← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21654

بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية

محمد الخادمي

Полный текст (1 189 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أَنَّ الْأَكْلَ مِقْدَارُ مَا يَدْفَعُ بِهِ الْهَلَاكَ فَرْضٌ. وَقَالَ فِي فُصُولِ الْأُسْرُوشَنِيُّ الْأَكْلُ إمَّا فَرْضٌ أَنَّ مِنْ الْحَلَالِ قَدْرُ مَا يَدْفَعُ بِهِ الْهَلَاكَ وَيَتَقَوَّى لِأَدَاءِ الْفَرْضِ وَيُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُؤْجِرُ فِي كُلِّ لُقْمَةٍ يَرْفَعُهَا الْعَبْدُ إلَى فَمِهِ» وَإِمَّا مَنْدُوبٌ إنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ قَائِمًا وَلِيَسْهُلَ الصَّوْمُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» وَإِمَّا مُبَاحٌ لَا أَجْرَ وَلَا وِزْرَ إنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ تَقَوِّي الْبَدَنِ فَيُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَإِمَّا حَرَامٌ إنْ فَوْقَ الشِّبَعِ لِإِضَاعَةِ الْمَالِ وَالْإِسْرَافِ وَإِمْرَاضِ الْبَدَنِ. قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا مَلَأ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ الْبَطْنِ» وَقَالَ «أَطْوَلُ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ أَكْلًا فِي الدُّنْيَا» إلَّا لِتَطْيِيبِ الْمُسَافِرِ وَلِصَوْمِ الْغَدِ وَيُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ بِلَا إسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ وَلَا يَسْتَدِيمُ الشِّبَعَ. قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجُوعُ يَوْمًا وَأَشْبَعُ يَوْمًا وَكَانَ ﵊ «لَا يَشْبَعُ مِنْ الشَّعِيرِ ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَاتٍ فَلَا يَأْكُلُ إلَّا مِنْهُ أَوْ يَخْلِطُ بُرًّا بِالشَّعِيرِ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ثَلَاثٌ فِيهِنَّ الْبَرَكَةُ الْبَيْعُ بِالْأَجَلِ وَالْمُقَارَضَةُ وَخَلْطُ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ لِلْبَيْتِ دُونَ الْبَيْعِ» وَلَا يَأْكُلُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَرَّتَيْنِ، فَإِنَّهُ مِنْ الْإِسْرَافِ وَاتِّخَاذِ أَلْوَانِ الْأَطْعِمَةِ وَالْبَاجَّاتِ، وَوَضْعُ الْخُبْزِ عَلَى الْمَائِدَةِ أَكْثَرَ مِنْ الْحَاجَةِ سَرَفٌ إلَّا إذَا قَصَدَ أَنْ يُضَيِّفَ قَوْمًا بَعْدَ قَوْمٍ انْتَهَى مُلَخَّصًا. (وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا) أَيْ فِي الِاخْتِيَارِ (الْكَسْبُ) أَيْ تَحْصِيلُ أُمُورِ الْمَعَاشِ (أَنْوَاعٌ) أَرْبَعَةٌ (فَرْضٌ) يُثَابُ فَاعِلُهُ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ مَعَ إمْكَانِهِ وَيَكْفُرُ جَاحِدُهُ لِثُبُوتِهِ بِالنَّصِّ الْقَطْعِيِّ. قَالَ تَعَالَى ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] وَلِقَوْلِهِ ﷺ «طَلَبُ الْكَسْبِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» (وَهُوَ الْكَسْبُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ) فَسَّرَ الْكِفَايَةَ فِي الأسروشنية بِكِفَايَةِ يَوْمِهِ (لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ) مِمَّنْ وَجَبَ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ كَنَفَقَةِ قَرَابَةِ الْوِلَادَةِ وَالزَّوْجَةِ وَالْمَمَالِيكِ (وَقَضَاءِ دُيُونِهِ) وَلَوْ مَاتَ بِلَا قَضَاءٍ وَلَا تَعْطِيلِ كَسْبٍ وَفِي نِيَّتِهِ الْأَدَاءُ لَا يَأْثَمُ قَالَ فِي أَوَائِلِ زَكَاةِ الْبَزَّازِيَّةِ مَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ إنْ كَانَ مِنْ قَصْدِهِ الْأَدَاءُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمَطْلُ وَنُقِلَ عَنْ الِاخْتِيَارِ وَجَامِعِ الْفَتَاوَى وَوَقَعَ فِي الأسروشنية بِأَنَّ الرُّسُلَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَكْتَسِبُونَ وَيَأْكُلُونَ مِنْ كَسْبِهِمْ فَآدَمُ زَرَعَ بُرًّا وَسَقَاهُ وَحَصَدَهُ وَدَاسَهُ وَطَحَنَهُ وَعَجَنَهُ وَخَبَزَهُ فَأَكَلَهُ وَنُوحٌ نَجَّارٌ وَزَكَرِيَّا كَذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ بَزَّازٌ وَدَاوُد يَصْنَعُ الدُّرُوعَ وَسُلَيْمَانُ يَصْنَعُ الْمَكَاتِلَ مِنْ الْخُوصِ وَنَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَعَى الْغَنَمَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ بَزَّازًا وَعُمَرُ يَعْمَلُ فِي الْأَدِيمِ وَعُثْمَانُ تَاجِرًا وَعَلِيٌّ ﵁ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ، فَإِنَّ أَطْيَبَ مَا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ قِيلَ كُلُّ قَادِرٍ يَتْرُكُ الِاكْتِسَابَ، فَإِنَّ مَا يَأْكُلُهُ مِنْ دِينِهِ ثُمَّ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَسْبِ فَكَسْبُهُ السُّؤَالُ حَتَّى لَوْ لَمْ يَسْأَلْ فَمَاتَ أَثِمَ لِتَرْكِهِ الْفَرْضَ وَلَا يَزِيدُ عَلَى قُوتِ يَوْمٍ كَمَا فِي حَاشِيَةِ خَوَاجَهْ زَادَهْ (ثُمَّ قَالَ) فِي الِاخْتِيَارِ تَوْسِيطُهُ إمَّا لِكَوْنِهِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ مُتَأَخِّرًا عَنْ السَّابِقِ أَوْ لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ فِيمَا بَعْدَهُ الْعُمْدَةَ مِنْ نَقْلِ الْكَلَامِ (فَإِنْ تَرَكَ الِاكْتِسَابَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ مِقْدَارَ الْكِفَايَةِ (وَسِعَهُ) أَيْ جَازَ لَهُ التَّرْكُ جَوَابٌ أَنَّ لِحُصُولِ الْفَرْضِ بِدُونِهِ فَيَحْسُنُ لَهُ حِينَئِذٍ الِاشْتِغَالُ بِوَظَائِف الْعِبَادَاتِ وَالتَّفَرُّغِ عَنْ الْكَسْبِ لِاكْتِسَابِ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ هَلْ الْكَسْبُ لِأَجْلِ التَّصَدُّقِ أَفْضَلُ أَوْ التَّفَرُّغُ لِلطَّاعَةِ بَعْدَ حُصُولِ قَدْرِ الْوَاجِبِ قَالَ فِي التتارخانية جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْكَسْبِ سَوَاءٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقِيلَ الزِّرَاعَةُ أَفْضَلُ وَقِيلَ التِّجَارَةُ وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ وَالْمَنْقُولُ عَنْ الْمُنْتَقَى أَفْضَلُ الْكَسْبِ الْجِهَادُ ثُمَّ التِّجَارَةُ ثُمَّ الْحِرَاثَةُ ثُمَّ الصِّنَاعَةُ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَالْأَوْرَعُ أَنْ لَا يُجِيبَ دَعْوَةَ الَّذِي أَخَذَ الْأَرْضَ مُزَارَعَةً وَدَفَعَ عَلَى هَذَا وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَأْكُلَ طَعَامَهَا؛ لِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ انْتَهَى فَالْأَوْرَعُ أَنْ يَجْتَنِبَ عَنْ الْمُزَارَعَةِ إذْ الِاحْتِيَاطُ فِي الْإِنْفَاقِ إلَّا بِضَرُورَةٍ إذْ الْخِلَافُ رُخْصَةٌ وَتُرْتَكَبُ الرُّخْصَةُ بِتَرْكِ الْعَزِيمَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. (وَقَالَ: وَإِنْ اكْتَسَبَ مَا يَدَّخِرُهُ) يُبْقِيهِ (لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ) إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ وَيَجْعَلُهُ ذُخْرًا وَمُعَدًّا لِلَوَازِمِهِ الْآتِيَةِ (فَهُوَ فِي سَعَةٍ)

стр. 142

وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي وُسْعَةٍ (فَقَدْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ادَّخَرَ قُوتَ عِيَالِهِ سَنَةً» الظَّاهِرُ أَنَّ لَفْظَ الْفَاءِ دَاخِلٌ عَلَى الْعِلَّةِ فَحِينَئِذٍ يُرَادُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ الْإِدْخَارُ وَاللَّازِمُ مِنْ الْحَدِيثِ الْإِدْخَارُ الْخَاصُّ فَلَا تَقْرِيبَ نَعَمْ الْخَاصُّ يَسْتَلْزِمُ الْعَامَّ قِيلَ لَكِنْ كَانَ لَا يَبْقَى لَهُمْ بَلْ يُنْفِقُهُ حَتَّى رَهَنَ دِرْعَهُ فِيمَا يُنْفِقُهُ عَلَيْهِمْ وَمَاتَ وَهِيَ رَهْنٌ فِيهِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ الِادِّخَارِ هُوَ الْإِبْقَاءُ إلَى سَنَةٍ، وَإِنْ صَدَقَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ يَحْصُلُ الْمَطْلُوبُ وَأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ وَعُرُوضِ الْإِنْفَاقِ فِي سَنَةٍ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَقِيلَ ادِّخَارُ السَّنَةِ لِلْمُتَأَهِّلِ وَإِلَّا فَالِادِّخَارُ فَوْقَ الْأَرْبَعِينَ لِغَيْرِ الْمُتَأَهِّلِ وَفَوْقَ السَّنَةِ لِلْمُتَأَهِّلِ مُخَالَفَةً لِلسُّنَّةِ وَمُنَافٍ لِلتَّوَكُّلِ وَهَذَا كَمَا تَرَى تَقْيِيدٌ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ فَلَا يَكْفِيهِ الدِّرَايَةُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الرِّوَايَةِ قِيلَ عَنْ الْمُنَاوِيِّ مَذْهَبُ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حُرْمَةُ ادِّخَارِ الْمَالِ عَلَى مَا زَادَ عَلَى حَاجَتِهِ وَأَرُدُّ عَلَيْهِ بِمَا فِي الْمُبْتَغَى مِنْ إبَاحَةِ الْكَسْبِ لِلتَّجَمُّلِ وَالتَّنَعُّمِ حَتَّى الْبُنْيَانِ وَنَقْشِ الْحِيطَانِ وَشِرَاءِ السَّرَارِي وَالْغِلْمَانِ لِقَوْلِهِ ﵊ «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْمُقَابَلَةَ عَلَى الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِمُوَجَّهٍ وَالْحَدِيثُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ عَلَى أَنَّ الصَّرْفَ إلَى وُجُوهِ الْبِرِّ مِنْ أَحْوَجِ الْحَاجَاتِ فِيمَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ لَا مَا يَكُونُ لِنَحْوِ التَّفَاخُرِ وَالتَّلَهِّي مِمَّا لَا يُقَارِنُ أَغْرَاضًا حَمِيدَةً ثُمَّ الظَّاهِرُ مِنْ سَوْقِ الِاخْتِيَارِ كَوْنُ هَذَا الِادِّخَارِ مِنْ قَبِيلِ فَرْضِ الْكَسْبِ وَهُوَ بَعِيدٌ فَافْهَمْ. وَفِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ فِي سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ أَيُّمَا رَجُلٍ جَلَبَ شَيْئًا إلَى مَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِ الْمُسْلِمِينَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا فَبَاعَهُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ بِمَنْزِلَةِ الشُّهَدَاءِ ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المزمل: ٢٠] . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا تَعَفُّفًا عَنْ الْمَسْأَلَةِ وَسَعْيًا عَلَى عِيَالِهِ وَتَعَطُّفًا عَلَى جَارِهِ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَوَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ يُحْشَرُ مَعَ الصِّدِّيقِينَ» (وَمُسْتَحَبٌّ وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ قَدْرِ الْكِفَايَةِ (لِيُوَاسِيَ بِهِ) أَيْ بِالزَّائِدِ (فَقِيرًا) سَوَاءٌ كَانَ لَهُ دُونَ نِصَابٍ أَوْ لَا كَالْمِسْكِينِ (أَوْ لِيُجَازِيَ بِهِ قَرِيبًا) مِنْ أَقْرِبَائِهِ وَهِيَ مِمَّا عُدَّ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ (فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ التَّخَلِّي لِنَفْلِ الْعِبَادَةِ) كَالصَّلَاةِ وَالْأَوْرَادِ وَالتِّلَاوَةِ؛ لِأَنَّهُ أَدَاءُ مَالٍ ضَمِنَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ عُلُوِّ كَرَمِهِ قَالَ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] كَمَا فِي الْأُصُولِيَّةِ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ مُجَازَاةَ الْقَرِيبِ عَلَى مَا فُسِّرَ بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ فَكَيْفَ يُعَدُّ مِنْ قِسْمِ الْمُسْتَحَبِّ. فَإِنْ أُرِيدَ مَا لَمْ يَبْلُغْ إلَى مَرْتَبَةِ الْوُجُوبِ فَلَا شَكَّ أَيْضًا أَنَّ التَّصَدُّقَ عَلَى الْأَقْرِبَاءِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ فَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ الْمُسَاوَاةُ بَلْ رُجْحَانُ مُوَاسَاةِ مُطْلَقِ الْفَقِيرِ إلَّا أَنْ يُقَالَ كَلِمَةُ أَوْ بِمَعْنَى بَلْ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] بِمَعْنَى بَلْ يُجَازَى قَرِيبًا فَيَكُونُ تَرَقِّيًا وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ فَقِيرًا عَامًّا لِلْكُلِّ وَالْقَرِيبُ مِنْ غَيْرِ الْفُقَرَاءِ شَامِلًا لِلْقَرَابَةِ النَّسَبِيَّةِ وَالْوُدِّيَّةِ فَيُشَارُ إلَى مَا اُسْتُحِبَّ مِنْ تَعْوِيضِ الْهَدِيَّةِ بِمُمَاثِلٍ لَهَا كَمَا فِي الْحَدِيثِ «مَنْ صَنَعَ إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ» (لِأَنَّ مَنْفَعَةَ النَّفْلِ تَخُصُّهُ) تُقْصَرُ عَلَيْهِ يَشْكُلُ بِنَحْوِ السُّنَّةِ الْحَسَنَةِ الَّتِي يُقْتَدَى فِيهَا، فَإِنَّ لَهُ فِيهَا أَجْرَ مَنْ عَمِلَ بِهَا فِي الْحَدِيثِ. وَأَيْضًا بِالْعِلْمِ وَرَاءَ عِلْمِ الْحَالِ، فَإِنَّهُ مِنْ نَفْلِ الْعِبَادَاتِ وَلَا يَخُصُّهُ نَعَمْ يَتَبَادَرُ فِي الْإِطْلَاقِ الْعِبَادَةُ إلَى غَيْرِ الْعِلْمِ فِي الْعُرْفِ (وَمَنْفَعَةُ الْكَسْبِ لَهُ) أَيْ الْكَاسِبِ (وَلِغَيْرِهِ) لَا يَخْفَى أَنَّ نَفْعَ الْكَاسِبِ لِنَفْسِهِ أَنَّ عَلَى قَدْرِ الضَّرُورِيِّ فَوَاجِبٌ، وَإِنْ زَائِدٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ لِلتَّلَهِّي وَالتَّبَاهِي فَحَرَامٌ، وَإِنْ لِلتَّنَعُّمِ بِأَنْوَاعِ النِّعَمِ فَمُبَاحٌ فَالْمَنْفَعَةُ الْمُعْتَدَّةُ فِي زِيَادَةِ الْكَسْبِ لَيْسَ إلَّا مَا يَكُونُ لِلْغَيْرِ وَلَا شَكَّ عَلَى هَذَا أَنَّ نَفْعَ الْعِبَادَةِ لِنَفْسِهِ وَنَفْعَ الزِّيَادَةِ مُخْتَصٌّ بِغَيْرِهِ فَالظَّاهِرُ رُجْحَانُ مَا يَكُونُ لِنَفْسِهِ عَلَى مَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ النَّفَلَ أَمْرٌ دِينِيٌّ لَا يُقْصَدُ مِنْهُ شَيْءٌ غَيْرَ كَوْنِهِ طَاعَةً وَالزِّيَادَةُ أَمْرٌ دُنْيَوِيٌّ وَعَادِيٌّ قَدْ يُقْصَدُ لِغَيْرِ الطَّاعَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحُسْنَ الَّذِي مِنْ جِنْسِ الدِّينِ رَاجِحٌ عَلَى الَّذِي مِنْ جِنْسِ الْعَادَةِ وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

стр. 143

«خَيْرُ النَّاسِ مَنْ يَنْفَعُ النَّاسَ» فَمُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ ﵊ «خَيْرُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ فَقِيرٌ يُعْطِي جَهْدَهُ» عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ بِنَصٍّ فِيمَا حَمَلَهُ مِنْ النَّفْعِ بَلْ كَمَا يَعُمُّ الْإِحْسَانَ الْمَالِيَّ يَعُمُّ الدِّينِيَّ. وَقَدْ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَنَافِعُ الدِّينِ أَشْرَفُ قَدْرًا وَأَبْقَى نَفْعًا، وَقَدْ قَالَ عَنْ الْمِيزَانِ إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَاهٍ وَعَنْ ابْنِ عَدِيٍّ لَهُ مَنَاكِيرُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ أَنَّهُ هَلْ الْفَقِيرُ الصَّابِرُ أَفْضَلُ أَوْ الْغَنِيُّ الشَّاكِرُ فَذَهَبَ بَعْضٌ إلَى الثَّانِي وَبَعْضٌ إلَى الْأَوَّلِ وَالْحَقُّ هُوَ الْأَوَّلُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ أَبُو الْمُعِينِ النَّسَفِيُّ فِي بَحْرِ الْكَلَامِ وَالتَّفْصِيلُ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَأَيْضًا فِي التتارخانية عَنْ السِّرَاجِيَّةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ قَوْلًا وَاحِدًا وَصَنِيعُ صَاحِبِ الِاخْتِيَارِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الثَّانِي عِنْدَهُ هُوَ الْمُخْتَارَ وَفِي التتارخانية وَالِامْتِنَاعُ عَنْ الْكَسْبِ أَوْلَى مِنْ الِاشْتِغَالِ بِهِ عَلَى قَصْدِ الْإِنْفَاقِ. وَعَنْ بُسْتَانِ أَبِي اللَّيْثِ الِاشْتِغَالُ بِالْعِبَادَةِ أَفْضَلُ وَالِاشْتِغَالُ بِالْكَسْبِ مَكْرُوهٌ عِنْدَ بَعْضٍ وَمَا رُوِيَ مِنْ اكْتِسَابِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ التَّحِيَّةُ وَالتَّسْلِيمَةُ فَمَحْمُولٌ عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ وَالْكَلَامُ فِيهَا وَرَاءَهُ وَثَالِثُ أَنْوَاعِ الْكَسْبِ الْمُبَاحِ كَسْبُ الزِّيَادَةِ لِلتَّجَمُّلِ وَالتَّنَعُّمِ كَبِنَاءِ الْبُنْيَانِ وَشِرَاءِ الْغِلْمَانِ وَرَابِعُهَا مَكْرُوهٌ الْجَمْعُ لِلتَّفَاخُرِ وَالْبَطَرِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ حِلٍّ عَلَى مَا فِي الِاخْتِيَارِ هَذَا مَا سَمَّاهُ فِي مُلْتَقَى الْأَبْحُرِ حَرَامًا؛ لِأَنَّ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ حَرَامٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ ثُمَّ مَحَلُّ الِاسْتِشْهَادِ مِنْ كَلَامِ الِاخْتِيَارِ بِمَوَاضِعَ؛ لِأَنَّ الرِّيَاضَةَ لِأَجْلِ الطَّاعَاتِ إلَى رُتْبَةِ صَوْمِ الْوِصَالِ إفْرَاطٌ، وَقَدْ نَفَاهَا بِقَوْلِهِ لَا تَجُوزُ الرِّيَاضَةُ إلَخْ وَلِأَنَّ تَرْكَ الْكَسْبِ مُطْلَقًا لِأَجْلِ التَّقَاعُدِ لِلطَّاعَةِ إفْرَاطٌ أَيْضًا، وَقَدْ أَشَارَ إلَى نَفْيِهِ بِقَوْلِهِ الْكَسْبُ أَنْوَاعٌ فَرْضٌ إلَخْ وَلِأَنَّ الْكَسْبَ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ رُخْصَةٌ وَأَشَارَ إلَيْهَا أَيْضًا بِقَوْلِهِ: وَإِنْ كَسَبَ مَا يَدَّخِرُ إلَخْ، فَإِنْ تَفَطَّنْت مِمَّا ذُكِرَ عَرَفْت وَجْهَ تَوْسِيطِ الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ. وَقَالَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأَيْضًا فِي النَّوْعِ الِاسْتِحْبَابُ رُخْصَةٌ كَمَا لَا يَخْفَى (وَقَالَ فِي التتارخانية يُكْرَهُ) قِيلَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ إذْ هِيَ الْمَحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَالْأَشْبَهُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْكَرَاهَةَ الْوَاقِعَةَ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ تَحْرِيمِيَّةٌ وَفِي الصَّلَاةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا تَنْزِيهِيَّةٌ كَمَا فِي حَاشِيَةِ أَخِي حَلَبِيٍّ فِي كِتَابِ الْكَرَاهَةِ (أَنْ يَجْتَمِعَ قَوْمٌ) مِنْ النَّاسِ (فَيَعْتَزِلُونَ فِي مَوْضِعٍ) قِيلَ الظَّاهِرُ فَيَعْتَزِلُوا بِلَا نُونٍ فَإِلْحَاقُ النُّونِ سَهْوٌ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ أَقُولُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِعِطْفٍ عَلَى يَجْتَمِعُ بَلْ هُوَ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ وَيُؤَيِّدُهُ مَعْطُوفُهُ يَمْتَنِعُونَ وَيَفْرُغُونَ بِالنُّونِ (وَيَمْتَنِعُونَ عَنْ الطَّيِّبَاتِ) مِنْ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْمَنَاكِحِ وَنَحْوِهَا، وَقَدْ أَبَاحَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بَلْ أَوَجَبَهُمْ (يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعَالَى) بِالْأَوْرَادِ وَالْأَذْكَارِ وَالصِّيَامِ وَالْقِيَامِ (فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ (وَيُفْرِغُونَ) مِنْ التَّفْرِيغِ (أَنْفُسَهُمْ لِذَلِكَ) الْعِبَادَةِ

стр. 144

لَيْلًا وَنَهَارًا بَلْ سِنِينَ وَدُهُورًا (وَكَسْبُ الْحَلَالِ) الَّذِي لَهُ حَظٌّ إلَى الْفَرْضِيَّةِ (وَلُزُومُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ) فِي الْمَكْتُوبَاتِ (فِي الْأَمْصَارِ) فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ (أَحَبُّ وَأَلْزَمُ) لِوُجُوبِهِ وَافْتِرَاضِهِ وَلِاسْتِحْبَابِهِ أَيْضًا (انْتَهَى) لَا يَخْفَى أَنَّ كَلِمَةَ أَحَبُّ وَأَلْزَمُ تُوجِبُ أَنْ يُوجَدَ أَصْلُ الْمَحَبَّةِ وَاللُّزُومِ فِي خِلَافِهِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْكَرَاهَةُ فِيمَا يَكُونُ لَهُ حُسْنٌ شَرْعِيٌّ وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ بِمَعْنَى أَصْلِ الْفِعْلِ أَوْ لِإِيذَانِ كَوْنِ مَا ذُكِرَ مُبَالَغًا فِي الْمَحَبَّةِ وَكَامِلًا قَوِيًّا فِي اللُّزُومِ يَعْنِي قَوِيَ فِي الْمَحَبَّةِ وَقَوِيَ فِي اللُّزُومِ فَاعْرِفْهُ وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ لَيْسَ بِخِلَافٍ فِي كَلَامِ التتارخانية فَإِنْ قِيلَ دَلَالَةُ هَذَا الْكَلَامِ بِالْمَطْلُوبِ أَقْوَى مِمَّا فِي كَلَامِ الِاخْتِيَارِ فَلِمَ قَدَّمَهُ عَلَيْهِ قُلْنَا: لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لِمُصَنِّفِهِ صَاحِبِ الْمُخْتَارِ أَحَدُ الْمُتُونِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي أَجْمَعَ عَلَى وَثَاقَتِهَا عَلَى سَائِرِ الْكُتُبِ وَأَنَّ الشُّرُوحَ مُقَدَّمَةٌ فِي الْوَثَاقَةِ عَلَى الْفَتَاوَى كَمَا أَنَّ الْمُتُونَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الشُّرُوحِ كَمَا فِي الْفِقْهِيَّةِ (فَإِنْ قُلْت يُعَارِضُ مَا ذَكَرْت) هُنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ وَكَلَامِ الْفُقَهَاءِ مِنْ مَنْعِ الرِّيَاضَةِ وَكَثْرَةِ الْمُجَاهَدَةِ (مَا نُقِلَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مَفْعُولُ يُعَارِضُ أَوْ فَاعِلُهُ الْأَوَّلُ أَقْرَبُ نَحْوًا وَالثَّانِي أُصُولًا وَآدَابًا بَلْ لُغَةً أَيْضًا فَافْهَمْ (عَنْ السَّلَفِ) الصَّالِحِينَ لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ السَّلَفِ هُنَا لَيْسَ مَا يَكُونُ فِي مُقَابَلَةِ الْخَلَفِ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ إلَى الْحَلْوَانِيِّ عَلَى مَا قِيلَ بَلْ مُطْلَقٌ مِنْ تَقْدِيمٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ (وَمِنْ شِدَّةِ الرِّيَاضَاتِ) بِتَقْلِيلِ الْأَكْلِ وَفِي رِسَالَةِ الْقُشَيْرِيِّ كَانَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُفْطِرُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَفِي رَمَضَانَ إلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَكَانَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ يُفْطِرُ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ. وَأَبُو تُرَابٍ النَّخْشَبِيُّ أَكَلَ أَكْلَتَيْنِ مِنْ بَصْرَةَ إلَى مَكَّةَ. وَأَبُو عُثْمَانَ الْمَغْرِبِيُّ يَقُولُ الرَّبَّانِيُّ يَأْكُلُ مَرَّةً فِي أَرْبَعِينَ وَالصَّمَدَانِيُّ فِي ثَمَانِينَ يَوْمًا وَفِي قُوتِ الْقُلُوبِ وَالْإِحْيَاءِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ يَطْوِي سِتَّةً أَيَّامٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ يَطْوِي سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَدْهَمَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَكَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَإِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَحَجَّاجِ بْنِ فَرَاصَةَ وَحَفْصٍ الْعَابِدِ الْمِصِّيصِيِّ وَالْمُسْتَلِمِ بْنِ سَعِيدٍ وَسُلَيْمَانَ الْخَوَّاصِ وَسَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَصَلَ طَيُّهُمْ إلَى ثَلَاثِينَ. وَرُوِيَ أَنَّ سَهْلُ بْنُ عَبْدَ اللَّهِ اقْتَاتَ بِثُلُثِ دِرْهَمٍ فِي ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ (وَ) مِنْ (كَثْرَةِ الْمُجَاهَدَاتِ) قَالَ الْقُشَيْرِيُّ إنَّ أَصْلَ الْمُجَاهَدَةِ فَطْمُ النَّفْسِ عَنْ الْمَأْلُوفَاتِ وَحَمْلُهَا عَلَى خِلَافِ هَوَاهَا فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ. وَقَالَ حُكِيَ عَنْ إبْرَاهِيم بْنِ سِنَانٍ أَنَّهُ قَالَ مَا بِتُّ تَحْتَ سَقْفٍ وَلَا فِي مَوْضِعِ عُلُوٍّ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَكُنْت أَشْتَهِي فِي أَوْقَاتٍ أَنْ أَتَنَاوَلَ شُبْعَةَ عَدَسٍ فَلَمْ يَتَّفِقْ لِي. وَعَنْ السَّرِيِّ أَنَّ نَفْسِي تُطَالِبُنِي مُنْذُ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَنْ أَغْمِسَ جَزَرَةً فِي دِبْسٍ فَمَا أُطْعِمْتُهَا وَقِيلَ إنَّ عِصَامَ بْنَ يُوسُفَ الْبَلْخِيّ وَجَّهَ شَيْئًا إلَى حَاتِمٍ الْأَصَمِّ فَقِيلَ لَهُ لِمَ قَبِلْته فَقَالَ وَجَدْت فِي أَخْذِهِ ذُلِّي وَعِزَّهُ وَفِي رَدِّي عِزِّي وَذُلَّهُ فَاخْتَرْت عِزَّهُ عَلَى عِزِّي وَذُلِّي عَلَى ذُلِّهِ وَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَحُجَّ عَلَى التَّجْرِيدِ فَقَالَ جَرِّدْ أَوَّلًا قَلْبَك عَنْ السَّهْوِ وَلِسَانَك عَنْ اللَّغْوِ وَنَفْسَك عَنْ اللَّهْوِ ثُمَّ اُسْلُكْ حَيْثُ شِئْت (وَ) مِنْ (الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَاتِ) كَمَا نُقِلَ أَنَّ جُنَيْدًا يَدْخُلُ كُلَّ يَوْمٍ حَانُوتَهُ وَيُسْبِلُ السِّتْرَ وَيُصَلِّي أَرْبَعَمِائَةِ رَكْعَةٍ ثُمَّ يَعُودُ إلَى بَيْتِهِ. وَعَنْ كِتَابِ حُسْنِ التَّنْبِيهِ أَنَّ أُوَيْسًا الْقَرَنِيَّ ﵁ قَالَ وَاَللَّهِ لَأَعْبُدَنَّ اللَّهَ عِبَادَةَ الْمَلَائِكَةِ فَكَانَ لَيْلَةً يَقْطَعُهَا قَائِمًا، وَلَيْلَةً يَقْطَعُهَا سَاجِدًا، وَلَيْلَةً رَاكِعًا. وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَفِيفٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ رُبَّمَا كُنْت أَقْرَأُ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِي فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ عَشْرَةَ آلَافِ مَرَّةٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَرُبَّمَا كُنْت أَقْرَأُ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَرُبَّمَا كُنْت أُصَلِّي مِنْ الْغَدَاةِ إلَى الْعَصْرِ أَلْفَ رَكْعَةٍ. وَرُوِيَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ كَانَ لَا يَخْلُو لِسَانُهُ عَنْ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ فَيَوْمًا جَلَسَ عِنْدَ الْحَلَّاقِ لِيَقُصَّ شَارِبَهُ فَقَالَ الْحَلَّاقُ لَا تُحَرِّكْ شَفَتَك قَالَ: لَأَنْ يَقْطَعَ مِنْهَا قِطْعَةً أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَمْضِيَ عَلَيَّ حِينٌ بِلَا ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ قَالَ شَرِيكٌ كُنْت مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ سَنَةً فَمَا رَأَيْته وَضَعَ جَنْبَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَشْهَدُونَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْغَدَاةِ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ وَقَالَ مِسْعَرٌ جَسَسْت أَبَا حَنِيفَةَ

стр. 145

وَقْتَ دُخُولِ النَّاسِ مَضَاجِعَهُمْ فَخَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَاشْتَغَلَ بِالصَّلَاةِ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَى السَّهَرِ وَأَلْقَيْت حَصَيَاتٍ فِي نَعْلَيْهِ وَرَجَعْت فَعِنْدَ قُرْبِ الصُّبْحِ رَجَعْت فَوَجَدْته فِي مَكَانِهِ يَدْعُو وَيَبْكِي وَنَظَرْت نَعْلَيْهِ وَالْحَصَيَاتُ بَاقِيَةٌ فَلَمَّا صَلَّى الْفَجْرَ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ أَدَّى وِرْدَهُ ثُمَّ شَرَعَ فِي مُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ، فَلَمَّا صَلَّى الظُّهْرَ جَلَسَ لَهَا إلَى الْعَصْرِ ثُمَّ إلَى الْمَغْرِبِ فَلَمَّا صَلَّاهَا رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ فَأَفْطَرَ وَجَدَّدَ وُضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ إلَى صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ إلَى أَنْ أَخَذَ النَّاسُ مَضْجَعَهُمْ ثُمَّ خَرَجَ وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَامَ إلَى الْفَجْرِ ثُمَّ إلَى الظُّهْرِ كَالْأَمْسِ قَالَ فَلَازَمْته إلَى أَنْ عَلِمْت أَنَّهُ عَادَتُهُ إلَى أَنْ يَمُوتَ فَمَا رَأَيْته بِالنَّهَارِ مُفْطِرًا وَلَا بِاللَّيْلِ نَائِمًا وَلَكِنْ فِي أَيَّامِ التَّعْطِيلِ فِي الضَّحْوَةِ يَأْخُذُ نَوْمَةً خَفِيفَةً. قَالَ مِسْعَرٌ فَبَعْدَ ذَلِكَ لَازَمْت مَجْلِسَهُ وَمَسْجِدَهُ حَتَّى رَوَى أَبُو مُعَاذٍ أَنَّ مِسْعَرًا مَاتَ فِي مَسْجِدِ أَبِي حَنِيفَةَ سَاجِدًا. وَعَنْ أَبِي الْجَمَالِيِّ أَنَّهُ قَالَ مَا رَأَيْته لَيْلَةً وَضَعَ جَنْبَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَفْعَلُ قَيْلُولَةً تَارَةً (كَصِيَامِ الدَّهْرِ) أَيْ جَمِيعِ الْعُمْرِ سِوَى الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ (وَ) صِيَامِ (الْوِصَالِ) أَيْ مُتَابَعَةِ الْأَيَّامِ بِلَا إفْطَارٍ بَيْنَهَا، وَقَدْ سَمِعْت آنِفًا الْوَاصِلِينَ وَمُدَّةَ وِصَالِهِمْ كَوِصَالِ أَبِي بَكْرٍ إلَى السِّتَّةِ وَوِصَال عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ إلَى السَّبْعَةِ. (وَالْقِيَامُ فِي كُلِّ اللَّيَالِي) وَأَيْضًا كَسَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيِّ ﵀ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ حَفِظْت الْقُرْآنَ وَأَنَا ابْنُ سِتِّ سِنِينَ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ وَكُنْت أَصُومُ الدَّهْرَ وَقُوتِي خُبْزُ الشَّعِيرِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً ثُمَّ عَزَمْت أَنْ أَطْوِيَ ثَلَاثَةَ لَيَالٍ ثُمَّ أُفْطِرَ لَيْلَةً ثُمَّ خَمْسًا ثُمَّ سَبْعًا ثُمَّ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَمَكَثْت عَلَيْهِ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ خَرَجْت أَسِيحُ فِي الْأَرْضِ سِنِينَ ثُمَّ رَجَعْت إلَى تُسْتَرَ وَكُنْت أَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ كَذَا فِي رِسَالَةِ الْقُشَيْرِيِّ. وَفِي بَعْضِ الرَّسَائِلِ كَانَ يُحْيِي اللَّيَالِيَ كُلَّهَا مِنْ التَّابِعِينَ وَتَبَعِ التَّابِعِينَ مِنْ غَيْرِ الصَّحَابَةِ خَلْقٌ لَا يُحْصَى كَعَلْقَمَةَ وَحَمَّادٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَفُضَيْلٍ وَطَاوُسٍ وَالرَّبِيعِ وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَعَلِيِّ بْنِ بَكَّارَ وَابْنِ عَاصِمٍ وَأَبِي جَابِرٍ وَمَالِكِ بْنِ دِينَارٍ وَيَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ وَابْنِ الْمِنْهَالِ كَانُوا كُلُّهُمْ لَا يَضَعُونَ جَنْبَهُمْ عَلَى الْفِرَاشِ فِي اللَّيَالِيِ وَيُصَلُّونَ الْفَجْرَ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ فَيَكُونُ قِيَامُهُمْ غِذَاءَ رُوحِهِمْ وَحَيَاةَ قُلُوبِهِمْ وَصِيَانَةَ حَوَاسِّهِمْ وَلِسَانِهِمْ عَنْ التَّعْطِيلِ إلَى أَنْ تَكُونَ الطَّاعَةُ وَالسَّهَرُ لَذِيذَةً وَالنَّوْمُ مَعْصِيَةً وَقَطِيعَةً عَنْ رَبِّهِمْ. وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُد أَنَّ السَّلَفَ إذَا بَلَغَ أَحَدُهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً طَوَى فِرَاشَهُ وَلَمْ يَضَعْ فِي جَنْبِهِ فِي اللَّيَالِيِ إلَّا بِقَيْلُولَةٍ بَعْدَ صَلَاةِ الضُّحَى وَكَذَا مِنْ النِّسْوَانِ لَا تُعَدُّ كَرَابِعَةَ وَمَيْمُونَةَ الزِّنْجِيَّةِ. وَعَنْ عَلِيٍّ الصَّيْدَلَانِيِّ أَنَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ وِرْدًا بِاللَّيْلِ وَهُوَ أَنْ يَخْتِمَ الْقُرْآنَ فَرُبَّمَا يَخْتِمُهُ فِي رَكْعَتَيْنِ وَرُبَّمَا يَخْتِمُهُ فِي جَمِيعِ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَلَوْ خَتَمَهُ قَبْلَ تَمَامِ اللَّيْلِ يَدْعُو وَيُنَاجِي وَيَبْكِي إلَى وَقْتِ الْفَجْرِ وَعَامَّةُ نَهَارِهِ فِي الْفَتْوَى وَالتَّعْلِيمِ صَائِمًا وَاَللَّهِ لَمْ تَرَ عَيْنَايَ مِثْلَهُ فِي وَرَعِهِ وَدِينِهِ وَاجْتِهَادِهِ وَفِي قَاضِي خَانْ وَخِزَانَةِ الْمُفْتِينَ يَخْتِمُ فِي كُلِّ شَهْرِ رَمَضَانَ إحْدَى وَسِتِّينَ خَتْمَةً ثَلَاثِينَ فِي أَيَّامِهِ وَثَلَاثِينَ فِي لَيَالِيهِ وَوَاحِدَةً فِي التَّرَاوِيحِ رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَغَيْرُهُ. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ نُعَيْمٍ كُلَّمَا أَتَيْت مَسْجِدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْلًا أَسْمَعُ وُقُوعَ دُمُوعِهِ عَلَى الْحَصِيرِ كَأَنَّهُ يُمْطِرُ السَّقْفَ. وَعَنْ الْفَرَائِدِ شَرْحِ الْكَنْزِ صَلَّى أَبُو حَنِيفَةَ صَلَاةَ الْفَجْرِ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَعَامَّةُ لَيْلِهِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ وَكَانَ يُسْمَعُ بُكَاؤُهُ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى يَرْحَمَهُ جِيرَانُهُ وَأَنَّهُ خَتَمَ الْقُرْآنَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ سَبْعَةَ آلَافِ مَرَّةً (وَالِاجْتِنَابُ عَنْ الشُّبُهَاتِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُشْتَهَيَاتُ أَيْ مَا تَشْتَهِيهِ النُّفُوسُ فِي رِسَالَةِ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِي تُرَابٍ النَّخْشَبِيِّ مَا تَمَنَّتْ نَفْسِي مِنْ الشَّهَوَاتِ إلَّا مَرَّةً تَمَنَّتْ خُبْزًا وَبَيْضًا وَأَنَا فِي سَفْرَةٍ فَعَدَلْت إلَى قَرْيَةٍ فَأَخَذَنِي أَهْلُ الْقَرْيَةِ وَقَالُوا إنَّهُ مِنْ اللُّصُوصِ فَضَرَبُونِي سَبْعِينَ دِرَّةً ثُمَّ عَرَفُونِي فَاعْتَذَرُوا فَحَمَلَنِي وَاحِدٌ إلَى مَنْزِلِهِ فَقَدَّمَ إلَيَّ خُبْزًا وَبَيْضًا فَقُلْت لِنَفْسِي كُلِّي بَعْدَ سَبْعِينَ دُرَّةً. وَفِيهِ أَيْضًا اشْتَهَى أَبُو الْخَيْرِ الْعَسْقَلَانِيُّ

стр. 146

السَّمَكَ سِنِينَ ثُمَّ ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْ مَوْضِعٍ حَلَالٍ فَلَمَّا مَدَّ إلَيْهِ يَدَهُ لِيَأْكُلَ أَخَذَتْ شَوْكَةٌ مِنْ عِظَامِهِ أُصْبُعَهُ فَذَهَبَتْ فِي ذَلِكَ يَدُهُ فَقَالَ يَا رَبِّ هَذَا لِمَنْ مَدَّ يَدَهُ بِشَهْوَةٍ إلَى حَلَالٍ فَكَيْفَ بِمَنْ مَدَّ إلَى حَرَامٍ وَفِي بَابِ الْوَرَعِ مِنْهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كُنَّا نَدَعُ سَبْعِينَ بَابًا مِنْ الْحَلَالِ مَخَافَةَ أَنْ نَقَعَ بَابًا مِنْ الْحَرَامِ. وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي هُرَيْرَةَ كُنْ وَرِعًا تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ وَفِيهِ أَيْضًا قِيلَ إنَّ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ مَكَثَ بِالْبَصْرَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَلَمْ يَأْكُلْ مِنْ تَمْرِ الْبَصْرَةِ وَلَا مِنْ رُطَبِهَا حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يَذُقْهُ قَالَ يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ هَذَا بَطْنِي مَا نَقَصَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا زَادَ فِيكُمْ وَيُقَالُ جَاءَتْ أُخْتُ بِشْرٍ الْحَافِيِّ إلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵀ وَقَالَتْ إنَّا نَغْزِلُ عَلَى سُطُوحِنَا بِشُعْلَةِ الْمَلِكِ هَلْ يَجُوزُ لَنَا الْغَزْلُ فِي شُعَاعِهَا. وَقَدْ وَقَعَ عَلَيْنَا الْمَشَاعِلُ الظَّاهِرِيَّةُ فَقَالَ مَنْ أَنْتِ عَافَاك اللَّهُ قَالَتْ أُخْتُ بِشْرٍ الْحَافِيِّ فَبَكَى أَحْمَدُ وَقَالَ مِنْ بَيْتِكُمْ يَخْرُجُ الْوَرَعُ الصَّادِقُ لَا تَغْزِلِي فِي شُعَاعِهَا وَرَهَنَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ سَطْلًا لَهُ عِنْدَ بَقَّالٍ فَلَمَّا أَرَادَ فِكَاكَهُ أَخْرَجَ الْبَقَّالُ إلَيْهِ سَطْلَيْنِ وَقَالَ خُذْ أَيَّهُمَا لَك فَقَالَ أَشَكْلَ سَطْلِي فَهُوَ لَك وَالدَّرَاهِمُ لَك فَقَالَ الْبَقَّالُ سَطْلُك هَذَا، وَإِنَّمَا أَرَدْت اخْتِبَارَك فَلَمْ يَأْخُذْ وَكَانَ رَجُلٌ يَكْتُبُ رُقْعَةً فِي بَيْتٍ بِكِرَاءٍ فَأَرَادَ أَنْ يُتَرِّبَ الْكِتَابَ مِنْ جِدَارِ الْبَيْتِ فَخَطَرَ بِبَالِهِ أَنَّ الْبَيْتَ بِالْكِرَاءِ ثُمَّ إنَّهُ خَطَرَ بِبَالِهِ لَا حَظْرَ لِهَذَا فَتَرَّبَ الْكِتَابَ فَسَمِعَ هَاتِفًا يَقُولُ سَيَعْلَمُ الْمُسْتَخِفُّ بِالتُّرَابْ مَا يَلْقَاهُ غَدًا مِنْ طُولِ الْحِسَابْ. وَقِيلَ رَجَعَ ابْنُ الْمُبَارَكِ مِنْ مَرْوَ إلَى الشَّامِ فِي قَلَمٍ اسْتَعَارَهُ وَلَمْ يَرُدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ. وَكَانَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ لَا يَنَامُ مُضْطَجِعًا وَلَا يَأْكُلُ سَمِينًا وَلَا يَشْرَبُ بَارِدًا سِتِّينَ سَنَةً فَرُئِيَ فِي الْمَنَامِ بَعْدَمَا مَاتَ فَقِيلَ لَهُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك فَقَالَ خَيْرًا غَيْرَ أَنِّي مَحْبُوسٌ عَنْ الْجَنَّةِ بِإِبْرَةٍ اسْتَعَرْتهَا فَلَمْ أَرُدَّهَا وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يُجَاوِرُ فِي الْحَرَمِ وَهُوَ فَقِيرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى دُهْنِ السِّرَاجِ فَيُطَالِعُ كِتَابَهُ بِضِيَاءِ الْقَمَرِ وَالْقَنَادِيلُ تُضِيءُ إلَى الْفَجْرِ قِيلَ لَهُ لَوْ نَظَرْت بِضِيَاءِ الْقَنَادِيلِ لَوَضَحَ الْخَطُّ وَالنَّظَرُ بِضِيَاءِ الْقَمَرِ يُنْقِصُ نُورَ بَصَرِك فَقَالَ الْقِنْدِيلُ لِلْكَعْبَةِ لَا لِمُطَالَعَةِ الْكُتُبِ فَالنَّظَرُ الْمُفَرِّقُ لِلْبَصَرِ مِنْ الْمُبَاحِ خَيْرٌ مِنْ النَّظَرِ الْمَزِيدِ نُورُهُ مِنْ غَيْرِهِ (وَالطَّيِّبَاتِ) مِنْ الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ وَالْمَسَاكِنِ كَمَا قَدَّمْنَا عَنْ السَّادَاتِ (وَالْخَتْمِ) عُطِفَ عَلَى الِاجْتِنَابِ أَوْ صِيَامِ الدَّهْرِ (فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ بَلْ مَرَّاتٍ) كَثِيرَةً كَمَا قَدَّمْنَا. وَأَيْضًا فِي الْمُنَاوِيِّ عَنْ الْقَسْطَلَّانِيِّ أَخْبَرَنِي الْبُرْهَانُ بْنُ شَرِيفٍ أَنَّهُ يَخْتِمُ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسَ عَشْرَةَ خَتْمَةً وَالنَّجْمُ الْأَصْبَهَانِيُّ رَأَى رَجُلًا مِنْ الْيَمَنِ خَتَمَ فِي شَوْطٍ وَأُسْبُوعٍ وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الشَّعْرَانِيُّ خَتَمَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ خَتْمَتَيْنِ وَأَخْبَرَنَا عَنْ الْمَرْصَفِيِّ أَنَّهُ قَرَأَ فِي أَيَّامِ سُلُوكِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ خَتْمٍ وَسِتِّينَ أَلْفَ خَتْمٍ كُلَّ دَرَجَةٍ أَلْفُ خَتْمٍ وَهَذَا لَا يَتَيَسَّرُ إلَّا بِفَيْضٍ رَبَّانِيٍّ وَمَدَدٍ رَحْمَانِيٍّ انْتَهَى. قِيلَ وَلَا يُسْتَبْعَدُ هَذَا عَلَى أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ غَلَبَتْ رُوحَانِيَّاتُهُمْ عَلَى جُسْمَانِيَّاتهمْ وَالرُّوحُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ - وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ - ثُمَّ نَقُولُ حَاصِلُ سُؤَالِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ هَذِهِ الْمَنْقُولَاتِ عَنْ السَّلَفِ مُعَارِضَةٌ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَأَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّعَارُضَ لَا يُتَصَوَّرُ بَيْنَ الرَّاجِحِ وَالْمَرْجُوحِ فَلَا يُقَالُ الْقِيَاسُ مُعَارِضٌ لِلنَّصِّ وَلِلْإِجْمَاعِ بَلْ ثُبُوتُ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ يَقْتَضِي كَوْنَ تِلْكَ الْمَنْقُولَاتِ مُحَرَّمَاتٍ وَارْتِكَابُ مَنْهِيَّاتٍ فَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ التَّعْبِيرُ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِفْسَارِ نَحْوُ أَنْ يُقَالَ فَبَعْدَ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ مَا وَجْهُ مَا نُقِلَ عَنْ السَّلَفِ مِنْ كَذَا وَكَذَا أَوْ يُقَالَ لَيْسَ النُّصُوصُ وَالْأَدِلَّةُ كَمَا فُهِمَتْ وَإِلَّا فَمَا وَجْهُ مَا نُقِلَ عَنْ السَّلَفِ إلَّا أَنْ يُقَالَ التَّعَارُضُ هُنَا تَجَوُّزٌ بِمَعْنَى مُطْلَقِ الْمُخَالَفَةِ فَتَأَمَّلْ. وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِجَعْلِ تَصْوِيرِ السُّؤَالِ هَكَذَا: دَلِيلُكُمْ وَإِنْ دَلَّ عَلَى مَا ادَّعَيْتُمْ مِنْ لُزُومِ الِاقْتِصَادِ وَلَكِنْ عِنْدَنَا مَا يَنْفِيهِ مِنْ وُقُوعِ الْإِفْرَاطِ مِنْ السَّلَفِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَدِلَّةٌ عَلَيْهِ لَمَا فَعَلُوا وَالِاجْتِرَاءُ عَلَى جَهَالَتِهِمْ أَوْ الْعَمَلُ عَلَى خِلَافِ عِلْمِهِمْ لَيْسَ بِجَائِزٍ بَعِيدٌ عَنْ الْإِنْصَافِ (قُلْنَا) فِي جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ (أَوَّلًا) . فَإِنْ قِيلَ: إنَّ أَوَّلًا أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ دَلِيلُ الْأُولَى وَالْأَوَائِلِ فَمَا وَجْهُ تَنْوِينِهِ قُلْنَا إنَّهُ هُنَا ظَرْفٌ بِمَعْنَى قَبْلُ وَهُوَ حِينَئِذٍ مُنْصَرِفٌ وَلَا وَصْفِيَّةَ لَهُ أَصْلًا، وَإِذَا جَعَلْته صِفَةً لَمْ تَصْرِفْهُ تَقُولُ لَقِيتُهُ عَامًا

стр. 147

أَوَّلَ أَيْ قَبْلَ الْجَوَابَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ كَمَا فِي التَّلْوِيحِ (لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْوَحْيِ) ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَالظَّاهِرُ مَتْلُوًّا أَوْ غَيْرَ مَتْلُوٍّ فَتَأَمَّلْ فِيهِ (وَغَيْرُهُ) أَيْ وَبَيْنَ غَيْرَ الْوَحْيِ كَالْمَنْقُولِ الْمَذْكُورِ عَنْ السَّلَفِ؛ لِأَنَّ مَبْنَى التَّعَارُضِ عَلَى التَّمَاثُلِ وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ (حَتَّى نَحْتَاجَ إلَى الْجَوَابِ) بَلْ اللَّازِمُ فِيهِ الْأَخْذُ بِالْأَقْوَى وَتَرْكُ الْأَضْعَفِ كَمَا فِي التَّلْوِيحِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ (فَعَلَيْك الْأَخْذَ بِمَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) وَأَنْتَ مَأْمُورٌ بِإِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَا بِغَيْرِهِ كَالسَّلَفِ لَكِنْ يُرَادُ أَنَّا سِيَّمَا الْمُقَلَّدِينَ مَأْمُورِينَ بِاتِّبَاعِ الْأَعْلَمِ وَالْأَوْرَعِ وَأَنَّهُ قَدْ قُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ أَنَّ دَلِيلَ الْمُقَلِّدِ لَيْسَ إلَّا قَوْلَ الْمُجْتَهِدِ وَكَذَا فِعْلُهُ كَمَا فِي الْأُصُولِ. وَأَمَّا النُّصُوصُ فَمُخْتَصَّةٌ بِالْمُجْتَهِدِ وَقُرِّرَ أَيْضًا إذَا تَخَالَفَ النَّصُّ مَعَ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ يُقَدَّمُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ لِجَوَازِ كَوْنِ النَّصِّ مُؤَوَّلًا أَوْ مُخَصَّصًا أَوْ مَنْسُوخًا يَعْرِفُهَا الْمُجْتَهِدُ دُونَ الْمُقَلِّدِ وَأَنَّ هَذَا يُورِثُ تَضْلِيلَ السَّلَفِ وَسُوءَ الظَّنِّ بِهِمْ فَلَعَلَّهُ لَمَّا ذُكِرَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ أَوْ رَدَّ الْجَوَابَيْنِ الْآخَرَيْنِ فَيَكُونَانِ تَسْلِيمِيَّيْنِ. (وَثَانِيًا أَنَّا نَمْنَعُ صِحَّةَ الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ إذَا لَمْ يَقَعْ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْأُمُورِ الْمَنْقُولَةِ (بَحْثٌ) طَلَبٌ وَتَفَحُّصٌ (وَتَفْتِيشٌ) يُوجِبُ صِحَّةَ الصَّدَرِ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ كَالتَّوَاتُرِ وَالشُّهْرَةِ وَالْوَاحِدُ بِشُرُوطِ الرِّوَايَةِ مِنْ نَحْوِ الْعَدْلِ وَالضَّبْطِ وَالْعَدَدِ (بَلْ أَكْثَرِهَا خَالٍ عَنْ) أَصْلِ (السَّنَدِ) فَضْلًا عَنْ وَصْفِهِ كَالْعَدَدِ وَالْعَدَالَةِ فَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ فِيهِ تَلْقِينًا بِالْجَوَابِ إذْ تَقَيُّدُ الْأَكْثَرِيَّةِ يَقْتَضِي اعْتِرَافَ مَسْأَلَةِ الْخَصْمِ فِي جَانِبِ الْأَقَلِّ وَهُوَ يَكْفِي لَهُ فَالتَّفْسِيرُ أَنَّ بَعْضَهَا أَيْ الْأَقَلَّ مُشْتَمِلٌ لِلسَّنَدِ الصَّحِيحِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ (بِخِلَافِ الْكِتَابِ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ كُلُّهُ (وَالْأَخْبَارُ النَّبَوِيَّةُ) أَيْ الْمَذْكُورَةُ هُنَا فَلَا يَضُرُّهُ وُجُودُ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ بَلْ الْمَوْضُوعَةُ أَنْفُسُهَا وَأَنَّ الْمَذْكُورَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ كُتُبٍ صَحِيحَةٍ مُتَعَاضِدَةٍ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ بَلْ لِكَوْنِ مَآلِ مَعَانِيهَا رَاجِعًا إلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ يَرْتَقِي إلَى الْمَشْهُورِ بِحَسَبِ الْمَعْنَى فَيُوجِبُ عِلْمَ طُمَأْنِينَةٍ وَلَا يَضُرُّ عَدَمَ مَعْلُومِيَّةِ وُجُودِ شُرُوطِ الرِّوَايَةِ فِي بَعْضِهَا بَلْ غَايَتُهَا بَيَانَاتٌ وَتَفْسِيرَاتٌ لِمُجْمَلَاتِ الْكِتَابِ وَخَفَايَاتِهَا. (فَلَا مُسَاوَاةَ فِي النَّقْلِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ التَّعَارُضُ) هَذَا عَلَى تَسْلِيمِ إمْكَانِ التَّعَارُضِ بَيْنَ أَصْلِ الْوَحْيِ وَبَيْنَ أَصْلِ الْمَنْقُولِ كَمَا أُشِيرَ آنِفًا فَلَا يُرَدُّ أَنَّهُ يُوهِمُ صِحَّةَ التَّعَارُضِ عِنْدَ تَسَاوِيهِمَا سَنَدًا لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ لِبَعْضِ الْمَنْقُولَاتِ السَّلَفِيَّةِ سَنَدًا صَحِيحًا كَمِثْلِ بَعْضِ الْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ آنِفًا بِقَوْلِهِ بَلْ أَكْثَرُهَا خَالٍ عَنْ السَّنَدِ نَعَمْ التَّعَاضُدُ الْمَعْنَوِيُّ بَاقٍ فِي الْأَخْبَارِ دُونَ الْمَنْقُولَاتِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ حَاصِلَ الْجَوَابِ الثَّانِي رَاجِعٌ إلَى عَدَمِ صُدُورِ تِلْكَ الْمَنْقُولَاتِ مِنْهُمْ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ سَلِمَ عَدَمُ التَّوَاتُرِ بَلْ الشُّهْرَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَشْخَاصِهِمْ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَوْعِهِمْ إذْ التَّوَاتُرُ الْمَعْنِيُّ ظَاهِرٌ فِي جِنْسِهِمْ، وَإِنْكَارُ ذَلِكَ أَيْضًا مُؤَدٍّ إلَى ارْتِفَاعِ الْأَمْنِ وَالِاعْتِمَادِ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى الْكُتُبِ سِيَّمَا الْمُعْتَبَرَةِ كَقَاضِي خان وَالرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ وَأَيْضًا حَاصِلُ هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ إبْقَاءُ الْمَنْعِ وَعَدَمُ الْجَوَازِ فِي هَذَا الْقَدْرِ مِنْ التَّقَيُّدِ وَالِاهْتِمَامِ بِاسْتِغْرَاقِ الْأَوْقَاتِ فِي عِبَادَةِ الْمَعْبُودِ الَّذِي لَمْ يَخْلُقْ الثَّقَلَيْنِ إلَّا لِلْعِبَادَةِ وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ الْإِنْصَافِ بَلْ ظَاهِرُ بَعْضِ النُّصُوصِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة: ٥] ، ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] ، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] . وَبَعْضُ صَحِيحِ الْأَحَادِيثِ مِنْ «إيثَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثْرَةَ الْجُوعِ عَلَى نَفْسِهِ إلَى أَنْ يَرْبِطَ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ وَقِيَامَهُ اللَّيْلَ إلَى أَنْ تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ إلَى أَنْ انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ وَفِي رِوَايَةٍ إلَى أَنْ تَشَقَّقَتْ قَدَمَاهُ» يَقْتَضِي وُقُوعَ ذَلِكَ أَيْضًا وَبِمَا حُرِّرَ تَبَيَّنَ التَّعَارُضُ الْحَقِيقِيُّ بَيْنَ النُّصُوصِ فَلَعَلَّ الْأَوْلَى التَّوْفِيقُ بِنَحْوِ أَنْ يُقَالَ الْمَنْعُ لِلْمُبْتَدِئِينَ الَّذِينَ إذَا أَتَوْا تِلْكَ الْكَثْرَةَ فِي الِابْتِدَاءِ لَزِمَ إلْقَاءُ أَنْفُسِهِمْ إلَى التَّهْلُكَةِ وَالْجَوَازُ لِلْمُنْتَهِينَ الَّذِينَ صَارَتْ تِلْكَ الْكَثْرَةُ لَهُمْ كَالْغِذَاءِ بِلَذَّةٍ بِلَا ثَقْلَةٍ وَكُلْفَةٍ فَلَعَلَّ

стр. 148

لِذَلِكَ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ جَعَلَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْجَوَابَ الثَّانِيَ تَسْلِيمِيًّا وَجَعَلَ مَدَارَ التَّسْلِيمِ جِنْسَ مَا ذُكِرَ فَافْهَمْ. (وَثَالِثًا أَنَّ الْمَنْعَ عَنْ التَّشْدِيدِ فِي الْعِبَادَةِ مُعَلَّلٌ) فِي الشَّرْعِ (بِعِلَّتَيْنِ) إحْدَاهُمَا (لَمِّيَّةٌ) اعْلَمْ أَنَّ الْبُرْهَانَ إمَّا لَمِّيٌّ إنْ كَانَ الِاسْتِدْلَال مِنْ الْعِلَّةِ إلَى الْمَعْلُولِ وَإِمَّا إنِّيٌّ إنْ كَانَ الْمَعْلُولُ إلَى الْعِلَّةِ، وَإِنْ شِئْت قُلْت إنْ كَانَ الْوَسَطُ عِلَّةً فِي الذِّهْنِ وَالْخَارِجِ فَلَمِّيٌّ، وَإِنْ كَانَ فِي الذِّهْنِ دُونَ الْخَارِجِ فَإِنِّيٌّ كَالِاسْتِدْلَالِ بِالنَّارِ عَلَى الدُّخَانِ فِي اللَّمِّيِّ وَبِالدُّخَانِ عَلَى النَّارِ فِي الْإِنِّيِّ كَالِاسْتِدْلَالِ بِالْأَثَرِ عَلَى الْمُؤَثِّرِ. وَ (هِيَ الْإِفْضَاءُ) أَيْ الْإِيصَالُ (إلَى إهْلَاكِ النَّفْسِ) الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ، فَإِنَّ التَّشْدِيدَاتِ الصَّعْبَةَ رُبَّمَا تُؤَدِّي إلَى الْهَلَاكِ كَمَا فِي الِابْتِدَاءِ كَمَا فِي دَوَامِ تَرْكِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَدَوَامِ السَّهَرِ (أَوْ إضَاعَةِ الْحَقِّ الْوَاجِبِ) عَلَيْهِ (لِلْغَيْرِ) وَهُوَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ مِنْ عِيَالِهِ وَأَوْلَادِهِ (أَوْ تَرْكِ الْعِبَادَةِ) لِضَعْفِ الْبَدَنِ وَفَسَادِ الْبِنْيَةِ فَمَا يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ فَحَرَامٌ (أَوْ تَرْكِ مُدَاوَمَتِهَا) كَتَرْكِ مُدَاوَمَةِ الْجَمَاعَةِ لِضَعْفِ الْبَدَنِ النَّاشِئِ مِنْ إفْرَاطِ الْعِبَادَةِ. (وَ) ثَانِيَتُهُمَا (آنِيَةٌ) ، وَقَدْ عُرِفَتْ آنِفًا (هِيَ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرْسِلَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فَلِذَا كَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفًا رَحِيمًا وَمِنْ رَحْمَتِهِ وَشَفَقَتِهِ أَنْ يَدُلَّهُمْ عَلَى جُمْلَةِ مَا يَنْفَعُهُمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ بَلْ كَانَ حَرِيصًا فِي هِدَايَتِهِمْ وَإِرْشَادِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَرْكِ شَيْءٍ مِمَّا يَنْفَعُهُمْ وَمِنْ رَحْمَتِهِ وَشَفَقَتِهِ طَلَبُ خِفَّةِ الصَّلَوَاتِ مِنْ خَمْسِينَ إلَى خَمْسٍ وَكَانَ يَغْضَبُ مِنْ سُؤَالِ الْأَحْكَامِ الشَّاقَّةِ مَخَافَةَ نُزُولِ مَشْرُوعِيَّتِهَا قَائِلًا اُتْرُكُونِي مَا تَرَكَتْكُمْ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] . قَالَ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» (وَ) هُوَ (مُؤَيَّدٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَقْوَى) أَيْ يَقْدِرُ (عَلَى مَا) مِنْ الطَّاعَاتِ الشَّاقَّةِ (لَا يَقْوَى عَلَيْهِ آحَادُ الْأُمَّةِ) إذْ شَأْنُ مَنْ كَانَ مُؤَيَّدًا مِنْ عِنْدِهِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَمَّلَ لَهُ الْمَحَاسِنَ خَلْقًا وَخُلُقًا وَجَمَعَ لَهُ الْفَضَائِلَ الدِّينِيَّةَ كُلَّهَا نَسَقًا فَإِنْ قِيلَ التَّحَمُّلُ بِالْمَشَاقِّ الْبَدَنِيَّةِ وَلَوْ لِلْعِبَادَةِ لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ التَّأْيِيدِ الْإِلَهِيِّ حَتَّى يَصِحَّ تَفْرِيعُهُ عَلَيْهِ قُلْت حَاصِلُ ذَلِكَ الْجَوَابُ رَاجِعٌ إلَى مُقَاسَاةِ مِحَنِ الطَّاعَةِ مِنْ قَبِيلِ الْأَمْرِ الدِّينِيِّ وَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ لُزُومِ الْقُوَّةِ الْبَدَنِيَّةِ كُلُّ مَا يُكْمِلُ بِهِ عَادَةً وَيُعَدُّ مِنْ كَمَالِ الْإِنْسَانِ عُرْفًا فَهُوَ مَوْجُودٌ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي الشِّفَاءِ (وَأَنَّهُ أَخْشَى النَّاسِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَأَتْقَاهُمْ) . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] (وَأَعْلَمُهُمْ بِاَللَّهِ) ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ الْعَلِيَّةِ (فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْبُخْلُ) ؛ لِأَنَّ الْخَشْيَةَ نَافِيَةٌ لَهُ (وَتَرْكُ النُّصْحِ) كَأَنَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِلْبُخْلِ وَأَنَّ مُوجِبَ كَوْنِهِ رَحْمَةً أَنْ يُوَضِّحَ كُلَّ مَا يَنْفَعُ لِلْأُمَّةِ (وَلَا التَّوَانِي) أَيْ الضَّعْفُ وَالْفُتُورُ فِي إتْيَانِهِ وَتَبْلِيغِهِ لَكَانَ تَقَوِّيهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَا التَّكَاسُلُ) ؛ لِأَنَّ مَنْ لَهُ خَشْيَةٌ رَبَّانِيَّةٌ لَا يَتَكَاسَلُ فِي طَرِيقِهِ سِيَّمَا مَنْ كَانَ لَهُ وُسْعٌ وَتَقْوَى فَالتَّوَانِي مِمَّنْ لَهُ ضَعْفٌ فِي ذَاتِهِ وَالتَّكَاسُلُ مِمَّنْ

стр. 149

لَيْسَ لَهُ ضَعْفٌ بَلْ لَهُ قُوَّةٌ وَلَكِنْ يَتَكَاسَلُ فَلَيْسَ عَطْفًا لَهُ كَمَا تَوَهَّمَ. (وَلَا الْجَهْلُ) لَهُ فِيمَا يَنْفَعُهُمْ سِيَّمَا فِي أَمْرِ دِينِهِمْ كَالْإِفْرَاطِ فِي الطَّاعَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ فَلَا يُتَصَوَّرُ لَهُ الْجَهْلُ (فِي أَمْرِ الدِّينِ) الظَّاهِرُ مَعْنَى كَوْنِهِ قَيْدًا لِلْجَمِيعِ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ لَفْظًا كَوْنُهُ قَيْدًا لِلْأَخِيرِ فَقَطْ وَأَيْضًا هَذَا هُوَ الْمُلَائِمُ لِقَاعِدَةِ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ لِلشَّافِعِيَّةِ فِي أَنَّ الْقَيْدَ بَعْدَ الْجُمَلِ الْمُتَعَاطِفَةِ هَلْ لِلْمُجْتَمِعِ أَوْ لِلْأَخِيرِ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ (فَلَوْ كَانَ فِي الْعِبَادَةِ وَالْقُرْبِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى طَرِيقٌ) مَوْصُولٌ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (أَفْضَلُ وَأَنْفَعُ غَيْرَ مَا) أَيْ طَرِيقٍ (هُوَ) - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فِيهِ) فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ (لَفَعَلَهُ) - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَوْ بَيَّنَهُ وَحَثَّ) أَغْرَى وَحَرَّضَ (عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ هَادِي الْأُمَّةِ وَمُبَلِّغُ الْأَمَانَةِ وَنَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (فَنَجْزِمُ قَطْعًا أَنَّ) جَمِيعَ (مَا هُوَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَقْوَالًا وَأَفْعَالًا وَأَحْوَالًا (وَأَفْضَلُ) عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى (وَأَنْفَعُ) لِلْعَابِدِ (وَأَقْرَبُ إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرِضَاهُ مِنْ كُلِّ مَا عَدَاهُ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ قَيْدٌ لِلْأَفْعَالِ الثَّلَاثَةِ دُونَ الْأَخِيرِ فَقَطْ وَلَوْ خُصَّ بِذَلِكَ فَلَا يَخْلُو عَنْ وَجْهٍ إذْ الْكُلُّ رَاجِعٌ إلَى رِضَاهُ تَعَالَى وَمُعْظَمُ مَقْصُودِ الْمُتَصَوِّفَةِ هُوَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَتَأَمَّلْ. هَذَا ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ أَوْ بَيَّنَهُ إنْ أَرَادَ الْبَيَانَ التَّفْصِيلِيَّ فَلَا نُسَلِّمُ لُزُومَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ عَمَلٍ شَرْعِيٍّ وَأَنَّ الْإِجْمَالِيَّ فَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ صُدُورِهِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ ظَاهِرٌ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] . وَقَوْلِهِ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ، وَقَوْلِهِ ﴿كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣] وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَامَةُ إعْرَاضِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِهِ اشْتِغَالُهُ بِمَا لَا يَعْنِيهِ وَأَنَّ امْرَأً لَوْ أَذْهَبَ سَاعَةً مِنْ عُمْرِهِ إلَى غَيْرِ مَا خُلِقَ لَهُ لَجَدِيرٌ أَنْ تَطُولَ حَسْرَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَوْلُهُ لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ إلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا وَنَحْوُهَا بَيَانٌ إجْمَالِيٌّ لِجَمِيعِ مَا أَتَى بِهِ السَّلَفُ مِمَّا عُدَّ إفْرَاطًا فَمَا عَلَيْهِ السَّلَفُ لَيْسَ غَيْرَ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﵊ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا عَلَيْهِ السَّلَفُ، وَإِنْ لَمْ يَرِدْ عَلَى خُصُوصِهِ وَتَفْصِيلِهِ بَيَانٌ نَبَوِيٌّ لَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَابَ فِي دُخُولِهِ تَحْتَ الْعُمُومَاتِ النَّبَوِيَّةِ وَإِشَارَاتِهَا وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُمْ التَّجَاوُزُ عَنْ التَّجْدِيدِ النَّبَوِيِّ وَكُلُّهُمْ صَالِحُونَ وَأَكْثَرُهُمْ مُجْتَهِدُونَ وَهُمْ الْعَارِفُونَ مَعَانِيَ النُّصُوصِ وَالْمُرَادَ الْحَقِيقِيَّ مِنْهَا وَفِيهِمْ صَحَابِيٌّ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ تَقْلِيدِ مَنْ بَعْدَهُمْ إيَّاهُمْ فِيمَا شَاعَ وَسَكَتُوا وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْقِيلِ إذَا لَمْ يَرِدْ إنْكَارٌ مِمَّنْ فِي قَرْنِهِمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ تَابِعِيٌّ وَالتَّابِعِيُّ كَالصَّحَابِيِّ إنْ ظَهَرَ فِي عَصْرِهِمْ عَلَى اخْتِيَارِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَتَصْحِيحِ بَعْضِهِمْ. وَمَذْهَبُ إمَامِنَا أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ تَعَالَى وُجُوبُ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ عَلَى الْأَعْلَمِ مِنْهُ وَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهِمْ أَعْلَمَ مِنْ غَيْرِهِمْ كَالْإِمَامِ كَمَا سَمِعْت سَابِقًا لَعَلَّ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَتَمَشَّى بِجِنْسِ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ سَابِقًا مِنْ التَّوْفِيقِ بِحَالِ الِابْتِدَاءِ كَمَا لِلْعَوَامِّ وَحَالِ الِانْتِهَاءِ كَمَا لِلْخَوَّاصِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ مِنْ الْعِلْمِ كَهَيْئَةِ الْمَكْنُونِ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْعُلَمَاءُ بِاَللَّهِ» ، فَإِذَا قَالُوهُ لَا يُنْكِرُهُ إلَّا أَهْلُ الْغُرَّةِ بِاَللَّهِ فُسِّرَ أَهْلُ الْغُرَّةِ بِالْعُلَمَاءِ الظَّاهِرِيَّةِ وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ قَوْلِهِ فَيُحْمَلُ مَا رُوِيَ إلَخْ فَسَتَعْرِفُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ قِيلَ إشَارَةً إلَى تَعْرِيضِ الْمُصَنِّفِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا مِقْدَارُ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الظَّاهِرِ مِنْ سِيرَتِهِ ﵊، وَأَمَّا سِيرَتُهُ الْخَاصَّةُ الْبَاطِنَةُ فَأَسَرَّهَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِخَوَاصِّ أَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّهَا الْعُلُومُ الْمَخْزُونَةُ وَالْمَعَارِفُ الْإِلَهِيَّةُ الْمَكْنُونَةُ. وَقَالَ «فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ: وَعَلَّمَنِي عُلُومًا شَتَّى فَعِلْمٌ أَخَذَ عَلَيَّ كِتْمَانَهُ وَعِلْمٌ خَيَّرَنِي فِيهِ وَعِلْمٌ أَمَرَنِي بِتَبْلِيغِهِ» الْحَدِيثُ فَهِيَ مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ ﵊ كَالْعِلْمِ الظَّاهِرِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ حَفِظْت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وِعَاءَيْنِ مِنْ الْعِلْمِ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْته، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ

стр. 150

بَثَثْته لَقُطِعَ مِنِّي هَذِهِ الْبُلْعُومُ أَيْ الْحُلْقُومُ أَيْ لَقُتِلَ إلَى آخِرِ مَا قَالَ مِنْ كَلِمِهِ الطِّوَالِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَيْسَ بِصَدَدِ نَفْيِ عِلْمِ الْبَاطِنِ وَالْإِنْكَارِ عَلَى أَهْلِهِ حَتَّى يَتَوَجَّهَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ مُقِرٌّ بِأَهْلِهِ وَمُعْتَرِفٌ بِهِ كَيْفَ، وَقَدْ عَظَّمَهُمْ فِيمَا سَبَقَ حِينَ احْتَجَّ بِكَلِمَاتِهِمْ وَفِيمَا سَيَأْتِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَفِي هُنَا تَمَّ الْأَجْوِبَةُ ثُمَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ عِلْمِ الْمُنَاظَرَةِ أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ كَأَنَّهُ قَالَ الِاقْتِصَادُ شَيْءٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالْأَخْبَارُ وَأَقْوَالُ الْفُقَهَاءِ وَمَا شَأْنُهُ كَذَا فَثَابِتٌ أَوْ لَازِمٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَارَضَ عَلَيْهِ السَّائِلُ بِقَوْلِهِ أَنَّ هَذَا مُعَارَضٌ بِمَا عَلَيْهِ السَّلَفُ وَمَا شَأْنُهُ كَذَا فَلَيْسَ بِثَابِتٍ. وَتَوْجِيهُ الْجَوَابِ بِمَنْعِ التَّعَارُضِ أَوَّلًا بِاسْتِنَادِ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا يُمْكِنُ الْمُمَاثَلَةُ وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ وَبَعْدَ تَسْلِيمِ ذَلِكَ بِمَنْعِ صِحَّةِ النَّقْلِ عَنْ السَّلَفِ ثَانِيًا بِاسْتِنَادِ عَدَمِ التَّفَحُّصِ وَخُلُوِّ الْأَكْثَرِ عَنْ الْأَسَانِيدِ فَالْأَوَّلُ مَنَعَ وُجُودَ أَصْلِ التَّعَارُضِ وَالثَّانِي بِالتَّرْجِيحِ وَلَعَلَّ الْجَوَابَ الثَّالِثَ مِنْ قَبِيلِ إثْبَاتِ الْمُدَّعَى بِالدَّلِيلِ وَلَعَلَّك تَقُولُ مُعَارَضَةٌ عَلَى الْمُعَارَضَةِ كَمَا جَوَّزَ فِي مَحَلِّهَا تَقْرِيرَ اللَّمِّيِّ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ الِاقْتِصَادُ لَأَفْضَى إلَى هَلَاكِ النَّفْسِ وَلَيْسَ فَلَيْسَ وَتَقْرِيرُ الْإِنِّيِّ لَوْ كَانَ الثَّابِتُ شَرْعًا غَيْرَ الِاقْتِصَادِ لَبَيَّنَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ فَلَيْسَ أَيْضًا أَوْ تَقُولُ مَا عَلَيْهِ السَّلَفُ مُفْضٍ إلَى الْهَلَاكِ فَلَيْسَ بِثَابِتٍ أَوْ مَا عَلَيْهِ السَّلَفُ أَمْرٌ لَمْ يُبَيِّنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَيْسَ بِثَابِتٍ. وَوَجْهُ كَوْنِ الْأَوَّلِ لَمِّيًّا أَنَّهُ عِلَّةٌ فِي الْخَارِجِ وَالذِّهْنِ مَعًا وَالثَّانِي إنِّيًّا أَنَّهُ عِلَّةٌ فِي الذِّهْنِ فَقَطْ إذَا لَمْ يُعْرَفْ فِيهِ وَجْهُ عَدَمِ فِعْلِهِ وَبَيَانِهِ ﵊ فَتَأَمَّلْ وَلَمَّا لَزِمَ مِنْ الْجَوَابِ تَخْطِئَةُ السَّلَفِ أَشَارَ إلَى الِاعْتِذَارِ عَنْهُمْ بِتَأْوِيلِ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ فَقَالَ (فَيُحْمَلُ) بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ صِيغَةُ مَجْهُولٍ وَبِالنُّونِ مَعْلُومٌ. (مَا رُوِيَ عَنْهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ إنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ التَّشْدِيدَ إمَّا مُدَاوَاةً) مِنْ الدَّوَاءِ (لِأَمْرَاضِ الْقُلُوبِ) ؛ لِأَنَّ لِلْقُلُوبِ مَرَضًا كَمَا لِلْأَجْسَامِ وَكَمَا أَنَّ الْأَمْرَاضَ الْجِسْمِيَّةَ تُدَاوَى كَذَلِكَ الْقَلْبِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ مَبْدَأُ كُلِّ مَكَارِهٍ مِنْ الْأَخْلَاقِ الرَّدِيئَةِ وَالْقَبَائِحِ الْأَرْكَانِيَّةِ الْجَارِحِيَّةِ النَّاشِئَةِ مِنْ الْغَفَلَاتِ وَالْغُرُورِ وَالِاشْتِغَالِ بِاكْتِسَابِ الْفَانِيَاتِ وَعَاجِلَاتِ السُّرُورِ فَمُعَالَجَةُ ذَلِكَ بِدَوَاءِ الْأَضْدَادِ مِنْ الصِّيَامِ عَلَى الدَّوَامِ وَالصَّلَاةِ سِيَّمَا فِي دَوَامِ الْقِيَامِ وَالْإِعْرَاضِ عَمَّا يُوجِبُ كَالْمُنَاكَحَةِ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ صَرِيحٌ فِي صُدُورِ تِلْكَ التَّشْدِيدَاتِ مِنْ السَّلَفِ وَمَآلُ الْأَجْوِبَةِ عَلَى عَدَمِهِ إذْ الْكَلَامُ عَلَى اعْتِقَادِ حُسْنِ السَّلَفِ فَمَنْ يَعْتَقِدُ حُسْنَهُمْ لَا يَنْسُبُهُمْ إلَى فِعْلٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ عَدَمُ جَوَازِ الصُّدُورِ مَا يَكُونُ بِلَا تَأْوِيلٍ وَمَا صَدَرَ عَنْهُمْ مَا بِتَأْوِيلٍ فَلَا تَعَارُضَ لِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ. (أَوْ لِكَوْنِ الْعِبَادَةِ عَادَةً لَهُمْ) بِكَثْرَةِ التَّكْرَارِ وَدَوَامِ الِاسْتِمْرَارِ لَكِنْ يَرُدُّهُ حَدِيثُ «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا» مَعَ أَنَّ شَأْنَ السَّلَفِ الْتِزَامُ إتْيَانِ الْأَفْضَلِ (وَطَبْعًا) أَيْ كَطَبْعٍ بِلَا تَكَلُّفٍ (كَغِذَاءٍ لِلصَّحِيحِ) فِي أَنَّ صَحِيحَ الْبَدَنِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْغِذَاءِ لِإِبْقَاءِ صِحَّتِهِ وَدَوَامِ رُوحِهِ (فَيَتَلَذَّذُونَ بِهَا) أَيْ بِتِلْكَ الْعِبَادَاتِ الشَّاقَّةِ. قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَالْعَارِفُ قَدْ يَأْنَسُ بِالْعِبَادَاتِ فَيَسْتَلِذُّ فَيَكُونُ الْمَنْعُ أَعْظَمَ الْعُقُوبَاتِ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ مَا أَخَافُ مِنْ الْمَوْتِ إلَّا مِنْ حَيْلُولَتِهِ بَيْنِي وَبَيْنَ قِيَامِ اللَّيْلِ. وَقَالَ آخَرُ اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي قُوَّةَ الصَّلَاةِ فِي الْقَبْرِ انْتَهَى لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذِهِ مَا أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ أَنَا وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَدْخَلْت ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ لَحْدَهُ وَمَعِي حُمَيْدٍ الطَّوِيلُ فَلَمَّا سَاوَيْنَا عَلَيْهِ اللَّبِنَ سَقَطَتْ لَبِنَةٌ، فَإِذَا أَنَا بِهِ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ. وَعَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ أَهْلُ اللَّيْلِ فِي لَيْلِهِمْ أَشَدُّ لَذَّةً مِنْ أَهْلِ اللَّهْوِ فِي لَهْوِهِمْ وَعَنْ بَعْضٍ لَا يُشْبِهُ شَيْءٌ بِنَعِيمِ الْجَنَّةِ إلَّا حَلَاوَةُ الْمُنَاجَاةِ ثَوَابٌ عَاجِلٌ لَهُمْ. وَعَنْ ابْنِ بَكَّارَ أَنَّهُ قَالَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً مَا أَحْزَنَنِي إلَّا طُلُوعُ الْفَجْرِ وَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ كَيْفَ أَنْتَ بِاللَّيْلِ قَالَ مَا رَاعَيْته قَطُّ يُرِينِي وَجْهَهُ وَمَا تَأَمَّلْته كَذَا فِي الْعَوَارِفِ (بِلَا إضَاعَةِ حَقٍّ) لَهُ تَعَالَى وَلِعَبْدِهِ كَمَا مَرَّ (وَلَا تَرَكَ) (مُدَاوَمَةَ) الْعِبَادَاتِ اللَّازِمَةِ كَالْجَمَاعَةِ وَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ (وَلَا اعْتِقَادَ أَنَّهُ) أَيْ التَّشْدِيدُ (أَفْضَلُ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الْبَشَرِ) - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الِاقْتِصَادِ وَالتَّوَسُّطِ (أَوْ) أَفْضَلُ مِنْ الَّذِي (قَالَهُ)

стр. 151

بَلْ شَأْنُهُمْ اسْتِقْصَارُ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ دَائِمًا وَيَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ مَعَ تِلْكَ الطَّاعَاتِ أَحْقَرَ مِنْ الْكُلِّ بِالذُّنُوبِ وَالتَّقْصِيرَاتِ. كَمَا حُكِيَ عَنْ خَوَاجَهْ بَهَاءِ الدِّينِ مُحَمَّدٍ النَّقْشَبَنْدِيِّ قَدَّسَ سِرَّهُ الْعَزِيزُ أَنَّهُ قَالَ حِينَ سُئِلَ عَنْ الْكَرَامَةِ أَيُّ كَرَامَةٍ أَعْظَمُ مِنْ الْمَشْيِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَعَ هَذِهِ الذُّنُوبِ الْكَثِيرَةِ وَسَتَسْمَعُ مِنْ الْمُصَنِّفِ بَعْضَ اسْتِحْقَارِ أَنْفُسِهِمْ لَا يَخْفَى أَنَّ سِيَاقَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّ مَا عَلَيْهِ السَّلَفُ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ ﵊ وَأَنَّهُمْ أَحِقَّاءٌ وَمِنْ الْيَقِينِ الْقَطْعِيِّ أَنَّ كُلَّ مَا خَالَفَهُ ﵊ لَيْسَ بِحَقٍّ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْحَقِيقَةُ مَعَ غَيْرِيَّةِ مَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ إنْ أُخِذَ مِنْ الشَّرْعِ فَلَا يَكُونُ مِنْ غَيْرِ مَا عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِلَّا فَيَكُونُ رَأْيًا فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَحَسَنًا عَقْلِيًّا وَتَقْيِيدًا لِمُطْلَقَاتِ النُّصُوصِ فَلَا يَكُونُونَ عَلَى حَقٍّ وَأَيْضًا يَجُوزُ لِكُلٍّ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ بِهَذَا التَّأْوِيلِ فَلَا تَبْقَى فَائِدَةٌ مِنْ مَنْعِ هَذَا التَّشْدِيدِ وَتَخْصِيصِ الْمَنْعِ بِغَيْرِ هَذَا التَّأْوِيلِ بَعِيدٌ عَلَى أَنَّ تِلْكَ النُّصُوصَ وَالْأَخْبَارَ بِتَعَاضُدِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ مُفَسِّرَاتٌ فَلَا تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ غَايَةَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الشَّرْعِ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَفْضَلِ وَالْأَوْلَى وَمَا ذُكِرَ مِنْ الِاقْتِصَادِ هُوَ الْأَفْضَلُ وَالْأَوْلَى لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّهُمْ طَائِفَةٌ الْتَزَمُوا جَانِبَ الْعَزِيمَةِ وَالِاحْتِيَاطِ نَحْوُ الْوَاجِبِ وَالْحَمْلِ عَلَى عَدَمِ عِرْفَانِهِمْ جَانِبَ الْأَوْلَى أَصْعَبُ كَيْفَ وَأَكْثَرُهُمْ مُجْتَهِدٌ وَجَمِيعُهُمْ فِي قُرْبِ عَصْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَدْ تَرَتَّبَ عَلَى صَنِيعِهِمْ عَلَائِمُ قَبُولِ آثَارِ أَعْمَالِهِمْ مِنْ نَحْوِ الْكَرَامَاتِ الْعِيَانِيَّةِ، وَالْقَوْلُ أَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ مُخَالَفَاتِ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ مَعَ بَعْضٍ لَا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ أَيْضًا وَبِالْجُمْلَةِ أَنِّي لَمْ أَجِدْ فِي الْمَقَامِ شَيْئًا غَيْرَ قُصُورِ فَهْمِي حَقِيقَةَ الْمَرَامِ (وَأَمَّا نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ بَلَغَ الدَّرَجَةَ الْعُلْيَا مِنْ الْكَمَالِ) الْمُمْكِنِ لِلْبَشَرِ بِعِنَايَةٍ مِنْ رَبِّهِ تَعَالَى قِيلَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا كَمَا يَدُلُّ تَفَرُّغُهُ فِي غَارِ حِرَاءَ - ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: ٨]- وَيُوَاصِلُ فِي صِيَامِهِ وَيُبَالِغُ فِي قِيَامِهِ وَلَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ بِكَثْرَةِ عِبَادَةٍ أَصْلًا فَتَأَمَّلْ مَا فِيهِ (وَهِيَ) أَيْ الدَّرَجَةُ الْعُلْيَا (أَنْ لَا يَمْنَعَ عَنْ تَوَجُّهِ الْقَلْبِ) إلَى عَالِمِ الْقُدْسِ وَالنُّورِ (بِشَيْءٍ) مِنْ الْعَوَائِقِ الْجِسْمِيَّةِ وَالشَّوَاغِلِ الْبَشَرِيَّةِ الْمَادِّيَّةِ (لَا التَّكَلُّمِ مَعَ الْخَلْقِ وَلَا الْأَكْلِ وَلَا الشَّرَابِ وَلَا النَّوْمِ وَلَا مُلَامَسَةِ النِّسَاءِ) مِنْ اللَّمْسِ بِمَعْنَى الْجِمَاعِ (وَتَكُونُ الْخُلْطَةُ) مَعَ الْخَلْقِ (وَالْعُزْلَةُ) مِنْ الْخَلْقِ عِنْدَهُ (سَوَاءً) . قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ عَنْ أَكَابِرِ الصُّوفِيَّةِ الْخَلْوَةُ فِي الْجَلْوَةِ وَالْعُزْلَةُ فِي الْخُلْطَةِ وَالصُّوفِيُّ كَائِنٌ بَائِنٌ وَغَرِيبٌ قَرِيبٌ وَعَرْشِيٌّ فَرْشِيٌّ، فَإِنَّهُ ﵊ عِنْدَ اشْتِغَالِهِ بِاشْتِغَالِ هَذِهِ الْحِسِّيَّاتِ لَا يَغِيبُ وَلَا يُذْهِلُ عَنْ مُطَالَعَةِ جَلَالِ اللَّهِ وَجَمَالِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] ، فَإِنْ قِيلَ الذِّهْنُ بَسِيطٌ لَا يَتَعَلَّقُ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ بِأَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ كَمَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤]- قُلْنَا قَالُوا يَتَيَسَّرُ التَّوَجُّهُ التَّامُّ دَفْعَةً إلَى شَيْئَيْنِ لِلْمُجَرَّدِينَ عَنْ الْعَوَائِقِ الْبَشَرِيَّةِ وَلِذَوِي النُّفُوسِ الْقُدْسِيَّةِ الْقَوِيَّةِ. وَلِهَذَا «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُدَبِّرُ أَمْرَ الْجَيْشِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ» مَعَ حُضُورِ الصَّلَاةِ وَخُشُوعِهَا وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «ذَكَرْت وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ تِبْرًا عِنْدَنَا فَكَرِهْت أَنْ يَبِيتَ عِنْدَنَا فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ» وَفِي شَرْحِهِ وَفِي رِوَايَةٍ فَقَسَمْتُهُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّفَكُّرَ بِغَيْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ لَا يُنْقِصُ كَمَالَهَا وَأَنَّ النِّيَّةَ فِيهَا إلَى شَيْءٍ

стр. 152

جَائِرٍ لَيْسَتْ بِمُضِرَّةٍ (فَاقْتِصَارُهُ ﵊ عَلَى بَعْضِ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ) فِي التَّقْيِيدِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الِاقْتِصَادَ إنَّمَا هُوَ فِي الظَّاهِرِ، وَأَمَّا فِي الْعِبَادَةِ الْبَاطِنِيَّةِ فَلَا يَغِيبُ عَنْهَا وَلَا يَنْفَكُّ بِحَالٍ أَصْلًا (لِكَوْنِهَا أَفْضَلَ) فِي التَّفْرِيعِ خَفَاءٌ سِيَّمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى قَوْلِهِ (وَلِأُمَّتِهِ) إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ تَشْدِيدَ الْعِبَادَاتِ لَمَّا كَانَ لِاسْتِحْصَالِ تَوَجُّهِ الْقَلْبِ عِنْدَ الْخُلْطَةِ وَكَانَ ذَلِكَ حَاصِلًا بِدُونِ التَّشْدِيدِ لَهُ ﵊ فَاقْتِصَارُهُ إلَى آخِرِهِ لَا يَخْفَى مَعَ بُعْدِهِ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْخُلَفَاءَ بِالنِّسْبَةِ إلَى أُمَّتِهِ إذْ لَيْسَ لَهُمْ الْمُفَرَّعُ عَلَيْهِ، وَإِنَّ مِنْ الْأُمَّةِ السَّلَفُ فَيُورَثُ سُوءُ الظَّنِّ بِهِمْ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا الْأَفْضَلَ أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ (وَتَلَذُّذُهُ) مِنْ اللَّذَّةِ لَعَلَّ الْمُرَادَ هُنَا هُوَ الذَّوْقُ الصَّحِيحُ عِنْدَ التَّجَرُّدِ التَّامِّ وَالِاتِّصَالِ بِعَالَمِ الْقُدْسِ وَالنُّورِ فِي حَالَةِ تَرْكِ الْمَحْسُوسَاتِ الظُّلْمَانِيَّةِ وَالْمَأْنُوسَاتِ الْجِسْمَانِيَّةِ وَقَطْعِ الْخَوَاطِرِ الْوَهْمِيَّةِ وَالْخَيَالِيَّةِ (- صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَائِمٌ) فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ (لَا يَخْتَصُّ بِالْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ) يَعْنِي لَا يَخْتَصُّ حُصُولُهُ بِالْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ وَلَا يَكُونُ عِنْدَهَا كَمَا هُوَ كَذَلِكَ لِلْأُمَّةِ، فَإِنَّ تَلَذُّذَهُمْ بِالْعِبَادَاتِ أَوْ عِنْدَهَا فَافْهَمْ. وَفِي التَّعْبِيرِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ لَذَّتَهُ كَمَا كَانَتْ عِنْدَ الطَّاعَةِ الظَّاهِرَةِ تَكُونُ عِنْدَ الْخُلُوِّ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الْخُلْطَةَ الْآفَاقِيَّةَ إذَا لَمْ تَكُنْ مِنْ تَوَجُّهِهِ فَبِالْأَوْلَى الْعِبَادَاتُ فَلَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ عَلَى التَّفْرِيعِ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى الْمُلَازَمَةِ عَلَى طَرِيقِ عَطْفِ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ. وَاعْلَمْ أَنَّ تَلَذُّذَهُ بِشُهُودِ التَّجَلِّي فِي دَوَامِ التَّرَقِّي وَعَلَيْهِ قَدْ يُحْمَلُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ وُصُولِهِ إلَى الْمَرْتَبَةِ الْعُلْيَا يُسْتَقْصَرُ مَا دُونَهَا وَيَجِدُهُ غَيْنًا أَيْ حِجَابًا. (وَقَدْ بَلَغَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ) ﵀ تَعَالَى لَعَلَّ فَائِدَةَ هَذَا النَّقْلِ تَوْضِيحُ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ التَّشْدِيدَ فِي الْعِبَادَاتِ إنَّمَا هُوَ لِاسْتِحْصَالِ رُتْبَةِ مَلَكَةِ الطَّبِيعَةِ وَدَوَامِ التَّوَجُّهِ إلَى جَانِبِ الْقُدْسِ وَعِنْدَ الْحُصُولِ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، فَإِنْ قِيلَ يُشْعِرُ ذَلِكَ بِتَسَاوِي حَالِ النَّبِيِّ مَعَ الْوَلِيِّ وَلَنْ يَبْلُغَ أَعْلَى دَرَجَةِ وَلِيٍّ أَكْمَلَ إلَى أَدْنَى دَرَجَةِ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قُلْت لَيْسَ بِتَمْثِيلٍ بَلْ تَنْظِيرٌ أَوْ بِحَسَبِ الْجِنْسِ لَا بِحَسَبِ التَّسَاوِي فِي النَّوْعِ وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ دَلَالَةِ النَّصِّ يَعْنِي إذَا كَانَ حَالُ الْوَالِي فِي تَرْكِ التَّكَلُّفِ عِنْدَ بُلُوغِ الْكَمَالِ كَذَلِكَ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ فَيَنْدَفِعَ مَا يُتَوَهَّمُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ سُلِّمَ كَوْنُهُ تَنْظِيرًا لِلُزُومِ قُوَّةِ الْحُكْمِ فِي التَّنْظِيرِ إذْ هُوَ فِي حُكْمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ لَيْسَ كَذَلِكَ فَافْهَمْ (إلَى حَيْثُ كَانَ لَهُ حَظٌّ) نَصِيبٌ (مِنْ هَذِهِ الدَّرَجَةِ) أَيْ جِنْسِهَا كَمَا يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ الْحَظِّ بِمَعْنَى الْحِصَّةِ وَمِنْ الظَّاهِرَةِ فِي التَّبْعِيضِ، فَإِنَّهُ بَعْضٌ مِنْ هَذِهِ الدَّرَجَةِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِإِتْمَامِهِ وَبِهِ يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا يُقَالُ: إنَّ هَذِهِ الدَّرَجَةَ الَّتِي بَلَغَ إلَيْهَا هِيَ دَرَجَتُهُ ﵊ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ عَنْهُ. فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ (حَتَّى قَالَ مَنْ رَآنِي الْآنَ صَارَ زِنْدِيقًا) ؛ لِأَنَّ هَذَا الْآنَ آنُ النِّهَايَةِ وَزَمَانُ الْوِصَالَةِ وَالتَّلَذُّذِ بِأَنْوَارِ الْجَبَرُوتِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنْ جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ بَلْ هُوَ غَايَةُ عِلْمِ الْعُلَمَاءِ وَنِهَايَةُ حِكْمَةِ الْحُكَمَاءِ فَسَائِرُهُ جَمِيعًا كَالْمَبَادِئِ الْمُوَصِّلَةِ وَالْمُقَدِّمَاتِ الْمُنْتِجَةِ لَهُ فَعِنْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ لَا يُلْتَفَتُ إلَى مِثْلِ تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ فَالْمَقْصُودُ مِنْ الْفَضَائِلِ وَالنَّوَافِلِ هُوَ الْبُلُوغُ إلَى هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ فَعِنْدَ الْبُلُوغِ إذَا تَرَكَ الْفَضَائِلَ فَيَظُنُّ بَعْضُ الْقَاصِرِينَ وَالْمُقَلِّدِينَ إيَّاهُ عَدَمَهَا فَيَتْرُكُهَا اقْتِدَاءً بِهِ وَالْحَالُ أَنَّ تَرْكَهُ لِاشْتِغَالِ بَاطِنِهِ بِمَا هُوَ أَكْمَلُ وَأَشْرَفُ مِنْهُ كَمَا حَكَى عَلِيٌّ الْقَارِيّ عَنْ الشَّلَبِيِّ. قَالَ حِينَ سُئِلَ عَنْهُ بِفَتْحِ بَابِ الْإِفَادَةِ لِنَفْعِ أَصْحَابِ الِاسْتِفَادَةِ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَحُضُورُ قَلْبِي فِي اسْتِغْرَاقِ نُورِ رَبِّي خَيْرٌ مِنْ عُلُومِ

стр. 153

الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ قَالَ وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ زُبْدَةُ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَالسَّائِرُ كَالْعَارِضِ فَاقْصِدْ بِالْمَقْصِدِ الْأَقْصَى وَالْمُسْنَدِ الْأَعْلَى وَالْمَقَامِ الْأَسْنَى وَالْحَالَةِ الْمُوجِبَةِ لِلزِّيَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى انْتَهَى فَصَاحِبُ هَذَا الْمَقَامِ يَقْصِرُ الْعِبَادَةَ الظَّاهِرَةَ عَلَى الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ الْمُؤَكَّدَاتِ لِاشْتِغَالِهِ بِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَهُوَ الشُّهُودُ وَالْحُضُورُ بِاَللَّهِ فَيَتْرُكُ بَعْضَ الْقَاصِرِينَ مَا تَرَكَهُ اقْتِدَاءً بِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَيَصِيرُ زِنْدِيقًا أَيْ كَزِنْدِيقٍ فِي عَدَمِ مُبَالَاةِ الْفَضَائِلِ وَالنَّوَافِلِ فَمِنْ قَبِيلِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ كَزَيْدٍ أَسَدٌ وَقِيلَ لِتَرْكِهِ الْعِبَادَةَ الظَّاهِرَةَ يَكُونُ مُسْتَحَقًّا بِدِينِ اللَّهِ فَيَكْفُرُ فَيَكُونُ زِنْدِيقًا حَقِيقَةً وَأَنْتَ تَعْلَمُ فَسَادَهُ وَإِلَّا فَيَلْزَمُ إكْفَارُ كُلِّ تَارِكِي الْعِبَادَةِ الظَّاهِرَةِ سِيَّمَا الْفَضَائِلِ. (وَمَنْ رَآنِي قَبْلُ) أَيْ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى هَذَا الْمَقَامِ وَهُوَ زَمَانُ كَثْرَةِ الِاشْتِغَالِ بِالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ لِخُلُوِّ الْبَاطِنِ مِنْ لَمَعَاتِ الْبَوَارِقِ الْإِلَهِيَّةِ (صَارَ صِدِّيقًا) لِاقْتِدَائِهِ بِهِ وَمُجَاهَدَتِهِ فِي الطَّاعَاتِ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى مَقَامِ الصِّدِّيقِينَ، فَإِنَّهُمْ الَّذِينَ صَعِدَتْ نُفُوسُهُمْ تَارَةً بِمَرَاقِي النَّظَرِ فِي الْحُجَجِ وَالْآيَاتِ وَأُخْرَى بِمَعَارِجِ التَّصْفِيَةِ وَالرِّيَاضَاتِ أَوْجَ الْعِرْفَانِ حَتَّى اطَّلَعُوا عَلَى الْأَشْيَاءِ وَأَخْبَرُوا عَنْهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ. (حَيْثُ كَانَ فِي نِهَايَةٍ يَقْتَصِرُ مِنْ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ عَلَى الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ) الْمُؤَكَّدِ وَيَتْرُكُ سَائِرَ الْفَضَائِلِ وَالنَّوَافِلِ (وَيَأْكُلُ) يَعْنِي لَا يَدُومُ بِالصِّيَامِ (وَيَشْرَبُ وَيَنَامُ) بِلَا إحْيَاءِ اللَّيَالِيِ بِالصَّلَوَاتِ وَالتَّهَجُّدَاتِ كَمَا هِيَ وَظَائِفُ أَوَّلِ الْحَالَاتِ (كَالْعَوَامِّ) مِنْ حَيْثُ ظَاهِرُهُ وَلِذَا قِيلَ لَا يَضُرُّ الْعَارِفَ قِلَّةُ الْعَمَلِ إذْ يَكُونُ سَيْرُهُ قَلْبِيًّا وَلَا تَظُنَّنَّ هُنَا سُقُوطَ التَّكْلِيفِ عَنْهُمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَإِنَّهُ إلْحَادٌ وَكُفْرٌ بِلَا كَلَامٍ بَلْ قَدْ عَرَفْت أَنَّ مُتَارَكَتَهُمْ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْفَضَائِلِ لَا الْوَاجِبَاتِ وَلَا السُّنَنِ وَعَرَفْت أَيْضًا أَنَّ مُتَارَكَتَهُمْ الْفَضَائِلَ لَيْسَ لِاعْتِقَادِهِمْ عَدَمَ النَّفْعِ وَلَا الْكَسَلَ بَلْ لِاشْتِغَالِهِمْ بِالْأَكْمَلِ مِنْهَا وَلِأَنَّهُمْ قَدْ حَصَلَ لَهُمْ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا. (وَفِي بِدَايَتِهِ يَجْتَهِدُ) غَايَةَ الِاجْتِهَادِ (وَيَرْتَاضُ) بِأَنْوَاعِ الرِّيَاضَاتِ (فَمَنْ رَأَى اجْتِهَادَهُ يَجْتَهِدُ كَاجْتِهَادِهِ حَتَّى يَصِيرَ صِدِّيقًا وَمَنْ رَآهُ فِي نِهَايَتِهِ) النِّهَايَةُ إضَافَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا غَايَةَ لِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَنْ يَنْتَهِيَ مُنْتَهَاهُ فِيهَا لَيْسَ فِي الدُّنْيَا فَقَطْ بَلْ فِي الْآخِرَةِ وَالْجَنَّةِ أَيْضًا (يُنْكِرُهَا الِاجْتِهَادُ) بِالْفَضَائِلِ الظَّاهِرَةِ (وَالطَّرِيقَةُ أَصْلًا) مِنْ أَصْلِهَا الْمَأْخُوذَةُ عَنْ صَدْرِ السَّعَادَةِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الثَّابِتَةِ بِأَسَانِيدِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ أَعْدَلِ الْأَسَانِيدِ وَأَزْكَاهَا (فَيُخَافُ عَلَيْهِ الْكُفْرُ)

стр. 154

نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ حَاشِيَةٌ هُنَا كَمَا أَنْكَرَ بَعْضُ النَّاسِ الطَّرِيقَةَ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُنْكِرَ الطَّرِيقَةَ وَأَهْلَهَا حَتَّى يَرَى مِنْهُمْ مَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ انْتَهَى لَا يَخْفَى مَا فِي مُلَازَمَةِ إنْكَارِ الطَّرِيقِ بَلْ اللَّازِمُ إنْكَارُ الِاجْتِهَادِ فِي الْفَضَائِلِ فَقَطْ وَوَجْهُ خَوْفِ الْكُفْرَانِ عَلَى إنْكَارِ أَصْلِهَا وَإِلَّا فَلَا وَوَجْهُ الْخَوْفِ عَلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ الْإِنْكَارِ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَا ثَبَتَ تَوَاتُرٌ وَلَا مَعْنًى أَوْ مَشْهُورًا فَيَخَافُ عَلَيْهِ مَا يَخَافُ فَتَأَمَّلْ. وَقِيلَ فِي الْوَجْهِ يَعْنِي أَنَّ تَرْكَهَا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِخْفَافِ بِهَا أَوْ بِأَهْلِهَا بِسَبَبِهَا قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ الِاسْتِهْزَاءُ بِالْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ كُفْرٌ. وَعَنْ التَّتِمَّةِ مَنْ أَهَانَ الشَّرِيعَةَ أَوْ الْمَسَائِلَ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا كَفَرَ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا كَانَ أَوَّلُ حَالِ الشَّيْخِ هُوَ التَّشْدِيدَ فِي الطَّاعَاتِ وَكَانَ الْمُقْتَدِي بِهِ صِدِّيقًا يَلْزَمُ عَلَى كُلِّ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ تِلْكَ إتْيَانُ تِلْكَ الْأَفْعَالِ الشَّاقَّةِ وَالْكَلَامُ عَلَى مَنْعِهِ فَيَلْزَمُ إثْبَاتُ مَا نُفِيَ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ مَا أُثْبِتَ هُنَا لَيْسَ بِبَالِغٍ إلَى مَرْتَبَةِ مَا نُفِيَ بَعِيدٌ يَظْهَرُ بِمُلَاحَظَةِ سَوْقِ الْكَلَامِ. (وَلَوْ تَأَمَّلْت فِيمَا كَتَبْنَا سَابِقًا) مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ وَأَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى الِاقْتِصَادِ خِلَافًا لِمَنْ وَهَمَ وَقَالَ مِنْ أَوَّلِ الْكِتَابِ إلَى هُنَا (وَمَا نُقِلَ عَنْهُمْ) عَنْ السَّلَفِ فِي حَقِّ التَّشْدِيدَاتِ (حَقَّ التَّأَمُّلِ) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لَتَأَمَّلْت أَيْ التَّأَمُّلَ الصَّادِقَ (وَجَدْت فِي أَكْثَرِهَا) أَيْ أَكْثَرِ الْمَكْتُوبَةِ عَنْهُمْ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَكْثَرُهُمَا أَيْ أَكْثَرُ الْمَكْتُوبِ وَالْمَنْقُولِ (إشَارَةً إلَى هَذَا) أَيْ الْجَوَابِ الثَّالِثِ أَمَّا الْإِشَارَةُ إلَى الْجَوَابِ اللَّمِّيِّ فَكَأَكْثَرِ الْآيَاتِ إذْ عَدَمُ إرَادَةِ الْعُسْرِ مِنْ اللَّهِ وَإِرَادَةُ الْيُسْرِ وَعَدَمُ الْحَرَجِ يَقْرُبُ؛ لَأَنْ يَكُونَ عَنْ هِلَالِ النَّفْسِ وَإِضَاعَةِ الْحَقِّ وَتَرْكِ الْعِبَادَةِ، وَأَمَّا إلَى الْأَنِيِّ فَكَأَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ؛ لِأَنَّهَا مُنْبِئَةٌ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَوْ تَصَوَّرَ أَوْلَى وَأَنْفَعَ مِنْهُ لَفَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَنْ جَعَلَ الْإِشَارَةَ إلَى مُجَاهَدَتِهِمْ فِي بِدَايَتِهِمْ لِلتَّمَكُّنِ الْمَذْكُورِ فَقَدْ ذَهِلَ عَمَّا قَصَدَ فِي الْمَقَامِ مَعَ أَنَّ التَّفْرِيعَ الْآتِيَ بِقَوْلِهِ (فَيَخْلُو مَا نُقِلَ عَنْ السَّلَفِ) لَيْسَ بِحَسَنٍ جَيِّدٍ (مِنْ التَّشْدِيدِ عَنْ الْعِلَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُمْ فِي هَذَا التَّشْدِيدِ لَا يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَلَا يُضَيِّعُونَ حَقًّا لِأَحَدٍ وَلَا يَزِيدُونَ عَلَى مَا فَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيَّنَهُ لَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْأَخِيرِ. (وَهَذَا) أَيْ الْجَوَابُ الثَّالِثُ إذًا لَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوَّلَيْنِ لَا يَسْتَقِيمَانِ عَلَى هَذَا وَلِذَا أُشِيرَ هُنَالِكَ إلَى التَّسْلِيمِ فِيهَا (وَهُوَ الْمَحْمَلُ الصَّحِيحُ وَالْحَقُّ الصَّرِيحُ) لَعَلَّ الْمَحْمَلَ الْأَلْيَقَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ سَابِقًا مِنْ أَنَّ تِلْكَ النُّصُوصَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَوَامّ وَمَا عَلَيْهِ السَّلَفُ حَالَ الْخَوَاصِّ وَمِثْلُهُ لَيْسَ بِعَزِيزٍ فِي الشَّرْعِ كَمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً كَانَ وَلَدُهَا فِي تَرْبِيَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيِّ فَيَوْمًا جَاءَتْ لِرُؤْيَةِ وَلَدِهَا، فَإِذَا هُوَ عَلَى حَصِيرٍ يَأْكُلُ رَغِيفَ شَعِيرٍ بِجَرِيشِ الْمِلْحِ ثُمَّ زَارَتْ الشَّيْخَ فَرَأَتْهُ عَلَى فُرُشٍ نَفِيسَةِ يَأْكُلُ خُبْزًا لَطِيفًا وَدَجَاجًا فَصَاحَتْ ابْنِي يَأْكُلُ الشَّعِيرَ وَهُوَ عَلَى الْحَصِيرِ وَأَنْتَ تَأْكُلُ الدَّجَاجَ فَنَظَرَ الشَّيْخُ إلَى ذَلِكَ الدَّجَاجِ وَقَالَ قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَعَادَ حَيًّا فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ إذَا صَارَ ابْنُك لِهَذَا الْمَقَامِ فَلْيَأْكُلْ مَا أَرَادَ مِنْ الطَّعَامِ وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ أَحْوَالَهُمْ مِنْ بَابِ خَرْقِ الْعَادَةِ لَا مِنْ الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ لِالْتِحَاقِهِمْ بِالْمَكُوتِيَّةِ يَسْتَغْنُونَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاسُوتِيَّةُ لِتَغَذِّيهِمْ بِالذِّكْرِ وَالْفِكْرِ وباستغراقاتهم فِي لَذَّةِ وِصَالِ رَبِّهِمْ وَبِخَوْفِهِمْ مِنْ عَظَمَةِ رَبِّهِمْ يَذْهَبُ عَنْهُمْ الْجُوعُ كَمَا أَنَّ شَخْصًا يَطْرُقُهُ فَرَحٌ فَيَذْهَبُ عَنْهُ الْجُوعُ إذَا كَانَ حَالُهُمْ عَلَى مَا عَرَفْت سِيَّمَا قَضِيَّةِ الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ مِنْهُمْ. (فَلَا تُفْرِطْ) مِنْ الْإِفْرَاطِ كَمَا فِي حَالِ بِدَايَتِهِمْ، فَإِنَّ مَا يُرَى مِنْ الْإِفْرَاطِ الظَّاهِرِيِّ فَقَدْ عَرَفْت أَنَّ لَهُ مَحْمَلًا صَحِيحًا

стр. 155

(فِي حَقِّهِمْ وَلَا تُفَرِّطْ) مِنْ التَّفْرِيطِ يَعْنِي لَا تَحْمِلُهُمْ عَلَى تَفْرِيطٍ وَتَقْصِيرٍ فِي طَاعَةِ اللَّهِ حِينَ رَأَيْت مِنْهُمْ مَا يَسْتَدْعِي ذَلِكَ كَمَا فِي حَالِ نِهَايَتِهِمْ وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنْ الْإِفْرَاطِ هُوَ الْمَدْحُ الْبَالِغُ إلَى رُتْبَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالتَّفْرِيطُ هُوَ الِاحْتِقَارُ وَالِاسْتِهَانَةُ وَالْمَذَمَّةُ حَيًّا وَمَيِّتًا وَقِيلَ التَّقْصِيرُ فِي أَدَاءِ أَحَقِّهِمْ. وَعَنْ أَفْضَلِ الدِّينِ لَوْ أَنَّ إنْسَانًا أَحْسَنَ الظَّنَّ بِجَمِيعِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا وَاحِدًا مِنْهُمْ لَمْ يَنْفَعْهُ حُسْنُ الظَّنِّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَعَنْ خَوَاجَهْ عَبْدِ الْخَالِقِ الْعَجْدَوَانِيِّ إيَّاكَ وَأَنْ تَطْعَنَ فِي أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَالْمَشَايِخِ، فَإِنَّ طَاعِنَهُمْ لَا يُفْلِحُ أَبَدًا وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ مُعَادَاةَ الْمَشَايِخِ وَالْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ كُفْرٌ (وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) يُشِيرُ إلَى الِاقْتِصَادِ أَوْ وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ أَيْ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ سَبِيلًا مَسْلَكًا ذَا حَظٍّ مِنْهُمَا فَلَا تَفْرُغْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاصِرَ النَّظَرِ عَنْ الْآخَرِ (وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا) أَيْ الِاقْتِصَادِ أَوْ جَمِيعِ مَا فِي الْكِتَابِ (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ) لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِنَا فِي إرَادَةِ أَفْعَالِنَا وَقِيلَ لِقُصُورِ عُقُولِنَا وَضَعْفِ مَعْقُولِنَا (لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) بِمَحْضِ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، فَإِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ فِي الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةُ] [الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي تَصْحِيحِ الِاعْتِقَادِ] (الْبَابُ الثَّانِي فِي الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ) أَيْ الْحَرِيَّةُ لَأَنْ يُهْتَمَّ فِي شَأْنِهَا لِأَنَّهَا تُوقِعُ الْهَمَّ أَيْ الْحُزْنَ عَلَى فَوَاتِهَا أَوْ الْحَرِيَّةُ أَنْ تُفْعَلَ بِالْهِمَّةِ وَالْعَزِيمَةِ (فِي الشَّرِيعَةِ) الشَّرْعُ فِي اللُّغَةِ الْإِظْهَارُ وَفِي الْعُرْفِ عِبَارَةٌ عَنْ جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ اللَّهِ وَيُرَادِفُهُ الشَّرِيعَةُ وَالدِّينُ لِأَنَّ تِلْكَ شَرْعٌ بِاعْتِبَارِ الْإِظْهَارِ وَشَرِيعَةٌ بِاعْتِبَارِ انْتِفَاعِ النَّاسِ كَانْتِفَاعِهِمْ بِشَرِيعَةِ الْمَاءِ وَدِينٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا تُطَاعُ أَوْ يُجَازَى بِهَا فِي التَّلْوِيحِ هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمَعْهُودَةُ الثَّابِتَةُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفِي قَوْلِهِ (الْمُحَمَّدِيَّةُ) تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ ضِمْنًا أَوْ تَجْرِيدٌ فِي لَفْظِ الشَّرِيعَةِ أَوْ نَحْوُ تَأْكِيدٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ صِفَةَ تَوْضِيحٍ أَوْ مَدْحٍ إلَّا أَنْ لَا يَجْعَلَ لَفْظَ النَّبِيِّ فِي مَاهِيَّةِ الشَّرِيعَةِ لِلْعَهْدِ أَيْ الْفَرْدِ الْكَامِلِ الَّذِي هُوَ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكِنَّهُ بَعِيدٌ ثُمَّ فِي اخْتِيَارِ لَفْظِ مُحَمَّدٍ فِي النِّسْبَةِ إيهَامٌ إلَى كَوْنِ شَرِيعَةِ نَبِيِّنَا ﵊ زِيَادَةَ مَحْمُودٍ وَمَمْدُوحٍ وَمِنْ جُمْلَتِهِ قِلَّةُ الْمُؤْنَةِ وَكَثْرَةُ الْفَضِيلَةِ فِي قِلَّةِ الْعَمَلِ لِكَوْنِ شَرِيعَتِهِ عَلَى الِاقْتِصَادِ بِلَا إصْرٍ وَإِغْلَالٍ وَإِفْرَاطٍ (وَهِيَ) أَيْ الْأُمُورُ الْمُهِمَّةُ (ثَلَاثَةٌ) قِيلَ: الْأَوْلَى ثَلَاثٌ لَعَلَّ وَجْهَ الْأَوْلَوِيَّةِ التَّطَابُقُ فِي التَّأْنِيثِ لَكِنْ يَدْفَعُهُ مَا يُقَالُ مِنْ أَنَّ اسْمَ الْعَدَدِ تَابِعٌ لِمُفْرَدِ مَوْصُوفِهِ عَلَى أَنَّ الْتِزَامَ التَّطَابُقِ فِيمَا لَا يَكُونُ الْخَبَرُ مُشْتَقًّا مَطْلُوبُ الْبَيَانِ (نُبَيِّنُ كُلًّا مِنْهَا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى) فَإِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأُمُورِ لَا يَتَحَصَّلُ إلَّا بِمَدَدِهِ وَهِدَايَتِهِ إذَا لَمْ يُعِنْكَ اللَّهُ فِيمَا تَرُومُهُ ... فَلَيْسَ لِمَخْلُوقٍ إلَيْهِ سَبِيلُ فَإِنْ هُوَ لَمْ يُرْشِدْك فِي كُلِّ مَسْلَكٍ ... ضَلَلْت وَلَوْ أَنَّ السَّمَاءَ دَلِيلُ (فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ) مَصْدَرُ وَحْدٍ. (الْفَصْلُ الْأَوَّلُ) (فِي تَصْحِيحِ الِاعْتِقَادِ وَتَطْبِيقِهِ لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ) أَيْ أَصْحَابِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ أَيْ التَّمَسُّكِ بِهَا

стр. 156

(وَالْجَمَاعَةِ) أَيْ جَمَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ وَهُمْ الْأَصْحَابُ وَالتَّابِعُونَ وَهُمْ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ الْمُشَارُ إلَيْهَا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا وَاحِدَةً قِيلَ: وَمَنْ هُمْ قَالَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» . قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَضُدُ: الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ وَهُمْ الْأَشَاعِرَةُ لَعَلَّ مُرَادَهُ إمَّا تَغْلِيبَ أَوْ عُمُومَ مَجَازٍ أَوْ ادِّعَاءَ اتِّحَادِهِمْ مَعَ الْمَاتُرِيدِيَّةِ الَّذِينَ تَابَعُوا فِي الْأُصُولِ كَالْحَنَفِيَّةِ إلَى عَلَمِ الْهُدَى الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ وَجْهُ كَوْنِهِمْ فِرْقَةً نَاجِيَةً الْتِزَامُهُمْ كَمَالَ مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ فِي مُعْتَقَدَاتِهِمْ بِلَا تَجَاوُزٍ عَنْ ظَاهِرِ نَصٍّ بِلَا ضَرُورَةٍ وَلَا اسْتِرْسَالٍ إلَى عَقْلٍ خِلَافًا لِمُخَالِفِيهِمْ كَمَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ الدَّوَانِيُّ. وَفِي أَوَائِلِ كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ مِنْ التتارخانية عَنْ الْمُضْمَرَاتِ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: الْمُؤْمِنُ إذَا أَحَبَّ السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ اسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَهُ وَقَضَى حَوَائِجَهُ وَغَفَرَ لَهُ الذُّنُوبَ وَكَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بَرَاءَةً مِنْ النَّارِ وَبَرَاءَةً مِنْ النِّفَاقِ. وَفِي خَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ كَانَ عَلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا عَشْرَةَ حَسَنَاتٍ وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ» وَتَمَامُهُ مَعَ تَفْصِيلِهِ هُنَالِكَ (وَجُمْلَتُهُ) أَيْ جُمْلَةُ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ بِمَعْنَى كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٌ مِمَّا يَكُونُ ضَرُورِيًّا بِحَيْثُ يَكُونُ عَدَمُهُ كُفْرًا أَوْ ضَلَالَةً فَإِنَّ مَا ذُكِرَ هُنَا جَمِيعُ هَذِهِ الْأُصُولِ أَوْ جُمْلَتُهُ إجْمَالُهُ بِمَعْنَى أَنَّ مَا ذُكِرَ هُنَا هُوَ قَضَايَا كُلِّيَّةٌ يَنْدَرِجُ تَحْتَهَا تَفْصِيلَاتُ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَإِلَّا فَتَفَاصِيلُ مَذْهَبِهِمْ لَمْ تُذْكَرْ هُنَا وَلَا يَتَحَمَّلُ ذِكْرَهَا كِتَابُنَا فَالْمَذْكُورُ هُنَا تَفْصِيلُ الْأُصُولِ وَإِجْمَالُ الْكُلِّ (أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاحِدٌ) الْمُتَبَادَرُ وَحْدَةٌ ذَاتِيَّةٌ وَإِنْ شِئْت قُلْت: مُطْلَقًا أَيْ ذَاتِيَّةٌ أَوْ وَصْفِيَّةٌ وَفِي تَصْدِيرِهِ بِأَنَّ الْمُؤْذِنَةَ بِالتَّحْقِيقِ وَالدَّالَّةَ عَلَيْهِ إشَارَةٌ إلَى لُزُومِ الِاطِّلَاعِ وَالْعِرْفَانِ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ وَالْيَقِينِ فِي كَوْنِهِ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ لَكِنْ يَشْكُلُ بِاعْتِبَارِ إيمَانِ الْمُقَلِّدِ عِنْدَنَا وَقَدْ يَعْتَبِرُ بَعْضُهُمْ جَوَازَ ٧ الظَّنِّ فِي أَصْلِ الْإِيمَانِ فَيَدْفَعُ بِإِرَادَةِ كَمَالِ الْمَذْهَبِ فَإِنْ قِيلَ: كَلِمَةُ أَحَدٍ أَكْمَلُ مِنْ الْوَاحِدِ كَمَا فِي الْإِتْقَانِ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ وَمُخْتَصٌّ بِوَصْفِ اللَّهِ دُونَ كَلِمَةِ وَاحِدٍ كَمَا نَقَلَ هُوَ عَنْ مُفْرَدَاتِ الْقُرْآنِ لِلرَّاغِبِ فَلِمَ اخْتَارَ وَاحِدًا عَلَى أَحَدٍ قُلْنَا: نَعَمْ لَكِنَّ أَحَدًا مُسْتَعْمَلٌ فِي النَّفْيِ أَكْثَرِيًّا وَهُنَا إثْبَاتٌ وَأَمَّا فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ فَتَجُوزُ لِرِعَايَةِ الْفَوَاصِلِ لَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يَبْدَأَ بِوُجُودِهِ تَعَالَى ثُمَّ يُجْرِيَ عَلَيْهِ سَائِرَ صِفَاتِهِ وَلَعَلَّهُ اكْتَفَى بِالدَّلَالَةِ الِالْتِزَامِيَّةِ إذْ الْوَحْدَانِيَّةُ تَسْتَلْزِمُ الْوُجُودَ وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَفِي بِتَصْرِيحِهِ لِأَنَّهُ بَدِيهِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا وَإِلَى جَمِيعِ مُخَالِفِينَا خِلَافًا مُعْتَدًّا بِهِ وَأَنَا أَقُولُ: لَقَدْ أَعْجَبُ فِي ابْتِدَائِهِ حَيْثُ افْتَتَحَ ذَلِكَ الْمَبْحَثَ بِمَضْمُونِ افْتِتَاحِ الْإِيمَانِ مِنْ الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ التَّوْحِيدِيَّةِ ثُمَّ مَعْرِفَةِ كَوْنِهِ تَعَالَى وَاحِدًا هُوَ التَّوْحِيدُ الْمُفَسَّرُ بِأَنَّهُ إثْبَاتُ وُجُودِ فَرْدٍ وَاحِدٍ لِلْوَاجِبِ وَامْتِنَاعُ فَرْدٍ آخَرَ مِنْهُ

стр. 157

فَقَوْلُنَا اللَّهُ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى قَوْلِنَا الْوَاجِبُ الذَّاتِيُّ وَاحِدٌ مُطَابَقَةً وَعَلَى قَوْلِك الْوَاجِبُ الذَّاتِيُّ يَمْتَنِعُ تَعَدُّدُهُ الْتِزَامًا تَأَمَّلْ ثُمَّ بُرْهَانُ تَوْحِيدِ الْوَاجِبِ أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَ الْوَاجِبُ فَوُقُوعُ الْمُمْكِنُ إمَّا بِهِمَا جَمِيعًا فَنَقْصٌ لَهُمَا أَوْ بِكُلٍّ مِنْهُمَا فَتَوَارُدٌ أَوْ بِأَحَدِهِمَا فَتَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ وَلِأَنَّ أَحَدَهُمَا إنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ضِدِّ مَا قَصَدَهُ الْآخَرُ فَعَجْزٌ وَإِنْ تَمَكَّنَ فَإِنْ وَقَعَا لَزِمَ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ وَإِلَّا لَزِمَ عَجْزُهُمَا أَوْ عَجْزُ أَحَدِهِمَا وَلِأَنَّهُمَا إنْ اتَّفَقَا عَلَى كُلِّ مَقْدُورٍ فَالتَّوَارُدُ وَإِلَّا فَالتَّمَانُعُ وَالنُّصُوصُ الْقَطْعِيَّةُ كَثِيرَةٌ وقَوْله تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] إشَارَةٌ إلَى دَلِيلِ التَّمَانُعِ كَذَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْكَلَامِ. وَقَالَ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ بَعْدَمَا قَالَ أَنَّ بُرْهَانَ التَّمَانُعِ مُشَارٌ إلَيْهِ بِتِلْكَ الْآيَةِ وَقُرِّرَ التَّمَانُعُ بِوَجْهٍ آخَرَ حَاصِلُهُ رَاجِعٌ إلَى بَعْضِ مَا ذُكِرَ هُنَا وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] حُجَّةٌ إقْنَاعِيَّةٌ وَالْمُلَازَمَةُ عَادِيَّةٌ عَلَى مَا هُوَ اللَّائِقُ بِالْخَطَابِيَّاتِ فَإِنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِوُجُودِ التَّمَانُعِ عِنْدَ تَعَدُّدِ الْحَاكِمِ فَإِنَّهُ إنْ أُرِيدَ الْفَسَادُ بِالْفِعْلِ فَلَا نُسَلِّمُ الْمُلَازَمَةَ لِجَوَازِ الِاتِّفَاقِ عَلَى هَذَا النِّظَامِ وَإِنْ أُرِيدَ إمْكَانُ الْفَسَادِ فَلَا نُسَلِّمُ بُطْلَانَ التَّالِي لِشَهَادَةِ النُّصُوصِ عَلَى خَرَابِ الْعَالَمِ وَفَنَائِهِ. وَقَالَ حَفِيدُ الْعَلَّامَةِ الْمَرْقُومِ وَصَرَّحَ بِإِقْنَاعِيَّةِ الْمُلَازَمَةِ الْعَلَّامَةُ فِي شَرْحِ الْمِفْتَاحِ وَالشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ فِي التَّدْبِيرَاتِ الْإِلَهِيَّةِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي إلْجَامِ الْعَوَامّ الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يَحْصُلَ التَّصْدِيقُ بِالْأَدِلَّةِ الْخَطَابِيَّةِ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِاسْتِعْمَالِهَا فِي الْمُحَاوَرَاتِ وَهُوَ مُفِيدٌ فِي حَقِّ الْأَكْثَرِينَ تَصْدِيقًا بِبَادِئِ الرَّأْيِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْبَاطِنُ مَشْحُونًا بِالتَّعَصُّبِ وَالْمُجَادَلَةِ وَأَكْثَرُ أَدِلَّةِ الْقُرْآنِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ﴾ [الأنبياء: ٢٢] الْآيَةَ فَكُلُّ مَنْ لَا تُشَوَّشُ فِطْرَتُهُ يَسْبِقُ مِنْ هَذَا الدَّلِيلِ إلَى فَهْمِ تَصْدِيقٍ جَازِمٍ بِوَحْدَانِيِّتِهِ تَعَالَى لَكِنْ لَوْ تَشَوَّشَ لَجَادَلَ بِجَوَازِ تَوَافُقِ الصَّانِعَيْنِ وَتَعَاوُنِهِمَا عَلَى التَّدْبِيرِ فَيَعْسُرُ عَلَيْهِ دَفْعُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَاصِرِينَ ثُمَّ قَالَ الْحَفِيدُ: وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] أَيْ بِالْبُرْهَانِ وَالْخَطَابَةِ وَالْجَدَلِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْمُلَازَمَةَ الظَّاهِرَةَ مِنْ الْآيَةِ إقْنَاعِيَّةٌ وَلَا يَشُكُّ فِيهِ مُنْصِفٌ لَكِنْ أَشَارَ فِي ذَلِكَ إلَى بُرْهَانِ التَّوْحِيد إلَى آخِرِ مَا قَالَ أَقُولُ: يُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّ سَوْقَ تِلْكَ الْآيَةِ يَقْتَضِي كَوْنَ مَقَامِهَا جَدَلِيًّا يُقْصَدُ بِهِ إلْزَامُ الْخَصْمِ لَا بُرْهَانِيًّا يُقْصَدُ بِهِ تَحْقِيقُ الْحَقِّ وَالْمَقَامِ وَأَنَّ مَقَامَ هَذِهِ الْآيَةِ مَقَامُ الْمُخَاطَبَةِ مَعَ عَوَامِّ الْجَهَلَةِ وَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى اطِّلَاعِ الْمُقَدِّمَاتِ الْيَقِينِيَّةِ بَلْ اللَّائِقُ فِي إرْشَادِهِمْ الْمُقَدِّمَاتُ الْخَطَابِيَّةُ اللَّائِقَةُ بِفَهْمِهِمْ لِكَوْنِ عُقُولِهِمْ قَاصِرَةً لَا يَقْدِرُونَ عَلَى فَهْمِ الْبُرْهَانِيِّ وَيَعْجِزُونَ عَنْ اطِّلَاعِهِ ثُمَّ أَقُولُ: قَوْلُ الْعَلَّامَةِ فِي سَنَدِ مَنْعِ الْمُلَازَمَةِ بِجَوَازِ الِاتِّفَاقِ مَعَ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ بِجَوَازِ تَوَافُقِ الصَّانِعَيْنِ يَرِدُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ النِّظَامُ بِمَجْمُوعِهِمَا فَنَقْصٌ لَهُمَا وَإِنْ مِنْهُمَا فَتَوَارُدٌ أَوْ تَحْصِيلٌ أَوْ وُجُودُ شَيْءٍ وَاحِدٍ بِوُجُودَيْنِ، وَإِنْ بِوَاحِدٍ فَقَطْ مَعَ عَدَمِ مُخَالَفَةِ الْآخَرِ فَتَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ مَعَ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ مِنْ الْآخَرِ إنْ مُمْتَنِعًا فَعَجْزٌ وَإِنْ مُمْكِنًا فَإِنْ وُجِدَ إرَادَتُهُمَا فَاجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ وَإِلَّا فَعَجْزُهُمَا أَوْ عَجْزُ أَحَدِهِمَا وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْآيَةُ حُجَّةً بُرْهَانِيَّةً لَا إقْنَاعِيَّةً ثُمَّ قَالَ الْحَفِيدُ: جَعَلَ أَبُو الْمُعِينِ النَّسَفِيُّ هَذِهِ الْحُجَّةَ قَطْعِيَّةً وَبَالَغَ فِي الرَّدِّ وَالتَّخْطِئَةِ لِمَنْ جَعَلَهَا إقْنَاعِيَّةً وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْكَشْفِ وَجَمَاعَةٌ إلَى أَنْ تَشَبَّثَ بِكَلَامِهِمْ بَعْضُ الْجَهَلَةِ وَالطَّلَبَةِ فَتَفَوَّهَ فِي حَقِّ التَّفْتَازَانِيِّ بِالْكَلِمَةِ الْوَقِيحَةِ وَالْمَقَالَةِ الْقَبِيحَةِ وَالْتَمَسَ مِنْ سُلْطَانِ الزَّمَانِ مُعِينِ الدِّينِ شَاهِرْ خَ بَهَادِرْ سُلْطَانْ أَنْ يَعْقِدَ مَجْلِسًا مَمْلُوءًا بِفُحُولِ الْأَمَاثِلِ الْكَمَلَةِ وَنَحَارِيرِ الْأَفَاضِلِ الْمُكَمَّلَةِ لِيُظْهِرَ أَنَّ تِلْكَ الْعَقِيدَةَ بَاطِلَةٌ فَمَاتَ قُبَيْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَجْأَةً وَمِيتَةً جَاهِلِيَّةً فِي الْقَاذُورَاتِ وَعُدَّ ذَلِكَ كَرَامَةً دَالَّةً عَلَى عُلُوِّ مَنْزِلَةِ الْعَلَّامَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلَامِ الْعَلَّامَةِ فِي شَرْحَيْهِ عَلَى الْعَقَائِدِ وَالْمَقَاصِدِ أَنَّ مَنْطُوقَ الْآيَةِ إقْنَاعِيٌّ وَإِشَارَتَهَا عَلَى أَنَّهَا بُرْهَانٌ قَطْعِيٌّ وَتَقْرِيرُهُ يُعْرَفُ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِمَا كَمَا أَشَرْنَا سَابِقًا وَلَا يَرُدُّهُ مَا فِي التَّهْذِيبِ مِنْ أَنَّ الْآيَةَ إشَارَةٌ إلَى دَلِيلِ التَّمَانُعِ فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْ الدَّلِيلِ هُوَ الْبُرْهَانُ فَإِذَنْ مَنْطُوقُ الْآيَةِ لَيْسَ بِبُرْهَانِ التَّمَانُعِ لِأَنَّ

стр. 158

التَّمَانُعَ قَطْعِيٌّ وَمَنْطُوقَهَا لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ بَلْ الْقَطْعِيُّ إشَارَتُهَا الَّتِي هِيَ التَّمَانُعُ ثُمَّ تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ فِي رِسَالَتِنَا عَلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَفِي حَاشِيَتِنَا عَلَى تَفْسِيرِ الْإِخْلَاصِ لِأَبِي عَلِيٍّ سِينَا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. (لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ) لِأَنَّ الْمُشَابَهَةَ أَيْ الْمُمَاثَلَةَ إمَّا بِالِاتِّحَادِ فِي النَّوْعِ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍ وَفِي كَوْنِهِمَا إنْسَانًا فَظَاهِرٌ إذْ الْإِمْكَانُ وَالْوُجُوبُ نَوْعَانِ مُخْتَلِفَانِ وَإِمَّا بِصَلَاحِيَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِمَا يَصْلُحُ لَهُ الْآخَرُ فَلِأَنَّ أَوْصَافَهُ تَعَالَى أَعْلَى وَأَجَلُّ مِمَّا فِي الْمَخْلُوقَاتِ بِحَيْثُ لَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ الْمُشَابَهَةَ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ وَلَا شَيْءَ يُسَاوِيهِ فِي ذَاتِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ. (لَيْسَ بِجِسْمٍ) لِأَنَّ الْجِسْمَ مُرَكَّبٌ فَيَحْتَاجُ إلَى الْجُزْءِ وَالِاحْتِيَاجُ دَلِيلُ الْإِمْكَانِ (وَلَا عَرَضٍ) لِأَنَّهُ مَا يَفْتَقِرُ إلَى مَحَلٍّ يُقَوِّمُهُ فَيَكُونُ مُمْكِنًا (وَلَا جَوْهَرٍ) وَهُوَ الْجُزْءُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ فَجُزْءٌ لِلْجِسْمِ وَمُتَحَيِّزٌ فَيَكُونُ مُمْكِنًا وَأَمَّا عِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ فَلِأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ مِنْ أَقْسَامِ الْمُمْكِنِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ التَّفْتَازَانِيُّ إذَا أُرِيدَ بِالْجِسْمِ الْقَائِمُ بِذَاتِهِ وَبِالْجَوْهَرِ الْمَوْجُودُ لَا فِي مَوْضِعٍ فَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ إطْلَاقُهُمَا لِعَدَمِ وُرُودِ الشَّرْعِ (وَلَا مُصَوَّرٍ) أَيْ ذِي صُورَةٍ مِثْلِ صُورَةِ الْإِنْسَانِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَوَاصِّ الْأَجْسَامِ (وَلَا مُتَنَاهٍ) أَيْ لَيْسَ لَهُ نِهَايَةٌ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَان لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْمَقَادِيرِ وَالْأَعْدَادِ (وَلَا مُتَحَيِّزٍ) لِأَنَّ الْحَيِّزَ هُوَ الْفَرَاغُ الْمُتَوَهَّمُ الَّذِي يَشْغَلُهُ شَيْءٌ مُمْتَدٌّ أَوْ غَيْرُ مُمْتَدٍّ فَلَوْ تَحَيَّزَ فَإِمَّا فِي الْأَزَلِ فَيَلْزَمُ قِدَمُ الْحَيِّزِ أَوْ لَا فَيَكُونُ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ وَأَنَّهُ يَلْزَمُ احْتِيَاجُهُ إلَى الْحَيِّزِ فَيَكُونُ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ وَأَنَّهُ يَلْزَمُ احْتِيَاجُهُ إلَى الْحَيِّزِ فَيَكُونُ مُمْكِنًا (وَلَا يَطْعَمُ) شَيْئًا مِنْ الْمَطْعُومَاتِ (وَلَا يَشْرَبُ) شَيْئًا مِنْ الْمَشْرُوبَاتِ لِأَنَّهُمَا مِنْ خَوَاصِّ الْأَجْسَامِ وَمُوجِبٌ لِلِاحْتِيَاجِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] (لَمْ يَلِدْ) لِأَنَّهُ لَوْ تَوَلَّدَ عَنْهُ غَيْرُهُ لَكَانَ مُمَاثِلًا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي نَوْعِهِمَا وَقَدْ نَفَى ذَلِكَ قَبْلُ آنِفًا (وَلَمْ يُولَدْ) لِأَنَّهُ لَوْ تَوَلَّدَ عَنْ مِثْلِهِ لَجَرَتْ الْمُمَاثَلَةُ أَيْضًا (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) فِي النَّوْعِ وَالْجِنْسِ كَمَا فِي الشَّخْصِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا فِي قُوَّةِ دَلِيلٍ لِمَا سَبَقَ لِأَنَّ نَفْيَ التَّسَاوِي مُطْلَقًا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْوَالِدِيَّةِ وَالْمَوْلُودِيَّة وَنَحْوِهِمَا

стр. 159

وَالْكُلُّ فِي الْحَقِيقَةِ كَالتَّفْصِيلِ لِلتَّوْحِيدِ (وَلَا يَتَمَكَّنُ بِمَكَانِ) لِأَنَّ التَّمَكُّنَ عِبَارَةٌ عَنْ نُفُوذِ بُعْدٍ فِي بُعْدٍ آخَرَ مُتَوَهَّمٍ أَوْ مُتَحَقَّقٍ يُسَمُّونَهُ الْمَكَانَ وَالْبُعْدُ عِبَارَةٌ عَنْ امْتِدَادٍ قَائِمٍ بِالْجِسْمِ أَوْ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِوُجُودِ الْخَلَاءِ وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ الْمِقْدَارِ وَالِامْتِدَادِ لِاسْتِلْزَامِهِ التَّجَزِّي وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي مَكَان لَزِمَ قِدَمُ الْمَكَانِ وَأَيْضًا يَلْزَمُ افْتِقَارُهُ إلَيْهِ وَكُلُّ مُفْتَقِرٍ مُمْكِنٌ فَيَلْزَمُ كَوْنُ الْوَاجِبِ مُمْكِنًا وَأَيْضًا يَلْزَمُ كَوْنُهُ جَوْهَرًا وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ وَأُورِدَ عَلَيْهِ بِأَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مُتَحَيِّزٌ بِبَدَاهَةِ الْعَقْلِ وَدُفِعَ بِأَنَّهُ بَدَاهَةُ الْوَهْمِ لَا بَدَاهَةُ الْعَقْلِ لِأَنَّ الْوَهْمَ فِي غَيْرِ الْمَحْسُوسَاتِ لَيْسَ بِمَقْبُولٍ وَأَمَّا النُّصُوصُ الظَّوَاهِرُ فِي التَّجَسُّمِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْمَكَانِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] . قَالَ صَاحِبُ الْمَوَاقِفِ إنَّهَا ظَوَاهِرُ ظَنِّيَّةٌ لَا تُعَارِضُ الْيَقِينِيَّاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نَفْيِ الْمَكَانِ فَلَزِمَ أَنَّهَا مُتَشَابِهَاتٌ فَنُفَوِّضُ عِلْمَهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ أَوْ نُؤَوِّلُهَا بِنَحْوِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْعَرْشِ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] أَيْ أَمْرُ رَبِّك وَإِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ أَيْ يَرْتَضِيهِ (وَلَا يُجْرَى عَلَيْهِ زَمَانٌ) لِأَنَّ الزَّمَانَ مُتَجَدِّدٌ يُقَدَّرُ بِهِ مُتَجَدِّدٌ آخَرُ كَمَا هُوَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ أَوْ مِقْدَارُ الْحَرَكَةِ وَاَللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْهُمَا لِأَنَّ التَّجَدُّدَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْقَدِيمِ وَكَذَا الْمِقْدَارُ (وَلَيْسَ لَهُ جِهَةٌ مِنْ الْجِهَاتِ السِّتِّ وَلَا هُوَ فِي جِهَةٍ مِنْهَا) وَهِيَ فَوْقُ تَحْتُ وَيَمِينُ وَيَسَارُ وَقُدَّامُ وَخَلْفُ وَالْجِهَةُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ نَفْسُ الْمَكَانِ بِإِضَافَةِ جِسْمٍ آخَرَ إلَيْهِ فَإِذَا انْتَفَتْ الْجِسْمِيَّةُ وَالْمَكَانِيَّةُ تَنْتَفِي الْجِهَةُ لِأَنَّهَا مِنْ خَوَاصِّ الْأَجْسَامِ وَلِأَنَّهُ تَعَالَى لَوْ كَانَ فِي جِهَةٍ أَوْ زَمَانٍ لَزِمَ قِدَمُ الْمَكَانِ أَوْ الزَّمَانِ وَلِأَنَّهُ أَمَارَةُ الْإِمْكَانِ لِلِافْتِقَارِ إلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ: عَلَى مَا ذَكَرْت أَنَّ الْجِهَةَ رَاجِعَةٌ إلَى الْمَكَانِ فَمَا وَجْهُ ذِكْرِهِ بَعْدَهُ قُلْت: الْوَجْهُ زِيَادَةُ التَّوْضِيحِ فِي بَابِ التَّنْزِيهِ وَتَصْرِيحُ الرَّدِّ وَتَأْكِيدُهُ لِلْمُخَالِفِ كَمَا ذَكَرَهُ التَّفْتَازَانِيُّ

стр. 160

(وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ) كَاللُّطْفِ وَالْأَصْلَحِ دِينِيًّا أَوْ دُنْيَوِيًّا فَلَا يَجِبُ إثَابَةُ الْمُطِيعِ وَعُقُوبَةُ الْعَاصِي وَإِلَّا لَمَا خَلَقَ الْكَافِرَ الْفَقِيرَ الْمُعَذَّبَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَمَا يَسْتَحِقُّ اللَّهُ الْحَمْدَ وَالشُّكْرَ فِي إضَافَةِ الْخَيْرَاتِ لِكَوْنِهِمَا أَدَاءً لِلْوَاجِبِ وَلَمَا كَانَ لِسُؤَالِ الْعِصْمَةِ وَالتَّوْفِيقِ وَكَشْفِ الضَّرَرِ وَنَحْوِهَا مَعْنًى لِأَنَّ مَا لَمْ يُفْعَلْ فِي حَقِّ كُلِّ مَفْسَدَةٍ يَجِبُ عَلَى اللَّهِ تَرْكُهَا وَالتَّفْصِيلُ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ ثُمَّ الْوَاجِبُ إمَّا مَا يَكُونُ تَرْكُهُ مُخِلًّا بِالْحِكْمَةِ أَوْ مَا يَسْتَحِقُّ تَارِكُهُ الذَّمَّ أَوْ مَا قَدَّرَ اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ فِعْلَهُ بِحَيْثُ لَا يَتْرُكُهُ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِأَنَّا نَعْلَمُ إجْمَالًا أَنَّ جَمِيعَ أَفْعَالِهِ عَلَى حِكْمَةٍ وَإِنْ لَمْ يُحِطْ عِلْمُنَا وَكَذَا الثَّانِي لِأَنَّهُ مَالِكٌ الْكُلَّ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَا يُتَصَوَّرُ الذَّمُّ فِي فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ وَكَذَا الثَّالِثُ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ التَّرْكُ جَائِزًا فَإِطْلَاقُ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ مُجَرَّدُ اصْطِلَاحٍ وَمُوهِمٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ الْمَمْنُوعَيْنِ السَّابِقَيْنِ. وَفِي شَرْحِ الطَّوَالِعِ ثَوَابُ الْمُطِيعِ فَضْلٌ وَدَلِيلُهُ الطَّاعَةُ وَعِقَابُ الْعُصَاةِ عَدْلٌ وَدَلِيلُهُ الْعِصْيَانُ. (وَلَا يَحِلُّ فِيهِ حَادِثٌ) وَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يَحِلُّ فِي حَادِثٍ فَلَعَلَّهُ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ وَإِنْ صُحِّحَ بِتَكَلُّفٍ. قَالَ الشَّرِيفُ الْعَلَّامَةُ فِي بَيَانِهِ لِأَنَّ مَا يَقُومُ بِهِ تَعَالَى لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَلَوْ كَانَ حَادِثًا لَكَانَ خَالِيًا عَنْهُ فِي الْأَزَلِ وَالْخُلُوُّ عَنْ صِفَةِ الْكَمَالِ نَقْصٌ وَأُورِدَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يُمْكِنُ دَفْعُهُ وَلَا يَتَحَمَّلُ الْمَقَامُ إيرَادَهُ. وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ الْكَلَامِ لِأَنَّهُ تَغَيُّرٌ وَلِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ فِي الْأَزَلِ فَيَلْزَمُ الِانْقِلَابُ وَيُوجِبُ زَوَالَ ضِدِّهِ فَيَلْزَمُ عَدَمُ الْخُلُوِّ عَنْ الْحَوَادِثِ. وَأَمَّا الِاتِّصَافُ بِمَا لَهُ تَعَلُّقٌ حَادِثٌ أَوْ بِمَا يَتَجَدَّدُ مِنْ السُّلُوبِ وَالْإِضَافَاتِ وَالْأَحْوَالِ فَلَيْسَ مِنْ الْمُتَنَازَعِ انْتَهَى (حَكِيمٌ) وَصْفُ مُبَالَغَةٍ بِمَعْنَى الْعَلِيمِ أَوْ بِمَعْنَى الْمُتْقِنِ أَوْ بِمَعْنَى الْحَاكِمِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْيَافِعِيِّ أَوْ بِمَعْنَى عَالِمِ الْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ وَمَعْرِفَةِ لَوَازِمِهَا وَخَوَاصِّهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ أَوْ وَاضِعِ كُلٍّ مَوْضِعَهُ الْحَرِيَّ فَقَوْلُهُ (لَا يَفْعَلُ شَيْئًا إلَّا بِحِكْمَةٍ) كَالتَّفْسِيرِ لَهُ أَوْ ذَلِكَ دَلِيلٌ لِهَذَا قِيلَ عَنْ مُفْرَدَاتِ الرَّاغِبِ الْحِكْمَةُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مَعْرِفَةُ الْأَشْيَاءِ وَإِيجَادُهَا عَلَى غَايَةِ الْإِحْكَامِ وَمِنْ الْإِنْسَانِ مَعْرِفَةُ الْمَوْجُودَاتِ وَفِعْلُ الْخَيْرَاتِ. لَعَلَّ هَذَا رَاجِعٌ إلَى مَا قِيلَ: إنَّهُ إتْقَانٌ لِلصُّنْعِ فِي الْقَامُوسِ وَأَحْكَمَهُ أَتْقَنَهُ وَمَنَعَهُ عَنْ الْفَسَادِ ثُمَّ قِيلَ: اُخْتُلِفَ فِي حَقِيقَةِ الْحِكْمَةِ وَالسَّفَهِ فَعِنْدَ الْمَاتُرِيدِيَّةِ الْحِكْمَةُ مَالَهُ عَاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ وَالسَّفَهُ ضِدُّهُ وَالْأَشْعَرِيَّةُ هِيَ مَا وَقَعَ عَلَى قَصْدِ فَاعِلِهِ وَهُوَ ضِدُّهُ وَالْمُعْتَزِلَةُ هِيَ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْفَاعِلِ وَهُوَ ضِدُّهُ أَيْضًا ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ الْفِعْلِ مَا يَعُمُّ خَلْقَهُ وَأَمْرَهُ كَمَا قَالَ الْعَلَّامَةُ المضدراعي الْحِكْمَةُ فِيمَا خَلَقَ أَوَأَمَرَ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ تِلْكَ الْحِكْمَةَ لَيْسَتْ بِبَاعِثٍ عَلَى فِعْلِهِ وَإِلَّا يَلْزَمُ كَوْنُ فِعْلِهِ تَعَالَى مُعَلَّلًا بِالْأَغْرَاضِ وَقَدْ أُبْطِلَ فِي مَحَلِّهِ وَالنُّصُوصُ الظَّاهِرَةُ فِي ذَلِكَ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة: ٥] ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] مُعَلَّلَةٌ بِتِلْكَ الْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ وَبِالْجُمْلَةِ أَنَّ أَفْعَالَهُ تَعَالَى مُعَلَّلَةٌ بِالْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ عِنْدَ الْمَاتُرِيدِيَّةِ خِلَافًا لِلْأَشَاعِرَةِ. وَفِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ أَنَّ بَعْضَ أَفْعَالِهِ سِيَّمَا الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ

стр. 161

مُعَلَّلٌ بِالْحِكَمِ دُونَ بَعْضٍ أُورِدَ عَلَيْهِ إنْ أُرِيدَ الْعِلَّةُ الْغَائِيَّةُ فَمُنْتَفٍ فِي الْكُلِّ وَإِنْ أُرِيدَ تَرْتِيبُ الْحِكْمَةِ عَلَى أَفْعَالِهِ فَالْكُلُّ كَذَا غَايَتُهُ أَنَّ بَعْضَهَا لَا يَظْهَرُ إلَّا عَلَى الرَّاسِخِينَ الْمُؤَيَّدِينَ بِنُورِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ مُرَادَ هَذَا الشَّارِحِ بِالنَّظَرِ إلَى عِلْمِنَا فَلَا يُنَافِي كَوْنَ الْجَمِيعِ مُعَلَّلًا بِالْحِكَمِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (وَفَائِدَةٍ) أَيْ عَاقِبَةٍ حَمِيدَةٍ تَرْجِعُ إلَى عِبَادِهِ وَأَمَّا نَحْوُ الْكُفْرِ وَسَائِرِ الشُّرُورِ وَالْقَبَائِحِ فَخَلْقُهُ تَعَالَى لَا يَخْلُو عَنْ فَائِدَةٍ وَإِنْ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْهَا كَمَا مَرَّ آنِفًا (فَعَّالٌ) صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ (لِمَا يَشَاءُ) فَمُرَادُهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ إرَادَتِهِ لِلُزُومِ الْعَجْزِ (بِلَا إيجَابٍ) لِسَبْقِهِ بِالْقَصْدِ وَالِاخْتِيَارِ كَأَنَّ فِيهِ رَدًّا عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْمُكَلَّفِينَ وَاجِبَةٌ فَاَللَّهُ يُرِيدُ وُقُوعَهَا وَيَكْرَهُ تَرْكَهَا وَإِنْ حَرَامًا يُرِيدُ تَرْكَهَا وَيَكْرَهُ وُقُوعَهَا وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْعَضُدِيَّةِ فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْمُبَالَغَةَ أَنْ يَثْبُتَ لِلشَّيْءِ أَكْثَرُ مِمَّا فِي نَفْسِهِ وَصِفَتُهُ تَعَالَى مُتَنَاهِيَةٌ فِي الْكَمَالِ فَلَا تُمْكِنُ الْمُبَالَغَةُ وَأَيْضًا إنَّمَا تُتَصَوَّرُ الْمُبَالَغَةُ فِي صِفَةٍ تَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي صِفَاتِهِ تَعَالَى قُلْت: أَجَابَ عَنْهُ فِي الْإِتْقَانِ عَنْ الْبُرْهَانِ الرَّشِيدِيِّ كُلُّ الْمُبَالَغَةِ فِي صِفَتِهِ تَعَالَى مَجَازٌ فَاسْتَحْسَنَهُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ. وَعَنْ الزَّرْكَشِيّ التَّحْقِيقُ أَنَّ صِيَغَ الْمُبَالَغَةِ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا مَا تَحْصُلُ الْمُبَالَغَةُ فِيهِ بِحَسَبِ زِيَادَةِ الْفِعْلِ وَالثَّانِي بِحَسَبِ تَعْدَادِ الْمَفْعُولَاتِ وَلَا شَكَّ أَنَّ تَعَدُّدَهَا لَا يُوجِبُ لِلْفِعْلِ زِيَادَةً إذْ الْفِعْلُ الْوَاحِدُ قَدْ يَقَعُ عَلَى جَمَاعَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَعَلَى هَذَا الْقِسْمِ تَنْزِلُ صِفَاتُهُ تَعَالَى وَيَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِي حُكْمِ مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ تَكْرَارُ حِكْمَةِ التَّنْبِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّرَائِعِ. (مُنَزَّهٌ) مُبْعَدٌ وَمُبَرَّأٌ (عَنْ صِفَاتِ النُّقْصَانِ) الَّتِي تُوجِبُ انْحِطَاطًا فِي مَرَاتِبِ الْأُلُوهِيَّةِ كَالْجَهْلِ وَالْعَجْزِ وَالِافْتِقَارِ وَنَحْوِهَا نَقَلَ الدَّوَانِيُّ عَنْ ابْنِ تَيْمِيَّةَ كَوْنَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ مُجْمَعًا عَلَيْهَا (كُلِّهَا) لِأَنَّ لَهُ الْكَمَالَ الْمُطْلَقَ وَمُسْتَغْنٍ عَنْ غَيْرِهِ مَعَ افْتِقَارِ الْكُلِّ إلَيْهِ (مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ) فَكُلُّ مَا اتَّصَفَ بِهِ فَكَمَالٌ بَلْ كُلُّ كَمَالٍ صِفَةٌ لَهُ (كُلِّهَا وَلَيْسَ لَهُ كَمَالٌ مُتَوَقَّعٌ) أَيْ مُنْتَظَرٌ لِلُزُومِ النَّقْصِ فِي الْأَزَلِ وَلِلُزُومِ كَوْنِهِ مَحَلَّ الْحَوَادِثِ فِيمَا لَا يُزَالُ (قَدِيمٌ) أَيْ لَا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الثَّانِي إذْ لَوْ كَانَ حَادِثًا مَسْبُوقًا بِالْعَدَمِ لَكَانَ وُجُودُهُ مِنْ غَيْرِهِ ضَرُورَةً ثُمَّ قَالَ: الْقِدَمُ الزَّمَانِيُّ عَدَمُ الْمَسْبُوقِيَّةِ بِالْعَدَمِ فَالْقِدَمُ هُنَا هُوَ الْقِدَمُ الزَّمَانِيُّ وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ مَعْنَى الْقِدَمِ الزَّمَانِيِّ فَمَا قِيلَ هُنَا الْمُرَادُ مِنْ الْقِدَمِ سَلْبُ الْعَدَمِ السَّابِقِ عَلَى الْوُجُودِ وَهُوَ لَيْسَ بِقِدَمٍ زَمَانِيٍّ وَالْقِدَمُ الزَّمَانِيُّ مُرُورُ الْأَزْمِنَةِ عَلَى الشَّيْءِ مَعَ بَقَائِهِ فَلَا يَسْتَقِيمُ بِوَجْهَيْنِ عَلَى أَنَّ مُقَابِلَ الْقِدَمِ الزَّمَانِيِّ هُوَ الْقِدَمُ الذَّاتِيُّ الْمُفَسَّرُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَى غَيْرِهِ وَهَذَا لَيْسَ بِثَابِتٍ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْفَلَاسِفَةِ. قَالَ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْفَلَاسِفَةُ مِنْ انْقِسَامِ كُلٍّ مِنْ الْقِدَمِ وَالْحُدُوثِ إلَى الذَّاتِيِّ وَالزَّمَانِيِّ رَفْضُ كَثِيرٍ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَمَا ذَكَرَهُ إمَّا مَعْنَى مَجَازِيٌّ أَوْ لُغَوِيٌّ أَوْ اصْطِلَاحٌ لِغَيْرِ الْمُتَكَلِّمِينَ (أَزَلِيٌّ) الْأَزَلُ هُوَ اسْتِمْرَارُ الْوُجُودِ فِي أَزْمِنَةٍ مُقَدَّرَةٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ فِي جَانِبِ الْمَاضِي كَمَا أَنَّ الْأَبَدَ اسْتِمْرَارُ الْوُجُودِ فِي أَزْمِنَةٍ مُقَدَّرَةٍ فِي جَانِبِ الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا فِي

стр. 162

التَّعْرِيفَاتِ فَإِنْ قِيلَ: فَالزَّمَانُ مَأْخُوذٌ مِنْ مَفْهُومِ الْأَزَلِيِّ وَالْأَبَدِيِّ وَاَللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِزَمَانِيٍّ قُلْنَا: كَمَا يُقَالُ عَلَى الزَّمَانِيِّ يُقَالُ عَلَى غَيْرِ الزَّمَانِيِّ لِأَنَّهُ قِيلَ: الْأَزَلِيُّ يَكُونُ لَهُ نِهَايَةٌ وَلَا يَكُونُ لَهُ بِدَايَةٌ وَالْأَبَدِيُّ عَكْسُهُ وَقِيلَ: عَنْ زُبْدَةِ الْحَقَائِقِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْأَزَلِيَّةَ شَيْءٌ مَاضٍ فَقَدْ أَخْطَأَ فَاحِشًا فَإِنَّهُ لَا مَاضِيَ وَلَا مُسْتَقْبَلَ فِيهَا بَلْ هِيَ مُحِيطَةٌ بِالزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ كَالْمَاضِي وَقِيلَ: هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَزَلِيِّ وَالْقَدِيمِ أَنَّ الْأَوَّلَ شَامِلٌ لِلْعَدَمِ. وَالثَّانِيَ مُخْتَصٌّ بِالْوُجُودِ فَلَعَلَّ كَوْنَهُ قَدِيمًا بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَاتِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ الْكَامِلَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْخَارِجِ وَكَوْنَهُ أَزَلِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى صِفَاتِهِ الْإِضَافِيَّةِ وَالنِّسْبِيَّةِ فَمَنْ قَالَ إنَّ صِفَاتِهِ تَعَالَى نَفْسِيَّةٌ وَسَلْبِيَّةٌ وَغَيْرُهُمَا قَدِيمَةٌ لَمْ يَفْهَمْ الْفَرْقَ أَوْ لَمْ يَرْضَ أَوْ تَجَوَّزَ (أَبَدِيٌّ) عَرَفْت آنِفًا مَعْنَاهُ. (لَهُ صِفَاتٌ) جَمْعُ صِفَةٍ أَصْلُهَا وَصْفٌ فَحُذِفَتْ الْوَاوُ وَعُوِّضَ عَنْهَا التَّاءُ وَالْمُرَادُ هُنَا هُوَ مَبَادِئُ الْمُشْتَقَّاتِ لَا أَنْفُسُهَا كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ لَا الْعَالِمِ وَالْقَادِرِ وَأَنْكَرَهَا الْفَلَاسِفَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ قَائِلِينَ بِأَنَّهَا عَيْنُ ذَاتِهِ تَعَالَى تَحَاشِيًا عَنْ تَكْثِيرِ الْقُدَمَاءِ وَالْوَاجِبَاتِ وَأَجَابُوا بِأَنَّ الْمُحَالَ تَكَثُّرُ الْقُدَمَاءِ بِالذَّاتِ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ (قَدِيمَةٌ) لِاسْتِحَالَةِ قِيَامِ الْحَوَادِثِ بِذَاتِهِ تَعَالَى خِلَافًا لِلْكَرَامِيَّةِ قَالَ الْعَلَّامَةُ الثَّانِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: اللَّهُ تَعَالَى قَدِيمٌ بِصِفَاتِهِ وَلَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِالْقُدَمَاءِ لِئَلَّا يَذْهَبَ الْوَهْمُ إلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهَا قَائِمٌ بِذَاتِهِ مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ (قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ) كَالتَّوْضِيحِ وَالتَّأْكِيدِ لِأَنَّ الْقِيَامَ مَأْخُوذٌ فِي مَفْهُومِ الصِّفَةِ لِكَمَالِ الْعِنَايَةِ أَوْ لِرَدِّ بَعْضِ الْمُخَالِفِينَ كَالْمُعْتَزِلَةِ فِي أَنَّهُ تَعَالَى مُتَكَلِّمٌ وَالْكَلَامُ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ تَعَالَى كَاللَّوْحِ وَشَجَرَةِ مُوسَى وَفُؤَادِ جَبْرَائِيلَ وَلَهُ إرَادَةٌ حَادِثَةٌ لَا فِي مَحَلٍّ قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ: وَلَمَّا تَمَسَّكَتْ الْمُعْتَزِلَةُ بِأَنَّ فِي إثْبَاتِ الصِّفَاتِ إبْطَالَ التَّوْحِيدِ لِمَا أَنَّهَا مَوْجُودَاتٌ قَدِيمَةٌ مُغَايِرَةٌ لِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَلْزَمُ قِدَمُ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعَدُّدُ الْقُدَمَاءِ إلَى آخِرِهِ أَشَارَ إلَى الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ (لَا) تِلْكَ الصِّفَةِ (هُوَ) يَعْنِي لَيْسَتْ عَيْنَ ذَاتِهِ (وَلَا غَيْرُهُ) غَيْرُ ذَاتِهِ تَعَالَى فَلَا يَلْزَمُ قِدَمُ الْغَيْرِ وَلَا تَعَدُّدُ الْقُدَمَاءِ أَمَّا نَفْيُ الْعَيْنِيَّةِ فَلِأَنَّ الصِّفَاتِ مِنْ قَبِيلِ الْعَرَضِ وَالذَّاتَ مِنْ قَبِيلِ الْجَوْهَرِ يَعْنِي شَبِيهَةً فِي الْقِيَامِ بِنَفْسِهِ وَعَدَمِهِ فَعَدَمُ الْعَيْنِيَّةِ بَدِيهِيَّةٌ وَأَنَّ الصِّفَاتِ مُحْتَاجَةٌ إلَى الذَّاتِ فَمُمْكِنَةٌ بِأَنْفُسِهَا وَالذَّاتُ وَاجِبَةٌ مُسْتَغْنِيَةٌ وَالْوَاجِبُ لَا يَكُونُ عَيْنَ الْمُمْكِنِ. وَقِيلَ: وَرَدَتْ النُّصُوصُ بِالِاشْتِقَاقِ نَحْوَ عَالِمٍ وَقَادِرٍ وَكَوْنُ الشَّيْءِ عَالِمًا مُعَلَّلٌ بِقِيَامِ الْعِلْمِ فِي الشَّاهِدِ فَكَذَا فِي الْغَائِبِ وَأُورِدَ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِقْهِيٌّ وَقِيَاسُ غَائِبٍ عَلَى شَاهِدٍ مَعَ الْفَارِقِ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ فِي الشَّاهِدِ تَزِيدُ وَتَنْقُصُ وَتُعْدَمُ بِخِلَافِ الْغَائِبِ وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الشَّرِيفِ الْعَلَّامَةِ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ أَنَّهُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْعِلَّةِ وَالْحَدِّ وَالشَّرْطِ فِي الْغَائِبِ وَالشَّاهِدِ لَا يَضُرُّ ذَلِكَ وَلَا شَكَّ أَنَّ عِلَّةَ كَوْنِ الشَّيْءِ عَالِمًا فِي الشَّاهِدِ هُوَ الْعِلْمُ فَكَذَا فِي الْغَائِبِ وَأَيْضًا حَدُّ الْعَالِمِ هُوَ مَنْ قَامَ بِهِ الْعِلْمُ سَوَاءٌ فِي الْغَائِبِ وَالشَّاهِدِ وَشَرْطُ صِدْقِ الْمُشْتَقِّ عَلَى شَيْءٍ ثُبُوتُ أَصْلِهِ فِي الْغَائِبِ وَالشَّاهِدِ وَأَمَّا نَفْيُ الْغَيْرِيَّةِ فَبِأَنَّ الْعُرْفَ وَاللُّغَةَ وَالشَّرْعَ يَشْهَدُ بِأَنَّ الصِّفَةَ وَالْمَوْصُوفَ لَيْسَا بِغِيَرَيْنِ كَالْكُلِّ وَالْجُزْءِ فَإِنْ قِيلَ: هَذَا رَفْعُ النَّقِيضَيْنِ فِي الظَّاهِرِ وَجَمْعٌ بَيْنَهُمَا فِي غَيْرِ الْحَقِيقَةِ قُلْنَا: أُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّ الْغَيْرَ مَا يُمْكِنُ الِانْفِكَاكُ فِي التَّصَوُّرِ، وَالْعَيْنَ مَا يَتَّحِدُ فِي الْمَفْهُومِ بِلَا تَفَاوُتٍ فَيُمْكِنُ الْوَاسِطَةُ بِأَنْ لَا يَتَّحِدَا فِي الْمَفْهُومِ وَلَا يُوجَدَ أَحَدُهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ فَالصِّفَةُ مَعَ الذَّاتِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَيُمْكِنُ أَنَّ نَفْيَ الْعَيْنِيَّةِ بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ وَنَفْيَ الْغَيْرِيَّةِ بِحَسَبِ الْوُجُودِ كَمَا فِي الْمَوَاقِفِ فَلَا تَنَاقُضَ لِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ وَإِيرَادُ الدَّوَانِيّ بِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَصِحُّ فِي الْمُشْتَقَّاتِ وَالْكَلَامُ فِي مَبَادِئَهَا وَلَا يَصِحُّ فِيهَا فِي غَايَةِ السُّقُوطِ إذْ الْعِلْمُ مَثَلًا لَيْسَ عَيْنَ ذَاتِهِ تَعَالَى مَفْهُومًا وَيَمْتَنِعُ وُجُودُهُ بِدُونِهِ وَقِيلَ فِي الْجَوَابِ: إنَّهَا عَيْنُ الذَّاتِ إذَا نُظِرَ إلَيْهَا مِنْ جَانِبِ الذَّاتِ وَغَيْرُ الذَّاتِ إذَا نُظِرَ مِنْ جَانِبِ انْقِسَامِ الْوُجُودِ إلَى الْأَقْسَامِ وَوَضَحَ بِمِثَالٍ أَنَّ الْعَشَرَةَ فِي نَفْسِهَا وَاحِدٌ لَا يَنْقَسِمُ

стр. 163

وَبِالنِّسْبَةِ إلَى الْخَمْسَةِ ضِعْفٌ وَإِلَى الْعِشْرِينَ نِصْفٌ وَإِلَى ثَلَاثِينَ ثُلُثٌ وَهَذِهِ الْأَوْصَافُ الدَّائِرَةُ عَلَى الْعَشَرَةِ وَاحِدَةٌ مِنْ وَجْهٍ وَكَثِيرَةٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ إذْ يَقْتَضِي كَوْنَ الصِّفَاتِ بَعْضَهَا مَعَ بَعْضٍ وَالذَّاتِ أَيْضًا مُتَّحِدَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَالتَّغَايُرُ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَسَامِي وَهُوَ عَيْنُ مَذْهَبِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ (هِيَ) أَيْ الصِّفَاتُ الْكَامِلَةُ الْقَدِيمَةُ ثَمَانٍ (الْحَيَاةُ) صِفَةٌ تُوجِبُ صِحَّةَ الْعِلْمِ لِدَلَالَةِ النُّصُوصِ الْقَاطِعَةِ وَإِجْمَاعِ الْأَنْبِيَاءِ بَلْ جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ وَلِأَنَّ الْخُلُوَّ عَنْهَا نَقْصٌ وَمَا يُقَالُ: إنَّهَا اعْتِدَالُ الْمِزَاجِ وَتَأْثِيرُ الْحَاسَّةِ فَمَمْنُوعٌ (وَالْعِلْمُ) صِفَةٌ تَنْكَشِفُ بِهَا الْمَعْلُومَاتُ عِنْدَ تَعَلُّقِهَا بِهَا مَوْجُودَةً أَوْ مَعْدُومَةً مُمْتَنِعَةً أَوْ مُمْكِنَةً قَدِيمَةً أَوْ حَادِثَةً مُتَنَاهِيَةً أَوْ غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ جُزْئِيَّةً أَوْ كُلِّيَّةً مَادِّيَّةً أَوْ مُجَرَّدَةً قَالَ الْخَيَالِيُّ: فَإِنَّ لِلْعِلْمِ تَعَلُّقَاتٍ قَدِيمَةٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ بِالْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَزَلِيَّاتِ وَالْمُتَجَدِّدَاتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا سَتَتَجَدَّدُ وَتَعَلُّقَاتٌ حَادِثَةٌ مُتَنَاهِيَةٌ بِالْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُتَجَدِّدَاتِ بِاعْتِبَارِ وُجُودِهَا الْآنَ أَوْ قَبْلُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُدُوثِ التَّعَلُّقِ حُدُوثُ الْعِلْمِ أَمَّا دَلِيلُ الْعِلْمِ فَإِمَّا سَمْعِيٌّ نَحْوُ ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣] وَإِمَّا عَقْلِيٌّ لِاسْتِنَادِ الْعَالَمِ إلَيْهِ مَعَ إتْقَانِهِ وَإِحْكَامِهِ وَانْتِظَامِهِ وَمِنْ الْبَيِّنِ دَلَالَةُ الْأَفْعَالِ الْمُتْقَنَةِ عَلَى عِلْمِ فَاعِلِهَا وَمَنْ تَأَمَّلَ فِي الْبَدَائِعِ السَّمَاوِيَّةِ وَالْأَرْضِيَّةِ وَفِي نَفْسِهِ وَجَدَ دَقَائِقَ حِكَمٍ تَدُلُّ عَلَى حِكْمَةِ صَانِعِهَا وَعِلْمِهِ الْكَامِلِ وَأُورِدَ بِأَنَّ الْحَيَوَانَ قَدْ يَصْدُرُ عَنْهُ أَفْعَالٌ مُتْقَنَةٌ كَبُيُوتِ النَّحْلِ وَغَيْرِهَا وَرُدَّ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ لَهُ تَعَالَى إذْ لَا مُؤَثِّرَ غَيْرُهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّ عَدَمَ عِلْمِ الْحَيَوَانِ مَمْنُوعٌ بَلْ ظَاهِرُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى عِلْمِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي﴾ [النحل: ٦٨] الْآيَةَ (وَالْقُدْرَةُ) صِفَةٌ تُؤَثِّرُ فِي الْمَقْدُورَاتِ بِجَعْلِهَا مُمْكِنَةَ الْوُجُودِ مِنْ الْفَاعِلِ عِنْدَ تَعَلُّقِهَا بِهَا فَتَعَلُّقَاتُ الْقُدْرَةِ كُلُّهَا قَدِيمَةٌ وَعِنْدَنَا فِي التَّكْوِينِ فَقَدِيمَةٌ أَيْضًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ بِمَعْنَى أَنَّهَا تَعَلَّقَتْ فِي الْأَزَلِ بِوُجُودِ الْمَقْدُورِ فِيمَا لَا يُزَالُ وَحَادِثَةٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَقِيلَ: الْقُدْرَةُ صِحَّةُ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ لَعَلَّ هَذَا مَذْهَبُ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ تَأْثِيرِ الْقُدْرَةِ بَلْ لَهَا تَعَلُّقٌ مَحْضٌ بِلَا تَأْثِيرٍ لِلْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ وَلِأَنَّ الْقُدْرَةَ كَمَالٌ وَضِدَّهَا أَعْنِي الْعَجْزَ نَقْصٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ (وَالسَّمْعُ) صِفَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْمُوعَاتِ (وَالْبَصَرُ) صِفَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمُبْصَرَاتِ فَيُدْرِكُ بِلَا طَرِيقِ تَخَيُّلٍ وَتَأْثِيرِ حَاسَّةٍ وَوُصُولِ هَوَاءٍ لِلْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ الظَّاهِرَةِ فِي كَوْنِهِمَا صِفَتَيْنِ زَائِدَتَيْنِ وَالصَّرْفُ عَنْ الظَّوَاهِرِ بِلَا صَارِفٍ لَيْسَ بِجَائِزٍ فَلَا يَكُونَانِ رَاجِعَيْنِ إلَى الْعِلْمِ بِالْمَسْمُوعَاتِ وَالْمُبْصَرَاتِ كَمَا زَعَمَتْ الْفَلَاسِفَةُ وَالْكَعْبِيُّ وَحُسَيْنٌ الْبَصْرِيُّ قِيلَ: وَالْأَشْعَرِيُّ أَيْضًا فَتَكُونُ الْمَسْمُوعَاتُ وَالْمُبْصَرَاتُ كَمَا هُمَا مُتَعَلِّقُ عِلْمِهِ مُتَعَلِّقَ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ فَإِنْ قِيلَ: فَإِثْبَاتُهُمَا تَكْثِيرُ الْقُدَمَاءِ بِلَا ضَرُورَةٍ وَالْأَصْلُ تَقْلِيلُهَا قُلْنَا: قَالَ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: لَمَّا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِمَا آمَنَّا بِذَلِكَ وَعَرَفْنَا أَنَّهُمَا لَا يَكُونَانِ بِالْآلَتَيْنِ الْمَعْرُوفَتَيْنِ وَاعْتَرَفْنَا بِعَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَتِهِمَا لِقُصُورِنَا وَنُقْصَانِنَا (وَالْإِرَادَةُ) صِفَةٌ تُوجِبُ تَخْصِيصَ أَحَدِ الْمَقْدُورَيْنِ بِالْوُقُوعِ عَلَى وَفْقِ عِلْمِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ نِسْبَةُ الْقُدْرَةِ إلَى الضِّدَّيْنِ سَوَاءً فَلَا بُدَّ مِنْ مُرَجِّحٍ بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ وَلَيْسَ هَذَا هُوَ الْعِلْمُ لِتَبَعِيَّتِهِ لِلْمَعْلُومِ فَتَعَيَّنَ صِفَةٌ أُخْرَى وَهِيَ الْإِرَادَةُ وَشَامِلَةٌ لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ مِنْهَا أَفْعَالُ الْعِبَادِ وَلَوْ شُرُورًا وَمَعَاصِيَ كَالْكُفْرِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالْإِرَادَةُ كَالْقُدْرَةِ لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْمُمْكِنَاتِ لَكِنَّ الْقُدْرَةَ تَعُمُّ الْمَعْدُومَاتِ وَالْمَوْجُودَاتِ وَالْإِرَادَةُ تُخَصُّ بِالْمَوْجُودَاتِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْعَقَائِدِ الْعَضُدِيَّةِ قَادِرٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ مُرِيدٌ لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ وَمُتَعَلِّقٌ شَامِلٌ لِلْوَاجِبَاتِ وَالْمُمْتَنِعَاتِ كَالْمُمْكِنَاتِ (وَالتَّكْوِينُ) صِفَةٌ قَدِيمَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى السَّبْعِ الْمَشْهُورَةِ وَيُفَسَّرُ بِإِخْرَاجِ الْمَعْدُومِ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْفِعْلِ وَالْخَلْقِ وَالْإِيجَادِ وَنَحْوِهَا هَذَا عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ وَأَتْبَاعِهِ وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ إطْبَاقَ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى خَالِقٌ وَمُكَوِّنٌ وَإِطْلَاقَ الْمُشْتَقِّ عَلَى الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ مَأْخَذِ الِاشْتِقَاقِ مُمْتَنِعٌ فَالْمَأْخَذُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ وَهِيَ غَيْرُ الْقُدْرَةِ لِأَنَّ أَثَرَ الْقُدْرَةِ صِحَّةُ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَالصِّحَّةُ لَا تَسْتَلْزِمُ الْوُجُودَ وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ التَّكْوِينُ صِفَةٌ حَادِثَةٌ

стр. 164

عِبَارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِالْمَقْدُورِ. قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْإِضَافَاتِ وَالِاعْتِبَارَاتِ الْعَقْلِيَّةِ يُعْقَلُ مَنْ تَعَلُّقِ الْمُؤَثِّرِ وَلَيْسَ سِوَى تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ فَإِنَّ الْقُدْرَةَ وَإِنْ كَانَتْ نِسْبَتُهَا إلَى وُجُودِ الْمُكَوِّنِ وَعَدَمِهِ عَلَى السَّوَاءِ لَكِنْ مَعَ انْضِمَامِ الْإِرَادَةِ يَتَخَصَّصُ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ أَقُولُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَثَرُ التَّكْوِينِ هُوَ الْوُقُوعُ بِالْفِعْلِ بَعْدَ هَذَا التَّرْجِيحِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَثَرَ الْقُدْرَةِ هُوَ كَالْإِمْكَانِ الذَّاتِيِّ وَأَثَرَ الْإِرَادَةِ كَالْإِمْكَانِ الِاسْتِعْدَادِي وَالتَّكْوِينُ كَالْإِمْكَانِ الْوُقُوعِيِّ أَوْ نَقُولُ: فَكَمَا كَانَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ صِفَتَيْنِ زَائِدَتَيْنِ بَعْدَ الْعِلْمِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ الِانْكِشَافُ بِالْمَسْمُوعَاتِ وَالْمُبْصَرَاتِ بِسَبَبِ الْعِلْمِ لِوُرُودِ السَّمْعِ غَايَتُهُ عَدَمُ الْوُقُوفِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِقُصُورِ الْأَدِلَّةِ فَلْيَكُنْ التَّكْوِينُ كَذَلِكَ لِوُرُودِ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ فَمَا هُوَ جَوَابُكُمْ فَهُوَ جَوَابُنَا وَقَالَ الْمَوْلَى الْخَيَالِيُّ فِي إثْبَاتِ التَّكْوِينِ أَنَّ التَّكْوِينَ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي نَجِدُهُ فِي الْفَاعِلِ وَبِهِ يَمْتَازُ عَنْ غَيْرِهِ وَيَرْتَبِطُ بِالْمَفْعُولِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ وَهَذَا الْمَعْنَى يَعُمُّ الْمُوجِبَ أَيْضًا بَلْ نَقُولُ هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْوَاجِبِ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ فَكَيْفَ لَا يَكُونُ صِفَةً أُخْرَى انْتَهَى فَإِذَا وُجِدَ التَّكْوِينُ عِنْدَ عَدَمِهَا فَلْيُوجَدْ فِي الْكُلِّ وَاعْلَمْ أَنَّ هُنَا مَذْهَبًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ التَّرْزِيقِ وَالتَّصْوِيرِ وَالْإِحْيَاءِ وَغَيْرِهَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْأَفْعَالِ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ أَزَلِيَّةٌ وَهُوَ مَذْهَبُ عُلَمَاءِ مَا وَرَاءِ النَّهْرِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ تَكْثِيرٌ لِلْقُدَمَاءِ جِدًّا فَالْمَذَاهِبُ ثَلَاثَةٌ عَدَمُ وُجُودِ شَيْءٍ مِنْهَا وَرُجُوعُ الْكُلِّ إلَى التَّكْوِينِ وَالْكَثْرَةِ فِي التَّعَلُّقَاتِ وَوُجُودُ الْكُلِّ صِفَةً. (وَ) الصِّفَةُ الثَّامِنَةُ (الْكَلَامُ) صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى مُنَافِيَةٌ لِلسُّكُوتِ وَالْآفَةِ عَبَّرَ عَنْهَا بِالنَّظْمِ الْمُسَمَّى بِالْقُرْآنِ وَنَحْوِهِ هِيَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ اللَّفْظِيِّ وَغَيْرُ الْعِلْمِ إذْ الْإِنْسَانُ قَدْ يُخْبِرُ عَمَّا مَا لَا يَعْلَمُ وَغَيْرُ الْإِرَادَةِ إذْ قَدْ يَأْمُرُ غَيْرَ مَا أَرَادَهُ كَمَا تَقُولُ: إنَّ لِنَفْسِي كَلَامًا. قَالَ عُمَرُ ﵁ إنِّي زَوَّرْت فِي نَفْسِي مَقَالَةً بِإِجْمَاعِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَوَاتُرٌ إلَيْنَا وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَلِأَنَّ ضِدَّهُ فِي الْحَيِّ نَقْصٌ وَاعْلَمْ أَنَّهُ بَعْدَمَا اُتُّفِقَ عَلَى وُجُودِ صِفَةِ الْكَلَامِ اخْتَلَفُوا عَلَى أَرْبَعٍ فَعِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ قَدِيمٌ وَلَيْسَ بِحُرُوفٍ وَأَصْوَاتٍ بَلْ هُوَ الْمَعْنَى وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَدِيمٌ أَيْضًا لَكِنَّهُ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ إلَى أَنْ قَالَ بَعْضُهُمْ بِقِدَمِ الْجِلْدِ وَالْغِلَافِ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ مُرَكَّبٌ مِنْ أَصْوَاتٍ وَحُرُوفٍ وَحَادِثٌ لَكِنْ لَيْسَ بِقَائِمٍ بِذَاتِهِ تَعَالَى بَلْ بِالْغَيْرِ كَاللَّوْحِ وَفُؤَادِ جَبْرَائِيلَ وَالنَّبِيِّ وَشَجَرَةِ مُوسَى ﵊ وَعِنْدَ الْكَرَّامِيَّةِ مُرَكَّبٌ مِنْ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ وَحَادِثٌ لَكِنْ قَائِمٌ بِهِ تَعَالَى فَعَلَى مَا ذُكِرَ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ وَالْمُعْتَزِلَةَ مُتَّحِدَانِ فِي حُدُوثِ اللَّفْظِيِّ وَمُفْتَرِقَانِ فِي إثْبَاتِ النَّفْسِيِّ وَعَدَمِهِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَعِنْدَ صَاحِبِ الْمَوَاقِفِ أَنَّ الْكَلَامَ اللَّفْظِيَّ قَدِيمٌ كَالنَّفْسِيِّ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ فَالْكَلَامُ عِنْدَهُ أَمْرٌ شَامِلٌ لِلَّفْظِ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا قَائِمٌ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَّا لَزِمَ عَدَمُ تَكْفِيرِ مَنْ أَنْكَرَ كَلَامِيَّةَ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ وَعَدَمُ الْمُعَارَضَةِ وَالتَّحَدِّي وَعَدَمُ قِرَاءَةِ الْجُنُبِ وَمَسِّ الْمُحْدِثِ قَالَ شَارِحُ الْمَوَاقِفِ: وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْأَحْكَامِ الْمَنْسُوبَةِ إلَى قَوَاعِدِ الْمِلَّةِ قِيلَ: حَاصِلُهُ هُوَ الْعِبَارَاتُ الْمَنْظُومَةُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْأَلْفَاظَ أَصْوَاتٌ غَيْرُ قَارَّةٍ وَسَيَّالَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْقِدَمُ وَالْقِيَامُ بِهِ تَعَالَى لَعَلَّ هَذَا قَرِيبٌ إلَى مَا أُورِدَ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ كَلَامَهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْحَرْفِ وَالصَّوْتِ فَبِالضَّرُورَةِ يَكُونُ أَمْرًا آخَرَ يُمَاثِلُهُ أَقُولُ: لَعَلَّ الْأَوْلَى فِي مِثْلِهِ تَفْوِيضُ الْوُقُوفِ عَلَى كَيْفِيَّتِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا سَبَقَ (الَّذِي لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْحُرُوفِ) اللَّفْظِيَّةِ وَالرَّقْمِيَّةِ (وَالْأَصْوَاتِ) وَهَذَا عَلَى مَا اُشْتُهِرَ مِنْ مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ عَلَى وَفْقِ مَا نُقِلَ عَنْ الْمُقْرِي عَنْ ابْنِ مَرْزُوقٍ أَنَّ الْقُرْآنَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ الْقِرَاءَةُ الَّتِي هِيَ الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ وَيُرَادُ أَيْضًا الْمَقْرُوءُ الَّذِي هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي هُوَ مَعْنًى قَائِمٌ بِهِ تَعَالَى وَالْأَوَّلُ حَادِثٌ لَعَلَّ هَذَا هُوَ الْقُرْآنُ فِي نَظَرِ الْأُصُولِيِّ لِتَعَلُّقِ غَرَضِهِمْ فِي اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ إلَيْهِ وَمِثْلُهُ نُقِلَ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ مَا أَوْرَدَهُ

стр. 165

صَاحِبُ الْمَوَاقِفِ آنِفًا كَمَا يَرُدُّ عَلَى مَسْلَكِ صَاحِبِ الْمَوَاقِفِ مِنْ كَوْنِ النَّظْمِ كَلَامًا قَائِمًا بِذَاتِهِ تَعَالَى قِيَامَ الْأَعْرَاضِ السَّيَّالَةِ بِهِ تَعَالَى وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مُتَرَتِّبٍ وَالتَّرْتِيبُ فِينَا لِقُصُورِ الْأَدِلَّةِ قِيلَ: هُوَ سَفْسَطَةٌ وَلِهَذَا قَالَ الْمُحَقِّقُ الدَّوَانِيُّ: الْكَلَامُ لَيْسَ كُلَّ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَذَاهِبِ بَلْ هُوَ كَلِمَاتٌ رَتَّبَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي عِلْمِهِ الْأَزَلِيِّ بِصِفَتِهِ الْأَزَلِيَّةِ الَّتِي هِيَ مَبْدَأُ التَّأْلِيفِ وَالتَّرْتِيبِ فَالْكَلِمَاتُ لَا تَعَاقُبَ لَهَا فِي الْوُجُودِ الْعِلْمِيِّ بَلْ التَّعَاقُبُ إنَّمَا هُوَ فِي الْخَارِجِ الَّذِي هُوَ كَلَامٌ لَفْظِيٌّ ثُمَّ قَالَ: هَذَا الْوَجْهُ سَالِمٌ مِمَّا لَزِمَ عَلَى الْمَذَاهِبِ الْمَنْقُولَةِ إلَى آخِرِ مَا قَالَ: وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ كَوْنَ الْكَلَامِ فِي الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ لَفْظًا حَادِثًا اعْتِرَافٌ بِحُدُوثِهِ فِي نَفْسِهِ وَلَا يُفِيدُ قِدَمُهُ فِي الْوُجُودِ الْعِلْمِيِّ إذْ جَمِيعُ الْحَوَادِثِ قَدِيمٌ فِي الْوُجُودِ الْعِلْمِيِّ وَأَنَّ الْعِلْمَ تَابِعٌ لِلْمَعْلُومِ وَالْمَعْلُومُ هُوَ الْوُجُودُ الْخَارِجِيُّ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ قِدَمُ الْعِلْمِ مَعَ حُدُوثِ الْمَعْلُومِ وَالْجَوَابُ فِي سَائِرِ الْمَعْلُومَاتِ الْحَادِثَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى هُنَا وَبِالْجُمْلَةِ الْمَذَاهِبُ فِينَا ثَلَاثَةٌ: الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ لَا اللَّفْظِيُّ لِقُدَمَاءِ الْأَشَاعِرَةِ وَاللَّفْظُ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا لِصَاحِبِ الْمَوَاقِفِ وَالْكَلِمَاتُ الْمُرَتَّبَةُ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى الَّتِي هِيَ مَبْدَأُ التَّأْلِيفِ وَالتَّرْتِيبِ لِلدَّوَّانِيِّ لَعَلَّ الْأَقْرَبَ مَا قَرَّرَ بِهِ شَارِحُ الْمَوَاقِفِ آنِفًا فَتَأَمَّلْ قَالَ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ لَمَّا صَرَّحَ بِأَزَلِيَّةِ الْكَلَامِ حَاوَلَ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ أَيْضًا قَدْ يُطْلَقُ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ الْقَدِيمِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى النَّظْمِ الْمَتْلُوِّ الْحَادِثِ فَقَالَ (وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مَخْلُوقٍ) فِي إتْيَانِ لَفْظِ كَلَامِ اللَّهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ الْقُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لِئَلَّا يَسْبِقَ إلَى الْفَهْمِ قِدَمُ الْمُؤَلَّفِ مِنْ الْأَصْوَاتِ وَلَمْ يَقُلْ غَيْرُ حَادِثٍ تَنْبِيهًا عَلَى اتِّحَادِهِمَا وَقَصْدًا إلَى جَرْيِ الْكَلَامِ عَلَى وَفْقِ حَدِيثِ «الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَمَنْ قَالَ إنَّهُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ بِاَللَّهِ الْعَظِيمِ» إلَى آخِرِ مَا قَالَ لَكِنْ قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ فِي مَوْضُوعَاتِهِ عَنْ الصَّاغَانِيِّ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ. وَعَنْ السَّخَاوِيِّ بِجَمِيعِ طُرُقِهِ بَاطِلٌ وَأَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ وَأَمَّا حُكْمُهُ الشَّرْعِيُّ فِيمَنْ قَالَ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ عَنْ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ وَعَنْ شَبَابَةَ وَعَنْ ابْنِ مَرْيَمَ وَعَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ كَافِرٌ وَعَنْ مَالِكٍ يُوجَعُ ضَرْبًا وَيُحْبَسُ حَتَّى يَتُوبَ وَعَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ زِنْدِيقٌ وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كَافِرٌ وَكَذَا مَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِ وَعَنْ وَكِيعٍ يُسْتَتَابُ فَإِنْ لَمْ يَتُبْ يُضْرَبُ عُنُقُهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - تَنَاظَرَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ اسْتَقَرَّ رَأْيُهُمَا عَلَى الْكُفْرِ لَكِنْ نُقِلَ عَنْ الْأُصُولِ أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ مَحْمُولٌ عَلَى الشَّتْمِ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ ضَالٌّ وَمُبْتَدِعٌ لَا كَافِرٌ (وَرُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى) فِي الْيَقَظَةِ (بِالْأَبْصَارِ) جَمْعُ بَصَرٍ وَهُوَ حِسُّ الْعَيْنِ وَمِنْ الْقَلْبِ نَظَرُهُ وَخَاطِرُهُ كَذَا فِي الْقَامُوسِ بِمَعْنَى

стр. 166

الِانْكِشَافِ التَّامِّ بِالْبَصَرِ (جَائِزَةٌ فِي الْعَقْلِ) بِمَعْنَى أَنَّ الْعَقْلَ إذَا خُلِّيَ وَنَفْسَهُ لَمْ يَحْكُمْ بِامْتِنَاعِ رُؤْيَتِهِ مَا لَمْ يَقُمْ لَهُ بُرْهَانٌ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ كَذَا فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ لِأَنَّ الْأَصْلَ قِيَامُ الْبُرْهَانِ عَلَى وُجُودِهِ لَا عَلَى عَدَمِهِ هَذَا ضَرُورِيٌّ وَقَدْ اسْتَدَلَّ عَلَى الْجَوَازِ إمَّا عَقْلًا فَلِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الْجَوْهَرِ وَالْعَرَضِ لَيْسَ إلَّا الْوُجُودُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْوَاجِبِ إذْ الْحُدُوثُ أَوْ الْإِمْكَانُ عَدَمِيٌّ وَلَا مَدْخَلَ لِلْعَدَمِ فِي الْعِلِّيَّةِ وَالْوُجُودُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الصَّانِعِ وَغَيْرِهِ وَأَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ حَتَّى الطُّعُومِ وَالرَّوَائِحِ وَالْعُلُومِ يَجُوزُ رُؤْيَتُهَا لِلْوُجُودِ وَأَمَّا سَمْعًا فَلِأَنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - طَلَبَ الرُّؤْيَةَ وَاَللَّهُ تَعَالَى عَلَّقَهَا عَلَى الْمُمْكِنِ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ اسْتِقْرَارُ الْجَبَلِ وَالْقَوْلُ أَنَّهُ إنَّمَا يَطْلُبُ الْعِلْمَ أَوْ رُؤْيَةَ آيَةٍ أَوْ لِأَجْلِ الْقَوْمِ أَوْ لِزِيَادَةِ الطُّمَأْنِينَةِ بِالِامْتِنَاعِ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ كَمَا فِي تَهْذِيبِ الْكَلَامِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُرَى فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ: لَا وَقِيلَ نَعَمْ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ هَذِهِ الرُّؤْيَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُؤْيَةً حَقِيقَةً وَحُكِيَ الْقَوْلُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ لَكِنَّ مُعْظَمَهُمْ شَرَطُوا مِنْ غَيْرِ كَيْفِيَّةٍ وَجِهَةٍ. قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: وَلَا خَفَاءَ أَنَّهَا نَوْعُ مُشَاهَدَةٍ تَكُونُ بِالْقَلْبِ دُونَ الْعَيْنِ وَفِي بَعْضِ حَوَاشِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: رَأَيْت رَبِّي فِي الْمَنَامِ أَلْفَ مَرَّةٍ فَقُلْت إنِّي أَخَافُ مِنْ زَوَالِ الْإِيمَانِ فَأَمَرَنِي فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِهَذَا التَّسْبِيحِ بَيْنَ سُنَّةِ الْفَجْرِ وَفَرِيضَتِهِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ أَسْأَلُك أَنْ تُحْيِيَ قَلْبِي بِنُورِ مَعْرِفَتِك أَبَدًا يَا اللَّهُ يَا اللَّهُ يَا اللَّهُ يَا بَدِيعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يَزِيدَ رَأَيْت رَبِّي فِي الْمَنَامِ فَقُلْت: كَيْفَ الطَّرِيقُ إلَيْكَ؟ فَقَالَ: اُتْرُكْ نَفْسَك. وَفِي الْخُلَاصَةِ وَفِي الْبَزَّازِيِّ جَوَّزَهَا رُكْنُ الْإِسْلَامِ الصَّفَّارُ وَأَكْثَرُ الْمُتَصَوِّفَةِ وَلَمْ يُجَوِّزْهَا أَكْثَرُ مَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ وَمُحَقِّقِي بُخَارَى حَتَّى قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ مُدَّعِيهَا أَشَرُّ مِنْ عَابِدِ الْوَثَنِ إذْ الْمَرْئِيُّ خَيَالٌ وَمِثَالٌ يَجِبُ تَنْزِيهُهُ تَعَالَى عَنْهُ لَكِنْ أَوَّلَ بَعْضُهُمْ مُرَادَهُمْ فَجَعَلُوا الْقَوْلَيْنِ مُتَّحِدَيْنِ كَمَا سَبَقَ الْإِشَارَةُ (وَاجِبَةٌ) غَيْرُ مُخْتَلَفٍ وُقُوعَهَا (بِالنَّقْلِ) يَعْنِي بِالنَّقْلِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أَوْ إجْمَاعَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَالْكَذِبُ وَخُلْفُ الْوَعْدِ مُحَالَانِ عَلَى الشَّارِعِ (فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ) وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَتْ جَائِزَةً لَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَأَمَّا الْوُقُوعُ فَفِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ لِلدَّمِيرِيِّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَبَّهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ بِعَيْنِ الرَّأْسِ عَلَى رِوَايَةِ كَثِيرٍ مِنْ كِبَارِ الْأَصْحَابِ خِلَافًا لِلْأَكْثَرِينَ مِنْهُمْ أَيْضًا. وَقَالَ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ أَنَّهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ ثُمَّ صَحَّحَ كَوْنَ الرُّؤْيَةِ بِالْفُؤَادِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] حَيْثُ أُضِيفَ إلَى الْفُؤَادِ ثُمَّ الرُّؤْيَةُ بِالْآخِرَةِ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِالْجَنَّةِ بَلْ فِي الْعَرَصَاتِ أَيْضًا كَمَا فِي تَذْكِرَةِ الْقُرْطُبِيِّ وَقِيلَ بَلْ فِي الْقَبْرِ وَعِنْدَ نَزْعِ الرُّوحِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى فِي الْجَنَّةِ أَبَدًا لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْبُعْدِ لَكِنْ فِي التَّذْكِرَةِ أَنَّ الْكُفَّارَ يَرَوْنَهُ فِي الْقِيَامَةِ مَرَّةً لِازْدِيَادِ الْعُقُوبَةِ لِفَوْتِ فُرْصَةِ مِثْلِ هَذِهِ اللَّذَّةِ وَأَمَّا الْأَدِلَّةُ فَنَحْوُ قَوْله تَعَالَى - ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]- وَحَدِيثِ «إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِ الْمُخَالِفِ (فَيُرَى لَا فِي مَكَان وَلَا عَلَى جِهَةٍ) مِنْ الْجِهَاتِ السِّتِّ (مِنْ مُقَابَلَةٍ وَاتِّصَالِ شُعَاعٍ) مِنْ بَصَرِ الرَّائِي إلَى اللَّهِ تَعَالَى (وَثُبُوتِ مَسَافَةٍ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّائِي لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ

стр. 167

مِنْ خَوَاصِّ الْأَجْسَامِ وَأَنَّهُ إذَا كَانَتْ رُؤْيَتُهُ بِوَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ لَمْ تَكُنْ رُؤْيَةً مُطَابِقَةً لِلْوَاقِعِ إذْ الْوَاقِعُ خِلَافُهُ كَمَا عُلِمَ فِي التَّنْزِيهَاتِ ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي رُؤْيَةِ النِّسَاءِ هَلْ لَا يَرَيْنَهُ أَصْلًا لِقِصَرِهِنَّ فِي الْقِيَامِ وَلِعَدَمِ تَصْرِيحِ الْأَحَادِيثِ أَوْ يَرَيْنَهُ مُطْلَقًا لِعُمُومِ النُّصُوصِ أَوْ يَرَيْنَهُ فِي الْأَعْيَادِ فَقَطْ لِكَوْنِ تَجَلِّيهِ تَعَالَى فِيهَا عَامًّا قِيلَ وَبِهِ جَزَمَ السُّيُوطِيّ أَقُولُ أَكْثَرُ أَحْكَامِ النِّسَاءِ مُشْتَرَكٌ بِأَدِلَّةِ الرِّجَالِ مَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ فَعَلَى الِاشْتِرَاكِ وَأَنَّ بِمِثْلِهِ لَا يَخُصُّ الْعَامَّ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ﴾ [الزخرف: ٧١] وَلَيْسَ أَشْهَى مِنْ الرُّؤْيَةِ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَفِي مُؤْمِنِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا اسْتِوَاؤُهُمْ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَفِي صُرَّةِ الْفَتَاوَى عَنْ صَاحِبِ الْمِنَحِ أَنَّ الْأَرْجَحَ نَعَمْ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْأَشْعَرِيُّ وَتَابَعَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ الْقَيِّمِ وَالْبُلْقِينِيُّ وَإِنْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ كَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ بِعَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ عَلَى مَا فِي الصُّرَّةِ أَيْضًا عَنْ فَتَاوَى ابْنِ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيِّ وَقِيلَ: إنَّ الرُّؤْيَةَ ثَوَابُ الْأَعْمَالِ وَمِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ وَلَيْسَ لِأَعْمَالِهِمْ ثَوَابٌ فَلَيْسَ لَهُمْ حَظٌّ مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ وَقِيلَ: لَا يَرَوْنَ سِوَى جَبْرَائِيلَ ﵊ مَرَّةً وَاحِدَةً لِأَنَّ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ كَمَا نُقِلَ عَنْ كَثِيرِ الْعِبَادِ وَتَوَقَّفَ بَعْضٌ وَأَمَّا الْجِنُّ فَفِي الْفَتَاوَى الصَّيْرَفِيَّةِ أَيْضًا عَنْ الْمِنَحِ ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ وَيَمِيلُ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَيْضًا وَعَنْ الْجَلَالِ الْبُلْقِينِيِّ الْقَوْلُ بِرُؤْيَتِهِمْ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَكَذَا عَنْ السُّيُوطِيّ يَحْصُلُ لَهُمْ الرُّؤْيَةُ فِي الْمَوْقِفِ مَعَ سَائِرِ الْخَلْقِ وَفِي الْجَنَّةِ

стр. 168

فِي وَقْتٍ مَا مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ وَالظَّاهِرُ عَدَمُ تَسَاوِيهِمْ مَعَ الْإِنْسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ. (وَالْعَالَمُ) بِفَتْحِ اللَّامِ مَا سِوَى اللَّهِ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ مِمَّا يُعْلَمُ بِهِ الصَّانِعُ فَالصِّفَاتُ لَيْسَتْ مِنْ الْعَالَمِ لِعَدَمِ عَيْنِ الذَّاتِ وَأَمَّا مَا يُقَالُ عَالَمُ الذَّاتِ وَعَالَمُ الصِّفَاتِ فَتَجَوُّزٌ أَوْ اصْطِلَاحُ الْمُتَصَوِّفَةِ (بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ) مِنْ السَّمَوَاتِ وَمَا فِيهَا وَالْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهَا (وَصِفَاتِهِ) كَالْأَعْرَاضِ وَالتَّرْكِيبِ وَالْبَسَاطَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (وَلَوْ أَفْعَالَ الْعِبَادِ) مُكَلَّفِينَ وَغَيْرِهِمْ إنْسَانًا (خَيْرَهَا وَشَرَّهَا) خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ (حَادِثٌ) مُخْرَجٌ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ مَعْدُومًا فَوُجِدَ خِلَافًا لِلْفَلَاسِفَةِ وَدَلِيلُهُ الْمَشْهُورُ هُوَ التَّغَيُّرُ يَعْنِي الْعَالَمُ حَادِثٌ لِأَنَّهُ مُتَغَيِّرٌ لَكِنْ قَالَ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِي: الْعَالَمُ إمَّا أَعْيَانٌ أَوْ أَعْرَاضٌ وَالْكُلُّ حَادِثٌ أَمَّا الْأَعْرَاضُ فَبَعْضُهَا بِالْمُشَاهَدَةِ كَالْحَرَكَةِ بَعْدَ السُّكُونِ وَالضَّوْءِ بَعْدَ الظُّلْمَةِ وَالسَّوَادِ بَعْدَ الْبَيَاضِ وَبَعْضُهَا بِالدَّلِيلِ وَهُوَ طَرَيَان الْعَدَمِ كَمَا فِي أَضْدَادِ ذَلِكَ وَأَمَّا الْأَعْيَانُ فَلِأَنَّهَا لَا تَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ وَكُلُّ مَا لَا يَخْلُو عَنْ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ إلَى آخِرِ مَا فَصَّلَهُ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ (بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ إيجَادِهِ بِاخْتِيَارِهِ وَالْخَلْقُ التَّقْدِيرُ وَالْخَالِقُ فِي صِفَاتِهِ تَعَالَى الْمُبْدِعُ لِلشَّيْءِ الْمُخْتَرِعِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ فَالْمَعْنَى بِإِيجَادِ ذَاتِ وَاجِبِ وُجُودِهِ بِحَيْثُ لَهُ اسْتِغْنَاءٌ مُطْلَقٌ عَنْ الْكُلِّ (لَا خَالِقَ غَيْرُهُ) إذْ يَجِبُ كَوْنُ مُحْدِثِ الْعَالَمِ وَاجِبًا لِذَاتِهِ وَإِلَّا يَلْزَمُ تَرَجُّحُ الْمُسَاوِي إذْ لَا تَفَاوُتَ فِي الْإِمْكَانِ الْأَصْلِيِّ فِي جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ فَلَوْ تَعَيَّنَ بَعْضُهَا لِلْعِلِّيَّةِ بِلَا سَبَبٍ خَارِجٍ يَلْزَمُ وَإِنْ كَانَ بِسَبَبٍ خَارِجٍ عَنْ الْإِمْكَانِ فَهُوَ الْوَاجِبُ وَأَيْضًا عَرَفْت فِيمَا مَرَّ مَا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِهَذَا مِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وَعَرَفْت مَا قِيلَ: أَنَّهَا إقْنَاعِيَّةٌ وَالْجَوَابُ عَنْهُ. وَأَيْضًا أَشَارَ إلَى كَوْنِهَا بُرْهَانِيَّةً الْمُحَقِّقُ الدَّوَانِيُّ وقَوْله تَعَالَى - ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]- (وَتَقْدِيرِهِ) عُطِفَ عَلَى مَدْخُولِ الْبَاءِ فِي بِخَلْقِ اللَّهِ قِيلَ: عَنْ الصِّحَاحِ التَّقْدِيرُ وَالْقَدَرُ بِالتَّحْرِيكِ وَبِالسُّكُونِ هُوَ مَا يُقَدِّرُهُ اللَّهُ مِنْ الْقَضَاءِ. وَقَالَ السَّعْدُ: هُوَ تَحْدِيدُ كُلِّ مَخْلُوقٍ بِحَدِّهِ الَّذِي يُوجَدُ عَلَيْهِ مِنْ حُسْنٍ وَقُبْحٍ وَنَفْعٍ وَضَرٍّ وَمَا يَحْوِيهِ مِنْ زَمَانٍ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ (وَعِلْمِهِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الحشر: ٢٢] وَقَدْ عَرَفْت دَلَالَةَ الْأَفْعَالِ الْمُتْقَنَةِ عَلَى عِلْمِ خَالِقِهَا (وَإِرَادَتِهِ وَقَضَائِهِ) وَهُوَ حُكْمُهُ الْأَزَلِيُّ بِكُلِّ مَا قَدَّرَهُ فِي الْأَزَلِ. وَفِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ أَنَّ قَضَاءَهُ تَعَالَى هُوَ إرَادَتُهُ الْأَزَلِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فِيمَا لَا يُزَالُ وَقَدَرَهُ إيجَادُهُ إيَّاهَا عَلَى قَدَرٍ مَخْصُوصٍ وَتَقْدِيرٍ مُعَيَّنٍ

стр. 169

فِي ذَوَاتِهَا وَأَحْوَالِهَا وَقَدْ يَكُونُ الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ بِمَعْنَى الْإِيجَابِ وَالْإِلْزَامِ فَتَكُونُ الْوَاجِبَاتُ بِالْقَدَرِ دُونَ الْبَاقِي وَقَدْ يُرَادُ بِهِمَا التَّبْيِينُ وَالْإِعْلَامُ. وَنُقِلَ عَنْ النِّهَايَةِ الْجَزْرِيَّةِ الْقَدَرُ مَا قَضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَحَكَمَ بِهِ مِنْ الْأُمُورِ وَالْقَضَاءُ الْخَلْقُ فَالْقَدَرُ بِمَنْزِلَةِ الْأَسَاسِ وَالْقَضَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْبِنَاءِ وَعَنْ أَوَّلِ الْأَصْفَهَانِيِّ الْقَضَاءُ وُجُودُ الْمُمْكِنَاتِ فِي اللَّوْحِ مُجْمَلَةً عَلَى سَبِيلِ الْإِبْدَاعِ وَالْقَدَرِ الْمُنَزَّلَةِ فِي الْأَعْيَانِ بَعْدَ حُصُولِ شَرَائِطِهَا مُفَصَّلَةً وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَقِيلَ: مِنْ جِهَةِ حُكْمِهِ عَلَى وَفْقِ عِلْمِهِ قَضَاءٌ وَمِنْ تَحْدِيدِهِ وَتَعْيِينِهِ قَدَرٌ. (وَلِلْعِبَادِ) أَيْ الْمُكَلَّفِينَ (اخْتِيَارَاتٌ) ضِدُّ الِاضْطِرَارِ وَالْجَبْرِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الِاخْتِيَارُ لِلْعِبَادِ مَوْجُودًا وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ لِلُزُومِ الْجَبْرِ قُلْنَا: الْمُرَادُ مِنْ الْمُثْبَتِ هُنَا الْوُجُودُ النَّفْسِيُّ الْأَمْرِيُّ وَمِنْ الْمَنْفِيِّ هُوَ الْوُجُودُ الْخَارِجِيُّ كَمَا سَيُشِيرُ إلَيْهِمَا الْمُصَنِّفُ وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى إثْبَاتِ الْحَالِ أَيْ اللَّا مَوْجُودٍ وَاللَّا مَعْدُومٍ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُثْبَتُ أَصْلُ الِاخْتِيَارِ الْجُزْئِيِّ وَمَبْدَأُ الْمَوْجُودِ فِي الْمُكَلَّفِ وَالْمَنْفِيُّ هُوَ ذَلِكَ الِاخْتِيَارُ الْجُزْئِيُّ (لِأَفْعَالِهِمْ) يَعْنِي بَعْضَ أَفْعَالِهِمْ وَهُوَ الْغَيْرُ الِاضْطِرَارِيَّةُ وَالِاتِّفَاقِيَّةُ فَإِنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا ثَوَابٌ وَعِقَابٌ اعْلَمْ أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ ثَلَاثَةٌ: إمَّا أَنْ يَمْتَنِعَ تَرْكُهُ فَاضْطِرَارِيٌّ وَإِنْ جَازَ الْوُجُودُ وَالْعَدَمُ عَلَيْهِ فَإِنْ بِمُرَجِّحٍ فَاخْتِيَارِيٌّ وَإِلَّا فَاتِّفَاقِيٌّ وَالِاضْطِرَارِيُّ وَالِاتِّفَاقِيُّ لَا يُوصَفَانِ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فَإِنْ قِيلَ: فَفِعْلُهُ الِاخْتِيَارِيُّ إنْ لَمْ يُقَارَنْ بِاخْتِيَارِهِ تَعَالَى فَيَلْزَمُ مَذْهَبُ الِاعْتِزَالِ مِنْ خَلْقِ الْعَبْدِ فِعْلَهُ وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ الِاخْتِيَارَانِ تَامَّيْنِ فَيَلْزَمُ التَّوَارُدُ وَإِلَّا فَيَلْزَمُ النَّقْصُ وَالْعَجْزُ وَالِافْتِقَارُ لَهُ تَعَالَى إلَى الْغَيْرِ قُلْنَا: إنَّمَا يَلْزَمُ الْعَجْزُ وَالنَّقْصُ لَوْ لَمْ يُقَدَّرُ إيجَادُهُ عِنْدَ إرَادَةِ اسْتِقْلَالِهِ وَإِذَا كَانَ مَعِيَّةُ إرَادَةِ الْعَبْدِ مِنْ جَانِبِهِ عَلَى مُقْتَضَى حِكْمَتِهِ فَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّوَارُدَ قِيلَ: جَائِزٌ عِنْدَ الْأُسْتَاذِ لَعَلَّك بِمُلَاحَظَةِ ذَلِكَ وَاسْتِيقَانِهِ تَنْجُو مِنْ أَكْثَرِ الشُّبَهِ الْمُورَدَةِ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ بِلَا احْتِيَاجٍ إلَى تَكْثِيرِ الْكَلَامِ فَافْهَمْ فَإِنَّهُ مِنْ مَزَالِقِ أَقْدَامِ الْأَقْوَامِ وَسَيُفَصَّلُ فِي مَحَلِّهِ الْآخَرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الْمِنْعَامُ. قَالَ الْمَوْلَى الْخَيَالِيُّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي فِعْلِ الْعَبْدِ إمَّا قُدْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ بِلَا قُدْرَةٍ مِنْ الْعَبْدِ أَصْلًا وَهُوَ مَذْهَبُ الْجَبْرِيَّةِ أَوْ بِلَا تَأْثِيرِ الْقُدْرَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ أَوْ قُدْرَةُ الْعَبْدِ فَقَطْ بِلَا إيجَابٍ وَلَا اضْطِرَارٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ أَوْ بِالْإِيجَابِ وَامْتِنَاعِ التَّخَلُّفِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمَرْوِيُّ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَوْ مَجْمُوعُ الْقُدْرَتَيْنِ عَلَى أَنْ تُؤَثِّرَا فِي أَصْلِ الْفِعْلِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأُسْتَاذِ أَوْ عَلَى أَنْ تُؤَثِّرَ قُدْرَةُ الْعَبْدِ فِي وَصْفِهِ بِأَنْ يُجْعَلَ مَوْصُوفًا بِمِثْلِ كَوْنِهِ طَاعَةً أَوْ مَعْصِيَةً وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي وَالْمَقْصُودُ أَنَّ لِلْعَبْدِ فِعْلًا يُنْسَبُ إلَى قُدْرَتِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ جُزْءَ الْمُؤَثِّرِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْأُسْتَاذِ أَوْ مَدَارًا مَحْضًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ وَيَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ جَمِيعَ أَفْعَالِ الْحَيَوَانَاتِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ مِنْ الْمَذَاهِبِ إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْأَدِلَّةِ لَا يَجْرِي إلَّا فِي الْمُكَلَّفِ فَلِذَلِكَ خَصُّوا الْعِبَادَ بِالذِّكْرِ (بِهَا يُثَابُونَ) إنْ كَانَتْ طَاعَةً عَلَى أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْأَفْعَالُ أَسْبَابًا عَادِيَّةً لَا أَصْلِيَّةً إذْ اسْتِحْقَاقُ الثَّوَابِ إنَّمَا هُوَ بِجَعْلِهِ تَعَالَى وَإِحْسَانِهِ فَالْأَعْمَالُ لَا تُوجِبُ الْجَنَّةَ كَمَا عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ (وَعَلَيْهَا يُعَاقَبُونَ) إنْ كَانَتْ مَعْصِيَةً

стр. 170

(وَالْحَسَنُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَهُوَ مَا يَكُونُ مُتَعَلِّقَ الْمَدْحِ فِي الْعَاجِلِ وَالثَّوَابِ فِي الْآجِلِ وَالْأَحْسَنُ هُوَ مَا لَا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا لِلذَّمِّ وَالْعِقَابِ لِيَشْمَلَ الْمُبَاحَ (بِرِضَا اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ إرَادَتِهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ اعْتِرَاضٍ (وَمَحَبَّتِهِ وَالْقَبِيحُ مِنْهَا) وَهُوَ مَا يَكُونُ مُتَعَلِّقَ الذَّمِّ فِي الْعَاجِلِ وَالْعِقَابِ فِي الْآجِلِ (لَيْسَ بِهِمَا) أَيْ بِالرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ بَلْ بِغَضَبِهِ وَكَرَاهَتِهِ وَخِذْلَانِهِ لِاعْتِرَاضِهِ تَعَالَى عَلَيْهِ بِالْعَذَابِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]- وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ الْإِرَادَةَ وَالْمَشِيئَةَ وَالتَّقْدِيرَ تَتَعَلَّقُ بِالْكُلِّ وَالرِّضَا وَالْمَحَبَّةَ وَالْأَمْرَ لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْحَسَنِ دُونَ الْقَبِيحِ (وَالثَّوَابُ) مَا تُسْتَحَقُّ بِهِ الرَّحْمَةُ وَالْمَغْفِرَةُ مِنْ اللَّهِ وَالشَّفَاعَةُ مِنْ الرَّسُولِ وَقِيلَ: هُوَ إعْطَاءُ مَا يُلَائِمُ الطَّبْعَ وَيُفَسَّرُ بِالْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا (فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ كَرَمٌ وَإِحْسَانٌ مِنْ اللَّهِ لَا بِاسْتِحْقَاقٍ مِنْ الْعِبَادِ لِأَنَّهَا كَيْفَ تُسْتَحَقُّ وَعِبَادَتُهَا إنَّمَا هِيَ بِخَلْقِهِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَفِي بِشُكْرِ أَقَلِّ قَلِيلٍ مِنْ نِعَمِهِ فَكَيْفَ تُسْتَحَقُّ عِوَضًا عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ: هَذَا وَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِمِثْلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]- وَقَوْلِهِ - ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠]- وَقَوْلِهِ - ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]- أُجِيبُ عَنْهُ أَنَّ الْبَاءَ فِي الْآيَاتِ لَيْسَتْ لِلسَّبَبِيَّةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ بَلْ لِلْمُقَابَلَةِ وَالْمُعَاوَضَةِ فَيَجُوزُ التَّخَلُّفُ إذْ الْمُعْطَى بِعِوَضٍ قَدْ يُعْطَى لَا بِعِوَضٍ خِلَافَ السَّبَبِيَّةِ وَأَنَّ الْجَنَّةَ مِيرَاثُ الْأَعْمَالِ ظَاهِرًا وَإِنْ تَفَضُّلًا حَقِيقَةً وَقِيلَ: نَفْسُ الدُّخُولِ تَفَضُّلِيٌّ وَنَقْلُ الْمَرَاتِبِ بِالْأَعْمَالِ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ نَحْوَ الْحَدِيثِ نَفْيُ الِاسْتِحْقَاقِ الذَّاتِيِّ وَالْعَقْلِيِّ وَإِثْبَاتُ الْآيَاتِ عَلَى مُقْتَضَى الْوَعْدِ وَالْعَادَةِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى (وَالْعِقَابُ) لِلْعُصَاةِ (عَدْلٌ) أَيْ لَيْسَ بِظُلْمٍ وَجَوْرٍ (مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ) مِنْ الْغَيْرِ عَلَيْهِ تَعَالَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (وَلَا وُجُوبَ عَلَيْهِ) تَعَالَى لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا نُقِلَ عَنْ شَرْحِ الْعُمْدَةِ لِمُصَنِّفِهِ تَخْلِيدُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النَّارِ وَتَخْلِيدُ الْكَافِرِينَ فِي الْجَنَّةِ ظُلْمٌ لِأَنَّهُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَالْإِسَاءَةُ فِي حَقِّ الْمُحْسِنِينَ وَالْإِنْعَامُ وَالْإِكْرَامُ فِي الْمُسِيءِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَكَانَ ظُلْمًا وَذَا يَسْتَحِيلُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّصَرُّفُ فِي مِلْكِهِ إنَّمَا جَازَ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحِكْمَةِ وَالتَّصَرُّفُ عَلَى غَيْرِ قَضِيَّةِ الْحِكْمَةِ يَكُونُ سَفَهًا وَأَيْضًا عَدَّ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي انْفَرَدَتْ الْمَاتُرِيدِيَّةُ عَنْ الْأَشَاعِرَةِ بِهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْذِيبُ الْمُطِيعِ وَتَنْعِيمُ الْكَافِرِ عَقْلًا لِكَوْنِهِمَا خِلَافَ الْحِكْمَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إذَا كَانَ جَعَلَ الْحِكْمَةَ مِنْ طَرَفِهِ فَهَذَا الِامْتِنَاعُ امْتِنَاعٌ بِالْغَيْرِ فَلَا يَلْزَمُ كَوْنُ هَذَا الْوُجُوبِ وُجُوبًا ذَاتِيًّا الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا وَالْحَمْلُ عَلَى الْوُجُوبِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ بِجَائِزٍ إذْ الظَّاهِرُ مِنْ نَفْيِ الْوُجُوبِ هُوَ مُطْلَقُهُ كَمَا حَقَّقَهُ الدَّوَانِيُّ (وَلَا اسْتِحْقَاقَ مِنْ الْعَبْدِ) وَقَدْ عَرَفْت وَجْهَهُ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ شَرْحِ الْمَقَاصِدِ أَيْضًا طَاعَةُ الْعَبْدِ وَإِنْ كَثُرَتْ لَا تَفِي بِبَعْضِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ اسْتِحْقَاقُ عِوَضٍ

стр. 171

عَلَيْهَا (وَالِاسْتِطَاعَةُ) تُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدِهِمَا مَا يَكُونُ (مَعَ الْفِعْلِ) لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ لِأَنَّهُ عِلَّةٌ تَامَّةٌ لِلْفِعْلِ وَلَوْ عَادِيَّةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَيَمْتَنِعُ التَّخَلُّفُ أَوْ جُزْءٌ أَخِيرٌ لِلْعِلَّةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ شَرْطًا عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: هِيَ عَرَضٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحَيَوَانِ يَفْعَلُ بِهِ الْأَفْعَالَ الِاخْتِيَارِيَّةَ عِلَّةً أَوْ شَرْطًا وَالْعَرَضُ مُقَارِنٌ لِلْفِعْلِ زَمَانًا لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ وَحَاصِلُ الِاسْتِطَاعَةِ هِيَ صِفَةٌ يَخْلُقُهَا اللَّهُ عِنْدَ قَصْدِ اكْتِسَابِ الْفِعْلِ بَعْدَ سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ فَإِنْ قَصَدَ فِعْلَ الْخَيْرِ خَلَقَ اللَّهُ قُدْرَةَ فِعْلِ الْخَيْرِ وَكَذَا فِي الشَّرِّ فَكَانَ هُوَ الْمُضَيِّعُ لِقُدْرَةِ فِعْلِ الْخَيْرِ فَيَسْتَحِقُّ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ وَلِهَذَا ذَمَّ الْكَافِرِينَ بِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، وَالتَّفْصِيلُ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ الْقَصْدِ هُوَ صَرْفٌ فَالِاسْتِطَاعَةُ صِفَةٌ لِلْعَبْدِ حَاصِلَةٌ عِنْدَ صَرْفِ الْإِرَادَةِ الْجُزْئِيَّةِ، لَعَلَّ هُنَا أُمُورًا أَرْبَعَةً مُرَتَّبَةً الْإِرَادَةَ الْكُلِّيَّةَ الصَّالِحَةَ لَأَنْ تَتَعَلَّقَ بِكُلِّ مَقْدُورٍ فِي ذَاتِهَا ثُمَّ سَلَامَةَ الْأَسْبَابِ ثُمَّ صَرْفَ الْعَبْدِ هَذِهِ الْإِرَادَةَ إلَى فِعْلٍ مُعَيَّنٍ بِجَعْلِهَا مُتَعَلِّقَةً بِالْفِعْلِ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْإِرَادَةُ الْجُزْئِيَّةُ ثُمَّ عِنْدَ ذَلِكَ يَخْلُقُ اللَّهُ فِي الْعَبْدِ هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةَ مَعَ الْفِعْلِ بِلَا تَقَدُّمٍ وَلَا تَأَخُّرٍ فَهَذَا الصَّرْفُ سَبَبٌ لَأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ فِي الْعَبْدِ هَذِهِ الْقُدْرَةَ أَيْ الِاسْتِطَاعَةَ هَذَا الَّذِي فُهِمَ مِنْ كَلَامِهِمْ. فَإِنْ قِيلَ: مَا فَائِدَةُ إثْبَاتِ هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةِ وَمَا فَائِدَةُ كَوْنِهَا مَعَ الْفِعْلِ قُلْنَا: قَالَ أَبُو الْمُعِينِ النَّسَفِيُّ فِي بَحْرِ الْكَلَامِ مَا حَاصِلُهُ إثْبَاتُ أَصْلِ الِاسْتِطَاعَةِ لِنَفْيِ الْجَبْرِ وَإِثْبَاتُ الْمَعِيَّةِ لِنَفْيِ خَلْقِ الْعَبْدِ فِعْلَهُ لِأَنَّ الْعَبْدَ إذَا كَانَ مُسْتَطِيعًا مِنْ نَفْسِهِ قَبْلَ الْفِعْلِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْفِعْلِ وَكَلَامُ السَّعْدِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ هَذِهِ الْقُدْرَةَ عَرَضٌ وَالْعَرَضُ لَا بَقَاءَ لَهُ فَلَوْ كَانَتْ قَبْلَ الْفِعْلِ لَزِمَ وُقُوعُهُ بِلَا اسْتِطَاعَةٍ وَأَوْرَدَ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ هَذَا الصَّرْفُ مِنْ اللَّهِ فَالْجَبْرُ لَازِمٌ وَلِصُعُوبَةِ ذَلِكَ أَنْكَرَ السَّلَفُ عَلَى الْمُنَاظِرِينَ وَدُفِعَ بِأَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّهُ لَا جَبْرَ وَلَا تَفْوِيضَ وَلَكِنْ أَمْرٌ بَيْنَهَا فَيَجُوزُ أَنْ يُوجِدَ اللَّهُ الْقُدْرَةَ فِي الْعَبْدِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ لَهَا مَدْخَلٌ فِي تَأْثِيرِ فِعْلِهِ ثُمَّ قِيلَ: الْأَوْلَى طَرِيقَةُ تَرْكِ الْمُنَاظَرَةِ، لَعَلَّ ذَلِكَ لِلُزُومِ إثْبَاتِ التَّأْثِيرِ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِهِمْ، وَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ لَا يَقُولُ بِوُجُودِ الْإِرَادَةِ الْجُزْئِيَّةِ فِي الْخَارِجِ وَلَوْ سَلَّمَ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا خُلِقَ بِتَرْجِيحِ الْعَبْدِ أَحَدَ الْمَقْدُورَيْنِ وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّرْجِيحَ أَمْرٌ إضَافِيٌّ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْخَلْقُ وَتَحْقِيقُ الْمَقَامِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ الْأَرْبَعِ مِنْ التَّوْضِيحِ لَعَلَّكَ سَتَسْمَعُ مَا يُوَضِّحُ الْمَقَامَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الْمِنْعَامُ (وَتُطْلَقُ) الِاسْتِطَاعَةُ (عَلَى سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ) وَالْجَوَارِحِ كَالْحَوَاسِّ وَالْأَعْضَاءِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧]- وَهَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مِنْ طَرَفِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ الِاسْتِطَاعَةُ قَبْلَ الْفِعْلِ لَزِمَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ لِأَنَّهُ تَكْلِيفُ الْعَاجِزِ فَأَجَابَ بِأَنَّ هُنَا اسْتِطَاعَةً أُخْرَى مُقَدَّمَةً عَلَى الْفِعْلِ وَهِيَ سَلَامَةُ الْأَسْبَابِ (وَصِحَّةُ التَّكْلِيفِ) مِنْ اللَّهِ بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي (تَعْتَمِدُ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةِ الَّتِي قَبْلَ الْفِعْلِ لَا الِاسْتِطَاعَةِ الَّتِي مَعَ الْفِعْلِ فَلَا يَلْزَمُ الْعَجْزُ فَالِاسْتِطَاعَةُ الْمُقَدَّمَةُ لِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ وَالْمَعِيَّةُ لِمَدْخَلِيَّةِ الْعَبْدِ فِي اسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. قَالَ الْخَيَالِيُّ: وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ سَلَامَةَ الْأَسْبَابِ مَنَاطُ خَلْقِ اللَّهِ الْقُدْرَةَ الْحَقِيقِيَّةَ عِنْدَ الْقَصْدِ بِالْفِعْلِ فَبَعْدَ السَّلَامَةِ لَا حَاجَةَ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ إلَّا إلَى الْقَصْدِ (وَلَا يُكَلَّفُ الْعَبْدُ بِمَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ) أَيْ طَاقَتِهِ وَقُدْرَتِهِ بِمَعْنَى سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى

стр. 172

﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]- اعْلَمْ أَنَّ مَا لَا يُطَاقُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: مَا يَمْتَنِعُ فِي نَفْسِهِ كَشَرِيكِ الْبَارِي عَزَّ اسْمُهُ: فَلَا يَجُوزُ وَلَا يَقَعُ تَكْلِيفُهُ اتِّفَاقًا وَمَا يُمْكِنُ فِي نَفْسِهِ وَلَا يُمْكِنُ فِي الْعَبْدِ عَادَةً كَخَلْقِ الْأَجْسَامِ فَلَا يَقَعُ اتِّفَاقًا وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ لَا عِنْدَنَا وَالثَّالِثَةِ مَا يُمْكِنُ مِنْ الْعَبْدِ لَكِنْ تَعَلَّقَ بِعَدَمِهِ عِلْمُهُ تَعَالَى وَإِرَادَتُهُ وَخَبَرُهُ نَحْوَ - ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]- فَيَجُوزُ وَيَقَعُ بِالِاتِّفَاقِ فَإِمَّا أَنْ لَا يُعْتَبَرَ هَذَا الثَّالِثُ مِمَّا لَا يُطَاقُ لِإِمْكَانِهِ لِنَوْعِ الْعَبْدِ وَإِمَّا يُرَادُ مِنْ عَدَمِ الْوُسْعِ بِالنَّظَرِ إلَى نَوْعِ الْعَبْدِ أَوْ يُرَادُ كَمَالُ عَدَمِ الْوُسْعِ (وَالْمَقْتُولُ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ) فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَعَلِمَ أَنَّهُ يَمُوتُ فِيهِ قَالَ الْخَيَالِيُّ: وَلَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَجَازَ أَنْ يَمُوتَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَأَنْ لَا يَمُوتَ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ بِامْتِدَادِ الْعُمُرِ وَلَا بِالْمَوْتِ بَدَلَ الْقَتْلِ وَعُلِّلَ بِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْقَتْلِ لَا قَطْعَ بِوُجُودِ الْأَجَلِ وَلَا بِعَدَمِهِ، فَلَا قَطْعَ بِالْمَوْتِ وَلَا بِالْحَيَاةِ خِلَافًا لِلْعَلَّافِ فِي الْجَزْمِ بِالْمَوْتِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَقُولُ: إذَا كَانَ الْوَقْتُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعَلِمَهُ لِلْمَوْتِ مُعَيَّنًا فَلَا يَجُوزُ التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ وَلَا يَخْتَلِفُ بِالْمَوْتِ وَالْقَتْلِ فَيَلْزَمُ الْقَطْعُ بِالْمَوْتِ لَوْلَا الْقَتْلُ وَإِلَّا يَلْزَمُ تَبْدِيلُ الْقَوْلِ وَانْقِلَابُ الْعِلْمِ جَهْلًا وَلَوْ بُنِيَ عَلَى مَسْأَلَةِ الْأَجَلِ الْمُبْرَمِ وَالْمُعَلَّقِ بِمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى قَدَّرَ عُمُرَهُ أَرْبَعِينَ مَعَ الْقَتْلِ وَسِتِّينَ بِدُونِهِ فَلَا تَبَدُّلَ وَتَغَيُّرَ فِي نَفْسِهِ وَفِي عِلْمِهِ تَعَالَى لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ كَوْنَ عَبْدِهِ مَقْتُولًا فِيمَا لَا يُزَالُ وَكَوْنَ عُمُرِهِ أَرْبَعِينَ مَثَلًا وَعِنْدَ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الْمَقْتُولَ مَيِّتٌ قَبْلَ الْأَجَلِ وَالْقَاتِلُ قَطَعَ أَجَلَهُ وَلَوْلَا الْقَتْلُ يَمْتَدُّ عُمُرُهُ إلَى الْأَجَلِ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا نَحْوَ قَوْله تَعَالَى - ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩]- وَالنُّصُوصُ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَالتَّأْوِيلُ خِلَافٌ لَا يُرْجَعُ إلَيْهِ بِلَا دَلِيلٍ وَاحْتَجَّتْ الْمُعْتَزِلَةُ بِالْأَحَادِيثِ الظَّاهِرَةِ فِي كَوْنِ بَعْضِ الطَّاعَةِ يُزِيدُ الْعُمُرَ وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَيِّتًا بِأَجَلِهِ لَمَا اسْتَحَقَّ الْقَاتِلُ ذَمًّا وَعِقَابًا وَقِصَاصًا وَأُجِيبُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ هَذِهِ الطَّاعَةَ لَكَانَ عُمُرُهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَكِنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ يَفْعَلُهَا وَيَكُونُ عُمُرُهُ سَبْعِينَ سَنَةً فَنُسِبَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ إلَى تِلْكَ الطَّاعَةِ وَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ فَضْلَ عُمُرِهِ الْقَلِيلِ بِهَذِهِ الطَّاعَةِ كَفَضْلِ الْعُمُرِ الْكَثِيرِ بِدُونِ تِلْكَ الطَّاعَةِ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ لِلْقَاتِلِ مَدْخَلًا فِي مَوْتِ الْمَقْتُولِ لِأَنَّ خَلْقَ اللَّهِ تَعَالَى الْقَتْلَ فِي الْمَقْتُولِ إنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ فِعْلِهِ الَّذِي هُوَ الضَّرْبُ مَثَلًا وَأَنَّهُ تَعَبُّدٌ لَا يَلْزَمُ عَلَيْنَا مَعْرِفَةُ عِلَّتِهِ وَحِكْمَتِهِ (وَالْأَجَلُ وَاحِدٌ) خِلَافًا لِلْكَعْبِيِّ فِي أَنَّ لِلْمَقْتُولِ أَجَلَيْنِ قَتْلٌ وَمَوْتٌ وَلَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَعَاشَ إلَى أَجَلِ الْمَوْتِ وَلِلْفَلَاسِفَةِ فِي أَنَّ لِلْحَيَوَانِ أَجَلًا طَبِيعِيًّا وَهُوَ وَقْتُ مَوْتِهِ لِتَحَلُّلِ الرُّطُوبَةِ وَانْطِفَاءِ الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّتَيْنِ

стр. 173

وَأَجَلًا اخْتِرَامِيًّا بِحَسَبِ الْآفَاتِ وَالْأَمْرَاضِ. (وَالْحَرَامُ) وَهُوَ مَا نُصَّ أَوْ أُجْمِعَ عَلَى مَنْعِ تَنَاوُلِ عَيْنِهِ أَوْ جِنْسِهِ أَوْ وَرَدَ فِيهِ حَدٌّ أَوْ تَعْزِيرٌ أَوْ وَعِيدٌ شَدِيدٌ سَوَاءٌ كَانَ سَبَبُ الْحُرْمَةِ مَضَرَّةً خَفِيَّةً كَالزِّنَا وَمُذَكَّى الْمَجُوسِ أَوْ جَبَلِيَّةً كَالسُّمِّ وَالْخَمْرِ فَلَوْ ضَرَّ الْعَسَلُ كَمَا لِلْأَمْزِجَةِ الْحَارَّةِ حُرِّمَ وَمَا لَا نَصَّ فِيهِ حِلًّا وَحُرْمَةً يَرْجِعُ إلَى الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ مِنْ الْعَرَبِ فَمَا اسْتَخْبَثُوهُ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَا لَا فَحَلَالٌ كَذَا عَنْ شَرْحِ الْجَوْهَرَةِ لِلَّقَانِيِّ (رِزْقٌ) فِي اللُّغَةِ الْحَظُّ الْمُعْطَى وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْعَطَاءِ وَقِيلَ: هُوَ بِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ وَبِالْكَسْرِ اسْمٌ وَفِي الْعُرْفِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْحَيَوَانُ وَقَدْ يُرَادُ بِالتَّغَذِّي وَغَيْرِهِ وَأُورِدَ عَلَيْهِ بِلُزُومِ كَوْنِ الْعَوَارِيِّ زِرْقًا وَيَلْزَمُ أَكْلُ شَخْصٍ رِزْقَ غَيْرِهِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الرِّزْقَ اسْمٌ لِمَا يَسُوقُهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى الْحَيَوَانِ فَيَأْكُلُهُ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا (وَكُلٌّ يَسْتَوْفِي رِزْقَ نَفْسِهِ وَلَا يَأْكُلُ أَحَدٌ رِزْقَ غَيْرِهِ وَلَا غَيْرُهُ رِزْقَهُ) وَبِالْجُمْلَةِ لِلرِّزْقِ مَعْنَيَانِ: خَاصٌّ بِالْمَأْكُولِ وَعَامٌّ لِمُطْلَقِ الِانْتِفَاعِ وَعَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]- لَعَلَّ الْخَاصَّ شَامِلٌ لِلْحَرَامِ وَهُوَ الْمَرَامُ هُنَا وَالْعَامُّ خَاصٌّ بِالْمِلْكِ الْحَلَالِ وَمِنْ هُنَا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ نِزَاعُ الْمُعْتَزِلِيِّ فِي أَنَّ الْحَرَامَ لَيْسَ بِرِزْقٍ لَفْظِيًّا إذْ هُوَ عَلَى الْمَعْنَى الْأَخِيرِ. (وَعَذَابُ الْقَبْرِ) التَّخْصِيصُ بِالْقَبْرِ إمَّا عَلَى الْغَالِبِ أَوْ يُرَادُ مِنْ الْقَبْرِ مُطْلَقُ الْبَرْزَخِ وَإِلَّا فَالْغَرِيقُ فِي الْمَاءِ وَالْمَصْلُوبُ وَالْمُحَرَّقْ إلَى إنْ كَانَ رَمَادًا وَالْمَأْكُولُ لِلْحَيَوَانِ وَنَحْوِهَا مُعَذَّبٌ إنْ أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَاخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّتِهِ فَقِيلَ: عَنْ النِّهَايَةِ يُعَذَّبُ بِلَا حَيَاةٍ إذْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي ثُبُوتِ الْأَلَمِ وَقِيلَ: بِحَيَاةٍ فَقِيلَ: يُجْعَلُ الرُّوحُ فِي جَسَدِهِ كَمَا كَانَ فِي الدُّنْيَا فَيَجْلِسُ وَيُسْأَلُ وَقِيلَ: السُّؤَالُ لِلرُّوحِ فَقَطْ وَقِيلَ: يَدْخُلُ الرُّوحُ فِي جَسَدِهِ إلَى صَدْرِهِ وَقِيلَ: يَدْخُلُ بَيْنَ كَفَنِهِ وَجَسَدِهِ وَجَاءَ فِي كُلِّ ذَلِكَ آثَارٌ وَالصَّحِيحُ أَنْ يُقَرَّ بِأَصْلِهِ وَلَا يُشْتَغَلَ بِكَيْفِيَّتِهِ وَقِيلَ: الْأَصَحُّ مَحَلُّ الْعَذَابِ الرُّوحُ وَالْبَدَنُ جَمِيعًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَكَذَا فِي النَّعِيمِ - قَالَ الْعَلَّامَةُ الثَّانِي فِي التَّهْذِيبِ وَبِالْجُمْلَةِ فَاَلَّذِي ثَبَتَ فِي الدِّينِ هُوَ أَنَّ لِلْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ نَوْعَ حَيَاةٍ قَدْرَ مَا يَتَأَلَّمُ وَيَتَلَذَّذُ وَهَلْ ذَلِكَ بِإِعَادَةِ الرُّوحِ إلَيْهِ أَوْ بِالْحَالَةِ الَّتِي يُسَمَّى زَوَالُهَا مَوْتًا، فِيهِ تَرَدُّدٌ. وَقَالَ فِي بَحْرِ الْكَلَامِ الْعَذَابُ لِلرُّوحِ وَالْجَسَدِ (لِلْكَافِرِينَ) أَيْ كُلِّهِمْ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْجَمْعِ مَعَ اللَّامِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَهْدِ الِاسْتِغْرَاقُ. قَالَ فِي بَحْرِ الْكَلَامِ يُرْفَعُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ وَشَهْرِ رَمَضَانَ بِحُرْمَةِ هَذَا النَّبِيِّ ﷺ كَمَا رُفِعَ عَنْهُمْ مَا دَامُوا فِي الدُّنْيَا بِحُرْمَتِهِ (وَلِبَعْضِ عُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ) فَغَيْرُ الْعَاصِي يَعْنِي الْمُطِيعَ وَبَعْضُ الْعُصَاةِ وَهُمْ مَنْ لَا يُرِيدُ اللَّهُ تَعَالَى تَعْذِيبَهُمْ لِأَنَّهُ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ لَا يُعَذَّبُ بَلْ يُنَعَّمُ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ هُنَا لَكِنْ فِي الْبَحْرِ إنَّ الْمُطِيعَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَذَابٌ لَكِنْ لَهُ ضَغْطَةٌ فَيَجِدُ هَوْلَ ذَلِكَ وَخَوْفَهُ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَعَنْ أَبَوَيْهَا «كَيْفَ حَالُك عِنْدَ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ وَسُؤَالِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ ثُمَّ قَالَ يَا حُمَيْرَاءُ إنَّ ضَغْطَةَ الْقَبْرِ لِلْمُؤْمِنِ كَغَمْزِ الْأُمِّ رِجْلَ وَلَدِهَا بِيَدِهَا وَسُؤَالَ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ لِلْمُؤْمِنِينَ كَالْإِثْمِدِ لِلْعَيْنِ إذَا رَمِدَتْ» وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: كَيْفَ حَالُك إذَا أَتَاك فَتَّانَا الْقَبْرِ فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أَنَا أَكُونُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ وَيَكُونُ مَعِي عَقْلِي فَقَالَ ﷺ : نَعَمْ فَقَالَ عُمَرُ: إذًا لَا أُبَالِي وَالْعَذَابُ لِلْعَاصِي وَالضَّغْطَةُ لِلْمُطِيعِ يَزُولُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتَهُ ثُمَّ لَا يَعُودُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَتَهُ يَكُونُ الْعَذَابُ وَالضَّغْطَةُ سَاعَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يَزُولُ وَلَا يَرْجِعُ أَيْضًا» انْتَهَى مُلَخَّصًا لَعَلَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَإِلَّا فَالْعُمُومُ فِي غَايَةِ الْخَفَاءِ وَقِيلَ: هَذَا الْعَذَابُ مُخْتَصٌّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ إكْرَامًا لَأَنْ يَنْتَهِيَ عَذَابُهُمْ فِي الْقَبْرِ وَالْأَصَحُّ الْعُمُومُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ الْعَذَابِ وَكَذَا التَّنْعِيمُ آيَاتٌ وَأَحَادِيثُ مُتَوَاتِرَةٌ مَعْنًى - ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]- ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح: ٢٥] ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ - يُرْزَقُونَ - فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٤٦ - ١٧٠] «الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ» . «إذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ يَدْخُلُ عَلَيْهِ مَلَكَانِ» الْحَدِيثَ وَبِالْجُمْلَةِ ثُبُوتُ ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ. لَا يَخْفَى أَنَّ دَلَالَةَ النُّصُوصِ عَلَى عَذَابِ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ كُلًّا وَبَعْضًا لَيْسَتْ بِظَاهِرَةٍ إلَّا أَنْ يُدَّعَى دَلَالَةُ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ فَافْهَمْ.

стр. 174

(وَتَنْعِيمُ أَهْلِ الطَّاعَةِ فِيهِ) أَيْ الْقَبْرِ (بِمَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى وَيُرِيدُهُ) مِنْ أَنْوَاعِ الْأَلْطَافِ وَأَصْنَافِ الْإِحْسَانِ عَلَى حَسَبِ صَلَاحِ الْمُؤْمِنِ وَعَلَى رُتْبَةِ اسْتِحْقَاقِهِ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ» . قَالَ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ وَهَذَا يَعْنِي ذِكْرُ التَّنْعِيمِ أَوْلَى مِمَّا وَقَعَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى إثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ فِيهِ أَكْثَرُ، وَعَلَى أَنَّ عَامَّةَ أَهْلِ الْقُبُورِ كُفَّارٌ وَعُصَاةٌ فَالتَّعْذِيبُ بِالذِّكْرِ أَجْدَرُ ثُمَّ إنَّهُ هَلْ يَكْفُرُ جَاحِدُ عَذَابِ الْقَبْرِ فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى كَالتَّتَارْخَانِيَّةِ يَكْفُرُ وَفِي بَعْضِهَا كَالصَّيْرَفِيَّةِ لَا يَكْفُرُ وَهُوَ مُشْكِلٌ مَعَ دَعْوَى تَوَاتُرِ أَحَادِيثِهَا كَمَا سَبَقَ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ. قَالَ الدَّوَانِيُّ: الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ هُنَا بَالِغَةٌ إلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ وَكَذَا فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ لِلسَّعْدِ وَقَدْ سَمِعْتَ الْإِجْمَاعَ أَيْضًا (وَسُؤَالُ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ لِأَنَّهُ يُنْكِرُهُ مَنْ رَآهُ لِعَدَمِ شَبَهِهِ بِخَلْقٍ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْحَيَوَانِ لِأَنَّهُمَا أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ

стр. 175

فَإِنَّهُ جَعَلَهُمَا نَكِرَةً لِلْمُؤْمِنِ لِيُبَصِّرَهُ وَيُثَبِّتَهُ وَعَذَابًا عَلَى غَيْرِهِ كَمَا فِي الْمُنَاوِيِّ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا لَيْسَا كَذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِ بَلْ بِالنَّظْرَةِ الْحَسَنَةِ. نُقِلَ عَنْ الْعِصَامِ النَّكِيرُ أَهْيَبُ مِنْ الْمُنْكَرِ لِدَلَالَةِ الصِّيغَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا جِنْسَانِ وَإِلَّا فَفِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ يَتَّفِقُ أَمْوَاتٌ بِأَطْرَافِ الْعَالَمِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْأَلَا الْجَمِيعَ فِي آنٍ وَاحِدٍ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ فِي تَنْكِيرِهِمَا الْإِشَارَةُ إلَى هَذَا، لَا يَخْفَى أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمَطَالِبِ الْأُخْرَوِيَّةِ كُلِّهَا إنَّمَا هِيَ بِالسَّمْعِ وَلَا مَدْخَلَ لِلدِّرَايَةِ فِيهَا فَإِنَّ أَحْكَامَ عَالَمِ الْمَلَكُوتِ لَا تُقَاسُ عَلَى أَحْوَالِ الْمِلْكِ وَالنَّاسُوتِ فَإِنَّهَا تَعْجَزُ الْعُقُولُ عَنْ الْوُصُولِ بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ حَقِيقَةَ أُمُورِ الْآخِرَةِ مُلْحَقَةٌ بِالْمُتَشَابِهَاتِ ثُمَّ إنَّ السُّؤَالَ هَلْ يَكُونُ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالصِّبْيَانِ نَقَلَ التَّفْتَازَانِيُّ عَنْ السَّيِّدِ أَبِي شُجَاعٍ أَنَّهُ نَعَمْ وَقِيلَ: لَا يُسْأَلُ الْأَنْبِيَاءُ وَلَكِنْ يُسْأَلُ الصِّبْيَانُ لِحِكْمَةِ فَاعِلِهِ وَالْأَحَادِيثُ فِيهِ أَيْضًا كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الدَّوَانِيُّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا مُنْكَرٌ وَالْآخَرِ نَكِيرٌ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا كُنْت تَقُولُ فِي حَقِّ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا فَيَقُولُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولَانِ قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّك تَقُولُ هَذَا ثُمَّ يُفْسَحُ فِي قَبْرِهِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ ذِرَاعٍ ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فَيَقُولُ: أَرْجِعُ إلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ فَيَقُولَانِ: نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إلَّا حِبُّ أَهْلِهِ إلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا فَيَقُولُ سَمِعْت النَّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ مِثْلَهُمْ، لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّك تَقُولُ ذَلِكَ فَيُقَالُ لِلْأَرْضِ الْتَئِمِي عَلَيْهِ فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ فَتَخْتَلِفُ أَضْلَاعُهُ فَلَا يَزَالُ فِيهِ مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ» . (وَالْبَعْثُ) وَهُوَ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ الْمَوْتَى مِنْ الْقُبُورِ بِإِعَادَةِ الْبَدَنِ الْمَعْدُومِ بِعَيْنِهِ عِنْدَ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَيْ أَكْثَرِهِمْ وَبِأَنْ يَجْمَعَ أَجْزَاءَهُ الْمُتَفَرِّقَةَ كَمَا كَانَتْ أَوَّلًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَهُمْ يَرَوْنَ امْتِنَاعَ إعَادَةِ الْمَعْدُومِ كَالْفَلَاسِفَةِ وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ حَشْرَ الْأَجْسَادِ بِالْإِعَادَةِ بَعْدَ الِانْعِدَامِ أَوْ بِالْجَمْعِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ وَأَنَّ الْمَذَاهِبَ فِي الْبَعْثِ خَمْسَةٌ ثُبُوتُ الْجُسْمَانِيِّ فَقَطْ لِأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ النَّافِينَ لِلنَّفْسِ النَّاطِقَةِ وَثُبُوتُ الرُّوحَانِيِّ فَقَطْ لِلْفَلَاسِفَةِ الْمُتَأَلِّهِينَ وَثُبُوتُهُمَا مَعًا لِأَكْثَرِ الْمُحَقِّقِينَ وَعَدَمُ شَيْءٍ مِنْهُمَا لِقُدَمَاءِ الْفَلَاسِفَةِ الطَّبِيعِيِّينَ وَالتَّوَقُّفُ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ لِجَالِينُوسَ وَدَلِيلُ أَهْلِ الْحَقِّ إجْمَاعُ الْمِلَلِ الثَّلَاثِ وَنُصُوصُ الْقُرْآنِ الْمُتَكَثِّرَةُ الظَّاهِرَةُ بِحَيْثُ لَا تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦]- ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]- نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الْإِنْصَافَ عَدَمُ الْجَمْعِ بَيْنَ إيمَانِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ إنْكَارِ الْحَشْرِ فَالْمُنْكِرُ كَافِرٌ قَطْعًا. (وَالْوَزْنُ) هُوَ مُسَاوَاةُ شَيْءٍ بِآخَرَ بِآلَةٍ مَخْصُوصَةٍ هِيَ الْمِيزَانُ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا يُعْرَفُ بِهِ مَقَادِيرُ الْأَعْمَالِ وَالْعَقْلُ قَاصِرٌ عَنْ إدْرَاكِ كَيْفِيَّتِهِ فَنُؤْمِنُ بِهِ وَنُفَوِّضُ كَيْفِيَّتَهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ: تُوزَنُ صَحَائِفُ الْأَعْمَالِ وَقِيلَ: تُجْعَلُ الْحَسَنَاتُ أَجْسَامًا نُورَانِيَّةً وَالسَّيِّئَاتُ ظُلْمَانِيَّةً وَقِيلَ: يُوزَنُ الْعَبْدُ مَعَ عَمَلِهِ مَرَّةً بِالْخَيْرِ وَمَرَّةً بِشَرِّهِ وَالْحِكْمَةُ فِي الْوَزْنِ مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِتَفَاصِيلِ أَعْمَالِ عِبَادِهِ إظْهَارُ فَضَائِلِ الْمُطِيعِينَ وَمَنَاقِبِهِمْ وَفَضَائِحِ الْعُصَاةِ وَمَثَالِبِهِمْ عَلَى أَهْلِ الْعَرَصَاتِ تَتْمِيمًا لِمَسَرَّةِ الْأَوَّلِينَ وَحَسْرَةِ الْآخِرِينَ وَإِظْهَارُ كَمَالِ عَدَالَتِهِ تَحَاشِيًا عَنْ صُورَةِ الظُّلْمِ فَلَا يَتَوَهَّمُ أَحَدٌ عَدَمَ اسْتِحْقَاقِ الْعُصَاةِ لِمَا يُعَذَّبُونَ بِهِ وَمِثْلُهُ فَائِدَةُ الْحِسَابِ وَشَهَادَةِ الْأَعْضَاءِ وَكُتُبِ الْمَلَائِكَةِ وَعِنْدَ الْبَعْضِ الْمِيزَانُ وَاحِدٌ لَهُ كِفَّتَانِ وَلِسَانٌ وَسَاقَانِ عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ وَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ - ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]- لِلِاسْتِعْظَامِ قَالَ فِي الْبَحْرِ قَدْ يُذْكَرُ الْجَمْعُ وَيُرَادُ بِهِ الْوَاحِدُ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى

стр. 176

﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١]- وَالْمُرَادُ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحْدَهُ وَمَحَلُّ الْمِيزَانِ وَكَذَا الْحِسَابُ. قَالَ فِي بَحْرِ الْكَلَامِ عَلَى الصِّرَاطِ بِشَهَادَةِ ظَوَاهِرِ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ لَكِنَّ الْمُتَبَادِرَ هُوَ الْعَرَصَاتُ قَبْلَ السَّوْقِ إلَى الصِّرَاطِ، وَزَمَانُهُ قِيلَ: قَبْلَ قِرَاءَةِ الْكُتُبِ بِإِشَارَةِ بَعْضِ الْأَخْبَارِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ التَّعَيُّنِ. (وَالْكِتَابُ) الَّذِي كَتَبَهُ الْحَفَظَةُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْ الطَّاعَاتِ وَالْعِصْيَانِ يُؤْتَى لِلْمُؤْمِنِينَ بِأَيْمَانِهِمْ وَلِلْكُفَّارِ بِشَمَائِلِهِمْ وَوَرَاءِ ظُهُورِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩]- الْآيَةُ وَكَيْفِيَّةُ كِتَابَةِ الْحَفَظَةِ عَنْ الضَّحَّاكِ لِكُلِّ يَوْمٍ يَنْزِلُ مَلَكَانِ مَعَ صَحِيفَتَيْنِ وَعَنْ مُجَاهِدٍ لِسَانُكَ قَلَمُهُمَا وَرِيقُكَ مِدَادُهُمَا وَبَدَنُك كِتَابُهُمَا. قَالَ أَبُو الْمُعِينِ النَّسَفِيُّ الْأَوَّلُ أَصَحُّ وَقَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مَلَكَانِ بِاللَّيْلِ وَمَلَكَانِ بِالنَّهَارِ وَيَنْزِلُ مَلَكُ النَّهَارِ وَيَذْهَبُ مَلَكُ اللَّيْلِ فَإِنْ قِيلَ: الْمُؤْمِنُ الْفَاسِقُ كَيْفَ يُعْطَى كِتَابُهُ قُلْنَا: الْمَشْهُورُ بِجَانِبِ الْيَمِينِ وَقِيلَ: بِالشِّمَالِ وَقِيلَ: بِالتَّوَقُّفِ وَقِيلَ: الْفَاسِقُ بِالشِّمَالِ وَالْكَافِرُ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ. (وَالسُّؤَالُ) لَا سُؤَالُ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ حَتَّى يُتَوَهَّمَ التَّكْرَارُ بَلْ سُؤَالُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقِيَامَةِ حِينَ الْحِسَابِ قِيلَ: اُخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ هَذَا السُّؤَالِ أَيْ الْحِسَابِ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَحَدِهَا بِعِلْمِهِمْ مَا لَهُمْ وَمَا عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ عُلُومًا ضَرُورِيَّةً بِمَقَادِيرِ أَعْمَالِهِمْ ثَوَابًا وَعِقَابًا وَثَانِيهَا بِإِيتَاءِ كُتُبِ الْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَثَالِثِهَا بِأَنْ يُكَلِّمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ أَعْمَالِهِمْ وَمَا لَهَا مِنْ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ نُقِلَ عَنْ الْفَخْرِ أَيْضًا إمَّا بِأَنْ يُسْمِعَهُمْ كَلَامَهُ الْقَدِيمَ أَوْ يُسْمِعَ عِبَادَهُ صَوْتًا يَدُلُّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي بَحْرِ النَّسَفِيِّ لَيْسَ لِلْأَنْبِيَاءِ حِسَابٌ وَلَا عَذَابُ الْقَبْرِ وَلَا سُؤَالُ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ وَكَذَلِكَ الْعَشَرَةُ الْمُبَشَّرَةُ يَعْنِي حِسَابَ الْمُنَاقَشَةِ الَّذِي بِطَرِيقِ لِمَ فَعَلْت كَذَا وَأَمَّا حِسَابُ الْعَرْضِ الَّذِي هُوَ فَعَلْتَ كَذَا وَعَفَوْتُ عَنْك فَثَابِتٌ لَهُمْ لَعَلَّ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ كُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ وَهُمْ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ كَمَا يُشِيرُ إلَى قَوْله تَعَالَى - ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون: ١٠٢]- ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] . (وَالْحَوْضُ) جِسْمٌ مَخْصُوصٌ طُولُهُ وَعَرْضُهُ سَوَاءٌ يَصُبُّ فِيهِ مِيزَابَانِ فِي الْجَنَّةِ كَذَا نُقِلَ عَنْ اللَّقَانِيِّ. وَفِي الْمُنَاوِيِّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضٌ إلَّا صَالِحًا ﵊ فَإِنَّ حَوْضَهُ ضَرْعُ نَاقَتِهِ قَالَ: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَوْ يَشْهَدُ فَهَذَا لَمْ يَخْتَصَّ بِنَبِيِّنَا ﷺ وَمَا اُشْتُهِرَ مِنْ الِاخْتِصَاصِ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْكَوْثَرِ الَّذِي يُصَبُّ مِنْ مَائِهِ فِي حَوْضِهِ وَهُوَ ثَابِتٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كَقَوْلِهِ ﷺ «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنْ اللَّبَنِ وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنْ الْمِسْكِ وَكِيزَانُهُ أَكْثَرُ مِنْ نُجُومِ السَّمَاءِ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَا يَظْمَأُ أَبَدًا» فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يُشْرَبَ بَعْدَ مَرَّةً وَاحِدَةً لِعَدَمِ الظَّمَأِ وَالْعَطَشِ بَعْدَ

стр. 177

شُرْبِهِ أَبَدًا قُلْنَا: قَالَ فِي تَذْكِرَةِ الْقُرْطُبِيِّ: لَا تَنْحَصِرُ فَائِدَةُ الشُّرْبِ عَلَى دَفْعِ الْعَطَشِ بَلْ يَشْرَبُ لِنَحْوِ التَّلَذُّذِ وَالتَّغَذِّي. وَقَالَ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ: يَجُوزُ لِلشُّرْبِ نَفْعٌ آخَرُ غَيْرُهُ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ وَقُدِّرَ لَهُ دُخُولُ النَّارِ لَا يُعَذَّبُ فِيهَا بِالظَّمَأِ أَبَدًا وَقِيلَ: هُوَ اثْنَانِ، فِي الْقِيَامَةِ وَفِي الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: رَأْسُهُ فِي الْجَنَّةِ وَأَسْفَلُهُ يَكُونُ حَوْضًا فِي الْعَرَصَاتِ وَقِيلَ: مَا فِي الْعَرَصَاتِ هُوَ مَا فِي الْجَنَّةِ يُنْقَلُ مِنْ الْجَنَّةِ إلَى الْعَرَصَاتِ ثُمَّ مِنْ الْعَرَصَاتِ إلَى الْجَنَّةِ. وَفِي الْخَبَرِ «يُؤْتَى بِعَالِمٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى فَيُرْسِلُهُ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ جَبْرَائِيلُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَلَى شَطِّ حَوْضِهِ يَسْقِي أُمَّتَهُ بِالْأَوَانِي فَيَسْقِي الْعَالِمَ بِكَفَّيْهِ وَيَقُولُ: كَانَ يَشْتَغِلُ بِالْعِلْمِ حِينَ يَشْتَغِلُ النَّاسُ بِالتِّجَارَةِ» . (وَالصِّرَاطُ) جِسْرٌ مَمْدُودٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ يَرِدُهُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارِ حُمِلَ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]- «لَا طَرِيقَ لِلْجَنَّةِ إلَّا عَلَيْهِ وَالنَّبِيُّ قَائِمٌ عَلَيْهِ قَائِلًا يَا رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ أَدَقُّ مِنْ الشَّعْرِ وَأَحَدُّ مِنْ السَّيْفِ وَالنَّاسُ فِي جَوَازِهِ مُتَفَاوِتُونَ عَلَى حَسَبِ إيمَانِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ فَمِنْهُمْ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ وَمِنْهُمْ كَالرِّيحِ وَمِنْهُمْ كَالْجَوَادِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُجَرُّ مِنْ رِجْلَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُكَبُّ عَلَى وَجْهِهِ» وَرُوِيَ أَيْضًا «يَكُونُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ أَدَقُّ مِنْ الشَّعْرِ وَعَلَى بَعْضٍ مِثْلُ الْوَادِي الْوَاسِعِ بَلْ بَعْضٌ يَمُرُّ عَلَيْهِ وَلَا يَعْلَمُهُ» . وَفِي تَذْكِرَةِ الْقُرْطُبِيِّ النَّاسُ عَلَى الصِّرَاطِ أَفْوَاجٌ الْمُرْسَلُونَ ثُمَّ النَّبِيُّونَ ثُمَّ الصِّدِّيقُونَ ثُمَّ الْمُحْسِنُونَ ثُمَّ الشُّهَدَاءُ ثُمَّ الْمُؤْمِنُونَ الْعَارِفُونَ وَيَبْقَى الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ الْمَكْبُوبُ لِوَجْهِهِ وَمِنْهُمْ الْمَحْبُوسُ فِي الْأَعْرَافِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَصَّرُوا عَنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَجُوزُ عَلَى مِائَةِ عَامٍ وَآخَرُ عَلَى أَلْفِ عَامٍ إلَى آخِرِ مَا قَالَ وَعَنْ أَبِي الْفَرَجِ الْجَوْزِيِّ أَكْثَرُ مَنْ يَزِلُّ عَلَيْهِ النِّسَاءُ (وَشَفَاعَةُ) فِي اللُّغَةِ الْوَسِيلَةُ وَالطَّلَبُ وَفِي الْعُرْفِ سُؤَالُ الْخَيْرِ لِلْغَيْرِ مِنْ الشَّفْعِ ضِدُّ الْوَتْرِ كَأَنَّ الشَّافِعَ ضَمَّ سُؤَالَهُ إلَى سُؤَالِ الْمَشْفُوعِ لَهُ كَذَا نُقِلَ عَنْ اللَّقَانِيِّ (الرُّسُلِ) قِيلَ: وَلَوْ رُسُلُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى كُلِّهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (وَالْأَخْيَارِ) لِدَفْعِ الْعَذَابِ وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَهُمْ الْعُلَمَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ عَلَى إجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثٌ الْأَنْبِيَاءُ وَالْعُلَمَاءُ وَالشُّهَدَاءُ» . قَالَ الْمُنَاوِيُّ: لَمَّا كَانَ الْعُلَمَاءُ أَفْنَوْا نَفَائِسَ أَوْقَاتِهِمْ فِي الْعِلْمِ لِلْإِحْسَانِ إلَى النَّاسِ بِهِ أَكْرَمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِوِلَايَةِ مَقَامِ الْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ بِالشَّفَاعَةِ جَزَاءً وِفَاقًا وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ أَفْضَلُ مِنْ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضًا «يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الشَّهِيدُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ» وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى - ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]- وقَوْله تَعَالَى - ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]- فَأُجِيبُ بِأَنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْعُمُومِ فِي الْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ يَجِبُ تَخْصِيصُهُ بِالْكُفَّارِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ أَدِلَّةَ الْمُثْبِتِينَ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]- وَقَوْلُهُ - ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]- وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» وقَوْله تَعَالَى - ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ١٠٩]- وقَوْله تَعَالَى - ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]- عَلَى طَرِيقِ الْإِشَارَةِ وَأَدِلَّةُ النَّفْيِ عَلَى طَرِيقِ الْعِبَارَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعِبَارَةَ تُرَجَّحُ عَلَى الْإِشَارَةِ وَأَيْضًا أَدِلَّةُ النَّفْيِ نُصُوصٌ أَوْ مُفَسِّرَاتٌ وَأَدِلَّةُ الْإِثْبَاتِ مُؤَوِّلَاتٌ أَوْ ظَوَاهِرُ وَقَدْ قُرِّرَ أَيْضًا رُجْحَانُ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَا يُعَارِضُ نَصَّ الْقُرْآنِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﵊ «لَا يَنَالُ شَفَاعَتِي أَهْلُ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» فَمُقْتَضَى جَمْعِ الْأَدِلَّةِ نَاسَبَ أَنْ يَكُونَ بِحَمْلِ النَّفْيِ عَلَى نَحْوِ الْكَبِيرَةِ، وَالْإِثْبَاتِ لِلصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَلِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ أَقُولُ: الْمَصِيرُ إلَى التَّرْجِيحِ عِنْدَ عَدَمِ الْجَمْعِ وَالتَّوْفِيقِ وَقَدْ قُرِّرَ فِي الْأُصُولِ خَبَرُ الْوَاحِدِ جَازَ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِمَا

стр. 178

احْتَمَلَ النَّصُّ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ صَاحِب النِّهَايَةِ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الْمُؤَيَّدَ بِالْحُجَّةِ الْقَطْعِيَّةِ يَصِحُّ إضَافَةُ الْغَرَضِ إلَيْهِ وَإِنْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بِأَنَّ الْحُكْمَ حِينَئِذٍ يُضَافُ إلَى ذَلِكَ الْقَطْعِيِّ لَكِنْ دُفِعَ بِأَنَّ مِنْ الْمُقَرَّرَاتِ صِحَّةَ إضَافَةِ الْحُكْمِ الْمُبَيِّنِ إلَى الْبَيَانِ أَيِّ بَيَانٍ كَانَ وَبِالْجُمْلَةِ يَجُوزُ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَى الْكِتَابِ وَإِلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ الْمُبَيِّنِ لَهُ وَلَوْ مِنْ جِهَةِ دَفْعِ احْتِمَالِهِ الْقَادِحِ فِي مُفَسَّرِيَّتِهِ أَوْ مُحَكَّمِيَّتِهِ فَاحْفَظْ هَذِهِ اللَّطَائِفَ النَّفِيسَةَ تَنْفَعُك فِي الْمَوَاضِعِ الصَّعْبَةِ وَبِالْجُمْلَةِ يَصِحُّ إضَافَةُ شَفَاعَةِ الْكَبِيرَةِ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بِالتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ. وَأَمَّا حَدِيثُ لَا يَنَالُ فَبَعْدَ مَا أَشَارَ النَّسَفِيُّ إلَى عَدَمِ صِحَّتِهِ قَالَ: مَحْمُولٌ عَلَى اسْتِحْلَالِ ذَلِكَ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْإِضَافَةَ فِي أُمَّتِي لَا تُلَائِمُهُ (لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ وَغَيْرِهِمْ) كَأَهْلِ الصَّغَائِرِ وَلِرِفْعَةِ الدَّرَجَةِ، وَأَعْظَمُ الشَّفَاعَاتِ شَفَاعَةُ نَبِيِّنَا ﷺ قَالَ الْمُحَقِّقُ الدَّوَانِيُّ عَنْ الْغَيْرِ: هُوَ ﵊ مُشَفَّعٌ فِي جَمِيعِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إلَّا أَنَّ شَفَاعَتَهُ لِلْكُفَّارِ لِتَعْجِيلِ فَصْلِ الْقَضَاءِ فَيُخَفِّفُ عَنْهُمْ أَهْوَالَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ لِلْعَفْوِ وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ فَشَفَاعَتُهُ عَامَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]- وَلَا يُرَدُّ مَطْلُوبُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥]- وَلِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لَهُ: اشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ» وَهُوَ ﵊ لَا يَرْضَى إلَّا بِإِخْرَاجِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ الْإِيمَانِ مِنْ النَّارِ هَذَا هُوَ الشَّفَاعَةُ الْكُبْرَى الَّتِي خَصَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ بِهَا. قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي مَوَاهِبِهِ الشَّفَاعَةُ خَمْسٌ وَنُقِلَ مِثْلُهُ عَنْ اللَّقَانِيِّ بِبَعْضِ زِيَادَةِ قُيُودِهَا، الْأَوَّلُ فِي الْإِرَاحَةِ مِنْ هَوْلِ الْمَوْقِفِ أَعْظَمُهَا وَأَعْمَلُهَا. الثَّانِي فِي إدْخَالِ قَوْمٍ الْجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ وَهُمَا مُخْتَصَّانِ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. الثَّالِثُ: فِيمَنْ اسْتَوْجَبَ النَّارَ. الرَّابِعُ: فِي إخْرَاجِ مَنْ دَخَلَ النَّارَ. الْخَامِسُ: فِي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَنُقِلَ عَنْ السُّيُوطِيّ زِيَادَةُ سَادِسَةٍ فِي تَخْفِيفِ الْعَذَابِ عَمَّنْ اسْتَحَقَّ الْخُلُودَ فِي النَّارِ كَمَا قَالَ فِي حَقِّ أَبِي طَالِبٍ «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ النَّارِ» وَفِي شِفَاءِ الْقَاضِي «أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحْفَظُك وَيَنْصُرُك وَيُبْغِضُ لَك فَهَلْ نَفَعَهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَجَدْتُهُ فِي غَمَرَاتٍ مِنْ النَّارِ فَأَخْرَجْتُهُ إلَى ضَحْضَاحٍ» وَزَادَ فِي الْمَوَاهِبِ سَابِعَةً وَهِيَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ. (وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ الْمَوْجُودَتَانِ الْآنَ) لِأَنَّ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثَ فِي بَيَانِهِمَا أَشْهَرُ مِنْ أَنْ لَا تَخْفَى وَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَلِقِصَّةِ آدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِذَا ثَبَتَ وُجُودُهُمَا مَرَّةً لَا يُحْكَمُ عَلَى عَدَمِهِمَا مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَإِلَّا صَحَّ عَدَمُ تَعَيُّنِ مَكَانِهِمَا. قَالَ الدَّوَانِيُّ: وَالْأَكْثَرُونَ أَنَّ الْجَنَّةَ فَوْقَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَتَحْتَ

стр. 179

الْعَرْشِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ١٤] ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٥]- وَأَنَّ النَّارَ تَحْتَ الْأَرْضِينَ وَعَنْ شَرْحِ الْمَقَاصِدِ وَالْحَقُّ تَفْوِيضُ عِلْمِهِمَا إلَى الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ. وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ هِرَقْلَ كَتَبَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا مُحَمَّدُ أَرَأَيْت جَنَّةً عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ فَأَيْنَ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ؟ فَقَالَ ﵊: سُبْحَانَ اللَّهِ أَيْنَ اللَّيْلُ إذَا جَاءَ النَّهَارُ» (الْبَاقِيَتَانِ لَا تَفْنَيَانِ وَلَا) يَفْنَى (أَهْلُهُمَا) لِأَنَّهُمْ مُؤَبَّدُونَ مُخَلَّدُونَ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]- فَهَلَاكٌ لَحْظِيٌّ لَا يَضُرُّنَا وَلِهَذِهِ الْآيَةِ تَأْوِيلٌ آخَرُ مَذْكُورٌ فِي شَرْحِ الْعَضُدِيَّةِ لِلدَّوَّانِيِّ قَالَ أَيْضًا فِيهِ عَنْ الْجَاحِظِ وَعَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيِّ أَنَّ الْخُلُودَ لِلْكَافِرِ الْمُعَانِدِ وَأَمَّا الْمُبَالِغُ فِي الِاجْتِهَادِ بِقَدْرِ وُسْعِهِ وَإِنْ لَمْ يَهْتَدِ فَلَا يَخْلُدْ إذْ لَا تَقْصِيرَ مِنْهُ وَ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وَفِي الْمُنْقِذِ لِلْإِمَامِ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ كَلَامٌ يَقْرَبُ مِنْهُ بَعْضَ الْقُرْبِ انْتَهَى وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ إنْ وَصَلَ إلَيْهِ الشَّرْعُ فَلَهُ تَقْصِيرٌ وَوُسْعٌ وَإِلَّا فَرَاجِعٌ إلَى مَسْأَلَةِ زَمَانِ الْفَتْرَةِ وَشَاهِقِ الْجَبَلِ وَأَمَّا أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ الدَّوَانِيُّ هُمْ فِي النَّارِ وَقِيلَ: مَنْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُ الْإِيمَانَ وَالطَّاعَةَ عَلَى تَقْدِيرِ بُلُوغِهِ فَفِي الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ عَلِمَهُ عَلَى خِلَافِهِ فَفِي النَّارِ وَعَنْ النَّوَوِيِّ هُمْ فِي الْجَنَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ خُدَّامُ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَقِيلَ: فِي الْأَعْرَافِ، لَعَلَّ الصَّحِيحَ التَّوَقُّفُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ أَدِلَّةَ كُلٍّ لَا تُفِيدُ الظَّنَّ فَضْلًا عَنْ الْقَطْعِ فَمَا ذَكَرُوا إمَّا بِالرَّأْيِ أَوْ الْقِيَاسِ أَوْ مَأْخُوذٌ مِنْ الْأَخْبَارِ الْوَاهِيَةِ وَمَسْأَلَةُ أُصُولِ الدِّينِ لَا تُتَلَقَّى إلَّا مِمَّنْ يَنْقَطِعُ الْعُذْرُ دُونَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا نُقِلَ عَنْ التوربشتي فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ. (وَالْمِعْرَاجُ) وَهُوَ السُّلَّمُ وَالْمِصْعَدُ وَعَرَجَ عُرُوجًا ارْتَقَى كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَالْمُرَادُ مُطْلَقُ الِانْتِقَالِ صُعُودًا حَتَّى يَشْمَلَ الْإِسْرَاءَ فَإِنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَعْلَى مِنْ مَكَّةَ كَمَا قَالُوا (لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فَإِنْ قِيلَ: الْمَفْهُومُ مِنْهُ اخْتِصَاصُ الْمِعْرَاجِ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ مُطْلَقًا حُجَّةٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِينَ اتِّفَاقًا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ وَحَمْلُ الْإِضَافَةِ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ بَعِيدٌ قُلْنَا بَعْدَ تَسْلِيمِ عَدَمِ كَوْنِ الْمِعْرَاجِ مِنْ خَوَاصِّهِ ﵊ الْمُرَادُ الْمِعْرَاجُ الثَّابِتُ عِنْدَنَا وَمِعْرَاجُ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَ بِثَابِتٍ عِنْدَنَا وَلَوْ بِطَرِيقِ آحَادٍ صَحِيحٍ (فِي الْيَقَظَةِ) ضِدُّ الْمَنَامِ وَمَا رُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ رُؤْيَا صَالِحَةٌ وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مَا فُقِدَ جَسَدُ مُحَمَّدٍ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ فَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الرُّؤْيَا بِالْعَيْنِ وَمَا فَقَدَ جَسَدُهُ رُوحَهُ بَلْ بِجَمِيعِهِمَا أَوْ الْمِعْرَاجُ تَكَرَّرَ مَرَّةً بِشَخْصِهِ وَمَرَّةً بِرُوحِ جَسَدِهِ (بِشَخْصِهِ) صُورَتِهِ الْجُسْمَانِيَّةِ لَا بِالرُّوحِ فَقَطْ كَمَا زُعِمَ (مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أَيْ مِنْ حَطِيمِهِ أَوْ مِنْ حَجَرِهِ عَلَى شَكِّ رُوَاتِهِ كَمَا نُقِلَ الْحَدِيثُ فِي الْمَوَاهِبِ عَنْ الْبُخَارِيِّ (إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَصْفُهُ بِالْأَقْصَى قِيلَ: لِبُعْدِهِ عَنْ مَكَّةَ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ وَرَاءَهُ مَسْجِدٌ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ أَقْصَى فِي الْفَضْلِ حِينَئِذٍ بَلْ الْآنِ وَلَوْ إضَافِيًّا لِأَنَّ أَفْضَلَ الْمَسَاجِدِ الْمَسَاجِدُ الثَّلَاثَةُ وَلَوْ كَانَ الْأَفْضَلُ فِيهَا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ هَذَا الْقَدْرُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ الْقَطْعِيِّ فَمُنْكِرُهُ كَافِرٌ (ثُمَّ) مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى (إلَى السَّمَاءِ) أَيْ جَمِيعِ السَّمَاءِ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ أَوْ جِنْسِهَا لِيَشْمَلَ السَّبْعَ بَلْ التِّسْعَ وَلَوْ مَجَازًا هَذَا بِالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ فَمُنْكِرُهُ مُبْتَدِعٌ وَدَعْوَى امْتِنَاعِ الْخَرْقِ وَالِالْتِئَامِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْفَلَاسِفَةِ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْأَجْسَامَ مُتَمَاثِلَةٌ فَمَا يُمْكِنُ لِلْبَعْضِ مُمْكِنٌ لِلْبَاقِي (ثُمَّ إلَى مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْعُلَى) كَالْعَرْشِ

стр. 180

وَالْكُرْسِيِّ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَمَقَامِ قَابَ قَوْسَيْنِ، أَبْهَمَهُ لِكَثْرَتِهِ أَوْ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْأُمُورِ الْمُفَخَّمَةِ هَذَا بِطَرِيقِ الْآحَادِ كَمَا هُوَ عِنْدَ التَّفْتَازَانِيِّ وَوَقْتُ الْمِعْرَاجِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ وَقِيلَ: بِخَمْسِ سِنِينَ وَقِيلَ وَقِيلَ. وَفِي الْمَوَاهِبِ
следующие страницы →