← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21654

بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية

محمد الخادمي

Полный текст (1 189 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١]- وَالْمُرَادُ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحْدَهُ وَمَحَلُّ الْمِيزَانِ وَكَذَا الْحِسَابُ. قَالَ فِي بَحْرِ الْكَلَامِ عَلَى الصِّرَاطِ بِشَهَادَةِ ظَوَاهِرِ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ لَكِنَّ الْمُتَبَادِرَ هُوَ الْعَرَصَاتُ قَبْلَ السَّوْقِ إلَى الصِّرَاطِ، وَزَمَانُهُ قِيلَ: قَبْلَ قِرَاءَةِ الْكُتُبِ بِإِشَارَةِ بَعْضِ الْأَخْبَارِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ التَّعَيُّنِ. (وَالْكِتَابُ) الَّذِي كَتَبَهُ الْحَفَظَةُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْ الطَّاعَاتِ وَالْعِصْيَانِ يُؤْتَى لِلْمُؤْمِنِينَ بِأَيْمَانِهِمْ وَلِلْكُفَّارِ بِشَمَائِلِهِمْ وَوَرَاءِ ظُهُورِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩]- الْآيَةُ وَكَيْفِيَّةُ كِتَابَةِ الْحَفَظَةِ عَنْ الضَّحَّاكِ لِكُلِّ يَوْمٍ يَنْزِلُ مَلَكَانِ مَعَ صَحِيفَتَيْنِ وَعَنْ مُجَاهِدٍ لِسَانُكَ قَلَمُهُمَا وَرِيقُكَ مِدَادُهُمَا وَبَدَنُك كِتَابُهُمَا. قَالَ أَبُو الْمُعِينِ النَّسَفِيُّ الْأَوَّلُ أَصَحُّ وَقَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مَلَكَانِ بِاللَّيْلِ وَمَلَكَانِ بِالنَّهَارِ وَيَنْزِلُ مَلَكُ النَّهَارِ وَيَذْهَبُ مَلَكُ اللَّيْلِ فَإِنْ قِيلَ: الْمُؤْمِنُ الْفَاسِقُ كَيْفَ يُعْطَى كِتَابُهُ قُلْنَا: الْمَشْهُورُ بِجَانِبِ الْيَمِينِ وَقِيلَ: بِالشِّمَالِ وَقِيلَ: بِالتَّوَقُّفِ وَقِيلَ: الْفَاسِقُ بِالشِّمَالِ وَالْكَافِرُ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ. (وَالسُّؤَالُ) لَا سُؤَالُ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ حَتَّى يُتَوَهَّمَ التَّكْرَارُ بَلْ سُؤَالُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقِيَامَةِ حِينَ الْحِسَابِ قِيلَ: اُخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ هَذَا السُّؤَالِ أَيْ الْحِسَابِ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَحَدِهَا بِعِلْمِهِمْ مَا لَهُمْ وَمَا عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ عُلُومًا ضَرُورِيَّةً بِمَقَادِيرِ أَعْمَالِهِمْ ثَوَابًا وَعِقَابًا وَثَانِيهَا بِإِيتَاءِ كُتُبِ الْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَثَالِثِهَا بِأَنْ يُكَلِّمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ أَعْمَالِهِمْ وَمَا لَهَا مِنْ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ نُقِلَ عَنْ الْفَخْرِ أَيْضًا إمَّا بِأَنْ يُسْمِعَهُمْ كَلَامَهُ الْقَدِيمَ أَوْ يُسْمِعَ عِبَادَهُ صَوْتًا يَدُلُّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي بَحْرِ النَّسَفِيِّ لَيْسَ لِلْأَنْبِيَاءِ حِسَابٌ وَلَا عَذَابُ الْقَبْرِ وَلَا سُؤَالُ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ وَكَذَلِكَ الْعَشَرَةُ الْمُبَشَّرَةُ يَعْنِي حِسَابَ الْمُنَاقَشَةِ الَّذِي بِطَرِيقِ لِمَ فَعَلْت كَذَا وَأَمَّا حِسَابُ الْعَرْضِ الَّذِي هُوَ فَعَلْتَ كَذَا وَعَفَوْتُ عَنْك فَثَابِتٌ لَهُمْ لَعَلَّ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ كُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ وَهُمْ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ كَمَا يُشِيرُ إلَى قَوْله تَعَالَى - ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون: ١٠٢]- ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] . (وَالْحَوْضُ) جِسْمٌ مَخْصُوصٌ طُولُهُ وَعَرْضُهُ سَوَاءٌ يَصُبُّ فِيهِ مِيزَابَانِ فِي الْجَنَّةِ كَذَا نُقِلَ عَنْ اللَّقَانِيِّ. وَفِي الْمُنَاوِيِّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضٌ إلَّا صَالِحًا ﵊ فَإِنَّ حَوْضَهُ ضَرْعُ نَاقَتِهِ قَالَ: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَوْ يَشْهَدُ فَهَذَا لَمْ يَخْتَصَّ بِنَبِيِّنَا ﷺ وَمَا اُشْتُهِرَ مِنْ الِاخْتِصَاصِ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْكَوْثَرِ الَّذِي يُصَبُّ مِنْ مَائِهِ فِي حَوْضِهِ وَهُوَ ثَابِتٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كَقَوْلِهِ ﷺ «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنْ اللَّبَنِ وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنْ الْمِسْكِ وَكِيزَانُهُ أَكْثَرُ مِنْ نُجُومِ السَّمَاءِ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَا يَظْمَأُ أَبَدًا» فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يُشْرَبَ بَعْدَ مَرَّةً وَاحِدَةً لِعَدَمِ الظَّمَأِ وَالْعَطَشِ بَعْدَ

стр. 177

شُرْبِهِ أَبَدًا قُلْنَا: قَالَ فِي تَذْكِرَةِ الْقُرْطُبِيِّ: لَا تَنْحَصِرُ فَائِدَةُ الشُّرْبِ عَلَى دَفْعِ الْعَطَشِ بَلْ يَشْرَبُ لِنَحْوِ التَّلَذُّذِ وَالتَّغَذِّي. وَقَالَ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ: يَجُوزُ لِلشُّرْبِ نَفْعٌ آخَرُ غَيْرُهُ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ وَقُدِّرَ لَهُ دُخُولُ النَّارِ لَا يُعَذَّبُ فِيهَا بِالظَّمَأِ أَبَدًا وَقِيلَ: هُوَ اثْنَانِ، فِي الْقِيَامَةِ وَفِي الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: رَأْسُهُ فِي الْجَنَّةِ وَأَسْفَلُهُ يَكُونُ حَوْضًا فِي الْعَرَصَاتِ وَقِيلَ: مَا فِي الْعَرَصَاتِ هُوَ مَا فِي الْجَنَّةِ يُنْقَلُ مِنْ الْجَنَّةِ إلَى الْعَرَصَاتِ ثُمَّ مِنْ الْعَرَصَاتِ إلَى الْجَنَّةِ. وَفِي الْخَبَرِ «يُؤْتَى بِعَالِمٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى فَيُرْسِلُهُ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ جَبْرَائِيلُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَلَى شَطِّ حَوْضِهِ يَسْقِي أُمَّتَهُ بِالْأَوَانِي فَيَسْقِي الْعَالِمَ بِكَفَّيْهِ وَيَقُولُ: كَانَ يَشْتَغِلُ بِالْعِلْمِ حِينَ يَشْتَغِلُ النَّاسُ بِالتِّجَارَةِ» . (وَالصِّرَاطُ) جِسْرٌ مَمْدُودٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ يَرِدُهُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارِ حُمِلَ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]- «لَا طَرِيقَ لِلْجَنَّةِ إلَّا عَلَيْهِ وَالنَّبِيُّ قَائِمٌ عَلَيْهِ قَائِلًا يَا رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ أَدَقُّ مِنْ الشَّعْرِ وَأَحَدُّ مِنْ السَّيْفِ وَالنَّاسُ فِي جَوَازِهِ مُتَفَاوِتُونَ عَلَى حَسَبِ إيمَانِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ فَمِنْهُمْ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ وَمِنْهُمْ كَالرِّيحِ وَمِنْهُمْ كَالْجَوَادِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُجَرُّ مِنْ رِجْلَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُكَبُّ عَلَى وَجْهِهِ» وَرُوِيَ أَيْضًا «يَكُونُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ أَدَقُّ مِنْ الشَّعْرِ وَعَلَى بَعْضٍ مِثْلُ الْوَادِي الْوَاسِعِ بَلْ بَعْضٌ يَمُرُّ عَلَيْهِ وَلَا يَعْلَمُهُ» . وَفِي تَذْكِرَةِ الْقُرْطُبِيِّ النَّاسُ عَلَى الصِّرَاطِ أَفْوَاجٌ الْمُرْسَلُونَ ثُمَّ النَّبِيُّونَ ثُمَّ الصِّدِّيقُونَ ثُمَّ الْمُحْسِنُونَ ثُمَّ الشُّهَدَاءُ ثُمَّ الْمُؤْمِنُونَ الْعَارِفُونَ وَيَبْقَى الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ الْمَكْبُوبُ لِوَجْهِهِ وَمِنْهُمْ الْمَحْبُوسُ فِي الْأَعْرَافِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَصَّرُوا عَنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَجُوزُ عَلَى مِائَةِ عَامٍ وَآخَرُ عَلَى أَلْفِ عَامٍ إلَى آخِرِ مَا قَالَ وَعَنْ أَبِي الْفَرَجِ الْجَوْزِيِّ أَكْثَرُ مَنْ يَزِلُّ عَلَيْهِ النِّسَاءُ (وَشَفَاعَةُ) فِي اللُّغَةِ الْوَسِيلَةُ وَالطَّلَبُ وَفِي الْعُرْفِ سُؤَالُ الْخَيْرِ لِلْغَيْرِ مِنْ الشَّفْعِ ضِدُّ الْوَتْرِ كَأَنَّ الشَّافِعَ ضَمَّ سُؤَالَهُ إلَى سُؤَالِ الْمَشْفُوعِ لَهُ كَذَا نُقِلَ عَنْ اللَّقَانِيِّ (الرُّسُلِ) قِيلَ: وَلَوْ رُسُلُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى كُلِّهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (وَالْأَخْيَارِ) لِدَفْعِ الْعَذَابِ وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَهُمْ الْعُلَمَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ عَلَى إجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثٌ الْأَنْبِيَاءُ وَالْعُلَمَاءُ وَالشُّهَدَاءُ» . قَالَ الْمُنَاوِيُّ: لَمَّا كَانَ الْعُلَمَاءُ أَفْنَوْا نَفَائِسَ أَوْقَاتِهِمْ فِي الْعِلْمِ لِلْإِحْسَانِ إلَى النَّاسِ بِهِ أَكْرَمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِوِلَايَةِ مَقَامِ الْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ بِالشَّفَاعَةِ جَزَاءً وِفَاقًا وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ أَفْضَلُ مِنْ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضًا «يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الشَّهِيدُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ» وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى - ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]- وقَوْله تَعَالَى - ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]- فَأُجِيبُ بِأَنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْعُمُومِ فِي الْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ يَجِبُ تَخْصِيصُهُ بِالْكُفَّارِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ أَدِلَّةَ الْمُثْبِتِينَ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]- وَقَوْلُهُ - ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]- وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» وقَوْله تَعَالَى - ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ١٠٩]- وقَوْله تَعَالَى - ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]- عَلَى طَرِيقِ الْإِشَارَةِ وَأَدِلَّةُ النَّفْيِ عَلَى طَرِيقِ الْعِبَارَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعِبَارَةَ تُرَجَّحُ عَلَى الْإِشَارَةِ وَأَيْضًا أَدِلَّةُ النَّفْيِ نُصُوصٌ أَوْ مُفَسِّرَاتٌ وَأَدِلَّةُ الْإِثْبَاتِ مُؤَوِّلَاتٌ أَوْ ظَوَاهِرُ وَقَدْ قُرِّرَ أَيْضًا رُجْحَانُ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَا يُعَارِضُ نَصَّ الْقُرْآنِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﵊ «لَا يَنَالُ شَفَاعَتِي أَهْلُ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» فَمُقْتَضَى جَمْعِ الْأَدِلَّةِ نَاسَبَ أَنْ يَكُونَ بِحَمْلِ النَّفْيِ عَلَى نَحْوِ الْكَبِيرَةِ، وَالْإِثْبَاتِ لِلصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَلِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ أَقُولُ: الْمَصِيرُ إلَى التَّرْجِيحِ عِنْدَ عَدَمِ الْجَمْعِ وَالتَّوْفِيقِ وَقَدْ قُرِّرَ فِي الْأُصُولِ خَبَرُ الْوَاحِدِ جَازَ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِمَا

стр. 178

احْتَمَلَ النَّصُّ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ صَاحِب النِّهَايَةِ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الْمُؤَيَّدَ بِالْحُجَّةِ الْقَطْعِيَّةِ يَصِحُّ إضَافَةُ الْغَرَضِ إلَيْهِ وَإِنْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بِأَنَّ الْحُكْمَ حِينَئِذٍ يُضَافُ إلَى ذَلِكَ الْقَطْعِيِّ لَكِنْ دُفِعَ بِأَنَّ مِنْ الْمُقَرَّرَاتِ صِحَّةَ إضَافَةِ الْحُكْمِ الْمُبَيِّنِ إلَى الْبَيَانِ أَيِّ بَيَانٍ كَانَ وَبِالْجُمْلَةِ يَجُوزُ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَى الْكِتَابِ وَإِلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ الْمُبَيِّنِ لَهُ وَلَوْ مِنْ جِهَةِ دَفْعِ احْتِمَالِهِ الْقَادِحِ فِي مُفَسَّرِيَّتِهِ أَوْ مُحَكَّمِيَّتِهِ فَاحْفَظْ هَذِهِ اللَّطَائِفَ النَّفِيسَةَ تَنْفَعُك فِي الْمَوَاضِعِ الصَّعْبَةِ وَبِالْجُمْلَةِ يَصِحُّ إضَافَةُ شَفَاعَةِ الْكَبِيرَةِ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بِالتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ. وَأَمَّا حَدِيثُ لَا يَنَالُ فَبَعْدَ مَا أَشَارَ النَّسَفِيُّ إلَى عَدَمِ صِحَّتِهِ قَالَ: مَحْمُولٌ عَلَى اسْتِحْلَالِ ذَلِكَ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْإِضَافَةَ فِي أُمَّتِي لَا تُلَائِمُهُ (لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ وَغَيْرِهِمْ) كَأَهْلِ الصَّغَائِرِ وَلِرِفْعَةِ الدَّرَجَةِ، وَأَعْظَمُ الشَّفَاعَاتِ شَفَاعَةُ نَبِيِّنَا ﷺ قَالَ الْمُحَقِّقُ الدَّوَانِيُّ عَنْ الْغَيْرِ: هُوَ ﵊ مُشَفَّعٌ فِي جَمِيعِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إلَّا أَنَّ شَفَاعَتَهُ لِلْكُفَّارِ لِتَعْجِيلِ فَصْلِ الْقَضَاءِ فَيُخَفِّفُ عَنْهُمْ أَهْوَالَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ لِلْعَفْوِ وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ فَشَفَاعَتُهُ عَامَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]- وَلَا يُرَدُّ مَطْلُوبُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥]- وَلِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لَهُ: اشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَ» وَهُوَ ﵊ لَا يَرْضَى إلَّا بِإِخْرَاجِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ الْإِيمَانِ مِنْ النَّارِ هَذَا هُوَ الشَّفَاعَةُ الْكُبْرَى الَّتِي خَصَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ بِهَا. قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي مَوَاهِبِهِ الشَّفَاعَةُ خَمْسٌ وَنُقِلَ مِثْلُهُ عَنْ اللَّقَانِيِّ بِبَعْضِ زِيَادَةِ قُيُودِهَا، الْأَوَّلُ فِي الْإِرَاحَةِ مِنْ هَوْلِ الْمَوْقِفِ أَعْظَمُهَا وَأَعْمَلُهَا. الثَّانِي فِي إدْخَالِ قَوْمٍ الْجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ وَهُمَا مُخْتَصَّانِ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. الثَّالِثُ: فِيمَنْ اسْتَوْجَبَ النَّارَ. الرَّابِعُ: فِي إخْرَاجِ مَنْ دَخَلَ النَّارَ. الْخَامِسُ: فِي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَنُقِلَ عَنْ السُّيُوطِيّ زِيَادَةُ سَادِسَةٍ فِي تَخْفِيفِ الْعَذَابِ عَمَّنْ اسْتَحَقَّ الْخُلُودَ فِي النَّارِ كَمَا قَالَ فِي حَقِّ أَبِي طَالِبٍ «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ النَّارِ» وَفِي شِفَاءِ الْقَاضِي «أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحْفَظُك وَيَنْصُرُك وَيُبْغِضُ لَك فَهَلْ نَفَعَهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَجَدْتُهُ فِي غَمَرَاتٍ مِنْ النَّارِ فَأَخْرَجْتُهُ إلَى ضَحْضَاحٍ» وَزَادَ فِي الْمَوَاهِبِ سَابِعَةً وَهِيَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ. (وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ الْمَوْجُودَتَانِ الْآنَ) لِأَنَّ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثَ فِي بَيَانِهِمَا أَشْهَرُ مِنْ أَنْ لَا تَخْفَى وَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَلِقِصَّةِ آدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِذَا ثَبَتَ وُجُودُهُمَا مَرَّةً لَا يُحْكَمُ عَلَى عَدَمِهِمَا مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَإِلَّا صَحَّ عَدَمُ تَعَيُّنِ مَكَانِهِمَا. قَالَ الدَّوَانِيُّ: وَالْأَكْثَرُونَ أَنَّ الْجَنَّةَ فَوْقَ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَتَحْتَ

стр. 179

الْعَرْشِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ١٤] ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٥]- وَأَنَّ النَّارَ تَحْتَ الْأَرْضِينَ وَعَنْ شَرْحِ الْمَقَاصِدِ وَالْحَقُّ تَفْوِيضُ عِلْمِهِمَا إلَى الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ. وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ هِرَقْلَ كَتَبَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا مُحَمَّدُ أَرَأَيْت جَنَّةً عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ فَأَيْنَ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ؟ فَقَالَ ﵊: سُبْحَانَ اللَّهِ أَيْنَ اللَّيْلُ إذَا جَاءَ النَّهَارُ» (الْبَاقِيَتَانِ لَا تَفْنَيَانِ وَلَا) يَفْنَى (أَهْلُهُمَا) لِأَنَّهُمْ مُؤَبَّدُونَ مُخَلَّدُونَ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]- فَهَلَاكٌ لَحْظِيٌّ لَا يَضُرُّنَا وَلِهَذِهِ الْآيَةِ تَأْوِيلٌ آخَرُ مَذْكُورٌ فِي شَرْحِ الْعَضُدِيَّةِ لِلدَّوَّانِيِّ قَالَ أَيْضًا فِيهِ عَنْ الْجَاحِظِ وَعَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيِّ أَنَّ الْخُلُودَ لِلْكَافِرِ الْمُعَانِدِ وَأَمَّا الْمُبَالِغُ فِي الِاجْتِهَادِ بِقَدْرِ وُسْعِهِ وَإِنْ لَمْ يَهْتَدِ فَلَا يَخْلُدْ إذْ لَا تَقْصِيرَ مِنْهُ وَ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وَفِي الْمُنْقِذِ لِلْإِمَامِ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ كَلَامٌ يَقْرَبُ مِنْهُ بَعْضَ الْقُرْبِ انْتَهَى وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ إنْ وَصَلَ إلَيْهِ الشَّرْعُ فَلَهُ تَقْصِيرٌ وَوُسْعٌ وَإِلَّا فَرَاجِعٌ إلَى مَسْأَلَةِ زَمَانِ الْفَتْرَةِ وَشَاهِقِ الْجَبَلِ وَأَمَّا أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ الدَّوَانِيُّ هُمْ فِي النَّارِ وَقِيلَ: مَنْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُ الْإِيمَانَ وَالطَّاعَةَ عَلَى تَقْدِيرِ بُلُوغِهِ فَفِي الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ عَلِمَهُ عَلَى خِلَافِهِ فَفِي النَّارِ وَعَنْ النَّوَوِيِّ هُمْ فِي الْجَنَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ خُدَّامُ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَقِيلَ: فِي الْأَعْرَافِ، لَعَلَّ الصَّحِيحَ التَّوَقُّفُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ أَدِلَّةَ كُلٍّ لَا تُفِيدُ الظَّنَّ فَضْلًا عَنْ الْقَطْعِ فَمَا ذَكَرُوا إمَّا بِالرَّأْيِ أَوْ الْقِيَاسِ أَوْ مَأْخُوذٌ مِنْ الْأَخْبَارِ الْوَاهِيَةِ وَمَسْأَلَةُ أُصُولِ الدِّينِ لَا تُتَلَقَّى إلَّا مِمَّنْ يَنْقَطِعُ الْعُذْرُ دُونَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا نُقِلَ عَنْ التوربشتي فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ. (وَالْمِعْرَاجُ) وَهُوَ السُّلَّمُ وَالْمِصْعَدُ وَعَرَجَ عُرُوجًا ارْتَقَى كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَالْمُرَادُ مُطْلَقُ الِانْتِقَالِ صُعُودًا حَتَّى يَشْمَلَ الْإِسْرَاءَ فَإِنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَعْلَى مِنْ مَكَّةَ كَمَا قَالُوا (لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فَإِنْ قِيلَ: الْمَفْهُومُ مِنْهُ اخْتِصَاصُ الْمِعْرَاجِ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ مُطْلَقًا حُجَّةٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِينَ اتِّفَاقًا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ وَحَمْلُ الْإِضَافَةِ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ بَعِيدٌ قُلْنَا بَعْدَ تَسْلِيمِ عَدَمِ كَوْنِ الْمِعْرَاجِ مِنْ خَوَاصِّهِ ﵊ الْمُرَادُ الْمِعْرَاجُ الثَّابِتُ عِنْدَنَا وَمِعْرَاجُ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَ بِثَابِتٍ عِنْدَنَا وَلَوْ بِطَرِيقِ آحَادٍ صَحِيحٍ (فِي الْيَقَظَةِ) ضِدُّ الْمَنَامِ وَمَا رُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ رُؤْيَا صَالِحَةٌ وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مَا فُقِدَ جَسَدُ مُحَمَّدٍ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ فَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الرُّؤْيَا بِالْعَيْنِ وَمَا فَقَدَ جَسَدُهُ رُوحَهُ بَلْ بِجَمِيعِهِمَا أَوْ الْمِعْرَاجُ تَكَرَّرَ مَرَّةً بِشَخْصِهِ وَمَرَّةً بِرُوحِ جَسَدِهِ (بِشَخْصِهِ) صُورَتِهِ الْجُسْمَانِيَّةِ لَا بِالرُّوحِ فَقَطْ كَمَا زُعِمَ (مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أَيْ مِنْ حَطِيمِهِ أَوْ مِنْ حَجَرِهِ عَلَى شَكِّ رُوَاتِهِ كَمَا نُقِلَ الْحَدِيثُ فِي الْمَوَاهِبِ عَنْ الْبُخَارِيِّ (إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَصْفُهُ بِالْأَقْصَى قِيلَ: لِبُعْدِهِ عَنْ مَكَّةَ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ وَرَاءَهُ مَسْجِدٌ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ أَقْصَى فِي الْفَضْلِ حِينَئِذٍ بَلْ الْآنِ وَلَوْ إضَافِيًّا لِأَنَّ أَفْضَلَ الْمَسَاجِدِ الْمَسَاجِدُ الثَّلَاثَةُ وَلَوْ كَانَ الْأَفْضَلُ فِيهَا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ هَذَا الْقَدْرُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ الْقَطْعِيِّ فَمُنْكِرُهُ كَافِرٌ (ثُمَّ) مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى (إلَى السَّمَاءِ) أَيْ جَمِيعِ السَّمَاءِ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ أَوْ جِنْسِهَا لِيَشْمَلَ السَّبْعَ بَلْ التِّسْعَ وَلَوْ مَجَازًا هَذَا بِالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ فَمُنْكِرُهُ مُبْتَدِعٌ وَدَعْوَى امْتِنَاعِ الْخَرْقِ وَالِالْتِئَامِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْفَلَاسِفَةِ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْأَجْسَامَ مُتَمَاثِلَةٌ فَمَا يُمْكِنُ لِلْبَعْضِ مُمْكِنٌ لِلْبَاقِي (ثُمَّ إلَى مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْعُلَى) كَالْعَرْشِ

стр. 180

وَالْكُرْسِيِّ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَمَقَامِ قَابَ قَوْسَيْنِ، أَبْهَمَهُ لِكَثْرَتِهِ أَوْ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْأُمُورِ الْمُفَخَّمَةِ هَذَا بِطَرِيقِ الْآحَادِ كَمَا هُوَ عِنْدَ التَّفْتَازَانِيِّ وَوَقْتُ الْمِعْرَاجِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ وَقِيلَ: بِخَمْسِ سِنِينَ وَقِيلَ وَقِيلَ. وَفِي الْمَوَاهِبِ

стр. 181

اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْإِسْرَاءِ هَلْ هُوَ وَاحِدٌ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ يَقَظَةً أَوْ مَنَامًا أَوْ إسْرَاءَانِ فِي لَيْلَةٍ مَرَّةً بِرُوحِهِ وَبَدَنِهِ يَقَظَةً وَمَرَّةً مَنَامًا أَوْ يَقَظَةً بِرُوحِهِ وَجَسَدِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ثُمَّ مَنَامًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إلَى الْعَرْشِ أَوْ هِيَ أَرْبَعَةُ إسْرَاءَاتٍ ثُمَّ قَالَ: وَالْحَقُّ إسْرَاءٌ وَاحِدٌ بِمَجْمُوعِ رُوحِهِ وَجَسَدِهِ يَقَظَةً وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ فَإِنْ قِيلَ: أَيُّمَا أَفْضَلُ لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ أَوْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ أَوْ لَيْلَةُ الْمِيلَادِ الشَّرِيفِ. قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ أَفْضَلُ فِي حَقِّ النَّبِيِّ وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ أَفْضَلُ فِي عَمَلِ الْأُمَّةِ إذْ عَمَلُهَا خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ ثَمَانِينَ سَنَةً وَلَمْ يُرْوَ فِي عَمَلِ الْإِسْرَاءِ وَفَضْلِهَا خَبَرٌ صَحِيحٌ وَلَا ضَعِيفٌ وَأَمَّا لَيْلَةُ مَوْلِدِهِ فَقَالَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ فَأَفْضَلُ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مُخْتَصَّةٌ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَيْلَةُ الْمِيلَادِ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ مُشَرَّفَةٌ بِنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ وَهَذِهِ مُشَرَّفَةٌ بِظُهُورِهِ ﵊ وَلَيْلَةُ الْمَوْلِدِ لَيْلَةُ ظُهُورِهِ ﵊ وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ مُعْطَاةٌ لَهُ. (وَ) جَمِيعُ (مَا أَخْبَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَشْرَاطِ) جَمْعُ شَرَطٍ بِالتَّحْرِيكِ أَيْ الْعَلَامَةُ (السَّاعَةِ) أَيْ الْقِيَامَةِ (مِنْ خُرُوجِ الدَّجَّالِ) فِي الْمُنَاوِيِّ وَهُوَ مَهْدِيُّ الْيَهُودِ وَيَنْتَظِرُونَهُ كَمَا يَنْتَظِرُ الْمُؤْمِنُ الْمَهْدِيَّ. وَنُقِلَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ رَجُلٌ طَوِيلٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ مَطْمُوسٌ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ مَعَهُ جَبَلٌ مِنْ خُبْزٍ وَجَبَلٌ مِنْ أَجْنَاسِ الْفَوَاكِهِ، وَأَرْبَابُ الْمَلَاهِي جَمِيعًا يَضْرِبُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالطُّبُولِ وَالْعِيدَانِ وَالْمَعَازِفِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إلَّا تَبِعَهُ إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ. وَمِنْ أَمَارَاتِ خُرُوجِهِ أَنْ يَهُبَّ رِيحٌ كَرِيحِ عَادٍ وَيَسْمَعُونَ صَيْحَةً عَظِيمَةً وَذَلِكَ عِنْدَ تَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَكَثْرَةِ الزِّنَا وَسَفْكِ الدِّمَاءِ وَرُكُوبِ الْعُلَمَاءِ إلَى الظَّلَمَةِ وَالتَّرَدُّدِ إلَى أَبْوَابِ الْمُلُوكِ، وَيَخْرُجُ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ مِنْ قَرْيَةٍ تُسَمَّى سَرَابَادِينَ أَوْ مَدِينَةِ الْأَهْوَازِ أَوْ مَدِينَةِ أَصْبَهَانَ وَيَخْرُجُ عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ يَتَنَاوَلُ السَّحَابَ بِيَدِهِ وَيَخُوضُ الْبَحْرَ إلَى كَعْبِهِ وَيَسْتَظِلُّ فِي أُذُنِ حِمَارِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ تَطْلُعُ الشَّمْسُ يَوْمًا حَمْرَاءَ وَيَوْمًا صَفْرَاءَ وَيَوْمًا سَوْدَاءَ ثُمَّ يَصِلُ الْمَهْدِيُّ وَعَسْكَرُهُ إلَى الدَّجَّالِ فَيَلْقَاهُ وَيَقْتُلُ مِنْ أَصْحَابِهِ ثَلَاثِينَ أَلْفًا وَيَنْهَزِمُ الدَّجَّالُ ثُمَّ يَهْبِطُ عِيسَى ﵊ وَهُوَ مُتَعَمِّمٌ بِعِمَامَةٍ خَضْرَاءَ مُتَقَلِّدٌ بِسَيْفٍ رَاكِبٍ عَلَى فَرَسٍ وَبِيَدِهِ حَرْبَةٌ فَيَأْتِي إلَيْهِ فَيَطْعَنُهُ بِهَا فَيَقْتُلُهُ. (وَ) خُرُوجِ (دَابَّةِ الْأَرْضِ) هِيَ دَابَّةٌ رَأْسُهَا رَأْسُ ثَوْرٍ وَعَيْنُهَا عَيْنُ خِنْزِيرٍ وَأُذُنُهَا أُذُنُ فِيلٍ وَقَرْنُهَا قَرْنُ إيَّلٍ وَصَدْرُهَا صَدْرُ أَسَدٍ وَلَوْنُهَا لَوْنُ نَمِرٍ وَخَاصِرَتُهَا خَاصِرَةُ هِرَّةٍ وَذَنَبُهَا ذَنَبُ كَبْشٍ وَقَوَائِمُهَا قَوَائِمُ بَعِيرٍ بَيْنَ كُلِّ مِفْصَلَيْنِ اثْنَا عَشَرَ ذِرَاعًا وَرَأْسُهَا يَمَسُّ السَّحَابَ وَرِجْلَاهَا فِي الْأَرْضِ وَتَذْهَبُ سَائِحَةً فِي الْأَرْضِ لَا يُدْرِكُهَا طَالِبٌ وَلَا يَعْجِزُهَا هَارِبٌ وَمَعَهَا خَاتَمُ سُلَيْمَانَ وَعَصَا مُوسَى - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَسِمُ الرَّجُلَ فِي وَجْهِهِ فَيُعْرَفُ الْكَافِرُ مِنْ الْمُؤْمِنِ. (وَ) خُرُوجِ (يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) وَهُمَا أُمَّتَانِ مُضِرَّتَانِ كَافِرَتَانِ مِنْ نَسْلِ يَافِثِ بْنِ نُوحٍ وَالْقَوْلُ أَنَّهُمْ خُلِقُوا مِنْ مَنِيِّ آدَمَ ﵊ الْمُخْتَلِطِ بِالتُّرَابِ عَنْ الْمُنَاوِيِّ أَنَّهُ غَرِيبٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَحْكِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَاب وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّ أُمَّةً مِنْهُمْ آمَنُوا فَتَرَكَهُمْ ذُو الْقَرْنَيْنِ حِينَ بَنَى السَّدَّ بِإِرْمِينِيَّةَ فَتَرَكَهُمْ فَسُمُّوا بِالتُّرْكِ وَيُقَالُ: أَنَّهُمْ تِسْعَةُ أَعْشَارِ بَنِي آدَمَ وَثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ، مِنْهُمْ مَنْ طُولُهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا وَمِنْهُمْ مَنْ طُولُهُ وَعَرْضُهُ سَوَاءٌ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَرِشُ أُذُنَهُ وَيَلْتَحِفُ بِالْأُخْرَى يَشْرَبُونَ أَنْهَارَ الْمَشْرِقِ وَبُحَيْرَةَ طَبَرِيَّةَ لَا يَمُرُّونَ بِفِيلٍ وَلَا وُحُوشٍ إلَّا أَكَلُوهَا وَعِنْدَ انْتِهَائِهِمْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَقُولُونَ: قَتَلْنَا مَنْ فِي الْأَرْضِ فَلْنَقْتُلْ مَنْ فِي السَّمَاءِ فَيَرْمُونَ سِهَامَهُمْ فَيَرُدُّ اللَّهُ سِهَامَهُمْ مَخْضُوبَةً فَيَدْعُو اللَّهَ عِيسَى ﵊ فَيُهْلِكُهُمْ اللَّهُ فِي أَدْنَى سَاعَةٍ وَلَا يُتَحَمَّلُ نَتِنُ جِيَفِهِمْ فَتَطْرَحُهُمْ طُيُورٌ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِدَعْوَةِ عِيسَى ﵊ وَتَفْصِيلُهُ فِي شَرْحِ

стр. 182

الْمَصَابِيح لِابْنِ مَلِكٍ. (وَنُزُولِ عِيسَى ﵊ مِنْ السَّمَاءِ) إلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيِّ دِمَشْقَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ أَنَّهَا مَنَارَةُ الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ فَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ وَيُبْطِلُ الْجِزْيَةَ وَحَوَارِيُّوهُ أَصْحَابُ الْكَهْفِ وَيُقَرِّرُ أُمُورَ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وَيَتَزَوَّجُ وَيُولَدُ لَهُ وَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَيُدْفَنُ فِي رَوْضَةِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَفِي رِسَالَةِ إعْلَامِ نُزُولِ عِيسَى لِلسُّيُوطِيِّ حَاصِلُهُ إنْ قُلْت هَلْ عَمَلُ عِيسَى ﵊ بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ بِاجْتِهَادِهِ أَوْ بِتَقْلِيدِ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ قُلْت: لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ مُجْتَهِدٍ لِمُجْتَهِدٍ فَضْلًا عَنْ تَقْلِيدِ نَبِيٍّ لِمُجْتَهِدٍ فَإِمَّا بِأَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ يَعْلَمُونَ جَمِيعَ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالْمُتَأَخِّرَةِ بِوَحْيٍ مِنْ اللَّهِ، وَإِمَّا بِأَنْ يَسْتَخْرِجَ جَمِيعَ الْأَحْكَامِ مِنْ الْقُرْآنِ بِلَا احْتِيَاجٍ إلَى الْأَحَادِيثِ، وَإِمَّا بِأَنَّ عِيسَى ﵊ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى نُبُوَّتِهِ مَعْدُودٌ فِي أُمَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَاخِلٌ فِي زُمْرَةِ صَحَابَتِهِ وَقَدْ لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَأْخُذَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يُخَالِفُ الْإِنْجِيلَ عَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ السُّبْكِيُّ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَوْنُ نَبِيِّ أُمَّةٍ نَبِيَّ أُخْرَى وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ الْأُمِّيَّةِ وَالنُّبُوَّةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَا يَقْتَضِي الْمَعْدُودِيَّةُ الْحَقِيقَةَ بَلْ الْمُرَادُ تَجَوُّزٌ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، نَعَمْ الْأَوْلَى أَنْ لَا يُعَبَّرَ بِمَا يُوهِمُ مَا لَا يَجُوزُ وَإِمَّا بِأَنْ يَعْمَلَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَهَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُشَافَهَةً وَهُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ السُّبْكِيُّ. وَقَدْ عَدَّهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ مِنْ جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ وَالْخَضِرِ وَإِلْيَاسَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ خَبَرٌ غَرِيبٌ (وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا) فَيَمْتَنِعُ قَبُولُ التَّوْبَةِ قِيلَ فِي وَجْهِهِ أَنَّ النَّاسَ حِينَئِذٍ كَالْيَائِسِينَ الْمُحْتَضَرِينَ فَكَمَا لَا يُقْبَلُ إيمَانُ الْيَأْسِ لَا تُقْبَلُ هَذِهِ التَّوْبَةُ وَقِيلَ عَنْ اللَّقَانِيِّ قِصَّةُ إبْرَاهِيمَ ﵊ مَعَ مُحَاجَّةِ نُمْرُودَ فَإِنَّ الْمَلَاحِدَةَ وَالْمُنَجِّمِينَ أَنْكَرُوا إمْكَانَ إتْيَانِ الشَّمْسِ مِنْ الْمَغْرِبِ وَلَمْ تَقُمْ حُجَّةٌ عَلَى النُّمْرُودِ فَيُرِي قُوَّةَ قُدْرَتِهِ قَبْلُ وَكَذَا حِكْمَةُ سَائِرِ آيَاتِهِ وَقِيلَ: عَنْ إخْرَاجِ أَبِي نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ فِي الْفِتَنِ يَبْقَى النَّاسُ بَعْدَ هَذَا الطُّلُوعِ مِائَةٌ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَقِيلَ: عَنْ التَّوْفِيقِ أَوَّلُ هَذِهِ الْآيَاتِ الطُّلُوعُ وَالدَّابَّةُ تَخْرُجُ عَلَى النَّاسِ ضُحًى وَلَا نَصَّ فِي تَرْتِيبِ الْغَيْرِ. وَفِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدَ الْغِفَارِيِّ «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّهَا أَيْ السَّاعَةَ لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْا قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ فَذَكَرَ الدُّخَّانَ وَالدَّجَّالَ وَالدَّابَّةَ وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵊ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَثَلَاثَ خَسُوفَاتٍ خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إلَى مَحْشَرِهِمْ» وَالْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ فِي هَذِهِ الْأَشْرَاطِ كَثِيرَةٌ جِدًّا وَقَدْ رُوِيَ أَحَادِيثُ فِي تَفَاصِيلِهَا انْتَهَى. (وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ وَكَرَفْعِ الْقُرْآنِ مِنْ الصُّدُورِ وَالْمَصَاحِفِ وَهَدْمِ الْكَعْبَةِ هَذِهِ هِيَ الْأَشْرَاطُ الْكُبْرَى. وَأَمَّا الصُّغْرَى فَمَا فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ وَالتِّرْمِذِيِّ «مِنْ رَفْعِ الْعِلْمِ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ وَفُشُوِّ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَذَهَابِ الرِّجَالِ وَبَقَاءِ النِّسَاءِ إلَى أَنْ يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةٍ قَيِّمٌ وَاحِدٌ» وَأَيْضًا فِي الْحَدِيثِ «مِنْهَا كَثْرَةُ الْمَسَاجِدِ وَقِلَّةُ الْجَمَاعَةِ وَتَطْوِيلُ الْأَبْنِيَةِ وَأَكْلُ الرِّبَا وَكَثْرَةُ الْغِيبَةِ وَتَرْكُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَإِمَارَةُ الْأَشْرَارِ وَاشْتِغَالُ الرِّجَالِ بِالرِّجَالِ وَتَجْصِيصُ الْقُبُورِ وَتَشَرُّفُ الْفَاسِقِ وَضَعْفُ الْمُؤْمِنِ وَبَيْعُ الْحُكْمِ وَسَفْكُ الدِّمَاءِ وَقَطْعُ الْأَرْحَامِ وَاتِّخَاذُ الْقُرْآنِ مَكْسَبَةً وَمَزَامِيرَ» وَنَحْوُهَا (كُلُّهُ حَقٌّ) أَيْ كُلُّ

стр. 183

وَاحِدٍ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَعَذَابُ الْقَبْرِ لَا الْمَجْمُوعُ، مِنْ حَيْثُ الْمَجْمُوعُ لَا يُقَالُ: إنْ أُرِيدَ مِنْ الْحَقِّ الْقَطْعِيِّ الَّذِي مُنْكِرُهُ كَافِرٌ فَلَا يَصْدُقُ عَلَى نَحْوِ الْأَشْرَاطِ وَأَنَّ الظَّنِّيَّ الَّذِي مُنْكِرُهُ لَا يَكْفُرُ بَلْ يُضَلَّلُ فَلَا يَصْدُقُ عَلَى نَحْوِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإِنْ أُرِيدَ مَجْمُوعُهُمَا فَلَا يَحْتَمِلُ اللَّفْظُ لِجَمِيعِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، لِأَنَّا نَقُولُ بِإِرَادَةِ عُمُومِ الْمَجَازِ نَحْوَ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ الْحَقِّ وَمُطْلَقُ الثَّابِتِ (تَتْمِيمٌ) لَازِمٌ عَلَيْنَا أَنْ نُلْحِقَ حَاصِلَ رِسَالَةِ.

стр. 184

النَّجْمِ مُحَمَّدٍ الْغَيْطِيِّ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَحْوَالِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ تَارِكًا أَسْئِلَتَهَا مَعَ أَسَانِيدِهَا وَمُكْتَفِيًا بِمَقْصُودِ أَجْوِبَتِهَا وَذَلِكَ اثْنَا عَشَر أَمْرًا (١) الشُّهَدَاءُ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ بِالْحَيَاةِ الْجَسَدِيَّةِ لَا بِالرُّوحِ فَقَطْ إكْرَامًا لَا احْتِيَاجًا وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ الْبَدَنِ بِالْفِعْلِ، فَالْعِلْمُ وَالسَّمَاعُ كَسَائِرِ الْإِدْرَاكَاتِ ثَابِتٌ لِجَمِيعِ الْمَوْتَى (٢) يَعْرِفُونَ الزُّوَّارَ وَيَسْمَعُونَ نِدَاءَهُمْ وَيَرُدُّونَ سَلَامَهُمْ قِيلَ: مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَبِيَوْمٍ قَبْلَهُ وَبِيَوْمٍ بَعْدَهُ سَوَاءٌ كَانَ الزَّائِرُ وَاقِفًا عَلَى الْقَبْرِ أَوْ عَلَى قَرِيبِهِ أَوْ بَعِيدًا بِطَرَفِ الْجَبَّانَةِ (٣) وَهُمْ يَتَزَاوَرُونَ وَلَوْ مَعَ تَبَاعُدِ الْأَمْكِنَةِ لَكِنَّ الْمُعَذَّبَةَ مَحْبُوسَةٌ مَشْغُولَةٌ (٤) يَأْنَسُونَ بِالزَّائِرِ وَيَفْرَحُونَ بِزِيَارَتِهِ بِلَا تَوْقِيتٍ فِي ذَلِكَ (٥) وَيَعْتِبُونَ عَلَى مَنْ لَمْ يَزُرْهُمْ وَأَرْوَاحُهُمْ تَأْتِي مَنَازِلَ الْأَحْيَاءِ وَيَعْرِفُونَ أَعْمَالَهُمْ وَيَتَأَلَّمُونَ بِإِسَاءَتِهِمْ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِحَسَنَاتِهِمْ تَارَةً بِعَرْضِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ وَأُخْرَى بِالِاسْتِخْبَارِ عَمَّنْ مَاتَ بَعْدَهُمْ وَقَدْ وَرَدَ عَرْضُ الْأَعْمَالِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ فَيَفْرَحُونَ بِالْحَسَنَاتِ وَيَحْزَنُونَ بِالسَّيِّئَاتِ (٦) يَتَأَلَّمُونَ بِشِكَايَةِ الْحَيِّ مِنْ أَحَدٍ ظُلْمًا وَأَذِيَّةً (٧) الْأَرْوَاحُ مُرْسَلَةٌ تَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَتْ وَقِيلَ: أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ وَأَرْوَاحُ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ وَقِيلَ: أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَأَرْوَاحُ عُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَفْنِيَةِ قُبُورِهِمْ قِيلَ: هَذَا أَصَحُّ وَقِيلَ: أَرْوَاحُ الْأَنْبِيَاءِ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْبَسُ فِي قَبْرِهِ وَمِنْهُمْ مِنْ يُحْبَسُ فِي الْأَرْضِ وَلَمْ يَصِلْ رُوحُهُ إلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَبَعْضٌ فِي نَهْرِ الدَّمِ وَغَيْرُ ذَلِكَ (٨) عَدَمُ سُؤَالِ الْقَبْرِ مُخْتَصٌّ بِشُهَدَاءِ الْمَعْرَكَةِ وَقِيلَ: بِالْعُمُومِ جَمِيعًا (٩) أَطْفَالُ الْمُؤْمِنِينَ يَتَزَوَّجُونَ فِي الْآخِرَةِ كَالْبَنَاتِ اللَّوَاتِي مِتْنَ أَبْكَارًا (١٠) يُعَذَّبُونَ بِالْأَفْعَالِ الْقَبِيحَةِ كَتَرْكِ الصَّلَاةِ (١١) بِنَاءُ الْبَيْتِ أَوْ الْقُبَّةِ أَوْ نَحْوِهِمَا مَكْرُوهٌ (١٢) أَنَّ أَحَدَ الصَّدِيقَيْنِ إذَا أَذْنَبَ كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً تَنْقَلِبُ صَدَاقَتُهُمَا عَدَاوَةٌ. (وَالْكَبِيرَةُ) قِيلَ: عَنْ أَبِي الْبَقَاءِ هِيَ مِنْ الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ الَّتِي لَا تَكَادُ يُذْكَرُ الْمَوْصُوفُ مَعَهَا، وَالْأَقْرَبُ

стр. 185

أَنَّهَا كُلُّ ذَنْبٍ رَتَّبَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ حَدًّا أَوْ صَرَّحَ بِالْوَعِيدِ. قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: قَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِيهَا فَرَوَى ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهَا تِسْعٌ: الشِّرْكُ بِاَللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ وَالزِّنَا وَالْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ وَالسِّحْرُ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ وَالْإِلْحَادُ فِي الْحَرَمِ وَزَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَكْلَ الرِّبَا وَزَادَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - السَّرِقَةَ وَشُرْبَ الْخَمْرِ انْتَهَى - وَأَقُولُ وَزَادَ ابْنُ عُمَرَ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ وَزَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - الْإِيَاسَ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ وَالْقُنُوطَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَزَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الرُّجُوعَ إلَى الْأَعْرَابِيَّةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ اسْتِحْلَالَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتَكُمْ، مَا مِنْ رَجُلٍ يَمُوتُ لَمْ يَعْمَلْ هَؤُلَاءِ الْكَبَائِرَ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ إلَّا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ فِي دَارٍ مَصَارِعُ أَبْوَابِهَا مِنْ ذَهَبٍ. زَادَ الدَّوَانِيُّ عَنْ الرُّويَانِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ اللِّوَاطَةَ وَأَخْذَ الْمَالِ غَصْبًا قِيمَتُهُ دِينَارٌ، وَشَهَادَةَ الزُّورِ وَالْإِفْطَارَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَقَطْعَ الرَّحِمِ وَالْخِيَانَةَ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَتَقْدِيمَ الصَّلَاةِ وَتَأْخِيرَهَا عَنْ وَقْتِهَا وَضَرْبَ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَالْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمْدًا وَسَبَّ الصَّحَابَةِ وَكِتْمَانَ الشَّهَادَةِ بِلَا عُذْرٍ وَأَخْذَ الرِّشْوَةِ وَالْقِيَادَةَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالسِّعَايَةَ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَمَنْعَ الزَّكَاةِ وَتَرْكَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَنِسْيَانَ الْقُرْآنِ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ وَإِحْرَاقَ الْحَيَوَانِ وَامْتِنَاعَ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا بِلَا سَبَبٍ وَالْأَمْنَ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِهَانَةَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَحَمَلَةِ الْقُرْآنِ، وَالظِّهَارَ وَأَكْلَ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ - فَإِنْ قِيلَ: أَنَّ الْعَدَدَ الْوَاقِعَ فِي كُلِّ رِوَايَةٍ سِيَّمَا مَا صَرَّحَ فِيهَا بِنَحْوِ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ يَقْتَضِي الِاخْتِصَاصَ بِمَا وَقَعَ فِيهِ فَكَيْفَ التَّطْبِيقُ بَيْنَهُمَا - قُلْنَا: قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الْقَاضِي: لَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَيْفَ عَدَدُ الْكَبَائِرِ هُنَا ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ سَبْعًا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْحَصْرِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْحُكْمَ مُطْلَقٌ وَالْمُطْلَقُ لَا يُفِيدُ الْحَصْرَ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْإِشْكَالَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فِي النَّصِّ لَا يَرِدُ ابْتِدَاءً. وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَصَعْبٌ إذْ مَفْهُومُ اللَّقَبِ وَمَفْهُومُ الْعَدَدِ وَاقِعٌ لَيْسَ لَهُمَا مِنْ دَافِعٍ وَأَيْضًا إذَا ثَبَتَ مَا قِيلَ: أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ مُعْتَبَرٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا فَالْإِشْكَالُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ مَعًا إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَفْهُومُ لَا يُعَارِضُ الْمَنْطُوقَ وَأَنَّهُ يَجُوزُ وُرُودُ كُلِّ حَدِيثٍ لِوَاقِعَةٍ أَوْ جَوَابٍ لِحَادِثَةٍ - فَإِنْ قِيلَ: قَدْ عَرَفْنَا مِمَّا ذَكَرْت أَنَّ بَعْضَهَا بِالْأَحَادِيثِ وَبَعْضَهَا بِغَيْرِهَا كَمَا نَقَلَ الدَّوَانِيُّ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الرَّأْيُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ - قُلْنَا: يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ كُلُّ ذَلِكَ أَوْ بَعْضُهُ مِنْ أَحَادِيثَ لَمْ نَقِفْ عَلَيْهَا وَعَدَمُ وِجْدَانِنَا لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى عَدَمِ الْوُجُودِ مُطْلَقًا وَيَجُوزُ بِدَلَالَةِ النَّصِّ أَوْ الْمُقَايَسَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَرِدَ نَصُّ كُلِّ عَامٍّ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ كُلُّ مَا ذُكِرَ مِنْ أَفْرَادِهِ وَمِصْدَاقِهِ (لَا تُخْرِجُ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ مِنْ الْإِيمَانِ) وَلَوْ مُصِرًّا عَلَيْهَا لِبَقَاءِ التَّصْدِيقِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ فَإِنْ قِيلَ: وَكَذَا عِنْدَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فَإِنَّ عِنْدَهُ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ قُلْنَا: مُرَادُهُ لَيْسَ بِكَافِرٍ مُجَاهِرٍ وَعِنْدَهُمْ لَيْسَ بِكَافِرٍ مُطْلَقًا (وَلَا تُدْخِلُهُ فِي الْكُفْرِ) خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ فَإِنَّ عِنْدَهُمْ مُطْلَقًا الْمُذْنِبُ كَافِرٌ (وَلَا تُخَلِّدُهُ) أَيْ الْكَبِيرَةُ (فِي النَّارِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] وَالْإِيمَانُ أَعْظَمُ الْإِحْسَانِ وقَوْله تَعَالَى - ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]- خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ هَذَا إنْ قُدِّرَ لَهُ الدُّخُولُ إذْ يَجُوزُ لِبَعْضٍ أَنْ لَا يَدْخُلَ أَصْلًا لِأَنَّهُ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ. (وَلَا تُحْبِطُ طَاعَتَهُ)

стр. 186

أَيْ لَا تُبْطِلُ طَاعَتَهُ قَالَ بَعْضُ الْأَسَاتِذَةِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا حُبُوطَ لِطَاعَةِ الْمُؤْمِنِ بِمَعْصِيَتِهِ وَلَا لِمَعْصِيَتِهِ بِطَاعَتِهِ وَمَنْ قَالَ بِحَبْطِ الْأَقَلِّ بِالْأَكْثَرِ كَأَبِي هَاشِمٍ أَوْ بِدُونِهِ كَأَبِي عَلِيٍّ فَقَدْ خَرَقَ الْإِجْمَاعَ أَقُولُ: الظَّاهِرُ مِنْ الْحَبْطِ وَالْإِبْطَالِ هُوَ الِانْتِفَاءُ بِالْكُلِّيَّةِ فَالْمُؤْمِنُ الْمُذْنِبُ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ فَهَذَا عَيْنُ مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ فَلَا يَكُونُ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ وَلَا يَكُونُ الْمُخَالِفُ مُخْتَصًّا بِمَا ذَكَرَهُ قَالَ فِي بَحْرِ الْكَلَامِ الْخَوَارِجُ تُكَفِّرُ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِقَتْلِ الْبُغَاةِ وَالْخَوَارِجِ لِارْتِكَابِهِ كَبِيرَةً وَأَيْضًا نَعَمْ أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَبْطُ لَكِنْ ضَرَرُ الْمَعْصِيَةِ مُطْلَقًا مَعَ الْإِيمَانِ مُتَحَقِّقٌ كَتَحَقُّقِ نَفْعِ الطَّاعَةِ مَعَ الْمَعْصِيَةِ (وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يَغْفِرُ) بِمَحْضِ عَدْلِهِ (أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ مُطْلَقُ الْكُفْرِ مَجَازًا بِذِكْرِ الْخَاصِّ وَإِرَادَةِ الْعَامِّ أَوْ سَائِرُ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ مُرَادٌ بِالْمُقَايَسَةِ أَوْ الدَّلَالَةِ فَافْهَمْ وَقِيلَ: هُنَا وَلَوْ نَبِيَّنَا، بِدَلِيلِ ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] أَقُولُ هَذَا مِنْ قَبِيلِ فَرْضِ الْمُحَالِ بَلْ فَرْضُ مُحَالٍ وَهُوَ مُحَالٌ وَالْمُرَادُ مِنْ الْآيَةِ هُوَ التَّعْرِيضُ. قَالَ فِي الْإِتْقَانِ مِنْ أَنْوَاعِ الْخِطَابِ خِطَابُ الْعَيْنِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْغَيْرُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى - ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾ [يونس: ٩٤]- حَاشَاهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الشَّكِّ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ التَّعْرِيضُ بِالْكُفَّارِ فَحَاشَا ثُمَّ حَاشَا مِنْ احْتِمَالِ صُدُورِ الشَّكِّ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ عَدَمُ جَوَازِ الْمَغْفِرَةِ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا عَقْلًا فَقِيلَ: يَجُوزُ وَقِيلَ: لَا لِاسْتِلْزَامِهِ عَدَمَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمُحْسِنِ وَالْمُسِيءِ وَالْحِكْمَةُ مُقْتَضِيَةٌ لِلتَّفْرِقَةِ وَالْكُفْرُ نِهَايَةٌ فِي الْجِنَايَةِ فَلَا يَحْتَمِلُ الْإِبَاحَةَ وَكَذَا وَكَذَا وَأُورِدَ عَلَيْهِ بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ التَّفْرِقَةِ مُتَضَمِّنًا لِحِكَمٍ خَفِيَّةٍ كَمَا فِي خَلْقِ الْكُفْرِ وَالشُّرُورِ وَلَوْ سُلِّمَ فَيَجُوزُ التَّفْرِقَةُ بِنَحْوِ إحْسَانٍ لِلْمُحْسِنِ وَبِلَا إحْسَانٍ لِلْمُسِيءِ وَنِهَايَةُ الْكَرَمِ تَقْتَضِي الْعَفْوَ عَنْ نِهَايَةِ الْجِنَايَةِ (وَيَغْفِرُ) بِفَضْلِهِ وَلُطْفِهِ (مَا دُونَ ذَلِكَ) أَيْ الشِّرْكِ أَيْ مُطْلَقِ الْكُفْرِ (لِمَنْ يَشَاءُ) مِنْ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ وَلَوْ بِلَا تَوْبَةٍ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعِقَابُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ كَمَا لَا يَجِبُ الثَّوَابُ عَلَى الطَّاعَةِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ فِي الْكَبِيرَةِ بِلَا تَوْبَةٍ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ وَأَوْعَدَ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ بِالْعِقَابِ فَلَوْ لَمْ يُعَاقِبْ لَزِمَ الْخُلْفُ فِي وَعِيدِهِ وَالْكَذِبُ فِي خَبَرِهِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ عُمُومِ الْوَعِيدِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ دُونَ الْوُجُوبِ أُورِدَ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ جَوَازُ الْخُلْفِ وَالْكَذِبِ وَهُمَا مُحَالَانِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَإِمْكَانُ الْمُحَالِ مُحَالٌ وَدُفِعَ بِأَنَّهُمَا مِنْ الْأُمُورِ الْمُمْكِنَةِ الَّتِي تَشْمَلُهَا قُدْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَرُدَّ بِأَنَّهُمَا نَقْصٌ عَلَى اللَّهِ فَلَا تَشْمَلُهُمَا الْقُدْرَةُ كَالْجَهْلِ وَالْعَجْزِ أَقُولُ: إنَّ النَّقْصَ إنَّمَا يَتَأَتَّى بِالنَّظَرِ إلَى ذَاتِهِ تَعَالَى وَأَمَّا فِي نَفْسِهِ فَمُمْكِنٌ وَإِنْ مُمْتَنِعًا فِي ذَاتِهِ كَانَ صُدُورُهُ عَنْ غَيْرِهِ تَعَالَى مُحَالًا فَالْمُحَالُ إنَّمَا هُوَ مُحَالٌ بِالْغَيْرِ لَا مُحَالٌ ذَاتِيٌّ وَالْمُحَالُ بِالْغَيْرِ يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ مَعَ الْمُمْكِنِ الذَّاتِيِّ ثُمَّ قِيلَ: الْجَوَابُ الْحَقُّ أَنْ يُقَالَ إنَّ مُطْلَقَاتِ النُّصُوصِ مُقَيَّدَاتٌ وَمُفَسَّرَاتٌ بِقُيُودِ مُقَيِّدَاتِهَا فَتُقَيَّدُ الْوَعِيدَاتُ بِعَدَمِ مَشِيئَةِ الْعَفْوِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]- مَثَلًا وَأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ إنْشَاءُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ لَا الْإِخْبَارُ وَأُجِيبُ أَيْضًا بِحَمْلِ نُصُوصِ

стр. 187

الْوَعِيدِ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ لَا الْوُقُوعِ وَالِاسْتِيجَابِ أَوْ عَلَى اعْتِقَادِ الْحِلِّ أَوْ بِحَمْلِ النَّصِّ عَلَى صُدُورِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ مِنْ الْكَافِرِ بِقَرِينَةِ نُزُولِهِ فِي حَقِّ الْمُرْتَدِّ كَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي سَبَبِ نُزُولِ - ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]- الْآيَةُ وَاعْلَمْ أَنَّ خُلْفَ الْوَعْدِ لَيْسَ بِجَائِزٍ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ خِلَافُ الْكَرَمِ وَحَقُّ الْعَبْدِ عَلَى اللَّهِ إحْسَانًا وَأَمَّا خُلْفُ الْوَعِيدِ فَظَاهِرُ مَا فِي بَحْرِ النَّسَفِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِجَائِزٍ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لِأَنَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ وَجَائِزٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ وَعِيدِهِ يَجُوزُ أَنْ يُعَذِّبَ وَأَنْ يَغْفِرَ وَلَا يُعَاقِبَ. وَحَاصِلُ مَا نَقَلَ الدَّوَانِيُّ عَنْ الْوَسِيطِ لِلْوَاحِدِيِّ جَوَازُهُ لِمَا رَوَى أَنَسٌ ﵁ مَنْ وَعَدَهُ اللَّهُ عَلَى عَمَلِهِ ثَوَابًا فَهُوَ مُنَجَّزٌ لَهُ وَمَنْ أَوْعَدَهُ عَلَى عَمَلِهِ عِقَابًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ، وَلِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَعُدُّ ذَلِكَ عَيْبًا بَلْ كَرَمًا وَفَضْلًا بَلْ هُوَ مُسْتَحْسَنٌ عِنْدَ كُلٍّ كَمَا قَالَ الْمَوْصِلِيُّ إذَا وَعَدَ السَّرَّاءَ أَنْجَزَ وَعْدَهُ ... وَإِنْ أَوْعَدَ الضَّرَّاءَ فَالْعَفْوُ مَانِعُهُ ، وَلَقَدْ أَحْسَنَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ بِقَوْلِهِ إنَّ الْوَعْدَ حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ فَلَا يَخْلُفُ وَالْوَعِيدُ حَقُّهُ عَلَى الْعِبَادِ فَإِنْ شَاءَ عَفَا وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَأَوْلَاهُمَا الْعَفْوُ وَالْكَرَمُ لِأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَقَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: الْمُحَقِّقُونَ عَلَى خِلَافِهِ كَيْفَ وَهُوَ تَبْدِيلٌ لِلْقَوْلِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] وَقَالَ الْخَيَالِيُّ: بَلْ كَذِبٌ مُنْتَفٍ بِالْإِجْمَاعِ. ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّ مُرَادَهُمْ الْكَرِيمُ إذَا أَخْبَرَ بِالْوَعِيدِ فَاللَّائِقُ بِشَأْنِهِ أَنْ يَبْقَى إخْبَارُهُ عَلَى الْمَشِيئَةِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ بِخِلَافِ الْوَعْدِ فَلَا كَذِبَ وَلَا تَبْدِيلَ انْتَهَى وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْبَعْضِ أَنَّهُ لَا كَذِبَ فِي الْمُسْتَقِلِّ وَإِنْ أُورِدَ عَلَيْهِ وَحَاصِلُ كَلَامِ الدَّوَانِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِخُلْفٍ لِأَنَّ نُصُوصَ الْوَعِيدِ إمَّا إنْشَاءُ تَهْدِيدٍ أَوْ مِنْ قَبِيلِ عَامٍّ خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ أَيْ الْمُذْنِبُ الْمَغْفُورُ بِالدَّلَائِلِ الْمُفَصَّلَةِ أَوْ بَيَانٌ لِلِاسْتِحْقَاقِ لَا الْوُقُوعِ فَحَاصِلُ كَلَامِ الدَّوَانِيِّ هُوَ الْجَوَازُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقِ الْخُلْفِ (وَيَجُوزُ الْعِقَابُ عَلَى الصَّغِيرَةِ) . قَالَ الْخَيَالِيُّ: مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ بِالْوُقُوعِ وَعَدَمِهِ لِعَدَمِ قِيَامِ الدَّلِيلِ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْأَدِلَّةِ فَلِإِثْبَاتِ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ الدَّعْوَى مَعَ أَنَّ الْخَصْمَ لَا يُنْكِرُهُ فَتَأَمَّلْ انْتَهَى. وَأَدِلَّةُ الشَّارِحِ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]- لِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ جَوَازِ الْعِقَابِ وقَوْله تَعَالَى - ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]- وَالْإِحْصَاءُ إنَّمَا يَكُونُ لِلسُّؤَالِ وَالْمُجَازَاةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَغْفِرْ الصَّغِيرَ وَلَمْ يَقَعْ الْعَذَابُ عَلَيْهَا فَأَيْنَ يَظْهَرُ كَوْنُهَا عِصْيَانًا وَأَيْضًا الْمُجَازَاةُ عَيْنُ وُقُوعِ الْعِقَابِ وَأَنَّ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]- يَدُلُّ عَلَى الْوُقُوعِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ فَتَأَمَّلْ عَلَى مِثْلِ مَا ذَكَرَ (وَلَوْ مَعَ اجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ) وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى - ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]- فَمَحْمُولٌ عَلَى الْكُفْرِ إذْ الْكَبِيرَةُ الْمُطْلَقَةُ هِيَ الْكُفْرُ لِكَمَالِهِ وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَمَالِ وَبِهِ تَنْدَفِعُ شُبْهَةُ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ التَّعْذِيبِ (وَالْعَفْوُ) أَيْ تَرْكِ الْعُقُوبَةِ وَالسَّتْرُ عَلَيْهِ (عَنْ الْكَبِيرَةِ وَلَوْ بِلَا تَوْبَةٍ) قِيلَ: إنَّ الْكَبِيرَةَ كُفْرٌ فَالتَّوْبَةُ مِنْهَا مَقْبُولَةٌ قَطْعًا وَإِنْ مِنْ غَيْرِهَا فَمَرْجُوَّةٌ أَقُولُ: ظَاهِرُ النُّصُوصِ هُوَ الْقَطْعُ مُطْلَقًا بِلَا تَفْرِقَةٍ إلَّا إذَا لَمْ تُقَارَنْ بِشُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا ثُمَّ وَجْهُ الْعَفْوِ بِلَا تَوْبَةٍ أَنَّ الْعِقَابَ حَقُّهُ تَعَالَى فَلَهُ إسْقَاطُهُ وَيَدُلُّ عَلَى الْوُقُوعِ مِثْلُ ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ - وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ٢٥ - ١٥] إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا (وَاَللَّهُ تَعَالَى يُجِيبُ الدَّعَوَاتِ) وَلَوْ مِنْ كَافِرٍ عِنْدَ بَعْضٍ (وَيَقْضِي الْحَاجَاتِ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَوَّلَ مَشْرُوطٌ بِالطَّلَبِ وَالثَّانِي وَلَوْ بِلَا طَلَبٍ (تَفَضُّلًا) عَلَى عِبَادِهِ لَا وُجُوبًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]- ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ [البقرة: ١٨٦]

стр. 188

- ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤] وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إلَّا الدُّعَاءُ» . «الدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ» لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعِيَ شَرَائِطَ قَبُولِ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّرَةَ فِي كُتُبِ الْعُلَمَاءِ كَالْحِصْنِ لِلْجَزَرِيِّ وَيَنْفِي مَوَانِعَهُ الْمُقَرَّرَةَ فِي أَلْسِنَتِهِمْ وَيُقَارِنُ فِي أَوْقَاتِ قَبُولِهِ بَلْ فِي أَمْكِنَتِهِ حَتَّى يَكُونَ فِي مَظِنَّةِ الْقَبُولِ وَحَيِّزِهِ. وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: لَا نَفْعَ لِلدُّعَاءِ قَدْ كَانَ مَا هُوَ كَائِنٌ وَقَدْ جَفَّ الْقَلَمُ وَأُجِيبُ بِنَحْوِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُهْدُوا إلَى مَوْتَاكُمْ الدُّعَاءَ وَالصَّدَقَةَ» اعْلَمْ أَنَّ الدُّعَاءَ يُسَهِّلُ الْقَضَاءَ الْمُبْرَمَ وَيَدْفَعُ نَفْسَ الْقَضَاءِ الْمُعَلَّقَ نَزَلَ أَوْ تَهَيَّأَ لِلنُّزُولِ فَإِنْ قِيلَ: إنَّ تَغْيِيرَ قَضَائِهِ تَعَالَى مُمْتَنِعٌ فَالسَّعْيُ لِدَفْعِهِ بِنَحْوِ الدُّعَاءِ مِنْ عَدَمِ اعْتِرَافِ قَضَائِهِ تَعَالَى. وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُغْنِي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ» قُلْت: إنَّ الدُّعَاءَ أَيْضًا مِنْ قَضَائِهِ تَعَالَى فَيَكُونُ الْمُسَبَّبُ مَعَ سَبَبِهِ مِنْ قَضَائِهِ تَعَالَى فَاَللَّهُ تَعَالَى قَضَى بِكَوْنِ الدُّعَاءِ سَبَبًا مُزِيلًا. وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إلَّا الدُّعَاءُ» وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ فَيَسْتَعْمِلُ الْعَبْدُ الْحَذَرَ الْمَأْمُورَ بِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ وَأَدْوِيَةِ الْأَمْرَاضِ إلَى آخِرِهِ فَإِنْ قِيلَ: إنْ كَانَ الْمَدْعُوُّ عَلَيْهِ خِلَافَ قَضَائِهِ وَعِلْمِهِ أَوْ كَانَ قَضَاءً مُبْرَمًا فَلَا يَنْفَعُ قُلْنَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَفْعُهُ مُؤَخَّرًا إلَى الْآخِرَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَمْنَعَهُ تَعَالَى عَنْ الدُّعَاءِ الْمَرْعِيِّ شَرَائِطُهُ وَالْمَنْفِيُّ مَوَانِعُهُ وَلَا يَلْزَمُ الْجَبْرُ عَلَى قَاعِدَةِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِنْ الْجَبْرِ الْمُتَوَسِّطِ فَإِنْ قِيلَ: رُبَّ مُضْطَرٍّ وَضَرِيرٍ عَاجِزٍ يَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ الْقَبُولِ طُولَ عُمُرِهِ. قُلْنَا يَخْرُجُ لَهُ الْجَوَابُ مِمَّا ذَكَرْنَا وَأَنَّ بَعْضَ الْمُسْتَجَابِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَفِيًّا بِحَيْثُ لَوْلَاهُ لَتَظْهَرُ الْمَخَاوِفُ وَالْمَكَارِهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَقْبُولًا فِي حَقِّ شَيْءٍ آخَرَ أَنْفَعَ لَهُ وَأَنْ يَكُونَ وَقْتُهُ بَعِيدًا فَيَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يُقْبَلْ وَقَدْ قُبِلَ لَكِنْ ظَهَرَ أَثَرُهُ بَعْدَ زَمَانٍ طَوِيلٍ كَمَا قِيلَ: فِي اسْتِجَابَةِ دُعَاءِ نُوحٍ - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ ظَهَرَ أَثَرُهُ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَاضْمَحَلَّ بِهِ الْإِشْكَالُ عَلَى قَوْله تَعَالَى - ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤]- أَنَّ لَفْظَةَ كُلٍّ تَقْتَضِي الْعُمُومَ وَالِاسْتِغْرَاقَ وَرُبَّ شَخْصٍ يَدْعُو كَثِيرًا وَلَا يَظْهَرُ أَثَرُ الْقَبُولِ بِلَا احْتِيَاجٍ إلَى مَا يُقَالُ أَنَّهُ يُعْطِي كُلَّ سُؤَالٍ لَكِنَّ الْبَعْضَ لَا يَصِلُ لِلْمَوَانِعِ وَالْحَجْبِ لِعَدَمِ الْقَابِلِيَّةِ وَبِلَا احْتِيَاجٍ إلَى تَخْصِيصِ خِطَابِهِ - مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ فَإِنْ قِيلَ: لَا شَكَّ أَنَّ مُعْظَمَ الْأَدْعِيَةِ وَأَكْثَرَهَا لِدَفْعِ الْبَلَايَا وَالْمَصَائِبِ وَهُوَ مُنَافٍ لِلصَّبْرِ وَالتَّوَكُّلِ وَالتَّسْلِيمِ إلَى اللَّهِ قُلْنَا: وَإِنْ ذَهَبَ بَعْضُ الزُّهَّادِ إلَى أَفْضَلِيَّةِ تَرْكِ الدُّعَاءِ اسْتِسْلَامًا لِلْقَضَاءِ لَكِنَّ الصَّحِيحَ

стр. 189

الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ وَأَهْلُ الْفَتَاوَى أَفْضَلِيَّةُ الدُّعَاءِ واستحبابيته كَمَا نُقِلَ عَنْ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَأَنَا أَقُولُ: الْمُنَافِي لِلصَّبْرِ هُوَ التَّضَجُّرُ وَالتَّشَكِّي وَعَدَمُ تَحَمُّلِ الْمِحَنِ لَا الْمُبَاشَرَةُ لِلسَّبَبِ الْعَادِيِّ مِنْهُ تَعَالَى وَأَيْضًا صَرَّحَ بِعَدَمِ تَنَافِي التَّشَبُّثِ بِالْأَسْبَابِ الْوَهْمِيَّةِ لِلتَّوَكُّلِ كَالْكَيِّ بِهَذَا الشَّرْطِ فَضْلًا عَنْ الظَّنِّيَّةِ بَلْ الْقَطْعِيَّةِ وَبِالْجُمْلَةِ الْمُبَاشَرَةُ لِلْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَوْ ظَنِّيَّةً بَلْ وَهْمِيَّةً لَا تُنَافِي التَّوَكُّلَ وَأَمَّا إجَابَةُ دَعْوَةِ الْكَافِرِ فَمَنَعَهَا الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد: ١٤]- وَلِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ اللَّهَ. وَالصَّحِيحُ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَنَا هُوَ الْجَوَازُ لِحَدِيثِ «اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ» وَلِأَنَّهُ تَعَالَى حِينَ قَالَ إبْلِيسُ - ﴿أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]- فَأَجَابَ دُعَاءَهُ وَظَاهِرُ مَا فِي التتارخانية هُوَ الْإِطْلَاقُ وَصَرَّحَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ فِي شَرْحِ الْأَمَالِي بِأَنَّ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقْبَلُ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَأَمَّا الْآخِرَةُ فَلَا قِيلَ: وَهُوَ التَّحْقِيقُ فِي تَوْفِيقِ النُّصُوصِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَالْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ وَاحِدٌ) قَالَ فِي تَهْذِيبِ الْكَلَامِ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ وَبِالْعَكْسِ وَأَنَّ حُكْمَهُمَا وَاحِدٌ وَمَرْجِعُهُمَا إلَى الْقَبُولِ وَالْإِذْعَانِ لَكِنْ لِتَغْيِيرِ مَفْهُومِهِمَا قَدْ يَتَعَاطَفَانِ مِثْلُ ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]- ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] وَلِإِطْلَاقِ الْإِسْلَامِ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ وَالِانْقِيَادِ الظَّاهِرِ، قَدْ ثَبَتَ مَعَ الْإِسْلَامِ نَفْيُ الْإِيمَانِ مِثْلُ - ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]- وَلِكَوْنِ السُّؤَالِ عَنْ مُتَعَلِّقِ الْإِيمَانِ وَعَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ» إلَى آخِرِهِ «وَالْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» إلَى آخِرِهِ. (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْوَاحِدُ (تَصْدِيقُ النَّبِيِّ ﷺ ) وَالتَّصْدِيقُ إدْرَاكُ الْحُكْمِ أَيْ الْوُقُوعِ أَوْ اللَّا وُقُوعٍ يَعْنِي الْجُزْءَ الْأَخِيرَ لِلْقَضِيَّةِ عَلَى وَجْهِ الْإِذْعَانِ وَالْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ التَّفْتَازَانِيِّ فِي التَّهْذِيبِ وَغَيْرِهِ أَنَّ هَذَا هُوَ التَّصْدِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالْمِيزَانِيُّ وَالْإِيمَانِيُّ لَا مُجَرَّدُ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ الْحَاصِلِ لِبَعْضِ الْكُفَّارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]- وَقَوْلُهُ - ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨]- وَقَوْلُهُ - ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]- لَكِنْ أَوْرَدَ بِأَنَّ عَدَمَ إيمَانِهِمْ لِنَحْوِ عَدَمِ تَصْدِيقِهِمْ لِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَقُولُ: يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ رُكْنٍ آخَرَ لِلْإِيمَانِ أَوْ لِعَدَمِ شَرْطِهِ كَالْإِقْرَارِ شَطْرًا أَوْ شَرْطًا عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ أَوْ لِإِنْكَارِ مَا عَلِمَهُ أَوْ لِإِنْكَارِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُعْتَقَدَاتِ الضَّرُورِيَّةِ وَأَقُولُ: لَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ الْإِذْعَانُ فِي الْمِيزَانِيِّ وَكَانَ عِلْمًا مُجَرَّدًا لَزِمَ عَدَمُ كَوْنِ الْإِيمَانِ الِاسْتِدْلَالِيِّ إيمَانًا إذْ اللَّازِمُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ حِينَئِذٍ هُوَ الْمَعْرِفَةُ بِلَا قَبُولٍ وَالْمَطْلُوبُ هُوَ الْمَعْرِفَةُ مَعَ الْقَبُولِ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ رَئِيسِهِمْ ابْنِ سِينَا اعْتِبَارُ الْقَبُولِ فِي التَّصْدِيقِ فَمَا يُقَالُ فِي الْجَوَابِ الْعِلْمُ الْمُجَرَّدُ نَتِيجَةُ الِاسْتِدْلَالِ وَالنَّظَرِ ابْتِدَاءً ثُمَّ يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ التَّسْلِيمُ وَالرِّضَا يَعْنِي الْقَبُولَ تَكَلُّفٌ بَارِدٌ وَخِلَافُ نَصِّ رَئِيسِهِمْ وَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ مِنْ الْعِلْمِ وَالِاعْتِقَادِ مَكَانَ التَّصْدِيقِ فَالْمُرَادُ هُوَ الْعِلْمُ التَّصْدِيقِيُّ. قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: وَلَمْ يَطْرَأْ عَلَى الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ نَقْلٌ وَلِهَذَا يَمْتَثِلُونَ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ وَاسْتِفْسَارٍ وَإِنَّمَا خَصَّ مُتَعَلِّقَ الْإِيمَانِ مَخْصُوصَةٍ وَلِأَنَّهُ لَوْ نُقِلَ إلَى مَعْنًى آخَرَ لَمَا جَازَ الْخِطَابُ بِلَا بَيَانٍ وَبَيَانُ التَّفْسِيرِ فِي مِثْلِهِ لَا يَجُوزُ تَأَخُّرُهُ فَإِنْ قِيلَ: التَّصْدِيقُ قِسْمٌ مِنْ الْعِلْمِ وَالْعِلْمُ فِي مُخْتَارِ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ مَقُولَةِ الْكَيْفِ فَكَيْفَ يَكُونُ الْإِيمَانُ مَأْمُورًا وَالْمَأْمُورُ بِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا قُلْنَا: قَالَ فِي التَّهْذِيبِ: لَيْسَ مَعْنَى كَوْنِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا أَنْ يَكُونَ مِنْ مَقُولَةِ الْفِعْلِ أَلْبَتَّةَ بَلْ أَنْ يَصِحَّ تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ بِهِ وَكَسْبِهِ بِالِاخْتِيَارِ وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ كَيْفِيَّةً كَالْعِلْمِ وَالنَّظَرِ وَغَيْرِهِمَا كَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَغَايَتُهُ كَوْنُ التَّصْدِيقِ حَاصِلًا بِالِاخْتِيَارِ وَمُبَاشَرَةِ الْأَسْبَابِ وَأَمَّا أَنَّهُ مَعْنًى غَيْرُ مَا جُعِلَ فِي الْمَنْطِقِ مُقَابِلًا لِلتَّصَوُّرِ وَفُسِّرَ بكر ويدن فَلَا فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا اُعْتُبِرَ الِاخْتِيَارُ فِي التَّصْدِيقِ لِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ إيمَانُ نَحْوِ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَمَنْ لَزِمَهُ التَّصْدِيقُ ضَرُورَةً بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الْمُعْجِزَةِ قُلْنَا: إمَّا مُكْتَسِبٌ بِالِاخْتِيَارِ

стр. 190

غَايَتُهُ لَا يَعْلَمُ كَسْبَهُ أَوْ مَأْمُورٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَحْصِيلِهِ بِالِاخْتِيَارِ (فِي جَمِيعِ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ) احْتِرَازٌ عَمَّا خَفِيَ كَالِاجْتِهَادِيَّاتِ (مَجِيئُهُ بِهِ) مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا فُسِّرَ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ بِقَوْلِهِ اُشْتُهِرَ كَوْنُهُ مِنْ الدِّينِ بِحَيْثُ يَعْلَمُهُ الْعَامَّةُ بِلَا افْتِقَارٍ إلَى نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ كَوُجُودِ الصَّانِعِ وَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَحُرْمَةِ الْخَمْرِ وَيَكْفِي الْإِجْمَالُ فِيمَا لُوحِظَ إجْمَالًا فَلَا يَنْحَطُّ عَنْ دَرَجَةِ الْإِيمَانِ التَّفْصِيلِيِّ وَيُشْتَرَطُ التَّفْصِيلُ فِيمَا لُوحِظَ تَفْصِيلًا حَتَّى لَوْ لَمْ يُصَدِّقْ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عِنْدَ السُّؤَالِ كَانَ كَافِرًا وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا لَوْ جَهِلَ بِمَا هُوَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ لَيْسَ بِكُفْرٍ وَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ (وَالْإِقْرَارُ بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الْجَمِيعِ بِاللِّسَانِ حَقِيقَةً لِلْقَادِرِ أَوْ حُكْمًا لِلْعَاجِزِ كَالْأَخْرَسِ اعْلَمْ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ أَنَّ الْإِيمَانَ هَلْ هُوَ مِنْ الْمَاهِيَّاتِ الْبَسِيطَةِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ فَقَطْ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ عَلَمِ الْهُدَى أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ لَعَلَّ هَذَا مَا قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْمُحَقِّقِينَ إلَى أَنَّهُ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَارُ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ فِي الدُّنْيَا وَعَبَّرَ عَنْهُ حَفِيدُهُ هُوَ مُخْتَارُ أَهْلِ السُّنَّةِ فَلَوْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَتَّفِقْ لَهُ إقْرَارٌ بِلَا تَرْكٍ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ فَمُسْلِمٌ أَوْ مِنْ الْمُرَكَّبَةِ وَحِينَئِذٍ إمَّا ثُنَائِيَّةٌ أَعْنِي التَّصْدِيقَ وَالْإِقْرَارَ وَلَوْ مَرَّةً وَخَفِيَّةً وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ فِي بَحْرِ النَّسَفِيِّ وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَقَالَ حَفِيدٌ السَّعْدُ: مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ لَكِنْ قَالَ فِي الْأُصُولِ التَّصْدِيقُ رُكْنٌ أَصْلِيٌّ لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ وَالْإِقْرَارُ رُكْنٌ زَائِدٌ قَدْ يَحْتَمِلُهُ كَمَا فِي الْإِكْرَاهِ وَأَمَّا فِي حَالِ النَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ فَالتَّصْدِيقُ بَاقٍ فِي الْقَلْبِ غَايَتُهُ عَدَمُ الْعِلْمِ بِعِلْمِهِ وَأَنَّ الْمُحَقَّقَ الَّذِي لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ نَافِيهِ فَهُوَ بَاقٍ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ هُوَ مُخْتَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَإِمَّا ثُلَاثِيَّةً وَهُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ وَالتَّصْدِيقُ بِالْجِنَانِ وَالْعَمَلُ بِالْأَرْكَانِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقِيلَ: هُوَ مَذْهَبُ الْمُحَدِّثِينَ وَالْمَحْكِيُّ عَنْ أَكْثَرِ السَّلَفِ وَيَتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الْبَيْضَاوِيِّ لَكِنْ فِيهِ تَأَمُّلٌ لَعَلَّ مُرَادَهُمْ مِنْ الْعَمَلِ غَيْرُ النَّوَافِلِ فَمَنْ أَخَلَّ بِالِاعْتِقَادِ فَمُنَافِقٌ وَبِالْإِقْرَارِ فَكَافِرٌ وَبِالْأَعْمَالِ فَفَاسِقٌ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ جُزْءٌ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ الْمُنَجِّي لَا مِنْ أَصْلِهِ كَمَا عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ (وَالْأَعْمَالُ خَارِجَةٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ) لَا عَنْ كَمَالِهِ كَمَا عَرَفْت خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. قَالَ الدَّوَانِيُّ: هُنَا احْتِمَالَاتٌ أَرْبَعَةٌ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ إمَّا جُزْءٌ مُقَوِّمٌ لِلْإِيمَانِ عَلَى أَنْ يُعْدَمَ بِعَدَمِهَا وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ وَإِمَّا جُزْءٌ مُكَمِّلٌ وَمُحَسِّنٌ لَا يُعْدَمُ بِعَدَمِهَا كَأَغْصَانِ الشَّجَرِ وَهُوَ

стр. 191

مَذْهَبُ السَّلَفِ فَالْإِيمَانُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ التَّصْدِيقِ فَقَطْ وَبَيْنَ مَجْمُوعِ التَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَارِ وَإِمَّا خَارِجَةٌ عَنْ الْإِيمَانِ لَكِنْ يُطْلَقُ عَلَيْهَا لَفْظُ الْإِيمَانِ مَجَازًا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّانِي إلَّا بِالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَإِمَّا خَارِجَةٌ بِالْكُلِّيَّةِ وَمِنْ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الِاحْتِمَالِ مَنْ يَقُولُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ مَعْصِيَةٌ كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ وَهُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ الْخَوَارِجِ ثُمَّ هُنَا مَذَاهِبُ أُخَرَ فَإِنَّهُ عِنْدَ الشِّيعَةِ الْمَعْرِفَةُ فَقَطْ وَعِنْدَ النَّظَّامِيَّةِ التَّسْلِيمُ فَقَطْ بِخَبَرِ إنْسَانٍ وَعِنْدَ الْكَرَّامِيَّةِ مُجَرَّدُ الْإِقْرَارِ بِدُونِ التَّصْدِيقِ وَعِنْدَ الرَّقَاشِيِّ هُوَ الْإِقْرَارُ فَقَطْ بِشَرْطِ الْمَعْرِفَةِ وَبِشَرْطِ التَّصْدِيقِ عِنْدَ الْقَطَّانِ فَجُمْلَةُ الْأَقْوَالِ تَحْقِيقًا وَاعْتِبَارًا أَحَدَ عَشَرَ لِأَنَّهُ إمَّا بَسِيطٌ وَهُوَ سَبْعَةٌ التَّصْدِيقُ فَقَطْ وَالْإِقْرَارُ فَقَطْ بِلَا شَرْطٍ وَبِشَرْطِ الْمَعْرِفَةِ وَبِشَرْطِ التَّصْدِيقِ وَالْأَعْمَالُ فَقَطْ وَالْمَعْرِفَةُ فَقَطْ وَالتَّسْلِيمُ فَقَطْ وَإِمَّا ثُنَائِيٌّ وَهُوَ اثْنَانِ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ وَكَوْنُهُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ التَّصْدِيقِ فَقَطْ وَبَيْنَ مَجْمُوعِ التَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَارِ وَإِمَّا ثُلَاثِيٌّ وَهُوَ اثْنَانِ أَيْضًا التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ وَالْعَمَلُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ جُزْءًا مِنْ أَصْلِهِ أَوْ مِنْ كَمَالِهِ نُقِلَ عَنْ الْكَرْمَانِيِّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ هَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ وَأَمَّا عِنْدَنَا فَهُوَ الْكَلِمَةُ فَإِذَا قَالَهَا حَكَمْنَا بِإِيمَانِهِ اتِّفَاقًا وَإِذَا كَانَتْ الْأَعْمَالُ خَارِجَةً عَنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ (فَلَا يَزِيدُ) حَقِيقَتُهُ بِالطَّاعَاتِ (وَلَا يَنْقُصُ) بِالْمَعَاصِي فَهَذَا فَرْعُ خُرُوجِ الْأَعْمَالِ عَنْ مَاهِيَّتِه كَمَا نُقِلَ عَنْ الرَّازِيّ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَكَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلتَّصْدِيقِ الْبَالِغِ حَدَّ الْجَزْمِ وَالْإِذْعَانِ وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ وَلِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ احْتِمَالَ النَّقِيضِ وَالتَّصْدِيقُ الْيَقِينِيُّ لَا يَحْتَمِلُهُ وَأَنَّ زِيَادَةَ الْإِيمَانِ تَقْتَضِي نُقْصَانَ الْكُفْرِ وَنُقْصَانُهُ زِيَادَةَ الْكُفْرِ وَهُوَ مُحَالٌ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ وَعِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَزِيدُ وَيَنْقُصُ. قَالَ صَاحِبُ الْمَوَاقِفِ وَالْحَقُّ قَبُولُ التَّصْدِيقِ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ بِحَسَبِ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ كَإِيمَانِ النَّبِيِّ وَأُمَّتِهِ وَإِيمَانِ الْمُسْتَدِلِّ وَالْمُقَلِّدِ بَلْ إيمَانِ الْوَاصِلِ بِالْمُكَاشَفَاتِ وَالْمُشَاهَدَاتِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] وَقَدْ قَسَّمُوا الْيَقِينَ إلَى حَقِّ الْيَقِينِ وَعَيْنِ الْيَقِينِ وَعِلْمِ الْيَقِينِ لَكِنَّ الشَّرِيفَ الْعَلَّامَةَ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ الْعَضُدُ عَلَى إرَادَةِ بَيَانِ مُرَادِهِ صَرَّحَ بِعَدَمِ التَّفَاوُت قُوَّةً وَضَعْفًا فِي الْيَقِينِيَّاتِ بِخِلَافِ الظُّنُونِ وَالسَّابِقُ إلَى الْخَاطِرِ كَوْنُهُ قَابِلًا لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ عِنْدَهُمْ فَرْعُ دُخُولِ الْأَعْمَالِ فِي الْإِيمَانِ عِنْدَهُمْ وَقَدْ عَرَفْت التَّحْقِيقَ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا لَيْسَتْ جُزْءًا مِنْ أَصْلِهِ بَلْ مِنْ كَمَالِهِ وَكَوْنُهَا جُزْءًا مِنْ الْكَمَالِ لَيْسَ مَنْفِيًّا عِنْدَ أَصْحَابِنَا بَلْ هُوَ مُتَّفَقٌ فَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ وَيُؤَيِّدُهُ مَا صَرَّحَ إمَامُنَا الْأَعْظَمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ إيمَانُ أَهْلِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ جِهَةِ الْمُؤْمَنِ بِهِ وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ مِنْ جِهَةِ الْيَقِينِ فَمُرَادُ الْإِمَامِ مِنْ عَدَمِ الزِّيَادَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الْمُؤْمَنِ بِهِ لَا مِنْ قُوَّةِ ذَاتِهِ وَضَعْفِهِ وَاَلَّذِي تَحَرَّرَ ذِكْرُ لُزُومِ الْجَزْمِ الْيَقِينِيِّ فِي الْإِيمَانِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ وَلَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّيَّاتِ فِي بَابِ الِاعْتِقَادِيَّاتِ وَلِمَا نُقِلَ عَنْ صَاحِبِ النِّهَايَةِ الْأَصْلُ فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ الْحَقُّ الْيَقِينِيُّ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ مُخَالِفُهُ بَاطِلًا يَقِينًا عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِهِ - ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]- وَقَوْلِهِ - ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]- وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الظَّنَّ الْغَالِبَ الَّذِي يَخْطِرُ مَعَهُ احْتِمَالُ النَّقِيضِ بِالْبَالِ إيمَانٌ حَقِيقِيٌّ وَأَنَّ الْإِيمَانَ التَّقْلِيدِيَّ رَاجِعٌ إلَى

стр. 192

الظَّنِّ حَقِيقَةً. وَفِي شَرْحِ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ الِاعْتِقَادُ الْمَشْهُورُ دَاخِلٌ فِي الْإِيمَانِ وَمُرَادُهُ مِنْهُ أَنَّهُ الرَّاجِعُ إلَى الظَّنِّ وَلَا نِزَاعَ فِي كِفَايَةِ الظَّنِّ فِي بَعْضِ الِاعْتِقَادِيَّاتِ كَمَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ وَصِفَةِ التَّكْوِينِ وَتَفْضِيلِ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى بَعْضٍ بَلْ إثْبَاتِ صِفَةِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَنَحْوِهَا وَأَيْضًا جَعَلُوا التَّصْدِيقَ الْإِيمَانِيَّ وَالْمِيزَانِيَّ مُتَّحِدَيْنِ وَالْمِيزَانِيُّ شَامِلٌ لِلظَّنِّ أَيْضًا وَأَنَّ اللَّازِمَ لِلِاسْتِدْلَالِ وَالنَّظَرِ قَدْ يَكُونُ ظَنًّا فَلْيُتَأَمَّلْ حَقَّ التَّأَمُّلِ. (وَيَصِحُّ أَنْ يَقُولَ مَنْ وُجِدَا) التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ (فِيهِ أَنَا مُؤْمِنٌ حَقًّا) لِتَحَقُّقِ الْإِيمَانِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ بِأَنْ كَانَ شَاكًّا أَوْ مُتَرَدِّدًا أَوْ خَالِي الذِّهْنِ لَكَانَ كَافِرًا وَمَنْ شَكَّ فِي إيمَانِهِ فَهُوَ كَافِرٌ (وَلَا يَنْبَغِي) أَيْ لَا يَلِيقُ بَلْ يَجُوزُ (أَنْ يَقُولَ أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَيَانُ تَغْيِيرٍ يُبْطِلُ جَمِيعَ الْعُقُودِ فَيَرْفَعُ الْإِيمَانَ وَإِنْ كَانَ لِلتَّأَدُّبِ أَوْ التَّبَرُّكِ وَالْإِحَالَةِ إلَى مَشِيئَتِهِ تَعَالَى وَعِلْمِهِ أَوْ لِلشَّكِّ فِي عَاقِبَتِهِ أَوْ التَّبَرِّي مِنْ تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ وَالْإِعْجَابِ بِحَالِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْمَرْوِيُّ عَنْ السَّلَفِ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي نَفْسِهِ لَكِنْ الْأَوْلَى تَرْكُهُ لِإِيهَامِ الشَّكِّ وَقَدْ أُمِرْنَا بِاتِّقَاءِ مَوَاضِعِ التُّهَمِ. وَبِالْجُمْلَةِ نِزَاعُ الْفَرِيقَيْنِ رَاجِعٌ إلَى اللَّفْظِ (وَالْإِيمَانُ بِهَذَا الْمَعْنَى) أَيْ التَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَارِ (مَخْلُوقٌ) كَسَائِرِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ (كَسْبِيٌّ) أَيْ حَاصِلٌ بِمُبَاشَرَةِ الْأَسْبَابِ بِالِاخْتِيَارِ كَصَرْفِ الْعَقْلِ وَالنَّظَرِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَقَدْ عَرَفْت حَالَ مَا يَحْصُلُ بِالضَّرُورَةِ (وَأَمَّا) الْإِيمَانُ (بِمَعْنَى هِدَايَةِ الرَّبِّ تَعَالَى لِعَبْدِهِ إلَى مَعْرِفَتِهِ) بِلَا كَيْفٍ وَلَا كَيْفِيَّةٍ (فَغَيْرُ مَخْلُوقٍ) لِأَنَّ الْهِدَايَةَ مِنْ التَّكْوِينِ وَهُوَ قَدِيمٌ عِنْدَ الْمَاتُرِيدِيَّةِ وَإِنْ كَانَ حَادِثًا عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ قِيلَ: عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ مَنْ قَالَ: الْإِيمَانُ مَخْلُوقٌ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ وَكَذَا عَكْسُهُ. قَالَ النَّسَفِيُّ الْإِيمَانُ فِعْلُ الْعَبْدِ بِهِدَايَةِ الرَّبِّ فَمَا مِنْ الْعَبْدِ مَخْلُوقٌ وَمَا مِنْ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ (وَإِيمَانُ الْمُقَلِّدِ) لِلْغَيْرِ كَالْآبَاءِ وَأَفْوَاهِ الرِّجَالِ فِي الْأَسْوَاقِ بِلَا اسْتِدْلَالٍ. قَالَ فِي التتارخانية الْمُقَلِّدُ هُوَ الَّذِي اعْتَقَدَ جَمِيعَ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بِلَا دَلِيلٍ (صَحِيحٌ) عِنْدَنَا إنْ كَانَ مُصِيبًا جَازَ مَا فِي الْحَالِ وَإِنْ احْتَمَلَ نَقِيضَهُ فِي الْمَآلِ لَكِنْ عِنْدَ خُطُورِ ذَلِكَ النَّقِيضِ بِنَحْوِ تَشْكِيكِ الْمُشَكِّكِ يَكْفُرُ وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ وَالْبَاقِلَّانِيّ وَأَبِي هَاشِمٍ وَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ قِيلَ: وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَا تَقْلِيدَ فِي الْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ وَنُسِبَ إلَى الْإِمَامِ مَالِكٍ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ وَلِذَا قِيلَ: الْمُقَلِّدُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ أَصْلًا وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَطِيَّةَ فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٧٠]- قُوَّةُ هَذِهِ الْآيَةِ تُعْطِي إبْطَالَ التَّقْلِيدِ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى إبْطَالِهِ فِي الْعَقَائِدِ وَعَنْ الزَّمَخْشَرِيِّ لَا ضَالَّ أَضَلَّ مِنْ الْمُقَلِّدِ وَعَنْ الْقَاضِي أَنَّ التَّقْلِيدَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي التَّوْحِيدِ أَقُولُ حُكِيَ عَنْ الزَّرْكَشِيّ أَنَّهُ حَكَى عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ صِحَّةَ إيمَانِ الْمُقَلِّدِ وَعَنْ ابْنِ نَاجِيٍّ وَأَبِي الْحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ نِسْبَةُ الصِّحَّةِ إلَى الْجُمْهُورِ قِيلَ: إنَّ عَلَيْهِ مُحَقِّقِي أَهْلِ السُّنَّةِ وَقِيلَ: الِاتِّفَاقُ عَلَى قَبُولِهِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى قَبُولِهِ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]

стр. 193

- وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَدَخَلَ مَسْجِدَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا فَهُوَ مُسْلِمٌ» وَأَنَّ الْإِيمَانَ مُطْلَقُ التَّصْدِيقِ لَا التَّصْدِيقُ الْمُقَيَّدُ بِحُصُولِهِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - يَكْتَفُونَ بِالْإِقْرَارِ وَالِانْقِيَادِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ طَلَبُ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ كَيْفَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ تَحْتَ ظِلِّ السَّيْفِ وَظَاهِرُ عَدَمِ حُصُولِ الدَّلِيلِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَمَا ذَكَرَ الدَّوَانِيُّ فِي مُقَابَلَةِ هَذَا الْكَلَامِ لَا يَنْفِي صِحَّةَ أَصْلِ الْإِيمَانِ بَلْ يَنْفِي كَمَالَهُ وَيُوجِبُ الِاسْتِدْلَالَ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ لَوْ تَرَكَهُ كَانَ مُسِيئًا كَمَا هُوَ الْمُلْتَزَمُ هُنَا وَأَيْضًا عَدَمُ الصِّحَّةِ مُسْتَلْزِمٌ لِإِكْفَارِ جَمِيعِ الْعَوَامّ وَارْتِدَادِهِمْ وَحُرْمَةِ ذَبِيحَتِهِمْ وَأَنْكِحَتِهِمْ ثُمَّ أَقُولُ: لَعَلَّ مُرَادَ النَّافِينَ نَفْيُ الصِّحَّةِ الْكَامِلَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ فِيهِ إثْمٌ وَمُرَادُ الْمُصَحِّحِينَ هُوَ أَصْلُ الْجَوَازِ وَإِنْ كَانَ آثِمًا وَبِهِ تَنْدَفِعُ شُبْهَةُ أَنَّهُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ مَعَ هَؤُلَاءِ الْمُخَالِفِينَ (وَلَكِنَّهُ) أَيْ الْمُقَلِّدَ (آثِمٌ بِتَرْكِ الِاسْتِدْلَالِ) لِتَرْكِهِ النَّظَرَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَضُدُ فِي عَقَائِدِهِ أَجْمَعَ السَّلَفُ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاجِبٌ شَرْعًا. وَقَالَ الدَّوَانِيُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥٠]- ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]- إلَى آخِرِهِ وَبِهِ يَبْطُلُ مَا يُقَالُ: إنَّهُ لَيْسَ بِآثِمٍ أَصْلًا وَأَمَّا مَا يُقَالُ: إنَّ الْإِثْمَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَ لَهُ أَهْلِيَّةُ فَهْمِ النَّظَرِ فَلَعَلَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى وَجْهٍ يَظْهَرُ بِمُلَاحَظَةِ قَاعِدَةِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا نُقِلَ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَالْقُشَيْرِيِّ وَالْعَارِفِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ وَابْنِ رَشِيدٍ وَجَمَاعَةٍ غَيْرِ الْجُمْهُورِ أَنَّ النَّظَرَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الْإِيمَانِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ بَلْ هُوَ مِنْ شُرُوطِ الْكَمَالِ فَقَطْ لَعَلَّ مُرَادَهُمْ نَفْيُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْعِبَارَاتِ الْمُحَرَّرَةِ بِتَرْتِيبِ الْمُقَدِّمَاتِ وَرِعَايَةِ شَرَائِطِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ تَفْصِيلًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَيْنًا وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا كِفَايَةً وَإِلَّا فَإِمَّا يَلْزَمُ خَرْقُ الْإِجْمَاعِ أَوْ جَهَالَةُ مُدَّعِي الْإِجْمَاعِ فَالنَّظَرُ نَحْوَ أَنَّ أَحَدَهُمَا مَا ذُكِرَ وَالْآخَرَ أَنْ يَحْصُلَ إجْمَالُ النَّظَرِ وَمَآلُهُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَقْرِيرِهِ عِنْدَ السُّؤَالِ بِعِبَارَةٍ مُهَذَّبَةٍ كَالِانْتِقَالِ مِنْ الْأَثَرِ إلَى الْمُؤَثِّرِ. قِيلَ: هَذَا حَاصِلٌ لِأَكْثَرِ الْعَوَامّ حَتَّى الصِّبْيَانِ وَهَذَا قَرِيبٌ لِمَا فِي التتارخانية الْإِيمَانُ بِالتَّفْصِيلِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بَلْ إذَا آمَنَ فِي الْجُمْلَةِ كَفَى وَفِيهِ عَنْ النَّوَازِلِ إذَا كَانَ لَا يُحْسِنُ الْعِبَارَةَ وَهُوَ بِحَالٍ لَوْ سُئِلَ عَنْهُ قَرَّرَ الْمُعْتَقِدَاتِ وَقَالَ: كُنْت عَرَفْت أَنَّ الْأَمْرَ هَكَذَا كَانَ مُؤْمِنًا وَإِنْ قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ بِذَلِكَ فَلَا دِينَ لَهُ وَيَعْرِضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ وَيُجَدِّدُ نِكَاحَهُ وَفِيهِ أَيْضًا وَإِذَا سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ كَلِمَاتِ الْإِيمَانِ وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ لَا دِينَ لَهُ وَإِذَا آمَنَ جَدَّدَ نِكَاحَهُ وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ وَعَلِمَ جَمِيعَ كَلِمَةِ الْإِيمَانِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُفَسِّرُهَا وَلَكِنْ يَتَعَقَّلُ أَمْرَ مَعَاشِهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ وَفَارَقَ امْرَأَتَهُ وَلَا يَرِثُ مِنْ أَبَوَيْهِ وَنُقِلَ عَنْ الكواشي عَنْ الْفَتَاوَى لَا يَصِحُّ نِكَاحُ بَالِغَةٍ لَا تَقْدِرُ عَلَى وَصْفِ الْإِيمَانِ بِوَلَدْ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ أَوْ بِمَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ وَلَوْ بَلَغَتْ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ بَعْدَ النِّكَاحِ ارْتَفَعَ نِكَاحُهَا لِخُرُوجِهَا عَنْ تَبَعِيَّةِ الْأَبَوَيْنِ وَالدَّارِ وَهَذِهِ بَلْوَى عَظِيمَةٌ وَلَهَا كَثْرَةُ عُمُومٍ وَالنَّاسُ عَنْهَا غَافِلُونَ انْتَهَى فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْت مُنَافٍ لِمَا فِي بَعْضِ أُصُولِ الْحَنَفِيَّةِ ﵏ مِنْ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ تَحْصِيلِ الْمَعْرِفَةِ فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ بِالِاسْتِدْلَالِ وَنِسْبَةِ جَوَازِ التَّقْلِيدِ إلَى عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيِّ وَنِسْبَةِ وُجُوبِ التَّقْلِيدِ وَحُرْمَةِ النَّظَرِ وَالْبَحْثِ إلَى طَائِفَةٍ قُلْنَا: ذَلِكَ لَا يُنَافِي مَا ذَكَرْنَا بَلْ يُؤَيِّدُهُ إذْ مَا لَمْ يَكُنْ وُجُودُهُ وَاجِبًا لَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ إثْمًا. قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: الْبَعْرَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ وَأَثَرُ الْأَقْدَامِ عَلَى الْمَسِيرِ فَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ وَأَرْضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ هَلَّا تَدُلَّانِ عَلَى اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ حِينَ سُئِلَ: بِمَ عَرَفْت رَبَّك؟ عَرَفْت بِوَارِدَاتٍ تَعْجِزُ النَّفْسُ عَنْ عَدَمِ قَبُولِهَا. وَقَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ: - عَلَى آبَائِهِ الْكِرَامِ وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَرَفْت اللَّهَ تَعَالَى بِنَقْضِ الْعَزَائِمِ وَفَسْخِ الْهِمَمِ عَلَى مَا فِي شَرْحِ عَقَائِدِ الْعَضُدِ. وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ تَرْكَ الِاسْتِدْلَالِ وَالِاكْتِفَاءَ بِالتَّقْلِيدِ وَإِنْ جَازَ فِي أَصْلِهِ لَكِنْ

стр. 194

قَلَّمَا يَخْلُو عَنْ خَطَرِ الزَّوَالِ إذْ يُمْكِنُ زَوَالُهُ بِمُجَرَّدِ تَشْكِيكِ الْمُشَكِّكِ سِيَّمَا عِنْدَ ضَعْفِ الْعَقْلِ بِقُوَّةِ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَقُوَّةِ تَسَلُّطِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يُخَافُ مِنْ زَوَالِ الْإِيمَانِ أَعَاذَنَا اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. (وَفِي) (إرْسَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ) - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهُوَ إنْسَانٌ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى الْخَلْقِ لِتَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ وَقَدْ يُشْتَرَطُ فِي الرَّسُولِ الْكِتَابُ بِخِلَافِ النَّبِيِّ كَمَا فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ قَالَ فِي الْعَقَائِدِ النَّسَفِيَّةِ. وَقَدْ رُوِيَ بَيَانُ عَدَدِهِمْ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَقْتَصِرَ عَلَى عَدَدٍ فِي التَّسْمِيَةِ وَقَالَ فِي شَرْحِهِ عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ عَدَدِ الْأَنْبِيَاءِ فَقَالَ: مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا. وَفِي رِوَايَةٍ مِائَتَا أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا» وَقِيلَ: الرُّسُلُ مِنْهُمْ ثَلَثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ وَأَوْرَدَ بِأَنَّ الْكُتُبَ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَأَصْحَابُهَا مُتَعَيِّنَةٌ غَيْرُ بَالِغَةٍ إلَى هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ وَرُدَّ بِأَنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ تَعْيِينِهِمْ وَلَوْ سُلِّمَ فَالْأَصَحُّ عَدَمُ قَصْرِ الْكُتُبِ بِهَذَا الْمَبْلَغِ وَلَوْ سُلِّمَ فَيَجُوزُ تَكْرَارُ النُّزُولِ وَقِيلَ: الْخِلَافُ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ أَرْبَعَةٌ تَبَايُنٌ وَتَوَافُقٌ وَعُمُومٌ مِنْ وَجْهٍ وَعُمُومٌ مُطْلَقٌ. (بِالْمُعْجِزَاتِ) جَمْعُ مُعْجِزَةٍ أَمْرٌ يَظْهَرُ بِخِلَافِ الْعَادَةِ عَلَى يَدِ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ عِنْدَ تَحَدِّي الْمُنْكِرِينَ عَلَى وَجْهٍ يَعْجِزُ الْمُنْكِرُونَ عَنْ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ (وَالْكُتُبِ) الْإِلَهِيَّةِ مُدَوَّنَةً أَوْ صُحُفًا (الْمُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ) أَيْ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى اخْتِيَارِ جَانِبِ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ (وَمِنْ الْبَشَرِ إلَى) سَائِرِ (الْبَشَرِ) أَيْ مِنْ جِنْسِهِمْ (حِكْمَةٌ) مَصْلَحَةٌ وَمَنْفَعَةٌ وَعَاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ الْحِكْمَةُ بِالْكَسْرِ الْعَدْلُ وَالْعِلْمُ وَأَحْكَمَهُ أَتْقَنَهُ وَمَنَعَهُ عَنْ الْفَسَادِ كَذَا فِي الْقَامُوسِ (بَالِغَةٌ) عَظِيمَةٌ كَامِلَةٌ كَعَدَمِ التَّنَافُرِ وَحُسْنِ الِائْتِلَافِ وَالْإِلْفُ وَالْأُنْسُ بَيْنَ التَّجَانُسِ دُونَ التَّخَالُفِ وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بَيْنَ أَصْنَافِ النَّوْعِ الْوَاحِدِ فَضْلًا عَنْ الْمُخَالِفِ فِي الْجِنْسِ فَإِنْ قِيلَ: الرُّسُلُ مِنْ الْبَشَرِ لَيْسَ إلَى الْبَشَرِ فَقَطْ بَلْ إلَى الْجِنِّ أَيْضًا بَلْ نَقُولُ: الرُّسُلُ لَيْسَتْ مِنْ الْبَشَرِ فَقَطْ بَلْ مِنْ الْجِنِّ كَمَا قِيلَ: فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]- بُعِثَ إلَى كُلٍّ مِنْ الثَّقَلَيْنِ رُسُلٌ مِنْ جِنْسِهِمْ قُلْنَا: لَعَلَّ فِي لَفْظِ الْبَشَرِ الثَّانِي تَغْلِيبًا أَوْ أَنَّ الْجِنَّ مَفْهُومٌ بِطَرِيقِ دَلَالَةِ النَّصِّ أَوْ الْمُقَايَسَةِ أَوْ الِاكْتِفَاءِ لَكِنْ لَا يُلَائِمُهُ وَجْهُ الْحِكْمَةِ وَكَوْنُ الرُّسُلِ مِنْ الْجِنِّ لَيْسَ بِمُعْتَدٍّ بِهِ أَشَارَ إلَيْهِ الْبَيْضَاوِيُّ عِنْدَ تِلْكَ الْآيَةِ لَعَلَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ لِرَدِّ مَنْ يَجْعَلُ الْإِرْسَالَ مُمْتَنِعًا كَالسَّمْنِيَّةِ وَالْبَرَاهِمَةِ وَمَنْ يَجْعَلُهُ مُمْكِنًا يَسْتَوِي طَرَفَاهُ كَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَلِتَقْرِيرِ كَوْنِ الْإِرْسَالِ وَاجِبًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا بِمَعْنَى الْوُجُوبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بَلْ بِمَعْنَى أَنَّ قَضِيَّةَ الْحِكْمَةِ تَقْتَضِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ. كَمَا ذَكَرَ التَّفْتَازَانِيُّ فَالتَّخْصِيصُ لِمَا هُوَ وَاضِحٌ فِي الْعِيَانِ يُدْرِكُهُ كُلٌّ بِالْبَيَانِ وَمِنْ شَرَائِطِ النُّبُوَّةِ كَمَالُ الْعَقْلِ وَقُوَّةُ الرَّأْيِ وَالسَّلَامَةُ عَمَّا يُنَفِّرُ الطَّبِيعَةَ السَّلِيمَةَ أَوْ يُخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ وَحِكْمَةِ الْبِعْثَةِ كَمَا فِي تَهْذِيبِ الْكَلَامِ وَبِهِ يَبْطُلُ إفْرَاطُ مَا نُقِلَ فِي مَرَضِ أَيُّوبَ ﵊ مِنْ نَفْرَةِ قَوْمِهِ وَقَرَابَتِهِ إلَى أَنْ أَخْرَجُوهُ مِنْ مَحَلَّتِهِ وَيَقْرَبُ إلَى ذَلِكَ مَا يُقَالُ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْأَنْبِيَاءِ الصِّدْقُ وَالْأَمَانَةُ وَالتَّبْلِيغُ وَالْفَطَانَةُ. (وَهُمْ) الْأَنْبِيَاءُ (مُبَرَّءُونَ) مِنْ الْبَرَاءَةِ أَيْ النَّزَاهَةِ يَعْنِي مُطَهَّرُونَ

стр. 195

(عَنْ الْكُفْرِ) بِأَنْوَاعِهِ جَلِيًّا وَخَفِيًّا (وَالْكَذِبِ) عَمْدًا بِالْإِجْمَاعِ وَسَهْوًا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ (مُطْلَقًا) قَيْدٌ لَهُمَا أَيْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا كَمَا قِيلَ: فَيُرَدُّ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كُتُبِ الْقَوْمِ أَنَّ امْتِنَاعَ الْكَذِبِ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ لِأَنَّ وَجْهَ الِامْتِنَاعِ مُنَافَاةُ مُقْتَضَى الْمُعْجِزَةِ فَلَعَلَّ ذَلِكَ إمَّا قَيْدٌ لِلْكُفْرِ فَقَطْ أَوْ لِلْكَذِبِ فَقَطْ لَكِنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْإِطْلَاقِ الْعَمْدُ وَالسَّهْوُ وَالنِّسْيَانُ فِي بَابِ التَّبْلِيغِ أَوْ التَّبْلِيغِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ يَحْتَاجُ إلَى التَّقْيِيدِ بِالْعَمْدِ. (وَعَنْ الْكَبَائِرِ) وَلَوْ سَهْوًا وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّرِيفِ الْعَلَّامَةِ خِلَافًا لِصَاحِبِ الْمَوَاقِفِ فَإِنَّهُ قَالَ: صُدُورُهَا سَهْوًا وَلَوْ عَلَى سَبِيلِ الْخَطَأِ فِي التَّأْوِيلِ جَائِزٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَالتَّفْتَازَانِي قَيَّدَ بِالتَّعَمُّدِ عَلَى أَنْ يَكُونَ قَوْلًا وَاحِدًا فِي تَهْذِيبِهِ وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ (وَالصَّغَائِرِ الْمُنَفِّرَةِ) أَيْ الصَّغِيرَةِ الَّتِي يَنْفِرُ عَنْهَا طِبَاعُ غَيْرِهِمْ (كَسَرِقَةِ) بِفَتْحٍ وَكَسْرٍ أَوْ بِفَتْحٍ أَوْ كَسْرٍ وَسُكُونٍ (لُقْمَةٍ) مِنْ الطَّعَامِ الْمُرَادُ مِنْ السَّرِقَةِ لَيْسَ مَا هُوَ الْمُصْطَلَحُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَخْذِ مُكَلَّفٍ خُفْيَةً قَدْرَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةً إلَخْ بَلْ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ خُفْيَةً (وَتَطْفِيفِ) بَخْسِ وَتَنْقِيصِ (حَبَّةٍ) مِنْ حُبُوبِ الْبِيَاعَاتِ وَإِنَّمَا تُنَفِّرُ الطَّبْعَ لِمَا فِيهَا مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى الْخِسَّةِ وَالدَّنَاءَةِ الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَيْضًا أَيْ عَمْدًا وَسَهْوًا خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ تَجْوِيزِهِ سَهْوًا لَكِنْ بِشَرْطِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ. (وَ) مِنْ (تَعَمُّدِ الصَّغَائِرِ غَيْرِهَا) أَيْ الْمُنَفِّرَةِ (بَعْدَ الْبِعْثَةِ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ النُّبُوَّةِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا اخْتَارَهُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِمَا فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ مِنْ قَوْلِهِ وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَتَجُوزُ عَمْدًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلْجُبَّائِيِّ وَأَتْبَاعِهِ فَتَأَمَّلْ فَفِي التَّقْيِيدِ بِالْعَمْدِ إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ الصَّغَائِرِ سَهْوًا كَمَا قَالَ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ وَيَجُوزُ سَهْوًا بِالِاتِّفَاقِ هَذَا كُلُّهُ بَعْدَ الْوَحْيِ. وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلَا دَلِيلَ عَلَى امْتِنَاعِ صُدُورِ الْكَبِيرَةِ خِلَافًا لِلشِّيعَةِ بِامْتِنَاعِ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَلَوْ قَبْلَ الْوَحْيِ وَكَذَا الْمُعْتَزِلَةُ. قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: وَالْحَقُّ أَنَّ مُوجِبًا لِلنَّفْرَةِ كَزِنَا الْأُمَّهَاتِ فِي الْكَبِيرَةِ وَأَنَّ مُوجِبًا لِلْخِسَّةِ فِي الصَّغِيرَةِ فَمُمْتَنِعٌ وَلَوْ قَبْلَ الْوَحْيِ. قَالَ الدَّوَانِيُّ: وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ عَلَى عِصْمَتِهِمْ مِنْ الصَّغَائِرِ عَمْدًا وَالْكَبَائِرِ مُطْلَقًا بَعْدَ الْبِعْثَةِ فَمَا نُقِلَ مِنْ الْكَذِبِ وَالْمَعْصِيَةِ إنْ بِطَرِيقِ الْآحَادِ فَمَرْدُودٌ وَإِنْ بِالتَّوَاتُرِ فَمُؤَوَّلٌ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَعَلَى السَّهْوِ أَوْ تَرْكِ الْأَوْلَى أَوْ قَبْلَ الْبَعْثَةِ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ كُلُّهُ عَلَى نَهْجِ مَا فِي الْكَلَامِيَّةِ ثُمَّ لَا عَلَيْنَا أَنْ نُلْحِقَ إجْمَالَ مَا فِي شِفَاءِ الْقَاضِي عِيَاضٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ الْحَظْرِ فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ أَمَّا الِاعْتِقَادِيَّاتُ فَهُمْ فِي أَعْلَى مَرْتَبَةِ عِلْمِ الْيَقِينِ بِذَاتِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ فَيَمْتَنِعُ الْجَهْلُ وَالشَّكُّ عَلَيْهِمْ إجْمَاعًا وَأَمَّا قَوْلُ إبْرَاهِيمَ ﵊ -

стр. 196

﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] فَلَيْسَ لِلشَّكِّ فِي إحْيَاءِ الْمَوْتَى بَلْ لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ فَالْعِلْمُ الْأَوَّلُ بِوُقُوعِهِ وَالثَّانِي بِكَيْفِيَّتِهِ وَمُشَاهَدَتِهِ أَوْ لِاخْتِبَارِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بِإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ أَوْ لِأَنَّ الْيَقِينَ يَقْبَلُ الْقُوَّةَ وَالضَّعْفَ فَيَزِيدُ التَّرَقِّي مِنْ مَرْتَبَةِ عِلْمِ الْيَقِينِ إلَى مَرْتَبَةِ عَيْنِ الْيَقِينِ أَوْ لِإِرَاءَةِ مُنْكِرِي الْبَعْثِ إلْزَامًا أَوْ الْمُرَادُ أَقْدِرْنِي عَلَى إحْيَاءِ الْمَوْتَى أَوْ أَرَى صُورَةَ الشَّكِّ مَعَ الْيَقِينِ تَوَاضُعًا وَتَأَدُّبًا لِازْدِيَادِ الْقُرْبِ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾ [يونس: ٩٤]- فَلَيْسَ لِوُجُودِ الشَّكِّ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمُقْتَضَى الْبَشَرِيَّةِ كَمَا وَهِمَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ بَلْ الْمُرَادُ قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلشَّاكِّ إنْ كُنْت فِي شَكٍّ إلَى آخِرِهِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى - ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ [يونس: ١٠٤] الْآيَةُ وَقِيلَ: الْخِطَابُ لِغَيْرِ النَّبِيِّ مِنْ قَبِيلِ - ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]- الْآيَةُ وَقِيلَ وَقِيلَ وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» فَلَيْسَ لِلرَّيْبِ وَوَسْوَسَةِ الْقَلْبِ بَلْ الْمُرَادُ مِنْ الْغَيْنِ ذُهُولُ الْقَلْبِ عَنْ مُشَاهَدَةِ الْحَقِّ وَمُدَاوَمَةِ الذِّكْرِ لِاشْتِغَالِهِ بِأَدَاءِ أَعْبَاءِ الرِّسَالَةِ مَعَ الْأُمَّةِ وَغَيْرِهِ هَذَا وَإِنْ كَانَ طَاعَةُ رَبِّهِ لَكِنْ تَفَرُّدُهُ بِرَبِّهِ أَعْلَى مِنْهُ فَيَعُدُّهُ نَقْصًا فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لِأُمَّتِهِ أَوْ لِتَعْلِيمِهِمْ أَوْ لِإِعْلَامِ طَرِيقِ عَدَمِ الْأَمْنِ أَوْ لِمُجَرَّدِ الْإِجْلَالِ وَالْإِعْظَامِ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥]- وَلِنُوحٍ ﵊ ﴿فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]- لَيْسَ لِإِثْبَاتِ الْجَهْلِ لَهُمَا بِصِفَتِهِ تَعَالَى فِي هَاتَيْنِ بَلْ الْمُرَادُ هُوَ الْوَعْظُ بِعَدَمِ التَّشْبِيهِ فِي الْأُمُورِ بِسِمَاتِ الْجَاهِلِينَ وَقِيلَ: الْخِطَابُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى لِنَبِيِّنَا ﵊ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَالصَّوَابُ أَيْضًا عِصْمَتُهُمْ عَنْ الْجَهْلِ بِذَاتِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ مُنْذُ وُلِدُوا وَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ مِنْ الْمُوَافِقِ وَالْمُخَالِفِ نِسْبَةَ كُفْرٍ إلَى نَبِيٍّ مَعَ قُوَّةِ مُعَادَاتِهِمْ وَأَمَّا قَوْلُ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْكَوْكَبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ - هَذَا رَبِّي - فَقِيلَ: فِي سِنِّ الطُّفُولِيَّةِ وَابْتِدَاءِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَقَبْلَ تَكْلِيفِ الشَّرْعِ وَقِيلَ: الْمُرَادُ هَذَا رَبِّي عَلَى الْإِنْكَارِ وَعَنْ الزَّجَّاجِ هَذَا رَبِّي عَلَى قَوْلِكُمْ وَمُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا قَالَهُ تَبْكِيتًا وَإِلْزَامًا وَتَوْبِيخًا اسْتِدْلَالًا عَلَيْهِمْ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى - ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]- فَلَيْسَ الْمُرَادُ هُوَ الْكُفْرُ بَلْ بِمَعْنَى الضَّالِّ أَيْ الْغَائِبِ عَنْ النُّبُوَّةِ أَوْ وَجَدَك بَيْنَ أَهْلِ الضَّلَالِ فَعَصَمَك أَوْ ضَالًّا عَنْ شَرِيعَتِك أَيْ لَا تَعْرِفُهَا فَهَدَاك إلَيْهَا بِالْوَحْيِ مَتْلُوًّا أَوْ غَيْرَ مَتْلُوٍّ أَوْ الضَّلَالُ الْحِيرَةُ الَّتِي فِي غَارِ حِرَاءٍ وَالْهِدَايَةُ هِدَايَةُ الْإِسْلَامِ أَوْ لَا تَعْرِفُ الْحَقَّ إلَّا مُجْمَلًا فَهَدَاك إلَيْهِ مُفَصَّلًا أَوْ ضَالًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَهَدَاك إلَى الْمَدِينَةِ أَوْ الْمَعْنَى وَوَجَدَك هَادِيًا فَهَدَى بِك ضَالًّا وَعَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ بْنِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿وَوَجَدَكَ ضَالا﴾ [الضحى: ٧]- عَنْ مَحَبَّتِي لَك فِي الْأَزَلِ أَيْ لَا تَعْرِفُهَا فَمَنَنْت عَلَيْك بِمَحَبَّتِي بِمَعْرِفَتِي وَقَرَأَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَوَجَدَك ضَالٌّ - بِالرَّفْعِ - فَهَدَى - أَيْ اهْتَدَى أَوْ الضَّالُّ بِمَعْنَى الْمُحِبِّ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥]- يَعْنِي مُحِبًّا لِمَعْرِفَتِي وَعَنْ الْجُنَيْدِ أَيْ وَجَدَك مُتَحَيِّرًا فِي بَيَانِ مَا أُنْزِلَ إلَيْك فَهَدَاك لِبَيَانِهِ وَقِيلَ: ضَالًّا أَيْ لَمْ يَعْرِفْ نُبُوَّتَك أَحَدٌ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]- فَعَنْ السَّمَرْقَنْدِيِّ أَيْ لَا تَعْرِفُ قَبْلَ الْوَحْيِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَلَا دَعْوَةَ الْخَلْقِ إلَى الْإِيمَانِ وَقَالَ الْقَاضِي وَلَا الْإِيمَانُ أَيْ الْفَرَائِضُ وَالْأَحْكَامُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ أَذَى الشَّيْطَانِ بِجِسْمِهِمْ وَعَنْ وَسْوَسَتِهِ بِقَلْبِهِمْ وَلِذَا. قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنْ الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ لَكِنَّهُ تَعَالَى أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ» وَفِي رِوَايَةٍ «فَلَا يَأْمُرُنِي إلَّا بِخَيْرٍ» وَفِي رِوَايَةٍ «فَأَسْلَمُ» بِالضَّمِّ أَيْ فَأَسْلَمُ أَنَا مِنْهُ وَفِي رِوَايَةٍ «فَأَسْلَمَ» يَعْنِي صَارَ مُسْلِمًا وَفِي رِوَايَةٍ «فَاسْتَسْلَمَ» فَإِذَا كَانَ حَالُ الْمُسَلَّطِ كَذَا فَحَالُ الْغَيْرِ أَوْلَى وَلِعَجْزِ اللَّعِينِ عَنْ أَذَاهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَسَبَّبَ بِالتَّوَسُّطِ فِي مَجِيئِهِ عَلَى قُرَيْشٍ فِي دَارِ النَّدْوَةِ فِي صُورَةِ الشَّيْخِ

стр. 197

النَّجْدِيِّ لِلْمُشَاوَرَةِ مَعَهُمْ فِي حَقِّهِ ﵊ فَحَفِظَهُ تَعَالَى بِخَبَرِ جَبْرَائِيلَ ﵊ وَأَنْزَلَ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠]- إلَى قَوْلِهِ - ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]- وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى - ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]- الْآيَةُ فَقِيلَ: أَيْ يَسْتَخِفَّنَّكَ يَعْنِي يُزْعِجَنَّكَ وَيَحْمِلُك عَلَى الْخِفَّةِ وَيُزِيلُ حِلْمَك غَضَبٌ يَحْمِلُك عَلَى تَرْكِ الْإِعْرَاضِ مَثَلًا عَنْهُمْ - ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]- وَلَا تُطِعْ مَنْ سِوَاهُ وَقِيلَ: يَنْزَغَنَّكَ يُغْرِيَنَّكَ وَيُحَرِّكَنَّكَ وَالنَّزْغُ أَدْنَى الْوَسْوَسَةِ فَأَمَرَهُ تَعَالَى أَنَّهُ مَتَى تَحَرَّكَ عَلَيْهِ الْغَضَبُ عَلَى عَدُوِّهِ أَوْ رَامَ الشَّيْطَانُ مِنْ إغْرَائِهِ وَخَوَاطِرُ أَدْنَى وَسَاوِسِهِ مَا لَمْ يُجْعَلْ لَهُ سَبِيلٌ إلَيْهِ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْهُ فَيُكْفَى أَمْرُهُ فَيَكُونُ سَبَبَ تَمَامِ عِصْمَتِهِ إذْ لَمْ يُسَلَّطْ بِأَكْثَرَ مِنْ التَّعَرُّضِ لَهُ وَلَمْ يُجْعَلْ لَهُ قُدْرَةً عَلَيْهِ وَأَمَّا أَقْوَالُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَّا فِي بَابِ التَّبْلِيغِ فَمَعْصُومٌ عَمْدًا إجْمَاعًا أَوْ سَهْوًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ غَلَطًا أَيْ خَطَأً وَأَمَّا فِي أُمُورِ الدُّنْيَا فَكَذَا أَيْضًا مَعْصُومٌ عَلَى الْخِلَافِ عَمْدًا وَنِسْيَانًا وَخَطَأً حَالَ رِضَاهُ وَسَخَطِهِ وَجِدِّهِ وَمَزْحِهِ وَصِحَّتِهِ وَمَرَضِهِ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ - وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ يَقُولُ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَسَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: أَقَصَرْت الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيت؟ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مَا قَصَرْت الصَّلَاةَ وَلَا نَسِيت» فَأَخْبَرَ بِنَفْيِ الْحَالَيْنِ وَقَدْ كَانَ أَحَدَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ ذُو الْيَدَيْنِ قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَا يَتَوَجَّهُ شَيْءٌ عَلَى مَنْ جَوَّزَ الْوَهْمَ وَالْغَفْلَةَ فِي غَيْرِ بَابِ التَّبْلِيغِ وَإِنْ زَيَّفَ. وَقِيلَ: أَنَّهُ عَامِدٌ لِصُورَةِ النِّسْيَانِ لِتَعْلِيمِ حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ الْقَصْرِ وَحَقِيقَةِ النِّسْيَانِ لَكِنْ مِثْلُ هَذَا الْقَصْدِ لِأَجْلِ مِثْلِ إعْلَامِ تَشْرِيعِ هَذَا الْحُكْمِ بَعِيدٌ وَقِيلَ: نَفْيُ النِّسْيَانِ بِحَسَبِ اعْتِقَادِهِ ﵊ أَوْ بِحَسَبِ نَفْيِ السَّلَامِ وَإِنْ ثَبَتَ السَّهْوُ فِي الْعَدَدِ أَوْ النَّفْيِ بِحَسَبِ مَجْمُوعِ الْقَصْرِ وَالنِّسْيَانِ يَعْنِي لَمْ يَجْمَعْ الْقَصْرُ وَالنِّسْيَانُ أَوْ الْمَنْفِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ هُوَ النِّسْيَانُ لَا السَّهْوُ فَالْوَاقِعُ هُوَ السَّهْوُ لَا النِّسْيَانُ لِأَنَّ النِّسْيَانَ غَفْلَةٌ وَآفَةٌ وَالسَّهْوَ شَغْلٌ فَيَسْهُو فِي صَلَاتِهِ وَلَا يَغْفُلُ وَأَمَّا الْأَعْمَالُ فَشَامِلَةٌ لِلْأَقْوَالِ الْغَيْرِ التَّبْلِيغِيَّةِ فَهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ الْفَوَاحِشِ وَالْكَبَائِرِ إجْمَاعًا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي عِصْمَتِهِمْ اخْتِيَارًا أَوْ بِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلَى الْمَعَاصِي - وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَجَوَّزَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَتَوَقَّفَ بَعْضُهُمْ وَمَنَعَ الْمُحَقِّقُونَ كَالْكَبَائِرِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ لِتَنَافِي الِاتِّبَاعِ الْمُطْلَقِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ بِلَا حَاجَةَ إلَى قَرِينَةٍ وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ وَاجِبًا أَوْ نَدْبًا أَوْ إبَاحَةً وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ الِاتِّبَاعَ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ فَالْحَظْرُ وَالْكَرَاهَةُ مُنَافٍ لِلتَّبَعِيَّةِ وَأَمَّا قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي صُدُورِ مُطْلَقِ الْمَعْصِيَةِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُهَا كَيْفَ وَتَصَوُّرُ الْمَسْأَلَةِ كَالْمُمْتَنِعِ فَإِنَّ الْحُرْمَةَ فَرْعُ الشَّرْعِ وَلَا شَرْعَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي تَعَبُّدِ نَبِيِّنَا قَبْلَ الشَّرْعِ هَلْ هُوَ مُتَّبِعٌ لِشَرْعٍ أَمْ لَا وَأَمَّا السَّهْوُ وَالنِّسْيَانُ فِي التَّبْلِيغِ وَبَيَانِ الْأَحْكَامِ فَكَالْأَقْوَالِ فِي الِامْتِنَاعِ عِنْدَ الْإسْفَرايِينِيّ لِمُنَافَاتِهِ التَّبَعِيَّةَ الْمَأْمُورَةَ أَيْضًا وَأَحَادِيثُ السَّهْوِ مُؤَوَّلَةٌ وَجَائِزٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَعَنْ النَّوَوِيِّ وَهُوَ الْحَقُّ لِأَنَّ السَّهْوَ فِي الْأَفْعَالِ لِعَدَمِ كَوْنِهَا مِنْ جِنْسِ الْمُعْجِزَةِ لَا يُنَافِيهَا كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيت فَذَكِّرُونِي» وَأَنَّ ذَلِكَ دَاعِيًا إلَى تَقْرِيرِ شَرْعٍ كَمَا قَالَ ﵊ «إنِّي لَأَنْسَى أَوْ أُنْسَى لِأَسُنَّ» بَلْ قَدْ رُوِيَ «لَسْت أَنْسَى وَلَكِنْ أُنْسَى لِأَسُنَّ» فَمِنْ بَابِ تَمَامِ النِّعْمَةِ لَا النَّقْصِ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ تَقْرِيرِهِمْ عَلَى هَذَا السَّهْوِ وَالْغَلَطِ بَلْ يُنَبَّهُ فَوْرًا. وَأَمَّا فِي غَيْرِ التَّبْلِيغِ وَبَيَانِ الْأَحْكَامِ مِمَّا يُوجِبُ التَّبَعِيَّةَ فَالْأَكْثَرُ عَلَى الْجَوَازِ لِلِاشْتِغَالِ بِأَحْوَالِ الْإِنْذَارِ وَالتَّكْلِيفِ وَمُحَافَظَةِ الْأُمَّةِ وَلَكِنْ بِلَا تَكْرَارٍ وَدَوَامٍ بَلْ بِالنُّدْرَةِ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً أَوْ مِائَةَ مَرَّةً» وَعِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُتَصَوِّفَةِ وَأَصْحَابِ عِلْمِ الْقُلُوبِ وَالْمَقَامَاتِ الْعَلِيَّةِ مَنْعُ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ وَالْغَفَلَاتِ وَالْفَتَرَاتِ مُطْلَقًا عَلَى تَأْوِيلِ مِثْلِ آثَارِ السَّهْوِ السَّابِقَةِ كَحِكْمَةِ بَيَانِ حُكْمِ مِثْلِ هَذِهِ

стр. 198

الْوَقْعَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ أَبْلَغُ مِنْ الْقَوْلِ لِأَنَّهُ أَرْفَعُ لِلِاحْتِمَالِ أَوْ أَنَّ السَّهْوَ وَالنِّسْيَانَ فِي الْفِعْلِ جَائِزٌ فِيهِ ﵊ لِعَدَمِ تَنَافِي الْمُعْجِزَةِ دُونَ الْقَوْلِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِنْ نَسِيت فَذَكِّرُونِي» كَمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ مَا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ عَلَى جَوَازِ الصَّغَائِرِ مِنْ ظَوَاهِرِ بَعْضِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ مُفْضٍ إلَى جَوَازِ الْكَبِيرَةِ وَخَرْقِ الْإِجْمَاعِ وَأَنَّهُ مِمَّا اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَاهُ فَلَا يَخْلُو عَنْ تَطَرُّقِ الِاحْتِمَالِ فِي مُقْتَضَاهُ وَلَا حُجَّةَ مَعَ الِاحْتِمَالِ فَكُلُّ مَا احْتَجُّوهُ مُتَأَوَّلٌ أَمَّا قَوْله تَعَالَى - ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]- فَقِيلَ: الْمُتَقَدِّمُ مَا كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَالْمُتَأَخِّرُ هُوَ الْعِصْمَةُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَقِيلَ: أُمَّتُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيلَ: مَا بِسَهْوٍ وَغَفْلَةٍ وَتَأْوِيلُهُ حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ وَاخْتَارَهُ الْقُشَيْرِيُّ وَقِيلَ: مَا تَقَدَّمَ لِأَبِيك آدَمَ وَمَا تَأَخَّرَ مِنْ ذُنُوبِ أُمَّتِك وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [محمد: ١٩]- وَقِيلَ: الْخِطَابُ لِلْأُمَّةِ. وَقِيلَ: ذَنْبُك مَغْفُورٌ لَوْ كَانَ فِيك ذَنْبٌ وَلَا يَقْتَضِي هَذَا وُجُودَ الذَّنْبِ وَقِيلَ: الْمَغْفِرَةُ تَبْرِئَةُ الْعُيُوبِ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى - ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢]- فَقِيلَ: مَا سَلَفَ مِنْ ذَنْبِك قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَقِيلَ: حَفِظْنَاك قَبْلَ النُّبُوَّةِ مِنْ الذُّنُوبِ لِئَلَّا يَثْقُلَ عَلَيْك أَعْبَاءُ النُّبُوَّةِ وَقِيلَ: مَا أَثْقَلَ ظَهْرَهُ مِنْ أَعْبَاءِ الرِّسَالَةِ وَقِيلَ: حَطَطْنَا عَنْك ثِقَلَ أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ وَقِيلَ: ثِقَلَ شَغْلِ سِرِّك وَحِيرَتِك وَطَلَبِ شَرِيعَتِك حَتَّى شَرَعْنَا ذَلِكَ لَك وَقِيلَ: الْوِزْرُ الشَّيْءُ الَّذِي صَدَرَ مِنْ النَّبِيِّ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَحُرِّمَ عَلَيْهِ بَعْدَهَا وَاهْتَمَّ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَثَقُلَ عَلَيْهِ مِنْ كَمَالِ خَشْيَتِهِ أَوْ الشَّيْءُ الَّذِي لَوْ صَدَرَ لَكَانَ ذَنْبًا أَوْ ثِقَلُ الرِّسَالَةِ أَوْ مَا ثَقُلَ عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى - ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]- فَأَمْرٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ نَهْيٌ حَتَّى يُعَدَّ ذَنْبًا فَغَلِطَ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمُعَاتَبَةِ فَعَفَا لَيْسَ بِمَعْنَى غَفَرَ بَلْ بِمَعْنَى لَمْ يُلْزِمْك ذَنْبًا أَيْ وَضَعَ عَنْك شَيْئًا لَوْ لَمْ يُوضَعْ لَكَانَ ذَنْبًا وَقِيلَ: هُوَ اسْتِفْتَاحُ كَلَامٍ مِثْلُ أَعَزَّك اللَّهُ وَعَنْ السَّمَرْقَنْدِيِّ أَيْ عَافَاكَ اللَّهُ مِنْ الْمُعَافَاةِ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى فِي أَسَارَى بَدْرٍ - ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧]- الْآيَتَيْنِ فَلَيْسَ فِيهِ إلْزَامُ ذَنْبٍ بَلْ تَكْرِيمٌ بِمَا خُصَّ بِهِ مِنْ حِلِّ الْغَنَائِمِ بِمَعْنَى مَا كَانَ هَذَا الشَّيْءُ لِغَيْرِك مِنْ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا «قَالَ ﵊ حُلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِنَبِيٍّ قَبْلِي» وَالْخِطَابُ فِي تُرِيدُونَ لِبَعْضِ ضُعَفَاءِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَرَادُوا مُجَرَّدَ اسْتِكْثَارِ الدُّنْيَا وَإِنْ اسْتَعَانُوا بِهَا عَلَى الْعُقْبَى لِكَوْنِهِ أَدْنَى مِنْ تَارِكِي الدُّنْيَا لَا لِلنَّبِيِّ وَأَشْرَافِ أَصْحَابِهِ وَمَعْنَى - ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨]- لَوْ لَمْ يَسْبِقْ مِنِّي عَدَمُ الْعَذَابِ بِلَا نَهْيٍ لَعَذَّبْتُكُمْ وَقِيلَ: لَوْ لَمْ يَسْبِقْ إيمَانُكُمْ بِالْكِتَابِ يَعْنِي الْقُرْآنَ لَعُوقِبْتُمْ أَوْ لَوْ لَمْ يَسْبِقْ فِي اللَّوْحِ عَدَمُ حِلِّ الْغَنَائِمِ لَعُوقِبْتُمْ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى - ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس: ١]- الْآيَاتِ فَلَيْسَ فِيهِ إثْبَاتُ ذَنْبٍ لَهُ ﵊ بَلْ إعْلَامُ عَدَمِ تَزَكِّي الْمُتَصَدِّي لَهُ وَأَنَّ الْأَوْلَى إقْبَالُ الْأَعْمَى وَتَصَدِّيهِ وَاسْتِئْلَافُهُ لِلْكَافِرِ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ بَلْ تَبْلِيغٌ وَطَاعَةٌ وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ عَبَسَ وَتَوَلَّى الْكَافِرُ وَأَمَّا قِصَّةُ آدَمَ ﵊ وَقَوْلُهُ - ﴿فَأَكَلا﴾ [طه: ١٢١]- بَعْدَ قَوْلِهِ - ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]- وَتَصْرِيحُهُ بِالْمَعْصِيَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]- أَيْ جَهِلَ وَقِيلَ: أَخْطَأَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَخْبَرَ بِعُذْرِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] . قَالَ ابْنُ زَيْدٍ نَسِيَ عَدَاوَةَ إبْلِيسَ لَهُ وَمَا عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ [طه: ١١٧]- الْآيَةَ قِيلَ: نَسِيَ ذَلِكَ بِمَا أَظْهَرَ لَهُمَا وَقِيلَ: نَسِيَ ذَلِكَ بِمَا أَظْهَرَ الشَّيْطَانُ مِنْ النَّصِيحَةِ وَالْحَلِفِ عَلَى تَوَهُّمِ أَنَّ أَحَدًا لَا يَحْلِفُ كَاذِبًا وَقِيلَ: الْأَكْلُ عِنْدَ السُّكْرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِوَصْفِهِ تَعَالَى خَمْرَ الْجَنَّةِ بِعَدَمِ السُّكْرِ وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَقِيلَ: بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى التَّنْزِيهِ الَّذِي حَاصِلُهُ كَتَرْكِ الْأَوْلَى وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ يُونُسَ ﵊ ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]- عَلَى تَقْدِيرِ اسْتِلْزَامِ الظُّلْمِ تَقَدُّمَ الذَّنْبِ فَالظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَوَضْعُ حُبِّ غَيْرِ رَبِّهِ فِي صَدْرِهِ ظُلْمٌ لِنَفْسِهِ بَلْ عَدَّ الصُّوفِيَّةُ الْغَفْلَةَ عَنْ اللَّهِ وَإِرَادَةَ مَا سِوَاهُ ظُلْمًا أَوْ خُرُوجِهِ عَنْ قَوْمِهِ بِلَا إذْنِهِ أَوْ لِضَعْفِهِ عَنْ تَحَمُّلِ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ أَوْ لِدُعَائِهِ عَلَى قَوْمِهِ وَأَمَّا قِصَّةُ دَاوُد مَعَ أُورْيَا فَمَأْخُوذَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَمْ يَرِدْ فِيهَا خَبَرٌ صَحِيحٌ وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ حَدَّثَكُمْ بِحَدِيثِ دَاوُد ﵊ عَلَى

стр. 199

مَا يَرْوِيهِ الْقَصَّاصُ جُلِدَ تِسْعُمِائَةٍ وَسِتِّينَ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص: ٢٤] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] وَقَوْلُهُ أَوَّابٌ فَتَنَّاهُ أَيْ اخْتَبَرْنَاهُ وَأَوَّابٌ أَيْ مُطِيعٌ وَإِنَّمَا الصَّادِرُ مِنْ دَاوُد قَوْلُهُ لِأُورْيَا تَلْوِيحًا انْزِلْ لِي عَنْ امْرَأَتِك أَيْ طَلِّقْهَا وَأَكْفِلْنِيهَا أَيْ أَعْطِنِيهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي شَرِيعَتِهِ فَأَنْكَرَهُ تَعَالَى لِكَوْنِهِ شَغْلًا بِالدُّنْيَا وَتَرْكًا لِلْأَوْلَى وَقِيلَ: خَطَبَهَا عَلَى خِطْبَتِهِ وَقِيلَ: هُوَ مَحَبَّةُ الْقَلْبِ فَقَطْ فَالْقَوْلُ بِأَنَّ دَاوُد أَرْسَلَ أوريا فِي الْمَهَالِكِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى لِيُقْتَلَ فَيَتَزَوَّجُ زَوْجَتَهُ لَا يَصْدُرُ مِنْ أَهْلِ صَلَاحِ الْمُسْلِمِينَ فَضْلًا عَنْ بَعْضِ أَعْلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَأَمَّا قِصَّةُ يُوسُفَ ﵊ وَإِخْوَتِهِ فَلَيْسَ عَلَى يُوسُفَ تَعَقُّبٌ وَلَمْ تَثْبُتْ نُبُوَّةُ إخْوَتِهِ بَلْ هُمْ صِغَارٌ عِنْدَ هَذَا الْوَقْتِ وقَوْله تَعَالَى - ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤]- الْهَمُّ عِنْدَ كَثِيرٍ لَيْسَ فِيهِ مُؤَاخَذَةٌ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ رَبِّهِ إذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ» وَالتَّحْقِيقُ إنْ تَوَطَّنَ الْهَمُّ فِي النَّفْسِ فَسَيِّئَةٌ وَإِلَّا فَلَا. وَهَمُّ يُوسُفَ مِنْ عَدَمِ التَّوَطُّنِ وَقَوْلُهُ - ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣]- أَيْ مِنْ هَذَا الْهَمِّ أَوْ لِلتَّوَاضُعِ أَوْ الِاعْتِرَافِ لِتَزْكِيَتِهِ قِيلَ: لِعَدَمِ صُدُورِ الْهَمِّ كَمَا حُكِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ وَأَمَّا خَبَرُ مُوسَى ﵊ مَعَ قَتِيلِهِ وَوَكْزِهِ فَقَبْلُ النُّبُوَّةِ وَأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْقَتْلَ بَلْ أَرَادَ دَفْعَ ظُلْمِهِ وَقَوْلُهُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ وَقَوْلُهُ ظَلَمْت نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَقْتُلَ بِلَا إذْنٍ وَأَمْرٍ وَقَوْلُهُ ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠] الْمُرَادُ ابْتِلَاؤُهُ مَعَ فِرْعَوْنَ أَوْ إلْقَاؤُهُ فِي التَّابُوتِ وَالْيَمِّ أَيْ الْبَحْرِ وَمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ جَاءَهُ فَلَطَمَ عَيْنَهُ فَفَقَأَهَا» الْحَدِيثَ لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ كَوْنِهِ مَلَكًا وَقَدْ أَرَادَ إهْلَاكَهُ عَلَى صُورَةِ إنْسَانٍ ثُمَّ بَعْدَ عِلْمِهِ اسْتَسْلَمَهُ وَهَذَا أَقْوَى الْأَجْوِبَةِ وَأَمَّا قِصَّةُ سُلَيْمَانَ ﵊ وَمَا حُكِيَ مِنْ ذَنْبِهِ وَقَوْلُهُ - ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا﴾ [ص: ٣٤]- أَيْ ابْتَلَيْنَاهُ وَابْتِلَاؤُهُ مَا حُكِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ كُلُّهُنَّ يَأْتِينَ بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ قُلْ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَقُلْ فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ امْرَأَةٌ إلَّا وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ» فَقِيلَ: الشِّقُّ الْجَسَدُ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَى كُرْسِيِّهِ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ وَهِيَ عُقُوبَةٌ وَمِحْنَةٌ وَقِيلَ: ذَنْبُهُ حِرْصُهُ عَلَى جِنْسِ الْوَلَدِ لِأَنَّ الْكَامِلَ لَا يَخْطِرُ بِبَالِهِ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ: عَدَمُ اسْتِثْنَائِهِ وَقِيلَ: عُقُوبَتُهُ سَلْبُ مُلْكِهِ وَذَنْبُهُ مَحَبَّتُهُ كَوْنَ الْحَقِّ لِأَصْهَارِهِ عَلَى خَصْمِهِمْ وَقِيلَ: أُخِذَ بِذَنْبٍ اكْتَسَبَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ بِغَيْرِ اطِّلَاعِهِ وَرُدَّ بِعَدَمِ جَوَازِ الْمُؤَاخَذَةِ بِذَنْبِ الْغَيْرِ وَدُفِعَ بِجَوَازِ تَقْصِيرِهِ فِي أَمْرِهِنَّ بِنَحْوِ تَأْخِيرِ صَلَاةٍ أَوْ نِيَاحَةٍ مَكْرُوهَةٍ لَا نَحْوَ فِعْلِ فَاحِشَةٍ وَإِلَّا فَسَبٌّ وَأَذِيَّةٌ وَمُنَافٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور: ٢٦] . وَحُكِيَ عَنْ الْأَنْطَاكِيِّ أَنَّ الشَّيَاطِينَ مَثَّلُوا لِبَعْضِ نِسْوَانِهِ صُورَةَ أَبِيهَا فَعَبَدَتْهَا فَأُخْبِرَ فَكَسَرَ الصُّورَةَ وَعَاقَبَ الْمَرْأَةَ ثُمَّ خَرَجَ إلَى فَلَاةٍ تَائِبًا وَلَا يَصِحُّ مَا نَقَلَهُ الْأَخْبَارِيُّونَ مِنْ تَشْبِيهِ الشَّيْطَانِ وَتَسَلُّطِهِ عَلَى مُلْكِهِ وَالْجَوْرِ فِي حُكْمِهِ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ عَنْ مِثْلِ هَذَا التَّسَلُّطِ الشَّيْطَانِيِّ وَقَوْلُهُ - ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]- لَيْسَ لِغِيرَةِ الدُّنْيَا بَلْ لِعَدَمِ تَسَلُّطِ أَحَدٍ عَلَيْهِ أَوْ لِيَكُونَ لَهُ مِنْ خَوَاصِّهِ كَمَا يَكُونَ لِكُلِّ نَبِيٍّ خَاصَّةً كَلِينِ الْحَدِيدِ لِأَبِيهِ دَاوُد وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى لِعِيسَى ﵊. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى عَنْ نُوحٍ ﵊ ﴿وَإِلا تَغْفِرْ لِي﴾ [هود: ٤٧]- الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] فَلَيْسَ فِيهِ إثْبَاتُ ذَنْبٍ وَطَلَبُ ابْنِهِ لِفَهْمِهِ مِنْ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَأَهْلَكَ﴾ [هود: ٤٠]- مُطْلَقُ الْأَهْلِ أَوْ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كُفْرَ ابْنِهِ فَعَاتَبَهُ تَعَالَى فِي هَذَا الطَّلَبِ لِكَوْنِهِ بِلَا إذْنٍ وَأَعْلَمَهُ أَنَّ ابْنَهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ الَّذِي وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى نَجَاتَهُ وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ أَكْثَرَ خَوْفِهِمْ هُوَ خَوْفُ الْعَظَمَةِ وَالْمَهَابَةِ الَّتِي هِيَ مَقَامُ قُوَّةِ الْقُرْبِ وَالْمَعْرِفَةِ وَإِنَّ أَكْثَرَ خَوْفِهِمْ مِنْ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ الْمُبَاحَةِ لِكَوْنِهَا مَيْلًا إلَى مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى فَعَلَى هَذَا الْجِنْسِ يُحْمَلُ اعْتِرَافُ الْأَنْبِيَاءِ بِالذُّنُوبِ وَتَوْبَتُهُمْ وَبُكَاؤُهُمْ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ عَنْ الْجَهْلِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالذَّاتِ وَالصِّفَاتِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ عَقْلًا وَإِجْمَاعًا وَقَبْلَهَا سَمْعًا وَنَقْلًا وَعَنْ الْجَهْلِ فِي الْأُمُورِ التَّبْلِيغِيَّةِ قَطْعًا وَشَرْعًا وَعَقْلًا وَعَنْ الْكَذِبِ وَخُلْفِ الْقَوْلِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ قَصْدًا

стр. 200

وَغَيْرَ قَصْدٍ شَرْعًا وَإِجْمَاعًا نَظَرًا وَبُرْهَانًا وَقَبْلَ النُّبُوَّةِ قَطْعًا وَعَنْ الْكَبَائِرِ إجْمَاعًا وَعَنْ الصَّغَائِرِ تَحْقِيقًا وَعَنْ اسْتِدَامَةِ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ تَدْقِيقًا وَاسْتِمْرَارِ الْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ حَالَ غَضَبٍ وَرِضًا وَجِدٍّ وَمَزْحٍ. (وَأَوَّلُهُمْ) أَيْ الْأَنْبِيَاءُ (آدَم ﵊) نُبُوَّتُهُ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ حَتَّى يَكْفُرَ جَاحِدُهَا كَبَعْضِ الْبَرَاهِمَةِ وَكَالسُّمَنِيَّةِ وَأَكْثَرُ الْبَرَاهِمَةِ فِي مُطْلَقِ النُّبُوَّةِ وَبَعْضُ الْبَرَاهِمَةِ يَقْصِرُ النُّبُوَّةَ عَلَى آدَمَ ﵊ فَقَطْ وَالصَّابِئِيَّةَ عَلَى شِيثٍ وَإِدْرِيسَ فَقَطْ وَالْيَهُودُ عَلَى مُوسَى فَقَطْ وَجُمْهُورُ الْيَهُودِ وَالْمَجُوس وَالنَّصَارَى يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَبَعْضُ الْيَهُودِ يَقْصِرُ رِسَالَتَهُ عَلَى الْعَرَبِ فَقَطْ (وَآخِرُهُمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]- «وَقَوْلُهُ ﵊ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» (وَأَفْضَلُهُمْ) لِقَوْلِهِ - ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠]- وَقَدْ تَقَدَّمَ (مُحَمَّدٌ ﵊ وَلَا يُعْرَفُ يَقِينًا عَدَدُهُمْ) وَإِنْ عُرِفَ ظَنًّا لِكَوْنِ دَلِيلِهِ خَبَرُ وَاحِدٍ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ وَفِي رِوَايَةٍ مِائَتَا أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا مَعَ عَدَمِ مَعْلُومِيَّةِ وُجُودِ شَرَائِطِهِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْعَقَائِدِ النَّسَفِيَّةِ الْأَوْلَى أَنْ لَا يُقْتَصَرَ عَلَى عَدَدٍ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]- وَلَا يُؤْمَنُ فِي ذِكْرِ الْعَدَدِ أَنْ يُدْخِلَ فِيهِمْ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ أَوْ يُخْرِجَ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِيهِمْ. قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ عَلَى تَقْدِيرِ اشْتِمَالِ خَبَرِ الْوَاحِدِ شَرَائِطَ الرِّوَايَةِ لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ وَلَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ فِي بَابِ الِاعْتِقَادِيَّاتِ خُصُوصًا إذَا اشْتَمَلَ عَلَى اخْتِلَافِ رِوَايَةٍ

стр. 201

وَكَانَ الْقَوْلُ بِمُوجِبِهِ مِمَّا يُفْضِي إلَى مُخَالَفَةِ ظَاهِرِ الْكِتَابِ إلَى آخِرِ مَا قَالَ. (وَلَا تَبْطُلُ رِسَالَتُهُمْ بِمَوْتِهِمْ) وَلِهَذَا كَانَتْ شَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا شَرِيعَةً لَنَا إذَا قَصَّهَا الشَّارِعُ بِلَا نَسْخٍ عَلَى أَنْ تَكُونَ شَرِيعَةً لِذَلِكَ النَّبِيِّ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَعَامَّةِ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنْ تَكُونَ شَرِيعَةً لِرَسُولِنَا أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا كَأَبِي مَنْصُورٍ وَأَبِي زَيْدٍ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَعَامَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ الْعَزْلَ وَالْإِبْطَالَ عِنْدَهُمْ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ شَرِيعَةً لِمُتَعَدِّدٍ ابْتِدَاءً وَاسْتِقْلَالًا وَأَنَّ نُبُوَّتَهُمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى أُمَّتِهِمْ فِي زَمَانِهِمْ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى أُمَّةِ نَبِيٍّ مِنْ بَعْدِهِمْ وَحُجَّتُهُمْ قَائِمَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى أُمَّتِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا وَإِنْ انْقَطَعَ تَكَالِيفُهُمْ فَكَمَا أَنَّ النُّبُوَّةَ وَكَذَا الْوِلَايَةُ لَا تَنْعَزِلُ بِالنَّوْمِ فَكَذَا بِالْمَوْتِ وَقِيلَ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ بُطْلَانُ الرِّسَالَةِ بِالْمَوْتِ وَإِنْ بَقِيَ حُكْمُهَا بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ مِنْ عَدَمِ بَقَاءِ الْأَعْرَاضِ زَمَانَيْنِ وَأَنَّ الرِّسَالَةَ عَرَضٌ وَرُدَّ بِظُهُورِ دَوَامِ بَعْضِ الْأَعْرَاضِ كَالْأَلْوَانِ عَلَى أَنَّ الشَّرْعِيَّاتِ مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ الْجَوَاهِرِ، لَعَلَّ الْحَقَّ فِي الْإِيرَادِ أَنَّ مَوْتَهُمْ كَنَوْمِهِمْ فَكَمَا لَا تَبْطُلُ بِالنَّوْمِ لَا تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَحَدِيثُ عَدَمِ بَقَاءِ الْأَعْرَاضِ كَمَا لَا يَضُرُّ بِالنَّوْمِ لَا يَضُرُّ بِالْمَوْتِ فَإِنَّ مَوْتَهُمْ صُورِيٌّ بَلْ لَا يَمُوتُونَ أَبَدًا وَلِذَا أَجْسَادُهُمْ الشَّرِيفَةُ لَا تَبْلَى وَقِيلَ: الرِّسَالَةُ قَائِمَةٌ بِأَرْوَاحِهِمْ وَهِيَ بَاقِيَةٌ فَتَبْقَى بِبَقَائِهَا لَعَلَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَخْذِ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ أَقَاوِيلِ النَّفْسِ النَّاطِقَةِ وَقَدْ كَانَ الْأَصَحُّ غَيْرَ هَذَا فِي مَحَلِّهِ. (وَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ) الظَّاهِرُ الشُّمُولُ لِلنَّبِيِّ وَالرَّسُولِ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَجْهُ التَّفْصِيلِ سُجُودُ الْمَلَائِكَةِ لِآدَمَ تَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْلِيمُ آدَمَ لَهُمْ الْأَسْمَاءَ وقَوْله تَعَالَى - ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]- وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَالَمِ وَأَنَّ طَاعَاتِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى قَهْرِ دَوَاعِي النَّفْسِ أَشَقُّ وَعِبَادَةُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى مُوجِبِ طِبَاعِهِمْ وَالْأَشَقُّ أَفْضَلُ قَالَ الْخَيَالِيُّ فَإِنْ قُلْت لِلْمَلَائِكَةِ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِ الْبَشَرِ صِفَاتٌ فَاضِلَةٌ يَضْمَحِلُّ فَضْلُ الْعَمَلِ فِي حَقِّهَا قُلْت: هَذَا الِادِّعَاءُ مِمَّا لَمْ يُقْبَلْ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَعِنْدَ بَعْضِ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ تَفْضِيلُ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهُمْ أَرْوَاحٌ مُجَرَّدَةٌ مُبَرَّأَةٌ عَنْ مَوَادِّ الشُّرُورِ كَظُلُمَاتِ الْهُيُولِيِّ قَوِيَّةٌ عَلَى الْأَفْعَالِ الْعَجِيبَةِ وَلِأَنَّهُمْ مُعَلِّمُو الْأَنْبِيَاءِ وَلِإِطْرَادِ الْقُرْآنِ عَلَى تَقْدِيمِهِمْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَحْوَ قَوْله تَعَالَى - ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] الْآيَةَ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] فَإِنَّ

стр. 202

أَهْلَ اللِّسَانِ يَفْهَمُ مِنْهُ التَّرَقِّي عَلَى عِيسَى ﵊ وَالْجَوَابُ عَنْ الْكُلِّ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ (الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ اللَّهِ) تَعَالَى يَسْتَغْرِقُونَ بِعِبَادَتِهِ عَلَى حَسَبِ مَرَاتِبِهِمْ لَا أَبْنَاؤُهُ كَمَا زَعَمَ الْكَفَرَةُ (مُكَرَّمُونَ) لِأَنَّهُمْ كِرَامٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَا يَسْبِقُونَهُ) تَعَالَى (بِالْقَوْلِ) يَعْنِي لَا يَتَجَاوَزُونَ أَمْرَهُ فَقَوْلُهُ (وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) كَالتَّفْسِيرِ لَهُ وَيَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ إذْ مَفْهُومُ كُلٍّ يُؤَكِّدُ مَنْطُوقَ الْآخَرِ وَبِالْعَكْسِ (وَلَا يُوصَفُونَ بِمَعْصِيَةٍ) كَبِيرَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ كَالْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ فِي الشِّفَاءِ وَاتَّفَقُوا أَنَّ حُكْمَ مُرْسَلِيهِمْ حُكْمُ النَّبِيِّينَ فِي الْعِصْمَةِ. وَأَمَّا فِي غَيْرِ مُرْسَلِيهِمْ فَقِيلَ: بِعِصْمَتِهِمْ جَمِيعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦]- ﴿وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦]- و ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٦] وَقِيلَ: بِجَوَازِ ذَلِكَ وَالصَّوَابُ عِصْمَةُ الْجَمِيعِ فَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ مِنْ تَرْجِيحِ كَوْنِ إبْلِيسَ مِنْ الْمَلَكِ وَمَا فِي بَحْرِ النَّسَفِيِّ مِنْ أَنَّهُ فِي الْمَلَائِكَةِ كَافِرٌ مُعَذَّبٌ كَإِبْلِيسَ وَعَاصٍ غَيْرُ كَافِرٍ كَهَارُوتَ وَمَارُوتَ خِلَافُ الصَّوَابِ. قَالَ الدَّوَانِيُّ الْأَكْثَرُ أَنَّ إبْلِيسَ لَيْسَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى - ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]- وَأَسَانِيدُ قِصَّةِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ لَيْسَتْ بِمَقْبُولَةٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ. وَقَالَ فِي الشِّفَاءِ لَيْسَ فِيهِ خَبَرٌ لَا صَحِيحٌ وَلَا سَقِيمٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَمْرٌ يُعْلَمُ بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ كُتُبِ الْيَهُودِ وَإِنْ وَقَعَ فِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ وَالتَّعْذِيبُ الْمَفْهُومُ مِنْ الْقُرْآنِ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاتَبَةِ كَالْأَنْبِيَاءِ عَلَى السَّهْوِ وَتَعْلِيمِ السِّحْرِ لَيْسَ بِكُفْرٍ كَاعْتِقَادِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ وَهُوَ تَفْرِيقُ مُعْجِزَةِ النَّبِيِّ عَنْ سِحْرِ الْمُتَنَبِّي لِشُيُوعِ السِّحْرِ بَيْنَهُمْ، فَقِصَّةُ الزُّهْرَةِ مَعَ كَوْنِهَا مُحَالًا فِي الْعَقْلِ مَأْخُوذَةٌ عَنْ الْيَهُودِ (وَلَا بِذُكُورَةٍ وَلَا أُنُوثَةٍ) إذْ لَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ نَقْلٌ وَلَا دَلَّ عَلَيْهِ عَقْلٌ كَذَا فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى مُقَدِّمَةِ كُلِّ مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ يَجِبُ نَفْيُهُ وَهَذَا وَإِنْ جَائِزًا فِي فُرُوعِ الشَّافِعِيَّةِ لَكِنْ. قَالَ فِي الْمَوَاقِفِ بِعَدَمِ صِحَّتِهِ وَقُوَّتِهِ وَأَنَّ عَدَمَ الدَّلِيلِ سَمْعًا وَعَقْلًا كَمَا يَجْرِي فِي جَانِبِ النَّفْيِ يَجْرِي فِي جَانِبِ إثْبَاتِهِ وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ مِنْ عَالَمِ الْأَمْرِ وَالتَّكْوِينِ لَا مِنْ عَالَمِ الْخَلْقِ وَالتَّوْلِيدِ (وَلَا) يُوصَفُونَ (بِأَكْلٍ وَلَا بِشُرْبٍ وَلَوَازِمِهِمَا) مِنْ الْبَوْلِ وَالتَّغَوُّطِ وَالْمُخَاطِ وَالرِّيحِ وَنَحْوِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ بَلْ السَّقَمِ.

стр. 203

وَالضَّعْفِ وَإِنَّمَا قُوتُهُمْ الذِّكْرُ وَالتَّسْبِيحُ عَنْ الْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ «إنَّ طَعَامَ الْمُؤْمِنِينَ فِي زَمَنِ الدَّجَّالِ طَعَامُ الْمَلَائِكَةِ التَّسْبِيحُ وَالتَّقْدِيسُ فَمَنْ كَانَ مَنْطِقُهُ يَوْمَئِذٍ التَّسْبِيحَ وَالتَّقْدِيسَ أَذْهَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الْجُوعَ» (وَرُسُلُ الْمَلَائِكَةِ) أَيْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إلَيْهِمْ فِي تَبْلِيغِ أَحْكَامِهِ إلَيْهِمْ أَوْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إلَى الْإِنْسِ مِنْ حَدِيثِ التَّدْبِيرِ لَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ تَفْسِيرِ أَبِي السُّعُودِ أَنَّ مُدَبِّرَ الْأُمُورِ غَيْرُ الْمُقَرَّبِينَ حَيْثُ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ قِسْمَانِ: قِسْمٌ شَأْنُهُمْ الِاسْتِغْرَاقُ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَالتَّنَزُّهُ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهِ وَهُمْ الْقَلِيلُونَ الْمُقَرَّبُونَ، وَقِسْمٌ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ حَسْبَمَا جَرَى عَلَيْهِ قَلَمُ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَهُمْ الْمُدَبِّرَاتُ أَمْرًا وَمِنْهُمْ سَمَاوِيَّةٌ وَمِنْهُمْ أَرْضِيَّةٌ وَرُسُلُ الْمَلَائِكَةِ (أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الْبَشَرِ) هُمْ غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: وَلَوْ أَوْلِيَاءَ وَصِدِّيقِينَ وَشُهَدَاءَ (الَّذِينَ هُمْ) وَصْفٌ لِعَامَّةِ الْبَشَرِ (أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الْمَلَائِكَةِ) كَالْحَفَظَةِ وَالْمُوَكَّلِينَ بِالْأَرْزَاقِ وَالْأَمْطَارِ وَقَيَّدَ عَامَّةَ الْبَشَرِ فِي التتارخانية بِالْمُتَّقِينَ وَعِنْدَ بَعْضِ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ عَامَّةُ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الْبَشَرِ كَرُسُلِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى رُسُلِ الْبَشَرِ وَعَنْ شَرْحِ الصَّحَائِفِ أَنَّ الْإِنْسَانَ بِحَسَبِ نَفْسِهِ النَّاطِقَةِ مِنْ عَالَمِ الْمَلَكُوتِ فَأَفْعَالُهُ مِنْ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ كَأَفْعَالِ الْمَلَائِكَةِ إذَا صَفَا عَنْ الْكُدُورَاتِ الْحَيَوَانِيَّةِ وَبِحَسَبِ بَدَنِهِ آلَةٌ لِاكْتِسَابِ الْكَمَالَاتِ فَكَمَالُهُ بِصُدُورِهِ مَعَ الْعَوَائِقِ الْبَدَنِيَّةِ وَمَنْعُ الْأَضْدَادِ الْعُنْصُرِيَّةِ أَفْضَلُ مِنْ كَمَالِ الْمَلَائِكَةِ لِخُلُوِّهِمْ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الشَّوَائِبِ. (وَكَرَامَاتُ الْأَوْلِيَاءِ) جَمْعُ وَلِيٍّ مِنْ الْوِلَايَةِ إمَّا فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ بِمَعْنَى الْمَنْصُورِ لِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهُ بِدَوَامِ الطَّاعَاتِ أَوْ بِمَعْنَى فَاعِلٍ لِنُصْرَتِهِ نَفْسَهُ بِالطَّاعَاتِ وَتَرْكِ السَّيِّئَاتِ أَوْ مِنْ الْوَلِيِّ بِمَعْنَى الْقُرْبِ أَوْ ضِدِّ الْعَدُوِّ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: أَمَّا فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ كَالْعَلِيمِ بِمَعْنَى مَنْ تَوَالَتْ طَاعَاتُهُ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلِ مَعْصِيَةٍ أَوْ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَالْجَرِيحِ لِكَوْنِهِ مَحْفُوظًا دَائِمًا بِطَاعَتِهِ تَعَالَى وَالْوَلِيُّ هُنَا إنْسَانٌ عَارِفٌ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ حَسْبَمَا مَا يُمْكِنُ الْمُوَاظِبُ عَلَى الطَّاعَاتِ الْمُجْتَنِبُ عَنْ الْمَعَاصِي الْمُعْرِضُ عَنْ الِانْهِمَاكِ فِي اللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ اعْلَمْ أَنَّ الْخَوَارِقَ ثَمَانِيَةٌ مُعْجِزَةٌ وَكَرَامَةٌ وَإِعَانَةٌ وَإِهَانَةٌ وَسِحْرٌ وَابْتِلَاءٌ وَإِصَابَةُ عَيْنٍ وَإِرْهَاصٌ وَالْكَرَامَةُ أَمْرُ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ يَظْهَرُ عَلَى يَدِ الْمُؤْمِنِ الْمُتَّقِي الْعَارِفِ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ الْمُتَوَجِّهِ بِكُلِّيَّةِ قَلْبِهِ إلَى جَنَابِ قُدْسِهِ غَيْرَ مَقْرُونٍ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ وَفَوَائِدُ الْقُيُودِ غَيْرُ خَافِيَةٍ وَالْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ مِنَّا وَالْمُعْتَزِلَةُ يُنْكِرُونَ الْكَرَامَاتِ لِلُزُومِ الِاشْتِبَاهِ بِالْمُعْجِزَةِ فَيَنْسَدُّ بَابُ إثْبَاتِ النُّبُوَّةِ وَرُدَّ بِأَنَّهَا تَمْتَازُ بِعَدَمِ مُقَارَنَةِ التَّحَدِّي وَبِأَنَّهَا مُعْجِزَةٌ لِلنَّبِيِّ وَمِنْ فُرُوقِهِمَا أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ مَأْمُورٌ بِإِظْهَارِ الْمُعْجِزَةِ دُونَ الْوَلِيِّ بَلْ يَجِبُ سَتْرُهَا وَأَنَّ الْمُعْجِزَةَ يَقْطَعُ صَاحِبُهَا بِكَوْنِهَا مُعْجِزَةً دُونَ الْكَرَامَةِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا مَكْرًا وَقِيلَ: شَرَائِطُ الْمُعْجِزَةِ كُلًّا أَوْ كَثْرَةً شَرَائِطُ لِلْكَرَامَةِ إلَّا دَعْوَى النُّبُوَّةِ ثُمَّ الْكَرَامَةُ قَدْ تَكُونُ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا وَقَدْ تَكُونُ إلْجَائِيًّا وَلَا يَجُوزُ إظْهَارُهَا بِاخْتِيَارِهِ عَلَى غَيْرِ أَهْلِهَا وَهَلْ يَجُوزُ عِلْمُ الْوَلِيِّ بِكَوْنِهِ وَلِيًّا قِيلَ: لَا لِاسْتِلْزَامِ الْأَمْنِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ الْأَصَحُّ نَعَمْ لِبَقَاءِ خَوْفِ الْخَاتِمَةِ وَخَوْفِ الْهَيْبَةِ وَالْإِجْلَالِ وَقِيلَ: بِبَقَاءِ الْكَرَامَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ لِعَدَمِ الِانْعِزَالِ عَنْ الْوِلَايَةِ بِالْمَوْتِ كَالنَّبِيِّ. وَقِيلَ: لَا لِظَاهِرِ نَحْوِ حَدِيثِ «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» الْحَدِيثُ نُقِلَ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ وَيَجُوزُ التَّوَسُّلُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالِاسْتِغَاثَةُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ لِأَنَّ الْمُعْجِزَةَ وَالْكَرَامَةَ لَا تَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِمْ وَعَنْ الرَّمْلِيِّ أَيْضًا بِعَدَمِ انْقِطَاعِ الْكَرَامَةِ بِالْمَوْتِ وَعَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَلَا يُنْكِرُ الْكَرَامَةَ وَلَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ إلَّا رَافِضِيٌّ وَعَنْ الْأُجْهُورِيِّ الْوَلِيُّ فِي الدُّنْيَا كَالسَّيْفِ فِي غِمْدِهِ فَإِذَا مَاتَ تَجَرَّدَ مِنْهُ فَيَكُونُ أَقْوَى فِي التَّصَرُّفِ كَذَا نُقِلَ عَنْ نُورِ الْهِدَايَةِ لِأَبِي عَلِيٍّ السِّنْجِيِّ (حَقٌّ)

стр. 204

لِثُبُوتِهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَالْحِكَايَاتِ أَمَّا الْكِتَابُ فَنَحْوُ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ آصَفِ بْنِ بَرْخِيَا - ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠]- أَحْضَرَ عَرْشَ بِلْقِيسَ مِنْ مَسَافَةٍ كَثِيرَةٍ قَبْلَ ارْتِدَادِ الطَّرْفِ وَيُحْمَلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (مِنْ قَطْعِ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ فِي الْمُدَّةِ الْقَلِيلَةِ) وَلِإِمْكَانِ ذَلِكَ. قَالَ الْفُقَهَاءُ فِي وَجْهِ ثُبُوتِ نَسَبِ وَلَدِ غَرْبِيَّةٍ كَانَ زَوْجُهَا شَرْقِيًّا لِثُبُوتِ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ عَنْ الزَّعْفَرَانِيِّ وَهُوَ يَحْكِي عَنْ ابْنِ مُقَاتِلٍ مِنْ كُفْرِ اعْتِقَادِ أَنَّهُ رُئِيَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ فِي يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بِالْكُوفَةِ وَبِمَكَّةَ لَكِنَّهُ عِنْدِي لَيْسَ بِكُفْرٍ بَلْ جَهْلٌ وَكُفْرٌ أَيْضًا مُحَمَّدٌ وَأَبُو يُوسُفَ إذْ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ مُعْجِزَاتِ الْكِبَارِ مُخْتَصٌّ بِالْأَنْبِيَاءِ فَلَوْ جَازَ لِغَيْرِهِمْ لَمْ يَبْقَ لِلتَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ فَلَيْسَ بِمَرْضِيٍّ مُطْلَقًا لِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَيْضًا أَنَّ فِي كَلَامِ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى مَا يَدُلُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ. وَأَيْضًا فِي صُرَّةِ الْفَتَاوَى الْإِنْصَافُ مَا ذَكَرَهُ النَّسَفِيُّ حِينَ سُئِلَ عَمَّا يُحْكَى أَنَّ الْكَعْبَةَ تَزُورُ وَاحِدًا مِنْ الْأَوْلِيَاءِ فَقَالَ نَقْضُ الْعَادَةِ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَامَةِ لِأَهْلِ الْوِلَايَةِ جَائِزٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ الْمَقَاصِدِ انْتَهَى وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ زِيَارَةَ الْكَعْبَةِ مَعَ كَوْنِهَا أَعْظَمَ إذَا جَازَ فَبِالْأَوْلَى فِي قَطْعِ الْمَسَافَةِ وَأَقُولُ إنَّ كَرَامَةَ الْوَلِيِّ مُعْجِزَةٌ لِنَبِيِّهِ وَإِنَّ السَّابِقَ إلَى الْخَاطِرِ أَنَّهُ لَا تُوجِبُ الْعَظَمَةُ فِي الْخَارِقِ التَّفَوُّقَ فِي الْفَضْلِ وَالسَّبَقِيَّةَ فِي الشَّرَفِ لَعَلَّ وَجْهَ الْإِكْفَارِ مُخْتَصٌّ بِمَنْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ مَزِيَّةَ رُتْبَةِ هَذَا الْوَلِيِّ عَلَى النَّبِيِّ كَمَا يَزْعُمُهُ بَعْضُ جُهَلَاءِ الصُّوفِيَّةِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا نُقِلَ عَنْ فَتَاوَى ابْنِ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إذَا غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فِي بَلْدَةٍ وَكَانَ صَاحِبَ خُطْوَةٍ فَحَضَرَ مَطْلَعًا آخَرَ لَمْ تَغْرُبْ فِيهِ بَعْدَمَا صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الْبَلَدِ الْأَوَّلِ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا (وَظُهُورِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ) كَمَا فِي قِصَّة مَرْيَمَ - ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران: ٣٧]- الْآيَةَ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الذُّكُورَةَ شَرْطٌ فِي النُّبُوَّةِ فَلَيْسَتْ بِنَبِيَّةٍ. وَفِي رِسَالَةِ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ إبْرَاهِيمَ الْخَوَّاصِ قَالَ لِي رَاهِبٌ هَاتِ مَا عِنْدَك فَقَدْ جُعْنَا فَقُلْت: إلَهِي لَا تَفْضَحْنِي مَعَ هَذَا الْكَافِرِ فَرَأَيْت طَبَقًا عَلَيْهِ خُبْزٌ وَلَحْمٌ وَشِوَاءٌ وَرُطَبٌ وَكُوزٌ فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا وَمَشَيْنَا ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: يَا رَاهِبُ هَاتِ مَا عِنْدَكَ انْتَهَتْ النَّوْبَةُ إلَيْكَ فَاتَّكَأَ عَلَى عَصَاهُ وَدَعَا فَإِذَا بِطَبَقَيْنِ عَلَيْهِمَا أَضْعَافُ مَا كَانَ عَلَى طَبَقِي فَتَحَيَّرْتُ وَتَغَيَّرْتُ وَأَبَيْتُ أَنْ آكُلَ فَأَلَحَّ عَلَيَّ وَلَمْ أُجِبْهُ فَقَالَ: كُلْ فَإِنِّي أُبَشِّرُكَ بِبِشَارَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَحَلَّ الزُّنَّارَ وَالْأُخْرَى إنِّي قُلْتُ اللَّهُمَّ إنْ كَانَ هَذَا الْعَبْدُ خَطِيرًا عِنْدَكَ فَافْتَحْ عَلَيَّ بِهَذَا فَفَتَحَ قَالَ فَأَكَلْنَا وَمَشَيْنَا وَحَجَّ ثُمَّ مَاتَ فِي مَكَّةَ. (وَاللِّبَاسِ عِنْدَ الْحَاجَةِ) وَعَنْ ابْنِ بَشْكُوَالٍ عَنْ أَبِي اللَّيْثِ أَنَّهُ رَأَى جَعْفَرًا الصَّادِقَ صَعِدَ أَبَا قُبَيْسٍ وَاسْتَغَاثَ حَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِنْ الْجُوعِ وَالْعُرَى فَنَزَلَتْ سَلَّةٌ فِيهَا عِنَبٌ وَدَرَجَانِ مِنْ الْقَمِيصِ (وَالطَّيَرَانِ فِي الْهَوَاءِ) قِيلَ: كَمَا

стр. 205

نُقِلَ عَنْ جَعْفَرٍ الطَّيَّارِ وَلُقْمَانَ السَّرَخْسِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَيُقِرُّ بِهِ مَا فِي الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْوَاسِطِيِّ قَالَ: انْكَسَرَتْ السَّفِينَةُ وَبَقِيت أَنَا وَامْرَأَتِي عَلَى لَوْحٍ وَقَدْ وَلَدَتْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ صَبِيَّةً فَصَاحَتْ بِي وَقَالَتْ: يَقْتُلُنِي الْعَطَشُ فَإِذَا رَجُلٌ فِي الْهَوَاءِ جَالِسٌ وَفِي يَدِهِ سِلْسِلَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَفِيهَا كُوزٌ مِنْ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ وَقَالَ: هَاكِ اشْرَبَا قَالَ: فَأَخَذْت الْكُوزَ وَشَرِبْنَا مِنْهُ فَإِذَا هُوَ أَطْيَبُ مِنْ الْمِسْكِ وَأَبْرَدُ مِنْ الثَّلْجِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قَالَ عَبْدٌ لِمَوْلَاكَ فَقُلْت: بِمَ وَصَلْت إلَى هَذَا؟ فَقَالَ: تَرَكْت هَوَايَ لِمَرْضَاتِهِ فَأَجْلَسَنِي فِي الْهَوَاءِ، ثُمَّ غَابَ عَنِّي (وَالْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ) كَبِشْرٍ الْحَافِيِّ يَعْبُرُ عَلَى الدِّجْلَةِ وَيَضَعُ سَجَّادَتَهُ وَيُصَلِّي عَلَيْهَا كَمَا فِي الْقُشَيْرِيِّ أَيْضًا. (وَكَلَامِ الْجَمَادِ وَالْعَجْمَاءِ) كَالْبَهِيمَةِ وَالطَّيْرِ وَكَتَسْبِيحِ الْقَصْعَةِ بَيْنَ يَدَيْ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَهُمَا يَسْمَعَانِ وَكَتَكَلُّمِ كَلْبِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَكَشِكَايَةِ بَقَرَةٍ حُمِلَ عَلَيْهَا حِمْلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأَنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا إنَّمَا خُلِقْت لِلْحَرْثِ كَمَا فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ (وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيَكُونُ ذَلِكَ لِرَسُولِهَا مُعْجِزَةً) مِنْ الْخَوَارِقِ لِلْأَوْلِيَاءِ كَرُؤْيَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ فِي الْمَدِينَةِ جَيْشَ الْمُسْلِمِينَ بِنَهَاوَنْدَ وَقَدْ هَجَمَ عَلَيْهِمْ مِنْ وَرَاءِ الْجَبَلِ فَقَالَ: يَا سَارِيَةُ الْجَبَلَ الْجَبَلَ وَسَمِعَ سَارِيَةُ كَلَامَهُ وَبَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ شَهْرٍ وَكَجَرَيَانِ النِّيلِ بِكِتَابِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالْكِتَابَةُ " إنْ كُنْت تَجْرِي بِأَمْرِك فَلَا حَاجَةَ لَنَا بِك وَإِنْ كُنْت تَجْرِي بِأَمْرِ اللَّهِ فَاجْرِ " فَلَمَّا أَلْقَى إلَيْهِ الْمَكْتُوبَ جَرَى بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى الْآنِ وَكَإِلْصَاقِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَدَ الْأَسْوَدِ الَّذِي قُطِعَتْ يَدُهُ فَالْتَصَقَتْ وَعَادَتْ كَمَا كَانَتْ. وَقِيلَ: أَرَادَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ أَنْ يَرْكَبَ السَّفِينَةَ فَأَبَوْا إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُمْ دِينَارًا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ اللَّهُمَّ إنَّهُمْ قَدْ سَأَلُونِي مَا لَيْسَ عِنْدِي فَصَارَ الرَّمْلُ دَنَانِيرَ. وَقِيلَ: إنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ بِالْبَصْرَةِ فَاشْتَرَى حَبِيبٌ الْعَجَمِيُّ طَعَامًا بِالنَّسِيئَةِ وَفَرَّقَهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَخَاطَ كِيسًا وَجَعَلَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ فَلَمَّا جَاءُوا يَتَقَاضَوْنَهُ أَخَذَهُ فَإِذَا هُوَ مَمْلُوءٌ دَرَاهِمُ فَقَضَى مِنْهَا دُيُونَهُمْ. وَعَنْ أَبِي تُرَابٍ النَّخْشَبِيِّ شَكَا أَصْحَابُهُ مِنْ الْعَطَشِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَضَرَبَ بِرِجْلِهِ عَلَى الْأَرْضِ فَإِذَا عَيْنٌ مِنْ زُلَالٍ وَضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ فَنَاوَلَتْهُ قَدَحًا مِنْ زُجَاجٍ أَبْيَضَ وَمَا زَالَ الْقَدَحُ مَعَنَا إلَى مَكَّةَ. وَفِي حَلِّ الرُّمُوزِ تَكَلَّمَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ يَوْمًا فِي الذِّكْرِ فَقَالَ إنَّ ذَاكِرَ اللَّهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَوْ هَمَّ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى لَفَعَلَ وَمَسَحَ يَدَهُ عَلَى عَلِيلٍ بَيْنَ يَدَيْهِ فَبَرِئَ. وَمِنْ الْكَرَامَاتِ أَيْضًا مَا رُوِيَ أَنَّ بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ: دَخَلْت الدَّارَ فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ فَقُلْت: مَنْ أَنْتَ دَخَلْت بِغَيْرِ إذْنِي فَقَالَ أَخُوك الْخَضِرُ فَقُلْت لَهُ اُدْعُ اللَّهَ لِي فَقَالَ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْك طَاعَتَهُ فَقُلْت زِدْنِي فَقَالَ وَيَسَّرَهَا عَلَيْك. وَمِنْهَا: أَنَّ فُضَيْلًا كَانَ عَلَى جَبَلٍ مِنْ جِبَالِ مَكَّةَ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ وَلِيًّا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَمَرَ هَذَا الْجَبَلَ أَنْ يَمِيدَ لَمَادَ فَتَحَرَّكَ الْجَبَلُ فَقَالَ اُسْكُنْ لَمْ أُرِدْك بِهَذَا فَسَكَنَ الْجَبَلُ وَمِنْهَا: أَنَّ جَابِرًا الرَّحَبِيَّ قَالَ إنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الرَّحْبَةِ عَلَى إنْكَارِ الْكَرَامَاتِ فَرَكِبْت الْأَسَدَ يَوْمًا وَدَخَلْت الرَّحْبَةَ وَقُلْت أَيْنَ الَّذِينَ

стр. 206

يُكَذِّبُونَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ وَمِنْهَا أَنَّ حَبِيبًا الْعَجَمِيَّ يُرَى بِالْبَصْرَةِ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَيُرَى يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَاتٍ. وَمِنْهَا: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الْكِتَّانِيَّ قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ رَجُلٌ وَقَالَ: يَا شَيْخُ لِمَ لَا تَجْلِسْ مَجْلِسَ مَنْ يَرْوِي الْأَحَادِيثَ، قُلْت عَمَّنْ يَرْوِي؟ قَالَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُلْت إنَّ قَلْبِي يُحَدِّثُنِي عَنْ رَبِّي، فَقَالَ الرَّجُلُ لَا بُدَّ مِنْ حُجَّةٍ. قَالَ الشَّيْخُ حُجَّتِي هِيَ أَنْتَ الْخَضِرُ. قَالَ الْخَضِرُ: فَعَلِمْت أَنَّ لِلَّهِ عِبَادًا لَا أَعْرِفُهُمْ فَإِنَّهُ عَرَفَنِي وَمَا أَنَا عَرَفْتُهُ وَمِنْهَا: أَنَّ إبْرَاهِيمَ الرَّقِّيِّ قَالَ: قَصَدْت التِّبْيَانِيَّ مُسَلِّمًا عَلَيْهِ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ لَكِنْ لَا كَمَا يَنْبَغِي فَقُلْت فِي نَفْسِي ضَاعَ سَفَرِي فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ خَرَجْت لِلطَّهَارَةِ فَقَصَدَنِي سَبُعٌ فَفَرَرْت إلَيْهِ وَقُلْت لَهُ قَصَدَنِي الْأَسَدُ فَخَرَجَ وَصَاحَ عَلَى الْأَسَدِ قَائِلًا أَلَمْ أَقُلْ لَا تَتَعَرَّضْ لِضِيفَانِي فَتَمَلَّقَ لَهُ الْأَسَدُ وَتَنَحَّى عَنْ الطَّرِيقِ ثُمَّ تَطَهَّرْت وَدَخَلْت عَلَيْهِ فَقَالَ اشْتَغَلْتُمْ بِتَقْوِيمِ الظَّاهِرِ فَخِفْتُمْ الْأَسَدَ وَنَحْنُ اشْتَغَلْنَا بِتَقْوِيمِ الْقَلْبِ فَخِفْنَا الْأَسَدَ لَا يَخْفَى مَا فِيهَا مِنْ الْمَحْمَلِ الصَّحِيحِ وَمِنْهَا: أَنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ قَالَ: حَمَلْت إلَى رَجُلٍ فَقِيرٍ أَسْوَدَ يَسْكُنُ فِي خَرِبَةِ الْجِدَارِ فِي عَبَّادَانِ شَيْئًا فَلَمَّا وَقَعَ عَلَيَّ بَصَرُهُ تَبَسَّمَ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى الْأَرْضِ فَرَأَيْت الْأَرْضَ كُلَّهَا ذَهَبًا تَلْمَعُ ثُمَّ قَالَ هَاتِ مَا مَعَك فَنَاوَلْتُهُ وَهَالَنِي أَمْرُهُ فَفَرَرْت وَمِنْهَا فِي الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ فِي بَابِ الْكَرَامَاتِ أَيْضًا. وَفِي الْمُنَاوِيِّ الْكَبِيرِ شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قِيلَ: كَانَ لِجَعْفَرٍ الْخُلْدِيِّ فَصٌّ فَوَقَعَ يَوْمًا فِي الدِّجْلَةِ وَكَانَ عِنْدَهُ دُعَاءٌ مُجَرَّبٌ لِلضَّالَّةِ فَدَعَا بِهِ فَوَجَدَ الْفَصَّ فِي وَسَطِ أَوْرَاقٍ عِنْدَ أَبِي نَصْرٍ السِّرَاجِ وَالدُّعَاءُ يَا جَامِعَ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ اجْمَعْ عَلَيَّ ضَالَّتِي وَمِنْهَا: هَجَمَ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ أَسَدٌ عَلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَشَيْبَانَ الرَّاعِي فَقَالَ سُفْيَانُ أَمَا تَرَى هَذَا السَّبُعَ فَقَالَ: لَا تَخَفْ فَأَخَذَ شَيْبَانُ رَأْسَهُ فَعَرَكَهَا فَبَصْبَصَ وَحَرَّكَ ذَنَبَهُ فَقَالَ سُفْيَانُ مَا هَذِهِ الشُّهْرَةُ فَقَالَ: لَوْلَا مَخَافَةُ الشُّهْرَةِ لَوَضَعْت زَادِي عَلَى ظَهْرِهِ إلَى مَكَّةَ عَامَّةُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنْ الْقُشَيْرِيَّةِ كَمَا أُشِيرُ وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ عَنْ فَصْلِ الْخِطَابِ لِخَوَاجَهْ مُحَمَّدٍ بَارْسَا أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ تَلَامِذَةِ حَضْرَةِ الْجُنَيْدِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - يَدْخُلُ الدِّجْلَةَ لِأَجْلِ الْغُسْلِ فَيَرَى نَفْسَهُ فِي دِيَارِ الْهِنْدِ فَيَتَزَوَّجُ وَيَحْصُلُ لَهُ أَوْلَادٌ فَيَدْخُلُ الْمَاءَ مَرَّةً أُخْرَى فَيَجِدُ نَفْسَهُ فِي سَاحِلِ الدِّجْلَةِ فَيَلْبَسُ ثِيَابَهُ وَيَجِيءُ زَاوِيَتَهُ وَأَصْحَابُهُ يَتَوَضَّئُونَ الْوُضُوءَ. وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ عَنْ السَّمْنَانِيِّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - قَالَ: أَكْثَرُ أَوْقَاتِي يَمُرُّ عَلَيَّ إنِّي بَعْدَ أَدَاءِ أَوْرَادِي بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ أَتَوَجَّهُ وَأَنْخَلِعُ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ دَاخِلًا فِي عَالَمٍ آخَرَ وَأَكُونُ فِيهِ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً مُتَعَبِّدًا وَمُسْتَغْرِقًا فِي عِبَادَتِهِ تَعَالَى كُلُّ سَنَتِهَا ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا أُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمِهَا خَمْسًا وَأَصُومُ شَهْرًا فِي كُلِّ سَنَتِهَا فَعِنْدَ فَرَاغِي مِنْ تَوَجُّهِي أَرْفَعُ رَأْسِي فَالشَّمْسُ إمَّا طَالِعَةٌ أَوْ يَكُونُ وَقْتَ الْإِشْرَاقِ وَفَهْمُ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ لَا يُمْكِنُ إلَّا لِأَهْلِ الْبَاطِنِ كَمِعْرَاجِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ خَوَاجَهْ مُحَمَّدٌ بَارْسَا فَعِنْدَ وُصُولِ السَّالِكِ إلَى هَذَا يَعْبُدُ اللَّهَ فِي نَفَسٍ مِقْدَارَ أَلْفِ سَنَةٍ كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ بِالتَّجْوِيدِ وَالتَّرْتِيلِ مَا بَيْنَ وَضْعِ قَدَمَيْهِ فِي الرِّكَابِ. وَفِي مَجَالِسِ الرُّومِيِّ: لَدَغَ عَقْرَبٌ جَبِينَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ فَقَصَدَ التَّلَامِذَةُ قَتْلَهُ فَمَنَعَهُمْ لِتَجْرِبَةِ أَنَّهُ هَلْ هُوَ مِنْ مِصْدَاقِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لُحُومُ الْعُلَمَاءِ مَسْمُومَةٌ» فَضَعُفَ سَاعَةً فَسَاعَةً حَتَّى مَاتَ حُكِيَ أَنَّ خُلَفَاءَ بَغْدَادَ يَأْخُذُونَ الْجِزْيَةَ مِنْ الرُّومِ فَجَمَعَ قَيْصَرُ عُلَمَاءَهُ فَاسْتَشَارَ مَعَهُمْ فَأَرْسَلَ إلَى بَغْدَادَ فَلْتَتَبَاحَثُ عُلَمَاؤُنَا مَعَ عُلَمَائِكُمْ فَإِنْ غَلَبْنَا فَاعْطُوَا لَنَا الْجِزْيَةَ وَإِلَّا فَنَحْنُ عَلَى الرَّسْمِ الْقَدِيمِ فَجَمَعَ أَرْبَعَمِائَةٍ مِنْ أَحْبَارِهِمْ فَأَرْسَلَهُمْ وَأَنْزَلَهُمْ الْخَلِيفَةُ عِنْدَ الدِّجْلَةِ فَبَعْدَ اسْتِرَاحَتِهِمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ جَلَسَ عُلَمَاءُ الرُّومِ بِطَرَفٍ وَعُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ بِطَرَفٍ فَتَبَاحَثُوا فَكَثُرَ الْقِيلُ وَالْقَالُ وَرُفِعَ الصِّيَاحُ وَالْأَصْوَاتُ إلَى أَنْ لَا يَتَمَيَّزَ السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ فَنَادَى الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنْ اخْتَارُوا وَاحِدًا مِنْ أَعْلَمِكُمْ لِوَاحِدٍ مِنَّا لِيَسْتَمِعَ الْبَوَاقِي وَلَمْ يُمْكِنْ أَيْضًا فَقَامَ الشَّافِعِيُّ وَرَفَعَ سَجَّادَتَهُ عَلَى كَتِفِهِ قَائِلًا فَلْيَحْضُرْ أَحَدُكُمْ حَتَّى نَتَكَلَّمَ مُنْفَرِدًا وَمَشَى عَلَى الْمَاءِ وَبَسَطَ سَجَّادَتَهُ عَلَيْهِ وَقَعَدَ عَلَيْهَا فَتَحَيَّرُوا وَفِيهِمْ رُهْبَانٌ مُرْتَاضٌ يَدَّعِي الطَّيَرَانَ فِي الْهَوَاءِ وَالْمَشْيَ عَلَى الْمَاءِ

стр. 207

فَكَلَّفُوهُ عَلَيْهِ وَقَامَ وَمَشَى عَلَيْهِ خُطْوَتَيْنِ وَغَرِقَ فِي الثَّالِثَةِ فَلَمْ يَجِدْهُ الْغَوَّاصُ فَلَمَّا رَآهُ الْأَحْبَارُ أَسْلَمُوا لِلَّهِ فَسَمِعَ قَيْصَرُ وَشَكَرَهُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَنَا لَاضْمَحَلَّ دِينُنَا ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا تَجِبُ عِصْمَةُ الْوَلِيِّ كَمَا تَجِبُ عِصْمَةُ النَّبِيِّ لَكِنَّ عِصْمَتَهُ بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا لَا تَصْدُرُ عَنْهُ زَلَّةٌ أَصْلًا وَلَا امْتِنَاعَ مِنْ صُدُورِهَا وَقِيلَ لِلْجُنَيْدِ هَلْ يَزْنِي الْعَارِفُ فَأَطْرَقَ مَلِيًّا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ. وَقَالَ ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] (وَلَا يَبْلُغُ) أَيْ لَا يَصِلُ الْوَلِيُّ (دَرَجَةَ النَّبِيِّ ﵊) قَالَ الْقُشَيْرِيُّ لِلْإِجْمَاعِ الْمُنْعَقِدِ عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا أَبُو يَزِيدَ الْبِسْطَامِيُّ قَالَ مَا حَصَلَ لِلْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَمِثْلِ زِقٍّ فِيهِ عَسَلٌ تَرْشَحُ مِنْهُ قَطْرَةٌ فَتِلْكَ الْقَطْرَةُ مِثْلُ مَا لِجَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ وَمَا فِي الظَّرْفِ مِثْلُ مَا لِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ النَّبِيَّ مَعْصُومٌ عَنْ الذَّنْبِ وَخَوْفِ الْخَاتِمَةِ وَمُكَرَّمٌ بِالْوَحْيِ فَمَا جَوَّزَهُ بَعْضُ الْكَرَّامِيَّةِ مِنْ تَفْضِيلِ الْوَلِيِّ كُفْرٌ نَعَمْ قَدْ يَتَرَدَّدُ بِأَنَّ جِهَةَ الْوِلَايَةِ مِنْ النَّبِيِّ أَفْضَلُ أَوْ جِهَةَ نُبُوَّتِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ. وَمَا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ الْمُتَصَوِّفَةِ بِتَعَلُّمِ مُوسَى ﵊ مِنْ الْخَضِرِ وَلَا شَكَّ فِي فَضْلِ الْمُعَلِّمِ فَأُجِيبُ: أَوَّلًا بِكَوْنِ الْخَضِرِ نَبِيًّا، وَثَانِيًا بِأَنَّهُ ابْتِلَاءٌ لِمُوسَى وَلَوْ سَلِمَ فَيُمْنَعُ فَضْلُ الْمُعَلِّمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ إذْ قَدْ يَكُونُ الْمُتَعَلِّمُ أَفْضَلَ، وَثَالِثًا بِمَنْعِ كَوْنِ مُوسَى هَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ نَبِيًّا لِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَقُولُونَ هُوَ مُوسَى بْنُ مَاثَانَ لَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ (وَلَا) يَصِلُ الْوَلِيُّ أَيْضًا فِي مَقَامِ الْقُرْبِ (إلَى حَيْثُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْأَمْرُ) بِالْمَعْرُوفِ (وَالنَّهْيُ) لِعُمُومِ الْخَطَابِيَّاتِ

стр. 208

وَلِلْإِجْمَاعِ وَقَالَ بَعْضُ الْإِبَاحِيِّينَ إذَا بَلَغَ الْعَبْدُ غَايَةَ الْحُبِّ سَقَطَ عَنْهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَلَا تُدْخِلُهُ الْكَبِيرَةُ النَّارَ. وَبَعْضُهُمْ ذَهَبَ إلَى سُقُوطِ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ عَلَى أَنْ تَكُونَ عِبَادَتُهُ هِيَ التَّفَكُّرُ فَهَذَا كُفْرٌ كَمَا فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ وَبَعْضُهُمْ ذَهَبَ إلَى إبَاحَةِ نَحْوِ مَالِ الْغَيْرِ وَكُلِّ النِّسَاءِ فَعِنْدَ الِاحْتِيَاجِ يُبَاحُ لَهُ تَنَاوُلُ مَالِ الْغَيْرِ وَنِسَائِهِ، وَخَصَّ بَعْضُهُمْ الْإِبَاحَةَ بِنِسْوَةِ الْغَيْرِ، وَبَعْضُهُمْ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْغَايَةَ إذَا فَعَلَ الْكَبَائِرَ لَا يَدْخُلُ النَّارَ وَبَعْضُهُمْ عَمَّ إلَى كُلِّ مَا اشْتَهَى وَالتَّفْصِيلُ فِي بَحْرِ الْكَلَامِ. (وَأَفْضَلُهُمْ) أَيْ الْأَوْلِيَاءِ بِمَعْنَى الْأَكْثَرِ ثَوَابًا بِمَا كَسَبَ مِنْ الْخَيْرِ لَا أَنَّهُ أَعْلَمُ وَأَشْرَفُ نَسَبًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا يُنَافِي رُجْحَانَ الْغَيْرِ فِي آحَادِ الْفَضَائِلِ الْأُخَرِ وَلَا فِي مَجْمُوعِ الْفَضَائِلِ مِنْ حَيْثُ الْمَجْمُوعُ (أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ أَبِي قُحَافَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَاسْمُ أُمِّهِ أُمُّ الْخَيْرِ سَلْمَى بِنْتُ صَخْرٍ مَاتَتْ مُسْلِمَةً وَاسْتُدِلَّ عَلَى فَضْلِهِ فِي الْمَوَاقِفِ بِوُجُوهٍ. أَوَّلُهَا: قَوْله تَعَالَى ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى - الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل: ١٧ - ١٨] وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ فَهُوَ أَتْقَى فَهُوَ أَكْرَمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ثَانِيهَا: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» وَالْمُقْتَدَى بِهِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُقْتَدِي. وَثَالِثُهَا: «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَللَّهِ مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ وَلَا غَرَبَتْ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ عَلَى رَجُلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ» . رَابِعُهَا: «قَوْلُهُ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ هُمَا سَيِّدَا كُهُولِ الْجَنَّةِ مَا خَلَا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ» . خَامِسُهَا: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا يَنْبَغِي لِقَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ» . سَادِسُهَا: تَقْدِيمُهُ فِي الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهَا أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ وَقَوْلُهُ «يَأْبَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلَّا أَبَا بَكْرٍ» حِينَ تَقَدَّمَ عُمَرُ فِي الصَّلَاةِ فِي آخِرِ عُمُرِهِ. سَابِعُهَا: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَيْرُ أُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ» . ثَامِنُهَا: قَوْلُهُ ﵊ «لَوْ كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا دُونَ رَبِّي لَاتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا وَلَكِنْ هُوَ شَرِيكِي فِي دِينِي وَصَاحِبِي الَّذِي أَوْجَبْت لَهُ صُحْبَتِي فِي الْغَارِ وَخَلِيفَتِي فِي أُمَّتِي» . تَاسِعُهَا: «قَوْلُهُ ﵊ وَقَدْ ذُكِرَ عِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَيْنَ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ كَذَّبَنِي النَّاسُ وَصَدَّقَنِي وَآمَنَ وَزَوَّجَنِي ابْنَتَهُ وَجَهَّزَنِي بِمَالِهِ وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَجَاهَدَ مَعِي سَاعَةَ الْحُزْنِ» . عَاشِرُهَا قَوْلُ عَلِيٍّ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّينَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ اللَّهُ أَعْلَمُ وَذُكِرَ عِنْدَ عُمَرَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَبَكَى وَقَالَ وَدِدْت أَنَّ عَمَلِي كُلَّهُ مِثْلُ عَمَلِهِ يَوْمًا وَاحِدًا مِنْ أَيَّامِهِ وَلَيْلَةً وَاحِدَةً مِنْ لَيَالِيِهِ أَمَّا اللَّيْلَةُ فَلَيْلَةُ الْغَارِ فَدَخَلَ قَبْلَهُ

стр. 209

- ﵊ لَأَنْ يُخَلِّيَ الْمُؤْذِيَاتِ وَشَقَّ أَزَارَهُ وَسَدَّ بِشُقُوقِهِ الثُّقُوبَ فَبَقِيَ ثُقْبَانِ فَأَلْقَمَهُمَا رِجْلَيْهِ ثُمَّ دَخَلَ ﵊ وَوَضَعَ رَأْسَهُ فِي حِجْرِهِ وَنَامَ فَلُدِغَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِجْلِهِ مِنْ الْحُجْرِ وَلَمْ يَتَحَرَّكْ فَسَقَطَتْ دُمُوعُهُ عَلَى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَالَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ قَالَ: لُدِغْتُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي فَتَفَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَهَبَ مَا يَجِدُهُ ثُمَّ انْتَقَضَ عَلَيْهِ قِيلَ: وَكَانَ سَبَبَ مَوْتِهِ. وَأَمَّا الْيَوْمُ فَارْتَدَّتْ فِيهِ الْعَرَبُ وَامْتَنَعَتْ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ فَقَالَ: لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا لَجَاهَدْتُهُمْ عَلَيْهِ فَقُلْت: تَأَلَّفْ وَارْفُقْ بِهِمْ فَقَالَ: أَجَبَّارٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَخَوَّارٌ فِي الْإِسْلَامِ إنَّهُ قَدْ انْقَطَعَ الْوَحْيُ وَتَمَّ الدِّينُ أَيَنْقُصُ وَأَنَا حَيٌّ. وَزَادَ أَنَسٌ فِي حَدِيثِ الْغَارِ «اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَبَا بَكْرٍ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ اسْتَجَابَ لَكَ» . (ثُمَّ) (عُمَرُ الْفَارُوقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) لِكَوْنِهِ فَارِقًا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ بِرَأْيِهِ الصَّائِبِ وَلِظُهُورِ الْإِسْلَامِ يَوْمَ إسْلَامِهِ وَلِعِزَّةِ الْإِسْلَامِ قَالَ ﵊: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ» ، أَوْ لِنُزُولِ الْقُرْآنِ عَلَى رَأْيِهِ غَالِبًا «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمَرُ مَعِي وَأَنَا مَعَهُ وَالْحَقُّ بَعْدِي مَعَ عُمَرَ حَيْثُ كَانَ» ، أَوْ لِقَتْلِهِ مُنَافِقًا لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ الرَّسُولِ ﵊ فِي الْمَشَارِقِ عَنْ الْبُخَارِيِّ «قَدْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ رِجَالٌ يُكَلِّمُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ وَإِنْ يَكُنْ مِنْ أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ» وَالْمُكَلِّمُونَ الْمَلَائِكَةُ عَلَى مَا فِي شَرْحِهِ وَفِيهِ أَيْضًا قِيلَ: لَهُ فَضَائِلُ لَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ ... إلَّا عَلَى أَكْمَهَ لَا يَعْرِفُ الْقَمَرَا

стр. 210

وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ اللَّهَ وَضَعَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ» . «وَعَنْ عُمَرَ اسْتَأْذَنْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عُمْرَةٍ فَأَذِنَ لِي وَقَالَ: لَا تَنْسَنَا يَا أَخِي مِنْ دُعَائِك أَوْ قَالَ: أَشْرِكْنَا يَا أَخِي فِي دُعَائِك» وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ» . وَعَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَشَدُّ أُمَّتِي فِي أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى عُمَرُ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي حَدِيثِ «لَوْ كَانَ بَعْدِي» إلَخْ فِيهِ إبَانَةُ مَا فِي عُمَرَ مِنْ فَضْلِ الْأَنْبِيَاءِ وَرُتْبَةِ قُرْبِهِ مِنْهُمْ. فَلَوْ كَانَتْ النُّبُوَّةُ بِالْأَوْصَافِ الْمُكْتَسَبَةِ لَا بِالْفَضْلِ الْإِلَهِيِّ لَكَانَ نَبِيًّا لِجَمْعِهِ جَمِيعَ أَوْصَافِ الْأَنْبِيَاءِ كَقُوَّتِهِ فِي دِينِ اللَّهِ وَبَذْلِهِ نَفْسَهُ وَمَالَهُ فِي إظْهَارِ الْحَقِّ وَإِعْرَاضِهِ عَنْ الدُّنْيَا مَعَ تَمَكُّنِهِ ثُمَّ قَالَ وَخَصَّ عُمَرَ مَعَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَفْضَلُ إيذَانًا بِأَنَّ النُّبُوَّةَ بِالِاصْطِفَاءِ لَا بِالْأَسْبَابِ ذَكَرَهُ الْكَلَابَاذِيُّ وَعَنْ ابْنِ حَجَرٍ لِكَثْرَةِ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الْوَاقِعَاتِ الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَا وَوَقَعَ لَهُ بَعْدَهُ عِدَّةُ إصَابَاتٍ انْتَهَى. (ثُمَّ) (عُثْمَانُ) كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ذُو النُّورَيْنِ) لِجَمْعِهِ بَيْنَ النُّورَيْنِ بِنْتَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رُقَيَّةَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَأُمِّ كُلْثُومٍ بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَالْأُولَى وَلَدَتْ لَهُ وَلَدًا يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَالثَّانِيَةُ لَمْ تَلِدْ لَهُ وَحِينَ مَوْتِهَا «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ كَانَتْ عِنْدَنَا ثَالِثَةٌ لَزَوَّجْتُهَا عُثْمَانَ» . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ «لَوْ كَانَ لِي أَرْبَعُونَ ابْنَةً زَوَّجْتُهُ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ» . وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ «عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ لَيَدْخُلَنَّ بِشَفَاعَةِ عُثْمَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا كُلُّهُمْ قَدْ اسْتَوْجَبُوا النَّارَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ» . وَفِي الْمَشَارِقِ عَلَى تَخْرِيجِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَعَنْ أَبَوَيْهَا «أَلَا أَسْتَحْيِي مِمَّنْ تَسْتَحِيُ الْمَلَائِكَةُ مِنْهُ» مِنْهُ يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ. قَالَ شَارِحُهُ: الْمُرَادُ مِنْ الِاسْتِحْيَاءِ التَّوْقِيرُ وَالتَّعْظِيمُ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «لِكُلِّ نَبِيٍّ خَلِيلٌ فِي أُمَّتِهِ وَإِنَّ خَلِيلِي عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ» عَلَى تَخْرِيجِ ابْنِ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ أَيْضًا «لِكُلِّ نَبِيٍّ رَفِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَرَفِيقِي فِيهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ» وَعَنْ جَابِرٍ «أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِجِنَازَةِ رَجُلٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْنَاك تَرَكْت الصَّلَاةَ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَ هَذَا قَالَ: إنَّهُ يُبْغِضُ عُثْمَانَ فَأَبْغَضَهُ اللَّهُ» . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ أَنَّهَا جَاءَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوَّجْت فَاطِمَةَ خَيْرًا مِنْ زَوْجِي قَالَ: زَوَّجْتُك مَنْ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَيُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ثُمَّ قَالَ: وَأَزِيدُك لَوْ قَدْ دَخَلْت الْجَنَّةَ فَرَأَيْت مَنْزِلَهُ لَمْ تَرِي أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي يَعْلُوهُ فِي مَنْزِلِهِ» . وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «اللَّهُمَّ قَدْ رَضِيت عَنْ عُثْمَانَ فَارْضَ عَنْهُ» (ثُمَّ عَلِيٌّ الْمُرْتَضَى) لِارْتِضَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيَّاهُ خَلِيفَةً فِي الْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ

стр. 211

فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَقَالَ: «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» أَوْ لِارْتِضَاءِ النَّبِيِّ أَفْعَالَهُ أَوْ لِأُخُوَّتِهِ وَصُحْبَتِهِ وَفَضَائِلِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى مَا فُهِمَ مِنْ الْمَوَاقِفِ بِوُجُوهٍ: أَوَّلُهَا: آيَةُ الْمُبَاهَلَةِ ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَنْفُسِ عَلِيٌّ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ الصَّحِيحَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا عَلِيًّا إلَى هَذَا الْمَقَامِ. ثَانِيهَا: خَبَرُ الطَّيْرِ «حِينَ أُهْدِيَ إلَيْهِ طَائِرٌ مَشْوِيٌّ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّهُمَّ ائْتِنِي بِأَحَبِّ خَلْقِك إلَيْكَ يَأْكُلُ مَعِي هَذَا الطَّيْرَ فَأَتَى عَلِيٌّ وَأَكَلَ مَعَهُ» . ثَالِثُهَا: «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذِي الثُّدَيَّةِ يَقْتُلُهُ خَيْرُ الْخَلْقِ» وَقَدْ قَتَلَهُ عَلِيٌّ. رَابِعُهَا: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَخِي وَوَزِيرِي وَخَيْرُ مَنْ أَتْرُكُهُ بَعْدِي يَقْضِي دَيْنِي وَيُنَجِّزُ وَعْدِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ» . خَامِسُهَا: «قَوْلُهُ لِفَاطِمَةَ أَمَا تَرْضِينَ أَنِّي زَوَّجْتُك مِنْ خَيْرِ أُمَّتِي» . سَادِسُهَا: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَيْرُ مَنْ أَتْرُكُهُ بَعْدِي عَلِيٌّ» . سَابِعُهَا: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ وَسَيِّدُ الْعَرَبِ وَعَلِيٌّ سَيِّدُ الْعَرَبِ» . ثَامِنُهَا: «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَاخْتَارَ مِنْهُمْ أَبَاك فَاتَّخَذَهُ نَبِيًّا ثُمَّ اطَّلَعَ ثَانِيَةً وَاخْتَارَ مِنْهُمْ بَعْلَك» أَيْ زَوْجَك. تَاسِعُهَا: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا آخَى بَيْنَ الصَّحَابَةِ اتَّخَذَهُ أَخًا لِنَفْسِهِ وَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ وَفَضْلِهِ. عَاشِرُهَا: «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَمَا بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ إلَى خَيْبَرَ فَرَجَعَا مُنْهَزِمَيْنِ لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ الْيَوْمَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ كَرَّارًا غَيْرَ فَرَّارٍ وَأَعْطَاهَا عَلِيًّا» . حَادِيَ عَشَرَهَا: قَوْله تَعَالَى فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤] وَالْمُرَادُ بِصَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ كَمَا نَقَلَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ. ثَانِيَ عَشَرَهَا: قَوْلُهُ «- صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى آدَمَ فِي عِلْمِهِ وَإِلَى نُوحٍ فِي تَقْوَاهُ وَإِلَى إبْرَاهِيمَ فِي حِلْمِهِ وَإِلَى مُوسَى فِي هَيْبَتِهِ وَإِلَى عِيسَى فِي عِبَادَتِهِ فَلْيَنْظُرْ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ» ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَمَالَاتٍ يَكَادُ أَنْ لَا تَجْتَمِعَ فِي غَيْرِهِ نَحْوَ كَوْنِهِ أَعْلَمَ النَّاسِ وَأَحْرَصَهُمْ عَلَى التَّعَلُّمِ وَكَانَ فِي صِغَرِهِ فِي حِجْرِهِ وَفِي كِبَرِهِ خَتَنًا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ وَأَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا» وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حِينَ نَهَاهُ عَلِيٌّ عَنْ رَجْمِ مَنْ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَرَجْمِ الْحَامِلَةِ: لَوْلَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ. وَإِنَّ جَمِيعَ الْفِرَقِ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَكَذَا الْمُتَصَوِّفَةُ فِي تَصْفِيَةِ الْبَاطِنِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رَئِيسُ الْمُفَسِّرِينَ تِلْمِيذُهُ وَعِلْمُهُ وَفَصَاحَتُهُ وَفِقْهُهُ فِي الدَّرَجَةِ الْقُصْوَى، وَأَنَّهُ أَزْهَدُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا مَعَ اتِّسَاعِ أَبْوَابِ الدُّنْيَا وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى الدُّنْيَا، وَتَخَشَّنَ فِي الْمَآكِلِ وَالْمَلَابِسِ حَتَّى قَالَ لِلدُّنْيَا طَلَّقْتُك ثَلَاثًا وَأَنَّهُ أَكْرَمُ النَّاسِ وَأَسْخَاهُمْ حَتَّى يُؤْثِرَ الْمَحَاوِيجَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ، حَتَّى تَصَدَّقَ فِي الصَّلَاةِ بِخَاتَمِهِ وَتَصَدَّقَ فِي لَيَالِيِ صِيَامِهِ الْمَنْذُورِ بِمَا كَانَ فُطُورَهُ وَنَزَلَ فِيهِ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] وَأَنَّهُ أَشْجَعُ النَّاسِ فِي الْحُرُوبِ حَتَّى «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْأَحْزَابِ لَضَرْبَةُ عَلِيٍّ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ الثَّقَلَيْنِ» . وَتَوَاتَرَتْ وَقْعَتُهُ فِي خَيْبَرَ وَغَيْرِهِ وَأَنَّهُ اُشْتُهِرَ حُسْنُ خُلُقِهِ وَمَزِيدُ قُوَّتِهِ فِي بَدَنِهِ حَتَّى قَلَعَ بَابَ خَيْبَرَ بِيَدِهِ «وَقَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَالَ لَهُ عَلِيٌّ جَعَلْتَنِي خَلِيفَةً لِلنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» الْحَدِيثَ. «وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ شَكَوْا مِنْ عَلِيٍّ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ مَا تُرِيدُونَ عَلِيًّا ثَلَاثًا إنَّ عَلِيًّا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي» . وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آخِذًا بِيَدِ عَلِيٍّ وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُ وَلِيِّي وَأَنَا وَلِيُّكَ» . وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: إنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ لَوْ وُضِعَتَا فِي كِفَّةٍ ثُمَّ وُضِعَ إيمَانُ عَلِيٍّ فِي كِفَّةِ مِيزَانٍ لَرَجَحَ إيمَانُ عَلِيٍّ» وَرُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِوَفْدِ ثَقِيفٍ لَأَبْعَثَنَّ رَجُلًا مِنِّي أَوْ مِثْلَ نَفْسِي فَلَيَضْرِبَنَّ أَعْنَاقَكُمْ إلَى آخِرِهِ قَالَ عُمَرُ مَا تَمَنَّيْت الْإِمَارَةَ إلَّا يَوْمَئِذٍ فَالْتَفَتَ إلَى عَلِيٍّ وَأَخَذَ بِيَدِهِ فَقَالَ هُوَ

стр. 212

هَذَا هُوَ هَذَا» . وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَعَنْ أَبَوَيْهَا «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ احْتِضَارِهِ اُدْعُوا إلَيَّ حَبِيبِي فَدَعَوْت لَهُ أَبَا بَكْرٍ فَنَظَرَ إلَيْهِ وَقَالَ اُدْعُوا إلَيَّ حَبِيبِي فَدَعَوْا لَهُ عُمَرَ فَنَظَرَ إلَيْهِ فَقَالَ: اُدْعُوا إلَيَّ حَبِيبِي فَقُلْت: وَيْلُكُمْ اُدْعُوا عَلِيًّا فَلَمَّا رَآهُ أَفْرَدَ الثَّوْبَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَدْخَلَهُ فِيهِ فَلَمْ يَزَلْ مُحْتَضِنَهُ حَتَّى قُبِضَ وَيَدُهُ عَلَيْهِ» . وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ مَنَاقِبَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - خَارِجَةٌ عَنْ طَوْقِ الْقَلَمِ وَإِحَاطَةِ الْبَيَانِ وَلِهَذَا قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: الْإِنْصَافُ إنْ أُرِيدَ مِنْ الْأَفْضَلِيَّةِ كَثْرَةُ مَا يَعُدُّهُ ذَوُو الْعُقُولِ مِنْ الْفَضَائِلِ فَلَا يَتَوَقَّفُ فِي أَفْضَلِيَّةِ عَلِيٍّ لَكِنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ كَثْرَةُ الثَّوَابِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا جَاءَ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْفَضَائِلِ مَا جَاءَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى مَا ذُكِرَ يَلْزَمُ تَفْضِيلُ عَلِيٍّ عَلَى الْكُلِّ وَهُوَ مَذْهَبُ الشِّيعَةِ. قُلْنَا: قَدْ أُجِيبَ فِي الْمَوَاقِفِ عَنْ أَكْثَرِ مَا ذُكِرَ مِمَّا دَلَّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ عَلِيٍّ لَكِنَّ الْكَثْرَةَ لَا تُفِيدُ الظَّنَّ فَضْلًا عَنْ الْقَطْعِ وَلِهَذَا قَالَ فِيهِ أَيْضًا وَالنُّصُوصُ الْمَذْكُورَةُ لِتَعَارُضِهَا لَا تُفِيدُ الْيَقِينَ مَعَ أَنَّ الْمَطْلَبَ لِكَوْنِهِ مِنْ الِاعْتِقَادِيَّاتِ لَا مِنْ الْعَمَلِيَّاتِ يَقِينِيٌّ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ وَلِأَنَّ الْأَخْبَارَ بِأَسْرِهَا آحَادٌ مَعَ كَوْنِهَا مُتَعَارِضَةً وَأَنَّ الثَّوَابَ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَهُ أَنْ لَا يُثِيبَ الْمُطِيعَ وَيُثِيبَ غَيْرَهُ ثُمَّ قَالَ لَكِنْ وَجَدْنَا السَّلَفَ فِي تَرْتِيبِ الْفَضْلِ هَكَذَا فَلَوْ لَمْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ لَمَا أَطْبَقُوا عَلَيْهِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُمْ وَتَفْوِيضُ الْحَقِّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَفِي شَرْحِهِ أَيْضًا قَدْ تَكُونُ فَضِيلَةٌ وَاحِدَةٌ أَرْجَحَ مِنْ فَضَائِلَ كَثِيرَةٍ فَلَا جَزْمَ بِالْأَفْضَلِيَّةِ بِهَذَا الْمَعْنَى أَيْ الْمُرَادُ هُنَا مِنْ كَثْرَةِ الثَّوَابِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ السَّلَفُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَفْضِيلِ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ وَقَالَ الدَّوَانِيُّ نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ التَّوَقُّفُ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ تَفْضِيلُ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ ثُمَّ قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ وَالْإِنْصَافُ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْأَفْضَلِيَّةِ كَثْرَةُ الثَّوَابِ فَالِلتَّوَقُّفِ فِيهِ جِهَةٌ وَإِنْ أُرِيدَ كَثْرَةُ مَا يَعُدُّهُ ذَوُو الْعُقُولِ مِنْ الْفَضَائِلِ فَلَا وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ كَثْرَةَ الثَّوَابِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَمْرٌ خَفِيٌّ لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ بِالنَّظَرِ وَخَبَرُ الرَّسُولِ آحَادٌ مَعَ كَوْنِهَا مُتَعَارِضَةً وَرُبَّ عَمَلٍ قَلِيلٍ يَكْثُرُ ثَوَابُهُ مِنْ أَعْمَالٍ كَثِيرَةٍ. (وَخِلَافَتُهُمْ) أَيْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ (عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ أَيْضًا) كَمَا فِي تَرْتِيبِ الْأَفْضَلِيَّةِ وَلَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ شَرْطُ الْأَفْضَلِيَّةِ فِي الْإِمَامَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لَكِنْ يُشِيرُ إلَى كَوْنِ ذَلِكَ أَوْلَى بِدُونِ وُجُوبٍ وَهُمْ خُلَفَاءُ الرَّسُولِ بِلَا نَصٍّ خِلَافًا لِلْبَكْرِيَّةِ فِي أَبِي بَكْرٍ وَالشِّيعَةِ فِي عَلِيٍّ (ثُمَّ) بَعْدَهُمْ فِي الْفَضْلِ (سَائِرُ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -) قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ فِي أُصُولِ الْحَدِيثِ وَأَفْضَلُهُمْ الْأَرْبَعَةُ

стр. 213

عَلَى التَّرْتِيبِ ثُمَّ الْعَشَرَةُ الْمُبَشَّرَةُ ثُمَّ أَهْلُ بَدْرٍ ثُمَّ أَهْلُ أُحُدٍ ثُمَّ أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ ثُمَّ أَهْلُ الْعَقَبَتَيْنِ (وَنَكُفُّ) أَلْسِنَتَنَا وَقُلُوبَنَا. (عَنْ ذِكْرِهِمْ إلَّا بِخَيْرٍ) فَلَا نَذْكُرُ مَا يُوهِمُ ذَمَّهُمْ وَمَا يُشْعِرُ بِمُسَاوِيهِمْ فَضْلًا عَنْ تَصْرِيحِ ذَلِكَ لِلْأَوَامِرِ بِتَعْظِيمِهِمْ وَالنَّهْيِ وَالتَّهْدِيدِ فِي بُغْضِهِمْ فَلَيْسَ عَلَيْنَا إلَّا حُبُّهُمْ وَتَوْقِيرُهُمْ فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُذْكَرَ قِصَصُ نَحْوِ صِفِّينَ وَالْجَمَلِ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى اسْتِلْزَامِ الشَّيْنِ فِي طَرَفٍ مَا وَلَا ضَرُورَةَ دَاعِيَةٌ لِلذِّكْرِ وَلِهَذَا تَرَاهُمْ لَا يَذْكُرُونَهَا فِي كُتُبِهِمْ وَمَنْ ذَكَرَهَا إمَّا بِمُلَاحَظَةِ التَّأْوِيلِ أَوْ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لِنَفْيِ مَا زَادُوا وَأَفْرَطُوا قَالُوا: إنَّ مِثْلَ تِلْكَ الْمُخَاصَمَاتِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ وَالْمُخْطِئُ فِي الِاجْتِهَادِ لَا يُؤَاخَذُ بَلْ يُؤْجَرُ نِصْفُ مَا لِلْمُصِيبِ. قَالَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ مِنْ الْخُلَاصَةِ اللَّعْنُ عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ وَكَذَا عَلَى الْحَجَّاجِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الزَّاهِدِ الصَّفَارِيِّ يَحْكِي عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ وَيَقُولُ: لَا تَلْعَنُوا مُعَاوِيَةَ وَلَا بَأْسَ بِاللَّعْنِ عَلَى يَزِيدَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى وَنُقِلَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيِّ جَوَازُ لَعْنِهِ لِكُفْرِهِ بِأَمْرِ قَتْلِ الْحُسَيْنِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ: وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ اللَّعْنِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ أَوْ أَمَرَ بِهِ أَوْ أَجَازَ وَرَضِيَ بِهِ وَالْحَقُّ أَنَّ رِضَا يَزِيدَ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ وَاسْتِبْشَارَهُ بِذَلِكَ وَإِهَانَةَ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا تَوَاتَرَ مَعْنَاهُ وَإِنْ كَانَتْ تَفَاصِيلُهُ آحَادًا فَنَحْنُ لَا نَتَوَقَّفُ فِي شَأْنِهِ بَلْ فِي إيمَانِهِ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَنْصَارِهِ وَأَعْوَانِهِ انْتَهَى لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ مُجَرَّدَ الْقَتْلِ أَوْ الْأَمْرِ بِلَا اسْتِحْلَالٍ لَيْسَ بِكُفْرٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَغَيْرِهِ فِي إيجَابِ الْكُفْرِ تَحَكُّمٌ وَاسْتِلْزَامُ إهَانَةِ النَّبِيِّ ﵊ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ وَلَوْ سَلِمَ الِاسْتِلْزَامُ فَالْأَكْثَرُ أَنَّ لُزُومَ الْكُفْرِ لَيْسَ بِكُفْرٍ بَلْ الْكُفْرُ الْتِزَامُ الْكُفْرِ وَلَوْ سَلِمَ فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ اللُّزُومِ بَيِّنًا بَلْ بِمَعْنَى الْأَخَصِّ وَلَوْ سَلِمَ فَيَجُوزُ كَوْنُهُ تَائِبًا بَعْدَهُ. وَقَدْ قَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى مُعَيَّنٍ غَيْرُ مَا أَخْبَرَ بِهِ الشَّارِعُ كَأَبِي لَهَبٍ وَأَبِي جَهْلٍ لَعَلَّ هَذَا لَمْ يُكَفِّرْ قَاتِلَ عُثْمَانَ مَعَ كَوْنِهِ أَفْضَلَ مِنْ الْحُسَيْنِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْإِكْفَارَ إنَّمَا هُوَ لِاسْتِحْلَالِهِ الْخَمْرَ وَقَوْلُهُ إنْ لَمْ نَشْرَبْ عَلَى دِينِ مُحَمَّدٍ فَلْنَشْرَبْ عَلَى دِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَلِقَوْلِهِ حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِ فِي دِيوَانِهِ الْمَنْحُوسِ رَأْسُهُ الشَّرِيفُ الطَّيِّبُ الْمُبَارَكُ لِمَ لَمْ تُخَلِّصْك مَا اغْتَرَرْت عَلَيْهِمْ مِنْ أَبَوَيْك وَجَدِّك فَالْآنَ انْطَفَأَتْ حَرَارَتِي الْحَاصِلَةُ مِنْ قَتْلِ أَبِيك سَبْطِي فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَنَحْوُهُ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ ثُبُوتُهُ فَلَعَلَّ لِذَلِكَ كُلِّهِ ذَهَبَ السَّلَفُ وَالْجُمْهُورُ مِنْ الْخَلَفِ عَلَى عَدَمِ لَعْنِهِ لَكِنْ إنْ صَدَرَ جِنْسُ مَا ذُكِرَ مِنْهُ وَدَامَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتُبْ فَنُكَفِّرْهُ أَلْبَتَّةَ وَإِلَّا فَلَا نُكَفِّرُهُ أَلْبَتَّةَ وَإِنْ عَلِمَ صُدُورَهُ وَلَمْ يُعْلَمْ تَوْبَتُهُ فَمُقْتَضَى قَاعِدَةِ الِاسْتِصْحَابِ نَعَمْ وَمُقْتَضَى عَدَمِ جَوَازِ تَعْيِينِ اللَّعْنِ كَمَا مَرَّ آنِفًا لَا فَلَعَلَّ الْأَسْلَمَ هُوَ التَّوَقُّفُ. وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ

стр. 214

عَلَى تَخْرِيجِ أَبِي يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ أَنَّهُ قَالَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَزَالُ أَمْرُ أُمَّتِي قَائِمًا بِالْقِسْطِ حَتَّى يَكُونَ أَوَّلُ مِنْ نَثْلِهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ يُقَالُ لَهُ يَزِيدُ» قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ: الْأَحَادِيثُ فِي ذَمِّ مُعَاوِيَةَ وَكَذَا فِي فَضَائِلِهِ وَذَمِّ يَزِيدَ مَوْضُوعَةٌ. (وَنَشْهَدُ بِالْجَنَّةِ لِلْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ) بَشَّرَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْجَنَّةِ وَهُمْ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدٌ وَسَعِيدٌ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ. قِيلَ: عَنْ الْكَرْمَانِيِّ فِي وَجْهِ التَّخْصِيصِ بِالْعَشَرَةِ مَعَ أَنَّ الْمَحْكُومَ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ أَكْثَرُ كَمَا سَيُذْكَرُ إمَّا لِكَوْنِ تَبْشِيرِهِمْ دُفْعَةً أَوْ لِوُقُوعِهِ بِلَفْظِ الْبِشَارَةِ أَوْ لِأَنَّ التَّعْيِينَ بَعْدَهُ لَا يُنَافِي مَا عَدَاهُ وَأَقُولُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ شُيُوعَ ذَلِكَ قَبْلَ وُرُودِ تَبْشِيرِ مَنْ سِوَاهُمْ (وَفَاطِمَةُ) بِنْتُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - لِنَحْوِ مَا رَوَى خُزَيْمَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ لَمْ يَنْزِلْ الْأَرْضَ قَطُّ قَبْلَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيَّ وَيُبَشِّرَنِي أَنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» . وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَهَبَ بِي إلَى بَابِ فَاطِمَةَ لِلْعِيَادَةِ عِنْدَ مَرَضِهَا فَاسْتَأْذَنَ قَالَتْ: نَعَمْ يَا أَبَتَاهُ فَوَاَللَّهِ مَا عَلَيَّ إلَّا عَبَاءَةٌ فَقَالَ لَهَا اصْنَعِي بِهَا كَذَا وَكَذَا فَعَلَّمَهَا كَيْفَ تَسْتَتِرُ فَقَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا عَلَى رَأْسِي خِمَارٌ فَأَخَذَ خَلْقَ مُلَاءَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ اخْتَمِرِي بِهَا ثُمَّ أَذِنْت فَدَخَلَا فَقَالَ: كَيْفَ نَجِدُك يَا بُنَيَّةُ فَقَالَتْ: إنِّي وَجِعَةٌ وَأَنَّهُ لِيَزِيدَنِي أَنَّهُ مَا لِي طَعَامٌ آكُلُهُ قَالَ: يَا بُنَيَّةُ أَمَا تَرْضِينَ أَنَّكِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ قَالَتْ: يَا أَبَتِ فَأَيْنَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ قَالَ: تِلْكَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عَالَمِهَا وَأَنْتِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عَالَمِك أَمَا وَاَللَّهِ زَوَّجْتُك سَيِّدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» . وَفِي رِوَايَةٍ «أَمَا إنَّهَا سَيِّدَةُ النِّسَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -» وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَبِيهَا (وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَعَنْ أَبَوَيْهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ خُزَيْمَةَ. وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «شَبَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَمْسَةٌ حَسَنٌ وَحُسَيْنٌ وَابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ» وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنَ إلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ: إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» . «وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا» (وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ بَشَّرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) كَخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ أُمِّ فَاطِمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ» وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «سَيِّدَاتُ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ ثَلَاثٌ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أَوَّلُ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ إسْلَامًا» قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ أَيْ وَمَرْيَمُ وَيُحْتَمَلُ عَائِشَةُ وَفِيهِ أَيْضًا «سَيِّدَاتُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَرْبَعٌ مَرْيَمُ وَفَاطِمَةُ وَخَدِيجَةُ وَآسِيَةُ» . وَفِي شَرْحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ ثُمَّ فَاطِمَةُ ثُمَّ خَدِيجَةُ ثُمَّ آسِيَةُ فَالظَّاهِرُ مَرَاتِبُ الْفَضْلِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ تَفْضِيلُ فَاطِمَةَ عَلَى خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ ﵅ وَكَلَامُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي وَصَايَاهُ صَرِيحٌ فِي تَفْضِيلِ عَائِشَةَ بَعْدَ خَدِيجَةَ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَظَاهِرٌ فِي تَفْضِيلِ خَدِيجَةَ عَلَى عَائِشَةَ. وَكَلَامُ بَدْءِ الْأَمَالِي صَرِيحٌ فِي تَفْضِيلِ عَائِشَةَ عَلَى فَاطِمَةَ بِخُصُوصِهَا وَوُجِّهَ بِكَثْرَةِ رِوَايَتِهَا وَدِرَايَتِهَا وَبِمَعِيَّتِهَا بِالنَّبِيِّ فِي الْآخِرَةِ وَقِيلَ: بِتَفْضِيلِ فَاطِمَةَ عَلَى عَائِشَةَ لِكَوْنِهَا جُزْءَ النَّبِيِّ أَقُولُ: مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ تَرْجِيحُ جَانِبِ فَاطِمَةَ إذْ لَا مَسَاغَ لِلدِّرَايَةِ هُنَا وَالرِّوَايَةُ مُقْتَضِيَةٌ قُوَّةَ هَذَا الْجَانِبِ كَمَا سُمِعَتْ أَخْبَارُ فَاطِمَةَ. وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ عَلَى تَفْضِيلِ عَائِشَةَ بِنَحْوِ حَدِيثِ «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ بِاللَّحْمِ» وَحَدِيثِ «فَضْلُ الثَّرِيدِ عَلَى الطَّعَامِ كَفَضْلِ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ» فَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي رُجْحَانَهَا عَلَى فَاطِمَةَ لِقُوَّةِ أَدِلَّةِ فَاطِمَةَ ثُبُوتًا وَدَلَالَةً نَعَمْ إنَّ تَفْضِيلَ أَبِي حَنِيفَةَ لِكَوْنِهِ أَقْدَمَ وَأَعْلَمَ وَأَوْثَقَ وَأَوْرَعَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَهُ دَلِيلٌ رَاجِحٌ غَايَتُهُ عَدَمُ اطِّلَاعِنَا وَعَدَمُ الْوِجْدَانِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْوُجُودِ. اعْلَمْ

стр. 215

أَنَّهُ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَضُدُ فِي عَقَائِدِهِ: وَأَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ وَأَهْلُ غَزْوَةِ بَدْرٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالَ الدَّوَانِيُّ وَقَدْ عَدَّ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي جَامِعِهِ الصَّحِيحِ وَقَدْ سَمِعْنَا مِنْ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ أَنَّ الدُّعَاءَ عِنْدَ ذِكْرِهِمْ مُسْتَجَابٌ وَقَدْ جُرِّبَ ذَلِكَ انْتَهَى ثُمَّ الظَّاهِرُ مِنْ تَقْدِيمِهِ تَفْضِيلُ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ لَكِنَّ صَرِيحَ كَلَامِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ فِي تَرْتِيبِ تَفْضِيلِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ ثُمَّ بَاقِي الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ ثُمَّ أَهْلِ بَدْرٍ ثُمَّ أَهْلِ أُحُدٍ ثُمَّ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ ثُمَّ مَنْ لَازَمَ النَّبِيَّ وَقُتِلَ تَحْتَ لِوَائِهِ لَكِنْ مَا قَالُوا مِنْ أَنَّ أَعْدَادَ أَهْلِ بَدْرِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَمَا عَدَّهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ لَيْسَ بِبَالِغٍ إلَى هَذَا الْمَبْلَغِ إذْ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الصَّحِيحِ هُوَ هَذَا النَّبِيُّ ﷺ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيُّ، عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ الْقُرَشِيُّ خَلَّفَهُ النَّبِيُّ ﵊ عَلَى ابْنَتِهِ وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ، عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيُّ، حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيُّ، حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ حَلِيفُ الْقُرَشِيِّ، حَارِثَةُ بْنُ رَبِيعٍ الْأَنْصَارِيُّ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَحَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ كَانَ فِي النَّظَّارَةِ، حَبِيبُ بْنُ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ، خُنَيْسُ بْنُ حَذَافَةَ السَّهْمِيُّ، رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ رِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، أَبُو لُبَابَةَ الْأَنْصَارِيُّ، أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ الْقُرَشِيُّ، زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ، أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ، سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ الزُّهْرِيُّ، سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ الْقُرَشِيُّ، سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو نُفَيْلٍ الْقُرَشِيُّ، سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيُّ، ظُهَيْرُ بْنُ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ الْقُرَشِيُّ، عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ الْأَنْصَارِيُّ، عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، عُتْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ، عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَنَزِيُّ، عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ، عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ، قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ قَتَادَةُ بْنُ نُعْمَانَ الْأَنْصَارِيُّ، مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، مُعَوِّذُ ابْنُ عَفْرَاءَ، وَأَخُوهُ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ، أَبُو السَّيِّدِ الْأَنْصَارِيُّ، مِسْطَحُ بْنُ أَثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ مُرَادَةُ بْنُ رَبِيعٍ الْأَنْصَارِيُّ، مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ، مِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ الْأَنْصَارِيُّ وَأَمَّا أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَقِيلَ: أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَقِيلَ: أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ وَقِيلَ: أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ وَقِيلَ: أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ (لَا) نَشْهَدُ (لِغَيْرِهِمْ بِعَيْنِهِ) وَأَمَّا بِلَا تَعْيِينٍ نَحْوَ كُلُّ مُؤْمِنٍ فِي الْجَنَّةِ فَنَشْهَدُ بِهِ فَإِنْ قِيلَ: إنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ زَيْدًا مُؤْمِنٌ وَقَدْ ذَكَرْت أَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ فِي الْجَنَّةِ فَيُنْتَجُ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ زَيْدٌ فِي الْجَنَّةِ أَقُولُ الْمُرَادُ مِنْ الْمُؤْمِنِ فِي الصُّغْرَى مَا يَكُونُ حَالًّا وَفِي الْكُبْرَى مَا فِي الْمَآلِ وَالْخَاتِمَةِ فَإِنْ قِيلَ: فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هَذَا الشَّخْصُ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَمَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ فَيُنْتَجُ هَذَا الْمُعَيَّنُ فِي الْجَنَّةِ فَنَقُولُ بَعْدَ تَسْلِيمِ كُلِّيَّةِ الْكُبْرَى لَا نُسَلِّمُ الصُّغْرَى إذْ كَوْنُ الْمُرَادِ مِنْ الْكَلَامِ مَا هُوَ الْمَلْفُوظُ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ إذْ حَقِيقَةُ الْكَلَامِ مَا فِي الْفُؤَادِ وَلَا يُعْلَمُ حَالُ الْفُؤَادِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ شُرُوطٌ كَالتَّوَجُّهِ التَّامِّ إلَى عَالَمِ الْقُدْسِ وَالْإِعْرَاضِ التَّامِّ عَنْ مُيُولَاتِ عَالَمِ الرِّجْسِ مِنْ الشَّهَوَاتِ وَدَوَاعِي الْهَوَى. قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا فِي الْخَاتِمَةِ مِنْ أَهْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ حَالًّا وَمَآلًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا حَتَّى نُوَدِّعَ الدُّنْيَا غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلَيْهَا وَمُحِبِّينَ لِلِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى (ثُمَّ) بَعْدَ الصَّحَابَةِ الْأَفْضَلُ (التَّابِعُونَ) لَهُمْ بِإِحْسَانٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ تَابِعُ التَّابِعِينَ» مِنْهُمْ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ لِاجْتِمَاعِهِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ وَنَحْوِهِمْ. (وَالْمُسْلِمُونَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ) نَصْبِ (إمَامٍ) سُلْطَانٍ لِأَنَّ مَا يَزَعُ السُّلْطَانُ أَكْثَرُ مِمَّا يَزَعُ الْقُرْآنُ وَلِتَوَقُّفِ أَكْثَرِ الْوَاجِبَاتِ عَلَيْهِ كَالْجُمُعَةِ وَالْأَعْيَادِ وَلِذَا قَدَّمَ الْأَصْحَابُ نَصْبَهُ عَلَى دَفْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِذَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ
следующие страницы →