← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21654

بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية

محمد الخادمي

Полный текст (1 189 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

مَعْرُوفٌ بِالْوِلَايَةِ وَمَشْهُورٌ بِالْكَرَامَاتِ مُعَاصِرٌ لِحَضْرَةِ الْخَوَاجَةِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْفَجْدَوَانِيِّ حَكَوْا مُلَاطَفَةً غَرِيبَةً بَيْنَهُمَا (صَرَّحَ بِحُرْمَتِهِ) أَيْ الرَّقْصِ (وَرَأَيْت فَتْوَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ جَلَالِ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ الْكِيلَانِيِّ أَنَّ مُسْتَحِلَّ هَذَا الرَّقْصِ كَافِرٌ) هَذِهِ فَتْوَاهُ وَوَجَّهَهُ بِقَوْلِهِ (وَلَمَّا عُلِمَ أَنَّ حُرْمَتَهُ بِالْإِجْمَاعِ لَزِمَ أَنْ يَكْفُرَ مُسْتَحِلُّهُ) أَقُولُ هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ إذَا كَانَ إنْكَارُ كُلِّ إجْمَاعٍ كُفْرًا أَوْ عُلِمَ هَذَا الْإِجْمَاعُ مِنْ الْإِجْمَاعِ الَّذِي يَكُونُ إنْكَارُهُ كُفْرًا إذْ قُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ أَنَّ بَعْضَ الْإِجْمَاعِ ظَنِّيٌّ كَالْإِجْمَاعِ الَّذِي سَبَقَ فِيهِ خِلَافٌ أَوْ نُقِلَ إلَيْنَا بِغَيْرِ تَوَاتُرٍ، فَإِنْكَارُهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ اتِّفَاقًا وَبَعْضُ الْإِجْمَاعِ قَطْعِيٌّ كَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَنُقِلَ إلَيْنَا تَوَاتُرًا، فَإِنْكَارُهُ كُفْرٌ عِنْدَنَا وَلَيْسَ بِكُفْرٍ عِنْدَ بَعْضٍ، وَكُفْرٌ إنْ مِنْ الضَّرُورَاتِ الدِّينِيَّةِ وَمُحْتَمِلٌ لِلْكُفْرِ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الضَّرُورَاتِ الدِّينِيَّةِ. (وَلِلشَّيْخِ الزَّمَخْشَرِيِّ فِي كَشَّافِهِ كَلِمَاتٌ فِيهِمْ) فِي حَقِّهِمْ قِيلَ مِنْهَا فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]- (يَقُومُ بِهَا) أَيْ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ (عَلَيْهِمْ الطَّامَّةُ) أَيْ الدَّاهِيَةُ الْعَظِيمَةُ قِيلَ هِيَ قَوْلُهُ فَمَنْ ادَّعَى مَحَبَّتَهُ وَخَالَفَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ فَهُوَ كَذَّابٌ وَكِتَابُ اللَّهِ يُكَذِّبُهُ، وَإِذَا رَأَيْت مَنْ يَذْكُرُ مَحَبَّةَ اللَّهِ وَيُصَفِّقُ بِيَدَيْهِ مَعَ ذِكْرِهَا وَيَطْرَبُ وَيَنْعَرُ وَيُصْعَقُ فَلَا تَشُكَّ فِي أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَا اللَّهُ وَلَا يَدْرِي مَا مَحَبَّةُ اللَّهِ وَمَا تَصْفِيقُهُ وَطَرَبُهُ وَنَعْرَتُهُ وَصَعْقَتُهُ إلَّا أَنَّهُ تَصَوَّرَ فِي نَفْسِهِ الْخَبِيثَةِ صُورَةً مُسْتَمْلَحَةً مُعَشَّقَةً فَسَمَّاهَا اللَّهَ تَعَالَى بِجَهْلِهِ وَعَادَتِهِ، ثُمَّ صَفَّقَ وَطَرِبَ وَنَعَرَ وَصَعِقَ عَلَى تَصَوُّرِهَا، ثُمَّ إنَّ الِاحْتِجَاجَ بِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَطَالِبِ لَا يَخْلُو عَنْ خَفَاءٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَيْسَ بِإِثْبَاتٍ اسْتِقْلَالِيٍّ وَابْتِدَائِيٍّ بَلْ لِتَأْيِيدِ مَا ثَبَتَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ لِإِقْنَاعِ الْخُصُومِ لَا لِتَحْقِيقِ الْمَقَامِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ أَعْرَفُ لِمَعَانِي الْقُرْآنِ وَيُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَعْنًى لِلْقُرْآنِ أَوْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِتَرْوِيجِ مَذْهَبِهِ فَيُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ. (وَلِصَاحِبِ النِّهَايَةِ وَالْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ أَيْضًا أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ) تَشْنِيعًا وَتَقْبِيحًا (انْتَهَى) كَلَامُ الْبَزَّازِيِّ، وَعَنْ مُنِيرَةَ ابْنِ الْكَمَالِ عَنْ جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى السَّمَاعُ وَالرَّقْصُ الَّذِي تَفْعَلُهُ الصُّوفِيَّةُ فِي زَمَانِنَا حَرَامٌ وَلَا يَجُوزُ

стр. 1052

الْجُلُوسُ مَعَهُمْ فِي مَجْلِسِهِمْ وَالرَّقْصُ وَالْغِنَاءُ وَالْمَزَامِيرُ فِي الْحُرْمَةِ سَوَاءٌ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة سُئِلَ الْحَلْوَانِيُّ

стр. 1053

عَمَّنْ سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ بِالصُّوفِيَّةِ فَاخْتَصُّوا بِنَوْعٍ لَبِسُوهُ وَاشْتَغَلُوا بِاللَّهْوِ وَالرَّقْصِ وَادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ مَنْزِلَةً فَقَدْ افْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا. وَفِي النِّصَابِ هَلْ يَجُوزُ الرَّقْصُ فِي السَّمَاعِ؟ الْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَعَنْ الذَّخِيرَةِ وَمَنْ أَبَاحَهُ مِنْ الْمَشَايِخِ فَذَلِكَ الَّذِي حَرَكَاتُهُ كَحَرَكَاتِ الْمُرْتَعِشِ أَيْ مَا يَكُونُ بِلَا اخْتِيَارٍ وَنُقِلَ عَنْ حَاوِي الْمُنْيَةِ الرَّقْصُ وَضَرْبُ الرِّجْلِ عَلَى الْأَرْضِ وَالْمَشْيُ فِي الذِّكْرِ وَالدَّوَرَانُ كُفْرٌ انْتَهَى لَعَلَّ مُرَادَهُ اسْتِحْلَالُهُ وَاعْتِقَادُ كَوْنِهِ عِبَادَةً، وَعَنْ السُّهْرَوَرْدِيّ وَهُوَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّقَايَا يَقُولُ تَطُوفُ الشَّيَاطِينُ عُرَاةً بِأَطْرَافِ قَوْمٍ يَشْتَغِلُونَ بِالسَّمَاعِ وَالرَّقْصِ وَيَلْعَبُونَ بَيْنَهُمْ وَيَنْفُخُونَ فِي فِيهِمْ فَيَتَوَاجَدُونَ، وَعَنْ الْإِمَامِ الرَّازِيّ أَنَّهُمْ يَرْقُصُونَ رَقْصَ الْفُجَّارِ وَيَنْهَقُونَ كَالْحِمَارِ وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ عَلَى طَرِيقِ الْأَبْرَارِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ مِنْ الْكُفَّارِ، وَعَنْ الْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي مَوْضِعٍ رُقِصَ فِيهِ حَتَّى يَطْهُرَ أَوْ يُخْرَجَ تُرَابُهُ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ عَلَى الْإِمَامِ مَنْعُهُمْ، وَعَنْ الْمَالِكِيِّ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ حَضَرَ بِمَجْلِسِهِمْ لِفِسْقِهِمْ، وَعَنْ الْحَنْبَلِيِّ مَنْ يَحْضُرُ مَجْلِسَهُمْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ كَمَا نُقِلَ عَنْ كِتَابِ الِاعْتِنَاءِ لِعَلِيٍّ الْقَارِي وَذَكَرَ بَعْضُ شُرَّاحِ الرِّسَالَةِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ كَلَامًا جَامِعًا لِمَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فَقَالَ قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ الْحَصِيرُ الَّذِي رَقَصُوا عَلَيْهِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى يُغْسَلَ وَقَالَتْ الْمَالِكِيَّةُ مَنْ حَضَرَ هَذَا السَّمَاعَ الْمَعْهُودَ يَصِيرُ فَاسِقًا، وَإِنْ اعْتَقَدَ حِلَّهُ صَارَ مُرْتَدًّا وَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ يَجِبُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ رَدْعُهُمْ وَقَالَتْ الْحَنَابِلَةُ إنَّ الشَّاهِدَ إذَا حَضَرَ مَعَهُمْ سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ وَمِثْلُهُ فِي تَبْيِينِ الْمَحَارِمِ وَنُقِلَ عَنْ ابْن الْحَاجِّ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ عَمِلَ فَتْوًى وَمَشَى بِهَا عَلَى الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَلَفْظُهُ مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْفُقَهَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَعُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَرَدُوا عَلَى بَلَدٍ فَقَصَدُوا الْمَسْجِدَ وَشَرَعُوا يُصَفِّقُونَ وَيَرْقُصُونَ فَهَلْ يَجُوزُ فِي الْمَسَاجِدِ شَرْعًا أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ يَرْحَمْكُمْ اللَّهُ فَقَالَ قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ الْغِنَاءُ لَهْوٌ بَاطِلٌ أَيْ يُشْبِهُ الْبَاطِلَ مَنْ قَالَ بِهِ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَقَالَتْ الْمَالِكِيَّةُ يَجِبُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ زَجْرُهُمْ وَرَدْعُهُمْ وَإِخْرَاجُهُمْ مِنْ الْمَسَاجِدِ وَحَبْسُهُمْ حَتَّى يَتُوبُوا وَيَرْجِعُوا، وَقَالَتْ الْحَنَابِلَةُ لَا يُصَلَّى خَلْفَهُ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا حُكْمُهُ، وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ الْحَصِيرُ الَّتِي يُرْقَصُ عَلَيْهَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا حَتَّى تُغْسَلَ وَالْأَرْضُ الَّتِي يُرْقَصُ عَلَيْهَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا حَتَّى يُحْفَرَ تُرَابُهَا وَيُرْمَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى (قُلْت مَنْ لَهُ إنْصَافٌ) دُونَ تَعَصُّبٍ وَجِدَالٍ (وَدِيَانَةٌ وَاسْتِقَامَةُ طَبْعٍ) فِي فَهْمِ مُقَدِّمَاتِ الْبَرَاهِينِ الْمُنْتِجَةِ لِهَذَا الْمَطْلَبِ وَتَرْتِيبِهَا وَاسْتِلْزَامِهَا لِمَطَالِبِهَا فَيَنْدَفِعُ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ كَوْنُ الْمَطْلُوبِ وُجْدَانِيًّا بَلْ إقْنَاعِيًّا وَالْمَقَامُ تَحْقِيقِيٌّ بُرْهَانِيٌّ كَيْفَ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ يَقْتَضِي إلْزَامَ الْمُخَالِفِ طَوْعًا وَكَرْهًا فَافْهَمْ (إذَا رَأَى رَقْصَ صُوفِيَّةِ زَمَانِنَا فِي الْمَسَاجِدِ وَالدَّعَوَاتِ بِأَلْحَانٍ وَنَغَمَاتٍ) بَعْضِ (صُوفِيَّةِ زَمَانِنَا) أَيْ فِي دِيَارِنَا عِيَانًا، وَفِي الدِّيَارِ الْأُخَرِ سَمْعًا بِالشُّهْرَةِ بَلْ بِالتَّوَاتُرِ أَوْ بِأَخْبَارِ ثِقَةِ الْآحَادِ فَيَنْدَفِعُ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ سُوءُ ظَنٍّ بِالْمُسْلِمِ، وَالْكُلُّ مَأْمُورٌ بِحُسْنِ الظَّنِّ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ حَالَ كُلِّ صُوفِيَّةِ الزَّمَانِ (فِي الْمَسَاجِدِ وَالدَّعَوَاتِ) الْأَوْلَى لِلسِّبَاقِ وَالسِّيَاقِ وَالْمُطَابَقَةِ بِالشُّيُوعِ وَالْأَغْلَبُ أَنْ يُقَالَ الْأَذْكَارُ بَدَلَ الدَّعَوَاتِ نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يَتَجَوَّزَ بِالذِّكْرِ أَوْ يُرَادَ عُمُومُ الْمَجَازِ (بِأَلْحَانٍ وَنَغَمَاتٍ) جَمْعُ نَغْمَةٍ أَيْ جَرْسِ الْكَلَامِ (مُخْتَلِطًا بِهِمْ الْمُرْدُ) جَمْعُ أَمْرَدَ (وَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ وَالْعُرْيِ) مِنْ الْفَسَقَةِ (مِنْ جُهَّالِ الْعَوَامّ وَالْمُبْتَدِعَةِ الطَّغَامِ) جَمْعُ طَغَامَةٍ بِالْفَتْحِ بِمَعْنَى ضَعِيفِ الرَّأْيِ وَقِيلَ بِمَعْنَى الْأَرْذَلِ (لَا يَعْرِفُونَ الطَّهَارَةَ وَالْقُرْآنَ وَالْحَلَالَ وَالْحَرَامَ بَلْ لَا يَعْرِفُونَ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ لَهُمْ زَعِيقٌ) أَيْ صَيْحَةٌ (وَزَئِيرٌ) صَوْتُ الْأَسَدِ أَوْ صَوْتُ الْحَمِيرِ (وَنُهَاقٌ) بِالضَّمِّ أَيْ صَوْتٌ كَصَوْتِ الْحِمَارِ (يُشْبِهُ نُهَاقَ الْحَمِيرِ يُبَدِّلُونَ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى) يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ بِالْأَلْحَانِ

стр. 1054

الْفَاسِدَةِ وَالنَّغَمَاتِ الْكَاسِدَةِ (وَيُغَيِّرُونَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى) بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فِي جَوَاهِرِ الْكَلِمَاتِ وَأَدَائِهَا (ثُمَّ يَتَلَفَّظُونَ بِأَلْفَاظٍ مُهْمَلَةٍ) لَا مَعْنَى لَهَا وَضْعًا وَاسْتِعْمَالًا بِلُغَةٍ مِنْ اللُّغَاتِ (وَهَذَيَانَاتٍ كَرِيهَةٍ مِثْلَ هاي وهوي وَهِيَ وهيا يَقُولُ) ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ (لَا مَحَالَةَ) أَلْبَتَّةَ بِلَا شَكٍّ وَلَا تَرَدُّدٍ (إنَّ هَؤُلَاءِ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) لِذَلِكَ الْمُصَنِّفِ (مُمَارَسَةٌ بِالْفِقْهِ وَ) مَعَهُ (عِلْمٌ تَفْصِيلِيٌّ بِحَالِهِمْ) لِأَنَّ الْأَمْرَ بَيِّنٌ لِكُلِّ عَامٍّ وَخَاصٍّ قِيلَ عَنْ الشَّارِحِ الْكُرْدِيِّ إيرَادًا عَلَى الْمُصَنِّفِ أَمَّا قَوْلُهُ هاي وهوي إلَى آخِرِهِ فَإِنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ يَتَرَاءَى مِنْ شِدَّةِ الذِّكْرِ وَسُرْعَةِ التَّلَفُّظِ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَشَايِخَ الصُّوفِيَّةَ صَرَّحُوا فِي كُتُبِهِمْ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى فَرَدَّ عَلَيْهِ إنْ أُرِيدَ مِنْ الْمَشَايِخِ جَهَلَةُ الْمُتَشَيِّخَةِ وَمُتَشَقْشِقَةُ الصُّوفِيَّةِ فَلَا اعْتِدَادَ بِقَوْلِهِمْ بَلْ كَثِيرًا مَا أُلْحِقَ فِي خِلَافِهِمْ، وَإِنْ أُرِيدَ الصُّوفِيَّةُ الْمُتَسَنِّنَةُ وَالْمُتَوَرِّعَةُ الْمُتَشَرِّعَةُ فَافْتِرَاءٌ مَحْضٌ لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ نَقْلٍ صَحِيحٍ مِنْ مُعْتَمَدَاتِ كُتُبِهِمْ وَأَنَا أَقُولُ وَلَوْ سَلِمَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُمْ لَا يَكُونُ حُجَّةً بَلْ الْحُجَّةُ إنَّمَا هِيَ أَقْوَالُ فُقَهَائِنَا الْمُخْتَارَةِ وَالْمُفْتَى بِهَا لَا كُلُّهَا؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ أَحْكَامِ الشَّرْعِ إنَّمَا هِيَ مِنْهُمْ لَا مِنْ غَيْرِهِمْ ثُمَّ أَوْرَدَ أَيْضًا عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّ جَعْلَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ عَوَامًّا أَوْ جُهَّالًا إلَى آخِرِهِ غَايَةٌ فِي الضَّلَالَةِ وَشَبِيهٌ بِفِعْلِ الْكُفَّارِ فِي تَحْقِيرِهِمْ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَفِي تَسْلِيطِ سُفَهَائِهِمْ عَلَيْهِمْ وَلِهَذَا يُحْكَى عَنْهُ سُوءُ الْخَاتِمَةِ وَحُقَّ لَهُ ذَلِكَ بِمِثْلِ هَذَا الِاسْتِخْفَافِ وَالِاسْتِحْقَارِ بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْعُبَّادِ وَالزُّهَّادِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَيْضًا بِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ بَعْضِ الظَّنِّ وَالْحُكْمِ بِالْغَيْبِ ضَلَالٌ عَنْ سَوَاءِ الصِّرَاطِ وَجَوَابُهُ ظَاهِرٌ بِالْمُرَاجَعَةِ فِيمَا ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ الثَّانِي فِي الْبِدَعِ انْتَهَى إجْمَالًا. وَأَنَا أَقُولُ إنَّ طَعْنَ الْمُصَنِّفِ إنَّمَا هُوَ بِالْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ مِنْ أَقْوَالِ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الَّتِي هِيَ الْأَدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ لِلْمُقَلِّدِ فَيَكُونُ كَلَامًا عَلَى مُقْتَضَى الشَّرْعِ الْقَوِيمِ وَنَهْجِ الدِّينِ الْمُبِينِ لَا سِيَّمَا الْإِجْمَاعُ مِنْ أَهْلِ الْيَقِينِ فَالْحَمْلُ عَلَى الضَّلَالَةِ وَالتَّشْبِيهُ بِالْكُفْرِ وَالْغَوَايَةِ لَيْسَ شَيْئًا غَيْرَ الْكُفْرِ بَلْ زَنْدَقَةٌ لَا تُوجِبُ إلَّا الْقَتْلَ بَلْ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إنْ تَابَ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَفْعَالِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا (فَالْوَيْلُ) أَيْ الْعَذَابُ الشَّدِيدُ (لِلْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ) وَسَائِرِ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الدَّفْعِ وَالْإِهْدَامِ (حَيْثُ يَعْرِفُونَ هَذَا وَيُشَاهِدُونَ وَلَا يُنْكِرُونَ

стр. 1055

وَلَا يُغَيِّرُونَ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِمْ) مَعَ أَنَّ التَّغْيِيرَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ حِينَ الْقُدْرَةِ (بَلْ يَخَافُونَ مِنْهُمْ) مِنْ إنْكَارِهِمْ وَدُعَائِهِمْ عَلَيْهِمْ لِاعْتِقَادِهِمْ مِنْهُمْ الْكَرَامَةُ وَالْوِلَايَةُ وَهُمْ أَوْلِيَاءُ الشَّيْطَانِ وَأَعْدَاءُ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ (وَ) لِذَلِكَ (يَلْتَمِسُونَ الدُّعَاءَ) مِنْهُمْ فَضْلًا عَنْ الزَّجْرِ وَالْإِنْكَارِ بَلْ يُرِيدُونَ تَقَرُّبَهُمْ بِالْعَطَايَا وَالْهَدَايَا وَالزِّيَارَاتِ وَقَضَاءِ الْحَوَائِجِ وَالْإِحْسَانِ بِأَنْوَاعِ الْكَرَامَاتِ وَقَدْ نُقِلَ أَيْضًا عَنْ الطُّرْطُوشِيِّ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ وَنُوَّابِهِ إخْرَاجُهُمْ مِنْ الْمَسَاجِدِ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَحْضُرَهُمْ وَيُعِينَهُمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَحِينَ اسْتَفْتَى مِنْ شَيْخِ الْأَخْلَافِ جوي زاده أَفْتَى أَنَّ الرَّقْصَ وَالدَّوَرَانَ حَرَامٌ فِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَحُرْمَتُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ بِالِاتِّفَاقِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الشَّارِحَ الصَّالِحَ اسْتَدَلَّ عَلَى إبَاحَةِ الرَّقْصِ بِوُجُوهٍ اعْتِرَاضًا عَلَى الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] فَإِنَّ مَعْنَاهُ عَلَى مَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَالرَّقْصُ مِنْ جُمْلَةِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ أَقُولُ أَوَّلًا لَسْنَا مَأْمُورِينَ بِاتِّبَاعِ الْمُفَسِّرِينَ بَلْ مَأْمُورِينَ بِاتِّبَاعِ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ عَرَفْت أَقْوَالَهُمْ وَثَانِيًا كُلُّ الْحَالِ لَوْ أُرِيدَ عَلَى إطْلَاقِهِ يَشْمَلُ حَالَ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَالْهَذَيَانَاتِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِكُفْرِهِ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] الْآيَةَ فَإِنَّ دَوَرَانَ الصُّوفِيَّةِ وَرَقْصَهُمْ شَبِيهٌ بِالْمَلَائِكَةِ الْحَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ وَالْحُجَّاجِ الطَّائِفِينَ بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ أَقُولُ إنَّهُ قِيَاسُ شَاهِدٍ عَلَى غَائِبٍ، وَرَأْيٌ فِي مُقَابَلَةِ نَصٍّ قَطْعِيٍّ كَمَا عَرَفْت وَإِنَّ الِاحْتِجَاجَ بِالنُّصُوصِ سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْخَفِيِّ وَالْمُجْتَهَدِ فِيهِ إنَّمَا هُوَ لِلْمُجْتَهِدِينَ وَأَنَّ مَدَارَ الْقِيَاسِ عَلَى الْعِلَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ وَلَيْسَ هُنَا شَيْءٌ يَصْلُحُ لِذَلِكَ بَلْ تَعَبُّدِيٌّ مَحْضٌ وَأَنَّ دَوَرَانَ الْمَلَائِكَةِ لَوْ سَلِمَ انْفِهَامُهُ مِنْ تِلْكَ الْآيَةِ وَدَوَرَانَ الْحُجَّاجِ خَارِجٌ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِعْلَ الْحُجَّاجِ عِبَادَةٌ مَخْصُوصَةٌ بِمَكَانٍ مَخْصُوصٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ عِبَادَةً فِي غَيْرِهِ. أَلَا يُرَى أَنَّ مَنْ طَافَ حَوْلَ الْمَسْجِدِ يَنْوِي بِهِ الْكَعْبَةَ يُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرَ انْتَهَى وَأَنَا أَقُولُ لَوْلَا خَشْيَةُ تَفْصِيلِ الْبَاطِلِ بِلَا ضَرُورَةٍ لَحَكَيْت بَاقِيَ أَبَاطِيلِهِ مَعَ بَيَانِ وَجْهِ بُطْلَانِهِ (نَعَمْ) هَذَا دَفْعُ وَهْمٍ نَاشِئٍ مِمَّا سَبَقَ (الذِّكْرُ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جَنُوبِهِمْ جَائِزٌ إذَا كَانَ بِأَدَبٍ وَسُكُونِ أَعْضَاءٍ بِلَا لَحْنٍ وَلَا تَغَنٍّ) ، وَأَمَّا الْجَهْرُ بِالذِّكْرِ فَمَنَعَهُ بَعْضٌ وَجَوَّزَهُ آخَرُونَ لَكِنَّ حَاصِلَ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ تَرْجِيحُ جَانِبِ الْجَوَازِ وَتَأْوِيلُ جَانِبِ الْمُخَالِفِ مِنْ الْأَثَرِ، وَأَقْوَالُ الْفُقَهَاءِ وَحَاصِلُ رِسَالَةِ أَبِي السُّعُودِ هُوَ التَّجْوِيزُ وَالتَّفْضِيلُ مُطْلَقًا وَقَدْ بَسَطْنَا أَدِلَّةَ الطَّرَفَيْنِ بِالتَّوْفِيقِ وَالتَّرْجِيحِ فِي رِسَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ بِجَوَازِ الْجَهْرِ. (وَأَمَّا تَحْرِيكُ الرَّأْسِ فَقَطْ يَمْنَةً وَيَسْرَةً تَحْقِيقًا لِمَعْنَى النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَالظَّنُّ الْغَالِبُ جَوَازُهُ بَلْ اسْتِحْبَابُهُ إذَا كَانَ مَعَ النِّيَّةِ الْخَالِصَةِ الصَّالِحَةِ فَيَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْعَبَثِ وَاللَّعِبِ) ؛ لِأَنَّ الْعَبَثَ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَالتَّحْقِيقُ الْمَذْكُورُ مِنْ أَعْظَمِ الْفَوَائِدِ (فَيَكُونُ) ذَلِكَ التَّحْرِيكُ

стр. 1056

(فِعْلًا دَالًّا) دَلَالَةً عَقْلِيَّةً (عَلَى التَّوْحِيدِ مُقَارِنًا لِلْقَوْلِ) وَهُوَ قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ (الدَّالِّ عَلَيْهِ) دَلَالَةً وَضْعِيَّةً فَيُجْمَعُ بَيْنَ التَّوْحِيدِ الْفِعْلِيِّ وَالْقَوْلِيِّ (فَتَكُونُ) الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ (كَلِمَةً كَكَلِمَتَيْنِ) فَالْقَوْلُ بِلَا حَرَكَةٍ مَرَّتَيْنِ كَالْقَوْلِ بِالْحَرَكَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً (وَأَصْلُهُ) الْمَقِيسُ عَلَيْهِ (رَفْعُ الْمُسَبِّحَةِ فِي التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي) الْأَحَادِيثِ (الصِّحَاحِ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ مَوْضِعُ سُكُونٍ وَوَقَارٍ حَتَّى كُرِهَ فِيهَا الِالْتِفَاتُ) يَمْنَةً وَيَسْرَةً. قَالَ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي يَعْنِي لَيْسَ فِي حَقِّ التَّحْرِيكِ الْمَذْكُورِ رِوَايَةٌ لَا مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَلَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ التَّابِعِينَ وَلَكِنَّ الْمَظْنُونَ قِيَاسًا عَلَى رَفْعِ الْمُسَبِّحَةِ فِي الصَّلَاةِ فِي التَّشَهُّدِ عِنْدَ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ الْمَرْوِيُّ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي الصِّحَاحِ الْجَوَازُ بَلْ الِاسْتِحْبَابُ مَعَ نِيَّةِ التَّحْقِيقِ الْمَذْكُورِ بِجَامِعِ التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الرَّفْعِ هِيَ التَّحْقِيقُ وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ هَاهُنَا فَالظَّنُّ جَوَازُ التَّحْرِيكِ مَعَ نِيَّةِ التَّحْقِيقِ كَالرَّفْعِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ رَفْعَ الْمُسَبِّحَةِ ثَابِتٌ بِنَصٍّ عَلَى خِلَافِ قِيَاسِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَلَوْ سَلِمَ لَقَاسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُونَ، وَتَجْوِيزُ الْغَفْلَةِ عَلَيْهِمْ لَيْسَ بِجَائِزٍ عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَجَرَى فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ بِتِلْكَ النِّيَّةِ حَتَّى فِي صُوَرِ الرَّقْصِ، ثُمَّ قِيلَ فَالظَّنُّ الْغَالِبُ بَلْ الْيَقِينُ عَدَمُ جَوَازِهِ. أَقُولُ كَوْنُ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ بَلْ الْقِيَاسُ كَوْنُ الرَّفْعِ نَفْيًا لِلْأُلُوهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعَالَى كَمَا فِي صُوَرِ رَفْعِ الْيَدِ فِي فقعس وصمعج فَإِنَّ رَفْعَ الْيَدِ عِنْدَ افْتِتَاحِ التَّكْبِيرِ مَثَلًا بِمَنْزِلَةِ النَّفْيِ وَلَفْظُ التَّكْبِيرِ بِمَنْزِلَةِ الْإِثْبَاتِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ قِيَاسِ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ امْتِنَاعُ الْقِيَاسِ فِي الْقَرْنِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ عَلَى التَّابِعِينَ وَتَابِعِهِمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَيْضًا جَوَازُ الْغَفْلَةِ عَلَى أَنَّ الْعُدْمَ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْوِجْدَانِ عَدَمُ الْوُجُودِ وَأَيْضًا الْمُلَازَمَةُ فِي قَوْلِهِ، وَلَوْ صَحَّ مَمْنُوعَةٌ كَيْفَ وَأَنَّ حُرْمَةَ الرَّقْصِ مَنْصُوصَةٌ وَمِنْ شُرُوطِ الْقِيَاسِ عَدَمُ كَوْنِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مَنْصُوصًا وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْفَرْعَ فِي هَذَا الْقِيَاسِ مَنْصُوصُ الْحُرْمَةِ، نَعَمْ يَشْكُلُ أَنَّ الْقِيَاسَ مَنْصِبُ الِاجْتِهَادِ وَالِاجْتِهَادُ مُنْقَرِضٌ، وَأَمَّا عَدَمُ انْقِرَاضِ الْمُجْتَهِدِ فِي مَسْأَلَةٍ فَمَبْنِيٌّ عَلَى تَجْزِيءِ الِاجْتِهَادِ وَالْأَصَحُّ عَدَمُهُ كَمَا قَالُوا، وَإِنْ اخْتَارَ بَعْضٌ جَانِبَ جَوَازِ التَّجْزِيءِ هَذَا ثُمَّ أَقُولُ التَّحْقِيقُ لَيْسَ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْقِيَاسِ بَلْ الظَّاهِرُ هُوَ طَرِيقُ دَلَالَةِ النَّصِّ الَّذِي يَسْتَوِي فِيهِ الْمُجْتَهِدُ وَالْعَالِمُ الْعَامِّيُّ كَمَا يُشْعِرُ قَوْلُهُ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ مَوْضِعُ سُكُونٍ إلَى آخِرِهِ، فَلَا غُبَارَ عَلَيْهِ. عَلَى أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ كَوْنُهُ قِيَاسًا لَا يَلْزَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَوْنُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ بَلْ يَجُوزُ عَنْ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ وَوَصَلَ ذَلِكَ إلَى الْمُصَنِّفِ فَحَكَى بِهَذَا الْأُسْلُوبِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَبِي اللَّيْثِ أَنَّهُ ﵊ «قَالَ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - اسْمَعْ مِنِّي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَنَا أَسْمَعُ فَقَالَ ﵊ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ نَافِيًا عَنْ يَمِينِهِ مُثْبِتًا إلَى شِمَالِهِ مُغْمِضًا عَيْنَيْهِ» الْحَدِيثَ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ لَا يُلَائِمُ ذَلِكَ فَلْيُتَأَمَّلْ. [الْآفَاتِ الْغَيْرِ الْمُخْتَصَّةِ بِعُضْوٍ مُعَيَّنٍ] (وَمِنْهَا) مِنْ الْآفَاتِ الْغَيْرِ الْمُخْتَصَّةِ بِعُضْوٍ مُعَيَّنٍ (كَشْفُ الْعَوْرَةِ) رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً شَابَّةً أَوْ عَجُوزًا فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا (عِنْدَ غَيْرِهِ) مَحْرَمًا أَوْ أَجْنَبِيًّا (إلَّا بِعُذْرٍ) مِنْ الْأَعْذَارِ التِّسْعَةِ السَّابِقَةِ (، وَقَدْ مَرَّ فِي آفَاتِ الْعَيْنِ، وَفِي الْخَلْوَةِ أَيْضًا) لِحَدِيثِ «فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ» (إلَّا بِعُذْرِ حَلْقِ الْعَانَةِ) وَالدُّبُرِ (وَالْغُسْلِ فِي زَمَانٍ يَسِيرٍ) ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ لِحَاجَةٍ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا (وَ) بِعُذْرِ (التَّخَلِّي

стр. 1057

وَالِاسْتِنْجَاءِ) بِالْمَاءِ أَوْ الْحَجَرِ (وَ) بِعُذْرِ (التَّدَاوِي) أَيْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا (بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَمِنْهَا لُبْسُ الْحَرِيرِ) ، وَلَوْ بِحَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَدَنِهِ وَمَا نُقِلَ عَنْ الْقُنْيَةِ مِنْ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِجِلْدِهِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِلْآثَارِ الْكَثِيرَةِ كَحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» بِأَنْ يَصْرِفَ عَنْ قَلْبِهِ حُبَّ لُبْسِهِ فَلَا يَشْكُلُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ﴾ [الزخرف: ٧١] كَمَا فِي الْمَبَارِقِ لَكِنْ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ لَا يَكُونَ فَائِدَةُ عَدَمِ اللُّبْسِ وَالظَّاهِرُ كَوْنُهُ جَزَاءَ عَمَلِهِ. لَعَلَّ الْمُرَادَ لَا يَلْبَسُ فِي الْآخِرَةِ فِي الِابْتِدَاءِ لِاحْتِبَاسِهِ بِالْعَذَابِ فَيَجُوزُ فِي الِانْتِهَاءِ (وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) لِلذُّكُورِ، وَفِي الْحَدِيثِ «حُرِّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ أَيْ الْخَالِصِ أَوْ الْغَالِبِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» هَلْ التَّحْرِيمُ لِلسَّرَفِ أَوْ الْخُيَلَاءِ أَوْ التَّشَبُّهِ بِالْكُفَّارِ أَوْ النِّسَاءِ؟ وُجُوهٌ أَصَحُّهَا الْأَخِيرُ وَأَبْعَدُهَا الْأَوَّلُ. كَيْفَ وَالسَّرَفُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِلْفَرِيقَيْنِ بِغَيْرِ مَيْزٍ، وَأُحِلَّ لِإِنَاثِهِمْ كَمَا فِي الْجَامِعِ عَنْ التِّرْمِذِيِّ (سِوَى أَرْبَعِ أَصَابِعَ) قَيْدٌ لَهُمَا كَمَا سَنَقِفُ عَلَيْهِ لَا قَيْدٌ فِي الْحَرِيرِ كَمَا تُوهِمُ، مُفَرَّجَةً عِنْدَ الْبَعْضِ وَمَضْمُومَةً عِنْدَ الْآخَرِينَ، وَلَا مَضْمُومَةً وَلَا مَنْشُورَةً عِنْدَ بَعْضٍ وَجُوِّزَ لِدَفْعِ قَمْلٍ وَحَكَّةٍ وَجَرَبٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْأَشْبَاهِ نَقْلًا عَنْ التتارخانية. وَعَنْ الْبَزَّازِيَّةِ، وَالْعَلَمُ الْحَرِيرُ لَوْ زَادَ عَلَى أَرْبَعِ أَصَابِعَ مَضْمُومَةٍ لَا يَحِلُّ، وَأَمَّا جَوَازُ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ فَلِيَكُونَ أُنْمُوذَجًا وَمُذَكِّرًا لِلْآخِرَةِ وَبَاعِثًا عَلَى مَا يَعْقُبُهُ لُبْسُ حَرِيرِ الْآخِرَةِ مِنْ الْأَعْمَالِ الْأُخْرَوِيَّةِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَيُكْرَهُ قَلَنْسُوَةُ الْحَرِيرِ أَوْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ، أَوْ الْكِرْبَاسُ الَّذِي خِيطَ عَلَيْهِ إبْرَيْسَمٌ كَثِيرٌ أَوْ شَيْءٌ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ أَرْبَعِ أَصَابِعَ وَلَا بَأْسَ عَلَى طَرَفِ الْقَلَنْسُوَةِ قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ، وَكَذَا عَلَى طَرَفِ الْعِمَامَةِ وَعَلَمِ الْجُبَّةِ، وَعَنْ أَبِي الْفَضْلِ إذَا كَانَ الْعَلَمُ فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنْ الْقَلَنْسُوَةِ هَلْ يُجْمَعُ؟ قَالَ نَعَمْ، وَعَنْ أَبِي حَامِدٍ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ فِيهِ خِلَافٌ، وَفِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَدَمُ جَمْعِ الْمُتَفَرِّقِ، وَلَوْ فِي عِمَامَةٍ كَمَا بَسَطَ فِي الْقُنْيَةِ، ثُمَّ اعْتِبَارُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ قَيْدٌ فِي أَكْثَرِ الْفِقْهِيَّةِ بِقَوْلِهِمْ عَرْضًا وَفُسِّرَ أَيْ عَرْضُ الثَّوْبِ فَقَالُوا فَيُكْرَهُ، وَلَوْ طُولًا حَيْثُ نُقِلَ عَنْ الْمُجْتَبَى إنَّمَا رَخَّصَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْعَلَمِ فِي عَرْضِ الثَّوْبِ لَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ هُوَ الْإِطْلَاقُ. وَفِي الْأُسْرُوشَنِيِّ وَالْعَلَمُ الْمُتَفَرِّقُ يُجْمَعُ فِي الْعِمَامَةِ وَالظَّاهِرُ لَا يُجْمَعُ إلَّا أَنْ يَكُونَ خَطٌّ مِنْهُ قَزًّا أَوْ خَطٌّ مِنْهُ غَيْرَهُ بِحَيْثُ يُرَى كُلُّهُ قَزًّا فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ وَلَا بَأْسَ بِالْعَلَمِ الْمَنْسُوجِ بِالذَّهَبِ لِلنِّسَاءِ، وَأَمَّا الرِّجَالُ فَقَدْرُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ، وَمَا فَوْقَهُ لَا، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا بَأْسَ بِالْعَلَمِ وَقِيلَ إنْ كَانَ يَتَخَلَّصُ يُكْرَهُ وَإِلَّا فَلَا (لِلذَّكَرِ) فَقَطْ كَمَا سَبَقَ مِنْ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَبَعْضُهُمْ قَالُوا لَا يَحِلُّ لِلنِّسَاءِ أَيْضًا (بَالِغًا أَوْ صَبِيًّا غَيْرَ أَنَّ الْإِثْمَ فِي الصَّبِيِّ يَكُونُ عَلَى الْمَلْبَسِ) رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً؛ لِأَنَّ أَفْعَالَ الصَّبِيِّ لَا تَتَّصِفُ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فَلَوْ لَبَّسَ الصَّبِيُّ نَفْسَهُ يَلْزَمُ الْوَلِيَّ نَزْعُهُ وَعَدَمُ سُكُوتِهِ وَتَقْرِيرُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ وَالتَّقْرِيرَ عِنْدَ الْقُدْرَةِ رَاجِعٌ عَلَى الْمُقِرِّ السَّاكِتِ. وَفِي الْأَشْبَاهِ مَا حَرُمَ عَلَى الْبَالِغِ فِعْلُهُ حَرُمَ عَلَى الْبَالِغِ فِعْلُهُ بِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْقِيَهُ خَمْرًا وَلَا أَنْ يُلْبِسَهُ حَرِيرًا وَلَا أَنْ يُخَضِّبَ يَدَهُ بِحِنَّاءٍ وَلَا إجْلَاسُهُ عِنْدَ التَّبَوُّلِ وَالتَّغَوُّطِ مُسْتَقْبِلًا وَمُسْتَدْبِرًا نَحْوَ الْقِبْلَةِ، وَفِي هَذَا الْمَحَلِّ أَيْضًا، وَلَوْ مَلَأَ صَبِيٌّ كُوزًا مِنْ حَوْضٍ، ثُمَّ صَبَّهُ فِيهِ لَمْ يَحِلَّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ انْتَهَى، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة يُكْرَهُ إلْبَاسُ الصَّبِيِّ الْحَرِيرَ وَالْحُلِيَّ وَالْقُرْطَ وَالْخَلْخَالَ، وَكَذَا اتِّخَاذُ الْجَلَاجِلِ فِي رِجْلِ الصَّغِيرِ انْتَهَى

стр. 1058

فَبِالْأَوْلَى فِي الصَّغِيرِ (وَاَلَّذِي لُحْمَتُهُ) وَهُوَ الْجُزْءُ الثَّانِي مِنْ الثَّوْبِ وَسُدَاهُ قُطْنٌ أَوْ غَيْرُهُ (حَرِيرٌ فَفِي حُكْمِ الْخَالِصِ) لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْجُزْءِ الْأَخِيرِ، وَأَمَّا الَّذِي سُدَاهُ حَرِيرٌ وَلُحْمَتُهُ قُطْنٌ أَوْ كِتَّانٌ فَجَائِزٌ مُطْلَقًا كَالْعَيَالِيِّ وَالْخَزِّ وَالْمُلْحَمِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ قِيلَ هَذَا عِنْد غَلَبَةِ اللُّحْمَةِ عَلَى السُّدَى وَقِيلَ إنْ كَانَ الْمَرْئِيُّ إبْرَيْسَمًا يُكْرَهُ كَمَا فِي التتارخانية فَالْأَحْوَطُ أَنْ لَا يَلْبَسَ إنْ ظَهَرَ الْحَرِيرُ فِرَارًا مِنْ شُبْهَةِ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي الِاتِّفَاقِ. (إلَّا فِي الْحَرْبِ) فَلُبْسُ الْحَرِيرِ الْخَالِصِ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي الْحَرْبِ عِنْدَهُمَا، وَأَمَّا لُبْسُ الَّذِي لُحْمَتُهُ حَرِيرٌ فَغَيْرُ جَائِزٍ إلَّا فِي الْحَرْبِ بِالِاتِّفَاقِ، وَالْجَوَازُ فِي الْحَرْبِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَقِيلَ إنْ قَوِيًّا يَدْفَعُ مَضَرَّةَ السِّلَاحِ، وَإِنْ ضَعِيفًا فَلَا وَقِيلَ إنْ كَانَ مُهَابًا فِي نَظَرِ الْعَدُوِّ جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَقِيلَ إنْ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ بِهِ اتِّفَاقًا وَقِيلَ الْجُنْدِيُّ إذَا تَأَهَّبَ لِلْحَرْبِ يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ الْعَدُوُّ وَلَكِنْ لَا يُصَلَّى فِيهِ بِدُونِ خَوْفِ الْعَدُوِّ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة لُبْسُ الْحَرِيرِ الْمُصْمَتِ حَرَامٌ عَلَى الذُّكُورِ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهِ (وَأَمَّا الْقُعُودُ وَالِاضْطِجَاعُ عَلَيْهِ وَتَوَسُّدُهُ فَجَائِزٌ عِنْدَ الْإِمَامِ) الْأَعْظَمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (خِلَافًا لَهُمَا) فَيُكْرَهُ عِنْدَهُمَا وَبِهِ أَخَذَ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ سَتْرُ الْجِدَارِ وَتَعْلِيقُهُ عَلَى الْأَبْوَابِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا بَأْسَ بِافْتِرَاشِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَالنَّوْمِ عَلَيْهِمَا، وَكَذَا الْوَسَائِدُ وَالْبُسُطُ وَالسُّتُورُ مِنْ الدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ خِلَافًا لَهُمَا قَالَ فِي الدُّرِّ عَنْ الْمُجْتَبَى لَهُ أَنْ يُزَيِّنَ بَيْتَهُ بِالدِّيبَاجِ وَيَتَجَمَّلَ بِأَوَانِي ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ بِلَا تَفَاخُرٍ وَيَحْسُنُ لِلْفُقَهَاءِ لَفُّ عِمَامَةٍ طَوِيلَةٍ وَلُبْسُ ثِيَابٍ وَاسِعَةٍ وَلَا بَأْسَ بِشَدِّ خِمَارٍ أَسْوَدَ عَلَى عَيْنِهِ مِنْ إبْرَيْسَمٍ بِعُذْرٍ كَالرَّمَدِ وَلَا بَأْسَ بِعُرْوَةِ الْقَمِيصِ وَزِرِّهِ وَالتِّكَّةِ مِنْ الْحَرِيرِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة لَا بَأْسَ بِإِزَارِ الدِّيبَاجِ وَالذَّهَبِ قَالُوا هَذَا مُشْكِلٌ فَقَدْ رَخَّصَ الشَّرْعُ فِي الْكَفَافِ، وَالْكَفَافُ قَدْ يَكُونُ مِنْ الذَّهَبِ انْتَهَى. وَعَنْ صَلَاةِ الْجَوَاهِرِ لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى سَجَّادَةِ الْإِبْرَيْسَمِ فَإِنَّ الْحَرَامَ هُوَ اللُّبْسُ أَمَّا الِانْتِفَاعُ بِسَائِرِ

стр. 1059

الْوُجُوهِ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ لَكِنْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ مُحَمَّدٍ يُكْرَهُ النَّوْمُ عَلَيْهِ كَاللُّبْسِ، ثُمَّ قَالَ فَإِنَّ ظَاهِرَ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْقُعُودَ عَلَى الدِّيبَاجِ مَكْرُوهٌ، ثُمَّ قَالَ يُكْرَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ الْوَسَائِدُ وَالْمَرَافِقُ وَالْبُسُطُ وَالسُّتُورُ مِنْ الدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجُ الَّذِي سُدَاهُ إبْرَيْسَمٌ وَالْحَرِيرُ الْإِبْرَيْسَمُ الْمَخْلُوطُ وَالْقَلِيلُ مِنْ الْمَلْبُوسِ مُبَاحٌ كَالْأَعْلَامِ فَكَذَا الْقَلِيلُ مِنْ اللُّبْسِ وَالِاسْتِعْمَالِ. (وَيُكْرَهُ أَنْ يَلْبَسَ الرِّجَالُ الثِّيَابَ الْمَصْبُوغَةَ بِالْعُصْفُرِ) قِيلَ هُوَ شَيْءٌ أَحْمَرُ يُصْبَغُ بِهِ الثَّوْبُ وَقِيلَ أَصْفَرُ (وَالزَّعْفَرَانُ أَوْ الْوَرْسُ) نَبْتٌ أَصْفَرُ يُجْلَبُ مِنْ دِيَارِ الْيَمَنِ أَيْ الْمَصْبُوغُ بِالْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ الْخَالِصَيْنِ وَيَجُوزُ فِي النَّعْلِ وَالْخُفِّ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ وَقِيلَ بِاسْتِحْبَابِ الْأَحْمَرِ كَمَا فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ وَقِيلَ بِكَرَاهَتِهِ تَنْزِيهًا كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمُجْتَبَى وَالزَّاهِدِيِّ وَشَرْحِ النُّقَايَةِ لِأَبِي الْمَكَارِمِ وَقِيلَ بِإِبَاحَتِهِ كَمَا فِي مِسْكِينٍ وَنُقِلَ عَنْ مَجْمَعِ الْفَتَاوَى وَقِيلَ بِحُرْمَتِهِ كَمَا نُقِلَ عَنْ تُحْفَةِ الْمُلُوكِ وَقِيلَ بِكَرَاهَتِهِ تَحْرِيمًا وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَاضِي خَانْ، وَفِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ لِعَلِيٍّ الْقَارِي اُخْتُلِفَ فِي الْأَحْمَرِ أَنَّهُ جَائِزٌ مُطْلَقًا لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ، أَوْ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مُطْلَقًا لِظَاهِرِ أَحَادِيثَ أُخَرَ أَيْضًا فَسَيُذْكَرَانِ، أَوْ مَكْرُوهٌ إنْ لَمْ تَكُنْ حُمْرَتُهُ خَفِيفَةً وَإِلَّا فَلَا، أَوْ مَكْرُوهٌ إنْ لِلزِّينَةِ وَالشُّهْرَةِ دُونَ الْبُيُوتِ أَوْ مَكْرُوهٌ إنْ صُبِغَ بَعْدَ النَّسْجِ؛ لِأَنَّ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ وَالْبُرْدَ الْأَحْمَرَ يُصْبَغُ غَزْلُهُمَا فَيُنْسَجُ أَوْ اخْتِصَاصُ النَّهْيِ بِالْمُعَصْفَرِ فَقَطْ لِوُرُودِ النَّهْي عَنْهُ فَقَطْ وَيُعْكَسُ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ وَاخْتِصَاصُهُ بِمَا يُصْبَغُ كُلُّهُ، وَأَمَّا إذَا اخْتَلَطَ بِهِ لَوْنٌ آخَرُ كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ كَالْخُطُوطِ فَجَائِزٌ لِكَوْنِ الْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ كَذَلِكَ فَهَذِهِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ، وَثَامِنُهَا أَنَّ الْكَرَاهَةَ عِنْدَ تَنَجُّسِ الصَّبْغِ فَيَطْهُرُ بِالْغَسْلِ. وَأَدِلَّةُ الْمُجَوِّزِينَ حَدِيثُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبِسَ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ» عَلَى مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا وَأَيْضًا فِي الشَّمَائِلِ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ مَا رَأَيْت مِنْ النَّاسِ أَحْسَنَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، وَفِي الْجَامِعِ عَلَى تَخْرِيجِ الْبَيْهَقِيّ كَانَ يَلْبَسُ بُرْدَهُ الْأَحْمَرَ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ، وَفِي شَرْحِهِ عَنْ الطَّبَرَانِيِّ كَانَ يَلْبَسُ يَوْمَ الْعِيدِ بُرْدَةً حَمْرَاءَ. وَأَدِلَّةُ الْمَانِعِينَ حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ هَذِهِ مِنْ لِبَاسِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا قَالَهُ حِينَ رَأَى عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ أُمُّك أَمَرَتْك بِهَذَا أَيْ أُمُّك أَمَرَتْك بِهِمَا قَالَ الرَّاوِي قُلْت أَغْسِلُهُمَا قَالَ لَا بَلْ أَحْرِقْهُمَا كَمَا فِي الْمَشَارِقِ، وَحَدِيثُ الْجَامِعِ عَنْ الْبَيْهَقِيّ وَابْنِ عَدِيٍّ إنَّ الشَّيْطَانَ يُحِبُّ الْحُمْرَةَ وَإِيَّاكُمْ وَالْحُمْرَةَ وَكُلَّ ثَوْبٍ ذِي شُهْرَةٍ، وَفِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ عَنْ أَبِي دَاوُد عَلَى رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ «مَرَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ حُلَّتَانِ حَمْرَاوَانِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ» وَفِيهِ أَيْضًا عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ إنَّ الْحُمْرَةَ مِنْ زِينَةِ الشَّيْطَانِ، وَكَذَا بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا فِي الْجَامِعِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَقُولُ وَلِتَوْفِيقِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ قَالَ بَعْضٌ: الْمَمْنُوعُ مَا يَكُونُ خَالِصًا فِي الْحُمْرَةِ وَالْمُرَخَّصُ مَا يَكُون خُطُوطًا، وَبَعْضٌ آخَرُ: النَّهْيُ تَنْزِيهِيٌّ فَيَكُونُ مَمْنُوعًا مِنْ وَجْهٍ وَمُرَخَّصًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَقِيلَ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ النَّوَوِيِّ وَرُدَّ بِأَنَّهُ حَرَامٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ، وَبَعْضٌ آخَرُ: الْمَنْعُ عَلَى مَا صُبِغَ بَعْدَ النَّسْجِ، وَالْإِذْنُ عَلَى مَا يَكُونُ الصَّبْغُ قَبْلَهُ كَمَا مَرَّ وَرُدَّ بِعَدَمِ الْفَرْقِ فِي كَوْنِهَا زِينَةَ الشَّيْطَانِ وَإِيجَابَ الْخُيَلَاءِ وَالطُّغْيَانِ، وَبَعْضٌ: الْجَوَازُ وَلُبْسُهُ ﵊ -

стр. 1060

وَاقِعٌ قَبْلَ النَّهْيِ أَوْ فَعَلَهُ لِبَيَانِ أَصْلِ الْجَوَازِ، وَبَعْضٌ: الْمَنْعُ عِنْدَ قَصْدِ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ وَالنِّسَاءِ أَوْ التَّكَبُّرِ وَالْجَوَازِ عِنْدَ انْتِفَاءِ ذَلِكَ، وَبَعْضٌ: الْمَنْعُ لِتَنَجُّسِ الصَّبْغِ وَالْجَوَازُ بَعْدَ إزَالَتِهِ بِالْغَسْلِ وَرُدَّا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثِ الْحَسَنِ. ثُمَّ أَقُولُ قَالَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ الْوَهْبَانِيَّةِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ لُبْسَ الْأَحْمَرِ جَائِزٌ قَطْعِيٌّ بَلْ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهُ إمَّا حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ جَائِزٌ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَمَرْدُودٌ لِعَدَمِ دَلِيلِهِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَكَذَلِكَ أَيْضًا عِنْدَ انْتِفَاءِ عِلَّتِهِ، إذْ الْكَرَاهَةُ لِلتَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ أَوْ التَّكَبُّرِ فَإِذَا انْتَفَيَا بِلُبْسِهِ عَلَى قَصْدِ إظْهَارِ نِعَمِهِ تَعَالَى تَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ، وَأَمَّا الْجَوَازُ فَمَذْهَبُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيِّ لِمَا فِي أَكْمَلِ الْمَشَارِقِ مِنْ أَنَّ لُبْسَ الْمُعَصْفَرِ جَائِزٌ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَكَذَا عَنْ النَّوَوِيِّ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ عَلَى مَا فِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ وَأَيْضًا نَصَّ عَلَى جَوَازِهِ الْقُهُسْتَانِيُّ وَالْمُجْتَبَى وَالْحَاوِي الزَّاهِدِيُّ وَمُنْتَخَبُ مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى، وَفِي الرَّوْضَةِ يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ وَالرِّجَالِ بِلَا كَرَاهَةٍ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ أَيْضًا مِنْ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] الْآيَةَ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ وَالْمَأْمُورُ بِهِ لَيْسَ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِنَوْعٍ فَيَشْمَلُ كُلَّ لَوْنٍ وَالنَّهْيُ الْوَارِدُ عَنْ لُبْسِ الْأَحْمَرِ إنْ قَبْلَ الْآيَةِ فَتَنْسَخُهُ الْآيَةُ، وَإِنْ بَعْدَهَا فَلَا يَصْلُحُ مُقَيِّدًا لَهَا فَبَقِيَتْ عَلَى عُمُومِهَا وَهُوَ قَطْعِيٌّ وَمِنْ السُّنَّةِ بِحَدِيثِ الْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ كَمَا مَرَّ وَالتَّأْوِيلُ بِالْخُطُوطِ غَلَطٌ وَمَحْمَلُ مَا نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ مِنْ الْكَرَاهَةِ مَحْمُولٌ عَلَى عَارِضِ التَّشَبُّهِ أَوْ التَّكَبُّرِ فَتَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ بِانْتِفَاءِ الْعَارِضِ وَبِهِ يَتَرَقَّى عَنْ مَرْتَبَةِ الْإِبَاحَةِ إلَى مَرْتَبَةِ الِاسْتِحْبَابِ بِدَلِيلِ لُبْسِهِ ﵊ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ وَصَلَاتِهِ بِهَا إمَامًا وَاقْتِدَاءِ الصَّحَابَةِ بِهِ فَتَخْلُصُ الْأُمَّةُ مِنْ نِسْبَةِ لَابِسِ الْأَحْمَرِ إلَى ارْتِكَابِ الْحُرْمَةِ أَوْ الْكَرَاهَةِ انْتَهَى أَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ إنْ أَرَادَ مِنْ عَدَمِ الدَّلِيلِ فِي قَوْلِهِ فَمَرْدُودٌ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَدَمَهُ مِنْ أَقْوَالِ الْمَشَايِخِ وَالسَّلَفِ فَمَمْنُوعٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ تُحْفَةِ الْمُلُوكِ، وَإِنْ عَدَمَهُ مِنْ النُّصُوصِ فَقَدْ سَمِعْت الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ أَكِيدَةَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَنْعِ الظَّاهِرَةَ فِي الْحُرْمَةِ، وَالنُّصُوصُ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا، وَقَدْ قَالَ فِي الْفَيْضِ عِنْدَ حَدِيثِ الْحُمْرَةِ مِنْ زِينَةِ الشَّيْطَانِ تَعَلَّقَ بِهَذَا مَنْ ذَهَبَ إلَى تَحْرِيمِ لُبْسِ الْأَحْمَرِ وَلِلسَّلَفِ فِيهِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: الْجَوَازُ الْمُطْلَقُ. الثَّانِي: الْمَنْعُ مُطْلَقًا. الثَّالِثُ: حُرْمَةُ الْمُشَبَّعِ بِالْحُمْرَةِ وَحِلُّ مَا خَفَّ. الرَّابِعُ: الْكَرَاهَةُ بِقَصْدِ الزِّينَةِ وَالشُّهْرَةِ وَالْجَوَازُ فِي الْبُيُوتِ. الْخَامِسُ: جَوَازُ لُبْسِ مَا صُبِغَ غَزْلُهُ، ثُمَّ نُسِجَ. السَّادِسُ حُرْمَةُ مَا صُبِغَ بِالْعُصْفُرِ دُونَ غَيْرِهِ. السَّابِعُ حُرْمَةُ مَا صُبِغَ كُلُّهُ دُونَ مَا فِيهِ لَوْنٌ آخَرُ وَقَوْلُهُ إذْ الْكَرَاهَةُ لِلتَّشَبُّهِ يَرُدُّهُ الْأَحَادِيثُ السَّابِقَةُ لَا سِيَّمَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ عَلَيَّ بِأَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ فَانْتَظِرْ جَوَابَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ فَبَعْدَ تَسْلِيمِ أَنَّ الزِّينَةَ مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامَّةِ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ مُخَصَّصٌ بِنَحْوِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَالْعَامُّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ بِالْقَطْعِيِّ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِالظَّنِّيِّ، ثَانِيًا فَالْأَخْبَارُ السَّابِقَةُ تُخَصِّصُهَا وَإِنْ كَانَتْ أَخْبَارَ آحَادٍ، وَيَجُوزُ كَوْنُ الزِّينَةِ مُجْمَلًا فَيُفَسِّرُهُ الْأَحَادِيثُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ تَأَمُّلٍ فَيَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ، وَإِنْ بَعْدَهَا فَلَا يَصْلُحُ مُقَيَّدًا أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّقْيِيدِ التَّخْصِيصُ فَقَدْ عَرَفْت جَوَازَهُ، وَإِنْ تَقَيَّدَ الْمُطْلَقُ فَبَعْدَ تَسْلِيمِ تَحَمُّلِ عِبَارَتِهِ لِذَلِكَ فَالْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ السَّابِقَةُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَشْهُورَةَ الْمَعَانِي وَإِنْ آحَادَ اللَّفْظِ فَيَجُوزُ التَّقْيِيدُ وَالزِّيَادَةُ لِكَوْنِهَا بِمَنْزِلَةِ الْمَشْهُورِ، عَلَى أَنَّ مَا لَمْ يُعْلَمْ فِيهِ التَّارِيخُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَارَنَةِ فَافْهَمْ. وَقَوْلُهُ وَتَأْوِيلُهُ الْحُلَّةَ بِالْخُطُوطِ غَلَطٌ مَمْنُوعٌ أَيْضًا بِسَنَدِ مَا قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ إنَّ هَذَا الِاسْمَ مَعْرُوفٌ بِمَا يَكُونُ بِالْخُطُوطِ. عَلَى أَنَّ ضَرُورَةَ تَوْفِيقِ النُّصُوصِ مُوجِبٌ لِنَحْوِ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ مَحْمَلُ مَا ذُكِرَ قَدْ عَرَفْت جَوَابَهُ مِنْ نَصِّ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ آنِفًا وَقَوْلُهُ يَتَرَقَّى إلَى مَرْتَبَةِ الِاسْتِحْبَابِ مَمْنُوعٌ بِمَا فِي الْأُصُولِ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ ﵊ رَاجِحٌ عَلَى فِعْلِهِ عِنْدَ التَّعَارُضِ. وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ، وَقَدْ يَفْعَلُ النَّبِيُّ ﵊ مَا يَكُونُ مَكْرُوهًا لِأُمَّتِهِ تَعْلِيمًا لِأَصْلِ الْجَوَازِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الْخَوَاصِّ لَهُ ﵊ بِدَلَالَةِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الصَّرِيحَةِ فِي الْمَنْعِ. كَيْفَ يَكُونُ فِعْلُهُ ﵊ مُسْتَحَبًّا، وَقَدْ قُرِّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ فِعْلَهُ الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ اخْتِصَاصُهُ إنْ لَمْ يُعْلَمْ صِفَتُهُ مِنْ الْوُجُوبِ أَوْ الِاسْتِحْبَابِ مَثَلًا مَحْمُولٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ عَلَى مُخْتَارِنَا. ثُمَّ أَقُولُ

стр. 1061

وَمِنْ الْكُتُبِ الَّتِي صُرِّحَ فِيهَا بِكَرَاهَةِ الْأَحْمَرِ مُلْتَقَى الْأَبْحُرِ، وَالْخُلَاصَةُ لَكِنْ بِعِبَارَةِ كَرَاهَةِ الثِّيَابِ الْمَصْبُوغَةِ بِالْعُصْفُرِ أَوْ الزَّعْفَرَانِ، والْأُسْرُوشَنِيّ والتتارخانية وَفَوَائِدُ الْفُقَهَاءِ وَشِرْعَةُ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ سُمِعَتْ الْكَرَاهَةُ أَيْضًا عَنْ الْمُجْتَبَى وَالزَّاهِدِيِّ وَشَرْحِ النُّقَايَةِ وَقَاضِي خَانْ وَغَيْرِهَا، وَفِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ عَنْ الْبَيْهَقِيّ حُرْمَتُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَكَرَاهَتُهُ عِنْدَ النَّوَوِيِّ، وَقَدْ سُمِعَتْ الْحُرْمَةُ أَيْضًا عَنْ تُحْفَةِ الْمُلُوكِ فَالْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ مِنْ التَّجْوِيزِ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوْفِيقِ أَوْ التَّرْجِيحِ فَالسَّابِقُ إلَى الْخَاطِرِ أَنَّ الْحُرْمَةَ إفْرَاطٌ وَالْإِبَاحَةَ تَفْرِيطٌ وَالْكَرَاهَةَ اقْتِصَادٌ فَتُحْمَلُ الْحُرْمَةُ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةُ عَلَى أَصْلِ الْجَوَازِ مَعَ الْكَرَاهَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَقْوَالِ، فَبَقِيَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ التَّحْرِيمِيَّةِ وَالتَّنْزِيهِيَّة أَوْ يُرَجَّحُ جَانِبُ الْكَرَاهَةِ بِقَاعِدَةِ جَمْعِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة عِنْدَ تَعَارُضِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ يُقَدَّمُ الْأَعْلَمُ وَالْأَوْرَعُ، وَقَدْ سَبَقَ مِنْ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِقَوْلِ كُلِّ كِتَابٍ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ كِتَابٍ مُعْتَبَرٍ وَمُعْتَمَدٍ، وَفِي رِسَالَةِ أَبِي السُّعُودِ لَا يُعْمَلُ بِكُلِّ قَوْلِ كِتَابٍ مُعْتَمَدٍ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَلَقِّي الْكُلِّ بِالْقَبُولِ؛ إذْ رُبَّ كِتَابٍ مُعْتَبَرٍ قَلِيلًا مَا يُوجَدُ فِيهِ السَّهْوُ وَالْخَطَأُ كَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ مَعَ قُوَّةِ وَثَاقَتِهِ قَدْ خَطِئَ فِي مَوَاضِعَ بَلْ قَدْ يُوجَدُ فِي مَوْضِعِ كِتَابٍ صَحِيحٍ خِلَافُ مَا فِي مَوْضِعِهِ الْآخَرِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَتَانَةَ وَالْوَثَاقَةَ وَالْكَثْرَةَ وَالشُّهْرَةَ فِي جَانِبِ الْكَرَاهَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ السَّابِقَةُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ فَإِمَّا تَجْتَمِعُ وَيُوَفَّقُ بِمَا أُشِيرَ أَوْ يُقَالُ بِتَرْجِيحِ الْقَوْلِيَّةِ عَلَى الْفِعْلِيَّةِ أَوْ بِتَرْجِيحِ مَا تَكُونُ دَلَالَتُهُ آكَدَ وَبِتَرْجِيحِ مَا تُذْكَرُ عِلَّتُهُ عَلَى مَا لَمْ تُذْكَرْ، وَقَدْ عَرَفْت تَقَدُّمَ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ فَتَعَيَّنَ مِنْ إتْقَانِ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ تَوْفِيقًا أَوْ تَرْجِيحًا أَنَّ الْحَقَّ هُوَ الْكَرَاهَةُ بِلَا ارْتِيَابٍ بَلْ الْأَشْبَهُ أَنْ تَكُونَ تَحْرِيمِيَّةً، وَقَدْ قُرِّرَ أَنَّ الصَّغِيرَةَ تَنْقَلِبُ كَبِيرَةً بِالْإِصْرَارِ وَأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي الِاتِّفَاقِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَفِي الشِّرْعَةِ وَأَحَبُّ الْأَلْوَانِ الْبَيَاضُ وَلُبْسُ الْأَخْضَرِ سُنَّةٌ، وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلُبْسُ الْأَسْوَدِ مُسْتَحَبٌّ (وَلَا بَأْسَ بِتَحْلِيَةُ الْمِنْطَقَةِ وَحَمَائِلِ السَّيْفِ بِالْفِضَّةِ وَيُكْرَهُ بِالذَّهَبِ) ، وَكَذَا اللُّؤْلُؤُ كَمَا نُقِلَ عَنْ السِّرَاجِ لَكِنْ فِي جَامِعِ الْجَوَامِعِ، وَكَذَا بِالْفِضَّةِ (وَ) تُكْرَهُ (الْخِرْقَةُ لِمَسْحِ الْعَرَقِ وَالِامْتِخَاطِ إنْ كَانَتْ مُتَقَوِّمَةً) قِيلَ بِأَنْ كَانَتْ ذَاتَ نُقُوشٍ مِنْ الْحَرِيرِ (لِأَنَّهُ دَلِيلُ الْكِبْرِ) ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَصْدِهِ وَقِيلَ مُقَيَّدٌ ذَلِكَ بِالنِّيَّةِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ كُلُّ مَا فُعِلَ عَلَى وَجْهِ التَّكَبُّرِ يُكْرَهُ، وَمَا لِلْحَاجَةِ لَا (وَيُكْرَهُ سَتْرُ الْحِيطَانِ بِاللُّبُودِ وَنَحْوِهَا لِلزِّينَةِ لَا لِلْحَرِّ أَوْ الْبَرْدِ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِ الرَّجُلِ ثِيَابُ دِيبَاجٍ لَا تُلْبَسُ وَأَوَانٍ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِلتَّجَمُّلِ) لِإِظْهَارِ الْجَمَالِ (لَا لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَأَمَّا تَطْوِيلُ الثَّوْبِ إلَى مَا تَحْتَ الْكَعْبِ، فَإِنْ كَانَ كِبْرًا فَمَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا) وَعَلَامَتُهُ أَنْ لَا يُلْبَسَ إذَا كَانَ قَصِيرًا (وَإِلَّا فَمَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا، وَأَمَّا لُبْسُ الثِّيَابِ الرَّفِيعَةِ) ثَمَنًا أَوْ نَسْجًا (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْكِبْرِ وَالرِّيَاءِ فَجَائِزٌ بَلْ مُسْتَحَبٌّ فِي الْأَعْيَادِ وَالْجُمَعِ وَنَحْوِهِمَا) قِيلَ كَمَجَامِعِ الدَّرْسِ، وَقَدْ سَمِعْت سَابِقًا «أَنَّهُ ﵊ ارْتَدَى بِرِدَاءٍ قِيمَتُهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ بَلْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ» وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بِرِدَاءٍ قِيمَتُهُ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ (وَأَمَّا) الثِّيَابُ (الْخَشِنَةُ) أَيْ الْغَلِيظَةُ (وَالْمُرَقَّعَةُ فَمُسْتَحَبَّةٌ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ إنْ لَمْ يَقْصِدْ) بِلُبْسِهَا (الرِّيَاءَ) وَإِلَّا حَرُمَ (وَلُبْسُ الْمَخِيطِ وَسَتْرُ الرَّأْسِ بِاللِّبَاسِ الْمُتَّصِلِ) بَعْضُهُ بِبَعْضٍ

стр. 1062

(لِلْمُحْرِمِ وَالْوَجْهِ لِلْمُحْرِمَةِ، وَلُبْسُ ثَوْبِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنِهِ) أَمَّا مَعَهُ فَلَا بَأْسَ. (وَمِنْهَا مُمَاسَّةُ بَدَنِ الْأَجْنَبِيَّةِ مُطْلَقًا) بِشَهْوَةٍ أَوْ لَا شَابَّةً أَوْ عَجُوزًا (بِلَا عُذْرٍ إلَّا كَفَّ الْعَجُوزِ لِمَا مَرَّ وَ) مُمَاسَّةُ (عَوْرَةِ الْغَيْرِ مُطْلَقًا) بِشَهْوَةٍ أَوْ لَا مَحْرَمًا أَوْ لَا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (بِلَا عُذْرٍ) كَالتَّدَاوِي (وَالْمُمَاسَّةُ بِشَهْوَةٍ لِغَيْرِ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ) الْحَلَالِ (وَيَدْخُلُ فِي الْمُمَاسَّةِ الْمُضَاجَعَةُ وَالْمُعَانَقَةُ وَالتَّقْبِيلُ وَمُمَاسَّةُ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ إلَى مَا تَحْتَ الرُّكْبَةِ بِلَا حَائِلٍ مِنْ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ الْحَائِضَيْنِ أَوْ النُّفَسَاءَيْنِ) وَيَحِلُّ مُمَاسَّتُهُ فَوْقَ الْإِزَارِ. (وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ تَقْبِيلُ يَدِ الْعَالِمِ) أَيْ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْعِلْمِ إنَّمَا تَكُونُ مَادِحَةً إذَا قُرِنَ بِالْعَمَلِ وَالْعَالِمُ لَا يَكُونُ عَالِمًا إلَّا بِالْخَشْيَةِ - ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]- فَالْمُرَادُ لَيْسَ إلَّا الْعِلْمَ الشَّرْعِيَّ (وَالسُّلْطَانِ الْعَادِلِ) فَإِنَّ الظَّالِمَ لَا يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ الِاخْتِيَارِيَّ (جَائِزٌ وَتَكَلَّمُوا فِي تَقْبِيلِ يَدِ غَيْرِهِمَا قَالَ بَعْضُهُمْ إنْ أَرَادَ بِهِ تَعْظِيمَ الْمُسْلِمِ لِإِسْلَامِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ) ظَاهِرُهُ الشُّمُولُ لِنَحْوِ الْفَاسِقِ وَالظَّالِمِ فَفِيهِ خَفَاءٌ (وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُقَبِّلَ) ظَاهِرُهُ الشُّمُولُ لِنَحْوِ الْوَالِدَيْنِ كَالصُّلَحَاءِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الشُّمُولَ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ أَوْ الْمُقَايَسَةِ (هَذَا) أَيْ الْغَيْرُ (مَعَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْفَتَاوَى) مِنْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يُكْرَهُ أَنْ يُقَبِّلَ الرَّجُلُ فَمَ الرَّجُلِ أَوْ يَدَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ أَوْ يُعَانِقَهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ لَا بَأْسَ بِهِ) انْتَهَى كَلَامُ الْخُلَاصَةِ، وَفِي الدُّرَرِ وَكُرِهَ تَقْبِيلُ الرَّجُلِ وَعِنَاقُهُ فِي إزَارٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ عَلَيْهِ قَمِيصٌ أَوْ جُبَّةٌ لَا يُكْرَهُ، وَعَنْ عَطَاءٍ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ الْمُعَانَقَةِ فَقَالَ أَوَّلُ مَنْ عَانَقَ إبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ كَانَ بِمَكَّةَ فَأَقْبَلَ إلَيْهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ فَلَمَّا وَصَلَ إلَى الْأَبْطَحِ قِيلَ لَهُ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ إبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَرْكَبَ فِي بَلْدَةٍ فِيهَا إبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ فَنَزَلَ ذُو الْقَرْنَيْنِ فَمَشَى إلَى إبْرَاهِيمَ ﵊ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَانَقَهُ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ عَانَقَ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُعَانَقَةِ وَتَجْوِيزِهَا، وَالشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ وَفَّقَ بَيْنَهَا فَقَالَ الْمَكْرُوهُ مَا يَكُونُ بِشَهْوَةٍ وَالْجَائِزُ مَا يَكُونُ تَبَرُّكًا وَإِكْرَامًا انْتَهَى وَلَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِ وَجْهِ الْمَيِّتِ الصَّالِحِ تَبَرُّكًا كَمَا فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ بَيْنَ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ بَعْدَمَا قُبِضَ وَمَا يَفْعَلُهُ الْجُهَّالُ مِنْ تَقْبِيلِ يَدِ نَفْسِهِ إذَا لَقِيَ غَيْرَهُ فَمَكْرُوهٌ وَلَا رُخْصَةَ فِيهِ وَمَا يَفْعَلُونَ مِنْ تَقْبِيلِ الْأَرْضِ بَيْنَ يَدَيْ الْعُلَمَاءِ فَحَرَامٌ وَالْفَاعِلُ وَالرَّاضِي آثِمَانِ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ عِبَادَةَ الْوَثَنِ وَهُوَ لَيْسَ بِكُفْرٍ عِنْدَ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ التَّحِيَّةَ وَكُفْرٌ عِنْدَ السَّرَخْسِيِّ. (وَمِنْهَا السُّكْنَى فِي الْمَسْكَنِ الْمَغْصُوبِ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنِهِ حَتَّى قِيلَ لَا يَجُوزُ

стр. 1063

إجَابَةُ دَعْوَةِ مَنْ سَكَنَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَعِيَادَتُهُ بِلَا إذْنِ صَاحِبِهَا وَمِنْ أَحَادِيثِ مُسْلِمٍ «مَنْ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ إيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» ، وَفِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «مَنْ أَخَذَ مِنْ الْأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقٍّ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى سَبْعِ أَرَضِينَ» ، وَفِي الْجَامِعِ «وَمَنْ اقْتَطَعَ أَرْضًا ظُلْمًا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» ، وَفِي شَرْحِهِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا لِمَالِكٍ مُعَيَّنٍ أَوْ لَا كَبَيْتِ الْمَالِ وَسَوَاءٌ اقْتَطَعَهَا لِلتَّمَلُّكِ أَوْ لِيَزْرَعَهَا فَيَرُدَّهَا وَيَشْمَلُ غَيْرَ الْمَالِ كَجِلْدِ مَيْتَةٍ وَسِرْجِينٍ. (وَمِنْهَا عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا) فِيمَا يُبَاحُ فِي الدِّينِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّ غَايَةَ التَّعْظِيمِ لَا تَجُوزُ إلَّا لِمَنْ لَهُ غَايَةُ الْعَظَمَةِ وَنِهَايَةُ الْأَنْعَامِ وَهُوَ لَيْسَ إلَّا لَهُ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَنْ مُفَسِّرَةً وَلَا نَاهِيَةً ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] بِأَنْ تُحْسِنُوا أَوْ أَحْسِنُوا إحْسَانًا؛ لِأَنَّهُمَا السَّبَبُ الظَّاهِرِيُّ لِلْوُجُودِ وَالتَّعَيُّشِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْبَاءُ بِالْإِحْسَانِ؛ لِأَنَّ صِلَتَهُ لَا تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] أَمَّا إنْ الشَّرْطِيَّةِ زِيدَتْ عَلَيْهَا مَا تَأْكِيدًا وَلِذَا صَحَّ لُحُوقُ النُّونِ الْمُؤَكَّدَةِ بِالْفِعْلِ وَأَحَدُهُمَا فَاعِلُ يَبْلُغَنَّ أَوْ بَدَلٌ عَلَى قِرَاءَةِ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ مِنْ أَلِفِ يَبْلُغَانِ الرَّاجِعِ إلَى الْوَالِدَيْنِ وَكِلَاهُمَا عَطْفٌ عَلَى أَحَدِهِمَا فَاعِلًا أَوْ بَدَلًا وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلْأَلِفِ وَمَعْنَى عِنْدَك أَنْ يَكُونَا فِي كَنَفِك وَكَفَالَتِك. ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] فَلَا تَتَضَجَّرْ مِمَّا يُسْتَقْذَرُ مِنْهُمَا وَيُسْتَثْقَلُ مِنْ مُؤْنَتِهِمَا ﴿أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] وَهُوَ صَوْتٌ يَدُلُّ عَلَى التَّضَجُّرِ وَقِيلَ اسْمٌ هُوَ التَّضَجُّرُ، وَالنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الْإِيذَاءِ قِيَاسًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَقِيلَ عُرْفًا نَهَى عَمَّا يُؤْذِيهِمَا بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِمَا ﴿وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] وَلَا تَزْجُرْهُمَا عَمَّا لَا يُعْجِبُك بِإِغْلَاظٍ وَقِيلَ النَّهْيُ وَالنَّهْرُ وَالنَّهَمُ أَخَوَاتٌ ﴿وَقُلْ لَهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] بَدَلَ التَّأْفِيفِ وَالنَّهْرِ ﴿قَوْلا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] جَمِيلًا لَا سُوءَ فِيهِ ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ٢٤] تَذَلَّلْ لَهُمَا وَتَوَاضَعْ لَهُمَا وَإِضَافَتُهُ إلَى الذُّلِّ لِلْبَيَانِ وَالْمُبَالَغَةِ كَمَا أُضِيفَ حَاتِمٌ إلَى الْجُودِ ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] مِنْ فَرْطِ رَحْمَتِك عَلَيْهِمَا لِافْتِقَارِهِمَا إلَى مَنْ كَانَ أَفْقَرَ خَلْقِ اللَّهِ إلَيْهِمَا ﴿وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٤] وَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرْحَمَهُمَا بِرَحْمَتِهِ الْبَاقِيَةِ وَلَا تَكْتَفِ بِرَحْمَتِك الْفَانِيَةِ، وَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ؛ لِأَنَّ مِنْ الرَّحْمَةِ أَنْ يَهْدِيَهُمَا ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] رَحْمَةً مِثْلَ رَحْمَتِهِمَا عَلَيَّ وَتَرْبِيَتِهِمَا وَإِرْشَادِهِمَا لِي فِي صِغَرِي وَفَاءً بِوَعْدِك لِلرَّاحِمِينَ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ لُقْمَانَ ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان: ١٤] أَيْ بِإِحْسَانِهِمَا وَبِرِّهِمَا ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] الْآيَةَ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - شِدَّةً بَعْدَ شِدَّةٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ ضَعْفًا عَلَى ضَعْفٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ مَشَقَّةً عَلَى مَشَقَّةٍ وَيُقَالُ الْحَمْلُ ضَعْفٌ وَالطَّلْقُ ضَعْفٌ وَالْوَضْعُ ضَعْفٌ وَيُقَالُ لِلْوَالِدَيْنِ عَلَى الْوَلَدِ عَشَرَةُ حُقُوقٍ: الْأَوَّلُ إذَا احْتَاجَا إلَى الطَّعَامِ أَطْعَمْهُمَا

стр. 1064

الثَّانِي: إذَا احْتَاجَا إلَى الْكِسْوَةِ كَسَاهُمَا إنْ قَدَرَ. الثَّالِثُ: إذَا احْتَاجَا إلَى الْخِدْمَةِ خَدَمَهُمَا. الرَّابِعُ: إذَا دَعْوَاهُ أَجَابَهُمَا وَحَضَرَهُمَا. الْخَامِسُ: إذَا أَمَرَاهُ بِأَمْرٍ أَطَاعَهُمَا مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالْمَعْصِيَةِ، وَأَمَّا فِي الشُّبُهَاتِ فَاخْتُلِفَ فَالْأَكْثَرُ الْإِطَاعَةُ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الشُّبْهَةِ وَرَعٌ وَرِضَا الْوَالِدَيْنِ حَتْمٌ، وَقَدْ سَبَقَ لَا يَخْرُجُ فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ بِلَا إذْنٍ، وَأَمَّا الْخُرُوجُ إلَى فَرْضِ الْحَجِّ، فَإِنْ كَانَا أَوْ أَحَدُهُمَا مُحْتَاجَيْنِ إلَى خِدْمَتِهِ فَلَا يَخْرُجُ وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ وَعِنْدَ غَلَبَةِ خَوْفِ الطَّرِيقِ لَا يَخْرُجُ مُطْلَقًا بِلَا إذْنٍ، وَكَذَا سَائِرُ كُلِّ سَفَرٍ؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ يَضُرُّ بِهِمَا وَيُؤْذِيهِمَا كَمَا فِي قَاضِي خَانْ، وَفِي كَنْزِ الْعِبَادِ لَا يُسَافِرُ بِغَيْرِ إذْنِ أُسْتَاذِهِ حَتَّى لَا يَكُونَ عَاقًّا فِي سَفَرِهِ فَلَا يَجِدُ مِنْ بَرَكَاتِ سَفَرِهِ شَيْئًا. انْتَهَى. السَّادِسُ: الْكَلَامُ بِاللِّينِ بِدُونِ عُنْفٍ. السَّابِعُ: لَا يَدْعُوهُمَا بِاسْمِهِمَا. الثَّامِنُ: يَمْشِي خَلْفَهُمَا. التَّاسِعُ: أَنْ يَرْضَى لَهُمَا مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ وَيَكْرَهَ لَهُمَا مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ. الْعَاشِرُ: أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ لَهُمَا بِالْمَغْفِرَةِ كُلَّمَا يَدْعُو لِنَفْسِهِ، وَعَنْ الصَّحَابَةِ تَرْكُ الدُّعَاءِ لِلْوَالِدَيْنِ يُضَيِّقُ الْعَيْشَ وَطَرِيقُ إرْضَائِهِمَا عِنْدَ مَوْتِهِمَا عَلَى السُّخْطِ إنَّمَا يَكُونُ بِصَلَاحِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إلَيْهِمَا مِنْ صَلَاحِهِ وَبِصِلَةِ قَرَابَتِهِمَا وَأَصْدِقَائِهِمَا وَبِالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ لَهُمَا «قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ أَبَوَيَّ قَدْ مَاتَا فَهَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّهِمَا عَلَيَّ شَيْءٌ؟ قَالَ نَعَمْ الِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إلَّا بِهِمَا» . (خ ت س عَنْ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ الْكَبَائِرُ» لَيْسَ الْمُرَادُ الْحَصْرَ فَإِنَّ ذِكْرَ الشَّيْءِ لَا يُنَافِي مَا عَدَاهُ وَمَفْهُومُ الْمُخَالِفِ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ عِنْدَنَا أَوْ الزِّيَادَةُ لَمْ تُوحِ لَهُ ﵊ عِنْدَ هَذَا الْبَيَانِ فَلَا يُنَافِي الزِّيَادَةَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى «الْإِشْرَاكُ» بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ نَحْوِ شَجَرٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ شَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ أَوْ نَبِيٍّ أَوْ شَيْخٍ أَوْ جِنِّيٍّ أَوْ نَجْمٍ، ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ الْإِشْرَاكِ مُطْلَقُ الْكُفْرِ وَتَخْصِيصُ الشِّرْكِ لِغَلَبَتِهِ فِي الْوُجُودِ حَالَتَئِذْ وَاحْتِمَالُ إرَادَةِ تَخْصِيصِهِ رُدَّ بِأَنَّ بَعْضَ الْكُفْرِ أَقْبَحُ مِنْ الشِّرْكِ وَهُوَ التَّعْطِيلُ؛ لِأَنَّهُ نَفْيٌ مُطْلَقٌ وَالْإِشْرَاكُ إثْبَاتٌ مُقَيَّدٌ ( «وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» مَصْدَرُ عَقَّ يُقَالُ عَقَّ وَالِدَهُ يَعُقُّهُ عُقُوقًا فَهُوَ عَاقٌّ إذَا آذَاهُ وَعَصَاهُ وَخَرَجَ عَلَيْهِ، وَفِي الْفَيْضِ، وَإِنْ عَلَوْا كَالْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ وَالْعُقُوقُ كُلُّ مَا يَتَأَذَّى بِهِ الْوَالِدُ تَأَذِّيًا لَيْسَ بِهَيِّنٍ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ الْأَفْعَالِ الْوَاجِبَةِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ كَابْنِ الصَّلَاحِ انْتَهَى لَكِنَّ فِيهِ نَوْعَ تَأَمُّلٍ بِمَا ذُكِرَ آنِفًا «وَقَتْلُ النَّفْسِ» بِغَيْرِ حَقٍّ «وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ» طط عَنْ ثَوْبَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (عَنْ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «ثَلَاثٌ لَا يَنْفَعُ مَعَهُنَّ عَمَلٌ» أَيْ مَعَ كُلٍّ مِنْهُنَّ نَفْعًا تَامًّا أَوْ رَأْسًا إنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ «الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» بِأَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ مَا يَتَأَذَّى بِهِ الْوَالِدُ مِنْ وَلَدِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مَا لَمْ يَتَعَنَّتْ الْوَالِدُ وَضَبَطَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِوُجُوبِ طَاعَتِهِمَا فِي الْمُبَاحِ فِعْلًا وَتَرْكًا وَنَدْبًا فِي الْمَنْدُوبِ وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ كَذَلِكَ «وَالْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ» حِينَ لَا يَجُوزُ الْفِرَارُ كَكَوْنِهِمْ ضِعْفَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ عَنْ الْبَيْهَقِيّ فِي سَنَدِ الْحَدِيثِ يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ (حك طب عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «كُلُّ الذُّنُوبِ يُؤَخِّرُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا» أَيْ مِنْ عُقُوبَتِهَا وَانْتِقَامِهَا «مَا شَاءَ اللَّهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» إمْهَالًا «إلَّا عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ فَإِنَّ اللَّهَ يُعَجِّلُهُ لِصَاحِبِهِ فِي الْحَيَاةِ» الدُّنْيَا «قَبْلَ الْمَمَاتِ» وَلَا يَغْتَرُّ الْعَاقُّ بِالتَّأْخِيرِ بَلْ يَقَعُ، وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِنْ ظُهُورِهِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. (طط عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «إيَّاكُمْ وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ فَإِنَّ رِيحَ الْجَنَّةِ» فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ

стр. 1065

«يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ» لَا يُتَوَهَّمُ التَّنَافِي بِمَا وَرَدَ أَنَّهُ يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعَمَلِ قُوَّةً وَضَعْفًا قِلَّةً وَكَثْرَةً «وَاَللَّهِ لَا يَجِدُهَا» أَيْ رِيحَهَا «عَاقٌّ» نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتُفِيدُ الْعُمُومَ وَتَشْمَلُ الْقِلَّةَ أَيْضًا «وَلَا قَاطِعُ رَحِمٍ» وَاجِبٌ صِلَتُهَا، وَقَدْ تَمَكَّنَ مِنْهُ «وَلَا شَيْخٌ زَانٍ» لِأَنَّ ارْتِكَابَ الزِّنَا مَعَ خُمُودِ شَهْوَتِهِ نَاشِئٌ مِنْ تَمَرُّدِهِ وَنِسْيَانِ آخِرَتِهِ وَقِلَّةِ خَوْفِ رَبِّهِ «وَلَا جَارٌّ» اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ جَرَّ بِمَعْنَى سَحَبَ «إزَارَهُ خُيَلَاءَ» أَيْ كِبْرًا «إنَّمَا الْكِبْرِيَاءُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» لِأَنَّ الْكِبْرِيَاءَ مِمَّا خُصَّ بِهِ تَعَالَى وَصَدْرُ الْحَدِيثِ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ «يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ اتَّقُوا اللَّهَ وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ ثَوَابٍ أَسْرَعَ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ وَإِيَّاكُمْ وَالْبَغْيَ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عُقُوبَةٍ أَسْرَعَ مِنْ عُقُوقِ الْبَغْيِ» الْحَدِيثَ وَفِي تَبْيِينِ الْمَحَارِمِ عَنْ الْبُخَارِيِّ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَأْذَنَ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» . وَفِي رِوَايَةٍ «قَالَ جِئْت أُبَايِعُك عَلَى الْهِجْرَةِ وَتَرَكْت أَبَوِيَّ يَبْكِيَانِ قَالَ ارْجِعْ إلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا» وَفِي رِوَايَةٍ «أَتَى رَجُلٌ إلَيْهِ ﵊، وَقَالَ إنِّي أَشْتَهِي الْجِهَادَ وَلَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ فَقَالَ هَلْ بَقِيَ مِنْ وَالِدَيْك أَحَدٌ فَقَالَ أُمِّي فَقَالَ قَابِلْ اللَّهَ فِي بِرِّهَا فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ فَأَنْتَ حَاجٌّ وَمُعْتَمِرٌ وَمُجَاهِدٌ» رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ وَفِي رِوَايَةٍ «الْزَمْ رِجْلَهَا فَثَمَّ الْجَنَّةُ» . «وَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّهُمَا عَلَى وَلَدِهِمَا؟ قَالَ: هُمَا جَنَّتُك وَنَارُك» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَرُوِيَ أَنَّ «رَجُلًا أَتَى أَبَا الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَالَ إنَّ لِي امْرَأَةً وَأُمِّي تَأْمُرُنِي بِطَلَاقِهَا فَقَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ الْوَالِدَانِ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ شِئْت فَأَضِعْ ذَلِكَ الْبَابَ أَوْ احْفَظْهُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. ، وَعَنْ «ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ أُحِبُّهَا وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُهَا فَقَالَ طَلِّقْهَا فَأَبَيْت فَأَتَى عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لِي ﵊ طَلِّقْهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. ، وَقَالَ ﵊ «مَنْ بَرَّ وَالِدَيْهِ طُوبَى لَهُ وَزَادَ اللَّهُ فِي عُمْرِهِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ قِيلَ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَوْ أَحَدَهُمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «صَعِدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمِنْبَرَ فَقَالَ آمِينَ آمِينَ آمِينَ فَقَالَ أَتَانِي جَبْرَائِيلُ ﵊ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ أَحَدَ أَبَوَيْهِ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقُلْ آمِينَ فَقُلْت آمِينَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَمَاتَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَأُدْخِلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ فَقُلْ آمِينَ فَقُلْت آمِينَ فَقَالَ وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْك فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ فَقُلْ آمِينَ فَقُلْت آمِينَ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ. «وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ شَهِدْت أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهَ وَأَنَّك رَسُولُ اللَّهِ وَصَلَّيْت الْخَمْسَ وَأَدَّيْت الزَّكَاةَ وَصُمْت رَمَضَانَ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ مَاتَ عَلَى هَذَا كَانَ مَعَ النَّبِيِّينَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَكَذَا وَنَصَبَ أُصْبُعَيْهِ مَا لَمْ يَعُقَّ وَالِدَيْهِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَمَّا كَانَتْ حُرْمَةُ الْعُقُوقِ مِنْ النُّصُوصِ مُطْلَقَةً وَلَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ فِي نَفْسِهِ عَلَى إطْلَاقِهَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (اعْلَمْ أَنَّ الْعُقُوقَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْمُخَالَفَةِ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ) الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الَّذِي اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ مَعْصِيَةً مِثْلَ أَكْلِ صَوْمِ النَّفْلِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَفِيهِ أَيْضًا عُقُوقٌ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ (إذْ لَا طَاعَةَ لِلْمَخْلُوقِ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ وَإِلَيْهِ) أَيْ فِي عَدَمِ الْإِطَاعَةِ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ (أَشَارَ تَعَالَى بِقَوْلِهِ - ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٥] الْآيَةَ) وَالْآيَةُ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْإِطَاعَةِ فِي الشِّرْكِ لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ قَالُوا الْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْمَعَاصِي قِيَاسًا عَلَيْهِ بِجَامِعِ مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ

стр. 1066

تَعَالَى بِالِاخْتِيَارِ كَذَا ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي، أَقُولُ قُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ يَعْنِي الْمُشَارَكَةَ فِي مُطْلَقِ الْجِنْسِ مَا لَمْ يَكُنْ جِنْسًا أَبْعَدَ كَافِيَةٌ فِي الْقِيَاسِ فَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ. وَفِي الْجَامِعِ «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ يُجْزِئُ عَنْ الْجِهَادِ أَيْ: يَقُومُ مَقَامَهُ» فَكَأَنَّهُ لِوَقْعَةٍ خَاصَّةٍ مُقْتَضِيَةٍ لِذَلِكَ وَإِلَّا فَمَرْتَبَةُ الْجِهَادِ أَعْلَى وَأَعْظَمُ. وَفِيهِ أَيْضًا بِرُّ الْوَالِدَيْنِ يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ كَمَا فِي الْكُتُبِ السَّابِقَةِ أَيْضًا فَفِي السَّفْرِ الثَّانِي مِنْ التَّوْرَاةِ أَكْرِمْ أَبَاك وَأُمَّك لِيَطُولَ عُمْرُك فِي الْأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكهَا الرَّبُّ إلَهُك، وَفِيهِ أَيْضًا بِرُّوا آبَاءَكُمْ أَيْ وَأُمَّهَاتِكُمْ يَبَرَّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ، وَفِي الْمِفْتَاحِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ، وَقَالَ «بِرُّ الْوَالِدَةِ عَلَى الْوَالِدِ ضِعْفَانِ» . وَقَالَ «الْوَالِدَةُ أَسْرَعُ إجَابَةً قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ: هِيَ أَرْحَمُ مِنْ الْأَبِ وَدَعْوَةُ الرَّحِيمِ لَا تَسْقُطُ» قَالَ أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْغُلَامُ يُعَقُّ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ وَيُسَمَّى وَيُمَاطُ عَنْهُ الْأَذَى فَإِذَا بَلَغَ سِتَّ سِنِينَ أُدِّبَ فَإِذَا بَلَغَ تِسْعَ سِنِينَ عُزِلَ فِرَاشُهُ فَإِذَا بَلَغَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ ضُرِبَ عَلَى الصَّلَاةِ فَإِذَا بَلَغَ سِتَّ عَشَرَةَ زَوَّجَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ، وَقَالَ أَدَّبْتُك وَعَلَّمْتُك وَأَنْكَحْتُك أَعُوذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ فِتْنَتِك فِي الدُّنْيَا وَعَذَابِك فِي الْآخِرَةِ» وَقِيلَ وَلَدُك رَيْحَانَتُك سَبْعًا وَخَادِمُك تِسْعًا، ثُمَّ هُوَ عَدُوُّك أَوْ صَدِيقُك، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حَقُّ كَبِيرِ الْإِخْوَةِ عَلَى صَغِيرِهِمْ كَحَقِّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ» انْتَهَى وَفِي الْمُنَاوِيِّ عِنْدَ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْ فِي وُجُوبِ احْتِرَامِهِ وَتَعْظِيمِهِ وَتَوْقِيرِهِ وَعَدَمِ مُخَالَفَةِ مَا يُشِيرُ بِهِ وَيَرْتَضِيهِ (وَأَنَّ الْكُفْرَ لَا يَحِلُّ) أَيْ لَا يَجْعَلُ حَلَالًا (الْعُقُوقَ) لِلْوَالِدَيْنِ فِي الْفَيْضِ عَنْ الرَّازِيّ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]- غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُرَتَّبَ عَلَى الْوَصْفِ مُشْعِرٌ بِعِلِّيَّةِ الْوَصْفِ فَالْعِلَّةُ مُجَرَّدُ كَوْنِهِمَا وَالِدَيْنِ، وَلَوْ كَافِرَيْنِ وَقِيلَ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]- أُنْزِلَتْ فِي الْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ (حَتَّى يَجِبَ عَلَى الْمُسْلِمِ نَفَقَةُ الْوَالِدَيْنِ الْكَافِرَيْنِ) ، وَكَذَا الْكِسْوَةُ وَالسُّكْنَى إمَّا بِعُمُومِ الْمَجَازِ أَوْ تَغْلِيبٍ أَوْ بِطَرِيقِ الْمُقَايَسَةِ (وَخِدْمَتُهُمَا وَبِرُّهُمَا وَزِيَارَتُهُمَا إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يَجْلِبَاهُ إلَى الْكُفْرِ) بِحَدَاثَةِ سِنِّهِ أَوْ بِحَدَاثَةِ إسْلَامِهِ وَلَمْ تَرْسُخْ قَوَاعِدُ الْإِسْلَامِ فِي قَلْبِهِ (فَيَجُوزُ أَنْ لَا يَزُورَ حِينَئِذٍ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ) وَمُقْتَضَى التَّفْرِيعِ أَنْ يَضُمَّ الْخِدْمَةَ لَا سِيَّمَا الْخِدْمَةُ فِي دَاخِلِ الْبَيْتِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الِاضْطِرَارِ فَالْهَلَاكُ عِنْدَ عَدَمِ الْخِدْمَةِ قَطْعِيٌّ وَالْجَلْبُ إلَى الْكُفْرِ وَهْمِيٌّ (وَلَا يَقُودُهُمَا إلَى الْبِيعَةِ) مَثَلًا (وَيَقُودُهُمَا مِنْهَا إلَى الْمَنْزِلِ) ؛ لِأَنَّ الْقَوَدَ إلَيْهَا مَعْصِيَةٌ بِخِلَافِهِ إلَى الْمَنْزِلِ. (تَتِمَّةٌ) فِي تَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ فَلَا يُرْضِعُ إلَّا صَالِحَةٌ لَا تَأْكُلُ الْحَرَامَ فَإِنَّ اللَّبَنَ الْحَاصِلَ مِنْ الْحَرَامِ لَا بَرَكَةَ لَهُ، وَإِذَا رَضَعَ مِنْهُ مَالَ طَبْعُهُ إلَى مَا يُنَاسِبُهُ مِنْ الْخَبَائِثِ، ثُمَّ يُعَلِّمُهُ آدَابَ الْأَكْلِ بِحَيْثُ لَا يُوَالِي اللُّقَمَ وَلَا يُلَطِّخُ يَدَهُ وَثَوْبَهُ، وَيَذُمُّ عِنْدَهُ سَيِّئَ الْأَخْلَاقِ مِنْ الصِّبْيَانِ، وَيَمْدَحُ حِسَانَ أَخْلَاقِهِمْ، ثُمَّ يَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ إلَى الْمَكْتَبِ لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَيَذْكُرَ عِنْدَهُ أَحَادِيثَ الْأَنْبِيَاءِ وَمَنَاقِبَ الصُّلَحَاءِ، وَيَحْفَظُهُ عَمَّنْ لَا يَضْبِطُ لِسَانَهُ عَنْ الْفُحْشِ وَلَا جَوَارِحَهُ عَنْ الْقَبَائِحِ كَالشُّعَرَاءِ فَإِذَا صَدَرَ مِنْهُ خُلُقٌ جَمِيلٌ أَوْ فِعْلٌ حَسَنٌ يُكْرَمُ وَيُجَازَى عَلَيْهِ بِمَا يَفْرَحُ بِهِ وَيُمْدَحُ بِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ النَّاسِ، فَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ أَحْيَانًا يُتَغَافَلُ وَلَا يُكْشَفُ، فَإِنْ عَادَ ثَانِيًا يُعَاقَبُ سِرًّا وَيُهَدِّدُهُ وَيَجْعَلُ الْأَمْرَ عَظِيمًا وَلَا يُكْثِرُ التَّخْوِيفَ بِالْعِقَابِ فِي كُلِّ حِينٍ، وَالْأُمُّ تُخَوِّفُهُ بِالْأَبِ وَتَزْجُرُهُ بِالْقَبَائِحِ، وَيُعَوَّدُ الْخُشُونَةَ مِنْ الطَّعَامِ وَالْمَلْبَسِ وَالْمِفْرَشِ، وَيُعَوَّدُ التَّوَاضُعَ وَالْحِلْمَ وَالْإِكْرَامَ لِكُلِّ مَنْ عَاشَرَهُ، وَيُعَلَّمُ الْعَطَاءَ وَيُمْنَعُ الْأَخْذَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ وَيُقَبَّحُ إلَيْهِ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ وَالطَّمَعُ، وَيُعَلَّمُ آدَابَ الْجُلُوسِ عِنْدَ النَّاسِ وَيُمْنَعُ مِنْ كَثْرَةِ الْكَلَامِ وَيُؤْذَنُ بَعْدَ الْمَكْتَبِ أَوْ التَّعْلِيمِ بِاللَّعِبِ الْيَسِيرِ لِئَلَّا يَذْهَبَ ذَكَاؤُهُ وَيَمُوتَ قَلْبُهُ وَيُعَلَّمُ طَاعَةَ الْوَالِدَيْنِ وَطَاعَةَ مُعَلِّمِهِ وَمُؤَدِّبِهِ وَمَنْ هُوَ أَكْبَرُ سِنًّا مِنْهُ وَقَوَاعِدَ إكْرَامِهِمْ وَيُمْنَعُ مِنْ اللَّعِبِ فِي مَحْضَرِهِمْ وَيُعَلِّمُهُ مِنْ حُدُودِ الشَّرْعِ، وَيُخَوِّفُهُ مِنْ

стр. 1067

نَحْوِ السَّرِقَةِ وَالْحَرَامِ وَمِنْ نَحْوِ الْغَيْبَةِ وَالْكَذِبِ وَفُحْشِيَّاتِ الْكَلَامِ، وَيُعَلِّمُهُ فَنَاءَ الدُّنْيَا وَزَوَالَهَا وَأَنَّ الْمَوْتَ مُنْتَظَرٌ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَيُرَغِّبُهُ فِي نَعِيمِ الْجَنَّةِ وَمَا يَدْعُو إلَيْهَا، وَيُخَوِّفُهُ النَّارَ وَمَا يَكُونُ بَاعِثًا إلَيْهَا وَيَقُولُ إنَّ الْجَنَّةَ لِمَنْ كَانَ قَارِئًا وَعَالِمًا وَالنَّارَ لِمَنْ كَانَ جَاهِلًا وَفَاسِقًا. وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّبِيَّ خُلِقَ جَوْهَرَةً قَابِلَةً لِلنَّقْشِ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ جَمِيعًا وَإِنَّمَا أَبَوَاهُ يَمِيلَانِ بِهِ إلَى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ قَالَ ﵊ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ» فَأَكْلُ الْحَرَامِ مَنْشَأٌ لِكَوْنِ الْوَلَدِ شِرِّيرًا فَإِنَّهُمَا عِنْدَ عَدَمِ اجْتِنَابِهِمَا مِنْ الْحَرَامِ يَكُونُ طَبْعُ الْوَلَدِ مَائِلًا إلَى كُلِّ الشَّرِّ، وَفِي هَذَا الزَّمَانِ أَكْثَرُ النَّاسِ شِرِّيرًا وَفَاسِقًا إنَّمَا هُوَ مِنْ حُصُولِهِمْ مِنْ لُقْمَةِ الْحَرَامِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَفِي الشِّرْعَةِ وَيُعَلَّمُ الْكِتَابَ إذَا عَقَلَ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَيُعَلَّمُ السِّبَاحَةَ وَالرَّمْيَ وَلَا يَرْزُقُهُ إلَّا طَيِّبًا وَأَنَّ الْوَلَدَ أَمَانَةُ اللَّهِ أَوْدَعَهُ إيَّاهَا طَاهِرًا مُطَهَّرًا فَيَجْتَهِدُ فِي صِيَانَةِ دِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَيُؤَدِّبُهُ بِآدَابِ اللَّهِ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْقُرَبِ فَإِنَّهُ مَسْئُولٌ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمُؤَاخَذٌ بِالتَّقْصِيرِ، فَإِذَا تَكَلَّمَ يُعَلِّمُهُ أَوَّلًا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وقَوْله تَعَالَى ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦] وَيُلَقِّنُهُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَآخِرَ سُورَةِ الْحَشْرِ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُحَاسِبْهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُعَوِّدُهُ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَثَوَابِهِ لِلْوَالِدِ، وَيُسَوِّي بَيْنَ أَوْلَادِهِ فِي الْعَطَاءِ، وَيُعَاشِرُ الْأَوْلَادَ بِالْمَرْحَمَةِ وَالْعَطْفِ وَاللِّينِ، وَيُقَبِّلُهُمْ عَنْ شَفَقَةٍ وَرَأْفَةٍ وَيُبَاسِطُهُمْ فِي الْكَلَامِ وَاللَّعِبِ الْمُبَاحِ «وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُدْلِعُ لِسَانَهُ لِلْحَسَنِ» فَإِذَا رَأَى الصَّبِيُّ حُمْرَةَ لِسَانِهِ يَهْتَدِي وَلَا يَضِيقُ قَلْبُهُ بِبُكَاءِ الرَّضِيعِ فَإِنَّهُ ذِكْرٌ وَتَهْلِيلٌ وَتَحْمِيدٌ وَاسْتِغْفَارٌ لِوَالِدَيْهِ. [قَطْعُ الرَّحِمِ] (وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ الْآفَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ (قَطْعُ الرَّحِمِ) وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ (م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ» أَيْ قَدَّرَ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي عِلْمِهِ السَّابِقِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ وَقْتَ جُهُودِهِمْ «حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْهُمْ» أَيْ أَتَمَّ قَضَاءَهُمْ وَالْفَرَاغُ تَمْثِيلٌ وَقَوْلُ الْأَكْمَلِ خَلَقَ إنْ كَانَ بِمَعْنَى أَوْجَدَ فَالْفَرَاغُ عَلَى حَقِيقَتِهِ رُدَّ بِأَنَّ الْفَرَاغَ الْحَقِيقِيَّ بَعْدَ الشُّغْلِ وَاَللَّهُ لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ ثُمَّ إنَّ ذَا بَعْدَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِبْرَازِهِمَا لِلْوُجُودِ أَوْ بَعْدَ خَلْقِهِمَا كَتَبَ فِي اللَّوْحِ أَوْ بَعْدَ انْتِهَاءِ خَلْقِ أَرْوَاحِ بَنِي آدَمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] «قَامَتْ الرَّحِمُ» حَقِيقَةً بِأَنْ تَتَجَسَّدَ وَتَتَكَلَّمَ، وَالْقُدْرَةُ صَالِحَةٌ، أَوْ هُوَ تَمْثِيلٌ وَاسْتِعَارَةٌ إذْ الرَّحِمُ مَعْنًى وَهُوَ الِاتِّصَالُ الْقُرْبِيُّ مِنْ النَّسَبِ فَشُبِّهَتْ بِمَنْ يَحْتَاجُ إلَى الصِّلَةِ فَاسْتَعَاذَتْ مِنْ الْقَطِيعَةِ وَالْمُرَادُ تَفْخِيمُ شَأْنِهَا «فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ» الْحَقْوُ شَدُّ الْإِزَارِ كِنَايَةً عَنْ كَمَالِ التَّذَلُّلِ وَالتَّوَاضُعِ وَالتَّضَرُّعِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى خَوْفًا مِنْ الْقَطِيعَةِ كَمَا أَنَّ أَخْذَ حَقْوِ إنْسَانٍ دَالٌّ عَلَى كَمَالِ تَضَرُّعِ الْآخِذِ وَتَذَلُّلِهِ لِأَجْلِ حُصُولِ مُرَادِهِ؛ لِأَنَّ عَادَةَ الْمُسْتَجِيرِ أَنْ يَأْخُذَ بِذَيْلِ الْمُسْتَجَارِ بِهِ أَوْ بِطَرَفِ إزَارِهِ وَرُبَّمَا يَأْخُذُ بِحَقْوِ إزَارِهِ تَفْضِيحًا لِأَمْرِهِ وَمُبَالَغَةً وَتَوْكِيدًا فِي الِاسْتِجَارَةِ فَكَأَنَّهُ يُشِيرُ بِهِ إلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ أَنْ يَحْرُسَهُ وَيَذُبَّ عَنْهُ وَأَنَّهُ لَاصِقٌ بِهِ وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُ فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِلرَّحِمِ وَاسْتِعَاذَتِهَا بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْقَطِيعَةِ وَهُوَ أَيْضًا مَجَازٌ إدْنَاءً لِلْمَعْنَى الْمَعْقُولِ إلَى الْمِثَالِ الْمَحْسُوسِ الْمُعْتَادِ بَيْنَهُمْ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إلَى فَهْمِهِمْ وَأَمْكَنَ فِي نُفُوسِهِمْ لَا أَنَّ ثَمَّةَ حَقِيقَةَ قِيَامٍ وَصُورَةَ كَلَامٍ كَمَا تَقُولُ أَرَدْت أَنْ أَقْطَعَ مَحَبَّتَك فَقَامَتْ مَحَبَّتُك فَثَبَتَتْ بِقَلْبِي أَوْ الْمُرَادُ بِقِيَامِهَا قِيَامُ مَلَكٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ عَلَى لِسَانِهَا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الرَّحِمُ مُصَوَّرَةً بِصُورَةٍ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى «فَقَالَ» تَعَالَى لَهَا «مَهْ» أَيْ اُسْكُتِي وَاكْفُفِي عَنْ هَذَا «قَالَتْ» أَيْ الرَّحِمُ مَقَالًا أَوْ حَالًا «هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِك» أَيْ مَقَامِي هَذَا مَقَامُ الْمُسْتَجِيرِ بِك «مِنْ الْقَطِيعَةِ» يَعْنِي سَبَبُ عِيَاذِي بِحَقْوِك خَشْيَةَ أَنْ يَقْطَعَنِي أَحَدٌ «قَالَ» تَعَالَى «نَعَمْ أَمَا تَرْضَيْنَ» خِطَابٌ لِلرَّحِمِ وَالِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيرِ لِمَا بَعْدَ

стр. 1068

مَا النَّافِيَةِ «أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَك» بِأَنْ أَعْطِفَ وَأُحْسِنَ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَظِيمِ إحْسَانِهِ «وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَك» كِنَايَةٌ عَنْ حِرْمَانِ إنْعَامِهِ «قَالَتْ بَلَى قَالَ» تَعَالَى «فَذَلِكَ» أَيْ الْحُكْمُ السَّابِقُ حَصَلَ «لَكِ» بِكَسْرِ الْكَافِ فِيهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ بِالْمَالِ وَنَحْوِ عَوْنٍ عَلَى حَاجَةٍ وَدَفْعِ ضُرٍّ وَطَلَاقَةِ وَجْهٍ وَدُعَاءٍ وَالْمَعْنَى الْجَامِعُ إيصَالُ الْمُمْكِنِ مِنْ خَيْرٍ وَدَفْعُ الْمُمْكِنِ مِنْ شَرٍّ وَهَذَا إنَّمَا يَطَّرِدُ إنْ اسْتَقَامُوا وَإِلَّا، فَإِنْ فَجَرُوا فَقَطِيعَتُهُمْ فِي اللَّهِ صِلَتُهُمْ بِشَرْطِ بَذْلِ الْجَهْدِ فِي وَعْظِهِمْ وَمِنْ ثَمَّةَ قَتَلَ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبَاهُ كَافِرًا غَضَبًا لِلَّهِ وَنُصْرَةً لِدِينِهِ « (ثُمَّ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢] فَهَلْ يُتَوَقَّعُ مِنْكُمْ ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢] أُمُورَ النَّاسِ وَتَأَمَّرْتُمْ عَلَيْهِمْ أَوْ أَعْرَضْتُمْ وَتَوَلَّيْتُمْ عَنْ الْإِسْلَامِ ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] » وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ لِضَعْفِهِمْ فِي الدِّينِ وَحِرْصِهِمْ عَلَى الدُّنْيَا أَحِقَّاءٌ بِأَنْ يَتَوَقَّعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَنْ عَرَفَ حَالَهُمْ وَيَقُولَ لَهُمْ هَلْ عَسَيْتُمْ ﴿أُولَئِكَ﴾ [محمد: ٢٣] إشَارَةٌ إلَى الْمَذْكُورِينَ ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [محمد: ٢٣] لِإِفْسَادِهِمْ وَقَطْعِهِمْ الْأَرْحَامَ ﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾ [محمد: ٢٣] عَنْ اسْتِمَاعِ الْحَقِّ ﴿وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣] فَلَا يَهْتَدُونَ إلَى سَبِيلِهِ ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [محمد: ٢٤] يَتَفَحَّصُونَهُ وَمَا فِيهِ مِنْ الْمَوَاعِظِ وَالزَّوَاجِرِ حَتَّى لَا يَجْتَرِئُوا عَلَى الْمَعَاصِي ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤] لَا يَصِلُ إلَيْهَا ذِكْرٌ وَلَا يَنْكَشِفُ لَهَا أَمْرٌ أَوْ بِمَعْنَى بَلْ عَلَى قُلُوبٍ أَغْطِيَتُهَا بِشُؤْمِ أَعْمَالِهِمْ أَيْ الْقَبِيحَةِ فَلِذَلِكَ لَا يَتَدَبَّرُونَهُ وَلَا يَعْتَنُونَهُ (صب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «أَنَّ الرَّحْمَةَ لَا تَنْزِلُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِعُ رَحِمٍ» بِنَحْوِ إيذَاءٍ وَهَجْرٍ، أَرَادَ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ يُسَاعِدُونَ عَلَى قَطِيعَتِهَا وَلَا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ أَوْ هُوَ عَلَى الْعُمُومِ لِقُوَّةِ جُرْمِهِ يَعُودُ عَلَى جُلَسَائِهِ بِالْحِرْمَانِ، وَالْمُرَادُ بِالرَّحْمَةِ الْمَطَرُ فَيَحْبِسُ عَنْهُمْ الْمَطَرَ بِشُؤْمِ الْمَعَاصِي، وَهَذَا وَعِيدٌ عَظِيمٌ وَيُحْتَمَلُ تَخْصِيصُ هَذَا بِمَا إذَا عَلِمُوا فَلَمْ يَمْنَعُوهُ وَلَمْ يُخْرِجُوهُ مِنْ بَيْنِهِمْ وَيُحْتَمَلُ عَدَمُ الْعِلْمِ بِحَالِهِ أَنْ لَا يَكُونَ عُذْرًا بَلْ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ اعْتِنَاءِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَأَنَّهُمْ لَا يَفْتَقِدُونَ بَعْضَهُمْ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى طَلَبِ هَجْرِ الْقَاطِعِ فِي الْمَجْلِسِ وَيَنْبَغِي تَرْكُ مُجَاوَرَتِهِ لِمَنْ تَيَسَّرَ لَهُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا يُرَافِقُ فِي سَفَرِهِ وَنَحْوِهِ قِيلَ ضَعَّفَهُ الْمُنْذِرِيُّ، وَعَنْ الْبَيْهَقِيّ فِيهِ أَبُو آدَمَ الْمُحَارِبِيُّ وَهُوَ كَذَّابٌ كَذَا فِي الْفَيْضِ (طب عَنْ الْأَعْمَشِ أَنَّهُ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ جَالِسًا بَعْدَ الصُّبْحِ فِي حَلْقَةٍ) مِنْ النَّاسِ (فَقَالَ أُنْشِدُ اللَّهَ) تَعَالَى أَيْ سَأَلْت بِاَللَّهِ تَعَالَى (قَاطِعَ رَحِمٍ) مَفْعُولٌ ثَانٍ (لَمَّا قَامَ عَنَّا) أَيْ إلَّا قَامَ عَنْ مَجْلِسِنَا وَلَمْ يَجْلِسْ مَعَنَا (فَإِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَدْعُوَ رَبَّنَا) بِحَوَائِجِنَا الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ (وَإِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ مُرْتَجَّةٌ) أَيْ مُغْلَقَةٌ (دُونَ قَاطِعِ رَحِمٍ) فَإِذَا دَعَا مَعَنَا

стр. 1069

يُرَدُّ دُعَاؤُهُ عَلَيْهِ وَبِسَبَبِهِ يُرَدُّ دُعَاؤُنَا عَلَيْنَا. (اعْلَمْ أَنَّ قَطْعَ الرَّحِمِ حَرَامٌ) كَبِيرَةٌ (وَوَصْلُهَا وَاجِبٌ وَمَعْنَاهُ) أَيْ الْوَصْلُ (أَنْ لَا يَنْسَاهَا) أَيْ الرَّحِمَ (وَيَتَفَقَّدَهَا بِالزِّيَارَةِ) وَبِالْوُصُولِ إلَى الْمَنْزِلِ (أَوْ الْإِهْدَاءِ) لَمَّا قَدَرَ عَلَيْهِ (أَوْ الْإِعَانَةِ بِالْيَدِ أَوْ الْقَوْلِ وَأَقَلُّهُ) أَدْنَاهُ (التَّسْلِيمُ) بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ (أَوْ إرْسَالُ السَّلَامِ) إنْ بَعِيدًا (أَوْ الْمَكْتُوبُ وَلَا تَوْقِيتَ فِيهِ) وَقْتًا مُعَيَّنًا بَلْ الْمُعْتَبَرُ الْعُرْفُ الْمَأْلُوفُ لَا كَمَا يَقُولُ بَعْضُ أَبْنَاءِ الزَّمَانِ إنَّهُ مُقَدَّرٌ بِثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ، وَفِي الدُّرَرِ صِلَةُ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ، وَلَوْ بِسَلَامٍ وَهَدِيَّةٍ وَتَحِيَّةٍ، وَهِيَ مُعَاوَنَةُ الْأَقَارِبِ وَالْإِحْسَانُ إلَيْهِمْ وَالتَّلَطُّفُ بِهِمْ وَالْمُجَالَسَةُ لَهُمْ وَالْمُكَالَمَةُ مَعَهُمْ وَيَزُورُ ذَا الْأَرْحَامِ غِبًّا فَإِنَّ ذَلِكَ يُزِيدُ الْفَتَى حُبًّا بَلْ يَزُورُ أَقْرِبَاءَهُ كُلَّ جُمُعَةٍ أَوْ شَهْرٍ وَتَكُونُ كُلُّ قَبِيلَةٍ وَعَشِيرَةٍ يَدًا وَاحِدَةً فِي التَّنَاصُرِ وَالتَّظَاهُرِ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ فِي إظْهَارِ الْحَقِّ وَلَا يَرُدُّ بَعْضُهُمْ حَاجَةَ بَعْضٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْقَطِيعَةِ وَيَنْزِلُ الْعَمُّ وَالْأَخُ وَالْخَالُ مَنْزِلَةَ الْوَالِدِ وَتَنْزِلُ الْخَالَةُ وَالْعَمَّةُ مَنْزِلَةَ الْأُمِّ فِي التَّوْقِيرِ وَالطَّاعَةِ، وَفِي الْخِدْمَةِ كَمَا فِي الشِّرْعَةِ (وَيَجِبُ لِكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ) ، وَفِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ اخْتَلَفُوا فِي الرَّحِمِ الَّتِي يَجِبُ صِلَتُهَا قَالَ قَوْمٌ هِيَ قَرَابَةُ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، وَقَالَ آخَرُونَ هِيَ قَرَابَةُ كُلِّ قَرِيبٍ مَحْرَمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ قَالَ النَّوَوِيُّ لِلصِّلَةِ دَرَجَاتٌ بِاعْتِبَارِ يُسْرِ الْوَاصِلِ أَوْ عُسْرِهِ وَأَدْنَاهُ تَرْكُ الْمُهَاجَرَةِ عَنْ قَرِيبِهِ. (وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِ الْمَحْرَمِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ ذِي الرَّحِمِ كَبِنْتِ الْعَمِّ وَالْخَالِ (وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ جَوَازُ النِّكَاحِ) لِأَنَّهُ أَمَارَةُ التَّقَاطُعِ (وَالْجَمْعُ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ لَوْ فُرِضَ كُلٌّ مِنْهُمَا ذَكَرًا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ الْأُخْرَى إذْ عِلَّةُ عَدَمِ جَوَازِ النِّكَاحِ وَالْجَمْعِ لُزُومُ قَطْعِ الرَّحِمِ فِي الْجَوَازِ) ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ يُفْضِي إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ إذْ الْمُعَادَاةُ مُعْتَادَةٌ بَيْنَ الضَّرَائِرِ لَعَلَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْوُجُوبِ فَقَطْ فَإِنَّ اسْتِحْبَابَ صِلَةِ الْأَبَاعِدِ مِنْ الْأَقْرِبَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ وَيُؤَيِّدُهُ شَرْعِيَّةُ الْمَعَاقِلِ وَقِيلَ عَنْ الضَّحَّاكِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]- إنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ رَحِمَهُ، وَقَدْ بَقِيَ فِي عُمْرِهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَيَزِيدُ اللَّهُ تَعَالَى فِي عُمْرِهِ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَقْطَعُ رَحِمَهُ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ ثَلَاثُونَ سَنَةً فَيَحُطُّ اللَّهُ تَعَالَى إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَفِي الشِّرْعَةِ فِي الْحَدِيثِ «صِلَةُ الرَّحِمِ تُزِيدُ الْعُمْرَ» ، وَفِي حَدِيثِ الْأَرْبَعِينَ لِابْنِ الْكَمَالِ «الصَّدَقَةُ وَالصِّلَةُ تُعَمِّرَانِ الدِّيَارَ وَتَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ» . وَأَمَّا الْإِشْكَالُ بِأَنَّ الْآجَالَ وَاحِدَةٌ وَمُقَدَّرَةٌ لَا تُسْتَأْخَرُ فَأَجَابَ عَنْهُ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ بِثُبُوتِ الْأَجَلِ الْمُعَلَّقِ وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ بِمَا أُظْهِرَ إلَى الْمَلَائِكَةِ وَكُتِبَ فِي اللَّوْحِ لَا بِمَا فِي عِلْمِهِ تَعَالَى، وَلِذَا أُوِّلَ مِثْلُ ذَلِكَ بِالْبَرَكَةِ فِي الرِّزْقِ وَبَقَاءِ ذِكْرِ الْجَمِيلِ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ كَالْحَيَاةِ وَبِأَنَّهُ فِي مَعْنَى لَوْ بُسِطَ فِي أَجَلِ أَحَدٍ بِعَمَلٍ لَبُسِطَ بِالصِّلَةِ وَبِأَنَّهُ يُثَابُ فِي الْعُمْرِ الْقَلِيلِ ثَوَابَ عَمَلِ الْعُمْرِ الْكَثِيرِ، لَكِنْ أُيِّدَ الْأَوَّلُ بِحَدِيثِ الضَّحَّاكِ آنِفًا لَعَلَّ التَّحْقِيقَ أَنَّهُ مِنْ غَوَامِضِ عِلْمِ الْكَلَامِ فَغَايَتُهُ مُتَشَابِهٌ وَلَيْسَ لَنَا إلَّا الْعَمَلُ بِالنُّصُوصِ وَالْآثَارِ الصَّحِيحَةِ كَغَايَةِ صِفَاتِهِ تَعَالَى وَأَسْمَائِهِ، وَقَدْ فَصَّلْت هَذَا الْمَبْحَثَ فِي رِسَالَةٍ فَرْدَةٍ عَلَى حَدِيثِ لَا يُزِيدُ الْعُمْرَ إلَّا الْبِرُّ. (وَمِنْهَا إيذَاءُ الزَّوْجَةِ) قَوْلًا أَوْ فِعْلًا تَصْرِيحًا أَوْ تَعْرِيضًا وَكِنَايَةً (زَوْجَهَا وَمُخَالَفَتُهَا إيَّاهُ) فِيمَا لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ (وَعَدَمُ رِعَايَةِ حُقُوقِهِ " ت " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ» سِوَى اللَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمًا وَأَدَاءً لِحَقِّهِ

стр. 1070

«لَأَمَرْت الزَّوْجَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا» لِأَنَّهُ غَايَةُ التَّعْظِيمِ وَنِهَايَةُ التَّكْرِيمِ؛ لِأَنَّ فِيهِ وَضْعَ أَشْرَفِ الْأَعْضَاءِ عَلَى أَخَسِّ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ التُّرَابُ، وَفِيهِ بَيَانُ امْتِنَاعِ السَّجْدَةِ لِغَيْرِهِ تَعَالَى، وَتَأْكِيدُ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَعَنْ التَّنْبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَيْهِ ﵊ فَقَالَ أَرِنِي شَيْئًا أَزْدَدْ بِهِ يَقِينًا قَالَ مَا تُرِيدُ قَالَ اُدْعُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ فَلْتَأْتِك قَالَ فَاذْهَبْ فَادْعُهَا فَذَهَبَ فَقَالَ أَجِيبِي إلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَالَتْ عَلَى جَانِبٍ مِنْ جَانِبَيْهَا فَقُطِعَتْ عُرُوقُهَا حَتَّى انْتَهَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ حَسْبِي حَسْبِي فَأَمَرَهَا فَرَجَعَتْ فَدَلَّتْ عُرُوقُهَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ثُمَّ اسْتَوَتْ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ ائْذَنْ لِي أُقَبِّلْ رَأْسَك وَرِجْلَيْك فَأَذِنَ لَهُ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ فَقَالَ ائْذَنْ لِي أَسْجُدْ لَك قَالَ لَا يَسْجُدُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ مِنْ الْخَلْقِ وَلَوْ كُنْت آمِرًا لِأَحَدٍ بِذَلِكَ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا» وَالْحَدِيثُ فِي الْجَامِعِ «لَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْت النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لِأَزْوَاجِهِنَّ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ مِنْ الْحَقِّ» قَالَ شَارِحُهُ وَتَتِمَّتُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ «لَوْ كَانَ مِنْ قَدَمِهِ إلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ قُرْحَةٌ تَنْبَجِسُ مِنْ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْهُ فَلَحَسَتْهُ مَا أَدَّتْ حَقَّهُ» ، ثُمَّ قَالَ وَفِيهِ قِصَّةٌ «كَانَ لِأَهْلِ الْبَيْتِ جَمَلٌ اُسْتُصْعِبَ عَلَيْهِمْ فَمَنَعَهُمْ ظَهْرَهُ فَأَخْبَرُوهُ ﵊ بِأَنَّ الزَّرْعَ وَالنَّخْلَ عَطِشَ فَقَالَ ﵊ قُومُوا فَدَخَلَ الْحَائِطَ وَالْجَمَلُ فِي نَاحِيَتِهِ فَقَالُوا قَدْ صَارَ كَالْكَلْبِ الْكَلْبُ يَخَافُ عَلَيْك صَوْلَتَهُ قَالَ لَيْسَ عَلَيَّ مِنْهُ بَأْسٌ فَلَمَّا نَظَرَ الْجَمَلُ إلَيْهِ أَقْبَلَ نَحْوَهُ حَتَّى خَرَّ سَاجِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَخَذَ نَاصِيَتَهُ حَتَّى أَدْخَلَهُ فِي الْعَمَلِ فَقَالُوا هَذَا بَهِيمَةٌ لَا يَعْقِلُ يَسْجُدُ لَك وَنَحْنُ نَعْقِلُ فَنَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَسْجُدَ لَك قَالَ لَا يَصِحُّ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ لَوْ صَحَّ لَأَمَرْت الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا لِعِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا حَتَّى لَوْ كَانَ مِنْ قَدَمِهِ إلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ قُرْحَةً تَنْبَجِسُ بِالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْهُ فَلَحَسَتْهُ مَا أَدَّتْ حَقَّهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ الْمُنْذِرِيُّ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ مَشْهُورُونَ انْتَهَى (خ م عَنْهُ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (مَرْفُوعًا «إذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ إلَيْهِ» إلَى فِرَاشِهِ بِلَا عُذْرٍ كَالْحَيْضِ وَالْمَرَضِ وَالصَّوْمِ «فَبَاتَ غَضْبَانَ لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» ؛ لِأَنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِطَاعَةِ زَوْجِهَا، وَعَنْ النَّوَوِيِّ لَيْسَ الْحَيْضُ عُذْرًا فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ الْفِرَاشِ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فَوْقَ الْإِزَارِ، وَفِيهِ أَنَّ سُخْطَ الزَّوْجِ يُوجِبُ سُخْطَ الرَّبِّ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فِي قَضَاءِ الشَّهْوَةِ فَكَيْفَ إذَا كَانَ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَإِنَّمَا غَيَّا بِالصَّبَاحِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَغْنِي عَنْهَا بَعْدَ الصَّبَاحِ لِحُدُوثِ الْمَانِعِ عَنْ الِاسْتِمْتَاعِ فِيهِ غَالِبًا (زحك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا) الْأَقْيَسُ إلَى مَا قَبْلَهُ أَنْ يَقُولَ عَنْهُ بِالضَّمِيرِ «مِنْ حَقِّهِ» أَيْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ «أَنْ لَوْ سَالَ مَنْخَرَاهُ» ثُقْبَا أَنْفِ الزَّوْجِ «دَمًا وَقَيْحًا» تَمْيِيزَانِ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ «فَلَحَسَتْهُ بِلِسَانِهَا» اللَّحْسُ اللَّعْقُ «مَا أَدَّتْ حَقَّهُ» ، وَفِي الْحَدِيثِ أَوَّلُ مَا تُسْأَلُ عَنْهُ الْمَرْأَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ صَلَاتِهَا، ثُمَّ عَنْ حَقِّ زَوْجِهَا، وَفِي الْخَبَرِ أَنَّ «الْمَرْأَةَ إذَا صَلَّتْ وَلَمْ تَدْعُ لِزَوْجِهَا رُدَّتْ صَلَاتُهَا حَتَّى تَدْعُوَ لَهُ» .

стр. 1071

(طب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا «حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لَا تَصُومَ تَطَوُّعًا» لَعَلَّ ذَلِكَ لِإِزَالَةِ سِمَنِهَا التَّابِعِ لَهُ جَمَالُهَا أَوْ لِاقْتِضَاءِ الْقُرْبَانِ فِي النَّهَارِ أَوْ لِإِيرَاثِ ضَعْفٍ مَانِعٍ مِنْ الْخِدْمَةِ اللَّائِقَةِ بِهَا «إلَّا بِإِذْنِهِ» ؛ لِأَنَّ إطَاعَةَ الزَّوْجِ وَاجِبَةٌ وَالتَّطَوُّعَ نَفْلٌ وَالْوُجُوبَ مُرَجَّحٌ عَلَى النَّفْلِ «فَإِنْ فَعَلَتْ جَاعَتْ وَعَطِشَتْ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا» وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ نَفْلًا بِلَا إذْنِ الزَّوْجِ وَأَمَّا قَضَاءٌ أَوْ كَفَّارَةٌ فَجَائِزٌ «وَلَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا إلَّا بِإِذْنِهِ» سِوَى الْمُسْتَثْنَيَاتِ السَّابِقَةِ «فَإِنْ فَعَلَتْ لَعَنَتْهَا مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ وَمَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ» مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، أَوْ هُمْ فِي غَيْرِ السَّمَاءِ، وَكَذَا قَوْلُهُ «وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ حَتَّى تَرْجِعَ.» اعْلَمْ أَنَّ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُطِيعَ زَوْجَهَا فِي الِاسْتِمْتَاعِ) لِأَنَّهَا سَلَّمَتْ بُضْعَهَا بِمُقَابَلَةِ الْمَهْرِ مِنْ قِبَلِهِ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ شَرْعِيٍّ (مَتَى شَاءَ إلَّا أَنْ تَكُونَ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ فَلَا تُمَكِّنْهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ تَحْتَ الْإِزَارِ) أَيْ قُرْبَانَ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ، وَأَمَّا الِاسْتِمْتَاعُ بِدُونِ وَطْءٍ فِيمَا يُدَانِيهِ وَرُبَّمَا يُوقِعُ فِيهِ فَيَحْرُمُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إنَّمَا يَجْتَنِبُ مَوْضِعَ الدَّمِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالنَّصِّ حُرْمَتُهُ دُونَ حُرْمَةِ مَا سِوَاهُ وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَا فِي الْجَامِعِ عَنْ بَعْضِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ إذَا أَرَادَ مِنْ الْحَائِضِ شَيْئًا يَعْنِي مُبَاشَرَةً فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ كَالْمُفَاخَذَةِ أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا ثَوْبًا ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الْفَرْجُ فَقَطْ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَجَّحَهُ النَّوَوِيّ وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَحَمَلُوا مَا فِي الْجَامِعِ أَيْضًا " كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَهِيَ حَائِضٌ أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ " عَلَى النَّدْبِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لَيْسَ فِي الثَّانِي مَا يَقْتَضِي مَنْعَ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ كَذَا فِي الْفَيْضِ (وَ) يَجِبُ (عَلَيْهَا خِدْمَةُ دَاخِلِ الْبَيْتِ) ظَاهِرُهُ، وَلَوْ مِنْ بَنَاتِ الْأَشْرَافِ، وَقَدْ يَخُصُّ (دِيَانَةً) لَا قَضَاءً فَإِنَّهَا تُؤْجَرُ بِالْفِعْلِ (مِنْ الطَّبْخِ وَالْكَنْسِ وَالْغَسْلِ) لِلْأَوَانِي وَالثِّيَابِ (وَالْخَبْزِ، وَلَوْ لَمْ تَفْعَلْ أَثِمَتْ) ؛ لِأَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ فَاطِمَةَ هَكَذَا» (وَلَكِنْ لَا تُجْبَرُ عَلَيْهَا قَضَاءً) لَكِنْ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ الْمَنْكُوحَةُ أَوْ الْمُعْتَدَّةُ أَبَتْ الْخَبْزَ وَالطَّبْخَ إنْ بِهَا عِلَّةٌ أَوْ مِنْ بَنَاتِ الْأَشْرَافِ يَأْتِ الزَّوْجُ بِمَنْ يَطْبُخُ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَخْدُمُ بِنَفْسِهَا تُجْبَرُ عَلَيْهَا وَبِالْجُمْلَةِ أَنَّ النِّكَاحَ نَوْعُ رِقٍّ فَعَلَيْهَا طَاعَةُ الزَّوْجِ مُطْلَقًا وَتَخْدُمُهُ فِيمَا تُعُورِفَ فِي دَاخِلِ الْبَيْتِ وَلَا تُعْطِي شَيْئًا مِنْ بَيْتِهِ بِدُونِ إذْنِهِ وَأَهَمُّ الْحُقُوقِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا السِّرُّ وَالصِّيَانَةُ، وَالْآخَرُ تَرْكُ الْمُطَالَبَةِ بِمَا وَرَاءَ الْحَاجَةِ وَالتَّعَفُّفُ عَنْ كَسْبِهِ إذَا كَانَ حَرَامًا وَكَانَتْ امْرَأَةُ السَّلَفِ أَوْ ابْنَتُهُ تَقُولُ لِزَوْجِهَا إيَّاكَ وَكَسْبَ الْحَرَامِ فَإِنَّا نَصْبِرُ عَلَى الْجُوعِ وَلَا نَصْبِرُ عَلَى النَّارِ وَلَا تُفَرِّطْ فِي بَذْلِ مَالِهِ، فَإِنْ أَطْعَمَتْ عَنْ رِضًا كَانَ لَهَا مِثْلُ أَجْرِهِ وَإِلَّا كَانَ لَهُ الْأَجْرُ وَعَلَيْهَا الْوِزْرُ. رُوِيَ أَنَّ السَّمَاءَ بِنْتَ خَارِجَةَ قَالَتْ لِابْنَتِهَا عِنْدَ التَّزْوِيجِ إنَّك خَرَجْت مِنْ الْعُشِّ الَّذِي مِنْهُ دَرَجْت وَصِرْت إلَى فِرَاشٍ لَا تَعْرِفِيهِ وَقَرِينٍ لَمْ تَأْلَفِيهِ فَكُونِي لَهُ أَرْضًا يَكُنْ لَكِ سَمَاءً، وَكُونِي لَهُ مِهَادًا يَكُنْ لَك عِمَادًا، وَكُونِي لَهُ أَمَةً يَكُنْ لَك عَبْدًا، لَا تُلْحِفِي بِهِ فَيَقْلَاكِ وَلَا تُبَاعِدِي عَنْهُ فَيَنْسَاك، إنْ دَنَا فَاقْرُبِي مِنْهُ، وَإِنْ نَأَى فَابْعُدِي عَنْهُ، وَاحْفَظِي أَنْفَهُ وَسَمْعَهُ وَعَيْنَهُ لَا يَشُمُّ مِنْك إلَّا طَيِّبًا وَلَا يَسْمَعُ إلَّا حَسَنًا وَلَا يَنْظُرُ إلَّا جَمِيلًا، وَالْقَوْلُ الْجَامِعُ أَنْ تَكُونَ قَاعِدَةً فِي بَيْتِهَا لَازِمَةً لِمِغْزَلِهَا قَلِيلَةَ الْكَلَامِ لِجِيرَانِهَا هِمَّتُهَا صَلَاحُ شَأْنِهَا وَتَدْبِيرُ بَيْتِهَا مُقْبِلَةً عَلَى صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَتَكُونَ قَانِعَةً مِنْ زَوْجِهَا بِمَا رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى وَمُقَدِّمَةً حَقَّهُ عَلَى حَقِّ نَفْسِهَا وَحَقِّ سَائِرِ أَقَارِبِهَا مُتَنَظِّفَةً فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهَا لِيَسْتَمْتِعَ بِهَا إنْ شَاءَ كَذَا فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ. (وَمِنْهَا الْعَكْسُ) أَيْ إيذَاءُ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا (د عَنْ «حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ

стр. 1072

زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ قَالَ أَنْ تُطْعِمَهَا إذَا طَعِمْت» وُجُوبًا فِي النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ وَنَدْبًا فِي الزِّيَادَةِ «وَتَكْسُوَهَا إذَا اكْتَسَيْت وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ» عِنْدَ اقْتِضَاءِ التَّأْدِيبِ الشَّرْعِيِّ بِذَنْبٍ فَلَا يُضْرَبُ أَصْلًا بِدُونِ ذَنْبٍ فِي الْبَزَّازِيِّ وَيَضْرِبُهَا إذَا شَتَمَتْ الزَّوْجَ، وَعَنْ النِّهَايَةِ إنَّمَا يَضْرِبُهَا لِمَنْفَعَةٍ تَعُودُ إلَيْهِ لَا لِمَا يَعُودُ إلَيْهَا فَعَلَى هَذَا لَا يَضْرِبُهَا عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْأَبِ فَإِنَّهُ يَضْرِبُ ابْنَهُ لَكِنْ فِي النِّصَابِ يَضْرِبُهَا لِتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُنْقِصُ جَمَالًا، وَفِي الْحَاشِيَةِ لَا يَجُوزُ ضَرْبُهَا إذَا كَانَتْ الزِّينَةُ مَمْلُوكَةً لَهَا لَا دَخْلَ لِلزَّوْجِ فِيهَا (وَلَا تُقَبَّحُ) أَيْ وَلَا تَشْتُمْهَا وَلَا تَقُلْ لَهَا قَبِيحًا أَوْ لَا تَقُلْ لَهَا قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَك وَلَا تَنْسُبْهَا إلَى الْقُبْحِ أَوْ لَا تُظْهِرْ قَبَائِحَهَا وَمَعَايِبَهَا بِالتَّوْبِيخِ وَالتَّعْيِيرِ (وَلَا تَهْجُرْ) عِنْدَ غَضَبِك عَلَيْهَا (إلَّا فِي الْبَيْتِ) بِافْتِرَاقِ الْفِرَاشِ وَلَا تَخْرُجْ مِنْ الْبَيْتِ وَلَا تَتْرُكْهَا فِي الْبَيْتِ الْخَالِي فَإِنَّهَا رُبَّمَا تَخَافُ فِي الْبَيْتِ الْخَالِي وَرُبَّمَا يَقْصِدُهَا رَجُلٌ بِسُوءٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ. (قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (حَقُّ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ خَمْسَةٌ أَنْ يَخْدُمَهَا مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ) يَعْنِي يَفْعَلُ الزَّوْجُ خِدْمَتَهَا الْمُتَعَلِّقَةَ بِخَارِجِ الْبَيْتِ (وَلَا يَدَعَهَا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ السِّتْرِ) مِنْ الْبَيْتِ (فَإِنَّهَا عَوْرَةٌ وَخُرُوجُهَا إثْمٌ وَتَرْكٌ لِلْمُرُوءَةِ) وَعَدَّ فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَضْرِبُ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ فِيهَا الْخُرُوجُ مِنْ الْبَيْتِ، وَعَنْ الْقُنْيَةِ يَضْرِبُ أَيْضًا إنْ ضَرَبَتْ جَارِيَةَ الزَّوْجِ غَيْرَةً، وَأَيْضًا يَضْرِبُهَا فِي شَتْمِهَا إيَّاهُ أَوْ الْأَجْنَبِيَّ أَوْ كَشَفَتْ وَجْهَهَا لِغَيْرِ مَحْرَمٍ أَوْ كَلَّمَتْهُ أَوْ أَعْطَتْ مِنْ بَيْتِهِ زِيَادَةً عَلَى الْعَادَةِ وَبِالْجُمْلَةِ كُلُّ شَيْءٍ لَزِمَ التَّعْزِيرُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعَزِّرُهَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ سُلْطَانُ زَوْجَتِهِ لَكِنْ يَحْتَرِزُ عَنْ الْإِفْرَاطِ وَإِلَّا يَلْزَمُ عَلَى الزَّوْجِ التَّعْزِيرُ. (وَأَنْ يُعَلِّمَهَا مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ كَالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَمَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ) كَأَحْكَامِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، فَإِنْ عَلَّمَ الزَّوْجُ فَبِهَا وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الْإِذْنُ بِالْخُرُوجِ لِأَجْلِ التَّعَلُّمِ وَإِلَّا يَأْثَمُ وَتَخْرُجُ بِلَا إذْنِهِ إذَا وَقَعَتْ نَازِلَةٌ (وَأَنْ يُطْعِمَهَا مِنْ الْحَلَالِ وَأَنْ لَا يَظْلِمَهَا) بِتَكْلِيفِ مَصَالِحَ خَارِجِ الْبَيْتِ مَثَلًا (وَأَنْ يَتَحَمَّلَ تَطَاوُلَهَا) بِالْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ عَلَيْهِ (نَصِيحَةً لَهَا) وَذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَشْكُو مِنْ زَوْجَتِهِ فَلَمَّا بَلَغَ بَابَهُ سَمِعَ امْرَأَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ تَطَاوَلَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ الرَّجُلُ

стр. 1073

إنِّي أَرَدْت أَنْ أَشْكُوَ إلَيْهِ زَوْجَتِي وَبِهِ مِنْ الْبَلْوَى مِثْلُ مَا بِي فَرَجَعَ فَدَعَاهُ عُمَرُ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ عُمَرُ إنِّي أَتَجَاوَزُ عَنْهَا لِحُقُوقٍ لَهَا عَلَيَّ الْأَوَّلُ أَنَّهَا سَتَرَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ النَّارِ فَيَسْكُنُ بِهَا قَلْبِي مِنْ الْحَرَامِ. الثَّانِي: أَنَّهَا خَازِنَةٌ لِي إذَا خَرَجْت مِنْ مَنْزِلِي حَافِظَةٌ لَهُ. الثَّالِثُ: أَنَّهَا قَصَّارَةٌ لِي تَغْسِلُ ثِيَابِي. الرَّابِعُ: أَنَّهَا ظِئْرٌ لِوَلَدِي. الْخَامِسُ: أَنَّهَا خَبَّازَةٌ وَطَبَّاخَةٌ فَقَالَ الرَّجُلُ إنَّ لِي مِثْلَ مَا لَك فَكَمَا تَجَاوَزْت عَنْهَا أَتَجَاوَزُ عَنْهَا. وَبِالْجُمْلَةِ يَنْبَغِي لِلزَّوْجِ أَنْ يَقُومَ بِحُقُوقِ الْأَهْلِ وَالصَّبْرِ عَلَى أَخْلَاقِهِنَّ وَاحْتِمَالِ الْأَذَى مِنْهُنَّ وَالسَّعْيِ فِي إصْلَاحِهِنَّ وَإِرْشَادِهِنَّ إلَى طَرِيقِ الدِّينِ وَالِاجْتِهَادِ فِي كَسْبِ الْحَلَالِ لِأَجْلِهِنَّ وَالْقِيَامِ بِتَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُؤْجَرُ فِي رَفْعِ اللُّقْمَةِ إلَى فِي امْرَأَتِهِ» . وَفِي الْجَامِعِ أَيْضًا «مَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَخَدَمِهِ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ» قَالَ شَارِحُهُ قَالَ الْحَرَّانِيُّ وَالْمُنْفِقُ أَعْلَى حَالًا مِنْ الْمُزَكِّي؛ لِأَنَّ الْمُزَكِّيَ يُخْرِجُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فَرْضًا وَالْمُنْفِقَ يَجُودُ بِمَا فِي يَدِهِ فَضْلًا انْتَهَى أَقُولُ لَعَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِمْ مِنْ أَنَّ النَّفَلَ أَفْضَلُ مِنْ الْفَرْضِ، وَأَمَّا عِنْدَنَا كَمَا مَرَّ فَإِنَّ الْفَرْضَ أَفْضَلُ مِنْ النَّفْلِ (وَمِنْهَا) مِنْ الْآفَاتِ الْغَيْرِ الْمُخْتَصَّةِ بِعُضْوٍ (إضَاعَةُ الرَّجُلِ أَوْلَادَهُ وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ مِنْ الْأَقَارِبِ وَالْأَرِقَّاءِ وَالدَّوَابِّ فَإِنَّهُ رَاعٍ فَهَذِهِ رَعَايَاهُ يُسْأَلُ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ» (خُصُوصًا الْأَوْلَادُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْأَبِ نَفَقَةُ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ وَكِسْوَتُهُمْ) وَأَمَّا الْكِبَارُ إذَا كَانُوا مَرْضَى عَاجِزِينَ عَنْ الْكَسْبِ، أَوْ أَوْلَادُ الْأَشْرَافِ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِمْ الِاكْتِسَابُ أَوْ كَانُوا مُتَفَرِّغِينَ لِتَحْصِيلِ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ صَارِفِينَ أَوْقَاتَهُمْ إلَيْهَا فَكَذَا لَا تَسْقُطُ نَفَقَاتُهُمْ عَنْ آبَائِهِمْ بِخِلَافِ الْكِبَارِ الْأَغْنِيَاءِ أَوْ الْقَادِرِينَ عَلَى الِاكْتِسَابِ، وَكَذَا إنْ كَانَ لِلصِّغَارِ أَمْوَالٌ وَنَفَقَتُهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ (وَتَعْلِيمُهُمْ وَتَأْدِيبُهُمْ) كَمَا قِيلَ مَنْ أَدَّبَ أَوْلَادَهُ أَرْغَمَ حُسَّادَهُ، وَأَمَّا إذَا صَدَرَ مِنْهُمْ مُنْكَرٌ فَعَلَيْهِ الْمَنْعُ إذَا امْتَنَعُوا بِمَنْعِهِ وَإِلَّا فَالْهَجْرُ حَتَّى يَمْتَنِعُوا (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] بِالنُّصْحِ وَالتَّأْدِيبِ (وَأَنْ لَا يَلْبَسَ الْحَرِيرَ) إذَا كَانُوا ذُكُورًا، وَكَذَا الذَّهَبُ (وَلَا يُخَضِّبُ أَيْدِي الذُّكُورِ وَأَرْجُلَهُمْ بِالْحِنَّاءِ وَلَا يُفِيدُ) فِي دَفْعِ الْإِثْمِ (قَوْلُهُ أُمُّهُمْ فَعَلَتْ وَأَنَا غَيْرُ رَاضٍ بِهِ؛ لِأَنَّ الرِّجَالَ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) يَقُومُونَ عَلَيْهِنَّ قِيَامَ الْوُلَاةِ عَلَى الرَّعِيَّةِ (وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ فَرْضٌ) كَمَا مَرَّ مِرَارًا (وَمِنْهَا الْخَلْوَةُ مَعَ الْأَجْنَبِيَّةِ) غَيْرِ الْمَحْرَمِ شَابَّةً أَوْ عَجُوزًا، وَعَنْ الْمُلْتَقَى وَلَا بَأْسَ بِسَفَرِ الْأَمَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ بِلَا مَحْرَمٍ، وَالْخَلْوَةُ بِهَا قِيلَ مُبَاحٌ وَقِيلَ لَا انْتَهَى. لَكِنْ مَنَعُوا الْخَلْوَةَ وَالْمُسَافَرَةَ مَعَ الْمَحْرَمِ الرَّضَاعِيِّ كَالْأُخْتِ رَضَاعًا (فَإِنَّهَا حَرَامٌ) بِدَلِيلِ مَا فِي (خ م عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا «لَا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ» أَجْنَبِيَّةٍ «إلَّا مَعَ ذَاتِ مَحْرَمٍ» . [تَشَبُّهُ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ وَبِالْعَكْسِ] (وَمِنْهَا تَشَبُّهُ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ وَبِالْعَكْسِ) أَيْ يَتَزَيَّنُ أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ بِزِيِّ الْآخَرِ (خ م عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا أَنَّهُ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 1074

الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الرِّجَالِ» وَهُوَ الَّذِي يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ فِي كَلَامِهِ وَحَرَكَاتِهِ، وَفِي الْخِضَابِ وَاللِّبَاسِ وَغَيْرِهَا وَتَارَةً يَكُونُ هَذَا التَّشَبُّهُ جِبِلَّةً وَتَارَةً يَكُونُ بِتَكَلُّفٍ، وَالْمَذْمُومُ هُوَ الثَّانِي إذْ لَا تَكْلِيفَ فِي الْأَفْعَالِ الْغَيْرِ الِاخْتِيَارِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ وَتَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ مُضَادَّةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَا مَضْغُ الْعِلْكِ لَهُ لِأَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِالنِّسَاءِ «وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنْ النِّسَاءِ» أَيْ الْمُتَشَبِّهَاتُ بِالرِّجَالِ «وَقَالَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُلَانَةَ» أَيْ: امْرَأَةً كَانَتْ مُتَرَجِّلَةً مِنْ الْمَدِينَةِ (وَأَخْرَجَ عُمَرُ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي زَمَنِ خِلَافَتِهِ (فُلَانًا) رَجُلًا يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْحَدِيثِ بَيَانٌ أَنَّ لِلْمُخَنَّثِينَ حُكْمُ الرِّجَالِ الْفُحُولِ، وَكَذَا حُكْمُ الْخَصِيِّ وَالْمَجْبُوبِ وَإِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يَصِفُونَ النِّسَاءَ بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلَى الْفِتْنَةِ أَوْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الدَّاخِلُ عَلَيْهِنَّ مِمَّنْ يَتَكَلَّفُ الْخُنُوثَةَ كَمَا عَنْ ابْنِ الْمَلِكِ (، وَفِي رِوَايَةٍ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالْمُخَنَّثُ فِي الرَّدِيءِ مِنْ الْأَفْعَالِ لَا يَحِلُّ لَهُ الْمُخَالَطَةُ مَعَ النِّسَاءِ، وَأَمَّا الَّذِي لَا يَشْتَهِي النِّسَاءَ وَبِهِ تَكَسُّرٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ قِيلَ لَهُ مُخَالَفَةُ النِّسَاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدِيءٌ مِنْ الْأَفْعَالِ وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ مُطْلَقًا. (وَمِنْهَا إبَاقُ الْمَمْلُوكِ) أَمَةً أَوْ عَبْدًا (وَعِصْيَانُهُ لِمَوْلَاهُ) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى فِيمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ (م عَنْ جَرِيرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ» أَيْ: فَرَّ مِنْ مَوْلَاهُ أَيُّمَا لِلشَّرْطِ مُبْتَدَأٌ، وَمَا مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وَأَبَقَ خَبَرُهُ لَا صِفَةُ عَبْدٍ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ يَبْقَى بِلَا خَبَرٍ وَجَوَابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ «فَقَدْ بَرِئَ مِنْهُ الذِّمَّةُ» أَيْ الْعَهْدُ. قِيلَ كِنَايَةٌ عَنْ اسْتِحْقَاقِ التَّعْزِيرِ وَالتَّأْدِيبِ وَجَوَازِ الضَّرْبِ لِأَجْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ قَتْلُهُ وَقِيلَ إنَّ الذِّمَّةَ الْإِيمَانُ وَعَهْدُهُ. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ فَقَدْ كَفَرَ بَدَلَ فَقَدْ بَرِئَ قِيلَ فَيُحْمَلُ عَلَى كَوْنِهِ مُسْتَحِلًّا لِلْإِبَاقِ أَقُولُ فِيهِ نَظَرٌ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْحُرْمَةَ أَوْ يَخْرُجَ عَنْ احْتِرَامِ الْمُسْلِمِينَ (وَفِي رِوَايَةٍ «إذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ» ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «أَيُّمَا عَبْدٍ مَاتَ فِي إبَاقِهِ دَخَلَ النَّارَ، وَإِنْ كَانَ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (طط عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (مَرْفُوعًا «أَوَّلُ سَابِقٍ إلَى الْجَنَّةِ مَمْلُوكٌ أَطَاعَ اللَّهَ وَأَطَاعَ مَوَالِيَهُ» لِأَنَّ لَهُ أَجْرَ إطَاعَةِ رَبِّهِ وَأَجْرَ إطَاعَةِ مَوْلَاهُ وَلِأَنَّ

стр. 1075

عِبَادَتَهُ لِرَبِّهِ أَتْعَبُ وَأَشَقُّ فِي أَثْنَاءِ عِبَادَةِ مَوْلَاهُ لَعَلَّ الْأَوَّلِيَّةَ إضَافِيَّةٌ، أَوْ الْأَوَّلِيَّةَ التَّوْعِيَةُ لَا الشَّخْصِيَّةُ، فَلَا يَشْكُلُ بِسَائِرِ السَّابِقِينَ ثُمَّ دَلَالَةُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْمَطْلُوبِ لَيْسَ بِظَاهِرَةٍ فَافْهَمْ. (وَمِنْهَا سُوءُ الْمَلَكَةِ) يُقَالُ فُلَانٌ حَسَنُ الْمَلَكَةِ إذَا كَانَ حَسَنَ الصُّنْعِ إلَى مَمَالِيكِهِ فَسُوءُ الْمَلَكَةِ عَدَمُ رِعَايَةِ حُقُوقِ الْمَمَالِيكِ (ت عَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَيْء الْمَلَكَةِ» أَيْ مَنْ أَضَاعَ حُقُوقَ الْمَمَالِيكِ وَلَمْ يُرَاعِهَا وَأَسَاءَ إلَيْهِمْ قَالَ فِي الْفَيْضِ وَسُوءُ الْمَلَكَةِ، وَإِنْ عَمَّ لَكِنَّهُ غَالِبًا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَمَالِيكِ كَذَا قَالَهُ جَمْعٌ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْقَصْرَ تَقْصِيرٌ إذْ لَا مَلْجَأَ لَهُ هُنَا وَالْحَمْلُ عَلَى الْأَعَمِّ أَتَمُّ وَهَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] قَالَ الطِّيبِيُّ مُرَادُهُ أَنَّ سُوءَ الْمَلَكَةِ يَدُلُّ عَلَى سُوءِ الْخُلُقِ وَهُوَ شُؤْمٌ وَالشُّؤْمُ يُورِثُ الْخِذْلَانَ وَالْعَذَابَ بِالنِّيرَانِ. (فَائِدَةٌ) فِي الْفَيْضِ قَالَ بَعْضُهُمْ الْجَامِعُ لِلْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ الْخُلُقُ الْحَسَنُ وَالْأَدَبُ وَالِاتِّبَاعُ وَالْإِحْسَانُ وَالنَّصِيحَةُ فَهَذِهِ أُمَّهَاتُ الْأَخْلَاقِ وَقَوَاعِدُ الْأَخْلَاقِ أَرْبَعٌ الْحِكْمَةُ وَالشَّجَاعَةُ وَالْعِفَّةُ وَالْعَدَالَةُ كَمَا مَرَّ ثُمَّ قِيلَ إنَّهُ غَرِيبٌ وَرَمَزَ الْمُصَنِّفُ لِحُسْنِهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَفِيهِ فَرْقَدُ السُّنْحِيُّ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَزَادَ «فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْت أَخْبَرْتَنَا أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَكْثَرُ الْأُمَمِ مَمْلُوكِينَ وَأَيْتَامًا قَالَ بَلَى فَأَكْرِمُوهُمْ كَرَامَةَ أَوْلَادِكُمْ وَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ قَالُوا فَمَا يَنْفَعُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَرَسٌ مُرْتَبِطَةٌ يُقَاتَلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَمْلُوكُك يَكْفِيك فَإِذَا صَلَّى فَهُوَ أَخُوك» قَالَ الْهَيْتَمِيُّ فِيهِ فَرْقَدٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ انْتَهَى. (ت عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ أَعْفُو عَنْ الْخَادِمِ؟» أَيْ كَمْ مَرَّةً أَعْفُو عَنْ ذُنُوبِ الْخَادِمِ «فَقَالَ اُعْفُ عَنْهُ» لِلنَّدْبِ لَا الْوُجُوبِ «كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً» كِنَايَةً عَنْ الْكَثْرَةِ لَا الْعَدَدِ الْمَخْصُوصِ وَحَاصِلُهُ لِيَكُنْ عَفْوُك أَكْثَرَ مِنْ مُؤَاخَذَتِك وَرُوِيَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ أَنَّ جَارِيَتَهُ جَاءَتْ بِمَرَقَةٍ فَعَثَرَتْ فَصَبَّتْ الْمَرَقَةَ عَلَيْهِ فَأَرَادَ ضَرْبَهَا فَقَالَتْ يَا مَوْلَايَ اسْتَعْمِلْ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]- قَالَ قَدْ كَظَمْت فَقَالَتْ اعْمَلْ بِمَا بَعْدَهُ ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] قَالَ قَدْ عَفَوْت، وَقَالَتْ الْجَارِيَةُ ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] فَقَالَ مَيْمُونٌ أَحْسَنْت إلَيْك فَأَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى (خ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «إذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ» بِالرَّفْعِ وَأَحَدَكُمْ مَنْصُوبٌ «بِطَعَامِهِ» لِيَأْكُلَهُ وَالْخَادِمُ يُطْلَقُ عَلَى الْقِنِّ وَالْحُرِّ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَهُوَ بِغَيْرِ تَاءِ تَأْنِيثٍ لِإِجْرَائِهِ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ غَيْرِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الْأَفْعَالِ وَمِثْلُهَا امْرَأَةٌ عَاشِقٌ وَجَوَابُ إذَا مَحْذُوفٌ أَيْ فَلْيُجْلِسْهُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لِيَأْكُلَ مَعَهُ سُلُوكًا لِسَبِيلِ التَّوَاضُعِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ «فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ» لِلْأَكْلِ لِعُذْرٍ كَقِلَّةِ الطَّعَامِ أَوْ لِكَوْنِهِ أَمْرَدَ يُخْشَى مِنْ الْتِقَائِهِ، أَوْ حَيَاءِ الْخَادِمِ «فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ» بِحَسَبِ حَالِ الطَّعَامِ وَالْخَادِمِ لَيَرُدَّ مَا فِي نَفْسِهِ مِنْ شَهْوَةِ الطَّعَامِ وَتَنْكَسِرَ سَوْرَةُ الْجُوعِ، وَفِي مَعْنَاهُ الطَّبَّاخُ وَحَامِلُ الطَّعَامِ فِي الْإِجْلَاسِ وَالْمُنَاوَلَةِ لِوُجُودِ الْمَعْنَى فِيهِ وَهُوَ تَعَلُّقُ نَفْسِهِ بِهِ وَشَمِّ رِيحِهِ وَإِرَاحَةِ صَاحِبِ الطَّعَامِ مِنْ حَمْلِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ. «أَوْ أَكْلَةٍ أَوْ أَكْلَتَيْنِ» قَالَ الدَّمَامِينِيُّ، فَإِنْ قُلْت مَا هَذَا الْعَطْفُ قُلْت لَعَلَّهُ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي أَوْ عَطَفَ أَحَدَ الْمُتَرَادِفَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِأَوْ، وَصَرَّحَ بَعْضٌ بِجَوَازِهِ كَالْوَاوِ «فَإِنَّهُ» أَيْ الْخَادِمُ «وَلِيَ» تَحَمَّلَ «حَرَّهُ» مِنْ الْحَرَارَةِ أَيْ تَحَمَّلَ مُقَاسَاةَ شَمِّ لَهَبِ النَّارِ حَالَ الطَّبْخِ «وَعِلَاجَهُ» مِنْ الْمُعَالَجَةِ

стр. 1076

أَيْ تَحَمَّلَ مَشَقَّتَهُ بِتَحْصِيلِ الْآلَةِ وَمُزَاوَلَةِ عَمَلِهِ مِنْ نَحْوِ إدْخَالِ الْقِدْرِ وَطَبْخِهِ قِيلَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ السَّيِّدَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَمْلُوكِهِ فِي الْمَأْكَلِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ طَعَامُهُمَا وَكِسْوَتُهُمَا عَلَى التَّسْوِيَةِ، وَأَمَّا إذَا أَكَلَ الْمَوْلَى الْأَطْعِمَةَ النَّفِيسَةَ وَلَبِسَ الْأَلْبِسَةَ الرَّفِيعَةَ بِخِلَافِ عَبْدِهِ فَجَائِزٌ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تُطْعِمُونَ وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ» . وَالْمُرَادُ مِنْ جِنْسِ مَا تَلْبَسُونَ وَتَأْكُلُونَ لَا مِثْلَهُ فَإِذَا أَلْبَسَهُ مِنْ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَهُوَ يَلْبَسُ مِنْهُمَا الْفَائِقَ كَفَى بِخِلَافِ إلْبَاسِهِ نَحْوَ الْجُوَالِقِ وَلَمْ يَتَوَارَثْ عَنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَلْبَسُونَ مِثْلَهُمْ إلَّا الْأَفْرَادَ كَذَا نُقِلَ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ (م عَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (مَرْفُوعًا «لِلْمَمْلُوكِ» عَلَى مَالِكِهِ «طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ» بِقَدْرِ مَا يَكْفِيهِ مِنْ غَالِبِ قُوتِ مَمَالِيكِ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَكِسْوَتِهِمْ كَمَا زِيدَ فِي الْجَامِعِ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ لَفْظُ بِالْمَعْرُوفِ وَفُسِّرَ بِبَلَا إسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ عَلَى اللَّائِقِ بِأَمْثَالِهِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى الْعُرْفِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فَالْوَاجِبُ مُطْلَقُ الْمُوَاسَاةِ لَا الْمُسَاوَاةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ. «وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ» نَفْيٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ فَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ صَرِيحِ النَّهْيِ فَفِي الْحَصْرِ لُزُومُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ، وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى الْإِحْسَانِ إلَى الْمَمَالِيكِ وَالرِّفْقِ بِهِمْ وَأُلْحِقَ بِهِمْ مَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِنْ أَجِيرٍ وَنَحْوِهِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، فَإِنْ كَلَّفَهُ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَلْيُعِنْهُ، وَلَوْ امْتَنَعَ الْمَوْلَى عَنْ نَفَقَتِهِ كَسَبَ وَأَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ الِاكْتِسَابِ يُجْبِرُ الْقَاضِي الْمَوْلَى بِبَيْعِهِ، وَفِي الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ يُجْبَرُ بِالِاتِّفَاقِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي الدُّرَرِ قَالَ فِي الْمِفْتَاحِ وَأَمَّا مِلْكُ الْيَمِينِ فَهُوَ مَا أَوْصَى بِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُونَ فَمَا أَحْبَبْتُمْ فَأَمْسِكُوا وَمَا كَرِهْتُمْ فَبَدِّلُوا وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ مَلَّكَكُمْ إيَّاهُمْ، وَلَوْ شَاءَ لَمَلَّكَهُمْ إيَّاكُمْ.» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا ابْتَاعَ أَحَدُكُمْ الْخَادِمَ فَلْيَكُنْ أَوَّلُ شَيْءٍ يُطْعِمُهُ الْحَلْوَى فَإِنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِهِ» (اعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى تَعْلِيمُ مَمْلُوكِهِ الْقُرْآنَ بِقَدْرِ مَا يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ) فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ سُنَّةً فَافْهَمْ (وَسَائِرَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُسْلِمًا وَيَأْمُرُهُ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَلَا يَسْتَخْدِمُهُ زَمَانَ أَدَائِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (حَتَّى قَالُوا يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى أَنْ يُوَضِّئَ عَبْدَهُ وَجَارِيَتَهُ إذَا مَرِضَا وَلَمْ يَقْدِرَا عَلَى الْوُضُوءِ بِنَفْسِهِمَا) وَلَا يَجِبُ أَنْ يُوَضِّئَ زَوْجَتَهُ. فَجُمْلَةُ حُقُوقِ الْمَمْلُوكِ أَنْ يُشْرِكَهُ فِي طُعْمَتِهِ وَكِسْوَتِهِ وَلَا يُكَلِّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ وَلَا يَنْظُرَ إلَيْهِ بِعَيْنِ الْكِبْرِ وَالِازْدِرَاءِ، وَأَنْ يَعْفُوَ عَنْ زَلَّتِهِ وَيَتَفَكَّرَ عِنْدَ غَضَبِهِ عَلَيْهِ بِهَفَوَاتِهِ أَوْ جِنَايَتِهِ فِي مَعَاصِيهِ وَخِيَانَتِهِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ وَتَقْصِيرِهِ فِي طَاعَتِهِ مَعَ أَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَوْقَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْمِفْتَاحِ لَكِنْ إذَا خَافَ الْإِبَاقَ لَا بَأْسَ بِالْقَيْدِ وَبِالْغُلِّ وَيُكْرَهُ كَالدَّابَّةِ فِي عُنُقِهِ وَهُوَ الْحَدِيدُ الَّذِي يَمْنَعُ مِنْ حَرَكَةِ رَأْسِهِ وَهُوَ مُعْتَادٌ بَيْنَ الظُّلْمَةِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَيَزِيدُ السَّيِّدُ فِي إكْرَامِ مَنْ كَانَ أَكْثَرَ وَرَعًا وَأَبْيَنَ صَلَاحًا قَالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْتَخْدِمَ مَنْ يَخْدُمُ رَبَّهُ. (وَمِنْهَا أَذَى الْجَارِ) قَوْلًا أَوْ فِعْلًا، وَلَوْ ذِمِّيًّا اعْلَمْ أَنَّ لِلْجِوَارِ حَقًّا وَرَاءَ مَا يَقْتَضِيهِ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَفِي الْحَدِيثِ «الْجَارُ الْمُسْلِمُ ذُو الرَّحِمِ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ حَقُّ الْجِوَارِ وَحَقُّ الْإِسْلَامِ وَحَقُّ الرَّحِمِ وَالْجَارُ الْمُسْلِمُ لَهُ حَقَّانِ الْجِوَارُ وَالْإِسْلَامُ وَالذِّمِّيُّ لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ حَقُّ الْجِوَارِ فَقَطْ» وَلَيْسَ حَقُّ الْجَارِ كَفَّ الْأَذَى فَقَطْ بَلْ احْتِمَالُ الْأَذَى بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الرِّفْقِ وَإِسْدَاءِ طَلَبِ الْخَيْرِ وَالْمَعْرُوفِ. يُقَالُ الْجَارُ الْفَقِيرُ يَتَعَلَّقُ بِجَارِهِ الْغَنِيِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَقُولُ يَا رَبِّ سَلْ هَذَا لِمَ مَنَعَنِي مَعْرُوفُهُ وَسَدَّ بَابَهُ دُونِي (خ م عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) وَعَنْ أَبَوَيْهَا (مَرْفُوعًا «مَا زَالَ جَبْرَائِيلُ ﵊ يُوصِينِي بِالْجَارِ» قَالَ الْعَلَائِيُّ الظَّاهِرُ

стр. 1077

جَارُ الدَّارِ لَا جَارُ الْجِوَارِ؛ لِأَنَّ التَّوَارُثَ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ بِجِوَارِ الْعَهْدِ، ثُمَّ نُسِخَ «حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» سَيَحْكُمُ بِتَوْرِيثِ الْجَارِ مِنْ الْجَارِ. وَاسْمُ الْجَارِ يَعُمُّ الْمُسْلِمَ وَالْعَدْلَ وَالْقَرِيبَ وَالْبَلَدِيَّ وَالنَّافِعَ وَأَضْدَادَهُمْ وَلَهُ مَرَاتِبُ فَأَعْلَاهَا مَنْ جَمَعَ صِفَاتِ الْكَمَالِ، ثُمَّ أَكْثَرَهَا وَهَلُمَّ جَرَّا وَعَكْسُهُ مَنْ جَمَعَ ضِدَّهُ كَذَلِكَ فَيُعْطِي كُلًّا حَقَّهُ بِحَسَبِ حَالِهِ وَيَتَرَجَّحُ عِنْدَ تَعَارُضِ الصِّفَاتِ. نَبَّهَ بِذَلِكَ أَنَّ الْحُقُوقَ إذَا تَأَكَّدَتْ بِالْأَسْبَابِ فَأَعْظَمُهَا الْجِوَارُ وَهُوَ قُرْبُ الدَّارِ فَأَنْزَلَهُ مَنْزِلَةَ الرَّحِمِ وَكَادَ يُثْبِتُ حَقًّا لَهُ فِي الْمَالِ وَلِلْجِوَارِ مَرَاتِبُ: الْمُلَاصَقَةُ وَالْمُخَالَطَةُ بِأَنْ يَجْمَعَهُمَا مَسْجِدٌ أَوْ مَدْرَسَةٌ أَوْ سُوقٌ أَوْ صِفَةٌ كَمَا فِي الْمَعَاقِلِ، وَعَنْ الْقُشَيْرِيِّ مِنْ جِيرَانِك الْمَلَكَانِ فَلَا تُؤْذِهِمَا بِعِصْيَانِك وَرَاعِ حَقَّهُمَا بِمَا تُمْلِي عَلَيْهِمَا مِنْ إحْسَانِك، وَإِذَا كَانَ جَارُ دَارِك مُسْتَحِقًّا لِلْإِحْسَانِ عَلَيْهِ فَجَارُ نَفْسِك وَهُوَ قَلْبُك أَوْلَى وَلَا تَغْفُلْ عَنْ حُلُولِ الْخَوَاطِرِ الْمَزْوِيَّةِ فِيهِ، ثُمَّ جَارُ قَلْبِك وَهُوَ مَعْرِفَتُك أَوْلَى بِأَنْ تُحَافِظَ حَقّهَا، ثُمَّ جَارُ رُوحِك أَوْلَى بِأَنْ تُرَاعِيَ حَقَّهُ، ثُمَّ أَوْلَى مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ لَا تَغْفُلَ عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] انْتَهَى. رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا رَمَيْت كَلْبَ جَارِك فَقَدْ آذَيْتَهُ» (خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «وَاَللَّهِ لَا يُؤْمِنُ» إيمَانًا كَامِلًا «ثَلَاثًا» أَيْ كَرَّرَهُ ثَلَاثًا وَهُوَ غَايَةُ التَّأْكِيدِ لِغَايَةِ الِاهْتِمَامِ سِيَّمَا مَظَانُّ الْإِهْمَالِ وَعَدَمُ الِاهْتِمَامِ ( «قِيلَ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» جَمْعُ بَائِقَةٍ أَيْ هَلَكَاتِهِ وَشُرُورَهُ وَغَوَائِلَهُ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» وَهُوَ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إلَى آخِرِ مَا يَقَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وُصِفَ بِالْآخِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا لَيْلَ بَعْدَهُ أَيْ بِوُجُودِهِ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِمَّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ فَلْيَفْعَلْ مَا يَأْتِي فَإِنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ سِيَّمَا وَفَرْضُ انْتِفَاءِ الْجَزَاءِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الشَّرْطِ أَيْ الْإِيمَانِ، وَفِي ذِكْرِهِ تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِإِيقَاظِ النَّفْسِ وَتَحَرُّكِ الْهِمَمِ لِلْمُبَادَرَةِ لِامْتِثَالِ جَوَابِ الشَّرْطِ وَهُوَ قَوْلُهُ «فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ» بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فَلْيُحْسِنْ إلَى جَارِهِ أَيْ مَنْ يُؤْمِنُ بِجِوَارِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ وَالرُّجُوعِ إلَى السُّكْنَى فِي جِوَارِهِ بِدَارِ كَرَامَتِهِ فَلْيَكُفَّ الْأَذَى عَنْ جَارِهِ وَيَتَحَمَّلْ مَا صَدَرَ مِنْهُ وَيَبَشَّ فِي وَجْهِهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَالْجَارُ مَنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، ثُمَّ الْإِكْرَامُ قَدْ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ، وَقَدْ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا وَجَمْعُ الْجَمِيعِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ كَذَا فِي الْفَيْضِ «وَلَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ» أَيْ جِدَارِ الْجَارِ، وَعَنْ الرَّوْضَةِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ مَاتَ وَلَهُ جِيرَانٌ ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ رَاضُونَ

стр. 1078

عَنْهُ غُفِرَ لَهُ، وَمَنْ آذَى جَارَهُ فِي غَيْرِ حَقٍّ حَرَمَهُ اللَّهُ رِيحَ الْجَنَّةِ وَمَأْوَاهُ النَّارُ أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ يَسْأَلُ الرَّجُلَ عَنْ جَارِهِ كَمَا يُسْأَلُ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَمَنْ ضَيَّعَ حَقَّ جَارِهِ فَلَيْسَ مِنَّا» (شَيْخٌ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «مَنْ آذَى جَارَهُ فَقَدْ آذَانِي وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ تَعَالَى» اسْتَوْجَبَ عُقُوبَةَ اللَّهِ أَوْ لَا يَرْضَى عَنْهُ اللَّهُ أَوْ يَغْضَبُ عَلَيْهِ فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْأَذَى لَا تُتَصَوَّرُ فِي شَأْنِهِ تَعَالَى عُلُوًّا كَبِيرًا (طب ز عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «مَا آمَنَ بِي» إيمَانًا كَامِلًا؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى قَسْوَةِ الْقَلْبِ وَالشُّحِّ وَسُقُوطِ الْمُرُوءَةِ وَعَظِيمِ اللُّؤْمِ وَخُبْثِ الطَّوِيَّةِ كَمَا قَالَ وَكُلُّكُمُو قَدْ نَالَ شِبَعًا لِبَطْنِهِ ... وَشِبَعُ الْفَتَى إنْ جَاعَ صَاحِبُهُ لُؤْمٌ «مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ، وَجَارُهُ جَائِعٌ إلَى جَنْبِهِ وَ» الْحَالُ «هُوَ يَعْلَمُ» أَنَّهُ جَائِعٌ (خَرَائِطِيٌّ) أَيْ خَرَّجَ الْخَرَائِطِيُّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «أَتَدْرِي مَا حَقُّ الْجَارِ؟» فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا قَالَ «إذَا اسْتَعَانَك أَعَنْته، وَإِذَا اسْتَقْرَضَك» طَلَبَ مِنْك قَرْضَ شَيْءٍ «أَقْرَضْته، وَإِذَا افْتَقَرَ عُدْت» مِنْ الْمُعَاوَدَةِ بِمَعْنَى الْجُودِ «عَلَيْهِ بِالصَّدَقَةِ» وَالْإِحْسَانِ «وَإِذَا مَرِضَ عُدْته» مِنْ الْعِيَادَةِ فَرْضُ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ أَوْ نَدْبٍ «، وَإِذَا أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّأْته» مِنْ التَّهْنِئَةِ هِيَ مَا يَكُونُ عِنْدَ السُّرُورِ «وَإِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْته» حَمَلْته عَلَى الصَّبْرِ وَدَعَوْت لَهُ بِالْخَيْرِ «وَإِذَا مَاتَ اتَّبَعْت جِنَازَتَهُ» تَشْيِيعًا لَهَا «وَلَا تَسْتَطِلْ عَلَيْهِ بِالْبِنَاءِ فَتَحْجُبَ عَنْهُ الرِّيحَ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تُؤْذِهِ بِقُتَارِ» كَهُمَامِ رِيحُ الْبَخُورِ أَوْ الْقِدْرِ أَوْ الْعَظْمِ الْمُحْرَقِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْقَامُوسِ «رِيحِ قِدْرِك» فَيَتَأَذَّى بِشَمِّ ذَلِكَ «إلَّا أَنْ تُفَرِّقَ لَهُ» إلَّا أَنْ تُهْدِيَ لِلْجَارِ «مِنْهَا» مِنْ الْقِدْرِ «وَإِنْ اشْتَرَيْت فَاكِهَةً فَأَهْدِ لَهُ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ» الْهَدِيَّةَ «فَأَدْخِلْهَا سِرًّا» لِئَلَّا يَتَشَوَّقَ وَيَتَأَذَّى «وَلَا تُخْرِجْ بِهَا وَلَدَك لِيَغِيظَ بِهَا وَلَدَهُ» لِفَقْدِ ذَلِكَ مِنْهُ، وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ ثَلَاثَةُ أَخْلَاقٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْمُسْلِمُونَ أَوْلَى بِهَا أَوَّلُهَا أَنَّهُ لَوْ نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ اجْتَهَدُوا فِي بِرِّهِ وَالثَّانِي لَوْ كَانَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ حَاجَةٌ لَأَخَذُوا فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ وَالثَّالِثُ إذَا لَحِقَ بِجَارِهِمْ دَيْنٌ أَوْ أَصَابَهُ جَهْدٌ اجْتَهَدُوا حَتَّى يَقْضُوا دَيْنَهُ وَأَخْرَجُوهُ مِنْ تِلْكَ الشِّدَّةِ كَمَا عَنْ الْقُنْيَةِ، وَفِي الشِّرْعَةِ اعْلَمْ أَنَّ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ طَلَبُ الْجَارِ الصَّالِحِ، وَفِي الْحَدِيثِ «الْتَمِسُوا الْجَارَ قَبْلَ شِرَاءِ الدَّارِ وَالرَّفِيقَ قَبْلَ الطَّرِيقِ» . وَإِكْرَامُ الْجَارِ مِنْ سُنَّةِ الْإِسْلَامِ، وَفِي الْحَدِيثِ حُرْمَةُ الْجَارِ كَحُرْمَةِ الْأُمِّ، وَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَوْجَبَ حَقَّ الْجَارِ إلَى أَرْبَعِينَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَيُوَاسِيهِ بِمَا أَمْكَنَ وَلَا يَبِيتُ شَبْعَانُ وَجَارُهُ جَائِعٌ وَيُشْرِكُهُ فِي فَضْلِ رِزْقِهِ وَلَا يَمْنَعُ مَصَالِحَ الْبَيْتِ كَالْمَاءِ وَالْمِلْحِ وَالنَّارِ وَالْخَمِيرَةِ وَيَغْتَنِمُ مُجَاوَرَةَ الْمُسْلِمِ الصَّالِحِ فَفِي الْحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ لَيَدْفَعُ بِالْمُسْلِمِ الصَّالِحِ عَنْ مِائَةِ أَلْفِ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِهِ الْبَلَاءَ وَيَتَحَمَّلُ مِنْ الْجَارِ مَا لَا يَتَحَمَّلُ مِنْ غَيْرِهِ» انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَبِالْجُمْلَةِ أَنَّ جُمْلَةَ حَقِّ الْجَارِ أَنْ يَبْدَأَهُ بِالسَّلَامِ وَلَا يُطِيلُ مَعَهُ الْكَلَامَ وَلَا يُكْثِرُ السُّؤَالَ عَنْ حَالِهِ وَيَصْفَحُ عَنْ زَلَّاتِهِ وَلَا يَطَّلِعُ مِنْ السَّطْحِ

стр. 1079

عَلَى عَوْرَاتِهِ وَلَا يُضَايِقُهُ فِي وَضْعِ الْجِذْعِ عَلَى جِدَارِهِ وَلَا طَرِيقِهِ إلَى دَارِهِ وَيَسْتُرُ مَا يَنْكَشِفُ لَهُ مِنْ عَوْرَاتِهِ وَيُعِينُهُ إذَا نَابَتْهُ نَائِبَةٌ وَلَا يَغْفُلُ عَنْ تَعَهُّدِ دَارِهِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ وَلَا يَسْتَمِعْ عَلَيْهِ كَلَامًا وَيَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْ حُرَمِهِ وَلَا يُدِيمُ النَّظَرَ إلَى خَادِمِهِ وَيَتَلَطَّفُ لِوَلَدِهِ فِي كَلَامِهِ وَيُرْشِدُهُ إلَى مَا جَهِلَهُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ. [مُجَالَسَةُ جَلِيسِ السُّوءِ] (وَمِنْهَا مُجَالَسَةُ جَلِيسِ السُّوءِ خ م عَنْ أَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ» مَنْفَخَةُ الْحَدَّادِينَ. شَبَّهَ الصَّلَاحَ بِالْمِسْكِ لِطِيبِ رِيحِهِ وَعِزَّةِ وُجُودِهِ وَقُوَّةِ رَغْبَتِهِ وَالسُّوءَ بِالْكِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ إلَّا لِإِضْرَامِ النَّارِ وَزِيَادَةِ تَسْعِيرِهَا، وَفَصَّلَ وَجْهَ الشَّبَهِ بِقَوْلِهِ. «فَحَامِلُ الْمِسْكِ إمَّا أَنْ يُهْدِيَك» أَيْ يَجُودُ عَلَيْك مِنْ مِسْكِهِ «وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ» أَيْ تَشْتَرِيَ «وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً» لِإِرْشَادِهِ لِلْهُدَى وَالتُّقَى إلَى أَنْ يَشْفَعُوا فِي الْآخِرَةِ بِمُجَالَسَتِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ وَمُوَاسَاتِهِمْ كَمَا فِي الْحَدِيثِ «وَنَافِخُ الْكِيرِ إمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَك» أَيْ إمَّا أَنْ تُتَابِعَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ سُوئِهِ فَيُلْهِبُ دِينَك وَحَسَنَاتِك بِنَارِ الْمَعْصِيَةِ «وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً» أَيْ إنْ لَمْ تُتَابِعْهُ تَتَضَرَّرْ بِكَآبَةِ جَهْلِهِ وَفُحْشِهِ وَفِسْقِهِ، وَلَوْ بِمُجَرَّدِ مُجَالَسَتِهِ إذَا اتَّخَذَتْهُ خَلِيلًا وَبِالْجُمْلَةِ مَقْصُودُ الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ مُجَالَسَةِ مَنْ تُؤْذِي مُجَالَسَتُهُ دِينًا أَوْ دُنْيَا وَالتَّرْغِيبُ فِي مُجَالَسَةِ مَنْ تَنْفَعُ مُجَالَسَتُهُ فِيهِمَا، وَفِيهِ إيذَانٌ بِطَهَارَةِ الْمِسْكِ تَجَنَّبْ قَرِينَ السُّوءِ وَاصْرُمْ حِبَالَهُ ... فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مِنْهُ مَحِيصًا فَدَارِهِ وَلَازِمْ حَبِيبَ الصِّدْقِ وَاتْرُكْ مِرَاءَهُ ... تَنَلْ مِنْهُ صَفْوَ الْوُدِّ مَا لَمْ تُمَارِهِ وَلِلَّهِ فِي عَرْضِ السَّمَوَاتِ جَنَّةٌ ... وَلَكِنَّهَا مَحْفُوفَةٌ بِالْمَكَارِهِ وَقِيلَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْجَلِيسُ الصَّالِحُ لَا يَخْلُو عَنْ ثَلَاثَةٍ إمَّا أَنْ يُعَلِّمَك مَا يُنْجِيك وَإِمَّا أَنْ تَسْأَلَهُ وَتَطْلُبَهُ وَإِمَّا أَنْ تَغْتَنِمَ بَرَكَاتِ مَجْلِسِهِ، كَمَا قِيلَ الْجُلُوسُ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ إحْيَاءِ لَيْلَةٍ وَالْجَلِيسُ السُّوءُ لَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَ دِينِك وَإِمَّا أَنْ يَنْشُرَ صِيتَك بِالسُّوءِ وَالْقُبْحِ كَمَا فِي حَدِيثِ (د ت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ» لِأَنَّ الْمُجَاوَرَةَ مُؤَثِّرَةٌ وَالْأَخْلَاقَ سَارِيَةٌ قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الصُّحْبَةُ سَارِيَةٌ وَالطَّبِيعَةُ سَارِقَةٌ وَلِذَا قَالُوا فِيمَا نُسِبَ إلَى جَعْفَرٍ الصَّادِقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - احْذَرْ عَدُوَّك مَرَّةً وَاحْذَرْ صَدِيقَك أَلْفَ مَرَّهْ مِنْ مَعَانِيهِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَ كُلَّ أَحَدٍ صَدِيقًا وَخَلِيلًا بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَحْوُ حُسْنِ الْخُلُقِ وَحُسْنِ السِّيرَةِ وَالصَّلَاحِ وَعَدَمِ الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا وَهَذَا لَا يُوجَدُ إلَّا فِي وَاحِدٍ مِنْ أَلْفٍ، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الْمَنْعَ عَنْ الصُّحْبَةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَاتِّخَاذِ الْحَالَةِ لِعَدَمِ وُجُودِ الشَّرَائِطِ كَمَا قِيلَ فِيمَا سَبَقَ مِنْ وَصِيَّةِ عَلْقَمَةَ الْعُطَارِدِيِّ لِابْنِهِ اصْحَبْ مَنْ إذَا خَدَمْته صَانَك، وَإِنْ صَحِبْته زَانَك اصْحَبْ مَنْ إذَا مَدَدْت يَدَك بِخَيْرٍ مَدَّهَا، وَإِنْ رَأَى مِنْك حَسَنَةً عَدَّهَا، وَإِنْ رَأَى مِنْك سَيِّئَةً سَدَّهَا إلَى آخِرِهِ. وَفِي هَذَا الْمَعْنَى مَا قِيلَ لَا تَصْحَبْ مِنْ النَّاسِ إلَّا مَنْ يَكْتُمُ وَيَسْتُرُ عَيْبَك وَيَكُونُ مَعَك فِي النَّوَائِبِ وَيُؤْثِرُك فِي الرَّغَائِبِ وَيَنْشُرُ حَسَنَتَك وَيَطْوِي سَيِّئَتَك، فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ لَا تُصَاحِبْ إلَّا نَفْسَك. «فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ» " د ت " عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الْخُدْرِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «لَا تُصَاحِبْ إلَّا مُؤْمِنًا» وَكَامِلُ الْإِيمَانِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الطِّبَاعَ سَرَّاقَةٌ، وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ: صُحْبَةُ الْأَخْيَارِ تُورِثُ الْخَيْرَ وَصُحْبَةُ الْأَشْرَارِ تُورِثُ الشَّرَّ

стр. 1080

كَالرِّيحِ إذَا مَرَّتْ عَلَى النَّتْنِ حَمَلَتْ نَتِنًا، وَإِذَا مَرَّتْ عَلَى الطَّيِّبِ حَمَلَتْ طَيِّبًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَيْسَ أَحَدٌ إلَّا لَهُ مُحِبٌّ وَمُبْغِضٌ، فَإِذَنْ لَا مَخْلَصَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَكُنْ الْمَرْجِعُ إلَى أَهْلِ الطَّاعَةِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ أَخٌ لِآخِرَتِك فَلَا تُرَاعِ فِيهِ إلَّا الْخُلُقَ، وَأَخٌ تُسَافِرُ بِهِ فَلَا تُرَاعِ فِيهِ إلَّا السَّلَامَةَ مِنْ شَرِّهِ قَالَ فِي الْحُكْمِ لَا تَصْحَبْ مَنْ لَا يُنْهِضُك حَالُهُ وَلَا يَدُلُّك عَلَى اللَّهِ مَقَالُهُ. وَقَالَ التُّسْتَرِيُّ احْذَرْ صُحْبَةَ ثَلَاثَةٍ الْجَبَابِرَةِ الْغَافِلِينَ وَالْقُرَّاءِ الْمُدَاهِنِينَ وَالصُّوفِيَّةِ الْجَاهِلِينَ أَيْ الَّذِينَ قَنَعُوا بِظَاهِرِ النِّسْبَةِ وَتَحَلَّوْا لِلنَّاسِ بِالزُّهْدِ وَالتَّعَبُّدِ وَهَؤُلَاءِ عَلَى النَّاسِ فِتْنَةٌ وَبَلَاءٌ قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَطَعَ ظَهْرِي رَجُلَانِ عَالِمٌ مُتَهَتِّكٌ وَجَاهِلٌ مُتَنَسِّكٌ فَعَلَيْك بِامْتِحَانِ مَنْ أَرَدْت صُحْبَتَهُ لَا لِكَشْفِ عَوْرَةٍ بَلْ لِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ. كَذَا فِي الْفَيْضِ لَعَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَدُورُ حَدِيثُ «اسْتَكْثِرْ مِنْ الْإِخْوَانِ فَإِنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ شَفَاعَةً» وَمُعْظَمُ فَائِدَةِ عَقْدِ الْأُخُوَّةِ هُوَ التَّبَرُّكُ بِالدُّعَاءِ وَرَجَاءُ انْتِظَارِ الشَّفَاعَةِ وَمُتَابَعَةُ السِّيرَةِ، وَفِي تَعْلِيمِ الْمُتَعَلِّمِ. وَيَفِرُّ مِنْ الْكَسْلَانِ وَالْمُعَطِّلِ وَالْمُفْسِدِ وَالْفَتَّانِ عَنْ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَأَبْصِرْ قَرِينَهُ ... فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمُقَارِنِ يَقْتَدِي فَإِنْ كَانَ ذَا شَرٍّ فَجَنِّبْهُ سُرْعَةً ... وَإِنْ كَانَ ذَا خَيْرٍ فَقَارِنْهُ تَهْتَدِي «وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَك إلَّا تَقِيٌّ» لِأَنَّ الْمُطَاعَمَةَ تُوجِبُ الْأُلْفَةَ وَتُؤَدِّي إلَى الْخُلْطَةِ بَلْ هِيَ أَوْثَقُ عُرَى الْمُخَالَطَةِ وَمُخَالَطَةُ غَيْرِ التَّقِيِّ تُخِلُّ بِالدِّينِ وَتُوقِعُ فِي الشُّبَهِ وَالْمَحْظُورَاتِ فَكَأَنَّهُ يَنْهَى عَنْ مُخَالَطَةِ الْفُسَّاقِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ حِرْمَانَ غَيْرِ التَّقِيِّ مِنْ الْإِحْسَانِ بَلْ يُطْعِمُهُ وَلَا يُخَالِطُهُ إلَّا بِقَصْدِ الْإِصْلَاحِ وَالْإِرْشَادِ إنْ مَرْجُوًّا فَالْمَعْنَى لَا تُصَاحِبْ إلَّا مُطِيعًا وَلَا تُخَالِلْ إلَّا تَقِيًّا. (غَرِيبَةٌ) قَالَ ابْنُ عَرَبِيٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اجْتَمَعَ جَمْعٌ مِنْ الْمَشَايِخِ بِدَعْوَةٍ وَقَدَّمُوا الطَّعَامَ وَاحْتَاجُوا آنِيَةً وَثَمَّةَ إنَاءُ زُجَاجٍ جَدِيدٍ أُعِدَّ لِلْبَوْلِ وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ فَأَكَلُوا فِيهِ فَنَطَقَ مُنْذُ أَكْرَمَنِي اللَّهُ تَعَالَى بِأَكْلِ هَؤُلَاءِ السَّادَةِ لَا أَكُونُ وِعَاءً لِلْأَذَى، ثُمَّ انْكَسَرَ نِصْفَيْنِ فَقَالَ ابْنُ عَرَبِيٍّ سَمِعْتُمْ مَا قَالَ؟ قَالُوا لَا. قَالَ قَالَ كَذَا وَقَالَ غَيْرَ هَذَا أَيْضًا قَالَ قُلُوبُكُمْ أَكْرَمَهَا اللَّهُ بِالْإِيمَانِ فَلَا تَرْضَوْا أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِنَجَاسَةِ الْمَعْصِيَةِ وَحُبِّ الدُّنْيَا. قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي حَدِيثِ «اسْتَكْثِرُوا مِنْ الْإِخْوَانِ فَإِنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ شَفَاعَةً» الْمُرَادُ مِنْ الْإِخْوَانِ هُمْ الْأَخْيَارُ فَكُلَّمَا كَثُرَتْ إخْوَانُكُمْ كَثُرَتْ شُفَعَاؤُكُمْ وَذَلِكَ أَرْجَى لِلْفَلَاحِ وَأَقْرَبُ لِلصَّلَاحِ وَالنَّجَاحِ، ثُمَّ قَالَ وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا الْأَخْيَارُ إخْوَانُ هَذَا الزَّمَانِ فَيَنْبَغِي الْإِقْلَالُ مِنْهُمْ قَالَ ابْنُ الرُّومِيِّ عَدُوُّك مِنْ صِدِّيقِك مُسْتَفَادٌ ... فَلَا تَسْتَكْثِرَنَّ مِنْ الصِّحَابِ فَإِنَّ الدَّاءَ أَكْثَرُ مَا تَرَاهُ ... يَكُونُ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ قَالَ الْغَزَالِيُّ سَمِعْت ابْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ لِلثَّوْرِيِّ أَوْصِنِي قَالَ أَقْلِلْ مِنْ مَعْرِفَةِ النَّاسِ قُلْت أَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَكْثِرُوا مِنْ مَعْرِفَةِ النَّاسِ فَإِنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ شَفَاعَةً قَالَ لَا أَحْسِبُك رَأَيْت قَطُّ مَا تَكْرَهُ إلَّا مِمَّنْ تَعْرِفُ، ثُمَّ مَاتَ فَرَأَيْته فِي النَّوْمِ فَقُلْت أَوْصِنِي قَالَ أَقْلِلْ مِنْ مَعْرِفَةِ النَّاسِ مَا اسْتَطَعْت فَإِنَّ التَّخَلُّصَ مِنْهُمْ شَدِيدٌ. (ت عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «لَا تُسَاكِنُوا الْمُشْرِكِينَ وَلَا تُجَامِعُوهُمْ فَمَنْ سَاكَنَهُمْ أَوْ جَامَعَهُمْ فَهُوَ مِنْهُمْ» لِأَنَّ لِلْمُجَاوَرَةِ تَأْثِيرًا فِي التَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِهِمْ. (فُرُوعٌ) وَفِي الْحَدِيثِ «إذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُخْبِرْهُ» وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالْإِخْبَارِ لِيَزْدَادَ حُبًّا وَأَيْضًا «إذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ» وَأَيْضًا «إذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ صَاحِبَهُ فَلْيَأْتِهِ فَلْيُخْبِرْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ لِلَّهِ» وَأَيْضًا «إذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ عَبْدًا» يَعْنِي إنْسَانًا «فَلْيُخْبِرْهُ فَإِنَّهُ يَجِدُ مِثْلَ الَّذِي يَجِدُ لَهُ» كُلُّهُ فِي الْجَامِعِ وَإِذَا اعْتَرَاك الْوَهْمُ مِنْ حَالِ امْرِئٍ ... وَأَرَدْت تَنْظُرَ خَيْرَهُ مِنْ شَرِّهِ فَاسْأَلْ ضَمِيرَك عَنْ ضَمِيرِ فُؤَادِهِ ... يُنْبِئُك سِرُّك بِاَلَّذِي فِي سِرِّهِ وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا «اسْتَكْثِرُوا مِنْ الْإِخْوَانِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ رَبِّي حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي أَنْ يُعَذِّبَ عَبْدَهُ بَيْنَ

стр. 1081

إخْوَانِهِ» وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ لَهُ صَدِيقٌ حَمِيمٌ لَا يُعَذَّبُ وَعَنْهُ أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنْ اكْتِسَابِ الْإِخْوَانِ وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ وَيَنْبَغِي أَنْ يُثْنِيَ عَلَى صَدِيقِهِ وَعَلَى أَوْلَادِهِ وَفِعْلِهِ حَتَّى عَقْلِهِ وَخُلُقِهِ وَهِمَّتِهِ وَخَطِّهِ وَتَصْنِيفِهِ وَجَمِيعِ مَا يَفْرَحُ بِهِ بِلَا كَذِبٍ وَلَا إفْرَاطٍ وَيَشْكُرَ عَلَى صَنِيعِهِ فِي حَقِّهِ وَيَذُبَّ عَنْهُ فِي غَيْبَتِهِ مَهْمَا قُصِدَ بِسُوءٍ وَلَوْ كِنَايَةً أَوْ تَعْرِيضًا، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُحَافَظَةِ حُقُوقِ الْأُخُوَّةِ فَالْعُزْلَةُ أَوْلَى لَهُ مِنْ الْمُؤَاخَاةِ وَالْمُصَاحَبَةِ، فَإِنَّ حَقَّ الصُّحْبَةِ ثَقِيلٌ وَلَا يُطِيقُهُ إلَّا مُحَقِّقٌ وَلَا جَرَمَ أَجْرُهُ جَزِيلٌ وَلَا يَنَالُهُ إلَّا بِتَوْفِيقٍ. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِتَقْصِيرِهِ فِي حَقِّكَ فَالْوَاجِبُ الِاحْتِمَالُ وَالْعَفْوُ وَالصَّفْحُ وَالتَّعَامِي عَنْهُ وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ فَذَهَبَ أَبُو ذَرٍّ إلَى الِانْقِطَاعِ وَرَأَى ذَلِكَ مِنْ الْبُغْضِ فِي اللَّهِ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ إلَى خِلَافِهِ قَالَ إذَا تَغَيَّرَ أَخُوك فَلَا تَدَعْهُ، فَإِنَّ أَخَاك يَعْوَجُّ مَرَّةً وَيَسْتَقِيمُ مَرَّةً أُخْرَى وَقَالَ النَّخَعِيُّ لَا تَقْطَعْ أَخَاك وَلَا تَهْجُرْهُ عِنْدَ الذَّنْبِ، فَإِنَّهُ يَرْتَكِبُهُ الْيَوْمَ وَيَتْرُكُهُ غَدًا وَكَمْ مِنْ أَخٍ زَلَّ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ عَلَيْهِ أَخُوهُ حَتَّى صَارَ بَاعِثًا عَلَى هِدَايَتِهِ. وَمِنْ آدَابِ الْأُخُوَّةِ أَنْ لَا يُكَلِّفَهُ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ بَلْ يُرَوِّحَهُ عَنْ مُهِمَّاتِهِ وَحَاجَاتِهِ، وَلَا يَسْتَمِدَّ مِنْهُ نَحْوَ جَاهٍ وَمَالٍ، وَالْقِيَامُ بِحَقِّهِ، بَلْ لَا يَقْصِدُ بِمَحَبَّتِهِ إلَّا اللَّهَ تَعَالَى تَبَرُّكًا بِدُعَائِهِ وَاسْتِئْنَاسًا بِلِقَائِهِ وَاسْتِعَانَةً بِهِ عَلَى دِينِهِ وَتَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ وَمُؤْنَتِهِ. وَتَمَامُهُ فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ. [فَتْحُ الْفَمِ عِنْدَ التَّثَاؤُبِ وَعَدَمُ دَفْعِهِ] (وَمِنْهَا فَتْحُ الْفَمِ عِنْدَ التَّثَاؤُبِ وَعَدَمُ دَفْعِهِ " م " عَنْ ابْنِ سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى وَجْهِهِ» لِأَنَّهُ سَبَبُ الْكَسَلِ عَنْ الطَّاعَةِ وَالْحُضُورِ فِيهَا وَلِذَا صَارَ مَنْسُوبًا إلَى الشَّيْطَانِ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «التَّثَاؤُبُ مِنْ الشَّيْطَانِ» (وَفِي رِوَايَةٍ «فَلْيَكْظِمْ» أَيْ لِيَدْفَعْ «مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ» فَاهُ إذَا فَتَحَهُ يَعْنِي يَغْلِبُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَدْفَعْ التَّثَاؤُبَ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ قِيلَ لَا يَخْفَى أَنَّ التَّثَاؤُبَ لَيْسَ بِاخْتِيَارِيٍّ بَلْ اضْطِرَارِيٌّ وَالتَّكْلِيفُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الِاخْتِيَارِيِّ قُلْنَا فَرْقٌ بَيْنَ نَفْسِ التَّثَاؤُبِ وَفَتْحِ الْفَمِ عِنْدَهُ، وَالِاضْطِرَارِيُّ لَوْ سُلِّمَ فَهُوَ الْأَوَّلُ وَالتَّكْلِيفُ إنَّمَا هُوَ بِالثَّانِي وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ نَهْيِ التَّثَاؤُبِ هُوَ النَّهْيُ عَنْ أَسْبَابِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ مُطْلَقًا كَكَثْرَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُهُ مَتْنًا وَشَرْحًا. (وَمِنْهَا الْجُلُوسُ فِي الطَّرِيقِ إذَا لَمْ يُعْطِ) الْجَالِسُ (حَقَّهُ) حَقَّ الطَّرِيقِ وَإِلَّا فَلَا يُمْنَعُ، وَحَقُّ الطَّرِيقِ نَحْوُ غَضِّ الْبَصَرِ وَكَفِّ الْأَذَى كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ (خ م عَنْ) أَبِي سَعِيدٍ (الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «إيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ» يَعْنِي احْذَرُوا مِنْ الْجُلُوسِ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْجَالِسَ فِيهَا قَلَّمَا يَسْلَمُ مِنْ رُؤْيَةِ مَا يَكْرَهُ وَسَمَاعِ مَا لَا يَحِلُّ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَوْرَاتِ وَمُعَايَنَةِ الْمُنْكَرَاتِ وَغَيْرِهَا «فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ» أَيْ مُفَارَقَةٌ «نَتَحَدَّثُ فِيهَا» بِبَعْضِ مُهِمَّاتِنَا فَمَا نَفْعَلُ

стр. 1082

«فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا أَبَيْتُمْ إلَّا الْمَجْلِسَ» بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ امْتَنَعْتُمْ عَنْ الْجَمِيعِ إلَّا عَنْ الْجُلُوسِ فِي الطَّرِيقِ كَأَنْ دَعَتْ حَاجَةٌ «فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ» فَلَا يَضُرُّ حِينَئِذٍ لَكِنْ فِيهِ إيمَاءٌ إلَى الْمَنْعِ مَا أَمْكَنَ وَأَنَّ الْأَوْلَى عِنْدَ إعْطَاءِ حَقِّهِ عَدَمُ الْجُلُوسِ «قَالُوا وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ غَضُّ الْبَصَرِ» كَفُّهُ عَنْ نَظَرِ الْمُحَرَّمِ «وَكَفُّ الْأَذَى» أَعْنِي الِامْتِنَاعَ عَمَّا يُؤْذِي الْمَارِّينَ مِنْ نَحْوِ ازْدِرَاءٍ وَغِيبَةٍ وَتَضْيِيقِ طَرِيقٍ «وَرَدُّ السَّلَامِ» مِنْ الْمَارَّةِ إكْرَامًا لَهُمْ «وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ» ، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ وَنَحْوُ ذَلِكَ كَإِغَاثَةِ مَلْهُوفٍ وَتَشْمِيتِ عَاطِسٍ وَإِفْشَاءِ سَلَامٍ مِنْ كُلِّ مَا يُنْدَبُ مِنْ الْمُحَسَّنَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَالنَّهْيِ عَنْ مُسْتَقْبَحَاتِهَا (وَزَادَ د) يَعْنِي أَبُو دَاوُد (فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «وَإِرْشَادُ السَّبِيلِ» وَالنَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ لِئَلَّا يَضْعُفَ الْجَالِسُ عَنْ أَدَاءِ هَذِهِ الْحُقُوقِ وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ إنَّ سَدَّ الذَّرَائِعِ أَوْلَوِيٌّ لَا لُزُومِيٌّ؛ لِأَنَّهُ نَهَى أَوَّلًا عَنْ الْجُلُوسِ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ فَلَمَّا قَالُوا لَا بُدَّ لَنَا مِنْهُ فَسَحَ لَهُمْ فِيهِ بِشَرْطِ إعْطَاءِ الْحَقِّ (وَفِي رِوَايَةِ عُمَرَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «وَتُعِينُوا» بِالْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ بِتَقْدِيرِ أَنْ لِيَصِحَّ الْعَطْفُ «الْمَلْهُوفَ» الْعَاجِزَ أَوْ الْمَظْلُومَ «وَتَهْدُوا الضَّالَّ» إلَى الطَّرِيقِ. (وَمِنْهَا الْجُلُوسُ بَيْنَ الظِّلِّ وَالشَّمْسِ) بِأَنْ يَكُونَ بَعْضُ جَسَدِهِ فِي الظِّلِّ وَبَعْضُهُ فِي الشَّمْسِ (حَدّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَلَا يَضُرُّ جَهَالَةُ الرَّاوِي الصَّحَابِيِّ لِشَهَادَةِ نَبِيِّهِمْ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَلِذَا قُبِلَ مُرْسَلُهُمْ مُطْلَقًا عَلَى الْأَصَحِّ (أَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ نَهَى» عَنْ «أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ» وَكَذَا الْمَرْأَةُ مُقَايَسَةً أَوْ مِنْ قَبِيلِ ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ( «بَيْنَ الضِّحِّ» ضَوْءِ الشَّمْسِ «وَالظِّلِّ، فَإِنَّهُ مَجْلِسُ الشَّيْطَانِ» لِأَنَّهُ مُضِرٌّ بِالْبَدَنِ مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ لَا مِنْ جِهَةِ أَمْرِ الدِّينِ فَيَكُونُ لِلتَّنْزِيهِ وَإِنَّمَا أَضَافَهُ إلَى الشَّيْطَانِ؛ لِأَنَّهُ الْبَاعِثُ لَهُ وَالْآمِرُ بِهِ لِيُصِيبَهُ السُّوءُ؛ لِأَنَّهُ مُضِرٌّ بِالْمِزَاجِ لِاخْتِلَافِ حَالِ الْبَدَنِ بِمَا يَحِلُّ بِهِ مِنْ مُؤَثِّرِ الْمُتَضَادَّيْنِ نُقِلَ عَنْ شَرْحِ الْمَصَابِيحِ أَقُولُ وَكَذَا الْجُلُوسُ فِي الشَّمْسِ فَقَطْ لِمَا فِي الْجَامِعِ «إيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الشَّمْسِ فَإِنَّهَا تُبْلِي الثَّوْبَ وَتُنْتِنُ الرِّيحَ وَتُظْهِرُ الدَّاءَ الدَّفِينَ» قَالَ شَارِحُهُ أَيْ الْمَدْفُونَ فِي الْبَدَنِ فَالْقُعُودُ فِيهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ إرْشَادًا لِلضَّرُورَةِ وَقَدْ صَرَّحَ الْأَطِبَّاءُ بِهِ. لَعَلَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَقِفْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ أَوْ وَقَفَ عَلَى طَعْنِ الذَّهَبِيِّ بِأَنَّهُ مِنْ وَضْعِ الطَّحَّانِ وَلِذَا قَالَ شَارِحُهُ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ حَذْفُهُ. [الْقُعُودُ وَسْطَ الْحَلْقَةِ] (وَمِنْهَا الْقُعُودُ وَسْطَ الْحَلْقَةِ) كَحَلْقَةِ الذِّكْرِ وَحَلْقَةِ الْعِلْمِ أَوْ الطَّعَامِ الْوَسْطِ بِالسُّكُونِ ظَرْفُ مَكَان مُبْهَمٌ (د عَنْ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَعَنَ مَنْ جَلَسَ وَسْطَ الْحَلْقَةِ» ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ لِتَأَذِّيهمْ وَقِيلَ مُخْتَصٌّ بِمِنْ يَجْلِسُ اسْتِهْزَاءً كَالْمُضْحِكِ وَبِمَنْ يَجْلِسُ لِأَخْذِ الْعِلْمِ نِفَاقًا، وَأَمَّا تَفْسِيرُهُ بِمَنْ يَتَخَطَّى الرِّقَابَ وَيَقْعُدُ وَسْطَ الْحَلْقَةِ وَيَحْجُبُ الْبَعْضَ عَنْ بَعْضٍ فَقَالَ الْمُنَاوِيُّ لَيْسَ

стр. 1083

بِتَقْوِيمٍ إلَّا إنْ قِيلَ بِقَصْدِ الضَّرَرِ أَوْ أُوِّلَ اللَّعْنُ بِالْأَذَى. وَجْهُ اللَّعْنِ أَنَّهُمْ يَلْعَنُونَهُ وَيَذُمُّونَهُ. (وَمِنْهَا الْجُلُوسُ مَكَانَ غَيْرِهِ وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ) الْأَوْفَقُ جَعْلُهُمَا آفَتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ (خ م عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ رَجُلًا مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ» لِسَبْقِ حَقِّهِ وَلِلْأَذَى وَالتَّحْقِيرِ وَالتَّشْبِيهِ بِالْجَبَابِرَةِ وَلِمُنَافَاةِ التَّوَاضُعِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا صَرِيحٌ فِي رَجُلٍ أَقَامَهُ مِنْ مَكَانِهِ ثُمَّ جَلَسَ مَكَانَهُ وَالْمَطْلُوبُ هُوَ الْمُطْلَقُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُرْمَةِ مَجْمُوعِهِمَا حُرْمَةُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِجَوَازِ كَوْنِ التَّأْثِيرِ فِي الْمَجْمُوعِ فَيَنْدَفِعُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ حَاصِلٌ وَلَوْ فِي ضِمْنِ شَيْءٍ «وَلَكِنْ» عِنْدَ مَجِيءِ أَحَدٍ «تَوَسَّعُوا» يَا أَهْلَ الْمَجْلِسِ «وَتَفَسَّحُوا» يَعْنِي لَا يَجُوزُ لِلْجَائِي رَفْعُ وَاحِدٍ وَالْجُلُوسُ مَكَانَهُ بَلْ يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْمَجْلِسِ أَنْ يُوَسِّعُوا لَهُ مَكَانًا بِلَا قِيَامِ أَحَدٍ (د عَنْهُ) أَيْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّهُ جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ آخَرُ مِنْ مَجْلِسِهِ فَذَهَبَ لِيَجْلِسَ فِيهِ فَنَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» هَذَا النَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى كَوْنِ قِيَامِ ذَلِكَ الرَّجُلِ لِأَجْلِ خَوْفِهِ أَوْ لِتَرْكِهِ مَجْلِسَ الْعِلْمِ أَوْ الْحِكْمَةِ، وَأَمَّا الْقِيَامُ لِلْغَيْرِ لِلتَّعْظِيمِ إذَا كَانَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ كَالْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاء فَيَجُوز وزُ إلَّا إنْ أَمْرَ بِالْقِيَامِ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ وَالْمَحَلِّ فَعَلَى الْجَالِسِ حِينَئِذٍ الْقِيَامُ قِيلَ وَأَمَّا مَا جَاءَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا فَقُمْنَا لَهُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَقُومُوا كَمَا يَقُومُ الْأَعَاجِمُ يُعَظِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَكْرَهُ الْقِيَامَ» فَلَعَلَّهُ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى لِئَلَّا يَتَمَكَّنَ فِي النُّفُوسِ حُبُّ الْجَاهِ وَالْمُفَاخَرَةِ وَأُيِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِ زَيْنِ الْعَرَبِ فِي حَدِيثٍ «لَا تَقُومُوا كَمَا يَقُومُ الْأَعَاجِمُ يُعَظِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» إنْ كَانَ تَعْظِيمُهُمْ لِلدُّنْيَا كَالْمَالِ وَالْجَاهِ، وَإِنْ لِلْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ فَحَسَنٌ وَبِقَوْلِ الْمُبَارِقِ فِي حَدِيثِ «قُومُوا إلَى سَيِّدِكُمْ» فَيَدُلُّ أَنَّ الْقِيَامَ جَائِزٌ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهُ كَالْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ كَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ قَامَ لِعِكْرِمَةَ وَلِعَدِيٍّ» ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ عَلَى تَأْلِيفِهِمَا عَلَى الْإِسْلَامِ لِكَوْنِهِمَا سَيِّدَيْ الْقَبِيلَتَيْنِ أَوْ لِغَيْرِهِ وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الْقِيَامُ إنْ لِلْإِعْظَامِ فَمَكْرُوهٌ، وَإِنْ لِلْإِكْرَامِ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ انْتَهَى. لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ هُوَ عَلَى طَرِيقِ الْجَوَابِ عَنْ سُؤَالٍ وَارِدٍ عَلَى الْحَدِيثِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا مَنْشَأَ لَهُ فِيهِ وَفِي الْمُنَاوِيِّ عِنْدَ حَدِيثِ " قُومُوا " وَفِيهِ نَدْبُ إكْرَامِ أَهْلِ الْفَضْلِ مِنْ عِلْمٍ أَوْ صَلَاحٍ أَوْ شَرَفٍ بِالْقِيَامِ لَهُمْ إذَا أَقْبَلُوا وَالتَّنْبِيهُ عَلَى شَرَفِ ذَوِي الشَّرَفِ وَالتَّعْرِيفُ بِأَقْدَارِهِمْ وَتَنْزِيلُهُمْ مَنَازِلَهُمْ وَقَدْ قَامَ الْمُصْطَفَى لِعِكْرِمَةَ لِكَوْنِهِ مِنْ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ وَلِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ لِكَوْنِهِ مِنْ رُؤَسَاءِ بَنِي طيئ يَتَأَلَّفُهُمَا بِهِ وَمَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ إنَّمَا هُوَ فِي الْقِيَامِ لِلْإِعْظَامِ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْأَعَاجِمِ لَا لِلْإِكْرَامِ كَمَا كَانَ الْمُصْطَفَى ﷺ يَفْعَلُهُ انْتَهَى. وَاخْتَارَ الْجَوَازَ أَيْضًا الشُّرُنْبُلَالِيُّ ﵀ فِي رِسَالَتِهِ الْخَاصَّةِ (م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ» لِيَعُودَ «ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» فَإِذَا وَجَدَ فِيهِ قَاعِدًا فَلَهُ أَنْ يُقِيمَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبْطِلْ اخْتِصَاصَهُ، وَعَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ تَخْصِيصُهُ بِالْمَسْجِدِ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْمَنْقُولِ عَنْ النَّوَوِيِّ ﵀ هُوَ التَّعْمِيمُ لِلْمَسْجِدِ وَلِغَيْرِهِ لَكِنْ خُصّ بِمَا جَلَسَ لِلصَّلَاةِ، وَشَرَطَ كَوْنَ الْمُعَاوَدَةِ غَيْرَ طَوِيلَةٍ فِي زَمَانٍ يَسِيرٍ وَعَلَى الْقَاعِدِ إطَاعَتُهُ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا أَوَّلُهُمَا أَصَحُّهُمَا، وَمَنْ أَلِفَ مِنْ مَسْجِدٍ مَحَلًّا لِيُفْتِيَ فِيهِ أَوْ يَقْرَأَ فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ مَنْ قَعَدَ فِيهِ وَمِثْلُهُ مَنْ سَبَقَ إلَى مَحَلٍّ مِنْ الشَّارِعِ وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ لِمُعَامَلَةٍ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ إذْنِ الْإِمَامِ كَذَا فِي الْفَيْضِ. أَقُولُ وَكَذَا الْمُنَاوَبَةُ فِي الْمِيَاهِ وَالرَّحَى وَالْفُلْكِ وَالرِّبَاطَاتِ وَنَحْوِهَا (د «عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ كُنَّا إذَا أَتَيْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَلَسَ أَحَدُنَا حَيْثُ يَنْتَهِي»

стр. 1084

وَلَا يَذْهَبُ إلَى مَا فَوْقَهُ فَسُنَّ بِسُكُوتِهِ وَتَقْرِيرِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ مِنْ السُّنَّةِ التَّقْرِيرِيَّةِ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ أَنَّهُمْ إنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ بِأَمْرِهِ ﵊ لَكِنْ يَشْكُلُ بِحَدِيثِ الْجَامِعِ «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» وَفَسَّرَ شَارِحُهُ أَيْ احْفَظُوا حُرْمَةَ كُلِّ أَحَدٍ عَلَى قَدْرِهِ وَعَامِلُوهُ بِمَا يُلَائِمُ فِي دِينٍ وَعِلْمٍ وَشَرَفٍ فَلَا تُسَوُّوا بَيْنَ الْخَادِمِ وَالْمَخْدُومِ وَالرَّئِيسِ وَالْمَرْءُوسِ، فَإِنَّهُ يُورِثُ عَدَاوَةً وَحِقْدًا فِي النُّفُوسِ وَهَذَا مِنْ تَأْدِيبِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّتَهُ وَتَعْلِيمِهِمْ إيفَاءَ النَّاسِ حُقُوقَهُمْ مِنْ تَعْظِيمِ الْعُلَمَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَإِكْرَامِ ذِي الشَّيْبَةِ وَإِجْلَالِ الْكَبِيرِ، وَبِحَدِيثِهِ أَيْضًا «أَنْزِلْ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ مِنْ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ» قَالَ شَارِحُهُ، فَإِنَّ الْإِكْرَامَ غِذَاءُ الْآدَمِيِّ وَالتَّارِكُ لِتَدْبِيرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ لَا يَسْتَقِيمُ حَالُهُ وَقَدْ دَبَّرَ اللَّهُ تَعَالَى أَحْوَالَ عِبَادِهِ غِنًى وَفَقْرًا وَعِزًّا وَذُلًّا وَرِفْعَةً وَضِعَةً لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ شُكْرًا، فَإِذَا لَمْ يُنْزِلْهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ يُخَالِقْهُ بِخُلُقٍ حَسَنٍ فَقَدْ اسْتَهَانَ بِهِ وَجَفَاهُ وَتَرَكَ مُوَافَقَةَ اللَّهِ فِي تَدْبِيرِهِ، فَإِذَا سَوَّيْت بَيْنَ شَرِيفٍ وَوَضِيعٍ أَوْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ فِي مَجْلِسٍ أَوْ عَطِيَّةٍ كَانَ مَا أَفْسَدْت أَكْثَرَ مِمَّا أَصْلَحْت فَالْغَنِيُّ إذَا أَقْصَيْت مَجْلِسَهُ أَوْ احْتَقَرْت هَدِيَّتَهُ يَحْقِدُ عَلَيْك وَإِذَا عَامَلَتْ الْوُلَاةَ مُعَامَلَةَ الرَّعِيَّةِ فَقَدْ عَرَّضْت نَفْسَك لِلْبَلَاءِ أَقُولُ التَّوْفِيقُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَا فِي حُضُورِهِ ﵊ وَبَيْنَ مَا فِي غِيَابِهِ أَوْ يَجْعَلُ الْأَخِيرِينَ قَيْدًا لِلْأَوَّلِ بِمَعْنَى جَلَسَ أَحَدُنَا حَيْثُ يَنْتَهِي إنْ كَانَ هُوَ مَنْزِلَهُ، وَأَمَّا تَرْجِيحُ الْقَوْلِيِّ عَلَى السُّكُوتِيِّ وَالصَّرِيحِ عَلَى الْكِنَايَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ احْتِجَاجًا، فَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَ عَدَمِ التَّوْفِيقِ وَأَيْضًا إنَّ قَوْلَهُ أَحَدُنَا لَيْسَ نَصًّا فِي الِاسْتِغْرَاقِ فَافْهَمْ (د عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تَجْلِسْ» أَنْتَ «بَيْنَ رَجُلَيْنِ إلَّا بِإِذْنِهِمَا» ؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ الْحِقْدَ وَإِيذَاءً بِاحْتِقَارِهِمَا (وَفِي رِوَايَةٍ «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ» لِإِنْسَانٍ «أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إلَّا بِإِذْنِهِمَا» وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَحَبَّةٌ وَجَرَيَانُ سِرٍّ وَكَلَامٍ فَيَشُقُّ عَلَيْهِمَا التَّفَرُّقَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ فِي الصَّفِّ فُرْجَةٌ وَفِي الْجَامِعِ رِوَايَةٌ عَلَى هَذَا الْمَخْرَجِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. (وَمِنْهَا الْقُعُودُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْمُصِيبَةِ، فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ) لِأَجْلِ التَّعْزِيَةِ وَفِي قَاضِي خَانْ يُكْرَهُ الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْمُصِيبَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَقَلَّ وَفِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ رُخِّصَ لِلرِّجَالِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَالتَّرْكُ أَوْلَى وَفِي الْجَوْهَرَةِ وَقْتُ تَعْزِيَةِ مَنْ يَمُوتُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَيُكْرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تُجَدِّدُ الْحُزْنَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعَزِّي أَوْ الْمُعَزَّى غَائِبًا فَلَا بَأْسَ بِهَا (وَكَذَا لِلتِّجَارَةِ وَالْكَسْبِ) وَيَجُوزُ لِلْقَيِّمِ لِضَرُورَةِ حِفْظِ الْمَسْجِدِ (حَتَّى الْكِتَابَةُ بِالْأُجْرَةِ) وَأَمَّا الْكِتَابَةُ لِنَفْسِهِ لِلِانْتِفَاعِ فَجَائِزٌ وَيَدْخُلُ فِيهِ فَتْوَى الْمُفْتِي بِأُجْرَةٍ كَمَا سَبَقَ لَكِنْ قَدْ يُفْهَمُ مِنْ تَجْوِيزِ الْقَيِّمِ لِلضَّرُورَةِ تَجْوِيزُهُ لِلْمُعْتَكِفِ لِلضَّرُورَةِ أَيْضًا (وَفِي الْخُلَاصَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلسَّقَّاءِ) الَّذِي يُسْبِلُ الْمَاءَ فِي الْمَسْجِدِ بِالْأُجْرَةِ (هَذَا الْحُكْمُ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْكَسْبِ فَيُكْرَهُ وَمَا قِيلَ فِي السَّقَّاءِ فِي الْمَسْجِدِ نَفْعٌ وَإِعَانَةٌ عَلَى الْخَيْرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَرِهَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَلَمْ أَعْلَمْ مُرَادَهُ فَمِنْ قَبِيلِ

стр. 1085

الرَّأْيِ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ وَقَدْ قَرَّرَ كَرَاهَةَ الشُّرْبِ فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ حَتَّى تَعْلِيمَ الصِّبْيَانِ بِأَجْرِ وَالْخِيَاطَةَ وَالْكِتَابَةَ وَقَدْ سَبَقَ. [الِانْحِنَاءُ فِي السَّلَامِ] (وَمِنْهَا الِانْحِنَاءُ فِي السَّلَامِ) ابْتِدَاءً وَرَدًّا وَلَوْ سُلْطَانًا (ت عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «سَمِعْت رَجُلًا يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ وَصَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي لَهُ» مِنْ الِانْحِنَاءِ «قَالَ» ﵊ «لَا» أَيْ لَا يَنْحَنِي فَيُكْرَهُ «قَالَ أَفَيَلْتَزِمُهُ» أَيْ يَلْتَصِقُ بِصَدْرِهِ وَجَسَدِهِ «وَيُقَبِّلُهُ قَالَ لَا قَالَ أَيَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ» مِنْ الْمُصَافَحَةِ «قَالَ نَعَمْ» أَقُولُ وَلِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الْفُقَهَاءُ يُكْرَهُ الِانْحِنَاءُ فِيهِ) إلَّا أَنْ يَخَافَ مِنْ شَرِّهِ، وَأَمَّا الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ لِغَيْرِ اللَّهِ فَحَرَامٌ. (وَمِنْهَا السِّحْرُ فَهُوَ حَرَامٌ) لِمَا جَاءَ فِيهِ كَالسِّحْرِ لِأَجْلِ التَّفْرِيقِ أَوْ لِعَدَمِ قُرْبَانِ الزَّوْجَةِ أَوْ لِإِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ أَوْ لِيَتَحَبَّبَ إلَيْهِ النِّسَاءُ أَوْ الْمُرْدُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُورِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ لِخَوَاجَهْ زَادَهْ (فَإِنْ اعْتَقَدَ التَّأْثِيرَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ السِّحْرِ (فَهُوَ كَافِرٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مُؤَثِّرَ فِي الْوُجُودِ غَيْرُهُ تَعَالَى فَمَنْ اعْتَقَدَ التَّأْثِيرَ مِنْهُ

стр. 1086

فَكَأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ شَرِيكًا لَهُ تَعَالَى، وَفِي الْخَانِيَّةِ وَاَلَّذِي يَسْتَعْمِلُ السِّحْرَ فَهُوَ عَلَى وُجُوهٍ: إنْ كَانَ يَقُولُ أَنَا أَخْلُقُ وَأَفْعَلُ مَا أُرِيدُ ثُمَّ تَابَ وَتَبَرَّأَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ تَعَالَى - خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ - قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَلَا يُقْتَلُ، وَإِنْ كَانَ يَسْتَعْمِلُ السِّحْرَ وَيَجْحَدُ وَلَا يَدْرِي كَيْفَ يَفْعَلُ بِهِ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ إذَا أُخِذَ وَثَبَتَ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَسَاحِرٌ يَسْتَعْمِلُ السِّحْرَ لِلِامْتِحَانِ وَلَا يَعْتَقِدُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كَافِرًا، وَعَنْ الْخَانِيَّةِ إذَا تَابَ السَّاحِرُ قَبْلَ الْأَخْذِ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَبَعْدَ الْأَخْذِ كَالزِّنْدِيقِ. وَتَعَلُّمُ السِّحْرِ كُفْرٌ وَقِيلَ إنْ لِلنَّجَاةِ أَوْ التَّوَقِّي فَلَا، وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ عَنْ الشَّافِعِيِّ إذَا اعْتَرَفَ السَّاحِرُ بِأَنَّهُ قَتَلَ الشَّخْصَ بِسِحْرِهِ وَجَبَ الْقَوَدُ (س عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ» نَفَخَ «فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ» إنْ اعْتَقَدَ التَّأْثِيرَ «وَمَنْ تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ» اعْتَقَدَ قَلْبُهُ شَيْئًا دُونَهُ تَعَالَى «وُكِلَ إلَيْهِ» وَلَمْ يُعِنْهُ تَعَالَى وَلَمْ يَنْصُرْهُ، وَأَمَّا مَنْ تَعَلَّقَ بِاَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ وَيَرْزُقُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (ز عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ مَرْفُوعًا «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ» وَهُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ عَلَامَةً لِلشَّرِّ نَحْوَ فِعْلِ طَيْرٍ أَوْ سَمَاعِ كَلَامٍ كَصَوْتِ الْغُرَابِ وَالْعَقْعَقِ وَرُؤْيَةِ الْأَرْنَبِ وَالرَّجُلِ الْفَاسِقِ وَالرَّجُلِ الْعَرِيفِ بِالشُّؤْمِ «أَوْ تَكَهَّنَ» بِنَفْسِهِ وَالْكِهَانَةُ إخْبَارٌ عَنْ الْغَيْبِ «أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ أَوْ سَحَرَ» بِنَفْسِهِ «أَوْ سُحِرَ لَهُ» ، فَإِنْ اعْتَقَدَ التَّأْثِيرَ وَعِلْمَ الْغَيْبِ فَمَعْنَى قَوْلِهِ لَيْسَ مِنَّا لَيْسَ مِنْ أُمَّتِنَا؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ وَإِلَّا فَمَعْنَاهُ لَيْسَ مِنْ عَامِلِ شَرِيعَتِنَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ حَرَامٌ لَيْسَ بِكُفْرٍ كَمَا مَرَّ لَكِنْ إنْ أُرِيدَ أَحَدُهُمَا يَبْقَى الْآخَرُ، وَإِنْ أُرِيدَا مَعًا فَيَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَوْ الْحَقِيقَتَيْنِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ عِنْدَنَا فَنَقُولُ الْمُرَادُ مُطْلَقُ الْحُرْمَةِ فِي ضِمْنِ أَيِّهِمَا وُجِدَ وَإِلَّا فَلَا «وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَحْصُلُ التَّصْدِيقُ بَلْ الشَّكُّ فَالظَّاهِرُ لَيْسَ بِكُفْرٍ

стр. 1087

وَعَنْ بَعْضٍ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ مَا لَمْ يُصَدِّقْ تَصْدِيقًا يَقِينِيًّا وَكَذَا السُّؤَالُ لِلِاسْتِهْزَاءِ أَوْ التَّكْذِيبِ، وَفِي قَاضِي خَانْ تَصْدِيقُ الْكَاهِنِ كُفْرٌ وَلَوْ قَالَ أَنَا أُخْبِرُ بِأَخْبَارِ الْجِنِّ، وَفِي النِّصَابِ مَا حَاصِلُهُ مَا يُرَادُ بِهِ الْإِصْلَاحُ وَالنَّفْعُ لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ كَحَلِّ الْعُقَدِ فَالْمُبْتَلَى بِذَلِكَ يَأْخُذُ حُزْمَةَ قُضْبَانٍ وَيَطْلُبُ فَأْسًا ذَا فِقَارَيْنِ وَيَضَعُهُ فِي وَسَطِ تِلْكَ الْحُزْمَةِ وَيُؤَجِّجُ نَارًا فِي تِلْكَ الْحُزْمَةِ حَتَّى إذَا حَمِيَ الْفَأْسُ اسْتَخْرَجَهُ مِنْ النَّارِ وَبَالَ عَلَى حِدَّتِهِ، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ بِإِذْنِهِ تَعَالَى. اهـ. (وَمِنْهَا تَعْلِيقُ التَّمَائِمِ) خَرَزَةٌ تُعَلَّقُ لِدَفْعِ الْآفَاتِ (وَنَحْوِهِ د عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَرْفُوعًا «إنَّ الرُّقَى» مَا تُكْتَبُ لِدَفْعِ الْأَوْجَاعِ وَالْآلَامِ ( «وَالتَّمَائِمَ وَالتُّوَلَةَ» شَيْءٌ تَصْنَعُهُ النِّسَاءُ لِيَتَحَبَّبْنَ إلَى أَزْوَاجِهِنَّ «شِرْكٌ» إنْ اعْتَقَدَ التَّأْثِيرَ وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ الرُّقَى مَعْلُومَ الْمَعَانِي فَجَائِزٌ وَإِلَّا فَحَرَامٌ كَالْآخَرَيْنِ فَحِينَئِذٍ الْمُرَادُ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ تَرْهِيبًا وَتَهْدِيدًا، وَعَنْ الْخَانِيَّةِ صَنْعَةُ الْمَرْأَةِ التَّعْوِيذَ لِيُحِبَّهَا زَوْجُهَا الْبَاغِضُ لَهَا حَرَامٌ قَالَ الْعَبْدُ أَصْلَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَيُسْتَدَلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَنْعِ النَّاسِ أَنْ يُعَلِّقُوا عَلَى أَوْلَادِهِمْ التَّمَائِمَ وَالْخُيُوطَ وَالْخَرَزَاتِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا تَخَلَّفَ أَنْوَاعُهُ وَيَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُمْ أَوْ يَدْفَعُ عَنْهُمْ الْعَيْنَ وَمَسَّ الشَّيْطَانِ، وَفِيهِ نَوْعٌ مِنْ الشِّرْكِ أَعَاذَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ النَّفْعَ وَالضُّرَّ بِيَدِ اللَّهِ لَا بِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الرَّتِيمَةِ وَهِيَ الْخَيْطُ الَّذِي يُرْبَطُ بِالْإِصْبَعِ أَوْ الْخَاتَمِ لِلتَّذَكُّرِ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِلْحَاجَةِ كَمَا فِي نِصَابِ الِاحْتِسَابِ انْتَهَى. أَقُولُ الْأَشْبَهُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِنَحْوِ مَا كَانُوا يَرْقُونَ بِمَا فِيهِ أَسْمَاءُ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَالْأَصْنَامِ وَيُعَلِّقُونَ التَّمِيمَةَ وَهِيَ الْخَرَزَةَ وَكَذَا التُّوَلَةَ وَهِيَ الشَّيْءُ الَّذِي يُصْنَعُ لِلْمَحَبَّةِ وَيَعْتَقِدُونَ فِي ذَلِكَ دَفْعَ الْمَضَارِّ وَالتَّأْثِيرَ وَالِاضْطِرَارَ إلَى الْحُبِّ فَأَخْبَرَ ﵊ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَكُونُ بِاعْتِقَادِ التَّأْثِيرِ مِنْ غَيْرِهِ تَعَالَى فَشِرْكٌ (حَدّ يعلى حك عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً» عَلَى نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ طِفْلِهِ أَوْ دَابَّتِهِ «فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ» ، وَفِي الْجَامِعِ «فَلَا تَمَّمَ اللَّهُ لَهُ» مَا أَرَادَهُ مِنْ الْحِفْظِ «وَمَنْ عَلَّقَ وَدَعَةً» خَرَزَةً لِدَفْعِ الْعَيْنِ «فَلَا رَدَّ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ» أَيْ لَا تَرَكَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَحْصُلَ مُرَادُهُ. دُعَاءٌ أَوْ خَبَرٌ، وَفِي الْجَامِعِ «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ» أَيْ فَعَلَ فِعْلَ أَهْلِ الشِّرْكِ وَهُمْ يَرَوْنَ بِهِ دَفْعَ الْمَقَادِيرِ الْمَكْتُوبَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إذَا اعْتَقَدَ الَّذِي عَلَّقَهَا أَنَّهَا تَرُدُّ الْعَيْنَ فَقَدْ ظَنَّ أَنَّهَا تَرُدُّ الْقَدْرَ وَاعْتِقَادُ ذَلِكَ شِرْكٌ. (تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ كَغَيْرِهِ مَحَلُّ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْخَبَرِ وَمَا قَبْلَهُ فِي تَعْلِيقِ مَا لَيْسَ فِيهِ قُرْآنٌ وَنَحْوُهُ أَمَّا مَا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ فَلَا نَهْيَ عَنْهُ، فَإِنَّهُ إنَّمَا جُعِلَ لِلتَّبَرُّكِ وَالتَّعَوُّذِ بِأَسْمَائِهِ وَذِكْرِهِ، وَكَذَا لَا نَهْيَ عَمَّا يُعَلَّقُ لِأَجْلِ الزِّينَةِ مَا لَمْ يَبْلُغْ الْخُيَلَاءَ وَالسَّرَفَ كَذَا فِي الْفَيْضِ وَأَقُولُ أَيْضًا مَحْمَلُ مَا ذُكِرَ عَلَى اعْتِقَادِ التَّأْثِيرِ أَوْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ (حك عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) وَعَنْ أَبَوَيْهَا (أَنَّهَا

стр. 1088

قَالَتْ لَيْسَتْ التَّمِيمَةُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ بَعْدَ الْبَلَاءِ) لِأَجْلِ رَفْعِهِ كَتَعْلِيقِ خَرَزَةٍ لِأَجْلِ رَفْعِ الِاصْفِرَارِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ (إنَّمَا التَّمِيمَةُ) الْمَنْهِيُّ عَنْهَا (مَا تَعَلَّقَ بِهِ قَبْلَ الْبَلَاءِ) لِزَعْمِ أَنَّهَا تَدْفَعُهُ وَعَدَمَ إصَابَتِهِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ الْفَرْقُ فِي غَايَةِ الْخَفَاءِ وَالضَّرُورَةُ لَا تَصْلُحُ فَارِقًا فَالْكَلَامُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّعَبُّدِ وَأَنَّ ثُبُوتَ الْأَصْلِ بِأَثَرٍ خِلَافُ الْقِيَاسِ فَلَا يُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ (وَأَمَّا تَعْلِيقُ التَّعْوِيذِ) أَيْ حَمْلُ الدُّعَاءِ الْمُجَرَّبِ أَوْ الْآيَةِ الْمُجَرَّبَةِ أَوْ بَعْضِ أَسْمَائِهِ تَعَالَى لِدَفْعِ الْبَلَاءِ (فَلَا بَأْسَ بِهِ) كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (وَلَكِنْ يَنْزِعُهُ عِنْدَ الْخَلَاءِ وَالْقُرْبَانِ) أَيْ الْوِقَاعِ بِأَهْلِهِ وَعِنْدَ الْبَعْضِ يَجُوزُ عَدَمُ النَّزْعِ إذَا كَانَ مَسْتُورًا بِشَيْءٍ وَالنَّزْعُ أَوْلَى وَأَحْوَطُ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْمُصَنِّفِ (كَذَا فِي التتارخانية) . [حُكْم الْوَشْمُ] (وَمِنْهَا الْوَشْمُ) غَرْزُ الْيَدِ أَوْ الْوَجْهِ بِالْإِبَرِ ثُمَّ ذَرُّ الْكُحْلِ أَوْ الْمِدَادِ (وَنَحْوِهِ خ م عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَات» أَيْ طَالِبَاتِ فِعْلِهِ ( «وَالْمُتَنَمِّصَاتِ» بِتَاءٍ ثُمَّ نُونٍ وَرُوِيَ بِتَقْدِيمِ النُّونِ هِيَ أَخْذُ شَعْرِ الْحَاجِبِ بِالْمِنْمَاصِ. حَدِيدَةٌ يُؤْخَذُ بِهَا الشَّعْرُ. وَأَمَّا أَخْذُ شَعْرِ الْجَبْهَةِ فَجَائِزٌ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ يَجُوزُ أَخْذُ شَعْرِ الْحَاجِبِ لِلزِّينَةِ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ لَهُ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ «وَالْمُتَفَلِّجَاتِ» تَرْقِيقُ السِّنِّ تَفْعَلُهُ الْعَجَائِزُ «لِلْحُسْنِ» لِأَجْلِ الْحُسْنِ «الْمُغَيِّرَاتِ» وَصْفٌ مُشِيرٌ لِعِلَّةِ اللَّعْنِ «خَلْقَ اللَّهِ تَعَالَى» فَحَرَامٌ حَتَّى قِيلَ كَبِيرَةٌ لِلَّعْنِ نَعَمْ إنْ نَبَتَتْ لَهَا لِحْيَةٌ لَمْ يَحْرُمْ إزَالَتُهَا بَلْ مَنْدُوبٌ؛ لِأَنَّهَا مُثْلَةٌ فِي حَقِّهَا كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمَوَاهِبِ وَفِي الْفَيْضِ عَنْ الطَّبَرَانِيِّ لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُغَيِّرَ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهَا بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ الْتِمَاسًا لِلْحُسْنِ لِلزَّوْجِ وَلَا لِغَيْرِهِ كَمَقْرُونَةِ الْحَاجِبَيْنِ تُزِيلُ مَا بَيْنَهُمَا تُوهِمُ الْبَلَجَ وَعَكْسُهُ، وَأَخَذَ مِنْهُ عِيَاضٌ عَدَمَ جَوَازِ إزَالَةِ عُضْوٍ زَائِدٍ كَالْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ (وَزَادَ س «وَالْوَاصِلَةَ» مَنْ تَصِلُ شَعْرَ النِّسَاءِ بِشَعْرِ النِّسَاءِ «وَالْمُسْتَوْصِلَةَ» مَنْ تَطْلُبُهُ مِنْ قَبِيلِ الْإِخْرَاجِ عَلَى مَخْرَجِ الْعَادَةِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ كَذَلِكَ بَلْ أَوْلَى وَلَعَلَّك عَلِمْت فِيمَا مَرَّ جَوَازَ وَصْلِ شَعْرِهَا بِشَعْرٍ لَيْسَ بِشَعْرِ آدَمِيٍّ كَالْوَبَرِ ( «وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَالْمُحَلِّلَ» الزَّوْجَ الثَّانِيَ لِأَجْلِ حِلِّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا لِلْأَوَّلِ ( «وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» الزَّوْجَ الْأَوَّلَ الطَّالِبَ لِذَلِكَ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّ اللَّعْنَ إنْ كَانَ النِّكَاحُ بِشَرْطِ التَّطْلِيقِ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ صَرِيحًا، وَإِنْ مُضْمَرًا فَجَائِزٌ بَلْ مَنْدُوبٌ كَمَا فَصَّلْنَا فِي حَاشِيَتِنَا عَلَى الدُّرَرِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى وُقُوعِ التَّحْلِيلِ وَلَوْ بِالشَّرْطِ بِخِلَافِ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُ يَفْسُدُ الْعَقْدُ عِنْدَ هُمْ وَلَا يَحِلُّ لِلْأَوَّلِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ وَلَا يَحِلُّ لِلْأَوَّلِ كَذَا قِيلَ

стр. 1089

(وَزَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي رَيْحَانَةَ «الْوَشْرَ» بِالرَّاءِ هُوَ تَرْقِيقُ الْأَسْنَانِ «وَالنَّتْفَ» وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «تَغْيِيرَ الشَّيْبِ» بِالسَّوَادِ فِي غَيْرِ الْجِهَادِ (وَالْمُرَادُ بِالنَّتْفِ الْبَيَاضُ مِنْ اللِّحْيَةِ) السَّوْدَاءِ (عَلَى وَجْهِ التَّزَيُّنِ " ت " عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ نَتْفِ الشَّيْبِ وَقَالَ إنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ» فَيُكْرَهُ كَمَا فِي الْفَيْضِ وَقِيلَ عَنْ زَيْنِ الْعَرَبِ إنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ إنَّ «أَوَّلَ مَنْ شَابَ إبْرَاهِيمُ ﵊» فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ مَا هَذَا يَا رَبُّ قَالَ الْوَقَارُ قَالَ رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا عَلَى وَقَارِي. فَالرِّضَا بِهِ مُوَافَقَةٌ لِخَلِيلِ الرَّحْمَنِ وَأَنَّهُ يَمْنَعُ الْغُرُورَ وَالْكِبْرَ وَيُمِيلُ إلَى الطَّاعَاتِ وَالتَّوْبَةِ وَيُذَكِّرُ الْمَوْتَ وَالْآخِرَةَ موى سيبد أز كفن وَأَدْبُ بيام بشت خم أز مرك رسانت سلام (وَمِنْ تَغْيِيرِ الشَّيْبِ تَغْيِيرُهُ بِالسَّوَادِ) وَيَجُوزُ بِالْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ (س عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا «سَيَجِيءُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَخْضِبُونَ» لِحَاهُمْ «بِالسَّوَادِ» فَتَكُونُ «كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ» أَيْ صُدُورِ الْحَمَامِ «لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» ) تَهْدِيدٌ بَلِيغٌ فِي الزَّجْرِ (م. عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «غَيِّرُوا الشَّيْبَ» بِنَحْوِ حِنَّاءٍ أَوْ كَتَمٍ لَا بِسَوَادٍ لِحُرْمَتِهِ، وَفِي النِّصَابِ الْحُمْرَةُ سُنَّةٌ فِي اللِّحْيَةِ، وَأَمَّا السَّوَادُ فَإِنْ لِلْغَزْوِ فَمَحْمُودٌ، وَإِنْ لِأَجْلِ حُبِّ النِّسَاءِ وَالتَّزَيُّنِ إلَيْهِنَّ فَمَكْرُوهٌ وَجَوَّزَهُ بَعْضٌ بِلَا كَرَاهَةٍ انْتَهَى، وَعَنْ النَّوَوِيِّ الْخِضَابُ بِالْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ مُسْتَحَبٌّ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَبِالسَّوَادِ حَرَامٌ وَمَا رُوِيَ مِنْ خَضْبِ عُثْمَانَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَابْنِ سِيرِينَ بِالسَّوَادِ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَزْوِ «وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «وَلَا تَقْرَبُوا السَّوَادَ» قِيلَ قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي قُحَافَةَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حِينَ أَسْلَمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَانَا أَشَدَّ بَيَاضًا قَالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يُسْتَحَبُّ الْخِضَابُ إلَّا إنْ كَانَتْ عَادَةُ بَلَدِهِ تَرْكَ الصَّبْغِ كَذَا فِي الْفَيْضِ. (وَمِنْهَا تَوْفِيرُ الشَّارِبِ) أَيْ تَكْثِيرُهُ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ الشَّفَةَ، وَفِي التتارخانية يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ شَارِبَهُ كَالْحَاجِبِ، وَعَنْ الْخَانِيَّةِ يَأْخُذُ مِنْ الشَّارِبِ إلَى أَنْ يُحَاذِيَ الشَّفَةَ الْعُلْيَا، وَأَمَّا الْغَازِي فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيُنْدَبُ لَهُ تَطْوِيلُهُ لِيَكُونَ مَهِيبًا (ت س عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ» مَا طَالَ حَتَّى يُبَيِّنَ الشَّفَةَ بَيَانًا «فَلَيْسَ مِنَّا» أَيْ لَيْسَ عَلَى طَرِيقَتِنَا الْإِسْلَامِيَّةِ وَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ جَمْعٌ فَأَوْجَبُوا قَصَّهُ وَالْجُمْهُورُ عَلَى النَّدْبِ (وَالْأَفْضَلُ فِي قَصِّ الشَّارِبِ أَنْ يُجْعَلَ كَالْحَاجِبِ وَيُظْهِرَ الْإِطَارَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ جَانِبُ الشَّفَةِ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

стр. 1090

السُّنَّةُ الْقَصُّ حَتَّى يَبْدُوَ الْإِطَارُ وَقِيلَ الْأَفْضَلُ حَلْقُهُ أَوْ الْقَصُّ مِنْ عَجُزِهَا اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ» وَالْأَفْضَلُ مَا ذُكِرَ فِي الْمَتْنِ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ نَوْعُ مُثْلَةٍ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ لَكِنْ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ إيهَامِ تَرْجِيحِ الرَّأْيِ عَلَى النَّصِّ (وَقَدْ مَرَّ قَصُّ اللِّحْيَةِ إذَا لَمْ تَزِدْ عَلَى الْقَبْضَةِ وَحَلْقُهَا) ، وَفِي التتارخانية كَمَا مَرَّ أَيْضًا يَقْطَعُ مَا زَادَ مِنْ اللِّحْيَةِ عَلَى الْقَبْضَةِ وَلَا بَأْسَ إذَا طَالَتْ لِحْيَتُهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَطْرَافِهَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قُصُّوا الشَّوَارِبَ وَاعْفُوا اللِّحَى» أَيْ: اُتْرُكُوا اللِّحَى كَمَا هِيَ وَلَا تَحْلِقُوهَا وَلَا تَقْطَعُوهَا وَلَا تَنْقُصُوهَا عَنْ قَدْرِ السُّنَّةِ وَهُوَ الْقَبْضَةُ وَلَا بَأْسَ بِأَخْذِ الْحَاجِبَيْنِ وَشَعْرِ وَجْهِهِ مَا لَمْ يُشْبِهْ الْمُخَنَّثَ (خ م عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ» النَّهْكُ الْقَصُّ مُبَالَغَةً أَيْ بَالِغُوا فِي قَصِّهَا «وَاعْفُوا اللِّحَى» أَيْ وَفِّرُوا وَكَثِّرُوا مَا لَمْ تَزِدْ عَلَى قَدْرِ الْمَسْنُونِ يَعْنِي الْقَبْضَةَ، وَفِي الْوَسِيلَةِ عَنْ شَرْحِ الشِّرْعَةِ أَرَادَ بِهِ النَّهْيَ عَمَّا يَفْعَلُهُ الْأَعَاجِمُ وَالْإِفْرَنْجُ مِنْ قَصِّ اللِّحْيَةِ وَتَوْفِيرِ الشَّارِبِ، فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَعَنْ النِّصَابِ لَا يَجُوزُ حَلْقُ اللِّحْيَةِ كَمَا ذَكَرَ فِي جِنَايَاتِ الْهِدَايَةِ وَكَرَاهَةِ التَّجْنِيسِ وَالْمُفِيدِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اُحْفُوا الشَّوَارِبَ وَاعْفُوا اللِّحَى» أَيْ قُصُّوا الشَّوَارِبَ وَاتْرُكُوا اللِّحَى كَمَا هِيَ وَلَا تَحْلِقُوهَا وَلَا تَنْقُصُوهَا مِنْ الْقَدْرِ الْمَسْنُونِ (ت عَنْ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا» وَيَنْظُرُ فِي حَبِّ الْمَاءِ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ تَسْوِيَةَ شَعْرِ اللِّحْيَةِ أَوْ تَزْيِينَهَا بِأَنْ يَقُصَّ كُلَّ شَعْرَةٍ أَطْوَلَ مِنْ غَيْرِهَا لِيَسْتَوِيَ الْجَمِيعُ سُنَّةٌ وَذَلِكَ لِيَقْرَبَ عَنْ التَّدْوِيرِ جَمِيعُ الْجَوَانِبِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِدَالَ مَحْبُوبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَعَنْ الْإِحْيَاءِ قِيلَ لَا بَأْسَ بِأَخْذِ مَا تَحْتَ الْقَبْضَةِ وَقِيلَ مَكْرُوهٌ وَتَرْكُهَا عَافِيَةٌ وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ، وَعَنْ النَّخَعِيِّ عَجِبْت مِنْ رَجُلٍ عَاقِلٍ طَوِيلِ اللِّحْيَةِ مَعَ أَنَّ التَّوَسُّطَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَسَنٌ وَلِذَا قِيلَ كُلَّمَا طَالَتْ اللِّحْيَةُ نَقَصَ الْعَقْلُ انْتَهَى. قِيلَ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ إنَّ الْمُخْتَارَ هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي أَيْ كَرَاهَةُ أَخْذِ مَا تَحْتَ الْقَبْضَةِ لَعَلَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ جُثَّةِ الْأَشْخَاصِ كَمَا فِي بَعْضِ الْكُتُبِ وَبِهِ أَمْكَنَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ. (وَكَذَا حَلْقُ رَأْسِ الْمَرْأَةِ بِلَا عُذْرٍ) وَقَدْ مَرَّ (س عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا» بِلَا عُذْرٍ (وَكَذَا
следующие страницы →