Полный текст (1 189 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
فَكَأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ شَرِيكًا لَهُ تَعَالَى، وَفِي الْخَانِيَّةِ وَاَلَّذِي يَسْتَعْمِلُ السِّحْرَ فَهُوَ عَلَى وُجُوهٍ: إنْ كَانَ يَقُولُ أَنَا أَخْلُقُ وَأَفْعَلُ مَا أُرِيدُ ثُمَّ تَابَ وَتَبَرَّأَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ تَعَالَى - خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ - قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَلَا يُقْتَلُ، وَإِنْ كَانَ يَسْتَعْمِلُ السِّحْرَ وَيَجْحَدُ وَلَا يَدْرِي كَيْفَ يَفْعَلُ بِهِ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ إذَا أُخِذَ وَثَبَتَ ذَلِكَ مِنْهُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَسَاحِرٌ يَسْتَعْمِلُ السِّحْرَ لِلِامْتِحَانِ وَلَا يَعْتَقِدُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كَافِرًا، وَعَنْ الْخَانِيَّةِ إذَا تَابَ السَّاحِرُ قَبْلَ الْأَخْذِ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَبَعْدَ الْأَخْذِ كَالزِّنْدِيقِ.
وَتَعَلُّمُ السِّحْرِ كُفْرٌ وَقِيلَ إنْ لِلنَّجَاةِ أَوْ التَّوَقِّي فَلَا، وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ عَنْ الشَّافِعِيِّ إذَا اعْتَرَفَ السَّاحِرُ بِأَنَّهُ قَتَلَ الشَّخْصَ بِسِحْرِهِ وَجَبَ الْقَوَدُ (س عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ» نَفَخَ «فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ» إنْ اعْتَقَدَ التَّأْثِيرَ «وَمَنْ تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ» اعْتَقَدَ قَلْبُهُ شَيْئًا دُونَهُ تَعَالَى «وُكِلَ إلَيْهِ» وَلَمْ يُعِنْهُ تَعَالَى وَلَمْ يَنْصُرْهُ، وَأَمَّا مَنْ تَعَلَّقَ بِاَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ وَيَرْزُقُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (ز عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ مَرْفُوعًا «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ» وَهُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ عَلَامَةً لِلشَّرِّ نَحْوَ فِعْلِ طَيْرٍ أَوْ سَمَاعِ كَلَامٍ كَصَوْتِ الْغُرَابِ وَالْعَقْعَقِ وَرُؤْيَةِ الْأَرْنَبِ وَالرَّجُلِ الْفَاسِقِ وَالرَّجُلِ الْعَرِيفِ بِالشُّؤْمِ «أَوْ تَكَهَّنَ» بِنَفْسِهِ وَالْكِهَانَةُ إخْبَارٌ عَنْ الْغَيْبِ «أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ أَوْ سَحَرَ» بِنَفْسِهِ «أَوْ سُحِرَ لَهُ» ، فَإِنْ اعْتَقَدَ التَّأْثِيرَ وَعِلْمَ الْغَيْبِ فَمَعْنَى قَوْلِهِ لَيْسَ مِنَّا لَيْسَ مِنْ أُمَّتِنَا؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ وَإِلَّا فَمَعْنَاهُ لَيْسَ مِنْ عَامِلِ شَرِيعَتِنَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ حَرَامٌ لَيْسَ بِكُفْرٍ كَمَا مَرَّ لَكِنْ إنْ أُرِيدَ أَحَدُهُمَا يَبْقَى الْآخَرُ، وَإِنْ أُرِيدَا مَعًا فَيَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أَوْ الْحَقِيقَتَيْنِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ عِنْدَنَا فَنَقُولُ الْمُرَادُ مُطْلَقُ الْحُرْمَةِ فِي ضِمْنِ أَيِّهِمَا وُجِدَ وَإِلَّا فَلَا «وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَحْصُلُ التَّصْدِيقُ بَلْ الشَّكُّ فَالظَّاهِرُ لَيْسَ بِكُفْرٍ
стр. 1087
وَعَنْ بَعْضٍ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ مَا لَمْ يُصَدِّقْ تَصْدِيقًا يَقِينِيًّا وَكَذَا السُّؤَالُ لِلِاسْتِهْزَاءِ أَوْ التَّكْذِيبِ، وَفِي قَاضِي خَانْ تَصْدِيقُ الْكَاهِنِ كُفْرٌ وَلَوْ قَالَ أَنَا أُخْبِرُ بِأَخْبَارِ الْجِنِّ، وَفِي النِّصَابِ مَا حَاصِلُهُ مَا يُرَادُ بِهِ الْإِصْلَاحُ وَالنَّفْعُ لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ كَحَلِّ الْعُقَدِ فَالْمُبْتَلَى بِذَلِكَ يَأْخُذُ حُزْمَةَ قُضْبَانٍ وَيَطْلُبُ فَأْسًا ذَا فِقَارَيْنِ وَيَضَعُهُ فِي وَسَطِ تِلْكَ الْحُزْمَةِ وَيُؤَجِّجُ نَارًا فِي تِلْكَ الْحُزْمَةِ حَتَّى إذَا حَمِيَ الْفَأْسُ اسْتَخْرَجَهُ مِنْ النَّارِ وَبَالَ عَلَى حِدَّتِهِ، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ بِإِذْنِهِ تَعَالَى. اهـ.
(وَمِنْهَا تَعْلِيقُ التَّمَائِمِ) خَرَزَةٌ تُعَلَّقُ لِدَفْعِ الْآفَاتِ (وَنَحْوِهِ د عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَرْفُوعًا «إنَّ الرُّقَى» مَا تُكْتَبُ لِدَفْعِ الْأَوْجَاعِ وَالْآلَامِ ( «وَالتَّمَائِمَ وَالتُّوَلَةَ» شَيْءٌ تَصْنَعُهُ النِّسَاءُ لِيَتَحَبَّبْنَ إلَى أَزْوَاجِهِنَّ «شِرْكٌ» إنْ اعْتَقَدَ التَّأْثِيرَ وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ الرُّقَى مَعْلُومَ الْمَعَانِي فَجَائِزٌ وَإِلَّا فَحَرَامٌ كَالْآخَرَيْنِ فَحِينَئِذٍ الْمُرَادُ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ تَرْهِيبًا وَتَهْدِيدًا، وَعَنْ الْخَانِيَّةِ صَنْعَةُ الْمَرْأَةِ التَّعْوِيذَ لِيُحِبَّهَا زَوْجُهَا الْبَاغِضُ لَهَا حَرَامٌ قَالَ الْعَبْدُ أَصْلَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَيُسْتَدَلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَنْعِ النَّاسِ أَنْ يُعَلِّقُوا عَلَى أَوْلَادِهِمْ التَّمَائِمَ وَالْخُيُوطَ وَالْخَرَزَاتِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا تَخَلَّفَ أَنْوَاعُهُ وَيَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُمْ أَوْ يَدْفَعُ عَنْهُمْ الْعَيْنَ وَمَسَّ الشَّيْطَانِ، وَفِيهِ نَوْعٌ مِنْ الشِّرْكِ أَعَاذَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ النَّفْعَ وَالضُّرَّ بِيَدِ اللَّهِ لَا بِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الرَّتِيمَةِ وَهِيَ الْخَيْطُ الَّذِي يُرْبَطُ بِالْإِصْبَعِ أَوْ الْخَاتَمِ لِلتَّذَكُّرِ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِلْحَاجَةِ كَمَا فِي نِصَابِ الِاحْتِسَابِ انْتَهَى.
أَقُولُ الْأَشْبَهُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِنَحْوِ مَا كَانُوا يَرْقُونَ بِمَا فِيهِ أَسْمَاءُ الْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَالْأَصْنَامِ وَيُعَلِّقُونَ التَّمِيمَةَ وَهِيَ الْخَرَزَةَ وَكَذَا التُّوَلَةَ وَهِيَ الشَّيْءُ الَّذِي يُصْنَعُ لِلْمَحَبَّةِ وَيَعْتَقِدُونَ فِي ذَلِكَ دَفْعَ الْمَضَارِّ وَالتَّأْثِيرَ وَالِاضْطِرَارَ إلَى الْحُبِّ فَأَخْبَرَ ﵊ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَكُونُ بِاعْتِقَادِ التَّأْثِيرِ مِنْ غَيْرِهِ تَعَالَى فَشِرْكٌ (حَدّ يعلى حك عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً» عَلَى نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ طِفْلِهِ أَوْ دَابَّتِهِ «فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ» ، وَفِي الْجَامِعِ «فَلَا تَمَّمَ اللَّهُ لَهُ» مَا أَرَادَهُ مِنْ الْحِفْظِ «وَمَنْ عَلَّقَ وَدَعَةً» خَرَزَةً لِدَفْعِ الْعَيْنِ «فَلَا رَدَّ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ» أَيْ لَا تَرَكَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَحْصُلَ مُرَادُهُ. دُعَاءٌ أَوْ خَبَرٌ، وَفِي الْجَامِعِ «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ» أَيْ فَعَلَ فِعْلَ أَهْلِ الشِّرْكِ وَهُمْ يَرَوْنَ بِهِ دَفْعَ الْمَقَادِيرِ الْمَكْتُوبَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إذَا اعْتَقَدَ الَّذِي عَلَّقَهَا أَنَّهَا تَرُدُّ الْعَيْنَ فَقَدْ ظَنَّ أَنَّهَا تَرُدُّ الْقَدْرَ وَاعْتِقَادُ ذَلِكَ شِرْكٌ.
(تَنْبِيهٌ)
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ كَغَيْرِهِ مَحَلُّ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْخَبَرِ وَمَا قَبْلَهُ فِي تَعْلِيقِ مَا لَيْسَ فِيهِ قُرْآنٌ وَنَحْوُهُ أَمَّا مَا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ فَلَا نَهْيَ عَنْهُ، فَإِنَّهُ إنَّمَا جُعِلَ لِلتَّبَرُّكِ وَالتَّعَوُّذِ بِأَسْمَائِهِ وَذِكْرِهِ، وَكَذَا لَا نَهْيَ عَمَّا يُعَلَّقُ لِأَجْلِ الزِّينَةِ مَا لَمْ يَبْلُغْ الْخُيَلَاءَ وَالسَّرَفَ كَذَا فِي الْفَيْضِ وَأَقُولُ أَيْضًا مَحْمَلُ مَا ذُكِرَ عَلَى اعْتِقَادِ التَّأْثِيرِ أَوْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ (حك عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) وَعَنْ أَبَوَيْهَا (أَنَّهَا
стр. 1088
قَالَتْ لَيْسَتْ التَّمِيمَةُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ بَعْدَ الْبَلَاءِ) لِأَجْلِ رَفْعِهِ كَتَعْلِيقِ خَرَزَةٍ لِأَجْلِ رَفْعِ الِاصْفِرَارِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ (إنَّمَا التَّمِيمَةُ) الْمَنْهِيُّ عَنْهَا (مَا تَعَلَّقَ بِهِ قَبْلَ الْبَلَاءِ) لِزَعْمِ أَنَّهَا تَدْفَعُهُ وَعَدَمَ إصَابَتِهِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ الْفَرْقُ فِي غَايَةِ الْخَفَاءِ وَالضَّرُورَةُ لَا تَصْلُحُ فَارِقًا فَالْكَلَامُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّعَبُّدِ وَأَنَّ ثُبُوتَ الْأَصْلِ بِأَثَرٍ خِلَافُ الْقِيَاسِ فَلَا يُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ (وَأَمَّا تَعْلِيقُ التَّعْوِيذِ) أَيْ حَمْلُ الدُّعَاءِ الْمُجَرَّبِ أَوْ الْآيَةِ الْمُجَرَّبَةِ أَوْ بَعْضِ أَسْمَائِهِ تَعَالَى لِدَفْعِ الْبَلَاءِ (فَلَا بَأْسَ بِهِ) كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (وَلَكِنْ يَنْزِعُهُ عِنْدَ الْخَلَاءِ وَالْقُرْبَانِ) أَيْ الْوِقَاعِ بِأَهْلِهِ وَعِنْدَ الْبَعْضِ يَجُوزُ عَدَمُ النَّزْعِ إذَا كَانَ مَسْتُورًا بِشَيْءٍ وَالنَّزْعُ أَوْلَى وَأَحْوَطُ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْمُصَنِّفِ (كَذَا فِي التتارخانية) .
[حُكْم الْوَشْمُ]
(وَمِنْهَا الْوَشْمُ) غَرْزُ الْيَدِ أَوْ الْوَجْهِ بِالْإِبَرِ ثُمَّ ذَرُّ الْكُحْلِ أَوْ الْمِدَادِ (وَنَحْوِهِ خ م عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَات» أَيْ طَالِبَاتِ فِعْلِهِ ( «وَالْمُتَنَمِّصَاتِ» بِتَاءٍ ثُمَّ نُونٍ وَرُوِيَ بِتَقْدِيمِ النُّونِ هِيَ أَخْذُ شَعْرِ الْحَاجِبِ بِالْمِنْمَاصِ. حَدِيدَةٌ يُؤْخَذُ بِهَا الشَّعْرُ. وَأَمَّا أَخْذُ شَعْرِ الْجَبْهَةِ فَجَائِزٌ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ يَجُوزُ أَخْذُ شَعْرِ الْحَاجِبِ لِلزِّينَةِ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ لَهُ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ «وَالْمُتَفَلِّجَاتِ» تَرْقِيقُ السِّنِّ تَفْعَلُهُ الْعَجَائِزُ «لِلْحُسْنِ» لِأَجْلِ الْحُسْنِ «الْمُغَيِّرَاتِ» وَصْفٌ مُشِيرٌ لِعِلَّةِ اللَّعْنِ «خَلْقَ اللَّهِ تَعَالَى» فَحَرَامٌ حَتَّى قِيلَ كَبِيرَةٌ لِلَّعْنِ نَعَمْ إنْ نَبَتَتْ لَهَا لِحْيَةٌ لَمْ يَحْرُمْ إزَالَتُهَا بَلْ مَنْدُوبٌ؛ لِأَنَّهَا مُثْلَةٌ فِي حَقِّهَا كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمَوَاهِبِ
وَفِي الْفَيْضِ عَنْ الطَّبَرَانِيِّ لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُغَيِّرَ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهَا بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ الْتِمَاسًا لِلْحُسْنِ لِلزَّوْجِ وَلَا لِغَيْرِهِ كَمَقْرُونَةِ الْحَاجِبَيْنِ تُزِيلُ مَا بَيْنَهُمَا تُوهِمُ الْبَلَجَ وَعَكْسُهُ، وَأَخَذَ مِنْهُ عِيَاضٌ عَدَمَ جَوَازِ إزَالَةِ عُضْوٍ زَائِدٍ كَالْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ (وَزَادَ س «وَالْوَاصِلَةَ» مَنْ تَصِلُ شَعْرَ النِّسَاءِ بِشَعْرِ النِّسَاءِ «وَالْمُسْتَوْصِلَةَ» مَنْ تَطْلُبُهُ مِنْ قَبِيلِ الْإِخْرَاجِ عَلَى مَخْرَجِ الْعَادَةِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ كَذَلِكَ بَلْ أَوْلَى وَلَعَلَّك عَلِمْت فِيمَا مَرَّ جَوَازَ وَصْلِ شَعْرِهَا بِشَعْرٍ لَيْسَ بِشَعْرِ آدَمِيٍّ كَالْوَبَرِ ( «وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَالْمُحَلِّلَ» الزَّوْجَ الثَّانِيَ لِأَجْلِ حِلِّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا لِلْأَوَّلِ ( «وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» الزَّوْجَ الْأَوَّلَ الطَّالِبَ لِذَلِكَ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّ اللَّعْنَ إنْ كَانَ النِّكَاحُ بِشَرْطِ التَّطْلِيقِ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ صَرِيحًا، وَإِنْ مُضْمَرًا فَجَائِزٌ بَلْ مَنْدُوبٌ كَمَا فَصَّلْنَا فِي حَاشِيَتِنَا عَلَى الدُّرَرِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى وُقُوعِ التَّحْلِيلِ وَلَوْ بِالشَّرْطِ بِخِلَافِ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُ يَفْسُدُ الْعَقْدُ عِنْدَ هُمْ وَلَا يَحِلُّ لِلْأَوَّلِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ وَلَا يَحِلُّ لِلْأَوَّلِ كَذَا قِيلَ
стр. 1089
(وَزَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي رَيْحَانَةَ «الْوَشْرَ» بِالرَّاءِ هُوَ تَرْقِيقُ الْأَسْنَانِ «وَالنَّتْفَ» وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «تَغْيِيرَ الشَّيْبِ» بِالسَّوَادِ فِي غَيْرِ الْجِهَادِ (وَالْمُرَادُ بِالنَّتْفِ الْبَيَاضُ مِنْ اللِّحْيَةِ) السَّوْدَاءِ (عَلَى وَجْهِ التَّزَيُّنِ " ت " عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ نَتْفِ الشَّيْبِ وَقَالَ إنَّهُ نُورُ الْمُسْلِمِ» فَيُكْرَهُ كَمَا فِي الْفَيْضِ وَقِيلَ عَنْ زَيْنِ الْعَرَبِ إنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ إنَّ «أَوَّلَ مَنْ شَابَ إبْرَاهِيمُ ﵊» فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ مَا هَذَا يَا رَبُّ قَالَ الْوَقَارُ قَالَ رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا عَلَى وَقَارِي. فَالرِّضَا بِهِ مُوَافَقَةٌ لِخَلِيلِ الرَّحْمَنِ وَأَنَّهُ يَمْنَعُ الْغُرُورَ وَالْكِبْرَ وَيُمِيلُ إلَى الطَّاعَاتِ وَالتَّوْبَةِ وَيُذَكِّرُ الْمَوْتَ وَالْآخِرَةَ موى سيبد أز كفن وَأَدْبُ بيام بشت خم أز مرك رسانت سلام (وَمِنْ تَغْيِيرِ الشَّيْبِ تَغْيِيرُهُ بِالسَّوَادِ) وَيَجُوزُ بِالْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ (س عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا «سَيَجِيءُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَخْضِبُونَ» لِحَاهُمْ «بِالسَّوَادِ» فَتَكُونُ «كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ» أَيْ صُدُورِ الْحَمَامِ «لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» ) تَهْدِيدٌ بَلِيغٌ فِي الزَّجْرِ (م. عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «غَيِّرُوا الشَّيْبَ»
بِنَحْوِ حِنَّاءٍ أَوْ كَتَمٍ لَا بِسَوَادٍ لِحُرْمَتِهِ، وَفِي النِّصَابِ الْحُمْرَةُ سُنَّةٌ فِي اللِّحْيَةِ، وَأَمَّا السَّوَادُ فَإِنْ لِلْغَزْوِ فَمَحْمُودٌ، وَإِنْ لِأَجْلِ حُبِّ النِّسَاءِ وَالتَّزَيُّنِ إلَيْهِنَّ فَمَكْرُوهٌ وَجَوَّزَهُ بَعْضٌ بِلَا كَرَاهَةٍ انْتَهَى، وَعَنْ النَّوَوِيِّ الْخِضَابُ بِالْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ مُسْتَحَبٌّ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَبِالسَّوَادِ حَرَامٌ وَمَا رُوِيَ مِنْ خَضْبِ عُثْمَانَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَابْنِ سِيرِينَ بِالسَّوَادِ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَزْوِ «وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «وَلَا تَقْرَبُوا السَّوَادَ» قِيلَ قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي قُحَافَةَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حِينَ أَسْلَمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَانَا أَشَدَّ بَيَاضًا قَالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يُسْتَحَبُّ الْخِضَابُ إلَّا إنْ كَانَتْ عَادَةُ بَلَدِهِ تَرْكَ الصَّبْغِ كَذَا فِي الْفَيْضِ.
(وَمِنْهَا تَوْفِيرُ الشَّارِبِ) أَيْ تَكْثِيرُهُ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ الشَّفَةَ، وَفِي التتارخانية يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ شَارِبَهُ كَالْحَاجِبِ، وَعَنْ الْخَانِيَّةِ يَأْخُذُ مِنْ الشَّارِبِ إلَى أَنْ يُحَاذِيَ الشَّفَةَ الْعُلْيَا، وَأَمَّا الْغَازِي فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيُنْدَبُ لَهُ تَطْوِيلُهُ لِيَكُونَ مَهِيبًا (ت س عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ» مَا طَالَ حَتَّى يُبَيِّنَ الشَّفَةَ بَيَانًا «فَلَيْسَ مِنَّا» أَيْ لَيْسَ عَلَى طَرِيقَتِنَا الْإِسْلَامِيَّةِ وَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ جَمْعٌ فَأَوْجَبُوا قَصَّهُ وَالْجُمْهُورُ عَلَى النَّدْبِ (وَالْأَفْضَلُ فِي قَصِّ الشَّارِبِ أَنْ يُجْعَلَ كَالْحَاجِبِ وَيُظْهِرَ الْإِطَارَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ جَانِبُ الشَّفَةِ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
стр. 1090
السُّنَّةُ الْقَصُّ حَتَّى يَبْدُوَ الْإِطَارُ وَقِيلَ الْأَفْضَلُ حَلْقُهُ أَوْ الْقَصُّ مِنْ عَجُزِهَا اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ» وَالْأَفْضَلُ مَا ذُكِرَ فِي الْمَتْنِ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ نَوْعُ مُثْلَةٍ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ لَكِنْ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ إيهَامِ تَرْجِيحِ الرَّأْيِ عَلَى النَّصِّ (وَقَدْ مَرَّ قَصُّ اللِّحْيَةِ إذَا لَمْ تَزِدْ عَلَى الْقَبْضَةِ وَحَلْقُهَا) ، وَفِي التتارخانية كَمَا مَرَّ أَيْضًا يَقْطَعُ مَا زَادَ مِنْ اللِّحْيَةِ عَلَى الْقَبْضَةِ وَلَا بَأْسَ إذَا طَالَتْ لِحْيَتُهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَطْرَافِهَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قُصُّوا الشَّوَارِبَ وَاعْفُوا اللِّحَى» أَيْ: اُتْرُكُوا اللِّحَى كَمَا هِيَ وَلَا تَحْلِقُوهَا وَلَا تَقْطَعُوهَا وَلَا تَنْقُصُوهَا عَنْ قَدْرِ السُّنَّةِ وَهُوَ الْقَبْضَةُ وَلَا بَأْسَ بِأَخْذِ الْحَاجِبَيْنِ وَشَعْرِ وَجْهِهِ مَا لَمْ يُشْبِهْ الْمُخَنَّثَ (خ م عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا «انْهَكُوا الشَّوَارِبَ» النَّهْكُ الْقَصُّ مُبَالَغَةً أَيْ بَالِغُوا فِي قَصِّهَا «وَاعْفُوا اللِّحَى» أَيْ وَفِّرُوا وَكَثِّرُوا مَا لَمْ تَزِدْ عَلَى قَدْرِ الْمَسْنُونِ يَعْنِي الْقَبْضَةَ، وَفِي الْوَسِيلَةِ عَنْ شَرْحِ الشِّرْعَةِ أَرَادَ بِهِ النَّهْيَ عَمَّا يَفْعَلُهُ الْأَعَاجِمُ وَالْإِفْرَنْجُ مِنْ قَصِّ اللِّحْيَةِ وَتَوْفِيرِ الشَّارِبِ، فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَعَنْ النِّصَابِ لَا يَجُوزُ حَلْقُ اللِّحْيَةِ كَمَا ذَكَرَ فِي جِنَايَاتِ الْهِدَايَةِ وَكَرَاهَةِ التَّجْنِيسِ وَالْمُفِيدِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اُحْفُوا الشَّوَارِبَ وَاعْفُوا اللِّحَى» أَيْ قُصُّوا الشَّوَارِبَ وَاتْرُكُوا اللِّحَى كَمَا هِيَ وَلَا تَحْلِقُوهَا وَلَا تَنْقُصُوهَا مِنْ الْقَدْرِ الْمَسْنُونِ (ت عَنْ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا» وَيَنْظُرُ فِي حَبِّ الْمَاءِ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ تَسْوِيَةَ شَعْرِ اللِّحْيَةِ أَوْ تَزْيِينَهَا بِأَنْ يَقُصَّ كُلَّ شَعْرَةٍ أَطْوَلَ مِنْ غَيْرِهَا لِيَسْتَوِيَ الْجَمِيعُ سُنَّةٌ وَذَلِكَ لِيَقْرَبَ عَنْ التَّدْوِيرِ جَمِيعُ الْجَوَانِبِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِدَالَ مَحْبُوبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَعَنْ الْإِحْيَاءِ قِيلَ لَا بَأْسَ بِأَخْذِ مَا تَحْتَ الْقَبْضَةِ وَقِيلَ مَكْرُوهٌ وَتَرْكُهَا عَافِيَةٌ وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ، وَعَنْ النَّخَعِيِّ عَجِبْت مِنْ رَجُلٍ عَاقِلٍ طَوِيلِ اللِّحْيَةِ مَعَ أَنَّ التَّوَسُّطَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَسَنٌ وَلِذَا قِيلَ كُلَّمَا طَالَتْ اللِّحْيَةُ نَقَصَ الْعَقْلُ انْتَهَى. قِيلَ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ إنَّ الْمُخْتَارَ هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي أَيْ كَرَاهَةُ أَخْذِ مَا تَحْتَ الْقَبْضَةِ لَعَلَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ جُثَّةِ الْأَشْخَاصِ كَمَا فِي بَعْضِ الْكُتُبِ وَبِهِ أَمْكَنَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ.
(وَكَذَا حَلْقُ رَأْسِ الْمَرْأَةِ بِلَا عُذْرٍ) وَقَدْ مَرَّ (س عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا» بِلَا عُذْرٍ (وَكَذَا
стр. 1091
الْقَزَعُ " خ م " عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْقَزَعِ» وَزَادَ) ابْنُ عُمَرَ (فِي رِوَايَةٍ «قُلْت لِنَافِعٍ) مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ (وَمَا الْقَزَعُ قَالَ يُحْلَقُ بَعْضُ رَأْسِ الصَّبِيِّ وَيُتْرَكُ بَعْضٌ» لَعَلَّك سَمِعْت حَدِيثَ «احْلِقُوهُ كُلَّهُ أَوْ اُتْرُكُوهُ كُلَّهُ» ، فَإِنَّ حَلْقَ الْبَعْضِ مَعَ تَرْكِ الْبَعْضِ مُثْلَةٌ وَهُوَ مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا تَنْزِيهًا إلَّا لِعُذْرٍ لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَسَوَاءٌ فِي الْقَفَا أَوْ النَّاصِيَةِ أَوْ الْوَسَطِ خِلَافًا لِبَعْضٍ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْوِيهِ وَتَقْبِيحِ الصُّورَةِ وَأَنَّهُ زِيُّ أَهْلِ الدَّعَارَةِ وَالْفَسَادِ وَالْيَهُودِ وَهُوَ مِنْ كَمَالِ مَحَبَّتِهِ ﷺ ، فَإِنَّهُ أَمَرَ حَتَّى فِي شَأْنِ الْإِنْسَانِ مَعَ نَفْسِهِ فَنَهَاهُ عَنْ حَلْقِ بَعْضٍ وَتَرْكِ بَعْضٍ؛ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ لِلرَّأْسِ حَيْثُ تَرَكَ بَعْضَهُ كَاسِيًا وَبَعْضَهُ عَارِيًّا.
وَنَظِيرُهُ الْمَشْيُ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَقَوْلُهُ احْلِقُوهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْحَلْقِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ لِحَالَةِ الضَّرُورَةِ مُحْتَجًّا بِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ إلَّا فِي الْحَجِّ لِكَوْنِهِ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ وَالصَّوَابُ الْحِلُّ بِلَا كَرَاهَةٍ وَلَا خِلَافَ الْأَوْلَى، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي شَامَةَ الْأَوْلَى تَرْكُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْوِيهِ وَمُخَالَفَةِ طَرِيقِ الْمُصْطَفَى إذْ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ يَحْلِقُهُ بَلْ إنْ قَصَدَ بِهِ التَّقَرُّبَ فِي غَيْرِ نُسُكٍ أَثِمَ؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي الدَّيْنِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ فَفِي حَيِّزِ الْمَنْعِ بِلَا رَيْبٍ كَيْفَ «وَقَدْ حَلَقَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأْسَ ابْنَيْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -» ، وَفِي أَبِي دَاوُد «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا ثَائِرَ الرَّأْسِ فَقَالَ مَهْ أَحْسِنْ إلَى شَعْرِك أَوْ احْلِقْهُ» فَسَوَّى بَيْنَ تَرْجِيلِهِ وَحَلْقِهِ وَأَعْدَلُ حَدِيثٍ فِي الْمَقَامِ قَوْلُ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ لَا بَأْسَ بِحَلْقِهِ لِمُرِيدِ التَّنْظِيفِ وَلَا بِتَرْكِهِ لِمَنْ يَدْهَنُ وَيَتَرَجَّلُ فَبَقَاؤُهُ لَهُ أَوْلَى، وَمَنْ عَسِرَ عَلَيْهِ كَضَعِيفٍ وَفَقِيرٍ وَمُنْقَطِعٍ يَتَلَبَّدُ فِيهِ وَيَجْمَعُ الْوَسَخَ وَالْقَمْلَ فَحَلْقُهُ أَوْلَى.
وَالْكَلَامُ كُلُّهُ فِي الذَّكَرِ أَمَّا الْأُنْثَى فَحَلْقُهُ لَهَا مَكْرُوهٌ حَيْثُ لَا ضَرَرَ بَلْ إنْ كَانَتْ مُفْتَرَشَةً وَلَمْ يَأْذَنْ الْحَلِيلُ حَرُمَ بَلْ عَدَّهُ فِي الْمَطَامِحِ مِنْ الْكَبَائِرِ وَشَاعَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا حَلَقَتْ رَأْسَهَا بِلَا إذْنِ زَوْجِهَا سَقَطَ صَدَاقُهَا وَذَلِكَ صَرْخَةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ كُلُّهُ مِنْ الْفَيْضِ.
(وَمِنْهَا رُكُوبُ النِّسَاءِ عَلَى السَّرْجِ بِغَيْرِ عُذْرٍ) (" حب " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا «يَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي نِسَاءٌ يَرْكَبْنَ عَلَى سُرُجٍ كَأَشْبَاهِ الرِّجَالِ» وَمُشَابَهَتُهُنَّ لَهُمْ مَنْهِيٌّ عَنْهَا «وَرِجَالٌ يَنْزِلُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ» يَعْنِي يَجِيئُونَ إلَى الْمَسَاجِدِ رَاكِبِينَ عَلَى الْمَرَاكِبِ الْبَهِيَّةِ تَكَبُّرًا وَخُيَلَاءَ.
وَأَمَّا الرُّكُوبُ بِعُذْرٍ كَالْبُعْدِ وَالشَّيْخُوخَةِ وَالْمَرَضِ فَجَائِزٌ «نِسَاؤُهُمْ كَاسِيَاتٌ عَارِيَّاتٌ» فِي تَذْكِرَةِ الْقُرْطُبِيِّ يَعْنِي أَنَّهُنَّ كَاسِيَاتٌ بِنِعَمِ اللَّهِ عَارِيَّاتٌ مِنْ الدِّينِ وَقِيلَ كَاسِيَاتٌ ثِيَابًا رِقَاقًا يَظْهَرُ مَا تَحْتَهَا مِنْ فَوْقِهَا فَهُنَّ كَاسِيَاتٌ فِي الظَّاهِرِ عَارِيَّاتٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَقِيلَ كَاسِيَاتٌ فِي الدُّنْيَا بِأَنْوَاعِ الزِّينَةِ مِنْ الْحَرَامِ وَمِمَّا لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ عَارِيَّاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ عَارِيَّاتٌ مِنْ لِبَاسِ التَّقْوَى أَوْ عَارِيَّاتٌ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرَاتِ أَوْ كَاسِيَاتٌ بَعْضَ بَدَنِهِنَّ عَارِيَّاتٌ يَكْشِفْنَ بَعْضًا آخَرَ إظْهَارًا لِلْجَمَالِ أَوْ عَارِيَّاتٌ عَنْ السِّتْرِ الْمَقْصُودِ مِنْهُنَّ أَوْ كَاسِيَاتٌ بِنَعَمْ اللَّهِ عَارِيَّاتٌ عَنْ شُكْرِهَا.
وَزِيدَ هُنَا فِي الْقُرْطُبِيِّ قَوْلُهُ «مَائِلَاتٌ وَمُمِيلَاتٌ» وَفُسِّرَ بِقَوْلِهِ قِيلَ مَعْنَاهُ زَائِغَاتٌ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ الْأَزْوَاجِ وَمَا يَلْزَمُهُنَّ مِنْ صِيَانَةِ الْفُرُوجِ وَالسَّتْرِ عَنْ الْأَجَانِبِ، وَمُمِيلَاتٌ يُعَلِّمْنَ غَيْرَهُنَّ الدُّخُولَ فِي فِعْلِهِنَّ وَقِيلَ مَائِلَاتٌ مُتَبَخْتِرَاتٌ فِي مَشْيِهِنَّ وَمُمِيلَاتٌ لِقُلُوبِ الرِّجَالِ بِمَا يُبْدِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَطِيبِ رَائِحَتِهِنَّ «عَلَى رُءُوسِهِنَّ» شَيْءٌ «كَأَسْنِمَةِ» جَمْعُ سَنَامٍ «الْبُخْتِ الْعِجَافِ» جَمْعُ عَجْفَاءَ وَهِيَ
стр. 1092
النَّاقَةُ الضَّعِيفَةُ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْعَجْفَاءِ؛ لِأَنَّ سَنَامَهَا حِينَئِذٍ يَكُونُ مَائِلًا إلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَيَكُونُ مَا يُلْبَسُ فِي رُءُوسِهِنَّ مِثْلَهُ فِي الصِّفَةِ كَمَا يُشَاهَدُ فِي أَكْثَرِ نِسَاءِ الزَّمَانِ.
وَقِيلَ يَعْنِي يُعَظِّمْنَ رُءُوسَهُنَّ بِالْخُمُرِ وَالْقَلَنْسُوَةِ حَتَّى تُشْبِهَ أَسْنِمَةَ الْبُخْتِ أَوْ مَعْنَاهُ يَنْظُرْنَ إلَى الرِّجَالِ بِرَفْعِ رُءُوسِهِنَّ وَتَمَايُلِهَا شَهْوَةً لَهُمْ «الْعَنُوهُنَّ» اُدْعُوا بِاللَّعْنَةِ عَلَى فَاعِلَتِهِنَّ «فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ» لِاتِّصَافِهِنَّ بِمَا يُوجِبُ اللَّعْنَ وَالطَّرْدَ عَنْ أَلْطَافِهِ تَعَالَى، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ رُكُوبَ السَّرْجِ لِلنِّسَاءِ وَلُبْسَ الثِّيَابِ الَّتِي تَصِفُهَا لِكَوْنِهَا رَقِيقَةً أَوْ ضَيِّقَةً وَأَنْ يَكُونَ عَلَى رُءُوسِهِنَّ شَيْءٌ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْعِجَافِ كَمَا فِي زَمَانِنَا فِي بَعْضِ الدِّيَارِ كُلَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْمُحَشِّي، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «لَا تَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا تَجِدْنَ رِيحَهَا» مَرَّ تَأْوِيلُ مِثْلِهِ مِرَارًا «وَأَنَّ رِيحَهَا لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا» أَيْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمَشَارِقِ (قَالُوا هَذَا إذَا كَانَتْ شَابَّةً وَقَدْ رَكِبَتْ لِلتَّبَرُّجِ) لِإِظْهَارِ الْحُسْنِ (وَالتَّفَرُّجِ) فَفِيهِ جِنَاسٌ مُضَارِعٌ.
(وَأَمَّا إذَا كَانَتْ عَجُوزًا أَوْ كَانَتْ شَابَّةً وَقَدْ رَكِبَتْ مَعَ زَوْجِهَا لِعُذْرٍ) مُسْتَقِلَّةً أَوْ رَدِيفَةً (بِأَنْ رَكِبَتْ لِلْجِهَادِ وَقَدْ وَقَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِنَّ لِلْجِهَادِ أَوْ) رَكِبَتْ (لِلْحَجِّ أَوْ لِلْعُمْرَةِ) فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَتْ مُسْتَتِرَةً كَذَا فِي التتارخانية. .
[تَرْكُ الْوَلِيمَةِ]
(وَمِنْهَا تَرْكُ الْوَلِيمَةِ) طَعَامِ الْعُرْسِ (خَرَّجَ) الْأَئِمَّةُ (السِّتَّةُ) الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ كَمَا فِي الْجَامِعِ (عَنْ أَنَسٍ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (مَرْفُوعًا «أَوْلِمْ» مِنْ الْوَلِيمَةِ «وَلَوْ بِشَاةٍ» قَالَهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمَّا تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ ذَهَبَ بَعْضٌ إلَى وُجُوبِهَا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَنُدِبَ عِنْدَ بَعْضٍ. قِيلَ تَكُونُ بَعْدَ الدُّخُولِ وَقِيلَ عِنْدَ الْعَقْدِ وَقِيلَ عِنْدَهُمَا وَاسْتَحَبَّ أَصْحَابُ مَالِكٍ أَنْ تَكُونَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَلَا يَلْزَمُ الْأَطْعِمَةُ النَّفِيسَةُ بَلْ يَأْتِي بِمَا قَدَرَ، وَفِي الْمُبَارِقِ قِيلَ الضِّيَافَةُ ثَمَانٌ الْوَلِيمَةُ لِلْعُرْسِ وَالْخُرْسُ لِلْوِلَادَةِ وَالْإِعْذَارُ لِلْخِتَانِ وَالْوَكِيرَةُ لِلْبِنَاءِ وَالنَّقِيعَةُ لِلْقُدُومِ وَالْعَقِيقَةُ لِسَابِعِ الْوَلَدِ وَالْوَضِيمَةُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ وَالْمَأْدُبَةُ الضِّيَافَةُ بِلَا سَبَبٍ.
(وَمِنْهَا الْبَيْتُوتَةُ، وَفِي يَدِهِ رِيحُ غَمْرٍ رِيحُ اللَّحْمِ) يَعْنِي دَسَمَ اللَّحْمِ (ت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (مَرْفُوعًا «أَنَّ الشَّيْطَانَ حَسَّاسٌ» كَثِيرُ الْحِسِّ «لَحَّاسٌ» كَثِيرُ اللَّحْسِ يَعْنِي يَلْحَسُ بِلِسَانِهِ مَا يَتْرُكُهُ ابْنُ آدَمَ الْآكِلُ عَلَى يَدِهِ مِنْ الطَّعَامِ «فَاحْذَرُوهُ» أَيْ الشَّيْطَانَ «عَلَى أَنْفُسِكُمْ» أَيْ فَاغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ بَعْدَ فَرَاغِ الْأَكْلِ مِنْ أَثَرِ الطَّعَامِ «مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ رِيحُ غَمَرٍ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ» مِنْ اللَّمَمِ أَوْ الْبَرَصِ أَوْ الصَّرْعِ أَوْ الْجُنُونِ «فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» ، فَإِنَّا قَدْ أَوْضَحْنَا لَهُ الْبَيَانَ
стр. 1093
حَتَّى صَارَ الْأَمْرُ كَالْعَيَانِ قَالَ ابْنُ عَرَبِيٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الشَّيْطَانَ يَتَّصِلُ بِالْإِنْسَانِ بِسَبَبِ الْغَمَرِ فَيَتَحَسَّسُ بِهِ وَيَلْحَسُهُ وَيَتَّصِلُ بِهِ فَيُصِيبُهُ دَاءٌ أَوْ جُنُونٌ فَلْيَجْتَهِدْ فِي إزَالَةِ الْغَمَرِ.
(تَنْبِيهٌ)
قَالَ فِي الْبَحْرِ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَلْحَسُ الرَّائِحَةَ وَالْغَمَرُ دُونَ الْعَيْنِ، وَعَلَيْهِ مُشَارَكَتُهُ لِلنَّاسِ فِي الْأَكْلِ إنَّمَا هِيَ مُشَارَكَةٌ فِي رَائِحَةِ طَعَامِهِمْ دُونَ عَيْنِهِ وَقَدْ تَكُونُ مُشَارَكَتُهُ لَهُمْ بِذَهَابِ الْبَرَكَةِ مِنْهُ لِعَدَمِ التَّسْمِيَةِ عَلَيْهِ وَشَنَّعَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَبِيٍّ بِأَنَّهُ حِبَالَةُ إلْحَادٍ بَلْ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ قَالَ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْجِنَّ وَالشَّيْطَانَ بَسَائِطُ، فَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُمْ لَا يَفْنَوْنَ وَهُمْ يَفْنَوْنَ وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ إنَّهُ حَسَّاسٌ لَحَّاسٌ لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي عَدَمَ الْأَكْلِ بَلْ يَشُمُّ وَيَأْكُلُ وَلَهُ لَذَّةٌ فِي الشَّمِّ كَلَذَّتِنَا فِي كُلِّ طُعْمَةٍ (وَفِي رِوَايَةِ " طب " عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «فَأَصَابَهُ وَضَحٌ» بِالْمُعْجَمَةِ فَالْمُهْمَلَةِ أَيْ بَهَقٌ وَبَرَصٌ.
(وَمِنْهَا الِانْبِطَاحُ) وَهُوَ الِاضْطِجَاعُ عَلَى الْبَطْنِ (بِلَا عُذْرٍ) كَعُذْرِ هَضْمِ الطَّعَامِ أَوْ غَمْزِ الْأَعْضَاءِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (مج عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا مُضْطَجِعٌ عَلَى بَطْنِي» اسْتِرَاحَةً بِلَا اقْتِضَاءٍ «فَرَكَضَنِي» ضَرَبَنِي وَحَرَّكَنِي «بِرِجْلِهِ وَقَالَ يَا جُنَيْدِبُ» تَصْغِيرُ جُنْدَبٍ اسْمُ أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ كُنْيَتُهُ «إنَّمَا هَذِهِ ضَجْعَةُ أَهْلِ النَّارِ» فُسِّرَ هَكَذَا يُلْقَوْنَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ فَلَا تُشَابِهْهُمْ (وَفِي رِوَايَةِ " د " عَنْ طِخْفَةَ) بِكَسْرٍ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ فَاءٍ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «إنَّ هَذِهِ ضَجْعَةٌ يَبْغَضُهَا اللَّهُ» ، وَفِي رِوَايَةِ " ت " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «إنَّ هَذِهِ ضَجْعَةٌ لَا يُحِبُّهَا اللَّهُ» اعْلَمْ أَنَّ النَّوْمَ عَلَى الْقَفَا نَوْمُ الْأَنْبِيَاءِ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالنَّوْمَ عَلَى الْيَمِينِ لِلْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ وَالنَّوْمَ عَلَى الشِّمَالِ نَوْمُ الْمُلُوكِ لِهَضْمِ الطَّعَامِ وَالنَّوْمَ عَلَى الْوَجْهِ نَوْمُ الشَّيَاطِينِ وَالْكَفَرَةِ.
(وَمِنْهَا النَّوْمُ عَلَى سَطْحٍ لَيْسَ بِمَحْجُوزٍ عَلَيْهِ) يَعْنِي لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَمْنَعُ السُّقُوطَ بَغْتَةً (ت عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَطْحٍ لَيْسَ بِمَحْجُوزٍ عَلَيْهِ» لِئَلَّا يَهْوِيَ عِنْدَ قِيَامِهِ مِنْ النَّوْمِ فَيَهْلَكَ (وَفِي رِوَايَةِ " د " عَنْ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ) الْحَنَفِيِّ الْيَمَانِيِّ «مَنْ بَاتَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَيْسَ عَلَيْهِ حِجَازٌ» بِالزَّايِ مَا يَحْجِزُ عَنْهُ وَيَمْنَعُ «أَوْ حِجَابٌ» بِمَعْنَاهُ «فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ» زَالَتْ عِصْمَةُ نَفْسِهِ وَصَارَ كَالْمُهْدَرِ الَّذِي لَا ذِمَّةَ لَهُ فَلَعَلَّهُ يَنْقَلِبُ فِي نَوْمِهِ فَيَسْقُطُ وَيَمُوتُ هَدَرًا (وَفِي رِوَايَةِ " طب " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ) بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «مَنْ نَامَ عَلَى سَطْحٍ لَا جِدَارَ لَهُ فَمَاتَ فَدَمُهُ هَدَرٌ» يَعْنِي
стр. 1094
لَا يَكُونُ شَهِيدًا مَعَ كَوْنِ جِنْسِهِ شَهِيدًا لِنَوْعِ التَّهْلُكَةِ. .
(وَمِنْهَا اسْتِصْحَابُ الْكَلْبِ وَالْجَرَسِ لِلَّهْوِ فِي السَّفَرِ) وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلَّهْوِ كَأَنْ يَزِيدَ نَشَاطَ الدَّابَّةِ أَوْ لِيَنْفِرَ هَوَامَّ اللَّيْلِ وَالذِّئْبَ أَوْ لِيُوجَدَ إذَا ضَلَّ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْأَغْرَاضِ الصَّحِيحَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَمَا قِيلَ (خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «لَا تَقْرَبُ» ، وَفِي أُخْرَى «لَا تَتْبَعُ» وَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِنَفْيِ الصُّحْبَةِ نَفْيُ مُجَرَّدِ اللِّقَاءِ لَا نَفْيُ الْمُلَازَمَةِ وَالْمُرَادُ بِالْمَلَائِكَةِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ لَا الْحَفَظَةُ وَنَحْوُهُمْ «رُفْقَةً» جَمَاعَةً مُتَرَافِقَةً فِي سَفَرٍ «فِيهَا كَلْبٌ» وَلَوْ لِحِرَاسَةِ الْأَمْتِعَةِ سَفَرًا كَمَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ الْخَبَرِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ يَحْتَاجُهُ ( «أَوْ جَرَسٌ» بِفَتْحِ الرَّاءِ الْجُلْجُلُ وَبِسُكُونِهَا صَوْتُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ، وَالْمَلَائِكَةُ ضِدُّهُ، وَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ النَّاقُوسَ فَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجُوزُ اقْتِنَاءُ الْكَلْبِ لِلْحَرَسِ وَالِاصْطِيَادِ وَلِحِفْظِ الزَّرْعِ وَالْمَاشِيَةِ وَلِحِفْظِ مَالِهِ وَلِلْحِفْظِ مِنْ اللُّصُوصِ قَرْيَةٌ فِيهَا كِلَابٌ تَضُرُّ الْمَارِّينَ يُؤْمَرُ أَرْبَابُهَا بِقَتْلِهَا، فَإِنْ أَبَوْا يَرْفَعُ إلَى الْإِمَامِ أَوْ الْقَاضِي أَوْ الْمُحْتَسِبِ، وَفِي النَّوَازِلِ إنْ كَانَ ضَرَرُ الْكِلَابِ فِي مِلْكِهِ لَا يُمْنَعُ، وَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ يُمْنَعُ وَكَذَا الْعُجُولُ وَالدَّجَاجَةُ وَكَذَا الْأَسَدُ وَالْفَهْدُ وَالضَّبُعُ وَجَمِيعُ السِّبَاعِ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَأَمَّا ضَمَانُ عَضِّ الْكَلْبِ فَفِي الْخَانِيَّةِ عَدَمُ الضَّمَانِ، وَفِي فَتَاوَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ إنْ قَدِمَ قَبْلَ الْعَضِّ ضَمِنَ وَإِلَّا فَلَا وَيُقْتَلُ الْجَرَادُ وَكَذَا النَّمْلَةُ الْمُؤْذِيَةُ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ إلْقَائِهَا فِي الْمَاءِ، وَإِحْرَاقُ الْقَمْلِ وَالْعَقْرَبِ مَكْرُوهٌ وَطَرْحُهَا حَيَّةً مَكْرُوهٌ مِنْ حَيْثُ الْأَدَبُ، وَإِنْ مُبَاحًا فِي نَفْسِهِ. الْكُلُّ مِنْ التتارخانية، وَعَنْ شَرْحِ الشِّرْعَةِ لِمُحَمَّدٍ الْعَيْشِيِّ رُوِيَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا هَبَطَ آدَم ﵊ إلَى الْأَرْضِ قَالَ إبْلِيسُ لِلسِّبَاعِ إنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكُمْ فَأَهْلِكُوهُ فَاجْتَمَعُوا وَوَلَّوْا أَمْرَهُمْ إلَى الْكَلْبِ وَقَالُوا أَنْتَ أَشْجَعُنَا فَلَمَّا رَأَى آدَم ذَلِكَ تَحَيَّرَ فِيهِ فَجَاءَ جَبْرَائِيلُ ﵊ فَقَالَ امْسَحْ يَدَك عَلَى رَأْسِ الْكَلْبِ فَأَلِفَهُ فَلَمَّا رَأَى السِّبَاعُ ذَلِكَ تَفَرَّقُوا وَبَقِيَ الْكَلْبُ مَعَ أَوْلَادِهِ إلَى هَذَا الزَّمَانِ.
[سَفَرُ الْحُرَّةِ بِلَا زَوْجٍ وَلَا مَحْرَمٍ]
(وَمِنْهَا سَفَرُ الْحُرَّةِ بِلَا زَوْجٍ وَلَا مَحْرَمٍ) وَلَوْ لِلْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَيْهَا عِنْدَ عَدَمِ الزَّوْجِ أَوْ الْمَحْرَمِ (خ م عَنْ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» أَيْ الْمَبْدَإِ وَالْمَعَادِ وَسَائِرُ الْمُؤْمَنِ بِهِ دَاخِلٌ فِيمَا بَيْنَهُمَا «أَنْ تُسَافِرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا» فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ مُدَّةُ الْقَصْرِ وَالْعِلَّةُ أَيْ خَوْفُ الْفِتْنَةِ جَارِيَةٌ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ «إلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوْ ابْنُهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا» فَمُجَرَّدُ الْمَحْرَمِيَّةِ بِلَا رَحِمٍ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ كَأَنْ كَانَ مِنْ الرَّضَاعِ وَالصِّهْرِ (وَفِي أُخْرَى «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ مِنْ الدَّهْرِ» مِنْ الزَّمَانِ «إلَّا وَمَعَهَا ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجُهَا» ، وَفِي أُخْرَى) لَهُ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
стр. 1095
مَرْفُوعًا «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَّا مَعَ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَلَيْهَا» ، وَفِي أُخْرَى «مَسِيرَةَ يَوْمٍ» ، وَفِي أُخْرَى «مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ» فَفِي مُدَّةِ السَّفَرِ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْحَنَفِيَّةِ) ، وَفِي التَّفْرِيعِ نَوْعُ خَفَاءٍ إلَّا أَنْ تُحْمَلَ الْفَاءُ عَلَى مَعْنًى غَيْرِ التَّفْرِيعِ، وَفِي الْحَاشِيَةِ قَيَّدَ بِالْحَنَفِيَّةِ؛ لِأَنَّ سَفَرَ الْحُرَّةِ يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِلْحَجِّ وَالزِّيَارَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ خُرُوجُ النِّسَاءِ إذَا كَانَتْ مَعَ رُفْقَةٍ فِيهِمْ النِّسَاءُ ذَوَاتُ الْمَحَارِمِ أَوْ كَانَتْ أَمِينَةً عَلَى نَفْسِهَا أَوْ مَعَ نِسْوَةٍ ثِقَاتٍ وَالْمَحْرَمُ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهَا مُؤَبَّدًا سَوَاءٌ بِالرَّحِمِ أَوْ الصِّهْرِ أَوْ الرَّضَاعِ حُرًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا عَاقِلًا أَوْ مُرَاهِقًا غَيْرَ مَجُوسِيٍّ وَلَا فَاسِقٍ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا صَبِيٍّ غَيْرِ عَاقِلٍ، وَأَمَّا الْمُصَاهَرَةُ مِنْ الزِّنَا فَقَالَ بَعْضٌ بِعَدَمِ جَوَازِ النَّظَرِ وَالْمَسِّ وَهُوَ الْأَقْيَسُ، وَعَنْ السَّرَخْسِيِّ لَا بَأْسَ بِهِ كَمَا فِي التتارخانية كَذَا قِيلَ.
لَكِنْ فِي إطْلَاقِ الْمُسَافِرِ فِي الْمَحْرَمِ الَّذِي غَيْرُ ذِي رَحِمٍ لَا سِيَّمَا الرَّضَاعَةُ كَلَامٌ فَلْيُسْتَقْرَ، ثُمَّ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَى الْإِرْكَابِ وَالْإِنْزَالِ بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْ الرُّكُوبُ بِنَفْسِهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمَسَّهَا مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهَا وَيَأْخُذَ ظَهْرَهَا وَبَطْنَهَا دُونَ مَا تَحْتَهَا إنْ أَمِنَ الشَّهْوَةَ، وَإِنْ خَافَ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ ظَنَّ أَوْ شَكَّ اجْتَنِبْ ذَلِكَ بِجَهْدِهِ، وَفِي تَقْيِيدِ الْمُصَنِّفِ بِالْحُرَّةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَمَةَ وَالْمُدَبَّرَةَ وَالْمُكَاتَبَةَ وَأُمَّ الْوَلَدِ وَمُعْتَقَةَ الْبَعْضِ تُسَافِرُ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ كَمَا هُوَ فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ لَكِنْ فِي قَاضِي خَانْ، وَفِي زَمَانِنَا كُرِهَ لَهَا الْمُسَافَرَةُ أَيْضًا بِغَيْرِ مَحْرَمٍ فَالْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ تَرْكُ ذَلِكَ التَّقْيِيدِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْحَدِيثِ (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا دُونَهَا) دُونَ مُدَّةِ السَّفَرِ قِيلَ وَالْأَقْوَى دِرَايَةً الْحُرْمَةُ لِلْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ أَقُولُ كَيْفَ تَدُلُّ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ وَقَدْ قَيَّدَ فِي بَعْضِهَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَالْعَدَدُ خَاصٌّ دَلَالَتُهُ قَطْعِيَّةٌ فَلَيْسَ لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى مَا دُونَهَا بَلْ يَدُلُّ عَلَى الْعَدَمِ إشَارَةً بَلْ مَفْهُومًا أَيْضًا وَمَفْهُومُ الْعَدَدِ حُجَّةٌ عِنْدَ بَعْضٍ مِنَّا كَمَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بَلْ نَقُولُ إنَّ الرِّوَايَاتِ كَالنُّصُوصِ الْمُتَعَارِضَةِ فَلَا يُحْتَجُّ بِلَا تَوْفِيقٍ أَوْ تَرْجِيحٍ فَلْيُتَأَمَّلْ حَتَّى يَظْهَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا، ثُمَّ قِيلَ، وَأَمَّا السَّفَرُ فِيمَا دُونَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِلَا زَوْجٍ وَمَحْرَمٍ فَجَائِزٌ إذَا كَانَ مَعَ مِثْلِهَا أَوْ مَعَ رَجُلٍ مُتَدَيِّنٍ مُؤْتَمَنٍ عَلَيْهِ بِشَرْطِ عَدَمِ الْخَلْوَةِ وَكَوْنِ الْخُرُوجِ إلَى مَوَاضِعَ أُذِنَ لِلْخُرُوجِ إلَيْهَا مِثْلِ الزِّيَارَةِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالْأَوْلَى عَدَمُ الْخُرُوجِ فِي زَمَانِنَا لِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ وَقِلَّةِ الْمُتَدَيِّنِينَ انْتَهَى.
أَقُولُ ظَاهِرُ إطْلَاقِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ هُوَ الْجَوَازُ الْمُطْلَقُ وَمَا اعْتَبَرَهُ مِنْ الْقُيُودِ إنْ بِالرَّأْيِ فَلَا يُقْبَلُ، وَإِنْ بِالنَّصِّ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ، وَعَنْ النَّوَوِيِّ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ لَكِنْ لَا يُرِيدُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا تَحْدِيدَ الْمُدَّةِ بَلْ الْمُرَادُ حُرْمَةُ السَّفَرِ لِلْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ وَالِاخْتِلَافُ وَقَعَ لِاخْتِلَافِ السَّائِلِينَ وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي حَدِيثِ «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» ، وَفِي أُخْرَى «يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» وَأُخْرَى «يَوْمٍ» وَلَيْسَ الْقَصْدُ بِهَا التَّحْدِيدَ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى مَا يُسَمَّى سَفَرًا عُرْفًا وَالِاخْتِلَافُ إنَّمَا وَقَعَ لِاخْتِلَافِ السَّائِلِينَ أَوْ الْمَوَاطِنِ وَلَيْسَ هُوَ الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ بَلْ الْعَامُّ الَّذِي ذُكِرَ بَعْضُ أَفْرَادِهِ وَذَا لَا يُخَصَّصُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَيْضًا فِي الْجَامِعِ «لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ بَرِيدًا» الْبَرِيدُ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ وَالْفَرْسَخُ ثَلَاثُ أَمْيَالٍ وَالْمِيلُ مُنْتَهَى مَدِّ الْبَصَرِ كَذَا فِي الْفَيْضِ.
(وَمِنْهَا الرُّكُوبُ) عَلَى الدَّابَّةِ (عِنْدَ الْوُقُوفِ الطَّوِيلِ وَعَدَمُ النُّزُولِ) بِلَا عُذْرٍ إنْ طَالَ الرُّكُوبُ (حَدّ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «لَا تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ كَرَاسِيَّ» لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ بِلَا فَائِدَةٍ فَيَنْزِلُ حِينَئِذٍ إلَّا مَأْثُورًا كَمَا فِي الْوَقْفَةِ كَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَاقِفًا» .
وَكَذَا مِنْ الْآفَاتِ تَحْمِيلُ الدَّابَّةِ
стр. 1096
فَوْقَ طَاقَتِهَا وَضَرْبٌ فِي وَجْهِهَا وَإِرْدَافُ ثَلَاثٍ إلَّا أَنْ يَكُونُوا صِغَارًا وَتَفْصِيلُهُ فِي الشِّرْعَةِ وَشَرْحِهِ.
(وَمِنْهَا سَفَرُ وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ) قِيلَ الرُّفَقَاءُ أَرْبَعَةٌ حَتَّى إذَا اُحْتِيجَ إلَى ذَهَابِ بَعْضٍ لِأَمْرٍ يُوجَدُ مُعَاوِنُ الذَّاهِبِ وَمُؤَانِسُ الْقَاعِدِ وَيَطْلُبُ لِلسَّفَرِ رَفِيقًا صَالِحًا يُعِينُ عَلَى أُمُورِ الدِّينِ كَمَا قِيلَ الرَّفِيقُ ثُمَّ الطَّرِيقُ وَقَدْ «نَهَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مُسَافَرَةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ» ، وَفِي الْحَاشِيَةِ يَعْنِي بِلَا عُذْرٍ مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُقْتَضِيَةِ لَهُ لِعَدَمِ وِجْدَانِ الرَّفِيقِ أَصْلًا أَوْ وَجَدَ وَاحِدًا وَالسَّفَرُ لَازِمٌ (خ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا «لَوْ أَنَّ النَّاسَ يَعْلَمُونَ مِنْ الْوَحْدَةِ» أَيْ مِنْ ضَرَرِ الْوَحْدَةِ وَآفَاتِهَا مِثْلَ عَدَمِ وِجْدَانِ مَنْ يُقِيمُ حَوَائِجَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ فَجْأَةً مِنْ الْوَصِيَّةِ وَالتَّجْهِيزِ وَالتَّكْفِينِ، وَبِالْجُمْلَةِ الضَّرَرُ إمَّا دُنْيَوِيٌّ كَعَدَمِ مَنْ يُقِيمُ حَوَائِجَهُ وَيُعِينُهُ فِي أُمُورِهِ وَيُؤَانِسُهُ فِي وَحْشَتِهِ أَوْ دِينِيٌّ كَعَدَمِ وِجْدَانِ مَنْ يُصَلِّي بِالْجَمَاعَةِ، وَمَنْ يُقِيمُ حَوَائِجَهُ كَمَا عَرَفْت «مَا أَعْلَمُ مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ» لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ الْمَطْلُوبِ هُوَ مُدَّةُ السَّفَرِ وَالْحَدِيثُ فِي اللَّيْلِ فَافْهَمْ (طب عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «الشَّيْطَانُ يَهِمُّ» يَقْصِدُ «بِالْوَاحِدِ وَبِالِاثْنَيْنِ» فِي الْإِضْلَالِ وَالْإِخَافَةِ «وَإِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً لَمْ يَهِمَّ بِهِمْ» لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِالسَّفَرِ بَلْ بِالْحَضَرِ كَمَا فِي بَيْتُوتَةِ مَنْزِلٍ وَاحِدٍ لَكِنْ قَالَ الْمُنَاوِيُّ يَعْنِي فِي السَّفَرِ وَقِيلَ أَرَادَ بِالْوَاحِدِ الْمُنْفَرِدَ فِي الرَّأْيِ وَأُخِذَ مِنْهُ أَنَّ تَقْلِيدَ الْأَكْثَرِ أَوْلَى مِنْ تَقْلِيدِ الْأَكْبَرِ.
(فَائِدَةٌ)
سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا هَلْ لِلْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ وَلِلشَّيْطَانِ الِاطِّلَاعُ عَلَى مَا يَخْطِرُ بِالْقَلْبِ أَوْ لَا؟ فَأَجَابَ لَهُمْ الِاطِّلَاعُ عَلَى مَا يَخْطِرُ بِالْقَلْبِ بِإِطْلَاعِ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَمِنْهَا عَدَمُ التَّأْمِيرِ) أَيْ تَرْكُهُ يَعْنِي نَصْبَ أَحَدِ الْمُسَافِرِينَ أَمِيرًا وَهُوَ سُنَّةٌ لِأَجْلِ انْتِظَامِ الْأُمُورِ فِي النُّزُولِ وَالِارْتِحَالِ وَبَعْدَ النَّصْبِ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ امْتِثَالِ أَمْرِهِ فِيمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ (د عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ مَرْفُوعًا «إذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا» نَدْبًا «أَحَدَهُمْ» وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَتْقَاهُمْ وَأَصْوَبَهُمْ رَأْيًا وَأَكْثَرَهُمْ تَدْبِيرًا وَأَتَمَّهُمْ مُرُوءَةً وَسَخَاوَةً وَأَعْظَمَهُمْ شَفَقَةً وَمَرْحَمَةً، وَعَنْ الْعَوَارِفِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْهُ ﵊ «أَلَا خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ» ، وَفِي الْمُنَاوِيِّ عَنْ الْبَعْضِ أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ، ثُمَّ لَا بُدَّ لَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوهُ؛ لِأَنَّهُ أَجْمَعُ لِرَأْيِهِمْ وَأَدْعَى لِاتِّفَاقِهِمْ وَأَجْمَعُ لِشَمْلِهِمْ، ثُمَّ قَالَ فَالتَّأْمِيرُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ حُصُولِ الِانْتِظَامِ بِهِ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ إقَامَةُ حُدُودٍ وَتَعْزِيرِ وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ الِاثْنَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ.
(وَمِنْهَا ذَهَابُ مَنْ أَكَلَ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ إلَى الْمَسْجِدِ) وَلَوْ لِغَيْرِ الْجَمَاعَةِ (وَالْجَمَاعَةِ) وَلَوْ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، أَمَّا إنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ عَلَى ظَنِّ زَوَالِهِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَلَمْ يُزَلْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الْقُعُودُ فِي الْبَيْتِ وَعَلَيْهِ إثْمُ التَّرْكِ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْمُحَشِّي (خ م عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا
стр. 1097
أَوْ فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا» شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي أَيْ الْأَمَاكِنَ الْمُعَدَّةُ لِلصَّلَاةِ فَالْمُرَادُ جِنْسُ الْمَسَاجِدِ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ «مَسَاجِدَنَا» وَقِيلَ أَيْضًا، وَفِي رِوَايَةٍ «فَلَا يَقْرَبَنَّ الْمَسَاجِدَ» فَالْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ بِمَعْنَى مَسْجِدِ مِلَّتِنَا كَمَا فِي الْمُبَارِقِ وَغَيْرِهِ أَقُولُ لَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ بَلْ صِيغَةُ نَفْسِ الْمُتَكَلِّمِ مَعَ الْغَيْرِ مِنْ الشَّارِعِ شَامِلَةٌ لَهُ وَلِمَنْ اتَّبَعَهُ فِي مِلَّتِهِ سِيَّمَا فِي الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ فَيَنْدَفِعُ أَيْضًا مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَرِينَةِ الْإِضَافَةِ، عَلَى أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ الَّتِي هِيَ إيذَاءُ الْمَلَائِكَةِ عَامَّةٌ لِجَمِيعِ الْمَسَاجِدِ بَلْ سَائِرِ مَجَامِعِ النَّاسِ كَمَا فِي الْمُبَارِقِ وَكَذَا مَنْ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَأُلْحِقَ بِهِ كُلُّ مَا فِي رِيحِهِ أَذًى كَالْكُرَّاثِ بَلْ كُلُّ مَا فِيهِ أَذًى كَجُذَامٍ وَبَرَصٍ وَبَخَرٍ أَوْ جِرَاحَةٍ وَكَذَا رِيحُ سَمَكٍ وَزَبَّالٌ وَقَصَّابٌ يُمْنَعُ مِنْ الْمَسْجِدِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَمِنْهَا يُؤْخَذُ أَنَّ مَنْ دَأْبُهُ أَذَى النَّاسِ بِلِسَانِهِ يُمْنَعُ مِنْ الْمَسْجِدِ أَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ مَنْعِ الْأَجْذَمِ وَمَا مَعَهُ نَازَعَ فِيهِ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ آكِلَ الثُّومِ أَدْخَلَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَانِعَ بِاخْتِيَارِهِ بِخِلَافِ أُولَئِكَ وَأَشَارَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إلَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ تَوَسُّعٌ غَيْرُ مَرَضِيٍّ انْتَهَى، ثُمَّ قِيلَ إنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ الْوَاقِعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَإِنْ خَالِيًا عَنْ الْإِنْسَانِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْمَلَائِكَةِ وَقِيلَ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ «وَلَا يُؤْذِنَا بِرِيحِ الثُّومِ» فَالْعِلَّةُ تَأَذِّي بَنِي آدَمَ فَيَجُوزُ دُخُولُهُ إذَا كَانَ خَالِيًا أَقُولُ حَدِيثُ «إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» يَجْعَلُ كُلًّا مِنْهُمَا عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً وَقِيلَ تَأَذِّي الْمَلَائِكَةِ لِتَأَذِّي بَنِي آدَمَ وَأَشْكَلَ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ مُجَرَّدَاتٌ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ فِيهِمْ التَّأَذِّي؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَأَذِّيهُمْ مِنْ تَأَذِّي بَنِي آدَمَ لَا مِنْ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ وَدُفِعَ بِأَنَّ السُّؤَالَ إنَّمَا يَرِدُ عَلَى قَاعِدَةِ الْفَلَاسِفَةِ الْمُثْبِتِينَ لِلْمُجَرَّدَاتِ لَا عَلَى الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِي قَالُوا إنَّ الْمَلَائِكَةَ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ فَيَجُوزُ شَمُّهُمْ الرَّوَائِحَ الْكَرِيهَةَ أَقُولُ إنَّ مَا أَثْبَتُوا مِنْ الْمُجَرَّدَاتِ هُوَ نَحْوُ الْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ مِنْ الْمُجَرَّدَاتِ فَلَيْسَ بِمَعْلُومٍ، نَعَمْ إنَّ بَعْضَ الْمُتَشَرِّعِينَ كَالْغَزَالِيِّ وَالْقَاضِي وَالْأَصْفَهَانِيِّ أَثْبَتُوهَا وِفَاقًا لِلْحُكَمَاءِ لَكِنْ كَثُرَ تَشْنِيعُ الطَّوَائِفِ عَلَيْهِمْ «وَلْيَقْعُدَنَّ فِي بَيْتِهِ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الْفَتْحِ حُكْمُ رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ وَمَا قَرُبَ مِنْهَا حُكْمُهُ وَأَشْكَلَ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ الْعِلَّةَ وَهُوَ تَأَذِّي الْمَلَائِكَةِ شَامِلٌ لِلْمُنْفَرِدِ فَيَلْزَمُ تَأْخِيرُهُ إلَى زَوَالِ الرَّائِحَةِ وَهُوَ قَدْ يُفْضِي إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ فَيَلْزَمُ إمَّا تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ أَوْ حُرْمَةُ أَكْلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا يُفْضِي إلَى الْمُحَرَّمِ مُحَرَّمٌ وَهُمَا مُنْتَفِيَانِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ فَرْضٌ وَالْفَرْضُ لَا يُتْرَكُ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِ بِمُحَرَّمٍ قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ جَابِرٍ أَيْضًا أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ مُتَوَاتِرٌ انْتَهَى (وَزَادَ فِي رِوَايَةِ " م " وَالْكُرَّاثَ وَزَادَ " ططص " وَالْفُجْلَ) ، وَفِي الْجَامِعِ «نَهَى عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ وَالثُّومِ سَوَاءٌ أَكَلَهُ مِنْ الْجُوعِ أَوْ غَيْرِهِ» كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ كَالْأَكْلِ لِلتَّشَهِّي وَالتَّأَدُّمِ بِالْخُبْزِ كَذَا فِي الْفَيْضِ وَقَالَ فِي الْفَيْضِ فِي قَوْلِ الْجَامِعِ نَهَى عَنْ أَكْلِ الثُّومِ. النَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مُرِيدِ حُضُورِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ قَالَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَزَادَ «إلَّا مَطْبُوخًا» يَعْنِي مَشْوِيًّا، وَأَيْضًا قَالَ فِي قَوْلِهِ نَهَى عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ أَيْ النَّيْيءِ كَمَا بَيَّنَهُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُهُ مَطْبُوخًا» ، وَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ أَنَّ أَكْلَهُ غَيْرُ حَرَامٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ فِي خَبَرِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، وَعَنْ أَبَوَيْهَا «إنَّ آخِرَ طَعَامٍ أَكَلَهُ النَّبِيُّ ﵊ طَعَامٌ فِيهِ بَصَلٌ» زَادَ الْبَيْهَقِيُّ «كَانَ مَشْوِيًّا فِي قِدْرٍ» ، وَأَمَّا مَا فِي الْجَامِعِ «كُلْ الثُّومَ نِيئًا فَلَوْلَا أَنِّي أُنَاجِي رَبِّي لَأَكَلْته» وَمَا فِي شَرْحِهِ الَّذِي وَقَفْت عَلَيْهِ لِأَبِي نُعَيْمٍ «كُلُوا الثُّومَ وَتَدَاوَوْا بِهِ، فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ سَبْعِينَ دَاءً وَلَوْلَا أَنَّ الْمَلَكَ يَأْتِينِي لَأَكَلْته» فَقَدْ قَالَ فِيهِ أَيْضًا إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ عُورِضَ بِأَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ الثُّومِ وَلَا يُقَاوِمُ
стр. 1098
الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ وَأَنَّ الْأَمْرَ بَعْدَ النَّهْيِ لِلْإِبَاحَةِ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد «كُلُوهُ» ، «وَمَنْ أَكَلَهُ مِنْكُمْ فَلَا يَقْرَبْ هَذَا الْمَسْجِدَ حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ» ، ثُمَّ قَالَ إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ زَيْنُ الْحُفَّاظِ ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ وَلِتِلْكَ الْأَحَادِيثِ قَالُوا فَمَنْ أَكَلَ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ إنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ عَلَى ظَنِّ زَوَالِهِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَلَمْ يَزُلْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ أَكَلَ قَصْدًا مَعَ الْجَزْمِ بِعَدَمِ زَوَالِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقُعُودُ وَيَأْثَمُ، ثُمَّ قِيلَ وَمِنْ هَذَا اُسْتُدِلَّ عَلَى كَرَاهَةِ الدُّخَانِ كَمَا فِي الْفَتَاوَى الْيَحَيَائِيَّةِ مَنْ لَهُ شَائِبَةُ صَلَاحٍ لَا يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ وَلَا شُبْهَةَ فِي دُخُولِهِ تَحْتَ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ اُسْتُوْفِيَ مِرَارًا، وَفِي الشِّرْعَةِ وَقِيلَ مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ فَلْيَأْكُلْ فَوْقَهُ كَرَفْسًا، فَإِنَّهُ يَذْهَبُ بِرِيحِهِ، وَفِي شَرْحِهِ وَقِيلَ مَضْغُ السَّذَابِ يَذْهَبُ بِرِيحِهِ وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْبَصَلِ وَالثُّومِ مَطْبُوخَيْنِ وَلَا يَأْكُلُ النَّيْيءَ مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ يُؤْذِي الْمَلَائِكَةَ، وَفِيهِ أَيْضًا وَقَدْ رُخِّصَ تَرْخِيصًا أَكْلُ الْبَصَلِ لِمَنْ دَخَلَ أَرْضًا فَلْيَأْكُلْ مِنْ بَصَلِهَا لِيَذْهَبَ عَنْهُ وَبَاؤُهَا أَيْ وَخَامَتُهَا وَهَلَاكُهَا.
[تَرْكُ الصَّلَاةِ عَمْدًا]
(وَمِنْهَا تَرْكُ الصَّلَاةِ عَمْدًا) أَمَّا التَّرْكُ بِالنِّسْيَانِ أَوْ النَّوْمِ وَخُرُوجِ الْوَقْتِ فَمَعْذُورٌ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ إذَا ذَكَرَهَا وَكَذَا التَّرْكُ عَمْدًا بِعُذْرٍ مِنْ الْأَعْذَارِ الشَّرْعِيَّةِ مِثْلُ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِيمَاءِ بِالرَّأْسِ لِلْمَرِيضِ وَعَلَى التَّوَضُّؤِ وَالتَّيَمُّمِ لِمَنْ هُوَ مَحْبُوسٌ فِي السَّجْنِ إلَّا أَنَّ عِنْدَ هُمَا يَلْزَمُ الْمَحْبُوسَ التَّشَبُّهُ كَمَا فِي الصَّوْمِ لِمُسَافِرٍ أَقَامَ فِي بَعْضِ النَّهَارِ وَكَذَا الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ إذَا طَهُرَتْ فِيهِ، وَعِنْدَ الْإِمَامِ لَا يَلْزَمُ التَّشَبُّهُ (وَهُوَ مِنْ) أَكْبَرِ (الْكَبَائِرِ) كَقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَالزِّنَا وَاللُّوَاطَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُهُ (قَالَ الْإِمَامُ الْمُنْذِرِيُّ ﵀) مِنْ الْمُحَدِّثِينَ صَاحِبُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ إلَى كَوْنِهِ) أَيْ تَرْكِ الصَّلَاةِ عَمْدًا (كُفْرًا مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ) لَا يَخْفَى أَنَّ كُلَّهُمْ مِنْ الْأَشْرَافِ وَالْكِبَارِ (- رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَمِنْ غَيْرِ الصَّحَابَةِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو دَاوُد وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَكَمُ) بِفَتْحَتَيْنِ (وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ) مُحَدِّثٌ مَشْهُورٌ (وَغَيْرُهُمْ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ) وَعَنْ كِفَايَةِ الشَّعْبِيِّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً فَفَاسِقٌ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ وَالْوِصَايَةِ وَالْإِمَامَةِ وَيَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ وَيَكُونُ صَاحِبَ كَبِيرَةٍ كَالزَّانِي وَالْقَاتِلِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَدْ اسْتَحَقَّ الْقَتْلَ، وَفِي الْخُلَاصَةِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ تَرَكَ الصَّلَوَاتِ وَكَذَا الْجَمَاعَةُ إلَّا عَنْ تَأْوِيلٍ وَكَذَا الْجُمُعَةُ، وَفِيمَا نُقِلَ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ بِلَفْظِ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ يَعْنِي بِالْمُفْرِدِ، وَفِي التتارخانية عَنْ الْخَانِيَّةِ تَأْخِيرُ فَرْضٍ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ يُبْطِلُ الْعَدَالَةَ، وَفِي تَعْزِيرِ الْخُلَاصَةِ أَيْضًا رَجُلٌ لَا يَحْضُرُ الْجَمَاعَةَ يَجُوزُ تَعْزِيرُهُ بِأَخْذِ الْمَالِ إنْ رَأَى الْقَاضِي وَمَا فِي الْبَزَّازِيِّ مِنْ أَنَّهُ يَرُدُّ الْمَالَ بَعْدَهُ فَتُعُقِّبَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ انْتِفَاءُ الْمَقْصُودِ مِنْ التَّعْزِيرِ وَهُوَ الزَّجْرُ وَالتَّأْدِيبُ، وَفِي النِّصَابِ وَيُخَوِّفُهُ عَلَى ذَلِكَ بِإِحْرَاقِ الْبَيْتِ وَالْمَرْأَةُ الَّتِي لَا تُصَلِّي فَالْأَوْلَى تَطْلِيقُهَا، وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ تَارِكُهَا عَمْدًا يُقْتَلُ عِنْدَ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَمَكْحُولٍ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إلَّا أَنَّهُ عِنْدَ أَحْمَدَ كُفْرًا، وَعِنْدَ غَيْرِهِ حَدًّا وَيُحْبَسُ أَبَدًا عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَقِيلَ يُضْرَبُ حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ وَقِيلَ
стр. 1099
يُضْرَبُ حَتَّى يُصَلِّيَ أَوْ يَمُوتَ وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَذْكُرْ الْآثَارَ الدَّالَّةَ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ عَلَى عَادَتِهِ لَعَلَّهُ لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ لِشُهْرَتِهَا وَوُضُوحِهَا فَلْنَذْكُرْ بَعْضَهَا كَحَدِيثِ الْجَامِعِ «عُرَى الْإِسْلَامِ وَقَوَاعِدُ الدِّينِ ثَلَاثٌ عَلَيْهِنَّ أُسِّسَ الْإِسْلَامُ مَنْ تَرَكَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فَهُوَ كَافِرٌ حَلَالُ الدَّمِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَالصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ وَصَوْمُ رَمَضَانَ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ مِنْ قَبِيلِ الزَّجْرِ وَالتَّهْوِيلِ أَوْ عَلَى مُسْتَحِلِّ التَّرْكِ قَالَ الذَّهَبِيُّ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَعِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ مُقَرَّرٌ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ أَنَّهُ شَرٌّ مِنْ الزَّانِي وَمُدْمِنِ الْخَمْرِ بَلْ يَشُكُّونَ فِي إسْلَامِهِ وَيَظُنُّونَ بِهِ الزَّنْدَقَةَ وَالْإِلْحَادَ وَكَحَدِيثِ مُسْلِمٍ كَمَا فِي الْمَصَابِيحِ وَالْجَامِعِ «بَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ تَرْكُهَا وَصْلَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْكُفْرِ.
، وَعَنْ الْمَفَاتِيحِ يَعْنِي بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ دُخُولِهِ فِي الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ فَيَكْفُرُ إنْ جَحْدًا وَيُخَافُ عَلَيْهِ الْكُفْرُ إنْ تَهَاوُنًا وَكَحَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْجَامِعِ «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ جِهَارًا» .
وَكَحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ، وَفِيهِ أَيْضًا «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ» .
وَكَحَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ فِيهِ أَيْضًا «مَنْ تَرَكَ صَلَاةً لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ غَضْبَانُ» .
وَحَدِيثِ الْبَيْهَقِيّ «الصَّلَاةُ عِمَادُ الدِّينِ فَمَنْ أَقَامَهَا فَقَدْ أَقَامَ الدِّينَ وَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ هَدَمَ الدِّينَ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَمِنْ ثَمَّةَ «أَيْقَظَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَبَّ آلِهِ فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ مَرَّتَيْنِ حَتَّى جَلَسَ عَلِيٌّ فِي الثَّانِيَةِ وَهُوَ يَعْرُكُ عَيْنَيْهِ وَيَقُولُ وَاَللَّهِ مَا نُصَلِّي إلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا إنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ فَوَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَضْرِبُ بِيَدَيْهِ عَلَى فَخْذَيْهِ وَيَقُولُ مَا نُصَلِّي إلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾ [الكهف: ٥٤] » .
وَكَانَ ثَابِتُ بْنُ أَسْلَمَ يَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ خَمْسِينَ سَنَةٍ، فَإِذَا جَاءَ السَّحَرُ قَالَ اللَّهُمَّ إنْ كُنْت أَعْطَيْت أَحَدًا أَنْ يُصَلِّيَ فِي قَبْرِهِ فَأَعْطِنِي ذَلِكَ فَلَمَّا مَاتَ وَسَدُّوا لَحْدَهُ وَقَعَتْ لَبِنَةٌ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي حَالًا وَشَهِدَ ذَلِكَ مَنْ حَضَرَ فِي جِنَازَتِهِ وَكَانَ يَقُولُ الصَّلَاةُ خِدْمَةُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنْهَا لَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩] انْتَهَى.
وَحَدِيثُ الطَّبَرَانِيِّ «وَأَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّلَاةُ، فَإِنْ صَلَحَتْ صَلُحَ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ» .
وَحَدِيثُ صِحَاحِ الْمَصَابِيحِ «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» لَا يَخْفَى أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَإِنْ مُؤَوَّلَاتٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَكِنَّ الدَّاعِيَ إلَى الْمَجَازِ هُوَ التَّهْدِيدُ وَزِيَادَةُ التَّرْهِيبِ وَزِيَادَةُ الْبَيَانِ.
(وَمِنْهَا تَرْكُ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ الْفَرْضَيْنِ) وَأَمَّا التَّأْخِيرُ بِحَيْثُ لَا تَفُوتُ الصَّلَاةُ أَوْ الْجَمَاعَةُ فَجَائِزٌ، وَفِي الشِّرْعَةِ «الْوُضُوءُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَمِفْتَاحُ الصَّلَاةِ وَمُطَهِّرُ الْبَدَنِ مِنْ الْآثَامِ، وَمَنْ مَاتَ عَلَى الْوُضُوءِ مَاتَ شَهِيدًا، وَمَنْ بَاتَ عَلَى وُضُوءٍ بَاتَ مَعَهُ فِي شِعَارِهِ مَلَكٌ يَسْتَغْفِرُ لَهُ» فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْوُضُوءِ مِنْ سُنَّةِ الْإِسْلَامِ، وَفِي شَرْحِهِ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَالْبُسْتَانِ أَنَّ كُرْزَ بْنَ وَبَرَةَ تَوَضَّأَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا ثَمَانِينَ مَرَّةً حِرْصًا عَلَى الْمَوْتِ بِالْوُضُوءِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «إنْ أَتَاك مَلَكُ الْمَوْتِ وَأَنْتَ عَلَى وُضُوءٍ لَمْ تَفُتْك الشَّهَادَةُ» ، وَعَنْ الْبُسْتَانِ أَيْضًا «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - لِمُوسَى يَا مُوسَى إذَا أَصَابَتْك مُصِيبَةٌ وَأَنْتَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَلَا تَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَك» ، وَفِي الْمَصَابِيحِ «خَيْرُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ وَلَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْوُضُوءِ إلَّا مُؤْمِنٌ» ، وَعَنْ بَعْضٍ: مَنْ دَاوَمَ عَلَى الْوُضُوءِ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِسَبْعِ خِصَالٍ الْأَوَّلُ تَرْغَبُ الْمَلَائِكَةُ فِي صُحْبَتِهِ الثَّانِي لَا يَزَالُ الْقَلَمُ رَطْبًا مِنْ كِتَابَةِ ثَوَابِهِ الثَّالِثُ تَسْبِيحُ أَعْضَائِهِ وَجَوَارِحِهِ الرَّابِعُ لَا تَفُوتُهُ التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى الْخَامِسُ إذَا نَامَ بَعَثَ مَلَكًا يَحْفَظُهُ مِنْ شَرِّ الثَّقَلَيْنِ السَّادِسُ يُسَهِّلُ اللَّهُ عَلَيْهِ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ السَّابِعُ أَنْ يَكُونَ فِي أَمَانِ اللَّهِ تَعَالَى مَا دَامَ عَلَى الْوُضُوءِ.
стр. 1100
(وَمِنْهَا تَرْكُ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْقَوْلِ الْأَقْوَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ) وَسُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ شَبِيهَةٌ بِالْوَاجِبِ عَلَى قَوْلٍ، وَفِي الدُّرَرِ الْجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَقِيلَ فَرْضٌ لِلرِّجَالِ وَجَزَمَ فِي الْكَنْزِ بِكَوْنِهَا سُنَّةً مُؤَكَّدَةً وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ، وَفِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى مُسْتَحَبَّةٌ وَالصَّحِيحُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا إلَّا بِعُذْرٍ مِثْلِ الظُّلْمَةِ الشَّدِيدَةِ وَالْمَطَرِ وَالْمَرَضِ وَالْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ وَمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ وَالْخَوْفِ مِنْ الدَّائِنِ وَمِنْ السُّلْطَانِ وَخَوْفِ ذَهَابِ الرُّفَقَاءِ وَخِدْمَةِ الْمَرِيضِ وَكَذَا إذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَنَفْسُهُ تَتَشَوَّقُ إلَيْهِ، وَفِي الْمُلْتَقَطِ الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ بَلْدَةٍ تَرَكُوا الْجَمَاعَةَ يُقَاتِلُهُمْ الْإِمَامُ إلَى أَنْ يَتُوبُوا، وَعَنْ الْقَاضِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا فَظَاهِرُ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَذَهَبَ الْبَاقُونَ إلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ وَلَيْسَتْ بِفَرْضٍ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَقَالَ أَحْمَدُ وَدَاوُد إنَّهَا فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ وَقَالَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ بِوُجُوبِهَا انْتَهَى (وَقَالَ الْإِمَامُ الْمُنْذِرِيُّ وَمِمَّنْ قَالَ بِفَرْضِيَّةِ الْجَمَاعَةِ) عَيْنًا (مِنْ الصَّحَابَةِ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَمِنْ غَيْرِهِمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعَطَاءٌ وَأَبُو ثَوْرٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]- أَمَرَ بِالرُّكُوعِ مَعَ الْمُقَارَنَةِ لِلرَّاكِعَيْنِ فَعَلَى الْقَوْلِ بِكَوْنِهَا فَرْضَ عَيْنٍ لَا تَجُوزُ صَلَاةُ مَنْ صَلَّى بِدُونِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِكَوْنِهَا فَرْضَ كِفَايَةٍ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الطَّحَاوِيِّ وَالْكَرْخِيِّ لَوْ تَرَكَ أَهْلُ قَرْيَةٍ الصَّلَاةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ بَلْ صَلَّوْا فُرَادَى لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُمْ أَصْلًا، وَإِنْ فَعَلَهَا الْبَعْضُ تَجُوزُ صَلَاةُ الْبَاقِينَ وَعَلَى الْقَوْلِ بِكَوْنِهَا سُنَّةً مُؤَكَّدَةً إذَا تَرَكَ أَهْلُ قَرْيَةٍ الصَّلَاةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ صَلَّوْا فُرَادَى دَعَاهُمْ الْإِمَامُ إلَى ذَلِكَ، فَإِنْ أَبَوْا قَاتَلَهُمْ؛ لِأَنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ وَكَذَا الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ وَاخْتَلَفُوا فِي السِّوَاكِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ، وَأَيْضًا عَنْ الْغَايَةِ أَنَّ عَامَّةَ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ، وَعَنْ التُّحْفَةِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ وَسَمَّاهَا بَعْضُهُمْ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً وَهُمَا فِي الْمَعْنَى سَوَاءٌ، فَالْمُرَادُ مِنْ السُّنَّةِ رَاجِعٌ إلَى الْوُجُوبِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا نُقِلَ عَنْ الْعَتَّابِيَّةِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَتَسْمِيَتُهَا سُنَّةً لِوُجُوبِهَا بِالسُّنَّةِ، وَعَنْ الْبَدَائِعِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْعُقَلَاءِ الْبَالِغِينَ الْأَحْرَارِ الْقَادِرِينَ، وَأَيْضًا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا نُقِلَ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَشَرِيعَةٌ مَاضِيَةٌ وَلَا يُرَخَّصُ فِي تَرْكِهَا لِأَحَدٍ إلَّا لِعُذْرٍ حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا أَهْلُ مِصْرٍ يُؤْمَرُونَ بِهَا، فَإِنْ ائْتَمَرُوا وَإِلَّا فَتَحِلُّ مُقَاتَلَتُهُمْ، ثُمَّ قِيلَ إنَّ الْمُقَاتَلَةَ لَا تَحِلُّ عَلَى تَرْكِ سُنَّةٍ أَقُولُ فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ يُعْلَمُ مِمَّا ذُكِرَ آنِفًا، وَفِي قَاضِي خَانْ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ بِالْجَمَاعَةِ وَلَمْ يَسْتَعْظِمْ ذَلِكَ بَطَلَتْ عَدَالَتُهُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ بِجَمَاعَةٍ إلَّا بِتَأْوِيلٍ، وَعَنْ الِاخْتِيَارِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ تَارِكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَعَنْ الْخَصَّافِ مَرَّةً بِلَا عُذْرٍ، وَفِي الْجَامِعِ عَلَى تَخْرِيجِ الدَّارَقُطْنِيِّ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» فَأَهْلُ الْوُجُوبِ احْتَجُّوا بِظَاهِرِهِ وَأَهْلُ السُّنَّةِ حَمَلُوهُ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ وَأُورِدَ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِحَذْفِ صِفَةٍ وَهُوَ لَيْسَ بِجَائِزٍ وَأُجِيبَ بِإِرَادَةِ تَقْدِيرِ الْمُضَافِ أَيْ لَا كَمَالَ صَلَاةٍ وَأَنْتَ تَعْلَمُ جَوَازَ
стр. 1101
حَذْفِ الصِّفَةِ كَمَا قَالُوا فِي - ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ [المائدة: ٦٨]- أَيْ نَافِعٍ وَأُورِدَ عَلَى أَهْلِ الْوُجُوبِ بِأَنَّ نَفْيَ الْأَعْيَانِ إمَّا نَفْيُ الْإِجْزَاءِ أَوْ الْكَمَالِ، وَعِنْدَ الِاحْتِمَالِ يَسْقُطُ الِاسْتِدْلَال وَهُوَ أَيْضًا كَمَا تَرَى إذْ النُّصُوصُ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا، وَمَا لَمْ تَتَعَذَّرْ الْحَقِيقَةُ لَا يُصَارُ إلَى الْمَجَازِ لَكِنْ أَشْكَلَ عَلَى الْحَدِيثِ مِنْ الضَّعْفِ إلَى الْوَضْعِ وَدُفِعَ بِأَنَّ رُوَاتَهُ ثِقَاتٌ عِنْدَ عَبْدِ الْحَقِّ وَالشَّافِعِيِّ، ثُمَّ قِيلَ وَبِالْجُمْلَةِ هُوَ مَأْثُورٌ عَنْ عَلِيٍّ وَمِنْ شَوَاهِدِهِ حَدِيثُ الشَّيْخَيْنِ «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ» .
، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ» الِاحْتِطَابُ جَمْعُ الْحَطَبِ «، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ» أَيْ أُخَاصِمُ وَأُحَارِبُ «إلَى رِجَالٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ» .
وَمِنْ حَدِيثِ النَّسَائِيّ «مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِيَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ» ، وَعَنْ تَنْبِيهِ أَبِي اللَّيْثِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَقَالَ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ يَقُومُ اللَّيْلَ وَيَصُومُ النَّهَارَ وَلَا يَشْهَدُ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَاتِ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ هُوَ فِي النَّارِ فَاخْتَلَفَ إلَيْهِ شَهْرًا يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ يَقُولُ فِي النَّارِ، وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ عَزَّى بَعْضُ أَصْحَابِ حَاتِمٍ الْأَصَمِّ إيَّاهُ لِفَوْتِهِ جَمَاعَةً فَبَكَى وَقَالَ لَوْ مَاتَ لِي ابْنٌ وَاحِدٌ لَعَزَّانِي نِصْفُ أَهْلِ بَلْخٍ وَالْآنَ قَدْ فَاتَنِي جَمَاعَةٌ فَمَا عَزَّانِي إلَّا بَعْضُ أَصْحَابِي وَأَنَّهُ لَوْ مَاتَ لِي الِابْنَانِ جَمِيعًا لَكَانَ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ فَوْتِ هَذِهِ، وَفِي شَرْحِ الشِّرْعَةِ كَانَ السَّلَفُ يُعَزُّونَ أَنْفُسَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إذَا فَاتَتْهُمْ التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى وَيُعَزُّونَ سَبْعًا إذَا فَاتَتْهُمْ الْجَمَاعَةُ.
(وَمِنْهَا تَرْكُ تَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ) أَيْ تَسْكِينُ الْجَوَارِحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقَوْمَةِ وَالْجِلْسَةِ قُدِّرَ أَدْنَاهُ بِتَسْبِيحَةٍ، فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَفَرْضٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالثَّلَاثَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَفِي قَوْمَةِ الرُّكُوعِ وَجِلْسَةِ السَّجْدَةِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْكَمَالُ وَصَوَّبَهُ الْحَلَبِيُّ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ عَلَى مَا فِي الدُّرَرِ وَمُلْتَقَى الْأَبْحُرِ عَنْ الْعَيْنِيِّ وَلَكِنَّ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ التَّعْدِيلَ وَاجِبٌ فِي نَفْسِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَسُنَّةٌ فِي الْقَوْمَةِ وَالْجِلْسَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ عَلَى رِوَايَةِ الْكَرْخِيِّ.
وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْجُرْجَانِيِّ فَفِي الْأَرْبَعَةِ سُنَّةٌ، وَفِي دُرِّ الْمُبْتَغَى الْمَشْهُورُ أَنَّ مُكَمِّلَ الْفَرْضِ وَاجِبٌ وَمُكَمِّلَ الْوَاجِبِ سُنَّةٌ، وَعَنْ هِشَامٍ أَنَّ مُحَمَّدًا مَعَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى مَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ أَخَافُ عَدَمَ جَوَازِ صَلَاةِ مَنْ تَرَكَ اعْتِدَالَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَفِي الْحَلَبِيِّ وَكَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ مَنْ تَرَكَ الِاعْتِدَالَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ فَالْفَرْضُ الثَّانِي لَا الْأَوَّلُ.
وَعَنْ ابْنِ الْهُمَامِ الثَّانِيَةُ جَابِرَةٌ لِلْأُولَى عَلَى مَا هُوَ حُكْمُ كُلِّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ بِكَرَاهَةِ تَحْرِيمٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي طُمَأْنِينَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَنْهُمَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ أَصَحُّهَا الْوُجُوبُ فِي السُّنَّةِ فَاحْتِمَالُ إكْمَالِ الرُّكْنِيَّةِ، وَفِي طُمَأْنِينَةِ الْقَوْمَةِ وَالْجِلْسَةِ عَنْهُمَا رِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا السُّنِّيَّةُ، ثُمَّ الْوُجُوبُ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذَاهِبِ وَالرِّوَايَاتِ وُجُوبُ الْأَرْبَعَةِ: طُمَأْنِينَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَرَفْعُ الرَّأْسِ عَنْهُمَا، وَالْقَوْمَةُ، وَالْجِلْسَةُ، وَالطُّمَأْنِينَةُ فِيهِمَا. فَلَوْ تَرَكَ وَاحِدَةً مِنْهَا عَمْدًا أَثِمَ وَوَجَبَتْ الْإِعَادَةُ وَلَوْ سَهْوًا فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَالْأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ كَحَدِيثِ «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ فِيهَا ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» وَكَحَدِيثِ «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ» ثَلَاثًا لِمَنْ خَفَّفَ الصَّلَاةَ وَكَحَدِيثِ «لَوْ مَاتَ هَذَا عَلَى حَالَتِهِ هَذِهِ مَاتَ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» قَالَهُ لِمَنْ لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَيُسْرِعُ فِي سُجُودِهِ وَكَحَدِيثِ «لَوْ مِتَّ مِتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةٍ» .
وَفِي رِوَايَةٍ «لَوْ مِتَّ مِتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ» الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﵊ عَلَيْهَا وَكَحَدِيثِ «أَسْوَأُ السَّرِقَةِ الَّذِي يَسْرِقُ فِي صَلَاتِهِ بِأَنْ لَا يُتِمَّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ» وَكَحَدِيثِ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» أَيْ يَتْرُكُ الْقَوْمَةَ وَالْجِلْسَةَ وَكَحَدِيثِ «مَثَلُ الَّذِي لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي صَلَاتِهِ كَمَثَلِ حُبْلَى حَمَلَتْ فَلَمَّا دَنَا نِفَاسُهَا أَسْقَطَتْ فَلَا هِيَ ذَاتُ حَمْلٍ وَلَا هِيَ ذَاتُ وَلَدٍ» وَغَيْرِهَا مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مُعَدَّلِهِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي دَلِيلِ الْفَرْضِيَّةِ لِأَبِي يُوسُفَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ أَخَفَّ الصَّلَاةَ «صَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ» قَالَ
стр. 1102
- صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ» إلَى أَنْ قَالَ، «ثُمَّ يُكَبِّرَ لِلصَّلَاةِ فَيَرْكَعَ فَيَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلَهُ وَتَسْتَرْخِيَ» الْحَدِيثَ انْتَهَى، ثُمَّ عَدَّ الْمُصَنِّفُ آفَةَ تَرْكِ التَّعْدِيلِ إلَى أَنْ بَلَغَتْ ثَلَاثِينَ مِنْهَا الْمَوْتُ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْهَا كَوْنُهُ سَبَبًا لِفَسَادِ سَائِرِ الْأَعْمَالِ.
(وَ) تَرْكُ (تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ) فَإِنَّ تَرْكَهَا مُوجِبٌ لِإِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمْ وَالْمُخَالَفَةِ فِي قُلُوبِهِمْ؛ لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُمْ فِي الصُّفُوفِ مُخَالَفَةٌ فِي الظَّوَاهِرِ وَمُخَالَفَتُهَا سَبَبٌ لِاخْتِلَافِ الْبَوَاطِنِ وَقِيلَ سَبَبٌ لِلْفِتَنِ وَلِذَا صَارَتْ التَّسْوِيَةُ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً، وَصَرَفَهُ عَنْ الْوُجُوبِ الدَّالِّ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ الْإِجْمَاعُ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ وَالتَّشْدِيدِ تَأْكِيدًا أَوْ تَحْرِيضًا عَلَى فِعْلِهَا كَمَا ذَكَرَهُ الْمُنَاوِيُّ، وَفِي حَدِيثِ «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ فَوَاَللَّهِ لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ» أَيْ لَيُوقِعَنَّ اللَّهُ الْمُخَالَفَةَ «بَيْنَ قُلُوبِكُمْ» ، وَفِي الْمُعَدَّلِ عَلَى تَخْرِيجِ أَبِي دَاوُد وَأَحْمَدَ «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ وَسُدُّوا الْخَلَلَ وَلِينُوا بِأَيْدِي إخْوَانِكُمْ وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ، وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى» أَيْ أَبْعَدَهُ مِنْ ثَوَابِهِ وَمَزِيدِ رَحْمَتِهِ وَرَفْعِ دَرَجَتِهِ إذْ الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ فَيُسَنُّ انْضِمَامُ الْمُصَلِّينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ لَيْسَ بَيْنَهُمْ فُرْجَةٌ وَلَا خَلَلٌ كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ قَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِتَعْدِيلِ الصَّفِّ وَسَدِّ خَلَلِهِ وَالتَّرْغِيبِ فِي ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ أَجْمَعُهَا هَذَا الْحَدِيثُ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ» سَوُّوهَا فِي الصَّلَاةِ «وَحَاذُوا بِالْمَنَاكِبِ» بِحَيْثُ يُسَامِتُ مَنْكِبُ بَعْضٍ لِمَنْكِبِ الْآخَرِ، وَالْأَعْنَاقُ وَالْأَقْدَامُ عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ.
(تَنْبِيهٌ)
مَشْرُوعِيَّةُ صُفُوفِ الصَّلَاةِ لِيَتَذَكَّرَ الْإِنْسَانُ بِهَا وُقُوفَهُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ الْمَهُولِ، وَالشُّفَعَاءُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْمُؤْمِنِينَ بِمَنْزِلَةِ الْأَئِمَّةِ فِي الصَّلَاةِ يَتَقَدَّمُونَ الصُّفُوفَ وَصُفُوفُهُمْ فِي الصَّلَاةِ كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَ اللَّهِ وَقَدْ أَمَرْنَا الْحَقُّ أَنْ نَصُفَّ فِي الصَّلَاةِ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ، وَفِي الْجَامِعِ أَيْضًا «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ إقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ» لِمَا فِي التَّسْوِيَةِ مِنْ حُسْنِ الْهَيْئَةِ وَعَدَمِ تَخَلُّلِ الشَّيَاطِينِ وَتَمَكُّنِهِمْ مِنْ صَلَاتِهِمْ مَعَ كَثْرَةِ جَمْعِهِمْ وُفِيَهُ أَيْضًا «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا تَضَامُّوا وَتَلَاصَقُوا فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأَرَى الشَّيَاطِينَ بَيْنَ صُفُوفِكُمْ يَتَخَلَّلُونَهَا كَأَنَّهَا غَنَمٌ عُفْرٌ» أَيْ بِيضٌ. وَمِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّفُّ فِي الصَّلَاةِ كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَعَنْ حَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ «لَتُسَوُّنَّ الصُّفُوفَ أَوْ لَتُطْمَسَنَّ الْوُجُوهُ أَوْ لَتُغْمَضَنَّ أَبْصَارُهُمْ» ، وَفِي الْجَامِعِ «أَحْسِنُوا إقَامَةَ الصُّفُوفِ فِي الصَّلَاةِ» أَيْ أَتِمُّوهَا وَسُدُّوا الْخَلَلَ فِيهَا وَسَوُّوهَا عَلَى اعْتِدَالِ الْقَائِمَيْنِ عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ وَالْأَمْرُ لِلنَّدَبِ، وَيُسَنُّ لِكُلِّ مَنْ حَضَرَ أَنْ يَأْمُرَ بِذَلِكَ مَنْ يَرَى مِنْهُ خَلَلًا فِي تَسْوِيَةِ الصَّفِّ وَيُسَنُّ إذَا كَبُرَ الْمَسْجِدُ أَنْ يَأْمُرَ الْإِمَامُ رَجُلًا بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ وَيَطُوفَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُنَادِيَ فِيهِمْ، وَيُسَنُّ لِكُلِّ مَنْ حَضَرَ أَنْ يَأْمُرَ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَالْمُرَادُ بِتَسْوِيَتِهَا إتْمَامُ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ وَسَدُّ الْفُرَجِ وَتَحَرِّي الْقَائِمَيْنِ فِيهَا بِحَيْثُ لَا يَتَقَدَّمُ صَدْرُ وَاحِدٍ وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ عَلَى مَنْ هُوَ بِجَنْبِهِ، وَعَنْ صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «كَانَ ﷺ يَأْتِي نَاحِيَةَ الصَّفِّ فَيُسَوِّي صُدُورَ الْقَوْمِ وَمَنَاكِبَهُمْ وَيَقُولُ لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ وَإِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ» .
وَعَنْ الطَّبَرَانِيِّ «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ تَسْتَوِ قُلُوبُكُمْ وَتَمَاسُّوا تَرَاحَمُوا» وَتَمَامُهُ فِي الْمُعَدَّلِ وَقَدْ عَرَفْت مِمَّا ذُكِرَ أَيْضًا لُزُومَ لُزُوقِ الْمَنَاكِبِ وَلُصُوقِهَا.
(وَ) تَرْكُ (مُوَافَقَةِ الْإِمَامِ) فِي الْأَفْعَالِ بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ عَلَيْهِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ عَنْ التتارخانية لَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ قَبْلَ الْإِمَامِ يَجِبُ عَوْدُهُ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ يُكْرَهُ ذَلِكَ كَمَا عَنْ الْكَافِي أَيْضًا وَقَالَ زُفَرُ لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا الْآثَارُ فَكَثِيرَةٌ أَيْضًا كَمَا فِي الْمُعَدَّلِ (وَقَدْ صَنَّفْنَا فِي) بَيَانِ (هَذِهِ الثَّلَاثَةِ) رِسَالَةَ (مُعَدَّلِ الصَّلَاةِ) وَقَدْ ذَكَرْنَا عُصَارَةَ مَا فِيهَا
стр. 1103
(فَعَلَيْك بِهِ) رُجُوعًا وَعَمَلًا.
(وَ) مِنْهَا (تَرْكُ كُلِّ سُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ) وَتَرْكُ الْمُسْتَحَبَّةِ لَا سِيَّمَا الْمُدَاوَمَةُ عَلَى التَّرْكِ، وَإِنْ كَانَ آفَةً أَيْضًا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ (كَاعْتِكَافِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ) فَإِنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَيْنًا بِلَا عُذْرٍ لِعَدَمِ تَرْكِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّةً مُذْ دَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَأَمَّا عَدَمُ الْوُجُوبِ بَعْدَ هَذِهِ الْمُوَاظَبَةِ فَلِدَلِيلِ عَدَمِ الْوُجُوبِ كَعَدَمِ إنْكَارِهِ عَلَى مَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ (وَكَالتَّرَاوِيحِ) فَإِنَّ نَفْسَهَا سُنَّةُ عَيْنٍ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ (وَالْجَمَاعَةِ فِيهَا، فَإِنَّهَا سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ) فَبِإِقَامَةِ الْبَعْضِ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ سَقَطَتْ الْإِسَاءَةُ عَنْ الْبَاقِينَ وَإِلَّا فَلَا (وَالْخَتْمِ فِيهَا) مَرَّةً وَيَخْتِمُ فِي لَيْلَةِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ لِكَثْرَةِ الْأَخْبَارِ بِأَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَلَا يُتْرَكُ الْخَتْمُ لِكَسَلِ الْقَوْمِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ فَلَوْ كَانَ إمَامُ مَسْجِدِ حَيِّهِ لَا يَخْتِمُ فَلَهُ أَنْ يَتْرُكَ إلَى غَيْرِهِ، وَعَنْ الظَّهِيرِيَّةِ الْخَتْمُ مَرَّةً فِي التَّرَاوِيحِ سُنَّةٌ وَمَرَّتَيْنِ فَضِيلَةٌ وَثَلَاثًا أَفْضَلُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إحْدَى وَسِتِّينَ خَتْمَةً ثَلَاثِينَ فِي اللَّيَالِي وَثَلَاثِينَ فِي الْأَيَّامِ وَوَاحِدَةً فِي التَّرَاوِيحِ كَمَا نُقِلَ عَنْ قَاضِي خَانْ فَيُتَأَمَّلُ مِمَّا سَبَقَ. وَلَعَلَّ أَنَّ مَا نُقِلَ عَنْ الْمُحِيطِ وَالِاخْتِيَارِ الْأَفْضَلُ فِي زَمَانِنَا أَنْ لَا يَقْرَأَ بِمَا يُؤَدِّي إلَى تَنْفِيرِ الْقَوْمِ عَنْ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّ تَكْثِيرَ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ وَأَنَّ دَفْعَ الْإِسَاءَةِ عَنْ الْإِمَامِ لِتِلْكَ الضَّرُورَةِ وَلَكِنْ لَا يَدْفَعُهَا عَنْ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ الْخَتْمُ، وَقَدْ قِيلَ إنَّ أَصْلَ الْكُلِّ يَعْنِي السُّنَّةَ الْقَدِيمَةَ لَا يُغَيَّرُ بِالْعَوَارِضِ الْبِدْعِيَّةِ بَلْ يُؤَدَّبُ وَيُحْبَسُ الْفَارُّونَ وَالتَّحْقِيقُ مَا قَالَهُ بَعْضٌ بِأَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ مُرَاعَاةِ أَدْنَى السُّنَّةِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِقِرَاءَةِ عَشْرِ آيَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؛ لِأَنَّ أَعْلَى السُّنَّةِ كَثَلَاثِينَ آيَةً وَكَذَا أَوْسَطُهَا كَعِشْرِينَ آيَةً يُتْرَكَانِ لِكَسَلِ الْقَوْمِ، وَأَمَّا أَدْنَى السُّنَّةِ فَعَشْرٌ لِقَوْمٍ كَسَالَى فَلَا يُتْرَكُ لِكَسَلِ الْقَوْمِ قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ وَلَا يُتْرَكُ الْخَتْمُ لِكَسَلِ الْقَوْمِ، وَعَنْ الْأَكْمَلِ يُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَشْرُ آيَاتٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَخْفِيفًا لِلنَّاسِ وَيَحْصُلُ بِهِ أَدْنَى السُّنَّةِ، قِيلَ وَإِنَّمَا قَالَ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِرَدِّ مَنْ قَالَ يَقْرَأُ أَقَلَّ مِنْ عَشْرِ آيَاتٍ لِكَسَلِ الْقَوْمِ أَقُولُ ذَلِكَ مِثْلُ الْمَنْقُولِ عَنْ الِاخْتِيَارَاتِ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي التَّرَاوِيحِ مَا يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ وَهُوَ مَا بَعْدَ سُورَةِ " لَمْ يَكُنْ " وَلَعَلَّ التَّعْلِيلَ بِأَنَّ التَّرَاوِيحَ أَخَفُّ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ وَمِثْلُهُ عَنْ الْجَوْهَرَةِ، وَقَدْ سَمِعْت ظَاهِرَ قَوْلِ الْمُحِيطِ وَالِاخْتِيَارِ آنِفًا، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ قَاضِي خَانْ أَنَّهُ بَعْدَمَا نَقَلَ مِثْلَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ قَالَ هَذِهِ الْأَقْوَالُ لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ؛ لِأَنَّ بِهَذَا الْقَدْرِ لَا يَحْصُلُ الْخَتْمُ وَالْخَتْمُ فِي التَّرَاوِيحِ سُنَّةٌ وَقِيلَ يَقْرَأُ فِي التَّرَاوِيحِ مَا يَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ مِنْ ثَلَاثِينَ أَوْ عِشْرِينَ؛ لِأَنَّ التَّرَاوِيحَ تَبَعٌ لِلْعِشَاءِ وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مِنْ قِرَاءَةِ عَشْرِ آيَاتٍ وَهُوَ تَخْفِيفٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى عِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ وَلَا يَتْرُكُ الْإِمَامُ لِكَسَلِ الْقَوْمِ كَأَنْ يَقْرَأَ مَا بَعْدَ سُورَةِ " لَمْ يَكُنْ " أَوْ قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ بِلَا عُذْرٍ، وَقَدْ ذَكَرَ أَيْضًا فِي كَبِيرِ الْحَلَبِيِّ فَلَا يَتْرُكُ الْخَتْمَ لِكَسَلِ الْقَوْمِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ لَا يَتْرُكُ سُنَنَ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ كَسَلِ الْجَمَاعَةِ كَالتَّسْبِيحَاتِ وَكَذَا عَنْ النَّوَازِلِ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَشْرَ آيَاتٍ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ الْخَتْمُ وَبِهِ يَحْصُلُ الْخَتْمُ، وَأَيْضًا فِي الْكَنْزِ وَلَا يَتْرُكُ الْخَتْمَ لِكَسَلِ الْقَوْمِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الْعَشْرُ تَخْفِيفٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى ثَلَاثِينَ أَوْ عِشْرِينَ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ سُنَّةٍ؛ لِأَنَّ
стр. 1104
الْمَطْلُوبَ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَنْبَغِي فِدَاءُ رِضَا اللَّهِ وَسُنَّةِ حَبِيبِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَوَى النَّاسِ وَرِضَاهُمْ، وَعَنْ قَاضِي خَانْ قِرَاءَةُ ثَلَاثِ آيَاتٍ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمُنَافَاتِهِ لِسُنَّةِ التَّرَاوِيحِ مِنْ الْخَتْمِ مَرَّةً، وَعَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ إنْ قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ قِصَارٍ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا، وَإِنْ اعْتَادَ يَنْقَلِبُ تَحْرِيمًا كَمَا يَقْرَأُ آيَتَيْنِ فَتَجِبُ الْإِعَادَةُ، وَإِنْ تَعَمَّدَا فَآثِمٌ وَمَا نُقِلَ عَنْ مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ إنْ قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ لَمْ يُسِئْ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَرَّةٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ عَلَى الضَّرُورَةِ كَالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا نُقِلَ مِنْ فَتْوَى الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى ثَلَاثِ آيَاتٍ وَإِلَّا فَلَا يُعَارَضُ قَوْلُ الْمُفْتِي بِقَوْلِ الْمُجْتَهِدِ وَقَوْلُ الْمُقَلِّدِ بِقَوْلِ الْمُجْتَهِدِ وَالْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ وَالْمَوْثُوقَةِ بِغَيْرِهَا، ثُمَّ أَقُولُ قَدْ عَرَفْت مِمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوجَدْ الْحَافِظُ الْقَادِرُ عَلَى الْخَتْمِ فِي التَّرَاوِيحِ وَلَوْ قَرَأَ قَدْرَهُ مِمَّا شَاءَ كَأَنْ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَشْرَ آيَاتٍ يَكُونُ فِي حُكْمِ إتْيَانِ سُنَّةِ التَّرَاوِيحِ.
(وَالسِّوَاكِ) فَإِنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الْمُخْتَارِ فَالْكَلَامُ إمَّا فِي نَفْسِهِ أَوْ وَقْتِهِ أَوْ كَيْفِيَّتِهِ أَوْ مَنَافِعِهِ أَوْ فَضَائِلِهِ أَوْ حُكْمِهِ أَمَّا نَفْسُهُ فَأَيُّ شَجَرٍ كَانَ أَرَاكًا أَوْ غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى الْأَرَاكَ وَيُكْرَهُ بِمُؤْذٍ كَالْقَصَبِ وَيَحْرُمُ بِذِي سُمٍّ وَيَكُونُ رَأْسُهُ لَيِّنًا رَطْبًا أَوْ غَيْرَ رَطْبٍ مَبْلُولًا أَوْ لَا مُسْتَوِيًا بِلَا عُقَدٍ فِي غِلَظِ خِنْصَرٍ وَطُولِ شِبْرٍ وَلَا يُزَادُ عَلَى الشِّبْرِ وَإِلَّا فَالشَّيْطَانُ يَرْكَبُهُ. مِنْ شَجَرٍ مُرٍّ سِيَّمَا مَا لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَحَلُّ وَضْعِهِ بَعْدَ الِاسْتِعْمَالِ عَلَى أُذُنِهِ مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَاكٌ فَبِأَصَابِعِهِ بِأَيِّ إصْبَعٍ وَالْأَوْلَى بِالسَّبَّابَتَيْنِ الْيُسْرَى، ثُمَّ الْيُمْنَى وَأَنْ يَسْتَاكَ بِإِبْهَامِهِ الْيُمْنَى يَبْدَأُ بِإِبْهَامِهِ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ يَسْتَاكُ فَوْقًا وَتَحْتًا، ثُمَّ بِالسَّبَّابَةِ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ فَيَسْتَاكُ فَوْقًا وَتَحْتًا.
وَأَمَّا وَقْتُهُ فَفِي أَيِّ حَالٍ طَاهِرًا أَوْ مُحْدِثًا جُنُبًا أَوْ حَائِضًا صَائِمًا أَوْ مُفْطِرًا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا غَدَاةً أَوْ عَشِيًّا حَالَةَ الْوُضُوءِ أَوْ غَيْرَ حَالَةِ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ وَقِيلَ قَبْلَهَا وَقِيلَ حِينَ الِاسْتِبْرَاءِ وَهُوَ لِلْوُضُوءِ عِنْدَنَا إلَّا إذَا نَسِيَهُ فَيُنْدَبُ لِلصَّلَاةِ وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْآثَارِ أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي الْوُضُوءِ وَمُسْتَحَبَّةٌ فِي الصَّلَاةِ أَوْ مُؤَكَّدَةٌ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ عَدَمِهِ فِي الْوُضُوءِ أَوْ طَالَ عَهْدُ الِاسْتِيَاكِ بِحَيْثُ تَغَيَّرَ رَائِحَةُ الْفَمِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الضِّيَاءِ شَارِحُ الْجَلَاءِ مُورِدًا عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ وَيُسْتَحَبُّ فِي الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ نَاقِلًا عَنْ التَّشْرِيحِ أَنَّهُ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِكَرَاهَةِ الِاسْتِيَاكِ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَجْرَحُ الْفَمَ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْهُ ﵊ اسْتِيَاكٌ عِنْدَ الصَّلَاةِ وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وَقَدْ حَرَّرْنَا فِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ مِنْ أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ كَالتَّتَارْخَانِيَّةِ وَيُسْتَحَبُّ السِّوَاكُ عِنْدَنَا عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَوُضُوءٍ، وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْحَلَبِيِّ وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ، وَعِنْدَ الْوُضُوءِ وَالْقُهُسْتَانِيّ فَيُسَنُّ أَوْ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا وَمِنْ الْأَحَادِيثِ حَدِيثُ الْجَامِعِ «كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَيَسْتَاكُ» قَالَ شَارِحُهُ عَنْ أَبِي شَامَةَ يَعْنِي يَتَسَوَّكُ لِكُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَعَنْ الْعِرَاقِيِّ فَيَسْتَاكُ لِكُلِّ رَكْعَتَيْنِ كَالضُّحَى وَالتَّرَاوِيحِ وَبِهِ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ وَحَدِيثُهُ أَيْضًا «فَضْلُ الصَّلَاةِ بِالسِّوَاكِ عَلَى الصَّلَاةِ بِغَيْرِ سِوَاكٍ سَبْعِينَ ضِعْفًا» ، وَأَيْضًا «رَكْعَتَانِ بِسِوَاكٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً بِغَيْرِ سِوَاكٍ» وَحَدِيثُ «لَوْلَا أَنَّ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» وَحَدِيثُ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَفَرَضْت عَلَيْهِمْ السِّوَاكَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ كَمَا فَرَضْت عَلَيْهِمْ الْوُضُوءَ» وَحَدِيثُ «صَلَاةٌ بِسِوَاكٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةٍ بِغَيْرِ سِوَاكٍ» قَالَ فِي الْجَلَاءِ وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ أَوْ الْمُصَاحَبَةِ وَحَقِيقَتُهُمَا فِيمَا اتَّصَلَ بِهِ حِسًّا أَوْ عُرْفًا وَكَذَا حَقِيقَةُ كَلِمَةِ مَعَ وَعِنْدَ، وَالنُّصُوصُ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا إذَا أَمْكَنَ، وَقَدْ أَمْكَنَ هُنَا فَلَا مَسَاغَ إذَنْ إلَى الْحَمْلِ عَلَى الْمَجَازِ، وَتَمَامُ تَفْصِيلِهِ فِي تِلْكَ الرِّسَالَةِ ثُمَّ مِنْ وَقْتِهِ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ يُغَيِّرُ فَمَهُ، وَعِنْدَ التَّيَقُّظِ، وَعِنْدَ اصْفِرَارِ السِّنِّ وَتَغْيِيرِ رَائِحَةٍ وَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ وَيُكْرَهُ فِي الْخَلَاءِ.
وَأَمَّا كَيْفِيَّتُهُ فَيَأْخُذُهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى كَيْفَ يَشَاءُ، وَإِنْ خُصَّ بِكَيْفِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ وَيَبْدَأُ بِالْأَسْنَانِ الْعُلْيَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ بِالْأَيْسَرِ، وَإِنْ شَاءَ يَبْدَأُ بِالسُّفْلَى مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ، وَفِي الْبَحْرِ وَنُدِبَ الِابْتِدَاءُ بِالْعُلْيَا مِنْ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ بِالسُّفْلَى مِنْ جَانِبِهِ، ثُمَّ بِالْعُلْيَا مِنْ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ بِالسُّفْلَى ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَيَسْتَاكُ عَرْضًا وَالْأَقْيَسُ طُولًا كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَقِيلَ عَرْضًا وَطُولًا وَلَا تَقْدِيرَ فِيهِ بَلْ يَسْتَاكُ إلَى أَنْ
стр. 1105
يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِزَوَالِ الْخُلُوفِ وَالْمُسْتَحَبُّ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ بِثَلَاثَةِ مِيَاهٍ وَيَسْتَاكُ بِالْمُدَارَاةِ خَارِجَ الْأَسْنَانِ وَدَاخِلَهَا أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا وَرُءُوسَ الْأَضْرَاسِ وَبَيْنَ كُلِّ سِنَّيْنِ وَلَا يَسْتَاكُ مُضْطَجِعًا، فَإِنَّهُ يُورِثُ كِبَرَ الطِّحَالِ وَلَا يَقْبِضُهُ، فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَاسُورَ وَلَا يَمُصُّهُ، فَإِنَّهُ يُورِثُ الْعَمَى، ثُمَّ يَغْسِلُهُ وَإِلَّا فَيَسْتَاكُ الشَّيْطَانُ بِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ أَوْ لِيُرْجَعْ إلَى تِلْكَ الرِّسَالَةِ.
وَأَمَّا مَنَافِعُهُ فَشِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ دُونَ الْمَوْتِ وَمُذَكِّرُ الشَّهَادَةِ وَيُبَطِّئُ بِالشَّيْبِ وَيَحِدُّ الْبَصَرَ وَمُسْرِعٌ فِي الْمَشْيِ عَلَى الصِّرَاطِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الدُّرَرِ لِلشُّرُنْبُلَالِيِّ، وَأَيْضًا مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ وَمَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ وَمُسْخِطٌ لِلشَّيْطَانِ وَأَنَّهُ يَقْطَعُ الْبَلْغَمَ وَيَزِيدُ الْفَصَاحَةَ وَيُزِيلُ الرَّائِحَةَ الْكَرِيهَةَ وَيَدْفَعُ الْأَذَى وَتُصَافِحُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَأَمَّا فَضَائِلُهُ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى مِنْهَا مَا سَبَقَ وَمِنْهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَكْعَتَانِ يَسْتَاكُ فِيهِمَا الْعَبْدُ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً لَا يَسْتَاكُ فِيهَا» وَحَدِيثُ «طَهِّرُوا مَسَالِكَ الْقُرْآنِ» وَحَدِيثُ «الْوُضُوءُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالسِّوَاكُ شَطْرُ الْوُضُوءِ» وَحَدِيثُ «عَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ فَإِنَّ فِيهِ عَشْرَ خِصَالٍ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ وَمَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ وَمَفْرَحَةٌ لِلْمَلَائِكَةِ وَمَجْلَاةٌ لِلْبَصَرِ وَيُبَيِّضُ الْأَسْنَانَ وَيَشُدُّ اللِّثَةَ وَيُذْهِبُ الْبَخَرَ وَيَهْضِمُ الطَّعَامَ وَيَقْطَعُ الْبَلْغَمَ وَيُضَاعِفُ الصَّلَاةَ وَيُطَهِّرُ طُرُقَ الْقُرْآنِ» .
(تَنْبِيهٌ)
فَإِذَا طَهَّرَ فَمَه بِالسِّوَاكِ مِنْ الْخُلُوفِ يَنْبَغِي أَنْ يُطَهِّرَهُ أَيْضًا مِنْ الْكَذِبِ وَالْغَيْبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالشَّتِيمَةِ وَالْأَيْمَانِ الْكَاذِبَةِ وَالْبُهْتَانِ وَأَكْلِ الْحَرَامِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ وَفُضُولِ الْكَلَامِ وَمِنْ كُلِّ مَا لَا يَنْبَغِي، فَإِذَا فَعَلَ هَذَا طَهُرَ فَمُهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَيَكُونُ اسْتِيَاكُهُ كَحُصُولِ الْمَنَافِعِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ.
وَأَمَّا حُكْمُهُ فَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ سُنَّةٌ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ قَالَ الْحَلَبِيُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَصَحَّحَ فِي الْهِدَايَةِ وَالزَّيْلَعِيِّ كَوْنَهُ نَدْبًا وَقَالَ فِي الْفَتْحِ وَهُوَ الْحَقُّ، وَقَدْ سَمِعْت مَا يَصْلُحُ تَوْفِيقًا وَقِيلَ بِوُجُوبِهِ لِلْوَعِيدِ الشَّدِيدِ وَالْفَضَائِلِ الْكَثِيرَةِ قَالَ فِي التتارخانية، وَفِي الْحُجَّةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ لَوْ أَنَّ أَهْلَ قَرْيَةٍ اجْتَمَعُوا عَلَى تَرْكِ سُنَّةِ السِّوَاكِ يُقَاتِلُهُمْ الْإِمَامُ كَمَا يُقَاتِلُ الْمُرْتَدِّينَ لِكَيْ لَا يَجْتَرِئَ النَّاسُ عَلَى تَرْكِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ (وَفِعْلِ كُلِّ مَكْرُوهٍ تَحْرِيمًا)
стр. 1106
سَوَاءٌ فِي بَابِ الصَّلَاةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا.
(وَمِنْهَا تَرْكُ الْجُمُعَةِ لِمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ) وَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِتَحَقُّقِ شَرَائِطِهَا فَتَرْكُهَا عَمْدًا يُوجِبُ الْإِثْمَ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَوْ مَرَّةً عِنْدَ الْحَلْوَانِيِّ وَثَلَاثًا عِنْدَ السَّرَخْسِيِّ وَيَكْفُرُ جَاحِدُهَا كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ حَتَّى قِيلَ فَرْضِيَّتُهَا آكَدُ مِنْ فَرْضِيَّةِ الظُّهْرِ، وَعَنْ حَاشِيَةِ الْمُصَنِّفِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ جُمَعٍ مُتَوَالِيَاتٍ فَقَدْ نَبَذَ الْإِسْلَامَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ» ، وَأَيْضًا «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمُعَاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كُتِبَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ» وَلِلْإِمَامِ السُّيُوطِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رِسَالَةٌ فِي فَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَصَلَاتِهَا ذَكَرَ فِيهَا مِائَةَ حَدِيثٍ.
[تَرْكُ الزَّكَاةِ]
(وَمِنْهَا تَرْكُ الزَّكَاةِ وَأَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ) وَهِيَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ فَلَا يَجْتَرِئُ عَلَى تَرْكِهَا أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأَمَةُ عَلَى تَكْفِيرِ جَاحِدِهَا لَكِنْ هَلْ وُجُوبُهَا عَلَى الْفَوْرِ فَيَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عِنْدَ أَوَّلِ الْإِمْكَانِ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي قَوْلَانِ.
(وَمِنْهَا تَرْكُ صَوْمِ رَمَضَانَ بِلَا عُذْرٍ) وَهُوَ أَيْضًا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ الَّتِي لَا يَسُوغُ تَرْكُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ فَيَكْفُرُ جَاحِدُهُ أَيْضًا وَالْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ فِي فَضْلِهِمَا وَعُقُوبَةِ تَرْكِهِمَا مَشْهُورَةٌ غَنِيَّةٌ عَنْ الْبَيَانِ.
стр. 1107
(وَمِنْهَا تَرْكُ الْكَفَّارَةِ) كَفَّارَةِ يَمِينٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ ظِهَارٍ (وَالْقَضَاءِ) قَضَاءِ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ (وَالْمَنْذُورِ) صَدَقَةً أَوْ حَجًّا أَوْ صَوْمًا أَوْ صَلَاةً، فَإِنَّهُ وَاجِبٌ بِإِيجَابِهِ.
(وَمِنْهَا تَرْكُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ) الَّتِي هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ حُرٍّ مُسْلِمٍ وَلَوْ صَغِيرًا لَهُ نِصَابٌ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ الْحَوْلُ وَبِهِ تَجِبُ الصَّدَقَةُ لِنَفْسِهِ وَطِفْلِهِ الْفَقِيرِ وَمَمْلُوكِهِ الْخَادِمِ وَلَوْ كَافِرًا لَا لِزَوْجَتِهِ وَعَبْدِهِ الْآبِقِ إلَّا بَعْدَ عَوْدِهِ بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ الْفِطْرِ فَمَنْ مَاتَ قَبْلَهُ أَوْ وُلِدَ بَعْدَهُ أَوْ أَسْلَمَ لَا تَجِبُ وَصَحَّ لَوْ قَدِمَ وَلَا تَسْقُطُ بِالتَّأْخِيرِ وَنُدِبَ تَعْجِيلُهَا قَبْلَ الْخُرُوجِ وَلَوْ فَرَّقَ شَخْصٌ فِطْرَتَهُ إلَى فَقِيرَيْنِ لَا يَجُوزُ وَقِيلَ بِالْجَوَازِ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْأَوْلَى وَلَوْ دَفَعَ فِطْرَةَ جَمَاعَةٍ إلَى وَاحِدٍ دَفْعَةً لَا يَجُوزُ بِلَا تَعْيِينِ حِصَّةِ كُلِّ فَرْدٍ إمَّا عِنْدَ الْإِعْطَاءِ إلَى الْفَقِيرِ أَوْ عِنْدَ الْإِفْرَازِ مِنْ مَالِهِ كَمَا فِي التتارخانية.
وَدَفْعُ الْقِيمَةِ أَفْضَلُ مِنْ دَفْعِ الْعَيْنِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَمِنْ فَضَائِلِهَا قَبُولُ الصَّوْمِ وَالْفَلَاحُ وَالنَّجَاةُ مِنْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ كَذَا عَنْ الْمُنْيَةِ وَالسِّرَاجِيَّةِ (وَالْأُضْحِيَّةِ لِلْغَنِيِّ، فَإِنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ) لِنَفْسِهِ فَقَطْ وَقِيلَ لِأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ أَيْضًا، وَفِي الْخُلَاصَةِ إذَا شَكَّ فِي يَوْمِ الْأَضْحَى أَخَّرَ الذَّبْحَ إلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَالْأَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْكُلِّ وَلَا يَأْكُلَ شَيْئًا مِنْهَا وَيَتَصَدَّقَ بِمَا بَيْنَ الْمَذْبُوحِ وَغَيْرِ الْمَذْبُوحِ، وَلَوْ سُرِقَتْ الْأُضْحِيَّةُ فَوُجِدَتْ بَعْدَ النَّحْرِ يَتَصَدَّقُ بِهَا بِلَا ذَبْحٍ فَلَوْ ذَبَحَ يَتَصَدَّقُ بِاللَّحْمِ بِفَضْلِ مَا بَيْنَهُمَا إنْ نَقَصَ الذَّبْحُ، وَفِي تَصَدُّقِ اللَّحْمِ يَعْتَبِرُ مَكَانُ ذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ لَا مَكَانَ مَنْ عَلَيْهِ الْأُضْحِيَّةُ بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، فَإِنَّهُ يَعْتَبِرُ مَكَانَ الْمُتَصَدِّقِ لَا مَكَانَ الْوَلَدِ وَالرَّقِيقِ، وَفِي الزَّكَاةِ يَعْتَبِرُ مَكَانَ الْمَالِ وَيَصْرِفُ إلَى فُقَرَاءِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ عَنْ نَظْمِ الزَّنْدَوَسْتِيُّ خَمْسٌ تَجُوزُ ضَحَايَاهُمْ مِنْ مِلْكِ الْغَيْرِ وَيَضْمَنُ: الْمَغْصُوبُ، وَالْمَسْرُوقُ، وَالْمَغْصُوبُ مِنْ وَلَدِهِ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، وَالْمَغْصُوبُ مِنْ مَأْذُونِيَّةِ الْمَدْيُونِ الْمُسْتَغْرَقِ، وَالْمَشْرِيُّ فَاسِدًا وَسِتٌّ لَا تَجُوزُ: الْمُودَعُ وَالْمُسْتَعَارُ وَالْمُسْتَبْضَعُ وَالْمُرْتَهَنُ وَالْوَكِيلُ بِشِرَاءِ الشَّاةِ أَوْ وَكِيلٌ بِحِفْظِ مَالِهِ إذَا ضَحَّى بِشَاةِ مُوَكِّلِهِ وَالزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ إذَا ضَحَّى كُلٌّ بِشَاةِ صَاحِبِهِ لِنَفْسِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَفِي الْخِزَانَةِ عَشْرٌ لَا يُضَحَّى بِهَا الْعَمْيَاءُ وَالْعَوْرَاءُ وَالْعَرْجَاءُ الَّتِي لَا تَبْلُغُ الْمَنْسَكَ وَمَقْطُوعُ أَكْثَرِ الْأُذُنِ وَالذَّنَبِ وَالْعَجْفَاءُ لَا تُنْقِي وَمَقْطُوعَةُ إحْدَى الْقَوَائِمِ وَإِحْدَى الْأُذُنَيْنِ وَالْأَلْيَةِ، وَأَرْبَعٌ يُضَحَّى بِهَا الْجَمَّاءُ الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا أَوْ مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ وَالْخُنْثَى وَالتَّوْلَاءُ أَيْ الْمَجْنُونَةُ وَالْهَتْمَاءُ إنْ كَانَتْ تَعْتَلِفُ.
[تَرْكُ الْحَجِّ الْفَرْضِ]
(وَمِنْهَا تَرْكُ الْحَجِّ الْفَرْضِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ (ت عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «مَنْ مَلَكَ زَادَا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ» أَيْ لَا تَفَاوُتَ عَلَيْهِ «أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» مِنْ بَابِ الْمُبَالَغَةِ وَالتَّشْدِيدِ تَعْظِيمًا لِأَمْرِ الْحَجِّ وَتَغْلِيظًا عَلَى تَارِكِهِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ الْجُحُودُ أَوْ بِمَعْنَى فَلَا أَسَفَ عَلَيْهِ إنْ مَاتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ فَشَابَهَ فِي فِعْلِهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يُبَالِ بِالْحَجِّ كَأَنَّهُمْ لَمْ يُبَالُوا بِهِ فَهُوَ تَهْدِيدٌ وَتَغْلِيظٌ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَتِمَّةُ الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ - ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]-، فَإِنَّهُ تَعَالَى سَمَّى تَرْكَهُ كُفْرًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فِعْلُ الْكَفَرَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَجَّ فَرْضٌ مَرَّةً وَفَوْرًا عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَتَسْقُطُ عَدَالَتُهُ بِالتَّأْخِيرِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ عَلَى التَّرَاخِي وَشَرْطُ وُجُوبِهِ تِسْعَةٌ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالصِّحَّةُ وَأَمْنُ الطَّرِيقِ وَالزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ وَالْمَحْرَمُ لِلْمَرْأَةِ وَلَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى سِتَّةٍ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالْمَمْلُوكُ وَالْمَرِيضُ، وَمَنْ لَا يَخْرُجُ وَلَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الدَّابَّةِ وَالْأَعْمَى.
وَفَرَائِضُ الْحَجِّ
стр. 1108
ثَلَاثَةٌ الْإِحْرَامُ وَالْوُقُوفُ وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ وَوَاجِبَاتُهُ سِتَّةٌ وَيَلْزَمُ الدَّمُ بِتَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ وَرَمْيِ الْجِمَارِ وَالْحَلْقِ عِنْدَ الْإِحْلَالِ وَطَوَافِ الصَّدْرِ وَسُنَنُهُ سِتَّةٌ طَوَافُ الْقُدُومِ وَالرَّمَلُ فِي الطَّوَافِ وَالْهَرْوَلَةُ فِي السَّعْيِ وَالْبَيْتُوتَةُ بِمِنًى وَالْبَيْتُوتَةُ بِمُزْدَلِفَةَ وَاسْتِلَامُ الْحَجَرِ وَتَمَامُهُ فِي الْفِقْهِ.
(وَمِنْهَا تَرْكُ الْجِهَادِ وَهُوَ فَرْضُ عَيْنٍ إذَا كَانَ النَّفِيرُ عَامًّا) مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ لِغَلَبَةِ الْكَفَرَةِ وَعُتُوِّهَا لَكِنْ عَنْ النِّهَايَةِ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ عِنْدَ عَدَمِ عُمُومِ النَّفِيرِ إذَا قَرُبَ مِنْ الْعَدُوِّ، وَأَمَّا إنْ كَانَ بَعِيدًا فَكِفَايَةٌ حَتَّى يَسَعَهُ تَرْكُهُمْ إذَا لَمْ يَحْتَجْ وَإِلَّا بِأَنْ يَعْجِزَ مَنْ فِي قُرْبِ الْعَدُوِّ أَوْ تَكَاسَلُوا فَيُفْتَرَضُ عَيْنًا كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ ثُمَّ وَثُمَّ إلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ غَرْبًا وَشَرْقًا عَلَى هَذَا التَّدْرِيجِ (وَإِلَّا فَفَرْضُ كِفَايَةٍ) .
(وَمِنْهَا الْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ إذَا لَمْ يَزِدْ الْكُفَّارُ عَلَى ضِعْفِ الْمُسْلِمِينَ) وَلَوْ وَاحِدًا فَالْفِرَارُ عِنْدَ الْمُسَاوَاةِ حَرَامٌ وَكَبِيرَةٌ، وَعِنْدَ كَوْنِهِمْ ضِعْفًا حَرَامٌ أَيْضًا لَكِنَّهُ دُونَهُ، وَإِنْ زَادُوا عَلَى الضِّعْفِ فَمُبَاحٌ (خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» الْمُهْلِكَاتِ «قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ الشِّرْكُ بِاَللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ» كَالْقِصَاصِ وَالرَّجْمِ وَالِارْتِدَادِ وَالسِّيَاسَةِ «وَأَكْلُ الرِّبَا» قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَهُوَ مُجَرِّبٌ لِسُوءِ الْخَاتِمَةِ وَلِهَذَا ذَكَرَهُ عَقِيبَ مَا هُوَ عَلَامَةُ سُوءِ الْخَاتِمَةِ وَتَرَدَّدَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي تَقْيِيدِهِ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ «وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي» أَيْ الْفِرَارُ «يَوْمَ الزَّحْفِ» أَيْ وَقْتَ ازْدِحَامِ الطَّائِفَتَيْنِ إلَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ قُتِلَ بِغَيْرِ نِكَايَةٍ فِي الْعَدُوِّ فَلَيْسَ بِكَبِيرَةٍ بَلْ وَلَا صَغِيرَةٍ بَلْ مُبَاحٌ بَلْ يَجِبُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَشَدُّ مِنْهُ مَا لَوْ دَلَّ الْكُفَّارَ عَلَى عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ عَالِمًا بِأَنَّهُمْ يَسْتَأْصِلُونَهُمْ وَيَسْبُونَ حَرِيمَهُمْ «وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ» الْعَفِيفَاتِ عَنْ الزِّنَا «الْغَافِلَاتِ» الْبَرِيئَاتِ مِنْ الزِّنَا «الْمُؤْمِنَاتِ» ، فَإِنَّ قَذْفَ الْكَافِرَاتِ مِنْ الصَّغَائِرِ، وَأَمَّا قَذْفُ الْمُحْصَنَةِ بِخَلْوَةٍ لَا يَسْمَعُهُ إلَّا اللَّهُ وَالْحَفَظَةُ فَلَيْسَ بِكَبِيرَةٍ.
[الْعِينَةُ]
(وَمِنْهَا الْعِينَةُ) صُورَتُهَا رَجُلٌ لَهُ عَلَى آخَرَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهَا
стр. 1109
ثَلَاثَةَ عَشَرَ إلَى أَجَلٍ قَالُوا يَشْتَرِي مِنْ الْمَدْيُونِ شَيْئًا بِتِلْكَ الْعَشَرَةِ وَيَقْبِضُ الْمَبِيعَ، ثُمَّ يَبِيعُ مِنْ الْمَدْيُونِ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ إلَى سَنَةٍ فَيَقَعُ التَّحَرُّزُ عَنْ الْحَرَامِ وَلَهُ صُوَرٌ أُخَرُ فِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ، وَعَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ إنَّمَا كُرِهَ؛ لِأَنَّهُ إعْرَاضٌ عَنْ الدَّيْنِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ إلَى الرِّبَا الْمَكْرُوهِ بِطَرِيقِ الْمُوَاضَعَةِ انْتَهَى
أَقُولُ فِيهِ تَأَمُّلٌ، وَعَنْ الْمَوَاهِبِ إنْ بَاعَ الْمُشْتَرِي مِنْ آخَرَ فَاشْتَرَاهُ مِنْ الْآخَرِ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ خُرُوجٌ عَنْ ذَلِكَ انْتَهَى فَتَأَمَّلْ أَيْضًا (د عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا «إذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ» بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَنُونٍ أَنْ يَبِيعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ لِأَجَلٍ، ثُمَّ يَشْتَرِيَ مِنْهُ بِأَقَلَّ لِيَبْقَى الْكَثِيرُ فِي ذِمَّتِهِ وَهِيَ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَحَرَّمَهَا غَيْرُهُ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ الْخَبَرِ سُمِّيَتْ عِينَةً لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْعَيْنِ أَيْ النَّقْدِ فِيهَا «وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ» أَيْ الْحَرْثَ كِنَايَةً عَنْ الِاشْتِغَالِ عَنْ الْجِهَادِ بِالْحَرْثِ «وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ» وَكَانَ هَذَا مَكْرُوهًا فِي أَوَائِلِ الْإِسْلَامِ لِمَنْعِهِ عَنْ الْجِهَادِ وَقِلَّةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَلَمَّا كَثُرَ ارْتَفَعَتْ الْكَرَاهَةُ فِي حَقِّهِ لِارْتِفَاعِ عِلَّتِهَا بِخِلَافِ التَّبَايُعِ بِالْعِينَةِ كَذَا قِيلَ.
وَقَدْ حُقِّقَ زَوَالُ الْحُكْمِ بِزَوَالِ عِلَّتِهِ فِي بَابِ الْمَصَارِفِ وَغَيْرِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ «وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا» ضَعْفًا بِسَبَبِ ظُهُورِ الْعَدُوِّ بِوَاسِطَةِ تَرْكِ الْجِهَادِ وَمُبَاشَرَةِ الْحَرْثِ وَالْعِينَةِ.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَمِصْدَاقُ هَذَا الْحَدِيثِ مَا دَهَانَا مِنْ الْبَلَايَا وَدَهَمَنَا مِنْ الدَّوَاهِي إذْ النَّاسُ فِي زَمَانِنَا اشْتَغَلُوا بِالْعَيْنِ فَابْتُلُوا بِاللَّعْنِ وَبَعْضُهُمْ أَقْبَلَ عَلَى الْحَرْثِ وَالزِّرَاعَةِ فَقُرِعُوا بِقَارِعَةٍ ذَاتِ بَأْسٍ وَفَظَاعَةٍ - ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]- ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢]- كَذَا عَنْ الْإِمَامِ الْمَرْغِينَانِيِّ «لَا تَنْزِعُوهُ» النَّزْعُ الْإِزَالَةُ وَالْكَشْفُ «حَتَّى تَرْجِعُوا إلَى دِينِكُمْ» بِتَرْكِ التَّبَايُعِ الْمَذْكُورِ وَأَخْذِ أَذْنَابِ الْبَقَرِ وَالْمُبَاشَرَةِ لِلْجِهَادِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ قَالَ فِي الْفَيْضِ أَيْ الِاشْتِغَالَ بِأُمُورِ دِينِكُمْ وَأَظْهَرَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْقَالَبِ الْبَدِيعِ لِمَزِيدِ الزَّجْرِ وَالتَّقْرِيعِ حَيْثُ جَعَلَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الرِّدَّةِ وَالْخُرُوجِ عَنْ الدِّينِ وَهَذَا دَلِيلٌ قَوِيٌّ لِمَنْ حَرَّمَ الْعِينَةَ وَلِذَلِكَ اخْتَارَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَقَالَ أَوْصَانَا الشَّافِعِيُّ بِاتِّبَاعِ الْحَدِيثِ إذَا صَحَّ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِ كَذَا فِي الْفَيْضِ، وَفِيهِ وَالْخَبَرُ هَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَأَبُو يَعْلَى قَالَ ابْنُ حَجَرٍ سَنَدُهُ ضَعِيفٌ (وَقَالَ الْفُقَهَاء إيَّاكُمْ وَالْعِينَةَ، فَإِنَّهَا لَعِينَةٌ) أَيْ سَبَبٌ لِلَّعْنِ وَحَامِلٌ عَلَيْهِ فَمِنْ قَبِيلِ الْإِسْنَادِ إلَى السَّبَبِ (وَصَرَّحَ بِكَرَاهَتِهَا) تَحْرِيمًا (صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ هُوَ مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنْ مَبَرَّةِ الْإِقْرَاضِ
стр. 1110
وَعَنْ شُرُوحِ الْهِدَايَةِ اخْتَرَعَتْهُ أَكَلَةُ الرِّبَا أَوْرَدَ عَلَيْهِ الْمَوْلَى أَخِي جَلْبِي أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِتَصْرِيحِ قَاضِي خَانَ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ تَعْدَادِ صُورَةِ الْعِينَةِ وَمِثْلُ هَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ قَالَ مَشَايِخُ بَلْخٍ بَيْعُ الْعِينَةِ فِي زَمَانِنَا خَيْرٌ مِنْ الْبُيُوعِ الَّتِي تَجْرِي فِي أَسْوَاقِنَا وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا مُحَمَّدٌ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ الْعِينَةُ جَائِزَةٌ مَأْجُورَةٌ لِمَكَانِ الْفِرَارِ مِنْ الْحَرَامِ وَذَكَرَ الزَّاهِدِيُّ الِاحْتِيَالُ لِلْفِرَارِ مِنْ الْحَرَامِ مَنْدُوبٌ، ثُمَّ قَالَ مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ لَا يَحُومُ حَوْلَ هَذِهِ الْمُبَايَعَةِ وَلَا يَحْكُمُ بِحِلِّهَا وَحُرْمَتِهَا انْتَهَى مُلَخَّصًا، وَقِيلَ الْمَأْجُورِيَّةُ لِلْفِرَارِ لَا تُنَافِي الْكَرَاهَةَ فِي نَفْسِهَا وَكَذَا الْخَيْرِيَّةُ مِمَّا فِي الْأَسْوَاقِ لَا تُوجِبُ الْخَيْرِيَّةَ فِي نَفْسِهَا فَيَجُوزُ كَرَاهَتُهَا فِي نَفْسِهَا إذْ أَكْثَرُ بُيُوعَاتِ الْأَسْوَاقِ فَاسِدَاتٌ أَوْ بَاطِلَاتٌ أَوْ رِبَوِيَّاتٌ صِرْفَةً وَالْعِينَةُ وَإِنْ مَكْرُوهَةٌ فِي نَفْسِهَا لَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ انْتَهَى.
لَكِنْ إنْ سَلِمَ ذَلِكَ يَبْقَى قَوْلُ قَاضِي خَانْ أَنَّهَا مَرْوِيَّةٌ وَأَمَرَ ﵊ بِذَلِكَ، وَعَنْ الْبَزَّازِيَّةِ طَلَبَ مِنْ آخَرَ قَرْضًا بِالرِّبْحِ فَبَاعَ الْمُسْتَقْرِضُ الْمُقْرِضَ عَرَضًا بِعَشَرَةٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ وَسَلَّمَ إلَيْهِ، ثُمَّ بَاعَهُ الْمُقْرِضُ مِنْهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ يَجُوزُ، وَفِي النُّقَايَةِ كُلُّ حِيلَةٍ لَا تُؤَدِّي إلَى ضَرَرٍ تَجُوزُ تَخَلُّصًا مِنْ الرِّبَا وَلَا يَأْثَمُ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ تُؤَدِّي إلَى الضَّرَرِ لَا تَجُوزُ فِي الدِّيَانَةِ، وَإِنْ جَازَتْ فِي الْفَتْوَى كَمَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ اشْتَرَى صَاعًا مِنْ تَمْرٍ جَيِّدٍ بِصَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ رَدِيءٍ هَلَّا بِعْت تَمْرَك بِسِلْعَةٍ، ثُمَّ ابْتَعْت بِسِلْعَتِك تَمْرًا» انْتَهَى.
أَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ لَعَلَّ الرُّجْحَانَ فِي جَانِبِ قَاضِي خَانْ إذْ سَمِعْت إطْلَاقَ الرِّوَايَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ وَمَعَ الْمَأْجُورِيَّةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمَعَ الْخَيْرِيَّةِ عَنْ مَشَايِخِ بَلْخٍ وَغَيْرِهَا وَكَوْنَهُ مَرْوِيًّا وَمَأْمُورًا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْجَوَازَ الْمُطْلَقَ مِنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَعَدَمَ الْإِثْمِيَّةِ مِنْ مَنْقُولِهِ عَنْ النُّقَايَةِ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ، وَأَيْضًا وَقَعَ بِإِطْلَاقِ الْجَوَازِ عَنْ السِّرَاجِيَّةِ فِي الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ حِيَلِ التَّتَارْخَانِيِّ وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَاضِي خَانْ لَا يَتَأَخَّرُ فِي الْقُوَّةِ وَالرُّتْبَةِ عَنْ الْهِدَايَةِ لَا سِيَّمَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي حُجَّتِهِ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ كَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ تَعْلِيلَ الْهِدَايَةِ لَا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ إذْ لُزُومُ الْكَرَاهَةِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْ تَرْكِ النَّدْبِ الَّذِي هُوَ مَبَرَّةُ الْإِحْسَانِ فِي غَايَةِ الْخَفَاءِ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَقَائِمٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْعِينَةِ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ بِصَرِيحِ الدَّلَالَةِ لِجَوَازِ أَنْ يُرَادَ مُطْلَقُ التَّعْيِينِ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْبَيْعُ مُشِيرًا إلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْمَجْهُولِ عَلَى أَنْ يَكُونَ حَاصِلُ الْمَعْنَى إذَا اشْتَغَلْتُمْ بِالْبُيُوعِ وَالتِّجَارَاتِ وَالْمُزَارَعَةِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ إلَى آخِرِهِ وَلَوْ سُلِّمَ يَجُوزُ كَوْنُ الْمَنْعِ لِمَصْلَحَةِ الْجِهَادِ لِقِلَّةِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا ارْتَفَعَ الْمَنْعُ فِي حَقِّ الْمُزَارَعَةِ لِكَثْرَةِ الْإِسْلَامِ فَلْيَرْتَفِعْ فِي حَقِّ الْعِينَةِ تَوْفِيقًا لِلرِّوَايَاتِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُفْتَى بِجَوَازِ رُتْبَةِ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ صِيَانَةً لِلْفُقَرَاءِ إذْ أَكْثَرُ مِنْ يُبْتَلَى بِهِ لَيْسَ إلَّا الْفُقَرَاءُ وَهُمْ مُضْطَرُّونَ يَشْتَرُونَ بِالْغَالِي لَعَلَّ لِهَذَا وَرَدَ النَّهْيُ السُّلْطَانِيُّ أَنْ يُزَادَ عَلَى وَاحِدٍ وَنِصْفٍ فِي الْعَشَرَةِ وَوَرَدَ عَلَيْهِ فَتَاوَى مَشَايِخِ الْمُسْلِمِينَ وَأَفْتَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَنْتَهِ بِهَذَا النَّهْيِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهَذِهِ الْفَتْوَى يُعَزَّرُ شَدِيدًا وَيُحْبَسُ مَدِيدًا إلَى أَنْ يَظْهَرَ صَلَاحُهُ وَتَوْبَتُهُ وَيَسْتَرِدَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي أَخَذَ وَلَوْ بِالتَّرَاضِي، وَمِثْلُهُ أَمْرُ السَّلَمِ كَمَا فِي مَعْرُوضَاتِ أَبِي السُّعُودِ الْعِمَادِيِّ وَكَذَا يَسْتَرِدُّ فِي السَّنَةِ الَّتِي لَمْ يَقَعْ فِيهَا دَوْرٌ شَرْعِيٌّ وَإِلْزَامُ رِبْحٍ وَلَوْ وَقَعَ فِي الِابْتِدَاءِ مَرَّةً وَلَوْ كَانَ مِنْ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُعُورِفَتْ بِالدَّوْرِ أَوْ مِنْ أَمْوَالِ الصِّغَارِ وَبِالْجُمْلَةِ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الرِّبْحِ بِلَا دَوْرٍ مُطْلَقًا، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى وَاحِدٍ وَنِصْفٍ فِي الْعَشَرَةِ فَلَا يُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِلْمَنْعِ السُّلْطَانِيِّ الْوَاقِع
لِمَصْلَحَةِ
الرَّعِيَّةِ الْوَاجِبِ اتِّبَاعُهُ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فِي الْأَصْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَمَا اخْتَارَهُ هُوَ طَرِيقُ الْوَرَعِ إذْ أَقَلُّ دَرَجَةِ الِاخْتِلَافِ الشُّبْهَةُ كَمَا مَرَّ مِرَارًا وَيُقَرِّبُهُ مَا قِيلَ إنَّمَا الْمَنْعُ لِمُرِيدِ تَكْثِيرِ الْمَالِ بِلَا احْتِيَاجٍ.
[نِسْيَانُ الْقُرْآنِ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ]
(وَمِنْهَا نِسْيَانُ الْقُرْآنِ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ) مِنْ الْقِرَاءَةِ مِنْ الْمُصْحَفِ لَا عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ، وَإِنْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضٌ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْوَعِيدِ مَنْ حَفِظَ سُورَةً مَثَلًا، ثُمَّ نَسِيَهَا إنْ قَدَرَ عَلَى الْقِرَاءَةِ مِنْ الْمُصْحَفِ كَمَا مَرَّ (د ت عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «عُرِضَتْ عَلَيَّ» لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ أَوْ فِي وَقْتِ
стр. 1111
الْمُكَاشَفَاتِ وَالتَّجَلِّيَاتِ عِنْدَ وُرُودِ الْوَارِدِ الْغَيْبِيِّ عَلَى قَلْبِهِ وَذَلِكَ كَانَ غَالِبَ أَحْوَالِهِ؛ لِأَنَّ رُوحَهُ الزَّكِيَّةَ لَا مَرْتَعَ لَهَا إلَّا فِي الْحَضَرَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْمَنَازِلِ الْقُدْسِيَّةِ فَكَانَ لَا يَغِيبُ عَنْ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ ( «أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ» التِّبْنُ وَالْوَسَخُ وَنَحْوُهُمَا بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى أُجُورٍ وَيَجُوزُ نَصْبُهَا بِتَقْدِيرِ حَتَّى رَأَيْت الْقَذَاةَ «يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا» ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَشَأَ عَنْ تَشَاغُلِهِ عَنْهَا بِلَهْوٍ أَوْ فُضُولٍ أَوْ لِاسْتِخْفَافِهِ بِهَا وَتَهَاوُنِهِ بِشَأْنِهَا وَعَدَمِ احْتِرَامِهِ لِأَمْرِهَا فَيَعْظُمُ ذَنْبُهُ عِنْدَ اللَّهِ لِاسْتِهَانَةِ الْعَبْدِ لَهُ بِإِعْرَاضِهِ عَنْ كَلَامِهِ، وَفِيهِ أَنَّ نِسْيَانَ الْقُرْآنِ كَبِيرَةٌ وَلَوْ بَعْضًا مِنْهُ وَهَذَا لَا يُنَاقِضُهُ خَبَرُ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» ؛ لِأَنَّ الْمَعْدُودَ هُنَا ذَنْبُ التَّفْرِيطِ فِي مَحْفُوظِهِ لِعَدَمِ تَعَاهُدِهِ وَدَرْسِهِ، ثُمَّ الْحَدِيثُ تَعَقَّبَهُ التِّرْمِذِيُّ بِأَنَّهُ غَرِيبٌ وَالْبُخَارِيُّ لَمْ يَعْرِفْهُ وَاسْتَغْرَبَهُ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ غَيْرُ ثَابِتٍ وَأَنْكَرَهُ الْمَدَنِيُّ وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ ضَعِيفٌ لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ وَسَكَتَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد.
[الرِّبَا]
(وَمِنْهَا الرِّبَا) عَنْ الْقُنْيَةِ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ لِلرِّبَا اثْنَانِ وَسَبْعُونَ حُوبًا أَصْغَرُهَا كَمَنْ أَتَى أُمَّهُ فِي الْإِسْلَامِ. وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَيَكْفُرُ جَاحِدُهُ اتِّفَاقًا فِي رِبَا النَّسِيئَةِ وَاخْتِلَافًا فِي رِبَا الْفَضْلِ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يَرَى الرِّبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ، وَإِنْ رُوِيَ عَنْهُ الرُّجُوعُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ قَضَى بِجَوَازِ بَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ يَدًا بِيَدٍ بِأَعْيَانِهِمَا أَخْذًا بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يَنْفُذُ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا بَيْنَ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ وَافَقَهُ فَكَانَ مَهْجُورًا شَرْعًا انْتَهَى لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ إشْكَالٍ أُصُولِيٍّ (وَتَلَقِّي الْجَلْبِ) أَيْ تَلَقِّي بَعْضِ أَهْلِ الْبَلَدِ الْمَجْلُوبَ مِنْ خَارِجِهِ إلَيْهِ مِنْ الطَّعَامِ إنْ أَضَرَّ بِأَهْلِهِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ وَلِأَنَّ فِيهِ تَضْيِيقَ الْأَمْرِ عَلَى الْحَاضِرِينَ وَالْوَارِدِينَ (وَبَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي) أَيْ بَيْعُ أَهْلِ الْبَلَدِ لِأَهْلِ الْبَادِيَةِ وَالْقُرَى بِزِيَادَةِ الثَّمَنِ إلَى مُدَّةٍ إنْ فِي قَحْطٍ فَيُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ إضْرَارٌ بِهِمْ وَإِلَّا فَلَا (وَالسَّوْمُ عَلَى السَّوْمِ) أَيْ سَوْمِ غَيْرِهِ بَائِعًا أَوْ مُشْتَرِيًا وَهُوَ أَنْ يَرْضَى الْمُتَعَاقِدَانِ بِالْبَيْعِ وَيَسْتَقِرَّ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْعَقْدُ فَيَزِيدُ عَلَيْهِ وَيَبْطُلُ بَيْعُهُ أَمَّا لَوْ زَادَ عَلَيْهِ كَمَا قَبْلَ التَّرَاضِي فَيَجُوزُ كَمَا نُقِلَ عَنْ الِاخْتِيَارِ (وَالْخِطْبَةُ عَلَى الْخِطْبَةِ) مِنْ جِهَةِ الْمَخْطُوبَةِ أَوْ الْخَاطِبِ (إنْ وُجِدَ دَلِيلُ الرِّضَا لِلْأَوَّلِ) مِنْ السَّوْمَيْنِ أَوْ الْخِطْبَتَيْنِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُسَاوِمُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» .
وَأَمَّا إذَا سَاوَمَهُ بِشَيْءٍ وَلَمْ يَرْكَنْ أَحَدُهُمَا إلَى صَاحِبِهِ فَلَا بَأْسَ لِلْغَيْرِ أَنْ يُسَاوِمَهُ وَيَشْتَرِيَهُ، فَإِنَّهُ بَيْعُ مَنْ يَزِيدُ لِعَدَمِ الْإِضْرَارِ فِيهِ وَلِأَنَّهُ بَيْعُ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةُ مَاسَّةٌ إلَيْهِ وَالْخِطْبَةُ كَذَلِكَ (وَالِاحْتِكَارُ) أَيْ حَبْسُ قُوتِ الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ وَهُوَ حَرَامٌ إنْ أَضَرَّ بِأَهْلِ الْبَلَدِ وَصَاحِبُهُ مَلْعُونٌ وَكَذَا حَبْسُ الْكِسْوَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ حَرَامٌ مُطْلَقًا وَقَالَ أَحْمَدُ يَحْرُمُ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَحَيْثُ يَكُونُ فِيهِ ضِيقٌ وَهَذَا فِيمَا اشْتَرَاهُ مِنْ السُّوقِ لَا فِي غَلَّةِ أَرْضِهِ وَمَجْلُوبِهِ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ خَالِصٌ حَقُّهُ وَلَمْ
стр. 1112
يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْعَامَّةِ وَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَهُ بِبَيْعِ مَا فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَبِعْ عَزَّرَهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَبِيعُ إنْ امْتَنَعَ اتِّفَاقًا وَمُدَّةُ الْحَبْسِ قِيلَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَقِيلَ شَهْرٌ وَهَذَا فِي حَقِّ الْمُعَاقَبَةِ فِي الدُّنْيَا لَكِنْ يَأْثَمَ، وَإِنْ قَلَّتْ الْمُدَّةُ (وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ مَمْلُوكَيْنِ صَغِيرَيْنِ أَوْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ مَحْرَمِيَّةٌ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ فَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْأَمَةِ وَوَلَدِهَا بِنَحْوِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ حَرَامٌ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَشَرَطَ الشَّافِعِيُّ كَوْنَهُ قَبْلَ التَّمْيِيزِ وَأَبُو حَنِيفَةَ قَبْلَ الْبُلُوغِ سَوَاءٌ رَضِيَتْ أَمْ لَا، وَعِنْدَ مَالِكٍ يَجُوزُ بِرِضَاهَا، وَفِي الْجَامِعِ أَيْضًا «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَلَيْسَ مِنَّا» .
(وَمِنْهَا مَطْلُ الْغَنِيِّ) أَيْ تَأْخِيرُ الْقَادِرِ عَلَى أَدَاءِ دَيْنِهِ عَنْ الدَّائِنِ بَعْدَ طَلَبِهِ (خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» يَعْنِي تَسْوِيفَ الْقَادِرِ الْمُتَمَكِّنِ مِنْ أَدَاءِ الدَّيْنِ الْحَالِّ ظُلْمٌ مِنْهُ لِرَبِّ الدَّيْنِ وَالظُّلْمُ حَرَامٌ فَكَذَا الْمَطْلُ وَالتَّرْكِيبُ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى الْفَاعِلِ أَوْ مِنْ إضَافَتِهِ إلَى الْمَفْعُولِ. يَعْنِي: وَفَاءُ الدَّيْنِ وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِقُّهُ غَنِيًّا فَالْفَقِيرُ أَوْلَى بِهِ كَذَا فِي الْفَيْضِ.
[الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ]
(وَمِنْهَا الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ خ م عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا «الَّذِي يَرْجِعُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ» يَعُودُ «فِي قَيْئِهِ» وَالرُّجُوعُ إمَّا بِالتَّرَاضِي أَوْ حُكْمِ الْقَاضِي وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ وَلَا يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ «إنَّ رَجُلًا وَهَبَ هِبَةً فَرَجَعَ فِيهَا فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَثَلُ هَذَا مَثَلُ الْكَلْبِ الَّذِي يَأْكُلُ حَتَّى إذَا شَبِعَ قَاءَ مَا فِي بَطْنِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ فَأَكَلَهُ» .
(وَمِنْهَا اقْتِنَاءُ كَلْبٍ) اتِّخَاذُهُ (لِغَيْرِ صَيْدٍ وَمَاشِيَةٍ وَخَوْفٍ مِنْ اللُّصُوصِ وَغَيْرِهِمْ) كَحِفْظِ الْمَتَاعِ وَالزَّرْعِ وَالدَّوَابِّ وَكَذَا نَحْوُ الْأَسَدِ وَالْفَهْدِ وَالضَّبُعِ وَسَائِرِ السِّبَاعِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ (خ م عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» مِنْ الْأَجْرِ كَمَا قِيلَ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ جَبَلِ أُحَدٍ قَالَ فِي الْمُبَارِقِ الْمُرَادُ مِقْدَارٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مِنْ الدُّخُولِ فِي الْبَيْتِ عَلَى تَقْدِيرِ الْجَوَازِ، وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ أَسْوَأُ مِنْ كُلِّ الْكِلَابِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا وَلَكِنْ اُقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ» يَعْنِي أَنَّهُ أَضَرُّ الْكِلَابِ وَأَعْقَرُهَا وَمَعَ هَذَا هُوَ أَقَلُّهَا نَفْعًا، وَأَسْوَؤُهَا حِرَاسَةً وَأَبْعَدُهَا مِنْ الصَّيْدِ وَأَكْثَرُهَا نُعَاسًا كَمَا فِي
стр. 1113
النِّصَابِ (فَإِنْ أَرْسَلَ صَاحِبُهُ) عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ شَرَائِطِ الْجَوَازِ (فِي السِّكَّةِ فَلِلْجِيرَانِ الْمَنْعُ) وَيَصِيرُ صَاحِبُهُ آثِمًا بِإِرْسَالِهِ (فَإِنْ أَبَى يُرْفَعُ إلَى الْحَاكِمِ فَيُمْنَعُ وَكَذَا الدَّجَاجَةُ وَالْجَحْشُ) وَلَدُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ (وَالْعُجُولُ) وَلَدُ الْبَقَرِ وَكَذَا الْبَطُّ وَالْإِوَزُّ وَالْبَقَرُ وَالْحِمَارُ وَالْبِغَالُ وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حِفْظَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَاجِبٌ عَلَى صَاحِبِهَا، فَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ يَأْثَمْ وَيَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ إنْ لَمْ يَحْفَظْ بَعْدَ الرَّفْعِ إلَى الْحَاكِمِ، وَفِي الْفَتَاوَى رَجُلٌ لَهُ كَلْبٌ عَقُورٌ كُلُّ مَنْ يَمُرُّ يَعَضُّهُ فَلِأَهْلِ الْقَرْيَةِ أَنْ يَقْتُلُوهُ، فَإِنْ عَضَّ إنْ كَانُوا تَقَدَّمُوا عَلَى صَاحِبِهِ يَضْمَنُ وَإِلَّا فَلَا، وَفِي صَيْدِ الْفَتَاوَى إنْ أَمْسَكَ فِي بَيْتِهِ كَلْبًا وَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَلِجِيرَانِهِ مِنْ كَلْبِهِ ضَرَرٌ لَيْسَ لَهُمْ مَنْعُهُ، فَإِنْ أَرْسَلَهُ إلَى السِّكَّةِ فَلَهُمْ الْمَنْعُ، فَإِنْ أَبَى يُرْفَعُ إلَى الْحَاكِمِ أَوْ إلَى صَاحِبِ الْحِسْبَةِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
[إيقَادُ الشُّمُوعِ فِي الْقُبُورِ]
(وَمِنْهَا إيقَادُ الشُّمُوعِ فِي الْقُبُورِ؛ لِأَنَّهُ إسْرَافٌ وَبِدْعَةُ ضَلَالَةٍ وَاتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ فِيهَا) أَيْ الْقُبُورِ (د ت عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَنَ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» أَيْ الْقُبُورَ، وَأَيْضًا لَا يَجُوزُ تَجْصِيصُ الْقَبْرِ وَتَطْيِينُهُ وَإِلْصَاقُ اللَّوْحِ وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ وَالْبِنَاءُ عَلَيْهِ.
(وَمِنْهَا اقْتِنَاءُ امْرَأَةٍ لَا تُصَلِّي، وَفِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ لَهُ امْرَأَةٌ لَا تُصَلِّي يُطَلِّقُهَا) قِيلَ ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ لِحُرْمَةِ مُخَالَطَةِ الْمُصِرِّ عَلَى الْمَعْصِيَةِ (قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ ﵀ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَمَهْرُهَا فِي عُنُقِهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَلْقَى وَمَعَهُ امْرَأَةٌ لَا تُصَلِّي) لِأَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ عَمْدًا مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَكُفْرٌ عِنْدَ الْبَعْضِ فَلَا يَلِيقُ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَتَّخِذَ عَدُوَّةَ اللَّهِ صَدِيقَةً وَيَتَعَاشَرَ مَعَهَا وَيَنْظُرَ إلَيْهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَحَمْلُ أَهْلِ بَيْتِهِ عَلَى الصَّلَاةِ سَبَبٌ لِانْفِتَاحِ بَابِ الرِّزْقِ انْتَهَى، وَفِي الْخَبَرِ أَنَّ مِنْ تَهَاوَنَ بِالصَّلَاةِ فَقَدْ آذَى جَمِيعَ الْخَلَائِقِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يَفْرَحُونَ بِصُعُودِ أَنْوَارِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِنْ الْمُطِيعِينَ وَيَتَأَذَّوْنَ مِنْ انْقِطَاعِهَا عَنْهُمْ وَبِشُؤْمِ الْمَعْصِيَةِ يَقِلُّ الْمَطَرُ فَتَقِلُّ النَّبَاتُ بِسَبَبِهِ فَيَضِيقُ عَيْشُ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ السِّبَاعِ وَالْوُحُوشِ وَالطُّيُورِ وَنَحْوِهَا كَمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ زَادَهْ.
(وَمِنْهَا تَوَسُّدُ كُتُبِ الشَّرِيعَةِ) كَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ قِيلَ وَآلَاتِهَا (مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْحِفْظِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَمَنْ تَوَسَّدَ بِخَرِيطَةٍ) شَيْءٌ يُتَّخَذُ مِنْ الْأَدِيمِ يُجْعَلُ فِيهِ الْكِتَابُ (فِيهَا أَخْبَارُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ قَصَدَ الْحِفْظَ لَا يُكْرَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ يُكْرَهُ) إنْ لَمْ يَقْصِدْ الِاسْتِهَانَةَ (وَفِي الْمُحِيطِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ جَوَالِقُ، وَفِيهَا
стр. 1114
دَرَاهِمُ مَكْتُوبٌ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ كَانَ فِي الْجَوَالِقِ كُتُبُ الْفِقْهِ أَوْ كُتُبُ التَّفْسِيرِ أَوْ الْمُصْحَفُ فَجَلَسَ عَلَيْهَا أَوْ نَامَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ قَصْدِهِ الْحِفْظُ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَقَدْ مَرَّ جِنْسُ هَذَا فِيمَا تَقَدَّمَ وَإِذَا كَتَبَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كَاغَدٍ وَوُضِعَ تَحْتَ طِنْفِسَةٍ) أَيْ بِسَاطٍ (يَجْلِسُونَ عَلَيْهَا) صِفَةٌ لِلطِّنْفِسَةِ (فَقَدْ قِيلَ لَا يُكْرَهُ) وَقِيلَ يُكْرَهُ (قَالَ أَلَا يُرَى أَنْ لَوْ وُضِعَ بِالْبَيْتِ لَا بَأْسَ بِالنَّوْمِ عَلَى سَطْحِهِ كَذَا هُنَا) لَا يَخْفَى مَا فِي الْقِيَاسِ مِنْ الْفَارِقِ لِلَزْقٍ فِي أَحَدِهِمَا وَاتِّصَالٍ فِي الْآخَرِ وَغِلْظَةٍ فِي أَحَدِهِمَا وَرِقَّةٍ فِي الْآخَرِ (وَإِنْ حُمِلَ الْمُصْحَفُ أَوْ شَيْءٌ مِنْ كُتُبِ الشَّرِيعَةِ عَلَى دَابَّةٍ فِي جَوَالِقَ وَرَكِبَ صَاحِبُ الْجَوَالِقِ عَلَى الْجَوَالِقِ لَا يُكْرَهُ) لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً (انْتَهَى) .
(وَمِنْهَا جَعْلُ شَيْءٍ) كَالْفُلْفُلِ وَالدِّرْهَمِ (فِي قِرْطَاسٍ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى) مِنْ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى كُتِبَ اسْتِقْلَالًا أَوْ فِي ضِمْنِ كَلَامٍ (وَفِي الْخُلَاصَةِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَجْعَلَ شَيْئًا فِي قِرْطَاسٍ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ كَانَتْ الْكِتَابَةُ فِي ظَاهِرِهِ أَوْ فِي بَاطِنِهِ بِخِلَافِ الْكِيسِ يَكْتُبُ عَلَيْهِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْكِيسَ يُعَظَّمُ وَالْقِرْطَاسَ يُسْتَهَانُ بِهِ انْتَهَى. وَكَذَا بِسَاطٌ أَوْ مُصَلَّى) أَيْ سَجَّادَةٌ (كُتِبَ عَلَيْهِ فِي النَّسْجِ الْمُلْكُ لِلَّهِ يُكْرَهُ بَسْطُهُ وَالْقُعُودُ عَلَيْهِ وَاسْتِعْمَالُهُ) لِإِخْلَالِهِ بِالتَّعْظِيمِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَلَوْ فِي الْعِمَامَةِ أَوْ الْقَلَنْسُوَةِ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ كَرَاهَتِهِ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ الْكَرَاهَةِ الَّتِي هِيَ الِاسْتِهَانَةُ إلَّا أَنْ يَتَوَسَّخَ مِنْ عَرَقِ الرَّأْسِ وَيَلْزَمَ إخْلَالُ التَّعْظِيمِ (فَلَوْ قُطِعَ حَرْفٌ مِنْ الْحُرُوفِ) مِنْ اسْمِهِ تَعَالَى (أَوْ خُطَّ عَلَى بَعْضِ الْحُرُوفِ حَتَّى لَمْ تَبْقَ الْكَلِمَةُ مُتَّصِلَةً لَا تَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ) عَنْ الْخَانِيَّةِ؛ لِأَنَّ لِلْحُرُوفِ الْمُفْرَدَةِ حُرْمَةً وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُلْكُ لَا غَيْرُ أَوْ كَانَ الْأَلِفُ وَحْدَهَا أَوْ كَانَ اللَّامُ وَحْدَهَا انْتَهَى لَا يَخْفَى عَدَمُ مُلَاءَمَتِهِ لِقَوْلِهِ فَلَوْ قُطِعَ وَكَذَا لِقَوْلِهِ حَتَّى لَمْ تَبْقَ إلَى آخِرِهِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي النِّصَابِ وَلَوْ قَطَعَ حَرْفًا مِنْ حُرُوفِهِ أَوْ خَطَّ عَلَى بَعْضِ الْحُرُوفِ حَتَّى لَا تَبْقَى الْكَلِمَةُ مُتَّصِلَةً لَا تَسْقُطُ الْكَرَاهَةُ انْتَهَى (كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ) وَكَذَا نُقِلَ عَنْ مَجْمَعِ الْفَتَاوَى، وَعَنْ الْمُلْتَقَطِ قَالَ بَعْضُهُمْ يُكْرَهُ تَعْظِيمًا لِلْحُرُوفِ وَقَالَ فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنْ النِّصَابِ وَلِلْحُرُوفِ الْمُفْرَدَةِ حُرْمَةٌ؛ لِأَنَّ نَظْمَ الْقُرْآنِ وَأَخْبَارَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَاسِطَةِ هَذِهِ الْحُرُوفِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ الْأَئِمَّةِ رَأَى نَاسًا يَرْمُونَ هَدَفًا وَعَلَى الْهَدَفِ مَكْتُوبٌ أَبُو جَهْلٍ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَمَنَعَهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَمَضَى بِوَجْهِهِ، ثُمَّ وَجَدَهُمْ قَدْ مَحَوْا اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى وَكَانُوا يَرْمُونَ كَذَلِكَ فَقَالَ إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِأَجْلِ الْحُرُوفِ انْتَهَى وَكَذَا نُقِلَ عَنْ الْخَانِيَّةِ لَكِنْ هَكَذَا، ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ، وَقَدْ فَصَلُوا الْحُرُوفَ
стр. 1115
فَنَهَى وَقَالَ إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِأَجْلِ الْحُرُوفِ وَهَكَذَا عَنْ قَاضِي خَانْ، ثُمَّ قَالَ فِي النِّصَابِ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ يَمْنَعُونَ مِنْ كِتَابَةِ قَوْلِهِ الْعِزُّ وَالْإِقْبَالُ وَنَحْوُهُ عَلَى الْعَصَا وَالطَّشْتِ وَالْإِبْرِيقِ وَالْقَدَحِ وَغِلَافِ السُّرُوجِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ كُلَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ مُبْتَذَلَةٌ فَتُصَانُ الْحُرُوفُ عَنْ الِابْتِذَالِ وَيُمْنَعُ مِنْ اسْتِعْمَالِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ لِلِابْتِذَالِ، وَفِي الْمُلْتَقَطِ الْحُرُوفُ الْمُفْرَدَةُ تُحْتَرَمُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ انْتَهَى لَا يَخْفَى عَدَمُ جَرَيَانِ الْعِلَّةِ فِي بَعْضِ مَا ذَكَرَ، ثُمَّ الْمَفْهُومُ مِنْ النِّصَابِ أَيْضًا أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْكَاغَدِ الصَّالِحِ لِلْكِتَابَةِ فِيمَا يُسْتَهَانُ مَكْرُوهٌ، وَفِيهِ أَيْضًا الْكُتُبُ الَّتِي يُسْتَغْنَى عَنْهَا، وَفِيهَا اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى تُلْقَى فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ الْجَارِي أَوْ تُدْفَنُ فِي أَرْضٍ طَيِّبَةٍ وَلَا تُحْرَقُ بِالنَّارِ، وَفِي التتارخانية الْمُصْحَفُ الَّذِي خَلِقَ وَتَعَذَّرَ الِانْتِفَاعُ بِهِ لَا يُحْرَقُ بَلْ يُلَفُّ بِخِرْقَةٍ طَاهِرَةٍ وَيَحْفِرُ حَفِيرَةً بِلَحْدٍ بِلَا شَقٍّ أَوْ يَجْعَلُ سَقْفًا وَيُدْفَنُ أَوْ يُوضَعُ بِمَكَانٍ طَاهِرٍ لَا يَصِلُ إلَيْهِ الْغُبَارُ وَالْأَقْذَارُ، وَفِي السِّرَاجِيَّةِ يُدْفَنُ أَوْ يُحْرَقُ اهـ مُلَخَّصًا وَكَذَا عَنْ مُنْيَةِ الْمُفْتِي، وَعَنْ الْمُجْتَبَى الدَّفْنُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِلْقَاءِ فِي الْمَاءِ الْجَارِي كَالْأَنْبِيَاءِ وَكَذَا جَمِيعُ الْكُتُبِ، وَفِي التتارخانية الْأَفْضَلُ أَنْ يَغْسِلَهَا وَيَأْخُذَ الْقَرَاطِيسَ، وَعَنْ الْحَلِيمِيِّ لَا بَأْسَ بِالْإِحْرَاقِ لِإِحْرَاقِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَصَاحِفَ فِيهَا آيَاتٌ مَنْسُوخَةٌ بِلَا نَكِيرٍ، وَأَيْضًا قِيلَ الْإِحْرَاقُ أَوْلَى مِنْ الْغُسْلِ لِوُقُوعِ الْغُسَالَةِ عَلَى الْأَرْضِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ حَرَّمَ الْإِحْرَاقَ لِتَنَافِيهِ الِاحْتِرَامَ وَكَرِهَ النَّوَوِيُّ هَذَا وَأَقُولُ الرَّاجِحُ هُوَ الدَّفْنُ أَوْ الْغَسْلُ لَا الْإِحْرَاقُ لِقُوَّةِ قَائِلِهِمَا وَدَلِيلِهِمَا وَلِتَرْجِيحِ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَالظَّاهِرُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ بِلَا نَكِيرٍ لَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْلُ بِخِلَافِهِ، وَدَعْوَى عَدَمِ وُصُولِ ذَلِكَ الْإِجْمَاعِ إلَيْهِمْ سُوءُ ظَنٍّ بِهِمْ وَطَعْنٌ فِي فَقَاهَتِهِمْ عَلَى أَنَّ الْإِحْرَاقَ لَازِمٌ لِلِاسْتِهَانَةِ وَمُخِلٌّ بِالتَّعْظِيمِ (أَقُولُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ السُّفْرَةِ أَوْ الْخِرْقَةِ لِلْوُضُوءِ أَوْ نَحْوِهِ الَّتِي يُكْتَبُ عَلَيْهَا بَيْتٌ أَوْ مِصْرَاعٌ أَوْ كَلِمَةٌ أَوْ حَرْفٌ كَذَلِكَ) فِي الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مِمَّا يُسْتَهَانُ بِهَا وَالْحُرُوفُ مِمَّا لَهُ حُرْمَةٌ أَقُولُ السَّابِقُ إلَى الْخَاطِرِ أَنَّ حُرْمَةَ الْحُرُوفِ إنْ كَانَتْ فَرْدَةً لِصَلَاحِيَّتِهَا لَأَنْ تَكُونَ جُزْءًا مِنْ نَحْوِ اسْمِهِ تَعَالَى أَوْ كَانَتْ جُزْءًا مِنْ نَحْوِ اسْمِ نَبِيِّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْأَبْيَاتِ الْخَالِيَةِ عَنْ نَحْوِ اسْمِهِ تَعَالَى فَلَا بُعْدَ فِي عَدَمِ الْكَرَاهَةِ يُؤَيِّدُهُ مَا فِي النِّصَابِ مِنْ قَوْلِهِ، وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ اسْمِ أَبِي جَهْلٍ فَهَذَا مِمَّا يَبْعُدُ.
[إمْسَاكُ الْمَعَازِفِ]
(وَمِنْهَا إمْسَاكُ الْمَعَازِفِ) أَيْ آلَاتِ اللَّهْوِ (فِي الْبَيْتِ) ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَعْمِلُهَا، فَإِنَّهُ إثْمٌ؛ لِأَنَّ إمْسَاكَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَكُونُ عَادَةً لِلَّهْوِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِ.
(وَمِنْهَا التَّصَدُّقُ عَلَى السَّائِلِ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا وَلَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَلَا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي فَلَا بَأْسَ حِينَئِذٍ عَلَى الْمُخْتَارِ) إذْ عِنْدَ بَعْضٍ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا قَالَ الْمُحَشِّي كَوْنُ الْجَوَازِ مُخْتَارًا بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: احْتِيَاجُ السَّائِلِ إلَى الْقُوتِ أَوْ الْكِسْوَةِ لِلسَّتْرِ أَوْ لِدَفْعِ الْحَرِّ أَوْ الْبَرْدِ أَوْ لِدَيْنٍ وَيَكْفِي فِيهِ الْحَمْلُ عَلَى الصَّلَاحِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومَ الْحَالِ قَبْلَهُ، وَعَدَمُ التَّخَطِّي، وَعَدَمُ الْمُرُورِ الْمَذْكُورِ، وَعَنْ أَبِي نَصْرٍ أَرْجُو أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ يُخْرِجُهُمْ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُ هَؤُلَاءِ
(وَمِنْهَا التَّصَدُّقُ عَلَى مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ مُسْرِفٌ) قَطْعًا وَإِلَّا فَحُسْنُ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ مَا أَمْكَنَ لَازِمٌ (أَوْ صَارِفٌ إلَى مَعْصِيَةٍ) وَإِنْ قَلَّ إذْ الْإِعَانَةُ عَلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ لِمَا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ لِلْوَسَائِلِ حُكْمَ الْمَقَاصِدِ فَيَشْتَرِكُ فِي الْإِثْمِ.
(وَمِنْهَا الِانْتِفَاعُ بِبَدَلِ مَا أَخَذَ غَلَطًا عَلِمَ صَاحِبُهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ فَيَكُونُ لُقَطَةً فَالِانْتِفَاعُ بِهِ حَرَامٌ عَلَى تَقْدِيرَيْنِ) عَلَى تَقْدِيرِ الْعِلْمِ وَعَدَمِهِ
стр. 1116
(كَمَنْ يَلْبَسُ ثَوْبَ غَيْرِهِ أَوْ نَعْلَهُ سَهْوًا وَيَتْرُكُ مَالَهُ) مِنْ الثَّوْبِ أَوْ النَّعْلِ، فَإِنَّهُ إنْ عَلِمَ صَاحِبُهُ فَيَجِبُ رَدُّهُ وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ وَإِلَّا فَعَلَى حُكْمِ اللُّقْطَةِ فَبِأَيِّ حَالٍ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِبَدَلِ الْغَلَطِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ رِضَاهُ قَالَ الْمُحَشِّي وَالْحِيلَةُ فِي مِثْلِ هَذَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ التَّصَدُّقُ لِقَرِيبِهِ إنْ فَقِيرًا، ثُمَّ يُسْتَوْهَبُ إنْ كَانَ غَنِيًّا وَإِلَّا فَلَا حَاجَةَ إلَى الْحِيلَةِ.
(وَمِنْهَا الِاشْتِرَاءُ مِمَّنْ بَاعَ بِكُرْهٍ أَوْ بِسِعْرٍ لَا يَرْضَاهُ وَيَخَافُ لَوْ نَقَضَ ضَرَبَهُ السُّلْطَانُ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ) وَإِنْ لَمْ يُوجَدُ بِهِ الْخُسْرَانُ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يَشَاءُ وَمَعْنَى جَوَازِ التَّسْعِيرِ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ أَرْبَابِ الطَّعَامِ أَوْ غَيْرِهِ بِنَحْوِ غَبْنٍ فَاحِشٍ بِمُشَاوَرَةِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ أَنْ يَقُولَ الْقَاضِي لِصَاحِبِ الطَّعَامِ إنْ شِئْت بِعْ هَذَا الْمِقْدَارَ بِهَذَا الثَّمَنِ وَإِلَّا فَاشْتَغِلْ بِعَمَلٍ آخَرَ لَا أَنْ يَقُولَ بِعْ هَذَا الْمِقْدَارَ بِهَذَا أَلْبَتَّةَ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَصْلًا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ (وَكَذَا) كَمَا لَا يَحِلُّ الِاشْتِرَاءُ لَا يَحِلُّ (الْأَكْلُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى بَيْعِ الْمُكْرَهِ (وَالْحِيلَةُ فِي مَسْأَلَةِ السِّعْرِ أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي بِعْنِي كَمَا تُحِبُّ) وَلَا تَخَفْ مِنْ السَّعْيِ إلَى الْقَاضِي فَحِينَئِذٍ بِأَيِّ شَيْءٍ بَاعَهُ يَحِلُّ فَلَوْ بَاعَ كَمَا أَمَرَهُ السُّلْطَانُ، ثُمَّ قَالَ أَجَزْتُ الْبَيْعَ يَصِحُّ وَيَحِلُّ الْأَكْلُ (كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا) .
(وَمِنْهَا أَخْذُ الْوَكِيلِ بِالتَّصَدُّقِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ (لِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بِلَا إذْنِ الْمُوَكِّلِ) وَأَمَّا تَصَدُّقُهُ لِأَهْلِهِ وَمَحَارِمِهِ فَفِي رِوَايَةٍ يَجُوزُ إنْ فَقِيرًا، وَفِي أُخْرَى لَا يَجُوزُ لِمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ لَكِنْ قِيلَ هَذَا إذَا كَانَ وَصِيًّا وَيَجُوزُ فِي غَيْرِهِ إجْمَاعًا أَعْنِي لَوْ أَمَرَ الرَّجُلُ رَجُلًا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ وَدَفَعَ إلَيْهِ فَتَصَدَّقَ الْمَأْمُورُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ ابْنِهِ جَازَ إجْمَاعًا لِمَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ قَالَ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْبَيْعِ يَكُونُ مُتَّهَمًا وَلَا تُهْمَةَ فِي الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا الْوَصِيُّ فَلَوْ دَفَعَ الرَّجُلُ مَالَهُ إلَيْهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهِ فَوَضَعَ فِي نَفْسِهِ مِنْهُ لَا يَجُوزُ إلَّا إنْ دَفَعَ إلَى ابْنِهِ الْكَبِيرِ أَوْ الصَّغِيرِ الَّذِي يَعْقِلُ لِلْقَبْضِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
[رُكُوبُ الْبَحْرِ لِمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْغَرَقِ بِلَا ضَرُورَةٍ]
(وَمِنْهَا رُكُوبُ الْبَحْرِ لِمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْغَرَقِ بِلَا ضَرُورَةٍ) مُلْجِئَةٍ (وَفِي الذَّخِيرَةِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ السَّفِينَةَ فِي الْبَحْرِ لِلتِّجَارَةِ أَوْ لِغَيْرِهَا، فَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ غَرِقَتْ السَّفِينَةُ أَمْكَنَهُ دَفْعُ الْغَرَقِ عَنْ نَفْسِهِ بِكُلِّ سَبَبٍ يَدْفَعُ الْغَرَقَ بِهِ) مِنْ سِبَاحَةٍ أَوْ زَوْرَقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (حَلَّ لَهُ الرُّكُوبُ فِي السَّفِينَةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُ الْغَرَقِ لَا يَحِلُّ لَهُ الرُّكُوبُ انْتَهَى) فَلَا يَحِلُّ الرُّكُوبُ لِمَنِّ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُ الْغَرَقِ سَوَاءٌ لِطَلَبِ عِلْمٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ وَسَوَاءٌ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ أَوْ لَا. لَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِ بَعْضِهِمْ الْجَوَازُ عِنْدَ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ وَنُوقِشَ بِأَنَّ أَقْوَى دَفْعِ الْغَرَقِ السِّبَاحَةُ وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَا تُغْنِي شَيْئًا وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ الْبَسِيطِ وَأَمَّا فِي سَاحِلِهِ وَالْغَدِيرِ وَزَوْرَقِ الْأَنْهَارِ فَمُمْكِنٌ بَلْ كَثِيرُ الْوُقُوعِ.
(وَمِنْهَا إقْرَاضُ الْبَقَّالِ دَرَاهِمَ، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْهُ بِهَا مَا يَشَاءُ شَيْئًا فَشَيْئًا) عَلَى التَّدْرِيجِ
стр. 1117
(فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ) لِأَنَّهُ قَرْضٌ جَرَّ نَفْعًا وَهُوَ رِبًا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الضَّمَانَ عَلَى تَقْدِيرِ الضَّيَاعِ وَكَذَا صَاحِبُ الْحَمَّامِ وَلَا يَلْزَمُ الْقَوْلُ بِالْقَرْضِ فِي كَوْنِهِ قَرْضًا بَلْ يَكْفِي الْإِطْلَاقُ وَيَلْزَمُ ذَلِكَ فِي الْوَدِيعَةِ (كَالسَّفَاتِجِ) بِفَتْحِ السِّينِ جَمْعُ سَفْتَجَةٍ بِالضَّمِّ وَفَتْحِ التَّاءِ وَهُوَ إعْطَاءُ مَالٍ إلَى تَاجِرٍ قَرْضًا لِيُعْطِيَهُ فِي بَلَدِهِ خَوْفًا مِنْ خَطَرِ الطَّرِيقِ وَهِيَ مَكْرُوهَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَرْضٌ اسْتَفَادَ بِهِ الْمُقْرِضُ سُقُوطَ ضَرَرِ الطَّرِيقِ فَفِيهَا جَرُّ نَفْعٍ وَهُوَ الضَّمَانُ إذَا هَلَكَ، وَقَدْ رُوِيَ «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا فَهُوَ رِبًا» (وَيَنْبَغِي) إنْ أَرَادَ الْحِلَّ (أَنْ يَسْتَوْدِعَهَا الْبَقَّالَ، ثُمَّ يَأْخُذَ مِنْهُ مَا شَاءَ) مِنْ عَيْنِ مَالِهِ (فَإِذَا ضَاعَ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْبَقَّالِ) لَكِنْ عَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِعْمَالُ، فَإِذَا فَعَلَ يَكُونُ ضَامِنًا وَآثِمًا إلَّا أَنْ يَأْذَنَ صَاحِبُهُ.
(وَمِنْهَا حَبْسُ الْبُلْبُلِ وَنَحْوِهِ) كَالطُّوطِيِّ وَالْقَمَرِيِّ قِيلَ إنْ كَانَ لِلَّهْوِ، وَإِنْ لِلِانْتِفَاعِ مِثْلَ حَبْسِ الدَّجَاجَةِ وَالْبَطِّ لِلتَّسْمِينِ فَيَجُوزُ وَكَذَا حَبْسُ الطُّيُورِ الَّتِي بِهَا يَصْطَادُ انْتَهَى (فِي الْقَفَصِ) لَعَلَّ ذَلِكَ إخْرَاجٌ عَلَى مَخْرَجِ الْعَادَةِ فَلَوْ فِي الْبَيْتِ فَكَذَا (فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ) قِيلَ وَقَدْ تَوَاتَرَ كَوْنُ حَبْسِهَا يُورِثُ الْفَقْرَ (كَذَا فِي التتارخانية) لَعَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ تَعْذِيبُ حَيَوَانٍ بِلَا فَائِدَةٍ بَلْ لِمُجَرَّدِ تَلَهِّي النَّفْسِ وَهَوَاهَا (وَجُمْلَةُ مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الصِّنْفِ) أَيْ الصِّنْفِ التَّاسِعِ (ثَمَانُونَ) آفَةً (بَعْضُهَا دَاخِلٌ فِي الْآفَاتِ السَّابِقَةِ فِي إجْمَالِهَا لَكِنْ ذَكَرْنَاهُ هَاهُنَا لِشُهْرَتِهِ بَيْنَ النَّاسِ وَاعْتِيَادِهِمْ بِهِ) فَمَسَّ مَزِيدُ اهْتِمَامٍ وَزِيَادَةُ اعْتِنَاءٍ.
أَقُولُ وَلِذَلِكَ كَذَلِكَ وَقَعَ شَرْحًا؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي النُّصْحِ وَالتَّنْبِيهِ (فَلْنَعُدَّهَا مُجْتَمِعَةً كَالْأَوَّلَيْنِ) الْأَخْلَاقِ وَآفَاتِ اللِّسَانِ (لِيَسْهُلَ ضَبْطُهَا لِلطَّالِبِ.
الْأَوَّلُ: رَقْصٌ الثَّانِي كَشْفُ عَوْرَةٍ.
الثَّالِثُ: لُبْسُ حَرِيرٍ وَنَحْوِهِ.
الرَّابِعُ: مَسُّ حَرَامٍ.
الْخَامِسُ: سُكْنَى حَرَامٍ.
السَّادِسُ: عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ.
السَّابِعُ: قَطْعُ رَحِمٍ الثَّامِنُ عَدَمُ رِعَايَةِ حُقُوقِ الزَّوْجِ.
التَّاسِعُ: عَدَمُ رِعَايَةِ حُقُوقِ الزَّوْجَةِ.
الْعَاشِرُ: إضَاعَةُ الْأَوْلَادِ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: خَلْوَةٌ مَعَ أَجْنَبِيَّةٍ.
الثَّانِي عَشَرَ: تَشَبُّهُ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: عَكْسُهُ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: عِصْيَانُ مَمْلُوكٍ لِمَوْلَاهُ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: سُوءُ الْمِلْكَةِ.
السَّادِسَ عَشَرَ: أَذَى الْجَارِ.
السَّابِعَ عَشَرَ: مُصَاحَبَةُ الْأَشْرَارِ.
الثَّامِنَ عَشَرَ: فَتْحُ فَمٍ عِنْدَ تَثَاؤُبٍ.
التَّاسِعَ عَشَرَ: جُلُوسٌ فِي الطَّرِيقِ.
الْعِشْرُونَ جُلُوسٌ بَيْنَ الظِّلِّ وَالشَّمْسِ.
الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: قُعُودٌ وَسْطَ حَلْقَةٍ.
الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: جُلُوسُهُ فِي مَكَانِ غَيْرِهِ.
الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: عَمَلُ دُنْيَا فِي الْمَسْجِدِ.
الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: انْحِنَاءٌ فِي السَّلَامِ.
الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: سِحْرٌ.
السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: تَعْلِيقُ تَمِيمَةٍ وَنَحْوِهَا.
السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: وَشْمٌ وَنَحْوُهُ.
الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: تَوْفِيرُ الشَّارِبِ.
التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: سَفَرُ الْحُرَّةِ بِلَا مَحْرَمٍ.
الثَّلَاثُونَ: عَدَمُ النُّزُولِ عَنْ الدَّابَّةِ.
الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: عَدَمُ تَأْمِيرٍ.
الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: رُكُوبُ نِسَاءٍ عَلَى السَّرْجِ.
الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: تَرْكُ وَلِيمَةٍ.
الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: انْبِطَاحٌ.
الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: نَوْمٌ عَلَى سَطْحٍ غَيْرِ مَحْجُوزٍ عَلَيْهِ وَبَيْتُوتَةٌ مَعَ رِيحِ غَمَرٍ فِي
стр. 1118
فِي يَدِهِ.
السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: كَلْبٌ وَجَرَسٌ فِي السَّفَرِ.
السَّابِعِ وَالثَّلَاثُونَ: سَفَرُ وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ.
الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: أَكْلُ ثُومٍ وَنَحْوِهِ.
التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: تَرْكُ صَلَاةٍ.
الْأَرْبَعُونَ: تَرْكُ وُضُوءٍ.
الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: تَرْكُ غُسْلٍ.
الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: تَرْكُ جَمَاعَةٍ.
الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ: تَرْكُ تَعْدِيلِ أَرْكَانٍ.
الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: تَرْكُ تَسْوِيَةِ صُفُوفٍ.
الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: مُخَالَفَةُ الْإِمَامِ.
السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: تَرْكُ جُمُعَةٍ.
السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: تَرْكُ زَكَاةٍ.
الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ: تَرْكُ صَوْمِ رَمَضَانَ.
التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: تَرْكُ قَضَاءٍ.
الْخَمْسُونَ: تَرْكٌ كَفَّارَةٍ.
الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ: تَرْكُ مَنْذُورٍ.
الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ: تَرْكُ صَدَقَةِ فِطْرٍ.
الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ: تَرْكُ أُضْحِيَّةِ.
الرَّابِعِ وَالْخَمْسُونَ: تَرْكُ حَجٍّ وَتَرْكُ جِهَادٍ.
الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ: اقْتِنَاءُ كَلْبٍ.
السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ: اقْتِنَاءُ امْرَأَةٍ لَا تُصَلِّي.
السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: تَوَسُّدُ كُتُبِ شَرِيعَةٍ.
الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ: إمْسَاكُ مَعَازِفَ.
التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ: رُكُوبُ بَحْرٍ.
السِّتُّونَ: حَبْسُ طَيْرٍ فِي الْقَفَصِ.
الْحَادِي وَالسِّتُّونَ: إقْرَاضُ بَقَّالٍ.
الثَّانِي وَالسِّتُّونَ: اشْتِرَاءٌ مِنْ مُكْرَهٍ.
الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ: تَصَدُّقٌ عَلَى مُسْرِفٍ.
الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ: تَصَدُّقٌ عَلَى سَائِلٍ فِي الْمَسْجِدِ.
الْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ: عَدَمُ رِعَايَةِ مَا فِيهِ كَلِمَةٌ أَوْ حَرْفٌ.
السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ: عِينَةٌ.
السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ: نِسْيَانُ قُرْآنٍ.
الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ: رِبًا.
التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ: احْتِكَارٌ.
السَّبْعُونَ: تَفْرِيقٌ.
الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ: تَلَقِّي جَلْبٍ.
الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ: بَيْعُ حَاضِرٍ لِبَادٍ.
الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ: خِطْبَةٌ عَلَى خِطْبَةٍ.
الرَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ: سَوْمٌ عَلَى سَوْمٍ.
الْخَامِسُ وَالسَّبْعُونَ: مَطْلُ غَنِيٍّ.
السَّادِسُ وَالسَّبْعُونَ: أَخْذُ وَكِيلٍ بِالتَّصَدُّقِ.
السَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ: انْتِفَاعٌ بِبَدَلِ مَا أُخِذَ غَلَطًا.
الثَّامِنُ وَالسَّبْعُونَ: إيقَادُ شُمُوعٍ فِي الْقُبُورِ.
التَّاسِعُ وَالسَّبْعُونَ: رُجُوعٌ فِي الْهِبَةِ.
الثَّمَانُونَ: فِرَارٌ مِنْ الزَّحْفِ) ، ثُمَّ لِنَذْكُرَ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْحَاشِيَةِ هُنَا وَإِنْ حَصَلَ الْغِنَى مِمَّا سَبَقَ.
[قِيَامُ الْقَارِئِ لِغَيْرِ أَبِيهِ وَعَالِمٍ]
وَمِنْ الْآفَاتِ الْغَيْرِ الْمَذْكُورَةِ قِيَامُ الْقَارِئِ لِغَيْرِ أَبِيهِ وَعَالِمٍ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ مِنْ الْمَصَاحِفِ أَوْ يَقْرَأُ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنْ الْأَجِلَّةِ وَالْأَشْرَافِ فَقَامَ الْقَارِئُ لِأَجْلِهِ قَالُوا إنْ دَخَلَ عَلَيْهِ عَالِمٌ أَوْ أَبُوهُ أَوْ أُسْتَاذُهُ الَّذِي عَلَّمَهُ الْعِلْمَ جَازَ أَنْ يَقُومَ لِأَجْلِهِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَمِنْهَا النَّوْمُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَآخِرَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ بِلَا عُذْرٍ، فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَيُسْتَحَبُّ الْقَيْلُولَةُ وَهِيَ نَوْمُ نِصْفِ النَّهَارِ وَمِنْهَا تَرْكُ حَلْقِ الرَّأْسِ وَالْعَانَةِ وَقَصِّ الْأَظْفَارِ وَالشَّارِبِ وَنَتْفِ الْإِبْطِ وَتَأْخِيرٌ إلَى وَرَاءِ الْأَرْبَعِينَ وَالْأَفْضَلُ الْأُسْبُوعُ مِنْ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ وَالْأَحْوَطُ الْأُسْبُوعَانِ وَالْأَرْبَعُونَ وَلَا عُذْرَ فِيمَا وَرَاءَ الْأَرْبَعِينَ وَيَسْتَحِقُّ الْوَعِيدَ كَذَا فِي الْقُنْيَةِ، وَفِيهِ لَا يَنْتِفُ لِأَنْفِهِ، فَإِنَّهُ يُورِثُ الْأَكَلَةَ بَلْ يَقُصُّهُ انْتَهَى.
وَلْنُلْحِقْ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْآفَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ بَعْضًا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ، وَإِنْ ذُكِرَ شَرْحًا أَوْ لَزِمَ مِمَّا ذُكِرَ مَتْنًا اهْتِمَامًا بِشَأْنِ الْمُنْكَرَاتِ وَهِيَ هَذِهِ: الِانْقِطَاعُ عَنْ النِّكَاحِ بِلَا دَاعٍ، تَفْرِيقُ أَهْلِهِ وَمَالِهِ إلَى بِلَادٍ شَتَّى لِتَأَدِّيهِ إلَى تَوَزُّعِ قَلْبِهِ، أَكْلُ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَأَلْبَانِهَا، أَكْلُ لَحْمِ الْجَلَّالَةِ، أُجْرَةُ عَسِيبِ الْفَحْلِ، بَيْعُ بِئْرٍ بِفَلَاةٍ، بَيْعُ فَضْلِ الْمَاءِ عَنْ حَاجَتِهِ، بَيْعُ السِّلَاحِ فِي الْفِتْنَةِ، بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ، بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ بِدُونِ جَرْيِ الصِّيعَانِ، بَيْعُ الْمُصَرَّاةِ، أَكْلُ الطَّعَامِ الْحَارِّ، الْجُلُوسُ عَلَى الْقَبْرِ وَتَجْصِيصُهُ وَالْبِنَاءُ عَلَيْهِ، مَجِيءُ الرَّجُلِ أَهْلَهُ لَيْلًا، قَتْلُ الدَّوَابِّ صَبْرًا الْكِتَابَةُ عَلَى الْقَبْرِ، وَضْعُ إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ، دُخُولُ الْمَاءِ بِلَا شَيْءٍ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، مَسُّ ذَكَرٍ، بِالْيَمِينِ، الْمَشْيُ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ، تَمْشِيطُ الشَّعْرِ وَتَسْرِيحُهُ إلَّا غِبًّا، التَّكَلُّفُ لِلضَّيْفِ فَلَا يُمْسِكُ مَوْجُودًا وَلَا يَتَكَلَّفُ مَفْقُودًا. قَطْعُ الثَّمَرِ وَقَطْعُ الزَّرْعِ بِاللَّيْلِ، الْأَكْلُ مُنْبَطِحًا عَلَى وَجْهِهِ الرُّكُوبُ عَلَى الْجَلَّالَةِ وَشُرْبُ أَلْبَانِهَا، الِاحْتِكَارُ وَالتَّلَقِّي، الْمُسَاوَمَةُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ ذِكْرِ اللَّهِ، اقْتِنَاءُ
стр. 1119
الْخَذَفِ لِلْوَلَدِ، الدَّوَاءُ الْخَبِيثُ بِلَا ضَرُورَةٍ، قَطْعُ رَأْسِ الذَّبِيحَةِ قَبْلَ مَوْتِهَا، الْجُلُوسُ عَلَى جُلُودِ النَّمِرِ، تَغْطِيَةُ الرَّجُلِ فَاهُ بِشَيْءٍ، الِاسْتِيَاكُ بِعُودِ الرَّيْحَانِ وَالرُّمَّانِ، الشُّرْبُ وَالْأَكْلُ قَائِمًا، الشُّرْبُ مِنْ مَاءِ السِّقَاءِ، الشُّرْبُ مِنْ مَحَلِّ كَسْرِ قَدَحٍ، تَشْيِيدُ الْبِنَاءِ وَتَرْفِيعُهُ، الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنْشَادُ الضَّالَّةِ فِيهِ، نِكَاحُ الشِّغَارِ، لُبْسُ الثِّيَابِ الرَّقِيقَةِ وَالْغَلِيظَةِ وَالطَّوِيلَةِ وَالْقَصِيرَةِ فَيَقْتَصِدُ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَى بَادِي الْعَوْرَةِ الصَّلَاةُ بِالسَّرَاوِيلِ فَقَطْ، الضَّحِكُ لِسَمَاعِ ضَرَطٍ، شُرْبُ الْمَاءِ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ، الْعُمْرَةُ قَبْلَ الْحَجِّ، النِّكَاحُ الْمُؤَقَّتُ، الْمُزَايَدَةُ بِأَنْ يُزِيدَ فِي الثَّمَنِ بِلَا رَغْبَةٍ، مُوَاقَعَةُ الزَّوْجَةِ قَبْلَ الْمُلَاعَبَةِ، الرُّكُوبُ عَلَى سَرْجِ دَابَّةٍ عَلَيْهِ وِسَادَةٌ حَمْرَاءُ، النَّذْرُ لِتَحْصِيلِ غَرَضٍ أَوْ دَفْعِ مَكْرُوهٍ، النَّفْخُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، النَّوْمُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، الْحَدِيثُ بَعْدَهَا، الْبَيْتُوتَةُ وَحْدَهُ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ.
الْوَشْمُ فِي الْوَجْهِ، صَوْمُ الْوِصَالِ، إجَابَةُ طَعَامِ الْفَاسِقِينَ، الِاسْتِئْجَارُ بِلَا تَعَيُّنِ الْأُجْرَةِ، افْتِرَاشُ جُلُودِ السِّبَاعِ، خَاتَمُ الْحَدِيدِ، الذَّبْحُ عِنْدَ بِنَاءِ دَارٍ أَوْ شِرَائِهَا أَوْ اسْتِخْرَاجِ عَيْنٍ، الرُّكُوبُ عَلَى جُلُودِ النَّمِرِ، سَبُّ الْأَمْوَاتِ، صَوْمُ يَوْمِ جُمُعَةٍ فَقَطْ، صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ، صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ، إفْرَادُ صَوْمِ يَوْمِ السَّبْتِ وَقِيلَ مَنْسُوخٌ، أَكْلُ ضِيَافَةٍ اُتُّخِذَتْ رِيَاءً وَفَخْرًا قَفِيزُ الطَّحَّانِ، تَرْقِيقُ الْأَسْنَانِ لِإِيهَامِ حَدَاثَةِ السِّنِّ، نَتْفُ الشَّيْبِ.
كَسْبُ الْحَجَّامِ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا، فَإِنَّهُ احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْأُجْرَةَ، كُلُّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِرٍ أَيْ يُورِثُ فُتُورًا وَضَعْفًا، تَعَيُّنُ مَكَانٌ فِي مَسْجِدٍ، التَّبَاهِي فِي الْمَسَاجِدِ، الْمَشْيُ بَيْنَ الْبَعِيرَيْنِ يَقُودُهُمَا، صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فِي الْمَقَابِرِ، لُبْسُ النَّعْلِ قَائِمًا فِيمَا فِي لُبْسِهِ قَائِمًا تَعَبٌ، الْبَوْلُ فِي الْمَاءِ التَّسْمِيَةُ لِشَخْصٍ بِكُلَيْبٍ أَوْ كَلْبٍ، الْمُسَافَرَةُ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ، التَّغَوُّطُ تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ وَضِفَّةِ نَهْرٍ جَارٍ، الْبَوْلُ فِي جُحْرِ الْهَوَامِّ، الْبَوْلُ فِي قُرْبِ الْمَسْجِدِ، الْبَوْلُ فِي الْمُغْتَسَلِ وَقَائِمًا، التَّنَفُّسُ فِي الْإِنَاءِ وَالنَّفْخُ فِيهِ، حَلْقُ الْمَرْأَةِ رَأْسَهَا الْجَمْعُ بَيْنَ اسْمِهِ ﵊ وَكُنْيَتِهِ كَأَبِي الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدٍ، الْمَشْيُ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ قِيلَ وَلَوْ مَحَارِمَ لِئَلَّا يُسَاءَ بِهِ الظَّنُّ الْقِيَامُ عَنْ الطَّعَامِ قَبْلَ رَفْعِ الْمَائِدَةِ، عَقْصُ الرَّجُلِ شَعْرَ رَأْسِهِ فِي الصَّلَاةِ، تَبَعِيَّةُ جِنَازَةٍ مَعَهَا صَائِحَةٌ صِيَاحًا شَدِيدًا، الْمَشْيُ بِخُفٍّ وَاحِدٍ أَوْ نَعْلٍ وَاحِدٍ، تَكَلُّمُ النِّسَاءِ بِلَا إذْنِ أَزْوَاجِهِنَّ، إلْقَاءُ النَّوَى عَلَى الطَّبَقِ الَّذِي يُؤْكَلُ مِنْهُ الرُّطَبُ أَوْ التَّمْرُ التَّمَطِّي عِنْدَ نِسَاءٍ إلَّا عِنْدَ امْرَأَتِهِ أَوْ جَوَارِيهِ، التَّنَفُّسُ وَالنَّفْخُ فِي الْكِتَابِ، تَفْتِيشُ نَحْوِ دُودٍ فِي التَّمْرِ، مُصَافَحَةُ الْمُشْرِكِينَ وَكِنَايَتُهُمْ وَتَرَجِّيهِمْ، سَتْرُ الْجِدَارِ بِحَرِيرٍ تَحْرِيمًا وَبِغَيْرِهِ تَنْزِيهًا، الْإِذْنُ بِالدُّخُولِ لِمَنْ لَمْ يَبْدَأْ بِالسَّلَامِ، الْأَكْلُ بِالشِّمَالِ، الِاخْتِلَافُ فِي الْأَهْوَاءِ وَالْمَذْهَبِ، السَّلَامُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتِّخَاذُ طَرِيقٍ فِي الْمَسَاجِدِ إلَّا لِذِكْرٍ وَاعْتِكَافٍ، اتِّخَاذُ ضَيْعَةٍ دَاعِيَةٍ فِي رَغْبَةِ الدُّنْيَا، اتِّخَاذُ الْبُيُوتِ قُبُورًا بِأَنْ لَا يَذْكُرَ وَلَا يُصَلِّي فِيهَا تَرْكُ إطْفَاءِ النَّارِ حِينَ النَّوْمِ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ، الْمُجَالَسَةُ مَعَ أَهْلِ الْغَدْرِ وَابْتِدَاءُ السَّلَامِ لَهُمْ، إدَامَةُ النَّظَرِ إلَى الْمَجْذُومِ، إبْقَاءُ جَرَسٍ فِي بَيْتٍ، تَرْكُ تَهَجُّدِ لَيْلٍ وَلَوْ مِقْدَارَ حَلْبِ شَاةٍ، دَفْنُ مَيِّتٍ فِي لَيْلٍ بِلَا ضَرُورَةٍ، ذَبْحُ شَاةٍ ذَاتِ لَبَنٍ ذِكْرُ الْمَوْتَى بِغَيْرِ خَيْرٍ وَسَبِّهِمْ، تَزَوُّجُ الْعَجَائِزِ وَالْعَوَاقِرِ، سُؤَالُ النَّاسِ شَيْئًا وَلَوْ مُنَاوَلَةَ سَوْطٍ فَتَنْزِلُ عَنْ دَابَّتِك فَتَأْخُذُهُ، السُّؤَالُ عَنْ عِلَّةِ ضَرْبِ زَوْجَتِهِ، سَبُّ السَّلَاطِينِ، تَرْكُ الدُّعَاءِ بِصَلَاحِهِمْ فَإِنَّ صَلَاحَهُمْ صَلَاحٌ لِلْعَالَمِ، سَبُّ الدَّهْرِ، سَبُّ الْحُمَّى، اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ، السُّكْنَى فِي الْقُرَى الْبَعِيدَةِ عَنْ النَّاسِ، التَّسْلِيمُ بِإِشَارَةِ الْكُفُوفِ وَالْحَوَاجِبِ، إشْغَالُ الْقَلْبِ بِالدُّنْيَا، شَمُّ الطَّعَامِ، صُحْبَةُ الْأَشْرَارِ، إطْعَامُ غَيْرِ تَقِيٍّ، مُصَاحَبَةُ مَنْ لَا يَرَى لَك فَضْلًا كَمِثْلِ مَا تَرَى لَهُ، صَوْمُ الْمَرْأَةِ بِلَا إذْنِ زَوْجِهَا، إطْعَامُ الْمَسَاكِينِ مِمَّا لَا يَأْكُلُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ إلَّا الطَّيِّبَ، إظْهَارُ الشَّمَاتَةِ لِأَحَدٍ فَإِنَّهُ تَعَالَى يُعَافِيهِ وَيَبْتَلِي الْمُظْهِرَ، غِبْطَةُ نِعْمَةِ الْفَاجِرِ، قَصٌّ لِغَيْرِ عَالِمٍ أَوْ نَاصِحٍ، إكْرَاهُ الْمَرْضَى عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، التَّكَلُّفُ لِطَعَامِ الضَّيْفِ؛ لِأَنَّهُ دَاعٍ إلَى الْإِعْرَاضِ بَلْ إحْضَارُ مَا سَهُلَ، الْمُمَازَحَةُ بِمَا يَتَأَذَّى مِنْهُ، مَنْعُ الرَّعْيِ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ، الصَّلَاةُ عِنْدَ حُضُورِ الطَّعَامِ هَذَا كُلُّهُ مَضْمُونُ أَحَادِيثَ مِنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُحْتَرَزَ مِنْهُ أَيْضًا أَكْلُ طَعَامِ السُّوقِ، مُجَالَسَةُ مِكْثَارِ الْكَلَامِ فَإِنَّهُ سَارِقُ الْعُمْرِ، النَّظَرُ إلَى الْمَصْلُوبِ، قِرَاءَةُ أَلْوَاحِ الْقُبُورِ، الْمُرُورُ بَيْنَ قِطَارِ الْجِمَالِ، إلْقَاءُ الْقَمْلِ حَيًّا، الْحِجَامَةُ عَلَى نَقْرَةِ الْقَفَا
стр. 1120
الْمُوَاصَلَةُ بِالسُّلْطَانِ وَأَوْلِيَائِهِ، كَثْرَةُ الْخُرُوجِ إلَى الْأَسْوَاقِ، الضَّحِكُ بَيْنَ الْعَامَّةِ، التَّكَلُّمُ مَعَ الْمُرَاهِقِينَ، الشُّرْبُ مِنْ أَيْدِي السَّقَّائِينَ، الْقُعُودُ عَلَى الْحَوَانِيتِ، كَثْرَةُ الْكَلَامِ مَعَ زَوْجَتِهِ فِي الْفِرَاشِ، الْجَمْعُ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ، اسْتِخْفَافُ النَّاسِ وَكَثْرَةُ مُعَاشَرَتِهِمْ، الْعَجَلَةُ فِي الْأُمُورِ، النِّدَاءُ مِنْ خَلْفِ أَحَدٍ، الِاطْمِئْنَانُ بِمَتَاعِ الدُّنْيَا، مُجَالَسَةُ أَهْلِ الْهَوَى بِلَا قَصْدِ إرْشَادٍ، إظْهَارُ أَسْرَارِ النَّاسِ، إظْهَارُ الِافْتِقَارِ إلَى النَّاسِ، الِالْتِفَاتُ يَمِينًا وَشِمَالًا عِنْدَ الْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ، تَحْقِيرُ مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالْعِظَةِ وَالنُّصْحِ هَذِهِ نُبْذَةٌ مِنْ نَصَائِحِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلْإِمَامِ الثَّانِي إلَّا قَلِيلًا.
(هَذَا) أَيْ مِنْ أَوَّلِ بَحْثِ التَّقْوَى إلَى هُنَا (تَمَامُ الْقَوْلِ) مِنَّا (فِي التَّقْوَى) بِالْمَعْنَى الْوَسَطِيِّ (فَعَلَيْك) أَيُّهَا السَّالِكُ (بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ) أَعْنِي (تَصْحِيحَ الِاعْتِقَادِ، وَعِلْمَ الْحَالِ وَالتَّقْوَى، فَإِنَّهَا) هَذِهِ الثَّلَاثَةُ (جَامِعَةٌ) لِكُلِّ مَا لَزِمَ عَلَى السَّالِكِ (وَكَافِيَةٌ فِي النَّجَاةِ) تَفَضُّلًا أَوْ عَادِيًا (مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ وَغَضَبِهِ وَسُخْطِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْقَبْرِ وَمَا بَعْدَهُ و) كَافِيَةٌ (فِي الْفَوْزِ بِرِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَمَحَبَّتِهِ وَدُخُولِ جَنَّتِهِ وَغَيْرُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مِنْ الطَّاعَاتِ إنَّمَا يُعْتَدُّ بِهِ) عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى (بَعْدَهَا) بَعْدَ وُجُودِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ (وَ) يُعْتَدُّ (فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ فَقَطْ) دُونَ النَّجَاةِ وَالْفَوْزِ (ثُمَّ إنَّ تَصْحِيحَ الِاعْتِقَادِ دَاخِلٌ فِي عِلْمِ الْحَالِ كَمَا بَيَّنَّا فِي فَصْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ) أَيْ عِلْمُ الْحَالِ (دَاخِلٌ فِي التَّقْوَى؛ لِأَنَّهُ) أَيْ عِلْمَ الْحَالِ (فَرْضُ عَيْنٍ فَتَرْكُهُ حَرَامٌ تَجِبُ الصِّيَانَةُ عَنْهُ فِي تَحْقِيقِ التَّقْوَى) لَا يَخْفَى أَنَّ وُجُوبَ تِلْكَ الصِّيَانَةِ فِي الْفَتْوَى لَا التَّقْوَى فَتَدَبَّرْ.
(فَآلَ الْأَمْرُ) أَيْ رَجَعَ (إلَى التَّقْوَى وَحْدَهَا فَهِيَ الْكَافِيَةُ الْوَافِيَةُ بِلَا انْضِمَامِ شَيْءٍ آخَرَ إلَيْهَا) كَيْفَ وَلَمْ يَكُنْ فِي الشَّرْعِيَّاتِ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْهَا (فَلِذَا كَثُرَ جِدًّا الْأَمْرُ وَالْوَصِيَّةُ بِهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ حَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَفِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ) كَمَا سَبَقَ بَعْضُهَا مَتْنًا وَشَرْحًا (وَسُنَّ ذِكْرُهَا مَرَّتَيْنِ فِي الْخُطْبَةِ عِنْدَنَا) يَلْزَمُ الْإِسَاءَةُ مِنْ تَرْكِهَا (وَفَرْضٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ) فَالْمُتَوَرِّعُ لَا يَتْرُكُهُمَا كَمُعَامَلَةِ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي الِاتِّفَاقِ (وَكَانَ) لِلِاسْتِمْرَارِ (اهْتِمَامُ السَّلَفِ وَاجْتِهَادُهُمْ فِيهَا خُصُوصًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ) دَمًا أَوْ مَالًا أَوْ عِرْضًا؛ لِأَنَّهُمْ مُحْتَاجُونَ، بِخِلَافِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهَا عَلَى الْمُسَامَحَةِ (وَالْبَهَائِمِ) وَطْئًا أَوْ قَتْلًا أَوْ ضَرْبًا بِلَا عُذْرٍ أَوْ ضَرْبَ وَجْهٍ مُطْلَقًا وَالرُّكُوبَ وَالْحَمْلَ فَوْقَ الطَّاقَةِ وَعَدَمَ إعْطَاءِ عَلَفِهَا وَمَائِهَا وَمِنْ جُمْلَةِ اهْتِمَامِ السَّلَفِ مَا رُوِيَ (عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى عَمَّانَ) بَلَدٌ فِي دِيَارِ الْيَمَنِ أَوْ فِي دِيَارِ الشَّامِ الْأَوَّلُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالثَّانِي بِفَتْحِهَا (فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ إذْ سَقَطَ سَوْطُهُ فَنَزَلَ عَنْ الدَّابَّةِ فَرَبَطَهَا) فِي مَوْضِعِهَا (وَذَهَبَ رَاجِلًا) إلَى مَكَانِ السَّوْطِ (وَأَخَذَ السَّوْطَ
стр. 1121
فَرَجَعَ فَقِيلَ لَهُ لَوْ حَوَّلَتْ رَأْسَ دَابَّتِكَ) مَا يَلْزَمُ شَيْءٌ (فَقَالَ) إبْرَاهِيمُ (إنَّمَا اسْتَأْجَرْتُهَا لِأَذْهَبَ وَلَمْ اسْتَأْجِرْهَا لِأَرْجِعَ) وَمِثْلُ هَذَا وَإِنْ كَانَ مُرَخَّصًا فِي الْعَادَةِ وَجَائِزًا فِي الْفَتْوَى لَكِنْ لِكَمَالِ وَرَعِهِ وَاهْتِمَامِهِ احْتَاطَ وَنَزَلَ فَهَذَا عَمَلٌ بِالتَّقْوَى.
(وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ) لَعَلَّهُ مِنْ التَّابِعِينَ (وَعَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ كَانَ فِي الشَّامِ يَكْتُبُ الْحَدِيثَ فَانْكَسَرَ قَلَمُهُ فَاسْتَعَارَ قَلَمًا فَلَمَّا فَرَغَ نَسِيَ الْقَلَمَ وَجَعَلَهُ فِي مِقْلَمَتِهِ فَلَمَّا رَجَعَ إلَى مَرْوَ رَأَى الْقَلَمَ وَعَرَفَ (أَنَّهُ عَارِيَّةٌ) فَتَجَهَّزَ بِالْخُرُوجِ إلَى الشَّامِ لِيَرُدَّ الْقَلَمَ) مَعَ خِفَّةِ ثَمَنِهِ وَقِلَّةِ أَمْرِهِ تَحَرُّزًا عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ وَاحْتِيَاطًا فِي أَمْرِ دِينِهِ عَنْ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الشَّامِ وَمَرْوَ مَسِيرَةُ شَهْرٍ أَوْ أَكْثَرَ وَعَدَمُ إرْسَالِهِ بِالْغَيْرِ إمَّا لِعَدَمِ وُجُودِهِ أَوْ لِعَدَمِ وَثَاقَتِهِ، ثُمَّ قَوْلُهُ فَتَجَهَّزَ إمَّا كِنَايَةٌ عَنْ الْخُرُوجِ وَالْمُسَافَرَةِ أَوْ التَّأَخُّرِ عَنْ الْخُرُوجِ لِمَانِعٍ.
ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُمَثِّلَ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْبَهَائِمِ فَقَالَ (وَعَنْ أَبِي يَزِيدَ الْبِسْطَامِيِّ ﵀ أَنَّهُ اشْتَرَى بِهَمَذَانَ حَبَّ الْقُرْطُمِ) ثَمَرُ شَجَرِ الْعُصْفُرِ (فَفَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَحَمَلَهُ مَعَهُ فَلَمَّا رَجَعَ إلَى بِسْطَامٍ رَأَى فِيهِ نَمْلَتَيْنِ فَرَجَعَ) مِنْ بِسْطَامٍ (إلَى هَمَذَانَ) لِأَجْلِ النَّمْلَتَيْنِ مَرْحَمَةً لَهُمَا وَشَفَقَةً بِهِمَا وَخَوْفًا مِنْ احْتِمَالِ ظُلْمِهِمَا بِتَفْرِيقِهِمَا مِنْ رُفَقَائِهِمَا وَمَكَانِهِمَا وَبَيْنَ هَمَذَانَ وَبِسْطَامَ مُدَّةُ أُسْبُوعٍ (وَوَضَعَ النَّمْلَتَيْنِ) مَكَانَهُمَا. (وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ غَسَلَ ثَوْبَهُ فِي الصَّحْرَاءِ مَعَ صَاحِبٍ لَهُ فَقَالَ صَاحِبُهُ نُعَلِّقُ الثِّيَابَ مِنْ جُدَرَانِ الْكُرُومِ) أَشْجَارُ الْعِنَبِ (فَقَالَ لَا نَغْرِزُ الْوَتَدَ فِي جِدَارِ النَّاسِ فَقَالَ) الصَّاحِبُ (نُعَلِّقُهُ مِنْ الشَّجَرِ فَقَالَ) الشَّيْخُ (لَا) نَفْعَلُ (لِأَنَّهُ يَكْسِرُ الْأَغْصَانَ) فَيَتَضَرَّرُ صَاحِبُهَا (فَقَالَ نَبْسُطُهُ عَلَى الْإِذْخِرِ) نَبْتٌ مَعْرُوفٌ (فَقَالَ لَا؛ لِأَنَّهُ عَلَفُ الدَّوَابِّ لَا نَسْتُرُهُ عَنْهَا) عَنْ الدَّوَابِّ لِئَلَّا يَتَرَتَّبَ عَلَيْنَا حَقُّهَا (فَوَلَّى) الشَّيْخُ (ظَهْرَهُ إلَى الشَّمْسِ حَتَّى جَفَّ جَانِبُهُ) الَّذِي يَلِيهَا (ثُمَّ قَلَبَهُ حَتَّى جَفَّ الْجَانِبُ الْآخَرُ) فَجَعَلَ نَفْسَهُ وِقَايَةً بَيْنَ حَقِّ الْآدَمِيِّ وَحَقِّ الْبَهِيمَةِ
فَهُوَ مِنْ كَمَالِ التَّوَرُّعِ وَلِزِيَادَةِ اهْتِمَامٍ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ وَالْحَيَوَانِ (وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ كَانَ لَا يَجْلِسُ فِي ظِلِّ شَجَرَةِ غَرِيمِهِ) أَيْ مَدْيُونِهِ لِئَلَّا يَنْتَفِعَ مِنْهُ (وَيَقُولُ فِي الْخَبَرِ «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا» إلَى الْمُقْرِضِ «فَهُوَ رِبًا» ، فَإِنَّ الِاسْتِظْلَالَ مِنْ قَبِيلِ جَرِّ النَّفْعِ.
لَا يَخْفَى أَنَّ كَوْنَ ذَلِكَ رِبًا عِنْدَ كَوْنِ النَّفْعِ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ فِي الْفَتْوَى فَاحْتِرَازُهُ عَنْهُ بِلَا اشْتِرَاطِ طَرِيقِ التَّقْوَى وَالْحَدِيثُ بِلَفْظِ «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا» فِي الْجَامِعِ عَلَى تَخْرِيجِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ شَارِحُهُ عَنْ السَّخَاوِيِّ إنَّ إسْنَادَهُ سَاقِطٌ، وَعَنْ الذَّهَبِيِّ مَتْرُوكٌ لَكِنْ قِيلَ إنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَكِنْ اعْتَضَدَ بِمَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ كَانُوا يَكْرَهُونَ كُلَّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً
стр. 1122
وَلِذَا عَمِلَ بِهِ إمَامُنَا وَعُلَمَاؤُنَا انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ فِيمَا رَوَى الِاتِّفَاقَ عَنْهُمْ حُجَّةٌ مُطْلَقًا وَأَنَّ الْخَبَرَ الضَّعِيفَ يُعْمَلُ بِهِ إنْ فِي احْتِيَاطِ عَمَلٍ كَمَا فِي بَابِ الْفَضَائِلِ مُطْلَقًا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ ﵀ أَنَّهُ كَانَ يَدُقُّ بَابَ دَارِ غَرِيمِهِ فَيَرْجِعُ الْقَهْقَرَى إلَى الشَّمْسِ وَلَا يَمْكُثُ فِي ظِلِّهِ وَيَقُولُ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا فَهُوَ رِبًا» وَرُوِيَ أَنَّهُ بَيْنَمَا يَمُرُّ فِي السُّوقِ أَصَابَ مِنْ قَدِمَهُ أَذًى إلَى جِدَارِ كَافِرٍ فَتَفَكَّرَ فِي إزَالَتِهِ فَلَمْ يَجِدْ وَجْهًا مَعْقُولًا لَهَا بِلَا ضَرَرٍ فَدَقَّ الْبَابَ فَخَرَجَ صَاحِبُهُ فَقَالَ صَدَرَ مِنِّي ذَلِكَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ طَرِيقِ خَلَاصِهِ وَتَطْهِيرِهِ فَهَدَاهُ اللَّهُ لَهُ فَأَسْلَمَ وَحُكِيَ أَنَّ أَبَا أَبِي حَنِيفَةَ عِنْدَ وُضُوئِهِ مِنْ نَهْرٍ أَخَذَ تُفَّاحَةً مِنْ النَّهْرِ فَلَمَّا أَكَلَ نِصْفَهَا بِلَا رَوِيَّةٍ خَطَرَ لَهُ أَنَّهَا مِلْكٌ لِلْغَيْرِ فَتَفَحَّصَ عَنْ صَاحِبِهَا فَاسْتَحَلَّهُ فَتَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ، فَامْتَنَعَ مِنْ الْحِلِّ امْتِحَانًا، فَقَالَ أُعْطِي قِيمَتَهَا، فَامْتَنَعَ إلَى أَنْ قَالَ إنَّ لِي بِنْتًا مَفْلُوجَةَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ عَمْيَاءَ الْعَيْنَيْنِ صَمَّاءَ الْأُذُنَيْنِ سَاكِنَةً فِي بِئْرٍ أَبَدًا فَقَالَ الصَّاحِبُ اقْبَلْهَا وَأَنَا أُحِلُّ التُّفَّاحَةَ فَتَزَوَّجَ هَذِهِ، فَإِذَا هِيَ تَامَّةُ الْأَعْضَاءِ فَسُئِلَ مِنْهَا قَالَتْ يُرِيدُ أَبِي كَأَنَّهُ لَا يَصْدُرُ مِنْ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ عِصْيَانٌ وَلَا تَخْرُجُ مِنْ الْبَيْتِ أَصْلًا، ثُمَّ وُلِدَ الْإِمَامُ فَأَرْسَلَ إلَى الْمُعَلِّمِ عِنْدَ بُلُوغِهِ أَرْبَعَ سِنِينَ فَبَشَّرَ أَبَاهُ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ بِأَنَّهُ قَرَأَ نِصْفَ الْقُرْآنِ فَقَالَ لَوْ لَمْ يَكُنْ نِصْفُ تِلْكَ التُّفَّاحَةِ لَخَتَمَ ابْنِي فِي هَذَا الْيَوْمِ الْوَاحِدِ (وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ فَأَعْطَاهُ رَجُلٌ مَكْتُوبًا) مَفْعُولًا ثَانٍ (لِيُوَصِّلَهُ إلَى رَجُلٍ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَقَالَ سَوْفَ أَسْتَأْذِنُ الْمُكَارِيَ، فَإِنْ أَذِنَ أَحْمِلُهُ) هَذَا مِنْ قَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ (فَانْظُرْ) وَتَأَمَّلْ وَاعْتَبِرْ أَيُّهَا السَّالِكُ (إلَى دِقَّةِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ) فِي الدِّينِ وَاهْتِمَامِهِمْ فِي الِاجْتِنَابِ عَنْ الْآثَامِ (وَمُسَاهَلَةِ أَكْثَرِ مَشَايِخِ هَذَا الزَّمَانِ) الْأَظْهَرُ مُتَشَيِّخِي هَذَا الزَّمَانِ (حَتَّى لَا تَغْتَرَّ بِزِيِّهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ) .
قَالَ فِي الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ، ثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ انْقَرَضَ أَكْثَرُهُمْ وَلَمْ يَبْقَ فِي زَمَانِنَا هَذَا مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إلَّا أَثَرُهُمْ، أَمَّا الْخِيَامُ فَإِنَّهَا كَخِيَامِهِمْ حَصَلَتْ الْفَتْرَةُ فِي الطَّرِيقِ لَا بَلْ انْدَرَسَتْ الطَّرِيقَةُ فِي الْحَقِيقَةِ. مَضَى الشُّيُوخُ الَّذِينَ لَهُمْ اهْتِدَاءٌ وَقَلَّ الشَّبَابُ الَّذِينَ لَهُمْ بِسِيرَتِهِمْ وَبِسُنَّتِهِمْ اقْتِدَاءٌ. زَالَ الْوَرَعُ وَطَوَى بِسَاطَهُ وَاشْتَدَّ الطَّمَعُ وَقَوِيَ رِبَاطُهُ وَارْتَحَلَ عَنْ الْقُلُوبِ حُرْمَةُ الشَّرِيعَةِ فَعَدُّوا قِلَّةَ الْمُبَالَاةِ بِالدِّينِ أَوْثَقَ ذَرِيعَةٍ إلَى آخِرِ مَا قَالَ، وَقَالَ فِي الْفَوَائِحِ فِي ذَمِّ مَشَايِخِ الزَّمَانِ إنَّهُمْ يَحْرِصُونَ عَلَى حُبِّ الْجَاهِ وَكَثْرَةِ الْمُرِيدِينَ فَلَا وَاَللَّهِ بَلْ سُنَّةُ اللَّهِ أَنْ تَظْهَرَ آثَارُ الشَّقَاوَةِ عَلَى مُرِيدِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَعَلَيْهِمْ وَعَلَى مُرِيدِهِمْ فِي الْآخِرَةِ
[الْبَابُ الثَّالِثُ خَاتِمَةُ أَبْوَابِ الْكِتَابِ فِي أُمُورٍ يُظَنُّ أَنَّهَا مِنْ التَّقْوَى وَالْوَرَعِ]
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ الدِّقَّة فِي أَمَرَ الطَّهَارَة وَالنَّجَاسَة]
[النَّوْع الْأَوَّل مِنْ الدِّقَّةُ فِي الطَّهَارَة وَالنَّجَاسَة أَنَّهَا بِدْعَة لَمْ تصدر عَنْ النَّبِيّ وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَهُوَ صِنْفَانِ]
(الْبَابُ الثَّالِثُ)
خَاتِمَةُ أَبْوَابِ الْكِتَابِ (فِي أُمُورٍ يُظَنُّ أَنَّهَا مِنْ التَّقْوَى وَالْوَرَعِ بِسَبَبِ نَوْعِ مُنَاسَبَةٍ وَمُشَابَهَةٍ لَهَا وَإِكْبَابِ بَعْضِ) إصْرَارِ (الزُّهَّادِ فِي زَمَانِنَا عَلَيْهَا وَلَيْسَتْ مِنْهُمَا) مِنْ التَّقْوَى وَالْوَرَعِ (فِي شَيْءٍ بَلْ هِيَ) أَيْ تِلْكَ الْأُمُورُ (بِدَعٌ حَدَثَتْ بَعْدَ) انْقِرَاضِ (الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَمَعْدُودَةٌ مِنْ الْوَسْوَسَةِ وَالْوَرَعِ الْبَارِدِ) الَّذِي يُعَزَّرُ فَاعِلُهُ (وَتِلْكَ كَثِيرَةٌ وَلَكِنَّ أَعْظَمَهَا ثَلَاثَةٌ نُبَيِّنُ كُلًّا فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) فِي الدِّقَّةِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ فَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ -: اعْلَمْ
стр. 1123
أَنَّ مُرَادَنَا بِالدِّقَّةِ فِيهِمَا) فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ (كَثْرَةُ صَبِّ الْمَاءِ) وَالْمُبَالَغَةُ فِي صَبِّهِ (وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ) الْمَشْرُوعِ (فِي عَدَدِ الْغَسْلِ) كَأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ (وَالْعَصْرِ) فِيمَا يَطْهُرُ بِالْعَصْرِ كَالتَّثْلِيثِ (فِي طَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ) النَّجَاسَاتِ الْحُكْمِيَّةِ (وَالْأَخْبَاثِ) النَّجَاسَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ مُغَلَّظَةً أَوْ مُخَفَّفَةً (وَغَسْلِ الْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ) بِمُجَرَّدِ وَهْمِ النَّجَاسَةِ وَالْوَسْوَسَةِ بِلَا عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ بِخِلَافِ غَسْلِ الطَّاهِرِ لِلْوَسَخِ وَالدَّنَسِ وَالنَّظَافَةِ (وَعَدِّ الْمَاءِ الطَّاهِرِ) فِي نَفْسِهِ إمَّا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ فِي الْأَشْيَاءِ، وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ طَهَارَتَهُ يَقِينًا وَيُوهِمُ طُرُوُّ النَّجَاسَةِ بِلَا دَلِيلٍ (نَجِسًا) بِكَسْرِ الْجِيمِ فَإِنَّهُ بِالْكَسْرِ الشَّيْءُ الَّذِي يَتَنَجَّسُ وَبِالْفَتْحِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ (وَ) أَيْضًا (الِاحْتِرَازُ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ) أَيْ الْمَاءِ الطَّاهِرِ فِي شَيْءٍ مَا (وَإِصَابَتِهِ) لِشَيْءٍ كَبَدَنِهِ وَثَوْبِهِ (بِمُجَرَّدِ الْوَهْمِ) وَالْوَسْوَسَةِ بِلَا ظَنٍّ بِدَلِيلٍ وَقَرِينَةٍ اعْلَمْ أَنَّ الْوَهْمَ رُجْحَانُ جِهَةِ الْخَطَأِ، وَالظَّنُّ رُجْحَانُ جِهَةِ الصَّوَابِ، وَالشَّكُّ تَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ.
وَأَمَّا أَكْبَرُ الرَّأْيِ، وَغَالِبُ الظَّنِّ فَهُوَ الطَّرَفُ الرَّاجِحُ إذَا أَخَذَ بِهِ الْقَلْبُ، وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالظَّنُّ مِنْ قَبِيلِ الشَّكِّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ (وَتَرْكُ بَعْضِ الْمُهِمَّاتِ الدِّينِيَّةِ) وُجُوبًا أَوْ نَدَبًا (بِسَبَبِ الِاشْتِغَالِ بِهَا) بِالْوَسَاوِسِ وَهُوَ الْأَوْلَى، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِهِمَا وَفَسَّرَ بِأَمْرِ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ (كَالتِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ وَالْفِكْرِ) فِي عَجَائِبِ مَصْنُوعَاتِهِ وَغَرَائِبِ مُكَوِّنَاتِهِ وَآلَائِهِ تَعَالَى تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللَّهِ وَقَدْ سَبَقَ التَّفْصِيلُ فَمَنْ فَسَّرَ بِالتَّفَكُّرِ فِي آلَائِهِ لَمْ يُصِبْ (وَالتَّذْكِيرِ) وَالْعِظَةِ ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُوَسِّعَ بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّدْرِيسِ (بَلْ الْجَمَاعَةُ) وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهَا وَاجِبَةٌ أَوْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ أَوْ فَرِيضَةٌ (وَالصَّلَاةُ) رَاتِبَةً أَوْ نَفْلًا كَالضُّحَى وَالتَّهَجُّدِ (وَفِعْلُ بَعْضِ الْمَكْرُوهَاتِ) بَلْ الْمَنْهِيَّاتِ (كَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إلَى الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ) كَمَا فِي الْعَصْرِ؛ لِأَنَّهُ لِاشْتِغَالِهِ بِالتَّطَهُّرِ عَلَى حُكْمِ تِلْكَ الْوَسْوَسَةِ يَمْضِي الْوَقْتُ الْمُسْتَحَبُّ (وَتَعْيِينِ إنَاءٍ لِلْوُضُوءِ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ إنَاءِ غَيْرِهِ، وَلَا غَيْرُهُ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْغَيْرَ عَنْ إنَائِهِ وَهُمَا مِنْ التَّجْنِيسِ (وَ) تَعْيِينِ (سَجَّادَةٍ لَا يُصَلِّي عَلَى غَيْرِهَا، وَلَا غَيْرُهُ عَلَيْهَا) مَعَ أَنَّهُمَا مَكْرُوهَانِ فِي الشَّرْعِ يَظُنُّ أَنَّ فِي ذَلِكَ احْتِيَاطًا مَعَ أَنَّهُ وَرَعٌ بَارِدٌ.
[الصِّنْفُ الْأَوَّلُ فِيمَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ]
(وَالسُّؤَالُ عَنْ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَالْإِنَاءِ وَالْمَكَانِ وَالْبِسَاطِ وَاللِّبَاسِ بِلَا أَمَارَةٍ ظَاهِرَةٍ) دَالَّةٍ (عَلَى نَجَاسَتِهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ) مِمَّا لَا يَلْزَمُ فِيهِ التَّعَمُّقُ وَالتَّوَغُّلُ مِثْلُ السُّؤَالِ عَنْ حِلِّ الطَّعَامِ وَحُرْمَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَمَارَةٍ دَالَّةٍ عَلَيْهِمَا (فَلَا بُدَّ لَنَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ النَّوْعُ الْأَوَّلُ فِي كَوْنِ الدِّقَّةِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ وَالتَّفْتِيشِ وَالتَّعَمُّقِ فِيهِ بِدْعَةً) الظَّاهِرُ فِي الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّهَا (لَمْ تَصْدُرْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِينَ) مِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَقَدْ عَرَفْت فِيمَا قَبْلَ هَذَا مَعْنَى السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي عُرْفِهِمْ فَإِنْ قِيلَ إنَّ مَا ذُكِرَ خَارِجٌ عَنْ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ وَالْإِجْمَاعِ، وَالْمَفْهُومُ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ مَا صَدَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ حُجَّةٌ قُلْنَا: إنْ بِاتِّفَاقِهِمْ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَدَاخِلٌ فِي الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ بِاخْتِلَافٍ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ الْخِلَافُ فَقَدْ يَصْلُحُ حُجَّةً، وَالتَّفْصِيلُ فِي الْأُصُولِ فِي مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ فِي بَحْثِ السُّنَّةِ وَقَدْ قَرَّرَ أَيْضًا فِي عِلْمِ الْمِيزَانِ أَنَّ الْمُطَالِبَ الظَّنِّيَّةَ قَدْ تُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَالْعُلَمَاءِ وَسَائِرِ مَنْ يَحْسُنُ الظَّنُّ بِهِ (وَأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى سَعَةٍ وَرُخْصَةٍ وَفَتْوَى بِهِمَا) الْأَوْلَى بِهَا؛ إذْ الرُّخْصَةُ بِمَعْنَى السَّعَةِ (فِيهِ) أَيْ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلَى الرُّخْصَةِ وَالْفَتْوَى لَا الْعَزِيمَةِ وَالتَّقْوَى فَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ صُدُورُ الرُّخْصَةِ مِنْهُمْ لَيْسَ إلَّا أَحْيَانًا أَوْ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَإِلَّا فَالْعَمَلُ بِالْأَوْلَى وَالِاحْتِيَاطِ لَيْسَ إلَّا طَرِيقُ الْوَرَعِ فَإِنْ قِيلَ عَنْ حَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُفْعَلَ رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ الْعَبْدُ
стр. 1124
رُخْصَةَ رَبِّهِ» وَلَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ هُوَ الِاسْتِمْرَارُ قُلْنَا نَعَمْ لَكِنْ قَالَ شَارِحُهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ سِيَّمَا الْعَالِمُ يُقْتَدَى بِهِ
وَتَرْكُ التَّيَمُّمِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لَيْسَ بِحَسَنٍ لِإِفْضَائِهِ إلَى الضَّرَرِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَحْمَدَ وَالْبَيْهَقِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ «إنَّ اللَّه يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» إذْ الْكُلُّ فِي مَحَلِّهِ؛ إذْ الْوُضُوءُ لَيْسَ أَوْلَى مِنْ التَّيَمُّمِ فِي مَحَلِّهِ، وَلَا الْإِتْمَامُ أَوْلَى مِنْ الْقَصْرِ فَيُطْلَبُ فِعْلُ الرُّخَصِ فِي مَوَاضِعِهَا وَالْعَزَائِمِ كَذَلِكَ فَإِنْ تَعَارَضَا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ رَاعَى الْأَفْضَلَ كَذَا فِي الْفَيْضِ أَيْضًا (بَلْ) كَانُوا (عَلَى مَنْعِ التَّوَغُّلِ فِيهِ) فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ (وَهُوَ) أَيْ النَّوْعُ الْأَوَّلُ (صِنْفَانِ الصِّنْفُ الْأَوَّلُ فِيمَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصِّنْفَ الْأَوَّلَ فِي إثْبَاتِ التَّحْقِيقِيِّ بِالْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ لِكَوْنِ الدِّقَّةِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ مَذْمُومَةً، وَالثَّانِي فِي الْإِثْبَاتِ التَّقْلِيدِيِّ لَهُ بِفَتْوَى مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي (وَخَيْرُ الْقُرُونِ) وَهُمْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ
(د عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الْخُدْرِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «بَيْنَا» أَيْ بَيْنَ وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ «رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ فِي نَعْلَيْهِ؛ إذْ خَلَعَهُمَا» مِنْ رِجْلَيْهِ «فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَصْحَابُهُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ» قِيلَ مَحْمُولٌ عَلَى الْخَلْعِ بِعَمَلٍ يَسِيرٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلصَّلَاةِ أَوْ عَلَى كَوْنِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ غَيْرَ مُفْسِدٍ لِلصَّلَاةِ فِي أَوَائِلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ «فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى خَلْعِ نِعَالِكُمْ» لَعَلَّ أَنَّهُ يَعْلَمُ وَجْهَ الْخَلْعِ لَكِنَّهُ سَأَلَ تَمْهِيدًا لِمَنْ يُجِيبُهُ «قَالُوا رَأَيْنَاك خَلَعْت فَخَلَعْنَا» ؛ لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالتَّبَعِيَّةِ لَهُ ﵊.
وَأَمَّا احْتِمَالُ الْخَوَاصِّ وَالزَّلَّةِ فَبَعِيدٌ وَخِلَافُ سِيرَتِهِ ﵊ وَإِنَّمَا لَمْ يَحْمِلُوا عَلَى إصَابَةِ النَّجَسِ لِعِلْمِهِمْ اهْتِمَامَهُ فِي الِاحْتِرَازِ عَنْ مِثْلِهِ وَسِيَّمَا عِنْدَ تَتَالِي نَسْخِ الْأَحْكَامِ، وَأَمَّا وُقُوعُ هَذَا الْقَدْرِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِحِكْمَةٍ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى، وَمَصْلَحَةِ إعْلَامِ حُكْمِ الشَّرِيعَةِ لِلْأُمَّةِ ( «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ جَبْرَائِيلَ ﵇ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا» بِفَتْحِ الذَّالِ مَصْدَرٌ وَبِكَسْرِهَا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ ضِدُّ الطَّاهِرِ أَوْ الطَّهَارَةِ «وَقَالَ إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ» مِنْ قَبِيلِ الْإِخْرَاجِ مَخْرَجَ الْعَادَةِ أَوْ بِمَعْنًى لُغَوِيٍّ يَعْنِي مَحَلَّ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا أَوْ عُمُومَ مَجَازٍ «فَلْيَنْظُرْ» بِعَيْنِهِ «فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ» فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ بِالنَّعْلَيْنِ.
وَكَذَا فِي جَمِيعِ مَا يُلْبَسُ بِالرِّجْلِ، وَجْهُ التَّخْصِيصِ لِكَوْنِهِمَا مَظَانَّ الْإِصَابَةِ فَيَكُونُ نَزْعُ غَيْرِهِمَا مُقَايَسَةً «قَذَرًا أَوْ أَذًى» قِيلَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي فَفِيهِ نَظَرٌ فَمِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ «فَلْيَمْسَحْهُ» إنْ مِنْ قَبِيلِ مَا يَزُولُ بِمُجَرَّدِ الْمَسْحِ «وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا» ، وَفِي رِوَايَةٍ «خَبَثًا» بَدَلَ قَذَرًا (فِي الْمَوْضِعَيْنِ) نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ هُنَا فَيَجُوزُ الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ الْبَعْضِ مَعَ النَّجَاسَةِ بِلَا عِلْمٍ إذَا لَمْ يُؤَدِّ مَعَهَا رُكْنٌ، وَالْحَدِيثُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْ الْحَدِيثِ قَدْرُ عَدَمِ أَدَاءِ رُكْنٍ، وَكَوْنُ النَّجَاسَةِ قَدْرَ مَا يَمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ بَلْ مَفْهُومِيَّةُ الْبِنَاءِ بِلَا اسْتِئْنَافٍ لَيْسَ بِمَفْهُومٍ صَرِيحًا إلَّا أَنْ يُدَّعَى مِنْ قَوْلِهِ: فَلَمَّا قَضَى الدَّلَالَةَ عَلَى الْبِنَاءِ، وَيُدَّعَى أَنَّ الْبِنَاءَ مَعَ النَّجَاسَةِ يَقْتَضِي عَدَمَ قَدْرِ أَدَاءِ رُكْنٍ وَيُدَّعَى أَيْضًا أَنَّ خَبَرَ جَبْرَائِيلَ يَقْتَضِي كَوْنَ النَّجَاسَةِ قَدْرَ مَنْعِ الصَّلَاةِ
стр. 1125
(د عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلَيْهِ الْأَذَى» أَيْ النَّجَسَ «فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ» مِنْ قَبِيلِ إقَامَةِ دَلِيلِ التَّالِي مَوْقِعَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: فَلْيَمْسَحْهُ بِالتُّرَابِ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ آنِفًا؛ إذْ بَعْضُ الْحَدِيثِ كَالْآيَةِ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَلَا حَاجَةَ إلَى غَسْلِهِ إنْ عَيْنُهُ مَرْئِيَّةً، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ الَّتِي لَهَا عَيْنٌ مَرْئِيَّةٌ إذَا أَصَابَتْ النَّعْلَ فَطَهَارَتُهَا زَوَالُ عَيْنِهَا إذَا كَانَتْ يَابِسَةً بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ رَطْبَةً فَكَذَا فِي الْمُخْتَارِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ الْمَسْحِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لَهَا أَثَرٌ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَإِلَّا مِثْلَ الْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَطَهَارَتُهَا بِالْغَسْلِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَالْعَصْرِ كَذَلِكَ فِيمَا يُمْكِنُ الْعَصْرُ مَعَ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلَكِنْ إذَا نَثَرَ عَلَيْهَا التُّرَابَ قَبْلَ الْجَفَافِ حَتَّى صَارَتْ مُتَجَسِّدَةً يَكْفِيهَا زَوَالُ الْعَيْنِ أَيْضًا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ هَذَا فِي الْخُفِّ، وَالثَّوْبُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَكَذَا إذَا نَتَرَ بَعْدَ الِابْتِلَالِ يُرْجَى أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ كَمَا فِي الْمُحَشِّي.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ لَا يَطْهُرُ الْخُفُّ مِنْ غَيْرِ الْمَنِيِّ الْجَافِّ إلَّا بِالْغَسْلِ كَالنَّجَاسَةِ الَّتِي لَهَا جُرْمٌ هَذَا ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ بِمَا ذُكِرَ لَا يَكُونُ بِالرَّأْيِ بَلْ بِالنَّصِّ أَيْضًا، وَظَاهِرٌ أَنَّ فُقَهَاءَنَا وَقَفُوا عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ فِي الِاحْتِجَاجِ بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ خَفَاءٌ وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِالْغَسْلِ بَلْ اكْتَفَى بِالتُّرَابِ فَمَنْ تَكَلَّفَ بِالْغَسْلِ فَقَدْ ابْتَدَعَ وَخَالَفَ السُّنَّةَ لَا سِيَّمَا عِنْدَ مُضَايَقَةِ الْمَاءِ أَوْ مُضَايَقَةِ الْوَقْتِ أَقُولُ: لَعَلَّ الْحَدِيثَ هُوَ بَيَانُ الرُّخْصَةِ وَأَصْلُ الْجَوَازِ، وَلَا يَمْنَعُ الْغَسْلَ بَلْ أَوْ أَوْلَوِيَّتُهُ وَأَحْوَطِيَّتُهُ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ مُخْتَارٌ فِي التَّطْهِيرِ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُطَهِّرَاتِ (خ م عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: «سَأَلْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ قَالَ نَعَمْ» فِي كَوْنِ الْحَدِيثِ مِنْ الرُّخَصِ الْمَطْلُوبَةِ خَفَاءٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ بَعْضَ مَنْ يَدَّعِي التَّوَرُّعَ لَا يُصَلِّي بِالنَّعْلِ فَهُوَ بِدْعَةٌ وَمُخَالَفَةٌ لِلسُّنَّةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ أَنَّ النَّعْلَ رُبَّمَا يَمُرُّ عَلَى الْأَرْضِ النَّجِسَةِ وَالْعَذِرَةِ وَلَا يَخْلُو عَنْ تَشَرُّبِ النَّجَاسَةِ فَالنَّبِيُّ صَلَّى مَعَ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ، وَالصَّفِيُّ يُحْتَرَز عَنْهُ (د عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «خَالِفُوا الْيَهُودَ» .
وَفِي رِوَايَةٍ «وَالنَّصَارَى» أَيْ وَصَلُّوا فِي نِعَالِكُمْ وَخِفَافِكُمْ «فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي خِفَافِهِمْ» فَصَلُّوا أَنْتُمْ فِيهَا إذَا كَانَتْ طَاهِرَةً غَيْرَ مُتَنَجِّسَةٍ وَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ بَعْضُ السَّلَفِ قَالَ مَنْ تَنَجَّسَ نَعْلُهُ إذَا دَلَكَهُ عَلَى الْأَرْضِ طَهُرَ وَجَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ «وَلَا نِعَالِهِمْ» وَكَانَ مِنْ شَرْعِ مُوسَى نَزْعُ النِّعَالِ فِي الصَّلَاةِ - ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢]- وَكَانَ الْمُوجِبُ لِلنَّزْعِ أَنَّهُمَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ فَالْتَزَمَهُ الْيَهُودُ فَلِهَذَا أُمِرَ بِمُخَالَفَةِ الْيَهُودِ فِيهِ قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَحِكْمَةُ الصَّلَاةِ فِي النَّعْلَيْنِ مُخَالَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا تَقَرَّرَ، وَخَشْيَةُ أَنْ يَتَأَذَّى أَحَدٌ بِنَعْلَيْهِ إذَا خَلَعَهُمَا مَعَ مَا فِي لُبْسِهِمَا مِنْ حِفْظِهِمَا مِنْ سَارِقٍ أَوْ دَابَّةٍ تَنَجُّسِ نَعْلِهِ قَالَ: وَقَدْ نَزَعْت نَعْلِي مَرَّةً فَأَخَذَهُ كَلْبٌ فَعَبِثَ بِهِ وَنَجَّسَهُ كُلَّهُ هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِمَا نَجَاسَةٌ ثُمَّ هِيَ مِنْ الرُّخَصِ كَمَا قَالَ الْقُشَيْرِيُّ لَا مِنْ الْمَنْدُوبِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ يُرْجَعُ إلَيْهِ فَيَكُونُ نَدْبُ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُخَالَفَةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَوَرَدَ فِي كَوْنِ الصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ مِنْ الزِّينَةِ الْمَأْمُورِ بِأَخْذِهَا فِي الْآيَةِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَوْرَدَهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَابْنُ مَرْدُوَيْهِ وَالْعُقَيْلِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
قَالَ الْمُحَشِّي: مُخَالَفَةُ الْيَهُودِ أَمْرٌ مُعْتَبَرٌ فِي الشَّرْعِ لِكَوْنِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمْحَةً سَهْلَةً وَلِذَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ السُّحُورِ وَتَعْجِيلُ الْفِطْرِ وَحِلُّ الرَّفَثِ
следующие страницы →