Полный текст (1 189 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
مِنْهُمَا خَاصٌّ.
وَقِيلَ عَامٌّ لَكِنَّهُ غَالِبِيٌّ أَوْ هُوَ تَمْثِيلٌ لِاقْتِصَارِ الْمُسْلِمِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ فَكَأَنَّهُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ لِشَرَاهَتِهِ كَأَنَّهُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةٍ ثُمَّ الْعَاقِلُ الْمُسْلِمُ أَنْ يُوصَفَ بِمَا وَصَفَهُ النَّبِيُّ لِلْمُسْلِمِ لَا بِمَا وَصَفَهُ لِلْمُنَافِقِ وَالْكَافِرِ فَهَلْ يَلِيقُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَّصِفَ بِصِفَةِ الْكَافِرِ ثُمَّ الظَّاهِرُ التَّقْيِيدُ بِالْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ فِي مَحَلِّهَا مِنْ تَجْوِيزِهِ لِأَجْلِ تَقَوِّي الطَّاعَةِ وَتَطْيِيبِ الْمُسَافِرِ وَنَحْوِهِمَا (ت عَنْ مِقْدَادِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ» فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ بَطْنِهِ بِالضَّمِيرِ.
قَالَ فِي شَرْحِهِ لِمَا فَاتَهُ مِنْ خُيُورٍ كَثِيرَةٍ جَعَلَ الْبَطْنَ وِعَاءً كَالْأَوْعِيَةِ الَّتِي تُتَّخَذُ ظُرُوفًا تَوْهِينًا لِشَأْنِهِ ثُمَّ جَعَلَهُ شَرَّ الْأَوْعِيَةِ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَا هِيَ لَهُ وَالْبَطْنُ خُلِقَ لَأَنْ يَتَقَوَّمَ بِهِ الصُّلْبُ بِالطَّعَامِ وَامْتِلَاؤُهُ يُفْضِي إلَى فَسَادِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَيَكُونُ شَرًّا مِنْهَا وَالشِّبَعُ يَزِيغُ عَنْ الْحَقِّ وَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْكَسَلُ فَيَمْنَعُهُ مِنْ التَّعَبُّدِ وَيُكْثِرُ فِيهِ مَوَادَّ الْفُضُولِ فَيَكْثُرُ غَضَبُهُ وَشَهْوَتُهُ وَيَزِيدُ حِرْصُهُ فَيُوقِعُهُ فِي طَلَبِ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ قَالَ بَعْضٌ الشِّبَعُ نَهْرٌ يَرِدُهُ الشَّيْطَانُ وَالْجُوعُ نَهْرٌ فِي الرُّوحِ تَرِدُهُ الْمَلَائِكَةُ «بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ» الْبَاءُ مَزِيدَةٌ أَيْ يَكْفِيهِ «لُقَيْمَاتٌ» .
وَفِي الْجَامِعِ أَكَلَاتٌ أَيْ يَكْفِيهِ هَذَا الْقَدْرُ فِي سَدِّ الرَّمَقِ وَإِبْقَاءِ الْقُوَّةِ وَلِهَذَا قَالَ «يُقِمْنَ صُلْبَهُ» أَيْ ظَهْرَهُ تَسْمِيَةً لِلْكُلِّ بِاسْمِ جُزْئِهِ إذْ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الظَّهْرِ فِيهِ فَقَارٌ فَهُوَ صُلْبٌ كِنَايَةً عَنْ أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُ مَا يَحْفَظُهُ مِنْ السُّقُوطِ وَيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ قَالَ الْغَزَالِيُّ صِيغَةُ جَمْعِ الْقِلَّةِ لِلْإِشَارَةِ إلَى مَا دُونَ الْعَشَرَةِ «فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ» مِنْ التَّجَاوُزِ عَمَّا ذُكِرَ فَلْتَكُنْ أَثْلَاثًا «فَثُلُثٌ» أَيْ ثُلُثُ بَطْنِهِ يَجْعَلُهُ «لِطَعَامِهِ» مَأْكُولُهُ «وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ» يَدَعُهُ «لِنَفَسِهِ» بِالتَّحْرِيكِ يَعْنِي يُبْقِي مِنْ مِلْئِهِ قَدْرَ الثُّلُثِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ التَّنَفُّسِ وَيَحْصُلُ لَهُ نَوْعُ صَفَاءٍ وَرِقَّةٍ وَهَذِهِ غَايَةُ مَا يَنْفَعُ لِلْبَدَنِ وَالْقَلْبِ فَإِنْ بِالشِّبَعِ ضَاقَ النَّفَسُ وَعَرَضَ الْكَرْبُ وَالثِّقَلُ وَلَمَّا كَانَ فِي الْإِنْسَانِ ثَلَاثَةُ أَجْزَاءٍ أَرْضِيٍّ وَمَائِيٍّ وَهَوَائِيٍّ قَسَّمَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَفَسَهُ إلَى الْأَجْزَاءِ الثَّلَاثَةِ وَتَرَكَ النَّارِيَّ لِقَوْلِ جَمْعٍ مِنْ الْأَطِبَّاءِ لَيْسَ فِي الْبَدَنِ جُزْءٌ نَارِيٌّ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ لَوْ سَمِعَ بُقْرَاطُ هَذِهِ الْقِسْمَةَ لَعَجِبَ مِنْ هَذِهِ الْحِكْمَةِ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ ذُكِرَ هَذَا الْحَدِيثُ لِبَعْضِ الْفَلَاسِفَةِ فَقَالَ مَا سَمِعْت كَلَامًا فِي قِلَّةِ الْأَكْلِ أَحْكَمَ مِنْهُ وَإِنَّمَا خَصَّ الثَّلَاثَةَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَسْبَابُ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ.
(تَنْبِيهٌ) الْجُوعُ اخْتِيَارِيٌّ وَهُوَ جُوعُ السَّالِكِينَ أَوْ اضْطِرَارِيٌّ وَهُوَ جُوعُ الْمُحَقِّقِينَ فَإِنَّ الْمُحَقِّقَ لَا يُجَوِّعُ نَفْسَهُ بَلْ يُقَلِّلُ أَكْلَهُ إنْ كَانَ فِي مَقَامِ الْأُنْسِ وَإِنْ كَانَ فِي مَقَامِ الْهَيْبَةِ كَثُرَ أَكْلُهُ فَكَثْرَةُ الْأَكْلِ لِلْمُحَقِّقِينَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ سَطَوَاتِ أَنْوَارِ الْحَقِيقَةِ عَلَى قُلُوبِهِمْ بِحَالِ الْعَظَمَةِ مِنْ مَشْهُودِهِمْ، وَقِلَّةُ الْأَكْلِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْمُحَادَثَةِ بِحَالِ الْمُؤَانَسَةِ مِنْ مَشْهُودِهِمْ وَكَثْرَةُ الْأَكْلِ لِلسَّالِكِينَ دَلِيلٌ عَلَى بُعْدِهِمْ مِنْ اللَّهِ وَبُعْدِهِمْ عَنْ بَابِهِ وَاسْتِيلَاءِ النَّفْسِ الشَّهْوَانِيَّةِ الْبَهِيمَةِ عَلَيْهِمْ، وَقِلَّةُ الْأَكْلِ لَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى نَفَحَاتِ الْجَوْدَةِ الْإِلَهِيِّ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَيَشْغَلُهُمْ ذَلِكَ عَنْ تَدْبِيرِ جُسُومِهِمْ، وَالْجُوعُ بِكُلِّ حَالٍ سَبَبٌ إلَى نَيْلِ عَظِيمِ الْأَحْوَالِ وَالْأَسْرَارِ مَا لَمْ يُفْرِطْ فَإِنَّ إفْرَاطَهُ يُؤَدِّي إلَى فَسَادِ الْمِزَاجِ وَضَعْفِ الْعَقْلِ (طب دُنْيَا عَنْ جَعْدَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا عَظِيمَ الْبَطْنِ فَقَالَ بِأُصْبُعِهِ لَوْ كَانَ هَذَا» إشَارَةٌ إلَى مَا فِي الْبَطْنِ مِنْ الطَّعَامِ «فِي غَيْرِ هَذَا» الْبَطْنِ أَيْ فِي بَطْنِ رَجُلٍ آخَرَ «لَكَانَ خَيْرًا لَك» لِمَا فِيهِ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لَوْ كَانَ الِامْتِلَاءُ بِالْمَعَارِفِ لَكَانَ خَيْرًا لِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ الْبَدَنِيِّ وَالدِّينِيِّ (دُنْيَا عَنْ ابْنِ بُجَيْرٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَهْبٍ الْأَنْصَارِيُّ لَهُ رُؤْيَةٌ وَذَكَرَهُ بَعْضٌ فِي الصَّحَابَةِ
стр. 1017
وَلَهُ حَدِيثُ مُرْسَلٌ (أَنَّهُ قَالَ «أَصَابَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جُوعٌ يَوْمًا فَعَمَدَ إلَى حَجَرٍ فَوَضَعَهُ عَلَى بَطْنِهِ» وَرَبَطَهُ بِهِ لِئَلَّا يَتَقَوَّسَ الظَّهْرُ وَلِئَلَّا تَأْكُلَ الْمَعِدَةُ نَفْسَهَا أَوْ لِحُكْمٍ آخَرَ «ثُمَّ قَالَ أَلَا رُبَّ مُهِينٍ لِنَفْسِهِ وَهُوَ» فِي الْحَقِيقَةِ «لَهَا مُكْرِمٌ» لِأَنَّ النَّفْسَ إنَّمَا تَصِلُ إلَى الْكَرَامَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ بِالْإِهَانَةِ لَهَا وَتَرْكِ لَذَّاتِهَا وَكَسْرِ شَهَوَاتِهَا وَكَبْحِ مُيُولَاتِهَا وَمَنْعِ تَشَهِّيهَا.
(م عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «طَعَامُ الْوَاحِدِ» مِقْدَارُ مَا يُشْبِعُهُ «يَكْفِي الِاثْنَيْنِ» مِقْدَارُ قُوتِهِمَا «وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ» فَشِبَعُ الْوَاحِدِ قُوتُ الِاثْنَيْنِ وَشِبَعُ الِاثْنَيْنِ قُوتُ الْأَرْبَعَةِ وَالْأَرْبَعَةِ لِلثَّمَانِيَةِ وَعَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الْإِخْبَارُ فَمُشْكِلٌ إذْ طَعَامُ الْوَاحِدِ لَا يَكْفِي الِاثْنَيْنِ وَهَكَذَا وَالْجَوَابُ أَنَّهُ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ أَيْ أَطْعِمُوا طَعَامَ الْوَاحِدِ لِلِاثْنَيْنِ وَهَكَذَا وَهَكَذَا أَوْ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ يَقُوتُ الِاثْنَيْنِ وَأَخْبَرَنَا بِذَلِكَ لِئَلَّا نَجْزَعَ أَوْ مَعْنَاهُ طَعَامُ الْوَاحِدِ إذَا أَكَلَ وَحْدَهُ كَانَ لِاثْنَيْنِ مُجْتَمِعًا فَالْمُرَادُ الْحَثُّ عَلَى التَّقَنُّعِ بِالْكِفَايَةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْحَصْرَ فِي مِقْدَارِ الْكِفَايَةِ بَلْ الْمُوَاسَاةَ.
قَالَ عُمَرُ عَامَ الرَّمَادَةِ لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أُنْزِلَ عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ مِثْلَ عَدَدِهِمْ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَهْلِكُ عَلَى نِصْفِ بَطْنِهِ وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ أَنَّ السُّلْطَانَ فِي الْمَسْغَبَةِ يُفَرِّقُ الْفُقَرَاءَ عَلَى أَهْلِ السَّعَةِ بِقَدْرِ مَا يَحِيقُ بِهِمْ قِيلَ فِيهِ نَدْبُ الْمُوَاسَاةِ وَأَنَّهُ تَعَالَى يَجْعَلُ فِيهِ الْبَرَكَةَ فَالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يُشْبِعُ الْوَاحِدَ يَرُدُّ جُوعَ الِاثْنَيْنِ وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى الْمُوَاسَاةِ وَالْمُرُوءَةِ وَعَدَمِ الِاسْتِبْذَارِ وَتَجَنُّبِ الْبُخْلِ وَالشِّبَعِ (دُنْيَا طكط عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «سَيَكُونُ رِجَالٌ» إمَّا لِكَوْنِهِمْ مَتْبُوعِينَ لِلنِّسَاءِ أَوْ تَغْلِيبٌ أَوْ عُمُومُ مَجَازٍ بِمَعْنَى بَشَرٍ أَوْ إنْسَانٍ أَوْ مُقَايَسَةٌ أَوْ دَلَالَةُ نَصٍّ أَوْ حَذْفُ الْعَاطِفِ مَعَ الْمَعْطُوفِ مِنْ قَبِيلِ ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] كَمَا فِي أَمْثَالِهِ «مِنْ أُمَّتِي يَأْكُلُونَ أَلْوَانَ الطَّعَامِ» فَأَكْلُ الْأَلْوَانِ أَيْ الْأَنْوَاعِ بِدْعَةٌ لَكِنْ قَدْ سَبَقَ وَحَكَى بَعْضٌ فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ التَّجْوِيزِ وَفِعْلُ بَعْضِ السَّلَفِ مُقَيَّدٌ بِمَصْلَحَةٍ كَالتُّقَا لِنَفْعِ الْبَدَنِ وَكَكَوْنِ التَّشَهِّي بِالْمَجْمُوعِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمَجْمُوعُ غَيْرَ مُتَجَاوِزِ الشِّبَعِ أَوْ كَكَوْنِ الْأَكْلَةِ كَثِيرَةً «وَيَشْرَبُونَ أَلْوَانَ الشَّرَابِ وَيَلْبَسُونَ أَلْوَانَ الثِّيَابِ وَيَتَشَدَّقُونَ» التَّكَلُّفَ فِي الْفَصَاحَةِ «فِي الْكَلَامِ فَأُولَئِكَ شِرَارُ أُمَّتِي» .
قِيلَ الْحُكْمُ بِالشِّرَارِ مَعَ إبَاحَةِ الْأَصْلِ غَيْرُ الْأَخِيرِ لِكَوْنِهِ مُؤَدِّيًا إلَى الشُّرُورِ وَالْمَعَاصِي وَمُقَدِّمَاتِهَا كَأَنَّهُ يَقُولُ لِلْوَسَائِلِ أَحْكَامُ الْمَقَاصِدِ لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّرَارِيَّةَ تَمْنَعُ الْإِبَاحَةَ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْإِفْضَاءِ يَعْنِي الشَّرَارِيَّةَ مَا يَكُونُ مُفْضِيًا وَمَا لَا فَلَا بَعِيدٌ عَنْ إطْلَاقِ النَّصِّ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ بِحَيْثُ يَكُونُ لِكُلِّ جُزْءٍ مَدْخَلٌ فِي الشَّرَارِيَّةِ ضَعِيفٌ أَيْضًا أَوْ الْمَعْنَى فَبَعْضُ أُولَئِكَ مِنْ شِرَارِ أُمَّتِي لَعَلَّ الْوَجْهَ أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الرَّابِطَةَ الْفِعْلِيَّةَ لَكِنَّهُ اتَّفَقَ فِي الْخَارِجِ أَنَّ مَنْ عَنَاهُمْ كَذَلِكَ أَكْثَرُهُمْ يَتَّفِقُ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ أَعْظَمُ شُرُورِهِمْ مِنْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ كَالظَّلَمَةِ وَالْجَبَابِرَةِ فَمِنْ قَبِيلِ الْمُعْجِزَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي إخْبَارِ الْغَيْبِ أَوْ يَفْعَلُ كُلَّ ذَلِكَ بِأَغْرَاضٍ فَاسِدَةٍ وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَالْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ يُطَوِّلُ أَكْمَامَهُ وَيَجُرُّ أَذْيَالَهُ تِيهًا وَعُجْبًا مُصْغِيًا إلَى مَا يَقُولُ النَّاسُ لَهُ وَفِيهِ شَاخِصًا إلَى مَا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ مِنْهُ قَدْ عَمِيَ بَصَرُهُ وَبَصِيرَتُهُ عَنْ النَّظَرِ إلَى صُنْعِ اللَّهِ وَتَدْبِيرِهِ وَصُمَّ سَمْعُهُ عَنْ مَوَاعِظِ اللَّهِ يَقْرَأُ كَلَامَ اللَّهِ وَلَا يَتَلَذَّذُ بِهِ وَلَا يَجِدُ لَهُ حَلَاوَةً كَأَنَّهُ إنَّمَا عُنِيَ بِذَلِكَ غَيْرُهُ فَكَيْفَ يَتَلَذَّذُ بِمَا كُلِّفَ بِهِ غَيْرُهُ وَإِنَّمَا صَارَ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ اسْمُهُ خَاطَبَ أُولِي الْعُقُولِ وَالْبَصَائِرِ وَالْأَلْبَابِ فَمَنْ ذَهَبَ عَقْلُهُ وَعَمِيَتْ بَصِيرَتُهُ فِي شَأْنِ نَفْسِهِ وَدُنْيَاهُ كَيْفَ يَفْهَمُ كَلَامَ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَيَتَلَذَّذُ بِهِ وَكَيْفَ يَجْلُو بَصَرُهُ وَهُوَ يَرَى صِفَةَ غَيْرِهِ ثُمَّ قِيلَ الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ وَقِيلَ
стр. 1018
مَتْرُوكٌ وَقِيلَ مُخْتَلَطٌ.
(وَيُكْرَهُ الْأَكْلُ فِي السُّوقِ بِمَرْأَى النَّاسِ وَفِي الطَّرِيقِ) وَلَوْ قَالَ وَبِمَرْأَى النَّاسِ بِالْعَطْفِ لَكَانَ أَشْمَلَ لَعَلَّهُ يُشِيرُ بِهِ إلَى عِلَّةِ الْكَرَاهَةِ فِي أَكْلِ السُّوقِ فَلَوْ وُجِدَتْ الْعِلَّةُ أَيْ مَرْأَى النَّاسِ فِي غَيْرِ السُّوقِ يَتَحَقَّقُ الْحُكْمُ أَيْ الْكَرَاهَةُ إذْ قَدْ يَعُمُّ الْحُكْمَ بِعُمُومِ الْعِلَّةِ فَافْهَمْ وَجْهَ الْكَرَاهَةِ أَمَّا الدَّنَاءَةُ أَوْ تَعَلُّقُ نَظَرِ الْفُقَرَاءِ فَعَلَى هَذَا لَوْ أَكَلَ وَرَاءَ الْحِجَابِ لَا يُكْرَهُ
(وَ) يُكْرَهُ الْأَكْلُ (عِنْدَ الْمَقَابِرِ وَالضَّحِكُ أَيْضًا عِنْدَهَا) لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ مَحَلُّ اعْتِبَارٍ وَتَذَكُّرِ الْآخِرَةِ وَالْأَكْلُ وَالضَّحِكُ مُنَافٍ لَهُمَا وَلِهَذَا قِيلَ كُتِبَ عَلَى مَقَابِرِ بَعْضِ السَّلَفِ نَحْنُ مِثْلُكُمْ أَمْسِ وَتَصِيرُونَ غَدًا مِثْلَنَا فَاعْتَبِرُوا بِنَا عَنْ تَفْسِيرِ ابْنِ الْعَادِلِ أَنَّ زِيَارَةَ الْقُبُورِ مِنْ أَعْظَمِ الْأَدْوِيَةِ لِلْقَلْبِ الْقَاسِي لِأَنَّهَا مُذَكِّرَةٌ الْآخِرَةَ وَالْمَوْتَ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ عَلَى قِصَرِ الْأَمَلِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَتَرْكِ الرَّغْبَةِ فِيهَا (وَعِنْدَ الْجِنَازَةِ) لِأَنَّ الْأَكْلَ مِنْ لَوَازِمِ الْفَرَحِ وَهِيَ مَحَلُّ حُزْنٍ أَوْ مَحَلُّ عِبْرَةٍ كَمَا عَرَفْت (وَأَكْلُ طَعَامِ الْمَيِّتِ) الْمُتَّخَذُ لِأَجْلِ الْمَيِّتِ سَوَاءٌ اُتُّخِذَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ أَوْ لِأُسْبُوعٍ أَوْ لِأَرْبَعَيْنِ أَوْ الْأَعْيَادِ (وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي جَلَاءِ الْقُلُوبِ) كَمَا تَقَدَّمَ
(وَ) يُكْرَهُ تَحْرِيمًا (الْأَكْلُ مِنْ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالشُّرْبُ مِنْهُمَا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) وَأَمَّا لُبْسُهُمَا فَجَائِزٌ لِلنِّسَاءِ لَا لِلرِّجَالِ لِأَنَّ الزِّينَةَ حَرَامٌ لَهُمْ (وَكَذَا الْأَكْلُ بِمِلْعَقَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) مُطْلَقًا (وَكَذَلِكَ الِاكْتِحَالُ بِمِيلِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَكَذَا إحْرَاقُ الْعُودِ فِي الْمِجْمَرِ) وَهُوَ مَا يُوقَدُ فِيهِ الْعُودُ (الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) وَكَذَا الِادِّهَانُ وَالِاكْتِحَالُ قَالُوا هَذَا عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الدُّهْنِ مِنْ الْآنِيَةِ أَمَّا إذَا صَبَّهُ عَلَى يَدِهِ ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَكَذَا إذَا أَخَذَ الطَّعَامَ مِنْ آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَوَضَعَهُ عَلَى خُبْزٍ أَوْ نَحْوِهِ ثُمَّ أَكَلَ لَا بَأْسَ بِهِ وَيُكْرَهُ الدَّوَاةُ وَالْقَلَمُ وَالرِّيشَةُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَيُكْرَهُ الْوُضُوءُ فِي الطَّشْتِ وَالْإِبْرِيقِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَهُمَا وَحَلَّ لَهُمَا اسْتِعْمَالُ الْأَحْجَارِ بِأَنْ يَجْعَلَ النُّحَاسَ أَوْ الرَّصَاصَ أَوْ الصُّفْرَ أَوْ الْحَدِيدَ أَوْ الزُّجَاجَ أَوْ الْبِلَّوْرَ أَوْ الْعَقِيقَ أَوْ غَيْرَهُ آنِيَةً كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمُضْمَرَاتِ وَعَنْ بَعْضٍ أَنَّ الْأَكْلَ فِي النُّحَاسِ وَالصُّفْرِ مَكْرُوهٌ وَفِي الِاخْتِيَارِ أَنَّ الْخَزَفَ أَفْضَلُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ اتَّخَذَ أَوَانِيَ بَيْتِهِ خَزَفًا زَارَتْهُ الْمَلَائِكَةُ» كَمَا نُقِلَ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ
(وَأَمَّا) الْإِنَاءُ (الْمُذَهَّبُ وَالْمُفَضَّضُ) الْإِنَاءُ الَّذِي فِي بَعْضِ جَوَانِبِهِ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ (فَجَائِزٌ عِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إنْ لَمْ يَضَعْ فَمَهُ) وَكَذَا يَدَهُ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَعَنْ الْمِنَحِ وَيَتَّقِي مَوْضِعَ الْفِضَّةِ بِالْفَمِ وَقِيلَ بِالْفَمِ وَالْيَدِ فِي الْأَخْذِ وَالشُّرْبِ (عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) وَعِنْدَهُمَا مَكْرُوهٌ وَعَنْ الْمِنَحِ عَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ
стр. 1019
(وَكَذَا الْكُرْسِيُّ) الْمُذَهَّبُ أَوْ الْمُفَضَّضُ (إذَا لَمْ يَجْلِسُ عَلَى مَوْضِعِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَكَذَا) جَائِزٌ عِنْدَهُ (حَلْقَةُ الْمِرْآةِ وَحِلْيَةُ الْمُصْحَفِ وَأَمَّا السَّرْجُ الْمُفَضَّضُ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا بَأْسَ بِهِ وَكَذَا الثَّفْرُ) مَا يُجْعَلُ تَحْتَ ذَنَبِ الدَّابَّةِ (الْمُفَضَّضُ وَاللِّجَامُ وَالرِّكَابُ الْمُفَضَّضَانِ) وَعَنْ أَبِي يُوسُف كَرَاهَتُهُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ أَيْضًا
(وَأَمَّا التَّمْوِيهُ) طِلَاءُ الشَّيْءِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ تَحْتَهُ نُحَاسٌ أَوْ حَدِيدٌ (الَّذِي لَا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ شَيْءٌ) عِنْدَ الْإِذَابَةِ (فَلَا بَأْسَ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ) لِأَنَّهُ مُسْتَهْلَكٌ فَلَا عِبْرَةَ لِبَقَائِهِ وَإِنَّمَا مَحَلُّ النِّزَاعِ مَا يَخْلُصُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِذَابَةِ شَيْءٌ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ وَعِنْدَهُ يَجُوزُ إذَا اتَّقَى عَنْ مَوَاضِعِهِمَا
(وَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ أَنْ يَأْكُلَ عَلَى خِوَانِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) عَلَى وَزْنِ كِتَابٍ شَيْءٌ مُرْتَفِعٌ يُوضَعُ تَحْتَ الطَّعَامِ لِيُؤْكَلَ بِلَا انْحِنَاءٍ إلَى السُّفْرَةِ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَلِكَوْنِهِ شِعَارَ الْخُيَلَاءِ قَالَ فِي الْحَاشِيَة وَأَمَّا الْأَكْلُ عَلَى الْخِوَانِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلَا يُكْرَهُ (كُلُّهُ) كُلُّ مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِ وَالْأَكْلُ (فِي) كَرَاهِيَةِ (الْخُلَاصَةِ) وَغَيْرِهَا وَفِي التتارخانية لَا بَأْسَ بِجَعْلِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي سَقْفِ الدَّارِ وَالْمَسْجِدِ وَأَنْ يُنْقَشَ الْمَسْجِدُ بِمَائِهِمَا إنْ كَانَ مِنْ مَالِهِ وَلَا تَجُوزُ الْمَكَاحِلُ وَالِاكْتِحَالُ بِمِيلِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا يُكْرَهُ خَاتَمُ الْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ وَحِلْيَةُ السَّيْفِ وَالْمِنْطَقَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى مِقْبَضِ السَّيْفِ وَكَذَا السِّكِّينُ وَحَمَائِلُ السَّيْفِ بِالْفِضَّةِ يُكْرَهُ وَكَذَا الْكِتَابَةُ مِنْ دَوَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ
(وَ) يُكْرَهُ (أَكْلُ طَعَامِ ضِيَافَةٍ عِنْدَهُ لَعِبٌ أَوْ لَهْوٌ أَوْ غِنَاءٌ وَغَيْرُهَا مِنْ الْمُنْكَرَاتِ) بَلْ اللَّازِمُ حِينَئِذٍ الْمَنْعُ عَنْ الْمُنْكَرَاتِ إنْ قَدَرَ وَإِلَّا فَالْقِيَامُ وَلَوْ عَلِمَ الْمُنْكَرَ ابْتِدَاءً فَعَلَيْهِ عَدَمُ الْإِجَابَةِ وَفِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ دُعِيَ إلَى وَلِيمَةٍ أَوْ طَعَامٍ فَوَجَدَ ثَمَّةَ لَعِبًا أَوْ غِنَاءً لَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْعُدَ وَيَأْكُلَ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَائِدَةِ بَلْ فِي الْمَنْزِلِ وَإِنْ عَلَى الْمَائِدَةِ لَا يَقْعُدُ وَفِي الْأُسْرُوشَنِيِّ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَائِدَةِ فَإِنْ مُقْتَدًى بِهِ لَا يَقْعُدُ لِأَنَّ فِي قُعُودِهِ شَيْنَ الدِّينِ وَفَتْحَ بَابِ الْمَعْصِيَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَدًى بِهِ فَلَا بَأْسَ بِقُعُودِهِ وَأَكْلِهِ إنْ لَمْ يَقْصِدْ اسْتِمَاعَ الْمَلَاهِي اتَّخَذَ ضِيَافَةً لِفَسَادٍ كَانَ لِلنِّسَاءِ الِامْتِنَاعُ عَنْ الْخَبْزِ وَالطَّبْخِ لَهَا وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الِامْتِنَاعُ يَنْوِينَ عِنْدَ الْخَبْزِ وَالطَّبْخِ إشْغَالَهُمْ عَنْ الْفَسَادِ مَا دَامُوا فِي الْأَكْلِ فَيُؤْجَرْنَ بِالْخَبْزِ وَالطَّبْخِ وَعَنْ الْخُلَاصَةِ إنْ عَلِمَ قَبْلَ الدُّخُولِ امْتِنَاعَهُمْ عَنْ الْفِسْقِ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَعَنْ الْخَانِيَّةِ نُقِلَ نَوْعُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ حَاصِلُهُ امْتِنَاعُ الْإِجَابَةِ إنْ قَدَرَ عَلَى مَنْعِهِمْ فَلَا يُجِيبُ بَلْ يَجِبُ الْمَنْعُ وَجَوَازُ الْإِجَابَةِ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَنْعِ لَكِنْ يُنْكِرُ فِسْقَهُمْ لِأَنَّ إجَابَةَ الدَّعْوَةِ وَاجِبَةٌ أَوْ مَنْدُوبَةٌ فَلَا يُتْرَكُ لِمَعْصِيَةٍ اعْتَرَضَتْ لَهَا لَعَلَّهُ يَقُولُ الْأُمُورُ الْأَصْلِيَّةُ لَا تَسْقُطُ بِالْعَوَارِضِ الْخَارِجِيَّةِ وَأَيْضًا يُرَجِّحُ مَا هُوَ ذَاتِيٌّ عَلَى مَا هُوَ عَرَضِيٌّ وَفِي الدُّرَرِ إنْ حَضَرَ بِلَا عِلْمٍ ثُمَّ حَدَثَ الْمُنْكَرُ فَإِنْ مُقْتَدًى بِهِ يُمْنَعُ وَإِلَّا خَرَجَ أَلْبَتَّةَ وَلَا بَأْسَ لِغَيْرِ الْمُقْتَدَى بِهِ فَإِنَّ إجَابَةَ الدَّعْوَةِ سُنَّةٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» فَلَا يُتْرَكْ لِاقْتِرَانِ الْبِدْعَةِ مِنْ غَيْرِهِ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَا تُتْرَكُ لِأَجْلِ النَّائِحَةِ وَبِالْجُمْلَةِ الْأَوْلَى لِغَيْرِ الْمُقْتَدَى الْقُدُومُ مُطْلَقًا وَفِي التتارخانية الِامْتِنَاعُ مُطْلَقًا فِي زَمَانِنَا أَسْلَمُ إلَّا إذَا عَلِمَ يَقِينًا عَدَمَ مُنْكَرٍ وَفِي الْخُلَاصَةِ يَجُوزُ لِلْوَرِعِ أَنْ يُجِيبَ دَعْوَةَ الْفَاسِقِ وَالْأَوْرَعُ أَنْ لَا يُجِيبَ، وَلَا يُجِيبُ الدَّائِنُ دَعْوَةَ مَدْيُونِهِ إنْ زَائِدَةً عَلَى عَادَتِهِ إلَّا إذَا نَصَّ أَنَّهُ لَيْسَ دَيْنٌ وَفِي التتارخانية أَيْضًا دَارًا ظَهَرَ الْفِسْقُ فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَكُفَّ رَبُّهَا بِالتَّنْبِيهِ فَلِلْإِمَامِ ضَرْبُهُ أَوْ حَبْسُهُ أَوْ إزْعَاجُهُ مِنْ دَارِهِ
(وَ) يُكْرَهُ (أَكْلُ طَعَامٍ اُتُّخِذَ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْمُبَاهَاةِ إذَا عُلِمَ ذَلِكَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بِالْقَرَائِنِ) وَالْأَمَارَاتِ
стр. 1020
[الْأَكْلُ عَلَى السُّفْرَةِ]
(وَيُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ عَلَى السُّفْرَةِ) هِيَ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْجِلْدِ (لَا الْخِوَانِ) كَكِتَابٍ شَيْءٌ مُرْتَفِعٌ يُوضَعُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ كَمَا مَرَّ (خ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «مَا عَلِمْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَ عَلَى سُكْرُجَةٍ» فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ مِنْ سَكْرَجَ وَهِيَ إنَاءٌ صَغِيرٌ يُوضَعُ فِيهِ مُشْتَهَيَاتُ الطَّعَامِ وَهِيَ غَالِبًا يُوضَعُ فِيهَا الْحَوَامِضُ حَوْلَ الْأَطْعِمَةِ لِلتَّشَهِّي وَالْهَضْمِ وَذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ فَعَلَى هَذَا يَضْعُفُ مَا قِيلَ فِي الْوَجْهِ أَنَّهَا مِنْ عَلَامَاتِ الْبُخْلِ بَلْ ذَلِكَ عَلَى هَذَا عَلَامَةُ السَّرَفِ وَالْحِيلَةُ عَلَى كَثْرَةِ الْأَكْلِ الَّتِي هِيَ ذَمِيمَةٌ وَأَنَّ هَذَا فِعْلُ الْأَعَاجِمِ خِلَافُ السُّنَّةِ فِي الْأَغْلَبِ «قَطُّ» ظَرْفٌ لِمَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ «وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ قَطُّ» أَيْ الْخُبْزُ الرَّقِيقُ الْمَنْزُوعُ مِنْهُ النُّخَالَةُ لِأَنَّ فِيهِ تَكَبُّرًا وَتَنَعُّمًا «وَلَا أَكَلَ عَلَى خِوَانٍ قَطُّ قِيلَ لِعُبَادَةَ» أَحَدُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ «فَعَلَى مَهْ» كُتِبَ بِالْهَاءِ وَلَا يُقْرَأُ بِهَا عَلَى أَيِّ شَيْءٍ «كَانُوا يَأْكُلُونَ» فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ عَلَى السُّفَرِ» وَيُكْرَهُ تَرْكُ التَّسْمِيَةِ) عَمْدًا عِنْدَ الْأَكْلِ (د ت عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) وَعَنْ أَبَوَيْهَا (أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ» وَكَذَا الشُّرْبُ بِدَلِيلِ خَبَرِ الدَّيْلَمِيِّ «إذَا أَكَلْت طَعَامًا أَوْ شَرِبْت فَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ وَلَمْ يُصِبْك مِنْهُ دَاءٌ وَإِنْ كَانَ فِيهِ سُمٌّ» الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ وَلَوْ حَائِضًا أَوْ جُنُبًا «فَإِنْ نَسِيَ فِي الْأَوَّلِ فَلْيَقُلْ فِي الْآخِرِ» لِيَقِيءَ الشَّيْطَانُ مَا أَكَلَهُ «بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ» أَيْ فِي أَكْلِ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ أَيْ جَمِيعِ أَجْزَائِهِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ عَمَلٌ وَاحِدٌ وَكُلُّ لُقْمَةٍ أَكْلَةٌ لَا يُقَالُ كَيْفَ تَصْدُقُ الِاسْتِعَانَةُ بِبَسْمِ اللَّهِ فِي الْأَوَّلِ وَقَدْ مَضَى بِلَا تَسْمِيَةٍ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَهُ إنْشَاءَ اسْتِعَانَةٍ فِي أَوَّلِهِ وَلَيْسَ بِإِخْبَارٍ حَتَّى يَكْذِبَ وَبِهِ يَصِيرُ الْمُتَكَلِّمُ مُسْتَعِينًا فِي أَوَّلِهِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ فِي أَوَّلِهِ وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيُّ بِالنَّاسِي مَا لَوْ تَعَمَّدَ أَوْ جَهِلَ أَوْ أُكْرِهَ
(وَ) يُكْرَهُ (الْأَكْلُ بِالشِّمَالِ) بِلَا عُذْرٍ
стр. 1021
(م عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا «لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبَنَّ بِهَا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِهَا» فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ الْمُوَافَقَةُ لَهُ فِي أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ إمَّا مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ لِأَنَّ أَكْلَ الشَّيْطَانِ أَمْرٌ مُمْكِنٌ أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ وَلَا يُصَارُ إلَى الْمَجَازِ بِدُونِ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ أَوْ لِأَنَّهُ فِعْلُ أَوْلِيَائِهِ أَوْ لِأَنَّهُ مِنْ قَبَائِحِ الْأَعْمَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ لِلسُّنَّةِ وَالِاسْتِهَانَةِ كَمَا قِيلَ (وَكَانَ نَافِعٌ) مِنْ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ (يَزِيدُ فِيهَا) أَيْ فِي الرِّوَايَةِ (وَلَا يَأْخُذُ بِهَا) أَيْ بِالشِّمَالِ (وَلَا يُعْطِي بِهَا) فَيُكْرَهُ ذَلِكَ وَقَيَّدَ بِالْأَشْيَاءِ الشَّرِيفَةِ وَرُوِيَ عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ نُخَيْسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «كَانَ رَجُلٌ يَأْكُلُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُسَمِّ اللَّهَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إلَّا لُقْمَةٌ فَلَمَّا رَفَعَهَا إلَى فِيهِ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ فَضَحِكَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسُئِلَ عَنْ ضَحِكِهِ فَقَالَ مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى اسْتِقَاءَ مَا فِي بَطْنِهِ» (وَ) يُكْرَهُ (الْأَكْلُ مِنْ وَسَطِ الطَّعَامِ) لِأَنَّهُ مَحَلُّ نُزُولِ الْبَرَكَةِ وَكَذَا أَكْلُ وَجْهِ الْخُبْزِ أَوْ جَوْفُهُ وَرَمْيُ بَاقِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ وَالتَّشْبِيهِ بِالْخُيَلَاءِ وَالسَّرَفِ وَقِيلَ يُورِثُ الْقَحْطَ وَالْقِلَا وَفِي الِاخْتِيَارِ وَمِنْ الْإِسْرَافِ أَنْ يَأْكُلَ وَسَطَ الْخُبْزِ وَيَدَعَ جَوَانِبِهِ أَوْ يَأْكُلَ مَا انْتَفَخَ وَيَتْرُكَ الْبَاقِيَ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَجَبُّرٍ إلَّا أَنْ يَتَنَاوَلَهُ غَيْرُهُ فَلَا بَأْسَ
(وَمِمَّا يَلِي غَيْرَهُ) لِأَنَّهُ مِنْ الْحِرْصِ وَسُوءِ الْأَدَبِ (إذَا كَانَ) الطَّعَامُ (لَوْنًا وَاحِدًا) وَأَمَّا إذَا كَانَ أَلْوَانًا فَيَجُوزُ الْأَكْلُ حَيْثُ شَاءَ وَعَنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «اُذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ وَلْيَأْكُلْ الرَّجُلُ مِمَّا يَلِيهِ» (ت عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا «الْبَرَكَةُ تَنْزِلُ وَسَطَ الطَّعَامِ فَكُلُوا مِنْ حَافَّتِهِ» طَرَفِهِ وَجَانِبِهِ إبْقَاءً لِمَحَلِّ الْبَرَكَةِ «وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ» أَيْ مَحَلِّ نُزُولِ الْبَرَكَةِ «لِئَلَّا تُمْحَى الْبَرَكَةُ» أَيْ النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ (خ م عَنْ «عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ» رَبِيبِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) فَأُمُّهُ زَوْجُ النَّبِيِّ ﵊ «أَنَّهُ قَالَ كُنْت غُلَامًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» أَيْ كُنْت صَبِيًّا فِي تَرْبِيَتِهِ وَالْحِجْرُ هُوَ الضَّبْطُ وَالْحِفْظُ «وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ» تَضْطَرِبُ «فِي الصَّحْفَةِ» فَيَأْخُذُ الطَّعَامَ مِنْ جَوَانِبِهَا أَيْ مِنْ أَمَاكِنِهَا وَالصَّحْفَةُ إنَاءٌ كَالْقَصْعَةِ «فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهِ تَعَالَى» إرْشَادًا وَتَأْدِيبًا «وَكُلْ بِيَمِينِك وَكُلْ مِمَّا يَلِيك» بِقُرْبِك لَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ قَالَ عَمْرٌو «فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طُعْمَتِي بَعْدُ» وَاظَبْت عَلَى مَا عَلَّمَنِي - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْحَرَكَةَ لَيْسَتْ بِاضْطِرَارِيَّةٍ كَالْمُرْتَعِشِ وَإِلَّا فَالتَّكْلِيفُ
стр. 1022
لَا يُنَاسِبُهُ وَأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ عَمْرًا حِينَئِذٍ بَالَغَ كَمَا يُؤَيِّدُهُ التَّعْبِيرُ بِالْغُلَامِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ أَمْرِ الصَّبِيِّ بِالصَّلَاةِ (ت عَنْ عِكْرَاشٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْت» أَمَامِكَ أَوْ غَيْرِهِ «فَإِنَّهُ» أَيْ الطَّعَامَ «غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أُتِيَ بِطَبَقٍ فِيهِ أَلْوَانُ التَّمْرِ أَوْ الرُّطَبِ» شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي
(وَ) يُكْرَهُ (قَطْعُ اللَّحْمِ وَنَحْوِهِ) كَالْجُبْنِ وَالْخُبْزِ (بِالسِّكِّينِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ) بِأَنْ لَا يَكُونَ فِي غَايَةِ الْيُبْسِ (د عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) وَعَنْ أَبَوَيْهَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكِّينِ فَإِنَّهُ مِنْ صُنْعِ الْأَعَاجِمِ» وَلَا يَنْبَغِي التَّشَبُّهُ بِهِمْ وَلِأَنَّ فِيهِ تَكَبُّرًا «وَانْهَسُوا نَهْسًا» الْأَخْذُ بِالْأَسْنَانِ أَوْ كُلُوا بِمُقَدَّمِ الْأَسْنَانِ (فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ) هُمَا بِمَعْنَى سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، النَّهْيُ تَنْزِيهِيٌّ فَلَا يُنَافِيهِ قَطْعُهُ ﵊ فِي بَعْضِ الْوَقْتِ إعْلَامًا لِأَصْلِ جَوَازِهِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ يَجُوزُ صُدُورُ الْكَرَاهَةِ عَنْهُ ﵊ بَيَانًا لِأَصْلِ الْجَوَازِ فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ لَهُ مَكْرُوهًا وَقَدْ قَالُوا يَجُوزُ جَمْعُ الْكَرَاهَةِ مَعَ الْجَوَازِ وَلِذَا كَثِيرًا مَا يَقُولُونَ يَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ (د عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «كُنْت آكُلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَآخُذُ» عَلَى صِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ أَيْ أَفُكُّ وَأَسُلُّ «اللَّحْمَ بِيَدِي مِنْ الْعَظْمِ فَقَالَ أَدْنِ اللَّحْمَ مِنْ فِيك» قَرِّبْهُ مِنْ فَمِك كِنَايَةً عَنْ نَزْعِ اللَّحْمِ مِنْ الْعَظْمِ بِالْفَمِ وَالْأَسْنَانِ دُونَ الْيَدِ «فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ» لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ دَلَالَةَ الْحَدِيثِ عَلَى الْمَطْلُوبِ يَعْنِي الْقَطْعَ بِالسِّكِّينِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَحُمِلَ قَوْلُهُ بِيَدِي أَيْ أَقْطَعُ بِالسِّكِّينِ بِيَدِي أَبْعَدُ إلَّا أَنْ يُقَالَ إذَا مُنِعَ النَّزْعُ بِالْأَصَابِعِ فَأَوْلَى بِالسِّكِّينِ فَمِنْ قَبِيلِ الدَّلَالَةِ بِالنَّصِّ وَيُشِيرُ هَذَا الْحَدِيثُ إلَى أَنَّ الْمَنْعَ عَمَّا يَكُونُ مَطْبُوخًا وَمَشْوِيًّا فَقَطْعُ النِّيءِ لَا يَدْخُلُ فِي الْمَنْعِ
(وَيُكْرَهُ رَمْيُ مَا فِي الْفَمِ وَالْأَنْفِ مِنْ الطَّعَامِ وَالْبُزَاقِ وَالْمُخَاطِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ وَفِي الْمَسْجِدِ) لِأَنَّا أُمِرْنَا بِاحْتِرَامِهِمَا وَلِهَذَا حَمَلَ الْكَرَاهَةَ عَلَى التَّحْرِيمِيَّةِ وَلَوْ عَلَى حَصِيرِ الْمَسْجِدِ فَأَشَدُّ كَرَاهَةً
(وَ) يُكْرَهُ (الشُّرْبُ مِنْ ثُلْمَةِ الْقَدَحِ) هُوَ الْمَوْضِعُ الْمُنْكَسِرُ مِنْ طَرَفِهِ لِأَنَّهُ يُؤْذِي الشَّارِبَ بِمَا يَتَقَاطَرُ مِنْهُ الْمَاءُ عَلَى الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَلِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْوَسَخِ وَكَذَا قِيلَ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ قَدَحٍ فِيهِ ثُلْمَةٌ لَكِنَّ مَفْهُومَ كَلَامِ الْمُصَنِّف عَدَمُهَا فَافْهَمْ وَيَلْزَمُ مِنْهُ مُقَايَسَةٌ أَوْ دَلَالَةُ الْمِلْعَقَةِ الْمَشْقُوقَةِ لِتَجْمَعَ الْوَسَخَ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ تَوَقِّيًا عَنْ السَّرَفِ (وَالنَّفْخُ فِيهِ) فِي الْحَاشِيَةِ إذَا كَانَ لَهُ صَوْتٌ كَأُفٍّ فَقِيلَ لِأَنَّهُ كَلِمَةُ تَضَجُّرٍ وَقِيلَ إذَا انْتَشَرَ الْبُزَاقُ لِتَأَذِّي الْغَيْرِ بِهِ وَفِي الْجَامِعِ نُهِيَ أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ أَوْ يُنْفَخَ فِيهِ وَفِيهِ أَيْضًا نُهِيَ أَنْ يُنْفَخَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالثَّمَرَةِ وَفِي شَرْحِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ النَّفْخِ فِيهِ لِحَاجَةٍ أَوْ لَا بَلْ إنْ حَارًّا صَبَرَ حَتَّى يَبْرُدَ
стр. 1023
وَإِنْ قَذَارَةً أَزَالَهَا بِنَحْوِ خِلَالٍ أَوْ أَمَالَ الْقَدَحَ لِتَسْقُطَ أَوْ أَبْدَلَ الْمَاءَ (د عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُشْرَبَ مِنْ ثُلْمَةِ الْقَدَحِ وَأَنْ يُنْفَخَ فِي الشَّرَابِ» وَقِيلَ لِأَنَّهُ يُنْتِنُهُ وَقِيلَ لِلْمَرَضِ.
(وَإِعْطَاؤُهُ) أَيْ الْقَدَحِ (بَعْدَ الشُّرْبِ) مِنْهُ (إلَى مَنْ فِي) جِهَةِ (يَسَارِهِ بِلَا إذْنِ مَنْ فِي الْيَمِينِ) وَفِي الْبُخَارِيِّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرِبَ فَأَعْطَى إلَى مَنْ فِي يَمِينِهِ أَعْرَابِيٍّ وَقَدْ كَانَ فِي يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَالَ الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ» أَيْ ابْدَءُوا بِالْأَيْمَنِ وَقَدِّمُوا الْأَيْمَنَ يَعْنِي مَنْ عِنْدَ الْيَمِينِ فِي نَحْوِ الشُّرْبِ فَمَنْصُوبٌ وَرُوِيَ رَفْعُهُ أَيْ الْأَيْمَنُ أَحَقُّ وَرَجَّحَهُ الْعَيْنِيُّ (لِقَوْلِهِ ﵊ «الْأَيْمَنُونَ ثَلَاثًا» أَيْ قَالَهُ ثَلَاثًا وَكَانَ مِنْ شَأْنِهِ ﵊ أَنَّهُ إذَا اعْتَنَى بِأَمْرٍ يُكَرِّرُهُ تَأْكِيدًا قِيلَ وَلَوْ مَفْضُولًا وَحَكَى عَلَيْهِ الِاتِّفَاقَ حَتَّى قَالَ ابْنُ حَزْمٍ لَا تَجُوزُ مُنَاوَلَةُ غَيْرِ الْأَيْمَنِ إلَّا بِإِذْنِهِ فَالْأَفْضَلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَنْ يُدَارَ بِالْأَيْمَنِ فَلَيْسَ هَذَا تَرْجِيحًا لِمَنْ فِي الْيَمِينِ بَلْ لِجِهَتِهِ وَلَا يُعَارَضُ هَذَا بِمَا فِي الْخَبَرِ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْقَسَامَةِ كَبِّرْ كَبِّرْ وَلَا بِقَوْلِهِ ابْدَءُوا بِالْكُبْرِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ عَامٍّ خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ وَأُخِذَ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّكْرِيمِ يُقَدَّمُ فِيهِ الْيَمِينُ كَالصَّدْرِ وَالْبِسَاطِ وَفِيهِ نَدْبُ التَّيَامُنِ وَتَفْضِيلُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ وَأَنَّ مَا يَتَنَاوَلُ مِنْ نَحْوِ طَعَامٍ وَشَرَابٍ فَالسُّنَّةُ إدَارَتُهُ مِنْ جِهَةِ الْيَمِينِ وَأَنَّ الْجُلُوسَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَالْعَالِمِ أَفْضَلُ وَأَنَّ كُلَّ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِي مَجْلِسٍ نُدِبَ لَهُ أَنْ يُشْرِكَ أَهْلَ الْمَجْلِسِ فِيهِ وَأَنَّ مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا مُشْتَرَكًا فَهُوَ أَوْلَى بِمَجْلِسِهِ وَلَا يُقَامُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ ثَمَّةَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ
(خَرَّجَهُ خ م عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَ) يُكْرَهُ تَنْزِيهًا (الشُّرْبُ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ) بِفَتْحِ أَوَّلَيْهِ (وَالتَّنَفُّسُ فِي الْإِنَاءِ) لِاسْتِقْذَارِ الْغَيْرِ وَلِذَا قِيلَ لَا يَنْفُضُ يَدَهُ فِي الْقَصْعَةِ وَلَا يَنْحَنِي عَلَى نَحْوِ الْقَصْعَةِ عِنْدَ الْتِقَامِ اللُّقْمَةِ فِي فِيهِ وَيَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ الطَّعَامِ عِنْدَ إخْرَاجِ نَحْوَ الْعَظْمِ وَالنَّوَاةِ مِنْ فَمِهِ وَلَا يَغْمِسُ اللُّقْمَةَ الدَّسِمَةَ فِي الْخَلِّ وَلَا يُلْقِي اللُّقْمَةَ الدَّسِمَةَ فِي الْمَرَقَةِ وَلَا يُلْقِي الْمِلْعَقَةَ الدَّسِمَةَ فِي الْأَشْرِبَةِ وَلَا يَتَكَلَّمُ بِمَا يُسْتَقْذَرُ بَلْ يَذْكُرُ نَحْوَ حِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ وَآدَابِ الْأَكْلِ فَإِنَّ السُّكُوتَ الْمَحْضَ مِنْ سِيَرِ الْأَعَاجِمِ.
(ت عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا «لَا تَشْرَبُوا» شُرْبًا «وَاحِدًا» بِنَفَسٍ وَاحِدٍ «كَشُرْبِ الْبَعِيرِ» فَإِنَّهُ يُوَالِي شُرْبَهُ «وَلَكِنْ» «اشْرَبُوا مَثْنَى» نَفَسَيْنِ «وَثُلَاثَ» لِأَنَّهُ أَرْيَحُ لِلشَّارِبِ وَأَهْنَأُ لَهُ «وَسَمُّوا اللَّهَ تَعَالَى إذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ» أَيْ إذَا أَرَدْتُمْ الشُّرْبَ «وَاحْمَدُوا اللَّهَ إذَا رَفَعْتُمْ» فَالسُّنَّةُ التَّسْمِيَةُ فِي الْبِدَايَةِ وَالتَّحْمِيدُ فِي النِّهَايَةِ (خ م عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الْأَنْصَارِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «إذَا شَرِبَ
стр. 1024
أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ» عِلَّةُ النَّهْيِ أَنَّ الْأَشْرِبَةَ لَطِيفَةٌ يُسْرِعُ إلَيْهَا التَّغْيِيرُ بِالرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ لَا سِيَّمَا الْمَاءُ فَلَعَلَّ الشَّارِبَ إذَا تَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ أَوْ نَفَخَ فِيهِ يُؤَثِّرُ فِيهِ خُلُوفُ فَمِهِ فَتُغَيَّرُ رَائِحَتُهُ وَأَنَّهُ رُبَّمَا يَقَعُ فِيهِ مِنْ بُزَاقِهِ فَيَحْصُلُ لِلنَّاسِ تَنَفُّرٌ وَأَمَّا النَّفْخُ بَعْدَ قِرَاءَةِ بَعْضِ الْأَدْعِيَةِ إلَى نَحْوِ الْمَاءِ وَيَشْرَبُهُ الْمَرِيضُ فَبَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّةِ ثُبُوتِهِ مِنْ قَبِيلِ عَامٍّ خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ وَلَا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الصُّلَحَاءِ وَغَيْرِهِمْ لِعُمُومِ الصِّيغَةِ وَأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْجِنْسِ كَثِيرًا مَا يَكُونُ لِبَعْضِ أَفْرَادِهِ فَافْهَمْ.
(وَإِذَا أَتَى الْخَلَاءَ فَلَا يَمَسُّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ) بِيَدِهِ الْيُمْنَى حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَفِي الذَّكَرِ عُمُومُ مَجَازٍ شَامِلٌ لِفَرْجِ الْمَرْأَةِ مُقَايَسَةً أَوْ دَلَالَةً وَكَثُرَ أَنْظَارُهُ (وَإِذَا تَمَسَّحَ) بِالْحَجَرِ وَنَحْوِهِ (فَلَا يَتَمَسَّحُ بِيَمِينِهِ) أَيْ لَا يَسْتَنْجِي بِالْيَمِينِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَأَمَّا التَّمَسُّحُ بِهَا بِأَنْ يَجْعَلَهَا مَكَانَ الْحَجَرِ فَيُزِيلُ بِهَا النَّجَاسَةَ فَحَرَامٌ فَإِنْ قُلْت مَا الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ تَعْلِيمِ أَدَبِ الشُّرْبِ وَأَدَبِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ قُلْت إنَّ الْإِنْسَانَ إذَا شَرِبَ بَالَ مَا شَرِبَهُ فَاحْتَاجَ إلَى مَسِّ الْفَرْجِ حَالَ خُرُوجِهِ فَلَمَّا ذُكِرَ حُكْمُ الْمَدْخَلِ نَاسَبَ ذِكْرَ حُكْمِ الْمَخْرَجِ كَذَا فِي الْفَيْضِ.
(وَيُكْرَهُ وَضْعُ الْمَمْلَحَةِ) ظَرْفُ الْمِلْحِ (عَلَى الْخُبْزِ) لِأَنَّ فِيهِ اسْتِخْفَافًا بِالْخُبْزِ الَّذِي أُمِرْنَا بِإِكْرَامِهِ وَأَمَّا وَضْعُ نَفْسِ الْمِلْحِ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَمَا قِيلَ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ تَقْيِيدِهِمْ بِالْمَمْلَحَةِ وَقَدْ مَرَّ مِرَارًا أَنَّ مَفْهُومَ التَّصْنِيفِ حُجَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ هَذَا لَكِنْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَأَئِمَّةِ بُخَارَى لَمْ يَرَوْا فِي وَضْعِ الْمَمْلَحَةِ عَلَى الْخُبْزِ بَأْسًا والمرغيناني كَانَ لَا يُفْتِي بِكَرَاهَتِهِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة أَيْضًا وَمِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْمِلْحِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي فُصُولِ الْأُسْرُوشَنِيِّ مِنْ قَوْلِهِ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ الْأَكْلَ بِالْمِلْحِ وَيَخْتِمَ بِهِ.
وَفِي الشِّرْعَةِ وَيَبْدَأُ بِالْمِلْحِ فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ الْأَمْرَاضِ وَفِي شَرْحِهِ كَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَا عَلِيُّ ابْدَأْ طَعَامَك بِالْمِلْحِ فَإِنَّ الْمِلْحَ شِفَاءٌ مِنْ سَبْعِينَ دَاءٍ مِنْهَا الْجُنُونُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ وَوَجَعُ الْبَطْنِ وَالضِّرْسِ» كَذَا فِي الْعَوَارِفِ وَقِيلَ كَذَا فِي كَنْزِ الْعِبَادِ أَيْضًا نَقْلًا عَنْ الْفَوَائِدِ وَيُقَدَّمُ الْمِلْحُ الْمَدْقُوقُ وَيُرْفَعُ بِالْمُسَبِّحَةِ وَالْإِبْهَامِ وَلَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ أَنْ يَسْأَلَ مِنْ رَبِّ الْبَيْتِ إلَّا الْخُبْزَ وَالْمَاءَ وَالْمِلْحَ كَمَا فِي الْبُسْتَانِ انْتَهَى وَفِي رِسَالَةٍ مُسَمَّاةٍ بِطِبِّ النَّبِيِّ مَنْسُوبَةٍ إلَى الْحَبِيبِ النَّيْسَابُورِيِّ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا قَرَّبَ أَحَدُكُمْ الطَّعَامَ فَلْيَبْدَأْ بِالْمِلْحِ» .
«وَقَالَ ﵊ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ افْتَحْ طَعَامَك بِالْمِلْحِ وَاخْتِمْ بِهِ فَإِنَّ مَنْ افْتَتَحَ طَعَامَهُ بِالْمِلْحِ وَاخْتَتَمَ بِهِ عُوفِيَ مِنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ مِنْهَا الْجُذَامُ وَالْبَرَصُ» انْتَهَى هَذَا.
لَكِنْ حَكَمَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ بِوَضْعِ حَدِيثِ الْمِلْحِ فِي مَوْضُوعَاتِهِ وَاغْتَرَّ بِظَاهِرِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَمَنَعَ لَكِنْ بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّةِ الْوَضْعِ فِي الْبَعْضِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُسَلَّمَ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ كَيْفَ وَالْفُقَهَاءُ لَا يَحْكُمُونَ بِمَشْرُوعِيَّةِ شَيْءٍ لَمْ يَقِفُوا عَلَى صِحَّتِهِ وَقَدْ عَدَّ ابْنُ حَجَرٍ أَبَا بَكْرٍ الرَّازِيَّ مِنْ حُفَّاظِ الْمُحَدِّثِينَ وَقَالَ فِي شَرْحِهِ عَلِيٌّ الْقَارِيّ وَهُوَ صَاحِبُ شِرْعَةِ الْإِسْلَامِ وَقِيلَ وَهُوَ الْجَصَّاصُ مِنْ كِبَارِ السَّادَةِ الْحَنَفِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ يَقِينًا وَلَوْ سَلِمَ مَوْضُوعِيَّةُ الْكُلِّ فَلَا يَلْزَمُ انْتِفَاءُ السُّنِّيَّةِ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ فِي الشِّرْعَةِ أَيْضًا السُّنَّةُ هُنَا مَا كَانَ عَلَيْهِ الْقَرْنُ الْمَشْهُودُ لَهُمْ بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ وَالرَّشَادِ وَهُمْ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَمَنْ عَاصَرَ سَيِّدَ الْخَلَائِقِ ثُمَّ التَّابِعُونَ ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ وَقَالَ فِي شَرْحِهِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّف وَمِنْ السُّنَّةِ ابْتِدَاءُ مُرَادِهِ مِنْ السُّنَّةِ سُنَّةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ أَوْ سُنَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَوْ سُنَّةِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ أَوْ سُنَّةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ عَنْ رَوْضَةِ النَّاصِحِينَ السُّنَّةُ فِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ طَرِيقَةٍ مَسْلُوكَةٍ أُمِرْنَا بِإِحْيَائِهَا وَأَيْضًا يُقَدَّمُ أَقْوَالُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْحَدِيثِ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَبِالْجُمْلَةِ أُمِرْنَا بِتَبَعِيَّةِ فُقَهَائِنَا لِأَنَّ حُجَّتَنَا فِي الْأَحْكَامِ هِيَ أَقْوَالُهُمْ لَا غَيْرُ فَلَا يَنْبَغِي تَرْكُ الْمِلْحِ عِنْدَ الطَّعَامِ.
(وَ) وَضْعُ (الْخُبْزِ تَحْتَ الْقَصْعَةِ) لِنَحْوِ التَّسْوِيَةِ لِأَنَّهُ إهَانَةٌ (وَتَعْلِيقُ الْخُبْزِ عَلَى الْخِوَانِ) أَيْ السُّفْرَةِ مَجَازًا وَإِنَّمَا يُوضَعُ (بِحَيْثُ لَا يَتَعَلَّقُ كَرَامَةً) لِلْخُبْزِ لَعَلَّ عِنْدَ الضَّرُورَاتِ كَالْحِفْظِ مِنْ الْفَأْرَةِ وَعَدَمِ وِجْدَانِ مَحَلٍّ يُوضَعُ لَا يُكْرَهُ وَفِي الْجَامِعِ «أَكْرِمُوا الْخُبْزَ» لِأَنَّ فِي إكْرَامِهِ
стр. 1025
الرِّضَا بِالْمَوْجُودِ مِنْ الرِّزْقِ وَعَدَمَ الِاجْتِهَادِ فِي التَّنَعُّمِ وَطَلَبَ الزِّيَادَةِ وَقِيلَ مِنْ كَرَامَتِهِ أَنْ لَا يُنْتَظَرَ بِهِ الْأُدُمُ وَرُدَّ بِأَنْ أَكَلَ الْخُبْزَ بِالْأُدُمِ أَقُولُ ذَلِكَ فِي الْبُرِّ وَذَا فِي خُبْزِ الشَّعِيرِ وَكَرِهَ بَعْضُ السَّلَفِ وَضْعَ اللَّحْمِ وَالْإِدَامِ فَوْقَ الْخُبْزِ وَأَوْرَدَ بِأَنَّهُ «﵊ وَضَعَ تَمْرَةً عَلَى كِسْرَةٍ وَقَالَ هَذَا إدَامُ هَذِهِ» وَقَدْ يُقَالُ الْمَكْرُوهُ مَا يُلَوِّنُهُ وَيُقْذِرُهُ كَالسَّمَكِ وَاللَّحْمِ وَأَمَّا التَّمْرُ فَلَا، وَزِيدَ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَوْلُهُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَخَّرَ لَهُ بَرَكَاتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْحَدِيدِ وَالْبَقَرِ كَمَا فِي الْفَيْضِ وَفِيهِ أَيْضًا «أَكْرِمُوا الْخُبْزَ فَإِنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ فَمَنْ أَكْرَمَ الْخُبْزَ أَكْرَمَهُ اللَّهُ» قَالَ فِي شَرْحِهِ، وَإِكْرَامُهُ أَنْ لَا يُوطَأَ وَلَا يُهَانَ وَلَا يُلْقَى فِي الْقَاذُورَاتِ وَالْمَزَابِلِ وَلَا يُنْظَرُ بِنَظَرِ الِاحْتِقَارِ قَالَ الْغَزَالِيُّ إنَّ عَابِدًا قَرَّبَ إلَى بَعْضِ إخْوَانِهِ رُغْفَانًا فَجَعَلَ يُقَلِّبُهَا لِيَخْتَارَ أَجْوَدَهَا فَقَالَ لَهُ الْعَابِدُ مَهْ أَيُّ شَيْءٍ تَصْنَعُ أَمَا عَلِمْت أَنَّ فِي الرَّغِيفِ الَّذِي رَغِبْت عَنْهُ كَذَا وَكَذَا حِكْمَةً وَعَمِلَ فِيهِ كَذَا وَكَذَا صَانِعٍ حَتَّى أَتَى، اسْتَدَارَ مِنْ السَّحَابِ الَّذِي يَحْمِلُ الْمَاءَ، وَالْمَاءِ الَّذِي يَسْقِي الْأَرْضَ، وَالرِّيَاحِ وَبَنِي آدَمَ وَالْبَهَائِمِ حَتَّى إلَيْك ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تُقَلِّبُهُ وَلَا تَرْضَى بِهِ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَفِي الْخَبَرِ «لَا يَسْتَدِيرُ الرَّغِيفُ وَيُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْك حَتَّى يَعْمَلَ فِيهِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَانِعًا أَوَّلُهُمْ مِيكَائِيلُ يَكِيلُ الْمَاءَ مِنْ خَزَائِنِ الرَّحْمَةِ ثُمَّ الْمَلَائِكَةُ الَّتِي تَزْجُرُ السَّحَابَ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْأَفْلَاكُ وَمَلَائِكَةُ الْهَوَاءِ وَدَوَابُّ الْأَرْضِ وَآخَرُ ذَلِكَ الْخَبَّازُ - ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] » - وَفِيهِ أَيْضًا أَكْرِمُوا الْخُبْزَ فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَخْرَجَهُ مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ قَالَ شَارِحُهُ لِأَنَّ الْخُبْزَ غِذَاءُ الْبَدَنِ وَالْغِذَاءُ قِوَامُ الْأَرْوَاحِ وَقَدْ شَرَّفَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَجَعَلَهُ مِنْ أَشْرَفِ الْأَرْزَاقِ وَأَنْزَلَهُ مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ فَمَنْ رَمَى بِهِ وَأَطْرَحَهُ مَطْرَحَ الْهَوَانِ فَقَدْ سَخِطَ النِّعْمَةَ وَكَفَرَهَا وَفِيهِ أَيْضًا أَكْرِمُوا الْخُبْزَ فَإِنَّهُ مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَنْ أَكَلَ مَا يَسْقُطُ مِنْ السُّفْرَةِ غُفِرَ لَهُ قَالَ شَارِحُهُ مَحَا اللَّهُ عَنْهُ الصَّغَائِرَ فَلَا يُعَذِّبُهُ عَلَيْهَا أَمَّا الْكَبَائِرُ فَلَا دَخْلَ لَهَا هُنَا
(فَائِدَةٌ) أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ دَخَلَ الْمُتَوَضَّأَ فَأَصَابَ كِسْرَةً فِي مَجْرَى الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ فَأَخَذَهَا فَأَمَاطَهَا مِنْ الْأَذَى ثُمَّ غَسَلَهَا ثُمَّ دَفَعَهَا لِغُلَامِهِ، فَقَالَ: ذَكِّرْنِي بِهَا إذَا تَوَضَّأْتُ. فَلَمَّا تَوَضَّأَ قَالَ: نَاوِلْنِيهَا، قَالَ: أَكَلْتهَا، قَالَ: اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ؛ لِأَنِّي سَمِعْتُ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَعَنْ أَبَوَيْهَا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ أَخَذَ لُقْمَةً أَوْ كِسْرَةً مِنْ مَجْرَى الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ فَأَمَاطَ عَنْهَا الْأَذَى وَغَسَلَهَا ثُمَّ أَكَلَهَا، لَمْ تَسْتَقِرَّ فِي بَطْنِهِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ» ، فَمَا كُنْتُ لِأَسْتَخْدِمَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
قَالَ الْهَيْتَمِيُّ: رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. انْتَهَى.
(وَلَا بَأْسَ بِالْأَكْلِ مُتَّكِئًا أَوْ مَكْشُوفَ الرَّأْسِ، وَقَبْلَ صَلَاةِ عِيدِ الْأَضْحَى فِي الْمُخْتَارِ) قَيْدٌ لِلْكُلِّ. وَعِنْدَ الْبَعْضِ يُكْرَهُ، وَلَكِنَّ الْمُخْتَارَ تَرْكُ الْأُولَى.
قَالَ فِي التتارخانية: وَيُكْرَهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ مُتَّكِئًا أَوْ وَاضِعًا شِمَالَهُ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ مُسْتَنِدًا، وَفِيهِ أَيْضًا: الْأَكْلُ يَوْمَ الْأَضْحَى قَبْلَ الصَّلَاةِ فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَالْمُخْتَارُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ، لَكِنْ عَنْ التتارخانية: رُوِيَ «عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: مَنْ صَبَرَ يَوْمَ النَّحْرِ إلَى أَنْ يُصَلِّيَ وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ صَامَ يَوْمَ النَّحْرِ إلَى أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْعِيدِ فَكَأَنَّمَا عَبَدَ اللَّهَ سِتِّينَ أَلْفَ سَنَةٍ» . انْتَهَى.
لَكِنْ يَعُدُّ أَهْلُ الْحَدِيثِ الْمُبَالَغَةَ الْوَاسِعَةَ مِنْ أَمَارَاتِ الضَّعْفِ بَلْ الْوَضْعِ، فَتَأَمَّلْ.
(وَيُكْرَهُ مَسْحُ السِّكِّينِ وَالْيَدِ بِالْخُبْزِ) وَعَنْ الْهِنْدُوَانِيُّ يُكْرَهُ مَسْحُ الْأَصَابِعِ عَلَى الْمَائِدَةِ؛ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ بِالْفَرَاعِنَةِ (وَبَعْضُهُمْ جَوَّزَهُ إنْ أَكَلَ بَعْدَهُ وَإِذَا أَكَلَ أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِ لِيَتَقَيَّأَ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا بَأْسَ بِهِ) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مِنْ قَبِيلِ التَّدَاوِي (قَالَ رَأَيْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَأْكُلُ أَلْوَانًا مِنْ الطَّعَامِ وَيُكْثِرُ ثُمَّ يَتَقَيَّأُ وَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ فِعْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَسُكُوتِ آخِرِهِمْ وَإِلَّا فَفِي حُجِّيَّةِ فِعْلِ الصَّحَابِيِّ كَلَامٌ يُعْرَفُ فِي الْأُصُولِ تَأَمَّلْ.
(وَلَا يَأْكُلُ طَعَامًا حَارًّا
стр. 1026
وَلَا يَشُمُّ) لِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِالْحَوَاسِّ، وَفِي الْجَامِعِ نَهْيٌ عَنْ الطَّعَامِ الْحَارِّ حَتَّى يَبْرُدَ، وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى يَذْهَبَ بُخَارُهُ لَكِنْ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ ضَعِيفٌ، وَفِي الْحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ لَمْ يُطْعِمْنَا نَارًا» (كُلُّ مَا ذُكِرَ بَعْدَ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ فِي الْخُلَاصَةِ) وَغَيْرِهَا.
(وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْفَاكِهَةِ وَالثُّفْلِ) بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ كَنَوَى الْعِنَبِ (فِي طَبَقٍ وَاحِدٍ لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْهُ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة، وَأَمَّا أَكْلُ طَعَامِ الْفَسَقَةِ وَأَهْلِ الرِّبَا وَالْأُمَرَاءِ إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مَغْصُوبٌ بِعَيْنِهِ وَلَمْ يُوجَدْ مُنْكِرٌ فَلَا يَحْرُمُ بَلْ لَا يُسْتَحَبُّ) تَبَاعُدًا عَنْهُمْ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ؛ لِأَنَّهُمْ كَالشَّوْكِ لَا يَنَالُ الْمُؤْمِنُ مِنْ طَعَامِهِمْ حَتَّى يَنَالُوا مِنْ دِينِهِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ تَجُوزُ إجَابَةُ دَعْوَةِ الْفَاسِقِ وَالْأَوْرَعُ لَا يُجِيبُ، وَالْأَفْضَلُ عَدَمُ أَكْلِ طَعَامِ دَعْوَةِ كُلِّ الْمُزَارِعِينَ؛ لِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ فَاسِدَةٌ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَفِي الْجَامِعِ نَهْيٌ عَنْ الْمُزَارَعَةِ، وَفِي شَرْحِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ لَا تَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ، وَفِيهِ أَيْضًا نَهْيٌ عَنْ إجَابَةِ طَعَامِ الْفَاسِقِينَ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ تَجَنُّبِهِمْ الْحَرَامَ وَلَا يُنَافِيهِ حُسْنُ الظَّنِّ الْمَأْمُورُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْفَسَقَةُ الْمُعْلِنُونَ زَجْرًا لَهُمْ عَنْ فِسْقِهِمْ، وَفِي الْفَتَاوَى إذَا قَدَّمَ السُّلْطَانُ شَيْئًا مِنْ الْمَأْكُولَاتِ إنْ اشْتَرَاهُ يَحِلُّ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِهِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَغْصُوبِيَّتَهُ يُبَاحُ أَكْلُهُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ، ثُمَّ جَمِيعُ الْمَكْرُوهَاتِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا فِي الْأَكْلِ فِي السُّوقِ وَالطَّرِيقِ وَالْقَبْرِ وَالْجِنَازَةِ وَأَكْلِ طَعَامِ الْمَيِّتِ وَمِنْ الْأَوَانِي ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً وَمِنْ مِلْعَقَتِهِمَا وَعَلَى الْخِوَانِ مِنْهُمَا وَمِنْ ضِيَافَةٍ فِيهَا لَعِبٌ أَوْ لَهْوٌ أَوْ غِنَاءٌ وَمِمَّا اُتُّخِذَ رِيَاءً وَسُمْعَةً وَمُبَاهَاةً إنْ ظَنَّهُ كَذَلِكَ، وَتَرْكِ التَّسْمِيَةِ وَالْأَكْلِ بِالشِّمَالِ وَالشُّرْبِ بِهَا وَمِنْ وَسَطِ الطَّعَامِ وَمِمَّا يَلِي غَيْرَهُ وَالْقَطْعِ بِالسِّكِّينِ وَرَمْيِ مَا فِي الْفَمِ وَالْأَنْفِ نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَفِي الْمَسْجِدِ وَمِنْ الْقَدَحِ الْمَكْسُورِ وَالنَّفْخِ فِيهِ وَالْإِعْطَاءِ بِالْيَسَارِ وَالشُّرْبِ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ وَالتَّنَفُّسِ فِي دَاخِلِ الْإِنَاءِ وَمَسْحِ الذَّكَرِ بِالْيَمِينِ وَوَضْعِ الْمَمْلَحَةِ عَلَى الْخُبْزِ وَوَضْعِ الْخُبْزِ تَحْتَ الْقَصْعَةِ وَتَعْلِيقِ الْخُبْزِ بِالسُّفْرَةِ وَمَسْحِ السِّكِّينِ وَالْيَدِ بِالْخُبْزِ وَفِي بَعْضِ الْفِقْهِيَّةِ عُدَّ مِنْ مَكْرُوهَاتِ الْأَكْلِ أَكْلُ الطِّينِ وَالتُّرَابِ وَالطَّعَامِ الْحَارِّ وَنَفْخُهُ وَشَمِّهِ وَانْتِظَارُ إدَامٍ بَعْدَ حُضُورِ الْخُبْزِ، وَفِي الطَّرِيقِ وَمَمَرِّ النَّاسِ وَقَائِمًا وَمَاشِيًا، وَالشُّرْبُ قِيلَ لَا وَقِيلَ نَعَمْ فِي الْقِيَامِ فِي غَيْرِ زَمْزَمَ وَلَا يَشْرَبُ مِنْ جَانِبِ الْعُرْوَةِ وَلَا مِنْ كُوزٍ لَا يَرَى جَوْفَهُ، وَكُرِهَ أَكْلُ جُنُبٍ وَشُرْبُهُ قَبْلَ غَسْلِ يَدَيْهِ وَفَمِهِ وَاسْتِعَانَةُ الْغَسْلِ مِنْ الْغَيْرِ وَالنَّظَرُ إلَى لُقْمَةِ الْغَيْرِ وَوَجْهِهِ وَذِكْرُ أَمْرٍ هَائِلٍ عَلَى الْمَائِدَةِ وَذِكْرُ أَمْرٍ مُسْتَقْذَرٍ وَالسُّكُوتُ عِنْدَ الْأَكْلِ وَقَطْعُ الطَّعَامِ مَعَ بَقَاءِ الْحَاجَةِ وَإِنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ إلَّا إذَا خِيفَ فَوْتُ الْجَمَاعَةِ، وَلَا يَقُومُ قَبْلَ رَفْعِ الْمَائِدَةِ وَلَا لِأَحَدٍ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة لَا يَجُوزُ مَسْحُ الْيَدِ عَلَى ثِيَابِهِ وَدِسْتَارِ رَأْسِهِ وَتُكْرَهُ الْخِرْقَةُ لِلْعَرَقِ وَلِلِامْتِخَاطِ وَلِلْوُضُوءِ، إنْ لِلتَّكَبُّرِ وَإِنْ لِلْحَاجَةِ فَلَا، وَعَدَمُ أَخْذِ لُقْمَةٍ سَاقِطَةٍ مِنْ يَدِهِ، وَفِي بَعْضِ الرَّسَائِلِ وَكُرِهَ أَكْلُ وَجْهِ الْخُبْزِ وَرَمْيُ بَاقِيهِ وَالْأَمْرُ بِإِحْضَارِ الطَّعَامِ عِنْدَهُ بَلْ يَذْهَبُ إلَى الطَّعَامِ وَتَغَيُّبُ الطَّعَامِ وَتَخْفِيفُ الطَّعَامِ وَالْأَكْلُ فِي الظُّلْمَةِ وَنَفْضُ يَدَيْهِ فِي الْقَصْعَةِ لِإِكْرَاهِ الْغَيْرِ، وَتَقْدِيمُ الرَّأْسِ إلَى الْقَصْعَةِ عِنْدَ وَضْعِ اللُّقْمَةِ فِي فِيهِ وَأَكْلُ طَعَامِ الْمَيِّتِ فِي الْأَوَّلِ وَالْأُسْبُوعِ مَثَلًا، وَالْأَكْلُ مِنْ أَوَانِي الصُّفْرِ وَالنُّحَاسِ وَالْأَكْلُ مِنْ أَوَانِي الْمُشْرِكِينَ وَمَعَ الْكُفَّارِ دَوَامًا وَالطَّعَامُ الْمُتَّخَذُ لِنَحْوِ الْقِرَاءَةِ وَالتَّهْلِيلُ وَالْأَكْلُ بِلَا تَسْمِيَةٍ وَالْأَكْلُ مِمَّا فِيهِ شُبْهَةٌ.
اعْلَمْ أَنَّ مِنْ الشُّبْهَةِ الصَّيْدَ بِكَلْبٍ مَغْصُوبٍ وَالِاحْتِطَابَ
стр. 1027
بِقَدُّومٍ مَغْصُوبٍ وَالْبَيْعَ وَقْتَ النِّدَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمِنْهَا ثَمَنُ بَيْعِ الْعِنَبِ مِنْ الْخَمَّارِ، وَبَيْعِ الْغُلَامِ مِمَّنْ يُعْرَفُ بِالْفُجُورِ بَلْ مَكْرُوهٌ أَشَدُّ الْكَرَاهَةِ، وَيَلِيهِ بَيْعُ الْعِنَبِ مِمَّنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَلَمْ يَكُنْ خَمَّارًا وَمِنْهَا مَا بَقِيَ أَثَرُهُ فِي الْمُتَنَاوَلِ كَالْأَكْلِ مِنْ شَاةٍ رَعَتْ مِنْ مَرْعًى حَرَامٍ وَمَاءِ نَهْرٍ حَفَرَتْهُ الظَّلَمَةُ وَعِنَبِ كَرْمٍ سُقِيَ بِالنَّهْرِ الْمَذْكُورِ كَذِي النُّونِ الْمِصْرِيِّ كَانَ جَائِعًا مَحْبُوسًا فَبَعَثَتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ طَعَامًا عَلَى يَدِ السَّجَّانِ فَامْتَنَعَ، ثُمَّ اعْتَذَرَ أَنَّهُ بِيَدِ سَجَّانٍ وَجَاءَنِي بِيَدِ ظَالِمٍ، وَأَمَّا الِامْتِنَاعُ عَمَّا وَصَلَ بِيَدِ زَانٍ أَوْ قَاذِفٍ فَلَيْسَ مِنْ الْوَرَعِ كَمَنْ امْتَنَعَ عَنْ شُرْبٍ مِنْ كُوزٍ عَصَى صَانِعُهُ يَوْمًا بِضَرْبِ إنْسَانٍ أَوْ شَتْمِهِ فَوَسْوَاسٌ وَكُلُّ ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ فَتْوَى الْأَئِمَّةِ وَأَمَّا مُحَرَّمَاتُهُ فَعَلَى مَا فِي بَعْضِ الرَّسَائِلِ عَنْ كُتُبِ الْقَوْمِ فَأَنْ يَأْكُلَ فَوْقَ الشِّبَعِ إلَّا بِعُذْرٍ كَمَا سَبَقَ وَالْأَكْلُ مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى مَا فِي الدُّورِ، وَالطَّعَامُ الَّذِي لَمْ يُدْعَ إلَيْهِ وَلَمْ يُؤْذَنْ وَالتَّسْمِيَةُ عِنْدَ الْأَكْلِ الْحَرَامِ وَالتَّحْمِيدُ بَعْدَهُ وَالْأَكْلُ مِنْ الْحَرَامِ وَرَفْعُ الذِّلَّةِ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَأَمَّا سُنَّتُهُ فَعَلَى مَا فِيهَا أَيْضًا وَإِنْ تَدَاخَلَ فِي الْبَعْضِ فَخَلْعُ نَعْلَيْهِ وَالْجُلُوسُ عَلَى الرِّجْلِ الْيُسْرَى وَنَصْبُ الْيُمْنَى وَالْجُلُوسُ تَوَاضُعًا بِلَا اسْتِنَادٍ وَاضْطِجَاعٍ، وَنِيَّةُ تَقَوِّي الطَّاعَةِ بِلَا نِيَّةِ التَّلَذُّذِ الْمُجَرَّدِ وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ إلَى الرُّسْغَيْنِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ الْمَضْمَضَةُ ثَلَاثًا وَالْأَكْلُ مِنْ قَصْعَةِ خَزَفٍ أَوْ خَشَبٍ، وَضْعُ الطَّعَامِ عَلَى السُّفْرَةِ وَالسُّفْرَةِ عَلَى الْأَرْضِ وَحُضُورُ الْخَلِّ وَالتَّسْمِيَةُ كَمَا سَبَقَ وَالْأَكْلُ وَبِالْيَمِينِ وَالِابْتِدَاءُ بِالْمِلْحِ كَمَا مَرَّ، وَكَسْرُ الْخُبْزِ بِالْيَدَيْنِ بِلَا كَسْرٍ صَحِيحٌ عِنْدَ مَكْسُورٍ وَمِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ وَلَوْ بِخَلْطِ الْبُرِّ وَبِثَلَاثِ أَصَابِعَ بِلَا اثْنَتَيْنِ وَلَا خَمْسٍ وَمِمَّا يَلِيهِ وَمِنْ حَافَةِ الطَّعَامِ كَمَا مَرَّ وَتَخْلِيلُ أَسْنَانِهِ بَعْدَ الطَّعَامِ كَمَا فِي الشِّرْعَةِ وَأَكْلُ مَا سَقَطَ مِنْ الْمَائِدَةِ وَلَعْقُ الْقَصْعَةِ وَالتَّحْمِيدُ عِنْدَ الْفَرَاغِ خَفَاءً إنْ لَمْ يَفْرُغْ جُلَسَاؤُهُ، وَعُدَّ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الْأَكْلِ أَنْ يُوجَدَ مَنْ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، وَالْجَمْعُ عَلَى الطَّعَامِ وَلَوْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَعَدَمُ التَّوَقُّفِ بِلَا إتْمَامِ الْجَمْعِ لِلْخَجِلَةِ، وَمَسْحُ بَلَلِ يَدَيْهِ بِعَيْنَيْهِ بَعْدَ الطَّعَامِ، وَجَهْرُ التَّسْمِيَةِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْمَفْرُوضِ قَدْرَ مَا يَتَمَكَّنُ نَحْوَ قِيَامِ الصَّلَاةِ وَقُوَّةِ الصَّوْمِ، وَمَدْحُ الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ، وَأَكْلُ لُقْمَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، وَأَخْذُ اللَّحْمِ بِسِنِّهِ وَقَوْلُهُ لِلضَّيْفِ كُلْ أَحْيَانًا بِلَا إصْرَارٍ، وَإِحْضَارُ الْبُقُولِ عَلَى الْمَائِدَةِ وَالدُّعَاءُ الْمَأْثُورُ بَعْدَ الطَّعَامِ نَحْوَ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُودَعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ كَمَا فِي الْمَشَارِقِ، وَعَنْ التِّرْمِذِيِّ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعِمْنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ، وَعَنْ الْإِحْيَاءِ يَقُولُ عِنْدَ أَكْلِ الْحَلَالِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ وَتَنْزِلُ الْبَرَكَاتُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ اللَّهُمَّ أَطْعِمْنَا وَاسْتُعْمِلْنَا صَالِحًا، وَإِنْ أَكَلَ شُبْهَةً فَلِيَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ عَوْنًا عَلَى طَاعَتِك لَا عَوْنًا عَلَى مَعْصِيَتِك، وَإِنْ أَكَلَ طَعَامَ الْغَيْرِ اللَّهُمَّ أَكْثِرْ خَيْرَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا رَزَقْته وَيَسِّرْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مِنْهُ خَيْرًا وَقَنِّعْهُ بِمَا أَعْطَيْته وَاجْعَلْنَا وَإِيَّاهُ مِنْ الشَّاكِرِينَ، وَإِنْ أَفْطَرَ عِنْدَ قَوْمٍ يَقُولُ أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمْ الْأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلَائِكَةُ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْإِحْيَاءِ وَيَقْرَأُ عِنْدَ رَفْعِ الْمَائِدَةِ الْإِخْلَاصَ وَلِإِيلَافِ قُرَيْشٍ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فَعَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ عَنْ شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْإِحْيَاءِ لِعَلِيٍّ الْقَارِي وَقَوْلُ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى التَّحْمِيدِ وَالدُّعَاءِ بِالِاسْتِقَامَةِ كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ بَيْنَ الْعَامَّةِ مُسْتَحْسَنٌ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَهُ انْتَهَى، وَأَمَّا دُعَاءُ بَعْضٍ وَتَأْمِينُ آخَرِينَ فَلَمْ يُسْمَعْ فِيهِ حَدِيثٌ وَلَا أَثَرٌ مِنْ السَّلَفِ لَكِنَّ ظَاهِرَ قِيَاسِ مُطْلَقِ الدُّعَاءِ بَلْ دَلَالَتَهُ لَيْسَ بِآبٍ عَنْهُ وَأَرْجُو أَنْ لَا بَأْسَ بِهِ بَلْ مَنْدُوبٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[آدَابُ الْأَكْلِ]
وَآدَابُ الْأَكْلِ بِدَايَةً الْغَسْلُ مِنْ الشُّبَّانِ فِي الْبِدَايَةِ وَمِنْ الشُّيُوخِ فِي النِّهَايَةِ، لَكِنْ عَنْ شَرْحِ الْمِشْكَاةِ لِعَلِيٍّ الْقَارِي قَالَ النَّوَوِيُّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اسْتِحْبَابِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ الْأَظْهَرُ اسْتِحْبَابُهُ أَوَّلًا إلَّا إنْ تَيَقَّنَ نَظَافَةَ الْيَدَيْنِ مِنْ الْوَسَخِ وَاسْتِحْبَابُهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ إلَّا أَنْ لَا يَبْقَى عَلَى يَدَيْهِ أَثَرُ الطَّعَامِ بِأَنْ كَانَ يَابِسًا أَوْ لَمْ يَمَسَّهُ انْتَهَى، وَعَدَمُ مَسْحِ الْيَدِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَمَسْحُهَا بَعْدَ الطَّعَامِ وَعَدَمُ أَنْ يَبْتَدِئَ قَبْلَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَأَنْ لَا يَأْكُلَ بِلَا جُوعٍ وَالْإِمْسَاكُ عَنْ الطَّعَامِ قَبْلَ الشِّبَعِ وَالتَّسْمِيَةُ أَوَّلَ لُقْمَةِ وَالتَّحْمِيدُ فِي آخِرِهَا وَتَصْغِيرُ اللُّقْمَةِ وَعَدَمُ الِالْتِفَاتِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً وَتَحْوِيلُ الْوَجْهِ وَأَخْذُ الْفَمِ بِالْيَدِ عِنْدَ الْعَطْسِ وَصَرْفُ
стр. 1028
الْوَجْهِ عِنْدَ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ الْفَمِ وَأَخْذُهُ بِالْيَسَارِ وَعَدَمُ غَمْسِ اللُّقْمَةِ الدَّسِمَةِ فِي الْخَلِّ وَعَدَمُ غَمْسِ اللُّقْمَةِ الَّتِي قَطَعَهَا بِسِنِّهِ فِي نَحْوِ الْمَرَقَةِ، وَعَدَمُ إدْخَالِ يَدِهِ فِي الْقَصْعَةِ قَبْلَ رَفْعِ صَاحِبِهِ وَوَضْعُ نَحْوِ الْعَظْمِ وَقِشْرِ الْبِطِّيخِ أَمَامَهُ بِلَا رَمْيٍ، وَعَدَمُ إغْرَاءِ أَحَدٍ عَلَى الطَّعَامِ غَيْرِ نَحْوِ ضَيْفٍ، وَأَنْ لَا يُحْوِجَ صَاحِبَهُ إلَى أَنْ يَقُولَ كُلْ وَأَخْذُ الصَّابُونِ بِالْيُسْرَى وَالرَّدُّ بِالْيُمْنَى وَالدُّعَاءُ لِمَنْ صَبَّ الْمَاءَ بِقَوْلِهِ طَهَّرَك اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الذُّنُوبِ كَمَا طَهَّرْتنِي مِنْ الدَّنَسِ وَصَبُّ الْمَاءِ مِنْ فَمِهِ بِرِفْقٍ، وَعَدَمُ شُرْبِ الْمَاءِ قَبْلَ رَفْعِ الطُّسْتِ مِنْ الْبَيِّنِ عِنْدَ الْغَسْلِ وَعَدَمُ لَعْقِ الْأَصَابِعِ وَمَسْحِهَا قَبْلَ الْفَرَاغِ وَصَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْفَرَاغِ.
(وَأَمَّا الْمَعَاصِي الْعَدَمِيَّةُ فَتَرْكُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَمْرَضَ) وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَمَنْ امْتَنَعَ عَنْ الْأَكْلِ حَتَّى مَاتَ دَخَلَ النَّارَ بِخِلَافِ الْمَرِيضِ الْمُمْتَنِعِ عَنْ الدَّوَاءِ (أَوْ يَضْعُفُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى) أَدَاءِ (الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ وَمِنْهَا تَرْكُهُمَا) الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ (إذَا كَانَ فِيهِ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا) فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصُومَ نَفْلًا وَأَرَادَ وَالِدُهُ مَثَلًا أَكْلَهُ فَعَلَيْهِ الْأَكْلُ؛ لِأَنَّ الْعُقُوقَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ خُوَاهَرْ زَادَهْ لَعَلَّ ذَلِكَ عِنْدَ شَيْءٍ مِنْ الْغَرَضِ الصَّحِيحِ وَإِنْ مِنْ سُوءِ اخْتِيَارِهِمَا فَلَا (أَوْ نَحْوِهِمَا) مِمَّا يُطْلَبُ الْقِيَامُ بِحَقِّهِ مِنْ زَوْجٍ وَسَيِّدٍ وَأُسْتَاذٍ وَعَالِمٍ وَمُرَبٍّ وَصَاحِبِ مَنْزِلٍ (مِمَّا حَرُمَ) كَالتَّخَلُّفِ عَنْ أَدَاءِ وَاجِبِهِمْ (أَوْ كُرِهَ) كَالتَّخَلُّفِ عَنْ الْقُرَبِ وَالطَّاعَاتِ مَعَهُمْ كَمَا عَنْ الْمَوَاهِبِ.
[الصِّنْفُ السَّابِعُ فِي آفَاتِ الْفَرْجِ]
(الصِّنْفُ السَّابِعُ فِي آفَاتِ الْفَرْجِ وَهِيَ الزِّنَا) وَلَوْ بِغَيْرِ إيلَاجٍ وَشَهْوَةٍ فَإِنَّ عَدَمَ حَدِّ الزِّنَا لَا يُوجِبُ عَدَمَ الْعُقُوبَةِ (وَاللُّوَاطَةُ وَلَوْ بِزَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَوْ عَبْدِهِ فَإِنَّهَا حَرَامٌ مُطْلَقًا) ، وَعَنْ أَكْمَلِ الْمَشَارِقِ اللِّوَاطَةُ مُحَرَّمَةٌ عَقْلًا وَشَرْعًا وَطَبْعًا بِخِلَافِ الزِّنَا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ طَبْعًا فَأَشَدُّ حُرْمَةً مِنْهُ وَعَدَمُ وُجُوبِ الْحَدِّ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ لَا لِخِفَّتِهَا وَإِنَّمَا عَدَمُ الْوُجُوبِ لِلتَّغْلِيظِ عَلَى الْفَاعِلِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ مُطَهِّرٌ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَعَنْ الْبَعْضِ جَازَ قَتْلُ مَنْ اعْتَادَ إنْ رَأَى الْإِمَامُ، وَعَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ يَقْتُلُ الْإِمَامُ مَنْ اعْتَادَهَا مُحْصَنًا أَوْ لَا، وَعَنْ الْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ عَنْ الْجَوْهَرَةِ لِوَاطَةُ امْرَأَتِهِ لَا تُوجِبُ الْحَدَّ كَمَا لِلرَّجُلِ، وَفِي الدُّرَرِ إنَّمَا لَمْ يُوجِبْ الْحَدَّ فِي اللِّوَاطَةِ لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي مُوجَبِهِ مِنْ الْإِحْرَاقِ وَهَدْمِ الْجِدَارِ عَلَيْهِ وَالتَّنْكِيسِ مِنْ مَحَلٍّ مُرْتَفِعٍ بِإِتْبَاعِ الْأَحْجَارِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُعَزَّرُ بِأَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ انْتَهَى. وَعِنْدَهُمَا كَالزِّنَا لُزُومُ الْحَدِّ، وَعَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ حُرْمَتَهَا عَقْلًا وَسَمْعًا فَلَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ سَمْعًا فَقَطْ فَمَوْجُودَةٌ فِيهَا وَالصَّحِيحُ لَا لِمَا اسْتَقْبَحَهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ - ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠]- وَسَمَّاهَا خَبِيثَةً فَقَالَتْ كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ وَالْجَنَّةُ مُنَزَّهَةٌ عَنْهَا (وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّ مَا عَدَا الْمَذْكُورَاتِ) لِأَنَّ ثُبُوتَهَا ثَبَتَ بِنَصِّ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَنَا شَرِيعَةٌ لَنَا إذَا قَصَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لَكِنَّ ظَاهِرَ قَوْله تَعَالَى - ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]- عَامٌّ لَهَا فَلَمْ يَكْفُرْ.
تَفْصِيلُهُ أَنَّ مُسْتَحِلَّ اللِّوَاطَةِ إنْ لِلْأَجْنَبِيِّ فَكُفْرٌ إجْمَاعًا، وَإِنْ لِزَوْجَتِهِ وَمَمْلُوكِهِ فَقِيلَ نَعَمْ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ وَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَسْتَحِلُّهُ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى - ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]- كَمَا فِي أَخِي حَلَبِيٍّ حَاشِيَةِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ، وَأَمَّا مَا أُسْنِدَ إلَى مَالِكٍ مِنْ تَجْوِيزِهِ إلَى زَوْجَتِهِ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى - ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]- فَقِيلَ كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ عَلَيْهِ وَقِيلَ رَجَعَ.
стр. 1029
(وَإِتْيَانُ الْبَهِيمَةِ) أَيْ وَطْؤُهَا فِي دُبُرِهَا أَوْ فَرْجِهَا (وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ) فِي الْخُلَاصَةِ لَوْ اسْتَحَلَّ الْوَطْءَ بِزَوْجَتِهِ الْحَائِضِ يَكْفُرُ وَكَذَا اسْتِحْلَالُ لِوَاطَةِ امْرَأَتِهِ وَالصَّحِيحُ عَدَمُهُ انْتَهَى.
(وَاسْتِمْتَاعُهُمَا) كَالْمُبَاشَرَةِ وَالتَّفْخِيذِ وَتَحِلُّ الْقُبْلَةُ وَمُلَامَسَةُ مَا فَوْقَهُ (تَحْتَ الْإِزَارِ) مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَإِنَّهُ حَرِيمُ الْفَرْجِ وَمَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا فَوْقَ الْإِزَارِ وَلَيْسَ لَهُ مَا تَحْتَهُ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَجْتَنِبُ شِعَارَ الدَّمِ فَقَطْ يَعْنِي الْجِمَاعَ (فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِمَا فَعَلَيْك بِرِسَالَتِنَا الْمُسَمَّاةِ بِذُخْرِ الْمُتَأَهِّلِينَ وَالنِّسَاءِ فِي تَعْرِيفِ الْأَطْهَارِ وَالدِّمَاءِ فَإِنَّ أَحْوَالَهُمَا مُسْتَقْصَاةٌ فِيهَا وَلَا كِفَايَةَ فِي الْمُتُونِ الْمَشْهُورَةِ وَشُرُوحِهَا فِيهِمَا) إذْ لَمْ تَسْتَوْعِبَا مَا أَحَاطَتْ بِهِ الرِّسَالَةُ (حُدَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا» إنْ اسْتَحَلَّ فَاللَّعْنُ عَلَى ظَاهِرِهِ عِنْدَ بَعْضٍ وَإِلَّا فَبِمَعْنَى الطَّرْدِ عَنْ كَمَالِ الرَّحْمَةِ أَوْ عَنْ اسْتِحْقَاقِ الرَّحْمَةِ قَالَ فِي الْفَيْضِ فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الْمَرْأَةِ فَكَيْفَ بِالذَّكَرِ وَمَا نُسِبَ إلَى مَالِكٍ مِنْ حِلِّ دُبُرِ الْحَلِيلَةِ أَنْكَرَهُ جَمْعٌ، لَكِنْ أَلَّفَ سَحْنُونٌ وَابْنُ شَعْبَانَ فِي الِانْتِصَارِ لِلْجَوَازِ ادَّعَيَا صِحَّةَ نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَى إمَامِهِمَا (ت س مج دحد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ» وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ حُجِبَتْ عَنْهُ التَّوْبَةُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَإِنْ صَدَّقَهُ بِمَا قَالَ كَفَرَ» «كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» يَشْكُلُ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ كُفْرَانُ النِّعْمَةِ فَلَا يَصِحُّ فِي تَصْدِيقِ الْكَاهِنِ فِي دَعْوَاهُ الِاطِّلَاعَ عَلَى الْغَيْبِ فَإِنَّهُ كُفْرٌ إجْمَاعًا، وَإِنْ أُرِيدَ الْكُفْرُ الْحَقِيقِيُّ فَيَلْزَمُ كَوْنُ الْإِتْيَانِ الْمُجَرَّدِ كُفْرًا، وَإِنْ أُرِيدَ بِالْإِتْيَانِ اعْتِقَادُ الْحِلِّ فَقَدْ عَرَفْت الْخِلَافَ وَالْأَصَحُّ إلَّا أَنْ يُرَادَ نَحْوُ عُمُومِ الْمَجَازِ الشَّامِلِ لِلْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَيْ عَصَى فَالْعِصْيَانُ بِالنَّظَرِ إلَى تَصْدِيقِ الْكَاهِنِ كُفْرٌ وَبِالنَّظَرِ إلَى غَيْرِهِ كَبِيرَةٌ قَرِيبَةٌ إلَى الْكُفْرِ قَرِينَةٌ لَهُ وَيُقَرِّبُهُ مَا يُقَالُ الْقُرْآنُ فِي النَّظْمِ يُوجِبُ الْقُرْآنَ فِي الْحُكْمِ فَافْهَمْ.
(د ت مج هق عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»
стр. 1030
عَمِلَ بَعْضٌ بِظَاهِرِهِ كَالْإِمَامِ الْأَعْظَمِ كَمَا سَمِعْت آنِفًا وَمِنْ مَذَاهِبِ الْأَصْحَابِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - قِيلَ أَرْبَعَةٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَهِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَحْرَقُوهُ وَيُرْوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَدْمُ الْبَيْتِ عَلَيْهِ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يُرْمَى مِنْ أَعْلَى بِنَاءٍ مَنْكُوسًا، ثُمَّ يُتْبَعُ بِالْحِجَارَةِ حَيْثُ حُمِلَتْ قُرَى قَوْمِ لُوطٍ وَنُكِّسَتْ بِهِمْ، وَقَدْ ثَبَتَتْ حُرْمَتُهَا بِقَصِّهِ تَعَالَى إيَّاهُمْ فَنَاسَبَ مُتَابَعَةَ جَزَائِهِمْ بِجَزَائِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] وَذَهَبَ قَوْمٌ أَنَّهُ يُحَدُّ حَدَّ الزِّنَا وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامَيْنِ، وَالشَّافِعِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَقَوْمٌ آخَرُونَ يُرْجَمُ مُحْصَنًا أَوْ لَا، وَكَذَا الْمَفْعُولُ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ «وَمَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ» فِي قَاضِي خَانْ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تُذْبَحُ وَتُحْرَقُ الْبَهِيمَةُ لِلْوَاطِئِ وَإِلَّا يَدْفَعُهَا صَاحِبُهَا إلَى الْفَاعِلِ فَالْقِيمَةُ، ثُمَّ يَذْبَحُهَا الْوَاطِئُ وَتُحْرَقُ إنْ لَمْ تَكُنْ مَأْكُولَةً وَإِلَّا فَتُذْبَحُ وَلَا تُحْرَقُ انْتَهَى. وَقِيلَ فَتُؤْكَلُ فَوَجْهُ الذَّبْحِ لِانْقِطَاعِ التَّحَدُّثِ بِهَا وَقِيلَ لِئَلَّا يُولَدَ حَيَوَانٌ فِي صُورَةِ الْإِنْسَانِ. لَا يَخْفَى مَا فِيهِمَا مِنْ النَّظَرِ لَكِنْ نُقِلَ عَنْ حَاشِيَةِ الدُّرَرِ لِلْوَانِيِّ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ لَا تُؤْكَلُ مُطْلَقًا وَعِنْدَ مَالِكٍ يَأْكُلُ الْفَاعِلُ دُونَ غَيْرِهِ وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ قِيلَ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَظْهَرْ قَوْلَيْهِ وَأَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُعَزَّرُ وَقَالَ إِسْحَاقُ يُقْتَلُ إنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ مَعَ الْعِلْمِ بِالنَّهْيِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ عَنْ الطَّحَاوِيِّ يُعَزَّرُ وَنُقِلَ عَنْ الْفَتَاوَى الصُّغْرَى فِي الَّذِي يُؤْكَلُ يُؤْكَلُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَلَا يُحْرَقُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يُؤْكَلُ وَيُحْرَقُ كَمَا لَا يُؤْكَلُ، وَعَنْ الْمُجْتَبَى يُكْرَهُ الِانْتِفَاعُ فِي حَيَاتِهَا وَمَمَاتِهَا فَتُذْبَحُ وَتُحْرَقُ مُطْلَقًا.
(وَأَمَّا الِاسْتِمْنَاءُ بِالْيَدِ) أَيْ بِمُعَالَجَةِ يَدِ نَفْسِهِ (فَحَرَامٌ) لِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ بِالْجُزْءِ (إلَّا عِنْدَ شُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ أَنْ يَكُونَ عَزَبًا) مُجَرَّدًا لَيْسَ لَهُ زَوْجَةٌ أَوْ جَارِيَةٌ (وَبِهِ شَبَقٌ) أَيْ شِدَّةُ غُلْمَةٍ (وَفَرْطُ شَهْوَةٍ) لَهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ (وَأَنْ يُرِيدَ بِهِ تَسْكِينَ الشَّهْوَةِ لَا قَضَاءَهَا) نُقِلَ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ عَزَبٌ لَهُ فَرْطُ شَهْوَةٍ لَهُ أَنْ يُعَالِجَ بِذَكَرِهِ لِتَسْكِينِ شَهْوَتِهِ وَسُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ هَلْ يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ مَنْ نَجَا بِرَأْسِهِ فَقَدْ رَبِحَ وَقِيلَ كَذَا فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى.
(وَمِنْ الْمَعَاصِي أَنْ يَأْتِيَ زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ) بِاعْتِبَارِ الْجُثَّةِ لَا بِاعْتِبَارِ السِّنِّ
стр. 1031
(الَّتِي لَا تَتَحَمَّلُ الْجِمَاعَ) فَلَوْ تَحَمَّلَتْ صَبِيَّةٌ دُونَ بُلُوغٍ جَازَ. وَأَمَّا الِاسْتِمْتَاعُ بِدُونِ الْجِمَاعِ فَجَائِزٌ مُطْلَقًا (أَوْ الْمَرِيضَةَ الْمُتَضَرِّرَةَ بِالْجِمَاعِ) ، وَأَمَّا بِالْغُسْلِ فَلَا لِجَوَازِ التَّيَمُّمِ حِينَئِذٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَلْيُتَّبَعْ (وَكَذَا أَمَتُهُ أَوْ يُجَامِعُ عِنْدَ أَحَدٍ يَعْرِفُهُ) أَيْ الْجِمَاعَ وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْوَقَاحَةِ، وَأَمَّا عِنْدَ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَطَّلِعُ فَلَا بَأْسَ قَالَ فِي الْأُسْرُوشَنِيَّة وَيَسْتَتِرُ عِنْدَ الْجِمَاعِ مَا اسْتَطَاعَ وَلَا يُجَامِعُهَا وَعِنْدَهُمَا صَغِيرٌ أَوْ حَيَوَانٌ يَرَاهُمَا، وَأَمَّا عِنْدَ النَّائِمِ فَالْأَوْلَى عَدَمُهُ (أَوْ يُجَامِعُ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاؤُهَا) مِنْ الْجَارِيَةِ الَّتِي مَلَكَهَا بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ مِيرَاثٍ أَوْ خُلْعٍ أَوْ صُلْحٍ أَوْ نَحْوِهَا وَلَوْ بِكْرًا أَوْ مُشْتَرَاةً مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ مِنْ مَحْرَمٍ لَهَا أَوْ مِنْ مَالِ صَبِيٍّ فَيَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ (أَوْ يَفْعَلُ دَوَاعِيَهُ) كَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسَةِ وَالنَّظَرِ إلَى فَرْجِهَا (فَإِنَّهَا حَرَامٌ أَيْضًا قَبْلَهُ) لِإِفْضَائِهَا إلَى الْوَطْءِ وَالْمُفْضِي إلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَحْرُمُ الدَّوَاعِي؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْوَطْءِ لِاخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ وَرُدَّ بِأَنَّ حُرْمَةَ الْوَطْءِ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ أَيْضًا بِأَنْ كَانَتْ حَامِلًا عِنْدَ الْبَيْعِ وَيَدَّعِي الْبَائِعُ الْوَلَدَ فَيَسْتَرِدُّهَا فَيَظْهَرُ أَنَّ وَطْأَهُ صَادَفَ إلَى مِلْكِ الْغَيْرِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الدَّوَاعِي.
(وَمِنْ الْمَكْرُوهَاتِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ) مُطْلَقًا، وَأَمَّا عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ فَمَكْرُوهٌ تَنْزِيهِيٌّ خِلَافُ الْأَدَبِ كَمَدِّ الرِّجْلِ إلَى الْقِبْلَةِ كَمَا فِي الْحَلَبِيِّ وَعِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ تَحْرِيمِيٌّ فِي الْجَامِعِ «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» بِالنِّسْبَةِ إلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ قِبْلَتُهُمْ إلَى سَمْتِهِمْ كَالشَّامِ فَمَنْ قِبْلَتُهُ إلَى الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ يَنْحَرِفُ إلَى الْجَنُوبِ أَوْ الشِّمَالِ قَالَ شَارِحُهُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى عُمُومِ النَّهْيِ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْبُنْيَانِ وَهُوَ مَذْهَبُ النُّعْمَانِ وَخَصَّهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ بِالصَّحْرَاءِ، وَأَمَّا مَا رَوَى الشَّيْخَانِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى حَاجَتَهُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ» وَمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ «أَنَّهُ قَضَاهَا مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ» فَجَمَعَ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ الْأَخْبَارِ بِحَمْلِ أَوَّلِهَا الْمُفِيدِ لِلتَّحْرِيمِ عَلَى غَيْرِ الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ لِسَعَتِهِ لَا يَشُقُّ فِيهِ تَجَنُّبُ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ بِخِلَافِ الْبُنْيَانِ قَدْ يَشُقُّ فَيَحِلُّ فِعْلُهُ كَمَا فَعَلَهُ الْمُصْطَفَى لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى لَنَا تَرْكُهُ وَمَا فِي الدُّرَرِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْحَدَثِ بَلْ لِإِزَالَتِهِ لَمْ يَكُنْ مَكْرُوهًا فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّحْرِيمِيِّ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ (أَوْ الشَّمْسَ أَوْ الْقَمَرَ إذْ لَمْ يَكُونَا مَحْجُوبَيْنِ) بِنَحْوِ السَّحَابِ وَالسَّقْفِ (وَكَذَا اسْتِدْبَارُ الْقِبْلَةِ وَفِي رِوَايَةٍ الِاسْتِدْبَارُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَعَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَوْ نَسِيَ فَجَلَسَ مُسْتَقْبِلًا فَذَكَرَ يُسْتَحَبُّ لَهُ الِانْحِرَافُ بِقَدْرِ مَا أَمْكَنَهُ لِحَدِيثِ «مَنْ جَلَسَ يَبُولُ قُبَالَةَ الْقِبْلَةِ) فَذَكَرَ فَتَحَرَّفَ عَنْهَا إجْلَالًا لَهَا لَمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ» (وَالِاسْتِنْجَاءُ بِمَا لَهُ قِيمَةٌ) وَلَوْ أَدْنَى كَالْخِرْقَةِ وَالْقُطْنِ كَمَا فِي الدُّرَرِ وَيُكْرَهُ بِشَيْءٍ مُحْتَرَمٍ كَخِرْقَةِ الدِّيبَاجِ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي الِاحْتِرَامَ (أَوْ وُجُوبُ تَعْظِيمٍ مِنْ مَأْكُولِ إنْسَانٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْقِيرِ الْمَالِ الْمُحْتَرَمِ شَرْعًا (أَوْ دَابَّةٍ) كَالْحَشِيشِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْجِيسِ الطَّاهِرِ بِلَا ضَرُورَةٍ (أَوْ نَحْوِهِ) مِنْ مَأْكُولِ الْجِنِّ كَالْعَظْمِ فَإِنَّهُ زَادُ الْجِنِّ (أَوْ ضَرَرٍ لِمَقْعَدَةٍ كَالزُّجَاجِ أَوْ نَجَاسَةٍ كَالرَّوْثِ) لِنَجَاسَتِهِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تُزِيلُ النَّجَاسَةَ (وَالتَّخَلِّي) قَضَاءُ الْحَاجَةِ (فِي الطَّرِيقِ أَوْ فِي ظِلِّ النَّاسِ) يَجْتَمِعُونَ لِحَدِيثِهِمْ الْمُبَاحِ (أَوْ فِي مَوَارِدِهِمْ) مَحَلِّ وُرُودِهِمْ مِثْلَ رَأْسِ عَيْنٍ أَوْ نَهْرٍ
стр. 1032
أَوْ تَحْتَ شَجَرٍ أَوْ حَجَرٍ، وَكَذَا بِجَنْبِ مَسْجِدٍ وَمُصَلَّى عِيدٍ، وَفِي مَقَابِرَ وَمَهَبِّ رِيحٍ وَجُحْرِ فَأْرَةٍ أَوْ نَمْلَةٍ أَوْ حَيَّةٍ أَوْ ثُقْبٍ أَوْ مُتَجَرِّدٍ مِنْ ثَوْبِهِ بِلَا عُذْرٍ كَمَا فِي التَّنْوِيرِ (م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ قَالُوا وَمَا اللَّاعِنَانِ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ» أَيْ فِعْلَ الَّذِي يَتَخَلَّى؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ لَعْنِ النَّاسِ فَكَأَنَّهُ لَاعِنُ نَفْسِهِ «أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» يَتَّخِذُونَ مَقِيلًا أَوْ مَرَاحًا لِظِلِّ شَيْءٍ فَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا وَقِيلَ تَحْرِيمًا وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ؛ لِأَنَّهُ إيذَاءٌ بَلْ قَالَ الذَّهَبِيُّ كَبِيرَةٌ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَنْزِيهِيَّةٌ، وَفَسَّرَ النَّوَوِيُّ التَّخَلِّيَ بِالتَّغَوُّطِ وَرَدَّهُ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّ الْبَوْلَ كَالْغَائِطِ فِي كَوْنِهِ مَعْنًى لِلتَّخَلِّي وَالْعِلَّةُ يَعْنِي الِاسْتِقْذَارَ مَوْجُودَةٌ فِيهِمَا مَعًا.
(د عَنْ مُعَاوِيَةَ مَرْفُوعًا «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ» مَوَاضِعَ اللَّعْنِ؛ لِأَنَّ مَنْ فَعَلَهَا شُتِمَ وَلُعِنَ «الثَّلَاثَ الْبِرَازُ» التَّغَوُّطُ «فِي الْمَوَارِدِ» الْمَوْضِعِ الَّذِي يَرِدُ إلَيْهِ النَّاسُ «وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ» أَعْلَاهُ أَوْ جَادَّتِهِ أَوْ وَسَطِهِ «وَالظِّلِّ» الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ النَّاسُ لِمُبَاحٍ وَمِثْلُهُ كُلُّ مَوْضِعٍ اتَّخَذُوهُ لِمَصَالِحِهِمْ وَمَعَائِشِهِمْ الْمُبَاحَةِ وَفِي الْجَامِعِ أَيْضًا «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ» الثَّلَاثَ أَنْ يَقْصِدَ أَحَدُكُمْ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ وَيَقْضِيَهَا فِي ظِلٍّ يَسْتَظِلُّ فِيهِ لِلْوِقَايَةِ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ وَقِيسَ بِهِ مَوْضِعُ الشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ أَوْ فِي طَرِيقٍ أَوْ فِي نَقْعِ مَاءٍ أَيْ مُجْتَمَعِ النَّاسِ.
(تَنْبِيهٌ)
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ لَعْنِ الْعَاصِي مَعَ التَّعْيِينِ أَيْ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ لَعْنُهُ كَانَتْ اللَّعْنَةُ عَلَى لَاعِنِهِ وَالْمَشْهُورُ حُرْمَةُ لَعْنِ الْمُعَيَّنِ وَأَجَابَ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ إنَّ هَذَا مِنْ خَوَاصِّ الْمُصْطَفَى لِقَوْلِهِ إنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَك عَهْدًا أَيُّ مُسْلِمٍ سَبَبْتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ الْحَدِيثَ كَذَا فِي الْفَيْضِ (وَالْبَوْلُ قَائِمًا بِلَا عُذْرٍ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ وَمَا جَاءَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَال فِيهَا قَائِمًا فَلِعُذْرٍ وَقِيلَ خَشْيَةَ أَنْ يَنْحَدِرَ الْبَوْلُ إلَيْهِ لَوْ بَالَ قَاعِدًا» كَمَا نُقِلَ عَنْ الْفَتْحِيَّةِ (وَالْبَوْلُ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ وَالْجَارِي وَالْجُحْرِ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ ثُقْبَةٌ فِي الْأَرْضِ كَمَا سَبَقَ عَنْ التَّنْوِيرِ وَقَدْ نُقِلَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بَالَ فِي جُحْرٍ فَقُتِلَ وَسُمِعَ مِنْ الْجُحْرِ
قَدْ قَتَلَنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ ... فَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ فَلَمْ نُخْطِئْ فُؤَادَهْ
(وَالْمُغْتَسَلِ) لِأَنَّهُ سَبَبُ الْوَسْوَسَةِ. (وَنَقْعُ الْبَوْلِ) أَيْ حَبْسُهُ فِي الْمَكَانِ بِلَا إرَاقَةٍ كَالْإِنَاءِ (م عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا أَنَّهُ ﵊ «نَهَى عَنْ أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ» قَالَ فِي الْفَيْضِ أَيْ الْقَلِيلِ لِلتَّنْزِيهِ، وَعَنْ النَّوَوِيِّ لِلتَّحْرِيمِ لِإِتْلَافِ الْمَاءِ (طط عَنْهُ) عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (أَنَّهُ ﵊ «نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الْجَارِي» طط حك " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَرْفُوعًا «لَا يُنْقَعُ بَوْلٌ فِي طَسْتٍ فِي الْبَيْتِ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ بَوْلٌ مُنْتَقَعٌ» ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَأَذَّوْنَ بِالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ (وَلَا تَبُولَنَّ فِي مُغْتَسَلِك) أَيْ الْمَحَلِّ الَّذِي اغْتَسَلْت فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي لِلْوَسْوَسَةِ (ت س عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ أَنْ يَبُولَ
стр. 1033
الرَّجُلُ فِي مُسْتَحَمِّهِ» مَوْضِعِ الِاسْتِحْمَامِ وَالِاغْتِسَالِ (وَقَالَ إنَّ عَامَّةَ) أَكْثَرَ (الْوَسْوَاسِ مِنْهُ د س) دَلِيلُ كَرَاهَةِ بَوْلِ الْجُحْرِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَالَ فِي الْجُحْرِ» أَيْ الثُّقْبِ فِي الْأَرْضِ كَمَا مَرَّ إذْ رُبَّمَا يَكُونُ فِيهِ حَيَوَانٌ ضَعِيفٌ فَيَتَأَذَّى أَوْ قَوِيٌّ فَيُؤْذِي لَكِنْ لَا يُلَائِمُ قَوْلَهُ (قَالَ قَتَادَةُ) مِنْ التَّابِعِينَ مِنْ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ (إنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ) كَمَا مَرَّ آنِفًا.
(وَيُكْرَهُ إخْصَاءُ بَنِي آدَمَ) لَا الْحَيَوَانِ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ لِمَا فِيهِ مِنْ انْقِطَاعِ النَّسْلِ أَوْ جُوِّزَ فِي الْحَيَوَانِ لِضَرُورَةٍ وَحَاجَةٍ. لَا يَخْفَى أَنَّ كَوْنَ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ مُفْرَدَاتِ آفَاتِ الْفَرْجِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ بَلْ مِنْ آفَاتِ الْيَدِ وَفِي الْجَامِعِ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْإِخْصَاءِ» قَالَ الشَّارِحُ تَحْرِيمًا لِلْآدَمِيِّ لِتَفْوِيتِ النَّسْلِ الْمَطْلُوبِ لِحِفْظِ نَوْعِ الْإِنْسَانِ وَعِمَارَةِ الْأَرْضِ وَتَكْسِيرِ الْأُمَّةِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِ النَّفْسِ وَالتَّشْوِيهِ مَعَ إدْخَالِ الضَّرَرِ الَّذِي رُبَّمَا أَفْضَى إلَى الْهَلَاكِ وَتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ وَكُفْرِ نِعْمَةِ الرُّجُولِيَّةِ؛ لِأَنَّ خَلْقَ الْإِنْسَانِ ذَكَرًا مِنْ النِّعَمِ الْعَظِيمَةِ، وَفِي غَيْرِ الْآدَمِيِّ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ تَحْرِيمُ إخْصَاءِ غَيْرِ الْمَأْكُولِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا الْمَأْكُولُ فَيَجُوزُ فِي صَغِيرِهِ لَا كَبِيرِهِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ اتَّفَقَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى مَنْعِ الْجَبِّ وَالْإِخْصَاءِ فَلَحِقَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ التَّدَاوِي لِقَطْعِ شَهْوَةِ النِّكَاحِ فَمَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ لِلْبَغَوِيِّ مِنْ جَوَازِهِ مَحْمُولٌ عَلَى دَوَاءٍ يُسَكِّنُ الشَّهْوَةَ وَلَا يَقْطَعُهَا أَصَالَةً انْتَهَى. هَذَا فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَإِلَّا فَفِي مَذْهَبِنَا قَدْ سَمِعْت جَوَازَهُ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ وَلَا بَأْسَ بِكَيِّ الْأَغْنَامِ وَإِخْصَائِهَا وَإِخْصَاءِ الْبَهَائِمِ وَالْهِرَّةِ، وَإِخْصَاءُ بَنِي آدَمَ مَكْرُوهٌ وَلِهَذَا يُكْرَهُ كَسْبُ الْخُصْيَانِ. ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَفِي شَرْحِ الْإسْبَانِيكِيِّ يُكْرَهُ كَسْبُ الْخُصْيَانِ مِنْ بَنِي آدَمَ وَمِلْكُهُمْ وَاسْتِخْدَامُهُمْ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لَوْ لَمْ يَكُنْ اسْتِخْدَامُ النَّاسِ إيَّاهُمْ لَمَا أَخْصَاهُمْ الَّذِينَ يَخْصُونَهُمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَطَرُّدًا إلَى الْإِخْصَاءِ وَأَنَّهُ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ انْتَهَى.
(فَلِذَا كُرِهَ تَمَلُّكُهُمْ وَاسْتِخْدَامُهُمْ وَكَسْبُهُمْ أَيْضًا) كَمَا نُقِلَ عَنْ الْخُلَاصَةِ آنِفًا (وَأَمَّا الْمَعَاصِي الْعَدَمِيَّةُ فَأَنْ لَا يُجَامِعَ زَوْجَتَهُ أَصْلًا) إلَّا أَنْ لَا يَقْدِرَ لِآفَةٍ كَالْعُنَّةِ أَوْ لِمَرَضٍ آخَرَ فَإِنَّهُ لَا تَكْلِيفَ فِيمَا لَا وُسْعَ فِيهِ (إذْ تَجِبُ الْبَيْتُوتَةُ) كَوْنُهُ عِنْدَهَا لَيْلًا (وَالْمُجَامَعَةُ مَعَهَا أَحْيَانًا إنْ طَلَبَتْ) كُلًّا مِنْ الْبَيْتُوتَةِ وَالْمُجَامَعَةِ (بِغَيْرِ تَقْدِيرِ زَمَانٍ) بَلْ دَائِرٌ عَلَى طَلَبِهَا وَاقْتِدَارِهِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ بِأَرْبَعِ لَيَالٍ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ يَجِبُ أَحْيَانًا بِلَا تَقْدِيرِ زَمَانٍ لَكِنْ عَنْ الْإِحْيَاءِ يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَهَا فِي كُلِّ أَرْبَعِ لَيَالٍ مَرَّةً فَهُوَ أَعْدَلُ؛ لِأَنَّ عَدَدَ النِّسَاءِ أَرْبَعٌ، وَفِي
стр. 1034
الشِّرْعَةِ وَلَا يُدَاوِمُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فَإِنَّ الْبِئْرَ إذَا لَمْ تُنْزَحْ ذَهَبَ مَاؤُهَا، وَفِي شَرْحِهِ وَرُبَّمَا عَرَضَ لِتَارِكِهِ أَمْرَاضٌ مِثْلُ الدُّوَارِ وَظُلْمَةِ الْعَيْنِ وَثِقَلِ الْبَدَنِ وَوَرَمِ الْخُصْيَةِ وَوَرَمِ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي كُتُبِ الطِّبِّ.
(وَأَنْ يَعْزِلَ بِلَا إذْنِهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) يَعْنِي لَا يَصُبُّ الزَّوْجُ مَنِيَّهُ فِي رَحِمِهَا «لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ الْعَزْلِ عَنْ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا» ، وَفِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَجُوزُ بِلَا إذْنٍ لِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ وَكَوْنِ الْوَلَدِ غَيْرَ صَالِحٍ فِي الْغَالِبِ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ، وَفِي الْفَتَاوَى عَزَلَ عَنْ امْرَأَتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهَا لِمَا يُخَافُ مِنْ الْوَلَدِ السُّوءِ فِي هَذَا الزَّمَانِ قَالَ يَسَعُهُ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْجَوَابِ عَلَى خِلَافِ هَذَا وَيُشْتَرَطُ رِضَاهَا (بِخِلَافِ أَمَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ مُجَامَعَتُهَا أَصْلًا وَيَجُوزُ) لَهُ (الْعَزْلُ بِغَيْرِ إذْنِهَا) وَفِي الْأَمَةِ الْمَنْكُوحَةِ الْإِذْنُ إلَى الْمَوْلَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا إلَيْهَا، وَفِي الْأَجْنَاسِ رَجُلٌ يَمْنَعُ امْرَأَتَهُ عَنْ الْعَزْلِ لَهُ ذَلِكَ.
(وَعَدَمُ التَّسْوِيَةِ) عَطْفٌ عَلَى أَنْ لَا يُجَامِعَ (بَيْنَ الضَّرَّتَيْنِ أَوْ الضَّرَّاتِ فِي غَيْرِ الْجِمَاعِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) ؛ لِأَنَّهُ يَبْتَنِي عَلَى النَّشَاطِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّسْوِيَةِ فِيهِ كَمَا فِي الْمَحَبَّةِ قَوْلُهُ فِي غَيْرِ الْجِمَاعِ سَائِرُ حُقُوقِ النِّكَاحِ كَالْبَيْتُوتَةِ وَالنَّفَقَةِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، وَعَنْ أَبَوَيْهَا «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ» يَعْنِي زِيَادَةَ الْمَحَبَّةِ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ، وَفِي الْجَامِعِ «كَانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فَيَعْدِلُ» أَيْ لَا يُفَضِّلُ بَعْضَهُنَّ عَلَى بَعْضٍ فِي مُكْثِهِ حَتَّى إنَّهُ «كَانَ يُحْمَلُ فِي ثَوْبٍ فَيُطَافُ عَلَيْهِنَّ فَيَقْسِمُ بَيْنَهُنَّ وَهُوَ مَرِيضٌ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ بِهِ وَلَا أَمْلِكُ» مِمَّا لَا حِيلَةَ فِي دَفْعِهِ مِنْ الْمَيْلِ الْقَلْبِيِّ وَالدَّوَاعِي الطَّبِيعِيَّةِ.
قَالَ الْقَاضِي يُرِيدُ بِهِ مَيْلَ النَّفْسِ وَزِيَادَةَ الْمَحَبَّةِ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَإِنَّهُ بِحُكْمِ الطَّبْعِ وَمُقْتَضَى الشَّهْوَةِ لَا بِاخْتِيَارِهِ وَقَصْدِهِ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ لَهُ نِسْوَةٌ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي إيثَارِهِ بَعْضَهُنَّ عَلَى بَعْضٍ بِالْمَحَبَّةِ إذَا سَوَّى فِي الْقَسْمِ وَالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْسِمُ لِثَمَانٍ دُونَ التَّاسِعَةِ وَهِيَ سَوْدَةُ وَأَنَّهَا لَمَّا كَبِرَتْ وَهَبَتْ نَوْبَتَهَا لِعَائِشَةَ وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ فَقَدْ غَلِطَ وَسَبَبُهُ أَنَّهُ وَجَدَ عَلَى صَفِيَّةَ فِي شَيْءٍ فَوَهَبَتْ لِعَائِشَةَ نَوْبَةً وَاحِدَةً لَهُ تَتَرَضَّاهُ فَفَعَلَ فَوَقَعَ الِاشْتِبَاهُ كَذَا فِي الْفَيْضِ هَذَا. لَكِنْ إنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ وَاحِدَةٌ حُرَّةٌ فَطَالَبَتْهُ بِالْوَاجِبِ مِنْ الْقَسْمِ مِنْ نَفْسِهِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْسِمَ لَهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ يَتَصَرَّفَ فِي أُمُورِ نَفْسِهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ أَمَةً كَانَ لَهَا مِنْ كُلِّ سَبْعِ لَيَالٍ لَيْلَةٌ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا بِثَلَاثِ حَرَائِرَ فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مِنْ الْقَسْمِ يَوْمَانِ وَلَيْلَتَانِ وَلَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَدِيمَةِ وَالْجَدِيدَةِ وَالثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ وَالْمُسْلِمَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ وَالصَّحِيحَةِ وَالْمَرِيضَةِ وَالرَّتْقَاءِ وَالْمَجْنُونَةِ الَّتِي لَا يُخَافُ مِنْهَا وَالصَّغِيرَةِ الَّتِي يُمْكِنُ وَطْؤُهَا وَالْمُحْرِمَةِ وَالْمُولِي مِنْ الْإِيلَاءِ وَالْمُظَاهَرِ مِنْهَا.
قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ وَالْمَجْبُوبُ وَالْخَصِيُّ وَالْعِنِّينُ فِي الْقَسْمِ سَوَاءٌ، وَكَذَا الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ، وَقَدْ دَخَلَ بِامْرَأَتِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً مَعَ حُرَّةٍ بِأَنْ تَزَوَّجَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَ الْحُرَّةَ فَلِلْمَمْلُوكَةِ نِصْفُ الْحُرَّةِ (وَ) قَوْلُهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ احْتِرَازٌ عَمَّا (رُوِيَ) مِنْ (وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ فِيهِ أَيْضًا) فِي الْجِمَاعِ وَالْأَصْلُ فِي تَسْوِيَةِ الْقَسْمِ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إلَى أَحَدِهِمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» أَيْ مَفْلُوجٌ.
(وَعَدَمُ الِاجْتِنَابِ مِنْ الْبَوْلِ " زحك " عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا «عَامَّةُ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الْبَوْلِ» ، وَفِي الْجَامِعِ " مِنْ الْبَوْلِ " بَدَلَ فِي، فَفِي بِمَعْنَى مِنْ، أَيْ أَكْثَرُهُ بِسَبَبِ التَّهَاوُنِ فِي التَّحَفُّظِ مِنْ الْبَوْلِ «فَاسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ» ، وَفِيهِ وُجُوبُ غُسْلِهِ إذَا حَصَلَتْ مُلَابَسَتُهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ لَكِنْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
стр. 1035
- ﵀ يُعْفَى عَنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مِنْهُ، وَعَنْ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَأُخِذَ مِنْهُ وُجُوبُ الِاسْتِبْرَاءِ وَفِيهِ أَنَّ عَدَمَ التَّنَزُّهِ كَبِيرَةٌ لِلتَّوَعُّدِ عَلَيْهِ بِالنَّارِ صَرَّحَ بِهِ الْعَلَاءُ.
(وَتَرْكُ الْخِتَانِ بِلَا عُذْرٍ) أَمَّا مَعَ عُذْرٍ كَالْمَرَضِ وَالشَّيْخُوخَةِ فَيَجُوزُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ الشَّيْخُ الضَّعِيفُ إذَا أَسْلَمَ وَهُوَ لَا يُطِيقُ الْخِتَانَ قَالَ أَهْلُ الْبَصَرِ يَتْرُكُ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْوَاجِبِ لِعُذْرٍ جَائِزٌ فَتَرْكُ السُّنَّةِ أَوْلَى وَالصَّبِيُّ إذَا اُخْتُتِنَ، ثُمَّ طَالَتْ جِلْدَتُهُ وَصَارَ بِحَالِ تَسْتَتِرُ الْحَشَفَةُ يُقْطَعُ ثَانِيًا.
[الصِّنْفُ الثَّامِنُ مِنْ التِّسْعَةِ فِي آفَاتِ الرِّجْلِ]
(الصِّنْفُ الثَّامِنُ)
مِنْ التِّسْعَةِ (فِي آفَاتِ الرِّجْلِ هِيَ الذَّهَابُ إلَى مَجْلِسِ الْمَعْصِيَةِ إمَّا لِفِعْلِهَا أَوْ لِلنَّظَرِ إلَيْهَا وَالْخُرُوجُ إلَى الْجِهَادِ بِغَيْرِ إذْنِ وَالِدَيْهِ وَلَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُمَا إنَّمَا كَرِهَاهُ لِمُقَاتَلَةِ أَهْلِ دِينِهِمَا لَا لِلشَّفَقَةِ فَيَجُوزُ) الْخُرُوجُ حِينَئِذٍ بِلَا إذْنِهِمَا (وَكَذَا كُلُّ سَفَرٍ يُخَافَ فِيهِ الْهَلَاكُ كَرُكُوبِ الْبَحْرِ) وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة يَجُوزُ الْخُرُوجُ بِلَا إذْنِهِمَا عِنْدَ الْأَمْنِ وَعِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَى الْإِذْنِ إذَا أَذِنَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَلَا يَخْرُجُ وَعِنْدَ كَوْنِ أَبَوَيْهِ كَافِرَيْنِ تَرَدُّدٌ فِي كَوْنِ الْمَنْعِ هَلْ لِغَيْرَةِ أَهْلِ دِينِهِ أَوْ لِشَفَقَتِهِ فَيَتَحَرَّى فَيَعْمَلُ بِمَا يَتَرَجَّحُ، وَأَمَّا الْحَجُّ فَإِنْ احْتَاجَا إلَى خِدْمَتِهِ فَلَا وَإِلَّا فَنَعَمْ لِحَدِيثِ «مَا مِنْ رَجُلٍ يَنْظُرُ إلَى وَالِدِهِ نَظَرَ رَحْمَةٍ إلَّا كَانَتْ لَهُ بِهَا حَجَّةٌ مَقْبُولَةٌ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ نَظَرَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ قَالَ، وَإِنْ نَظَرَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَاجَا لَكِنْ لَيْسَ فِي الطَّرِيقِ أَمْنٌ فَإِنْ الْغَالِبُ الْخَوْفَ فَلَا، وَإِنْ الْغَالِبُ الْأَمْنَ فَنَعَمْ انْتَهَى مُلَخَّصًا وَعَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَالْبَحْرِ الْعُذْرُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ بِكُلِّ حَالٍ وَقِيلَ الْغَالِبُ الْهَلَاكَ عُذِرَ، وَإِنْ الْغَالِبُ السَّلَامَةَ لَا وَهُوَ الْأَصَحُّ.
(وَالْمَفَاوِزِ) أَيْ الصَّحْرَاءِ لَا سِيَّمَا الْمَخُوفَةُ بِالْأُسُودِ وَالسِّبَاعِ وَشِدَّةِ الْبَرْدِ وَشِدَّةِ الْحَرِّ (أَوْ كَانَا مُحْتَاجَيْنِ إلَى النَّفَقَةِ) وَلَمْ يَدَعْ عِنْدَهُمَا مِقْدَارَ الْكِفَايَةِ (أَوْ الْخِدْمَةِ) وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ يَخْدُمُهُمَا غَيْرُهُ فَلَا يَخْرُجُ وَلَوْ لِلتَّعَلُّمِ (وَحُكْمُ أَحَدِهِمَا كَحُكْمِهِمَا) وَالْجَدُّ وَالْجَدَّةُ مِثْلُهُمَا عِنْدَ عَدَمِهِمَا، وَفِي قَاضِي خَانْ يَخْرُجُ لِلتَّعَلُّمِ وَلَا يَكُونُ عَاقًّا قِيلَ إنْ مُلْتَحِيًا وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ لِلْحَجِّ فَإِنْ مُسْتَغْنًى عَنْهُ فَنَعَمْ وَإِلَّا فَلَا.
(وَ) مِنْ آفَاتِ الرِّجْلِ (الْفِرَارُ مِنْ الطَّاعُونِ وَ) كَذَا (الدُّخُولُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى
стр. 1036
أَرْضٍ فِيهَا الطَّاعُونُ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الْآتِي وَظَاهِرِ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ الشُّمُولُ لِمَنْ فِي الدَّاخِلِ فَيَخْرُجُ فِرَارًا وَلِمَنْ فِي الْخَارِجِ فَلَا يَدْخُلُ فِرَارًا عَلَى أَنَّ اللَّازِمَ مِمَّا فُهِمَ مِنْ الْمُصَنِّفِ فِيمَا سَبَقَ مِنْ جَوَازِ السِّرَايَةِ بِإِذْنِهِ تَعَالَى وَتَرْجِيحِهِ عَدَمُ كَوْنِ الْفِرَارِ مِنْ الْآفَاتِ مُطْلَقًا، وَقَدْ سَمِعْت هُنَالِكَ فِرَارَ أَبِي مُوسَى وَالْأَسْوَدِ وَمَسْرُوقٍ، وَقَوْلَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِرُّوا مِنْ هَذَا الرِّجْزِ، وَفَتْوَى أَبِي السُّعُودِ عَلَى التَّجْوِيزِ بِنِيَّةِ الِالْتِجَاءِ مِنْ قَهْرِهِ تَعَالَى إلَى لُطْفِهِ، وَقَوْلَ الْأَشْبَاهِ مِنْ ضَمَانِ صَبِيٍّ مَغْصُوبٍ مَاتَ فِي مَكَانِ الْوَبَاءِ، وَأَيْضًا قِيَاسُهُ وَإِنْ رُدَّ عَلَيْهِ وَأَشَارَ هُوَ إلَى ضَعْفِهِ هُنَالِكَ أَيْضًا فَانْظُرْ، ثُمَّ سَبَبُ الطَّاعُونِ إمَّا بَاطِنٌ أَوْ ظَاهِرٌ فَالْأَوَّلُ كَثْرَةُ الزِّنَا كَمَا فِي حَدِيثِ «لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ» وَسِرُّهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجْرِ حَدُّ الزِّنَا فِي الْمُحْصَنِ مِنْ الْقَتْلِ بِالرَّجْمِ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَائِفَةً مِنْ الْجِنِّ كَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ وَقِيلَ لَمَّا كَانَ غَالِبُ حَالِ الزِّنَا عَلَى السِّرِّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّ السِّرِّ كَمَا نُقِلَ عَنْ السُّيُوطِيّ وَقَاعِدَةُ الْعَدْلِ إذَا نَزَلَ بِقَوْمٍ الْبَلَاءُ يَعُمُّ الْكُلَّ، وَالثَّانِي الْجِنُّ كَمَا فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «الطَّاعُونُ وَخْزٌ» أَيْ طَعْنُ «أَعْدَائِكُمْ مِنْ الْجِنِّ وَهُوَ لَكُمْ شَهَادَةٌ» ، وَفِيهِ أَيْضًا «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِأُمَّتِي وَوَخْزُ أَعْدَائِكُمْ مِنْ الْجِنِّ» وَعِنْدَ الْأَطِبَّاءِ تَعَفُّنُ الْهَوَاءِ وَعِنْدَ بَعْضٍ مَجْمُوعُهُمَا أَيْ طَعْنُ الْجِنِّ وَالتَّعَفُّنُ وَقِيلَ رِيحٌ وَقِيلَ وَقِيلَ، وَعَنْ ابْنِ سِينَا دَمٌ رَدِيءٌ وَوَفَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَوْنِهِ مِنْ الْجِنِّ مِنْ جَوَازِ كَوْنِ طَعْنِ الْجِنِّ مُحْدِثًا فِي الطَّبِيعَةِ ذَلِكَ الدَّمَ (خ م عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «الطَّاعُونُ رِجْزٌ» فِي الْجَامِعِ اتِّفَاقُ الشَّيْخَيْنِ عَلَى رِوَايَةِ أُسَامَةَ بَقِيَّةُ «رِجْزٍ أَيْ عَذَابٍ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ» هُمْ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَدْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا فَخَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ الطَّاعُونَ فَمَاتَ مِنْهُمْ فِي سَاعَةٍ سَبْعُونَ أَلْفًا كَمَا فِي الْمُنَاوِيِّ، وَعَنْ الْوَسِيطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا مِنْ كِبَارِهِمْ، وَعَنْ التَّيْسِيرِ وَدَامَ فِيهِمْ حَتَّى بَلَغُوا سَبْعِينَ أَلْفًا أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي «إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ» أَيْ بِالطَّاعُونِ «بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدُمُوا عَلَيْهِ» لِأَنَّهُ إلْقَاءُ النَّفْسِ إلَى التَّهْلُكَةِ قَالَ التوربشتي إنَّهُ تَعَالَى شَرَعَ لَنَا التَّوَقِّيَ مِنْ الْمَحْذُورِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ ﵊ مَنَعَ أَصْحَابَهُ مِنْ الدُّخُولِ فِي مَدِينَةِ الْحِجْرِ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ قَهْرِهِ تَعَالَى بِثَمُودَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ «وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ أَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» فَلِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ الْأَصِحَّاءُ ضَاعَتْ الْمَرْضَى مِنْ مُتَعَهِّدِي الْمَوْتَى مِنْ التَّجْهِيزِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا كَذَا فِي الْفَيْضِ.
وَعَنْ الْخَطَّابِيِّ فِي قَوْلِهِ فَلَا تَدْخُلُوهَا إثْبَاتٌ لِلْحَذَرِ وَنَهْيٌ عَنْ التَّعَرُّضِ لِلتَّلَفِ وَقَوْلُهُ فَلَا تَخْرُجُوا إثْبَاتٌ لِلتَّوَكُّلِ وَتَسْلِيمٌ لِلْقَضَاءِ وَالْقَدْرِ فَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ تَأْدِيبٌ وَتَعْلِيمٌ وَالْآخَرُ تَفْوِيضٌ وَتَسْلِيمٌ انْتَهَى. لَا يَخْفَى أَنَّ فِي هَذَيْنِ الْكَلَامَيْنِ إشَارَةً إلَى أَنَّ فِيهِ سِرَايَةً، ثُمَّ قِيلَ وَأَمَّا الْخُرُوجُ بِلَا فِرَارٍ لِحَاجَةٍ فَجَائِزٌ وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْعَذَابَ إذَا نَزَلَ بِقَوْمٍ وَأَنْت فِيهِمْ فَلَا تَهْرُبْ مِنْ بَيْنِهِمْ فَإِنَّ الْعَذَابَ لَا يَدْفَعُهُ الْهَرَبُ وَإِنَّمَا يَدْفَعُهُ التَّوْبَةُ وَلْيَظُنَّ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ أُولَئِكَ أَنَّ الْعَذَابَ إنَّمَا نَزَلَ عَلَى هَؤُلَاءِ بِشُؤْمِ ذَنْبِهِ وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ.
(تَنْبِيهٌ) أَقُولُ السِّرُّ الْحَقِيقِيُّ فِي مَنْعِ الْخُرُوجِ وَالْفِرَارِ الْوُصُولُ إلَى الرَّحْمَةِ وَالشَّهَادَةِ كَمَا فِي الْجَامِعِ
стр. 1037
«مَنْ مَاتَ فِيهِ مَاتَ شَهِيدًا وَمَنْ أَقَامَ بِهِ كَانَ كَالْمُرَابِطِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَنْ فَرَّ مِنْهُ كَانَ كَالْفَارِّ مِنْ الزَّحْفِ» ، وَفِيهِ «الطَّاعُونُ وَالْغَرَقُ وَالْبَطْنُ وَالْحَرْقُ وَالنُّفَسَاءُ شَهَادَةٌ لِأُمَّتِي» ، وَفِيهِ «الطَّاعُونُ غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ الْمُقِيمُ بِهِ كَالشَّهِيدِ وَالْفَارُّ مِنْهُ كَالْفَارِّ مِنْ الزَّحْفِ» ، وَفِيهِ «وَهُوَ لَكُمْ شَهَادَةٌ» ، وَفِيهِ «وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ» فَلَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا أَيْ طَالِبًا الثَّوَابَ عَلَى صَبْرِهِ عَلَى خَوْفِ الطَّاعُونِ وَشِدَّتِهِ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ فَمَنْ لَمْ يَمُتْ بِهِ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ، وَإِنْ لَمْ يُحَصِّلْ دَرَجَةَ الشَّهَادَةِ نَفْسَهَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ اتَّصَفَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ، ثُمَّ مَاتَ بِالطَّاعُونِ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ وَلَا مَانِعَ مِنْ تَعَدُّدِ الثَّوَابِ بِتَعَدُّدِ الْأَسْبَابِ كَمَنْ يَمُوتُ غَرِيبًا أَوْ نُفَسَاءَ بِالطَّاعُونِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يَكُونُ شَهِيدًا بِوُقُوعِ الطَّاعُونِ بِهِ وَيُضَافُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ بِصَبْرِهِ وَدَرَجَاتُ الشُّهَدَاءِ مُتَفَاوِتَةٌ فَأَرْفَعُهَا مَنْ اتَّصَفَ بِمَا ذُكِرَ وَمَاتَ مِنْ الطَّاعُونِ وَدُونُهُ مَنْ اتَّصَفَ وَطُعِنَ وَلَمْ يَمُتْ وَدُونُهُ مَنْ اتَّصَفَ، ثُمَّ لَمْ يُطْعَنْ وَلَمْ يَمُتْ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ لَا يَكُونُ شَهِيدًا، وَإِنْ مَاتَ مِنْ الطَّاعُونِ وَذَلِكَ يَنْشَأُ مِنْ شُؤْمِ الِاعْتِرَاضِ النَّاشِئِ عَنْ الضَّجَرِ وَالسُّخْطِ كَذَا فِي الْفَيْضِ، وَفِي الْجَامِعِ «فَنَاءُ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ قَالُوا قَدْ عَرَفْنَا الطَّعْنَ فَمَا الطَّاعُونُ؟ قَالَ وَخْزُ أَعْدَائِكُمْ مِنْ الْجِنِّ، وَفِي كُلٍّ شَهَادَةٌ» ، وَفِيهِ «وَمَنْ صَبَرَ فِيهِ كَانَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ» أَقُولُ وَلِنَيْلِ أُمَّتِهِ لِمِثْلِ هَذَا الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ وَالشَّهَادَةِ دَعَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُمَّتِهِ اسْتِشْفَاقًا بِهِمْ وَمَحَبَّةً لَهُمْ بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَنَاءَ أُمَّتِي قَتْلًا فِي سَبِيلِك بِالطَّعْنِ أَيْ بِالرُّمْحِ. وَالطَّاعُونُ وَخْزُ أَعْدَائِهِمْ مِنْ الْجِنِّ قَالَ الْعُلَمَاءُ أَرَادَ الْمُصْطَفَى أَنْ يُحَصِّلَ لِأُمَّتِهِ أَرْفَعَ أَنْوَاعِ الشَّهَادَةِ وَهُوَ الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَيْدِي أَعْدَائِهِمْ إمَّا مِنْ الْإِنْس أَوْ مِنْ الْجِنِّ قَالَ الرَّاغِبُ نَبَّهَ بِالطَّعْنِ عَلَى الشَّهَادَةِ الْكُبْرَى وَهِيَ الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَبِالطَّاعُونِ عَلَى الشَّهَادَةِ الصُّغْرَى وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ فِي خَبَرٍ آخَرَ بِقَوْلِهِ «الطَّاعُونُ رَحْمَةُ رَبِّكُمْ وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ قِيلَ شَهِيدٌ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبَ كَبِيرَةٍ مُصِرًّا عَلَيْهَا» ، فَإِنْ قِيلَ فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةُ وَمَكَّةُ لَا يَدْخُلُهُمَا الدَّجَّالُ وَالطَّاعُونُ قُلْتُ لَعَلَّ لَهُمْ شَرَفًا مِنْ جِهَاتٍ أُخَرَ فَيَكُونُ الطَّاعُونُ فِي غَيْرِهِمَا بَدَلَ شَرَفِهِمَا، فَإِنْ قِيلَ كَثِيرًا مَا يَمُوتُ الْخَلْقُ مِنْ غَيْرِ الطَّاعُونِ قُلْنَا أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْأَكْثَرُ وَالْأَصْلَحُ أَوْ يَجُوزُ كَوْنُهُمْ مِنْ الطَّاعُونِ لَكِنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ (وَبَعْضُهُمْ حَمَلَ هَذَا النَّهْيَ عَلَى صِيَانَةِ الِاعْتِقَادِ) يَعْنِي أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ عَلَى النَّاسِ بِأَنْ يَظُنُّوا أَنَّ هَلَاكَ الْقَادِمِ إنَّمَا حَصَلَ بِقُدُومِهِ وَسَلَامَةَ الْفَارِّ إنَّمَا كَانَتْ لِفِرَارِهِ (فَيَجُوزُ الدُّخُولُ وَالْفِرَارُ لِمَنْ عَلِمَ عَدَمَ تَغَيُّرِ اعْتِقَادِهِ) فَعِلَّةُ النَّهْيِ الصِّيَانَةُ الْمَذْكُورَةُ فَإِذَا فُقِدَتْ يَجُوزُ الْفِرَارُ وَالدُّخُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ وَإِنْ انْتَفَتْ فِي ذَلِكَ الشَّخْصِ لَكِنْ لَا تَنْتَفِي فِي حَقِّ الْغَيْرِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَالْمَقْصُودُ صِيَانَةُ اعْتِقَادِ الْجَمِيعِ فَالْمُلَازَمَةُ مَمْنُوعَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ، وَقَدْ سَمِعْت غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ الْعِلَّةَ كَثِيرًا مَا تَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجِنْسِ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ الْجِنْسِ وَإِنَّ هَذَا إمَّا تَخْصِيصٌ عَامٌّ أَوْ تَقْيِيدٌ مُطْلَقٌ فَلَا يَجُوزُ بِالرَّأْيِ عَلَى أَنَّ النُّصُوصَ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَلَا يُصَارُ إلَى الْمَجَازِ بِدُونِ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ (وَيَرُدُّهُ) أَيْ هَذَا الْحَمْلَ (أَنَّ عُمَرَ ﵁) حِينَ سَافَرَ لِأَجْلِ فَتْحِ الْقُدْسِ وَقَرُبَ مِنْ الشَّامِ وَأَرْسَلَ إلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَةَ رَسُولًا وَقَالَ إنَّ فِي الشَّامِ طَاعُونًا فَالْأَمْرُ إلَيْك فَتَفَرَّقُوا فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةٌ عَلَى عَدَمِ الدُّخُولِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]- وَفِرْقَةٌ عَلَى الدُّخُولِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] الْآيَةَ فَاخْتَارَ عُمَرُ جَانِبَ الرُّجُوعِ فَقِيلَ أَتَفِرُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ فَقَالَ فِرَارِي مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ إلَى قَضَاءِ اللَّهِ، ثُمَّ تَشَاوَرَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَرَأَ «إذَا سَمِعْتُمْ بِالْوَبَاءِ بِأَرْضٍ» الْحَدِيثَ فَفَرِحَ وَحَمِدَ اللَّهَ لِمُوَافَقَتِهِ اجْتِهَادَهُ (لَمْ يَدْخُلْ الشَّامَ بَعْدَ الْمَشُورَةِ) مَعَ الْأَصْحَابِ (فَرَجَعَ) إلَى الْمَدِينَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ تَجْوِيزُ جَانِبِ الْفِرَارِ وَإِبْقَاؤُهُ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ فِي مَعْرِضِ
стр. 1038
الْبَيَانِ يُشْعِرُ بِالْحَصْرِ وَأَنَّ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ مُعْتَبَرٌ فِي الْمُصَنَّفَاتِ بَلْ فِيهِ بَيَانُ الضَّرُورَةِ أَيْضًا وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ، وَإِنْ مُلَائِمًا لِمَا اخْتَارَهُ عَنْ التوربشتي سَابِقًا مِنْ السِّرَايَةِ بِإِذْنِهِ تَعَالَى لَكِنَّهُ يُنَافِي غَرَضَهُ فِي الْمَقَامِ مِنْ كَوْنِ الْفِرَارِ مِنْ آفَاتِ الرِّجْلِ وَلَا يُلَائِمُ تَعْرِيفَهُ بِقَوْلِهِ (فَالصَّحِيحُ أَنَّ النَّهْيَ عَلَى ظَاهِرِهِ) وَأَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِفِعْلِ عُمَرَ بَعْدَ النُّصُوصِ السَّابِقَةِ كَالرَّأْيِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ عَلَى أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِمَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ سِيَّمَا عِنْدَ الِاخْتِلَافِ مِمَّا يَقْبَلُ الْكَلَامَ يُعْرَفُ مِنْ الْأُصُولِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ سُكُوتَهُمْ عِنْدَ رَأْيِ جَانِبِ الرُّجُوعِ حَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ الَّذِي هُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ كَانَ سَنَدَ الْإِجْمَاعِ وَبِمَا قَرَّرْنَا فِي الْمَقَامِ يَنْدَفِعُ أَيْضًا مَا أُورِدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُ رُجُوعِ عُمَرَ لِصِيَانَةِ اعْتِقَادِ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْعَوَامّ، يُؤَيِّدُهُ مَشُورَتُهُ مَعَ الْأَصْحَابِ فَتَأَمَّلْ فِيهِ.
فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُرَجِّحُ عُمَرُ جَانِبَ الرُّجُوعِ، وَقَدْ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]- الْآيَةَ وَدَلَالَةُ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ الْفِرَارِ مِنْ الطَّاعُونِ عَلَى طَرِيقِ النَّصِّ لِسَوْقِهَا لَهُ وَآيَةُ عَدَمِ إلْقَاءِ التَّهْلُكَةِ لَوْ سَلِمَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى طَرِيقِ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى وَقَعَ فِي دِيَارِهِمْ طَاعُونٌ فَخَرَجُوا هَارِبِينَ فَأَمَاتَهُمْ اللَّهُ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ لِيَعْتَبِرُوا وَيَتَيَقَّنُوا أَنْ لَا مَفَرَّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ، وَقَدْ قُرِّرَ أَنَّ النَّصَّ رَاجِحٌ عَلَى الظَّاهِرِ قُلْنَا ظَاهِرٌ أَنَّ تِلْكَ الْآيَةَ فِي حَقِّ الْخُرُوجِ وَاخْتِيَارُ عُمَرَ فِي حَقِّ عَدَمِ الدُّخُولِ فَافْتَرَقَا، وَأَمَّا قِيَاسُ هَذَا عَلَى ذَلِكَ فَالْخَبَرُ الصَّحِيحُ رَاجِحٌ عَلَيْهِ لَا سِيَّمَا وَفِيهِ رَائِحَةُ الْإِجْمَاعِ كَمَا عَرَفْت وَأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْإِلْقَاءِ فِي التَّهْلُكَةِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ كَوْنِ التَّهْلُكَةِ قَطْعِيًّا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ بَلْ ظَنِّيٌّ أَوْ وَهْمِيٌّ وَلِذَا تَرَى الْكَثِيرَ عِنْدَ وُرُودِهِمْ فِي مَحَلِّ الطَّاعُونِ لَا يَمُوتُونَ بَلْ لَا يُطْعَنُونَ وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ الطَّاعُونَ لَيْسَ بِسَارٍ طَبْعًا وَسَارٍ بِإِذْنِهِ تَعَالَى فَلِلْأَوَّلِ مَنْعٌ عَنْ الْخُرُوجِ، وَقَدْ انْضَمَّ لَهُ حِفْظُ الْمَطْعُونِينَ كَمَا مَرَّ وَلِلثَّانِي مَنْعُ الدُّخُولِ، وَقَدْ انْضَمَّ لَهُ حِفْظُ الِاعْتِقَادِ فَصَارَ كَالْعَمَلِ بِالشَّبَهَيْنِ وَأَنَّ السِّرَايَةَ بِالْإِذْنِ لَيْسَتْ بِقَطْعِيَّةٍ بَلْ بِالْإِمْكَانِ وَالْوُقُوعِ فِي الْقِلَّةِ وَلَا حُكْمَ فِي النُّدْرَةِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ مِثْلِ أَبِي مُوسَى بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْفِرَارِ مِنْ الدُّخُولِ تَوْفِيقًا لِلْحَدِيثِ، وَأَمَّا الْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي السُّعُودِ إنْ أَمْكَنَ تَوْفِيقُهُ بِمَا ذُكِرَ وَإِلَّا فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لَكِنْ يَبْقَى مَسْأَلَةُ غَصْبِ الصَّبِيِّ لِلْأَشْيَاءِ.
стр. 1039
وَقَدْ يُقَالُ فِي الْمَنْعِ عَنْ الْخُرُوجِ طِبًّا إنَّ الطَّاعُونَ هَوَاءٌ فَإِصَابَتُهُ لَيْسَتْ لِظَاهِرٍ بَلْ لِبَاطِنٍ كَالْقَلْبِ وَالرِّئَةِ وَالْكَبِدِ فَظُهُورُهُ فِي الظَّاهِرِ يَعْنِي الْبَدَنَ كَثِيرٌ أَمَّا بَعْدَ زَمَانٍ مَدِيدٍ فَلَا يُفِيدُ الْخُرُوجَ نَعَمْ يُحْتَمَلُ كَوْنُ إصَابَتِهِ عِنْدَ بَقَائِهِ بِلَا خُرُوجٍ لَكِنْ وَهْمِيٌّ، وَمَعَ هَذَا يَنْضَمُّ إلَى الْخُرُوجِ تَعْطِيلُ أَحْوَالِ الْمَطْعُونِينَ بَلْ تَحْقِيقُ إهْلَاكِهِمْ عِنْدَ عَدَمِ بَقَاءِ أَحَدٍ مِنْ الْأَصِحَّاءِ وَخَلَاصُهُمْ مُنْتَظَرٌ، وَفِي مَنْعِ الدُّخُولِ أَيْضًا أَنَّ الْهَوَاءَ لَمْ يُؤَثِّرْ بِبَاطِنِهِ وَلَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الْبَلَدِ حَاجَةٌ إلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا يُمْنَعُ بَلْ يُنْدَبُ، عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى الضَّرَرِ الْمَوْهُومِ لِتَخَلُّصِ الضَّرَرِ الْمَقْطُوعِ عَنْ الْمَطْعُونِينَ.
(فَائِدَةٌ)
فِي الْأَشْبَاهِ أَنَّ الطَّاعُونَ مِنْ النَّوَازِلِ الشَّدِيدَةِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الْقُنُوتَ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ مَشْرُوعٌ عِنْدَ النَّوَازِلِ، وَفِي الطَّحَاوِيِّ وَلَا يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ عِنْدَنَا مِنْ غَيْرِ بَلِيَّةٍ إلَى آخِرِهِ وَأَيْضًا الطَّاعُونُ مِنْ عُمُومِ الْمَرَضِ، وَفِيهِ يُصَلُّوا وُحْدَانًا كَمَا فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي فَتُسَنُّ لَهُ رَكْعَتَانِ فُرَادَى كَالْخُسُوفِ وَيَتَضَرَّعُ كُلُّ وَاحِدٍ لِنَفْسِهِ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ كَمَا فِي الرِّيحِ الشَّدِيدِ وَالزَّلَازِلِ وَالصَّوَاعِقِ وَالثُّلُوجِ وَالْأَمْطَارِ الدَّائِمَةِ وَالْخَوْفِ الْغَالِبِ مِنْ الْعَدُوِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَجْتَمِعُونَ كَالْخُسُوفِ وَيُصَلُّونَ وَيَدْعُونَ، ثُمَّ قَالَ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْعَبْدَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْزَعَ إلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ كُلِّ حَادِثَةٍ انْتَهَى إجْمَالًا.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى إنْ كَانَ ذَلِكَ بِدُعَاءِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ شَهَادَةً وَرَحْمَةً وَمَغْفِرَةً لِمَنْ مَاتَ مِنْهُ فَكَيْفَ يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِرَفْعِهِ؟ وَكَيْفَ يَصِحُّ الْقِيَاسُ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ؟ وَكَيْفَ يَدْخُلُ فِي تِلْكَ الْعُمُومَاتِ؟ وَلَوْ سَلِمَ شُمُولُهَا فَيَجِبُ تَخْصِيصُ ذَلِكَ مِنْ تِلْكَ الْعُمُومَاتِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ السُّيُوطِيّ أَنَّ الدُّعَاءَ بِرَفْعِهِ بِدْعَةٌ حَتَّى قِيلَ لِمُعَاذٍ اُدْعُ اللَّهَ يَرْفَعْ عَنَّا هَذَا الرِّجْزَ فَقَالَ لَيْسَ بِرِجْزٍ وَلَكِنْ دَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ وَمَوْتُ الصَّالِحِينَ وَشَهَادَةٌ يَخْتَصُّ اللَّهُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْكُمْ اللَّهُمَّ آتِ آلَ مُعَاذٍ نَصِيبَهُمْ الْأَوْفَرَ مِنْ هَذِهِ الرَّحْمَةِ.
قِيلَ وَمَا وَقَعَ عَنْ الرَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الْقُنُوتِ لِلْوَبَاءِ فَعَامٌّ مَخْصُوصٌ؛ لِأَنَّ الْوَبَاءَ أَعَمُّ مِنْ الطَّاعُونِ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ هُنَا أَقُولُ لَعَلَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَغْرَاضِ فَلَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِرَفْعِهِ لِلْخَوَاصِّ كَالْمُتَوَكِّلِينَ الْكَامِلِينَ وَيَجُوزُ لِلْعَوَامِّ كَمَا رُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَحْسَنُ مَا يُدَاوَى بِهِ الطَّاعُونُ التَّسْبِيحُ، وَعَنْ بَعْضِ الصَّالِحِينَ كَثْرَةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ بِرَفْعِهِ لَا مُطْلَقًا بَلْ مِنْ هَذَا الْعَاجِلِ مَثَلًا إذْ قَدْ سَمِعْت أَنَّ طُولَ عُمْرِ الْمُؤْمِنِ لَا يُعَادِلُهُ عَمَلٌ كَيْفَ، وَقَدْ سَمِعْت دُعَاءَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَنَاءَ أُمَّتِي قَتْلًا فِي سَبِيلِك بِالطَّعْنِ أَيْ بِجِهَادِ الْكُفَّارِ وَالطَّاعُونِ الْجِنِّ» فَكَمَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ لِلْجِهَادِ فَلْيَجُزْ لِلْجِنِّ وَإِنَّ الدُّعَاءَ لِرَفْعِ مَا يُوجِبُ الشَّهَادَةَ كَالْبَطْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالشِّفَاءِ لِلنُّفَسَاءِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا فَلْيَجُزْ لِلطَّاعُونِ وَأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ أَحَدٌ الدَّوَاءَ وَالْمُعَالَجَةَ فِي الطَّاعُونِ فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فَلْيَجُزْ ذَاكَ فَلْيُتَأَمَّلْ بِدِقَّةٍ وَلْيُتَّبَعْ بِجَهْدٍ فَإِنَّ الْمَقَامَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ الْآنَ.
(وَ) مِنْ آفَاتِ الرِّجْلِ (الْمَشْيُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنِهِ) إذْ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِ أَحَدٍ بِلَا إذْنِهِ حَتَّى لَا تَجُوزَ إجَابَةُ دَعْوَةِ مَنْ سَكَنَ فِي دَارٍ مَغْصُوبَةٍ، وَكَذَا عِيَادَتُهُ (دَارًا أَوْ بُسْتَانًا أَوْ كَرْمًا أَوْ أَرْضًا مَزْرُوعَةً أَوْ مَكْرُوبَةً) فَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ لِلزِّحَامِ فَيَمْشِي فِي الزَّرْعِ لَكِنْ يَتَّقِي وَطْءَ الزَّرْعِ بِقَدْرِ الْمُمْكِنِ، وَكَذَا مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ كَمَا فِي الْأُسْرُوشَنِيِّ (وَإِنْ) كَانَ (أَرْضًا جُرُزًا) وَهِيَ الْأَرْضُ الْغَلِيظَةُ الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا وَانْقَطَعَ مَاؤُهَا وَالْمُرَادُ الْأَرْضُ الْخَالِيَةُ (بِلَا حَائِطٍ) أَيْ جِدَارٍ وَحَرِيمٍ (وَلَا خَنْدَقٍ) مُحِيطٍ لِلْأَرْضِ لِمَنْعِ كُلِّ دَاخِلٍ حَيَوَانًا أَوْ آدَمِيًّا (وَكَانَ الْمُرُورُ لِحَاجَةٍ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يُرْجَى الْجَوَازُ) ، وَفِي قَوْلِهِ لِحَاجَةٍ إشَارَةٌ إلَى عَدَمِ الدُّخُولِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ وَمَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ بِقَدْرِهَا وَلِذَا جَازَ دُخُولُ بَيْتِ غَيْرِهِ إذَا سَقَطَ مَتَاعُهُ فِيهِ وَخَافَ صَاحِبُهُ أَنَّهُ لَوْ طَلَبَهُ مِنْهُ لَأَخْفَاهُ (لِوُجُودِ الْإِذْنِ دَلَالَةً وَعَادَةً) قَيَّدَ بِعَدَمِ الْخَنْدَقِ وَالْحَائِطِ لِمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ عَدَمِ حِلِّ الْمُرُورِ حِينَئِذٍ، وَكَذَا النُّزُولُ فِيهَا فِيهِ إشَارَةٌ إلَى عَدَمِ الْمُرُورِ عِنْدَ كَوْنِ الْمَنْعِ مَعْلُومًا صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ
стр. 1040
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَرَرٌ لِلْأَرْضِ أَوْ انْحَصَرَ الطَّرِيقُ بِهَا (وَيَدْخُلُ فِيهِ الدُّخُولُ إلَى ضِيَافَةٍ بِلَا دَعْوَةٍ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ دُخُولَ دَارِ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ مَعَ زِيَادَةِ أَكْلِ طَعَامِهِ بِلَا إذْنِهِ فَفِيهِ ضَرَرَانِ (وَفِيهِ حَدِيثٌ سَيَجِيءُ وَيُسْتَثْنَى) مِنْهُ (الدُّخُولُ) إلَى مِلْكِ الْغَيْرِ (لِخَوْفِ ضَيَاعِ مَالِهِ كَمَا إذَا أَخَذَ رَجُلٌ ثَوْبَهُ) مِنْ حَانُوتِهِ مَثَلًا (فَدَخَلَ دَارِهِ جَازَ أَنْ يَدْخُلَ صَاحِبُهُ أَيْضًا لِيَأْخُذَهُ، وَكَذَا إذَا وَقَعَ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِهِ فِي دَارِ رَجُلٍ) بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ كَهَبِّ الرِّيحِ (وَخَافَ أَنْ لَوْ عَلِمَ صَاحِبُ الدَّارِ مَنَعَهُ) مِنْ دُخُولِهِ وَأَخْذِهِ بَلْ يَسْتُرُهُ وَيُنْكِرُهُ (لَهُ أَنْ يَدْخُلَ) دَارِهِ (بِغَيْرِ إذْنِهِ لَكِنْ يُعْلِمُ) مِنْ الْإِعْلَامِ (الصُّلَحَاءَ) مِنْ النَّاسِ (أَنَّهُ يَدْخُلُ دَارِهِ لِهَذَا) لِأَجْلِ أَخْذِ مَا وَقَعَ مِنْ مَالِهِ لِدَفْعِ التُّهْمَةِ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَنْعَ صَاحِبِ الدَّارِ بِأَنْ يَعْلَمَ إخْرَاجَهُ أَوْ يَأْذَنَ بِالدُّخُولِ لِأَخْذِهِ فَلَا يَجُوزُ دُخُولُهُ لَعَلَّ فِي التَّعْبِيرِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إشَارَةً إلَى اشْتِرَاطِ الْكَثْرَةِ فَفِي الْمَالِ الْقَلِيلِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَدْخُلَ لَكِنْ ظَاهِرُهُ مَا نُقِلَ عَنْ الْأَشْبَاهِ آنِفًا هُوَ الْإِطْلَاقُ.
(وَالْمَشْيُ عَلَى الْمَقَابِرِ) بِلَا ضَرُورَةٍ وَإِلَّا فَفِي التَّتَارْخَانِيَّة مَنْ لَهُ بُقْعَةٌ بَيْنَ الْمَقَابِرِ وَلَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهَا بِلَا وَطْءِ الْمَقَابِرِ لَهُ أَنْ يَتَخَطَّى الْمَقَابِرَ، وَفِي السِّرَاجِيَّةِ إذَا مَرَّ بِقَبْرٍ وَقَرَأَ شَيْئًا بِنِيَّةِ مَنْ يَمُرُّ عَلَيْهِ لَا بَأْسَ بِهِ وَقَالَ بَعْضٌ يَقْرَأُ سُورَةَ التَّكَاثُرِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة إذَا كَانَ قَبْرُ وَالِدَيْهِ بَيْنَ الْقُبُورِ فَأَرَادَ زِيَارَتَهُمَا فَيَزُورُ بِغَيْرِ وَطْءِ قَبْرٍ، وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ وَالِدِهِ بَعْدَ سُؤَالِهِ عَنْهُ إنَّ وَطْءَ الْقُبُورِ إثْمٌ، ثُمَّ الْقُعُودُ عَلَى الْقَبْرِ كَالْمَشْيِ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ عَنْ بَعْضٍ «لَأَنْ أَجْلِسَ عَلَى الْجَمْرِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَجْلِسَ عَلَى الْقَبْرِ» أَقُولُ هَذَا مَضْمُونُ حَدِيثِ مُسْلِمٍ «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ الْمُرَادُ بِالْجُلُوسِ مَا يَكُونُ لِلتَّخَلِّي وَالْحَدِيثِ، ثُمَّ قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ» النَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ إنَّمَا كُرِهَ الْجُلُوسُ عَلَى الْقُبُورِ لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِخْفَافِ الْمَيِّتِ وَلَمْ يَكْرَهْهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لِمَا أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَجْلِسُ عَلَى الْقُبُورِ وَعَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ يَضْطَجِعُ عَلَيْهَا وَحَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى الْجُلُوسِ لِلْبَوْلِ لَكِنَّ كَلَامَ الْفُقَهَاءِ رَاجِحٌ عَلَى غَيْرِهِ فَافْهَمْ.
(وَاتِّبَاعُ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ وَزِيَارَتُهُنَّ الْقُبُورَ " ت " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» ، وَعَنْ ابْنِ الْمَلِكِ أَنَّ فِي صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَتْ زِيَارَتُهَا عَلَى النُّدْرَةِ لَيْسَتْ بِدَاخِلَةٍ فِي اللَّعْنِ وَاسْتَثْنَى زِيَارَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيلَ زِيَارَةُ الصَّحَابَةِ وَالصُّلَحَاءِ أَيْضًا، وَعَنْ ابْنِ الْمَلِكِ أَيْضًا عَنْ بَعْضٍ أَنَّ النَّهْيَ قَبْلَ الرُّخْصَةِ فَبَعْدَهَا دَخَلَ فِي الرُّخْصَةِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ، وَعَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا» وَرَدَّ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّ الْإِنَاثَ لَيْسَتْ بِدَاخِلَةٍ فِي خِطَابِ الذُّكُورِ فِي الْأُصُولِ كَذَا فِي الْفَيْضِ لَكِنْ فِي أُصُولِ الْحَنَفِيَّةِ الْأَصَحُّ عَلَى الدُّخُولِ إمَّا تَغْلِيبًا أَوْ إلْحَاقًا أَوْ تَبَعًا، لَكِنْ يُرَدُّ قَوْلُ ابْنِ الْمَلِكِ مِنْ فَهْمِ تَجْوِيزِ كَوْنِ الزِّيَارَةِ عَلَى النُّدْرَةِ مِنْ حَدِيثِ الْجَامِعِ «لَعَنَ اللَّهُ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ» بِلَا مُبَالَغَةٍ وَقِيلَ إنْ حُمِلَتْ زِيَارَتُهَا عَلَى تَجْدِيدِ حُزْنٍ وَبُكَاءٍ فَحَرَامٌ وَإِلَّا فَمَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ «لِقَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - يَا رَسُولَ كَيْفَ أَقُولُ إذَا زُرْت الْقُبُورَ؟ قَالَ قُولِي السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَرَحِمَ اللَّهُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَّا وَالْمُتَأَخِّرِينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» كَذَا فِي الْفَيْضِ أَيْضًا لَكِنَّ أَمْرَهُ لِعَائِشَةَ لَا أَقَلَّ مِنْ النَّدْبِ أَوْ الْإِبَاحَةِ فَالِاحْتِجَاجُ عَلَى الْكَرَاهَةِ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا» فَإِنَّهَا تُرْفِقُ الْقَلْبَ وَتُدْمِعُ الْعَيْنَ وَتُذَكِّرُ الْآخِرَةَ وَلَا تَقُولُوا هَجْرًا، خِطَابٌ
стр. 1041
لِلرِّجَالِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْإِنَاثُ عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فَلَا يُنْدَبُ لَكِنْ يَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ انْتَهَى قَوْلُهُ. عَلَى الْمُخْتَارِ يُشِيرُ إلَى دُخُولِهِنَّ فِي غَيْرِ الْمُخْتَارِ وَقَوْلُهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا يُشِيرُ إلَى الدُّخُولِ أَيْضًا عِنْدَ غَيْرِهِمْ كَأَصْحَابِنَا الْحَنَفِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا مَرَّ قَرِيبًا، وَقَدْ قَالَ هُوَ أَيْضًا عَقِيبَ مَا ذُكِرَ عَنْ بَعْضٍ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى حِلِّ زِيَارَةِ الْقُبُورِ هَبْ الزَّائِرَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَالْمَزُورَ مُسْلِمًا أَمْ كَافِرًا قَالَ النَّوَوِيُّ وَبِالْجَوَازِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ انْتَهَى أَقُولُ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِظَاهِرِ حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - آنِفًا وَلِقَوْلِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَيْضًا وَابْنِ الْمَلِكِ أَيْضًا وَلِقَوْلِ مَنْ احْتَجَّ بِالْمُبَالَغَةِ عَلَى جَوَازِ النُّدْرَةِ فَحَاصِلُ الْمَجْمُوعِ جَوَازُ زِيَارَتِهِنَّ نُدْرَةً إنْ خَلَا عَنْ نَحْوِ تَجْدِيدِ الْحُزْنِ وَالنَّوْحِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي كَرَاهَةِ التَّتَارْخَانِيَّة فِي بَعْضِ تَأْوِيلِ قَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - الزِّيَارَةُ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ فِي حَقِّ النِّسَاءِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي هَذَا الْبَابِ مَنْسُوخٌ نَسَخَهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنْت نَهَيْتُكُمْ الْحَدِيثَ، وَلَكِنَّ التَّرْكَ أَوْلَى انْتَهَى ثُمَّ أَقُولُ فَعَلَى هَذَا الِاحْتِجَاجُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْمَطْلُوبِ مِمَّا يَقْبَلُ الْكَلَامَ نَعَمْ قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة فِي الْجَنَائِزِ سُئِلَ الْقَاضِي عَنْ جَوَازِ ذَهَابِ النِّسَاءِ إلَى الْمَقَابِرِ فَقَالَ لَا يُسْأَلُ عَنْ الْجَوَازِ وَالْفَسَادِ فِي مِثْلِ هَذَا وَإِنَّمَا يُسْأَلُ عَنْ مِقْدَارِ مَا يَلْحَقُهَا مِنْ اللَّعْنِ فِيهِ.
وَاعْلَمْ بِأَنَّهَا كُلَّمَا قَصَدَتْ الْخُرُوجَ كَانَتْ فِي لَعْنَةِ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَإِذَا خَرَجَتْ تَحُفُّهَا الشَّيَاطِينُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَإِذَا أَتَتْ الْقُبُورَ لَعَنَتْهَا رُوحُ الْمَيِّتِ وَإِذَا رَجَعَتْ كَانَتْ فِي لَعْنَةِ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى.
أَقُولُ وَلَا يَبْعُدُ التَّوْفِيقُ فِي تِلْكَ الْأَقْوَالِ أَنَّ الْمَنْعَ عَلَى مَنْ أَصَرَّتْ أَوْ نَاحَتْ أَوْ بَكَتْ أَوْ نَحْوَهَا مِنْ الْمُنْكَرَاتِ وَإِلَّا جَازَتْ عَلَى مَنْ كَانَتْ زِيَارَتُهَا عَلَى نُدْرَةٍ وَخَالِيَةً عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ وَيُمْكِنُ تَصْحِيحُ هَذَا الْمَطْلَبِ بِقَاعِدَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، فَعَلَى الْإِجْمَالِ مَنْ قَالَ إنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي الِاتِّفَاقِ وَالْعَزِيمَةَ فِي التَّوَقِّي عَنْ الشُّبُهَاتِ وَأَدْنَى دَرَجَةِ الِاخْتِلَافِ إيرَاثُ الشُّبْهَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ «وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبْهَةِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْمُرَامِ.
(وَلَوْ وَجَدَ طَرِيقًا فِي الْمَقْبَرَةِ إنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ) بِالْعَلَائِمِ وَالْأَمَارَاتِ، وَأَمَّا عِنْدَ إخْبَارِ مَنْ وَثِقَ بِهِ وَلَوْ وَاحِدًا عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً فَبِالْأَوْلَى (أَنَّهُمْ أَحْدَثُوهُ فِيهِ لَا يَمْشِي) لِأَنَّ الْقَبْرَ مُقَدَّمٌ عَلَى الطَّرِيقِ (وَالْقُعُودُ عَلَى الْقَبْرِ كَالْمَشْيِ) كَمَا سَمِعْت قَوْلَ الْخُلَاصَةِ وَالْحَدِيثَ آنِفًا، وَعَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَلَا يَقْعُدُ عَلَى الْقَبْرِ؛ لِأَنَّ سَقْفَهُ حَقُّ الْمَيِّتِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ إهَانَةٌ لِلْآدَمِيِّ الْمُكَرَّمِ، وَإِنْ فِي الْقَبْرِ طَرِيقٌ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ حَدَثٌ لَا يَمْشِي فِيهِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْقَدِيمِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ اتِّخَاذِ الْقَبْرِ وَلَوْ أَجْلَسَ عَلَى قَبْرِ أَخِيهِ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ لَا يُكْرَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَبِهِ أَخَذَ الْمَشَايِخُ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَنْفَعُ الْمَيِّتَ وَقَطْعُ الْحَشِيشِ الرَّطْبِ مِنْ الْمَقَابِرِ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ يُسَبِّحُ وَيَنْدَفِعُ بِهِ الْعَذَابُ عَنْ الْمَيِّتِ أَوْ يَسْتَأْنِسُ بِهِ الْمَيِّتُ وَعَلَى هَذَا لَا يُكْرَهُ مِنْ مَقَابِرِ الْكُفَّارِ وَقَطْعُ الْيَابِسِ لَا يُكْرَهُ وَبِهِ وَرَدَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ انْتَهَى أَقُولُ فَبِالْأَوْلَى قَطْعُ الْأَشْجَارِ الرَّطْبَةِ، وَأَمَّا رَعْيُ الدَّوَابِّ فِي الْقُبُورِ فَعَلَى قَاعِدَةِ التَّسَبُّبِ بِالسَّوْقِ أَوْ الْقُعُودِ فَكَذَا لِإِضَافَةِ أَفْعَالِهَا عَلَى مُسَبِّبِهَا كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ وَالْفِقْهِ.
(وَدُخُولُ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ الْمَسْجِدَ) وَإِنْ لَمْ يَجْلِسْ فِيهِ بِخِلَافِ الْمُحْدِثِ كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَفِي شَهِيدِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إشَارَةٌ إلَيْهِ وَالْمَسَاجِدُ عَلَى قَوَارِعِ الطَّرِيقِ وَعِنْدَ الْحِيَاضِ مَسْجِدٌ لَكِنْ لَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ فِيهِ، وَأَمَّا مَا بُنِيَ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَلِصَلَاةِ الْعِيدِ فَالْأَصَحُّ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ، وَعَنْ أَبِي اللَّيْثِ فِيمَا بُنِيَ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ وَالْمَسْجِدُ الَّذِي يُتَّخَذُ فِي الْبَيْتِ لِصَلَاةِ النَّوَافِلِ، وَإِنْ نَدْبًا لَكِنْ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا الْمَسْجِدُ الْمَبْنِيُّ عَلَى سُورِ الْمَدِينَةِ فَلَيْسَ بِمَسْجِدٍ لِكَوْنِهِ حَقَّ الْعَامَّةِ، وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ لِلْمُرُورِ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَيْسَ بِجَائِزٍ وَيُكْرَهُ مَسْحُ الرِّجْلِ مِنْ الطِّينِ بِأُسْطُوَانَةِ الْمَسْجِدِ أَوْ حَائِطِهِ، الْكُلُّ مِنْ الْخُلَاصَةِ وَمِنْ آفَاتِ الرِّجْلِ فِي حَقِّ الْمَسَاجِدِ أَيْضًا إدْخَالُ الْمَيِّتِ فِيهَا وَإِدْخَالُ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ حَيْثُ غَلَبَ تَنْجِيسُهُمْ حَرَامٌ وَإِلَّا فَيُكْرَهُ وَيُكْرَهُ أَيْضًا الدُّخُولُ لِلصِّنَاعَةِ مِنْ خِيَاطَةٍ وَكِتَابَةٍ بِأَجْرٍ وَتَعْلِيمِ صِبْيَانٍ بِأَجْرٍ وَدُخُولِ مَنْ أَكَلَ
стр. 1042
ذَا رِيحٍ كَرِيهٍ.
(وَ) مِنْ آفَاتِ الرِّجْلِ (مَدُّ الرِّجْلِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ (نَحْوَ الْقِبْلَةِ وَالْمُصْحَفِ وَكُتُبِ الشَّرِيعَةِ فِي النَّوْمِ وَالْيَقِظَةِ إذَا كَانَا) أَيْ الْمُصْحَفُ وَكُتُبُ الشَّرِيعَةِ (فِي حِذَائِهَا دُونَ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ أَوْ الْفَوْقِ) فِي التَّتَارْخَانِيَّة سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ فِي مَدِّ الرِّجْلِ إلَى الْقِبْلَةِ حَالَةَ النَّوْمِ فِي بَيْتِهِ هَلْ يَكُونُ مَعْذُورًا فَقَالَ لَا، وَعَنْ الْبَزْدَوِيِّ أَنَّهُ يُكْرَهُ فِي النَّوْمِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَا إلَى الْمُصْحَفِ وَالْكُتُبِ (وَوَضْعُهَا) أَيْ الرِّجْلِ؛ لِأَنَّهُ مُؤَنَّثٌ سَمَاعِيٌّ (عَلَيْهِمَا) عَلَى الْمُصْحَفِ وَكُتُبِ الشَّرِيعَةِ بِلَا ضَرُورَةٍ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَتَوَسُّدُ الْكِتَابِ وَالْجُلُوسُ عَلَى جُوَالِقٍ فِيهِ مُصْحَفٌ إنْ لِلْحِفْظِ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَإِلَّا فَمَكْرُوهٌ (وَعَلَى الْخُبْزِ) الْمُكَرَّمِ بِقَوْلِهِ ﵊ «أَكْرِمُوا الْخُبْزَ» .
(وَضَرْبُ أَحَدٍ) مِنْ ذِي رُوحٍ (بِهَا) أَيْ بِالرِّجْلِ (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ الْأَحَدُ (حَيَوَانًا) فَفِي الضَّمِيرِ تَأْوِيلٌ كَالِاسْتِخْدَامِ أَوْ يُطْلَقُ الْأَحَدُ عَلَى الْحَيَوَانِ (بِغَيْرِ ذَنْبٍ وَحَقٍّ) ، فَإِنْ بِذَنْبٍ آدَمِيًّا مُكَلَّفًا فَتَضْرِبُهُ عَلَى قَدْرِ ذَنْبِهِ إنْ حَالَ مُبَاشَرَةِ الْمَعْصِيَةِ وَإِلَّا فَيُحِيلُ عَلَى الْمُحْتَسِبِ عَلَى قَاعِدَةِ نَهْيِ الْمُنْكَرِ، وَإِنْ حَيَوَانًا فَيَضْرِبُهُ عَلَى قَدْرِ تَأْدِيبِهِ بِلَا مُبَالَغَةٍ (وَنِفَارُهُ) أَيْ فِرَارُهُ (ذَنْبٌ) فَيُضْرَبُ بِرِجْلِهِ كَمَا بِغَيْرِهَا (لِإِعْثَارِهِ) أَيْ زَلَّةٍ وَسُقُوطٍ (وَيَجْتَنِبُ كُلَّ الْجَهْدِ) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ؛ لِأَنَّهُ يَنُوبُ عَنْ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَكُلٍّ مُضَافًا إلَيْهِ نَحْوُ - ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩]- يَعْنِي يَجْتَهِدُ اجْتِهَادًا كَامِلًا وَيَحْتَرِزُ احْتِرَازًا مُبَالَغًا.
(مِنْ حَقِّ الْحَيَوَانِ) لِانْسِدَادِ طُرُقِ التَّحْلِيلِ وَالْإِرْضَاءِ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ قَالُوا الْعَذَابُ فِيهِ مُتَعَيِّنٌ) وَأَمْكَنَ عَفْوُهُ تَعَالَى فِي نَفْسِهِ لَكِنْ حُكْمُ شَرِيعَتِهِ يَقْتَضِي عَدَمَ الْعَفْوِ وَلِذَا حَكَمُوا بِتَعَيُّنِ الْعَذَابِ وَفِي قَاضِي خَانْ وَمِنْ هَذَا قَالُوا إنَّ خُصُومَةَ الدَّابَّةِ أَشَدُّ مِنْ خُصُومَةِ الْآدَمِيِّ عَلَى الْآدَمِيِّ انْتَهَى. فَيَلْزَمُ الِاهْتِمَامُ فَلَا يُقْتَلُ وَلَا يُضْرَبُ بِلَا عُذْرٍ وَمَعَ الْعُذْرِ لَا يُضْرَبُ وَجْهُهُ فَلَا يُحْمَلُ وَلَا يُرْكَبُ فَوْقَ طَاقَتِهِ وَلَا يُتْرَكُ عَلَفُهُ وَشُرْبُهُ وَلَا يُرْدَفُ بِلَا طَاقَتِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَيَوَانَ يَقْتَصُّ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ لِظَاهِرِ حَدِيثِ «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ تَنْطَحُهَا» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ إجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ عَقْلٌ وَلَا شَرْعٌ قَالُوا وَلَيْسَ شَرْطُ الْحَشْرِ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، وَأَمَّا الْقِصَاصُ لِلْجَلْحَاءِ فَلَيْسَ مِنْ قِصَاصِ التَّكْلِيفِ بَلْ قِصَاصُ مُقَابَلَةٍ انْتَهَى. فَانْظُرْ إذَا اقْتَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي حُقُوقِ بَعْضِ الْحَيَوَانِ لِبَعْضٍ مَعَ عَدَمِ التَّكْلِيفِ فِيهِ فَكَيْفَ يُهْمِلُ فِي حُقُوقِ الْحَيَوَانِ الَّذِي هُوَ إنْسَانٌ مَعَ كَوْنِهِ مُكَلَّفًا (وَكَذَا الذِّمِّيُّ) ، وَكَذَا الْمُسْتَأْمَنُ بَلْ الْحَرْبِيُّ عِنْدَ الصُّلْحِ (إنْ لَمْ يَسْتَحِلَّ) فَيَحِلُّ (فِي الدُّنْيَا) وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الِاسْتِحْلَالِ لَيْسَ بِمُفِيدٍ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ عَلَى مَعْنَى أَصْلِ الْفِعْلِ أَيْ إنْ لَمْ يَحِلَّ الذِّمِّيُّ فِي التَّتَارْخَانِيَّة. عَلَاقَةُ الْكَافِرِ أَشَدُّ مِنْ عَلَاقَةِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ أَنْ يُعْطَى ثَوَابَ الْمُسْلِمِ وَلَا وَجْهَ أَنْ يُوضَعَ عَلَى الْمُسْلِمِ وَبَالُ كُفْرِهِ فَيُعَاقَبُ عُقُوبَتَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ مَا نُقِلَ عَنْ قَاضِي خَانْ آنِفًا وَنُقِلَ عَنْ الْحَاشِيَةِ هُنَا اعْلَمْ أَنَّ الطَّرِيقَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ أَحَدُ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ: الْإِعْطَاءُ مِنْ حَسَنَاتِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ إنْ وُجِدَتْ وَإِلَّا أَوْ لَمْ تَفِ فَيُحْمَلُ إثْمُ مَنْ لَهُ الْحَقُّ عَلَيْهِ وَإِدْخَالُهُ فِي النَّارِ بَدَلَهُ أَوْ إعْطَاءُ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى تَفَضُّلًا وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِمَا لِعَدَمِ دُخُولِهِمَا الْجَنَّةَ فَلَا فَائِدَةَ لَهُمَا فِي إعْطَاءِ الْحَسَنَاتِ وَالدَّرَجَاتِ، وَعَدَمُ إمْكَانِ تَحَمُّلِ إثْمِهِمَا لِعَدَمِ الْإِثْمِ فِي الْحَيَوَانِ وَاقْتِضَاءِ إثْمِ الْكُفْرِ التَّأْبِيدَ فِي النَّارِ وَالْمُؤْمِنُ لَا يَتَأَبَّدُ فِيهَا وَلَيْسَ لِلْكَافِرِ سِوَى كُفْرِهِ
стр. 1043
إثْمٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ زِيدَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِالْفُرُوعِ.
أَقُولُ إنْ كَانَ الْمَقَامُ مَقَامَ الرِّوَايَةِ فَلَا مَجَالَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَإِنْ سُوِّغَ جَانِبُ الدِّرَايَةِ فَيَجُوزُ تَخْفِيفُ عَذَابِ الْكَافِرِ بِتَحَمُّلِ قُوَّةِ بَعْضِ وِزْرِهِ إلَى الْمُسْلِمِ مَثَلًا وَلَا شَكَّ فِي تَفَاوُتِ عَذَابِ الْكُفَّارِ بَلْ ذَلِكَ أَنْفَعُ لَهُ مِنْ تَعْذِيبِ الْمُسْلِمِ لِحَقِّهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْحَيَوَانِ مَرَاعِيَ عَلَى وَفْقِ اقْتِضَاءِ طَبِيعَتِهِ وَيَجْعَلَهَا فِي مُقَابَلَةِ حَقِّهِ وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ قُوَّةِ الرِّضَا عَنْهُ بِمُقَابَلَتِهَا وَبِمَا ذُكِرَ يَنْدَفِعُ مَا يَرِدُ أَنَّ الشَّهَادَةَ مَانِعَةٌ مِنْ دُخُولِ النَّارِ وَحُقُوقِ الْكَافِرِ وَالْحَيَوَانِ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ فَكَيْفَ حَالُ مَنْ جُمِعَ فِيهِ هَذَانِ الْأَمْرَانِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ - ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]- وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَ) مِنْ آفَاتِ الرِّجْلِ (إتْلَافُ مَالٍ بِهَا) الظَّاهِرُ وَلَوْ مَالَ نَفْسِهِ لِلسَّرَفِ (وَإِتْيَانُ الظَّلَمَةِ) لِأَنَّ الظُّلْمَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَأَفْصَحِهَا شَنَاعَةً وَهُوَ سَبَبٌ لِخَرَابِ الْعَالَمِ وَهَلَاكِ الْعِبَادِ وَالْمُلْكُ يَبْقَى مَعَ الْكُفْرِ وَلَا يَبْقَى مَعَ الظُّلْمِ وَلَا شَكَّ أَنَّ إتْيَانَ الظَّلَمَةِ مَيْلٌ لَهُمْ وَهُوَ حَرَامٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣]- الْآيَةَ قِيلَ لَفْظُ ظَالِمٍ فِي الْقُرْآنِ هُوَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ إلَّا هَذِهِ الْآيَةَ وَقَوْلُهُ - ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]- قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ لَا تَمِيلُوا أَدْنَى الْمَيْلِ كَالتَّزَيِّي بِزِيِّهِمْ وَتَعْظِيمِ ذِكْرِهِمْ فَمَا ظَنُّك بِالْإِتْيَانِ إلَيْهِمْ وَالصُّحْبَةِ مَعَهُمْ وَالْأُلْفَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ بِهِمْ (وَأُمَرَاءِ زَمَانِنَا) ، وَعَنْ سُفْيَانَ فِي جَهَنَّمَ وَادٍ لَا يَسْكُنُهُ إلَّا الْقُرَّاءُ الزَّائِرُونَ الْمُلُوكَ قِيلَ مَنْ دَعَا لِظَالِمٍ بِالْبَقَاءِ فَقَدْ أَحَبَّ أَنْ يُعْصَى اللَّهُ تَعَالَى فِي أَرْضِهِ كَمَا فِي تَبْيِينِ الْمَحَارِمِ عَنْ عُيُونِ التَّفَاسِيرِ وَفِيهِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَبْغَضُ الْقُرَّاءِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ يَزُورُونَ الْأُمَرَاءَ» ، وَفِي خَبَرٍ آخَرَ «خَيْرُ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ يَأْتُونَ الْعُلَمَاءَ وَشَرُّ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يَأْتُونَ الْأُمَرَاءَ» .
«الْعُلَمَاءُ أَمُنَاءُ الرُّسُلِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى مَا لَمْ يُخَالِطُوا السُّلْطَانَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ خَانُوا الرُّسُلَ فَاحْذَرُوهُمْ وَاعْتَزِلُوهُمْ» رَوَاهُ أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَالَ حُذَيْفَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إيَّاكُمْ وَمُوَافَقَةَ الْفِتَنِ قِيلَ وَمَا هِيَ قَالَ أَبْوَابُ الْأُمَرَاءِ يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ عَلَى الْأَمِيرِ فَيُصَدِّقُهُ بِالْكَذِبِ وَيَقُولُ مَا لَيْسَ فِيهِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ مَا مِنْ شَيْءٍ أَبْغَضُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ عَالِمٍ يَزُورُ عَامِلًا وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّ الرَّجُلَ لَيَدْخُلُ عَلَى السُّلْطَانِ وَمَعَهُ دِينُهُ وَيَخْرُجُ وَلَا دِينَ لَهُ. قِيلَ لَهُ لِمَ؟ قَالَ لِأَنَّهُ يُرْضِيهِ بِسَخَطِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ الْفُضَيْلُ مَا ازْدَادَ رَجُلٌ مِنْ ذَوِي سُلْطَانٍ قُرْبًا إلَّا ازْدَادَ مِنْ اللَّهِ بُعْدًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ إذَا رَأَيْتُمْ عَالِمًا يَخْتَلِفُ إلَى الْأُمَرَاءِ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ لِصٌّ، وَقَالَ مَكْحُولٌ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، ثُمَّ أَتَى بَابَ السُّلْطَانِ تَمَلُّقًا إلَيْهِ وَطَمَعًا بِمَا فِي يَدِهِ خَاضَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ بِعَدَدِ خُطَاهُ.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ دُخُولُك إلَى الْمُلُوكِ يَدْعُوك إلَى ثَلَاثٍ: إيثَارُك رِضَاهُمْ وَتَعْظِيمُك دُنْيَاهُمْ وَتَزْكِيَتُك عَمَلَهُمْ، فَإِنْ فَعَلْت هَؤُلَاءِ فَقَدْ هَلَكَتْ مِنْ الْإِحْيَاءِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الدَّاخِلَ عَلَى الْأُمَرَاءِ مُعَرَّضٌ لَأَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ تَعَالَى إمَّا بِفِعْلِهِ أَوْ سُكُوتِهِ أَوْ بِقَوْلِهِ أَوْ بِاعْتِقَادِهِ، وَقَدْ فُصِّلَ وَوَقَعَ لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى سُلْطَانٍ، ثُمَّ خَرَجَ عَنْهُ وَجَاءَ خَلْوَتَهُ وَدَخَلَ الْخَلَاءَ، وَفِي يَدِهِ شَمْعٌ فَارْتَفَعَ عَنْهُ شَرَارَةُ نَارٍ فَأَحْرَقَتْ لِحْيَتَهُ وَوَجْهَهُ فَخَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ مُسْرِعًا وَهُوَ يُنَادِي - ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]-.
(وَقُضَاتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ " مج " عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا أَنَّ «أُنَاسًا مِنْ أُمَّتِي سَيَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَقُولُونَ نَأْتِي الْأُمَرَاءَ فَنُصِيبُ مِنْ دُنْيَاهُمْ»
стр. 1044
بَعْضَ دُنْيَاهُمْ «وَنَعْتَزِلُهُمْ» بِقُلُوبِنَا «بُغْضًا» لِمَا فِيهِمْ مِنْ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ «وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ» أَيْ مُتَمَنَّاهُمْ يَعْنِي يَقُولُونَ نَأْتِي الْأُمَرَاءَ لَأَنْ نَأْخُذَ مِنْ دُنْيَاهُمْ قَدْرَ مَا يَدْفَعُ ضَرُورَتَنَا فِي مَعَاشِنَا وَلَا نُخَالِطُهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ بَلْ نَعْتَزِلُهُمْ وَنَتْرُكُهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْأَوْزَارِ فَأَخْبَرَ ﵊ أَنَّ مُتَمَنَّاهُمْ أَمْرٌ مُتَعَذِّرٌ، ثُمَّ أَوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ «كَمَا لَا يُجْتَنَى» فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ بِمَعْنَى الْجَمْعِ وَالْأَخْذِ «مِنْ الْقَتَادِ» وَفُسِّرَ بِالشَّجَرِ الْمُسَمَّى بِأُمِّ غَيْلَانَ، كَمَا يُقَالُ فِي الْمِثْلِ هَذَا أَصْعَبُ مِنْ خَرْطِ الْقَتَادِ «إلَّا الشَّوْكَ كَذَلِكَ» أَيْ كَعَدَمِ جَنْيِ غَيْرِ الشَّوْكِ مِنْ الْقَتَادِ «لَا يُجْتَنَى مِنْ قُرْبِهِمْ إلَّا» كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّيَّادِ يَعْنِي) يُرِيدُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمُسْتَثْنَى الْمَحْذُوفِ «الْخَطَايَا» وَكَانَ فِي حَذْفِهِ التَّهْوِيلُ أَوْ التَّعْمِيمُ حَاصِلُهُ فَلَا يُجْتَنَى مِنْ مُجَالَسَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ خَيْرٌ دِينِيٌّ لِغَلَبَةِ مَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ فَالْبُعْدُ عَنْهُمْ سَعْدٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ابْنُ الصِّيَاحِ بَدَلَ الصَّيَّادِ لَعَلَّهُ هُوَ الْأَنْسَبُ وَقَعَ فِي مَجْمُوعَةِ الشَّيْخِ الْوَالِدِ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِغُفْرَانِهِ بِخَطِّهِ كَانَ الْبَيْضَاوِيُّ ﵀ تَعَالَى مِنْ مَحَلَّةٍ بِشِيرَازَ مُسَمَّاةٍ بِالْبَيْضَاءِ، وَلَمَّا أَجَادَ فِي الْأَدَبِيَّةِ وَاسْتَفَادَ وَأَفَادَ فِي الْعَرَبِيَّةِ ارْتَحَلَ إلَى تَبْرِيزَ لِيُنَصَّبَ مَنْصِبَ الْقُضَاةِ فَلَمَّا طَالَتْ مُدَّةُ مُلَازَمَتِهِ اسْتَشْفَعَ مِنْ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الكحجاني فَقَالَ عِنْدَ إتْيَانِ السُّلْطَانِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ عَلَى عَادَتِهِ إنَّ هَذَا الرَّجُلَ عَالِمٌ فَاضِلٌ مُجْتَهِدٌ كَامِلٌ وَفَقِيرٌ حَقِيرٌ يُرِيدُ الِاشْتِرَاكَ مَعَ الْأَمِيرِ فِي السَّعِيرِ يَعْنِي يَطْلُبُ مِنْكُمْ مِقْدَارَ سَجَّادَةٍ فِي النَّارِ وَهُوَ مَجْلِسُ الْحُكْمِ قَالَ السُّلْطَانُ عَلَى رَأْسِي وَأَمَرَ الْكُتَّابَ فَكَتَبُوهُ وَسَلَّمُوهُ قَضَاءَ فَارِسَ وَالْعِرَاقِ فَلَمَّا ذَهَبَ مِنْ عِنْدِ السُّلْطَانِ تَأَثَّرَ وَبَكَى غَايَةَ الْبُكَاءِ بِتَأْثِيرِ كَلَامِ الْعَارِفِ وَتَرَكَ الْمَنَاصِبَ الْفَانِيَةَ وَاخْتَارَ الْمَنَاصِبَ الْعَالِيَةَ الْبَاقِيَةَ وَلَازَمَ الْخِدْمَةَ وَالْخَلْوَةَ وَالرِّيَاضَةَ التَّامَّةَ حَتَّى ذَاقَ مِنْ كَأْسِ الْعِشْقِ الْإِلَهِيِّ وَسَكِرَ مِنْ شُرْبِ الْوِصَالِ الْحَقِيقِيِّ وَصَنَّفَ تَفْسِيرَهُ بِإِشَارَةِ شَيْخِهِ وَمَاتَ خَلِيفَةً فِي سَجَّادَتِهِ وَدُفِنَ عِنْدَ قَدَمِ شَيْخِهِ (حَدّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (مَرْفُوعًا «مَنْ بَدَا» أَيْ سَكَنَ فِي الْبَادِيَةِ «جَفَا» صَارَ جَافِيًا قَاسِيَ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَاتِ وَمَجْلِسَ الْعُلَمَاءِ وَصُحْبَةَ الصُّلَحَاءِ «وَمَنْ تَبِعَ الصَّيْدَ» بِاعْتِيَادِهِ لَا سِيَّمَا لِلَّهْوِ «غَفَلَ» عَمَّا يَهُمُّهُ فِي أَمْرِ الدِّينِ بَلْ الدُّنْيَا «وَمَنْ أَتَى أَبْوَابَ السُّلْطَانِ» بِلَا ضَرُورَةٍ «اُفْتُتِنَ» يَقَعُ فِي الْفِتْنَةِ؛ لِأَنَّ الدَّاخِلَ عَلَيْهِمْ إمَّا أَنْ يَلْتَفِتَ إلَى تَجَمُّلِهِمْ فَيَزْدَرِي نِعْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ يُهْمِلَ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ مَعَ وُجُوبِهِ فَيَلْزَمَ عَلَيْهِ مَا يَلْزَمُ أَوْ يُنْكِرَ فَيَضِيقُ صُدُورُهُمْ بِإِظْهَارِ ظُلْمِهِمْ وَتَقْبِيحِ فِعْلِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ يَطْمَعَ فِي دُنْيَاهُمْ وَذَلِكَ هُوَ السُّحْتُ «وَمَا ازْدَادَ عَبْدٌ مِنْ السُّلْطَانِ قُرْبًا إلَّا ازْدَادَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بُعْدًا» فَعَلَى قَدْرِ قُرْبِ السُّلْطَانِ قَدْرُ بُعْدِ الْغُفْرَانِ لِعَدَمِ الْخَلَيَانِ عَنْ الْمَحْظُورَاتِ وَالطُّغْيَانِ (ت س عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «أُعِيذُك يَا كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ مِنْ أُمَرَاءَ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِي فَمَنْ غَشِيَ» أَيْ جَاءَ وَذَهَبَ «أَبْوَابَهُمْ فَصَدَّقَهُمْ فِي كَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ» وَلَوْ بِعَدَمِ الْإِنْكَارِ الْمَقْدُورِ وَالتَّحْسِينِ «فَلَيْسَ مِنِّي»
стр. 1045
مِنْ عَامِلِ شَرِيعَتِي وَالْمَهْدِيِّ بِهِدَايَتِي «وَلَسْت مِنْهُ وَلَا يَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ» بِدُونِ تَطَهُّرٍ مِنْهُ إمَّا بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِحْلَالِ فِي الدُّنْيَا أَوْ بِالْإِحْرَاقِ فِي الْعُقْبَى إذْ عَفْوُهُ تَعَالَى أَمْرٌ احْتِمَالِيٌّ «وَمَنْ غَشِيَ أَبْوَابَهُمْ أَوْ لَمْ يَغْشَ» أَيْ أَبْوَابَهُمْ «فَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ فِي كَذِبِهِمْ» يَشْمَلُ الْمَدْحَ بِغَيْرِ الْوَاقِعِ «وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ» بَلْ عَلَى دَفْعِ ظُلْمِهِمْ «فَهُوَ مِنِّي» مِنْ جَمَاعَتِي وَمِنْ النَّائِلِينَ لِشَفَاعَتِي «وَأَنَا» رَاضٍ «مِنْهُ وَسَيَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ» فَيَسْتَبْشِرُ بِالْمَوْتِ عَلَى الْإِيمَانِ إذْ لَا يَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ إلَّا الْمُؤْمِنُ (وَيُكْرَهُ الدُّخُولُ) تَنْزِيهًا (فِي الْمَوَاضِعِ الشَّرِيفَةِ كَالْمَسْجِدِ وَالدَّارِ) لِشَرَفِهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى نَحْوِ الْخَلَاءِ (بِالرِّجْلِ الْيُسْرَى وَ) فِي (الْمَوَاضِعِ الْخَسِيسَةِ كَالْخَلَاءِ وَالْحَمَّامِ بِ) الرِّجْلِ (الْيُمْنَى وَالسُّنَّةُ عَكْسُ هَذَا) أَيْ السُّنَّةُ فِي الْمَوَاضِعِ الْخَسِيسَةِ بِالرِّجْلِ الْيُسْرَى، وَفِي الْمَوَاضِعِ الشَّرِيفَةِ بِالرِّجْلِ الْيُمْنَى (وَالْخُرُوجُ عَكْسُ الدُّخُولِ) فَيَخْرُجُ مِنْ الشَّرِيفَةِ بِتَقْدِيمِ الْيُسْرَى، وَفِي الْخَسِيسَةِ بِتَقْدِيمِ الْيُمْنَى (وَلُبْسُ النَّعْلِ وَالْخُفِّ وَإِخْرَاجُهُمَا عَلَى هَذَا) الْأُسْلُوبِ (فَالرِّجْلُ كَالْيَدِ) فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ (، وَقَدْ ذَكَرْنَا) حُكْمَهَا فِي آفَاتِ الْيَدِ فَتَذَكَّرَ.
(وَ) مِنْ آفَاتِ الرِّجْلِ (الدُّخُولُ عَلَى الْأَهْلِ بَغْتَةً عِنْدَ الْقُدُومِ مِنْ السَّفَرِ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَأَمَّا الْقُدُومُ عَلَيْهَا مِنْ أَقَلِّ مُدَّتِهِ فَيَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ (خ م عَنْ «جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ إذَا جِئْت مِنْ سَفَرٍ» الظَّاهِرُ السَّفَرُ الشَّرْعِيُّ وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِتَعْلِيلِهِ وَمَنْ قَالَ طَوِيلًا أَوْ قَصِيرًا كَمَا تُؤْذِنُ بِهِ النَّكِرَةُ فِي سِيَاقٍ إلَخْ فَقَدْ سَهَا سَهْوَيْنِ ( «فَلَا تَدْخُلْ عَلَى أَهْلِك حَتَّى تَسْتَحِدَّ» أَيْ تَحْلِقَ الْعَانَةَ ( «الْمُغَيَّبَةُ» بِضَمِّ الْمِيمِ الْمَرْأَةُ الَّتِي غَابَ زَوْجُهَا «وَتَمْتَشِطَ» أَيْ تَسْتَعْمِلَ الْمُشْطَ بِشَعْرِ رَأْسِهَا ( «الشَّعِثَةُ» الْمُتَفَرِّقَةُ الشَّعْرَ ( «وَعَلَيْك بِالْكَيْسِ» بِفَتْحٍ وَسُكُونٍ طَلَبُ الْوَلَدِ بِالْجِمَاعِ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْكَيْسُ الْجِمَاعُ (وَفِي رِوَايَةٍ «إذَا أَطَالَ أَحَدُكُمْ الْغِيبَةَ فَلَا يَطْرُقَنَّ» أَيْ لَا يَأْتِيَنَّ «أَهْلَهُ لَيْلًا» بَلْ اللَّائِقُ أَنْ يَجِيءَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ نَهَارًا لِيَبْلُغَ خَبَرُ مَجِيئِهِ إلَى زَوْجَاتِهِ فَتَجْعَلْنَ عَلَى أَنْفُسِهِنَّ نَظَافَةً كَيْ لَا تَنْفِرَ طِبَاعُ أَزْوَاجِهِنَّ مِنْهُنَّ بِتَرْكِ التَّنْظِيفِ.
(وَ) يُكْرَهُ (تَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا لَمْ يَرَ فِي الصُّفُوفِ الْأُولَى فُرْجَةً) وَأَمَّا إذَا رَأَى ذَلِكَ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمْ لِعَدَمِ سَدِّهِمْ الْفُرْجَةَ الْمَأْمُورَ بِسَدِّهَا سَقَطَتْ حُرْمَتُهُمْ وَلِإِحْرَازِ فَضْلِ تِلْكَ الصُّفُوفِ وَلِزَجْرِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ تَرْكِ سُنَّةِ الصَّفِّ وَقِيلَ بِوُجُوبِ ذَلِكَ كَمَا فِي حَدِيثِ «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا لَاسْتَهَمُوا» ، وَفِي أَكْمَلِ الْمَشَارِقِ وَالْحَقُّ أَنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ هُوَ مَا يَلِي الْإِمَامَ سَوَاءٌ جَاءَ صَاحِبُهُ مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا وَسَوَاءٌ تَخَلَّلَهُ مَقْصُورَةٌ وَنَحْوُهَا أَوْ لَمْ يَتَخَلَّلْ وَرُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ» فَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ ذَهَبَ لِفَسَادِ صَلَاتِهِ
стр. 1046
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُعَدَّلِ الْمُصَنِّفِ (ت مج عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «مَنْ تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ» مَنْ تَجَاوَزَ رِقَابَهُمْ «يَوْمَ الْجُمُعَةِ» مِنْ قَبِيلِ الْإِخْرَاجِ مَخْرَجَ الْعَادَةِ لِكَثْرَتِهِ عَادَةً فِيهَا فَلَا يَحِلُّ الْقَرِيبُ مِنْهُ بَلْ يُقَالُ يُفْهَمُ السَّائِرُ بِالْمُقَايَسَةِ بَلْ بِالدَّلَالَةِ «اتَّخَذَ» بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ «جِسْرًا إلَى جَهَنَّمَ» اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ جِسْرًا يَمُرُّ عَلَيْهِ إلَى جَهَنَّمَ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَبِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ يُجْعَلُ جِسْرًا يَمُرُّ عَلَيْهِ مَنْ يُسَاقُ إلَى جَهَنَّمَ جَزَاءً لِكُلٍّ بِمِثْلِ عَمَلِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُجْعَلُ جِسْرًا عَلَى طَرِيقِ جَهَنَّمَ لِيُوطَأَ وَيُتَخَطَّى كَمَا تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، وَعَنْ الطِّيبِيِّ قَوْلُهُ إلَى جَهَنَّمِ صِفَةُ جِسْرًا أَيْ جِسْرًا مُمْتَدًّا إلَى جَهَنَّمَ وَالتَّخَطِّي حَرَامٌ تَارَةً وَمَكْرُوهٌ أُخْرَى وَتَفْصِيلُهُ فِي الْفِقْهِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ غَرِيبٌ فِيهِ رُشْدُ بْنُ أَبِي سَعْدٍ ضَعَّفُوهُ كَمَا فِي الْفَيْضِ، وَعَنْ النِّصَابِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لَأَنْ أَشْرَبَ قَدَحًا مِنْ النَّارِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَشْرَبَ قَدَحًا مِنْ خَمْرٍ وَلَأَنْ أَشْرَبَ قَدَحًا مِنْ خَمْرٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَتْرُكَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ وَلَأَنْ أَتْرُكَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ.
(وَأَمَّا الْمَعَاصِي الْعَدَمِيَّةُ) مِنْ الرِّجْلِ (فَالْقُعُودُ عَنْ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ وَالتَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ) سِيَّمَا وَقْتُ انْحِصَارِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَ) عَنْ (الْحَجِّ وَالْجِهَادِ الْفَرْضَيْنِ) يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّعَلُّمِ مَا يَكُونُ وَاجِبًا كَالْأَوَّلَيْنِ (وَ) عَنْ (الدَّعْوَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مُنْكَرٌ فَإِنَّ الْإِجَابَةَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ الْبَعْضِ، سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عِنْدَ الْبَعْضِ " خ م " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ» أَيْ وَلِيمَةُ الْعُرْسِ؛ لِأَنَّهَا الْمَعْهُودَةُ. سَمَّاهُ شَرًّا عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ فِيهَا فَإِنَّهُمْ يَدْعُونَ الْأَغْنِيَاءَ وَيَدَعُونَ الْفُقَرَاءَ كَمَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ «يُدْعَى إلَيْهَا الْأَغْنِيَاءُ» تَفَاخُرًا بِهِمْ أَوْ نَيْلًا لِمَا عِنْدَهُمْ «وَيُتْرَكُ الْمَسَاكِينُ» ، وَفِي الْجَامِعِ يَمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا وَيُدْعَى إلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا «وَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي وُجُوبِ الْإِجَابَةِ وَمَنْ تَأَوَّلَهُ بِتَرْكِ النَّدْبِ فَقَدْ أَبْعَدَ وَظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّ الْإِجَابَةَ إلَى الْوَلِيمَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْأَغْنِيَاءِ وَاجِبَةٌ وَحَاصِلُ مَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَقَوْلِ الطِّيبِيِّ الْإِجَابَةُ وَاجِبَةٌ إلَّا إذَا خَصَّ الْأَغْنِيَاءَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إلَّا إذَا خَصُّوا الْجِوَارَ أَوْ لِاجْتِمَاعِ حِرْفَةٍ وَالْحَاصِلُ فَمَا جَعَلُوا لِلرِّيَاءِ فَلَا يُجِيبُ وَمَا لِلتَّوَاصُلِ وَالتَّحَابُبِ فَيُجِيبُ، وَلَا وُجُوبَ فِي غَيْرِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ مُطْلَقًا انْتَهَى.
(م د عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا «إذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ» وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْأَمْرِ الْإِيجَابُ لَكِنْ مَا ذُكِرَ آنِفًا يَقْتَضِي النَّدْبَ وَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ يَحْتَمِلُهُمَا (وَفِي رِوَايَةِ م «إذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ إلَى كُرَاعِ» يَدِ الشَّاةِ «فَأَجِيبُوا» قِيلَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ لِحَدِيثِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذَا فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ عُذْرٌ أَوْ كَانَ الطَّرِيقُ بَعِيدًا يَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ فَلَا بَأْسَ بِالتَّخَلُّفِ
стр. 1047
عَنْ الْإِجَابَة كَمَا فِي الْمَبَارِقِ (خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ» أَيْ الْحُقُوقُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ مُلَاءَمَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وُجُوبُ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ أَوْ نَدْبٍ «رَدُّ السَّلَامِ» وَاجِبٌ عَيْنًا إنْ وَاحِدًا، أَوْ كِفَايَةً إنْ جَمَاعَةً قِيلَ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ مَعْنَاهُ الْأَمَانُ فَإِذَا ابْتَدَأَ بِهِ أَخَاهُ فَلَمْ يُجِبْهُ تَوَهَّمَ مِنْهُ الشَّرَّ فَوَجَبَ دَفْعُ ذَلِكَ التَّوَهُّمِ بِالرَّدِّ «وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ» الْمُسْلِمِ فَوَاجِبَةٌ عَيْنًا حَيْثُ لَا مُتَعَهِّدَ لَهُ وَإِلَّا فَكِفَايَةٌ أَوْ مَنْدُوبَةٌ «وَاتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ» فَرْضُ كِفَايَةٍ كَرَدِّ السَّلَامِ «وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ» إنْ وَلِيمَةَ عُرْسٍ وَجَبَتْ أَوْ لِغَيْرِهَا أَوْ لِنَحْوِ إعَانَةٍ نُدِبَتْ كَمَا عَرَفْت آنِفًا وَلَكِنَّ صَنِيعَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مُطْلَقَ الْإِجَابَةِ لِمُطْلَقِ الدَّعْوَةِ إمَّا وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَهَذِهِ هِيَ مَحَلُّ الِاسْتِشْهَادِ «وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ» أَيْ الدُّعَاءُ لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ إذَا حَمِدَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ يَجُوزُ عَطْفُ السُّنَّةِ عَلَى الْوَاجِبِ إنْ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ كَذَا فِي الْفَيْضِ لَعَلَّ هَذَا الِاعْتِذَارَ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ عِنْدَ اقْتِضَاءِ الِاقْتِرَانِ فِي النَّظْمِ الِاقْتِرَانَ فِي الْحُكْمِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَلَا يُحْتَاجُ عِنْدَنَا.
قَالَ الْبَغَوِيّ وَهَذِهِ كُلُّهَا يَسْتَوِي فِيهَا جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ بَرُّهُمْ وَفَاجِرُهُمْ
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَلَيْك بِرِعَايَةِ هَذِهِ الْحُقُوقِ وَغَيْرِهَا بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَقُلْ هَذَا ذُو سُلْطَانٍ وَجَاهٍ وَمَالٍ وَهَذَا فَقِيرٌ وَحَقِيرٌ وَلَا تُحَقِّرْ صَغِيرًا وَاجْعَلْ الْإِسْلَامَ كَالشَّخْصِ الْوَاحِدِ وَالْمُسْلِمِينَ كَالْأَعْضَاءِ لِذَلِكَ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَا وُجُودَ لَهُ بِدُونِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا وُجُودَ لَهُ إلَّا بِالْأَعْضَاءِ وَجَمِيعِ قُوَاهُ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ.
(تَتِمَّةٌ)
قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ إذَا رَاعَيْت حَقَّ الْمُسْلِمِ لِلَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ يُؤْتِيك أَجْرَك مَرَّتَيْنِ مِنْ حَيْثُ مَا أَدَّيْت مِنْ حَقِّهِ وَمِنْ حَيْثُ مَا أَدَّيْت حَقَّ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْك حَقُّهُ مِنْ خَلْقِهِ (د عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا «مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ» مِنْ أَهْلِهِ «دَخَلَ سَارِقًا وَخَرَجَ مُغِيرًا» مِنْ الْإِغَارَةِ مِنْ الْمُقْتَدَى بِهِ أَوَّلًا، وَفِي الْجَامِعِ عَلَى تَخْرِيجِ مُسْلِمٍ بِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَيْضًا «مَنْ دُعِيَ إلَى عُرْسٍ أَوْ نَحْوِهِ كَخِتَانٍ وَعَقِيقَةٍ فَلْيُجِبْ» قَالَ شَارِحُهُ وُجُوبًا فِي الْعُرْسِ وَنَدْبًا فِي غَيْرِهِ وَوُجُوبًا مُطْلَقًا عِنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحْبِ وَالتَّابِعِينَ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ دُعِيَ إلَى طَعَامٍ فَقَالَ رَجُلٌ اعْفِنِي فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ إنَّهُ لَا عَافِيَةَ لَك مِنْ هَذَا فَقُمْ.
وَجَزَمَ بِاخْتِصَاصِ الْوُجُوبِ بِوَلِيمَةِ النِّكَاحِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَبَالَغَ السَّرَخْسِيُّ مِنْهُمْ فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ وَفِي الْجَامِعِ أَيْضًا عَلَى تَخْرِيجِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ إذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ» ؛ لِأَنَّ عَدَمَ السَّلَامِ احْتِقَارٌ لِمَا خَلَقَهُ اللَّهُ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ وَعَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْجَرَائِمِ وَالذُّنُوبِ الْعَظَائِمِ، وَإِذَا دَعَاك فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَك فَانْصَحْ لَهُ بِلَا تَقْصِيرٍ فِي الْإِرْشَادِ وَبَذْلِ الْجَهْدِ لَكِنْ لَا يُشِيرُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشَارَ وَلَا يَتَبَرَّعْ بِالرَّأْيِ فَيَكُونَ رَأْيُهُ مُتَّهَمًا أَوْ مَطْرُوحًا، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ وُجُوبًا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَرْضُ عَيْنٍ، «وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ» وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا، «وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ» ، وَإِنْ صَحِبْته إلَى الدَّفْنِ كَانَ أَوْلَى.
(تَنْبِيهٌ)
مَفْهُومُ الْعَدَدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ فَذِكْرُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا قَبْلَهُ لَا يَنْفِي الزَّائِدَ فَقَدْ ذَكَرُوا لَهُ حُقُوقًا أُخْرَى مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيُّ بِسَنَدِهِ إلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا كَمَا فِي رَوْضِ الْأَفْكَارِ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ ثَلَاثُونَ حَقًّا لَا بَرَاءَةَ لَهُ مِنْهَا إلَّا بِالْأَدَاءِ أَوْ الْعَفْوِ: يَغْفِرُ زَلَّتَهُ، وَيَرْحَمُ عَبْرَتَهُ، وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَيُقِيلُ عَثْرَتَهُ، وَيَقْبَلُ مَعْذِرَتَهُ، وَيَرُدُّ غَيْبَتَهُ، وَيُدِيمُ نَصِيحَتَهُ، وَيَحْفَظُ خُلَّتَهُ، وَيَرْعَى ذِمَّتَهُ، وَيُجَدِّدُ مَوَدَّتَهُ، وَيَشْهَدُ مَيِّتَهُ، وَيُجِيبُ دَعْوَتَهُ، وَيَقْبَلُ هَدِيَّتَهُ، وَيُكَافِئُ صِلَتَهُ، وَيَشْكُرُ نِعْمَتَهُ، وَيُحْسِنُ نُصْرَتَهُ، وَيَحْفَظُ حَلِيلَتَهُ، وَيَقْضِي حَاجَتَهُ، وَيَشْفَعُ مَسْأَلَتَهُ، وَيُطَيِّبُ كَلَامَهُ، وَيُسَيِّرُ أَنْعَامَهُ، وَيُصَدِّقُ أَقْسَامَهُ، وَيَنْصُرُهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، وَيُوَالِيهِ وَلَا يُعَادِيهِ، وَيُحِبُّ لَهُ مِنْ الْخَيْرِ مَا يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهُ لَهُ مِنْ الشَّرِّ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ انْتَهَى.
(وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ ثَمَّةَ) مَوْضِعَ الْوَلِيمَةِ (لَعِبًا أَوْ غِنَاءً) غَيْرَ مَشْرُوعٍ (أَوْ نَحْوَهُمَا مِنْ الْمُنْكَرَاتِ لَا يَجُوزُ الذَّهَابُ مُطْلَقًا) مُقْتَدًى بِهِ أَوْ لَا، عَلَى الْمَائِدَةِ أَوْ لَا، مَرْئِيًّا أَوْ لَا
стр. 1048
(وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَوَجَدَ ثَمَّةَ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَغْيِيرِهِ وَكَانَ مُقْتَدًى بِهِ يَجِبُ أَنْ يَخْرُجَ وَلَا يَقْعُدَ مُطْلَقًا أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَدِيًا بِهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَائِدَةِ أَوْ عَلَى مَرْأًى مِنْهُ لَا يَقْعُدُ وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ بِالْقُعُودِ وَالْأَكْلِ) ، وَقَدْ فُصِّلَ قَبْلُ.
(وَإِنْ كَانَ الدَّاعِي فَاسِقًا مُعْلِنًا يَجُوزُ أَنْ لَا يُجِيبَهُ) وَبِالْجُمْلَةِ إذَا كَانَ الدَّاعِي فَاسِقًا مُعْلِنًا أَوْ أَهْلَ رِبًا أَوْ أُمَرَاءَ زَمَانِنَا أَوْ قُضَاتِهِ وَلَمْ يُوجَدْ مُنْكَرٌ تَسْقُطُ سُنِّيَّةُ الْإِجَابَةِ بَلْ يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ (ثُمَّ الْإِجَابَةُ تَتَحَقَّقُ بِالدُّخُولِ وَالْقُعُودِ فَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَأْكُلَ لَوْ كَانَ غَيْرَ صَائِمٍ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ) وَلَوْ كَانَ صَائِمًا، فَإِنْ نَفْلًا وَكَانَتْ قَبْلَ الظُّهْرِ فَالْأَفْضَلُ الْأَكْلُ وَإِلَّا فَلَا، وَعَنْ الْمِنَحِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ وَالصَّحِيحُ إنْ كَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ رَاضِيًا بِمُجَرَّدِ الْحُضُورِ بِلَا أَكْلٍ وَلَا يَتَأَذَّى لَا يُفْطِرُ، وَعَنْ الْحَلْوَانِيِّ وَأَحْسَنُ مَا فِي الْبَابِ إنْ وَثِقَ بِالضِّيَافَةِ يُفْطِرُ دَفْعًا لِلْأَذَى عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَعَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَيُبَاحُ الْفِطْرُ بِعُذْرِ الضِّيَافَةِ وَإِدْخَالُ السُّرُورِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَجِبْ أَخَاك وَاقْضِ يَوْمًا مَكَانَهُ» ، وَعَنْ النَّظْمِ الْأَفْضَلُ أَنْ يُفْطِرَ وَلَا يَقُولَ أَنَا صَائِمٌ لِئَلَّا يَقِفَ عَلَى سِرِّهِ أَحَدٌ، وَفِي الدُّرَرِ وَالضِّيَافَةُ عُذْرٌ يَعْنِي عَلَى الْأَظْهَرِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعُذْرٍ وَهَذَا الْحُكْمُ يَشْمَلُ الْمُضِيفَ وَالضَّيْفَ.
(وَالْقُعُودُ عَنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ) عِنْدَ شُرُوطِهِمَا (وَ) عَنْ (إعَانَةِ الْمَظْلُومِ وَالسَّعْيِ فِي حَاجَةِ الْعَاجِزِ) لَعَلَّك سَمِعْت قَبْلُ أَنَّ الْحَسَنَ أَمَرَ ثَابِتًا بِالْمَشْيِ فِي حَاجَةٍ فَقَالَ أَنَا مُعْتَكِفٌ فَقَالَ يَا أَعْمَشُ أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ مَشْيَك فِي حَاجَةِ أَخِيك خَيْرٌ لَك مِنْ حِجَّةٍ بَعْدَ حِجَّةٍ وَأُخِذَ مِنْهُ وَمِمَّا قَبْلَهُ أَنْ يَتَأَكَّدَ لِلشَّيْخِ السَّعْيُ فِي مَصَالِحِ طَلَبَتِهِ وَمُسَاعَدَتُهُمْ بِجَاهِهِ وَمَالِهِ عِنْدَ قُدْرَتِهِ كَذَا فِي الْفَيْضِ عِنْدَ حَدِيثِ «مَنْ قَضَى لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ حَاجَةً كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ كَمَنْ خَدَمَ اللَّهَ عُمْرَهُ» (وَعَنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَدَفْنِهِ، وَإِنْقَاذِ إنْسَانٍ) مِنْ كَافِرٍ أَوْ ظَالِمٍ أَوْ سَبُعٍ أَوْ مَهْلَكَةٍ مِنْ نَحْوِ مَاءٍ أَوْ نَارٍ أَوْ رِيحٍ (أَوْ مَالٍ بِصَدَدِ الْهَلَاكِ بِالسُّقُوطِ أَوْ الْغَرَقِ أَوْ الْحَرْقِ أَوْ نَحْوِهَا لِلْقَادِرِ) قَيْدٌ لِلْجَمِيعِ (مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ مُتَعَيِّنٍ) صِفَةٌ لِلْقَادِرِ وَالتَّعَيُّنُ يَحْصُلُ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ (إمَّا لِعَدَمِ غَيْرِهِ أَوْ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ) أَيْ التَّغَيُّرِ (أَوْ لِإِهْمَالِهِ) مَعَ الْقُدْرَةِ (وَعَدَمِ مُبَالَاتِهِ لِدِينِهِ) فَإِنَّ هَؤُلَاءِ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ فَلَا يَسْقُطُ الْوُجُوبُ عَنْهُ بِوُجُودِهِمْ (وَأَمَّا الْمَشْيُ لِصِلَةِ الرَّحِمِ وَالْعِيَادَةِ وَالزِّيَارَةِ وَالتَّهْنِئَةِ وَالتَّعْزِيَةِ فَمِنْ السُّنَنِ الْمُسْتَحَبَّةِ) فَإِنَّ وُجُوبَ صِلَةِ الرَّحِمِ يَحْصُلُ بِغَيْرِ الْمَشْيِ كَالسَّلَامِ وَالْمَكْتُوبِ وَالْهَدِيَّةِ (وَمِنْهَا قُعُودُ الْأَجِيرِ عَنْ خِدْمَةِ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمَمْلُوكِ عَنْ خِدْمَةِ الْمَالِكِ وَالزَّوْجَةِ
стр. 1049
عَنْ خِدْمَةِ دَاخِلِ الْبَيْتِ وَالْوَلَدِ عَنْ خِدْمَةِ الْوَالِدِ وَ) كَذَا (الرَّعِيَّةِ عَمَّا أَمَرَ الْوَالِي مِمَّا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ) إذْ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ (إلَّا بِعُذْرٍ) .
[الصِّنْفُ التَّاسِعُ مِنْ التِّسْعَةِ فِي آفَاتِ الْبَدَنِ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِعُضْوٍ]
(الصِّنْفُ التَّاسِعُ) مِنْ التِّسْعَةِ (فِي آفَاتِ الْبَدَنِ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِعُضْوٍ مُعَيَّنٍ مِمَّا ذُكِرَ) مِنْ الْأَعْضَاءِ الثَّمَانِيَةِ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْأُذُنِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَالْبَطْنِ وَالْفَرْجِ وَالْعَيْنِ (وَهَذِهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا مِنْهَا الرَّقْصُ) سَوَاءٌ فِي الذِّكْرِ وَالْقُرْآنِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ (وَهُوَ الْحَرَكَةُ الْمَوْزُونَةُ وَالِاضْطِرَابُ) عَطْفٌ عَلَى الرَّقْصِ (وَهُوَ غَيْرُ الْمَوْزُونَةِ فَكُلُّ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّقْصِ وَالِاضْطِرَابِ (مَنْ لَعِبَ غَيْرُ مُسْتَثْنًى) مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كُلُّ لَعِبٍ حَرَامٌ إلَّا الرَّمْيَ وَالْمُسَابَقَةَ وَالْمُلَاعَبَةَ لِأَهْلِهِ» (يَدْخُلُ فِيهِمَا) أَيْ النَّوْعَيْنِ (مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ فِي زَمَانِنَا) بِلَا وَجْدٍ حَقِيقِيٍّ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَرْتَفِعُ التَّكْلِيفُ لِعَدَمِ الِاخْتِيَارِ فَإِنَّهُ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا.
(بَلْ هُوَ أَشَدُّ مِنْ كُلِّ مَا عَدَاهُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُمْ) أَيْ بَعْضُ صُوفِيَّةِ الْعَصْرِ (يَفْعَلُونَهُ عَلَى اعْتِقَادِ الْعِبَادَةِ) إمَّا بِتَصْرِيحِهِمْ أَوْ بِالْقَرَائِنِ الْقَطْعِيَّةِ مِنْهُمْ فَلَا يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ سُوءِ الظَّنِّ (فَيُخَافُ عَلَيْهِمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ) وَهُوَ الْكُفْرُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَصَرِيحُ الْكُفْرِ عِنْدَ غَيْرِهِ كَشَيْخِ الْإِسْلَامِ الْكِيلَانِيِّ وَالْبَزَّازِيِّ وَابْنِ كَمَالٍ بَاشَا كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْكَارُ الْإِجْمَاعِ كَمَا سَيَأْتِي، وَعَنْ بَعْضِ الْمُؤَلِّفِينَ كَالشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ الْحَلَبِيِّ قَالَ لَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ مَنْ أَنْكَرْت عَلَيْهِ الرَّقْصَ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَمَا غَابَ عَنِّي لَا يُنْكِرُونَ عَلَى شَارِبِ الْخَمْرِ وَيُنْكِرُونَ عَلَيْنَا، وَقَدْ كَانَ هَذَا أَشَدَّ مِنْ ذَاكَ؛ لِأَنَّ شَارِبَهَا يَعْتَقِدُ حُرْمَتَهَا فَرُبَّمَا يَسْتَغْفِرُ وَيَتُوبُ وَفَاعِلُ ذَاكَ يَعْتَقِدُ كَوْنَهُ عِبَادَةً فَلَا يَسْتَغْفِرُ بَلْ يَتَبَاهَى وَيَرْجُو مِنْ الْخَلْقِ الْمَنْزِلَةَ وَالتَّعْظِيمَ وَهَذَا مَا يُذْكَرُ عَنْ إبْلِيسَ أَنَّهُ قَالَ قَصَمْت ظُهُورَ بَنِي آدَمَ بِالْمَعَاصِي فَقَصَمُوا ظَهْرِي بِالِاسْتِغْفَارِ انْتَهَى.
يَعْنِي لَهُمْ آفَتَانِ اعْتِقَادُ الْحَرَامِ حَلَالًا وَعَدَمُ التَّوْبَةِ، ثُمَّ أَرَادَ الْمُصَنِّفُ بَيَانَ حُرْمَةِ الرَّقْصِ فِي الْمَذَاهِبِ فَقَالَ (قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عَقِيلٍ) قِيلَ هُوَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ دَلِيلٌ عَلَى حُرْمَتِهِ عِنْدَهُ وَقِيلَ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (قَدْ نَصَّ الْقُرْآنُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الرَّقْصِ فَقَالَ ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧]
стр. 1050
أَيْ ذَا مَرَحٍ وَهُوَ الِاخْتِيَالُ - ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ﴾ [الإسراء: ٣٧]- لَنْ تَجْعَلَ فِيهَا خَرْقًا لِشِدَّةِ وَطْأَتِك - ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا﴾ [الإسراء: ٣٧]- بِتَطَاوُلِك وَهُوَ تَهَكُّمٌ بِالْمُخْتَالِ وَتَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ بِأَنَّ الِاخْتِيَالَ حَمَاقَةٌ مُجَرَّدَةٌ (وَذَمِّ الْمُخْتَالِ) حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨] (وَالرَّقْصُ أَشَدُّ الْمَرَحِ وَالْبَطَرِ) كَأَنَّهُ يَقُولُ الرَّقْصُ مَرَحٌ وَالْمَرَحُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ أَوْ يُقَالُ الرَّقْصُ بَطَرٌ وَالْبَطِرُ مُخْتَالٌ وَالْمُخْتَالُ لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعَالَى لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ الْمَرَحِ هُوَ التَّكَبُّرُ ابْتِدَاءً أَوْ التَّحَرُّكُ لِأَجْلِ الْكِبْرِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ - ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ﴾ [الإسراء: ٣٧]- الْآيَةَ، وَالْمُخْتَالُ مُتَبَادِرٌ فِي التَّكَبُّرِ كَيْفَ وَلَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْ الِاحْتِمَالِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَلَا حُجَّةَ مَعَ الِاحْتِمَالِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ كَوْنِ الْمَطْلُوبِ حَرَامًا قَطْعِيًّا وَبِالْجُمْلَةِ إنْ كَانَ ذَلِكَ حَاصِلَ أَثَرٍ فَلَا كَلَامَ فِيهِ وَإِلَّا فَلَا يَخْلُو عَنْ الْكَلَامِ.
(وَقَالَ الطُّرْطُوشِيُّ) مِنْ الْمَالِكِيَّةِ (حِينَ سُئِلَ عَنْ مَذْهَبِ الصُّوفِيَّةِ أَمَّا الرَّقْصُ وَالتَّوَاجُدُ) إظْهَارُ الْوَجْدِ مَعَ عَدَمِهِ (فَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ أَصْحَابُ السَّامِرِيِّ) مَنْسُوبٌ إلَى قَبِيلَةٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهَا السَّامِرَةُ وَاسْمُهُ مُوسَى بْنُ ظُفْرٍ وَكَانَ مُنَافِقًا (لَمَّا اتَّخَذَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا) أَيْ اتَّخَذَ السَّامِرِيُّ لِبَنِي إسْرَائِيلَ عِنْدَ ذَهَابِ مُوسَى إلَى مِيعَادِ رَبِّهِ عِجْلًا جَسَدًا مِنْ ذَهَبٍ كَالْعِجْلِ رُوِيَ أَنَّ السَّامِرِيَّ لَمَّا صَاغَ الْعِجْلَ أَلْقَى فِي فَمِ الْعِجْلِ تُرَابًا مِنْ أَثَرِ فَرَسِ جَبْرَائِيلَ ﵊، وَقَدْ كَانَ أَخَذَهُ عِنْدَ فَلَقِ الْبَحْرِ أَوْ عِنْدَ تَوَجُّهِهِ إلَى الطُّورِ فَصَارَ حَيًّا وَقِيلَ صَاغَهُ بِنَوْعٍ مِنْ الْحِيَلِ فَيُدْخِلُ الرِّيحَ فِي جَوْفِهِ فَيُصَوِّتُ (لَهُ خُوَارٌ) صَوْتٌ كَصَوْتِ الْبَقَرِ (قَامُوا) أَيْ أَصْحَابُ السَّامِرِيِّ (يَرْقُصُونَ عَلَيْهِ) فَرَحًا بِهِ (وَيَتَوَاجَدُونَ فَهُوَ) أَيْ الرَّقْصُ (دِينُ الْكُفَّارِ وَعُبَّادِ الْعِجْلِ وَقَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى حُرْمَةِ الرَّقْصِ عَلَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ.
(الرَّقْصُ فِي السَّمَاعِ) أَيْ فِي حَالَةِ سَمَاعِ الْأَشْعَارِ أَوْ الْأَذْكَارِ أَوْ نَحْوِهِ، وَأَمَّا نَفْسُ السَّمَاعِ فَكَمَا سَمِعْت فِي التَّغَنِّي قَالَ فِي الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ اعْلَمْ أَنَّ سَمَاعَ الْأَشْعَارِ بِالْأَلْحَانِ وَالنَّغْمَةِ الْمُسْتَلَذَّةِ إذَا لَمْ يَعْتَقِدْ الْمُسْتَمِعُ مَحْظُورًا وَلَمْ يَسْمَعْ عَلَى مَذْمُومٍ فِي الشَّرْعِ وَلَمْ يَنْجَرَّ عَلَى مَذْمُومِ هَوَاهُ وَلَمْ يَنْخَرِطْ فِي سِلْكِ لَهْوٍ مُبَاحٌ فِي الْجُمْلَةِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْأَشْعَارَ أُنْشِدَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّهُ سَمِعَهَا وَلَمْ يُنْكِرْ، ثُمَّ مَا يُوجِبُ لِلْمُسْتَمِعِ تَوْفِيرَ الرَّغْبَةِ عَلَى الطَّاعَاتِ وَتَذَكُّرَ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ مِنْ الدَّرَجَاتِ وَيَحْمِلُهُ عَلَى التَّحَرُّزِ مِنْ الزَّلَّاتِ وَيُؤَدِّي إلَى قَلْبِهِ فِي الْحَالِ صَفَاءَ الْوَارِدَاتِ مُسْتَحَبٌّ فِي الدِّينِ وَمُخْتَارٌ فِي الشَّرْعِ، وَقَدْ جَرَى عَلَى لَفْظِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا هُوَ قَرِيبٌ مِنْ الشِّعْرِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ؛ لِأَنَّ الْأَنْصَارَ حِينَ كَانُوا يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ يَقُولُونَ
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا ... عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدًا
فَأَجَابَهُمْ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ ... فَأَكْرِمْ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ
وَعَنْ الشِّبْلِيِّ السَّمَاعُ ظَاهِرُهُ فِتْنَةٌ وَبَاطِنُهُ عِبْرَةٌ (لَا يَجُوزُ) بَلْ يَحْرُمُ (وَفِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ وَقَالَ الْإِمَامُ الْبَزَّازِيُّ فِي فَتَاوَاهُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ إنَّ هَذَا الْغِنَاءَ وَضَرْبَ الْقَضِيبِ) أَيْ الْعُودِ عَلَى وَتِيرَةٍ مَخْصُوصَةٍ (وَالرَّقْصَ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ) أَيْ كِتَابِ الْقُرْطُبِيِّ (وَسَيِّدُ الطَّائِفَةِ) الصُّوفِيَّةِ (أَحْمَدُ النَّسَوِيُّ) يُقَالُ هُوَ دَاغِسْتَانِيٌّ
стр. 1051
مَعْرُوفٌ بِالْوِلَايَةِ وَمَشْهُورٌ بِالْكَرَامَاتِ مُعَاصِرٌ لِحَضْرَةِ الْخَوَاجَةِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْفَجْدَوَانِيِّ حَكَوْا مُلَاطَفَةً غَرِيبَةً بَيْنَهُمَا (صَرَّحَ بِحُرْمَتِهِ) أَيْ الرَّقْصِ (وَرَأَيْت فَتْوَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ جَلَالِ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ الْكِيلَانِيِّ أَنَّ مُسْتَحِلَّ هَذَا الرَّقْصِ كَافِرٌ) هَذِهِ فَتْوَاهُ وَوَجَّهَهُ بِقَوْلِهِ (وَلَمَّا عُلِمَ أَنَّ حُرْمَتَهُ بِالْإِجْمَاعِ لَزِمَ أَنْ يَكْفُرَ مُسْتَحِلُّهُ) أَقُولُ هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ إذَا كَانَ إنْكَارُ كُلِّ إجْمَاعٍ كُفْرًا أَوْ عُلِمَ هَذَا الْإِجْمَاعُ مِنْ الْإِجْمَاعِ الَّذِي يَكُونُ إنْكَارُهُ كُفْرًا إذْ قُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ أَنَّ بَعْضَ الْإِجْمَاعِ ظَنِّيٌّ كَالْإِجْمَاعِ الَّذِي سَبَقَ فِيهِ خِلَافٌ أَوْ نُقِلَ إلَيْنَا بِغَيْرِ تَوَاتُرٍ، فَإِنْكَارُهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ اتِّفَاقًا وَبَعْضُ الْإِجْمَاعِ قَطْعِيٌّ كَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَنُقِلَ إلَيْنَا تَوَاتُرًا، فَإِنْكَارُهُ كُفْرٌ عِنْدَنَا وَلَيْسَ بِكُفْرٍ عِنْدَ بَعْضٍ، وَكُفْرٌ إنْ مِنْ الضَّرُورَاتِ الدِّينِيَّةِ وَمُحْتَمِلٌ لِلْكُفْرِ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الضَّرُورَاتِ الدِّينِيَّةِ.
(وَلِلشَّيْخِ الزَّمَخْشَرِيِّ فِي كَشَّافِهِ كَلِمَاتٌ فِيهِمْ) فِي حَقِّهِمْ قِيلَ مِنْهَا فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]- (يَقُومُ بِهَا) أَيْ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ (عَلَيْهِمْ الطَّامَّةُ) أَيْ الدَّاهِيَةُ الْعَظِيمَةُ قِيلَ هِيَ قَوْلُهُ فَمَنْ ادَّعَى مَحَبَّتَهُ وَخَالَفَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ فَهُوَ كَذَّابٌ وَكِتَابُ اللَّهِ يُكَذِّبُهُ، وَإِذَا رَأَيْت مَنْ يَذْكُرُ مَحَبَّةَ اللَّهِ وَيُصَفِّقُ بِيَدَيْهِ مَعَ ذِكْرِهَا وَيَطْرَبُ وَيَنْعَرُ وَيُصْعَقُ فَلَا تَشُكَّ فِي أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَا اللَّهُ وَلَا يَدْرِي مَا مَحَبَّةُ اللَّهِ وَمَا تَصْفِيقُهُ وَطَرَبُهُ وَنَعْرَتُهُ وَصَعْقَتُهُ إلَّا أَنَّهُ تَصَوَّرَ فِي نَفْسِهِ الْخَبِيثَةِ صُورَةً مُسْتَمْلَحَةً مُعَشَّقَةً فَسَمَّاهَا اللَّهَ تَعَالَى بِجَهْلِهِ وَعَادَتِهِ، ثُمَّ صَفَّقَ وَطَرِبَ وَنَعَرَ وَصَعِقَ عَلَى تَصَوُّرِهَا، ثُمَّ إنَّ الِاحْتِجَاجَ بِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَطَالِبِ لَا يَخْلُو عَنْ خَفَاءٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَيْسَ بِإِثْبَاتٍ اسْتِقْلَالِيٍّ وَابْتِدَائِيٍّ بَلْ لِتَأْيِيدِ مَا ثَبَتَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ لِإِقْنَاعِ الْخُصُومِ لَا لِتَحْقِيقِ الْمَقَامِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ أَعْرَفُ لِمَعَانِي الْقُرْآنِ وَيُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَعْنًى لِلْقُرْآنِ أَوْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِتَرْوِيجِ مَذْهَبِهِ فَيُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ.
(وَلِصَاحِبِ النِّهَايَةِ وَالْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ أَيْضًا أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ) تَشْنِيعًا وَتَقْبِيحًا (انْتَهَى) كَلَامُ الْبَزَّازِيِّ، وَعَنْ مُنِيرَةَ ابْنِ الْكَمَالِ عَنْ جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى السَّمَاعُ وَالرَّقْصُ الَّذِي تَفْعَلُهُ الصُّوفِيَّةُ فِي زَمَانِنَا حَرَامٌ وَلَا يَجُوزُ
стр. 1052
الْجُلُوسُ مَعَهُمْ فِي مَجْلِسِهِمْ وَالرَّقْصُ وَالْغِنَاءُ وَالْمَزَامِيرُ فِي الْحُرْمَةِ سَوَاءٌ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة سُئِلَ الْحَلْوَانِيُّ
стр. 1053
عَمَّنْ سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ بِالصُّوفِيَّةِ فَاخْتَصُّوا بِنَوْعٍ لَبِسُوهُ وَاشْتَغَلُوا بِاللَّهْوِ وَالرَّقْصِ وَادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ مَنْزِلَةً فَقَدْ افْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا.
وَفِي النِّصَابِ هَلْ يَجُوزُ الرَّقْصُ فِي السَّمَاعِ؟ الْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَعَنْ الذَّخِيرَةِ وَمَنْ أَبَاحَهُ مِنْ الْمَشَايِخِ فَذَلِكَ الَّذِي حَرَكَاتُهُ كَحَرَكَاتِ الْمُرْتَعِشِ أَيْ مَا يَكُونُ بِلَا اخْتِيَارٍ وَنُقِلَ عَنْ حَاوِي الْمُنْيَةِ الرَّقْصُ وَضَرْبُ الرِّجْلِ عَلَى الْأَرْضِ وَالْمَشْيُ فِي الذِّكْرِ وَالدَّوَرَانُ كُفْرٌ انْتَهَى لَعَلَّ مُرَادَهُ اسْتِحْلَالُهُ وَاعْتِقَادُ كَوْنِهِ عِبَادَةً، وَعَنْ السُّهْرَوَرْدِيّ وَهُوَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّقَايَا يَقُولُ تَطُوفُ الشَّيَاطِينُ عُرَاةً بِأَطْرَافِ قَوْمٍ يَشْتَغِلُونَ بِالسَّمَاعِ وَالرَّقْصِ وَيَلْعَبُونَ بَيْنَهُمْ وَيَنْفُخُونَ فِي فِيهِمْ فَيَتَوَاجَدُونَ، وَعَنْ الْإِمَامِ الرَّازِيّ أَنَّهُمْ يَرْقُصُونَ رَقْصَ الْفُجَّارِ وَيَنْهَقُونَ كَالْحِمَارِ وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ عَلَى طَرِيقِ الْأَبْرَارِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ مِنْ الْكُفَّارِ، وَعَنْ الْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي مَوْضِعٍ رُقِصَ فِيهِ حَتَّى يَطْهُرَ أَوْ يُخْرَجَ تُرَابُهُ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ عَلَى الْإِمَامِ مَنْعُهُمْ، وَعَنْ الْمَالِكِيِّ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ حَضَرَ بِمَجْلِسِهِمْ لِفِسْقِهِمْ، وَعَنْ الْحَنْبَلِيِّ مَنْ يَحْضُرُ مَجْلِسَهُمْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ كَمَا نُقِلَ عَنْ كِتَابِ الِاعْتِنَاءِ لِعَلِيٍّ الْقَارِي وَذَكَرَ بَعْضُ شُرَّاحِ الرِّسَالَةِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ كَلَامًا جَامِعًا لِمَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فَقَالَ قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ الْحَصِيرُ الَّذِي رَقَصُوا عَلَيْهِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى يُغْسَلَ وَقَالَتْ الْمَالِكِيَّةُ مَنْ حَضَرَ هَذَا السَّمَاعَ الْمَعْهُودَ يَصِيرُ فَاسِقًا، وَإِنْ اعْتَقَدَ حِلَّهُ صَارَ مُرْتَدًّا وَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ يَجِبُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ رَدْعُهُمْ وَقَالَتْ الْحَنَابِلَةُ إنَّ الشَّاهِدَ إذَا حَضَرَ مَعَهُمْ سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ وَمِثْلُهُ فِي تَبْيِينِ الْمَحَارِمِ وَنُقِلَ عَنْ ابْن الْحَاجِّ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ عَمِلَ فَتْوًى وَمَشَى بِهَا عَلَى الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَلَفْظُهُ مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْفُقَهَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَعُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَرَدُوا عَلَى بَلَدٍ فَقَصَدُوا الْمَسْجِدَ وَشَرَعُوا يُصَفِّقُونَ وَيَرْقُصُونَ فَهَلْ يَجُوزُ فِي الْمَسَاجِدِ شَرْعًا أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ يَرْحَمْكُمْ اللَّهُ فَقَالَ قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ الْغِنَاءُ لَهْوٌ بَاطِلٌ أَيْ يُشْبِهُ الْبَاطِلَ مَنْ قَالَ بِهِ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَقَالَتْ الْمَالِكِيَّةُ يَجِبُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ زَجْرُهُمْ وَرَدْعُهُمْ وَإِخْرَاجُهُمْ مِنْ الْمَسَاجِدِ وَحَبْسُهُمْ حَتَّى يَتُوبُوا وَيَرْجِعُوا، وَقَالَتْ الْحَنَابِلَةُ لَا يُصَلَّى خَلْفَهُ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا حُكْمُهُ، وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ الْحَصِيرُ الَّتِي يُرْقَصُ عَلَيْهَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا حَتَّى تُغْسَلَ وَالْأَرْضُ الَّتِي يُرْقَصُ عَلَيْهَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا حَتَّى يُحْفَرَ تُرَابُهَا وَيُرْمَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى (قُلْت مَنْ لَهُ إنْصَافٌ) دُونَ تَعَصُّبٍ وَجِدَالٍ (وَدِيَانَةٌ وَاسْتِقَامَةُ طَبْعٍ) فِي فَهْمِ مُقَدِّمَاتِ الْبَرَاهِينِ الْمُنْتِجَةِ لِهَذَا الْمَطْلَبِ وَتَرْتِيبِهَا وَاسْتِلْزَامِهَا لِمَطَالِبِهَا فَيَنْدَفِعُ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ كَوْنُ الْمَطْلُوبِ وُجْدَانِيًّا بَلْ إقْنَاعِيًّا وَالْمَقَامُ تَحْقِيقِيٌّ بُرْهَانِيٌّ كَيْفَ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ يَقْتَضِي إلْزَامَ الْمُخَالِفِ طَوْعًا وَكَرْهًا فَافْهَمْ (إذَا رَأَى رَقْصَ صُوفِيَّةِ زَمَانِنَا فِي الْمَسَاجِدِ وَالدَّعَوَاتِ بِأَلْحَانٍ وَنَغَمَاتٍ) بَعْضِ (صُوفِيَّةِ زَمَانِنَا) أَيْ فِي دِيَارِنَا عِيَانًا، وَفِي الدِّيَارِ الْأُخَرِ سَمْعًا بِالشُّهْرَةِ بَلْ بِالتَّوَاتُرِ أَوْ بِأَخْبَارِ ثِقَةِ الْآحَادِ فَيَنْدَفِعُ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ سُوءُ ظَنٍّ بِالْمُسْلِمِ، وَالْكُلُّ مَأْمُورٌ بِحُسْنِ الظَّنِّ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ حَالَ كُلِّ صُوفِيَّةِ الزَّمَانِ (فِي الْمَسَاجِدِ وَالدَّعَوَاتِ) الْأَوْلَى لِلسِّبَاقِ وَالسِّيَاقِ وَالْمُطَابَقَةِ بِالشُّيُوعِ وَالْأَغْلَبُ أَنْ يُقَالَ الْأَذْكَارُ بَدَلَ الدَّعَوَاتِ نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يَتَجَوَّزَ بِالذِّكْرِ أَوْ يُرَادَ عُمُومُ الْمَجَازِ (بِأَلْحَانٍ وَنَغَمَاتٍ) جَمْعُ نَغْمَةٍ أَيْ جَرْسِ الْكَلَامِ (مُخْتَلِطًا بِهِمْ الْمُرْدُ) جَمْعُ أَمْرَدَ (وَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ وَالْعُرْيِ) مِنْ الْفَسَقَةِ (مِنْ جُهَّالِ الْعَوَامّ وَالْمُبْتَدِعَةِ الطَّغَامِ) جَمْعُ طَغَامَةٍ بِالْفَتْحِ بِمَعْنَى ضَعِيفِ الرَّأْيِ وَقِيلَ بِمَعْنَى الْأَرْذَلِ (لَا يَعْرِفُونَ الطَّهَارَةَ وَالْقُرْآنَ وَالْحَلَالَ وَالْحَرَامَ بَلْ لَا يَعْرِفُونَ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ لَهُمْ زَعِيقٌ) أَيْ صَيْحَةٌ (وَزَئِيرٌ) صَوْتُ الْأَسَدِ أَوْ صَوْتُ الْحَمِيرِ (وَنُهَاقٌ) بِالضَّمِّ أَيْ صَوْتٌ كَصَوْتِ الْحِمَارِ (يُشْبِهُ نُهَاقَ الْحَمِيرِ يُبَدِّلُونَ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى) يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ بِالْأَلْحَانِ
стр. 1054
الْفَاسِدَةِ وَالنَّغَمَاتِ الْكَاسِدَةِ (وَيُغَيِّرُونَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى) بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فِي جَوَاهِرِ الْكَلِمَاتِ وَأَدَائِهَا (ثُمَّ يَتَلَفَّظُونَ بِأَلْفَاظٍ مُهْمَلَةٍ) لَا مَعْنَى لَهَا وَضْعًا وَاسْتِعْمَالًا بِلُغَةٍ مِنْ اللُّغَاتِ (وَهَذَيَانَاتٍ كَرِيهَةٍ مِثْلَ هاي وهوي وَهِيَ وهيا يَقُولُ) ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ (لَا مَحَالَةَ) أَلْبَتَّةَ بِلَا شَكٍّ وَلَا تَرَدُّدٍ (إنَّ هَؤُلَاءِ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) لِذَلِكَ الْمُصَنِّفِ (مُمَارَسَةٌ بِالْفِقْهِ وَ) مَعَهُ (عِلْمٌ تَفْصِيلِيٌّ بِحَالِهِمْ) لِأَنَّ الْأَمْرَ بَيِّنٌ لِكُلِّ عَامٍّ وَخَاصٍّ قِيلَ عَنْ الشَّارِحِ الْكُرْدِيِّ إيرَادًا عَلَى الْمُصَنِّفِ أَمَّا قَوْلُهُ هاي وهوي إلَى آخِرِهِ فَإِنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ يَتَرَاءَى مِنْ شِدَّةِ الذِّكْرِ وَسُرْعَةِ التَّلَفُّظِ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَشَايِخَ الصُّوفِيَّةَ صَرَّحُوا فِي كُتُبِهِمْ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى فَرَدَّ عَلَيْهِ إنْ أُرِيدَ مِنْ الْمَشَايِخِ جَهَلَةُ الْمُتَشَيِّخَةِ وَمُتَشَقْشِقَةُ الصُّوفِيَّةِ فَلَا اعْتِدَادَ بِقَوْلِهِمْ بَلْ كَثِيرًا مَا أُلْحِقَ فِي خِلَافِهِمْ، وَإِنْ أُرِيدَ الصُّوفِيَّةُ الْمُتَسَنِّنَةُ وَالْمُتَوَرِّعَةُ الْمُتَشَرِّعَةُ فَافْتِرَاءٌ مَحْضٌ لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ نَقْلٍ صَحِيحٍ مِنْ مُعْتَمَدَاتِ كُتُبِهِمْ وَأَنَا أَقُولُ وَلَوْ سَلِمَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُمْ لَا يَكُونُ حُجَّةً بَلْ الْحُجَّةُ إنَّمَا هِيَ أَقْوَالُ فُقَهَائِنَا الْمُخْتَارَةِ وَالْمُفْتَى بِهَا لَا كُلُّهَا؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ أَحْكَامِ الشَّرْعِ إنَّمَا هِيَ مِنْهُمْ لَا مِنْ غَيْرِهِمْ ثُمَّ أَوْرَدَ أَيْضًا عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّ جَعْلَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ عَوَامًّا أَوْ جُهَّالًا إلَى آخِرِهِ غَايَةٌ فِي الضَّلَالَةِ وَشَبِيهٌ بِفِعْلِ الْكُفَّارِ فِي تَحْقِيرِهِمْ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَفِي تَسْلِيطِ سُفَهَائِهِمْ عَلَيْهِمْ وَلِهَذَا يُحْكَى عَنْهُ سُوءُ الْخَاتِمَةِ وَحُقَّ لَهُ ذَلِكَ بِمِثْلِ هَذَا الِاسْتِخْفَافِ وَالِاسْتِحْقَارِ بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْعُبَّادِ وَالزُّهَّادِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَيْضًا بِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ بَعْضِ الظَّنِّ وَالْحُكْمِ بِالْغَيْبِ ضَلَالٌ عَنْ سَوَاءِ الصِّرَاطِ وَجَوَابُهُ ظَاهِرٌ بِالْمُرَاجَعَةِ فِيمَا ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي فِي الْبِدَعِ انْتَهَى إجْمَالًا.
وَأَنَا أَقُولُ إنَّ طَعْنَ الْمُصَنِّفِ إنَّمَا هُوَ بِالْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ مِنْ أَقْوَالِ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الَّتِي هِيَ الْأَدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ لِلْمُقَلِّدِ فَيَكُونُ كَلَامًا عَلَى مُقْتَضَى الشَّرْعِ الْقَوِيمِ وَنَهْجِ الدِّينِ الْمُبِينِ لَا سِيَّمَا الْإِجْمَاعُ مِنْ أَهْلِ الْيَقِينِ فَالْحَمْلُ عَلَى الضَّلَالَةِ وَالتَّشْبِيهُ بِالْكُفْرِ وَالْغَوَايَةِ لَيْسَ شَيْئًا غَيْرَ الْكُفْرِ بَلْ زَنْدَقَةٌ لَا تُوجِبُ إلَّا الْقَتْلَ بَلْ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إنْ تَابَ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَفْعَالِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا (فَالْوَيْلُ) أَيْ الْعَذَابُ الشَّدِيدُ (لِلْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ) وَسَائِرِ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الدَّفْعِ وَالْإِهْدَامِ (حَيْثُ يَعْرِفُونَ هَذَا وَيُشَاهِدُونَ وَلَا يُنْكِرُونَ
стр. 1055
وَلَا يُغَيِّرُونَ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِمْ) مَعَ أَنَّ التَّغْيِيرَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ حِينَ الْقُدْرَةِ (بَلْ يَخَافُونَ مِنْهُمْ) مِنْ إنْكَارِهِمْ وَدُعَائِهِمْ عَلَيْهِمْ لِاعْتِقَادِهِمْ مِنْهُمْ الْكَرَامَةُ وَالْوِلَايَةُ وَهُمْ أَوْلِيَاءُ الشَّيْطَانِ وَأَعْدَاءُ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ (وَ) لِذَلِكَ (يَلْتَمِسُونَ الدُّعَاءَ) مِنْهُمْ فَضْلًا عَنْ الزَّجْرِ وَالْإِنْكَارِ بَلْ يُرِيدُونَ تَقَرُّبَهُمْ بِالْعَطَايَا وَالْهَدَايَا وَالزِّيَارَاتِ وَقَضَاءِ الْحَوَائِجِ وَالْإِحْسَانِ بِأَنْوَاعِ الْكَرَامَاتِ وَقَدْ نُقِلَ أَيْضًا عَنْ الطُّرْطُوشِيِّ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ وَنُوَّابِهِ إخْرَاجُهُمْ مِنْ الْمَسَاجِدِ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَحْضُرَهُمْ وَيُعِينَهُمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَحِينَ اسْتَفْتَى مِنْ شَيْخِ الْأَخْلَافِ جوي زاده أَفْتَى أَنَّ الرَّقْصَ وَالدَّوَرَانَ حَرَامٌ فِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَحُرْمَتُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ بِالِاتِّفَاقِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الشَّارِحَ الصَّالِحَ اسْتَدَلَّ عَلَى إبَاحَةِ الرَّقْصِ بِوُجُوهٍ اعْتِرَاضًا عَلَى الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] فَإِنَّ مَعْنَاهُ عَلَى مَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَالرَّقْصُ مِنْ جُمْلَةِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ أَقُولُ أَوَّلًا لَسْنَا مَأْمُورِينَ بِاتِّبَاعِ الْمُفَسِّرِينَ بَلْ مَأْمُورِينَ بِاتِّبَاعِ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ عَرَفْت أَقْوَالَهُمْ وَثَانِيًا كُلُّ الْحَالِ لَوْ أُرِيدَ عَلَى إطْلَاقِهِ يَشْمَلُ حَالَ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَالْهَذَيَانَاتِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِكُفْرِهِ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] الْآيَةَ فَإِنَّ دَوَرَانَ الصُّوفِيَّةِ وَرَقْصَهُمْ شَبِيهٌ بِالْمَلَائِكَةِ الْحَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ وَالْحُجَّاجِ الطَّائِفِينَ بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ أَقُولُ إنَّهُ قِيَاسُ شَاهِدٍ عَلَى غَائِبٍ، وَرَأْيٌ فِي مُقَابَلَةِ نَصٍّ قَطْعِيٍّ كَمَا عَرَفْت وَإِنَّ الِاحْتِجَاجَ بِالنُّصُوصِ سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْخَفِيِّ وَالْمُجْتَهَدِ فِيهِ إنَّمَا هُوَ لِلْمُجْتَهِدِينَ وَأَنَّ مَدَارَ الْقِيَاسِ عَلَى الْعِلَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ وَلَيْسَ هُنَا شَيْءٌ يَصْلُحُ لِذَلِكَ بَلْ تَعَبُّدِيٌّ مَحْضٌ وَأَنَّ دَوَرَانَ الْمَلَائِكَةِ لَوْ سَلِمَ انْفِهَامُهُ مِنْ تِلْكَ الْآيَةِ وَدَوَرَانَ الْحُجَّاجِ خَارِجٌ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِعْلَ الْحُجَّاجِ عِبَادَةٌ مَخْصُوصَةٌ بِمَكَانٍ مَخْصُوصٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ عِبَادَةً فِي غَيْرِهِ. أَلَا يُرَى أَنَّ مَنْ طَافَ حَوْلَ الْمَسْجِدِ يَنْوِي بِهِ الْكَعْبَةَ يُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرَ انْتَهَى وَأَنَا أَقُولُ لَوْلَا خَشْيَةُ تَفْصِيلِ الْبَاطِلِ بِلَا ضَرُورَةٍ لَحَكَيْت بَاقِيَ أَبَاطِيلِهِ مَعَ بَيَانِ وَجْهِ بُطْلَانِهِ (نَعَمْ) هَذَا دَفْعُ وَهْمٍ نَاشِئٍ مِمَّا سَبَقَ (الذِّكْرُ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جَنُوبِهِمْ جَائِزٌ إذَا كَانَ بِأَدَبٍ وَسُكُونِ أَعْضَاءٍ بِلَا لَحْنٍ وَلَا تَغَنٍّ) ، وَأَمَّا الْجَهْرُ بِالذِّكْرِ فَمَنَعَهُ بَعْضٌ وَجَوَّزَهُ آخَرُونَ لَكِنَّ حَاصِلَ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ تَرْجِيحُ جَانِبِ الْجَوَازِ وَتَأْوِيلُ جَانِبِ الْمُخَالِفِ مِنْ الْأَثَرِ، وَأَقْوَالُ الْفُقَهَاءِ وَحَاصِلُ رِسَالَةِ أَبِي السُّعُودِ هُوَ التَّجْوِيزُ وَالتَّفْضِيلُ مُطْلَقًا وَقَدْ بَسَطْنَا أَدِلَّةَ الطَّرَفَيْنِ بِالتَّوْفِيقِ وَالتَّرْجِيحِ فِي رِسَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ بِجَوَازِ الْجَهْرِ.
(وَأَمَّا تَحْرِيكُ الرَّأْسِ فَقَطْ يَمْنَةً وَيَسْرَةً تَحْقِيقًا لِمَعْنَى النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَالظَّنُّ الْغَالِبُ جَوَازُهُ بَلْ اسْتِحْبَابُهُ إذَا كَانَ مَعَ النِّيَّةِ الْخَالِصَةِ الصَّالِحَةِ فَيَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْعَبَثِ وَاللَّعِبِ) ؛ لِأَنَّ الْعَبَثَ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَالتَّحْقِيقُ الْمَذْكُورُ مِنْ أَعْظَمِ الْفَوَائِدِ (فَيَكُونُ) ذَلِكَ التَّحْرِيكُ
следующие страницы →