← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21644

مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر

داماد أفندي عبد الرحمن شيخي زاده

Полный текст (1 543 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

مِنْ الْقَوْلِ، وَالْفِعْلِ. وَفِي الشَّرِيعَةِ قَتْلُ الْكُفَّارِ وَنَحْوُهُ مِنْ ضَرْبِهِمْ وَنَهْبِ أَمْوَالِهِمْ وَهَدْمِ مَعَابِدِهِمْ وَكَسْرِ أَصْنَامِهِمْ وَغَيْرِهِمْ، وَالْمُرَادُ الِاجْتِهَادُ فِي تَقْوِيَةِ الدِّينِ بِنَحْوِ قِتَالِ الْحَرْبِيِّينَ، وَالذِّمِّيِّينَ، وَالْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ هُمْ أَخْبَثُ الْكُفَّارِ لِلْإِنْكَارِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ، وَالْبَاغِينَ، فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (بَدْءًا مِنَّا) نَصَبَ بَدْءًا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَيْ: فِي بَدْءِ الْأَمْرِ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) يَعْنِي يُفْرَضُ عَلَيْنَا أَنْ نَبْدَأَهُمْ بِالْقِتَالِ بَعْدَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ، وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلُونَا فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَبْعَثَ سَرِيَّةً إلَى دَارِ الْحَرْبِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَعَلَى الرَّعِيَّةِ إعَانَتُهُ إلَّا إذَا أَخَذَ الْخَرَاجَ، فَإِنْ أَخَذَ فَلَمْ يَبْعَثْ كَانَ كُلُّ الْأَثِمِ عَلَيْهِ وَبَيَّنَ مَعْنَى كَوْنِهِ عَلَى الْكِفَايَةِ بِقَوْلِهِ. (إذَا أَقَامَ) أَيْ: انْتَصَبَ (بِهِ) أَيْ: بِالْجِهَادِ (الْبَعْضُ) أَيْ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ (سَقَطَ عَنْ الْكُلِّ) أَيْ: بَاقِي الْمُسْلِمِينَ إذَا كَانَ بِذَلِكَ الْبَعْضِ كِفَايَةٌ وَإِلَّا فُرِضَ عَلَى الْأَقْرَبِ، فَالْأَقْرَبِ مِنْ الْعَدُوِّ إلَى أَنْ تَقَعَ الْكِفَايَةُ، فَإِنْ لَمْ تَقَعْ الْكِفَايَةُ إلَّا بِجَمِيعِ النَّاسِ فَحِينَئِذٍ صَارَ فَرْضَ عَيْنٍ كَالصَّلَاةِ أَمَّا الْفَرِيضَةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وَلِقَوْلِهِ ﵊ «الْجِهَادُ مَاضٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» أَرَادَ بِهِ فَرْضًا بَاقِيًا، وَهُوَ عَلَى الْكِفَايَةِ؛ لِأَنَّهُ مَا فُرِضَ لِعَيْنِهِ إذْ هُوَ فَسَادٌ فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا فُرِضَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْزَازِ دِينِهِ وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنْ الْعِبَادِ فَإِذَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِالْبَعْضِ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَرَدِّ السَّلَامِ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ أَحَدٌ أَثِمَ جَمِيعُ النَّاسِ بِتَرْكِهِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْكُلِّ؛ وَلِأَنَّ فِي اشْتِغَالِ الْكُلِّ بِهِ قَطْعُ مَادَّةِ الْجِهَادِ مِنْ الْكُرَاعِ، وَالسِّلَاحِ فَيَجِبُ عَلَى الْكِفَايَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ النَّفِيرُ عَامًّا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ. (، وَإِنْ تَرَكَهُ أَيْ: الْجِهَادَ) (الْكُلُّ أَثِمُوا) أَيْ: الْمُكَلَّفُونَ بِهِ وَإِثْمُهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ تَرْكِهِ مُطْلَقًا لَا تَرْكِهِمْ خَاصَّةً حَتَّى لَوْ قَامَ بِهِ غَيْرُهُمْ مِنْ الْعَبِيدِ، وَالنِّسْوَانِ سَقَطَ الْأَثِمُ عَنْهُمْ كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ. (وَلَا يَجِبُ) أَيْ: الْجِهَادُ (عَلَى صَبِيٍّ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ

стр. 632

مُكَلَّفٍ (وَامْرَأَةٍ وَعَبْدٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا مَشْغُولَانِ بِحَقِّ الزَّوْجِ، وَالْمَوْلَى وَحَقُّهُمَا مُقَدَّمٌ عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ لَكِنْ الدَّلِيلُ خَاصٌّ لِمَنْ لَهُ الزَّوْجُ، وَالْمُدَّعَى عَامٌّ كَمَا قَالَ الْمَوْلَى سَعْدِيٌّ فِي حَاشِيَتِهِ؛ وَلِهَذَا غَيَّرَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ فَقَالَ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ قَرْنِهَا إلَى قَدَمِهَا عَوْرَةٌ، وَفِي الْجِهَادِ قَدْ يَنْكَشِفُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ انْتَهَى. وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنْ لَا تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ إنْ هَجَمَ الْعَدُوُّ أَيْضًا فَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْحَقُّ مَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَدَفْعُ الِاعْتِرَاضِ مُمْكِنٌ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ تَدَبَّرْ. وَ (أَعْمَى وَمَقْعَدٍ وَأَقْطَعَ) لِلْحَرَجِ بِعَجْزِهِمْ، وَكَذَا لَا يَجِبُ عَلَى مَدْيُونٍ بِغَيْرِ إذْنِ غَرِيمِهِ وَلَا عَلَى عَالِمٍ لَيْسَ فِي الْبَلْدَةِ أَفْقَهَ مِنْهُ. (فَإِنْ هَجَمَ) أَيْ: غَلَبَ (الْعَدُوُّ) أَيْ: عَلَى بَلَدٍ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، أَوْ نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِيهَا. وَفِي الْمُغْرِبِ الْهُجُومُ الْإِتْيَانُ بَغْتَةً، وَالدُّخُولُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ (فَفَرْضُ عَيْنٍ فَتَخْرُجُ الْمَرْأَةُ، وَالْعَبْدُ بِلَا إذْنِ الزَّوْجِ، وَالْمَوْلَى) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِإِقَامَةِ الْكُلِّ فَيُفْرَضُ عَلَى الْكُلِّ وَحَقُّ الزَّوْجِ، وَالْمَوْلَى لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ، وَكَذَا يَخْرُجُ الْوَلَدُ بِغَيْرِ إذْنِ، وَالِدَيْهِ، وَالْغَرِيمُ بِغَيْرِ إذْنِ دَائِنِهِ وَإِنَّ الزَّوْجَ، وَالْمَوْلَى إذَا مَنَعَا أَثِمَا. وَفِي الْبَحْرِ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ سُبِيَتْ بِالْمَشْرِقِ وَجَبَ عَلَى أَهْلِ الْمَغْرِبِ تَخْلِيصُهَا مَا لَمْ تَدْخُلْ حُصُونَهُمْ وَحِرْزَهُمْ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ إذَا جَاءَ النَّفِيرُ إنَّمَا يَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى مَنْ يَقْرُبُ مِنْ الْعَدُوِّ وَهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى الْجِهَادِ فَأَمَّا مَنْ وَرَاءَهُمْ يَبْعُدُ مِنْ الْعَدُوِّ، فَإِنْ كَانَ الَّذِينَ هُمْ بِقُرْبِ الْعَدُوِّ عَاجِزِينَ عَنْ مُقَاوَمَةِ الْعَدُوِّ الْقَادِرِينَ إلَّا أَنَّهُمْ لَا يُجَاهِدُونَ لِكَسَلٍ بِهِمْ، أَوْ تَهَاوُنٍ اُفْتُرِضَ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ فَرْضَ عَيْنٍ، ثُمَّ مَنْ يَلِيهِمْ كَذَلِكَ حَتَّى يُفْتَرَضَ عَلَى هَذَا التَّدْرِيجِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ شَرْقًا وَغَرْبًا انْتَهَى. فَعَلَى هَذَا لَوْ قَيَّدَ بِالِاسْتِطَاعَةِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرِيضِ الْمُدْنِفِ وَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الزَّادِ، وَالرَّاحِلَةِ تَأَمَّلْ. (وَكُرِهَ الْجُعْلُ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَهُوَ مَا يَضْرِبُهُ الْإِمَامُ عَلَى النَّاسِ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ إلَى الْجِهَادِ (إنْ كَانَ) فِي بَيْتِ الْمَالِ (فَيْءٌ) بِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْأَجْرَ عَلَى الطَّاعَةِ فَيُكْرَهُ. وَفِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ، وَالْفَيْءُ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ قِتَالٍ كَالْخَرَاجِ، وَالْجِزْيَةِ، وَأَمَّا الْمَأْخُوذُ بِقِتَالٍ فَيُسَمَّى غَنِيمَةً كَمَا فِي الْفَتْحِ وَظَاهِرُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَيْءٌ وَكَانَ فِيهِ وَغَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ لَا يُكْرَهُ الْجُعْلُ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ فَإِنَّهُ لَا ضَرُورَةَ لِجَوَازِ الِاسْتِقْرَاضِ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ؛ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْ الْفَيْءَ فِي بَعْضِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ، وَهُوَ الْحَقُّ انْتَهَى. لَكِنْ صَرَّحَ الْمَوْلَى سَعْدِيٌّ فِي حَاشِيَتِهِ إنَّ مَالَ الْغَنِيمَةِ الْمَوْجُودَ فِي بَيْتِ الْمَالِ لَا يُصْرَفُ إلَّا لِمُقَاتِلَةِ

стр. 633

تَتَبَّعْ حَتَّى يَظْهَرَ لَك الْحَقُّ (وَإِلَّا) ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَيْءٌ (فَلَا) يُكْرَهُ الْجُعْلُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ الْجِهَادَ قَدْ يَكُونُ بِالنَّفْسِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْمَالِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، وَالْأَحْوَالِ. وَقَالَ الْمَوْلَى سَعْدِيٌّ وَلِلْإِمَامِ ذَلِكَ بِشَرْطِ الضَّمَانِ فَإِذَا زَالَتْ الْحَاجَةُ يُرَدُّ إنْ كَانَ قَائِمًا وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَغْزُوَ الْمُسْلِمُ بِمَالِ نَفْسِهِ ثُمَّ بِمَالِ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ. [كَيْفِيَّةِ الْقِتَالِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي كَيْفِيَّةِ الْقِتَالِ فَقَالَ (وَإِذَا حَاصَرْنَاهُمْ) أَيْ: يُحِيطُ الْإِمَامُ مَعَ التَّابِعِينَ بِالْكُفَّارِ فِي دِيَارِهِمْ أَوْ غَيْرِهَا فِي مَوْضِعٍ حَصِينٍ لِئَلَّا يَتَفَرَّقُوا (نَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ) ، وَالْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ مَا قَاتَلَ قَوْمًا حَتَّى دَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ» (فَإِنْ أَسْلَمُو) نَكُفُّ عَنْ قِتَالِهِمْ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا (فَإِلَى الْجِزْيَةِ) أَيْ: فَنَدْعُوهُمْ إلَى قَبُولِ الْجِزْيَةِ؛ لِأَنَّهُ ﵊ أَمَرَ هَكَذَا (إنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِهَا) أَيْ الْجِزْيَةِ كَأَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَجَمِ وَاحْتَرَزَ عَنْ الْمُرْتَدِّينَ وَمُشْرِكِي الْعَرَبِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْهُمْ فَلَا نَدْعُوهُمْ إلَى الْجِزْيَةِ، بَلْ أَمْرُهُمْ دَائِرٌ بَيْنَ الْإِسْلَامِ، وَالسَّيْفِ (وَيُبَيِّنُ لَهُمْ) الْإِمَامُ (قَدْرَهَا) أَيْ قَدْرَ الْجِزْيَةِ (وَمَتَى تَجِبُ) أَيْ: يُبَيِّنُ لَهُمْ زَمَانَ أَدَائِهَا لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى الْمُنَازَعَةِ (فَإِنْ قَبِلُوا) الْجِزْيَةَ (فَلَهُمْ مَا لَنَا) مِنْ عِصْمَةِ الدِّمَاءِ، وَالْأَمْوَالِ (وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْنَا) مِنْ التَّعَرُّضِ بِهِمَا أَيْ:

стр. 634

إنَّا كُنَّا نَتَعَرَّضُ لِدِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ قَبْلَ قَبُولِ الْجِزْيَةِ فَبَعْدَمَا قَبِلُوهَا إذَا تَعَرَّضْنَا لَهُمْ، أَوْ تَعَرَّضُوا لَنَا يَجِبُ لَهُمْ عَلَيْنَا مَا يَجِبُ لِبَعْضِنَا عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ التَّعَرُّضِ يُؤَيِّدُهُ اسْتِدْلَالُهُمْ عَلَيْهِ بِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِيَكُونَ دِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا وَأَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا (وَحَرُمَ قِتَالُ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى) إلَى الْإِسْلَامِ وَمَنْ قَتَلَهُمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ يَأْثَمُ لِلنَّهْيِ عَنْهُ وَلَا يَغْرَمُ بِقَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَعْصُومِينَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَضْمَنُونَ الدِّيَةَ (وَنُدِبَ دَعْوَةُ مَنْ بَلَغَتْهُ) الدَّعْوَةُ مُبَالَغَةً فِي الْإِنْذَارِ وَقَطْعِ الْأَعْذَارِ وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ. وَفِي الْمُحِيطِ تَقْدِيمُ الدَّعْوَةِ إلَى الْإِسْلَامِ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا بَعْدَمَا انْتَشَرَ يَحِلُّ الْقِتَالُ مَعَهُمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ وَيَقُومُ ظُهُورُ الدَّعْوَةِ وَشُيُوعُهَا مَقَامَ دَعْوَةِ كُلِّ مُشْرِكٍ وَهَذَا صَحِيحٌ ظَاهِرٌ كَمَا فِي التَّبْيِينِ (فَإِنْ أَبَوْا) عَمَّا دَعَوْا إلَيْهِ (نَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى) فَإِنَّهُ النَّاصِرُ لِلْأَوْلِيَاءِ، وَالْقَاهِرُ لِلْأَعْدَاءِ فَيُسْتَعَانُ مِنْهُ فِي كُلِّ الْأُمُورِ (وَنُقَاتِلُهُمْ بِنَصْبِ الْمَجَانِيقِ) جَمْعُ مَنْجَنِيقٍ؛ لِأَنَّهُ ﵊ نَصَبَهَا عَلَى الطَّائِفِ (وَالتَّحْرِيقِ) بِالنَّارِ أَرَادَ حَرْقَ دُورِهِمْ وَأَمْتِعَتِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَالتَّغْرِيقِ) بِإِرْسَالِ الْمِيَاهِ عَلَى دُورِهِمْ وَبَسَاتِينِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَيْضًا (وَقَطْعِ الْأَشْجَارِ) ، وَلَوْ مُثْمِرَةً (وَإِفْسَادِ الزَّرْعِ) ، وَلَوْ عِنْدَ الْحَصَادِ؛ لِأَنَّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ سَبَبًا لِغَيْظِهِمْ وَكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ وَتَفْرِيقِ شَمْلِهِمْ فَيَكُونُ مَشْرُوعًا. وَفِي الْفَتْحِ هَذَا إذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُمْ مَأْخُوذُونَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الظَّنُّ أَنَّهُمْ مَغْلُوبُونَ وَأَنَّ الْفَتْحَ دَنَا كُرِهَ؛ لِأَنَّهُ إفْسَادٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْحَاجَةِ وَمَا أُبِيحَ إلَّا لَهَا (وَنَرْمِيهِمْ) بِالسِّهَامِ. (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (تَتَرَّسُوا بِأَسَارَى الْمُسْلِمِينَ) أَيْ، وَإِنْ اتَّخَذُوهُمْ تُرْسًا (وَنَقْصِدُهُمْ) أَيْ: الْكُفَّارَ دُونَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُمْ أَتْرَاسًا (بِهِ) أَيْ: بِالرَّمْيِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يَجُوزُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ هُنَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَتْلَفُ الْمُسْلِمُ بِهِ إلَّا أَنْ يَخَافَ انْهِزَامَنَا، وَإِنْ أَصَابُوا مِنْهُمْ فَلَا دِيَةَ وَلَا كَفَّارَةَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. قَيَّدَ بِالتَّتَرُّسِ عِنْدَ الْمُحَارَبَةِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا فَتَحَ بَلْدَةً وَفِيهَا مُسْلِمٌ، أَوْ ذِمِّيٌّ لَا يَحِلُّ قَتْلُ أَحَدٍ مِنْهُمْ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ذَلِكَ الْمُسْلِمُ، أَوْ الذِّمِّيُّ، وَلَوْ أَخْرَجَ وَاحِدٌ مِنْ عَرْضِ النَّاسِ حَلَّ إذَنْ قَتْلُ الْبَاقِي لِجَوَازِ كَوْنِ الْمُخْرَجِ هُوَ ذَاكَ فَصَارَ فِي كَوْنِ الْمُسْلِمِ فِي الْبَاقِينَ شَكٌّ بِخِلَافِ الْحَالَةِ الْأُولَى فَإِنَّ كَوْنَ الْمُسْلِمِ، أَوْ الذِّمِّيِّ

стр. 635

فِيهِمْ مَعْلُومٌ بِالْعَرْضِ فَوَقَعَ الْفَرْقُ كَمَا فِي الْفَتْحِ. (وَيُكْرَهُ إخْرَاجُ النِّسَاءِ، وَالْمَصَاحِفِ فِي سَرِيَّةٍ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى السَّرِيَّةِ لِخَوْفِ الِافْتِضَاحِ، وَالِاسْتِخْفَافِ إنْ غَلَبُوا وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِهِ ذُو الصُّحُفِ فَيَشْمَلُ كُتُبَ التَّفْسِيرِ، وَالْحَدِيثِ، وَالْفِقْهِ فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمُصْحَفِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ إنَّهُ كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ انْتَسَخَ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَحْوَطُ (لَا) أَيْ: لَا يُكْرَهُ إخْرَاجُ النِّسَاءِ، وَالْمَصَاحِفِ (فِي عَسْكَرٍ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْعَسْكَرِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ السَّلَامَةُ إلَّا أَنَّ إخْرَاجَ الْمَرْأَةِ الشَّابَّةِ مَكْرُوهٌ خَوْفًا مِنْ الْفِتَنِ، وَقَدْ فَرَّقَ الْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أَقَلَّ الْجَيْشِ أَرْبَعُمِائَةٍ وَأَقَلُّ السَّرِيَّةِ مِائَتَانِ. وَقَالَ الْحَسَنُ أَقَلُّهُ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَأَقَلُّهَا أَرْبَعُمِائَةٍ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ (وَلَا) يُكْرَهُ (دُخُولُ مُسْتَأْمَنٍ إلَيْهِمْ بِمُصْحَفٍ إنْ كَانُوا يُوفُونَ الْعَهْدَ) يَعْنِي إذَا دَخَلَ مُسْلِمٌ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ مُصْحَفًا إذَا كَانُوا قَوْمًا يُوفُونَ بِالْعَهْدِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ التَّعَرُّضِ. (وَنَهَى عَنْ الْغَدْرِ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ، وَهُوَ نَقْضُ الْعَهْدِ كَمَا إذَا عَهِدَ أَنْ لَا يُحَارِبَهُمْ فِي زَمَانِ كَذَا ثُمَّ يُحَارِبُهُمْ فِيهِ فَلَوْ لَمْ يَعْهَدْ وَخَادَعَهُمْ جَازَ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ» مَا لَمْ يَتَضَمَّنْ النَّقْضَ (وَالْغُلُولِ) بِالضَّمِّ، وَهُوَ خِيَانَةٌ وَسَرِقَةٌ مِنْ الْغَنِيمَةِ (وَالْمُثْلَةِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ قَطْعُ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ، أَوْ تَسْوِيدُ الْوَجْهِ. وَفِي الْفَتْحِ هَذَا بَعْدَ الظَّفَرِ، وَالنَّصْرِ أَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا وَقَعَ قِتَالًا كَمُبَارِزٍ ضُرِبَ فَقُطِعَ أُذُنُهُ، ثُمَّ ضُرِبَ فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ وَلَمْ يَنْتَهِ فَضَرَبَهُ فَقَطَعَ يَدَهُ وَأَنْفَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ. (وَ) نَهَى عَنْ (قَتْلِ امْرَأَةٍ، أَوْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ) كَالصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ (أَوْ شَيْخِ) فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِتَالِ وَلَا عَلَى الصِّيَاحِ وَلَا عَلَى الِاحْتِبَالِ وَلَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ، وَالتَّدْبِيرِ (أَوْ أَعْمَى أَوْ مَقْعَدًا، أَوْ أَقْطَعَ الْيُمْنَى) ؛ لِأَنَّ الْمُبِيحَ لِلْقَتْلِ عِنْدَنَا هُوَ الْحَرْبُ وَلَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُمْ؛ وَلِهَذَا إلَّا يُقْتَلُ يَابِسُ الشِّقِّ، وَالْمَقْطُوعُ يَدُهُ وَرَجُلُهُ مِنْ خِلَافٍ، وَالرَّاهِبُ الَّذِي لَمْ يُقَاتِلْ وَأَهْلُ الْكَنَائِسِ الَّذِينَ لَا يُخَالِطُونَ النَّاسَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي الشَّيْخِ، وَالْأَعْمَى، وَالْمُقْعَدِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ مَنْ كَانَتْ يَدُهُ مَقْطُوعَةَ الْيُسْرَى، وَالْأَخْرَسُ، وَالْأَصَمُّ وَمِنْ يُجَنُّ وَيُفِيقُ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يُقَاتِلُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ قَادِرًا عَلَى الْقِتَالِ، أَوْ ذَا رَأْيٍ فِي الْحَرْبِ، أَوْ ذَا مَالٍ

стр. 636

يَحُثُّ) أَيْ: يُحَرِّضُ الْكُفَّارَ عَلَى الْقِتَالِ (بِهِ) أَيْ: بِالرَّأْيِ، أَوْ الْمَالِ (أَوْ) يَكُونُ أَحَدُهُمْ (مَلِكًا) فَحِينَئِذٍ يُقْتَلُ لِتَعَدِّي ضَرَرِهِ إلَى الْعِبَادِ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّهُ ﵇ قَتَلَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ وَكَانَ مَضَى عَلَيْهِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً» لِكَوْنِهِ صَاحِبَ رَأْيٍ فِي الْحَرْبِ، وَكَذَا يُقْتَلُ مِنْهُمْ مَنْ قَاتَلَ إلَّا غَيْرَ مُكَلَّفٍ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ فِي الْقِتَالِ لَا بَعْدَ الْأَسْرِ، وَالْمُكَلَّفُ يُقْتَلُ بَعْدَ الْأَسْرِ. وَفِي الْبَدَائِعِ، وَلَوْ قَتَلَ مِمَّنْ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ فَلَا شَيْءَ فِيهِ مِنْ دِيَةٍ وَكَفَّارَةٍ إلَّا التَّوْبَةُ، وَالِاسْتِغْفَارُ؛ لِأَنَّ دَمَ الْكَافِرِ لَا يُتَقَوَّمُ إلَّا بِالْأَمَانِ وَلَمْ يُوجَدْ وَإِذَا لَمْ يَجُزْ قَتْلُ هَؤُلَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْسَرُوا وَيُحْمَلُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا قَدَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ وَيَتْرُكُوهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ. (وَ) نَهَى الِابْنَ (عَنْ قَتْلِ أَبٍ كَافِرٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] وَفِيهِ إشْعَارٌ إلَى أَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِقِتَالِ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ سِوَى الْأَبِ، وَإِنْ عَلَا، وَالْأُمِّ، وَإِنْ عَلَتْ. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ يُكْرَهُ قَتْلُ ذِي رَحِمٍ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مَحْرَمٍ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ، وَعَنْ قَتْلِ أَصْلِهِ الْكَافِرِ لَكَانَ أَشْمَلَ تَأَمَّلْ. (بَلْ يَأْبَى الِابْنُ) مِنْهُ (لِيَقْتُلَهُ) بِالنَّصْبِ أَيْ: لَأَنْ يَقْتُلَهُ (غَيْرُهُ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ اقْتِحَامِ الْآثِمِ فَإِذَا أَدْرَكَهُ فِي الصَّفِّ يَشْغَلُهُ بِالْمُجَادَلَةِ بِأَنْ يُوقِبَ فَرَسَهُ، أَوْ يَطْرَحَهُ مِنْ فَرَسِهِ وَيُلْجِئَهُ إلَى مَكَان وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى مَكَان وَيَتْرُكَهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حَرْبًا عَلَيْنَا (إلَّا إنْ قَصَدَ الْأَبُ قَتْلَهُ وَلَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ إلَّا بِالْقَتْلِ) فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ فِي قَتْلِهِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الدَّفْعُ أَلَا يَرَى لَوْ شَهَرَ الْأَبُ الْمُسْلِمُ سَيْفَهُ عَلَى ابْنِهِ وَلَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ إلَّا بِقَتْلِهِ يَقْتُلُهُ فَكَذَا هُنَا. (وَيَجُوزُ) لِلْإِمَامِ (صُلْحُهُمْ إنْ كَانَ) الصُّلْحُ (مَصْلَحَةً لَنَا) كَمَا إذَا نَزَلَ بِبَعْضِ حُصُونِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ فَلَا بَأْسَ بِالصُّلْحِ عَلَى تَرْكِ الْجِهَادِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً أَيْ: مُدَّةً كَانَتْ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّ هَذَا جِهَادٌ مَعْنًى، فَإِنْ كَانَ بِهِمْ قُوَّةٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَالِحَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْجِهَادِ صُورَةً وَمَعْنًى أَوْ تَأْخِيرِهِ وَيَجُوزُ أَخْذُ مَالٍ لِأَجْلِهِ أَيْ: لِأَجْلِ الصُّلْحِ (إنْ) كَانَ (لَنَا بِهِ) أَيْ: بِأَخْذِ الْمَالِ (حَاجَةٌ) فَلَا يُصَالِحُ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ (وَهُوَ) أَيْ: الْمَالُ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بِالصُّلْحِ (كَالْجِزْيَةِ) أَيْ: يُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ الْجِزْيَةِ (إنْ كَانَ قَبْلَ النُّزُولِ بِسَاحَتِهِمْ) بِأَنْ أَرْسَلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا فَكَانَ كَالْجِزْيَةِ فَلَا يُخَمَّسُ (وَكَالْفَيْءِ) أَيْ: الْغَنِيمَةِ (لَوْ) كَانَ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ النُّزُولِ بِسَاحَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مَأْخُوذًا بِالْقَهْرِ فَيُخَمَّسُ، ثُمَّ يُقْسَمُ الْبَاقِي (وَدَفْعُ الْمَالِ لِيُصَالِحُوا لَا يَجُوزُ) لِمَا فِيهِ مِنْ إعْطَاءِ الدَّنِيَّةِ وَلُحُوقِ الْمَذَلَّةِ (إلَّا لِخَوْفِ الْهَلَاكِ) ؛ لِأَنَّ دَفْعَهُ بِأَيِّ طَرِيقٍ أَمْكَنَ وَاجِبٌ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ. وَفِي الْفَتْحِ، وَهُوَ تَسَاهُلٌ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ دَفْعُ الْهَلَاكِ

стр. 637

بِإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَيَقْتُلُ غَيْرَهُ لَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِقَتْلِ نَفْسِهِ، بَلْ يَصِيرُ لِلْقَتْلِ فَلَا يَقْتُلُ غَيْرَهُ (وَيُصَالَحُ الْمُرْتَدُّونَ) إذَا غَلَبُوا عَلَى بَلْدَةٍ وَصَارَ دَارُهُمْ دَارَ الْحَرْبِ وَإِلَّا لَا يَجُوزُ مُصَالَحَتُهُمْ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُقَيِّدَ بِهَذَا الْقَيْدِ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي الْإِخْلَالُ بِهِ تَدَبَّرْ. (بِدُونِ أَخْذِ مَالٍ) مِنْهُمْ وَإِنَّمَا يُصَالِحُهُمْ لِيَنْظُرَ فِي أُمُورِهِمْ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ مَرْجُوٌّ مِنْهُمْ فَجَازَ تَأْخِيرُ قِتَالِهِمْ طَمَعًا فِي الْإِسْلَامِ وَلَا نَأْخُذُ عَلَيْهِ مَالًا فَإِنَّهُ كَالْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ؛ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَقْرِيرًا عَلَى الِارْتِدَادِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ قَالَ الْمَوْلَى سَعْدِيٌّ وَفِيهِ بَحْثٌ فَإِنَّ الْمُوَادَئَةَ تَكُونُ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ فَلَوْ أُخِذَ مِنْهُمْ مَالٌ مُقَدَّرٌ إلَى ذَلِكَ الزَّمَانِ كَيْفَ يَكُونُ تَقْرِيرًا لَهُمْ عَلَيْهِ انْتَهَى. لَكِنْ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ أَخْذَ الْمَالِ سَبَبُ أَمْنِ خَطَرِهِمْ فَلَا يُرْجَى الْإِسْلَامُ إلَى هَذَا الزِّمَامِ فَيَلْزَمُ التَّقْرِيرُ مِنْ وَجْهٍ خُصُوصًا فِي الزَّمَانِ الْمُمْتَدِّ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ الزَّمَانُ. قَيَّدَ بِالْمَالِ لَا بِمُجَرَّدِ الصُّلْحِ تَأَمَّلْ. (وَإِنْ أَخَذَ) الْمَالَ مِنْهُمْ غَلَطًا، أَوْ خَطَأً بِطَرِيقِ الصُّلْحِ (لَا يَرُدُّ) إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ غَيْرُ مَعْصُومٍ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الصُّلْحُ مَعَ أَهْلِ الْبَغْيِ بِالْأَوْلَى وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ شَيْءٌ (ثُمَّ إنْ تَرَجَّحَ النَّبْذُ) يَعْنِي لَوْ صَالَحَهُمْ الْإِمَامُ، ثُمَّ رَأَى النَّبْذَ أَيْ نَقْضَ الْعَهْدِ أَنْفَعَ (نَبَذَ) أَيْ: يَنْقُضُ مُرْسِلًا خَبَرَ النَّقْضِ (إلَيْهِمْ) ؛ لِأَنَّهُ ﵊ نَبَذَ الْمُوَادَعَةَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ وَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ عِلْمِ مَلِكِ الْكُفَّارِ بِالنَّقْضِ، أَوْ مُدَّةٌ يَبْلُغُ الْخَبَرُ إلَى مَلِكِهِمْ تَحَرُّزًا عَنْ الْغَدْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. (وَمَنْ بَدَأَ مِنْهُمْ بِخِيَانَةٍ قُوتِلَ فَقَطْ، وَإِنْ) كَانَ (بِاتِّفَاقِهِمْ، أَوْ بِإِذْنِ مَلِكِهِمْ قُوتِلَ الْجَمِيعُ بِلَا نَبْذٍ) ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ فَلَا حَاجَةَ إلَى نَقْضِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فَقَطَعُوا الطَّرِيقَ وَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ حَيْثُ لَا يَكُونُ هَذَا نَقْضًا لِلْعَهْدِ، وَلَوْ كَانَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَقَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ عَلَانِيَةً يَكُونُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ فِي حَقِّهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ إذْنِ مَلِكِهِمْ فَفِعْلُهُمْ لَا يَلْزَمُ غَيْرَهُمْ حَتَّى لَوْ كَانَ بِإِذْنِ مَلِكِهِمْ صَارُوا نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ؛ لِأَنَّهُ بِاتِّفَاقِهِمْ مَعْنًى كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. (وَلَا يُبَاعُ) أَيْ: يُكْرَهُ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ أَنْ يُمْلَكَ بِوَجْهٍ كَالْهِبَةِ (مِنْهُمْ سِلَاحٌ) أَيْ: مِمَّا اُسْتُعْمِلَ لِلْقَتْلِ، وَلَوْ صَغِيرًا (وَلَا خَيْلٌ وَلَا حَدِيدٌ) لِئَلَّا يَتَقَوَّى بِهِ الْكُفَّارُ وَلَا يَبْلُغُ مَا فِي حُكْمِهِ مِنْ الْحَرِيرِ، وَالدِّيبَاجِ فَإِنَّ تَمْلِيكَهُ مَكْرُوهٌ فَلَا بَأْسَ بِتَمْلِيكِ الثِّيَابِ، وَالطَّعَامِ. (وَلَوْ) كَانَ (الْبَيْعُ بَعْدَ الصُّلْحِ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْبِذُ (وَلَا يُجَهَّزُ إلَيْهِمْ)

стр. 638

أَيْ: لَا يَبْعَثُ التُّجَّارُ إلَيْهِمْ بِالْجِهَازِ، وَالْمُرَادُ هَاهُنَا السِّلَاحُ وَغَيْرُهُ فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ وَلَا يُبَاعُ مِنْهُمْ سِلَاحٌ وَلَا خَيْلٌ وَلَا حَدِيدٌ وَلَا يَحْمِلُهَا التُّجَّارُ أَيْضًا إلَيْهِمْ. (صَحَّ أَمَانُ حُرٍّ، أَوْ حُرَّةٍ كَافِرًا، أَوْ جَمَاعَةً، أَوْ أَهْلَ حِصْنٍ) أَيْ: صَحَّ مِنْ الْحُرِّ، وَالْحُرَّةِ الْمُسْلِمَيْنِ أَنْ يُزِيلَ الْخَوْفَ عَنْ كَافِرٍ، أَوْ أَكْثَرَ، وَلَوْ أَهْلَ بَلَدٍ، أَوْ حِصْنٍ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ (وَحَرُمَ قَتْلُهُمْ) ، وَالصَّوَابُ فَحَرُمَ بِالْفَاءِ التَّفْرِيعِيَّةِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵇ «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ» أَيْ يَتَمَاثَلُ فِي الْقِصَاصِ، وَالدِّيَاتِ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ أَيْ: يُعْطِي الْأَمَانَ أَقَلُّهُمْ، وَهُوَ الْوَاحِدُ (فَإِنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ: فِي الْأَمَانِ (ضَرَرٌ نَبَذَ إلَيْهِمْ) أَيْ: نَقَضَ الْأَمَانَ ذَلِكَ، وَالْأَمَانُ رِعَايَةٌ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ أَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ (وَأَدَّبَ) أَيْ: أَدَّبَ الْإِمَامُ ذَلِكَ الْمُؤْمِنَ هَذَا إذَا عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مَنْهِيٌّ شَرْعًا، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ لَمْ يُؤَدَّبْ وَاعْتُبِرَ جَهْلُهُ عُذْرًا فِي دَفْعِ الْعُقُوبَةِ (وَلَغَا أَمَانُ ذِمِّيٍّ) الْمُسْتَعِينُ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُمْ (أَوْ أَسِيرٍ أَوْ تَاجِرٍ عِنْدَهُمْ) أَيْ: عِنْدَ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّهُمَا مَقْهُورَانِ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ فَلَا يَخَافُونَهُمْ، وَالْأَمَانُ يَخْتَصُّ بِمَحَلِّ الْخَوْفِ. (وَكَذَا أَمَانُ مَنْ أَسْلَمَ ثَمَّةَ وَلَمْ يُهَاجِرْ) إلَيْنَا لِلتُّهْمَةِ، وَكَذَا لَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ فِي عَسْكَرِ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَمَّنَهُمْ لَا يَصِحُّ أَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ مَقْهُورٌ بِمَنَعَتِهِمْ (أَوْ مَجْنُونٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ فَلَا يَصِحُّ أَمَانُهُ (أَوْ صَبِيٍّ) عَاقِلٍ، وَلَوْ مُرَاهِقًا (أَوْ عَبْدٍ غَيْرِ مَأْذُونَيْنِ بِالْقِتَالِ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَحْجُورٌ عَنْ الْقِتَالِ فَلَا يَصِحُّ أَمَانُهُ بِخِلَافِ الْمَأْذُونِ فِي الْقِتَالِ هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ أَمَانُهُمَا) أَيْ أَمَانُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ، وَالْعَبْدِ الْمَحْجُورَيْنِ عَنْ الْقِتَالِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «أَمَانُ عَبْدٍ أَمَانٌ» (أَبُو يُوسُفَ مَعَهُ) أَيْ: مَعَ مُحَمَّدٍ (فِي رِوَايَةِ) الْكَرْخِيِّ وَمَعَ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيُّ. [بَابٌ الْغَنَائِمُ وَقِسْمَتُهَا] أَيْ: فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْغَنَائِمِ وَقِسْمَتِهَا، وَالْغَنَائِمُ جَمْعُ غَنِيمَةٍ، وَهِيَ اسْمٌ لِمَالٍ مَأْخُوذٍ

стр. 639

مِنْ الْكَفَرَةِ بِالْقَهْرِ، وَالْغَلَبَةِ، وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ وَحُكْمُهَا أَنْ يُخَمَّسَ، وَالْبَاقِي بَعْدَ الْخُمُسِ لِلْغَانِمِينَ خَاصَّةً (مَا فَتَحَ الْإِمَامُ) مِنْ الْبِلَادِ، أَوْ الْأَرَاضِي (عَنْوَةً) أَيْ: قَهْرًا كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَانْتِصَابُهَا عَلَى التَّمْيِيزِ. وَفِي الْكِفَايَةِ الْعَنْوَةُ الذُّلُّ، وَالْخُضُوعُ، وَالْقَهْرُ لَيْسَ بِتَفْسِيرٍ لَهَا لُغَةً؛ لِأَنَّ عَنَا لَازِمٌ وَقَهَرَ مُتَعَدٍّ، بَلْ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ؛ لِأَنَّ مِنْ الذِّلَّةِ يَلْزَمُ الْقَهْرُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ إنْ شَاءَ (قَسَمَهُ) أَيْ: الْمَفْتُوحَ الْقَابِلَ لِلْقِسْمَةِ (بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ: الْفَاتِحِينَ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - بِخَيْبَرَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ نَفْسُ الْبِلَادِ عُشْرِيَّةً وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ يُسْتَرَقُّ نِسَاؤُهُمْ وَذَرَارِيُّهُمْ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (أَوْ أَقَرَّ أَهْلَهُ عَلَيْهِ) أَيْ: إنْ شَاءَ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِتَمْلِيكِ الرِّقَابِ، وَالنِّسَاءِ، وَالذَّرَارِيِّ، وَالْأَمْوَالِ، هَذَا فِي الْعَقَارِ، وَأَمَّا فِي الْمَنْقُولِ فَلَا يَجُوزُ بِهِ الْمَنُّ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إذَا مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالرِّقَابِ، وَالْأَرَاضِي يَدْفَعُ إلَيْهِمْ مِنْ الْمَنْقُولِ مَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ لِيَخْرُجَ عَنْ حَدِّ الْكَرَاهَةِ فَإِنَّهُ إذَا مَنَّ عَلَيْهِمْ بِرِقَابِهِمْ وَأَرَاضِيِهِمْ وَقَسَمَ سَائِرَ الْأَمْوَالِ جَازَ وَيُكْرَهُ، وَإِنْ قَسَمَ سَائِرَ الْأَرَاضِي وَالرِّقَابِ لَمْ يَجُزْ (وَوَضَعَ جِزْيَةً عَلَيْهِمْ) أَيْ: عَلَى رُءُوسِ الْبَلْدَةِ. (وَ) وَضَعَ (الْخَرَاجَ عَلَى أَرَاضِيهِمْ) كَمَا فَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِسَوَادِ الْعِرَاقِ بِمُوَافَقَةِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَلَمْ يُحْمَدْ مَنْ خَالَفَهُ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ قُدْوَةٌ فَيَتَخَيَّرُ قَالُوا: الْأَوْلَى هُوَ الْأَوَّلُ عِنْدَ حَاجَةِ الْغَانِمِينَ، وَالثَّانِي عِنْدَ عَدَمِهَا لِيَكُونَ عُدَّةً لَهُمْ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ الْمَنُّ فِي الْعَقَارِ لِتَضَمُّنِهِ إبْطَالَ حَقِّ الْغَانِمِينَ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ. (وَ) الْإِمَامُ فِي حَقِّ أَهْلِ مَا فُتِحَ عَنْوَةً أَيْضًا مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ (قَتَلَ الْأَسْرَى) الَّذِينَ يَأْخُذُهُمْ مِنْ الْمُقَاتِلِينَ سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ الْعَرَبِ، أَوْ الْعَجَمِ؛ لِأَنَّهُ ﵊ قَتَلَهُمْ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ حَسْمَ مَادَّةِ الشِّرْكِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: لَا يَقْتُلُ النِّسَاءَ، وَالذَّرَارِيَّ، بَلْ يُسْتَرَقُّونَ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ (أَوْ اسْتَرَقَّهُمْ) تَوْفِيرًا لِلْمَنْفَعَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ (أَوْ تَرَكَهُمْ أَحْرَارًا) إلَّا مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَالْمُرْتَدِّينَ إذْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ، أَوْ السَّيْفُ حَالَ كَوْنِهِمْ (ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ) أَيْ: حَقًّا وَاجِبًا لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْجِزْيَةِ، وَالْخَرَاجِ؛ فَإِنَّ الذِّمَّةَ حَقُّ الْعَهْدِ، وَالْأَمَانِ؛ وَلِذَا سُمُّوا بِأَهْلِ الذِّمَّةِ لِدُخُولِهِمْ فِي عَهْدِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَانِهِمْ، وَقَدْ ظَنَّ أَنَّ الْمَعْنَى لِيَكُونُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ لَنَا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَإِسْلَامُهُمْ لَا يَمْنَعُ اسْتِرْقَاقَهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ) الْإِسْلَامُ (قَبْلَ الْأَخْذِ) لِانْعِقَادِ سَبَبِ الْمِلْكِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ، أَوْ وَضْعُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ إسْلَامِهِمْ إلَّا الِاسْتِرْقَاقُ، فَإِنْ أَسْلَمُوا قَبْلَ الْأَخْذِ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبُ الْمِلْكِ (وَلَا يَجُوزُ رَدُّهُمْ إلَى دَارِهِمْ) أَيْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْوِيَةِ الْكُفَّارِ (وَلَا الْمَنُّ) أَيْ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ الْكَافِرُ الْأَسِيرُ بِلَا أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. وَفِي الْفَتْحِ هُوَ أَنْ يُطْلِقَهُمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ شَيْءٍ. وَفِي الْغَايَةِ، وَالنِّهَايَةِ هُوَ الْإِنْعَامُ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَتْرُكَهُمْ مَجَّانًا بِدُونِ إجْرَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِمْ مِنْ الْقَتْلِ، وَالِاسْتِرْقَاقِ، أَوْ تَرْكِهِمْ ذِمَّةً لِلْمُسْلِمِينَ انْتَهَى. لَكِنْ مَا فِي الْفَتْحِ لَا يَصِحُّ فِي الْكَلَامِ الْمُخْتَصَرِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ عَيْنُ قَوْلِهِ وَلَا يَجُوزُ رَدُّهُمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ كَمَا فِي الْبَحْرِ. (وَلَا) يَجُوزُ (الْفِدَاءُ بِالْمَالِ) هَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ آيَةَ السَّيْفِ نَسَخَتْ الْمُفَادَاةَ (وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِهِ)

стр. 640

أَيْ: بِالْفِدَاءِ بِأَخْذِ الْمَالِ (عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى أَخْذِ الْمَالِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ اسْتِدْلَالًا بِأَسَارَى بَدْرٍ (وَيَجُوزُ) الْفِدَاءُ (بِالْأَسَارَى) أَيْ: بِأَسَارَى الْمُسْلِمِينَ (عِنْدَهُمَا) تَخْلِيصًا لِلْمُسْلِمِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ فِي الْمُفَادَاةِ تَكْثِيرَ سَوَادِ الْكَفَرَةِ، وَفِي التَّرْكِ رَجَاءَ إسْلَامِهِمْ قَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْإِمَامِ وَاعْتَمَدَهُ النَّسَفِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ فِي التَّبْيِينِ. وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُفَادِي بِهِمْ أَسَارَى الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ قَالَ وَذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ هَذَا هُوَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ ذَلِكَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَا بَعْدَهَا انْتَهَى. فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ وَيَجُوزُ بِالْأَسَارَى عِنْدَهُمَا مَحَلُّ تَأَمُّلٍ إلَّا أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَاخْتَارَ أَحَدَهُمَا تَدَبَّرْ. ، وَفِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ، وَلَوْ أَسْلَمَ الْأَسِيرُ لَا يُفَادَى بِمُسْلِمٍ أَسِيرٍ إلَّا إذَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ، وَهُوَ مَأْمُونٌ عَلَى إسْلَامِهِ. (وَتُذْبَحُ مَوَاشٍ) جَمْعُ مَاشِيَةٍ، وَهِيَ الْإِبِلُ، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ وَلَا تُتْرَكُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (شَقَّ نَقْلُهَا) أَيْ: إذَا أَرَادَ الْإِمَامُ الْعَوْدَ وَمَعَهُ مَوَاشٍ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى نَقْلِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ذَبَحَهَا (وَتُحْرَقُ) قَطْعًا (وَلَا تُعْقَرُ) خِلَافًا لِمَالِكٍ لَهُمَا قَوْلُهُ ﵇ «لَا تَذْبَحَنَّ شَاةً وَلَا بَقَرَةً إلَّا لِمَأْكَلَةٍ» وَلَنَا إنَّ فِي التَّرْكِ تَقْوِيَةً لَهُمْ، وَفِي الْعَقْرِ تَعْذِيبًا وَمُثْلَةً، وَالذَّبْحُ لِلْمَصْلَحَةِ جَائِزٌ وَإِلْحَاقُ الْغَيْظِ بِهِمْ مِنْ أَقْوَى الْمَصَالِحِ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ بِالنَّصِّ وَإِنَّمَا تُحْرَقُ لِئَلَّا تَنْتَفِعَ بِهَا الْكُفَّارُ كَلًّا وَلَا تُحْرَقُ قَبْلَ الذَّبْحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّهَا. قَيَّدَ بِالْمَوَاشِي احْتِرَازًا عَنْ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ اللَّاتِي يَشُقُّ إخْرَاجُهَا فَإِنَّهَا تُتْرَكُ فِي أَرْضٍ خَرِبَةٍ حَتَّى يَمُوتُوا جُوعًا وَعَطَشًا كَمَا فِي الْبَحْرِ وَيُحْرَقُ سِلَاحٌ شَقَّ نَقْلُهُ وَمَا لَا يُحْرَقُ مِنْهَا كَالْحَدِيدِ يُدْفَنُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَقِفُ عَلَيْهِ الْكُفَّارُ إبْطَالًا لِلْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِمْ،. وَفِي التَّنْوِيرِ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ حَيَّةً، أَوْ عَقْرَبًا فِي رِحَالِهِمْ ثَمَّةَ يَنْزِعُونَ ذَنْبَ الْعَقْرَبِ وَأَنْيَابَ الْحَيَّةِ بِلَا قَتْلٍ لَهُمَا دَفْعًا لِضَرَرِهِمَا عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا دَامُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَإِبْقَاءً لِنَسْلِهِمَا. (وَلَا تُقْسَمُ غَنِيمَةٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ)

стр. 641

وَهُوَ مَشْهُورٌ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَهَا قَبْلَ الْإِحْرَازِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ الْأَحَبُّ أَنْ يُقْسَمَ وَقِيلَ يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ عِنْدَهُمَا وَكَرَاهَةً تَنْزِيهِيَّةً عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَاسِمَ إنْ كَانَ هُوَ الْإِمَامَ، أَوْ كَانَتْ الْقِسْمَةُ عَنْ اجْتِهَادٍ، فَالْخِلَافُ فِي الْكَرَاهَةِ وَإِلَّا فَفِي النَّفَاذِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَمْلِكُونَهَا بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْهَزِيمَةِ وَتُبْنَى عَلَى هَذَا مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا إذَا أَتْلَفَ وَاحِدٌ شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَضْمَنُ عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ وَمِنْهَا لَوْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْ الْغَانِمِينَ ثَمَّةَ لَا يُورَثْ نَصِيبُهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ وَمِنْهَا لَوْ قَسَمَ الْإِمَامُ الْغَنِيمَةَ لَا عَنْ اجْتِهَادٍ وَلَا لِحَاجَةِ الْغُزَاةِ لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ وَمِنْهَا لَوْ وَطِئَ وَاحِدٌ مِنْ الْغُزَاةِ أَمَةً مِنْ السَّبْيِ فَوَلَدَتْ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ عِنْدَنَا، بَلْ الْأَمَةُ، وَالْوَلَدُ، وَالْعُقْرُ لِلْغُزَاةِ يَقْسِمُونَهَا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ لَكِنْ فِي الْكَافِي نَفْيُ لُزُومِ الْعُقْرِ بِوَطْئِهَا تَتَبَّعْ (إلَّا لِلْإِيدَاعِ) أَيْ: قِسْمَةِ إيدَاعٍ بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْ لِلْإِمَامِ مَا يَحْمِلُ الْغَنِيمَةَ فَأَوْدَعَهَا الْغَانِمِينَ لِيُخْرِجُوهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِأَجْرِ الْمِثْلِ، ثُمَّ يَقْسِمُهَا وَلَا يَجْبُرُهُمْ عَلَى ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ السِّيَرِ الصَّغِيرِ. وَفِي الْكَبِيرِ أَجْبَرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ دَفْعُ ضَرَرٍ عَامٍّ بِتَحْمِيلِ ضَرَرٍ خَاصٍّ (ثُمَّ تُرَدُّ وَلَا تُبَاعُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ) لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ وَبَعْدَهُ نَصِيبُهُ مَجْهُولٌ جَهَالَةً فَاحِشَةً فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَمْنَعَهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (وَالْمُقَاتِلُ، وَالرِّدْءُ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ مُعَيَّنُ الْمُقَاتِلِينَ بِالْخِدْمَةِ وَقِيلَ هُمْ الْمُقَاتِلَةُ بَعْدَ الْمُقَاتِلِينَ وَيَقْرَبُ مِنْهُمْ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ النَّاصِرُ (سَوَاءٌ فِي) اسْتِحْقَاقِ (الْغَنِيمَةِ) لِتَحَقُّقِ الْمُشَارَكَةِ فِي السَّبَبِ، وَهُوَ الْمُجَاوَزَةُ عِنْدَنَا وَشُهُودُ الْوَقْعَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَعَلَى هَذَا إذَا لَمْ يُقَاتِلْ لِمَرَضٍ، أَوْ غَيْرِهِ لَا يَسْتَوِي عِنْدَهُ. (وَكَذَا مَدَدٌ) ، وَهُوَ الَّذِي يُرْسَلُ إلَى الْجَيْشِ لِيَزْدَادُوا، وَفِي الْأَصْلِ مَا يُزَادُ بِهِ الشَّيْءُ وَيَكْثُرُ (لَحِقَهُمْ) أَيْ: الْعَسْكَرَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَوْ بَعْدَ الْقِتَالِ (قَبْلَ إحْرَازِهَا) أَيْ: الْغَنِيمَةِ (بِدَارِنَا) يَعْنِي يُشَارِكُ الْمَدَدُ بِهِمْ فِي الْغَنِيمَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُشَارِكُونَهُمْ بَعْدَ الْقِتَالِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ فَتْح الْإِمَامُ مَعَ الْعَسْكَرِ بَلَدًا مِنْ بُلْدَانِهِمْ، أَوْ أَحْرَزَ الْمَغْنَمَ بِدَارِنَا، أَوْ قَسَمَ فِي دَارِهِمْ عَنْ اجْتِهَادٍ، أَوْ بَاعَ فِيهَا، ثُمَّ لَحِقَهُمْ مَدَدٌ لَمْ يُشَارِكْهُمْ، وَلِي أَنَّهُ لَوْ قَاتَلَهُمْ فِي دَارِنَا كَانَتْ لِلْمُقَاتِلِ، وَالْمُسْتَعِينِ لَا الْمَدَدِ الَّذِي لَحِقَهُ بَعْدَ الْقِتَالِ. (وَلَا حَقَّ فِيهَا) أَيْ: فِي الْغَنِيمَةِ (لِسُوقِيٍّ لَمْ يُقَاتِلْ) ؛ لِأَنَّهُ تَاجِرٌ، فَإِنْ قَاتَلَ فَكَالْمُقَاتِلِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ يُسْهَمُ لَهُمْ.

стр. 642

(وَلَا) حَقَّ فِيهَا (لِمَنْ مَاتَ) قَبْلَ الْقِسْمَةِ، أَوْ بِيعَ (فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِنَا، وَلَوْ بَعْدَ الْإِحْرَازِ يُورَثُ نَصِيبُهُ) ، وَلَوْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لِتَحَقُّقِ سَبَبِ الْمِلْكِ بَعْدَهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. وَفِي الْبَحْرِ وَصَرَّحُوا فِي كِتَابِ الْوَقْفِ أَنَّ مَعْلُومَ الْمُسْتَحِقِّ لَا يُورَثُ بَعْدَهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَفِي قَوْلٍ يُورَثُ وَلَمْ أَرَ تَرْجِيحًا وَيَنْبَغِي أَنْ يُفَصَّلَ، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ خُرُوجِ الْغَلَّةِ وَإِحْرَازِ النَّوَاظِرِ لَهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ يُورَثُ نَصِيبُ الْمُسْتَحِقِّ لِتَأَكُّدِ الْحَقِّ فِيهِ فَإِنَّ الْغَنِيمَةَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِنَا يَتَأَكَّدُ فِيهَا لِلْغَانِمَيْنِ وَلَا مِلْكَ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ فِي شَيْءٍ قَبْلَ الْقِسْمَةِ مَعَ أَنَّ النَّصِيبَ يُورَثُ فَكَذَا فِي الْوَظِيفَةِ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ، وَهُوَ فِي يَدِ الْمُتَوَلِّي لَا يُورَثُ نَصِيبُهُ سَوَاءٌ مَاتَ فِي نِصْفِ السَّنَةِ، أَوْ فِي آخِرِهَا وَقَيَّدْنَا بِقَبْلِ الْقِسْمَةِ، أَوْ بِيعَ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَاتَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَوْ الْبَيْعِ ثَمَّةَ فَإِنَّهُ يُورَثُ نَصِيبُهُ كَمَا فِي التتارخانية فَعَلَى هَذَا لَوْ قَيَّدَهُ لَكَانَ أَوْلَى تَدَبَّرْ. (وَيُنْتَفَعُ) عَلَى صِيغَةِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: وَيَنْتَفِعُ الْغَانِمُ مِنْهَا فَلَا يَنْتَفِعُ التَّاجِرُ، وَالدَّاخِلُ بِخِدْمَةِ الْجُنْدِيِّ بِأَجْرٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ خَبَزَ الْحِنْطَةَ أَوْ طَبَخَ اللَّحْمَ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالِاسْتِهْلَاكِ، وَلَوْ فَعَلُوا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ (فِيهَا) أَيْ الْغَنِيمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ (بِلَا قِسْمَةٍ بِالسِّلَاحِ، وَالرُّكُوبِ، وَاللُّبْسِ إنْ اُحْتِيجَ) أَيْ: إنْ احْتَاجَ إلَى السِّلَاحِ بِأَنْ لَمْ يَجِدْ سِلَاحًا آخَرَ أَوْ إلَى دَابَّةِ الْغَنِيمَةِ، أَوْ ثَوْبِهَا بِأَنْ لَمْ يَجِدْ دَابَّةً أُخْرَى، أَوْ ثَوْبًا آخَرَ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ سِلَاحِهَا وَرُكُوبُ دَابَّتِهَا وَلُبْسُ ثَوْبِهَا وَإِلَّا لَا. (وَ) يَنْتَفِعُ (بِالْعَلَفِ، وَالْحَطَبِ، وَالدُّهْنِ، وَالطِّيبِ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ وُجِدَ الِاحْتِيَاجُ، أَوْ لَا. وَفِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَعْلِفَ الْعَسْكَرُ دَوَابَّهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَيَأْكُلُوا مَا وَجَدُوا مِنْ الطَّعَامِ كَالْخُبْزِ، وَاللَّحْمِ وَمَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ كَالسَّمْنِ، وَالزَّيْتِ وَيَسْتَعْمِلُوا الْحَطَبَ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الطِّيبَ، وَالدُّهْنَ وَيَدْهُنُوا بِالدُّهْنِ وَيُوقِحُوا بِهِ الدَّابَّةَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ.

стр. 643

تَمَسُّ إلَيْهَا وَيَجُوزُ لِلْغَنِيِّ، وَالْفَقِيرِ وَكُلُّ ذَلِكَ بِلَا قِسْمَةٍ ثُمَّ شَرَطَ الْحَاجَةَ فِي السِّيَرِ الصَّغِيرِ حَتَّى لَوْ كَانَ بِلَا حَاجَةٍ كَمَا فِي الثِّيَابِ، وَالدَّوَابِّ لَا وَلَمْ يَشْتَرِطْهَا فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ، وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ. وَعَنْ هَذَا قَالَ (وَقِيلَ إنْ اُحْتِيجَ) يَنْتَفِعُ بِالْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ وَالْأَوْجَهُ الِاسْتِحْسَانُ «لِقَوْلِهِ ﵊ فِي طَعَامِ خَيْبَرَ كُلُوهَا وَاعْلِفُوهَا وَلَا تَحْمِلُوهَا» ؛ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ يُدَارُ عَلَى دَلِيلِ الْحَاجَةِ، وَهُوَ كَوْنُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِخِلَافِ السِّلَاحِ، وَالدَّوَابِّ لَا يُسْتَصْحَبْهُمَا فَلَمْ يُوجَدْ دَلِيلُ الْحَاجَةِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَفِيهِ جَوَازُ الِانْتِفَاعِ بِمَا ذَكَرَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِمَا إذَا لَمْ يَنْهَهُمْ الْإِمَامُ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِالْمَأْكُولِ، وَالْمَشْرُوبِ وَإِمَّا إذَا نَهَاهُمْ عَنْهُ فَلَا يُبَاحُ لَهُمْ الِانْتِفَاعُ بِهِ انْتَهَى. لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ حَاجَتُهُمْ إلَيْهِ وَإِلَّا لَا يَعْمَلُ نَهْيُهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ (لَا) يَنْتَفِعُ (بِالْبَيْعِ أَصْلًا) لِانْعِدَامِ الْمِلْكِ قَبْلَ الْإِحْرَازِ (وَلَا التَّمَوُّلِ) أَيْ: اتِّخَاذِ الْغَنِيمَةِ مَالًا بِنَفْسِهِ. وَفِي الْعِنَايَةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعُوا بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ وَلَا يَتَمَوَّلُونَهُ أَيْ: يَبِيعُونَهُ بِالْعُرُوضِ (وَلَا) يُنْتَفَعُ (بَعْدَ الْخُرُوجِ) مِنْ دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ (بَلْ يُرَدُّ مَا فَضَلَ) مِمَّا كَانَ يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ الْعَلَفِ وَغَيْره (إلَى الْغَنِيمَةِ) لِزَوَالِ حَاجَتِهِ وَكَلِمَةُ، بَلْ هُنَا لِلتَّرَقِّي أَيْ: لَا يَنْتَفِعُ بِهَا بَعْدَ الْخُرُوجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ مَا فَضَلَ إلَى الْغَنِيمَةِ. (وَإِنْ انْتَفَعَ بِهِ) أَيْ: بِمَا فَضَلَ بَعْدَ الْخُرُوجِ (رَدَّ قِيمَتَهُ) إلَى الْغَنِيمَةِ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ لَا يَرُدُّ كَالْمُتَلَصِّصِ. (وَإِنْ قُسِمَتْ) الْغَنِيمَةُ (قَبْلَ الرَّدِّ) أَيْ: قَبْلَ رَدِّ مَا فَضَلَ (تَصَدَّقَ بِهِ) إنْ قَائِمًا وَبِقِيمَتِهِ إنْ هَالِكًا عَلَى الْفُقَرَاءِ (لَوْ) كَانَ (غَنِيًّا) وَيَنْتَفِعُ إنْ كَانَ فَقِيرًا (وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ الْحَرْبِيِّ ثَمَّةَ (قَبْلَ أَخْذِهِ) أَيْ: أَخْذِ الْغُزَاةِ إيَّاهُ (أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَطِفْلَهُ) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْلِمًا تَبَعًا فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ. (وَ) أَحْرَزَ (كُلَّ مَا) أَيْ: مِنْ الْمَنْقُولِ (هُوَ مَعَهُ) لِسَبْقِ يَدِهِ الْحَقِيقِيَّةِ عَلَيْهِ (أَوْ وَدِيعَةٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ، أَوْ ذِمِّيٍّ) ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ حُكْمًا. وَفِي الْبَحْرِ

стр. 644

وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدَمَا أَخَذَ أَوْلَادَهُ الصِّغَارَ وَمَالَهُ وَلَمْ يُؤْخَذْ هُوَ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ أَحْرَزَ بِإِسْلَامِهِ نَفْسَهُ فَقَطْ (وَعَقَارُهُ فَيْءٌ) عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ كَالْمَنْقُولِ وَلَنَا أَنَّ الْعَقَارَ لَيْسَ فِي يَدِهِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الدَّارَ فِي يَدِ أَهْلِ الدَّارِ وَسُلْطَانِهَا (وَقِيلَ فِيهِ) أَيْ: فِي الْعَقَارِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ) قَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْآخِرُ. وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ الْعَقَارُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ (وَوَلَدُهُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ الْآتِي فَيْءٌ (الْكَبِيرُ) ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ حَرْبِيٌّ وَلَا يَتْبَعُهُ (وَزَوْجَتُهُ) ؛ لِأَنَّهَا كَافِرَةٌ حَرْبِيَّةٌ لَا تَتْبَعُهُ (وَحَمْلُهَا) ؛ لِأَنَّهُ جُزْؤُهَا فَيُسْتَرَقُّ بِرِقِّهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (وَعَبْدُهُ الْمُقَاتِلُ) ؛ لِأَنَّهُ لِقِتَالِهِ صَارَ مُتَمَرِّدًا عَلَى مَوْلَاهُ وَمُلْحَقًا بِأَهْلِ الدَّارِ، وَكَذَا أَمَتُهُ الْمُقَاتِلَةُ، وَلَوْ كَانَتْ حُبْلَى فَهِيَ، وَالْجَنِينُ فَيْءٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ لَيْسَ بِفَيْءٍ (وَمَالُهُ مَعَ حَرْبِيٍّ بِغَصْبٍ، أَوْ وَدِيعَةٍ فَيْءٌ) ؛ لِأَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ بِمُحْتَرَمَةٍ فَيَكُونُ فَيْئًا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. (وَكَذَا مَالُهُ مَعَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ بِغَصْبٍ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ كَيَدِ الْمَالِكِ فَيَكُونُ فَيْئًا (خِلَافًا لَهُمَا) ؛ لِأَنَّ الْمَالَ تَابِعٌ لِلنَّفْسِ، وَقَدْ صَارَتْ مَعْصُومَةً بِالْإِسْلَامِ (وَقِيلَ أَبُو يُوسُفَ) فِي هَذَا (مَعَ الْإِمَامِ) وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذَا يَكُونُ فَيْئًا عِنْدَ الْإِمَامِ فَقَطْ خِلَافًا لَهُمَا فِي رِوَايَةٍ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ هَذَا يَكُونُ فَيْئًا عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ. قَيَّدَ بِالْحَرْبِيِّ إذَا أَسْلَمَ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ، أَوْ الذِّمِّيَّ إذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَأَصَابَ مَالًا ثُمَّ ظَهَرْنَا عَلَى الدَّارِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِهِمْ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا إلَّا فِي حَقِّ مَالٍ فِي يَدِ حَرْبِيٍّ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ كَانَتْ ثَابِتَةً لِهَذَا الْمَالِ تَبَعًا لِلْمَالِكِ فَلَا يَزُولُ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ يَكُونُ فَيْئًا، وَلَوْ أَغَارُوا عَلَيْهَا وَلَمْ يَظْهَرُوا فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ الْإِمَامِ يَصِيرُ جَمِيعُ مَالِهِ فَيْئًا إلَّا نَفْسَهُ وَأَوْلَادَهُ الصِّغَارَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ. [فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْقِسْمَةِ] ِ أَفْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ بِفَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ لِكَثْرَةِ شُعَبِهَا، وَالْقِسْمَةُ جَعْلُ نَصِيبٍ شَائِعٍ فِي مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ (وَتُقْسَمُ الْغَنِيمَةُ) أَيْ: يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَقْسِمَ الْغَنِيمَةَ وَيُخْرِجَ خُمُسَهَا أَوَّلًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] وَيَقْسِمَ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ عَلَى الْغَانِمِينَ لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ. وَعَنْ هَذَا قَالَ (لِلرَّاجِلِ) أَيْ مَنْ لَا فَرَسَ مَعَهُ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ، أَوْ بَغْلٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ (سَهْمٌ وَلِلْفَارِسِ سَهْمَانِ) عِنْدَ الْإِمَامِ وَزُفَرَ (وَعِنْدَهُمَا) ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَاللَّيْثِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِلْفَارِسِ (ثَلَاثَةٌ أَسْهُمٍ لَهُ سَهْمٌ وَلِفَرَسِهِ سَهْمَانِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ «أَسْهَمَ لِلْفَارِسَ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ

стр. 645

سَهْمًا لَهُ وَسَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ» وَلَهُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَسْهَمَ لِلْفَارِسِ سَهْمَيْنِ لَهُ وَسَهْمًا لِفَرَسِهِ» فَتَعَارَضَ فِعْلَاهُ فَيَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ» (وَلَا يُسْهِمُ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسٍ) وَاحِدٍ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُسْهِمُ لِفَرَسَيْنِ) «؛ لِأَنَّهُ ﵊ أَسْهَمَ زُبَيْرًا خَمْسَةَ أَسْهُمٍ» وَلَهُمَا أَنَّهُ ﵊ «وَلَمْ يُسْهِمْ يَوْمَ خَيْبَرَ لِصَاحِبِ الْأَفْرَاسِ إلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ» وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْفِيلِ كَمَا أَعْطَى سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ سَهْمَيْنِ، وَهُوَ رَاجِلٌ (، وَالْبَرَاذِينُ) جَمْعُ الْبِرْذَوْنِ، وَهُوَ خَيْلُ الْعَجَمِ (كَالْعِتَاقِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ جَمْعُ عَتِيقٍ، وَهُوَ فَرَسٌ جَوَادٌ وَإِنَّمَا اسْتَوَيَا؛ لِأَنَّ إرْهَابَ الْعَدُوِّ يُضَافُ إلَى جِنْسِ الْخَيْلِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْبَرَاذِينِ، وَالْعِرَابِ، وَالْهَجِينِ، وَالْمُقْرِفِ؛ وَلِأَنَّ فِي الْبِرْذَوْنِ قُوَّةَ الْحَمْلِ، وَالصَّبْرَ، وَفِي الْعَتِيقِ قُوَّةَ الطَّلَبِ، وَالسَّفَرَ فَكُلٌّ مِنْهُمَا جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ. (وَلَا يُسْهَمُ لِرَاحِلَةٍ) ، وَهِيَ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا الْحِمْلُ (وَلَا بَغْلٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَاتَلُ عَلَيْهَا وَلَا تَصْلُحُ لِلطَّلَبِ، وَالْهَرَبِ (وَالْعِبْرَةُ لِكَوْنِهِ فَارِسًا، أَوْ رَاجِلًا عِنْدَ الْمُجَاوَزَةِ) أَيْ: مُجَاوَزَةِ مَدْخَلِ دَارِ الْحَرْبِ لَا شُهُودُ الْوَقْعَةِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ) ، أَوْ نَائِبِهِ (أَنْ يَعْرِضَ الْجَيْشَ عِنْدَ دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ لِيَعْلَمَ الْفَارِسَ مِنْ الرَّاجِلِ) حَتَّى يَقْسِمَ الْغَنَائِمَ بَيْنَهُمْ بِقَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ (فَمَنْ جَاوَزَ) مَدْخَلَ دَارِ الْحَرْبِ هَذَا تَفْرِيعٌ لِمَذْهَبِنَا (رَاجِلًا فَاشْتَرَى فَرَسًا) بَعْدَ الْمُجَاوَزَةِ وَشَهِدَ الْوَقْعَةَ (فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ) وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ لَهُ سَهْمَ الْفَارِسِ (وَمَنْ جَاوَزَ فَارِسًا فَنَفَقَ) أَيْ هَلَكَ (فَرَسُهُ) فَشَهِدَ الْوَقْعَةَ رَاجِلًا (فَلَهُ سَهْمُ فَارِسٍ) وَهَذَا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ فَارِسًا، أَوْ رَاجِلًا حَالَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ إمَّا الْمُجَاوَزَةُ فَوَسِيلَةٌ إلَى السَّبَبِ فَلَا يُعْتَبَرُ كَالْخُرُوجِ مِنْ الْبَيْتِ وَلَنَا أَنَّ الْمُجَاوَزَةَ أَقْوَى الْجِهَادِ؛ لِأَنَّ الْإِرْهَابَ بِهَا يَلْحَقُهُمْ؛ وَلِهَذَا يَحْتَاجُ إلَى شَوْكَةٍ وَجَيْشٍ عَظِيمٍ، وَالْجِهَادُ يَكُونُ بِالْإِرْهَابِ كَمَا يَكُونُ بِالْقَتْلِ هَذَا فِي عَدَمِ الْمَضَايِقِ أَمَّا لَوْ دَخَلَ فَارِسًا وَقَاتَلَ رَاجِلًا لِضِيقِ الْمَكَانِ اسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفَارِسِ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ فِي السَّفِينَةِ لِتَهْيِئَتِهِ لِلْقِتَالِ فَارِسًا، وَهُوَ كَالْمُبَاشِرِ. (وَلَوْ بَاعَهُ) أَيْ الْفَرَسَ بَعْدَ الْمُجَاوَزَةِ (قَبْلَ الْقِتَالِ) ، أَوْ حَالَ الْقِتَالِ عَلَى الْأَصَحِّ أَمَّا لَوْ بَاعَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِتَالِ لَمْ يَسْقُطْ سَهْمُ الْفُرْسَانِ (أَوْ وَهَبَهُ، أَوْ آجَرَهُ، أَوْ رَهَنَهُ فَسَهْمُ رَاجِلٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) ؛ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِالْمُجَاوَزَةِ الْقِتَالَ فَارِسًا

стр. 646

إلَّا إذَا بَاعَهُ مُكْرَهًا، وَعَنْ الْإِمَامِ إنَّهُ فَارِسٌ لِلْمُجَاوَزَةِ. وَفِي الْمِنَحِ لَوْ غُصِبَ فَرَسُهُ مِنْهُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَدَخَلَ رَاجِلًا ثُمَّ اسْتَرْدَدَهُ فِيهَا فَلَهُ سَهْمُ فَارِسٍ، وَكَذَا لَوْ رَكِبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَدَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ، أَوْ نَفَرَ الْفَرَسُ فَاتَّبَعَهُ وَدَخَلَ رَاجِلًا، وَكَذَا إذَا ضَلَّ مِنْهُ وَدَخَلَ رَاجِلًا، ثُمَّ وَجَدَهُ فِيهَا لَا يُحْرَمُ مِنْ سَهْمِ الْفَارِسِ، وَلَوْ وَهَبَهَا وَدَخَلَ رَاجِلًا وَدَخَلَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَارِسًا، ثُمَّ رَجَعَ فِيهَا اسْتَحَقَّ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ سَهْمَ الْفَارِسِ فِيمَا أَصَابَهُ قَبْلَ الرُّجُوعِ وَسَهْمَ الرَّاجِلِ فِيمَا أَصَابَهُ بَعْدَهُ، وَالرَّاجِعُ رَاجِلٌ مُطْلَقًا. (وَكَذَا لَوْ كَانَ) الْفَرَسُ (مَرِيضًا أَوْ مُهْرًا لَا يُقَاتَلُ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِهِ الْقِتَالَ إلَّا إذَا زَالَ الْمَرَضُ وَصَارَ بِحَالٍ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْغَنِيمَةِ فَإِنَّهُ يُسْهَمُ اسْتِحْسَانًا، وَكَذَا مَنْ كَانَ فَرَسُهُ مَرِيضًا بَعْدَ الْمُجَاوَزَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَطَالَ الْمُكْثَ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَتَّى بَلَغَ الْمَهْرُ وَصَارَ صَالِحًا لِلرُّكُوبِ فَقَاتَلَ عَلَيْهِ لَا يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْفُرْسَانِ. (وَلَا يُسْهَمُ لِمَمْلُوكٍ) ؛ لِأَنَّهُ مَشْغُولٌ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ فَيَمْنَعُهُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْجِهَادِ (أَوْ مُكَاتَبٍ) ؛ لِأَنَّهُ كَالْعَبْدِ إذْ الرِّقُّ قَائِمٌ وَتَوَهُّمُ عَجْزِهِ ثَابِتٌ فَيَمْنَعُهُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَيْهِ (، أَوْ صَبِيٍّ أَوْ امْرَأَةٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا عَاجِزَانِ عَنْ الْقِتَالِ؛ وَلِهَذَا لَا يَلْحَقُهُمَا فَرْضُ الْخُرُوجِ (أَوْ ذِمِّيٍّ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْجِهَادِ وَكَلِمَةُ، أَوْ فِي قَوْلِهِ، أَوْ مُكَاتَبٍ إلَى هُنَا غَيْرُ مُنَاسِبٍ، بَلْ الْأَوْلَى الْوَاوُ (بَلْ يَرْضَخُ) بِالضَّادِ، وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ أَيْ: يُعْطِي شَيْئًا قَلِيلًا مِنْ أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ لَهُمْ (بِحَسَبِ مَا يَرَى) الْإِمَامُ تَحْرِيضًا عَلَى الْقِتَالِ وَانْحِطَاطًا لِرُتْبَتِهِمْ (إنْ قَاتَلُوا، أَوْ دَاوَتْ الْمَرْأَةُ الْجَرْحَى، أَوْ دَلَّ الذِّمِّيُّ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ) أَيْ: مَسْتُورَاتِهِمْ، وَالْوَاوُ فِي وَدَلَّ بِمَعْنَى، أَوْ وَإِلَّا يَلْزَمْ أَنْ لَا تَرْضَخَ لَهُ إنْ دَلَّ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ فَقَطْ، أَوْ عَلَى الطَّرِيقِ فَقَطْ فَلَيْسَ كَذَلِكَ تَدَبَّرْ. (وَعَلَى الطَّرِيقِ) فَلَا يُرْضَخُ الْعَبْدُ إذَا لَمْ يُقَاتِلْ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ لِخِدْمَةِ الْمَوْلَى فَصَارَ كَالتَّاجِرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا بِالْقِتَالِ وَقَاتَلَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ السَّهْمُ الْكَامِلُ، وَكَذَا الصَّبِيُّ؛ لِأَنَّهُ مُفْرَضٌ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ يُرْضَخُ لَهَا إذَا كَانَتْ تُدَاوِي الْجَرْحَى وَتَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى؛ لِأَنَّهَا عَاجِزَةٌ عَنْ الْقِتَالِ فَتَقُومُ إعَانَتُهَا مَقَامَ الْقِتَالِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ، وَالذِّمِّيُّ إنَّمَا يُرْضَخُ لَهُ إذَا قَاتَلَ، أَوْ دَلَّ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا يَبْلُغُ بِالرَّضْخِ السَّهْمَ إلَّا فِي الذِّمِّيِّ إذَا دَلَّ؛ لِأَنَّهُ فِيهَا مَنْفَعَةٌ عَظِيمَةٌ وَلَا يَبْلُغُ السَّهْمُ إذَا قَاتَلَ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ حُكْمِ الدَّلَالَةِ بِالذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ وَغَيْرَهُ أَيْضًا إذَا دَلَّ يُعْطَى لَهُ أُجْرَةُ الدَّلَالَةِ بَالِغًا مَا بَلَغَ إلَّا أَنْ يُقَالَ ذِكْرُ الذِّمِّيِّ اتِّفَاقِيٌّ تَأَمَّلْ. وَفِيهِ إشْعَارٌ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِعَانَةُ بِالْكَافِرِ عَلَى الْقِتَالِ إذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ كَمَا فِي الْبَحْرِ.

стр. 647

(وَالْخُمُسُ) مِنْ الْغَنِيمَةِ يَكُونُ (لِلْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) أَيْ: يُقْسَمُ الْخُمُسُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ سَهْمٍ لِلْيَتَامَى وَسَهْمٍ لِلْمَسَاكِينِ وَسَهْمٍ لِابْنِ السَّبِيلِ وَتَدْخُلُ فُقَرَاءُ ذَوِي الْقُرْبَى فِيهِمْ فَيُصْرَفُ إلَى جَمِيعِهِمْ، أَوْ بَعْضِهِمْ كَمَا فِي النُّتَفِ وَغَيْرِهِ (وَيُقَدَّمُ) مِنْهُمْ (ذَوُو الْقُرْبَى الْفُقَرَاءُ) أَيْ أَقْرِبَاءُ النَّبِيِّ ﵊ مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ وَبَنِي هَاشِمٍ دُونَ بَنِي نَوْفَلٍ وَعَبْدِ شَمْسٍ فَيُقَدَّمُ الْيَتِيمُ مِنْهُمْ عَلَى الْيَتِيمِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَالْمَسَاكِينُ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَابْنُ السَّبِيلِ عَلَى ابْنِ السَّبِيلِ (وَلَا حَقَّ فِيهِ) أَيْ: فِي الْخُمُسِ (لِأَغْنِيَائِهِمْ) أَيْ لِأَغْنِيَائِهِمْ ذَوِي الْقُرْبَى عِنْدَنَا فَبَقِيَ لَهُمْ خُمُسُ الْخُمُسِ يَسْتَوِي فِيهِ فَقِيرُهُمْ وَغَنِيُّهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَلَنَا إنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ قَسَمُوهَا عَلَى الثَّلَاثَةِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا وَكَفَى بِهِمْ قُدْوَةً. وَقَالَ ﵊ «يَا مَعْشَرَ بَنِي هَاشِمٍ إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ غُسَالَةَ النَّاسِ وَأَوْسَاخَهُمْ وَعَوَّضَكُمْ بِخُمُسِ الْخُمُسِ مِنْ الْغَنِيمَةِ» ، وَالْعِوَضُ إنَّمَا ثَبَتَ فِي حَقِّ مَنْ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ الْمُعَوَّضُ، وَهُمْ الْفُقَرَاءُ، وَالنَّبِيُّ ﵊ أَعْطَاهُمْ لِلنُّصْرَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَلَّلَ فَقَالَ إنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مَعِي هَكَذَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّصِّ قُرْبُ النُّصْرَةِ لَا قُرْبُ الْقَرَابَةِ هَكَذَا قَوْلُ الْكَرْخِيِّ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ فَقِيرُهُمْ أَيْضًا مَحْرُومٌ. وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْخُمُسَ يُصْرَفُ لِذَوِي الْقُرْبَى، وَالْيَتَامَى وَابْنِ السَّبِيلِ وَبِهِ نَأْخُذُ وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى الصَّرْفِ إلَى الْأَقْرِبَاءِ الْأَغْنِيَاءِ فَلْيُحْفَظْ وَ (ذَكَرَهُ تَعَالَى) حَيْثُ قَالَ فَإِنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ (لِلتَّبَرُّكِ) كَمَا قَالَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لِعِمَارَةِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ إنْ كَانَتْ الْقِسْمَةُ بِقُرْبِهِ وَإِلَى عِمَارَةِ الْجَوَامِعِ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ هِيَ فِي الْقُرْبِ مِنْ مَوْضِعِ الْقِسْمَةِ (وَسَهْمُ النَّبِيِّ ﵇ سَقَطَ بِمَوْتِهِ) لِأَنَّهُ كَانَ

стр. 648

يَسْتَحِقُّهُ بِالرِّسَالَةِ وَلَا رَسُولَ بَعْدَهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُصْرَفُ إلَى الْخَلِيفَةِ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَا (كَالصَّفِيِّ) أَيْ: كَسُقُوطِ الصَّفِيِّ بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ هُوَ شَيْءٌ نَفِيسٌ كَانَ يَصْطَفِيهِ لِنَفْسِهِ النَّفِيسَةُ مِنْ الْغَنِيمَةِ كَدِرْعٍ، أَوْ سَيْفٍ، أَوْ فَرَسٍ، أَوْ أَمَةٍ. (وَإِنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ مَنْ لَا مَنَعَةَ لَهُ بِلَا إذْنِ الْإِمَامِ لَا يُخَمَّسُ مَا أَخَذُوا) يَعْنِي إنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ وَاحِدٌ وَاثْنَانِ، أَوْ ثَلَاثَةٌ مُغِيرِينَ بِلَا إذْنِ الْإِمَامِ لَا يُخَمَّسُ؛ لِأَنَّ أَخْذَهُمْ حِينَئِذٍ يَكُونُ اخْتِلَاسًا وَسَرَقًا لَا قَهْرًا وَغَلَبَةً. (وَإِنْ كَانَ) الدُّخُولُ (بِإِذْنِهِ) أَيْ: الْإِمَامِ (أَوْ لَهُمْ) أَيْ لِلدَّاخِلِينَ (مَنَعَةٌ) ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ الْإِمَامُ (خُمِّسَ) مَا أَخَذُوا مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ عَلَى وَجْهِ الْغَلَبَةِ، وَالْقَهْرِ لَا الِاخْتِلَاسِ، وَالسَّرِقَةِ فَكَانَ غَنِيمَةً هَذَا فِي الْمَنَعَةِ ظَاهِرٌ أَمَّا فِي الْإِذْنِ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُخَمَّسُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَذِنَ الْإِمَامُ فَقَدْ الْتَزَمَ نُصْرَتَهُمْ بِالْإِمْدَادِ فَصَارَ كَالْمَنَعَةِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ لَكِنْ فِي الْمُضْمَرَاتِ أَنَّهُ لَوْ أَغَارَ ثَلَاثَةٌ، أَوْ أَقَلُّ لَا يُخَمَّسُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَمْ يُخَمَّسْ إلَّا إذَا بَلَغُوا تِسْعَةً (وَلِلْإِمَامِ) أَيْ: نُدِبَ لِلْإِمَامِ (أَنْ يُنَفِّلَ) ، وَالتَّنْفِيلُ إعْطَاءُ الْغُزَاةِ شَيْئًا زَائِدًا عَلَى سَهْمِهِمْ حَثًّا عَلَى الْقِتَالِ (قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ وَقَبْلَ أَنْ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)

стр. 649

أَيْ: الِانْتِهَاءِ، وَأَثْقَالُهَا الَّتِي لَا تَقُومُ إلَّا بِهَا: كَالسِّلَاحِ، وَالْكُرَاعِ وَقِيلَ: آثَامُهَا، وَالْمَعْنَى حَتَّى تَضَعَ أَهْلُ الْحَرْبِ شِرْكَهُمْ وَمَعَاصِيَهُمْ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ وَهَذَا اقْتِبَاسٌ مِنْ الْقُرْآنِ (فَيَقُولُ) الْإِمَامُ هَذَا تَفْسِيرٌ لِلتَّنْفِيلِ. (مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا) أَيْ مَقْتُولًا بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ (فَلَهُ سَلَبُهُ، أَوْ) يَقُولُ (مَنْ أَصَابَ شَيْئًا فَلَهُ رُبُعُهُ) مَثَلًا (أَوْ يَقُولُ لِسَرِيَّةٍ جَعَلْت لَكُمْ الرُّبُعَ بَعْدَ) مَا رُفِعَ (الْخُمُسُ) . وَفِي التَّبْيِينِ قَوْلُهُ بَعْدَ الْخُمُسِ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَفَّلَ بِرُبُعِ الْكُلِّ جَازَ وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا أَلَا يَرَى أَنَّهُ لَوْ نَفَّلَ السَّرِيَّةَ بِالْكُلِّيَّةِ جَازَ؛ فَهَذَا أَوْلَى. وَفِي التَّنْوِيرِ وَيَسْتَحِقُّ الْإِمَامُ لَوْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا؛ فَلَهُ سَلَبُهُ إذَا قَتَلَ هُوَ اسْتِحْسَانٌ بِخِلَافِ: مَنْ قَتَلْتُهُ أَنَا فَلِي سَلَبُهُ لِلتُّهْمَةِ، إلَّا إذَا عَمَّمَ بَعْدَهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَلَوْ خَاطَبَ وَاحِدًا فَقَتَلَ الْمُخَاطَبُ رَجُلَيْنِ فَلَهُ سَلَبُ الْأَوَّلِ خَاصَّةً إلَّا إذَا قَتَلَهُمَا مَعًا فَلَهُ سَلَبُ وَاحِدٍ، وَالْخِيَارُ فِي تَعْيِينِهِ لِلْقَاتِلِ لَا لِلْإِمَامِ، وَلَوْ عَلَى الْعُمُومِ فَقَتَلَ رَجُلٌ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فَاسْتَحَقَّ سَلَبَهُمَا، ثُمَّ اسْتِحْقَاقُ السَّلَبِ إذَا كَانَ الْقَتِيلُ مُبَاحَ الدَّمِ فَلَا يَسْتَحِقُّهُ بِقَتْلِ النِّسَاءِ وَغَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ إلَّا إذَا قَاتَلَ صَبِيٌّ فَقَتَلَهُ اسْتَحَقَّ سَلَبَهُ وَيَسْتَحِقُّهُ بِقَتْلِ الْمَرِيضِ، وَالْأَجِيرِ مِنْهُمْ، وَالتَّاجِرِ فِي عَسْكَرِهِمْ، وَالذِّمِّيِّ الَّذِي نَقَضَ الْعَهْدَ وَخَرَجَ إلَيْهِمْ كَمَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ مَنْ يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ، أَوْ الرَّضْخَ فَشَمِلَ الذِّمِّيَّ، وَالتَّاجِرَ، وَالْمَرْأَةَ، وَالْعَبْدَ. (وَلَا يُنَفِّلُ) أَيْ: لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ (بِكُلِّ الْمَأْخُوذِ) بِأَنْ يَقُولَ لِلْعَسْكَرِ كُلُّ مَا أَخَذْتُمْ فَهُوَ لَكُمْ بِالسَّوِيَّةِ بَعْدَ الْخُمُسِ، أَوْ لِلسَّرِيَّةِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ السَّهْمَيْنِ اللَّذَيْنِ أَوْجَبَهُمَا الشَّرْعُ إذْ فِيهِ تَسْوِيَةُ الْفَارِسِ بِالرَّاجِلِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ مَا أَصَبْتهمْ فَهُوَ لَكُمْ وَلَمْ يَقُلْ بَعْدَ الْخُمُسِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ الْخُمُسِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ لَكِنْ فِي الْفَتْحِ كَلَامٌ، فَلْيُطَالَعْ. وَفِي الْهِدَايَةِ، وَإِنْ فَعَلَهُ مَعَ السَّرِيَّةِ أَيْ: قَالَ مَا أَصَبْتُمْ فَلَكُمْ جَازَ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ إلَيْهِ، وَقَدْ تَكُونُ الْمَصْلَحَةُ فِيهِ (وَلَا بَعْدَ الْإِحْرَازِ) أَيْ: لَا يُنَفِّلُ بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغَيْرِ تَأَكَّدَ فِيهِ بِالْإِحْرَازِ، وَكَذَا لَا يُنَفِّلُ يَوْمَ الْفَتْحِ إذْ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْغَيْرِ (إلَّا مِنْ الْخُمُسِ) أَيْ: يَجُوزُ التَّنْفِيلُ بَعْدَ الْإِحْرَازِ مِنْ الْخُمُسِ إلَّا لِلْغَنِيِّ؛ لِأَنَّ الْخُمُسَ لِلْمُحْتَاجِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَغَيْرِهِ لَكِنْ قَالَ فِي الْبَحْرِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ تَنْفِيلٌ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ لِلْغَنِيِّ، تَتَبَّعْ (وَالسَّلَبُ) بِفَتْحَتَيْنِ بِمَعْنَى الْمَسْلُوبِ مَا يُنْزَعُ مِنْ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ (لِلْكُلِّ) أَيْ: لِجَمِيعِ الْجُنْدِ (إنْ لَمْ يُنَفِّلْ) الْإِمَامُ، فَالْقَاتِلُ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ

стр. 650

عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (وَهُوَ) أَيْ: السَّلَبُ (مَرْكَبُهُ) أَيْ مَرْكَبُ الْمَقْتُولِ (وَمَا عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمَرْكَبِ مِنْ السَّرْجِ، وَالْآلَةِ وَمَا عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ مَالِهِ فِي حَقِيبَتِهِ، أَوْ وَسَطِهِ (وَثِيَابُهُ وَسِلَاحُهُ وَمَا مَعَهُ) مِنْ الْمَالِ (لَا مَعَ غُلَامِهِ عَلَى دَابَّةٍ أُخْرَى) وَمَا كَانَ عَلَى فَرَسٍ آخَرَ فَلَيْسَ بِسَلَبٍ، وَهُوَ غَنِيمَةٌ لِجَمِيعِ الْجَيْشِ. وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ قَالَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فَقَتَلَ رَجُلٌ رَاجِلًا وَمَعَ غُلَامِهِ فَرَسٌ بِقُرْبٍ مِنْهُ يَكُونُ فَرَسُهُ لِلْقَاتِلِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْإِمَامِ قَتَلَ مَنْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْقِتَالِ فَارِسًا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِجَنْبِهِ (وَالتَّنْفِيلُ لِقَطْعِ حَقِّ الْغَيْرِ لَا لِلْمِلْكِ) ، وَأَمَّا الْمِلْكُ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ كَسَائِرِ الْغَنَائِمِ وَهَذَا عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) فَإِنَّهُ قَالَ يَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ كَمَا يَثْبُتُ بِالْقِسْمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ (فَلَوْ قَالَ) الْإِمَامُ هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ (مَنْ أَصَابَ جَارِيَةً فَهِيَ لَهُ لَا يَحِلُّ لِمَنْ أَصَابَهَا الْوَطْءُ) بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ (وَلَا الْبَيْعُ قَبْلَ الْإِحْرَازِ) بِدَارِ الْإِسْلَامِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (خِلَافًا لَهُ) أَيْ: لِمُحَمَّدٍ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ خِلَافًا لَهُمَا، وَالشِّرَاءُ مِنْ الْحَرْبِيِّ وَوُجُوبُ الضَّمَانِ بِالْإِتْلَافِ قِيلَ: عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. [بَابُ اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ] ِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ اسْتِيلَائِنَا عَلَيْهِمْ شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِ اسْتِيلَائِهِمْ عَلَيْنَا وَهُوَ شَامِلٌ لِشَيْئَيْنِ اسْتِيلَاءِ بَعْضِهِمْ وَاسْتِيلَائِهِمْ عَلَى أَمْوَالِنَا فَقَدَّمَ الْأَوَّلَ فَقَالَ (إذَا سَبَى التُّرْكُ) أَيْ كُفَّارُ التُّرْكِ بِالضَّمِّ جِيلٌ مِنْ النَّاسِ وَالْجَمْعُ أَتْرَاكٌ كَمَا فِي الْقَامُوسِ فَعَلَى هَذَا مَنْ قَالَ التُّرْكُ جَمْعُ تُرْكِيٍّ فَقَدْ خَالَفَ مَا فِي الْقَامُوسِ تَتَبَّعْ (الرُّومَ) أَيْ نَصَارَى الرُّومِ بِدَارِ الْحَرْبِ وَالرُّومُ بِالضَّمِّ جَمْعُ الرُّومِيِّ (وَأَخَذُوا)

стр. 651

أَيْ التُّرْكُ (أَمْوَالَهُمْ) أَيْ أَمْوَالَ الرُّومِ (مَلَكُوهَا) لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ قَدْ تَحَقَّقَ فِي مَالٍ مُبَاحٍ وَهُوَ السَّبَبُ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي كَافِرٍ اسْتَوْلَى عَلَى كَافِرٍ آخَرَ أَوْ عَلَى مَالِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّ الْكَافِرَ يَمْلِكُ بِمُبَاشَرَةِ سَبَبٍ كَالِاحْتِطَابِ وَالِاصْطِيَادِ فَكَذَا بِهَذَا السَّبَبِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَيَّدَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ كَمَا قَيَّدْنَا لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَوْ أَسَرَ التُّرْكُ امْرَأَةً مِنْ الرُّومِ فَأَسْلَمَتْ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلُوهَا دَارَهُمْ كَانَتْ حُرَّةً وَلَوْ اسْتَوْلَى كُفَّارُ التُّرْكِ وَالْهِنْدِ عَلَى الرُّومِ وَأَحْرَزُوهَا بِالْهِنْدِ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِكُفَّارِ الْهِنْدِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَنَمْلِكُ مَا وَجَدْنَا مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ الَّذِي سَبَاهُ التُّرْكُ مِنْ الرُّومِ وَأَخَذُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ (إذَا غَلَبْنَا عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى التُّرْكِ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهُ فَصَارَ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ. (وَإِنْ غَلَبُوا) أَيْ الْكُفَّارُ (عَلَى أَمْوَالِنَا وَأَحْرَزُوهَا أَيْ أَمْوَالَنَا بِدَارِهِمْ) أَيْ بِدَارِ الْحَرْبِ (مَلَكُوهَا) . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَمْلِكُونَهَا وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ عِنْدَهُ فَتَصِيرُ أَمْوَالُنَا مَعْصُومَةً فِي حَقِّهِمْ فَلَا يَمْلِكُونَهَا بِالِاسْتِيلَاءِ وَغَيْرُ مُخَاطَبِينَ عِنْدَنَا فَلَا تَصِيرُ أَمْوَالُنَا مَعْصُومَةً وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالٍ غَيْرِ مَعْصُومٍ مُوجِبٌ لِلْمِلْكِ. (وَكَذَا) يَمْلِكُونَ عِنْدَنَا (لَوْ نَدَّ) أَيْ لَوْ نَفَرَ (مِنَّا بَعِيرٌ إلَيْهِمْ) لَتَحَقَّقَ الِاسْتِيلَاءُ إذْ لَا يَدَ لِلْعَجْمَاءِ لِتَظْهَرَ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ دَارِنَا وَالتَّقْيِيدُ بِالْبَعِيرِ اتِّفَاقِيٌّ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الدَّابَّةُ كَمَا عَبَّرَ بِهَا فِي الْمُحِيطِ فَعَلَى هَذَا إنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُعَبِّرَ بِالدَّابَّةِ، تَدَبَّرْ. (فَإِذَا ظَهَرْنَا) أَيْ غَلَبْنَا (عَلَيْهِمْ) بِعَوْنِهِ تَعَالَى (فَمَنْ وَجَدَ) مِنَّا (مِلْكَهُ) فِي يَدِ الْغَانِمِينَ بَعْدَ الِاسْتِيلَاءِ (أَخَذَهُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِثْلِيًّا أَوْ قِيَمِيًّا (قَبْلَ الْقِسْمَةِ) أَيْ قِسْمَةِ الْإِمَامِ الْغَنَائِمَ (مَجَّانًا) أَيْ أَخَذَهُ

стр. 652

بِلَا شَيْءٍ (وَبَعْدَهَا) أَيْ لَوْ وَجَدَ مِلْكَهُ بَعْدَ قِسْمَةِ الْإِمَامِ الْغَنَائِمَ (إنْ كَانَ) مَا وَجَدَهُ (مِثْلِيًّا) الْمِثْلِيُّ يَدْخُلُ تَحْتَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالْعَدَدِ كَمَا سَيَجِيءُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (لَا يَأْخُذُهُ) لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي أَخْذِهِ لِوُجُودِ مِثْلِهِ. (وَإِنْ) كَانَ مَا وَجَدَهُ (قِيَمِيًّا) الْقِيَمِيُّ خِلَافُ الْمِثْلِيِّ (أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ) إنْ شَاءَ لِوُرُودِ الْأَثَرِ وَلِأَنَّهُ زَالَ مِلْكُ الْمَالِكِ الْقَدِيمِ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَكَانَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ نَظَرًا لَهُ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ بِعَيْنِهِ فَإِذَا تَعَلَّقَ يَأْخُذُهُ بِالْقِيمَةِ نَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْقِسْمَةِ قِسْمَتُنَا الْغَنِيمَةَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ كَمَا فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَعَلَى هَذَا مَنْ حَمَلَ الْقِسْمَةَ عَلَى قِسْمَةِ الْكُفَّارِ فَقَدْ أَخْطَأَ، تَأَمَّلْ. (وَإِنْ اشْتَرَاهُ) أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ (مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الْعَدُوِّ (تَاجِرٌ وَأَخْرَجَهُ) إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ (وَهُوَ قِيَمِيٌّ يَأْخُذُهُ) الْمَالِكُ الْقَدِيمُ (بِالثَّمَنِ إنْ اشْتَرَاهُ بِهِ) أَيْ بِثَمَنِهِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ التَّاجِرُ مِنْ الْعَدُوِّ إنْ شَاءَ وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ مَجَّانًا لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ التَّاجِرُ بِأَخْذِهِ مَجَّانًا. (وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِعَرْضٍ فَبِقِيمَةِ الْعَرْضِ) أَيْ يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ بِقِيمَةِ الْعَرْضِ وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا يَأْخُذُهُ بِقِيمَةِ نَفْسِهِ وَلَوْ اخْتَلَفَ الْمَالِكُ وَالْمُشْتَرِي مِنْهُمْ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمَالِكُ الْبَيِّنَةَ كَمَا فِي الْبَحْرِ. (وَإِنْ وُهِبَ لَهُ فَبِقِيمَتِهِ) أَيْ لَوْ وَهَبُوهُ لِمُسْلِمٍ فَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَخَذَهُ الْمَالِكُ بِقِيمَتِهِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ مِلْكٌ خَاصٌّ فَلَا يُزَالُ إلَّا بِالْقِيمَةِ (وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الْقِيَمِيِّ (الْمِثْلِيُّ فِي شِرَائِهِ بِثَمَنٍ أَوْ عَرْضٍ) يَعْنِي لَوْ اشْتَرَى التَّاجِرُ مِثْلِيًّا بِثَمَنٍ أَوْ عَرْضٍ يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ الْقَدِيمُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ أَوْ الْعَرْضِ إنْ شَاءَ. (وَإِنْ اشْتَرَاهُ) أَيْ مِثْلِيًّا (بِجِنْسِهِ أَوْ وُهِبَ لَهُ) أَيْ وُهِبَ لَهُ وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ (لَا يَأْخُذُهُ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ. وَفِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِمِثْلِهِ قَدْرًا وَوَصْفًا فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُهُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْبَيْعُ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بِأَقَلَّ مِنْهُ قَدْرًا أَوْ بِأَرْدَى مِنْهُ وَصْفًا فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ لِأَنَّهُ يُفِيدُ فَلَوْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِمِثْلِهِ نَسِيئَةً فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ أَخْذُهُ وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ أَخْذُهُ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ، انْتَهَى. فَعَلَى هَذَا ظَهَرَ خِلَافُ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ بِقِيمَتِهِ إنْ شَاءَ كَمَا لَوْ مُلِكَ بِالْهِبَةِ (وَإِنْ كَانَ) مَا اشْتَرَاهُ التَّاجِرُ (عَبْدًا فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ فِي يَدِ التَّاجِرِ وَأَخَذَ) التَّاجِرُ (أَرْشَهَا يَأْخُذُهُ) الْمَالِكُ الْقَدِيمُ (بِكُلِّ الثَّمَنِ) الَّذِي أَخَذَهُ التَّاجِرُ بِهِ مِنْ الْعَدُوِّ (إنْ شَاءَ) أَيْ لَا يَحُطُّ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ وَلَا يَأْخُذُ الْمَالِكُ الْأَرْشَ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْأَوْصَافَ لَا يُقَابِلُهَا شَيْءٌ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْأَرْشِ صَحِيحٌ فَلَوْ أَخَذَهُ بِمِثْلِهِ فَلَا يُفِيدُ. (وَإِنْ أَسَرُوهُ مِنْ يَدِ التَّاجِرِ فَاشْتَرَاهُ) تَاجِرٌ (آخَرُ) يَعْنِي عَبْدَ الرَّجُلِ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ

стр. 653

فَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِنَا ثُمَّ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ ثَانِيًا فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ آخَرُ فَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِنَا (يَأْخُذُهُ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي (بِثَمَنِهِ) أَيْ الثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَ التَّاجِرُ الثَّانِي بِهِ مِنْ الْعَدُوِّ (ثُمَّ) يَأْخُذُهُ (الْمَالِكُ) الْقَدِيمُ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ (بِالثَّمَنِ) أَيْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ الْأَوَّلُ مِنْ الْعَدُوِّ وَاَلَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ الثَّانِي مِنْ الْعَدُوِّ إنْ شَاءَ لِأَنَّ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلَ قَامَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنَيْنِ أَحَدُهُمَا بِالشِّرَاءِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي بِالتَّخْلِيصِ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْمَالِكِ الْقَدِيمِ (أَخْذُهُ) أَيْ أَخْذُ الْعَبْدِ (مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي) قَبْلَ أَخْذِهِ الْأَوَّلِ مِنْ الثَّانِي وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ غَائِبًا لِوُرُودِ الْأَسْرِ عَلَى مِلْكِ الْأَوَّلِ لَا عَلَى مِلْكِ الْقَدِيمِ. (وَلَا يَمْلِكُونَ) أَيْ الْكُفَّارُ بِالِاسْتِيلَاءِ التَّامِّ وَالْإِحْرَازِ بِدَارِهِمْ (حُرَّنَا وَمُدَبَّرَنَا وَأُمَّ وَلَدِنَا وَمُكَاتَبِنَا) لِأَنَّ الْمِلْكَ بِاسْتِيلَاءٍ إنَّمَا يَثْبُتُ إذَا وَرَدَ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ وَالْحُرُّ مَعْصُومٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ رِقًّا وَكَذَا مَنْ سِوَاهُ لِثُبُوتِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ (وَيُمْلَكُ عَلَيْهِمْ كُلُّ ذَلِكَ) أَيْ حُرُّهُمْ وَمُدَبَّرُهُمْ وَأَمُّ وَلَدِهِمْ وَمُكَاتَبُهُمْ لِلِاسْتِيلَاءِ عَلَى مُبَاحٍ فَلَوْ أَهْدَى مَلِكٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ إلَى مُسْلِمٍ هَدِيَّةً مِنْ أَحْرَارِهِمْ مَلَكَهُ إلَّا إذَا كَانَ قَرَابَةً لَهُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَلَا يَمْلِكُونَ عَبْدًا) أَوْ أَمَةً (أَبَقَ إلَيْهِمْ) عِنْدَ الْإِمَامِ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْآبِقَ لَمَّا انْفَصَلَ عَنْ دَارِنَا زَالَتْ يَدُ الْمَالِكِ عَنْهُ فَظَهَرَ يَدُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَصَارَ مَعْصُومًا فَلَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْمِلْكِ وَفِي إطْلَاقِ الْعَبْدِ إشْعَارٌ بِأَنَّ عَبْدَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ سَوَاءٌ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ لَكِنْ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ فِيهِ قَوْلَانِ (فَيَأْخُذُهُ مَالِكُهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ مَجَّانًا أَيْضًا) أَيْ كَمَا يَأْخُذُهُ مَالِكُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ (لَكِنْ يُعَوَّضُ عَنْهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إعَادَةُ الْقِسْمَةِ لِتَفَرُّقِ الْغَانِمِينَ وَتَعَذُّرِ اجْتِمَاعِهِمْ وَلَيْسَ لَهُ عَلَى الْمَالِكِ جَعْلُ الْآبِقِ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ إذْ فِي زَعْمِهِ أَنَّهُ مَلَكَهُ (وَعِنْدَهُمَا هُوَ) أَيْ الْعَبْدُ الْآبِقُ إلَيْهِمْ (كَالْمَأْسُورِ) فَيَمْلِكُونَهُ بِالِاسْتِيلَاءِ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ لِحَقِّ الْمَالِكِ لِقِيَامِ يَدِهِ وَقَدْ زَالَتْ وَلِهَذَا لَوْ أَخَذُوهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ مَلَكُوهُ قَيَّدَ بِالْإِبَاقِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَرَدِّدًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَخَذُوهُ وَأَحْرَزُوهُ بِدَارِ الْحَرْبِ يَمْلِكُونَهُ اتِّفَاقًا. وَفِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ الْخِلَافُ فِيمَا أَخَذُوهُ قَهْرًا أَوْ قَيَّدُوهُ أَمَّا إذَا لَمْ يُقْهَرْ فَلَا يَمْلِكُونَهُ اتِّفَاقًا، انْتَهَى. فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لَا يَمْلِكُونَ عَبْدًا أَبَقَ إلَيْهِمْ فَأَخَذُوهُ قَهْرًا لَكَانَ أَوْلَى. تَدَبَّرْ. (وَإِنْ أَبَقَ) الْعَبْدُ (بِفَرَسٍ وَمَتَاعٍ فَاشْتَرَى رَجُلٌ ذَلِكَ كُلَّهُ) أَيْ كُلَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْعَبْدِ وَالْفَرَسِ وَالْمَتَاعِ (وَأَخْرَجَهُ) إلَى دَارِنَا (أَخَذَ الْمَالِكُ مَا سِوَى الْعَبْدِ بِالثَّمَنِ وَ) أَخَذَ (الْعَبْدَ مَجَّانًا) هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا) أَخَذَهُ (بِالثَّمَنِ أَيْضًا) أَيْ كَمَا يَأْخُذُ الْفَرَسَ وَالْمَتَاعَ إنْ شَاءَ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ.

стр. 654

وَإِنْ اشْتَرَى) حَرْبِيٌّ (مُسْتَأْمِنٌ) فِي دَارِنَا (عَبْدًا مُسْلِمًا وَأَدْخَلَهُ دَارَهُمْ عَتَقَ) عِنْدَ الْإِمَامِ وَتَقْيِيدُ الْعَبْدِ بِالْإِسْلَامِ اتِّفَاقِيٌّ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذِمِّيًّا فَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ فَعَلَى هَذَا لَوْ أَطْلَقَهُ لَكَانَ أَوْلَى (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ لَا يَعْتِقُ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى بَيْعِهِ فَقَدْ زَالَ إذْ لَا يَدَ لَنَا عَلَيْهِمْ فَبَقِيَ عَبْدًا فِي أَيْدِيهِمْ قُلْنَا إذَا زَالَتْ وِلَايَةُ الْجَبْرِ أُقِيمَ الْإِعْتَاقُ مَقَامَهُ تَخْلِيصًا لِلْمُسْلِمِ عَنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ قَيَّدَ بِكَوْنِ الْحَرْبِيِّ مَلَكَهُ فِي دَارِنَا لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ إذَا أَسَرَهُ الْحَرْبِيُّ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ وَأَدْخَلَهُ دَارِهِ لَا يُعْتَقُ اتِّفَاقًا. (وَإِنْ أَسْلَمَ عَبْدٌ لَهُمْ) أَيْ لِلْكُفَّارِ (ثَمَّةَ) أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ (فَجَاءَنَا) مُسْلِمًا (أَوْ ظَهَرْنَا) أَيْ غَلَبْنَا (عَلَيْهِمْ أَوْ خَرَجَ إلَى عَسْكَرِنَا) مُسْلِمًا (فَهُوَ حُرٌّ) فَلَا يَثْبُتُ الْوَلَاءُ مِنْ أَحَدٍ، وَالتَّقْيِيدُ بِإِسْلَامِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ اتِّفَاقِيٌّ إذْ لَوْ خَرَجَ مُرَاغِمًا لِمَوْلَاهُ فَآمَنَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ أَوْ بِأَمْرِهِ لِحَاجَةٍ فَأَسْلَمَ فِي دَارِنَا فَإِنَّ حُكْمَهُ أَنْ يَبِيعَهُ الْإِمَامُ وَيَحْفَظَ ثَمَنَهُ لِمَوْلَاهُ الْحَرْبِيِّ كَمَا فِي الْبَحْرِ. [بَابُ الْمُسْتَأْمَنِ] ِ) هُوَ مَنْ يَدْخُلُ دَارَ غَيْرِهِ بِأَمَانٍ فَشَمِلَ مُسْلِمًا دَخَلَ دَارَهُمْ بِأَمَانٍ وَكَافِرًا دَخَلَ دَارَنَا بِأَمَانٍ وَتَقْدِيمُ اسْتِيمَانِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ ظَاهِرٌ (إذَا دَخَلَ تَاجِرُنَا إلَيْهِمْ) أَيْ دَخَلَ مُسْلِمٌ إلَى دَارِ الْحَرْبِ (بِأَمَانٍ لَا يَحِلُّ لَهُ) أَيْ لِتَاجِرِنَا الْمُسْلِمِ الْمُسْتَأْمَنِ (أَنْ يَتَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِمْ أَوْ دِمَائِهِمْ) لِأَنَّهُ دَخَلَ بِأَمَانٍ فَالتَّعَرُّضُ غَدْرٌ (فَإِنْ) غَدَرَ بِهِمْ التَّاجِرُ وَ (أَخَذَ شَيْئًا وَأَخْرَجَهُ) مِنْ دَارِهِمْ بِطَرِيقِ التَّعَرُّضِ بِهِ (مَلَكَهُ) بِالِاسْتِيلَاءِ مِلْكًا (مَحْظُورًا) أَيْ خَبِيثًا لِأَنَّهُ حَصَّلَهُ بِالْغَدْرِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ جَارِيَةً كُرِهَ وَطْؤُهَا لِلْمُشْتَرِي كَمَا لِلْبَائِعِ بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَطْؤُهَا إلَّا لِلْبَائِعِ (فَيَتَصَدَّقُ بِهِ) تَنَزُّهًا عَنْهُ. (وَإِنْ غَدَرَ بِهِ) أَيْ بِالتَّاجِرِ (مَلِكُهُمْ) أَيْ مَلِكُ الْكُفَّارِ (فَأَخَذَ مَالَهُ أَوْ حَبَسَهُ) أَيْ التَّاجِرَ (أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ أَخَذَ مَالَهُ أَوْ حَبَسَهُ (غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ مَلِكِهِمْ (بِعِلْمِهِ) أَيْ الْمَلِكِ وَلَمْ يَنْهَهُ (حَلَّ لَهُ) أَيْ لِلتَّاجِرِ (التَّعَرُّضُ) لِمَالِهِمْ وَدَمِهِمْ لِأَنَّهُمْ نَقَضُوا الْعَهْدَ فَيُبَاحُ لَهُ التَّعَرُّضُ (كَالْأَسِيرِ) وَالْمُتَلَصِّصِ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْمَالِ وَقَتْلُ النَّفْسِ

стр. 655

وَإِنْ أَطْلَقُوهُ طَوْعًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَأْمَنٍ دُونَ اسْتِبَاحَةِ الْفَرْجِ لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ إلَّا بِالْمِلْكِ وَلَا مِلْكَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ بِدَارِنَا إلَّا إذَا وَجَدَ امْرَأَتَهُ الْمَأْسُورَةَ أَوْ أَمَّ وَلَدِهِ أَوْ مُدَبَّرَةً وَلَمْ يَطَأْهَا أَهْلُ الْحَرْبِ لِأَنَّهُ إذَا وَطِئَهُنَّ يَجِبُ الْعِدَّةُ لِلشُّبْهَةِ بِخِلَافِ أَمَتِهِ الْمَأْسُورَةِ حَيْثُ لَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا مُطْلَقًا لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ. (وَإِنْ أَدَانَهُ) أَيْ بَاعَهُ بِالدَّيْنِ وَالْمُرَادُ مِنْ الدَّيْنِ مَا هُوَ الْأَعَمُّ مِنْ الْبَيْعِ بِالدَّيْنِ وَالِابْتِيَاعِ بِهِ أَوْ الْقَرْضِ (ثَمَّةَ) أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ (حَرْبِيٌّ أَوْ أَدَانَ) هُوَ (حَرْبِيًّا) أَيْ دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَجَعَلَهُ الْحَرْبِيُّ مَدْيُونًا بِتَصَرُّفٍ أَوْ جَعَلَ الْحَرْبِيَّ مَدْيُونًا بِتَصَرُّفٍ مَا (أَوْ غَصَبَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ وَخَرَجَا) أَيْ ذَلِكَ التَّاجِرُ وَالْحَرْبِيُّ (إلَيْنَا) وَتَحَاكَمَا عِنْدَ حَاكِمٍ (لَا يَقْضِي) لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ (بِشَيْءٍ) أَمَّا الْإِدَانَةُ فَلِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ يَعْتَمِدُ الْوِلَايَةَ وَلَا وِلَايَةَ وَقْتَ الْإِدَانَةِ أَصْلًا وَلَا وَقْتَ الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ مَا الْتَزَمَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ فِيمَا مَضَى مِنْ أَفْعَالِهِ وَإِنَّمَا الْتِزَامُ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَأَمَّا الْغَصْبُ فَلِأَنَّهُ صَارَ مِلْكًا لِلَّذِي غَصَبَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ لِمُصَادَفَتِهِ مَالًا غَيْرَ مَعْصُومٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَقْضِي بِالدَّيْنِ عَلَى الْمُسْلِمِ دُونَ الْغَصْبِ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَحْكَامَهُ حَيْثُ كَانَ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمَّا امْتَنَعَ فِي حَقِّ الْمُسْتَأْمَنِ امْتَنَعَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ أَيْضًا تَحْقِيقًا لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا (وَكَذَا) لَا يَقْضِي بِشَيْءٍ (لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ حَرْبِيَّانِ) أَيْ لَوْ أَدَانَ أَوْ غَصَبَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ فِي دَارِهِمْ (وَخَرَجَا) إلَيْنَا (مُسْتَأْمَنَيْنِ) لِمَا ذَكَرْنَا. (وَإِنْ خَرَجَا) أَيْ الْحَرْبِيَّانِ إلَيْنَا بَعْدَمَا فَعَلَا ذَلِكَ حَالَ كَوْنِهِمَا (مُسْلِمَيْنِ قَضَى بِالدَّيْنِ) لِوُقُوعِ الْمُدَايَنَةِ بِتَرَاضِيهِمَا وَالْتِزَامِهِمَا الْأَحْكَامَ بِالْإِسْلَامِ (لَا بِالْغَصْبِ) لِأَنَّهُ مَلَكَهُ فَلَا خُبْثَ فِي مِلْكِ الْحَرْبِيِّ لِيُؤْمَرَ بِالرَّدِّ. (وَلَوْ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ بَعْدَمَا غَصَبَهُ) أَيْ غَصَبَ مِنْهُ (الْمُسْلِمُ ثُمَّ خَرَجَا) حَالَ كَوْنِهِمَا مُسْلِمَيْنِ إلَيْنَا (يُفْتِي بِالرَّدِّ دِيَانَةً) وَلَا يَقْضِي عَلَيْهِ اقْتَصَرَ عَلَى الْغَصْبِ وَسَكَتَ عَنْ الْإِفْتَاءِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ مَعَ أَنَّهُ يُفْتِي بِأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الدَّيْنِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي الْفَتْحِ وَفِي الْبَحْرِ خَرَجَ حَرْبِيٌّ مَعَ مُسْلِمٍ إلَى الْعَسْكَرِ فَادَّعَى الْمُسْلِمُ أَنَّهُ أَسِيرٌ وَقَالَ كُنْت مُسْتَأْمَنًا فَالْقَوْلُ لِلْحَرْبِيِّ إلَّا إذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ كَكَوْنِهِ مَكْتُوفًا أَوْ مَغْلُولًا أَوْ كَانَ مَعَ عَدَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُسْلِمِ. (وَإِنْ قَتَلَ أَحَدُ الْمُسْلِمَيْنِ الْمُسْتَأْمَنِينَ الْآخَرَ ثَمَّةَ) أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ (فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ) أَيْ فِي مَالِ الْقَاتِلِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ (وَالْكَفَّارَةُ أَيْضًا) أَيْ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ كَالدِّيَةِ (فِي الْخَطَأِ) دُونَ الْعَمْدِ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ عِنْدَنَا فِي الْعَمْدِ أَمَّا الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ فَلِإِطْلَاقِ الْكِتَابِ وَإِنَّمَا تَجِبُ فِي مَالِهِ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى الصِّيَانَةِ مَعَ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ وَالْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ عَلَى اعْتِبَارِ تَرْكِهَا وَإِنَّمَا تَجِبُ فِي الْعَمْدِ فِي مَالِهِ لِأَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا يَعْقِلُ الْعَمْدَ وَالْقِصَاصُ قَدْ سَقَطَ لِلشُّبْهَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الدِّيَةِ صِيَانَةً لِلدَّمِ الْمَعْصُومِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَوَدَ فِي الْعَمْدِ. (وَإِنْ كَانَا أَسِيرَيْنِ) فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ (فَلَا شَيْءَ إلَّا الْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَأِ)

стр. 656

عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا) الْأَسِيرَانِ (كَالْمُسْتَأْمَنِينَ) أَيْ تَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي الْعَمْدِ وَفِي الْخَطَأِ مِنْ مَالِهِ وَالْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَأِ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ لَا تَبْطُلُ بِالْأَسْرِ كَمَا لَا تَبْطُلُ بِالدُّخُولِ فِي دَارِهِمْ بِالْأَمَانِ وَلَهُ أَنَّ الْأَسِيرَ صَارَ تَبَعًا لَهُمْ بِالْقَهْرِ فَلَا تَجِبُ بِقَتْلِهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ وَهُوَ الْحَرْبِيُّ بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمَنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَقْهُورٍ (وَلَا شَيْءَ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ ثَمَّةَ) أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ (مُسْلِمًا أَسْلَمَ وَلَمْ يُهَاجِرْ) إلَيْنَا (سِوَى الْكَفَّارَةِ فِي الْخَطَأِ اتِّفَاقًا) عِنْدَ أَئِمَّتِنَا وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ عَمْدًا وَتَجِبُ الدِّيَةُ بِقَتْلِهِ خَطَأً. [فَصْلٌ بَيَانِ مَا بَقِيَ مِنْ أَحْكَامِ الْمُسْتَأْمَنِ] ِ (لَا يُمَكَّنُ) مِنْ التَّمْكِينِ (مُسْتَأْمَنٌ) حَرْبِيٌّ (أَنْ يُقِيمَ فِي دَارِنَا سَنَةً) لِضَرَرِ الْإِطْلَاعِ عَلَيْنَا (وَيُقَالُ) أَيْ قَالَ الْإِمَامُ (لَهُ) أَيْ لِلْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ (إنْ أَقَمْت سَنَةً نَضَعُ عَلَيْك الْجِزْيَةَ) أَيْ الْمَالَ الَّذِي يُوضَعُ عَلَى الذِّمِّيِّ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَمَا وَقَعَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّ فِي ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِلْكَافِرِ عَلَى أَعْظَمِ الْجَرَائِمِ وَهُوَ الْكُفْرُ فَمَرْدُودٌ بِأَنَّهُ دَعْوَةٌ إلَى الْإِسْلَامِ بِأَحْسَنِ الْجِهَاتِ وَهُوَ أَنْ يَسْكُنَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَرَى مَحَاسِنَ الْإِسْلَامِ فَيُسْلِمَ مَعَ دَفْعِ شَرِّهِ فِي الْحَالِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ قَيَّدَ بِالسَّنَةِ لِأَنَّهَا أَقْصَى الْمَآرِبِ وَفِيهَا تَجِبُ الْجِزْيَةُ وَلَوْ مُنِعَ عَنْ مُكْثِهِ فِيمَا دُونَهَا لَانْسَدَّ بَابُ التِّجَارَاتِ وَتَضَرَّرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ يُشْكِلُ بِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ إنْ أَقَمْت شَهْرًا إلَى آخِرِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ مَرْجِعَ ذَلِكَ إلَى الْمَصْلَحَةِ وَالْإِمَامُ أَدْرَى بِهَا فَإِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي السَّنَةِ وَقَّتَ بِهَا وَمَكَّنَهُ مِنْ الْإِقَامَةِ الْيَسِيرَةِ الَّتِي هِيَ دُونَهَا، وَإِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي أَنْ يُوَقِّتَ بِمَا دُونَهَا نَحْوَ الشَّهْرَيْنِ فَعَلَ وَمَكَّنَهُ مِنْ الْإِقَامَةِ دُونَهَا وَأَنَّ الْمَمْنُوعَ أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ إقَامَةٍ دَائِمَةٍ وَهِيَ السَّنَةُ وَمَا فَوْقَهَا ثُمَّ يُمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ وَهَذَا لَا يُنَافِي كَمَا فِي الْمِنَحِ لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَامٍّ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَشَّى بِقَوْلِهِ وَلَوْ مُنِعَ عَنْ مُكْثِهِ فِيمَا دُونَهَا لَانْسَدَّ بَابُ التِّجَارَاتِ وَتَضَرَّرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، تَأَمَّلْ. وَقَيَّدَ بِالْمُسْتَأْمَنِ لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ دَارَنَا بِلَا أَمَانٍ فَهُوَ وَمَا مَعَهُ فَيْءٌ وَإِنْ قَالَ دَخَلْت بِأَمَانٍ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ رَجُلَانِ (فَإِنْ أَقَامَ) هُنَا (سَنَةً) وَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ (صَارَ ذِمِّيًّا) لِأَنَّهُ صَارَ مُلْتَزِمًا لِلْجِزْيَةِ بَعْدَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِإِقَامَتِهِ سَنَةً وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى اشْتِرَاطِ الْقَوْلِ وَالْمُدَّةِ لِصَيْرُورَتِهِ ذِمِّيًّا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْعَتَّابِيِّ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ قَالَ لَوْ أَقَامَ سِنِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْإِمَامُ إلَيْهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ لَكِنَّ فِي كَلَامِ الْمَبْسُوطِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُ يَصِيرُ ذِمِّيًّا بِمُجَرَّدِ الْإِقَامَةِ سَنَةً وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَإِلَى أَنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ فِي حَوْلِ الْمُكْثِ لِأَنَّهُ إنَّمَا صَارَ ذِمِّيًّا بَعْدَهُ فَتَجِبُ فِي الْحَوْلِ الثَّانِي إلَّا بِشَرْطِ أَخْذِهَا مِنْهُ فِيهِ وَإِلَى أَنَّهُ يَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ وَيَضْمَنُ الْمُسْلِمُ قِيمَةَ خَمْرِهِ وَخِنْزِيرِهِ إذَا أَتْلَفَهُ وَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ إذَا قَتَلَهُ خَطَأً وَيَجِبُ كَفُّ الْأَذَى عَنْهُ وَتَحْرُمُ غِيبَتُهُ كَالْمُسْلِمِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الْعَوْدِ إلَى دَارِهِ)

стр. 657

لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ لَا يُنْتَقَصُ لِكَوْنِهِ خَلَفًا عَنْ الْإِسْلَامِ (وَكَذَا) يَصِيرُ ذِمِّيًّا (لَوْ قِيلَ) أَيْ قَالَ الْإِمَامُ (لَهُ) لِلْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ (إنْ أَقَمْت شَهْرًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ) نَضَعُ عَلَيْك الْجِزْيَةَ (فَإِنْ أَقَامَ) الْمُدَّةَ الَّتِي قَدَّرَهَا الْإِمَامُ (أَوْ اشْتَرَى أَرْضًا وَوَضَعَ عَلَيْهِ خَرَاجَهَا) أَيْ خَرَاجَ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ إذَا وَضَعَ عَلَيْهِ فَقَطْ لَزِمَهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْمَقَامِ فِي دَارِنَا فَصَارَ ذِمِّيًّا ضَرُورَةً وَلَا يَصِيرُ ذِمِّيًّا بِمُجَرَّدِ الِاشْتِرَاءِ لِجَوَازِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِلتِّجَارَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ (وَعَلَيْهِ جِزْيَةُ سَنَةٍ مِنْ حِينِ وَضْعِ الْخَرَاجِ) لِمَا ذَكَرْنَاهُ (أَوْ نَكَحَتْ الْمُسْتَأْمَنَةُ ذِمِّيًّا) لِأَنَّهَا الْتَزَمَتْ الْمَقَامَ تَبَعًا لِلزَّوْجِ فَتَكُونُ ذِمِّيَّةً هَذَا عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَوْ اشْتَرَى وَلَوْ قَالَ أَوْ صَارَ لَهَا زَوْجٌ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهَا لَوْ تَزَوَّجَتْ مُسْلِمًا تَكُونُ ذِمِّيَّةً أَيْضًا وَلِأَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ عِنْدَنَا وَهُوَ لَيْسَ بِشَرْطٍ هُنَا إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ النِّكَاحَ بِمَعْنَى الْعَقْدِ بِإِضَافَتِهِ إلَيْهَا وَلِأَنَّهُ يَشْمَلُ مَا إذَا دَخَلَ الْمُسْتَأْمَنُ بِامْرَأَتِهِ دَارَنَا ثُمَّ صَارَ الزَّوْجُ ذِمِّيًّا فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ وَهِيَ كِتَابِيَّةٌ وَيَشْمَلُ مَا إذَا تَزَوَّجَ مُسْتَأْمَنٌ مُسْتَأْمَنَةً فِي دَارِنَا ثُمَّ صَارَ الرَّجُلُ ذِمِّيًّا كَمَا فِي الْمِنَحِ، تَأَمَّلْ. (لَا لَوْ نَكَحَ هُوَ) أَيْ الْمُسْتَأْمَنُ الْحَرْبِيُّ (ذِمِّيَّةً) لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ الْمُقَامَ فِي دَارِنَا لِتَمَكُّنِهِ مِنْ طَلَاقِهَا لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ بَيِّنٌ فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ فَلْيُطَالَعْ (فَإِنْ رَجَعَ إلَى دَارِهِ حَلَّ دَمُهُ) لِصَيْرُورَتِهِ حَرْبِيًّا وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِكَوْنِهِ ذِمِّيًّا أَوْ بَعْدَهُ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ صَارَ حَرْبِيًّا كَمَا فِي الْبَحْرِ. (وَإِنْ كَانَ لَهُ) أَيْ لِلْمُسْتَأْمَنِ الرَّاجِعِ إلَى دَارِهِ (وَدِيعَةٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ دَيْنٌ عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ (فَأُسِرَ أَوْ ظُهِرَ عَلَيْهِمْ) مَبْنِيَّانِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ أُسِرَ ذَلِكَ الرَّاجِعُ أَوْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى دَارِهِمْ فَقُتِلَ (سَقَطَ دَيْنُهُ) لِأَنَّ إثْبَاتَ الْيَدِ عَلَيْهِ بِوَاسِطَةِ الْمُطَالَبَةِ وَقَدْ سَقَطَتْ وَيَدُ مَنْ عَلَيْهِ أَسْبَقُ إلَيْهِ مِنْ يَدِ الْعَامَّةِ فَيُخَصُّ بِهِ فَيَسْقُطُ (وَصَارَتْ وَدِيعَتُهُ) عِنْدَهُمَا (فَيْئًا) لِلْغُزَاةِ تَبَعًا لِنَفْسِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا كَانَتْ فِي يَدِهِ حَقِيقَةً وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا تَصِيرُ مِلْكًا لِلْمُودِعِ لِأَنَّ يَدَهُ فِيهَا أَسْبَقُ فَكَانَ بِهَا أَحَقَّ وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الرَّهْنِ قَالُوا وَالرَّهْنُ لِلْمُرْتَهِنِ بِدَيْنِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُبَاعُ وَيُسْتَوْفَى دَيْنُهُ وَالزِّيَادَةُ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ فِي حُكْمِ الْوَدِيعَةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ وَصَارَ مَالُهُ فَيْئًا لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ الْوَدِيعَةَ لِأَنَّ مَا عِنْدَ شَرِيكِهِ وَمُضَارِبِهِ وَمَا فِي بَيْتِهِ فِي دَارِنَا كَذَلِكَ. (وَإِنْ قُتِلَ) أَيْ ذَلِكَ الرَّاجِعُ (وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ (أَوْ مَاتَ) حَتْفَ أَنْفِهِ (فَهُمَا) أَيْ الدَّيْنُ الْوَدِيعَةُ (لِوَرَثَتِهِ) بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ بَاقٍ فِي مَالِهِ

стр. 658

لِعَدَمِ بُطْلَانِهِ (فَإِنْ جَاءَنَا) حَرْبِيٌّ إلَيْنَا (بِأَمَانٍ وَلَهُ زَوْجَةٌ هُنَاكَ) أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ (وَوَلَدٌ) صَغِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ (وَمَالٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ حَرْبِيٍّ فَأَسْلَمَ هُنَا) أَيْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ (ثُمَّ ظَهَرَ) أَيْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ (عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ (فَالْكُلُّ) مِنْ الزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ وَالْمَالِ (فَيْءٌ) أَمَّا الْمَرْأَةُ وَأَوْلَادُهُ الْكِبَارُ فَظَاهِرٌ لِأَنَّهُمْ حَرْبِيُّونَ وَلَيْسُوا بِأَتْبَاعٍ وَكَذَلِكَ مَا فِي بَطْنِهَا لَوْ كَانَتْ حَامِلًا لِأَنَّهُ جُزْؤُهَا أَمَّا أَوْلَادُهُ الصِّغَارُ فَلِأَنَّ الصَّغِيرَ إنَّمَا يَصِيرُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِإِسْلَامِ أَبِيهِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ وَتَحْتَ وِلَايَتِهِ وَمَعَ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ وَكَذَا أَمْوَالُهُ لَا تَصِيرُ مُحَرَّزَةً بِإِحْرَازِ نَفْسِهِ لِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ فَبَقِيَ الْكُلُّ فَيْئًا وَلَوْ سُبِيَ الصَّبِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ يَكُونُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِأَبِيهِ لِأَنَّهُمَا اجْتَمَعَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ وَمَعَ كَوْنِهِ مُسْلِمًا لَا يَخْرُجُ عَنْ الرِّقِّ. (وَإِنْ أَسْلَمَ) أَيْ الْحَرْبِيُّ (ثَمَّةَ) أَيْ فِي دَارِ الْحَرْبِ (ثُمَّ جَاءَ) إلَيْنَا (فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ (فَطِفْلُهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ) تَبَعًا لِأَبِيهِ (وَوَدِيعَتُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لَهُ) أَيْ لِلَّذِي أَسْلَمَ ثَمَّةَ لِأَنَّ يَدَهُمَا كَيَدِهِ (وَغَيْرُ ذَلِكَ) مِنْ وَلَدِهِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَقَارِ الْوَدِيعَةِ الَّتِي عِنْدَ حَرْبِيٍّ (فَيْءٌ) لِعَدَمِ التَّبَعِيَّةِ وَعَدَمِ الْعِصْمَةِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ فِي يَدِ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ يَكُونُ فَيْئًا لِعَدَمِ النِّيَابَةِ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَمَنْ أَسْلَمَ ثَمَّةَ وَلَهُ هُنَاكَ وَارِثٌ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ فَقَتَلَهُ مُسْلِمٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا الْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَأِ) لَكِنْ ذَكَرْت هَذِهِ قُبَيْلَ هَذَا الْفَصْلِ فَتَكُونُ مُكَرَّرَةً. (وَإِنْ قُتِلَ مُسْلِمٌ لَا وَلِيَّ لَهُ خَطَأً أَوْ) قُتِلَ (مُسْتَأْمَنٌ أَسْلَمَ هُنَا) أَيْ فِي دَارِنَا (فَلِلْإِمَامِ أَخْذُ الدِّيَةِ) أَيْ حَقُّ الْأَخْذِ لَهُ لِأَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ لَا أَنَّهُ يَمْلِكُهُ الْإِمَامُ كَمَا تُوُهِّمَ بَلْ يُوضَعُ لِبَيْتِ الْمَالِ (مِنْ عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ) لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مَعْصُومَةً خَطَأً فَيُعْتَبَرُ بِسَائِرِ النُّفُوسِ الْمَعْصُومَةِ (وَفِي الْعَمْدِ لَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ (أَنْ يَقْتَصَّ) إنْ شَاءَ (أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ) بِطَرِيقِ الصُّلْحِ (إنْ شَاءَ) أَيْ يَنْظُرُ فِيهِ الْإِمَامُ فَأَيُّهُمَا رَأَى أَصْلَحَ فَعَلَ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ (الْعَفْوُ مَجَّانًا) لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ مُقَيَّدٌ بِالنَّظَرِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ إبْطَالُ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ عِوَضٍ. وَفِي الدُّرَرِ دَارُ الْحَرْبِ تَصِيرُ دَارَ الْإِسْلَامِ بِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِيهَا كَإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَالْأَعْيَادِ وَإِنْ بَقِيَ فِيهَا كَافِرٌ صَلَّى وَلَمْ يَتَّصِلْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ بِأَنْ كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ دَارِ الْإِسْلَامِ مِصْرٌ آخَرُ لِأَهْلِ الْحَرْبِ وَيُعْكَسُ أَيْ يَصِيرُ دَارُ الْإِسْلَامِ دَارَ الْحَرْبِ بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ بِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الشِّرْكِ فِيهَا وَاتِّصَالِهَا بِدَارِ الْحَرْبِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا مِصْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِنْ لَا تَبَقَّى فِيهَا مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ آمِنًا بِالْأَمَانِ الْأَوَّلِ عَلَى نَفْسِهِ هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ

стр. 659

وَعِنْدَهُمَا إذَا أَجْرَوْا فِيهَا أَحْكَامَ الشِّرْكِ صَارَتْ دَارَ الْحَرْبِ سَوَاءٌ اتَّصَلَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ لَا وَبَقِيَ فِيهَا مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ بِالْأَمَانِ الْأَوَّلِ أَوْ لَا. [بَابُ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ] ِ أَيْ فِي بَيَانِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ، لَمَّا ذَكَرَ مَا يَصِيرُ بِهِ الْحَرْبِيُّ ذِمِّيًّا شَرَعَ فِي بَيَانِ الْخَرَاجِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ وَذِكْرِ الْعُشْرِ اسْتِطْرَادًا لِأَنَّ سَبَبَ كُلٍّ مِنْهُمَا هُوَ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ وَقَدَّمَهُ عَلَى الْخَرَاجِ لِكَوْنِهِ مِنْ الْوَظَائِفِ الْإِسْلَامِيَّةِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ قَالَ الْمَوْلَى سَعْدِيٌّ عُنْوِنَ الْبَابُ بِمَا لَيْسَ مَقْصُودًا مِنْهُ وَقَدْ اسْتَقْبَحَهُ الْبَعْضُ وَالْعُشْرُ لُغَةً وَاحِدٌ مِنْ الْعَشَرَةِ وَالْخَرَاجُ مَا يَخْرُجُ مِنْ نَمَاءِ الْأَرْضِ أَوْ نَمَاءِ الْغُلَامِ وَسُمِّيَ بِهِ مَا يَأْخُذُهُ السُّلْطَانُ مِنْ وَظِيفَةِ الْأَرْضِ وَالرَّأْسِ وَحَدَّدَ أَرَاضِيِهِمَا أَوَّلًا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ أَضْبَطُ فَقَالَ (أَرْضُ الْعَرَبِ عُشْرِيَّةٌ وَهِيَ) أَيْ أَرْضُ الْعَرَبِ (مَا بَيْنَ الْعُذَيْبِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الذَّالِ تَصْغِيرُ عَذْبٍ يُرَادُ بِهِ مَاءُ تَمِيمٍ (إلَى أَقْصَى حَجَرٍ) وَهُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ: الصَّخْرُ، فَمَنْ رَوَى بِسُكُونِ الْجِيمِ وَفَسَّرَهُ بِالْجَانِبِ فَقَدْ صَحَّفَهُ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي أَمَالِي أَبِي يُوسُفَ الصَّخْرُ مَوْضِعُ الْحَجَرِ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ (بِالْيَمَنِ بِمَهْرَةَ) بِالْفَتْحِ وَالسُّكُونِ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ بِالْيَمَنِ وَهِيَ فِي الْأَصْلِ اسْمُ رَجُلٍ أَوْ اسْمُ قَبِيلَةٍ تُنْسَبُ إلَيْهِ الْإِبِلُ الْمَهْرِيَّةُ فَسَمَّى ذَلِكَ الْمُقَامَ بِهِ هَذَا طُولُهَا وَأَمَّا عَرْضُهَا فَهُوَ مَا بَيْنَ يَبْرِينَ وَالدَّهْنَاءِ وَرَمْلٍ وَعَالِجٍ وَهِيَ أَسْمَاءُ مَوَاضِعَ (إلَى حَدِّ الشَّامِ) أَيْ إلَى مَشَارِفِ الشَّامِ وَقُرَاهَا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَالْخُلَفَاءَ

стр. 660

الرَّاشِدِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ لَمْ يَأْخُذُوا الْخَرَاجَ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْفَيْءِ فَلَا يَثْبُتُ فِي أَرَاضِيِهِمْ كَمَا لَا يَثْبُتُ فِي رِقَابِهِمْ؛ وَهَذَا لِأَنَّ وَضْعَ الْخَرَاجِ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يُقِرَّ أَهْلَهَا عَلَى الْكُفْرِ كَمَا فِي سَوَادِ الْعِرَاقِ وَمُشْرِكِي الْعَرَبِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. (وَكَذَا الْبَصْرَةُ) بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَكَانَ الْقِيَاسُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَنْ تَكُونَ الْبَصْرَةُ خَرَاجِيَّةً لِأَنَّهَا مِنْ جُزْءِ أَرْضِ الْخَرَاجِ إلَّا أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَضَعُوا عَلَيْهَا الْعُشْرَ فَتُرِكَ الْقِيَاسُ لِإِجْمَاعِهِمْ قَالَ الْكَرْخِيُّ أَرْضُ الْحِجَازِ وَتِهَامَةَ وَالْيَمَنِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَالْبَرِّيَّةِ عُشْرِيَّةٌ. (وَ) كَذَا (كُلُّ مَا) أَيْ الْأَرْضِ الَّتِي (أَسْلَمَ أَهْلُهُ) وَتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبَارِ لَفْظَةِ مَا (أَوْ فُتِحَ عَنْوَةً وَقُسِمَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ) لِأَنَّ اللَّائِقَ بِالْمُسْلِمِينَ وَضْعُ الْعُشْرِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ حَتَّى يُصْرَفَ مَصَارِفَ الصَّدَقَاتِ وَيُشْتَرَطَ فِيهِ النِّيَّةُ وَلِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ الْخَرَاجِ لِتَعَلُّقِهِ بِحَقِيقَةِ الْخَارِجِ بِخِلَافِ الْخَرَاجِ (وَأَرْضُ السَّوَادِ) أَيْ سَوَادِ الْعِرَاقِ وَسُمِّيَ بِهِ لِخُضْرَةِ أَشْجَارِهَا وَزَرْعِهَا (خَرَاجِيَّةٌ) لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَضَعَ عَلَيْهَا الْخَرَاجَ بِحَضْرَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَهُوَ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُنْقَلَ فِيهِ أَثَرٌ مُعَيَّنٌ وَوَضَعَ الْخَرَاجَ عَلَى مِصْرَ حِينَ فَتَحَهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ

стр. 661

وَكَذَا أَجْمَعُوا عَلَى وَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَى الشَّامِ (وَهِيَ) أَيْ أَرْضُ السَّوَادِ (مَا بَيْنَ الْعُذَيْبِ) بَدَلٌ مِنْ السَّوَادِ (إلَى عَقَبَةِ حُلْوَانَ) بِضَمِّ الْحَاءِ اسْمُ بَلَدٍ (وَمِنْ الثَّعْلَبِيَّةِ) بِفَتْحِ الثَّلَاثَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ (أَوْ الْعَلْثِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَبِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ: قَرْيَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْعَلَوِيَّةِ عَلَى شَرْقِيِّ دِجْلَةَ وَهُوَ أَوَّلُ الْعِرَاقِ (إلَى عَبَّادَانَ) بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ حِصْنٌ صَغِيرٌ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ. وَفِي الْمُغْرِبِ وَوَضْعُ الثَّعْلَبِيَّةِ مَوْضِعَ الْعَلْثِ فِي حَدِّ السَّوَادِ خَطَأٌ لِأَنَّهَا مِنْ مَنَازِلِ الْبَادِيَةِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ فَعَلَى هَذَا لَوْ أَخَّرَهُ وَعَنْوَنَهُ بِ قِيلَ لَكَانَ أَوْلَى. (وَكَذَا) فِي كَوْنِهَا خَرَاجِيَّةً (كُلُّ مَا) أَيْ أَرْضٍ (فُتِحَ عَنْوَةً وَأَقَرَّ أَهْلَهُ عَلَيْهِ) وَتَذْكِيرُ ضَمِيرِهَا عَلَى مَا مَرَّ بِاعْتِبَارِ لَفْظَةِ مَا (أَوْ صُولِحُوا) أَيْ صَالَحَ الْإِمَامُ مَعَ أَهْلِهَا أَنْ يُقِرَّهُمْ عَلَيْهَا وَلَمْ يَنْقُلْهُمْ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ لِأَنَّ اللَّائِقَ بِالْكُفَّارِ ابْتِدَاءً الْخَرَاجُ (سِوَى مَكَّةَ) فَإِنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَأَقَرَّ أَهْلَهَا عَلَيْهَا إلَّا أَنَّهُ ﵊ لَمْ يُوَظِّفْ عَلَى أَرَاضِيهَا الْخَرَاجَ وَتَرَكَهَا لِأَهْلِهَا وَكَمَا لَا رِقَّ عَلَى الْعَرَبِ فَكَذَا لَا خَرَاجَ عَلَى أَرَاضِيهمْ وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا أَقَرَّ أَهْلَهُ عَلَيْهِ تَبَعًا لِلْقُدُورِيِّ وَقَيَّدَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى مَا فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ مَا يَصِلُ إلَيْهَا مَاءُ الْأَنْهَارِ فَتَكُونُ خَرَاجِيَّةً وَمَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا مَاءُ الْأَنْهَارِ وَاسْتُخْرِجَ مِنْهَا عَيْنٌ فَهِيَ أَرْضٌ عُشْرِيَّةٌ لِأَنَّ الْعُشْرَ يَتَعَلَّقُ بِالْأَرْضِ النَّامِيَةِ وَنَمَاؤُهَا بِمَائِهَا فَيُعْتَبَرُ السَّقْيُ بِمَاءِ الْعُشْرِ أَوْ بِمَاءِ الْخَرَاجِ انْتَهَى لَكِنْ فِي الْفَتْحِ تَفْصِيلٌ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً إنْ أَقَرَّ الْكُفَّارَ عَلَيْهَا لَا يُوَظِّفُ عَلَيْهِمْ إلَّا الْخَرَاجَ وَإِنْ سُقِيَتْ بِمَاءِ الْمَطَرِ

стр. 662

وَإِنْ قُسِمَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَا يُوَظِّفُ إلَّا الْعُشْرَ وَإِنْ سُقِيَتْ بِمَاءِ الْأَنْهَارِ فَلِهَذَا قَالَ فِي التَّبْيِينِ هَذَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ أَمَّا الْكَافِرُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ مِنْ أَيِّ مَاءٍ سَقَى لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُبْتَدَأُ بِالْعُشْرِ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ التَّفْصِيلُ فِي حَالَةِ الِابْتِدَاءِ إجْمَاعًا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيهِ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ فِيمَنْ مَلَكَ أَرْضًا عُشْرِيَّةً فَتَصِيرُ خَرَاجِيَّةً عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ أَيْضًا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فَعَلَى هَذَا عُلِمَ أَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ اخْتَارَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ، تَتَبَّعْ. (وَأَرْضُ السَّوَادِ مَمْلُوكَةٌ لِأَهْلِهَا) عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهَا عِنْدَهُ وَقْفٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلُهَا مُسْتَأْجِرُونَ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - اسْتَطَابَ قُلُوبَ الْغَانِمِينَ فَآجَرَهَا لَكِنْ فِي التَّبْيِينِ رُدَّ مِنْ وُجُوهٍ فَلْيُطَالَعْ (يَجُوزُ بَيْعُهُمْ لَهَا وَتَصَرُّفُهُمْ فِيهَا) لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمْ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَوْنِ الْأَرَاضِي الْعُشْرِيَّةِ مَمْلُوكَةً لِأَهْلِهَا لَكِنْ إذَا

стр. 663

كَانَتْ الْخَرَاجِيَّةُ مَمْلُوكَةً فَكَوْنُ الْعُشْرِيَّةِ مَمْلُوكَةً أَوْلَى. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ لَكِنْ أَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ مَا وَرَاءَهُمَا أَرْضًا لَيْسَتْ بِعُشْرِيَّةٍ وَلَا خَرَاجِيَّةٍ بَلْ يُقَالُ لَهَا الْأَرْضُ الْمُمَلَّكَةُ وَاشْتُهِرَتْ بِالْأَرْضِ الْأَمِيرِيَّةِ وَهِيَ الْأَرْضُ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا لَكِنْ لَمْ تُمْلَكْ لِأَهْلِهَا بَلْ أُحْرِزَتْ لِبَيْتِ الْمَالِ ثُمَّ أُوجِرَتْ بِإِجَارَةٍ فَاسِدَةٍ بِشَرْطِ أَنْ يَزْرَعُوهَا وَيُؤَدُّوا مِنْ حَاصِلِهَا خَرَاجَ مُقَاسَمَةٍ وَاشْتُهِرَتْ عِنْدَ النَّاسِ بِالْعُشْرِيَّةِ كَمَا هُوَ حُكْمُ أَرَاضِي بَلَدِنَا وَلَيْسَتْ مِلْكًا لِمَنْ فِي أَيْدِيهِمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى بَيْعِهَا وَشِرَائِهَا وَهِبَتِهَا

стр. 664

وَوَقْفِهَا إلَّا بِتَمْلِيكِ السُّلْطَانِ فَإِذَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ قَامَ ابْنُهُ مَقَامَهُ وَيَتَصَرَّفُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَلَا تَعُودُ الْأَرَاضِي الَّتِي فِي يَدِهِ إلَى بَيْتِ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ لَهُ بِنْتٌ أَوْ أَخٌ لِأَبٍ وَطَالَبَاهُ يُعْطِي لَهُمَا بِأُجْرَةٍ بِطَرِيقِ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ أَيْضًا وَإِنْ عَطَّلَهَا مُتَصَرِّفُهَا ثَلَاثَ سِنِينَ أَوْ أَكْثَرَ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ الْأَرْضِ تُنْزَعُ عَنْ يَدِهِ وَتُعْطَى لِآخَرَ وَإِنْ أَرَادَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ الْفَرَاغَ لِآخَرَ لَا يَقْدِرُ إلَّا بِإِذْنِ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ.

стр. 665

(وَإِنْ أَحْيَا مَوَاتًا) أَيْ أَحْيَا الْمُسْلِمُ الْأَرْضَ الَّتِي لَا مَالِكَ لَهَا وَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا وَاحِدٌ (يُعْتَبَرُ قُرْبُهُ) فَإِنْ قَرُبَ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ فَخَرَاجِيٌّ أَوْ أَرْضِ الْعُشْرِ فَعُشْرِيٌّ، وَتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبَارِ الْمَكَانِ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) لِأَنَّ مَا قَرُبَ مِنْ الشَّيْءِ يَأْخُذُ حُكْمَهُ كَفِنَاءِ الدَّارِ لِصَاحِبِهَا الِانْتِفَاعُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ، وَلِذَا لَا يَجُوزُ إحْيَاءُ مَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ. (وَ) يُعْتَبَرُ (مَاؤُهُ) وَتَذْكِيرُهُ كَمَا مَرَّ بِاعْتِبَارِ الْمَكَانِ (عِنْدَ مُحَمَّدٍ) فَإِنْ أَحْيَاهَا بِمَاءِ خَرَاجٍ فَهِيَ خَرَاجِيَّةٌ وَإِلَّا فَعُشْرِيَّةٌ وَلَوْ قَيَّدَ بِالْمُسْلِمِ كَمَا قَيَّدْنَا لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ الْكَافِرَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ مُطْلَقًا، فَلِهَذَا صَرَّحَ صَاحِبُ التَّنْوِيرِ فَقَالَ وَكُلٌّ مِنْ الْأَرَاضِي الْعُشْرِيَّةِ وَالْخَرَاجِيَّةِ إنْ سُقِيَ بِمَاءِ الْعُشْرِ أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ إلَّا أَرْضَ كَافِرٍ تُسْقَى بِمَاءِ الْعُشْرِ حَيْثُ يُؤْخَذُ مِنْهَا الْخَرَاجُ لِأَنَّهُ وَظِيفَتُهُ وَإِنْ سُقِيَ بِمَاءِ الْخَرَاجِ أُخِذَ مِنْهُ الْخَرَاجُ. [الْخَرَاجُ نَوْعَانِ] (وَالْخَرَاجُ نَوْعَانِ) أَحَدُهُمَا (خَرَاجُ مُقَاسَمَةٍ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ جُزْءًا شَائِعًا مِنْ الْخَارِجِ كَالْخُمْسِ وَنَحْوِهِ كَالرُّبْعِ وَالثُّلُثِ وَالنِّصْفِ وَلَا يُزَادُ عَلَى النِّصْفِ (فَيَتَعَلَّقُ بِالْخَارِجِ كَالْعُشْرِ) أَيْ كَتَعَلُّقِهِ بِالْخَارِجِ إلَّا أَنَّهُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الْخَرَاجِ لِأَنَّهُ خَرَاجٌ حَقِيقَةً كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ. (وَ) الثَّانِي (خَرَاجُ وَظِيفَةٍ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ شَيْئًا فِي الذِّمَّةِ يَتَعَلَّقُ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الزِّرَاعَةِ (وَلَا يُزَادُ عَلَى مَا وَضَعَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى السَّوَادِ) أَيْ سَوَادِ الْعِرَاقِ (لِكُلِّ جَرِيبٍ) وَقَيَّدَهُ صَاحِبُ الدُّرَرِ بِقَوْلِهِ يَبْلُغُهُ الْمَاءُ (صَالِحٍ لِلزَّرْعِ صَاعٌ مِنْ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ) قَيَّدَهُ بِالصَّالِحِ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ فِي غَيْرِ الصَّالِحِ لَهَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي بُرِّ أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ وَشَعِيرٍ دِرْهَمَانِ (وَدِرْهَمٌ) عَطْفٌ عَلَى صَاعٍ (وَلِجَرِيبِ الرَّطْبَةِ) بِالْفَتْحِ الْفِصْفِصَةُ (خَمْسَةُ دَرَاهِمَ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ

стр. 666

سِتَّةُ دَرَاهِمَ (وَلِجَرِيبِ الْكَرْمِ أَوْ النَّخْلِ) جَمْعُ نَخْلَةٍ كَتَمْرٍ وَتَمْرَةٍ (الْمُتَّصِلِ) صِفَةُ الْكَرْمِ وَالنَّخْلِ وَإِفْرَادُهُ لِأَجْلِ كَلِمَةِ أَوْ (عَشَرَةُ دَرَاهِمَ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ثَمَانِيَةُ دَرَاهِمَ. وَفِي الْكَافِي فَإِنْ كَانَتْ الْأَشْجَارُ مُلْتَفَّةً لَا يُمْكِنُ زِرَاعَةُ أَرْضِهَا فَهِيَ كَرْمٌ انْتَهَى، فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ النَّخْلِ الْمُتَّصِلِ يَكُونُ مُسْتَدْرَكًا لِأَنَّ النَّخْلَ الْمُتَّصِلَ هُوَ الْكَرْمُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ تَدَبَّرْ (وَلِمَا سِوَاهُ) أَيْ لِمَا سِوَى مَا ذَكَرَ مِمَّا لَيْسَ تَوْظِيفُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (كَزَعْفَرَانٍ وَبُسْتَانٍ) وَهُوَ كُلُّ أَرْضٍ يَحُوطُهَا حَائِطٌ وَفِيهَا نَخِيلٌ وَأَشْجَارٌ مُتَفَرِّقَةٌ بِحَيْثُ يُمْكِنُ زِرَاعَةُ مَا بَيْنَ الْأَشْجَارِ وَإِلَّا فَهِيَ كَرْمٌ كَمَا مَرَّ آنِفًا (مَا تُطِيقُ) أَيْ يُوضَعُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ اعْتِبَارًا بِمَا وَضَعَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَإِنَّ مَا وَضَعَهُ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ (وَنِصْفُ الْخَارِجِ غَايَةُ الطَّاقَةِ) فَإِنَّ التَّنْصِيفَ عَيْنُ الْإِنْصَافِ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ. (وَإِنْ لَمْ تُطِقْ) أَيْ الْأَرْضُ (مَا وُظِّفَ نَقَصَ) أَيْ نَقَصَ الْإِمَامُ عَنْهَا مَا لَا تُطِيقُهُ وَجَعَلَ عَلَيْهَا مَا تُطِيقُهُ (وَلَا يُزَادُ) عَلَى مَا وَظَّفَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (أَطَاقَتْ) الْأَرْضُ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِعَامِلَيْهِ لَعَلَّكُمَا حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ فَقَالَا لَا بَلْ حَمَّلْنَاهَا مَا تُطِيقُ وَلَوْ زِدْنَا لَأَطَاقَتْ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى جَوَازِ النَّقْصِ عِنْدَ عَدَمِ الْإِطَاقَةِ وَعَلَى عَدَمِ جَوَازِ الزِّيَادَةِ وَإِنْ أَطَاقَتْ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) يَعْنِي إذَا أَرَادَ الْإِمَامُ تَوْظِيفَ الْخَرَاجِ عَلَى الْأَرْضِ ابْتِدَاءً وَزَادَ عَلَى وَظِيفَةِ عُمَرَ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ لِأَنَّ الْوَظِيفَةَ مُقَدَّرَةٌ بِالطَّاقَةِ وَعِنْدَ الْإِمَامِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْكَافِي فَعَلَى هَذَا بَيْنَ مَا فِي الْمَتْنِ وَمَا فِي الْكَافِي نَوْعُ مُخَالَفَةٍ لِأَنَّ مَا فِي الْمَتْنِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ يُعَبِّرُ بِعِنْدَ وَمَا فِي الْكَافِي يُشْعِرُ بِأَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ يُعَبِّرُ بِعَنْ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ الْإِمَامِ فِي الْمَتْنِ، تَتَبَّعْ. قَيَّدَ بِزِيَادَةِ التَّوْظِيفِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْأَرَاضِي الَّتِي صَدَرَ التَّوْظِيفُ مِنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَوْ مِنْ إمَامٍ بِمِثْلِ وَظِيفَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يَجُزْ إجْمَاعًا (وَلَا خَرَاجَ إنْ انْقَطَعَ عَنْ أَرْضِهِ الْمَاءُ أَوْ غَلَبَ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْأَرْضِ الْمَاءُ لِأَنَّهُ فَاتَ التَّمَكُّنُ مِنْ الزِّرَاعَةِ وَهُوَ النَّمَاءُ التَّقْدِيرِيُّ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ

стр. 667

وَكَوْنُهُ نَامِيًا فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ شَرْطٌ (أَوْ أَصَابَ الزَّرْعَ آفَةٌ) سَمَاوِيَّةٌ لَا يُمْكِنُ احْتِرَازُهَا كَغَرَقٍ وَحَرْقٍ وَشِدَّةِ بَرْدٍ وَقَيَّدْنَا بِسَمَاوِيَّةٍ لَا يُمْكِنُ احْتِرَازُهَا لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ سَمَاوِيَّةٍ وَيُمْكِنُ احْتِرَازُهَا كَأَكْلِ قِرَدَةٍ وَسِبَاعٍ وَنَحْوِهِمَا أَوْ هَلَكَ الْخَارِجُ بَعْدَ الْحَصَادِ لَا يَسْقُطُ الْخَارِجُ فِي الْأَصَحِّ كَمَا فِي التَّنْوِيرِ. وَفِي التَّبْيِينِ قَالُوا فِي الِاصْطِلَامِ إنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُ إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ السَّنَةِ مِقْدَارُ مَا يُمَكِّنُهُ أَنْ يَزْرَعَ الْأَرْضَ ثَانِيًا أَمَّا إذَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ قَدْرُ ذَلِكَ فَلَا يَسْقُطُ، وَالِاصْطِلَامُ أَنْ يَذْهَبَ كُلُّ الْخَارِجِ أَمَّا إذَا ذَهَبَ بَعْضُهُ فَإِنْ بَقِيَ مِقْدَارُ الْخَرَاجِ وَمِثْلُهُ بِأَنْ بَقِيَ مِقْدَارُ دِرْهَمَيْنِ أَوْ قَفِيزَيْنِ يَجِبُ الْخَرَاجُ وَإِنْ بَقِيَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ يَجِبُ نِصْفُهُ (وَيَجِبُ) خَرَاجٌ (إنْ عَطَّلَهَا) أَيْ أَرْضَ الْخَرَاجِ (مَالِكُهَا) وَكَانَ خَرَاجُهَا مُوَظَّفًا لِوُجُودِ التَّمَكُّنِ وَهُوَ الَّذِي فَوَّتَ الرِّيعَ مَعَ إمْكَانِ تَحْصِيلِهِ هَذَا إذَا تَمَكَّنَ الْمَالِكُ مِنْ الزِّرَاعَةِ وَلَمْ يَزْرَعْهَا أَمَّا إذَا عَجَزَ مِنْ الزِّرَاعَةِ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ مُزَارَعَةً وَيَأْخُذُ الْخَرَاجَ مِنْ نَصِيبِ الْمَالِكِ وَيُمْسِكُ الْبَاقِي لَهُ وَإِنْ شَاءَ آجَرَهَا وَأَخَذَ الْخَرَاجَ مِنْ أُجْرَتِهَا وَإِنْ شَاءَ زَرَعَهَا بِنَفَقَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَيَأْخُذُ الْخَرَاجَ مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِهَا وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَقْبَلُ ذَلِكَ بَاعَهَا وَأَخَذَ مِنْ ثَمَنِهَا الْخَرَاجَ (وَلَا يَتَغَيَّرُ) خَرَاجُهَا (إنْ أَسْلَمَ) مَالِكُهَا (أَوْ اشْتَرَاهَا مُسْلِمٌ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - اشْتَرَوْا الْأَرْضَ الْخَرَاجِيَّةَ وَأَدَّوْا الْخَرَاجَ (وَلَا عُشْرَ فِي خَارِجِ أَرْضِ الْخَرَاجِ) لِأَنَّهَا مَعَ الْخَرَاجِ وَالْعُشْرِ لَا يَجْتَمِعَانِ

стр. 668

عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يَجِبُ الْعُشْرُ كَوُجُوبِ الْخَرَاجِ (وَلَا يَتَكَرَّرُ خَرَاجُ الْوَظِيفَةِ بِتَكَرُّرِ الْخَارِجِ) فِي سَنَةٍ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يُوَظِّفْهُ مُكَرَّرًا (بِخِلَافِ الْعُشْرِ وَخَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ) لِأَنَّهُمَا يَتَكَرَّرَانِ لِتَعَلُّقِهِمَا بِالْخَارِجِ حَقِيقَةً وَفِي الْبَحْرِ لَوْ وَهَبَ السُّلْطَانُ لِإِنْسَانٍ الْخَرَاجَ جَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى إنْ كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ مُصَرِّفًا لَهُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَلَوْ تَرَكَ لَهُ عُشْرَ أَرْضِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ بِالْإِجْمَاعِ. [فَصْلٌ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْجِزْيَةِ] ِ وَهَذَا الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ الْخَرَاجِ وَقُدِّمَ الْأَوَّلُ لِقُوَّتِهِ إذْ يَجِبُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَسْلَمُوا أَوْ لَا بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ وَلِأَنَّهُ حَقِيقَةُ الْخَرَاجِ لِأَنَّهُ الرَّأْسُ وَيُجْمَعُ عَلَى جِزًى كَلِحْيَةٍ وَلِحًى وَسُمِّيَتْ بِهَا لِأَنَّهَا تُجْزِئُ أَيْ تَكْفِي عَنْ الْقَتْلِ إذْ بِقَبُولِهَا يَسْقُطُ عَنْ الذِّمِّيِّ الْقَتْلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ فَأَشَارَ إلَى الضَّرْبِ الْأَوَّلِ فَقَالَ (الْجِزْيَةُ إذَا وُضِعَتْ بِتَرَاضٍ أَوْ صُلْحٍ لَا تُغَيَّرُ) فَتُقَدَّرُ بِحَسَبِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ فَلَا يَتَعَدَّى بِالتَّغَيُّرِ كَمَا

стр. 669

لَا يَتَغَيَّرُ مَا يُوضَعُ عَلَى بَنِي نَجْرَانَ مِنْ الْحُلَلِ ثُمَّ أَشَارَ إلَى الضَّرْبِ الثَّانِي فَقَالَ. (وَإِنْ فُتِحَتْ بَلْدَةٌ عَنْوَةً) أَيْ غَلَبَ الْإِمَامُ عَلَى الْكُفَّارِ وَفَتَحَ قَهْرًا (وَأَقَرَّ أَهْلَهَا عَلَيْهَا تُوضَعُ) الْجِزْيَةُ (عَلَى الظَّاهِرِ الْغِنَى فِي السَّنَةِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا) يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ (وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ) فِي الْغِنَى (نِصْفُهَا) أَيْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمَانِ (وَعَلَى الْفَقِيرِ الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ رُبْعُهَا) أَيْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمٌ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَالصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مُتَوَافِرُونَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَصَارَ إجْمَاعًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْجِزْيَةُ دِينَارٌ أَوْ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا عَلَى كُلِّ رَأْسٍ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا لَمْ يُذْكَرْ حَدُّ الْغَنِيِّ وَالْمُتَوَسِّطِ وَالْفَقِيرِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ مَنْ مَلَكَ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا غَنِيٌّ وَمَنْ مَلَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا مُتَوَسِّطٌ وَمَنْ مَلَكَ مَا دُونَ الْمِائَتَيْنِ أَوْ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا فَقِيرٌ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ كَمَا فِي التَّنْوِيرِ وَقِيلَ مَنْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْكَسْبِ لِإِصْلَاحِ مَعِيشَتِهِ فَمُعْسِرٌ وَمَنْ لَهُ أَمْوَالٌ وَيَعْمَلُ فَوَسَطٌ وَمَنْ لَا يَعْمَلُ لِكَثْرَةِ أَمْوَالِهِ فَمُوسِرٌ وَقِيلَ مَنْ لَا كِفَايَةَ لَهُ فَمُعْسِرٌ وَمَنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ وَقُوتَ عِيَالِهِ فَوَسَطٌ وَمَنْ يَمْلِكُ الْفَضْلَ فَمُوسِرٌ. وَفِي الِاخْتِيَارِ الْمُخْتَارُ أَنْ يُنْظَرَ فِي كُلِّ بَلَدٍ إلَى حَالِ أَهْلِهِ وَمَا يَعْتَبِرُونَهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ عَادَةَ الْبِلَادِ مُخْتَلِفَةٌ فِي ذَلِكَ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ مَوْكُولًا إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ أَمَّا لَوْ كَانَ مَرِيضًا فِي السَّنَةِ كُلِّهَا أَوْ نِصْفِهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ وَلَوْ تَرَكَ الْعَمَلَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ (وَتُوضَعُ) الْجِزْيَةُ (عَلَى كِتَابِيٍّ) أَيْ عَلَى أَهْلِ الْكُتُبِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْعَرَبِ أَوْ الْعَجَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] وَالْكِتَابِيُّ شَامِلٌ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَيَدْخُلُ فِي الْيَهُودِ السَّامِرَةُ لِأَنَّهُمْ يَدِينُونَ بِشَرِيعَةِ مُوسَى ﵊ إلَّا أَنَّهُمْ يُخَالِفُونَهُمْ فِي الْفُرُوعِ وَيَدْخُلُ فِي النَّصَارَى الْإِفْرِنْجُ وَالْأَرْمَنُ. وَفِي الْخَانِيَّةِ وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ الصَّابِئِينَ عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا (وَمَجُوسِيٍّ) وَهُوَ وَاحِدُ الْمَجُوسِ وَهُمْ قَوْمٌ يُعَظِّمُونَ النَّارَ وَيَعْبُدُونَهَا لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ وَضَعَ الْجِزْيَةَ عَلَى مَجُوسِ هَجَرَ» (وَوَثَنِيٍّ) أَيْ عَابِدِ وَثَنٍ وَهُوَ مَا كَانَ مَنْقُوشًا فِي حَائِطٍ وَلَا شَخْصَ لَهُ وَالصَّنَمُ اسْمٌ لِمَا كَانَ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ وَالصَّلِيبُ مَا لَا نَقْشَ لَهُ وَلَا صُورَةَ وَلَكِنَّهُ بَعِيدٌ كَمَا فِي الْمِنَحِ وَغَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا ظَهَرَ مُخَالَفَةُ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْوَثَنَ مَا لَهُ صُورَةٌ كَصُوَرِ الْآدَمِيِّ، تَأَمَّلْ. (عَجَمِيٍّ) جَمْعُهُ الْعَجَمُ وَهُوَ خِلَافُ الْعَرَبِيِّ وَإِنْ فَصِيحًا وَالْأَعْجَمِيُّ الَّذِي فِي لِسَانِهِ عُجْمَةٌ أَيْ عَدَمُ إفْصَاحٍ بِالْعَرَبِيَّةِ وَإِنْ كَانَ عَرَبِيًّا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى كِتَابِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ

стр. 670

فَقَطْ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكُفَّارِ الْقِتَالُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩٣] لَكِنَّا تَرَكْنَاهُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ بِمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا وَالْمَجُوسِيُّ دَخَلَ فِيهِمْ بِقَوْلِهِ ﵊ سَنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُمْ عَلَى الْأَصْلِ وَلَنَا أَنَّ اسْتِرْقَاقَهُمْ جَائِزٌ فَتُوضَعُ الْجِزْيَةُ عَلَيْهِمْ كَالْمَجُوسِ (لَا) تُوضَعُ (عَلَى) وَثَنِيٍّ (عَرَبِيٍّ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ بُعِثَ مِنْهُمْ فَظَهَرَتْ الْمُعْجِزَةُ لَدَيْهِمْ فَكُفْرُهُمْ أَفْحَشُ وَالْمُرَادُ بِالْعَرَبِيِّ عَرَبِيُّ الْأَصْلِ وَهُمْ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ وَإِنَّهُمْ أُمِّيُّونَ كَمَا وَصَفَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فَأَهْلُ الْكِتَابِ وَإِنْ سَكَنُوا فِيمَا بَيْنَ الْعَرَبِ وَتَوَالَدُوا مِنْهُمْ لَيْسُوا بِعَرَبِيِّ الْأَصْلِ (وَلَا عَلَى مُرْتَدٍّ) لِأَنَّهُ كَفَرَ بِرَبِّهِ بَعْدَمَا رَأَى مَحَاسِنَ الْإِسْلَامِ وَبَعْدَمَا هُدِيَ إلَيْهِ فَلَا تُوضَعُ أَيْضًا عَلَى زِنْدِيقٍ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ فِي الْبَاطِنِ خِلَافَ الظَّاهِرِ بَلْ إنْ جَاءَ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ وَأَقَرَّ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ وَتَابَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَإِنْ بَعْدَ الْأَخْذُ يُقْتَلُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَلِذَا قَالَ الْإِمَامُ اُقْتُلُوا الزِّنْدِيقَ وَإِنْ قَالَ تُبْت وَأَمْوَالُهُ وَذُرِّيَّتُهُ فَيْءٌ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ (فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْوَثَنِيِّ الْعَرَبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ (إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ) زِيَادَةً فِي الْعُقُوبَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَوْ اكْتَفَى بِهِ وَأَظْهَرَ ضَمِيرَهُمَا وَتَرَكَ قَوْلَهُ وَلَا عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا عَلَى مُرْتَدٍّ لَكَانَ أَخْصَرَ (وَتُسْتَرَقُّ أُنْثَاهُمَا) أَيْ أُنْثَى الْوَثَنِيِّ الْعَرَبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ لَا رَجَاءَ لَهُمَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي وَثَنِيِّ الْعَرَبِ (وَطِفْلُهُمَا) لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يَسْتَرِقُّ ذَرَارِيِّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَأَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - اسْتَرَقَّ نِسَاءَ بَنِي حَنِيفَةَ وَصِبْيَانَهُمْ وَكَانُوا مُرْتَدِّينَ إلَّا أَنَّ نِسَاءَ الْمُرْتَدِّينَ وَذَرَارِيَّهُمْ يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ ذَرَارِيِّ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَنِسَائِهِمْ (وَلَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِيٍّ) وَمَجْنُونٍ وَمَعْتُوهٍ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ عَلَى غَيْرِ مُكَلَّفٍ لَكَانَ أَشْمَلَ (وَامْرَأَةٍ) لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْقَتْلِ أَيْ عَنْ الْقِتَالِ وَهُمَا لَا يُقْتَلَانِ وَلَا يُقَاتَلَانِ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَرَادَ بِالْمَرْأَةِ غَيْرَ امْرَأَةِ بَنِي تَغْلِبَ فَإِنَّهَا تُوضَعُ عَلَيْهَا (وَمَمْلُوكٍ) قِنًّا كَانَ أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أَمَّ وَلَدٍ أَيْ أَمَةٍ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ فِي الْبَحْرِ وَلَا يَنْبَغِي ذِكْرُ أُمِّ الْوَلَدِ فَإِنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَى النِّسَاءِ الْأَحْرَارِ فَكَيْفَ بِأُمِّ الْوَلَدِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ ابْنُ أُمِّ الْوَلَدِ (وَمُكَاتَبٍ) لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ لَمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ النُّصْرَةُ بِالْقِتَالِ لِكَوْنِهِمْ فِي يَدِ الْغَيْرِ فَلَا يَجِبُ مَا هُوَ خِلَافٌ عَنْهَا وَلَا يُؤَدِّي عَنْهُمْ مَوَالِيهِمْ لِأَنَّهُمْ تَحَمَّلُوا الزِّيَادَةَ بِسَبَبِهِمْ (وَشَيْخٍ كَبِيرٍ وَزَمِنٍ وَأَعْمَى وَمُقْعَدٍ) لِمَا بَيَّنَّاهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ تَجِبُ عَلَى هَؤُلَاءِ إذَا كَانَ لَهُمْ مَالٌ لِأَنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ فِي الْجُمْلَةِ إذَا كَانُوا صَاحِبِي رَأْيٍ
следующие страницы →