Полный текст (1 189 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
أَصْغَرُ بَيْضِ الدَّجَاجِ فَإِنْ دَخَلَ بِلَا عُنْفٍ فَثَيِّبٌ وَإِلَّا فَبِكْرٌ.
(وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ) بِزَوَالِ عُذْرَتِهَا أَوْ بِعُذْرٍ فِي مَوْضِعِ الْعَوْرَةِ (وَسَادِسُهَا الْخِتَانُ) لِلذَّكَرِ (وَالْخَفْضُ) لِلْأُنْثَى وَهُوَ خِتَانُ الصَّغِيرَةِ وَخِتَانُ الرِّجَالِ سُنَّةٌ وَاخْتَلَفُوا فِي خِتَانِ الْمَرْأَةِ فَفِي آدَابِ الْقَاضِي مَكْرُمَةٌ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ سُنَّةٌ لَكِنْ لَا كَسُنَّةِ الرِّجَالِ وَفِي الِاخْتِيَارِ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ مَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ (سَابِعُهَا الْمُدَاوَاةُ) لَهَا (مِنْهَا الِاحْتِقَانُ) وَهُوَ جَعْلُ الدَّوَاءِ فِي أُنْبُوبَةٍ وَنَحْوِهَا وَيَنْفُخُ مِنْ الْفَرْجِ إلَى الْجَوْفِ لَكِنْ يَتَّقِي الشَّهْوَةَ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّهُ حَرَامٌ (لِلْمَرَضِ وَالْهُزَالِ) لِأَنَّهُ إذَا فَحُشَ يُفْضِي إلَى السُّلِّ لَكِنْ ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي الْفَتَاوَى التَّقْيِيدُ بِكَوْنِ الْهُزَالِ فَاحِشًا وَكَوْنُهُ عَلَى وَجْهٍ يُخْشَى مِنْهُ التَّلَفُ وَإِلَّا لَا يَحِلُّ، وَفِي التتارخانية لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَوَلَّى عَوْرَةَ إنْسَانٍ بِيَدِهِ عِنْدَ التَّنْوِيرِ إذَا غَضَّ بَصَرَهُ كَمَا يُدَاوِي جُرْحًا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَإِذَا أَصَابَتْ امْرَأَةً قُرْحَةٌ فَيُعَلِّمُ امْرَأَةً دَوَاءَهَا لِتُدَاوِيهَا وَإِلَّا فَيُدَاوِيهَا بِاسْتِتَارِ جَمِيعِ مَا عَدَا الْقُرْحَةَ غَاضًّا بَصَرَهُ مَا اسْتَطَاعَ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمَحَارِمُ وَالْأَجْنَبِيَّاتُ (لَا) لِأَجْلِ (الْجِمَاعِ) فَلَا يَصْلُحُ عُذْرًا لِلنَّظَرِ.
(ثَامِنُهَا إرَادَةُ النِّكَاحِ) حَيْثُ جَازَ النَّظَرُ إلَيْهَا وَإِنْ خَافَ الشَّهْوَةَ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُغِيرَةِ «إذَا أَرَدْت أَنْ تَتَزَوَّجَ امْرَأَةً أَبْصِرْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» (تَاسِعُهَا إرَادَةُ الشِّرَاءِ) إذَا كَانَتْ جَارِيَةً فَيَحِلُّ نَظَرُهُ إلَى شَعْرِهَا وَصَدْرِهَا وَثَدْيِهَا وَعَضُدِهَا وَسَاقِهَا وَإِنْ كَانَ بِشَهْوَةٍ كَمَا فِي قَاضِي خَانْ وَفِي التتارخانية يَجُوزُ مَسُّهَا أَيْضًا (فَفِي هَذِهِ الْأَعْذَارِ يَجُوزُ النَّظَرُ وَإِنْ خَافَ الشَّهْوَةَ وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَهَا) الِاخْتِيَارِيُّ وَأَمَّا الضَّرُورِيُّ فَلَيْسَ لَهُ تَكْلِيفٌ.
(وَفِي حُكْمِ النَّظَرِ إلَى الْبَدَنِ) الْمُجَرَّدِ عَنْ الثِّيَابِ (النَّظَرُ فَوْقَ ثِيَابِهَا) أَيْ ثِيَابِ الْأَجْنَبِيَّةِ (إنْ كَانَتْ) الثِّيَابُ (رَقِيقَةً وَمُلْتَزِقَةً) بِبَدَنِهَا (تَصِفُهَا) أَيْ تَصِفُ بَدَنَهَا لِضِيقِهَا أَوْ رِقَّتِهَا، وَالْعُرْيَانُ فِي الْوَقْتِ الْخَالِي عَنْ النَّاسِ تَارِكُ الْأَوْلَى فَحَسْبُ.
وَقَالَ الدِّيرِيُّ مَكْرُوهٌ بِلَا حَاجَةٍ كَمَنْ تَغْتَسِلُ عُرْيَانَةً فِي الْمَاءِ الْجَارِي أَوْ غَيْرِهِ فِي الْخَلْوَةِ كَمَا فِي التتارخانية
وَفِي الْأُسْرُوشَنِيَّة إنْ الْبَيْتُ ضَيِّقًا يُبَاحُ تَجْرِيدُهُمَا لِلْجِمَاعِ وَإِلَّا فَلَا وَقُدِّرَ الضِّيقُ بِعَشَرَةِ أَذْرُعٍ وَكُرِهَ كَشْفُ الْعَوْرَةِ فِي الْخَلْوَةِ بِلَا حَاجَةٍ، وَكَذَا التَّجَرُّدُ عِنْدَ الْغُسْلِ بِلَا إزَارٍ عِنْدَ الْبَعْضِ وَلَوْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ، وَكَذَا عِنْدَ عَصْرِ إزَارِهِ وَحَلْقِ عَانَتِهِ فِي بَيْتِ الْحَمَّامِ الصَّغِيرِ أَثِمَ عِنْدَ بَعْضٍ وَعِنْدَ آخَرَ لَا لَوْ فِي مَكَان وَحْدَهُ إنْ أَمِنَ مِنْ دُخُولِ النَّاسِ عَلَيْهِ، ثُمَّ مِنْ النَّظَرِ الْمُحَرَّمِ نَظَرُ الْغُلَامِ الْأَمْرَدِ قَالَ فِي التتارخانية لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ النَّظَرُ إلَيْهِ عَنْ شَهْوَةٍ وَأَمَّا بِلَا شَهْوَةٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَلِهَذَا لَا يُؤْمَرُ بِالنِّقَابِ وَفِي حُكْمِ الصَّلَاةِ كَالرِّجَالِ وَالسَّلَامِ وَالنَّظَرِ لَا عَنْ شَهْوَةٍ لَا بَأْسَ بِهِ وَفِيهَا عَنْ كِفَايَةِ الشَّعْبِيِّ مَاتَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَرُئِيَ فِي الْمَنَامِ وَقَدْ اسْوَدَّ وَجْهُهُ فَسُئِلَ فَقَالَ رَأَيْت غُلَامًا فِي مَوْضِعِ كَذَا وَنَظَرْت إلَيْهِ فَاحْتَرَقَ وَجْهِي فِي النَّارِ وَفِيهَا أَيْضًا أَنَّ وَاحِدًا مِنْ الْعُبَّادِ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك؟ قَالَ كُلُّ ذَنْبٍ اسْتَغْفَرْتُ مِنْهُ غُفِرَ لِي إلَّا ذَنْبًا اسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ اللَّهَ تَعَالَى فَعُذِّبْتُ بِذَلِكَ هِيَ نَظَرِي إلَى غُلَامٍ بِشَهْوَةٍ.
قَالَ الْقَاضِي سَمِعْت الْإِمَامَ يَقُولُ إنَّ مَعَ كُلِّ امْرَأَةٍ شَيْطَانَيْنِ وَمَعَ الْغُلَامِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَيْطَانًا وَالْأَمْرَدُ إذَا كَانَ صَبِيًّا وَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى طَلَبِ الْعِلْمِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُمْنَعَ فِي كَرَاهِيَةِ الْخَانِيَّةِ وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ صَبِيحًا وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يُجْلِسُهُ فِي دَرْسِهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ مَخَافَةَ خِيَانَةِ الْعَيْنِ مَعَ كَمَالِ تَقْوَاهُ وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ عَنْ الْكَتَّانِيِّ قَالَ رَأَيْت عَلِيًّا الرَّازِيَّ فِي مَنَامِي فَقُلْت مَا حَالُك قَالَ أَقَامَنِي اللَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَ اقْرَأْ كِتَابَك فَقَرَأَتْ الذُّنُوبَ حَتَّى بَلَغْت إلَى ذَنْبٍ فَامْتَنَعَتْ خَجَلًا فَمَا يَزَالُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ اقْرَأْ حَتَّى سَقَطَ جِلْدُ وَجْهِي عَلَى قَدَمِي فَقُلْت أَيُّ شَيْءٍ كَانَ الذَّنْبُ قَالَ نَظَرْت إلَى وَجْهِ غُلَامٍ وَتَأَمَّلْت فِي عَجُزِهِ فَهَذَا حَالُ
стр. 982
مَنْ نَظَرَ فَكَيْفَ حَالُ مَنْ فَعَلَ وَعَنْ سُفْيَانَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ لُوطِيُّونَ صِنْفٌ يَنْظُرُونَ وَصِنْفٌ يُصَافِحُونَ وَصِنْفٌ يَعْمَلُونَ وَفِي النِّصَابِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - كَانَ جَالِسًا عَلَى بَابِ دَارِهِ فَرَأَى غُلَامًا صَبِيحًا حَسَنَ الْوَجْهِ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ السِّكَّةِ فَدَخَلَ دَارِهِ فَلَمَّا قَالُوا ذَهَبَ خَرَجَ مِنْ الدَّارِ فَقِيلَ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا مِنْ عِنْدِك أَوَ سَمِعْت شَيْئًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «النَّظَرُ إلَيْهِمْ حَرَامٌ وَالْكَلَامُ مَعَهُمْ حَرَامٌ وَمُجَالَسَتُهُمْ حَرَامٌ»
وَفِي الْبُسْتَانِ وَيُكْرَهُ مُجَالَسَةُ الْأَحْدَاثِ وَالصِّبْيَانِ وَالسُّفَهَاءِ ثُمَّ مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ نَظَرُ الشَّيْخِ الْفَانِي الَّذِي انْقَطَعَتْ شَهْوَتُهُ كَمَا فِي التتارخانية
(وَمِنْ آفَاتِ الْعَيْنِ النَّظَرُ إلَى الْفُقَرَاءِ وَالضُّعَفَاءِ بِطَرِيقِ الِاسْتِخْفَافِ) وَالِاسْتِحْقَارِ (فَإِنَّهُ تَكَبُّرٌ حَرَامٌ وَمِنْهَا مُشَاهَدَةُ الْمَعَاصِي وَالْمُنْكَرَاتِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ) وَلِذَا لَا يَجِبُ إجَابَةُ دَعْوَةِ وَلِيمَةٍ فِيهَا مُنْكَرٌ وَقِيلَ اللَّهْوُ عَلَى الْمَائِدَةِ وَقِيلَ ذَلِكَ لِلْعَوَامِّ وَأَمَّا لِلْخَوَاصِّ فَمُطْلَقٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(وَمِنْهَا اتِّبَاعُ الْبَصَرِ إلَى انْقِضَاضِ) سُقُوطِ (الْكَوْكَبِ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) وَيُقَالُ إنَّهُ يُفْضِي إلَى زَوَالِ نُورِ الْعَيْنِ
(وَكَذَا) نُهِيَ (عَنْ النَّظَرِ إلَى مَنْ فَوْقَهُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا عَلَى وَجْهِ الرَّغْبَةِ) وَالِالْتِفَاتِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِازْدِرَاءِ نِعْمَةِ اللَّهِ عِنْدَهُ وَلَوْ نَظَرَ عَلَى وَجْهِ الْعِبْرَةِ لَا يَضُرُّ كَمَا عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ وَالتَّعَجُّبِ (وَإِلَى مَنْ دُونَهُ فِي أَمْرِ الدِّينِ) لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْعَجَبَ وَالْأَوْلَى أَنْ يَجْعَلَهُمَا آفَةً مُسْتَقِلَّةً بَلْ مُسْتَقِلَّتَيْنِ كَالنَّظَرِ إلَى الْفُقَرَاءِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَصْلَتَانِ مَنْ كَانَتَا فِيهِ كُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ شَاكِرًا صَابِرًا وَمَنْ لَمْ تَكُونَا فِيهِ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ شَاكِرًا وَلَا صَابِرًا مَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إلَى مَنْ فَوْقَهُ فَاقْتَدَى بِهِ وَنَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إلَى مَنْ دُونَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى مَا فَضَّلَهُ بِهِ عَلَيْهِ كَتَبَهُ بِهِ شَاكِرًا صَابِرًا وَمَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ وَنَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فَأَسِفَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْهُ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ شَاكِرًا وَلَا صَابِرًا» كَذَا فِي الْجَامِعِ قَالَ فِي شَرْحِهِ عَنْ الطِّيبِيِّ هَذَا الْحَدِيثُ جَامِعٌ لِأَنْوَاعِ الْخَيْرِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا رَأَى مَنْ فَضُلَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا طَلَبَتْ نَفْسُهُ مِثْلَ ذَلِكَ وَاحْتَقَرَ مَا عِنْدَهُ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ وَحَرَصَ عَلَى الِازْدِيَادِ لِيَلْحَقَ بِذَلِكَ أَوْ يُقَارِبَهُ وَإِنْ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا إلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ ظَهَرَتْ لَهُ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَشَكَرَ وَتَوَاضَعَ وَفَعَلَ الْخَيْرَ
(وَمِنْهَا النَّظَرُ إلَى بَيْتِ الْغَيْرِ مِنْ شِقِّ الْبَابِ أَوْ مِنْ ثَقْبٍ أَوْ كَشْفِ سِتْرٍ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ (فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «مَنْ اطَّلَعَ» نَظَرَ «إلَى بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ» إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِهِ وَتُهْدَرُ عَيْنُ النَّاظِرِ فَلَا دِيَةَ وَلَا قِصَاصَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ يَضْمَنُهَا لِأَنَّ النَّظَرَ لَيْسَ فَوْقَ الدُّخُولِ وَالدُّخُولُ لَا يُوجِبُهُ وَأَوْجَبَ الْمَالِكِيَّةُ الْقِصَاصَ وَهَلْ يُلْحَقُ الِاسْتِمَاعُ بِالنَّظَرِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا لِأَنَّ النَّظَرَ أَشَدُّ وَأَشْمَلُ، قَوْلُهُ اطَّلَعَ كُلُّ مُطَّلِعٍ كَيْفَ مَا كَانَ وَمِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ مِنْ بَابٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَى الْعَوْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ
(تَنْبِيهٌ) : الْحَدِيثُ يَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ فَلَوْ نَظَرَتْ امْرَأَةٌ فِي بَيْتِ أَجْنَبِيٍّ جَازَ رَمْيُهَا عَلَى الْأَصَحِّ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ مَنْ الشَّرْطِيَّةَ تَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ بِنَاءً عَلَى مُقَابِلِهِ أَنَّ مَنْ تَخْتَصُّ بِالذُّكُورِ وَوُجِّهَ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْهَا شَيْءٌ كَذَا فِي الْفَيْضِ (خ م عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ «رَجُلًا» مَجْهُولًا أَوْ التَّنْكِيرُ لِقَصْدِ الْإِبْهَامِ وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّنْ شَأْنُهُ كَذَا
стр. 983
«اطَّلَعَ مِنْ بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ ﵊» جَمْعُ حُجْرَةٍ يَعْنِي بَعْضَ بُيُوتِهِ ﵊ ( «فَقَامَ إلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِشْقَصٍ» نَصْلٍ عَرِيضٍ وَقِيلَ طَوِيلٍ وَقِيلَ سِكِّينٍ «أَوْ بِمَشَاقِصَ فَكَأَنِّي» ضَمِيرُ التَّكَلُّمِ إلَى أَنَسٍ الرَّاوِي «أَنْظُرُ إلَيْهِ» - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( «يَخْتِلُ» مِنْ الْخَتْلِ بِالْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْخُدْعَةُ أَيْ يَخْدَعُ وَيُحَاوِلُ «الرَّجُلَ» النَّاظِرُ «لِيَطْعَنَهُ» فَدَلَّ أَيْضًا عَلَى عَظِيمِ خَطَرِهِ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُؤَيِّدُ جَانِبَ الشَّافِعِيِّ وَأَمَّا قَوْلُنَا لِأَنَّ النَّظَرَ لَيْسَ فَوْقَ الدُّخُولِ إلَى آخِرِهِ فَرَأْيٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَقُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ أَنَّ الْقِيَاسَ يُتْرَكُ فِي جَنْبِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَأَيْضًا لَا يَرْجِعُ إلَى الْمَجَازِ مَا لَمْ تَتَعَذَّرْ الْحَقِيقَةُ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَيْضًا كَمَا فِي النِّصَابِ «لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْك بِغَيْرِ إذْنٍ فَحَذَفْته بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ» أَقُولُ حُجَّتُنَا لَيْسَ الْقِيَاسَ السَّابِقَ فَقَطْ بَلْ قَوْله تَعَالَى - ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]- عَلَى أَنَّ كَوْنَ مَا ذُكِرَ قِيَاسًا غَيْرَ مُسَلَّمٍ بَلْ دَلَالَةَ نَصٍّ (حَدّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ مَرْفُوعًا «أَيُّمَا رَجُلٍ كَشَفَ سِتْرًا» أَيْ أَزَالَهُ «فَأَدْخَلَ بَصَرَهُ» يَعْنِي نَظَرَ إلَى مَا وَرَاءِ السِّتْرِ مِنْ حُرَمٍ أَوْ غَيْرِهِنَّ «قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ» فِي الدُّخُولِ «فَقَدْ أَتَى حَدًّا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ» أَيْ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ «وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا» مِنْ دَاخِلِ الْبَيْتِ «فَقَأَ عَيْنَهُ» بِنَحْوِ حَصَاةٍ «لَهَدَرَتْ» عَيْنُهُ فَلَا يَضْمَنُهَا الرَّامِي فَفِيهِ أَيْضًا حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ وَقَدْ عَرَفْت آنِفًا
(وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى بَابِ رَجُلٍ) أَيْ مَنْفَذِ نَحْوِ بَيْتٍ (لَا سُتْرَةَ عَلَيْهِ) أَيْ لَيْسَ عَلَيْهِ بَابٌ مِنْ نَحْوِ خَشَبٍ يَسْتُرُ مَا وَرَاءَهُ عَنْ الْعُيُونِ (فَرَأَى عَوْرَةَ أَهْلِهِ) أَيْ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَابِ مِنْ ذَلِكَ الْمَنْفَذِ (فَلَا خَطِيئَةَ عَلَيْهِ إنَّمَا الْخَطِيئَةُ عَلَى أَهْلِ الْبَابِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَهْلِ الْمَنْزِلِ فِي تَرْكِهِمْ مَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ السِّتْرِ وَقِلَّةِ مُبَالَاتِهِمْ بِاطِّلَاعِ الْأَجَانِبِ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ وَفِي نُسَخٍ بَدَلُ الْبَابِ الْبَيْتُ وَهِيَ أَوْفَقُ قَالَ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فِيهِ أَنَّهُ يَحْرُمُ النَّظَرُ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ الْمَسْتُورِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَوْ ذِمِّيًّا وَأَنَّهُ يَحْرُمُ الدُّخُولُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (طب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ مَرْفُوعًا «لَا تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا» لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مَسْتُورَةٍ فَتَبْدُو عَوْرَةُ أَهْلِهَا «وَلَكِنْ ائْتُوهَا مِنْ جَوَانِبِهَا» تَحَرُّزًا عَنْ ذَلِكَ وَإِذَا أَتَيْتُمْ أَبْوَابَهَا «فَاسْتَأْذِنُوا» مِنْ أَرْبَابِهَا «فَإِنْ أَذِنَ لَكُمْ فَادْخُلُوا وَإِلَّا فَارْجِعُوا» قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور: ٢٨] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ شَوَاهِدِ الْبَابِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوْفَقَ لِعَادَةِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَ شَوَاهِدَ قَبِيلِ هَذَا مِنْ نَحْوِ النَّظَرِ إلَى الْفُقَرَاءِ وَمُشَاهَدَةِ الْمَعَاصِي وَاتِّبَاعِ الْبَصَرِ لَعَلَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهَا بَلْ إنَّمَا وَقَفَ عَلَى أُصُولِهَا فَقَطْ أَوْ لِادِّعَاءِ وُضُوحِهَا أَوْ لِقِلَّتِهَا
بَقِيَ أَنَّ آفَاتِ الْعَيْنِ النَّظَرُ إلَى مَكْتُوبِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنِهِ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ عَلَى تَخْرِيجِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ
стр. 984
ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ اطَّلَعَ فِي كِتَابِ أَخِيهِ» فِي الدَّيْنِ «بِغَيْرِ إذْنِهِ فَكَأَنَّمَا اطَّلَعَ فِي النَّارِ» أَيْ أَنَّ ذَلِكَ يُقَرِّبُهُ مِنْهَا وَيُدْنِيهِ مِنْ الْإِشْرَافِ عَلَيْهَا لِيَقَعَ فِيهَا فَهُوَ حَرَامٌ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ فَكَأَنَّمَا يَنْظُرُ إلَى مَا يُوجِبْ عَلَيْهِ النَّارَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ عُقُوبَةَ الْبَصَرِ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ مِنْهُ كَمَا يُعَاقِبُ السَّمْعَ إذَا اسْتَمَعَ إلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الْكِتَابِ الَّذِي فِيهِ سِرٌّ وَأَمَانَةٌ يُكْرَهُ صَاحِبُهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ وَقِيلَ عَامٌّ فِي كُلِّ كِتَابٍ وَقِيلَ إنَّهُ سَبَبٌ لِرَمَدِ الْعَيْنِ
وَمِنْهَا النَّظَرُ إلَى مُسْلِمٍ إخَافَةً عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ أَيْضًا عَلَى تَخْرِيجِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ نَظَرَ إلَى مُسْلِمٍ نَظْرَةً يُخِيفُهُ بِهَا فِي غَيْرِ حَقٍّ أَخَافَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَمِنْهَا إكْثَارُ النَّظَرِ إلَى وَجْهِ الْمَرِيضِ كَمَا فِي الْأُسْرُوشَنِيَّة حَيْثُ قَالَ وَنُدِبَ أَنْ يَجْلِسَ عِنْدَ رُكْبَتَيْ الْمَرِيضِ دُونَ رَأْسِهِ وَيَكُونُ نَظَرُهُ إلَى الْمَرِيضِ وَلَا يَنْظُرُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً وَلَا يُكْثِرُ النَّظَرَ إلَيْهِ وَلَا يَحُدُّ النَّظَرَ فِي وَجْهِهِ وَفِي الشِّرْعَةِ أَيْضًا كَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ وَلَا يُكْثِرُ النَّظَرَ إلَيْهِ وَلَا يَحُدُّ النَّظَرَ فِي وَجْهِهِ قَالَ فِي شَرْحِهِ خُصُوصًا فِي حَدَقَتَيْنِ فَإِذَا وَقَعَ نَظَرُهُ فِي وَجْهِهِ وَحَدَقَتَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ يَغْسِلَ وَجْهَهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ عِنْدِ الْمَرِيضِ فَيَنْفَعُ مِنْ الْآفَاتِ بِإِذْنِهِ تَعَالَى
وَمِنْهَا إدَامَةُ النَّظَرِ إلَى الْمَجْذُومِ قَالَ فِي الْجَامِعِ عَلَى تَخْرِيجِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إلَى الْمَجْذُومِينَ» قَالَ فِي شَرْحِهِ لِأَنَّكُمْ إذَا أَدَمْتُمْ النَّظَرَ إلَيْهِمْ حَقَّرْتُمُوهُمْ فَيَتَأَذَّوْنَ أَوْ لِأَنَّ مَنْ بِهِ الدَّاءُ يَكْرَهُ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ وَفِي الشِّرْعَةِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إلَى الْمَجْذُومِينَ» إدَامَةُ مَنْ كَلَّمَهُمْ مِنْكُمْ مَنْ تَكَلَّمَ فَلْيُكَلِّمْهُمْ وَإِنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ قِيدَ رُمْحٍ
(وَأَمَّا آفَاتُ الْعَيْنِ مِنْ حَيْثُ التَّغْمِيضُ وَعَدَمُ النَّظَرِ فَفِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ) لِأَنَّهُ فِعْلُ الْيَهُودِ، وَلِأَنَّهُ مُخِلٌّ بِنَظَرِهِ إلَى مَوْضِعِ السُّجُودِ مَثَلًا الَّذِي هُوَ الْمَسْنُونُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى الْعُذْرُ كَالدُّخَانِ الْمُبَالَغِ فِيهِ ثُمَّ الْكَرَاهَةُ مَرْوِيَّةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَأَيْضًا مُصَرَّحَةٌ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا كَالتَّتَارْخَانِيَّةِ وَفِي الْجَامِعِ عَلَى تَخْرِيجِ الطَّبَرَانِيِّ وَابْنِ عَدِيٍّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يُغْمِضْ عَيْنَهُ» لَكِنْ قَالَ فِي شَرْحِهِ نَدْبًا فَافْهَمْ ثُمَّ قَالَ بَلْ يُدِيمُ النَّظَرَ إلَى مَحَلِّ سُجُودِهِ فَإِنَّ غَمَّضَهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ كُرِهَ تَنْزِيهًا لِأَنَّهُ فِعْلُ الْيَهُودِ نَعَمْ إنْ اقْتَضَتْ الْمَصْلَحَةُ إلَى التَّغْمِيضِ كَتَوْفِيرِ الْخُشُوعِ وَحُضُورِ الْقَلْبِ لَمْ يُكْرَهْ انْتَهَى لَكِنْ ظَاهِرُ إطْلَاقِ أَصْحَابِنَا لَا يُلَائِمُ هَذَا التَّقْيِيدَ بَلْ أَبَى عَنْهُ عَلَى أَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ (وَكَذَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَجِبُ النَّظَرُ)
ثُمَّ أَشَارَ إلَى بَيَانِ سَبَبِ وُجُوبِ النَّظَرِ بِقَوْلِهِ (وَإِنَّمَا يَجِبُ إذَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ كَحُضُورِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ) حُضُورُهُمَا (بِدُونِ النَّظَرِ وَكَحُكْمِ الْقَاضِي) إذْ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ نَظَرِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ (وَالشَّهَادَةِ) تَحَمُّلًا وَأَدَاءً (وَنَحْوِهِمَا)
[الصِّنْفُ الْخَامِسُ فِي آفَاتِ الْيَدِ]
ِ وَهِيَ الْقَتْلُ أَوْ الْجَرْحُ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ بِلَا حَقٍّ) أَمَّا إذَا كَانَ بِحَقٍّ مِثْلَ الْقِصَاصِ وَقَطْعِ الْيَدِ وَالْخِتَانِ وَالْمُدَاوَاةِ أَوْ غَيْرِهِمَا (فَيَجُوزُ قَتْلُ النَّمْلَةِ) فِي الْمُخْتَارِ (بِغَيْرِ إلْقَاءٍ فِي الْمَاءِ) وَأَمَّا إلْقَاؤُهَا فِيهِ فَقِيلَ مَكْرُوهٌ اتِّفَاقًا لِمَا فِيهِ مِنْ مَزِيدِ التَّعْذِيبِ أَقُولُ إنْ مَسَّتْ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْرَهَ (إذَا ابْتَدَأَتْ بِالْأَذَى) فِي الْبَدَنِ أَوْ الطَّعَامِ (وَبِدُونِهِ يُكْرَهُ) تَنْزِيهًا وَجَازَ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهَا الْأَذَى وَعَنْ أَبِي اللَّيْثِ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ قَتْلُهَا مَا لَمْ تَبْدَأْ بِالْأَذَى فِي التتارخانية تَكَلَّمَ الْمَشَايِخُ فِي قَتْلِ النَّمْلَةِ قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى لَا بَأْسَ فِيهِ إذَا ابْتَدَأَتْ بِالْأَذَى وَإِلَّا يُكْرَهُ وَفِي النَّوَازِلِ بِهِ نَأْخُذُ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلْقَاؤُهَا فِي الْمَاءِ وَكَذَا فِي التتارخانية لَا بَأْسَ بِإِحْرَاقِ الْحَطَبِ فِيهِ نَمْلٌ
(وَقَتْلُ الْقَمْلَةِ يَجُوزُ بِكُلِّ حَالٍّ) حَالَ إبْدَائِهَا أَوْ لَا، وَأَمَّا طَرْحُهَا حَيَّةً فَلَيْسَ مِنْ طَرِيقِ الْأَدَبِ وَإِنْ مُبَاحًا وَقَالُوا يَضُرُّ بِالْعَقْلِ لَكِنْ فِي التتارخانية إحْرَاقُ الْقَمْلِ وَالْعَقْرَبِ مَكْرُوهٌ وَطَرْحُهَا حَيَّةً مُبَاحٌ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ مِنْ حَيْثُ الْأَدَبِ (وَكَذَا الْجَرَادُ) لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسِ الْمُؤْذِيَاتِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمَا الْأَذَى
(وَالْهِرَّةُ إذَا كَانَتْ مُؤْذِيَةً تُذْبَحُ بِسِكِّينٍ) حَادٍّ قَالَ فِي التتارخانية وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْتُلَ مَا لَا يُؤْذِيهِ
стр. 985
(وَلَا تُضْرَبُ) لِأَنَّ الضَّرْبَ إنَّمَا يَكُونُ لِلتَّأْدِيبِ وَلَا تَأْدِيبَ لِعَدَمِ الْعَقْلِ (وَلَا تُعْرَكُ أُذُنُهَا) لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ بِلَا فَائِدَةٍ لِعَدَمِ تَعَلُّمِهَا بِالتَّعْلِيمِ
[إحْرَاقُ كُلِّ حَيٍّ بِالنَّارِ أَوْ بِالْمَاءِ الْحَارِّ]
(وَيُكْرَهُ إحْرَاقُ كُلِّ حَيٍّ) بِالنَّارِ أَوْ بِالْمَاءِ الْحَارِّ آذَى أَمْ لَا (قَمْلَةً أَوْ نَمْلَةً أَوْ عَقْرَبًا أَوْ نَحْوَهَا) مِنْ الْمُؤْذِيَاتِ مِثْلُ الْحَيَّةِ وَالْجَرَادِ لِأَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ وَقَالَ لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ أَشَدُّ الْعَذَابِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ هَذَا حَيْثُ أَمْكَنَ وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ بِالتَّحْرِيقِ هَذَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَقِصَّةُ الْعُرَنِيِّينَ مَنْسُوخَةٌ أَوْ كَانَتْ قِصَاصًا بِالْمُمَاثَلَةِ وَذَهَبَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ إلَى حِلِّ تَحْرِيقِ الْكُفَّارِ مُبَالَغَةً فِي النِّكَايَةِ وَالنَّكَالِ لِأَعْدَاءِ ذِي الْجَلَالِ لَكِنْ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَنَّهُ رَجَعَ أَمَّا لَوْ تَعَذَّرَ قَتْلُ مَنْ وَجَبَ قَتْلُهُ إلَّا بِإِحْرَاقِهِ فَيَجُوزُ فَقَدْ رَوَى الْحَكِيمُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﵊ بِمِنًى فَمَرَّتْ حَيَّةٌ فَقَالَ اُقْتُلُوهَا فَسَبَقَتْنَا إلَى جُحْرٍ فَدَخَلَتْ فَقَالَ هَاتُوا سَعَفَةً وَنَارًا فَأَضْرِمُوهَا نَارًا» انْتَهَى رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا حَرَّقَ قَوْمًا فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ فَقَالَ لَوْ كُنْت أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» وَلَقَتَلَتُهُمْ لِقَوْلِهِ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى مَذْهَبِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَالِكٌ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ سَبَّ النَّبِيَّ فَأَمَرَ كَاتِبَهُ أَنْ يَكْتُبَ يُقْتَلُ فَزَادَ كَاتِبُهُ وَيُحَرَّقُ بِالنَّارِ فَقَالَ أَصَبْت كَذَا فِي الْمَطَامِحِ وَأَنَا أَقُولُ هَذَا غَيْرُ مَقْبُولٍ فَإِنَّ كَلَامَ مَالِكٍ هَذَا كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ يُحَرَّقُ بَعْدَ قَتْلِهِ وَأَمَّا عَلِيٌّ فَحَرَّقَهُمْ وَهُمْ أَحْيَاءٌ فَلَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِ هَذَا أَنْ يُنْسَبَ إلَى مَالِكٍ أَنَّهُ قَائِلٌ بِقَوْلِ عَلِيٍّ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنَاوِيِّ لَكِنْ فِي بَعْضِ حَوَاشِي الْجَلَالِ شَرْحِ عَقَائِدِ الْعَضُدِ عِنْدَ عَدِّ الْكَبَائِرِ عِنْدَ عَدِّ الْإِحْرَاقِ مِنْ الْكَبَائِرِ قَالَ وَأَفْتَوْا فِي الْقَمْلِ لِلضَّرُورَةِ وَأَيْضًا فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى جَوَازُ إحْرَاقِ الْجَرَادِ عِنْدَ امْتِنَاعِ دَفْعِ ضَرَرِهَا بِمُعَالَجَةِ غَيْرِ الْإِحْرَاقِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إطْلَاقُ كَرَاهَةِ الْإِحْرَاقِ وَقَدْ عَدُّوهُ مِنْ الْكَبِيرَةِ فَتَأَمَّلْ وَعَنْ الْغِيَاثِيَّةِ الْبَهِيمَةُ الْمَوْطُوءَةُ تُذْبَحُ وَتُحَرَّقُ إنْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ، وَيَجُوزُ ذَبْحُ الْحِمَارِ الْمَرِيضِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَرْجُوِّ الِانْتِفَاعِ وَيُكْرَهُ الْكَيُّ فِي الْوَجْهِ وَلَا بَأْسَ بِقَطْعِ الْعُضْوِ لِلْأَكَلَةِ وَلَا بَأْسَ بِشَقِّ الْمَثَانَةِ إذَا كَانَ فِيهَا حَصَاةٌ وَلَا بَأْسَ بِثَقْبِ أُذُنِ الطِّفْلِ وَخِصَاءِ الْحَيَوَانَاتِ سِوَى بَنِي آدَمَ لَا بَأْسَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ وَخِصَاءُ بَنِي آدَمَ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ وَعَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّ خِصَاءَ الْفَرَسِ حَرَامٌ وَكَذَا غَيْرُهُ إلَّا عِنْدَ الْمَنْفَعَةِ وَكَذَا خِصَاءُ السِّنَّوْرِ عِنْدَ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ وَأَمَّا سِمَةُ الْبَهَائِمِ فَجَوَّزَهُ بَعْضٌ وَكَرِهَهُ آخَرُ وَلَا بَأْسَ بِكَيِّ الْأَغْنَامِ الْكُلُّ مِنْ التتارخانية وَفِي الْخُلَاصَةِ لَا بَأْسَ بِكَيِّ الصِّبْيَانِ إنْ لِدَاءٍ وَخِصَاءُ بَنِي آدَمَ مَكْرُوهٌ وَلِذَا يُكْرَهُ كَسْبُ الْخُصْيَانِ وَمِلْكُهُمْ وَاسْتِخْدَامُهُمْ لَكِنْ قَدْ سَمِعْت آنِفًا دَعْوَى الِاتِّفَاقِ فِي الْحُرْمَةِ
(وَالْفَيْلَقُ) هُوَ دُودُ الْقَزِّ (لَوْ أُلْقِيَ فِي الشَّمْسِ لِيَمُوتَ الدِّيدَانُ لَا بَأْسَ بِهِ) فِي الْخَانِيَّةِ لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةَ الْآدَمِيِّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إلْقَاءِ السَّمَكِ فِي الشَّمْسِ فَلَوْ أُحْرِقَ بِالنَّارِ لِيَمُوتَ بَدَلَ الشَّمْسِ لَا يَجُوزُ لِانْدِفَاعِ الضَّرُورَةِ بِالشَّمْسِ وَلِلنَّصِّ فِي نَهْيِ الْإِحْرَاقِ
(وَفِي السِّرَاجِيَّةِ لَا بَأْسَ بِإِحْرَاقِ حَطَبٍ فِيهِ نَمْلٌ) عِنْدَ ضَرُورَةِ الِاحْتِيَاجِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَخْلِيَتِهَا مَا أَمْكَنَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ بِالْإِحْرَاقِ
(وَالْمَثُلَةُ) عَطْفٌ عَلَى " الْقَتْلُ " بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ التَّاءِ وَهِيَ قَطْعُ أَطْرَافِ الْحَيَوَانِ حَيًّا وَتَجِيءُ بِمَعْنَى الْعُقُوبَةِ وَجَعْلُ الْحَيَوَانِ غَرَضًا لِلرَّمْيِ وَعِنْدَ الْبَعْضِ قَطْعُ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ وَفِي الدُّرَرِ اسْمٌ مِنْ مَثَلَ بِهِ يَمْثُلُ مَثْلًا كَقَتَلَ يَقْتُلُ قَتْلًا أَيْ نَكَّلَ بِهِ يَعْنِي جَعَلَهُ نَكَالًا وَعِبْرَةً لِغَيْرِهِ كَقَطْعِ الْأَعْضَاءِ وَتَسْوِيدِ الْوَجْهِ (وَضَرْبُ الْوَجْهِ مُطْلَقًا) بِذَنْبٍ
стр. 986
أَوْ لَا إنْسَانًا أَوْ لَا لِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْمَحَاسِنِ وَعَنْ الْبَزَّازِيَّةِ قَالُوا وَيُخَاصَمُ ضَارِبُ الْحَيَوَانِ إلَّا بِوَجْهِهِ لَا لِوَجْهِهِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُخَاصِمُ ضَارِبَهُ بِلَا وَجْهٍ لِأَنَّهُ إنْكَارٌ فِي وَقْتِ مُبَاشَرَةِ الْمُنْكَرِ وَيَمْلِكُهُ كُلُّ وَاحِدٍ وَلَا يُخَاصَمُ الضَّارِبُ بِوَجْهٍ إلَّا إذَا ضَرَبَ الْوَجْهَ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ وَلَوْ بِوَجْهٍ لِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْمَحَاسِنِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الْوَجْهِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَضْرِبُوا الْوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» انْتَهَى (وَالضَّرْبُ) أَيْ ضَرْبُ مَا عَدَا الْوَجْهَ (بِغَيْرِ حَقٍّ) مُطْلَقًا وَأَمَّا بِحَقٍّ كَمُوجِبِ التَّعْزِيرِ وَالتَّأْدِيبِ فَجَائِزٌ بَلْ قَدْ يَجِبُ وَلَا يَخْتَصُّ بِالْحُكَّامِ وَالْمُحْتَسَبِ بَلْ قَدْ يَعُمُّ وَقَدْ سَبَقَ
وَعَنْ الْبَزَّازِيَّةِ ضَرَبَ الْأُسْتَاذُ أَوْ الْمُعَلِّمُ الصَّبِيَّ أَوْ الْعَبْدَ بِلَا إذْنِ الْوَلِيِّ أَوْ الْوَصِيِّ وَتَلِفَ ضِمْنَ وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ ضَرَبَ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ الِابْنَ فَمَاتَ ضَمِنَا لِأَنَّهُمَا يَضْرِبَانِ لِأَنْفُسِهِمَا لِعَوْدِ الْمَنْفَعَةِ إلَيْهِمَا بِخِلَافِ الْمُعَلِّمِ
وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ قَطَعَ الْأُصْبُعَ الزَّائِدِ مِنْ وَلَدِهِ فَهَلَكَ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَضْمَنُ وَقَالَ آخَرُ يَضْمَنُ وَالْمُخْتَارُ هُوَ الْأَوَّلُ
(وَالْغَصْبُ) هُوَ أَخْذُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ مُحْتَرَمٍ مِنْ يَدِ مَالِكِهِ بِلَا إذْنٍ لَا خُفْيَةً (وَالْغُلُولُ) أَيْ الْخِيَانَةُ فِي الْمَغْنَمِ وَالسَّرِقَةُ) هِيَ أَخْذُ الْمَالِ خُفْيَةً (وَأَخْذُ الزَّكَاةِ) مِنْ مَالِهَا (وَ) أَخْذُ (الْعُشْرِ وَالنَّذْرِ) فَإِنَّ مَصْرِفَ الْعُشْرِ كَمَصْرِفِ الزَّكَاةِ (وَ) أَخْذُ (صَدَقَةِ الْفِطْرَةِ وَ) أَخْذُ (الْكَفَّارَةِ) كَفَّارَةِ يَمِينٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ جَزَاءِ صَيْدٍ (وَ) أَخْذُ (اللُّقَطَةِ) أَيْ الِانْتِفَاعُ بِهَا لَا أَخْذُهَا مُطْلَقًا فَإِنَّ رَفْعَهَا أَحَبُّ مِنْ تَرْكِهَا إنْ لَمْ يَخَفْ ضَيَاعَهَا وَأَمِنَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا وَالْأَوْلَى عَدَمُ الْأَخْذِ إنْ وُجِدَ مَنْ يَأْخُذُ وَهِيَ إحْدَى الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ قَالَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ خَدَعَتْنِي امْرَأَةٌ وَفَقَّهَتْنِي امْرَأَةٌ وَزَهَّدَتْنِي امْرَأَةٌ أَمَّا الْأُولَى قَالَ كُنْت مُجْتَازًا فَأَشَارَتْ إلَيَّ امْرَأَةٌ إلَى شَيْءٍ مَطْرُوحٍ فِي الطَّرِيقِ فَتَوَهَّمْت أَنَّهَا خَرْسَاءَ وَأَنَّ الشَّيْءَ لَهَا فَلَمَّا رَفَعْته إلَيْهَا قَالَتْ احْفَظْهُ حَتَّى تُسَلِّمْهُ لِصَاحِبِهِ الثَّانِيَةُ سَأَلَتْنِي امْرَأَةٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي الْحَيْضِ فَلَمْ أَعْرِفْهَا فَقَالَتْ قَوْلًا تَعَلَّمْت الْفِقْهَ مِنْ أَجْلِهِ الثَّالِثَةُ مَرَرْت بِبَعْضِ الطَّرَقَاتِ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ هَذَا الَّذِي يُصَلِّي الْفَجْرَ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ فَتَعَمَّدْت ذَلِكَ حَتَّى صَارَ دَأْبِي كَمَا فِي آخِرِ الْأَشْبَاهِ وَوَاجِبٌ إنْ خَافَ الضَّيَاعَ وَقَالَ بَعْضٌ يَحِلُّ أَخْذُهَا وَتَرْكُهَا أَفْضَلُ وَبِهِ أَخَذَ أَحْمَدُ (وَ) أَخْذُ (مَا وَجَبَ تَصَدُّقُهُ مِنْ الْمَالِ الْخَبِيثِ) وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَا يُكْرَهُ لِرَدَاءَتِهِ وَخِسَّتِهِ وَيُسْتَعْمَلُ لِلْحَرَامِ مِنْ حَيْثُ كَرِهَهُ الشَّارِعُ وَلِلرَّدِيءِ مِنْ الْمَالِ وَكَوْنُ هَذِهِ الْأَخَذَاتِ آفَةً (إنْ كَانَ) الْآخِذُ (غَنِيًّا غِنَى الْأُضْحِيَّةَ) فَإِنْ قِيلَ الشَّرْطُ بَعْدَ الْمُتَعَاطِفَاتِ لِلْأَخِيرِ فَكَيْفَ هُنَا لِلْجَمِيعِ قُلْنَا هَذَا بَعْدَ الْجُمَلِ الْمُتَعَاطِفَةِ وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَوْ سَلِمَ فَالشَّرْطُ عِنْدَ الْإِمَامِ لِلْجَمِيعِ لَا لِلْأَخِيرِ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالْمَالُ الْخَبِيثُ كَالْأَخْذِ مِنْ الْبُيُوعَاتِ الْبَاطِلَةِ بَلْ الْفَاسِدَةِ وَالرِّبَا وَأَرْبَاحِ مَالِ الْوَدِيعَةِ وَالْغَصْبِ (وَهُوَ يَمْلِكُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ) وَزْنَ سَبْعَةٍ (أَوْ قِيمَتَهَا فَارِغَيْنِ) أَيْ الدِّرْهَمَ وَالْقِيمَةَ (عَنْ الدَّيْنِ) وَالْمَهْرُ الْمُعَجَّلُ مَحْسُوبٌ لَا الْمُؤَجَّلُ (وَ) عَنْ (الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ) كَدُورِ السُّكْنَى وَثِيَابِ الْبَدَنِ وَأَثَاثِ الْمَنْزِلِ وَدَوَابِّ الرُّكُوبِ وَعَبِيدِ الْخِدْمَةِ وَسِلَاحِ الِاسْتِعْمَالِ وَكُتُبِ الْعِلْمِ لِأَهْلِهَا وَآلَاتِ الْمُحْتَرَفِينَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الشَّيْءِ مِمَّا ذُكِرَ لِمَنْ بَلَغَتْ قِيمَةُ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَمَا فَوْقَهَا وَكَذَا لِمَنْ مَلَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَمَا فَوْقَهَا فَارِغَةً عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ لَكِنَّهُ مُطَالَبٌ مِنْ الْعِبَادِ بِمَا يَسْتَغْرِقُ ذَلِكَ أَوْ يَبْقَى مِنْهُ مَا لَا يَبْلُغُ هُوَ أَوْ قِيمَتُهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ فَإِنْ كَانَ لَهُ طَعَامُ شَهْرٍ يُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ يَجُوزُ صَرْفُ
стр. 987
الزَّكَاةِ إلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ سَنَةٍ أَقُولُ لَعَلَّ هَذَا عَلَى اخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَكَسُوبَاتِهَا كَطَلَبَةِ الْعِلْمِ فَمَنْ يُحَصِّلُ أَثَرَ كَسْبِهِ فِي سَنَةٍ كَالزِّرَاعَةِ فَيُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ سَنَةً وَمَنْ فِي شَهْرٍ سَنَةً فَكَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَفِيهِ أَيْضًا وَلَوْ كَانَ لَهُ كِسْوَةُ الشِّتَاءِ تُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا فِي الصَّيْفِ يَجُوزُ أَخْذُ الزَّكَاةِ وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ حَوَانِيتُ أَوْ دَارٌ غَلَّتِهِ تُسَاوِي ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَغَلَّتُهَا لَا تَكْفِي لِقُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ وَلَوْ كَانَ لَهُ ضَيْعَةٌ تُسَاوِي ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا مَا يَكْفِي لَهُ وَلِعِيَالِهِ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ وَلَوْ كَانَ لَهُ دَارٌ فِيهَا بُسْتَانٌ يُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبُسْتَانِ مَرَافِقُ الدَّارِ مِنْ الْمَطْبَخِ وَالْمُغْتَسَلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَتَاعِ وَالْجَوَاهِرِ انْتَهَى
(أَوْ) كَانَ (هَاشِمِيًّا) وَلَوْ فَقِيرًا بَلْ إلَى مَوَالِيهِمْ أَيْضًا فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ الزَّكَاةُ وَالْكَفَّارَةُ وَجَزَاءُ الصَّيْدِ وَعُشْرُ الْأَرْضِ وَغَلَّةُ الْوَقْفِ إلَى بَنِي هَاشِمٍ لَكِنَّهُ لَوْ دَفَعَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ثُمَّ عَلِمَ جَازَ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ لِلْآخِذِ فَمِنْ قَبِيلِ مَا لَا يَجُوزُ أَخْذُهُ وَيَجُوزُ إعْطَاؤُهُ ثُمَّ الْهَاشِمِيُّ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ الْعَبَّاسِ لَا بَنُو أَبِي لَهَبٍ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَبْطَلَ قَرَابَتَهُ فَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فَكَغَيْرِهِ كَمَا فِي التتارخانية وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْجَوَازُ بَعْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ جَوَازُ صَدَقَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ آخَرَ مِنْهُمْ لَكِنْ فِي النَّهْرِ صَوَابُهُ عَدَمُ الْجَوَازِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ الْجَوَازُ مُطْلَقًا.
وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَبِهِ نَأْخُذُ وَظَاهِرُ الِاخْتِيَارِ عَنْ الْمُنْتَقَى تَرْجِيحُهُ أَيْضًا فِي زَمَانِنَا لِعَدَمِ عَطِيَّتِهِمْ مِنْ الْخُمُسِ وَلِضَرُورَةِ الْحَاجَةِ كَمَا حَرَّرْنَا فِي حَوَاشِي الدُّرَرِ وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُنَبَّهَ عَلَيْهِ هُنَا مَنْ أُمُّهُ هَاشِمِيَّةٌ وَأَبُوهُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَهَلْ يَجُوزُ وَضْعُ عَلَامَةٍ خَضْرَاءَ فِي رَأْسِهِ كَمَا لِلْأَشْرَافِ الْهَاشِمِيَّةِ أَمْ لَا وَهَلْ يَكُونُ شَرِيفًا أَمْ لَا أَجَابَ صَاحِبُ الْمِنَحِ النَّسَبُ لِلْآبَاءِ لَا لِلْأُمَّهَاتِ فَلَيْسَ مَنْ أُمُّهُ هَاشِمِيَّةٌ وَأَبُوهُ لَيْسَ كَذَلِكَ بِهَاشِمِيٍّ وَأَمَّا وَضْعُ الْعَلَامَةِ الْخَضْرَاءِ بِرَأْسِهِ فَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ لَهُ نَسَبًا شَرِيفًا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ حَكَى فِي مَوْضِعٍ ثِقَةٌ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْكُرْدِيِّ أَنَّ مَنْ لَهُ أُمٌّ سَيِّدَةٌ يَكُونُ سَيِّدًا حَكَاهُ عَنْهُ الشَّيْخُ حَمِيدُ الدِّينِ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ عِيسَى مِنْ أَوْلَادِ إِسْحَاقَ وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَشَايِخِنَا خِلَافَهُ وَبِهِ أَفْتَى شَيْخُنَا صَاحِبُ الْبَحْرِ الرَّائِقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَذَا فِي الصُّرَّةِ.
وَفِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ لِلسُّيُوطِيِّ عَنْ الْبَغَوِيّ أَوْلَادُ بَنَاتِ الْإِنْسَانِ لَا يُنْسَبُونَ إلَيْهِ وَإِنْ كَانُوا مَعْدُودِينَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ حَتَّى لَوْ أَوْصَى لِأَوْلَادِ فُلَانٍ لَا يَدْخُلُ وَلَدُ الْبِنْتِ فَلَا يُنْسَبُ أَوْلَادُ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ وَلَدِ الرَّجُلِ وَمَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ بِأَنَّ الْوَلَدَ دَخَلَ فِيهِ، الْبِنْتُ دُونَ النِّسْبَةِ وَأَمَّا نِسْبَةُ الْحَسَنَيْنِ فَبِنَصٍّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَابْنُ الشَّرِيفَةِ لَا يَكُونُ شَرِيفًا إذَا لَمْ يَكُنْ أَبُوهُ شَرِيفًا فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ.
وَأَمَّا وَضْعُ الْعَلَامَةِ الْخَضْرَاءِ فَلَيْسَ لَهَا وُقُوعٌ فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي السُّنَّةِ وَلَا فِي الزَّمَنِ الْقَدِيمِ بَلْ حَدَثَتْ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِأَمْرِ الْمَلِكِ شَعْبَانَ قَالَ شَارِحُ الْأَلْفِيَّةِ الْمَعْرُوفُ بِالْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ
جَعَلُوا لِأَبْنَاءِ الرَّسُولِ عَلَامَةً ... إنَّ الْعَلَامَةَ شَأْنُ مَنْ لَمْ يُشْهَرْ
نُورُ النُّبُوَّةِ فِي وَسِيمِ وُجُوهِهِمْ ... يُغْنِي الشَّرِيفَ عَنْ الطِّرَازِ الْأَخْضَرِ
وَخَطَّ الْفَقِيهُ أَنَّ هَذِهِ الْعَلَامَةَ بِدْعَةٌ مُبَاحَةٌ لَا يَمْنَعُ مَنْ أَتَى مِنْ غَيْرِ شَرِيفٍ وَلَا يُؤْمَرُ بِهَا مَنْ تَرَكَ مِنْ شَرِيفٍ وَلَمْ يَرِدْ بِلُبْسِهَا شَرْعٌ إبَاحَةً وَمَنْعًا هَذَا غَايَةُ عُصَارَةِ مَا فِي تِلْكَ الرِّسَالَةِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ عُرْفَ زَمَانِنَا يَقْتَضِي مَنْعَ تِلْكَ الْعَلَامَةِ عَنْ غَيْرِهِمْ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ لُزُومًا عَادِيًّا دَعْوَى السِّبْطِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَقَدْ وَقَعَ فِي الصُّرَّةِ عَنْ مُعِينِ الْحُكَّامِ وَمَنْ انْتَسَبَ إلَى آلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُضْرَبُ ضَرْبًا وَجِيعًا وَيُشْهَرُ وَيُحْبَسُ طَوِيلًا حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ لِأَنَّهُ اسْتِخْفَافٌ بِحَقِّ الرَّسُولِ ﵊ وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ
стр. 988
عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «مَنْ ادَّعَى إلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» ، وَمِثْلُهُ فِي الْجَامِعِ بِلَفْظٍ آخَرَ (أَوْ كَانَ الْمُعْطِي) لِمَا ذُكِرَ (أَصْلَهُ أَوْ فَرْعَهُ) وَإِنْ عَلَا وَإِنْ سَفَلَ قِيلَ هَذَا قَوْلُ بَعْضٍ فَعِنْدَ بَعْضٍ يَطِيبُ الْمَأْخُوذُ وَعِنْدَ بَعْضٍ لَا وَطَرِيقُ الْمُصَنِّفِ مَا هُوَ الْأَحْوَطُ (فِيمَا عَدَا الْأَخِيرَيْنِ) مِنْ الْمَالِ الْخَبِيثِ وَاللُّقَطَةِ فَيَجُوزُ عَلَى أَصْلِهِ وَفَرْعِهِ إنْ فَقِيرًا وَلَا يَكُونُ صَغِيرًا بَلْ عَلَى نَفْسِهِ وَعِرْسِهِ إنْ فَقِيرًا فِي اللُّقَطَةِ قِيلَ.
وَكَذَا فِيمَا وَجَبَ تَصَدُّقُهُ مِنْ الْمَالِ الْخَبِيثِ لِأَنَّهُ لَا يُقَاوَمُ بِهِ قُرْبَةٌ (وَأَخْذُ الصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ مِمَّنْ يُعْلَمُ أَوْ يُظَنُّ) فَلَا عِنْدَ الشَّكِّ (أَنَّهُ إنَّمَا يُعْطِيهِ لِظَنِّهِ عَلَى صِفَةٍ مِنْ الْفَقْرِ أَوْ الْعِلْمِ أَوْ الصَّلَاحِ أَوْ التَّقْوَى أَوْ الْكَرَامَةِ أَوْ الْوِلَايَةِ أَوْ نَحْوِهَا) مِنْ صِفَاتِ الْخَيْرِ وَالرِّفْعَةِ (وَهُوَ) أَيْ الْآخِذُ (خَالٍ عَنْهَا) عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَذِرَ. وَيَقُولَ لَعَلَّك ظَنَنْت أَنِّي فَقِيرٌ أَوْ عَالِمٌ أَوْ صَالِحٌ وَلَسْت أَنَا مِثْلَ مَا اعْتَقَدْت ثُمَّ أَقُولُ لَعَلَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ طَرِيقُ التَّقْوَى وَأَمَّا فِي الْفَتْوَى فَيَجُوزُ إلَّا فِي الْغِنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قِيلَ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ الْهَدَايَا عَلَى ثَلَاثَةٍ حَلَالٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لِلتَّوَدُّدِ وَحَرَامٌ مِنْهُمَا لِلْإِعَانَةِ عَلَى الظُّلْمِ وَحَرَامٌ مِنْ جَانِبِ الْآخِذِ فَقَطْ لِلْكَفِّ عَنْ الظُّلْمِ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ مَا حَرُمَ أَخْذُهُ حَرُمَ إعْطَاؤُهُ كَالرِّبَا وَمَهْرِ الْبَغْيِ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَالرِّشْوَةِ وَأُجْرَةِ النَّائِحَةِ وَالزَّامِرِ إلَّا فِي مَسَائِلِ الرِّشْوَةِ لِخَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ لِيُسَوِّيَ أَمْرَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ أَوْ الْأَمِيرِ إلَّا لِلْقَاضِي فَإِنَّهُ يَحْرُمُ الْأَخْذُ وَالْإِعْطَاءُ وَسَيَجِيءُ تَفْصِيلُ الرِّشْوَةِ مَتْنًا وَشَرْحًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَالْأَخْذُ مِنْ الْوَقْفِ الْبَاطِلِ كَوَقْفِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ بِدُونِ الْإِضَافَةِ إلَى الْمَوْتِ وَلَوْ كَانَ مُسَجَّلًا وَسَيَجِيءُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) وَأَمَّا إذَا أُضِيفَ إلَى الْمَوْتِ فَيَجُوزُ لِأَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ فَإِنْ قِيلَ نَعَمْ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ فِي الْمَنْقُولِ مُطْلَقًا وَيَصِحُّ عِنْدَ الثَّانِي إنْ تَبِعَا لِلْعَقَارِ وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَيَصِحُّ مُطْلَقًا إنْ جَرَى التَّعَامُلُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مِمَّا يَجْرِي فِيهِ التَّعَامُلُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا سِيَّمَا عِنْدَ التَّسْجِيلِ قُلْنَا بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِ هَذَا التَّعَارُفِ وَالتَّعَامُلِ مِمَّا يُعْتَدُّ بِهِ هُنَا، الْمَنْقُولَاتُ الَّتِي يَصِحُّ وَقْفُهَا عِنْدَهُ إنَّمَا هِيَ الْمَقْصُودَةُ فِي الِانْتِفَاعِ بِأَعْيَانِهَا وَهُمَا لَيْسَتَا كَذَلِكَ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ وَقْفَهُمَا جَائِزٌ عِنْدَ زُفَرَ وَلَوْ سَلِمَ كَوْنُ قَوْلِهِ ضَعِيفًا فَقَدْ قُرِّرَ فِي الْفِقْهِيَّةِ نُفُوذُ حُكْمِ الْقَاضِي فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ وَلَوْ مَرْجُوحًا وَقَوْلُهُ وَلَوْ مُسَجَّلًا يَقْتَضِي عَدَمَ الْجَوَازِ مُطْلَقًا قَالَ فِي التَّاسِعِ عَشَرَ مِنْ شَهَادَاتِ التتارخانية إذَا قَضَى فِي مَحَلِّ خِلَافٍ عَلَى خِلَافِ رَأْيِهِ يَنْفُذُ عِنْدَ السَّرَخْسِيِّ وَبِهِ أَفْتَى حُسَامُ الدِّينِ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ إذَا قَضَى بِقَوْلٍ مَرْجُوحٍ عَنْهُ جَازَ وَكَذَا لَوْ قَضَى بِقَوْلٍ مُخَالَفِ قَوْلَ عُلَمَائِنَا إنْ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ فَإِنْ قِيلَ قَضَاءُ الْقَاضِي عَلَى وَفْقِ تَقْلِيدِ السُّلْطَانِ، وَسَلَاطِينُ زَمَانِنَا أَمَرُوا قُضَاتَهُمْ فِي مَنْشُورِهِمْ بِالْعَمَلِ بِالْقَوْلِ الْأَقْوَى عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ قُلْنَا ذَلِكَ فِيمَا لَهُ غَايَةُ ضَعْفٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو السُّعُودِ الَّذِي سَمَّوْهُ بِالْخِلَافِ دُونَ مَا سَمَّوْهُ بِالِاخْتِلَافِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رَأَيْنَا فِي بَعْضِ رِوَاتِهِمْ بِعَدَمِ الْعَمَلِ بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ إلَّا وَقْفَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ الْقُنْيَةِ عَنْ الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ وَقْفُ مِائَةِ دِينَارٍ عَلَى مَرْضَى الصُّوفِيَّةِ يَصِحُّ وَيُدْفَعُ الذَّهَبُ إلَى إنْسَانٍ مُضَارَبَةً لِيَسْتَغِلَّهَا وَيَصْرِفُ الرِّبْحَ وَكَذَلِكَ وَقْفُ الدَّرَاهِمِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ انْتَهَى وَقِيلَ قَالَ زُفَرُ بِجَوَازِ وَقْفِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ أَوْ الطَّعَامِ أَوْ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فَقِيلَ لَهُ كَيْفَ يَكُونُ قَالَ يَدْفَعُ الدَّرَاهِمَ مُضَارَبَةً ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِفَضْلِهَا فِي الْوَجْهِ الَّذِي وَقَفَ عَلَيْهِ وَمَا يُكَالُ وَمَا يُوزَنُ يُبَاعُ فَيُدْفَعُ ثَمَنُهُ بِضَاعَةً أَوْ مُضَارَبَةً كَالدَّرَاهِمِ قَالُوا عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ لَوْ قَالَ هَذَا الْكُرُّ مِنْ الْحِنْطَةِ وَقْفٌ عَلَى
стр. 989
شَرْطِ أَنْ يُقْرَضَ الْفُقَرَاءُ الَّذِينَ لَا بَذْرَ لَهُمْ فَيَزْرَعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ قَدْرُ الْقَرْضِ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْفُقَرَاءِ أَبَدًا جَازَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَمَا فِي قَاضِي خَانْ وَبِالْجُمْلَةِ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ هُنَا إنَّمَا هُوَ طَرِيقُ الْوَرَعِ وَإِلَّا كَمَا عَرَفْت يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ فِي الْفَتْوَى لَا سِيَّمَا عِنْدَ عُمُومِ الْبَلْوَى وَسَيُفَصَّلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (أَوْ مِنْ الْوَقْفِ الصَّحِيحِ) أَيْ الْأَخْذِ مِنْهُ آفَةٌ إذَا كَانَ مَا يَأْخُذُهُ (عَلَى خِلَافِ شَرْطِ الْوَاقِفِ) قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ شَرْطُ الْوَاقِفِ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ كَنَصِّ الشَّارِعِ لِقَوْلِهِمْ شَرْطُ الْوَاقِفِ كَنَصِّ الشَّارِعِ أَيْ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ وَفِي الْمَفْهُومِ وَالدَّلَالَةِ إلَّا فِي مَسَائِلَ:
الْأَوَّلُ: شَرَطَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَعْزِلُ النَّاظِرَ فَلَهُ عَزْلُ غَيْرِ الْأَهْلِ.
الثَّانِي: شَرَطَ أَنْ لَا يُؤَجِّرَ وَقْفَهُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ وَالنَّاسُ لَا يَرْغَبُونَ فِي اسْتِئْجَارِ سَنَةٍ أَوْ كَانَ فِي الزِّيَادَةِ نَفْعُ الْفُقَرَاءِ فَلِلْقَاضِي الْمُخَالَفَةُ.
الثَّالِثُ: شَرَطَ الْقِرَاءَةَ عَلَى قَبْرِهِ.
الرَّابِعُ: شَرَطَ التَّصَدُّقَ عَلَى سَائِلِ مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ.
الْخَامِسُ: شَرَطَ خُبْزًا مُعَيَّنًا أَوْ لَحْمًا مُعَيَّنًا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ فَيَجُوزُ صَرْفُ الْقِيمَةِ.
السَّادِسُ: شَرَطَ عَدَمَ الِاسْتِبْدَالِ فَلِلْقَاضِي الِاسْتِبْدَالُ إنْ أَصْلَحَ.
وَعَنْ الْقُنْيَةِ غَابَ الْمُتَفَقِّهُ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ حَرُمَ عَلَيْهِ أَخْذُ الرُّسُومِ بِلَا خِلَافٍ إنْ كَانَ مُشَاهَرَةً وَإِنْ كَانَ مُسَانَهَةً وَحَضَرَ وَقْتُ الْقِسْمَةِ وَقَدْ أَقَامَ أَكْثَرَ السَّنَةِ يَحِلُّ لَهُ وَعَنْ الْبَزَّازِيَّةِ غَابَ الْمُتَعَلِّمُ عَنْ الْبَلَدِ أَيَّامًا ثُمَّ رَجَعَ وَطَلَبَ وَظِيفَتَهُ فَإِنْ خَرَجَ مَسِيرَةَ سَفَرٍ لَيْسَ لَهُ طَلَبُ مَا مَضَى وَكَذَا إذَا خَرَجَ وَأَقَامَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَإِنْ أَقَامَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لِأَمْرٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ كَطَلَبِ الْقُوتِ وَالرِّزْقِ فَهُوَ عَفْوٌ وَلَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ أَنْ يَأْخُذَ حُجْرَتَهُ وَتَبْقَى حُجْرَتُهُ وَوَظِيفَتُهُ عَلَى حَالِهِمَا إذَا كَانَتْ غَيْبَتُهُ مِقْدَارَ شَهْرٍ إلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَإِذَا زَادَ كَانَ لِغَيْرِهِ أَخْذُ حُجْرَتِهِ وَوَظِيفَتِهِ وَإِنْ كَانَ فِي الْمِصْرِ وَلَا يَخْتَلِفُ التَّعْلِيمُ وَإِنْ اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ مِنْ الْكِتَابَةِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا كَالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ تَحِلُّ لَهُ الْوَظِيفَةُ وَإِنْ اشْتَغَلَ بِعَمَلٍ آخَرَ لَا يَحِلُّ وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَأْخُذَ حُجْرَتَهُ وَوَظِيفَتَهُ انْتَهَى (وَ) أَخْذُهُ (مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَصَارِفِهِ) قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ مَا حَاصِلُهُ يَجُوزُ لِمَنْ لَهُ اسْتِحْقَاقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَالْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ وَالصُّوفِيِّ الْأَكْلُ مِنْ أَوْقَافِ السَّلَاطِينِ الَّتِي كَانَتْ أَصْلُهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِمَا شَرَطُوهُ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ اسْتِحْقَاقٌ مِنْهَا لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ قَرَّرَهُ النَّاظِرُ وَبَاشَرَ الْوَظِيفَةَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَغْيِيرُ مَا عَيَّنَهُ الشَّارِعُ وَإِذَا مَاتَ الْمُدَرِّسُ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَلَّةِ وَقَبْلَ ظُهُورِهَا وَقَدْ بَاشَرَ مُدَّةً ثُمَّ مَاتَ أَوْ عُزِلَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ بَيْنَ وَقْتِ قِسْمَةِ الْغَلَّةِ إلَى مُدَّةِ مُبَاشَرَتِهِ وَإِلَى مُبَاشَرَةِ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ وَيَبْسُطَ الْمَعْلُومَ عَلَى الْمُدَرِّسِينَ وَيَنْظُرَ كَمْ يَكُونُ مِنْهُ لِلْمُدَرِّسِ الْمُنْفَصِلِ وَالْمُتَّصِلِ فَيُعْطِيَ بِحِسَابِ مُدَّتِهِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ زَمَانُ مَجِيءِ الْغَلَّةِ وَإِدْرَاكِهَا كَمَا فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ لِلطَّرَسُوسِيِّ لَكِنْ قَالَ فِي جِزْيَةِ الدُّرَرِ إمَامُ الْمَسْجِدِ إذَا رَفَعَ الْغَلَّةَ وَذَهَبَ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ لَا تُسْتَرَدُّ مِنْهُ غَلَّةُ بَعْضِ السَّنَةِ وَالْعِبْرَةُ بِوَقْتِ الْحَصَادِ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ وَقْتَ الْحَصَادِ يَؤُمُّ فِي الْمَسْجِدِ يَسْتَحِقُّ قَضَاءً كَالْجِزْيَةِ وَمَوْتِ الْقَاضِي فِي خِلَالِ سَنَةٍ وَقَالَ مِحَشَّيْهِ الْمَوْلَى الْوَانِي هَذَا وَمَا يَنْتَمِيهِ كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى كَوْنِ مَا أُخِذَ صِلَةً وَصَدَقَةً وَأَمَّا إذَا كَانَ أُجْرَةً فَالْوَاجِبُ أَنْ يُسْتَرَدَّ وَيُوَزَّعَ عَلَى الْأَشْهُرِ وَالْأَيَّامِ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِأَغْرَاضِ الْوَاقِفِينَ خُصُوصًا فِي زَمَانِنَا (أَوْ) كَانَ مِنْ مَصَارِفِهِ لَكِنْ يَأْخُذُ (أَكْثَرَ مِنْ كِفَايَتِهِ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَيُعْطَى قُضَاةُ الْمُسْلِمِينَ وَعُمَّالُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ مِنْهُ مَا يَكْفِيهِمْ
(وَ) الْأَخْذُ (مِنْ مَمْلُوكِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنِ مَوْلَاهُ) وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا إلَّا أَنَّهُ يُهْدِي الْيَسِيرَ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ يُضَيِّفُ مَنْ يُطْعِمُ لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِ التِّجَارَةِ اسْتِجْلَابًا لِقُلُوبِ النَّاسِ بِخِلَافِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ إذَا أَعْطَاهُ الْمَوْلَى قُوتَ يَوْمِهِ فَدَعَا بَعْضَ رُفَقَائِهِ إلَى ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ فِيهِ بِخِلَافِ قُوتِ شَهْرِهِ قَالُوا وَلَا بَأْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَصَدَّقَ مِنْ مَنْزِلِ زَوْجِهَا بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ كَالرَّغِيفِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْهُ فِي الْعَادَةِ وَفِي التتارخانية الْمَرْأَةُ وَالْأَمَةُ لَا تُطْعِمُ وَلَا تَتَصَدَّقُ إنْ بِالطَّعَامِ الْمُدَّخَرِ كَالْحِنْطَةِ وَالدَّقِيقِ وَأَلَّا تَتَصَدَّقَ عَلَى الرَّسْمِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ الزَّوْجُ وَالْمَوْلَى انْتَهَى لَكِنْ إنْ صَرَّحَا بِالْمَنْعِ أَوْ فُهِمَ مِنْ حَالِهِمَا لَا يَجُوزُ
стр. 990
(وَالْمَالُ لَهُ) قُيِّدَ بِهِ لِأَنَّ الْمَالَ إذَا كَانَ لِغَيْرِ الْمَوْلَى فَأَرْسَلَ ذَلِكَ الْغَيْرُ بِهِ يَجُوزُ الْأَخْذُ
(وَ) الْأَخْذُ (مِنْ مَالِ مَنْ بِهِ جِنَّةٌ) مِنْ الْجُنُونِ (أَوْ عَتَهٌ) وَهُوَ خِفَّةٌ فِي الْعَقْلِ مُوجِبٌ لِقِلَّةِ الْفَهْمِ وَاخْتِلَاطِ الْكَلَامِ وَفَسَادِ التَّدْبِيرِ (أَوْ إغْمَاءٌ أَوْ صِغَرٌ) لِأَنَّهُمْ إنْ مَمْنُوعِينَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيمَا لَهُمْ ضَرَرٌ مَحْضٌ مُطْلَقًا وَإِنْ مُرَخَّصَيْنِ فِيمَا لَهُمْ نَفْعٌ مَحْضٌ مُطْلَقًا وَإِنْ دَائِرًا بَيْنَ الضَّرَرِ وَالنَّفْعِ فَإِنْ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ نَعَمْ وَإِلَّا فَلَا (وَلَوْ كَانَ الْمُعْطِي وَلِيَّهُ) كَالْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْوَصِيِّ (إلَّا بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ) كَالْبَيْعِ وَثَمَنِ الْبَيْعِ (بِمِثْلِ قِيمَتِهِ أَوْ أَكْثَرَ) إذَا بَاعَ الْأَبُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ إنْ مَحْمُودَ الْحَالِ عِنْدَ النَّاسِ أَوْ مَسْتُورًا يَجُوزُ فَلَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ لَا يُنْقَضُ الْبَيْعُ وَإِنْ فَاسِدًا فَلَا يَجُوزُ فِي الْعَقَارِ عَلَى الْمُخْتَارِ إلَّا إذَا كَانَ خَيْرًا وَفِي الْمَنْقُولَاتِ فِيهِ رِوَايَتَانِ إلَّا عِنْدَ ظُهُورِ خَيْرِيَّتِهَا وَهَلْ يَسْتَقْرِضُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ فِيهِ رِوَايَتَانِ كَإِقْرَاضِهِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَالْأَبُ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيِّ لَا بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي فَإِنَّ بَيْعَ الْقَاضِي لِنَفْسِهِ لَا يَجُوزُ فَإِنْ مِنْ وَصِيِّ الْيَتِيمِ يَجُوزُ، وَإِنْ مَنْصُوبَةٌ
وَإِذَا أَنْفَقَ الْوَصِيُّ مَالَ الْيَتِيمِ فِي تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْأَدَبِ فَإِنْ رَشِيدًا فَصَحِيحٌ وَمَأْجُورٌ وَإِلَّا فَيُكَلَّفُ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ فِي صَلَاتِهِ وَفِي بَيْعِ الْوَصِيِّ لِنَفْسِهِ أَوْ شِرَائِهِ مِنْهُ لِنَفْسِهِ فَإِنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ فَنَعَمْ وَإِلَّا فَلَا إلَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَأَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَيَجُوزُ لِلْوَصِيِّ الْمُضَارَبَةُ بِمَالِ الْيَتِيمِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّجِرَ لِنَفْسِهِ بِمَالِ الْيَتِيمِ وَإِلَّا فَرِبْحُهُ وَاجِبُ التَّصَدُّقِ بِهِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَذَا فِي التتارخانية وَالْخُلَاصَةِ وَبِمَا قُرِّرَ عُلِمَ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِ لَهُ مُطْلَقًا نَعَمْ إنَّ الْأَسْلَمَ سَوَاءٌ لِلْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ هُوَ التَّرْكُ عِنْدَ عَدَمِ ظُهُورِ الْمَنْفَعَةِ وَفِي التَّنْوِيرِ وَصَحَّ بَيْعُ الْوَصِيِّ وَشِرَاؤُهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ وَمِنْ نَفْسِهِ فَإِنْ وَصِيَّ الْقَاضِي لَا مُطْلَقًا وَإِنْ وَصِيَّ الْأَبِ فَجَائِزٌ بِشَرْطِ مَنْفَعَةٍ ظَاهِرَةٍ، وَبَيْعُ الْأَبِ مَالَ صَغِيرِهِ مِنْ نَفْسِهِ جَائِزٌ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ وَلَا تَغَابُنَ فِيهِ وَتَفْسِيرُ الْمَنْفَعَةِ الظَّاهِرَةِ عَلَى مَا فِي الْمِنَحِ أَنْ يُبَاعَ مَا يُسَاوِي خَمْسَةَ عَشَرَ بِعَشَرَةٍ مِنْ الصَّبِيِّ أَوْ يَشْتَرِي مَا يُسَاوِي خَمْسَةَ عَشَرَ بِعَشَرَةٍ لِلصَّغِيرِ مِنْ نَفْسِهِ إنْ احْتَاجَ إلَى مَالِ وَلَدِهِ لِفَقْرِهِ أَكَلَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَإِنْ لِعَدَمِ كَوْنِ مَالِهِ فِي جَنْبِهِ أَكَلَهُ بِالْقِيمَةِ
(وَأَخْذُ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْخَمْرِ وَنَحْوِهَا) كَالْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ (مِمَّا يَحْرُمُ عَيْنُهَا) إلَّا عِنْدَ الِاضْطِرَارِ وَلِذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ لَا تُحْمَلُ الْجِيفَةُ إلَى الْهِرَّةِ وَلَكِنْ تُحْمَلُ الْهِرَّةُ إلَى الْجِيفَةِ وَكَذَا الْعَذِرَةُ إلَى التُّرَابِ وَلَا يُحْمَلُ الْخَمْرُ إلَى الْخَلِّ وَالتَّخَلُّلِ لَكِنْ يُحْمَلُ الْخَلُّ إلَى الْخَمْرِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ (وَحَمْلُهَا وَلَوْ كَانَ لِإِطْعَامِ الْهِرَّةِ وَنَحْوِهَا) كَالْكَلْبِ لَعَلَّ نَحْوَهُ حَمْلُ الدِّبْسِ النَّجَسِ إلَى النَّحْلِ فِي الْحَاشِيَةِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْإِطْعَامُ بِدُونِ الْأَخْذِ وَالْحَمْلِ بِالْيَدِ بِإِتْيَانِ الْهِرَّةِ وَنَحْوِهَا إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ (أَوْ لِلتَّخْلِيلِ) لِإِمْكَانِهِ بِدُونِ الْحَمْلِ أَيْضًا (إلَّا) حَمَلَهَا (لِتَطْهِيرِ الْمَكَانِ) الَّذِي فِيهِ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ (وَ) حَمْلُ الْخَمْرِ (لِلْإِرَاقَةِ وَ)
[مِنْ آفَاتِ الْيَدِ تَصْوِيرُ صُوَرِ الْحَيَوَانَاتِ]
ِ خ م عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا إنَّ «أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ» صُورَةُ ذِي رُوحٍ تَامٍّ فِي نَحْوِ وَرَقٍ أَوْ قِرْطَاسٍ أَوْ حَجَرٍ لِأَنَّ الْأَصْنَامَ بِصُورَةِ حَيَوَانٍ وَشَمِلَ النَّهْيُ التَّصْوِيرَ عَلَى مَا يُدَاسُ وَيُمْتَهَنُ كَبِسَاطٍ وَوِسَادَةٍ وَآنِيَةٍ وَطُرُقٍ وَنَمَطٍ وَسِتْرٍ وَسَقْفٍ وَغَيْرِهَا وَمَنْ وَهِمَ اخْتِصَاصَ النَّهْيِ بِغَيْرِ الْمُمْتَهَنِ فَقَدْ وَهِمَ وَالْعَجَبُ مِنْ الطِّيبِيِّ مَعَ كَوْنِهِ شَافِعِيًّا وَقَعَ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ هَذَا الْقَائِلُ مَعَ كَوْنِ مَنْقُولِ مَذْهَبِهِ خِلَافَهُ خَرَجَ بِالتَّامِّ مَقْطُوعُ نَحْوِ رَأْسٍ مِمَّا لَا يَعِيشُ بِدُونِهِ قَالَ مُسْلِمٌ كُنْت مَعَ مَسْرُوقٍ فِي بَيْتٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ مَرْيَمَ فَقَالَ مَسْرُوقٌ فِي هَذَا تَمَاثِيلُ كِسْرَى فَقُلْت فِي هَذَا تَمَاثِيلُ مَرْيَمَ فَقَالَ أَمَا إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
стр. 991
يَقُولُ بِوَاسِطَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَذَكَرَ ثُمَّ عَنْ النَّوَوِيِّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ الصُّورَةَ لِلتَّعَبُّدِ أَوْ عَلَى مَنْ قَصَدَ بِهِ مُضَاهَاةَ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ وَهُوَ كَافِرٌ يَزِيدُ عَذَابُهُ بِزِيَادَةِ قُبْحِ كُفْرِهِ وَإِلَّا فَمَنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ فَصَاحِبُ كَبِيرَةٍ كَيْفَ يَكُونُ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا أَوْرَدَ عَلَيْهِ عَدَّهُ حِينَئِذٍ مِنْ الْكَبَائِرِ لَيْسَ فِي شَيْءِ مِنْ الْمَشَاهِيرِ بَلْ عَلَى أَيِّ حَالٍ يُحْمَلُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ وَالتَّشْدِيدِ فِي الْمَنْعِ أَقُولُ لَا يُقْبَلُ مِثْلُهُ مَا لَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ الْمُبَالَغَةِ لَعَلَّ الْمُرَادَ إمَّا عَلَى اعْتِقَادِ الْحِلِّيَّةِ أَوْ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِيَّة (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» تَعْجِيزًا أَوْ سُخْرِيَةً وَقِيلَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّصْوِيرَ أَكْبَرُ مَعْصِيَةً مِنْ قَتْلِ النَّفْسِ عَمْدًا إذْ أُشِيرَ فِي تَهْدِيدِهِ إلَى الْغَايَةِ إذْ الْخُلُودُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِمَعْنَى الْمُكْثِ الطَّوِيلِ وَأَمَّا هُنَا فِيمَا لَا نِهَايَةَ لَهُ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ لَا يُمْكِنُ لَهُمْ أَبَدًا وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ الْجَامِعِ «مَنْ مَثَّلَ بِحَيَوَانٍ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»
(وَلَمْسُ مَا يَحْرُمُ نَظَرُهُ أَوْ يُكْرَهُ) وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَمَسَّ وَجْهَهَا وَكَفَّهَا وَإِنْ أَمِنَ مِنْ الشَّهْوَةِ لِقِيَامِ الْمُحَرَّمِ وَانْعِدَامِ الضَّرُورَةِ بِخِلَافِ النَّظَرِ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً وَبَلْوَى وَرُوِيَ عَنْهُ ﵊ «مَنْ مَسَّ كَفَّ امْرَأَةٍ لَيْسَ مِنْهَا بِسَبِيلٍ وُضِعَ عَلَى كَفِّهِ جَمْرَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَلِأَنَّ اللَّمْسَ أَغْلَظُ مِنْ النَّظَرِ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ فِيهِ أَكْثَرُ (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بِلَا ضَرُورَةٍ) كَمَعْرِفَةِ النَّبْضِ وَالْفَصْدِ وَسَائِرِ الْمُدَاوَاةِ (غَيْرَ أَنَّهُ يَجُوزُ مُصَافَحَةُ الْعَجَائِزِ وَغَمْزُهَا بِرِجْلِهِ إذَا أَمِنَا الشَّهْوَةَ) قِيلَ بِشَرْطِ عَدَمِ الْخَلْوَةِ مَعَهَا بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيَّةِ الشَّابَّةِ وَلَوْ مِنْ الْأَقْرِبَاءِ كَبِنْتِ عَمِّهِ وَخَالَتِهِ بِخِلَافِ نَظَرِ كَفَّيْهَا وَرِجْلَيْهَا عِنْدَ أَمْنِ الشَّهْوَةِ
(بِخِلَافِ مُصَافَحَةِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ) لِأَنَّ الْمُصَافَحَةَ تَحِيَّةٌ وَالذِّمِّيُّ لَا يَسْتَحِقُّهَا وَلِأَنَّهَا سُنَّةٌ لِلثَّوَابِ وَالذِّمِّيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ إلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا» فَيُسَنُّ ذَلِكَ مُؤَكَّدًا قَالَ النَّوَوِيُّ الْمُصَافَحَةُ سُنَّةٌ مَجْمَعٌ عَلَيْهَا عِنْدَ كُلِّ لِقَاءٍ وَمَا اُعْتِيدَ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ لَا أَصْلَ لَهُ لَكِنْ لَا بَأْسَ بِهِ وَمَنْ حَرُمَ نَظَرُهُ حَرُمَ مَسُّهُ انْتَهَى، وَأَفْهَمَ اقْتِصَارُهُ عَلَى الْمُصَافَحَةِ أَنَّهُ لَا يَنْحَنِي لِصَاحِبِهِ إذَا لَقِيَهُ وَلَا يَلْتَزِمُهُ وَلَا يُقَبِّلُهُ كَمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ صَرِيحًا فَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ «قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي لَهُ قَالَ لَا قَالَ أَفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ قَالَ لَا قَالَ فَيَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ قَالَ نَعَمْ» كَذَا فِي الْفَيْضِ وَرُوِيَ أَيْضًا «مَنْ صَافَحَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ وَحَرَّكَ يَدَهُ تَنَاثَرَتْ ذُنُوبُهُ» وَرُوِيَ أَيْضًا «إذَا الْتَقَى الْمُؤْمِنَانِ فَتَصَافَحَا تَنَاثَرَتْ ذُنُوبُهُمَا كَمَا يَتَنَاثَرُ الْوَرَقُ الْيَابِسُ مِنْ الشَّجَرِ» وَفِي الْجَامِعِ أَيْضًا «إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ فَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ» أَيْ مُشَارَكَةً فِي الدِّينِ كَانَ أَحَبُّهُمَا إلَى اللَّهِ أَحْسَنَهُمَا بِشْرًا وَطَلَاقَةَ وَجْهٍ وَفَرَحٍ وَتَبَسُّمٍ وَحُسْنِ إقْبَالٍ لِصَاحِبِهِ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ عَلَيْهِ سِمَةُ الْإِيمَانِ وَبَهَاءُ الْإِسْلَامِ وَجَمَالُهُ فَأَحْسَنُهُمَا بِشْرًا أَفْهَمُهُمَا لِذَلِكَ وَأَعْقَلُهُمَا عِنْدَ اللَّهِ أَعْقَلُهُمَا لِمَا مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِمَا فَإِذَا تَصَافَحَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا مِائَةَ رَحْمَةٍ لِلْبَادِئِ بِالسَّلَامِ تِسْعُونَ وَلِلْمُصَافِحِ عَشْرَةٌ لِأَنَّ الْمُصَافَحَةَ كَالْبَيْعَةِ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْإِيمَانِ الْأُخُوَّةُ وَالْوَلَايَةُ - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]- ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]- فَإِذَا لَقِيَهُ فَصَافَحَهُ فَكَأَنَّهُ بَايَعَهُ عَلَى هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ فَفِي كُلِّ مَرَّةٍ يُجَدِّدُ بَيْعَةً فَيُجَدِّدُ اللَّهُ تَعَالَى ثَوَابَهَا كَمَا يُجَدِّدُ ثَوَابَ الْمُصِيبَةِ بِالِاسْتِرْعَاءِ وَكَمَا يُجَدِّدُ لِلْحَامِدِ عَلَى النِّعْمَةِ ثَوَابًا عَلَى شُكْرِهَا فَإِذَا فَارَقَهُ بَعْدَ مُصَافَحَتِهِ لَمْ يَخْلُ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ مِنْ خَلَلٍ فَتُجَدَّدُ عِنْدَ
стр. 992
لِقَائِهِ فَالسَّابِقُ إلَى التَّجْدِيدِ لَهُ مِنْ الْمِائَةِ تِسْعُونَ لِاهْتِمَامِهِ بِشَأْنِ التَّمَسُّكِ بِالْأُخُوَّةِ وَالْوَلَايَةِ وَمُسَارَعَتِهِ إلَى تَجْدِيدِهَا وَحَثِّهِ عَلَى ذَلِكَ وَحِرْصِهِ عَلَيْهِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ السَّمْهُورِيُّ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَالْحَلِيمِيِّ مَعْنَى سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أُحَيِّيكُمْ بِكَوْنِ السَّلَامَةِ الْكَامِلَةِ مِنْ جَمِيعِ مَعَاطِبِ الدَّارَيْنِ وَآفَاتِهَا مَعَ الْأَمْنِ وَالْمُسَالَمَةِ مُحِيطَةً بِكُمْ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِكُمْ إكْرَامًا لَكُمْ بِكُلِّ حَالٍ ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا فَلَا يَصِلُكُمْ مِنِّي أَذًى فَقَدْ طَلَبْت لَكُمْ تِلْكَ السَّلَامَةَ الْمَوْصُوفَةَ مِنْ السَّلَامِ الَّذِي هُوَ الْمَالِكُ لِتَسْلِيمِ عِبَادِهِ وَالْمُسَلِّمُ لَهُمْ وَصَاحِبُ السَّلَامَةِ لَا مُعْطِيَ فِي الدَّارَيْنِ غَيْرُهُ وَلَا مَرْجُوَّ فِيهِمَا إلَّا خَيْرُهُ كَذَا فِي الْفَيْضِ
وَأَمَّا الْمُصَافَحَةُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْأَعْيَادِ فَعَنْ شَرْحِ الْمَجْمَعِ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ وَفِي رِسَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ لِلشُّرُنْبُلَالِيِّ جَائِزَةٌ وَفِي تِلْكَ الرِّسَالَةِ زِيَادَةُ تَفْصِيلٍ ثُمَّ السُّنَّةُ فِي الْمُصَافَحَةِ إلْصَاقُ صَفْحَةِ الْكَفِّ بِالْكَفِّ وَإِقْبَالُ الْوَجْهِ بِالْوَجْهِ وَأَخْذُ الْأَصَابِعِ لَيْسَ بِمُصَافَحَةٍ بَلْ فِعْلِ الرَّوَافِضِ كَمَا عَنْ الصَّلَاةِ الْمَسْعُودِيَّةِ وَفِي الْمُنْيَةِ أَنَّهَا بِكِلْتَا يَدَيْهِ وَفِي الْخِزَانَةِ بِلَا حَائِلٍ كَالثَّوْبِ وَفِي الشِّرْعَةِ عِنْدَ اللِّقَاءِ بَعْدَ السَّلَامِ وَأَنْ يَأْخُذَ الْإِبْهَامَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا صَافَحْتُمْ فَخُذُوا الْإِبْهَامَ فَإِنَّ فِيهِ عِرْقًا تَنْشَعِبُ مِنْهُ الْمَحَبَّةُ» كَمَا عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ
[مِنْ آفَاتِ الْيَدِ إهْلَاكُ الْمَالِ أَوْ نَقْصُهُ]
(وَ) مِنْ آفَاتِ الْيَدِ (إهْلَاكُ الْمَالِ أَوْ نَقْصُهُ) بِدُونِ إرَادَةِ وَصْلَةِ نَفْعٍ دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ (أَوْ تَعْيِيبُهُ) لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ النَّقْصِ مَا بِحَسَبِ الصُّورَةِ وَالْعَيْبِ مَا بِحَسَبِ الْقِيمَةِ (بِلَا غَرَضٍ مَشْرُوعٍ) وَإِلَّا فَلَيْسَ بِآفَةٍ بَلْ لَيْسَ بِإِهْلَاكٍ وَنَقْصٍ فَتَأَمَّلْ (بِالْقَطْعِ أَوْ الْكَسْرِ) كَكَسْرِ آلَةِ اللَّهْوِ وَدِنَانِ الْخَمْرِ عَلَى وَجْهٍ (أَوْ الْحَرْقِ أَوْ الْغَرَقِ) فِي نَحْوِ الْبَحْرِ فَهُوَ بِمَعْنَى الْإِغْرَاقِ (أَوْ الْإِلْقَاءِ إلَى مَا لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ) كَقَعْرِ الْبَحْرِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمَالَ الَّذِي أُهْلِكَ أَوْ نَقَصَ أَوْ تَعَيَّبَ (إنْ كَانَ لِغَيْرِهِ فَظُلْمٌ) وَقَدْ اتَّفَقَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ أَنَّ الظُّلْمَ يَجِبُ دَفْعُهُ وَيَحْرُمُ تَقْرِيرُهُ (وَتَعَدٍّ يُوجِبُ الضَّمَانَ) - ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]- (وَإِنْ كَانَ لِنَفْسِهِ فَإِسْرَافٌ) السَّابِقُ إلَى الْخَاطِرِ الْفَاتِرِ إنْ لِغَيْرِهِ فَظُلْمٌ وَإِسْرَافٌ وَإِنْ لِنَفْسِهِ فَإِسْرَافٌ فَقَطْ (وَهُوَ حَرَامٌ) فَيَسْبِقُ إلَى الْفَاتِرِ أَيْضًا أَنَّ حُرْمَةَ مِثْلِهِ مِنْ جِهَتَيْنِ آفَةُ الْيَدِ وَالسَّرَفِ وَإِلَّا فَلَا يَحْسُنُ عَدُّ الْمُصَنِّفِ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ فِي مَحَلَّيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ كَتَدَاخُلِ الْأَقْسَامِ مَعْنًى فَتَأَمَّلْ (لِمَا سَبَقَ وَالْإِعْطَاءُ لِلرِّيَاءِ وَالْمَعْصِيَةِ وَانْتِزَاعُ غَرِيمِ إنْسَانٍ مِنْ يَدِهِ فَإِنَّهُ ظُلْمٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّعْزِيرَ) لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ لَمْ يَتَقَدَّرْ فِيهَا حَدٌّ (لَا الضَّمَانَ) الْأَوْلَى وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ الضَّمَانُ لَعَلَّ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَتْحَ بَابِ الْإِصْطَبْلِ وَقَفَصِ الطَّيْرِ وَحَلَّ الْحَبْسِ الشَّرْعِيِّ
(وَرَفْعُ الذِّلَّةِ) هِيَ بَاقِي طَعَامِ السُّفْرَةِ عَنْ الْقَامُوسِ الذِّلَّةُ اسْمٌ لِمَا تَحْمِلُ مِنْ مَائِدَةِ صَدِيقِك أَوْ قَرِيبِك (فَإِنَّهُ حَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍّ) سَوَاءٌ تُعُومِلَ ذَلِكَ أَوْ لَا سَوَاءٌ وَقَعَ فِي الْعَادَةِ أَوْ لَا لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ قُبَيْلَ هَذَا الضُّيُوفُ إذَا أَعْطَوْا اللُّقْمَةَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا يُعْتَبَرُ تَعَامُلُ النَّاسِ وَلَوْ نَاوَلَ الْخَدَمَ الَّذِينَ عَلَى رَأْسِ الْمَائِدَةِ وَنَاوَلَ الْهِرَّةَ جَازَ اسْتِحْسَانًا وَلَوْ نَاوَلَ الْكَلْبَ لَا يَجُوزُ إلَّا الْخُبْزَ الْمُحْتَرِقَ، وَالْمُعْتَبَرُ هِيَ الْعَادَةُ وَلَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا انْتَهَى وَفِي التتارخانية أَيْضًا قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَأَمَّا رَفْعُ الذِّلَّةِ فَهُوَ حَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍ إلَّا بِالْإِذْنِ صَرِيحًا إعْطَاءُ بَعْضِ الضُّيُوفِ بَعْضًا عَلَى التَّعَارُفِ وَفِي
стр. 993
الْخَانِيَّةِ إنْ عَلِمَ رِضَاهُ فَلَا بَأْسَ (إلَّا بِإِذْنِهِ) صَرِيحًا فَلَا يَكْفِي الْإِذْنُ دَلَالَةً كَالتَّعَامُلِ وَالْعَادَةِ وَعَلِمَ رِضَاهُ بِالْقَرَائِنِ وَقِيلَ أَمَّا رَفْعُهَا بَعْدَ الِاسْتِئْذَانِ مِنْ صَاحِبِهَا فَأَذِنَ لَهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَرَامٌ لِأَنَّ إذْنَهُ لِحَيَائِهِ ثُمَّ قِيلَ لَكِنَّ اللَّائِقَ إنْ ظَنَّ طِيبَ نَفْسِهِ فَلَا يَحْرُمُ إلَّا أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ السُّؤَالِ وَأَمَّا إذَا كَانَتْ تِلْكَ الذِّلَّةُ مِمَّا انْقَطَعَ عَنْهُ الرَّغْبَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى صَاحِبِهَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ هُوَ الشُّمُولُ لَكِنْ يَنْبَغِي عَدَمُ الْحُرْمَةِ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ الْكِسْرَاتُ الَّتِي لَا تُشْتَهَى فَلَهُ أَنْ يُعْطِيَ الدَّجَاجَةَ وَالشَّاةَ وَالْبَقَرَةَ وَهَذَا مِنْ الْإِلْقَاءِ إلَى النَّهْرِ أَوْ الطَّرِيقِ إلَّا لِأَجْلِ النَّمْلِ كَمَا هُوَ عَادَةُ بَعْضِ السَّلَفِ وَفِيهِ أَيْضًا الثِّمَارُ السَّاقِطَةُ مِنْ الشَّجَرَةِ إنْ فِي الْمِصْرِ لَا يَتَنَاوَلُهَا إلَّا بِعِلْمِ إبَاحَةِ صَاحِبِهَا صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً وَإِنْ فِي الْحَائِطِ فَإِنْ مِمَّا تَبَقَّى كَالْجَوْزِ لَا يَسَعُهُ الْأَخْذُ وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ الْأَخْذُ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ النَّهْيُ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً وَالثِّمَارُ فِي الْأَشْجَارِ الْأَفْضَلُ عَدَمُ الْأَخْذِ فِي مَوْضِعٍ مَا إلَّا بِالْإِذْنِ وَإِنْ فِي مَوْضِعٍ لَا يَشُقُّ عَلَى صَاحِبِهَا لِكَثْرَتِهَا يَسَعُهُ الْأَكْلُ لَا الْحَمْلُ وَنَحْوُ التُّفَّاحِ وَالْكُمَّثْرَى مِنْ النَّهْرِ الْجَارِي يَجُوزُ أَكْلُهُ وَإِنْ كَثُرَ وَلَا يَضْمَنُ وَأَمَّا الْحَطَبُ فَإِنَّهُ لَا قِيمَةَ فَلَا وَإِلَّا فَنَعَمْ انْتَهَى مُلَخَّصًا (كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ)
وَعَنْ الْبَزَّازِيَّةِ الْمُسَافِرُونَ إذَا خَلَطُوا أَزْوَادَهُمْ أَوْ أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِرْهَمًا عَلَى عَدَدِ الرُّفْقَةِ وَاشْتَرَوْا طَعَامًا وَأَكَلُوا فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَإِنْ تَفَاوَتُوا فِي الْأَكْلِ
(وَغَمْزُ الْأَعْضَاءِ فِي الْحَمَّامِ بِلَا ضَرُورَةٍ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ) مُطْلَقًا عَلَى الْأَصَحِّ وَعِنْدَ الْبَعْضِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَمْنِ مِنْ الشَّهْوَةِ وَعِنْدَ الْبَعْضِ يَجُوزُ غَمْزُ مَا عَدَا تَحْتَ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ لَعَلَّ هَذَا أَوْفَقُ بِالْقِيَاسِ وَعِنْدَ الْبَعْضِ يَجُوزُ لِمَنْ لَا لِحْيَةَ لَهُ عِنْدَ الْأَمْنِ مِنْ الشَّهْوَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ بِاللِّحْيَةِ قِيلَ هَكَذَا وَجَدْته فِي حَاشِيَةِ الْكِتَابِ مَسْمُوعًا مِنْ الْأُسْتَاذِ
وَعَنْ الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ الْإِمَامَ جَوَّزَ لِلْحَمَّامِيِّ النَّظَرَ إلَى عَوْرَةِ الرِّجَالِ انْتَهَى لَعَلَّ ذَلِكَ إمَّا لَا يَكُونُ قَصْدًا أَوْ بِالضَّرُورَةِ
(وَ) مِنْهَا (كُلُّ لَعِبٍ وَلَهْوٍ سِوَى مُلَاعَبَةِ الزَّوْجِ وَالْأَمَةِ) مِمَّا يُفْضِي إلَى الْجِمَاعِ لَا كُلُّ مُلَاعَبَةٍ كَالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ (وَمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الِاسْتِعْدَادِ لِلْحَرْبِ) مِثْلُ الرَّمْيِ وَالْمُسَابَقَةِ (كَالنَّرْدِ) مِثَالٌ لِمَا هُوَ مُحَرَّمٌ وَحُرْمَتُهُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ وَضْعَهُ لِغَرَضٍ بَاطِلٍ وَوَاضِعُهُ مَجُوسِيٌّ فَمَنْ يَلْعَبُ بِهِ يَكُونُ مُجْتَهِدًا فِي إحْيَاءِ سُنَّةِ الْمَجُوسِ الْمُسْتَنْكَرَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى (م عَنْ بُرَيْدَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ» اسْمُ لَعِبٍ مَعْرُوفٍ «فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ» قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الْأَكْلُ لِأَنَّ الْغَمْسَ بِالْيَدِ يَكُونُ حَالَةَ الْأَكْلِ غَالِبًا فَيَكُونُ اللَّعِبُ حَرَامًا لِتَشْبِيهِهِ ﵊ بِالْمُحَرَّمِ (وَفِي رِوَايَةِ د أَبِي مُوسَى فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ) قَالَ فِي الْفَيْضِ قَدْ اتَّفَقَ السَّلَفُ
стр. 994
عَلَى حُرْمَةِ اللَّعِبِ بِهِ وَنَقَلَ ابْنُ قُدَامَةَ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ وَلَا يَخْلُو عَنْ نِزَاعٍ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ دَخَلْت فِي زَمَنِ الْحَدَاثَةِ عَلَى شَيْخٍ يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ مَعَ آخَرَ يُعْرَفُ بِأَزْدِشِيرَ فَقُلْت الْأَزْدِشِيرُ وَالنَّرْدَشِيرُ بِئْسَ الْمَوْلَى وَبِئْسَ الْعَشِيرُ (وَالشِّطْرَنْجِ) مِثَالٌ لِلَّهْوِ الْمُحَرَّمِ أَيْضًا فَإِنَّهُ حَرَامٌ وَكَبِيرَةٌ عِنْدَنَا وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَوْ الْمُعْجَمَةِ وَلَمْ يُفْتَحْ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْقَامُوسِ وَقِيلَ بِالْفَتْحِ أَيْضًا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرَّ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ الشِّطْرَنْجَ فَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِمْ وَقَالَ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ وَعَنْ الْكَافِي فِي إبَاحَتِهِ إعَانَةٌ لِلشَّيْطَانِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ وَعَنْ التَّجْنِيسِ وَلَوْ قَالَ إنَّ هَذَا اللَّعِبَ لِتَهْذِيبِ الْفَهْمِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَلَوْ حَرُمَ فَأَمَرَ أَنَّهُ طَالِقٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ لِأَنَّهُ حَرَامٌ بِآثَارِ الصَّحَابَةِ أَوْ الْقِيَاسِ كَمَا فِي النِّصَابِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُبَاحُ لِتَشْحِيذِ الْخَاطِرِ وَتَزْكِيَةِ الْفَهْمِ وَلَا يُبَاحُ بِقَصْدِ الْقِمَارِ بِشَرْطِ عَدَمِ التَّكَلُّمِ بِالْفُحْشِ وَفَوْتِ وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ الْجَمَاعَةِ وَبِكَوْنِهِ أَحْيَانًا وَلَمْ يَرَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَأْسًا بِالسَّلَامِ لِشُغْلِهِمْ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ وَلَوْ سَاعَةً وَقَالَ الْأَوْلَى عَدَمُهُ زَجْرًا لَهُمْ وَعَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ أَنْوَارِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ إلَّا إذَا كَانَ عَلَى شَكْلِ حَيَوَانٍ أَوْ اقْتَرَنَ بِهِ قِمَارٌ أَوْ فُحْشٌ وَفِي إحْيَائِهِ بِالْإِصْرَارِ كَبِيرَةٌ وَفِي عُمْدَتِهِ لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ إنْ لَعِبَ بِهِ فِي الْأَحَايِينِ مَرَّةً وَفِي رَوْضَتِهِ رُدَّتْ شَهَادَةُ مُدَاوِمِهِ وَأَمَّا مَا ذَكَرُوا فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ فَمَغْلُوبَةٌ وَتَابِعَةٌ وَالْعِبْرَةُ لِلْغَالِبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] لِأَنَّ الْغَالِبَ التَّشَاغُلُ عَنْ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَالْكَلَامِ الْبَاطِلِ فَلَزِمَ عَدَمُ الْجَوَازِ لِتَعَلُّمِ حِيَلِ الْحَرْبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١] وَعَنْ الثَّوْرِيِّ وَوَكِيعٍ أَنَّ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ﴾ [المائدة: ٣]- الشِّطْرَنْجُ كَذَا فِي النِّصَابِ قِيلَ فِي الزَّيْلَعِيِّ أَيْضًا وَفِي الْخُلَاصَةِ وَيُكْرَهُ اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ وَالْأَرْبَعَةَ عَشَرَ. اهـ. وَقَدْ سَمِعْت دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فِي حُرْمَتِهِ فَتَأَمَّلْ وَأَمَّا حَدِيثُ «مَنْ لَعِبَ بِالشِّطْرَنْجِ فَهُوَ مَلْعُونٌ» فَقَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ عَنْ النَّوَوِيِّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ كَذِبٌ لَمْ يَثْبُتْ مِنْ الْمَرْفُوعِ شَيْءٌ فِي هَذَا الْبَابِ ثُمَّ تَعَقَّبَ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ الْجَامِعِ الَّذِي الْتَزَمَ عَدَمَ ذِكْرِ الْمَوْضُوعِ فِيهِ غَايَتُهُ أَنَّهُ ضَعِيفٌ يَتَقَوَّى بِأَحَادِيثَ ثَابِتَةٍ وَرَدَتْ فِي ذَمِّ الشِّطْرَنْجِ وَهَذَا حَدِيثُ «مَلْعُونٌ مَنْ لَعِبَ بِالشِّطْرَنْجِ وَالنَّاظِرِ إلَيْهِ كَآكِلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الذَّهَبِيِّ وَأَكْلُ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ ثَمَّةَ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ إلَى تَحْرِيمِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ فَقَدْ لَعِبَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحْبِ وَمَنْ لَا يُحْصَى مِنْ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَقَالَ الْحُفَّاظُ لَمْ يَثْبُتْ فِي تَحْرِيمِهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلَا صَحِيحٌ ثُمَّ قَالَ عَنْ الْمِيزَانِ إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُنْكَرٌ وَرَوَى الْجُمْلَةَ الْأُولَى مِنْهُ الدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَمِنْ أَسَانِيدِهِ حَيْوَةُ مَجْهُولٌ وَالْإِسْنَادُ مُنْقَطِعٌ فَلْيُتَأَمَّلْ
(وَ) مِنْهَا (ضَرْبُ الْقَضِيبِ) أَيْ الْعُودِ عَلَى نَحْوِ نُحَاسٍ بِوَجْهٍ مَخْصُوصٍ
стр. 995
(وَالطُّنْبُورُ وَجَمِيعُ الْمَعَازِفِ) قِيلَ عَنْ الْجَوْهَرِيِّ (وَ) هِيَ (الْمَلَاهِي إلَّا الدُّفَّ بِلَا جَلَاجِلَ فِي لَيْلَةِ الْعُرْسِ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ الزِّفَافِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْلِنُوا بِالزِّفَافِ وَلَوْ بِالدِّفَافِ (وَإِلَّا طَبْلَ الْغُزَاةِ) لِأَنَّ فِيهِ إعْلَامَ وَقْتِ النُّزُولِ وَالِارْتِحَالِ وَتَشْجِيعَ الْغُزَاةِ عَلَى الْحَرْبِ أَعَادَ أَدَاةَ الِاسْتِثْنَاءِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ خِلَافُ الْمُرَادِ بِعَطْفِهِ عَلَى الْمَعَازِفِ (وَالْحُجَّاجِ وَالْقَافِلَةِ وَ) مِنْهَا (لَعِبُ الْحَمَامِ) قَالُوا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يَلْعَبُ بِهَا وَفِي الْقُنْيَةِ لَهُ حَمَامَاتٌ مَمْلُوكَةٌ يُطَيِّرُهَا فَوْقَ السَّطْحِ مُطَّلِعًا عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَيَكْسِرُ زُجَاجَاتِ النَّاسِ بِرَمْيِهِ تِلْكَ الْحَمَامَاتِ يُعَزَّرُ وَيُمْنَعُ أَشَدَّ الْمَنْعِ وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ ذَبَحَهَا الْمُحْتَسِبُ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَيُكْرَهُ إمْسَاكُ الْحَمَامَاتِ إنْ كَانَ يَضُرُّ (د عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يَتْبَعُ حَمَامَةً» لَعِبًا وَلَهْوًا بِذَلِكَ «فَقَالَ شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً» لِأَنَّهُ يَقْفُو أَثَرَهَا لَاعِبًا بِهَا وَإِنَّمَا سَمَّاهَا شَيْطَانَةً لِأَنَّهَا أَغْفَلَتْهُ عَنْ الْحَقِّ وَأَشْغَلَتْهُ عَمَّا يَهُمُّهُ مِنْ صَلَاحِ الْمَنْزِلَيْنِ وَإِنَّمَا سَمَّاهُ شَيْطَانًا لِمُبَاعَدَتِهِ عَنْ الْحَقِّ وَإِعْرَاضِهِ عَنْ الْعِبَادَةِ وَاشْتِغَالِهِ بِمَا لَا يَعْنِيهِ وَفِي الْفَيْضِ فَيُكْرَهُ اللَّعِبُ بِالْحَمَامِ تَنْزِيهًا لِأَنَّهُ دَنَاءَةٌ وَقِلَّةُ مُرُوءَةٍ وَيَجُوزُ اتِّخَاذُهَا لِفِرَاخِهَا وَأَكْلُهَا وَالْأُنْسُ بِهَا لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِعَدَمِ الْإِضْرَارِ لِأَحَدٍ
(وَ) مِنْهَا (التَّحْرِيشُ) أَيْ الْإِغْرَاءُ (بَيْنَ الْبَهَائِمِ) كَالدِّيكِ وَالْكَبْشِ وَالتَّيْسِ وَالْكِلَابِ وَمِثْلُهُ إغْرَاءُ الْأُمَرَاءِ الْأَسَدَ مَعَ النَّمِرِ أَوْ مَعَ الْبَقَرِ أَوْ الْجَمَلِ (د ت عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ» أَيْ الْإِغْرَاءِ بَيْنَهُمَا وَتَهْيِيجِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَهَلْ النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ أَوْ الْكَرَاهَةِ قَوْلَانِ قَالَ جَدُّنَا الْإِمَامُ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ مُنَاطَحَةُ الثِّيرَانِ وَالْكُبُوشِ وَمُنَاقِرَةُ الدُّيُوكِ وَنَحْوُ ذَلِكَ
(وَ) مِنْهَا (اتِّخَاذُ ذِي الرُّوحِ غَرَضًا) وَهُوَ الْهَدَفُ الْمَرْمِيُّ بِالسِّهَامِ وَنَحْوِهَا (وَقَتْلُهُ) بِالْعَصَا أَوْ بِالْحَجَرِ أَوْ بِالْجَرْحِ (صَبْرًا) أَيْ مَحْبُوسًا لِلْقَتْلِ مَرْبُوطًا لَهُ وَكَذَا حَبْسُهُ لِتَعْلِيمِ الْبَازِيِ وَنَحْوِ (م عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا «لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا» قَالَهُ لَمَّا رَأَى النَّاسَ يَرْمُونَ دَجَاجَةً مَحْبُوسَةً وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ لَعَنَ فَاعِلَ ذَلِكَ فِي خَبَرٍ وَلِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ وَكَتَضْيِيعِ مَالٍ بِلَا فَائِدَةٍ وَلِأَنَّهُ لَعِبٌ وَعَبَثٌ (وَفِي رِوَايَةِ " خ م «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَنَ مَنْ اتَّخَذَ ذَا الرُّوحِ غَرَضًا» إمَّا دُعَاءٌ بِاللَّعْنَةِ أَوْ إخْبَارٌ عَمَّا وَقَعَ أَوْ سَيَقَعُ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهَا فَيَكُونُ حَرَامًا بَلْ كَبِيرَةً لِمَا تَقَدَّمَ سَابِقًا (م عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ «نَهَى رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُقْتَلُ شَيْءٌ مِنْ الدَّوَابِّ صَبْرًا» أَيْ حَبْسًا وَفِي الْجَامِعِ «نَهَى أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ» وَفِي شَرْحِهِ
стр. 996
بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ يُمْسَكُ شَيْءٌ مِنْهَا ثُمَّ يُرْمَى بِشَيْءٍ إلَى أَنْ يَمُوتَ مِنْ الصَّبْرِ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ فِي ضِيقٍ يُقَالُ صَبَرْت الدَّابَّةَ إذَا حَبَسْتهَا بِلَا آلَةٍ وَمِنْهُ قَتْلُ الصَّبْرِ لِلْمُمْسَكِ حَتَّى يُقْتَلَ وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ لِلَعْنِ فَاعِلِهِ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ
(وَ) مِنْهَا (التَّشْبِيكُ) إدْخَالُ بَعْضِ الْأَصَابِعِ فِي بَعْضِهَا (فِي الْمَسْجِدِ وَفِي الذَّهَابِ إلَيْهِ) وَكَذَا فَرُقْعَةُ الْأَصَابِعِ وَنُقِلَ فِي الْبَحْرِ الْإِجْمَاعُ عَلَى كَرَاهَتِهَا فِي الصَّلَاةِ وَفِي الْمُجْتَبَى الْمُنْتَظِرُ إلَى الصَّلَاةِ وَالْمَاشِي إلَيْهَا كَمَنْ فِي الصَّلَاةِ فِي كَرَاهَتِهَا وَلِذَا كُرِهَ الْمُسَارَعَةُ فِي مَشْيِ الصَّلَاةِ فَيَمْشِي عَلَى هِينَةٍ وَعَلَى صُورَةِ خَشْيَةٍ فَكَأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ (حَدّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ مَرْفُوعًا «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ» وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ «فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ» أَيْ أَتَى بِهِ كَامِلًا تَامًّا غَيْرَ طَوِيلٍ وَلَا قَصِيرٍ بَلْ مُتَوَسِّطًا بَيْنَهُمَا «ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا» قَاصِدًا «إلَى الصَّلَاةِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» قِيلَ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لَكِنَّ تَعْلِيلَهُ بِقَوْلِهِ «فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ» أَشْبَهُ بِنَهْيِ التَّحْرِيمِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ فِي حُكْمِ صَلَاةٍ فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِتَرْكِ الْعَبَثِ وَاسْتِعْمَالِ الْخُشُوعِ كَيْفَ وَقَدْ كَانَ لِلْوَسَائِلِ حُكْمُ الْمَقَاصِدِ إلَّا أَنْ يُدَّعَى مَنْعَ حُرْمَتِهِ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ أَوْ يُقَالَ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ شَيْءٍ فِي حُكْمِ شَيْءٍ آخَرَ ثُبُوتُ تَمَامِهِ لَهُ قَالَ فِي الْفَيْضِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْبِيهِ لِلشَّيْطَانِ أَوْ لِدَلَالَتِهِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لِكَوْنِهِ دَالًّا عَلَى تَشْبِيكِ الْأَحْوَالِ وَأَنَّ التَّشْبِيكَ مِنْ هَيْئَاتِ التَّصَرُّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَالصَّلَاةُ تُضَادُّ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ التَّشْبِيكَ جَالِبٌ لِلنَّوْمِ وَهُوَ ظِنَّةٌ لِلْحَدَثِ فَلِذَا كُرِهَ تَنْزِيهًا وَأَمَّا التَّشْبِيكُ بِيَدِ غَيْرِهِ فَكَذَا إلَّا لِنَحْوِ مَوَدَّةٍ وَأُلْفَةٍ ثُمَّ مَفْهُومُ الشَّرْطِ لَيْسَ قَيْدًا مُعْتَبَرًا فَمَنْ تَرَكَ حُسْنَهُ وَاكْتَفَى بِمُجَرَّدِ قَدْرِ الْوَاجِبِ بِتَرْكِ النَّدْبِ فَمَأْمُورٌ أَيْضًا وَكَذَا مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ بِلَا وُضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فِي طَرِيقِ الْمَسْجِدِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ قِيلَ بِضَعْفِ الْحَدِيثِ وَقِيلَ بِكَوْنِهِ مُنْكَرًا وَفِي الْجَامِعِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ» الْبَيْتُ مِنْ قَبِيلِ الْإِخْرَاجِ مَخْرَجَ الْعَادَةِ فَالْمَعْنَى فِي مَحَلِّ إقَامَتِهِ «ثُمَّ أَتَى فِي الْمَسْجِدِ» فَكَذَا أَيْضًا فَالْمُرَادُ مَحَلُّ الْجَمَاعَةِ مُطْلَقًا «كَانَ فِي صَلَاةٍ» أَيْ حُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ هُوَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى أَنْ يَعُودَ إلَى مَحَلِّهِ فَلَا يَقُلْ هَكَذَا أَيْ لَا يُشَبِّكُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَالْمُشَارُ إلَيْهِ قَوْلُ الرَّاوِي وَشَبَّكَ أَيْ رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ أَصَابِعِهِ قَالَ الطِّيبِيُّ لَعَلَّ النَّهْيَ عَنْ إدْخَالِ الْأَصَابِعِ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِيمَاءِ إلَى مُلَابَسَةِ الْخُصُومَاتِ وَالْخَوْضِ فِيهَا وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ تَشْبِيكِهِ ﵊ فَفِيمَنْ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ وَلَا فِي قَصْدِهِ وَلَا فِي انْتِظَارِهَا وَقِيلَ تَشْبِيكُهُ لِفَائِدَةِ النَّهْيِ فِيمَا لَيْسَ لَهُ فَائِدَةٌ لِأَنَّهُ ﵊ قَصَدَ بِهِ التَّمْثِيلَ فِي السُّجُودِ لِمَعْنًى فِي اللَّفْظِ بِصُورَةِ الْحِسِّ (وَفِي رِوَايَةٍ «يَا كَعْبُ إذَا كُنْت فِي الْمَسْجِدِ فَلَا تُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِك فَأَنْتَ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَتْ الصَّلَاةَ» وَأَمَّا سُنِّيَّتُهُ فِي الْوُضُوءِ فَلِمُبَالَغَةِ الْغُسْلِ وَإِكْمَالِهِ غَايَتَهُ بِنَصٍّ يُخَالِفُ الْقِيَاسَ فَافْهَمْ
(وَ) مِنْهَا (كِتَابَةُ مَا يَحْرُمُ تَلَفُّظُهُ) مِنْ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْبُهْتَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الْحِكَايَةِ وَكَانَ لَهُ قَاصًّا (فَإِنَّ الْقَلَمَ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ) كَمَا يُقَالُ الْخَطُّ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ وَحُسْنُهُ أَحَدُ الْفَصَاحَتَيْنِ زَيْنُهُ زَيْنٌ وَشَيْنُهُ شَيْنٌ، وَيُقَالُ أَيْضًا الْكِتَابُ كَالْخِطَابِ وَالْمُرَاسَلَةُ نِصْفُ الْمُوَاصَلَةِ (وَكِتَابَةُ الْقُرْآنِ بِالْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْحَدَثِ وَكَذَا مَسُّ هَؤُلَاءِ الْمُصْحَفَ وَالتَّفْسِيرَ وَمَا كُتِبَ فِيهِ آيَةٌ) مِنْ قِرْطَاسٍ أَوْ لَوْحٍ أَوْ دِرْهَمٍ وَفِي التُّحْفَةِ الْمَكْرُوهُ مَسُّ الْمَكْتُوبِ لَا مَوَاضِعُ الْبَيَاضِ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا الْمُعْتَبَرُ حَقِيقَةُ الْمَكْتُوبِ حَتَّى إنْ مَسَّ الْجِلْدَ وَمَسَّ مَوَاضِعَ الْبَيَاضِ لَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَمَسَّ الْقُرْآنَ وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الْقِيَاسِ وَالْمَنْعُ أَقْرَبُ إلَى التَّعْظِيمِ انْتَهَى وَلَوْ مَسَّ كُتُبَ الشَّرِيعَةِ ذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ أَنَّهُ يُكْرَهُ وَالْبَقَّالِيُّ لَا يُكْرَهُ وَفِي الْهِدَايَةِ بِخِلَافِ كُتُبِ الشَّرِيعَةِ حَيْثُ يُرَخَّصُ لِأَهْلِهَا فِي مَسِّهَا بِالْكُمِّ وَفِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى وَرُخِّصَ الْمَسُّ بِالْيَدِ فِي كُتُبِ الشَّرِيعَةِ لَا التَّفْسِيرِ وَفِي الْجَامِعِ لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا وَأَنْتَ طَاهِرٌ وَأَمَّا الْمَسُّ بِالْكُمِّ فَإِنْ مُصْحَفًا لَا لِكَوْنِهِ تَابِعًا لَهُ وَإِلَّا نَعَمْ لِلضَّرُورَةِ وَفِي التتارخانية لَا يَمَسُّ
стр. 997
بِمُجَرَّدِ غَسْلِ الْيَدِ وَلَا يَمَسُّ الْبَيَاضَ أَيْضًا وَيَمَسُّ بِغِلَافِهِ وَهُوَ الْجِلْدُ الْمُتَّصِلُ عَلَى مَا صَحَّحَ الْكَافِي وَالْمُنْفَصِلُ كَالْخَرِيطَةِ عَلَى مَا صَحَّحَ فِي الْهِدَايَةِ وَفِي الْيَنَابِيعِ إنْ لَمْ يَكُنْ الْجِلْدُ مَشْدُودًا بِحَبْلٍ جَازَ وَدَفْعُ الْمُصْحَفِ أَوْ اللَّوْحِ الَّذِي عَلَيْهِ الْقُرْآنُ إلَى الصِّبْيَانِ مَكْرُوهٌ عِنْدَ بَعْضٍ وَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَعَلَيْهِ تَصْحِيحُ الْهِدَايَةِ وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ إنْ جَرَّبَ وَحَصَلَ الشِّفَاءُ بِالْكِتَابَةِ بِالْبَوْلِ وَعَلَى جِلْدِ مَيْتَةٍ وَبِالدَّمِ فَلَا بَأْسَ بِهِ
(وَيُكْرَهُ تَصْغِيرُ الْمُصْحَفِ) لَفْظًا فَلَا يُقَال مُصَيْحِفٌ وَقَطْعًا فَلَا يُصَغَّرُ حَجْمُهُ كَذَا قِيلَ لَا يَخْفَى أَنَّهُ إمَّا جَمَعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَوْ جَمَعَ الْحَقِيقَتَيْنِ فِي إطْلَاقٍ وَاحِدٍ بَلْ الْمَذْكُورُ فِي الْكُتُبِ هُوَ الثَّانِي إلَّا أَنْ يُرَادَ بِطَرِيقِ عُمُومِ الْمَجَازِ مَثَلًا قَالَ فِي الْأُسْرُوشَنِيِّ كُرِهَ تَصْغِيرُ الْمُصْحَفِ وَكِتَابَتُهُ بِقَلَمٍ رَقِيقٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ بِأَحْسَنِ خَطٍّ وَأَبْيَنِهِ عَلَى أَحْسَنِ وَرَقٍ وَأَبْيَضِ قِرْطَاسٍ وَأَفْخَمِ قَلَمٍ وَأَبْرَقِ مِدَادٍ وَيُجَرَّدُ عَمَّا سِوَاهُ مِنْ نَحْوِ النُّقَطِ وَالتَّعْشِيرَاتِ وَوَضْعِ عَلَامَاتِ الْآيِ وَالْحَرَكَاتِ قَالُوا لَا بَأْسَ فِي زَمَانِنَا وَلَا بَأْسَ فِي كِتَابَتِهِ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَتَحْلِيَتِهِ بِهِمَا وَكُرِهَ بَعْضُ ذَلِكَ وَكُرِهَ كِتَابَتُهُ عَلَى الْحِيطَانِ وَالرُّخَامِ وَالْأَرْضِ مَكَانَ النُّقُوشِ لِمَظَانِّ السُّقُوطِ تَحْتَ الْأَقْدَامِ وَقِيلَ لَا بَأْسَ وَيَجُوزُ تَوَسُّدُ الْمُصْحَفِ لِلْحِفْظِ لَا غَيْرُ وَلَا بَأْسَ بِإِمْسَاكِ الْمُصْحَفِ فِي بَيْتِهِ لِلتَّبَرُّكِ بَلْ يُرْجَى الثَّوَابُ وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْهُ أَحَدٌ وَكَذَا إمْسَاكُ الْخَمْرِ لِلتَّخْلِيلِ وَأَمَّا إمْسَاكُ آلَةِ اللَّهْوِ فَإِثْمٌ وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهَا
وَكُرِهَ لَفُّ شَيْءٍ فِي وَرَقٍ كُتِبَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ وَاسْمُ النَّبِيِّ ﵊ أَوْ قُرْآنٌ أَوْ حَدِيثٌ أَوْ فِقْهٌ بِخِلَافِ الْكِيسِ لِأَنَّهُ يُعَظَّمُ وَالْقِرْطَاسُ يُسْتَهَانُ وَلَا يَجُوزُ مَحْوُ اسْمِ اللَّهِ بِالْبُزَاقِ
(وَأَخْذُ مَالٍ بِلَا إذْنِهِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ مُدَّةً ثُمَّ يَرُدُّهُ) إلَيْهِ (وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْهُ نَقْصٌ وَعَيْبٌ) فَإِنْ لَحِقَهُ نَقْصٌ أَوْ عَيْبٌ يَجِبُ ضَمَانُ النُّقْصَانِ وَإِلَّا فَيَجِبُ الِاسْتِحْلَالُ وَالنَّدَمُ (لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنِهِ فَهُوَ حَرَامٌ أَوْ لِيَحْبِسَهُ عَنْ صَاحِبِهِ جِدًّا) قَصْدًا (أَوْ هَزْلًا وَرَوْعُ الْمُسْلِمِ وَإِخَافَتُهُ بِسَلِّ السِّلَاحِ وَنَحْوِهِ وَلَوْ مِزَاحًا) كَرَفْعِ الْعَصَا وَإِيهَامِ الرَّمْيِ بِالْحَصْيِ وَإِشَارَتِهِ بِنَحْوِ السَّيْفِ وَالسِّكِّينِ وَفِي الْجَامِعِ مَنْ أَشَارَ إلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ كَسِكِّينٍ وَخِنْجَرٍ وَسَيْفٍ وَرُمْحٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ السِّلَاحِ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ تَدْعُو عَلَيْهِ بِالطَّرْدِ وَالْبُعْدِ عَنْ الْجَنَّةِ أَوَّلَ الْأَمْرِ أَوْ عَنْ الرَّحْمَةِ الْكَامِلَةِ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ أَيْ وَإِنْ هَازِلًا وَفِيهِ أَيْضًا مَنْ أَشَارَ بِحَدِيدَةٍ إلَى أَخِيهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُ قَتْلَهُ فَقَدْ وَجَبَ دَمُهُ صِيَانَةً لِنَفْسِهِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إذَا اسْتَحَقَّ الَّذِي يُشِيرُ بِالْحَدِيدَةِ اللَّعْنَ أَوْ الْقَتْلَ فَكَيْفَ بِاَلَّذِي يُصِيبُ بِهَا وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَ إذَا كَانَتْ إشَارَةَ تَهْدِيدٍ جَادًّا أَوْ لَاعِبًا لِإِيقَاعِ الرَّوْعِ، نَعَمْ الْهَازِلُ دُونَ الْجَادِّ (ز طب شَيْخٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ «رَجُلًا أَخَذَ نَعْلَ رَجُلٍ فَغَيَّبَهَا» عَنْ صَاحِبِهَا «وَهُوَ يَمْزَحُ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ﵊ لَا تُرَوِّعُوا» مِنْ الرَّوْعِ «الْمُسْلِمَ فَإِنَّ رَوْعَةَ الْمُسْلِمِ ظُلْمٌ عَظِيمٌ» قِيلَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ كَبِيرَةٌ لَعَلَّ ذَلِكَ مُفَادٌ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالظُّلْمِ وَتَوْصِيفِهِ بِالْعَظَمَةِ وَفِي الْفَيْضِ لَوْ كَانَ الْفَاعِلُ مَعْرُوفًا بِالْهَزْلِ وَالضَّحِكِ فَلَا بَأْسَ لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ مِنْهُ (خ م عَنْ أَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ» الْحَمْلُ كِنَايَةٌ عَنْ الْمُقَاتَلَةِ وَالْمُضَارَبَةِ «فَلَيْسَ مِنَّا» إنْ اسْتَحَلَّ وَإِلَّا فَالْمُرَادُ فَلَيْسَ الْمُتَخَلِّقُ بِأَخْلَاقِنَا أَوْ الْعَامِلُ بِسُنَّتِنَا وَالْمُسْتَحِقُّ لِشَفَاعَتِنَا أَوْ اللَّاحِقُ
стр. 998
بِزُمْرَتِنَا وَدَاعِي الْمَجَازِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَنْعِ بِإِيهَامٍ ظَاهِرٍ مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ تَأْوِيلُهُ وَجَمَعَ الضَّمِيرَ لِيَعُمَّ جَمِيعَ الْأُمَّةِ (د ت عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُتَعَاطَى السَّيْفُ مَسْلُولًا» فَاللَّائِقُ أَنْ يَكُونَ تَعَاطِيهِ بَيْنَ الْقَوْمِ إذَا أُرِيدَ النَّظَرُ إلَيْهِ حَالَ كَوْنِهِ فِي الْغِمْدِ لَا مَسْلُولًا قَالَ فِي الْفَيْضِ فَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا لِأَنَّهُ قَدْ يُخْطِئُ فِي تَنَاوُلِهِ فَيَنْجَرِحُ شَيْءٌ مِنْ بَدَنِهِ أَوْ يَسْقُطُ مِنْهُ عَلَى أَحَدٍ فَيُؤْذِيهِ وَفِي مَعْنَاهُ السِّكِّينُ وَنَحْوُهَا.
(وَ) مِنْهَا (الْقَزَعُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالزَّايِ فَمُهْمَلَةٌ وَهُوَ أَنْ يَحْلِقَ بَعْضَ رَأْسِ الصَّبِيِّ وَيَتْرُكَ مِنْهُ مَوَاضِعَ النَّهْيِ وَلِتَقْبِيحِ الصُّورَةِ وَلِتَشِبِّيهِ الْكَفَرَةِ فَإِذَا مُنِعَ مِنْ الصَّبِيِّ فَبِالْأَوْلَى مِنْ الْبَالِغِ ثُمَّ نُقِلَ إلَى الْأَعَمِّ مِنْ الصَّبِيِّ أَوْ تُجُوِّزَ لَهُ وَفِي الْجَامِعِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «احْلِقُوهُ أَيْ أَزِيلُوا شَعْرَ الرَّأْسِ كُلَّهُ أَوْ اُتْرُكُوهُ كُلَّهُ» فَحَلْقُ الْبَعْضِ مَعَ تَرْكِ الْبَعْضِ مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا تَنْزِيهًا بِلَا عُذْرٍ لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْقَفَا أَوْ النَّاصِيَةِ أَوْ الْوَسَطِ خِلَافًا لِبَعْضِ مَا فِيهِ مِنْ التَّشْوِيهِ وَتَقْبِيحِ الصُّورَةِ وَزِيِّ أَهْلِ الْفَسَادِ بَلْ زِيِّ الْيَهُودِ وَيَشْمَلُ مَا إذَا تَرَكَ مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةً أَوْ حَلَقَ الْأَكْثَرَ وَتَرَكَ مَحَلًّا وَاحِدًا وَهُوَ مِنْ كَمَالِ الْمَحَبَّةِ الْمُصْطَفَى لِلْعَدْلِ فَإِنَّهُ أَمَرَ بِهِ حَتَّى فِي شَأْنِ الْإِنْسَانِ مَعَ نَفْسِهِ فَنَهَاهُ عَنْ حَلْقِ بَعْضٍ وَتَرْكِ بَعْضٍ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ لِلرَّأْسِ حَيْثُ جَعَلَ بَعْضَهُ كَاسِيًا وَبَعْضَهُ عَارِيًّا وَنَظِيرُهُ الْمَشْيُ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ.
وَقَوْلُهُ احْلِقُوهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْحَلْقِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَخَصَّ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِالضَّرُورَةِ لِوُرُودِ النَّهْيِ فِي غَيْرِ الْحَجِّ لِكَوْنِهِ فِعْلَ الْمَجُوسِ وَالصَّوَابُ الْجَوَازُ بِلَا كَرَاهَةٍ وَلَا خِلَافَ الْأَوْلَى وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي شَامَةَ الْأَوْلَى تَرْكُهُ لِلتَّشْوِيهِ وَمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ إذْ لَمْ يُنْقَلْ حَلْقُهُ ﵊ بَلْ إثْمٌ فِي غَيْرِ نُسُكٍ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى فَفِي حَيِّزِ الْمَنْعِ بِلَا رَيْبٍ كَيْفَ وَقَدْ «حَلَقَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأْسَ ابْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -» وَأَعْدَلُ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ قَوْلُ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ لَا بَأْسَ بِحَلْقِهِ لِمَزِيدِ التَّنْظِيفِ وَلَا بِتَرْكِهِ لِمَنْ يَدَّهِنُ وَيَتَرَجَّلُ يَعْنِي مَنْ قَدَرَ عَلَى دَهْنِهِ وَتَرْجِيلِهِ فَبَقَاؤُهُ لَهُ أَوْلَى وَمَنْ عَسُرَ عَلَيْهِ لِضَعْفٍ وَفَقْرٍ فَيُلَبَّدُ وَيَتَوَسَّخُ وَيَجْمَعُ الْقَمْلَ فَحَلْقُهُ أَوْلَى.
وَأَمَّا فِي الْأُنْثَى فَحَلْقُهَا لَهُ مَكْرُوهٌ حَيْثُ لَا ضَرَرَ بَلْ إنْ مُفْتَرِشَةً وَلَمْ يَأْذَنْ الْحَلِيلُ حَرُمَ بَلْ عَدَّهُ فِي الْمَطَامِحِ مِنْ الْكَبَائِرِ وَشَاعَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا حَلَقَتْ رَأْسَهَا بِلَا إذْنِ زَوْجِهَا سَقَطَ صَدَاقُهَا وَذَلِكَ صَرْخَةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ ثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ كَذَا فِي الْفَيْضِ وَأَيْضًا عَنْ الدَّيْلَمِيِّ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَقْعَدُ الشَّيْطَانِ الْقَزَعُ فِي رُءُوسِ الصِّبْيَانِ» .
(وَحَلْقُ رَأْسِ الْمَرْأَةِ) عَرَفْت تَفْصِيلَهُ آنِفًا (وَلِحْيَةِ الرَّجُلِ) أَيْ وَحَلْقُ لِحْيَةِ الرَّجُلِ وَفِي التَّقْيِيدِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ إزَالَتَهُ لِلْمَرْأَةِ لَيْسَ بِآفَةٍ وَفِي الْجَامِعِ «قُصُّوا الشَّوَارِبِ وَاعْفُوا اللِّحَى» أَيْ وَفِّرُوهَا وَكَثِّرُوهَا مِنْ عَفْوِ الشَّيْءِ وَهُوَ كَثْرَتُهُ وَنَمَاؤُهُ فَحَلْقُهَا خِلَافُ السُّنَّةِ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقُ فَالْحَلْقُ مُحَرَّمٌ فِي التتارخانية عَنْ التَّجْنِيسِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اُحْفُوا الشَّوَارِبَ وَاعْفُوا اللِّحَى» أَيْ قُصُّوا الشَّوَارِبَ وَاتْرُكُوا اللِّحَى كَمَا هِيَ وَلَا تَحْلِقُوهَا وَلَا تَقْطَعُوهَا وَلَا تُنْقِصُوهَا مِنْ قَدْرِ الْمَسْنُونِ وَهُوَ الْقَبْضَةُ انْتَهَى وَأَمَّا مَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ عَنْ الطَّحَاوِيِّ مَنْ حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ لِحْيَتَهُ لَا تَجُوزُ إمَامَتُهُ وَفِي صَلَاةِ نَفْسِهِ كَرَاهَةٌ وَهُوَ مَلْعُونٌ وَمَرْدُودٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلَمْ يُعْلَمُ لَهُ ثَبْتٌ وَمِثْلُهُ مَا نُقِلَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ عَنْ تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ (وَقَصُّ أَقَلَّ مِنْ قَبْضَةٍ مِنْهَا) مِنْ اللِّحْيَةِ (وَلَوْ بِالْإِذْنِ) بَلْ بِالْأَمْرِ مِنْ صَاحِبِهَا وَعَنْ
стр. 999
أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ حَلْقُ مَا تَحْتَ الذَّقَنِ وَأَمَّا إذَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ الْقَبْضَةِ فَيَجُوزُ قَصُّ الزَّائِدِ بَلْ مُسْتَحَبٌّ وَفِي الِاخْتِيَارِ سُنَّةٌ لِأَنَّهُ طُولٌ فَاحِشٌ وَخِلَافُ زِينَةٍ وَفِي الصُّرَّةِ عَنْ النِّهَايَةِ وَاجِبٌ وَرُوِيَ أَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْخُذُ مِنْ طُولِ لِحْيَتِهِ وَعَرْضِهَا» وَعَنْ الْفَتَاوَى مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ خِفَّةُ لِحْيَتِهِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقْطَعُ الزِّيَادَةَ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَعَنْ الْعَتَّابِيِّ لَا يَحْلِقُ شَعْرَ حَلْقِهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا بَأْسَ بِهِ كَمَا فِي مُشْكِلَاتِ الْقُدُورِيِّ وَفِي التتارخانية عَنْ الْمُلْتَقَطِ لَا بَأْسَ بِجَزِّ الزَّائِدِ عَلَى الْقَبْضَةِ وَلَا بَأْسَ إذَا طَالَتْ لِحْيَتُهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَطْرَافِهَا وَعَنْ الْمُضْمَرَاتِ لَا بَأْسَ بِأَخْذِ الْجَانِبَيْنِ وَشَعْرِ وَجْهِهِ مَا لَمْ يُشْبِهْ الْمُخَنَّثَ
وَعَنْ جَامِعِ الْجَوَامِعِ حَلْقُ عَانَتِهِ بِيَدِهِ وَحَلْقُ الْحَجَّامِ جَائِزٌ إذَا غَضَّ بَصَرَهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ جَازَ لِلرَّجُلِ الْأَخْذُ مِنْ شَعْرِ الْحَاجِبِ وَالْوَجْهِ
وَأَمَّا خِضَابُ اللِّحْيَةِ فَإِنْ بِالسَّوَادِ لَيْسَ بِجَائِزٍ لِوَعِيدٍ عَظِيمٍ كَمَا فِي الْإِحْيَاءِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يَخْتَضِبُونَ بِهَذَا السَّوَادِ لَا يَجِدُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَعَنْهُ ﵊ هُوَ خِضَابُ أَهْلِ النَّارِ وَأَوَّلُ مَنْ اخْتَضَبَ بِهِ فِرْعَوْنُ وَفِي شَرْحِ الشِّرْعَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ فَإِنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ» وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْعَاقِلَ عَنْ الْغُرُورِ وَيَدْعُو إلَى دَارِ السُّرُورِ وَيَكْسِرُ الشَّهَوَاتِ وَيَمِيلُ إلَى الطَّاعَاتِ وَكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ الثَّوَابَ الْمُفْضِيَ إلَى النُّورِ فِي التتارخانية إنَّ لِلْغُزَاةِ لِهَيْبَةِ الْعَدُوِّ فَمَحْمُودٌ وَإِنْ لِتَزْيِينِ نَفْسِهِ لِلنِّسَاءِ فَمَكْرُوهٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ وَبَعْضُهُمْ جَوَّزَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ كَمَا يُعْجِبُنِي أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي يُعْجِبُهَا أَنْ أَتَزَيَّنَ لَهَا وَإِنْ كَانَ الْخِضَابُ بِالْحُمْرَةِ فَفِي التتارخانية سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ وَأَنَّهُ مِنْ سِيمَا الْمُسْلِمِينَ وَعَلَامَاتِهِمْ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَحَادِيثُ نَحْوُ أَنَّ «الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ» وَنَحْوُ «اخْتَضِبُوا بِالْحِنَّاءِ فَإِنَّهُ طَيِّبُ الرِّيحِ» بِالنِّسْبَةِ إلَى الطَّبْعِ السَّلِيمِ أَوْ بِمَعْنَى الْفَاضِلِ «يُسَكِّنُ الرَّوْعَ» أَيْ الْفَزَعَ لِخَاصَّةٍ فِيهِ عَلِمَهَا الشَّارِعُ وَنَحْوُ اخْتَضَبُوا نَدْبًا بِالْحِنَّا فَإِنَّهُ يَزِيدُ فِي شَبَابِكُمْ وَجَمَالِكُمْ وَنِكَاحِكُمْ لِأَنَّهُ يَشُدُّ الْأَعْضَاءَ وَالْأَعْصَابَ وَفِيهِ قَبْضٌ وَتَرْطِيبٌ وَلَوْنُهُ نَارِيٌّ مَحْبُوبٌ مُهَيِّجٌ لِلْمَحَبَّةِ وَفِي رِيحِهِ عِطْرِيَّةٌ مَعَ قَبْضٍ وَخَضْبُ الْمَرْأَةِ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا مَنْدُوبٌ وَمِنْ التَّرْغِيبِ مَا رَوَاهُ الْخَطِيبُ مَرْفُوعًا «اخْتَضِبُوا فَإِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ وَكُلَّ مَا ذَرَأَ وَبَرَأَ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي بِحَارِهَا وَالطَّيْرُ فِي أَوْكَارِهَا يُصَلُّونَ عَلَى صَاحِبِ الْخِضَابِ حَتَّى يَنْصُلَ خِضَابُهُ» وَنَحْوُ «اخْتَضِبُوا وَافْرُقُوا» أَيْ اجْعَلُوا شَعْرَ رُءُوسِكُمْ فِرْقَتَيْنِ عَنْ يَمِينٍ وَيَسَارٍ وَخَالَفُوا الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لَا يَخْتَضِبُونَ وَلَا يَفْرُقُونَ وَالْخِضَابُ مُخَالَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَتَنْظِيفُ الشَّعْرِ وَتَقْوِيَتُهُ وَتَحْسِينُهُ وَتَلْيِينُهُ وَشَدُّ الْأَعْضَاءِ وَجَلَاءُ الْبَصَرِ وَتَطْيِيبُ الرِّيحِ وَزِيَادَةُ الْجَمَالِ وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ الْكُلُّ مِنْ الْفَيْضِ وَأَمَّا السُّنَّةُ الْفِعْلِيَّةُ فَقِيلَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -
стр. 1000
كَانَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْأَصَحُّ عَدَمُهُ فِي عُمُرِهِ وَأَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَخْتَضِبُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتْمِ كَمَا فِي الشِّرْعَةِ مَعَ شَرْحِهِ (إلَّا لِلتَّدَاوِي) لِلضَّرُورَةِ فَإِنَّهَا تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ وَتَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا
(وَإِلْقَاءُ قُلَامَةِ الظُّفْرِ) مَا سَقَطَ مِنْهُ (أَوْ الشَّعْرِ إلَى الْكَنِيفِ) مَحَلُّ قَضَاءِ الْحَاجَةِ (أَوْ الْمُغْتَسَلِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ يُورِثُ دَاءً) فِي التتارخانية يَجِبُ أَنْ يُدْفَنَ وَإِنْ رُمِيَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَفِيهِ عَنْ الْغِيَاثِيَّةِ تُدْفَنُ أَرْبَعَةٌ الظُّفْرُ وَالشَّعْرُ وَخِرْقَةُ الْحَيْضِ وَالدَّمُ وَقِيلَ كُلُّ مَا انْفَصَلَ عَنْ الْإِنْسَانِ فَفِيهِ حُرْمَةُ الْإِنْسَانِ فَيُدْفَنُ كَالْإِنْسَانِ (كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ) وَغَيْرِهِ
(وَ) مِنْهَا (قَلْعُ الشَّوْكِ وَالْحَشِيشِ الرَّطْبَيْنِ عَلَى الْقَبْرِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ) فَإِنَّ النَّبَاتَاتِ مَا دَامَتْ رَطْبَةً تُسَبِّحُ اللَّهَ فَحِينَئِذٍ يَنْتَفِعُ الْمَيِّتُ وَيَسْتَأْنِسُ بِتَسْبِيحِهَا عَنْ الْخَانِيَّةِ وَيُكْرَهُ قَطْعُ الْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ مِنْ الْمَقْبَرَةِ فَإِنْ كَانَ يَابِسًا فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ مَا دَامَ رَطْبًا يُسَبِّحُ فَيُؤْنِسُ الْمَيِّتَ (بِخِلَافِ الْيَابِسِ) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِقَبْرَيْنِ جَدِيدَيْنِ فَقَالَ إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَتَنَزَّهُ عَنْ الْبَوْلِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ ثُمَّ غَرَسَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ صَنَعْت هَذَا؟ قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» عَلَى اتِّفَاقِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ اسْتَدَلَّ بَعْضُ عُلَمَائِنَا عَلَى نَفْعِ الْمَيِّتِ بِالْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فَإِذَا خُفِّفَ عَنْهُمَا بِتَسْبِيحِ الْجَرِيدَةِ فَكَيْفَ بِقِرَاءَةِ الْمُؤْمِنِ الْقُرْآنَ قَالَ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فَلَيْسَ غَرْسُ الْأَشْجَارِ عِنْدَ الْقُبُورِ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فِي شَرْحِ الصُّدُورِ كَمَا فِي الْوَسِيلَةِ وَفِي رِسَالَةِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَوْصَى أَبُو ذَرٍّ الصَّحَابِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِوَضْعِ شَجَرَتَيْنِ رَطْبَتَيْنِ فِي الْقَبْرِ مَعَهُ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ بِكَرَاهَةِ قَطْعِ الشَّجَرِ وَالْحَشِيشِ الرَّطْبَيْنِ لِأَنَّ بِتَسْبِيحِهِمَا يَسْتَأْنِسُ الْمَيِّتُ وَيُرْفَعُ عَذَابُهُ
(وَ) مِنْهَا (نَبْشُ الْقَبْرِ) فَيَحْرُمُ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الْمَيِّتِ (وَإِنْ دُفِنَتْ) الْمَرْأَةُ (مَعَ أَنَّ الْوَلَدَ يَتَحَرَّكُ فِي بَطْنِهَا ثُمَّ رُئِيَتْ فِي الْمَنَامِ وَقَالَتْ وَلَدْت) فِي الْقَبْرِ لِأَنَّ الرُّؤْيَا لَيْسَتْ بِشَيْءٍ مِنْ أَسْبَابِ الْعِلْمِ مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ مَوْتُ الْوَلَدِ بِمَوْتِ الْأُمِّ وَالْحَيَاةُ نَادِرَةٌ وَلَا حُكْمَ فِي الشَّرْعِ لِلنَّادِرِ (إلَّا إذَا كَانَتْ دُفِنَتْ فِي مِلْكٍ لِغَيْرٍ) بِلَا إذْنِهِ (فَصَاحِبُهُ) حِينَئِذٍ (مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَخْرَجَ) بِالْمُبَاشَرَةِ أَوْ بِالْأَمْرِ (وَإِنْ شَاءَ سَوَّى) الْأَرْضَ (وَزَرَعَ فَوْقَهُ) أَوْ انْقَطَعَ بِغَيْرِهِ لَوْ وُضِعَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ أَوْ جَعَلَ رَأْسَهُ فِي مَوْضِعِ رِجْلَيْهِ وَأُهِيلَ عَلَيْهِ التُّرَابُ لَمْ يُنْبَشْ وَلَوْ سَوَّى عَلَيْهِ اللَّبِنَ وَلَمْ يُهِلْ عَلَيْهِ التُّرَابَ نُزِعَ اللَّبِنُ وَرُوعِيَ السُّنَّةُ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمِنَحِ لَكِنْ يَجُوزُ لِحَقِّ الْآدَمِيّ كَمَا إذَا وَقَعَ مَتَاعُ شَخْصٍ فِي الْقَبْرِ أَوْ كُفِّنَ فِي ثَوْبِ الْغَيْرِ كَدَفْنِهِ فِي مِلْكِهِ وَفِي الْخُلَاصَةِ امْرَأَةٌ مَاتَ وَلَدُهَا فَدُفِنَ وَهِيَ لَا تَصْبِرُ لَيْسَ لَهَا نَبْشُ قَبْرِهِ
(وَ) مِنْهَا (إدْخَالُ الْأُصْبُعُ فِي الدُّبُرِ وَالْفَرْجِ وَلَوْ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ إلَّا لِلتَّدَاوِي) وَلِذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ
стр. 1001
لَا يَجُوزُ لِلْقَابِلَةِ إزَالَةُ بَكَارَةِ زَوْجَةِ الْعِنِّينِ عِنْدَ الْوِلَادَةِ بِيَدِهَا بَلْ بِمِثْلِ الْبَيْضَةِ وَكَذَا لَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ لَيْلَةَ الْعُرْسِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إزَالَتِهَا بِالذَّكَرِ لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ أَنْ يَكُونَ زَوْجَةُ الْعِنِّينِ حُبْلَى مَعَ بَكَارَتِهَا بِنَاءً عَلَى تَشَرُّبِ الرَّحِمِ مِنْ الْمَنِيِّ الَّذِي فِي فَمِ الْفَرْجِ كَذَا ذَكَرَهُ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي
(وَ) مِنْهَا (الِاسْتِنْجَاءُ وَالِامْتِخَاطُ بِالْيَمِينِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ) كُلٌّ مِنْهُمَا (بِالشِّمَالِ وَكَذَا كُلُّ مَا فِيهِ رَفْعُ أَذًى وَخَسَّةٍ) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِالشِّمَالِ كَإِلْقَاءِ نَجَاسَةٍ (فَإِنَّ الْيَمِينَ) لِشَرَفِهَا مُعَدَّةٌ (لِلْأُمُورِ الشَّرِيفَةِ كَأَخْذِ الْمُصْحَفِ وَالْكُتُبِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْيُمْنَى لِطَهُورِهِ وَطَعَامِهِ وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى» وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَعِينَ بِيَسَارِهِ فِي الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ «وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْخُذُ الْخُبْزَ بِيَمِينِهِ وَالْبِطِّيخَ بِيَسَارِهِ فَيَأْكُلُ مِنْ هَذَا مَرَّةً وَمِنْ هَذَا أُخْرَى» وَفِي الْجَامِعِ «كَانَ يَأْخُذُ الرُّطَبَ بِيَمِينِهِ وَالْبِطِّيخَ بِيَسَارِهِ فَيَأْكُلُ الرُّطَبَ قَبْلَ بِالْبِطِّيخِ» وَعَنْ الشِّرْعَةِ وَكَانَ «- صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْخُذُ الْخُبْزَ بِيَمِينِهِ وَالْبِطِّيخَ بِيَسَارِهِ فِي الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ» وَفِي الْجَامِعِ «لِيَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ وَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ وَلْيَأْخُذْ بِيَمِينِهِ» نَدْبًا مُؤَكَّدًا «وَلْيُعْطِ بِيَمِينِهِ» لِأَنَّ الْيَمِينَ مُنَاسِبٌ لِلْأَعْمَالِ الشَّرِيفَةِ مِنْ الْيُمْنِ بِمَعْنَى الْبَرَكَةِ أَوْ مِنْ الْيَمِينِ بِمَعْنَى الْقُوَّةِ وَلِذَا نَسَبَ اللَّهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ إلَى الْيَمِينِ وَعَكْسُهُ فِي أَصْحَابِ الشِّمَالِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ وَيُعْطِي بِشِمَالِهِ وَيَأْخُذُ بِشِمَالِهِ حَقِيقَةً فِي الْكُلِّ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُمْكِنٌ قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ نَدْبُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ بِالْيَمِينِ وَكَرَاهَةُ ذَلِكَ بِالشِّمَالِ وَأَفَادَ نَدْبُ تَجَنُّبِ مَا يُشْبِهُ فِعْلَ الشَّيْطَانِ وَأَنَّ لِلشَّيْطَانِ يَدَيْنِ ظَاهِرُهُ الشُّمُولُ لِلْأَشْيَاءِ الشَّرِيفَةِ وَالْخَسِيسَةِ لَكِنَّ الْقِيَاسَ اخْتِصَاصُهُ بِالشَّرِيفَةِ وَأَمَّا الْخَسِيسَةُ فَبِالْيَسَارِ كَمَا فِي دُخُولِ الْخَلَاءِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ
(وَكَذَا يُقَدِّمُ الْيُمْنَى فِي لُبْسِ الْقَمِيصِ وَالْقَبَاءِ) وَغَيْرِهِمَا فِي الْجَامِعِ عَلَى تَخْرِيجِ الشَّيْخَيْنِ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ مَا اسْتَطَاعَ فَيُحَافَظُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا لِمَانِعٍ لَيْسَ مِنْهُ بُدٌّ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ اُحْتُرِزَ بِهِ عَمَّا لَا يُسْتَطَاعُ فِيهِ التَّيَامُنُ كَفِعْلِ الْمُسْتَقْذَرَةِ بِالْيَمِينِ كَاسْتِنْجَاءٍ وَتَمَخُّطٍ فِي طَهُورِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ مِمَّا هُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّكْرِيمِ وَالتَّزْيِينِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ هَذَا مِنْ قَبِيلِ عَامٍّ خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ لِأَنَّ الْخَلَاءَ وَالْخُرُوجَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَنَحْوَهُمَا يُبْدَأُ بِالْيَسَارِ وَفِي التَّأْكِيدِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ سَفَرًا وَحَضَرًا وَفَرَاغَةً وَشُغْلًا وَفِيهِ نَدْبُ الْبُدَاءَةِ بِشِقِّ الرَّأْسِ الْأَيْمَنِ فِي التَّرَجُّلِ وَالْغُسْلِ وَالْحَلْقِ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِزَالَةِ فَيُبْدَأُ بِالْيُسْرَى بَلْ مِنْ بَابِ الْعِبَادَةِ وَالتَّزْيِينِ وَالْبُدَاءَةِ بِالرِّجْلِ الْيُمْنَى فِي التَّنَعُّلِ وَفِي إزَالَتِهَا بِالْيُسْرَى وَالْبُدَاءَةِ بِالْيَدِ وَالرِّجْلِ الْيُمْنَى فِي الْوُضُوءِ وَبِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ فِي الْغُسْلِ وَنُدِبَ الصَّلَاةُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَفِي مَيْمَنَةِ الْمَسْجِدِ وَفِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَمَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ وَالتَّزْيِينِ يُبْدَأُ بِالْيُمْنَى وَعَكْسُهُ عَكْسُهُ كَذَا فِي الْفَيْضِ وَفِي مَحَلٍّ آخَرَ مِنْهُ عَنْ النَّوَوِيِّ يُنْدَبُ بِالْبُدَاءَةِ بِالْيُمْنَى فِي كُلِّ مَا فِيهِ تَكْرِيمٌ أَوْ زِينَةٌ كَوُضُوءٍ وَغُسْلٍ وَتَيَمُّمٍ وَلُبْسِ نَعْلٍ وَثَوْبٍ وَخُفٍّ وَسَرَاوِيلَ وَدُخُولِ مَسْجِدٍ وَسِوَاكٍ وَاكْتِحَالٍ وَقَلْمِ ظُفْرٍ وَقَصِّ شَارِبٍ وَنَتْفِ إبْطٍ وَحَلْقِ رَأْسٍ وَسَلَامٍ مِنْ صَلَاةٍ وَأَكْلٍ وَشُرْبٍ وَمُصَافَحَةٍ وَاسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَخُرُوجٍ مِنْ خَلَاءٍ وَأَخْذٍ وَإِعْطَاءٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ وَفِي الْيَسَارِ فِي ضِدِّهِ كَخَلْعِ نَعْلٍ وَخُفٍّ وَسَرَاوِيلَ وَثَوْبٍ وَدُخُولِ خَلَاءٍ وَخُرُوجٍ مِنْ مَسْجِدٍ وَاسْتِنْجَاءٍ وَفِعْلِ مُسْتَقْذَرٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ الْيَمِينُ مَحْبُوبُ اللَّهِ وَمُخْتَارُهُ مِنْ الْأَشْيَاءِ فَأَهْلُ الْجَنَّةِ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلُ السَّعَادَةِ يُعْطَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ وَكَاتِبُ الْحَسَنَاتِ وَكِفَّةُ الْحَسَنَاتِ الْيَمِينُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. اهـ. (وَيُؤَخَّرُ) الْيَمِينُ (فِي النَّزْعِ) وَعَنْ الْأَزْهَارِ يُسْتَحَبُّ فِي اللُّبْسِ الِابْتِدَاءُ بِالْكُمِّ الْأَيْمَنِ وَالنَّزْعُ بِالْأَيْسَرِ حَكَى بَعْضٌ عَنْ بَعْضِ الثِّقَاتِ أَنَّ تَقْدِيمَ الْيَمِينِ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَفْعَالِ الَّتِي تُفْعَلُ مُرَتَّبًا لَا فِيمَا يُفْعَلُ مَعًا كَغَسْلِ الْوَجْهِ بِالْيَدَيْنِ بِلَا تَرَتُّبٍ وَكَوَضَعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ فِي السَّجْدَةِ وَرَفْعِهِمَا مِنْهَا وَكَمَسْحِ الْوَجْهِ بِالْيَدَيْنِ عَقِيبَ الدَّعَوَاتِ
стр. 1002
وَلَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ الثِّقَاتِ يَفْعَلُ تَقْدِيمَ الْيَمِينِ عِنْدَ السَّجْدَةِ وَسَأَلْته فَعَزَا إلَى بَعْضِ الْمُعْتَبَرِينَ لَكِنِّي لَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ (وَهَذَا عِنْدَ عَدَمِ الْعُذْرِ)
(وَمِنْهَا التَّخَتُّمُ بِغَيْرِ الْفِضَّةِ) ذَهَبًا أَوْ حَدِيدًا أَوْ غَيْرَهُ (لِلرِّجَالِ) قَالَ فِي التتارخانية فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَا يُتَخَتَّمُ إلَّا بِالْفِضَّةِ هَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي حُرْمَةَ الذَّهَبِ وَالْحَدِيدِ وَالصُّفْرِ وَالْحَجَرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ عَلَى الرِّجَالِ أَمَّا حُرْمَةُ الذَّهَبِ فَمَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَعِنْدَ بَعْضٍ لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّ «الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ لَبِسَ خَاتَمَ ذَهَبٍ وَقَالَ كَسَانِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَكَذَا وُجِدَ عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ خَاتَمُ ذَهَبٍ عِنْدَ قَتْلِهِ.
وَأَمَّا التَّخَتُّمُ بِالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالصُّفْرِ فَحَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْخَانِيَّةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِحَجَرِ الْيَشْمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِذَهَبٍ وَحَدِيدٍ وَصُفْرٍ بَلْ حَجَرٌ انْتَهَى مُلَخَّصًا وَأَمَّا التَّخَتُّمُ بِالْعَظْمِ لِأَجْلِ الرَّمْيِ فَقِيلَ عَنْ أُسْتَاذِي إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الرَّمْيِ فَقَطْ وَتَصْحِيحُ الذَّخِيرَةِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْعَقِيقِ وَتَصْحِيحُ قَاضِي خَانْ عَلَى جَوَازِهِ وَبِالْحَجَرِ حَلَالٌ عَلَى اخْتِيَارِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَقَاضِي خَانْ وَحَرَامٌ عَلَى اخْتِيَارِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي
(وَالْعِبْرَةُ لِلْحَلْقَةِ لَا لِلْفَصِّ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ) الْفَصُّ (مِنْ يَاقُوتٍ) عَنْ الطِّبِّ النَّبَوِيِّ التَّخَتُّمُ وَالتَّقَلُّدُ بِهِ أَمْنٌ مِنْ الطَّاعُونِ وَمُسَهِّلٌ لِلْحَوَائِجِ الصَّعْبَةِ وَنَافِعٌ لِلْخَفَقَانِ وَالْوَسْوَاسِ إذَا عُلِّقَ وَأَمْنٌ مِنْ الصَّاعِقَةِ (أَوْ عَقِيقٍ) لِحَدِيثِ الْجَامِعِ «تُخَتَّمُوا بِالْعَقِيقِ فَإِنَّهُ يَنْفِي الْفَقْرَ» وَفِي رِوَايَةٍ فِيهِ أَيْضًا فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ قَالَ الشَّارِحُ أَيْ كَثِيرُ الْخَيْرِ وَقَالَ فِي حَدِيثٍ لَهُ شَأْنٌ «مَنْ تَخَتَّمَ بِالْعَقِيقِ وُفِّقَ لِكُلِّ خَيْرٍ وَأَحَبَّهُ الْمَلَكَانِ» وَمِنْ خَوَاصِّهِ تَسْكِينُ الرَّوْعِ عِنْدَ الْخِصَامِ وَيَقْطَعُ نَزْفَ الدَّمِ قِيلَ أَرَادَ بِهِ اتِّخَاذَ خَاتَمٍ فَصُّهُ مِنْ عَقِيقٍ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «تَخَتَّمُوا بِالْخَوَاتِمِ الْعَقِيقِ فَإِنَّهُ لَا يُصِيبُ أَحَدَكُمْ غَمٌّ مَا دَامَ فِيهِ وَأَنَّ مَنْ تَخَتَّمَ بِهِ أَمِنَ مِنْ الطَّاعُونِ وَتَيَسَّرَتْ لَهُ أُمُورُ الْمَعَاشِ وَيُقَوِّي قَلْبَهُ وَيَهَابُهُ النَّاسُ وَيُسَهِّلُ عَلَيْهِ قَضَاءَ الْحَوَائِجِ» اهـ مُلَخَّصًا (أَوْ فَيْرُوزَجَ) حَجَرٌ أَخْضَرُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْأَحْجَارِ وَفِي التتارخانية وَظَاهِرُ عُمُومِ النَّهْيِ فِي الْكِتَابِ يَدُلُّ عَلَى الْحُرْمَةِ قَالَ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَكُونَ الْفَصُّ مِنْ الْحَجَرِ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ لِلْحَلْقَةِ لَا لِلْفَصِّ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَّخِذَ الرَّجُلُ خَاتَمَ فِضَّةٍ فَإِنْ جَعَلَ فَصَّهُ مِنْ جَزَعٍ أَوْ عَقِيقٍ أَوْ يَاقُوتٍ أَوْ زُمُرُّدٍ أَوْ فَيْرُوزَجَ فَلَا بَأْسَ
وَإِنْ نَقَشَ عَلَيْهِ اسْمَ أَبِيهِ أَوْ اسْمَهُ وَمَا بَدَا لَهُ مِنْ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِثْلَ قَوْلِهِ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَلَا بَأْسَ بِهِ حِينَئِذٍ (ت عَنْ «بُرَيْدَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ فَقَالَ مَا لِي أَرَى عَلَيْك» حِينَئِذٍ «حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ» قِيلَ إنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ كَرَاهَةِ رِيحِهِ وَقِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ أَنَّهُ زِيُّ بَعْضِ الْكُفَّارِ وَهُمْ أَهْلُ النَّارِ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊ عَلَى اتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ وَأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» فَفِي الْفَيْضِ عَنْ التوربشتي وَخَاتَمُ الْحَدِيدِ وَإِنْ نُهِيَ عَنْ التَّخَتُّمِ بِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِذَلِكَ فِي جُمْلَةِ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ لِطَالِبِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ لِقِلَّةِ مَا يَجْعَلُ مَهْرًا لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّهُ قَالَ فِي الْفَيْضِ بَعْدَ ذَلِكَ حَلَّ فِيهِ نِكَاحُ الْمُعْسِرِ وَاتِّخَاذُ خَاتَمِ حَدِيدٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ إذْ الْجَوَازُ قَدْ يَجْتَمِعُ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَقَدْ قَالُوا إنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهُ ﵊ الْمَكْرُوهَ لِبَيَانِ جَوَازِ أَصْلِهِ فَافْهَمْهُ وَبِالْجُمْلَةِ يَنْدَفِعُ بِمَا
стр. 1003
ذُكِرَ مَا قِيلَ إنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ كَرَاهَةِ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ مُحْتَجًّا بِهَذَا الْحَدِيثِ «ثُمَّ جَاءَهُ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ صُفْرٍ» نُحَاسٍ «فَقَالَ مَالِي أَجِدُ مِنْك رِيحَ الْأَصْنَامِ» لِأَنَّ صَنَمَهُمْ مِنْ الصُّفْرِ غَالِبًا «ثُمَّ أَتَاهُ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ مَالِي أَرَى عَلَيْك حِلْيَةَ» بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ «أَهْلِ الْجَنَّةِ» يَعْنِي أَنَّ الذَّهَبَ لَيْسَ مِنْ حِلْيَةِ الرِّجَالِ فِي الدُّنْيَا بَلْ فِي الْجَنَّةِ «قَالَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَتَّخِذُهُ؟ قَالَ: مِنْ وَرِقٍ» أَيْ اجْعَلْهُ نَاقِصًا عَنْ مِثْقَالٍ «وَلَا تُتِمَّهُ مِثْقَالًا» وَهُوَ دِرْهَمٌ وَنِصْفٌ نَهْيُ إرْشَادٍ إلَى الْوَرَعِ فَإِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْخَاتَمُ أَقَلَّ مِنْ مِثْقَالٍ فَإِنْ أَتَمَّهُ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ جَازَ وَعِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ التَّرْكُ أَوْلَى لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ بِخِلَافِ نَحْوِ السُّلْطَانِ وَالْقَاضِي كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَيَجْعَلُ الْفَصَّ إلَى بَاطِنِ الْكَفِّ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ لِأَنَّهُ لِلزِّينَةِ فِي حَقِّهَا وَيَجْعَلُهُ فِي خِنْصَرِ الْيُسْرَى لِأَنَّهُ فِي الْيُمْنَى تَشْبِيهٌ بِالرَّوَافِضِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمُنْيَةِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَيَجْعَلُهُ فِي الْيُسْرَى فِي الْخِنْصَرِ وَقَوْلُهُ ﵊ «اجْعَلْهُ فِي يَمِينِك» كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ صَارَ ذَلِكَ عَلَامَاتِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَعَنْ مُخْتَصَرِ مَجْمَعِ الْفَتَاوَى وَإِنَّمَا يَجُوزُ التَّخَتُّمُ بِالْفِضَّةِ إذَا كَانَ عَلَى هَيْئَةِ خَاتَمِ الرِّجَالِ وَأَمَّا عَلَى هَيْئَةِ خَاتَمِ النِّسَاءِ فَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ وَبَيَّنَ فِي الْخُلَاصَةِ هَيْئَةَ خَاتَمِ النِّسَاءِ كَوْنُهُ فَصُّهُ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٌ (د عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَسَارِهِ وَكَانَ فَصُّهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ» قَالَ فِي الْفَيْضِ يَعْنِي أَكْثَرَ حَالِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَخَتَّمُ فِي الْيَسَارِ أَيْضًا لَكِنْ الْيَمِينُ أَفْضَلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَعَكْسُهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَنَقَلَ الْعِرَاقِيُّ الْيَسَارَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ قَالَ الْبُخَارِيُّ الْيَمِينُ أَصَحُّ وَالْيَمِينُ أَحَقُّ بِالزِّينَةِ وَكَوْنُهُ مِنْ شِعَارِ الرَّوَافِضِ لَا أَثَرَ لَهُ انْتَهَى وَعَنْ أَنَسٍ «خَاتَمُ النَّبِيِّ ﵊ فِي خِنْصَرِهِ الْيُسْرَى» لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ الْكِبْرِ لِقِلَّةِ حَرَكَاتِهَا وَتَخْصِيصُ الْخِنْصَرِ لِضَعْفِهَا وَجَبْرِ نُقْصَانِهَا بِالزِّينَةِ أَيْضًا عَنْ الشِّرْعَةِ (ت س هُنَّ أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ يَنْزِعُ خَاتَمَهُ» لِمَا فِيهِ مِنْ اسْمِهِ تَعَالَى فَيَلْزَمُ النَّزْعُ عِنْدَ الْخَلَاءِ لِكُلِّ مَا فِيهِ اسْمُهُ تَعَالَى وَلَوْ نَحْوَ الدِّرْهَمِ الْمَكْتُوبِ وَإِنْ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لَا بَأْسَ بِهِ كَذَا قِيلَ لَكِنْ قَالُوا إنْ لَمْ يَثِقْ بِتَذَكُّرِهِ بَلْ غَالِبٌ عَلَى ظَنِّهِ النِّسْيَانُ فَلَا يَنْزِعُ (خ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ «كَانَ نَقْشُ الْخَاتَمِ» أَيْ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ مُحَمَّدٌ سَطْرٌ وَرَسُولٌ سَطْرٌ وَاَللَّهُ سَطْرٌ» وَنَقْشُ خَاتَمِ أَبِي بَكْرٍ نِعْمَ الْقَادِرُ اللَّهُ وَعُمَرَ
стр. 1004
كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا يَا عُمَرُ وَعُثْمَانُ لِتَصْبِرَنَّ أَوْ لَتَنْدَمَنَّ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ الْمُلْكُ لِلَّهِ وَأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قُلْ الْخَيْرَ وَإِلَّا فَاسْكُتْ وَأَبِي يُوسُفَ مَنْ عَمِلَ بِرَأْيِهِ قَدْ نَدِمَ وَمُحَمَّدٌ مَنْ صَبَرَ ظَفِرَ وَلَوْ كَانَ فِي الْفَصِّ اسْمُ اللَّهِ أَوْ الرَّسُولِ يُسْتَحَبُّ جَعْلُ فَصِّهِ فِي الْكَفِّ عِنْدَ الْخَلَاءِ وَيُجْعَلُ فِي يَمِينِهِ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ ثُمَّ الرَّجُلُ يَجْعَلُ الْفَصَّ فِي الْكَفِّ مُطْلَقًا خِلَافَ النِّسَاءِ لِأَنَّهُ زِينَةٌ فِيهِنَّ وَعَنْ الِاخْتِيَارِ تَرْكُ الْخَاتَمِ لِغَيْرِ أَهْلِهِ أَفْضَلُ وَنَهَى الْحَلْوَانِيُّ بَعْضَ تَلَامِذَتِهِ عَنْهُ كَمَا حَكَى الْكَرْمَانِيُّ وَعَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ لَا يَتَخَتَّمُ إلَّا ثَلَاثَةٌ أَمِيرٌ أَوْ كَاتِبٌ أَوْ أَحْمَقُ وَفِي التتارخانية جَائِزٌ مُطْلَقًا وَبِهِ نَأْخُذُ وَفِي التتارخانية عَنْ الْغَنَّامِيِّ «أَنَّ مُعَاذًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا نَقْشُ خَاتَمِك يَا مُعَاذُ فَقَالَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ ﵊ آمَنَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ مُعَاذٍ حَتَّى خَاتَمُهُ ثُمَّ اسْتَوْهَبَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مُعَاذٍ فَوَهَبَهُ لَهُ وَكَانَ فِي يَدِهِ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُمَرَ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ» ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - حَتَّى وَقَعَ مِنْ يَدِهِ فِي الْبِئْرِ فَأَنْفَقَ مَالًا فِي طَلَبِهِ فَلَمْ يَجِدْهُ وَوَقَعَ الْخِلَافُ وَالتَّشْوِيشُ بَيْنَهُمْ مِنْ حِينِ وَقَعَ الْخَاتَمُ فِي الْبِئْرِ
(وَ) مِنْهَا (أَخْذُ الرِّشْوَةِ وَإِعْطَاؤُهَا إلَّا لِدَفْعِ الظُّلْمِ) قَالَ فِي الْفَتَاوَى الزَّيْنِيَّةِ هِيَ لُغَةً الْجُعْلُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَالْمُغْرِبِ وَقَدْ رَشَاهُ إذَا أَعْطَاهُ الرِّشْوَةَ وَارْتَشَى مِنْهُ أَخَذَهَا وَاصْطِلَاحًا مَا يُعْطِيهِ الشَّخْصُ الْحَاكِمَ وَغَيْرَهُ لِيَحْكُمَ لَهُ أَوْ يَحْمِلَهُ عَلَى مَا يُرِيدُ ثُمَّ قَالَ عَنْ أَبِي نَصْرٍ الرِّشْوَةُ مَا يُعْطِيهِ لِأَجْلِ أَنْ يُعِينَهُ وَالْهَدِيَّةُ لَا شَرْطَ مَعَهَا قَالَ فِي لُبِّ الْإِحْيَاءِ وَجَامِعُهُمَا أَيْ الْهَدِيَّةِ وَالرِّشْوَةِ صُدُورُهُمَا عَنْ رِضًا لِغَرَضٍ هُوَ أَقْسَامٌ الْأَوَّلُ ثَوَابُ الْآخِرَةِ لِكَوْنِ الْمَصْرُوفِ إلَيْهِ مُحْتَاجًا أَوْ نَسِيبًا فَلَا تَحِلُّ إلَّا بِالْحَاجَةِ أَوْ النَّسَبِ أَوْ عَالِمًا أَوْ صَالِحًا فَلَا تَحِلُّ إلَّا بِمَا لَوْ اطَّلَعَ لَمْ يَمْتَنِعْ وَالثَّانِي مَقْصُودٌ فِي الْعَاجِلِ وَهُوَ إمَّا مَالٌ كَإِهْدَاءِ الْفَقِيرِ إلَى الْغَنِيِّ طَمَعًا فِي حَاجَتِهِ فَهُوَ هِبَةٌ بِشَرْطِ الْعِوَضِ وَلَا تَحِلُّ إلَّا عِنْدَ الْوَفَاءِ بِالْمَطْمُوعِ وَإِمَّا إعَانَةٌ عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ كَإِهْدَاءِ مُحْتَاجٍ لِلسُّلْطَانِ إلَى وَكِيلِهِ فَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ حَرَامًا أَوْ وَاجِبًا فَهُوَ رِشْوَةٌ حَرَامٌ أَوْ مُبَاحًا فِيهِ تَعَبٌ بِحَيْثُ يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ حَلَّ أَخْذُهُ وَهُوَ جُعْلٌ أَوْ لَا تَعَبَ فِيهِ كَكَلِمَةٍ أَوْ فِعْلَةٍ مِنْ ذِي الْجَاهِ حَرُمَ أَخْذُهُ إذْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الشَّرْعِ تَعْوِيضٌ عَنْ الْجَاهِ وَيَقْرُبُ مِنْهُ تَنْبِيهُ الطَّبِيبِ بِكَلِمَةٍ عَلَى
стр. 1005
دَوَاءٍ مُفْرَدٍ دُونَ إزَالَةِ اعْوِجَاجِ السَّيْفِ بِدِقَّةٍ تَزِيدُهُ مَالًا كَثِيرًا لِدِقَّةِ نَظَرِهِ وَحَذَاقَتِهِ.
وَالثَّالِثُ إيقَاعُ الْمَحَبَّةِ فَقَطْ لِتَأْكِيدِ الصُّحْبَةِ وَهُوَ هَدِيَّةٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» .
وَالرَّابِعُ: إيقَاعُهَا لِلتَّوَسُّلِ بِهَا إلَى أَغْرَاضٍ بِتَعْيِينِ جِنْسِهَا بِحَيْثُ لَوْ لِجَاهٍ كَعِلْمٍ أَوْ نَسَبٍ فَأَمْرُهُ أَخَفُّ لِأَنَّهُ هَدِيَّةٌ فِي الظَّاهِرِ وَأَخْذُهُ مَكْرُوهٌ أَوْ لِوِلَايَةٍ فَهُوَ رِشْوَةٌ فِي مَعْرِضِ الْهَدِيَّةِ اخْتَلَفُوا فِي حُرْمَتِهِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى شِدَّةِ كَرَاهَتِهِ انْتَهَى ثُمَّ قَالَ فِي الزَّيْنِيَّةِ مَا حَاصِلُهُ الرِّشْوَةُ حَرَامٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى - ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]- وَنَحْوُ قَوْلِهِ ﵊ «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي وَلَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ» .
وَأَمَّا أَقْسَامُهَا مِنْ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فَقَالَ قَاضِي خَانْ هِيَ أَرْبَعَةٌ لِتَقَلُّدِ الْقَضَاءِ فَحَرَامٌ عَلَى الْآخِذِ وَالْمُعْطِي وَلَا يَصِيرُ قَاضِيًا لِلْقَاضِي لِيَقْضِيَ لَهُ فَحَرَامٌ لَهُمَا أَيْضًا بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ وَإِنْ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ فَحَرَامٌ عَلَى الْآخِذِ فَقَطْ وَنَحْوُهُ إعْطَاؤُهَا لِمُرِيدِ مَالِهِ لِيُخَلِّصَ مَالَهُ وَإِنْ أَعْطَى لِيُسَوِّيَ أَمْرَهُ بِهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَلَا طَرِيقَ غَيْرُهُ حَلَّ لَهُ فَقَطْ دُونَ أَخْذِهَا وَحِيلَةُ حِلِّ الْأَخْذِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْآخِذُ يَوْمًا إلَى اللَّيْلِ بِمَا يُرِيدُ دَفْعَهُ إلَيْهِ فَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِي غَيْرِهِ وَإِنْ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُسَوِّيَ أَمْرَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ الرِّشْوَةَ وَأَعْطَاهُ بَعْدَ التَّسْوِيَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَحِلُّ أَخْذُهُ وَقَالَ بَعْضٌ يَحِلُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ بِرٌّ وَمُجَازَاةُ الْإِحْسَانِ وَبَذْلُ الْمَالِ لِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ لَا يَكُونُ رِشْوَةً فِي حَقِّهِ وَبَذْلُ الْمَالِ لِاسْتِخْرَاجِ حَقٍّ لَهُ عَلَى آخَرَ رِشْوَةٌ وَفِي الْخُلَاصَةِ أَخْذُ الْقَاضِي الرِّشْوَةَ ثُمَّ قَضَى، أَوْ قَضَى ثُمَّ ارْتَشَى، أَوْ أَخَذَ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِلْقَاضِي لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَفِي الْأَقْضِيَةِ الْهَدَايَا ثَلَاثٌ أَوَّلُهَا حَلَالٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ وَهُوَ مَعْهُودٌ ثَانِيهَا وَحَرَامٌ لَهُمَا وَهُوَ مَا يُهْدَى لِيُعِينَهُ عَلَى الظُّلْمِ ثَالِثُهَا وَحَلَالٌ لِلْمُهْدِي فَقَطْ لِيَكُفَّ الظُّلْمَ عَنْهُ وَالْحِيلَةُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَثَلًا لِيَعْمَلَ لَهُ إنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ كَتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُدَّةَ فَلَا يَجُوزُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرْطٌ وَلَكِنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ إنَّمَا يُهْدِي لِيُعِينَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَلَوْ قَضَى حَاجَتَهُ بِلَا شَرْطٍ وَطَمِعَ ثُمَّ أَهْدَى فَلَا بَأْسَ فِي الْقَبُولِ وَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ الْكَرَاهَةِ تَوَرُّعٌ وَهَكَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ ثُمَّ قَالَ وَإِنْ كَتَبَ الْقَاضِي سِجِلًّا أَوْ تَوَلَّى قِسْمَةً وَأَخَذَ أَجْرَ الْمِثْلِ فَلَهُ ذَلِكَ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الرِّشْوَةُ أَرْبَعٌ عَلَى تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ فَحَرَامٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَلَا يَكُونُ قَاضِيًا وَارْتِشَاءُ الْقَاضِي لِيَحْكُمَ فَكَذَلِكَ وَلَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ بِحَقٍّ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَوْ بِبَاطِلٍ فَظَاهِرٌ وَأَخْذُ الْمَالِ لِيُسَوِّيَ أَمْرَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ أَوْ جَلْبًا لِلنَّفْعِ فَحَرَامٌ لِلْآخِذِ فَقَطْ وَمَا يُدْفَعُ لِدَفْعِ الْخَوْفِ مِنْ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ حَلَالٌ لِلدَّافِعِ فَقَطْ لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ وَاجِبٌ وَفِي الْقُنْيَةِ الظَّلَمَةُ تَمْنَعُ النَّاسَ عَنْ الِاحْتِطَابِ إلَّا بِدَفْعِ شَيْءٍ فَحَرَامٌ لَهُمَا وَمِثْلُهُ مَا يَدْفَعُهُ الْمُتَعَاشِقَانِ لِأَنَّهُ رِشْوَةٌ لَا تُمْلَكُ وَإِذَا أَعْطَى شَيْئًا لِلْقَاضِي قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ فَلِلْقَاضِي تَعْزِيرُهُ أَوْ تَشْهِيرٌ عِنْدَ الْإِمَامِ بَلْ بِنَحْوِ تَسْوِيدٍ وَحَلْقِ جَانِبٍ مِنْ اللِّحْيَةِ لِمَا رَوَى مِنْ أَمْرِ عُمَرَ عُمَّالَهُ بِضَرْبِ شَاهِدِ الزُّورِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا وَيُسَخَّمُ وَجْهُهُ وَتُلْقَى عِمَامَتُهُ فِي عُنُقِهِ وَيُطَافُ بِهِ فِي الْقَبَائِلِ وَالسِّيَاسَةُ مَا يَفْعَلُهُ الْحَاكِمُ لِمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ مِنْ غَيْرِ وُرُودٍ فِي الشَّرْعِ فَإِذَا رَأَى الْقَاضِي تَشْهِيرَ الرَّاشِي مَصْلَحَةً لِلْعَامَّةِ تَقْلِيلًا لِلرِّشْوَةِ مَعَ كَثْرَتِهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَرِدْ كَيْفٌ وَلَهُ أَصْلٌ وَهُوَ شَاهِدُ الزُّورِ انْتَهَى وَفِي الْفَيْضِ الرِّشْوَةُ الْمُحَرَّمَةُ مَا تُوُصِّلَ بِهِ إلَى إبْطَالِ حَقٍّ أَوْ تَمْشِيَةِ بَاطِلٍ أَمَّا مَا وَقَعَ لِلتَّوَصُّلِ إلَى حَقٍّ أَوْ دَفْعِ ظُلْمٍ فَلَيْسَ رِشْوَةً مَنْهِيَّةً وَهِيَ كَبِيرَةٌ وَفِي السِّفْرِ الثَّانِي مِنْ التَّوْرَاةِ أَيْضًا لَا تَقْبَلَنَّ الرِّشْوَةَ فَإِنَّ الرِّشْوَةَ تُعْمِي أَبْصَارَ الْحُكَّامِ فِي الْقَضَاءِ وَفِي الْأَشْبَاهِ مَا حَرُمَ أَخْذُهُ حَرُمَ إعْطَاؤُهُ كَالرِّبَا وَمَهْرِ الْبَغْيِ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَالرِّشْوَةِ وَأُجْرَةِ النَّائِحَةِ وَالزَّامِرِ إلَّا فِي مَسَائِلِ الرِّشْوَةِ لِخَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ لِيُسَوِّيَ أَمْرَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ أَوْ الْأَمِيرِ إلَّا لِلْقَاضِي فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأَخْذُ وَالْإِعْطَاءُ انْتَهَى فَلْيُتَأَمَّلْ
(وَ) مِنْهَا (أَخْذُ الْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْمَبِيعِ وَنَحْوِهِ) كَالِاسْتِئْجَارِ
стр. 1006
وَالْمَوْهُوبِ (إذَا عَلِمَ) بِمَعْنَى مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ (أَنَّهَا بِعَيْنِهَا مَغْصُوبَةٌ أَوْ حَرَامٌ) بِغَيْرِ طَرِيقِ الْغَصْبِ كَالْأَخْذِ بِالرِّبَا وَالْعُقُودِ الْبَاطِلَةِ كَمَا سَبَقَ آنِفًا كَمَهْرِ الْبَغْيِ وَالْحُلْوَانِ وَالرِّشْوَةِ لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ الْإِطْلَاقُ وَقَدْ قَالُوا الْمُحَرَّمُ الَّذِي قَدْ نَسَبَهُ صَاحِبُهُ وَكَانَ فِي مَحَلٍّ بَعِيدٍ لَا يُمْكِنُ إيصَالُهُ إلَيْهِ فَوَاجِبُ التَّصَدُّقِ (وَأَمَّا الْمَعَاصِي الْعَدَمِيَّةُ) مِنْ الْيَدِ (فَكَقَبْضِ الْيَدِ وَإِمْسَاكِهَا عَنْ إنْقَاذِ الْمَظْلُومِ) تَخْلِيصِهِ مِنْ الظَّالِمِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْحَصْرِ فِيهِ وَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَى نُطْقِهِ بِاللِّسَانِ فَقَطْ بِلَا احْتِيَاجٍ إلَى الْيَدِ فَمِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ الْعَدَمِيَّةِ (عِنْدَ الْقُدْرَةِ) عَلَيْهِ
(وَ) الْإِمْسَاكِ (عَنْ الرَّمْيِ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ م عَنْ عُقْبَةَ) بْنِ عَامِرٍ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «مَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ» بِالسِّهَامِ «ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا» أَيْ لَيْسَ مِنْ الْعَامِلِ عَلَى سُنَّتِنَا قَالَ الْمُحَشِّي هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْلَالِ وَإِلَّا فَكُفْرٌ وَلَا يَخْفَى أَنَّ لُزُومَ الْكُفْرِ لَيْسَ بَيِّنًا وَلَا مُبَيَّنًا
(وَ) الْإِمْسَاكِ (عَنْ قَصِّ الْأَظْفَارِ حَتَّى تَطُولَ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَسَبَبٌ لِضِيقِ الرِّزْقِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِ) وَعَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْمُسْتَحَبُّ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَفِي خَمْسَةَ عَشَرَ وَالْأُسْبُوعُ الْحَدُّ الْفَاضِلُ وَالْخَمْسَةَ عَشَرَ الْحَدُّ الْأَوْسَطُ وَالْأَرْبَعُونَ حَدُّ الِامْتِدَادِ وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ الْأَرْبَعِينَ فَقَدْ تَرَكَ السُّنَّةَ وَقِيلَ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ يَسْتَحِقُّ الْوَعِيدَ وَقِيلَ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْقَصُّ فِي كُلِّ عَشَرَةٍ وَإِنْ جَازَ تَرْكُهُ إلَى أَرْبَعِينَ وَأَنْ يَكُونَ الْحَلْقُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ وَفِي الدُّرَرِ يُسْتَحَبُّ قَلْمُ أَظَافِرِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَعَنْ أَبَوَيْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵊ قَالَ «مَنْ قَلَّمَ أَظَافِيرَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ الْبَلَايَا إلَى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» وَيُسْتَحَبُّ حَلْقُ عَانَتِهِ وَتَنْظِيفُ بَدَنِهِ بِالِاغْتِسَالِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً وَفِي الْقُنْيَةِ الْأَفْضَلُ أَنْ يُقَلِّمَ أَظَافِرَهُ وَيُحْفِيَ شَارِبَهُ وَيَحْلِقَ عَانَتَهُ وَيُنَظِّفَ بَدَنَهُ بِالِاغْتِسَالِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَفِي كُلِّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَا عُذْرَ فِي تَرْكِهِ وَرَاءَ الْأَرْبَعِينَ قِيلَ عَنْ الشِّرْعَةِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْمَنَ شِكَايَةَ الْعَيْنِ وَالْبَرَصِ وَالْجُنُونِ فَلْيُقَلِّمْ أَظَافِيرَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ بَعْدَ الْعَصْرِ لَكِنْ فِي التتارخانية إنْ جَاوَزَ الْحَدَّ فَأَخَّرَ إلَى الْجُمُعَةِ فَمَكْرُوهٌ لِأَنَّ مَنْ كَانَ ظُفْرُهُ طَوِيلًا كَانَ رِزْقَهُ ضِيقًا وَإِلَّا فَمُسْتَحَبٌّ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَلَا يُلْقِي أَظَافِيرَهُ وَلَا شَعْرَهُ الْكَنِيفَ أَوْ الْمُغْتَسَلَ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَقِيلَ يُورِثُ الدَّاءَ عَنْ الْإِحْيَاءِ الْأَدَبُ أَنْ يَبْدَأَ بِمِسْبَحَةِ يَدِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ بِالْوُسْطَى ثُمَّ بِالْبِنْصِرِ ثُمَّ الْخِنْصَرِ ثُمَّ الْإِبْهَامِ ثُمَّ يَعُودُ إلَى الْيُسْرَى مِنْ الْخِنْصَرِ إلَى الْإِبْهَامِ ثُمَّ يَعُودُ إلَى الرِّجْلِ الْيُمْنَى مِنْ خِنْصَرِهَا إلَى أَنْ يَخْتِمَ بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى أَقُولُ هَذَا مَضْمُونُ حَدِيثِ الْمَشَارِقِ وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي الْمِشْكَاةِ وَفِي الْوَسِيلَةِ عَنْ الْجَوَاهِرِ مِنْ مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﵇ -
стр. 1007
«قَلْمُ الْأَظْفَارِ بِالسُّنَّةِ وَالْأَدَبْ يَمِينُهَا خَوَانِسُ يَسَارِهَا أَوْ حَسْبُ» قِيلَ مَوْضُوعٌ لَا أَصْلَ لَهُ
(وَ) إمْسَاكِهَا (عَنْ كَسْرِ الطُّنْبُورِ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ (وَسَائِرِ آلَاتِ اللَّهْوِ خُصُوصًا إذَا لَمْ يَصْلُحْ لِغَيْرِهِ) أَيْ اللَّهْوُ فَتَرْكُهُ عِنْدَ التَّمَكُّنِ وَالْأَمْنِ مِنْ الْمَضَرَّةِ نَفْسًا أَوْ وَلَدًا أَوْ مَالًا لَعَلَّ هَذَا إمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا وَإِمَّا أَنَّ الْأَوْلَى الْكَسْرُ وَإِعْطَاءُ الضَّمَانِ لَعَلَّ فِي قَوْلِهِ خُصُوصًا إلَى آخِرِهِ إشَارَةً إلَى ذَلِكَ قَالَ فِي النِّصَابِ إذَا كَسَرَ الْمُحْتَسِبُ الْمَلَاهِيَ أَوْ دِنَانَ الْخَمْرِ أَوْ شَقَّ زِقَّهَا لَا يَضْمَنُ وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُ الْمُحْتَسِبِ ذُكِرَ فِي الْكِفَايَةِ لَا يَضْمَنُ أَيْضًا مُطْلَقًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى قَطْعًا لِمَادَّةِ الْمَعْصِيَةِ وَشِفَاءً لِصُدُورِ الصُّلَحَاءِ وَعَلَيْهِ عَمَلُ التَّابِعِينَ لَعَلَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ وَإِلَّا فَظَاهِرُهُ مُخَالِفٌ لِمَا اُشْتُهِرَ عَنْهُ مِنْ ضَمَانِ مَا لَا يَصْلُحُ لِلَّهْوِ
(وَ) قَبْضِهَا (عَنْ إرَاقَةِ خَمْرِ الْمُسْلِمِ الشَّارِبِ لَهَا) وَأَمَّا خَمْرُهُ لِلتَّخَلُّلِ فَلَا قَيْدَ بِالْمُسْلِمِ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا عَنْ إظْهَارِ بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَكِنْ إذَا أَرَاقَهُ رَجُلٌ أَوْ قَتَلَ خِنْزِيرَهُ يَضْمَنُ كَمَا فِي النِّصَابِ لَكِنْ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّهُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَضْمَنُ وَعَنْ النِّهَايَةِ لَا يَضْمَنُ الدِّنَانَ إنْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ تَأَمَّلْ فَلَا يَضْمَنُ الْخَمْرَ أَلْبَتَّةَ وَأَمَّا إذَا شَقَّ زِقَّ خَمْرٍ فَإِنْ إمَامًا لَا يَضْمَنُ وَإِلَّا فَيَضْمَنُ وَفِي الْمُلْتَقَطِ لَوْ كَسَرَ جُبًّا فِيهَا خَمْرُ مُسْلِمٍ يُرِيدُ أَنْ يَتَّخِذَهَا خَلًّا ضَمِنَ الْكَاسِرُ اتِّفَاقًا وَلِهَذَا قَيَّدَهُ بِالشَّارِبِ لَهَا
(وَعَنْ مَحْوِ صُوَرِ الْحَيَوَانَاتِ الْكَبِيرَةِ) وَيَكْفِي مَحْوُ الرَّأْسِ وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ مِثْلُ النَّمْلِ وَالذُّبَابِ فَيَجُوزُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ فِي خَاتَمِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - صُورَةَ ذُبَابَتَيْنِ كَذَا قِيلَ أَقُولُ: لَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَقِيهٍ فَفِيهِ كَلَامٌ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ بَلْ الظَّاهِرُ كَمَا فُهِمَ مِنْ الصَّلَاتِيَّةِ أَنَّ الْكَبِيرَةَ صِفَةٌ لِلصُّوَرِ لَا لِلْحَيَوَانَاتِ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ الْكَبِيرَ كَالْفَرَسِ لَوْ صَغُرَ بِحَيْثُ لَا يَبْدُو لِلنَّاظِرِ إلَّا بِدِقَّةِ النَّظَرِ فَيَجُوزُ عَدَمُ الْمَحْوِ كَمَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ وَهِيَ بِحِذَائِهِ وَلَك أَنْ تَشْمَلَهُمَا فَافْهَمْ (عِنْدَ الْقُدْرَةِ بِلَا ضَرَرٍ) مُتَعَلِّقٌ بِالْكُلِّ مِنْ الْكَسْرِ وَالْإِرَاقَةِ وَالْمَحْوِ
(وَعَنْ أَخْذِ اللَّقِيطِ) صَغِيرِ بَنِي آدَمَ (وَاللُّقَطَةِ) الْمَالِ الْمُلْتَقَطِ (عِنْدَ خَوْفِ الضَّيَاعِ) بِالْهَلَاكِ وَالْمَوْتِ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ إنْ خَافَ ضَيَاعَهَا يُفْرَضُ الرَّفْعُ وَإِلَّا فَيُبَاحُ وَفِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ الْأَفْضَلُ الرَّفْعُ وَإِنْ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ كَقِشْرِ الرُّمَّانِ فَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَفِي الْهِدَايَةِ وَالِالْتِقَاطُ لَهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ضَيَاعُهُ فَوَاجِبٌ
(وَعَنْ دَفْعِ الظَّالِمِ وَالْحَيَوَانِ عِنْدَ قَصْدِ أَخْذِ الْمَالِ) بِنَحْوِ السَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ (أَوْ إهْلَاكِهِ أَوْ إضْرَارِ النَّفْسِ) وَأَمَّا الْمُسَافِرُ إذَا رَأَى حَيَوَانًا يَأْكُلُ مَالِ الْغَيْرِ فَإِنْ أَمْكَنَ الدَّفْعُ بِلَا ضَرَرٍ لَهُ وَلَا بُعْدَ قَافِلَةٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ الدَّفْعُ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الدَّفْعُ إلَّا بِضَرَرٍ مِنْ جِهَتِهِ مِثْلُ إهْلَاكِ الزَّرْعِ بِوَطْئِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ لِإِخْرَاجِ الْحَيَوَانَاتِ وَإِنْ كَانَ ضَرَرُهُ أَكْثَرَ
(وَعَنْ إنْقَاذِهِمَا) أَيْ الْحَيَوَانِ وَالْمَالِ (مِنْ الْحَرْقِ) بِالنَّارِ (أَوْ الْغَرَقِ) بِالْمَاءِ (أَوْ السُّقُوطِ) مِنْ عُلُوٍّ أَوْ إلَى حَفْرٍ (أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا يُوجِبُ التَّلَفَ أَوْ النُّقْصَانَ عِنْدَ الْقُدْرَةِ بِلَا ضَرَرٍ) فِيمَا مَرَّ فَيَحْرُمُ إيقَاعُ النَّفْسِ فِي الْهَلَاكِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْخَلَاصِ وَإِلَّا كَانَ قَاتِلًا لِنَفْسِهِ أَوْ إيقَاعُ الْمَالِ فِيهِ أَوْ فِي النُّقْصَانِ
(وَ) إمْسَاكُ الْيَدِ (عَنْ كَفِّ الصِّبْيَانِ وَالْمَوَاشِي) مِنْ
стр. 1008
الْأَنْعَامِ (فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ وَ) عَنْ (إغْلَاقِ الْبَابِ وَإِطْفَاءُ السِّرَاجِ) عِنْدَ النَّوْمِ (وَتَخْمِيرِ الْإِنَاءِ) تَغْطِيَتِهِ (وَإِيكَاءِ السِّقَاءِ) شَدُّ فَمِ السِّقَايَةِ بِالْوِكَاءِ أَيْ الرَّبْطِ (خ م عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى رِوَايَةِ جَابِرٍ (أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ» جُنْحُ اللَّيْلِ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ طَائِفَةٌ مِنْهُ وَقِيلَ ظُلْمَتُهُ وَجَنَحَ اللَّيْلُ دَخَلَ وَأَصْلُهُ الْمِيلُ أَيْ أَقْبَلَ ظَلَامُهُ «أَوْ كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ» أَيْ أَوَّلُهُ وَعَنْ الْمَصَابِيحِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ «فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ» امْنَعُوهُمْ عَنْ الْخُرُوجِ وَمِنْ التَّرَدُّدِ نَدْبًا وَقَالَ الظَّاهِرُ بِهِ وُجُوبًا «فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ» وَتَتَرَدَّدُ عَلَى أَبْوَابِ الْبُيُوتِ لِغَلَبَةِ الظُّلْمَةِ وَالسَّوَادِ بِمُلَاءَمَةِ عُنْصُرِهَا فَحَرَكَتُهُمْ لَيْلًا أَمْكَنُ مِنْهَا نَهَارًا إذْ الظَّلَامُ أَجْمَعُ لِقُوَى الشَّيْطَانِ «فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ الْعِشَاءِ» بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ اللَّيْلِ «فَحُلُّوهُمْ» بِمُهْمَلَةٍ وَفِي رِوَايَةٍ بِمُعْجَمَةٍ «وَأَغْلِقْ بَابَك» خِطَابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَلِلْعُمُومِ كَمَا فِي رِوَايَةِ وَأَغْلَقُوا الْأَبْوَابَ «وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ وَأَطْفِئْ مِصْبَاحَك» وَعَنْ الْمَصَابِيحِ وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ النَّوْمِ «وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ» فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا جَرَّتْ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ «وَأَوْكِ» أَيْ ارْبِطْ «سِقَاءَك وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى وَخَمِّرْ إنَاءَك» أَيْ غَطِّ «وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ» عَلَيْهِ «وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ شَيْئًا» بِوَضْعِ شَيْءٍ عَلَى رَأْسِ الْإِنَاءِ بِالْعُرُوضِ كَعُودٍ بِذِكْرِ اسْمِهِ تَعَالَى فَهَذَا كَافٍ وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَجْعَلَ نَحْوِ عُودٍ عَلَى عَرْضِهِ فَإِنْ كَانَ مُسْتَدِيرَ الْفَمِ فَهُوَ كُلُّهُ عَرْضٌ وَإِنْ كَانَ مُرَبَّعًا فَقَدْ يَكُونُ لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ فَيَجْعَلُهُ عَلَيْهِ عَرْضًا لَا طُولًا وَالْمُرَادُ إنْ لَمْ يُغَطِّهِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ إنْ فَقَدْتُمْ مَا يُغَطِّيهِ فَافْعَلُوا الْمَقْدُورَ وَلَوْ أَنْ تَجْعَلُوا عَلَيْهِ عُودًا بِالْعَرْضِ وَقِيلَ الْمَعْنَى اجْعَلُوا بَيْنَ الشَّيْطَانِ وَبَيْنَ آنِيَتِكُمْ حَاجِزًا وَلَوْ مِنْ عَلَامَةٍ تَدُلُّ عَلَى الْقَصْدِ إلَيْهِ فَكَافِيَةٌ مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَاصِمَةً بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمْرِهِ وَقَدْ عَمِلَ بَعْضُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَأَصْبَحَ وَأَفْعَى مُلْتَفِتَةً عَلَى الْعُودِ (وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ م) لِمُسْلِمٍ «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَحُلُّ» بِضَمٍّ «سِقَاءً» أَيْ لَا يَفْتَحُ سِقَاءً مَشْدُودًا «وَلَا يَفْتَحُ بَابًا وَلَا يَكْشِفُ إنَاءً» مَذْكُورًا عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (وَفِي أُخْرَى «فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا» مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ «وَبَاءٌ» قِيلَ هُوَ طَاعُونٌ وَقِيلَ أَعَمُّ «لَا يَمُرُّ» ذَلِكَ الْوَبَاءُ «بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ أَوْ» لَا يَمُرُّ «بِسِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ إلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ»
стр. 1009
وَيَنْدَفِعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَى بِتَخْمِيرِ الْإِنَاءِ وَإِيكَاءِ السِّقَاءِ، عَنْ الْمُظْهِر مَنْ شَرِبَ مِنْ إنَاءٍ نَزَلَ فِيهِ مِنْ الْوَبَاءِ هَلَكَ وَعَنْ الْمُبَارَقِ الْأَوْلَى أَنْ يُفَوَّضَ إلَى الشَّارِعِ مَعْرِفَةُ مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ الْوَبَاءِ وَنُزُولِهِ وَمُرُورِهِ وَعَنْ مُسْلِمٍ عَلَى رِوَايَةِ جَابِرٍ «إذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ» (وَفِي) رِوَايَةٍ (أُخْرَى «لَا تُرْسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ» مِنْ الْفَشْوِ يُرِيدُ بِهَا الْمَوَاشِيَ فَإِنَّهَا مُنْتَشِرَةٌ يُقَالُ أَفْشَى الرَّجُلُ إذَا كَثُرَتْ مَوَاشِيهِ «وَصِبْيَانَكُمْ إذَا غَابَتْ الشَّمْسُ» فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُرْسِلُ جَيْشَهُ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ لِيَخْصِفُوا الصِّبْيَانَ وَالْمَوَاشِيَ قِيلَ وَلِهَذَا نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ لِئَلَّا يَكُونَ الْمُصَلِّي حِينَئِذٍ كَالسَّاجِدِ لِلشَّيْطَانِ «حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ» ظُلْمَتُهُ كَالْفَحْمِ أَيْ أَوَّلُهُ وَسَوَادُهُ وَهُوَ مِنْ ابْتِدَاءِ الْغُرُوبِ إلَى الْيَوْمِ «فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْبَعِثُ» تَنْتَشِرُ «إذَا غَابَتْ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ» قَالَ فِي ٦١ الْفَيْضِ وَقَدْ كَانَ الْمُصْطَفَى أَشْفَقَ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا وَلَمْ يَدَعْ شَفَقَةً دِينِيَّةً وَلَا دُنْيَوِيَّةً إلَّا أَرْشَدَ إلَيْهَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَفِيهِ جُمَلٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ، وَآدَابٌ جَامِعَةٌ جِمَاعُهَا تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ فِعْلٍ وَحَرَكَةٍ وَسُكُونٍ لِتَحْصِيلِ السَّلَامَةِ مِنْ آفَاتِ الدَّارَيْنِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ تَضْمَنَّ الْحَدِيثُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَعَ نَبِيَّهُ عَلَى مَا يَكُونُ مِنْ هَذِهِ الْآفَةِ مِنْ الْمَضَارِّ مِنْ جِهَةِ الشَّيَاطِينِ وَالْفَأْرَةِ وَالْوَبَاءِ وَقَدْ أَرْشَدَ إلَى مَا يُتَّقَى بِهِ ذَلِكَ فَلْيُبَادِرْ إلَى فِعْلِ تِلْكَ الْأُمُورِ ذِكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى مُمْتَثِلًا أَمْرَ نَبِيِّهِ شَاكِرًا لِنُصْحِهِ فَمَنْ فَعَلَ مَنْ لَمْ يُصِبْهُ بِذَلِكَ ضَرَرٌ بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ غَلْقَ الْبَابِ مِنْ فَسَقَةِ الصُّوفِيَّةِ يَفْتَحُونَ وَلَا يُغْلِقُونَ
[الصِّنْفُ السَّادِسُ فِي آفَاتِ الْبَطْنِ]
(الصِّنْفُ السَّادِسُ فِي آفَاتِ الْبَطْنِ هِيَ إدْخَالُ الْحَرَامِ لِعَيْنِهِ) كَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهَا بِلَا ضَرُورَةٍ كَالْمَخْمَصَةِ وَالْإِكْرَاهِ (أَوْ لِغَيْرِهِ) كَالْمَغْصُوبِ وَالْمَسْرُوقِ وَالصَّدَقَةِ لِلْغَنِيِّ وَذَلِكَ قَوْلُهُ مِثْلُ مَالِ الْغَيْرِ عَلَى بَعْضِ النُّسَخِ (وَمَا يَقْرَبُ مِنْهُ) كَلَحْمِ الْفَرَسِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ وَالضَّبُعِ وَالضَّبِّ وَغَيْرِهَا مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الْأَئِمَّةُ (وَمَا يَمْلِكُهُ خَبِيثًا بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ وَنَحْوِهِ) كَالْبَيْعِ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَمَالِ الْوَقْفِ أَوْ الْمَكْرُوهِ عِنْدَ أَذَانِ الْجُمُعَةِ أَوْ مَعَ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ لِصُدُورِ رُكْنِ التَّمْلِيكِ مِنْ أَهْلِهِ إلَى مَحَلِّهِ عَنْ وِلَايَةٍ فَيَنْعَقِدُ وَالْفَسَادُ لِمَعْنًى يُجَاوِرُهُ كَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ لِلْجُمُعَةِ لَا يَنْفِي الِاعْتِقَادَ إلَّا أَنَّهُ يُفِيدُ مِلْكًا خَبِيثًا لِمَكَانِ النَّهْيِ وَلِذَا كَانَ لِكُلٍّ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ فَسْخُهُ بِشَرْطِ قِيَامِ الْمَبِيعِ وَقْتَ الْفَسْخِ (مِمَّا يَجِبُ فَسْخُهُ أَوْ تَصَدُّقُهُ وَالْأَكْلُ فَوْقَ الشِّبَعِ بِلَا قَصْدِ صَوْمِ غَدٍ وَعَدَمِ اسْتِحْيَاءِ ضَيْفٍ وَأَكْلُ مَا يَضُرُّ الْبَدَنَ كَالتُّرَابِ وَالطِّينِ) لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَتَشْبِيهٌ بِفِرْعَوْنَ وَلِأَنَّهُ مُضِرٌّ قَاتِلٌ كَمَا سَبَقَ نَقْلًا عَنْ الْفَتَاوَى (وَنَحْوِهِمَا) كُلُّ مَا فِيهِ سُمٌّ أَوْ خَبَثٌ وَغَيْرُهُمَا اعْلَمْ أَنَّ أَسْبَابَ الْحُرْمَةِ أُمُورٌ: الْإِسْكَارُ كَالْخَمْرِ، أَوْ النَّجَاسَةُ كَالْبَوْلِ وَالدَّمِ، أَوْ الْمَضَرَّةُ كَالطِّينِ وَالْحَجَرِ، أَوْ الِاسْتِقْذَارُ كَالْمَنِيِّ وَالْمُخَاطَةِ، أَوْ الْخَبَثُ كَالْخُنْفُسَاءِ، أَوْ الْقَاتِلِيَّةُ كَالسُّمِّ فَمَا اعْتَادُوا مِنْ الدُّخَانِ فَقِيلَ إنَّهُ مُضِرٌّ بِالْبَدَنِ كَمَا رَأَيْت أَنَّ أَكْثَرَهُمْ مَرْضِيٌّ وَالْحُكْمُ فِي مِثْلِهِ بِالنَّظَرِ إلَى الْجِنْسِ لَا إلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ وَأَوْرَدَ بِأَنَّهُ نَافِعٌ لِبَعْضِ الْأَمْرَاضِ كَالْبَلْغَمِ وَالصَّفْرَاءِ وَالسَّوْدَاءِ، وَرُدَّ أَنَّهُ كَلَامٌ مِنْ هَوَى النَّفْسِ كَيْفَ وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ طَبِيبٌ حَاذِقٌ وَلَمْ يَقَعْ فِي كِتَابِ حَكِيمٍ مُجَرِّبٍ بَلْ الْمَسْمُوعُ خِلَافُهُ.
وَعَنْ قَانُونَ ابْنِ سِينَا الْبَنْجُ أَبْيَضُ وَأَحْمَرُ وَأَسْوَدُ وَأَخْبَثُهَا هُوَ الْأَسْوَدُ
стр. 1010
الْمَعْرُوفُ بِالنَّتْنِ يَخْلِطُ الْعَقْلَ وَيُبْطِلُ الذِّكْرَ وَيُحْدِثُ خِفَافًا وَجُنُونًا وَعُصَارَةً وَرِقَّةً فِي قُوَّةِ الْأَفْيُونِ انْتَهَى وَعَنْ بَعْضِ الْأَطِبَّاءِ لَوْلَا الدُّخَانُ وَالْقَتَامُ لَعَاشَ ابْنُ آدَمَ أَلْفَ عَامٍ وَقِيلَ إنَّهُ مُسْكِرٌ لَا سِيَّمَا بَعْضُ أَنْوَاعِهِ كَمَا يُرَى كَثِيرًا فِي حَالِ الِابْتِدَاءِ، وَعَدَمُ الْإِسْكَارِ فِي أَكْثَرِ الْأَشْخَاصِ لِلتَّدْرِيجِ فِي الِابْتِدَاءِ وَالِاعْتِيَادِ فِي الِانْتِهَاءِ كَمَا فِي الْخَمْرِ لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْقَلِيلَ كَالْكَثِيرِ فِي الْحُرْمَةِ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ قِيلَ وَبِهِ نَأْخُذُ وَقِيلَ وَهُوَ الْأَحْوَطُ وَقِيلَ إنَّهُ مُؤْذٍ وَالْأَذَى حَرَامٌ وَعَنْ شَارِحٍ أَنَّهُ قَالَ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُلْحَقَ الدُّخَانُ بِحَدِيثِ «مَنْ أَكَلَ الثُّومَ وَالْبَصَلَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا» قَالَ الْفُقَهَاءُ كُلُّ مَنْ وُجِدَ فِيهِ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ وَلَوْ سَمَاوِيَّةً كَالْبَخَرِ يَجِبُ إخْرَاجُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَقِيلَ إنَّهُ بِدْعَةٌ وَأَوْرَدَ أَنَّ الْبِدْعَةَ الْمَمْنُوعَةَ مَا تَكُونُ فِي الِاعْتِقَادَاتِ وَالْعَادَاتِ.
وَأَمَّا الْعِبَادَاتُ فَمُبَاحَةٌ وَرُدَّ أَنَّ الْبِدْعَةَ مَمْنُوعَةٌ مَا تَكُونُ خِلَافَ سُنَّةٍ أَوْ حِكْمَةَ مَشْرُوعِيَّةِ سُنَّةٍ فَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ السِّوَاكِ دَفْعُ الْأَذَى وَإِزَالَةُ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ وَتَطْهِيرُ الْفَمِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الدُّخَانَ مُخَالِفٌ لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ وَقَرَّرَ أَنَّ الْبِدْعَةَ الْحَسَنَةَ مَا يَكُونُ لَهُ إعَانَةٌ لِأَمْرٍ دِينِيٍّ وَقَدْ عَرَفْت مُخَالَفَتَهَا وَقِيلَ إنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْخَبَثِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]- وَهُوَ مَا يَسْتَقْذِرُهُ الطَّبْعُ السَّلِيمُ وَالطَّبْعُ السَّلِيمُ طَبْعُ كُبَرَاءِ الْعَرَبِ الَّذِي لَمْ يَأْلَفْهُ الْغُلَامُ الْبَالِغُ ابْتِدَاءً قَالُوا شَاهَدْنَا نُفْرَتَهُمْ عَنْهُ وَعَنْ رَائِحَتِهِ وَقِيلَ إنَّهُ إنَّمَا يُشْرَبُ لِلَّهْوِ وَالِاحْتِشَامِ وَالتَّبَاهِي فَلَوْ فُرِضَ إبَاحَتُهُ فِي الْأَصْلِ لَكِنْ يَحْرُمُ بِهَوَى مُسْتَعْمِلِهِ وَتَلَهِّيهِ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ وُجُودَ الْحُكْمِ فِي بَعْضِ أَفْرَادِ الْجِنْسِ كَافٍ فِي حُكْمِ الْجِنْسِ سِيَّمَا فِي سَدِّ بَابِ الْحَظْرِ.
وَقِيلَ إنَّهُ إسْرَافٌ لِأَنَّهُ مَا زَادَ عَلَى الْكِفَايَةِ الْمَشْرُوعَةِ وَلَا شَرْعِيَّةَ فِي أَصْلِهِ وَفِيهِ إضَاعَةُ مَالٍ كَيْفَ وَقَدْ يُشْتَرَى بِثَمَنٍ غَالٍ بَلْ يَدْعُو إلَى تَرْكِ الْعِبَادَاتِ كَالْجَمَاعَاتِ وَيُؤَدِّي إلَى أَكْثَرِ الْمَنْهِيَّاتِ كَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ فَضْلًا عَنْ فُضُولِ الْكَلَامِ وَمَا لَا يَعْنِي وَلِلْوَسَائِلِ حُكْمُ الْمَقَاصِدِ وَقِيلَ إنَّهُ وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ سُلْطَانِيٌّ وَكُلُّ أَمْرٍ مَشْرُوعٍ وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ سُلْطَانِيٌّ لِمَصْلَحَةٍ فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَالْمَصَالِحُ مُتَكَثِّرَةٌ وَلَا أَقَلَّ مِنْ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَإِضَاعَةِ الْأَمْوَالِ وَبَعْضُهُمْ أَيَّدَهُ بِمَنَامَاتِ الصَّالِحِينَ بَلْ بِمُشَاهَدَةِ الْأَحْوَالِ الْعَجِيبَةِ عِنْدَ نَبْشِ قَبْرِ مَنْ اُبْتُلِيَ بِالدُّخَانِ كَتَغْيِيرِ صُورَتِهِ وَتَبْدِيلِ صُورَتِهِ وَآلَتِهِ فِي فَمِهِ مَعَ مَلْءِ قَبْرِهِ بِالدُّخَانِ عَلَى مَا ادَّعُوا حَسُنَ ذَلِكَ بِاشْتِهَارِ أَخْبَارِ الثِّقَاتِ وَهَكَذَا لَكِنْ لَعَلَّ الْحَقَّ الْجَامِعَ مَا حَرَّرْت فِيمَا قَبْلُ مِنْ أَنَّ أَمْرَ الدُّخَانِ شَيْءٌ كَثُرَ فِيهِ الْفَتَاوَى وَالْقِيلُ وَالْقَالُ إلَى أَنْ تَحَيَّرَ الْخَوَاصُّ فَضْلًا عَنْ الْعَوَامّ إذْ ذَهَبَ بَعْضٌ إلَى إبَاحَتِهِ وَبَعْضٌ إلَى حَظْرِيَّتِهِ فَتَبَيَّنَ الْحَقُّ بِبَيَانِ أَدِلَّةِ الْفَرِيقَيْنِ ثُمَّ تَرْجِيحِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَأَقْوَى أَدِلَّةِ الْفِرْقَةِ الْأُولَى الْحَظْرُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَذَا إمَّا مَعْلُومٌ مِنْ الشَّرْعِ بِالْبَدَاهَةِ أَوْ بِالِاسْتِدْلَالِ وَالْأَوَّلُ مُنْتَفٍ بِالضَّرُورَةِ.
وَكَذَا الثَّانِي إذْ النَّظَرُ إمَّا مِنْ مُجْتَهِدٍ وَهُوَ مُنْتَفٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ رِوَايَةً وَلَا دِرَايَةً وَقَدْ انْقَرَضَ فَلَا احْتِمَالَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ إذْ لَا اعْتِبَارَ لِنَظَرِ الْغَيْرِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ فَبَقِيَ عَلَى الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَأَمَّا الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ فَاسْتَدَلُّوا بِنَحْوِ مَا سَبَقَ مِنْ الْأَذَى وَالْإِسْرَافِ وَالْإِضْرَارِ وَنَحْوِهَا فَلَعَلَّ الْحَقَّ مَعَ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ إذْ الْمَطْلَبُ ظَنِّيٌّ فَلَوْ فُرِضَ وُرُودُ الْمَنْعِ عَلَى أَفْرَادِ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ فَلَا يُخْرِجُهَا مِنْ الظَّنِّيَّةِ وَلَوْ سَلِمَ ذَلِكَ فَلَا شَكَّ فِي إفَادَةِ مَجْمُوعِهَا قُوَّةً صَالِحَةً لِمُرَادِ الْمَقَامِ وَأَمْرُ انْقِرَاضِ الْمُجْتَهِدِ اخْتِلَافِيٌّ بَلْ الْمُجْتَهَدُ فِي الْمَسْأَلَةِ مُمْكِنٌ فِي عَصْرٍ مَا لَوْ سَلِمَ عَدَمُ ثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْ مُجْتَهِدٍ مَا صَرِيحًا لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ صُدُورِهِ عَنْهُ مُطْلَقًا إذْ يَجُوزُ دُخُولُ الدُّخَانِ تَحْتَ قَاعِدَتِهِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي صَدَرَتْ عَنْهُ صَرِيحًا وَأَنَّ لِنَظَرِ الْعُلَمَاءِ الْعَامِّيِّ مَدْخَلًا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ كَدَلَالَةِ النَّصِّ.
ثُمَّ نَقُولُ أَيْضًا إنَّهُ لَا أَقَلَّ مِنْ إيرَاثِ شُبْهَةٍ بِهَذِهِ الِاخْتِلَافَاتِ وَالْحُرُمَاتُ تَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبْهَةِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» وَأَيْضًا يُرَجَّحُ النَّظَرُ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَيُقَدَّمُ قَوْلُ الْعَالِمِ وَالْمُتَوَرِّعِ وَالْأَعْلَمِ عِنْدَ تَعَارُضِ أَقْوَالِهِمْ، وَالْإِنْصَافُ أَنَّ ذَلِكَ فِي جَانِبِ الْحَظْرِيَّةِ وَأَيْضًا قَالُوا الْإِصْرَارُ عَلَى الْمُبَاحِ صَغِيرَةٌ فَلَوْ سَلِمَ إبَاحَتُهُ فِي الْأَصْلِ فَلَا شَكَّ فِي إصْرَارِ مُبْتَلِيهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ فِي أَصْلِ الْمُبَاحِ حِسَابًا وَأَيْضًا لَا شَكَّ أَنَّهُ فِي الْفَسَقَةِ أَشْيَعُ وَأَشْهَرُ فَاسْتِعْمَالُ غَيْرِهِمْ تَشْبِيهٌ بِهِمْ وَأَيْضًا الِاحْتِيَاطُ فِي الْإِنْفَاقِ وَقَدْ سَمِعْت مِنْ ذَلِكَ سَابِقًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 1011
(وَشُرْبُهُ) قِيلَ كَشُرْبِ الْعَسَلِ لِمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الصَّفْرَاءُ (وَأَمَّا أَكْلُ مَا فِيهِ نَجَسٌ كَلَحْمِ الْحَيَّةِ) مِثْلُ التِّرْيَاقِ وَالْفَارُوقِ (وَخَرْمَيَانُ) خُصْيَةٌ لِدَابَّةٍ مِنْ الدَّوَابِّ يُقَالُ لَهُ بِالتُّرْكِيِّ " قوندز " (لِلتَّدَاوِي إذَا انْحَصَرَ فِيهِ) فِيمَا فِيهِ نَجَسٌ (فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ) فَقِيلَ مُبَاحٌ لِلضَّرُورَةِ أَوْ لِلِاسْتِهْلَاكِ بِالِاخْتِلَاطِ وَقِيلَ لَا أَصْلًا (وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ) أَيْضًا تَنَاوُلَهُ (بِلَا انْحِصَارٍ أَيْضًا) كَمَا إذَا انْحَصَرَ (إذَا عُرِفَ فِيهِ الشِّفَاءُ) قِيلَ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَاَلَّذِي رَعَفَ وَلَا يَرْقَأُ دَمُهُ فَأَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ بِدَمِهِ عَلَى جَبْهَتِهِ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ يَجُوزُ قِيلَ لَوْ كُتِبَ بِالْبَوْلِ قَالَ لَوْ كَانَ فِيهِ شِفَاءٌ لَا بَأْسَ بِهِ قِيلَ لَوْ كُتِبَ عَلَى جِلْدِ مَيْتَةٍ قَالَ إنْ كَانَ فِيهِ شِفَاءٌ جَازَ وَعَنْ أَبِي نَصْرِ بْنِ سَلَّامٍ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يَكُونُ فِيهَا شِفَاءٌ وَأَمَّا إذَا كَانَ فِيهِ شِفَاءٌ لَا بَأْسَ بِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَطْشَانَ يَحِلُّ لَهُ شُرْبُ الْخَمْرِ حَالَةَ الِاضْطِرَارِ وَكَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ دَلَّ عَلَيْهِ جَوَازُ إسَاغَةِ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ وَجَوَازُ شُرْبِهِ لِإِزَالَةِ الْعَطَشِ انْتَهَى قِيلَ فِي هَذَا الْقَوْلِ ضَعْفٌ لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ فِي الشُّرْبِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مُتَيَقَّنٌ بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ فَلَا وَجْهَ لِلتَّوْضِيحِ بِقَوْلِهِ أَلَا تَرَى ثُمَّ قِيلَ أَقُولُ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّيَقُّنِ كَمَا قَالَ وَأَمَّا إذَا كَانَ فِيهِ شِفَاءٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ انْتَهَى وَلَا يَخْفَى أَنَّ الطِّبَّ بِجِنْسِهِ مِنْ الْمَظْنُونَاتِ وَقَدْ سَبَقَ وَيَشْكُلُ بِمَا فِي النِّصَابِ أَنَّ التَّدَاوِيَ بِالْخَمْرِ أَوْ بِحَرَامٍ آخَرَ إنْ لَمْ يُتَيَقَّنْ لَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ ثُمَّ قَالَ وَإِنْ تَيَقَّنَ بِالشِّفَاءِ فِيهِ وَلَهُ دَوَاءٌ آخَرُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَوَاءٌ آخَرُ فَقِيلَ لَا يَجُوزُ وَقِيلَ يَجُوزُ قِيَاسًا عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ حَالَةَ الْعَطَشِ فَلِلْمُحْتَسِبِ الرُّجُوعُ إلَى الْأَطِبَّاءِ فَيَعْمَلُ بِقَوْلِهِمْ انْتَهَى مُلَخَّصًا (وَالْأَحْوَطُ الِاجْتِنَابُ مُطْلَقًا) انْحَصَرَ أَوْ لَا لِلْخُرُوجِ عَنْ الْخِلَافِ وَلِأَنَّ مَا تَكُونُ حُرْمَتُهُ قَطْعِيَّةً
стр. 1012
لَا يُرَخَّصُ بِمَا تَأْثِيرُهُ ظَنِّيٌّ
[الْقَهْوَةُ حُكْمُ شُرْبِهَا]
وَأَمَّا الْقَهْوَةُ فَفِي تَبْيِينِ الْمَحَارِمِ لَا وَجْهَ لِحُرْمَتِهَا لِانْعِدَامِ شَيْءٍ مِنْ مُوجِبَاتِ الْحُرْمَةِ كَالْإِسْكَارِ وَالضَّرَرِ مِزَاجًا أَوْ بَدَنًا أَوْ عَقْلًا وَلَا تَمْنَعُ شَيْئًا مِنْ الْعِبَادَاتِ بَلْ تُقَوِّي عَلَيْهَا وَلَيْسَ لَهَا نَصٌّ عَلَى حُرْمَتِهَا وَلَا نَظِيرَ حَتَّى تُقَاسَ عَلَيْهِ نَعَمْ شُرْبُهَا بِاللَّهْوِ وَالطَّرِبِ عَلَى هَيْئَةِ الْفَسَقَةِ فَهُوَ حَرَامٌ وَفِي الْوَسِيلَةِ أَظْهَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدِ بَعْضِ أَوْلِيَائِهِ وَعُلَمَائِهِ لِمَا فِيهَا مِنْ الصِّفَاتِ الشَّرِيفَةِ كَمَنْعِ النَّوْمِ وَإِزَالَةِ الْغُمُومِ وَتَنْشِيطِ الْعِبَادَةِ وَتَرْقِيقِ الْغِذَاءِ وَهَضْمِ الطَّعَامِ وَتَسْخِينِ الْبَدَنِ وَتَحْلِيلِ الْأَخْلَاطِ الرَّدِيئَةِ وَدَفْعِهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَهِيَ حَلَالٌ وَأَمَّا الْإِكْثَارُ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ بَلْ مَرَضٌ خُصُوصًا لِذَوِي الْأَمْزِجَةِ الْيَابِسَةِ وَتَمَامُهُ فِيهَا وَأَيْضًا فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ صَرَّحَ بِإِبَاحَتِهَا وَكَذَا فِي بَعْضِ كُتِبَ عَلِيٍّ الْقَارِي كَذَلِكَ وَفِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ عَنْ شَرْحِ ابْنِ حَجَرٍ عَلَى اللُّبَابِ مَا حَاصِلُهُ طَالَ الِاخْتِلَافُ فِي الْقَهْوَةِ حِلُّهَا وَحُرْمَتُهَا وَطَهَارَتُهَا وَنَجَاسَتُهَا فَمَنْ يُفْرِطُ يُفْتِي بِالْإِسْكَارِ وَالنَّجَاسَةِ وَمَنْ يُفَرِّطُ يُفْتِي بِأَنَّ شُرْبَهَا عِبَادَةٌ وَقُرْبَةٌ وَالْحَقُّ أَنَّهُ قَدْ يَضُرُّ بَعْضَ الْأَمْزِجَةِ لِمُضَادَّتِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الرُّطُوبَةِ وَالْيُبُوسَةِ وَحِفْظُ الصِّحَّةِ وَاجِبٌ شَرْعًا وَأَنَّ مَنْ اعْتَادَهَا لَا يُفَارِقُهَا كَالْأَفْيُونِ ثُمَّ إنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحُرْمَةَ لِعَدَمِ تَأْثِيرِهَا فِي الْعَقْلِ وَالْبَدَنِ فَمُبَاحٌ انْتَهَى وَالْمَفْهُومُ مِنْ فَتَاوَى أَبِي السُّعُودِ مَيْلُهُ إلَى جَانِبِ عَدَمِ الْحِلِّ لِتَشْبِيهِ الْفَسَقَةِ وَعَنْ بَعْضٍ أَيْضًا لِلسَّرَفِ لِإِفْضَائِهَا إلَى ثَمَنٍ غَالٍ وَقِيلَ لِإِضَاعَةِ وَقْتٍ كَثِيرٍ إلَى طَبْخِهَا لَعَلَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ الْإِبَاحَةُ الْأَصْلِيَّةُ كَمَا هُوَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ سِيَّمَا عِنْدَ قَصْدِ النَّشَاطِ وَالتَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَاتِ ثُمَّ أَقُولُ اللَّائِقُ لِلْوَرَعِ وَالْأَوْلَى عَدَمُ شُرْبِهَا بِلَا تَجْرِبَةِ طَبْعٍ وَمُشَاهَدَةِ نَفْعٍ وَتَقَوٍّ لِلطَّاعَةِ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي الِاتِّفَاقِ وَأَنَّ الْخِلَافَ وَإِنْ ظَهَرَ ضَعْفُهُ
стр. 1013
فَالْأَوْلَى عَدَمُهُ مَا لَمْ يُخَالَفْ بِمَشْرُوعٍ مَأْثُورٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَيَنْبَغِي لِلسَّالِكِ أَنْ يُقَلِّلَ الْأَكْلَ) وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «لَا يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاءِ مَنْ مَلَأَ بَطْنَهُ» وَقَالَ «لَا تُمِيتُوا الْقُلُوبَ بِكَثْرَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ» وَقَالَ «مَا مَلَأ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ حَسْبُ ابْنُ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ» وَلِذَا يُقَالُ بِقِلَّتِهِ يَعْرُجُ إلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَبِكَثْرَتِهِ يَنْزِلُ إلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ (وَيَجْتَنِبَ عَنْ كَثْرَتِهِ وَمُدَاوَمَةِ الشِّبَعِ فَإِنَّ فِي الْأَوَّلِ) أَيْ فِي الْقَلِيلِ (صِحَّةَ الْجِسْمِ) فَإِنَّ سَبَبَ الْأَمْرَاضِ كَثْرَةُ الْأَكْلِ وَالْمَرَضُ يُنْقِصُ الْعَيْشَ وَيَمْنَعُ مِنْ الذِّكْرِ وَالْفِكْرِ وَيُحْوِجُ إلَى الدَّوَاءِ وَالْأَطِبَّاءِ وَكُلُّ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى مُؤَنٍ وَتَبِعَاتٍ وَلَا يَخْلُو الْإِنْسَانُ فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعَاصِي وَالشُّبُهَاتِ (وَجَوْدَةَ الْحِفْظِ) فَإِنَّ الشِّبَعَ يُورِثُ الْبَلَادَةَ بِالْأَبْخِرَةِ الْمُتَصَاعِدَةِ إلَى الدِّمَاغِ وَيُعْمِي الْقَلْبَ قِيلَ.
اتَّفَقَ سَبْعُونَ نَبِيًّا عَلَى أَنَّ النِّسْيَانَ مِنْ كَثْرَةِ الْبَلْغَمِ وَكَثْرَةُ الْبَلْغَمِ مِنْ كَثْرَةِ شُرْبِ الْمَاءِ وَهِيَ مِنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ (وَصَفَاءَ الْقَلْبِ) الَّذِي بِهِ يَتَهَيَّأُ لِإِدْرَاكِ لَذَّةِ الْمُنَاجَاةِ وَالتَّأْثِيرِ بِالذِّكْرِ وَكَمْ مِنْ ذِكْرٍ يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ لَا يَتَلَذَّذُ بِهِ وَلَا يَتَأَثَّرُ وَالسَّبَبُ الْأَظْهَرُ فِيهِ خُلُوُّ الْمَعِدَةِ (وَالذَّكَاءَ) لَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ جَوْدَةِ الْحِفْظِ وَالذَّكَاءِ أَنَّ الْأَوَّلَ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْفَهْمِ الَّتِي يَطَّلِعُ بِهَا عَلَى الْعُلُومِ الْخَفِيَّةِ وَالْأَسْرَارِ اللَّطِيفَةِ وَالثَّانِي بِحَسَبِ قُوَّةِ الْحَافِظَةِ (وَخِفَّةَ الْمُؤْنَةِ) لِأَنَّ مَنْ تَعَوَّدَ قِلَّةَ الْأَكْلِ كَفَاهُ يَسِيرٌ مِنْ الْمَالِ وَمَنْ تَعَوَّدَ الشِّبَعَ يَتَقَاضَاهُ بَطْنُهُ فَيَقُولُ مَاذَا يَأْكُلُ الْيَوْمَ فَيَدْخُلُ الْمَدَاخِلَ مِنْ الشُّبُهَاتِ وَالْحَرَامِ أَوْ يَتْعَبُ فِي الْحَلَالِ وَيَمُدُّ يَدَ الطَّمَعِ إلَى الْخَلْقِ (وَإِمْكَانَ الْقَنَاعَةِ) بِالْقَلِيلِ (وَعَدَمَ نِسْيَانِ بَلَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَذَابِهِ وَتَذَكُّرَ جُوعِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِ النَّارِ) لِأَنَّ الْفَطِنَ لَا يُشَاهِدُ بَلَاءً إلَّا وَيَتَذَكَّرُ بَلَاءَ الْآخِرَةِ فَيَتَذَكَّرُ بِعَطَشِهِ عَطَشَ الْخَلْقِ فِي عَرَصَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَبِجُوعِهِ جُوعَهُمْ فِي النَّارِ حِينَ يَجُوعُونَ فَيُطْعَمُونَ الزَّقُّومَ وَالضَّرِيعَ وَيُسْقَوْنَ الْغَسَّاقَ وَالْمُهْلَ (وَتَيْسِيرَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى الْعِبَادَةِ لَا سِيَّمَا الْوُضُوءُ) لِأَنَّ بِالشِّبَعِ تَقْعُدُ الْأَعْضَاءُ عَنْ الْعِبَادَةِ وَلِأَنَّ كَثْرَةَ الْأَكْلِ تَمْنَعُ مِنْ كَثْرَةِ الْعِبَادَاتِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى زَمَانٍ يَشْتَغِلُ بِالْأَكْلِ وَزَمَانٍ بِشِرَاءِ الطَّعَامِ وَطَبْخِهِ ثُمَّ إلَى غَسْلِ الْيَدِ وَالْخَلَاءِ ثُمَّ كَثْرَةُ التَّرَدُّدِ إلَى بَيْتِ الْمَاءِ لِكَثْرَةِ شُرْبِهِ وَإِلَى الْخَلَاءِ وَغَيْرِهَا وَالْأَوْقَاتُ الْمَصْرُوفَةُ إلَيْهَا لَوْ صَرَفَهَا إلَى الْعِبَادَاتِ لَكَثُرَ رِبْحُهُ (وَتَمَكُّنَ الْإِيثَارِ وَالتَّصَدُّقِ بِمَا فَضَلَ مِنْ الْأَطْعِمَةِ) فَيَكُونُ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ.
وَفِيهِ فَوَائِدُ أُخْرَى كَكَسْرِ شَهَوَاتِ الْمَعَاصِي وَهِيَ أَكْبَرُهَا فَإِنَّ مَنْشَأَ الْمَعَاصِي كُلِّهَا الشَّهَوَاتُ وَيَنْدَفِعُ بِهِ شَهْوَةُ الْكَلَامِ وَآفَاتُهُ مِنْ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالْفُحْشِ وَالنَّمِيمَةِ وَشَهْوَةِ الْفَرْجِ، وَالْجُوعُ يَكْفِي شَرَّهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الشَّهَوَاتِ لِلْأَعْضَاءِ الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ وَكَاسْتِيلَاءِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ وَكَالِانْكِسَارِ وَالذُّلِّ وَزَوَالِ الْبَطَرِ وَالْفَرَحِ الَّذِي هُوَ مَبْدَأُ الطُّغْيَانِ وَالْغَفْلَةِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَكَدَفْعِ النَّوْمِ وَدَوَامِ السَّهَرِ فَإِنَّ مَنْ شَبِعَ شَرِبَ كَثِيرًا وَمَنْ شَرِبَ كَثِيرًا نَامَ كَثِيرًا وَأَجْمَعَ سَبْعُونَ صِدِّيقًا عَلَى أَنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ مِنْ كَثْرَةِ الشُّرْبِ وَفِي كَثْرَةِ النَّوْمِ ضَيَاعُ الْعُمْرِ وَفَوْتُ التَّهَجُّدِ وَبَلَادَةُ الطَّبْعِ وَقَسْوَةُ الْقَلْبِ.
(وَفِي الثَّانِي) أَيْ فِي التَّكْثِيرِ (قَسْوَةُ الْقَلْبِ وَفِتْنَةُ الْأَعْضَاءِ لِأَنَّهُ إنْ جَاعَ الْبَطْنُ شَبِعَ سَائِرُ الْأَعْضَاءِ وَسَكَنَ) وَلَمْ يَطْلُبْ مَا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى (وَإِنْ شَبِعَ) الْبَطْنُ (جَاعَ سَائِرُ الْأَعْضَاءِ وَهَاجَ) تَحَرَّكَ إلَى مَا يَهْوَاهُ (وَ) فِي الثَّانِي أَيْضًا (قِلَّةُ الْفَهْمِ) لَعَلَّ الْحَقَّ مِنْ النُّسَخِ عَلَى هَذَا (وَالْعِلْمُ فَإِنَّ الْبِطْنَةَ تُذْهِبُ الْفَطِنَةَ وَ) فِيهِ (قِلَّةُ الْعِبَادَةِ) لِصَرْفِ الْوَقْتِ فِي شَهْوَةِ النَّفْسِ مِنْ الطَّعَامِ وَتَحْصِيلِهِ وَطَبْخِهِ وَكَسْبِهِ
стр. 1014
وَكُلُّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَزْمَانًا مُتَوَفِّرَةً يَسْتَحْصِلُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ الذِّكْرِ وَالْعِبَادَاتِ (وَفَقْدُ حَلَاوَتِهَا) لِلِامْتِلَاءِ (وَخَطَرُ الْوُقُوعِ فِي الشُّبْهَةِ) لِمَا أَنَّ حُبَّهُ لِذَلِكَ يُوقِعُهُ فِيهَا (وَ) رُبَّمَا يُوقِعُهُ عِنْدَ ضَعْفِ دِينِهِ فِي (الْحَرَامِ) أَيْضًا وَفِي الصَّحِيحِ «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الرَّجُلُ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَ الْمَالَ أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ» (وَكَثْرَةُ شُغْلِ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ بِالتَّحْصِيلِ أَوَّلًا ثُمَّ بِالتَّهْيِئَةِ ثَانِيًا ثُمَّ الْأَكْلِ ثَالِثًا ثُمَّ بِإِفْرَاغِهِ وَالتَّخَلُّصِ عَنْهُ بِالِاخْتِلَافِ) وَالتَّرَدُّدِ (إلَى الْخَلَاءِ رَابِعًا ثُمَّ بِالسَّلَامَةِ مِنْ الْأَمْرَاضِ الْمُتَوَلِّدَةِ عَنْ الشِّبَعِ خَامِسًا) لِمَا بَيَّنَّاهُ أَيْضًا آنِفًا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْعَارِفِينَ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بَيَانَ خِسَّةِ الدُّنْيَا فَقَالَ لِمَلِكٍ أَرَأَيْت لَوْ مَنَعْت عَنْك شَرْبَةَ مَاءٍ وَقَدْ بَلَغَ بِك الظَّمَأُ إلَى أَنْ تَمُوتَ إلَّا بِنِصْفِ مُلْكِك أَمَا تَبْذُلُهُ قَالَ بَلَى قَالَ أَرَأَيْت إنْ لَمْ يُمْكِنْ إخْرَاجُ فَضَلَاتِك مِنْك إلَّا بِبَذْلِ النِّصْفِ الثَّانِي قَالَ أَبْذُلُهُ قَالَ فَلَا أَسَفَ عَلَى مُلْكٍ يُقَابِلُ شَرْبَةَ مَاءٍ كَمَا نَقُلْ عَنْ الْمَوَاهِبِ (وَالسُّؤَالُ أَوْ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَكَيْفَ وَصَلَ إلَيْهِ وَكَيْفَ أَنْفَقَهُ إنْ كَانَ مِنْ الْحَلَالِ وَالْعَذَابُ أَيْضًا إنْ مِنْ الْحَرَامِ (وَخَوْفُ الدُّخُولِ فِي وَعِيدِ قَوْله تَعَالَى - ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]- وَشِدَّةُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ إذْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّ شِدَّةَ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ عَلَى قَدْرِ لِذَاتِ الْحَيَاةِ) الْعَاجِلَةِ كَمَا هُوَ شَأْنُ الَّذِينَ يُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا مَعَ أَنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ وَأَبْقَى
وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْحُجُبَ الْمَانِعَةَ عَنْ وِصَالِهِ تَعَالَى أَرْبَعَةٌ الْأَوَّلُ حِجَابُ الْمَالِ وَيَرْتَفِعُ ذَلِكَ بِتَفْرِيقِهِ إلَّا قَدْرَ الضَّرُورَةِ وَمَنْ لَهُ دِرْهَمٌ وَاحِد يَلْتَفِتُ إلَيْهِ قَلْبُهُ فَهُوَ مَحْجُوبٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى الثَّانِي حِجَابُ الْجَاهِ وَرَفْعُهُ بِالْبُعْدِ عَنْ مَوْضِعِ الْجَاهِ وَبِإِيثَارِ الْخُمُولِ وَبِأَعْمَالٍ تُنَفِّرُ الْخَلْقَ كَمَا نُقِلَ عَنْ السَّلَفِ الثَّالِثُ حِجَابُ التَّقْلِيدِ وَرَفْعُهُ بِتَرْكِ التَّعَصُّبِ لِلْمَذَاهِبِ الرَّابِعُ حِجَابُ الْمَقَاصِدِ النَّفْسَانِيَّةِ وَرَفْعُهُ تَرْكُ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوَى اللَّهِ سِيَّمَا الْهَوَى - ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]- وَبَعْدَ رَفْعِ هَذِهِ الْحُجُبِ يَتَحَصَّنُ بِأَرْبَعَةٍ الْأَوَّلُ الْجُوعُ فَإِنَّهُ يُنْقِصُ دَمَ الْقَلْبِ وَيُبَيِّضُهُ وَفِي بَيَاضِهِ نُورُهُ وَيُذْهِبُ شَحْمَ الْفُؤَادِ وَفِيهِ رِقَّتُهُ وَرِقَّتُهُ مِفْتَاحُ الْمُكَاشَفَةِ وَمَتَى نَقَصَ دَمُ الْقَلْبِ ضَاقَ مَسْلَكُ الْعَدُوِّ الثَّانِي السَّهَرُ فَإِنَّهُ يُجْلِي الْقَلْبَ وَيُصَفِّيهِ وَيُنَوِّرُهُ وَإِذَا انْضَمَّ إلَيْهِ صَفَاءُ الْجُوعِ يَصِيرُ الْقَلْبُ كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ وَالْمِرْآةِ الْمَجْلُوَّةِ فَيَلُوحُ فِيهِ جَمَالُ الْحَقِّ وَيُشَاهَدُ فِيهِ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ وَالسَّهَرُ نَتِيجَةُ الْجُوعِ فَإِنَّهُ مَعَ الشِّبَعِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَالنَّوْمُ يُقَسِّي الْقَلْبَ وَيُمِيتُهُ إلَّا إذَا كَانَ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ فَيَكُونُ سَبَبَ الْمُكَاشَفَةِ لِأَسْرَارِ الْغَيْبِ الثَّالِثُ الصَّمْتُ وَيُسَهِّلُهُ الْعُزْلَةُ وَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ فَإِنَّ الْكَلَامَ يُشْغِلُ الْقَلْبَ وَيُثْقِلُ التَّجَرُّدَ لِلذِّكْرِ وَالْفِكْرِ الرَّابِعُ الْخَلْوَةُ وَفَائِدَتُهَا دَفْعُ الشَّوَاغِلِ وَضَبْطُ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ إلَّا قَدْرَ الضَّرُورَةِ وَإِذَا سَدَّ الْحَوَاسَّ تَتَفَجَّرُ يَنَابِيعُ الْغَيْبِ مِنْ حِيَاضِ الْمَلَكُوتِ وَتَنْصَبُّ إلَى الْقَلْبِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْجُلُوسِ فِي مَكَان مُظْلِمٍ وَإِلَّا فَيَلُفُّ رَأْسَهُ فِي الْجَيْبِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْمَعُ نِدَاءَ الْحَقِّ وَيُشَاهِدُ جَلَالَ حَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَبَعْدَ التَّحَصُّنِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ يَقْطَعُ عَقَبَاتِ الْقَلْبِ الَّتِي سَبَبُهَا الِالْتِفَاتُ إلَى الدُّنْيَا، وَإِذَنْ حَصَلَ قَلْبُهُ مَعَ اللَّهِ وَتَجَلَّى لَهُ الْحَقُّ وَظَهَرَ لَهُ مِنْ لَطَائِفِ رَحْمَةِ اللَّهِ مَا لَا يَجُوزُ وَصْفُهُ بَلْ لَا يُحِيطُ الْوَصْفُ بِهِ أَصْلًا
[بَعْضَ مَا وَرَدَ فِي ذَمِّ الشِّبَعِ وَكَثْرَةِ الْأَكْلِ وَالتَّنَعُّمِ]
(وَلْنَذْكُرْ بَعْضَ مَا وَرَدَ فِي ذَمِّ الشِّبَعِ وَكَثْرَةِ الْأَكْلِ وَالتَّنَعُّمِ " دُنْيَا " عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) وَعَنْ
стр. 1015
أَبَوَيْهَا (أَنَّهَا قَالَتْ أَوَّلُ مَا حَدَثَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا الشِّبَعُ) مُلَازَمَتُهُ وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ فِي عَهْدِهِ فِي وَقْتٍ مَا أَوْ حَالٍ مَا بِلَا دَوَامٍ (فَإِنَّ الْقَوْمَ لَمَّا شَبِعَتْ بُطُونُهُمْ سَمِنَتْ أَبْدَانُهُمْ) وَالسِّمَنُ مَذْمُومٌ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ آخِرُهُ وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ (وَضَعُفَتْ قُلُوبُهُمْ) لِأَنَّ السِّمَنَ لَا يَحْدُثُ فِيمَنْ لَهُ شُغْلٌ دِينِيٌّ وَخَوْفٌ قَلْبِيٌّ فَإِنَّهُ يُذِيبُ الْبَدَنَ وَلِذَا قِيلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ مَا أَفْلَحَ سَمِينٌ قَطُّ إلَّا إنْ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَكْرَهُ الْجَسَدَ السَّمِينَ» نُقِلَ عَنْ الْمَوَاهِبِ لَكِنَّ الْحَقَّ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ السِّمَنُ بِقَصْدِهِ وَصُنْعِهِ فَمَذْمُومٌ وَإِلَّا فَلَا إذْ لَا مُؤَاخَذَةَ فِي اضْطِرَارِيَّةٍ وَأَنَا أَقُولُ فَعَلَى الْأَوَّلِ إنْ لِتَقَوٍّ لِلْعِبَادَةِ أَوْ الْمَرْأَةِ لِتَحْصِيلِ الْجَمَالِ لِحُبِّ زَوْجِهَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُمْنَعَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَجَمَحَتْ) بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ غَلَبَتْ (شَهَوَاتُهُمْ) عَلَيْهِمْ فَمَلَكَتْهُمْ فَوَقَعُوا فِيمَا وَقَعُوا فَكَأَنَّهُمْ عَبِيدُ الشَّهَوَاتِ وَأَسْرَى الْهَوَى (ت عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّهُ تَجَشَّأَ» أَيْ أَخْرَجَ الْجُشَاءَ مِنْ صَدْرِهِ كَثِيرًا وَهُوَ رِيحٌ يَخْرُجُ مِنْ الصَّدْرِ عِنْدَ امْتِلَاءِ الْمَعِدَةِ مِنْ الطَّعَامِ «رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ كُفَّ عَنَّا جُشَاكَ» عَلَى وَزْنِ غُرَابٍ ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ خِلَافَ مَنْ قَيَّدَهُ بِالْكَثْرَةِ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ الْجُشَاءِ وَعَنْ سَبَبِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ «فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَلَا يَشْكُلُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الَّتِي يَدُورُ التَّكْلِيفُ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ كَوْنَ نَفْسِ الْجُشَاءِ ضَرُورِيًّا فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ لِعُمُومِ الْأَشْخَاصِ لَكِنَّ سَبَبَهُ الْغَالِبَ الَّذِي هُوَ الشِّبَعُ وَالِامْتِلَاءُ مِنْ الْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيِّ.
(خ م عَنْ نَافِعٍ) مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ تَابِعِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - (أَنَّهُ كَانَ ابْنُ عُمَرَ) كِلْمَةُ كَانَ تُشْعِرُ بِالِاسْتِمْرَارِ (لَا يَأْكُلُ) طَعَامًا (حَتَّى يُؤْتَى بِمِسْكِينٍ يَأْكُلُ مَعَهُ فَأَدْخَلْت عَلَيْهِ رَجُلًا يَأْكُلُ مَعَهُ فَأَكَلَ) ذَلِكَ الرَّجُلُ (كَثِيرًا فَقَالَ) بَعْدَ ذَهَابِهِ (يَا نَافِعُ لَا تُدْخِلْ هَذَا عَلَيَّ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ) - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (يَقُولُ «الْمُسْلِمُ يَأْكُلُ فِي مِعًى» ) بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَالْقَصْرِ ( «وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» ) لَا يَقْنَعَانِ بِمَا يَقْنَعُ بِهِ الْمُسْلِمُ بَلْ هُمَا حَرِيصَانِ عَلَى الْأَكْلِ قِيلَ الْمُرَادُ
стр. 1016
مِنْهُمَا خَاصٌّ.
وَقِيلَ عَامٌّ لَكِنَّهُ غَالِبِيٌّ أَوْ هُوَ تَمْثِيلٌ لِاقْتِصَارِ الْمُسْلِمِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ فَكَأَنَّهُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ لِشَرَاهَتِهِ كَأَنَّهُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةٍ ثُمَّ الْعَاقِلُ الْمُسْلِمُ أَنْ يُوصَفَ بِمَا وَصَفَهُ النَّبِيُّ لِلْمُسْلِمِ لَا بِمَا وَصَفَهُ لِلْمُنَافِقِ وَالْكَافِرِ فَهَلْ يَلِيقُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَّصِفَ بِصِفَةِ الْكَافِرِ ثُمَّ الظَّاهِرُ التَّقْيِيدُ بِالْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ فِي مَحَلِّهَا مِنْ تَجْوِيزِهِ لِأَجْلِ تَقَوِّي الطَّاعَةِ وَتَطْيِيبِ الْمُسَافِرِ وَنَحْوِهِمَا (ت عَنْ مِقْدَادِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ» فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ بَطْنِهِ بِالضَّمِيرِ.
قَالَ فِي شَرْحِهِ لِمَا فَاتَهُ مِنْ خُيُورٍ كَثِيرَةٍ جَعَلَ الْبَطْنَ وِعَاءً كَالْأَوْعِيَةِ الَّتِي تُتَّخَذُ ظُرُوفًا تَوْهِينًا لِشَأْنِهِ ثُمَّ جَعَلَهُ شَرَّ الْأَوْعِيَةِ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَا هِيَ لَهُ وَالْبَطْنُ خُلِقَ لَأَنْ يَتَقَوَّمَ بِهِ الصُّلْبُ بِالطَّعَامِ وَامْتِلَاؤُهُ يُفْضِي إلَى فَسَادِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَيَكُونُ شَرًّا مِنْهَا وَالشِّبَعُ يَزِيغُ عَنْ الْحَقِّ وَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْكَسَلُ فَيَمْنَعُهُ مِنْ التَّعَبُّدِ وَيُكْثِرُ فِيهِ مَوَادَّ الْفُضُولِ فَيَكْثُرُ غَضَبُهُ وَشَهْوَتُهُ وَيَزِيدُ حِرْصُهُ فَيُوقِعُهُ فِي طَلَبِ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ قَالَ بَعْضٌ الشِّبَعُ نَهْرٌ يَرِدُهُ الشَّيْطَانُ وَالْجُوعُ نَهْرٌ فِي الرُّوحِ تَرِدُهُ الْمَلَائِكَةُ «بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ» الْبَاءُ مَزِيدَةٌ أَيْ يَكْفِيهِ «لُقَيْمَاتٌ» .
وَفِي الْجَامِعِ أَكَلَاتٌ أَيْ يَكْفِيهِ هَذَا الْقَدْرُ فِي سَدِّ الرَّمَقِ وَإِبْقَاءِ الْقُوَّةِ وَلِهَذَا قَالَ «يُقِمْنَ صُلْبَهُ» أَيْ ظَهْرَهُ تَسْمِيَةً لِلْكُلِّ بِاسْمِ جُزْئِهِ إذْ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الظَّهْرِ فِيهِ فَقَارٌ فَهُوَ صُلْبٌ كِنَايَةً عَنْ أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُ مَا يَحْفَظُهُ مِنْ السُّقُوطِ وَيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ قَالَ الْغَزَالِيُّ صِيغَةُ جَمْعِ الْقِلَّةِ لِلْإِشَارَةِ إلَى مَا دُونَ الْعَشَرَةِ «فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ» مِنْ التَّجَاوُزِ عَمَّا ذُكِرَ فَلْتَكُنْ أَثْلَاثًا «فَثُلُثٌ» أَيْ ثُلُثُ بَطْنِهِ يَجْعَلُهُ «لِطَعَامِهِ» مَأْكُولُهُ «وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ» يَدَعُهُ «لِنَفَسِهِ» بِالتَّحْرِيكِ يَعْنِي يُبْقِي مِنْ مِلْئِهِ قَدْرَ الثُّلُثِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ التَّنَفُّسِ وَيَحْصُلُ لَهُ نَوْعُ صَفَاءٍ وَرِقَّةٍ وَهَذِهِ غَايَةُ مَا يَنْفَعُ لِلْبَدَنِ وَالْقَلْبِ فَإِنْ بِالشِّبَعِ ضَاقَ النَّفَسُ وَعَرَضَ الْكَرْبُ وَالثِّقَلُ وَلَمَّا كَانَ فِي الْإِنْسَانِ ثَلَاثَةُ أَجْزَاءٍ أَرْضِيٍّ وَمَائِيٍّ وَهَوَائِيٍّ قَسَّمَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَفَسَهُ إلَى الْأَجْزَاءِ الثَّلَاثَةِ وَتَرَكَ النَّارِيَّ لِقَوْلِ جَمْعٍ مِنْ الْأَطِبَّاءِ لَيْسَ فِي الْبَدَنِ جُزْءٌ نَارِيٌّ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ لَوْ سَمِعَ بُقْرَاطُ هَذِهِ الْقِسْمَةَ لَعَجِبَ مِنْ هَذِهِ الْحِكْمَةِ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ ذُكِرَ هَذَا الْحَدِيثُ لِبَعْضِ الْفَلَاسِفَةِ فَقَالَ مَا سَمِعْت كَلَامًا فِي قِلَّةِ الْأَكْلِ أَحْكَمَ مِنْهُ وَإِنَّمَا خَصَّ الثَّلَاثَةَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَسْبَابُ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ.
(تَنْبِيهٌ) الْجُوعُ اخْتِيَارِيٌّ وَهُوَ جُوعُ السَّالِكِينَ أَوْ اضْطِرَارِيٌّ وَهُوَ جُوعُ الْمُحَقِّقِينَ فَإِنَّ الْمُحَقِّقَ لَا يُجَوِّعُ نَفْسَهُ بَلْ يُقَلِّلُ أَكْلَهُ إنْ كَانَ فِي مَقَامِ الْأُنْسِ وَإِنْ كَانَ فِي مَقَامِ الْهَيْبَةِ كَثُرَ أَكْلُهُ فَكَثْرَةُ الْأَكْلِ لِلْمُحَقِّقِينَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ سَطَوَاتِ أَنْوَارِ الْحَقِيقَةِ عَلَى قُلُوبِهِمْ بِحَالِ الْعَظَمَةِ مِنْ مَشْهُودِهِمْ، وَقِلَّةُ الْأَكْلِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْمُحَادَثَةِ بِحَالِ الْمُؤَانَسَةِ مِنْ مَشْهُودِهِمْ وَكَثْرَةُ الْأَكْلِ لِلسَّالِكِينَ دَلِيلٌ عَلَى بُعْدِهِمْ مِنْ اللَّهِ وَبُعْدِهِمْ عَنْ بَابِهِ وَاسْتِيلَاءِ النَّفْسِ الشَّهْوَانِيَّةِ الْبَهِيمَةِ عَلَيْهِمْ، وَقِلَّةُ الْأَكْلِ لَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى نَفَحَاتِ الْجَوْدَةِ الْإِلَهِيِّ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَيَشْغَلُهُمْ ذَلِكَ عَنْ تَدْبِيرِ جُسُومِهِمْ، وَالْجُوعُ بِكُلِّ حَالٍ سَبَبٌ إلَى نَيْلِ عَظِيمِ الْأَحْوَالِ وَالْأَسْرَارِ مَا لَمْ يُفْرِطْ فَإِنَّ إفْرَاطَهُ يُؤَدِّي إلَى فَسَادِ الْمِزَاجِ وَضَعْفِ الْعَقْلِ (طب دُنْيَا عَنْ جَعْدَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا عَظِيمَ الْبَطْنِ فَقَالَ بِأُصْبُعِهِ لَوْ كَانَ هَذَا» إشَارَةٌ إلَى مَا فِي الْبَطْنِ مِنْ الطَّعَامِ «فِي غَيْرِ هَذَا» الْبَطْنِ أَيْ فِي بَطْنِ رَجُلٍ آخَرَ «لَكَانَ خَيْرًا لَك» لِمَا فِيهِ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لَوْ كَانَ الِامْتِلَاءُ بِالْمَعَارِفِ لَكَانَ خَيْرًا لِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ الْبَدَنِيِّ وَالدِّينِيِّ (دُنْيَا عَنْ ابْنِ بُجَيْرٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَهْبٍ الْأَنْصَارِيُّ لَهُ رُؤْيَةٌ وَذَكَرَهُ بَعْضٌ فِي الصَّحَابَةِ
стр. 1017
وَلَهُ حَدِيثُ مُرْسَلٌ (أَنَّهُ قَالَ «أَصَابَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جُوعٌ يَوْمًا فَعَمَدَ إلَى حَجَرٍ فَوَضَعَهُ عَلَى بَطْنِهِ» وَرَبَطَهُ بِهِ لِئَلَّا يَتَقَوَّسَ الظَّهْرُ وَلِئَلَّا تَأْكُلَ الْمَعِدَةُ نَفْسَهَا أَوْ لِحُكْمٍ آخَرَ «ثُمَّ قَالَ أَلَا رُبَّ مُهِينٍ لِنَفْسِهِ وَهُوَ» فِي الْحَقِيقَةِ «لَهَا مُكْرِمٌ» لِأَنَّ النَّفْسَ إنَّمَا تَصِلُ إلَى الْكَرَامَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ بِالْإِهَانَةِ لَهَا وَتَرْكِ لَذَّاتِهَا وَكَسْرِ شَهَوَاتِهَا وَكَبْحِ مُيُولَاتِهَا وَمَنْعِ تَشَهِّيهَا.
(م عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «طَعَامُ الْوَاحِدِ» مِقْدَارُ مَا يُشْبِعُهُ «يَكْفِي الِاثْنَيْنِ» مِقْدَارُ قُوتِهِمَا «وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ» فَشِبَعُ الْوَاحِدِ قُوتُ الِاثْنَيْنِ وَشِبَعُ الِاثْنَيْنِ قُوتُ الْأَرْبَعَةِ وَالْأَرْبَعَةِ لِلثَّمَانِيَةِ وَعَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الْإِخْبَارُ فَمُشْكِلٌ إذْ طَعَامُ الْوَاحِدِ لَا يَكْفِي الِاثْنَيْنِ وَهَكَذَا وَالْجَوَابُ أَنَّهُ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ أَيْ أَطْعِمُوا طَعَامَ الْوَاحِدِ لِلِاثْنَيْنِ وَهَكَذَا وَهَكَذَا أَوْ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ يَقُوتُ الِاثْنَيْنِ وَأَخْبَرَنَا بِذَلِكَ لِئَلَّا نَجْزَعَ أَوْ مَعْنَاهُ طَعَامُ الْوَاحِدِ إذَا أَكَلَ وَحْدَهُ كَانَ لِاثْنَيْنِ مُجْتَمِعًا فَالْمُرَادُ الْحَثُّ عَلَى التَّقَنُّعِ بِالْكِفَايَةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْحَصْرَ فِي مِقْدَارِ الْكِفَايَةِ بَلْ الْمُوَاسَاةَ.
قَالَ عُمَرُ عَامَ الرَّمَادَةِ لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أُنْزِلَ عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ مِثْلَ عَدَدِهِمْ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَهْلِكُ عَلَى نِصْفِ بَطْنِهِ وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ أَنَّ السُّلْطَانَ فِي الْمَسْغَبَةِ يُفَرِّقُ الْفُقَرَاءَ عَلَى أَهْلِ السَّعَةِ بِقَدْرِ مَا يَحِيقُ بِهِمْ قِيلَ فِيهِ نَدْبُ الْمُوَاسَاةِ وَأَنَّهُ تَعَالَى يَجْعَلُ فِيهِ الْبَرَكَةَ فَالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يُشْبِعُ الْوَاحِدَ يَرُدُّ جُوعَ الِاثْنَيْنِ وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى الْمُوَاسَاةِ وَالْمُرُوءَةِ وَعَدَمِ الِاسْتِبْذَارِ وَتَجَنُّبِ الْبُخْلِ وَالشِّبَعِ (دُنْيَا طكط عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «سَيَكُونُ رِجَالٌ» إمَّا لِكَوْنِهِمْ مَتْبُوعِينَ لِلنِّسَاءِ أَوْ تَغْلِيبٌ أَوْ عُمُومُ مَجَازٍ بِمَعْنَى بَشَرٍ أَوْ إنْسَانٍ أَوْ مُقَايَسَةٌ أَوْ دَلَالَةُ نَصٍّ أَوْ حَذْفُ الْعَاطِفِ مَعَ الْمَعْطُوفِ مِنْ قَبِيلِ ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] كَمَا فِي أَمْثَالِهِ «مِنْ أُمَّتِي يَأْكُلُونَ أَلْوَانَ الطَّعَامِ» فَأَكْلُ الْأَلْوَانِ أَيْ الْأَنْوَاعِ بِدْعَةٌ لَكِنْ قَدْ سَبَقَ وَحَكَى بَعْضٌ فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ التَّجْوِيزِ وَفِعْلُ بَعْضِ السَّلَفِ مُقَيَّدٌ بِمَصْلَحَةٍ كَالتُّقَا لِنَفْعِ الْبَدَنِ وَكَكَوْنِ التَّشَهِّي بِالْمَجْمُوعِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمَجْمُوعُ غَيْرَ مُتَجَاوِزِ الشِّبَعِ أَوْ كَكَوْنِ الْأَكْلَةِ كَثِيرَةً «وَيَشْرَبُونَ أَلْوَانَ الشَّرَابِ وَيَلْبَسُونَ أَلْوَانَ الثِّيَابِ وَيَتَشَدَّقُونَ» التَّكَلُّفَ فِي الْفَصَاحَةِ «فِي الْكَلَامِ فَأُولَئِكَ شِرَارُ أُمَّتِي» .
قِيلَ الْحُكْمُ بِالشِّرَارِ مَعَ إبَاحَةِ الْأَصْلِ غَيْرُ الْأَخِيرِ لِكَوْنِهِ مُؤَدِّيًا إلَى الشُّرُورِ وَالْمَعَاصِي وَمُقَدِّمَاتِهَا كَأَنَّهُ يَقُولُ لِلْوَسَائِلِ أَحْكَامُ الْمَقَاصِدِ لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّرَارِيَّةَ تَمْنَعُ الْإِبَاحَةَ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْإِفْضَاءِ يَعْنِي الشَّرَارِيَّةَ مَا يَكُونُ مُفْضِيًا وَمَا لَا فَلَا بَعِيدٌ عَنْ إطْلَاقِ النَّصِّ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ بِحَيْثُ يَكُونُ لِكُلِّ جُزْءٍ مَدْخَلٌ فِي الشَّرَارِيَّةِ ضَعِيفٌ أَيْضًا أَوْ الْمَعْنَى فَبَعْضُ أُولَئِكَ مِنْ شِرَارِ أُمَّتِي لَعَلَّ الْوَجْهَ أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الرَّابِطَةَ الْفِعْلِيَّةَ لَكِنَّهُ اتَّفَقَ فِي الْخَارِجِ أَنَّ مَنْ عَنَاهُمْ كَذَلِكَ أَكْثَرُهُمْ يَتَّفِقُ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ أَعْظَمُ شُرُورِهِمْ مِنْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ كَالظَّلَمَةِ وَالْجَبَابِرَةِ فَمِنْ قَبِيلِ الْمُعْجِزَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي إخْبَارِ الْغَيْبِ أَوْ يَفْعَلُ كُلَّ ذَلِكَ بِأَغْرَاضٍ فَاسِدَةٍ وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَالْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ يُطَوِّلُ أَكْمَامَهُ وَيَجُرُّ أَذْيَالَهُ تِيهًا وَعُجْبًا مُصْغِيًا إلَى مَا يَقُولُ النَّاسُ لَهُ وَفِيهِ شَاخِصًا إلَى مَا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ مِنْهُ قَدْ عَمِيَ بَصَرُهُ وَبَصِيرَتُهُ عَنْ النَّظَرِ إلَى صُنْعِ اللَّهِ وَتَدْبِيرِهِ وَصُمَّ سَمْعُهُ عَنْ مَوَاعِظِ اللَّهِ يَقْرَأُ كَلَامَ اللَّهِ وَلَا يَتَلَذَّذُ بِهِ وَلَا يَجِدُ لَهُ حَلَاوَةً كَأَنَّهُ إنَّمَا عُنِيَ بِذَلِكَ غَيْرُهُ فَكَيْفَ يَتَلَذَّذُ بِمَا كُلِّفَ بِهِ غَيْرُهُ وَإِنَّمَا صَارَ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ اسْمُهُ خَاطَبَ أُولِي الْعُقُولِ وَالْبَصَائِرِ وَالْأَلْبَابِ فَمَنْ ذَهَبَ عَقْلُهُ وَعَمِيَتْ بَصِيرَتُهُ فِي شَأْنِ نَفْسِهِ وَدُنْيَاهُ كَيْفَ يَفْهَمُ كَلَامَ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَيَتَلَذَّذُ بِهِ وَكَيْفَ يَجْلُو بَصَرُهُ وَهُوَ يَرَى صِفَةَ غَيْرِهِ ثُمَّ قِيلَ الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ وَقِيلَ
стр. 1018
مَتْرُوكٌ وَقِيلَ مُخْتَلَطٌ.
(وَيُكْرَهُ الْأَكْلُ فِي السُّوقِ بِمَرْأَى النَّاسِ وَفِي الطَّرِيقِ) وَلَوْ قَالَ وَبِمَرْأَى النَّاسِ بِالْعَطْفِ لَكَانَ أَشْمَلَ لَعَلَّهُ يُشِيرُ بِهِ إلَى عِلَّةِ الْكَرَاهَةِ فِي أَكْلِ السُّوقِ فَلَوْ وُجِدَتْ الْعِلَّةُ أَيْ مَرْأَى النَّاسِ فِي غَيْرِ السُّوقِ يَتَحَقَّقُ الْحُكْمُ أَيْ الْكَرَاهَةُ إذْ قَدْ يَعُمُّ الْحُكْمَ بِعُمُومِ الْعِلَّةِ فَافْهَمْ وَجْهَ الْكَرَاهَةِ أَمَّا الدَّنَاءَةُ أَوْ تَعَلُّقُ نَظَرِ الْفُقَرَاءِ فَعَلَى هَذَا لَوْ أَكَلَ وَرَاءَ الْحِجَابِ لَا يُكْرَهُ
(وَ) يُكْرَهُ الْأَكْلُ (عِنْدَ الْمَقَابِرِ وَالضَّحِكُ أَيْضًا عِنْدَهَا) لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ مَحَلُّ اعْتِبَارٍ وَتَذَكُّرِ الْآخِرَةِ وَالْأَكْلُ وَالضَّحِكُ مُنَافٍ لَهُمَا وَلِهَذَا قِيلَ كُتِبَ عَلَى مَقَابِرِ بَعْضِ السَّلَفِ نَحْنُ مِثْلُكُمْ أَمْسِ وَتَصِيرُونَ غَدًا مِثْلَنَا فَاعْتَبِرُوا بِنَا عَنْ تَفْسِيرِ ابْنِ الْعَادِلِ أَنَّ زِيَارَةَ الْقُبُورِ مِنْ أَعْظَمِ الْأَدْوِيَةِ لِلْقَلْبِ الْقَاسِي لِأَنَّهَا مُذَكِّرَةٌ الْآخِرَةَ وَالْمَوْتَ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ عَلَى قِصَرِ الْأَمَلِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَتَرْكِ الرَّغْبَةِ فِيهَا (وَعِنْدَ الْجِنَازَةِ) لِأَنَّ الْأَكْلَ مِنْ لَوَازِمِ الْفَرَحِ وَهِيَ مَحَلُّ حُزْنٍ أَوْ مَحَلُّ عِبْرَةٍ كَمَا عَرَفْت (وَأَكْلُ طَعَامِ الْمَيِّتِ) الْمُتَّخَذُ لِأَجْلِ الْمَيِّتِ سَوَاءٌ اُتُّخِذَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ أَوْ لِأُسْبُوعٍ أَوْ لِأَرْبَعَيْنِ أَوْ الْأَعْيَادِ (وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي جَلَاءِ الْقُلُوبِ) كَمَا تَقَدَّمَ
(وَ) يُكْرَهُ تَحْرِيمًا (الْأَكْلُ مِنْ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالشُّرْبُ مِنْهُمَا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) وَأَمَّا لُبْسُهُمَا فَجَائِزٌ لِلنِّسَاءِ لَا لِلرِّجَالِ لِأَنَّ الزِّينَةَ حَرَامٌ لَهُمْ (وَكَذَا الْأَكْلُ بِمِلْعَقَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) مُطْلَقًا (وَكَذَلِكَ الِاكْتِحَالُ بِمِيلِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَكَذَا إحْرَاقُ الْعُودِ فِي الْمِجْمَرِ) وَهُوَ مَا يُوقَدُ فِيهِ الْعُودُ (الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) وَكَذَا الِادِّهَانُ وَالِاكْتِحَالُ قَالُوا هَذَا عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الدُّهْنِ مِنْ الْآنِيَةِ أَمَّا إذَا صَبَّهُ عَلَى يَدِهِ ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَكَذَا إذَا أَخَذَ الطَّعَامَ مِنْ آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَوَضَعَهُ عَلَى خُبْزٍ أَوْ نَحْوِهِ ثُمَّ أَكَلَ لَا بَأْسَ بِهِ وَيُكْرَهُ الدَّوَاةُ وَالْقَلَمُ وَالرِّيشَةُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَيُكْرَهُ الْوُضُوءُ فِي الطَّشْتِ وَالْإِبْرِيقِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَهُمَا وَحَلَّ لَهُمَا اسْتِعْمَالُ الْأَحْجَارِ بِأَنْ يَجْعَلَ النُّحَاسَ أَوْ الرَّصَاصَ أَوْ الصُّفْرَ أَوْ الْحَدِيدَ أَوْ الزُّجَاجَ أَوْ الْبِلَّوْرَ أَوْ الْعَقِيقَ أَوْ غَيْرَهُ آنِيَةً كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمُضْمَرَاتِ وَعَنْ بَعْضٍ أَنَّ الْأَكْلَ فِي النُّحَاسِ وَالصُّفْرِ مَكْرُوهٌ وَفِي الِاخْتِيَارِ أَنَّ الْخَزَفَ أَفْضَلُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ اتَّخَذَ أَوَانِيَ بَيْتِهِ خَزَفًا زَارَتْهُ الْمَلَائِكَةُ» كَمَا نُقِلَ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ
(وَأَمَّا) الْإِنَاءُ (الْمُذَهَّبُ وَالْمُفَضَّضُ) الْإِنَاءُ الَّذِي فِي بَعْضِ جَوَانِبِهِ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ (فَجَائِزٌ عِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إنْ لَمْ يَضَعْ فَمَهُ) وَكَذَا يَدَهُ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَعَنْ الْمِنَحِ وَيَتَّقِي مَوْضِعَ الْفِضَّةِ بِالْفَمِ وَقِيلَ بِالْفَمِ وَالْيَدِ فِي الْأَخْذِ وَالشُّرْبِ (عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) وَعِنْدَهُمَا مَكْرُوهٌ وَعَنْ الْمِنَحِ عَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ
стр. 1019
(وَكَذَا الْكُرْسِيُّ) الْمُذَهَّبُ أَوْ الْمُفَضَّضُ (إذَا لَمْ يَجْلِسُ عَلَى مَوْضِعِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَكَذَا) جَائِزٌ عِنْدَهُ (حَلْقَةُ الْمِرْآةِ وَحِلْيَةُ الْمُصْحَفِ وَأَمَّا السَّرْجُ الْمُفَضَّضُ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا بَأْسَ بِهِ وَكَذَا الثَّفْرُ) مَا يُجْعَلُ تَحْتَ ذَنَبِ الدَّابَّةِ (الْمُفَضَّضُ وَاللِّجَامُ وَالرِّكَابُ الْمُفَضَّضَانِ) وَعَنْ أَبِي يُوسُف كَرَاهَتُهُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ أَيْضًا
(وَأَمَّا التَّمْوِيهُ) طِلَاءُ الشَّيْءِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ تَحْتَهُ نُحَاسٌ أَوْ حَدِيدٌ (الَّذِي لَا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ شَيْءٌ) عِنْدَ الْإِذَابَةِ (فَلَا بَأْسَ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ) لِأَنَّهُ مُسْتَهْلَكٌ فَلَا عِبْرَةَ لِبَقَائِهِ وَإِنَّمَا مَحَلُّ النِّزَاعِ مَا يَخْلُصُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِذَابَةِ شَيْءٌ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ وَعِنْدَهُ يَجُوزُ إذَا اتَّقَى عَنْ مَوَاضِعِهِمَا
(وَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ أَنْ يَأْكُلَ عَلَى خِوَانِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) عَلَى وَزْنِ كِتَابٍ شَيْءٌ مُرْتَفِعٌ يُوضَعُ تَحْتَ الطَّعَامِ لِيُؤْكَلَ بِلَا انْحِنَاءٍ إلَى السُّفْرَةِ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَلِكَوْنِهِ شِعَارَ الْخُيَلَاءِ قَالَ فِي الْحَاشِيَة وَأَمَّا الْأَكْلُ عَلَى الْخِوَانِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلَا يُكْرَهُ (كُلُّهُ) كُلُّ مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِ وَالْأَكْلُ (فِي) كَرَاهِيَةِ (الْخُلَاصَةِ) وَغَيْرِهَا وَفِي التتارخانية لَا بَأْسَ بِجَعْلِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي سَقْفِ الدَّارِ وَالْمَسْجِدِ وَأَنْ يُنْقَشَ الْمَسْجِدُ بِمَائِهِمَا إنْ كَانَ مِنْ مَالِهِ وَلَا تَجُوزُ الْمَكَاحِلُ وَالِاكْتِحَالُ بِمِيلِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا يُكْرَهُ خَاتَمُ الْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ وَحِلْيَةُ السَّيْفِ وَالْمِنْطَقَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى مِقْبَضِ السَّيْفِ وَكَذَا السِّكِّينُ وَحَمَائِلُ السَّيْفِ بِالْفِضَّةِ يُكْرَهُ وَكَذَا الْكِتَابَةُ مِنْ دَوَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ
(وَ) يُكْرَهُ (أَكْلُ طَعَامِ ضِيَافَةٍ عِنْدَهُ لَعِبٌ أَوْ لَهْوٌ أَوْ غِنَاءٌ وَغَيْرُهَا مِنْ الْمُنْكَرَاتِ) بَلْ اللَّازِمُ حِينَئِذٍ الْمَنْعُ عَنْ الْمُنْكَرَاتِ إنْ قَدَرَ وَإِلَّا فَالْقِيَامُ وَلَوْ عَلِمَ الْمُنْكَرَ ابْتِدَاءً فَعَلَيْهِ عَدَمُ الْإِجَابَةِ وَفِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ دُعِيَ إلَى وَلِيمَةٍ أَوْ طَعَامٍ فَوَجَدَ ثَمَّةَ لَعِبًا أَوْ غِنَاءً لَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْعُدَ وَيَأْكُلَ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَائِدَةِ بَلْ فِي الْمَنْزِلِ وَإِنْ عَلَى الْمَائِدَةِ لَا يَقْعُدُ وَفِي الْأُسْرُوشَنِيِّ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَائِدَةِ فَإِنْ مُقْتَدًى بِهِ لَا يَقْعُدُ لِأَنَّ فِي قُعُودِهِ شَيْنَ الدِّينِ وَفَتْحَ بَابِ الْمَعْصِيَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَدًى بِهِ فَلَا بَأْسَ بِقُعُودِهِ وَأَكْلِهِ إنْ لَمْ يَقْصِدْ اسْتِمَاعَ الْمَلَاهِي اتَّخَذَ ضِيَافَةً لِفَسَادٍ كَانَ لِلنِّسَاءِ الِامْتِنَاعُ عَنْ الْخَبْزِ وَالطَّبْخِ لَهَا وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الِامْتِنَاعُ يَنْوِينَ عِنْدَ الْخَبْزِ وَالطَّبْخِ إشْغَالَهُمْ عَنْ الْفَسَادِ مَا دَامُوا فِي الْأَكْلِ فَيُؤْجَرْنَ بِالْخَبْزِ وَالطَّبْخِ وَعَنْ الْخُلَاصَةِ إنْ عَلِمَ قَبْلَ الدُّخُولِ امْتِنَاعَهُمْ عَنْ الْفِسْقِ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَعَنْ الْخَانِيَّةِ نُقِلَ نَوْعُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ حَاصِلُهُ امْتِنَاعُ الْإِجَابَةِ إنْ قَدَرَ عَلَى مَنْعِهِمْ فَلَا يُجِيبُ بَلْ يَجِبُ الْمَنْعُ وَجَوَازُ الْإِجَابَةِ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَنْعِ لَكِنْ يُنْكِرُ فِسْقَهُمْ لِأَنَّ إجَابَةَ الدَّعْوَةِ وَاجِبَةٌ أَوْ مَنْدُوبَةٌ فَلَا يُتْرَكُ لِمَعْصِيَةٍ اعْتَرَضَتْ لَهَا لَعَلَّهُ يَقُولُ الْأُمُورُ الْأَصْلِيَّةُ لَا تَسْقُطُ بِالْعَوَارِضِ الْخَارِجِيَّةِ وَأَيْضًا يُرَجِّحُ مَا هُوَ ذَاتِيٌّ عَلَى مَا هُوَ عَرَضِيٌّ وَفِي الدُّرَرِ إنْ حَضَرَ بِلَا عِلْمٍ ثُمَّ حَدَثَ الْمُنْكَرُ فَإِنْ مُقْتَدًى بِهِ يُمْنَعُ وَإِلَّا خَرَجَ أَلْبَتَّةَ وَلَا بَأْسَ لِغَيْرِ الْمُقْتَدَى بِهِ فَإِنَّ إجَابَةَ الدَّعْوَةِ سُنَّةٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» فَلَا يُتْرَكْ لِاقْتِرَانِ الْبِدْعَةِ مِنْ غَيْرِهِ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَا تُتْرَكُ لِأَجْلِ النَّائِحَةِ وَبِالْجُمْلَةِ الْأَوْلَى لِغَيْرِ الْمُقْتَدَى الْقُدُومُ مُطْلَقًا وَفِي التتارخانية الِامْتِنَاعُ مُطْلَقًا فِي زَمَانِنَا أَسْلَمُ إلَّا إذَا عَلِمَ يَقِينًا عَدَمَ مُنْكَرٍ وَفِي الْخُلَاصَةِ يَجُوزُ لِلْوَرِعِ أَنْ يُجِيبَ دَعْوَةَ الْفَاسِقِ وَالْأَوْرَعُ أَنْ لَا يُجِيبَ، وَلَا يُجِيبُ الدَّائِنُ دَعْوَةَ مَدْيُونِهِ إنْ زَائِدَةً عَلَى عَادَتِهِ إلَّا إذَا نَصَّ أَنَّهُ لَيْسَ دَيْنٌ وَفِي التتارخانية أَيْضًا دَارًا ظَهَرَ الْفِسْقُ فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَكُفَّ رَبُّهَا بِالتَّنْبِيهِ فَلِلْإِمَامِ ضَرْبُهُ أَوْ حَبْسُهُ أَوْ إزْعَاجُهُ مِنْ دَارِهِ
(وَ) يُكْرَهُ (أَكْلُ طَعَامٍ اُتُّخِذَ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْمُبَاهَاةِ إذَا عُلِمَ ذَلِكَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بِالْقَرَائِنِ) وَالْأَمَارَاتِ
стр. 1020
[الْأَكْلُ عَلَى السُّفْرَةِ]
(وَيُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ عَلَى السُّفْرَةِ) هِيَ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْجِلْدِ (لَا الْخِوَانِ) كَكِتَابٍ شَيْءٌ مُرْتَفِعٌ يُوضَعُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ كَمَا مَرَّ (خ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «مَا عَلِمْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَ عَلَى سُكْرُجَةٍ» فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ مِنْ سَكْرَجَ وَهِيَ إنَاءٌ صَغِيرٌ يُوضَعُ فِيهِ مُشْتَهَيَاتُ الطَّعَامِ وَهِيَ غَالِبًا يُوضَعُ فِيهَا الْحَوَامِضُ حَوْلَ الْأَطْعِمَةِ لِلتَّشَهِّي وَالْهَضْمِ وَذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ فَعَلَى هَذَا يَضْعُفُ مَا قِيلَ فِي الْوَجْهِ أَنَّهَا مِنْ عَلَامَاتِ الْبُخْلِ بَلْ ذَلِكَ عَلَى هَذَا عَلَامَةُ السَّرَفِ وَالْحِيلَةُ عَلَى كَثْرَةِ الْأَكْلِ الَّتِي هِيَ ذَمِيمَةٌ وَأَنَّ هَذَا فِعْلُ الْأَعَاجِمِ خِلَافُ السُّنَّةِ فِي الْأَغْلَبِ «قَطُّ» ظَرْفٌ لِمَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ «وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ قَطُّ» أَيْ الْخُبْزُ الرَّقِيقُ الْمَنْزُوعُ مِنْهُ النُّخَالَةُ لِأَنَّ فِيهِ تَكَبُّرًا وَتَنَعُّمًا «وَلَا أَكَلَ عَلَى خِوَانٍ قَطُّ قِيلَ لِعُبَادَةَ» أَحَدُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ «فَعَلَى مَهْ» كُتِبَ بِالْهَاءِ وَلَا يُقْرَأُ بِهَا عَلَى أَيِّ شَيْءٍ «كَانُوا يَأْكُلُونَ» فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ عَلَى السُّفَرِ» وَيُكْرَهُ تَرْكُ التَّسْمِيَةِ) عَمْدًا عِنْدَ الْأَكْلِ (د ت عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) وَعَنْ أَبَوَيْهَا (أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ» وَكَذَا الشُّرْبُ بِدَلِيلِ خَبَرِ الدَّيْلَمِيِّ «إذَا أَكَلْت طَعَامًا أَوْ شَرِبْت فَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ وَلَمْ يُصِبْك مِنْهُ دَاءٌ وَإِنْ كَانَ فِيهِ سُمٌّ» الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ وَلَوْ حَائِضًا أَوْ جُنُبًا «فَإِنْ نَسِيَ فِي الْأَوَّلِ فَلْيَقُلْ فِي الْآخِرِ» لِيَقِيءَ الشَّيْطَانُ مَا أَكَلَهُ «بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ» أَيْ فِي أَكْلِ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ أَيْ جَمِيعِ أَجْزَائِهِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ عَمَلٌ وَاحِدٌ وَكُلُّ لُقْمَةٍ أَكْلَةٌ لَا يُقَالُ كَيْفَ تَصْدُقُ الِاسْتِعَانَةُ بِبَسْمِ اللَّهِ فِي الْأَوَّلِ وَقَدْ مَضَى بِلَا تَسْمِيَةٍ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَهُ إنْشَاءَ اسْتِعَانَةٍ فِي أَوَّلِهِ وَلَيْسَ بِإِخْبَارٍ حَتَّى يَكْذِبَ وَبِهِ يَصِيرُ الْمُتَكَلِّمُ مُسْتَعِينًا فِي أَوَّلِهِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ فِي أَوَّلِهِ وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيُّ بِالنَّاسِي مَا لَوْ تَعَمَّدَ أَوْ جَهِلَ أَوْ أُكْرِهَ
(وَ) يُكْرَهُ (الْأَكْلُ بِالشِّمَالِ) بِلَا عُذْرٍ
следующие страницы →