Полный текст (1 543 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
سِتَّةُ دَرَاهِمَ (وَلِجَرِيبِ الْكَرْمِ أَوْ النَّخْلِ) جَمْعُ نَخْلَةٍ كَتَمْرٍ وَتَمْرَةٍ (الْمُتَّصِلِ) صِفَةُ الْكَرْمِ وَالنَّخْلِ وَإِفْرَادُهُ لِأَجْلِ كَلِمَةِ أَوْ (عَشَرَةُ دَرَاهِمَ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ثَمَانِيَةُ دَرَاهِمَ.
وَفِي الْكَافِي فَإِنْ كَانَتْ الْأَشْجَارُ مُلْتَفَّةً لَا يُمْكِنُ زِرَاعَةُ أَرْضِهَا فَهِيَ كَرْمٌ انْتَهَى، فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ النَّخْلِ الْمُتَّصِلِ يَكُونُ مُسْتَدْرَكًا لِأَنَّ النَّخْلَ الْمُتَّصِلَ هُوَ الْكَرْمُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ تَدَبَّرْ (وَلِمَا سِوَاهُ) أَيْ لِمَا سِوَى مَا ذَكَرَ مِمَّا لَيْسَ تَوْظِيفُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (كَزَعْفَرَانٍ وَبُسْتَانٍ) وَهُوَ كُلُّ أَرْضٍ يَحُوطُهَا حَائِطٌ وَفِيهَا نَخِيلٌ وَأَشْجَارٌ مُتَفَرِّقَةٌ بِحَيْثُ يُمْكِنُ زِرَاعَةُ مَا بَيْنَ الْأَشْجَارِ وَإِلَّا فَهِيَ كَرْمٌ كَمَا مَرَّ آنِفًا (مَا تُطِيقُ) أَيْ يُوضَعُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ اعْتِبَارًا بِمَا وَضَعَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَإِنَّ مَا وَضَعَهُ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ (وَنِصْفُ الْخَارِجِ غَايَةُ الطَّاقَةِ) فَإِنَّ التَّنْصِيفَ عَيْنُ الْإِنْصَافِ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ.
(وَإِنْ لَمْ تُطِقْ) أَيْ الْأَرْضُ (مَا وُظِّفَ نَقَصَ) أَيْ نَقَصَ الْإِمَامُ عَنْهَا مَا لَا تُطِيقُهُ وَجَعَلَ عَلَيْهَا مَا تُطِيقُهُ (وَلَا يُزَادُ) عَلَى مَا وَظَّفَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (أَطَاقَتْ) الْأَرْضُ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِعَامِلَيْهِ لَعَلَّكُمَا حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ فَقَالَا لَا بَلْ حَمَّلْنَاهَا مَا تُطِيقُ وَلَوْ زِدْنَا لَأَطَاقَتْ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى جَوَازِ النَّقْصِ عِنْدَ عَدَمِ الْإِطَاقَةِ وَعَلَى عَدَمِ جَوَازِ الزِّيَادَةِ وَإِنْ أَطَاقَتْ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) يَعْنِي إذَا أَرَادَ الْإِمَامُ تَوْظِيفَ الْخَرَاجِ عَلَى الْأَرْضِ ابْتِدَاءً وَزَادَ عَلَى وَظِيفَةِ عُمَرَ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ لِأَنَّ الْوَظِيفَةَ مُقَدَّرَةٌ بِالطَّاقَةِ وَعِنْدَ الْإِمَامِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْكَافِي فَعَلَى هَذَا بَيْنَ مَا فِي الْمَتْنِ وَمَا فِي الْكَافِي نَوْعُ مُخَالَفَةٍ لِأَنَّ مَا فِي الْمَتْنِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ يُعَبِّرُ بِعِنْدَ وَمَا فِي الْكَافِي يُشْعِرُ بِأَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ يُعَبِّرُ بِعَنْ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ الْإِمَامِ فِي الْمَتْنِ، تَتَبَّعْ. قَيَّدَ بِزِيَادَةِ التَّوْظِيفِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْأَرَاضِي الَّتِي صَدَرَ التَّوْظِيفُ مِنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَوْ مِنْ إمَامٍ بِمِثْلِ وَظِيفَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يَجُزْ إجْمَاعًا (وَلَا خَرَاجَ إنْ انْقَطَعَ عَنْ أَرْضِهِ الْمَاءُ أَوْ غَلَبَ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْأَرْضِ الْمَاءُ لِأَنَّهُ فَاتَ التَّمَكُّنُ مِنْ الزِّرَاعَةِ وَهُوَ النَّمَاءُ التَّقْدِيرِيُّ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ
стр. 667
وَكَوْنُهُ نَامِيًا فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ شَرْطٌ (أَوْ أَصَابَ الزَّرْعَ آفَةٌ) سَمَاوِيَّةٌ لَا يُمْكِنُ احْتِرَازُهَا كَغَرَقٍ وَحَرْقٍ وَشِدَّةِ بَرْدٍ وَقَيَّدْنَا بِسَمَاوِيَّةٍ لَا يُمْكِنُ احْتِرَازُهَا لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ سَمَاوِيَّةٍ وَيُمْكِنُ احْتِرَازُهَا كَأَكْلِ قِرَدَةٍ وَسِبَاعٍ وَنَحْوِهِمَا أَوْ هَلَكَ الْخَارِجُ بَعْدَ الْحَصَادِ لَا يَسْقُطُ الْخَارِجُ فِي الْأَصَحِّ كَمَا فِي التَّنْوِيرِ.
وَفِي التَّبْيِينِ قَالُوا فِي الِاصْطِلَامِ إنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُ إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ السَّنَةِ مِقْدَارُ مَا يُمَكِّنُهُ أَنْ يَزْرَعَ الْأَرْضَ ثَانِيًا أَمَّا إذَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ قَدْرُ ذَلِكَ فَلَا يَسْقُطُ، وَالِاصْطِلَامُ أَنْ يَذْهَبَ كُلُّ الْخَارِجِ أَمَّا إذَا ذَهَبَ بَعْضُهُ فَإِنْ بَقِيَ مِقْدَارُ الْخَرَاجِ وَمِثْلُهُ بِأَنْ بَقِيَ مِقْدَارُ دِرْهَمَيْنِ أَوْ قَفِيزَيْنِ يَجِبُ الْخَرَاجُ وَإِنْ بَقِيَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ يَجِبُ نِصْفُهُ (وَيَجِبُ) خَرَاجٌ (إنْ عَطَّلَهَا) أَيْ أَرْضَ الْخَرَاجِ (مَالِكُهَا) وَكَانَ خَرَاجُهَا مُوَظَّفًا لِوُجُودِ التَّمَكُّنِ وَهُوَ الَّذِي فَوَّتَ الرِّيعَ مَعَ إمْكَانِ تَحْصِيلِهِ هَذَا إذَا تَمَكَّنَ الْمَالِكُ مِنْ الزِّرَاعَةِ وَلَمْ يَزْرَعْهَا أَمَّا إذَا عَجَزَ مِنْ الزِّرَاعَةِ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ مُزَارَعَةً وَيَأْخُذُ الْخَرَاجَ مِنْ نَصِيبِ الْمَالِكِ وَيُمْسِكُ الْبَاقِي لَهُ وَإِنْ شَاءَ آجَرَهَا وَأَخَذَ الْخَرَاجَ مِنْ أُجْرَتِهَا وَإِنْ شَاءَ زَرَعَهَا بِنَفَقَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَيَأْخُذُ الْخَرَاجَ مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِهَا وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَقْبَلُ ذَلِكَ بَاعَهَا وَأَخَذَ مِنْ ثَمَنِهَا الْخَرَاجَ (وَلَا يَتَغَيَّرُ) خَرَاجُهَا (إنْ أَسْلَمَ) مَالِكُهَا (أَوْ اشْتَرَاهَا مُسْلِمٌ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - اشْتَرَوْا الْأَرْضَ الْخَرَاجِيَّةَ وَأَدَّوْا الْخَرَاجَ (وَلَا عُشْرَ فِي خَارِجِ أَرْضِ الْخَرَاجِ) لِأَنَّهَا مَعَ الْخَرَاجِ وَالْعُشْرِ لَا يَجْتَمِعَانِ
стр. 668
عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يَجِبُ الْعُشْرُ كَوُجُوبِ الْخَرَاجِ (وَلَا يَتَكَرَّرُ خَرَاجُ الْوَظِيفَةِ بِتَكَرُّرِ الْخَارِجِ) فِي سَنَةٍ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يُوَظِّفْهُ مُكَرَّرًا (بِخِلَافِ الْعُشْرِ وَخَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ) لِأَنَّهُمَا يَتَكَرَّرَانِ لِتَعَلُّقِهِمَا بِالْخَارِجِ حَقِيقَةً وَفِي الْبَحْرِ لَوْ وَهَبَ السُّلْطَانُ لِإِنْسَانٍ الْخَرَاجَ جَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى إنْ كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ مُصَرِّفًا لَهُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ وَلَوْ تَرَكَ لَهُ عُشْرَ أَرْضِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ بِالْإِجْمَاعِ.
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْجِزْيَةِ]
ِ وَهَذَا الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ الْخَرَاجِ وَقُدِّمَ الْأَوَّلُ لِقُوَّتِهِ إذْ يَجِبُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَسْلَمُوا أَوْ لَا بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ وَلِأَنَّهُ حَقِيقَةُ الْخَرَاجِ لِأَنَّهُ الرَّأْسُ وَيُجْمَعُ عَلَى جِزًى كَلِحْيَةٍ وَلِحًى وَسُمِّيَتْ بِهَا لِأَنَّهَا تُجْزِئُ أَيْ تَكْفِي عَنْ الْقَتْلِ إذْ بِقَبُولِهَا يَسْقُطُ عَنْ الذِّمِّيِّ الْقَتْلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ فَأَشَارَ إلَى الضَّرْبِ الْأَوَّلِ فَقَالَ (الْجِزْيَةُ إذَا وُضِعَتْ بِتَرَاضٍ أَوْ صُلْحٍ لَا تُغَيَّرُ) فَتُقَدَّرُ بِحَسَبِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ فَلَا يَتَعَدَّى بِالتَّغَيُّرِ كَمَا
стр. 669
لَا يَتَغَيَّرُ مَا يُوضَعُ عَلَى بَنِي نَجْرَانَ مِنْ الْحُلَلِ ثُمَّ أَشَارَ إلَى الضَّرْبِ الثَّانِي فَقَالَ.
(وَإِنْ فُتِحَتْ بَلْدَةٌ عَنْوَةً) أَيْ غَلَبَ الْإِمَامُ عَلَى الْكُفَّارِ وَفَتَحَ قَهْرًا (وَأَقَرَّ أَهْلَهَا عَلَيْهَا تُوضَعُ) الْجِزْيَةُ (عَلَى الظَّاهِرِ الْغِنَى فِي السَّنَةِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا) يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ (وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ) فِي الْغِنَى (نِصْفُهَا) أَيْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمَانِ (وَعَلَى الْفَقِيرِ الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ رُبْعُهَا) أَيْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمٌ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَالصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مُتَوَافِرُونَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَصَارَ إجْمَاعًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْجِزْيَةُ دِينَارٌ أَوْ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا عَلَى كُلِّ رَأْسٍ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا لَمْ يُذْكَرْ حَدُّ الْغَنِيِّ وَالْمُتَوَسِّطِ وَالْفَقِيرِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ مَنْ مَلَكَ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا غَنِيٌّ وَمَنْ مَلَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا مُتَوَسِّطٌ وَمَنْ مَلَكَ مَا دُونَ الْمِائَتَيْنِ أَوْ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا فَقِيرٌ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ كَمَا فِي التَّنْوِيرِ وَقِيلَ مَنْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْكَسْبِ لِإِصْلَاحِ مَعِيشَتِهِ فَمُعْسِرٌ وَمَنْ لَهُ أَمْوَالٌ وَيَعْمَلُ فَوَسَطٌ وَمَنْ لَا يَعْمَلُ لِكَثْرَةِ أَمْوَالِهِ فَمُوسِرٌ وَقِيلَ مَنْ لَا كِفَايَةَ لَهُ فَمُعْسِرٌ وَمَنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ وَقُوتَ عِيَالِهِ فَوَسَطٌ وَمَنْ يَمْلِكُ الْفَضْلَ فَمُوسِرٌ.
وَفِي الِاخْتِيَارِ الْمُخْتَارُ أَنْ يُنْظَرَ فِي كُلِّ بَلَدٍ إلَى حَالِ أَهْلِهِ وَمَا يَعْتَبِرُونَهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ عَادَةَ الْبِلَادِ مُخْتَلِفَةٌ فِي ذَلِكَ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ مَوْكُولًا إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ أَمَّا لَوْ كَانَ مَرِيضًا فِي السَّنَةِ كُلِّهَا أَوْ نِصْفِهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ وَلَوْ تَرَكَ الْعَمَلَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ (وَتُوضَعُ) الْجِزْيَةُ (عَلَى كِتَابِيٍّ) أَيْ عَلَى أَهْلِ الْكُتُبِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْعَرَبِ أَوْ الْعَجَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] وَالْكِتَابِيُّ شَامِلٌ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَيَدْخُلُ فِي الْيَهُودِ السَّامِرَةُ لِأَنَّهُمْ يَدِينُونَ بِشَرِيعَةِ مُوسَى ﵊ إلَّا أَنَّهُمْ يُخَالِفُونَهُمْ فِي الْفُرُوعِ وَيَدْخُلُ فِي النَّصَارَى الْإِفْرِنْجُ وَالْأَرْمَنُ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ الصَّابِئِينَ عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا (وَمَجُوسِيٍّ) وَهُوَ وَاحِدُ الْمَجُوسِ وَهُمْ قَوْمٌ يُعَظِّمُونَ النَّارَ وَيَعْبُدُونَهَا لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ وَضَعَ الْجِزْيَةَ عَلَى مَجُوسِ هَجَرَ» (وَوَثَنِيٍّ) أَيْ عَابِدِ وَثَنٍ وَهُوَ مَا كَانَ مَنْقُوشًا فِي حَائِطٍ وَلَا شَخْصَ لَهُ وَالصَّنَمُ اسْمٌ لِمَا كَانَ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ وَالصَّلِيبُ مَا لَا نَقْشَ لَهُ وَلَا صُورَةَ وَلَكِنَّهُ بَعِيدٌ كَمَا فِي الْمِنَحِ وَغَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا ظَهَرَ مُخَالَفَةُ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْوَثَنَ مَا لَهُ صُورَةٌ كَصُوَرِ الْآدَمِيِّ، تَأَمَّلْ. (عَجَمِيٍّ) جَمْعُهُ الْعَجَمُ وَهُوَ خِلَافُ الْعَرَبِيِّ وَإِنْ فَصِيحًا وَالْأَعْجَمِيُّ الَّذِي فِي لِسَانِهِ عُجْمَةٌ أَيْ عَدَمُ إفْصَاحٍ بِالْعَرَبِيَّةِ وَإِنْ كَانَ عَرَبِيًّا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى كِتَابِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ
стр. 670
فَقَطْ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكُفَّارِ الْقِتَالُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩٣] لَكِنَّا تَرَكْنَاهُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ بِمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا وَالْمَجُوسِيُّ دَخَلَ فِيهِمْ بِقَوْلِهِ ﵊ سَنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهُمْ عَلَى الْأَصْلِ وَلَنَا أَنَّ اسْتِرْقَاقَهُمْ جَائِزٌ فَتُوضَعُ الْجِزْيَةُ عَلَيْهِمْ كَالْمَجُوسِ (لَا) تُوضَعُ (عَلَى) وَثَنِيٍّ (عَرَبِيٍّ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ بُعِثَ مِنْهُمْ فَظَهَرَتْ الْمُعْجِزَةُ لَدَيْهِمْ فَكُفْرُهُمْ أَفْحَشُ وَالْمُرَادُ بِالْعَرَبِيِّ عَرَبِيُّ الْأَصْلِ وَهُمْ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ وَإِنَّهُمْ أُمِّيُّونَ كَمَا وَصَفَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فَأَهْلُ الْكِتَابِ وَإِنْ سَكَنُوا فِيمَا بَيْنَ الْعَرَبِ وَتَوَالَدُوا مِنْهُمْ لَيْسُوا بِعَرَبِيِّ الْأَصْلِ (وَلَا عَلَى مُرْتَدٍّ) لِأَنَّهُ كَفَرَ بِرَبِّهِ بَعْدَمَا رَأَى مَحَاسِنَ الْإِسْلَامِ وَبَعْدَمَا هُدِيَ إلَيْهِ فَلَا تُوضَعُ أَيْضًا عَلَى زِنْدِيقٍ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ فِي الْبَاطِنِ خِلَافَ الظَّاهِرِ بَلْ إنْ جَاءَ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ وَأَقَرَّ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ وَتَابَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَإِنْ بَعْدَ الْأَخْذُ يُقْتَلُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَلِذَا قَالَ الْإِمَامُ اُقْتُلُوا الزِّنْدِيقَ وَإِنْ قَالَ تُبْت وَأَمْوَالُهُ وَذُرِّيَّتُهُ فَيْءٌ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ (فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْوَثَنِيِّ الْعَرَبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ (إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ) زِيَادَةً فِي الْعُقُوبَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَوْ اكْتَفَى بِهِ وَأَظْهَرَ ضَمِيرَهُمَا وَتَرَكَ قَوْلَهُ وَلَا عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا عَلَى مُرْتَدٍّ لَكَانَ أَخْصَرَ (وَتُسْتَرَقُّ أُنْثَاهُمَا) أَيْ أُنْثَى الْوَثَنِيِّ الْعَرَبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ لَا رَجَاءَ لَهُمَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي وَثَنِيِّ الْعَرَبِ (وَطِفْلُهُمَا) لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يَسْتَرِقُّ ذَرَارِيِّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَأَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - اسْتَرَقَّ نِسَاءَ بَنِي حَنِيفَةَ وَصِبْيَانَهُمْ وَكَانُوا مُرْتَدِّينَ إلَّا أَنَّ نِسَاءَ الْمُرْتَدِّينَ وَذَرَارِيَّهُمْ يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ ذَرَارِيِّ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَنِسَائِهِمْ (وَلَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِيٍّ) وَمَجْنُونٍ وَمَعْتُوهٍ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ عَلَى غَيْرِ مُكَلَّفٍ لَكَانَ أَشْمَلَ (وَامْرَأَةٍ) لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْقَتْلِ أَيْ عَنْ الْقِتَالِ وَهُمَا لَا يُقْتَلَانِ وَلَا يُقَاتَلَانِ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَرَادَ بِالْمَرْأَةِ غَيْرَ امْرَأَةِ بَنِي تَغْلِبَ فَإِنَّهَا تُوضَعُ عَلَيْهَا (وَمَمْلُوكٍ) قِنًّا كَانَ أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أَمَّ وَلَدٍ أَيْ أَمَةٍ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ فِي الْبَحْرِ وَلَا يَنْبَغِي ذِكْرُ أُمِّ الْوَلَدِ فَإِنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَى النِّسَاءِ الْأَحْرَارِ فَكَيْفَ بِأُمِّ الْوَلَدِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ ابْنُ أُمِّ الْوَلَدِ (وَمُكَاتَبٍ) لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ لَمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ النُّصْرَةُ بِالْقِتَالِ لِكَوْنِهِمْ فِي يَدِ الْغَيْرِ فَلَا يَجِبُ مَا هُوَ خِلَافٌ عَنْهَا وَلَا يُؤَدِّي عَنْهُمْ مَوَالِيهِمْ لِأَنَّهُمْ تَحَمَّلُوا الزِّيَادَةَ بِسَبَبِهِمْ (وَشَيْخٍ كَبِيرٍ وَزَمِنٍ وَأَعْمَى وَمُقْعَدٍ) لِمَا بَيَّنَّاهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ تَجِبُ عَلَى هَؤُلَاءِ إذَا كَانَ لَهُمْ مَالٌ لِأَنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ فِي الْجُمْلَةِ إذَا كَانُوا صَاحِبِي رَأْيٍ
стр. 671
كَمَا مَرَّ تَفْصِيلُهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ (وَفَقِيرٍ لَا يَكْتَسِبُ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (وَرَاهِبٍ لَا يُخَالِطُ) وَلَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْعَمَلِ لِأَنَّهُ لَا يَقْتُلُ وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ تُوضَعُ الْجِزْيَةُ إذَا قَدَرَ عَلَى الْعَمَلِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَفِي الِاخْتِيَارِ لَوْ أَدْرَكَ الصَّبِيُّ أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ أَوْ أُعْتِقَ الْعَبْدُ أَوْ بَرِئَ الْمَرِيضُ قَبْلَ وَضْعِ الْإِمَامِ الْجِزْيَةَ وَضَعَ عَلَيْهِمْ وَبَعْدَ وَضْعِهَا لَا حَتَّى تَمْضِيَ هَذِهِ السَّنَةُ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَهْلِيَّتُهُمْ وَقْتَ الْوَضْعِ بِخِلَافِ الْفَقِيرِ إذَا أَيْسَرَ بَعْدَ الْوَضْعِ حَيْثُ تُوضَعُ عَلَيْهِ.
(وَتَجِبُ) الْجِزْيَةُ (فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ) لِأَنَّهَا وَجَبَتْ لِإِسْقَاطِ الْقَتْلِ فَتَجِبُ لِلْحَالِ إلَّا أَنَّهَا تُؤْخَذُ فِي آخِرِهِ قَبْلَ تَمَامِهِ بِحَيْثُ يَبْقَى مِنْهُ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تُؤْخَذُ حِينَ تَدْخُلُ السَّنَةُ وَيَمْضِي شَهْرَانِ مِنْهَا كَمَا فِي الْجَوْهَرَةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ (وَيُؤْخَذُ قِسْطٌ كُلَّ شَهْرٍ فِيهِ) كَمَا بَيَّنَّاهُ لِأَنَّهُ زَمَانُ وُجُوبِهِ.
(وَتَسْقُطُ) الْجِزْيَةُ عِنْدَنَا (بِالْإِسْلَامِ أَوْ الْمَوْتِ) أَوْ بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ شُرِعَتْ لِدَفْعِ الشَّرِّ وَقَدْ انْدَفَعَ بِإِسْلَامِهِ أَوْ بِمَوْتِهِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ
стр. 672
وَمَالِكٍ لَا تَسْقُطُ لِأَنَّهَا كَسَائِرِ الدُّيُونِ (وَتَتَدَاخَلُ) أَيْ الْجِزْيَةُ (بِالتَّكَرُّرِ) يَعْنِي إذَا مَرَّتْ عَلَى الذِّمِّيِّ سُنُونَ وَلَمْ تُؤْخَذْ فِيهَا الْجِزْيَةُ سَقَطَتْ عَنْ تِلْكَ الْأَعْوَامِ وَتُؤْخَذُ مِنْهُ جِزْيَةُ السَّنَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّ عِنْدَهُمَا تُؤْخَذُ عَنْ الْأَعْوَامِ الْمَاضِيَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ فِي الذِّمَّةِ فِي كُلِّ السَّنَةِ فَلَا تَسْقُطُ بِالتَّأْخِيرِ (بِخِلَافِ خَرَاجِ الْأَرْضِ) فَإِنَّهُ لَا تَدْخُلُ فِيهِ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ مُؤْنَةُ الْأَرْضِ وَقِيلَ عَلَى الْخِلَافِ.
(وَلَا يَجُوزُ إحْدَاثُ بِيعَةٍ أَوْ كَنِيسَةٍ) أَوْ لَا يُحْدِثُ الْكِتَابِيُّ بِيعَةً وَلَا كَنِيسَةً وَلَا يُحْدِثُ الْمَجُوسِيُّ بَيْتَ نَارٍ (أَوْ صَوْمَعَةً فِي دَارِنَا) أَيْ دَارِ الْإِسْلَامِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا خِصَاءَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا كَنِيسَةَ» وَالْمُرَادُ إحْدَاثُهَا يُقَالُ كَنِيسَةُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لِمَعْبَدِهِمْ وَكَذَلِكَ الْبِيعَةُ إلَّا أَنَّهُ غَلَّبَ الْبِيعَةَ عَلَى مَعْبَدِ النَّصَارَى وَالْكَنِيسَةَ عَلَى مَعْبَدِ الْيَهُودِ وَالصَّوْمَعَةُ كَالْكَنِيسَةِ لِأَنَّهَا تُبْنَى لِلتَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ بِخِلَافِ مَوْضِعِ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلسُّكْنَى وَالدَّارُ شَامِلَةٌ لِلْأَمْصَارِ وَالْقُرَى وَالْفِنَاءِ وَهُوَ تَصْحِيحُ الْمُخْتَارِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ لَا يُمْنَعُ عَنْ ذَلِكَ فِي قُرًى لَا تُقَامُ فِيهَا الْجُمُعَةُ وَالْحُدُودُ وَهَذَا فِي قُرًى أَكْثَرُهَا ذِمِّيُّونَ وَأَمَّا فِي قُرَى الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ وَهَذَا فِي أَرْضِ الْعَجَمِ وَأَمَّا فِي الْعَرَبِ فَيُمْنَعُ مُطْلَقًا لَا يُبَاعُ فِيهَا خَمْرٌ وَخِنْزِيرٌ مِصْرًا أَوْ قَرْيَةً كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ (وَتُعَادُ الْمُنْهَدِمَةُ) مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَى الْبِنَاءِ الْأَوَّلِ مِنْ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ الْقَدِيمَةِ لِأَنَّهُ جَرَى التَّوَارُثُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ إلَى يَوْمِنَا هَذَا بِتَرْكِ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا لَا تُهْدَمُ الْقَدِيمَةُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ فِي الْأَمْصَارِ أَوْ فِي السَّوَادِ وَعَمِلَ النَّاسُ عَلَى هَذَا وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ أَنَّهَا تُهْدَمُ أَمْصَارُ الْمُسْلِمِينَ وَفِي الْإِجَارَاتِ لَا تُهْدَمُ فِيهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ وَالْمُرَادُ بِالْقَدِيمَةِ مَا كَانَتْ قَبْلَ فَتْحِ الْإِمَامِ بَلْدَتِهِمْ وَمُصَالَحَتِهِمْ عَلَى إقْرَارِهِمْ عَلَى بَلْدَتِهِمْ وَأَرَاضِيِهِمْ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُصَالِحَهُمْ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ هَذَا فِي الْمُنْهَدِمَةِ أَمَّا إذَا هُدِمَتْ وَلَوْ بِغَيْرِ وَجْهٍ فَلَا تَجُوزُ إعَادَتُهَا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ لَكِنْ فِي زَمَانِنَا لَا يُفَرِّقُ بَعْضٌ مِنَّا بَيْنَ الْهَدْمِ وَالِانْهِدَامِ فَفُعِلَ مَا فُعِلَ حَفِظَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ الزَّلَلِ (مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ) يَعْنِي إذَا
стр. 673
انْهَدَمَتْ يَبْنُونَهَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِاللَّبِنِ وَالطِّينِ عَلَى قَرَارِ الْأَوَّلِ وَلَا يُشَيِّدُونَهَا بِالْحَجَرِ وَالْآجُرِّ وَلَا يُمَكَّنُونَ نَقْلَهَا لِأَنَّهُ إحْدَاثٌ فِي الْحَقِيقَةِ فَلَوْ وَقَفَ الْإِمَامُ عَلَى إحْدَاثِهَا وَعَلَى مَا زَادَ فِي عِمَارَةِ الْعَتِيقِ خَرَّبَهَا وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْرِبُوا النَّاقُوسَ إلَّا فِي كَنَائِسِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ خُفْيَةً بِحَيْثُ لَا يُسْمَعُ صَوْتُهُ خَارِجَهَا وَلَا يَسْكُنُونَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمِصْرِ إلَّا فِي مَحَلَّةٍ خَاصَّةٍ لَيْسَ فِيهَا مُسْلِمُونَ فَلَوْ اشْتَرَى أَهْلُ الذِّمَّةِ فِي مَحَلَّةِ الْمُسْلِمِينَ دَارًا يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهَا.
(وَيُمَيَّزُ الذِّمِّيُّ) عَنْ الْمُسْلِمِينَ وُجُوبًا (فِي زِيِّهِ)
стр. 674
بِكَسْرِ الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ الْهَيْئَةُ أَيْ يُمَيَّزُ فِي الرِّدَاءِ وَالْعِمَامَةِ وَسَائِرِ اللِّبَاسِ (وَمَرْكَبِهِ وَسَرْجِهِ) أَيْ سَرْجِ مَرْكَبِهِ بِحَذْفِ الْمُضَافِ وَإِلَّا يَلْزَمُ انْتِشَارُ الضَّمِيرِ كَذَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَلَا يَرْكَبُ خَيْلًا) لِأَنَّ رُكُوبَهُ عِزٌّ وَكَذَا لَا يَرْكَبُ جَمَلًا إلَّا لِحَاجَةٍ كَاسْتِعَانَةِ الْإِمَامِ بِهِمْ فِي الذَّبِّ عَنْ الْمُسْلِمِينَ قَيَّدَ بِالْخَيْلِ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَرْكَبَ الْحِمَارَ عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ لِأَنَّ رُكُوبَهُ ذُلٌّ وَكَذَا الْبَغْلُ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ رُكُوبَ الْبَغْلِ إذَا كَانَ لِلْعِزِّ لَا يُبَاحُ لَهُ (وَلَا يَعْمَلُ بِسِلَاحٍ) أَيْ لَا يَسْتَعْمِلُهُ وَلَا يَحْمِلُهُ فَإِنَّ فِيهِ عِزًّا (وَيُظْهِرُ) الذِّمِّيُّ بِالشَّدِّ فَوْقَ ثِيَابِهِ (الْكُسْتِيجَ) بِضَمِّ الْكَافِ وَهُوَ مَا يُشَدُّ عَلَى وَسَطِهِ مِنْ عَلَامَةٍ بِهَا يَمْتَازُ عَنْ الْمُسْلِمِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ الصُّوفِ أَوْ الشَّعْرِ وَأَنْ لَا يُجْعَلَ حَلْقَةً يَشُدُّهُ كَمَا يَشُدُّ الْمُسْلِمُ الْمِنْطَقَةَ بَلْ يُعَلِّقُهُ عَلَى الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَعَنْ أَبُو يُوسُفَ هُوَ خَيْطٌ غَلِيظٌ مِنْ صُوفٍ بِقَدْرِ الْأُصْبُعِ يَشُدُّهُ الذِّمِّيُّ فَوْقَ ثِيَابِهِ دُونَ مَا يَتَزَيَّنُونَ بِهِ مِنْ زَنَانِيرِ الْإِبْرَيْسَمِ (وَيَرْكَبُ سَرْجًا كَالْإِكَافِ) فِي الْهَيْئَةِ يَعْنِي إنْ احْتَاجَ إلَى رُكُوبِ حِمَارٍ وَلِذَا قَالَ (وَالْأَحَقُّ أَنْ لَا يُتْرَكَ) لِلذِّمِّيِّ (أَنْ يَرْكَبَ إلَّا لِضَرُورَةٍ) وَفِي الْبَحْرِ وَاخْتَارَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَنْ لَا يَرْكَبُوا أَصْلًا إلَّا إذَا خَرَجُوا إلَى قَرْيَةٍ وَنَحْوِهَا أَوْ كَانَ مَرِيضًا وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَرْكَبُ إلَّا لِضَرُورَةٍ (وَحِينَئِذٍ) رَكِبَ لِلضَّرُورَةِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ (يَنْزِلُ فِي الْمَجَامِعِ) أَيْ فِي مَجَامِعِ الْمُسْلِمِينَ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ فِي رُكُوبِهِ هُنَا (وَلَا يَلْبَسُ مَا يَخُصُّ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالشَّرَفِ) تَعْظِيمًا لِهَؤُلَاءِ.
وَفِي الْفَتْحِ يَمْنَعُهُمْ الْإِمَامُ مِنْ الثِّيَابِ الْفَاخِرَةِ حَرِيرًا أَوْ غَيْرَهُ كَالصُّوفِ الْمُرْتَفِعِ وَالْجُوخِ الرَّفِيعِ وَالْأَبْرَادِ الرَّقِيقَةِ وَصَرَّحَ بِمَنْعِهِمْ مِنْ الْقَلَانِسِ الصِّغَارِ وَإِنَّمَا تَكُونُ طَوِيلَةً مِنْ كِرْبَاسٍ مَصْبُوغَةٍ بِالسَّوَادِ مُضَرَّبَةٍ مُبَطَّنَةٍ وَيَجِبُ تَمْيِيزُهُمْ فِي النِّعَالِ أَيْضًا فَيَلْبَسُونَ الْمَكَاعِبَ الْخَشِنَةَ الْفَاسِدَةَ اللَّوْنِ تَحْقِيرًا لَهُمْ وَشَرَطَ فِي الْقَمِيصِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ ذَيْلُهُ قَصِيرًا وَأَنْ يَكُونَ جَيْبُهُ عَلَى صُدُورِهِ كَمَا يَكُونُ لِلنِّسَاءِ وَمِنْ الْقُعُودِ حَالَ قِيَامِ الْمُسْلِمِ عِنْدَهُمْ هَكَذَا أُمِرُوا كَمَا فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَعَلَى هَذَا ثُمَّ حُكَّامُ بِلَادِنَا بِعَدَمِ مَنْعِهِمْ يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ الْفَاخِرَةَ وَيَرْكَبُونَ خَيْلًا أَيَّ خَيْلٍ وَيُجْلِسُونَ
стр. 675
مُعَظَّمًا عِنْدَهُمْ بَلْ يَقِفُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ خِدْمَةً لَهُمْ فَالْوَيْلُ كُلَّ الْوَيْلِ.
(وَتُمَيَّزُ أُنْثَاهُ) أَيْ أُنْثَى الذِّمِّيِّ (فِي الطَّرِيقِ وَالْحَمَّامِ) بِالْجَلَاجِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فَتَمْشِينَ فِي نَاحِيَةِ الطَّرِيقِ وَالْمُسْلِمَاتُ فِي وَسَطِهِ وَيَجْعَلْنَ إزَارَهُنَّ مُخَالَفَةً لِإِزَارِ الْمُسْلِمَاتِ.
(وَتُجْعَلُ عَلَى دَارِهِ) أَيْ الذِّمِّيِّ (عَلَامَةٌ كَيْ لَا يُسْتَغْفَرَ) أَيْ لِئَلَّا يَدْعُوَ السَّائِلُ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ (لَهُ) أَيْ لِلذِّمِّيِّ عِنْدَ الْإِعْطَاءِ كَمَا هُوَ الْعَادَةُ ظَاهِرًا (وَلَا يُبْدَأُ بِسَلَامٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِكْرَامِ وَأَمَّا رَدُّهُ فَأَدَاءُ الْوَاجِبِ وَمُكَافَأَةُ إكْرَامِهِ فِي الْجُمْلَةِ لَكِنْ لَا يَزِيدُ عَلَى قَوْلِهِ وَعَلَيْكُمْ وَلَا يَقُولُ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ (وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ) يَعْنِي إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ فِي الطَّرِيقِ يَجْعَلُهُ فِي الطَّرَفِ الضَّيِّقِ (وَيُؤَدِّي الْجِزْيَةَ قَائِمًا وَالْآخِذُ) مِنْهُ (قَاعِدًا وَيُؤْخَذُ) مِنْهُ (بِتَلْبِيبِهِ) وَجَرِّهِ وَإِظْهَارِ مَذَلَّتِهِ (وَيُهَزُّ) أَيْ يُحَرَّكُ بِعُنْفٍ (وَيُقَالُ لَهُ أَدِّ الْجِزْيَةَ يَا ذِمِّيُّ أَوْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ) إذْ لَا إلَهَ لَهُ وَإِشْعَارًا بِأَنَّهَا بَدَلُ دَمِهِ الْمُسْتَحَقِّ وَلَا يُقَالُ لَهُ يَا كَافِرُ (وَلَا يُنْقَضُ عَهْدُهُ) أَيْ لَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ الذِّمَّةِ (بِالْإِبَاءِ عَنْ الْجِزْيَةِ) لِأَنَّ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ قِتَالَنَا الْتِزَامُ الْجِزْيَةِ وَقَبُولُهَا لَا أَدَاؤُهَا وَهُوَ بَاقٍ فَلَا يُنْقَضُ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يُنْقَضُ فَيَجِبُ أَنْ يُقْتَلَ أَوْ يُسْتَرَقَّ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَفِي الدُّرَرِ وَفِيهِ إشْكَالٌ لِأَنَّ مَعْنَى الِامْتِنَاعِ عَنْ الْجِزْيَةِ التَّصْرِيحُ بِعَدَمِ أَدَائِهَا كَأَنَّهُ يَقُولُ لَا أُعْطِي الْجِزْيَةَ بَعْدَ هَذَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُنَافِي بَقَاءَ الِالْتِزَامِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالِالْتِزَامِ وَالصَّوَابُ بِالِامْتِنَاعِ تَأْخِيرُهَا وَالتَّعَلُّلُ فِي أَدَائِهَا وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ انْتَهَى لَكِنْ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ بِالْتِزَامِهِ يَكُونُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ كَالْكَفَالَةِ بِالْمَالِ فَقَوْلُهُ بَعْدَهُ لَا أُعْطِي الْجِزْيَةَ لَا فَائِدَةَ لَهُ فَيَلْزَمُ أَنْ يُحْبَسَ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، تَدَبَّرْ (أَوْ بِزِنَاهُ بِمُسْلِمَةٍ وَقَتْلِهِ مُسْلِمًا) فَيُقَامُ الْحَدُّ فِي الزِّنَاءِ وَيُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ مِنْهُ فِي الْقَتْلِ (أَوْ سَبِّهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِأَنَّ السَّبَّ كُفْرٌ فَكُفْرُهُ الْمُقَارِنُ لَهُ لَا يَمْنَعُهُ فَالطَّارِئُ
стр. 676
لَا يَرْفَعُهُ، هَذَا إذَا لَمْ يُعْلِنْ أَمَّا إذَا أَعْلَنَ بِشَتْمِهِ أَوْ اعْتَادَ فَالْحَقُّ أَنَّهُ يُقْتَلُ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي كَانَتْ تُعْلِنُ بِشَتْمِهِ ﵊ قُتِلَتْ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَبِهِ يُفْتَى الْيَوْمَ.
وَفِي الْمُؤَيَّدِ زَادَهُ نَقْلًا عَنْ الشِّفَاءِ مَنْ شَتَمَ النَّبِيَّ ﵊ مِنْ الذِّمِّيِّ فَأَرَى لِلْإِمَامِ أَنْ يُحَرِّقَهُ بِالنَّارِ فَلَهُ ذَلِكَ وَلَا يُسْقِطُ إسْلَامُهُ قَتْلَهُ.
وَفِي النَّوَادِرِ يُسْقِطُ هَذَا إذَا سَبَّهُ كَافِرٌ وَأَمَّا إذَا سَبَّهُ ﵊ أَوْ وَاحِدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مُسْلِمٌ وَلَوْ سَكْرَانَ وَأَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا وَلَا تَوْبَةَ لَهُ أَصْلًا تُنْجِيهِ مِنْ الْقَتْلِ سَوَاءٌ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَالشَّهَادَةِ أَوْ جَاءَ تَائِبًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ كَالزِّنْدِيقِ لِأَنَّهُ حَدٌّ وَجَبَ فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَلَا يُتَصَوَّرُ خِلَافُهُ لِأَنَّهُ حَدٌّ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعَبْدِ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مَنْ شَكَّ فِي عَذَابِهِ وَكُفْرِهِ فَقَطْ كَفَرَ بِخِلَافِ مَا إذَا سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى ثُمَّ تَابَ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَسَابُّ الشَّيْخَيْنِ كَافِرٌ وَمُبْتَدِعٌ إنْ فَضَّلَ عَلِيًّا عَلَيْهِمَا انْتَهَى.
وَفِي الرِّسَالَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالْمَعْرُوضَاتِ لِلْمَوْلَى أَبِي السُّعُودِ تَفْصِيلٌ فِي حَقِّ السَّبِّ فَلْيُطَالَعْ لِأَنَّنَا أُمِرْنَا الْآنَ بِعَمَلِهَا (بَلْ) يُنْقَضُ عَهْدُهُ (بِاللِّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ الْغَلَبَةِ عَلَى مَوْضِعٍ لِمُحَارَبَتِنَا) لِأَنَّهُمْ صَارُوا بِذَلِكَ حَرْبِيًّا عَلَيْنَا فَلَا يُفِيدُ بَقَاءُ الْعَهْدِ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ عَقْدِ الذِّمَّةِ دَفْعُ الْفَسَادِ بِتَرْكِ الْقِتَالِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ إلَّا بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ.
وَفِي الْفَتْحِ أَنَّ الذِّمِّيَّ لَوْ جَعَلَ نَفْسَهُ طَلِيعَةً لِلْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ لِأَنَّهُ مُحَارِبٌ فَحِينَئِذٍ هِيَ ثَلَاثٌ، تَأَمَّلْ. (وَيَصِيرُ) الْمَوْصُوفُ بِمَا ذُكِرَ (كَالْمُرْتَدِّ) فِي قَتْلِهِ وَدَفْعِ مَالِهِ لِوَرَثَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ اُلْتُحِقَ بِالْأَمْوَاتِ لِتَبَايُنِ الدَّارِ (لَكِنْ لَوْ أُسِرَ) ذَلِكَ الذِّمِّيُّ (يُسْتَرَقُّ) وَلَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ الدِّينِ.
(وَالْمُرْتَدُّ يُقْتَلُ) إنْ أَبَى عَنْ الْإِسْلَامِ وَلَا يُسْتَرَقُّ كَمَا سَيَأْتِي.
وَفِي الْبَحْرِ وَأَفَادَ بِالتَّشْبِيهِ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي يُلْحَقُ بِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَيْءٌ كَالْمُرْتَدِّ لَيْسَ لِوَرَثَتِهِمَا أَخْذُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا رَجَعَ إلَى دَارِنَا بَعْدَ اللِّحَاقِ وَأَخَذَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ لِأَنَّهُ مَالُهُمْ بِاللِّحَاقِ الْأَوَّلِ وَتَمَامُهُ فِيهِ.
(وَيُؤْخَذُ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ رِجَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ ضِعْفُ الزَّكَاةِ) أَيْ ضِعْفُ زَكَاتِنَا مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَتُصْرَفُ مَصَارِفَ الْجِزْيَةِ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - صَالَحَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ كَمَا بُيِّنَ فِي الزَّكَاةِ فَلَزِمَ ذَلِكَ عَلَى نِسَائِهِمْ أَيْضًا لِأَنَّ النِّسَاءَ أَهْلٌ لِوُجُوبِ زَكَاةِ الْمَالِ عَلَيْهِمْ بِالصُّلْحِ.
وَقَالَ زُفَرُ لَا يُؤْخَذُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (لَا مِنْ صِبْيَانِهِمْ) لِعَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِمْ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لَا مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ مِنْهُمْ
стр. 677
لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ حُكْمَ الْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ مِنْهُمْ كَحُكْمِ الصَّبِيِّ (وَيُؤْخَذُ مِنْ مَوَالِيهِمْ) أَيْ عُتَقَائِهِمْ (الْجِزْيَةُ وَالْخَرَاجُ كَمَوَالِي قُرَيْشٍ) أَيْ مُعْتَقُ التَّغْلِبِيِّ وَمُعْتَقُ الْقُرَيْشِيِّ وَاحِدٌ فَتُوضَعُ الْجِزْيَةُ أَوْ خَرَاجُ الْأَرْضِ عَلَى مُعْتَقِهِمَا.
وَقَالَ زُفَرُ يُضَاعَفُ عَلَى مَوَالِي التَّغْلِبِيِّ لِقَوْلِهِ ﵇ إنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ وَلَنَا أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمُضَاعَفَةَ تَخْفِيفٌ وَالْمُعْتَقُ لَا يَلْحَقُ بِالْأَصْلِ فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِسْلَامَ أَعْلَى أَسْبَابَ التَّخْفِيفِ وَلَا يَتْبَعُهُ فِيهِ (وَيُصْرَفُ الْخَرَاجُ وَالْجِزْيَةُ وَمَا أُخِذَ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ أَوْ) مَا أَخَذُوا فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَمَا بَعْدَهُ بِمَعْنَى الْوَاوِ وَإِلَّا لَيْسَ بِمُنَاسِبٍ (مِنْ أَرْضٍ أَجْلَى أَهْلَهَا عَنْهَا أَوْ أَهْدَاهُ أَهْلُ الْحَرْبِ) إلَى الْإِمَامِ.
(وَ) مَا (أُخِذَ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ (بِلَا قِتَالٍ) بِأَنْ أُخِذَ بِالصُّلْحِ (فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ) مُتَعَلِّقٌ بِيُصْرَفُ (كَسَدِّ الثُّغُورِ) جَمْعُ ثَغْرٍ وَهُوَ مَوْضِعُ مَخَافَةِ الْبُلْدَانِ (وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ) جَمْعُ قَنْطَرَةٍ (وَالْجُسُورِ) جَمْعُ جَسْرٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَوَّلَ لَا يُرْفَعُ وَالثَّانِي يُرْفَعُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُصْرَفُ فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْبُقْعَة عَلَيْهَا لِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الصَّرْفُ عَلَى إقَامَةِ شَعَائِرِهَا مِنْ وَظَائِفِ الْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ وَنَحْوِهِمَا (وَكِفَايَةِ الْعُلَمَاءِ وَالْمُدَرِّسِينَ وَالْمُفْتِينَ وَالْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ) أَيْ الْعُمَّالِ عَلَى الزَّكَاةِ وَالْعُشْرِ (وَالْمُقَاتِلَةِ وَذَرَارِيِّهِمْ) وَالضَّمِيرُ يَعُودُ إلَى الْكُلِّ لِأَنَّ نَفَقَتَهُمْ عَلَى الْآبَاءِ فَلَوْ لَمْ يُعْطَوْا
стр. 678
كِفَايَتَهُمْ لَاحْتَاجُوا إلَى الِاكْتِسَابِ وَتَعَطَّلَتْ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُخَمَّسُ وَلَا يُقْسَمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ.
وَفِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا مَا يُوهِمُ التَّخْصِيصَ حَيْثُ قَالَ وَذَرَارِيِّهِمْ أَيْ ذَرَارِيِّ الْمُقَاتِلَةِ، انْتَهَى. لَكِنْ فِي الْبَحْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ انْتَهَى هَذَا هُوَ الْحَقُّ لِأَنَّ الْعِلَّةَ تَشْمَلُ الْكُلَّ، تَدَبَّرْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَمْوَالَ بَيْتِ الْمَالِ أَرْبَعَةٌ أَحَدُهَا مَا ذُكِرَ وَالثَّانِي الزَّكَاةُ وَالْعُشْرُ مَصْرِفُهُمَا مَا بُيِّنَ فِي بَابِ الْمَصْرِفِ وَالثَّالِثُ خُمْسُ الْغَنَائِمِ وَالْمَعَادِنِ وَالرِّكَازِ وَمَصْرِفُهُ مَا ذُكِرَ فِي أَوَائِلِ هَذَا الْكِتَابِ وَالرَّابِعُ اللُّقَطَاتُ وَالتَّرِكَاتُ الَّتِي لَا وَارِثَ لَهَا وَدِيَةُ مَقْتُولٍ لَا وَلِيَّ لَهُ وَمَصْرِفُهُ اللَّقِيطُ الْفَقِيرُ وَالْفُقَرَاءُ الَّذِينَ لَا أَوْلِيَاءَ لَهُمْ يُعْطَوْنَ مِنْهُ نَفَقَاتِهِمْ وَأَدْوِيَتِهِمْ وَيُكَفَّنُ بِهِ مَوْتَاهُمْ وَتُعْقَلُ جِنَايَتُهُمْ وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ نَوْعٍ بَيْتًا يَخُصُّهُ وَلَا يَخْلِطُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي بَعْضِهَا شَيْءٌ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَقْرِضَ عَلَيْهِ مِنْ النَّوْعِ الْآخَرِ وَيَصْرِفَهُ إلَى أَهْلِ ذَلِكَ ثُمَّ إذَا حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ شَيْءٌ رَدَّهُ إلَى الْمُسْتَقْرِضِ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَصْرِفُ مِنْ الصَّدَقَاتِ أَوْ مِنْ خُمْسِ الْغَنَائِمِ عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ وَهُمْ فُقَرَاءُ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ فِيهِ شَيْئًا وَكَذَا فِي غَيْرِهِ إذَا صَرَفَهُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتَّقِ اللَّهَ وَيَصْرِفَ إلَى كُلِّ مُسْتَحِقٍّ قَدْرَ حَاجَتِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ (وَمَنْ مَاتَ) مِنْهُمْ (فِي نِصْفِ السَّنَةِ حُرِمَ مِنْ الْعَطَاءِ) لِأَنَّهُ صِلَةٌ فَلَا يُمْلَكُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَقَيَّدَ نِصْفَ السَّنَةِ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ
стр. 679
فِي آخِرِ السَّنَةِ يُسْتَحَبُّ صَرْفُ ذَلِكَ إلَى قَرِيبِهِ وَلَوْ عَجَّلَ لَهُ كِفَايَةَ سَنَةٍ ثُمَّ عُزِلَ قَبْلَ تَمَامِهَا قِيلَ يَجِبُ وَقِيلَ لَا يَجِبُ وَالْأَمْرُ مُفَوَّضٌ إلَى الْإِمَامِ وَفِي تَنْوِيرِ الْمُؤَذِّنِ وَالْإِمَامِ إذَا كَانَ لَهُمَا وَقْفٌ فَلَمْ يَسْتَوْفِيَا حَتَّى مَاتَا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ وَكَذَلِكَ الْقَاضِي وَقِيلَ لَا يَسْقُطُ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ وَالْأَوَّلُ رَاجِحٌ لِحِكَايَتِهِ الثَّانِي بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ.
[بَابُ الْمُرْتَدِّ]
ِّ) هُوَ فِي اللُّغَةِ الرَّاجِعُ مُطْلَقًا وَفِي الشَّرْعِ هُوَ الرَّاجِعُ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَرُكْنُ الرِّدَّةِ إجْرَاءُ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى اللِّسَانِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَشَرَائِطُ صِحَّتِهَا الْعَقْلُ وَالطَّوْعُ (مَنْ ارْتَدَّ وَ) نَعُوذُ (الْعِيَاذَ بِاَللَّهِ تَعَالَى) فَهِيَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَكْسُورُ الْعَيْنِ (يُعْرَضُ) أَيْ عَرَضَ الْإِمَامُ وَالْقَاضِي كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّأْجِيلِ لِرَجَاءِ الْعَوْدِ إلَيْهِ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمُرْتَدِّ (الْإِسْلَامُ) وَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ اسْتِحْبَابًا إلَّا أَنَّهُ إذَا ارْتَدَّ ثَانِيًا الْعِيَاذَ بِاَللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ تَابَ ضَرَبَهُ الْإِمَامُ ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ وَإِنْ ارْتَدَّ ثَالِثًا حَبَسَهُ بَعْدَ الضَّرْبِ الْمُوجِعِ حَتَّى يَظْهَرَ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَيَرَى أَنَّهُ مُسْلِمٌ مُخْلِصٌ ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ فَإِنْ عَادَ فَعَلَهُ بِهِ هَكَذَا وَيُقْتَلُ إلَّا أَنْ يَأْبَى أَنْ يُسْلِمَ وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ ﵃ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ وَمُسْتَهْزِئٌ لَيْسَ بِتَائِبٍ (وَتُكْشَفُ شُبْهَتُهُ) الَّتِي عُرِضَتْ فِي الْإِسْلَامِ (إنْ كَانَتْ) أَيْ إنْ وُجِدَتْ لَهُ شُبْهَةٌ (فَإِنْ اسْتَمْهَلَ) أَيْ طَلَبَ الْمَهْلَ بَعْدَ الْعَرْضِ لِلتَّفَكُّرِ (حُبِسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِأَنَّهَا مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لِإِبْلَاءِ الْأَعْذَارِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَمْهِلْ لَا يُمْهَلُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَلْ يُقْتَلُ مِنْ سَاعَتِهِ إلَّا إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَرْجُو إسْلَامَهُ.
وَعَنْ الشَّيْخَيْنِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُمْهَلَ بِلَا اسْتِمْهَالٍ لِرَجَاءِ الْإِسْلَامِ.
وَقَالَ ﵊ «لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِك رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُقْتَلَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْإِمْهَالُ وَاجِبٌ وَلَا يَحِلُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ قَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ فِيهِ سِيَّانِ (فَإِنْ تَابَ) بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ (قُتِلَ) وُجُوبًا لِقَوْلِهِ ﵊ -
стр. 680
«مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (وَتَوْبَتُهُ بِالتَّبَرُّؤِ) بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ (عَنْ كُلِّ دِينٍ سِوَى الْإِسْلَامِ أَوْ) بِالتَّبَرِّي (عَمَّا انْتَقَلَ إلَيْهِ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَوْلَى لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا دِينَ لَهُ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ الْكَافِرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ لَصَارَ مُسْلِمًا وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْلَمَ مَعْنَى هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ وَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ اسْمِهِ ﵊ دُونَ مَعْرِفَةِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
(وَقَتْلُهُ) أَيْ الْمُرْتَدِّ (قَبْلَ الْعَرْضِ) أَيْ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ (تَرْكُ نَدْبٍ أَيْ تَرْكُ مُسْتَحَبٍّ لَا وُجُوبٍ فَلِهَذَا قَالَ لَا ضَمَانَ) وَلَا دِيَةَ عَلَى الْقَاتِلِ (فِيهِ) أَيْ فِي الْقَتْلِ لِأَنَّ الِارْتِدَادَ مُبِيحٌ
стр. 681
لَكِنْ إنْ قَتَلَهُ غَيْرُ الْإِمَامِ أَوْ قَطَعَ عُضْوًا مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَدَّبَهُ.
(وَيَزُولُ مِلْكُهُ) أَيْ الْمُرْتَدِّ بِالرِّدَّةِ (عَنْ مَالِهِ) زَوَالًا (مَوْقُوفًا) إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ حَالُهُ لِأَنَّهُ مَيِّتٌ حُكْمًا وَالْمَوْتُ يُزِيلُ الْمِلْكَ عَنْ الْحَيِّ وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَهُوَ الصَّحِيحُ (فَإِنْ أَسْلَمَ عَادَ) مِلْكُهُ إلَيْهِ كَمَا كَانَ.
(وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ) عَلَى ارْتِدَادِهِ (أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَحَكَمَ بِهِ) أَيْ حَكَمَ الْقَاضِي بِلِحَاقِهَا (عَتَقَ مُدَبَّرُوهُ) عَنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ مُكَاتَبِهِ.
وَفِي الْبَحْرِ فَيُعْتَقُ وَإِذَا عَتَقَ فَوَلَاؤُهُ لِلْمُرْتَدِّ لِأَنَّهُ الْمُعْتِقُ (وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ) عَنْ كُلِّهِ (وَحَلَّتْ) آجَالُ (دُيُونِهِ) فَيَلْزَمُ أَدَاؤُهَا فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ حَتَّى لَوْ جَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ وَأَسْلَمَ بَقِيَ مَا ذُكِرَ عَلَى حَالِهِ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ.
(وَكَسْبُ إسْلَامِهِ) أَيْ مَا حَصَلَ مِنْ سَعْيِهِ حَالَ كَوْنِهِ مُسْلِمًا (لِوَارِثِهِ الْمُسْلِمِ) اتِّفَاقًا وَلَا يَكُونُ فَيْئًا عِنْدَنَا (وَكَسْبُ رِدَّتِهِ) أَيْ مَا حَصَلَ مِنْ سَعْيِهِ حَالَ كَوْنِهِ مُرْتَدًّا (فَيْءٌ) لِلْمُسْلِمِينَ فَيُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا فَلِوَارِثِهِ الْمُسْلِمِ كَمَا سَيَأْتِي وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ كِلَاهُمَا فَيْءٌ (وَيَقْضِي دَيْنَ إسْلَامِهِ) أَيْ دَيْنَهُ حَالَ إسْلَامِهِ (مِنْ كَسْبِ إسْلَامِهِ وَدَيْنَ رِدَّتِهِ مِنْ كَسْبِهَا) أَيْ يَقْضِي مِنْ كَسْبِهِ حَالَ رِدَّتِهِ قَبْلَ اللِّحَاقِ عَلَى مَا رَوَى زُفَرُ عَنْ الْإِمَامِ وَعَنْهُ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِكَسْبِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ لَمْ يَفِ بِذَلِكَ يَقْضِي مِنْ كَسْبِ الرِّدَّةِ وَعَنْهُ عَلَى عَكْسِهِ أَيْ يَبْدَأُ بِكَسْبِ الرِّدَّةِ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ كَسْبَهُ حَقُّ الْوَرَثَةِ بِخِلَافِ كَسْبِهَا وَهَذَا إذَا ثَبَتَ الدَّيْنُ بِغَيْرِ الْإِقْرَارِ وَإِلَّا فَعَنْ كَسْبِهَا.
[بَيْعُ الْمُرْتَدّ وَشِرَاؤُهُ]
(وَيُوقَفُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَإِجَارَتُهُ وَهِبَتُهُ وَرَهْنُهُ وَعِتْقُهُ وَتَدْبِيرُهُ وَكِتَابَتُهُ وَوَصِيَّتُهُ) وَفَسَّرَ وُقُوفَهَا بِقَوْلِهِ (فَإِنْ أَسْلَمَ) وَرَجَعَ عَنْ ارْتِدَادِهِ (صَحَّتْ) هَذِهِ الْعُقُودُ وَالتَّصَرُّفَاتُ.
(وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ حُكِمَ بِلِحَاقِهِ بَطَلَتْ) وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ أَنَّ الرِّدَّةَ تُزِيلُ الْمِلْكَ فَلِذَا قَالَ (وَقَالَا لَا يَزُولُ مِلْكُهُ) أَيْ الْمُرْتَدِّ (عَنْ مَالِهِ) لِأَنَّ أَثَرَ الرِّدَّةِ فِي إبَاحَةِ دَمِهِ لَا فِي زَوَالِ مِلْكِهِ كَالْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بِالرَّجْمِ وَالْقَوَدِ وَلَهُ أَنَّ الْمُرْتَدَّ زَالَتْ عِصْمَةُ نَفْسِهِ بِالرِّدَّةِ فَكَذَا عِصْمَةُ مَالِهِ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلنَّفْسِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَدْعُوًّا إلَى الْإِسْلَامِ بِالْإِجْبَارِ عَلَيْهِ وَيُرْجَى عَوْدُهُ إلَيْهِ لِوُقُوفِهِ عَلَى مَحَاسِنِهِ تَوَقُّفًا فِي أَمْرِهِ (وَتُقْضَى دُيُونُهُ مُطْلَقًا) أَيْ حَالَ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي الرِّدَّةِ (مِنْ كِلَا كَسْبَيْهِ) أَيْ مِنْ كَسْبِهِ فِي الْإِسْلَامِ
стр. 682
وَكَسْبِهِ فِي الرِّدَّةِ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ فِيهِمَا (وَكِلَاهُمَا) أَيْ كِلَا كَسْبَيْهِ اللَّذَيْنِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِمَا حَقُّ الدَّارَيْنِ (لِوَارِثِهِ الْمُسْلِمِ) لِأَنَّ مِلْكَهُ فِي الْكَسْبَيْنِ بَعْدَ الرِّدَّةِ بَاقٍ فَيَنْتَقِلُ بِمَوْتِهِ إلَى وَرَثَتِهِ وَيَسْتَنِدُ إلَى مَا قُبَيْلِ رِدَّتِهِ أَنَّ الرِّدَّةَ سَبَبُ الْمَوْتِ فَيَكُونُ تَوْرِيثُ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِ وَلِلْإِمَامِ أَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِنَادُ التَّوْرِيثِ فِي كَسْبِ الْإِسْلَامِ لِوُجُودِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ وَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِنَادُ فِي كَسْبِ الرِّدَّةِ لِعَدَمِ الْكَسْبِ قَبْلَ الرِّدَّةِ لَكِنْ بَيْنَ الْإِمَامَيْنِ تَفْصِيلٌ فِي الْخِلَافِ فَقَالَ (وَمُحَمَّدٌ اعْتَبَرَ كَوْنَهُ وَارِثًا عِنْدَ اللِّحَاقِ) بِدَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّهُ السَّبَبُ (وَأَبُو يُوسُفَ عِنْدَ الْحُكْمِ بِهِ) أَيْ بِاللِّحَاقِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَيِّتًا بِالْقَضَاءِ وَعَنْ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةٍ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ يُعْتَبَرُ تَوْرِيثُهُ يَوْمَ ارْتَدَّ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْإِرْثِ.
(وَتَصِحُّ) أَيْ عِنْدَهُمَا (تَصَرُّفَاتُهُ) سَوَاءٌ أَسْلَمَ أَوْ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ وَلَا تَبْطُلُ (وَلَا يُوقَفُ غَيْرُ) الشَّرِكَةِ (الْمُفَاوَضَةِ) فَإِنَّهُمَا مَوْقُوفَةٌ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ تُعْتَمَدُ الْمُسَاوَاةُ وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُرْتَدِّ مَا لَمْ يُسْلِمْ (لَكِنْ) اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ نَفَاذِ تَصَرُّفَاتِهِ فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ فِي الصِّحَّةِ (كَتَصَرُّفِ الصَّحِيحِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) فَيُعْتَبَرُ مِنْ كُلِّ مَالِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَوْدُهُ إلَى الْإِسْلَامِ (وَكَتَصَرُّفِ الْمَرِيضِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) فَيُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِهِ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْقَتْلِ ظَاهِرًا.
(وَيَصِحُّ اتِّفَاقًا اسْتِيلَادُهُ) كَمَا إذَا جَاءَتْ أَمَتُهُ بِوَلَدٍ وَادَّعَاهُ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ وَصَارَتْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَمَامِ الْمِلْكِ (وَطَلَاقُهُ) لِأَنَّ النِّكَاحَ لَمَّا انْفَسَخَ بِالرِّدَّةِ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُعْتَدَّةً فَإِنْ طَلَّقَهَا يَقَعُ وَكَذَا إذَا ارْتَدَّا مَعًا فَطَلَّقَهَا فَأَسْلَمَا مَعًا فَإِنَّ النِّكَاحَ يَنْفَسِخُ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ وَكَذَا يَصِحُّ اتِّفَاقًا قَبُولُ الْهِبَةِ وَتَسْلِيمُ الشُّفْعَةِ وَالْحَجْرُ عَلَى عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ.
[نِكَاحُ الْمُرْتَدّ]
(وَيَبْطُلُ) اتِّفَاقًا (نِكَاحُهُ) وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ذُكِرَتْ فِي النِّكَاحِ فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا لَكَانَ أَخْصَرَ (وَذَبِيحَتُهُ) وَكَذَا صَيْدُهُ بِالْكَلْبِ وَالْبَازِي وَالرَّمْيِ وَشَهَادَتُهُ وَإِرْثُهُ لِأَنَّهَا تَعْتَمِدُ الْمِلَّةَ وَلَا مِلَّةَ لَهُ (وَتَتَوَقَّفُ) اتِّفَاقًا (مُفَاوَضَتُهُ) وَكَذَا التَّصَرُّفُ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَمَالِهِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَدْرَكَةٌ لِأَنَّهَا فُهِمَتْ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يُوقَفُ غَيْرُ الْمُفَاوَضَةِ، تَأَمَّلْ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ
стр. 683
أَنْوَاعٌ نَافِذٌ اتِّفَاقًا كَالِاسْتِيلَادِ وَالطَّلَاقِ وَبَاطِلٌ اتِّفَاقًا كَالنِّكَاحِ وَالذَّبِيحَةِ مَوْقُوفٌ اتِّفَاقًا كَالْمُفَاوَضَةِ وَمُخْتَلَفٌ فِي تَوْقِيفِهِ وَهُوَ مَا عَدَا الْمُصَنِّفَ فَإِنَّهُ مَوْقُوفٌ عِنْدَهُ وَنَافِذٌ عِنْدَهُمَا.
(وَتَرِثُهُ) أَيْ تَرِثُ الْمُرْتَدَّ (امْرَأَتُهُ الْمُسْلِمَةُ إنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ) أَوْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِاللِّحَاقِ (وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ) لِأَنَّهُ صَارَ فَارًّا بِالرِّدَّةِ إذْ الرِّدَّةُ بِمَنْزِلَةِ الْمَرَضِ لِأَنَّهَا سَبَبُ الْمَوْتِ فَيَتَعَلَّقُ حَقُّهَا بِمَالِهِ.
(وَإِنْ عَادَ مُسْلِمًا بَعْدَ الْحُكْمِ بِلِحَاقِهِ أَخَذَ مَا وَجَدَهُ بَاقِيًا فِي يَدِ وَارِثِهِ) وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضْمَنَهُ بَعْدَمَا تَصَرَّفَ فِيهِ وَإِنَّمَا يَأْخُذُ عَيْنَ مَالِهِ لِأَنَّ الْوَارِثَ كَانَ خَلَّفَهُ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ بِمَوْتِهِ الْحُكْمِيِّ فَإِذَا أَعَادَ ظَهَرَتْ حَاجَتُهُ وَبَطَلَ حُكْمُ الْخَلْفِ لَكِنْ إنَّمَا يَعُودُ إلَى مِلْكِهِ بِقَضَاءٍ أَوْ بِرِضَاءٍ مِنْ الْوَارِثِ.
(وَلَا يُنْقَضُ عِتْقُ مُدَبَّرِهِ وَأَمِّ وَلَدِهِ) لِأَنَّ الْقَاضِيَ قَضَى بِعِتْقِهِمَا عَنْ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ فَلَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ.
(وَإِنْ عَادَ) إلَى دَارِنَا مُسْلِمًا (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْقَضَاءِ (فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَدَّ) وَلَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا فَيَكُونُ مُدَبَّرُهُ وَأَمُّ وَلَدِهِ عَلَى مِلْكِهِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الدُّيُونِ فَهُوَ إلَى أَجَلِهِ كَمَا كَانَ وَمَا وَجَدَهُ مِنْ مَالِهِ فِي يَدِ وَارِثِهِ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ قَضَاءٍ وَرِضَاءٍ وَيَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ.
[الْمَرْأَةُ إذَا ارْتَدَّتْ]
(وَالْمَرْأَةُ) إذَا ارْتَدَّتْ (لَا تُقْتَلُ) عِنْدَنَا حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً (بَلْ تُحْبَسُ) إنْ أَبَتْ وَلَوْ صَغِيرَةً فَتُطْعَمُ كُلَّ يَوْمٍ لُقْمَةً وَشَرْبَةً وَتُمْنَعُ مِنْ سَائِرِ الْمَنَافِعِ (حَتَّى تَتُوبَ) أَيْ تُسْلِمَ أَوْ تَمُوتَ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَاللَّيْثِ وَالزُّهْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَمَكْحُولٍ وَحَمَّادٍ تُقْتَلُ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَكَلِمَةُ مَنْ تَعُمُّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ قَالُوا مِنْ طَرَفِ الْحَنَفِيَّةِ الْمُرَادُ الْمُحَارِبُ لِأَنَّهُ ﵊ «نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ غَيْرِ مُحَارِبَاتٍ» وَجَزَاءُ مُجَرَّدِ الْكُفْرِ لَا يُقَامُ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهَا دَارُ الِابْتِلَاءِ وَإِنَّمَا تُحْبَسُ لِأَنَّهَا ارْتَكَبَتْ جَرِيمَةً عَظِيمَةً (تُضْرَبُ كُلَّ) ثَلَاثَةِ (أَيَّامٍ) مُبَالَغَةً فِي الْحَمْلِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الْحُرَّةَ تَخْرُجُ كُلَّ يَوْمٍ وَتُضْرَبُ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ سَوْطًا حَتَّى تُسْلِمَ أَوْ تَمُوتَ (وَالْأَمَةُ) الَّتِي ارْتَدَّتْ (يُجْبِرُهَا) عَلَى الْإِسْلَامِ (مَوْلَاهَا) يَعْنِي إذَا ارْتَدَّتْ الْأَمَةُ تُحْبَسُ فِي مَنْزِلِ الْمَوْلَى وَتُؤَدَّبُ وَتُسْتَخْدَمُ حَتَّى تُسْلِمَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ الْجَبْرِ وَالِاسْتِخْدَامِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي دَفْعِهِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ وَيُسْتَثْنَى
стр. 684
مِنْ خِدْمَتِهَا عَدَمُ وَطْئِهَا وَقَدْ صَرَّحَ الْإِسْبِيجَابِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَطَؤُهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَفِي الْفَتْحِ وَلَا تُسْتَرَقُّ الْحُرَّةُ الْمُرْتَدَّةُ مَا دَامَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ فَحِينَئِذٍ تُسْتَرَقُّ إذَا سُبِيَتْ وَتُجْبَرُ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَبَطَلَتْ عَنْهَا الْعِدَّةُ وَلِزَوْجِهَا أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا وَأَرْبَعًا سِوَاهَا مِنْ سَاعَتِهِ لِانْعِدَامِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا كَالْمَيِّتَةِ وَلَوْ وُلِدَتْ فِي دَارِهِمْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الرِّدَّةِ يَثْبُتُ مِنْ الزَّوْجِ لَكِنْ يُسْتَرَقُّ الْوَلَدُ تَبَعًا لَهَا وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَعَنْ الْإِمَامِ فِي النَّوَادِرِ تُسْتَرَقُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَيْضًا (وَيُنَفَّذُ جَمِيعُ تَصَرُّفِهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ (فِي مَالِهَا) كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا لِصِحَّتِهَا لِعَدَمِ قَتْلِهَا هَذَا إنْ أَسْلَمَتْ فِي دَارِنَا وَإِلَّا فَإِنْ مَاتَتْ أَوْ لَحِقَتْ بِدَارِهِمْ فَالتَّصَرُّفُ بَاطِلٌ عِنْدَهُ صَحِيحٌ عِنْدَهُمَا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (وَجَمِيعُ كَسْبِهَا) أَيْ كَسْبِ الْمُرْتَدَّةِ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ فِي الرِّدَّةِ (لِوَارِثِهَا الْمُسْلِمِ إذَا مَاتَتْ) أَوْ لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّهُ لَا حِرَابَ مِنَّا فَلَمْ يُوجَدْ سَبَبُ الْفَيْءِ (وَيَرِثُهَا زَوْجُهَا) أَيْ يَرِثُ الزَّوْجُ الْمُسْلِمُ مِنْ الْمُرْتَدَّةِ (إنْ ارْتَدَّتْ مَرِيضَةً) وَمَاتَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهَا قَصَدَتْ إبْطَالَ حَقِّهِ فَيُرَدُّ عَلَيْهَا قَصْدُهَا كَمَا قَصْدِهَا فِي جَانِبِ الزَّوْجِ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَرِثَهَا وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ (إلَّا إنْ ارْتَدَّتْ صَحِيحَةً) فَلَا يَرِثُهَا زَوْجُهَا لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ قَدْ انْقَطَعَتْ بِالِارْتِدَادِ وَهِيَ لَا تُقْتَلُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّهُ بِمَالِهَا (وَقَاتِلُهَا) أَيْ قَاتِلُ الْمُرْتَدَّةِ (يُعَزَّرُ فَقَطْ) أَيْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ لِلشُّبْهَةِ لَكِنْ يُؤَدَّبُ وَيُعَزَّرُ إذَا كَانَتْ فِي دَارِنَا لِكَوْنِهِ فُضُولِيًّا فِيمَا فَعَلَهُ (وَسَائِرُ أَحْكَامِهَا) أَيْ الْمُرْتَدَّةِ (كَالرَّجُلِ) الْمُرْتَدِّ فِيمَا ذُكِرَ.
(فَإِنْ) وَالْأَوْلَى الْوَاوُ (وَلَدَتْ أَمَتُهُ) أَيْ أَمَةُ الْمُرْتَدِّ (فَادَّعَاهُ) أَيْ الْوَلَدَ (ثَبَتَ نَسَبُهُ وَأُمُومِيَّتُهَا) أَيْ كَوْنُ الْأَمَةِ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لِأَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِيلَادُهُ اتِّفَاقًا (وَالْوَلَدُ حُرٌّ يَرِثُهُ) أَيْ أَبَاهُ الْمُرْتَدَّ (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَ الِارْتِدَادِ وَالْوِلَادَةِ أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ (إنْ كَانَتْ) الْأَمَةُ (مُسْلِمَةً) لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا فَكَانَ مُسْلِمًا تَبَعًا لَهَا وَالْمُسْلِمُ يَرِثُ الْمُرْتَدَّ فِي رِوَايَةٍ.
(وَكَذَا) يَرِثُهُ (إنْ كَانَتْ) الْأَمَةُ (نَصْرَانِيَّةً) وَوَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةٍ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَيَقَّنُ وُجُودَهُ فِي الْبَطْنِ قَبْلَ الرِّدَّةِ فَيَكُونُ مُسْلِمًا يَرِثُهُ الْمُرْتَدُّ (إلَّا إنْ وَلَدَتْهُ) النَّصْرَانِيَّةُ (لِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ حَوْلٍ مُنْذُ ارْتَدَّ) لِأَنَّ الْعُلُوقَ حِينَئِذٍ كَانَ مِنْ مَاءِ الْمُرْتَدِّ فَيَتْبَعُ الْمُرْتَدَّ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ يُجْبَرُ فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ أَنْ يُسْلِمَ فَإِذَا كَانَ مُرْتَدًّا لَا يَرِثُ أَحَدًا.
(وَإِنْ لَحِقَ) الْمُرْتَدُّ دَارَهُمْ (بِمَالِهِ) أَيْ مَعَ مَالِهِ (فَظَهَرَ) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ أَيْ غَلَبَ (عَلَيْهِ) أَيْ الْمُرْتَدِّ (فَهُوَ) أَيْ الْمَالُ (فَيْءٌ) لَا نَفْسُهُ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُسْتَرَقُّ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ كَمُشْرِكِي الْعَرَبِ كَمَا مَرَّ (فَإِنْ لَحِقَ) بِهَا بِغَيْرِ مَالٍ وَحُكِمَ بِلِحَاقِهِ (ثُمَّ رَجَعَ) عَنْهَا (فَذَهَبَ بِهِ) أَيْ مَعَ مَالِهِ إلَى دَارِهِمْ (فَظَهَرَ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُرْتَدِّ (فَهُوَ) أَيْ الْمَالُ (لِوَارِثِهِ) إنْ وَجَدَهُ (قَبْلَ الْقِسْمَةِ) لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى وَرَثَتِهِ بِلِحَاقِهِ وَكَانَ الْوَارِثُ مَالِكًا قَدِيمًا وَحُكْمُهُ أَنَّهُ إنْ وَجَدَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ
стр. 685
أَخَذَهُ بِغَيْرِ بَدَلٍ وَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِقِيمَتِهِ إنْ شَاءَ وَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا أَنَّ مَا قَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ أَصْحَابُ الْكُتُبِ الَّتِي عِنْدَنَا حُكْمَ مَا إذَا وَجَدَ بَعْدَهَا إلَّا صَاحِبُ الْكَافِي مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ مَا إذَا كَانَ مِثْلِيًّا نَاشِئٌ مِنْ عَدَمِ التَّتَبُّعِ تَدَبَّرْ.
(وَإِنْ لَحِقَ) الْمُرْتَدُّ بِدَارِهِمْ (فَقُضِيَ بِعَبْدِهِ) أَيْ عَبْدِ الْمُرْتَدِّ (لِابْنِهِ) أَيْ ابْنِ الْمُرْتَدِّ (فَكَاتَبَهُ) أَيْ الْعَبْدَ (الِابْنُ فَجَاءَ الْمُرْتَدُّ مُسْلِمًا فَبَدَّلَ الْكِتَابَةَ وَالْوَلَاءُ لَهُ) أَيْ لِلْجَائِي لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى بُطْلَانِ الْمُكَاتَبَةِ لِنُفُوذِهَا بِدَلِيلٍ مُنَفَّذٍ وَهُوَ الْقَضَاءُ بِلِحَاقِهِ فَجَعَلْنَا الْوَارِثَ الَّذِي يَكُونُ خَلْفَهُ كَالْوَكِيلِ مِنْ جِهَتِهِ وَحُقُوقُ الْعَقْدِ تَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْمُوَكِّلِ وَالْوَلَاءُ لِمَنْ يَقَعُ الْعِتْقُ عَنْهُ هَذَا لَوْ جَاءَ قَبْلَ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ وَأَمَّا بَعْدَهُ لَا يَكُونُ لَهُ بَلْ لِابْنِهِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا تَصِحُّ الْمُكَاتَبَةُ وَلَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِنْ إرْثِهِ فَهُوَ عَبْدُهُ كَالْأَوَّلِ.
(وَمَنْ قَتَلَهُ مُرْتَدٌّ خَطَأً فَقُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ لَحِقَ) بِدَارِهِمْ (فَدِيَتُهُ) أَيْ دِيَةُ الْمَقْتُولِ (فِي كَسْبِ إسْلَامِهِ) أَيْ الْمُرْتَدِّ عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّ الْعَوَاقِلَ لَا تَعْقِلُ الْمُرْتَدَّ لِانْعِدَامِ النُّصْرَةِ فَيَكُونُ فِي مَالِهِ الْمُكْتَسَبِ فِي الْإِسْلَامِ لِنُفُوذِ تَصَرُّفِهِ دُونَ الْمُكْتَسَبِ فِي الرِّدَّةِ لِتَوَقُّفِ تَصَرُّفِهِ (وَقَالَا فِي كَسْبِهِ مُطْلَقًا) أَيْ فِي الْإِسْلَامِ وَالرِّدَّةِ جَمِيعًا وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لِنُفُوذِ تَصَرُّفَاتِهِ فِي الْحَالَيْنِ وَلِهَذَا يَجْرِي الْإِرْثُ فِيهِمَا عِنْدَهُمَا وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ أَوْ لَمْ يَمُتْ يَكُونُ فِي الْكَسْبَيْنِ جَمِيعًا بِالِاتِّفَاقِ.
(وَمَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ) أَيْ الْمُسْلِمِ (عَمْدًا) فَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ خَطَأً فَهُوَ عَلَى الْعَاقِلَةِ (فَارْتَدَّ) الْمَقْطُوعُ يَدُهُ (وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَمَاتَ) عَلَى رِدَّتِهِ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْقَطْعِ بِسِرَايَتِهِ إلَى النَّفْسِ (أَوْ لَحِقَ) الْمَقْطُوعُ يَدُهُ بِدَارِهِمْ (ثُمَّ جَاءَ مُسْلِمًا وَمَاتَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْقَطْعِ (فَنِصْفُ دِيَتِهِ) فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِوُجُودِ الشُّبْهَةِ وَهُوَ الِارْتِدَادُ (لِوَرَثَتِهِ فِي مَالِ الْقَاطِعِ) أَيْ الْحُكْمُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ضَمَانُ دِيَةِ الْيَدِ فَقَطْ فِي مَالِهِ لَا فِي مَالِ الْعَاقِلَةِ لِأَنَّهَا لَا تَعْقِلُ الْعَمْدَ وَلَا يَضْمَنُ الْقَاطِعُ بِالسِّرَايَةِ إلَى النَّفْسِ شَيْئًا أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِأَنَّ السِّرَايَةَ حَلَّتْ مَحَلًّا غَيْرَ مَعْصُومٍ فَأُهْدِرَتْ بِخِلَافِ مَا إذَا قُطِعَتْ يَدُ الْمُرْتَدِّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ مَعْنَاهُ إذَا قَضَى بِلِحَاقِهِ لِأَنَّهُ صَارَ مَيِّتًا تَقْدِيرًا وَالْمَوْتُ يَقْطَعُ السِّرَايَةَ وَإِسْلَامُهُ حَيَاةٌ حَادِثَةٌ تَقْدِيرًا فَلَا يَعُودُ حُكْمُ الْجِنَايَةِ الْأُولَى فَإِذَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِلِحَاقِهِ حَتَّى عَادَ مُسْلِمًا فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ.
(وَإِنْ أَسْلَمَ بِدُونِ لِحَاقٍ) أَيْ بِلَا قَضَاءٍ بِاللِّحَاقِ (فَمَاتَ) مِنْ الْقَطْعِ (فَتَمَامُ الدِّيَةِ) أَيْ يَضْمَنُ الْقَاطِعُ تَمَامَ الدِّيَةِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لِكَوْنِهِ مَعْصُومًا وَقْتَ الْقَطْعِ وَوَقْتَ السِّرَايَةِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) وَزُفَرَ يَضْمَنُ (نِصْفَهَا) أَيْ نِصْفَ الدِّيَةِ لِأَنَّ اعْتِرَاضَ الرِّدَّةِ أَهْدَرَ السِّرَايَةَ فَلَا تَنْقَلِبُ بِالْإِسْلَامِ إلَى الضَّمَانِ قَيَّدَ بِكَوْنِ الْمَقْطُوعِ هُوَ الْمُرْتَدُّ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ وَإِنَّمَا ارْتَدَّ الْقَاطِعُ بَعْدَ الْقَطْعِ ثُمَّ قُتِلَ الْقَاطِعُ
стр. 686
أَوْ مَاتَ ثُمَّ سَرَى الْقَطْعُ إلَى النَّفْسِ فَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ عَمْدًا فَلَا شَيْءَ عَلَى أَحَدٍ وَإِنْ كَانَ خَطَأً وَجَبَتْ الدِّيَةُ بِتَمَامِهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاطِعِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(مُكَاتَبٌ ارْتَدَّ فَلَحِقَ) بِدَارِهِمْ وَاكْتَسَبَ مَالًا (فَأُخِذَ بِمَالِهِ) أَيْ أُخِذَ مَعَ مَالِهِ وَأَبَى أَنْ يُسْلِمَ (وَقُتِلَ فَبَدَلُ الْكِتَابَةِ لِمَوْلَاهُ وَالْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ) أَيْ لِوَرَثَةِ الْمُكَاتَبِ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ إنَّمَا يَمْلِكُ اكْتِسَابَهُ بِالْكِتَابَةِ وَالرِّدَّةُ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْكِتَابَةِ فَكَذَا اكْتِسَابُهُ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ كُلُّهُ لِمَوْلَاهُ.
(زَوْجَانِ ارْتَدَّا فَلَحِقَا) بِدَارِهِمْ الْأَوْلَى بِالْوَاوِ (فَوَلَدَتْ الْمَرْأَةُ ثُمَّ وُلِدَ لِلْوَلَدِ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَالْوَلَدَانِ) أَيْ وَلَدُهُمَا وَوَلَدُ وَلَدِهِمَا (فَيْءٌ) لِأَنَّ الْمُرْتَدَّةَ تُسْتَرَقُّ فَكَذَا وَلَدُهَا لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْأُمَّ (وَيُجْبَرُ الْوَلَدُ) أَيْ وَلَدُهُمَا (عَلَى الْإِسْلَامِ) تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ (لَا وَلَدُهُ) أَيْ لَا يُجْبَرُ وَلَدُ الْوَلَدِ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ أَيْضًا وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ لَا يَتْبَعُ الْجَدَّ فِي الْإِسْلَامِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَيَتْبَعُهُ فِي رِوَايَةٍ.
وَفِي التَّنْوِيرِ لَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ عَنْ امْرَأَةٍ حَامِلٍ فَارْتَدَّتْ وَلَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ فَوَلَدَتْ هُنَاكَ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَرَقُّ وَيَرِثُ أَبَاهُ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ وَلَدَتْهُ حَتَّى سُبِيَتْ ثُمَّ وَلَدَتْهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُسْلِمٌ مَرْقُوقٌ فَلَا يَرِثُ أَبَاهُ (وَإِسْلَامُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ صَحِيحٌ) فَلَا يَرِثُ أَبَوَيْهِ الْكَافِرَيْنِ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ.
(وَكَذَا ارْتِدَادُهُ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّ عِنْدَهُ إسْلَامَهُ إسْلَامٌ وَارْتِدَادَهُ لَيْسَ بِارْتِدَادٍ وَعِنْدَ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ لَا يَصِحُّ كِلَاهُمَا مَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْبُلُوغِ قَيَّدَهُ بِالْعَاقِلِ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَصِحُّ ارْتِدَادُهُ وَإِسْلَامُهُ وَكَذَا الْمَجْنُونُ وَالسَّكْرَانُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَخَرَجَ عَنْ هَذَا إسْلَامُ السَّكْرَانِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ وَالْمُرَادُ بِالصَّبِيِّ الْعَاقِلُ الْمُمَيِّزُ وَهُوَ مَنْ بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ فَمَا فَوْقَهَا لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَضَ الْإِسْلَامَ عَلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ فَأَجَابَهُ إلَيْهِ» وَقِيلَ الَّذِي يَعْقِلُ أَنَّ الْإِسْلَامَ سَبَبُ النَّجَاةِ وَيُمَيِّزُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَالْحُلْوَ مِنْ الْمُرِّ.
وَفِي الْمُجْتَبَى وَلَوْ وَصَفَ الْإِسْلَامَ لِغُلَامِهِ الْكَافِرِ فَقَالَ أَنَا عَلَى هَذَا فَهُوَ مُسْلِمٌ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ فَهْمُ مَا قَالَهُ قَالَ لَهُ صِفْ لِي الْإِسْلَامَ فَإِنْ وَصَفَ فَهُوَ مُسْلِمٌ وَإِلَّا فَلَا وَعَنْ الشَّيْخِ الْجَلِيلِ إذَا أَتَى بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ الْإِسْلَامُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ تَفْسِيرَهَا.
وَفِي الْبَحْرِ أَنَّ الصَّبِيَّ الْعَاقِلَ يُخَاطَبُ بِأَدَاءِ الْإِيمَانِ كَالْبَالِغِ لَوْ مَاتَ بَعْدَهُ بِلَا إيمَانٍ خَلَدَ فِي النَّارِ ذَكَرَهُ فِي التَّجْرِيدِ.
[الصَّبِيُّ الْعَاقِلُ إذَا ارْتَدَّ]
(وَيُجْبَرُ) الصَّبِيُّ الْعَاقِلُ إذَا ارْتَدَّ (عَلَى الْإِسْلَامِ) لِمَا فِيهِ نَفْعٌ لَهُ (وَلَا يُقْتَلُ إنْ أَبَى) لِوُجُودِ الشُّبْهَةِ فِي صِحَّةِ رِدَّتِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ أَلْفَاظًا تَكُونُ إسْلَامًا أَوْ كُفْرًا أَوْ خَطَأً مَعَ أَنَّهَا مِنْ الْمُهِمَّاتِ الدِّينِيَّةِ فَذَكَرْنَاهَا فِي آخِرِ بَابِ الْمُرْتَدِّ لِلْمُنَاسَبَةِ فَمَا يَكُونُ كُفْرًا بِالِاتِّفَاقِ يُوجِبُ إحْبَاطَ الْعَمَلِ كَمَا فِي الْمُرْتَدِّ وَتَلْزَمُ إعَادَةُ الْحَجِّ إنْ كَانَ قَدْ حَجَّ وَيَكُونُ وَطْؤُهُ حِينَئِذٍ مَعَ امْرَأَتِهِ زِنًا وَالْوَلَدُ الْحَاصِلُ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَلَدُ الزِّنَا ثُمَّ إنْ أَتَى بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ لَمْ يَنْفَعْهُ مَا لَمْ يَرْجِعْ عَمَّا قَالَهُ لِأَنَّهُ بِالْإِتْيَانِ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ لَا يَرْتَفِعُ الْكُفْرُ وَمَا كَانَ فِي كَوْنِهِ كُفْرًا
стр. 687
اخْتِلَافٌ يُؤْمَرُ قَائِلُهُ بِتَجْدِيدِ النِّكَاحِ وَبِالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ عَنْ ذَلِكَ احْتِيَاطًا وَمَا كَانَ خَطَأً مِنْ الْأَلْفَاظِ لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ فَقَائِلُهُ مُؤْمِنٌ عَلَى حَالِهِ وَلَا يُؤْمَرُ بِتَجْدِيدِ النِّكَاحِ وَلَكِنْ يُؤْمَرُ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالرُّجُوعِ عَنْ ذَلِكَ، هَذَا إذَا تَكَلَّمَ الزَّوْجُ فَإِنْ تَكَلَّمَتْ الزَّوْجَةُ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ فِي إفْسَادِ النِّكَاحِ وَعَامَّةُ عُلَمَاءِ بُخَارَى عَلَى إفْسَادِهِ لَكِنْ يُجْبَرُ عَلَى النِّكَاحِ وَلَوْ بِدِينَارٍ وَهَذَا بِغَيْرِ الطَّلَاقِ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ لِلْمُسْلِمِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَوَّذَ بِهَذَا الدُّعَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً فَإِنَّهُ سَبَبُ الْعِصْمَةِ مِنْ الْكُفْرِ هُوَ دُعَاءُ سَيِّدِ الْبَشَرِ ﵊ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ أَنْ أُشْرِكَ بِك شَيْئًا وَأَنَا أَعْلَمُ وَأَسْتَغْفِرُك لِمَا لَا أَعْلَمُ إنَّك أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» ثُمَّ إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ وُجُوهُ تَوْجِيهٍ وَوَجْهٌ وَاحِدٌ يَمْنَعُهُ يَمِيلُ الْعَالِمُ إلَى مَا يَمْنَعُ مِنْ الْكُفْرِ وَلَا تُرَجَّحُ الْوُجُوهُ عَلَى الْوَجْهِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ هَازِلًا أَوْ لَاعِبًا كَفَرَ عِنْدَ الْكُلِّ وَلَا اعْتِبَارَ بِاعْتِقَادِهِ وَمَنْ تَكَلَّمَ بِهَا خَطَأً أَوْ مُكْرَهًا لَا يَكْفُرْ عِنْدَ الْكُلِّ وَمَنْ تَكَلَّمَ بِهَا عَالِمًا عَامِدًا كَفَرَ عِنْدَ الْكُلِّ وَمَنْ تَكَلَّمَ بِهَا اخْتِيَارًا جَاهِلًا بِأَنَّهَا كُفْرٌ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ وَاَلَّذِي تَحَرَّرَ أَنَّهُ لَا يُفْتَى بِتَكْفِيرِ مُسْلِمٍ مَهْمَا أَمْكَنَ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَحْمَلٍ حَسَنٍ أَوْ كَانَ فِي كُفْرِهِ اخْتِلَافٌ وَلَوْ رِوَايَةً ضَعِيفَةً فَعَلَى هَذَا فَأَكْثَرُ أَلْفَاظِ الْكُفْرِ الْمَذْكُورَةِ لَا يُفْتَى بِالتَّكْفِيرِ فِيهَا وَلَقَدْ أَلْزَمْت نَفْسِي أَنْ لَا أُفْتِيَ مِنْهَا انْتَهَى لَكِنْ فِي الدُّرَرِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا لَفْظَةُ الْكُفْرِ وَلَكِنْ أَتَى بِهَا عَنْ اخْتِيَارٍ فَقَدْ كَفَرَ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ فِي ذَلِكَ بِأَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِلَفْظٍ آخَرَ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ لَفْظُ الْكُفْرِ فَلَا يَكْفُرْ لَكِنَّ الْقَاضِي لَا يُصَدِّقُهُ.
وَفِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ أَنَّ تَعْلِيمَ صِفَةِ الْإِيمَانِ لِلنَّاسِ وَبَيَانَ صِفَةِ خَصَائِصِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ وَلِلسَّلَفِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ تَصَانِيفُ وَالْمُخْتَصَرُ أَنْ يَقُولَ كُلُّ مَا أَمَرَنِي اللَّهُ تَعَالَى بِهِ قَبِلْته وَمَا نَهَانِي عَنْهُ انْتَهَيْت عَنْهُ فَإِذَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ وَأَقَرَّ بِلِسَانِهِ كَانَ إيمَانُهُ صَحِيحًا وَكَانَ مُؤْمِنًا بِالْكُلِّ وَفِيهِ إذَا قَالَ الرَّجُلُ لَا أَدْرِي أَصَحِيحٌ إيمَانِي أَمْ لَا فَهَذَا خَطَأٌ إلَّا إذَا أَرَادَ بِهِ نَفْيًا لِلشَّكِّ كَمَنْ يَقُولُ لِشَيْءٍ نَفِيسٍ لَا أَدْرِي أَيَرْغَبُ فِيهِ أَحَدٌ أَمْ لَا وَمَنْ شَكَّ فِي إيمَانِهِ وَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَهُوَ كَافِرٌ إلَّا أَنْ يُؤَوِّلَهَا فَقَالَ لَا أَدْرِي أَأَخْرُجُ مِنْ الدُّنْيَا وَأَنَا مُؤْمِنٌ فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ كَفَرَ وَمَنْ أَضْمَرَ الْكُفْرَ أَوْ هَمَّ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ وَمَنْ كَفَرَ بِلِسَانِهِ طَائِعًا وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ فَهُوَ كَافِرٌ وَلَا يَنْفَعُهُ مَا فِي قَلْبِهِ لِأَنَّ الْكَافِرَ يَعْرِفُ بِمَا يَنْطِقُ بِهِ بِالْكُفْرِ فَإِذَا نَطَقَ بِالْكُفْرِ طَائِعًا كَانَ كَافِرًا عِنْدَنَا وَعِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ إذَا خَطَرَ بِبَالِهِ أَشْيَاءُ تُوجِبُ الْكُفْرَ بِهِ لَكِنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ بِهِ فَذَلِكَ مَحْضُ الْإِيمَانِ بِالْحَدِيثِ وَإِذَا عَزَمَ عَلَى الْكُفْرِ بَعْدَ حِينٍ يَكْفُرُ فِي الْحَالِ لِزَوَالِ التَّصْدِيقِ الْمُسْتَمِرِّ وَجُحُودُ الْكُفْرِ تَوْبَةٌ.
وَفِي الدُّرَرِ وَالرِّضَى بِكُفْرِ نَفْسِهِ كُفْرٌ بِالِاتِّفَاقِ وَأَمَّا الرِّضَى بِكُفْرِ غَيْرِهِ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الرِّضَى بِكُفْرِ الْغَيْرِ إنَّمَا يَكُونُ كُفْرًا إذَا كَانَ يَسْتَنْجِزُ الْكُفْرَ وَيَسْتَحْسِنُهُ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَلَكِنْ أَحَبَّ الْمَوْتَ أَوْ الْقَتْلَ عَلَى الْكُفْرِ لِمَنْ كَانَ شِرِّيرًا مُؤْذِيًا
стр. 688
بِطَبْعِهِ حَتَّى يَنْتَقِمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ فَهَذَا لَا يَكُونُ كُفْرًا وَعَلَى هَذَا إذَا دَعَا عَلَى ظَالِمٍ فَقَالَ أَمَاتَك اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْكُفْرِ أَوْ قَالَ سَلَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْك الْإِيمَانَ وَنَحْوَهُ فَلَا يَضُرُّهُ إنْ كَانَ مُرَادُهُ أَنْ يَنْتَقِمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ عَلَى ظُلْمِهِ وَإِيذَائِهِ الْخَلْقَ وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الرِّضَى بِكُفْرِ الْغَيْرِ كُفْرٌ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مَنْ لَقَّنَ إنْسَانًا كَلِمَةَ الْكُفْرِ لِيَتَكَلَّمَ بِهَا كَفَرَ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ وَالضَّحِكِ وَكَذَا مَنْ عَلَّمَهَا كَلِمَةً لِتَبِينَ مِنْ زَوْجِهَا فَهُوَ كَافِرٌ وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِالْكُفْرِ كَفَرَ الْآمِرُ فِي الْحَالِ تَكَلَّمْ الْمَأْمُورُ بِهِ أَمْ لَا لِأَنَّهُ اسْتِخْفَافٌ بِالْإِسْلَامِ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ كُفْرًا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الرِّضَى بِكُفْرِ الْغَيْرِ كُفْرًا أَمَّا مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ كُفْرًا لَا يُكَفِّرُ الْآمِرَ وَالْمُعَلِّمَ وَمَنْ قَالَ لَا إلَهَ وَأَرَادَ أَنْ يَقُولَ إلَّا اللَّهُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ لَا يَكْفُرْ لِأَنَّهُ مُعْتَقِدٌ لِلْإِيمَانِ أَمَّا إذَا لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ الْإِثْبَاتَ وَأَرَادَ النَّفْيَ فَقَطْ فَهُوَ كَافِرٌ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ الْوَثَنِيُّ الَّذِي لَا يُقِرُّ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى إذَا قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا حَتَّى لَوْ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ يُقْتَلُ وَلَوْ قَالَ اللَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْلِمًا وَلَوْ قَالَ أَنَا مُسْلِمٌ لَا يَصِيرُ مُسْلِمًا وَإِنْ قَالَ أَرَدْت بِهِ أَنِّي مُسْلِمٌ إنِّي عَلَى الْحَقِّ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا وَالْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ إذَا قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْلِمًا مَا لَمْ يَقُلْ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.
وَفِي الدُّرَرِ أَمَّا الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ إذَا قَالَاهُمَا الْيَوْمَ فَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِمْ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ فَإِذَا اسْتَفْسَرْته يَقُولُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ فَلَا يَدُلُّ هَذَا عَلَى إيمَانِهِ مَا لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ التَّبَرُّؤُ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ وَإِذَا قَالَ النَّصْرَانِيُّ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَتَبَرَّأَ عَنْ النَّصْرَانِيَّةِ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ لِجَوَازِ أَنَّهُ دَخَلَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إذْ الْيَهُودِيُّ يَقُولُ ذَلِكَ أَيْضًا وَإِنْ زَادَهُ وَقَالَ أَدْخُلُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ زَالَ الِاحْتِمَالُ وَكَذَا إذَا قَالَ أَنَا مُسْلِمٌ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا لِأَنَّ مَعْنَاهُ التَّسْلِيمُ لِلْحَقِّ وَكُلُّ ذِي دِينٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ كَذَلِكَ إلَّا إذَا قَالَ أَنَا مُسْلِمٌ مِثْلُك.
وَفِي الْخَانِيَّةِ وَعَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ إذَا قَالَ الْيَهُودِيُّ دَخَلْت فِي الْإِسْلَامِ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ تَبَرَّأْت عَنْ الْيَهُودِيَّةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ دَخَلْت فِي الْإِسْلَامِ إقْرَارٌ بِدُخُولٍ حَادِثٍ فِي الْإِسْلَامِ وَأَفْتَى الْبَعْضُ فِي دِيَارِنَا بِإِسْلَامِهِ مِنْ غَيْرِ تَبَرُّؤٍ وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ الْآنَ وَالْمَجُوسِيُّ إذَا قَالَ أَسْلَمْت أَوْ قَالَ أَنَا مُسْلِمٌ يَحْكُمُ بِإِسْلَامِهِ مَجُوسِيٌّ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَكُونُ مُسْلِمًا قَالَ كَافِرٌ آمَنْت بِمَا آمَنَ بِهِ الرَّسُولُ يَصِيرُ مُسْلِمًا قَالَ كَافِرٌ: اللَّهُ تَعَالَى وَاحِدٌ يَصِيرُ مُسْلِمًا وَلَوْ قَالَ لِمُسْلِمٍ دِينُك حَقٌّ لَا يَصِيرُ مُسْلِمًا وَقِيلَ يَصِيرُ إلَّا إذَا قَالَ حَقٌّ لَكِنْ لَا آمَنُ بِهِ وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِذِمِّيٍّ أَسْلِمْ فَقَالَ أَسْلَمْت كَانَ مُسْلِمًا لِأَنَّهُ خَاطَبَهُ بِجَوَابِ مَا كَلَّفَهُ بِهِ.
وَفِي فُصُولِ الْعِمَادِيِّ قَالَ لِيَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ صِفْ دِينَك فَقَالَ لَا أَدْرِي قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ هُوَ لَيْسَ بِيَهُودِيٍّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ. مُسْلِمٌ تَزَوَّجَ نَصْرَانِيَّةً صَغِيرَةً وَلَهَا أَبَوَانِ نَصْرَانِيَّانِ فَكَبِرَتْ وَهِيَ لَا تَعْقِلُ دِينًا مِنْ الْأَدْيَانِ أَيْ لَا تَعْرِفُهُ بِقَلْبِهَا وَلَا تَصِفُهُ أَيْ لَا تُعَبِّرُ بِلِسَانِهَا وَهِيَ غَيْرُ مَعْتُوهَةٍ فَإِنَّهَا تَبِينُ
стр. 689
مِنْ زَوْجِهَا وَكَذَلِكَ الصَّغِيرَةُ الْمُسْلِمَةُ إذَا بَلَغَتْ عَاقِلَةً غَيْرَ مَعْتُوهَةٍ وَهِيَ لَا تَعْقِلُ الْإِسْلَامَ وَتَصِفُهُ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا.
وَفِي مَجْمَعِ النَّوَازِلِ أَذَّنَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ أُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ أَمَّا لَوْ قَرَأَ وَتَعَلَّمَ لَا يَكُونُ إسْلَامًا كَافِرٌ لَقَّنَ كَافِرًا آخَرَ الْإِسْلَامَ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا كَافِرٌ جَاءَ إلَى رَجُلٍ وَقَالَ اعْرِضْ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ فَقَالَ اذْهَبْ إلَى فُلَانٍ؛ يَكْفُرُ وَقِيلَ لَا يَكْفُرُ كَافِرٌ لَمْ يَفِرَّ بِالْإِسْلَامِ إلَّا أَنَّهُ صَلَّى مَعَ الْمُسْلِمِينَ بِجَمَاعَةٍ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَإِنْ صَلَّى وَحْدَهُ لَا وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَكُونُ مُسْلِمًا إذَا صَلَّى إلَى قِبْلَةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ النَّاطِفِيُّ إذَا صَلَّى الْكَافِرُ فِي وَقْتِهَا وَلَوْ مُنْفَرِدًا مُتَوَجِّهًا إلَى الْكَعْبَةِ يَصِيرُ مُسْلِمًا ذِمِّيٌّ اقْتَدَى بِمُسْلِمٍ وَصَلَّى خَلْفَهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَلَوْ أَمَّ الذِّمِّيُّ الْمُسْلِمِينَ لَا قَالَ وَاحِدٌ رَأَيْته يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ لَا تُقْبَلُ وَلَكِنْ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ شَهِدَ مُسْلِمٌ عَلَى نَصْرَانِيٍّ بِأَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِهِ نَجْعَلُهُ مُسْلِمًا وَإِنْ شَهِدَ عَلَى مُسْلِمٍ مَيِّتٍ أَنَّهُ ارْتَدَّ قَبْلَ مَوْتِهِ وَمَاتَ عَلَيْهِ لَا أَجْعَلُهُ مُرْتَدًّا يُصَلِّي الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَبَرِ وَاحِدٍ لَوْ عَدْلًا شَهِدَ نَصْرَانِيَّانِ عَلَى نَصْرَانِيٍّ أَنَّهُ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُنْكِرُ لَمْ يُقْبَلْ وَكَذَا لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَتُرِكَ عَلَى دِينِهِ وَجَمِيعُ أَهْلِ الْكُفْرِ فِيهِ عَلَى السَّوَاءِ وَلَوْ شَهِدَ نَصْرَانِيَّانِ عَلَى نَصْرَانِيَّةٍ بِأَنَّهَا أَسْلَمَتْ جَازَ وَأُجْبِرَتْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ الْإِمَامِ.
وَفِي النَّوَادِرِ تُقْبَلُ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَشَهَادَةُ نَصْرَانِيَّيْنِ عَلَى نَصْرَانِيٍّ بِأَنَّهُ أَسْلَمَ.
[أَلْفَاظَ الْكُفْرِ أَنْوَاع]
(ثُمَّ إنَّ أَلْفَاظَ الْكُفْرِ أَنْوَاعٌ) (الْأَوَّلُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِاَللَّهِ تَعَالَى) إذَا وَصَفَ اللَّهَ تَعَالَى بِمَا لَا يَلِيقُ بِهِ أَوْ سَخِرَ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ أَوْ بِأَمْرٍ مِنْ أَوَامِرِهِ أَوْ أَنْكَرَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ أَنْكَرَ وَعْدَهُ أَوْ وَعِيدَهُ أَوْ جَعَلَ لَهُ شَرِيكًا أَوْ وَلَدًا أَوْ زَوْجَةً أَوْ نَسَبَهُ إلَى الْجَهْلِ أَوْ الْعَجْزِ أَوْ النَّقْصِ أَوْ أَطْلَقَ عَلَى الْمَخْلُوقِ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْخَالِقِ نَحْوَ الْقُدُّوسِ وَالْقَيُّومِ وَالرَّحْمَنِ وَغَيْرِهَا يَكْفُرُ وَيَكْفُرُ بِقَوْلِهِ لَوْ أَمَرَنِي اللَّهُ تَعَالَى بِكَذَا لَمْ أَفْعَلْ.
وَلَوْ قَالَ إنَّ فُلَانًا فِي عَيْنِي كَالْيَهُودِيِّ فِي عَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى يَكْفُرُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمَشَايِخِ وَقِيلَ إنْ عَنَى اسْتِقْبَاحَ فِعْلِهِ لَا يَكْفُرْ.
وَلَوْ قَالَ " دَسَّتْ خداي درازست " كَفَرَ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ وَقِيلَ إنْ عَنَى بِهِ الْجَارِحَةَ يَكْفُرْ وَإِنْ عَنَى بِهِ الْقُدْرَةَ لَا.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ كُفْرًا حِينَئِذٍ عِنْدَ الْكُلِّ. تَدَبَّرْ.
وَيَكْفُرُ بِقَوْلِهِ يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا لَا حِكْمَةَ فِيهِ وَبِإِثْبَاتِ الْمَكَانِ لِلَّهِ تَعَالَى فَإِنْ قَالَ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ فَإِنْ قَصَدَ بِهِ حِكَايَةَ مَا جَاءَ فِي ظَاهِرِ الْأَخْبَارِ لَا يَكْفُرْ وَإِذَا أَرَادَ بِهِ الْمَكَانَ كَفَرَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ يَكْفُرْ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْبَحْرِ وَلَوْ قَالَ أَرَى اللَّهَ تَعَالَى فِي الْجَنَّةِ فَهَذَا كُفْرٌ وَلَوْ قَالَ مِنْ الْجَنَّةِ فَلَيْسَ بِكُفْرٍ لَكِنْ فِي الْفُصُولَيْنِ يَنْبَغِي أَنْ يَكْفُرَ لَوْ جَعَلَ الْجَنَّةَ ظَرْفًا لِلَّهِ تَعَالَى لَا لَوْ جَعَلَهَا لِنَفْسِهِ وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُهُمَا وَيَكْفُرُ بِقَوْلِهِ اللَّهُ تَعَالَى جَلَسَ لِلْإِنْصَافِ أَوْ قَامَ بِهِ لِأَنَّهُ وَصَفَ اللَّهَ تَعَالَى بِالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ
стр. 690
وَبِوَصْفِهِ تَعَالَى بِالْفَوْقِ وَالتَّحْتِ.
وَلَوْ قَالَ " مربر آسَمَانِ خداي أَسِتّ وبرزمين فُلَانٌ " كَفَرَ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنَّ فِي الْخِزَانَةِ خِلَافَهُ قَالَ " أزخداي هج مَكَان خَالِي نيست " كَفَرَ.
وَقَوْلُهُ حِينَ الْغَضَبِ لَا أَخْشَى اللَّهَ إذَا قِيلَ لَهُ أَلَا تَخْشَى اللَّهَ تَعَالَى كَفَرَ إذَا نَفَى الْخَوْفَ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ شَيْئًا آخَرَ لَا يَكْفُرْ.
وَلَوْ قَالَ " عِلْم خداي دِرْهَمه مَكَان هُسَّتْ " فَهَذَا خَطَأٌ وَمَنْ قَالَ " نه مكاني زتو خَالِي نه توهيج مَكَانِيّ " كَفَرَ.
وَلَوْ قَالَ لِمَنْ لَا يَمْرَضُ هَذَا مَنْسِيُّ اللَّهِ أَوْ قَالَ هَذَا مَنْ نَسِيَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَهَذَا كُفْرٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَيَكْفُرُ بِقَوْلِهِ رَأَيْت اللَّهَ تَعَالَى فِي الْمَنَامِ وَبِقَوْلِهِ الْمَعْدُومُ لَيْسَ بِمَعْلُومِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِقَوْلِ الظَّالِمِ أَنَا أَفْعَلُ بِغَيْرِ تَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِظَنِّهِ أَنَّ الْجَنَّةَ وَمَا فِيهَا لِلْفَنَاءِ عِنْدَ الْبَعْضِ.
وَبِقَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إذَا أَرَادَ بِهِ الطَّاعَةَ لَهَا وَإِنْ قَالَ أَرَدْت الشَّهْوَةَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَبِإِدْخَالِ الْكَافِ فِي آخِرِ اللَّهِ عِنْدَ نِدَاءِ مَنْ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ إنْ كَانَ عَالِمًا عَلَى الْأَصَحِّ وَبِتَصْغِيرِ الْخَالِقِ عَمْدًا عَالِمًا وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فِي ذَلِكَ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ فِي ذَلِكَ لَا يَكْفُرُ.
وَبِقَوْلِهِ إنْ كُنْت فَعَلْت كَذَا أَمْسِ فَهُوَ كَافِرٌ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ أَنْ يُكَفَّرَ بِهِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِأَنَّهُ يَكُونُ هَذَا مِنْهُ رِضًى بِالْكُفْرِ وَأَمَّا إذَا قَالَ يُعْلَمُ لِلَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ كَذَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ يَكْفُرُ وَقِيلَ لَا يَكْفُرُ وَيَكْفُرُ بِقَوْلِهِ اللَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَزَلْ أَذْكُرُك بِدُعَاءِ الْخَيْرِ عِنْدَ الْبَعْضِ وَبِقَوْلِهِ اللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ أَنَّك أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ وَلَدِي وَهُوَ كَاذِبٌ فِيهِ.
قَالَتْ امْرَأَةٌ لِزَوْجِهَا " توسر خداي دَانِي " فَقَالَ نَعَمْ يَكْفُرُ لِأَنَّ الْغَيْبَ وَالسِّرَّ وَاحِدٌ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ لَا يَكْفُرُ وَمَنْ ادَّعَى الْغَيْبَ لِنَفْسِهِ يَكْفُرْ حَتَّى يُؤْمَرَ بِتَجْدِيدِ النِّكَاحِ فِي قَوْلِ الْمَرْأَةِ نَعَمْ فِي جَوَابِ أَتَعْلَمِينَ الْغَيْبَ.
وَيَكْفُرُ بِقَوْلِهِ أَرْوَاحُ الْمَشَايِخِ حَاضِرَةٌ، تَعْلَمُ. وَيَكْفُرُ عِنْدَ الْبَعْضِ بِقَوْلِهِ فَلَا يَمُوتُ بِهَذَا الْمَرَضِ وَبِقَوْلِهِ عِنْدَ صِيَاحِ الطَّيْرِ يَمُوتُ أَحَدٌ عِنْدَ الْبَعْضِ وَالْأَصَحُّ عَدَمُهُ وَبِقَوْلِهِ عِنْدَ رُؤْيَةِ هَالَةِ الْقَمَرِ الَّتِي تَكُونُ حَوْلَ الْقَمَرِ يَكُونُ مَطَرًا مُدَّعِيًا عَلَى الْغَيْبِ بِلَا عَلَامَةٍ وَبِرُجُوعِهِ مِنْ سَفَرٍ عِنْدَ سَمَاعِهِ صِيَاحَ الْعَقْعَقِ عِنْدَ الْبَعْضِ وَبِإِتْيَانِ الْكَاهِنِ وَتَصْدِيقِهِ وَبِقَوْلِهِ أَنَا أَعْلَمُ الْمَسْرُوقَاتِ وَبِقَوْلِهِ أَنَا أُخْبِرُ عَنْ أَخْبَارِ الْجِنِّ إيَّايَ فَإِنْ قَالَ هَذَا فَهُوَ سَاحِرٌ كَاهِنٌ وَمَنْ صَدَّقَهُ فَقَدْ كَفَرَ وَبِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْمَلَكَ يَعْلَمُ الْغَيْبَ.
(الثَّانِي فِي الْأَنْبِيَاءِ) - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِالْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَعْنَى النَّبِيِّ وَهُوَ الْمُخْبِرُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى بِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ وَتَصْدِيقِهِ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا الْإِيمَانُ بِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﵊ فَيَجِبُ بِأَنَّهُ رَسُولُنَا فِي الْحَالِ وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ فَإِذَا آمَنَ بِأَنَّهُ رَسُولٌ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِأَنَّهُ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا وَفِي فُصُولِ الْعِمَادِيِّ مَنْ لَمْ يُقِرَّ بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ بِشَيْءٍ أَوْ لَمْ يَرْضَ بِسُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ ﵈ فَقَدْ كَفَرَ وَبَيَّنَّا حِكْمَتَهُ فِي قَوْلِهِ مَنْ سَبَّ نَبِيًّا وَيَكْفُرُ بِنِسْبَةِ الْأَنْبِيَاءِ إلَى الْفَوَاحِشِ كَالْعَزْمِ عَلَى الزِّنَاءِ وَنَحْوِهِ فِي يُوسُفَ ﵊ -
стр. 691
وَقِيلَ وَلَوْ قَالَ لَمْ يَعْصُوا حَالَ النُّبُوَّةِ وَقَبْلَهَا كَفَرَ لِأَنَّهُ رَدَّ النُّصُوصَ.
وَيَكْفُرُ بِقَوْلِهِ لَا أَعْلَمُ أَنَّ آدَمَ ﵊ نَبِيٌّ أَوْ لَا وَبِقَوْلِهِ لَوْ كَانَ فُلَانٌ نَبِيًّا لَمْ آمَنْ بِهِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ بِخِلَافِ مَا فِي الْقُنْيَةِ وَلَا يَكْفُرُ بِقَوْلِهِ لَوْ بُعِثَ فُلَانٌ نَبِيًّا لَائْتَمَرْت بِأَمْرِهِ وَلَا بِإِنْكَارِ نُبُوَّةِ الْخَضِرِ وَذِي الْكِفْلِ ﵉ لِعَدَمِ الْإِجْمَاعِ عَلَى نُبُوَّتِهِمَا وَيَكْفُرُ بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ مَا قَالَ الْأَنْبِيَاءُ صِدْقًا وَحَقًّا نَجَوْنَا.
وَبِقَوْلِهِ أَنَا رَسُولٌ وَبِطَلَبِهِ الْمُعْجِزَةَ حِينَ ادَّعَى رَجُلٌ الرِّسَالَةَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ قَالُوا إنْ كَانَ غَرَضُ الطَّالِبِ تَعْجِيزَهُ وَإِفْضَاحَهُ لَا يَكْفُرُ وَاخْتُلِفَ فِي تَصْغِيرِ شَعْرِ النَّبِيِّ ﵊ لَكِنْ إذَا أَرَادَ الْإِهَانَةَ فَلَا خِلَافَ فِي الْكُفْرِ أَمَّا إذَا أَرَادَ التَّعْظِيمَ فَلَا.
وَمَنْ قَالَ لَا أَدْرِي أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ إنْسِيًّا أَوْ جِنِّيًّا يَكْفُرْ وَمَنْ اسْتَخَفَّ بِسُنَّةٍ أَوْ حَدِيثٍ مِنْ أَحَادِيثِهِ ﵊ أَوْ رَدَّ حَدِيثًا مُتَوَاتِرًا أَوْ قَالَ سَمِعْنَاهُ كَثِيرًا بِطَرِيقِ الِاسْتِخْفَافِ كَفَرَ وَبِشَتْمِهِ رَجُلًا اسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْقَاسِمِ ذَاكِرًا لِلنَّبِيِّ ﵊.
وَفِي إكْرَاهٍ الْأَصْلُ إذَا أَكْرَهَ الرَّجُلُ عَلَى أَنْ يَشْتُمَ مُحَمَّدًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنْ يَقُولَ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِي شَيْءٌ وَإِنَّمَا شَتَمْت مُحَمَّدًا كَمَا طَلَبُوا مِنِّي وَأَنَا غَيْرُ رَاضٍ بِهِ.
وَفِي هَذَا الْوَجْهِ لَا يَكْفُرُ وَالثَّانِي أَنْ يَقُولَ خَطَرَ بِبَالِي رَجُلٌ مِنْ النَّصَارَى اسْمُهُ مُحَمَّدٌ فَأَرَدْت بِالشَّتْمِ ذَلِكَ النَّصْرَانِيَّ وَفِي هَذَا الْوَجْهِ لَا يَكْفُرُ أَيْضًا وَالثَّالِثُ أَنْ يَقُولَ خَطَرَ بِبَالِي رَجُلٌ مِنْ النَّصَارَى فَلَمْ أَشْتُمْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا شَتَمْت مُحَمَّدًا ﵊ وَفِي هَذَا الْوَجْهِ يَكْفُرُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَنْ يَدْفَعَ الْإِكْرَاهَ عَنْ نَفْسِهِ بِشَتْمِ مُحَمَّدٍ آخَرَ خَطَرَ بِبَالِهِ.
وَيَكْفُرُ بِقَوْلِهِ جُنَّ النَّبِيُّ ﵇ سَاعَةً لَا بِقَوْلِهِ أُغْمِيَ عَلَيْهِ.
وَلَوْ قِيلَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ كَذَا مَثَلًا الْقَرْعُ فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا لَا أُحِبُّهُ كَفَرَ وَقِيلَ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْإِهَانَةِ وَإِلَّا لَا.
وَمَنْ قَالَ لَوْ لَمْ يَأْكُلْ آدَم الْحِنْطَةَ مَا وَقَعْنَا فِي هَذَا الْبَلَاءِ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ وَلَوْ قَالَ مَا صِرْنَا أَشْقِيَاءَ يَكْفُرْ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ إنَّ آدَمَ ﵇ نَسَجَ الْكِرْبَاسَ فَقَالَ آخَرُ نَحْنُ إذًا أَوْلَادُ الْحَائِكِ يَكْفُرُ قَالَ لِقَاؤُك عَلَيَّ كَلِقَاءِ مَلَكِ الْمَوْتِ إنْ قَالَهُ لِكَرَاهَةِ الْمَوْتِ لَا يَكْفُرْ وَإِنْ قَالَهُ إهَانَةً لِمَلَكِ الْمَوْتِ يَكْفُرْ وَيَكْفُرُ بِتَعْيِيبِهِ مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَوْ بِالِاسْتِخْفَافِ بِهِ وَبِقَوْلِهِ إنَّ عِزْرَائِيلَ ﵊ غَلِطَ فِي قَبْضِ رُوحِ فُلَانٍ.
رَجُلٌ قَالَ لِآخَرَ احْلِقْ رَأْسَك وَقَلِّمْ أَظْفَارَك فَإِنَّ هَذِهِ سُنَّةٌ فَقَالَ لَا أَفْعَلُ وَإِنْ كَانَ سُنَّةً فَهَذَا كُفْرٌ لِأَنَّهُ قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ وَالرَّدِّ وَكَذَا فِي سَائِرِ السُّنَنِ خُصُوصًا فِي سُنَّةٍ هِيَ مَعْرُوفَةٌ وَثُبُوتُهَا بِالتَّوَاتُرِ كَالسِّوَاكِ وَنَحْوِهِ وَيَكْفُرُ بِقَوْلِهِ لَا أَدْرِي أَنَّ النَّبِيَّ فِي الْقَبْرِ مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ وَبِقَوْلِهِ مَا كَانَ عَلَيْنَا نِعْمَةٌ مِنْ النَّبِيِّ ﵊ لِأَنَّ الْبَعْثَةَ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ وَبِقَذْفِهِ عَائِشَةَ وَإِنْكَارِهِ صُحْبَةَ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَبِإِنْكَارِهِ إمَامَتَهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَبِإِنْكَارِهِ صُحْبَةَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى الْأَصَحِّ.
(الثَّالِثُ فِي الْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارِ وَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا) إذَا أَنْكَرَ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ وَاسْتَخَفَّ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِالْمَسْجِدِ أَوْ
стр. 692
بِنَحْوِهِ مِمَّا يَعْظُمُ فِي الشَّرْعِ أَوْ عَابَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ خَطِئَ أَوْ سَخِرَ بِآيَةٍ مِنْهُ كَفَرَ إلَّا الْمُعَوِّذَتَيْنِ فَفِي إنْكَارِهِمَا اخْتِلَافٌ وَالصَّحِيحُ كُفْرُهُ وَقِيلَ إنْ كَانَ عَامِّيًّا يَكْفُرْ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا لَا لَكِنْ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إلَى عَدَمِ إيجَابِ الْكُفْرِ وَيَكْفُرُ بِاعْتِقَادِ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ حَقِيقَةً وَكَذَا بِخَلْقِ الْإِيمَانِ وَيَجِبُ إكْفَارُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ الْقُرْآنَ جِسْمٌ إذَا كُتِبَ وَعَرَضٌ إذَا قُرِئَ.
وَفِي فُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى دَقِّ الدُّفِّ وَالْقَصَبِ يَكْفُرُ وَقَالَ لِمَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَذَكَّرُ كَلِمَةَ ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] أَوْ مَلَأَ قَدَحًا وَجَاءَ بِهِ وَقَالَ كَأْسًا دِهَاقًا أَوْ قَالَ فَكَانَتْ سَرَابًا بِطَرِيقِ الْمُجَازَفَةِ أَوْ قَالَ عِنْدَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] أَوْ جَمَعَ أَهْلَ مَوْضِعٍ وَقَالَ ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف: ٩٩] أَوْ قَالَ ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] أَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ كَيْفَ تَقْرَأُ وَالنَّازِعَاتِ نَزْعًا تَنْصِبُ أَوْ تَرْفَعُهَا وَأَرَادَ بِهِ الطَّعْنَ وَالسُّخْرِيَةَ أَوْ قَالَ صَرِّحْ اسْمَك فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين: ١٤] أَوْ دُعِيَ إلَى الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ فَقَالَ أَنَا أُصَلِّي وَحْدِي فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ إنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى أَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ كُلْ تَفْشِيلَةَ فَإِنَّ التَّفْشِيلَةَ تَذْهَبُ بِالرِّيحِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] كَفَرَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ اسْتَعْمَلَ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى فِي بَدَلِ كَلَامِهِ هَازِلًا كَفَرَ وَكَذَا لَوْ نَظَمَ الْقُرْآنَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَيَكْفُرُ بِوَضْعِ رِجْلِهِ عَلَى الْمُصْحَفِ مُسْتَخِفًّا.
وَإِذَا قَالَ الْقُرْآنُ أَعْجَمِيٌّ كَفَرَ وَلَوْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ كَلِمَةٌ أَعْجَمِيَّةٌ فَفِي أَمْرِهِ نَظَرٌ.
وَيَكْفُرُ بِالِاسْتِهْزَاءِ بِالْأَذْكَارِ وَبِشُرْبِ الْخَمْرِ وَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ أَوْ قَالَ ذَلِكَ عِنْدَ الزِّنَى وَعِنْدَ الْحَرَامِ الْمَقْطُوعِ بِحُرْمَتِهِ أَوْ عِنْدَ أَخْذِ كَعْبَيْنِ لِلنَّرْدِ أَوْ عِنْدَ رَمْيِ الرَّمْلِ وَطَرْحِ الْحَصَى كَمَا يَفْعَلُهُ أَرْبَابُ الْفَأْلِ لِأَنَّهُ اسْتَخَفَّ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْوَزَّانُ يَقُولُ فِي الْعَدِّ فِي مَقَامٍ أَنْ يَقُولَ وَاحِدٌ بِسْمِ اللَّهِ وَيَضَعُهُ مَكَانَ قَوْلِهِ وَاحِدٌ لَا أَنْ يُرِيدَ بِهِ ابْتِدَاءَ الْعَدِّ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ ابْتِدَاءَ الْعَدِّ لَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَاحِدٌ لَكِنَّهُ لَا يَقُولُ كَذَلِكَ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى بِسْمِ اللَّهِ يَكْفُرُ لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ وَإِنْ قَالَ عِنْدَ الْفَرَاغِ الْحَمْدُ لِلَّهِ لَا يَكْفُرْ عِنْدَ الْبَعْضِ لِأَنَّ حَمْدَهُ وَقَعَ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْ الْحَرَامِ وَقِيلَ يَكْفُرُ لِأَنَّهُ وَقَعَ عَلَى اتِّخَاذِ الْحَرَامِ فَإِنْ نَوَى يُعَامَلُ عَلَى نِيَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَا يَكْفُرْ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ بَدْرٌ الرَّشِيدُ وَسَمِعْت عَنْ بَعْضِ الْأَكَابِرِ أَنَّهُ قَالَ مَنْ قَالَ مَوْضِعَ الْأَمْرِ لِلشَّيْءِ أَوْ مَوْضِعَ الْإِجَازَةِ بِسْمِ اللَّهِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ وَاحِدٌ أَدْخُلُ أَوْ أَقُومُ أَوْ أَقْعُدُ أَوْ أَتَقَدَّمُ أَوْ أَسِيرُ وَقَالَ الْمُشِيرُ بِسْمِ اللَّهِ يَعْنِي بِهِ أَذِنْتُك فِيمَا اسْتَأْذَنْت كَفَرَ لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ.
وَيَكْفُرُ بِقَوْلِ الْمَرِيضِ لَا أُصَلِّي أَبَدًا جَوَابًا لِمَنْ قَالَهُ صَلِّ وَقِيلَ لَا وَكَذَا لَا أُصَلِّي حِينَ أُمِرَ بِهَا وَقِيلَ إنَّمَا يَكْفُرُ إذَا قَصَدَ نَفْيَ الْوُجُوبِ قَالَ مُحَمَّدٌ قَوْلُ الرَّجُلِ لَا أُصَلِّي يَحْتَمِلُ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا لَا أُصَلِّي لِأَنِّي صَلَّيْت وَالثَّانِي لَا أُصَلِّي بِأَمْرِك فَقَدْ أَمَرَنِي بِهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك وَالثَّالِثُ لَا أُصَلِّي فِسْقًا وَمَجَّانًا فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ لَيْسَتْ بِكُفْرٍ وَالرَّابِعُ لَا أُصَلِّي إذْ لَيْسَتْ تَجِبُ عَلِيّ الصَّلَاةِ وَلَمْ أُؤْمَرْ بِهَا
стр. 693
وَفِي هَذَا الْوَجْهِ يَكْفُرُ وَلَوْ قِيلَ لِلْفَاسِقِ صَلِّ حَتَّى تَجِدَ حَلَاوَةَ الصَّلَاةِ فَقَالَ لَا تُصَلِّ حَتَّى تَجِدَ حَلَاوَةَ التَّرْكِ يَكْفُرْ وَيَكْفُرُ بِقَوْلِ الْعَبْدِ لَا أُصَلِّي فَإِنَّ الثَّوَابَ يَكُونُ لِلْمَوْلَى وَإِذَا قِيلَ لِرَجُلٍ صَلِّ فَقَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَقَصَ عَنِّي مَالِي فَأَنَا أَنْقُصُ حَقَّهُ كَفَرَ.
وَيَكْفُرُ بِقَوْلِهِ لَوْ صَارَتْ الْقِبْلَةُ إلَى هَذِهِ الْجِهَةِ مَا صَلَّيْت وَبِقَوْلِهِ " سرنماز بستدام " وَبِقَوْلِهِ اصْبِرْ إلَى مَجِيءِ شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى نُصَلِّيَ فِي جَوَابِ مَنْ قَالَ صَلِّي وَمَنْ قَالَ لَهُ صَلِّ فَقَالَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَبْلُغَ هَذَا الْأَمْرَ إلَى نِهَايَتِهِ أَوْ قَالَ لِلْآمِرِ مَا زِدْت وَمَا رَبِحْت مِنْ صَلَاتِك يَكْفُرْ وَبِقَوْلِهِ نُصَلِّي رَمَضَانَ إنَّ الصَّلَاةَ فِي رَمَضَانَ تُسَاوِي سَبْعِينَ صَلَاةً وَبِتَرْكِ الصَّلَاةِ مُتَعَمِّدًا غَيْرَ نَاوٍ لِلْقَضَاءِ وَغَيْرَ خَائِفٍ لِلْعِقَابِ وَبِصَلَاتِهِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ مُتَعَمِّدًا أَوْ فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ أَوْ بِغَيْرِ وُضُوءٍ عَمْدًا وَالْمَأْخُوذُ بِهِ الْكُفْرُ فِي الْأَخِيرِ فَقَطْ وَقِيلَ لَا فِي الْكُلِّ وَمَحَلُّ الِاخْتِلَافِ إذَا لَمْ يَكُنْ اسْتِخْفَافًا بِالدِّينِ وَإِنْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالِاسْتِخْفَافِ فَيَصِيرُ كَافِرًا بِالِاتِّفَاقِ.
وَفِي فُصُولِ الْعِمَادِيِّ وَلَوْ اُبْتُلِيَ إنْسَانٌ بِذَلِكَ ضَرُورَةً بِأَنْ كَانَ يُصَلِّي مَعَ قَوْمٍ فَأَحْدَثَ وَاسْتَحَى أَنْ يُظْهِرَ ذَلِكَ وَكَتَمَ فَصَلَّى هَكَذَا أَوْ كَانَ هَرَبَ مِنْ الْعَدُوِّ فَقَامَ يُصَلِّي وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا لَا يَكْفُرُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَهْزِئٍ وَيَنْبَغِي لِمَنْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِالْقِيَامِ الْقِيَامَ إلَى صَلَاةٍ وَلَا يَقْرَأُ شَيْئًا وَإِذَا حَنَى ظَهْرَهُ لَا يَقْصِدُ الرُّكُوعَ وَلَا السُّجُودَ وَلَا يُسَبِّحُ حَتَّى لَا يَصِيرَ كَافِرًا إجْمَاعًا.
وَيَكْفُرُ بِإِنْكَارِ فَرِيضَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مُطْلَقًا وَبِالِاسْتِهْزَاءِ بِالْأَذَانِ لَا بِالْمُؤَذِّنِ وَبِإِعَادَةِ الْأَذَانِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ وَبِقَوْلِهِ صَوْتٌ طُرْفَةٌ حِينَ سَمِعَ الْأَذَانَ اسْتِهْزَاءً أَوْ قَالَ هَذَا صَوْتٌ غَيْرُ الْمُتَعَارَفِ أَوْ صَوْتُ الْأَجَانِبِ أَوْ صَوْتُ الْجَرَسِ أَوْ قَالَ " اين بَانَك باسبان " هَذَا إذَا قَصَدَ الِاسْتِهْزَاءَ بِالْقِرَاءَةِ نَفْسِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَهْزَأَ بِقَارِئِهَا مِنْ وَحْشَةِ قُبْحِ صَوْتِهِ فِيهَا وَغَرَابَةِ تَأْدِيَتِهِ بِهَا.
وَبِقَوْلِهِ لَا أُؤَدِّي الزَّكَاةَ بَعْدَ الْأَمْرِ بِأَدَائِهَا عَلَى قَوْلٍ وَبِقَوْلِهِ لَوْ أَمَرَنِي اللَّهُ تَعَالَى بِالزَّكَاةِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ أَوْ بِالصَّوْمِ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ لَا أَفْعَلُ وَلَوْ تَمَنَّى أَنْ لَا يُفْرَضَ رَمَضَانُ فَالصَّوَابُ أَنَّهُ عَلَى نِيَّتِهِ.
قَالَ عِنْدَ دُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ جَاءَ الشَّهْرُ الثَّقِيلُ أَوْ الضَّيْفُ الثَّقِيلُ أَوْ قَالَ عِنْدَ دُخُولِ رَجَبٍ بِفِتَنِهَا " أندر افتاديم " إنْ قَالَ تَهَاوُنًا كَفَرَ وَإِنْ قَالَ لِضَعْفِهِ وَجُوعِهِ لَا يَكْفُرْ، وَيَكْفُرُ بِقَوْلِهِ إنَّ هَذِهِ الطَّاعَاتِ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَذَابًا عَلَيْنَا بِلَا تَأْوِيلٍ أَوْ قَالَ لَوْ لَمْ يَفْرِضْ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الطَّاعَاتِ لَكَانَ خَيْرًا لَنَا وَبِقَوْلِهِ لَا عِنْدَ أَمْرِهِ بِقَوْلِهِ قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَكِنْ إنْ عَنَى بِهِ لَا أَقُولُ بِأَمْرِك لَا يَكْفُرْ.
وَبِإِنْكَارِهِ الْأَهْوَالَ عِنْدَ النَّزْعِ أَوْ الْقَبْرِ لَكِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ أَنْكَرُوا عَذَابَ الْقَبْرِ فَلَا يَصِحُّ إكْفَارُهُمْ فِي صَحِيحِ الْأَقْوَالِ وَبِإِنْكَارِهِ الْقِيَامَةَ أَوْ الْبَعْثَ أَوْ الْجَنَّةَ أَوْ الْمِيزَانَ أَوْ الْحِسَابَ أَوْ الصِّرَاطَ أَوْ الصَّحَائِفَ الْمَكْتُوبَةَ فِيهَا أَعْمَالُ الْعِبَادِ إلَّا إذَا أَنْكَرَ بِعَيْنِهِ وَبِإِنْكَارِهِ رُؤْيَةَ اللَّهِ بَعْدَ دُخُولِهِ الْجَنَّةَ وَبِإِنْكَارِهِ عَذَابَ الْقَبْرِ وَبِقَوْلِهِ لَوْ أَعْطَانِي اللَّهُ الْجَنَّةَ
стр. 694
لَا أُرِيدُهَا دُونَك أَوْ لَا أَدْخُلُهَا مَعَ فُلَانٍ أَوْ لَوْ أَعْطَانِي اللَّهُ تَعَالَى الْجَنَّةَ أَوْ لِأَجْلِ هَذَا الْعَمَلِ لَا أُرِيدُهَا أَوْ لَا أُرِيدُ الْجَنَّةَ أَوْ أُرِيدُ رُؤْيَتَهُ تَعَالَى كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنَّ رُؤْيَتَهُ تَعَالَى أَكْبَرُ مِنْ الْجَنَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُكَفَّرَ بِطَلَبِ الْأَعْلَى وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالُوا مِنْ أَنَّ الدُّنْيَا حَرَامٌ عَلَى أَهْلِ الْآخِرَةِ حَرَامٌ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا وَكِلَاهُمَا حَرَامَانِ عَلَى أَهْلِ اللَّهِ، تَأَمَّلْ. وَبِقَوْلِهِ لَا أَعْلَمُ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى إذَا بُعِثُوا هَلْ يُعَذَّبُونَ بِالنَّارِ وَبِإِنْكَارِهِ حَشْرَ بَنِي آدَمَ لَا غَيْرَهُمْ وَبِعَدَمِ رُؤْيَةِ الْعُقُوبَةِ بِالذَّنْبِ وَبِعَدَمِ رُؤْيَةِ الْمَعَاصِي قَبِيحَةً وَبِعَدَمِ رُؤْيَةِ الطَّاعَةِ حُسْنًا وَبِعَدَمِ رُؤْيَةِ الثَّوَابِ عَلَى الطَّاعَةِ وَبِعَدَمِ رُؤْيَةِ وُجُوبِ الطَّاعَاتِ.
(الرَّابِعُ فِي الِاسْتِخْفَافِ بِالْعِلْمِ) .
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ فَالِاسْتِخْفَافُ بِالْعُلَمَاءِ لِكَوْنِهِمْ عُلَمَاءَ اسْتِخْفَافٌ بِالْعِلْمِ وَالْعِلْمُ صِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى مَنَحَهُ فَضْلًا عَلَى خِيَارِ عِبَادِهِ لِيَدُلُّوا خَلْقَهُ عَلَى شَرِيعَتِهِ نِيَابَةً عَنْ رُسُلِهِ فَاسْتِخْفَافُهُ بِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ إلَى مَنْ يَعُودُ فَإِنْ افْتَخَرَ سُلْطَانٌ عَادِلٌ بِأَنَّهُ ظِلُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ يَقُولُ الْعُلَمَاءُ بِلُطْفٍ اللَّهُ اتَّصَفْنَا بِصِفَتِهِ بِنَفْسِ الْعِلْمِ فَكَيْفَ إذَا اقْتَرَنَ بِهِ الْعَمَلُ الْمُلْكُ عَلَيْك لَوْلَا عَدْلُك فَأَيْنَ الْمُتَّصِفُ بِصِفَتِهِ مِنْ الَّذِينَ إذَا عَدَلُوا لَمْ يَعْدِلُوا عَنْ ظِلِّهِ وَالِاسْتِخْفَافُ بِالْأَشْرَافِ وَالْعُلَمَاءِ كُفْرٌ.
وَمَنْ قَالَ لِلْعَالِمِ عُوَيْلِمٌ أَوْ لِعَلَوِيٍّ عُلَيْوِيٌّ قَاصِدًا بِهِ الِاسْتِخْفَافَ كَفَرَ.
وَمَنْ أَهَانَ الشَّرِيعَةَ أَوْ الْمَسَائِلَ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا كَفَرَ وَمَنْ بَغَضَ عَالِمًا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ ظَاهِرٍ خِيفَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ وَلَوْ شَتَمَ فَمَ عَالِمٍ فَقِيهٍ أَوْ عَلَوِيٍّ يُكَفَّرُ وَتَطْلُقُ امْرَأَتُهُ ثَلَاثًا إجْمَاعًا كَمَا فِي مَجْمُوعَةِ الْمُؤَيَّدِيِّ نَقْلًا عَنْ الْحَاوِي لَكِنَّ فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ أَنَّ هَذِهِ الْفُرْقَةَ فُرْقَةٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ فَكَيْفَ الثَّلَاثُ بِالْإِجْمَاعِ، تَدَبَّرْ.
حُكِيَ أَنَّ فَقِيهًا وَضَعَ كِتَابَهُ فِي دُكَّانٍ وَذَهَبَ ثُمَّ مَرَّ عَلَى ذَلِكَ الدُّكَّانِ فَقَالَ صَاحِبُ الدُّكَّانِ هَاهُنَا نَسِيت الْمِنْشَارَ فَقَالَ الْفَقِيهُ: عِنْدَك لِي كِتَابٌ لَا مِنْشَارٌ، فَقَالَ صَاحِبُ الدُّكَّانِ: النَّجَّارُ يَقْطَعُ الْخَشَبَةَ بِالْمِنْشَارِ وَأَنْتُمْ تَقْطَعُونَ بِهِ حَلْقَ النَّاسِ أَوْ قَالَ حَقَّ النَّاسِ أَمَرَ ابْنُ الْفَضْلِ بِقَتْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ كَفَرَ بِاسْتِخْفَافِ كِتَابِ الْفَقِيهِ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ الْكِتَابَ إذَا كَانَ فِي غَيْرِ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ كَالْمَنْطِقِ وَالْفَلْسَفَةِ لَا يَكُونُ كُفْرًا لِأَنَّهُ يَجُوزُ إهَانَتُهُ فِي الشَّرِيعَةِ.
يَحْكِي عَنْ الْعَلَّامَةِ الْخُوَارِزْمِيِّ مَوْلَانَا هَمَّامُ الدِّينِ أَنَّهُ قَتَلَ وَاحِدًا مِنْ الْأَعْوِنَةِ حِينَ أَطَالَ لِسَانَهُ إلَى دَفْتَرِ وَاحِدٍ مِنْ الطَّلَبَةِ مَنْ قَالَ لِفَقِيهٍ يَذْكُرُ شَيْئًا مِنْ الْعِلْمِ أَوْ يَرْوِي حَدِيثًا صَحِيحًا هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ أَوْ قَالَ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْلُحُ هَذَا الْكَلَامُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الدِّرْهَمُ لِأَنَّ الْعِزَّةَ وَالْحُرْمَةَ الْيَوْمَ لِلدِّرْهَمِ لَا لِلْعِلْمِ كَفَرَ وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ " دِرْهَمٌ بايد عِلْم بجيه كَارِ آير " أَوْ قَالَ " عِلْمٌ بكاسه اندرشكست " كَفَرَ.
وَيَكْفُرُ بِجُلُوسِهِ عَلَى مُرْتَفِعٍ وَيَتَشَبَّهُ بِالْمُذَكِّرِينَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ يَسْأَلُونَهُ وَيَضْحَكُونَ مِنْهُ ثُمَّ يَضْرِبُهُمْ بِالْمِخْرَاقِ وَكَذَا يَكْفُرُ الْجَمْعُ لِاسْتِخْفَافِهِمْ بِالشَّرْعِ وَكَذَا لَوْ لَمْ يَجْلِسْ عَلَى مَكَان مُرْتَفِعٍ وَلَكِنْ يَسْتَهْزِئُ بِالْمُذَكِّرِينَ وَيَسْخَرُ وَالْقَوْمُ يَضْحَكُونَ كَفَرُوا وَكَذَا مَنْ تَشَبَّهَ بِالْمُعَلِّمِ عَلَى وَجْهِ السُّخْرِيَةِ وَأَخَذَ الْخَشَبَةَ وَيَضْرِبُ
стр. 695
الصِّبْيَانَ كَفَرَ.
وَيَكْفُرُ مَنْ قَالَ قَصَصْت شَارِبَك وَأَلْقَيْت الْعِمَامَةَ عَلَى الْعَانِقِ اسْتِخْفَافًا أَوْ قَالَ مَا أَقْبَحَ أَمْرَ قَصِّ الشَّارِبِ وَلَفِّ طَرَفِ الْعِمَامَةِ وَيَكْفُرُ بِقَوْلِهِ مَاذَا أَعْرَفَ الشَّرْعُ أَوْ قَالَ مَاذَا أَصْنَعُ بِالشَّرْعِ وَبِقَوْلِهِ الشَّرْعُ وَأَمْثَالُهُ لَا يُفِيدُنِي وَلَا يُنَفَّذُ أَوْ قَالَ لِمَاذَا يَصْلُحُ لِي مَجْلِسُ الْعِلْمِ أَوْ أَلْقَى الْفَتْوَى عَلَى الْأَرْضِ وَقَالَ " أَيْنَ جه شرعست " أَوْ قَالَ مَاذَا أَشْرَعَ هَذَا أَوْ قَالَ مَاذَا أَعْرَفَ الطَّلَاقُ وَالْمِلَاقُ أَوْ قَالَ " مَنْ عِلْم حِيلَ را منكرم " أَوْ قَالَ اذْهَبْ مَعِي إلَى الشَّرْعِ فَقَالَ لَا أَذْهَبُ حَتَّى بِالْبَيْدَقِ كَفَرَ إذَا عَانَدَ الشَّرْعَ بِخِلَافِ مَا إذَا أَرَادَ دَفْعَهُ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَ الْمُخَاصَمَةِ أَوْ قَصَدَ أَنَّهُ صَحَّحَ الدَّعْوَى فَيَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ أَوْ تَعَلَّلَ لِأَنَّ الْقَاضِي رُبَّمَا لَا يَكُونُ جَالِسًا فِي الْمَحْكَمَةِ فَلَا يَكْفُرُ أَمَّا لَوْ قَالَ إلَى الْقَاضِي فَقَالَ لَا أَذْهَبُ فَلَا يَكْفُرُ.
إذَا تَخَاصَمَ رَجُلَانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا تَعَالَى حَتَّى نَذْهَبَ إلَى الْعَالِمِ أَوْ إلَى الشَّرْعِ فَقَالَ الْآخَرُ " مِنْ عِلْم جه دانم " يَكْفُرُ وَيَكْفُرُ بِقَوْلِهِ " آنَكَسَ كه سيم كَرَفَّتِي قَاضِي شريعت كجابود " قِيلَ إنْ عَنَى بِهِ قَاضِي الْبَلَدِ لَا يَكْفُرْ لَوْ قَالَ أَيْنَ كَانَ الشَّرْعُ وَأَمْثَالُهُ حِينَ أُخِذَتْ الدَّرَاهِمُ يَكْفُرْ وَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ " بيا بمجلس علمي روم " فَقَالَ " مرا بِعِلْمِ جه كاراست " يَكْفُرْ وَمَنْ قِيلَ لَهُ قُمْ اذْهَبْ إلَى مَجْلِسِ الْعِلْمِ فَقَالَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِمَا يَقُولُونَ أَوْ قَالَ مَالِي وَمَجْلِسُ الْعِلْمِ كَفَرَ أَوْ قَالَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُكْمِلَ بِمَا أَمَرَ الْعُلَمَاءُ كَفَرَ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنْ لَوْ سَمِعَ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ مَا لَا يَتَيَسَّرُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ كَثْرَةِ النَّوَافِلِ وَالرِّيَاضَاتِ وَالْمُجَاهَدَاتِ الَّتِي تُحْكَى عَنْ الْأَنْبِيَاءِ وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ الصَّالِحِ فَقَالَ تَعَجُّبًا وَتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ مُقِرًّا بِعَجْزِهِ عَنْ مِثْلِهِ وَنُقْصَانِهِ لَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِخْفَافِ وَالْإِنْكَارِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُكَفَّرَ وَيَكْفُرُ بِقَوْلِهِ لِآخَرَ لَا تَذْهَبْ إلَى مَجْلِسِ الْعِلْمِ فَإِنْ ذَهَبْت تَطْلُقْ وَتَحْرُمْ امْرَأَتُك مُمَازَحَةً أَوْ جِدًّا وَمَنْ رَجَعَ مِنْ مَجْلِسِ الْعِلْمِ فَقَالَ الْآخَرُ رَجَعَ هَذَا مِنْ الْكَنِيسَةِ كَفَرَ وَيَكْفُرُ بِقَوْلِهِ قَصْعَةُ ثَرِيدٍ خَيْرٌ مِنْ الْعِلْمِ وَبِقَوْلِهِ الْجَهْلُ خَيْرٌ مِنْ الْعِلْمِ وَبِقَوْلِهِ الْجَاهِلُ خَيْرٌ مِنْ الْعَالِمِ وَبِقَوْلِهِ زَاهِدٌ جَاهِلٌ خَيْرٌ مِنْ عَالِمٍ فَاسِقٍ وَبِقَوْلِهِ " فعل دانشمندان همانست فعل كَافِرَانِ " وَمَنْ ذُكِرَ عِنْدَهُ الشَّرْعُ فَتَجَشَّأَ فَقَالَ هَذَا الشَّرْعُ كَفَرَ وَيَكْفُرُ بِقَوْلِهِ لَا تَوْحِيدَ فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ أَوْ عِلْمُ الْحَقِيقَةِ أَعْلَى مِنْ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ أَوْ لَا حَقِيقَةَ عِلْمَ الشَّرِيعَةِ أَوْ عِلْمُ الْحَقِيقَةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الشَّرِيعَةِ وَيُرِيدُ بِالْحَقِيقَةِ عِلْمَ الْفَلَاسِفَةِ.
(الْخَامِسُ فِي الْمُتَفَرِّقَاتِ) وَيَكْفُرُ بِقَوْلِهِ الْإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَبِقَوْلِهِ لَا أَدْرِي الْكَافِرُ فِي الْجَنَّةِ أَوْ فِي النَّارِ وَبِقَوْلِهِ لَا أَتْرُكُ النَّقْدَ لِأَجْلِ النَّسِيئَةِ جَوَابًا لِقَوْلِهِ دَعْ الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ وَبِقَوْلِهِ أَنَا مُخَلَّدٌ وَبِقَوْلِهِ النَّصْرَانِيَّةُ خَيْرٌ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْخَيْرِيَّةَ لِمَا هُوَ قَبِيحٌ شَرْعًا وَعَقْلًا
стр. 696
ثَابِتٌ قَبِيحَةً بِالْقَطْعِيِّ بَلْ بِقَوْلِهِ الْيَهُودِيَّةُ شَرٌّ مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ وَبِقَوْلِهِ لَا فِي جَوَابِ أَلَسْت بِمُسْلِمٍ وَبِقَوْلِهِ لَا أَسْمَعُ كَلَامَك وَأَفْعَلُ جَزَاءً فِي جَوَابِ مَنْ قَالَ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفْعَلْ وَبِقَوْلِهِ قَتْلُ فُلَانٍ أَوْ دَمُ فُلَانٍ حَلَالٌ أَوْ مُبَاحٌ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ سَبَبًا مُوجِبًا لِلْقَتْلِ وَكَذَا مَنْ قَالَ لِهَذَا الْقَائِلِ صَدَقْت وَأَحْسَنْت إلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الشَّتْمُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُكَفَّرَ بَلْ يُعَزَّرُ وَبِقَوْلِهِ مَالُ فُلَانٍ الْمُسْلِمِ لِي حَلَالٌ قَبْلَ تَحْلِيلِ الْمَالِكِ إيَّاهُ وَلَوْ قَالَ لِأَمِيرٍ يَقْتُلُ بِغَيْرِ حَقٍّ كَمَا إذَا قَتَلَ سَارِقًا أَوْ شَارِبًا جَوَّدْت لَهُ أَوْ أَحْسَنْت يَكْفُرْ وَبِقَوْلِهِ لَيْتَنِي لَمْ أُسْلِمْ إلَى هَذَا الْوَقْتِ حَتَّى أَرِثَ أَبِي.
وَبِقَوْلِهِ لَبَّيْكَ أَوْ قَالَ نَحْنُ كَذَلِكَ فِي جَوَابِ مَنْ قَالَ يَا كَافِرُ أَوْ يَا مَجُوسِيُّ أَوْ يَهُودِيُّ أَوْ يَا نَصْرَانِيُّ وَبِقَوْلِهِ أَنَا مُلْحِدٌ وَبِقَوْلِ الْمُعْتَذِرِ كُنْت كَافِرًا فَأَسْلَمْت عِنْدَ الْبَعْضِ وَقِيلَ لَا وَبِتَبْجِيلِ الْكَافِرِ حَتَّى لَوْ سَلَّمَ عَلَى الذِّمِّيِّ تَبْجِيلًا وَبِقَوْلِهِ لِلْمَجُوسِيِّ يَا أُسْتَاذُ تَبْجِيلًا وَبِقَوْلِهِ الْحَرَامُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْحَلَالِ فِي جَوَابِ مَنْ قَالَ كُلْ مِنْ الْحَلَالِ.
وَبِاعْتِقَادِ الْحَلَالِ حَرَامًا أَوْ عَلَى الْعَكْسِ هَذَا إذَا كَانَ حَرَامًا بِعَيْنِهِ وَحُرْمَتُهُ ثَابِتَةٌ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ أَمَّا لَوْ بِإِخْبَارِ الْآحَادِ لَا يَكْفُرُ وَلَوْ قَالَ نِعْمَ الْأَمْرُ أَكْلُ الْحَرَامِ قِيلَ يَكْفُرُ.
وَمَنْ قَالَ أُحِبُّ الْخَمْرَ وَلَا أَصْبِرُ عَنْهَا قِيلَ يَكْفُرُ وَبِقَوْلِهِ الْخَمْرُ لَيْسَتْ بِحَرَامٍ لِأَنَّهُ اسْتَحَلَّ الْحَرَامَ الْقَطْعِيَّ وَبِاسْتِحْلَالِ اللِّوَاطَةِ إنْ عَلِمَ أَنَّ حُرْمَتَهُ مِنْ الدَّيْنِ وَبِتَمَنِّيهِ أَنْ لَمْ يُحَرَّمْ الظُّلْمُ أَوْ الزِّنَاءُ أَوْ الْقَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ كُلُّ حَرَامٍ لَا يَكُونُ حَلَالًا فِي وَقْتٍ بِخِلَافِ الْخَمْرِ.
وَلَوْ تَصَدَّقَ عَلَى فَقِيرٍ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ الْحَرَامِ يَرْجُو الثَّوَابَ يَكْفُرُ وَلَوْ عَلِمَ الْفَقِيرُ بِذَلِكَ فَدَعَا لَهُ وَأَمَّنَ الْمُعْطِي كَفَرَا.
وَلَوْ شَتَمَ فَمَ مُسْلِمٍ يُكَفَّرُ وَتَطْلُقُ امْرَأَتُهُ بَائِنًا وَهُوَ الْأَصَحُّ مِمَّا قَالَهُ الْبَعْضُ مِنْ أَنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا كَمَا فِي مَجْمُوعَةِ الْمُؤَيَّدِيِّ نَقْلًا عَنْ الْحَاوِي هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ أَنَّ هَذِهِ فُرْقَةٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ كَمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا عَلَى أَنَّهُ أُفْتِيَ فِي زَمَانِنَا عَدَمُ الْكُفْرِ.
وَلَوْ سَبَّ طَعَامًا بِكَلِمَةِ الْجِمَاعِ يَكْفُرُ وَلَوْ شَتَمَ حَيَوَانًا مِنْ الْمَأْكُولَاتِ أَوْ الْمَاءِ فَعِنْدَ الْإِمَامِ يَكْفُرُ وَعِنْدَهُمَا لَا وَلَا يَكْفُرُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا لَوْ شَتَمَ حَيَوَانًا لَا يُؤْكَلُ.
وَمِنْ اُبْتُلِيَ بِمُصِيبَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ فَقَالَ أَخَذْت مَالِي وَأَخَذْت وَلَدِي وَأَخَذْت كَذَا وَكَذَا فَمَاذَا نَفْعَلُ أَيْضًا وَمَاذَا بَقِيَ وَلَمْ تَفْعَلْهُ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْأَلْفَاظِ فَقَدْ كَفَرَ وَيَكْفُرُ بِقَوْلِ الْمَرِيضِ الْمُشْتَدِّ مَرَضُهُ إنْ شِئْت تَوَفَّيْتنِي مُسْلِمًا وَإِنْ شِئْت كَافِرًا.
ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً صَغِيرَةً فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ تُبْ فَقَالَ مَاذَا صَنَعْت حَتَّى أَتُوبَ يَكْفُرُ قَالَ لِظَالِمٍ تُؤْذِي اللَّهَ وَالْمُسْلِمِينَ فَقَالَ نَعَمْ مَا أَفْعَلُ " خوش مي كنم " كَفَرَ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَمَنْ قَالَ لِلظَّالِمِ إنَّهُ عَادِلٌ يَكْفُرْ وَكَذَا لِلْأُمَرَاءِ فِي زَمَانِنَا لِأَنَّهُمْ جَائِرُونَ بِيَقِينٍ وَمَنْ سَمَّى الْجَوْرَ عَدْلًا كَفَرَ وَقِيلَ لَا يَكْفُرُ لِأَنَّ لَهُ تَأْوِيلًا وَهُوَ أَنْ يَقُولَ أَرَدْت أَنَّهُ عَادِلٌ عَنْ غَيْرِنَا أَوْ هُوَ عَادِلٌ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ هَذَا إذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ اللَّفْظِ أَمَّا إذَا أَرَادَ بِهِ حَقِيقَةَ اللَّفْظِ فَيَكْفُرُ عِنْدَ الْكُلِّ فَلَا يَكْفِي عَدْلُهُ فِي قَضِيَّةٍ جُزْئِيَّةٍ لِأَنَّ فِي الْعُرْفِ لَا يُطْلَقُ الْعَدْلُ إلَّا عَلَى مَنْ اسْتَمَرَّ عَلَى وَتِيرَةِ الشُّرُوعِ بَيْنَ الرَّعَايَا.
وَمَنْ قَالَ لِمَنْ أَخَذَهُ مُقَاطَعَةً عَلَى مَالٍ مَعْلُومٍ " مُبَارَك بَادٍ "
стр. 697
يَكْفُرْ وَمَنْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَضَحِكَ مِنْهُ آخَرُ كَفَرَ الضَّاحِكُ وَالْمُتَكَلِّمُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا بِأَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ مُضْحِكًا وَلَوْ تَكَلَّمَ الْوَاعِظُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ وَقَبِلَ مِنْهُ الْقَوْمُ كَفَرَ الْكُلُّ وَقِيلَ إذَا سَكَتَ الْقَوْمُ عَنْ الذِّكْرِ وَجَلَسُوا عِنْدَهُ بَعْدَ تَكَلُّمِهِ بِالْكُفْرِ كَفَرُوا إذَا عَلِمُوا أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ كُفْرٌ.
وَيَكْفُرُ بِقَوْلِهِ أَمَاتَهُ اللَّهُ قَبْلَ حَيَاتِهِ وَبِقَوْلِهِ زِدْنِي وَاطْلُبْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي جَوَابِ مَنْ قَالَ لِمَدْيُونِهِ أَعْطِ الدَّرَاهِمَ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ لَا دَرَاهِمَ فِي الْآخِرَةِ يَعْنِي تُؤْخَذُ حَسَنَاتُك وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَا يَكْفُرُ وَبِقَوْلِهِ أَعْطِنِي بُرًّا أُعْطِيك يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَعِيرًا أَوْ عَلَى الْعَكْسِ وَبِقَوْلِهِ مَالِي فِي الْمَحْشَرِ وَبِقَوْلِهِ لَا أَخَافُ الْمَحْشَرَ أَوْ لَا أَخَافُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبِقَوْلِهِ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْمَوْتِ عِنْدَ الْبَعْضِ وَبِقَوْلِهِ لِآخَرَ أَذْهَبُ مَعَك إلَى خَفِيرِ جَهَنَّمَ أَوْ إلَى بَابِهَا وَلَكِنْ لَا أَدْخُلُهَا وَبِقَوْلِهِ إلَى جَهَنَّمَ أَوْ إلَى طَرِيقِ جَهَنَّمَ عِنْدَ الْبَعْضِ وَبِقَوْلِهِ كَفَرْت حِينَ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ زَعْمٍ الْقَوْلُ أَنَّهَا كُفْرٌ فَلَيْسَ بِكُفْرٍ وَيَكْفُرُ بِقَوْلِهِ لَا حَمِيَّةَ وَلَا دِينَ لِي فِي جَوَابِ مَنْ قَالَ لَيْسَ لَك حَمِيَّةٌ وَلَا دِينٌ.
وَبِقَوْلِهِ لِوَلَدِهِ يَا وَلَدَ الْكَافِرِ عِنْدَ الْبَعْضِ وَبِقَوْلِهِ لِدَابَّتِهِ يَا دَابَّةَ الْكَافِرِ أَوْ يَا مِلْكَ الْكَافِرِ إنْ كَانَتْ نَتَجَتْ عِنْدَهُ وَإِلَّا لَا وَبِقَوْلِهِ مَا أَمَرَنِي فُلَانٌ أَفْعَلُ وَلَوْ بِكُفْرٍ وَبِقَوْلِهِ فُلَانٌ أَكْفَرُ مِنِّي أَوْ قَالَ ضَاقَ صَدْرِي حَتَّى أَرَدْت أَنْ أَكْفُرَ أَوْ كِدْت أَنْ أَكْفُرَ أَوْ كَانَ زَمَانٌ أَقْرَبَ إلَى كُفْرِهِ وَبِقَوْلِهِ صَيْرُورَةُ الْمَرْءِ كَافِرًا خَيْرٌ مِنْ الْخِيَانَةِ وَبِإِنْكَارِهِ وَنَفْيِهِ حِكْمَةَ الْمَطَرِ.
وَبِقَوْلِهِ بَعْدَ قُبْلَةِ أَجْنَبِيَّةٍ هِيَ حَلَالٌ وَبِتَمَنِّيهِ إنْ لَمْ يَحْرُمْ الْأَكْلُ فَوْقَ الشِّبَعِ وَبِقَوْلِهِ لَا يُقَالُ لِلسُّلْطَانِ هَكَذَا فِي جَوَابِ مَنْ قَالَ يَرْحَمُك اللَّهُ حِينَ عَطَسَ السُّلْطَانُ وَبِقَوْلِهِ بَارَكَ اللَّهُ فِي كَذِبِك لِمَنْ كَذَبَ وَاسْتِحْسَانِهِ بَاطِلًا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَبِقَوْلِهِ لِلْقَبِيحِ إنَّهُ حَسَنٌ وَبِقَوْلِهِ أَنْتَ مِثْلُ إبْلِيسَ.
لَا يَكْفُرُ بِقَوْلِهِ أَنْتَ عِنْدِي مِثْلُ إبْلِيسَ عِنْدَ اللَّهِ وَيَكْفُرُ بِخُرُوجِهِ إلَى نَيْرُوزِ الْمَجُوسِ وَالْمُوَافَقَةِ مَعَهُمْ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَبِشِرَائِهِ يَوْمَ نَيْرُوزِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يَشْتَرِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلنَّيْرُوزِ لَا لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَبِإِهْدَائِهِ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ بَيْضَةً تَعْظِيمًا لِذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَا يَكْفُرُ بِإِجَابَةِ دَعْوَةِ مَجُوسٍ وَحَلْقِ رَأْسِ وَلَدِهِ.
وَيَكْفُرُ بِوَضْعِ قَلَنْسُوَةِ الْمَجُوسِ عَلَى رَأْسِهِ عَلَى الصَّحِيحِ إلَّا لِتَخْلِيصِ الْأَسِيرِ أَوْ لِضَرُورَةِ دَفْعِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ عِنْدَ الْبَعْضِ وَقِيلَ إنْ قَصَدَ بِهِ التَّشْبِيهَ يَكْفُرُ وَكَذَا شَدُّ الزُّنَّارِ فِي وَسَطِهِ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَيُحْكَى عَنْ بَعْضٍ مِنْ الْأَسَالِفَةِ أَنَّهُ يَقُولُ مَا ذُكِرَ مِنْ الْفَتَاوَى أَنَّهُ يَكْفُرُ بِكَذَا وَكَذَا أَنَّهُ لِلتَّخْوِيفِ وَالتَّهْدِيدِ لَا لِحَقِيقَةِ الْكُفْرِ، وَهَذَا كَلَامٌ بَاطِلٌ وَحَاشَا أَنْ يَلْعَبَ أُمَنَاءُ اللَّهِ تَعَالَى أَعْنِي عُلَمَاءَ الْأَحْكَامِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ بَلْ لَا يَقُولُونَ إلَّا الْحَقَّ الثَّابِتَ عِنْدَ شَرِيعَةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﵊ عَصَمَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ عَنْ زَلَلٍ عَنْ اللِّسَانِ وَتَكَلُّمِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ بِالْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ آمِينَ بِحُرْمَةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ صَلَاةٌ لِلَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
стр. 698
[بَابُ الْبُغَاةِ]
ِ أَيْ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْبُغَاةِ جَمْعُ الْبَاغِي مِنْ الْبَغْيِ وَهُوَ التَّجَاوُزُ عَنْ الْحَدِّ.
وَفِي الْفَتْحِ الْبَغْيُ فِي اللُّغَةِ الطَّلَبُ تَقُولُ بَغَيْت كَذَا أَيْ طَلَبْته قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤] ثُمَّ اشْتَهَرَ فِي الْعُرْفِ فِي طَلَبِ مَا لَا يَحِلُّ مِنْ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ.
وَفِي التَّنْوِيرِ هُوَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ هُمْ الْخَارِجُونَ عَلَى الْإِمَامِ الْحَقِّ بِغَيْرِ حَقٍّ وَالْإِمَامُ يَصِيرُ إمَامًا بِالْمُبَايَعَةِ مَعَهُ مِنْ الْأَشْرَافِ وَالْأَعْيَانِ وَبِأَنْ يَنْفُذَ حُكْمُهُ فِي رَعِيَّتِهِ خَوْفًا مِنْ قَهْرِهِ وَجَبَرُوتِهِ فَإِنْ بَايَعَ النَّاسَ وَلَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ فِيهِمْ لِعَجْزِهِ عَنْ قَهْرِهِمْ لَا يَصِيرُ إمَامًا فَإِذَا صَارَ إمَامًا فَاجِرًا لَا يَنْعَزِلُ إنْ كَانَ لَهُ قَهْرًا وَغَلَبَةً وَإِلَّا يَنْعَزِلُ (إذَا خَرَجَ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ) أَيْ الْخَلِيفَةِ الْعَدْلِ لَا عَنْ أَمِيرٍ ظَلَمَ بِهِمْ فَلَوْ خَرَجُوا عَلَيْهِ لَظَلَمَ ظُلْمَهُمْ فَلَيْسُوا بِبُغَاةٍ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ (وَتَغَلَّبُوا عَلَى بَلَدٍ) .
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَفِيهِ رَمْزٌ إلَى أَنَّهُمْ يَكُونُونَ أَهْلَ بَغْيٍ وَإِنْ كَانَ مَنَعَةُ الْإِمَامِ أَقَلَّ مِنْ مَنَعَتِهِمْ لِأَنَّ الْمَنَعَةَ لَا تَظْهَرُ فِي حَقِّ الشَّارِعِ وَإِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونُوا ظَانِّينَ أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَالْإِمَامُ عَلَى الْبَاطِلِ مُتَمَسِّكِينَ بِشُبْهَةٍ وَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةً بِأَنَّهُمْ غَيْرُ فَاسْقِينَ بِالِاتِّفَاقِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُبْهَةٌ فَهُمْ فِي حُكْمِ اللُّصُوصِ وَإِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ وَالْقَوْمُ مُسْلِمِينَ وَأَنَّهُمْ مُرْتَكِبُونَ لِلْكَبِيرَةِ فَإِنَّ طَاعَةَ الْإِمَامِ فَرْضٌ وَإِلَى أَنَّ الْإِمَامِ لَا يُطَاعُ فِي مَعْصِيَةٍ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ (دَعَاهُمْ) الْإِمَامُ (إلَى الْعَوْدِ) أَيْ إلَى طَاعَتِهِ وَهَذِهِ الدَّعْوَةُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فَإِنَّ أَهْلَ الْعَدْلِ لَوْ قَاتَلُوهُمْ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ إلَى الْعَوْدِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا مَا يُقَاتِلُوهُمْ عَلَيْهِ فَحَارَبَهُمْ كَالْمُرْتَدِّينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ بَعْدَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ (وَكَشَفَ شُبْهَتَهُمْ) الَّتِي اسْتَنَدُوا إلَيْهَا فِي خُرُوجِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِ لِأَنَّهُ أَهْوَنُ الْأَمْرَيْنِ فَإِذَا أَجَابُوا إلَى الطَّاعَةِ تَمَّ الْمَرَامُ وَإِنْ قَالُوا فَعَلْنَا لِظُلْمِك فَالْإِمَامُ أَزَالَهُ وَإِلَّا وَالنَّاسُ لَا يُعِينُونَ الْإِمَامَ وَالْبُغَاةَ (وَبَدَأَهُمْ) الْإِمَامُ (بِالْقِتَالِ) أَيْ قَبْلَ أَنْ يَبْدَءُوا بِالْقِتَالِ (لَوْ تَحَيَّزُوا) أَيْ اتَّخَذُوا حَيِّزًا أَيْ مَكَانًا (مُجْتَمِعِينَ) فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ خُوَاهَرْ زَادَهْ عَنْ أَصْحَابِنَا (وَقِيلَ) قَائِلُهُ الْقُدُورِيُّ (لَا) أَيْ لَا يَبْدَأُ بِقِتَالِهِمْ (مَا لَمْ يَبْدَءُوا) أَيْ الْبُغَاةُ بِالْقِتَالِ فَإِنْ بَدَءُوهُ قَاتَلَهُمْ حَتَّى يُفَرِّقَ جَمْعَهُمْ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً لَا يَجُوزُ وَلَنَا أَنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ عَلَى الدَّلِيلِ وَهُوَ تَعَسْكُرُهُمْ وَاجْتِمَاعُهُمْ فَإِنَّ صَبْرَ الْإِمَامِ إلَى بَدْئِهِمْ رُبَّمَا لَا يُمْكِنُ دَفْعُ شَرِّهِمْ وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَجَبَ كَسْرُ مَنَعَتِهِمْ بِلَا سِلَاحٍ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ بِالْقِتَالِ بِالسِّلَاحِ، وَفِي الْكَشْفِ إنْ لَمْ يَعْزِمُوا عَلَى الْخُرُوجِ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ بِالْقَتْلِ وَالْحَبْسِ وَإِلَّا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ لَهُ قُوَّةُ الْقِتَالِ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ مَعَ الْإِمَامِ.
стр. 699
(فَإِنْ كَانَ لَهُمْ) أَيْ لِلْبُغَاةِ (فِئَةٌ) أَيْ جَمَاعَةٌ يَلْحَقُونَ بِهِمْ (أُجْهِزَ) عَلَى صِيغَةِ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ (عَلَى جَرِيحِهِمْ) وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ إتْمَامِ الْقَتْلِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَجَهَزَ عَلَى الْجَرِيحِ اتَّبَعَ وَجَهَزَ أَثْبَتَ قَتْلَهُ وَأَسْرَعَهُ وَتَمَّمَ عَلَيْهِ وَمَوْتٌ مُجْهَزٌ وَجَهِيزٌ سَرِيعٌ كَمَا فِي الْقَامُوسِ (وَأُتْبِعَ مُوَلِّيهِمْ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ لِلْقَتْلِ وَالْأَسْرِ لِأَنَّ جَرِيحَهُمْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَبْرَأَ فَيَعُودَ إلَى الْقِتَالِ وَكَذَا مَنْ وَلَّى مِنْهُمْ وَمُوَلِّيهِمْ بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ ثَانٍ وَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ وَلَّى تَوْلِيَةً إذَا أَدْبَرَ كَتَوَلَّى وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ أَسِرْهُمْ.
وَفِي الِاخْتِيَارِ الْأَحْسَنِ الْحَبْسُ لِأَنَّهُ يُؤْمَنُ بِهِ شَرُّهُ مِنْ غَيْرِ قَتْلٍ وَفِي الْمَرْأَةِ الْمُقَاتِلَةِ إذَا أُخِذَتْ حُبِسَتْ وَلَا تُقْتَلُ إلَّا فِي حَالِ مُقَاتَلَتِهَا وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يُجْهَزُ وَلَا يُتْبَعُ (وَإِلَّا) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ (فَلَا) يُجْهِزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَلَا يُتْبَعُ مُوَلِّيهِمْ لِأَنَّ شَرَّهُمْ مُنْدَفِعٌ بِدُونِهِ فَلَا قَتْلَ لِكَوْنِهِمْ مُسْلِمِينَ (وَلَا تُسْبَى ذُرِّيَّتُهُمْ) وَشَيْخُهُمْ وَزَمِنُهُمْ وَأَعْمَاهُمْ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْتُلُونَ إذَا كَانُوا مَعَ الْكُفَّارِ فَهَذَا أَوْلَى كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ وَعَلَى هَذَا يُقْتَلُ إنْ كَانَ ذَا رَأْيٍ أَوْ مَالٍ كَمَا إذَا كَانُوا مَعَ الْكُفَّارِ (وَلَا يَقْسِمُ مَالَهُمْ بَلْ يَحْبِسُ) أَمْوَالَهُمْ (حَتَّى يَتُوبُوا فَيَرُدَّ عَلَيْهِمْ) بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْصِمُ النَّفْسَ وَالْمَالَ وَالْحَبْسَ كَانَ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ.
(وَجَازَ اسْتِعْمَالُ سِلَاحِهِمْ وَخَيْلِهِمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ) فَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَيْهِمَا وَضَعَ السِّلَاحَ عِنْدَ سَائِرِ أَمْوَالِهِمْ وَيُبَاعُ الْخَيْلُ وَحُبِسَ ثَمَنُهُ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى النَّفَقَةِ وَلَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مَالُ مُسَلِّمٍ فَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ إلَّا بِرِضَاهُ وَلَنَا أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَسَمَ السِّلَاحَ فِيمَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ بِالْبَصْرَةِ وَكَانَتْ قِسْمَتُهُ لِلْحَاجَةِ لَا لِلتَّمْلِيكِ وَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي مَالِ الْعَادِلِ عِنْدَ الْحَاجَةِ فَفِي مَالِ الْبَاغِي أَوْلَى.
(وَإِنْ قَتَلَ بَاغٍ مِثْلَهُ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى الْبُغَاةِ (لَا يَجِبُ شَيْءٌ) مِنْ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ لِانْقِطَاعِ وِلَايَةِ الْإِمَامِ عَنْهُمْ.
وَفِي الْبَحْرِ يَصْنَعُ بِقَتْلَى أَهْلِ الْعَدْلِ مَا يَصْنَعُ بِسَائِرِ الشُّهَدَاءِ لِأَنَّهُمْ شُهَدَاءُ وَأَمَّا قَتْلَى أَهْلِ الْبَغْيِ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَلَكِنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ وَيُكَفَّنُونَ وَيُدْفَنُونَ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
(وَإِنْ غَلَبُوا عَلَى) أَهْلِ (مِصْرٍ فَقَتَلَ بَعْضُ أَهْلِهِ) أَيْ أَهْلِ الْمِصْرِ (آخَرَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمِصْرِ (عَمْدًا قُتِلَ) الْقَاتِلُ قِصَاصًا (بِهِ) أَيْ بِقَتْلِ مِثْلِهِ (إذَا ظَهَرَ عَلَى الْمِصْرِ) إذَا لَمْ يُجْرِ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ أَحْكَامَ الْبُغَاةِ وَأُزْعِجُوا قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ تَنْقَطِعْ وِلَايَةُ الْإِمَامِ وَبَعْدَ إجْرَاءِ أَحْكَامِهِمْ تَنْقَطِعُ فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ وَلَكِنْ يَسْتَحِقُّ عَذَابَ الْآخِرَةِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْفَتْحِ وَبِهَذَا ظَهَرَ لَك أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ هَذَيْنِ الْقَيْدَيْنِ، تَدَبَّرْ.
(وَإِنْ قَتَلَ عَادِلٌ مُوَرِّثَهُ الْبَاغِيَ يَرِثُهُ) أَيْ يَرِثُ الْعَادِلُ مِنْ ذَلِكَ الْبَاغِي مُطْلَقًا لِأَنَّهُ قَتْلٌ بِحَقٍّ وَفِي إشْعَارٍ بِأَنَّهُ يَحِلُّ لِلْعَادِلِ قَتْلُ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يُبَاشِرُ قَتْلَهُ إلَّا دَفْعًا لِهَلَاكِ نَفْسِهِ وَيَحْتَالُ فِي إمْسَاكِهِ لِيَقْتُلَ غَيْرَهُ.
(وَلَوْ) كَانَ الْأَمْرُ (بِالْعَكْسِ) أَيْ
стр. 700
لَوْ قَتَلَ الْبَاغِي مُوَرِّثَهُ الْعَدْلَ (لَا يَرِثُهُ الْبَاغِي) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (إلَّا إنْ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ) فِي قَتْلِهِ (عَلَى الْحَقِّ) زَاعِمًا أَنَّ الْبَاغِي إنَّمَا هُوَ فِي جَانِبِ مُوَرِّثِهِ فَيَرِثُهُ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَرِثُهُ) أَيْ الْبَاغِي الْعَادِلَ (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْحَقِّ أَوْ عَلَى الْبَاطِلِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ قَتْلٌ بِغَيْرِ حَقٍّ فَيُحْرَمُ مِنْ الْمِيرَاثِ اعْتِبَارًا بِالْخَطَأِ وَلَهُمَا أَنَّهُ قَتْلٌ بِتَأْوِيلٍ يَسْقُطُ مَعَهُ الضَّمَانُ فَلَا يُوجِبُ حِرْمَانَ الْإِرْثِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعُقُوبَةِ.
وَفِي الْهِدَايَةِ الْعَادِلُ إذَا أَتْلَفَ نَفْسَ الْبَاغِي أَوْ مَالَهُ لَا يَضْمَنُ وَلَا يَأْثَمُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِقِتَالِهِمْ دَفْعًا لِشَرِّهِمْ وَالْبَاغِي إذَا قَتَلَ الْعَادِلَ لَا يَضْمَنُ عِنْدَنَا وَيَأْثَمُ.
وَفِي الْمُحِيطِ الْعَادِلُ إذَا أَتْلَفَ مَالَ الْبَاغِي يُؤْخَذُ بِالضَّمَانِ وَبَيْنَ الْكَلَامَيْنِ مُخَالَفَةٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا فِي الْهِدَايَةِ عَلَى مَا إذَا أَتْلَفَهُ حَالَ الْقِتَالِ إذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا بِإِتْلَافِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِمْ كَالْخَيْلِ لَا عَلَى مَا إذَا أَتْلَفَهُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ لِأَنَّ مَالَهُمْ مَعْصُومٌ وَاعْتِقَادَ الْحُرْمَةِ مَوْجُودٌ فَلَا مَعْنَى لِمَنْعِ الضَّمَانِ (وَكُرِهَ بَيْعُ) نَفْسِ (السِّلَاحِ) فَلَا يُكْرَهُ بَيْعُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ كَالْحَدِيدِ (مِمَّنْ عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ) لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
(وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ) أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ (فَلَا) يُكْرَهُ لِأَنَّ الْغَلَبَةَ فِي الْأَمْصَارِ لِأَهْلِ الصَّلَاحِ.
[كِتَابُ اللَّقِيطِ]
ِ) لَمَّا كَانَ فِي الِالْتِقَاطِ دَفْعُ الْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِ اللَّقِيطِ ذَكَرَهُ عَقِيبَ السَّيْرِ الَّذِي فِيهِ دَفْعُ الْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدَّمَ اللَّقِيطَ عَلَى اللُّقَطَةِ لِتَعَلُّقِهِ بِالنَّفْسِ. وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مَا يُلْقَطُ أَيْ يُرْفَعُ مِنْ الْأَرْضِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الصَّبِيِّ الْمَنْبُوذِ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ أَنْ يُلْقَطَ.
وَفِي الِاصْطِلَاحِ اسْمٌ لِمَوْلُودٍ حَيٍّ طَرَحَهُ أَهْلُهُ خَوْفًا مِنْ الْعَيْلَةِ أَوْ التُّهْمَةِ سُمِّيَ بِهِ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ وَهُوَ مِنْ بَابِ وَصْفِ الشَّيْءِ بِالصِّفَةِ الْمُشَارِفَةِ كَقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» وَشَرَطَ فِي الْمُسْتَصْفَى أَنْ لَا يَعْرِفَ نَسَبَهُ (الْتِقَاطُهُ) أَيْ أَخْذُ اللَّقِيطِ (مَنْدُوبٌ) مِنْ تَرْكِهِ إنْ لَمْ يَخَفْ هَلَاكَهُ بِأَنْ كَانَ فِي مِصْرٍ لِمَا فِيهِ مِنْ أَرْحَمَ.
(وَإِنْ خِيفَ هَلَاكُهُ) بِأَنْ كَانَ فِي مَفَازَةٍ وَنَحْوِهَا مِنْ الْمَهَالِكِ (فَوَاجِبٌ) صِيَانَةً لَهُ وَدَفْعًا لِلْهَلَاكِ كَمَنْ رَأَى أَعْمَى يَقَعُ فِي بِئْرٍ وَنَحْوِهَا يَجِبُ عَلَيْهِ حِفْظُهُ عَنْ الْوُقُوعِ وَعِنْد الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ فَرْضُ عَيْنٍ.
(وَكَذَا اللُّقَطَةُ) يَعْنِي الْتِقَاطُهَا مَعَ الْإِشْهَادِ وَاجِبٌ إنْ خِيفَ هَلَاكُهَا وَمَنْدُوبٌ إنْ لَمْ يَخَفْ وَأَمِنَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا وَقَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ يَحِلُّ رَفْعُهَا وَتَرْكُهَا أَفْضَلُ.
(وَهُوَ) أَيْ اللَّقِيطُ (حُرٌّ) فِي جَمْعِ أَحْكَامِهِ حَتَّى أَنَّ قَاذِفَهُ يُحَدُّ وَلَا يُحَدُّ قَاذِفُ أُمِّهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي بَنِي آدَمَ الْحُرِّيَّةُ وَكَذَا الدَّارُ دَارُ الْأَحْرَارِ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ (إلَّا إنْ ثَبَتَ رِقُّهُ بِحُجَّةٍ) أَيْ بِحُجَّةٍ عَلَى أَنَّهُ رَقِيقٌ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ
стр. 701
يَكُونُ عَبْدًا وَالْحُجَّةُ بَيِّنَةٌ أُقِيمَتْ عَلَى الْمُلْتَقِطِ إذَا كَانَ اللَّقِيطُ صَغِيرًا أَوْ بَيِّنَةٌ عَلَى اللَّقِيطِ أَوْ تَصْدِيقُهُ إنْ كَانَ كَبِيرًا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ مُسْلِمِينَ إلَّا إذَا اعْتَبَرَ بِوُجُودِهِ فِي مَوْضِعِ الْكُفَّارِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ هَذَا عَلَى رِوَايَةِ كِتَابِ اللَّقِيطِ مِنْ الْمَبْسُوطِ وَأَمَّا فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فَالْعِبْرَةُ لِلْوَاجِدِ لِقُوَّةِ الْيَدِ كَمَا سَيَأْتِي فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْكُفَّارِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إذَا كَانَ الْمُلْتَقِطُ مُسْلِمًا تَأَمَّلْ.
[نَفَقَة اللَّقِيط]
(وَنَفَقَتُهُ) وَكَذَا الْكِسْوَةُ وَالسُّكْنَى (فِي بَيْتِ الْمَالِ) إذَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ.
(وَكَذَا جِنَايَتُهُ) فِي بَيْتِ الْمَالِ (وَإِرْثُهُ لَهُ) أَيْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّ الْغُرْمَ بِالْغُنْمِ.
(وَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ الْمُلْتَقِطُ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ) لَا يَكُونُ دَيْنًا عَلَيْهِ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ (إلَّا أَنْ يَأْذَنَ الْحَاكِمُ) بِإِنْفَاقِهِ عَلَيْهِ (بِشَرْطِ الرُّجُوعِ) فَحِينَئِذٍ يَكُونُ دَيْنًا عَلَى اللَّقِيطِ لِعُمُومِ الْوِلَايَةِ فَيَرْجِعُ الْمُلْتَقِطُ عَلَيْهِ إذَا كَبِرَ وَأَمَّا إذَا مَاتَ فِي صِغَرِهِ يَرْجِعُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ إنَّ مُجَرَّدَ الْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ يَكْفِي لِلرُّجُوعِ وَالْأَصَحُّ مَا فِي الْمَتْنِ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يَحْتَمِلُ الْحِسْبَةَ وَالِاسْتِدَانَةَ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالشَّكِّ (أَوْ يُصَدِّقُهُ اللَّقِيطُ إذَا بَلَغَ) يَعْنِي إذَا لَمْ يَأْمُرْ الْقَاضِي بِإِنْفَاقِهِ فَصَدَّقَهُ اللَّقِيطُ بَعْدَ الْبُلُوغِ فِي أَنَّهُ أَنْفَقَهُ لِلرُّجُوعِ فَلَهُ الرُّجُوعُ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقِّهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ مَلَكٍ لَكِنْ فِي الْبَحْرِ خِلَافُهُ فَإِنَّهُ قَالَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَى التَّصْدِيقِ تَصْدِيقُهُ أَنَّهُ أَنْفَقَ بِأَمْرِ الْقَاضِي عَلَى أَنَّهُ يَرْجِعُ لَا تَصْدِيقُهُ عَلَى الْإِنْفَاقِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِلَا أَمْرِ الْقَاضِي لَا رُجُوعَ لَهُ فَتَصْدِيقُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ وَإِنْ ادَّعَى الْمُلْتَقِطُ الْإِنْفَاقَ بِقَوْلِ الْقَاضِي عَلَى أَنْ يَكُونَ دَيْنًا عَلَيْهِ فَكَذَّبَهُ اللَّقِيطُ لَا يَرْجِعُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ بِخِلَافِ الْقَاضِي إذَا أَنْفَقَ عَلَى الصَّغِيرِ.
(وَلَا يُؤْخَذُ) اللَّقِيطُ (مِنْ مُلْتَقَطِهِ) قَهْرًا سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الْحِفْظِ لِسَبْقِ يَدِهِ فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى غَيْرِهِ بِاخْتِيَارِهِ فَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ لَمْ يَأْخُذْهُ مِنْهُ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ حَقَّهُ بِالِاخْتِيَارِ وَلَهُ أَنْ يَنْقُلَهُ إلَى حَيْثُ شَاءَ وَيَنْبَغِي أَنْ لَيْسَ لَهُ نَقْلُهُ مِنْ مِصْرٍ إلَى قَرْيَةٍ أَوْ بَادِيَةٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَلَوْ انْتَزَعَهُ أَحَدٌ وَاخْتَصَمَهُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي إلَى الْقَاضِي يَدْفَعُهُ إلَى الْأَوَّلِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُنْزَعَ مِنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِحِفْظِهِ.
وَفِي الْبَحْرِ يُنْزَعُ مِنْ سَفِيهٍ وَفَاسِقٍ وَكَافِرٍ وَلَوْ وَجَدَهُ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ فَتَنَازَعَا قُضِيَ بِهِ لِلْمُسْلِمِ.
(وَإِنْ ادَّعَاهُ وَاحِدٌ) أَنَّهُ ابْنُهُ قُبِلَ قَوْلُهُ (وَثَبَتَ نَسَبُهُ) أَيْ اللَّقِيطِ اسْتِحْسَانًا (مِنْهُ) أَيْ مِمَّنْ يَدَّعِي إذَا لَمْ يَدَّعِهِ الْمُلْتَقِطُ وَاللَّقِيطُ حَيٌّ فَإِذَا مَاتَ لَمْ يُصَدَّقْ الْغَيْرُ إلَّا بِحُجَّةٍ فَإِنْ ادَّعَاهُ فَدَعَوْته أَوْلَى وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا وَالْآخَرُ مُسْلِمًا لِأَنَّهُ صَاحِبُ يَدٍ.
(وَلَوْ) كَانَ الْمُدَّعِي (عَبْدًا) لِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ مِنْهُ أَوْلَى مِنْ الِانْتِفَاءِ بِالْكُلِّيَّةِ (وَهُوَ) أَيْ اللَّقِيطُ مَعَ كَوْنِ أَبِيهِ عَبْدًا (حُرٌّ) لِأَنَّ وَلَدَ الْعَبْدِ قَدْ يَكُونُ حُرًّا بِكَوْنِ أُمِّهِ حُرَّةً فَلَا تَبْطُلُ الْحُرِّيَّةُ الثَّابِتَةُ تَبَعًا لِلدَّارِ بِالشَّكِّ.
(أَوْ) كَانَ الْمُدَّعِي (ذِمِّيًّا وَهُوَ) أَيْ اللَّقِيطُ مَعَ كَوْنِ أَبِيهِ ذِمِّيًّا (مُسْلِمٌ إنْ لَمْ يَكُنْ) أَيْ إنْ لَمْ يُوجَدْ (فِي مَقَرِّهِمْ) أَيْ مَقَرِّ الذِّمِّيِّينَ لِأَنَّ دَعْوَته تَضَمَّنَتْ
стр. 702
النَّسَبَ وَهُوَ أَنْفَعُ لَهُ وَإِبْطَالُ الْإِسْلَامِ الثَّابِتِ بِالدَّارِ يَضُرُّهُ فَصَحَّتْ فِيمَا يَنْفَعُهُ دُونَ مَا يَضُرُّهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ ابْنًا لَهُ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ أُمُّهُ وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ (وَذِمِّيٌّ إنْ كَانَ) أَيْ وُجِدَ (فِيهِ) أَيْ فِي مَقَرِّ الذِّمِّيِّينَ وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْمَكَانُ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ فَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنْ يَجِدَهُ مُسْلِمٌ فِي مَكَانِ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ مُسْلِمًا وَالثَّانِي أَنْ يَجِدَهُ كَافِرٌ فِي مَكَانِ أَهْلِ الْكُفْرِ فَيَكُونُ كَافِرًا وَالثَّالِثُ أَنْ يَجِدَهُ كَافِرٌ فِي مَكَانِ الْمُسْلِمِينَ وَالرَّابِعُ أَنْ يَجِدَهُ مُسْلِمٌ فِي مَكَانِ الْكُفَّارِ فَفِي هَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فَفِي كِتَابِ اللَّقِيطِ الْعِبْرَةُ لِلْمَكَانِ لِسَبْقِهِ.
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعِبْرَةُ لِلْوَاجِدِ لِقُوَّةِ الْيَدِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أَيُّهُمَا كَانَ مُوجِبًا لِإِسْلَامِهِ فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ وَهُوَ أَنْفَعُ لَهُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ تَقْيِيدُ الْوَاجِدِ بِكَوْنِهِ ذِمِّيًّا لِأَنَّ الْوَاجِدَ إذَا كَانَ مُسْلِمًا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّقِيطُ مُسْلِمًا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ، تَأَمَّلْ. وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ هُوَ مُسْلِمٌ مُطْلَقًا.
(وَإِنْ ادَّعَاهُ اثْنَانِ مَعًا) كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ ابْنُهُ (ثَبَتَ) نَسَبُهُ (مِنْهُمَا) لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ ادَّعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ زَوْجٍ فَإِنْ صَدَّقَهَا زَوْجُهَا أَوْ شَهِدَتْ لَهَا الْقَابِلَةُ أَوْ أَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ صَحَّتْ وَإِلَّا لَا تَصِحُّ الدَّعْوَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ فَلَا بُدَّ مِنْ نِصَابِ الشَّهَادَةِ وَأَقَامَتَا الْبَيِّنَةَ ثَبَتَ مِنْهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَثْبُتُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى أَكْثَرُ مِنْ رَجُلَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ مِنْهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَيَثْبُتُ مِنْ الثَّلَاثِ لَا الْأَكْثَرِ وَعَنْ الْإِمَامِ يَثْبُتُ مِنْ الْأَكْثَرِ.
(وَإِنْ وَصَفَ أَحَدُهُمَا عَلَامَةً فِيهِ) أَيْ فِي جَسَدِهِ وَوَافَقَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ (أَوْ سَبَقَ) أَحَدُهُمَا فِي الدَّعْوَةِ عَلَى الْآخَرِ (فَهُوَ أَوْلَى) إلَّا إذَا أَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ لِأَنَّهُ أَقْوَى وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْمُوَافَقَةِ لِأَنَّهُ لَوْ وَصَفَ وَأَخْطَأَ وَلَوْ فِي بَعْضٍ فَلَا تَرْجِيحَ وَهُوَ ابْنُهُمَا.
وَفِي الْبَحْرِ أَنَّ الْعَلَامَةَ مُرَجِّحَةٌ عِنْدَ عَدَمِ مُرَجِّحٍ أَقْوَى مِنْهَا فَيُقَدَّمُ ذُو الْبُرْهَانِ عَلَى ذِي الْعَلَامَةِ وَالْمُسْلِمُ عَلَى الذِّمِّيِّ ذِي الْعَلَامَةِ وَظَاهِرُ مَا فِي الْفَتْحِ تَقْدِيمُ ذِي الْيَدِ عَلَى الْخَارِجِ ذِي الْعَلَامَةِ وَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ الْحُرِّ عَلَى الْعَبْدِ ذِي الْعَلَامَةِ.
(وَالْحُرُّ وَالْمُسْلِمُ) فِي دَعْوَتِهِ (أَوْلَى مِنْ الْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ) لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ لِأَنَّ حُرِّيَّةَ الْأَبِ أَنْفَعُ لَهُ وَكَذَا إسْلَامُهُ إذَا كَانَ حُرًّا وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَالذِّمِّيُّ أَوْلَى لِأَنَّ التَّرْجِيحَ بِإِسْلَامٍ يَكُونُ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ وَلَوْ ادَّعَاهُ حُرَّانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ابْنُهُ مِنْ هَذِهِ الْحُرَّةِ وَالْآخَرُ مِنْ الْأَمَةِ فَاَلَّذِي يَدَّعِيه مِنْ الْحُرَّةِ أَوْلَى.
(وَإِنْ شُدَّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى اللَّقِيطِ (مَالٌ أَوْ) شُدَّ الْمَالُ (عَلَى دَابَّةٍ هُوَ) أَيْ اللَّقِيطُ (عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الدَّابَّةِ (فَهُوَ) أَيْ الْمَالُ (لَهُ) أَيْ اللَّقِيطِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ بِحَالٍ يَسْتَمْسِكُ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ وَإِلَّا فَلَا (يُنْفِقُ) الْمُلْتَقِطُ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَالِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى اللَّقِيطِ (بِأَمْرِ قَاضٍ) لِأَنَّهُ مَالٌ ضَائِعٌ وَلِلْقَاضِي وِلَايَةُ صَرْفِ مِثْلِهِ إلَيْهِ (وَقِيلَ) يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَيْهِ (بِدُونِهِ)
стр. 703
أَيْ بِدُونِ إذْنِ الْقَاضِي (أَيْضًا) أَيْ كَمَا يُنْفِقُ بِإِذْنِ الْقَاضِي وَيُصَدَّقُ فِي نَفَقَةِ مِثْلِهِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
(وَلَهُ) أَيْ لِلْمُلْتَقِطِ (شِرَاءُ مَا لَا بُدَّ لَهُ) أَيْ اللَّقِيطِ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَالِ (وَمِنْ طَعَامٍ وَكِسْوَةٍ) وَغَيْرِهِمَا لِأَنَّهُ مِنْ الْإِنْفَاقِ هَذَا بَيَانٌ لِمَا الْمَوْصُولَةِ.
(وَ) لِلْمُلْتَقِطِ (قَبْضُ هِبَتِهِ) أَيْ قَبْضُ مَا وُهِبَ لِلَّقِيطِ وَكَذَا قَبْضُ صَدَقَتِهِ لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَحْضٌ وَلِذَا يَمْلِكُهُ وَوَصِيُّهُ (وَتَسْلِيمُهُ فِي حِرْفَةٍ) نَظَرًا لَهُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ تَثْقِيفِهِ وَلَهُ تَعْلِيمُهُ حَدِيثٌ شَاءَ.
(لَا) يَجُوزُ لَهُ (تَزْوِيجُهُ) لِانْعِدَامِ سَبَبِ الْوِلَايَةِ مِنْ الْقَرَابَةِ وَالْمِلْكِ وَالسَّلْطَنَةِ فَأَنْكَحَهُ السُّلْطَانُ وَمَهْرُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَتِّنَهُ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَهَلَكَ كَانَ ضَامِنًا (وَ) لَا (تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ) أَيْ مَالِ اللَّقِيطِ (لِغَيْرِ مَا ذُكِرَ) .
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ تَصَرُّفُ مَالِهِ مِنْ التِّجَارَةِ اعْتِبَارًا بِالْأُمِّ فَفِي الْكَلَامِ تَسَامُحٌ (وَلَا إجَارَتُهُ) أَيْ اللَّقِيطِ لِيَأْخُذَ الْأُجْرَةَ لِنَفْسِهِ اعْتِبَارًا بِالْعَمِّ (فِي الْأَصَحِّ) وَهُوَ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِخِلَافِ الْإِمَامِ فَإِنَّهَا تَمْلِكُ الِاسْتِخْدَامَ فَتَمْلِكُ الْإِجَارَةَ (وَقِيلَ) وَهِيَ رِوَايَةُ الْقُدُورِيِّ (لَهُ إجَارَتُهُ) لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى تَثْقِيفِهِ.
[كِتَابُ اللُّقَطَةِ]
ِ هِيَ مِنْ الِالْتِقَاطِ وَهُوَ الرَّفْعُ وَهِيَ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ اسْمٌ لِلْآخِذِ وَبِسُكُونِ الْقَافِ اسْمٌ لِلْمَالِ الْمَلْقُوطِ كَالضُّحَكَةِ بِفَتْحِ الْحَاءِ اسْمُ فَاعِلٍ وَبِسُكُونِهَا اسْمُ مَفْعُولٍ وَهَذَا عِنْدَ الْخَلِيلِ. وَعَنْ الْأَصْمَعِيِّ وَابْنِ الْأَعْرَابِيِّ وَالْفَرَّاءِ أَنَّهَا بِفَتْحِ الْقَافِ اسْمٌ لِلْمَالِ أَيْضًا.
وَفِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ هِيَ رَفْعُ شَيْءٍ ضَائِعٍ لِلْحِفْظِ عَلَى الْغَيْرِ لَا لِلتَّمْلِيكِ (هِيَ) أَيْ اللُّقَطَةُ (أَمَانَةٌ) بِالِاتِّفَاقِ لَا يَضْمَنُهَا الْمُلْتَقِطُ إلَّا بِالتَّعَدِّي وَالْمَنْعِ بَعْدَ الطَّلَبِ (إنْ أَشْهَدَ) عِنْدَ الْقُدْرَةِ شَاهِدَيْنِ (أَنَّهُ أَخَذَهَا لِيَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا) فَلَوْ وَجَدَهَا فِي طَرِيقٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ أَشْهَدَ عِنْدَ الظَّفَرِ بِهِ فَإِذَا ظَفِرَ وَلَمْ يُشْهِدْ ضَمِنَ إلَّا إذَا تَرَكَ الْإِشْهَادَ لِخَوْفِ ظَالِمٍ كَمَا فِي زَمَانِنَا هَذَا وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي كَوْنِي كَذَا مَنَعَنِي مِنْ الْإِشْهَادِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ كَذَلِكَ فَهَلَكَتْ (ضَمِنَ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَبُو يُوسُفَ الْإِشْهَادَ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَفِي الْيَنَابِيعِ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ مَعَ الْإِمَامِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَعَ أَبِي يُوسُفَ وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ قُيِّدَ بِالْإِشْهَادِ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ يَضْمَنُ اتِّفَاقًا وَلِأَنَّهُ لَوْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ أَخَذَهَا لِيَرُدَّهَا لَمْ يَضْمَنْ اتِّفَاقًا، هَذَا إذَا اتَّفَقَا أَنَّهُ لُقَطَةٌ وَإِنْ اخْتَلَفَا فَقَالَ صَاحِبُهَا أَخَذْتهَا غَصْبًا وَقَالَ الْمُلْتَقِطُ لَا بَلْ أَخَذْتهَا لُقَطَةً لَك يَضْمَنُ اتِّفَاقًا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْإِشْهَادَ شَرْطٌ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْبَالِغَ وَالصَّبِيَّ سَوَاءٌ فِي الضَّمَانِ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ فَأَشْهَدَ أَبُوهُ وَوَصِيُّهُ وَعَرَّفَ لَمْ يُصَدَّقْ.
(وَالْقَوْلُ لِلْمَالِكِ إنْ أَنْكَرَ أَخْذَهُ لِلرَّدِّ) أَيْ إنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ وَقَالَ الْمُلْتَقِطُ أَخَذَتْهُ لِلْمَالِكِ وَكَذَّبَهُ الْمَالِكُ فَإِنَّهُ ضَامِنٌ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ
стр. 704
الْقَوْلُ لِلْمُلْتَقِطِ) فَلَا يَضْمَنُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لِاخْتِيَارِهِ الْحِسْبَةَ دُونَ الْمَعْصِيَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَلَهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبِ الضَّمَانِ وَهُوَ أَخَذَ مَالَ الْغَيْرِ ثُمَّ ادَّعَى مَا يُبَرِّئُوهُ فَوَقَعَ الشَّكُّ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَفِي الْحَاوِي تَرْجِيحُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ حَيْثُ قَالَ وَبِهِ نَأْخُذُ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ لَوْ قَالَ مَالِكُهَا أَخَذْتهَا لِنَفْسِك وَقَالَ الْمُلْتَقِطُ بَلْ أَخَذْتهَا لِأَجْلِك.
وَفِي النَّوَادِرِ لَوْ ضَاعَتْ فِي يَدِهِ ثُمَّ وَجَدَهَا فِي يَدِ رَجُلٍ فَلَا خُصُومَةَ مَعَهُ بِخِلَافِ الْمُودِعِ.
وَفِي الْبَحْرِ إذَا أَخَذَ الرَّجُلُ لُقَطَةً لِيُعَرِّفَهَا ثُمَّ أَعَادَهَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ الضِّمَامِ، هَذَا إذَا أَعَادَهَا قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ أَمَّا إذَا أَعَادَهَا بَعْدَمَا تَحَوَّلَ يَضْمَنُ فِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرَّاوِيَةِ.
(وَيَكْفِي فِي الْإِشْهَادِ قَوْلُهُ) أَيْ الْمُلْتَقِطُ (مَنْ سَمِعْتُمُوهُ يَنْشُدُ) أَيْ يَطْلُبُ (لُقَطَةً فَدُلُّوهُ) جَمْعُ أَمْرٍ مُخَاطَبٍ مِنْ دَلَّ يَدُلُّ (عَلَيْهَا) قَلِيلَةً كَانَتْ أَوْ كَثِيرَةً وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّهَا اسْمُ جِنْسٍ (وَيُعَرِّفُهَا) أَيْ يَجِبُ تَعْرِيفُ اللُّقَطَةِ (فِي مَكَانِ أَخْذِهَا) فَإِنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْوُصُولِ (وَفِي الْمَجَامِعِ) أَيْ مَجَامِعِ النَّاسِ كَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ فَإِنَّهُ أَقْرَبُ إلَى وُصُولِ الْخَبَرِ (مُدَّةً) أَيْ زَمَانًا (يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ) أَيْ الْمُلْتَقِطِ (عَدَمُ طَلَبِ صَاحِبِهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ (بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ (وَهُوَ الصَّحِيحُ) وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَهُوَ مُخْتَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِقِلَّةِ الْمَالِ وَكَثْرَتِهِ فَيُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّهُ عَرَّفَهَا سَنَةً نَفِيسَةً كَانَتْ أَوْ خَسِيسَةً وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ.
(وَقِيلَ إنْ كَانَتْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَأَكْثَرَ فَحَوْلًا) أَيْ فَيُعَرِّفُهَا حَوْلًا (وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ فَأَيَّامًا) عَلَى حَسَبِ مَا يَرَى وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ وَعَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ غَيْرَ هَذَا ثُمَّ اخْتَلَفَ فِي التَّقْدِيرِ وَمَنْ قَدَّرَ الْمُدَّةَ بِالْحَوْلِ وَنَحْوِهِ قِيلَ يُعَرِّفُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ وَقِيلَ شَهْرٍ وَقِيلَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ (وَمَا لَا يَبْقَى) كَالْأَطْعِمَةِ الْمُعَدَّةِ لِلْأَكْلِ وَبَعْضِ الثِّمَارِ (يُعَرَّفُ إلَى أَنْ يَخَافَ فَسَادَهُ) أَيْ إلَى مُدَّةٍ يَظُنُّ أَنَّهَا تَفْسُدُ فِيهَا وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَلَوْ وَجَدَ اللَّحْمَ أَوْ اللَّبَنَ أَوْ الْفَوَاكِهَ الرَّطْبَةَ وَنَحْوَهَا عَرَّفَ إلَى تِلْكَ الْمُدَّةِ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ وَلَمْ يَتَنَاوَلْ الثِّمَارَ السَّاقِطَةَ تَحْتَ الْأَشْجَارِ فِي الْأَمْصَارِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ مِمَّا يَبْقَى يَجُوزُ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَتْ فِي الرَّسَاتِيقِ وَأَمَّا مَا عَلَى الْأَشْجَارِ فَلَا يُؤْخَذُ فِي مَوْضِعٍ وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ مِنْ التُّفَّاحِ وَالْكُمَّثْرَى الَّذِي فِي نَهْرٍ جَارٍ كَمَا فِي الْمُحِيطِ.
وَفِي التَّنْوِيرِ حَطَبٌ وُجِدَ فِي الْمَاءِ لَهُ قِيمَةٌ فَلُقَطَةٌ وَإِلَّا فَحَلَالٌ لِآخِذِهِ لَكِنْ فِي النَّظْمِ لَوْ كَانَتْ مِمَّا لَا يَبْقَى بَاعَهَا بِأَمْرِ الْقَاضِي ثُمَّ حَفِظَ ثَمَنَهَا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَبِيعُهَا وَيَتَرَبَّصُ بِثَمَنِهَا حَوْلًا (ثُمَّ) أَيْ بَعْدَ مَا مَضَى مُدَّةُ التَّعْرِيفِ وَلَمْ يَظْهَرْ مَالِكُهَا (يَتَصَدَّقُ) الْمُلْتَقِطُ (بِهَا) أَيْ بِاللُّقَطَةِ (إنْ شَاءَ) لِأَنَّهُ لَمَّا عَجَزَ عَنْ إيصَالِ عَيْنِ اللُّقَطَةِ إلَى صَاحِبِهَا جَازَ لَهُ أَنْ يُوصِلَ
стр. 705
عِوَضَهَا وَهُوَ الثَّوَابُ عَلَى اعْتِبَارِ إجَازَتِهِ إلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَحْفَظَهُ لِيَجِيءَ صَاحِبُهَا فَإِنَّ التَّصَدُّقَ رُخْصَةٌ وَالْحِفْظَ عَزِيمَةٌ (فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ التَّصَدُّقِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ مُدَّتَهُ (أَجَازَهُ) أَيْ التَّصَدُّقَ رَبُّهَا (إنْ شَاءَ) وَلَوْ بَعْدَ هَلَاكِهَا لِأَنَّ التَّصَدُّقَ وَإِنْ حَصَلَ بِإِذْنِ الشَّرْعِ لَكِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِإِذْنِهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهِ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا وَلَوْ بَعْدَ هَلَاكِهَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ اشْتِرَاطُ قِيَامِهَا لِلْإِجَازَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ (وَأَجْرُهُ لَهُ) أَيْ ثَوَابُ التَّصَدُّقِ لَهُ (أَوْ ضَمَّنَ الْمُلْتَقِطُ) لِأَنَّهُ سَلَّمَ مَالَهُ إلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَوْ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ أَمْرَهُ لَا يَكُونُ أَعْلَى مِنْ فِعْلِهِ وَالْقَاضِي لَوْ تَصَدَّقَ بِهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَضْمَنَهُ (أَوْ) ضَمِنَ (الْفَقِيرُ لَوْ) كَانَتْ (هَالِكَةً) قَيْدٌ لَهُمَا جَمِيعًا لِأَنَّهُ قَبَضَ مَالَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ (وَأَيُّهُمَا ضَمِنَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْآخَرِ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ضَامِنٌ بِفِعْلِ الْمُلْتَقِطِ بِالتَّسْلِيمِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا وَالْفَقِيرُ بِالتَّسْلِيمِ بِدُونِ إذْنِهِ (وَيَأْخُذُهَا) أَيْ الْمَالِكُ اللُّقَطَةَ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْفَقِيرِ (إنْ) كَانَتْ (بَاقِيَةً) لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ.
[لُقَطَةُ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ]
(وَلُقَطَةُ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ سَوَاءٌ) عِنْدَنَا لِأَنَّ النَّصَّ الدَّالَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الِالْتِقَاطِ بِشَرْطِ الْإِشْهَادِ مُطْلَقٌ يَتَنَاوَلُ لُقَطَتَهُمَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ تَعْرِيفُ لُقَطَةِ الْحَرَمِ إلَى مَجِيءِ صَاحِبِهَا.
(وَيَجُوزُ الْتِقَاطُ الْبَهِيمَةِ) الضَّالَّةِ مَا لَمْ يَخَفْ ضَيَاعَهَا.
وَفِي الْبَحْرِ وَإِنْ كَانَ مَعَ اللُّقَطَةِ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ كَالْقَرْنِ لِلْبَقَرَةِ وَزِيَادَةِ الْقُوَّةِ فِي الْبَعِيرِ بِكَدْمِهِ وَنَفْحِهِ يُقْضَى بِكَرَاهِيَةِ الْأَخْذِ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْتِقَاطَ الْبَهِيمَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ لَكِنَّ ظَاهِرَ الْهِدَايَةِ أَنَّ صُورَةَ الْكَرَاهِيَةِ إنَّمَا هِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا عِنْدَنَا وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالضَّالَّةِ لِأَنَّ مَنْ رَأَى دَأْبَةً فِي غَيْرِ عِمَارَةٍ أَوْ بَرِّيَّةٍ لَا يَأْخُذُهَا مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا ضَالَّةٌ بِأَنْ كَانَتْ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَكُنْ بِقُرْبِهِ بَيْتُ مَدَرٍ أَوْ شَعْرٍ أَوْ قَافِلَةٍ ضَالَّةٍ أَوْ دَوَابُّ فِي مَرْعَاهَا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَقَيَّدْنَا بِمَا لَمْ يَخَفْ ضَيَاعَهَا لِأَنَّهُ إنْ خَافَهُ لَا يَسَعُهُ تَرْكُهُ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجِيَّةِ فَعَلَى هَذَا عُلِمَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخَلَّ بِتَرْكِهِمَا تَأَمَّلْ.
وَفِي الْقَامُوسِ الْبَهِيمَةُ كُلُّ ذَاتِ أَرْبَعٍ وَلَوْ فِي الْمَاءِ أَوْ كُلُّ حَيٍّ لَا يَمِيرُ وَالْجَمْعُ بَهَائِمُ انْتَهَى فَشَمِلَ الدَّوَابَّ وَالطُّيُورَ وَالْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالدَّجَاجَ وَالْحَمَامَ الْأَهْلِيَّ كَمَا فِي الْحَاوِي.
وَفِي الْبَحْرِ وَمَنْ أَخَذَ بَازِيًا أَوْ شَبَهَهُ وَفِي رِجْلَيْهِ سَبْرًا وَجَلَاجِلَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَهُ لِلتَّيَقُّنِ بِثُبُوتِ يَدِ الْغَيْرِ عَلَيْهِ قَبْلَهُ، وَكَذَا لَوْ أَخَذَ ظَبْيًا وَفِي عُنُقِهِ قِلَادَةٌ أَوْ حَمَامَةً فِي الْمِصْرِ يَعْرِفُ أَنَّ مِثْلَهَا لَا يَكُونُ وَحْشِيَّةً فَعَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَهَا.
وَفِي التَّنْوِيرِ مِحْضَنَةُ حَمَامٍ اخْتَلَطَ بِهَا أَهْلِيٌّ لِغَيْرِهِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَإِنْ أَخَذَهُ طَلَبَ صَاحِبَهُ لِيَرُدَّهُ عَلَيْهِ فَإِنْ فَرَّخَ عِنْدَهُ فَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ غَرِيبَةً لَا يَتَعَرَّضُ لِفَرْخِهَا وَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ لِصَاحِبِ الْمِحْضَنَةِ وَالْغَرِيبُ ذَكَرٌ فَالْفَرْخُ لَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ هَلْ يَلْزَمُ الْجَعْلُ أَوْ لَا.
وَفِي الْمِنَحِ: وَلَوْ الْتَقَطَ لُقَطَةً أَوْ وَجَدَ ضَالَّةً فَرَدَّهُ عَلَى أَهْلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ جُعْلٌ وَإِنْ عَوَّضَهُ شَيْئًا فَحَسَنٌ وَلَوْ قَالَ مَنْ وَجَدَهُ فَلَهُ كَذَا فَأَتَى بِهِ إنْسَانٌ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ مِثْلِهِ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَعَلَّلَهُ
следующие страницы →