Полный текст (1 543 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
إلَّا بِالنِّيَّةِ عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا) ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ تَقَعُ (عَلَى الْعِنَبِ، وَالرُّطَبِ، وَالرُّمَّانِ أَيْضًا) أَيْ كَمَا تَقَعُ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ (وَلَا تَقَعُ عَلَى الْقِثَّاءِ، وَالْخِيَارِ اتِّفَاقًا) ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْبُقُولِ وَكَذَا الْبَاقِلَاءُ، وَالسِّمْسِمُ، وَالْجَزَرُ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَنَّ الْيَابِسَ مِنْهَا كَالزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ وَحَبِّ الرُّمَّانِ لَيْسَتْ بِفَاكِهَةٍ.
وَفِي الْمُحِيطِ الْيَابِسُ مِنْ الْأَثْمَارِ فَاكِهَةٌ إلَّا الْبِطِّيخَ وَإِلَيْهِ مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَذَكَرَ فِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ أَنَّ هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ فَالْإِمَامُ أَفْتَى عَلَى حَسَبِ عُرْفِهِ وَتَغَيُّرُ الْعُرْفِ فِي زَمَانِهِمَا وَفِي عُرْفِنَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ بِالِاتِّفَاقِ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ، وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا.
وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الْعُرْفُ فَمَا يُؤْكَلُ عَلَى سَبِيلِ التَّفَكُّهِ عَادَةً وَيُعَدُّ فَاكِهَةً فِي الْعُرْفِ يَدْخُلُ تَحْتَ الْيَمِينِ وَمَا لَا فَلَا.
(وَ) يَقَعُ (الْإِدَامُ عَلَى مَا يُصْطَبَغُ بِهِ) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ أَيُّ شَيْءٍ يُخْتَبَطُ بِهِ الْخُبْزُ وَذَلِكَ بِالْمَائِعِ دُونَ غَيْرِهِ (كَالْخَلِّ، وَالزَّيْتِ، وَاللَّبَنِ) ، وَالْعَسَلِ، وَالدِّبْسِ (وَكَذَا الْمِلْحُ) فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُؤْكَلُ وَحْدَهُ عَادَةً لَكِنَّهُ يَذُوبُ فِي الْفَمِ فَيَحْصُلُ الِاخْتِلَاطُ فِي الْخُبْزِ (لَا اللَّحْمُ، وَالْبِيضُ، وَالْجُبْنُ إلَّا بِالنِّيَّةِ) عِنْدَ الْإِمَامِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهَا تُفْرَدُ بِالْأَكْلِ وَمَا أَمْكَنَ أَفْرَادُهُ بِالْأَكْلِ لَيْسَ بِإِدَامٍ وَإِنْ أُكِلَ مَعَ الْخُبْزِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (هِيَ) أَيْ اللَّحْمُ، وَالْبِيضُ، وَالْجُبْنُ (إدَامٌ أَيْضًا) أَيْ كَالْخَلِّ، وَالزَّيْتِ، وَاللَّبَنِ، وَالْمِلْحِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو اللَّيْثِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا الْعُرْفُ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَالتَّنْوِيرِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَدَّمَهُ لَكَانَ أَوْلَى تَأَمَّلْ (وَالْعِنَبُ، وَالْبِطِّيخُ لَيْسَا بِإِدَامٍ فِي الصَّحِيحِ) يَعْنِي بِالِاتِّفَاقِ كَمَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ.
وَفِي الْعِنَايَةِ هُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّهُ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ.
وَفِي الْمُحِيطِ قَالَ مُحَمَّدٌ التَّمْرُ، وَالْجَوْزُ لَيْسَ بِإِدَامٍ؛ لِأَنَّهُ يُفْرَدُ بِالْأَكْلِ فِي الْغَالِبِ وَكَذَا الْعِنَبُ، وَالْبِطِّيخُ، وَالْبَقْلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ تَبَعًا لِلْخُبْزِ، بَلْ يُؤْكَلُ وَحْدَهُ غَالِبًا وَكَذَا سَائِرُ الْفَوَاكِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يُؤْكَلُ تَبَعًا لِلْخُبْزِ غَالِبًا يَكُونُ إدَامًا عِنْدَهُ اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ (وَالْغَدَاءُ) ، وَالْأَوْلَى التَّغَدِّي؛ لِأَنَّ الْغَدَاءَ حَقِيقَةٌ بِالْفَتْحِ، وَالْمَدَاسِمُ.
стр. 562
لِمَا يُؤْكَلُ فِي الْوَقْتِ الْخَاصِّ لَا الْأَكْلُ (الْأَكْلُ) أَيْ الْمَأْكُولُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الشِّبَعُ عَادَةً فَلَوْ أَكَلَ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَزِيدَ عَلَى نِصْفِ الشِّبَعِ قَالَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ هَذَا فِي الْغَدَاءِ، وَالْعَشَاءِ وَأَمَّا فِي السُّحُورِ يَحْنَثُ بِأَكْلِ لُقْمَةٍ أَوْ لُقْمَتَيْنِ.
وَكَذَا لَوْ شَرِبَ الْمِصْرِيُّ اللَّبَنَ (فِيمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالزَّوَالِ) فَلَوْ حَلَفَ لَا أَتَغَدَّى فَأَكَلَ فِيمَا بَيْنَهُمَا حَنِثَ وَلَوْ أَكَلَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ لَا وَجِنْسُ الْمَأْكُولِ مَا يَأْكُلُهُ أَهْلُ بَلَدِهِ فَلَوْ حَلَفَ لَا يَتَغَدَّى فَشَرِبَ اللَّبَنَ وَحَصَلَ بِهِ الشِّبَعُ لَا يَحْنَثُ إنْ كَانَ مِصْرِيًّا وَيَحْنَثُ إنْ بَدْوِيًّا.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ لَوْ أَكَلَ تَمْرًا أَوْ أُرْزًا أَوْ غَيْرَهُ حَتَّى يَشْبَعَ لَا يَحْنَثُ وَلَا يَكُونُ غَدَاءً حَتَّى يَأْكُلَ الْخُبْزَ وَكَذَا إنْ أَكَلَ لَحْمًا بِغَيْرِ خُبْزٍ اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ (وَالْعَشَاءُ) ، وَالْأَوْلَى التَّعَشِّي؛ لِأَنَّ الْعَشَاءَ بِالْفَتْحِ، وَالْمَدَاسِمَ لِلْمَأْكُولِ فِي هَذَا الْوَقْتِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْغَدَاءِ.
إلَّا إذَا أَكَلَ (فِيمَا بَيْنَ الزَّوَالِ وَنِصْفِ اللَّيْلِ) فَلَوْ حَلَفَ لَا أَتَعَشَّى يُرَادُ بِهِ هَذَا.
وَقَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ هَذَا فِي عُرْفِهِمْ وَأَمَّا فِي عُرْفِنَا فَوَقْتُ الْعَشَاءِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ.
وَفِي الْبَحْرِ هَذَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي عُرْفِ دِيَارِنَا؛ لِأَنَّهُمْ يُسَمُّونَ مَا يَأْكُلُونَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَسْطَانِيَّةً.
(، وَالسُّحُورُ) ، وَالْأَوْلَى التَّسَحُّرُ لِمَا مَرَّ، وَهُوَ الْأَكْلُ (فِيمَا بَيْنَ نِصْفِ اللَّيْلِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ) فَلَوْ حَلَفَ لَا أَتَسَحَّرُ يُرَادُ بِهِ هَذَا، وَالتَّصَبُّحُ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى ارْتِفَاعِ الضُّحَى (وَفِي إنْ أَكَلْت أَوْ شَرِبْت أَوْ لَبِسْت أَوْ كَلَّمْت أَوْ تَزَوَّجْت أَوْ خَرَجْت) فَعَبْدِي حُرٌّ مَثَلًا وَلَمْ يَذْكُرْ مَفْعُولَهُ (وَنَوَى) أَمْرًا (مُعَيَّنًا) بِأَنْ قَالَ نَوَيْت الْخُبْزَ أَوْ اللَّحْمَ أَوْ نَحْوَهُ مَثَلًا (لَا يَصَّدَّقُ) أَصْلًا لَا قَضَاءً وَلَا دِيَانَةً؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا تَصِحُّ فِي الْمَلْفُوظِ؛ لِأَنَّ الْخُبْزَ وَمَا يُضَاهِيهِ غَيْرُ مَذْكُورٍ تَنْصِيصًا، وَالْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ فَلَغَتْ نِيَّةُ التَّخْصِيصِ فَحَنِثَ بِأَيِّ شَيْءٍ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ لَبِسَ أَوْ غَيْرُهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُصَدَّقُ دِيَانَةً؛ لِأَنَّ لِلْمُقْتَضَى عُمُومًا عِنْدَهُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَبِهِ أَخَذَ الْخَصَّافُ.
وَفِي الْفَتْحِ كَلَامٌ فَلْيُطَالَعْ (وَلَوْ زَادَ طَعَامًا) فِي إنْ أَكَلْت (أَوْ شَرَابًا) فِي إنْ شَرِبْت (وَنَحْوُهُ صُدِّقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً) ؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي حَيِّزِ الشَّرْطِ فَتَعُمُّ كَمَا تَعُمُّ فِي النَّفْيِ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي وَعَلَى هَذَا إنْ اغْتَسَلَ وَنَوَى تَخْصِيصَ الْفَاعِلِ أَوْ الْمَكَانَ أَوْ السَّبَبَ بِدُونِ ذِكْرِهِ لَا يُصَدَّقُ.
وَفِي الْفَتْحِ لَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً وَنَوَى كُوفِيَّةً لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ تَخْصِيصُ الْجِنْسِ وَلَوْ نَوَى حَبَشِيَّةً أَوْ عَرَبِيَّةً صَحَّتْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ تَخْصِيصُ الْجِنْسِ.
(وَفِي) حَلِفِهِ (لَا يَشْرَبُ مِنْ دِجْلَةَ لَا يَحْنَثُ بِشُرْبِهِ مِنْهَا بِإِنَاءٍ مَا لَمْ يَكْرَعْ) إلَّا إذَا نَوَى الِاغْتِرَافَ صُدِّقَ دِيَانَةً، وَالْكَرْعُ تَنَاوُلُ الْمَاءِ مِنْ مَوْضِعِهِ بِفِيهِ لَا بِالْكَفِّ، وَالْإِنَاءِ فَلَوْ مَدَّ عُنُقَهُ نَحْوَهُ وَشَرِبَ بِفِيهِ حَنِثَ، وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِشُرْبِهِ
стр. 563
مِنْهَا بِإِنَاءٍ عِنْدَهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ يُقَالُ شَرِبَ أَهْلُ بَغْدَادَ مِنْ دِجْلَةَ، وَالْمُرَادُ الشُّرْبُ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ وَلَهُ أَنَّ حَقِيقَةَ الشُّرْبِ مِنْ دِجْلَةَ بِالْكَرْعِ وَهِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فَمَنَعَتْ الْمَصِيرَ إلَى الْمَجَازِ وَإِنْ كَانَ مُتَعَارَفًا، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ إذَا كَانَ لَهُ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ وَمَجَازٌ مُتَعَارَفٌ فَالْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ أَوْلَى عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا الْعَمَلُ بِعُمُومِ الْمَجَازِ أَوْلَى وَفِي الْمُجْتَبَى وَلِجِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَصْلٌ حَسَنٌ، وَهُوَ أَنَّهُ مَتَى عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى شَيْءٍ لَيْسَ حَقِيقَةً مُسْتَعْمَلَةً وَلَهُ مَجَازٌ مُتَعَارَفٌ يُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ إجْمَاعًا كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ إجْمَاعًا كَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا وَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ وَمَجَازٌ مُتَعَارَفٌ فَعِنْدَهُ يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَعِنْدَهُمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِمَا لَا بِطَرِيقِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ وَلَكِنْ بِمَجَازٍ يَعُمُّ أَفْرَادَهُمَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ.
(وَإِنْ قَالَ) لَا يَشْرَبُ (مِنْ مَاءِ دِجْلَةَ حَنِثَ بِالْإِنَاءِ اتِّفَاقًا) ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ عُقِدَتْ عَلَى الْمَاءِ دُونَ النَّهْرِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا شَرِبَ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ الْمَاءَ حَنِثَ وَإِلَى أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى نَهْرٍ بِعَيْنِهِ فَشَرِبَ مِنْ نَهْرٍ أَخَذَ مِنْهُ كَرْعًا أَوْ اعْتِرَافًا لَمْ يَحْنَثْ وَلَوْ حَلَفَ مِنْ مَاءِ هَذَا النَّهْرِ فَشَرِبَ مِنْ نَهْرٍ أَخَذَ مِنْهُ حَنِثَ.
وَفِي الشُّمُنِّيِّ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً فُرَاتًا أَوْ مِنْ مَاءٍ فُرَاتٍ يَحْنَثُ بِكُلِّ مَاءٍ عَذْبٍ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ.
(وَكَذَا فِي الْجُبِّ، وَالْبِئْرِ) أَيْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْجُبِّ أَوْ مِنْ هَذِهِ الْبِئْرِ يَحْنَثُ بِشُرْبِهِ بِالْإِنَاءِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْكَرْعُ فَتَعَيَّنَ الْمَجَازُ وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ الْكَرْعُ فَعَلَى الْخِلَافِ وَلَوْ تَكَلَّفَ فَشَرِبَ بِالْكَرْعِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْكَرْعُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ، وَالْمَجَازَ لَا يَجْتَمِعَانِ.
وَفِي الِاخْتِيَارِ هَذَا فِي الْبِئْرِ وَأَمَّا فِي الْحُبِّ إنْ كَانَ مَلْآنًا يُمْكِنُ الشُّرْبُ مِنْهُ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِالْكَرْعِ عِنْدَهُ كَمَا فِي النَّهْرِ (وَفِي الْإِنَاءِ بِعَيْنِهِ) أَيْ لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْإِنَاءِ فَهُوَ عَلَى الشُّرْبِ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ فِيهِ (وَإِمْكَانُ الْبِرِّ) وَرَجَاءُ الصِّدْقِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (شَرْطُ صِحَّةِ) انْعِقَادِ (الْحَلِفِ) الْمُطْلَقِ، وَالْمُقَيَّدِ سَوَاءٌ كَانَ قَسَمًا أَوْ غَيْرَهُ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّ الْيَمِينَ عَقْدٌ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ وَمَحَلُّهُ عِنْدَهُ خَبَرٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَالِفُ قَادِرًا عَلَيْهِ أَوْ لَا كَمَسْأَلَةِ مَسِّ السَّمَاءِ وَعِنْدَهُمَا مَحَلُّ الْيَمِينِ خَبَرٌ فِي رَجَاءِ الصِّدْقِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الشَّيْءِ مَا يَكُونُ قَابِلًا لِحُكْمِهِ وَحُكْمُ الْيَمِينِ الْبِرُّ وَلَا يَخْفَى أَنَّ أَوَائِلَ الْكِتَابِ أَوْلَى بِهَذَا الْأَصْلِ.
(فَمَنْ حَلَفَ) بِاَللَّهِ (لَيَشْرَبَن مَاءَ هَذَا الْكُوزِ الْيَوْمَ) أَوْ أَنْ أَشْرَبَهُ الْيَوْمَ فَعَبْدِي حُرٌّ مَثَلًا (وَلَا مَاءَ فِيهِ) سَوَاءٌ عَلِمَ بِهِ أَوْ لَا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَيُؤَيِّدُهُ إطْلَاقُهُ لَكِنَّ الْإِسْبِيجَابِيَّ قَيَّدَهُ بِعَدَمِ عِلْمِهِ بِأَنْ لَا مَاءَ فِيهِ وَأَمَّا إذَا عَلِمَ بِأَنْ لَا مَاءَ فِيهِ يَحْنَثُ بِالِاتِّفَاقِ لِتَحَقُّقِ الْعَدَمِ (أَوْ) قَدْ (كَانَ) فِيهِ (فَصُبَّ) أَوْ شَرِبَ غَيْرَهُ أَوْ مَاتَ (قَبْلَ مُضِيِّهِ) أَيْ مُضِيِّ الْيَوْمِ (لَا يَحْنَثُ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكُوزِ مَاءٌ فَالْبِرُّ غَيْرُ مُمْكِنٍ سَوَاءٌ ذَكَرَ الْيَوْمَ أَوْ لَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَاءٌ فَإِنْ ذَكَرَ الْيَوْمَ فَالْبِرُّ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْ الْيَوْمِ فَإِذَا صُبَّ لَمْ يَكُنْ الْبِرُّ مُتَصَوَّرًا فَلَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ.
стр. 564
(خِلَافًا لَهُ) أَيْ فَيَحْنَثُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فِي الصُّورَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ انْعَقَدَتْ لَكِنَّهُ يَعْجَزُ فِي الْأُولَى وَلَمْ تَنْحَلَّ فِي الثَّانِيَةِ بِالْهَلَاكِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ لَوْ تَلِفَ بِلَا اخْتِيَارِهِ لَا يَحْنَثُ.
(وَكَذَا) أَيْ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ (إنْ) أَطْلَقَ الْيَمِينَ وَ (لَمْ يَقُلْ الْمَاءَ) وَلَا مَاءَ فِيهِ (إلَّا إنْ كَانَ) فِيهِ مَاءٌ (فَصُبَّ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِالِاتِّفَاقِ) أَمَّا عِنْدَهُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا عِنْدَهُمَا؛ فَلِأَنَّ الْبِرَّ يَجِبُ عَلَيْهِ كَمَا فَرَغَ مِنْ الْيَمِينِ لَكِنْ مُوَسَّعًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَفُوتَهُ فِي مُدَّةِ عُمْرِهِ، وَالْبِرُّ مُتَصَوَّرٌ عِنْدَ الْفَرَاغِ فَانْعَقَدَتْ الْيَمِينُ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ إنَّ الْحِنْثَ فِي الْمُطْلَقِ فِي الْحَالِ وَفِي الْوَقْتِ بَعْدَ مُضِيِّ الْوَقْتِ وَمِنْ فُرُوعٌ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَا ذَكَرَهُ التُّمُرْتَاشِيُّ، وَهُوَ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ تَهَبِي مَهْرَك الْيَوْم لِي فَأَنْتِ طَالِقٌ وَقَالَ أَبُوهَا إنْ وَهَبْت مَهْرَك لِزَوْجِك فَأُمُّك طَالِقٌ فَالْحِيلَةُ فِي عَدَمِ حِنْثِهِمَا أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْهُ بِمَهْرِهَا مَلْفُوفًا وَتَقْبِضَهُ فَإِذَا مَضَى الْيَوْمُ لَمْ يَحْنَثْ الْأَبُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَهَبْ وَلَمْ يَحْنَثْ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّهَا عَجَزَتْ عَنْ الْهِبَةِ عِنْدَ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ سَقَطَ عَنْ الزَّوْجِ بِالْبَيْعِ.
(وَفِي) حَلِفِهِ (لَيَصْعَدَنَّ) أَوْ لَيَمَسَّنَّ (السَّمَاءَ أَوْ لَيَطِيرَنَّ فِي الْهَوَاءِ أَوْ لَيَقْلِبَنَّ هَذَا الْحَجَرَ ذَهَبًا أَوْ لَيَقْتُلَنَّ زَيْدًا) حَالَ كَوْنِ الْحَالِ (عَالِمًا بِمَوْتِهِ) أَيْ مَوْتِ زَيْدٍ (انْعَقَدَتْ) الْيَمِينُ لِإِمْكَانِ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْأَفْعَالَ فِي حَقِّهِ كَمَا فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ.
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ لَا تَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً فَأَشْبَهَ الْمُسْتَحِيلَ حَقِيقَةً (وَحَنِثَ لِلْحَالِ) لِلْعَجْزِ الثَّابِتِ عَادَةً بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْكُوزِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَصَوَّرْ الْبِرَّ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ غَيْرُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَغَيْرِهِ وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ تَأَمَّلْ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ مُطْلَقَةً وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُوَقَّتَةً لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَمْضِيَ ذَلِكَ الْوَقْتُ.
وَقَالَ زُفَرُ يَحْنَثُ لِلْحَالِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ، وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يَسْتَقِيمُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ عَلَى مَا ذُكِرَ آنِفًا إلَّا إذَا حُمِلَ عَلَى أَنَّ لَهُ رِوَايَةً أُخْرَى انْتَهَى لَكِنْ يُمْكِنُ التَّوْجِيهُ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ جَوَابَهُ فِي الْمُوَقَّتِ خِلَافُ الْجَوَابِ فِي الْمُطْلَقِ تَأَمَّلْ، قُيِّدَ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى التَّرْكِ بِأَنْ قَالَ إنْ تَرَكْت مَسَّ السَّمَاءِ فَعَبْدِي حُرٌّ مَثَلًا لَمْ يَنْعَقِدْ؛ لِأَنَّ التَّرْكَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي غَيْرِ الْمَقْدُورِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِهِ) أَيْ مِنْ زَيْدٍ (فَلَا) يَحْنَثُ عِنْدَهُمَا إذْ حِينَئِذٍ يُرَادُ الْقَتْلُ الْمُتَعَارَفُ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُرَادُ قَتْلُهُ بَعْدَ إحْيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مُمْكِنٌ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) ؛ لِأَنَّ إمْكَانَ الْبِرِّ لَيْسَ شَرْطًا لِانْعِقَادِ الْيَمِينِ عِنْدَهُ.
(وَفِي) حَلِفِهِ (لَا يَتَكَلَّمُ فَقَرَأَ الْقُرْآنَ أَوْ سَبَّحَ أَوْ هَلَّلَ) أَوْ كَبَّرَ (لَا يَحْنَثُ سَوَاءٌ) كَانَ (فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا هُوَ الْمُخْتَارُ) اخْتَارَهُ خُوَاهَرْ زَادَهْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُتَكَلِّمًا عُرْفًا وَشَرْعًا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَحْنَثُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ
стр. 565
لِأَنَّهُ كَلَامٌ حَقِيقَةً كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَجَعَلَ صَاحِبُ الْكَافِي قَوْلُ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِ خُوَاهَرْ زَادَهْ وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ إذَا قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَحْنَثُ وَفِي خَارِجِهَا يَحْنَثُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
وَفِي الْكَافِي قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ إنْ عَقَدَ يَمِينَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ لَا يَحْنَثُ بِالْقِرَاءَةِ أَوْ التَّسْبِيحِ خَارِجَ الصَّلَاةِ أَيْضًا لِلْعُرْفِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى قَارِئًا مُسَبِّحًا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي الْبَحْرِ أَنَّ الْمُخْتَارَ لِلْفَتْوَى أَنَّ الْيَمِينَ إنْ كَانَتْ بِالْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَحْنَثْ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ وَيَحْنَثُ بِالْقِرَاءَةِ خَارِجَهَا وَإِنْ كَانَتْ بِالْفَارِسِيَّةِ لَا يَحْنَثُ مُطْلَقًا.
وَفِي الْفَتْحِ أَنَّ قَوْلَ خُوَاهَرْ زَادَهْ مُخْتَارٌ لِلْفَتْوَى مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ عَقْدِ الْيَمِينِ بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ بِالْفَارِسِيَّةِ.
وَفِي الْمِنَحِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفَتْوَى، وَالْإِفْتَاءُ بِظَاهِرِ الْمَذْهَبِ أَوْلَى انْتَهَى لَكِنَّ الْأَوْلَوِيَّةَ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ لِمَا أَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ الْمُتَأَخِّرِ وَلَمَا عَلِمْت مِنْ أَكْثَرِيَّةِ التَّصْحِيحِ لَهُ وَنَقَلَ عَنْ تَهْذِيبِ الْقَلَانِسِيِّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِقِرَاءَةِ الْكُتُبِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فِي عُرْفِنَا تَأَمَّلْ.
(وَفِي) حَلِفِهِ (لَا يُكَلِّمُهُ فَكَلَّمَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ) نَفْسَهُ (وَهُوَ) أَيْ، وَالْحَالُ أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ (نَائِمٌ حَنِثَ إنْ أَيْقَظَهُ) ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْمَبْسُوطِ وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
وَفِي التُّحْفَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْتَبِهْ كَانَ كَمَا إذَا نَادَاهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَهُوَ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ صَوْتَهُ (وَقِيلَ) حَنِثَ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ أَيْقَظَهُ أَوْ لَمْ يُوقِظْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَلَّمَهُ وَوَصَلَ إلَى سَمْعِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ لِنَوْمِهِ كَمَا إذَا نَادَاهُ، وَهُوَ بِحَيْثُ يَسْمَعُ لَكِنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ لِتَغَافُلِهِ وَإِلَيْهِ مَالَ الْقُدُورِيُّ وَصَحَّحَهُ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُكَلِّمَهُ بِكَلَامٍ مُسْتَأْنَفٍ بَعْدَ الْيَمِينِ مُنْقَطِعٍ عَنْهَا لَا مُتَّصِلٍ بِهَا فَلَوْ قَالَ مُوصِلًا إنْ كَلَّمْتُك فَكَذَا فَاذْهَبِي أَوْ اُخْرُجِي أَوْ شَتَمَهَا مُتَّصِلًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ فَلَا يَكُونُ مُرَادًا بِالْيَمِينِ وَلَوْ كَتَبَ إلَيْهِ كِتَابًا أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا لَا يَحْنَثُ كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ.
(وَلَوْ كَلَّمَ غَيْرَهُ) بَعْدَمَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ (وَقَصَدَ سَمَاعَهُ لَا يَحْنَثُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمْهُ حَقِيقَةً.
(وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ هُوَ فِيهِمْ حَنِثَ) ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ كَلَامٌ لِلْجَمِيعِ.
(وَإِنْ نَوَاهُمْ دُونَهُ لَا يَحْنَثْ) دِيَانَةً لِعَدَمِ الْقَصْدِ وَلَا يُصَدَّقُ قَضَاءً؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لِلْجَمَاعَةِ، وَالنِّيَّةُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الْحَاكِمُ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَيَّدَهُ بِالدِّيَانَةِ لَكَانَ أَوْضَحَ.
وَفِي الِاخْتِيَارِ وَلَوْ كَانَ الْحَالِفُ إمَامًا فَسَلَّمَ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ خَلْفَهُ لَا يَحْنَثُ بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ وَلَوْ كَانَ الْحَالِفُ هُوَ الْمُؤْتَمُّ، فَكَذَلِكَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ خَارِجًا عَنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ بِسَلَامِهِ خِلَافًا لَهُمَا وَلَوْ سَبَّحَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فَتَحَ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ وَفِي خَارِجِهَا يَحْنَثُ وَلَوْ قَرَعَ الْبَابَ فَقَالَ مَنْ الْقَارِعُ يَحْنَثُ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ إنْ قَالَ بِالْفَارِسِيَّةِ " كيست " لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخِطَابٍ وَإِنْ قَالَ " كَيْ تو " يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ خِطَابٌ لَهُ هُوَ الْمُخْتَارُ.
وَفِي التَّبْيِينِ لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ إنْ ابْتَدَأْتُك بِالْكَلَامِ فَعَبْدِي حُرٌّ فَالْتَقَيَا فَسَلَّمَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ كَلَامٌ بِصِفَةِ الْبِدَايَةِ، وَهُوَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَسَقَطَ الْيَمِينُ عَنْ الْحَالِفِ؛ لِأَنَّ كُلَّ كَلَامٍ
стр. 566
يُوجَدُ مِنْ الْحَالِفِ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ وُجُودِ الْكَلَامِ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَلَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ حِنْثِهِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَالِفًا أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ صَاحِبُهُ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا لَا يَحْنَثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَبَدًا لِمَا ذَكَرْنَا وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ كَلَّمْتُك بَعْدَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّمِي فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَقَالَتْ إنْ كَلَّمْتُك قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمَنِي فَجَمِيعُ مَا أَمْلِكُهُ حُرٌّ، ثُمَّ إنَّ الزَّوْجَ كَلَّمَهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَحْنَثُ.
(وَلَوْ قَالَ) لَا أُكَلِّمُهُ (إلَّا بِإِذْنِهِ فَأَذِنَ) لَهُ (وَلَمْ يَعْلَمْ) الْمَأْذُونُ إذْنَهُ (فَكَلَّمَهُ حَنِثَ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ إذْ الْإِذْنُ هُوَ الْأَعْلَامُ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّهُ قَالَ لَا يَحْنَثُ لِحُصُولِ الْإِذْنِ بِدُونِ الْعِلْمِ بِهِ.
وَقَالَ نُصَيْرٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّ الْإِذْنَ قَدْ وُجِدَ بِدُونِ الْعِلْمِ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْأَمْرِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
(وَفِي) حَلِفِهِ (لَا يُكَلِّمُهُ شَهْرًا فَهُوَ مِنْ حِينِ حَلَفَ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ الشَّهْرَ تَتَأَبَّدُ الْيَمِينُ فَذَكَرَ الشَّهْرَ لِإِخْرَاجِ مَا وَرَاءَهُ فَبَقِيَ مَا يَلِي يَمِينَهُ دَاخِلًا بِدَلَالَةِ حَالِهِ بِخِلَافِ لَأَعْتَكِفَنَّ أَوْ لَأَصُومَنَّ شَهْرًا فَإِنَّ التَّعْيِينَ يَتَنَاوَلُ إلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ تَرَكْت الصَّوْمَ شَهْرًا فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ مِنْ حِينِ حَلِفِهِ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ مُطْلَقًا يَتَنَاوَلُ الْأَبَدَ فَذَكَرَ الْوَقْتَ لِإِخْرَاجِ مَا وَرَاءَهُ فَهُوَ كَقَوْلِهِ إنْ تَرَكْت كَلَامَهُ شَهْرًا أَوْ إنْ لَمْ أُسَاكِنْهُ شَهْرًا كَمَا فِي الْمِنَحِ.
(وَ) فِي حَلِفِهِ (يَوْمَ أُكَلِّمُهُ لِمُطْلَقِ الْوَقْتِ) ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ إذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ لَا يَمْتَدُّ يُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ، وَالْكَلَامُ لَا يَمْتَدُّ، وَقَدْ مَرَّ فِي الطَّلَاقِ (وَتَصِحُّ نِيَّةُ النَّهَارِ فَقَطْ) بِالْإِجْمَاعِ دِيَانَةً وَقَضَاءً لِإِرَادَةِ الْحَقِيقَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ (وَ) فِي حَلِفِهِ (لَيْلَةَ كَلَّمَهُ) تَقَعُ (عَلَى اللَّيْلِ فَحَسْبُ) دُونَ مُطْلَقِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيهِ (وَفِي) حَلِفِهِ (إنْ كَلَّمْته) أَيْ فُلَانًا (إلَى أَنْ يَقْدَمَ زَيْدٌ أَوْ) قَالَ إنْ كَلَّمْته (حَتَّى يَقْدُمَ) زَيْدٌ (أَوْ) قَالَ إنْ كَلَّمْته (إلَّا أَنْ يَأْذَنَ زَيْدٌ أَوْ) قَالَ إنْ كَلَّمْته (حَتَّى يَأْذَنَ) زَيْدٌ فَعَبْدِي حُرٌّ (فَكَلَّمَهُ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ قَبْلَ قُدُومِهِ أَوْ إذْنِهِ (حَنِثَ) أَيْ عَتَقَ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا لِبَقَاءِ الْيَمِينِ وَلَوْ كَلَّمَهُ بَعْدَ الْقُدُومِ أَوْ الْإِذْنِ لَا لِانْتِهَاءِ الْيَمِينِ (وَإِنْ مَاتَ زَيْدٌ سَقَطَ الْحَلِفُ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ لِانْتِفَاءِ تَصَوُّرِ الْبِرِّ، وَهُوَ شَرْطُ الِانْعِقَادِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ لِمَا تَقَدَّمَ كَمَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُك حَتَّى يَأْذَنَ لِي فُلَانٌ أَوْ قَالَ لِغَرِيمِهِ وَاَللَّهِ لَا أُفَارِقُك حَتَّى تَقْضِيَنِي حَقِّي فَمَاتَ فُلَانٌ قَبْلَ الْإِذْنِ أَوْ بَرِئَ مِنْ الدَّيْنِ فَالْيَمِينُ سَاقِطَةٌ فِي قَوْلِهِمَا خِلَافًا لَهُ وَعَلَى هَذَا لَوْ حَلَفَ لِيُوَفِّيَنه الْيَوْمَ فَأَبْرَأَهُ الطَّالِبُ فَيَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ إنْ كَلَّمَهُ مَا زَالَ وَمَا دَامَ وَمَا كَانَ غَايَةُ مُنْتَهَى الْيَمِينِ بِهَا فَإِذَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُ كَذَا مَا دَامَ بِبُخَارَى فَخَرَجَ تَنْتَهِي الْيَمِينُ بِالْخُرُوجِ فَلَوْ عَادَ بَعْدَهُ وَفَعَلَ لَا يَحْنَثُ.
(وَفِي) حَلِفِهِ (لَا يَأْكُلُ طَعَامَ فُلَانٍ أَوْ لَا يَدْخُلُ دَارِهِ أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبَهُ أَوْ لَا يَرْكَبُ دَابَّتَهُ أَوْ لَا يُكَلِّمُ عَبْدَهُ إنْ عَيَّنَ) الطَّعَامَ، وَالدَّارَ، وَالثَّوْبَ، وَالدَّابَّةَ، وَالْعَبْدَ بِأَنْ قَالَ طَعَامُ زَيْدٍ هَذَا مَثَلًا (وَزَالَ مِلْكُهُ) عَنْهَا (وَفَعَلَ) الْحَالِفُ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ بَعْدَ ذَلِكَ (لَا يَحْنَثُ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ
стр. 567
فِي الْعَبْدِ، وَالدَّارِ) قَالَ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْإِشَارَةِ، وَالْإِضَافَةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلتَّعْرِيفِ إلَّا أَنَّ الْإِشَارَةَ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّهَا تَقْطَعُ شَرِكَةَ الْأَغْيَارِ، وَالْإِضَافَةُ لَا تَقْطَعُ فَاعْتُبِرَتْ الْإِشَارَةُ وَلَغَتْ الْإِضَافَةُ، وَالْمُشَارُ إلَيْهِ قَائِمٌ فَيَحْنَثُ وَلَهُمَا أَنَّ الْيَمِينَ عُقِدَتْ عَلَى عَيْنٍ مُضَافٍ إلَى فُلَانٍ إضَافَةَ مِلْكٍ فَلَا تَبْقَى الْيَمِينُ بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ كَمَا إذَا لَمْ يُشِرْ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْيَانَ لَا يُقْصَدُ هِجْرَانُهَا لِذَوَاتِهَا، بَلْ لِأَذًى مِنْ مِلَاكهَا، وَالْيَمِينُ تَتَقَيَّدُ بِمَقْصُودِ الْحَالِفِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ مَا دَامَ لِفُلَانٍ نَظَرًا إلَى مَقْصُودِهِ انْتَهَى فَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ خِلَافَ مُحَمَّدٍ لَيْسَ فِي الْعَبْدِ، وَالدَّارِ فَقَطْ، بَلْ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ الطَّعَامِ، وَالثَّوْبِ وَغَيْرِهِمَا وَتَخْصِيصُهُ بِالْعَبْدِ، وَالدَّارِ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ، وَالصَّوَابُ تَرْكُهُ تَتَبَّعْ (وَفِي الْمُتَجَدِّدِ) مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ بِأَنْ اشْتَرَى فُلَانٌ طَعَامًا آخَرَ أَوْ دَارًا أَوْ ثَوْبًا أَوْ دَابَّةً أُخْرَى أَوْ عَبْدًا آخَرَ فَفَعَلَ الْحَالِفُ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ (لَا يَحْنَثُ اتِّفَاقًا) لِوُقُوعِ الْيَمِينِ عَلَى الْمُشَارِ إلَيْهِ.
(وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ) الْحَالِفُ أَيْ أَضَافَ إلَى فُلَانٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ الطَّعَامَ، وَالدَّارَ، وَالثَّوْبَ، وَالدَّابَّةَ، وَالْعَبْدَ، بَلْ أَطْلَقَهُ بِأَنْ قَالَ طَعَامُ زَيْدٍ مَثَلًا (لَا يَحْنَثُ) لَوْ فَعَلَ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الْمَذْكُورَةِ (بَعْدَ الزَّوَالِ) أَيْ بَعْدَ زَوَالِ الْإِضَافَةِ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى فِعْلٍ وَاقِعٍ فِي مَحَلٍّ مُضَافٍ إلَى فُلَانٍ وَلَمْ يُوجَدْ فَلَا يَحْنَثُ (وَيَحْنَثُ بِالْمُتَجَدِّدِ) أَيْ بِالْفِعْلِ فِي الْمُتَجَدِّدِ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَهُوَ النِّسْبَةُ، وَالْإِضَافَةُ إلَى فُلَانٍ وَعَدَمُ الْإِشَارَةِ.
وَفِي الْكَافِي وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي الْمُتَجَدِّدِ مِلْكًا فِي الدَّارِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يُسْتَحْدَثُ فِيهَا عَادَةً فَهُوَ آخِرُ مَا يُبَاعُ وَأَوَّلُ مَا يُشْتَرَى فَتَقَيَّدَتْ الْيَمِينُ الْمُضَافَةُ إلَيْهَا بِالْقَائِمَةِ فِي مِلْكِهِ وَقْتَ الْحَلِفِ وَعَنْهُ فِي رِوَايَةٍ تَتَقَيَّدُ الْيَمِينُ فِي الْجَمِيعِ بِالْقَائِمِ فِي مِلْكِهِ وَقْتَ الْحَلِفِ.
(وَفِي) حَلِفِهِ (لَا يُكَلِّمُ امْرَأَتَهُ أَوْ صَدِيقَهُ بَحْثٌ فِي الْمُعَيَّنِ) بِأَنْ قَالَ لَا يُكَلِّمُ امْرَأَتَهُ هَذِهِ أَوْ صَدِيقَهُ هَذَا يَحْنَثُ فِي الْمُعَيَّنِ (بَعْدَ الْإِبَانَةِ) لِلزَّوْجَةِ (وَالْمُعَادَاةُ) لِلصَّدِيقِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الْحُرَّ يُهْجَرُ لِذَاتِهِ وَلَمْ يَظْهَرْ أَنَّ الدَّاعِيَ مَعْنًى فِي الْمُضَافِ إلَيْهِ فَلَغَا وَصْفُ الْإِضَافَةِ وَتَعَلَّقَتْ الْيَمِينُ بِالذَّاتِ (وَفِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ بِأَنْ قَالَ لَا يُكَلِّمُ امْرَأَةَ فُلَانٍ أَوْ صَدِيقَ فُلَانٍ (لَا) يَحْنَثُ لِأَنَّ مُجَرَّدَ هِجْرَانِ الْحُرِّ لِغَيْرِهِ مُحْتَمَلٌ وَغَيْرُ الْإِشَارَةِ إلَيْهِ، وَالتَّسْمِيَةِ بِاسْمِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَحْنَثُ بَعْدَ زَوَالِ الْإِضَافَةِ بِالشَّكِّ (إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هِجْرَانُهُ، وَالْإِضَافَةُ لِلتَّعْرِيفِ فَصَارَ كَالْمُشَارِ إلَيْهِ فَيَحْنَثُ عِنْدَهُ (وَيَحْنَثُ بِالْمُتَجَدِّدِ) أَيْ بِالْفِعْلِ فِي الْمُتَجَدِّدِ.
وَفِي الِاخْتِيَارِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ امْرَأَةٌ وَلَا صَدِيقٌ فَاسْتُحْدِثَ، ثُمَّ كَلَّمَهُ حَنِثَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَأَمَّا إذْ نَوَى فَعَلَى مَا نَوَى؛ لِأَنَّهُ نَوَى مُحْتَمَلَ كَلَامِهِ.
(وَفِي) حَلِفِهِ (لَا يُكَلِّمُ صَاحِبَ هَذَا الطَّيْلَسَانِ فَبَاعَهُ) أَيْ الطَّيْلَسَانَ (فَكَلَّمَهُ حَنِثَ) ؛ لِأَنَّ
стр. 568
الِامْتِنَاعَ لِذَاتِهِ لَا لِلطَّيْلَسَانِ فَكَانَتْ الْإِضَافَةُ لِلتَّعْرِيفِ فَتَعَلَّقَتْ الْيَمِينُ بِالْمُعَرَّفِ وَلِهَذَا لَوْ كَلَّمَ الْمُشْتَرِيَ لَا يَحْنَثُ.
حَلَفَ (لَا أُكَلِّمُهُ حِينًا أَوْ زَمَانًا) مُنَكِّرًا (أَوْ الْحِينَ أَوْ الزَّمَانَ) مُعَرَّفَيْنِ بِاللَّامِ (وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَهُوَ) يَقَعُ (عَلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ) لِمَجِيءِ الْحِينِ لَهُ وَلِسَاعَةٍ وَلِأَرْبَعِينَ سَنَةً فَحُمِلَ عَلَى الْوَسَطِ، وَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ سَاعَةٌ وَعِنْدَ مَالِكٍ سَنَةٌ (وَمَعَهَا) أَيْ مَعَ النِّيَّةِ (مَا نَوَى) مِنْ الزَّمَانِ الْيَسِيرِ، وَالْمَدِيدِ، وَالْوَسَطِ؛ لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ كَلَامِهِ.
(وَإِنْ قَالَ) لَا أُكَلِّمُهُ (الدَّهْرَ أَوْ الْأَبَدَ) مُعَرَّفَيْنِ بِاللَّامِ (فَهُوَ عَلَى الْعُمُرِ) يَعْنِي يُرَادُ بِهِ مَا دَامَ حَيًّا بِالْإِجْمَاعِ (وَلَوْ قَالَ دَهْرًا) مُنَكِّرًا (فَقَدْ تَوَقَّفَ الْإِمَامُ وَعِنْدَهُمَا هُوَ كَالزَّمَانِ) وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِي الْمُنَكَّرِ عَلَى الصَّحِيحِ وَاعْلَمْ أَنَّ مَا تَوَقَّفَ فِيهِ الْإِمَامُ أَرْبَعُ مَسَائِلَ، الدَّهْرُ وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ وَوَقْتُ الْخِتَانِ وَمَحَلُّ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْآخِرَةِ.
وَفِي الْبَحْرِ، وَقَدْ تَوَقَّفَ الْإِمَامُ فِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً وَفِي هَذَا التَّوَقُّفِ تَصْرِيحٌ بِكَمَالِ عِلْمِهِ وَوَرَعِهِ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ لَا يَسْتَنْكِفَ مِنْ التَّوَقُّفِ فِيمَا لَا وُقُوفَ لَهُ عَلَيْهِ إذْ الْمُجَازَفَةُ افْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ وَضِدِّهِ كَمَا فِي الْحَقَائِقِ.
(وَلَوْ قَالَ) لَا أُكَلِّمُهُ (أَيَّامًا أَوْ شُهُورًا أَوْ سِنِينَ فَعَلَى ثَلَاثَةٍ) مِنْ كُلِّ صِنْفٍ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ وَعَنْ الْإِمَامِ فَعَلَى عَشْرَةٍ.
وَفِي التَّنْوِيرِ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ عَبِيدَ فُلَانٍ أَوْ لَا يَرْكَبُ دَوَابَّهُ أَوْ لَا يَلْبَسُ ثِيَابَهُ فَفَعَلَ بِثَلَاثَةٍ مِنْهَا حَنِثَ إنْ كَانَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَإِلَّا لَا وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى زَوْجَاتِهِ أَوْ أَصْدِقَائِهِ أَوْ إخْوَتِهِ لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يُكَلِّمْ الْكُلَّ.
(وَإِنْ عَرَّفَ) أَيْ قَالَ لَا أُكَلِّمُهُ الْأَيَّامَ أَوْ الشُّهُورَ أَوْ السِّنِينَ (فَعَلَى عَشْرَةٍ كَأَيَّامٍ كَثِيرَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ جَمْعٌ مُعَرَّفٌ فَيَنْصَرِفُ إلَى أَقْصَى مَا يُذْكَرُ مِنْ الْجَمْعِ، وَهُوَ الْعَشَرَةُ عِنْدَ الْإِمَامِ هُوَ الصَّحِيحُ (وَقَالَا) يَقَعُ (عَلَى جُمُعَةٍ) أَيْ عَلَى سَبْعَةٍ (فِي الْأَيَّامِ وَسَنَةٍ فِي الشُّهُورِ، وَالْعُمُرِ فِي السِّنِينَ) وَقِيلَ لَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ بِالْفَارِسِيَّةِ فَالْأَيَّامُ سَبْعَةٌ بِالِاتِّفَاقِ وَرَأْسُ الشَّهْرِ وَغُرَّةُ الشَّهْرِ اللَّيْلَةُ الْأُولَى مَعَ الْيَوْمِ وَسَلْخُ
стр. 569
الشَّهْرِ الْيَوْمُ التَّاسِعُ، وَالْعِشْرُونَ وَأَوَّلُ الشَّهْرِ مِنْ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ إلَى السَّادِسِ عَشَرَ وَآخِرُ الشَّهْرِ مِنْهُ إلَى الْآخِر إلَّا إذَا كَانَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ فَإِنَّ أَوَّلَهُ إلَى وَقْتِ الزَّوَالِ مِنْ الْخَامِسِ عَشَرَ وَمَا بَعْدَهُ آخِرُ الشَّهْرِ وَأَوَّلُ الْيَوْمِ إلَى مَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَيُحَكَّمُ الْعُرْفُ فِي فُصُولِ السَّنَةِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
[بَابُ الْيَمِينِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ]
ِ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْوَلَدَ الْمَيِّتَ وَلَدٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَأَنَّ الْأَوَّلَ اسْمٌ لِفَرْدٍ سَابِقٍ، وَالْآخِرَ لِفَرْدٍ لَاحِقٍ، وَالْأَوْسَطَ لِفَرْدٍ بَيْنَ عَدَدَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ وَأَنَّ الشَّخْصَ مَتَى اتَّصَفَ بِالْأَوَّلِيَّةِ لَا يَتَّصِفُ بِالْآخِرِيَّةِ لِتَنَافٍ بَيْنَهُمَا وَإِنَّ اتِّصَافَ الْفِعْلِ بِالْأَوَّلِيَّةِ لَا يُنَافِي اتِّصَافَهُ بِالْآخِرِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ الثَّانِيَ غَيْرُ الْأَوَّلِ (قَالَ) رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ أَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ (إنْ وَلَدْت فَأَنْتِ كَذَا) أَيْ طَالِقٌ أَوْ حُرَّةٌ (حَنِثَ بِالْمَيِّتِ) أَيْ طَلُقَتْ الْمَرْأَةُ وَعَتَقَتْ الْجَارِيَةُ بِوَلَدٍ مَيِّتٍ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَهُوَ وِلَادَةُ الْوَلَدِ أَلَا يُرَى أَنَّهُ يُقَالُ وَلَدَتْ وَلَدًا حَيًّا وَوَلَدَتْ وَلَدًا مَيِّتًا.
(وَلَوْ قَالَ) لِأَمَتِهِ إذَا وَلَدْت وَلَدًا (فَهُوَ) أَيْ الْوَلَدُ (حُرٌّ فَوَلَدَتْ) وَلَدًا (مَيِّتًا، ثُمَّ) وَلَدًا (حَيًّا عَتَقَ) الْوَلَدُ (الْحَيُّ) عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ قَالَا لَا يُعْتَقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ انْحَلَّتْ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَهُوَ وِلَادَةُ الْوَلَدِ الْمَيِّتِ لَا إلَى جَزَاءٍ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْحُرِّيَّةِ وَلَهُ أَنَّ الشَّرْطَ وِلَادَةُ الْحَيِّ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِالْحُرِّيَّةِ وَمِنْ ضَرُورَتِهَا الْحَيَاةُ فَصَارَ كَقَوْلِهِ إذَا وَلَدْت وَلَدًا حَيًّا فَهُوَ حُرٌّ بِخِلَافِ حُرِّيَّةِ الْأُمِّ، وَالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّدْهُ بِالْحَيَاةِ فَافْتَرَقَا (وَفِي أَوَّلِ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ فَمَلَكَ عَبْدًا عَتَقَ) لِتَحَقُّقِ الْأَوَّلِيَّةِ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِفَرْدٍ سَابِقٍ، وَقَدْ وُجِدَ.
(وَلَوْ مَلَكَ عَبْدَيْنِ مَعًا، ثُمَّ آخَرَ لَا يُعْتَقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ) لِعَدَمِ التَّفَرُّدِ، وَالسَّبَقِ.
(وَلَوْ زَادَ) الْحَالِفُ فِي كَلَامِهِ السَّابِقِ (وَحْدَهُ عَتَقَ الْآخَرُ) أَيْ الثَّالِثُ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ عَبْدٍ مَلَكَهُ وَحْدَهُ وَقَيَّدَهُ بِوَحْدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ وَاحِدًا لَا يُعْتَقُ الثَّالِثُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَاحِدًا حَالًا مِنْ الْعَبْدِ أَوْ الْمَالِكِ فَلَا يُعْتَقُ بِالشَّكِّ إلَّا إذَا عَنَى الْوَاحِدَةَ وَتَمَامُهُ فِي التَّبْيِينِ فَلْيُطَالَعْ وَمُرَادُهُ مِنْ زِيَادَةِ وَحْدَهُ أَنَّهُ زَادَ وَصْفًا لِلْأَوَّلِ
стр. 570
سَوَاءٌ كَانَ وَحْدَهُ أَوْ لَا فَشَمِلَ مَا لَوْ قَالَ أَوَّلُ عَبْدٍ أَشْتَرِيهِ بِالدَّنَانِيرِ فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَى عَبْدًا بِالدَّرَاهِمِ أَوْ بِالْعَرُوضِ، ثُمَّ اشْتَرَى بِالدَّنَانِيرِ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ وَكَذَا لَوْ قَالَ أَوَّلُ عَبْدٍ أَشْتَرِيهِ أَسْوَدَ فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَى عَبْدًا أَبْيَضَ، ثُمَّ أَسْوَدَ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ وَلَوْ قَالَ أَوَّلُ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ فَمَلَكَ عَبْدًا وَنِصْفَ عَبْدٍ عَتَقَ الْكَامِلُ وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ فَلْيُرَاجَعْ.
(وَلَوْ قَالَ آخِرُ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ) فَهُوَ حُرٌّ (فَمَاتَ) الْمَالِكُ (بَعْدَ مِلْكِ عَبْدٍ وَاحِدٍ لَا يُعْتَقُ) هَذَا الْعَبْدُ إذْ الْآخِرُ اسْمٌ لِفَرْدٍ لَاحِقٍ.
(وَلَوْ) مَاتَ (بَعْدَ مِلْكِ عَبْدَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ عَتَقَ الْآخِرُ) لِاتِّصَافِهِ بِالْآخِرِيَّةِ؛ لِأَنَّ لَهُ سَابِقًا، وَهَذَا الْحُكْمُ ظَاهِرٌ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (مُنْذُ) أَيْ حِينَ (مَلَكَهُ) ، وَهُوَ وَقْتُ الشِّرَاءِ (مِنْ كُلِّ مَالِهِ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ صَحِيحٌ يَوْمَ الشِّرَاءِ إذْ لَوْ كَانَ الشِّرَاءُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ يَكُونُ الْعِتْقُ مِنْ الثُّلُثِ بِلَا خِلَافٍ فَبِهَذَا لَوْ قَيَّدَهُ بِالصِّحَّةِ لَكَانَ أَوْلَى (وَعِنْدَهُمَا) ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (يُعْتَقُ عِنْدَ مَوْتِهِ مِنْ الثُّلُثِ) أَيْ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِتَحَقُّقِ الْآخِرِيَّةِ (وَعَلَى هَذَا) الْخِلَافِ إذَا قَالَ (آخِرُ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا) يَقَعُ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا (فَلَا تَرِثُ) عِنْدَ الْإِمَامِ فَلَا يَصِيرُ فَارًّا؛ لِأَنَّهُ كَانَ صَحِيحًا فِي هَذَا الْيَوْمِ وَتَعْتَدُّ عِدَّةَ الطَّلَاقِ بِلَا حِدَادٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ حَيًّا وَلَهَا مَهْرٌ وَنِصْفُ مَهْرٍ إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا مَهْرٌ بِالدُّخُولِ بِشُبْهَةٍ وَنِصْفُ مَهْرٍ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ وَعِنْدَهُمَا يَقَعُ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيَصِيرُ فَارًّا وَتَرِثُ وَلَهَا مَهْرٌ وَاحِدٌ وَتَعْتَدُّ مَعَ الْحِدَادِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عِدَّةُ الْفِرَاقِ ثَلَاثُ حِيَضٍ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ عِدَّةُ الْوَفَاةِ تُسْتَكْمَلُ فِيهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ كَمَا فِي مَبْسُوطِ صَدْرِ الْإِسْلَامِ.
(وَفِي كُلِّ عَبْدٍ بَشَّرَنِي بِكَذَا فَهُوَ حُرٌّ فَبَشَّرَهُ ثَلَاثَةٌ مُتَفَرِّقُونَ عَتَقَ الْأَوَّلُ) ؛ لِأَنَّ الْبِشَارَةَ اسْمٌ لِخَبَرٍ يُغَيِّرُ بَشَرَةَ الْوَجْهِ وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ سَارًّا فِي الْعُرْفِ، وَهَذَا إنَّمَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الْأَوَّلِ (وَإِنْ بَشَّرُوهُ مَعًا عَتَقُوا) ؛ لِأَنَّ الْبِشَارَةَ تَحَقَّقَتْ مِنْ الْكُلِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] .
(وَلَوْ قَالَ مَنْ أَخْبَرَنِي) مَكَانَ بَشَّرَنِي (عَتَقُوا فِي الْوَجْهَيْنِ) أَيْ فِي التَّفَرُّقِ، وَالْجَمْعِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ عِلْمُهُ لَكِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ صِدْقًا كَالْبِشَارَةِ بِخِلَافِ مَنْ أَخْبَرَنِي أَنَّ فُلَانًا قَدِمَ فَكَذَا فَأَخْبَرَهُ وَاحِدٌ كَذِبًا فَإِنَّهُ يُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْكَذِبِ، وَالصِّدْقِ وَلَا فَرْقَ فِي الْبِشَارَةِ بَيْنَ الْبَاءِ وَعَدَمِهَا بِخِلَافِ الْخَبَرِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَلَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ الْعَبْدُ عَتَقَ فِي الْبِشَارَةِ، وَالْخَبَرِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ، وَالْمُرَاسِلَةَ تُسَمَّى بِشَارَةً، وَهَذَا بِخِلَافِ الْحَدِيثِ حَيْثُ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِالْمُشَافَهَةِ وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا لَهُ أَرْسَلَ عَبْدًا آخَرَ بِبِشَارَتِهِ فَإِنْ أَضَافَ إلَى الْمُرْسِلِ عَتَقَ وَإِلَّا فَالرَّسُولُ.
(وَلَوْ نَوَى كَفَّارَتَهُ بِشِرَاءِ أَبِيهِ) أَوْ غَيْرِهِ مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ وَتَقْيِيدُهُ بِالْأَبِ اتِّفَاقِيٌّ وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ بِشِرَاءِ كُلِّ قَرِيبٍ مَحْرَمٍ لَكَانَ أَوْلَى تَدَبَّرْ (سَقَطَتْ) أَيْ الْكَفَّارَةُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ زُفَرَ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يَجْزِيهِ عَنْهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ أَوَّلًا لَا، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ النِّيَّةَ إنْ قَارَنَتْ عِلَّةَ الْعِتْقِ، وَالْحَالُ
стр. 571
أَنَّ رِقَّ الْمُعْتَقِ كَامِلٌ صَحَّ التَّكْفِيرُ وَإِلَّا فَلَا وَأَنَّ الْقَرَابَةَ عِنْدَهُمْ عِلَّةٌ لِلْعِتْقِ، وَالْمِلْكَ شَرْطٌ وَعِنْدَنَا الْأَمْرُ عَلَى الْعَكْسِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ شِرَاءَ الْقَرِيبِ إعْتَاقًا فَإِذَا اشْتَرَى أَبَاهُ بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ كَانَتْ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِعِلَّةِ الْعِتْقِ فَيُعْتَقُ عَنْهَا (لَا) أَيْ لَا تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ (بِشِرَاءِ أَمَةٍ اسْتَوْلَدَهَا بِالنِّكَاحِ) أَيْ لَوْ قَالَ لِأَمَةِ الْغَيْرِ قَدْ اسْتَوْلَدَهَا بِالنِّكَاحِ إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتِ حُرَّةٌ عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِي، ثُمَّ اشْتَرَاهَا فَإِنَّهَا تُعْتَقُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَلَا تُجْزِيهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ حُرِّيَّتَهَا مُسْتَحَقَّةٌ بِالِاسْتِيلَادِ فَلَا تُضَافُ إلَى الْيَمِينِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ فِيهَا نَاقِصٌ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَعَلَى هَذَا أَنَّ عِبَارَتَهُ لَا تَخْلُو عَنْ التَّسَامُحِ وَلَقَدْ أَحْسَنَ صَاحِبُ التَّنْوِيرِ حَيْثُ قَالَ وَلَا شِرَاءَ مُسْتَوْلَدَةٍ بِنِكَاحٍ عَلَّقَ عِتْقَهَا عَنْ كَفَّارَتِهِ بِشِرَائِهَا تَأَمَّلْ (أَوْ) بِشِرَاءِ (عَبْدٍ حَلَفَ بِعِتْقِهِ) أَيْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت هَذَا الْعَبْدَ فَهُوَ حُرٌّ فَشِرَاءٌ بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ لَا تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ قِرَانُ النِّيَّةِ بَعْلَةِ الْعِتْقِ وَهِيَ الْيَمِينُ وَأَمَّا الشِّرَاءُ فَشَرْطُهُ، لَا يُقَالُ قَدْ ذُكِرَ فِي الْأُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ التَّعْلِيقَ عِنْدَنَا يَمْنَعُ الْعَلِيَّةَ فَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ يَصِيرُ الْمُعَلَّقُ عِلَّةً حِينَئِذٍ فَيَكُونُ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِعِلَّةِ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ ذُكِرَ فِي الْأُصُولِ أَيْضًا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مُقَارِنَةُ النِّيَّةِ لِذَاتِ الْعِلَّةِ لَا لِوَصْفِ الْعِلِّيَّةِ وَلِذَلِكَ شَرَطُوا الْأَهْلِيَّةَ حَالَ التَّعْلِيقِ لَا حَالَ وُجُودِ الشَّرْطِ الَّتِي هُوَ زَمَانُ حُدُوثِ الْعِلِّيَّةِ، وَاللَّازِمُ مِنْ مَنْعِ التَّعْلِيقِ الْعِلِّيَّةُ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ مُقَارَنَةُ النِّيَّةِ لِلْعِلِّيَّةِ لَا مُقَارَنَتُهَا لِذَاتِ الْعِلَّةِ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ.
(إلَّا إنْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ عَنْ كَفَّارَتِي) حَيْثُ يُجْزِيهِ عَنْهَا؛ لِأَنَّ حُرِّيَّتَهُ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ بِجِهَةٍ أُخْرَى، وَقَدْ قَارَنَتْ النِّيَّةُ الْيَمِينَ، وَهُوَ الْعِلَّةُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ قَوْلَهُمْ الْيَمِينُ عِلَّةُ الْعِتْقِ إطْلَاقُ الْكُلِّ وَإِرَادَةُ الْجُزْءِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ هُوَ الْجَزَاءُ، وَهُوَ أَنْتَ حُرٌّ لَا مَجْمُوعُ الْيَمِينِ مِنْ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ وَهَبَ لَهُ قَرِيبَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ أَوْ جَعَلَ مَهْرًا لَهَا فَنَوَى أَنْ يَكُونَ عَنْ كَفَّارَتِهِ عِنْدَ قَبُولِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ صَادَفَتْ الْعِلَّةَ الِاخْتِيَارِيَّةَ بِخِلَافِ الْأُرَثِ؛ لِأَنَّهُ جَبْرِيٌّ وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا صَرِيحًا وَكَلَامُهُمْ يُفِيدُهُ دَلَالَةً لَكِنْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ، وَالتَّبْيِينِ فَلْيُطَالَعْ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَكِنَّ الْمَحَلَّ الْمُنَاسِبَ لَهَا فِي الْكَفَّارَةِ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ ثَمَّةَ بَعْضَهَا تَأَمَّلْ (وَفِي إنْ تَسَرَّيْت أَمَةً) التَّسَرِّي هُوَ أَنْ يَتَبَوَّأَ بِهَا بَيْتًا وَتَخُصُّهَا أَيْ يَمْنَعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ، وَالِانْتِشَارِ وَشَرَطَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ شَرْطًا ثَالِثًا، وَهُوَ أَنْ يُجَامِعَهَا هَذَا عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ مَعَ هَذِهِ الثَّلَاثِ يُشْتَرَطُ طَلَبُ الْوَلَدِ حَتَّى لَوْ وَطِئَهَا وَعَزَلَ عَنْهَا لَا يَكُونُ تَسَرِّيًا عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ (فَهِيَ حُرَّةٌ فَتَسَرَّى مَنْ فِي مِلْكِهِ وَقْتَ الْحَلِفِ عَتَقَتْ) ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ انْعَقَدَتْ فِي حَقِّهَا لِمُصَادَفَتِهَا الْمِلْكَ.
(وَإِنْ تَسَرَّى مَنْ مَلَكَهَا بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْحَلِفِ (لَا يُعْتَقُ) وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ عِتْقَ غَيْرِهَا أَوْ الطَّلَاقَ بِالتَّسَرِّي بِهَا يَحْنَثُ ذَكَرَهُ
стр. 572
صَاحِبُ الْبَحْرِ آمِرًا بِحِفْظِهِ.
وَقَالَ زُفَرُ تُعْتَقُ فِي الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ التَّسَرِّي ذِكْرٌ لِلْمِلْكِ؛ لِأَنَّ التَّسَرِّي لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ قُلْنَا الْمِلْكُ يَصِيرُ مَذْكُورًا ضَرُورَةَ صِحَّةِ التَّسَرِّي فَتُقَدَّرُ بِقَدْرِهِ وَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْحُرِّيَّةِ، وَهُوَ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالضَّرُورَةِ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا.
(وَفِي كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ عَتَقَ عَبِيدُهُ وَمُدَبَّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُمْ رَقَبَةً وَيَدًا (لَا) يُعْتَقُ (مُكَاتَبُوهُ) وَلَا الْمَمْلُوكُ الْمُشْتَرَكُ لِقُصُورِ مِلْكِهِ (إلَّا إنْ نَوَاهُمْ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْلِيظًا عَلَى نَفْسِهِ وَكَذَا لَا يُعْتَقُ عَبِيدُ عَبْدِ التَّاجِرِ مُطْلَقًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ عَتَقُوا مُطْلَقًا وَعِنْدَ الْإِمَامِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ عَتَقُوا إذَا نَوَاهُمْ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يُعْتَقُوا وَإِنْ نَوَاهُمْ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَبِهَذَا أَنَّ مَا فِي الْمُجْتَبَى مِنْ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ، وَالْمَأْذُونُ فِي التِّجَارَةِ سَبْقُ قَلَمٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ تَدَبَّرْ (وَفِي هَذِهِ طَالِقٌ أَوْ هَذِهِ وَهَذِهِ طَلُقَتْ الْأَخِيرَةُ وَخُيِّرَ فِي الْأُولَيَيْنِ) ؛ لِأَنَّ أَوْ لِإِثْبَاتِ أَحَدِ الْمَذْكُورِينَ، وَقَدْ أَدْخَلَهَا بَيْنَ الْأُولَيَيْنِ، ثُمَّ عَطَف الثَّالِثَةَ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ لِلْمُشَارَكَةِ فِي الْحُكْمِ فَيَخْتَصُّ بِمَحَلِّهِ فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ وَهَذِهِ.
(وَكَذَا الْعِتْقُ) أَيْ لَوْ قَالَ هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَا، وَهَذَا عَتَقَ الْأَخِيرُ وَلَهُ الْخِيَارُ فِي الْأُولَيَيْنِ كَمَا بَيَّنَّا.
(وَ) كَذَا (الْإِقْرَارُ) بِأَنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ أَوْ لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ كَانَ خَمْسُمِائَةٍ لِلْأَخِيرِ وَخَمْسُمِائَةٍ لِلْأَوَّلِيَّيْنِ يَجْعَلُهُ لِأَيِّهِمَا شَاءَ قَالُوا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى قَالُوا هَذَا فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ وَأَمَّا فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُذْكَرْ لِلثَّانِي خَبَرٌ حَتَّى لَوْ ذَكَرَ بِأَنْ قَالَ هَذِهِ طَالِقٌ وَهَذِهِ طَالِقَتَانِ لَا تَطْلُقُ، بَلْ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْإِيجَابِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ.
[بَابُ الْيَمِينِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالتَّزَوُّجِ وَغَيْرِ ذَلِكَ]
َ (يَحْنَثُ بِالْمُبَاشَرَةِ دُونَ التَّوْكِيلِ) إذَا كَانَ مِمَّنْ يُبَاشِرُ بِنَفْسِهِ (فِي الْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالِاسْتِئْجَارِ، وَالصُّلْحِ عَنْ مَالٍ، وَالْقِسْمَةِ، وَالْخُصُومَةِ) أَيْ جَوَابُ الدَّعْوَى سَوَاءٌ كَانَ إقْرَارًا أَوْ إنْكَارًا وَهِيَ مُلْحَقَةٌ بِالْبَيْعِ عَلَى الْمُخْتَارِ (وَضَرْبُ الْوَلَدِ) حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ، ثُمَّ وَكَّلَ غَيْرَهُ فَبَاعَ لَا يَحْنَثُ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الشِّرَاءِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْعُقُودَ وُجِدَتْ مِنْ الْعَاقِدِ حَتَّى كَانَتْ الْحُقُوقُ عَلَيْهِ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الْعَاقِدُ هُوَ الْحَالِفُ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ فَلَمْ يُوجَدْ مَا هُوَ الشَّرْطُ، وَهُوَ الْعَقْدُ مِنْ الْآمِرِ وَإِنَّمَا الثَّابِتُ لَهُ حُكْمُ الْعَقْدِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَ ذَلِكَ وَقَيَّدْنَا بِإِذَا كَانَ مِمَّنْ يُبَاشِرُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ إذَا كَانَ ذَا سُلْطَانٍ كَالْأَمِيرِ، وَالْقَاضِي وَنَحْوِهِمَا لَا يُبَاشِرُ بِنَفْسِهِ حَنِثَ بِالْأَمْرِ أَيْضًا كَمَا يَحْنَثُ بِالْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ نَفْسَهُ عَمَّا يَعْتَادُهُ وَإِنْ كَانَ يُبَاشِرُ مَرَّةً وَيُفَوِّضُ أُخْرَى اُعْتُبِرَ الْغَالِبُ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَطْلَقَ فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ وَأَطْلَقَ أَيْضًا فِي الصُّلْحِ عَنْ مَالٍ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَكُونَ عَنْ إقْرَارٍ أَمَّا الصُّلْحُ عَنْ إنْكَارٍ فَهُوَ فِدَاءُ الْيَمِينِ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَكُونُ الْوَكِيلُ مِنْ جَانِبِهِ سَفِيرًا مَحْضًا فَعَلَى هَذَا إذَا حَلَفَ الْمُدَّعِي أَنْ
стр. 573
لَا يُصَالِحَ فُلَانًا عَنْ هَذِهِ الدَّعْوَى أَوْ عَنْ هَذَا الْمَالِ فَوَكَّلَ فِيهِ لَا يَحْنَثُ مُطْلَقًا وَإِذَا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ثُمَّ وَكَّلَ بِهِ فَإِنْ كَانَ عَنْ إقْرَارٍ حَنِثَ وَإِنْ كَانَ عَنْ إنْكَارٍ أَوْ سُكُوتٍ لَا (وَبِهِمَا) أَيْ يَحْنَثُ الْحَالِفُ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَالتَّوْكِيلِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِفِعْلِهِ وَفِعْلُ مَأْمُورِهِ لِيَشْمَلَ رَسُولَهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْنَثُ بِالرِّسَالَةِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِ الْوَكِيلِ حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ فَوَكَّلَ بِهِ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُزَوِّجَهُ الْوَكِيلُ تَدَبَّرْ (فِي النِّكَاحِ) بِأَنْ حَلَفَ لَا يَنْكِحُ فُلَانَةَ ثُمَّ وَكَّلَ فُلَانًا بِالنِّكَاحِ فَنَكَحَ لَهُ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي هَذَا سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ وَلِهَذَا لَا يُضِيفُهُ إلَى نَفْسِهِ، بَلْ الْآمِرِ وَحُقُوقُ الْعَقْدِ تَرْجِعُ إلَى الْآمِرِ لَا إلَيْهِ وَكَذَا حَالُ سَائِرِ الصُّوَرِ الْآتِيَةِ قُيِّدَ بِالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُزَوِّجُ فُلَانَةَ فَأَمَرَ رَجُلًا فَزَوَّجَهَا لَا يَحْنَثُ بِخِلَافِ التَّزَوُّجِ؛ لِأَنَّ التَّزْوِيجَ بِأَمْرِهِ لَا يَلْحَقُهُ حُكْمٌ، وَالتَّزَوُّجُ بِأَمْرِهِ يَلْحَقُهُ حُكْمٌ، وَهُوَ الْحِلُّ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ (وَالطَّلَاقُ) سَوَاءٌ كَانَ التَّوْكِيلُ بِهِ قَبْلَ الْحَلِفِ أَوْ بَعْدَهُ فِي النِّكَاحِ (وَالْخُلْعِ، وَالْعِتْقِ) أَيْ الْإِعْتَاقُ سَوَاءٌ كَانَ التَّوْكِيلُ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ، وَالْعِتْقَ بِشَرْطٍ، ثُمَّ حَلَفَ بِهِ، ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ لَمْ يَحْنَثْ وَلَوْ حَلَفَ أَوَّلًا حَنِثَ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ (وَالْكِتَابَةُ) إذَا لَمْ يُكَاتِبْ بِنَفْسِهِ وَإِلَّا فَلَا يَحْنَثُ بِكِتَابَةِ الْوَكِيلِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَهَا فِيمَا لَا يَحْنَثُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَالصُّلْحُ عَنْ دَمٍ عَمْدٍ) ؛ لِأَنَّهُ كَالنِّكَاحِ فِي مُبَادَلَةِ الْمَالِ بِغَيْرِهِ وَفِي حُكْمِهِ الصُّلْحُ عَنْ إنْكَارٍ (وَالْهِبَةُ) وَلَوْ فَاسِدَةً وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَحْنَثُ.
وَقَالَ زُفَرُ لَا يَحْنَثُ فِيهِ إلَّا بِالْقَبْضِ (وَالصَّدَقَةِ، وَالْقَرْضِ، وَالِاسْتِقْرَاضِ) قَالَ صَاحِبُ الدُّرَرِ عَدُّهُمْ الِاسْتِقْرَاضَ هَاهُنَا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ بَاطِلٌ فَيَجِبُ أَنْ يَتَرَتَّبَ الْحِنْثُ؛ لِأَنَّ الْبَاطِلَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ انْتَهَى لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا هُوَ مُتَعَارَفٌ مِنْ تَسْمِيَةِ الرَّسُولِ بِالِاسْتِقْرَاضِ وَكِيلًا كَمَا إذَا قَالَ الْمُسْتَقْرِضُ وَكَّلْتُك أَنْ تَسْتَقْرِضَ لِي مِنْ فُلَانٍ كَذَا دِرْهَمًا وَقَالَ الْوَكِيلُ لِلْمُقْرِضِ إنَّ فُلَانًا يَسْتَقْرِضُ مِنْك كَذَا وَلَوْ قَالَ أَقْرِضْنِي مَبْلَغًا كَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ حَتَّى لَا يَثْبُتَ الْمِلْكُ إلَّا لِلْوَكِيلِ تَأَمَّلْ.
(وَإِنْ نَوَى الْمُبَاشَرَةَ خَاصَّةً صُدِّقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً) أَيْ فَمَا كَانَ مِنْ الْحُكْمِيَّاتِ كَالطَّلَاقِ مَثَلًا لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ شَرْعِيٌّ، وَهُوَ أَنْ يُوجَدَ مِنْ الْمَرْءِ تَكَلُّمٌ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ، وَالْأَمْرُ بِذَلِكَ مَثَلًا التَّكَلُّمُ بِكَلِمَةِ الطَّلَاقِ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَإِذَا نَوَى التَّكَلُّمَ بِهِ فَقَدْ نَوَى الْخُصُوصَ فَلَمْ يُصَدَّقْ قَضَاءً وَكَذَا حَالُ غَيْرِهِ.
(وَكَذَا ضَرْبُ الْعَبْدِ) كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَضْرِبُ، وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَضْرِبُ عَبْدَهُ بِنَفْسِهِ فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَضَرَبَهُ حَنِثَ (وَالذَّبْحُ) كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَذْبَحُ شَاةً، وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَذْبَحُ فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَذَبَحَ حَنِثَ كَمَا فِي النَّظْمِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ مِمَّنْ يَذْبَحُ بِنَفْسِهِ لَمْ يَحْنَثْ فَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ هَاتَيْنِ فِيمَا لَا يَحْنَثُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
(وَالْبِنَاءُ، وَالْخِيَاطَةُ، وَالْإِيدَاعُ، وَالِاسْتِيدَاعُ، وَالْإِعَارَةُ) وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ الْمُسْتَعِيرُ فَبِمُجَرَّدِ الْإِعَارَةِ حَنِثَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْهِبَةُ، وَالصَّدَقَةُ
стр. 574
وَالْقَرْضُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَالِاسْتِعَارَةُ) فَلَوْ حَلَفَ لَا يُعِيرُ ثَوْبَهُ مِنْ فُلَانٍ فَبَعَثَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَكِيلًا لِقَبْضِ الْمُسْتَعَارِ فَأَعَارَهُ حَنِثَ عِنْدَ زُفَرَ وَيَعْقُوبَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ رَسُولٌ، وَهَذَا إذَا أَخْرَجَ الْوَكِيلُ كَلَامَهُ مَخْرَجَ الرِّسَالَةِ فَقَالَا إنَّ فُلَانًا يَسْتَعِيرُ مِنْك كَذَا فَأَمَّا إذَا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَا يَحْنَثُ كَمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ يُعِيرَهُ شَيْئًا، ثُمَّ رَدَفَهُ عَلَى دَابَّتِهِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَقَضَاءُ الدَّيْنِ وَقَبْضُهُ، وَالْكِسْوَةُ، وَالْحَمْلُ إلَّا أَنَّهُ لَوْ نَوَى الْمُبَاشَرَةَ) خَاصَّةً فِي ضَرْبِ الْعَبْدِ وَغَيْرِهِ (يُصَدَّقُ قَضَاءً وَدِيَانَةً) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ حِسِّيَّةٌ تُعْرَفُ بِأَثَرِهَا، وَهُوَ التَّأَلُّمُ فِي ضَرْبِ الْعَبْدِ وَانْقِطَاعُ الْعُرُوقِ فِي الذَّبْحِ وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ الْبَوَاقِي، وَالنِّسْبَةُ إلَى الْآمِرِ بِالتَّسَبُّبِ مَجَازٌ فَإِذَا نَوَى الْفِعْلَ بِنَفْسِهِ فَقَدْ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ ضَرْبِ الْعَبْدِ وَضَرْبِ الْوَلَدِ أَنَّ مُعْظَمَ مَنْفَعَةِ ضَرْبِ الْوَلَدِ عَائِدَةٌ إلَى الْوَلَدِ، وَهُوَ التَّأْدِيبُ فَلَمْ يُنْسَبُ فِعْلُهُ إلَى الْآمِرِ بِخِلَافِ ضَرْبِ الْعَبْدِ فَإِنَّ مَنْفَعَتَهُ وَهِيَ الِائْتِمَارُ بِأَمْرِ الْمَوْلَى عَائِدَةٌ إلَى الْمَوْلَى فَيُضَافُ الْفِعْلُ إلَيْهِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ بِالْوَلَدِ الْكَبِيرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ضَرْبَهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ حُرًّا أَجْنَبِيًّا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِالْمُبَاشَرَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ ذَا سُلْطَانٍ وَأَمَّا الْوَلَدُ الصَّغِيرُ فَكَالْعَبْدِ حَتَّى لَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ فَضَرَبَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ (وَفِي لَا يَتَزَوَّجُ فَزَوَّجَهُ) فُضُولِيٌّ (فَأَجَازَ بِالْقَوْلِ حَنِثَ) ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ فِي الِانْتِهَاءِ كَالْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي تَصَرُّفَاتِ الْفُضُولِيِّ (وَبِالْفِعْلِ) أَيْ لَوْ جَازَ بِالْفِعْلِ كَإِعْطَاءِ الْمَهْرِ وَنَحْوِهِ (لَا يَحْنَثُ) هُوَ الْمُخْتَارُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعُقُودَ تَخْتَصُّ بِالْأَقْوَالِ، فَلَا يَكُونُ فِعْلُهُ عَقْدًا وَإِنَّمَا يَكُونُ رِضًى وَشَرْطُ الْحِنْثِ الْعَقْدُ لَا الرِّضَى وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ لَا يَحْنَثُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَأَفْتَى بِهِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ لَيْسَتْ بِإِنْشَاءٍ لِلْعَقْدِ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا تَنْفِيذٌ لِحُكْمِ الْعَقْدِ بِالرِّضَا بِهِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَلَوْ زَوَّجَهُ فُضُولِيٌّ، ثُمَّ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ لَا يَحْنَثُ بِالْقَوْلِ أَيْضًا وَلَوْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ تَدْخُلُ فِي نِكَاحِي فَكَذَا فَأَجَازَ نِكَاحَ فُضُولِيٍّ بِالْفِعْلِ لَا يَحْنَثُ وَمِثْلُهُ إنْ تَزَوَّجْت امْرَأَةً بِنَفْسِي أَوْ بِوَكِيلِي أَوْ بِفُضُولِيٍّ فَلَوْ زَادَ عَلَيْهِ أَوْ أَجَزْت نِكَاحَ فُضُولِيٍّ وَلَوْ بِالْفِعْلِ فَلَا مَخْلَصَ لَهُ إلَّا إذَا كَانَ الْمُعَلَّقُ طَلَاقُ الْمُزَوَّجَةِ فَيَرْفَعُ الْأَمْرَ إلَى شَافِعِيٍّ لِيَفْسَخَ الْيَمِينَ الْمُضَافَةَ (وَفِي لَا يُزَوِّجُ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ يَحْنَثُ بِالتَّوْكِيلِ، وَالْإِجَازَةِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُضَافٌ إلَيْهِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى إرَادَتِهِ لِمِلْكِهِ وَوِلَايَتِهِ.
(وَكَذَا) أَيْ يَحْنَثُ بِالتَّوْكِيلِ، وَالْإِجَازَةِ (فِي ابْنِهِ وَبِنْتِهِ الصَّغِيرَيْنِ) لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهِمَا (وَفِي الْكَبِيرَيْنِ لَا يَحْنَثُ إلَّا فِي الْمُبَاشَرَةِ) لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِمَا فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ عَنْهُمَا فَيَتَعَلَّقُ بِحَقِيقَةِ الْفِعْلِ.
وَفِي الْبَحْرِ حَلَفَ لَا يُزَوِّجُ بِنْتَه الصَّغِيرَةَ فَزَوَّجَهَا رَجُلٌ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَأَجَازَ حَنِثَ؛ لِأَنَّ حُقُوقَهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُجِيزِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يُزَوِّجُ ابْنًا لَهُ كَبِيرًا فَأَمَرَ رَجُلًا فَزَوَّجَهُ، ثُمَّ بَلَغَ الِابْنَ الْخَبَرُ فَأَجَازَ أَوْ زَوَّجَهُ رَجُلٌ فَأَجَازَ الْأَبُ وَرَضِيَ الِابْنُ لَمْ يَحْنَثْ (وَدُخُولُ اللَّامِ) كَلَامٌ إضَافِيٌّ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ يَقْتَضِي
стр. 575
اخْتِصَاصًا، وَالْمُرَادُ بِالدُّخُولِ تَعَلُّقُ الْجَارِّ، وَالْمَجْرُورِ بِهِ (عَلَى الْبَيْعِ كَإِنْ بِعْت لَك) أَيْ لِأَجْلِك (ثَوْبًا) فَعَبْدِي حُرٌّ مَثَلًا (يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْفِعْلِ بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ) أَيْ يَقْتَضِي أَنْ يَخْتَصَّ الْفِعْلُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ اللَّامُ بِاَلَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُخَاطَبُ الْمُتَّصِلُ بِهِ اللَّامُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ، ثُمَّ فُسِّرَ الِاخْتِصَاصُ بِقَوْلِهِ (بِأَنْ كَانَ بِأَمْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ مَلَكَهُ أَوْ لَا) حَتَّى لَوْ دَسَّ الْمُخَاطَبُ ثَوْبًا فِي ثِيَابِ الْحَالِفِ فَبَاعَهُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ لَا يَحْنَثُ وَإِنْ أَمَرَ بَيْعَ ثَوْبٍ مِنْ ثِيَابِ غَيْرِهِ يَحْنَثْ (وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الْبَيْعِ (الشِّرَاءُ، وَالْإِجَارَةُ، وَالصِّيَاغَةُ، وَالْبِنَاءُ) حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي لَك ثَوْبًا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ بِأَمْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ مِلْكَهُ أَوْ لَا وَكَذَا حَالُ الْبَوَاقِي.
(وَ) دُخُولُ اللَّامِ (عَلَى الْعَيْنِ كَإِنْ بِعْت ثَوْبًا لَك يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهَا) أَيْ الْعَيْنِ (بِهِ) أَيْ بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُخَاطَبُ الْمُتَّصِلُ بِهِ اللَّامُ (بِأَنْ كَانَ مِلْكَهُ سَوَاءٌ أَمَرَهُ أَوْ لَا) فَيَحْنَثُ لَوْ بَاعَ مَمْلُوكًا لَهُ سَوَاءٌ أَمَرَهُ أَوْ لَا حَتَّى لَوْ أَخْفَى الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ ثَوْبَهُ فِي ثِيَابِ الْحَالِفِ فَبَاعَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ يَحْنَثُ وَإِنْ أَمَرَ بِبَيْعِ ثَوْبٍ مَمْلُوكٍ لِغَيْرِهِ فَبَاعَ لَمْ يَحْنَثْ.
(وَكَذَا) أَيْ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْفِعْلِ بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِأَنْ مَلَكَهُ سَوَاءٌ أَمَرَهُ أَوْ لَا (دُخُولُهَا) أَيْ دُخُولُ اللَّامِ (عَلَى الضَّرْبِ) أَيْ ضَرْبِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ ضَرْبَ الْغُلَامِ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ كَمَا فِي الْمِنَحِ لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعَبْدُ لِلْعُرْفِ وَلِأَنَّ الضَّرْبَ مِمَّا لَا يُمْلَكُ بِالْعَقْدِ وَلَا يُلْزَمُ بِهِ فَتَنْصَرِفُ الْيَمِينُ فِيهِ إلَى الْمَحْلُوفِ الْمَمْلُوكِ بِالتَّقْدِيمِ، وَالتَّأْخِيرِ (وَالْأَكْلُ، وَالشُّرْبُ، وَالدُّخُولُ) فَلَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ لَك وَلَدًا أَوْ وَلَدًا لَك يَحْنَثُ لَوْ ضَرَبَ وَلَدًا مَخْصُوصًا بِهِ سَوَاءٌ كَانَ بِعِلْمِهِ أَوْ بِأَمْرِهِ أَوْ دُونَهُمَا وَسَوَاءٌ قَدَّمَ كَلِمَةَ اللَّامِ أَوْ أَخَّرَهَا وَحَاصِلُهُ أَنَّ لَامَ الِاخْتِصَاصِ إذَا اتَّصَلَ بِضَمِيرٍ عَقِيبَ فِعْلٍ مُتَعَدٍّ فَإِمَّا أَنْ يُتَوَسَّطَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَمَفْعُولِهِ الثَّانِي أَوْ يَتَأَخَّرَ عَنْ الْمَفْعُولِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَإِمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ الْفِعْلُ النِّيَابَةَ أَوْ لَا فَإِنْ احْتَمَلَهَا وَتَوَسَّطَ بَيْنَهُمَا كَانَ اللَّامُ لِاخْتِصَاصِ الْفِعْلِ وَشَرْطُ حِنْثِهِ وُقُوعُ الْفِعْلِ لِأَجْلِ مَنْ لَهُ الضَّمِيرُ سَوَاءٌ كَانَتْ الْعَيْنُ مَمْلُوكَةً أَوْ لَا وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْأَمْرِ وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ الْمَفْعُولِ كَانَ لِاخْتِصَاصِ الْعَيْنِ بِهِ وَشَرْطُهُ كَوْنُهَا مَمْلُوكَةً لَهُ سَوَاءٌ كَانَ الْفِعْلُ وَقَعَ لِأَجْلِهِ أَوْ لَا وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْهَا لَا يَفْتَرِقُ الْحُكْمُ فِي التَّوَسُّطِ، وَالتَّأَخُّرِ، بَلْ يَحْنَثُ إذَا فَعَلَهُ سَوَاءٌ كَانَ بِأَمْرِهِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ إذَا لَمْ يَحْتَمِلْ النِّيَابَةَ لَمْ يَكُنْ انْتِقَالُهُ إلَى غَيْرِ الْفَاعِلِ فَيَكُونُ الْأَمْرُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ لِاخْتِصَاصِ الْعَيْنِ صَوْنًا لِلْكَلَامِ عَنْ الْإِلْغَاءِ كَمَا فِي الْمِنَحِ.
(وَإِنْ نَوَى غَيْرَهُ) أَيْ نَوَى فِي إنْ بِعْت ثَوْبًا لَك مَعْنَى إنْ بِعْت لَك ثَوْبًا أَوْ بِالْعَكْسِ (صُدِّقَ) دِيَانَةً وَقَضَاءً (فِيمَا عَلَيْهِ) أَيْ فِيمَا فِيهِ تَشْدِيدٌ
стр. 576
عَلَى نَفْسِهِ بِأَنْ بَاعَ ثَوْبًا مَمْلُوكًا لِلْمُخَاطَبِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَنَوَى بِالِاخْتِصَاصِ بِالْأَمْرِ أَوْ بَاعَ ثَوْبًا لِغَيْرِ الْمُخَاطَبِ فِي الثَّانِيَةِ وَنَوَى الِاخْتِصَاصَ بِالْأَمْرِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ وَلَوْلَا نِيَّتُهُ لَمَا حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ بِالتَّقْدِيمِ، وَالتَّأْخِيرِ وَلَيْسَ فِيهِ تَخْفِيفٌ وَفِيمَا فِيهِ تَخْفِيفٌ كَعَكْسِ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ يُصَدَّقُ دِيَانَةً؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ، لَا قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ (وَفِي إنْ بِعْته وَاشْتَرَيْته فَهُوَ حُرٌّ فَعَقْدٌ بِالْخِيَارِ) لِنَفْسِهِ (عَتَقَ) ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ يَمْلِكُهُ الْبَائِعُ الْآنَ اتِّفَاقًا وَفِي الثَّانِي مَلَكَ الْمُشْتَرِي عِنْدَهُمَا وَصَارَ الْمُعَلَّقُ كَالْمُنْجَزِ عِنْدَهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ مَلَكْته فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَا يُعْتَقُ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ، وَهُوَ الْمِلْكُ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ قَيْدٌ بِالْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُهُ بِأَنْ قَالَ إنْ بِعْته فَهُوَ حُرٌّ فَبَاعَهُ بَيْعًا صَحِيحًا بِلَا خِيَارٍ لَا يُعْتَقُ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا بَاعَهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ بَاتَ مِنْ جِهَتِهِ وَكَذَا قَالَ إنْ اشْتَرَيْته فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَاهُ بِالْخِيَارِ لِلْبَائِعِ لَا يُعْتَقُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ بَائِعِهِ سَوَاءٌ أَجَازَ الْبَائِعُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَا وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ إذَا جَازَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ يُعْتَقُ وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ فَإِذَا عَرَفْت هَذَا عُلِمَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَطْلَقَ فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ تَأَمَّلْ.
(وَكَذَا) أَيْ عَتَقَ (لَوْ عُقِدَ بِالْفَاسِدِ أَوْ الْمَوْقُوفِ) ، وَهَذَا مُجْمَلٌ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ أَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ إنْ بِعْته فَأَنْتَ حُرٌّ فَبَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ أَوْ يَدِ الْمُشْتَرِي غَائِبًا عَنْهُ بِأَمَانَةٍ أَوْ رَهْنٍ يُعْتَقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا مَضْمُونًا بِنَفْسِهِ لَا يُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ بِالْعَقْدِ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ إنْ اشْتَرَيْته فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَاهُ شِرَاءً فَاسِدًا فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ لَا يُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ بَعْدُ وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَكَانَ حَاضِرًا عِنْدَهُ وَقْتَ الْعَقْدِ يُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَابِضًا لَهُ عَقِيبَ الْعَقْدِ فَمَلَكَهُ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فِي بَيْتِهِ وَنَحْوِهِ فَإِنْ كَانَ مَضْمُونًا بِنَفْسِهِ كَالْمَغْصُوبِ يُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ وَإِنْ كَانَ أَمَانَةً أَوْ مَضْمُونًا بِغَيْرِهِ كَالرَّهْنِ لَا يُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ قَابِضًا عَقِيبَ الْعَقْدِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ.
(وَلَوْ) عَقَدَ (بِالْبَاطِلِ لَا يُعْتَقُ) ؛ لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ بِأَصْلِهِ فَلَوْ اشْتَرَى مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ لَا يَحْنَثُ وَلَوْ قَضَى بِجَوَازِهِ الْقَاضِي يَحْنَثُ فِي الْحَالِ، وَالْمُكَاتَبُ كَالْمُدَبَّرِ فِي رِوَايَةٍ لَكِنْ يَلْزَمُ فِيهِ إجَارَةُ الْمُكَاتَبِ (وَفِي إنْ لَمْ أَبِعْهُ) أَيْ عَبْدًا (فَكَذَا) أَيْ فَأَمَتُهُ حُرَّةٌ مَثَلًا (فَأَعْتَقَهُ أَوْ دَبَّرَهُ حَيْثُ) لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ عَنْ الْبَيْعِ بِفَوَاتِ مَحَلِّهِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَوْ دَبَّرَ أَمَتَهُ أَوْ اسْتَوْلَدَهَا حَنِثَ وَبِأَنَّهُ لَوْ قَيَّدَ الْبَيْعَ بِوَقْتٍ فَأَعْتَقَ أَوْ دَبَّرَ قَبْلَ مُضِيِّهِ لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
(قَالَتْ) الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا (تَزَوَّجْت عَلَيَّ فَقَالَ) الزَّوْجُ فِي جَوَابِهَا (كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ طَلُقَتْ هِيَ) أَيْ الْمَرْأَةُ الَّتِي دَعَتْهُ إلَى الْحَلِفِ (أَيْضًا) أَيْ كَغَيْرِهَا لِدُخُولِهَا تَحْتَ الْعُمُومِ، وَالْأَصْلُ الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ مَهْمَا أَمْكَنَ (إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّهُ قَالَ لَا تَطْلُقُ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ جَوَابًا فَيَنْطَبِقُ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ غَرَضَهُ أَرِضَاؤُهَا، وَهُوَ بِطَلَاقِ غَيْرِهَا
стр. 577
فَيَتَقَيَّدُ بِهِ وَاخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ.
وَفِي الْبَحْرِ الْأَوْلَى إنْ يُحَكَّمَ الْحَالُ إنْ كَانَ قَدْ جَرَى بَيْنَهُمَا مُشَاجَرَةٌ وَخُصُومَةٌ تَدُلُّ عَلَى غَضَبِهِ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا وَإِلَّا لَا.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَلَوْ قِيلَ لَهُ أَلَكَ امْرَأَةٌ غَيْرُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ فَقَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ لِي فَهِيَ كَذَا لَا تَطْلُقُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ وَتَمَامُهُ فِيهِ فَلْيُطَالَعْ.
(وَإِنْ نَوَى غَيْرَهَا) أَيْ غَيْرَ الْمُحَلِّفَةِ (صُدِّقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً) ؛ لِأَنَّهُ تَخْصِيصُ الْعَامِّ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
(وَمَنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ إلَى الْكَعْبَةِ) أَوْ إلَى مَكَّةَ رَزَقَنَا اللَّهُ تَعَالَى زِيَارَتَهُ (لَزِمَهُ) اسْتِحْسَانًا (حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ مَشْيًا) مِنْ بَابِ دَارِهِ إنْ قَدَرَهُ وَقِيلَ مِنْ مَوْضِعِ مَحْرَمٍ كَحَجْفَةَ لِلشَّامِيِّينَ وَإِنْ نَوَى بَيْتَ اللَّهِ مَسْجِدًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ (فَإِنْ رَكِبَ فَعَلَيْهِ دَمٌ) ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ نَقْصًا فِيهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ النَّاذِرُ فِي الْكَعْبَةِ أَوْ خَارِجًا عَنْهَا وَلِذَا أَطْلَقَ فَإِذَا لَزِمَهُ فَلَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ مَشَى، وَهُوَ أَكْمَلُ وَإِنْ شَاءَ رَكِبَ وَذَبَحَ شَاةً.
(وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ الْخُرُوجُ أَوْ الذَّهَابُ) أَوْ السَّفَرُ أَوْ الرُّكُوبُ أَوْ الْإِتْيَانُ (إلَى بَيْتِ اللَّهِ) أَوْ إلَى الْمَدِينَةِ (أَوْ الْمَشْيُ إلَى الصَّفَا أَوْ الْمَرْوَةِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ الْإِحْرَامَ بِهَذَا اللَّفْظِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ وَلَا يُمْكِنُ إيجَابُهَا بِاعْتِبَارِ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِقُرَبٍ مَقْصُودَةٍ.
(وَكَذَا) لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ (لَوْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الْحَرَمِ أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) لِعَدَمِ التَّعَارُفِ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّ عِنْدَهُمَا عَلَيْهِ حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَرَمَ شَامِلٌ عَلَى الْبَيْتِ وَكَذَا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ فَكَانَ ذِكْرُهُ كَذِكْرِهِ بِخِلَافِ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ وَلِأَنَّهُمَا مُنْفَصِلَانِ عَنْهُ.
(وَفِي عَبْدِهِ حُرٌّ إنْ لَمْ يَحُجَّ الْعَامَ) أَيْ السَّنَةَ بِالتَّخْفِيفِ، ثُمَّ قَالَ السَّيِّدُ حَجَجْت فَأَنْكَرَ الْعَبْدُ وَأَتَى بِشَاهِدَيْنِ (فَشَهِدَا بِكَوْنِهِ يَوْمَ النَّحْرِ بِكُوفَةَ لَا يُعْتَقُ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةِ قَامَتْ عَلَى أَمْرٍ مَعْلُومٍ، وَهُوَ التَّضْحِيَةُ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ انْتِفَاءُ الْحَجِّ فَتَحَقَّقَ الشَّرْطُ.
وَفِي الْفَتْحِ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ أَوْجَهُ قَالَ فِي الْإِصْلَاحِ نَقْلًا عَنْ الْمَبْسُوطِ فَإِنْ قُلْت لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ إذْ لَا تُنْكِرُ كَرَامَةَ الْأَوْلِيَاءِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ بِمَكَّةَ وَكُوفَةَ قُلْت إنَّا أُمِرْنَا بِبِنَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمَعْرُوفُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا مَرَّ فِي بَابِ النَّسَبِ مِنْ أَنَّهُ يَثْبُتُ لِمَنْ وُلِدَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ زَوْجَةٍ مَشْرِقِيَّةٍ وَزَوْجُهَا فِي الْمَغْرِبِ انْتَهَى لَكِنْ يُمْكِنُ دَفْعُ النَّظَرِ بِأَنَّ أَمْرَ النَّسَبِ أَمْرٌ لَازِمُ الرِّعَايَةِ فَلِهَذَا اعْتَبَرُوا فِيهِ مَا لَمْ يَعْتَبِرُوا فِي غَيْرِهِ تَدَبَّرْ وَلَهُمَا أَنَّهَا قَامَتْ عَلَى النَّفْيِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا نَفْيُ الْحَجِّ لَا إثْبَاتُ التَّضْحِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُطَالِبَ لَهَا فَصَارَ كَمَا إذَا شَهِدَا إنَّهُ لَمْ يَحُجَّ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ هَذَا النَّفْيَ مِمَّا يُحِيطُ بِهِ عِلْمُ الشَّاهِدِ وَلَكِنَّهُ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ نَفْيٍ وَنَفْيٍ لِلتَّيْسِيرِ فَإِنْ قِيلَ ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى النَّفْيِ تُسْمَعُ فِي الشُّرُوطِ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ لَمْ تَدْخُلْ الدَّارَ الْيَوْمَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَشَهِدَا أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ الدَّارَ الْيَوْمَ تُقْبَلُ وَيُقْضَى بِعِتْقِهِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الشُّرُوطِ قُلْت هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ أَمْرٍ ثَابِتٍ مُعَايَنٍ، وَهُوَ كَوْنُهُ خَارِجَ الدَّارِ كَمَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ لَكِنَّ الْفَرْقَ مُشْكِلٌ لِي بَيْنَ عَدَمِ.
стр. 578
الدُّخُولِ وَعَدَمِ الْحَجِّ تَأَمَّلْ.
(وَفِي لَا يَصُومُ فَصَامَ سَاعَةً) أَيْ جُزْءًا مِنْ النَّهَارِ (بُنَيَّةٍ حَنِثَ) ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ شَرْعًا إذْ هُوَ إمْسَاكٌ مَعَ النِّيَّةِ، وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ بِهِ.
(وَإِنْ ضَمَّ) قَوْلَهُ لَا يَصُومُ (صَوْمًا أَوْ يَوْمًا) يَحْنَثُ بِالْإِجْمَاعِ (لَا) يَحْنَثُ بِالْإِجْمَاعِ (مَا لَمْ يُتِمَّ يَوْمًا) تَامًّا؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ.
وَفِي التَّنْوِيرِ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ مِنْ هَذَا الْيَوْمِ وَكَانَ بَعْدَ أَكْلِهِ أَوْ بَعْدَ الزَّوَالِ صَحَّتْ وَحَنِثَ لِلْحَالِ كَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ تُصَلِّي الْيَوْمَ فَأَنْتِ كَذَا فَحَاضَتْ مِنْ سَاعَتِهَا أَوْ بَعْدَمَا صَلَّتْ رَكْعَةً فَإِنَّ الْيَمِينَ تَصِحُّ وَتَطْلُقُ لِلْحَالِ (وَفِي لَا يُصَلِّي يَحْنَثُ إذَا سَجَدَ سَجْدَةً لَا قَبْلَهُ) أَيْ لَا قَبْلَ السُّجُودِ لِزِيَادَةِ الْإِيضَاحِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَحْنَثَ بِالِافْتِتَاحِ اعْتِبَارًا بِالشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ لَا يُقَالُ صَلَّى رُكُوعًا وَلَا سُجُودًا وَيُقَالُ صَلَّى رَكْعَةً.
(وَإِنْ ضَمَّ) إلَيْهِ (صَلَاةً فَيَشْفَعُ) أَيْ يَحْنَثُ بِتَمَامِ شَفْعٍ؛ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ الصَّلَاةَ فَيَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلَةِ (لَا بِأَقَلَّ) مِنْ الشَّفْعِ لِلنَّهْيِ عَنْ الْبُتَيْرَاءِ فَلَا تُشْتَرَطُ قَعْدَةُ التَّشَهُّدِ وَقِيلَ تُشْتَرَطُ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فَرْضًا رُبَاعِيًّا تُشْتَرَطُ وَإِلَّا فَلَا وَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ يَحْنَثُ بِرَكْعَةٍ وَكَذَا أَحْمَدُ فِي قَوْلٍ، وَالتَّصْرِيحُ فِيمَا هُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ دَأْبُ أَصْحَابِ الْمُتُونِ فَغَفَلَ عَنْ هَذَا فَقَالَ مَا قَالَ تَتَبَّعْ.
(وَفِي إنْ لَبِسْت مِنْ غَزْلِك) أَيْ مَغْزُولِك (فَهُوَ هَدْيٌ) أَيْ فِعْلُ التَّصَدُّقِ بِهَذَا الثَّوْبِ بِمَكَّةَ فَإِنَّ الْهَدْيَ مَا يُهْدَى إلَى مَكَّةَ (فَمَلَكَ) الزَّوْجُ (قُطْنًا فَغَزَلَتْهُ) الزَّوْجَةُ (وَنُسِجَ) الْغَزْلُ سَوَاءٌ كَانَ النَّسْجُ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ نَسَجَتْهُ (فَلَبِسَهُ) أَيْ الزَّوْجُ عَلَى الْمُعْتَادِ (فَهُوَ هَدْيٌ) أَيْ وَاجِبُ التَّصَدُّقِ بِمَكَّةَ وَلَوْ تَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِ فُقَرَاءِ مَكَّةَ جَازَ خِلَافًا لِزُفَرَ فِي الثَّانِي هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ أَوْ مُضَافًا إلَى سَبَبِ الْمِلْكِ وَلَمْ يُوجَدْ؛ لِأَنَّ اللُّبْسَ وَغَزْلَ الْمَرْأَةِ لَيْسَا مِنْ أَسْبَابِ مِلْكِهِ وَلَهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَغْزِلُ مِنْ قُطْنِ الرَّجُلِ عَادَةً، وَالْمُعْتَادُ هُوَ الْمُرَادُ وَذَلِكَ سَبَبٌ لِمِلْكِهِ.
(وَإِنْ لَبِسَ مَا غَزَلَتْ مِنْ قُطْنٍ فِي مِلْكِهِ وَقْتَ الْحَلِفِ فَهَدْيٌ بِالِاتِّفَاقِ) لِإِضَافَتِهِ إلَيْهِ وَكَذَا لَوْ زَادَ مِنْ قُطْنِي لَزِمَهُ الْهَدْيُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ زَادَ مِنْ قُطْنِهَا لَمْ يَلْزَمْ الْهَدْيُ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ قَالَ إنْ لَبِسْت مِنْ غَزْلِك فَلَبِسَ ثَوْبًا بَعْضُهُ مِنْ غَزْلِ غَيْرِهَا حَنِثَ بِخِلَافِ مَا قَالَ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِك وَعَلَى هَذَا مِنْ نَسْجِك أَوْ ثَوْبًا مِنْ نَسْجِك.
وَفِي التَّنْوِيرِ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ مِنْ غَزْلِهَا فَلَبِسَ تِكَّةً مِنْهُ لَا يَحْنَثُ كَلَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ نَسْجِ فُلَانٍ فَلَبِسَ مِنْ نَسْجِ غُلَامِهِ وَكَانَ يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ إذَا كَانَتْ فُلَانٌ يَعْمَلُ بِيَدِهِ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ فُلَانٌ لَا يَنْسِجُ بِيَدِهِ حَنِثَ.
(خَاتَمُ الْفِضَّةِ لَيْسَ بِحُلِيٍّ) أَيْ لَا يَحْنَثُ بِلُبْسِهِ إذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ حُلِيًّا؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ لِغَيْرِ التَّزَيُّنِ وَلِهَذَا حَلَّ لِلرِّجَالِ فَلَمْ يَكُنْ كَامِلًا فِي الْحُلِيِّ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي مُطْلَقِ اسْمِهِ إلَّا إذَا كَانَ مَصْنُوعًا عَلَى هَيْئَةِ خَاتَمِ النِّسَاءِ بِأَنْ كَانَ ذَا فَصٍّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَيَّدَهُ كَمَا قَيَّدْنَا لَكَانَ أَوْلَى تَأَمَّلْ (بِخِلَافِ خَاتَمِ الذَّهَبِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا لِلتَّزَيُّنِ
стр. 579
وَلِهَذَا لَا يَحِلُّ لِلرِّجَالِ فَكَانَ كَامِلًا فِي مَعْنَى الْحُلِيِّ فَيَدْخُلُ تَحْتَ اسْمِهِ وَلِهَذَا لَوْ لَبِسَ خَلْخَالًا أَوْ سِوَارًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَجَرٍ يَحْنَثُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ حُلِيٍّ كَامِلٌ لَا يَحِلُّ لِلرِّجَالِ (وَعِقْدُ اللُّؤْلُؤِ إنْ رُصِّعَ فَحُلِيٌّ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُرَصَّعْ (فَلَا) أَيْ لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ حُلِيًّا فَلَبِسَ عِقْدَ لُؤْلُؤٍ غَيْرَ مُرَصَّعٍ لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَحَلَّى بِهِ عُرْفًا إلَّا مُرَصَّعًا وَمَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ (وَقَالَا حُلِيٌّ مُطْلَقًا) فَيَحْنَثُ بِلُبْسِهِ إذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ حُلِيًّا عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ حُلِيٌّ حَقِيقَةً حَتَّى سُمِّيَ بِهِ فِي الْقُرْآنِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ لَكِنْ يُشْكِلُ بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَلَا عَلَى أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُعَلَّلَ بِأَنَّ هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ فَكُلٌّ أَفْتَى بِمَا شَاهَدَ فِي زَمَانِهِ.
وَقَالَ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ وَقَوْلُهُمَا أَقْرَبُ إلَى عُرْفِ دِيَارِنَا وَلِهَذَا قَالَ (وَبِهِ) أَيْ بِقَوْلِ الْإِمَامَيْنِ (يُفْتَى) ؛ لِأَنَّ التَّحَلِّي بِهِ عَلَى الِانْفِرَادِ مُعْتَادٌ كَمَا فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ.
(وَفِي لَا يَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ) أَوْ السَّطْحِ أَوْ الدُّكَّانِ (فَجَلَسَ عَلَى بِسَاطٍ أَوْ حَصِيرٍ) فَوْقَهَا (لَا يَحْنَثُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى جَالِسًا عَلَى الْأَرْضِ عَادَةً.
(وَإِنْ حَالَ بَيْنَهَا) أَيْ الْأَرْضِ (وَبَيْنَهُ) أَيْ الْحَالِفِ (ثِيَابُهُ) الَّذِي يَلْبَسُهُ (حَنِثَ) ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لَهُ فَلَا تَصِيرُ حَائِلًا وَلَوْ خَلَعَ ثَوْبَهُ فَبَسَطَهُ وَجَلَسَ لَا يَحْنَثُ لِارْتِفَاعِ التَّبَعِيَّةِ (وَفِي لَا يَنَامُ عَلَى هَذَا الْفِرَاشِ فَجُعِلَ فَوْقَهُ فِرَاشٌ) آخَرُ (فَنَامَ عَلَيْهِ لَا يَحْنَثُ) ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ، وَالشَّيْءُ لَا يَكُونُ تَبَعًا لِمِثْلِهِ فَتَنْقَطِعُ النِّسْبَةُ السُّفْلَى هَذَا فِي الْعُرْفِ أَمَّا لَوْ نَكَّرَهُ فَحَلَفَ لَا يَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ حَنِثَ بِوَضْعِ الْفِرَاشِ عَلَى الْفِرَاشِ.
(وَإِنْ جُعِلَ فَوْقَهُ قِرَامٌ) بِالْكَسْرِ سِتْرٌ رَقِيقٌ (يَحْنَثُ) ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ (وَفِي لَا يَجْلِسُ عَلَى هَذَا السَّرِيرِ إنْ جُعِلَ فَوْقَهُ سَرِيرٌ) آخَرُ (فَجَلَسَ) عَلَيْهِ (لَا يَحْنَثُ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُهُ وَمَا وَقَعَ فِي الْكَنْزِ، وَالْقُدُورِيِّ مِنْ تَنْكِيرِ السَّرِيرِ مُشْكِلٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْمُنَكَّرُ عَلَى الْمُعَرَّفِ كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ لَكِنْ بَعِيدٌ تَأَمَّلْ.
(وَإِنْ جُعِلَ فَوْقَهُ) أَيْ فَوْقَ هَذَا السَّرِيرِ (بِسَاطٌ أَوْ حَصِيرٌ) فَجَلَسَ عَلَيْهِ (حَنِثَ) ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ جَالِسًا عَلَيْهِ عَادَةً كَمَنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ عَلَى هَذَا الْفَرَسِ فَجَعَلَ فَوْقَهُ سَرْجًا فَرَكِبَ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَنَامُ عَلَى أَلْوَاحِ هَذَا السَّرِيرِ أَوْ أَلْوَاحِ هَذِهِ السَّفِينَةِ فَفُرِشَ عَلَى ذَلِكَ فِرَاشٌ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ.
[بَابُ الْيَمِينِ فِي الضَّرْبِ وَالْقَتْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ]
َ الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ مَا يُشَارِكُ الْمَيِّتُ فِيهِ الْحَيَّ تَقَعُ الْيَمِينُ فِيهِ عَلَى حَالَةِ الْحَيَاةِ، وَالْمَوْتِ وَمَا اُخْتُصَّ بِحَالَةِ الْحَيَاةِ يَتَقَيَّدُ بِهَا فَقَالَ (الضَّرْبُ، وَالْكِسْوَةُ، وَالْكَلَامُ، وَالدُّخُولُ يَخْتَصُّ فِعْلُهَا بِالْحَيِّ) ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ بِقَوْلِهِ (فَلَا يَحْنَثُ مَنْ قَالَ إنْ ضَرَبْته) أَيْ زَيْدًا مَثَلًا (أَوْ كَسَوْته أَوْ دَخَلْت عَلَيْهِ) فَكَذَا (بِفِعْلِهَا) أَيْ بِفِعْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ (بَعْدَ مَوْتِهِ) أَيْ بَعْدَ مَوْتِ زَيْدٍ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ اسْمٌ لِفِعْلٍ مُولِمٍ مُتَّصِلٍ بِالْبَدَنِ، وَالْإِيلَامُ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْمَيِّتِ، وَالْمُعَذَّبُ فِي الْقَبْرِ يَحْيَى بِقَدْرِ مَا يَتَأَلَّمُ بِهِ، وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْحَقِّ
стр. 580
فَلَوْ حَلَفَ لَأَضْرِبَنَّ مِائَةَ سَوْطٍ بَرَّ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ إنْ وَصَلَ إلَى بَدَنِهِ كُلُّ سَوْطٍ بِشَرْطِ الْإِيلَامِ وَأَمَّا عَدَمُهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا وَكَذَا الْكِسْوَةُ إذْ يُرَادُ بِهِ التَّمْلِيكُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْمَيِّتِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ السَّتْرَ وَكَذَا الْكَلَامُ، وَالدُّخُولُ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْ الْكَلَامِ الْإِفْهَامُ، وَالْمَوْتُ يُنَافِيهِ، وَالْمُرَادُ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهِ زِيَارَتُهُ وَبَعْدَ الْمَوْتِ يُزَارُ قَبْرُهُ لَا هُوَ وَلَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ حَنِثَ عَلَى الْمُخْتَارِ وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَطَؤُهَا أَوْ لَا يُقَبِّلُهَا فَوَطْأَهَا أَوْ قَبَّلَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَحْنَثُ (بِخِلَافِ الْغُسْلِ، وَالْحَمْلِ، وَالْمَسِّ) لِتَحَقُّقِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي الْمَيِّتِ (وَفِي) حَلَفَ (لَا يَضْرِبُهَا فَمَدَّ شَعْرَهَا أَوْ خَنَقَهَا أَوْ عَضَّهَا حَنِثَ) لِتَحَقُّقِ الْإِيلَامِ بِهَذِهِ الْأَفْعَالِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ الْفَارِسِيَّةِ وَأَمَّا إذَا كَانَتْ فِي حَالَةِ الْغَصْبِ أَوْ الْمُزَاحِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَقِيلَ لَا يَحْنَثُ فِي حَالَةِ الْمُزَاحِ فَلِهَذَا لَوْ أَصَابَ رَأْسُهُ أَنْفَهَا فِي الْمُلَاعَبَةِ فَأَدْمَاهَا لَا يَحْنَثُ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ هُوَ الصَّحِيحُ وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَصْدُ فِي الضَّرْبِ فَلَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ فَضَرَبَ أَمَتَهُ فَأَصَابَهَا يَحْنَثُ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَقِيلَ يُشْتَرَطُ عَلَى الْأَظْهَرِ فَلَا يَحْنَثُ بِأَنْ تَعَمَّدَ غَيْرَهَا وَأَصَابَهَا جَزَمَ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ.
حَلَفَ (لَيَضْرِبَنَّهُ حَتَّى يَمُوتَ فَهُوَ) يَقَعُ (عَلَى أَشَدِّ الضَّرْبِ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ فِي الْعُرْفِ وَلَوْ قَالَ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ أَوْ يَبْكِيَ أَوْ يَبُولَ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهَا حَقِيقَةً.
وَفِي التَّنْوِيرِ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ فُلَانًا أَلْفَ مَرَّةٍ فَهُوَ عَلَى الْكَثْرَةِ حَلَفَ إنْ لَمْ أَقْتُلْ زَيْدًا فَكَذَا، وَهُوَ مَيِّتٌ إنْ عَلِمَ الْحَالِفُ بِمَوْتِهِ حَنِثَ وَإِلَّا لَا حَلَفَ لَأَقْتُلُ فُلَانًا بِالْكُوفَةِ فَضَرَبَهُ بِالسَّوْطِ وَمَاتَ بِهَا حَنِثَ وَبِعَكْسِهِ لَا وَفِي حَلِفِهِ.
(لَيَقْضِيَنَّ دَيْنَهُ قَرِيبًا فَمَا دُونَ الشَّهْرِ قَرِيبٌ، وَالشَّهْرُ بَعِيدٌ) فَلَوْ قَضَى تَمَامَ الشَّهْرِ حَنِثَ وَقَبْلَهُ بَرَّ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ بَعِيدًا وَمَا دُونَهُ يُعَدُّ قَرِيبًا وَلِذَا يُقَالُ عِنْدَ بُعْدِ الْعَهْدِ مَا لَقِيتُك مُنْذُ شَهْرٍ.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَلَفْظُ السَّرِيعِ كَالْقَرِيبِ وَلَفْظُ الْأَجَلِ كَالْبَعِيدِ وَإِنْ نَوَى مُدَّةً فِيهِمَا فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ مَلِيًّا أَوْ طَوِيلًا إنْ نَوَى شَيْئًا فَذَاكَ وَإِلَّا فَعَلَى شَهْرٍ وَيَوْمٍ وَفِي حَلِفِهِ (لَيَقْضِيَنَّهُ) أَيْ دَيْنَهُ (الْيَوْمَ فَقَضَاهُ) بِنَفْسِهِ أَوْ بِأَمْرِ غَيْرِهِ وَلَوْ بِطَرِيقِ الْحَوَالَةِ وَقَبْضِ الْمُحْتَالِ فَلَوْ تَبَرَّعَ بِهِ غَيْرُهُ لَمْ يَبَرَّ بِخِلَافِ مَا لَوْ أُعْطِيَ وَلَمْ يَقْبَلْ لَكِنَّهُ وَضَعَهُ بِحَيْثُ تَنَاوُلُ يَدِهِ لَوْ أَرَادَ قَبْضَهُ وَإِلَّا لَا يَبَرُّ وَلَوْ كَانَ الدَّائِنُ غَائِبًا لَمْ يَحْنَثْ بِتَرْكِ الْقَضَاءِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ لَكِنَّ الْمُخْتَارَ لِلْفَتْوَى أَمَّا الْحَالِفُ يَرْفَعُ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي فَإِذَا رَفَعَ الْأَمْرَ إلَيْهِ بَرَّ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ انْتَصَبَ نَائِبًا عَنْهُ فِي هَذَا الْحُكْمِ نَظَرًا لِلْحَالِفِ (زُيُوفًا) يَبَرُّ بِالضَّمِّ مَصْدَرُ زَافَتْ الدَّرَاهِمُ زَيْفًا أَيْ صَارَتْ مَرْدُودَةً لِلْغِشِّ (أَوْ نَبَهْرَجَةٌ) لَفْظٌ أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ وَأَصْلُهُ نَبْهَرُ وَهِيَ، وَالزَّيْفُ كِلَاهُمَا مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ وَفِضَّتُهُمَا غَالِبَةٌ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الزَّيْفَ مَا يَرُدُّهُ بَيْتُ الْمَالِ وَلَا يَرُدُّهُ التُّجَّارُ بِخِلَافِ النَّبَهْرَجَةِ فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا التُّجَّارُ أَيْضًا (أَوْ مُسْتَحَقَّةٌ) بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ مُسْتَحِقًّا
стр. 581
صَاحِبُهَا إيَّاهَا عَلَى الدَّيْنِ (أَوْ بَاعَهُ) أَيْ بَاعَ الْمَدْيُونُ دَايَنَهُ (بِهِ) أَيْ بِدَيْنِهِ (شَيْئًا) مِنْ مِلْكِهِ كَالْعَبْدِ وَغَيْرِهِ بَيْعًا صَحِيحًا كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ فَلَوْ بَاعَ فَاسِدًا وَلَيْسَ فِيهِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ فَقَدْ حَنِثَ وَإِلَّا فَقَدْ بَرَّ (وَقَبَضَهُ) أَيْ قَبَضَ الدَّائِنُ ذَلِكَ الشَّيْءَ وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ الْقَبْضُ، وَقَدْ وَجَبَ الثَّمَنُ بِنَفْسِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَقَرَّرُ قَبْلَهُ (بِرٌّ) فِي هَذِهِ الصُّوَرِ؛ لِأَنَّ الزِّيَافَةَ، وَالنَّبَهْرَجَةَ عَيْبٌ، وَالْعَيْبُ لَا يُعْدِمُ الْجِنْسَ وَلِهَذَا لَوْ تُجُوِّزَ بِهِ صَارَ مُسْتَوْفِيًا لِدَيْنِهِ فَوُجِدَ شَرْطُ الْبِرِّ وَقَبْضُ الْمُسْتَحَقَّةِ صَحِيحٌ وَلَا يَرْتَفِعُ بِرَدِّهِ الْبِرُّ الْمُتَحَقِّقُ وَبِالْبَيْعِ وَقْتَ الْمُقَاصَّةِ بَيْنَ الدَّيْنِ وَبَيْنَ الثَّمَنِ فَصَارَ الثَّمَنُ قَضَاءً لِلدَّيْنِ.
(وَلَوْ) قَضَاهُ (رَصَاصًا أَوْ سَتُّوقَةً أَوْ وَهَبَهُ) أَيْ الدَّائِنُ ذَلِكَ الدَّيْنَ لِلْمَدْيُونِ مَجَّانًا (أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الدَّيْنِ (لَا يَبَرُّ) الْحَالِفُ وَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ فِي صُورَةِ الْهِبَةِ، وَالْإِبْرَاءِ أَمَّا فِي صُورَةِ الْأُولَيَيْنِ فَلَمْ يَبَرَّ وَحَنِثَ وَجَوَابُ الشَّرْطِ السَّابِقُ مَحْذُوفٌ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ إنْ اخْتَلَفَ مَعْنًى وَإِنَّمَا احْتَاجَ إلَى هَذَا التَّكَلُّفِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمَّا كَانَتْ مُوَقَّتَةً فَإِذَا وَهَبَهُ لَهُ قَبْلَ انْقِضَائِهِ فَقَدْ عَجَزَ عَنْ الْبِرِّ وَانْحَلَّتْ الْيَمِينُ، وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَمُسْتَقِيمٌ بِلَا تَكْلِيفٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَنِثَ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْكُوزِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَيَّدَ الْيَوْمَ لَاسْتَقَامَ بِدُونِ الِاحْتِيَاجِ إلَى هَذَا التَّكَلُّفِ أَوْ لَوْ قَالَ وَلَوْ رَصَاصًا أَوْ سَتُّوقَةً حَنِثَ وَلَوْ وَهَبَهُ أَوْ أَبْرَأَهُ لَا يَبَرُّ لَكَانَ أَسْلَمَ مِنْ أَعْظَمِ الِاخْتِلَالِ تَأَمَّلْ.
وَفِي حَلِفِهِ (لَا يَقْبِضُ دَيْنَهُ) مِنْ غَرِيمِهِ (دِرْهَمًا دُونَ دِرْهَمٍ لَا يَحْنَثُ) فِي يَمِينِهِ (بِقَبْضِ بَعْضِهِ) لِعَدَمِ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَهُوَ قَبْضُ الْكُلِّ بِوَصْفِ التَّفَرُّقِ (مَا لَمْ يَقْبِضْ كُلَّهُ مُتَفَرِّقًا) فَإِنَّهُ يَحْنَثُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَهُوَ قَبْضُ الْكُلِّ بِوَصْفِ التَّفَرُّقِ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْقَبْضَ إلَى دَيْنٍ مَعْرُوفٍ بِالْإِضَافَةِ إلَيْهِ فَيَتَنَاوَلُ كُلَّهُ وَلَوْ قَيَّدَ بِالْيَوْمِ لَمْ يَحْنَثْ بِقَبْضِ الْبَعْضِ فِي الْيَوْمِ مُتَفَرِّقًا؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ أَخْذُ الْكُلِّ فِيهِ مُتَفَرِّقًا وَلَوْ أَدْخَلَ مِنْ التَّبْعِيضِيَّةَ حَنِثَ.
(وَإِنْ فَرَّقَهُ) أَيْ الْقَبْضَ (بِعَمَلٍ ضَرُورِيٍّ كَالْوَزْنِ لَا يَحْنَثُ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ وَزْنُ الْكُلِّ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَيَكُونُ هَذَا الْقَدْرُ مُسْتَثْنًى مِنْ الْيَمِينِ خِلَافًا لِزُفَرَ هَذَا إذَا لَمْ يَتَشَغَّلَا بَيْنَ الْوَزْنَتَيْنِ بِعَمَلٍ آخَرَ أَمَّا إذَا اشْتَغَلَ بَيْنَهُمَا بِعَمَلٍ آخَرَ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ تَبَدَّلَ الْمَجْلِسُ فَاخْتَلَفَ الدَّفْعُ.
وَفِي التَّنْوِيرِ لَا يَأْخُذُ مَالَهُ عَلَى فُلَانٍ إلَّا جُمْلَةً أَوْ لَا جَمِيعًا فَتَرَكَ مِنْهُ دِرْهَمًا، ثُمَّ أَخَذَ الْبَاقِيَ كَيْفَ شَاءَ لَا يَحْنَثُ وَمَنْ قَالَ (إنْ كَانَ لِي إلَّا مِائَةً أَوْ غَيْرَ مِائَةٍ أَوْ سِوَى مِائَةٍ) مِنْ الدَّرَاهِمِ فَعَبْدُهُ حُرٌّ مَثَلًا (لَا يَحْنَثُ بِهَا) أَيْ بِالْمِائَةِ (أَوْ بِأَقَلَّ مِنْهَا) ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمِائَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ دِينَارًا أَوْ عَرُوضًا لِلتِّجَارَةِ أَوْ عَبْدًا لِلتِّجَارَةِ أَوْ سَوَائِمَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بَعْدَ الْمُسْتَثْنَى وَلَا يُحْكَمُ بِثُبُوتِ الْمُسْتَثْنَى وَلَا بِنَفْيِهِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَيْسَ لِي شَيْءٌ زَائِدٌ عَلَى الْمِائَةِ (وَفِي) حَلِفِهِ (لَا يَفْعَلُ) كَذَا تَرَكَهُ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ نَفَى الْفِعْلَ مُطْلَقًا فَيَتَنَاوَلُ فَرْدًا شَائِعًا فِي جِنْسِهِ
стр. 582
فَيَعُمُّ الْجِنْسَ كُلَّهُ ضَرُورَةَ شُيُوعِهِ (وَفِي لَيَفْعَلَنهُ يَكْفِي فِعْلُهُ مَرَّةً) ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ فِعْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ فَيَخُصُّ وَيَحْنَثُ إذَا لَمْ يَفْعَلْهُ فِي عُمُرِهِ.
وَفِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ وَيَفُوتُ مَحَلُّ الْفِعْلِ هَذَا إذَا كَانَتْ مُطْلَقَةً وَإِنْ كَانَتْ مُوَقَّتَةً وَلَمْ يَفْعَلْ فِيهِ يَحْنَثُ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ إنْ كَانَ الْإِمْكَانُ بَاقِيًا إلَى آخِرِ الْوَقْتِ وَإِلَّا لَا.
(حَلَّفَهُ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ (وَالٍ) أَيْ حَلَّفَهُ مَالِكُ أَمْرِ بَلَدٍ رَجُلًا (لَيُعْلِمَنهُ بِكُلِّ دَاعِرٍ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ فَاسِقٍ خَبِيثٍ مُفْسِدٍ أَتَى بِالْبَلَدِ (تُقَيَّدُ) الْيَمِينُ (بِحَالِ وِلَايَتِهِ) بِالْكَسْرِ أَيْ بِزَمَانِ تَسَلُّطِهِ هَذَا عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِعْلَامِ دَفْعُ شَرِّ الدَّاعِرِ وَغَيْرِهِ بِزَجْرِهِ فَلَا يُفِيدُ فَائِدَتَهُ بَعْدَ زَوَالِ الْوِلَايَةِ، وَالزَّوَالُ بِالْمَوْتِ وَكَذَا بِالْعَزْلِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَلَمْ يَجِبْ الْإِعْلَامُ لَوْ عَادَ إلَى الْوِلَايَةِ كَمَا لَمْ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ فَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ حَتَّى مَاتَ أَوْ عُزِلَ فَقَدْ حَنِثَ.
وَفِي الْفَتْحِ وَلَوْ حَكَمَ بِانْعِقَادِ هَذِهِ لِلْفَوْرِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا نَظَرًا إلَى الْمَقْصُودِ، وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ لِزَجْرِهِ وَدَفْعِ شَرِّهِ فَالدَّاعِي يُوجِبُ التَّقْيِيدَ بِالْفَوْرِ وَفَوْرُ عِلْمِهِ بِهِ.
وَفِي الْبَحْرِ لَوْ حَلَّفَ رَبُّ الدَّيْنِ غَرِيمَهُ أَوْ الْكَفِيلَ بِأَمْرِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ أَنْ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَلَدِ إلَّا بِإِذْنِهِ تُقَيَّدُ بِالْخُرُوجِ حَالَ قِيَامِ الدَّيْنِ، وَالْكَفَالَةِ.
وَفِي حَلِفِهِ (لَيَهَبَنهُ فَوَهَبَ وَلَمْ يَقْبَلْ بَرَّ) الْحَالِفُ فِي يَمِينِهِ خِلَافًا لِزُفَرَ.
(وَكَذَا الْقَرْضُ، وَالْعَارِيَّةُ، وَالصَّدَقَةُ) ، وَالْوَصِيَّةُ، وَالْإِقْرَارُ (بِخِلَافِ الْبَيْعِ) وَنَظِيرُهُ الْإِجَارَةُ، وَالصَّرْفُ، وَالسَّلَمُ، وَالرَّهْنُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْخُلْعُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ وَنَظَائِرَهَا تَبَرُّعٌ فَيَتِمُّ بِالْمُتَبَرِّعِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةً فَاقْتَضَى الْعِوَضَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ.
وَفِي حَلِفِهِ (لَا يَشُمُّ رَيْحَانًا فَهُوَ) يَقَعُ (عَلَى مَا لَا سَاقَ لَهُ فَلَا يَحْنَثُ بِشَمِّ الْوَرْدِ، وَالْيَاسَمِينَ) قَصْدًا؛ لِأَنَّ الرِّيحَانِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مَا لِسَاقِهِ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ كَمَا لِوَرَقِهِ وَقِيلَ فِي عُرْفِ أَهْلِ الْعِرَاقِ اسْمٌ لِمَا لَا سَاقَ لَهُ مِنْ الْبُقُولِ مِمَّا لَهُ رَائِحَةٌ مُسْتَلَذَّةٌ وَقِيلَ اسْمٌ لِمَا لَيْسَ لَهُ شَجَرٌ وَعَلَى كُلٍّ فَلَيْسَ الْوَرْدُ، وَالْيَاسَمِينُ مِنْهُ وَقَيَّدْنَا بِالْقَصْدِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَدَ رِيحَهُ بِلَا قَصْدٍ وَوَصَلَتْ الرَّائِحَةُ إلَى دِمَاغِهِ لَا يَحْنَثُ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَقِيلَ يَحْنَثُ بِشَمِّهِمَا فِي حَلِفِهِ لَا يَشُمُّ رَيْحَانًا؛ لِأَنَّ الرَّيْحَانَ اسْمٌ لِمَا لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ مِنْ النَّبَاتِ عُرْفًا فَيَحْنَثُ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ وَفِي حَلِفِهِ (لَا يَشُمُّ وَرْدًا أَوْ بَنَفْسَجًا فَهُوَ) يَقَعُ (عَلَى وَرَقَةٍ) دُونَ الدُّهْنِ فِي عُرْفِنَا كَمَا فِي الْكَافِي وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ يَحْنَثُ أَيْضًا لِعُمُومِ الْمَجَازِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْعُرْفِ فَكَانَ فِي عُرْفِ أَهْلِ الْكُوفَةِ بَائِعُ الْوَرَقِ لَا يُسَمَّى بِالْبَنَفْسَجِ وَإِنَّمَا سُمِّيَ بَائِعَ الدُّهْنِ، ثُمَّ صَارَ كَمَا يُسَمَّى بِهِ فِي أَيَّامِ الْكَرْخِيِّ فَقَالَ بِهِ وَأَمَّا فِي عُرْفِنَا فَيَجِبُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ إلَّا عَلَى نَفْسِ النَّبَاتِ فَلَا يَحْنَثُ بِالدُّهْنِ أَصْلًا كَمَا فِي الْوَرْدِ، وَالْحِنَّاءِ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى شِرَائِهِمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْوَرَقِ؛ لِأَنَّهُمَا اسْمٌ لِلْوَرَقِ، وَالْعُرْفُ يُقَرِّرُ لَهُ بِخِلَافِهِ فِي الْبَنَفْسَجِ كَمَا فِي الْمِنَحِ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ وَفِي الْبَنَفْسَجِ وَلَوْ رُدَّ يُعْتَبَرُ عُرْفُ بَلَدِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ تَأَمَّلْ.
وَفِي حَلِفِهِ (لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ تَنَاوَلَ الْمِلْكَ، وَالْإِجَارَةَ)
стр. 583
لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَسْكَنُ عُرْفًا فَدَخَلَ مَا يَسْكُنُهُ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ بِإِجَارَةٍ أَوْ بِإِعَارَةٍ بِاعْتِبَارِ عُمُومِ الْمَجَازِ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْحَقِيقَةِ فَرْدًا عَنْ أَفْرَادِ الْمَجَازِ لَا بِاعْتِبَارِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (حَلَفَ أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَهُ دَيْنٌ عَلَى مُفْلِسٍ أَوْ مَلِيٍّ) أَيْ غَنِيٍّ (لَا يَحْنَثُ) ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَيْسَ بِمَالٍ عُرْفًا وَإِنَّمَا هُوَ وَصْفٌ فِي الذِّمَّةِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يَحْنَثُ.
[كِتَابُ الْحُدُودِ]
ِ لَمَّا كَانَتْ الْيَمِينُ لِلْمَنْعِ فِي أَحَدِ نَوْعَيْهَا نَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ الْحُدُودَ عَقِيبَهَا، وَالْحَدُّ فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْبَوَّابُ حَدَّادًا لِمَنْعِهِ النَّاسَ عَنْ الدُّخُولِ وَسُمِّيَ اللَّفْظُ الْجَامِعُ الْمَانِعُ حَدًّا؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ مَعْنَى الشَّيْءِ وَيَمْنَعُ دُخُولَ غَيْرِهِ فِيهِ وَسُمِّيَتْ الْعُقُوبَاتُ الْخَالِصَةُ حَدًّا؛ لِأَنَّهَا مَانِعٌ مِنْ ارْتِكَابِ أَسْبَابِهَا مُعَاوَدَةً وَحُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى مَحَارِمُهُ؛ لِأَنَّهَا مَمْنُوعٌ عَنْهَا وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] وَحُدُودُ اللَّهِ أَيْضًا أَحْكَامُهُ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ مِنْ التَّخَطِّي إلَى مَا وَرَاءَهَا وَمِنْهُ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا أَوْ؛ لِأَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ دَائِرَةٌ بَيْنَ الْعُقُوبَةِ، وَالْعِبَادَةِ فَنَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ الْعُقُوبَاتِ الْمَحْضَةَ بَعْدَهَا وَمَحَاسِنُ الْحُدُودِ كَثِيرَةٌ وَمِنْ جُمْلَتِهَا أَنَّهَا تَرْفَعُ الْفَسَادَ الْوَاقِعَ فِي الْعَالَمِ وَتَحْفَظُ النُّفُوسَ، وَالْأَعْرَاضَ، وَالْأَمْوَالَ سَالِمَةً عَنْ ابْتِذَالٍ وَسَبَبُ كُلٍّ مِنْ الْحُدُودِ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ مِنْ الزِّنَا، وَالشُّرْبِ، وَالسَّرِقَةِ، وَالْقَذْفِ.
وَفِي الشَّرْعِ (الْحَدُّ) فَاللَّامُ الْجِنْسِ بِقَرِينَةِ مَقَامِ التَّعْرِيفِ فَيَشْمَلُ الْحُدُودَ الْخَمْسَةَ وَهِيَ حَدُّ الْقَذْفِ وَحَدُّ الشُّرْبِ وَحَدُّ السَّرِقَةِ وَحَدُّ الزِّنَا وَحَدُّ قَطْعِ الطَّرِيقِ وَأَمَّا حَدُّ السُّكْرِ فَدَاخِلٌ فِي حَدِّ الشُّرْبِ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً غَايَتُهُ أَنَّ لَهُ قِسْمَيْنِ شُرْبُ الْخَمْرِ وَشُرْبُ الْمُسْكِرِ بِقَيْدِ السُّكْرِ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا قِيلَ أَنَّهَا سِتَّةٌ (عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ) مُبَيَّنَةٌ فِي الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ (تَجِبُ) عَلَى الْإِمَامِ إقَامَتُهَا يَعْنِي بَعْدَ ثُبُوتِ السَّبَبِ عِنْدَهُ وَعَلَيْهِ يُبْتَنَى عَدَمُ جَوَازِ الشَّفَاعَةِ فِيهِ فَإِنَّهَا طَلَبُ تَرْكِ الْوَاجِبِ وَأَمَّا قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى الْإِمَامِ، وَالثُّبُوتِ عِنْدَهُ تَجُوزُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَ الرَّافِعِ لَهُ إلَى الْحَاكِمِ لِيُطْلِقَهُ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَمْ يَثْبُتْ بَعْدُ كَمَا فِي الْفَتْحِ (حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى) أَيْ تَعْظِيمًا وَامْتِثَالًا لِأَمْرِهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْمَقْصِدَ الْأَصْلِيَّ مِنْ شَرْعِيَّتِهِ الِانْزِجَارُ عَمَّا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْعِبَادُ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْعِلْمَ بِشَرْعِيَّةِ الْحُدُودِ مَانِعٌ قَبْلَ الْفِعْلِ زَاجِرٌ بَعْدَهُ يَمْنَعُ مِنْ الْعَوْدِ إلَيْهِ وَلَيْسَ الْحَدُّ كَفَّارَةً لِلْمَعْصِيَةِ، بَلْ التَّوْبَةُ هِيَ الْمُسْقِطَةُ عَنْهُ عَذَابَ الْآخِرَةِ
стр. 584
كَمَا فِي الْفَتْحِ (فَلَا يُسَمَّى تَعْزِيرٌ وَلَا قِصَاصٌ حَدًّا) أَمَّا التَّعْزِيرُ فَلِعَدَمِ التَّقْدِيرِ فِيهِ وَأَمَّا الْقِصَاصُ؛ فَلِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ مُطْلَقًا فَلِهَذَا جَازَ الْعَفْوُ عَنْهُ وَلَا يُشْكِلُ هَذَا بِحَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ عِنْدَنَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
[حَدّ الزِّنَا]
(وَالزِّنَى) بِالْقَصْرِ يُكْتَبُ بِالْيَاءِ لُغَةٌ حِجَازِيَّةٌ وَبِالْمَدِّ لُغَةٌ نَجْدِيَّةٌ (وَطْءٌ) أَيْ غَيْبَةُ حَشَفَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ الرَّجُلِ فَلَوْ لَمْ تَدْخُلْ الْحَشَفَةُ لَمْ يُحَدَّ؛ لِأَنَّهُ مُلَامَسَةٌ (مُكَلَّفٍ) خَرَجَ بِهِ وَطْءُ الْمَجْنُونِ، وَالْمَعْتُوهِ، وَالصَّبِيِّ وَزَادَ صَاحِبُ الْبَحْرِ قَوْلَهُ نَاطِقٌ طَائِعٌ خَرَجَ بِالنَّاطِقِ وَطْءُ الْأَخْرَسِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْحَدِّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَدَّعِيَ شُبْهَةً وَبِالطَّائِعِ وَطْءُ الْمُكْرَهِ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ يُسْقِطُ الْحَدَّ عَلَى مَا سَيَأْتِي (فِي قُبُلٍ) وَزَادَ صَاحِبُ الْبَحْرِ قَوْلَهُ مُشْتَهَاةٌ حَالًا أَوْ مَاضِيًا فَخَرَجَ بِهِ غَيْرُ الْمُشْتَهَاةِ كَوَطْءِ الصَّبِيَّةِ الَّتِي لَا تُشْتَهَى، وَالْمَيِّتَةِ، وَالْبَهِيمَةِ (خَالٍ) ذَلِكَ الْوَطْءُ (عَنْ مِلْكٍ) أَيْ مِلْكِ النِّكَاحِ، وَالْيَمِينِ احْتِرَازٌ عَنْ وَطْءِ جَارِيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ وَمَنْكُوحَةٍ نِكَاحًا فَاسِدًا (وَشُبْهَتِهِ) أَيْ الْمِلْكِ كَوَطْءِ مُعْتَدَّةِ الْبَائِنِ وَجَارِيَةِ الِابْنِ، وَالْأَبِ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ وَزَادَ صَاحِبُ الْبَحْرِ قَوْلَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَدَّ فِي الْوَطْءِ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ تَمْكِينُهَا لِيَصْدُقَ عَلَى مَا إذَا كَانَ مُسْتَلْقِيًا فَقَعَدَتْ عَلَى ذَكَرِهِ فَتَرَكَهَا حَتَّى إذَا أَدْخَلَتْهُ فَإِنَّهُمَا يُحَدَّانِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَيْسَ الْمَوْجُودُ مِنْهُ سِوَى التَّمْكِينِ فَعَلَى هَذَا أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ لَيْسَ بِتَعْرِيفِ الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ وَإِلَّا لَانْتَقَضَ التَّعْرِيفُ طَرْدًا وَعَكْسًا، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ لِيَكُونَ التَّعْرِيفُ تَامًّا تَأَمَّلْ.
[بِمَا يَثْبُتُ الزِّنَا]
(وَيَثْبُتُ) الزِّنَا ثُبُوتًا ظَاهِرًا عِنْدَ الْحَاكِمِ لَا بِمُجَرَّدِ عِلْمِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَثَوْرِيٍّ وَالشَّافِعِيِّ (بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ) فَلَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ وَلَا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى السَّتْرِ وَلِأَنَّ الزِّنَا لَا يَتِمُّ إلَّا بِاثْنَيْنِ وَفِعْلُ وَاحِدٍ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ وَأَطْلَقَهُمْ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ أَحَدَ الْأَرْبَعَةِ بِشَرْطِ كَوْنِ الزَّوْجِ لَمْ يَقْذِفْهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَلَوْ كَانَ قَذَفَهَا وَشَهِدَ بِالزِّنَا وَمَعَهُ ثَلَاثَةٌ حُدَّ الثَّلَاثَةُ لِلْقَذْفِ وَعَلَى الزَّوْجِ اللِّعَانُ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ بَعْضُ الشُّهُودِ إنَّ فُلَانًا قَدْ زَنَى وَشَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ لَا تُقْبَلُ (مُجْتَمِعِينَ) فَلَوْ شَهِدُوا مُتَفَرِّقِينَ حَالَ مَجِيئِهِمْ وَشَهَادَتُهُمْ لَمْ تُقْبَلْ وَيُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ وَأَمَّا إذَا حَضَرُوا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَجَلَسُوا مَجْلِسَ الشُّهُودِ وَقَامُوا إلَى الْحَاكِمِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَشَهِدُوا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الشَّهَادَةُ دُفْعَةً وَاحِدَةً كَمَا فِي السِّرَاجِ (بِالزِّنَاءِ) مُتَعَلِّقٌ بِالشَّهَادَةِ أَيْ شَهَادَةٌ مُلْتَبِسَةٌ بِلَفْظِ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ الدَّالُ عَلَى الْفِعْلِ الْحَرَامِ (لَا بِالْوَطْءِ أَوْ الْجِمَاعِ إذَا سَأَلَهُمْ) بَعْدَ الشَّهَادَةِ ظَرْفٌ يُثْبِتُ (الْإِمَامُ) أَوْ نَائِبُهُ، وَالْقَاضِي (عَنْ مَاهِيَّةِ الزِّنَا) احْتِرَازٌ عَنْ زَنَى الْعَيْنِ، وَالْيَدِ، وَالرِّجْلِ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ تَوَسُّعًا نَحْو الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ (وَكَيْفِيَّتُهُ) لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مُكْرَهًا وَقِيلَ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ تَمَاسَّ الْفَرْجَيْنِ مِنْ غَيْرِ إدْخَالٍ وَقِيلَ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ زِنَى الْإِبْطِ، وَالْفَخِذِ، وَالدُّبُرِ كَمَا فِي الْمُضْمِرَاتِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ فَإِنَّهُ مُخْتَارُ الْمَبْسُوطِ وَلَا يُقَالُ إنَّ السُّؤَالَ عَنْ الْمَاهِيَّةِ يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ، وَالْأَحْسَنُ صُورَةُ الْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ هَذِهِ الِاسْتِقْصَاءُ وَكَمَالُ
стр. 585
الْجُهْدِ، وَالِاحْتِيَاطِ فِي الِاحْتِيَالِ لِدَرْءِ الْحُدُودِ لِقَوْلِهِ ﵊ «ادْرَءُوا الْحُدُودَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» فَالْأَحْسَنُ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْكُلِّ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَأَيْنَ زَنَى) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ زَنَى فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ الْبَغْيِ (وَمَتَى زَنَى) ؛ لِأَنَّ الزِّنَى الْمُتَقَادِمُ أَوْ فِي حَالِ الصِّبَا أَوْ الْجُنُونِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَرُدَّ بِأَنَّ الزِّنَى الْمُتَقَادِمُ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ إذَا كَانَ ثُبُوتُهُ بِالْإِقْرَارِ وَجَوَابُهُ أَنَّ التَّقَادُمَ إنَّمَا يَمْنَعُ لِإِيجَابِهِ التُّهْمَةَ بِالتَّأْخِيرِ إذَا لَمْ يَكُنْ التَّأْخِيرُ لِعُذْرٍ بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ التَّقَادُمَ لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي التُّهْمَةَ، وَالتَّقَادُمُ فِي الزِّنَا يَثْبُتُ بِشَهْرٍ وَمَا فَوْقَهُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ يُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي (وَبِمَنْ زَنَى) هَذَا السُّؤَالُ عَنْ الْمُزَنِيَّةِ إذَا كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الزَّانِي وَفَائِدَتُهُ الِاسْتِكْشَافُ عَنْ الشُّبْهَةِ وَعَنْ الزَّانِي إذَا كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْمُزَنِيَّةِ وَفَائِدَتُهُ الِاسْتِكْشَافُ عَنْ شَرْطِ التَّكْلِيفِ وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تُوجَدُ فِي الْأَوَّلِ أَيْضًا كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ فَمَنْ قَالَ إنَّ السُّؤَالَ عَنْ الْمَاهِيَّةِ يُغْنِي عَنْهُ أَوْ خَصَّ السُّؤَالَ بِالْأَوَّلِ فَقَدْ أَخْطَأَ تَأَمَّلْ (فَبَيَّنُوهُ) عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوحِ (وَقَالُوا رَأَيْنَاهُ وَطِئَهَا) بِصِيغَةِ الْفِعْلِ (فِي فَرْجِهَا كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ) بِضَمِّ الْمِيمِ، وَالْحَاءِ آلَةٌ مَخْصُوصَةٌ لِلْكُحْلِ، وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى بَيَانِ الْكَيْفِيَّةِ، وَهُوَ زِيَادَةُ بَيَانٍ احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ وَإِلَّا يُغْنِي مَا ذُكِرَ عَنْ ذَلِكَ (وَعُدِّلُوا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ الشُّهُودُ تَعْدِيلًا (سِرًّا وَعَلَانِيَةً) عِنْدَ مَنْ لَا يَكْتَفِي بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ فِي غَيْرِ الْحَدِّ مِنْ الْحُقُوقِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ عِنْدَ مَنْ يَكْتَفِي احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ وَفِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَيَحْبِسُهُ الْإِمَامُ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ كَيْ لَا يَهْرُبَ وَلَا وَجْهَ لِأَخْذِ الْكَفِيلِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ نَوْعُ احْتِيَاطٍ فَلَا يَكُونُ مَشْرُوعًا فِيمَا يُبْتَنَى عَلَى الدَّرْءِ وَحَبْسُهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ، بَلْ بِطَرِيقِ التَّعْزِيرِ انْتَهَى لَكِنْ يُشْكِلُ الْأَمْرُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ التَّعْزِيرِ، وَالْحَدِّ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ إذَا حُدَّ بَعْدَهُ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْحَبْسُ احْتِيَاطًا لَا تَعْزِيرًا عَلَى أَنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ تَعْلِيلِ الْحَبْسِ بِقَوْلِهِمْ كَيْ لَا يَهْرُبَ يُؤَيِّدُهُ تَأَمَّلْ.
(أَوْ بِالْإِقْرَارِ) أَيْ يَثْبُتُ الزِّنَاءُ بِإِقْرَارِ الزَّانِي أَيْضًا حَالَ كَوْنِهِ (عَاقِلًا بَالِغًا) فَلَا اعْتِبَارَ لِقَوْلِ الْمَجْنُونِ، وَالصَّبِيِّ وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِسْلَامُ فَلَوْ أَقَرَّ الذِّمِّيُّ بِوَطْءِ الذِّمِّيَّةِ حُدَّ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَلَا الْحُرِّيَّةُ فَلَوْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِالزِّنَا حُدَّ خِلَافًا لِزُفَرَ (أَرْبَعَ مَرَّاتٍ) كَمَا فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّ عِنْدَهُ يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً (فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ) مِنْ مَجَالِسِ الْمُقِرِّ وَقِيلَ مِنْ مَجَالِسِ الْحَاكِمِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ فَلَوْ أَقَرَّ أَرْبَعًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَانَ كَإِقْرَارٍ وَاحِدٍ خِلَافًا لِابْنِ أَبِي لَيْلَى فَإِنَّ عِنْدَهُ يُقَامُ بِالْإِقْرَارِ أَرْبَعًا وَإِنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ أَرْبَعًا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ثَبَتَ بِهِ الزِّنَاءُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَلِلْإِقْرَارِ شَرْطَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا فَلَوْ أَقَرَّ الْأَخْرَسُ بِالزِّنَاءِ بِكِتَابَةٍ أَوْ بِإِشَارَةٍ لَا يُحَدُّ الثَّانِي أَنْ لَا يَظْهَرَ كَذِبُهُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ فَظَهَرَ مَجْبُوبًا أَوْ أَقَرَّتْ فَظَهَرَتْ رَتْقَاءَ فَإِنَّهُ يُوجِبُ شُبْهَةً فَتَنْدَرِئُ كَمَا فِي الْفَتْحِ فَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ قَاصِرَةٌ تَدَبَّرْ
стр. 586
(كُلَّمَا أَقَرَّ رَدَّهُ) الْحَاكِمُ وَقَالَ أَبِكَ دَاءٌ أَوْ جُنُونٌ أَوْ غَيْرُهُ (حَتَّى يَغِيبَ عَنْ بَصَرِهِ) وَفِيهِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَرُدُّهُ فِي الرَّابِعَةِ، بَلْ يَقْبَلُهُ فَلَوْ قَيَّدَهُ بِإِلَّا مَرَّةً رَابِعَةً لَكَانَ أَوْلَى.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ أَنَّ الْإِقْرَارَ لَمْ يُعْتَبَرْ عِنْدَ غَيْرِ الْإِمَامِ حَتَّى لَوْ شَهِدُوا بِذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُنْكِرًا قَدْ رَجَعَ عَنْ الْإِقْرَارِ وَإِلَّا فَلَا عِبْرَةَ بِالشَّهَادَةِ وَلَوْ أَقَرَّ بِالزِّنَى مَرَّتَيْنِ وَشَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ لَا يُحَدُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ (ثُمَّ سَأَلَ كَمَا مَرَّ) أَيْ سَأَلَهُ الْحَاكِمُ عَنْ مَاهِيَّتِه وَكَيْفِيَّتِهِ وَمَزْنِيَّتِهِ وَمَكَانِهِ (سِوَى الزَّمَانِ) ؛ لِأَنَّ التَّقَادُمَ مَانِعُ الشَّهَادَةِ لَا الْإِقْرَارُ لَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ يَسْأَلُهُ لِجَوَازِ أَنَّهُ زَنَى فِي صِبَاهُ أَوْ فِي حَالَةِ الْجُنُونِ كَمَا فِي بَعْضِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِوُجُوبِ السُّؤَالِ.
وَفِي السِّرَاجِيَّةِ يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَهُ (فَبَيَّنَهُ) أَيْ بَيَّنَ الْمُقِرُّ مَا ذُكِرَ مِنْ الشَّرْطِ فَإِذَا بَيَّنَهُ لَزِمَ الْحَدُّ لِظُهُورِ الْحَقِّ.
(وَنُدِبَ تَلْقِينُهُ) أَيْ تَلْقِينُ الْحَاكِمِ الْمُقِرَّ (لِيَرْجِعَ) عَنْ إقْرَارِهِ (بِلَعَلَّك قَبَّلْت أَوْ لَمَسْت أَوْ وَطَّأْت بِشُبْهَةٍ) أَوْ نَظَرْت أَوْ بَاشَرْت أَوْ تَزَوَّجْت تَحْقِيقًا لِمَعْنَى السَّتْرِ فَلَوْ ادَّعَى الزَّانِي أَنَّهَا زَوْجَتُهُ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةً لِلْغَيْرِ وَلَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زِنَائِهِ بِهَا أَوْ اشْتَرَاهَا لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ وَقْتَ الْفِعْلِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَتَقَادَمْ أَوْ كَانَ بِالْإِقْرَارِ تَدَبَّرْ (فَإِنْ رَجَعَ) الْمُقِرُّ عَنْ إقْرَارِهِ (قَبْلَ الْحَدِّ) أَيْ قَبْلَ الْحُكْمِ بِالْحَدِّ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ (أَوْ فِي أَثْنَائِهِ) قَبْلَ الْمَوْتِ (تُرِكَ) وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى فَإِنَّ عِنْدَهُمَا يُحَدُّ لِوُجُودِ الْحَدِّ بِإِقْرَارِهِ فَلَا يَبْطُلُ بِرُجُوعِهِ وَإِنْكَارِهِ.
(، وَالْحَدُّ لِلْمُحْصَنِ) بِكَسْرِ الصَّادِ وَفَتْحِهَا (رَجْمُهُ) لَمْ يَقُلْ بِالْحِجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي مَفْهُومِ الرَّجْمِ (فِي فَضَاءٍ) أَيْ أَرْضٍ فَارِغَةٍ وَاسِعَةٍ (حَتَّى يَمُوتَ) مُتَعَلِّقٌ بِرَجْمِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْحَدِيثِ وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ فِي رَجْمِهِ وَهَرَبَ أُتْبِعَهُ، وَهَذَا إذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ وَأَمَّا إذَا ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ فَلَا يَتْبَعُهُ فَإِنَّهُ رُجُوعٌ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ وَبِأَنَّهُ لَا بَأْسَ لِكُلِّ مَنْ رَمَى أَنْ يَتَعَمَّدَ قَتْلَهُ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبُ الْقَتْلِ إلَّا مَنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَقْصِدُ مَقْتَلَهُ؛ لِأَنَّ بِغَيْرِهِ كِفَايَةً كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَرْجُمُهُ وَلَكِنْ لَا يَقْصِدُ مَقْتَلَهُ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُحِيطِ أَنَّهُ لَا يَرْجُمُهُ أَصْلًا، وَهَذَا بَعْدَ الْقَضَاءِ بِهِ وَأَمَّا قَبْلَهُ فَيَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ، وَالدِّيَةِ فِي الْخَطَإِ إذَا قَتَلَهُ (يَبْدَأُ بِهِ الشُّهُودُ) أَيْ يَجِبُ بِدَايَةُ الشُّهُودِ بِالرَّجْمِ وَلَوْ بِحَصَاةٍ صَغِيرَةٍ هَكَذَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلِأَنَّهُمْ قَدْ يَتَجَاسَرُونَ عَلَى الْأَدَاءِ، ثُمَّ يَسْتَعْظِمُونَ الْمُبَاشَرَةَ فَيَرْجِعُونَ وَفِيهِ ضَرْبُ احْتِيَالٍ فِي الدَّرْءِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا تُشْتَرَطُ بِدَايَتُهُمْ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ حُضُورُهُمْ وَبِدَايَتُهُمْ اعْتِبَارًا بِالْجَلْدِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَا يُحْسِنُ الْجَلْدَ فَرُبَّمَا يَقَعُ مُهْلِكًا، وَالْإِهْلَاكُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ، وَكَذَلِكَ الرَّجْمُ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ (فَإِنْ أَبَوْا) أَيْ الشُّهُودُ كُلًّا أَوْ بَعْضًا عَنْ الرَّجْمِ (أَوْ غَابُوا
стр. 587
أَوْ مَاتُوا) أَوْ جُنُّوا أَوْ فَسَقَوْا أَوْ قَذَفُوا كُلًّا أَوْ بَعْضًا أَوْ عَمُوا أَوْ خَرِسُوا أَوْ ارْتَدُّوا (سَقَطَ) الرَّجْمُ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ، وَهُوَ بُدَاءَةُ الشُّهُودِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَوْ أَبَوْا كُلًّا أَوْ بَعْضًا أَوْ غَابُوا رَجَمَ الْإِمَامُ، ثُمَّ النَّاسُ وَلَمْ يَنْتَظِرُوهُمْ وَلَوْ كَانُوا مَرْضَى لَا يَسْتَطِيعُونَ الرَّمْيَ، وَقَدْ حَضَرُوا أَوْ مَقْطُوعِي الْأَيْدِي يَبْدَأُ بِهِ الْإِمَامُ هَذَا إذَا قُطِعَتْ أَيْدِيهمْ قَبْلَهَا فَإِنَّ بَعْدَ الشَّهَادَةِ امْتَنَعَتْ الْإِقَامَةُ وَقَيَّدَ بِالرَّجْمِ؛ لِأَنَّ مَا سِوَاهُ مِنْ الْحُدُودِ لَا يَجِبُ الِابْتِدَاءُ مِنْ الشُّهُودِ وَلَا الْإِمَامِ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ وَإِذَا سَقَطَ بِامْتِنَاعِ أَحَدِهِمْ هَلْ يُحَدُّ الشَّاهِدُ أَوْ لَا ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ لَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الشُّهُودِ (ثُمَّ الْإِمَامُ) أَيْ يُرْجَمُ الْإِمَامُ أَوْ الْقَاضِي (ثُمَّ النَّاسُ) وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا امْتَنَعَ بَعْدَ الشُّهُودِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ وَقِيَاسُهُ السُّقُوطُ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ الْقَاضِي إذَا أَمَرَ النَّاسَ بِرَجْمِ الزَّانِي وَسِعَهُمْ أَنْ يَرْجُمُوهُ وَإِنْ لَمْ يُعَايِنُوا أَدَاءَ الشَّهَادَةِ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ هَذَا إذَا كَانَ الْقَاضِي فَقِيهًا عَدْلًا أَمَّا إذَا كَانَ فَقِيهًا غَيْرَ عَدْلٍ أَوْ كَانَ عَدْلًا غَيْرَ فَقِيهٍ فَلَا يَسَعُهُمْ أَنْ يَرْجُمُوهُ حَتَّى يُعَايِنُوا أَدَاءَ الشَّهَادَةِ (وَفِي الْمُقِرِّ يَبْدَأُ الْإِمَامُ) أَيْ يَرْجُمُ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ خَاصَّةً الْإِمَامُ حَالَ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً فَهُوَ تَضْمِينٌ شَائِعٌ لَيْسَ فِيهِ تَسَامُحٌ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (ثُمَّ النَّاسُ) هَكَذَا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
(وَيُغَسَّلُ) الْمَرْجُومُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَيُكَفَّنُ (وَيُصَلَّى عَلَيْهِ) «لِقَوْلِهِ ﵊ حِينَ سُئِلَ عَنْ غُسْلِ مَاعِزٍ وَتَكْفِينِهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ اصْنَعُوا بِهِ كَمَا تَصْنَعُونَ بِمَوْتَاكُمْ لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ عَلَى أَهْلِ الْحِجَازِ لَوَسِعَتْهُمْ وَلَقَدْ رَأَيْته يَنْغَمِسُ فِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ» وَلِأَنَّهُ قُتِلَ بِحَقٍّ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الْغُسْلُ بِخِلَافِ الشَّهِيدِ.
(وَ) الْحَدُّ (لِغَيْرِ الْمُحْصَنِ) أَيْ لِزَانٍ حُرٍّ فَقَدَ سَائِرَ الشُّرُوطِ الْخَمْسِ (مِائَةُ جَلْدَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] إلَّا أَنَّهُ انْتَسَخَ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ فَبَقِيَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مَعْمُولًا بِهِ وَيَكْفِينَا فِي تَعْيِينِ النَّاسِخِ الْقَطْعُ بِرَجْمِ النَّبِيِّ ﵊ فَيَكُونُ مِنْ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسَّنَةِ الْقَطْعِيَّةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَلِلْعَبْدِ) الزَّانِي (نِصْفُهَا) أَيْ نِصْفُ جُمْلَةِ الْمِائَةِ فَيُجْلَدُ خَمْسِينَ سَوْطًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْجَلْدُ؛ لِأَنَّ الرَّجْمَ لَا يَنْتَصِفُ وَإِذَا ثَبَتَ التَّنْصِيفُ فِي الْإِمَاءِ لِوُجُودِ الرِّقِّ ثَبَتَ فِي الْعَبْدِ دَلَالَةً (بِسَوْطٍ) مُتَعَلِّقٌ بِجَلْدَةٍ (لَا ثَمَرَةَ لَهُ) ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ كَسَرَ ثَمَرَتَهُ (ضَرْبًا وَسَطًا) أَيْ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْمُولِمِ فِي الْغَايَةِ وَغَيْرِ الْمُولِمِ.
وَفِي الْمُضْمِرَاتِ ضَرْبًا مُولِمًا غَيْرَ قَاتِلٍ وَلَا جَارِحٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الِانْزِجَارُ وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ضَعِيفَ الْخِلْقَةِ فَخِيفَ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ يُجْلَدُ جَلْدًا خَفِيفًا يَحْتَمِلُهُ كَمَا فِي الْفَتْحِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ «رَجُلًا ضَعِيفًا زَنَى فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ يَأْخُذَ عُثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ فَيُضْرَبَ بِهِ ضَرْبَةً» كَمَا فِي السِّرَاجِيَّةِ (مُفَرِّقًا) ذَلِكَ
стр. 588
الضَّرْبَ (عَلَى) جَمِيعِ (بَدَنِهِ) وَيُعْطِي كُلَّ عُضْوٍ حَظَّهُ مِنْ الضَّرْبِ؛ لِأَنَّهُ نَالَ اللَّذَّةَ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ قَالَ فِي شَرْحِ عُيُونِ الْمَذَاهِبِ وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَضْرِبَ الْفَرْجَ انْتَهَى لَكِنَّ الضَّرْبَ فِي الْفَرْجِ قَدْ يُفْضِي إلَى التَّلَفِ، وَالْحَدُّ زَاجِرٌ لَا مُتْلِفٌ فَلِهَذَا تُتَّقَى الْأَعْضَاءُ الَّتِي لَا يُؤْمَنُ مِنْهَا التَّلَفُ كَالْفَرْجِ وَغَيْرِهِ تَدَبَّرْ (إلَّا الرَّأْسَ) لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى زَوَالِ سَمْعِهِ أَوْ بَصَرِهِ أَوْ شَمِّهِ (وَالْوَجْهَ) ؛ لِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْمَحَاسِنِ فَلَا يُؤْمَنُ ذَهَابُهَا بِالضَّرْبِ (وَالْفَرْجَ) لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الْهَلَاكِ.
وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا لَا يَضْرِبُ الصَّدْرَ، وَالْبَطْنَ؛ لِأَنَّهُ مُهْلِكٌ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ (يَضْرِبُ الرَّأْسَ ضَرْبَةً) وَاحِدَةً لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَضْرِبُوا الرَّأْسَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ فِيهِ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ وَرَدَ فِي حَرْبِيٍّ كَانَ دَعَاهُ، وَهُوَ مُسْتَحَقٌّ الْقَتْلَ.
(وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ قَائِمًا فِي كُلِّ حَدٍّ) ؛ لِأَنَّ مَبْنَى إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى التَّشْهِيرِ، وَالْقِيَامُ أَبْلَغُ فِيهِ (بِلَا مَدٍّ) أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلْقَى عَلَى الْأَرْضِ وَتُمَدُّ رِجْلَاهُ كَمَا يُفْعَلُ الْيَوْمَ وَقِيلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمُدَّ الضَّارِبُ يَدَهُ فَوْقَ رَأْسِهِ وَقِيلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُمَدَّ السَّوْطُ عَلَى الْعُضْوِ عِنْدَ الضَّرْبِ وَيَجُرُّهُ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُفْعَلُ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِي الْحَدِّ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا يُمْسَكُ وَلَا يُشَدُّ؛ لِأَنَّ الْأَلَمَ يَزِيدُ بِهِ إلَّا أَنْ يُعْجِزَهُمْ فَيُشَدُّ (وَيُنْزَعُ ثِيَابُهُ) أَيْ يُجَرَّدُ الرَّجُلُ عَنْهَا لِيَجِدَ زِيَادَةَ الْأَلَمِ فَيَنْزَجِرَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ (سِوَى الْإِزَارِ) فَإِنَّهُ لَا يُنْزَعُ حَذَرًا عَنْ انْكِشَافِ الْعَوْرَةِ (، وَالْمَرْأَةُ) تُحَدُّ (جَالِسَةً) فِي كُلِّ حَدٍّ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا (وَلَا تُنْزَعُ ثِيَابُهَا) أَيْ ثِيَابُ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ كَشْفَ الْعَوْرَةِ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ بِالِاسْتِثْنَاءِ (إلَّا الْفَرْوَ) أَيْ اللِّبَاسُ الَّذِي مِنْ جُلُودِ الْغَنَمِ وَغَيْرِهِ (وَالْحَشْوَ) أَيْ الثَّوْبُ الْمَمْلُوُّ بِالْقُطْنِ أَوْ الصُّوفِ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُمَا يُنْزَعَانِ لِيَصِلَ الْأَلَمُ إلَى بَدَنِهَا إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا غَيْرُ ذَلِكَ.
(وَيُحْفَرُ لَهَا) أَيْ لِلْمَرْأَةِ إلَى السُّرَّةِ أَوْ إلَى الصَّدْرِ (فِي الرَّجْمِ) ؛ لِأَنَّهَا رُبَّمَا تَضْطَرِبُ وَتُكْشَفُ الْعَوْرَةُ، وَهُوَ بَيَانٌ لِلْجَوَازِ وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ بِتَرْكِ الْحَفْرِ لَهَا (لَا) يُحْفَرُ فِي الرَّجْمِ (لَهُ) أَيْ لِلرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي التَّشْهِيرَ، وَالرَّبْطُ، وَالْإِمْسَاكُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي الْمَرْجُومِ، وَهَذَا صَرِيحٌ بِمَا عُلِمَ ضِمْنًا، وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ (وَلَا يَحُدُّ سَيِّدٌ مَمْلُوكَهُ) سَوَاءٌ كَانَ عَبْدًا أَوْ أَمَةً (بِلَا إذْنِ الْإِمَامِ) أَوْ نَائِبِهِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا نِيَابَةَ لَهُ فِيهِ بِخِلَافِ التَّعْزِيرِ فَإِنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يَحُدُّ إذَا عَايَنَ السَّبَبَ أَوْ أَقَرَّ عِنْدَهُ وَلَوْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ فَلَهُمْ فِيهِ قَوْلَانِ وَفِي حَدِّ الْقَذْفِ، وَالْقِصَاصِ وَجْهَانِ هَذَا إذَا كَانَ الْمَوْلَى مِمَّنْ يَمْلِكُ إقَامَةَ الْحُدُودِ بِتَقَلُّدِ الْقَضَاءِ حَتَّى لَوْ كَانَ مُكَاتَبًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ امْرَأَةً فَلَا يُقِيمُ الْحَدَّ اتِّفَاقًا (وَإِحْصَانُ الرَّجْمِ) احْتِرَازٌ عَنْ إحْصَانِ الْقَذْفِ عَلَى مَا سِيَاتِي (الْحُرِّيَّةُ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يُحَصِّنُ الْحُرُّ الْأَمَةَ وَلَا الْعَبْدُ الْحُرَّةَ» (وَالتَّكْلِيفُ) ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ، وَالْمَجْنُونَ لَيْسَا بِأَهْلٍ لِلْعُقُوبَاتِ (وَالْإِسْلَامُ) لِلْحَدِيثِ مَنْ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ وَرَجْمُهُ ﵇ الْيَهُودِيَّيْنِ إنَّمَا كَانَ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْجَلْدِ
стр. 589
ثُمَّ نُسِخَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْإِحْصَانِ وَبِهِ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ (وَالْوَطْءُ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ) حَتَّى لَوْ وَطِئَ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ لَمْ يُرْجَمْ وَكَذَا مَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ أَوْ تَزَوَّجَ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا لَا يَكُونُ مُحْصَنًا أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْوَطْءِ الْحَلَالِ وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِقَوْلِهِ ﵇ الثَّيِّبُ وَبِالثَّيِّبِ، وَالثِّيَابَةُ لَا تَكُونُ بِغَيْرِ دُخُولٍ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ الزِّنَاءِ، وَالدُّخُولُ إيلَاجُ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِنْزَالُ؛ لِأَنَّهُ شِبَعٌ.
وَفِي الدُّرَرِ وَيَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ حُصُولَ الْوَطْءِ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ شَرْطٌ لِحُصُولِ صِفَةِ الْإِحْصَانِ وَلَا يَجِبُ بَقَاؤُهُ لِبَقَاءِ الْإِحْصَانِ حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَ فِي عُمْرِهِ مَرَّةً بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ، ثُمَّ زَالَ النِّكَاحُ وَبَقِيَ مُجَرَّدًا وَزَنَى يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّجْمُ (حَالَ وُجُودِ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْوَطِيءِ، وَالْمَوْطُوءَةِ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ حَتَّى إنَّ الْمَمْلُوكَيْنِ إذَا كَانَا بَيْنَهُمَا وَطْءٌ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ حَالَ الرِّقِّ، ثُمَّ عَتَقَا لَمْ يَكُونَا مُحْصَنَيْنِ وَكَذَا الْكَافِرَانِ وَكَذَا الْحُرُّ إذَا تَزَوَّجَ أَمَةً أَوْ صَغِيرَةً أَوْ مَجْنُونَةً وَوَطِئَهَا لَا يَكُونُ مُحْصَنًا لِوُجُودِ النُّفْرَةِ عَنْ نِكَاحِ هَؤُلَاءِ لِعَدَمِ تَكَامُلِ النِّعْمَةِ وَكَذَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ كَافِرًا وَهِيَ حُرَّةٌ بَالِغَةٌ عَاقِلَةٌ مُسْلِمَةٌ بِأَنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا الزَّوْجُ، ثُمَّ وَطِئَهَا الْكَافِرُ قَبْلَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ مُحْصَنَةً بِهَذَا الدُّخُولِ وَلَوْ زَالَ الْإِحْصَانُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِالْجُنُونِ أَوْ الْعَتَهِ يَعُودُ مُحْصَنًا إذَا أَفَاقَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَعُودُ حَتَّى يَدْخُلَ بِامْرَأَتِهِ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ.
وَفِي الْبَحْرِ إذَا سَرَقَ الذِّمِّيُّ أَوْ زَنَى، ثُمَّ أَسْلَمَ أَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِشَهَادَةِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ وَإِنْ ثَبَتَ بِشَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَأَسْلَمَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَسَقَطَ عَنْهُ.
(وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ جَلْدٍ وَرَجْمٍ) يَعْنِي فِي الْمُحْصَنِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَجْمَعْ (وَلَا) يُجْمَعُ (بَيْنَ جَلْدٍ وَنَفْيٍ) يَعْنِي فِي الْمُحْصَنِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يُجْمَعُ بَيْنَ الْجَلْدِ، وَالنَّفْيِ وَلَنَا أَنَّ الْحَدَّ فِي الِابْتِدَاءِ الْإِيذَاءُ بِاللِّسَانِ، ثُمَّ نُسِخَ بِالْحَبْسِ فِي الْبُيُوتِ، ثُمَّ نُسِخَ بِجِلْدِ مِائَةٍ وَنَفْيٍ فِي الْبِكْرِ بِالْبِكْرِ وَجَلْدٍ وَرَجْمٍ فِي الثَّيِّبِ بِالثَّيِّبِ، ثُمَّ نُسِخَ بِجِلْدِ مِائَةٍ فِي كُلِّ زَانٍ، ثُمَّ نُسِخَ الْجِلْدُ وَاسْتَقَرَّ الْحُكْمُ بِالرَّجْمِ فِي الْمُحْصَنِ، وَالْجِلْدُ فِي غَيْرِهِ (إلَّا سِيَاسَةً) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ.
стр. 590
وَلَا بَيْنَ جَلْدٍ وَنَفْيٍ إذَا رَأَى الْإِمَامُ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ فَيُعَزِّرُ بِهِ قَدْرَ مَا يَرَى؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَفَى غُلَامًا صَبِيحَ الْوَجْهِ اُفْتُتِنَ بِهِ النِّسَاءُ، وَالْحُسْنُ لَا يُوجِبُ النَّفْيَ إلَّا أَنَّهُ فَعَلَهُ سِيَاسَةً لَا حَدًّا وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ السِّيَاسَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالزِّنَاءِ، بَلْ تَكُونُ فِي كُلِّ جِنَايَةٍ الرَّأْيُ فِيهِ إلَى الْإِمَامِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَفَسَّرَ التَّغْرِيبَ فِي النِّهَايَةِ بِالْحَبْسِ، وَهُوَ أَحْسَنُ وَأَسْكَنُ لِلْفِتْنَةِ مِنْ نَفْيِهِ إلَى إقْلِيمٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ بِالنَّفْيِ يَعُودُ مُفْسِدًا كَمَا كَانَ انْتَهَى لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صَالِحًا بِلُحُوقِ الْعَارِ وَبِالْغُرْبَةِ عَنْ الْوَطَنِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْعَوْدُ مُفْسِدًا تَأَمَّلْ.
(، وَالْمَرِيضُ) الزَّانِي الْمُحْصَنُ (يُرْجَمُ) فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ الرَّجْمَ مُتْلِفٌ وَلَا يَتَأَخَّرُ لِسَبَبِ الْمَرَضِ (وَلَا يُجْلَدُ) الزَّانِي الْمَرِيضُ غَيْرُ الْمُحْصَنِ (مَا لَمْ يَبْرَأْ) عَنْ الْمَرَضِ كَيْ لَا يُفْضِيَ إلَى الْهَلَاكِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ بِهِ لَكِنْ يُحْبَسُ حَتَّى يَبْرَأَ فَيُجْلَدُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ مَرِيضًا وَقَعَ الْيَأْسُ عَنْ بُرْئِهِ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ تَطْهِيرًا كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَإِلَى أَنَّهُ لَا يُجْلَدُ فِي الْحَرِّ، وَالْبَرْدِ الشَّدِيدَيْنِ لِخَوْفِ التَّلَفِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ.
(، وَالْحَامِلُ إنْ ثَبَتَ زِنَاهَا بِالْبَيِّنَةِ تُحْبَسُ حَتَّى تَلِدَ) كَيْ لَا تَهْرُبَ قَيَّدَ بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ لَا تُحْبَسُ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنْهُ صَحِيحٌ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْحَبْسِ (وَتُرْجَمُ) الْحَامِلُ الْمُحْصَنَةُ (إذَا وَضَعَتْ) أَيْ بَعْدَ وَضْعِ الْوَلَدِ إنْ كَانَ لَهُ مُرَبٍّ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ لِأَجْلِ الْوَلَدِ، وَقَدْ انْفَصَلَ (وَلَا تُجْلَدُ) الْحَامِلُ غَيْرُ الْمُحْصَنَةِ (مَا لَمْ) تَلِدْ وَ (تَخْرُجْ مِنْ نِفَاسِهَا) ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ مَرَضٍ وَلِذَا نَفَذَ تَصَرُّفُهَا مِنْ الثُّلُثِ فَلَوْ اكْتَفَى جَازَ، وَالْحَائِضُ كَالصَّحِيحِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْلُودِ
стр. 591
مَنْ يُرَبِّيهِ لَا تُرْجَمُ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ) الْوَلَدُ (عَنْهَا) ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ صِيَانَةَ الْوَلَدِ عَنْ الْهَلَاكِ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ وَإِنَّمَا صَوَّرَهَا فِي صُورَةِ الِاتِّفَاقِ مَعَ أَنَّهَا ذُكِرَتْ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهَا رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ تَعْلِيلُهَا أَقْوَى رَجَّحَهَا وَسَكَتَ عَمَّا عَدَاهَا تَدَبَّرْ.
[بَابُ الْوَطْءِ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ وَاَلَّذِي لَا يُوجِبُهُ]
ُ قَدْ تَقَدَّمَ حَقِيقَةُ الزِّنَاءِ، وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ وَكَيْفِيَّةُ إثْبَاتُهُ، ثُمَّ شَرَعَ فِي تَفَاصِيلِهِ وَبَدَأَ بِبَيَانِ الشُّبْهَةِ فَقَالَ (الشُّبْهَةُ) وَهِيَ مَا يُشْبِهُ الثَّابِتَ وَلَيْسَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِثَابِتٍ أَوْ اسْمٌ مِنْ الِاشْتِبَاهِ وَهِيَ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ، وَالْخَطَأِ، وَالصَّوَابِ (دَارِئَةٌ) أَيْ دَافِعَةٌ (لِلْحَدِّ) عَنْ الْوَاطِئِ لِمَا تَقَدَّمَ قَالَ الْإِسْبِيجَابِيِّ الْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى ادَّعَى شُبْهَةً وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهَا سَقَطَ الْحَدُّ فَبِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى يَسْقُطُ أَيْضًا الْإِكْرَاهُ خَاصَّةً فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الْحَدُّ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْإِكْرَاهِ (وَهِيَ) أَيْ الشُّبْهَةُ (نَوْعَانِ) هَذَا مَسْلَكُ صَاحِبِ الْوِقَايَةِ، وَالْكَنْزِ لَكِنْ فِي الْإِصْلَاحِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الشُّبْهَةَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ فِي الْمَحَلِّ وَفِي الْفِعْلِ وَفِي الْعَقْدِ وَلَا يُمْكِنُ دَرْجُ الثَّالِثَةِ فِي الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ فِيهَا وَلَا شَيْءَ فِيهَا عَلَى الْجَانِي وَإِنْ اعْتَرَفَ بِالْحُرْمَةِ (شُبْهَةٌ فِي الْفِعْلِ) أَيْ الْوَطْءُ وَتُسَمَّى شُبْهَةَ الِاشْتِبَاهِ أَيْ شُبْهَةَ الْمُشْتَبَهِ الْمُعْتَبَرِ فِي حَقِّهِ لَا غَيْرُ (وَهِيَ) أَيْ الشُّبْهَةُ فِي الْفِعْلِ (ظَنُّ غَيْرِ الدَّلِيلِ) عَلَى حِلِّ الْفِعْلِ (دَلِيلًا) عَلَيْهِ (فَلَا يُحَدُّ فِيهَا) أَيْ فِي شُبْهَةِ الْفِعْلِ (إنْ ظَنَّ) الْوَاطِئُ (الْحِلَّ) قَالَ فِي الْإِصْلَاحِ إنْ ادَّعَى الْحِلَّ وَعَلَّلَ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِدَعْوَى الظَّنِّ لَا لِلظَّنِّ فَإِنَّهُ يُحَدُّ إنْ لَمْ يَدَّعِ وَإِنْ حَصَلَ لَهُ الظَّنُّ وَلَا يُحَدُّ إنْ ادَّعَى وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الظَّنُّ تَأَمَّلْ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ الْحِلَّ (يُحَدُّ) قَالُوا هَذِهِ الشُّبْهَةُ فِي ثَمَانِيَةِ مَوَاضِعَ، وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهَا حَاصِلَةٌ بِالنَّظَرِ لِتَعَدُّدِ الْأُصُولِ وَإِلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (كَوَطْءِ مُعْتَدَّتِهِ مِنْ ثَلَاثٍ) ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا مَقْطُوعٌ بِهَا فَلَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهَا مِلْكٌ وَلَا حَقٌّ غَيْرَ أَنَّهُ بَقِيَ فِيهَا بَعْضُ الْأَحْكَامِ كَالنَّفَقَةِ، وَالسُّكْنَى، وَالْمَنْعِ مِنْ الْخُرُوجِ وَثُبُوتِ النَّسَبِ وَحُرْمَةِ أُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا وَعَدَمِ قَبُولِ شَهَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فَحَصَلَ اشْتِبَاهٌ لِذَلِكَ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً عِنْدَ ظَنِّ الْحِلِّ؛ لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ الِاشْتِبَاهِ فَيُعْذَرُ، وَالْإِطْلَاقُ شَامِلٌ مَا إذَا وَقَعَهَا جُمْلَةً أَوْ مُتَفَرِّقًا.
وَفِي الْبَحْرِ سُؤَالٌ وَجَوَابٌ فَلْيُطَالَعْ (أَوْ) كَوَطْءِ مُعْتَدَّتِهِ (مِنْ طَلَاقٍ عَلَى مَالٍ) .
وَفِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُخْتَلِعَةُ، وَالْمُطَلَّقَةُ عَلَى مَالٍ بِمَنْزِلَةِ الْمُطَلَّقَةِ الثَّلَاثِ لِثُبُوتِ الْحُرْمَةِ بِالْإِجْمَاعِ وَقِيَامُ بَعْضِ الْآثَارِ فِي الْعِدَّةِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَمُرَادُهُمْ الطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ بِغَيْرِ لَفْظِ الْخُلْعِ أَمَّا
стр. 592
إذَا كَانَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ فَفِيهِ الِاخْتِلَافُ لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ (أَوْ) كَوَطْءِ (أُمِّ وَلَدٍ أَعْتَقَهَا) لِثُبُوتِ حُرْمَتِهَا بِالْإِجْمَاعِ وَتَثْبُتُ الشُّبْهَةُ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ لِبَقَاءِ أَثَرِ الْفِرَاشِ وَهِيَ الْعِدَّةُ أَوْ كَوَطْءِ (أَمَةِ أَصْلِهِ) أَيْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ.
(وَإِنْ عَلَا) مِنْ الْأَجْدَادِ، وَالْجَدَّاتِ فَإِنَّ اتِّصَالَ الْأَمْلَاكِ بَيْنَ الْأُصُولِ، وَالْفُرُوعِ قَدْ يُوهِمُ أَنَّ لِلِابْنِ وِلَايَةَ وَطْءِ جَارِيَةِ الْأَصْلِ كَمَا فِي الْعَكْسِ (أَوْ) كَوَطْءِ (أَمَةِ زَوْجَتِهِ) فَإِنَّ غِنَى الزَّوْجِ بِمَالِ زَوْجَتِهِ الْمُسْتَفَادَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] أَيْ بِمَالِ خَدِيجَةَ قَدْ يُورَثُ شُبْهَةَ أَنَّ مَالَ الزَّوْجَةِ مِلْكٌ لِلزَّوْجِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَمَا قَالَهُ الْبَاقَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَجْمَعَ عَلَى أَنَّ نِسْبَةَ الْإِغْنَاءِ نِسْبَةٌ مَجَازِيَّةٌ بِخِلَافِ قَوْلِهِ ﵊ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» عَلَى أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ كَمَا ذُكِرَ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ لَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ كَوْنَ نِسْبَةِ الْإِغْنَاءِ نِسْبَةً مَجَازِيَّةً لَا يُنَافِي إيرَاثَ الشُّبْهَةِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ إغْنَاءَهُ بِمَالِ خَدِيجَةَ وَإِنْ كَانَ عَلَى قَوْلٍ تَأَمَّلْ.
(أَوْ) كَوَطْءِ أَمَةِ (سَيِّدِهِ) ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَنْتَفِعُ بِمَالِ الْمَوْلَى عَادَةً مَعَ كَمَالِ الِانْبِسَاطِ فَإِذَا ظَنَّ أَنَّ وَطْءَ الْجَوَارِي مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِخْدَامِ وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْحَالُ يَكُونُ مَعْذُورًا.
(وَكَذَا وَطْءُ الْمُرْتَهِنِ الْمَرْهُونَةَ) فَإِذَا قَالَ الْمُرْتَهِنُ عَلِمْت أَنَّهَا حَرَامٌ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ فَفِي رِوَايَةِ كِتَابِ الرَّهْنِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةِ كِتَابِ الْحَدِّ يَجِبُ الْحَدُّ (فِي الْأَصَحِّ) كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَفِي التَّبْيِينِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ عَيْنِهَا لَا يُتَصَوَّرُ وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ مِنْ مَالِيَّتِهَا فَلَمْ يَكُنْ الْوَطْءُ حَاصِلًا فِي مَحَلِّ الِاسْتِيفَاءِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الِاسْتِيفَاءُ سَبَبًا لِمِلْكِ الْمَالِ فِي الْجُمْلَةِ وَمِلْكُ الْمَالِ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ فِي الْجُمْلَةِ حَصَلَ الِاشْتِبَاهُ وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْإِيضَاحِ أَنَّهُ يُحَدُّ سَوَاءٌ ظَنَّ أَوْ لَا فَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِعَامَّةِ الرِّوَايَاتِ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
وَفِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَعِيرُ لِلرَّهْنِ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَهِنِ وَأَمَّا الْجَارِيَةُ الْمُسْتَأْجَرَةُ، وَالْعَارِيَّةُ، الْوَدِيعَةُ وَكَجَارِيَةِ أَخِيهِ فَيُحَدُّ وَإِنْ ظَنَّ الْحِلَّ فَفِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّمَانِيَةِ لَا يُحَدُّ إذَا قَالَ إنَّهَا مَحَلٌّ لِي وَلَوْ قَالَ عَلِمْت أَنَّهَا عَلَى حَرَامٌ وَجَبَ الْحَدُّ وَأَطْلَقَ فِي ظَنِّ الْحِلِّ فَشَمِلَ ظَنَّ الرَّجُلِ وَظَنَّ الْجَارِيَةِ فَإِنْ ظَنَّاهُ فَلَا حَدَّ وَإِنْ عِلْمَا الْحُرْمَةَ وَجَبَ الْحَدُّ وَإِنْ ظَنَّهُ الرَّجُلُ وَعَلِمَتْهُ الْجَارِيَةُ أَوْ بِالْعَكْسِ فَلَا حَدَّ كَمَا فِي الْمُحِيطِ.
(وَ) النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ نَوْعَيْ الشُّبْهَةِ (شُبْهَةٌ فِي الْمَحَلِّ) أَيْ الْمَوْطُوءَةِ وَتُسَمَّى شُبْهَةَ مِلْكٍ وَشُبْهَةً حُكْمِيَّةً (وَهِيَ قِيَامُ دَلِيلٍ نَافٍ لِلْحُرْمَةِ فِي ذَاتِهِ) أَيْ إذَا نَظَرْنَا إلَى الدَّلِيلِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْمَانِعِ يَكُونُ مُنَافِيًا وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ظَنِّ الْجَانِي وَاعْتِقَادِهِ (فَلَا يُحَدُّ) الْجَانِي (فِيهَا) أَيْ فِي الشُّبْهَةِ فِي الْمَحَلِّ.
(وَإِنْ) وَصَلْيَةً (عَلِمَ بِالْحُرْمَةِ كَوَطْءِ أَمَةِ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفُلَ) فَإِنَّهُ ﵊ أَضَافَ مَالَ الْوَلَدِ إلَى الْأَبِ فَاللَّامُ التَّمْلِيكِ فَقَالَ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» وَلَمْ يُثْبِتْ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ فَتَثْبُتُ شُبْهَته عَمَلًا بِحَرْفِ اللَّامِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ (أَوْ) كَوَطْءِ (مُشْتَرَكَتِهِ)
стр. 593
فَإِنَّ الْمِلْكَ فِيهَا دَلِيلُ جَوَازِ الْوَطْءِ (أَوْ) كَوَطْءِ (مُعْتَدَّتِهِ بِالْكِنَايَاتِ) بِأَنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ بَائِنٌ أَوْ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ بَتَّةٌ أَوْ بَرِيَّةٌ مَثَلًا وَأَرَادَ الْبَيْنُونَةَ أَوْ الثَّلَاثَ، ثُمَّ جَامَعَهَا فِي عِدَّتِهَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - إنَّ الْكِنَايَاتِ رَوَاجِعُ وَإِنْ نَوَى الثَّلَاثَ (دُونَ الثَّلَاثِ) لَا فَائِدَةَ فِي هَذَا اللَّفْظِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ مُعْتَدَّتَهُ مِنْ الثَّلَاثِ صَرِيحًا فَقَدْ مَرَّ فِي شُبْهَةِ الْفِعْلِ وَإِنْ أَرَادَ أَلْفَاظَ الْكِنَايَاتِ إذَا نَوَى بِهَا الثَّلَاثَ فَلَيْسَ حُكْمُهَا ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَ قُبَيْلَهَا، وَالصَّوَابُ التَّرْكُ تَأَمَّلْ.
(أَوْ) كَوَطْءِ (الْبَائِعِ) الْأَمَةَ (الْمَبِيعَةَ أَوْ) كَوَطْءِ (الزَّوْجِ) الْأَمَةَ (الْمَمْهُورَةَ) أَيْ الَّتِي جَعَلَهَا صَدَاقًا لِامْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا (قَبْلَ تَسْلِيمِهَا) أَيْ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعَةِ إلَى الْمُشْتَرِي فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَقَبْلَ التَّسْلِيمِ وَبَعْدَهُ فِي الْفَاسِدِ، وَالْمَبِيعَةُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ سَوَاءٌ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي وَقَبْلَ تَسْلِيمِ الْمَمْهُورَةِ إلَى الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْمَبِيعَةِ فِي يَدِ الْبَائِعِ بِحَيْثُ لَوْ هَلَكَتْ انْتَقَضَ الْبَيْعُ دَلِيلُ الْمِلْكِ فِي الْمَبِيعَةِ وَكَوْنِ الْمَهْرِ صِلَةً أَيْ غَيْرَ مُقَابَلٍ بِمَالٍ دَلِيلُ عَدَمِ زَوَالِ الْمِلْكِ فَلَا يُحَدُّ الْوَاطِئُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَإِنْ قَالَ عَلِمْت أَنَّهَا حَرَامٌ خِلَافًا لِزُفَرَ (وَالنَّسَبُ يَثْبُتُ فِي هَذِهِ) أَيْ فِي شُبْهَةِ الْمَحَلِّ (عِنْدَ الدَّعْوَةِ) لِعَدَمِ تَمَحُّضِهِ زِنًى لِقِيَامِ الدَّلِيلِ النَّافِي لِلْحُرْمَةِ (لَا فِي الْأُولَى) أَيْ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ فِي شُبْهَةِ الْفِعْلِ.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةً (ادَّعَى) لِتَمَحُّضِهِ زِنًى وَإِنْ سَقَطَ الْحَدُّ لِأَمْرٍ رَاجِعٍ إلَيْهِ، وَهُوَ اشْتِبَاهُ الْحَالِ عَلَيْهِ هَذَا لَيْسَ بِمُجْرًى عَلَى الْعُمُومِ فَإِنَّ فِي الْمُطَلَّقَةِ الثَّلَاثِ يَثْبُتُ النَّسَبُ؛ لِأَنَّ هَذَا وَطْءٌ فِي شُبْهَةِ الْعَقْدِ فَيَكْفِي ذَلِكَ لِإِثْبَاتِ النَّسَبِ.
(وَيُحَدُّ بِوَطْءِ أَمَةِ أَخِيهِ أَوْ عَمِّهِ) أَوْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ غَيْرِ الْوِلَادِ أَوْ الْمُسْتَأْجَرَةِ أَوْ الْمُسْتَعَارَةِ.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةً (ظَنَّ حِلَّهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَنِدْ ظَنُّهُ إلَى دَلِيلٍ.
(وَكَذَا) يَجِبُ الْحَدُّ (بِوَطْءِ امْرَأَةٍ وَجَدَهَا عَلَى فِرَاشِهِ) وَقَالَ حَسِبْتهَا امْرَأَتِي لِعَدَمِ الِاشْتِبَاهِ مَعَ طُولِ الصُّحْبَةِ فَلَمْ يَكُنْ هَذَا الظَّنُّ مُسْتَنِدًا إلَى دَلِيلٍ.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةً (كَانَ أَعْمَى) لِإِمْكَانِ التَّمْيِيزِ بِالسُّؤَالِ (إلَّا إنْ دَعَاهَا فَقَالَتْ) أَيْ أَجَابَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ فَقَالَتْ (أَنَا زَوْجَتُك) فَوَطِئَهَا لَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى الْإِخْبَارِ، وَهُوَ دَلِيلٌ فِي حَقِّهِ وَلَوْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ ثَبَتَ نَسَبُهُ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ وَأَنَا زَوْجَتُك؛ لِأَنَّهَا إذَا أَجَابَتْ بِالْفِعْلِ وَلَمْ تَقُلْ ذَلِكَ فَوَاقَعَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ.
(لَا) يَجِبُ الْحَدُّ (بِوَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ زُفَّتْ) أَيْ بُعِثَتْ (إلَيْهِ وَقُلْنَ) أَيْ النِّسَاءُ بِالْجَمْعِ لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ، وَالْوَاحِدَةُ تَكْفِي فِيهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ فَعَلَى هَذَا لَوْ أَتَى بِصِيغَةِ الْمُفْرَدِ كَمَا فِي الْكَنْزِ لَكَانَ أَوْلَى تَأَمَّلْ (هِيَ زَوْجَتُك) ؛ لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى إخْبَارِهِنَّ فِي مَوْضِعِ الِاشْتِبَاهِ إذْ الْإِنْسَانُ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ امْرَأَتِهِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا فِي أَوَّلِ الْوَهْلَةِ فَصَارَ كَالْمَغْرُورِ لَكِنَّهُ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ (وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ) أَيْ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَالْعِدَّةُ وَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَخْلُو عَنْ الْحَدِّ أَوْ الْمَهْرِ، وَقَدْ سَقَطَ الْحَدُّ فَتَعَيَّنَ الْمَهْرُ (وَلَا بِوَطْءِ بَهِيمَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الزِّنَى فِي كَوْنِهِ جِنَايَةً إلَّا أَنَّهُ يُعَزَّرُ؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ
стр. 594
جَرِيمَةً وَاَلَّذِي يُرْوَى أَنَّهَا تُذْبَحُ وَتُحْرَقُ فَذَلِكَ يَقْطَعُ التَّحَدُّثَ بِهِ.
(وَزَنَى فِي دَارِ حَرْبٍ أَوْ بَغْيٍ) أَيْ مَنْ زَنَى فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ الْبَغْيِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ إلَّا إذَا كَانَ أَمِيرُ الْمِصْرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ عَلَى مَنْ زَنَى فِي مُعَسْكَرِهِ وَتَمَامُهُ فِي الْمِنَحِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَوْ خَرَجَ إلَيْنَا وَأَقَرَّ؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ بِإِسْلَامِهِ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ أَيْنَمَا كَانَ وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي دَارِ الْحَرْبِ» .
(وَلَا) يَجِبُ الْحَدُّ (بِوَطْءِ) امْرَأَةٍ (مَحْرَمٍ) لَهُ (تَزَوَّجَهَا) سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا بِالْحُرْمَةِ أَوْ لَا وَلَكِنْ إنْ كَانَ عَالِمًا بِهِ يَوْجَعُ بِالضَّرْبِ تَعْزِيرًا لَهُ هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا، وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ عَلَيْهِ الْحَدُّ إنْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَخْرَجَ الْمَحَارِمَ عَنْ مَحَلِّيَّةِ النِّكَاحِ فَصَارَ الْعَقْدُ لَغْوًا وَلَهُ أَنَّ الْمَحْرَمَ مَحَلُّ النِّكَاحِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّنَاسُلُ وَكُلُّ أُنْثَى مِنْ بَنَاتِ آدَمَ قَابِلَةٌ لَهُ وَمَحَلِّيَّةُ النِّكَاحِ وَإِنْ انْعَدَمَتْ عَنْ الْمَحَارِمِ بِدَلِيلٍ لَكِنْ بَقِيَتْ شُبْهَتُهَا كَمَا فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ فَيَنْدَرِئُ بِهِ الْحَدُّ هَذَا وَوَطْءُ الزَّوْجَةِ بِغَيْرِ شُهُودٍ وَغَيْرِهَا مِنْ شُبْهَةِ الْعَقْدِ فَتَكُونُ الشُّبْهَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ.
(أَوْ مَنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَزْنِيَ بِهَا) فَإِنَّهُ لَا يَحُدُّ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ رَجُلًا مَالًا فَأَبَى أَنْ يُعْطِيَهَا حَتَّى تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا فَدَرَأَ عُمَرُ الْحَدَّ عَنْهَا وَقَالَ هَذَا مَهْرُهَا (خِلَافًا لَهُمَا) فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا مِلْكٌ وَلَا شُبْهَةٌ فَكَانَ زِنًى مَحْضًا قَيَّدَ بِالِاسْتِئْجَارِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ زَنَى بِهَا وَأَعْطَاهَا مَالًا وَلَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا يُحَدُّ اتِّفَاقًا وَلَوْ قَالَ أَمْهَرْتُك لَا زِنًى بِك لَا يُحَدُّ اتِّفَاقًا وَقَيَّدَ لِيَزْنِيَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِلْخِدْمَةِ، ثُمَّ جَامَعَهَا يُحَدُّ اتِّفَاقًا.
(وَمَنْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ) أَيْ فِي غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ كَالتَّبْطِينِ، وَالتَّفْخِيذِ (يُعَزَّرُ) اتِّفَاقًا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى أَمْرًا مُنْكَرًا لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ.
(وَكَذَا لَوْ وَطْأَهَا) أَيْ الْأَجْنَبِيَّةَ (فِي الدُّبُرِ) فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا يُحَدُّ فَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَحَلِّ كَلَامًا؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى اتِّفَاقِيَّةٌ، وَالثَّانِيَةَ اخْتِلَافِيَّةٌ فَلَا مَعْنَى لِهَذَا الْعَطْفِ بِطَرِيقِ التَّشْبِيهِ تَأَمَّلْ وَفِيهِ إشَارَةٌ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ هَذَا بِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَوْ مَنْكُوحَتِهِ لَا يُحَدُّ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا بِالْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا يُعَزَّرُ لِارْتِكَابِ الْمَحْظُورِ (أَوْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ) فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ وَلَا يُحَدُّ عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا يُحَدُّ) ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ
стр. 595
وَقَالَ فِي قَوْلٍ يُقْتَلَانِ بِكُلِّ حَالٍ لِقَوْلِهِ ﵊ «اُقْتُلُوا الْفَاعِلَ، وَالْمَفْعُولَ» وَلَهُمَا أَنَّهُ فِي مَعْنَى الزِّنَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ فِي مَحَلٍّ مُشْتَهًى عَلَى سَبِيلِ الْكَمَالِ عَلَى وَجْهٍ تَمَحَّضَ حَرَامًا لِقَصْدِ سَفْحِ الْمَاءِ وَلَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِزِنًى لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فِي مُوجِبِهِ مِنْ الْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ وَهَدْمِ الْجِدَارِ، وَالتَّنْكِيسِ مِنْ مَكَان مُرْتَفِعٍ بِإِتْبَاعِ الْأَحْجَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إضَاعَةُ الْوَلَدِ وَاشْتِبَاهُ الْأَنْسَابِ وَكَذَا أَنْدَرُ وُقُوعًا لِانْعِدَامِ الدَّاعِي فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَالدَّاعِي إلَى الزِّنَاءِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مَحْمُولٌ عَلَى السِّيَاسَةِ أَوْ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ إلَّا أَنَّهُ يُعَزَّرُ عِنْدَهُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَفِي الْمِنَحِ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْإِمَامِ.
وَفِي الْفَتْحِ أَنَّهُ يُودَعُ فِي السِّجْنِ حَتَّى يَتُوبَ أَوْ يَمُوتَ وَلَوْ اعْتَادَ اللِّوَاطَةَ قَتَلَهُ الْإِمَامُ مُحْصَنًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ سِيَاسَةً وَفِي التَّبَيُّنِ لَوْ رَأَى الْإِمَامُ مَصْلَحَةَ قَتْلِ مَنْ اعْتَادَهُ جَازَ لَهُ قَتْلُهُ.
وَفِي الْبَحْرِ أَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ فِي حُكْمِ السِّيَاسَةِ أَنَّ الْإِمَامَ يَفْعَلُهَا لَمْ يَقُولُوا الْقَاضِي فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ الْحُكْمُ بِالسِّيَاسَةِ وَلَا الْعَمَلُ بِهَا.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَلَا تَكُونُ اللِّوَاطَةُ فِي الْجَنَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ دُبُرٌ وَكُلُّهُمْ قُبُلٌ؛ لِأَنَّ لَهُ لَيْسَ فِيهَا احْتِيَاجٌ لِدَفْعِ الْفَضَلَاتِ.
(وَإِنْ زَنَى ذِمِّيٌّ بِحَرْبِيَّةٍ) مُسْتَأْمِنَةٍ (فِي دَارِنَا) فَلَا حَدَّ لَوْ زَنَى فِي دَارِ الْحَرْبِ (حُدَّ الذِّمِّيُّ فَقَطْ) لَا الْحَرْبِيَّةُ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ لِكَوْنِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مُخَاطَبِينَ بِالْعُقُوبَاتِ بِخِلَافِ الْحَرْبِيَّةِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُحَدَّانِ) ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْمِنَ مُلْتَزِمٌ لِأَحْكَامِنَا مَا دَامَ فِي دَارِنَا فَيُحَدُّ إلَّا فِي شُرْبِ الْخَمْرِ (وَفِي عَكْسِهِ) أَيْ إنْ زَنَى حَرْبِيٌّ مُسْتَأْمِنٌ بِذِمِّيَّةٍ (حُدَّتْ الذِّمِّيَّةُ لَا الْحَرْبِيُّ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ حَقِيقَةُ الزِّنَى مِنْهَا فَيُحَدُّ خَاصَّةً (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُحَدَّانِ) لِمَا مَرَّ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يُحَدَّانِ) ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ فِي الْأَصْلِ فَأَوْجَبَ سُقُوطَهُ فِي التَّبَعِ.
(وَإِنْ زَنَى مُكَلَّفٌ بِمَجْنُونَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ) يُجَامَعُ مِثْلُهَا؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ يُجَامَعُ مِثْلُهَا فَوَطِئَهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ كَمَا فِي الْغَايَةِ وَلَوْ قَيَّدَهُ لَكَانَ أَوْلَى تَأَمَّلْ (حُدَّ) الْمُكَلَّفُ خَاصَّةً بِالْإِجْمَاعِ لِكَوْنِهِ أَصْلًا (وَفِي عَكْسِهِ) أَيْ إنْ زَنَى مَجْنُونٌ أَوْ صَبِيٌّ بِمُكَلَّفَةٍ (لَا حَدَّ عَلَيْهَا) أَيْ الْمُكَلَّفَةِ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهُ (إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّهُ قَالَ يُحَدُّ الْمُكَلَّفَةُ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ الزِّنَاءَ وُجِدَ مِنْهَا وَسُقُوطُ الْحَدِّ مِنْ جَانِبِهِ لَا يُسْقِطُ الْحَدَّ عَنْهَا (وَلَا حَدَّ بِزِنَى الْمُكْرَهِ) سَوَاءٌ كَانَ الْمُكْرَهُ زَانِيًا أَوْ مَزْنِيَّةً وَلَوْ أَكْرَه غَيْرُ السُّلْطَانِ يُحَدُّ عِنْدَ الْإِمَامِ وَلَا يُحَدُّ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ خَوْفُ التَّلَفِ وَذَا يَتَحَقَّقُ مِنْ غَيْرِهِ إذَا كَانَ الْمُكْرَهُ قَادِرًا عَلَى إيقَاعِ مَا هُدِّدَ بِهِ، وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا (وَلَا) يُحَدُّ (إنْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا) أَيْ أَحَدُ الزَّانِيَيْنِ (بِالزِّنَى) أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي مَجَالِسَ مُخْتَلِفَةٍ (وَادَّعَى آخَرُ النِّكَاحَ) ؛ لِأَنَّ دَعْوَى النِّكَاحِ تَحْتَمِلُ الصِّدْقَ، وَهُوَ يَقُومُ بِالطَّرَفَيْنِ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً وَإِذَا سَقَطَ الْحَدُّ وَجَبَ الْمَهْرُ أَمَّا لَوْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِالزِّنَى وَقَالَ الْآخَرُ مَا زَنَى بِي وَلَا أَعْرِفُهُ فَلَا يُحَدُّ الْمُقِرُّ عِنْدَ الْإِمَامِ وَزُفَرَ وَعِنْدَهُمَا
стр. 596
يُحَدُّ.
وَفِي الْمِنَحِ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ غَائِبَةً وَأَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّهُ زَنَى بِهَا أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ فَإِنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
(وَمَنْ زَنَى بِأَمَةٍ فَقَتَلَهَا) أَيْ الْأَمَةَ (بِهِ) أَيْ بِفِعْلِ الزِّنَاءِ (لَزِمَهُ) أَيْ الْفَاعِلَ (الْحَدُّ، وَالْقِيمَةُ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ جَنَى جِنَايَتَيْنِ فَيُوَفَّرُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حُكْمُهَا (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) لَزِمَهُ (الْقِيمَةُ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ تَقَرُّرَ ضَمَانِ الْقِيمَةِ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْأَمَةِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ لَوْ زَنَى بِجَارِيَةٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا أَوْ زَنَى بِهَا، ثُمَّ نَكَحَهَا أَوْ زَنَى بِجَارِيَةٍ جَنَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ الزِّنَاءِ فَدَفَعَتْ إلَى الزَّانِي بَعْدَ الزِّنَاءِ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ أَمَّا لَوْ فَدَاهَا الْمَوْلَى بَعْدَ الْجِنَايَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ اتِّفَاقًا أَوْ زَنَى بِهَا، ثُمَّ غَصَبَهَا وَضَمِنَ قِيمَتَهَا أَمَّا لَوْ غَصَبَهَا، ثُمَّ زَنَى بِهَا، ثُمَّ ضَمِنَ قِيمَتَهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ قَيَّدَ بِالْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ زَنَى بِالْحُرَّةِ فَقَتَلَهَا بِهِ يَجِبُ الْحَدُّ مَعَ الدِّيَةِ اتِّفَاقًا.
وَفِي الْحَقَائِقِ وَضْعُ هَذَا إذْ لَوْ زَنَتْ بِعَبْدٍ، ثُمَّ اشْتَرَتْهُ يُحَدَّانِ اتِّفَاقًا.
(وَالْخَلِيفَةُ) أَيْ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ إمَامٌ (يُؤْخَذُ بِالْمَالِ وَبِالْقِصَاصِ) إذَا أَخَذَ مَالًا أَوْ قَتَلَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَيَسْتَوْفِيهِ وَلِيُّ الْحَقِّ إمَّا بِتَمْكِينِهِ أَوْ بِالِاسْتِعَانَةِ بِمَنْعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْقَضَاءُ لِاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، وَالْأَمْوَالِ إلَّا إذَا أَنْكَرَ الْأَمْوَالَ (لَا بِالْحَدِّ) ؛ لِأَنَّ إقَامَتَهُ مُفَوَّضَةٌ إلَيْهِ فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُقِيمَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَذَا الْقَاضِي بِخِلَافِ أَمِيرِ الْبَلْدَةِ فَإِنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِأَمْرِ الْإِمَامِ.
[بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَاءِ وَالرُّجُوعِ عَنْهَا]
(لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِحَدٍّ) أَيْ بِمَا يُوجِبُهُ كَالزِّنَاءِ مَثَلًا (مُتَقَادِمٍ) أَيْ مُوجِبُهُ أَوْ سَبَبُهُ، وَهُوَ الزِّنَاءُ فَإِسْنَادُهُ إلَى الْحَدِّ مَجَازٌ (مِنْ غَيْرِ بُعْدٍ عَنْ الْإِمَامِ) يَعْنِي أَنَّ عَدَمَ الْقَبُولِ مَشْرُوطٌ بِقُرْبِ الْحَاكِمِ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهَا مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ وَإِلَّا تُقْبَلُ.
وَفِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الْبُعْدُ عُذْرًا، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ نَحْوِ مَرَضٍ أَوْ خَوْفِ طَرِيقٍ وَلَوْ فِي بُعْدِ يَوْمَيْنِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ الَّتِي يَظْهَرُ أَنَّهَا مَانِعَةٌ مِنْ الْمُسَارَعَةِ انْتَهَى فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَكَانَ أَوْلَى تَأَمَّلْ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْحُدُودَ الْخَالِصَةَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى تَبْطُلُ بِالتَّقَادُمِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ حِسْبَتَيْنِ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ، وَالسِّتْرُ قَالَ ﵊ «مَنْ سَتَرَ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ عَوْرَةً سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عَوْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَالتَّأْخِيرُ إنْ كَانَ لِلسَّتْرِ فَالْإِقْدَامُ عَلَى الْأَدَاءِ بَعْدَهُ يَكُونُ عَنْ عَدَاوَةٍ وَإِلَّا صَارَ فَاسِقًا آثِمًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ، وَالْمِنَحِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ تَسَاهُلًا مَشْهُورًا فَإِنَّ الَّذِي يَبْطُلُ بِالتَّقَادُمِ الشَّهَادَةُ بِأَسْبَابِهَا (إلَّا فِي) حَدِّ (الْقَذْفِ) ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى فِيهِ شَرْطٌ فَيُحْمَلُ تَأْخِيرُهُمْ عَلَى انْعِدَامِ الدَّعْوَى فَلَا يُوجِبُ تَفْسِيقَهُمْ.
(وَفِي السَّرِقَةِ يَضْمَنُ) السَّارِقُ (الْمَالَ) الْمَسْرُوقَ إذَا ثَبَتَ بِالشَّهَادَةِ وَلَا يَضُرُّهُ التَّقَادُمُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ لَكِنْ لَا يُحَدُّ السَّارِقُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَلِهَذَا لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى السَّرِقَةِ يُقْضَى بِالْمَالِ دُونَ الْقَطْعِ وَفِي كَثِيرٍ
стр. 597
مِنْ الْكُتُبِ التَّقَادُمُ كَمَا يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ يَمْنَعُ إقَامَةَ الْحَدِّ بَعْدَ الْقَضَاءِ خِلَافًا لِزُفَرَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ حَتَّى لَوْ هَرَبَ بَعْدَمَا ضُرِبَ بَعْضَ الْحَدِّ، ثُمَّ أُخِذَ بَعْدَمَا تَقَادَمَ الزَّمَانُ لَا تُقَامُ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الْحَدِّ (وَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِهِ) أَيْ لَوْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ بَعْدَ التَّقَادُمِ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ لَا يُتَّهَمُ عَلَى نَفْسِهِ (إلَّا فِي الشُّرْبِ وَتَقَادُمُ غَيْرِ الشُّرْبِ بِشَهْرٍ) ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهُ عَاجِلٌ وَمَرْوِيٌّ عَنْهُمَا (فِي الْأَصَحِّ) قَالَ الْإِمَامُ أَنَّهُ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي وَقِيلَ بِمُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَقِيلَ بِنِصْفِ شَهْرٍ.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَلَوْ شَهِدُوا بِزِنًى مُتَقَادِمٍ حُدَّ الشُّهُودُ عِنْدَ الْبَعْضِ وَقِيلَ لَا (وَ) تَقَادُمُ (الشُّرْبُ بِزَوَالِ الرِّيحِ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِشَهْرٍ أَيْضًا) أَيْ كَتَقَادُمِ غَيْرِ الشُّرْبِ.
(وَإِنْ شَهِدُوا بِزِنَاهُ بِغَائِبَةٍ) وَهُمْ يَعْرِفُونَهَا (قُبِلَتْ) شَهَادَتُهُمْ وَيُحَدُّ (بِخِلَافِ سَرِقَةٍ مِنْ غَائِبٍ) أَيْ وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ سَرَقَ مِنْ فُلَانٍ، وَهُوَ غَائِبٌ لَمْ يُقْطَعْ لِشَرْطِيَّةِ الدَّعْوَى فِي السَّرِقَةِ دُونَ الزِّنَاءِ لَكِنَّهُ يُحْبَسُ السَّارِقُ إلَى أَنْ يَجِيءَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي.
(وَإِنْ أَقَرَّ بِالزِّنَى بِمَجْهُولَةٍ) أَوْ غَائِبَةٍ (حُدَّ) الْمُقِرُّ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالزِّنَاءِ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
(وَإِنْ شَهِدُوا، كَذَلِكَ) أَيْ شَهِدُوا وَجَهِلُوا الْمَوْطُوءَة (لَا يُحَدُّ) الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ، بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ وَلَا الشُّهُودُ لِوُجُودِ النِّصَابِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَإِنْ قَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ إنَّ الَّتِي رَأَوْهَا مَعِي لَيْسَتْ لِي بِامْرَأَةٍ وَلَا بِخَادِمٍ لَمْ يُحَدَّ أَيْضًا وَذَلِكَ أَنَّهَا تُتَصَوَّرُ أَمَةَ ابْنِهِ أَوْ مَنْكُوحَتَهُ نِكَاحًا فَاسِدًا وَلَوْ قَالُوا زَنَى بِامْرَأَةِ لَا نَعْرِفهَا، ثُمَّ قَالُوا بِفُلَانَةَ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ الرَّجُلُ وَلَا الْمَشْهُودِ.
(وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفُوا فِي طَوْعِ الْمَرْأَةِ) يَعْنِي لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِفُلَانَةَ كُرْهًا وَآخَرَانِ أَنَّهَا طَاوَعَتْهُ لَا يُحَدُّ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ (وَعِنْدَهُمَا يُحَدُّ الرَّجُلُ) لِاتِّفَاقِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى زِنَاهُ لَا الْمَرْأَةُ لِلِاخْتِلَافِ فِي طَوْعِهَا وَلَهُ أَنَّهُ اخْتَلَفَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الزِّنَاءَ فِعْلٌ وَاحِدٌ يَقُومُ بِهِمَا وَفِي إطْلَاقِهِ شَامِلٌ مَا إذَا شَهِدَ ثَلَاثَةٌ بِالطَّوَاعِيَةِ وَوَاحِدٌ بِالْإِكْرَاهِ وَعَكْسِهِ لَكِنْ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يُحَدُّ الثَّلَاثَةُ حَدَّ الْقَذْفِ لِعَدَمِ سُقُوطِ إحْصَانِهَا بِشَهَادَةِ الْفَرْدِ وَعِنْدَ الْإِمَامِ لَا يُحَدُّونَ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّ اتِّفَاقَ الْأَرْبَعَةِ عَلَى النِّسْبَةِ إلَى الزِّنَاءِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ يَخْرُجُ كَلَامُهُمْ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَذْفًا.
(وَلَا يُحَدُّ أَحَدٌ لَوْ اخْتَلَفَ الشُّهُودُ فِي بَلَدِ الزِّنَاءِ) أَمَّا فِي حَقِّهِمَا فَلِاخْتِلَافِهِ وَلَمْ يَتِمَّ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا نِصَابُ الشَّهَادَةِ وَأَمَّا الشُّهُودُ فَلِلشُّبْهَةِ نَظَرًا إلَى اتِّحَادِ الصُّورَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ (أَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِهِ) أَيْ بِالزِّنَاءِ (فِي بَلَدٍ) مُعَيَّنٍ (فِي وَقْتٍ) مُعَيَّنٍ (وَأَرْبَعَةٌ بِهِ) أَيْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أُخْرَى بِالزِّنَا (فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِبَلَدٍ آخَرَ) لَمْ يُحَدَّ أَحَدٌ أَمَّا فِي حَقِّهِمَا فَلِلتَّيَقُّنِ بِكَذِبِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ وَلَا رُجْحَانَ لِأَحَدِهِمَا فَيُرَدُّ الْجَمِيعُ وَأَمَّا الشُّهُودُ فَلِاحْتِمَالِ صِدْقِ كُلِّ فَرِيقَيْنِ يَعْنِي مَعَ وُجُودِ النِّصَابِ إذْ بِدُونِهِ لَا يَجْرِي ذَلِكَ الِاحْتِمَالُ وَبِدُونِ احْتِمَالِ الصِّدْقِ لَا يَجْرِي وُجُودُ النِّصَابِ.
(وَكَذَا)
стр. 598
لَا يُحَدُّ أَحَدٌ (لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى امْرَأَةٍ بِهِ) أَيْ بِالزِّنَاءِ (وَهِيَ) أَيْ، وَالْحَالُ أَنَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ (بِكْرٌ) أَيْ يَثْبُتُ بَكَارَتُهَا بِقَوْلِ النِّسَاءِ وَقَوْلُهُنَّ يُقْبَلُ فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ لَا فِي إيجَابِهِ فَلَا يُحَدُّ أَحَدٌ وَكَذَا فِي الرَّتْقِ، وَالْقَرْنِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يُعْمَلُ بِقَوْلِ النِّسَاءِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُمْ لَوْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَاءِ فَوُجِدَ مَجْبُوبًا فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى أَحَدٍ (أَوْ هُمْ) أَيْ الشُّهُودُ (فَسَقَةٌ) سَوَاءٌ عُلِمَ فِسْقُهُمْ فِي الِابْتِدَاءِ أَوْ ظَهَرَ فِسْقُهُمْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالتَّوَقُّفِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ وَأَنَّهُ مَانِعٌ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ وَأَمَّا عَدَمُ الْحَدِّ عَلَى الشُّهُودِ؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ وَهُمْ أَرْبَعَةٌ (أَوْ شُهُودٌ عَلَى شُهُودٍ) ؛ لِأَنَّ فِي شَهَادَتِهِمْ زِيَادَةَ شُبْهَةٍ وَهُمْ مَا نَسَبُوا الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ إلَى الزِّنَاءِ، بَلْ حَكَوْا شَهَادَةَ الْأُصُولِ بِذَلِكَ، وَالْحَاكِي لِلْقَذْفِ لَا يَكُونُ قَاذِفًا فَلَا يُحَدُّونَ وَكَذَا لَا حَدَّ عَلَى الْأُصُولِ بِالْأَوْلَى.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةً (شَهِدَ بِهِ) أَيْ بِالزِّنَى (الْأُصُولُ بَعْدَ ذَلِكَ) لِرَدِّ شَهَادَتِهِمْ مِنْ وَجْهٍ بِرَدِّ شَهَادَةِ الْفُرُوعِ هَذَا فِي الْحُدُودِ وَفِي غَيْرِ الْحُدُودِ تُقْبَلُ بَعْدَ رَدِّ شَهَادَةِ الْفَرْعِ لِثُبُوتِ الْمَالِ مَعَ الشُّبْهَةِ.
(وَحَدُّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لَوْ اخْتَلَفَ الشُّهُودُ فِي زَوَايَا الْبَيْتِ) مَعْنَاهُ أَنْ يَشْهَدَ كُلُّ اثْنَيْنِ عَلَى الزِّنَاءِ فِي زَاوِيَةٍ وَكَانَ الْبَيْتُ صَغِيرًا وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا لَا تُقْبَلُ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تُقْبَلَ كَيْفَ مَا كَانَ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ التَّوْفِيقَ مُمْكِنٌ بِأَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الْفِعْلِ فِي زَاوِيَةٍ، وَالِانْتِهَاءُ فِي زَاوِيَةٍ أُخْرَى بِالِاضْطِرَابِ وَلَوْ اخْتَلَفُوا فِي سَاعَتَيْنِ مِنْ يَوْمٍ أَوْ فِي لَوْنِ الْمَزْنِيِّ بِهَا وَفِي طُولِهَا وَقِصَرِهَا أَوْ فِي ثِيَابِهَا فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ لِإِمْكَانِ التَّوْفِيقِ.
(وَ) حَدُّ (الشُّهُودِ فَقَطْ) إذَا طَلَبَهُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَلَا يُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ (لَوْ كَانُوا عُمْيَانًا) فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ (أَوْ مَحْدُودِينَ فِي قَذْفٍ أَوْ) كَانُوا أَيْ الشُّهُودُ (أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ أَوْ أَحَدُهُمْ عَبْدٌ أَوْ مَحْدُودٌ) وَلَوْ تَرَكَ قَوْلَهُ أَوْ مَحْدُودِينَ فِي قَذْفٍ وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذِهِ لَكَانَ أَخْصَرَ لِانْفِهَامِهِ مِمَّا ذُكِرَ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ تَأَمَّلْ وَإِنَّمَا خُصَّ الْحَدُّ بِهِمْ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ فِيهِمْ أَوْ عَدَمِ النِّصَابِ فَلَا يَثْبُتُ الزِّنَاءُ وَيَجِبُ الْحَدُّ لِكَوْنِهِمْ قَذَفَةً.
(وَكَذَا) أَيْ حَدُّ الشُّهُودِ فَقَطْ (لَوْ وُجِدَ أَحَدُهُمْ) أَيْ أَحَدُ الشُّهُودِ (عَبْدًا أَوْ مَحْدُودًا) فِي قَذْفٍ (بَعْدَ حَدِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ) بِالشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُمْ قَذَفَةٌ (وَدِيَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ إنْ رُجِمَ) أَيْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ مُحْصَنًا؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَخَطَؤُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَجِبُ فِي مَالِهِمْ، وَهُوَ بَيْتُ الْمَالِ.
(وَأَرْشُ جُرْحِ ضَرْبِهِ) أَيْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ (أَوْ مَوْتِهِ مِنْهُ هَدَرٌ) أَيْ لَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِالزِّنَى، وَالزَّانِي غَيْرُ مُحْصَنٍ فَجُلِدَ فَجُرِحَ أَوْ أَفْضَى إلَى الْمَوْتِ، ثُمَّ ظَهَرَ أَحَدُهُمْ عَبْدًا أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ فَالْأَرْشُ هَدَرٌ عِنْدَ الْإِمَامِ (وَقَالَا) ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ الْأَرْشُ (فِي بَيْتِ الْمَالِ أَيْضًا) أَيْ كَمَا فِي الرَّجْمِ وَلَهُ أَنَّ الْفِعْلَ الْجَارِحَ لَا يَنْتَقِلُ إلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ فَيُقْصَرُ عَلَى الْجَلَّادِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ فِي الصَّحِيحِ كَيْ لَا يَمْتَنِعَ النَّاسُ عَنْ الْإِقَامَةِ مَخَافَةَ الْغَرَامَةِ.
(وَكَذَا الْخِلَافُ لَوْ رَجَعَ الشُّهُودُ) وَفِيهِ
стр. 599
تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ أَرْشَ الْجُرْحِ أَوْ مَوْتَهُ هَدَرٌ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ إذَا رَجَعَ الشُّهُودُ بَعْدَ الْجُرْحِ، وَالْمَوْتِ لَا يَضْمَنُونَ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُونَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ تَدَبَّرْ.
(وَلَوْ رَجَعُوا) الشُّهُودُ (بَعْدَ الرَّجْمِ) أَيْ رَجْمِ الْمُحْصَنِ (حُدُّوا) أَيْ الشُّهُودُ حَدَّ الْقَذْفِ.
وَقَالَ زُفَرُ لَا يُحَدُّونَ قَيَّدَ بِالرُّجُوعِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ ظَهَرُوا عَبِيدًا لَا يُحَدُّونَ اتِّفَاقًا وَقَيَّدَ بِبَعْدِ الرَّجْمِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ رَجَعُوا بَعْدَ الْجَلْدِ يُحَدُّونَ اتِّفَاقًا (وَغَرِمُوا الدِّيَةَ) ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تَلِفَ بِشَهَادَتِهِمْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُقْتَلُونَ هَذَا إذَا قَالُوا تَعَمَّدْنَا وَإِنْ قَالُوا أَخْطَأْنَا غَرِمُوا الدِّيَةَ اتِّفَاقًا (وَكُلُّ وَاحِدٍ) مِنْ الشُّهُودِ (رَجَعَ) صِفَةُ كُلِّ (حُدَّ) خَبَرُ كُلٍّ (وَغَرِمَ رُبُعَهَا) أَيْ رُبُعَ الدِّيَةِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى أَنَّهُ زَنَى بِفُلَانَةَ وَشَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ آخَرُونَ بِالزِّنَاءِ بِغَيْرِهَا فَرَجَعَ الْفَرِيقَانِ فَإِنَّهُمْ يَضْمَنُونَ الدِّيَةَ إجْمَاعًا وَحُدُّوا لِلْقَذْفِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يُحَدُّونَ وَلَوْ تَرَكَ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذِهِ لَكَانَ أَخْصَرَ لِانْفِهَامِهَا مِنْهَا بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ تَدَبَّرْ.
(وَلَوْ رَجَعَ أَحَدُ خَمْسَةٍ) الَّذِينَ شَهِدُوا بِهِ وَرُجِمَ لِشَهَادَتِهِمْ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الرَّاجِعِ مِنْ الضَّمَانِ وَالْحَدِّ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ (فَإِنْ رَجَعَ آخَرُ) بَعْدَ رُجُوعِ الْخَامِسِ (حُدَّا) لِانْفِسَاخِ الْقَضَاءِ بِالرُّجُوعِ فِي حَقِّهِمَا (وَغَرِمَا) أَيْ الرَّاجِعَانِ مِنْ الْخَمْسَةِ (رُبُعَهَا) أَيْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ بَقَاءُ مَنْ شَهِدَ لَا رُجُوعُ مَنْ رَجَعَ فَبَقِيَ ثَلَاثَةُ الْأَرْبَاعِ مِنْ الدِّيَةِ (وَلَوْ رَجَعَ وَاحِدٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ حُدُّوا كُلُّهُمْ) وَلَا يُرْجَمُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ زُفَرُ حُدَّ الرَّاجِعُ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَهُمْ أَنَّ كَلَامَهُمْ قَذْفٌ فِي الْأَصْلِ وَإِنَّمَا تَصِيرُ شَهَادَةً بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ فَإِذَا لَمْ يَتَّصِلْ بَقِيَ قَذْفًا فَيُحَدُّونَ.
(وَلَوْ) رَجَعَ وَاحِدٌ (بَعْدَهُ) أَيْ الْقَضَاءِ (قَبْلَ الْحَدِّ فَكَذَلِكَ) أَيْ حُدُّوا كُلُّهُمْ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ (الرَّاجِعُ فَقَطْ) وَلَا يُحَدُّ الْبَاقُونَ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَأَكَّدَتْ بِالْقَضَاءِ فَلَا تَنْفَسِخُ إلَّا فِي حَقِّ الرَّابِعِ كَمَا إذَا رَجَعَ بَعْدَ الْإِمْضَاءِ وَلَهُمَا أَنَّ الْإِمْضَاءَ مِنْ الْقَضَاءِ فَصَارَ كَمَا إذَا رَجَعَ وَاحِدٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَلِهَذَا يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ الشُّهُودِ عَلَيْهِ.
(وَلَوْ شَهِدُوا فَزُكُّوا فَرُجِمَ) بِكَوْنِهِ مُحْصَنًا (ثُمَّ ظَهَرُوا) أَيْ الشُّهُودُ (كُفَّارًا أَوْ عَبِيدًا فَالدِّيَةُ) أَيْ دِيَةُ الْمَرْجُومِ (عَلَى الْمُزَكِّينَ إنْ رَجَعُوا عَنْ التَّزْكِيَةِ) وَقَالُوا تَعَمَّدْنَا الْكَذِبَ مَعَ عِلْمِنَا بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَلَوْ ثَبَتُوا عَلَى تَزْكِيَتِهِمْ وَلَمْ يَرْجِعُوا وَقَالُوا أُخْطِئْنَا (فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ) عِنْدَ الْإِمَامِ (وَقَالَا) ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ الدِّيَةُ (فِي بَيْتِ الْمَالِ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ رَجَعُوا عَنْ التَّزْكِيَةِ أَوْ لَا هَذَا إذَا أَخْبَرُوا بِحُرِّيَّةِ الشُّهُودِ وَإِسْلَامِهِمْ أَمَّا إذَا قَالُوا هُمْ عُدُولٌ فَظَهَرُوا عَبِيدًا لَمْ يَضْمَنُوا اتِّفَاقًا وَقَيَّدَ بِالْمُزَكِّينَ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الشُّهُودِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا؛ لِأَنَّ كَلَامَهُمْ لَمْ يَقَعْ شَهَادَةً وَلَا يُحَدُّونَ لِلْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ قَذَفُوا حَيًّا، وَقَدْ مَاتَ فَلَا يُورَثُ.
(وَلَوْ قَتَلَ أَحَدٌ الْمَأْمُورَ بِرَجْمِهِ)
стр. 600
يَعْنِي شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَاءِ فَأَمَرَ الْإِمَامُ بِرَجْمِهِ فَضَرَبَ شَخْصٌ عَمْدًا عُنُقَهُ (فَظَهَرُوا) أَيْ الشُّهُودُ (كَذَلِكَ) أَيْ كُفَّارًا أَوْ عَبِيدًا (فَالدِّيَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ) اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مَعْصُومَةً وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَضَاءَ صَحِيحٌ ظَاهِرًا وَقْتَ الْقَتْلِ فَأَوْرَثَ شُبْهَةَ الْإِبَاحَةِ فَلَمْ تَجِبْ إلَّا الدِّيَةُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ عَمْدٌ، وَالْعَاقِلَةُ لَا تَعْقِلُ الْعَمْدَ وَتَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ بِخِلَافِ مَا قَتَلَهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ، وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَإِ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَلَوْ أُمِرَ بِرَجْمِهِ بَعْدَ الشَّهَادَةِ قَبْلَ التَّعْدِيلِ خَطَأً مِنْ الْقَاضِي فَقَتَلَهُ رَجُلٌ عَمْدًا وَجَبَ الْقِصَاصُ أَوْ خَطَأً وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَقَيَّدَ بِقَتْلِ الْمَأْمُورِ بِرَجْمِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ قَتَلَ مَنْ قُضِيَ بِقَتْلِهِ قِصَاصًا فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ سَوَاءٌ ظَهَرَ الشُّهُودُ عَبِيدًا أَوْ كُفَّارًا أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لِلْوَلِيِّ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(وَلَوْ أَقَرَّ الشُّهُودُ بِتَعَمُّدِ النَّظَرِ) إلَى فَرْجِ الزَّانِي، وَالزَّانِيَةِ (لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهُمْ النَّظَرُ لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ فَأَشْبَهَ الطَّبِيبَ، وَالْقَابِلَةَ، وَالْخَافِضَةَ، وَالْخِتَانَ، وَالِاحْتِقَانَ، وَالْبَكَارَةَ فِي الْعُنَّةِ، وَالرَّدَّ بِالْعَيْبِ إلَّا إذَا قَالُوا تَعَمَّدْنَا النَّظَرَ لِلتَّلَذُّذِ فَلَا تُقْبَلُ إجْمَاعًا لِفِسْقِهِمْ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(وَلَوْ أَنْكَرَ) الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالزِّنَاءِ (الْإِحْصَانَ) بِأَنْ أَنْكَرَ بَعْدَ وُجُودِ سَائِرِ الشُّرُوطِ (يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ) فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ مِنْ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ عَاقِلَةٍ خِلَافًا لِزُفَرَ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ فَعِنْدَهُمْ شَهَادَتُهُنَّ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ وَعِنْدَ زُفَرَ وَإِنْ قُبِلَتْ إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ الْإِحْصَانُ شَرْطٌ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَتَغَلَّظُ عِنْدَهُ فَيُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ فَأَشْبَهَ حَقِيقَةَ الْعِلَّةِ فَلَا شَهَادَةَ لِلنِّسَاءِ فِيهِ احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ وَلَهُمْ أَنَّ الْإِحْصَانَ عِبَارَةٌ عَنْ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ وَأَنَّهَا مَانِعَةٌ عَنْ الزِّنَاءِ فَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ (أَوْ) يَثْبُتُ (بِوِلَادَةِ زَوْجَتِهِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ هَذَا الْمَكْرِ.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَلَوْ خَلَا بِهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا وَقَالَ وَطِئَهَا وَأَنْكَرَتْ فَهُوَ مُحْسِنٌ دُونَهَا كَمَا لَوْ قَالَتْ بَعْدَ الطَّلَاقِ كُنْت نَصْرَانِيَّةً وَقَالَ كَانَتْ مُسْلِمَةً فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِحْصَانِهِ دُونَهَا إذَا كَانَ أَحَدُ الزَّانِيَيْنِ مُحْصَنًا يُحَدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدَّهُ فَيُرْجَمُ الْمُحْصَنُ وَيُجْلَدُ غَيْرُهُ تَزَوَّجَ بِلَا وَلِيٍّ فَدَخَلَ بِهَا لَا يَكُونُ مُحْصَنًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
[بَابٌ حَدُّ الشُّرْبِ]
وَهُوَ نَوْعَانِ شُرْبُ الْخَمْرِ وَيَكْفِي فِيهِ الْقَلِيلُ، وَلَوْ قَطْرَةً وَلَا يَلْزَمُ السُّكْرُ وَشُرْبُ الْمُسْكِرِ الْمُحَرَّمِ غَيْرِ الْخَمْرِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ السُّكْرِ وَأَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ (مَنْ شَرِبَ خَمْرًا) ، وَهُوَ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فَيَشْمَلُ الذِّمِّيَّ وَغَيْرَهُ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الذِّمِّيِّ
следующие страницы →