← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21644

مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر

داماد أفندي عبد الرحمن شيخي زاده

Полный текст (1 543 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

زَمَانِ الدُّخُولِ لَا مَنْ مَلَكَهُ بَعْدَهُ بِخِلَافِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ زَادَ يَوْمئِذٍ فِيهَا وَلَا يُفِيدُ تِلْكَ الزِّيَادَةَ إلَّا إذَا انْصَرَفَ يَوْمئِذٍ إلَى مَا يَمْلِكُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْعِتْقِ مُعَلَّقًا أَوْ مُنَجَّزًا وَسَوَاءٌ قَدَّمَ الشَّرْطَ أَوْ أَخَّرَهُ وَسَوَاءٌ كَانَ التَّعْلِيقُ بِإِنْ أَوْ بِغَيْرِهَا كَإِذَا مَا أَوْ مَتَى مَا. (وَكَذَا) لَا يُعْتَقُ (لَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي) أَوْ قَالَ كُلُّ مَا أَمْلِكُهُ (حُرٌّ بَعْدَ غَدٍ) وَلَهُ فِي الصُّورَتَيْنِ مَمْلُوكٌ فَاشْتَرَى آخَرَ بَعْدَ الْحَلِفِ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ غَدٍ عَتَقَ الَّذِي فِي مِلْكِهِ يَوْمَ حَلَفَ لَا الَّذِي اشْتَرَاهُ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي يَتَنَاوَلُ مَا مَلَكَهُ زَمَانَ صُدُورِ هَذَا الْكَلَامِ مِنْهُ وَقَوْلُهُ أَمْلِكُهُ لِلْحَالِ وَانْصِرَافُهُ إلَى الِاسْتِقْبَالِ بِقَرِينَةِ السِّينِ أَوْ سَوْفَ، فَكَانَ الْجَزَاءُ حُرِّيَّةَ الْمَمْلُوكِ فِي الْحَالِ مُضَافًا إلَى مَا بَعْدَ الْغَدِ فَلَا يَتَنَاوَلُ مَا يَمْلِكُهُ بَعْدَ الْيَمِينِ، وَلَوْ قَالَ عَنَيْت بِهِ مَا اسْتَقْبَلَ مِلْكَهُ عَتَقَ مِلْكُهُ لِلْحَالِ وَمَا اسْتَحْدَثَ الْمِلْكَ، كَمَا إذَا قَالَ زَيْنَبُ طَالِقٌ وَلَهُ امْرَأَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِهَذَا الِاسْمِ ثُمَّ قَالَ لِي امْرَأَةٌ أُخْرَى عَنَيْتهَا وَطَلُقَتْ الْمَعْرُوفَةُ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَالْمَجْهُولَةُ بِاعْتِرَافِهِ كَذَا هَاهُنَا كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَالْمَمْلُوكُ لَا يَتَنَاوَلُ الْحَمْلَ) ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَمْلُوكٍ مُطْلَقٍ وَالْجَنِينُ مَمْلُوكٌ تَبَعًا لِلْأُمِّ وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ مِنْ وَجْهٍ وَالْمَمْلُوكُ يَتَنَاوَلُ الْأَنْفُسَ لَا الْأَعْضَاءَ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ مُنْفَرِدًا وَلَا يَجْرِي عِتْقُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَفَرَّعَ بِقَوْلِهِ (فَلَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي ذَكَرٌ حُرٌّ وَلَهُ) أَيْ لِلْقَائِلِ (أَمَةٌ حَامِلٌ فَوَلَدَتْ ذَكَرًا لِأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ حَوْلٍ مُنْذُ حَلَفَ لَا يُعْتَقُ) كَمَا بَيَّنَّاهُ وَقَوْلُهُ لِأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ حَوْلٍ لَيْسَ قَيْدًا احْتِرَازِيًّا؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَلِدَهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ لِأَكْثَرَ بَلْ لِكَوْنِ وُجُودِ الْحَمْلِ وَقْتَ الْحَلِفِ مُتَيَقَّنًا. (وَلَوْ) قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ وَ (لَمْ يَقُلْ ذَكَرًا عَتَقَ) الْحَمْلُ (تَبَعًا لِأُمِّهِ) ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْمَمْلُوكِ يَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ حَتَّى لَوْ قَالَ نَوَيْت الذُّكُورَ دُونَ الْإِنَاثِ لَمْ يُصَدَّقْ قَضَاءً، وَفِي إطْلَاقِهِ يُشْعِرُ بِأَنْ يُعْتَقَ الْحَمْلُ تَبَعًا لِأُمِّهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ حَوْلٍ أَوْ لِأَكْثَرَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي عِتْقَ الْحَمْلِ إذَا وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ حَوْلٍ لِوُجُودِ الْحَمْلِ وَقْتَ الْحَلِفِ بِيَقِينٍ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ بِوُجُودِ الْحَمْلِ وَقْتَ الْحَلِفِ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ قَوْلَهُ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي لِلْحَالِ. تَتَبَّعْ. (وَلَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي صَارَ مَنْ فِي مِلْكِهِ عِنْدَ الْحَلِفِ مُدَبَّرًا لَا) أَيْ لَا يَصِيرُ مُدَبَّرًا (مَنْ مَلَكَهُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَضَافَ الْعِتْقَ إلَى الْمَوْتِ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ إيجَابُ الْعِتْقِ يَتَنَاوَلُ الْمَمْلُوكَ فِي الْحَالِ وَيَصِيرُ مُدَبَّرًا مِنْ حَيْثُ تَعْلِيقُهُ بِالْمَوْتِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا يَتَنَاوَلُ مَنْ مَلَكَهُ بَعْدَهُ وَلَا يَصِيرُ هُوَ مُدَبَّرًا حَتَّى يَسْتَحِقَّ الْعِتْقَ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ (لَكِنْ يُعْتَقُ الْجَمِيعُ) أَيْ مَنْ مَلَكَهُ بَعْدَ الْحَلِفِ وَقَبْلَهُ (مِنْ الثُّلُثِ عِنْدَ مَوْتِهِ) أَمَّا عِتْقُ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ مُدَبَّرٌ وَأَمَّا عِتْقُ الثَّانِي فَلِأَنَّ إضَافَةَ الْعِتْقِ إلَى الْمَوْتِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إيجَابٌ بَعْدَ الْمَوْتِ يَصِيرُ وَصِيَّةً فَيَتَنَاوَلُ مَا يَمْلِكُهُ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْوَصَايَا الْمِلْكُ حَالَةَ الْمَوْتِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ

стр. 527

فِي النَّوَادِرِ يُعْتَقُ الَّذِي كَانَ فِي مِلْكِهِ يَوْمَ حَلَفَ وَلَا يُعْتَقُ الَّذِي مَلَكَهُ بَعْدَ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ لِلْحَالِ فَلَا يُعْتَقُ بِهِ مَا سَيَمْلِكُهُ وَلِهَذَا صَارَ مُدَبَّرًا دُونَ الْآخَرِ. [بَابُ الْعِتْقِ عَلَى جُعْلٍ] ٍ) هُوَ بِالضَّمِّ مَا يُجْعَلُ لِلْعَامِلِ عَلَى عَمَلِهِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا الْعِتْقُ عَلَى الْمَالِ (وَمَنْ أُعْتِقَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَالنَّائِبُ عَنْ الْفَاعِلِ ضَمِيرُ مَنْ (عَلَى مَالٍ) نَقْدٍ أَوْ عَرَضٍ أَوْ حَيَوَانٍ وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ مَعْلُومِ الْجِنْسِ، وَيَلْزَمُهُ الْوَسَطُ فِي تَسْمِيَةِ الْحَيَوَانِ وَالثَّوْبِ بَعْدَ بَيَانِ جِنْسِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الْجِنْسَ بِأَنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ حَيَوَانٍ فَقَبِلَ عَتَقَ وَلَزِمَهُ قِيمَةُ نَفْسِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُعْتَقُ فِي الْمَالِ الْمَجْهُولِ (أَوْ بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الْمَالِ بِأَنْ قَالَ أَنْتَ أَوْ هُوَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ أَوْ بِأَلْفٍ (فَقَبِلَ) الْعَبْدُ الْمَالَ فِي الْمَجْلِسِ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا اُعْتُبِرَ مَجْلِسُ الْإِيجَابِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا اُعْتُبِرَ مَجْلِسُ عِلْمِهِ، وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ قَبِلَ؛ لِأَنَّهُ إنْ رَدَّ أَوْ أَعْرَضَ عَنْ الْمَجْلِسِ بِالْقِيَامِ أَوْ بِالِاشْتِغَالِ بِمَا يُعْلَمُ بِهِ قَطْعُ الْمَجْلِسِ بَطَلَ (عَتَقَ) فِي الْحَالِ سَوَاءٌ أَدَّى الْمَالَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةُ الْمَالِ بِغَيْرِ الْمَالِ فَشَابَهَ النِّكَاحَ وَالطَّلَاقَ. وَفِي الْبَحْرِ قَالَ لِعَبْدِهِ صُمْ عَنِّي يَوْمًا أَوْ صَلِّ عَنِّي رَكْعَتَيْنِ وَأَنْتَ حُرٌّ عَتَقَ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ وَلَمْ يَصُمْ، وَلَوْ قَالَ حُجَّ عَنِّي وَأَنْتَ حُرٌّ لَا يُعْتَقُ حَتَّى يَحُجَّ (وَالْمَالُ) الْمَشْرُوطُ (دَيْنٌ) صَحِيحٌ (عَلَيْهِ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ) لِكَوْنِهِ دَيْنًا عَلَى حُرٍّ (بِخِلَافِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ) حَيْثُ لَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ مَعَ الْمُنَافِي وَهُوَ قِيَامُ الرِّقِّ. (وَإِنْ قَالَ) الْمَوْلَى لَهُ (إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ وَإِذَا أُدِّيَتْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَوْ مَتَى أَدَّيْتَ إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ (صَارَ مَأْذُونًا) بِالْكَسْبِ (لَا مُكَاتَبًا) أَيْ لَا يَصِيرُ مُكَاتَبًا؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي تَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِالْأَدَاءِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِهِ وَلَا يَبْطُلُ بِرَدِّهِ، وَلِلْمَوْلَى بَيْعُهُ قَبْلَ وُجُودِ شَرْطِهِ وَلَوْ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَهُوَ لِلْمَوْلَى وَلَا يُؤَدِّي عَنْهُ وَيُعْتَقُ، وَلَوْ مَاتَ الْمَوْلَى وَفِي يَدِ الْعَبْدِ كَسْبٌ كَانَ لِوَرَثَةِ الْمَوْلَى وَيُبَاعُ الْعَبْدُ وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً فَوَلَدَتْ ثُمَّ أَدَّتْ لَمْ يُعْتَقْ وَلَدُهَا تَبَعًا، بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ، وَإِنَّمَا صَارَ مَأْذُونًا؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى رَغَّبَهُ فِي الْإِكْسَابِ لِطَلَبِهِ الْأَدَاءَ مِنْهُ وَمُرَادُهُ التِّجَارَةُ لَا التَّكَدِّي فَكَانَ إذْنًا لَهُ دَلَالَةً (وَيُعْتَقُ) الْعَبْدُ (إنْ أَدَّى) الْمَالَ كُلَّهُ بِنَفْسِهِ

стр. 528

لِأَنَّهُ لَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِالْأَدَاءِ فَأَدَّى لَا يُعْتَقُ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ (فِي الْمَجْلِسِ) لِوُجُودِ الْمُعَلَّقِ بِهِ فَلَا يُعْتَقُ مَا لَمْ يُؤَدِّ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ. وَفِي الْبَدَائِعِ لَوْ أَدَّى مَكَانَ الدَّرَاهِمِ دَنَانِيرَ لَا يُعْتَقُ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ (أَوْ خَلَّى) الْعَبْدُ (بَيْنَ الْمَوْلَى وَبَيْنَ الْمَالِ) بِأَنْ وَضَعَهُ فِي مَوْضِعٍ يَتَمَكَّنُ الْمَوْلَى مِنْ أَخْذِهِ (فِيهِ) أَيْ فِي الْمَجْلِسِ (فِي التَّعْلِيقِ بِإِنْ) ؛ لِأَنَّ إنْ لِمُجَرَّدِ التَّعْلِيقِ وَلَيْسَ لَهُ أَثَرٌ فِي الْوَقْتِ فَيَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. (وَ) يُعْتَقُ (مَتَى أَدَّى أَوْ) مَتَى (خَلَّى) بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ (فِي التَّعْلِيقِ بِإِذَا) فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ إذَا لِلْوَقْتِ كَمَتَى فَيَعُمُّ الْأَوْقَاتَ كَمَا بَيَّنَ فِي مَوْضِعِهِ (وَيُجْبِرُ) أَيْ الْحَاكِمُ (الْمَوْلَى عَلَى الْقَبْضِ) وَمَعْنَى الْإِجْبَارِ فِيهِ تَنْزِيلُ الْحَاكِمِ أَوْ الْمَوْلَى مَنْزِلَةَ الْقَابِضِ بِالتَّخْلِيَةِ، وَيُحْكَمُ بِعِتْقِ الْعَبْدِ قَبَضَ أَوْ لَا، لَا مَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ الْإِجْبَارِ عِنْدَ النَّاسِ مِنْ الْإِكْرَاهِ بِالضَّرْبِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ زُفَرُ يُعْتَقُ بِالْقَبْضِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى الْقَبُولُ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْقِيَاسُ (وَإِنْ أَدَّى) الْعَبْدُ (الْبَعْضَ يُجْبَرُ) الْمَوْلَى (عَلَى الْقَبْضِ أَيْضًا) اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إنْ أَدَّى الْبَعْضَ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إنْ أَدَّى الْبَعْضَ بِطَرِيقِ التَّخْلِيَةِ لَا يُنَزَّلُ الْمَوْلَى مَنْزِلَةَ الْقَابِضِ لَكِنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّهُ يَكُونُ قَابِضًا (إلَّا أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ مَا لَمْ يُؤَدِّ الْكُلَّ) ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْعِتْقِ أَدَاءُ الْكُلِّ وَلَمْ يُوجَدْ فَلَا يُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ قَابِضًا فِي حَقِّ الْبَعْضِ. وَفِي التَّبْيِينِ هَذَا إذَا كَانَ الْمَالُ مَعْلُومًا وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا بِأَنْ قَالَ إنْ أَدَّيْت إلَيَّ دِرْهَمًا فَأَنْتَ حُرٌّ لَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْجَهَالَةِ لَا تَكُونُ فِي الْمُعَاوَضَةِ فَيَكُونُ يَمِينًا مَحْضًا وَلَا جَبْرَ فِيهَا (كَمَا لَوْ حَطَّ عَنْهُ الْبَعْضَ) بِطَلَبِهِ (فَأَدَّى) الْعَبْدُ (الْبَاقِيَ) وَكَذَا إذَا حَطَّ الْجَمِيعَ لَمْ يُعْتَقْ لِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ (ثُمَّ إنْ أَدَّى) الْعَبْدُ (أَلْفًا كَسَبَهَا) أَيْ الْعَبْدُ (قَبْلَ التَّعْلِيقِ رَجَعَ الْمَوْلَى عَلَيْهِ بِمِثْلِهَا) ؛ لِأَنَّ مَا كَسَبَهُ قَبْلَهُ مَالٌ اسْتَحَقَّهُ الْمَوْلَى (وَيُعْتَقُ) لِوُجُودِ شَرْطِ الْعِتْقِ وَهُوَ مُطْلَقُ الْأَلْفِ كَمَا لَوْ غَصَبَ أَلْفَ إنْسَانٍ فَأَدَّى عَتَقَ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ عَلَيْهِ. (وَإِنْ) أَدَّى الْعَبْدُ أَلْفًا (كَسَبَهَا) أَيْ الْعَبْدُ الْأَلْفَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ التَّعْلِيقِ (لَا يَرْجِعُ) الْمَوْلَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ مِنْ جِهَتِهِ بِالْأَدَاءِ مِنْهُ لَكِنَّهُ يَأْخُذُ الْبَاقِيَ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمَأْذُونِ فِي التِّجَارَةِ لِلْمَوْلَى. وَفِي الْبَحْرِ إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا فِي كِيسٍ أَبْيَضَ فَأَدَّاهَا فِي أَسْوَدَ لَا يُعْتَقُ، وَلَوْ قَالَ إذَا أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا هَذَا الشَّهْرَ فَأَنْتَ حُرٌّ وَأَدَّاهَا فِي غَيْرِهِ لَمْ يُعْتَقْ، وَفِي الْمُكَاتَبِ لَا يَبْطُلُ إلَّا بِالْحُكْمِ أَوْ التَّرَاضِي. (وَلَوْ قَالَ) لِعَبْدِهِ (أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِأَلْفٍ فَإِنْ قَبِلَ) الْعَبْدُ (بَعْدَ مَوْتِهِ) أَيْ الْمَوْلَى (وَأَعْتَقَهُ الْوَارِثُ) أَوْ الْوَصِيُّ أَوْ الْقَاضِي إذَا امْتَنَعَ الْوَارِثُ (عَتَقَ) بِالْأَلْفِ (إلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْمَجْمُوعُ وَهُوَ الْقَبُولُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَإِعْتَاقُ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ (فَلَا) يُعْتَقُ بِالْأَلْفِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يُعْتِقَهُ الْوَارِثُ مَجَّانًا وَصَرَّحَ

стр. 529

الصَّدْرُ الشَّهِيدُ بِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ بِالْقَبُولِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إعْتَاقِ الْوَارِثِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ فَإِنْ قُلْت يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَقَ حُكْمًا لِكَلَامِ صَدَرَ مِنْ الْأَهْلِ مُضَافًا إلَى الْمَحَلِّ وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْإِعْتَاقِ، وَلِأَنَّ الْقَبُولَ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ فَإِذَا لَمْ يُعْتَقْ بِالْقَبُولِ بَعْدَ الْوَفَاةِ إلَّا بِإِعْتَاقِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا بَعْدَ الْوَفَاةِ أَيْضًا فَلَا يَبْقَى فَائِدَةٌ لِقَبُولِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ. قُلْت أُجِيبَ عَنْهُ أَنَّ الْعِتْقَ الْحُكْمِيَّ وَإِنْ كَانَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ يُشْتَرَطُ قِيَامُ الْمِلْكِ وَقْتَهُ وَهُنَا قَدْ خَرَجَ مِنْ مِلْكِ الْمُعْتِقِ وَبَقِيَ لِلْوَارِثِ، وَمَتَى خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ لَا يَقَعُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ مَعَ وُجُودِ الْأَهْلِيَّةِ، فَمَا ظَنُّك عِنْدَ عَدَمِهَا، وَقَوْلُهُ إنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِلْقَبُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا الْقَبُولُ لَمْ يَصِحَّ إعْتَاقُ الْوَصِيِّ وَالْقَاضِي لِعَدَمِ الْمِلْكِ لَهُمَا وَلَمْ يَلْزَمْ الْوَارِثَ الْإِعْتَاقُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهَا فَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ يُعْتَقُ بِالْقَبُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى إعْتَاقِ أَحَدٍ وَصُحِّحَ، وَالْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ بِالْقَبُولِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ وَالتَّبْيِينِ: لَوْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ بَعْدَ مَوْتِي أَنَّ الْقَبُولَ فِيهِ لِلْحَالِ، لَكِنْ فِي الْبَحْرِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ لَا فَرْقَ فِي الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ أَنْ يُؤَخِّرَ ذِكْرَ الْمَالِ أَوْ يُقَدِّمَهُ تَأَمَّلْ. وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ أَنْتَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْتَ مُدَبَّرٌ عَلَى أَلْفٍ فَالْقَبُولُ فِيهِ لِلْحَالِ فَإِذَا قَبِلَ صَارَ مُدَبَّرًا وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَالُ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ قَائِمٌ وَالْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا إلَّا أَنْ يَكُونَ مُكَاتَبًا. (وَلَوْ حَرَّرَهُ عَلَى أَنْ يَخْدُمَهُ سَنَةً فَقَبِلَ) الْعَبْدُ (عَتَقَ) مِنْ سَاعَتِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا عِتْقٌ عَلَى عِوَضٍ وَالْعِتْقُ عَلَى عِوَضٍ يَقَعُ بِالْقَبُولِ قَبْلَ الْأَدَاءِ (وَعَلَيْهِ أَنْ يَخْدُمَهُ تِلْكَ الْمُدَّةِ) الْمُعَيَّنَةِ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْخِدْمَةِ الْخِدْمَةُ الْمَعْرُوفَةُ بَيْنَ النَّاسِ، قُيِّدَ بِالْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَرَّرَهُ عَلَى خِدْمَتِهِ مِنْ غَيْرِ مُدَّةٍ عَتَقَ وَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ قِيمَةَ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْخِدْمَةَ مَجْهُولَةٌ، وَقُيِّدَ بِعَلَى أَنْ يَخْدُمَهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ قَالَ إنْ خَدَمْتنِي سَنَةً لَا يُعْتَقُ حَتَّى يَخْدُمَهُ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ إتْمَامِهَا؛ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ وَلَوْ خَدَمَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَقَلَّ مِنْهَا أَوْ أَعْطَاهُ مَالًا عَنْ خِدْمَتِهِ لَا يُعْتَقُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ إنْ خَدَمْتنِي وَأَوْلَادِي سَنَةً فَمَاتَ بَعْضُ الْأَوْلَادِ لَا يُعْتَقُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ كَلِمَةَ إنْ لِلتَّعْلِيقِ وَعَلَى لِلْمُعَاوَضَةِ (فَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى) أَوْ الْعَبْدُ، (قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ الْخِدْمَةِ (لَزِمَهُ قِيمَةُ نَفْسِهِ) وَتُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ هُوَ الْعَبْدُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) وَزُفَرَ (قِيمَةُ خِدْمَتِهِ) وَإِنَّمَا قُلْنَا أَوْ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَوْتِ الْمَوْلَى وَالْعَبْدِ، وَفَصَّلَ الزَّيْلَعِيُّ كُلَّ التَّفْصِيلِ فَلْيُرَاجَعْ. وَقُيِّدَ بِمَوْتِهِ قَبْلَ الْخِدْمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَدَمَ بَعْضَ الْمُدَّةِ كَسَنَةٍ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ ثُمَّ مَاتَ فَعَلَى قَوْلِهِمَا عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ قِيمَتِهِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ قِيمَةُ خِدْمَتِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ كَمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ. وَفِي الْحَاوِي: وَبِقَوْلِ مُحَمَّدٍ نَأْخُذُ. (وَكَذَا لَوْ بَاعَ الْمَوْلَى الْعَبْدَ مِنْ نَفْسِهِ بِعَيْنٍ فَهَلَكَتْ) الْعَيْنُ (قَبْلَ الْقَبْضِ يَلْزَمُهُ) أَيْ الْعَبْدَ (قِيمَةُ نَفْسِهِ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ قِيمَةُ الْعَيْنِ) الْخِلَافِيَّةِ

стр. 530

الْأُولَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى خِلَافِيَّةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَوَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّهُ كَمَا يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ بِالْهَلَاكِ يَتَعَذَّرُ الْوُصُولُ إلَى الْخِدْمَةِ بِمَوْتِ الْعَبْدِ فَصَارَ نَظِيرًا لَهَا، لَهُ إنَّهَا مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِغَيْرِ مَالٍ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْعَبْدِ لَيْسَتْ بِمَالٍ فِي حَقِّهِ إذْ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ وَلَهُمَا أَنَّهُ مُعَاوَضَةُ مَالٍ بِمَالٍ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَالٌ فِي حَقِّ الْمَوْلَى (وَمَنْ قَالَ لِآخَرَ أَعْتِقْ أَمَتَك بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِيهَا فَفَعَلَ) أَيْ أَعْتَقَهَا الْآخَرُ (وَأَبَتْ) أَيْ امْتَنَعَتْ الْأَمَةُ عَنْ (أَنْ تَتَزَوَّجَهُ عَتَقَتْ) الْأَمَةُ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْقَائِلِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْبَدَلِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ جَائِزٌ فِي الطَّلَاقِ لَا فِي الْعَتَاقِ. (وَلَوْ ضَمَّ) الْقَائِلُ (عَنِّي) أَيْ لَوْ قَالَ أَعْتِقْ أَمَتَك عَنِّي بِأَلْفٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا (قُسِمَ الْأَلْفُ عَلَى قِيمَتِهَا) أَيْ قِيمَةِ الْأَمَةِ (وَمَهْرِ مِثْلِهَا) لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ قِيمَتَهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ وَمَهْرُ مِثْلِهَا خَمْسُمِائَةٍ فَثُلُثَا الْأَلْف حِصَّة الْقِيمَة وَثُلُثه حِصَّة مَهْر مِثْلهَا (وَلَزِمَهُ) أَيْ الْأَمْر (حِصَّة الْقِيمَة) وَهِيَ ثُلُثًا الْأَلْف (وَسَقَطَ) عَنْهُ (مَا يَخُصّ الْمَهْر) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ عَنِّي تَضَمَّنَ الشِّرَاء اقْتِضَاء، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَابِل الْأَلْف بِالرَّقَبَةِ شِرَاء وَالْبِضْع نِكَاحًا فَانْقَسَمَ عَلَيْهِمَا وَوَجَبَتْ حِصَّة مَا سَلَّمَ لَهُ وَهُوَ الرَّقَبَة وَبَطَل عَنْهُ مَا لَمْ يُسَلِّم وَهُوَ الْبِضْع. (وَلَوْ) لَمْ تَأْبَهُ (تَزَوَّجَتْهُ) أَيْ الْأُمَّة الْآمِر (فَحِصَّة الْمَهْرِ لَهَا) أَيْ الْأُمَّةُ (فِي الْوَجْهَيْنِ) أَيْ فِي صُورَتِي ضَمَّ عَنِّي وَتَرْكَهُ. (وَحِصَّةُ الْقِيمَةِ لِلْمَوْلَى فِي الثَّانِي) أَيْ فِي صُورَةِ الضَّمِّ (وَهَدَرٌ فِي الْأَوَّلِ) أَيْ وَحِصَّةُ الْقِيمَةِ هَدَرٌ فِي صُورَةِ تَرْكِ الضَّمِّ، وَقَيَّدَ بِاشْتِرَاطِ التَّزَوُّجِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ الْمَوْلَى أَمَتَهُ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَهُ نَفْسهَا فَزَوَّجَتْهُ فَلَهَا مَهْر مِثْلهَا عِنْد الطَّرَفَيْنِ وَعِنْد أَبِي يُوسُف يَجُوز جَعْلَ الْعِتْق صَدَاقًا فَإِنْ أَبَتْ فَعَلَيْهَا قِيمَتهَا فِي قَوْلهمْ جَمِيعًا، وَهَذَا شَامِلٌ لِلْمُدَبَّرَةِ وَالْمُكَاتَبَة دُون أُمِّ الْوَلَد لَمَّا قَالَ فِي الْبَحْر عَنْ الْخَانِيَّة أَمُّ الْوَلَد إذَا أَعْتَقَهَا مَوْلَاهَا عَلَى أَنْ تُزَوَّجَ نَفْسهَا مِنْهُ فَقَبِلَتْ عَتَقَتْ فَإِنَّ أَبَتْ أَنْ تُزَوَّجَ نَفْسهَا مِنْهُ لَا سِعَايَة عَلَيْهَا انْتَهَى. وَفِي الْمَنْح يُشْكِلُ عَلَى عَدَم وُجُوب السِّعَايَة هُنَا مَا ذَكَرُوهُ فِي مَسْأَلَة وُجُوب السِّعَايَة عَلَى أُمِّ الْوَلَد إذَا أَسْلَمَتْ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَسْعَى لِلْمَوْلَى فِي قِيمَتهَا؛ لِأَنَّهُ مَغْرُور مِنْ قِبَلِهَا، لَكِنْ إسْلَام أَمِّ الْوَلَد لَا يُوجِب الْعِتْق بَلْ تُعْتَق بِالسِّعَايَةِ لِئَلَّا تَكُون تَحْت الْكَافِر، وَلَا مَدْخَل لِلْمَوْلَى فِي إسْلَامهَا حَتَّى تَسْقُط بِخِلَافِ مَا إذَا أَبَتْ أَنْ تُزَوَّجَ نَفْسهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاق مِنْ قِبَلِهِ فَافْتَرَقَا تَأْمُل. [بَابُ التَّدْبِيرِ] ِ) هُوَ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِمُطْلَقِ مَوْتِهِ كَمَا فِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ. وَفِي الْبَحْرِ فَخَرَجَ بِقَيْدِ الْإِطْلَاقِ التَّدْبِيرُ الْمُقَيَّدُ كَعِتْقِهِ بِمَوْتٍ مَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ، وَكَذَا التَّعْلِيقُ بِمَوْتِهِ وَمَوْتِ غَيْرِهِ فَخَرَجَ أَيْضًا أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ فَهُوَ وَصِيَّةٌ بِالْإِعْتَاقِ فَلَا يُعْتَقُ بَعْدَ عِتْقِ الْمَوْلَى إلَّا بِإِعْتَاقِ الْوَارِثِ أَوْ الْوَصِيِّ وَخَرَجَ بِمَوْتِهِ تَعْلِيقُهُ بِمَوْتِ غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ إنْ مَاتَ فُلَانٌ فَأَنْتَ حُرٌّ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ مُدَبَّرًا أَصْلًا لَا مُطْلَقًا وَلَا مُقَيَّدًا فَإِذَا مَاتَ فُلَانٌ عَتَقَ مِنْ غَيْرِ

стр. 531

شَيْءٍ انْتَهَى. فَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الدُّرَرِ مِنْ أَنَّهُ هُوَ تَعْلِيقُ الْمَوْلَى عَتَقَ مَمْلُوكُهُ بِالْمَوْتِ سَوَاءٌ كَانَ مَوْتُهُ أَوْ مَوْتُ غَيْرِهِ مُخَالِفًا تَأَمَّلْ. وَهُوَ نَوْعَانِ مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ فَأَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ (الْمُدَبَّرُ الْمُطْلَقُ مَنْ قَالَ لَهُ مَوْلَاهُ إذَا مِتّ فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي أَوْ) أَنْتَ حُرٌّ (يَوْمَ أَمُوتُ) ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ إذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ لَا يَمْتَدُّ يُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ فَيَكُونُ مُدَبَّرًا مُطْلَقًا، وَلَوْ نَوَى بِالْيَوْمِ النَّهَارَ دُونَ اللَّيْلِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ فَلَا يَكُونُ مُدَبَّرًا مُطْلَقًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَمُوتَ بِاللَّيْلِ وَإِنَّمَا هُوَ مُقَيَّدٌ فَيُعْتَقُ بِمَوْتِهِ نَهَارًا، وَلَهُ بَيْعُهُ (أَوْ مَعَ مَوْتِي) ؛ لِأَنَّ اقْتِرَانَ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي وُجُودَهُ مَعَهُ (أَوْ عِنْدَ مَوْتِي أَوْ فِي مَوْتِي) فَإِنَّهُ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ وَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِ أَوَّلًا، وَفِي تُسْتَعَارُ بِمَعْنَى حَرْفِ الشَّرْطِ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، وَقَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ تَبَعًا لِلْمُحِيطِ أَنَّ حَرْفَ الظَّرْفِ إذَا دَخَلَ عَلَى الْفِعْلِ يَصِيرُ شَرْطًا تَسَامُحٌ وَتَمَامُهُ فِي الْمِنَحِ وَالْحَدَثُ كَالْمَوْتِ فَلَوْ قَالَ إنْ حَدَثَ لِي حَادِثٌ فَأَنْتَ حُرٌّ فَهُوَ مُدَبَّرٌ وَكَذَا إذَا ذَكَرَ مَكَانَ الْمَوْتِ أَوْ الْوَفَاةِ أَوْ الْهَلَاكِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى وَاحِدٌ (أَوْ) أَنْتَ مُدَبَّرٌ أَوْ قَدْ دَبَّرْتُك (أَوْ إنْ مِتّ إلَى مِائَةِ سَنَةٍ) أَيْ إنْ مِتّ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ إلَى مِائَةِ سَنَةٍ (وَغَلَبَ مَوْتُهُ فِيهَا) بِأَنْ يَكُونَ ابْنَ ثَمَانِينَ سَنَةً مَثَلًا فَإِنَّهُ فِي الصُّورَةِ مُقَيَّدٌ وَفِي الْمَعْنَى مُطْلَقٌ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنْ يَمُوتَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِمَا لَا يَعِيشُ إلَيْهِ الْمَوْلَى فِي الْغَالِبِ كَالتَّعْلِيقِ بِنَفْسِ مَوْتِهِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ (أَوْ) قَالَ (أَوْصَيْت لَك بِنَفْسِك أَوْ) قَالَ أَوْصَيْت لَك (بِرَقَبَتِك) ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ رَقَبَةَ نَفْسِهِ وَالْوَصِيَّةُ تَقْتَضِي زَوَالَ مِلْكِ الْمُوصِي وَانْتِقَالَهُ إلَى الْمُوصَى لَهُ وَأَنَّهُ فِي الْعَبْدِ حُرِّيَّةٌ مِثْلُ قَوْلِهِ بِعْت نَفْسَك مِنْك أَوْ وَهَبْتهَا لَك (أَوْ) قَالَ أَوْصَيْت لَك (بِثُلُثِ مَالِي) ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي مِلْكُهُ ثُلُثَ جَمِيعِ مَالِهِ، وَرَقَبَتُهُ مِنْ مَالِهِ فَيَمْلِكُهَا فَيُعْتَقُ، وَكَذَلِكَ بِسَهْمٍ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ السُّدُسِ وَلَوْ قَالَ بِجُزْئِهِ مِنْ مَالِهِ لَا يَكُونُ تَدْبِيرًا؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ جُزْءٍ مُبْهَمٍ وَالتَّعْيِينُ إلَى الْوَرَثَةِ فَلَا يَكُونُ رَقَبَتُهُ دَاخِلَةً فِي الْوَصِيَّةِ لَا مَحَالَةَ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ (فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ عَنْ مِلْكِهِ) بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ (إلَّا بِالْعِتْقِ) وَالْكِتَابَةِ فَلَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُرْهَنُ وَلَا يُورَثُ وَلَا يُجْعَلُ بَدَلَ الصُّلْحِ إلَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّ عِنْدَهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَغَيْرُهُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ التَّمْلِيكِيَّةِ كَالْمُدَبَّرِ الْمُقَيَّدِ (وَيَجُوزُ اسْتِخْدَامُهُ وَكِتَابَتُهُ وَإِيجَازُهُ وَالْأَمَةُ) الَّتِي جُعِلَتْ مُدَبَّرَةً (تُوطَأُ وَتُزَوَّجُ) أَيْ يَجُوزُ لِلْمَوْلَى ذَلِكَ وَيَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهَا جَبْرًا عَلَيْهَا وَكَذَا الْمُدَبَّرُ كَمَا فِي الْبَحْرِ. وَفِي، التَّنْوِيرِ وَالْمَوْلَى أَحَقُّ بِكَسْبِهِ مِنْ وَارِثِهِ

стр. 532

وَبِمَهْرِ الْمُدَبَّرَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الِاكْتِسَابِ (وَإِذَا مَاتَ سَيِّدُهُ) أَيْ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ (عَتَقَ) الْمُدَبَّرُ (مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ) إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ. (وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ) الْعَبْدُ (مِنْ الثُّلُثِ فَحِسَابُهُ) أَيْ بِحَسَبِ ثُلُثِ مَالِهِ فَيُعْتَقُ بِقَدْرِهِ وَيَسْعَى فِي بَاقِيهِ (وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ) السَّيِّدُ (غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ الْمُدَبَّرِ مِنْ الْمَالِ (سَعَى فِي ثُلُثَيْهِ) هَذَا إذَا كَانَ لِلسَّيِّدِ وَارِثٌ وَلَمْ يُجِزْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ أَوْ كَانَ لَكِنَّهُ أَجَازَهُ يُعْتَقُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ فَيُقَدَّمُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَيَجُوزُ بِإِجَازَةِ الْوَارِثِ، وَلِكَوْنِهِ وَصِيَّةً لَوْ قَتَلَهُ الْمُدَبَّرُ فَإِنَّهُ (يَسْعَى فِي جَمِيعِ قِيمَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا وَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ، وَأُمُّ الْوَلَدِ إذَا قَتَلَتْ مَوْلَاهَا تُعْتَقُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا إنْ خَطَأً كَمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ. (وَإِنْ اسْتَغْرَقَهُ) أَيْ الْمُدَبَّرَ (دَيْنُ الْمَوْلَى سَعَى فِي كُلِّ قِيمَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ نَقْضُ الْعِتْقِ فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْقِيمَةِ هُنَا الْقِيمَةُ مُدَبَّرًا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ، قُيِّدَ بِكَوْنِ الدَّيْنِ مُسْتَغْرِقًا؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَوْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ فَإِنَّهُ يَسْعَى فِي قَدْرِ الدَّيْنِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الدَّيْنِ ثُلُثُهَا وَصِيَّةٌ أَوْ يَسْعَى فِي ثُلُثَيْ الزِّيَادَةِ كَمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ. (وَلَوْ دَبَّرَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَضَمِنَ نِصْفَ شَرِيكِهِ) قِنًّا (ثُمَّ مَاتَ) الْمُدَبِّرُ (عَتَقَ نِصْفُهُ بِالتَّدْبِيرِ وَسَعَى فِي نِصْفِهِ) ؛ لِأَنَّ نِصْفَهُ عَلَى مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ تَدْبِيرٍ عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّهُمَا قَالَا يُعْتَقُ جَمِيعُهُ بِالتَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّ تَدْبِيرَ بَعْضِهِ تَدْبِيرُ الْجَمِيعِ وَهِيَ فَرْعُ مَسْأَلَةِ التَّجَزُّؤِ. وَفِي التَّنْوِيرِ وَوَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ مُدَبَّرٌ إنْ كَانَ التَّدْبِيرُ مُطْلَقًا وَإِنْ مُقَيَّدًا فَلَا، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ وَلَدَ الْمُدَبَّرِ لَيْسَ مُدَبَّرًا؛ لِأَنَّ التَّبَعِيَّةَ إنَّمَا هِيَ لِلْأُمِّ لَا لِلْأَبِ، وَلَوْ وَلَدَتْ الْمُدَبَّرَةُ مِنْ سَيِّدِهَا فَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ وَبَطَلَ التَّدْبِيرُ (وَالْمُقَيَّدُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ الْمُطْلَقُ (مَنْ قَالَ لَهُ إنْ مِتّ مِنْ مَرَضِي هَذَا أَوْ سَفَرِي هَذَا أَوْ مِنْ مَرَضِ كَذَا أَوْ إلَى عَشْرِ سِنِينَ أَوْ إلَى مِائَةِ سَنَةٍ وَاحْتُمِلَ عَدَمُ مَوْتِهِ فِيهَا) بِأَنْ يَكُونَ ابْنَ خَمْسَةَ عَشْرَ سَنَةً مَثَلًا (فَيَجُوزُ بَيْعُهُ) وَهِبَتُهُ وَرَهْنُهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ فَلَمْ يَنْعَقِدْ السَّبَبُ فِي الْحَالِ وَأَمَّا الْمَوْتُ الْمُطْلَقُ فَكَائِنٌ قَطْعًا. (وَإِنْ وُجِدَ الشَّرْطُ عَتَقَ الْمُدَبَّرُ) أَيْ يُعْتَقُ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا يُعْتَقُ الْمُدَبَّرُ الْمُطْلَقُ مِنْهُ لِوُجُودِ الْإِضَافَةِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَزَوَالِ التَّرَدُّدِ، وَهَذَا التَّشْبِيهُ لَيْسَ مِنْ وُجُوهٍ حَتَّى يَرُدَّ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: مِنْ أَنَّ التَّدْبِيرَ إذَا كَانَ مُطْلَقًا وَلَزِمَهُ السِّعَايَةُ يُقَوَّمُ الْمُعْتَقُ

стр. 533

مُدَبَّرًا وَإِذَا كَانَ مُقَيَّدًا يُقَوَّمُ قِنًّا، فَلَا يَكُونُ عِتْقُ الْمُدَبَّرِ كَعِتْقِ الْمُطْلَقِ تَأَمَّلْ. وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ صَحِيحٌ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ فَمَاتَ بَعْدَ شَهْرٍ عَتَقَ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ يَسْتَنِدُ الْعِتْقُ إلَى أَوَّلِ شَهْرٍ قَبْلَ الْمَوْتِ وَهُوَ كَانَ صَحِيحًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَقِيلَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الشَّهْرِ لَا يُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ مُدَبَّرٌ مُقَيَّدٌ، وَقُيِّدَ بِالصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الْمَرَضِ فَيُعْتَقُ مِنْ الثُّلُثِ إجْمَاعًا كَمَا فِي النِّهَايَةِ. وَفِي الْكَافِي إنْ مَاتَ فُلَانٌ أَوْ مِتُّ أَنَا فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ قَالَ إذَا مِتّ أَنَا أَوْ مَاتَ فُلَانٌ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ مُدَبَّرًا؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ عِتْقُهُ بِمَوْتِهِ بِصِفَةِ كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَأَخِّرٍ عَنْ مَوْتِ فُلَانٍ فَصَارَ مُدَبَّرًا مُقَيَّدًا، وَعِنْدَ زُفَرَ فَيَصِيرُ مُدَبَّرًا مُطْلَقًا. [بَابُ الِاسْتِيلَادِ] ِ) هُوَ لُغَةً طَلَبُ الْوَلَدِ مُطْلَقًا وَأُمُّ الْوَلَدِ تَصْدُقُ لُغَةً عَلَى الزَّوْجَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّنْ لَهَا وَلَدٌ ثَابِتُ النَّسَبِ وَغَيْرُ ثَابِتٍ، وَشَرْعًا طَلَبُ الْمَوْلَى الْوَلَدَ مِنْ أَمَتِهِ وَأُمِّ الْوَلَدِ الْمُسْتَوْلَدَةِ، وَهُمَا مِنْ الْأَسْمَاءِ الَّتِي خُرِجَ بِهِمَا فِي الشَّرْعِ مِنْ الْعُمُومِ إلَى الْخُصُوصِ (لَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ الْأَمَةِ) فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ (مِنْ مَوْلَاهَا) الْمُعْتَرِفِ بِوَطْئِهَا (إلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ) أَيْ الْوَلَدَ، وَلَوْ اعْتَرَفَ بِالْحَمْلِ بِأَنْ يَقُولَ حَمْلُ هَذِهِ الْأَمَةِ مِنِّي أَوْ هِيَ حُبْلَى مِنِّي أَوْ مَا فِي بَطْنِهَا مِنْ وَلَدٍ فَهُوَ مِنِّي أَوْ قَالَ إنْ كَانَتْ حُبْلَى فَهُوَ مِنِّي، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَيَاتِهِ وَمَمَاتِهِ بَعْدَ مَا اسْتَبَانَ خَلْقُهُ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِاعْتِرَافِهِ وَلَا يُقْبَلُ بَعْدَهُ إنَّهَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا وَإِنَّمَا كَانَ رِيحًا وَلَوْ صَدَّقَتْهُ الْأَمَةُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ مَا فِي بَطْنِهَا مِنِّي وَلَمْ يَقُلْ مِنْ حَمْلٍ أَوْ وَلَدٍ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ كَانَ رِيحًا وَصَدَّقَتْهُ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يَثْبُتُ نَسَبُهُ إذَا أَقَرَّ بِوَطْئِهَا وَإِنْ عَزَلَ عَنْهَا إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ اسْتَبْرَأَهَا بَعْدَ الْوَطْءِ بِحَيْضَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ النَّسَبُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَلَأَنْ يَثْبُتَ بِالْوَطْءِ أَوْلَى، وَلَنَا أَنَّ وَطْءَ الْأَمَةِ يُقْصَدُ بِهِ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ دُونَ الْوَلَدِ لِوُجُودِ الْمَانِعِ مِنْهُ وَهُوَ ذَهَابُ تَقَوُّمِهَا بِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَنُقْصَانُ قِيمَتِهَا عِنْدَهُمَا فَلَا بُدَّ مِنْ الدَّعْوَةِ بِخِلَافِ الْعَقْدِ فَإِنَّ الْوَلَدَ مَقْصُودٌ مِنْهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الدَّعْوَةِ. وَفِي الْبَحْرِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُحِيطِ عَنْ الْإِمَامِ إذَا عَالَجَ الرَّجُلُ جَارِيَتَهُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فَأَخَذَتْ الْجَارِيَةُ مَاءَهُ فِي شَيْءٍ فَاسْتَدْخَلَتْهُ فَرْجَهَا فِي حَدَثَانِ ذَلِكَ فَعَلِقَتْ الْجَارِيَةُ وَوَلَدَتْ فَالْوَلَدُ وَلَدُهُ وَالْجَارِيَةُ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ انْتَهَى. هَذَا لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ إذَا وَلَدَتْ بَعْدَمَا ادَّعَى الْمَوْلَى مَرَّةً وَإِلَّا لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِلَا دَعْوَةٍ تَأَمَّلْ (وَإِذَا ثَبَتَ) نَسَبُهُ مِنْهُ بِدَعْوَةٍ (صَارَتْ) الْأَمَةُ (أُمَّ وَلَدٍ) لَهُ (وَلَا يَجُوزُ

стр. 534

إخْرَاجُهَا عَنْ مِلْكِهِ) بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا هِبَتُهَا وَلَا تَمْلِيكُهَا حَتَّى لَوْ قَضَى الْقَاضِي بِجَوَازِ بَيْعِهَا لَا يَنْفُذُ وَهُوَ أَظْهَرُ الرِّوَايَاتِ (إلَّا بِالْعِتْقِ) فَإِذَا أَعْتَقَهَا فِي حَالِ حَيَاتِهِ تُعْتَقُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ قَائِمٌ فِيهَا (وَلَهُ) أَيْ لِلْمَوْلَى (وَطْؤُهَا وَاسْتِخْدَامُهَا وَإِجَارَتُهَا وَتَزْوِيجُهَا وَكِتَابَتُهَا) لِبَقَاءِ مِلْكِهِ وَوِلَايَةُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ تُسْتَفَادُ بِهِ، فَلِهَذَا إنَّ الْكَسْبَ وَالْغَلَّةَ وَالْعُقْرَ وَالْمَهْرَ لِلْمَوْلَى. وَفِي الْبَحْرِ وَلَوْ زَوَّجَهَا فَوَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ لِلْمَوْلَى وَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ، وَإِنْ وَلَدَتْ لِأَكْثَرَ فَهُوَ وَلَدُ الزَّوْجِ وَإِنْ ادَّعَاهُ الْمَوْلَى لَكِنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ لِإِقْرَارِهِ بِحُرِّيَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ (وَتُعْتَقُ بَعْدَ مَوْتِهِ) أَيْ مَوْتِ السَّيِّدِ (مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ وَلَا تَسْعَى) أَيْ أُمُّ الْوَلَدِ (لِدَيْنِهِ) لِلْغَرِيمِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْوَلَدِ أَصْلِيَّةٌ فَتُقَدَّمُ فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ بِخِلَافِ التَّدْبِيرِ فَإِنَّهُ وَصِيَّةٌ بِمَا هُوَ مِنْ زَوَائِدِ الْحَوَائِجِ هَذَا إذَا أَقَرَّ فِي الصِّحَّةِ، أَمَّا لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ فِي مَرَضِهِ وَلَدْت مِنِّي فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ وَلَدٌ أَوْ حَبَلٌ تُعْتَقُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَإِلَّا فَمِنْ الثُّلُثِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ (وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَمَا ادَّعَى الْمَوْلَى مَرَّةً (بِلَا دَعْوَةٍ) بِكَسْرِ الدَّالِ؛ لِأَنَّهُ بِدَعْوَى الْأَوَّلِ تَعَيَّنَ الْوَلَدُ مَقْصُودًا مِنْهَا فَصَارَتْ فِرَاشًا لَهُ كَالْمَنْكُوحَةِ وَلِهَذَا لَزِمَهَا الْعِدَّةُ بِثَلَاثِ حِيَضٍ بَعْدَ الْعِتْقِ، هَذَا إذَا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ، أَمَّا إذَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِوَطْءِ أُمِّهَا وَنَحْوِهِ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِالدَّعْوَةِ لِانْقِطَاعِ الْفِرَاشِ. (وَإِنْ نَفَاهُ) بَعْدَمَا اعْتَرَفَ بِالْأَوَّلِ (انْتَفَى) ؛ لِأَنَّ فِرَاشَهَا ضَعِيفٌ يَمْلِكُ نَقْلَهُ بِالتَّزْوِيجِ بِخِلَافِ الْمَنْكُوحَةِ حَيْثُ لَا يَنْتَفِي نَسَبُ وَلَدِهَا إلَّا بِاللِّعَانِ لِتَأَكُّدِ

стр. 535

الْفِرَاشِ، وَاسْتَثْنَى صَاحِبُ التَّنْوِيرِ فَقَالَ: إلَّا إذَا قَضَى بِهِ قَاضٍ أَوْ تَطَاوَلَ الزَّمَانُ فَلَا يَنْتَفِي بِنَفْيِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْفِرَاشَ إمَّا ضَعِيفٌ وَهِيَ الْأَمَةُ أَوْ مُتَوَسِّطٌ وَهِيَ أُمُّ الْوَلَدِ أَوْ قَوِيٌّ وَهِيَ الْمَنْكُوحَةُ وَقَدْ مَرَّ حُكْمُهَا أَوْ أَقْوَى وَهِيَ الْمُعْتَدَّةُ فَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا وَلَا يَنْتَفِي أَصْلًا لِعَدَمِ اللِّعَانِ. (وَلَوْ اسْتَوْلَدَهَا بِنِكَاحٍ) أَيْ لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةَ غَيْرِهِ فَوَلَدَتْ لَهُ (ثُمَّ مَلَكَهَا) بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ (فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ وَكَذَا) تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ (لَوْ اسْتَوْلَدَهَا بِمِلْكٍ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ ثُمَّ مَلَكَهَا) ؛ لِأَنَّ نَسَبَ الْوَلَدِ ثَابِتٌ مِنْهُ فِي الصُّورَتَيْنِ فَثَبَتَتْ أُمُومِيَّةُ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهَا تَتْبَعُهُ، وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا تَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ إذَا مَلَكَهَا زَوْجُهَا بَعْدَمَا وَلَدَتْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا عَلِقَتْ مِنْهُ بِرَقِيقٍ فَلَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ (بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَوْلَدَهَا بِزِنًا ثُمَّ مَلَكَهَا) حَيْثُ لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ نَسَبَ الْوَلَدِ غَيْرُ ثَابِتٍ مِنْهُ. (وَلَوْ أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ) أَوْ مُدَبَّرَتُهُ وَالْمُرَادُ مِنْ النَّصْرَانِيِّ الْكَافِرُ (عُرِضَ عَلَيْهِ) أَيْ الْمَوْلَى (الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَسْلَمَ فَهِيَ لَهُ وَإِنْ أَبَى) أَيْ عَنْ الْإِسْلَامِ (سَعَتْ) أَيْ أُمُّ وَلَدِهِ الَّتِي أَسْلَمَتْ (فِي قِيمَتِهَا) وَالْمُرَادُ بِقِيمَتِهَا هُنَا ثُلُثُ قِيمَتِهَا لَوْ كَانَتْ قِنًّا كَمَا فِي الْغَايَةِ (وَهِيَ كَالْمُكَاتَبَةِ) لَا تُعْتَقُ حَتَّى تُؤَدِّيَ. وَقَالَ زُفَرُ تُعْتَقُ فِي الْحَالِ وَالسِّعَايَةُ دَيْنٌ عَلَيْهَا (وَلَا تُرَقُّ بِعَجْزِهَا) عَنْ السِّعَايَةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ رُدَّتْ قِنَّةً أُعِيدَتْ مُكَاتَبَةً لِقِيَامِ الْمُوجِبِ. (وَإِنْ مَاتَ) النَّصْرَانِيُّ قَبْلَ السِّعَايَةِ (عَتَقَتْ بِلَا سِعَايَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لَهُ قُيِّدَ بِأُمِّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَتْ قِنَّةُ الذِّمِّيِّ عُرِضَ الْإِسْلَامُ عَلَى الذِّمِّيِّ فَإِنْ أَسْلَمَ فَبِهَا وَإِلَّا يُجْبَرُ بِبَيْعِهَا تَخَلُّصًا مِنْ يَدِ الْكَافِرِ وَكَذَا قِنُّهُ (وَمَنْ ادَّعَى وَلَدَ أَمَةٍ لَهُ فِيهَا) أَيْ فِي الْأَمَةِ (شَرِيكٌ) أَيْ شَرِكَةٌ (ثَبَتَ نَسَبُهُ) أَيْ الْوَلَدِ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ فِي نِصْفِهِ لِمُصَادَفَتِهِ مِلْكَهُ ثَبَتَ فِي الْبَاقِي ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ لِمَا أَنَّ سَبَبَهُ لَا يَتَجَزَّأُ وَهُوَ الْعُلُوقُ إذْ الْوَلَدُ الْوَاحِدُ لَا يَتَعَلَّقُ مِنْ مَاءَيْنِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الدَّعْوَى فِي الْمَرَضِ أَوْ فِي الصِّحَّةِ (وَصَارَتْ) الْأَمَةُ (أُمَّ وَلَدِهِ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَهُ يَصِيرُ نَصِيبُهُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ثُمَّ يَتَمَلَّكُ نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِالضَّمَانِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَضَمِنَ) الْمُدَّعِي (نِصْفَ قِيمَتِهَا) يَوْمَ الْعُلُوقِ وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا بِخِلَافِ ضَمَانِ الْعِتْقِ (وَ) ضَمِنَ (نِصْفَ عُقْرِهَا) لِوَطْئِهِ أَمَةً مُشْتَرَكَةً إذْ الْمِلْكُ يَثْبُتُ حُكْمًا لِلِاسْتِيلَادِ فَيَتَعَقَّبُهُ الْمِلْكُ فِي حَظِّ صَاحِبِهِ (لَا قِيمَةَ وَلَدِهَا) أَيْ لَا يَضْمَنُ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ وَجَبَ حِينَ الْعُلُوقِ وَالنَّسَبُ ثَبَتَ مِنْهُ

стр. 536

فَصَارَ حُرًّا. (وَإِنْ ادَّعَيَاهُ مَعًا) وَقَدْ اسْتَوَيَا فِي الْأَوْصَافِ أَيْ ادَّعَى الشَّرِيكَانِ وَلَدَ الْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ الَّتِي حَبِلَتْ فِي مِلْكِهِمَا وَكَذَا إذَا اشْتَرَيَاهَا حُبْلَى لَا يَخْتَلِفُ ثُبُوتُ النَّسَبِ مِنْهُمَا وَتَمَامُهُ فِي التَّبْيِينِ (ثَبَتَ) نَسَبُهُ (مِنْهُمَا) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَتَبَ إلَى شُرَيْحٍ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ إنْ لَبَّسَا فَلَبِّسْ عَلَيْهِمَا وَلَوْ بَيَّنَا فَبَيِّنْ لَهُمَا هُوَ ابْنُهُمَا يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَهُوَ لِلْبَاقِي، مِنْهُمَا وَذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ إجْمَاعًا، وَمِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَيْضًا وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يَرْجِعُ إلَى قَوْلِ الْقَافَةِ فَيَعْمَلُ بِقَوْلِ الْقَائِفِ (وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُمَا) ؛ لِأَنَّ دَعْوَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي نَصِيبِهِ رَاجِحَةٌ عَلَى دَعْوَةِ صَاحِبِهِ فَيَصِيرُ نَصِيبُهُ أُمَّ وَلَدِهِ. قَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا حَبِلَتْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَمْلُ فِي مِلْكِ أَحَدِهِمَا نِكَاحًا ثُمَّ اشْتَرَاهَا هُوَ وَآخَرُ فَوَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهِيَ أُمُّ وَلَدِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ نَصِيبَهُ مِنْهَا صَارَ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَالِاسْتِيلَادُ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُمَا وَلَا بَقَاؤُهُ عِنْدَهُ فَيَثْبُتُ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ أَيْضًا، وَقَيَّدْنَا بِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْأَوْصَافِ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَسْتَوِيَا فِيهَا بِأَنْ وُجِدَ الْمُرَجِّحُ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا لَا يُعَارِضُهُ الْمَرْجُوحُ، فَيُقَدَّمُ الْأَبُ عَلَى الِابْنِ وَالْمُسْلِمُ عَلَى الذِّمِّيِّ وَالْحُرُّ عَلَى الْعَبْدِ وَالذِّمِّيُّ عَلَى الْمُرْتَدِّ وَالْكِتَابِيُّ عَلَى الْمَجُوسِيِّ، وَالْعِبْرَةُ لِهَذِهِ الْأَوْصَافِ وَقْتُ الدَّعْوَةِ لَا الْعُلُوقُ كَمَا فِي الْغَايَةِ وَغَيْرِهَا فَعَلَى هَذَا لَوْ قَيَّدَ الْمُصَنِّفُ كَمَا قَيَّدْنَا لَكَانَ أَحْسَنَ تَأَمَّلْ. وَفِي الْخَانِيَّةِ إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُزَوِّجَ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ ثُمَّ يُزَوِّجَهَا فَإِنْ زَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا جَازَ النِّكَاحُ وَلَوْ أَعْتَقَهَا ثُمَّ زَوَّجَهَا لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا بِثَلَاثِ حِيَضٍ فَإِنْ زَوَّجَهَا قَبْلَ الْإِعْتَاقِ فَوَلَدَتْ وَلَدًا مِنْ الزَّوْجِ فَالْوَلَدُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ يُعْتَقُ بِمَوْتِ الْمَوْلَى مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ. وَفِي الْبَحْرِ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ الْمُدَّعِيَيْنِ وَإِنْ كَثُرُوا عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَثْبُتُ مِنْ اثْنَيْنِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَثْبُتُ مِنْ الثَّلَاثَةِ لَا غَيْرُ. وَقَالَ زُفَرُ يَثْبُتُ مِنْ خَمْسَةٍ فَقَطْ، وَلَوْ تَنَازَعَتْ فِيهِ امْرَأَتَانِ قَضَى بِهِ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا لَا يَقْضِي لِلْمَرْأَتَيْنِ وَتَمَامُهُ فِيهِ فَلْيُطَالَعْ (وَعَلَى كُلِّ) وَاحِدٍ مِنْهُمَا (نِصْفُ عُقْرِهَا وَتَقَاصَّا) لِعَدَمِ فَائِدَةِ الِاشْتِغَالِ بِالِاسْتِيفَاءِ إلَّا إذَا كَانَ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ فَيَأْخُذُ مِنْهُ الزِّيَادَةَ إذْ الْمَهْرُ يَجِبُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ مِلْكِهِ فِيهَا بِخِلَافِ الْبُنُوَّةِ وَالْإِرْثِ وَالْوَلَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُمَا سَوِيَّةٌ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ نَصِيبًا مِنْ الْآخَرِ (وَيَرِثُ) الِابْنُ (مِنْ كُلِّ) وَاحِدٍ (مِنْهُمَا مِيرَاثَ ابْنٍ) كَامِلٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَقَرَّ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِبُنُوَّتِهِ عَلَى الْكَمَالِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ (وَيَرِثَانِ مِنْهُ مِيرَاثَ أَبٍ وَاحِدٍ) ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ أَحَدُهُمَا فَيَقْتَسِمَانِ نَصِيبَهُ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْوَلَدِ فَجَمِيعُ مِيرَاثِهِ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا

стр. 537

وَأَنْ لَا أَوْلَوِيَّةَ عَلَيْهِ فِي التَّصَرُّفِ مُشْتَرَكَةً كَمَا فِي الْبَحْرِ. (وَإِنْ ادَّعَى وَلَدَ أَمَةِ مُكَاتَبِهِ) يَعْنِي إنْ وَطِئَ الْمَوْلَى أَمَةَ مُكَاتَبِهِ فَوَلَدَتْ فَادَّعَاهُ (فَصَدَّقَهُ الْمُكَاتَبُ ثَبَتَ نَسَبُهُ) أَيْ الْوَلَدِ (مِنْهُ) أَيْ الْمَوْلَى لِتَصَادُقِهِمَا عَلَى ذَلِكَ (وَ) تَجِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمَوْلَى (قِيمَتُهُ) أَيْ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى وَلَدِ الْمَغْرُورِ حَيْثُ اعْتَمَدَ دَلِيلًا وَهُوَ أَنَّهُ كَسَبَ كَسْبَهُ فَلَمْ يَرْضَ بِرِقِّهِ فَيَكُونُ حُرًّا بِالْقِيمَةِ ثَابِتَ النَّسَبِ مِنْهُ (وَ) يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى (عُقْرُهَا) ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا بِغَيْرِ نِكَاحٍ وَلَا بِمِلْكِ يَمِينٍ وَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ (وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا حَقِيقَةً. (وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ) أَيْ الْمُكَاتَبُ الْمَوْلَى فِي دَعْوَتِهِ (لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ) أَيْ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَثْبُتُ وَلَا يُعْتَبَرُ تَصْدِيقُهُ اعْتِبَارًا بِالْأَبِ وَيَدَّعِي وَلَدَ جَارِيَةِ ابْنِهِ وَجَوَابُهُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ الْفَرْقُ بِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي اكْتِسَابِ مُكَاتَبِهِ حَتَّى لَا يَتَمَلَّكَهُ وَالْأَبُ يَمْلِكُ تَمَلُّكَهُ فَلَا يُعْتَبَرُ بِتَصْدِيقِ الِابْنِ (إلَّا إذَا دَخَلَ الْوَلَدُ فِي مِلْكِهِ وَقْتًا مَا) فَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِهِ بَاقٍ وَهُوَ الْمُوجِبُ وَزَوَالُ حَقِّ الْمُكَاتَبِ وَهُوَ الْمَانِعُ. وَفِي التَّنْوِيرِ وَغَيْرِهِ وَلَدَتْ مِنْهُ جَارِيَةُ غَيْرِهِ وَقَالَ أَحَلَّهَا لِي مَوْلَاهَا وَالْوَلَدُ وَلَدِي فَصَدَّقَهُ الْمَوْلَى فِي الْإِحْلَالِ وَكَذَّبَهُ فِي الْوَلَدِ يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَلَوْ مَلَكَهَا بَعْدَ تَكْذِيبِهِ يَوْمًا يَثْبُتُ النَّسَبُ وَلَوْ صَدَّقَهُ فِي الْوَلَدِ يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَلَوْ اسْتَوْلَدَ جَارِيَةَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ امْرَأَتِهِ وَقَالَ ظَنَنْت حِلَّهَا لِي لَا حَدَّ وَلَا نَسَبَ وَإِنْ مَلَكَهُ يَوْمًا عَتَقَ عَلَيْهِ وَفِي الْمِنَحِ تَفْصِيلٌ فَلْيُطَالَعْ. [كِتَابُ الْأَيْمَانِ] ِ الْأَيْمَانُ جَمْعُ الْيَمِينِ ذَكَرَهَا عَقِيبَ الْعَتَاقِ لِمُنَاسِبَتِهَا لَهُ فِي عَدَمِ تَأْثِيرِ الْهَزْلِ وَالْإِكْرَاهِ فَهُمَا كَالطَّلَاقِ وَقَدَّمَ الْعَتَاقَ عَلَيْهَا لِقُرْبِهِ مِنْ الطَّلَاقِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْإِسْقَاطِ (الْيَمِينُ) فِي اللُّغَةِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْجَارِحَةِ وَالْقَسَمِ وَالْقُوَّةِ وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا الْعَقْدُ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُمْ يَتَمَاسَكُونَ بِأَيْمَانِهِمْ حَالَةَ التَّحَالُفِ. وَفِي الْبَحْرِ نَقْلًا عَنْ الْمِنَحِ وَمَفْهُومُ لَفْظَةِ الْيَمِينُ لُغَةً: جُمْلَةٌ أُولَى إنْشَائِيَّةٌ صَرِيحَةُ الْجُزْأَيْنِ يُؤَكِّدُ بِهَا جُمْلَةً بَعْدَهَا خَبَرِيَّةً. وَتَرْكُ لَفْظَةِ أُولَى يُصَيِّرُهُ غَيْرَ مَانِعٍ لِدُخُولِ نَحْوِ زَيْدٌ قَائِمٌ وَهُوَ عَلَى عَكْسِهِ فَإِنَّ الْأُولَى هِيَ الْمُؤَكَّدَةُ بِالثَّانِيَةِ مِنْ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ انْتَهَى. لَكِنَّ قَوْلَهُ يُؤَكِّدُ بِهَا جُمْلَةً بَعْدَهَا يُخْرِجُهُ أَيْضًا فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ أُولَى تَأَمَّلْ. وَخَرَجَ بِالْإِنْشَائِيَّةِ نَحْوُ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَإِنَّ الْأُولَى لَيْسَتْ إنْشَائِيَّةً فَلَيْسَتْ التَّعَالِيقُ أَيْمَانًا لُغَةً. وَفِي الشَّرْعِ (تَقْوِيَةُ) الْحَالِفِ (أَحَدِ طَرَفَيْ الْخَبَرِ) مِنْ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ (بِالْمُقْسَمِ بِهِ) وَهَذَا التَّعْرِيفُ أَوْلَى مِنْ تَعْرِيفِ

стр. 538

صَاحِبِ الدُّرَرِ وَهُوَ تَقْوِيَةُ الْخَبَرِ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ لِشُمُولِهِ الْحَلِفَ بِصِفَاتِ الذَّاتِ. وَفِي الْبَحْرِ نَقْلًا عَنْ الْفَتْحِ وَأَمَّا مَفْهُومُ لَفْظَةِ الْيَمِينِ اصْطِلَاحًا فَجُمْلَةٌ أُولَى إنْشَائِيَّةٌ مُقْسَمٌ فِيهَا بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَتِهِ يُؤَكِّدُ بِهَا مَضْمُونَ ثَانِيَةٍ فِي نَفْسِ السَّامِعِ ظَاهِرًا، أَوْ تَحْمِلُ الْمُتَكَلِّمَ عَلَى تَحْقِيقِ مَعْنَاهَا، فَدَخَلَ بِقَيْدِ " ظَاهِرًا " الْغَمُوسُ أَوْ الْتِزَامُ مَكْرُوهٍ كَكُفْرٍ أَوْ زَوَالِ مِلْكٍ عَلَى تَقْدِيرٍ لِيَمْنَعَ عَنْهُ أَوْ مَحْبُوبٍ لِيُحْمَلَ عَلَيْهِ، قَدْ خَلَتْ التَّعْلِيقَاتُ انْتَهَى. لَكِنَّ قَوْلَهُ أُولَى مُسْتَدْرَكٌ أَيْضًا بِقَوْلِهِ يُؤَكِّدُ بِهَا مَضْمُونَ ثَانِيَةٍ تَدَبَّرْ. وَفِي الْبَحْرِ وَسَبَبُهَا الْغَائِيُّ تَارَةً إيقَاعُ صِدْقِهِ فِي نَفْسِ السَّامِعِ وَتَارَةً حَمْلُ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ فَبَيْنَ الْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ عُمُومٌ مِنْ وَجْهٍ لِتَصَادُقِهِمَا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَانْفِرَادُ اللُّغَوِيِّ فِي الْحَلِفِ بِغَيْرِهِ مِمَّا يُعَظَّمُ وَانْفِرَادُ الِاصْطِلَاحِيِّ فِي التَّعْلِيقَاتِ وَشَرْطُهَا الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْإِسْلَامُ وَمَنْ زَادَ الْحُرِّيَّةَ كَالشُّمُنِّيِّ فَقَدْ سَهَا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ وَيُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ وَرُكْنُهَا اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيهَا وَحُكْمُهَا وُجُوبُ الْبِرِّ أَصْلًا وَالْكَفَّارَةُ خَلَفًا كَمَا فِي الْكَافِي وَهُوَ بَيَانٌ لِبَعْضِ أَحْكَامِهَا؛ لِأَنَّ الْبِرَّ يَكُونُ وَاجِبًا وَمَنْدُوبًا، وَحَرَامًا وَأَنَّ الْحِنْثَ يَكُونُ وَاجِبًا وَمَنْدُوبًا. وَفِي التَّبْيِينِ الْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْضًا مَشْرُوعٌ وَهُوَ تَعْلِيقُ الْجَزَاءِ بِالشَّرْطِ وَهُوَ لَيْسَ بِيَمِينٍ وَضْعًا، وَإِنَّمَا سُمِّيَ يَمِينًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِحُصُولِ مَعْنَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَهُوَ الْحَمْلُ أَوْ الْمَنْعُ، وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَا تُكْرَهُ وَتَقْلِيلُهُ أَوْلَى مِنْ تَكْثِيرِهِ، وَالْيَمِينُ بِغَيْرِهِ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ الْبَعْضِ وَعِنْدَ عَامَّتِهِمْ لَا تُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهَا الْوَثِيقَةُ لَا سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا. وَفِي الْبَحْرِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ خَصْمُهُ لَا أُرِيدُ الْحَلِفَ بِاَللَّهِ يُخْشَى عَلَى إيمَانِهِ. [أَقْسَامِ الْيَمِينِ] (وَهِيَ) أَيْ الْيَمِينُ (ثَلَاثٌ) بِاعْتِبَارِ الْحُكْمِ فَإِنَّهَا بِاعْتِبَارِ الْعَدَدِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ تُعَدَّ (غَمُوسٌ) هُوَ فَعُولٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ وَهُوَ الْحَلِفُ عَلَى إثْبَاتِ شَيْءٍ أَوْ نَفْيِهِ فِي الْمَاضِي أَوْ الْحَالِ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ فَهَذِهِ الْيَمِينُ يَأْثَمُ فِيهَا صَاحِبُهَا لِقَوْلِهِ ﵊ «الْيَمِينُ الْغَمُوسُ تَدَعُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ وَمَنْ حَلَفَ كَاذِبًا أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ» وَسُمِّيَتْ غَمُوسًا؛ لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي النَّارِ (وَهِيَ) أَيْ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ (حَلِفُهُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ أَوْ سُكُونِهَا يَمِينٌ يُؤْخَذُ بِهَا الْعَهْدُ ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ كُلُّ يَمِينٍ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ حَلَفَ الْحَالِفُ بِاَللَّهِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (عَلَى أَمْرٍ مَاضٍ أَوْ حَالٍ كَذِبًا عَمْدًا) حَالَانِ مِنْ الضَّمِيرِ فِي حَلِفَ بِمَعْنَى كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ صِفَتَيْنِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ حَلِفًا، وَالْكَذِبُ هُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِالسَّهْوِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، لَكِنْ فِي الْكَرْمَانِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْكَذِبَ يَرْجِعُ إلَى مَا فِي الذِّهْنِ دُونَ الْخَارِجِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَحُكْمُهَا) أَيْ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ (الْإِثْمُ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا) أَيْ فِي الْيَمِينِ

стр. 539

الْغَمُوسِ (إلَّا التَّوْبَةَ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَوْ مُتَّصِلٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَجِبُ فِيهَا كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا وَجَبَتْ بِالْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ فَبِالْغَمُوسِ أَوْلَى وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «خَمْسٌ مِنْ الْكَبَائِرِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِنَّ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَالْفِرَارُ عَنْ الزَّحْفِ وَالْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ» ، وَلِأَنَّهَا كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ فَلَا تَجِبُ بِهَا الْكَفَّارَةُ كَسَائِرِ الْكَبَائِرِ. (وَ) ثَانِيهَا (لَغْوٌ) سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا يُعْتَدُّ بِهَا فَإِنَّ اللَّغْوَ اسْمٌ لِمَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ (وَهِيَ حَلِفُهُ عَلَى أَمْرٍ مَاضٍ) أَوْ حَالٍ (يَظُنُّهُ كَمَا قَالَ وَ) الْحَالُ (هُوَ بِخِلَافِهِ) أَيْ إنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ فِي الْمَوَاقِعِ خِلَافُ مَا ظَنَّهُ كَمَا إذَا حَلَفَ أَنَّ فِي هَذَا الْكُوزِ مَاءً عَلَى أَنَّهُ رَآهُ كَذَلِكَ ثُمَّ أُرِيقَ وَلَمْ يَعْرِفْهُ وَإِنَّمَا قُلْنَا أَوْ حَالٍ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ فِي الْحَالِ أَيْضًا كَذَلِكَ. وَفِي الْبَحْرِ نَقْلًا عَنْ الْبَدَائِعِ قَالَ أَصْحَابُنَا هِيَ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ خَطَأً أَوْ غَلَطًا فِي الْمَاضِي أَوْ فِي الْحَالِ، وَهِيَ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ الْمَاضِي أَوْ عَنْ الْحَالِ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ كَمَا أُخْبِرَ وَهُوَ بِخِلَافِهِ فِي النَّفْيِ أَوْ فِي الْإِثْبَاتِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَمِينُ اللَّغْوِ هِيَ الْيَمِينُ الَّتِي لَا يَقْصِدُهَا الْحَالِفُ وَهُوَ مَا يَجْرِي عَلَى أَلْسُنِ النَّاسِ فِي كَلِمَاتِهِمْ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْيَمِينِ مِنْ قَوْلِهِمْ لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَاضِي أَوْ فِي الْحَالِ أَوْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَمَّا عِنْدَنَا فَلَا لَغْوَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَلْ الْيَمِينُ عَلَى أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ يَمِينٌ مَعْقُودَةٌ فِيهَا الْكَفَّارَةُ إذَا حَنِثَ قَصَدَ الْيَمِينَ أَوْ لَا وَإِنَّمَا اللَّغْوُ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ فَقَطْ، وَمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ عَلَى أَثَرِ حِكَايَتِهِ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ اللَّغْوَ مَا يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ مِنْ قَوْلِهِمْ لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ فَذَلِكَ مَحْمُولٌ عِنْدَنَا عَلَى الْمَاضِي أَوْ الْحَالِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَغْوٌ، فَيَرْجِعُ حَاصِلُ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ فِي يَمِينٍ لَا يَقْصِدُهَا الْحَالِفُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَعِنْدَنَا لَيْسَتْ بِلَغْوٍ وَعِنْدَهُ هِيَ لَغْوٌ انْتَهَى. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ لَك أَنَّ اللَّغْوَ أَعَمُّ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْيَمِينَ الَّتِي لَا يَقْصِدُهَا الْحَالِفُ فِي الْمَاضِي أَوْ الْحَالِ جَعَلَهَا لَغْوًا، وَعَلَى تَفْسِيرِهِ لَا يَكُونُ لَغْوًا فَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْمَاضِي لَكَانَ أَوْلَى تَدَبَّرْ. (وَحُكْمُهَا رَجَاءُ الْعَفْوِ) أَيْ نَرْجُو أَنْ لَا يُؤَاخِذَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا صَاحِبَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وَإِنَّمَا عَلَّقَ عَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ بِالرَّجَاءِ مَعَ أَنَّ عَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ إمَّا تَوَاضُعًا أَوْ لِلِاخْتِلَافِ فِي تَفْسِيرِ اللَّغْوِ. وَفِي الْخُلَاصَةِ الْيَمِينُ اللَّغْوُ لَا يُؤَاخَذُ بِهَا صَاحِبُهَا إلَّا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالنَّذْرِ. (وَ) ثَالِثُهَا (مُنْعَقِدَةٌ وَهِيَ حَلِفُهُ عَلَى فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَحُكْمُهَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ إنْ حَنِثَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] الْآيَةَ وَالْمُرَادُ بِهِ الْيَمِينُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وَلَا يُتَصَوَّرُ الْحِفْظُ عَلَى الْحِنْثِ وَالْهَتْكِ إلَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَفِي هَذَا الْمَحَلِّ بَحْثٌ فِي الدُّرَرِ فَلْيُطَالَعْ، (وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ الْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ (مَا يَجِبُ فِيهِ الْبِرُّ) أَيْ حِفْظُ يَمِينِهِ (كَفِعْلِ الْفَرَائِضِ) كَأَنْ يَقُولَ وَاَللَّهِ لَأَصُومَنَّ رَمَضَانَ (وَتَرْكِ الْمَعَاصِي) مِثْلُ وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ الْخَمْرَ (وَمِنْهَا مَا يَجِبُ فِيهِ الْحِنْثُ كَفِعْلِ الْمَعَاصِي) مِثْلُ أَنْ يَقُولَ وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ الزِّنَا الْيَوْمَ (وَتَرْكُ الْوَاجِبَاتِ)

стр. 540

مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَا أُصَلِّي عَصْرَ الْيَوْمِ فَيَجِبُ أَنْ يَتْرُكَ الزِّنَا وَيُصَلِّيَ الْعَصْرَ وَيُكَفِّرَ (وَمِنْهَا مَا يُفَضَّلُ فِيهِ الْحِنْثُ) عَلَى الْبِرِّ (كَهِجْرَانِ الْمُسْلِمِ وَنَحْوِهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ بِاَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ ثُمَّ لِيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ (وَمَا عَدَا ذَلِكَ) مِمَّا لَا يُفَضَّلُ فِيهِ الْحِنْثُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا (يُفَضَّلُ فِيهِ الْبِرُّ) عَلَى الْحِنْثِ (حِفْظًا لِلْيَمِينِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] أَيْ عَنْ الْحِنْثِ (وَلَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالنَّاسِي) فَسَّرَهُ صَاحِبُ الدُّرَرِ بِالْمُخْطِئِ؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ نَاسِيًا لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ أَنْ لَا يَحْلِفَ ثُمَّ نَسِيَ فَحَلَفَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (وَالْمُكْرَهِ فِي الْحَلِفِ وَالْحِنْثُ) أَيْ لَا فَرْقَ فِي وُجُوبِهَا بَيْنَ الْمُكْرَهِ فِيهِمَا وَغَيْرِهِ أَمَّا فِي الْحَلِفِ فَلِقَوْلِهِ ﵊ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْيَمِينُ» وَأَمَّا فِي الْحِنْثِ فَلِأَنَّ الْفِعْلَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَنْعَدِمُ بِالْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ وَهُوَ الشَّرْطُ وَكَذَا لَوْ فَعَلَهُ وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مَجْنُونٌ لِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ حَقِيقَةً وَلَوْ كَانَتْ الْحِكْمَةُ رَفْعَ الذَّنْبِ فَالْحُكْمُ يُدَارُ عَلَى دَلِيلِهِ وَهُوَ الْحِنْثُ لَا عَلَى حَقِيقَةِ الذَّنْبِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. [الْكَفَّارَةُ فِي الْيَمِينِ] (وَهِيَ) أَيْ الْكَفَّارَةُ (عِتْقُ رَقَبَةٍ) أَيْ إعْتَاقُهَا وَقَدْ حَقَّقْنَا فِي الظِّهَارِ وَجْهَ الْعِتْقِ مَقَامَ الْإِعْتَاقِ فَمِنْ الظَّنِّ الْحَسَنِ إعْتَاقُ رَقَبَةٍ (أَوْ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ كَمَا فِي عِتْقِ الظِّهَارِ) أَيْ يُجْزِئُ فِيهَا مَا يُجْزِئُ فِي الظِّهَارِ مِنْ الرَّقَبَةِ كَمَا بَيَّنَ فِي الظِّهَارِ (وَإِطْعَامُهُ) أَيْ يُجْزِئُ فِيهَا مَا يُجْزِئُ فِي الظِّهَارِ مِنْ الْإِطْعَامِ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ أَيْضًا (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) أَيْ كِسْوَةُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ (كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْ الْعَشَرَةِ (ثَوْبًا) جَدِيدًا أَوْ خَلَقًا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْجَدِيدِ (يَسْتُرُ عَامَّةَ بَدَنِهِ) أَيْ أَكْثَرَهُ وَهُوَ أَدْنَاهُ وَذَلِكَ قَمِيصٌ وَإِزَارٌ وَرِدَاءٌ، وَلَكِنْ مَا لَا يُجْزِيهِ عَنْ الْكِسْوَةِ يُجْزِيهِ عَنْ الْإِطْعَامِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ (هُوَ الصَّحِيحُ) الْمَرْوِيُّ عَنْ الشَّيْخَيْنِ؛ لِأَنَّ لَابِسَ مَا يَسْتُرُ بِهِ أَقَلَّ الْبَدَن يُسَمَّى عَارِيًّا عُرْفًا فَلَا يَكُونُ مُكْتَسِيًا (فَلَا يُجْزِئُ السَّرَاوِيلُ) . وَفِي الْمَبْسُوطِ أَدْنَى الْكِسْوَةِ مَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ، فَتَجُوزُ السَّرَاوِيلُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ لِلرَّجُلِ يَجُوزُ وَلِلْمَرْأَةِ لَا يَجُوزُ، لَكِنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ مَا فِي الْمَتْنِ، ثُمَّ إنَّ الْأَصْلَ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] الْآيَةَ وَكَلِمَةُ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ فَكَانَ الْوَاجِبُ أَحَدَ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ (فَإِنْ عَجَزَ) الظَّاهِرُ بِالْوَاوِ (عَنْ أَحَدِهَا) أَيْ عَنْ أَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ (عِنْدَ الْأَدَاءِ) أَيْ عِنْدَ إرَادَةِ الْأَدَاءِ لَا عِنْدَ الْحِنْثِ، حَتَّى لَوْ حَنِثَ وَهُوَ مُعْسِرٌ ثُمَّ أَيْسَرَ لَا يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ وَإِنْ حَنِثَ وَهُوَ مُوسِرٌ ثُمَّ أَعْسَرَ أَجْزَأَهُ الصَّوْمُ، وَيُشْتَرَطُ اسْتِمْرَارُ الْعَجْزِ إلَى الْفَرَاغِ مِنْ الصَّوْمِ، فَلَوْ صَامَ الْمُعْسِرُ يَوْمَيْنِ ثُمَّ أَيْسَرَ لَا يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُعْتَبَرُ وَقْتُ الْحِنْثِ (صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ) حَتَّى لَوْ مَرِضَ فِيهَا وَأَفْطَرَ أَوْ حَاضَتْ اسْتَقْبَلَ بِخِلَافِ

стр. 541

كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ، وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يُخَيَّرُ بَيْنَ التَّتَابُعِ وَعَدَمِهِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَعَنْهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ قَدْرَ مَا يُشْتَرَطُ بِهِ طَعَامُ الْعَشَرَةِ لَا يَصُومُ وَعَنْ ابْنِ الْمُقَاتِلِ إنْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ الطَّعَامُ وَقُوتُ يَوْمَيْنِ لَا يَصُومُ وَفِي الْأَصْلِ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ مَعَ الدَّيْنِ صَامَ بَعْدَ قَضَائِهِ وَأَمَّا قَبْلَهُ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَلَوْ بَذَلَ ابْنُ الْمُعْسِرِ أَوْ أَجْنَبِيٌّ مَالًا لِيُكَفِّرَ بِهِ لَمْ تَثْبُتْ الْقُدْرَةُ بِالْإِجْمَاعِ (فَلَا يَجُوزُ) أَيْ لَا يَصِحُّ (التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ) سَوَاءٌ كَانَ بِالْمَالِ أَوْ بِالصَّوْمِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُجْزِيهَا بِمَالٍ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا بَعْدَ سَبَبٍ وَهُوَ الْيَمِينُ فَأَشْبَهَ التَّكْفِيرَ بَعْدَ الْجُرْحِ، وَلَنَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ لِسَتْرِ الْجِنَايَةِ وَلَا جِنَايَةَ وَالْيَمِينُ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ غَيْرُ مُفْضٍ بِخِلَافِ الْجُرْحِ؛ لِأَنَّهُ مُفْضٍ، ثُمَّ لَا يُسْتَرَدُّ مِنْ الْمِسْكِينِ لِوُقُوعِهِ صَدَقَةً كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مَسْأَلَةَ تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ لِتَعَدُّدِ الْيَمِينِ وَهِيَ مُهِمَّةٌ، قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ لَا أَفْعَلُ كَذَا فَفَعَلَ فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ تَلْزَمُهُ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ، وَيَتَعَدَّدُ الْيَمِينُ بِتَعَدُّدِ الِاسْمِ لَكِنْ بِشَرْطِ تَخَلُّلِ حَرْفِ الْقَسَمِ وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ وَالْمِنَحِ وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا يَتَعَدَّدُ الْيَمِينُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. (وَلَا كَفَّارَةَ فِي حَلِفِ كَافِرٍ) بِاَللَّهِ تَعَالَى. (وَإِنْ) : وَصْلِيَّةٌ (حَنِثَ) حَالَ كَوْنِهِ (مُسْلِمًا) ؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ لِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعَ الْكُفْرِ لَا يَكُونُ تَعْظِيمًا، وَأَمَّا تَحْلِيفُهُ الْقَاضِي فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا رَجَاءُ النُّكُولِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ فِي نَفْسِهِ تَعَظُّمَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ (وَلَا تَصِحُّ يَمِينُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ) لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّتِهِمَا (وَالنَّائِمِ) لِانْعِدَامِ الِاخْتِيَارِ فِيهِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ كَالنَّائِمِ. [فَصْلٌ حُرُوفُ الْقَسَمِ] فَصَلِّ (وَحُرُوفُ الْقَسَمِ) الْأُولَى حُرُوفُ الْقَسَمِ بِدُونِ الْوَاوِ (الْوَاوُ) وَهِيَ بَدَلٌ عَنْ الْبَاءِ تَدْخُلُ عَلَى الْمُظْهَرِ لَا الْمُضْمَرِ فَلَا يُقَالُ وك وهـ وَلَا يَجُوزُ إظْهَارُ الْفِعْلِ مَعَهَا فَلَا يُقَالُ احْلِفْ وَاَللَّهِ (وَالْبَاءُ) وَهِيَ الْأَصْلُ فِيهَا تَدْخُلُ عَلَى الْمُظْهَرِ وَالْمُضْمَرِ نَحْوُ أَفْعَلُ بِهِ أَوْ بِك إذَا تَعَيَّنَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَجُوزُ إظْهَارُ الْفِعْلِ فِيهَا نَحْوُ حَلَفْت بِاَللَّهِ فَعَلَى هَذَا الْأَنْسَبُ تَقْدِيمُ الْبَاءِ إلَّا أَنَّهُ قَدَّمَ الْوَاوَ لِكَوْنِهَا أَكْثَرَ اسْتِعْمَالًا عِنْدَ الْعَرَبِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقَسَمَ حَلَفْتُ وَالْبَاءُ لِلصِّلَةِ (وَالتَّاءُ) وَهِيَ بَدَلٌ عَنْ الْوَاوِ وَلَا تَدْخُلُ إلَّا عَلَى لَفْظَةِ اللَّهِ خَاصَّةً نَحْوُ تَاللَّهِ وَلَا تَقُولُ تَالرَّحْمَنِ تَالرَّحِيمِ وَلَا يَجُوزُ إظْهَارُ الْفِعْلِ مَعَهَا وَلِلْقَسَمِ حُرُوفٌ أُخَرُ وَهِيَ لَامُ الْقَسَمِ وَحُرُوفُ التَّنْبِيهِ وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ وَقَطْعُ أَلِفِ الْوَصْلِ وَالْمِيمُ الْمَكْسُورَةُ وَالْمَضْمُومَةُ فِي الْقَسَمِ وَمِنْ، كَقَوْلِهِ لِلَّهِ وَهَا اللَّهِ وَاَللَّهِ وَمَاللَّهِ وَمِنْ اللَّهِ، وَاللَّامُ بِمَعْنَى الْبَاءِ وَيَدْخُلُهُمَا مَعْنَى التَّعَجُّبِ وَرُبَّمَا جَاءَتْ الْبَاءُ لِغَيْرِ التَّعَجُّبِ دُونَ اللَّازِمِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (وَقَدْ تُضْمَرُ) حُرُوفُ الْقَسَمِ فَيَكُونُ حَلِفًا؛ لِأَنَّ حَذْفَ الْحَرْفِ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ إيجَازًا (كَاَللَّهِ أَفْعَلُهُ) أَيْ لَا أَفْعَلُهُ وَإِلَّا يَلْزَمْ أَنْ يَقُولَ لَأَفْعَلَنهُ فَتَكُونَ كَلِمَةُ لَا مُضْمَرَةً فِيهِ؛ لِأَنَّ نُونَ

стр. 542

التَّأْكِيدِ تَلْزَمُ فِي مُثْبَتِ الْقَسَمِ، قَالَ الزَّيْلَعِيُّ ثُمَّ إذَا حُذِفَ الْحَرْفُ وَلَمْ يُعَوَّضْ عَنْهُ هَاءُ التَّنْبِيهِ وَلَا هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ وَلَا قَطْعُ أَلِفِ الْوَصْلِ لَمْ يَجُزْ الْخَفْضُ إلَّا فِي اسْمِ اللَّهِ بَلْ يُنْصَبُ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ أَوْ يُرْفَعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ إلَّا فِي اسْمَيْنِ اُلْتُزِمَ فِيهِمَا الرَّفْعُ وَهُمَا أَيْمُنُ اللَّهِ وَلَعَمْرُك انْتَهَى. لَكِنْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ حَرْفُ التَّنَبُّهِ وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ مِنْ أَدَوَاتِ الْقَسَمِ وَقَدْ صُرِّحَ بِأَنَّهُمَا مِنْهَا، إلَّا أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ الْعِوَضَ بَعُدَ مِنْ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا قَالَ تُضْمَرُ وَلَمْ يَقُلْ تُحْذَفُ؛ لِأَنَّ فِي الْإِضْمَارِ يَبْقَى أَثَرُهُ بِخِلَافِ الْحَذْفِ، لَكِنْ بَقِيَ فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ الْأَثَرِ يَخْتَصُّ بِحَالَةِ الْجَرِّ دُونَ حَالَةِ النَّصْبِ فَيَلْزَمُ أَنْ يُعَبَّرَ فِيهَا بِالْحَذْفِ تَأَمَّلْ (وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ) أَيْ بِهَذَا الِاسْمِ الشَّرِيفِ وَهُوَ اسْمٌ لِلذَّاتِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ بِسْمِ اللَّهِ لَيْسَ بِيَمِينٍ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِعَدَمِ التَّعَارُفِ. وَفِي الْقُدُورِيِّ أَنَّهُ يَمِينٌ مَعَ النِّيَّةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَمِينٌ مُطْلَقًا وَالْإِطْلَاقُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ يَمِينٌ وَإِنْ كَانَ مَرْفُوعًا أَوْ مَنْصُوبًا أَوْ سَاكِنًا؛ لِأَنَّهُ ذِكْرَ اللَّهِ مَعَ حُرُوفِ الْقَسَمِ. وَالْخَطَأُ فِي الْإِعْرَابِ غَيْرُ مَانِعٍ هَذَا إذَا ذُكِرَ بِالْبَاءِ، وَأَمَّا بِالْوَاوِ لَا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا بِالْجَرِّ (أَوْ بِاسْمٍ) هُوَ عُرْفًا لَفْظٌ دَالٌّ عَلَى الذَّاتِ وَالصِّفَةِ فَاَللَّهُ اسْمٌ عَلَى رَأْيٍ (مِنْ أَسْمَائِهِ) مُطْلَقًا وَلَوْ غَيْرَ مُخْتَصٍّ بِهِ كَالْعَلِيمِ وَالْقَادِرِ سَوَاءٌ تَعَارَفَ النَّاسُ الْحَلِفَ بِهِ أَوْ لَا وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى ثَبَتَ بِقَوْلِهِ ﵊ «فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَذَرَ» وَالْحَلِفُ بِسَائِرِ أَسْمَائِهِ تَعَالَى حَلِفٌ بِاَللَّهِ وَمَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ أَوْ بِدَلَالَتِهِ لَا يُرَاعَى فِيهِ الْعُرْفُ (كَالرَّحْمَنِ) فَإِنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي غَيْرِهِ تَعَالَى (وَالرَّحِيمِ) يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ (وَالْحَقُّ) أَيْ مَنْ لَا يُقَبَّحُ مِنْهُ فِعْلٌ فَهُوَ صِفَةٌ سَلْبِيَّةٌ، وَقِيلَ مَنْ لَا يَفْتَقِرُ فِي وُجُودِهِ إلَى غَيْرِهِ وَقِيلَ الصَّادِقُ فِي الْقَوْلِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنَّ غَيْرَ الْمُخْتَصِّ بِهِ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا إلَّا بِالنِّيَّةِ وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ الِاخْتِيَارِ وَالْغَايَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا لِلَّهِ تَعَالَى لَا تَتَعَيَّنُ الْإِرَادَةُ إلَّا بِالنِّيَّةِ (وَ) لِهَذَا اخْتَارَ الْمُصَنِّفُ فَقَالَ (لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ إلَّا فِيمَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى (كَالْحَكِيمِ وَالْعَلِيمِ) . وَفِي الْبَحْرِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ وَإِنْ كَانَتْ تُطْلَقُ عَلَى الْخَلْقِ لَكِنْ تَعَيُّنُ الْخَالِقِ مُرَادٌ بِدَلَالَةِ الْقَسَمِ إذْ الْقَسَمُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى حَمْلًا لِكَلَامِهِ عَلَى الصِّحَّةِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ فَيُصَدَّقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ (أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ يَحْلِفُ بِهَا عُرْفًا) أَيْ فِي عُرْفِ الْعَرَبِ بِلَا وُرُودِ نَهْيٍ (كَعِزَّةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَعَظَمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ) ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ وَكُلُّ مُؤْمِنٍ يَعْتَقِدُ تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمَ صِفَاتِهِ، فَمَا تَعَارَفَ النَّاسُ الْحَلِفَ بِهِ يَكُونُ يَمِينًا سَوَاءٌ كَانَ صِفَاتِ الْفِعْلِ أَوْ الذَّاتِ وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ قَوْلُ مَشَايِخِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ. وَقَالَ مَشَايِخُ الْعِرَاقِ صِفَاتُ الذَّاتِ مُطْلَقًا يَمِينٌ لَا صِفَاتُ الْفِعْلِ وَالْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ صِفَةٍ يُوصَفُ بِهَا وَبِضِدِّهَا

стр. 543

كَالرَّحْمَةِ فَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ وَكُلُّ صِفَةٍ يُوصَفُ بِهَا وَلَا يُوصَفُ بِضِدِّهَا كَالْعِزَّةِ فَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، وَقَالُوا إنَّ ذِكْرَ الصِّفَاتِ لِلذَّاتِ كَذِكْرِ الذَّاتِ وَذِكْرَ صِفَاتِ الْفِعْلِ لَيْسَ كَذِكْرِ الذَّاتِ وَالْحَلِفُ بِاَللَّهِ مَشْرُوعٌ دُونَ غَيْرِهِ، لَكِنَّ هَذَا الطَّرِيقَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ بِهَذَا الْفَرْقِ الْإِشَارَةَ إلَى مَذْهَبِهِمْ أَنَّ صِفَاتِ الْفِعْلِ غَيْرُ اللَّهِ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ كُلُّهَا قَدِيمَةٌ فَلَا يَسْتَقِيمُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الْكَافِي وَلِهَذَا اخْتَارَ الْمُصَنِّفُ هَذَا فَقَالَ يَحْلِفُ بِهَا عُرْفًا وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ (لَا) يَكُونُ الْيَمِينُ (بِغَيْرِ اللَّهِ) فَإِنَّهُ حَرَامٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ لَأَنْ أَحْلِفَ بِاَللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ صَادِقًا وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ فَمَا أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِغَيْرِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ مِنْ اللَّيْلِ وَالضُّحَى وَغَيْرِهِمَا لَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَحْلِفَ بِهَا وَمَا اعْتَادَ النَّاسُ مِنْ الْحَلِفِ " بجان نُون وسرتو " فَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ حَلِفٌ وَالْبِرُّ بِهِ وَاجِبٌ يُكَفِّرُ. وَقَالَ عَلِيٌّ الرَّازِيّ إنِّي أَخَافُ الْكُفْرَ عَلَى مَنْ قَالَ بِحَيَاتِي وَحَيَاتِك وَمَا أَشْبَهَهُ. وَفِي الْمُنْيَةِ أَنَّ الْجَاهِلَ الَّذِي يَحْلِفُ بِرُوحِ الْأَمِيرِ وَحَيَاتِهِ وَرَأْسِهِ لَمْ يَتَحَقَّقْ إسْلَامُهُ بَعْدُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (كَالْقُرْآنِ) وَسُورَةٍ مِنْهُ وَالْمُصْحَفُ وَالشَّرَائِعُ وَالْعِبَادَاتُ كَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا (وَالنَّبِيِّ وَالْعَرْشِ وَالْكَعْبَةِ) ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ مَا تَعَارَفُوهَا يَمِينًا وَذَلِكَ إذَا لَمْ يُرِدْ بِالْقُرْآنِ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ أَمَّا لَوْ أُرِيدَ فَيَكُونُ يَمِينًا هَذَا إذَا قَالَ وَالْقُرْآنِ وَالنَّبِيِّ، أَمَّا لَوْ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَالنَّبِيِّ فَإِنَّهُ يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْهُمَا كُفْرٌ، وَتَعْلِيقُ الْكُفْرِ بِالشَّرْطِ يَمِينٌ، وَلَوْ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْمُصْحَفِ لَا يَكُونُ يَمِينًا وَلَوْ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا فِي الْمُصْحَفِ يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ مَا فِي الْمُصْحَفِ قُرْآنٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْقُرْآنِ كَمَا فِي الْكَافِي. وَفِي الْفَتْحِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَلِفَ بِالْمُصْحَفِ الْآنَ مُتَعَارَفٌ فَيَكُونُ يَمِينًا وَتَمَامُهُ فِيهِ فَلْيُرَاجَعْ. وَقَالَ الْعَيْنِيُّ لَوْ حَلَفَ بِالْمُصْحَفِ أَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ أَوْ قَالَ وَحَقُّ هَذَا فَهُوَ يَمِينٌ وَلَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي كَثُرَ فِيهِ الْحَلِفُ بِهِ (وَلَا) يَكُونُ الْيَمِينُ أَيْضًا (بِصِفَةٍ لَا يُحْلَفُ بِهَا عُرْفًا) أَيْ فِي عُرْفِ الْعَرَبِ (كَرَحْمَتِهِ) تَعَالَى مِنْ الصِّفَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ فَإِنَّ مَرْجِعَهُ الْإِرَادَةُ إذْ الْمَعْنَى إرَادَةُ الْإِنْعَامِ (وَعِلْمِهِ) صِفَةٌ بِهَا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ (وَرِضَاهُ) أَيْ تَرْكُهُ الِاعْتِرَاضَ لَا الْإِرَادَةَ كَمَا قَالَ الْمُعْتَزِلَةُ فَإِنَّ الْكُفْرَ مَعَ كَوْنِهِ مُرَادًا لَهُ تَعَالَى لَيْسَ مَرْضِيًّا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ وَيُؤَاخَذُ بِهِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَغَضَبِهِ) أَيْ انْتِقَامِهِ وَكَوْنِهِ مُعَاقِبًا لِمَنْ عَصَاهُ (وَسَخَطِهِ) أَيْ إنْزَالِ عُقُوبَتِهِ وَفِي الْأَصْلِ الْغَضَبُ الشَّدِيدُ الْمُقْتَضِي لِلْعُقُوبَةِ (وَعَذَابِهِ) أَيْ عُقُوبَتِهِ (وَقَوْلُهُ) مُبْتَدَأٌ (لَعَمْرُ اللَّهِ) عَطْفُ بَيَانٍ (يَمِينٌ) خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَالْعَمْرُ هُوَ الْبَقَاءُ مَضْمُومًا وَمَفْتُوحًا وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي الْيَمِينِ إلَّا الْمَفْتُوحُ وَهُوَ

стр. 544

مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ وَاَللَّهِ الْبَاقِي وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَاللَّامُ لِتَوْكِيدِ الِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ هُوَ قَسَمِي أَوْ مَا أُقْسِمُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَعَمْرُ فَلَا؛ لِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ فَإِذَا حَلَفَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبَرَّ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَحْنَثَ فَإِنَّ الْبِرَّ فِيهِ كُفْرٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ. (وَكَذَا) يَمِينُ قَوْلِهِ (وَأَيْمُ اللَّهِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا مَعَ ضَمَّ الْمِيمِ مَقْصُورًا وَأَيْمَنُ اللَّهِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وَقَدْ يُقَالُ هَيْمُ اللَّهِ بِقَلْبِ الْهَمْزَةِ الْمَفْتُوحَةِ هَاءً وَقَدْ تُحْذَفُ الْيَاءُ مَعَ النُّونِ فَيُقَالُ أَمْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وَلَا يُسْتَعْمَلُ مَقْصُورًا إلَّا أَيْمَنُ مَعَ الْجَلَالَةِ وَهُوَ جَمْعُ يَمِينٍ عِنْدَ الْكُوفِيَّةِ وَهَمْزَتُهُ قَطْعِيَّةٌ جُعِلَتْ وَصْلِيَّةً لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ تَخْفِيفًا وَنَفْيِ سِيبَوَيْهِ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ لَا يَبْقَى عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ وَهَمْزَتُهُ وَصْلِيَّةٌ عِنْدَهُ اُجْتُلِبَتْ لِيُمْكِنَ بِهِ النُّطْقُ، وَعِنْدَ الْبَصْرِيَّةِ هُوَ مِنْ صِلَاتِ الْقَسَمِ وَمَعْنَاهُ وَاَللَّهِ أَيْ كَلِمَةً مُسْتَقِلَّةً كَالْوَاوِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ أَيْمُ اللَّهِ بِدُونِ الْوَاوِ لَكَانَ أَوْلَى إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ اخْتِيَارَ الْأَكْثَرِ كَوْنُهُ جَمْعَ الْيَمِينِ فَأَتَى بِالْوَاوِ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ تَأَمَّلْ (وَ) كَذَا لَوْ قَالَ بِالْفَارِسِيَّةِ (سوكند ميخورم بخداي) يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ لِلْحَالِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ هُوَ مَجَازٌ إذْ الشَّرْطِيَّةُ لَيْسَتْ بِقَسَمٍ. (وَكَذَا قَوْلُهُ وَعَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ) وَكَذَا وَذِمَّتُهُ وَأَمَانَتُهُ؛ لِأَنَّ الْعَهْدَ يَمِينٌ وَالْمِيثَاقُ فِي مَعْنَاهُ وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا لَمْ يَنْوِ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ إلَّا إذَا قُصِدَ بِهِ غَيْرُ الْيَمِينِ فَيَدِينُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَكُونُ هَذَا النَّوْعُ يَمِينًا إلَّا بِالنِّيَّةِ (وَ) كَذَا (أُقْسِمُ وَأَحْلِفُ) بِكَسْرِ اللَّامِ (وَأَشْهَدُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْحَلِفِ فَجُعِلَ حَلِفًا فِي الْحَالِ. (وَإِنْ لَمْ يَقُلْ) مَعَهُ لَفْظَةُ (بِاَللَّهِ) . وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا إذَا قَالَ بِاَللَّهِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَقَالَ مَالِكٌ إنْ نَوَى فَهُوَ يَمِينٌ وَإِلَّا فَلَا. (وَكَذَا) قَوْلُهُ (عَلَى نَذْرٍ) هُوَ أَنْ تُوجِبَ عَلَى نَفْسِك مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ (أَوْ) عَلَى (يَمِينٍ) مَعْنَاهُ عَلَى مُوجِبِ يَمِينٍ (أَوْ) عَلَى (عَهْدٍ) ؛ لِأَنَّ الْعَهْدَ بِمَعْنَى الْيَمِينِ. (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (لَمْ يُضِفْ) هَذِهِ الْأَلْفَاظَ (إلَى اللَّهِ) لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَذْكُرَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهَا يَمِينًا مُنْعَقِدَةً مِثْلُ أَنْ يَقُولَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ نَذْرٌ، حَتَّى إذَا لَمْ يُضِفْ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا بِأَنْ قَالَ عَلَيَّ نَذْرُ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ يَمِينًا وَلَكِنْ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ هَذَا إذَا لَمْ يَنْوِ بِهَذَا النَّذْرِ الْمُطْلَقِ شَيْئًا مِنْ الْقُرَبِ كَحَجٍّ أَوْ صَوْمٍ فَإِنْ نَوَى شَيْئًا مِنْهَا يَصِحُّ النَّذْرُ بِهَا فَعَلَيْهِ مَا نَوَى وَإِنْ لَمْ يَنْوِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا فِي الْبَحْرِ، (وَكَذَا قَوْلُهُ إنْ فَعَلَ كَذَا) أَيْ إنْ دَخَلَ الدَّارَ مَثَلًا (فَهُوَ كَافِرٌ أَوْ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ) أَوْ مَجُوسِيٌّ أَوْ غَيْرُهَا (أَوْ بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ) أَوْ مِنْ الرُّسُلِ أَوْ مِنْ الْإِسْلَامِ أَوْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ مِنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَوْ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ مِنْ الْقِبْلَةِ أَوْ مِنْ صَوْمِ رَمَضَانَ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا مِمَّا إذَا أَنْكَرَهُ صَارَ كَافِرًا يَمِينٌ يَسْتَوْجِبُ الْكَفَّارَةَ إذَا حَنِثَ إنْ كَانَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَأَمَّا فِي الْمَاضِي لِشَيْءٍ قَدْ فَعَلَهُ فَهُوَ الْغَمُوسُ وَلَا يَكْفُرُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ يَكْفُرُ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ

стр. 545

الْكُفْرَ بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ وَالتَّعْلِيقُ بِأَمْرٍ كَائِنٍ تَنْجِيزٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ هُوَ كَافِرٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْحَالِفَ لَمْ يَكْفُرُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ فَلِهَذَا قَالَ (وَلَا يَصِيرُ كَافِرًا بِالْحِنْثِ فِيهَا سَوَاءٌ عَلَّقَهُ) أَيْ الْكُفْرَ (بِمَاضٍ أَوْ مُسْتَقْبَلٍ إنْ كَانَ يَعْلَمُ) الْحَالِفُ (أَنَّهُ يَمِينٌ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّهُ يَكْفُرُ يَصِيرُ بِهِ كَافِرًا) . وَفِي الْمُجْتَبَى وَالذَّخِيرَةِ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ إنْ اعْتَقَدَ الْكُفْرَ بِهِ يَكْفُرُ وَإِلَّا فَلَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَالْمَاضِي جَمِيعًا. وَفِي الْبَحْرِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَالِمًا أَنَّهُ يَمِينٌ إمَّا مُنْعَقِدَةٌ أَوْ غَمُوسٌ لَا يَكْفُرُ بِالْمَاضِي وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا، وَعِنْدَهُ أَنَّهُ يَكْفُرُ بِالْحَلِفِ فِي الْغَمُوسِ أَوْ بِمُبَاشَرَةِ الشَّرْطِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يَكْفُرُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقْدَمَ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ أَنَّ الْمُقَدِّمَ يَكْفُرُ فَقَدْ رَضِيَ بِالْكُفْرِ كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ (وَقَوْلُهُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ الْآتِي لَيْسَ بِيَمِينٍ (إنْ فَعَلَهُ فَعَلَيْهِ غَضَبُ اللَّهِ أَوْ سَخَطُهُ أَوْ لَعْنَتُهُ أَوْ هُوَ زَانٍ أَوْ سَارِقٌ أَوْ شَارِبُ خَمْرٍ أَوْ آكِلُ رِبًا لَيْسَ بِيَمِينٍ) لِعَدَمِ التَّعَارُفِ. (كَذَا) لَيْسَ بِيَمِينٍ (قَوْلُهُ حَقًّا أَوْ وَحَقِّ اللَّهِ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ يَكُونُ يَمِينًا فَلِهَذَا قَالَ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ حَقِيقَةٌ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ وَاَللَّهِ الْحَقِّ وَالْحَلِفُ بِهِ مُتَعَارَفٌ وَهُوَ مُخْتَارُ صَاحِبِ الِاخْتِيَارِ وَلَهُمَا أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ طَاعَةُ اللَّهِ تَعَالَى إذْ الطَّاعَاتُ حُقُوقُهُ فَيَكُونُ حَالِفًا بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، قُيِّدَ بِالْحَقِّ الْمُضَافِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ وَالْحَقِّ يَكُونُ يَمِينًا وَلَوْ قَالَ حَقًّا لَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ الْمُنَكَّرَ مِنْهُ يُرَادُ تَحْقِيقُ الْوَعْدِ وَمَعْنَاهُ أَفْعَلُ هَذَا لَا مَحَالَةَ لَكِنْ هَذَا قَوْلُ الْبَعْضِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِهِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى يَكُونُ يَمِينًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَقَّ إمَّا أَنْ يُذْكَرَ مُعَرَّفًا أَوْ مُنَكَّرًا أَوْ مُضَافًا فَالْحَقُّ مُعَرَّفًا سَوَاءٌ بِالْوَاوِ أَوْ بِالْيَاءِ يَمِينٌ اتِّفَاقًا وَمُنَكَّرًا يَمِينٌ عَلَى الْأَصَحِّ إنْ نَوَى وَمُضَافًا إنْ كَانَ بِالْبَاءِ فَيَمِينٌ اتِّفَاقًا وَإِنْ كَانَ بِالْوَاوِ فَفِيهِ الِاخْتِلَافُ السَّابِقُ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَمِينٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ فَبِهَذَا ظَهَرَ قُصُورُ الْمَتْنِ تَأَمَّلْ. (وَكَذَا) لَيْسَ بِيَمِينٍ (قَوْلُهُ سوكند خورم بخداي) ؛ لِأَنَّهُ وَعْدٌ. وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ يَمِينٌ (يَا بِطَلَاقِ زن) وَالْأَحْسَنُ أَوْ مَكَانَ، يَا أَيْ أَوْ سوكند خورم بِطَلَاقِ زن، إلَّا أَنَّهُ رَاعَى تَنَاسُبَ الطَّرَفَيْنِ (وَمَنْ حَرَّمَ مِلْكَهُ) عَلَى نَفْسِهِ بِأَنْ قَالَ حَرَّمْت عَلَيَّ طَعَامِي أَوْ نَحْوَهُ (لَا يَحْرُمُ) ؛ لِأَنَّهُ قَلْبُ الْمَشْرُوعِ وَغَيْرِهِ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ بَلْ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي ذَلِكَ. (وَإِنْ اسْتَبَاحَهُ) أَيْ إنْ عَامَلَ مُعَامَلَةَ الْمُبَاحِ (أَوْ شَيْئًا مِنْهُ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى

стр. 546

﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إلَّا فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَالْجَوَارِي، وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَعَلَ حُرْمَتَهُ مُعَلَّقَةً عَلَى فِعْلِهِ فَلَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، كَمَا لَوْ قَالَ إنْ أَكَلْت هَذَا الطَّعَامَ فَهُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ فَأَكَلَهُ لَا يَحْنَثُ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَلَوْ قَالَ شَيْئًا مَكَانَ مِلْكِهِ لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ الْأَعْيَانَ وَالْأَفْعَالَ وَمِلْكَهُ وَمِلْكَ غَيْرِهِ، وَمَا كَانَ حَلَالًا وَمَا كَانَ حَرَامًا فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا إذَا قَالَ كَلَامُك عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ مَعِي أَوْ الْكَلَامُ مَعَك حَرَامٌ كَمَا فِي الْمِنَحِ وَغَيْرِهِ (وَقَوْلُهُ كُلُّ حَلَالٍ عَلَيَّ حَرَامٌ) يُحْمَلُ (عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ) إلَّا أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَ ذَلِكَ وَالْقِيَاسُ أَنْ يَحْنَثَ كَمَا فَرَغَ؛ لِأَنَّهُ بَاشَرَ فِعْلًا مُبَاحًا وَهُوَ التَّنَفُّسُ وَنَحْوُهُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْبِرُّ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا عَلَى اعْتِبَارِ الْعُمُومِ فَيَسْقُطُ الْعُمُومُ فَيَنْصَرِفُ إلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا يُتَنَاوَلُ عَادَةً، وَلَوْ نَوَى امْرَأَتَهُ دَخَلَتْ مَعَ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَصَارَ مُولِيًا وَإِنْ نَوَى امْرَأَتَهُ وَحْدَهَا صُدِّقَ وَلَا يَحْنَثُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ قَالَ مَشَايِخُنَا هَذَا فِي عُرْفِهِمْ أَمَّا فِي عُرْفِنَا يَكُونُ طَلَاقًا عُرْفًا وَيَقَعُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُمْ تَعَارَفُوهُ فَصَارَ كَالصَّرِيحِ وَعَنْ هَذَا قَالَ (وَالْفَتْوَى) عَلَى (أَنَّهُ تَطْلُقُ امْرَأَتُهُ بِلَا نِيَّةٍ) لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ حَتَّى لَوْ قَالَ لَمْ أَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً هَذَا إذَا كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ فَإِنْ تَكُنْ لَهُ امْرَأَةٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِانْصِرَافِهِ عِنْدَ عَدَمِ الزَّوْجَةِ إلَيْهِمَا كَمَا فِي النِّهَايَةِ (وَمِثْلُهُ) قَوْلُهُ (حَلَال بروى حرام) وَمَعْنَاهُ الْحَلَالُ عَلَيْهِ حَرَامُ أَوْ حَلَالُ اللَّهِ أَوْ حَلَالُ الْمُسْلِمِينَ (وَقَوْلُهُ هرجه بدست راست كيرم بروي حَرَامٌ) . وَفِي التَّبْيِينِ وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ تُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُجْعَلُ طَلَاقًا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لِلْعُرْفِ. وَفِي الْكَافِي لَوْ قَالَ حَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَلَهُ امْرَأَتَانِ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى وَاحِدَةٍ وَعَلَيْهِ الْبَيَانُ فِي الْأَظْهَرِ، لَكِنْ فِي الْبَحْرِ وَإِنْ كُنَّ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا تَقَعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ. (وَمَنْ نَذَرَ) بِمَا هُوَ وَاجِبٌ قَصْدًا مِنْ جِنْسِهِ وَهُوَ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ (نَذْرًا مُطْلَقًا) غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِشَرْطٍ بِقَرِينَةِ التَّقَابُلِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ أَوْ اعْتِكَافٌ أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ وَأَرَادَ بِهِ شَيْئًا بِعَيْنِهِ كَالصَّدَقَةِ، فَإِنَّ هَذِهِ عِبَادَاتٌ مَقْصُودَةٌ وَمِنْ جِنْسِهَا وَاجِبٌ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ النَّذْرُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ النَّاذِرَ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ فَرْضٌ كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالسِّقَايَةِ وَعِمَارَتِهِمَا وَإِكْرَامِ الْأَيْتَامِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَزِيَارَةِ الْقُبُورِ وَزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﵊ وَأَكْفَانِ الْمَوْتَى وَتَطْلِيقِ امْرَأَتِهِ وَتَزْوِيجِ فُلَانَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ فِي الْفُرُوضِ الْمَقْصُودَةِ كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ عَلَى الْمُصَنِّفِ تَقْيِيدُهُ كَمَا قَيَّدْنَاهُ تَأَمَّلْ (أَوْ) نَذَرَ (مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ يُرِيدُهُ) أَيْ يُرِيدُ وُجُودَهُ بِجَلْبِ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ (كَإِنْ قَدِمَ غَائِبِي) أَوْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ مَاتَ عَدُوِّي فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ سَنَةٍ أَوْ عِتْقُ مَمْلُوكٍ أَوْ صَلَاةٌ (وَوُجِدَ) ذَلِكَ الشَّرْطُ عَطْفٌ عَلَى نَذْرِ الْمُقَدَّرِ فِي قَوْلِهِ

стр. 547

أَوْ مُعَلَّقًا (لَزِمَهُ الْوَفَاءُ) بِمَا نَذَرَ وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْعُهْدَةِ بِالْكَفَّارَةِ فِي الصُّورَتَيْنِ بِلَا خِلَافٍ. (وَلَوْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ لَا يُرِيدُهُ) هَذِهِ الْجُمْلَةُ صِفَةُ شَرْطٍ (كَإِنْ زَنَيْت) أَوْ شَرِبْت خَمْرًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا أَوْ نَذَرَ (خُيِّرَ بَيْنَ الْوَفَاءِ) بِأَصْلِ الْقُرْبَةِ الَّتِي الْتَزَمَهَا لَا بِكُلِّ وَصْفٍ الْتَزَمَهُ وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ عَلَى الْمُصَنِّفِ تَقْيِيدُهُ تَأَمَّلْ. (وَالتَّكْفِيرُ) أَيْ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ (هُوَ الصَّحِيحُ) رِوَايَةً وَدِرَايَةً أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ رُجُوعُ الْإِمَامِ عَمَّا نُقِلَ عَنْهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ وُجُوهِ الْوَفَاءِ سَوَاءٌ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ يُرِيدُهُ أَوْ بِشَرْطٍ لَا يُرِيدُهُ ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ إذَا عُلِّقَ بِشَرْطٍ لَا يُرِيدُهُ فَفِي مَعْنَى الْيَمِينِ وَهُوَ الْمَنْعُ وَلَكِنَّهُ بِظَاهِرِهِ نَذْرٌ فَيُخَيَّرُ، وَفِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُفْتَى بِهِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ هَذِهِ الشَّاةَ وَهِيَ مِلْكُ الْغَيْرِ لَا يَصِحُّ النَّذْرُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَأُهْدِيَنَّ وَلَوْ نَوَى الْيَمِينَ كَانَ يَمِينًا. وَفِي التَّنْوِيرِ نَذَرَ أَنْ يَذْبَحَ وَلَدَهُ فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَلَغَا لَوْ كَانَ يَذْبَحُ نَفْسَهُ أَوْ أَبِيهِ أَوْ جَدَّهُ أَوْ أُمَّهُ، وَلَوْ قَالَ إنْ بَرِئْتُ مِنْ مَرَضِي هَذَا ذَبَحْت شَاةً أَوْ عَلَيَّ شَاةٌ أَذْبَحُهَا، فَبَرَأَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَّا إذَا زَادَ وَأَتَصَدَّقُ بِلَحْمِهَا وَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ جَزُورًا وَأَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهِ وَذَبَحَ مَكَانَهُ سَبْعَ شِيَاهٍ جَازَ، نَذَرَ لِفُقَرَاءِ مَكَّةَ جَازَ الصَّرْفُ إلَى فُقَرَاءِ غَيْرِهَا نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ مِنْ الْخُبْزِ فَتَصَدَّقَ بِغَيْرِهِ جَازَ إنْ سَاوَى الْعَشَرَةَ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ لَزِمَهُ مُتَتَابِعًا لَكِنْ إنْ أَفْطَرَ قَضَاهُ بِلَا لُزُومِ اسْتِئْنَافٍ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِأَلْفٍ مِنْ مَالِهِ وَهُوَ يَمْلِكُ دُونَهَا لَزِمَهُ فَقَطْ كَمَا لَوْ قَالَ مَا لِي فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ وَلَا مَالَ لَهُ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِهَذِهِ الْمِائَةِ يَوْمَ كَذَا عَلَى زَيْدٍ فَتَصَدَّقَ بِمِائَةٍ أُخْرَى قَبْلَهُ عَلَى فَقِيرٍ آخَرَ جَازَ. وَفِي الْوَلَوْالِجيَّةِ إذَا حَلَفَ بِالنَّذْرِ وَهُوَ يَنْوِي صِيَامًا وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا مَعْلُومًا فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ أَوْ إنْ نَوَى صَدَقَةً وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا فَعَلَيْهِ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ (وَمَنْ وَصَلَ بِحَلِفِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَدْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ» إلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الِاتِّصَالِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ رُجُوعٌ وَلَا رُجُوعَ فِي الْيَمِينِ، إلَّا إذَا كَانَ انْقِطَاعُهُ بِتَنَفُّسٍ أَوْ سُعَالٍ أَوْ نَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ. وَفِي التَّنْوِيرِ وَيَبْطُلُ بِالِاسْتِثْنَاءِ كُلُّ مَا تَعَلَّقَ بِالْقَوْلِ مِنْ عِبَادَةٍ وَمُعَامَلَةٍ بِخِلَافِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْقَلْبِ. [بَابُ الْيَمِينِ فِي الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ وَالْإِتْيَانِ وَالسُّكْنَى وَغَيْرِ ذَلِكَ] َ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْأَفْعَالِ الَّتِي يُحْلَفُ عَلَيْهَا وَلَا سَبِيلَ إلَى حَصْرِهَا لِكَثْرَتِهَا لِتَعَلُّقِهَا بِاخْتِيَارِ الْفَاعِلِ فَيَدُورُ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِهِمْ، وَالْمَذْكُورُ نَوْعَانِ أَفْعَالٌ حِسِّيَّةٌ وَأُمُورٌ شَرْعِيَّةٌ، وَبَدَأَ بِالْأَهَمِّ، وَهُوَ الدُّخُولُ وَنَحْوُهُ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْحُلُولِ فِي مَكَان أَلْزَمُ لِلْجِسْمِ مِنْ أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ الْأَصْلُ أَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ عِنْدَنَا لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَعَلَى الِاسْتِعْمَالِ الْقُرْآنِيِّ كَمَا عَنْ مَالِكٍ وَلَا عَلَى النِّيَّةِ مُطْلَقًا كَمَا عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إنَّمَا يَتَكَلَّمُ بِالْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ أَعْنِي الْأَلْفَاظَ

стр. 548

الَّتِي يُرَادُ بِهَا مَعَانِيهَا الَّتِي وُضِعَتْ فِي الْعُرْفِ كَمَا أَنَّ الْعَرَبِيَّ حَالَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ إنَّمَا يَتَكَلَّمُ بِالْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ وَيَجِبُ صَرْفُ أَلْفَاظِ الْمُتَكَلِّمِ إلَى مَا عُهِدَ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِهَا وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ. (حَلَفَ) بِالْقَسَمِ أَوْ الشَّرْطِيَّةِ (لَا يَدْخُلُ بَيْتًا فَدَخَلَ الْكَعْبَةَ أَوْ الْمَسْجِدَ أَوْ الْبِيعَةَ أَوْ الْكَنِيسَةَ لَا يَحْنَثُ) ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ أُعِدَّ لِلْبَيْتُوتَةِ وَهَذِهِ الْبِقَاعُ مَا بُنِيَتْ لَهَا وَتَسْمِيَةُ الْبَيْتِ لِلْكَعْبَةِ، وَالْمَسْجِدِ مَجَازٌ وَمُطْلَقُ الِاسْمِ يَنْصَرِفُ إلَى الْحَقِيقَةِ. (وَكَذَا) أَيْ لَا يَحْنَثُ (لَوْ دَخَلَ دِهْلِيزًا) مُعَرَّبٌ بِكَسْرِ الدَّالِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْبَابِ وَدَاخِلِ الدَّارِ (أَوْ ظُلَّةَ بَابِ دَارٍ إنْ كَانَ لَوْ أُغْلِقَ) الْبَابُ (يَبْقَى خَارِجًا وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ خَارِجًا لَوْ أُغْلِقَ الْبَابُ (حَنِثَ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا قَيْدٌ لِلدِّهْلِيزِ، وَالظُّلَّةِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَغَيْرُهُ الظُّلَّةُ بِالضَّمِّ السَّابَاطُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى بَابِ الدَّارِ مِنْ سَقْفٍ لَهُ جُذُوعٌ أَطْرَافُهَا عَلَى جِدَارِ الْبَابِ وَأَطْرَافُهَا الْأُخَرُ عَلَى جِدَارِ الْجَارِ الْمُقَابِلِ لَهُ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِهِ؛ لِأَنَّ الظُّلَّةَ إذَا كَانَ مَعْنَاهَا مَا هُوَ دَاخِلُ الْبَيْتِ مُسْقَفًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِدُخُولِهِ؛ لِأَنَّهُ يُبَاتُ فِيهِ، وَالْمُرَادُ مِنْ الدِّهْلِيزِ مَا لَمْ يَصْلُحْ لِلْبَيْتُوتَةِ أَمَّا إذَا كَانَ كَبِيرًا بِحَيْثُ يُبَاتُ فِيهِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِدُخُولِهِ فَإِنَّ مِثْلَهُ يُعْتَادُ بَيْتُوتَةً لِلضُّيُوفِ فِي بَعْضِ الْقُرَى وَفِي بَعْضِ الْمُدُنِ يَبِيتُ فِيهِ بَعْضُ الْأَتْبَاعِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ انْتَهَى. وَمَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى هَذَا زَعَمَ أَنَّهُ قَيْدٌ لِلدِّهْلِيزِ فَقَطْ فَقَالَ مَا قَالَ، تَدَبَّرْ (كَمَا لَوْ دَخَلَ صُفَّةً) أَيْ يَحْنَثُ فِي حَلِفِهِ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا فَدَخَلَ صُفَّةً عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ سَوَاءٌ كَانَ لَهَا أَرْبَعَةُ حَوَائِطَ كَمَا فِي صُفَّاتِ الْكُوفَةِ أَوْ ثَلَاثَةٌ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مُسْقَفًا كَمَا فِي صُفَّاتِ دِيَارِنَا؛ لِأَنَّهُ يُبَاتُ فِيهِ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ مَفْتَحَهُ وَاسِعٌ وَسَيَأْتِي أَنَّ السَّقْفَ لَيْسَ شَرْطًا فِي مُسَمًّى الْبَيْتِ فَيَحْنَثُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدِّهْلِيزُ مُسْقَفًا كَمَا فِي الْفَتْحِ (وَقِيلَ لَا يَحْنَثُ فِي الصُّفَّةِ أَيْضًا) أَيْ كَمَا لَوْ دَخَلَ دِهْلِيزًا أَوْ ظُلَّةَ بَابِ دَارٍ بِحَيْثُ لَوْ أُغْلِقَ الْبَابُ يَبْقَى خَارِجًا، فَإِنَّ الصُّفَّةَ عِنْدَهُمْ اسْمٌ لِبَيْتٍ صَيْفِيٍّ كَمَا فِي صُفَّاتِ الْكُوفَةِ وَأَمَّا فِي عُرْفِنَا فَهِيَ غَيْرُ الْبَيْتِ ذَاتُ ثَلَاثَةِ حَوَائِطَ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ (وَفِي حَلِفِهِ لَا يَدْخُلُ دَارًا) وَلَمْ يُسَمِّ دَارًا بِعَيْنِهَا وَلَمْ يَنْوِهَا (فَدَخَلَ دَارًا خَرِبَةً لَا يَحْنَثُ) ؛ لِأَنَّ الدَّارَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْبِنَاءِ، وَالْعَرْصَةُ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ وَغَيْرِهِ إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا أَنَّهَا اسْمٌ لِلْعَرْصَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَالْعَجَمِ، يُقَالُ دَارٌ عَامِرَةٌ وَدَارٌ غَامِرَةٌ، وَقَدْ شَهِدَتْ أَشْعَارُ الْعَرَبِ بِذَلِكَ، وَالْبِنَاءُ وَصْفٌ فِيهَا غَيْرَ أَنَّ الْوَصْفَ فِي الْحَاضِرِ لَغْوٌ وَفِي الْغَائِبِ مُعْتَبَرٌ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَضَعَّفَهُ الْكَافِي وَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْبِنَاءَ وَصْفٌ مَرْغُوبٌ؛ لِأَنَّ الْعَرْصَةَ تَنْقُصُ بِنُقْصَانِهِ، وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ فَإِذَا انْعَقَدَ النَّهْيُ عَلَى الْكَامِلِ لَا يَحْنَثُ بِالنَّاقِصِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ. (وَلَوْ قَالَ) وَاَللَّهِ لَا يَدْخُلُ (هَذِهِ الدَّارَ فَدَخَلَهَا) حَالَ كَوْنِهَا (خَرِبَةً) لِمُجَرَّدِ، الْإِيضَاحِ فَالْعِبَارَةُ وَلَوْ (صَحْرَاءَ) وَأَرَادَ بِالْخَرِبَةِ الدَّارَ الَّتِي لَمْ يَبْقَ فِيهَا بِنَاءٌ أَصْلًا أَمَّا إذَا زَالَ بَعْضُ حِيطَانِهَا وَبَقِيَ الْبَعْضُ

стр. 549

فَهَذِهِ دَارٌ خَرِبَةٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ فِي الْمُنَكَّرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ كَمَا فِي الْفَتْحِ (أَوْ) دَخَلَهَا (بَعْدَمَا بُنِيَتْ) هَذِهِ الدَّارُ الْخَرِبَةُ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْحَالِ، وَالشَّرْطِيَّةِ بِتَقْدِيرِ الْفِعْلِ مُعْتَبَرَةٌ (دَارًا أُخْرَى حَنِثَ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْبِنَاءَ وَصْفٌ، وَالْوَصْفُ فِي الْحَاضِرِ الْمُعَيَّنِ لَغْوٌ إذْ الْإِشَارَةُ أَبْلَغُ فِي التَّعْيِينِ. وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يَحْنَثُ فِي الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ إنْ حَلَفَ بِالْفَارِسِيَّةِ لَا يَحْنَثُ فِي الْمُنَكَّرِ، وَالْمُعَرَّفِ إلَّا بِدُخُولِ الْمَبْنِيَّةِ كَمَا فِي الْكَافِي. وَفِي الدُّرَرِ اعْتِرَاضَاتٌ عَلَى صَدْرِ الشَّرِيعَةِ لَكِنْ لَا جَدْوَى فِيهَا لِكَوْنِهَا مُدَافَعَةً وَدَعْوَى فَلْيُطَالَعْ. (وَكَذَا) يَحْنَثُ (لَوْ وَقَفَ عَلَى سَطْحِهَا) أَيْ سَطْحِ الدَّارِ؛ لِأَنَّ السَّطْحَ مِنْ الدَّارِ مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ مِنْ الْبَابِ بِأَنْ يُوصَلَ مِنْ سَطْحٍ آخَرَ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ بِالْخُرُوجِ إلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ (وَقِيلَ لَا يَحْنَثُ فِي عُرْفِنَا) أَيْ فِي عُرْفِ الْعَجَمِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَفِي الْخَانِيَّةِ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَدَخَلَهَا رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا أَوْ مَحْمُولًا بِامْرِئٍ حَنِثَ، وَكَذَا لَوْ نَزَلَ مِنْ سَطْحِهَا أَوْ صَعِدَ شَجَرَةً وَأَغْصَانُهَا فِي الدَّارِ فَقَامَ عَلَى غُصْنٍ لَوْ سَقَطَ يَسْقُطُ فِي الدَّارِ حَنِثَ، وَكَذَا لَوْ قَامَ عَلَى حَائِطٍ مِنْهَا. وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ إنْ كَانَ الْحَائِطُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَارِهِ لَا يَكُونُ حَانِثًا، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ بِالْفَارِسِيَّةِ فَارْتَقَى شَجَرَةً أَغْصَانُهَا فِي الدَّارِ أَوْ قَامَ عَلَى حَائِطٍ مِنْهَا أَوْ صَعِدَ السَّطْحَ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُعَدُّ دُخُولًا فِي الْعَجَمِ انْتَهَى. وَفِي الْكَافِي، وَالْمُخْتَارُ أَنْ لَا يَحْنَثَ إنْ كَانَ الْحَالِفُ مِنْ بِلَادِ الْعَجَمِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ عَلَى الْمُصَنِّفِ تَفْصِيلٌ تَدَبَّرْ. (وَلَوْ دَخَلَ طَاقَ بَابِهَا) أَيْ بَابِ الدَّارِ (أَوْ دِهْلِيزَهَا) أَيْ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَدَخَلَ طَاقَ بَابِهَا أَوْ دِهْلِيزَهَا (إنْ كَانَ لَوْ أُغْلِقَ) الْبَابُ (يَبْقَى خَارِجًا) مِنْ الدَّارِ (لَا يَحْنَثُ) وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ الدِّهْلِيزَ مَا بَيْنَ الدَّارِ، وَالْبَابِ كَمَا بُيِّنَ آنِفًا فَعَلَى هَذَا لَا يُمْكِنُ هَذَا التَّفْصِيلُ تَأَمَّلْ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ خَارِجًا (حَنِثَ) هَذَا إذَا كَانَ الْحَالِفُ وَاقِفًا بِقَدَمَيْهِ فِي طَاقِ الْبَابِ، فَلَوْ وَقَفَ بِإِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْعَتَبَةِ وَأَدْخَلَ الْأُخْرَى فَإِنْ اسْتَوَى الْجَانِبَانِ حَنِثَ، وَإِنْ كَانَ الْخَارِجُ أَسْفَلَ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ كَانَ الْجَانِبُ الدَّاخِلُ أَسْفَلَ حَنِثَ وَقِيلَ لَا يَحْنَثُ مُطْلَقًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ. وَفِي الْمِنَحِ وَلَوْ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ الْخُرُوجَ انْعَكَسَ الْحُكْمُ. (وَلَوْ جُعِلَتْ) الدَّارُ الْمَحْلُوفَةُ الْمُعَيَّنَةُ (مَسْجِدًا أَوْ حَمَّامًا أَوْ بُسْتَانًا أَوْ بَيْتًا) أَوْ نَهْرًا أَوْ دَارًا (بَعْدَمَا خَرِبَتْ) الدَّارُ (فَدَخَلَهَا) أَيْ الْحَالِفُ (لَا يَحْنَثُ) لِتَبَدُّلِ اسْمِ الدَّارِ بِغَيْرِهِ هَذَا إذَا كَانَتْ الْإِشَارَةُ مَعَ التَّسْمِيَةِ أَمَّا لَوْ أَشَارَ وَلَمْ يُسَمِّ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِدُخُولِهَا عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ دَارًا أَوْ مَسْجِدًا أَوْ حَمَّامًا أَوْ بُسْتَانًا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ عُقِدَتْ عَلَى الْعَيْنِ دُونَ الِاسْمِ، وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ. (وَكَذَا) لَا يَحْنَثُ (لَوْ دَخَلَ بَعْدَ انْهِدَامِ الْحَمَّامِ وَأَشْبَاهِهِ) يَعْنِي لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ.

стр. 550

هَذِهِ الدَّارَ فَجُعِلَتْ حَمَّامًا أَوْ مَسْجِدًا أَوْ بُسْتَانًا، ثُمَّ انْهَدَمَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فَدَخَلَ الْعَرْصَةَ لَا يَحْنَثُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ اسْمَ الدَّارِ قَدْ زَالَ بِالْكُلِّيَّةِ بِاعْتِرَاضِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَلَيْهَا وَبِانْهِدَامِهَا لَا يَعُودُ اسْمُ الدَّارِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذَا الْمَسْجِدَ فَهُدِمَ، ثُمَّ بُنِيَ مَسْجِدٌ آخَرُ أَوْ لَا يَدْخُلُ هَذَا الْفُسْطَاطَ فَنُقِضَ وَضُرِبَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَدَخَلَهُ حَنِثَ لِعَدَمِ اعْتِرَاضِ اسْمٍ آخَرَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَكْتُبُ بِهَذَا الْقَلَمِ فَكَسَرَهُ، ثُمَّ بَرَّاهُ فَكَتَبَ بِهِ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَفِي إضَافَةِ الْهَدْمِ إلَى الْحَمَّامِ مَعَ كَوْنِ الْمَسْجِدِ يُذْكَرُ مُقَدَّمًا فِي الْأُولَى رِعَايَةُ أَمْرٍ حَسَنٍ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ. (وَفِي لَا يَدْخُلُ هَذَا الْبَيْتَ فَدَخَلَهُ بَعْدَمَا انْهَدَمَ) الْبَيْتُ (وَصَارَ صَحْرَاءَ أَوْ بَعْدَمَا بَنَى بَيْتًا آخَرَ لَا يَحْنَثُ) لِزَوَالِ اسْمِ الْبَيْتِ بَعْدَ الِانْهِدَامِ فَإِنَّهُ لَا يُبَاتُ فِيهِ (بِخِلَافٍ مِمَّا لَوْ سَقَطَ السَّقْفُ وَبَقِيَ الْجُدْرَانُ) فَإِنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ السَّقْفَ صِفَةُ الْكَمَالِ فِيهِ إذْ الْبَيْتُوتَةُ تَحْصُلُ عِنْدَ عَدَمِهِ فَصَارَ السَّقْفُ فِي الْبَيْتِ كَأَصْلِ الْبِنَاءِ فِي الدَّارِ. وَفِي الْوَجِيزِ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا فَدَخَلَ بَيْتًا لَا سَقْفَ لَهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ وَصْفٌ، وَالْوَصْفُ فِي الْغَائِبِ مُعْتَبَرٌ (وَفِي لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ، وَهُوَ) أَيْ، وَالْحَالُ أَنَّ الْحَالِفَ (فِيهَا) أَيْ فِي الدَّارِ (لَا يَحْنَثُ) اسْتِحْسَانًا (مَا لَمْ يَخْرُجْ، ثُمَّ يَدْخُلْ) ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَحْنَثَ تَنْزِيلًا لِلْبَقَاءِ مَنْزِلَةَ الِابْتِدَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الدُّخُولَ هُوَ الِانْفِصَالُ مِنْ الْخَارِجِ إلَى الدَّاخِلِ، وَهَذَا الْفِعْلُ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ فَلَا يُقَالُ دَخَلَ يَوْمًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُمْتَدًّا لَا يَكُونُ بَقَاؤُهُ كَابْتِدَائِهِ، وَنَظِيرُهُ لَا يَخْرُجُ، وَهُوَ خَارِجٌ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَدْخُلَ وَيَخْرُجَ، وَكَذَا لَا يَتَزَوَّجُ، وَهُوَ مُتَزَوِّجٌ، وَلَا يَتَطَهَّرُ، وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ فَاسْتَدَامَ الطَّهَارَةَ وَالنِّكَاحَ لَا يَحْنَثُ كَمَا فِي الْفَتْحِ. (وَفِي لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ، وَهُوَ) أَيْ، وَالْحَالُ أَنَّ الْحَالِفَ (لَابِسُهُ أَوْ لَا يَرْكَبُ هَذِهِ الدَّابَّةَ، وَهُوَ رَاكِبُهَا أَوْ لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ، وَهُوَ سَاكِنُهَا) ، ثُمَّ شَرَعَ فِي النَّشْرِ عَلَى التَّرْتِيبِ فَقَالَ (إنْ أَخَذَ) أَيْ شَرَعَ الْحَالِفُ (فِي النَّزْعِ) أَيْ نَزْعِ الثَّوْبِ (وَالنُّزُولِ) مِنْ الدَّابَّةِ (وَالنُّقْلَةِ) بِالضَّمِّ، وَالسُّكُونِ اسْمٌ لَا مَصْدَرٌ أَيْ انْتِقَالُهُ مِنْ بَابِ الدَّارِ (مِنْ غَيْرِ لُبْثٍ) مُتَعَلِّقٌ لِلْجَمِيعِ (لَا يَحْنَثُ) وَقَالَ زُفَرُ يَحْنَثُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَإِنْ قَلَّ قُلْنَا الْيَمِينُ شُرِعَتْ لِلْبِرِّ فَزَمَانُ تَحْصِيلِ الْبِرِّ مُسْتَثْنًى (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ فِي النَّزْعِ، وَالنُّزُولِ وَالنُّقْلَةِ وَلَبِثَ عَلَى حَالِهِ سَاعَةً (حَنِثَ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ مِمَّا تَمْتَدُّ وَيُضْرَبُ لَهَا آجَالٌ وَيُقَالُ لَبِثْت يَوْمًا وَرَكِبْت يَوْمًا وَسَكَنْت شَهْرًا فَأَعْطَى لِبَقَائِهَا حُكْمَ ابْتِدَائِهَا، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ كُلَّمَا رَكِبْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَهُوَ رَاكِبٌ فَمَكَثَ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ طَلُقَتْ ثَلَاثًا فِي كُلِّ سَاعَةٍ طَلْقَةً بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ رَاكِبًا فَرَكِبَ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً وَلَا تَطْلُقُ بِالِاسْتِمْرَارِ. وَفِي الْبَحْرِ تَفْصِيلٌ فَلْيُرَاجَعْ (ثُمَّ فِي لَا يَسْكُنُ هَذَا الْبَيْتَ أَوْ هَذِهِ الدَّارَ لَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِهِ بِجَمِيعِ أَهْلِهِ) بِالِاتِّفَاقِ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ مِنْهُ كَمَا لَوْ أَبَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ تَنْتَقِلَ وَغَلَبَتْهُ وَخَرَجَ هُوَ وَلَمْ يُرِدْ الْعَوْدَ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ (وَمَتَاعِهِ حَتَّى

стр. 551

لَوْ بَقِيَ وَتِدٌ) مِنْ مَتَاعِهِ (يَحْنَثُ) عِنْدَ الْإِمَامِ كَمَا يَحْنَثُ لَوْ بَقِيَ شَيْءٌ لَا قِيمَةَ لَهُ، لَكِنْ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ أَنَّ مَشَايِخَنَا قَالُوا هَذَا إذَا كَانَ الْبَاقِي مِمَّا يُقْصَدُ بِهِ السُّكْنَى فَأَمَّا بِبَقَاءِ مِكْنَسَةٍ أَوْ وَتِدٍ أَوْ قِطْعَةِ حَصِيرٍ لَا يَبْقَى سَاكِنًا فَلَا يَحْنَثُ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُعْتَبَرُ نَقْلُ الْأَكْثَرِ) لِتَعَذُّرِ نَقْلِ الْكُلِّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَالْكَافِي وَغَيْرِهِمَا (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ نَقْلُ مَا يَقُومُ بِهِ كَدَخْدَائِيَّتِهِ) أَيْ يُعْتَبَرُ نَقْلُ مَا لَا بُدَّ فِي الْبَيْتِ مِنْ آلَاتِ الِاسْتِعْمَالِ (وَهُوَ) أَيْ قَوْلُ مُحَمَّدٍ (الْأَحْسَنُ وَالْأَرْفَقُ) بِالنَّاسِ وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ. وَفِي الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، لَكِنْ فِي الْبَحْرِ الْفَتْوَى بِمَذْهَبِ الْإِمَامِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَرْفَقَ هَذَا إذَا كَانَ مُسْتَقِلًّا بِسُكْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ لَوْ كَانَ سُكْنَاهُ تَبَعًا كَابْنٍ كَبِيرٍ سَاكِنٍ مَعَ أَبِيهِ وَامْرَأَةٍ مَعَ زَوْجِهَا فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ وَتَرَكَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَهِيَ زَوْجَهَا وَمَالَهَا لَا يَحْنَثُ، ثُمَّ قَالُوا هَذَا إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ بِالْعَرَبِيَّةِ فَلَوْ عَقَدَ بِالْفَارِسِيَّةِ فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ بِعَزْمِ أَنْ لَا يَعُودَ لَا يَحْنَثُ، وَالْكُلُّ مُقَيَّدٌ بِالْإِمْكَانِ، حَتَّى لَوْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَاشْتَغَلَ بِطَلَبِ دَارٍ أُخْرَى لِنَقْلِ الْأَهْلِ، وَالْمَتَاعِ، أَوْ خَرَجَ لِطَلَبِ دَابَّةٍ لِيَنْتَقِلَ عَنْهَا الْمَتَاعَ فَلَمْ يَجِدْ أَيَّامًا لَمْ يَحْنَثْ، أَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى أَصْبَحَ، أَوْ كَانَتْ الْأَمْتِعَةُ كَثِيرَةً فَخَرَجَ، وَهُوَ يَنْتَقِلُ الْأَمْتِعَةَ بِنَفْسِهِ كَمَا يَنْتَقِلُ النَّاسُ فَإِنْ نَقَلَ لَا كَمَا يَنْتَقِلُ النَّاسُ يَكُونُ حَانِثًا، أَوْ وَجَدَ بَابَ الدَّارِ مُغْلَقًا وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْفَتْحِ وَلَا عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ وَكَذَا لَوْ قَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ لِهَدْمِ بَعْضِ الْحَائِطِ وَلَمْ يَهْدِمْ لَا يَحْنَثُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ إنْ لَمْ أَخْرُجْ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ الْيَوْمَ فَقُيِّدَ وَمُنِعَ مِنْ الْخُرُوجِ أَيَّامًا يَحْنَثُ عَلَى الصَّحِيحِ (ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ نُقْلَتِهِ) أَيْ يَنْبَغِي أَنْ يَنْتَقِلَ (إلَى مَنْزِلٍ آخَرَ بِلَا تَأْخِيرٍ حَتَّى لَا يَبَرَّ بِنُقْلَتِهِ إلَى السِّكَّةِ أَوْ الْمَسْجِدِ) اسْتِدْلَالًا بِمَا ذُكِرَ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّ مَنْ خَرَجَ بِعِيَالِهِ مِنْ مِصْرِهِ

стр. 552

فَلَمْ يَتَّخِذْ وَطَنًا آخَرَ يَبْقَى وَطَنُهُ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ فَكَذَا هَذَا، وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ لَوْ انْتَقَلَ إلَى السِّكَّةِ وَسَلَّمَ الدَّارَ إلَى صَاحِبِهَا أَوْ آجَرَهَا وَسَلَّمَهَا بَرَّ فِي يَمِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَّخِذْ دَارًا أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ سَاكِنًا انْتَهَى. هَذَا أَرْفَقُ وَلَعَلَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ لَكِنْ فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ يَحْنَثُ مَا لَمْ يَتَّخِذْ مَسْكَنًا آخَرَ. (وَكَذَا) أَيْ لَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِهِ بِجَمِيعِ أَهْلِهِ بِالِاتِّفَاقِ وَعِيَالِهِ بِالِاخْتِلَافِ كَمَا مَرَّ فِي حَلِفِهِ (لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الْمَحَلَّةَ) ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّةَ بِمَنْزِلَةِ الدَّارِ. (وَفِي لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الْبَلْدَةَ أَوْ الْقَرْيَةَ يَبَرُّ بِخُرُوجِهِ وَتَرْكِ أَهْلِهِ وَمَتَاعِهِ فِيهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ سَاكِنًا فِيهِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ سَاكِنًا فِي مِصْرٍ وَلَهُ فِي مِصْرٍ آخَرَ أَهْلٌ وَمَتَاعٌ، وَالْقَرْيَةُ بِمَنْزِلَةِ الْمِصْرِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْجَوَابِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (وَفِي لَا يَخْرُجُ) مِنْ هَذِهِ الدَّارِ مَثَلًا (فَأَمَرَ) الْحَالِفُ (مَنْ حَمَلَهُ وَأَخْرَجَهُ) عَنْهَا (حَنِثَ) ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْمَأْمُورِ يَنْتَقِلُ إلَى الْآمِرِ فَصَارَ كَدَابَّةٍ يَرْكَبُهَا فَيَخْرُجُ عَلَيْهَا (وَلَوْ حُمِلَ) الْحَالِفُ (وَأُخْرِجَ بِلَا أَمْرِهِ) حَالَ كَوْنِهِ (مُكْرَهًا) بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ (أَوْ رَاضِيًا) بِقَبْلِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ (لَا يَحْنَثُ) فِي الصَّحِيحِ أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِعَدَمِ فِعْلِهِ حَقِيقَةً، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَحُكْمًا لِعَدَمِ الْأَمْرِ مِنْهُ، وَالثَّانِي؛ فَلِأَنَّ انْتِقَالَ الْفِعْلِ بِالْأَمْرِ لَا الرِّضَى فَلَوْ هَدَّدَهُ فَخَرَجَ حَنِثَ لِوُجُودِ الْفِعْلِ مِنْهُ حَقِيقَةً وَإِذَا لَمْ يَحْنَثْ فِيهِمَا لَا يَنْحَلُّ فِي الصَّحِيحِ لِعَدَمِ فِعْلِهِ، وَقِيلَ يَنْحَلُّ وَيَظْهَرُ أَثَرُ هَذَا الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ دَخَلَ بَعْدَ هَذَا الْإِخْرَاجِ هَلْ يَحْنَثُ فَمَنْ قَالَ انْحَلَّتْ قَالَ لَا يَحْنَثُ وَمَنْ قَالَ لَا يَنْحَلُّ قَالَ حَنِثَ وَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ، وَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ مِنْ أَنَّ اللَّائِقَ بِالْكِتَابِ أَنْ يَتْرُكَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ؛ لِأَنَّهُ مَفْهُومٌ بِسَابِقِهِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْخِلَافِ، وَالْعَجَبُ مِنْهُ أَنَّهُ صَرَّحَ فِي قَوْلِهِ مُكْرَهًا فَقَالَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ وَإِلَّا فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ تَأَمَّلْ (وَمِثْلُهُ) أَيْ لَا يَخْرُجُ (لَا يَدْخُلُ) هَذِهِ الدَّارَ أَقْسَامًا وَحُكْمًا فَالْأَقْسَامُ أَنْ يَخْرُجَ بِأَمْرِهِ وَأَنْ يَخْرُجَ بِلَا أَمْرِهِ إمَّا مُكْرَهًا أَوْ رَاضِيًا، وَالْحُكْمُ الْحِنْثُ فِي الْأَوَّلِ وَعَدَمُهُ فِي الْآخَرَيْنِ كَمَا فِي الدُّرَرِ، لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُصَوَّرَ بِالدُّخُولِ فَقَالَ أَنْ يَدْخُلَ فِي مَكَانِ أَنْ يَخْرُجَ لِكَوْنِهِ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ تَأَمَّلْ (وَفِي لَا يَخْرُجُ) مِنْهَا (إلَّا إلَى جِنَازَةٍ) مَثَلًا (فَخَرَجَ) مِنْ بَابِ دَارِهِ (إلَيْهَا) حَالَ كَوْنِهِ يُرِيدُهَا (ثُمَّ) أَيْ بَعْدَ الْخُرُوجِ، وَالْإِرَادَةِ (أَتَى حَاجَةً أُخْرَى لَا يَحْنَثُ) بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْخُرُوجُ إلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا خَرَجَ إلَى الْجِنَازَةِ وَأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ الْيَمِينِ، وَالْإِتْيَانُ بَعْدَ ذَلِكَ لَيْسَ بِخُرُوجٍ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ خَرَجْت مِنْهَا إلَى الْمَسْجِدِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَخَرَجَتْ تُرِيدُ الْمَسْجِدَ، ثُمَّ بَدَا لَهَا فَذَهَبَتْ إلَى غَيْرِ الْمَسْجِدِ لَمْ تَطْلُقْ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ. (وَفِي لَا يَخْرُجُ) مِنْ بَلَدِهِ (إلَى مَكَّةَ) مَثَلًا، وَالْأَوْلَى اخْتِيَارُ غَيْرِهَا مِنْ الْبُلْدَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِالْمُسْلِمِ (فَخَرَجَ) مِنْ رَبَضِهِ حَالَ كَوْنِهِ (يُرِيدُهَا، ثُمَّ رَجَعَ) إلَيْهِ (حَنِثَ) لِوُجُودِ الْخُرُوجِ قَاصِدًا إلَيْهَا، وَهُوَ

стр. 553

الشَّرْطُ إذْ الْخُرُوجُ هُوَ الِانْفِصَالُ مِنْ الدَّاخِلِ إلَى الْخَارِجِ وَإِنَّمَا قُلْنَا مِنْ رَبَضِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ قَاصِدًا مَكَّةَ وَلَمْ يُجَاوِزْ عُمْرَانَ مِصْرِهِ لَا يَحْنَثُ بِخِلَافِ الْخُرُوجِ إلَى الْجِنَازَةِ هَذَا إذَا كَانَ بَيْنَهَا مُدَّةُ السَّفَرِ أَمَّا لَوْ لَمْ يَكُنْ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ بِمُجَرَّدِ انْفِصَالِهِ مِنْ الدَّاخِلِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ فَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَطْلَقَ فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ تَأَمَّلْ (وَفِي لَا يَأْتِيهَا) أَيْ مَكَّةَ (لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يَدْخُلْهَا) فَإِنَّ الْإِتْيَانَ عِبَارَةٌ عَنْ الْوُصُولِ كَمَا لَا يَحْنَثُ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا تَأْتِيَ امْرَأَتُهُ عُرْسَ فُلَانٍ فَذَهَبَتْ قَبْلَ الْعُرْسِ وَكَانَتْ ثَمَّةَ حَتَّى مَضَى الْعُرْسُ وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ (وَالذَّهَابُ) مَعْنًى (كَالْخُرُوجِ) فَإِذَا حَلَفَ لَا يَذْهَبُ إلَى مَكَّةَ فَخَرَجَ يُرِيدُهَا حَنِثَ (فِي الْأَصَحِّ) عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ الصَّاحِبَيْنِ فَيُشْتَرَطُ الْخُرُوجُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَقِيلَ هُوَ كَالْإِتْيَانِ فَيُشْتَرَطُ الْوُصُولُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فَلِهَذَا قَدَّمَهُ مَا نَوَى؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ (وَفِي) وَاَللَّهِ (لَيَأْتِيَنَّ فُلَانًا فَلَمْ يَأْتِهِ حَتَّى مَاتَ حَنِثَ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ) أَجْزَاءِ (حَيَاتِهِ) ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْإِتْيَانِ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ لَا قَبْلَهُ، وَفِي الْغَايَةِ وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْحَالِفَ فِي الْيَمِينِ الْمُطْلَقَةِ لَا يَحْنَثُ مَا دَامَ الْحَالِفُ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَائِمَيْنِ لِتَصَوُّرِ الْبِرِّ، فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، فَعَلَى هَذَا أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ حَتَّى مَاتَ يَعُودُ إلَى أَحَدِهِمَا أَيِّهِمَا كَانَ لَا أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْحَالِفِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ. (وَإِنْ قُيِّدَ الْإِتْيَانُ غَدًا بِالِاسْتِطَاعَةِ فَهُوَ) مَحْمُولٌ (عَلَى سَلَامَةِ الْآلَاتِ وَعَدَمِ الْمَوَانِعِ) الْحِسِّيَّةِ فَيَنْصَرِفُ اللَّفْظُ إلَيْهِمَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ. وَفِي الْبَحْرِ فَهِيَ اسْتِطَاعَةُ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُرَادُ فِي الْعُرْفِ فَهِيَ سَلَامَةُ الْآلَاتِ وَصِحَّةُ الْأَسْبَابِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ الِاسْتِطَاعَةُ رَفْعُ الْمَوَانِعِ (فَلَوْ لَمْ يَأْتِ وَ) الْحَالُ (لَا مَانِعَ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سُلْطَانٍ) أَوْ عَارِضٍ آخَرَ (حَنِثَ) إلَّا إذَا نَسِيَ الْيَمِينَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ كَمَا فِي الْبَحْرِ؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ مَانِعٌ وَكَذَا لَوْ جُنَّ فَلَمْ يَأْتِهِ حَتَّى مَضَى الْغَدُ. (وَلَوْ نَوَى) الِاسْتِطَاعَةَ (الْحَقِيقَةَ) وَهِيَ الْقُدْرَةُ الَّتِي يُحْدِثُهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْعَبْدِ عِنْدَ الْفِعْلِ وَذَا شَرْطٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا عِلَّةٌ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (صُدِّقَ دِيَانَةً) ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ (لَا قَضَاءَ فِي) الْقَوْلِ (الْمُخْتَارِ) ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ. وَفِي رِوَايَةٍ صُدِّقَ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إذَا نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ فَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ لَا يُخَالِفُهُ صُدِّقَ دِيَانَةً وَقَضَاءً وَإِلَّا فَفِي تَصْدِيقِهِ قَضَاءً رِوَايَتَانِ، وَالْمُخْتَارُ عَدَمُ التَّصْدِيقِ فَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُخْتَارِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ إنَّ الِاسْتِطَاعَةَ اسْتِطَاعَةُ الْأَمْوَالِ كَالزَّادِ، وَالرَّاحِلَةِ وَاسْتِطَاعَةُ الْأَفْعَالِ كَالْأَعْضَاءِ السَّلِيمَةِ وَاسْتِطَاعَةُ الْأَحْوَالِ وَهِيَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْأَفْعَالِ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْأَوَّلَيْنِ وَيُسَمَّيَانِ بِالتَّوْفِيقِيَّةِ، وَالْأَخِيرَةُ بِالتَّكْلِيفِيَّةِ. (وَفِي لَا تَخْرُجُ) امْرَأَتُهُ (إلَّا بِإِذْنِهِ) أَيْ بِإِذْنِ الزَّوْجِ أَيْ لَا تَخْرُجُ خُرُوجًا إلَّا خُرُوجًا مُلْصَقًا بِإِذْنِهِ (شُرِطَ الْإِذْنُ لِكُلِّ خُرُوجٍ) ؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ وَقَعَتْ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ، وَلَوْ نَوَى الْإِذْنَ مَرَّةً صُدِّقَ دِيَانَةً.

стр. 554

لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ، لَا قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ لَهَا كُلَّمَا أَرَدْت الْخُرُوجَ فَقَدْ أَذِنْت لَك، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ الشَّرْطُ فِي غَيْرِ إذْنِي وَكَذَا فِي إلَّا بِرِضَائِي أَوْ إرَادَتِي أَوْ أَمْرِي، وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ بِلَا فَهْمٍ لِكَوْنِهَا نَائِمَةً أَوْ عَجَمِيَّةً فَلَيْسَ بِإِذْنٍ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِ الطَّرَفَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَفِي الْبَحْرِ وَفِي قَوْلِهِ إنْ خَرَجْت مِنْ الدَّارِ إلَّا بِإِذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ لَا يَحْنَثُ بِخُرُوجِهَا بِوُقُوعِ غَرَقٍ أَوْ حَرْقٍ غَالِبٍ فِيهَا (وَفِي إلَّا إنْ) أَيْ حَتَّى (أَذِنَ يَكْفِي الْإِذْنُ مَرَّةً) فَلَا يَحْنَثُ إنْ خَرَجَتْ بِلَا إذْنٍ بَعْدَمَا خَرَجَتْ بِإِذْنٍ مَرَّةً؛ لِأَنَّ إلَّا إنْ لِلْغَايَةِ فَتَنْتَهِي الْيَمِينُ بِهِ. وَفِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ سُؤَالٌ وَجَوَابٌ فَلْيُطَالَعْ (وَفِي لَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِهِ لَوْ أَذِنَ لَهَا فِيهِ) أَيْ فِي الْخُرُوجِ (مَتَى شَاءَتْ) يَعْنِي إذَا قَالَ إنْ خَرَجْتِ إلَّا بِإِذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ لَهَا أَذِنْتُ لَك أَنْ تَخْرُجِي كُلَّمَا شِئْت (ثُمَّ نَهَاهَا) عَنْ الْخُرُوجِ (فَخَرَجَتْ لَا يَحْنَثُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) ؛ لِأَنَّ نَهْيَهُ بَعْدَ إذْنِهِ الْعَامِّ لَا يُفِيدُ لِارْتِفَاعِ الْيَمِينِ بَعْدَ الْإِذْنِ الْعَامِّ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهَا بِالْخُرُوجِ مَرَّةً، ثُمَّ نَهَاهَا يُعْمَلُ نَهْيُهُ اتِّفَاقًا فَكَذَا بَعْدَ الْإِذْنِ الْعَامِّ. وَفِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَدَّمَهُ لَكَانَ أَوْلَى كَمَا هُوَ دَأْبُهُ تَدَبَّرْ. (وَلَوْ أَرَادَتْ) الْمَرْأَةُ (الْخُرُوجَ فَقَالَ) الزَّوْجُ (إنْ خَرَجْت) فَأَنْتِ طَالِقٌ (أَوْ) أَرَادَتْ (ضَرْبَ الْعَبْدِ فَقَالَ إنْ ضَرَبْت) فَعَبْدُهُ حُرٌّ (تَقَيَّدَ الْحِنْثُ بِالْفِعْلِ فَوْرًا) أَيْ تَقَيَّدَ يَمِينُهُ بِتِلْكَ الْخُرْجَةِ، وَالضَّرْبَةِ (فَلَوْ لَبِثَتْ) سَاعَةً (ثُمَّ فَعَلَتْ) أَيْ خَرَجَتْ أَوْ ضَرَبَتْ (لَا يَحْنَثُ) الْحَالِفُ وَهَذِهِ يَمِينُ الْفَوْرِ مَأْخُوذٌ مِنْ فَارَتْ الْقِدْرُ إذَا غَلَتْ فَاسْتُعِيرَ لِلسُّرْعَةِ، ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهِ الْحَالَةُ الَّتِي لَا لُبْثَ فِيهَا وَتَفَرَّدَ الْإِمَامُ بِإِظْهَارِهَا وَلَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ فِيهِ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَقُولُونَ الْيَمِينُ نَوْعَانِ مُطْلَقَةٌ كَلَا يَفْعَلُ كَذَا وَمُوَقَّتَةٌ كَلَا تَفْعَلُ كَذَا الْيَوْمَ فَخَرَّجَ قِسْمًا ثَالِثًا وَهِيَ الْمُوَقَّتَةُ مَعْنًى الْمُطْلَقَةُ لَفْظًا وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ لَمْ أَخْرُجْ أَوْ لَمْ أَذْهَبْ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ وَنَوَى الْخُرُوجَ، وَالذَّهَابَ دُونَ السُّكْنَى، وَالْفَوْرِ لَمْ يَحْنَثْ بِالتَّوَقُّفِ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ نَوَى السُّكْنَى أَوْ الْفَوْرَ أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ حَنِثَ كَمَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِيَيْنِ. (قَالَ لِآخَرَ اجْلِسْ فَتَغَدَّ مَعِي فَقَالَ إنْ تَغَدَّيْت فَكَذَا) أَيْ فَعَبْدِي حُرٌّ مَثَلًا (لَا يَحْنَثُ بِالتَّغَدِّي لَا مَعَهُ) أَيْ بِدُونِهِ. (وَلَوْ) وَصْلِيَّةً (فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ) ؛ لِأَنَّ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ الزَّجْرُ عَنْ تِلْكَ الْحَالَةِ فَيَتَقَيَّدُ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَتَقَيَّدُ بِالْحَالِ فَيَنْصَرِفُ إلَى الْغَدَاءِ الْمَدْعُوِّ إلَيْهِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَحْنَثَ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى مُطْلَقِ الْغَدَاءِ فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ غَدَاءٍ (إلَّا أَنْ قَالَ إنْ تَغَدَّيْت الْيَوْمَ) أَوْ مَعَك فَعَبْدِي حُرٌّ فَتَغَدَّى فِي بَيْتِهِ أَوْ مَعَهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى قَدْرِ الْجَوَابِ فَيُجْعَلُ مُبْتَدَأً. (وَفِي لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ فُلَانٍ) أَيْ حَلَفَ عَلَيْهِ (فَرَكِبَ دَابَّةَ عَبْدٍ لَهُ) أَيْ لِفُلَانٍ (مَأْذُونٍ لَا يَحْنَثُ إلَّا إنْ نَوَاهُ) أَيْ مَرْكَبَ مَأْذُونٍ (وَهُوَ) الْحَالُ أَنَّ الْعَبْدَ (غَيْرُ مُسْتَغْرَقٍ بِالدَّيْنِ) فَحِينَئِذٍ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ مَرْكَبَهُ

стр. 555

لِمَوْلَاهُ فَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ مُسْتَغْرِقًا لَا يَحْنَثُ وَإِنْ نَوَى؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لِلْمَوْلَى فِي كَسْبِ عَبْدِهِ الْمَدْيُونِ الْمُسْتَغْرَقِ عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَحْنَثُ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَا (إنْ نَوَاهُ) ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ اسْتِغْرَاقُ كَسْبِ الْعَبْدِ بِالدَّيْنِ لَا يَمْنَعُ مِلْكَ الْمَوْلَى إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ لِاخْتِلَالِ الْإِضَافَةِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (يَحْنَثُ مُطْلَقًا وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ) اعْتِبَارًا لِحَقِيقَةِ الْمِلْكِ الثَّابِتِ لِلسَّيِّدِ إذْ اسْتِغْرَاقُ الدَّيْنِ بِالْكَسْبِ لَا يَمْنَعُ مِلْكَ الْمَوْلَى عِنْدَهُ قُيِّدَ بِالْمَأْذُونِ؛ لِأَنَّ مَرْكَبَ الْمُكَاتَبِ لَيْسَ مَرْكَبًا لِمَوْلَاهُ فَلَا يَحْنَثُ بِالِاتِّفَاقِ. وَفِي الْبَحْرِ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ فَالْيَمِينُ عَلَى مَا يَرْكَبُهُ النَّاسُ مِنْ الْفَرَسِ، وَالْبَغْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَوْ رَكِبَ ظَهْرَ إنْسَانٍ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ أَوْهَامَ النَّاسِ لَا تَسْبِقُ إلَى هَذَا حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً وَلَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَرَكِبَ حِمَارًا أَوْ فَرَسًا أَوْ بِرْذَوْنًا أَوْ بَغْلًا حَنِثَ فَإِنْ رَكِبَ غَيْرَهَا نَحْوَ الْبَعِيرِ، وَالْفِيلِ لَا يَحْنَثُ اسْتِحْسَانًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ فَرَسًا فَرَكِبَ بِرْذَوْنًا أَوْ بِالْعَكْسِ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْفَرَسَ اسْمٌ لِلْعَرَبِيِّ، وَالْبِرْذَوْنَ لِلْعَجَمِيِّ، وَالْخَيْلُ يَنْتَظِمُ الْكُلَّ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِنْ كَانَتْ بِالْفَارِسِيَّةِ يَحْنَثُ بِكُلِّ حَالٍ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً فَحُمِلَ عَلَى الدَّابَّةِ مُكْرَهًا لَا يَحْنَثُ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ أَوْ لَا يَرْكَبُ مَرْكَبًا فَرَكِبَ سَفِينَةً أَوْ مَحْمَلًا أَوْ دَابَّةً حَنِثَ وَلَوْ رَكِبَ آدَمِيًّا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ انْتَهَى. وَفِي التَّبْيِينِ لَوْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ حَيَوَانًا يَحْنَثُ بِالرُّكُوبِ عَلَى إنْسَانٍ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْحَيَوَانِ، وَالْعُرْفُ الْعَمَلِيُّ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُرْكَبُ عَادَةً لَا يَصْلُحُ مُقَيِّدًا انْتَهَى لَكِنْ يُشْكِلُ بِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ لَا عَلَى الْأَلْفَاظِ وَلَا عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ قَالُوا فِي الْأُصُولِ الْحَقِيقَةُ تُتْرَكُ بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ إذْ لَيْسَتْ الْعَادَةُ إلَّا عُرْفًا عَمَلِيًّا تَأَمَّلْ. [بَابُ الْيَمِينِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللُّبْسِ وَالْكَلَامِ] ِ الْأَكْلُ إيصَالُ مَا يَحْتَمِلُ الْمَضْغَ بِفِيهِ إلَى الْجَوْفِ مَضَغَ أَوْ لَا كَالْخُبْزِ، وَاللَّحْمِ، وَالْفَاكِهَةِ وَنَحْوِهَا، وَالشُّرْبُ إيصَالُ مَا لَا يَحْتَمِلُ الْمَضْغَ مِنْ الْمَائِعَاتِ إلَى الْجَوْفِ مِثْلُ الْمَاءِ، وَالنَّبِيذِ، وَاللَّبَنِ، وَالْعَسَلِ فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ يَحْنَثُ وَإِلَّا فَلَا إلَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ يُسَمَّى أَكْلًا أَوْ شُرْبًا فِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فَيَحْنَثُ فَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ كَذَا وَلَا يَشْرَبُ فَأَدْخَلَهُ فِي فِيهِ وَمَضَغَهُ، ثُمَّ أَلْقَاهُ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يُدْخِلَهُ فِي جَوْفِهِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذِهِ الْبَيْضَةَ أَوْ الْجَوْزَةَ فَابْتَلَعَهَا حَنِثَ لِوُجُودِ الْأَكْلِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُمَّانًا فَجَعَلَ يَمُصُّهُ وَيَرْمِي بِثُفْلِهِ وَيَبْتَلِعُ مَاءَهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ هَذَا مَصٌّ لَيْسَ بِأَكْلٍ وَلَا شُرْبٍ وَأَمَّا الذَّوْقُ فَهُوَ مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ بِفِيهِ مِنْ غَيْرِ إدْخَالِ عَيْنِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَكْلَ، وَالشُّرْبَ يُفْطِرُ لَا الذَّوْقَ. وَفِي الْبَحْرِ لَوْ حَلَفَ لَا يَذُوقُ فِي مَنْزِلِ فُلَانٍ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا فَذَاقَ شَيْئًا أَدْخَلَهُ فِي فِيهِ وَلَمْ يَصِلْ إلَى جَوْفِهِ حَنِثَ. فَإِذَا عَلِمَ هَذِهِ لَوْ حَلَفَ (لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ فَهُوَ) أَيْ الْأَكْلُ يَقَعُ (عَلَى ثَمَرِهَا) بِالْمُثَلَّثَةِ (وَدِبْسِهَا غَيْرِ الْمَطْبُوخِ) ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْيَمِينَ إلَى مَا لَا يُؤْكَلُ فَيَنْصَرِفُ إلَى

стр. 556

مَا يَخْرُجُ مِنْهَا بِلَا صُنْعِ أَحَدٍ تَجَوُّزًا بِاسْمِ السَّبَبِ، وَهُوَ النَّخْلَةُ فِي الْمُسَبَّبِ، وَهُوَ الْخَارِجُ؛ لِأَنَّهَا سَبَبٌ فِيهِ لَكِنَّ شَرْطَهُ أَنْ لَا يَتَغَيَّرَ بِصِفَةٍ حَادِثَةٍ فَلِذَا قَيَّدَهُ بِغَيْرِ الْمَطْبُوخِ وَقَالَ (لَا) يَقَعُ عَلَى (نَبِيذِهَا وَخَلِّهَا وَدِبْسِهَا الْمَطْبُوخِ) ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا إلَّا أَنَّهَا تَغَيَّرَتْ بِصِفَةٍ جَدِيدَةٍ. وَفِي الْغَايَةِ وَقُيِّدَ الدِّبْسُ بِالْمَطْبُوخِ وَإِنْ كَانَ الدِّبْسُ لَا يَكُونُ إلَّا مَطْبُوخًا احْتِرَازًا عَمَّا إذَا أَطْلَقَ اسْمَ الدِّبْسِ عَلَى مَا يَسِيلُ بِنَفْسِهِ مِنْ الرُّطَبِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِالرُّطَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْبُسْرِ، وَالرَّامِخِ، وَالْجِمَارِ، وَالطَّلْعِ كَمَا فِي الْمِنَحِ وَغَيْرِهِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ قُطِعَ مِنْهَا غُصْنٌ فَوُصِلَ بِأُخْرَى فَأَثْمَرَ فَأَكَلَ مِنْ ثَمَرِهَا لَا يَحْنَثُ وَإِلَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ عَيْنِ النَّخْلَةِ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَيْنُ الشَّجَرِ مِمَّا يُؤْكَلُ حَنِثَ بِأَكْلِ عَيْنِهَا كَقَصَبِ السُّكَّرِ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ لِلشَّجَرِ ثَمَرٌ تُصْرَفُ يَمِينُهُ إلَى ثَمَنِهَا فَيَحْنَثُ إذَا اشْتَرَى بِهِ مَأْكُولًا وَأَكَلَهُ، وَهَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَإِلَّا فَعَلَى مَا نَوَى إنْ احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ. (أَوْ مِنْ هَذِهِ الشَّاةِ فَهُوَ عَلَى اللَّحْمِ) أَيْ يَحْنَثُ بِأَكْلِ اللَّحْمِ خَاصَّةً (دُونَ اللَّبَنِ، وَالزُّبْدِ) ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الشَّاةِ مَأْكُولَةٌ فَتَنْعَقِدُ الْيَمِينُ عَلَيْهَا. وَفِي الْبَحْرِ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الْعِنَبِ لَا يَحْنَثُ بِزَبِيبِهِ وَعَصِيرِهِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ لَيْسَتْ مَهْجُورَةً فَيَتَعَلَّقُ الْحَلِفُ بِمُسَمَّى الْعِنَبِ (وَفِي) حَلِفِهِ (لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الْبُسْرِ فَأَكَلَهُ) أَيْ أَكَلَ ذَلِكَ الْبُسْرَ حَالَ كَوْنِهِ (رُطَبًا لَا يَحْنَثُ وَكَذَا مِنْ هَذَا الرُّطَبِ أَوْ اللَّبَنِ) أَيْ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُهُمَا (فَأَكَلَهُ) أَيْ أَكَلَ ذَلِكَ الرُّطَبَ حَالَ كَوْنِهِ (تَمْرًا أَوْ) أَكَلَ ذَلِكَ اللَّبَنَ حَالَ كَوْنِهِ (شِيرَازًا) لَا يَحْنَثُ إذْ هَذِهِ صِفَاتٌ دَاعِيَةٌ إلَى الْيَمِينِ فَيَتَقَيَّدُ بِهَا (بِخِلَافِ لَا يُكَلِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ فَكَلَّمَهُ) بَعْدَمَا صَارَ (شَابًّا أَوْ شَيْخًا أَوْ لَا يَأْكُلُ لَحْمَ هَذَا الْحَمْلِ فَأَكَلَهُ) بَعْدَمَا صَارَ (كَبْشًا) حَيْثُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الصِّبَا، وَالشَّبَابِ وَإِنْ كَانَتْ دَاعِيَةً إلَى الْيَمِينِ لَكِنَّ هِجْرَانَهُ لِأَجْلِ صِبَاهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ؛ لِأَنَّا أُمِرْنَا بِتَحَمُّلِ أَخْلَاقِ الْفِتْيَانِ وَمَرْحَمَةِ الصِّبْيَانِ فَكَانَ مَهْجُورًا شَرْعًا، وَالْمَهْجُورُ شَرْعًا كَالْمَهْجُورِ عَادَةً فَلَا يُعْتَبَرُ وَتَتَعَلَّقُ الْيَمِينُ بِالْإِشَارَةِ وَأَمَّا الْحَمْلُ؛ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ صِفَةٌ دَاعِيَةٌ إلَى الْيَمِينِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْيَمِينَ مَتَى انْعَقَدَ عَلَى شَيْءٍ بِوَصْفٍ فَإِنْ صَلَحَ دَاعِيًا إلَى الْيَمِينِ بِهِ يَتَقَيَّدُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ مُعَرَّفًا أَوْ مُنَكَّرًا احْتِرَازًا عَنْ الْإِلْغَاءِ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ فَإِنْ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مُنَكَّرًا يَتَقَيَّدُ بِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ مَقْصُودٌ بِالْيَمِينِ وَإِنْ كَانَ مُعَرَّفًا لَا يَتَقَيَّدُ فَعَلَى هَذَا (وَفِي) حَلِفِهِ (لَا يَأْكُلُ بُسْرًا فَأَكَلَهُ رُطَبًا لَا يَحْنَثُ) وَفِي هَذَا الْمَحَلِّ كَلَامٌ فِي الدُّرَرِ عَلَى صَدْرِ الشَّرِيعَةِ فَلْيُطَالَعْ. (وَلَوْ أَكَلَ مُذَنِّبًا) بَعْدَمَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بُسْرًا (حَنِثَ وَكَذَا لَوْ أَكَلَهُ) أَيْ الْمُذَنِّبَ (بَعْدَمَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا) حَنِثَ عِنْدَ الْإِمَامِ (وَقَالَا) ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (لَا يَحْنَثُ فِيهِمَا وَلَوْ أَكَلَهُ) أَيْ الْمُذَنِّبَ سَوَاءٌ كَانَ رُطَبًا مُذَنِّبًا أَوْ بُسْرًا مُذَنِّبًا (بَعْدَ حَلِفِهِ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا وَلَا بُسْرًا حَنِثَ اتِّفَاقًا) . وَفِي الْكَافِي حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بُسْرًا أَوْ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا أَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا لَا بُسْرًا فَأَكَلَ مُذَنِّبًا حَنِثَ سَوَاءٌ أَكَلَ رُطَبًا مُذَنِّبًا أَوْ بُسْرًا مُذَنِّبًا هَذَا عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ

стр. 557

إنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا فَأَكَلَ رُطَبًا مُذَنِّبًا حَنِثَ وَإِنْ أَكَلَ بُسْرًا مُذَنِّبًا لَا يَحْنَثُ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بُسْرًا فَأَكَلَ بُسْرًا مُذَنِّبًا حَنِثَ وَإِنْ أَكَلَ رُطَبًا مُذَنِّبًا فَعَلَى الْخِلَافِ وَذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَالنُّسَخُ الْمُعْتَبَرَةُ كَشُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَالْمَبْسُوطِ، وَالْمَنْظُومَةِ، وَالْأَسْرَارِ، وَالْإِيضَاحِ وَغَيْرِهَا تَشْهَدُ لِمَا ذَكَرْت، وَالْبُسْرُ الْمُذَنِّبُ بِكَسْرِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ الَّذِي أَكْثَرُهُ بُسْرٌ وَشَيْءٌ مِنْهُ رُطَبٌ، وَالرُّطَبُ الْمُذَنِّبُ الَّذِي أَكْثَرُهُ رُطَبٌ وَشَيْءٌ مِنْهُ بُسْرٌ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ الْغَالِبُ إذْ الْمَغْلُوبُ فِي مُقَابَلَتِهِ كَالْمَعْدُومِ عُرْفًا فَاَلَّذِي عَامَّتُهُ رُطَبٌ يُسَمَّى رُطَبًا عُرْفًا لَا بُسْرًا وَشَرْعًا إذْ الْعِبْرَةُ لِلْغَالِبِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا فِي الرَّضَاعِ وَغَيْرِهِ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي رُطَبًا فَاشْتَرَى بُسْرًا مُذَنِّبًا لَا يَحْنَثُ وَلَهُمَا أَنَّهُ أَكَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَزِيَادَةً فَيَحْنَثُ وَلِهَذَا لَوْ مَيَّزَهُ وَأَكَلَهُ يَحْنَثُ إجْمَاعًا فَكَذَا إذَا أَكَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ انْتَهَى فَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ لَا تَخْلُو عَنْ شَيْءٍ تَأَمَّلْ. (وَفِي) حَلِفِهِ (لَا يَشْتَرِي رُطَبًا فَاشْتَرَى كِبَاسَةَ بُسْرٍ) بِالْكَسْرِ هِيَ عُنْقُودُ النَّخْلِ (فِيهَا رُطَبٌ لَا يَحْنَثُ) ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ صَادَفَ الْمَجْمُوعَ وَكَانَ الرُّطَبُ تَابِعًا وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَعِيرًا فَأَكَلَ حِنْطَةً فِيهَا شَعِيرٌ حَبَّةً حَبَّةً يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ صَادَفَ شَيْئًا شَيْئًا فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودًا وَإِنْ حَلَفَ عَلَى الشِّرَاءِ لَمْ يَحْنَثْ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالْقُهُسْتَانِيّ إذْ الْمُتَبَادِرُ مِنْ إضَافَةِ الْكِبَاسَةِ إلَى الْبُسْرِ وَجَعْلِهَا ظَرْفًا لِلرُّطَبِ أَنَّ الْبُسْرَ غَالِبٌ فَلَوْ كَانَ الرُّطَبُ غَالِبًا أَوْ هُوَ، وَالْبُسْرُ مُتَسَاوِيَيْنِ يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ (كَمَا لَوْ اشْتَرَى بُسْرًا مُذَنِّبًا) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَغْلُوبَ تَابِعٌ. (وَفِي) حَلِفِهِ (لَا يَأْكُلُ لَحْمًا أَوْ بَيْضًا) بِلَا نِيَّةٍ (فَأَكَلَ لَحْمَ سَمَكٍ أَوْ بَيْضَةً لَا يَحْنَثُ) ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَحْنَثَ وَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى لَحْمًا كَمَا فِي الْقُرْآنِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ لَا عَلَى أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ كَمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا فَإِنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً فَرَكِبَ كَافِرًا أَوْ لَا يَجْلِسُ عَلَى وَتِدٍ فَجَلَسَ عَلَى جَبَلٍ لَا يَحْنَثُ وَإِنْ سُمِّيَ فِيهِ دَابَّةً وَأَوْتَادًا، وَالْعُرْفُ مَعَنَا وَلِهَذَا لَا يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ اللَّحْمِ لِاِتِّخَاذِ الْبَاجَّاتِ مِنْهُ وَبَائِعُ السَّمَكِ لَا يُسَمَّى لَحَّامًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ فَحِينَئِذٍ يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ مِنْ وَجْهٍ وَفِيهِ تَشْدِيدٌ عَلَيْهِ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي بَيْضِهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْبَيْضِ عُرْفًا يَتَنَاوَلُ بَيْضَ الطَّيْرِ بِمَا لَهُ قِشْرٌ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ بَيْضُ السَّمَكِ إلَّا بِنِيَّةٍ. (وَكَذَا فِي الشِّرَاءِ) أَيْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي لَحْمًا أَوْ بَيْضًا فَاشْتَرَى لَحْمَ السَّمَكِ أَوْ بَيْضَهُ لَا يَحْنَثُ لِمَا بَيَّنَّاهُ. (وَلَوْ أَكَلَ لَحْمَ إنْسَانٍ أَوْ خِنْزِيرٍ) فِي لَا يَأْكُلُ لَحْمًا (حَنِثَ) لِوُجُودِ صُورَةِ اللَّحْمِ وَمَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ يَنْشَأُ مِنْ الدَّمِ إلَّا أَنَّهُ حُرِّمَ أَكْلُهُ شَرْعًا وَذَا لَا يُبْطِلُ حَقِيقَتَهُ فَرُبَّمَا دَعَا إلَى الْيَمِينِ حُرْمَتُهُ أَلَا تَرَى لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ شَرَابًا يَحْنَثُ بِالْخَمْرِ وَإِنْ كَانَتْ حَرَامًا؛ لِأَنَّهَا شَرَابٌ حَقِيقَةً وَذَكَرَ الْعَتَّابِيُّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْكَافِي. وَفِي الْبَحْرِ هَذَا هُوَ الْحَقُّ اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ (وَكَذَا) أَيْ

стр. 558

يَحْنَثُ فِي لَا يَأْكُلُ (لَوْ أَكَلَ كَبِدًا أَوْ كَرِشًا) ؛ لِأَنَّ مَنْشَأَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ الدَّمِ، وَالِاخْتِصَاصُ بِاسْمِ آخَرَ لَا لِلنُّقْصَانِ كَالرَّأْسِ، وَالْكُرَاعِ قَالَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ هَذَا فِي عُرْفِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَفِي عُرْفِنَا لَا يَحْنَثُ فَلِذَا قَالَ (، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِهِمَا) بِالْكَبِدِ، وَالْكَرِشِ (فِي عُرْفِنَا) وَفِي الِاخْتِيَارِ وَغَيْرِهِ الْكَرِشُ، وَالْكَبِدُ، وَالرِّئَةُ، وَالْفُؤَادُ، وَالرَّأْسُ، وَالْأَكَارِعُ، وَالْأَمْعَاءُ، وَالطِّحَالُ لَحْمٌ؛ لِأَنَّهَا تُبَاعُ مَعَ اللَّحْمِ، وَهَذَا فِي عُرْفِهِمْ وَأَمَّا فِي الْبِلَادِ الَّتِي لَا تُبَاعُ مَعَ اللَّحْمِ فَلَا يَحْنَثُ اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ فِي كُلِّ زَمَانٍ فَيَكُونُ الِاخْتِلَافُ اخْتِلَافَ عَصْرٍ وَزَمَانٍ لَا اخْتِلَافَ حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ. وَفِي الْفَتْحِ وَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِمَا هُوَ الْمُعْتَادُ فِي كُلِّ مِصْرٍ وَقَعَ فِيهِ الْحَلِفُ انْتَهَى فَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ مَا فِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ الشَّرَابَ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا كَانَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْخَمْرِ قَالَ فِي عُرْفِنَا يَقَعُ الْيَمِينُ عَلَى كُلِّ مُسْكِرٍ مَحْمُولٍ عَلَى عُرْفِ بَلَدِهِ وَزَمَانِهِ؛ لِأَنَّ فِي عُرْفِنَا لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى الْخَمْرِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ فِي شُرْبِ غَيْرِهِ فَالْعَجَبُ أَنَّ بَعْضَ الْمُفْتِينَ فِي دِيَارِنَا أَفْتَوْا بِالْحِنْثِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي شُرْبِ الْمُسْكِرِ فَلَمْ أَطَّلِعْ عَلَى سَبَبِهِ تَأَمَّلْ فَإِنَّهُ مِنْ مَزَالِقِ الْأَقْدَامِ (كَمَا لَوْ أَكَلَ أَلْيَةً) بَعْدَمَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ آخَرُ. (وَفِي) حَلِفِهِ (لَا يَأْكُلُ شَحْمًا يَتَقَيَّدُ بِشَحْمِ الْبَطْنِ فَلَا يَحْنَثُ) عِنْدَ الْإِمَامِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْأَصَحِّ (بِشَحْمِ الظَّهْرِ) ، وَهُوَ الَّذِي خَالَطَهُ لَحْمٌ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّهُ يَحْنَثُ عِنْدَهُمَا بِشَحْمِ الظَّهْرِ أَيْضًا لِوُجُودِ خَاصِّيَّةِ الشَّحْمِ، وَهُوَ الذَّوْبُ بِالنَّارِ وَلَهُ أَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً أَلَّا يُرَى أَنَّهُ يَنْشَأُ مِنْ الدَّمِ وَيُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَهُ وَتَحْصُلُ بِهِ قُوَّةٌ وَلِهَذَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ فِي الْيَمِينِ عَلَى أَكْلِ اللَّحْمِ فَلَا يَحْنَثُ بِبَيْعِهِ فِي الْيَمِينِ عَلَى بَيْعِ الشَّحْمِ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَيْضًا وَقِيلَ هَذَا بِالْعَرَبِيَّةِ فَأَمَّا اسْمُ " يبه " بِالْفَارِسِيَّةِ لَا يَقَعُ عَلَى شَحْمِ الظَّهْرِ بِحَالٍ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَمَا فِي الْكَافِي مِنْ أَنَّ الشُّحُومَ أَرْبَعَةٌ شَحْمُ الْبَطْنِ وَشَحْمُ الظَّهْرِ وَشَحْمٌ مُخْتَلِطٌ بِالْعَظْمِ وَشَحْمٌ عَلَى ظَاهِرِ الْأَمْعَاءِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَحْنَثُ بِشَحْمِ الْبَطْنِ، وَالثَّلَاثَةُ عَلَى الْخِلَافِ لَا يَخْلُو مِنْ نَظَرٍ، بَلْ لَا يَنْبَغِي خِلَافٌ فِي عَدَمِ الْحِنْثِ بِمَا فِي الْعَظْمِ قَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ إنَّ أَحَدًا لَمْ يَقُلْ بِأَنَّ مُخَّ الْعَظْمِ شَحْمٌ انْتَهَى وَكَذَا لَا يَنْبَغِي خِلَافٌ فِي الْحِنْثِ بِمَا فِي الْأَمْعَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ فِي تَسْمِيَتِهِ شَحْمًا كَمَا فِي الْفَتْحِ (وَلَوْ أَكَلَ أَلْيَةً أَوْ لَحْمًا) بَعْدَمَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَحْمًا (لَا يَحْنَثُ اتِّفَاقًا) لِمَا مَرَّ. وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا حَنِثَ بِأَكْلِ لَحْمِ الْإِبِلِ، وَالْغَنَمِ، وَالْبَقَرِ، وَالطُّيُورِ مَطْبُوخًا كَانَ أَوْ مَشْوِيًّا أَوْ قَدِيدًا كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ فَهَذَا مِنْ مُحَمَّدٍ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالْأَلْيَةِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَعِنْدَ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ يَحْنَثُ. وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلُ لَحْمَ الْبَقَرِ فَأَكَلَ لَحْمَ الْجَامُوسِ أَوْ بِالْعَكْسِ حَنِثَ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَكُونُ حَانِثًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لَحْمَ الْبَقَرِ فَأَكَلَ لَحْمَ الْجَامُوسِ حَنِثَ وَبِالْعَكْسِ لَا يَحْنَثُ، وَهَذَا أَصَحُّ

стр. 559

مِنْ الْأُولَى قَالَ مَوْلَانَا وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ النَّاسَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ كَمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لَحْمَ الشَّاةِ فَأَكَلَ لَحْمَ الْعَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَالِفُ مِصْرِيًّا أَوْ قَرَوِيًّا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَفِي الْمِنَحِ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الْحِمَارِ يَقَعُ عَلَى كِرَائِهِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الْكَلْبِ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى صَيْدِهِ وَلَا يَقَعُ عَلَى لَحْمِهِ (وَفِي) حَلِفِهِ (لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ يَتَقَيَّدُ بِأَكْلِهَا قَضْمًا بِفَتْحِ) الْقَافِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ الْأَكْلُ بِأَطْرَافِ الْأَسْنَانِ (فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ خُبْزِهَا) عِنْدَ الْإِمَامِ حَتَّى يَأْكُلَ عَيْنَهَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ قَالَا كَمَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ عَيْنِهَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ خُبْزِهَا عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ أَكْلَ الْحِنْطَةِ مَجَازٌ عُرْفًا عَنْ أَكْلِ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ إذَا أَكَلَهَا قَضْمًا يَحْنَثُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهَا حَقِيقَةً فَصَارَ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَدَخَلَهَا حَافِيًا أَوْ رَاكِبًا يَحْنَثُ وَإِنَّمَا قُلْنَا عَلَى الصَّحِيحِ احْتِرَازًا عَنْ رِوَايَةِ الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ عِنْدَهُمَا إذَا قَضَمَهَا وَلَهُ أَنَّ الْكَلَامَ إذَا كَانَ لَهُ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ فَالْعَمَلُ بِهَا أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ فَصَارَ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الشَّاةِ فَأَكَلَ لَبَنَهَا لَا يَحْنَثُ هَذَا إذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَإِنْ نَوَى أَنْ لَا يَأْكُلَ حَبًّا حَبًّا يَحْنَثُ بِأَكْلِهَا حَبًّا حَبًّا وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ حَيِّزِهَا اتِّفَاقًا وَلَوْ أَكَلَ مِنْ زَرْعِ الْبُرِّ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ كَمَا فِي الْمُحِيطِ. (وَفِي) حَلِفِهِ (لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الدَّقِيقِ يَحْنَثُ) أَكَلَ (خُبْزَهُ) فَلَوْ أَكَلَ عَصِيدَتَهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تُؤْكَلُ، كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَكْلَ الدَّقِيقِ هَكَذَا يَكُونُ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ فَيَنْصَرِفُ إلَى مَا هُوَ الْمُعْتَادُ بَيْنَهُمْ كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَالْإِفْرَادُ بِذِكْرِ الْخُبْزِ مِنْ الْمُصَنِّفِ لَيْسَ لِنَفْيِ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ، بَلْ لِكَوْنِهِ كَثِيرَ الِاسْتِعْمَالِ أَوْرَدَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ غَايَتُهُ أَنَّهُ صَرَّحَ بِالْخُبْزِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ، وَالْغَيْرُ تَبَعٌ لَهُ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ مُتَّصِلًا بِهِ (لَا بِسَفِّهِ) أَيْ لَا يَحْنَثُ بِسَفِّ عَيْنِ الدَّقِيقِ؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ غَيْرُ مَأْكُولٍ بِخِلَافِ الْحِنْطَةِ فَانْصَرَفَ إلَى مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ لِتَعَيُّنِ الْمَجَازِ مُرَادًا كَمَا لَوْ أَكَلَ عَيْنَ النُّخَالَةِ كَمَا مَرَّ (فِي الصَّحِيحِ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِالسَّفِّ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ الدَّقِيقَ حَقِيقَةً، وَالْعُرْفُ وَإِنْ اُعْتُبِرَ فَالْحَقِيقَةُ لَا تَسْقُطُ بِهِ وَإِنْ عَنَى أَكْلَ الدَّقِيقِ بِعَيْنِهِ لَمْ يَخْنَثْ بِأَكْلِ الْخُبْزِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ (وَالْخُبْزُ) (يَقَعُ عَلَى مَا اعْتَادَهُ أَهْلُ مِصْرِهِ) أَيْ مِصْرِ الْحَالِف إلَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ فَإِنَّهُ أَيُّ خُبْزٍ كَانَ يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ (كَخُبْزِ الْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ) فَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا حَنِثَ بِأَكْلِ خُبْزِ الْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِبِلَادٍ يُعْتَادُ فَلَوْ كَانَ بِمَوْضِعٍ لَا يُعْتَادُ فِيهِ خُبْزُ الشَّعِيرِ مَثَلًا لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (فَلَا يَحْنَثُ بِخُبْزِ الْقَطَائِفِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى خُبْزًا مُطْلَقًا (أَوْ خُبْزِ الْأُرْزِ بِالْعِرَاقِ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ عِنْدَهُمْ حَتَّى لَوْ كَانَ فِي بَلَدٍ يَعْتَادُ ذَلِكَ كَطَبَرِسْتَانَ حَنِثَ وَيَحْنَثُ الْحِجَازِيُّ، وَالْيَمَنِيُّ بِخُبْزِ الذَّرَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْتَادُونَهُ (إلَّا إذَا نَوَاهُ) فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْنَثُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ. وَفِي الْبَحْرِ وَدَخَلَ فِي الْخُبْزِ الْكَمَاجُ وَلَا يَحْنَثُ بِالثَّرِيدِ. وَفِي الْخُلَاصَةِ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الْخُبْزِ فَأَكَلَهُ بَعْدَمَا تَفَتَّتَ لَا يَحْنَثُ

стр. 560

وَلَا يَحْنَثُ بِالْعَصِيدَةِ، وَالطَّطْمَاجِ وَلَا يَحْنَثُ لَوْ دَقَّهُ فَشَرِبَهُ وَعَنْ الْإِمَامِ فِي حِيلَةِ أَكْلِهِ أَنْ يَدُقَّهُ فَيُلْقِيَهُ فِي عَصِيدَةٍ وَيُطْبَخُ حَتَّى يَصِيرَ الْخُبْزُ هَالِكًا. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خُبْزَ فُلَانَةَ فَالْخَبَّازَةُ هِيَ الَّتِي تَضْرِبُ الْخُبْزَ فِي التَّنُّورِ دُونَ الَّتِي تَعْجِنُهُ وَتُهَيِّئُهُ لِلضَّرْبِ فَإِنْ أَكَلَ مِنْ خُبْزِ الَّتِي ضَرَبَتْهُ حَنِثَ وَإِلَّا فَلَا (وَالشِّوَاءُ) يَقَعُ (عَلَى اللَّحْمِ لَا عَلَى الْبَاذِنْجَانِ أَوْ الْجَزَرِ أَوْ الْبِيضِ) ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ اللَّحْمُ الْمَشْوِيُّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (إلَّا إذَا نَوَاهُ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَشْدِيدًا عَلَى نَفْسِهِ (وَالطَّبْخُ) يَقَعُ (عَلَى مَا يُطْبَخُ مِنْ اللَّحْمِ بِالْمَاءِ) ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَحْنَثَ فِي اللَّحْمِ وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ مَطْبُوخٌ لَكِنَّ الْأَخْذَ بِالْقِيَاسِ مُتَعَذِّرٌ إذْ الْمُسَهَّلُ مِنْ الدَّوَاءِ مَطْبُوخٌ فَيُصْرَفُ إلَى خَاصٍّ، وَهُوَ مُتَعَارَفٌ، وَهُوَ اللَّحْمُ الْمَطْبُوخُ بِالْمَاءِ (وَعَلَى مَرَقِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ أَجْزَاءِ اللَّحْمِ وَلِأَنَّهُ يُسَمَّى طَبْخًا فَلَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ قَلْبَةٍ يَابِسَةٍ لَا مَرَقَ فِيهَا. وَفِي الزَّاهِدِيِّ قُلْت هَذَا فِي عُرْفِهِمْ أَمَّا فِي عُرْفِنَا يَحْنَثُ لِكُلِّ مَطْبُوخٍ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بَاشَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ بِطَبْخٍ بِلَا لَحْمٍ فِي هَذَا الزَّمَانِ لِإِطْلَاقِهِمْ عَلَيْهِ طَبْخًا عُرْفًا تَأَمَّلْ (إلَّا إذَا نَوَى غَيْرَ ذَلِكَ) وَعَنْ ابْنِ سِمَاعَةَ الطَّبِيخُ يَكُونُ مَعَ الشَّحْمِ فَإِنْ طَبَخَ عَدَسًا أَوْ أُرْزًا بِوَدَكٍ فَهُوَ طَبْخٌ وَإِنْ كَانَ بِسَمْنٍ أَوْ زَيْتٍ فَلَيْسَ بِطَبِيخٍ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَبِيخَ فُلَانٍ فَطَبَخَ هُوَ وَآخَرُ وَأَكَلَ الْحَالِفُ مِنْهُ حَنِثَ؛ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْهُ يُسَمَّى طَبِيخًا وَكَذَا مِنْ خُبْزِ فُلَانٍ فَخَبَزَ، هُوَ وَآخَرُ وَكَذَا مِنْ رُمَّانٍ اشْتَرَاهُ فُلَانٌ فَاشْتَرَاهُ، هُوَ وَآخَرُ وَكَذَا لَا يَلْبَسُ مِنْ نَسْجِ فُلَانٍ فَنَسَجَ هُوَ وَآخَرُ وَلَوْ قَالَ مِنْ قِدْرٍ طَبَخَهَا فُلَانٌ فَأَكَلَ مَا طَبَخَاهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ أَكْلَ جُزْءٍ مِنْ الْقَدْرِ لَيْسَ بِقَدْرٍ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِ فُلَانَةَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُ مِنْ غَزْلِهَا حَتَّى لَوْ كَانَ فِيهِ جُزْءٌ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مِنْ غَزْلِ غَيْرِهَا لَمْ يَحْنَثْ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ (وَالرَّأْسُ عَلَى مَا يُبَاعُ فِي مِصْرِهِ) أَيْ مِصْرِ الْحَالِفِ (وَيُكْبَسُ) أَيْ يَدْخُلُ (فِي التَّنَانِيرِ) جَمْعُ تَنُّورٍ فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ رَأْسِ الْغَنَمِ، وَالْبَقَرِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَبِأَكْلِ رَأْسِ الْغَنَمِ خَاصَّةً، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي زَمَانِنَا الْعَادَةُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَعَلَى هَذَا أَنَّ مَا فِي التَّبْيِينِ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ إنْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهَا وَإِلَّا فَالْعُرْفُ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ إنَّمَا هُوَ الْعُرْفُ وَتَقَدُّمُ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَالْآدَمِيِّ. وَفِي الْبَحْرِ وَلَوْ كَانَ هَذَا الْأَصْلُ الْمَذْكُورُ مَنْظُورًا إلَيْهِ لَمَا تَجَاسَرَ أَحَدٌ عَلَى خِلَافِهِ فِي الْفُرُوعِ وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ انْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ مِنْ أَنَّهُ فِي الْأَكْلِ يَقَعُ عَلَى الْكُلِّ إذْ كُلُّ مَا يُسَمَّى رَأْسًا وَفِي الشِّوَاءِ يَقَعُ عَلَى رَأْسِ الْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا عَلَى الْغَنَمِ خَاصَّةً وَلَا يَقَعُ عَلَى رَأْسِ الْإِبِلِ إجْمَاعًا انْتَهَى. (وَ) تَقَعُ (الْفَاكِهَةُ عَلَى التُّفَّاحِ، وَالْبِطِّيخِ، وَالْمِشْمِشِ) ، وَالتِّينِ، وَالْخَوْخِ، وَالسَّفَرْجَلِ، وَالْإِجَّاصِ، وَالْكُمَّثْرَى، وَالْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ، وَالْفُسْتُقِ، وَالْعُنَّابِ لَا الْعِنَبِ، وَالرُّطَبِ، وَالرُّمَّانِ

стр. 561

إلَّا بِالنِّيَّةِ عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا) ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ تَقَعُ (عَلَى الْعِنَبِ، وَالرُّطَبِ، وَالرُّمَّانِ أَيْضًا) أَيْ كَمَا تَقَعُ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ (وَلَا تَقَعُ عَلَى الْقِثَّاءِ، وَالْخِيَارِ اتِّفَاقًا) ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْبُقُولِ وَكَذَا الْبَاقِلَاءُ، وَالسِّمْسِمُ، وَالْجَزَرُ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَنَّ الْيَابِسَ مِنْهَا كَالزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ وَحَبِّ الرُّمَّانِ لَيْسَتْ بِفَاكِهَةٍ. وَفِي الْمُحِيطِ الْيَابِسُ مِنْ الْأَثْمَارِ فَاكِهَةٌ إلَّا الْبِطِّيخَ وَإِلَيْهِ مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَذَكَرَ فِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ أَنَّ هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ فَالْإِمَامُ أَفْتَى عَلَى حَسَبِ عُرْفِهِ وَتَغَيُّرُ الْعُرْفِ فِي زَمَانِهِمَا وَفِي عُرْفِنَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ بِالِاتِّفَاقِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ، وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا. وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الْعُرْفُ فَمَا يُؤْكَلُ عَلَى سَبِيلِ التَّفَكُّهِ عَادَةً وَيُعَدُّ فَاكِهَةً فِي الْعُرْفِ يَدْخُلُ تَحْتَ الْيَمِينِ وَمَا لَا فَلَا. (وَ) يَقَعُ (الْإِدَامُ عَلَى مَا يُصْطَبَغُ بِهِ) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ أَيُّ شَيْءٍ يُخْتَبَطُ بِهِ الْخُبْزُ وَذَلِكَ بِالْمَائِعِ دُونَ غَيْرِهِ (كَالْخَلِّ، وَالزَّيْتِ، وَاللَّبَنِ) ، وَالْعَسَلِ، وَالدِّبْسِ (وَكَذَا الْمِلْحُ) فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُؤْكَلُ وَحْدَهُ عَادَةً لَكِنَّهُ يَذُوبُ فِي الْفَمِ فَيَحْصُلُ الِاخْتِلَاطُ فِي الْخُبْزِ (لَا اللَّحْمُ، وَالْبِيضُ، وَالْجُبْنُ إلَّا بِالنِّيَّةِ) عِنْدَ الْإِمَامِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهَا تُفْرَدُ بِالْأَكْلِ وَمَا أَمْكَنَ أَفْرَادُهُ بِالْأَكْلِ لَيْسَ بِإِدَامٍ وَإِنْ أُكِلَ مَعَ الْخُبْزِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (هِيَ) أَيْ اللَّحْمُ، وَالْبِيضُ، وَالْجُبْنُ (إدَامٌ أَيْضًا) أَيْ كَالْخَلِّ، وَالزَّيْتِ، وَاللَّبَنِ، وَالْمِلْحِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو اللَّيْثِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا الْعُرْفُ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَالتَّنْوِيرِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَدَّمَهُ لَكَانَ أَوْلَى تَأَمَّلْ (وَالْعِنَبُ، وَالْبِطِّيخُ لَيْسَا بِإِدَامٍ فِي الصَّحِيحِ) يَعْنِي بِالِاتِّفَاقِ كَمَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ. وَفِي الْعِنَايَةِ هُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّهُ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ. وَفِي الْمُحِيطِ قَالَ مُحَمَّدٌ التَّمْرُ، وَالْجَوْزُ لَيْسَ بِإِدَامٍ؛ لِأَنَّهُ يُفْرَدُ بِالْأَكْلِ فِي الْغَالِبِ وَكَذَا الْعِنَبُ، وَالْبِطِّيخُ، وَالْبَقْلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ تَبَعًا لِلْخُبْزِ، بَلْ يُؤْكَلُ وَحْدَهُ غَالِبًا وَكَذَا سَائِرُ الْفَوَاكِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يُؤْكَلُ تَبَعًا لِلْخُبْزِ غَالِبًا يَكُونُ إدَامًا عِنْدَهُ اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ (وَالْغَدَاءُ) ، وَالْأَوْلَى التَّغَدِّي؛ لِأَنَّ الْغَدَاءَ حَقِيقَةٌ بِالْفَتْحِ، وَالْمَدَاسِمُ.

стр. 562

لِمَا يُؤْكَلُ فِي الْوَقْتِ الْخَاصِّ لَا الْأَكْلُ (الْأَكْلُ) أَيْ الْمَأْكُولُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الشِّبَعُ عَادَةً فَلَوْ أَكَلَ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَزِيدَ عَلَى نِصْفِ الشِّبَعِ قَالَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ هَذَا فِي الْغَدَاءِ، وَالْعَشَاءِ وَأَمَّا فِي السُّحُورِ يَحْنَثُ بِأَكْلِ لُقْمَةٍ أَوْ لُقْمَتَيْنِ. وَكَذَا لَوْ شَرِبَ الْمِصْرِيُّ اللَّبَنَ (فِيمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالزَّوَالِ) فَلَوْ حَلَفَ لَا أَتَغَدَّى فَأَكَلَ فِيمَا بَيْنَهُمَا حَنِثَ وَلَوْ أَكَلَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ لَا وَجِنْسُ الْمَأْكُولِ مَا يَأْكُلُهُ أَهْلُ بَلَدِهِ فَلَوْ حَلَفَ لَا يَتَغَدَّى فَشَرِبَ اللَّبَنَ وَحَصَلَ بِهِ الشِّبَعُ لَا يَحْنَثُ إنْ كَانَ مِصْرِيًّا وَيَحْنَثُ إنْ بَدْوِيًّا. وَقَالَ الْكَرْخِيُّ لَوْ أَكَلَ تَمْرًا أَوْ أُرْزًا أَوْ غَيْرَهُ حَتَّى يَشْبَعَ لَا يَحْنَثُ وَلَا يَكُونُ غَدَاءً حَتَّى يَأْكُلَ الْخُبْزَ وَكَذَا إنْ أَكَلَ لَحْمًا بِغَيْرِ خُبْزٍ اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ (وَالْعَشَاءُ) ، وَالْأَوْلَى التَّعَشِّي؛ لِأَنَّ الْعَشَاءَ بِالْفَتْحِ، وَالْمَدَاسِمَ لِلْمَأْكُولِ فِي هَذَا الْوَقْتِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْغَدَاءِ. إلَّا إذَا أَكَلَ (فِيمَا بَيْنَ الزَّوَالِ وَنِصْفِ اللَّيْلِ) فَلَوْ حَلَفَ لَا أَتَعَشَّى يُرَادُ بِهِ هَذَا. وَقَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ هَذَا فِي عُرْفِهِمْ وَأَمَّا فِي عُرْفِنَا فَوَقْتُ الْعَشَاءِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ. وَفِي الْبَحْرِ هَذَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي عُرْفِ دِيَارِنَا؛ لِأَنَّهُمْ يُسَمُّونَ مَا يَأْكُلُونَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَسْطَانِيَّةً. (، وَالسُّحُورُ) ، وَالْأَوْلَى التَّسَحُّرُ لِمَا مَرَّ، وَهُوَ الْأَكْلُ (فِيمَا بَيْنَ نِصْفِ اللَّيْلِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ) فَلَوْ حَلَفَ لَا أَتَسَحَّرُ يُرَادُ بِهِ هَذَا، وَالتَّصَبُّحُ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى ارْتِفَاعِ الضُّحَى (وَفِي إنْ أَكَلْت أَوْ شَرِبْت أَوْ لَبِسْت أَوْ كَلَّمْت أَوْ تَزَوَّجْت أَوْ خَرَجْت) فَعَبْدِي حُرٌّ مَثَلًا وَلَمْ يَذْكُرْ مَفْعُولَهُ (وَنَوَى) أَمْرًا (مُعَيَّنًا) بِأَنْ قَالَ نَوَيْت الْخُبْزَ أَوْ اللَّحْمَ أَوْ نَحْوَهُ مَثَلًا (لَا يَصَّدَّقُ) أَصْلًا لَا قَضَاءً وَلَا دِيَانَةً؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا تَصِحُّ فِي الْمَلْفُوظِ؛ لِأَنَّ الْخُبْزَ وَمَا يُضَاهِيهِ غَيْرُ مَذْكُورٍ تَنْصِيصًا، وَالْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ فَلَغَتْ نِيَّةُ التَّخْصِيصِ فَحَنِثَ بِأَيِّ شَيْءٍ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ لَبِسَ أَوْ غَيْرُهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُصَدَّقُ دِيَانَةً؛ لِأَنَّ لِلْمُقْتَضَى عُمُومًا عِنْدَهُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَبِهِ أَخَذَ الْخَصَّافُ. وَفِي الْفَتْحِ كَلَامٌ فَلْيُطَالَعْ (وَلَوْ زَادَ طَعَامًا) فِي إنْ أَكَلْت (أَوْ شَرَابًا) فِي إنْ شَرِبْت (وَنَحْوُهُ صُدِّقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً) ؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي حَيِّزِ الشَّرْطِ فَتَعُمُّ كَمَا تَعُمُّ فِي النَّفْيِ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي وَعَلَى هَذَا إنْ اغْتَسَلَ وَنَوَى تَخْصِيصَ الْفَاعِلِ أَوْ الْمَكَانَ أَوْ السَّبَبَ بِدُونِ ذِكْرِهِ لَا يُصَدَّقُ. وَفِي الْفَتْحِ لَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً وَنَوَى كُوفِيَّةً لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ تَخْصِيصُ الْجِنْسِ وَلَوْ نَوَى حَبَشِيَّةً أَوْ عَرَبِيَّةً صَحَّتْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ تَخْصِيصُ الْجِنْسِ. (وَفِي) حَلِفِهِ (لَا يَشْرَبُ مِنْ دِجْلَةَ لَا يَحْنَثُ بِشُرْبِهِ مِنْهَا بِإِنَاءٍ مَا لَمْ يَكْرَعْ) إلَّا إذَا نَوَى الِاغْتِرَافَ صُدِّقَ دِيَانَةً، وَالْكَرْعُ تَنَاوُلُ الْمَاءِ مِنْ مَوْضِعِهِ بِفِيهِ لَا بِالْكَفِّ، وَالْإِنَاءِ فَلَوْ مَدَّ عُنُقَهُ نَحْوَهُ وَشَرِبَ بِفِيهِ حَنِثَ، وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِشُرْبِهِ

стр. 563

مِنْهَا بِإِنَاءٍ عِنْدَهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ يُقَالُ شَرِبَ أَهْلُ بَغْدَادَ مِنْ دِجْلَةَ، وَالْمُرَادُ الشُّرْبُ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ وَلَهُ أَنَّ حَقِيقَةَ الشُّرْبِ مِنْ دِجْلَةَ بِالْكَرْعِ وَهِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فَمَنَعَتْ الْمَصِيرَ إلَى الْمَجَازِ وَإِنْ كَانَ مُتَعَارَفًا، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ إذَا كَانَ لَهُ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ وَمَجَازٌ مُتَعَارَفٌ فَالْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ أَوْلَى عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا الْعَمَلُ بِعُمُومِ الْمَجَازِ أَوْلَى وَفِي الْمُجْتَبَى وَلِجِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَصْلٌ حَسَنٌ، وَهُوَ أَنَّهُ مَتَى عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى شَيْءٍ لَيْسَ حَقِيقَةً مُسْتَعْمَلَةً وَلَهُ مَجَازٌ مُتَعَارَفٌ يُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ إجْمَاعًا كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ إجْمَاعًا كَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا وَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ وَمَجَازٌ مُتَعَارَفٌ فَعِنْدَهُ يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَعِنْدَهُمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِمَا لَا بِطَرِيقِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ وَلَكِنْ بِمَجَازٍ يَعُمُّ أَفْرَادَهُمَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ. (وَإِنْ قَالَ) لَا يَشْرَبُ (مِنْ مَاءِ دِجْلَةَ حَنِثَ بِالْإِنَاءِ اتِّفَاقًا) ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ عُقِدَتْ عَلَى الْمَاءِ دُونَ النَّهْرِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا شَرِبَ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ الْمَاءَ حَنِثَ وَإِلَى أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى نَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَشَرِبَ مِنْ نَهْرٍ أَخَذَ مِنْهُ كَرْعًا أَوْ اعْتِرَافًا لَمْ يَحْنَثْ وَلَوْ حَلَفَ مِنْ مَاءِ هَذَا النَّهْرِ فَشَرِبَ مِنْ نَهْرٍ أَخَذَ مِنْهُ حَنِثَ. وَفِي الشُّمُنِّيِّ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً فُرَاتًا أَوْ مِنْ مَاءٍ فُرَاتٍ يَحْنَثُ بِكُلِّ مَاءٍ عَذْبٍ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ. (وَكَذَا فِي الْجُبِّ، وَالْبِئْرِ) أَيْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْجُبِّ أَوْ مِنْ هَذِهِ الْبِئْرِ يَحْنَثُ بِشُرْبِهِ بِالْإِنَاءِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْكَرْعُ فَتَعَيَّنَ الْمَجَازُ وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ الْكَرْعُ فَعَلَى الْخِلَافِ وَلَوْ تَكَلَّفَ فَشَرِبَ بِالْكَرْعِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْكَرْعُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ، وَالْمَجَازَ لَا يَجْتَمِعَانِ. وَفِي الِاخْتِيَارِ هَذَا فِي الْبِئْرِ وَأَمَّا فِي الْحُبِّ إنْ كَانَ مَلْآنًا يُمْكِنُ الشُّرْبُ مِنْهُ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِالْكَرْعِ عِنْدَهُ كَمَا فِي النَّهْرِ (وَفِي الْإِنَاءِ بِعَيْنِهِ) أَيْ لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْإِنَاءِ فَهُوَ عَلَى الشُّرْبِ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ فِيهِ (وَإِمْكَانُ الْبِرِّ) وَرَجَاءُ الصِّدْقِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (شَرْطُ صِحَّةِ) انْعِقَادِ (الْحَلِفِ) الْمُطْلَقِ، وَالْمُقَيَّدِ سَوَاءٌ كَانَ قَسَمًا أَوْ غَيْرَهُ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّ الْيَمِينَ عَقْدٌ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ وَمَحَلُّهُ عِنْدَهُ خَبَرٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَالِفُ قَادِرًا عَلَيْهِ أَوْ لَا كَمَسْأَلَةِ مَسِّ السَّمَاءِ وَعِنْدَهُمَا مَحَلُّ الْيَمِينِ خَبَرٌ فِي رَجَاءِ الصِّدْقِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الشَّيْءِ مَا يَكُونُ قَابِلًا لِحُكْمِهِ وَحُكْمُ الْيَمِينِ الْبِرُّ وَلَا يَخْفَى أَنَّ أَوَائِلَ الْكِتَابِ أَوْلَى بِهَذَا الْأَصْلِ. (فَمَنْ حَلَفَ) بِاَللَّهِ (لَيَشْرَبَن مَاءَ هَذَا الْكُوزِ الْيَوْمَ) أَوْ أَنْ أَشْرَبَهُ الْيَوْمَ فَعَبْدِي حُرٌّ مَثَلًا (وَلَا مَاءَ فِيهِ) سَوَاءٌ عَلِمَ بِهِ أَوْ لَا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَيُؤَيِّدُهُ إطْلَاقُهُ لَكِنَّ الْإِسْبِيجَابِيَّ قَيَّدَهُ بِعَدَمِ عِلْمِهِ بِأَنْ لَا مَاءَ فِيهِ وَأَمَّا إذَا عَلِمَ بِأَنْ لَا مَاءَ فِيهِ يَحْنَثُ بِالِاتِّفَاقِ لِتَحَقُّقِ الْعَدَمِ (أَوْ) قَدْ (كَانَ) فِيهِ (فَصُبَّ) أَوْ شَرِبَ غَيْرَهُ أَوْ مَاتَ (قَبْلَ مُضِيِّهِ) أَيْ مُضِيِّ الْيَوْمِ (لَا يَحْنَثُ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكُوزِ مَاءٌ فَالْبِرُّ غَيْرُ مُمْكِنٍ سَوَاءٌ ذَكَرَ الْيَوْمَ أَوْ لَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَاءٌ فَإِنْ ذَكَرَ الْيَوْمَ فَالْبِرُّ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْ الْيَوْمِ فَإِذَا صُبَّ لَمْ يَكُنْ الْبِرُّ مُتَصَوَّرًا فَلَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ.

стр. 564

(خِلَافًا لَهُ) أَيْ فَيَحْنَثُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فِي الصُّورَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ انْعَقَدَتْ لَكِنَّهُ يَعْجَزُ فِي الْأُولَى وَلَمْ تَنْحَلَّ فِي الثَّانِيَةِ بِالْهَلَاكِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ لَوْ تَلِفَ بِلَا اخْتِيَارِهِ لَا يَحْنَثُ. (وَكَذَا) أَيْ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ (إنْ) أَطْلَقَ الْيَمِينَ وَ (لَمْ يَقُلْ الْمَاءَ) وَلَا مَاءَ فِيهِ (إلَّا إنْ كَانَ) فِيهِ مَاءٌ (فَصُبَّ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِالِاتِّفَاقِ) أَمَّا عِنْدَهُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا عِنْدَهُمَا؛ فَلِأَنَّ الْبِرَّ يَجِبُ عَلَيْهِ كَمَا فَرَغَ مِنْ الْيَمِينِ لَكِنْ مُوَسَّعًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَفُوتَهُ فِي مُدَّةِ عُمْرِهِ، وَالْبِرُّ مُتَصَوَّرٌ عِنْدَ الْفَرَاغِ فَانْعَقَدَتْ الْيَمِينُ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ إنَّ الْحِنْثَ فِي الْمُطْلَقِ فِي الْحَالِ وَفِي الْوَقْتِ بَعْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ وَمِنْ فُرُوعٌ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَا ذَكَرَهُ التُّمُرْتَاشِيُّ، وَهُوَ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ تَهَبِي مَهْرَك الْيَوْم لِي فَأَنْتِ طَالِقٌ وَقَالَ أَبُوهَا إنْ وَهَبْت مَهْرَك لِزَوْجِك فَأُمُّك طَالِقٌ فَالْحِيلَةُ فِي عَدَمِ حِنْثِهِمَا أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْهُ بِمَهْرِهَا مَلْفُوفًا وَتَقْبِضَهُ فَإِذَا مَضَى الْيَوْمُ لَمْ يَحْنَثْ الْأَبُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَهَبْ وَلَمْ يَحْنَثْ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّهَا عَجَزَتْ عَنْ الْهِبَةِ عِنْدَ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ سَقَطَ عَنْ الزَّوْجِ بِالْبَيْعِ. (وَفِي) حَلِفِهِ (لَيَصْعَدَنَّ) أَوْ لَيَمَسَّنَّ (السَّمَاءَ أَوْ لَيَطِيرَنَّ فِي الْهَوَاءِ أَوْ لَيَقْلِبَنَّ هَذَا الْحَجَرَ ذَهَبًا أَوْ لَيَقْتُلَنَّ زَيْدًا) حَالَ كَوْنِ الْحَالِ (عَالِمًا بِمَوْتِهِ) أَيْ مَوْتِ زَيْدٍ (انْعَقَدَتْ) الْيَمِينُ لِإِمْكَانِ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْأَفْعَالَ فِي حَقِّهِ كَمَا فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ. وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ لَا تَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً فَأَشْبَهَ الْمُسْتَحِيلَ حَقِيقَةً (وَحَنِثَ لِلْحَالِ) لِلْعَجْزِ الثَّابِتِ عَادَةً بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْكُوزِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَصَوَّرْ الْبِرَّ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ غَيْرُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَغَيْرِهِ وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ تَأَمَّلْ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ مُطْلَقَةً وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُوَقَّتَةً لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَمْضِيَ ذَلِكَ الْوَقْتُ. وَقَالَ زُفَرُ يَحْنَثُ لِلْحَالِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ، وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يَسْتَقِيمُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ عَلَى مَا ذُكِرَ آنِفًا إلَّا إذَا حُمِلَ عَلَى أَنَّ لَهُ رِوَايَةً أُخْرَى انْتَهَى لَكِنْ يُمْكِنُ التَّوْجِيهُ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ جَوَابَهُ فِي الْمُوَقَّتِ خِلَافُ الْجَوَابِ فِي الْمُطْلَقِ تَأَمَّلْ، قُيِّدَ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى التَّرْكِ بِأَنْ قَالَ إنْ تَرَكْت مَسَّ السَّمَاءِ فَعَبْدِي حُرٌّ مَثَلًا لَمْ يَنْعَقِدْ؛ لِأَنَّ التَّرْكَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي غَيْرِ الْمَقْدُورِ كَمَا فِي الْبَحْرِ. (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِهِ) أَيْ مِنْ زَيْدٍ (فَلَا) يَحْنَثُ عِنْدَهُمَا إذْ حِينَئِذٍ يُرَادُ الْقَتْلُ الْمُتَعَارَفُ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُرَادُ قَتْلُهُ بَعْدَ إحْيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مُمْكِنٌ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) ؛ لِأَنَّ إمْكَانَ الْبِرِّ لَيْسَ شَرْطًا لِانْعِقَادِ الْيَمِينِ عِنْدَهُ. (وَفِي) حَلِفِهِ (لَا يَتَكَلَّمُ فَقَرَأَ الْقُرْآنَ أَوْ سَبَّحَ أَوْ هَلَّلَ) أَوْ كَبَّرَ (لَا يَحْنَثُ سَوَاءٌ) كَانَ (فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا هُوَ الْمُخْتَارُ) اخْتَارَهُ خُوَاهَرْ زَادَهْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُتَكَلِّمًا عُرْفًا وَشَرْعًا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَحْنَثُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ

стр. 565

لِأَنَّهُ كَلَامٌ حَقِيقَةً كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَجَعَلَ صَاحِبُ الْكَافِي قَوْلُ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِ خُوَاهَرْ زَادَهْ وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ إذَا قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَحْنَثُ وَفِي خَارِجِهَا يَحْنَثُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. وَفِي الْكَافِي قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ إنْ عَقَدَ يَمِينَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ لَا يَحْنَثُ بِالْقِرَاءَةِ أَوْ التَّسْبِيحِ خَارِجَ الصَّلَاةِ أَيْضًا لِلْعُرْفِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى قَارِئًا مُسَبِّحًا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي الْبَحْرِ أَنَّ الْمُخْتَارَ لِلْفَتْوَى أَنَّ الْيَمِينَ إنْ كَانَتْ بِالْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَحْنَثْ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ وَيَحْنَثُ بِالْقِرَاءَةِ خَارِجَهَا وَإِنْ كَانَتْ بِالْفَارِسِيَّةِ لَا يَحْنَثُ مُطْلَقًا. وَفِي الْفَتْحِ أَنَّ قَوْلَ خُوَاهَرْ زَادَهْ مُخْتَارٌ لِلْفَتْوَى مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ عَقْدِ الْيَمِينِ بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ بِالْفَارِسِيَّةِ. وَفِي الْمِنَحِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفَتْوَى، وَالْإِفْتَاءُ بِظَاهِرِ الْمَذْهَبِ أَوْلَى انْتَهَى لَكِنَّ الْأَوْلَوِيَّةَ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ لِمَا أَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ الْمُتَأَخِّرِ وَلَمَا عَلِمْت مِنْ أَكْثَرِيَّةِ التَّصْحِيحِ لَهُ وَنَقَلَ عَنْ تَهْذِيبِ الْقَلَانِسِيِّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِقِرَاءَةِ الْكُتُبِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فِي عُرْفِنَا تَأَمَّلْ. (وَفِي) حَلِفِهِ (لَا يُكَلِّمُهُ فَكَلَّمَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ) نَفْسَهُ (وَهُوَ) أَيْ، وَالْحَالُ أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ (نَائِمٌ حَنِثَ إنْ أَيْقَظَهُ) ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْمَبْسُوطِ وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَفِي التُّحْفَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْتَبِهْ كَانَ كَمَا إذَا نَادَاهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَهُوَ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ صَوْتَهُ (وَقِيلَ) حَنِثَ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ أَيْقَظَهُ أَوْ لَمْ يُوقِظْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَلَّمَهُ وَوَصَلَ إلَى سَمْعِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ لِنَوْمِهِ كَمَا إذَا نَادَاهُ، وَهُوَ بِحَيْثُ يَسْمَعُ لَكِنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ لِتَغَافُلِهِ وَإِلَيْهِ مَالَ الْقُدُورِيُّ وَصَحَّحَهُ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ. وَفِي الذَّخِيرَةِ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُكَلِّمَهُ بِكَلَامٍ مُسْتَأْنَفٍ بَعْدَ الْيَمِينِ مُنْقَطِعٍ عَنْهَا لَا مُتَّصِلٍ بِهَا فَلَوْ قَالَ مُوصِلًا إنْ كَلَّمْتُك فَكَذَا فَاذْهَبِي أَوْ اُخْرُجِي أَوْ شَتَمَهَا مُتَّصِلًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ فَلَا يَكُونُ مُرَادًا بِالْيَمِينِ وَلَوْ كَتَبَ إلَيْهِ كِتَابًا أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا لَا يَحْنَثُ كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ. (وَلَوْ كَلَّمَ غَيْرَهُ) بَعْدَمَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ (وَقَصَدَ سَمَاعَهُ لَا يَحْنَثُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمْهُ حَقِيقَةً. (وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ هُوَ فِيهِمْ حَنِثَ) ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ كَلَامٌ لِلْجَمِيعِ. (وَإِنْ نَوَاهُمْ دُونَهُ لَا يَحْنَثْ) دِيَانَةً لِعَدَمِ الْقَصْدِ وَلَا يُصَدَّقُ قَضَاءً؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لِلْجَمَاعَةِ، وَالنِّيَّةُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الْحَاكِمُ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَيَّدَهُ بِالدِّيَانَةِ لَكَانَ أَوْضَحَ. وَفِي الِاخْتِيَارِ وَلَوْ كَانَ الْحَالِفُ إمَامًا فَسَلَّمَ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ خَلْفَهُ لَا يَحْنَثُ بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ وَلَوْ كَانَ الْحَالِفُ هُوَ الْمُؤْتَمُّ، فَكَذَلِكَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ خَارِجًا عَنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ بِسَلَامِهِ خِلَافًا لَهُمَا وَلَوْ سَبَّحَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فَتَحَ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ وَفِي خَارِجِهَا يَحْنَثُ وَلَوْ قَرَعَ الْبَابَ فَقَالَ مَنْ الْقَارِعُ يَحْنَثُ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ إنْ قَالَ بِالْفَارِسِيَّةِ " كيست " لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخِطَابٍ وَإِنْ قَالَ " كَيْ تو " يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ خِطَابٌ لَهُ هُوَ الْمُخْتَارُ. وَفِي التَّبْيِينِ لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ إنْ ابْتَدَأْتُك بِالْكَلَامِ فَعَبْدِي حُرٌّ فَالْتَقَيَا فَسَلَّمَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ كَلَامٌ بِصِفَةِ الْبِدَايَةِ، وَهُوَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَسَقَطَ الْيَمِينُ عَنْ الْحَالِفِ؛ لِأَنَّ كُلَّ كَلَامٍ
следующие страницы →