌ وَإِمَاءٌ فَلَا قَسْمَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُعَطِّلَهُنَّ وَأَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُنَّ فِي الْمُصَاحَبَةِ.
(وَلِلْأَمَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَأَمِّ الْوَلَدِ نِصْفُ الْحُرَّةِ) فَلِلْحُرَّةِ الثُّلُثَانِ مِنْ الْقَسْمِ وَلِلْأَمَةِ وَغَيْرِهَا الثُّلُثُ وَبِذَلِكَ وَرَدَ الْأَثَرُ، هَذَا فِي الْبَيْتُوتَةِ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالسُّكْنَى فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ اتَّفَقُوا عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِيهَا.
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ فِي النَّفَقَةِ يُعْتَبَرُ حَالُهُمَا عَلَى الْمُخْتَارِ فَكَيْفَ يَدَّعِي الِاتِّفَاقَ عَلَى التَّسْوِيَةِ فِيهَا، انْتَهَى. لَكِنَّ مُرَادَهُمْ التَّسْوِيَةُ فِي نَفْسِ الْإِنْفَاقِ لَا التَّسْوِيَةُ فِي الْكَيْفِيَّةِ وَالْكَمِّيَّةِ فَإِنَّهُ كَمَا يُعْطَى لِلْحُرَّةِ نَفَقَةً مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمٍ كَذَلِكَ الْأَمَةُ وَكَمَا يُعْطَى لَهَا خَبَرٌ وَاحِدٌ كَذَلِكَ لِلْأَمَةِ غَايَتُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا بِالْمُتَّخَذِ مِنْ الْحِنْطَةِ، أَوْ الشَّعِيرِ وَهُوَ أَمْرٌ ظَاهِرٌ وَعَلَى هَذَا حَالُ الْكِسْوَةِ تَأَمَّلْ، وَلَوْ اخْتَصَرَ بِالْأَمَةِ لَكَانَ أَخْصَرَ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ شَامِلَةٌ لَهُنَّ كَمَا قَرَّرْنَاهُ.
(وَلَا قَسْمَ فِي السَّفَرِ فَيُسَافِرُ) الزَّوْجُ (بِمَنْ شَاءَ) مِنْهُنَّ (وَالْقُرْعَةُ أَحَبُّ) تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْقُرْعَةُ وَاجِبَةٌ.
(وَإِنْ وَهَبَتْ قَسْمَهَا لِضَرَّتِهَا صَحَّ) وَالْهِبَةُ هُنَا مَجَازٌ عَنْ الْعَطِيَّةِ (وَلَهَا) أَيْ لِلْوَاهِبَةِ (أَنْ تَرْجِعَ) عَنْ هِبَتِهَا
стр. 374
فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقًّا لَمْ يَجِبْ بَعْدُ فَلَا يَسْقُطُ، وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهَا لَوْ جَعَلَتْ لِزَوْجِهَا مَالًا أَوْ حَطَّتْهُ مِنْ مَهْرِهَا لِيَزِيدَ قَسْمُهَا كَانَ لَهَا الرُّجُوعُ بِمَا أَعْطَتْهُ، وَكَذَا لَوْ زَادَ الزَّوْجُ فِي مَهْرِهَا لِيَجْعَلَ يَوْمَهَا لِغَيْرِهَا لِأَنَّهُ رِشْوَةٌ وَهِيَ حَرَامٌ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ.
[كِتَابُ الرَّضَاعِ]
ِ أَخَّرَهُ عَنْ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ كَالْفَصْلِ مِنْ بَعْضِهِ وَهُوَ كَالرَّضَاعَةِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا، وَأَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ الْكَسْرَ مَعَ الْهَاءِ لُغَةً: شُرْبُ اللَّبَنِ مِنْ الضَّرْعِ، أَوْ الثَّدْيِ وَشَرْعًا (هُوَ مَصُّ الرَّضِيعِ) حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا لِلَبَنٍ خَالِصٍ أَوْ مُخْتَلِطٍ غَالِبًا، تَعْبِيرُهُ بِالْمَصِّ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ فَإِنَّ الْمُرَادَ وُصُولُ اللَّبَنِ إلَى جَوْفِهِ مِنْ فَمِهِ أَوْ أَنْفِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَصِّ وَالصَّبِّ وَالسَّعُوطِ هَذَا إذَا عُلِمَ أَنَّ اللَّبَنَ وَصَلَ إلَيْهِ وَإِلَّا لَمْ تَثْبُتْ الْحُرْمَةُ؛ لِأَنَّ فِي الْمَانِعِ شَكًّا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ (مِنْ ثَدْيِ الْآدَمِيَّةِ) لَا حَاجَةَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الثَّدْيَ مُخْتَصٌّ بِآدَمِيَّةٍ (فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ) وَاحْتَرَزَ بِمَصِّ الرَّضِيعِ عَنْ مَصِّ غَيْرِهِ كَمَا إذَا وَقَعَ بَعْدَ الْفِطَامِ وَبِقَوْلِهِ مِنْ ثَدْيِ الْآدَمِيَّةِ عَمَّا إذَا مَصَّ مِنْ غَيْرِهِ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ احْتِرَازًا عَنْ الْمَصِّ فِي غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا تَحْرُمُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا قَدْ حَصَلَ مِنْ قَوْلِهِ: مَصُّ الرَّضِيعِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ أَمْثَالَ ذَلِكَ قَدْ يُذْكَرُ تَحْقِيقًا وَتَوْضِيحًا لِمَا عُلِمَ ضِمْنًا، تَدَبَّرْ.
(وَيَثْبُتُ حُكْمُهُ) أَيْ الرَّضَاعِ، وَهُوَ حِلُّ النَّظَرِ وَحُرْمَةِ الْمُنَاكَحَةِ (بِقَلِيلِهِ) ، وَلَوْ قَطْرَةٍ (وَكَثِيرِهِ) وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لِإِطْلَاقِ النَّصِّ وَالْأَحَادِيثِ وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ شَرَطَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ مُشْبِعَاتٍ فَلَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُ فِي أَقَلِّهَا، وَمَا رَوَاهُ وَهُوَ «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ» مَرْدُودٌ بِالْكِتَابِ، أَوْ مَنْسُوخٌ بِهِ (فِي مُدَّتِهِ) أَيْ الرَّضَاعِ (لَا بَعْدَهَا) أَيْ الْمُدَّةِ (وَهِيَ) أَيْ مُدَّتُهُ (حَوْلَانِ وَنِصْفٌ) أَيْ ثَلَاثُونَ شَهْرًا مِنْ وَقْتِ الْوِلَادَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ فَإِنْ كَانَتْ الْوِلَادَةُ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ يُعْتَبَرُ بِالْأَهِلَّةِ وَإِنْ كَانَتْ فِي أَثْنَائِهَا يُعْتَبَرُ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَقِيلَ يَثْبُتُ الرَّضَاعُ إلَى خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَقِيلَ إلَى أَرْبَعِينَ سَنَةٍ وَقِيلَ إلَى جَمِيعِ الْعُمْرِ وَعِنْدَ زُفَرَ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ (وَعِنْدَهُمَا حَوْلَانِ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ وَبِهِ أَخَذَ الطَّحَاوِيُّ.
وَفِي الْحَاوِي إنْ خَالَفَاهُ قَالَ بَعْضُهُمْ يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ، وَقِيلَ يُخَيَّرُ الْمُفْتِي وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ وَلَا يَخْفَى قُوَّةُ دَلِيلِهِمَا كَمَا حُقَّ فِي الْمُطَوَّلَاتِ لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ اخْتَارَ الْأَوَّلَ
стр. 375
لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ أَوْلَى خُصُوصًا قَبْلَ التَّزَوُّجِ، ثُمَّ مُدَّةُ الرَّضَاعِ إذَا مَضَتْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ تَحْرِيمٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِصَالِ» وَلَا يُعْتَبَرُ الْفِطَامُ قَبْلَ الْمُدَّةِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ الْإِمَامِ إذَا اسْتَغْنَى عَنْهُ وَذَكَرَ الْخَصَّافُ إذَا فُطِمَ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ وَاسْتَغْنَى بِالطَّعَامِ لَمْ يَكُنْ رَضَاعًا وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْنِ تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي التَّبْيِينِ لَكِنْ فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ الْفَتْوَى عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ مُطْلَقًا فُطِمَ، أَوْ لَا وَتَرْجِيحُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ أَوْلَى خُصُوصًا فِي مَقَامِ الِاحْتِيَاطِ.
وَفِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ الْإِرْضَاعُ بَعْدَ مُدَّتِهِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ جُزْءُ الْآدَمِيِّ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ غَيْرُ ضَرُورَةٍ حَرَامٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَأَجَازَ الْبَعْضُ التَّدَاوِي بِهِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لَمْ يَبْقَ حَرَامًا.
[مَا يحرم بِالرَّضَاعِ]
(فَيَحْرُمُ بِهِ) أَيْ بِالرَّضَاعِ (مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ) ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» (إلَّا جَدَّةُ وَلَدِهِ) وَإِنْ عَلَتْ؛ لِأَنَّ جَدَّةَ وَلَدِهِ نَسَبًا أُمُّ مَوْطُوءَتِهِ وَلَا كَذَلِكَ مِنْ الرَّضَاعِ.
وَفِي الْإِصْلَاحِ لَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِثْنَاءِ بَلْ لَهُ وَجْهٌ لَهُ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ فِي الصُّوَرِ الْمُسْتَثْنَاةِ لَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ أَيْضًا وَالْحُرْمَةُ الْمَوْجُودَةُ فِيهَا إنَّمَا هِيَ مِنْ جِهَةِ الْمُصَاهَرَةِ لَا مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ وَلِذَلِكَ تِلْكَ الْكُلِّيَّةُ فِي الْحَدِيثِ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي النِّكَاحِ تَأَمَّلْ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الْوِقَايَةِ وَغَيْرِهَا وَهِيَ جَدَّةُ ابْنِهِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي كِلَيْهِمَا وَاحِدٌ (وَأُخْتُ وَلَدِهِ) فَإِنَّ أُخْتَ الْوَلَدِ مِنْ النَّسَبِ إمَّا الْبِنْتُ، أَوْ الرَّبِيبَةُ وَقَدْ وُطِئَتْ أُمُّهَا وَلَا كَذَلِكَ مِنْ الرَّضَاعِ قِيلَ لَا حَصْرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ النَّسَبُ مِنْ اثْنَيْنِ كَمَا فِي دَعْوَةِ الشَّرِيكَيْنِ وَلَدَ الْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنْتٌ مِنْ امْرَأَةٍ أُخْرَى كَانَتْ تِلْكَ الْبِنْتُ أُخْتَ الِابْنِ نَسَبًا مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنْتَه وَلَا رَبِيبَتَهُ حَتَّى جَازَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ الْآخَرِ كَمَا فِي الْبَاقَانِيِّ وَغَيْرِهِ لَكِنَّ الْمُرَادَ بِأُخْتِ الْوَلَدِ هِيَ أُخْتُ الْوَلَدِ الَّذِي اخْتَصَّ بِأَبٍ وَاحِدٍ غَيْرِ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ الْكَامِلُ فَلَا يَتَوَجَّهُ الْمَنْعُ عَلَى الْحَصْرِ النَّاظِرِ إلَى الْأَفْرَادِ الْكَامِلَةِ الْمَشْهُورَةِ بِالْفَرْدِ النَّاقِصِ النَّادِرِ تَأَمَّلْ (وَعَمَّةُ وَلَدِهِ) ؛ لِأَنَّ عَمَّةَ وَلَدِهِ نَسَبًا أُخْتُهُ وَلَا كَذَلِكَ مِنْ الرَّضَاعِ (وَأَمُّ أَخِيهِ وَأُخْتِهِ) فَإِنَّ أُمَّ الْأَخِ وَالْأُخْتِ مِنْ النَّسَبِ هِيَ الْأُمُّ، أَوْ مَوْطُوءَةُ الْأَبِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا حَرَامٌ وَلَا كَذَلِكَ مِنْ الرَّضَاعِ وَهِيَ شَامِلَةٌ لِثَلَاثِ صُوَرٍ الْأُولَى الْأُمُّ رَضَاعًا لِلْأُخْتِ، أَوْ الْأَخُ نَسَبًا كَأَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ أُخْتٌ مِنْ النَّسَبِ وَلَهَا أُمٌّ مِنْ الرَّضَاعَةِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّ أُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ وَالثَّانِيَةُ الْأُمُّ نَسَبًا لِلْأُخْتِ، أَوْ الْأَخِ رَضَاعًا كَأَنْ يَكُونَ لَهُ أُخْتٌ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَلَهَا أُمٌّ مِنْ النَّسَبِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّ أُخْتِهِ مِنْ النَّسَبِ وَالثَّالِثَةُ الْأُمُّ رَضَاعًا لِلْأُخْتِ، أَوْ لِأَخٍ رَضَاعًا
стр. 376
كَأَنْ يَجْتَمِعَ الصَّبِيُّ وَالصَّبِيَّةُ الْأَجْنَبِيَّانِ عَلَى ثَدْيِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ وَالصَّبِيَّةُ أُمُّ أُخْرَى مِنْ الرَّضَاعَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِذَلِكَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّ أُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ كَمَا فِي الدُّرَرِ (وَأَمُّ عَمِّهِ، أَوْ عَمَّتِهِ، أَوْ خَالِهِ أَوْ خَالَتِهِ) فَإِنَّ أُمَّ الْأُولَيَيْنِ مِنْ مَوْطُوءَةِ الْجَدِّ الصَّحِيحِ وَأُمَّ الْآخَرِ بَيْنَ مَوْطُوءَةِ الْجَدِّ الْفَاسِدِ، وَلَا كَذَلِكَ مِنْ الرَّضَاعِ وَلَا تَنْسَ الصُّوَرَ الثَّلَاثَ الَّتِي ذَكَرَهَا صَاحِبُ الدُّرَرِ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ (وَإِلَّا أَخَا ابْنِ الْمَرْأَةِ لَهَا) أَيْ لَا يَحْرُمُ أَخُ ابْنِ الْمَرْأَةِ لَهَا إذَا كَانَ مِنْ الرَّضَاعِ.
وَفِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ أَنَّ هَذَا مُكَرَّرٌ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أُمَّ الْأَخِ وَلَمَّا كَانَتْ الْمَرْأَةُ أُمَّ أَخِ الرَّجُلِ كَانَ الرَّجُلُ أَخَا ابْنِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ تَأَمَّلْ (وَقِسْ عَلَيْهِ) بَاقِيَ الصُّوَرِ الَّتِي يُمْكِنُ اسْتِثْنَاؤُهَا.
(وَتَحِلُّ أُخْتُ الْأَخِ لَهَا رَضَاعًا) أَيْ مِنْ حَيْثُ الرَّضَاعِ (وَنَسَبًا) يَشْمَلُ أَرْبَعَ صُوَرٍ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْأُخْتِ وَالْأَخِ إمَّا أَنْ يَكُونَ رَضَاعًا، أَوْ نَسَبًا، أَوْ بِالْعَكْسِ، وَالْكُلُّ حَلَالٌ فَمَثَّلَ بِقَوْلِهِ: (كَأَخٍ مِنْ الْأَبِ لَهُ أُخْتٌ مِنْ أُمِّهِ تَحِلُّ) هَذِهِ الْأُخْتُ (لِأَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ) صُورَةٌ نِسْبِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ حَلَالًا كَانَ حِلُّ أُخْتِ الْأَخِ رَضَاعًا أَوْلَى، هَذَا قَدْ عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: فَيَحْرُمُ مِنْهُ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ إلَّا أَنَّهُ ذُكِرَ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ (وَلَا حِلَّ بَيْنَ رَضِيعَيْ ثَدْيٍ) أَيْ بَيْنَ مَنْ اجْتَمَعَا عَلَى الِارْتِضَاعِ مِنْ ثَدْيٍ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ؛ لِأَنَّهُمَا أَخَوَانِ مِنْ الرَّضَاعِ، وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ مِنْ الزَّوْجَيْنِ فَهُمَا أَخَوَانِ لِأُمٍّ، أَوْ أُخْتَانِ لِأُمٍّ، وَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ فَأَخَوَانِ لِأَبٍ وَأَمٍّ، أَوْ أُخْتَانِ لَهُمَا وَأَرَادَ بِالرَّضِيعَيْنِ الصَّبِيَّ وَالصَّبِيَّةَ فَغَلَّبَ الْمُذَكَّرَ عَلَى الْمُؤَنَّثِ فِي التَّثْنِيَةِ كَالْقَمَرَيْنِ.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (اخْتَلَفَ زَمَانُهُمَا) أَيْ سَوَاءٌ أَرْضَعَتْهُمَا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، أَوْ فِي أَزْمِنَةٍ مُتَبَاعِدَةٍ لِأَنَّ أُمَّهُمَا وَاحِدَةٌ (وَلَا) حِلَّ (بَيْنَ رَضِيعٍ وَوَلَدِ مُرْضِعَتِهِ) بِكَسْرِ الضَّادِ وَيُقَالُ امْرَأَةٌ مُرْضِعٌ وَمُرْضِعَةٌ.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (سَفَلَ) ؛ لِأَنَّهُ أَخُوهُ وَالسَّافِلُ وَلَدُ أُخْتِهَا مِنْ الرَّضَاعِ (وَ) لَا حِلَّ بَيْنَ رَضِيعٍ (وَوَلَدِ زَوْجٍ لَبَنُهَا) أَيْ لَبَنُ الْمُرْضِعَةِ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الزَّوْجِ بِأَنْ نَزَلَ بِوَطْئِهِ (فَهُوَ) أَيْ ذَلِكَ الزَّوْجُ (أَبٌ لِلرَّضِيعِ وَابْنُهُ)
стр. 377
أَيْ ابْنُ زَوْجِ الْمُرْضِعَةِ (أَخٌ) لِلرَّضِيعِ وَإِنْ كَانَ مِنْ امْرَأَةٍ أُخْرَى، (وَبِنْتُهُ أُخْتٌ) لِلرَّضِيعِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ امْرَأَةٍ أُخْرَى وَأَبُوهُ جَدٌّ وَأُمُّهُ جَدَّةٌ، (وَأَخُوهُ عَمٌّ) لَهُ، (وَأُخْتُهُ عَمَّةٌ) لَهُ، هَذِهِ مَسْأَلَةُ لَبَنِ الْفَحْلِ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ قَالَهُ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ إلَّا نَفَرًا يَسِيرًا، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَصُورَتُهُ أَنْ تُرْضِعَ الْمَرْأَةُ صَبِيَّةً فَتَحْرُمُ هَذِهِ الصَّبِيَّةُ عَلَى زَوْجِهَا صَاحِبِ اللَّبَنِ وَعَلَى آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ كَمَا فِي النَّسَبِ، حَتَّى لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ امْرَأَتَانِ وَوَلَدَتَا مِنْهُ فَأَرْضَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَغِيرًا صَارَا أَخَوَيْنِ لِأَبٍ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أُنْثَى لَا يَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُ الْآخَرَ وَإِنْ كَانَا أُنْثَيَيْنِ لَا يَحِلُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَحِلُّ لِهَذَا الْمُرْضَعِ امْرَأَةٌ وَطِئَهَا الزَّوْجُ وَلَا لِلزَّوْجِ امْرَأَةٌ وَطِئَهَا الرَّضِيعُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَذْكُورَ وَإِنْ عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ كَمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَهُ هَاهُنَا اهْتِمَامًا لِزِيَادَةِ ضَبْطِهِ.
وَفِي الْمَطْلَبِ: وَلَبَنُ الزِّنَا كَالْحَلَالِ فَإِذَا أَرْضَعَتْ بِهِ بِنْتًا حُرِّمَتْ عَلَى الزَّانِي وَآبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ وَأَبْنَاءِ أَبْنَائِهِمْ وَإِنْ سَفَلُوا.
(وَلَا حُرْمَةَ لَوْ رَضَعَا) أَيْ الرَّضِيعَانِ (مِنْ شَاةٍ) وَمَا فِي مَعْنَاهَا؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الرَّضَاعِ مُخْتَصَّةٌ بِلَبَنِ الْإِنْسَانِ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ (أَوْ) رَضَعَا (مِنْ رَجُلٍ) فَإِنَّهُ لَيْسَ بِلَبَنٍ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَلَّدُ مِمَّنْ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْوِلَادَةُ وَلَبَنُ الْخُنْثَى إنْ كَانَ وَاضِحًا فَوَاضِحٌ وَإِنْ أَشْكَلَ فَإِنْ قَالَتْ النِّسَاءُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَى غَزَارَتِهِ إلَّا لِامْرَأَةٍ تَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ احْتِيَاطًا وَإِنْ لَمْ يَقُلْنَ ذَلِكَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ التَّحْرِيمُ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ (وَلَا) حُرْمَةَ (فِي الِاحْتِقَانِ بِلَبَنِ الْمَرْأَةِ) فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُتَغَذَّى بِهِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ ثَبَتَ بِهِ الْحُرْمَةُ.
(وَلَبَنِ الْبِكْرِ) وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ فَصَاعِدًا (وَ) لَبَنِ (الْمَيْتَةِ مُحَرِّمٌ) بِكَسْرِ الرَّاءِ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ حُلِبَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَشَرِبَهُ صَبِيٌّ، أَوْ ارْتَضَعَ مِنْ ثَدْيِهَا حَرُمَ؛ لِأَنَّهُ لَبَنٌ حَقِيقَةً فَيَتَنَاوَلُهُ النَّصُّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي حُرْمَةِ الرَّضَاعِ ذَاتُ اللَّبَنِ وَبِالْمَوْتِ لَمْ تَصِرْ مَحَلًّا لَهَا؛ وَلِهَذَا لَا تَجِبُ بِوَطْئِهَا حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ.
(وَكَذَا الِاسْتِعَاطُ وَالْوَجُورُ) ؛ لِأَنَّ بِهِمَا يَصِلُ اللَّبَنُ إلَى الْجَوْفِ عَلَى وَجْهٍ يَحْصُلُ بِهِ الْغِذَاءُ السَّعُوطُ بِالْفَتْحِ الدَّوَاءُ يُصَبُّ فِي الْأَنْفِ وَالْوَجُورُ الدَّوَاءُ الَّذِي يُوجَرُ فِي وَسَطِ الْفَمِ وَأَمَّا إقْطَارُ اللَّبَنِ فِي الْأُذُنِ وَالْإِحْلِيلِ وَالْجَائِفَةِ وَالْآمَّةِ فَغَيْرُ مُحَرِّمٍ (وَاللَّبَنُ الْمَخْلُوطُ بِالطَّعَامِ لَا يُحَرِّمُ) مُطْلَقًا عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّ الطَّعَامَ يَسْلُبُ قُوَّةَ اللَّبَنِ وَلَا يَكْتَفِي الصَّبِيُّ بِشُرْبِهِ وَالتَّغَذِّي يَحْصُلُ بِالطَّعَامِ إذْ هُوَ الْأَصْلُ فَكَانَ اللَّبَنُ تَبَعًا لَهُ وَإِنْ كَانَ غَالِبًا قِيلَ قَوْلُ الْإِمَامِ إذَا لَمْ يَتَقَاطَرْ اللَّبَنُ فَإِذَا تَقَاطَرَ تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ عِنْدَهُ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ هَذَا إذَا أَكَلَ الطَّعَامَ لُقْمَةً لُقْمَةً وَإِنْ حَسَاهُ حَسْوًا تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ عِنْدَهُ وَقِيلَ تَثْبُتُ بِكُلِّ حَالٍ وَإِلَيْهِ مَالَ السَّرَخْسِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ (خِلَافًا لَهُمَا عِنْدَ غَلَبَةِ اللَّبَنِ) اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ؛ لِأَنَّ الْمَغْلُوبَ كَالْمَعْدُومِ هَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ الْمَطْبُوخِ وَأَمَّا
стр. 378
فِي الْمَطْبُوخِ فَغَيْرُ مُحَرِّمٍ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ غَالِبًا (وَيُعْتَبَرُ الْغَالِبُ لَوْ خُلِطَ اللَّبَنُ بِمَاءٍ أَوْ دَوَاءٍ، أَوْ لَبَنِ شَاةٍ) ؛ لِأَنَّ الْمَغْلُوبَ لَا يَظْهَرُ حُكْمُهُ فِي مُقَابَلَةِ الْغَالِبِ وَالْحُكْمُ فِيهِ الْحُرْمَةُ عِنْدَ تَسَاوِيهِمَا احْتِيَاطًا كَمَا فِي الْغَايَةِ وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ (وَكَذَا) يَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِالْغَلَبَةِ (لَوْ خُلِطَ) لَبَنُ امْرَأَةٍ (بِلَبَنِ امْرَأَةٍ أُخْرَى) عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالْغَلَبَةُ فِي جِنْسِ الْأَجْزَاءِ، وَفِي غَيْرِهِ إنْ لَمْ يُغَيِّرْ الدَّوَاءُ اللَّبَنُ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَإِنْ غُيِّرَ لَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ غُيِّرَ طَعْمُ اللَّبَنِ وَلَوْنُهُ لَا يَكُونُ رَضَاعًا وَإِنْ غُيِّرَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ يَكُونُ رَضَاعًا كَمَا فِي الْكِفَايَةِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَتَعَلَّقُ الْحُرْمَةُ بِهِمَا) ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ لَا يَغْلِبُ الْجِنْسَ وَعَنْ الْإِمَامِ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ اعْتَبَرَ الْغَالِبَ كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ مِنْهُمَا كَمَا هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَرَجَّحَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ قَوْلَ مُحَمَّدٍ.
وَفِي الْغَايَةِ هُوَ أَظْهَرُ وَأَحْوَطُ وَقِيلَ إنَّهُ الْأَصَحُّ.
(وَإِنْ أَرْضَعَتْ) امْرَأَةُ رَجُلٍ (ضَرَّتِهَا) حَالَ كَوْنِهَا رَضِيعَةً (حَرُمَتَا) عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ جَامِعًا بَيْنَ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ رَضَاعًا وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ صَبِيَّتَيْنِ، ثُمَّ أَرْضَعَتْهُمَا امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ مَعًا، أَوْ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى حَرُمَتَا عَلَيْهِ، وَلَوْ تَزَوَّجَ صَغِيرَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ كَبِيرَةً، ثُمَّ أَرْضَعَتْهَا بِلَبَنِهِ، أَوْ لَبَنِ غَيْرِهِ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ مُؤَبَّدَةً؛ لِأَنَّهُ صَارَتْ أُمَّ امْرَأَتِهِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ (وَلَا مَهْرَ لِلْكَبِيرَةِ إنْ لَمْ تُوطَأْ) لِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْ قِبَلِهَا بِلَا تَأَكُّدِ الْمَهْرِ وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الصَّغِيرَةَ حِينَئِذٍ ثَانِيًا لِانْتِفَاءِ أُبُوَّتِهِ بِلَا دُخُولٍ بِالْأُمِّ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ بَعْدَ الْوَطْءِ لَهَا كَمَالُ الْمَهْرِ مُطْلَقًا وَلَا يَتَزَوَّجُ الصَّغِيرَةَ حِينَئِذٍ.
وَفِي الِاخْتِيَارِ لَوْ أَرْضَعَتْ زَوْجَةُ الْأَبِ امْرَأَةُ أَبِيهِ تَحْرُمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُخْتَهُ مِنْ الْأَبِ (وَلِلصَّغِيرَةِ نِصْفُهُ) أَيْ الْمَهْرِ إنْ كَانَ لَهَا مُسَمًّى، أَوْ نِصْفُ الْمُتْعَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَيْسَتْ مِنْ قِبَلِهَا وَلَا اعْتِبَارَ بِاخْتِيَارِهَا الِارْتِضَاعَ؛ لِأَنَّهَا مَجْبُولَةٌ عَلَيْهِ طَبْعًا (وَيَرْجِعُ) الزَّوْجُ (بِهِ) أَيْ بِنِصْفِ الْمَهْرِ الَّذِي أَعْطَاهُ لِلصَّغِيرَةِ (عَلَى الْكَبِيرَةِ إنْ عَلِمَتْ بِالنِّكَاحِ وَقَصَدَتْ الْفَسَادَ) مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ؛ لِأَنَّهَا مُسَبِّبَةٌ لِلْفُرْقَةِ وَالْمُسَبِّبُ لَا يَضْمَنُ إلَّا بِالتَّعَدِّي كَحَافِرِ الْبِئْرِ (لَا) يَرْجِعُ (إنْ لَمْ تَعْلَمْ بِهِ) أَيْ بِالنِّكَاحِ (أَوْ قَصَدَتْ دَفْعَ الْجُوعِ وَالْهَلَاكِ) عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِذَلِكَ (أَوْ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ) أَيْ إرْضَاعَ الصَّغِيرَةِ (مُفْسِدٌ) لِعَدَمِ التَّعَدِّي وَاعْتُبِرَ الْجَهْلُ؛ لِدَفْعِ قَصْدِ الْفَسَادِ لَا لِدَفْعِ الْحُكْمِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْكَبِيرَةَ لَوْ كَانَتْ مُكْرَهَةً، أَوْ نَائِمَةً أَوْ مَعْتُوهَةً، أَوْ مَجْنُونَةً لَمْ يَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى الْكَبِيرَةِ، وَكَذَا لَوْ أَخَذَ رَجُلٌ مِنْ لَبَنِهَا وَصَبَّ فِي فَمِ الصَّغِيرَةِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بَلْ عَلَيْهِ إنْ قَصَدَ الْفَسَادَ كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَرْجِعُ عَلَيْهَا مُطْلَقًا.
وَفِي الدُّرَرِ امْرَأَةٌ لَهَا لَبَنٌ مِنْ الزَّوْجِ فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ فَحَبِلَتْ مِنْهُ وَنَزَلَ اللَّبَنُ فَأَرْضَعَتْ فَهُوَ مِنْ الْأَوَّلِ حَقٌّ تَلِدُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِمَامِ فَإِذَا وَلَدَتْ فَاللَّبَنُ يَكُونُ مِنْ الثَّانِي وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَلِدْ زَوْجَتُهُ قَطُّ، أَوْ يَبِسَ لَبَنُهَا، ثُمَّ نَزَلَ لَا يَحْرُمُ
стр. 379
رَضِيعُهَا عَلَى وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِهَا (وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا) مَعَ يَمِينِهَا (فِيهِ) أَيْ فِي عَدَمِ قَصْدِ الْفَسَادِ.
(وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الرَّضَاعُ بِمَا يَثْبُتُ بِهِ الْمَالُ) أَيْ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ لِأَنَّ فِي إثْبَاتِهِ زَوَالَ مِلْكِ النِّكَاحِ فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ بِالتَّصَادُقِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُقْبَلُ بِشَهَادَةِ أَرْبَعٍ مِنْ النِّسَاءِ، وَقَالَ مَالِكٌ بِامْرَأَةٍ مَوْصُوفَةٍ بِالْعَدَالَةِ.
وَفِي التَّنْوِيرِ هَلْ يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُ الرَّضَاعِ عَلَى دَعْوَى الْمَرْأَةِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّعْوَى كَمَا فِي الشَّهَادَةِ بِطَلَاقِهَا.
(وَلَوْ قَالَ) الزَّوْجُ مُشِيرًا إلَى زَوْجَتِهِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ النِّكَاحِ أَوْ بَعْدَهُ (هَذِهِ أُخْتِي) ، أَوْ أُمِّي أَوْ بِنْتِي (مِنْ الرَّضَاعِ، ثُمَّ ادَّعَى الْخَطَأَ صُدِّقَ) الزَّوْجُ فِي دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَجْرِي فِيهِ الْغَلَطُ فَكَانَ مَعْذُورًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُصَدَّقُ بَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا هَذَا إذَا لَمْ يُصِرَّ، أَمَّا لَوْ ثَبَتَ عَلَى قَوْلِهِ وَقَالَ هُوَ حَقٌّ كَمَا قُلْت ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ أَقَرَّتْ ثُمَّ أَكْذَبَتْ نَفْسَهَا، وَقَالَتْ أَخْطَأْت وَتَزَوَّجَهَا جَازَ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ تُكَذِّبَ نَفْسَهَا؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ إلَيْهَا وَلَوْ أَقَرَّا جَمِيعًا، ثُمَّ أَكْذَبَا نَفْسَهُمَا، وَقَالَا أَخْطَأْنَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا جَازَ، وَكَذَا فِي النَّسَبِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ.
[كِتَابُ الطَّلَاقِ]
ِ لَمَّا كَانَ الطَّلَاقُ مُتَأَخِّرًا عَنْ النِّكَاحِ طَبْعًا أَخَّرَهُ وَضْعًا لِيُوَافِقَ الْوَضْعُ الطَّبْعَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ كِتَابَ الرَّضَاعِ بَيْنَهُمَا لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَ الرَّضَاعِ وَالطَّلَاقِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُوجِبُ الْحُرْمَةَ إلَّا أَنَّ مَا بِالرَّضَاعِ يُوجِبُ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً فَقَدَّمَهُ عَلَى مَا يُوجِبُ حُرْمَةً لَيْسَتْ بِمُؤَبَّدَةٍ بَلْ مُغْيَاةٍ بِغَايَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَالطَّلَاقُ اسْمٌ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ مِنْ طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقًا كَالسَّرَاحِ وَالسَّلَامِ مِنْ التَّسْرِيحِ وَالتَّسْلِيمِ، أَوْ مَصْدَرُ طَلُقَتْ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِهَا طَلَاقًا.
وَعَنْ الْأَخْفَشِ نَفْيُ الضَّمِّ.
وَفِي دِيوَانِ الْأَدَبِ أَنَّهُ لُغَةٌ، وَسَبَبُهُ الْحَاجَةُ إلَى الْخَلَاصِ عِنْدَ تَبَايُنِ الْأَخْلَاقِ، وَشَرْطُهُ كَوْنُ الزَّوْجِ مُكَلَّفًا وَالْمَرْأَةِ مَنْكُوحَةً، أَوْ فِي عِدَّةٍ تَصْلُحُ مَعَهَا مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ، وَحُكْمُهُ وُقُوعُ الْفُرْقَةِ مُؤَجَّلًا بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِي الرَّجْعِيِّ، وَبِدُونِهِ فِي الْبَائِنِ، وَرُكْنُهُ نَفْسُ اللَّفْظِ، وَمَحَاسِنُهُ مِنْهَا: ثُبُوتُ التَّخَلُّصِ بِهِ مِنْ الْمَكَارِهِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ وَمِنْهَا جَعْلُهُ بِيَدِ الرِّجَالِ لَا النِّسَاءِ وَشَرَعَهُ ثَلَاثًا وَأَمَّا وَضْعُهُ فَالْأَصَحُّ حَظْرُهُ إلَّا لِحَاجَةٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ رَفْعِ الْقَيْدِ مُطْلَقًا يُقَالُ أُطْلِقَ الْفَرَسُ وَالْأَسِيرُ وَلَكِنْ اُسْتُعْمِلَ فِي النِّكَاحِ
стр. 380
بِالتَّفْعِيلِ، وَفِي غَيْرِهِ بِالْأَفْعَالِ؛ وَلِهَذَا فِي قَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ بِالتَّشْدِيدِ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى النِّيَّةِ وَبِتَخْفِيفِهَا يَحْتَاجُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
وَفِي الشَّرِيعَةِ (هُوَ) أَيْ الطَّلَاقُ (رَفْعُ الْقَيْدِ الثَّابِتِ شَرْعًا) خَرَجَ بِهِ الْقَيْدُ الثَّابِتُ حِسًّا كَحَلِّ الْوَثَاقِ (بِالنِّكَاحِ) خَرَجَ بِهِ رَفْعُ قَيْدِ غَيْرِهِ كَرَفْعِ قَيْدِ الْمِلْكِ بِالْعِتَاقِ، وَكَذَلِكَ خَرَجَ بِهِ الْقَيْدُ الثَّابِتُ حِسًّا وَلَا حَاجَةَ بِقَوْلِهِ شَرْعًا، تَدَبَّرْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ مَنْقُوضٌ طَرْدًا وَعَكْسًا أَمَّا طَرْدًا فَبِالْفُسُوخِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِطَلَاقٍ فَقَدْ وُجِدَ الْحَدُّ وَلَمْ يُوجَدْ الْمَحْدُودُ وَأَمَّا عَكْسًا فَبِالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ رَفْعُ الْقَيْدِ فَقَدْ انْتَفَى الْحَدُّ وَلَمْ يَنْتِفْ الْمَحْدُودُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ رَفْعُ قَيْدِ النِّكَاحِ بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ؛ لِأَنَّهُ مَا اشْتَمَلَ عَلَى مَادَّةِ: " طَالِقٌ " صَرِيحًا، وَلَوْ كَانَ رَجْعِيًّا؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ فِي الْمَآلِ، أَوْ كِنَايَةً كَمُطْلَقَةٍ بِالتَّخْفِيفِ وَخَرَجَ مَا عَدَاهُمَا فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: رَفْعُ قَيْدِ النِّكَاحِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحِلِّهِ غَيْرُ مُطَّرِدٍ أَيْضًا لِصِدْقِهِ عَلَى الْفُسُوخِ وَاشْتِمَالِهِ عَلَى مَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فَإِنَّ كَوْنَهُ مِنْ الْأَهْلِ فِي الْمَحِلِّ مِنْ شَرْطِ وُجُودِهِ لَا دَخْلَ لَهُ فِي حَقِيقَتِهِ، وَالتَّعْرِيفُ لِمُجَرَّدِهَا، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الطَّلَاقَ عَلَى قِسْمَيْنِ: سُنِّيٌّ وَبِدْعِيٌّ وَالسُّنِّيُّ نَوْعَانِ سُنِّيٌّ مِنْ حَيْثُ الْوَقْتِ وَسُنِّيٌّ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدِ وَهُوَ أَحْسَنُ وَحَسَنٌ وَالْبِدْعِيُّ بِدْعِيٌّ مِنْ حَيْثُ الْوَقْتِ وَبِدْعِيٌّ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدِ وَبَدَأَ بِالْأَحْسَنِ؛ لِشَرَفِهِ فَقَالَ (أَحْسَنُهُ) أَيْ أَحْسَنُ الطَّلَاقِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ لَا أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ حَسَنٌ (تَطْلِيقُهَا وَاحِدَةً فِي طُهْرٍ لَا جِمَاعَ فِيهِ وَتَرْكُهَا حَتَّى تَمْضِيَ عِدَّتُهَا) ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كَانُوا يَسْتَحِبُّونَهُ لِكَوْنِهِ أَبْعَدَ مِنْ النَّدَمِ وَأَقَلَّ ضَرَرًا بِالْمَرْأَةِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّهُ مَكْرُوهٌ إذَا كَانَ لِحَاجَةٍ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: لَا يُبَاحُ إلَّا لِضَرُورَةٍ لِقَوْلِهِ ﵊: «إنَّ أَبْغَضَ الْمُبَاحَاتِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ» لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الطَّلَاقِ مَبْغُوضًا لَا يَسْتَلْزِمُ تَرَتُّبَ لَازِمِ الْمَكْرُوهِ الشَّرْعِيِّ إلَّا لَوْ كَانَ مَكْرُوهًا بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وَصْفِهِ بِالْبُغْضِ الْكَرَاهَةُ إلَّا إذَا لَمْ يَصِفْهُ بِالْإِبَاحَةِ وَقَدْ وَصَفَهُ بِهَا؛ لِأَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ بَعْضُ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ مَبْغُوضٌ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَلَمْ يُرَتِّبْ عَلَيْهِ مَا رَتَّبَ عَلَى الْمَكْرُوهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَدَلِيلُ نَفْيِ الْكَرَاهَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] «وَطَلَاقُهُ ﵊ حَفْصَةَ، ثُمَّ أَمْرُهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ» وَبِهِ يَبْطُلُ قَوْلُ بَعْضٍ: لَا يُبَاحُ إلَّا لِكِبَرٍ كَطَلَاقِ سَوْدَةَ وَأَمَّا مَا رُوِيَ «لَعَنَ اللَّهُ كُلَّ ذَوَّاقٍ مِطْلَاقٍ» وَأَشْبَاهُهُ فَمَحْمُولٌ عَلَى الطَّلَاقِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِغَيْرِ نُشُوزٍ فَعَلَيْهَا لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (وَحَسَنُهُ وَهُوَ سُنِّيٌّ) أَيْ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ كَمَا فِي الِاصْطِلَاحِ وَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِهِ؛ لِأَنَّ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ سُنِّيٌّ أَيْضًا كَمَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ لِأَنَّ الْأَحْسَنَ سُنِّيٌّ بِالْإِجْمَاعِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى التَّصْرِيحِ
стр. 381
وَصَرَّحَ بِكَوْنِ الْحَسَنِ سُنِّيًّا احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ: إنَّهُ لَيْسَ بِسُنِّيٍّ لَا لِأَنَّهُ عِنْدَنَا سُنِّيٌّ دُونَ الْأَوَّلِ تَأَمَّلْ (تَطْلِيقُهَا ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ لَا جِمَاعَ فِيهَا إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] «وَأَمْرِهِ ﵊ ابْنَ عُمَرَ بِأَنْ يُرَاجِعَ وَيُطَلِّقَ لِكُلِّ قُرْءٍ وَاحِدَةً» وَلَا بِدْعَةَ فِيمَا أَمَرَ هَذَا حُجَّةٌ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ: إنَّهُ بِدْعَةٌ وَلَا يُبَاحُ إلَّا وَاحِدَةٌ (وَلِغَيْرِهَا) أَيْ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا (طَلْقَةٌ، وَلَوْ) كَانَتْ الطَّلْقَةُ (فِي الْحَيْضَةِ) وَهُوَ سُنِّيٌّ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدِ وَمِنْ حَيْثُ الْوَقْتِ أَيْضًا وَلَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ فِي الْحَيْضِ كَوْنُهُ سُنِّيًّا؛ لِأَنَّ السُّنِّيَّ مِنْ حَيْثُ الْوَقْتِ طَلْقَةٌ فِي طُهْرٍ لَا وَطْءَ فِيهِ مَخْصُوصٌ بِالْمَدْخُولِ بِهَا، وَفِي غَيْرِهَا لَا يَضُرُّ كَوْنُهُ فِي الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا لَا تَقِلُّ الرَّغْبَةُ فِيهَا بِالْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ شَدِيدُ الرَّغْبَةِ فِي امْرَأَةٍ لَمْ يَنَلْ مِنْهَا فَلَا يَكُونُ إقْدَامُهُ عَلَى طَلَاقِهَا إلَّا لِحَاجَةٍ بِخِلَافِ الْمَدْخُولِ بِهَا فَإِنَّ الرَّغْبَةَ فِيهَا تَقِلُّ بِالْحَيْضِ فَلَمْ يُوجَدْ دَلِيلُ الْحَاجَةِ إلَى طَلَاقِهَا.
وَقَالَ زُفَرُ يَضُرُّ وَيُكْرَهُ فِي الْحَيْضِ قِيَاسًا عَلَى الْمَدْخُولِ بِهَا.
وَفِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَيَسْتَوِي مِنْ حَيْثُ الْعَدَدِ الْمَدْخُولُ بِهَا وَغَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا. انْتَهَى، لَكِنَّ الِاسْتِوَاءَ بَيْنَهُمَا مُطْلَقًا مُتَعَذِّرٌ فَإِنَّ السُّنِّيَّ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا يَثْبُتُ بِقِسْمَيْنِ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً وَأَنْ يُلْحِقَهَا بِأُخْرَيَيْنِ عِنْدَ الطُّهْرَيْنِ وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إذْ لَا عِدَّةَ لَهَا كَمَا يَأْتِي، تَأَمَّلْ.
(وَالْآيِسَةُ وَالصَّغِيرَةُ وَالْحَامِلُ يُطَلَّقْنَ لِلسُّنَّةِ عِنْدَ كُلِّ شَهْرٍ وَاحِدَةً) ؛ لِأَنَّ الْأَشْهُرَ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْحَيْضِ فِي الْأَصَحِّ وَيَنْبَغِي أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي غُرَّةِ الشَّهْرِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ كُلِّ تَطْلِيقَتَيْنِ بِشَهْرٍ بِالِاتِّفَاقِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) وَزُفَرَ (لَا تَطْلُقُ الْحَامِلُ لِلسُّنَّةِ إلَّا وَاحِدَةً) ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ حَمْلِهَا طُهْرٌ وَاحِدٌ فَلَا يَصْلُحُ لِلتَّفْرِيقِ كَالطُّهْرِ الْمُمْتَدِّ وَلَهُمَا أَنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ مُدَّةَ حَمْلِهَا فَصَارَتْ كَالْآيِسَةِ بِخِلَافِ الْمُمْتَدِّ طُهْرُهَا (وَجَازَ طَلَاقُهُنَّ) أَيْ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَالْحَامِلِ (عَقِيبَ الْجِمَاعِ) ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي ذَوَاتِ الْحَيْضِ لِتَوَهُّمِ الْحَبَلِ وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا.
[الطَّلَاق الْبِدْعِيّ عَلَى نَوْعَيْنِ]
وَاعْلَمْ أَنَّ الْبِدْعِيَّ عَلَى نَوْعَيْنِ بِدْعِيٌّ لِمَعْنًى يَعُودُ إلَى الْعَدَدِ وَبِدْعِيٌّ يَعُودُ إلَى الْوَقْتِ وَقَدْ بَدَأَ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ (وَبِدْعِيُّهُ) أَيْ بِدْعِيُّ الطَّلَاقِ عَدَدًا (تَطْلِيقُهَا ثَلَاثًا، أَوْ ثِنْتَيْنِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ) مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، أَوْ ثِنْتَيْنِ وَهُوَ حَرَامٌ حُرْمَةً غَلِيظَةً وَكَانَ عَاصِيًا لَكِنْ إذَا فَعَلَ بَانَتْ مِنْهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ هُوَ مُبَاحٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ فِي صَدْرِ الْأَوَّلِ إذَا أَرْسَلَ الثَّلَاثَ جُمْلَةً لَمْ يُحْكَمْ إلَّا بِوُقُوعِ وَاحِدَةٍ إلَى زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، ثُمَّ حَكَمَ بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ لِكَثْرَتِهِ بَيْنَ النَّاسِ تَهْدِيدًا (أَوْ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ لَا رَجْعَةَ فِيهِ إنْ) كَانَتْ (مَدْخُولًا بِهَا) وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ لَا رَجْعَةَ؛ لِأَنَّهُ إنْ تَخَلَّلَتْ الرَّجْعَةُ فَلَا يُكْرَهُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَعِنْدَهُمَا يُكْرَهُ وَإِنْ تَخَلَّلَ التَّزَوُّجُ بَيْنَهُمَا فَلَا يُكْرَهُ بِالْإِجْمَاعِ وَقَيَّدَ الْمَدْخُولَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا إنْ لَمْ تَكُنْ فَطَلَّقَهَا ثَانِيًا فِي طُهْرٍ لَا يَقَعُ لِأَنَّهَا لَا تَبْقَى مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ
стр. 382
لِعَدَمِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا (أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ) هَذَا بِدْعِيُّ الطَّلَاقِ وَقْتًا وَهُوَ تَطْلِيقُهَا وَاحِدَةً فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ لَكِنَّ عِبَارَتَهُ قَاصِرَةٌ عَنْ هَذَا، وَفِي عَطْفِهِ عَلَى مَا سَبَقَ صُعُوبَةٌ، تَدَبَّرْ.
(وَكَذَا) بِدْعِيُّهُ وَقْتًا (تَطْلِيقُهَا فِي الْحَيْضِ) لَوْ كَانَ مَدْخُولًا بِهَا أَمَّا كَوْنُ الْأَوَّلِ بِدْعِيًّا فَلِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ وَأَمَّا الثَّانِي «فَلِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَدْ أَخْطَأَ السُّنَّةَ» (وَتَجِبُ مُرَاجَعَتُهَا) إنْ طَلَّقَ الْمَدْخُولَةَ فِي الْحَيْضِ، وَلَوْ زَادَ فِيهِ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُرَاجِعْهَا فِيهِ حَتَّى طَهُرَتْ تَقَرَّرَتْ الْمَعْصِيَةُ كَمَا فِي الْفَتْحِ (فِي الْأَصَحِّ) عَمَلًا بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ وَرَفْعًا لِلْمَعْصِيَةِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ بِرَفْعِ أَثَرِهَا وَهُوَ الْعِدَّةُ (وَقِيلَ تُسْتَحَبُّ) كَمَا فِي الْقُدُورِيِّ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ مَنْدُوبٌ وَلَا تَكُونُ الرَّجْعَةُ وَاجِبَةً (فَإِذَا طَهُرَتْ) الْمُرَاجَعُ بِهَا عَنْ هَذِهِ الْحَيْضِ (ثُمَّ حَاضَتْ، ثُمَّ طَهُرَتْ طَلَّقَهَا إنْ شَاءَ) ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا هَكَذَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ الْإِمَامِ وَهُوَ قَوْلُهُمَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ لَمْ يَضْمَحِلَّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجْعَلُ هَذَا طَلَاقًا بَايَنَا فَيَكُونُ جَمْعًا بَيْنَ طَلَاقَيْنِ فِي فَصْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مَكْرُوهٌ (وَقِيلَ) قَائِلُهُ الطَّحَاوِيُّ (يَجُوزُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي تِلْكَ الْحَيْضَةِ) .
وَفِي التُّحْفَةِ قَالَ الْكَرْخِيُّ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ قَوْلُ الْإِمَامِ وَمَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ قَوْلُهُمَا وَمَا قَالَ الْإِمَامُ هُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّهُ طُهْرٌ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ.
وَقَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ الْأَوْلَى قَوْلُ الْإِمَامِ وَزُفَرَ وَالثَّانِيَةُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ مُضْطَرِبٌ.
وَفِي الْفَتْحِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا فِي الْأَصْلِ قَوْلَ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِإِثْبَاتِ مَذْهَبِ الْإِمَامِ إلَّا أَنْ يَحْكِيَ الْخِلَافَ وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا فِيهِ فَلِذَا قُلْنَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ الْإِمَامِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ رِوَايَةً عَنْهُ.
(وَلَوْ قَالَ لِلْمَوْطُوءَةِ) وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ (أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ) وَلَا نِيَّةَ لَهُ (وَقَعَ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ) طَلْقَةٌ (وَاحِدَةٌ) ؛ لِأَنَّ اللَّامَ لِلِاخْتِصَاصِ فَالْمَعْنَى الطَّلَاقُ الْمُخْتَصُّ بِالسُّنَّةِ وَالسُّنَّةُ مُطْلَقٌ فَيُصْرَفُ إلَى الْكَامِلِ وَهُوَ السُّنِّيُّ عَدَدًا وَوَقْتًا فَوَجَبَ جَعْلُ الثَّلَاثِ مُفَرَّقًا عَلَى الْأَطْهَارِ لِتَقَعَ وَاحِدَةٌ فِي كُلِّ طُهْرٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ قَيَّدَ بِالْمَوْطُوءَةِ؛ لِأَنَّ فِي غَيْرِهَا وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا وَقَعَتْ فِي الْحَالِ طَلْقَةً، ثُمَّ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مَا لَمْ يَتَزَوَّجْ ثَانِيًا فَإِنْ تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا تَقَعُ طَلْقَةً ثَانِيَةً وَإِنْ تَزَوَّجَهَا ثَالِثًا تَقَعُ طَلْقَةً ثَالِثَةً كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَمَا فِي الْمِعْرَاجِ مِنْ وُقُوعِ الثَّلَاثِ لِلْحَالِ بِالْإِجْمَاعِ سَهْوٌ ظَاهِرٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَشْهُرِ تَقَعُ لِلْحَالِ طَلْقَةً وَبَعْدَ شَهْرٍ أُخْرَى، وَكَذَا الْحَامِلُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَقَعُ الثَّلَاثُ لِلْحَالِ لِأَنَّهُ لَا بِدْعَةَ عِنْدَهُ وَلَا سُنَّةَ فِي الْعَدَدِ.
(وَإِنْ نَوَى الْوُقُوعَ جُمْلَةً) أَيْ وَإِنْ نَوَى أَنْ تَقَعَ الثَّلَاثُ السَّاعَةَ، أَوْ عِنْدَ كُلِّ شَهْرٍ وَاحِدٌ (صَحَّتْ نِيَّتُهُ) خِلَافًا لِزُفَرَ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بِدْعَةٌ فَلَا يَكُونُ سُنَّةً وَلَنَا أَنَّهُ
стр. 383
سُنِّيٌّ وُقُوعًا لَا إيقَاعًا؛ لِأَنَّا إنَّمَا عَرَفْنَا وُقُوعَ الثَّلَاثِ بِالسُّنَّةِ فَكَانَ مُحْتَمَلَ كَلَامِهِ فَيَنْتَظِمُهُ عِنْدَ النِّيَّةِ دُونَ الطَّلَاقِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ.
وَأَلْفَاظُ طَلَاقِ السُّنَّةِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لِلسُّنَّةِ، وَفِي السُّنَّةِ، وَمَعَ السُّنَّةِ، وَعَلَى السُّنَّةِ وَطَلَاقُ السُّنَّةِ وَالْعِدَّةِ وَطَلَاقُ عِدَّةٍ وَطَلَاقُ الْعَدْلِ وَطَلَاقًا عَدْلًا وَطَلَاقُ الدِّينِ وَالْإِسْلَامِ وَأَحْسَنُ الطَّلَاقِ وَأَجْمَلُهُ أَوْ طَلَاقُ الْحَقِّ، أَوْ الْقُرْآنِ، أَوْ الْكِتَابِ وَكُلُّ هَذِهِ تُحْمَلُ عَلَى أَوْقَاتِ السُّنَّةِ بِلَا نِيَّةٍ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْمَأْمُورِ بِهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(وَيَقَعُ طَلَاقُ كُلِّ زَوْجٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ) حُرٍّ، أَوْ عَبْدٍ (وَلَوْ) كَانَ الزَّوْجُ (مُكْرَهًا) فَإِنَّ طَلَاقَهُ صَحِيحٌ لَا إقْرَارَهُ بِالطَّلَاقِ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ خَبَرٌ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَقِيَامُ آلَةِ الْإِكْرَاهِ عَلَى رَأْسِهِ يُرَجِّحُ جَانِبَ الْكَذِبِ، وَكَذَا اللَّاعِبُ وَالْهَازِلُ بِالطَّلَاقِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ» (أَوْ) كَانَ الزَّوْجُ (سَكْرَانَ) زَائِلَ الْعَقْلِ فَإِنَّ طَلَاقَهُ وَاقِعٌ كَذَا حَلِفُهُ وَإِعْتَاقُهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ
стр. 384
يَعْنِي لَا يَقَعُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ وَالطَّحَاوِيِّ؛ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ بِالْقَصْدِ الصَّحِيحِ وَلَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ كَالنَّائِمِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ التَّصَرُّفِ الْعَقْلُ وَقَدْ زَالَ فَصَارَ كَزَوَالِهِ بِالْبَنْجِ وَالدَّوَاءِ وَلَنَا أَنَّ الْعَقْلَ زَالَ بِسَبَبٍ وَهُوَ مَعْصِيَةٌ فَيُجْعَلُ بَاقِيًا زَجْرًا لَهُ حَتَّى لَوْ شَرِبَ فَصَدَعَ رَأْسَهُ وَزَالَ عَقْلُهُ بِالصُّدَاعِ لَا يَقَعُ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا شَرِبَ الْخَمْرَ مُكْرَهًا، أَوْ شَرِبَ لِضَرُورَةٍ فَسَكِرَ وَطَلَّقَ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ الصَّحِيحُ عَدَمُ الْوُقُوعِ كَمَا لَا يُحَدُّ، وَلَوْ سَكِرَ مِنْ الْأَنْبِذَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ الْحُبُوبِ، أَوْ الْعَسَلِ لَا يَقَعُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَقَعُ.
وَفِي الْأَشْبَاهِ الْفَتْوَى أَنَّهُ إنْ سَكِرَ مِنْ مُحَرَّمٍ وَيَقَعُ، وَلَوْ زَالَ بِالْبَنْجِ وَلَبَنِ الرِّمَاكِ لَا يَقَعُ وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَعْلَمُ حِينَ شَرِبَ أَنَّهُ بَنْجٌ يَقَعُ وَإِلَّا لَا وَعَنْهُمَا لَا يَقَعُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَفِي الْجَوْهَرَةِ، وَلَوْ سَكِرَ مِنْ الْبَنْجِ وَطَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلُقُ زَجْرًا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. انْتَهَى، لَكِنْ صَحَّحَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَغَيْرُهُ عَدَمَ الْوُقُوعِ كَمَا مَرَّ فَالْأَوْلَى أَنْ يُتَأَمَّلَ عِنْدَ الْفَتْوَى لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الدِّيَانَاتِ (أَوْ) كَانَ الزَّوْجُ (أَخْرَسَ) يَقَعُ (بِإِشَارَتِهِ الْمَعْهُودَةِ) فَإِنَّهُ إذَا كَانَتْ لَهُ إشَارَةٌ تُعْرَفُ فِي نِكَاحِهِ وَغَيْرِهِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ فَهِيَ كَالْعِبَارَةِ مِنْ النَّاطِقِ اسْتِحْسَانًا هَذَا إذَا وُلِدَ أَخْرَسَ، أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ وَدَامَ وَإِنْ لَمْ يَدُمْ لَا يَقَعُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَنُقِلَ عَنْ الْمُنْتَقَى الْمَرِيضُ الَّذِي اُعْتُقِلَ لِسَانُهُ لَا يَكُونُ كَالْأَخْرَسِ.
(لَا) يَقَعُ (طَلَاقُ صَبِيٍّ) ، وَلَوْ مُرَاهِقًا لِفَقْدِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ (وَمَجْنُونٍ) لِقَوْلِهِ ﵊ «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إلَّا طَلَاقَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ» وَهَذَا ذِكْرُ مَا عُلِمَ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ وَإِنْ كَانَ مُعْتَبَرًا فِي الرِّوَايَاتِ لَكِنَّهُ فِي ذِكْرِهِ صَرِيحًا قُوَّةٌ ظَاهِرَةٌ.
وَفِي التَّنْوِيرِ لَوْ طَلَّقَ الصَّبِيُّ، ثُمَّ بَلَغَ وَقَالَ أَجَزْت ذَلِكَ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِخِلَافِ مَا قَالَ أَوْقَعْته فَإِنَّهُ يَقَعُ (وَنَائِمٍ) إنَّمَا لَمْ يَقَعْ لِانْعِدَامِ الِاخْتِيَارِ فِيهِ، وَكَذَا الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمُبَرْسَمُ وَالْمَدْهُوشُ وَالْمَعْتُوهُ وَهُوَ اخْتِلَالُ الْعَقْلِ بِحَيْثُ يَخْتَلِطُ كَلَامُهُ فَيُشْبِهُ مَرَّةً كَلَامَ الْعُقَلَاءِ وَمَرَّةً كَلَامَ الْمَجَانِينِ.
(وَ) لَا يَقَعُ طَلَاقُ (سَيِّدٍ عَلَى زَوْجَةِ عَبْدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ (وَاعْتِبَارُهُ) أَيْ اعْتِبَارُ عَدَدِ الطَّلَاقِ (بِالنِّسَاءِ) لَا بِالرِّجَالِ وَعِنْدَ الثَّلَاثَةِ اعْتِبَارُهُ بِالرِّجَالِ (فَطَلَاقُ الْحُرَّةِ ثَلَاثٌ وَلَوْ) كَانَتْ (تَحْتَ عَبْدٍ وَطَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ، وَلَوْ تَحْتَ حُرٍّ) ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» هَذَا بَحْثٌ طَوِيلٌ فَلْيُطَالَعْ فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ.
[بَابُ إيقَاعِ الطَّلَاقِ]
ِ لَمَّا ذَكَرَ أَصْلَ الطَّلَاقِ وَوَصَفَهُ شَرَعَ فِي بَيَانِ تَنْوِيعِهِ مِنْ حَيْثُ الْإِيقَاعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بِالصَّرِيحِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْكِنَايَةِ وَالصَّرِيحُ مَا كَانَ ظَاهِرَ الْمُرَادِ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْكِنَايَةُ مَا كَانَ مُسْتَتِرَ الْمُرَادِ فَيُحْتَاجُ فِيهِ إلَى النِّيَّةِ فَقَالَ: (صَرِيحُهُ)
стр. 385
أَيْ الطَّلَاقِ (مَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ) أَيْ الطَّلَاقِ (خَاصَّةً) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ مَخْصُوصًا بِالطَّلَاقِ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ (وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ) لِأَنَّ الصَّرِيحَ مَوْضُوعٌ لِلطَّلَاقِ شَرْعًا فَكَانَ حَقِيقَةً فِيهِ فَاسْتَغْنَى عَنْ النِّيَّةِ حَتَّى لَوْ نَوَى بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الطَّلَاقَ مِنْ الْقَيْدِ لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَيُصَدَّقُ دِيَانَةً لِاحْتِمَالِ كَلَامِهِ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إذَا صَرَّحَ، وَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَثَاقٍ فَلَا يَقَعُ عَلَيْهَا شَيْءٌ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ بِمَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ، وَلَوْ نَوَى الطَّلَاقَ عَنْ الْعَمَلِ لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً وَلَا دِيَانَةً؛ لِعَدَمِ اسْتِعْمَالِ الطَّلَاقِ فِيهِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ هَذَا الْعَمَلِ يَقَعُ الطَّلَاقُ قَضَاءً لَا دِيَانَةً (وَهُوَ) أَيْ صَرِيحُ الطَّلَاقِ: (أَنْتِ طَالِقٌ وَمُطَلَّقَةٌ وَطَلَّقْتُك) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ فِيهِمَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا صَرِيحَ سِوَى ذَلِكَ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَانَتْ طَالِقٌ كَمَا فِي الْكَنْزِ لِإِشْعَارِ الْكَافِ بِعَدَمِ الْحَصْرِ، تَدَبَّرْ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
وَفِي الْمُنْيَةِ يَدْخُلُ نَحْوُ " وَسُوبْيَا طَلَاغ، أَوْ تَلَاعَ، أَوْ تُلَاغَ أَوْ طَلَاكَ " بِلَا فَرْقٍ بَيْنَ الْجَاهِلِ وَالْعَالِمِ عَلَى مَا قَالَ الْفَضْلِيُّ، وَإِنْ قَالَ: تَعَمَّدْته تَخْوِيفَهَا لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً إلَّا بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ، وَكَذَا أَنْتِ " ط ل اق "، أَوْ " طَلَاق باش "، أَوْ " طَلَاق شو " كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَلَمْ يُشْتَرَطْ عِلْمُ الزَّوْجِ مَعْنَاهُ فَلَوْ لَقَّنَهُ الطَّلَاقَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَطَلَّقَهَا بِلَا عِلْمٍ بِهِ وَقَعَ قَضَاءً كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةَ وَالْمُنْيَةِ.
وَفِي الْفَتْحِ لَوْ طَلَّقَ النَّبَطِيُّ بِالْفَارِسِيَّةِ يَقَعُ، وَلَوْ تَكَلَّمَ بِهِ الْعَرَبِيُّ وَلَا يَدْرِيهِ لَا يَقَعُ وَفِيهِ نَوْعُ مُخَالَفَةٍ لِمَا قَبْلَهَا إلَّا أَنَّ فِي الْأُولَى يُرِيدُ الزَّوْجُ الطَّلَاقَ بِهَذَا اللَّفْظِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَعْنَاهُ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ فَلَا مُخَالَفَةَ، تَدَبَّرْ.
(وَتَقَعُ بِكُلٍّ مِنْهَا) ، أَوْ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ أَلْفَاظِ الصَّرِيحِ طَلْقَةٌ (وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ) لِأَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الطَّلَاقِ لَا فِي غَيْرِهِ فَكَانَتْ صَرِيحَةً يُعَقِّبُ الرَّجْعَةَ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، الْآيَةُ، فَقَوْلُهُ إمْسَاكٌ هُوَ الرَّجْعَةُ فَالتَّعْبِيرُ بِالْإِمْسَاكِ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ النِّكَاحِ مَا دَامَتْ الْعِدَّةُ بَاقِيَةً؛ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ اسْتِدَامَةُ الْقَائِمِ لَا إعَادَةُ الزَّائِلِ.
وَفِي الْمُحِيطِ قَالَ أَنْتِ طَالٍ بِتَرْخِيمِ الْقَافِ حَالَةَ الرِّضَا لَا يَقَعُ مَا لَمْ يَنْوِ؛ لِأَنَّهُ كَالْكِنَايَةِ، وَلَوْ قَالَ يَا طَالِ يَقَعُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ؛ لِأَنَّ التَّرْخِيمَ يَجْرِي كَثِيرًا فِي الْمُنَادَى فَصَارَ كَأَنَّهُ أَفْصَحَ بِالْقَافِ.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (نَوَى أَكْثَرَ) مِنْ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يُذْكَرْ
стр. 386
بَلْ ثُبُوتُهُ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ وَالْمُقْتَضَى يَثْبُتُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْأَكْثَرِ بَلْ تَنْدَفِعُ بِالْأَقَلِّ الْمُتَيَقَّنِ.
وَقَالَ زُفَرُ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ يَقَعُ مَا نَوَى وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ أَوَّلًا، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ مُحْتَمَلٌ لَفْظُهُ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الطَّالِقِ ذِكْرٌ لِلطَّلَاقِ لُغَةً كَذِكْرِ الْعَالِمِ ذِكْرٌ لِلْعِلْمِ وَفِيهِ أَجْوِبَةٌ وَأَسْئِلَةٌ فِي الْأُصُولِ وَشُرُوحِ الْهِدَايَةِ فَلْيُطَالَعْ (أَوْ) نَوَى وَاحِدَةً (بَائِنَةً) ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ الشَّرْعَ حَيْثُ قَصَدَ بِنِيَّتِهَا تَنْجِيزَ مَا عَلَّقَهُ الشَّارِعُ فَيَلْغُو قَصْدُهُ (وَقَوْلُهُ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ طَلَّقْتُك (أَنْتِ الطَّلَاقُ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا) ، وَكَذَا أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ أَوْ تَطْلِيقَةٌ، أَوْ طَلَّقْتُك طَلَاقًا، أَوْ بِالْفَارِسِيَّةِ " تو طَلَاقِي "، أَوْ " وَسُوبْيَا طَلَاق طَلَاق "، أَوْ " تو طَلَاق داده "، أَوْ " دادمت طَلَاق " كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيُّ (يَقَعُ بِكُلٍّ مِنْهَا وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (نَوَى) بِالْمَصْدَرِ (ثِنْتَيْنِ، أَوْ بَائِنَةً) أَمَّا وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِاللَّفْظَةِ الْأُولَى فَلِأَنَّ الْمَصْدَرَ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الِاسْمُ يُقَالُ رَجُلٌ عَدْلٌ أَيْ عَادِلٌ وَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنْتِ ذَاتُ الطَّلَاقِ وَأَمَّا بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ بِذِكْرِ النَّعْتِ وَحْدَهُ وَهُوَ طَالِقٌ يَقَعُ فَبِذِكْرِ الْمَصْدَرِ مَعَهُ مُعَرَّفًا، أَوْ مُنَكَّرًا أَوْلَى فَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ وَيَكُونُ رَجْعِيًّا وَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ الثِّنْتَيْنِ؛ لِأَنَّ جِنْسَ الطَّلَاقِ لَيْسَ بِمُثَنًّى إلَّا فِي الْأَمَةِ فَلَوْ نَوَى بِهِ الثِّنْتَيْنِ فِي تَطْلِيقِ الْأَمَةِ يَقَعُ ثِنْتَانِ، وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ يَقَعُ مَا نَوَى مِنْ الْأَعْدَادِ وَزَادَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْغَيْرِ الْمُعَوَّلِ عَلَيْهَا قَوْلَهُ: وَإِنْ نَوَى بَانَتْ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَبِطَلَاقٍ أُخْرَى وَقَعَتَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصْلُحُ لِلْإِيقَاعِ بِإِضْمَارِ أَنْتِ فَصَارَ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ فَيَقَعُ رَجْعِيَّتَانِ إذَا كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا وَإِلَّا لَغَا الثَّانِي كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَعَلَى هَذَا لَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَنْ تَكُونَ فِي النُّسْخَةِ الْمُعَوَّلِ عَلَيْهَا إلَّا أَنَّ هَذَا مَنْقُولٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَأَبِي جَعْفَرٍ وَمَنَعَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فَتَرَكَهَا لِتَرَدُّدِهِ، تَدَبَّرْ.
(وَإِنْ نَوَى الثَّلَاثَ وَقَعْنَ) ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُفْرَدٌ فَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهِ غَيْرَ أَنَّ الْفَرْدَ نَوْعَانِ فَرْدٌ حَقِيقِيٌّ وَهُوَ أَدْنَى الْجِنْسِ وَفَرْدٌ حُكْمِيٌّ وَهُوَ جَمِيعُ الْجِنْسِ فَأَيُّهُمَا نَوَى صَحَّتْ نِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ وَلَا كَذَلِكَ التَّثْنِيَةُ كَمَا بَيَّنَّاهُ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ إذَا قَالَ
стр. 387
لِآخَرَ أَخْبِرْ امْرَأَتِي بِطَلَاقِهَا فَهِيَ طَالِقٌ سَوَاءٌ أَخْبَرَهَا بِهِ، أَوْ لَا؛ لِأَنَّ حَرْفَ الْبَاءِ لِلْإِلْصَاقِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَخْبِرْهَا بِمَا أَوْقَعْت عَلَيْهَا مِنْ الطَّلَاقِ مَوْصُولًا بِالْإِيقَاعِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي إيقَاعًا سَابِقًا، وَكَذَا لَوْ قَالَ احْمِلْ إلَيْهَا طَلَاقَهَا، أَوْ بَشِّرْهَا بِطَلَاقِهَا فَهِيَ طَلَاقٌ بَلَّغَهَا، أَوْ لَا، وَكَذَا لَوْ قَالَ أَخْبِرْهَا أَنَّهَا طَالِقٌ، أَوْ قُلْ لَهَا إنَّهَا طَالِقٌ.
(وَيَقَعُ) الطَّلَاقُ (بِإِضَافَتِهِ) أَيْ الطَّلَاقِ، الْإِضَافَةُ بِطَرِيقِ الْوَضْعِ فِي أَنْتِ طَالِقٌ وَنَحْوِهِ وَبِالتَّجَوُّزِ فِيمَا تُعَبِّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ (إلَى جُمْلَتِهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ (كَمَا مَرَّ) مِنْ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَنَحْوِهِ وَإِنَّمَا ذُكِرَ تَمْهِيدًا لِذِكْرِ مَا بَعْدَهُ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَصَحَّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَى كُلِّهَا نَحْوُ كُلُّك، أَوْ جَمِيعُك، أَوْ جُمْلَتُك طَالِقٌ وَبَطَلَ دَعْوَى الِاسْتِيفَاءِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ فَعَلَى هَذَا لَوْ تَرَكَ قَوْلَهُ كَمَا مَرَّ لَكَانَ أَوْلَى (أَوْ إلَى مَا) أَيِّ جُزْءٍ (يُعَبَّرُ بِهِ كَالرَّقَبَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] (وَالْعُنُقِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] أَيْ ذَوَاتُهُمْ وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ خَاضِعَةً (وَالرَّأْسِ) يُقَالُ أَمْرِي حَسَنٌ مَا دَامَ رَأْسُك أَيْ مَا دُمْت بَاقِيًا لَكِنَّ هَذَا فِيمَا يُلْفَظُ بِالْإِضَافَةِ إلَى الرَّأْسِ أَمَّا إذَا قَالَ الرَّأْسُ مِنْك طَالِقٌ وَأَرَادَ الرَّأْسَ فَقَطْ، أَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهَا فَقَالَ هَذَا الْعُضْوُ مِنْك طَالِقٌ لَا يَقَعُ شَيْءٌ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَضَعْ يَدَهُ بَلْ قَالَ هَذَا الرَّأْسُ طَالِقٌ وَأَشَارَ إلَى رَأْسِ الْمَرْأَةِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقَعُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ (وَالْوَجْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] أَيْ ذَاتُهُ الْكَرِيمُ (وَالرُّوحِ) فِي قَوْلِهِمْ هَلَكَتْ رُوحُهُ أَيْ نَفْسُهُ (وَالْبَدَنِ وَالْجَسَدِ) فِي قَوْلِهِمْ جَسَدُ فُلَانٍ يَخْلُصُ مِنْ ذُلِّ الرِّقِّ أَيْ نَفْسُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَطْرَافَ دَاخِلٌ فِي الْجَسَدِ دُونَ الْبَدَنِ، وَكَذَا شَخْصُك وَنَفْسُك وَجِسْمُك وَصُورَتُك، وَفِي الِاسْتِ وَالدَّمِ خِلَافٌ (وَالْفَرْجِ) ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «لَعَنَ اللَّهُ الْفُرُوجَ عَلَى السُّرُوجِ» قَدْ قَالُوهُ وَإِنْ عُدَّ الْحَدِيثُ غَرِيبًا.
وَفِي الْفَتْحِ يُطْلَقُ عَلَى الْمَرْأَةِ إطْلَاقَ الْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ (أَوْ) بِإِضَافَتِهِ (إلَى جُزْءٍ شَائِعٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْمَرْأَةِ (كَنِصْفِهَا وَثُلُثِهَا) لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ ثُمَّ يَسْرِي إلَى الْكُلِّ لِشُيُوعِهِ فَيَقَعُ فِي الْكُلِّ كَمَا إذَا أَعْتَقَ بَعْضَ جَارِيَتِهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَتَحَمَّلُ التَّجَزُّؤَ فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ وَذِكْرُ بَعْضِ مَا لَا يَتَجَزَّأُ كَذِكْرِ كُلِّهِ (لَا بِإِضَافَتِهِ إلَى يَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا) أَيْ لَا يَقَعُ بِإِضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَى جُزْءٍ غَيْرِ شَائِعٍ لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْكُلِّ كَالْيَدِ فَإِنْ قِيلَ الْيَدُ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ الْكُلِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] لِأَنَّ الْمُرَادَ النَّفْسُ كَمَا صُرِّحَ فِي التَّفَاسِيرِ، أُجِيبَ بِأَنَّ مُجَرَّدَ الِاسْتِعْمَالِ لَا يَكْفِي بَلْ لَا بُدَّ مِنْ شُيُوعِ ذَلِكَ الِاسْتِعْمَالِ وَكَوْنِهِ عُرْفًا، وَاسْتِعْمَالُ الْيَدِ فِي الْكُلِّ نَادِرٌ حَتَّى إذَا كَانَ عِنْدَ قَوْمٍ يُعَبِّرُونَ بِهِ بَلْ بِأَيِّ عُضْوٍ كَانَ عَنْ الْجُمْلَةِ يَقَعُ الطَّلَاقُ لَا فِي عُرْفِهِمْ وَلَا يَقَعُ فِي عُرْفِ غَيْرِهِمْ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ (أَوْ ظَهْرِهَا، أَوْ بَطْنِهَا) وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَقَعُ
стр. 388
وَكَذَا فِي الْبُضْعِ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِالْوُقُوعِ فِي الْفَرْجِ بِلَا خِلَافٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَزُفَرَ يَقَعُ أَيْضًا، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ كَالْأَصَابِعِ وَالْعَيْنِ وَالْأَنْفِ وَالصَّدْرِ وَالْأُذُنِ وَالدُّبُرِ وَأَمَّا بِالْإِضَافَةِ إلَى الشَّعْرِ وَالظُّفُرِ وَالسِّنِّ وَالرِّيقِ وَالْعَرَقِ فَلَا يَقَعُ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي الْفَتْحِ تَفْصِيلٌ فَلْيُطَالَعْ.
(وَلَوْ طَلَّقَهَا نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ أَوْ سُدُسَهَا، أَوْ رُبْعَهَا طَلُقَتْ وَاحِدَةً) وَكَذَا الْجَوَابُ فِي كُلِّ جُزْءٍ سَمَّاهُ كَالثُّمُنِ أَوْ قَالَ جُزْءٌ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مِنْ تَطْلِيقَةٍ لِأَنَّ الشَّرْعَ نَاظِرٌ إلَى صَوْنِ كَلَامِ الْعَاقِلِ وَصَرْفِهِ مَا أَمْكَنَ عَنْ الْإِلْغَاءِ وَلِذَا اُعْتُبِرَ الْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ عَفْوًا فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلطَّلَاقِ جُزْءٌ كَانَ كَذِكْرِ كُلِّهَا تَصْحِيحًا كَالْعَفْوِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ وَجُزْءُ الطَّلْقَةِ تَطْلِيقَةٌ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَشْمَلَ.
وَفِي الْمُحِيطِ هَذَا إذَا لَمْ يَتَجَاوَزْ مِنْ الْمَجْمُوعِ أَجْزَاءَ تَطْلِيقَةٍ كَقَوْلِهِ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَسُدُسَهَا وَرُبْعَهَا فَإِنَّهُ تَقَعُ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الِاسْمَ إذَا أُعِيدَ مَعْرِفَةً كَانَ عَيْنَ الْأَوَّلِ وَإِنْ جَاوَزَ كَمَا إذَا قَالَ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَثُلُثَهَا وَرُبْعَهَا فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ تَقَعُ ثِنْتَانِ؛ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى أَجْزَاءِ تَطْلِيقَةٍ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ الزِّيَادَةُ مِنْ تَطْلِيقَةٍ أُخْرَى فَتَتَكَامَلُ وَهَذَا إذَا أُضِيفَ الْأَجْزَاءُ إلَى تَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَثُلُثَ تَطْلِيقَةٍ وَسُدُسَ تَطْلِيقَةٍ يَقَعُ ثَلَاثًا لِأَنَّهُ أَضَافَ كُلَّ جُزْءٍ إلَى تَطْلِيقَةٍ مُنَكَّرَةٍ فَاقْتَضَى كُلُّ جُزْءٍ تَطْلِيقَةً عَلَى حِدَةٍ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ إذَا أُعِيدَ نَكِرَةً كَانَ غَيْرَ الْأَوَّلِ.
وَفِي الْفَتْحِ إخْرَاجُ بَعْضِ التَّطْلِيقِ لَغْوٌ بِخِلَافِ إيقَاعِهِ فَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَقَعَ الثَّلَاثُ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
(وَ) يَقَعُ (فِي) قَوْلِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافٍ تَطْلِيقَتَيْنِ ثَلَاثٌ) عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ نِصْفَ التَّطْلِيقَتَيْنِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِذَا جُمِعَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَنْصَافٍ تَكُونُ ثَلَاثَةَ تَطْلِيقَاتٍ ضَرُورَةً (فِي ثَلَاثَةِ أَنْصَافِ تَطْلِيقَةٍ ثِنْتَانِ) ؛ لِأَنَّ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ تَطْلِيقَةٍ يَكُونُ طَلْقَةً وَنِصْفًا فَيَتَكَامَلُ النِّصْفُ فَيَحْصُلُ طَلْقَتَانِ (وَقِيلَ ثَلَاثٌ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ نِصْفٍ يَكُونُ طَلْقَةً لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ فَيَصِيرُ ثَلَاثَةُ أَنْصَافِ تَطْلِيقَةٍ ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ.
وَفِي الشُّمُنِّيِّ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ تَقَعُ وَاحِدَةً، وَلَوْ قَالَ لِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةٌ طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً، وَكَذَا لَوْ قَالَ بَيْنَكُنَّ طَلْقَتَانِ، أَوْ ثَلَاثٌ، أَوْ أَرْبَعٌ إلَّا إذَا نَوَى أَنَّ كُلَّ طَلْقَةٍ بَيْنَهُنَّ جَمِيعًا فَتَقَعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ إلَّا فِي التَّطْلِيقَتَيْنِ فَتَقَعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثِنْتَانِ، وَلَوْ قَالَ بَيْنَكُنَّ خَمْسُ تَطْلِيقَاتٍ وَلَا نِيَّةَ لَهُ طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَلْقَتَيْنِ، وَكَذَا مَا زَادَ إلَى ثَمَانِ تَطْلِيقَاتٍ فَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّمَانِ فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَلَوْ قَالَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَفُلَانَةُ مَعَهَا، أَوْ قَالَ أَشْرَكْت فُلَانَةَ مَعَهَا فِي الطَّلَاقِ طَلُقَتَا ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَلَوْ قَالَ: لِأَرْبَعٍ أَنْتُنَّ طَوَالِقُ ثَلَاثٌ طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثًا كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ.
وَفِي الْمِنَحِ، وَلَوْ قَالَ: امْرَأَتِي طَالِقٌ وَلَهُ امْرَأَتَانِ، أَوْ ثَلَاثٌ تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ وَلَهُ خِيَارُ التَّعْيِينِ، وَلَوْ قَالَ امْرَأَتِي طَالِقٌ
стр. 389
مِنْهُمَا، امْرَأَتِي طَالِقٌ، امْرَأَتِي طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْت وَاحِدَةً لَا يُصَدَّقُ، وَلَوْ مَدْخُولَتَيْنِ فَلَهُ إيقَاعُ الطَّلَاقِ عَلَى إحْدَاهُمَا، وَلَوْ قَالَ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ وَلَمْ يُسَمِّ وَلَهُ امْرَأَةٌ طَلُقَتْ امْرَأَتُهُ وَلَوْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ كِلْتَاهُمَا مَعْرُوفَةٌ صَرَفَهُ إلَى أَيَّتِهِمَا شَاءَ.
(وَ) تَقَعُ (فِي) قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ (وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ أَوْ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثِنْتَيْنِ) طَلْقَةٌ (وَاحِدَةٌ) عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا) طَلْقَتَانِ (ثِنْتَانِ وَ) تَقَعُ (فِي) قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ (إلَى ثَلَاثٍ) ، أَوْ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ (ثِنْتَانِ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْغَايَةَ الْأُولَى عِنْدَهُ تَدْخُلُ تَحْتَ الْمُغَيَّا لَا الثَّانِيَةِ لِقَوْلِهِمْ: عُمْرِي مِنْ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ (وَعِنْدَهُمَا) تَدْخُلُ الْغَايَاتُ اسْتِحْسَانًا حَتَّى يَقَعَ فِي الْأُولَى ثِنْتَانِ.
وَفِي الثَّانِيَةِ (ثَلَاثٌ) ؛ لِقَوْلِهِمْ خُذْ مِنْ مَا لِي مِنْ دِرْهَمٍ إلَى الْعَشَرَةِ فَإِنَّ لَهُ أَخْذُ عَشْرَةٍ.
وَعِنْدَ زُفَرَ لَا تَدْخُلُ الْغَايَتَانِ كَقَوْلِهِمْ: بِعْت مِنْ هَذَا الْحَائِطِ إلَى هَذَا الْحَائِطِ فَإِنَّ الْمَبِيعَ مَا بَيْنَهُمَا حَتَّى لَا يَقَعَ فِي الْأُولَى شَيْءٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ تَقَعُ وَاحِدَةً وَهُوَ قِيَاسٌ رُوِيَ أَنَّ الْإِمَامَ، أَوْ الْأَصْمَعِيَّ قَدْ حَاجَّ زُفَرَ، وَقَالَ كَمْ سِنُّك فَقَالَ مَا بَيْنَ سِتِّينَ وَسَبْعِينَ فَقَالَ: أَنْتَ إذَنْ ابْنُ تِسْعٍ وَسِتِّينَ فَتَحَيَّرَ زُفَرُ لَكِنَّ هَذَا يُسْتَعْمَلُ عُرْفًا فِي إرَادَةِ الْأَقَلِّ مِنْ الْأَكْثَرِ وَالْأَكْثَرِ مِنْ الْأَقَلِّ وَلَا عُرْفَ فِي الطَّلَاقِ إذَا لَمْ يُتَعَارَفْ التَّطْلِيقُ بِهَذَا اللَّفْظِ فَبَقِيَ عَلَى ظَاهِرِهِ تَأَمَّلْ.
(، وَفِي) قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ (وَاحِدَةً) بِالنَّصْبِ (فِي ثِنْتَيْنِ) تَقَعُ (وَاحِدَةً إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا) ؛ لِكَوْنِهِ صَرِيحًا (أَوْ نَوَى الضَّرْبَ وَالْحِسَابَ) وَكَانَ عَارِفًا يَعْرِفُ الْحِسَابَ.
وَقَالَ زُفَرُ وَالْحَسَنُ تَقَعُ ثِنْتَانِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحِسَابِ أَنَّ وَاحِدًا إذَا ضُرِبَ فِي اثْنَيْنِ يَكُونُ اثْنَيْنِ فَيُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَيْهِ، بَيَانُهُ أَنَّ الضَّرْبَ يُضَعِّفُ أَحَدَ الْعَدَدَيْنِ بِعَدَدِ الْآخَرِ فَقَوْلُهُ وَاحِدَةٌ فِي ثِنْتَيْنِ كَقَوْلِهِ وَاحِدَةٌ مَرَّتَيْنِ وَلَنَا أَنَّ عَمَلَ الضَّرْبِ فِي تَكْثِيرِ الْأَجْزَاءِ لَا فِي زِيَادَةِ عَدَدِ الْمَضْرُوبِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ إزَالَةُ كَسْرٍ يَقَعُ عِنْدَ الْقِسْمَةِ فَمَعْنَى وَاحِدَةً فِي ثِنْتَيْنِ وَاحِدَةٌ ذَاتُ جُزْأَيْنِ وَتَكْثِيرُ أَجْزَاءِ الطَّلْقَةِ لَا يُوجِبُ تَعَدُّدَهَا كَمَا بَيَّنَّا فِي قَوْلِهِ نِصْفُ تَطْلِيقَةٍ وَسُدُسُهَا وَرُبْعُهَا وَرَجَّحَ فِي الْفَتْحِ قَوْلَ زُفَرَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي عُرْفِ الْحِسَابِ فِي التَّرْكِيبِ اللَّفْظِيِّ كَوْنُ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ مُضَعَّفًا بِقَدْرِ الْآخَرِ وَالْعُرْفُ لَا يَمْنَعُ وَالْغَرَضُ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِعُرْفِهِمْ وَأَرَادَهُ فَصَارَ كَمَا لَوْ أَوْقَعَ بِلُغَةٍ أُخْرَى فَارِسِيَّةٍ، أَوْ غَيْرِهَا وَهُوَ يَدْرِيهَا هَكَذَا فِي التَّحْرِيرِ وَالْغَايَةِ لَكِنْ إنَّ أَثَرَ عَمَلِ الضَّرْبِ عِنْدَ أَهْلِ الْحِسَابِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَمْسُوحَاتِ الْحِسِّيَّةِ لَا فِي الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ وَالطَّلَاقُ مِنْ الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ فَلَا يُفِيدُ قَصْدُهُ تَأَمَّلْ.
(وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ، أَوْ مَعَ ثِنْتَيْنِ فَثَلَاثٌ) أَمَّا نِيَّةُ الْوَاوِ فَلِأَنَّهُ مُحْتَمَلُهُ فَإِنَّ حَرْفَ الْوَاوِ لِلْجَمْعِ وَالظَّرْفُ يَجْمَعُ الْمَظْرُوفَ وَيُقَارِنُهُ وَيَتَّصِلُ بِهِ فَصَحَّ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَعْنَى الْوَاوِ وَأَمَّا مَعَ فُلَانٍ فِي يَجِيءُ بِمَعْنَى مَعَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] أَيْ مَعَ عِبَادِي.
وَفِي الْكَشَّافِ أَنَّ الْمُرَادَ فِي جُمْلَةِ عِبَادِي وَقِيلَ فِي أَجْسَادِ عِبَادِي وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ
стр. 390
فِي عَبْدِي وَعَلَى هَذَا فَهِيَ عَلَى حَقِيقَتِهَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَأْوِيلَهَا مَعَ عِبَادِي يُنْبِئُ عَنْهُ ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٣٠] فَإِنَّ دُخُولَهَا مَعَهُمْ لَيْسَ إلَّا إلَى الْجَنَّةِ فَالْأَوْجَهُ أَنْ يُسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِنَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ [الأحقاف: ١٦] كَمَا فِي الْفَتْحِ هَذَا فِي الْمَوْطُوءَةِ (وَفِي غَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ) أَيْ إذَا قَالَ لِغَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي ثِنْتَيْنِ وَنَوَى وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ تَقَعُ (وَاحِدَةٌ مِثْلُ وَاحِدَةٍ وَثِنْتَيْنِ) أَيْ كَمَا إذَا قَالَ لِغَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ ابْتِدَاءً أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ حَيْثُ تَقَعُ وَاحِدَةً وَلَا يَبْقَى لِلثِّنْتَيْنِ مَحَلٌّ كَمَا بَيَّنَّاهُ.
(وَإِنْ نَوَى مَعَ ثِنْتَيْنِ فَثَلَاثٌ فِيهَا) أَيْ فِي غَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ (أَيْضًا) كَمَا يَقَعُ ثَلَاثٌ فِي الْمَوْطُوءَةِ؛ لِأَنَّ وَاحِدَةً مَعَ ثِنْتَيْنِ يَقَعَانِ مَعًا فَلَا يُخِلُّ كَوْنُهَا غَيْرَ مَوْطُوءَةٍ وُقُوعُهُمَا مَعًا (وَفِي ثِنْتَيْنِ فِي ثِنْتَيْنِ) تَقَعُ (ثِنْتَانِ وَإِنْ نَوَى الضَّرْبَ) لِمَا عُرِفَ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ فِي الْمَضْرُوبِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ كَمَا بَيَّنَّاهُ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَإِنْ نَوَى مَعْنَى الْوَاوِ، أَوْ مَعْنَى مَعَ وَهِيَ مَدْخُولٌ بِهَا فَهِيَ ثَلَاثٌ، وَفِي غَيْرِهَا ثِنْتَانِ فِي الْأَوَّلِ وَثَلَاثٌ فِي الثَّانِي.
(وَفِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ هُنَا إلَى الشَّامِ) تَقَعُ (وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً) .
وَقَالَ زُفَرُ بَائِنَةً؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِالطُّولِ وَلَا يُنْتَقَضُ بِإِيقَاعِهِ الرَّجْعِيَّ فِيمَا لَوْ صَرَّحَ بِالطُّولِ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ أَقْوَى مِنْ الصَّرِيحِ وَلَنَا أَنَّهُ وَصَفَهُ بِالْقِصَرِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مَتَى وَقَعَ وَقَعَ فِي الْأَمَاكِنِ كُلِّهَا وَنَفْسُهُ لَا يَحْتَمِلُ الْقَصْرَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَقَصُرَ حُكْمُهُ لِكَوْنِهِ رَجْعِيًّا وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ إلَى الشَّامِ لِلْمَرْأَةِ دُونَ الطَّلَاقِ حَتَّى لَوْ قَالَ تَطْلِيقَةً إلَى الشَّامِ يَكُونُ بَائِنًا كَمَا فِي التَّبْيِينِ (، وَفِي) قَوْلِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ بِمَكَّةَ، أَوْ فِي مَكَّةَ) أَوْ فِي ثَوْبِ كَذَا وَهِيَ لَابِسَةٌ غَيْرَهُ، أَوْ فِي الشَّمْسِ، أَوْ فِي الظِّلِّ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ مَرِيضَةً أَوْ مُصَلِّيَةً (تَطْلُقُ لِلْحَالِ حَيْثُ كَانَتْ) الْمَرْأَةُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِمَكَانٍ، أَوْ ظَرْفٍ دُونَ آخَرَ وَلَوْ قَالَ أَرَدْت فِي دُخُولِك مَكَّةَ صُدِّقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ بِخِلَافِ الْإِضَافَةِ إلَى الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ حَيْثُ لَا تَقَعُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ كَالتَّعْلِيقِ كَمَا إذَا قَالَ الشِّتَاءُ، أَوْ إلَى رَأْسِ الشَّهْرِ وَنَحْوِهِ خِلَافًا لِزُفَرَ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ لَكِنْ فِي الشُّمُنِّيِّ يَقَعُ فِي الْحَالِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَفِي انْتِهَاءِ الشِّتَاءِ، أَوْ الشَّهْرِ عِنْدَهُمَا وَإِنْ نَوَى التَّنْجِيزَ يَقَعُ فِي الْحَالِ اتِّفَاقًا.
(وَلَوْ قَالَ) أَنْتِ طَالِقٌ (إذَا دَخَلْت مَكَّةَ، أَوْ دُخُولَك) فِيهَا (لَا يَقَعُ) الطَّلَاقُ (مَا لَمْ تَدْخُلْهَا) ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالدُّخُولِ فِي الْأَوَّلِ، وَكَذَا فِي الثَّانِي كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالشَّرْطِ لِصِحَّةِ اسْتِعَارَةِ الظَّرْفِ لِأَدَاةِ الشَّرْطِ الْمُقَارِنَةِ بَيْنَ مَعْنَى الشَّرْطِ وَالظَّرْفِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَظْرُوفَ لَا يُوجَدُ بِدُونِ الظَّرْفِ كَالْمَشْرُوطِ لَا يُوجَدُ بِدُونِ الشَّرْطِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ تَعَدُّدِ مَعْنَاهُ أَعْنِي الظَّرْفَ، وَكَذَا إذَا قَالَ فِي لُبْسِك أَوْ ذَهَابِك وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ مَا يَقُومُ بِهَا فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا، أَوْ غَيْرَهُ حَتَّى لَوْ قَالَ فِي مَرَضِك، أَوْ وَجَعِك، أَوْ صَلَاتِك لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَمْرَضَ، أَوْ تُصَلِّيَ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(وَكَذَا الدَّارُ) فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا أَمَّا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لِدُخُولِك الدَّارَ، أَوْ لِحَيْضِك فَتَطْلُقُ لِلْحَالِ.
следующие страницы →