Полный текст (1 543 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
يُحَدُّ.
وَفِي الْمِنَحِ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ غَائِبَةً وَأَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّهُ زَنَى بِهَا أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ فَإِنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
(وَمَنْ زَنَى بِأَمَةٍ فَقَتَلَهَا) أَيْ الْأَمَةَ (بِهِ) أَيْ بِفِعْلِ الزِّنَاءِ (لَزِمَهُ) أَيْ الْفَاعِلَ (الْحَدُّ، وَالْقِيمَةُ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ جَنَى جِنَايَتَيْنِ فَيُوَفَّرُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حُكْمُهَا (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) لَزِمَهُ (الْقِيمَةُ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ تَقَرُّرَ ضَمَانِ الْقِيمَةِ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْأَمَةِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ لَوْ زَنَى بِجَارِيَةٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا أَوْ زَنَى بِهَا، ثُمَّ نَكَحَهَا أَوْ زَنَى بِجَارِيَةٍ جَنَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ الزِّنَاءِ فَدَفَعَتْ إلَى الزَّانِي بَعْدَ الزِّنَاءِ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ أَمَّا لَوْ فَدَاهَا الْمَوْلَى بَعْدَ الْجِنَايَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ اتِّفَاقًا أَوْ زَنَى بِهَا، ثُمَّ غَصَبَهَا وَضَمِنَ قِيمَتَهَا أَمَّا لَوْ غَصَبَهَا، ثُمَّ زَنَى بِهَا، ثُمَّ ضَمِنَ قِيمَتَهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ قَيَّدَ بِالْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ زَنَى بِالْحُرَّةِ فَقَتَلَهَا بِهِ يَجِبُ الْحَدُّ مَعَ الدِّيَةِ اتِّفَاقًا.
وَفِي الْحَقَائِقِ وَضْعُ هَذَا إذْ لَوْ زَنَتْ بِعَبْدٍ، ثُمَّ اشْتَرَتْهُ يُحَدَّانِ اتِّفَاقًا.
(وَالْخَلِيفَةُ) أَيْ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ إمَامٌ (يُؤْخَذُ بِالْمَالِ وَبِالْقِصَاصِ) إذَا أَخَذَ مَالًا أَوْ قَتَلَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَيَسْتَوْفِيهِ وَلِيُّ الْحَقِّ إمَّا بِتَمْكِينِهِ أَوْ بِالِاسْتِعَانَةِ بِمَنْعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْقَضَاءُ لِاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، وَالْأَمْوَالِ إلَّا إذَا أَنْكَرَ الْأَمْوَالَ (لَا بِالْحَدِّ) ؛ لِأَنَّ إقَامَتَهُ مُفَوَّضَةٌ إلَيْهِ فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُقِيمَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَذَا الْقَاضِي بِخِلَافِ أَمِيرِ الْبَلْدَةِ فَإِنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِأَمْرِ الْإِمَامِ.
[بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَاءِ وَالرُّجُوعِ عَنْهَا]
(لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِحَدٍّ) أَيْ بِمَا يُوجِبُهُ كَالزِّنَاءِ مَثَلًا (مُتَقَادِمٍ) أَيْ مُوجِبُهُ أَوْ سَبَبُهُ، وَهُوَ الزِّنَاءُ فَإِسْنَادُهُ إلَى الْحَدِّ مَجَازٌ (مِنْ غَيْرِ بُعْدٍ عَنْ الْإِمَامِ) يَعْنِي أَنَّ عَدَمَ الْقَبُولِ مَشْرُوطٌ بِقُرْبِ الْحَاكِمِ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهَا مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ وَإِلَّا تُقْبَلُ.
وَفِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الْبُعْدُ عُذْرًا، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ نَحْوِ مَرَضٍ أَوْ خَوْفِ طَرِيقٍ وَلَوْ فِي بُعْدِ يَوْمَيْنِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ الَّتِي يَظْهَرُ أَنَّهَا مَانِعَةٌ مِنْ الْمُسَارَعَةِ انْتَهَى فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَكَانَ أَوْلَى تَأَمَّلْ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْحُدُودَ الْخَالِصَةَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى تَبْطُلُ بِالتَّقَادُمِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ حِسْبَتَيْنِ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ، وَالسِّتْرُ قَالَ ﵊ «مَنْ سَتَرَ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ عَوْرَةً سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عَوْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَالتَّأْخِيرُ إنْ كَانَ لِلسَّتْرِ فَالْإِقْدَامُ عَلَى الْأَدَاءِ بَعْدَهُ يَكُونُ عَنْ عَدَاوَةٍ وَإِلَّا صَارَ فَاسِقًا آثِمًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ، وَالْمِنَحِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ تَسَاهُلًا مَشْهُورًا فَإِنَّ الَّذِي يَبْطُلُ بِالتَّقَادُمِ الشَّهَادَةُ بِأَسْبَابِهَا (إلَّا فِي) حَدِّ (الْقَذْفِ) ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى فِيهِ شَرْطٌ فَيُحْمَلُ تَأْخِيرُهُمْ عَلَى انْعِدَامِ الدَّعْوَى فَلَا يُوجِبُ تَفْسِيقَهُمْ.
(وَفِي السَّرِقَةِ يَضْمَنُ) السَّارِقُ (الْمَالَ) الْمَسْرُوقَ إذَا ثَبَتَ بِالشَّهَادَةِ وَلَا يَضُرُّهُ التَّقَادُمُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ لَكِنْ لَا يُحَدُّ السَّارِقُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَلِهَذَا لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى السَّرِقَةِ يُقْضَى بِالْمَالِ دُونَ الْقَطْعِ وَفِي كَثِيرٍ
стр. 597
مِنْ الْكُتُبِ التَّقَادُمُ كَمَا يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ يَمْنَعُ إقَامَةَ الْحَدِّ بَعْدَ الْقَضَاءِ خِلَافًا لِزُفَرَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ حَتَّى لَوْ هَرَبَ بَعْدَمَا ضُرِبَ بَعْضَ الْحَدِّ، ثُمَّ أُخِذَ بَعْدَمَا تَقَادَمَ الزَّمَانُ لَا تُقَامُ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الْحَدِّ (وَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِهِ) أَيْ لَوْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ بَعْدَ التَّقَادُمِ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ لَا يُتَّهَمُ عَلَى نَفْسِهِ (إلَّا فِي الشُّرْبِ وَتَقَادُمُ غَيْرِ الشُّرْبِ بِشَهْرٍ) ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهُ عَاجِلٌ وَمَرْوِيٌّ عَنْهُمَا (فِي الْأَصَحِّ) قَالَ الْإِمَامُ أَنَّهُ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي وَقِيلَ بِمُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَقِيلَ بِنِصْفِ شَهْرٍ.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَلَوْ شَهِدُوا بِزِنًى مُتَقَادِمٍ حُدَّ الشُّهُودُ عِنْدَ الْبَعْضِ وَقِيلَ لَا (وَ) تَقَادُمُ (الشُّرْبُ بِزَوَالِ الرِّيحِ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِشَهْرٍ أَيْضًا) أَيْ كَتَقَادُمِ غَيْرِ الشُّرْبِ.
(وَإِنْ شَهِدُوا بِزِنَاهُ بِغَائِبَةٍ) وَهُمْ يَعْرِفُونَهَا (قُبِلَتْ) شَهَادَتُهُمْ وَيُحَدُّ (بِخِلَافِ سَرِقَةٍ مِنْ غَائِبٍ) أَيْ وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ سَرَقَ مِنْ فُلَانٍ، وَهُوَ غَائِبٌ لَمْ يُقْطَعْ لِشَرْطِيَّةِ الدَّعْوَى فِي السَّرِقَةِ دُونَ الزِّنَاءِ لَكِنَّهُ يُحْبَسُ السَّارِقُ إلَى أَنْ يَجِيءَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي.
(وَإِنْ أَقَرَّ بِالزِّنَى بِمَجْهُولَةٍ) أَوْ غَائِبَةٍ (حُدَّ) الْمُقِرُّ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالزِّنَاءِ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
(وَإِنْ شَهِدُوا، كَذَلِكَ) أَيْ شَهِدُوا وَجَهِلُوا الْمَوْطُوءَة (لَا يُحَدُّ) الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ، بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ وَلَا الشُّهُودُ لِوُجُودِ النِّصَابِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَإِنْ قَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ إنَّ الَّتِي رَأَوْهَا مَعِي لَيْسَتْ لِي بِامْرَأَةٍ وَلَا بِخَادِمٍ لَمْ يُحَدَّ أَيْضًا وَذَلِكَ أَنَّهَا تُتَصَوَّرُ أَمَةَ ابْنِهِ أَوْ مَنْكُوحَتَهُ نِكَاحًا فَاسِدًا وَلَوْ قَالُوا زَنَى بِامْرَأَةِ لَا نَعْرِفهَا، ثُمَّ قَالُوا بِفُلَانَةَ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ الرَّجُلُ وَلَا الْمَشْهُودِ.
(وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفُوا فِي طَوْعِ الْمَرْأَةِ) يَعْنِي لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِفُلَانَةَ كُرْهًا وَآخَرَانِ أَنَّهَا طَاوَعَتْهُ لَا يُحَدُّ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ (وَعِنْدَهُمَا يُحَدُّ الرَّجُلُ) لِاتِّفَاقِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى زِنَاهُ لَا الْمَرْأَةُ لِلِاخْتِلَافِ فِي طَوْعِهَا وَلَهُ أَنَّهُ اخْتَلَفَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الزِّنَاءَ فِعْلٌ وَاحِدٌ يَقُومُ بِهِمَا وَفِي إطْلَاقِهِ شَامِلٌ مَا إذَا شَهِدَ ثَلَاثَةٌ بِالطَّوَاعِيَةِ وَوَاحِدٌ بِالْإِكْرَاهِ وَعَكْسِهِ لَكِنْ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يُحَدُّ الثَّلَاثَةُ حَدَّ الْقَذْفِ لِعَدَمِ سُقُوطِ إحْصَانِهَا بِشَهَادَةِ الْفَرْدِ وَعِنْدَ الْإِمَامِ لَا يُحَدُّونَ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّ اتِّفَاقَ الْأَرْبَعَةِ عَلَى النِّسْبَةِ إلَى الزِّنَاءِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ يَخْرُجُ كَلَامُهُمْ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَذْفًا.
(وَلَا يُحَدُّ أَحَدٌ لَوْ اخْتَلَفَ الشُّهُودُ فِي بَلَدِ الزِّنَاءِ) أَمَّا فِي حَقِّهِمَا فَلِاخْتِلَافِهِ وَلَمْ يَتِمَّ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا نِصَابُ الشَّهَادَةِ وَأَمَّا الشُّهُودُ فَلِلشُّبْهَةِ نَظَرًا إلَى اتِّحَادِ الصُّورَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ (أَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِهِ) أَيْ بِالزِّنَاءِ (فِي بَلَدٍ) مُعَيَّنٍ (فِي وَقْتٍ) مُعَيَّنٍ (وَأَرْبَعَةٌ بِهِ) أَيْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أُخْرَى بِالزِّنَا (فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِبَلَدٍ آخَرَ) لَمْ يُحَدَّ أَحَدٌ أَمَّا فِي حَقِّهِمَا فَلِلتَّيَقُّنِ بِكَذِبِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ وَلَا رُجْحَانَ لِأَحَدِهِمَا فَيُرَدُّ الْجَمِيعُ وَأَمَّا الشُّهُودُ فَلِاحْتِمَالِ صِدْقِ كُلِّ فَرِيقَيْنِ يَعْنِي مَعَ وُجُودِ النِّصَابِ إذْ بِدُونِهِ لَا يَجْرِي ذَلِكَ الِاحْتِمَالُ وَبِدُونِ احْتِمَالِ الصِّدْقِ لَا يَجْرِي وُجُودُ النِّصَابِ.
(وَكَذَا)
стр. 598
لَا يُحَدُّ أَحَدٌ (لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى امْرَأَةٍ بِهِ) أَيْ بِالزِّنَاءِ (وَهِيَ) أَيْ، وَالْحَالُ أَنَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ (بِكْرٌ) أَيْ يَثْبُتُ بَكَارَتُهَا بِقَوْلِ النِّسَاءِ وَقَوْلُهُنَّ يُقْبَلُ فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ لَا فِي إيجَابِهِ فَلَا يُحَدُّ أَحَدٌ وَكَذَا فِي الرَّتْقِ، وَالْقَرْنِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يُعْمَلُ بِقَوْلِ النِّسَاءِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُمْ لَوْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَاءِ فَوُجِدَ مَجْبُوبًا فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى أَحَدٍ (أَوْ هُمْ) أَيْ الشُّهُودُ (فَسَقَةٌ) سَوَاءٌ عُلِمَ فِسْقُهُمْ فِي الِابْتِدَاءِ أَوْ ظَهَرَ فِسْقُهُمْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالتَّوَقُّفِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ وَأَنَّهُ مَانِعٌ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ وَأَمَّا عَدَمُ الْحَدِّ عَلَى الشُّهُودِ؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ وَهُمْ أَرْبَعَةٌ (أَوْ شُهُودٌ عَلَى شُهُودٍ) ؛ لِأَنَّ فِي شَهَادَتِهِمْ زِيَادَةَ شُبْهَةٍ وَهُمْ مَا نَسَبُوا الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ إلَى الزِّنَاءِ، بَلْ حَكَوْا شَهَادَةَ الْأُصُولِ بِذَلِكَ، وَالْحَاكِي لِلْقَذْفِ لَا يَكُونُ قَاذِفًا فَلَا يُحَدُّونَ وَكَذَا لَا حَدَّ عَلَى الْأُصُولِ بِالْأَوْلَى.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةً (شَهِدَ بِهِ) أَيْ بِالزِّنَى (الْأُصُولُ بَعْدَ ذَلِكَ) لِرَدِّ شَهَادَتِهِمْ مِنْ وَجْهٍ بِرَدِّ شَهَادَةِ الْفُرُوعِ هَذَا فِي الْحُدُودِ وَفِي غَيْرِ الْحُدُودِ تُقْبَلُ بَعْدَ رَدِّ شَهَادَةِ الْفَرْعِ لِثُبُوتِ الْمَالِ مَعَ الشُّبْهَةِ.
(وَحَدُّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لَوْ اخْتَلَفَ الشُّهُودُ فِي زَوَايَا الْبَيْتِ) مَعْنَاهُ أَنْ يَشْهَدَ كُلُّ اثْنَيْنِ عَلَى الزِّنَاءِ فِي زَاوِيَةٍ وَكَانَ الْبَيْتُ صَغِيرًا وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا لَا تُقْبَلُ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تُقْبَلَ كَيْفَ مَا كَانَ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ التَّوْفِيقَ مُمْكِنٌ بِأَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الْفِعْلِ فِي زَاوِيَةٍ، وَالِانْتِهَاءُ فِي زَاوِيَةٍ أُخْرَى بِالِاضْطِرَابِ وَلَوْ اخْتَلَفُوا فِي سَاعَتَيْنِ مِنْ يَوْمٍ أَوْ فِي لَوْنِ الْمَزْنِيِّ بِهَا وَفِي طُولِهَا وَقِصَرِهَا أَوْ فِي ثِيَابِهَا فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ لِإِمْكَانِ التَّوْفِيقِ.
(وَ) حَدُّ (الشُّهُودِ فَقَطْ) إذَا طَلَبَهُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَلَا يُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ (لَوْ كَانُوا عُمْيَانًا) فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ (أَوْ مَحْدُودِينَ فِي قَذْفٍ أَوْ) كَانُوا أَيْ الشُّهُودُ (أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ أَوْ أَحَدُهُمْ عَبْدٌ أَوْ مَحْدُودٌ) وَلَوْ تَرَكَ قَوْلَهُ أَوْ مَحْدُودِينَ فِي قَذْفٍ وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذِهِ لَكَانَ أَخْصَرَ لِانْفِهَامِهِ مِمَّا ذُكِرَ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ تَأَمَّلْ وَإِنَّمَا خُصَّ الْحَدُّ بِهِمْ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ فِيهِمْ أَوْ عَدَمِ النِّصَابِ فَلَا يَثْبُتُ الزِّنَاءُ وَيَجِبُ الْحَدُّ لِكَوْنِهِمْ قَذَفَةً.
(وَكَذَا) أَيْ حَدُّ الشُّهُودِ فَقَطْ (لَوْ وُجِدَ أَحَدُهُمْ) أَيْ أَحَدُ الشُّهُودِ (عَبْدًا أَوْ مَحْدُودًا) فِي قَذْفٍ (بَعْدَ حَدِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ) بِالشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُمْ قَذَفَةٌ (وَدِيَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ إنْ رُجِمَ) أَيْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ مُحْصَنًا؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَخَطَؤُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَجِبُ فِي مَالِهِمْ، وَهُوَ بَيْتُ الْمَالِ.
(وَأَرْشُ جُرْحِ ضَرْبِهِ) أَيْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ (أَوْ مَوْتِهِ مِنْهُ هَدَرٌ) أَيْ لَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِالزِّنَى، وَالزَّانِي غَيْرُ مُحْصَنٍ فَجُلِدَ فَجُرِحَ أَوْ أَفْضَى إلَى الْمَوْتِ، ثُمَّ ظَهَرَ أَحَدُهُمْ عَبْدًا أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ فَالْأَرْشُ هَدَرٌ عِنْدَ الْإِمَامِ (وَقَالَا) ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ الْأَرْشُ (فِي بَيْتِ الْمَالِ أَيْضًا) أَيْ كَمَا فِي الرَّجْمِ وَلَهُ أَنَّ الْفِعْلَ الْجَارِحَ لَا يَنْتَقِلُ إلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ فَيُقْصَرُ عَلَى الْجَلَّادِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ فِي الصَّحِيحِ كَيْ لَا يَمْتَنِعَ النَّاسُ عَنْ الْإِقَامَةِ مَخَافَةَ الْغَرَامَةِ.
(وَكَذَا الْخِلَافُ لَوْ رَجَعَ الشُّهُودُ) وَفِيهِ
стр. 599
تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ أَرْشَ الْجُرْحِ أَوْ مَوْتَهُ هَدَرٌ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ إذَا رَجَعَ الشُّهُودُ بَعْدَ الْجُرْحِ، وَالْمَوْتِ لَا يَضْمَنُونَ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُونَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ تَدَبَّرْ.
(وَلَوْ رَجَعُوا) الشُّهُودُ (بَعْدَ الرَّجْمِ) أَيْ رَجْمِ الْمُحْصَنِ (حُدُّوا) أَيْ الشُّهُودُ حَدَّ الْقَذْفِ.
وَقَالَ زُفَرُ لَا يُحَدُّونَ قَيَّدَ بِالرُّجُوعِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ ظَهَرُوا عَبِيدًا لَا يُحَدُّونَ اتِّفَاقًا وَقَيَّدَ بِبَعْدِ الرَّجْمِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ رَجَعُوا بَعْدَ الْجَلْدِ يُحَدُّونَ اتِّفَاقًا (وَغَرِمُوا الدِّيَةَ) ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تَلِفَ بِشَهَادَتِهِمْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُقْتَلُونَ هَذَا إذَا قَالُوا تَعَمَّدْنَا وَإِنْ قَالُوا أَخْطَأْنَا غَرِمُوا الدِّيَةَ اتِّفَاقًا (وَكُلُّ وَاحِدٍ) مِنْ الشُّهُودِ (رَجَعَ) صِفَةُ كُلِّ (حُدَّ) خَبَرُ كُلٍّ (وَغَرِمَ رُبُعَهَا) أَيْ رُبُعَ الدِّيَةِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى أَنَّهُ زَنَى بِفُلَانَةَ وَشَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ آخَرُونَ بِالزِّنَاءِ بِغَيْرِهَا فَرَجَعَ الْفَرِيقَانِ فَإِنَّهُمْ يَضْمَنُونَ الدِّيَةَ إجْمَاعًا وَحُدُّوا لِلْقَذْفِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يُحَدُّونَ وَلَوْ تَرَكَ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذِهِ لَكَانَ أَخْصَرَ لِانْفِهَامِهَا مِنْهَا بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ تَدَبَّرْ.
(وَلَوْ رَجَعَ أَحَدُ خَمْسَةٍ) الَّذِينَ شَهِدُوا بِهِ وَرُجِمَ لِشَهَادَتِهِمْ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الرَّاجِعِ مِنْ الضَّمَانِ وَالْحَدِّ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ (فَإِنْ رَجَعَ آخَرُ) بَعْدَ رُجُوعِ الْخَامِسِ (حُدَّا) لِانْفِسَاخِ الْقَضَاءِ بِالرُّجُوعِ فِي حَقِّهِمَا (وَغَرِمَا) أَيْ الرَّاجِعَانِ مِنْ الْخَمْسَةِ (رُبُعَهَا) أَيْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ بَقَاءُ مَنْ شَهِدَ لَا رُجُوعُ مَنْ رَجَعَ فَبَقِيَ ثَلَاثَةُ الْأَرْبَاعِ مِنْ الدِّيَةِ (وَلَوْ رَجَعَ وَاحِدٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ حُدُّوا كُلُّهُمْ) وَلَا يُرْجَمُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ زُفَرُ حُدَّ الرَّاجِعُ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَهُمْ أَنَّ كَلَامَهُمْ قَذْفٌ فِي الْأَصْلِ وَإِنَّمَا تَصِيرُ شَهَادَةً بِاتِّصَالِ الْقَضَاءِ فَإِذَا لَمْ يَتَّصِلْ بَقِيَ قَذْفًا فَيُحَدُّونَ.
(وَلَوْ) رَجَعَ وَاحِدٌ (بَعْدَهُ) أَيْ الْقَضَاءِ (قَبْلَ الْحَدِّ فَكَذَلِكَ) أَيْ حُدُّوا كُلُّهُمْ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ (الرَّاجِعُ فَقَطْ) وَلَا يُحَدُّ الْبَاقُونَ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَأَكَّدَتْ بِالْقَضَاءِ فَلَا تَنْفَسِخُ إلَّا فِي حَقِّ الرَّابِعِ كَمَا إذَا رَجَعَ بَعْدَ الْإِمْضَاءِ وَلَهُمَا أَنَّ الْإِمْضَاءَ مِنْ الْقَضَاءِ فَصَارَ كَمَا إذَا رَجَعَ وَاحِدٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَلِهَذَا يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ الشُّهُودِ عَلَيْهِ.
(وَلَوْ شَهِدُوا فَزُكُّوا فَرُجِمَ) بِكَوْنِهِ مُحْصَنًا (ثُمَّ ظَهَرُوا) أَيْ الشُّهُودُ (كُفَّارًا أَوْ عَبِيدًا فَالدِّيَةُ) أَيْ دِيَةُ الْمَرْجُومِ (عَلَى الْمُزَكِّينَ إنْ رَجَعُوا عَنْ التَّزْكِيَةِ) وَقَالُوا تَعَمَّدْنَا الْكَذِبَ مَعَ عِلْمِنَا بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَلَوْ ثَبَتُوا عَلَى تَزْكِيَتِهِمْ وَلَمْ يَرْجِعُوا وَقَالُوا أُخْطِئْنَا (فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ) عِنْدَ الْإِمَامِ (وَقَالَا) ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ الدِّيَةُ (فِي بَيْتِ الْمَالِ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ رَجَعُوا عَنْ التَّزْكِيَةِ أَوْ لَا هَذَا إذَا أَخْبَرُوا بِحُرِّيَّةِ الشُّهُودِ وَإِسْلَامِهِمْ أَمَّا إذَا قَالُوا هُمْ عُدُولٌ فَظَهَرُوا عَبِيدًا لَمْ يَضْمَنُوا اتِّفَاقًا وَقَيَّدَ بِالْمُزَكِّينَ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الشُّهُودِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا؛ لِأَنَّ كَلَامَهُمْ لَمْ يَقَعْ شَهَادَةً وَلَا يُحَدُّونَ لِلْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ قَذَفُوا حَيًّا، وَقَدْ مَاتَ فَلَا يُورَثُ.
(وَلَوْ قَتَلَ أَحَدٌ الْمَأْمُورَ بِرَجْمِهِ)
стр. 600
يَعْنِي شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَاءِ فَأَمَرَ الْإِمَامُ بِرَجْمِهِ فَضَرَبَ شَخْصٌ عَمْدًا عُنُقَهُ (فَظَهَرُوا) أَيْ الشُّهُودُ (كَذَلِكَ) أَيْ كُفَّارًا أَوْ عَبِيدًا (فَالدِّيَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ) اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مَعْصُومَةً وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَضَاءَ صَحِيحٌ ظَاهِرًا وَقْتَ الْقَتْلِ فَأَوْرَثَ شُبْهَةَ الْإِبَاحَةِ فَلَمْ تَجِبْ إلَّا الدِّيَةُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ عَمْدٌ، وَالْعَاقِلَةُ لَا تَعْقِلُ الْعَمْدَ وَتَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ بِخِلَافِ مَا قَتَلَهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ، وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَإِ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَلَوْ أُمِرَ بِرَجْمِهِ بَعْدَ الشَّهَادَةِ قَبْلَ التَّعْدِيلِ خَطَأً مِنْ الْقَاضِي فَقَتَلَهُ رَجُلٌ عَمْدًا وَجَبَ الْقِصَاصُ أَوْ خَطَأً وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَقَيَّدَ بِقَتْلِ الْمَأْمُورِ بِرَجْمِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ قَتَلَ مَنْ قُضِيَ بِقَتْلِهِ قِصَاصًا فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ سَوَاءٌ ظَهَرَ الشُّهُودُ عَبِيدًا أَوْ كُفَّارًا أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لِلْوَلِيِّ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(وَلَوْ أَقَرَّ الشُّهُودُ بِتَعَمُّدِ النَّظَرِ) إلَى فَرْجِ الزَّانِي، وَالزَّانِيَةِ (لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهُمْ النَّظَرُ لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ فَأَشْبَهَ الطَّبِيبَ، وَالْقَابِلَةَ، وَالْخَافِضَةَ، وَالْخِتَانَ، وَالِاحْتِقَانَ، وَالْبَكَارَةَ فِي الْعُنَّةِ، وَالرَّدَّ بِالْعَيْبِ إلَّا إذَا قَالُوا تَعَمَّدْنَا النَّظَرَ لِلتَّلَذُّذِ فَلَا تُقْبَلُ إجْمَاعًا لِفِسْقِهِمْ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(وَلَوْ أَنْكَرَ) الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالزِّنَاءِ (الْإِحْصَانَ) بِأَنْ أَنْكَرَ بَعْدَ وُجُودِ سَائِرِ الشُّرُوطِ (يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ) فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ مِنْ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ عَاقِلَةٍ خِلَافًا لِزُفَرَ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ فَعِنْدَهُمْ شَهَادَتُهُنَّ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ وَعِنْدَ زُفَرَ وَإِنْ قُبِلَتْ إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ الْإِحْصَانُ شَرْطٌ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَتَغَلَّظُ عِنْدَهُ فَيُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ فَأَشْبَهَ حَقِيقَةَ الْعِلَّةِ فَلَا شَهَادَةَ لِلنِّسَاءِ فِيهِ احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ وَلَهُمْ أَنَّ الْإِحْصَانَ عِبَارَةٌ عَنْ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ وَأَنَّهَا مَانِعَةٌ عَنْ الزِّنَاءِ فَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ (أَوْ) يَثْبُتُ (بِوِلَادَةِ زَوْجَتِهِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ هَذَا الْمَكْرِ.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَلَوْ خَلَا بِهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا وَقَالَ وَطِئَهَا وَأَنْكَرَتْ فَهُوَ مُحْسِنٌ دُونَهَا كَمَا لَوْ قَالَتْ بَعْدَ الطَّلَاقِ كُنْت نَصْرَانِيَّةً وَقَالَ كَانَتْ مُسْلِمَةً فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِحْصَانِهِ دُونَهَا إذَا كَانَ أَحَدُ الزَّانِيَيْنِ مُحْصَنًا يُحَدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدَّهُ فَيُرْجَمُ الْمُحْصَنُ وَيُجْلَدُ غَيْرُهُ تَزَوَّجَ بِلَا وَلِيٍّ فَدَخَلَ بِهَا لَا يَكُونُ مُحْصَنًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ.
[بَابٌ حَدُّ الشُّرْبِ]
وَهُوَ نَوْعَانِ شُرْبُ الْخَمْرِ وَيَكْفِي فِيهِ الْقَلِيلُ، وَلَوْ قَطْرَةً وَلَا يَلْزَمُ السُّكْرُ وَشُرْبُ الْمُسْكِرِ الْمُحَرَّمِ غَيْرِ الْخَمْرِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ السُّكْرِ وَأَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ (مَنْ شَرِبَ خَمْرًا) ، وَهُوَ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فَيَشْمَلُ الذِّمِّيَّ وَغَيْرَهُ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الذِّمِّيِّ
стр. 601
وَالْأَخْرَسُ: وَغَيْرِ الْمُكَلَّفِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: مُسْلِمٌ نَاطِقٌ مُكَلَّفٌ شَرِبَ خَمْرًا تَأَمَّلْ.
(وَلَوْ) وَصْلِيَّةٌ شَرِبَ (قَطْرَةً) وَاحِدَةً يَعْنِي بِلَا اشْتِرَاطِ السُّكْرِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْخَمْرِ قَطْعِيَّةٌ وَحُرْمَةَ غَيْرِهِ ظَنِّيَّةٌ فَلَا حَدَّ إلَّا بِالسُّكْرِ مِنْهُ (فَأَخَذُوا رِيحَهَا) أَيْ: رِيحَ الْخَمْرِ (مَوْجُودٌ) أَيْ: حِينَ الْأَخْذِ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَإِذَا أَخَذَهُ الشُّهُودُ وَهُوَ سَكْرَانُ، أَوْ أَخَذُوهُ وَقَدْ شَرِبَ خَمْرًا وَرِيحُهَا يُوجَدُ مِنْهُ فَذَهَبُوا بِهِ إلَى مِصْرٍ فِيهِ الْإِمَامُ فَانْقَطَعَ ذَلِكَ مِنْهُ يَعْنِي الرَّائِحَةَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهُوا بِهِ إلَى الْإِمَامِ يُحَدُّ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ مِثْلِ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلَا يُعْتَبَرُ مَانِعًا عَنْ إقَامَةِ الْحَدِّ كَمَا لَوْ ذَهَبَتْ الرَّائِحَةُ بِالْمُعَالَجَةِ لَكِنْ لَا بُدَّ بِأَنْ يَشْهَدَا بِالشُّرْبِ وَيَقُولَا أَخَذْنَاهُ وَرِيحُهَا مَوْجُودَةٌ وَقَوْلُهُ وَرِيحُهَا مَوْجُودٌ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي أَخَذَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ مَوْجُودَةٌ؛ لِأَنَّ الرِّيحَ مُؤَنَّثٌ سَمَاعِيٌّ وَأَشَارَ إلَى الثَّانِي بِقَوْلِهِ (أَوْ جَاءُوا بِهِ سَكْرَانَ) ، وَلَوْ كَانَ سُكْرُهُ (مِنْ نَبِيذٍ) وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُسْكِرَاتِ الْمُحَرَّمَةِ غَيْرِ الْخَمْرِ، وَأَمَّا إذَا سَكِرَ بِالْمُبَاحِ كَشُرْبِ الْمُضْطَرِّ، وَالْمُكْرَهِ، وَالْمُتَّخَذِ مِنْ الْحُبُوبِ، وَالْعَسَلِ، وَالذُّرَةِ، وَالْبَنْجِ فَلَا تُعْتَبَرُ تَصَرُّفَاتُهُ كُلُّهَا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِغْمَاءِ لِعَدَمِ الْجِنَايَةِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْبَنْجَ مُبَاحٌ وَسُكْرُهُ حَرَامٌ وَلَا يُحَدُّ بِسُكْرِهِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَلَا يُحَدُّ بِمَا حَصَلَ مِنْ نَحْوِ الْأَفْيُونِ وَجَوْزِ بَوَاءٍ وَاخْتُلِفَ أَنَّهُ أَمُسْكِرٌ أَمْ لَا.
(وَشَهِدَ بِذَلِكَ) أَيْ: بِشُرْبِ الْخَمْرِ، أَوْ النَّبِيذِ الْمُسْكِرِ (رَجُلَانِ) ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ لَا تُقْبَلُ فِي الْحُدُودِ لِلشُّبْهَةِ فَإِذَا شَهِدُوا عِنْدَ الْقَاضِي عَلَى رَجُلٍ بِشُرْبِ الْخَمْرِ سَأَلَهُمْ الْقَاضِي عَنْ الْخَمْرِ مَا هِيَ، ثُمَّ سَأَلَهُمْ كَيْفَ شَرِبَ لِاحْتِمَالِ الْإِكْرَاهِ وَأَيْنَ شَرِبَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ شَرِبَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَمَتَى شَرِبَ لِاحْتِمَالِ التَّقَادُمِ فَإِذَا بَيَّنُوا ذَلِكَ حَبَسَهُ الْقَاضِي حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ الْعَدَالَةِ وَلَا يَقْضِي بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ (أَوْ أَقَرَّ بِهِ) أَيْ: بِالشُّرْبِ (مَرَّةً) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) وَزُفَرَ (مَرَّتَيْنِ) اعْتِبَارًا بِالشَّهَادَةِ كَمَا فِي الزِّنَاءِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ (وَعُلِمَ شُرْبُهُ طَوْعًا) أَيْ: لَا مُكْرَهًا وَلَا مُضْطَرًّا كَمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا (حُدَّ) جَوَابُ مَنْ شَرِبَ أَيْ: حُدَّ الْمَأْخُوذُ بِالرِّيحِ، أَوْ السُّكْرِ وَبُنِيَ الْفِعْلُ لِلْمَجْهُولِ لِلتَّعْظِيمِ فَيُشِيرُ إلَى أَنَّ الْحُدُودَ الْخَالِصَةَ لِلَّهِ لِلْإِمَامِ، وَالْوُلَاةِ وَلِلْقُضَاةِ عِنْدَهُ فَلَا يَحُدُّ قَاضِي الرُّسْتَاقِ وَفَقِيهُهُ، وَالْمُتَفَقِّهَةُ وَأَئِمَّةُ الْمَسَاجِدِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (إذَا صَحَا) فَلَوْ شَهِدُوا عَلَى السَّكْرَانِ لَمْ يُحَدَّ وَيُحْبَسُ حَتَّى يَزُولَ سُكْرُهُ تَحْصِيلًا لِغَرَضِ الِانْزِجَارِ (ثَمَانِينَ سَوْطًا) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ حُدَّ (لِلْحُرِّ) لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَهُوَ
стр. 602
حُجَّةٌ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ أَرْبَعُونَ عِنْدَهُ لِلْحُرِّ (وَأَرْبَعِينَ) سَوْطًا (لِلْعَبْدِ) ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ مُنَصِّفٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ (مُفَرِّقًا) ذَلِكَ (عَلَى بَدَنِهِ كَمَا فِي) حَدِّ (الزِّنَاءِ) ؛ لِأَنَّ تَكْرَارَ الضَّرْبِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ قَدْ يُفْضِي إلَى التَّلَفِ وَأَشَارَ بِالتَّشْبِيهِ إلَى أَنَّهُ يَتَوَقَّى الْمَوَاضِعَ الْمُسْتَثْنَاةَ فِي حَدِّ الزِّنَاءِ وَأَنَّهُ يَضْرِبُ بِسَوْطٍ لَا عُقْدَةَ لَهُ ضَرْبًا مُتَوَسِّطًا وَيُجَرَّدُ عَنْ ثِيَابِهِ مِثْلُ الْحَشْوِ، وَفِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يُجَرَّدُ.
(وَإِنْ أَقَرَّ) أَيْ: بِالشُّرْبِ وَفِيهِ خِلَافٌ لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (أَوْ شَهِدَا عَلَيْهِ بَعْدَ زَوَالِ رِيحِهَا) قَيْدٌ لِمَجْمُوعِ الْإِقْرَارِ، وَالشَّهَادَةِ لَا لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ كَمَا قَرَرْنَاهُ آنِفًا (لَا يُحَدّ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) فَإِنَّهُ يُحَدُّ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ التَّقَادُمَ يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ بِالِاتِّفَاقِ غَيْرَ أَنَّهُ قُدِّرَ بِالزَّمَانِ عِنْدَهُ اعْتِبَارًا بِحَدِّ الزِّنَاءِ وَعِنْدَهُمَا قُدِّرَ بِذَهَابِ الرَّائِحَةِ، وَأَمَّا الْإِقْرَارُ، فَالتَّقَادُمُ لَا يُبْطِلُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَهُمَا لَا يُحَدُّ إلَّا عِنْدَ قِيَامِ الرَّائِحَةِ وَرَجَّحَ فِي الْغَايَةِ قَوْلَ مُحَمَّدٍ فَقَالَ، فَالْمَذْهَبُ عِنْدِي فِي الْإِقْرَارِ مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ.
وَفِي الْفَتْحِ وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ هُوَ الصَّحِيحُ.
وَفِي الْبَحْرِ الْحَاصِلُ أَنَّ الْمَذْهَبَ قَوْلُهُمَا إلَّا أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ أَرْجَحُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى انْتَهَى.
فَعَلَى هَذَا لَوْ قَدَّمَهُ لَكَانَ أَوْلَى كَمَا هُوَ دَأْبُهُ. تَدَبَّرْ.
(وَلَا يُحَدُّ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ الرَّائِحَةُ الْخَمْرُ، أَوْ تَقَيَّأَهَا) أَيْ: الْخَمْرَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ شَرِبَهَا مُكْرَهًا، أَوْ مُضْطَرًّا، وَالرَّائِحَةُ مُحْتَمَلَةٌ أَيْضًا فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالشَّكِّ إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ طَائِعٌ (أَوْ أَقَرَّ) بِالشُّرْبِ (ثُمَّ رَجَعَ) عَنْ إقْرَارِهِ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَعْمَلُ الرُّجُوعُ فِيهِ كَسَائِرِ الْحُدُودِ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فَصَارَ شُبْهَةً (أَوْ أَقَرَّ سَكْرَان) فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ لِزِيَادَةِ احْتِمَالِ الْكَذِبِ فِي إقْرَارِهِ فَيُحْتَالُ لِلدَّرْءِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ حَدٍّ كَانَ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ وَإِلَّا يَصِحُّ كَحَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ الْعَبْدِ. وَالسَّكْرَانُ فِيهِ كَالصَّاحِي عُقُوبَةً عَلَيْهِ كَمَا فِي سَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ مِنْ الْإِقْرَارِ بِالْمَالِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ وَغَيْرِهَا.
[السُّكْرُ الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ]
(وَالسُّكْرُ الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ أَنْ لَا يَعْرِفَ الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَالْأَرْضَ مِنْ السَّمَاءِ) هَذَا حَدُّهُ عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا أَنْ يَهْذِيَ وَيَخْلِطَ فِي كَلَامِهِ) أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ كَلَامِهِ هَذَيَانًا، فَإِنْ كَانَ نِصْفُهُ مُسْتَقِيمًا فَلَيْسَ سَكْرَانَ وَإِلَيْهِ مَالَ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْمُعْتَبَرُ ظُهُورُ أَثَرِ السُّكْرِ فِي مَشْيِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَأَطْرَافِهِ وَهَذَا مِمَّا يَخْتَلِفُ بِالْأَشْخَاصِ فَإِنَّ الصَّاحِيَ رُبَّمَا يَتَمَايَلُ فِي مَشْيِهِ، وَالسَّكْرَانَ قَدْ يَتَمَايَلُ وَيَمْشِي مُسْتَقِيمًا (وَبِهِ) أَيْ: بِقَوْلِ الْإِمَامَيْنِ (يُفْتَى) كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ.
وَفِي الْفَتْحِ وَاخْتَارُوهُ لِلْفَتْوَى لِضَعْفِ دَلِيلِ الْإِمَامِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي قَدْرِ السُّكْرِ فِي حَقِّ الْحُرْمَةِ مَا قَالَاهُ بِالِاتِّفَاقِ لِلِاحْتِيَاطِ.
(وَلَوْ ارْتَدَّ السَّكْرَانُ لَا تَبِينُ امْرَأَتُهُ) مِنْهُ أَيْ: لَا يُعْتَبَرُ ارْتِدَادُهُ لِعَدَمِ الْقَصْدِ، وَالِاعْتِقَادِ قَضَاءً أَمَّا دَيَّانَةً، فَإِنْ كَانَ فِي الْوَاقِعِ قَصَدَ التَّكَلُّمَ بِهِ ذَاكِرًا لِمَعْنَاهُ كَفَرَ وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي الْمِنَحِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ارْتِدَادُهُ كُفْرٌ.
وَفِي الْبَحْرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ كَالْمُكْرَهِ لَكِنْ فِي الْفَتْحِ خِلَافُهُ.
стр. 603
[بَابٌ حَدُّ الْقَذْفِ]
ِ وَالْقَذْفُ لُغَةً الرَّمْيُ مُطْلَقًا وَفِي الِاصْطِلَاحِ نِسْبَةُ مَنْ أُحْصِنَ إلَى الزِّنَاءِ صَرِيحًا، أَوْ دَلَالَةً، وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ بِإِجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ وَاسْتَثْنَى مِنْهُ الشَّافِعِيَّةُ مَا كَانَ فِي خَلْوَةٍ لِعَدَمِ لُحُوقِ الْعَارِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَقَوَاعِدُنَا لَا تَأْبَاهُ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لُحُوقُ الْعَارِ، وَهُوَ مَفْقُودٌ (هُوَ) أَيْ: حَدُّ الْقَذْفِ (كَحَدِّ الشُّرْبِ كَمِّيَّةً) أَيْ: عَدَدًا، وَهُوَ ثَمَانُونَ جَلْدَةً لِلْحُرِّ وَنِصْفُهَا لِلْعَبْدِ (وَثُبُوتًا) أَيْ: مِنْ حَيْثُ الثُّبُوتُ بِشَهَادَةِ الرَّجُلَيْنِ، أَوْ بِإِقْرَارِ الْقَاذِفِ مَرَّةً لَا النِّسَاءِ.
وَفِي الْفَتْحِ وَيَسْأَلُهُمَا الْقَاضِي عَنْ الْقَذْفِ مَا هُوَ، وَعَنْ خُصُوصِ مَا قَالَ وَلَا بُدَّ مِنْ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى اللُّغَةِ الَّتِي وَقَعَ الْقَذْفُ بِهَا وَعَلَى زَمَانِ الْقَذْفِ، وَلَوْ قَالَ لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ فِي الْمِصْرِ أَمْهَلَهُ الْقَاضِي إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ وَحَبَسَهُ عِنْدَ الْإِمَامِ إلَى قِيَامِ الْقَاضِي عَنْ مَجْلِسِهِ، وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِزِنًى مُتَقَادِمٍ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْ الْقَاذِفِ وَلَمْ يَثْبُتْ الزِّنَى.
(فَمَنْ قَذَفَ مُحْصَنًا أَوْ مُحْصَنَةً بِصَرِيحِ الزِّنَى) احْتِرَازٌ عَمَّا يَكُونُ بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ بِأَنْ قَالَ لِرَجُلٍ مُحْصَنٍ يَا زَانٍ فَقَالَ الْآخَرُ صَدَقْت لَا يُحَدُّ الْمُصَدِّقُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ هُوَ كَمَا قُلْت، وَكَذَا لَوْ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّك زَانٍ فَقَالَ آخَرُ وَأَنَا أَشْهَدُ لَا حَدَّ عَلَى الثَّانِي، وَلَوْ قَالَ بِبَعِيرٍ، أَوْ بِثَوْرٍ، أَوْ بِحِمَارٍ، أَوْ بِفَرَسٍ لَا حَدَّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ زَنَيْت بِبَقَرَةٍ، أَوْ بِشَاةٍ أَوْ بِثَوْبٍ، أَوْ بِدَرَاهِمَ.
(حُدَّ) الْقَاذِفُ (بِطَلَبِ الْمَقْذُوفِ) الْمُحْصَنِ اسْتِيفَاءَ الْحَدِّ سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً وَاشْتُرِطَ طَلَبُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَقَّهُ مِنْ حَيْثُ دَفْعُ الْعَارِ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ الْمَقْذُوفُ غَائِبًا عَنْ مَجْلِسِ الْقَاذِفِ حَالَ الْقَذْفِ كَمَا فِي الدُّرَرِ (مُتَفَرِّقًا) لِمَا مَرَّ (وَلَا يُنْزَعُ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ الْقَاذِفِ (غَيْرُ الْفَرْوِ، وَالْحَشْوِ) أَيْ يُجَرَّدُ كَمَا يُجَرَّدُ فِي حَدِّ الزَّانِي؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ فَلَا يُقَامُ عَلَى الشِّدَّةِ إلَّا أَنَّهُ يُنْزَعُ عَنْهُ الْفَرْوُ، وَالْحَشْوُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ إيصَالَ الْأَلَمِ (وَإِحْصَانُهُ) أَيْ: الْمَقْذُوفِ (كَوْنُهُ مُكَلَّفًا) أَيْ: عَاقِلًا بَالِغًا فَخَرَجَ الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَلْحَقُهُمَا الْعَارُ (حُرًّا)
стр. 604
فَخَرَجَ الْعَبْدُ، وَلَوْ مُدَبَّرًا، أَوْ مُكَاتَبًا أَيْ ثَبَتَ حُرِّيَّتُهُ بِإِقْرَارِ الْقَاذِفِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ بِعِلْمِ الْقَاضِي وَلَا يَحْلِفُ الْقَاذِفُ أَنَّ الْمَقْذُوفَ مُحْصَنٌ (مُسْلِمًا) فَخَرَجَ الْكَافِرُ (عَفِيفًا عَنْ الزِّنَى) الشَّرْعِيِّ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَفِيفِ لَا يَلْحَقُهُ الْعَارُ، وَلَوْ قَيَّدَهُ نَاطِقًا لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ قَذْفَ الْأَخْرَسِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ طَلَبَهُ يَكُونُ بِالْإِشَارَةِ وَلَعَلَّهُ لَوْ كَانَ يَنْطِقُ لَصَدَّقَهُ وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ لِدَرْءِ الْحَدِّ فَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ عِنْدَنَا لِلْأَخْرَسِ لِكُلِّ شَيْءٍ إشَارَةٌ مَخْصُوصَةٌ مَعْهُودَةٌ مِنْهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَدَّ إذَا أَفْهَمَ طَلَبَهُ بِإِشَارَتِهِ الْمَخْصُوصَةِ تَأَمَّلْ.
وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ لَا يَكُونَ مَجْبُوبًا وَلَا خُنْثَى مُشْكِلًا وَأَنْ لَا تَكُونَ الْمَرْأَةُ رَتْقَاءَ وَلَا خَرْسَاءَ إذْ الْمَجْبُوبُ، وَالرَّتْقَاءُ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَلْحَقُهُمَا الْعَارُ بِذَلِكَ لِظُهُورِ كَذِبِهِ بِيَقِينٍ.
(وَلَوْ نَفَاهُ عَنْ أَبِيهِ بِأَنْ قَالَ لَسْت لِأَبِيك أَوْ لَسْت بِابْنِ فُلَانٍ إنْ) نَفَاهُ عَنْهُ (فِي غَضَبٍ) أَيْ مُشَاتَمَةٍ (حُدَّ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَفْيُهُ فِي غَضَبٍ، بَلْ فِي حَالَةِ الرِّضَى (فَلَا) أَيْ: يُحَدُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا قَيْدٌ لِلصُّورَتَيْنِ كَمَا فِي الدُّرَرِ، وَالْغَايَةِ وَغَيْرِهِمَا لَكِنْ صَاحِبُ الْكَافِي وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُعْتَمَدِينَ خَصُّوا بِالصُّورَةِ الثَّانِيَةِ فَقَالُوا فَمَنْ نَفَى نَسَبَ غَيْرِهِ فَقَالَ لَسْت لِأَبِيك يُحَدُّ وَهَذَا إذَا كَانَتْ أُمُّهُ مُحْصَنَةً؛ لِأَنَّهُ قَذَفَ أُمَّهُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَكُنْ مِنْ أَبِيهِ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ أَبِيهِ ضَرُورَةً وَاقْتِضَاءً وَلَا نِكَاحَ لِغَيْرِ أَبِيهِ فَكَانَ فِي نَفْيِ نَسَبِهِ مِنْ أَبِيهِ نِسْبَةُ أُمِّهِ إلَى الزِّنَى ضَرُورَةً.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ إنَّمَا حُدَّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْقَذْفِ كَيَا زَانِيَةُ، فَالتَّقْيِيدُ لَغْوٌ، وَإِنْ قَالَ فِي غَضَبٍ لَسْت بِابْنِ فُلَانٍ لِأَبِيهِ الَّذِي يُدْعَى لَهُ حُدَّ، وَإِنْ قَالَ فِي غَيْرِ غَضَبٍ لَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ قَذْفٌ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ نَفَى نَسَبَهُ مِنْ أَبِيهِ وَنَفْيُ نَسَبِهِ مِنْ أَبِيهِ نِسْبَةُ أُمِّهِ إلَى الزِّنَا إلَّا أَنَّ فِي غَيْرِ حَالِ الْغَضَبِ قَدْ يُرَادُ الْمُعَاتَبَةُ أَيْ أَنْتَ لَا تُشْبِهُ أَبَاك فِي الْمُرُوءَةِ، وَالسَّخَاوَةِ فَلَا يُحَدُّ مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَفِي الْحَالِ الْغَضَبُ يُرَادُ بِهِ حَقِيقَةُ كَلَامِهِ انْتَهَى.
فَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَرَكَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَأُمُّهُ مُحْصَنَةٌ وَخَالَفَ أَكْثَرَ الْمُعْتَبَرَاتِ بِتَعْمِيمِ الْغَضَبِ فِي الصُّورَتَيْنِ لَكِنْ بَقِيَ فِيهِ كَلَامٌ، وَهُوَ إرَادَةُ هَذَا الْمَعْنَى فِي حَالِ الْغَضَبِ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْأَبَ كَرِيمٌ، وَالِابْنُ بَخِيلٌ مَثَلًا فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَقُولُونَ فِي حَالِ الْغَضَبِ تَهَكُّمًا لَسْت بِابْنِ فُلَانٍ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُحَدَّ مُطْلَقًا لَكِنْ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ يُحَدُّ فِي حَالِ الْغَضَبِ تَدَبَّرْ.
، وَفِي التَّبْيِينِ لَوْ قَالَ إنَّك ابْنُ فُلَانٍ لِغَيْرِ أَبِيهِ يُحَدُّ إذَا كَانَ فِي حَالِ الْمُشَاتَمَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا نَفَى الْوِلَادَةَ عَنْ أَبَوَيْهِ بِأَنْ قَالَ لَسْت بِابْنِ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ.
(وَلَا يُحَدُّ لَوْ نَفَاهُ عَنْ جَدِّهِ) بِأَنْ قَالَ لَسْت بِابْنِ فُلَانٍ، وَهُوَ جَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي نَفْيِهِ (أَوْ نَسَبَهُ إلَيْهِ) إلَى جَدِّهِ؛ لِأَنَّهُ يُنْسَبُ إلَيْهِ مَجَازًا (أَوْ) نَسَبَهُ (إلَى عَمِّهِ، أَوْ خَالِهِ، أَوْ رَابِّهِ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ: زَوْجِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يُسَمَّى أَبًا مَجَازًا (أَوْ قَالَ يَا ابْنَ مَاءِ السَّمَاءِ) فَإِنَّ فِي ظَاهِرِهِ نَفْيَ كَوْنِهِ ابْنًا لِأَبِيهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ ذَلِكَ، بَلْ التَّشْبِيهُ فِي الْجُودِ، وَالسَّمَاحَةِ، وَالصَّفَاءِ (أَوْ قَالَ لِعَرَبِيٍّ يَا نَبَطِيُّ) فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ التَّشْبِيهُ فِي الْأَخْلَاقِ
стр. 605
أَوْ عَدَمِ الْفَصَاحَةِ النَّبَطُ جِيلٌ مِنْ النَّاسِ بِسَوَادِ الْعِرَاقِ الْوَاحِدُ نَبَطِيٌّ.
وَفِي الْإِصْلَاحِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْغَضَبِ تَأْبَى عَنْ قَصْدِ التَّشْبِيهِ فِيمَا يُوصَفُ بِهِ فِي الْأَوَّلِ كَمَا تَأْبَى عَنْ الْقَصْدِ إلَى مَعْنَى الصُّعُودِ فِي زَنَأْت فِي الْجَبَلِ انْتَهَى.
لَكِنْ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ اسْتِعْمَالُهُ لِذَلِكَ الْقَصْدِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْمُرَادُ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ التَّهَكُّمَ بِهِ عَلَيْهِ (أَوْ لَسْت بِعَرَبِيٍّ) فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ لِمَا مَرَّ.
وَفِي الْمِنَحِ لَوْ قَالَ لَسْت لِأَبٍ، أَوْ لَسْت وَلَدَ حَلَالٍ فَهُوَ قَذْفٌ، وَلَوْ قَالَ يَا زَانِيَةُ فَقَالَتْ أَنْتَ أَزَنَى مِنِّي حُدَّ الرَّجُلُ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَهَا، وَلَيْسَتْ هِيَ قَاذِفَةٌ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنْتَ أَعْلَمُ مِنِّي بِالزِّنَى، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ زَنَى بِك زَوْجُك قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَك فَهُوَ قَاذِفٌ، وَلَوْ قَالَ زَنَى فَخِذُك، أَوْ ظَهْرُك فَلَيْسَ بِقَاذِفٍ.
[قَذْفِ الْمَيِّتِ الْمُحْصَنِ]
(وَيُحَدُّ بِقَذْفِ الْمَيِّتِ الْمُحْصَنِ) أَوْ الْمَيِّتِ الْمُحْصَنَةِ (إنْ طَالَبَ بِهِ الْوَالِدُ) ، أَوْ جَدُّهُ، وَإِنْ عَلَا، وَالتَّقْيِيدُ بِالْوَالِدِ اتِّفَاقِيٌّ إذْ الْأُمُّ كَذَلِكَ (أَوْ الْوَلَدُ، أَوْ) وَلَدُ (وَلَدِهِ) ، وَإِنْ سَفَلَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ إنْ طَالَبَ بِهِ الْأُصُولُ، وَالْفُرُوعُ، وَإِنْ عَلَوْا أَوْ سَفَلُوا؛ لِأَنَّ الْعَارَ يَلْحَقُ بِهِمْ فَيَكُونَ الْقَذْفُ مُتَنَاوِلًا لَهُمْ مَعْنًى.
وَقَالَ زُفَرُ مَعَ وُجُودِ الْوَلَدِ لَيْسَ لِوَلَدِ الْوَلَدِ ذَلِكَ (وَلَوْ) وَصْلِيَّةٌ (مَحْرُومًا عَنْ الْإِرْثِ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ مُطْلَقًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ يُورَثُ عِنْدَهُ فَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَارِثٍ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ وَعِنْدَنَا لَا بَلْ يَثْبُتُ لِمَنْ يَلْحَقُ بِهِ الْعَارُ؛ وَلِهَذَا يَثْبُتُ لِلْمَحْرُومِ عَنْ الْإِرْثِ بِالْكُفْرِ، وَالرِّقِّ وَغَيْرِهِمَا خِلَافًا لِزُفَرَ.
(وَكَذَا) أَيْ: يُحَدُّ إنْ طَالَبَ بِهِ (وَلَدُ الْبِنْتِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) فِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى أَبِيهِ لَا إلَى أُمِّهِ فَلَا يَلْحَقُهُ الشَّيْنُ بِزِنَى أَبِي أُمِّهِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الشَّيْنَ يَلْحَقُهُ إذْ النَّسَبُ ثَابِتٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ وَفِيهِ خِلَافٌ عَنْ مُحَمَّدٍ تَأَمَّلْ.
(وَلَا يُطَالِبُ وَلَدٌ أَبَاهُ وَلَا) يُطَالِبُ (عَبْدٌ سَيِّدَهُ بِقَذْفِ أُمِّهِ) الْمُحْصَنَةِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُعَاقَبَانِ بِسَبِّهِمَا، وَالْمُرَادُ بِالْوَلَدِ الْفَرْعُ، وَإِنْ سَفَلَ وَبِالْأَبِ الْأَصْلُ، وَإِنْ عَلَا ذَكَرًا كَانَ، أَوْ أُنْثَى فَلَوْ كَانَ لَهَا ابْنٌ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ أَبٌ وَنَحْوُهُ، وَلَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالْحَدِّ لِوُجُودِ السَّبَبِ وَعَدَمِ الْمَانِعِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
[مَا يَبْطُلُ بِهِ حَدُّ الْقَذْفِ]
(وَيَبْطُلُ) حَدُّ الْقَذْفِ (بِمَوْتِ الْمَقْذُوفِ) سَوَاءٌ مَاتَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْحَدِّ، أَوْ بَعْدَهُ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يَبْطُلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِرْثَ يَجْرِي عِنْدَهُمْ كَحُقُوقِ الْعِبَادِ وَعِنْدَنَا لَا؛ لِأَنَّ حَقَّ الشَّرْعِ غَالِبٌ فِيهَا فَلَا يَجْرِي الْإِرْثُ فِيهِ (لَا) يَبْطُلُ (بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ) يَعْنِي مَنْ أَقَرَّ بِقَذْفٍ، ثُمَّ رَجَعَ لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ لِلْمَقْذُوفِ حَقًّا فِيهِ فَيُكَذِّبُهُ فِي الرُّجُوعِ بِخِلَافِ حُدُودٍ هِيَ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى إذْ لَا مُكَذِّبَ لَهُ فِيهَا.
[الْعَفْوُ عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ]
(وَلَا يَصِحُّ الْعَفْوُ) عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ (وَلَا الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ) أَيْ: أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا جَرَيَانَ فِي حَقِّ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ غَالِبٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَلَوْ عَفَا الْمَقْذُوفُ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِالْحَدِّ لَا يُحَدُّ الْقَاذِفُ لَا لِصِحَّةِ عَفْوِهِ بَلْ لِتَرْكِ طَلَبِهِ حَتَّى لَوْ عَادَ وَطَلَبَ يُحَدُّ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الدَّعْوَى فِي إقَامَتِهِ وَلَمْ تَبْطُلْ الشَّهَادَةُ
стр. 606
بِالتَّقَادُمِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَيُقِيمُهُ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ فِي أَيَّامِ قَضَائِهِ، وَكَذَا لَوْ قَذَفَهُ بِحَضْرَتِهِ (وَلَوْ قَالَ زَنَأْت فِي الْجَبَلِ وَعَنَى الصُّعُودَ) أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ قَائِلًا أَرَدْت بِهِ الصُّعُودَ (حُدَّ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْنِ الصُّعُودَ يُحَدُّ اتِّفَاقًا (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) فَإِنَّهُ يَقُولُ لَا يُحَدُّ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ لَفْظِهِ؛ لِأَنَّ زَنَأَ بِالْهَمْزَةِ يَجِيءُ بِمَعْنَى صَعِدَ وَذِكْرُ الْجَبَلِ يُقَرِّرُ مُرَادَهُ، وَفِي مُسْتَعْمَلٌ بِمَعْنَى عَلَى وَلَهُمَا إنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ دَالٌّ عَلَى الْفَاحِشَةِ وَهَمْزَتُهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَقْلُوبَةً مِنْ الْحَرْفِ اللَّيِّنِ كَمَا يُلَيَّنُ الْمَهْمُوزُ وَدَلَالَةُ الْحَالِ دَاعِيَةٌ إلَى إرَادَةِ الْقَذْفِ وَذِكْرُ الْجَبَلِ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ الصُّعُودُ مُرَادًا إذَا كَانَ مَقْرُونًا بِكَلِمَةِ عَلَى إذْ هُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِيهِ فَلِذَا لَوْ قَالَ زَنَأْت عَلَى الْجَبَلِ قِيلَ لَا يُحَدُّ وَقِيلَ يُحَدُّ.
وَفِي الْغَايَةِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدِي إذَا كَانَ هَذَا الْكَلَامُ خَرَجَ عَلَى وَجْهِ الْغَضَبِ، وَالسِّبَابِ يَجِبُ الْحَدُّ وَإِلَّا فَلَا وَقَيَّدَ بِالْهَمْزَةِ إذْ لَوْ كَانَ بِالْيَاءِ وَجَبَ الْحَدُّ اتِّفَاقًا، وَكَذَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ زَنَأْت يُحَدُّ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(وَإِنْ قَالَ) رَجُلٌ لِآخَرَ (يَا زَانٍ وَعَكَسَ) عَلَيْهِ الْآخَرُ بِأَنْ قَالَ لَا بَلْ أَنْتَ زَانٍ (حُدَّا) أَيْ الْقَائِلَانِ بِهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَذَفَ صَاحِبَهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَهُ مَثَلًا يَا خَبِيثُ فَقَالَ بَلْ أَنْتَ تَكَافَآ وَلَا يُعَزَّرُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ (وَلَوْ قَالَ لَهُ لِامْرَأَتِهِ وَعَكَسَتْ حُدَّتْ) الْمَرْأَةُ فَقَطْ (وَلَا لِعَانَ) عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُمَا قَاذِفَانِ وَقَذْفُهُ يُوجِبُ اللِّعَانَ وَقَذْفُهَا يُوجِبُ الْحَدَّ.
وَفِي الْبِدَايَةِ بِالْحَدِّ إبْطَالُ اللِّعَانِ؛ لِأَنَّ الْمَحْدُودَ فِي الْقَذْفِ لَيْسَ بِأَهْلٍ لَهُ وَلَا إبْطَالَ فِي عَكْسِهِ أَصْلًا فَيَحْتَالُ لِلدَّرْءِ إذْ اللِّعَانُ فِي مَعْنَى الْحَدِّ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ يَا زَانِيَةَ بِنْتِ زَانِيَةٍ فَخَاصَمَتْ الْأُمُّ أَوَّلًا فَحُدَّ الرَّجُلُ سَقَطَ اللِّعَانُ، وَلَوْ خَاصَمَتْ الْمَرْأَةُ أَوَّلًا فَلَاعَنَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا، ثُمَّ خَاصَمَتْ الْأُمُّ يُحَدُّ الرَّجُلُ.
(وَلَوْ قَالَتْ) فِي جَوَابِ قَوْلِهِ لَهَا يَا زَانِيَةُ (زَنَيْت بِك) ، أَوْ مَعَك (بَطَلَ الْحَدُّ أَيْضًا) أَيْ: كَمَا بَطَلَ اللِّعَانُ لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا أَرَادَتْ الزِّنَى قَبْلَ النِّكَاحِ فَيَجِبُ الْحَدُّ لَا اللِّعَانُ وَاحْتِمَالُ أَنَّهَا أَرَادَتْ زِنَايَ هُوَ الَّذِي كَانَ مَعَك بَعْدَ النِّكَاحِ لِأَنِّي مَا مَكَّنْت أَحَدًا غَيْرَك، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ وَعَلَى هَذَا يَجِبُ اللِّعَانُ لَا الْحَدُّ لِوُجُودِ الْقَذْفِ مِنْهُ لَا مِنْهَا فَجَاءَ الشَّكُّ هَذَا إذَا اقْتَصَرَتْ عَلَى هَذِهِ، وَلَوْ زَادَتْ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَك تُحَدُّ الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا وَقَيَّدَ بِكَوْنِهَا امْرَأَتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مَعَ أَجْنَبِيَّةٍ لَمْ يُحَدَّ هُوَ، بَلْ هِيَ؛ لِأَنَّهَا صَدَّقَتْهُ، وَلَوْ قَالَتْ فِي جَوَابِهِ أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي حُدَّ الرَّجُلُ وَحْدَهُ.
(وَإِنْ أَقَرَّ) رَجُلٌ (بِوَلَدٍ ثُمَّ نَفَاهُ) أَيْ: نَفَى نَسَبَهُ (يُلَاعِنُ) ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَزِمَهُ بِإِقْرَارِهِ وَبِالنَّفْيِ بَعْدَهُ صَارَ قَاذِفًا فَيَجِبُ اللِّعَانُ.
(وَإِنْ عَكَسَ) أَيْ: نَفَاهُ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ (حُدَّ) أَيْ: الْمُنَافِي؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَ نَفْسَهُ بَعْدَمَا نَفَاهُ (وَالْوَلَدُ لَهُ) أَيْ: ثَبَتَ نَسَبُهُ لِلرَّجُلِ (فِي الْوَجْهَيْنِ) لِإِقْرَارِهِ سَابِقًا وَلَاحِقًا (وَلَا شَيْءَ) أَيْ: لَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ (إنْ قَالَ) رَجُلٌ (لَيْسَ بِابْنِي وَلَا ابْنِك) ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ الْوِلَادَةَ وَبِهِ لَا يَصِيرُ قَاذِفًا.
(وَلَا حَدَّ بِقَذْفِ امْرَأَةٍ لَهَا وَلَدٌ)
стр. 607
سَوَاءٌ كَانَ حَيًّا، أَوْ مَيِّتًا (لَا يُعْلَمُ لَهُ أَبٌ، أَوْ لَاعَنَتْ بِوَلَدٍ) لِقِيَامِ أَمَارَةِ الزِّنَى، وَهِيَ وِلَادَةُ وَلَدٍ لَا أَبَ لَهُ فَلَا يُوجَدُ الْعِفَّةُ عَنْ الزِّنَى وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَقَاءِ اللِّعَانِ حَتَّى لَوْ بَطَلَ بِإِكْذَابِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَذَفَهَا رَجُلٌ حُدَّ وَإِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقْطَعَ الْقَاضِي نَسَبَ الْوَلَدِ حَتَّى لَوْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ وَلَمْ يَقْطَعْ الْقَاضِي النَّسَبَ وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ (بِخِلَافِ) قَذْفِ (مَنْ لَاعَنَتْ بِغَيْرِهِ) أَيْ: الْوَلَدِ لِانْعِدَامِ أَمَارَةِ الزِّنَى.
(وَلَا) حَدَّ (بِقَذْفِ رَجُلٍ وَطِئَ حَرَامًا لِعَيْنِهِ كَوَطْءِ) امْرَأَةٍ (فِي غَيْرِ مِلْكِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَوْ مِنْ وَجْهٍ كَوَطْءِ أَمَةٍ مُشْتَرَكَةٍ) فَإِنَّ الْوَطْءَ فِي الصُّورَتَيْنِ حَرَامٌ لِعَيْنِهِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مَنْ وَطِئَ وَطْئًا حَرَامًا لِعَيْنِهِ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِهِ لِفَوَاتِ الْعِفَّةِ وَشَمِلَ قَوْلُهُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ جَارِيَةَ ابْنِهِ، وَالْمَنْكُوحَةَ نِكَاحًا فَاسِدًا، وَالْأَمَةَ الْمُسْتَحَقَّةَ، وَالْمُكْرَهَ عَلَى الزِّنَى، وَالثَّابِتَ حُرْمَتُهَا بِالْمُصَاهَرَةِ أَوْ تَزَوَّجَ مَحَارِمَهُ وَدَخَلَ بِهِنَّ أَوْ جَمَعَ الْمَحَارِمَ، أَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً عَلَى حُرَّةٍ (أَوْ) وَطِئَ (مَمْلُوكَةً حَرُمَتْ أَبَدًا كَأَمَتِهِ الَّتِي هِيَ أُخْتُهُ رَضَاعًا) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِثُبُوتِ التَّضَادِّ بَيْنَ الْحِلِّ، وَالْحُرْمَةِ.
(وَلَا) حَدَّ (بِقَذْفِ مُسْلِمٍ زَنَى فِي كُفْرِهِ) لِتَحَقُّقِ الزِّنَى مِنْهَا شَرْعًا لِانْعِدَامِ الْمِلْكِ، وَالزِّنَى حَرَامٌ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (أَوْ) بِقَذْفِ (مُكَاتَبٍ، وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (كَانَ مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ) أَيْ: تَرَكَ مَا لَا يَفِي بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - اخْتَلَفُوا فِي مَوْتِهِ حُرًّا وَعَبْدًا فَأَوْرَثَ شُبْهَةً وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَفَاءٍ لَا حَدَّ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى قَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ لَا وَجْهَ لِإِدْرَاجِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ مَسَائِلِ وَطْءِ الْحَرَامِ لِعَيْنِهِ وَوَطْءِ الْحَرَامِ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُعَلَّقُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ انْتَهَى.
لَكِنْ وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ مَعْلُومٌ؛ لِأَنَّهُ كَمَا لَا يُحَدُّ بِقَذْفِ رَجُلٍ وَطِئَ حَرَامًا لِعَيْنِهِ لَا يُحَدُّ بِقَذْفِ مُكَاتَبٍ تَأَمَّلْ.
(وَيُحَدُّ بِقَذْفِ مَنْ وَطِئَ حَرَامًا لِغَيْرِهِ كَوَطْءِ أَمَتِهِ الْمَجُوسِيَّةِ، أَوْ) وَطِئَ (امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ) ، وَكَذَا الْمُظَاهَرُ مِنْهَا، وَالْمُحَرَّمَةُ بِالْيَمِينِ، وَالْمُعْتَدَّةُ عَنْ غَيْرِهِ، وَالْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَالْمُشْتَرَاةُ شِرَاءً فَاسِدًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَطْءَ لَيْسَ بِالزِّنَى فَكَانَ مُحْصَنًا.
(وَكَذَا) أَيْ: يُحَدُّ بِقَذْفِ (وَطِئَ مُكَاتَبَتَهُ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ وَتَحْرِيمُهَا عَارِضٌ فَهِيَ كَالْحَائِضِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) وَزُفَرَ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ زَائِلٌ فِي حَقِّ الْوَطْءِ بِدَلَالَةِ وُجُوبِ الْعُقْرِ عَلَيْهِ.
(وَيُحَدُّ مَنْ قَذَفَ مُسْلِمًا كَانَ قَدْ نَكَحَ مُحَرَّمَةً فِي كُفْرِهِ) عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) بِنَاءً عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الْكَافِرِ مُحَرَّمَةً صَحِيحٌ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا كَمَا مَرَّ فِي النِّكَاحِ.
(وَيُحَدُّ مُسْتَأْمَنٌ قَذَفَ مُسْلِمًا فِي دَارِنَا) ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ الْعَبْدِ، وَقَدْ الْتَزَمَ إيفَاءَ حُقُوقِ الْعِبَادِ.
(وَيَكْفِي حَدٌّ) وَاحِدٌ (لِجِنَايَاتٍ اتَّحَدَ جِنْسُهَا) كَمَا إذَا زَنَى مَرَّاتٍ
стр. 608
مُتَعَدِّدَةً فَحُدَّ مَرَّةً يَكُونُ مِنْ الْجَمِيعِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ لَوْ قَذَفَ جَمَاعَةً بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ بِأَنْ قَالَ يَا أَيُّهَا الزُّنَاةُ، أَوْ كَلِمَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ بِأَنْ قَالَ يَا زَيْدُ أَنْتَ زَانٍ يَا عَمْرُو أَنْتَ زَانٍ يَا خَالِدُ أَنْتَ زَانٍ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إذَا قَذَفَهُمْ بِكَلَامٍ وَاحِدٍ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ، وَإِنْ قَذَفَهُمْ بِكَلِمَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ يُحَدُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ انْتَهَى.
لَكِنْ الظَّاهِرُ مِنْ سَائِرِ الْكُتُبِ عَدَمُ التَّدَاخُلِ مُطْلَقًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَأَمَّلْ.
(لَا) يَكْفِي حَدٌّ وَاحِدٌ (إنْ اخْتَلَفَ) جِنْسُهَا يَعْنِي إذَا زَنَى وَقَذَفَ وَشَرِبَ فَإِنَّهُ يُحَدُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَعْضِ لِاخْتِلَافِ الْأَسْبَابِ لَكِنْ لَا يَتَوَالَى بَيْنَهُمَا خِيفَةَ الْهَلَاكِ يُنْتَظَرُ حَتَّى يَبْرَأَ مِنْ الْأَوَّلِ.
[فَصْلٌ فِي التَّعْزِيرِ]
ِ) قَالَ صَاحِبُ التَّنْوِيرِ هُوَ تَأْدِيبٌ دُونَ الْحَدِّ، وَفِي اللُّغَةِ مُطْلَقُ التَّأْدِيبِ وَقَوْلُهُ دُونَ الْحَدِّ مِنْ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ أَيْ: أَدْنَى مِنْ الْحَدِّ فِي الْقَدْرِ وَقُوَّةِ الدَّلِيلِ فَإِنَّهُ شَرْعًا لَا يَخْتَصُّ بِالضَّرْبِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ بِهِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالصَّفْعِ وَبِفَرْكِ الْأُذُنِ وَبِالْكَلَامِ الْعَنِيفِ وَبِنَظَرِ الْقَاضِي إلَيْهِ بِوَجْهٍ عَبُوسٍ وَشَتْمٍ غَيْرِ الْقَذْفِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَلَا يَكُونُ التَّعْزِيرُ بِأَخْذِ الْمَالِ مِنْ الْجَانِي فِي الْمُذْهَبِ لَكِنْ فِي الْخُلَاصَةِ سَمِعْت عَنْ ثِقَةٍ أَنَّ التَّعْزِيرَ بِأَخْذِ الْمَالِ إنْ رَأَى الْقَاضِي ذَلِكَ، أَوْ الْوَالِي جَازَ وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ رَجُلٌ لَا يَحْضُرُ الْجَمَاعَةَ يَجُوزُ تَعْزِيرُهُ بِأَخْذِ الْمَالِ وَلَمْ يَذْكُرْ كَيْفِيَّةَ الْأَخْذِ وَأَرَى أَنْ يُؤْخَذَ فَيُمْسَكَ مُدَّةً لِلزَّجْرِ ثُمَّ يُعِيدُهُ لَا أَنْ يَأْخُذَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِبَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ آيَسَ مِنْ تَوْبَتِهِ يُصْرَفُ إلَى مَا يَرَى.
وَفِي النِّهَايَةِ التَّعْزِيرُ عَلَى مَرَاتِبَ تَعْزِيرُ أَشْرَافِ الْأَشْرَافِ وَهُمْ الْعُلَمَاءُ، وَالْعُلْوِيَّةُ بِالْإِعْلَامِ وَتَعْزِيرُ الْأَشْرَافِ، وَالدَّهَاقِينِ بِالْإِعْلَامِ، وَالْجَرِّ إلَى بَابِ الْقَاضِي وَتَعْزِيرُ الْأَوْسَاطِ وَهُمْ السُّوقِيَّةُ بِالْجَرِّ، وَالْحَبْسِ وَتَعْزِيرُ الْأَرَازِلِ بِهَذَا كُلِّهِ وَبِالضَّرْبِ انْتَهَى. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ مُفَوَّضًا إلَى رَأْيِ الْقَاضِي وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي التَّعْزِيرُ بِغَيْرِ الْمُنَاسِبِ الْمُسْتَحَقِّ لَكِنْ مُخْتَارُ السَّرَخْسِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَقْدِيرٌ، بَلْ هُوَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الزَّجْرُ وَأَحْوَالُ النَّاسِ مُخْتَلِفَةٌ فَتُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَيَكُونُ التَّعْزِيرُ بِالْقَتْلِ كَمَنْ وَجَدَ رَجُلًا مَعَ امْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنْزَجِرُ بِصِيَاحٍ وَضَرْبٍ بِمَا دُونَ السِّلَاحِ وَإِلَّا لَا، وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُطَاوِعَةً قَتَلَهُمَا، وَلَوْ كَانَ مَعَ امْرَأَتِهِ، وَهُوَ يَزْنِي بِهَا، أَوْ مَعَ مَحْرَمِهِ وَهُمَا مُطَاوِعَتَانِ قَتَلَهُمَا جَمِيعًا مُطْلَقًا وَعَلَى هَذَا الْمُكَابِرُ بِالظُّلْمِ وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ وَصَاحِبُ الْمَكْسِ وَجَمِيعُ الظَّلَمَةِ بِأَدْنَى شَيْءٍ قِيمَةً وَيُقَيِّمُهُ كُلُّ مُسْلِمٍ حَالَ مُبَاشَرَةِ الْمَعْصِيَةِ وَبَعْدَهَا لَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْحَاكِمِ حَتَّى لَوْ عَزَّرَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْمُحْتَسِبِ فَلِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يُعَزِّرَ الْمُعَزِّرَ.
(يُعَزَّرُ مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكًا) عَبْدًا، أَوْ أَمَةً (أَوْ كَافِرًا بِالزِّنَاءِ) ، وَلَوْ صَرِيحًا مِثْلَ يَا زَانِي
стр. 609
وَهُوَ لَيْسَ بِزَانٍ؛ لِأَنَّهُ جِنَايَةُ قَذْفٍ، وَقَدْ امْتَنَعَ الْحَدُّ لِفَقْدِ الْإِحْصَانِ فَوَجَبَ التَّعْزِيرُ؛ وَلِهَذَا يَبْلُغُ فِي التَّعْزِيرِ غَايَتَهُ.
(أَوْ قَذَفَ مُسْلِمًا) صَالِحًا (بِيَا فَاسِقُ) إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْفِسْقِ فَلَا يُعَزَّرُ، فَإِنْ أَرَادَ الْقَاذِفُ إثْبَاتَ الْفِسْقِ مُجَرَّدًا مِنْ غَيْرِ بَيَانِ سَبَبِهِ لَا تُسْمَعُ، فَإِنْ بَيَّنَ سَبَبًا شَرْعِيًّا لَا يَطْلُبُ الْقَاضِي مِنْهُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ، بَلْ يَسْأَلُ الْمَقُولَ لَهُ عَنْ الْفَرَائِضِ الَّتِي تُفْرَضُ عَلَيْهِ مَعْرِفَتُهَا، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا ثَبَتَ فِسْقُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَائِلِ لَهُ يَا فَاسِقُ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْمُسْلِمِ اتِّفَاقِيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَذَفَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا يُعَزَّرُ؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً كَمَا فِي الْبَحْرِ (يَا كَافِرُ) ، أَوْ يَا يَهُودِيُّ وَأَرَادَ الشَّتْمَ وَلَا يَعْتَقِدُهُ كُفْرًا فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ وَلَا يُكَفَّرُ، وَلَوْ اعْتَقَدَ الْمُخَاطَبَ كَافِرًا كَفَرَ؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ الْإِسْلَامَ كُفْرًا.
وَفِي الْقُنْيَةِ لَوْ قَالَ لِيَهُودِيٍّ أَوْ مَجُوسِيٍّ يَا كَافِرُ يَأْثَمُ إنْ شَقَّ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي الْبَحْرِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يُعَزَّرُ لِارْتِكَابِهِ مَا أَوْجَبَ الْإِثْمَ انْتَهَى.
لَكِنْ فِيهِ مَا فِيهِ تَأَمَّلْ.
(يَا خَبِيثُ) ضِدُّ الطَّيِّبِ (يَا لِصُّ) يَا سَارِقُ (يَا فَاجِرُ) إلَّا أَنْ يَكُونَ لِصًّا، أَوْ فَاجِرًا كَمَا فِي الْبَحْرِ (يَا مُنَافِقُ يَا لُوطِيُّ) قِيلَ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَهُمْ يُعَزَّرُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَيُحَدُّ عِنْدَهُمَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُعَزَّرُ إنْ كَانَ فِي غَضَبٍ، وَفِي الْبَحْرِ، أَوْ هَزْلُ مَنْ تَعَوَّدَ الْهَزْلَ، وَالْقَبِيحَ (يَا مَنْ يَلْعَبُ بِالصِّبْيَانِ يَا آكِلَ الرِّبَا يَا شَارِبَ الْخَمْرِ) ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَا وَصَفَهُ بِهِ (يَا دَيُّوثُ) أَيْ: الَّذِي لَا غَيْرَةَ لَهُ مِمَّنْ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِهِ (يَا مُخَنَّثُ) هُوَ الَّذِي فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ خُنُوثَةٌ أَيْ: لِينٌ وَاَلَّذِي يَفْعَلُ الْفِعْلَ الرَّدِيَّ (يَا خَائِنُ) مِنْ الْخِيَانَةِ (يَا ابْنَ الْقَحْبَةِ) .
وَفِي الْإِصْلَاحِ لَا يُقَالُ الْقَحْبَةُ فِي الْعُرْفِ أَفْحَشُ مِنْ الزَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الزَّانِيَةَ قَدْ تَفْعَلُ سِرًّا وَتَأْنَفُ مِنْهُ، وَالْقَحْبَةُ مَنْ تُجَاهِرُ بِهِ بِالْأُجْرَةِ لِإِتْيَانِ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لِذَلِكَ الْمَعْنَى لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ بِذَلِكَ اللَّفْظِ فَإِنَّ الزِّنَى بِالْأُجْرَةِ يُسْقِطُ الْحَدَّ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا انْتَهَى.
فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ أَنْ يُحَدَّ عِنْدَهُمَا بِهَذَا اللَّفْظِ مَعَ أَنَّ الْخِلَافَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ، بَلْ الْجَوَابُ أَنَّ الزِّنَى صَرِيحٌ فِي ابْنِ الزَّانِيَةِ بِخِلَافِ فِي ابْنِ الْقَحْبَةِ؛ فَلِهَذَا لَمْ يُحَدَّ فِيهِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا قَحْبَةُ يُعَزَّرُ بِخِلَافِ يَا روسبى فَإِنَّهُ يُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْعُرْفِ بِالزِّنَاءِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ يَا قَحْبَةُ؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ الزَّانِيَةِ لَكِنْ فِي الْمُضْمَرَاتِ التَّصْرِيحُ يُوجِبُ الْحَدَّ فِيهِ تَأَمَّلْ.
(يَا ابْنَ الْفَاجِرَةِ) فَإِنَّهَا مَنْ تُبَاشِرُ كُلَّ مَعْصِيَةٍ فَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الزَّانِيَةِ فَكَذَا يُعَزَّرُ بِطَلَبِ الْوَلَدِ بِقَوْلِهِ يَا ابْنَ الْفَاسِقِ يَا ابْنَ الْكَافِرِ، وَالنَّصْرَانِيُّ وَأَبُوهُ لَيْسَ كَذَلِكَ (يَا زِنْدِيقُ) ، وَهُوَ الَّذِي يُبْطِنُ الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الْإِسْلَامَ (يَا قَرْطَبَانٌ) ، وَهُوَ مُعَرَّبُ قَلْتَبَانٍ.
وَفِي التَّبْيِينِ هُوَ الَّذِي يَرَى مَعَ امْرَأَتِهِ أَوْ مَعَ مَحْرَمِهِ رَجُلًا أَجْنَبِيًّا فَيَدَعُهُ خَالِيًا بِهَا؛ وَلِذَا كَانَ أَفْحَشَ مِنْ الدَّيُّوثِ وَقِيلَ هُوَ السَّبَبُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِمَعْنًى غَيْرِ مَمْدُوحٍ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي يَبْعَثُ امْرَأَتَهُ مَعَ غُلَامٍ بَالِغٍ، أَوْ مَعَ مُزَارِعِهِ إلَى الضَّيْعَةِ، أَوْ يَأْذَنُ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهَا فِي غَيْبَتِهِ (يَا مَأْوَى الزَّوَانِي، أَوْ) يَا مَأْوَى (اللُّصُوصِ، أَوْ يَا حَرَامْ زَادَهْ) وَمَعْنَاهُ الْوَلَدُ
стр. 610
الْحَاصِلُ مِنْ الْوَطْءِ الْحَرَامِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الزِّنَاءِ.
وَفِي الْمِنَحِ وَغَيْرِهِ.
وَفِي الْعُرْفِ لَا يُرَادُ إلَّا وَلَدُ الزِّنَاءِ وَكَثِيرًا مَا يُرَادُ بِهِ الْخَبِيثُ اللَّئِيمُ؛ فَلِهَذَا لَا يُحَدُّ بِهِ انْتَهَى.
لَكِنْ فِي عُرْفِنَا يُرَادُ بِهِ رَجُلٌ يُعَلِّمُ الْحِيَلَ فِي أَكْثَرِ الْأُمُورِ فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ شَيْءٌ تَدَبَّرْ.
وَمِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّعْزِيرِ يَا رُسْتَاقِيُّ يَا ابْنَ الْأَسْوَدِ يَا سَفِيهُ يَا أَحْمَقُ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَإِنَّمَا عُزِّرَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ آذَى مُسْلِمًا وَأَلْحَقَ الشَّيْنَ بِهِ؛ فَلِهَذَا يُعَزَّرُ كُلُّ مُرْتَكِبِ مُنْكَرٍ، أَوْ مُؤْذِي مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ بِقَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ، وَلَوْ بِغَمْزِ الْعَيْنِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ إنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَا مُرُوءَةٍ وَكَانَ أَوَّلَ مَا فَعَلَ يُوعَظُ اسْتِحْسَانًا وَلَا يُعَزَّرُ، فَإِنْ عَادَ وَتَكَرَّرَ مِنْهُ رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يُضْرَبُ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ (لَا) يُعَزَّرُ (بِيَا حِمَارُ يَا كَلْبُ يَا قِرْدُ يَا تَيْسُ يَا خِنْزِيرُ يَا بَقَرُ يَا حَيَّةُ) يَا ذِئْبُ (يَا حَجَّامُ يَا ابْنَ حَجَّامٍ وَأَبُوهُ لَيْسَ كَذَلِكَ) فَإِنَّهُ لَا يُعَزَّرُ، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ حَجَّامًا فَعَدَمُ التَّعْزِيرِ بِالْأَوْلَى (يَا بَغَّاءُ) بِالتَّشْدِيدِ قِيلَ هَذَا مِنْ شَتْمِ الْعَوَامّ يَتَفَوَّهُونَ بِهِ وَلَا يَعْرِفُونَ مَعْنَاهُ انْتَهَى.
وَلَيْسَ لَهُ وَجْهٌ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِذَكَرِ الْبَقَرِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْوَاطِئِ الَّذِي لِشِدَّةِ شَبَقِهِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ وَلَا بَيْنَ الْحُسْنِ، وَالْقُبْحِ.
وَفِي شَرْحِ الْمَوْلَى: مِسْكِينٌ الْبَغَّاءُ الَّذِي يَعْلَمُ بِفُجُورِهَا وَيَرْضَى فَبِهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ التَّعْزِيرُ؛ لِأَنَّهُ أَلْحَقَ الشَّيْنَ بِهِ تَأَمَّلْ.
(يَا مُؤَاجِرُ) فَإِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيمَنْ يُؤَاجِرُ أَهْلَهُ لِلزِّنَاءِ لَكِنَّهُ لَيْسَ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيَّ الْمُتَعَارَفَ بَلْ بِمَعْنَى الْمُؤَجِّرِ (يَا وَلَدَ الْحَرَامِ) .
وَفِي الْبَحْرِ فَيَنْبَغِي التَّعْزِيرُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ بِمَعْنَى يَا وَلَدَ الزِّنَا فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَا حَرَامْ زَادَهْ وَلَا وَجْهَ لِذِكْرِهِ تَدَبَّرْ.
(يَا عَيَّارُ) ، وَهُوَ الَّذِي يَتَرَدَّدُ بِغَيْرِ عَمَلٍ (يَا نَاكِسُ يَا مَنْكُوسُ) عَلَى وَزْنِ فَاعِلٍ وَمَفْعُولٍ قَالَ أَخِي جلبي ناكس لَفْظٌ عَجَمِيٌّ، وَالنُّونُ فِي أَوَّلِهِ لِلنَّفْيِ، وَالْكَافُ مِنْهُ مَفْتُوحٌ وَ (كَسَّ) بِمَعْنَى الْآدَمِيِّ (يَا سُخْرَةُ يَا ضُحْكَةُ) بِوَزْنِ الصُّفْرَةِ مَنْ يَضْحَكُ عَلَيْهِ النَّاسُ وَبِوَزْنِ الْهُمَزَةِ مَنْ يَضْحَكُ عَلَى النَّاسِ (يَا كَشْحَانِ) قِيلَ الْكَاشِحُ الْمُتَبَاعِدُ عَنْ مَوَدَّةِ صَاحِبِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ كَشَحَ الْقَوْمُ إذَا ذَهَبُوا عَنْهُ فَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْنَى الْقَرْطَبَانِ وَقِيلَ الَّذِي سَمِعَ رَجُلًا يَمُدُّ يَدَهُ إلَى امْرَأَتِهِ وَلَا يُبَالِي فَعَلَى هَذَا أَنَّهُ بِمَعْنَى الْقَرْطَبَانِ، وَالدَّيُّوثِ فَيَجِبُ التَّعْزِيرُ (يَا أَبْلَهُ يَا مُوَسْوِسُ) وَنَحْوُهُ.
وَفِي الْإِصْلَاحِ، وَالضَّابِطُ فِي هَذَا أَنَّهُ إنْ نَسَبَهُ إلَى فِعْلٍ اخْتِيَارِيٍّ يَحْرُمُ فِي الشَّرْعِ وَيُعَدُّ عَارًا فِي الْعُرْفِ يَجِبُ التَّعْزِيرُ وَإِلَّا لَا فَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ النِّسْبَةُ إلَى الْأُمُورِ الْخُلُقِيَّةِ فَلَا يُعَزَّرُ فِي يَا حِمَارُ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيَّ غَيْرُ مُرَادٍ، بَلْ مَعْنَاهُ الْمَجَازِيُّ كَالْبَلِيدِ، وَهُوَ أَمْرٌ خُلُقِيٌّ وَبِالْقَيْدِ الثَّانِي النِّسْبَةُ إلَى مَا لَا يَحْرُمُ فِي الشَّرْعِ فَلَا يُعَزَّرُ، وَفِي يَا حَجَّامُ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُعَدُّ عَارًا فِي الْعُرْفِ وَلَا يَحْرُمُ فِي الشَّرْعِ وَبِالْقَيْدِ الثَّالِثِ النِّسْبَةُ إلَى مَا لَا يُعَدُّ عَارًا فِي الْعُرْفِ فَلَا يُعَزَّرُ فِي يَا لَاعِبَ النَّرْدِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَحْرُمُ فِي الشَّرْعِ وَحَكَى الْهِنْدُوَانِيُّ أَنَّهُ يُعَزَّرُ فِي زَمَانِنَا فِي مِثْلِ يَا كَلْبُ يَا خِنْزِيرُ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الشَّتْمُ فِي عُرْفِنَا لَكِنْ الْأَصَحُّ لَا يُعَزَّرُ وَقِيلَ إنْ كَانَ الْمَنْسُوبُ مِنْ الْأَشْرَافِ يُعَزَّرُ وَهَذَا أَحْسَنُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ؛ فَلِهَذَا قَالَ (وَاسْتَحْسَنُوا تَعْزِيرَهُ) فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ كُلِّهَا
стр. 611
(إذَا كَانَ الْمَقُولُ لَهُ فَقِيهًا) أَيْ: عَالِمًا بِالْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ عَلَى وَجْهِ الْمِزَاحِ فَلَوْ قَالَ بِطَرِيقِ الْحَقَارَةِ يُخَافُ عَلَيْهِ الْكُفْرُ؛ لِأَنَّ إهَانَةَ الْعِلْمِ كُفْرٌ عَلَى الْمُخْتَارِ (أَوْ عَلَوِيًّا) أَيْ: مَنْسُوبًا إلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيُّ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ كُلُّ مُتَّقٍ وَإِلَّا فَالتَّخْصِيصُ غَيْرُ ظَاهِرٍ.
(وَلِلزَّوْجِ أَنْ يُعَزِّرَ زَوْجَتَهُ لِتَرْكِ الزِّينَةِ) إذَا أَرَادَهَا الزَّوْجُ وَكَانَتْ قَادِرَةً عَلَيْهَا (وَتَرْكِ الْإِجَابَةِ إذَا دَعَاهَا إلَى فِرَاشِهِ) وَلَمْ تَكُنْ حَائِضًا، أَوْ نُفَسَاءَ؛ لِأَنَّ الْإِجَابَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهَا (وَتَرْكِ الصَّلَاةِ) كَمَا فِي الدُّرَرِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ فِي التَّنْوِيرِ لَا عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَا تَعُودُ إلَيْهِ بَلْ إلَيْهَا لَكِنْ الْأَبُ يُعَزِّرُ الِابْنَ لِتَرْكِهَا (وَتَرْكِ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ) ؛ لِأَنَّهُمَا فَرِيضَتَانِ (وَلِلْخُرُوجِ مِنْ بَيْتِهِ) بِغَيْرِ إذْنِهِ إذَا قَبَضَتْ مَهْرَهَا، أَوْ وَهَبَتْهُ مِنْهُ (وَأَقَلُّ التَّعْزِيرِ ثَلَاثَةُ أَسْوَاطٍ) ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهَا لَا يَقَعُ بِهِ الزَّجْرُ وَذَكَرَ مَشَايِخُنَا أَنْ أَدْنَاهُ عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ بِقَدْرِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْزَجِرُ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ.
(وَأَكْثَرُهُ) أَيْ: التَّعْزِيرِ (تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ) سَوْطًا؛ لِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَبْلُغَ حَدَّ الْحَدِّ وَأَقَلُّهُ أَرْبَعُونَ، وَهُوَ حَدُّ الْعَبْدِ فِي الْقَذْفِ، وَالشُّرْبِ وَهَذَا عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ.
وَفِي شَرْحِ الْمَوْلَى مِسْكِينٍ وَقَوْلِ مُحَمَّدٍ مُضْطَرِبٌ قِيلَ مَعَ الْإِمَامِ وَقِيلَ مَعَ الثَّانِي (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ) سَوْطًا، وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ فَلْيُطَالَعْ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ يَبْلُغُ تِسْعَةً وَسَبْعِينَ سَوْطًا؛ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ حَدَّ الْأَحْرَارِ؛ لِأَنَّهُمْ الْأُصُولُ، وَهُوَ ثَمَانُونَ وَنَقَصَ عَنْهُ سَوْطًا وَعَنْهُ لَوْ رَأَى الْقَاضِي تَعْزِيرَ مِائَةٍ فَقَدْ أَخَذَ بِالْأَثَرِ، وَإِنْ ضَرَبَ أَكْثَرَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ هُوَ مُقَيَّدٌ بِأَنَّ لَهُ ذُنُوبًا كَثِيرَةً كَمَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ عَلَى قَدْرِ الْجِنَايَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ فَوْقَ مَا فَرَضَ اللَّهُ مِنْ الزِّنَاءِ وَغَيْرِهِ فَمَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى هَذَا عَمِلَ عَلَى إطْلَاقِهِ فَضَرَبَ مِائَةً، أَوْ أَكْثَرَ لِلذَّنْبِ مُطْلَقًا فَتَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ عَصَمَنِي اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكُمْ عَنْ الزَّلَلِ.
(وَيَجُوزُ حَبْسُهُ) أَيْ: حَبْسُ مَنْ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ (بَعْدَ الضَّرْبِ) ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ مِنْ التَّعْزِيرِ فَلَهُ ضَمُّهُ مَعَهُ إنْ رَأَى فِيهِ مَصْلَحَةً (وَأَشَدُّ الضَّرْبِ التَّعْزِيرُ) ؛ لِأَنَّ ضَرْبَهُ خَفِيفٌ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ فَلَا يُخَفَّفُ مِنْ حَيْثُ الْوَصْفُ كَيْ لَا يُؤَدِّي إلَى فَوْتِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ الِانْزِجَارُ وَاخْتُلِفَ فِي شِدَّتِهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ الشِّدَّةُ هُوَ الْجَمْعُ فَيَجْتَمِعُ الْأَسْوَاطُ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ وَلَا يُفَرَّقُ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا بَلْ فِي شِدَّتِهِ فِي الضَّرْبِ لَا فِي الْجَمْعِ هَذَا فِيمَا إذَا عَزَّرَ بِمَا دُونَ أَكْثَرِهِ وَإِلَّا فَتِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مِنْ أَشَدِّ الضَّرْبِ فَوْقَ ثَمَانِينَ حُكْمًا فَضْلًا عَنْ أَرْبَعِينَ مَعَ تَنْقِيصِ وَاحِدٍ مَعَ الْأَشَدِّيَّةِ فَيَفُوتُ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ نَقَصَ (ثُمَّ حَدُّ الزِّنَى) ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ أَعْظَمُ وَحُرْمَتَهُ آكَدُ (ثُمَّ) حَدُّ (الشُّرْبِ) لِأَنَّ جِنَايَتَهُ يَقِينِيَّةٌ (ثُمَّ) حَدُّ (الْقَذْفِ) ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ مُحْتَمَلٌ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ صَادِقًا وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ التَّعْزِيرَ لَا يَتَقَادَمُ وَجَازَ عَفْوُهُ.
(وَمَنْ حُدَّ، أَوْ عُزِّرَ) عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ لِلتَّعْظِيمِ أَيْ مَنْ حَدَّهُ الْإِمَامُ، أَوْ عَزَّرَهُ (فَمَاتَ) مِنْ ذَلِكَ (فَدَمُهُ هَدَرٌ) ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ مِنْ الشَّرْعِ.
стр. 612
فَلَا يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ إذَا لَمْ يَتَجَاوَزْ الْمَوْضِعَ الْمُعْتَادَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
(بِخِلَافِ تَعْزِيرِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ) فَإِنَّهَا لَوْ مَاتَتْ مِنْ ضَرْبِهَا لَا يُهْدَرُ دَمُهَا، بَلْ يُضْمَنُ؛ لِأَنَّ تَأْدِيبَهُ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُبَاحٌ تَرْجِعُ مَنْفَعَتُهُ إلَيْهِ لَا إلَيْهَا فَيَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ، وَكَذَا لَوْ أَدَّبَ الْمُعَلِّمُ الصَّبِيَّ فَمَاتَ يَضْمَنُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يَضْمَنُ الزَّوْجُ، وَالْمُعَلِّمُ فِي التَّعْزِيرِ وَلَا الْأَبُ فِي التَّأْدِيبِ وَلَا الْجَدُّ وَلَا الْوَصِيُّ إذَا ضَرَبَهُ ضَرْبًا مُعْتَادًا وَإِلَّا يَضْمَنُ بِالْإِجْمَاعِ.
[كِتَابُ السَّرِقَةِ]
ِ لَمَّا فَرَغَ عَنْ بَيَانِ الزَّوَاجِرِ الرَّاجِعَةِ إلَى صِيَانَةِ النُّفُوسِ كُلًّا، أَوْ بَعْضًا وَاتِّصَالًا بِهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ الْمَزْجَرَةِ الرَّاجِعَةِ إلَى صِيَانَةِ الْأَمْوَالِ وَأَخَّرَهَا لِكَوْنِ النَّفْسِ أَصْلًا، وَالْمَالِ تَابِعًا (هِيَ) أَيْ السَّرِقَةُ فِي اللُّغَةِ أَخْذُ الشَّيْءِ خُفْيَةً بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ مَالًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.
وَفِي الشَّرْعِيَّةِ هِيَ نَوْعَانِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا يَكُونُ ضَرَرُهَا بِذِي الْمَالِ، أَوْ بِهِ وَبِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَالْأَوَّلُ يُسَمَّى بِالسَّرِقَةِ الصُّغْرَى، وَالثَّانِي بِالْكُبْرَى بَيَّنَ حُكْمَهَا فِي الْآخِرِ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ وُقُوعًا وَاشْتِرَاكًا فِي التَّعْرِيفِ وَأَكْثَرُ الشُّرُوطِ فَعَرَّفَهُمَا فَقَالَ (أَخْذُ مُكَلَّفٍ) بِطَرِيقِ الظُّلْمِ فَلَا يُقْطَعُ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ كَالصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ وَلَا غَيْرُهُمَا إذَا كَانَ مَعَهُ أَحَدُهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْآخِذُ الْغَيْرَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُقْطَعُ الْغَيْرُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (خُفْيَةً) شُرِطَ فِي السَّرِقَةِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً إذَا كَانَ الْأَخْذُ نَهَارًا؛ لِأَنَّهُ وَقْتٌ يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ فِيهِ وَابْتِدَاءً إذَا كَانَ لَيْلًا كَمَا إذَا نَقَبَ الْجِدَارَ سِرًّا وَأَخَذَ الْمَالَ مِنْ الْمَالِكِ جَهْرًا؛ لِأَنَّهُ وَقْتٌ يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ فِيهِ فَلَوْ لَمْ يَكْتَفِ بِالْخُفْيَةِ فِيهِ ابْتِدَاءً لَامْتَنَعَ الْقَطْعُ فِي أَكْثَرِ السُّرَّاقِ، وَالشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ خُفْيَةً عَلَى زَعْمِ السَّارِقِ حَتَّى لَوْ دَخَلَ دَارَ إنْسَانٍ فَسَرَقَ، وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّ الْمَالِكَ لَا يَعْلَمُ قُطِعَ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يَعْلَمُهُ لَا؛ لِأَنَّهُ جَهَرَ، وَلَوْ دَخَلَ مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ، وَالْعَتَمَةِ، وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ وَيَجِيئُونَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّهَارِ (قَدْرَ) وَزْنَ (عَشَرَةِ دَرَاهِمَ) وَزْنُ كُلِّ عَشَرَةٍ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ يَوْمَ السَّرِقَةِ، وَالْقَطْعِ فَلَوْ سَرَقَ
стр. 613
نِصْفَ دِينَارٍ قِيمَتُهُ النِّصَابُ قُطِعَ، وَلَوْ أَقَلَّ لَا وَلَا يُقْطَعُ فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَكُونَ مِثْقَالًا تَكُونُ قِيمَتُهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَلَوْ أَخْرَجَ مِنْ الْحِرْزِ أَقَلَّ مِنْ الْعَشَرَةِ، ثُمَّ دَخَلَ فِيهِ وَكَمَّلَ لَمْ يُقْطَعْ (مَضْرُوبَةً) فَلَوْ أَخَذَ نُقْرَةَ فِضَّةٍ وَزْنُهَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، أَوْ مَتَاعًا قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ غَيْرَ مَضْرُوبَةٍ لَمْ يُقْطَعْ فَيُقَوَّمُ بِأَعَزِّ النُّقُودِ، أَوْ بِنَقْدِ الْبَلَدِ الَّذِي يَرُوجُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْغَالِبِ، فَالْأَوَّلُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ، وَالثَّانِي رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ وَلَا يَقْطَعُ بِالشَّكِّ وَلَا بِتَقْوِيمٍ وَاحِدٍ، أَوْ بَعْضٍ مِنْ الْمُقَوِّمِينَ (مِنْ حِرْزٍ) أَيْ مَمْنُوعٍ عَنْ وُصُولِ يَدِ الْغَيْرِ إلَيْهِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الْمَجْعُولُ فِي الْحِرْزِ أَيْ: الْمَوْضِعُ الْحَصِينُ فَلَا يُقْطَعُ فِي غَيْرِهِ (لَا مِلْكَ لَهُ) أَيْ لِلسَّارِقِ (فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَسْرُوقِ (وَلَا شُبْهَةَ) مِلْكٍ فَلَا يُقْطَعُ لَوْ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ، أَوْ تَأْوِيلٌ كَمَا سَيَأْتِي وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ السَّارِقِ لَيْسَ بِأَخْرَسَ وَلَا أَعْمَى لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَوْ نَطَقَ ادَّعَى شُبْهَةً، وَالْأَعْمَى جَاهِلٌ بِمَالِ غَيْرِهِ وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ السَّرِقَةُ فِي دَارِ الْعَدْلِ فَلَوْ سَرَقَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ الْبَغْيِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَخَذَ لَمْ يُقْطَعْ وَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ دَلَالَةِ الْقَصْدِ إلَى النِّصَابِ الْمَأْخُوذِ فَلَوْ سَرَقَ ثَوْبًا لَا يُسَاوِي عَشَرَةً وَفِيهِ دَرَاهِمُ مَضْرُوبَةٌ لَمْ يُقْطَعْ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الثَّوْبُ وِعَاءً لِلدَّرَاهِمِ عَادَةً وَإِلَّا يُقْطَعُ كَسَرِقَةِ كِيسٍ فِيهِ دَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ فِيهِ يَقَعُ عَلَى سَرِقَةِ الدَّرَاهِمِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ يَدٌ صَحِيحَةٌ وَأَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مِمَّا لَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ، وَلَوْ سَرَقَ مِنْ السَّارِقِ لَمْ يُقْطَعْ، وَكَذَا لَوْ سَرَقَ مَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ كَاللَّحْمِ، وَالْفَوَاكِهِ وَلَا بُدَّ أَنْ يُخْرِجَهُ ظَاهِرًا حَتَّى لَوْ ابْتَلَعَ دِينَارًا فِي الْحِرْزِ وَخَرَجَ لَمْ يُقْطَعْ وَلَا يَنْتَظِرُ إلَى أَنْ يَتَغَوَّطَهُ، بَلْ يَضْمَنُ مِثْلَهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا عُلِمَ أَنَّ تَعْرِيفَ الْمُصَنِّفِ لَيْسَ بِتَامٍّ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ هِيَ أَخْذُ مُكَلَّفٍ نَاطِقٍ بَصِيرٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ جِيَادًا وَمِقْدَارُهَا مَقْصُودَةً ظَاهِرَةُ الْإِخْرَاجِ خُفْيَةً مِنْ صَاحِبِ يَدٍ صَحِيحَةٍ مِمَّا لَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ فِي دَارِ الْعَدْلِ مِنْ حِرْزٍ لَا شُبْهَةَ وَلَا تَأْوِيلَ فِيهِ تَأَمَّلْ.
[بِمَا يَثْبُتُ حَدّ السَّرِقَة]
(وَتَثْبُتُ) السَّرِقَةُ (بِمَا يَثْبُتُ بِهِ الشُّرْبُ) أَيْ تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ وَبِالْإِقْرَارِ لَا بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَلَا بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ (فَإِنْ سَرَقَ مُكَلَّفٌ حُرٌّ، أَوْ عَبْدٌ) وَهُمَا فِي الْقَطْعِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يُفَصِّلْ؛ وَلِأَنَّ الْقَطْعَ لَا يَنْتَصِفُ فَكُمِّلَ وَلَمْ يَنْدَرِئْ صِيَانَةً لِأَمْوَالِ النَّاسِ (ذَلِكَ الْقَدْرُ) أَيْ: قَدْرُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ حَالَ كَوْنِهِ (مُحْرَزًا بِمَكَانٍ) أَيْ: بِسَبَبِ مَوْضِعٍ مُعَدٍّ لِحِفْظِ الْأَمْوَالِ كَالدُّورِ، وَالدَّكَاكِينِ، وَالْخِيَامِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ حِرْزَ كُلِّ شَيْءٍ مُعْتَبَرٌ بِحِرْزِ مِثْلِهِ حَتَّى لَا يُقْطَعَ بِأَخْذِ لُؤْلُؤٍ مِنْ إسْطَبْلٍ بِخِلَافِ أَخْذِ الدَّابَّةِ (أَوْ حَافِظٍ) كَالْجَالِسِ عِنْدَ مَالِهِ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى لَوْ سَرَقَ شَيْئًا مِنْ تَحْتِ رَأْسِ النَّائِمِ فِي الصَّحْرَاءِ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ يُقْطَعُ كَمَا سَيَأْتِي.
(وَأَقَرَّ) السَّارِقُ (بِهَا) أَيْ: بِالسَّرِقَةِ طَائِعًا وَفَلْو أَقَرَّ مُكْرَهًا كَانَ بَاطِلًا وَمِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ أَفْتَى بِصِحَّتِهِ وَيَحِلُّ ضَرْبُهُ لَكِنْ
стр. 614
لَا يُفْتَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ حَوَرٌ، وَفِي الْمِنَحِ إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ الْمُنَاسِبِ لِلتُّهْمَةِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ يَضْرِبُهُ الْوَالِي أَوْ الْقَاضِي وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَضْرِبُهُ الْوَالِي فَقَطْ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَضْرِبُهُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ يُحْبَسُ حَتَّى يُكْشَفَ أَمْرُهُ قِيلَ الْحَبْسُ شَهْرًا وَقِيلَ يُحْبَسُ مُدَّةَ اجْتِهَادِ وَلِيِّ الْأَمْرِ مَرَّةً عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ مَرَّتَيْنِ (أَوْ شَهِدَ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ (عَلَيْهِ رَجُلَانِ) أَنَّهُ سَرَقَ هَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ ضِمْنًا فَحَذْفُهُ أَوْلَى لِلِاخْتِصَارِ كَمَا قِيلَ لَكِنْ الْمُصَنِّفُ صَرَّحَهُ؛ لِأَنَّهُ تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ (وَسَأَلَهُمَا) أَيْ الشَّاهِدَيْنِ (الْإِمَامُ) أَوْ الْقَاضِي (عَنْ السَّرِقَةِ مَا هِيَ) أَيْ: السَّرِقَةُ احْتِرَازٌ عَنْ نَحْوِ الْغَصْبِ، وَالسَّرِقَةِ الْكُبْرَى (وَكَيْفَ هِيَ) لِجَوَازِ أَنَّهُ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الدَّارِ وَأَخْرَجَ، أَوْ تَأَوَّلَهُ آخَرُ مِنْ خَارِجٍ (وَأَيْنَ هِيَ) لِجَوَازِ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ الْبَغْيِ وَمَتَى هِيَ لِجَوَازِ أَنَّهَا مُتَقَادِمٌ أَمْ لَا (وَكَمْ هِيَ) ، وَالضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلَى السَّرِقَةِ، وَالْمُرَادُ الْمَسْرُوقُ فَيَسْأَلُ الْإِمَامُ لِيَعْلَمَ أَنَّ الْمَسْرُوقَ كَانَ نِصَابًا أَوْ لَا.
(وَمِمَّنْ سَرَقَ) لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، أَوْ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ لَا يُقَالُ إنَّ هَذَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَسْرُوقَ مِنْهُ حَاضِرٌ، وَالشُّهُودُ تَشْهَدُ بِالسَّرِقَةِ مِنْهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى السُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ حَاضِرًا وَيَكُونَ الْمُدَّعِي غَيْرَهُ تَأَمَّلْ.
(وَبَيَّنَاهَا) أَيْ: بَيَّنَ الشَّاهِدَانِ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ الْمَسْئُولَ عَنْهَا (قُطِعَ) جَوَابُ أَنْ أَيْ: قُطِعَ السَّارِقُ يَدُهُ سَوَاءٌ كَانَ مُقِرًّا، أَوْ غَيْرَهُ جَزَاءً لِكَسْبِهِ وَيَحْبِسُهُ إلَى أَنْ يَسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ لِلتُّهْمَةِ ثُمَّ يَحْكُمُ بِالْقَطْعِ.
وَفِي الْبَحْرِ، وَأَمَّا الْمُقِرُّ فَيُسْأَلُ عَنْ جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا إلَّا عَنْ السُّؤَالِ عَنْ الزَّمَانِ.
وَفِي الْفَتْحِ وَلَا يُسْأَلُ الْمُقِرُّ عَنْ الْمَكَانِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ لِلِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ وَصَحَّ رُجُوعُهُ عَنْ إقْرَارِهِ بِالسَّرِقَةِ حَتَّى لَوْ أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ جَمَاعَةً، ثُمَّ رَجَعَ وَاحِدٌ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْ الْجَمِيعِ، وَلَكِنْ يَضْمَنُونَ الْمَالَ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ وَإِذَا أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ، ثُمَّ هَرَبَ، فَإِنْ كَانَ فِي فَوْرِهِ لَا يُتَّبَعُ بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ، ثُمَّ هَرَبَ فَإِنَّهُ يُتَّبَعُ.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَلَا قَطْعَ بِنُكُولٍ وَإِقْرَارِ مَوْلًى عَلَى عَبْدِهِ بِهَا، وَإِنْ لَزِمَ الْمَالُ، وَلَوْ قَضَى بِالْقَطْعِ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ إقْرَارٍ فَقَالَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ هَذَا مَتَاعُهُ لَمْ يَسْرِقْهُ مِنِّي أَوْ قَالَ شَهِدَ شُهُودِي بِزُورٍ، أَوْ أَقَرَّ هُوَ بِبَاطِلٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا قَطْعَ كَمَا لَوْ شَهِدَ كَافِرَانِ عَلَى كَافِرٍ وَمُسْلِمٍ بِهَا فِي حَقِّهِمَا.
(وَإِنْ كَانُوا) أَيْ: السُّرَّاقُ (جَمْعًا) أَيْ: مِمَّا فَوْقَ الْوَاحِدِ (وَأَصَابَ كُلًّا مِنْهُمْ قَدْرَ نِصَابٍ) أَيْ: نِصَابِ السَّرِقَةِ، وَهُوَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةٌ (قُطِعُوا) أَيْ: قَطَعَ الْإِمَامُ يَدَ كُلِّهِمْ (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (تَوَلَّى الْأَخْذَ بَعْضُهُمْ) لِوُجُودِ الْأَخْذِ مِنْ الْكُلِّ مَعْنًى فَإِنَّهُمْ مُعَاوِنُونَ فَلَوْ امْتَنَعَ الْحَدُّ بِمِثْلِهِ لَامْتَنَعَ الْقَطْعُ فِي أَكْثَرِ السُّرَّاقِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ لَكِنْ يُشْكِلُ بِمَا قَالُوا إنَّهُ يَجِبُ الِاحْتِيَاطُ فِي الدَّرْءِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْطَعَ غَيْرُ الْآخِذِ كَمَا هُوَ قَوْلُ زُفَرَ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وُضِعَتْ فِي دُخُولِهِمْ الْحِرْزَ
стр. 615
كُلُّهُمْ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ دُخُولِ وَاحِدٍ الْبَيْتَ وَتَأَوَّلَ مَنْ هُوَ خَارِجٌ تَدَبَّرْ.
وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ كُلًّا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُقْطَعْ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِرْهَمًا مِنْ حِرْزٍ وَاحِدٍ قُطِعَ لِكَمَالِ النِّصَابِ فِي حَقِّ السَّارِقِ وَإِطْلَاقُهُ شَامِلٌ بِمَا إذَا كَانُوا خَرَجُوا مِنْ الْحِرْزِ، أَوْ بَعْدَهُ فِي فَوْرِهِ، أَوْ خَرَجَ هُوَ بَعْدَهُمْ فِي فَوْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَحْصُلُ التَّعَاوُنُ.
(وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ السَّاجِ) ضَرْبٌ مِنْ الشَّجَرِ لَا يَنْبُتُ إلَّا بِبِلَادِ الْهِنْدِ (، وَالْآبِنُوسِ) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ مَعْرُوفٌ (وَالصَّنْدَلِ) ، وَالْعَوْدِ، وَالْعَنْبَرِ، وَالْمِسْكِ، وَالْأَدْهَانِ، وَالْوَرْسِ، وَالزَّعْفَرَانِ (وَالْفُصُوصِ) بِضَمِّ الْفَاءِ فَصُّ الْخَاتَمِ (الْخُضْرِ) جَمْعُ أَخْضَرَ، وَالتَّقْيِيدُ بِهَا اتِّفَاقِيٌّ (وَالْيَاقُوتِ، وَالزَّبَرْجَدِ) ، وَاللُّؤْلُؤِ، وَاللَّعْلِ، وَالْفَيْرُوزَجِ (وَالْإِنَاءِ، وَالْبَابِ الْمُتَّخِذَيْنِ مِنْ الْخَشَبِ) ؛ لِأَنَّ الصَّنْعَةَ فِيهَا غَلَبَتْ عَلَى الْأُصُولِ، وَالْتَحَقَتْ بِالْأَمْوَالِ النَّفِيسَةِ هَذَا إذَا كَانَ الْبَابُ فِي الْحِرْزِ وَكَانَ خَفِيفًا لَا يَثْقُلُ عَلَى الْوَاحِدِ حَتَّى لَوْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالْجِدَارِ لَا يُقْطَعُ، وَكَذَا بِكُلِّ مَا هُوَ مِنْ أَعَزِّ الْأَمْوَالِ وَأَنْفَسِهَا وَلَا يُوجَدُ فِي دَارِ الْعَدْلِ مُبَاحَةَ الْأَصْلِ غَيْرَ مَرْغُوبٍ فِيهَا كَمَا فِي الدُّرَرِ.
(لَا) يُقْطَعُ (بِسَرِقَةِ شَيْءٍ تَافِهٍ) أَيْ: حَقِيرٍ خَسِيسٍ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ (يُوجَدُ مُبَاحًا فِي دَارِنَا كَخَشَبٍ) أَيْ: لَمْ تَدْخُلْهُ صَنْعَةٌ تَغْلِبُ عَلَيْهِ كَالْحَصِيرِ الْخَسِيسَةِ حَتَّى لَوْ غَلَبَتْ الصَّنْعَةُ كَالْحَصِيرِ الْبَغْدَادِيَّةِ، وَالْمِصْرِيَّةِ، والجرجانية يُقْطَعُ فِيهَا (وَحَشِيشٍ) مَمْلُوكٍ فَلَا قَطْعَ بِالْكِلَاءِ الرَّطْبِ بِالطَّرِيقِ أَوْلَى وَاخْتُلِفَ فِي الْقَطْعِ بِأَخْذِ الْوَسْمَةِ، وَالْحِنَّاءِ، وَالْوَجْهُ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِحْرَازِهِ فِي الدَّكَاكِينِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَقَصَبٍ وَسَمَكٍ) سَوَاءٌ كَانَ طَرِيًّا، أَوْ مَالِحًا (وَطَيْرٍ) مُطْلَقًا حَتَّى الْبَطِّ، وَالدَّجَاجِ، وَالْحَمَامِ لَكِنْ اسْتَثْنَى فِي الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ الطَّيْرِ الدَّجَاجَ (وَزِرْنِيخٍ) وَنَظَّرَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ يَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ بِأَخْذِ الزِّرْنِيخِ؛ لِأَنَّهُ يُصَانُ فِي الدَّكَاكِينِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَمَغَرَةٍ) بِالْفَتَحَاتِ الطِّينُ الْأَحْمَرُ، وَكَذَا بِزُجَاجٍ عَلَى الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ يُسْرِعُ إلَيْهِ الْكَسْرُ (وَنَوْرَةٍ) وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ يُقْطَعُ لِكُلِّ مَالٍ لَوْ بَلَغَ قِيمَةُ الْمَأْخُوذِ نِصَابًا إلَّا فِي التُّرَابِ، وَالسِّرْقِينِ، وَالْأَشْرِبَةِ الْمُطْرِبَةِ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مُتَقَوِّمًا مِنْ حِرْزٍ لَا شُبْهَةَ فِيهِ (وَلَا) يُقْطَعُ أَيْضًا (بِمَا يُسْرِعُ فَسَادُهُ كَلَبَنٍ وَلَحْمٍ) ، وَلَوْ كَانَ قَدِيدًا مَا هُوَ مُهَيَّأٌ لِلْأَكْلِ كَالْخُبْزِ بِخِلَافِ مَا لَمْ يَكُنْ مُهَيَّأً لِلْأَكْلِ كَالْحِنْطَةِ، وَالسُّكَّرِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ فِيهِ إجْمَاعًا فِي غَيْرِ سَنَةِ الْقَحْطِ، وَأَمَّا فِيهَا فَلَا قَطْعَ فِي الطَّعَامِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ عَنْ ضَرُورَةٍ وَجُوعٍ كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ (وَفَاكِهَةٍ رَطْبَةٍ) فَدَخَلَ فِيهَا الْعِنَبُ، وَالرُّطَبُ عَلَى الْمُخْتَارِ بِخِلَافِ الزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ يَبْقَى مِنْ حَوْلٍ إلَى حَوْلٍ فَلَا قَطْعَ بِمَا لَا يَبْقَى وَمَا فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُ يُقْطَعُ بِالْعَسَلِ، وَالْخَلِّ إجْمَاعًا كَلَامٌ؛ لِأَنَّ النَّاطِفِيَّ نَقَلَ عَنْ الْمُجَرَّدِ عَدَمَ الْقَطْعِ فِي الْخَلِّ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ خَمْرًا مَرَّةً فَحِينَئِذٍ لَا إجْمَاعَ تَأَمَّلْ.
(وَبِطِّيخٍ) أَيْ:
стр. 616
لَا يَفْسُدُ سَرِيعًا مِنْهُ كَالْقَدِيدِ مِنْهُ، وَأَمَّا مَا يَفْسُدُ مِنْهُ فَدَاخِلٌ فِي الْفَاكِهَةِ الرَّطْبَةِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيُّ فَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِدُخُولِهِ فِي الْفَاكِهَةِ تَأَمَّلْ.
(وَكَذَا ثَمَرٍ) أَيْ: لَا بِفَاكِهَةٍ يَابِسَةٍ (عَلَى الشَّجَرِ) كَالْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ لِعَدَمِ الْإِحْرَازِ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالشَّجَرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الْحِرْزِ قُطِعَ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ نَقْلًا عَنْ الْمُضْمَرَاتِ فَمَنْ لَمْ يَتَفَطَّنْ عَلَى هَذَا قَالَ كَانَ هَذَا مَعْلُومًا مِنْ قَوْلِهِ وَفَاكِهَةٍ رَطْبَةٍ لَكِنْ أَعَادَهُ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ وَزَرْعٍ لَمْ يُحْصَدْ تَأَمَّلْ.
(وَزَرْعٍ لَمْ يَحْصُدْ) ، وَإِنْ كَانَ لَهُ حَائِطٌ، أَوْ حَافِظٌ لِعَدَمِ الْإِحْرَازِ الْكَامِلِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَوْ حُصِدَ وَوُضِعَ فِي الْحَظِيرَةِ قُطِعَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُحْرَزًا (وَلَا) يُقْطَعُ (بِمَا يُتَأَوَّلُ فِيهِ الْإِنْكَارُ) يَعْنِي يَقُولُ أَخَذْته لِنَهْيِ الْمُنْكَرِ (كَأَشْرِبَةٍ مُطْرِبَةٍ) أَيْ: مُسْكِرَةٍ قَالَ الْعَيْنِيُّ مُطْرِبَةٌ، أَوْ غَيْرُ مُطْرِبَةٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ حُلْوًا فَهُوَ مِمَّا يَتَسَارَعُ الْفَسَادُ، وَإِنْ كَانَ مُرًّا، فَإِنْ كَانَ خَمْرًا فَلَا قِيمَةَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهَا فَلِلْعُلَمَاءِ فِي تَقَوُّمِهَا اخْتِلَافٌ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ؛ لِأَنَّهُ مَا زَالَ مُتَقَوِّمًا إجْمَاعًا (وَآلَاتِ لَهْوٍ كَدُفٍّ وَطَبْلٍ) وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّبْلِ لِلْغُزَاةِ وَغَيْرِهِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ فِي صَلَاحِيَّتِهِ لِلَّهْوِ صَارَتْ شُبْهَةٌ (وَبَرْبَطٍ وَمِزْمَارٍ وَطُنْبُورٍ) لِعَدَمِ تَقَوُّمِهَا حَتَّى لَا يَضْمَنَ مُتْلَفًا وَعِنْدَ الْإِمَامِ، وَإِنْ ضَمِنَهَا لِغَيْرِ اللَّهْوِ إلَّا أَنَّهُ يَتَأَوَّلُ أَخْذَهُ لِلنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ (وَصَلِيبٍ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ وَشِطْرَنْجٍ وَنَرْدٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَتَبَادَرُ مِنْ أَخْذِهَا الْكَسْرُ نَهْيًا عَنْ الْمُنْكَرِ بِخِلَافِ الدِّرْهَمِ الَّذِي عَلَيْهِ التِّمْثَالُ؛ لِأَنَّهُ مَا أُعِدَّ لِلْعِبَادَةِ فَلَا يُثْبِتُ شُبْهَةَ إبَاحَةِ الْكَسْرِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا كَانَ الصَّلِيبُ فِي مُصَلَّاهُمْ لَا يُقْطَعُ لِعَدَمِ الْحِرْزِ، وَإِنْ فِي الْبَيْتِ يُقْطَعُ لِوُجُودِ النِّصَابِ، وَالْحِرْزِ وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَأْوِيلِ الْإِبَاحَةِ فَهُوَ عَامٌّ لَا يُخَصَّصُ غَيْرُ الْحِرْزِ، وَهُوَ الْمُسْقِطُ.
(وَلَا) يُقْطَعُ (بِسَرِقَةِ بَابِ مَسْجِدٍ) مُطْلَقًا لِعَدَمِ الْإِحْرَازِ لَكِنْ يَجِبُ أَنْ يُعَزَّرَ وَيُبَالَغَ فِيهِ إنْ اعْتَادَ وَيُحْبَسَ حَتَّى يَتُوبَ.
وَفِي الْبَحْرِ لَا قَطْعَ فِي سَرِقَةِ حَصِيرِهِ وَقَنَادِيلِهِ، وَكَذَا أَسْتَارُ الْكَعْبَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُحْرَزَةً لِعَدَمِ الْمَالِكِ (وَكُتُبِ عِلْمٍ وَمُصْحَفٍ) ؛ لِأَنَّ آخِذَهَا يَتَأَوَّلُ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِ، أَوْ النَّظَرِ لِإِزَالَةِ الْأَشْكَالِ (وَصَبِيٍّ حُرٍّ، وَلَوْ) كَانَ (عَلَيْهِمَا) أَيْ: عَلَى الصَّبِيِّ، وَالْمُصْحَفِ (حِلْيَةٌ) مِنْ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ قَدْرُ النِّصَابِ وَهَذَا عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْكَاغَدَ، وَالْجِلْدَ، وَالْحِلْيَةَ تَبَعٌ كَمَنْ سَرَقَ آنِيَةً فِيهَا خَمْرٌ وَقِيمَةُ الْآنِيَةِ فَوْقَ النِّصَابِ وَمِثْلُهُ الصَّبِيُّ الْحُرُّ وَعَلَيْهِ حُلِيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ وَمَا عَلَيْهِ تَبَعٌ لَهُ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّ عِنْدَهُ تُقْطَعُ إذَا بَلَغَ الْحِلْيَةُ نِصَابًا؛ لِأَنَّ سَرِقَتَهُ تَمَّتْ فِي نِصَابٍ كَامِلٍ، وَالْخِلَافُ فِي صَبِيٍّ لَا يَمْشِي وَلَا يَتَكَلَّمُ حَتَّى لَا يَكُونَ فِي يَدِ نَفْسِهِ وَإِلَّا لَا يُقْطَعُ اتِّفَاقًا وَفِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ لَوْ سَرَقَ إنَاءَ ذَهَبٍ فِيهِ نَبِيذٌ، أَوْ ثَرِيدٌ، أَوْ كَلْبًا عَلَيْهِ قِلَادَةُ فِضَّةٍ لَا يُقْطَعُ عَلَى الْمَذْهَبِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ مَا فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
стр. 617
تَدَبَّرْ.
(وَ) لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ (عَبْدٍ كَبِيرٍ) ، أَوْ صَغِيرٍ يَعْقِلُ؛ لِأَنَّهُ غَصْبٌ وَخِدَاعٌ وَإِطْلَاقُهُ شَامِلٌ لِلنَّائِمِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالْأَعْمَى (وَدَفْتَرٍ) الْمُرَادُ مِنْ الدَّفْتَرِ صَحِيفَةٌ فِيهَا كِتَابَةٌ مِنْ مُصْحَفٍ، أَوْ تَفْسِيرٍ أَوْ حَدِيثٍ، أَوْ فِقْهٍ، أَوْ عُلُومٍ عَرَبِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ فَعَلَى هَذَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ وَدَفْتَرٍ لَاسْتَغْنَى عَنْ قَوْلِهِ وَكُتُبِ عِلْمٍ تَدَبَّرْ.
(بِخِلَافِ) سَرِقَةِ الْعَبْدِ (الصَّغِيرِ) أَيْ: لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يَعْقِلُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي الْكَبِيرِ (وَدَفْتَرِ الْحِسَابِ) ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ لَا يُقْصَدُ بِالْأَخْذِ فَكَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْكَوَاغِدَ.
وَفِي الْبَحْرِ، وَأَمَّا الدَّفَاتِرُ الَّتِي فِي الدِّيوَانِ الْمَعْمُولِ بِهَا، فَالْمَقْصُودُ عِلْمُ مَا فِيهَا فَلَا قَطْعَ، وَأَمَّا دَفْتَرُ عِلْمِ الْحِسَابِ، وَالْهَنْدَسَةِ فَهُوَ كَغَيْرِهِ فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَتِهِ؛ لِأَنَّهَا كَالْكُتُبِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يُقْطَعُ فِي كُلِّ الدَّفَاتِرِ بِلَا فَرْقٍ إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا.
(وَلَا) يُقْطَعُ (بِسَرِقَةِ كَلْبٍ) وَنَمِرٍ (وَفَهْدٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحُ الْأَصْلِ (وَلَا) يُقْطَعُ (بِخِيَانَةٍ) ، وَهِيَ الْأَخْذُ مِمَّا فِي يَدِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ لِقُصُورِ الْحِرْزِ (وَنَهْبٍ) أَيْ: غَارَةٍ لِمَالٍ؛ لِأَنَّهُ أُخِذَ عَلَانِيَةً (وَاخْتِلَاسٍ) ، وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْيَدِ بِسُرْعَةٍ جَهْرًا.
(وَكَذَا نَبْشٌ) أَيْ: لَا يُقْطَعُ بِأَخْذِ الْكَفَنِ عَنْ مَيِّتٍ فِي قَبْرٍ سَوَاءٌ كَانَ الْكَفَنُ مَسْنُونًا، أَوْ زَائِدًا، أَوْ أَقَلَّ، وَلَوْ كَانَ الْقَبْرُ الَّذِي نَبَشَهُ وَسَرَقَ مِنْهُ فِي بَيْتٍ مُقْفَلٍ عَلَى الصَّحِيحِ لِاخْتِلَالِ الْحِرْزِ، وَكَذَا لَوْ سَرَقَ مِنْ الْقَبْرِ غَيْرَ الْكَفَنِ، أَوْ سَرَقَ مِنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ مَالًا آخَرَ لِوُجُودِ الْإِذْنِ بِالدُّخُولِ عَادَةً، وَكَذَا لَوْ سَرَقَ الْكَفَنَ مِنْ تَابُوتٍ فِي الْقَافِلَةِ وَفِيهِ الْمَيِّتُ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ تَمَكَّنَتْ فِي الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لِلْمَيِّتِ حَقِيقَةً وَلَا لِلْوَارِثِ لِتَقَدُّمِ حَاجَةِ الْمَيِّتِ وَهَذَا عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) أَيْ فَيُقْطَعُ بِالْكَفَنِ الْمَسْنُونِ، أَوْ أَقَلَّ، وَلَوْ كَانَ الْقَبْرُ فِي الصَّحْرَاءِ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ نَبَشَ قَطَعْنَاهُ» ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَهُمَا قَوْلُهُ ﵊ «لَا قَطْعَ عَلَى الْمُخْتَفِي» ، وَهُوَ النَّبَّاشُ بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَا رَوَاهُ غَيْرُ مَرْفُوعٍ، أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى السِّيَاسَةِ لِمَنْ اعْتَادَهُ فَيَقْطَعُهُ الْإِمَامُ سِيَاسَةً لَا حَدًّا.
(وَلَا) يُقْطَعُ (بِسَرِقَةِ مَالِ عَامَّةٍ) كَمَالِ بَيْتِ الْمَالِ (أَوْ) مَالٍ (مُشْتَرَكٍ) ؛ لِأَنَّ لِلسَّارِقِ فِيهِ حَقًّا فَأَوْرَثَ شُبْهَةً (أَوْ مِثْلَ دَيْنِهِ) مِنْ جِنْسِهِ، وَلَوْ حُكْمًا (أَوْ أَزْيَدَ) عَلَى دَيْنِهِ لِصَيْرُورَتِهِ شَرِيكًا بِمِقْدَارِ حَقِّهِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يُقْطَعُ فِي الزَّائِدِ (حَالًّا كَانَ، أَوْ مُؤَجَّلًا) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ، وَالتَّأْجِيلُ لِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يُقْطَعَ فِي الْمُؤَجَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ أَخْذُهُ قَبْلَ الْأَجَلِ (وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ) مِنْ خِلَافِ جِنْسِ حَقِّهِ بِأَنْ كَانَ (نَقْدًا فَسَرَقَ عَرْضًا قُطِعَ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِاسْتِيفَاءٍ وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِبْدَالٌ فَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالتَّرَاضِي وَلَمْ يُوجَدْ، وَكَذَا لَوْ سَرَقَ حُلِيًّا مِنْ فِضَّةٍ وَدَيْنُهُ دَرَاهِمُ إلَّا أَنْ يَقُولَ أَخَذْته رَهْنًا بِدَيْنِي فَلَا قَطْعَ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) .
وَفِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ قَضَاءً مِنْ حَقِّهِ، أَوْ رَهْنًا بِحَقِّهِ قُلْنَا هَذَا قَوْلٌ لَا يَسْتَنِدُ إلَى دَلِيلٍ ظَاهِرٍ فَلَا يُعْتَبَرُ بِدُونِ اتِّصَالِ الدَّعْوَى بِهِ حَتَّى لَوْ ادَّعَى ذَلِكَ دُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ ظَنٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ انْتَهَى.
فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُعَبِّرَ بِعَنْ كَمَا
стр. 618
مَرَّ تَحْقِيقُهُ آنِفًا.
(وَإِنْ كَانَ) دَيْنُهُ (دَنَانِيرَ فَسَرَقَ دَرَاهِمَ أَوْ بِالْعَكْسِ وَلَا يُقْطَعُ) ، وَكَذَا لَوْ سَرَقَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ أَجْوَدَ، أَوْ أَرْدَأَ؛ لِأَنَّ النَّقْدَيْنِ جِنْسٌ وَاحِدٌ حُكْمًا وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ (وَقِيلَ يُقْطَعُ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ (وَلَا بِمَا قَطْعَ فِيهِ) مَرَّةً (وَلَمْ يَتَغَيَّرْ) أَيْ: إذَا سَرَقَ مَالًا فَقُطِعَ فَرَدَّهُ إلَى مَالِكِهِ، ثُمَّ سَرَقَهُ ثَانِيًا، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْمَسْرُوقُ عَنْ حَالَتِهِ الْأُولَى حَقِيقَةً فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ يُقْطَعَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَدَلِيلُ الطَّرَفَيْنِ مُبَيَّنٌ فِي الْمُطَوَّلَاتِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْمَسْرُوقُ (قَدْ تَغَيَّرَ) عِنْدَ أَخْذِهِ ثَانِيًا (قُطِعَ ثَانِيًا) وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ مَالِكُهُ بَعْدَ الرَّدِّ، ثُمَّ سَرَقَهُ قُطِعَ؛ لِأَنَّهُ يَتَغَيَّرُ حُكْمًا عِنْدَ مَشَايِخِنَا وَعِنْدَ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ لَا يُقْطَعُ (كَغَزْلٍ نُسِخَ) أَيْ لَوْ سَرَقَ الْغَزْلَ فَقُطِعَ وَرُدَّ ثُمَّ نُسِجَ فَعَادَ وَسَرَقَ ثَانِيًا قُطِعَ ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِالتَّغْيِيرِ كَعَيْنٍ أُخْرَى حَتَّى تَبَدَّلَ اسْمُهُ وَيَمْلِكُهُ الْغَاصِبُ بِهِ، وَكَذَا فِي كُلِّ عَيْنٍ فَرُدَّ عَلَى الْمَالِكِ فَأَحْدَثَ فِيهِ صَنْعَةً لَوْ أَحْدَثَهُ الْغَاصِبُ فِي الْمَغْصُوبِ انْقَطَعَ حَقُّ الْمَالِكِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
وَفِي الْفَتْحِ لَوْ سَرَقَ ذَهَبًا، أَوْ فِضَّةً وَقُطِعَ بِهِ وَرُدَّ فَجَعَلَهُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ آنِيَةً، أَوْ كَانَتْ آنِيَةً فَضَرَبَهَا دَرَاهِمَ، ثُمَّ عَادَ فَسَرَقَهُ لَا يُقْطَعُ عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا.
[فَصْلٌ فِي الْحِرْزِ]
ِ (هُوَ) أَيْ: الْحِرْزُ (قِسْمَانِ) حِرْزٌ (بِمَكَانٍ) ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُعَدُّ لِإِحْرَازِ الْأَمْتِعَةِ (كَبَيْتٍ، وَلَوْ بِلَا بَابٍ، أَوْ بَابُهُ مَفْتُوحٌ) ؛ لِأَنَّ الْبَابَ لِقَصْدِ الْإِحْرَازِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَطْعُ إلَّا بِالْإِخْرَاجِ لِبَقَاءِ يَدِهِ قَبْلَهُ.
وَفِي التَّبْيِينِ، وَلَوْ كَانَ بَابُ الدَّارِ مَفْتُوحًا فِي النَّهَارِ فَسَرَقَ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ مُكَابَرَةٌ، وَلَيْسَ بِسَرِقَةٍ، وَلَوْ كَانَ فِي اللَّيْلِ بَعْدَ انْقِطَاعِ انْتِشَارِ النَّاسِ قُطِعَ (وَكَصُنْدُوقٍ) وَغَيْرِهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ (وَيُحَافَظُ كَمَنْ هُوَ عِنْدَ مَالِهِ، وَلَوْ) وَصْلِيَّةٌ (نَائِمًا) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ «قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ سَرَقَ رِدَاءَ صَفْوَانَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ، وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ» كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَعَلَى هَذَا مَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِأَخْذِ الْمَالِ مِنْ نَائِمٍ إذَا جَعَلَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ أَوْ جَنْبِهِ أَمَّا إذَا وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ نَامَ فَفِيهِ خِلَافٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ يُقْطَعُ بِكُلِّ حَالٍ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْإِحْرَازُ الْمُعْتَادُ، وَقَدْ حَصَلَ بِهَذَا فَإِنَّ النَّاسَ يَعُدُّونَ النَّائِمَ عِنْدَ مَتَاعِهِ حَافِظًا لَهُ أَلَا يَرَى أَنَّ الْمُودَعَ، وَالْمُسْتَعِيرَ لَا يَضْمَنُ مِثْلَهُ وَهُمَا يَضْمَنَانِ بِالتَّضْيِيعِ وَمَا لَا يَكُونُ مُحْرَزًا يَكُونُ مُضَيَّعًا.
وَفِي الْبَحْرِ لَا قَطْعَ فِي الْمَوَاشِي فِي الرَّعْيِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا الرَّاعِي، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا سِوَى الرَّاعِي مَنْ يَحْفَظُهُمَا يَجِبُ الْقَطْعُ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ أَفْتُوا بِهَذَا (وَفِي الْحِرْزِ بِالْمَكَانِ لَا يُعْتَبَرُ الْحَافِظُ) فَلَوْ سَرَقَ مِنْ بَيْتٍ مَأْذُونٍ لَهُ بِالدُّخُولِ فِيهِ لَكِنْ مَالِكُهُ يَحْفَظُهُ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْمَكَانَ يَمْنَعُ وُصُولَ الْيَدِ إلَى الْمَالِ وَيَكُونُ الْمَالُ مُخْتَفِيًا بِهِ، وَالِاخْتِفَاءُ لَا يُوجَدُ فِي الْحَافِظِ فَكَانَ ذَلِكَ أَصْلًا وَهَذَا فَرْعًا فَلَا اعْتِبَارَ لِلْفَرْعِ مَعَ وُجُودِ
стр. 619
الْأَصْلِ.
(وَلَا قَطْعَ بِسَرِقَةِ مَالٍ مَنْ بَيْنَهُمَا قَرَابَةُ وَلَاءٍ) بِالْإِجْمَاعِ لِجَرَيَانِ الِانْبِسَاطِ بَيْنَهُمْ بِالِانْتِفَاعِ فِي الْمَالِ، وَالدُّخُولِ فِي الْحِرْزِ (وَلَا بِسَرِقَةٍ مِنْ بَيْتِ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ) مِنْهُ كَالْأَخَوَيْنِ، وَالْعَمَّيْنِ.
(وَلَوْ) وَصْلِيَّةٌ (مَالَ غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ شَرْعًا فِي الدُّخُولِ حِرْزَهُمْ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ.
(وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ) أَيْ: مَالِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ (مِنْ بَيْتِ غَيْرِهِ) أَيْ: بَيْتِ الْأَجْنَبِيِّ لِوُجُودِ الْحِرْزِ.
وَفِي التَّبْيِينِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْطَعَ فِي الْوِلَادِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الشُّبْهَةِ فِي مَالِهِ (وَكَذَا) يُقْطَعُ (بِسَرِقَةٍ مِنْ بَيْتِ مُحَرَّمٍ رَضَاعًا) لِعَدَمِ الْقَرَابَةِ وَمَا فِي التَّبْيِينِ مِنْ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ لَيْسَ بِوَارِدٍ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْخِلَافِ؛ وَلِهَذَا قَالَ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فِي الْأُمِّ) ، وَفِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْهَا بِلَا اسْتِئْذَانٍ عَادَةً بِخِلَافِ أُخْتِهِ رَضَاعًا وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْمَحْرَمِيَّةِ فِي مَنْعِ الْقَطْعِ بِلَا قَرَابَةٍ كَالْمَحْرَمِيَّةِ بِالزِّنَى، أَوْ بِالتَّقْبِيلِ عَنْ شَهْوَةٍ، وَالرَّضَاعُ لَا يُشْتَهَى عَادَةً فَلَا يُسْقِطُهُ إعَادَةٌ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُعَبِّرَ بِعَنْ كَمَا مَرَّ مِرَارًا.
(وَلَا قَطْعَ بِسَرِقَةِ مَالِ زَوْجَتِهِ، أَوْ زَوْجِهَا) لِانْبِسَاطٍ بَيْنَهُمَا فِي الْأَمْوَالِ عَادَةً.
(وَلَوْ مِنْ حِرْزٍ خَاصٍّ) يَعْنِي لَوْ سَرَقَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِي حِرْزِ الْآخِرِ خَاصَّةً لَا يَسْكُنَانِ فِيهِ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَفِيهِ إيمَاءٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ مِنْ بَيْتِهِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا وَعِنْدَ الْمُرَافَعَةِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا لَمْ يُقْطَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقَطْعِ، وَكَذَا لَوْ أَخَذَ مِنْ امْرَأَتِهِ الْمَبْتُوتَةِ فِي الْعِدَّةِ، أَوْ أَخَذَتْ هِيَ مِنْهُ فِي الْعِدَّةِ، وَكَذَا لَوْ أَخَذَ أَجْنَبِيٌّ مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ بِالْعَكْسِ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ الْقَضَاءِ بِالْقَطْعِ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ مَانِعَةٌ، وَكَذَا بَعْدَ الْقَضَاءِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
(وَكَذَا) لَا يُقْطَعُ (لَوْ سَرَقَ) عَبْدٌ (مِنْ سَيِّدِهِ) ، أَوْ سَيِّدَتِهِ (أَوْ زَوْجَةِ سَيِّدِهِ، أَوْ زَوْجِ سَيِّدَتِهِ) لِوُجُودِ الْإِذْنِ بِالدُّخُولِ عَادَةً (أَوْ) سَرَقَ رَجُلٌ مِنْ (مُكَاتَبِهِ) ؛ لِأَنَّ لَهُ مِنْ اكْتِسَابِهِ حَقًّا، وَكَذَا لَوْ سَرَقَ الْمُكَاتَبُ مِنْ سَيِّدِهِ (أَوْ) سَرَقَ رَجُلٌ مِنْ (خَتَنِهِ) بِفَتْحَتَيْنِ هُوَ زَوْجُ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ (أَوْ صِهْرِهِ) بِكَسْرِ الصَّادِ، وَالسُّكُونِ هُوَ زَوْجُ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ امْرَأَتِهِ وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) ، وَلِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (فِيهِمَا) لِعَدَمِ الشُّبْهَةِ فِي الْمَالِ، وَالْحِرْزِ وَلَهُ أَنَّ بَيْنَ الْأَخْتَانِ، وَالْأَصْهَارِ مُبَاسَطَةٌ فِي دُخُولِ بَعْضِهِمْ مَنَازِلَ الْبَعْضِ بِلَا اسْتِئْذَانٍ فَتَمَكَّنَتْ الشُّبْهَةُ فِي الْحِرْزِ (أَوْ) سَرَقَ (مِنْ مَغْنَمٍ) ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ نَصِيبًا وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَخْذَ إنْ كَانَ مِنْ الْمُعَسْكَرِ، فَالْمَغْنَمُ دَاخِلٌ فِي مَالِ الشَّرِكَةِ وَإِلَّا فَفِي مَالِ الْعَامَّةِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (أَوْ) سَرَقَ مِنْ (حَمَّامٍ نَهَارًا، وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (كَانَ رَبُّهُ) أَيْ صَاحِبُهُ (عِنْدَهُ) الْمُرَادُ وَقْتَ الْإِذْنِ بِالدُّخُولِ فِيهِ حَتَّى لَوْ أَذِنَ بِالدُّخُولِ لَيْلًا لَا يُقْطَعُ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ حَافِظٌ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ اخْتَلَّ الْحِرْزُ بِالْإِذْنِ؛ وَلِذَا يُقْطَعُ إذَا سَرَقَ مِنْهُ، وَفِي وَقْتٍ لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ بِالدُّخُولِ.
وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ إذَا سَرَقَ ثَوْبًا مِنْ تَحْتِ رَجُلٍ فِي الْحَمَّامِ يُقْطَعُ (أَوْ) سَرَقَ (مِنْ بَيْتٍ أُذِنَ فِي دُخُولِهِ) وَيَدْخُلُ
стр. 620
فِي ذَلِكَ حَوَانِيتُ التُّجَّارِ، وَالْخَانَاتُ إلَّا إذَا سَرَقَ مِنْهُ لَيْلًا فَيُقْطَعُ إلَّا إذَا اُعْتِيدَ الدُّخُولُ فِيهِ بَعْضَ اللَّيْلِ هَذَا فِي الْمَفْتُوحَةِ، وَفِي الْمُغْلَقَةِ يُقْطَعُ مُطْلَقًا فِي الْأَصَحِّ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ بِجَمَاعَةٍ مَخْصُوصِينَ بِالدُّخُولِ فَدَخَلَ وَاحِدٌ غَيْرُهُمْ وَسَرَقَ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَفِي التَّنْوِيرِ وَكُلُّ مَا كَانَ حِرْزًا لِنَوْعٍ فَهُوَ حِرْزٌ لِلْأَنْوَاعِ كُلِّهَا عَلَى الْمَذْهَبِ (أَوْ) سَرَقَ الضَّيْفُ مِنْ (مُضِيفِهِ) أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا سَرَقَ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي أَضَافَهُ فِيهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ تِلْكَ الدَّارِ الَّتِي أَذِنَ لَهُ فِي دُخُولِهَا، وَهُوَ مُقْفَلٌ أَوْ فِي صُنْدُوقٍ مُقْفَلٍ؛ لِأَنَّ الدَّارَ مَعَ جَمِيعِ بُيُوتِهَا حِرْزٌ وَاحِدٌ فَبِالْإِذْنِ فِي الدَّارِ اخْتَلَّ الْحِرْزُ فَيَكُونُ فِعْلُهُ خِيَانَةً لَا سَرِقَةً وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ مِنْ مَوْضِعٍ أُنْزِلَ فِيهِ لَا يُقْطَعُ.
وَفِي غَيْرِهِ يُقْطَعُ (وَقُطِعَ لَوْ سَرَقَ مِنْ الْحَمَّامِ لَيْلًا) هَذَا لَيْسَ عَلَى الْإِطْلَاقِ حَتَّى لَوْ أُذِنَ بِالدُّخُولِ لَيْلًا لَا يُقْطَعُ كَمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا (أَوْ مِنْ الْمَسْجِدِ مَتَاعًا وَرَبُّهُ) أَيْ صَاحِبُهُ (عِنْدَهُ) ، وَقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ (أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي صُنْدُوقِ غَيْرِهِ أَوْ كُمِّهِ، أَوْ جَيْبِهِ) أَمَّا الصُّنْدُوقُ فَحِرْزٌ بِنَفْسِهِ، وَأَمَّا الْكُمُّ، وَالْجَيْبُ فَحِرْزٌ بِالْحَافِظِ فَيُقْطَعُ إذَا أَخَذَ قَدْرَ النِّصَابِ (أَوْ سَرَقَ جُوَالِقًا) بِضَمِّ الْجِيمِ (فِيهِ مَتَاعٌ وَرَبُّهُ) أَيْ: صَاحِبُهُ (يَحْفَظُهُ، أَوْ نَائِمٌ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْجُوَالِقِ؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ عِنْدَهُ، وَالنَّوْمَ عَلَيْهِ، أَوْ بِقُرْبٍ مِنْهُ حِفْظٌ لَهُ عَادَةً فَيُقْطَعُ.
(أَوْ سَرَقَ الْمُؤَجِّرُ مِنْ الْبَيْتِ الْمُسْتَأْجَرِ) عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ: لَا يُقْطَعُ لَوْ سَرَقَ الْمُؤَجِّرُ مَالَ الْمُسْتَأْجِرِ مِنْ الْبَيْتِ الْمُسْتَأْجَرِ عِنْدَهُمَا. قَيَّدَ بِالْمُؤَجِّرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَرَقَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الْمُؤَجِّرِ فِي بَيْتٍ آخَرَ يُقْطَعُ اتِّفَاقًا.
(وَلَوْ سَرَقَ شَيْئًا وَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الدَّارِ لَا يُقْطَعُ) ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمَالِكِ قَائِمَةٌ حِينَئِذٍ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْأَخْذُ. قَيَّدَ بِالسَّرِقَةِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ بِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الدَّارِ عَلَى الصَّحِيحِ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الدَّارُ صَغِيرَةً بِحَيْثُ لَا يَسْتَغْنِي أَهْلُ الْبُيُوتِ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِصَحْنِ الدَّارِ (بِخِلَافِ مَا لَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ حُجْرَةٍ إلَى صَحْنِ الدَّارِ) يَعْنِي لَوْ كَانَتْ الدَّارُ كَبِيرَةً وَفِيهَا مَقَاصِيرُ أَيْ: حُجَرُ وَمَنَازِلُ، وَفِي كُلِّ مَقْصُورَةٍ مَكَانٌ يَسْتَغْنِي بِهِ أَهْلُهُ عَنْ انْتِفَاعٍ بِصَحْنِ الدَّارِ وَإِنَّمَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ انْتِفَاعَ السِّكَّةِ فَيَكُونُ إخْرَاجُهُ كَإِخْرَاجِهِ إلَى السِّكَّةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَقْصُورَةٍ بِاعْتِبَارِ سَاكِنِيهَا حِرْزٌ عَلَى حِدَةٍ فَيُقْطَعُ بِإِخْرَاجِهِ إلَى صَحْنِهَا (أَوْ سَرَقَ بَعْضَ أَهْلِ حُجَرِ) جَمْعُ حُجْرَةٍ (دَارٍ مِنْ حُجْرَةٍ أُخْرَى فِيهَا) أَيْ: فِي الدَّارِ بِأَنْ كَانَتْ كَبِيرَةً فِيهَا حُجُرَاتٌ يَسْكُنُ فِي كُلٍّ مِنْهَا إنْسَانٌ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْحُجْرَةِ الَّتِي يَسْكُنُ فِيهَا غَيْرُهُ لَا كَالدَّارِ الَّتِي صَاحِبُهَا وَاحِدٌ وَبُيُوتُهَا مَشْغُولَةٌ بِمَتَاعِهِ وَخُدَّامِهِ وَبَيْنَهُمْ انْبِسَاطٌ كَمَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ فَعَلَى هَذَا أَنَّ مَا فِي الْكَافِي مِنْ أَنَّهُ.
وَفِي الدَّارِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْبُيُوتِ إذَا كَانَ فِي كُلِّ بَيْتٍ سَاكِنٌ لَا يُقْطَعُ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا وَإِلَّا فَظَاهِرُهُ مُخَالِفٌ تَدَبَّرْ.
(أَوْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ حِرْزٍ فَأَلْقَاهُ فِي الطَّرِيقِ، ثُمَّ خَرَجَ فَأَخَذَهُ) يُقْطَعُ عِنْدَنَا.
وَقَالَ زُفَرُ لَا يُقْطَعُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِلْقَاءَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقَطْعِ كَمَا لَوْ أَخْرَجَ وَلَمْ يَأْخُذْ.
стр. 621
وَلَنَا أَنَّ الرَّمْيَ حِيلَةٌ يَعْتَادُهَا السُّرَّاقُ وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ يَدٌ مُعْتَبَرَةٌ فَاعْتُبِرَ الْكُلُّ فِعْلًا وَاحِدًا بِخِلَافِ مَا لَوْ تَرَكَهُ؛ لِأَنَّهُ مُضَيِّعٌ لَا سَارِقٌ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تُقْطَعُ مُطْلَقًا (أَوْ حَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ فَسَاقَهُ فَأَخْرَجَهُ) أَيْ: الْحِمَارَ (مِنْ الْحِرْزِ) ؛ لِأَنَّ سَيْرَهُ مُضَافٌ إلَيْهِ بِسَوْقِهِ. قَيَّدَ بِالسَّوْقِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسُقْهُ وَخَرَجَ بِنَفْسِهِ لَمْ تُقْطَعْ، وَالْمُرَادُ مُتَسَبِّبًا فِي إخْرَاجِهِ فَشَمِلَ مَا لَوْ أَلْقَاهُ فِي نَهْرٍ فِي الدَّارِ وَكَانَ الْمَاءُ ضَعِيفًا وَأَخْرَجَهُ بِتَحْرِيكِ السَّارِقِ؛ لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ يُضَافُ إلَيْهِ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ الْمَاءُ بِقُوَّةِ جَرْيِهِ لَمْ يُقْطَعْ وَقِيلَ يُقْطَعْ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ بِسَبَبِهِ.
(وَلَوْ دَخَلَ بَيْتًا فَأَخَذَ) شَيْئًا (وَنَاوَلَ) أَيْ: أَعْطَى (مَنْ هُوَ خَارِجٌ) مِنْ الْبَيْتِ (لَا يُقْطَعَانِ) ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ يَجِبُ بِهَتْكِ الْحِرْزِ، وَالْإِخْرَاجِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ مِنْهُمَا.
(وَكَذَا) لَا يُقْطَعَانِ (لَوْ أَدْخَلَ الْخَارِجُ يَدَهُ فَتَنَاوَلَ) أَيْ: أَخَذَهُ مِنْ الدَّاخِلِ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُقْطَعُ الدَّاخِلُ) فَقَطْ (فِي) الصُّورَةِ (الْأُولَى وَيَقْطَعَانِ فِي) الصُّورَةِ (الثَّانِيَةِ) .
وَفِي الْكَافِي، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إنْ كَانَ الْخَارِجُ أَدْخَلَ يَدَهُ حَتَّى نَاوَلَهُ الْآخَرُ الْمَتَاعَ، فَالْقَطْعُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ أَخْرَجَ يَدَهُ مَعَ الْمَتَاعِ حَتَّى أَخَذَ مِنْهُ الْخَارِجُ يُقْطَعُ الدَّاخِلُ لَا الْخَارِجُ؛ لِأَنَّ الدَّاخِلَ تَمَّ مِنْهُ هَتْكُ الْحِرْزِ فَصَارَ الْمَالُ مُخْرَجًا بِفِعْلِهِ أَوْ بِمُعَاوَنَتِهِ فَيُقْطَعُ بِكُلِّ حَالٍ فَإِمَّا الْخَارِجُ إنْ أَدْخَلَ يَدَهُ فَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ إخْرَاجُ الْمَالِ مِنْ الْحِرْزِ فَيُقْطَعُ، وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ يَدَهُ، وَلَكِنْ الْآخَرُ أَخْرَجَ يَدَهُ إلَيْهِ فَإِنَّمَا أَخَذَ هُوَ مَتَاعًا غَيْرَ مُحْرَزٍ فَلَا يُقْطَعُ انْتَهَى.
لَكِنْ بَقِيَتْ هَاهُنَا صُورَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنْ يَدْخُلَ أَحَدُهُمَا فِي الْبَيْتِ وَيَأْخُذَ شَيْئًا ثُمَّ يُنَاوِلَهُ مَنْ فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ الْبَيْتِ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْخِلَ الْخَارِجُ يَدَهُ فِيهِ أَيُقْطَعَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا عِنْدَهُ أَمْ لَا فَعَلَى هَذَا أَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ وَافِيَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّفْصِيلِ وَأَنْ يُعَبِّرَ بِعَنْ تَدَبَّرْ.
(وَكَذَا لَا يُقْطَعُ لَوْ نَقَبَ بَيْتًا وَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ وَأَخَذَ شَيْئًا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَهْتِكْ الْحِرْزَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْإِمْلَاءِ تُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مِنْ الْحِرْزِ (أَوْ طَرَّ) أَيْ شَقَّ (صُرَّةً خَارِجَةً مِنْ كُمِّ غَيْرِهِ خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِأَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ تُقْطَعُ عِنْدَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
(وَإِنْ حَلَّهَا) أَيْ: الصُّرَّةَ (وَأَخَذَ مِنْ دَاخِلِ الْكُمِّ تُقْطَعُ اتِّفَاقًا) هَذَا مُجْمَلٌ وَتَفْصِيلُهُ، وَإِنْ طَرَّ صُرَّةً خَارِجَةً مِنْ الْكُمِّ وَأَخَذَ الدَّرَاهِمَ لَمْ تُقْطَعْ، وَإِنْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْكُمِّ وَطَرَّهَا وَأَخَذَهَا قُطِعَ؛ لِأَنَّ الرِّبَاطَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ خَارِجٍ فَبِالطَّرِّ يَتَحَقَّقُ الْأَخْذُ مِنْ الظَّاهِرِ فَلَا يُوجَدُ هَتْكُ الْحِرْزِ، وَالرِّبَاطُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي مِنْ دَاخِلٍ فَبِالطَّرِّ يَتَحَقَّقُ هَتْكُ الْحِرْزِ بِإِخْرَاجِ الْمَالِ مِنْ الْكُمِّ، وَلَوْ حَلَّ الرِّبَاطَ تُقْطَعُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ تَبْقَى فِي الْكُمِّ بَعْدَ حَلِّ الرِّبَاطِ فَيَتَحَقَّقُ هَتْكُ الْحِرْزِ بِالْإِخْرَاجِ مِنْهُ.
وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَلَّ الرِّبَاطَ تَبْقَى الدَّرَاهِمُ خَارِجَةً مِنْ الْكُمِّ فَلَمْ يُوجَدْ إخْرَاجُ الْمَالِ مِنْ الْحِرْزِ وَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ خَارِجِ الْكُمِّ فَلَا يُقْطَعُ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ تُقْطَعُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ مُحْرَزٌ إمَّا بِالْكُمِّ، أَوْ بِصَاحِبِهِ قُلْنَا الْمَرْءُ يُعَدُّ مَالُهُ مَحْفُوظًا
стр. 622
بِكُمِّهِ، أَوْ جَيْبِهِ وَقَصْدُهُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ إنْ كَانَ مَاشِيًا أَوْ الِاسْتِرَاحَةُ إنْ كَانَ جَالِسًا لَا حِفْظُ مَالِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْحِرْزِ مَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ كَمَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ التَّفْصِيلُ وَيُعَبِّرُ بِعَنْ مَكَانَ قَوْلِهِ خِلَافًا كَمَا مَرَّ مِرَارًا تَأَمَّلْ.
(وَلَوْ سَرَقَ مِنْ قِطَارٍ) بِالْكَسْرِ أَيْ: مِنْ الْإِبِلِ الْمَقْطُورَةِ الْمُقَرَّبِ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ (جَمَلًا) أَيْ: بَعِيرًا؛ لِأَنَّ الْجَمَلَ يَخْتَصُّ بِالذَّكَرِ مِنْ الْإِبِلِ فَلَا وَجْهَ لِلتَّخْصِيصِ؛ فَلِهَذَا فَسَّرْنَاهُ بِبَعِيرٍ تَدَبَّرْ.
(أَوْ حِمْلًا) بِالْحَاءِ الْمَكْسُورَةِ أَوْ جُوَالِقًا مَمْلُوءًا مِنْ الْمَتَاعِ وَاقِعًا عَلَى ظَهْرِ دَابَّةٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ قِطَارٍ (لَا يُقْطَعُ) ، وَإِنْ وُجِدَ السَّائِقُ، أَوْ الْقَائِدُ، أَوْ الرَّاكِبُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ قَاطِعُ الْمَسَافَةِ أَوْ نَاقِلُ مَتَاعٍ لَا حَافِظٌ قَالَ فِي الْفَتْحِ حَتَّى لَوْ كَانَ مَعَ الْأَحْمَالِ مَنْ يَتْبَعُهَا لِلْحِفْظِ قَالُوا يُقْطَعُ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يُقْطَعُ فِيهِمَا.
(وَإِنْ شَقَّ الْحِمْلَ وَأَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا قُطِعَ) ؛ لِأَنَّ الْجُوَالِقَ حِرْزٌ (وَالْفُسْطَاطُ كَالْبَيْتِ) فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ.
وَفِي الْفَتْحِ لَوْ سَرَقَ نَفْسَ الْفُسْطَاطِ لَا يُقْطَعُ لِعَدَمِ إحْرَازِهِ إلَّا إذَا كَانَ الْفُسْطَاطُ غَيْرَ مَنْصُوبٍ وَإِنَّمَا هُوَ مَلْفُوفٌ عِنْدَ مَنْ يَحْفَظُهُ، أَوْ فِي فُسْطَاطٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ.
وَفِي التَّنْوِيرِ قَالَ أَنَا سَارِقُ هَذَا الثَّوْبِ قُطِعَ إنْ أَضَافَهُ لِكَوْنِهِ إقْرَارًا بِالسَّرِقَةِ، وَإِنْ نَوَّنَهُ لَا تُقْطَعُ لِكَوْنِهِ عِدَةً لَا إقْرَارًا.
[فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْقَطْعِ وَإِثْبَاتِهِ]
فَصَلِّ (كَيْفِيَّةِ الْقَطْعِ وَإِثْبَاتِهِ)
، وَلَوْ تَرَكَ قَوْلَهُ وَإِثْبَاتِهِ لَكَانَ أَخْصَرَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي هَذَا الْفَصْلِ، بَلْ ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فَذِكْرُهُ هُنَا مُسْتَدْرَكٌ تَدَبَّرْ.
(تُقْطَعُ يَمِينُ السَّارِقِ) أَمَّا الْقَطْعُ فَبِالنَّصِّ، وَأَمَّا الْيَمِينُ فَبِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ فَجَازَ التَّقْيِيدُ بِهَا وَهَذَا مِنْ تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ لَا مِنْ بَيَانِ الْمُجْمَلِ، وَقَدْ قَطَعَ النَّبِيُّ ﵊ الْيَمِينَ، وَالصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - (مِنْ زَنْدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَوَارَثُ وَمِثْلُهُ لَا يُطْلَبُ لَهُ سَنَدٌ بِخُصُوصِهِ كَالتَّوَاتُرِ وَلَا يُبَالَى فِيهِ بِكُفْرِ النَّافِينَ فَضْلًا عَنْ فِسْقِهِمْ، أَوْ ضَعْفِ دِينِهِمْ كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَتُحْسَمُ) أَيْ تُغْمَسُ فِي الدُّهْنِ الْمَغْلِيِّ وُجُوبًا؛ لِأَنَّ الدَّمَ لَا يَنْقَطِعُ إلَّا بِهِ، وَالْحَدُّ زَاجِرٌ لَا مُتْلِفٌ؛ وَلِهَذَا لَا يُقْطَعُ فِي الْحَرِّ، وَالْبَرْدِ الشَّدِيدَيْنِ وَيُحْبَسُ حَتَّى يُتَوَسَّطَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ وَأَجْرُ الدُّهْنِ عَلَى السَّارِقِ كَأَجْرِ الْحَدَّادِ وَمُقِيمِ الْحَدِّ.
(وَ) تُقْطَعُ (رِجْلُهُ الْيُسْرَى) مِنْ الْكَعْبِ وَتُحْسَمُ (إنْ عَادَ) إلَى السَّرِقَةِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ الْيَدُ الْيُمْنَى مَوْجُودَةً، وَإِنْ كَانَتْ ذَاهِبَةً، أَوْ مَقْطُوعَةً قَطَعَ الرِّجْلَ الْيُسْرَى، أَوْ لَا، وَإِنْ كَانَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةً فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ (فَإِنْ سَرَقَ ثَالِثًا) ، أَوْ رَابِعًا (لَا تُقْطَعُ) الْيَدُ الْيُسْرَى، وَالرِّجْلُ الْيُمْنَى عِنْدَنَا (بَلْ يُحْبَسُ حَتَّى يَتُوبَ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَيُعَزَّرُ أَيْضًا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ وَمُدَّةُ التَّوْبَةِ مُفَوَّضَةٌ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وَقِيلَ إلَى أَنْ يَظْهَرَ سِيمَاءُ الصَّالِحِينَ فِي وَجْهِهِ وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ سِيَاسَةً لِسَعْيِهِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَقْطَعُ فِي الثَّالِثِ يَدَهُ الْيُسْرَى.
وَفِي الرَّابِعِ رِجْلَهُ الْيُمْنَى لِقَوْلِهِ
стр. 623
- ﵊ «مَنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوهُ» وَلَنَا الْإِجْمَاعُ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ أَنِّي لَأَسْتَحْيِي أَنْ لَا أَدَعَ لَهُ يَدًا يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلًا يَمْشِي عَلَيْهَا وَبِهَذَا حَاجَّ بَقِيَّةَ الصَّحَابَةِ فَحَجَّهُمْ أَيْ غَلَبَهُمْ فَانْعَقَدَ إجْمَاعًا وَلَمْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَبَانَ أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ إذْ لَوْ ثَبَتَ لَبَلَغَهُمْ، وَلَوْ بَلَغَهُمْ لَاحْتَجُّوا بِهِ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى السِّيَاسَةِ، أَوْ النَّسْخِ.
(وَطَلَبُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ شَرْطُ الْقَطْعِ) ؛ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ شَرْطٌ لِظُهُورِهَا حَتَّى لَا يُقْطَعَ، وَهُوَ غَائِبٌ، وَكَذَا إذَا غَابَ عِنْدَ الْقَطْعِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَهَبَهُ الْمَسْرُوقَ هَذَا إذَا اخْتَارَ الْمَالِكُ الْقَطْعَ، وَإِنْ قَالَ أَنَا أَضْمَنُهُ لَمْ يُقْطَعْ عِنْدَنَا كَمَا فِي الشَّرْحِ الْمَجْمَعِ (، وَلَوْ) كَانَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ (مُودَعًا، أَوْ غَاصِبًا، أَوْ صَاحِبَ الرِّبَا أَوْ مُسْتَعِيرًا، أَوْ مُسْتَأْجِرًا، أَوْ مُشَارِبًا، أَوْ مُسْتَبْضِعًا، أَوْ قَابِضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ) أَيْ: بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (أَوْ مُرْتَهِنًا) وَكُلُّ مَنْ لَهُ يَدٌ حَافِظَةٌ سِوَى الْمَالِكِ كَالْأَبِ، وَالْوَصِيِّ، وَالْوَكِيلِ وَمُتَوَلِّي الْوَقْفِ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الِاسْتِرْدَادِ لَهُمْ.
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ لَا يُقْطَعُ بِخُصُومَةِ هَؤُلَاءِ مَا لَمْ يَحْضُرْ الْمَالِكُ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهُمْ الْحِفْظُ دُونَ الْخُصُومَةِ (وَيُقْطَعُ) أَيْضًا (بِطَلَبِ الْمَالِكِ أَيْضًا فِي السَّرِقَةِ مِنْ هَؤُلَاءِ) ، أَوْ الْمُودَعُ، أَوْ الْغَاصِبُ إلَى آخِرِهِ إلَّا أَنَّ الرَّاهِنَ إنَّمَا يُقْطَعُ بِخُصُومَتِهِ حَالَ قِيَامِ الرَّاهِنِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ أَوْ بَعْدَهُ كَمَا فِي الزَّاهِدِيِّ.
وَفِي الْفَتْحِ، وَالصَّحِيحِ مِنْ نُسَخِ الْهِدَايَةِ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْمُطَالَبَةِ بِالْعَيْنِ بِدُونِ الْقَضَاءِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ فِي رَدِّهَا تَأَمَّلْ.
(لَا) يُقْطَعُ (بِطَلَبِ السَّارِقِ، أَوْ الْمَالِكِ لَوْ سَرَقْت مِنْ السَّارِقِ بَعْدَ الْقَطْعِ) يَعْنِي إذَا سَرَقَ رَجُلٌ شَيْئًا فَقُطِعَ بِهِ وَبَقِيَ الْمَسْرُوقُ فِي يَدِهِ وَسَرَقَهُ مِنْ السَّارِقِ سَارِقٌ آخَرُ لَا يُقْطَعُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْمَالَ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ السَّارِقِ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ بِالْهَلَاكِ وَلَمْ يَنْعَقِدْ مُوجِبُهُ لِلْقَطْعِ إذْ الرَّدُّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَلِلْأَوَّلِ وِلَايَةُ الْخُصُومَةِ فِي الِاسْتِرْدَادِ لِحَاجَتِهِ، وَالْوَجْهُ أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ هَذَا الْحَالُ لِلْقَاضِي لَا يَرُدُّهُ إلَى الْأَوَّلِ وَلَا إلَى الثَّانِي إذَا رَدَّهُ لِظُهُورِ خِيَانَةِ كُلٍّ مِنْهُمْ، بَلْ يَرُدُّهُ مِنْ يَدِ الثَّانِي إلَى الْمَالِكِ إنْ كَانَ حَاضِرًا وَإِلَّا حَفِظَهُ كَمَا يَحْفَظُ أَمْوَالَ الْغُيَّبِ كَمَا فِي الْفَتْحِ (بِخِلَافِ مَا لَوْ سُرِقَتْ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ السَّارِقِ الْأَوَّلِ (قَبْلَ الْقَطْعِ، أَوْ بَعْدَ دَرْءِ الْحَدِّ بِشُبْهَةٍ) فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِخُصُومَةِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ التَّقَوُّمِ ضَرُورَةُ الْقَطْعِ وَلَمْ يُوجَدْ فَصَارَ كَالْغَاصِبِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَأَطْلَقَ الْكَرْخِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ عَدَمَ قَطْعِ السَّارِقِ مِنْ السَّارِقِ لَكِنَّ الْحَقَّ مَا فِي الْهِدَايَةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ أَحَدٌ لَا يُقْطَعُ) لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ طَلَبَ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ شَرْطٌ (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (أَقَرَّ هُوَ بِهَا) أَيْ: بِالسَّرِقَةِ (وَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِهِ) أَيْ: حُضُورِ الطَّالِبِ (عِنْدَ الْإِقْرَارِ، وَالشَّهَادَةِ، وَالْقَطْعِ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ
стр. 624
لَا حَاجَةَ إلَى حُضُورِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ إنْ أَقَرَّ بَعْدَمَا شَهِدَ عِنْدَ الْقَطْعِ.
(وَلَوْ كَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى، أَوْ إبْهَامُهَا) أَيْ: إبْهَامُ يَدِهِ الْيُسْرَى (مَقْطُوعَةً، أَوْ شَلَّاءَ، أَوْ أُصْبُعَانِ سِوَى الْإِبْهَامِ كَذَلِكَ) أَيْ: مَقْطُوعَيْنِ، أَوْ شَلَّاءَ (لَا يُقْطَعُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ السَّارِقِ (شَيْءٌ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ بَطْشًا وَقِوَامُ الْبَطْشِ بِالْإِبْهَامِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَقْطُوعُ أُصْبُعًا غَيْرَ الْإِبْهَامِ، أَوْ أَشَلَّ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى شَلَّاءَ، أَوْ نَاقِصَةَ الْأَصَابِعِ يُقْطَعُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِالنَّصِّ قَطْعُ الْيُمْنَى وَاسْتِيفَاءُ النَّاقِصِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْكَامِلِ جَائِزٌ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الِاسْمِ يَتَنَاوَلُ الْكَامِلَ (بَلْ يُحْبَسُ) إلَى أَنْ يَتُوبَ (وَكَذَا) لَا تُقْطَعُ يَدُهُ (لَوْ كَانَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى مَقْطُوعَةً، أَوْ شَلَّاءَ) .
وَفِي الْبَحْرِ لَوْ كَانَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى مَقْطُوعَةَ الْأَصَابِعِ، فَإِنْ كَانَ يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ، وَالْمَشْيَ عَلَيْهَا قُطِعَتْ يَدُهُ وَإِلَّا فَلَا (وَلَا يَضْمَنُ الْمَأْمُورُ بِقَطْعِ الْيُمْنَى لَوْ قَطَعَ الْيُسْرَى) عِنْدَ الْإِمَامِ سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ وَأَخْلَفَ مِنْ جِنْسِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ فَلَا يُعَدُّ إتْلَافًا (وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ إنْ تَعَمَّدَ) ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ طَرَفًا مَعْصُومًا بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا تَأْوِيلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَمَّدُ الظُّلْمَ فَلَا يُعْفَى، وَإِنْ كَانَ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ إلَّا أَنَّهُ امْتَنَعَ لِلشُّبْهَةِ.
وَقَالَ زُفَرُ يَضْمَنُ فِي الْخَطَأِ أَيْضًا، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَالْمُرَادُ هُوَ الْخَطَأُ فِي الِاجْتِهَادِ، وَأَمَّا فِي مَعْرِفَةِ الْيَمِينِ، وَالْيَسَارِ لَا يُجْعَلُ عَفْوًا وَقِيلَ يُجْعَلُ حَتَّى إذَا قَالَ أَخْرِجْ يَمِينَك فَأَخْرَجَ يَسَارَهُ وَقَالَ هَذِهِ يَمِينِي فَقَطَعَ لَا يَضْمَنُ إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهَا يَسَارُهُ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَهُ بِأَمْرِهِ. هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ بِالْأَمْرِ وَإِذَا قَطَعَهُ أَحَدٌ قَبْلَ الْأَمْرِ وَالْقَضَاءِ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ اتِّفَاقًا وَسَقَطَ الْقَطْعُ عَنْ السَّارِقِ، وَقَضَاءُ الْقَاضِي بِالْقَطْعِ كَالْأَمْرِ عَلَى الصَّحِيحِ فَلَا ضَمَانَ، وَلَوْ أَطْلَقَ الْحَاكِمُ وَقَالَ اقْطَعْ يَدَهُ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْيُمْنَى فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْقَاطِعِ اتِّفَاقًا لِعَدَمِ الْمُخَالَفَةِ إذْ الْيَدُ تُطْلَقُ عَلَيْهِمَا.
وَفِي الْبَحْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ أَنَّ هَذَا الْقَطْعَ وَقَعَ حَدًّا أَوْ لَا فَعَلَى طَرِيقَةِ أَنَّهُ وَقَعَ حَدًّا فَلَا ضَمَانَ عَلَى السَّارِقِ لَوْ كَانَ اسْتَهْلَكَ الْعَيْنَ وَعَلَى طَرِيقَةِ عَدَمِ وُقُوعِهِ حَدًّا فَهُوَ ضَامِنٌ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ.
(وَمَنْ سَرَقَ شَيْئًا وَرَدَّهُ قَبْلَ الْخُصُومَةِ إلَى مَالِكِهِ لَا يُقْطَعُ) ؛ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ شَرْطٌ لِظُهُورِ السَّرِقَةِ كَمَا مَرَّ فَلَوْ رَدَّهُ بَعْدَ الْمُرَافَعَةِ إلَى الْقَاضِي قُطِعَ لِانْتِهَاءِ الْخُصُومَةِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا إذَا رَدَّهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالْقَطْعِ، وَأَمَّا إذَا رَدَّهُ بَعْدَمَا شَهِدَ الشُّهُودُ وَلَمْ يَقْضِ الْقَاضِي اسْتِحْسَانًا وَأَطْلَقَ فِي الرَّدِّ فَشَمِلَ الرَّدَّ حَقِيقَةً، وَالرَّدَّ حُكْمًا كَمَا إذَا رَدَّهُ إلَى أَصْلِهِ، وَإِنْ عَلَا كَوَالِدِهِ وَجَدِّهِ وَوَالِدَتِهِ سَوَاءٌ كَانُوا فِي عِيَالِ الْمَالِكِ، أَوْ لَا؛ لِأَنَّ لِهَؤُلَاءِ شُبْهَةَ الْمِلْكِ فَيَثْبُتُ بِهِ شُبْهَةُ الرَّدِّ بِخِلَافِ مَا إذَا رَدَّهُ إلَى عِيَالِ أُصُولِهِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ، وَهِيَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ وَمِنْ الرَّدِّ الْحُكْمِيِّ الرَّدُّ إلَى فَرْعِهِ وَكُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِي عِيَالِهِ وَإِلَّا فَلَيْسَ بِرَدٍّ وَمِنْهُ الرَّدُّ إلَى مُكَاتَبِهِ وَعَبْدِهِ.
стр. 625
وَمِنْهُ الرَّدُّ إلَى مَوْلَاهُ، وَلَوْ كَانَ مُكَاتَبًا وَمِنْهُ إذَا سَرَقَ مِنْ الْعِيَالِ رَدَّ إلَى مَنْ يَعُولُهُمْ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(وَكَذَا) لَا تُقْطَعُ (لَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ مِنْ النِّصَابِ قَبْلَ الْقَطْعِ) بَعْدَ الْقَضَاءِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ تُقْطَعُ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ اعْتِبَارًا بِالنُّقْصَانِ فِي الْعَيْنِ وَلَنَا وَإِنَّ كَمَالَ النِّصَابِ لَمَّا كَانَ شَرْطًا يُشْتَرَطُ قِيَامُهُ عِنْدَ الْإِمْضَاءِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا تَغَيَّرَ السِّعْرُ فِي بَلَدٍ، أَوْ بَلَدَيْنِ حَتَّى إذَا سَرَقَ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ فِي بَلَدٍ وَأَخَذَ فِي آخَرَ فِيهِ الْقِيمَةُ أَنْقَصُ لَمْ تُقْطَعْ وَقَيَّدَ بِنُقْصَانِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ لَوْ نَقَصَتْ فَإِنَّهُ تُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فَكَمَّلَ النِّصَابَ عَيْنًا، أَوْ دَيْنًا كَمَا إذَا اسْتَهْلَكَهُ كُلَّهُ أَمَّا بِنُقْصَانِ السِّعْرِ فَغَيْرُ مَضْمُونٍ فَافْتَرَقَا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ (أَوْ مَلَكَهُ) أَيْ السَّارِقُ الْمَسْرُوقَ (بَعْدَ الْقَضَاءِ) بِهِبَةٍ مَعَ الْقَبْضِ، أَوْ بَيْعٍ.
وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ تُقْطَعُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ السَّرِقَةَ السَّابِقَةَ، وَالْحُكْمُ بِمُوجِبِهَا لَا يَبْطُلُ بِالْمِلْكِ الْحَادِثِ بَعْدَهُ وَلَنَا أَنَّ الْإِمْضَاءَ فِي بَابِ الْحُدُودِ مِنْ الْقَضَاءِ فَإِذَا مَلَكَهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ قَبْلَ الْإِمْضَاءِ سَقَطَ الْقَطْعُ كَمَا لَوْ مَلَكَهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَقَوْلُهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ قَيْدٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ.
(أَوْ ادَّعَى) السَّارِقُ (أَنَّهُ) أَيْ الْمَسْرُوقَ (مِلْكُهُ) أَيْ: مِلْكُ السَّارِقِ بَعْدَمَا ثَبَتَتْ السَّرِقَةُ بِالْبَيِّنَةِ فَلَا قَطْعَ عِنْدَنَا.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (لَمْ يَثْبُتْ) ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ دَارِئَةٌ لِلْحَدِّ فَتُحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى بِدَلِيلِ صِحَّةِ الرُّجُوعِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ إجْمَاعًا وَمِثْلُ هَذَا يُسَمَّى اللِّصَّ الظَّرِيفَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الْقَطْعِ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ يُؤَدِّي إلَى سَدِّ بَابِ الْحَدِّ وَلَا يَعْجِزُ السَّارِقُ عَنْ هَذَا وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا تُقْطَعُ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ.
(وَكَذَا لَوْ ادَّعَاهُ أَحَدُ السَّارِقِينَ) يَعْنِي إذَا كَانَ السَّارِقُ اثْنَيْنِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا الْمِلْكَ لَمْ يُقْطَعَا، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ سَوَاءٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ الْإِمْضَاءِ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَامِلٌ فِي حَقِّ الرَّاجِعِ وَمُورِثٌ لِلشُّبْهَةِ فِي حَقِّ الْآخَرِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ سَرَقْت أَنَا وَفُلَانٌ كَذَا فَأَنْكَرَ فُلَانٌ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ الْمُقِرُّ لِعَدَمِ الشَّرِكَةِ بِتَكْذِيبِهِ.
(وَلَوْ سَرَقَا وَغَابَ أَحَدُهُمَا وَشُهِدَ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: شَهِدَ اثْنَانِ (عَلَى سَرِقَتِهِمَا قُطِعَ الْآخَرُ) أَيْ: الْحَاضِرُ وَكَانَ الْإِمَامُ يَقُولُ أَوَّلًا لَا تُقْطَعُ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ تُقْطَعُ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا؛ لِأَنَّ السَّرِقَةَ إذَا لَمْ تَثْبُتْ عَلَى الْغَائِبِ كَانَ أَجْنَبِيًّا وَبِدَعْوَى الْأَجْنَبِيِّ لَا تَثْبُتُ الشُّبْهَةُ؛ وَلِأَنَّ احْتِمَالَ دَعْوَى الشُّبْهَةِ مِنْ الْغَائِبِ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ فَلَا تُعْتَبَرُ.
(وَلَوْ أَقَرَّ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ بِسَرِقَةٍ قُطِعَ وَرُدَّتْ) إلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ (وَكَذَا الْمَحْجُورُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُقْطَعُ وَلَا تُرَدُّ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يُقْطَعُ وَلَا تُرَدُّ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا أَوْ مَحْجُورًا، وَالْمَالُ قَائِمٌ فِي يَدِهِ، أَوْ هَالِكٌ، وَالْمَوْلَى مُصَدِّقٌ، أَوْ مُكَذِّبٌ، فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي حَقِّ الْقَطْعِ الْمَالِ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيُرَدُّ الْمَالُ عَلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَإِنْ كَانَ هَالِكًا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ صَدَّقَهُ مَوْلَاهُ، أَوْ كَذَّبَهُ، وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا
стр. 626
وَالْمَالُ هَالِكٌ تُقْطَعُ وَلَمْ يَضْمَنْ كَذَّبَهُ مَوْلَاهُ أَوْ صَدَّقَهُ، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا وَصَدَّقَهُ مَوْلَاهُ تُقْطَعُ عِنْدَهُمْ وَيُرَدُّ الْمَالُ عَلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَإِنْ كَذَّبَهُ وَقَالَ الْمَوْلَى الْمَالُ مَالِي قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ تُقْطَعُ يَدُهُ، وَالْمَالُ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ تُقْطَعُ، وَالْمَالُ لِلْمَوْلَى وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا تُقْطَعُ، وَالْمَالُ لِلْمَوْلَى وَيَضْمَنُ الْعَبْدُ بَعْدَ الْعِتْقِ.
وَقَالَ زُفَرَ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِالْمَالِ فِي حَقِّ الْقَطْعِ مَأْذُونًا أَوْ مَحْجُورًا وَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِالْمَالِ إنْ كَانَ مَأْذُونًا، أَوْ يُصَدِّقُهُ الْمَوْلَى، وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا لَا وَدَلِيلُهُمْ مُبَيَّنٌ فِي الْمُطَوَّلَاتِ فَلْيُرَاجَعْ وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الْأَقَاوِيلَ الثَّلَاثَةَ مَرْوِيَّةٌ عَنْ الْإِمَامِ فَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ أَخَذَ بِهِ مُحَمَّدٌ، وَالثَّانِي أَخَذَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ.
(وَمَنْ قُطِعَ بِسَرِقَةٍ، وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ) أَيْ: حَالَ كَوْنِ الْعَيْنِ الْمَسْرُوقَةِ مَوْجُودَةً (رَدَّهَا) إلَى صَاحِبِهَا لِبَقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلسَّارِقِ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ وَهَبَهَا، أَوْ بَاعَهَا فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَالْمَوْهُوبِ لَهُ بِلَا خِلَافٍ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَائِمَةً فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (اسْتَهْلَكَهَا) سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْقَطْعِ، أَوْ بَعْدَهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا غُرْمَ عَلَى السَّارِقِ بَعْدَمَا قُطِعَتْ يَمِينُهُ» قَوْلُهُ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا إشَارَةٌ إلَى رَدّ مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِالِاسْتِهْلَاكِ.
وَفِي الْكَافِي هَذَا إذَا كَانَ بَعْدَ الْقَطْعِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ، فَإِنْ قَالَ الْمَالِكُ أَنَا أَضْمَنُهُ لَمْ تُقْطَعْ عِنْدَنَا، وَإِنْ قَالَ أَنَا أَخْتَارُ الْقَطْعَ تُقْطَعُ وَلَا يَضْمَنُ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يَجْتَمِعُ.
وَفِي الْبَحْرِ لَوْ قُطِعَ السَّارِقُ، ثُمَّ اسْتَهْلَكَ السَّرِقَةَ غَيْرُهُ لَمْ يَضْمَنْ لِأَحَدٍ، وَكَذَا لَوْ هَلَكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي أَوْ الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُهُ.
(وَإِنْ سَرَقَ سَرِقَاتٍ فَقُطِعَ بِكُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا لَا يَضْمَنُ شَيْئًا مِنْهَا) أَيْ مِنْ تِلْكَ السَّرِقَاتِ يَعْنِي مَنْ سَرَقَ سَرِقَاتٍ فَحَضَرَ وَاحِدٌ مِنْ أَرْبَابِهَا وَادَّعَى حَقَّهُ فَأَثْبَتَ فَقُطِعَ فِيهَا فَهُوَ لِجَمِيعِهَا وَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا عِنْدَ الْإِمَامِ (وَقَالَا) ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (يَضْمَنُ مَا) مَوْصُولَةٌ (لَمْ يُقْطَعْ بِهِ) ؛ لِأَنَّ الْحَاضِرَ لَيْسَ بِنَائِبٍ عَنْ الْغَائِبِ وَلَا بُدَّ مِنْ الْخُصُومَةِ لِتَظْهَرَ السَّرِقَةُ وَلَهُ أَنَّ الْوَاجِبَ بِالْكُلِّ قَطْعُ وَاحِدٍ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْحُدُودِ عَلَى التَّدَاخُلِ، وَالْخُصُومَةُ شَرْطٌ لِلظُّهُورِ عِنْدَ الْقَاضِي وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا سَرَقَ مِنْ وَاحِدٍ نِصَابًا مِرَارًا فَخَاصَمَهُ فِي بَعْضِهَا فَقُطِعَ لِنِصَابٍ وَاحِدٍ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ حَضَرُوا وَقُطِعَ بِخُصُومَتِهِمْ لَا يَضْمَنُ اتِّفَاقًا، وَلَوْ لَمْ يُقْطَعْ يَضْمَنُ اتِّفَاقًا.
(وَلَوْ سَرَقَ ثَوْبًا فَشَقَّهُ فِي الدَّارِ) ، وَهُوَ يُسَاوِي بَعْدَ الشَّقِّ نِصَابًا (ثُمَّ أَخْرَجَهُ قُطِعَ) مَا لَمْ يَكُنْ إتْلَافًا.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا تُقْطَعُ فِي الْخَرْقِ الْفَاحِشِ وَفِي الْيَسِيرِ تُقْطَعُ اتِّفَاقًا لِعَدَمِ وُجُوبِ الضَّمَانِ وَتَرْكِ الثَّوْبِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَضْمَنُ النُّقْصَانَ مَعَ الْقَطْعِ، وَكَذَا إذَا كَانَ الْخَرْقُ فَاحِشًا وَصَحَّحَ الْخَبَّازِيُّ عَدَمَ وُجُوبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الْقَطْعِ وَرَجَّحَ فِي الْفَتْحِ الضَّمَانَ وَقَالَ إنَّهُ الْحَقُّ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْفَاحِشَ مَا يَفُوتُ بِهِ بَعْضُ الْعَيْنِ وَبَعْضُ الْمَنْفَعَةِ، وَالْيَسِيرُ مَا لَا يَفُوتُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَنَافِعِ، بَلْ
стр. 627
يَتَعَيَّبُ بِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَهَذَا فِيمَا إذَا اخْتَارَ تَضْمِينَ النُّقْصَانِ وَأَخَذَ الثَّوْبَ، وَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْقِيمَةِ وَتَرَكَ الثَّوْبَ عَلَيْهِ لَا يُقْطَعُ اتِّفَاقًا وَقَيَّدَ فِي الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخْرَجَهُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ، وَهُوَ يُسَاوِي نِصَابًا، ثُمَّ شَقَّهُ وَانْتَقَصَ قِيمَتَهُ بِالشِّقِّ مِنْ النِّصَابِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ قَوْلًا وَاحِدًا وَقَيَّدْنَا، وَهُوَ يُسَاوِي بَعْدَ الشَّقِّ نِصَابًا؛ لِأَنَّهُ إذَا شَقَّ فِي الدَّارِ وَانْتَقَصَ قِيمَتَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ لَمْ يُقْطَعْ وَقَيَّدْنَا مَا لَمْ يَكُنْ إتْلَافًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الشَّقُّ إتْلَافًا فَلَهُ تَضْمِينُ الْقِيمَةِ وَتَرْكُ الثَّوْبِ عَلَيْهِ فَلَا قَطْعَ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ مُسْتَنِدٌ إلَى وَقْتِ الْأَخْذِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا أَخَلَّ الْمُصَنِّفُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ هَذَيْنِ الْقَيْدَيْنِ تَأَمَّلْ.
(لَا) يُقْطَعُ (إنْ سَرَقَ شَاةً) فِي الدَّارِ (فَذَبَحَهَا ثُمَّ أَخْرَجَهَا) ، وَإِنْ بَلَغَ لَحْمُهَا نِصَابًا؛ لِأَنَّ السَّرِقَةَ تَمَّتْ عَلَى اللَّحْمِ وَلَا قَطْعَ فِيهِ لَكِنْ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ.
(وَلَوْ ضَرَبَ الْمَسْرُوقَ) مِنْ الْفِضَّةِ، وَالذَّهَبِ قَدْرُ النِّصَابِ (دَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ قُطِعَ وَرَدَّهَا) أَيْ: الدَّرَاهِمَ الْمَسْرُوقَ مِنْهُ عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا لَا يَرُدُّهَا) بِنَاءً عَلَى الصَّنْعَةِ مِنْهُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ، ثُمَّ وُجُوبُ الْقَطْعِ لَا يُشْكِلُ عَلَى قَوْلِهِ وَقِيلَ لَا يَجِبُ رَدُّ الدَّنَانِيرِ عَلَى قَوْلِهِمَا وَقِيلَ يَجِبُ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا اتَّخَذَ النَّقْدَ آنِيَةً أَوْ غَيْرَهَا. قَيَّدَ بِالنَّقْدِ مُتَقَوِّمَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَعَلَ الْحَدِيدَ، وَالرَّصَاصَ أَوَانِي، فَإِنْ كَانَ يُبَاعُ عَدَدًا فَهُوَ لِلسَّارِقِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ يُبَاعُ وَزْنًا فَهُوَ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ.
(وَلَوْ صَبَغَهُ) أَيْ: الثَّوْبَ الْمَسْرُوقَ (أَحْمَرَ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ) أَيْ: الثَّوْبُ الْمَصْبُوغُ (وَلَا يَضْمَنُهُ) عِنْدَ الْإِمَامِ، وَفِي التَّبْيِينِ لَوْ سَرَقَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ أَحْمَرَ فَقُطِعَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ وَلَا ضَمَانَ لَهُ هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ، وَالْكَافِي وَلَفْظُ الْهِدَايَةِ، وَإِنْ سَرَقَ ثَوْبًا فَقُطِعَ فَصَبَغَهُ أَحْمَرَ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ الثَّوْبُ وَلَا يَضْمَنُ بِتَأْخِيرِ الصَّبْغِ عَنْ الْقَطْعِ وَلَفْظُ مُحَمَّدٍ سَرَقَ الثَّوْبَ فَقَطَعَ يَدَهُ، وَقَدْ صَبَغَ الثَّوْبَ أَحْمَرَ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَصْبُغَهُ قَبْلَ الْقَطْعِ، أَوْ بَعْدَهُ وَهَذَا عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَوْلَى سَعْدِيٌّ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ عِبَارَةَ الْهِدَايَةِ لَيْسَتْ عَلَى مَا نَقَلَهُ لَكِنْ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ سَرَقَ ثَوْبًا فَقُطِعَ فِيهِ، ثُمَّ صَبَغَهُ أَحْمَرَ، ثُمَّ قَالَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ إلَى آخِرِهِ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا كَانَ صُورَتُهَا مَا قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ انْتَهَى.
فَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ أَنَّ مَا فِي التَّبْيِينِ أَنْ يَكُونَ نَقْلًا لِمَآلِ مَسْأَلَةِ الْهِدَايَةِ وَمُحَصِّلِهَا بِشَهَادَةِ قَوْلِهِ أَلَا تَرَى؛ وَلِذَا طَيُّ الْمُصَنِّفِ الْقَطْعَ مِنْ الْبَيِّنِ لِيُشْعِرَ بِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَصْبُغَهُ قَبْلَ الْقَطْعِ، أَوْ بَعْدَهُ تَأَمَّلْ.
(وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ) الثَّوْبُ (وَيُعْطَى مَا زَادَ الصَّبْغُ) فِيهِ؛ لِأَنَّ عَيْنَ مَالِهِ قَائِمَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ أَصْلٌ، وَالصَّبْغُ تَبَعٌ فَصَارَ اعْتِبَارُ الْأَصْلِ أَوْلَى وَلَهُمَا أَنَّ الصَّبْغَ قَائِمٌ صُورَةً وَمَعْنًى وَحَقُّ الْمَالِكِ فِي الثَّوْبِ قَائِمٌ صُورَةً لَا مَعْنًى لِزَوَالِ التَّقَوُّمِ بِالْقَطْعِ فَكَانَ حَقُّ السَّارِقِ أَحَقُّ بِالتَّرَجُّحِ.
(وَإِنْ صَبَغَهُ أَسْوَدَ أُخِذَ مِنْهُ) الثَّوْبُ (وَلَا يُعْطَى شَيْئًا وَحَكَمَا) عَلَى صِيغَةِ الْمَاضِي الْمُثَنَّى (فِيهِ) أَيْ: فِي الْأَسْوَدِ (كَحُكْمِهِمَا فِي الْأَحْمَرِ) .
وَفِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَإِنْ صَبَغَهُ أَسْوَدَ أُخِذَ مِنْهُ فِي الْمَذْهَبَيْنِ يَعْنِي عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ
стр. 628
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هَذَا، وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ السَّوَادَ زِيَادَةٌ عِنْدَهُ كَالْحُمْرَةِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ زِيَادَةٌ أَيْضًا كَالْحُمْرَةِ وَلَكِنَّهُ لَا يَقْطَعُ حَقَّ الْمَالِكِ وَعِنْدَ الْإِمَامِ السَّوَادُ نُقْصَانٌ فَلَا يُوجِبُ انْقِطَاعَ حَقِّ الْمَالِكِ انْتَهَى.
فَعَلَى هَذَا فِي قَوْلِهِ وَحَكَمَا كَحُكْمِهِمَا فِي الْأَحْمَرِ كَلَامٌ تَأَمَّلْ.
[بَابٌ قَطْعُ الطَّرِيقِ]
ِ هَذَا بَيَانٌ لِلسَّرِقَةِ الْكُبْرَى وَإِطْلَاقُ السَّرِقَةِ عَلَيْهِ مَجَازٌ؛ وَلِذَا لَزِمَ التَّقْيِيدُ بِالْكُبْرَى وَسُمِّيَتْ بِالْكُبْرَى؛ لِأَنَّ ضَرَرَ قَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَى أَصْحَابِ الْأَمْوَالِ عَلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِانْقِطَاعِ الطَّرِيقِ؛ وَلِهَذَا يَجِبُ إغْلَاظُ الْحَدِّ بِخِلَافِ الصُّغْرَى لَكِنْ قُدِّمَتْ الصُّغْرَى لِكَوْنِهَا أَكْثَرَ وُقُوعًا (مِنْ قَصْدِ قَطْعِ الطَّرِيقِ) هَذَا التَّعْلِيقُ مَجَازٌ أَيْ: قَصْدُ قَطْعِ الْمَارِّ عَنْ الطَّرِيقِ (مِنْ مُسْلِمٍ) بَيَانٌ لِمَنْ (أَوْ ذِمِّيٍّ) سَوَاءٌ كَانَ حُرًّا، أَوْ عَبْدًا فَخَرَجَ الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ؛ لِأَنَّ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ خِلَافًا كَائِنًا (عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ ذِمِّيٍّ) حَتَّى لَوْ قَطَعَهُ عَلَى مُسْتَأْمَنٍ يَجِبُ الْحَدُّ وَيَضْمَنُ الْمَالَ لِثُبُوتِ عِصْمَةِ مَالِهِ حَالًّا (فَأَخَذَ) هَذَا الْمَعْصُومُ الْقَاطِعُ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ قَطْعِ الطَّرِيقِ (حُبِسَ) لِمُبَاشَرَتِهِ مُنْكَرًا (حَتَّى يَتُوبَ) وَيُظْهِرَ سِيمَا الصَّالِحِينَ عَلَيْهِ أَوْ يَمُوتَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُنْفَى مِنْ الْبَلَدِ.
(وَإِنْ أَخَذَ) أَيْ قَاصِدًا قَطْعَ الطَّرِيقِ (مَالًا) بَعْدَ التَّعْزِيرِ (وَحَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ) مِنْ الْقَاطِعِينَ (نِصَابُ السَّرِقَةِ قُطِعَ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى) أَيْ: إنْ كَانَ صَحِيحَ الْأَطْرَافِ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصَابٌ لَمْ يُقْطَعْ وَاشْتَرَطَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ نِصَابَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُقْطَعُ مِنْهُ طَرَفَانِ.
(وَإِنْ قَتَلَ) نَفْسًا مَعْصُومَةً (فَقَطْ) وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا.
(وَلَوْ) كَانَ قَتَلَهُ (بِعَصًا أَوْ حَجَرٍ) أَيْ: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْكُلِّ بِالْآلَةِ (قُتِلَ) بِلَا قَطْعٍ (حَدًّا) أَيْ: سِيَاسَةً لَا قِصَاصًا (فَلَا يُعْتَبَرُ عَفْوُ الْوَلِيِّ) تَفْرِيعٌ عَلَى كَوْنِ الْقَتْلِ حَدًّا يَعْنِي لَوْ عَفَا الْأَوْلِيَاءُ عَنْهُ لَا يُلْتَفَتُ إلَى عَفْوِهِمْ، بَلْ يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَإِنْ قَتَلَ) نَفْسًا مَعْصُومَةً (وَأَخَذَ مَالًا قُطِعَ) يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ (وَقُتِلَ وَصُلِبَ، أَوْ قُتِلَ فَقَطْ أَوْ صُلِبَ فَقَطْ) يَعْنِي الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ قَطَعَ وَقَتَلَ وَصَلَبَ، وَإِنْ شَاءَ قَتَلَ
стр. 629
وَإِنْ شَاءَ صَلَبَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ التَّشْهِيرِ بِالْقَتْلِ، وَالْمُبَالَغَةِ بِالصَّلْبِ فَيُخَيَّرُ فِيهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يُصْلَبُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ (وَخَالَفَ مُحَمَّدٌ فِي الْقَطْعِ) يَعْنِي قَالَ مُحَمَّدٌ يُقْتَلُ فَقَطْ، أَوْ يُصْلَبُ فَقَطْ وَلَا يُقْطَعُ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لِتَوَحُّدِ الْجِنَايَةِ فَلَمْ يَجِبْ حَدَّانِ أَوْ لِلتَّدَاخُلِ كَحَدِّ سَرِقَةٍ وَرَجْمٍ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يُقْطَعُ، وَكَذَا هَذَا أُجِيبَ بِأَنَّهُ حَدٌّ وَاحِدٌ تَغَلُّظَ لِتَغَلُّظِ سَبَبِهِ، وَهُوَ تَفْوِيتُ الْأَمْنِ عَلَى التَّنَاهِي وَأَخْذُ الْمَالِ فَيَكُونُ قَطْعُهُ وَقَتْلُهُ حَدًّا وَاحِدًا مُغَلَّظًا لَا حَدَّيْنِ (وَيُصْلَبُ حَيًّا وَيُبْعَجُ) أَيْ: يُشَقُّ (بَطْنُهُ بِرُمْحٍ حَتَّى يَمُوتَ) .
وَفِي الْجَوْهَرَةِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ يُطْعَنُ بِالرُّمْحِ فِي ثَدْيِهِ الْأَيْسَرِ وَيُحَرَّكُ الرُّمْحُ حَتَّى يَمُوتَ بِهِ تَشْهِيرًا لَهُ وَاسْتِعْجَالًا لِمَوْتِهِ، وَالصَّلْبُ حَيًّا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعَنْ الطَّحَاوِيُّ يُقْتَلُ، ثُمَّ يُصْلَبُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (وَيُتْرَكُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَقَطْ) أَيْ لَا يُتْرَكُ أَكْثَرَ مِنْهَا حَذَرًا عَنْ تَأَذِّي النَّاسِ بِنَتْنِهِ وَإِذَا تَمَّ لَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ وَقْتِ مَوْتِهِ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ لِيَدْفِنُوهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُتْرَكُ حَتَّى يَسْقُطَ عِبْرَةً (وَيَرُدُّ مَا أَخَذَهُ) مِنْ الْمَالِ (إلَى مَالِكِهِ إنْ) كَانَ مَا أَخَذَهُ (بَاقِيًا وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَاقِيًا (فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) كَمَا فِي السَّرِقَةِ الصُّغْرَى.
(وَلَوْ بَاشَرَ الْفِعْلَ بَعْضُهُمْ حُدُّوا كُلُّهُمْ) بِمُبَاشَرَةِ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ جَزَاءُ الْمُحَارَبَةِ، وَهِيَ تَتَحَقَّقُ بِأَنْ يَكُونَ الْبَعْضُ نَاصِرًا لِلْبَعْضِ حَتَّى إذَا زَلَّتْ أَقْدَامُهُمْ انْضَمُّوا إلَيْهِمْ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ الْقَتْلُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَقَدْ تَحَقَّقَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ حُدَّ الْمُبَاشِرُ فَقَطْ.
(وَإِنْ أَخَذَ مَالًا وَجُرِحَ قُطِعَ) يَدُهُ وَرِجْلُهُ (مِنْ خِلَافٍ، وَالْجُرْحُ هَدَرٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ الْحَدُّ سَقَطَ عِصْمَةُ النَّفْسِ.
(وَإِنْ جَرَحَ فَقَطْ) أَيْ: لَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا (أَوْ قَتَلَ فَتَابَ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ فَلَا حَدَّ) أَيْ: لَا قَطْعَ فِي الْأُولَى وَلَا قَتْلَ فِي الثَّانِي، بَلْ يُقْتَصُّ فِيمَا فِيهِ الْقِصَاصُ وَيُؤْخَذُ الْأَرْشُ مِنْهُ فِيمَا فِيهِ الْأَرْشُ، وَذَلِكَ إلَى الْأَوْلِيَاءِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَعَنْ هَذَا قَالَ (وَالْحَقُّ لِلْوَلِيِّ إنْ شَاءَ عَفَا، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ بِمُوجِبِ الْجِنَايَةِ) وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ بِقَوْلِهِ، وَذَلِكَ إلَى الْأَوْلِيَاءِ إمَّا الْقِصَاصُ وَإِمَّا أَرْشُ الْجُرْحِ فَلِلْمَجْرُوحِ كَمَا لَا يَخْفَى وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ تَتَبَّعْ. قَيَّدَ بِالْقَتْلِ لِيُعْلَمَ حُكْمُ أَخْذِ الْمَالِ بِالْأُولَى.
وَفِي الْبَحْرِ رَدُّ الْمَالِ مِنْ تَمَامِ تَوْبَتِهِمْ لِتُقْطَعَ خُصُومَةُ صَاحِبِهِ، وَلَوْ تَابَ وَلَمْ يَرُدَّ الْمَالَ لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ وَقِيلَ يَسْقُطُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ إذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ، أَوْ اسْتَهْلَكَهُ.
(وَكَذَا) أَيْ: لَا يُحَدُّ (لَوْ كَانَ فِيهِمْ) أَيْ: فِي الْقُطَّاعِ (صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ، أَوْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وَاحِدَةٌ، فَالِامْتِنَاعُ فِي حَقِّ الْبَعْضِ امْتِنَاعٌ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ وَإِذَا سَقَطَ الْحَدُّ صَارَ الْقَتْلُ إلَى الْأَوْلِيَاءِ لِظُهُورِ حَقِّ الْعَبْدِ، وَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا، وَإِنْ شَاءُوا عَفَوْا عَنْهُ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَوْ بَاشَرَ الْعُقَلَاءُ يُحَدُّ الْبَاقُونَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (أَوْ قَطَعَ بَعْضُ
стр. 630
الْقَافِلَةِ عَلَى بَعْضٍ) ؛ لِأَنَّ الْحِرْزَ وَاحِدٌ فَصَارَتْ الْقَافِلَةُ كَدَارٍ وَاحِدَةٍ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَقَالَ الْمَوْلَى سَعْدِيٌّ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَبَيْتٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الدَّارِ الْوَاحِدَةِ مَقَاصِيرُ كَمَا سَبَقَ انْتَهَى.
لَكِنْ فِيهِ الْكَلَامُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّارِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ الدَّارُ الَّتِي صَاحِبُهَا وَاحِدٌ وَبُيُوتُهَا مَشْغُولَةٌ بِمَتَاعِهِ وَخُدَّامِهِ وَبَيْنَهُمْ انْبِسَاطٌ لَا الْمُقَيَّدَةُ بِأَنْ كَانَتْ كَبِيرَةً فِيهَا حُجُرَاتٌ يَسْكُنُ فِي كُلٍّ مِنْهَا إنْسَانٌ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْحُجْرَةِ الَّتِي يَسْكُنُ فِيهَا غَيْرُهُ عَلَى أَنَّ تَشْبِيهَ الْقَافِلَةِ بِالْبَيْتِ غَيْرٌ مُنَاسِبٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ وَاحِدٌ بِخِلَافِ الْقَافِلَةِ كَمَا لَا يَخْفَى تَأَمَّلْ.
(أَوْ قُطِعَ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (الطَّرِيقُ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا بِمِصْرٍ، أَوْ بَيْنَ مِصْرَيْنِ) فَلَيْسَ بِقَاطِعِ الطَّرِيقِ اسْتِحْسَانًا.
وَفِي الْقِيَاسِ يَكُونُ قَاطِعَ الطَّرِيقِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لِوُجُودِهِ حَقِيقَةً.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُمْ إنْ قَصَدُوا فِي الْمِصْرِ بِالسِّلَاحِ يَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَإِنْ قَصَدُوا بِالْحَجَرِ، وَالْخَشَبِ، فَإِنْ كَانُوا خَارِجَ الْمِصْرِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا بِقُرْبٍ مِنْهُ أَوْ فِي الْمِصْرِ، وَإِنْ كَانَ بِاللَّيْلِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ بِالنَّهَارِ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَاسْتَحْسَنَ الْمَشَايِخُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَبِهِ يُفْتَى كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ نَظَرًا لِمَصْلَحَةِ النَّاسِ بِدَفْعِ شَرِّ الْمُتَغَلِّبَةِ الْمُفْسِدِينَ.
وَفِي التَّنْوِيرِ الْعَبْدُ فِي حُكْمِ قَطْعِ الطَّرِيقِ كَغَيْرِهِ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَفِي السِّرَاجِيَّةِ، وَلَوْ كَانَتْ فِيهِمْ امْرَأَةٌ فَقَتَلَتْ وَأَخَذَتْ الْمَالَ دُونَ الرِّجَالِ لَمْ تُقْتَلْ الْمَرْأَةُ وَقُتِلَ الرَّجُلُ هُوَ الْمُخْتَارُ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَاتِلُ دُونَ مَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا وَيُقْتَلُ مَنْ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ (وَمَنْ خَنَقَ فِي الْمِصْرِ غَيْرَ مَرَّةٍ) أَيْ: صَارَ عَادَتُهُ (قُتِلَ بِهِ) أَيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ لِتَكَلَّأْتُ؛ لِأَنَّهُ ذُو فِتْنَةٍ سَاعٍ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ وَيُقْتَلُ دَفْعًا لِفِتْنَتِهِ وَشَرِّهِ عَنْ الْعِبَادِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُخْنَقْ غَيْرُ مَرَّةٍ، بَلْ خَنَقَهُ مَرَّةً (فَكَالْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ) أَيْ: لَا يُقْتَلُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَإِنَّمَا تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الدِّيَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[كِتَابُ السِّيَرِ]
[أَحْكَام الْجِهَاد]
لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحُدُودِ إخْلَاءُ الْعَالَمِ عَنْ الْمَعَاصِي وَمِنْ الْجِهَادِ إخْلَاؤُهُ عَنْ رَأْسِ الْمَعَاصِي أَوْرَدَ السِّيَرَ عَقِيبَ الْحُدُودِ، وَالسِّيَرُ جَمْعُ سِيرَةٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ مِنْ السَّيْرِ فَتَكُونُ لِبَيَانِ هَيْئَةِ السَّيْرِ وَحَالَتِهِ إلَّا أَنَّهَا غَلَبَتْ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُعَامَلَةِ مَعَ الْكَافِرِينَ، وَالْبَاغِينَ وَغَيْرِهِمَا (الْجِهَادُ) فِي اللُّغَةِ بَذْلُ مَا فِي الْوُسْعِ
стр. 631
مِنْ الْقَوْلِ، وَالْفِعْلِ.
وَفِي الشَّرِيعَةِ قَتْلُ الْكُفَّارِ وَنَحْوُهُ مِنْ ضَرْبِهِمْ وَنَهْبِ أَمْوَالِهِمْ وَهَدْمِ مَعَابِدِهِمْ وَكَسْرِ أَصْنَامِهِمْ وَغَيْرِهِمْ، وَالْمُرَادُ الِاجْتِهَادُ فِي تَقْوِيَةِ الدِّينِ بِنَحْوِ قِتَالِ الْحَرْبِيِّينَ، وَالذِّمِّيِّينَ، وَالْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ هُمْ أَخْبَثُ الْكُفَّارِ لِلْإِنْكَارِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ، وَالْبَاغِينَ، فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (بَدْءًا مِنَّا) نَصَبَ بَدْءًا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَيْ: فِي بَدْءِ الْأَمْرِ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) يَعْنِي يُفْرَضُ عَلَيْنَا أَنْ نَبْدَأَهُمْ بِالْقِتَالِ بَعْدَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ، وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلُونَا فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَبْعَثَ سَرِيَّةً إلَى دَارِ الْحَرْبِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَعَلَى الرَّعِيَّةِ إعَانَتُهُ إلَّا إذَا أَخَذَ الْخَرَاجَ، فَإِنْ أَخَذَ فَلَمْ يَبْعَثْ كَانَ كُلُّ الْأَثِمِ عَلَيْهِ وَبَيَّنَ مَعْنَى كَوْنِهِ عَلَى الْكِفَايَةِ بِقَوْلِهِ.
(إذَا أَقَامَ) أَيْ: انْتَصَبَ (بِهِ) أَيْ: بِالْجِهَادِ (الْبَعْضُ) أَيْ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ (سَقَطَ عَنْ الْكُلِّ) أَيْ: بَاقِي الْمُسْلِمِينَ إذَا كَانَ بِذَلِكَ الْبَعْضِ كِفَايَةٌ وَإِلَّا فُرِضَ عَلَى الْأَقْرَبِ، فَالْأَقْرَبِ مِنْ الْعَدُوِّ إلَى أَنْ تَقَعَ الْكِفَايَةُ، فَإِنْ لَمْ تَقَعْ الْكِفَايَةُ إلَّا بِجَمِيعِ النَّاسِ فَحِينَئِذٍ صَارَ فَرْضَ عَيْنٍ كَالصَّلَاةِ أَمَّا الْفَرِيضَةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وَلِقَوْلِهِ ﵊ «الْجِهَادُ مَاضٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» أَرَادَ بِهِ فَرْضًا بَاقِيًا، وَهُوَ عَلَى الْكِفَايَةِ؛ لِأَنَّهُ مَا فُرِضَ لِعَيْنِهِ إذْ هُوَ فَسَادٌ فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا فُرِضَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْزَازِ دِينِهِ وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنْ الْعِبَادِ فَإِذَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِالْبَعْضِ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَرَدِّ السَّلَامِ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ أَحَدٌ أَثِمَ جَمِيعُ النَّاسِ بِتَرْكِهِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْكُلِّ؛ وَلِأَنَّ فِي اشْتِغَالِ الْكُلِّ بِهِ قَطْعُ مَادَّةِ الْجِهَادِ مِنْ الْكُرَاعِ، وَالسِّلَاحِ فَيَجِبُ عَلَى الْكِفَايَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ النَّفِيرُ عَامًّا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ.
(، وَإِنْ تَرَكَهُ أَيْ: الْجِهَادَ) (الْكُلُّ أَثِمُوا) أَيْ: الْمُكَلَّفُونَ بِهِ وَإِثْمُهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ تَرْكِهِ مُطْلَقًا لَا تَرْكِهِمْ خَاصَّةً حَتَّى لَوْ قَامَ بِهِ غَيْرُهُمْ مِنْ الْعَبِيدِ، وَالنِّسْوَانِ سَقَطَ الْأَثِمُ عَنْهُمْ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ.
(وَلَا يَجِبُ) أَيْ: الْجِهَادُ (عَلَى صَبِيٍّ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ
стр. 632
مُكَلَّفٍ (وَامْرَأَةٍ وَعَبْدٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا مَشْغُولَانِ بِحَقِّ الزَّوْجِ، وَالْمَوْلَى وَحَقُّهُمَا مُقَدَّمٌ عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ لَكِنْ الدَّلِيلُ خَاصٌّ لِمَنْ لَهُ الزَّوْجُ، وَالْمُدَّعَى عَامٌّ كَمَا قَالَ الْمَوْلَى سَعْدِيٌّ فِي حَاشِيَتِهِ؛ وَلِهَذَا غَيَّرَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ فَقَالَ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ قَرْنِهَا إلَى قَدَمِهَا عَوْرَةٌ، وَفِي الْجِهَادِ قَدْ يَنْكَشِفُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ انْتَهَى.
وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنْ لَا تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ إنْ هَجَمَ الْعَدُوُّ أَيْضًا فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْحَقُّ مَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَدَفْعُ الِاعْتِرَاضِ مُمْكِنٌ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ تَدَبَّرْ.
وَ (أَعْمَى وَمَقْعَدٍ وَأَقْطَعَ) لِلْحَرَجِ بِعَجْزِهِمْ، وَكَذَا لَا يَجِبُ عَلَى مَدْيُونٍ بِغَيْرِ إذْنِ غَرِيمِهِ وَلَا عَلَى عَالِمٍ لَيْسَ فِي الْبَلْدَةِ أَفْقَهَ مِنْهُ.
(فَإِنْ هَجَمَ) أَيْ: غَلَبَ (الْعَدُوُّ) أَيْ: عَلَى بَلَدٍ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، أَوْ نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِيهَا.
وَفِي الْمُغْرِبِ الْهُجُومُ الْإِتْيَانُ بَغْتَةً، وَالدُّخُولُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ (فَفَرْضُ عَيْنٍ فَتَخْرُجُ الْمَرْأَةُ، وَالْعَبْدُ بِلَا إذْنِ الزَّوْجِ، وَالْمَوْلَى) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِإِقَامَةِ الْكُلِّ فَيُفْرَضُ عَلَى الْكُلِّ وَحَقُّ الزَّوْجِ، وَالْمَوْلَى لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ، وَكَذَا يَخْرُجُ الْوَلَدُ بِغَيْرِ إذْنِ، وَالِدَيْهِ، وَالْغَرِيمُ بِغَيْرِ إذْنِ دَائِنِهِ وَإِنَّ الزَّوْجَ، وَالْمَوْلَى إذَا مَنَعَا أَثِمَا.
وَفِي الْبَحْرِ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ سُبِيَتْ بِالْمَشْرِقِ وَجَبَ عَلَى أَهْلِ الْمَغْرِبِ تَخْلِيصُهَا مَا لَمْ تَدْخُلْ حُصُونَهُمْ وَحِرْزَهُمْ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ إذَا جَاءَ النَّفِيرُ إنَّمَا يَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى مَنْ يَقْرُبُ مِنْ الْعَدُوِّ وَهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى الْجِهَادِ فَأَمَّا مَنْ وَرَاءَهُمْ يَبْعُدُ مِنْ الْعَدُوِّ، فَإِنْ كَانَ الَّذِينَ هُمْ بِقُرْبِ الْعَدُوِّ عَاجِزِينَ عَنْ مُقَاوَمَةِ الْعَدُوِّ الْقَادِرِينَ إلَّا أَنَّهُمْ لَا يُجَاهِدُونَ لِكَسَلٍ بِهِمْ، أَوْ تَهَاوُنٍ اُفْتُرِضَ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ فَرْضَ عَيْنٍ، ثُمَّ مَنْ يَلِيهِمْ كَذَلِكَ حَتَّى يُفْتَرَضَ عَلَى هَذَا التَّدْرِيجِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ شَرْقًا وَغَرْبًا انْتَهَى.
فَعَلَى هَذَا لَوْ قَيَّدَ بِالِاسْتِطَاعَةِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرِيضِ الْمُدْنِفِ وَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الزَّادِ، وَالرَّاحِلَةِ تَأَمَّلْ.
(وَكُرِهَ الْجُعْلُ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَهُوَ مَا يَضْرِبُهُ الْإِمَامُ عَلَى النَّاسِ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ إلَى الْجِهَادِ (إنْ كَانَ) فِي بَيْتِ الْمَالِ (فَيْءٌ) بِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْأَجْرَ عَلَى الطَّاعَةِ فَيُكْرَهُ.
وَفِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ، وَالْفَيْءُ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ قِتَالٍ كَالْخَرَاجِ، وَالْجِزْيَةِ، وَأَمَّا الْمَأْخُوذُ بِقِتَالٍ فَيُسَمَّى غَنِيمَةً كَمَا فِي الْفَتْحِ وَظَاهِرُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَيْءٌ وَكَانَ فِيهِ وَغَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ لَا يُكْرَهُ الْجُعْلُ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ فَإِنَّهُ لَا ضَرُورَةَ لِجَوَازِ الِاسْتِقْرَاضِ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ؛ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْ الْفَيْءَ فِي بَعْضِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ، وَهُوَ الْحَقُّ انْتَهَى.
لَكِنْ صَرَّحَ الْمَوْلَى سَعْدِيٌّ فِي حَاشِيَتِهِ إنَّ مَالَ الْغَنِيمَةِ الْمَوْجُودَ فِي بَيْتِ الْمَالِ لَا يُصْرَفُ إلَّا لِمُقَاتِلَةِ
стр. 633
تَتَبَّعْ حَتَّى يَظْهَرَ لَك الْحَقُّ (وَإِلَّا) ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَيْءٌ (فَلَا) يُكْرَهُ الْجُعْلُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ الْجِهَادَ قَدْ يَكُونُ بِالنَّفْسِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْمَالِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، وَالْأَحْوَالِ.
وَقَالَ الْمَوْلَى سَعْدِيٌّ وَلِلْإِمَامِ ذَلِكَ بِشَرْطِ الضَّمَانِ فَإِذَا زَالَتْ الْحَاجَةُ يُرَدُّ إنْ كَانَ قَائِمًا وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَغْزُوَ الْمُسْلِمُ بِمَالِ نَفْسِهِ ثُمَّ بِمَالِ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.
[كَيْفِيَّةِ الْقِتَالِ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي كَيْفِيَّةِ الْقِتَالِ فَقَالَ (وَإِذَا حَاصَرْنَاهُمْ) أَيْ: يُحِيطُ الْإِمَامُ مَعَ التَّابِعِينَ بِالْكُفَّارِ فِي دِيَارِهِمْ أَوْ غَيْرِهَا فِي مَوْضِعٍ حَصِينٍ لِئَلَّا يَتَفَرَّقُوا (نَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ) ، وَالْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ مَا قَاتَلَ قَوْمًا حَتَّى دَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ» (فَإِنْ أَسْلَمُو) نَكُفُّ عَنْ قِتَالِهِمْ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا (فَإِلَى الْجِزْيَةِ) أَيْ: فَنَدْعُوهُمْ إلَى قَبُولِ الْجِزْيَةِ؛ لِأَنَّهُ ﵊ أَمَرَ هَكَذَا (إنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِهَا) أَيْ الْجِزْيَةِ كَأَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ وَاحْتَرَزَ عَنْ الْمُرْتَدِّينَ وَمُشْرِكِي الْعَرَبِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْهُمْ فَلَا نَدْعُوهُمْ إلَى الْجِزْيَةِ، بَلْ أَمْرُهُمْ دَائِرٌ بَيْنَ الْإِسْلَامِ، وَالسَّيْفِ (وَيُبَيِّنُ لَهُمْ) الْإِمَامُ (قَدْرَهَا) أَيْ قَدْرَ الْجِزْيَةِ (وَمَتَى تَجِبُ) أَيْ: يُبَيِّنُ لَهُمْ زَمَانَ أَدَائِهَا لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى الْمُنَازَعَةِ (فَإِنْ قَبِلُوا) الْجِزْيَةَ (فَلَهُمْ مَا لَنَا) مِنْ عِصْمَةِ الدِّمَاءِ، وَالْأَمْوَالِ (وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْنَا) مِنْ التَّعَرُّضِ بِهِمَا أَيْ:
стр. 634
إنَّا كُنَّا نَتَعَرَّضُ لِدِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ قَبْلَ قَبُولِ الْجِزْيَةِ فَبَعْدَمَا قَبِلُوهَا إذَا تَعَرَّضْنَا لَهُمْ، أَوْ تَعَرَّضُوا لَنَا يَجِبُ لَهُمْ عَلَيْنَا مَا يَجِبُ لِبَعْضِنَا عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ التَّعَرُّضِ يُؤَيِّدُهُ اسْتِدْلَالُهُمْ عَلَيْهِ بِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِيَكُونَ دِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا وَأَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا (وَحَرُمَ قِتَالُ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى) إلَى الْإِسْلَامِ وَمَنْ قَتَلَهُمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ يَأْثَمُ لِلنَّهْيِ عَنْهُ وَلَا يَغْرَمُ بِقَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَعْصُومِينَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَضْمَنُونَ الدِّيَةَ (وَنُدِبَ دَعْوَةُ مَنْ بَلَغَتْهُ) الدَّعْوَةُ مُبَالَغَةً فِي الْإِنْذَارِ وَقَطْعِ الْأَعْذَارِ وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ.
وَفِي الْمُحِيطِ تَقْدِيمُ الدَّعْوَةِ إلَى الْإِسْلَامِ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا بَعْدَمَا انْتَشَرَ يَحِلُّ الْقِتَالُ مَعَهُمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ وَيَقُومُ ظُهُورُ الدَّعْوَةِ وَشُيُوعُهَا مَقَامَ دَعْوَةِ كُلِّ مُشْرِكٍ وَهَذَا صَحِيحٌ ظَاهِرٌ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (فَإِنْ أَبَوْا) عَمَّا دَعَوْا إلَيْهِ (نَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى) فَإِنَّهُ النَّاصِرُ لِلْأَوْلِيَاءِ، وَالْقَاهِرُ لِلْأَعْدَاءِ فَيُسْتَعَانُ مِنْهُ فِي كُلِّ الْأُمُورِ (وَنُقَاتِلُهُمْ بِنَصْبِ الْمَجَانِيقِ) جَمْعُ مَنْجَنِيقٍ؛ لِأَنَّهُ ﵊ نَصَبَهَا عَلَى الطَّائِفِ (وَالتَّحْرِيقِ) بِالنَّارِ أَرَادَ حَرْقَ دُورِهِمْ وَأَمْتِعَتِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَالتَّغْرِيقِ) بِإِرْسَالِ الْمِيَاهِ عَلَى دُورِهِمْ وَبَسَاتِينِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَيْضًا (وَقَطْعِ الْأَشْجَارِ) ، وَلَوْ مُثْمِرَةً (وَإِفْسَادِ الزَّرْعِ) ، وَلَوْ عِنْدَ الْحَصَادِ؛ لِأَنَّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ سَبَبًا لِغَيْظِهِمْ وَكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ وَتَفْرِيقِ شَمْلِهِمْ فَيَكُونُ مَشْرُوعًا.
وَفِي الْفَتْحِ هَذَا إذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُمْ مَأْخُوذُونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الظَّنُّ أَنَّهُمْ مَغْلُوبُونَ وَأَنَّ الْفَتْحَ دَنَا كُرِهَ؛ لِأَنَّهُ إفْسَادٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْحَاجَةِ وَمَا أُبِيحَ إلَّا لَهَا (وَنَرْمِيهِمْ) بِالسِّهَامِ.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (تَتَرَّسُوا بِأَسَارَى الْمُسْلِمِينَ) أَيْ، وَإِنْ اتَّخَذُوهُمْ تُرْسًا (وَنَقْصِدُهُمْ) أَيْ: الْكُفَّارَ دُونَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُمْ أَتْرَاسًا (بِهِ) أَيْ: بِالرَّمْيِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يَجُوزُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ هُنَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَتْلَفُ الْمُسْلِمُ بِهِ إلَّا أَنْ يَخَافَ انْهِزَامَنَا، وَإِنْ أَصَابُوا مِنْهُمْ فَلَا دِيَةَ وَلَا كَفَّارَةَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. قَيَّدَ بِالتَّتَرُّسِ عِنْدَ الْمُحَارَبَةِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا فَتَحَ بَلْدَةً وَفِيهَا مُسْلِمٌ، أَوْ ذِمِّيٌّ لَا يَحِلُّ قَتْلُ أَحَدٍ مِنْهُمْ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ذَلِكَ الْمُسْلِمُ، أَوْ الذِّمِّيُّ، وَلَوْ أَخْرَجَ وَاحِدٌ مِنْ عَرْضِ النَّاسِ حَلَّ إذَنْ قَتْلُ الْبَاقِي لِجَوَازِ كَوْنِ الْمُخْرَجِ هُوَ ذَاكَ فَصَارَ فِي كَوْنِ الْمُسْلِمِ فِي الْبَاقِينَ شَكٌّ بِخِلَافِ الْحَالَةِ الْأُولَى فَإِنَّ كَوْنَ الْمُسْلِمِ، أَوْ الذِّمِّيِّ
стр. 635
فِيهِمْ مَعْلُومٌ بِالْعَرْضِ فَوَقَعَ الْفَرْقُ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(وَيُكْرَهُ إخْرَاجُ النِّسَاءِ، وَالْمَصَاحِفِ فِي سَرِيَّةٍ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى السَّرِيَّةِ لِخَوْفِ الِافْتِضَاحِ، وَالِاسْتِخْفَافِ إنْ غَلَبُوا وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِهِ ذُو الصُّحُفِ فَيَشْمَلُ كُتُبَ التَّفْسِيرِ، وَالْحَدِيثِ، وَالْفِقْهِ فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمُصْحَفِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ إنَّهُ كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ انْتَسَخَ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَحْوَطُ (لَا) أَيْ: لَا يُكْرَهُ إخْرَاجُ النِّسَاءِ، وَالْمَصَاحِفِ (فِي عَسْكَرٍ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْعَسْكَرِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ السَّلَامَةُ إلَّا أَنَّ إخْرَاجَ الْمَرْأَةِ الشَّابَّةِ مَكْرُوهٌ خَوْفًا مِنْ الْفِتَنِ، وَقَدْ فَرَّقَ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أَقَلَّ الْجَيْشِ أَرْبَعُمِائَةٍ وَأَقَلُّ السَّرِيَّةِ مِائَتَانِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ أَقَلُّهُ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَأَقَلُّهَا أَرْبَعُمِائَةٍ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ (وَلَا) يُكْرَهُ (دُخُولُ مُسْتَأْمَنٍ إلَيْهِمْ بِمُصْحَفٍ إنْ كَانُوا يُوفُونَ الْعَهْدَ) يَعْنِي إذَا دَخَلَ مُسْلِمٌ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ مُصْحَفًا إذَا كَانُوا قَوْمًا يُوفُونَ بِالْعَهْدِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ التَّعَرُّضِ.
(وَنَهَى عَنْ الْغَدْرِ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ، وَهُوَ نَقْضُ الْعَهْدِ كَمَا إذَا عَهِدَ أَنْ لَا يُحَارِبَهُمْ فِي زَمَانِ كَذَا ثُمَّ يُحَارِبُهُمْ فِيهِ فَلَوْ لَمْ يَعْهَدْ وَخَادَعَهُمْ جَازَ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ» مَا لَمْ يَتَضَمَّنْ النَّقْضَ (وَالْغُلُولِ) بِالضَّمِّ، وَهُوَ خِيَانَةٌ وَسَرِقَةٌ مِنْ الْغَنِيمَةِ (وَالْمُثْلَةِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ قَطْعُ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ، أَوْ تَسْوِيدُ الْوَجْهِ.
وَفِي الْفَتْحِ هَذَا بَعْدَ الظَّفَرِ، وَالنَّصْرِ أَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا وَقَعَ قِتَالًا كَمُبَارِزٍ ضُرِبَ فَقُطِعَ أُذُنُهُ، ثُمَّ ضُرِبَ فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ وَلَمْ يَنْتَهِ فَضَرَبَهُ فَقَطَعَ يَدَهُ وَأَنْفَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
(وَ) نَهَى عَنْ (قَتْلِ امْرَأَةٍ، أَوْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ) كَالصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ (أَوْ شَيْخِ) فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِتَالِ وَلَا عَلَى الصِّيَاحِ وَلَا عَلَى الِاحْتِبَالِ وَلَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ، وَالتَّدْبِيرِ (أَوْ أَعْمَى أَوْ مَقْعَدًا، أَوْ أَقْطَعَ الْيُمْنَى) ؛ لِأَنَّ الْمُبِيحَ لِلْقَتْلِ عِنْدَنَا هُوَ الْحَرْبُ وَلَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُمْ؛ وَلِهَذَا إلَّا يُقْتَلُ يَابِسُ الشِّقِّ، وَالْمَقْطُوعُ يَدُهُ وَرَجُلُهُ مِنْ خِلَافٍ، وَالرَّاهِبُ الَّذِي لَمْ يُقَاتِلْ وَأَهْلُ الْكَنَائِسِ الَّذِينَ لَا يُخَالِطُونَ النَّاسَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي الشَّيْخِ، وَالْأَعْمَى، وَالْمُقْعَدِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ مَنْ كَانَتْ يَدُهُ مَقْطُوعَةَ الْيُسْرَى، وَالْأَخْرَسُ، وَالْأَصَمُّ وَمِنْ يُجَنُّ وَيُفِيقُ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يُقَاتِلُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ قَادِرًا عَلَى الْقِتَالِ، أَوْ ذَا رَأْيٍ فِي الْحَرْبِ، أَوْ ذَا مَالٍ
следующие страницы →