← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21654

بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية

محمد الخادمي

Полный текст (1 189 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بَاطِلٍ إلَى الدِّينِ الْحَقِّ. وَفِي الْقَامُوسِ الْحَنَفُ مُحَرَّكَةٌ، الِاسْتِقَامَةُ، وَالْحَنِيفُ الصَّحِيحُ الْمَيْلُ إلَى الْإِسْلَامِ الثَّابِتُ عَلَيْهِ. وَعَنْ ابْنِ الْقَيِّمِ جَمَعَ بَيْنَ كَوْنِهَا حَنِيفِيَّةً وَسَمْحَةً لِكَوْنِهَا حَنِيفِيَّةً فِي التَّوْحِيدِ سَمْحَةً فِي الْعَمَلِ، وَوَجْهُ الِازْدِرَاءِ اسْتِلْزَامُ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا لِلْأَخْذِ مِنْ اللَّهِ وَالرَّسُولِ فِي الْمَنَامِ (وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ) كَعَطْفِ أَحَدِ اللَّازِمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ هَذَا بِقَوْلِهِمْ نَصِلُ بِالْخَلْوَةِ وَهِمَّةِ الشَّيْخِ بِلَا احْتِيَاجٍ إلَى الْكِتَابِ وَالْقِرَاءَةِ (وَعَدَمِ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِمَا) هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ الْوُصُولُ لَا يَكُونُ إلَّا بِرَفْضِ الْعِلْمِ الظَّاهِرِ (وَتَجْوِيزِ الْخَطَأِ) ضِدُّ الصَّوَابِ خُصَّ هَذَا بِأَلْفَاظٍ كَمَا خُصَّ قَوْلُهُ (وَالْبُطْلَانِ) بِالْمَعَانِي (فِيهِمَا) أَيْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ كُنَّا عَلَى الْبَاطِلِ إلَخْ. (وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى) مِنْ ذَلِكَ (فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ يَسْمَعُ مِثْلَ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ الْبَاطِلَةِ الْإِنْكَارُ عَلَى قَائِلِهِ) إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِنْكَارِ إمَّا بِالنُّصْحِ اللَّيِّنِ أَوْ الْغِلْظَةِ أَوْ الضَّرْبِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ فَبِالْقَلْبِ كَمَا فِي سَائِرِ نَهْيِ الْمُنْكَرِ (وَالْجَزْمِ بِبُطْلَانِ مَقَالِهِ بِلَا شَكٍّ وَلَا تَرَدُّدٍ وَلَا تَوَقُّفٍ وَلَا تَلَبُّثٍ) بِلَا لُبْثٍ وَلَا تَأْخِيرٍ هَذِهِ تَأْكِيدَاتٌ لِكَمَالِ الِاهْتِمَامِ وَلِدَفْعِ وَهْمِ الِاعْتِقَادِ بِظَوَاهِرِ مَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ مِنْ الْخَوَارِقِ الَّتِي اسْتَدْرَجَهُمْ اللَّهُ بِهَا كَمَا نُقِلَ عَنْ كَثِيرِهِمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَا يُسَاعِدُهُ الشَّرْعُ فَهُوَ بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ وَكُلُّ صُوفِيٍّ لَا يُجَاهِدُ فِي مُحَافَظَتِهِ فَمَفْتُونٌ جَاهِلٌ إذَا رَأَيْت مَنْ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ أَوْ يَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ وَلَيْسَ مُطَابِقًا لِلشَّرِيعَةِ الْغَرَّاءِ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ فَلَا تُصَدِّقْهُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ إذْ لَا طَرِيقَ إلَى اللَّهِ سِوَى الشَّرِيعَةِ فَكُلُّ مُخَالِفٍ مِنْ فَرِيقٍ فَهُوَ غَرِيقٌ أَوْ حَرِيقٌ (وَإِلَّا) إنْ لَمْ يُنْكِرْ أَوْ أَنْكَرَ لَكِنْ بِالشَّكِّ وَالتَّرَدُّدِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْإِنْكَارِ بِدُونِ اعْتِقَادٍ جَازِمٍ لَيْسَ بِمُفِيدٍ (فَهُوَ) مَحْسُوبٌ (مِنْ جُمْلَتِهِمْ) أَوْ مُلْحَقٌ بِهِمْ فَعَدَمُ الْإِنْكَارِ مَعَ الْجَزْمِ بِلَا شَكٍّ لَا يَجْعَلُهُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، وَإِنْ حُسِبَ مِنْهُمْ مِنْ حَيْثُ أَصْلُ التَّفْسِيقِ إلَّا أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى الْإِنْكَارِ هَذَا لَكِنْ قَوْلُهُ (فَيُحْكَمُ بِالزَّنْدَقَةِ) لَا يُلَائِمُ هَذَا التَّأْوِيلَ وَتَخْصِيصُ ضَمِيرِ (عَلَيْهِمْ) بِالْقَائِلِينَ دُونَ تَارِكِي الْإِنْكَارِ خِلَافُ الْمُتَبَادَرِ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ الْإِنْكَارُ أَعَمَّ إلَى الْإِنْكَارِ الْقَلْبِيِّ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ الزِّنْدِيقُ بِالْكَسْرِ مِنْ الثَّنَوِيَّةِ أَوْ الْقَائِلُ بِالنُّورِ وَالظُّلْمَةِ أَوْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ وَلَا بِالرُّبُوبِيَّةِ

стр. 107

أَوْ مَنْ يُبْطِنُ الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الْإِيمَانَ أَوْ هُوَ مُعَرَّبُ زَنْ دِينِ أَيْ دِينِ الْمَرْأَةِ. وَعَنْ أَبِي اللَّيْثِ مَنْ لَا يُوَحِّدُ. وَعَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّهُ مُلْحِدٌ وَدَهْرِيٌّ. وَعَنْ ابْنِ دُرَيْدٍ مُعَرَّبُ زنده أَيْ مَنْ يَقُولُ بِدَوَامِ الدَّهْرِ. وَعَنْ الْمَوَاهِبِ مَنْ لَا يَتَقَيَّدُ بِدِينٍ. وَعَنْ جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى هُمْ قَائِلُونَ بِجَوَازِ اسْتِعْمَالِ لَفْظٍ مَوْضُوعٍ لِمَعْنًى فِي شَيْءٍ آخَرَ أَيْ بِلَا عَلَاقَةٍ. فَلَوْ قَالَ تُبْت يَجُوزُ مَعْنًى غَيْرُ التَّوْبَةِ فَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَفِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ الْبَاطِنِيَّةِ قَائِلُونَ بِبَاطِنِ الْكِتَابِ دُونَ ظَاهِرِهِ لِقَصْدِ إبْطَالِ الشَّرَائِعِ وَقِيلَ الزِّنْدِيقُ الْمُنَافِقُ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ أَقَاوِيلَهُمْ هَذِهِ، وَإِنْ كَانَتْ كُفْرًا لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهَا لَيْسَتْ زَنْدَقَةً بِشَيْءٍ مِنْ مَعَانِيهَا إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي مَعْنَى مَنْ لَا يَتَقَيَّدُ بِدِينٍ مُبَالَغَةً أَوْ مَجَازًا وَبِهِ تَضْمَحِلُّ وَتَنْدَفِعُ الشُّبْهَةُ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ تَوْبَتَهُمْ مَقْبُولَةٌ مُطْلَقًا وَالزِّنْدِيقُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ مُطْلَقًا كَمَا نُقِلَ عَنْ جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى وَفِي كِتَابِ الْحَصْرِ مِنْ قَاضِي خَانْ وَبَعْدَ الْأَخْذِ فِي سِيَرِ قَاضِي خَانْ لَا وَقَبْلَ الْأَخْذِ تُقْبَلُ وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَفِي أَصَحِّ أَقْوَالِ الشَّافِعِيَّةِ الْقَبُولُ مُطْلَقًا ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مُفْتَرَيَاتٌ عَلَى أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُمْ بَرِيئُونَ مِنْهُ وَلِذَا كَانَ مَوْتُهُ بِأَمَارَاتِ سُوءِ الْخَاتِمَةِ بِمَا لَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ. وَهَذَا مِنْ خُبْثِ الْبَاطِلِ فِي حَقِّ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَدَمِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَعَدِّ نَفْسِهِ مُسْتَقِلًّا فِي إصْلَاحِ الْعَالَمِ وَمُبَارَزَةِ مُعَادَاةِ اللَّهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ» وَرُدَّ أَنَّهُ افْتِرَاءٌ عَلَى مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى فَيَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَى قَائِلِهِ بِبُطْلَانِ مَقَالِهِ وَقِيلَ إنِّي سَمِعْت مِنْ بَعْضِ تَلَامِذَةِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مِنْ الثِّقَاتِ الْحَاضِرِينَ عِنْدَ نَزْعِ رُوحِهِ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِكَلِمَتَيْ الشَّهَادَةِ وَقِرَاءَةِ الْإِخْلَاصِ وقَوْله تَعَالَى - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا﴾ [الكهف: ١٠٧]- الْآيَةُ. وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى حُسْنِ حَالِهِ جَمِيعُ مُصَنَّفَاتِهِ وَأَقُولُ أَيْضًا وَتَوَاتُرُ حُسْنِ أَخْلَاقِهِ وَأَحْوَالِهِ فَالْكَلَامُ صِفَةُ الْمُتَكَلِّمِ ثُمَّ أَقُولُ: إنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمُتَصَوِّفَةِ مَنْ يَقُولُ جِنْسَ هَذِهِ الْأَبَاطِيلِ فَتَعَصُّبٌ مَحْضٌ، وَإِنْكَارٌ لِلْمَحْسُوسَاتِ وَالْمُتَوَاتِرَاتِ إذْ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي هَذَا الْيَوْمِ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ حِسًّا أَوْ تَوَاتُرًا وَأَنَّهُ إنْ ادَّعَى عَلَى ذَلِكَ الِاسْتِقْرَاءَ التَّامَّ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ لِجَوَازِ أَنْ يُوجَدُوا فِي مَحَلٍّ لَا يَبْلُغُهُ اسْتِقْرَاءُ الْمَوْرِدِ عَلَيْهِ وَوَصَلَ إلَى الْمُصَنِّفِ عِلْمُهُ وَأَنَّ النَّاقِصَ فَلَيْسَ بِمُفِيدٍ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ فِي الْمُتَصَوِّفَةِ مَنْ يَتَّصِفُ بِذَلِكَ لَكِنَّ مَنْ شَنَّعَ عَلَيْهِمْ الْمُصَنِّفُ لَيْسُوا بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ أَيْضًا إذْ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَعْيِينُهُمْ وَالْجَزْمُ عَلَى سُوءِ الْخَاتِمَةِ عَلَى مُعَيَّنٍ بِغَيْرِ مَا أَخْبَرَهُ الصَّادِقُ لَيْسَ بِجَائِزٍ. وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ عَدَمُ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْفُحْشِيَّاتِ إنَّمَا كَانَ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَالْإِنْكَارُ عَدَمُ الرِّضَا عَلَى الْقَضَاءِ فَكُفْرٌ مُوجِبٌ لِعَبَثِيَّةِ بَعْثَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنْكَارُ وُجُوبِ نَهْيِ الْمُنْكَرِ وَأَيُّ كَلَامٍ يَدُلُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ عَلَى عَدِّ نَفْسِهِ مُصْلِحًا لِلْعَالَمِ بَلْ فِيهِ إظْهَارُ الْبُغْضِ فِي اللَّهِ، وَإِنْكَارُ أَشْنَعِ مُنْكَرَاتِ اللَّهِ تَعَالَى (وَقَدْ صَرَّحَ الْعُلَمَاءُ) مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ كَالنَّسَفِيِّ (بِأَنَّ الْإِلْهَامَ) يُقَالُ أَلْهَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى خَيْرًا لَقَّنَهُ إيَّاهُ كَذَا فِي الْقَامُوسِ وَقِيلَ مَا يُلْقِيهِ اللَّهُ فِي قَلْبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ مِنْ الْأَسْرَارِ. وَقَالَ التَّفْتَازَانِيُّ هُوَ إلْقَاءُ مَعْنًى فِي الْقَلْبِ بِطَرِيقِ الْفَيْضِ وَفِي تَعْرِيفَاتِ السَّيِّدِ الشَّرِيفِ وَقِيلَ الْإِلْهَامُ مَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ مِنْ عِلْمٍ وَهُوَ يَدْعُو إلَى الْعَمَلِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ بِآيَةٍ وَلَا نَظَرٍ فِي حُجَّةٍ (لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَعْرِفَةِ بِالْأَحْكَامِ) لَعَلَّ تَقْيِيدَهُ بِالْأَحْكَامِ أَنَّهُ قَدْ يُفِيدُ فِي غَيْرِ الْأَحْكَامِ وَفِي اخْتِيَارِ الْمَعْرِفَةِ دُونَ الْعِلْمِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُفِيدُ عِلْمًا جُزْئِيًّا وَلَوْ ظَنًّا فَضْلًا عَنْ الْعِلْمِ الْكُلِّيِّ الْقَطْعِيِّ. قَالَ الشَّرِيفُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ أَيْضًا أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ إلَّا عِنْدَ الصُّوفِيِّينَ لَعَلَّ مُرَادَهُ عِنْدَ بَعْضِ الصُّوفِيِّينَ. وَفِي بَعْضِ الْأُصُولِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْغَيْرِ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى نَفْسِهِ لَعَلَّ الْأَوْلَى التَّفْصِيلُ أَنَّهُ إنْ مِنْ النَّبِيِّ فَحُجَّةٌ لَهُ وَلَنَا، وَإِنْ مِنْ الْوَلِيِّ فَحُجَّةٌ لَهُ لَا لَنَا، وَإِنْ مِنْ الْعَوَامّ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ لَا لَهُ وَلَا لَنَا. وَفِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ أَنَّ الْإِلْهَامَ لَيْسَ سَبَبًا يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ لِعَامَّةِ الْخَلْقِ وَيَصْلُحُ لِلْإِلْزَامِ عَلَى الْغَيْرِ وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ، وَقَدْ وَرَدَ الْقَوْلُ بِهِ فِي الْخَبَرِ، وَقَدْ

стр. 108

حُكِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ فَيَجِبُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا يَرِدُ عَلَى الضَّمَائِرِ إنْ مِنْ الْمَلَكِ فَإِلْهَامٌ، وَإِنْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَخَاطِرٌ حَقٌّ، وَإِنْ مِنْ الشَّيْطَانِ فَوَسْوَاسٌ، وَإِنْ مِنْ النَّفْسِ فَهَوَاجِسُ أَوْ حَدِيثُ النَّفْسِ كَمَا فِي الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ وَفِي حَلِّ الرُّمُوزِ أَيْضًا وَعَلَامَةُ كُلِّ قِسْمٍ فَمَا يَكُونُ مُوَافِقًا لِلْعِلْمِ أَيْ الظَّاهِرِ فَمِنْ الْمَلَكِ وَلِذَا قِيلَ كُلُّ خَاطِرٍ لَا يَشْهَدُ لَهُ ظَاهِرٌ فَبَاطِلٌ وَمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَعَاصِي فَمِنْ الشَّيْطَانِ وَمَا يَدُلُّ عَلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ وَاسْتِشْعَارِ الْكِبْرِ وَسَائِرِ مَا هُوَ مِنْ أَوْصَافِ النَّفْسِ فَمِنْ النَّفْسِ وَالْفَرْقُ الْمَنْقُولُ عَنْ الْجُنَيْدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ أَصَرَّ وَاسْتَمَرَّ إلَى حُصُولِ الزَّلَّةِ فَحَدِيثُ نَفْسٍ، وَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ وَطَلَبَ زَلَّةً أُخْرَى فَوَسْوَسَةٌ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ اتَّفَقُوا أَنَّ آكِلَ الْحَرَامِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَسْوَسَةِ وَالْإِلْهَامِ. وَعَنْ الدَّقَّاقِ وَكَذَا مَنْ كَانَ قُوتُهُ مَعْلُومًا وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ خَاطِرِ الْحَقِّ وَالْمَلَكِ أَنَّ الْأَوَّلَ الْعَبْدُ لَا يُخَالِفُهُ أَصْلًا وَالثَّانِي قَدْ يُخَالِفُهُ وَبِمَا ذُكِرَ عَرَفْت أَنَّ الْإِلْهَامَ إنَّمَا يُوجَدُ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَمُجَانَبَةِ الْهَوَى وَالْبِدْعَةِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَأْخُذْ عِلْمَهُ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ فَوَسْوَسَةٌ أَوْ هَوَاجِسُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْإِلْهَامَ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي إثْبَاتِ شَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ عَلَى وَجْهٍ يُسْتَغْنَى بِهِ عَنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بَلْ إنَّمَا يَكُونُ طَرِيقًا صَحِيحًا لِفَهْمِ مَعَانِيهِمَا وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الِاجْتِهَادِ الْفِقْهِيِّ وَإِلَّا فَوَسْوَسَةٌ كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ بِقِصَّةِ مُوسَى مَعَ الْخَضِرِ ﵉ عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْوَحْيِ بِالْعِلْمِ اللَّدُنِّي الَّذِي مِنْ قَبِيلِ الْإِلْهَامِ فَقِيلَ كُفْرٌ مُوجِبٌ لِإِرَاقَةِ الدَّمِ؛ لِأَنَّ مُوسَى ﵊ لَمْ يَكُنْ مَبْعُوثًا إلَى الْخَضِرِ وَلَمْ يَكُنْ الْخَضِرُ مَأْمُورًا بِمُتَابَعَتِهِ (وَكَذَلِكَ الرُّؤْيَا فِي الْمَنَامِ) فِي عَدَمِ كَوْنِهَا مِنْ أَسْبَابِ مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ. قَالَ الْمُنَاوِيُّ الرُّؤْيَا كَالْبُشْرَى مُخْتَصَّةٌ غَالِبًا بِشَيْءٍ مَحْبُوبٍ يُرَى مَنَامًا وَقِيلَ هِيَ كَالرُّؤْيَةِ أَلْفُ تَأْنِيثٍ مَكَانُ تَائِهِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ مَا يُرَى نَوْمًا وَيَقَظَةً فَإِدْرَاكُ الْيَقَظَةِ رُؤْيَةٌ وَإِدْرَاكُ النَّوْمِ رُؤْيَا ثُمَّ الرُّؤْيَا خَيَالٌ بَاطِلٌ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ ضِدُّ الْإِدْرَاكِ أَوْرَدَ عَلَيْهِ بِمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ مَنَامَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَبِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ كَوْنِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَعَمَلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا قَبْلَ الْوَحْي وَأُجِيبَ أَنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَامَّةِ الْخَلْقِ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ إنْكَارَ الْمُتَكَلِّمِينَ بِنَاءً عَلَى إنْكَارِهِمْ الْحَوَاسَّ الْبَاطِنَةَ مُطْلَقًا فَلَا قَائِلَ فِي إثْبَاتِ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ وَدُفِعَ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْأَنْبِيَاءِ عَلَى طَرِيقِ خَرْقِ الْعَادَةِ أَقُولُ: يَئُولُ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ إلَى أَنْ تَكُونَ خَيَالًا بَاطِلًا فِي غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ إطْلَاقِ نَحْوِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» . وَفِي رِوَايَةٍ «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» وَفِي رِوَايَةٍ «رُؤْيَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ» الْحَدِيثُ وَفِي رِوَايَةٍ «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» وَأَيْضًا حَدِيثُ «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ» وَحَدِيثُ «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ بُشْرَى مِنْ اللَّهِ» وَحَدِيثُ «رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ كَلَامٌ يُكَلِّمُ بِهِ الْعَبْدَ رَبُّهُ فِي الْمَنَامِ» وَحَدِيثُ «يَنْقَطِعُ الْوَحْيُ وَلَا تَنْقَطِعُ الْمُبَشِّرَاتُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ الَّتِي يَرَاهَا الْمُؤْمِنُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ» . وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْخَوَارِقِ عَلَى طَرِيقِ الْكَرَامَةِ يَرُدُّهُ مَا فِي الْمُنَاوِيِّ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ، وَقَدْ وَقَعَ لِبَعْضِ الْكُفَّارِ مَنَامَاتٌ صَادِقَةٌ كَمَنَامِ الْمَلِكِ الَّذِي رَأَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ وَمَنَامِ عَاتِكَةَ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ كَافِرَةٌ وَنَحْوُهُ كَثِيرٌ لَعَلَّ التَّحْقِيقَ الْمُوَافِقَ لِلنُّصُوصِ وَالْمُنَاسِبَ لِمَا تَشْهَدُ بِهِ التَّجَارِبُ مَا قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْضًا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ: النَّاسُ فِي الرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ الْأَنْبِيَاءُ كُلُّ رُؤْيَاهُمْ صِدْقٌ، وَقَدْ يَحْتَاجُ إلَى التَّعْبِيرِ وَالصَّالِحُونَ غَالِبُ رُؤْيَاهُمْ صِدْقٌ قَدْ يَكُونُ فِيهَا مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّعْبِيرِ وَمَنْ سِوَاهُمْ فِي رُؤْيَاهُمْ الصِّدْقَ وَالْأَضْغَاثَ، وَهُمْ أَيْضًا ثَلَاثَةٌ مَسْتُورُونَ الْغَالِبُ اسْتِوَاءُ الْحَالِ وَفَسَقَةٌ الْغَالِبُ هُوَ الْأَضْغَاثُ. وَقَدْ تَصْدُقُ وَكُفَّارٌ يَنْدُرُ صِدْقُهُمْ قَالَهُ الْمُهَلَّبِ انْتَهَى وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي تَحَصَّلَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ مِنْ الرُّؤْيَا إذْ الصِّدْقُ هُوَ الْعِلْمُ فَخِلَافٌ صَرِيحٌ لِتَصْرِيحِ الْمُصَنِّفِ فَالْكَلَامُ هُنَا كَالْكَلَامِ فِي الْإِلْهَامِ فَيَمْتَنِعُ كَوْنُهُمَا حُجَّتَيْنِ مُقَابِلَتَيْنِ لِوَاحِدٍ مِنْ

стр. 109

الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِنْ جَازَ كَوْنُهُمَا فِي تَأْيِيدِ شَيْءٍ مِنْهُمَا وَتِبْيَانًا وَتَوْضِيحًا وَتَعْيِينَ احْتِمَالٍ لَهُمَا وَنَحْوَهَا فَيَبْطُلُ احْتِجَاجُهُمْ بِهِمَا مُعَارِضًا وَمُقَابِلًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَأَمَّا سَبَبُ الرُّؤْيَا فَفِي الْمُنَاوِيِّ عَنْ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ سَبَبَ الرُّؤْيَا إذَا نَامَ الْإِنْسَانُ سَطَعَ نُورُ النَّفْسِ حَتَّى يَجُولَ فِي الدُّنْيَا وَيَصْعَدَ إلَى الْمَلَكُوتِ فَيُعَايِنُ الْأَشْيَاءَ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى مَعْدِنِهِ، فَإِنْ وَجَدَ مُهْلَةً عَرَضَ عَلَى الْعَقْلِ وَالْعَقْلُ يَسْتَوْدِعُ الْحَافِظَةَ وَفِي الْعَالِمِ يَخْرُجُ النَّفْسُ وَيَبْقَى الرُّوحُ عِنْدَ النَّوْمِ. وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَخْرُجُ الرُّوحُ وَيَبْقَى شُعَاعُهُ فِي الْجَسَدِ فَبِذَلِكَ يَرَى الرُّؤْيَا وَيُقَالُ أَرْوَاحُ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ تَلْتَقِي فِي الْمَنَامَاتِ فَتَتَعَارَفُ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْمَفْهُومُ مِنْ مُحَاكَاةِ كَلَامِ الْحُكَمَاءِ أَنَّ تَوَجُّهَ النَّفْسِ فِي الْيَقَظَةِ إلَى الْمَحْسُوسَاتِ مَانِعٌ مِنْ الْوُصُولِ إلَى الْمَعْقُولَاتِ، وَإِذَا ارْتَفَعَ الْمَانِعُ بِالنَّوْمِ تَسْتَعِدُّ النَّفْسُ بِالِاتِّصَالِ بِالْجَوَاهِرِ الرُّوحَانِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّذِي ارْتَسَمَ فِيهَا جَمِيعُ الْمَوْجُودَاتِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا فِي الشَّرْعِ بِاللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَعِنْدَ أَهْلِ الشَّرْعِ إنَّ لِلرُّؤْيَا مَلَكًا يُقَالُ لَهُ مَلَكُ الرُّؤْيَا فَعِنْدَ الْيَقَظَةِ تُعْدَمُ الْمُنَاسَبَةُ وَعِنْدَ النَّوْمِ تَحْصُلُ الْمُنَاسَبَةُ مَعَ ذَلِكَ الْمَلَكِ فَيَنْطَبِعُ فِي النَّفْسِ مِنْ الْمَلَكِ مَا أَخَذَهُ مِنْ اللَّوْحِ وَالْإِلْهَامَاتِ الْفَائِضَةِ مِنْ جَانِبِ الْقُدْسِ وَأَمَّا الْكَاذِبَةُ فَإِمَّا بِسَبَبِ تَخَيُّلٍ فَاسِدٍ فِي الْيَقَظَةِ أَوْ سُوءِ مِزَاجٍ أَوْ امْتِلَاءٍ أَوْ لِأَمْرَاضٍ ثُمَّ قِيلَ الرُّؤْيَا إمَّا صَادِقَةٌ وَهِيَ أَيْضًا ثَلَاثٌ تَبْشِيرٌ يُبَشِّرُهُ مَلَكُ الرُّؤْيَا بِمَا يُسِرُّهُ مِنْ الْأُخْرَوِيِّ أَوْ الدُّنْيَوِيِّ وَتَحْذِيرٌ يُخَوِّفُهُ بِمَا يُبْعِدُ عَنْ الطَّاعَةِ وَيُقَرِّبُ إلَى الْمَعْصِيَةِ وَإِلْهَامٌ يُلْهِمُهُ مَا هُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ كَالْحَجِّ وَالتَّهَجُّدِ وَإِمَّا كَاذِبَةٌ وَهِيَ ثَلَاثٌ رُؤْيَا هِمَّةٍ وَهِيَ مَا تَخَيَّلَهَا فِي الْيَقَظَةِ فَلَيْسَ لَهَا اعْتِبَارٌ وَرُؤْيَا عِلَّةٍ نَاشِئَةٍ مِنْ الْأَمْرَاضِ فَلَيْسَ لَهَا اعْتِبَارٌ أَيْضًا وَرُؤْيَا شَيْطَانٍ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ فَلَيْسَتْ بِمُعْتَبَرَةٍ أَيْضًا (خُصُوصًا) أَيْ أَخَصُّهُمَا (إذَا خَالَفَا كِتَابَ الْعَلِيمِ الْعَلَّامِ) جِيءَ بِالْوَصْفِ الثَّانِي إشَارَةً إلَى جَهْلِهِمْ وَتَعْرِيضًا لِلْمُبَالَغَةِ فِي رَدِّهِمْ (أَوْ سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ﵊) وَجْهُ التَّرَقِّي أَنَّهُمَا حِينَ الْمُخَالَفَةِ لَا يَكُونَانِ إلْهَامًا بَلْ وَسْوَسَةً شَيْطَانِيَّةً وَرُؤْيَا كَاذِبَةً عَلَى نَهْجِ مَا فُصِّلَ. وَأَمَّا إذَا وَافَقَا إيَّاهُمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَا حُجَّةً لِصَاحِبَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا حُجَّةً لِغَيْرِهِمَا ثُمَّ لَمَّا أَوْرَدَ فِي رَدِّهِمْ الْأَدِلَّةَ الْقَطْعِيَّةَ الْبُرْهَانِيَّةَ أَرَادَ أَنْ يُورِدَ الْأَدِلَّةَ الْجَدَلِيَّةَ وَالْخَطَّابِيَّةَ الْإِقْنَاعِيَّةَ وَهِيَ أَقْوَالُ الْمَشَايِخِ الَّذِينَ ادَّعَوْا لِأَتْبَاعِهِمْ وَمُقَلِّدِيهِمْ. فَقَالَ (وَقَدْ قَالَ) كَأَنَّهُ يَقُولُ إنَّ أَدِلَّتَهُمْ فِيمَا ادَّعَوْا فِي مِثْلِ تِلْكَ الْفُحْشِيَّاتِ إمَّا إلْهَامٌ وَمَنَامٌ أَوْ أَقْوَالُ الْمَشَايِخِ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِمَا عَرَفْت وَالثَّانِي بَاطِلٌ لِمَا سَتَعْرِفُ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ الْمُنَافِيَةِ لِدَعْوَاهُمْ (سَيِّدُ) مِنْ السِّيَادَةِ (الطَّائِفَةِ الصُّوفِيَّةِ) قَالُوا فِي اشْتِقَاقِهِ وَنِسْبَتِهِ وُجُوهٌ الْأَوَّلُ أَنَّهُ أَيْ الصُّوفِيَّ مِنْ الصَّفَاءِ سُمُّوا بِهَا لِصَفَاءِ أَسْرَارِهِمْ وَبَقَاءِ آثَارِهِمْ. قَالَ بِشْرٌ الْحَافِيُّ الصُّوفِيُّ مَنْ صَفَا قَلْبُهُ الثَّانِي مِنْ الصَّفِّ لِكَوْنِهِمْ مِنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى. الثَّالِثُ: مِنْ الصُّفَّةِ لِقُرْبِهِمْ بِأَصْحَابِ الصُّفَّةِ أَيْ صُفَّةِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. الرَّابِعُ: مِنْ الصُّوفِ لِلُبْسِهِمْ الصُّوفَ؛ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا الدُّنْيَا وَخَرَجُوا عَنْ الْأَوْطَانِ وَهَجَرُوا الْإِخْوَانَ وَسَاحُوا فِي الْبِلَادِ وَأَجَاعُوا الْأَكْبَادَ وَأَتْعَبُوا الْأَجْسَادَ وَلِهَذَا وَصَفَهُمْ السَّقَطِيُّ ﵀ بِأَنَّ أَكْلَهُمْ أَكْلُ الْمَرْضَى وَنَوْمَهُمْ نَوْمُ الْغَرْقَى. وَالْخَامِسُ: مِنْ الصَّفْوَةِ قَالَ فِي حَلِّ الرُّمُوزِ: الْكُلُّ ضَعِيفٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ سِوَى الرَّابِعِ وَلِهَذَا قَالَ الْقُشَيْرِيُّ لَا يَشْهَدُ لِهَذَا الِاسْمِ مِنْ حَدِيثِ الْعَرَبِيَّةِ قِيَاسٌ وَلَا اشْتِقَاقٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَاللَّقَبِ ثُمَّ قَالَ وَالنِّسْبَةُ إلَى الصُّوفِ مُسْتَقِيمَةٌ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ إلَّا أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَخْتَصُّوا بِلُبْسِ الصُّوفِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الصُّوفَ مِنْ لِبَاسِ الْأَنْبِيَاءِ وَزِيِّ الْأَوْلِيَاءِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ أَدْرَكْت سَبْعِينَ بَدْرِيًّا مَا كَانَ لِبَاسُهُمْ إلَّا الصُّوفَ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ «كَانَ ﵊ يَلْبَسُ الصُّوفَ» وَسُئِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ الصُّوفِيِّ فَقَالَ مِنْ لَبِسَ الصُّوفَ وَأُطْعِمَ الْهَوَى ذَوْقَ الْجَفَا وَكَانَتْ الدُّنْيَا مِنْهُ فِي الْقَفَا وَسَلَكَ مِنْهَاجَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا كَلَامُهُمْ وَلَوْلَا خَشْيَةُ الْمَلَالِ لَأَوْرَدْنَا عَلَى كُلِّ مَا يُمْكِنُ إيرَادُهُ (وَإِمَامُ أَرْبَابِ) أَصْحَابِ (الطَّرِيقَةِ) أَيْ طَرِيقَةِ كَمَالِ مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتِقَادًا وَأَخْلَاقًا وَأَعْمَالًا وَسِيرَةً وَلَوْ عَادِيَّةً إلَى أَنْ تَرَكُوا الْأَغْيَارَ لِقَصْرِهِمْ النَّظَرَ إلَى رَبِّ الدَّارِ فَجَعَلَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ مَعَادِنَ أَسْرَارِهِ وَخَصَّهُمْ مِنْ الْعَالَمِينَ بِطَوَالِعِ أَنْوَارِهِ صَفَّاهُمْ اللَّهُ مِنْ كُدُورَاتِ الْأَرْكَانِ وَرَقَّاهُمْ إلَى الْمَلَكُوتِ

стр. 110

مِنْ الْأَكْوَانِ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ الْحُسْنَى وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى فَهُمْ أَقْوَامٌ فَهِمُوا عَنْ اللَّهِ وَطَرَحُوا مَا سِوَى اللَّهِ وَسَارُوا إلَى اللَّهِ خَرَقَتْ الْحُجُبَ كُلَّهَا أَنْوَارُهُمْ وَجَالَتْ حَوْلَ سُرَادِقِ الْعَرْشِ أَسْرَارُهُمْ أَجْسَادٌ رُوحَانِيُّونَ وَأَجْسَادٌ رَبَّانِيُّونَ وَأَرْضِيُّونَ سَمَاوِيُّونَ غُيَّبٌ حُضَّارٌ مُلُوكٌ تَحْتَ أَطْمَارٍ لِلَّهِ تَحْتَ قِبَابِ الْعِزِّ طَائِفَةٌ ... أَخْفَاهُمْ فِي رِدَاءِ الْعِزِّ إجْلَالًا هُمْ السَّلَاطِينُ فِي أَطْمَارِ مَسْكَنَةٍ ... جَرُّوا عَلَى فَلَكِ الْخَضْرَاءِ أَذْيَالًا غُبْرٌ مُلَابِسُهُمْ شَمٌّ مَعَاطِسُهُمْ ... اسْتَعْبَدُوا مِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ أَقْيَالًا قُلُوبُهُمْ عَرْشِيَّةٌ وَأَبْدَانُهُمْ عَنْ الْخَلْقِ وَحْشِيَّةٌ أَرْوَاحُهُمْ فِي الْمَلَكُوتِ طَيَّارَةٌ وَأَشْبَاحُهُمْ فِي الْمُلْكِ سَيَّارَةٌ - ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] وَ ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] (وَالْحَقِيقَةُ) هِيَ عِنْدَهُمْ الْمَقْصُودُ الْوُصُولُ إلَيْهِ بِمُشَاهَدَةِ الرُّبُوبِيَّةِ بِالْتِزَامِ الشَّرَائِعِ الْحَقِيَةِ وَاهْتِمَامِ دَقَائِقِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ إلَى أَنْ يَسْتَغْرِقَ فِي بَحْرِ التَّوْحِيدِ وَالْعُرْفَانِ بِحَيْثُ تَضْمَحِلُّ ذَاتُهُ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتُهُ فِي صِفَاتِهِ وَيَغِيبُ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَلَا يَرَى فِي الْوُجُودِ إلَّا اللَّهَ تَعَالَى وَهَذَا الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْفَنَاءَ فِي التَّوْحِيدِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ الْحَدِيثُ الْإِلَهِيُّ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي بِهِ يَسْمَعُ وَبَصَرَهُ الَّذِي بِهِ يُبْصِرُ وَحِينَئِذٍ رُبَّمَا تَصْدُرُ عَنْهُ عِبَارَاتٌ تُشْعِرُ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ لِقُصُورِ الْعِبَارَةِ عَنْ بَيَانِ تِلْكَ الْحَالِ وَتَعَذُّرِ الْكَشْفِ عَنْهَا بِالْمَقَالِ وَنَحْنُ عَلَى سَاحِلِ بَحْرِ التَّمَنِّي نَغْتَرِفُ مِنْ بَحْرِ التَّوْحِيدِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَنَعْتَرِفُ بِأَنَّ الطَّرِيقَ فِي الْعِيَانِ دُونَ الْبُرْهَانِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. كَذَا فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ لِلْمُحَقِّقِ التَّفْتَازَانِيِّ ثُمَّ إنَّ لَهُمْ اصْطِلَاحَاتٍ وَفُرُوقًا بَيْنَ الشَّرِيعَةِ وَالطَّرِيقَةِ وَالْحَقِيقَةِ لَا يَتَحَمَّلُهَا الْمَقَامُ (جُنَيْدٌ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْجُنَيْدُ (الْبَغْدَادِيُّ) أَصْلُهُ مِنْ نَهَاوَنْدَ وَمَنْشَأُهُ وَمَوْلِدُهُ الْعِرَاقُ وَأَبُوهُ بَيَّاعُ الزُّجَاجِ وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَكَانَ فَقِيهًا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي ثَوْرٍ أَخَذَ الطَّرِيقَ مِنْ خَالِهِ السَّرِيِّ السَّقَطِيِّ وَهُوَ عَنْ الْكَرْخِيِّ عَنْ دَاوُد الطَّائِيِّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ كَذَا فِي الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّة (عَلَيْهِ رَحْمَةُ الْهَادِي) الدُّعَاءُ بِالرَّحْمَةِ هُوَ الْأَدَبُ عِنْدَ ذِكْرِ الْمَشَايِخِ (الطُّرُقُ) أَيْ السُّبُلُ الْمُوصِلَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُرَادُ جَمِيعُ الشَّرَائِعِ وَالْأَدْيَانِ وَالْمَذَاهِبِ (كُلُّهَا مَسْدُودَةٌ) أَيْ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ يُرِيدُ السُّلُوكَ وَالْوُصُولَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِوُفُورِ الْحُجُبِ وَكُثُورِ الْمَوَانِعِ (إلَّا عَلَى مَنْ اقْتَفَى) أَيْ مَنْ اتَّبَعَ (أَثَرَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) بِأَنْ سَارَ كَسَيْرِهِ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ وَالْعَمَلِيَّاتِ وَالْعَادِيَّاتِ، فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ لَا تَكُونُ مَسْدُودَةً بَلْ تَكُونُ مَفْتُوحَةً مُوصِلَةً إلَى جَانِبِ الْقُدْسِ. (وَقَالَ) أَيْضًا (مَنْ لَمْ يَحْفَظْ الْقُرْآنَ) أَيْ لَمْ يَرْعَ حُدُودَهُ وَلَمْ يَلْتَزِمْ أَحْكَامَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَالْقَوْلُ أَيْ مَعَ التَّأَمُّلِ فِي مَعَانِيهِ وَالتَّفَكُّرِ فِيهِ لَا يَخْلُو عَنْ قُصُورٍ نَعَمْ لَوْ أُرِيدَ مَا يَعُمُّ تِلَاوَتَهُ وَإِتْيَانَ أَحْكَامِهِ لَكَانَ أَكْثَرَ فَائِدَةً (وَلَمْ يَكْتُبْ الْحَدِيثَ) وَلَمْ يَجْمَعْ مَحَاوِيَهِ مِنْ الْأَحْكَامِ أَيْ وَلَمْ يَجْمَعْ عَلَيْهِ أَحْكَامَ الْحَدِيثِ أَيْ مُطْلَقَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الْفَرْضُ اللَّازِمُ فِعْلُهُ (لَا يُقْتَدَى بِهِ) ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَكُونُ عَلَى كِتَابٍ وَسُنَّةٍ فَلَيْسَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَلَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنَّ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٥٣] أَيْ مَا فِيهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ - ﴿صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]- الْآيَةُ (فِي هَذَا الْأَمْرِ) أَيْ الْوُصُولِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى قِيلَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ لِلِاقْتِدَاءِ لِعَدَمِ كَوْنِهِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَكِنْ لَا يَكُونُ بَاطِلًا فِي نَفْسِهِ لِجَوَازِ فَيْضِهِ تَعَالَى لِجَاهِلٍ أُمِّيٍّ مَحْضٍ بِالتَّجَلِّيَاتِ وَالْمُكَاشَفَاتِ عَلَى وَجْهٍ يَتَكَلَّمُ بِمَعَانِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ إلَى أَنْ تَتَحَيَّرَ بِهِ

стр. 111

الْعُقُولُ. وَقَدْ وُجِدَ بِمِثْلِهِ كَثِيرٌ، فَإِنَّهُ، وَإِنْ كَانَ وَلِيًّا لَكِنْ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُرْشِدًا إذْ الْإِرْشَادُ إنَّمَا يَكُونُ بِمَعْرِفَةِ تَفَاصِيلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (؛ لِأَنَّ عِلْمَنَا) فِي الْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ (وَمَذْهَبَنَا) فِي الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ (هَذَا) الَّذِي هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ (مُقَيَّدٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ أَمْرًا سِوَاهُمَا وَإِلَّا لَكَانَ إنْزَالُ الْكُتُبِ وَإِرْسَالُ الرُّسُلِ عَبَثًا لَغْوًا فَدَلَّ كَلَامُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَدًّا عَلَيْهِمْ فِي حَصْرِهِمْ الْوُصُولَ فِي رَفْضِ الْعِلْمِ الظَّاهِرِ وَالشَّرْعِ اللَّذَيْنِ أُخِذَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَفِي دَعْوَى رُؤْيَةِ الْأَنْوَارِ وَتَنْبِيهِ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ بِالرُّؤْيَا وَوَجْهُ الرَّدِّ حَصْرُ الْوُصُولِ بِمُتَابَعَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَفْيُ الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ لَا يَحْفَظُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَتَقْيِيدُ الْوُصُولِ وَالْحَقُّ الْقَوِيمُ بِهِمَا وَتَصْوِيرُ الرَّدِّ أَنَّ مَا ادَّعَيْتُمْ مِنْ أَنَّ الْوُصُولَ إنَّمَا يَكُونُ بِرَفْضِ الْعِلْمِ وَالشَّرْعِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَنْ ادَّعَيْتُمْ تَقْلِيدَهُمْ وَسَلَّمْتُمْ صِدْقَهُمْ مِنْ الْمَشَايِخِ الْعِظَامِ كَالْجُنَيْدِ ﵀ وَكُلِّ مَنْ شَأْنُهُ كَذَا فَبَاطِلٌ فَالْكُبْرَى ظَاهِرَةٌ. وَأَمَّا الصُّغْرَى، فَإِنَّ الْوُصُولَ شَيْءٌ وَرَدَ فِي حَقِّهِ عَنْ الْجُنَيْدِ الْحَصْرُ بِمُتَابَعَةِ الرَّسُولِ وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَا فَلَا يَكُونُ بِرَفْضِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الرَّسُولِ فَهَذَا فِي قُوَّةِ الصُّغْرَى وَعَلَيْهِ فَقِسْ ثُمَّ لَازِمٌ عَلَيْنَا أَنْ نُلْحِقَ بَعْضَ اللَّطَائِفِ الْجُنَيْدِيَّةِ عَلَى مَا فِي الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ هُوَ قَوْلُهُ مَا أُخِذَ التَّصَوُّفُ عَنْ الْقِيلِ وَالْقَال وَلَكِنْ عَنْ الْجُوعِ وَتَرْكِ الدُّنْيَا وَقَطْعِ الْمَأْلُوفَاتِ وَالْمُسْتَحْسِنَات وَقَوْلُهُ إنْ أَمْكَنَك أَنْ لَا تَكُونَ آلَةَ بَيْتِك إلَّا خَزَفًا فَافْعَلْ وَقَوْلُهُ لَوْ أَقْبَلَ صَادِقٌ عَلَى اللَّهِ أَلْفَ أَلْفَ سَنَةٍ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُ لَحْظَةً كَانَ الَّذِي فَاتَهُ أَكْثَرَ مِمَّا نَالَهُ. وَقَوْلُهُ وَعِلْمُنَا هَذَا مُشَيَّدٌ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيلَ لَهُ مِمَّنْ اسْتَفَدْت هَذَا الْعِلْمَ فَقَالَ مِنْ جُلُوسِي بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ ثَلَاثِينَ سَنَةً تَحْتَ تِلْكَ الدَّرَجَةِ وَأَوْمَأَ إلَى دَرَجَةٍ فِي دَارِهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْعَطُوفِيُّ كُنْت عِنْدَ الْجُنَيْدِ حِين مَاتَ خَتَمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ الْبَقَرَةِ، وَقَرَأَ سَبْعِينَ آيَةً ثُمَّ مَاتَ ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ حَيْثُ مَدَحَ الْمُتَصَوِّفَةَ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِمْ، وَقَدْ حَكَمَ بِالْإِلْحَادِ وَالزَّنْدَقَةِ عَلَيْهِمْ أَقُولُ قَدْ عَرَفْت غَرَضَ الْمُصَنِّفِ مِنْ هَذِهِ النُّقُولِ مِنْ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ مَنْ حَكَمَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِمْ بِإِلْحَادٍ هُمْ الَّذِينَ اعْتَقَدُوا الْوِلَايَةَ وَالْوُصُولَ فِي مُخَالَفَةِ الشَّرِيعَةِ وَالْتَزَمُوا مُخَالَفَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَجَعَلُوا الْإِتْيَانَ بِهِمَا مِنْ الْحُجُبِ الْمَانِعَةِ مِنْ الْوُصُولِ وَهَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ قَدَّسَ أَسْرَارَهُمْ بِفَرْطِ تَجَنُّبٍ عَنْ مُحْتَمَلَاتِ أَمْثَالِهَا فَضْلًا عَنْ يَقِينِيَّاتِهَا. (وَقَالَ السَّرِيُّ السَّقَطِيُّ) قَالَ الْقُشَيْرِيُّ خَالُ الْجُنَيْدِ وَأُسْتَاذُهُ وَتِلْمِيذُ مَعْرُوفِ الْكَرْخِيِّ أَوْحَدُ زَمَانِهِ فِي الْوَرَعِ وَالْأَحْوَالِ السَّنِيَّةِ وَعُلُومِ التَّوْحِيدِ مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ كَانَ يَتَّجِرُ فِي السُّوقِ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ فَجَاءَ مَعْرُوفٌ يَوْمًا وَمَعَهُ صَبِيٌّ يَتِيمٌ فَقَالَ: اُكْسُ هَذَا الْيَتِيمَ فَكَسَاهُ فَفَرِحَ بِهِ وَقَالَ بَغَّضَ اللَّهُ إلَيْكَ الدُّنْيَا قَالَ فَقُمْت مِنْ الْحَانُوتِ وَلَيْسَ شَيْءٌ أَبْغَضَ إلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا وَهُوَ مِنْ بَرَكَاتِ مَعْرُوفٍ وَفِيهِ عَنْ الْجُنَيْدِ مَا رَأَيْت أَعْبَدَ مِنْ السَّرِيِّ أَتَتْ عَلَيْهِ ثَمَانٌ وَتِسْعُونَ حِجَّةً أَيْ سَنَةً مَا رُئِيَ مُضْطَجِعًا إلَّا فِي عِلَّةِ الْمَوْتِ. وَفِيهِ عَنْ السَّرِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً فِي الِاسْتِغْفَارِ لِقَوْلِي الْحَمْدُ لِلَّهِ مَرَّةً قِيلَ لَهُ وَكَيْفَ ذَلِكَ قَالَ وَقَعَ بِبَغْدَادَ حَرِيقٌ فَاسْتَقْبَلَنِي وَاحِدٌ فَقَالَ بَقِيَ حَانُوتُك فَقُلْت الْحَمْدُ لِلَّهِ حَيْثُ أَرَدْت لِنَفْسِي خَيْرًا مِمَّا نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ وَفِيهِ سُئِلَ مِنْهُ عَنْ أَكْثَرِ طُرُقِ الْجَنَّةِ فَقَالَ لَا تَسْأَلْ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا وَلَا تَأْخُذْ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا وَلَا يَكُونُ مَعَك شَيْءٌ تُعْطِي أَحَدًا. وَفِي أَخْبَارِ الْأَخْيَارِ سُئِلَ الْجُنَيْدُ عَنْ حَالِهِ حِينَ عِيَادَتِهِ فَقَالَ كَيْفَ أَشْكُو إلَى طَبِيبِي مَا بِي وَاَلَّذِي بِي أَصَابَنِي مِنْ طَبِيبِي وَقَالَ لَهُ أَوْصِنِي فَقَالَ إيَّاكَ وَصُحْبَةَ الْأَشْرَارِ وَأَنْ تَنْقَطِعَ عَنْ رَبِّك بِصُحْبَةِ الْأَخْيَارِ وَرُئِيَ فِي الْمَنَامِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَسُئِلَ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ غُفِرَ لِي وَلِمَنْ صَلَّى عَلَيَّ فَقِيلَ أَنَا مِمَّنْ حَضَرَ جِنَازَتَك فَأَخْرَجَ وَرَقًا فَلَمْ يَرَ فِيهِ اسْمِي فَقُلْت بَلَى قَدْ حَضَرْت فَنَظَرَ، فَإِذَا اسْمِيّ فِي الْحَاشِيَةِ. (التَّصَوُّفُ اسْمٌ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ وَهُوَ) أَيْ الصُّوفِيُّ الْمَدْلُولُ مِنْ التَّصَوُّفِ (الَّذِي لَا يُطْفِئُ نُورُ مَعْرِفَتِهِ) فَاعِلُ يُطْفِئُ وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا النُّورِ نَحْوُ

стр. 112

غَلَبَةِ الشُّهُودِ وَشِدَّةِ الْحُضُورِ وَكَمَالِ الْفِنَاءِ عَلَيْهِ (نُورَ وَرَعِهِ) بِالْتِزَامِ عَزَائِمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِأَنْ يَجْتَنِبَ عَنْ الشُّبُهَاتِ إلَى مَا تَرْكُهُ أَوْلَى وَيَأْتِي الْفَضَائِلَ كُلَّهَا إلَى مَا كَانَ إتْيَانُهُ أَوْلَى. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ الْوَرَعُ تَرْكُ الشُّبُهَاتِ. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ الْوَرَعُ الْوُقُوفُ عَلَى حَدِّ الْعِلْمِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ فَمَنْ قَالَ بِتَرْكِ الْعُلُومِ الظَّاهِرَةِ وَتَرْكِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِأَجْلِ الْوُصُولِ فَقَدْ أَطْفَأَ نُورُ مَعْرِفَتِهِ نُورَ وَرَعِهِ (وَلَا يَتَكَلَّمُ بِبَاطِنٍ فِي عِلْمٍ يَنْقُضُهُ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْكِتَابِ) أَيْ لَا يَتَكَلَّمُ فِي عِلْمِ التَّصَوُّفِ بِمَا يُخَالِفُهُ ظَاهِرُ الْكِتَابِ، فَإِنَّ النُّصُوصَ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا فَالْعَدْلُ عَنْهَا إلَى مَعَانٍ يَدَّعِيهَا أَهْلُ الْبَاطِنِ إلْحَادٌ كَمَا فِي عَقَائِدِ النَّسَفِيِّ فَفِي كَلَامِ حَضْرَةِ الشَّيْخِ رَدٌّ لِأَهْلِ الْبَاطِنِ. قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِهِ سُمِّيَتْ بَاطِنِيَّةً لِادِّعَائِهِمْ أَنَّ النُّصُوصَ لَيْسَتْ عَلَى ظَوَاهِرِهَا بَلْ لَهَا بَاطِنٌ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالْعِلْمِ وَقَصْدُهُمْ بِذَلِكَ نَفْيُ الشَّرِيعَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ بُطْلَانُ إشَارَاتِ الْمَشَايِخِ وَلِطَائِفِهَا الْمُسْتَخْرَجَةِ مِنْ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَعَانٍ عَرَبِيَّةٍ وَخِلَافُ ظَوَاهِرِ الْقُرْآنِ قُلْت فَلَعَلَّك لَوْ تَأَمَّلْتَ مَا ذُكِرَ لَأَمْكَنَ فَهْمُك جَوَابَهُ إذْ تِلْكَ الْإِشَارَاتُ، وَإِنْ كَانَتْ مَعَانِيَ بَاطِنَةٍ لَكِنْ مُلْتَزَمُ انْطِبَاقِهَا بِظَوَاهِر الْقُرْآنِ وَلِهَذَا قَالَ هِيَ إشَارَاتٌ خَفِيَّةٌ وَدَقَائِقُ تَنْكَشِفُ عَلَى أَرْبَابِ السُّلُوكِ يُمْكِنُ التَّطْبِيقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الظَّوَاهِرِ الْمُرَادَةِ فَهِيَ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ وَمَحْضِ الْعِرْفَانِ. وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ الْمَشَايِخِ مِمَّا يُنَاقِضُ ظَاهِرَ الْكِتَابِ كَقَوْلِ الْعَارِفِ أَبِي يَزِيدَ الْبِسْطَامِيِّ سُبْحَانِي مَا أَعْظَمَ شَأْنِي وَنَحْوِهِ فَإِمَّا مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ الْوَجْدِ وَالسُّكْرِ أَوْ عَلَى تَأْوِيلٍ صَحِيحٍ ذَكَرُوهُ فِي مَحَلِّهِ وَمَعَ هَذَا لَوْ صَدَرَ مِثْلُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْعَوَامّ لَخُطِّئَ بَلْ كُفِّرَ. (وَ) الثَّالِثُ (لَا تَحْمِلُهُ الْكَرَامَاتُ عَلَى هَتْكِ) هَدْمِ حُرْمَةِ (مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى) قَطْعِيَّةً أَوْ ظَنِّيَّةً وَإِلَّا فَلَا تَكُونُ كَرَامَةً بَلْ مَكْرًا وَاسْتِدْرَاجًا كَمَا سَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بَلْ كُلَّمَا ازْدَادَ الْقُرْبُ تَزْدَادُ الْخَشْيَةُ. قَالَ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ رَدًّا لِمُدَّعَاهُمْ، وَقَدْ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ مَشَايِخُهُمْ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ وَالِاسْتِقَامَةَ وَالتَّقْوَى أَوْلَى مِنْ الْكَرَامَةِ؛ لِأَنَّهَا مَأْمُورَةٌ وَمَزِيدَةٌ لِلْقُرْبِ وَالْقَبُولِ وَعَدَمُهَا سَبَبٌ لِلْبُعْدِ وَالطَّرْدِ، وَالْكَرَامَاتُ لَيْسَتْ مَأْمُورَةً وَتَرْكُهَا لَا يُوجِبُ مَحْذُورًا بَلْ تَرْكُهَا أَوْلَى مِنْ إظْهَارِهَا وَلِذَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ إظْهَارَ الْكَرَامَةِ مِمَّا حِيضَ الرِّجَالُ فِي مَنْعِهِ مِنْ طَاعَتِهِ تَعَالَى مَعَ إشْعَارِ أَنَّ صَاحِبَهُ لَيْسَ بِرَجُلٍ لِدَنَاءَةِ هِمَّتِهِ وَرِضَاهُ بِالْأَدْنَى. وَقَالَ هَذَا الْعَارِفُ السَّرِيُّ السَّقَطِيُّ لَوْ أَنَّ عَارِفًا دَخَلَ بُسْتَانًا فِيهِ أَشْجَارٌ وَعَلَى كُلِّ شَجَرَةٍ طَيْرٌ يَقُولُ لَهُ بِلِسَانٍ فَصِيحٍ السَّلَامُ عَلَيْك يَا وَلَيَّ اللَّهِ فَالْوَاجِبُ أَنْ يَزِيدَ الْخَوْفُ إذْ لَوْ لَمْ يَخَفْ لَكَانَ مَمْكُورًا قِيلَ لِسُلْطَانِ الْعَارِفِينَ: إنَّ فُلَانًا يَمْشِي إلَى مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ فَقَالَ الشَّيْطَانُ يَمْشِي فِي سَاعَةٍ مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ فِي لَعْنَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ فِي وَقْتٍ آخَرَ: إنَّ فُلَانًا يَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ قَالَ: الذُّبَابُ أَيْضًا كَذَلِكَ وَقِيلَ فِي وَقْتٍ آخَرَ فُلَانًا يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ فَقَالَ: السَّمَكُ كَذَلِكَ. وَفِي الرِّسَالَةِ الْقُدْسِيَّةِ لِزَيْنِ الدِّينِ الْحَافِيِّ وَجَمِيعُ الْمُرْشِدِينَ يُنَفِّرُونَ الْمُرِيدَ مِنْ الْمَيْلِ إلَى الْكَرَامَاتِ الْعَيَانِيَّةِ وَيُجِيبُونَ طَلَبَهُ لِلْحَقِّ وَالْمَيْلُ إلَيْهَا مِنْ هَوَسِ النَّفْسِ وَهَوَاهَا أَلَا تَرَى أَنَّ سُلْطَانَ الْعَارِفِينَ أَبَا يَزِيدَ قَدَّسَ سِرَّهُ اسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ حَيْثُ قَالَ فِي مُنَاجَاتِهِ عَلَى مَا نُقِلَ فِي حَلِّ الرُّمُوزِ مِنْ قُوتِ الْقُلُوبِ اللَّهُمَّ إنَّ قَوْمًا طَلَبُوك فَأَعْطَيْتَهُمْ الْمَشْيَ عَلَى الْمَاءِ وَالطَّيَرَانَ فِي الْهَوَاءِ فَرَضُوا بِذَلِكَ، وَإِنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّ قَوْمًا طَلَبُوك فَأَعْطَيْتَهُمْ طَيَّ الْأَرْضِ فَرَضُوا بِذَلِكَ، وَإِنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّ قَوْمًا طَلَبُوك فَأَعْطَيْتَهُمْ كُنُوزَ الْأَرْضِ فَانْقَلَبَتْ لَهُمْ الْأَعْيَانُ فَرَضُوا بِذَلِكَ، وَإِنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ ذَلِكَ إلَى أَنْ عَدَّ نَيِّفًا وَعِشْرِينَ مَقَامًا مِنْ مَقَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ اُنْظُرْ إلَى عُلُوِّ هِمَّتِهِ وَقُوَّةِ قَلْبِهِ لَمْ يَرْضَ إلَّا رِضَاهُ وَوَصْلَهُ. وَيُرْوَى أَنَّ أَبَا حَفْصٍ الْحَدَّادَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ الصَّحَارِي لَوْ كَانَ هُنَا شَاةٌ ذَبَحْنَاهَا، فَإِذَا ظَهَرَ ظَبْيٌ مِنْ الْبَرِّيَّة وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ الشَّيْخِ فَفَرِحُوا جَمِيعًا وَحَزِنَ وَبَكَى الشَّيْخُ فَسُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ: إعْطَاءُ الْمُرَادِ إخْرَاجٌ مِنْ الْبَابِ وَلَوْ لَمْ يُعْطِ

стр. 113

مُرَادَاتَ فِرْعَوْنَ لَمَا أَصَرَّ عَلَى دَعْوَاهُ الْبَاطِلَةِ ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَ الظَّبْيِ كَذَا فِي حَلِّ الرُّمُوزِ. (وَقَالَ) سُلْطَانُ الْعَارِفِينَ (أَبُو يَزِيدَ الْبِسْطَامِيُّ ﵀) هُوَ طَيْفُورُ بْنُ عِيسَى الْبِسْطَامِيُّ كَانَ جَدُّهُ مَجُوسِيًّا أَسْلَمَ وَكَانُوا ثَلَاثَةَ إخْوَةٍ آدَم وَطَيْفُورٌ وَعَلِيٌّ كُلُّهُمْ كَانُوا زُهَّادًا مَاتَ سَنَةَ إحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَقِيلَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ (لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ قُمْ بِنَا حَتَّى نَنْظُرَ) نَرَى إذَا كَانَ صَالِحًا نَزُورُهُ وَهُوَ أَمْرٌ اسْتِحْبَابِيٌّ وَنَسْتَفِيدُ وَإِلَّا فَتَنْقَطِعُ شُبْهَتُهُ فِي صِدْقِ شُهْرَتِهِ وَعَدَمِهِ (إلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي قَدْ شَهَرَ) بِالْبِنَاءِ عَلَى الْفَاعِلِ (نَفْسَهُ بِالْوِلَايَةِ) فِي هَذَا التَّعْبِيرِ إشَارَةٌ إلَى عَدَمِ اعْتِقَادِهِ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ إذْ تَشْهِيرُ النَّفْسِ بِالِاخْتِيَارِ مَذْمُومٌ فَيَنْدَفِعُ بِمَا تَقَدَّمَ آنِفًا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ اعْتِقَادٌ فَكَيْفَ يَذْهَبُ إلَى زِيَارَتِهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِقَطْعِ الشُّبْهَةِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ سُوءَ ظَنٍّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الظَّنُّ مَا يَكُونُ بِالرُّجْحَانِ وَالشُّبْهَةُ فِي التَّسَاوِي بَلْ فِي الْمَرْجُوحِ وَلَا يَلْزَمُ أَيْضًا تَجَسُّسُ الْعَيْبِ وَاسْتِكْشَافُهُ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ لَيْسَ تَعْيِيرًا وَلَا تَذْلِيلًا وَلَا غِيبَةً أَيْضًا كَذَلِكَ. (وَكَانَ رَجُلًا مَقْصُودًا) يَقْصِدُهُ النَّاسُ بِالزِّيَارَةِ وَاسْتِجْلَابِ الدَّعْوَةِ وَأَخْذِ الْهِمَّةِ (مَشْهُورًا بِالزُّهْدِ) بِالْإِعْرَاضِ عَنْ الدُّنْيَا وَتْرِكِ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ الضَّرُورِيَّةِ (فَمَضَيْنَا إلَيْهِ فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ) هَذَا الْقَيْدُ كَالْمُسْتَغْنَى عَنْهُ (وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ) ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ فِي الْمَسْجِدِ (رَمَى بُزَاقَهُ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ) أَيْ جِهَتَهَا وَأَصْلُهُ وِجَاهَ قُلِبَتْ الْوَاوُ تَاءً جَوَازًا وَوِجَاهُ الشَّيْءِ جِهَتُهُ (فَانْصَرَفَ أَبُو يَزِيدَ وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الْبُزَاقَ بِجِهَةِ الْقِبْلَةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَجَانِبِ الْيَمِينِ بَلْ نَفْسُ الْمَسْجِدِ أَيْضًا، فَإِنْ قِيلَ السَّلَامُ وَاجِبٌ وَذَلِكَ تَرْكُ أَدَبٍ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ وَهَذَا غَيْرُ مَأْمُونٍ إلَخْ فَكَيْفَ يُتْرَكُ الْوَاجِبُ لِتَرْكِ الْأَدَبِ قُلْنَا بَعْدَ تَسْلِيمِ الْمُرَادِ مِنْ كَوْنِ لَفْظِ الْأَدَبِ هُنَا مَا ظَنَنْته وَكَوْنُ رَمْيِ الْبُزَاقِ إلَيْهَا بِهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ يَعْنِي وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَدَبًا عِنْدَ الْعَوَامّ يَكُونُ مُحَرَّمًا عِنْدَ الْخَوَاصِّ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّعْلِيمِ لِمَنْ مَعَهُ وَلِمَنْ سَمِعَهُ لِحِفْظِ احْتِرَامِ حُدُودِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَقَالَ هَذَا رَجُلٌ غَيْرُ مَأْمُونٍ) أَيْ لَمْ يَأْمَنْهُ اللَّهُ تَعَالَى (عَلَى أَدَبٍ مِنْ آدَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَى أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا مَنْ يَحْفَظُ عَلَيْهِ آدَابَ الشَّرِيعَةِ. (فَكَيْفَ يَكُونُ مَأْمُونًا) مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى (عَلَى مَا يَدَّعِيه) مِنْ الْوِلَايَةِ وَالْكَرَامَةِ وَلِهَذَا جُعِلَتْ الرُّخَصُ كَالْمُحَرَّمِ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ فَيَجْتَنِبُونَ عَمَّا قِيلَ فِيهِ لَا بَأْسَ كَمَا عَنْ الْحَرَامِ الْقَطْعِيِّ وَيَلْتَزِمُونَ مَا إتْيَانُهُ أَوْلَى وَأَفْضَلُ كَالْوَاجِبِ الْقَطْعِيِّ إلَّا لِضَرُورَةٍ، فَإِنْ قِيلَ الْوِلَايَةُ لَا تُوجِبُ الْعِصْمَةَ وَأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَزْكِيَةَ نَفْسِهِ بَلْ الْوَاجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الصَّلَاحِ كَالسَّهْوِ وَالْخَطَأِ؛ لِأَنَّ حُسْنَ الظَّنِّ عِنْدَهُمْ كَالْوَاجِبِ وَلَوْ سَلِمَ كُلُّ ذَلِكَ لَلَزِمَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَبِّهَ ذَلِكَ الرَّجُلَ عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ تَرْكِ ذَلِكَ الْأَدَبِ قُلْت يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي جَنْبِهِ شَيْءٌ آخَرُ كَحُبِّ الرِّيَاسَةِ

стр. 114

وَقَصْدِ تَشْهِيرِ نَفْسِهِ وَلَعَلَّهُ فَهِمَهُ مِنْ هَيْئَتِهِ وَقَرَائِنِهِ وَأَنَّهُ لَوْ تَقَيَّدَ وَالْتَزَمَ عَلَى مُحَافَظَتِهِ لَمْ يَقَعْ فِي الْخَطَأِ كَمَا قِيلَ فِي سَبِّ النَّبِيِّ ﵊ خَطَأً سِيَّمَا وَقَدْ ذَكَرَ هَيْئَتَهُ مِنْ نَحْوِ الْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ وَكَوْنِهِ زَمَانَ تَزَاحُمِ الْمُسْتَرْشِدِينَ والمستأدبين. وَقَدْ يُخَرَّجُ الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرْنَا أَوَّلًا مِنْ جَوَازِ كَوْنِهِ تَعْلِيمًا لِلْآدَابِ لِمَنْ مَعَهُ أَوْ سَمِعَهُ وَفِعْلُهُ هَذَا مِنْ قَبِيلِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ بَلْ عَلَى آكَدِ وَجْهٍ إذْ لَا جَرَمَ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ يَسْمَعُ هَذَا الصَّنِيعَ مِنْ حَضْرَةِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقِيلَ لِاحْتِمَالِ الْخَطَأِ وَحَمْلُهُ عَلَى الصَّلَاحِ لَمْ يَنْسِبْهُ إلَى الْإِثْمِ وَالْفِسْقِ وَالْكَرَاهَةِ فَفِيهِ خَفَاءٌ. (وَقَالَ لَوْ نَظَرْتُمْ إلَى رَجُلٍ) أَيْ عَلِمْتُمْ إنْسَانًا وَلَوْ امْرَأَةً (وَقَدْ أُعْطِيَ مِنْ) (الْكَرَامَاتِ) مِنْ الْخَوَارِقِ كَالطَّيَرَانِ فِي الْهَوَاءِ وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَطَيِّ الْمَسَافَةِ (حَتَّى تَرَبَّعَ فِي الْهَوَاءِ فَلَا تَغْتَرُّوا بِهِ) وَتَعْتَقِدُوا وِلَايَتَهُ وَقُرْبَهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مَكْرًا وَاسْتِدْرَاجًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] وَاسْتِهْزَاءً مِنْهُ وَاَللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (حَتَّى تَنْظُرُوا) تَعْلَمُوا (كَيْفَ تَجِدُونَهُ) بِلَا تَجَسُّسٍ وَالْوِجْدَانُ أَعَمُّ مِمَّا هُوَ بِالْوَاسِطَةِ كَخَبَرِ عَدْلٍ أَوْ خَبَرِ عُدُولٍ خِلَافًا لِمَنْ نَفَى ذَلِكَ إلَّا بِالثُّبُوتِ عِنْدَ الْحَاكِمِ (عِنْدَ الْأَمْرِ) الْإِلَهِيِّ وَلَوْ لِلْأَدَبِ (وَالنَّهْيِ) كَذَلِكَ (وَحِفْظِ الْحُدُودِ) الَّتِي حَدَّهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ فِعْلًا وَتَرْكًا وَفِي إيرَادِ الْجَمْعِ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ إشَارَةٌ إلَى اسْتِغْرَاقِ الْأَفْرَادِ فَتَرْكُ الْوَاحِدِ مُخِلٌّ بِالْمَقْصُودِ وَفِي إيثَارِ الْجَمْعِ إشَارَةٌ إلَى اسْتِغْرَاقِ الْأَنْوَاعِ أَيْضًا فَكَمَا يَشْمَلُ الْوَاجِبَاتِ يَشْمَلُ الْمَنْدُوبَاتِ إلَى مَا فِيهِ الِاحْتِيَاطُ وَالْأَوْلَى وَكَذَا فِي جَانِبِ (وَأَدَاءِ) وَهُوَ تَسْلِيمُ عَيْنِ مَا لَزِمَ فِي (الشَّرِيعَةِ) كَعَطْفِ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ إطْنَابٌ لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ قَالُوا يُرَاعَى ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ بَلْ إلَى جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ فِي إتْيَانِ الْأَوْلَى وَالْأَحْوَطِ فِي كُلِّ مَذْهَبٍ بَلْ يَجْتَهِدُ أَنْ يَأْتِيَ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَكُلُّ مُجْتَهِدٍ يَجُوزُ خَطَؤُهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَى حَقِّيَّةَ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ فَيَجْتَهِدُ فِي إتْيَانِ الْعَمَلِ عَلَى وَجْهٍ يَرْفَعُ الْخِلَافَ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ وَمِنْ مَقَالِ هَذَا الشَّيْخِ عَلَى مَا فِي الْقُشَيْرِيَّةِ قَوْلُهُ حِينَ سُئِلَ بِأَيِّ شَيْءٍ وَجَدْت هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ بِبَطْنٍ جَائِعٍ وَبَدَنٍ عَارٍ. وَقَوْلُهُ لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَكْفِيَنِي مُؤْنَةَ الْأَكْلِ وَمُؤْنَةَ النِّسَاءِ ثُمَّ قُلْت كَيْفَ يَجُوزُ لِي أَنْ أَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى هَذَا وَلَمْ يَسْأَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ أَسْأَلْهُ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ كَفَانِي مُؤْنَةَ النِّسَاءِ حَتَّى لَا أُبَالِيَ اسْتَقْبَلَتْنِي امْرَأَةٌ أَوْ حَائِطٌ. (وَقَالَ أَبُو سَلْمَانَ الدَّارَانِيُّ) نِسْبَةً

стр. 115

إلَى دَارَيَّا قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى دِمَشْقَ مَاتَ سَنَةَ خَمْسَ عَشَرَةَ وَمِائَتَيْنِ (رُبَّمَا تَقَعُ) بِطَرِيقِ الْفَيْضِ (فِي قَلْبِي النُّكْتَةُ) الدَّقِيقَةُ مِنْ غَوَامِضِ الْأَسْرَارِ وَمُنَازَلَاتِ الْأَخْيَارِ وَتَجَلِّيَاتِ الْأَنْوَارِ (مِنْ نُكَتِ الْقَوْمِ) أَيْ الصُّوفِيَّةِ جَمْعُ نُكْتَةٍ مِنْ النُّكَتِ وَهُوَ أَنْ يَنْكُتَ فِي الْأَرْضِ بِقَضِيبٍ أَيْ يَضْرِبُ فَيُؤَثِّرُ فِيهَا وَالنُّكْتَةُ كَالنُّقْطَةِ كَمَا فِي الْجَوْهَرِيِّ وَكَأَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تَنْكُتُ فِي الْقَلْبِ أَيْ تُؤَثِّرُ فِيهِ بِلُطْفِ بَلَاغَتِهَا (أَيَّامًا) الظَّاهِرُ التَّنْوِينُ لِلتَّكْثِيرِ (فَلَا أَقْبَلُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ قَلْبِي (إلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ) ثِقَتَيْنِ (مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) بَيَانٌ لِلشَّاهِدَيْنِ، فَإِنَّهُمَا عَدْلَانِ مُطْلَقًا أَوْ عَدْلُ الْكِتَابِ مَا يَكُونُ تَوَاتُرًا دُونَ قِرَاءَةٍ شَاذَّةٍ وَكَانَ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَعْنَى عَلَى وَجْهِ الظُّهُورِ لَا عَلَى طَرِيقِ الْخَفَاءِ وَعَدْلُ السُّنَّةِ هُوَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ دُونَ الضَّعِيفَةِ. وَقِيلَ عَنْ ابْنِ الْهُمَامِ ﵀ يَجُوزُ وَيُسْتَحَبُّ الْعَمَلُ فِي الْفَضَائِلِ وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ مَا لَمْ يَكُنْ مَوْضُوعًا أَقُولُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِعَدَمِ مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ إذْ الْقِيَاسُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَأَوْرَدَ الْعَلَّامَةُ الدَّوَانِيُّ أَنَّ مَآلَ الْفَضَائِلِ رَاجِعٌ إلَى وَاحِدٍ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَا وَجْهَ لِتَقْيِيدٍ كَالْجَوَازِ وَالِاسْتِحْبَابِ فَيَلْزَمُ ثُبُوتُ نَحْوِ الِاسْتِحْبَابِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ شَيْئًا مِنْ الْأَحْكَامِ لَا يَثْبُتُ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ. وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُرَادَ جَوَازُ رِوَايَةِ الضَّعِيفِ فِيمَا ثَبَتَ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ فِي فَضِيلَةِ شَيْءٍ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ هَذَا الْمُحَقِّقُ هَذَا إرَادَةَ مَعْنًى مِنْ لَفْظٍ لَا يَتَحَمَّلُهُ عَلَى أَنَّ رِوَايَتَهُ فِيمَا لَمْ يَثْبُتْ بِالصَّحِيحِ جَائِزَةٌ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلَى ضَعْفِهِ، وَالتَّعْوِيلُ أَنْ يُقَالَ إنَّ ذَلِكَ فِيمَا لَمْ يَحْتَمِلْ لِلْحَظْرِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَجُوزُ وَيُسْتَحَبُّ لِلْأَمْنِ مِنْ الْحَظْرِ وَرَجَاءِ النَّفْعِ فَعُمِلَ بِالِاحْتِيَاطِ ثُمَّ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا النَّقْلِ أَيْضًا صَرِيحُ الرَّدِّ لَهُمْ فِي أَنَّهُمْ ادَّعَوْا مُتَارَكَةَ الشَّرِيعَةِ فِي الْوُصُولِ وَمِمَّا نُقِلَ عَنْهُ ﵀ مَنْ أَحْسَنَ فِي نَهَارِهِ كُوفِيَ فِي لَيْلِهِ وَمَنْ أَحْسَنَ فِي لَيْلِهِ كُوفِيَ فِي نَهَارِهِ وَمَنْ صَدَقَ فِي تَرْكِ شَهْوَةٍ ذَهَبَ اللَّهُ بِهَا مِنْ قَلْبِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُعَذِّبَ قَلْبًا تَرَكَ شَهْوَةً لَهُ وَأَيْضًا إذَا سَكَنَتْ الدُّنْيَا الْقَلْبَ تَرَحَّلَتْ مِنْهُ الْآخِرَةُ. وَقَالَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ خِلَافُ هَوَى النَّفْسِ وَقَالَ لِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمٌ وَعِلْمُ الْخِذْلَانِ تَرْكُ الْبُكَاءِ وَلِكُلِّ شَيْءٍ ضِدٌّ وَضِدُّ نُورِ الْقَلْبِ شِبَعُ الْبَطْنِ وَكُلُّ مَا شَغَلَك عَنْ اللَّهِ مِنْ أَهْلٍ أَوْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ فَهُوَ عَلَيْك شُؤْمٌ. (وَقَالَ) أَبُو الْفَيْضِ (ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ ﵀) اسْمُهُ ثَوْبَانُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَذُو النُّونِ بِمَعْنَى صَاحِبِ الْحُوتِ وَجْهُ التَّسْمِيَةِ أَنَّهُ ضَاعَ مِنْ أَهْلِ سَفِينَةٍ جَوْهَرٌ نَفِيسٌ فَأُسْنِدَ إلَيْهِ سَرِقَتُهُ وَلَمْ يُصَدِّقُوا بِحَلِفِهِ فَلَمَّا اُضْطُرَّ تَوَجَّهَ سَاعَةً فَأَتَى حُوتٌ مِنْ الْبَحْرِ بِذَلِكَ الْجَوْهَرِ تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ (وَمِنْ عَلَامَاتِ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى مُتَابَعَةُ حَبِيبِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ ﵊) ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ (فِي أَخْلَاقِهِ) ، فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْأَخْلَاقِ. قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وَقَدْ سَبَقَ بَعْضُ تَفْصِيلِ خُلُقِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَأَفْعَالِهِ) عِبَادَةً أَوْ عَادَةً دُونَ الْخَوَاصِّ وَالزَّلَّاتِ وَالْخَطَأِ إنْ وُجِدَتْ (وَأَوَامِرِهِ) فِعْلًا أَوْ تَرْكًا قَطْعًا أَوْ ظَنًّا (وَسُنَّتِهِ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ مَتْلُوًّا أَوْ غَيْرَ مَتْلُوٍّ ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا، فَإِنَّهُ مَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى - ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]-، فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ صِدْقِ دَعْوَى الْمَحَبَّةِ قَالَ تَعَالَى - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]- قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي الْمَوَاهِبِ مَحَبَّةُ اللَّهِ إمَّا فَرْضٌ هُوَ مَحَبَّةٌ تَبْعَثُ عَلَى امْتِثَالِ الْأَوَامِرِ وَتَرْكِ الْمَنَاهِي فَمَنْ وَقَعَ فِي مُحَرَّمٍ فَلِتَقْصِيرِهِ فِي مَحَبَّتِهِ تَعَالَى حَيْثُ قَدَّمَ هَوَى نَفْسِهِ عَلَى رِضَا رَبِّهِ، وَالتَّقْصِيرُ يَكُونُ مِنْ الِاسْتِرْسَالِ فِي الْمُبَاحَاتِ وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهَا فَيُورِثُ شُغْلُهَا الْغَفْلَةَ وَإِمَّا نَدْبٌ هُوَ أَنْ يُوَاظِبَ عَلَى النَّوَافِلِ وَيَجْتَنِبَ الْوُقُوعَ فِي الشُّبُهَاتِ. وَفِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ فِيمَا يَرْوِي عَنْ اللَّهِ تَعَالَى «مَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ» فَاسْتُشْكِلَ بِحَدِيثِ «لَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ» الْحَدِيثُ حَيْثُ كَانَتْ

стр. 116

النَّوَافِلُ مُنْتِجَةَ الْمَحَبَّةِ دُونَ الْفَرَائِضِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَكَوْنِ النَّوَافِلِ مُكَمِّلَةً لَهَا أَوْ بِأَنَّ النَّوَافِلَ لِمُجَرَّدِ الْمَحَبَّةِ وَالْفَرَائِضَ لِخَوْفِ الْعِقَابِ، فَإِنْ قِيلَ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ مُرْتَكِبَ مَعْصِيَةٍ سِيَّمَا كَبِيرَةً لَيْسَ لَهُ مَحَبَّةٌ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَدْ «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ لُعِنَ شَارِبُ خَمْرٍ لَا تَلْعَنُوهُ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» . فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ ارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ وَمَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قُلْنَا الْعَلَامَةُ لَيْسَتْ بِدَلِيلٍ مُسْتَلْزِمٍ بَلْ قَدْ تَتَخَلَّفُ أَوْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمُتَابَعَةِ مَثَلًا عَلَامَةً كَوْنُ تَرْكِ الْمُتَابَعَةِ مُسْتَلْزِمًا لِعَدَمِ الْمَحَبَّةِ أَوْ الْمُرَادُ كَمَالُ الْمَحَبَّةِ وَمِنْ الْحِكْمَةِ الشَّرِيفَةِ مَدَارُ الْكَلَامِ عَلَى أَرْبَعٍ حُبُّ الْجَلِيلِ وَبُغْضُ الْقَلِيلِ وَاتِّبَاعُ التَّنْزِيلِ وَخَوْفُ التَّحْوِيلِ وَمِنْهَا لَا تَسْكُنُ الْحِكْمَةُ مَعِدَةً مُلِئَتْ طَعَامًا وَمِنْهَا تَوْبَةُ الْعَوَامّ مِنْ الذُّنُوبِ وَتَوْبَةُ الْخَوَاصِّ مِنْ الْغَفْلَةِ. (وَقَالَ) أَبُو نَصْرٍ (بِشْرٌ الْحَافِيُّ) أَصْلُهُ مِنْ مَرٍّ وَسَكَنَ بِبَغْدَادَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ ﵀ «رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لِي يَا بِشْرُ هَلْ تَدْرِي بِمَ رَفَعَك اللَّهُ تَعَالَى» فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ «مِنْ بَيْنِ أَقْرَانِك» قِيلَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الرِّفْعَةَ بَيْنَ الْأَقْرَانِ لَا عَلَى الْأَعْلَى فَطَلَبُهُ مِنْ الْإِفْرَاطِ «قُلْت لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ» أَيْ لَا أَعْرِفُ سَبَبَ الرِّفْعَةِ. «قَالَ» رَفَعَك اللَّهُ «بِاتِّبَاعِك لِسُنَّتِي وَخِدْمَتِك» بِرُوحِك وَقَوْلِك وَجَسَدِك وَبِتَأْوِيلِ مَا يُرَى خَطَأٌ مِنْهُمْ وَبِتَحَمُّلِ أَذَاهُمْ وَزِيَارَتِهِمْ لِاسْتِفَاضَةِ أَنْوَارِهِمْ «لِلصَّالِحِينَ» وَالصَّالِحُ مَنْ يَقُومُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْعِبَادِ حَسَبَ الطَّاقَةِ، فَإِنَّ خِدْمَتَهُمْ مِنْ مَحَبَّتِهِمْ وَمَنْ أَحَبَّ قَوْمًا حُشِرَ مَعَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ وَالْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت» وَعَنْ الشَّيْخِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَلَمْ أَزِلَّ أَبَدًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أُجَاهِدُ الْفُقَهَاءَ فِي حَقِّ الْفُقَرَاءِ السَّادَةِ حَقَّ الْجِهَادِ وَأَذُبُّ عَنْهُمْ وَأَحْمِي وَبِهَذَا فَتَحَ لِي وَمَنْ ذَمَّهُمْ، فَإِنَّهُ لَا خَفَاءَ فِي جَهْلِهِ وَلَا يُفْلِحُ أَبَدًا (وَنَصِيحَتِك لِإِخْوَانِك) الْمُسْلِمِينَ تَقْيِيدُهُ بِالْإِخْوَانِ إشَارَةٌ إلَى تَقَوِّي سَبَبِ النَّصِيحَةِ وَإِلَى الِاهْتِمَامِ فِيهَا (وَمَحَبَّتِك لِأَصْحَابِي) كُلِّهِمْ مِنْ غَيْرِ طَعْنٍ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَعَ السُّكُوتِ عَمَّا وَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْحُرُوبِ وَالْمُخَاصَمَاتِ. (وَأَهْلِ بَيْتِي) أَيْ ذُرِّيَّتِي وَأَقْرِبَائِي مِنْ أَوْلَادِ فَاطِمَةَ وَعَلِيٍّ وَجَعْفَرٍ وَعَقِيلٍ وَأَوْلَادِ الْعَبَّاسِ وَحَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - (وَهُوَ) هَذَا الْمَجْمُوعُ (الَّذِي بَلَّغَك) وَأَوْصَلَك (مَنَازِلَ الْأَبْرَارِ) مِنْ الْأَحْوَالِ وَالْمَقَامَاتِ وَالْمُكَاشَفَاتِ، فَإِنْ قِيلَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا النَّقْلِ كَمَا عَرَفْت إلْزَامُ هَؤُلَاءِ الْمُتَصَوِّفَةِ الَّذِينَ نَفَوْا فِي الْوُصُولِ الِاحْتِيَاجَ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بَلْ حَصَرُوهُ بِرَفْضِ الشَّرْعِ الَّذِي هُوَ السُّنَّةُ. وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ آنِفًا أَنَّ الرُّؤْيَا لَيْسَتْ مِنْ أَسْبَابِ الْمَعْرِفَةِ وَأَنَّهَا وِجْدَانِيَّةٌ لَا تَصْلُحُ إلْزَامًا لِلْغَيْرِ قُلْنَا إنَّهُ جَوَابٌ إلْزَامِيٌّ لَا تَحْقِيقِيٌّ إذْ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا مِنْ الْحُجَجِ وَأَنَّ الْمَنْفِيَّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَقَامِ الْبُرْهَانِيِّ وَهَذَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ خِطَابِيًّا وَأَيْضًا إذَا أَتْقَنْت مَا فَصَّلْنَا سَابِقًا لَا تَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ قِيلَ إنَّهُ اشْتَهَى الْبَاقِلَاءَ سِنِينَ وَلَمْ يَأْكُلْ فَرُئِيَ فِي الْمَنَامِ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَقِيلَ لَهُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك فَقَالَ غَفَرَ لِي رَبِّي وَقَالَ كُلْ يَا مَنْ لَمْ يَأْكُلْ وَاشْرَبْ يَا مَنْ لَمْ يَشْرَبْ وَرُوِيَ عَنْهُ إنِّي لَأَشْتَهِي الشِّوَاءَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً مَا صَفَا لِي ثَمَنُهُ وَقِيلَ لَهُ بِأَيِّ شَيْءٍ تَأْكُلُ فَقَالَ أَذْكُرُ الْعَاقِبَةَ فَأَجْعَلُهَا إدَامِي. وَقَالَ بِشْرٌ لَا يَجِدُ حَلَاوَةَ الْآخِرَةِ رَجُلٌ يُحِبُّ أَنْ يَعْرِفَهُ النَّاسُ (وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ) أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى (الْخَرَّازُ) مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ ﵀ (كُلُّ بَاطِنٍ) أَيْ عِلْمٍ بَاطِنٍ وَهُوَ التَّصَوُّفُ

стр. 117

(يُخَالِفُهُ ظَاهِرٌ) عِلْمٌ ظَاهِرٌ هُوَ عِلْمُ الشَّرِيعَةِ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (فَهُوَ بَاطِلٌ) ؛ لِأَنَّهُ وَسْوَسَةٌ شَيْطَانِيَّةٌ وَزَخْرَفَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ فَادِّعَاؤُهُمْ بِأَنَّ الْوُصُولَ مُحْتَاجٌ إلَى رَفْضِ الْعِلْمِ الظَّاهِرِ وَنَحْوُهُ مُسْتَنِدًا إلَى مِثْلِ هَذِهِ الْأَسْلَافِ لَغْوٌ بَاطِلٌ صِرْفٌ (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ) الْبَلْخِيّ ثُمَّ السَّمَرْقَنْدِيُّ مَاتَ سَنَةَ تِسْعَ عَشَرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ (ذَهَابُ الْإِسْلَامِ) انْطِمَاسُ رَوْنَقِهِ وَاسْتِتَارُ أَنْوَارِهِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى إلَّا اسْمُهُ وَصَيْرُورَتُهُ طَبِيعَةً بَعْدَ أَنْ كَانَ شَرِيعَةً فَلَمْ يَحْكُمْ الرَّجُلُ إلَّا بِمَا يَسْتَحْسِنُهُ بِرَأْيِهِ وَعَقْلِهِ (مِنْ) أَجْلِ أُمُورٍ (أَرْبَعَةٍ لَا يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ) ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجْمَعُوا الْعِلْمَ إلَّا لِيَتَمَيَّزُوا عَنْ الْعَوَامّ وَيَتَوَسَّلُوا إلَى جَمْعِ الدُّنْيَا مِنْ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ (وَيَعْمَلُونَ بِمَا لَا يَعْلَمُونَ) أَيْ الصُّوفِيَّةُ الْجُهَّالُ فَتَكُونُ عِبَادَتُهُمْ بِمُجَرَّدِ عُقُولِهِمْ أَوْ بِمَا رَأَوْا مِنْ النَّاسِ عُلَمَاءَ أَوْ لَا (وَلَا يَتَعَلَّمُونَ) مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْكُتُبِ (مَا يَعْمَلُونَ) بِهِ مِنْ عِلْمِ الْحَالِ (وَالنَّاسَ) مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ (مِنْ التَّعَلُّمِ يَمْنَعُونَ) بِتَخْوِيفِ مُجَاهِرٍ أَوْ بِتَزْيِينِ مَا يُضَادُّهُ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا أَوْ بِإِرَاءَةِ كَسْلَانٍ الْعِلْمَ تَرْوِيجًا لِسِلْعَتِهِمْ الْكَاسِدَةِ فِي الدِّينِ وَتَلْبِيسًا لِطَرِيقِ الصَّالِحِينَ حُبًّا لِلْعَاجِلَةِ وَفِدَاءً لِلْآجِلَةِ وَقِيلَ هُمْ الْمُتَزَيُّونَ بِزِيِّ الْمَشَايِخِ الْفَاسِدُونَ الْمُفْسِدُونَ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْعِلْمَ فِي الْمَوَاضِعِ الْعِلْمُ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَالْمُخَالَفَةُ مُؤَثِّرَةٌ فِي ذَهَابِ الْإِسْلَامِ وَهُمْ يَلْتَزِمُونَ تَرْكَهُ بَلْ شَرَطُوهُ فِي الْوُصُولِ (كُلُّ مَا ذُكِرَ مِنْ كَلَامِ سَيِّدِ الطَّائِفَةِ) وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ أَيْ مِنْ كَلَامٍ هُوَ لَفْظُ سَيِّدِ الطَّائِفَةِ (إلَى هُنَا مَنْقُولٌ مِنْ رِسَالَةِ) الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْعَارِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى رُكْنُ الْإِسْلَامِ أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ هَوَازِنَ. (الْقُشَيْرِيُّ) ﵀ قِيلَ هِيَ رِسَالَةٌ كَتَبَهَا إلَى جَمَاعَةِ الصُّوفِيَّةِ بِبُلْدَانِ الْإِسْلَامِ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ (اُنْظُرْ) بِعَيْنِ الْإِنْصَافِ وَاتْرُكْ التَّعَصُّبَ وَالِاعْتِسَافَ (أَيُّهَا الْعَاقِلُ الطَّالِبُ لِلْحَقِّ) الْمُطَابِقِ لِلْوَاقِعِ (إنَّ هَؤُلَاءِ) السَّادَةَ الْمَذْكُورِينَ الْجُنَيْدِيَّ وَالسَّرِيَّ وَأَبَا يَزِيدَ وَأَبَا سُلَيْمَانَ وَذَا النُّونِ وَبِشْرًا الْحَافِيَّ وَأَبَا سَعِيدٍ وَمُحَمَّدَ بْنَ الْفَضْلِ كُلَّهُمْ (عُظَمَاءُ مَشَايِخُ عُلَمَاءُ الطَّرِيقَةِ وَكُبَرَاءُ أَرْبَابِ السُّلُوكِ) فِي السُّيُورِ الْمَعْهُودَةِ (إلَى) مَعْرِفَةِ (اللَّهِ) وَأَنْوَارِ تَجَلِّيَاتِهِ. (وَالْحَقِيقَةِ) وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ مِنْ السُّلُوكِ أَيْ الْوُصُولِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمُشَاهَدَةِ الرُّبُوبِيَّةِ بِالتَّجَلِّيَاتِ وَالْمُكَاشَفَاتِ وَارْتِفَاعِ الْحُجُبِ مِنْ الْبَيْنِ (وَكُلُّهُمْ) مَعَ سَائِرِهِمْ لَا الْمَذْكُورُونَ هُنَا فَقَطْ فَالضَّمِيرُ لِمُطْلَقِ الْمَشَايِخِ فِي ضِمْنِ هَذَا الْمُقَيَّدِ (يُعَظِّمُونَ الشَّرِيعَةَ الشَّرِيفَةَ) بِكَمَالِ الِاهْتِمَامِ فِي إتْيَانِ حَقَائِقِهَا وَغَايَةِ الْمُرَاعَاةِ فِي دَقَائِقِهَا إلَى أَنْ يَجْعَلُوا رُخَصَهَا كَالْمُحَرَّمَاتِ وَعَزَائِمَهَا كَالْوَاجِبَاتِ فَضْلًا عَنْ تَرْكِ الْأَوْلَى وَإِتْيَانِ مَا فِيهِ شُبْهَةٌ كَيْفَ وَهُمْ جَعَلُوا الشَّرِيعَةَ لِلْوُصُولِ إلَى مَقَاصِدِهِمْ مَبَادِئَ أَصْلِيَّةً وَمُقَدَّمَاتٍ ضَرُورِيَّةٍ وَبِذَلِكَ وَصَلُوا إلَى مَقَامَاتِهِمْ بَلْ فِي حَالِ غَلَبَةِ وُجْدِهِمْ وَحَالِهِمْ أَكْثَرُهُمْ مَحْفُوظُونَ مِنْ اللَّهِ عَنْ تَرْكِ آدَابِ الشَّرِيعَةِ مَعَ شِدَّةِ حَالَتِهِمْ بِحَيْثُ لَا يَفُوتُ شَيْءٌ مِنْ آدَابِ الشَّرِيعَةِ أَصْلًا وَهَذَا مَقَامُ دَوْلَةِ السَّلْطَنَةِ الْبَايَزِيدِيَّةِ كَانَ مَغْلُوبًا فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ، فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَأَزْمِنَةُ الْعِبَادَاتِ عَادَ إلَى حَالِهِ، وَإِذَا أَدَّى لَوَازِمَ الشَّرِيعَةِ عَادَ إلَى الْغَلَبَةِ وَهَذَا بِبَرَكَةِ صِحَّةِ الِاسْتِقَامَةِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ مَغْلُوبًا دَائِمًا كَالْمَجَانِينِ فَمَعْذُورُونَ. (وَيَبْنُونَ عُلُومَهُمْ الْبَاطِنَةَ) الْمُفَاضَةَ عَلَيْهِمْ بِالْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ وَالْإِلْهَامِ

стр. 118

الرُّوحَانِيِّ (عَلَى السِّيرَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ) وَيَحْتَمِلُ مَعْنَى الْوَصْفِيَّةِ بِمَعْنَى الْأَسْبَقِ فِي كَوْنِهَا مَحْمُودَةً (وَالْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ) الَّتِي لَا عِوَجَ فِيهَا وَلَا أَمْتَ عَلَى وَجْهٍ لَوْ جَمَعَ الْحُكَمَاءُ حِكْمَتَهُمْ وَالْعُلَمَاءُ عِلْمَهُمْ؛ لَأَنْ يَجِدُوا فِيهِمْ مُغَايَرَةً لِلشَّرِيعَةِ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ لَمْ يَجِدُوا إلَيْهِ سَبِيلًا خِلَافًا لِهَؤُلَاءِ الزَّنَادِقَةِ، فَإِنَّ حَالَهُمْ وَسِيرَتَهُمْ مَا عَرَفْت وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ مَعَ كَمَالِ مُخَالَفَتِهِمْ وَفَرْطِ الْتِزَامِ مُتَارَكَةِ سِيرَتِهِمْ ادَّعَوْا مُتَابَعَتَهُمْ وَأَخْذَ طَرِيقَتِهِمْ مِنْهُمْ مُحْتَجِّينَ بِهِمْ عَلَى مُخَالِفِيهِمْ وَهُمْ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ لِمَا عَرَفْت مِنْ تَفَاصِيلِ سِيرَتِهِمْ وَمَذْهَبِهِمْ (فَلَا يَغُرَّنَّكَ) إذَا عَرَفْت حَقِيقَةَ الْحَقِّ مِنْ تَمَسُّكَاتِ الْمَشَايِخِ بَلْ وَمِنْ لُزُومِ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلَا يَغُرَّنَّكَ (طَامَّاتُ) جَمْعُ طَامَّةٍ دَاهِيَةٌ عَظِيمَةٌ وَفُسِّرَ هُنَا بِالْأُمُورِ الْمُضِرَّةِ فِي الدِّينِ (الْجُهَّالِ الْمُتَنَسِّكِينَ) الْمُتَعَبِّدِينَ بِلَا عِلْمٍ وَالْمُتَنَسِّكُ مُظْهِرُ النُّسُكِ أَيْ الْعِبَادَةِ (وَشَطْحُهُمْ) أَيْ مُجَاوَزَتُهُمْ الْحُدُودَ بِالْإِفْرَاطِ قِيلَ هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُوَلَّدِينَ وَلِهَذَا لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقَامُوسِ وَالْمِصْبَاحِ (الْفَاسِدِينَ) فِي أَنْفُسِهِمْ (الْمُفْسِدِينَ) لِغَيْرِهِمْ (الضَّالِّينَ) لِخُرُوجِهِمْ عَنْ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ (الْمُضِلِّينَ) لِغَيْرِهِمْ الْأَوَّلُ مُنَاسِبٌ لِلْأَوَّلِ. وَالثَّانِي لِلثَّانِي (بَعْدَ أَنْ كَانُوا زَائِغِينَ) مَائِلِينَ (عَنْ الشَّرْعِ الْقَوِيمِ) إلَى الْبَاطِلِ وَالْعَاطِلِ الْحَدِيثِ وَالْقَدِيمِ (وَمَائِلِينَ عَنْ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ خَارِجِينَ عَنْ مَنَاهِجِ) الْمَنْهَجُ هُوَ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ (عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ) الَّتِي كَانَ الْكُلُّ مَأْمُورِينَ بِاتِّبَاعِهَا (وَمَارِقِينَ) خَارِجِينَ (عَنْ مَسَالِكِ مَشَايِخِ الطَّرِيقَةِ) النَّبَوِيَّةِ لِإِعْرَاضِهِمْ عَنْ آدَابِ الشَّرِيعَةِ وَتَرْكِهِمْ التَّحَصُّنَ بِحُصُونِهَا الْمَنِيعَةِ لِاعْتِكَافِهِمْ عَلَى أَصْنَامِ الْأَوْهَامِ لِافْتِتَانِهِمْ بِوَحْيِ الشَّيْطَانِ لَا يَخْفَى أَنَّ كَلِمَاتِ الْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَا تَخْلُو عَمَّا يُسْتَغْنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ لَكِنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ فَائِدَةٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ الذَّمِّ وَالتَّنْفِيرِ لِتَحَسُّنِ الْمُبَالَغَاتِ وَالتَّأْكِيدَاتِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُنَاسِبَ فِي التَّفْرِيعِ بِحَسَبِ الذَّوْقِ وَالسَّوْقِ أَنْ يُقَالَ بَدَلُ فَلَا يَغُرَّنَّكَ أَوْ فِي ضِمْنِهِ وَمَعِيَّتِهِ نَحْوُ أَنْ يُقَالَ فَظَهَرَ بُطْلَانُ مَقَالِهِمْ وَامْتِنَاعُ مُدَّعَاهُمْ لَا سِيَّمَا أَنَّهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِصَلَاحِ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ وَيُسَلِّمُونَ كَلِمَاتِهِمْ وَيَدَّعُونَ اتِّبَاعَهُمْ وَيُظْهِرُونَ مُعَادَاةَ مُخَالِفِيهِمْ. (فَالْوَيْلُ) الْعُقُوبَةُ الشَّدِيدَةُ أَوْ حُلُولُ الشَّرِّ أَوْ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ أَوْ دُعَاءٌ يُدْعَى بِهِ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهُ لِقُوَّةِ الْقَبَائِحِ وَشِدَّةِ الْفَضَائِحِ (كُلُّ الْوَيْلِ لَهُمْ) إنْ دَامُوا عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَإِلَّا عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ، فَإِنْ قِيلَ هَذِهِ إمَّا إخْبَارٌ فَيَلْزَمُ الْحُكْمُ بِكَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِمَّا إنْشَاءٌ بِالدُّعَاءِ بِالثُّبُورِ فَيَلْزَمُ الدُّعَاءُ بِالسُّوءِ وَاللَّائِقُ هُوَ الدُّعَاءُ بِإِصْلَاحِهِمْ وَحُسْنِ حَالِهِمْ قُلْنَا عَدَمُ جَوَازِ الْحُكْمِ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ إنْ كَانَ فِي شَخْصٍ مُعَيَّنٍ وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَقَوْلِك: كُلُّ كَافِرٍ فِي النَّارِ أَوْ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ قَوْله تَعَالَى - ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨]- الْآيَةُ كَمَا صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي وَصَايَاهُ التُّرْكِيَّةِ (وَلِمَنْ تَبِعَهُمْ) ؛ لِأَنَّ شَبِيهَ الْقَوْمِ مِنْهُمْ فَضْلًا عَمَّنْ يَلْحَقُ بِهِمْ (أَوْ حَسَّنَ) مِنْ التَّحْسِينِ (أَمْرَهُمْ) مِنْ تِلْكَ الْفُحْشِيَّاتِ وَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ حَسَّنُوا بِالْجَمْعِ لَيْسَ بِحَسَنٍ؛ لِأَنَّ تَحْسِينَ الْمَعَاصِي وَرِضَاهَا مَعْصِيَةٌ بَلْ قَدْ يَكْفُرُ (فَهُمْ) مَعَ اتِّبَاعِهِمْ (قُطَّاعُ طَرِيقِ اللَّهِ تَعَالَى) لَا سُلَّاكُ طَرِيقِ اللَّهِ تَعَالَى (عَلَى الْعَابِدِينَ) بِمَنْعِهِمْ مُرِيدَ سُلُوكِ الطَّرِيقِ عَنْ السُّلُوكِ فِي طَرِيقِ اللَّهِ بِسِهَامِ الْوَسَاوِسِ وَأَسْلِحَةِ الْأَكَاذِيبِ وَالْأَوْهَامِ. (يُلْبِسُونَ) مِنْ اللَّبْسِ بِمَعْنَى الْخَلْطِ

стр. 119

(الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ) اقْتِبَاسٌ مِنْ بَعْضِ آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي حَقِّ أَهْلِ الْكِتَابِ فَفِيهِ أَبْلَغُ وَآكَدُ رَدٍّ وَالْمَعْنَى يَخْلِطُونَ الْحَقَّ الْمُنَزَّلَ بِالْبَاطِلِ الَّذِي يَخْتَرِعُونَهُ وَيَكْتُبُونَهُ حَتَّى يَشْتَبِهَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ أَوْ يَجْعَلُونَ الْحَقَّ مُلْتَبِسًا بِسَبَبِ الْبَاطِلِ الَّذِي يُحْدِثُهُ هَوَاهُمْ وَيُلْهِمُهُ شَيْطَانُهُمْ (وَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ) يَعْنِي يُلْبِسُونَ الْحَقَّ لِمَنْ سَمِعَهُ وَيُخْفُونَهُ عَمَّنْ لَمْ يَسْمَعْهُ وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ اسْتِقْبَاحَ اللَّبْسِ لِمَا يَصْحَبُهُ مِنْ كِتْمَانِ الْحَقِّ وَتَكْرِيرِ الْحَقِّ إمَّا لِأَنَّ الثَّانِيَ غَيْرُ الْأَوَّلِ أَوْ لِزِيَادَةِ تَقْبِيحِ حَالِهِمْ فِي التَّصْرِيحِ بِاسْمِ الْحَقِّ (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أَنَّهُ الْحَقُّ الْقَاطِعُ الظَّاهِرُ غَيْرَ أَنَّهُمْ قَصَدُوا تَسْهِيلَ الْأَمْرِ عَلَيْهِمْ وَحَصْرَ الْكَمَالِ لَدَيْهِمْ مِنْ سَخَافَةِ الْعُقُولِ وَإِضَاعَةِ الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ ثُمَّ قِيلَ لَقَدْ أَحْسَنَ الْمُصَنِّفُ فِي عَدَمِ التَّعْيِينِ فِي طَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ إذْ الْوَاجِبُ حُسْنُ الظَّنِّ وَلَا يَجُوزُ سُوءُ الظَّنِّ فِي مُعَيَّنٍ بَلْ اللَّائِقُ التَّأْوِيلُ سَتْرًا لِإِخْوَانِنَا الْمُسْلِمِينَ وَلَا التَّجَسُّسُ عَنْ عَوْرَاتِهِمْ بَلْ اللَّازِمُ هُوَ النُّصْحُ فَلَا يُوجَدُ فِي زَمَانِنَا وَبِلَادِنَا بِخِلَافِ مَا عَلَيْهِ عُلَمَاءُ زَمَانِنَا مِنْ تَخْصِيصِ الْكَلَامِ بِالْمَقَاصِدِ وَالتَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ عَلَى رُءُوسِ الْأَنَامِ مَعَ التَّجَسُّسِ وَسُوءِ الظَّنِّ مَعَ اعْتِقَادِ ذَلِكَ طَاعَةً وَهُوَ مِنْ أَقْبَحِ الْآثَامِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْكَلِمَاتِ الرَّدِيئَةِ الْبَعِيدَةِ عَنْ الْأَفْهَامِ. أَقُولُ: هَذَا مُوجِبٌ لِتَعَطُّلِ أَبْوَابِ التَّعْزِيرِ وَالْحُدُودِ مِنْ الْفِقْهِيَّةِ وَسَدِّ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَكَيْفَ يُؤَوَّلُ كَلَامٌ هُوَ صَرِيحٌ بَلْ مُحْكَمٌ فِي الْخَطَأِ وَأَنَّ زَمَانَهُ قَرِيبٌ إلَى زَمَانِنَا وَبَلَدَهُ دِمَشْقُ الشَّامِ، وَقَدْ شَاهَدْنَا فِيهِ مِنْ مُتَصَوِّفَتِهِمْ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ مَا لَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ بَلْ يَجِبُ مَنْعُهُ عَنْ الْقَادِرِ. [الْفَصْلُ الثَّالِثُ الِاقْتِصَادِ فِي الْعَمَلِ] [الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِصَادِ فِي الطَّاعَةِ] (الْفَصْلُ الثَّالِثُ) آخِرُ فُصُولِ الْبَابِ الْأَوَّلِ (فِي الِاقْتِصَادِ) أَيْ التَّوَسُّطِ بِلَا إفْرَاطٍ وَلَا تَفْرِيطٍ (فِي الْعَمَلِ) بِالْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ (الْآيَاتُ) أَيْ هَذِهِ هِيَ الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِصَادِ فِي الطَّاعَةِ فِي الْبَقَرَةِ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أَيُّهَا الْمُكَلَّفُونَ ﴿الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] أَيْ السُّهُولَةَ وَالتَّسْهِيلُ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ وَهِيَ إبَاحَةُ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ كَذَا نُقِلَ عَنْ الْخَازِنِ. أَقُولُ: الْمَفْهُومُ مِنْ الْآيَةِ إرَادَةُ اللَّهِ التَّخْفِيفَ فِي كُلِّ مَا شُقَّ فِيهِ وَلِذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ وَخَرَّجُوا عَلَيْهَا رُخَصَ الشَّرْعِ وَتَخْفِيفَاتِهِ فِي الْعِبَادَاتِ كَالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ وَالْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ وَالْعُسْرِ وَعُمُومِ الْبَلْوَى وَالتَّفْصِيلُ فِي الْأَشْبَاهِ ﴿وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] لِأَنَّهُ لَا يُشَدِّدُ وَلَا يُضَيِّقُ قَالَ الشَّعْبِيُّ إذَا اخْتَلَفَ عَلَيْك أَمْرَانِ أَيْسَرُهُمَا أَقْرَبُهُمَا لِلْحَقِّ. وَرُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا فِي الْمَسْجِدِ يُطِيلُ الصَّلَاةَ فَأَتَاهُ فَأَخَذَ بِمَنْكِبَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَضِيَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْيُسْرَ وَكَرِهَ لَهُمْ الْعُسْرَ قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» وَمِنْهَا آيَةُ النِّسَاءِ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨] فَلِذَلِكَ شَرَعَ لَكُمْ الشَّرِيعَةَ السَّمْحَةَ السَّهْلَةَ وَرَخَّصَ لَكُمْ فِي الْمَضَايِقِ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَلِهَذَا لَمْ يُثْقِلْ عَلَيْنَا كَمَا ثَقُلَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ ﴿وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ يَضْعُفُ عَنْ الصَّبْرِ عَنْ الْجِمَاعِ وَلَا يَصْبِرُ عَنْهُنَّ وَلِذَلِكَ أَبَاحَ لَهُ نِكَاحَ الْأَمَةِ لِعَدَمِ طَوْلِ الْحُرَّةِ وَعَنْ الْبَغَوِيّ أَيْ خَلَقَهُ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ [الروم: ٥٤] وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ لَا يَصْبِرُ عَنْ الشَّهَوَاتِ وَلَا يَتَحَمَّلُ مَشَاقَّ الطَّاعَاتِ. وَقِيلَ أَيْ ضَعِيفُ الرَّأْيِ وَالْعَقْلِ إلَّا مَنْ أُيِّدَ بِنُورِ الْيَقِينِ وَمِنْهَا آيَةُ الْمَائِدَةِ ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] ضِيقٍ فِي الدِّينِ

стр. 120

بَلْ جَعَلَهُ وَاسِعًا وَمِنْهَا فِي الْمَائِدَةِ أَيْضًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] الطَّيِّبَاتُ اللَّذِيذَاتُ الَّتِي تَشْتَهِيهَا النُّفُوسُ وَتَمِيلُ إلَيْهَا الْقُلُوبُ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ هُمْ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَزَمُوا أَنْ يَرْفُضُوا الدُّنْيَا وَيُحَرِّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ الْمَطَاعِمَ الطَّيِّبَةَ وَالْمَشَارِبَ اللَّذِيذَةَ وَأَنْ يَصُومُوا النَّهَارَ وَيَقُومُوا اللَّيْلَ وَيَخُصُّوا أَنْفُسَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٨٧] لَا تُجَاوِزُوا الْحَلَالَ إلَى الْحَرَامِ وَقِيلَ بِالْإِسْرَافِ فِي الطَّيِّبَاتِ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧] كَأَنَّهُ تَعْلِيلٌ إطْنَابِيٌّ وَمِنْهَا آيَةُ الْأَعْرَافِ ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] يَعْنِي قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْجَهَلَةِ الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً مَنْ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي خَلَقَهَا لِعِبَادِهِ أَنْ تَتَزَيَّنُوا بِهَا وَتَلْبَسُوهَا فِي الطَّوَافِ وَغَيْرِهِ وَخَصَّ بَعْضٌ الزِّينَةَ بِاللِّبَاسِ الَّذِي يَسْتُرُ بِهِ الْعَوْرَةَ وَعَمَّمَهَا بَعْضُهُمْ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الزِّينَةِ فَلَوْلَا تَخْصِيصُ هَذَا الْعَامِّ مِنْ سَائِرِ النُّصُوصِ لَدَخَلَ تَحْتَهُ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْحُلِيِّ مِنْ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ. ﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] فُسِّرَ الطَّيِّبُ هُنَا بِكُلِّ مَا يُسْتَلَذُّ وَيُشْتَهَى مِنْ الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَلْبُوسَاتِ إلَّا مَا وَرَدَ نَصٌّ بِتَحْرِيمِهِ. قِيلَ فِي هَذَا دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى إبَاحَةِ نَحْوِ الْقَهْوَةِ وَالصَّنَمْ مِمَّا تَسْتَلِذُّ بِهِ بَعْضُ الطَّبَائِعِ وَتَجِدُ لَهُ نَفْعًا وَلَيْسَ بِمُسْكِرٍ وَلَيْسَ فِي حُرْمَتِهِ نَصُّ آيَةٍ وَحَدِيثٍ وَقِيَاسٍ وَقَدْ أَشَرْنَا قَبْلُ أَقُولُ وَقَدْ أَشَرْنَا أَيْضًا قَبْلُ كَرَاهَةِ رَدْ وَأَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ وَمَا تَقْتَضِيهِ الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ وَالْفَتَاوَى الْفِقْهِيَّةُ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ وَأَنْوَاعِ التَّجَمُّلَاتِ الْإِبَاحَةُ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ فِي مَنْ لِلْإِنْكَارِ انْتَهَى أَقُولُ تَقْيِيدُ الرِّزْقِ بِالطَّيِّبَاتِ لَيْسَ بِمُلَائِمٍ عَلَى إطْلَاقِ ذَلِكَ وَأَيْضًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَعَانِي الزِّينَةِ مَا يُنَافِي الْإِطْلَاقَ لِمَا ثَبَتَ حِلُّهُ شَرْعًا وَلَوْ سَلِمَ فَظَاهِرُ الصِّيغَةِ هُوَ الْعُمُومُ لَا التَّخْصِيصُ بِنَحْوِ مَا ذُكِرَ وَدَعْوَى انْحِصَارِ أَفْرَادِ الْعُمُومِ بِمَا عَدَّ بَعِيدٌ إلَّا أَنْ يُبْنَى الْبَيَانُ عَلَى التَّمْثِيلِ أَوْ عَلَى مَا يَكُونُ أَكْثَرِيًّا لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَبْضَاعِ التَّحْرِيمُ وَلِذَا صَارَ الْأَصْلُ فِي النِّكَاحِ الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ لِلضَّرُورَةِ وَجُعِلَ ﴿مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] بَيَانًا لِلْجَمِيعِ لَا لِلْأَخِيرِ فَقَطْ يَخْرُجُ الْمُلَابِسُ وَالتَّجَمُّلَاتُ إلَّا أَنْ يُرَادَ مِنْ الرِّزْقِ غَيْرُ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ ثُمَّ أَقُولُ تَفْصِيلُ مَسْأَلَةِ كَوْنِ الْأَصْلِ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةَ أَنَّهُ كَذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ كَالْكَرْخِيِّ وَفِي الْأَشْبَاهِ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَنَسَبَ الشَّافِعِيَّةُ كَوْنَهُ حُرْمَةً إلَّا بِدَلِيلِ الْإِبَاحَةِ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ الْحَظْرُ ثُمَّ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا الْأَصْلُ فِيهَا التَّوَقُّفُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ حُكْمٍ لَكِنَّا لَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ بِالْعَقْلِ وَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا مَا أَشْكَلَ حَالُهُ كَالْحَيَوَانِ الْمُشْكِلِ أَمْرُهُ وَالنَّبَاتِ الْمَجْهُولِ سُمِّيَّتُهُ وَالنَّهْرِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ مَمْلُوكِيَّتُهُ وَإِبَاحَتُهُ ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: ٣٢] بِالْأَصَالَةِ أَوْ بِالِاسْتِحْقَاقِ؛ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ لَهُمْ، وَالْكَفَرَةُ وَإِنْ شَارَكُوهُمْ فِيهَا فَتَبَعٌ ﴿خَالِصَةً﴾ [الأعراف: ٣٢] بِالرَّفْعِ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أَيْ هِيَ مَخْصُوصَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] ظَرْفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فَيَشْتَرِكُ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ فِي الدُّنْيَا وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَهِيَ رَاجِعٌ إلَى الزِّينَةِ وَالطَّيِّبَاتِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي الزِّينَةِ وَالطَّيِّبَاتِ فِي الدُّنْيَا

стр. 121

وَيَخْتَصُّ بِهِمَا الْمُؤْمِنُ فِي الْقِيَامَةِ كَذَا رُوِيَ عَنْ الْوَاحِدِيِّ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَعَنْ الْخَازِنِ قِيلَ مَعْنَاهُ خَالِصَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ التَّكْدِيرِ وَالتَّنْغِيصِ وَالْغَمِّ خِلَافُ الدُّنْيَا ﴿كَذَلِكَ﴾ [الأعراف: ٣٢] التَّبْيِينُ وَالتَّفْصِيلُ ﴿نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢] الدَّالَّةُ عَلَى الْأَحْكَامِ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ كَتَفْصِيلِنَا هَذَا الْحُكْمَ تَفْصِيلُ سَائِرِ الْأَحْكَامِ لَهُمْ وَمِنْهَا آيَةُ ( ﴿طه﴾ [طه: ١] قِيلَ كَانَ ﵊ «إذَا صَلَّى رَفَعَ رِجْلًا وَوَضَعَ أُخْرَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى طَه أَيْ طَأْ الْأَرْضَ بِقَدَمَيْك جَمِيعًا» فَمَعْنَى ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ٢] أَيْ لِتُصَلِّيَ عَلَى إحْدَى رِجْلَيْك فَيَشُقَّ عَلَيْك وَقِيلَ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ حَتَّى إذَا شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَامَ عَلَى إحْدَى رِجْلَيْهِ وَرَفَعَ الْأُخْرَى فَنَزَلَ طَه أَيْ طَأْ الْأَرْضَ بِقَدَمَيْك» . وَعَنْ الزَّجَّاجِ مَعْنَاهُ بِالْعَجَمِيَّةِ يَا رَجُلُ لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُنَاسِبٍ بِسَائِرِ الْخِطَابَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ إذْ كُلَّمَا خَاطَبَ اللَّهُ حَبِيبَهُ فِي الْقُرْآنِ خَاطَبَهُ بِمَا يُشْعِرُ بِالْمَدْحِ وَقِيلَ قَسَمٌ بِطَوْلِهِ وَهِدَايَتِهِ وَقِيلَ الطَّاءُ افْتِتَاحُ اسْمِهِ طَاهِرٌ وَالْهَاءُ اسْمُهُ هَادِي أَيْ أَنْتَ طَاهِرٌ بِنَا هَادٍ إلَيْنَا وَقِيلَ يَا إنْسَانُ قِبْطِيَّةٌ أَوْ سُرْيَانِيَّةٌ أَوْ لُغَةُ عك مِنْ الْعَرَبِيَّةِ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيِّ طُوبَى لِمَنْ اهْتَدَى بِك وَجَعَلَك السَّبِيلَ إلَيْنَا وَعَنْ ابْنِ عَطَاءٍ ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ٢] أَيْ لِتَتْعَبَ فِي خِدْمَتِنَا. وَمِنْهَا آيَةُ الْحَجِّ ( ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] مِنْ ضِيقٍ فَجَعَلَ لِلْمُسَافِرِ الْإِفْطَارَ وَقَصْرَ الصَّلَاةِ وَالْقُعُودَ فِي الصَّلَاةِ لِلْعَاجِزِ وَالْإِيمَاءَ أَيْضًا لِعَاجِزِ الْقُعُودِ وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ رَفْعِ الْحَرَجِ فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ جَعَلَ الْكَفَّارَاتِ مَخْرَجًا مِنْ الذَّنْبِ إمَّا بِالتَّوْبَةِ أَوْ بِالْقِصَاصِ أَوْ بِرَدِّ الْمَظْلِمَةِ أَوْ بِنَوْعِ كَفَّارَةٍ وَقِيلَ هُوَ أَخْذُ الْيَقِينِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ يَعْنِي حَمْلُ الْمُحْتَمَلِ عَلَى الْمُتَيَقَّنِ وَقِيلَ إبَاحَةُ الرُّخَصِ عِنْدَ الضَّرُورَاتِ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَإِفْطَارِ الصَّائِمِ لِنَحْوِ الْمَرَضِ وَقِيلَ هُوَ الْخُرُوجُ عَنْ الذُّنُوبِ بِنَحْوِ الْمَصَائِبِ وَالْبَلَايَا. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ مِنْ حَرَجٍ أَيْ ضِيقٍ بِتَكْلِيفِ مَا يَشْتَدُّ بِهِ الْقِيَامُ عَلَيْكُمْ [الْأَدِلَّةُ مِنْ السُّنَّةِ عَلَى الِاقْتِصَادِ فِي الطَّاعَةِ] وَأَمَّا الْأَدِلَّةُ مِنْ السُّنَّةِ فَهِيَ (الْأَخْبَارُ) وَهِيَ عَشَرَةُ أَحَادِيثَ (خ م) رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا (عَنْ أَنَسٍ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (أَنَّهُ قَالَ «جَاءَ رَهْطٌ» جَمَاعَةٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ أَوْ سَبْعَةٍ إلَى عَشَرَةٍ أَوْ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ وَمَا فِيهِمْ امْرَأَةٌ

стр. 122

وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَجَمْعُهُ أَرْهُطٌ وَأَرَاهِطُ وَأَرَاهِيطُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. وَفِي ابْنِ مَالِكٍ هُمْ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَعَنْ ثَعْلَبٍ الرَّهْطُ وَالْقَوْمُ وَالنَّفَرُ وَالْمَعْشَرُ وَالْعِتْرَةُ بِمَعْنًى إلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي زَوْجَاتِهِ فَالزَّوْجُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ الزَّوْجُ الْبَعْلُ وَالزَّوْجَةُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْبُيُوتَ جَمْعُ كَثْرَةٍ وَالْأَزْوَاجُ جَمْعُ قِلَّةٍ فَيَتَنَافَيَانِ وَيُشِيرُ أَيْضًا إلَى أَنَّ الْبُيُوتَ بِمَعْنَى أَبْيَاتٍ جَمْعُ قِلَّةٍ اسْتِعَارَةٌ وَلَمْ يَعْكِسْ؛ لِأَنَّ أَزْوَاجَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ مَوْتِهِ تِسْعٌ وَلَمْ يُجَاوِزْ هَذَا الْعَدَدَ قَبْلَ مَوْتِهِ إلَّا إنْ غَلَبَ عَلَى السَّرَارِيِّ وَفِيهِ بُعْدٌ انْتَهَى نَقْلًا عَنْ الْمَوَاهِبِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ مَا فِيهِ مِنْ الْبُعْدِ أَيْضًا وَالْوَجْهَ الصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ «يَسْأَلُونَ عَنْ» كَيْفِيَّةِ «عِبَادَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» إذْ لَا يَطَّلِعُ عَلَى سِرِّ الرَّجُلِ فِي الْغَالِبِ إلَّا زَوْجَتُهُ اسْتِئْنَافٌ أَوْ حَالٌ أَوْ صِفَةٌ وَجْهُ سُؤَالِهِمْ هُوَ اقْتِدَاؤُهُمْ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمَوَاهِبِ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنْ مَا يُشْرَعُ لَهُمْ فِيهِ اقْتِدَاؤُهُمْ بِهِ ﵊ فَلَا جَرَمَ يُنَبِّئُهُ ﵊ مَا يُرِيدُ إخْفَاءَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُنَّ إظْهَارُهُ بَلْ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مِنْ الْخَوَاصِّ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَلَزِمَ إظْهَارُهُ لَهُمْ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]- وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُمْ لِلِاسْتِفْصَالِ وَلِنَحْوِ التَّثْبِيتِ وَالتَّأْكِيدِ وَيَجُوزُ أَنَّهُ يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ بَعْضُ عَمَلِهِ فَيُرِيدُونَ بِهِ دَفْعَ اشْتِبَاهِهِمْ «فَلَمَّا أُخْبِرُوا» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجَاتِ هَذَا إمَّا مَحْمُولٌ عَلَى كَوْنِهِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْحِجَابِ أَوْ كَوْنِ أَزْوَاجِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَحَارِمَ لِلْمُؤْمِنِينَ إذْ الْمَحْرَمُ مَنْ يَكُونُ نِكَاحُهَا حَرَامًا عَلَى التَّأْبِيدِ وَأَزْوَاجُهُ ﵊ مَحْرَمٌ مُؤَبَّدٌ لِلْكُلِّ فَلْيُتَأَمَّلْ فِيهِ «كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا» أَيْ عَدُّوهَا قَلِيلَةً لِظَنِّهِمْ الْكَثْرَةَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَرَائِنِ آثَارِهِ وَسَائِرِ أَوْضَاعِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ وَجَّهُوا قِلَّتَهَا مِنْهُ «قَالُوا» فِيمَا بَيْنَهُمْ قِيلَ عَنْ ابْنِ مَالِكٍ وَإِنَّمَا قَلَّلَهَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَحْمَةً وَشَفَقَةً عَلَى أُمَّتِهِ لِئَلَّا يَلْحَقَهُمْ ضَرَرٌ وَمَشَقَّةٌ بِالِاقْتِدَاءِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُلَائِمٍ لِآخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ بَلْ لِأَوَّلِهِ هَذَا أَيْضًا عَلَى أَنَّ إيجَابَ الِاقْتِدَاءِ الْمَشَقَّةَ فِيمَا يَكُونُ الِاقْتِدَاءُ فِيهِ وَاجِبًا لَا فِي مُطْلَقِ فِعْلِهِ ﵊ بَلْ فِعْلُهُ الْمُطْلَقُ مُبَاحٌ لَهُ وَلَنَا اتِّبَاعُهُ كَمَا عِنْدَ الْجَصَّاصِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَاجِبٌ لَهُ وَعَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ بَلْ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ مُبَاحٌ لَهُ وَلَيْسَ لَنَا اتِّبَاعُهُ وَالْكُلُّ عِنْدَ عَدَمِ دَلِيلِ كَوْنِهِ مِنْ الْخَوَاصِّ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا عِنْدَ بَعْضٍ. «فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» أَيْ لَا تُقَاسُ نُفُوسُنَا الْمُتَعَلِّقَةُ بِالظُّلُمَاتِ الهيولانية، الْمُنْطَبِعَةُ بِالْأَهْوَاءِ الْمَادِّيَّةِ عَلَى نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ الْمَعْصُومَةِ بِالْأَنْوَارِ اللَّاهُوتِيَّةِ الْقُدْسِيَّةِ فَإِنَّهُ «قَدْ غُفِرَ لَهُ» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ «مَا» أَيْ الْجَمِيعُ الَّذِي «تَقَدَّمَ» فِي ابْتِدَاءِ عُمْرِهِ «مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» . فَإِنْ قِيلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعْصُومٌ فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ عِصْيَانٌ وَالْمَغْفِرَةُ تُوجِبُ وُجُودَ الْعِصْيَانِ إذْ الْمَعْدُومُ لَا تُتَصَوَّرُ فِيهِ الْمَغْفِرَةُ. قُلْنَا ذَلِكَ عَنْ الْكَبِيرَةِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا عِنْدَ بَعْضٍ وَإِنْ خَصَّ بَعْضٌ الْعَمْدَ، وَأَمَّا عَنْ الصَّغَائِرِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِهِ عَمْدًا، وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهِ فِي السَّهْوِ نَعَمْ نُقِلَ عَنْ شَرْحِ الْمَقَاصِدِ نَفْيُ عَمْدِ الصَّغَائِرِ أَيْضًا وَالْإِجْمَاعُ عَلَى امْتِنَاعِ صَغِيرَةٍ دَالَّةٍ عَلَى الْخِسَّةِ مُنَافِيَةٍ لِلْفَطَانَةِ فَظَهَرَ جَوَازُ صُدُورِ الصَّغِيرَةِ مُطْلَقًا عِنْدَ بَعْضٍ أَوْ فِي السَّهْوِ عِنْدَ آخَرَ بَلْ الْكَبِيرَةُ فِي السَّهْوِ عِنْدَ بَعْضٍ آخَرَ لَعَلَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ جِنْسَ هَذَا الْكَلَامِ مَحْمُولٌ عَلَى الذُّهُولِ مِنْ مَوَاجِبِ رِفْعَةِ مَقَامِهِ وَانْكِشَافِ

стр. 123

عَظَمَتِهِ تَعَالَى لَهُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنِّي لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» «قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي اللَّيْلَ» كُلَّهُ «أَبَدًا» مُدَّةَ عُمْرِي فَلَا أَنَامُ أَصْلًا - ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلا﴾ [المزمل: ٦]- وَأَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ؛ لِأَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ وَأَقْرَبِ الْقُرُبَاتِ وَلِهَذَا جُعِلَتْ قُرَّةَ عَيْنِ الْحَبِيبِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِمَادَ الدِّينِ وَعُرْوَةَ الْإِسْلَامِ وَأَفْضَلَ الْأَعْمَالِ. «وَقَالَ الْآخَرُ وَأَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ» كُلَّهُ إلَّا الْأَيَّامَ الْمَنْهِيَّةَ «وَلَا أُفْطِرُ» لِقَهْرِ النَّفْسِ الَّتِي هِيَ أَعْدَى عَدُوِّ اللَّهِ وَلِئَلَّا تَقْدُمَ عَلَى الْمَعَاصِي وَتَتَجَاسَرَ عَلَى الْهَوَى وَتُوقِعَ صَاحِبَهَا فِي كُلِّ مَضَرَّةٍ وَهَلَكَةٍ إذْ كُلُّ مَفْسَدَةٍ صَادِرَةٌ عَنْ النَّاسِ لَيْسَ إلَّا مِنْ طَرَفِهَا لَكِنْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أَنَّ أَفْضَلَ الصِّيَامِ صَوْمُ دَاوُد ﵊ وَكَذَا أَفْضَلُ الْقِيَامِ قِيَامُهُ» لَكِنْ فِي مِنَحِ الْغَفَّارِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا قَالَ الْمُخْتَارُ أَفْضَلِيَّةُ صَوْمِ الدَّهْرِ وَلِذَا سَلَكَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ ﵏ فَتَأَمَّلْ. «وَقَالَ الْآخَرُ وَأَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ» مِنْ الْعُزْلَةِ «وَلَا أَتَزَوَّجُ» وَلَا أَتَسَرَّى «أَبَدًا» مُدَّةَ عُمْرِي لِئَلَّا أَشْتَغِلَ بِخِدْمَتِهِنَّ وَبِخِدْمَتِهِنَّ يَحْصُلُ التَّعَلُّقُ بِالدُّنْيَا وَالتَّبَعُّدُ عَنْ الطَّاعَاتِ «فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَيْهِمْ» عَلَى عَادَةِ مَجِيئِهِ لِبَيْتِهِ الشَّرِيفِ. وَأَمَّا الْمَجِيءُ لِبُلُوغِ الْخَبَرِ وَكَوْنِهِ لِتَوَاضُعِهِ كَمَا قِيلَ فَبَعِيدٌ «فَقَالَ» كَأَنَّهُ مُعَاتِبًا لَهُمْ لِجَرَاءَتِهِمْ بِمُجَرَّدِ عُقُولِهِمْ عَلَى الزِّيَادَةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَا اسْتِئْذَانٍ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالزَّمَانُ أَوَانُ تَوَارُدِ الْوَحْيِ وَقَدْ كَانَتْ النُّصُوصُ نَاطِقَةً بِعَدَمِ الْحَرَجِ فِي الدِّينِ وَإِرَادَةِ الْيُسْرِ وَرَفْعِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ «أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا» كِنَايَةٌ عَمَّا الْتَزَمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْ الْأُمُورِ الشَّاقَّةِ وَلَمْ يَنْتَظِرْ الْجَوَابَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَيْسَ عَلَى حَقِيقَتِهِ بَلْ لِلتَّقْرِيعِ كَمَا أُشِيرَ وَفِي مِثْلِهِ لَا يَلْزَمُ الْجَوَابُ. وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا قِيلَ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ مُسَارَعَةَ بَيَانِ الْحَقِّ «أَمَا» بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ حَرْفُ تَنْبِيهٍ وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ بَعْدَهُ الْقَسَمُ «وَاَللَّهِ إنِّي لَأَخْشَاكُمْ» أَكْثَرُكُمْ خَشْيَةً «لِلَّهِ تَعَالَى» وَالْخَشْيَةُ خَوْفٌ مَعَ هَيْبَةٍ وَإِجْلَالٍ وَمُتَابَعَةٍ لِلْعِلْمِ وَكُلَّمَا ازْدَادَ الْعِلْمُ إلَى ذَاتِهِ تَعَالَى تَزْدَادُ الْخَشْيَةُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وَالنَّبِيُّ ﷺ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ أَخْشَاهُمْ «وَأَتْقَاكُمْ» أَيْ أَشَدُّكُمْ تَقْوَى وَأَكْثَرُكُمْ طَاعَةً «لَهُ» وَأَنَّ الطَّاعَةَ شُكْرٌ لِلنِّعْمَةِ وَنِعْمَتُهُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ وَأَوْفَرُ مِمَّا عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ - ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]- الْآيَةُ وَلِذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» فَكَيْفَ تَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ بِأَنِّي أَقَلُّ أَعْمَالًا وَأَدْنَى طَاعَاتٍ وَتَعْتَذِرُونَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَفَرَ مِنْ ذَنْبِي، فَإِنْ قِيلَ إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَلَّذِي أَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَالْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ مَأْمُونُونَ مِنْ النِّيرَانِ وَسُوءِ الْخَاتِمَةِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُمْ الْخَوْفُ وَالْخَشْيَةُ كَيْفَ. وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِهِ هَذَا «إنِّي لَأَخْشَاكُمْ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «أَنَا أَخْوَفُكُمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «إنِّي لَأَعْلَمُكُمْ بِاَللَّهِ وَأَخْشَاكُمْ» «وَأُوحِيَ إلَى دَاوُد ﵊ يَا دَاوُد خِفْنِي كَمَا تَخَافُ السَّبُعَ الضَّارِيَ» . وَقَالَ الصِّدِّيقُ الْأَعْظَمُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرَّةً يَا لَيْتَنِي كُنْت هَذِهِ التَّبِنَةَ وَقَالَ أُخْرَى لَيْتَنِي لَمْ أَكُ شَيْئًا وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَدِدْت أَنِّي كَبْشٌ فَيَذْبَحَنِي أَهْلِي فَيَأْكُلُونَ لَحْمِي. وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -

стр. 124

يَا لَيْتَنِي كُنْت وَرَقَةً مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ وَهِيَ مِمَّنْ شَهِدَ لَهَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّهَا زَوْجَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ إنْبَاءٌ عَنْ الْخَوْفِ فَكَيْفَ وَجْهُهُ. قُلْنَا الْخَوْفُ قِسْمَانِ: خَوْفُ الْعَاقِبَةِ وَخَوْفُ الْإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ لِلْحَقِّ وَاَلَّذِي زَالَ عَنْ الْمَأْمُونِينَ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ هُوَ الْأَوَّلُ، وَأَمَّا خَوْفُ الْإِجْلَالِ وَالْهَيْبَةِ وَالْحَيَاءِ وَالتَّعْظِيمِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى الْعِرْفَانِ فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَعْرَفَ فَخَوْفُهُ أَكْمَلُ وَأَعْلَى وَمِنْ هَذَا ظَهَرَ كَوْنُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْوَفَ وَأَخْشَى مِنْ الْكُلِّ إذْ عِرْفَانُهُ أَكْمَلُ مِنْ الْكُلِّ فَخَوْفُهُ أَعْظَمُ وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْخَوْفِ تَأَلُّمُ الْقَلْبِ وَاحْتِرَاقُهُ بِسَبَبِ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ فِي الِاسْتِقْبَالِ. ثُمَّ الْمَكْرُوهُ ثَلَاثَةٌ إمَّا بِتَبَدُّلِ الْإِيمَانِ بِالْكُفْرِ فَخَوْفُ الْخَاتِمَةِ وَإِمَّا بِدُخُولِ النَّارِ مَعَ بَقَاءِ الْإِيمَانِ فَخَوْفُ الْعَذَابِ وَإِمَّا بِحَطِّ رُتْبَةٍ مِنْ رُتَبِهِ وَرَدِّهِ إلَى مَرْتَبَةٍ أَدْنَى فَخَوْفُ النُّقْصَانِ وَوَرَاءَ هَذِهِ الْأَقْسَامِ قِسْمٌ آخَرُ أَعْلَى مِنْ الْكُلِّ هُوَ خَوْفُ الْإِجْلَالِ وَالْهَيْبَةِ وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ ثَمَرَةُ الْمَعْرِفَةِ بِاَللَّهِ وَصِفَاتُهُ فَكُلُّ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْخَوْفُ إلَى أَنْ يَنْسَى الْكُلَّ وَبِهَذَا ظَهَرَ سِرُّ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَا أَخْوَفُكُمْ مِنْ اللَّهِ» ؛ لِأَنَّ قَدْرَ الْخَوْفِ عَلَى قَدْرِ الْعِلْمِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] فَاَلَّذِينَ بُشِّرُوا بِالْجَنَّةِ مَأْمُونُونَ مِنْ خَوْفِ الْعَاقِبَةِ، وَأَمَّا خَوْفُ النُّقْصَانِ فَلَا؛ لِأَنَّهُمْ، وَإِنْ كَانُوا مَأْمُونِينَ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ إلَّا أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمَأْمُونِينَ مِنْ خَوْفِ النُّقْصَانِ بِفِعْلِ حَسَنَةٍ هِيَ سَيِّئَةٌ فِي مَرَاتِبِهِمْ كَمَا قِيلَ حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ حَتَّى إنَّ الِالْتِفَاتَ إلَى الْمَرْتَبَةِ أَيْضًا ذَنْبٌ عِنْدَهُمْ فَيَخَافُونَ مِنْ ذَلِكَ وَأَيْضًا خَوْفُ الْإِجْلَالِ لِكَمَالِهِمْ فِي عِرْفَانِ الْأَوْلِيَاءِ. وَأَمَّا خَوْفُ التَّعْذِيبِ فَنَفَوْهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّسَاوِي مَعَ سَائِرِ النَّاسِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ لَهُمْ خَوْفَ الْإِجْلَالِ وَخَوْفَ النُّقْصَانِ دُونَ خَوْفِ الْعَاقِبَةِ قَطْعًا وَخَوْفَ التَّعْذِيبِ أَيْضًا «وَلَكِنِّي أَصُومُ» تَارَةً مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ؛ لِأَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدْخُلُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ فَيَقُولُ هَلْ عِنْدَكُنَّ الْيَوْمَ غَدَاءٌ، فَإِذَا قَالُوا لَا قَالَ إنِّي صَائِمٌ» وَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] «وَأُفْطِرُ» تَارَةً كَمَا وَرَدَ عَنْ أُسَامَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ فَيُقَالُ لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ فَيُقَالُ لَا يَصُومُ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ. وَعَنْ أَنَسٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُفْطِرُ مِنْ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ ثُمَّ يَصُومَ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا» . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ يَصُومُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ لَا وَاَللَّهِ لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ لَا وَاَللَّهِ لَا يَصُومُ» كَذَا نُقِلَ عَنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ «وَأُصَلِّي» فِي لَيْلَةٍ «وَأَرْقُدُ» أَيْ أَنَامُ عَنْ التَّهَجُّدِ فِي لَيْلَةٍ أُخْرَى أَوْ أُصَلِّي بَعْضًا مِنْ اللَّيْلِ وَأَرْقُدُ الْبَعْضَ الْآخَرَ وَلَا أُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «كَانَ ﵊ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ آخِرَهُ فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَذَّنَ وَثَبَ، فَإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ اغْتَسَلَ وَإِلَّا تَوَضَّأَ» وَخَرَجَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «كَانَ يُصَلِّي وَيَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى حَتَّى يُصْبِحَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ «وَأَتَزَوَّجُ» أَعْقِدُ أَوْ أَطَأُ «النِّسَاءَ» ، فَإِنَّ النِّكَاحَ سُنَّةٌ حَالَ الِاعْتِدَالِ وَوَاجِبٌ عِنْدَ التَّوَقَانِ أَيْ الشَّوْقِ الْقَوِيِّ، وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا عِنْدَ خَوْفِ عَدَمِ إقَامَةِ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ كَمَا فِي الدُّرَرِ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ عَلَى مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ طَاهِرًا مُطَهَّرًا فَلْيَتَزَوَّجْ الْحَرَائِرَ» وَلِهَذَا بَلَغَ زَوْجَاتُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى إحْدَى عَشَرَةَ وَقِيلَ بَلْ أَزْيَدُ مِنْهَا سِتٌّ مِنْ قُرَيْشٍ خَدِيجَةُ عَائِشَةُ حَفْصَةُ أُمُّ حَبِيبَةَ أُمُّ سَلَمَةَ سَوْدَةُ وَأَرْبَعٌ عَرَبِيَّاتٌ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ مَيْمُونَةَ زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ الْهِلَالِيَّةُ أُمُّ الْمَسَاكِينِ جُوَيْرِيَةُ وَوَاحِدَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ وَمَاتَ عَنْهُ اثْنَتَانِ خَدِيجَةُ وَزَيْنَبُ أُمُّ الْمَسَاكِينِ وَمَاتَ هُوَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ تِسْعٍ، وَأَمَّا سَرَائِرُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَرْبَعٌ مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ وَرَيْحَانَةُ بِنْتُ سَمْعُونٍ وَأُخْرَى وَهَبَتْهَا لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ وَأُخْرَى أَصَابَهَا فِي بَعْضِ السَّبْيِ وَتَمَامُهُ فِي مَوَاهِبِ الْقَسْطَلَّانِيِّ وَبِالْجُمْلَةِ أَنَّ النِّكَاحَ أَمْرٌ مَحْبُوبٌ وَشَيْءٌ مَرْغُوبٌ لَا يَجُوزُ لَوْمُهُ. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ وَأَلْفُ جَارِيَةٍ وَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ جَارِيَةً أُخْرَى فَلَامَهُ رَجُلٌ يَخَافُ

стр. 125

عَلَيْهِ الْكُفْرَ. قَالَ الْمُنَاوِيُّ بَعْدَ نَقْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ أَكَابِرِ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَكَذَا لَوْ لَامَهُ أَحَدٌ عِنْدَ إرَادَةِ تَزَوُّجِ مَا فَوْقَ امْرَأَةٍ قَالَ تَعَالَى ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦] ثُمَّ اُخْتُلِفَ أَنَّ النِّكَاحَ عِبَادَةٌ أَوْ لَا بَلْ تَضْيِيعُ عِبَادَةٍ فَيَشْكُلُ عَلَيْهِ أَمْثَالُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ الْمَنْعُ فِيمَا دُونَ الِاسْتِحْبَابِ وَالْإِثْبَاتُ عِنْدَ الِاسْتِحْبَابِ. وَاعْلَمْ أَنَّ النِّكَاحَ مِنْ أَثْقَلِ السُّنَنِ مَحْمَلًا وَأَصْعَبِ الْحُقُوقِ قَضَاءً وَأَعَمِّ الْأُمُورِ نَفْعًا وَأَجْزَلِ الْقَضَايَا أَجْرًا، فَإِنَّهُ بِمَوْضُوعِهِ لِلدِّينِ تَحْصِينٌ وَلِلْخَلْقِ تَحْسِينٌ وَفِيهِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ الْمُعَرَّضَةِ لِلْآفَاتِ وَجَلْبٌ لِلْغِنَى وَالرِّزْقِ وَتَكْثِيرُ مَوَادِّ أَهْلِ التَّوْحِيدِ كَذَا فِي الْمُنَاوِيِّ «فَمَنْ رَغِبَ» أَيْ أَعْرَضَ وَتَرَكَ يُقَالُ رَغِبَ عَنْهُ إذَا لَمْ يُرِدْهُ وَرَغِبَ فِيهِ أَرَادَهُ وَرَغِبَ إلَيْهِ تَوَجَّهَ إلَيْهِ وَبَابُهُ عَلِمَ «عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» إنْ كَانَ التَّرْكُ لِغَيْرِ اسْتِهَانَةٍ وَاسْتِحْقَارٍ فَمَعْنَى لَيْسَ مِنِّي لَيْسَ مِنْ أَهْلِ طَرِيقَتِي فِي شَرِيعَتِي، وَإِنْ لِأَجْلِ الِاسْتِخْفَافِ فَالْمَعْنَى لَيْسَ مِنْ الْمُصَدِّقِ بِي، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكْفُرُ، فَإِنْ قِيلَ: مِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ مُنَافٍ لِحَاصِلِ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ نَحْوُ حَدِيثِ شِفَاءِ عِيَاضٍ «وَاَللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفِرَاشِ وَلَخَرَجْتُمْ إلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إلَى اللَّهِ لَوَدِدْت أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ» وَرُوِيَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ قَوْلِ أَبِي ذَرٍّ نَفْسِهِ وَهُوَ أَصَحُّ. وَفِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ فَقِيلَ لَهُ أَتَتَكَلَّفُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» . وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِيمَةً وَأَيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ يُطِيقُ» قُلْنَا لَا يَخْفَى أَنَّ نَحْوَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لَا تُوجِبُ اسْتِغْرَاقَ عُمُومِ الْأَوْقَاتِ وَاسْتِيعَابَ جَمِيعِ الْأَحْوَالِ غَايَتُهَا غَلَبَةُ جَانِبِ الطَّاعَاتِ وَالِاهْتِمَامُ بِهَا وَهُوَ لَيْسَ بِخَارِجٍ عَنْ مَقْصُودِ هَذَا الْحَدِيثِ بَلْ عَيْنُهُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا مِنْ الْخَوَاصِّ وَأَنْ يَرْفَعَ عَنْهُ وَعَمَّنْ تَبِعَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ فِي شَرْحِ الشِّفَاءِ قِيلَ كَانَ يُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ مَا خَفَّفَ بِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى - ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى﴾ [المزمل: ٢٠] وَكَذَا قَوْلُهُ - ﴿طه - مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢]- وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النَّهْيِ مَرْتَبَةُ إضْرَارِ النَّفْسِ الَّتِي هِيَ الْمَطِيَّةُ وَمَرْتَبَةُ تَفْوِيتِ حَقِّ الْغَيْرِ وَإِلَّا فَتَرْكُ لَذَّاتِ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا وَالِانْقِطَاعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّقَاعُدُ لِعِبَادَتِهِ فَمَمْدُوحٌ مَرْغُوبٌ إلَيْهِ. وَقَدْ يُقَالُ الْعِبَادَاتُ مُتَفَاوِتَةٌ عَلَى حَسَبِ الْعَابِدِينَ إذْ الْعَوَامُّ لَيْسُوا بِمُكَلَّفِينَ بِعِبَادَاتِ الْخَوَاصِّ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى مَرْتَبَةِ " حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ (وَزَادَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ. «وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا آكُلُ اللَّحْمَ» خ م " عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) وَعَنْ أَبَوَيْهَا «أَنَّهُ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» قِيلَ لَمْ يَقُلْ فَعَلَ لِمَا فِي الصُّنْعِ مِنْ الْإِحْكَامِ؛ لِأَنَّهُ بِالتَّرَوِّي وَالْفِكْرِ «شَيْئًا» قِيلَ لَعَلَّهُ مِنْ الْمَآكِلِ اللَّذِيذَةِ أَقُولُ ذَلِكَ إمَّا مِنْ كَوْنِ تَنْكِيرِ شَيْئًا لِلتَّعْظِيمِ بِقَرِينَةِ تَنَزُّهِ الْقَوْمِ أَوْ مِنْ تَعَلُّقِ الصُّنْعِ بِهِ «وَرَخَّصَ فِيهِ» أَيْ فِي الشَّيْءِ أَيْ حَكَمَ بِالرُّخْصَةِ تَخْفِيفًا وَلِرَفْعِ الْحَرَجِ «فَتَنَزُّهٌ» أَيْ امْتَنَعَ «عَنْهُ» أَيْ عَنْ الشَّيْءِ الَّذِي صَنَعَهُ وَرَخَّصَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَوْمٌ» مِنْ الصَّحَابَةِ إيثَارًا لِلْإِعْرَاضِ عَنْ الدُّنْيَا وَمَنْعًا لِلنَّفْسِ عَنْ شَهَوَاتِهَا وَهَوَاهَا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْ الصَّحَابَةِ الِامْتِنَاعُ عَمَّا صَنَعَهُ وَرَخَّصَ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَدْ أُمِرُوا بِمُتَابَعَتِهِ وَنُهُوا عَنْ مُخَالَفَتِهِ قُلْنَا لَعَلَّهُمْ ظَنُّوا الْعَزِيمَةَ فِيمَا فَعَلُوهُ كَمَا يُؤَيِّدُهُ لَفْظُ رَخَّصَ مِنْ الرَّاوِي، وَإِنْ لَمْ يُلَائِمْهُ ظَاهِرُ مَا سَيَذْكُرُ. وَأَمَّا

стр. 126

الْجَوَابُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِهِ ﵊؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ وَمَغْفُورٌ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ فَلَا يُلَائِمُهُ لَفْظُ رَخَّصَ إذْ ذَلِكَ يَقْتَضِي جَوَازَهُ لِلْغَيْرِ «فَبَلَغَ ذَلِكَ» التَّنَزُّهُ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» قِيلَ فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا فَجَمَعَ الصَّحَابَةَ «فَخَطَبَ» مِنْ الْخُطْبَةِ غَيْرَ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفَيْنِ بَلْ لِمُجَرَّدِ ذَلِكَ لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِ «فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى» عَلَى عَادَتِهِ فِي ابْتِدَاءِ خُطْبَتِهِ بَلْ فِي مُطْلَقِ أَمْرٍ ذِي شَأْنٍ «ثُمَّ قَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ» الِاسْتِفْهَامُ لِلْإِنْكَارِ التَّوْبِيخِيِّ وَالْبَالُ الْحَالُ وَالتَّنْكِيرُ لِعَدَمِ التَّفْضِيحِ وَالتَّعْيِيرِ تَجَنُّبًا عَنْ الذَّمِّ «يَتَنَزَّهُونَ» يَتَبَاعَدُونَ «عَنْ الشَّيْءِ» قِيلَ اللَّامُ زَائِدَةٌ «الَّذِي أَصْنَعُهُ» وَالْحَالُ أَنَّ جَمِيعَ أَفْعَالِهِمْ وَأَوْضَاعِهِمْ مَأْخُوذٌ مِنِّي وَأَنَّهُمْ مُلْتَزِمُونَ بِتَبَعِيَّتِي «فَوَاَللَّهِ» الْقَسَمُ لِأَمَارَةِ الْإِنْكَارِ أَوْ لِلْمُبَالَغَةِ وَالْحِرْصِ عَلَى مَضْمُونِ الْحُكْمِ «إنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاَللَّهِ» وَصِفَاتِهِ «وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً» هُوَ مِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْمَعْلُولِ عَلَى الْعِلَّةِ إذْ كُلَّمَا كَثُرَ الْعِلْمُ كَثُرَتْ الْخَشْيَةُ قِيلَ عَنْ النَّوَوِيِّ فِي مِثْلِهِ فِيهِ حَثٌّ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّهْيِ عَنْ التَّعَمُّقِ فِي الْعِبَادَةِ وَذَمِّ التَّنَزُّهِ عَنْ الْمُبَاحِ شَكًّا فِي إبَاحَتِهِ وَفِيهِ الْغَضَبُ مِنْ انْتِهَاكِ حُرُمَاتِ الشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ الْمُنْتَهِكُ مُتَأَوِّلًا تَأْوِيلًا بَاطِلًا وَفِيهِ حُسْنُ الْمُعَاشَرَةِ بِإِرْسَالِ التَّعْزِيرِ وَالْإِنْكَارِ فِي الْجَمْعِ وَلَا يَتَعَيَّنُ فَاعِلُهُ فَيُقَالُ مَا بَالُ أَقْوَامٍ وَنَحْوُهُ. وَفِيهِ أَنَّ الْقُرْبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى سَبَبٌ لِزِيَادَةِ الْعِلْمِ بِهِ وَشِدَّةِ خَشْيَتِهِ. (خ د) الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ صَحَابِيٌّ ( «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آخَى» فِعْلٌ مَاضٍ مِنْ الْإِخَاءِ أَيْ جَعَلَ بَعْضَهُمْ أَخًا لِبَعْضٍ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَعَقَدُوا عَقْدَ الْمُؤَاخَاةِ وَالْمُعَاوَنَةِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي دَارِ أَنَسٍ ﵁ وَقِيلَ فِي الْمَسْجِدِ كَتَبُوا فِيهِ كِتَابًا عَلَى أَنْ يَتَوَارَثُوا بَعْدَ الْمَوْتِ دُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَكَانُوا تِسْعِينَ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَخَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِنْ الْأَنْصَارِ وَكَانَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]

стр. 127

- فَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ذَلِكَ وَقِيلَ الْمُؤَاخَاةُ مَرَّةً بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ خَاصَّةً قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَمَرَّةً بَعْدَهَا فِي الْمَدِينَةِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ ﵊ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَبَيْن طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَبَيْن عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَبَيْن حَمْزَةَ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فَقَالَ عَلِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ آخَيْت بَيْنَ أَصْحَابِك فَمَنْ أَخِي قَالَ أَنَا أَخُوك وَفِي رِوَايَةٍ أَنْتَ أَخِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَذَا نُقِلَ عَنْ تَارِيخِ الْخَمْسِ فِي أَنْفَسِ النَّفْسِ «بَيْنَ سَلْمَانَ» الْفَارِسِيِّ «وَ» بَيْنَ «أَبِي الدَّرْدَاءِ» الْأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ» فِيهِ نَدْبُ التَّزَاوُرِ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ وَالْإِخْوَانِ فِي اللَّهِ فِي الْمَصَابِيحِ. عَنْ مُعَاذٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ اللَّهِ تَعَالَى «وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِي وَالْمُتَجَالِسِينَ فِي وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِي وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِي» «فَرَأَى» أَيْ سَلْمَانُ (أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً) لَابِسَةً ثِيَابَ الْبِذْلَةِ الْخَلِقَةِ قِيلَ نَظَرُهُ إنَّمَا هُوَ إلَى ثِيَابِهَا لَا بَدَنِهَا أَوْ لَا عَنْ شَهْوَةٍ أَوْ رَأَى عِلْمِيَّةً أَقْوَالٌ الْأَقْرَبُ هُوَ أَنَّ مَدَارَ الْمَنْعِ هُوَ الشَّهْوَةُ أَوْ أَنَّهَا عَجُوزٌ لَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُهَا مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ وَالْحَمْلُ عَلَى مَا قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْغَضِّ وَالْحِجَابِ بَعِيدٌ «فَقَالَ لَهَا مَا شَأْنُك» مَا وَجْهُ لُبْسِك تِلْكَ الْبِذْلَةَ الْخَلِقَةَ «فَقَالَتْ أَخُوك أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا» يَعْنِي أَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْ الدُّنْيَا وَلَا يَجْمَعُ شَيْئًا مِنْ حُطَامِهَا وَلَيْسَ لَهُ مَيْلٌ وَلَذَّةٌ فِيهَا. «فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ» مَنْزِلَهُ «فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا» لِيُضِيفَهُ وَقَدَّمَهُ إلَيْهِ «فَقَالَ» أَبُو الدَّرْدَاءِ «لَهُ كُلْ» يَعْنِي وَحْدَك «، فَإِنِّي صَائِمٌ قَالَ» سَلْمَانُ «مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ» مَعِي «فَأَكَلَ» مَعَهُ إكْرَامًا لِضَيْفِهِ وَتَطْيِيبًا لِخَاطِرِهِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ أَجْرًا بَلْ مُضَاعَفٌ لِلثَّوَابِ لِنَيْلِهِ ثَوَابَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَنِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ وَثَوَابُ قَضَائِهِ بَعْدَهُ وَتَطْيِيبُ خَاطِرِ أَخِيهِ وَفِيهِ اسْتِحْبَابِيَّةُ الْأَكْلِ عَلَى قَاعِدَةِ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ لَعَلَّ ذَلِكَ قَبْلَ الزَّوَالِ لِيَكُونَ مَوْضِعَ وِفَاقٍ. «فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ» لِقِيَامِ اللَّيْلِ كُلِّهِ بِلَا نَوْمٍ أَصْلًا وَقِيلَ لِلتَّهَجُّدِ أَقُولُ التَّهَجُّدُ مَا يَكُونُ بَعْدَ النَّوْمِ وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ «فَقَالَ» سَلْمَانُ «نَمْ» عَلَى وَزْنِ كَمْ أَمْرٌ حَاضِرٌ مِنْ النَّوْمِ «فَنَامَ» امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ مُرَاعَاةً لِحُقُوقِ الْأُخُوَّةِ «ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ» مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ «نَمْ فَنَامَ فَلَمَّا كَانَ آخِرَ اللَّيْلِ» عِنْدَ ثُلُثِهِ الْأَخِيرِ وَقِيلَ نِصْفُهُ الثَّانِي وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِكَوْنِهِ مَعْنَى الْآخِرِ وَلِمُوَافَقَتِهِ لِبَعْضِ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ سِيَّمَا السَّحَرِ كَمَا يَأْتِي. «قَالَ سَلْمَانُ قُمْ الْآنَ» لِلتَّهَجُّدِ كَيْفَ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا فِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ «رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا الْعَبْدُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَفَرَضْتُهُمَا عَلَيْهِمْ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِقِيَامِ اللَّيْلِ حَتَّى ظَنَنْت أَنَّ خِيَارَ أُمَّتِي لَا يَنَامُونَ» وَفِي عَوَارِفِ الْمَعَارِفِ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ أَهْلُ اللَّيْلِ فِي لَيْلِهِمْ أَشَدُّ لَذَّةً مِنْ أَهْلِ اللَّهْوِ فِي لَهْوِهِمْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ يُشْبِهُ نَعِيمَ الْجَنَّةِ إلَّا مَا يَجِدُ أَهْلُ التَّمَلُّقِ فِي قُلُوبِهِمْ بِاللَّيْلِ مِنْ حَلَاوَةِ الْمُنَاجَاةِ ثَوَابٌ عَاجِلٌ لِأَهْلِ اللَّيْلِ، وَفِي حَقِّ قِيَامِ اللَّيْلِ وَرَدَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلا﴾ [المزمل: ٦] وَقَوْلُهُ - ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]- الْآيَاتُ وَقَوْلُهُ - ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]- «فَقَامَا وَصَلَّيَا» التَّهَجُّدَ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَقِيلَ اثْنَتَيْنِ إلَى اثْنَيْ عَشَرَ قِيلَ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ «السَّاعَةُ الَّتِي

стр. 128

فِي اللَّيْلِ وَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي يُنَادِي فِيهَا الْمُنَادِي مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ» الْحَدِيثُ وَهِيَ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ إلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ وَفِيهَا يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا أَيْ النُّزُولَ الْمَعْنَوِيَّ وَتَمَامُهُ هُنَاكَ. «فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ إنَّ لِرَبِّك» لِكَوْنِهِ رَبَّاك وَأَكْمَلَك وَلِذَا اخْتَارَهُ دُونَ إنَّ لِلَّهِ «عَلَيْك حَقًّا» مِنْ الطَّاعَةِ؛ لِأَنَّ شُكْرَ الْمُنْعِمِ عَلَى الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ وَاجِبٌ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا «، وَإِنَّ لِنَفْسِك» الَّتِي هِيَ مَطِيَّتُك فِي تَحْمِيلِ أَحْمَالِ الْعِبَادَاتِ «عَلَيْك حَقًّا» إذْ الرَّاكِبُ يَحْفَظُ مَرْكَبَهُ فَيَلْزَمُ أَدَاءُ ذَلِكَ الْحَقِّ مِنْ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَنَامِ عَلَى قَدْرِ دَفْعِ الضَّرُورَةِ فَلِإِحْيَاءِ حَقِّ اللَّهِ يَقُومُ فِي اللَّيْلِ وَلِإِحْيَاءِ حَقِّ النَّفْسِ يَنَامُ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُبَاحَاتِ التَّقَوِّيَ لِلطَّاعَاتِ حَتَّى تَكُونَ لَهُ أَجْرًا وَثَوَابًا «، وَإِنَّ لِأَهْلِك» زَوْجَتِك وَأَوْلَادِك وَأَقْرِبَائِك اللَّوَاتِي تَلْزَمُ مُؤْنَتُهَا عَلَيْك وَيَكُونُ حُسْنُ مَعَاشِك بِهَا وَانْتِظَامُ حَالِك عَلَيْهَا فَيَلْزَمُ أَدَاءُ مُؤَنِهِمْ وَالْبِرُّ إلَيْهِمْ وَإِصْلَاحُ أُمُورِهِمْ وَالْمُوَاسَاةُ لَهُمْ «عَلَيْك حَقًّا» وَكَذَا صِلَةُ الرَّحِمِ وَالْحَقُّ مُتَفَاوِتٌ وَمُشَكَّكٌ مِنْ الْوَاجِبِ إلَى الْأَوْلَى «فَأَعْطِ» وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا إذْ الْأَمْرُ تَابِعٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ «كُلَّ ذِي حَقٍّ» مِنْ الثَّلَاثَةِ «حَقَّهُ» الَّذِي عَيَّنَهُ الشَّرْعُ فَلَا تَظْلِمْهُ بِمَنْعِهِ فَيُعَاقِبَكَ اللَّهُ. «فَأَتَى» أَبُو الدَّرْدَاءِ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ ذَلِكَ» أَيْ قِصَّتَهُ مَعَ سَلْمَانَ «لَهُ» لَعَلَّ ذَلِكَ إمَّا لِدَفْعِ نَحْوِ شَكٍّ فِي خَاطِرِهِ مِنْ صَنِيعِ سَلْمَانَ لِإِيهَامِهِ الْمَنْعَ عَنْ الْخَيْرِ وَلِظَوَاهِرِ بَعْضِ الْآثَارِ فِي عُمُومِ الْقِيَامِ وَإِمَّا لِتَأْكِيدٍ وَتَثْبِيتٍ مِنْ حَيْثُ الِاهْتِمَامُ أَوْ أَنَّهُ يَقْرُبُ إلَى الِاجْتِهَادِ وَزَمَانُ النُّبُوَّةِ سِيَّمَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ النَّبِيُّ ﵊ لَيْسَ فِيهِ اجْتِهَادٌ سِيَّمَا مِنْ الْأُمَّةِ أَوْ أَنَّ صَنِيعَ سَلْمَانَ مُفِيدٌ لِلظَّنِّ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ يَطْلُبُ الْيَقِينَ. «فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدَقَ سَلْمَانُ» إذْ عِلْمُ سَلْمَانَ مِنْهُ ﵊ لِتَقَدُّمِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَلِقُرْبِهِ مِنْ النَّبِيِّ ﵊ حَتَّى قَالَ فِيهِ ﵊ «هُوَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ» دُونَ أَبِي الدَّرْدَاءِ. فَحَاصِلُ الِاحْتِجَاجِ هُوَ تَصْدِيقُ النَّبِيِّ ﵊ سَلْمَانَ فِي مَنْعِ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي إرَادَتِهِ الْإِفْرَاطَ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُجْعَلَ مَحَلُّ الِاحْتِجَاجِ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ بَحْثٌ أُصُولِيٌّ فَافْهَمْ وَفِيهِ أَيْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَثُّ الْإِخْوَانِ فِي الدِّينِ عَلَى نُصْحِ بَعْضٍ لِبَعْضٍ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَوُجُوبِ الِانْقِيَادِ فِي الْخَيْرِ وَاسْتِحْبَابِ انْقِيَادِ الْأَصَاغِرِ لِلْأَكَابِرِ وَإِنْ فَهِمَ الْحَقَّ فِي جَانِبِ نَفْسِهِ، وَفِيهَا الْحَثُّ عَلَى مُؤَاخَاةِ الْإِخْوَانِ الصَّالِحِينَ وَنَدْبِ ضِيَافَةِ الْمَزُورِ لِلزَّائِرِ بَلْ نَدْبِيَّةُ خِدْمَتِهِ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ قِيلَ حَاصِلُ هَذَا الْأَثَرِ مَنْعُ سَلْمَانَ عَنْ تَمَامِ الْقِيَامِ فِي اللَّيْلِ وَتَقْرِيرُهُ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ. قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ إحْيَاءُ كُلِّ اللَّيَالِيِ طَرِيقُ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ الَّذِينَ تَجَرَّدُوا لِلْعِبَادَاتِ وَتَلَذَّذُوا بِالْمُنَاجَاةِ قَالَ فِي الْعَوَارِفِ قِيَامُ كُلِّ اللَّيْلِ طَرِيقُ أَكْثَرِ التَّابِعِينَ وَفِي الْأَشْبَاهِ كَانَ دَأْبُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَجْرَ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ عَنْ سَائِرِ الْمَشَايِخِ. قُلْنَا: لَعَلَّ أَنَّ هَذَا الْأَثَرَ مُخْتَصٌّ بِحَالِ الِابْتِدَاءِ وَبِمَنْ تَضَرَّرَ بِالزِّيَادَةِ وَعَادَاتُ السَّلَفِ بِحَالِ الِانْتِهَاءِ لِعَدَمِ تَضَرُّرِهِمْ بَلْ صَارَ السَّهَرُ وَالطَّاعَةُ كَالْغِذَاءِ لَهُمْ كَمَا قِيلَ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ وَلِكُلِّ مَيْدَانٍ رِجَالٌ فَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَلَيْهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيمًا لِطَرِيقِ الرُّخْصَةِ لِظَنِّ اعْتِقَادِ نَحْوِ الْوُجُوبِ. (خ س) الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَسْجِدَ» أَيْ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ إمَّا بِكَوْنِ لَامِ الْمَسْجِدِ لِلْعَهْدِ أَيْ مَسْجِدِ الرَّسُولِ أَوْ بِقَوْلِهِ السَّارِيَتَيْنِ أَوْ أَنَّ زَيْنَبَ لَمْ تَكُنْ زَوْجَتَهُ فِي مَكَّةَ فَلَا يُرَادُ بِهِ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ «، فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ» أَيْ أُسْطُوَانَتَيْنِ مِنْ أُسْطُوَانَاتِ الْمَسْجِدِ

стр. 129

«فَقَالَ مَا هَذَا الْحَبْلُ» إمَّا اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ لِعَدَمِ مَحَلِّهِ أَوْ حَقِيقَةُ اسْتِفْهَامٍ يُسْأَلُ عَنْ سَبَبِهِ «قَالُوا» أَيْ الْعَارِفُونَ حَالُ الْحَبْلِ « (حَبْلٌ لِزَيْنَبِ) بِنْتِ جَحْشٍ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَبَطَتْهُ لِتَسْتَعِينَ بِهِ عِنْدَ الْفُتُورِ وَالضَّعْفِ فِي الصَّلَاةِ لِكَمَالِ حِرْصِهَا وَقُوَّةِ اهْتِمَامِهَا بِالصَّلَاةِ وَالْعِبَادَاتِ (فَإِذَا فَتَرَتْ) » مِنْ الْفُتُورِ بِمَعْنَى الضَّعْفِ «تَعَلَّقَتْ بِهِ» لَعَلَّ ذَلِكَ عِنْدَ السُّقُوطِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ عِنْدَ إرَادَةِ الْقِيَامِ يَشْكُلُ أَنَّ صَلَاةَ النِّسَاءِ فِي الْمَسْجِدِ لَيْسَتْ بِجَيِّدَةٍ وَأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ الْمُجِيبِينَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ مَحَارِمِهَا وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْرَبُ إلَيْهَا مِنْهُمْ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَعْرَفَ بِحَالِهَا مِنْهُمْ فَتَأَمَّلْ كُلَّ ذَلِكَ حَتَّى يَظْهَرَ الْوَجْهُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ. «فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا» أَيْ لَا يُفْعَلُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً أَيْ لَا تَفْعَلِي يَا زَيْنَبُ «حُلُّوهُ» أَيْ الْحَبْلَ وَاطْرَحُوهُ «لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ» أَيْ أَحَدٌ مِنْ شَأْنِهِ الصَّلَاةُ مُطْلَقًا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، وَمَنْ خَصَّهَا بِقِيَامِ اللَّيْلِ لَعَلَّهُ تَبَادَرَ مِنْ الْفُتُورِ؛ إذْ أَكْثَرُ الْفُتُورِ يَكُونُ فِي اللَّيْلِ لِكَوْنِهِ أَوَانَ النَّوْمِ وَأَنَّ كَثْرَةَ الصَّلَاةِ فِي اللَّيْلِ لِكَثْرَةِ فَضْلِهِ؛ لِأَنَّ ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلا﴾ [المزمل: ٦]- لَكِنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُحْمَلَ الْمُطْلَقُ عَلَى إطْلَاقِهِ وَالتَّقْيِيدُ تَغْيِيرٌ بَلْ تَبْدِيلٌ لَا يُرْجَعُ إلَيْهِ بِلَا تَعَذُّرٍ «نَشَاطَهُ» أَيْ حَالَ نَشَاطِهِ أَوْ عَلَى قَدْرِ نَشَاطِهِ إذْ لَا تَكْلِيفَ بِمَا لَا يُطَاقُ وَكُلُّ شَيْءٍ لَهُ عَدَمُ الطَّاقَةِ عَلَى حَالِهِ سِيَّمَا الْفَضَائِلِ «، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ» أَيْ لِيُؤَخِّرْ إلَى أَنْ يَزُولَ ذَلِكَ الْفُتُورُ الظَّاهِرُ فَلْيَقْعُدْ عَنْ تِلْكَ الْعِبَادَةِ وَلْيَشْتَغِلْ بِطَاعَةٍ أُخْرَى؛ إذْ السَّآمَةُ وَالْفُتُورُ لَا يَكُونُ بِكُلِّ عَمَلٍ مَثَلًا إنْ حَصَلَ فُتُورٌ مِنْ الصَّلَاةِ فَلْيَنْتَقِلْ إلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ سَائِرِ الْأَذْكَارِ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا فِي الْفَضَائِلِ. وَأَمَّا الْوَاجِبَاتُ بَلْ الرَّوَاتِبُ سِيَّمَا الْمُؤَكَّدَاتِ لَا يَقْعُدُ عَنْهَا لِلْفُتُورِ بَلْ لِفُتُورٍ بِالْكُلِّيَّةِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَأْخِيرِهِ بِوَقْتٍ يَزُولُ فِيهِ ذَلِكَ الْكَسَلُ مَعَ بَقَاءِ وَقْتِهِ وَيُعْلَمُ مِنْهُ حَالُ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ إمَّا بِالْأَوْلَوِيَّةِ يَعْنِي دَلَالَةَ النَّصِّ أَوْ بِالْمُقَايَسَةِ وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا رُوِيَ فِي رِيَاضِ الصَّالِحِينَ لِلنَّوَوِيِّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَيُنَاسِبُهُ مَا رُوِيَ فِي الْمُجْتَبَى وَالْخَانِيَّةِ وَجَامِعِ الْفَتَاوَى أَنَّهُ إذَا غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ تُكْرَهُ لَهُ التَّرَاوِيحُ. انْتَهَى. لَعَلَّ الْمُرَادَ حَالَ غَلَبَةِ النَّوْمِ فَيَدْفَعُ نَوْمَهُ بِشَيْءٍ ثُمَّ يَأْتِي التَّرَاوِيحَ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ صَنِيعَ النَّبِيِّ هَذَا مِنْ الْمَنْعِ وَالْحَلِّ وَالتَّعْلِيلِ وَالتَّأْكِيدِ يَقْتَضِي كَوْنَ النَّهْيِ لِلْحُرْمَةِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اسْتِغْرَاقُ الْأَوْقَاتِ بِالطَّاعَاتِ وَاسْتِيعَابُ الْأَحْوَالِ بِالْعِبَادَاتِ بَلْ إتْعَابُ النَّفْسِ وَقَهْرُهَا بِأَنْوَاعِ الْمُجَاهَدَاتِ كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمَشَايِخِ السَّادَاتِ حَرَامًا صِرْفًا وَهُوَ شَيْءٌ عَظِيمٌ لَا يَخْفَى وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالْبِدَايَةِ لِتَعَسُّرِهِ عَلَى النَّفْسِ وَمَا لِلْمَشَايِخِ حَالَ النِّهَايَةِ لِعَدَمِ الْإِتْعَابِ لِرَسْخِ الْعِبَادَاتِ وَلِكَوْنِهَا كَالطَّبِيعَاتِ بَعِيدٌ غَايَةَ الْبُعْدِ؛ لِأَنَّ بِدَايَةَ مَنْ تَنَوَّرَ بِأَنْوَارِ النُّبُوَّةِ سِيَّمَا مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ أَعْلَى مِنْ نِهَايَاتِ الْغَيْرِ وَلَوْ سَلِمَ فَأَيْنَ تُتَصَوَّرُ الْحُرْمَةُ الَّتِي تُوجِبُ الْعُقُوبَةَ. أَقُولُ النَّهْيُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِذَاتِهِ بَلْ لِغَيْرِهِ مُجَاوِرٍ إلَّا وَصْفًا لَازِمًا فَصَحِيحٌ مَكْرُوهٌ لَا بَاطِلٌ لَعَلَّ وَجْهَ النَّهْيِ هُوَ الْمَشَقَّةُ وَهُوَ مُجَاوِرٌ فَلَا يَقْتَضِي الْحُرْمَةَ لَعَلَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ النَّهْيَ فِي مِثْلِهِ هُوَ الْإِرْشَادُ بِعَدَمِ لُزُومِ تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ أَوْ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّشْرِيعِ فَلَوْ قَرَّرَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ لَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ الْوُجُوبُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ فِي فِعْلِ الرَّسُولِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَعَلَيْنَا أَنْ نَعْلَمَ كَيْفِيَّتَهُ مِنْ الْإِبَاحَةِ

стр. 130

وَالنَّدْبِ وَتَقْرِيرُهُ كَفِعْلِهِ بَعْدُ فَتَأَمَّلْ (د) أَبُو دَاوُد (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ» بِالْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ وَالْأُمُورِ الصَّعْبَةِ الَّتِي لَمْ تُشْرَعْ عَلَيْكُمْ مَرْحَمَةً مِنْ الشَّارِعِ كَصَوْمِ الدَّهْرِ وَإِحْيَاءِ كُلِّ اللَّيْلِ كَذَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ مَالِكٍ لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ سَبَقَ إشَارَتُهُ «فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ» بِالنَّصْبِ جَوَابُ النَّهْيِ أَيْ يُضَيِّقَ اللَّهُ الْأَمْرَ الَّذِي ارْتَكَبْتُمُوهُ وَالْتَزَمْتُمُوهُ قِيلَ: لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي النَّوَافِلِ مُلْزِمٌ بِهَا وَمُوجِبٌ لِإِتْمَامِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ عَدَمِ التَّقْرِيبِ إذْ الْمَطْلُوبُ لَيْسَ مِمَّا لَزِمَ بِشُرُوعِهِ بَلْ مُطْلَقٌ بَلْ مُخَالِفٌ لَهُ جِنْسًا وَالْأَقْرَبُ مَا يُشَارُ إلَيْهِ مِنْ أَنَّ التَّشْدِيدَ مُوَصِّلٌ لِلْمَلَالَةِ وَالْكَسَلِ، وَقَدْ ذَمَّهُ تَعَالَى فِي الْمُنَافِقِينَ ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢] وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُكَلَّفَ لَمَّا وَضَعَ عَلَى نَفْسِهِ مَا رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَرْحَمَةً أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مُجَازَاةً لِعَدَمِ قَبُولِ الْمُكَلَّفِ صَدَقَتَهُ تَعَالَى «، فَإِنَّ قَوْمًا» كَانُوا قَبْلَكُمْ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى هَذَا أَوْلَى مِنْ التَّخْصِيصِ بِقَوْمِ عِيسَى ﵊ «شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ» بِالْأَفْعَالِ الشَّاقَّةِ وَالرِّيَاضَاتِ الصَّعْبَةِ مُطْلَقًا، وَالتَّخْصِيصُ بِالتَّفْسِيرِ هُنَا بِبَقَرَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ حِينَ سَأَلُوا عَنْ لَوْنِهَا وَسِنِّهَا وَغَيْرِهِمَا كَمَا تَوَهَّمَ مُنَافٍ لِلسَّوْقِ «فَشَدَّدَ» أَيْ اللَّهُ أَوْ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ «عَلَيْهِمْ» بِإِيجَابِ مَا تَكَلَّفُوا بِهِ عَلَى وَجْهٍ لَوْ أَتَوْا بَعْدَهُ أَنْقَصَ مِنْهُ لَاسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ لِتَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَهَلْ هَذَا يَحْصُلُ بِالْمَرَّةِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ إطْلَاقِ الْكَلَامِ أَوْ بِالِاسْتِمْرَارِ وَالتَّكْرَارِ وَبِهِ يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَنَا شَرِيعَةٌ لَنَا كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا «فَتِلْكَ» الطَّائِفَةُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الْمَوْجُودِينَ «بَقَايَاهُمْ» بَقَايَا الْأَوَّلِينَ ( «فِي الصَّوَامِعِ» فِي الْقَامُوسِ صَوْمَعَةٌ كَجَوْهَرَةٍ بَيْتُ النَّصَارَى لَعَلَّهُ هُنَا بِمَعْنَى عُمُومِ الْمَجَازِ الشَّامِلِ لِلْيَهُودِ أَيْضًا إذْ الْمُسْتَفَادُ مِنْ لَفْظِ الدِّيَارِ وَالرَّهْبَانِيَّةِ هُوَ الْعُمُومُ وَالْإِطْلَاقُ «وَالدِّيَارُ» جَمْعُ دَارٍ ( «رَهْبَانِيَّةً» قِيلَ عَنْ الْبَيْضَاوِيِّ هِيَ الْمُبَالَغَةُ فِي الْعِبَادَةِ وَالرِّيَاضَةِ وَالِانْقِطَاعِ عَنْ النَّاسِ مَنْسُوبَةً إلَى الرَّهْبَانِ وَهُوَ الْمَبَالِغُ فِي الْخَوْفِ مِنْ رَهِبَ كَالْخَشْيَانِ مِنْ خَشِيَ وَقُرِئَتْ بِالضَّمِّ كَأَنَّهَا مَنْسُوبَةٌ إلَى الرُّهْبَانِ وَهُوَ جَمْعُ رَاهِبٍ كَرَاكِبٍ وَرُكْبَانٍ «ابْتَدَعُوهَا» اخْتَرَعُوهَا وَأَحْدَثُوهَا فِي التَّعْبِيرِ إشَارَةٌ إلَى الذَّمِّ إذْ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُبْتَدَعَ ضَلَالَةٌ نُقِلَ عَنْ الْخَازِنِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ جَاءُوا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ وَهِيَ تُرْهِبُهُمْ فِي الْجِبَالِ وَالْكُهُوفِ وَالْغَيْرَانِ وَالدِّيَرَةِ فَارِّينَ مِنْ الْفِتْنَةِ وَحَمَّلُوا أَنْفُسَهُمْ الْمَشَاقَّ فِي الْعِبَادَةِ الزَّائِدَةِ وَتَرْكِ النِّكَاحِ وَاسْتِعْمَالِ الْخَشِنِ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَلْبَسِ بِالتَّقَلُّلِ مِنْ ذَلِكَ «مَا كَتَبْنَاهَا» مَا فَرَضْنَا الرَّهْبَانِيَّةَ «عَلَيْهِمْ» . فَإِنْ قِيلَ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ كَالتَّعْلِيلِ لِمَا قَبْلَهَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْفَرْضِيَّةِ نَفْيُ مُطْلَقِ الطَّاعَةِ فَيَجُوزُ بَقَاؤُهَا عَلَى نَحْوِ الِاسْتِحْبَابِ قُلْنَا هَذَا عَمَلٌ بِطَرِيقِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ وَالْحَنَفِيَّةُ لَيْسُوا بِقَائِلِي ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ شُرُوطِهِ عِنْدَ مُثْبِتِهِ أَنْ لَا يُرَدَّ لِوَقْعَةٍ وَحَادِثَةٍ خَاصَّةٍ، وَقَدْ كَانَ هَذَا لِلْوَقْعَةِ الْخَاصَّةِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ مِنْ الْفَرْضِ غَيْرُ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ الْمَشْهُورِ نَحْوُ قَدَّرْنَا كَوْنَهَا طَاعَةً

стр. 131

(خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ هَذَا الدِّينَ» الْعَظِيمَ الَّذِي هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ «يُسْرٌ» ضِدُّ الْعُسْرِ بِمَعْنَى السُّهُولَةِ فِيهِ تَلْمِيحٌ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَإِشَارَةٌ إلَى حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا» ؛ لِأَنَّ هَذَا الدِّينَ رُفِعَ فِيهِ التَّكَالِيفُ الشَّاقَّةُ مِنْ الْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ وَلِهَذَا. قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بُعِثْت بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ النَّقِيَّةِ الْبَيْضَاءِ» ( «وَلَنْ يُشَادَّ» مِنْ التَّشْدِيدِ بِمَعْنَى الْمُغَالَبَةِ وَالْمُخَاصَمَةِ «الدِّينَ أَحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ» لَفْظُ أَحَدٍ فَاعِلٌ وَالدِّينَ مَفْعُولٌ لِيُشَادَّ ( «فَسَدِّدُوا» أَيْ قَوِّمُوا مِنْ سَدَّدَهُ تَسْدِيدًا قَوَّمَهُ وَقِيلَ مِنْ السَّدَادِ فِي الْأَمْرِ وَهُوَ الصَّوَابُ مِنْ غَيْرِ إفْرَاطٍ وَتَفْرِيطٍ أَيْ فَوَسِّطُوا فِي الْأُمُورِ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ «وَقَارِبُوا» قِيلَ أَيْ إلَى السَّدَادِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ قَارِبُوا إلَى اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ بِذَلِكَ التَّسْدِيدِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْمَعْلُولِ عَلَى الْعِلَّةِ «وَأَبْشِرُوا» بِالْقَبُولِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَبِالثَّوَابِ مِنْهُ وَبِالْمَنَازِلِ الْعَالِيَةِ وَالدَّرَجَاتِ الرَّفِيعَةِ غَيْرَ مُعْتَقِدِينَ بِأَنَّ ذَلِكَ مَنُوطٌ بِالْإِفْرَاطِ فِي الطَّاعَاتِ «وَاسْتَعِينُوا» عَلَى أَعْمَالِ دِينِكُمْ وَدُنْيَاكُمْ ( «بِالْغَدْوَةِ» هِيَ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَنْزِلِ بُكْرَةً وَفِي الْقَامُوسِ هِيَ نَفْسُ الْبُكْرَةِ أَوْ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ ( «وَالرَّوْحَةِ» مِنْ الرَّوَاحِ وَهُوَ الْعَشِيُّ أَوْ مِنْ الزَّوَالِ إلَى اللَّيْلِ وَرُحْنَا رَوَاحًا سِرْنَا فِيهِ أَوْ عَمِلْنَا كَذَا فِي الْقَامُوسِ «وَ» اسْتَعِينُوا أَيْضًا ( «بِشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ» بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ السَّيْرُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَقِيلَ السَّيْرُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى آخِرِهِ. وَالْمَعْنَى عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ شَرْحِ الْمَصَابِيحِ اعْمَلُوا آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ وَاسْتَرِيحُوا فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ لَكِنَّ الْأَقْرَبَ مَا يُقَالُ إنَّهُ تَشْبِيهُ حَالِ مَنْ أَرَادَ سَفَرَ الْآخِرَةِ بِحَالِ مَنْ يُرِيدُ سَفَرَ الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ كَمَا يَسْتَعِينُ فِي سَفَرِهِ بِالذَّهَابِ وَقْتَ الْغَدْوَةِ وَالرَّوَاحِ وَآخِرَ اللَّيْلِ كَذَلِكَ يَسْتَعِينُ مَنْ أَرَادَ سَفَرَ الْآخِرَةِ بِالْعِبَادَةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَالِاسْتِرَاحَةِ فِي غَيْرِهَا، فَإِنَّ «الْمُنْبِتَ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى» . وَعَنْ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ يَعْنِي اسْتَعِينُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْأَعْمَالِ وَقْتَ نَشَاطِكُمْ وَفَرَاغِ قُلُوبِكُمْ بِحَيْثُ تَسْتَلِذُّونَ الْعِبَادَةَ وَلَا تَسْأَمُوا تَبْلُغُوا مَقْصُودَكُمْ (وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ «وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ» مِنْ الِاقْتِصَادِ وَالتَّوَسُّطِ نُصِبَ عَلَى الْإِغْرَاءِ بِفِعْلٍ وَاجِبِ الْحَذْفِ نَحْوُ الْزَمُوا «تَبْلُغُوا» مَجْزُومٌ بِالْأَمْرِ الْمَحْذُوفِ أَوْ بِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ أَيْ إنْ تَلْزَمُوا الْقَصْدَ تَبْلُغُوا آمَالَكُمْ وَتَصِلُوا إلَى مُرَادَاتِكُمْ أَوْ تَبْلُغُوا رِضَا رَبِّكُمْ وَقَبُولِ أَعْمَالِكُمْ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «عَلَيْكُمْ

стр. 132

بِالْقَصْدِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» . قَالَ الْمُنَاوِيُّ فَمَا جَاوَزَ التَّوَسُّطَ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْفَضِيلَةِ وَقَالَ حَكِيمٌ لِلْإِسْكَنْدَرِ أَيُّهَا الْمَلِكُ عَلَيْك بِالِاعْتِدَالِ فِي كُلِّ الْأُمُورِ، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ عَيْبٌ وَالنُّقْصَانَ عَجْزٌ. وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «إيَّاكُمْ وَالتَّعَمُّقَ فِي الدِّينِ أَيْ الْغُلُوَّ فِيهِ وَادِّعَاءَ طَلَبِ أَقْصَى غَايَاتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَهُ سَهْلًا» الْحَدِيثُ. قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَقَدْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُبْغِضُ الْمُتَعَمِّقِينَ» وَالصَّحَابَةُ أَقَلُّ الْأُمَّةِ تَكَلُّفًا خَيْرُ النَّاسِ النَّمَطُ الْأَوْسَطُ ارْتَفَعُوا عَنْ تَقْصِيرِ الْمُرْتَفِقِينَ وَلَمْ يَلْحَقُوا بِغُلُوِّ الْمُعْتَدِينَ وَقِيلَ كَتَبَ سَلْمَانُ إلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - إنِّي أَنَامُ وَأَقُومُ فَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي (زطب حب) الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى» عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ (رُخَصُهُ) جَمْعُ رُخْصَةٍ هِيَ تَغْيِيرُ الْحُكْمِ مِنْ صُعُوبَةٍ إلَى سُهُولَةٍ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ سَبَبِ الْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ كَصَلَاةِ الْفَرْضِ قَاعِدًا لِلْمَرِيضِ وَفِي التَّلْوِيحِ اسْمٌ لِمَا بُنِيَ عَلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ وَهُوَ مَا يُسْتَبَاحُ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرَّمِ. وَعَنْ الْمِيزَانِ اسْمٌ لِمَا يُغَيِّرُ عَنْ الْأَمْرِ الْأَصْلِيِّ إلَى تَخْفِيفٍ تَرْفِيهًا وَتَوْسِعَةً عَلَى أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ وَفِي الْمِرْآةِ الرُّخْصَةُ أَرْبَعٌ ثِنْتَانِ مِنْ الْحَقِيقَةِ وَثِنْتَانِ مِنْ الْمَجَازِ وَالتَّفْصِيلُ هُنَاكَ وَقِيلَ مَا تُغَيِّرُ مِنْ عُسْرٍ إلَى يُسْرٍ وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ رُخْصَةُ الْمُكْرَهِ وَرُخْصَةُ الْمُسَافِرِ وَرُخْصَةُ الْإِسْقَاطِ وَهِيَ مَا وُضِعَ عَنَّا مِنْ الْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ الْكَائِنَةِ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ وَرُخْصَةُ الْمُضْطَرِّ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ فِي الْمَخْمَصَةِ كَمَا فِي الْأُصُولِ وَأَسْبَابُ التَّخْفِيفِ سَبْعَةٌ السَّفَرُ وَالْمَرَضُ وَالْإِكْرَاهُ وَالنِّسْيَانُ وَالْجَهْلُ وَعُمُومُ الْبَلْوَى وَالنَّقْضُ وَالتَّفْصِيلُ فِي الْأَشْبَاهِ ( «كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» جَمْعُ عَزِيمَةٍ مِنْ عَزَمَ عَلَى الْأَمْرِ أَرَادَ فِعْلَهُ وَقَطَعَ عَلَيْهِ أَوْ جَدَّ فِيهِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَفِي الْأُصُولِ هِيَ مَا شُرِعَ ابْتِدَاءً غَيْرَ مَبْنِيٍّ عَلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ. قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ الرُّخْصَةُ ضِدُّ الْعَزِيمَةِ وَالْعَزِيمَةُ مَطْلُوبَاتُهُ تَعَالَى الْوَاجِبَةُ، فَإِنَّ أَمْرَهُ تَعَالَى فِي الرُّخْصَةِ وَالْعَزِيمَةِ وَاحِدٌ فَلَيْسَ الْوُضُوءُ أَوْلَى مِنْ التَّيَمُّمِ فِي مَحَلِّهِ فَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي كَوْنِهِمَا مَطْلُوبَيْنِ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا تَقْرِيبَ فِي دَلَالَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا الْبَيَانِ لِعَدَمِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَقْصُودِ يَعْنِي الِاقْتِصَادَ وَلَعَلَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الرُّخْصَةَ مُطْلَقُ الْخِفَّةِ فِي الْأَعْمَالِ كَالْجَوَازِ الْأَصْلِيِّ وَالْعَزِيمَةُ هِيَ الْمَشَقَّةُ وَالتَّعَبُ فِي الْأَعْمَالِ كَالِاحْتِيَاطِ وَالْإِتْيَانِ بِالْأَوْلَى، وَإِنْ شِئْت قُلْت الْعَزِيمَةُ طَرِيقُ أَرْبَابِ التَّقْوَى وَالرُّخْصَةُ طَرِيقُ أَرْبَابِ الْفَتْوَى كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ رُخْصَةٌ وَغَسْلِ الرِّجْلِ عَزِيمَةٌ وَالْعَمَلُ بِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ عَزِيمَةٌ وَالْعَمَلُ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ رُخْصَةٌ. فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ تَسَاوِي الْفَضْلِ وَالثَّوَابِ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ صَرَّحُوا بِتَفَاوُتِهِمَا قُلْنَا قَدْ قُرِّرَ فِي عِلْمِ الْبَيَانِ أَنَّ وَجْهَ الشَّبَهِ أَقْوَى فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ فَالْمُرَادُ مِنْ الْمَحَبَّةِ فِي الْمُشَبَّهِ أَصْلُهَا وَفِي الْمُشَبَّهِ بِهِ زِيَادَتُهَا؛ لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ كُلِّيٌّ مُشَكَّكٌ لَا مُتَوَاطِئٌ وَيَرِدُ أَيْضًا أَنَّ تَمَامَ التَّقْرِيبِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ إذَا أُرِيدَ مِنْ الرُّخْصَةِ نَحْوُ مَعْنَى الِاقْتِصَادِ أَيْ التَّوَسُّطِ فِي الْأَعْمَالِ وَلَيْسَ فَلَيْسَ بَلْ يُوهِمُ كَوْنَ الْعَزِيمَةِ الْإِفْرَاطَ فِي الطَّاعَةِ وَالْمَسْأَلَةُ كَوْنُ الْإِفْرَاطِ مَذْمُومًا، وَقَدْ صَرَّحَتْ كَوْنَهَا مَحْبُوبَةً لَهُ تَعَالَى بَلْ عَلَى وَجْهِ الْأَبْلَغِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى تَفَاوُتِ الْمَحَلِّ، فَإِنَّ كَوْنَ الرُّخْصَةِ مَحْبُوبَةً لِلْعَوَامِّ وَكَوْنَ الْعَزِيمَةِ مَحْبُوبَةً لِلْخَوَاصِّ فَلَوْ أَتَى الْعَوَامُّ الْعَزِيمَةَ ابْتِدَاءً لَمْ تَكُنْ مَحْبُوبَةً كَالْعَكْسِ، فَإِنَّ حَسَنَاتِ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ فَحَاصِلُ الْمَعْنَى عَلَى صَلَاحِيَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِالْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَخَفَّ الْأَعْمَالِ أَيْ الْقَلِيلَةَ الْحَاصِلَةَ بِلَا تَكَلُّفٍ وَجِدٍّ كَثِيرٍ فِي أَوَانِ الِابْتِدَاءِ كَمَا يُحِبُّ

стр. 133

التَّعَمُّقَ وَالْكَثِيرَ فِي الِانْتِهَاءِ وَالْأَوَّلُ لِلْعَوَامِّ وَالثَّانِي لِلْخَوَاصِّ وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَقْرُبُ مَا قَالَ الْمُنَاوِيُّ عِنْدَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَلِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَا أَشْبَهَهُ كَانَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكْرَهُ مُشَابَهَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ وَيَزْجُرُ أَصْحَابَهُ عَنْ التَّبَتُّلِ وَالتَّرَهُّبِ وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْعَمَلُ بِالْأَخَفِّ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ غَيْرَ مَا قَلَّدَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ. قَالَ الْمُنَاوِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ حَاصِلُهُ أَنَّ الضَّرُورَةَ جَائِزَةٌ وَإِلَّا لَا خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الْجَوَازَ. وَعَنْ السُّبْكِيّ فِي الْعَمَلِ بِأَخَفِّ مَذْهَبٍ غَيْرَ مَا قَلَّدَهُ إنْ لِضَرُورَةٍ جَائِزٌ، وَإِنْ لِمُجَرَّدِ التَّرْخِيصِ لَيْسَ بِجَائِزٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَّبِعٌ لِهَوَاهُ، وَإِنْ أَكْثَرَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَكُونَ دَيْدَنَهُ فَلَيْسَ بِجَائِزٍ أَيْضًا لِمَا ذُكِرَ وَزِيَادَةِ فُحْشِهِ انْتَهَى (حَدّ زطط خز) الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ. (عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ» تَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ «وَتَعَالَى» ارْتَفَعَ عَنْ إدْرَاكِ الْعُقُولِ «يُحِبُّ» الْمَحَبَّةُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى عِبَارَةٌ عَنْ رِضَاهُ الْكَامِلِ «أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ» كَمَا لَا يَرْضَى «أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ» بِالرَّفْعِ نَائِبُ الْفَاعِلِ كَبِيرَةٌ أَوْ صَغِيرَةٌ بَلْ كَرَاهَةٌ (وَفِي رِوَايَةِ خز) ابْنُ خُزَيْمَةَ «كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُتْرَكَ مَعْصِيَتُهُ» بَدَلٌ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى إلَى آخِرِهِ فَإِنْ قُلْت إنَّ تَرْكَ الْمَعْصِيَةِ سِيَّمَا عِنْدَ تَدَاعِي الشَّهْوَةِ مَعَ الْفُرْصَةِ زَائِدٌ فِي الْفَضْلِ مِنْ إتْيَانِ مُطْلَقِ الطَّاعَةِ وَأَيْضًا كَرَاهَتُهُ تَعَالَى الْمَعْصِيَةَ أَقْوَى مِنْ مَحَبَّتِهِ الطَّاعَةَ فَكَيْفَ التَّشْبِيهُ الْمُوجِبُ لِلتَّشَارُكِ بَيْنَهُمَا قُلْت قَدْ سَمِعْت أَقْوَوِيَّةَ وَجْهِ الشَّبَهِ فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ. (ططك) الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ وَالْكَبِيرِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ط طك بِفَصْلِ الطَّاءِ عَنْ الطَّاءِ وَفُسِّرَ بِمَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) اسْمُهُ عُوَيْمِرٌ وَقِيلَ هُوَ لَقَبُهُ وَاسْمُهُ عَامِرٌ وَقِيلَ عُمَيْرٌ وَقِيلَ عُمَرُ وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ هَلْ شَهِدَ بَدْرًا أَوْ لَا مَعَ الِاتِّفَاقِ أَنَّهُ شَهِدَ مَشَاهِدَ كَثِيرَةً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ تُوُفِّيَ بِدِمَشْقَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ. (وَوَاثِلَةِ بْنِ الْأَسْقَعِ وَأَبِي أُمَامَةَ وَأَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ» يَرْضَى «أَنْ تُقْبَلَ رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ الْعَبْدُ مَغْفِرَةَ رَبِّهِ» أَيْ سَتْرَهُ عَلَيْهِ بِعَدَمِ عِقَابِهِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ فَيَنْبَغِي اسْتِعْمَالُ الرُّخْصَةِ فِي مَوَاضِعِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ سِيَّمَا لِعَالِمٍ يُقْتَدَى بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُصِرًّا عَلَى مَنْدُوبٍ وَلَمْ يَعْمَلْ بِالرُّخْصَةِ أَصَابَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ فَكَيْفَ بِمَنْ أَصَرَّ عَلَى بِدْعَةٍ فَيَنْبَغِي الْأَخْذُ بِالرُّخْصَةِ الشَّرْعِيَّةِ لَعَلَّ مُرَادَهُ الِاسْتِعْمَالُ أَحْيَانًا كَمَا قِيلَ إنَّهُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ الْعَزِيمَةِ أَبَدًا وَإِلَّا فَلَا شَكَّ فِي أَفْضَلِيَّةِ الْعَزِيمَةِ. وَأَنَا أَقُولُ إنَّ مِثْلَ هَذَا الْحَدِيثِ مُؤَوَّلٌ وَمُقَيَّدٌ بِالِاحْتِيَاجِ كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ رُخْصَةٌ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْعَزِيمَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ كَرَدِّ مَنْ لَا يَرَاهُ وَالْغُسْلُ أَفْضَلُ عِنْدَ عَدَمِهِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الرُّخْصَةَ تَرْكُ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْفِعْلِ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرَّمِ وَحُرْمَةِ الْفِعْلِ فَالسَّابِقُ الْمُتَبَادَرُ أَنَّ وُرُودَ مِثْلِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لِمُجَرَّدِ بَيَانِ الْجَوَازِ لِدَفْعِ وَهْمِ الْحُرْمَةِ النَّاشِئَةِ مِنْ قِيَامِ الْمُحَرَّمِ فَالْمَعْنَى يُحِبُّ أَنْ تُقْبَلَ رُخْصَتُهُ يَعْنِي يَرْضَى وَيَتْرُكُ مُؤَاخَذَتَهُ، وَإِنْ قَامَ دَلِيلُ حُرْمَتِهِ بِنَاءً عَلَى عُذْرِ عَبْدِهِ فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى نَفْيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ الْمَطْلُوبِ هُنَا وَلَوْ أُرِيدَ نَفْيُ الْإِفْرَاطِ الْحَاصِلِ مِنْ عَزِيمَةِ الْعَمَلِ كَإِتْيَانِ أَرْبَعٍ لِلْمُسَافِرِ وَصَوْمِهِ وَقِيَامِ الْمَرِيضِ فِي الصَّلَاةِ بِالْإِتْعَابِ فَلَوْ سُلِّمَ كَوْنُ هَذَا الْمَعْنَى مُرَادًا فَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِفْرَاطَ الْمَنْفِيَّ فِي مَطْلُوبِ هَذَا الْمَقَامِ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ. (خ م عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄) وَهُوَ مِنْ أَعْلَمِ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ وَكَانَ مُتَعَبِّدًا حَافِظًا مُجْتَهِدًا أَحَدَ الْعَبَادِلَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ

стр. 134

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ لَمَّا مَاتَ الْعَبَادِلَةُ صَارَ الْعِلْمُ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ إلَى الْمَوَالِي وَكَانَ يُفْتِي فِي الصَّحَابَةِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ «كُنْت يَوْمًا مَعَهُ ﵊ فِي بَيْتِهِ قَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَنْ مَعَنَا فِي الْبَيْتِ قُلْت مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ جَبْرَائِيلُ قُلْت السَّلَامُ عَلَيْك يَا جَبْرَائِيلُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ إنَّهُ قَدْ رَدَّ عَلَيْك وَقَالَ حَفِظْت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْفَ مَثَلٍ وَقَالَ لَوْ تَعْلَمُونَ حَقَّ الْعِلْمِ لَسَجَدْتُمْ حَتَّى تَنْقَصِفَ ظُهُورُكُمْ وَلَصَرَخْتُمْ حَتَّى تَنْقَطِعَ أَصْوَاتُكُمْ وَقَالَ: لَأَنْ أَدْمَعَ دَمْعَةً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِأَلْفِ دِينَارٍ» . وَسُئِلَ أَبُوهُ عَمْرٌو ﵁ مَا الْغَيُّ فَقَالَ طَاعَةُ الْمُفْسِدِ وَعِصْيَانُ الْمُرْشِدِ وَمَا الْبَلَهُ فَقَالَ عَمَى الْقَلْبِ وَسُرْعَةُ النِّسْيَانِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ مَنْ سَقَى مُسْلِمًا شَرْبَةَ مَاءٍ بَاعَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ جَهَنَّمَ شَوْطَ فَرَسٍ. وَعَنْ إسْمَاعِيلَ كُنْت فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَبْدُ اللَّهُ بْنُ عَمْرٍو فَمَرَّ بِنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَسَلَّمَ فَرَدَّ عَلَيْهِ الْقَوْمُ فَسَكَتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو حَتَّى إذَا فَرَغُوا رَفَعَ عَبْدُ اللَّهِ صَوْتَهُ فَقَالَ وَعَلَيْك السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّ أَهْلِ الْأَرْضِ إلَى أَهْلِ السَّمَاءِ هُوَ هَذَا الْمَاشِي مَا كَلَّمَنِي كَلِمَةً مُنْذُ لَيَالِيِ صِفِّينَ وَلَأَنْ يَرْضَى عَنِّي أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لِي حُمْرُ النَّعَمِ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ بَعْدَ الْغَدِ لَأَعْتَذِرُ فَذَهَبَا وَاسْتَأْذَنَ أَبُو سَعِيدٍ فَدَخَلَ ثُمَّ اسْتَأْذَنَ لِعَبْدِ اللَّهِ فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى أَذِنَ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ مَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فِي الْأَمْسِ فَقَالَ الْحُسَيْنُ أَمَا عَلِمْت يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنِّي أَحَبُّ أَهْلِ الْأَرْضِ إلَى أَهْلِ السَّمَاءِ فَمَا حَمَلَك أَنَّ قَاتَلْتَنِي وَأَبِي يَوْمَ صِفِّينَ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي قَالَ أَجَلْ لَكِنْ «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلِّ وَنَمْ وَصُمْ وَأَفْطِرْ وَأَطِعْ أَبَاك عَمْرًا» فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ صِفِّينَ أَقْسَمَ عَلَيَّ أَبِي فَخَرَجْت وَاَللَّهِ مَا كَثَّرْت لَهُمْ سَوَادًا وَلَا سَلَلْت سَيْفًا وَلَا طَعَنْتُ بِرُمْحٍ وَلَا رَمَيْتُ بِسَهْمٍ أَسْلَمَ قَبْلَ أَبِيهِ تُوُفِّيَ بِالشَّامِ وَقِيلَ بِمَكَّةَ وَقِيلَ بِمِصْرَ وَقِيلَ بِفِلَسْطِينَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَأَبُوهُ أَكْبَرُ مِنْهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. «أَنَّهُ قَالَ أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» أَيْ أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ مِنْ النَّاسِ فَحَذَفَ الْفَاعِلَ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ نَفْسُ الْفِعْلِ يَعْنِي الْخَبَرَ «أَنِّي أَقُولُ وَاَللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ» الظَّاهِرُ جَمِيعُ النَّهَارِ لِعَدَمِ الْعَهْدِ وَدَلِيلُ الْجِنْسِ بَلْ السَّوْقِ وَجَوَابُ النَّبِيِّ قَرِينَةٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَقَالَ أَهْلُ الْبَيَانِ اللَّامُ فِي الْخِطَابِيَّاتِ لِلِاسْتِغْرَاقِ «وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ» أَيْ جَمِيعَ اللَّيَالِي كَمَا عَرَفْت «مَا عِشْتُ» أَيْ مُدَّةَ حَيَاتِي قِيلَ بِاضْطِرَابِ هَذَا الْحَدِيثِ وَدُفِعَ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمَعَانِي وَلَيْسَ هُنَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَتَبَّعَ اخْتِلَافَهُ يَظْهَرُ دَوْرُهُ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِنْ قِيلَ هَذَا نَذْرٌ بِاسْتِغْرَاقِ الْعُمْرِ بِالصِّيَامِ وَالْقِيَامِ عَلَى طَرِيقِ الْجَزْمِ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو عَنْ مَوَانِعَ مُوجِبَةٍ لِلْعَجْزِ عَنْهُ فَكَيْفَ يَجْتَرِئُ عَلَى هَذَا النَّذْرِ قُلْت: إنَّ أَمْثَالَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الِاسْتِطَاعَةِ بِمَعْنَى سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ وَأَنَّ النَّذْرَ مُلْحَقٌ بِالْيَمِينِ وَإِمْكَانُ الْبِرِّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ شَرْطُ انْعِقَادِ الْيَمِينِ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ الْمَدْيُونُ وَقْتًا عَلَى الْأَدَاءِ وَلَمْ يَلْقَ رَبَّ الدَّيْنِ بَرَّ وَيُعْذَرُ كَمَا فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ قَالَ فِي التتارخانية لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ لَمْ يَأْتِ مِنْ قِبَلِهِ. «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» لِعَبْدِ اللَّهِ «أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ ذَلِكَ فَقُلْت» يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ «لَهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي» أَيْ أَفْدِيكَ بِهِمَا هَذَا مَثَلٌ يُقَالُ عِنْدَ إظْهَارِ زِيَادَةِ الْمَحَبَّةِ وَالشَّفَقَةِ أَوْ دُعَاءٌ لَعَلَّ حَاصِلَهُ رَاجِعٌ بِطُولِ الْعُمْرِ أَوْ بِالْخَلَاصِ عَنْ جَمِيعِ الْمَضَارِّ «قَدْ قُلْته» أَيْ ذَلِكَ الْخَبَرَ النَّذْرَ الْمَذْكُورَ «يَا رَسُولَ اللَّهِ» إتْيَانُ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ إطَالَةِ الْكَلَامِ مَعَ الْأَحِبَّاءِ لِلِاسْتِلْذَاذِ. «قَالَ: فَإِنَّكَ» لَعَلَّ الْفَاءَ تَعْلِيلِيَّةٌ يَعْنِي إنْ نَذَرْت بِذَلِكَ، فَإِنَّك «لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ» أَيْ بِالْقُدْرَةِ الْمُيَسَّرَةِ لَا الْمُمْكِنَةِ وَلَا تَكْلِيفَ فِي مِثْلِهِ وَلَوْ نَدْبًا إلَّا بِالْمُيَسَّرَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، فَإِنْ قِيلَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ مِنْ أَقْدَمِهِمْ إسْلَامًا وَأَكْثَرِهِمْ عِلْمًا وَأَوْفَرِهِمْ وَرَعًا وَأَقْوَاهُمْ صُحْبَةً فَكَيْفَ يَخْفَى عَلَيْهِ هَذَا الْحُكْمُ وَيَجْتَرِئُ عَلَى هَذَا النَّذْرِ قُلْنَا يَجُوزُ وُرُودُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَوَائِلِ الْإِسْلَامِ عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَكُنْ شُيُوعُ

стр. 135

هَذَا الْحُكْمِ أَوْ يَفْهَمُ مِنْ عُمُومِ النُّصُوصِ جَوَازَ الِاسْتِيعَابِ أَوْ بِطَرِيقِ دَلَالَةِ النَّصِّ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَهِمَهُ عَلَى بَقَاءِ الشَّرَائِعِ السَّابِقَةِ شَرِيعَةً لَنَا وَلَمْ يَقِفْ عَلَى دَلِيلِ الْإِنْكَارِ وَالنَّسْخِ وَيَجُوزُ أَنْ يَفْهَمَ مِنْ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى مَنْعِ هَذَا الْإِفْرَاطِ فِي الطَّاعَةِ نَفْيَ التَّكْلِيفِ اللُّزُومِيِّ لَا النَّدْبِيِّ ثُمَّ وَجْهُ عَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ أَنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ ضَعِيفًا لَا يَقْدِرُ أَنْ يَحْمِلَ الْأَفْعَالَ الشَّاقَّةَ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ هَذَا حُكْمٌ مُخْتَصٌّ بِعَبْدِ اللَّهِ وَالْمَطْلُوبُ لِلْجَمِيعِ قُلْنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» وَأَنَّهُ قَدْ يَنْتَقِلُ مِنْ عُمُومِ الْعِلَّةِ إلَى عُمُومِ الْحُكْمِ وَلَا شَكَّ فِي عُمُومِ عَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ لِلْجَمِيعِ «فَصُمْ» أَيْ تَارَةً لِحَقِّ مَوْلَاك وَشُكْرِ نِعْمَتِهِ «وَأَفْطِرْ» تَارَةً لِحَقِّ نَفْسِك وَعِرْفَانِ نِعْمَةِ رَبِّك وَإِرْفَاقِ نَفْسِك؛ لِأَنَّهَا مَطِيَّتُك وَلِتَقْوَى إلَى طَاعَةِ رَبِّك لَا لِهَوَى نَفْسِك وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ صُمْ فِي الْأَيَّامِ الْمَأْثُورَةِ لِفَضْلِهَا كَصَوْمِ دَاوُد وَأَيَّامِ الْبِيضِ كَمَا سَيُشَارُ إلَيْهِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي نَفْيَ صَوْمِ الدَّهْرِ. وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ رَجَّحَهُ عَلَى صَوْمِ دَاوُد لَكِنْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «كَانَ يَصُومُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ لَا يَصُومُ» وَمِثْلُهُ خَبَرُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَعَنْ أَبَوَيْهَا «وَنَمْ» لِاسْتِرَاحَةِ نَفْسِك؛ لَأَنْ تَتَقَوَّى بِهِ عَلَى طَاعَةِ رَبِّك «وَقُمْ» لِلتَّهَجُّدِ وَلِقِيَامِ اللَّيْلِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] الْآيَةُ وَيُحْتَمَلُ نَمْ يَعْنِي كُلَّ بَعْضِ اللَّيَالِيِ وَقُمْ أَيْضًا بَعْضَ اللَّيَالِيِ لَا كُلَّ جَمِيعِ اللَّيَالِيِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ فِي أَنَّ إقَامَةَ كُلِّ اللَّيْلَةِ مُطْلَقًا مَكْرُوهٌ عِنْدَهُمْ وَالْمَدَارُ عِنْدَنَا هُوَ التَّيْسِيرُ وَالنَّشَاطُ؛ لِأَنَّ أَمْرَنَا عَلَى التَّوَسُّطِ وَالِاقْتِصَادِ وَالرِّفْقِ وَالْمُطَاقِ. «وَصُمْ مِنْ الشَّهْرِ» أَيْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ الظَّاهِرُ الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ وَالْإِرْشَادِ لَا لِلْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَتُهُ «ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» رُوِيَ عَنْ النَّوَوِيِّ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ هِيَ أَيَّامُ الْبِيضِ. وَعَنْ الْقُرْطُبِيِّ أَوَّلُ الشَّهْرِ وَأَوْسَطُهُ وَآخِرُهُ وَيُقَالُ أَبْهَمَ الثَّلَاثَةَ لِكِفَايَةِ أَيِّ ثَلَاثَةٍ كَانَتْ وَقِيلَ مِنْ أَوَّلِهِ وَقِيلَ مِنْ آخِرِهِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا» فَالثَّلَاثَةُ مُعَادِلَةٌ لِلشَّهْرِ «وَذَلِكَ» الثَّلَاثَةُ «مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ» يَشْكُلُ إنْ أُرِيدَ تَضْعِيفَ الثَّلَاثَةِ مَعَ تَضْعِيفِ الدَّهْرِ فَالْمُمَاثَلَةُ مُنْتَفِيَةٌ إذْ كُلُّ يَوْمٍ دَهْرٌ فَحَسَنَتُهُ أَيْضًا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ هَذَا التَّضْعِيفَ مُخْتَصٌّ بِهَذَا النَّصِّ بِهَذِهِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ دُونَ الدَّهْرِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ وَبِمِثْلِهِ لَا يُخَصَّصُ عُمُومُ نَصِّ الْقُرْآنِ وَدَعْوَى أَنَّ صِيَامَ الدَّهْرِ لَا يَكُونُ حَسَنَةً لِمِثْلِ هَذَا النَّهْيِ وَلَوْ كَانَ حَسَنَةً لَا يَكُونُ ثَوَابُهَا مُضَاعَفًا بِالْعَشَرَةِ صَعُبَ سِيَّمَا بِمُلَاحَظَةِ مَا سَمِعْت مِنْ الْفُقَهَاءِ فَلْيُتَأَمَّلْ. «قُلْت» يَعْنِي «عَبْدَ اللَّهِ» الْمَذْكُورَ «، فَإِنِّي أُطِيقُ» مِنْ الطَّاقَةِ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ «أَفْضَلُ» أَيْ أَكْثَرُ أَوْ مَا يَزِيدُ فَضْلُهُ «مِنْ ذَلِكَ قَالَ» لَهُ «فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ» وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ «صُمْ يَوْمَيْنِ وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ» «قُلْت» يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ: «فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا» وَهُوَ صَوْمُ دَاوُد الْمُشَارُ إلَيْهِ بِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ «أَفْضَلُ الصَّوْمِ صَوْمُ أَخِي دَاوُد كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا» قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِ الدَّهْرِ؛ لِأَنَّهُ أَشَقُّ عَلَى النَّفْسِ وَمَأْمُونٌ مِنْ تَفْوِيتِ بَعْضِ الْحُقُوقِ، فَإِنْ قِيلَ هَذِهِ الْمُقَابَلَةُ بَعْدَ تَحْدِيدِ النَّبِيِّ ﵊ وَظِيفَتَهُ لَيْسَ إلَّا مِنْ سُوءِ الْأَدَبِ قُلْت لَعَلَّهُ فَهِمَ الْإِذْنَ مِنْ تَعْلِيلِهِ بِالِاسْتِطَاعَةِ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يُوهِمُ تَكْذِيبَ النَّبِيِّ فِي قَوْلِهِ لَا تَسْتَطِيعُ وَرَدَّهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ بَلْ حِكَايَةِ حَالِهِ وَأَنَّ جَرَيَانَ التَّكْذِيبِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ «فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُد ﵊» وَعَلَى نَبِيِّنَا قِيلَ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ «، فَإِنَّهُ كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ» . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ إنَّمَا أَحَالَهُ عَلَى صَوْمِ دَاوُد وَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ أَعْبَدَ النَّاسِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِيهِ - ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧]- أَيْ صَاحِبُ قُوَّةٍ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالْأَوَّابُ الرَّجَّاعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَادَتِهِ وَتَسْبِيحِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ أَفْضَلَ لِكَوْنِهِ أَبْلَغَ فِي تَأْثِيرِ النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي الِاعْتِيَادِ تَعَبٌ، وَخَيْرُ الْأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا وَلِأَنَّ الِاعْتِيَادَ عَلَى الدَّوَاءِ يُبْطِلُ أَثَرَهُ، وَإِذَا مَرِضَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ وَلِأَنَّ

стр. 136

الْعَبْدَ فِيهِ بَيْنَ صَبْرِ يَوْمٍ وَشُكْرِ يَوْمٍ. وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عُرِضَتْ عَلَيَّ مَفَاتِيحُ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَكُنُوزِ الْأَرْضِ فَرَدَدْتُهَا فَقُلْتُ أَجُوعُ يَوْمًا وَأَشْبَعُ يَوْمًا أَحْمَدُكَ إذَا شَبِعْتُ وَأَتَضَرَّعُ إلَيْك إذَا جُعْتُ» «وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ» ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَسِّطٌ بِلَا إفْرَاطٍ وَلَا تَفْرِيطٍ وَلِأَنَّهُ عَدَالَةٌ لَيْسَ فِيهِ جَوْرٌ عَلَى النَّفْسِ وَعَلَى الطَّاعَةِ وَلِأَنَّ فِيهِ حِفْظَ قُوَّةِ الْبَدَنِ وَمَشَقَّةَ الطَّاعَةِ. (وَفِي رِوَايَةٍ «أَفْضَلُ الصِّيَامِ» اُسْتُشْكِلَ بِنَحْوِ حَدِيثِ «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ» وَحَدِيثُ «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَعْبَانُ» لِتَعْظِيمِ رَمَضَانَ وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَفْضِيلَ صَوْمِ دَاوُد بِاعْتِبَارِ الطَّرِيقَةِ وَالْحَدِيثُ بِاعْتِبَارِ الزَّمَانِ فَطَرِيقَةُ دَاوُد فِي الْمُحَرَّمِ أَفْضَلُ مِنْ طَرِيقَتِهِ فِي غَيْرِهِ كَذَا وَفَّقَ جَمْعٌ وَضُعِّفَ وَوُفِّقَ الْحَدِيثَانِ بِأَنَّ حَدِيثَ شَعْبَانَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ فَضْلَ الْمُحَرَّمِ أَوْ أَنَّ الْمُحَرَّمَ أَفْضَلُ اسْتِقْلَالًا وَشَعْبَانُ أَفْضَلُ تَبَعًا لِرَمَضَان ثُمَّ قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَفْضَلُ الْأَشْهُرِ نَفْلًا الْمُحَرَّمُ ثُمَّ رَجَبٌ ثُمَّ بَقِيَّةُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ثُمَّ شَعْبَانُ وَلَا يُعَارِضُهُ «إكْثَارُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَوْمَهُ دُونَ شَهْرٍ» ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَلِمَهُ آخِرًا وَلَعَلَّهُ لِعَارِضٍ انْتَهَى «قُلْت» أَيْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» لِاعْتِمَادِهِ عَلَى قُوَّةِ نَفْسِهِ رَغْبَةً لِلطَّاعَاتِ وَحِرْصًا عَلَيْهَا «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» ، فَإِنْ قِيلَ عَلَى رِوَايَةِ " أَفْضَلُ الصِّيَامِ " مُطَابَقَةً وَعَلَى رِوَايَةِ " أَعْدَلُ الصِّيَامِ " الْتِزَامًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُنْتَهَى فِي الْفَضْلِ وَلَا فَرْدَ مِنْ الصَّوْمِ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ إذْ الْجَمْعُ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ لِلِاسْتِغْرَاقِ. وَكَذَا أَفْضَلُ الَّذِي بِمَعْنَى الْفَرْدِ السَّابِقِ وَعَبْدُ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ فَكَيْفَ يُعِيدُ هَذَا الْكَلَامَ قُلْنَا لِحِرْصِهِ عَلَى الطَّاعَةِ يُحْمَلُ الِاسْتِغْرَاقُ عَلَى نَحْوِ الِادِّعَائِيِّ وَالْإِضَافِيِّ كَمَا هُوَ حَالُ الْخَطَّابِيِّ أَوْ لَعَلَّهُ يُفْهَمُ مِنْ نَصٍّ آخَرَ أَفْضَلِيَّةُ الزِّيَادَةِ وَصَوْمُ الدَّهْرِ وَلِهَذَا ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى فَضْلِ السَّرْدِ وَحَمَلُوا ذَلِكَ الْحَدِيثَ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِعَبْدِ اللَّهِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ وَأُيِّدَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يَنْهَ حَمْزَةُ عَنْ السَّرْدِ (وَزَادَ فِي رِوَايَةِ «فَإِنَّ لِجَسَدِك عَلَيْك حَقًّا» فَيَلْزَمُ عَلَيْك إعْطَاؤُهُ مِنْ تَقْوِيَتِهِ وَتَنْمِيَتِهِ فَتَقُومُ بِأَعْمَالِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. «، وَإِنَّ لِزَوْجِك» أَيْ زَوْجَتِك، وَقَدْ سَمِعْت إطْلَاقَ لَفْظِ الزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ قَالَ فِي الصِّحَاحِ زَوْجُ الرَّجُلِ امْرَأَتُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] «عَلَيْك حَقًّا» بِالْوَطْءِ لِتُحْصِنَهَا عَنْ الزِّنَا وَلَأَنْ تَقُومَ فِي نَحْوِ نَفَقَتِهَا وَلِرَجَاءِ وَلَدٍ صَالِحٍ هُوَ نَتِيجَةُ التَّزَوُّجِ وَفَائِدَتُهُ ( «، وَإِنَّ لِزَوْرِك» بِفَتْحٍ وَسُكُونٍ جَمْعُ زَائِرٍ كَرَكْبٍ وَرَاكِبٍ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الزَّوْرُ الزَّائِرُ وَالزَّائِرُونَ يُشِيرُ إلَى اسْتِوَاءِ الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ. «عَلَيْك حَقًّا» بِالْخِدْمَةِ وَالْإِكْرَامِ وَالتَّأْنِيسِ بِالضِّيَافَةِ وَالْأَكْلِ مَعَهُ، فَإِنْ قِيلَ يُمْكِنُ لِعَبْدِ اللَّهِ أَنْ يَقُولَ هُنَا إنِّي أُؤَدِّي هَذِهِ الْحُقُوقَ وَأَفْعَلُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قُلْنَا الْأَصْلُ أَنَّهُ إذَا شُرِعَ حُكْمٌ بِعِلَّةٍ فَلَا يَنْتَفِي ذَلِكَ الْحُكْمُ بِانْتِفَاءِ تِلْكَ الْعِلَّةِ وَأَنَّ الْعِلَّةَ قَدْ تُشْرَعُ لِجِنْسِ الْحُكْمِ لَا لِشَخْصِهِ كَرُخْصَةِ السَّفَرِ لَا تَزُولُ بِزَوَالِ مَشَقَّةِ السَّفَرِ. (وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «أَلَمْ أُخْبَرْ» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ «أَنَّك تَصُومُ الدَّهْرَ» إلَّا الْأَيَّامَ الْمَنْهِيَّةَ «وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ» قِيلَ كُلُّهُ فَفِيهِ نَظَرٌ «كُلَّ لَيْلَةٍ» بِلَا نَوْمٍ أَصْلًا الظَّاهِرُ أَنَّ الْقِرَاءَةَ لَيْسَ

стр. 137

كُلُّهَا فِي الصَّلَاةِ كَمَا حُمِلَ «فَقُلْت بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ» هَذَا الْخَبَرُ خَبَرٌ آخَرُ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ أَوَّلًا فَفِيمَا تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ الْوَاقِعِ هُوَ النَّذْرُ لَا الْفِعْلُ وَأَنَّ الْمَذْكُورَ هُنَاكَ الْقِيَامُ لَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَهُنَا فِعْلُ الصَّوْمِ وَالْقِرَاءَةِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ مَا يُقَرِّبُ إلَى الشَّيْءِ سِيَّمَا بِتَدَاعِي أَسْبَابِهِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ وُقُوعِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَإِنَّ قِيَامَهُ كَأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْقِرَاءَةِ. «وَأَنِّي لَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ» أَيْ بِكُلٍّ مِنْ صَوْمِ الدَّهْرِ وَقِيَامِ كُلِّ اللَّيْلِ «إلَّا خَيْرًا» تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِإِتْيَانِ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ وَاسْتِغْرَاقِ عُمْرِي فِي ذَلِكَ لَا شَيْئًا مِمَّا لَا يُحْمَدُ شَرْعًا كَالرِّيَاءِ وَجَلْبِ الدُّنْيَا وَمَدْحِ الْخَلْقِ «وَفِيهَا» أَيْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ «قَالَ» لِعَبْدِ اللَّهِ «وَاقْرَأْ الْقُرْآنَ» أَيْ الْخَتْمَ «فِي كُلِّ شَهْرٍ» نُقِلَ عَنْ الْقُنْيَةِ فِي حَقِّ الْخَتْمِ أَقْوَالٌ وَالْأَحْسَنُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً. «قَالَ» عَبْدُ اللَّهِ «قُلْت يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَنَا أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ» أَيْ سَبْعَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا «لَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ» فَكَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشَارَ إلَى طَرَفَيْهِ فَلَا يَنْقُصُ مِنْ الشُّهُورِ وَلَا يُزَادُ عَلَى السَّبْعِ وَيَخْتِمُ فِيمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمَرَاتِبِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَنَشَاطِهِ وَيُؤَيِّدُهُ زِيَادَةُ قَوْلِهِ «اقْرَأْ فِي كُلِّ عِشْرِينَ» . وَفِي أُخْرَى «اقْرَأْ فِي كُلِّ عَشْرَةٍ» فَهَذَا النَّهْيُ يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ لِكَوْنِ الْقُبْحِ مِنْ الْغَيْرِ كَمَا عَلَيْهِ كَثِيرُونَ وَقَالَ بَعْضٌ هَذَا النَّهْيِ لِلرِّفْقِ وَخَوْفِ الِانْقِطَاعِ فَاخْتَارَ بَعْضٌ فِي الْخَتْمِ خَمْسًا وَآخَرُ سِتًّا وَآخَرُ يَخْتِمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ وَفِي الْإِتْقَانِ أَكْثَرُ مَا وَرَدَ الْخَتْمُ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثَمَانِ مَرَّاتٍ أَرْبَعٌ فِي اللَّيْلِ وَأَرْبَعٌ فِي النَّهَارِ ثُمَّ الْخَتْمُ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَرْبَعًا ثُمَّ ثَلَاثًا ثُمَّ خَتْمَتَيْنِ ثُمَّ خَتْمَةً وَحَسُنَ بَعْضُ الْخَتْمِ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ وَكُرِهَ فِي الْأَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ لِحَدِيثٍ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ «لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ» . وَفِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد «لَا تَقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ» لَكِنْ قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الْعِرَاقِيِّ لَا دَلَالَةَ عَلَى الْحُرْمَةِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ حَزْمٍ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْفَهْمِ تَحْرِيمُ الْقِرَاءَةِ أَقُولُ لَوْ جُعِلَ الْحَدِيثُ الثَّانِي مُفَسِّرًا وَبَيَانًا لَهُ يَصْلُحُ لَأَنْ يَكُونَ حُجَّةً لِلْكَرَاهَةِ، وَإِنْ لَمْ تُمْكِنْ حُجِّيَّتُهُ لِلْحُرْمَةِ إمَّا لِكَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ أَوْ لِكَوْنِ قُبْحِهِ لِمَعْنًى فِي الْغَيْرِ وَمُجَاوِرٌ وَلَا وَصْفٌ لَازِمٌ، فَإِنْ قِيلَ: لَا شَكَّ أَنَّ مَا كَثُرَ مِنْ الْخَيْرِ فَهُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِحَدِيثِ «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا» قُلْنَا قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ فِي شَرْحِ الْحِصْنِ الْحَصِينِ فِي حَدِيثٍ مُتَعَلِّقٍ بِفَضْلِ الذِّكْرِ عَنْ الشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثَّوَابَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى قَدْرِ التَّعَبِ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ بَلْ يُؤْجِرُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عَمَلٍ قَلِيلٍ مَا يُؤْجِرُ عَلَى كَثِيرٍ، فَإِنَّ الثَّوَابَ يَتَرَتَّبُ عَلَى تَفَاوُتِ الرُّتْبَةِ فِي الشَّرَفِ. وَأَمَّا حَدِيثُ «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا» فَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَصٌّ مِنْ الشَّارِعِ انْتَهَى. ثُمَّ أَقُولُ: أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَالْمَرْوِيُّ عَنْ عُظَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَأَقْوِيَائِهِمْ هُوَ السَّبْعُ وَبَعْضُهُمْ فِي شَهْرٍ وَبَعْضُهُمْ فِي شَهْرَيْنِ. وَعَنْ بُسْتَانِ الْعَارِفِينَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْقُصَ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يُؤَدِّي بِذَلِكَ حَقَّ الْقُرْآنِ وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ التَّأْخِيرَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ بِلَا عُذْرٍ وَعَنْ أَذْكَارِ النَّوَوِيِّ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ عَلَى تَحْصِيلِ رِعَايَةِ آدَابِ الْقِرَاءَةِ مِنْ فَهْمِ الْمَعْنَى وَتَأَمُّلِ الْحَقَائِقِ وَاعْتِبَارِ الدَّقَائِقِ وَكَذَا عَلَى قَدْرِ الِاشْتِغَالِ بِنَحْوِ نَشْرِ الْعِلْمِ وَفَصْلِ الْحُكُومَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ وَبِالْجُمْلَةِ اخْتِيَارُ الْبَعْضِ السَّبْعَ لِكَوْنِهِ أَوْسَطَ الرِّوَايَاتِ. «قَالَ» أَيْ عَبْدُ اللَّهِ «فَشَدَّدْت» بِالتَّشْدِيدِ فُسِّرَ بِضَيَّقْتُ عَلَى نَفْسِي «فَشَدَّدَ» أَيْ النَّبِيُّ ﵊ «عَلَيَّ وَ» قَدْ كَانَ «قَالَ لِي» قِيلَ اللَّامُ لِلتَّبْلِيغِ «النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّك لَا تَدْرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ عُمْرُك» قِيلَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْإِخْبَارِ عَنْ الْغَيْبِ بِطَرِيقِ الْمُعْجِزَةِ قِيلَ يَعْنِي فَتَعْجِزَ عَنْ الْكَثْرَةِ هَذِهِ فَيَنْقُصُ رَجَاؤُك لِنُقْصَانِ عَمَلِك فَيَنْقُصُ قَدْرُك عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ تَصِيرُ الْأَعْمَالُ الْكَثِيرَةُ عَادَةً فَلَا تُثَابُ كَثِيرًا لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ وَالْإِتْعَابِ. «قَالَ» عَبْدُ اللَّهِ «فَصِرْت إلَى» السِّنِّ «الَّذِي قَالَ لِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا كَبِرْتُ

стр. 138

وَدِدْت» أَحْبَبْتُ «أَنِّي كُنْتُ قَبِلْتُ رُخْصَةَ نَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» الظَّاهِرُ مِنْ الرُّخْصَةِ هُوَ صَوْمُ دَاوُد وَالْخَتْمُ فِي سَبْعٍ بِقَرِينَةِ عَدَمِ قَنَاعَتِهِ بِالْمَرَاتِبِ الْأُوَلِ فَيَضْعُفُ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ صِيَامِ الثَّلَاثَةِ وَالْخَتْمِ فِي الشَّهْرِ بِقَرِينَةِ الْخِفَّةِ، فَإِنَّهُمَا أَخَفُّ الْكُلِّ، فَإِنْ قِيلَ تَشْرِيعُ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً لَيْسَ إلَّا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَتَعْيِينُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ الْمَرَاتِبِ بِلَا تَوَقُّفٍ إلَى الْوَحْيِ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ قُلْنَا قَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ تَفْوِيضَهُ تَعَالَى بَعْضَ الْأَحْكَامِ إلَى رَأْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَائِزٌ عِنْدَ الْبَعْضِ وَيَجُوزُ فَهْمُهُ مِنْ نُصُوصِ الْقُرْآنِ بِمَا لَا يَفْهَمُهُ الْغَيْرُ وَيَجُوزُ بِإِلْهَامٍ وَوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ كَإِخْبَارِ جَبْرَائِيلَ قَبْلُ أَوْ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا السِّيَاقِ يُشْعِرُ بِلُزُومِ عِبَادَةٍ نَافِلَةٍ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا عَلَى وَجْهٍ لَوْ تَرَكَهَا يَكُونُ مُعَاقَبًا. وَالظَّاهِرُ عَدَمُهُ فَلِمَ لَا يَجُوزُ تَرْكُ عِبَادَةٍ دَامَ عَلَيْهَا فِي صِغَرِهِ عِنْدَ كِبَرِ سِنِّهِ وَعِنْدَ ظُهُورِ الْمَوَانِعِ هَذَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ «وَدِدْت» بِمَعْنَى تَمَنَّيْتُ إذْ كَمَا يَكُونُ الْوُدُّ بِمَعْنَى الْمَحَبَّةِ يَكُونُ بِمَعْنَى التَّمَنِّي كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَأْتِي بِآخِرِ مَا أَمَرَهُ بِهِ ﵊ مِنْ صَوْمِ دَاوُد وَالْخَتْمِ فِي السَّبْعِ وَعِنْدَ كِبَرِ السِّنِّ وَضَعْفِ الْقُوَى تَمَنَّى أَوَّلَ مَا رَخَّصَهُ لَهُ مِنْ نَحْوِ صَوْمِ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ مَثَلًا وَمَا قِيلَ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ أَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى الْتِزَامِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَفْضَلَ مِنْ صِيَامِ الدَّهْرِ وَقِيَامِ كُلِّ اللَّيْلِ فَمُخَالِفٌ «لِقَوْلِهِ ﵊ لَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ» ؛ لِأَنَّهُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْ صَحَابِيٍّ مُخَالَفَةُ النَّبِيِّ وَكَيْفَ يُطْلِقُ عَلَيْهِ الْأَفْضَلِيَّةَ وَأَنَّهُ رَأْيٌ فِي مُقَابَلَةِ نَصٍّ، وَقَدْ قَالَ «لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» . (وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ «لَا صَامَ» صَوْمًا يُوجِبُ كَثْرَةَ ثَوَابٍ كَمَا يَظُنُّهُ الْآتِي فَالتَّفْسِيرُ بِأَنَّهُ لَا ثَوَابَ لِفِعْلِهِ أَيْ صِيَامِهِ أَصْلًا كَالتَّعْلِيلِ بِالْكَرَاهَةِ لَيْسَ بِمُنَاسِبٍ إذْ مَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ سِوَى الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ مُثَابٌ وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ فَضْلًا عَنْ الْمَشَايِخِ تَرْجِيحُ صَوْمِ الدَّهْرِ عَلَى صَوْمِ دَاوُد «مَنْ صَامَ الْأَبَدَ» أَيْ غَيْرَ الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ فَهَذَا كَعَامٍّ خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ وَالْمُخَصِّصُ هُوَ الشَّرْعُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ لَمْ يُفِدْ هَذَا الْحُكْمُ شَيْئًا مُعْتَدًّا إذْ لَا يُرِيدُ عَبْدُ اللَّهِ شُمُولَ صَوْمِهِ لِتِلْكَ الْأَيَّامِ وَلَمْ يَكُنْ مُقَابِلًا لِغَرَضِ عَبْدِ اللَّهِ بَلْ يَكُونُ مُوَافِقًا مَعَهُ فَظَهَرَ بُطْلَانُ جَعْلِ الْمَذَمَّةِ مِنْ شُمُولِ الصَّوْمِ لِلْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ. وَأَيْضًا هُوَ إخْرَاجُ الْكَلَامِ مِنْ ذَوْقِ السَّوْقِ لَقَدْ أَصَابَ مَنْ قَالَ هَذَا بِاعْتِبَارِ عُمُومِ الْخَلْقِ لِلْإِشْفَاقِ وَلِلتَّقَوِّي عَلَى الْجِهَادِ وَالطَّاعَةِ وَإِلَّا فَمَنْ لَا يَلْحَقُهُ ضَعْفٌ وَفُتُورٌ وَلَا يُؤَدِّي إلَى فَوْتِ حَقٍّ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعٌ أَقُولُ بَلْ لَهُ فَضْلٌ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ اكْتِسَابِ الصَّالِحَاتِ وَلِشُمُولِ نَحْوِ حَدِيثٍ وَأَنَّ أَمْرِي «ثَلَاثًا» كَرَّرَ هَذَا الْقَوْلَ ثَلَاثًا تَأْكِيدًا وَرَغْمًا لِلْمُخَالِفِ وَجْهُ التَّأْكِيدِ دَفْعُ تَوَهُّمٍ نَاشِئٍ مِنْ كَثْرَةِ الثَّوَابِ عِنْدَ كَثْرَةِ الْعَمَلِ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ حِينَ سُئِلَ عَنْ صِيَامِ الْأَبَدِ» يَعْنِي لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ بِالِاعْتِيَادِ لَيْسَ لَهُ صَوْمٌ وَلِوُجُودِ صُورَةِ الصَّوْمِ لَيْسَ لَهُ إفْطَارٌ. وَنُقِلَ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيُكْرَهُ صَوْمُ الدَّهْرِ؛ لِأَنَّهُ يُضْعِفُهُ أَوْ يَصِيرُ طَبْعًا لَهُ وَمَبْنَى الْعِبَادَةِ عَلَى مُخَالَفَةِ الْعَادَةِ ثُمَّ أَقُولُ قَدْ عَرَفْت أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ وَإِلَّا فَعَنْ الصَّحِيحَيْنِ قَالَ حَمْزَةُ بْنُ عَمْرٍو «وَأَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ شِئْتَ فَصُمْ» فَقَرَّرَهُ خُصُوصًا فِي السَّفَرِ فَحَمْزَةُ وَأَيْضًا أَبُو طَلْحَةَ وَعَائِشَةُ وَخَلَائِقُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سَرَدُوا الصَّوْمَ فَيَلْزَمُ تَأْوِيلُ مِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ إمَّا بِفَوْتِ حَقٍّ أَوْ إيجَابِ ضَرَرٍ أَوْ لِشُمُولِ الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ إنْ أَمْكَنَ. قَالَ فِي شَرْحِ الشَّرْعِيَّةِ كَانَ يَصُومُهُ الصَّحَابَةُ وَلَمْ يُنْكِرْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ) عَنْهُ «وَكَانَ» عَبْدُ اللَّهِ «يَقْرَأُ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ» أَيْ زَوْجَتِهِ أَوْ أَوْلَادِهِ «السُّبْعَ» بِضَمٍّ فَسُكُونٍ «مِنْ الْقُرْآنِ» وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعَةِ أَجْزَاءٍ مِنْهُ «بِالنَّهَارِ» يُكَرِّرُهُ عَلَيْهِ لِيَحْفَظَهُ «وَاَلَّذِي يَقْرَأُهُ» مِنْ السُّبْعِ

стр. 139

الْمَذْكُورِ «يَعْرِضُهُ مِنْ اللَّيْلِ» فُسِّرَ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ «لِيَكُونَ» الْمَقْرُوءُ «أَخَفَّ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ» ؛ لِأَنَّهُ تَكَرَّرَ فِي النَّهَارِ لِتَسْهُلَ الْقِرَاءَةُ فِي لَيْلَةٍ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الصَّلَاةِ إنَّمَا هِيَ بِظَهْرِ الْقَلْبِ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ السَّابِقِ «فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ» «، وَإِذَا أَرَادَ» عَبْدُ اللَّهِ «أَنْ يَتَقَوَّى» عِنْدَ ضَعْفِهِ بِكَثْرَةِ الصِّيَامِ «أَفْطَرَ أَيَّامًا» لِيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ امْتِثَالًا بِالْأَمْرِ السَّابِقِ «وَأَحْصَى» ضَبَطَ وَعَدَّدَ مِقْدَارَ إفْطَارِهِ مِنْ الْأَيَّامِ «وَصَامَ مِثْلَهُنَّ» لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِمَّا حُدِّدَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمَرَاتِبِ بَلْ اللَّائِقُ لَهُ الْتِزَامُ مَا عَيَّنَهُ آخِرًا مِنْ صِيَامِ دَاوُد إلَّا أَنْ يُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ أَيَّامًا وَمِنْ قَوْلِهِ مِثْلُهُنَّ صَوْمُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ بِضَرْبٍ مِنْ التَّأْوِيلِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ مُرَادُهُ وَإِلَّا فَلَا يَتِمُّ أَيْضًا قَوْلُهُ «كَرَاهَةَ» إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَرِهَ «أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا» مِنْ الْحَسَنَةِ الَّتِي «فَارَقَ عَلَيْهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» يَعْنِي عَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ ﵊ (وَفِي أُخْرَى «أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ» لِعَبْدِ اللَّهِ «إنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ» فِي كَثْرَةِ الثَّوَابِ وَرِفْعَةِ الدَّرَجَةِ «صِيَامُ دَاوُد ﵊ وَأَحَبَّ الصَّلَاةِ» النَّافِلَةِ «صَلَاةُ دَاوُد ﵊» بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ «كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ» مُطْلَقًا بِلَا تَعْيِينِ شَرْطٍ مِنْهُ «وَيَقُومُ ثُلُثَهُ» مِنْ بَعْدِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ أَوْ قَبْلَهُ «وَيَنَامُ سُدُسَهُ» بَقِيَّةَ النِّصْفِ الْآخَرِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَوْ مِنْ أَوَّلِهِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ نَوْمِهِ الثُّلُثَيْنِ وَقِيَامُهُ الثُّلُثُ وَيُحْتَمَلُ تَقْدِيمَ الْقِيَامِ أَوْ تَأْخِيرَهُ أَوْ تَارَةً وَتَارَةً فَأَعْطَى حَقَّ الْجَسَدِ وَحَقَّ الْعِبَادَةِ بِحَيْثُ لَا فُتُورَ وَلَا مَلَلَ فِي نَفْسِ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ هَذَا الْإِطْلَاقُ مِنْ ظَاهِرِ لَفْظِ الْحَدِيثِ إذْ الْأَصْلُ أَنَّ الْمُطْلَقَ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ فَالتَّقْيِيدُ بِلَا قَرِينَةٍ وَلَا دَلِيلٍ خِلَافُ الْأَصْلِ. لَكِنْ فِي الْإِحْيَاءِ وَقَعَ تَقْيِيدُ هَذَا الْإِطْلَاقِ فِي قِيَامِ دَاوُد وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَنَامُ النِّصْفَ الْأَوَّلَ وَالسُّدُسَ الْأَخِيرَ وَيَقُومُ الثُّلُثَ مِنْ النِّصْفِ الْأَخِيرِ إذْ نَوْمُ آخِرِ اللَّيْلِ مُسْتَحَبٌّ لِإِذْهَابِ النُّعَاسِ وَصُفْرَةِ الْوَجْهِ وَمَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَعَنْ أَبَوَيْهَا وَأَنَّ نَوْمَ هَذَا الْوَقْتِ سَبَبُ الْمُكَاشَفَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ مِنْ وَرَاءِ حُجُبِ الْغَيْبِ لِأَرْبَابِ الْقُلُوبِ وَفِيهِ تَقَوِّي لِأَوْرَادِ أَوَّلِ النَّهَارِ لَعَلَّ ذَلِكَ التَّعْيِينَ مَضْمُونُ أَثَرٍ آخَرَ وَصَلَ إلَيْهِ وَإِلَّا فَقَدْ صَرَّحَ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ أَنَّ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ وَنَسْخٌ لَيْسَ بِجَائِزٍ لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا فِي الْإِحْيَاءِ أَيْضًا حِكَايَةً عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ الصُّبْحَ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ لِإِحْيَاءِ كُلِّ اللَّيْلِ لِتَجَرُّدِهِمْ لِلْعِبَادَةِ وَتَلَذُّذِهِمْ بِالْمُنَاجَاةِ إلَى أَنْ صَارَتْ غِذَاءً لَهُمْ وَحَيَاةً وَهُوَ دَأْبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ وَصَلَّى الْفَجْرَ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ أَرْبَعِينَ سَنَةً كَمَا حَكَى أَبُو يُوسُفَ كَمَا فُهِمَ مِنْ الْأَشْبَاهِ وَصَرَّحَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ وَاَلَّذِي سَبَقَ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ مِنْ أَنَّ هَذَا عَلَى اخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ يَقْتَضِي كَوْنَ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا وَهُوَ مِنْ أَعْلَمِ الصَّحَابَةِ وَأَوْرَعِهِمْ مُؤَخَّرًا عَنْ الْغَيْرِ فِي ذَلِكَ الْمَيْدَانِ كَمَا أُشِيرَ فَالْوَجْهُ أَيْضًا أَنَّهُ لِأَجْلِ تَعْلِيمِ الشَّرَائِعِ وَدَفْعِ الْمَشَقَّةِ عَنْ الْكُلِّ فَالصَّنَائِعُ إنَّمَا هِيَ لِلْإِرْشَادِ لَا لِلْإِيجَابِ وَلَا الْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ «وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا» حَاصِلُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ حَلَفَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى إتْيَانِ دَوَامِ الصِّيَامِ وَإِتْمَامِ اللَّيَالِي

стр. 140

بِالْقِيَامِ فَمَنَعَهُ ﵊ وَرَخَّصَ لَهُ وَعَمِلَ بِرُخْصَتِهِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْحِنْثَ إنَّمَا يَلِيقُ عِنْدَ كَوْنِ الْيَمِينِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ كَعَدَمِ التَّكَلُّمِ مَعَ الْأَبِ وَتَرْكِ الصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَلَفَ يَمِينًا وَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ بِاَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ ثُمَّ لِيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا. وَلَا شَكَّ أَنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ وَإِتْمَامَ قِيَامِ اللَّيْلِ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ قُلْنَا لَعَلَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُخْتَصٍّ بِالْمَعْصِيَةِ بَلْ يَجْرِي بَيْنَ الْفَاضِلِ وَالْمَفْضُولِ وَتَمْثِيلُهُمْ بِالْمَعْصِيَةِ لَا يُوجِبُ الِاخْتِصَاصَ وَيُشْعِرُهُ لَفْظُ خَيْرًا مِنْهَا فِي الْحَدِيثِ وَيُؤَيِّدُهُ تَفْسِيرُ الْمُنَاوِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ بِقَوْلِهِ مَنْ حَلَفَ يَمِينًا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَفْضَلُ إلَى آخِرِهِ فَالْكَلَامُ مَعَ الْأَفْضَلِيَّةِ هَيِّنٌ بِمُلَاحَظَةِ مَا سَبَقَ بَقِيَ أَنَّ ظَوَاهِرَ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ إنَّمَا يَنْفِي جَانِبَ الْإِفْرَاطِ وَالْمَطْلُوبِ أَيْ الِاقْتِصَادُ إنَّمَا يَتَأَدَّى بِنَفْيِ جَانِبِ التَّفْرِيطِ أَيْضًا فَلَا تَقْرِيبَ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ نَفْيَ التَّفْرِيطِ مَعْلُومٌ مِنْ عَامَّةِ كُتُبِ الشَّرْعِ وَأَنَّهُ لَا اشْتِبَاهَ فِي نَفْسِ هَذَا الْجَانِبِ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى بَيَانِهِ فَمَا يَلْتَزِمُ إثْبَاتُهُ هُوَ جَانِبُ نَفْيِ الْإِفْرَاطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (أَقْوَالُ الْفُقَهَاءِ) أَيْ هَذِهِ أَقْوَالُ الْفُقَهَاءِ الْوَارِدَةُ فِي حَقِّ الِاقْتِصَادِ لَعَلَّ هَذَا إمَّا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى هَذَا الْمَطْلُوبِ أَوْ مُرَاعَاةٌ لِمَرْتَبَةِ الْخَوَاصِّ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلِمَرْتَبَةِ الْعَوَامّ بِتَقْلِيدِ الْأَئِمَّةِ أَوْ جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٌ بِأَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِالْأَدِلَّةِ وَظَائِفُ الْمُجْتَهِدِينَ، وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ فَوَظِيفَتُهُ لَيْسَ إلَّا أَقْوَالَ الْمُجْتَهِدِ وَمِنْهُ يُعْلَمُ تَقْدِيمُ النُّصُوصِ؛ لِأَنَّهَا كَالْمُقَدِّمَاتِ وَالْمَبَادِئِ لِأَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ الَّتِي هِيَ كَالنَّتَائِجِ. (قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ) شَرْحِ الْمُخْتَارِ لِمُصَنِّفِهِ (لَا تَجُوزُ الرِّيَاضَةُ بِتَقْلِيلِ الْأَكْلِ حَتَّى يَضْعُفَ عَنْ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ) ؛ لِأَنَّهُ يَرْتَكِبُ إلَى مَنْفَعَةٍ قَلِيلَةٍ مُؤَدِّيَةٍ إلَى مَضَرَّةٍ كَثِيرَةٍ، فَإِنَّ الرِّيَاضَةَ أَيْ تَعْلِيمَ النَّفْسِ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ غَايَتُهَا دَرْكُ فَضِيلَةٍ مَنْدُوبَةٍ فَلَوْ بُولِغَتْ إلَى أَنْ تَضْعُفَ الْقُوَى وَيَطْرَأَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى قِيَامِ الصَّلَاةِ مَثَلًا لَأَدَّتْ إلَى تَعْطِيلِ ذَلِكَ الْفَرْضِ، وَأَمَّا تَجْوِيعُ النَّفْسِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُعْجِزُ وَلَا يُضْعِفُ عَنْ أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ فَأَمْرٌ اسْتِحْبَابِيٌّ يَقْوَى بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ. «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» «لِمُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَا مُعَاذُ» «إنَّ نَفْسَك» اُخْتُلِفَ فِي حَقِيقَةِ النَّفْسِ اخْتِلَافًا عَظِيمًا لَكِنْ لَعَلَّ الْمُرَادَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ هَذَا الْهَيْكَلُ الْمَخْصُوصُ بِشَرْطِ حُلُولِ الرُّوحِ بِهِ وَهِيَ الَّتِي يُعَبِّرُ كُلُّ أَحَدٍ عَنْهَا بِقَوْلِهِ أَنَا وَهِيَ الْمُكَلَّفَةُ بِالتَّكْلِيفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ «مَطِيَّتُك» الْمَطِيَّةُ دَابَّةٌ تَمْطُو أَيْ تُسْرِعُ فِي سَيْرِهَا؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْوُجُودِ بِهَا وَأَنْتَ تَحْمِلُ الطَّاعَةَ عَلَيْهَا وَهِيَ عَامِلَةٌ لَك فِي مَصَالِحِك الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ فَيَجِبُ عَلَيْك رِعَايَتُهَا وَصِيَانَتُهَا بِمَا يُقَوِّيهَا، فَإِنْ لَمْ تُرَاعَ خَرِبَ الْبَدَنُ وَفَسَدَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَحِلُّ بِهِ رُوحُهُ فَتَهْلَكَ «فَارْفِقْ بِهَا» بِقَضَاءِ حَوَائِجِهَا وَبِمُحَافَظَةِ مَا يُوجِبُ اسْتِمْرَارَهَا عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهَا لَا عَلَى قَدْرِ وَرَاءِ حَاجَتِهَا «وَلَيْسَ مِنْ الرِّفْقِ أَنْ تُجِيعَهَا» مِنْ الْجُوعِ وَذَلِكَ بِتَتَابُعِ الصِّيَامِ مَثَلًا «وَتُذِيبَهَا» مِنْ أَذَابَ يُذِيبُ عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إلَى هَلَاكِهَا لَا مُطْلَقَ الْإِجَاعَةِ وَفِي الْعَطْفِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ إذْ الْإِذَابَةُ إنَّمَا تُتَصَوَّرُ فِي الْمُبَالَغَةِ وَأَنَّ أَصْلَ الْجُوعِ مَمْدُوحٌ وَإِدَامَةَ الشِّبَعِ مَذْمُومَةٌ فَالْمُرَادُ التَّوَسُّطُ وَالِاقْتِصَادُ (لِأَنَّ تَرْكَ الْعِبَادَاتِ لَا يَجُوزُ) مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا (فَكَذَا مَا يُفْضِي إلَيْهِ) أَصْلُهَا أَوْ كَمَالُهَا، وَقَدْ قَرَّرَ فِي الْفِقْهِيَّةِ

стр. 141

أَنَّ الْأَكْلَ مِقْدَارُ مَا يَدْفَعُ بِهِ الْهَلَاكَ فَرْضٌ. وَقَالَ فِي فُصُولِ الْأُسْرُوشَنِيُّ الْأَكْلُ إمَّا فَرْضٌ أَنَّ مِنْ الْحَلَالِ قَدْرُ مَا يَدْفَعُ بِهِ الْهَلَاكَ وَيَتَقَوَّى لِأَدَاءِ الْفَرْضِ وَيُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُؤْجِرُ فِي كُلِّ لُقْمَةٍ يَرْفَعُهَا الْعَبْدُ إلَى فَمِهِ» وَإِمَّا مَنْدُوبٌ إنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ قَائِمًا وَلِيَسْهُلَ الصَّوْمُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» وَإِمَّا مُبَاحٌ لَا أَجْرَ وَلَا وِزْرَ إنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ تَقَوِّي الْبَدَنِ فَيُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَإِمَّا حَرَامٌ إنْ فَوْقَ الشِّبَعِ لِإِضَاعَةِ الْمَالِ وَالْإِسْرَافِ وَإِمْرَاضِ الْبَدَنِ. قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا مَلَأ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ الْبَطْنِ» وَقَالَ «أَطْوَلُ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ أَكْلًا فِي الدُّنْيَا» إلَّا لِتَطْيِيبِ الْمُسَافِرِ وَلِصَوْمِ الْغَدِ وَيُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ بِلَا إسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ وَلَا يَسْتَدِيمُ الشِّبَعَ. قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجُوعُ يَوْمًا وَأَشْبَعُ يَوْمًا وَكَانَ ﵊ «لَا يَشْبَعُ مِنْ الشَّعِيرِ ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَاتٍ فَلَا يَأْكُلُ إلَّا مِنْهُ أَوْ يَخْلِطُ بُرًّا بِالشَّعِيرِ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ثَلَاثٌ فِيهِنَّ الْبَرَكَةُ الْبَيْعُ بِالْأَجَلِ وَالْمُقَارَضَةُ وَخَلْطُ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ لِلْبَيْتِ دُونَ الْبَيْعِ» وَلَا يَأْكُلُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَرَّتَيْنِ، فَإِنَّهُ مِنْ الْإِسْرَافِ وَاتِّخَاذِ أَلْوَانِ الْأَطْعِمَةِ وَالْبَاجَّاتِ، وَوَضْعُ الْخُبْزِ عَلَى الْمَائِدَةِ أَكْثَرَ مِنْ الْحَاجَةِ سَرَفٌ إلَّا إذَا قَصَدَ أَنْ يُضَيِّفَ قَوْمًا بَعْدَ قَوْمٍ انْتَهَى مُلَخَّصًا. (وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا) أَيْ فِي الِاخْتِيَارِ (الْكَسْبُ) أَيْ تَحْصِيلُ أُمُورِ الْمَعَاشِ (أَنْوَاعٌ) أَرْبَعَةٌ (فَرْضٌ) يُثَابُ فَاعِلُهُ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ مَعَ إمْكَانِهِ وَيَكْفُرُ جَاحِدُهُ لِثُبُوتِهِ بِالنَّصِّ الْقَطْعِيِّ. قَالَ تَعَالَى ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] وَلِقَوْلِهِ ﷺ «طَلَبُ الْكَسْبِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» (وَهُوَ الْكَسْبُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ) فَسَّرَ الْكِفَايَةَ فِي الأسروشنية بِكِفَايَةِ يَوْمِهِ (لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ) مِمَّنْ وَجَبَ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ كَنَفَقَةِ قَرَابَةِ الْوِلَادَةِ وَالزَّوْجَةِ وَالْمَمَالِيكِ (وَقَضَاءِ دُيُونِهِ) وَلَوْ مَاتَ بِلَا قَضَاءٍ وَلَا تَعْطِيلِ كَسْبٍ وَفِي نِيَّتِهِ الْأَدَاءُ لَا يَأْثَمُ قَالَ فِي أَوَائِلِ زَكَاةِ الْبَزَّازِيَّةِ مَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ إنْ كَانَ مِنْ قَصْدِهِ الْأَدَاءُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمَطْلُ وَنُقِلَ عَنْ الِاخْتِيَارِ وَجَامِعِ الْفَتَاوَى وَوَقَعَ فِي الأسروشنية بِأَنَّ الرُّسُلَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَكْتَسِبُونَ وَيَأْكُلُونَ مِنْ كَسْبِهِمْ فَآدَمُ زَرَعَ بُرًّا وَسَقَاهُ وَحَصَدَهُ وَدَاسَهُ وَطَحَنَهُ وَعَجَنَهُ وَخَبَزَهُ فَأَكَلَهُ وَنُوحٌ نَجَّارٌ وَزَكَرِيَّا كَذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ بَزَّازٌ وَدَاوُد يَصْنَعُ الدُّرُوعَ وَسُلَيْمَانُ يَصْنَعُ الْمَكَاتِلَ مِنْ الْخُوصِ وَنَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَعَى الْغَنَمَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ بَزَّازًا وَعُمَرُ يَعْمَلُ فِي الْأَدِيمِ وَعُثْمَانُ تَاجِرًا وَعَلِيٌّ ﵁ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ، فَإِنَّ أَطْيَبَ مَا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ قِيلَ كُلُّ قَادِرٍ يَتْرُكُ الِاكْتِسَابَ، فَإِنَّ مَا يَأْكُلُهُ مِنْ دِينِهِ ثُمَّ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَسْبِ فَكَسْبُهُ السُّؤَالُ حَتَّى لَوْ لَمْ يَسْأَلْ فَمَاتَ أَثِمَ لِتَرْكِهِ الْفَرْضَ وَلَا يَزِيدُ عَلَى قُوتِ يَوْمٍ كَمَا فِي حَاشِيَةِ خَوَاجَهْ زَادَهْ (ثُمَّ قَالَ) فِي الِاخْتِيَارِ تَوْسِيطُهُ إمَّا لِكَوْنِهِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ مُتَأَخِّرًا عَنْ السَّابِقِ أَوْ لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ فِيمَا بَعْدَهُ الْعُمْدَةَ مِنْ نَقْلِ الْكَلَامِ (فَإِنْ تَرَكَ الِاكْتِسَابَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ مِقْدَارَ الْكِفَايَةِ (وَسِعَهُ) أَيْ جَازَ لَهُ التَّرْكُ جَوَابٌ أَنَّ لِحُصُولِ الْفَرْضِ بِدُونِهِ فَيَحْسُنُ لَهُ حِينَئِذٍ الِاشْتِغَالُ بِوَظَائِف الْعِبَادَاتِ وَالتَّفَرُّغِ عَنْ الْكَسْبِ لِاكْتِسَابِ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ هَلْ الْكَسْبُ لِأَجْلِ التَّصَدُّقِ أَفْضَلُ أَوْ التَّفَرُّغُ لِلطَّاعَةِ بَعْدَ حُصُولِ قَدْرِ الْوَاجِبِ قَالَ فِي التتارخانية جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْكَسْبِ سَوَاءٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقِيلَ الزِّرَاعَةُ أَفْضَلُ وَقِيلَ التِّجَارَةُ وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ وَالْمَنْقُولُ عَنْ الْمُنْتَقَى أَفْضَلُ الْكَسْبِ الْجِهَادُ ثُمَّ التِّجَارَةُ ثُمَّ الْحِرَاثَةُ ثُمَّ الصِّنَاعَةُ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَالْأَوْرَعُ أَنْ لَا يُجِيبَ دَعْوَةَ الَّذِي أَخَذَ الْأَرْضَ مُزَارَعَةً وَدَفَعَ عَلَى هَذَا وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَأْكُلَ طَعَامَهَا؛ لِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ انْتَهَى فَالْأَوْرَعُ أَنْ يَجْتَنِبَ عَنْ الْمُزَارَعَةِ إذْ الِاحْتِيَاطُ فِي الْإِنْفَاقِ إلَّا بِضَرُورَةٍ إذْ الْخِلَافُ رُخْصَةٌ وَتُرْتَكَبُ الرُّخْصَةُ بِتَرْكِ الْعَزِيمَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. (وَقَالَ: وَإِنْ اكْتَسَبَ مَا يَدَّخِرُهُ) يُبْقِيهِ (لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ) إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ وَيَجْعَلُهُ ذُخْرًا وَمُعَدًّا لِلَوَازِمِهِ الْآتِيَةِ (فَهُوَ فِي سَعَةٍ)

стр. 142

وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي وُسْعَةٍ (فَقَدْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ادَّخَرَ قُوتَ عِيَالِهِ سَنَةً» الظَّاهِرُ أَنَّ لَفْظَ الْفَاءِ دَاخِلٌ عَلَى الْعِلَّةِ فَحِينَئِذٍ يُرَادُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ الْإِدْخَارُ وَاللَّازِمُ مِنْ الْحَدِيثِ الْإِدْخَارُ الْخَاصُّ فَلَا تَقْرِيبَ نَعَمْ الْخَاصُّ يَسْتَلْزِمُ الْعَامَّ قِيلَ لَكِنْ كَانَ لَا يَبْقَى لَهُمْ بَلْ يُنْفِقُهُ حَتَّى رَهَنَ دِرْعَهُ فِيمَا يُنْفِقُهُ عَلَيْهِمْ وَمَاتَ وَهِيَ رَهْنٌ فِيهِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ الِادِّخَارِ هُوَ الْإِبْقَاءُ إلَى سَنَةٍ، وَإِنْ صَدَقَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ يَحْصُلُ الْمَطْلُوبُ وَأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ وَعُرُوضِ الْإِنْفَاقِ فِي سَنَةٍ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَقِيلَ ادِّخَارُ السَّنَةِ لِلْمُتَأَهِّلِ وَإِلَّا فَالِادِّخَارُ فَوْقَ الْأَرْبَعِينَ لِغَيْرِ الْمُتَأَهِّلِ وَفَوْقَ السَّنَةِ لِلْمُتَأَهِّلِ مُخَالَفَةً لِلسُّنَّةِ وَمُنَافٍ لِلتَّوَكُّلِ وَهَذَا كَمَا تَرَى تَقْيِيدٌ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ فَلَا يَكْفِيهِ الدِّرَايَةُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الرِّوَايَةِ قِيلَ عَنْ الْمُنَاوِيِّ مَذْهَبُ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حُرْمَةُ ادِّخَارِ الْمَالِ عَلَى مَا زَادَ عَلَى حَاجَتِهِ وَأَرُدُّ عَلَيْهِ بِمَا فِي الْمُبْتَغَى مِنْ إبَاحَةِ الْكَسْبِ لِلتَّجَمُّلِ وَالتَّنَعُّمِ حَتَّى الْبُنْيَانِ وَنَقْشِ الْحِيطَانِ وَشِرَاءِ السَّرَارِي وَالْغِلْمَانِ لِقَوْلِهِ ﵊ «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْمُقَابَلَةَ عَلَى الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِمُوَجَّهٍ وَالْحَدِيثُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ عَلَى أَنَّ الصَّرْفَ إلَى وُجُوهِ الْبِرِّ مِنْ أَحْوَجِ الْحَاجَاتِ فِيمَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ لَا مَا يَكُونُ لِنَحْوِ التَّفَاخُرِ وَالتَّلَهِّي مِمَّا لَا يُقَارِنُ أَغْرَاضًا حَمِيدَةً ثُمَّ الظَّاهِرُ مِنْ سَوْقِ الِاخْتِيَارِ كَوْنُ هَذَا الِادِّخَارِ مِنْ قَبِيلِ فَرْضِ الْكَسْبِ وَهُوَ بَعِيدٌ فَافْهَمْ. وَفِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ فِي سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ أَيُّمَا رَجُلٍ جَلَبَ شَيْئًا إلَى مَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِ الْمُسْلِمِينَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا فَبَاعَهُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ بِمَنْزِلَةِ الشُّهَدَاءِ ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المزمل: ٢٠] . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا تَعَفُّفًا عَنْ الْمَسْأَلَةِ وَسَعْيًا عَلَى عِيَالِهِ وَتَعَطُّفًا عَلَى جَارِهِ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَوَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ يُحْشَرُ مَعَ الصِّدِّيقِينَ» (وَمُسْتَحَبٌّ وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ قَدْرِ الْكِفَايَةِ (لِيُوَاسِيَ بِهِ) أَيْ بِالزَّائِدِ (فَقِيرًا) سَوَاءٌ كَانَ لَهُ دُونَ نِصَابٍ أَوْ لَا كَالْمِسْكِينِ (أَوْ لِيُجَازِيَ بِهِ قَرِيبًا) مِنْ أَقْرِبَائِهِ وَهِيَ مِمَّا عُدَّ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ (فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ التَّخَلِّي لِنَفْلِ الْعِبَادَةِ) كَالصَّلَاةِ وَالْأَوْرَادِ وَالتِّلَاوَةِ؛ لِأَنَّهُ أَدَاءُ مَالٍ ضَمِنَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ عُلُوِّ كَرَمِهِ قَالَ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] كَمَا فِي الْأُصُولِيَّةِ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ مُجَازَاةَ الْقَرِيبِ عَلَى مَا فُسِّرَ بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ فَكَيْفَ يُعَدُّ مِنْ قِسْمِ الْمُسْتَحَبِّ. فَإِنْ أُرِيدَ مَا لَمْ يَبْلُغْ إلَى مَرْتَبَةِ الْوُجُوبِ فَلَا شَكَّ أَيْضًا أَنَّ التَّصَدُّقَ عَلَى الْأَقْرِبَاءِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ فَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ الْمُسَاوَاةُ بَلْ رُجْحَانُ مُوَاسَاةِ مُطْلَقِ الْفَقِيرِ إلَّا أَنْ يُقَالَ كَلِمَةُ أَوْ بِمَعْنَى بَلْ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] بِمَعْنَى بَلْ يُجَازَى قَرِيبًا فَيَكُونُ تَرَقِّيًا وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ فَقِيرًا عَامًّا لِلْكُلِّ وَالْقَرِيبُ مِنْ غَيْرِ الْفُقَرَاءِ شَامِلًا لِلْقَرَابَةِ النَّسَبِيَّةِ وَالْوُدِّيَّةِ فَيُشَارُ إلَى مَا اُسْتُحِبَّ مِنْ تَعْوِيضِ الْهَدِيَّةِ بِمُمَاثِلٍ لَهَا كَمَا فِي الْحَدِيثِ «مَنْ صَنَعَ إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ» (لِأَنَّ مَنْفَعَةَ النَّفْلِ تَخُصُّهُ) تُقْصَرُ عَلَيْهِ يَشْكُلُ بِنَحْوِ السُّنَّةِ الْحَسَنَةِ الَّتِي يُقْتَدَى فِيهَا، فَإِنَّ لَهُ فِيهَا أَجْرَ مَنْ عَمِلَ بِهَا فِي الْحَدِيثِ. وَأَيْضًا بِالْعِلْمِ وَرَاءَ عِلْمِ الْحَالِ، فَإِنَّهُ مِنْ نَفْلِ الْعِبَادَاتِ وَلَا يَخُصُّهُ نَعَمْ يَتَبَادَرُ فِي الْإِطْلَاقِ الْعِبَادَةُ إلَى غَيْرِ الْعِلْمِ فِي الْعُرْفِ (وَمَنْفَعَةُ الْكَسْبِ لَهُ) أَيْ الْكَاسِبِ (وَلِغَيْرِهِ) لَا يَخْفَى أَنَّ نَفْعَ الْكَاسِبِ لِنَفْسِهِ أَنَّ عَلَى قَدْرِ الضَّرُورِيِّ فَوَاجِبٌ، وَإِنْ زَائِدٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ لِلتَّلَهِّي وَالتَّبَاهِي فَحَرَامٌ، وَإِنْ لِلتَّنَعُّمِ بِأَنْوَاعِ النِّعَمِ فَمُبَاحٌ فَالْمَنْفَعَةُ الْمُعْتَدَّةُ فِي زِيَادَةِ الْكَسْبِ لَيْسَ إلَّا مَا يَكُونُ لِلْغَيْرِ وَلَا شَكَّ عَلَى هَذَا أَنَّ نَفْعَ الْعِبَادَةِ لِنَفْسِهِ وَنَفْعَ الزِّيَادَةِ مُخْتَصٌّ بِغَيْرِهِ فَالظَّاهِرُ رُجْحَانُ مَا يَكُونُ لِنَفْسِهِ عَلَى مَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ النَّفَلَ أَمْرٌ دِينِيٌّ لَا يُقْصَدُ مِنْهُ شَيْءٌ غَيْرَ كَوْنِهِ طَاعَةً وَالزِّيَادَةُ أَمْرٌ دُنْيَوِيٌّ وَعَادِيٌّ قَدْ يُقْصَدُ لِغَيْرِ الطَّاعَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحُسْنَ الَّذِي مِنْ جِنْسِ الدِّينِ رَاجِحٌ عَلَى الَّذِي مِنْ جِنْسِ الْعَادَةِ وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

стр. 143

«خَيْرُ النَّاسِ مَنْ يَنْفَعُ النَّاسَ» فَمُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ ﵊ «خَيْرُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ فَقِيرٌ يُعْطِي جَهْدَهُ» عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ بِنَصٍّ فِيمَا حَمَلَهُ مِنْ النَّفْعِ بَلْ كَمَا يَعُمُّ الْإِحْسَانَ الْمَالِيَّ يَعُمُّ الدِّينِيَّ. وَقَدْ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَنَافِعُ الدِّينِ أَشْرَفُ قَدْرًا وَأَبْقَى نَفْعًا، وَقَدْ قَالَ عَنْ الْمِيزَانِ إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَاهٍ وَعَنْ ابْنِ عَدِيٍّ لَهُ مَنَاكِيرُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ أَنَّهُ هَلْ الْفَقِيرُ الصَّابِرُ أَفْضَلُ أَوْ الْغَنِيُّ الشَّاكِرُ فَذَهَبَ بَعْضٌ إلَى الثَّانِي وَبَعْضٌ إلَى الْأَوَّلِ وَالْحَقُّ هُوَ الْأَوَّلُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ أَبُو الْمُعِينِ النَّسَفِيُّ فِي بَحْرِ الْكَلَامِ وَالتَّفْصِيلُ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَأَيْضًا فِي التتارخانية عَنْ السِّرَاجِيَّةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ قَوْلًا وَاحِدًا وَصَنِيعُ صَاحِبِ الِاخْتِيَارِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الثَّانِي عِنْدَهُ هُوَ الْمُخْتَارَ وَفِي التتارخانية وَالِامْتِنَاعُ عَنْ الْكَسْبِ أَوْلَى مِنْ الِاشْتِغَالِ بِهِ عَلَى قَصْدِ الْإِنْفَاقِ. وَعَنْ بُسْتَانِ أَبِي اللَّيْثِ الِاشْتِغَالُ بِالْعِبَادَةِ أَفْضَلُ وَالِاشْتِغَالُ بِالْكَسْبِ مَكْرُوهٌ عِنْدَ بَعْضٍ وَمَا رُوِيَ مِنْ اكْتِسَابِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ التَّحِيَّةُ وَالتَّسْلِيمَةُ فَمَحْمُولٌ عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ وَالْكَلَامُ فِيهَا وَرَاءَهُ وَثَالِثُ أَنْوَاعِ الْكَسْبِ الْمُبَاحِ كَسْبُ الزِّيَادَةِ لِلتَّجَمُّلِ وَالتَّنَعُّمِ كَبِنَاءِ الْبُنْيَانِ وَشِرَاءِ الْغِلْمَانِ وَرَابِعُهَا مَكْرُوهٌ الْجَمْعُ لِلتَّفَاخُرِ وَالْبَطَرِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ حِلٍّ عَلَى مَا فِي الِاخْتِيَارِ هَذَا مَا سَمَّاهُ فِي مُلْتَقَى الْأَبْحُرِ حَرَامًا؛ لِأَنَّ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ حَرَامٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ ثُمَّ مَحَلُّ الِاسْتِشْهَادِ مِنْ كَلَامِ الِاخْتِيَارِ بِمَوَاضِعَ؛ لِأَنَّ الرِّيَاضَةَ لِأَجْلِ الطَّاعَاتِ إلَى رُتْبَةِ صَوْمِ الْوِصَالِ إفْرَاطٌ، وَقَدْ نَفَاهَا بِقَوْلِهِ لَا تَجُوزُ الرِّيَاضَةُ إلَخْ وَلِأَنَّ تَرْكَ الْكَسْبِ مُطْلَقًا لِأَجْلِ التَّقَاعُدِ لِلطَّاعَةِ إفْرَاطٌ أَيْضًا، وَقَدْ أَشَارَ إلَى نَفْيِهِ بِقَوْلِهِ الْكَسْبُ أَنْوَاعٌ فَرْضٌ إلَخْ وَلِأَنَّ الْكَسْبَ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ رُخْصَةٌ وَأَشَارَ إلَيْهَا أَيْضًا بِقَوْلِهِ: وَإِنْ كَسَبَ مَا يَدَّخِرُ إلَخْ، فَإِنْ تَفَطَّنْت مِمَّا ذُكِرَ عَرَفْت وَجْهَ تَوْسِيطِ الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ. وَقَالَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأَيْضًا فِي النَّوْعِ الِاسْتِحْبَابُ رُخْصَةٌ كَمَا لَا يَخْفَى (وَقَالَ فِي التتارخانية يُكْرَهُ) قِيلَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ إذْ هِيَ الْمَحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَالْأَشْبَهُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْكَرَاهَةَ الْوَاقِعَةَ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ تَحْرِيمِيَّةٌ وَفِي الصَّلَاةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا تَنْزِيهِيَّةٌ كَمَا فِي حَاشِيَةِ أَخِي حَلَبِيٍّ فِي كِتَابِ الْكَرَاهَةِ (أَنْ يَجْتَمِعَ قَوْمٌ) مِنْ النَّاسِ (فَيَعْتَزِلُونَ فِي مَوْضِعٍ) قِيلَ الظَّاهِرُ فَيَعْتَزِلُوا بِلَا نُونٍ فَإِلْحَاقُ النُّونِ سَهْوٌ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ أَقُولُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِعِطْفٍ عَلَى يَجْتَمِعُ بَلْ هُوَ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ وَيُؤَيِّدُهُ مَعْطُوفُهُ يَمْتَنِعُونَ وَيَفْرُغُونَ بِالنُّونِ (وَيَمْتَنِعُونَ عَنْ الطَّيِّبَاتِ) مِنْ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْمَنَاكِحِ وَنَحْوِهَا، وَقَدْ أَبَاحَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بَلْ أَوَجَبَهُمْ (يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعَالَى) بِالْأَوْرَادِ وَالْأَذْكَارِ وَالصِّيَامِ وَالْقِيَامِ (فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ (وَيُفْرِغُونَ) مِنْ التَّفْرِيغِ (أَنْفُسَهُمْ لِذَلِكَ) الْعِبَادَةِ

стр. 144

لَيْلًا وَنَهَارًا بَلْ سِنِينَ وَدُهُورًا (وَكَسْبُ الْحَلَالِ) الَّذِي لَهُ حَظٌّ إلَى الْفَرْضِيَّةِ (وَلُزُومُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ) فِي الْمَكْتُوبَاتِ (فِي الْأَمْصَارِ) فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ (أَحَبُّ وَأَلْزَمُ) لِوُجُوبِهِ وَافْتِرَاضِهِ وَلِاسْتِحْبَابِهِ أَيْضًا (انْتَهَى) لَا يَخْفَى أَنَّ كَلِمَةَ أَحَبُّ وَأَلْزَمُ تُوجِبُ أَنْ يُوجَدَ أَصْلُ الْمَحَبَّةِ وَاللُّزُومِ فِي خِلَافِهِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْكَرَاهَةُ فِيمَا يَكُونُ لَهُ حُسْنٌ شَرْعِيٌّ وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ بِمَعْنَى أَصْلِ الْفِعْلِ أَوْ لِإِيذَانِ كَوْنِ مَا ذُكِرَ مُبَالَغًا فِي الْمَحَبَّةِ وَكَامِلًا قَوِيًّا فِي اللُّزُومِ يَعْنِي قَوِيَ فِي الْمَحَبَّةِ وَقَوِيَ فِي اللُّزُومِ فَاعْرِفْهُ وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ لَيْسَ بِخِلَافٍ فِي كَلَامِ التتارخانية فَإِنْ قِيلَ دَلَالَةُ هَذَا الْكَلَامِ بِالْمَطْلُوبِ أَقْوَى مِمَّا فِي كَلَامِ الِاخْتِيَارِ فَلِمَ قَدَّمَهُ عَلَيْهِ قُلْنَا: لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لِمُصَنِّفِهِ صَاحِبِ الْمُخْتَارِ أَحَدُ الْمُتُونِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي أَجْمَعَ عَلَى وَثَاقَتِهَا عَلَى سَائِرِ الْكُتُبِ وَأَنَّ الشُّرُوحَ مُقَدَّمَةٌ فِي الْوَثَاقَةِ عَلَى الْفَتَاوَى كَمَا أَنَّ الْمُتُونَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الشُّرُوحِ كَمَا فِي الْفِقْهِيَّةِ (فَإِنْ قُلْت يُعَارِضُ مَا ذَكَرْت) هُنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ وَكَلَامِ الْفُقَهَاءِ مِنْ مَنْعِ الرِّيَاضَةِ وَكَثْرَةِ الْمُجَاهَدَةِ (مَا نُقِلَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مَفْعُولُ يُعَارِضُ أَوْ فَاعِلُهُ الْأَوَّلُ أَقْرَبُ نَحْوًا وَالثَّانِي أُصُولًا وَآدَابًا بَلْ لُغَةً أَيْضًا فَافْهَمْ (عَنْ السَّلَفِ) الصَّالِحِينَ لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ السَّلَفِ هُنَا لَيْسَ مَا يَكُونُ فِي مُقَابَلَةِ الْخَلَفِ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ إلَى الْحَلْوَانِيِّ عَلَى مَا قِيلَ بَلْ مُطْلَقٌ مِنْ تَقْدِيمٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ (وَمِنْ شِدَّةِ الرِّيَاضَاتِ) بِتَقْلِيلِ الْأَكْلِ وَفِي رِسَالَةِ الْقُشَيْرِيِّ كَانَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُفْطِرُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَفِي رَمَضَانَ إلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَكَانَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ يُفْطِرُ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ. وَأَبُو تُرَابٍ النَّخْشَبِيُّ أَكَلَ أَكْلَتَيْنِ مِنْ بَصْرَةَ إلَى مَكَّةَ. وَأَبُو عُثْمَانَ الْمَغْرِبِيُّ يَقُولُ الرَّبَّانِيُّ يَأْكُلُ مَرَّةً فِي أَرْبَعِينَ وَالصَّمَدَانِيُّ فِي ثَمَانِينَ يَوْمًا وَفِي قُوتِ الْقُلُوبِ وَالْإِحْيَاءِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ يَطْوِي سِتَّةً أَيَّامٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ يَطْوِي سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَدْهَمَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَكَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَإِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَحَجَّاجِ بْنِ فَرَاصَةَ وَحَفْصٍ الْعَابِدِ الْمِصِّيصِيِّ وَالْمُسْتَلِمِ بْنِ سَعِيدٍ وَسُلَيْمَانَ الْخَوَّاصِ وَسَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَصَلَ طَيُّهُمْ إلَى ثَلَاثِينَ. وَرُوِيَ أَنَّ سَهْلُ بْنُ عَبْدَ اللَّهِ اقْتَاتَ بِثُلُثِ دِرْهَمٍ فِي ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ (وَ) مِنْ (كَثْرَةِ الْمُجَاهَدَاتِ) قَالَ الْقُشَيْرِيُّ إنَّ أَصْلَ الْمُجَاهَدَةِ فَطْمُ النَّفْسِ عَنْ الْمَأْلُوفَاتِ وَحَمْلُهَا عَلَى خِلَافِ هَوَاهَا فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ. وَقَالَ حُكِيَ عَنْ إبْرَاهِيم بْنِ سِنَانٍ أَنَّهُ قَالَ مَا بِتُّ تَحْتَ سَقْفٍ وَلَا فِي مَوْضِعِ عُلُوٍّ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَكُنْت أَشْتَهِي فِي أَوْقَاتٍ أَنْ أَتَنَاوَلَ شُبْعَةَ عَدَسٍ فَلَمْ يَتَّفِقْ لِي. وَعَنْ السَّرِيِّ أَنَّ نَفْسِي تُطَالِبُنِي مُنْذُ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَنْ أَغْمِسَ جَزَرَةً فِي دِبْسٍ فَمَا أُطْعِمْتُهَا وَقِيلَ إنَّ عِصَامَ بْنَ يُوسُفَ الْبَلْخِيّ وَجَّهَ شَيْئًا إلَى حَاتِمٍ الْأَصَمِّ فَقِيلَ لَهُ لِمَ قَبِلْته فَقَالَ وَجَدْت فِي أَخْذِهِ ذُلِّي وَعِزَّهُ وَفِي رَدِّي عِزِّي وَذُلَّهُ فَاخْتَرْت عِزَّهُ عَلَى عِزِّي وَذُلِّي عَلَى ذُلِّهِ وَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَحُجَّ عَلَى التَّجْرِيدِ فَقَالَ جَرِّدْ أَوَّلًا قَلْبَك عَنْ السَّهْوِ وَلِسَانَك عَنْ اللَّغْوِ وَنَفْسَك عَنْ اللَّهْوِ ثُمَّ اُسْلُكْ حَيْثُ شِئْت (وَ) مِنْ (الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَاتِ) كَمَا نُقِلَ أَنَّ جُنَيْدًا يَدْخُلُ كُلَّ يَوْمٍ حَانُوتَهُ وَيُسْبِلُ السِّتْرَ وَيُصَلِّي أَرْبَعَمِائَةِ رَكْعَةٍ ثُمَّ يَعُودُ إلَى بَيْتِهِ. وَعَنْ كِتَابِ حُسْنِ التَّنْبِيهِ أَنَّ أُوَيْسًا الْقَرَنِيَّ ﵁ قَالَ وَاَللَّهِ لَأَعْبُدَنَّ اللَّهَ عِبَادَةَ الْمَلَائِكَةِ فَكَانَ لَيْلَةً يَقْطَعُهَا قَائِمًا، وَلَيْلَةً يَقْطَعُهَا سَاجِدًا، وَلَيْلَةً رَاكِعًا. وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَفِيفٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ رُبَّمَا كُنْت أَقْرَأُ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِي فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ عَشْرَةَ آلَافِ مَرَّةٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَرُبَّمَا كُنْت أَقْرَأُ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَرُبَّمَا كُنْت أُصَلِّي مِنْ الْغَدَاةِ إلَى الْعَصْرِ أَلْفَ رَكْعَةٍ. وَرُوِيَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ كَانَ لَا يَخْلُو لِسَانُهُ عَنْ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ فَيَوْمًا جَلَسَ عِنْدَ الْحَلَّاقِ لِيَقُصَّ شَارِبَهُ فَقَالَ الْحَلَّاقُ لَا تُحَرِّكْ شَفَتَك قَالَ: لَأَنْ يَقْطَعَ مِنْهَا قِطْعَةً أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَمْضِيَ عَلَيَّ حِينٌ بِلَا ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ قَالَ شَرِيكٌ كُنْت مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ سَنَةً فَمَا رَأَيْته وَضَعَ جَنْبَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَشْهَدُونَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْغَدَاةِ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ وَقَالَ مِسْعَرٌ جَسَسْت أَبَا حَنِيفَةَ

стр. 145

وَقْتَ دُخُولِ النَّاسِ مَضَاجِعَهُمْ فَخَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَاشْتَغَلَ بِالصَّلَاةِ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَى السَّهَرِ وَأَلْقَيْت حَصَيَاتٍ فِي نَعْلَيْهِ وَرَجَعْت فَعِنْدَ قُرْبِ الصُّبْحِ رَجَعْت فَوَجَدْته فِي مَكَانِهِ يَدْعُو وَيَبْكِي وَنَظَرْت نَعْلَيْهِ وَالْحَصَيَاتُ بَاقِيَةٌ فَلَمَّا صَلَّى الْفَجْرَ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ أَدَّى وِرْدَهُ ثُمَّ شَرَعَ فِي مُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ، فَلَمَّا صَلَّى الظُّهْرَ جَلَسَ لَهَا إلَى الْعَصْرِ ثُمَّ إلَى الْمَغْرِبِ فَلَمَّا صَلَّاهَا رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ فَأَفْطَرَ وَجَدَّدَ وُضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ إلَى صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ إلَى أَنْ أَخَذَ النَّاسُ مَضْجَعَهُمْ ثُمَّ خَرَجَ وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَامَ إلَى الْفَجْرِ ثُمَّ إلَى الظُّهْرِ كَالْأَمْسِ قَالَ فَلَازَمْته إلَى أَنْ عَلِمْت أَنَّهُ عَادَتُهُ إلَى أَنْ يَمُوتَ فَمَا رَأَيْته بِالنَّهَارِ مُفْطِرًا وَلَا بِاللَّيْلِ نَائِمًا وَلَكِنْ فِي أَيَّامِ التَّعْطِيلِ فِي الضَّحْوَةِ يَأْخُذُ نَوْمَةً خَفِيفَةً. قَالَ مِسْعَرٌ فَبَعْدَ ذَلِكَ لَازَمْت مَجْلِسَهُ وَمَسْجِدَهُ حَتَّى رَوَى أَبُو مُعَاذٍ أَنَّ مِسْعَرًا مَاتَ فِي مَسْجِدِ أَبِي حَنِيفَةَ سَاجِدًا. وَعَنْ أَبِي الْجَمَالِيِّ أَنَّهُ قَالَ مَا رَأَيْته لَيْلَةً وَضَعَ جَنْبَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَفْعَلُ قَيْلُولَةً تَارَةً (كَصِيَامِ الدَّهْرِ) أَيْ جَمِيعِ الْعُمْرِ سِوَى الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ (وَ) صِيَامِ (الْوِصَالِ) أَيْ مُتَابَعَةِ الْأَيَّامِ بِلَا إفْطَارٍ بَيْنَهَا، وَقَدْ سَمِعْت آنِفًا الْوَاصِلِينَ وَمُدَّةَ وِصَالِهِمْ كَوِصَالِ أَبِي بَكْرٍ إلَى السِّتَّةِ وَوِصَال عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ إلَى السَّبْعَةِ. (وَالْقِيَامُ فِي كُلِّ اللَّيَالِي) وَأَيْضًا كَسَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيِّ ﵀ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ حَفِظْت الْقُرْآنَ وَأَنَا ابْنُ سِتِّ سِنِينَ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ وَكُنْت أَصُومُ الدَّهْرَ وَقُوتِي خُبْزُ الشَّعِيرِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً ثُمَّ عَزَمْت أَنْ أَطْوِيَ ثَلَاثَةَ لَيَالٍ ثُمَّ أُفْطِرَ لَيْلَةً ثُمَّ خَمْسًا ثُمَّ سَبْعًا ثُمَّ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَمَكَثْت عَلَيْهِ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ خَرَجْت أَسِيحُ فِي الْأَرْضِ سِنِينَ ثُمَّ رَجَعْت إلَى تُسْتَرَ وَكُنْت أَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ كَذَا فِي رِسَالَةِ الْقُشَيْرِيِّ. وَفِي بَعْضِ الرَّسَائِلِ كَانَ يُحْيِي اللَّيَالِيَ كُلَّهَا مِنْ التَّابِعِينَ وَتَبَعِ التَّابِعِينَ مِنْ غَيْرِ الصَّحَابَةِ خَلْقٌ لَا يُحْصَى كَعَلْقَمَةَ وَحَمَّادٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَفُضَيْلٍ وَطَاوُسٍ وَالرَّبِيعِ وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَعَلِيِّ بْنِ بَكَّارَ وَابْنِ عَاصِمٍ وَأَبِي جَابِرٍ وَمَالِكِ بْنِ دِينَارٍ وَيَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ وَابْنِ الْمِنْهَالِ كَانُوا كُلُّهُمْ لَا يَضَعُونَ جَنْبَهُمْ عَلَى الْفِرَاشِ فِي اللَّيَالِيِ وَيُصَلُّونَ الْفَجْرَ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ فَيَكُونُ قِيَامُهُمْ غِذَاءَ رُوحِهِمْ وَحَيَاةَ قُلُوبِهِمْ وَصِيَانَةَ حَوَاسِّهِمْ وَلِسَانِهِمْ عَنْ التَّعْطِيلِ إلَى أَنْ تَكُونَ الطَّاعَةُ وَالسَّهَرُ لَذِيذَةً وَالنَّوْمُ مَعْصِيَةً وَقَطِيعَةً عَنْ رَبِّهِمْ. وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُد أَنَّ السَّلَفَ إذَا بَلَغَ أَحَدُهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً طَوَى فِرَاشَهُ وَلَمْ يَضَعْ فِي جَنْبِهِ فِي اللَّيَالِيِ إلَّا بِقَيْلُولَةٍ بَعْدَ صَلَاةِ الضُّحَى وَكَذَا مِنْ النِّسْوَانِ لَا تُعَدُّ كَرَابِعَةَ وَمَيْمُونَةَ الزِّنْجِيَّةِ. وَعَنْ عَلِيٍّ الصَّيْدَلَانِيِّ أَنَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ وِرْدًا بِاللَّيْلِ وَهُوَ أَنْ يَخْتِمَ الْقُرْآنَ فَرُبَّمَا يَخْتِمُهُ فِي رَكْعَتَيْنِ وَرُبَّمَا يَخْتِمُهُ فِي جَمِيعِ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَلَوْ خَتَمَهُ قَبْلَ تَمَامِ اللَّيْلِ يَدْعُو وَيُنَاجِي وَيَبْكِي إلَى وَقْتِ الْفَجْرِ وَعَامَّةُ نَهَارِهِ فِي الْفَتْوَى وَالتَّعْلِيمِ صَائِمًا وَاَللَّهِ لَمْ تَرَ عَيْنَايَ مِثْلَهُ فِي وَرَعِهِ وَدِينِهِ وَاجْتِهَادِهِ وَفِي قَاضِي خَانْ وَخِزَانَةِ الْمُفْتِينَ يَخْتِمُ فِي كُلِّ شَهْرِ رَمَضَانَ إحْدَى وَسِتِّينَ خَتْمَةً ثَلَاثِينَ فِي أَيَّامِهِ وَثَلَاثِينَ فِي لَيَالِيهِ وَوَاحِدَةً فِي التَّرَاوِيحِ رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَغَيْرُهُ. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ نُعَيْمٍ كُلَّمَا أَتَيْت مَسْجِدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْلًا أَسْمَعُ وُقُوعَ دُمُوعِهِ عَلَى الْحَصِيرِ كَأَنَّهُ يُمْطِرُ السَّقْفَ. وَعَنْ الْفَرَائِدِ شَرْحِ الْكَنْزِ صَلَّى أَبُو حَنِيفَةَ صَلَاةَ الْفَجْرِ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَعَامَّةُ لَيْلِهِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ وَكَانَ يُسْمَعُ بُكَاؤُهُ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى يَرْحَمَهُ جِيرَانُهُ وَأَنَّهُ خَتَمَ الْقُرْآنَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ سَبْعَةَ آلَافِ مَرَّةً (وَالِاجْتِنَابُ عَنْ الشُّبُهَاتِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُشْتَهَيَاتُ أَيْ مَا تَشْتَهِيهِ النُّفُوسُ فِي رِسَالَةِ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِي تُرَابٍ النَّخْشَبِيِّ مَا تَمَنَّتْ نَفْسِي مِنْ الشَّهَوَاتِ إلَّا مَرَّةً تَمَنَّتْ خُبْزًا وَبَيْضًا وَأَنَا فِي سَفْرَةٍ فَعَدَلْت إلَى قَرْيَةٍ فَأَخَذَنِي أَهْلُ الْقَرْيَةِ وَقَالُوا إنَّهُ مِنْ اللُّصُوصِ فَضَرَبُونِي سَبْعِينَ دِرَّةً ثُمَّ عَرَفُونِي فَاعْتَذَرُوا فَحَمَلَنِي وَاحِدٌ إلَى مَنْزِلِهِ فَقَدَّمَ إلَيَّ خُبْزًا وَبَيْضًا فَقُلْت لِنَفْسِي كُلِّي بَعْدَ سَبْعِينَ دُرَّةً. وَفِيهِ أَيْضًا اشْتَهَى أَبُو الْخَيْرِ الْعَسْقَلَانِيُّ
следующие страницы →