← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21654

بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية

محمد الخادمي

Полный текст (1 189 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَقَالَ: «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» أَوْ لِارْتِضَاءِ النَّبِيِّ أَفْعَالَهُ أَوْ لِأُخُوَّتِهِ وَصُحْبَتِهِ وَفَضَائِلِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى مَا فُهِمَ مِنْ الْمَوَاقِفِ بِوُجُوهٍ: أَوَّلُهَا: آيَةُ الْمُبَاهَلَةِ ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَنْفُسِ عَلِيٌّ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ الصَّحِيحَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا عَلِيًّا إلَى هَذَا الْمَقَامِ. ثَانِيهَا: خَبَرُ الطَّيْرِ «حِينَ أُهْدِيَ إلَيْهِ طَائِرٌ مَشْوِيٌّ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّهُمَّ ائْتِنِي بِأَحَبِّ خَلْقِك إلَيْكَ يَأْكُلُ مَعِي هَذَا الطَّيْرَ فَأَتَى عَلِيٌّ وَأَكَلَ مَعَهُ» . ثَالِثُهَا: «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذِي الثُّدَيَّةِ يَقْتُلُهُ خَيْرُ الْخَلْقِ» وَقَدْ قَتَلَهُ عَلِيٌّ. رَابِعُهَا: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَخِي وَوَزِيرِي وَخَيْرُ مَنْ أَتْرُكُهُ بَعْدِي يَقْضِي دَيْنِي وَيُنَجِّزُ وَعْدِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ» . خَامِسُهَا: «قَوْلُهُ لِفَاطِمَةَ أَمَا تَرْضِينَ أَنِّي زَوَّجْتُك مِنْ خَيْرِ أُمَّتِي» . سَادِسُهَا: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَيْرُ مَنْ أَتْرُكُهُ بَعْدِي عَلِيٌّ» . سَابِعُهَا: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ وَسَيِّدُ الْعَرَبِ وَعَلِيٌّ سَيِّدُ الْعَرَبِ» . ثَامِنُهَا: «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَاخْتَارَ مِنْهُمْ أَبَاك فَاتَّخَذَهُ نَبِيًّا ثُمَّ اطَّلَعَ ثَانِيَةً وَاخْتَارَ مِنْهُمْ بَعْلَك» أَيْ زَوْجَك. تَاسِعُهَا: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا آخَى بَيْنَ الصَّحَابَةِ اتَّخَذَهُ أَخًا لِنَفْسِهِ وَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ وَفَضْلِهِ. عَاشِرُهَا: «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَمَا بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ إلَى خَيْبَرَ فَرَجَعَا مُنْهَزِمَيْنِ لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ الْيَوْمَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ كَرَّارًا غَيْرَ فَرَّارٍ وَأَعْطَاهَا عَلِيًّا» . حَادِيَ عَشَرَهَا: قَوْله تَعَالَى فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤] وَالْمُرَادُ بِصَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ كَمَا نَقَلَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ. ثَانِيَ عَشَرَهَا: قَوْلُهُ «- صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى آدَمَ فِي عِلْمِهِ وَإِلَى نُوحٍ فِي تَقْوَاهُ وَإِلَى إبْرَاهِيمَ فِي حِلْمِهِ وَإِلَى مُوسَى فِي هَيْبَتِهِ وَإِلَى عِيسَى فِي عِبَادَتِهِ فَلْيَنْظُرْ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ» ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَمَالَاتٍ يَكَادُ أَنْ لَا تَجْتَمِعَ فِي غَيْرِهِ نَحْوَ كَوْنِهِ أَعْلَمَ النَّاسِ وَأَحْرَصَهُمْ عَلَى التَّعَلُّمِ وَكَانَ فِي صِغَرِهِ فِي حِجْرِهِ وَفِي كِبَرِهِ خَتَنًا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ وَأَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا» وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حِينَ نَهَاهُ عَلِيٌّ عَنْ رَجْمِ مَنْ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَرَجْمِ الْحَامِلَةِ: لَوْلَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ. وَإِنَّ جَمِيعَ الْفِرَقِ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَكَذَا الْمُتَصَوِّفَةُ فِي تَصْفِيَةِ الْبَاطِنِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رَئِيسُ الْمُفَسِّرِينَ تِلْمِيذُهُ وَعِلْمُهُ وَفَصَاحَتُهُ وَفِقْهُهُ فِي الدَّرَجَةِ الْقُصْوَى، وَأَنَّهُ أَزْهَدُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا مَعَ اتِّسَاعِ أَبْوَابِ الدُّنْيَا وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى الدُّنْيَا، وَتَخَشَّنَ فِي الْمَآكِلِ وَالْمَلَابِسِ حَتَّى قَالَ لِلدُّنْيَا طَلَّقْتُك ثَلَاثًا وَأَنَّهُ أَكْرَمُ النَّاسِ وَأَسْخَاهُمْ حَتَّى يُؤْثِرَ الْمَحَاوِيجَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ، حَتَّى تَصَدَّقَ فِي الصَّلَاةِ بِخَاتَمِهِ وَتَصَدَّقَ فِي لَيَالِيِ صِيَامِهِ الْمَنْذُورِ بِمَا كَانَ فُطُورَهُ وَنَزَلَ فِيهِ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] وَأَنَّهُ أَشْجَعُ النَّاسِ فِي الْحُرُوبِ حَتَّى «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْأَحْزَابِ لَضَرْبَةُ عَلِيٍّ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ الثَّقَلَيْنِ» . وَتَوَاتَرَتْ وَقْعَتُهُ فِي خَيْبَرَ وَغَيْرِهِ وَأَنَّهُ اُشْتُهِرَ حُسْنُ خُلُقِهِ وَمَزِيدُ قُوَّتِهِ فِي بَدَنِهِ حَتَّى قَلَعَ بَابَ خَيْبَرَ بِيَدِهِ «وَقَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَالَ لَهُ عَلِيٌّ جَعَلْتَنِي خَلِيفَةً لِلنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» الْحَدِيثَ. «وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ شَكَوْا مِنْ عَلِيٍّ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ مَا تُرِيدُونَ عَلِيًّا ثَلَاثًا إنَّ عَلِيًّا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي» . وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آخِذًا بِيَدِ عَلِيٍّ وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُ وَلِيِّي وَأَنَا وَلِيُّكَ» . وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: إنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ لَوْ وُضِعَتَا فِي كِفَّةٍ ثُمَّ وُضِعَ إيمَانُ عَلِيٍّ فِي كِفَّةِ مِيزَانٍ لَرَجَحَ إيمَانُ عَلِيٍّ» وَرُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِوَفْدِ ثَقِيفٍ لَأَبْعَثَنَّ رَجُلًا مِنِّي أَوْ مِثْلَ نَفْسِي فَلَيَضْرِبَنَّ أَعْنَاقَكُمْ إلَى آخِرِهِ قَالَ عُمَرُ مَا تَمَنَّيْت الْإِمَارَةَ إلَّا يَوْمَئِذٍ فَالْتَفَتَ إلَى عَلِيٍّ وَأَخَذَ بِيَدِهِ فَقَالَ هُوَ

стр. 212

هَذَا هُوَ هَذَا» . وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَعَنْ أَبَوَيْهَا «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ احْتِضَارِهِ اُدْعُوا إلَيَّ حَبِيبِي فَدَعَوْت لَهُ أَبَا بَكْرٍ فَنَظَرَ إلَيْهِ وَقَالَ اُدْعُوا إلَيَّ حَبِيبِي فَدَعَوْا لَهُ عُمَرَ فَنَظَرَ إلَيْهِ فَقَالَ: اُدْعُوا إلَيَّ حَبِيبِي فَقُلْت: وَيْلُكُمْ اُدْعُوا عَلِيًّا فَلَمَّا رَآهُ أَفْرَدَ الثَّوْبَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَدْخَلَهُ فِيهِ فَلَمْ يَزَلْ مُحْتَضِنَهُ حَتَّى قُبِضَ وَيَدُهُ عَلَيْهِ» . وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ مَنَاقِبَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - خَارِجَةٌ عَنْ طَوْقِ الْقَلَمِ وَإِحَاطَةِ الْبَيَانِ وَلِهَذَا قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: الْإِنْصَافُ إنْ أُرِيدَ مِنْ الْأَفْضَلِيَّةِ كَثْرَةُ مَا يَعُدُّهُ ذَوُو الْعُقُولِ مِنْ الْفَضَائِلِ فَلَا يَتَوَقَّفُ فِي أَفْضَلِيَّةِ عَلِيٍّ لَكِنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ كَثْرَةُ الثَّوَابِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا جَاءَ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْفَضَائِلِ مَا جَاءَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى مَا ذُكِرَ يَلْزَمُ تَفْضِيلُ عَلِيٍّ عَلَى الْكُلِّ وَهُوَ مَذْهَبُ الشِّيعَةِ. قُلْنَا: قَدْ أُجِيبَ فِي الْمَوَاقِفِ عَنْ أَكْثَرِ مَا ذُكِرَ مِمَّا دَلَّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ عَلِيٍّ لَكِنَّ الْكَثْرَةَ لَا تُفِيدُ الظَّنَّ فَضْلًا عَنْ الْقَطْعِ وَلِهَذَا قَالَ فِيهِ أَيْضًا وَالنُّصُوصُ الْمَذْكُورَةُ لِتَعَارُضِهَا لَا تُفِيدُ الْيَقِينَ مَعَ أَنَّ الْمَطْلَبَ لِكَوْنِهِ مِنْ الِاعْتِقَادِيَّاتِ لَا مِنْ الْعَمَلِيَّاتِ يَقِينِيٌّ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ وَلِأَنَّ الْأَخْبَارَ بِأَسْرِهَا آحَادٌ مَعَ كَوْنِهَا مُتَعَارِضَةً وَأَنَّ الثَّوَابَ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَهُ أَنْ لَا يُثِيبَ الْمُطِيعَ وَيُثِيبَ غَيْرَهُ ثُمَّ قَالَ لَكِنْ وَجَدْنَا السَّلَفَ فِي تَرْتِيبِ الْفَضْلِ هَكَذَا فَلَوْ لَمْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ لَمَا أَطْبَقُوا عَلَيْهِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُمْ وَتَفْوِيضُ الْحَقِّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَفِي شَرْحِهِ أَيْضًا قَدْ تَكُونُ فَضِيلَةٌ وَاحِدَةٌ أَرْجَحَ مِنْ فَضَائِلَ كَثِيرَةٍ فَلَا جَزْمَ بِالْأَفْضَلِيَّةِ بِهَذَا الْمَعْنَى أَيْ الْمُرَادُ هُنَا مِنْ كَثْرَةِ الثَّوَابِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ السَّلَفُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَفْضِيلِ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ وَقَالَ الدَّوَانِيُّ نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ التَّوَقُّفُ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ تَفْضِيلُ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ ثُمَّ قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ وَالْإِنْصَافُ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْأَفْضَلِيَّةِ كَثْرَةُ الثَّوَابِ فَالِلتَّوَقُّفِ فِيهِ جِهَةٌ وَإِنْ أُرِيدَ كَثْرَةُ مَا يَعُدُّهُ ذَوُو الْعُقُولِ مِنْ الْفَضَائِلِ فَلَا وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ كَثْرَةَ الثَّوَابِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَمْرٌ خَفِيٌّ لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ بِالنَّظَرِ وَخَبَرُ الرَّسُولِ آحَادٌ مَعَ كَوْنِهَا مُتَعَارِضَةً وَرُبَّ عَمَلٍ قَلِيلٍ يَكْثُرُ ثَوَابُهُ مِنْ أَعْمَالٍ كَثِيرَةٍ. (وَخِلَافَتُهُمْ) أَيْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ (عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ أَيْضًا) كَمَا فِي تَرْتِيبِ الْأَفْضَلِيَّةِ وَلَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ شَرْطُ الْأَفْضَلِيَّةِ فِي الْإِمَامَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لَكِنْ يُشِيرُ إلَى كَوْنِ ذَلِكَ أَوْلَى بِدُونِ وُجُوبٍ وَهُمْ خُلَفَاءُ الرَّسُولِ بِلَا نَصٍّ خِلَافًا لِلْبَكْرِيَّةِ فِي أَبِي بَكْرٍ وَالشِّيعَةِ فِي عَلِيٍّ (ثُمَّ) بَعْدَهُمْ فِي الْفَضْلِ (سَائِرُ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -) قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ فِي أُصُولِ الْحَدِيثِ وَأَفْضَلُهُمْ الْأَرْبَعَةُ

стр. 213

عَلَى التَّرْتِيبِ ثُمَّ الْعَشَرَةُ الْمُبَشَّرَةُ ثُمَّ أَهْلُ بَدْرٍ ثُمَّ أَهْلُ أُحُدٍ ثُمَّ أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ ثُمَّ أَهْلُ الْعَقَبَتَيْنِ (وَنَكُفُّ) أَلْسِنَتَنَا وَقُلُوبَنَا. (عَنْ ذِكْرِهِمْ إلَّا بِخَيْرٍ) فَلَا نَذْكُرُ مَا يُوهِمُ ذَمَّهُمْ وَمَا يُشْعِرُ بِمُسَاوِيهِمْ فَضْلًا عَنْ تَصْرِيحِ ذَلِكَ لِلْأَوَامِرِ بِتَعْظِيمِهِمْ وَالنَّهْيِ وَالتَّهْدِيدِ فِي بُغْضِهِمْ فَلَيْسَ عَلَيْنَا إلَّا حُبُّهُمْ وَتَوْقِيرُهُمْ فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُذْكَرَ قِصَصُ نَحْوِ صِفِّينَ وَالْجَمَلِ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى اسْتِلْزَامِ الشَّيْنِ فِي طَرَفٍ مَا وَلَا ضَرُورَةَ دَاعِيَةٌ لِلذِّكْرِ وَلِهَذَا تَرَاهُمْ لَا يَذْكُرُونَهَا فِي كُتُبِهِمْ وَمَنْ ذَكَرَهَا إمَّا بِمُلَاحَظَةِ التَّأْوِيلِ أَوْ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لِنَفْيِ مَا زَادُوا وَأَفْرَطُوا قَالُوا: إنَّ مِثْلَ تِلْكَ الْمُخَاصَمَاتِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ وَالْمُخْطِئُ فِي الِاجْتِهَادِ لَا يُؤَاخَذُ بَلْ يُؤْجَرُ نِصْفُ مَا لِلْمُصِيبِ. قَالَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ مِنْ الْخُلَاصَةِ اللَّعْنُ عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ وَكَذَا عَلَى الْحَجَّاجِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الزَّاهِدِ الصَّفَارِيِّ يَحْكِي عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ وَيَقُولُ: لَا تَلْعَنُوا مُعَاوِيَةَ وَلَا بَأْسَ بِاللَّعْنِ عَلَى يَزِيدَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى وَنُقِلَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيِّ جَوَازُ لَعْنِهِ لِكُفْرِهِ بِأَمْرِ قَتْلِ الْحُسَيْنِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ: وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ اللَّعْنِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ أَوْ أَمَرَ بِهِ أَوْ أَجَازَ وَرَضِيَ بِهِ وَالْحَقُّ أَنَّ رِضَا يَزِيدَ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ وَاسْتِبْشَارَهُ بِذَلِكَ وَإِهَانَةَ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا تَوَاتَرَ مَعْنَاهُ وَإِنْ كَانَتْ تَفَاصِيلُهُ آحَادًا فَنَحْنُ لَا نَتَوَقَّفُ فِي شَأْنِهِ بَلْ فِي إيمَانِهِ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَنْصَارِهِ وَأَعْوَانِهِ انْتَهَى لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ مُجَرَّدَ الْقَتْلِ أَوْ الْأَمْرِ بِلَا اسْتِحْلَالٍ لَيْسَ بِكُفْرٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَغَيْرِهِ فِي إيجَابِ الْكُفْرِ تَحَكُّمٌ وَاسْتِلْزَامُ إهَانَةِ النَّبِيِّ ﵊ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ وَلَوْ سَلِمَ الِاسْتِلْزَامُ فَالْأَكْثَرُ أَنَّ لُزُومَ الْكُفْرِ لَيْسَ بِكُفْرٍ بَلْ الْكُفْرُ الْتِزَامُ الْكُفْرِ وَلَوْ سَلِمَ فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ اللُّزُومِ بَيِّنًا بَلْ بِمَعْنَى الْأَخَصِّ وَلَوْ سَلِمَ فَيَجُوزُ كَوْنُهُ تَائِبًا بَعْدَهُ. وَقَدْ قَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى مُعَيَّنٍ غَيْرُ مَا أَخْبَرَ بِهِ الشَّارِعُ كَأَبِي لَهَبٍ وَأَبِي جَهْلٍ لَعَلَّ هَذَا لَمْ يُكَفِّرْ قَاتِلَ عُثْمَانَ مَعَ كَوْنِهِ أَفْضَلَ مِنْ الْحُسَيْنِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْإِكْفَارَ إنَّمَا هُوَ لِاسْتِحْلَالِهِ الْخَمْرَ وَقَوْلُهُ إنْ لَمْ نَشْرَبْ عَلَى دِينِ مُحَمَّدٍ فَلْنَشْرَبْ عَلَى دِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَلِقَوْلِهِ حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِ فِي دِيوَانِهِ الْمَنْحُوسِ رَأْسُهُ الشَّرِيفُ الطَّيِّبُ الْمُبَارَكُ لِمَ لَمْ تُخَلِّصْك مَا اغْتَرَرْت عَلَيْهِمْ مِنْ أَبَوَيْك وَجَدِّك فَالْآنَ انْطَفَأَتْ حَرَارَتِي الْحَاصِلَةُ مِنْ قَتْلِ أَبِيك سَبْطِي فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَنَحْوُهُ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ ثُبُوتُهُ فَلَعَلَّ لِذَلِكَ كُلِّهِ ذَهَبَ السَّلَفُ وَالْجُمْهُورُ مِنْ الْخَلَفِ عَلَى عَدَمِ لَعْنِهِ لَكِنْ إنْ صَدَرَ جِنْسُ مَا ذُكِرَ مِنْهُ وَدَامَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتُبْ فَنُكَفِّرْهُ أَلْبَتَّةَ وَإِلَّا فَلَا نُكَفِّرُهُ أَلْبَتَّةَ وَإِنْ عَلِمَ صُدُورَهُ وَلَمْ يُعْلَمْ تَوْبَتُهُ فَمُقْتَضَى قَاعِدَةِ الِاسْتِصْحَابِ نَعَمْ وَمُقْتَضَى عَدَمِ جَوَازِ تَعْيِينِ اللَّعْنِ كَمَا مَرَّ آنِفًا لَا فَلَعَلَّ الْأَسْلَمَ هُوَ التَّوَقُّفُ. وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ

стр. 214

عَلَى تَخْرِيجِ أَبِي يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ أَنَّهُ قَالَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَزَالُ أَمْرُ أُمَّتِي قَائِمًا بِالْقِسْطِ حَتَّى يَكُونَ أَوَّلُ مِنْ نَثْلِهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ يُقَالُ لَهُ يَزِيدُ» قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ: الْأَحَادِيثُ فِي ذَمِّ مُعَاوِيَةَ وَكَذَا فِي فَضَائِلِهِ وَذَمِّ يَزِيدَ مَوْضُوعَةٌ. (وَنَشْهَدُ بِالْجَنَّةِ لِلْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ) بَشَّرَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْجَنَّةِ وَهُمْ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدٌ وَسَعِيدٌ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ. قِيلَ: عَنْ الْكَرْمَانِيِّ فِي وَجْهِ التَّخْصِيصِ بِالْعَشَرَةِ مَعَ أَنَّ الْمَحْكُومَ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ أَكْثَرُ كَمَا سَيُذْكَرُ إمَّا لِكَوْنِ تَبْشِيرِهِمْ دُفْعَةً أَوْ لِوُقُوعِهِ بِلَفْظِ الْبِشَارَةِ أَوْ لِأَنَّ التَّعْيِينَ بَعْدَهُ لَا يُنَافِي مَا عَدَاهُ وَأَقُولُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ شُيُوعَ ذَلِكَ قَبْلَ وُرُودِ تَبْشِيرِ مَنْ سِوَاهُمْ (وَفَاطِمَةُ) بِنْتُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - لِنَحْوِ مَا رَوَى خُزَيْمَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ لَمْ يَنْزِلْ الْأَرْضَ قَطُّ قَبْلَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيَّ وَيُبَشِّرَنِي أَنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» . وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَهَبَ بِي إلَى بَابِ فَاطِمَةَ لِلْعِيَادَةِ عِنْدَ مَرَضِهَا فَاسْتَأْذَنَ قَالَتْ: نَعَمْ يَا أَبَتَاهُ فَوَاَللَّهِ مَا عَلَيَّ إلَّا عَبَاءَةٌ فَقَالَ لَهَا اصْنَعِي بِهَا كَذَا وَكَذَا فَعَلَّمَهَا كَيْفَ تَسْتَتِرُ فَقَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا عَلَى رَأْسِي خِمَارٌ فَأَخَذَ خَلْقَ مُلَاءَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ اخْتَمِرِي بِهَا ثُمَّ أَذِنْت فَدَخَلَا فَقَالَ: كَيْفَ نَجِدُك يَا بُنَيَّةُ فَقَالَتْ: إنِّي وَجِعَةٌ وَأَنَّهُ لِيَزِيدَنِي أَنَّهُ مَا لِي طَعَامٌ آكُلُهُ قَالَ: يَا بُنَيَّةُ أَمَا تَرْضِينَ أَنَّكِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ قَالَتْ: يَا أَبَتِ فَأَيْنَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ قَالَ: تِلْكَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عَالَمِهَا وَأَنْتِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عَالَمِك أَمَا وَاَللَّهِ زَوَّجْتُك سَيِّدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» . وَفِي رِوَايَةٍ «أَمَا إنَّهَا سَيِّدَةُ النِّسَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -» وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَبِيهَا (وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَعَنْ أَبَوَيْهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ خُزَيْمَةَ. وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «شَبَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَمْسَةٌ حَسَنٌ وَحُسَيْنٌ وَابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ» وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنَ إلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ: إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» . «وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا» (وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ بَشَّرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) كَخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ أُمِّ فَاطِمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ» وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «سَيِّدَاتُ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ ثَلَاثٌ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أَوَّلُ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ إسْلَامًا» قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ أَيْ وَمَرْيَمُ وَيُحْتَمَلُ عَائِشَةُ وَفِيهِ أَيْضًا «سَيِّدَاتُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَرْبَعٌ مَرْيَمُ وَفَاطِمَةُ وَخَدِيجَةُ وَآسِيَةُ» . وَفِي شَرْحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ ثُمَّ فَاطِمَةُ ثُمَّ خَدِيجَةُ ثُمَّ آسِيَةُ فَالظَّاهِرُ مَرَاتِبُ الْفَضْلِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ تَفْضِيلُ فَاطِمَةَ عَلَى خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ ﵅ وَكَلَامُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي وَصَايَاهُ صَرِيحٌ فِي تَفْضِيلِ عَائِشَةَ بَعْدَ خَدِيجَةَ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَظَاهِرٌ فِي تَفْضِيلِ خَدِيجَةَ عَلَى عَائِشَةَ. وَكَلَامُ بَدْءِ الْأَمَالِي صَرِيحٌ فِي تَفْضِيلِ عَائِشَةَ عَلَى فَاطِمَةَ بِخُصُوصِهَا وَوُجِّهَ بِكَثْرَةِ رِوَايَتِهَا وَدِرَايَتِهَا وَبِمَعِيَّتِهَا بِالنَّبِيِّ فِي الْآخِرَةِ وَقِيلَ: بِتَفْضِيلِ فَاطِمَةَ عَلَى عَائِشَةَ لِكَوْنِهَا جُزْءَ النَّبِيِّ أَقُولُ: مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ تَرْجِيحُ جَانِبِ فَاطِمَةَ إذْ لَا مَسَاغَ لِلدِّرَايَةِ هُنَا وَالرِّوَايَةُ مُقْتَضِيَةٌ قُوَّةَ هَذَا الْجَانِبِ كَمَا سُمِعَتْ أَخْبَارُ فَاطِمَةَ. وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ عَلَى تَفْضِيلِ عَائِشَةَ بِنَحْوِ حَدِيثِ «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ بِاللَّحْمِ» وَحَدِيثِ «فَضْلُ الثَّرِيدِ عَلَى الطَّعَامِ كَفَضْلِ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ» فَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي رُجْحَانَهَا عَلَى فَاطِمَةَ لِقُوَّةِ أَدِلَّةِ فَاطِمَةَ ثُبُوتًا وَدَلَالَةً نَعَمْ إنَّ تَفْضِيلَ أَبِي حَنِيفَةَ لِكَوْنِهِ أَقْدَمَ وَأَعْلَمَ وَأَوْثَقَ وَأَوْرَعَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَهُ دَلِيلٌ رَاجِحٌ غَايَتُهُ عَدَمُ اطِّلَاعِنَا وَعَدَمُ الْوِجْدَانِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْوُجُودِ. اعْلَمْ

стр. 215

أَنَّهُ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَضُدُ فِي عَقَائِدِهِ: وَأَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ وَأَهْلُ غَزْوَةِ بَدْرٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالَ الدَّوَانِيُّ وَقَدْ عَدَّ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي جَامِعِهِ الصَّحِيحِ وَقَدْ سَمِعْنَا مِنْ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ أَنَّ الدُّعَاءَ عِنْدَ ذِكْرِهِمْ مُسْتَجَابٌ وَقَدْ جُرِّبَ ذَلِكَ انْتَهَى ثُمَّ الظَّاهِرُ مِنْ تَقْدِيمِهِ تَفْضِيلُ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ لَكِنَّ صَرِيحَ كَلَامِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ فِي تَرْتِيبِ تَفْضِيلِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ ثُمَّ بَاقِي الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ ثُمَّ أَهْلِ بَدْرٍ ثُمَّ أَهْلِ أُحُدٍ ثُمَّ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ ثُمَّ مَنْ لَازَمَ النَّبِيَّ وَقُتِلَ تَحْتَ لِوَائِهِ لَكِنْ مَا قَالُوا مِنْ أَنَّ أَعْدَادَ أَهْلِ بَدْرِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَمَا عَدَّهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ لَيْسَ بِبَالِغٍ إلَى هَذَا الْمَبْلَغِ إذْ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الصَّحِيحِ هُوَ هَذَا النَّبِيُّ ﷺ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيُّ، عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ الْقُرَشِيُّ خَلَّفَهُ النَّبِيُّ ﵊ عَلَى ابْنَتِهِ وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ، عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيُّ، حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيُّ، حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ حَلِيفُ الْقُرَشِيِّ، حَارِثَةُ بْنُ رَبِيعٍ الْأَنْصَارِيُّ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَحَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ كَانَ فِي النَّظَّارَةِ، حَبِيبُ بْنُ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ، خُنَيْسُ بْنُ حَذَافَةَ السَّهْمِيُّ، رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ رِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، أَبُو لُبَابَةَ الْأَنْصَارِيُّ، أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ الْقُرَشِيُّ، زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ، أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ، سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ الزُّهْرِيُّ، سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ الْقُرَشِيُّ، سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو نُفَيْلٍ الْقُرَشِيُّ، سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيُّ، ظُهَيْرُ بْنُ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ الْقُرَشِيُّ، عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ الْأَنْصَارِيُّ، عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، عُتْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ، عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَنَزِيُّ، عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ، عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ، قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ قَتَادَةُ بْنُ نُعْمَانَ الْأَنْصَارِيُّ، مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، مُعَوِّذُ ابْنُ عَفْرَاءَ، وَأَخُوهُ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ، أَبُو السَّيِّدِ الْأَنْصَارِيُّ، مِسْطَحُ بْنُ أَثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ مُرَادَةُ بْنُ رَبِيعٍ الْأَنْصَارِيُّ، مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ، مِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ الْأَنْصَارِيُّ وَأَمَّا أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَقِيلَ: أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَقِيلَ: أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ وَقِيلَ: أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ وَقِيلَ: أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ (لَا) نَشْهَدُ (لِغَيْرِهِمْ بِعَيْنِهِ) وَأَمَّا بِلَا تَعْيِينٍ نَحْوَ كُلُّ مُؤْمِنٍ فِي الْجَنَّةِ فَنَشْهَدُ بِهِ فَإِنْ قِيلَ: إنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ زَيْدًا مُؤْمِنٌ وَقَدْ ذَكَرْت أَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ فِي الْجَنَّةِ فَيُنْتَجُ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ زَيْدٌ فِي الْجَنَّةِ أَقُولُ الْمُرَادُ مِنْ الْمُؤْمِنِ فِي الصُّغْرَى مَا يَكُونُ حَالًّا وَفِي الْكُبْرَى مَا فِي الْمَآلِ وَالْخَاتِمَةِ فَإِنْ قِيلَ: فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هَذَا الشَّخْصُ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَمَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ فَيُنْتَجُ هَذَا الْمُعَيَّنُ فِي الْجَنَّةِ فَنَقُولُ بَعْدَ تَسْلِيمِ كُلِّيَّةِ الْكُبْرَى لَا نُسَلِّمُ الصُّغْرَى إذْ كَوْنُ الْمُرَادِ مِنْ الْكَلَامِ مَا هُوَ الْمَلْفُوظُ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ إذْ حَقِيقَةُ الْكَلَامِ مَا فِي الْفُؤَادِ وَلَا يُعْلَمُ حَالُ الْفُؤَادِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ شُرُوطٌ كَالتَّوَجُّهِ التَّامِّ إلَى عَالَمِ الْقُدْسِ وَالْإِعْرَاضِ التَّامِّ عَنْ مُيُولَاتِ عَالَمِ الرِّجْسِ مِنْ الشَّهَوَاتِ وَدَوَاعِي الْهَوَى. قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا فِي الْخَاتِمَةِ مِنْ أَهْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ حَالًّا وَمَآلًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا حَتَّى نُوَدِّعَ الدُّنْيَا غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلَيْهَا وَمُحِبِّينَ لِلِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى (ثُمَّ) بَعْدَ الصَّحَابَةِ الْأَفْضَلُ (التَّابِعُونَ) لَهُمْ بِإِحْسَانٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ تَابِعُ التَّابِعِينَ» مِنْهُمْ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ لِاجْتِمَاعِهِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ وَنَحْوِهِمْ. (وَالْمُسْلِمُونَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ) نَصْبِ (إمَامٍ) سُلْطَانٍ لِأَنَّ مَا يَزَعُ السُّلْطَانُ أَكْثَرُ مِمَّا يَزَعُ الْقُرْآنُ وَلِتَوَقُّفِ أَكْثَرِ الْوَاجِبَاتِ عَلَيْهِ كَالْجُمُعَةِ وَالْأَعْيَادِ وَلِذَا قَدَّمَ الْأَصْحَابُ نَصْبَهُ عَلَى دَفْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِذَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ

стр. 216

(قَادِرٍ عَلَى تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ) الشَّرْعِيَّةِ بِشَوْكَتِهِ وَعِلْمِهِ (مُسْلِمٍ) لِعَدَمِ وِلَايَةِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ (حُرٍّ) لِعَدَمِ وِلَايَةِ الْعَبْدِ عَلَى الْحُرِّ (مُكَلَّفٍ) عَاقِلٍ بَالِغٍ وَعِنْدَ الضَّرُورَةِ يَجُوزُ الصَّبِيُّ لَكِنَّهُ فِي الِاسْمِ فَقَطْ لِدَفْعِ الْفِتْنَةِ. وَفِي الرَّسْمِ وَزِيرُهُ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ فَلَا تَقْلِيدَ لِلْقَضَاءِ مِنْهُ وَتَوْكِيلُ إمَامِ الْجُمُعَةِ (ظَاهِرٍ) لِيُرْجَعَ إلَيْهِ وَقْتَ الْحَاجَةِ كَقَطْعِ الْمُنَازَعَاتِ وَإِحْقَاقِ الْحُقُوقِ وَقَهْرِ الْمُتَغَلِّبَةِ وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ وَسَدِّ الثُّغُورِ وَتَجْهِيزِ الْجُيُوشِ (وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ هَاشِمِيًّا وَلَا مَعْصُومًا) لِامْتِنَاعِهِ عَادَةً فِي الْأُمَّةِ (وَلَا أَفْضَلَ زَمَانِهِ) لِأَنَّ مَنْصِبَ الْخِلَافَةِ هُوَ تَدْبِيرُ الْمَمْلَكَةِ وَالْمُحَارَسَةُ وَذَلِكَ قَلَّمَا يُوجَدُ فِي الْأَفْضَلِ وَكَثِيرًا مَا فِي الْمَفْضُولِ

стр. 217

(وَلَا يَنْعَزِلُ بِفِسْقٍ وَجَوْرٍ) أَيْ ظُلْمٍ فَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَتِهِ فِي الْأُمُورِ الْمَشْرُوعَةِ وَإِنْ ظَالِمًا فِي نَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ. وَفِي قَاضِي خَانْ أُمِرْنَا بِإِطَاعَةِ أُولِي الْأَمْر إذْ عَزْلُ الظَّالِمِ وَنَصْبُ الْعَادِلِ مُفْضٍ إلَى فَسَادَاتٍ وَسَفْكِ دِمَاءٍ وَفِتَنٍ كَثِيرَةٍ وَلِذَا كَانَ السَّلَفُ يَنْقَادُونَ لِأَوَامِرِ فَسَقَةِ الْأُمَرَاءِ وَظَلَمَتِهِمْ وَيُقِيمُونَ الْجُمُعَةَ وَالْأَعْيَادَ بِإِذْنِهِمْ. وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «لَا تَسُبُّوا الْأَئِمَّةَ وَادْعُوا اللَّهَ لَهُمْ بِالصَّلَاحِ فَإِنَّ صَلَاحَهُمْ لَكُمْ صَلَاحٌ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ إذْ بِهِمْ حِرَاسَةُ الدِّينِ وَسِيَاسَةُ الدُّنْيَا وَحِفْظُ مَنَاهِجِ الْمُسْلِمِينَ وَتَمْكِينُهُمْ مِنْ الْعَمَلِ وَلِذَا قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: لَوْ كَانَ لِي دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ مَا صَيَّرْتُهَا إلَّا فِي الْإِمَامِ لِأَنِّي لَوْ جَعَلْتُهَا لِنَفْسِي لَمْ تُجَاوِزْنِي وَلَوْ لَهُ كَانَتْ لِلْعِبَادِ وَالْبِلَادِ وَسُئِلَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَك اللَّهُ أَقْبَلُ لَك وَاحِدًا فَقَطْ مِنْ الدُّعَاءِ لِمَ تَصْرِفُهُ قَالَ لِدُعَاءِ الْأُمَرَاءِ وَمِنْ حَدِيثِ الْجَامِعِ أَيْضًا «لَا تَسُبُّوا السُّلْطَانَ فَإِنَّهُ فَيْءٌ» أَيْ ظِلُّ «اللَّهِ فِي أَرْضِهِ» . (وَتَجُوزُ) (الصَّلَاةُ خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ) بِفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ صَالِحٍ فَإِنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَقْتَدُونَ بِالْحَجَّاجِ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا لَكِنَّ أَصْلَ الْجَوَازِ لَا يُنَافِي كَرَاهَةَ إمَامَةِ الْفَاسِقِ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ وَتُكْرَهُ إمَامَةُ الْفَاسِقِ رَجُلَانِ فِي الْعِفَّةِ وَالصَّلَاحِ سَوَاءٌ إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا أَقْرَأُ فَقَدَّمَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ الْآخَرَ فَقَدْ أَسَاءُوا وَتُكْرَهُ إمَامَةُ الْمَفْضُولِ عِنْدَ وُجُودِ الْفَاضِلِ إنْ كَرِهَ الْقَوْمُ إمَامَتَهُ خِلَافًا لِلرَّوَافِضِ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا عِنْدَهُمْ وَإِنَّمَا أَوْرَدَ جِنْسَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي الْأُصُولِ الِاعْتِقَادِيَّةِ مَعَ أَنَّهَا مِنْ الْفُرُوعِ الْعَمَلِيَّةِ رَدًّا لِمِثْلِ هَؤُلَاءِ الْمُخَالِفِينَ وَجَعَلَهَا مِنْ الْأُصُولِ (وَيُصَلَّى عَلَيْهِ) . (وَيَجُوزُ) (الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ) (فِي الْحَضَرِ) يَوْمًا وَلَيْلَةً مِنْ نَقْضِ الْوُضُوءِ (وَالسَّفَرِ) ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا كَذَلِكَ خِلَافًا لِلشِّيعَةِ لِكَوْنِهِ زِيَادَةً عَلَى

стр. 218

كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَخْبَارِ الْآحَادِ وَقَدْ أَثْبَتَ مَشَايِخُنَا كَوْنَ أَخْبَارِهِ مَشْهُورَةً وَالزِّيَادَةُ بِهِ جَائِزَةٌ بَلْ قِيلَ: مِنْ قَبِيلِ مُتَوَاتِرِ الْمَعْنَى حَتَّى قَالَ الْكَرْخِيُّ: أَخَافُ الْكُفْرَ عَلَى مَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ. وَفِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ سُئِلَ أَنَسٌ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَقَالَ: أَنْ تُحِبَّ الشَّيْخَيْنِ وَلَا تَطْعَنَ فِي الْخَتَنَيْنِ وَتَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَفِي غَيْرِهِ تَفْضِيلُ الشَّيْخَيْنِ وَتَوْقِيرُ الْخَتَنَيْنِ وَتَعْظِيمُ الْقِبْلَتَيْنِ وَمَسْحُ الْخُفَّيْنِ وَالْإِمْسَاكُ عَنْ الشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَتَيْنِ وَإِثْبَاتُ الْقَدَرَيْنِ وَعِلْمُ الْمَقْرُونَيْنِ وَتَرْكُ الْخُرُوجِ عَلَى الْإِمَامَيْنِ وَالصَّلَاةُ خَلْفَ الْإِمَامَيْنِ. (وَلَا يَحْرُمُ) (نَبِيذُ الْجَرِّ) جَمْعُ جَرَّةٍ وَهِيَ إنَاءٌ مِنْ فَخَّارٍ وَنَبِيذُهَا بِأَنْ يُلْقِيَ التَّمْرَ أَوْ الزَّبِيبَ فَتَجْذِبَ حَلَاوَتَهُمَا إلَى الْمَاءِ (إنْ لَمْ يَكُنْ مُسْكِرًا) فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عِنْدَ ذَلِكَ وَالتَّفْضِيلُ فِي أَشْرِبَةِ الْفِقْهِيَّةِ. (وَفِي) (دُعَاءِ الْأَحْيَاءِ لِلْأَمْوَاتِ وَصَدَقَتِهِمْ عَنْهُمْ) (نَفْعٌ لَهُمْ) فِي الْبَحْرِ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا أَوْ صَدَقَةً أَوْ قُرْآنًا أَوْ ذِكْرًا أَوْ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً أَوْ طَوَافًا خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ الْعِبَادَةِ الْمَالِيَّةِ وَالْحَجِّ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ. وَأَمَّا الدُّعَاءُ فَيَكْفِيَك صَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَمَا ذَكَرَهَا مِنْ حَدِيثِ «إنَّ الْعَالِمَ وَالْمُتَعَلِّمَ إذَا مَرَّا عَلَى قَرْيَةٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ الْعَذَابَ عَنْ مَقْبَرَةِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» مُفْتَرًى لِمَا فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ فَقَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ عَنْ الْحَافِظِ الْجَلَالِ: لَا أَصْلَ لَهُ وَنَقَلَ عَنْ شَرْحِ الصُّدُورِ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ عَنْ الْغَيْرِ أَنَّ ثَوَابَ الْقِرَاءَةِ لِلْقَارِئِ لِلْمَيِّتِ ثَوَابُ الِاسْتِمَاعِ وَلِذَلِكَ تَلْحَقُهُ الرَّحْمَةُ وَلَا يَبْعُدُ فِي كَرَمِ اللَّهِ أَنْ يَلْحَقَهُ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ وَالِاسْتِمَاعِ مَعًا وَيَلْحَقُهُ ثَوَابُ مَا يُهْدَى إلَيْهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ.

стр. 219

(وَفَضْلُ الْأَمَاكِنِ حَقٌّ) ثَابِتٌ بِالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ كَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا لِثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» وَإِنَّ شَرَفَهَا إنَّمَا هُوَ بِتَشْرِيفِ اللَّهِ تَعَالَى لَا بِشَرَفِ الْمَكِينِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ «وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الْبِقَاعِ خَيْرٌ وَأَيُّ الْبِقَاعِ شَرٌّ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي فَسَأَلَ جِبْرِيلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي فَقَالَ لَهُ: سَلْ رَبَّك فَسَأَلَهُ فَقَالَ: خَيْرُ الْبِقَاعِ الْمَسَاجِدِ وَشَرُّ الْبِقَاعِ الْأَسْوَاقُ» قَالَ فِي الدُّرِّ مُحْتَجًّا بِهَذَا الْأَثَر أَنْ لَا أَدْرِيَ مِنْ الْكَمَال. وَفِي أُصُولِ الْبَزْدَوِيِّ أَنَّ الْجَوَابَ عَنْ كُلِّ مَا سُئِلَ عَنْهُ مِنْ الْجَهَالَةِ. (وَالْعِلْمُ أَفْضَلُ مِنْ الْعَقْلِ) لِأَنَّ الْعَقْلَ كَالْوَسِيلَةِ وَالْعِلْمَ كَالْمَقْصُودِ وَأَنَّ مَسْلُوبَ الْعَقْلِ قَدْ يَكُونُ مُؤْمِنًا بِمُجَرَّدِ تَبَعِيَّةِ

стр. 220

الدَّارِ أَوْ الْوَالِدَيْنِ أَوْ الْفِطْرَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَأَمَّا الْجَهْلُ سِيَّمَا لِذَاتِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ مَعَ وُجُودِ الْعَقْلِ فَكُفْرٌ وَلِذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]- خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ لَعَلَّ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ وَقِيلَ عَنْ الْعَيْنِيِّ بِأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ الْعَقْلُ عِنْدَ بَعْضٍ، وَقِيلَ: الْعَقْلُ بَعْضُ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ وَقِيلَ: هُوَ قُوَّةٌ يُمَيِّزُ بِهَا مِنْ حَقَائِقِ الْمَعْلُومَاتِ فَافْهَمْ. (وَأَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ لَا يُدْرَى أَهُمْ فِي الْجَنَّةِ) لِتَبَعِيَّةِ الْفِطْرَةِ الْأَصْلِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ أَوْ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ (أَمْ فِي النَّارِ) لِتَبَعِيَّةِ الْوَالِدَيْنِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَعَدَمُ الدِّرَايَةِ مَذْهَبُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَهُوَ أَحَدُ الثَّمَانِيَةِ الَّتِي تَوَقَّفَ فِيهَا قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ: تَوَقَّفَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي ثَمَانٍ أَوَّلُهَا سُؤْرُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ ثَانِيهَا الْكَلْبُ مَتَى يَكُونُ مُعَلَّمًا ثَالِثُهَا الْمَلَائِكَةُ أَفْضَلُ أَمْ الْأَنْبِيَاءُ رَابِعُهَا أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ فِي الْجَنَّةِ أَمْ فِي النَّارِ خَامِسُهَا فِي الْإِبِلِ الْجَلَّالَةِ وَالْبَقَرِ الْجَلَّالَةِ وَالْغَنَمِ مَتَى يَطِيبُ لَحْمُهُمْ سَادِسُهَا مَتَى وَقْتُ الْخِتَانِ سَابِعُهَا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى ثَامِنُهَا تَفْسِيرُ الدَّهْرِ وَقَدْ يُزَادُ عَلَى هَذِهِ وَقَدْ يَنْقُصُ وَنُقِلَ عَنْ التَّوْشِيحِ لِلسُّيُوطِيِّ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ أَيْضًا أَوَّلُهَا فِي الْجَنَّةِ ثَانِيهَا خُدَّامُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ثَالِثُهَا فِي بَرْزَخٍ بَيْنَ النَّارِ وَالْجَنَّةِ رَابِعُهَا فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى خَامِسُهَا يُمْتَحَنُونَ فِي الْآخِرَةِ سَادِسُهَا يَصِيرُونَ تُرَابًا سَابِعُهَا فِي النَّارِ ثَامِنُهَا الْوَقْفُ لَكِنَّ الدَّوَانِيَّ نَقَلَ عَنْ النَّوَوِيِّ الصَّحِيحُ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ إنِّي أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا بِلَا ذَنْبٍ لَعَلَّ لِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ فِي النَّارِ بِلَا عَذَابٍ، لَعَلَّ الصَّحِيحَ هُوَ التَّوَقُّفُ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا أَهْلُ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ مِنْ جُمْلَتِهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُمْ فِي النَّارِ حِينَ سَأَلَتْهُ خَدِيجَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - عَنْ أَطْفَالِهَا الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقَدْ سَمِعَتْ عَدَمَ الْعَذَابِ بِلَا ذَنْبٍ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . (وَلِلْكَفَرَةِ حَفَظَةٌ) جَمْعُ حَافِظٍ لِحِفْظِهِمْ وَضَبْطِهِمْ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠]- وَقَوْلِهِ - ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]- وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُمْ حَفَظَةٌ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ قُلْنَا: مِنْ جُمْلَةِ الْفَائِدَةِ إظْهَارُ كَمَالِ الْعَدَالَةِ وَالتَّسْجِيلُ عَلَيْهِمْ وَإِكْمَالُ السَّآمَةِ وَالْمَلَامَةِ وَإِنَّ ذَلِكَ رَأْيٌ فِي مُقَابَلَةِ نَصٍّ وَاحْتِجَاجٌ فِي الْمَطْلَبِ النَّقْلِيِّ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ وَحَمْلُ النُّصُوصِ عَلَى ظَاهِرِهَا وَاجِبٌ إنْ وَقَعَتْ فِي أَمْرٍ مُمْكِنٍ وَلَا شَكَّ فِي إمْكَانِ ذَلِكَ (وَالْمَعْدُومُ لَيْسَ بِشَيْءٍ) لِأَنَّ الشَّيْءَ ثَابِتٌ وَالْمَعْدُومَ لَيْسَ بِثَابِتٍ

стр. 221

خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ إذْ الْمُمْكِنُ الْمَعْدُومُ ثَابِتٌ فِي الْخَارِجِ عِنْدَهُمْ فَالْمُمْتَنِعُ لَيْسَ بِشَيْءٍ اتِّفَاقًا لَعَلَّ عِنْدَ الْحُكَمَاءِ يَصْدُقُ عَلَى الْمُمْتَنِعِ أَيْضًا لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَهُ مُسَاوِيًا لِلْإِمْكَانِ الْعَامِّ وَيَقْسِمُونَ الشَّيْءَ إلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ وَمُمْتَنِعٍ فَمَعْنَى الشَّيْءِ عِنْدَهُمْ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْلَمَ وَيُخْبَرَ بِهِ. وَعَلَى مَا نُقِلَ عَنْ مُفْرَدَاتِ الرَّاغِبِ شُمُولُهُ عَلَى الْمَوْجُودِ وَمُطْلَقِ الْمَعْدُومِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَيُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى الشَّائِي فَيَنْدَفِعُ مَا أُورِدَ عَلَيْهِ بِعَدَمِ كَوْنِهِ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الَّتِي يَجُوزُ إطْلَاقُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَجْهُ الدَّفْعِ التَّرَادُفُ بِالْمُرِيدِ وَالْجَوَابُ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِهِ فِي الْقُرْآنِ يُرَدُّ بِنَحْوِ ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ﴾ [البقرة: ١٥] بِهِمْ لِعَدَمِ إطْلَاقِ نَحْوِ الْمُسْتَهْزِئِ عَلَيْهِ تَعَالَى فَتَأَمَّلْ اعْلَمْ أَنَّ النِّزَاعَ فِي كَوْنِهِ مَعْنًى حَقِيقِيًّا وَإِلَّا فَنَحْنُ قَائِلُونَ بِإِطْلَاقِهِ عَلَى الْمَعْدُومِ مَجَازًا. وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْله تَعَالَى - ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]- ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ [النحل: ٤٠] بِالْمَجَازِ الْأَوْلَى مَثَلًا فَيَضْمَحِلُّ احْتِجَاجُ الْمُعْتَزِلَةِ لَعَلَّ هَذَا حَاصِلُ مَا أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَكُونُ مَوْجُودًا حِينَ حُصُولِهِ أَوْ لِغَايَةِ تَحَقُّقِهِ كَالْمُحَقَّقِ فِي الْحَالِ أَوْ أَنَّهُ مُحَقَّقٌ فِي الْحَالِ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى لَكِنْ يَرِدُ أَنَّ الْأَصْلَ كَوْنُهُ مَعْنًى حَقِيقِيًّا وَالْمَجَازُ خِلَافُهُ. فَإِنْ أُرِيدَ الْحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى النَّقْلِ عَنْ أَئِمَّتِهِمْ أَوْ كُتُبِهِمْ وَأَنَّ الِاصْطِلَاحِيَّةَ فَيُعْلَمُ بِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى بِحَيْثُ يَتَبَادَرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ بِلَا قَرِينَةٍ فَافْهَمْ قِيلَ: فَائِدَةُ الْخِلَافِ لُزُومُ قِدَمِ الْأَشْيَاءِ وَتَعْطِيلُ الصَّانِعِ عِنْدَ كَوْنِ الْمَعْدُومِ شَيْئًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الدَّهْرِيَّةِ والأفلاكية. (وَالسِّحْرُ) عَنْ الْمُنَاوِيِّ هُوَ إتْيَانُ نَفْسٍ شِرِّيرَةٍ بِخَارِقٍ عَنْ مُزَاوَلَةِ مُحَرَّمٍ إمَّا كُفْرٌ أَوْ كَبِيرَةٌ قِيلَ هُوَ خَمْسَةٌ فِي الْمَشْهُورِ: النِّيرِنْجُ، لِرُقْيَةِ الحلقطيرات الشَّعْبَذَةُ، الطَّلْسَمُ (وَاقِعٌ) كَوُقُوعِهِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى قِيلَ إنَّهُ اسْتَمَرَّ إلَى سَبْعَةِ أَشْهُرٍ حَتَّى نَزَلَ الْمُعَوِّذَتَانِ كَمَا سَبَقَ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّوَافِضِ فِي حَمْلِهِمْ عَلَى الْأَوْهَامِ، وَالْخَيَالَاتِ بِلَا حَقِيقَةٍ لَهُ وَلَنَا الْكِتَابُ النَّاطِقُ بِأَنَّهُ مِمَّا يُتَعَلَّمُ وَمِمَّا يُكَفِّرُ، وَأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَالسُّنَّةُ كَسِحْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْإِجْمَاعُ قَبْلَ الْمُخَالِفِ. (وَإِصَابَةُ الْعَيْنِ جَائِزَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ وَأَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ نَحْوَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْعَيْنُ حَقٌّ تَسْتَنْزِلُ الْحَالِقَ» أَيْ الْجَبَلَ الْعَالِيَ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «الْعَيْنُ حَقٌّ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقٌ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ» يَعْنِي لَوْ أَمْكَنَ زَوَالُ شَيْءٍ وَفَنَاؤُهُ قَبْلَ أَوَانِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ

стр. 222

«وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْتَسِلُوا» خِطَابٌ لِلْعَائِنِ يَعْنِي إذَا طَلَب الْمَعْيُونُ مِمَّنْ يَتَّهِمُ أَنَّهُ عَائِنٌ غَسْلَ أَطْرَافِهِ وَمَا تَحْتَ إزَارِهِ لِيَصُبَّ غُسَالَتَهُ عَلَيْهِ فَلْيَفْعَلْ الْعَائِنُ ذَلِكَ نَدْبًا وَقِيلَ وُجُوبًا؛ لِأَنَّ تِرْيَاقَ سَمِّ الْحَيَّةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ لَحْمِهَا يُؤْخَذُ عِلَاجُ ذَلِكَ مِنْهُ فَفِي الِاغْتِسَالِ إطْفَاءٌ لِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: لَا يَنْفَعُ ذَلِكَ لِلْمُنْكِرِ وَلَا لِمَنْ يَفْعَلُ لِلتَّجْرِبَةِ قَالَ الْحُكَمَاءُ فِي وَجْهِهِ إنَّ الْقُوَّةَ السُّمَيَّةَ تَنْبَعِثُ مِنْ عَيْنِ الْعَائِنِ إلَى الْمُعِينِ نَفْسًا أَوْ مَالًا فَيَهْلَكُ، وَقِيلَ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَبْعَثَ جَوَاهِرَ لَطِيفَةً غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ إلَى الْمُعَيَّنِ فَيَهْلِكُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمَفْهُومُ مِنْ حَدِيثِ: «الْعَيْنُ حَقٌّ يَحْضُرُهَا الشَّيْطَانُ، وَحَسَدُ ابْنِ آدَمَ» أَنَّ السَّبَبَ إعْجَابُ الشَّيْطَانِ بِلَا رُجُوعٍ إلَى اللَّهِ وَحَسَدُ ابْنِ آدَمَ بِغَفْلَتِهِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى (تَنْبِيهٌ) نُقِلَ عَنْ بَعْضٍ مَنْعُ الْعَائِنِ مِنْ مُدَاخَلَةِ النَّاسِ وَلُزُومِ بَيْتِهِ كَالْمَجْذُومِ بَلْ أَوْلَى وَنَفَقَةُ الْفَقِيرِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ صَحِيحٌ مُتَعَيَّنٌ وَلَا يُعْرَفُ عَنْ غَيْرِهِ تَصْرِيحٌ بِخِلَافِهِ وَفُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ رَتَّبُوا وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَى مَنْ أَتْلَفَ بِهَا أَقُولُ وَلَا يُسْتَبْعَدُ ذَلِكَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ سِيَّمَا حَدِيثُ «الْعَيْنُ تُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ وَتُدْخِلُ الْجَمَلَ الْقِدْرَ» . (فَائِدَةٌ) أَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ بِأَنَّ سَعِيدًا النَّاجِيَّ قَالَ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا حِينَ قِيلَ لَهُ: احْفَظْ نَاقَتَك مِنْ فُلَانٍ الْعَائِنِ فَعَانَهَا فَاضْطَرَبَتْ فَأُخْبِرَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ حَبْسٌ حَابِسٌ وَشِهَابٌ قَابِسٌ رَدَدْت عَيْنَ الْعَائِنِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَحَبِّ النَّاسِ إلَيْهِ، وَعَلَى كَبِدِهِ وَكُلْوَتَيْهِ رَشِيقٌ، وَفِي مَالِهِ يَلِيقُ ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] الْآيَةَ. فَخَرَجَتْ حَدَقَتَا الْعَائِنِ وَسَلِمَتْ النَّاقَةُ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَشُرُوحِهَا مِنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَشَرْحِهِ وَقِيلَ: «حِينَ أَصَابَتْ الْعَيْنُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَلَّمَ جَبْرَائِيلُ النَّبِيَّ التَّعْوِيذَ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَهِيَ: اللَّهُمَّ ذَا السُّلْطَانِ الْعَظِيمِ، وَالْمَنِّ الْقَدِيمِ، وَالْكَلِمَاتِ التَّامَّاتِ، وَالدَّعَوَاتِ الْمُسْتَجَابَاتِ عَافِ الْحَسَنَ، وَالْحُسَيْنَ مِنْ أَنْفُسِ الْجِنِّ وَأَعْيُنِ الْإِنْسِ فَقَالَهَا لَهُمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَامَا يَلْعَبَانِ» . وَفِي الشِّرْعَةِ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ أَمَرَ بِتَسْوِيدِ حُفْرَةِ ذَقَنِ صَبِيٍّ مَلِيحٍ، وَفِيهِ عَنْهُ أَيْضًا أَمَرَ الْعَائِنَ بِالْغُسْلِ أَوْ الْوُضُوءِ لِيَغْتَسِلَ بِهِ الْمُعَيَّنُ كَمَا أُشِيرَ آنِفًا، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة مِنْ نَصْبِ عِظَامِ الرُّءُوسِ فِي الْمَزَارِعِ، وَالْكُرُومِ لِيَتَعَلَّقَ عَلَيْهَا نَظَرُ الْعَائِنِ ابْتِدَاءً فَتَنْكَسِرُ سَوْرَةُ عَيْنِهِ. وَفِي الشِّرْعَةِ أَيْضًا: وَالسُّنَّةُ لِمَنْ خَافَ مِنْ نَفْسِهِ إصَابَةَ عَيْنِهِ أَنْ يَقُولَ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، ثُمَّ تُبَارِكَ عَلَيْهِ فَيَقُولُ بَارَكَ اللَّهُ فِيك وَعَلَيْك. (وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ) مِنْ الِاجْتِهَادِ وَظَاهِرُ كَلَامِ التَّفْتَازَانِيِّ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ جَرَيَانُ الِاجْتِهَادِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، وَالشَّرْعِيَّاتِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالْفَرْعِيَّةِ. وَفِي التَّلْوِيحِ عَدَمُ شُمُولُهُ إلَى الْأُصُولِ، وَالْعَقَائِدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا بِمُنَاسِبِ كُلٍّ مِنْ الْفَنَّيْنِ (مُصِيبٌ ابْتِدَاءً) أَيْ بِالنَّظَرِ إلَى الدَّلِيلِ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى الْحُكْمِ هَذَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْمُخْتَارُ. وَعِنْدَ الْبَعْضِ قِيلَ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ أَبِي مَنْصُورٍ مُصِيبٌ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً فَقَوْلُهُ (بِالنَّظَرِ إلَى الدَّلِيلِ) يَكُونُ كَالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ابْتِدَاءً لِبَذْلِ تَمَامِ وُسْعِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ وَرَعْيِ شَرَائِطِهِ، وَمِنْ هُنَا لَا يُعَاتَبُ الْمُخْطِئُ بَلْ مَأْجُورٌ إذَا لَمْ يَكُنْ طَرِيقُ الصَّوَابِ بَيِّنًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَحْكُمُ عَلَى أَنَّك إنْ أَصَبْت فَلَكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَإِنْ أَخْطَأْت فَلَكَ حَسَنَةٌ» (وَقَدْ يُخْطِئُ فِي الِانْتِهَاءِ بِالنَّظَرِ إلَى الْحُكْمِ) كَالتَّفْسِيرِ لِلِانْتِهَاءِ (لِأَنَّ الْحَقَّ) عِنْدَ اللَّهِ (وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ) لَا مَا أَدَّى

стр. 223

إلَيْهِ اجْتِهَادُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَإِنْ كَانَ مَيْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ إلَيْهِ حَتَّى يَلْزَمَ إصَابَةُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ وَيَتَعَدَّدُ الْحَقُّ هَذَا فِي الْفُرُوعِ، وَأَمَّا فِي الِاعْتِقَادِيَّةِ فَالْحَقُّ وَاحِدٌ إجْمَاعًا فَيُعَاتَبُ الْمُخْطِئُ بَلْ يُكَفَّرُ أَوْ يُضَلَّلُ. وَفِي الْأَشْبَاهِ عَنْ الْمُصَفَّى إذَا سُئِلْنَا مَذْهَبُنَا مَعَ مُخَالِفِينَا فَنُجِيبُ أَنَّ مَذْهَبَنَا صَوَابٌ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ وَمَذْهَبُ مُخَالِفِينَا خَطَأٌ يَحْتَمِلُ الصَّوَابَ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ مُنَافٍ لِاحْتِمَالِ الْخَطَأِ وَأَمَّا إذَا سُئِلْنَا فِي الِاعْتِقَادِيَّةِ فَيَجِبُ أَنَّ نَقُولَ: الْحَقُّ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، وَالْبَاطِلُ مَا عَلَيْهِ خُصُومُنَا كَمَا قَرَّرَ الْمُصَنِّفُ فِي وَصَايَاهُ التُّرْكِيَّةِ لَعَلَّك عَرَفْتَ حُكْمَ الِانْتِقَالِ مِنْ تَقْلِيدِ مُجْتَهِدٍ إلَى مُجْتَهِدٍ آخَرَ. (وَالنُّصُوصُ) كِتَابًا أَوْ سَنَةً (تُحْمَلُ) بِالضَّرُورَةِ (عَلَى ظَوَاهِرِهَا) الْمَفْهُومَةِ لُغَةً أَوْ اصْطِلَاحًا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا إذَا لَمْ يَصْرِفْ عَنْهَا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ (إنْ أَمْكَنَتْ) كَاَلَّتِي تُشْعِرُ ظَوَاهِرُهَا بِالْجِسْمِيَّةِ، وَالْجِهَةِ كَمَسْلَكِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْمُتَشَابِهِ (وَالْعُدُولُ عَنْهَا) عَنْ الظَّوَاهِرِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ (إلَى مَعَانٍ يَدَّعِيهَا أَهْلُ الْبَاطِنِ) الْمُسَمَّاةِ بِالْبَاطِنِيَّةِ، وَالْمَلَاحِدَةِ كُفْرٌ كَمَا سَيَأْتِي خَبَرُ الْكُلِّ. قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: لِكَوْنِهِ تَكْذِيبًا لِلنَّبِيِّ فِيمَا عُلِمَ مَجِيئُهُ بِالضَّرُورَةِ وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّ النُّصُوصَ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَمَعَ ذَلِكَ فِيهَا إشَارَةٌ خَفِيَّةٌ إلَى دَقَائِقَ تَنْكَشِفُ عَلَى أَرْبَابِ السُّلُوكِ يُمْكِنُ التَّطْبِيقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الظَّوَاهِرِ الْمُرَادَةِ فَهُوَ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ، وَمَحْضِ الْعِرْفَانِ انْتَهَى. (وَرَدُّ النُّصُوصِ) لَعَلَّ إظْهَارَهُ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ لِمُغَايَرَةِ مَا سَبَقَ إذْ هُوَ بِمَعْنَى مُطْلَقِ النَّظْمِ الشَّامِلِ لِلْكُلِّ، وَالظَّاهِرُ هُنَا بِمَعْنَى الْمُتَّضِحِ الْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلْمُحْكَمِ، وَالْمُفَسَّرِ، وَالظَّاهِرِ، وَالنَّصِّ الْمُقَابِلِ لِلْمَذْكُورَةِ فَالْمُرَادُ مِنْهَا الْقَطْعِيَّةُ ثُبُوتًا كَعَامَّةِ الْقُرْآنِ وَمُتَوَاتَرِ الْأَحَادِيثِ وَلَوْ مَعْنًى وَدَلَالَةً كَمَا ذُكِرَ آنِفًا فَتَأَمَّلْ فِيهِ. (وَاسْتِحْلَالُ الْمَعْصِيَةِ) صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً ظَاهِرَةُ الْإِطْلَاقِ لَكِنَّ الدَّوَانِيَّ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِ تَحْرِيمِهَا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَالْحُرْمَةُ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ وَكَذَا لَوْ مُسْتَنِدًا إلَى دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَلَمْ يَشْتَهِرْ إلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ فَجَعَلَ مَدَارَ الْكُفْرِ هُوَ الضَّرُورِيَّاتُ الدِّينِيَّةُ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ بَعْضِ الْفَتَاوَى مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ حَرَامًا لَعَيْنِهِ ثَابِتًا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَعَيْنِهِ وَإِنْ ثَابِتًا بِقَطْعِيٍّ أَوْ ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ لَكِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ فَلَيْسَ بِكُفْرٍ. وَعِنْدَ الْبَعْضِ إنْ عُلِمَتْ حُرْمَتُهُ بِقَطْعِيٍّ وَلَوْ حَرَامًا لِغَيْرِهِ فَكُفْرٌ، وَعَلَى هَذَا يَتَفَرَّعُ مَا رُوِيَ عَنْ السَّرَخْسِيِّ وَوَقَعَ فِي التتارخانية مُشِيرًا إلَى عِلَّتِهِ بِإِنْكَارِ النَّصِّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ اسْتَحَلَّ وَطْءَ امْرَأَتِهِ الْحَائِضِ يَكْفُرُ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْأَوَّلِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ عَدَمِ الْكُفْرِ لِكَوْنِ حُرْمَتِهِ مِنْ الْغَيْرِ وَهُوَ الْأَذَى وَإِلَى الثَّانِي يَمِيلُ كَلَامُ الْعَلَّامَةِ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ حَيْثُ قَالَ: كَوْنُ الِاسْتِحْلَالِ كُفْرًا بِاسْتِلْزَامِهِ التَّكْذِيبَ الْمُنَافِيَ لِلتَّصْدِيقِ.

стр. 224

(وَالِاسْتِخْفَافِ بِالشَّرِيعَةِ) كُفْرٌ أَيْضًا أَيْ تَخْفِيفُهَا وَكَذَا اسْتِهْزَاؤُهَا وَفُسِّرَ بِعَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِأَحْكَامِهَا وَإِهَانَتِهَا وَاحْتِقَارِهَا، وَنَقَلَ عَنْ الْبَحْرِ الرَّائِقِ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا غَيْرَ نَاوٍ لِلْقَضَاءِ وَغَيْرَ خَائِفٍ مِنْ الْعُقُوبَاتِ يَكْفُرُ. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ يَرْتَكِبُ صَغِيرَةً فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ تُبْ فَقَالَ " مِنْ جه كردم تَأْتُو بِهِ مي با يدكردن " يَكْفُرُ. (وَالْيَأْسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى) كُفْرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (وَالْأَمْنُ مِنْ عَذَابِهِ وَسَخَطِهِ) أَيْ غَضَبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ إلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ. (وَتَصْدِيقُ الْكَاهِنِ) أَيْ الْمُخْبِرِ عَنْ الْمُغَيَّبَاتِ (فِيمَا يُخْبِرُهُ مِنْ الْغَيْبِ كُلُّهُ كُفْرٌ) خَبَرٌ لِقَوْلِهِ، وَالْعُدُولُ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» ، وَالْكَاهِنُ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْ الْكَوَائِنِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَعَنْ النَّوَوِيِّ الْكِهَانَةُ ثَلَاثَةٌ الْأَوَّلُ: لِلْإِنْسَانِ وَلِيٌّ يُخْبِرُهُ بِمَا يَسْتَرِقُ مِنْ السَّمْعِ مِنْ السَّمَاءِ هَذَا بَطَلَ بِبَعْثِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الثَّانِي: أَنْ يُخْبِرَهُ بِمَا يَطْرَأُ أَوْ يَكُونُ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَمَا خَفِيَ عَنْهُ مِمَّا قَرُبَ أَوْ بَعُدَ أَنْكَرَهُمَا الْمُعْتَزِلَةُ وَبَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ بِادِّعَاءِ الِاسْتِحَالَةِ الثَّالِثُ: الْمُنَجِّمُونَ، وَالْكَذِبُ فِيهِ أَغْلَبُ وَمِنْهُ الْعَرَّافَةُ اسْتِدْلَالٌ بِالْأَسْبَابِ، وَالْمُقَدِّمَاتِ كُلُّهَا كِهَانَةٌ، وَالشَّرْعُ أَكْذَبَ الْكُلَّ انْتَهَى. لَا يَخْفَى خَفَاءُ الْكُفْرِ فِي الْكِهَانَةِ عَلَى هَذِهِ التَّفَاسِيرِ، وَأَيْضًا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ حُجِبَتْ عَنْهُ التَّوْبَةُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَإِنْ صَدَّقَهُ بِمَا قَالَ كَفَرَ» . قَالَ الْمُنَاوِيُّ إنْ صَدَّقَ فِي دَعْوَاهُ الْغَيْبَ يَكْفُرُ حَقِيقَةً وَإِلَّا فَكُفْرَانُ نِعْمَةٍ لَا يَخْفَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْن الْحَقِيقَتَيْنِ أَوْ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ نَعَمْ جَائِزٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَقَالَ إتْيَانُ الْكَاهِنِ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ حَتَّى فِي السَّابِقَةِ قَالَ فِي السِّفْرِ الثَّانِي مِنْ التَّوْرَاةِ لَا تَتْبَعُوا الْعَرَّافِينَ، وَالْقَافَةِ وَلَا تَنْطَلِقُوا إلَيْهِمْ وَلَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ لِئَلَّا تُنَجَّسُوا بِهِمْ. وَفِي السِّفْرِ الثَّالِثِ: مَنْ تَبِعَهُمْ وَضَلَّ بِهِمْ أُنْزِلُ بِهِ غَضَبِي وَأُهْلِكُهُ مِنْ شَعْبِهِ انْتَهَى، وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْعَلَّامَةِ السَّعْدِ الِاسْتِدْلَال بِالْأَمَارَةِ عِنْدَ إمْكَانِهِ لَيْسَ بِكُفْرٍ يُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْفَتَاوَى أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ عِنْدَ رُؤْيَةِ هَالَّةِ الْقَمَرِ يَكُونُ مَطَرٌ مُدَّعِيًا عِلْمَ الْغَيْبِ لَا بِعَلَامَةٍ كُفْرٌ. قَالَ فِي بَحْرِ الْكَلَامِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ لِلَّهِ عَادَةً جَمِيلَةً فِي تَكْذِيبِ الْمُنَجِّمِينَ» وَقَدْ قِيلَ الْمُنَجِّمُ كَالْكَاهِنِ، وَالْكَاهِنُ كَالسَّاحِرِ، وَالسَّاحِرُ كَالْكَافِرِ فِي النَّارِ، لَعَلَّ الْكُفْرَ إنَّمَا هُوَ فِي التَّصْدِيقِ الْجَازِمِ لَا الِاعْتِقَادِ عَلَى الشَّكِّ بَلْ الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ فِي التتارخانية) كَأَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ الِاعْتِقَادِيَّاتِ مِنْ حَيْثُ الْإِثْبَاتُ أَرَادَ بَيَانَ أَحْكَامِهَا مِنْ حَيْثُ النَّفْيُ، وَالْإِنْكَارُ (مَنْ قَالَ بِحُدُوثِ صِفَةٍ) الظَّاهِرُ مِنْ الصِّفَاتِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْخَارِجِ كَالْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ (مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى) خِلَافًا لِلْكَرَامِيَّةِ فِي حُدُوثِ جَمِيعِ الصِّفَاتِ (فَهُوَ كَافِرٌ) لِإِثْبَاتِ النَّقْصِ لَهُ تَعَالَى

стр. 225

لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ تَعَالَى مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ وَأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ خُلُوَّهُ تَعَالَى عَنْ الْكَمَالِ فِي الْأَزَلِ إذْ كُلُّ صِفَةٍ لَهُ تَعَالَى كَمَالٌ لَهُ (وَفِيهَا) أَيْ فِي التتارخانية (سُئِلَ) أَيْ مُصَنِّفُهَا (عَنْ قَوْمٍ ذَات باري جَلَّتْ قُدْرَتُهُ مَحَلَّ حَوَادِثِ ميكويند) أَيْ يَقُولُونَ بِأَنَّ ذَاتَ الْبَارِي مَحَلٌّ لِلْحَوَادِثِ (مَا حُكْمُهُمْ) . (قَالَ) فِي الْجَوَابِ (كافرشوند) أَيْ صَارُوا كَافِرِينَ (بِي شك) بِلَا شَكٍّ إذْ عَدَمُ كَوْنِهِ تَعَالَى مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ ثَابِتٌ بِالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ (وَفِيهَا سُئِلَ عَنْ) (مَنْ قَالَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِذَاتِهِ) أَيْ ذَاتُهُ عَيْنُ عِلْمِهِ (وَلَا يَقُولُ لَهُ الْعِلْمُ قَادِرٌ بِذَاتِهِ وَلَا يَقُولُ لَهُ الْقُدْرَةُ) وَكَذَا سَائِرُ صِفَاتِهِ (وَهُمْ الْمُعْتَزِلَةُ) وَكَذَا الْفَلَاسِفَةُ إذْ عِنْدَهُمَا أَنَّ جَمِيعَ صِفَاتِهِ تَعَالَى عَيْنُ ذَاتِهِ (هَلْ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِمْ أَمْ لَا قَالَ يُحْكَمُ) بِكُفْرِهِمْ (لِأَنَّهُمْ يَنْفُونَ الصِّفَاتِ) (وَمَنْ نَفَى الصِّفَاتِ فَهُوَ كَافِرٌ) أَقُولُ إنَّمَا يَلْزَمُ الْكُفْرُ لَوْ كَانَ إنْكَارُهُمْ أَصْلَهَا وَأَثَرَهَا. وَأَمَّا لَوْ كَانَ إنْكَارُهُمْ إيَّاهَا مَعَ إثْبَاتِ نَتَائِجِهَا وَغَايَاتِهَا فَلِزُومُ الْكُفْرِ قَابِلٌ لِلْكَلَامِ إذْ عِنْدَهُمْ أَنَّ الذَّاتَ كَافٍ فِي الِانْكِشَافِ بِلَا احْتِيَاجٍ إلَى أَمْرٍ آخَرَ بَلْ مُرَادُهُمْ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّوْحِيدِ، وَالْكَمَالِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الدَّوَانِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ مَسْأَلَةَ زِيَادَةِ الصِّفَاتِ وَعَدَمِ زِيَادَتِهَا لَيْسَتْ مِنْ الْأُصُولِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا تَكْفِيرُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ بَلْ إنَّمَا يُدْرَكُ أَمْثَالُهَا بِالْكَشْفِ وَمَنْ أَسْنَدَ إلَى غَيْرِ الْكَشْفِ فَعَلَى اعْتِقَادِهِ بِغَالِبِ ظَنِّهِ بِحَسَبِ النَّظَرِ الْفِكْرِيِّ فَلَا بَأْسَ فِي اعْتِقَادِ أَحَدِ طَرَفَيْ النَّفْيِ، وَالْإِثْبَاتِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ انْتَهَى فَلْيُتَأَمَّلْ فِيهَا. (وَفِيهَا إنْ) (اعْتَقَدَ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى رِجْلًا) (وَهِيَ الْجَارِحَةُ) الْمُسْتَلْزِمَةُ لِلْجِسْمِيَّةِ قَيَّدَ بِهَذَا الِاعْتِقَادِ إذْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إطْلَاقُ الْقَدَمِ عَلَيْهِ تَعَالَى وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَطْلُبُ النَّارُ الزِّيَادَةَ حَتَّى يَضَعَ الْجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ» فَقِيلَ لِلتَّعْظِيمِ وَقِيلَ وَقِيلَ. (يَكْفُرُ وَفِيهَا وَمَنْ) (قَالَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ) الَّتِي تَتَرَكَّبُ مِنْ الْأَجْزَاءِ وَكَانَ لَهَا طُولٌ وَعَرْضٌ وَعُمْقٌ (فَهُوَ مُبْتَدِعٌ) لِعَدَمِ وُرُودِ الشَّرْعِ وَلِإِيهَامِهِ الْجِسْمَ الْمَنْفِيَّ (وَلَيْسَ بِكَافِرٍ) ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِمَعْنَى الذَّاتِ أَوْ النَّفْسِ أَوْ الشَّيْءِ وَإِطْلَاقُهَا عَلَيْهِ تَعَالَى جَائِزٌ وَهَذَا إنَّمَا لَا يَكُونُ كُفْرًا إذَا لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْ خَوَاصِّ الْجِسْمِ كَالْحَيِّزِ، وَالْجِهَةِ إلَى أَنْ لَا يَبْقَى إلَّا اسْمُ الْجِسْمِ وَإِلَّا فَكُفْرٌ أَيْضًا. (وَفِيهَا وَمَنْ) (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ فِي السَّمَاءِ) (إنْ أَرَادَ بِهِ الْمَكَانَ كَفَرَ) لِاسْتِلْزَامِهِ احْتِيَاجَهُ تَعَالَى إلَى السَّمَاءِ، وَقِدَمِهِ إذْ قِدَمُ الْمُتَمَكِّنِ يَسْتَلْزِمُ

стр. 226

قِدَمَ مَكَانِهِ (وَإِنْ أَرَادَ بِهِ مُجَرَّدَ الْحِكَايَةِ عَمَّا جَاءَ فِي ظَاهِرِ الْأَخْبَارِ) ؛ لِأَنَّ بَاطِنَهَا يَسْتَحِيلُ كَوْنُهَا حَقِيقَةً سَمَاءً كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا» (لَا يَكْفُرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ) مِنْ السَّمَاءِ وَمِنْ الْحِكَايَةِ (يَكْفُرُ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ) فَإِنْ قِيلَ إنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ مِائَةُ احْتِمَالٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ كُفْرٌ وَوَاحِدٌ لَيْسَ بِكُفْرٍ فَحَمْلُ الْمُسْلِمِ الْمُؤْمِنِ عَلَى جَانِبِ عَدَمِ الْكُفْرِ لَازِمٌ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ شَيْءٌ عَظِيمٌ فَمَهْمَا أَمْكَنَ لَا يُحْمَلُ الْمُسْلِمُ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ بَلْ بِالْقُوَّةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ الْوَاحِدِ قُوَّةٌ غَالِبَةٌ عَلَى تِلْكَ الْكَثْرَةِ قُلْنَا نَعَمْ لَكِنَّ لَفْظَ السَّمَاءِ صَرِيحٌ فِي مَكَان مَخْصُوصٍ فَعِنْدَ إطْلَاقِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ وَإِنَّمَا الِاحْتِيَاجُ عِنْدَ كَوْنِهِ خَفِيًّا وَكِنَايَةً فَقُوَّةُ

стр. 227

هَذَا الِاحْتِمَالِ بِعَدَمِ الِاحْتِمَالِ الْآخَرِ. (وَفِي التَّحْبِيرِ) بِالْفَوْقِيَّةِ فَالْمُهْمَلَةِ فَالْمُوَحَّدَةِ فَالتَّحْتِيَّةِ اسْمُ كِتَابٍ (وَهُوَ) أَيْ الْكُفْرُ (الْأَصَحُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى) ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي التَّجَسُّمِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ كَمَا ذَكَرْنَا، يَشْكُلُ ذَلِكَ بِمَا قَالُوا: إنَّهُ لَا يُفْتَى بِالْكُفْرِ فِي مَسْأَلَةٍ اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِهَا كُفْرًا، وَالْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ الْأَصَحُّ أَنَّ وَرَاءَهُ قَوْلًا آخَرَ صَحِيحًا وَهَذَا أَصَحُّ مِنْهُ. قَالَ فِي تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ وَلَا يُفْتَى بِتَكْفِيرِ مُسْلِمٍ أَمْكَنَ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَحْمَلٍ حَسَنٍ أَوْ كَانَ فِي كُفْرِهِ خِلَافٌ وَلَوْ رِوَايَةً ضَعِيفَةً وَنُقِلَ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ عَنْ الطَّحَاوِيِّ لَا يُكَفَّرُ مُسْلِمٌ مَا لَمْ يُتَيَقَّنْ الرِّدَّةُ إذْ الْإِسْلَامُ الثَّابِتُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ مَعَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ لَا يُبَادِرَ بِتَكْفِيرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مَعَ أَنَّهُ يُقْضَى بِصِحَّةِ إسْلَامِ الْمُكْرَهِ. وَعَنْ النَّوَوِيِّ يَنْبَغِي أَنْ يَحْمِلَ إخْوَانَهُ عَلَى مَحَامِلَ حَسَنَةٍ فِي كُلِّ نُقْصَانٍ إلَى السَّبْعِينَ وَحَاصِلُ مَا نُقِلَ عَنْ السُّبْكِيّ لَا يُجْتَرَأُ عَلَى إكْفَارِ مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ إذْ التَّكْفِيرُ أَمْرٌ هَائِلٌ عَظِيمُ الْخَطَرِ كَالْحُكْمِ بِالْخُلُودِ فِي النَّارِ وَإِبَاحَةِ الدَّمِ، وَالْمَالِ، وَحُرْمَةِ النِّكَاحِ وَعَدَمِ إجْرَاءِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ حَيًّا وَمَيِّتًا ثُمَّ إكْفَارُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَغَيْرِهَا فِي غَايَةِ الْخَفَاءِ لِكَثْرَةِ الشِّعَابِ وَاخْتِلَافِ الْقَرَائِنِ وَتَفَاوُتِ الدَّوَاعِي وَخَفَاءِ التَّأْوِيلِ وَفَرْقِ الْأَلْفَاظِ الْمُؤَوَّلَةِ عَنْ غَيْرِهَا وَطُرُقِ التَّأْوِيلِ مِنْ الْمَعَانِي الْمُشْتَرَكَةِ وَأَنْوَاعِ الْمَجَازَاتِ، وَالِاسْتِعَارَاتِ، وَوُجُوهِ الْكِنَايَاتِ فَالتَّكْفِيرُ لَيْسَ إلَّا لِمَنْ صَرَّحَ بِالْكُفْرِ عَلَى وَجْهٍ يَنْسَدُّ بِهِ أَبْوَابُ التَّأْوِيلِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ لَا يُفْتَى بِتَكْفِيرِ مُسْلِمٍ أَمْكَنَ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَحْمَلٍ حَسَنٍ أَوْ كَانَ فِي كُفْرِهِ اخْتِلَافٌ وَلَوْ رِوَايَةً ضَعِيفَةً فَأَكْثَرُ أَلْفَاظِ التَّكْفِيرِ لَا يُفْتَى بِهَا، وَقَدْ أَلْزَمْت نَفْسِي أَنْ لَا أُفْتِيَ بِشَيْءٍ مِنْهَا انْتَهَى. قَالَ فِي الْمَوَاقِفِ: وَلَا يُكَفَّرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ إلَّا بِمَا فِيهِ نَفْيُ الصَّانِعِ الْقَادِرِ الْعَلِيمِ أَوْ بِشِرْكٍ أَوْ إنْكَارِ مَا عُلِمَ مَجِيئَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ ضَرُورَةً أَوْ إنْكَارِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ كَاسْتِحْلَالِ الْمُحَرَّمَاتِ. قَالَ الشَّارِحُ الشَّرِيفُ أَيْ الَّتِي أُجْمِعَ عَلَى حُرْمَتِهَا وَكَانَتْ مِمَّا عُلِمَ ضَرُورَةً وَإِلَّا فَإِنْ إجْمَاعًا ظَنًّا فَلَا كُفْرَ وَإِنْ قَطْعِيًّا فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ ثُمَّ قَالَ مُصَنِّفُهُ وَأَمَّا مَا عَدَاهُ فَالْقَائِلُ بِهِ مُبْتَدِعٌ غَيْرُ كَافِرٍ وَلِلْفُقَهَاءِ فِي مُعَامَلَتِهِمْ خِلَافٌ هُوَ خَارِجٌ عَنْ فَنِّنَا هَذَا انْتَهَى. وَنَقَلَ الدَّوَانِيُّ عَنْ أَوَّلِ شَرْحِ الْمَوَاقِفِ أَنَّ جَمِيعَ مَا كَفَّرَ بِهِ الْفُقَهَاءُ رَاجِعٌ إلَى أَحَدِ مَا ذُكِرَ انْتَهَى فَعَلَى هَذَا لَا يَخْرُجُ عَنْ فَنِّنَا فَافْهَمْ. (وَفِيهَا) أَيْ التتارخانية (لَوْ قَالَ: إنَّهُ مَكَانِي) أَيْ لَا مَكَانَ (زتو) أَوْ مِنْك وَالْخِطَابُ لَهُ تَعَالَى (خَالِي) يَعْنِي لَيْسَ مَكَانٌ خَالٍ مِنْك (نه تو) مَا أَنْتَ (در هيج مكاني) أَيْ فِي مَكَان وَاحِدٍ (فَهَذَا كُفْرٌ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ نِسْبَةَ الْمَكَانِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى. قِيلَ رَأَيْت فِي حَوَاشِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ أَنَّ هَذَا مِصْرَاعٌ مِنْ غَزْلٍ يُتَغَنَّى بِهِ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ يَتَغَنَّوْنِ فِي مَجَالِسِ عُلَمَاءِ الزَّمَانِ وَلَا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ، وَالْفُقَهَاءُ مُطْبِقُونَ عَلَى أَنَّهُ كُفْرٌ انْتَهَى. وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ عَلَى مَا فُصِّلَ آنِفًا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُكَفَّرَ إذْ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ نَفْيُهُ قَرِينَةً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ إثْبَاتِهِ نَحْوُ شُمُولِ عِلْمِهِ وَأَثَرِ قُدْرَتِهِ وَدُخُولِهِ تَحْتَ تَصَرُّفِ حُكْمِهِ لَعَلَّ مُرَادَ الْفُقَهَاءِ عَلَى تَصْرِيحِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ إرَادَةِ نَحْوِ تِلْكَ التَّأْوِيلَاتِ وَتَصْرِيحِهِ بِإِرَادَةِ ظَاهِرِهِ أَوْ بِإِثْبَاتِ خَوَاصِّهِ وَلَوَازِمِهِ (وَفِيهَا رَجُلٌ) . (قَالَ عِلْم خِدَا) أَيْ اللَّهُ (دِرْهَمه مَكَانِي هُسَّتْ) مَوْجُودٌ فِي كُلِّ مَكَان (هَذَا خَطَأٌ) ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْعِلْمِ فِي الْمَكَانِ يَقْتَضِي كَوْنَ الْعَالَمِ فِيهِ إذْ وُجُودُ الصِّفَةِ فِي مَحَلٍّ فَرْعُ وُجُودِ الْمَوْصُوفِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ يَشْكُلُ ذَلِكَ بِمَا فِي حَاشِيَةِ الْخَيَالِيِّ عَنْ الْغَيْرِ أَنَّ اللُّزُومَ غَيْرُ الِالْتِزَامِ وَلَا كُفْرَ إلَّا بِالِالْتِزَامِ وَيُجَابُ بِمَا أَجَابَ هُوَ أَنَّ لُزُومَ الْكُفْرِ الْمَعْلُومِ كُفْرٌ أَيْضًا وَلِذَا. قَالَ فِي الْمَوَاقِفِ مَنْ يَلْزَمُهُ الْكُفْرُ وَلَا يَعْلَمُ بِهِ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ انْتَهَى ظَاهِرُهُ أَنَّ الْجَهْلَ عُذْرٌ، لَعَلَّ الْحَقَّ أَنَّ الْمَبْنِيَّ أَنَّ اللُّزُومَ إنْ بَيَّنَّا لَا سِيَّمَا بِمَعْنَى الْأَخَصِّ فَكُفْرٌ وَإِلَّا فَلَا ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ عِلْمَهُ تَعَالَى شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْأَمْكِنَةِ وَمُحِيطٌ بِهَا، لَعَلَّ مُرَادَ الْفُقَهَاءِ عِنْدَ قَرِينَةٍ صَارِفَةٍ عِنْدَ هَذَا

стр. 228

الظَّاهِرِ فَإِنْ قِيلَ إنَّ الَّذِي اعْتَبَرْت هُوَ مَعْنًى مَجَازِيٌّ وَمَا اعْتَبَرُوهُ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ فَكَيْفَ يَكُونُ ظَاهِرًا قُلْت: لَوْ سُلِّمَ ذَلِكَ لَيْسَ كُلُّ حَقِيقَةٍ ظَاهِرًا أَوْ لَا كُلُّ مَجَازٍ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ قَدْ يَكُونُ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ فَإِنَّ صُدُورَ ذَلِكَ عَنْ الْمُسْلِمِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ حَقِيقَتِهِ بَلْ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ نَحْوِ ذَلِكَ الْمَجَازِ وَقَدْ عَرَفْت قَرِيبًا عَدَمَ إكْفَارِ مُسْلِمٍ مَا لَمْ تَنْسَدَّ أَبْوَابُ التَّأْوِيلِ بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْمَعْقُولِ أَيْضًا لَا يَنْبَغِي تَخْطِئَةُ كَلَامٍ يُمْكِنُ إصْلَاحُهُ وَلَوْ بِاحْتِمَالٍ ضَعِيفٍ. (وَفِي النِّصَابِ) أَيْ كِتَابِ نِصَابِ الِاحْتِسَابِ (وَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ كُلُّ شَيْءٍ مَعْلُومٌ لِلَّهِ تَعَالَى) ؛ لِأَنَّهُ مِصْدَاقُ قَوْله تَعَالَى - ﴿قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]- لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا السَّوْقِ إنْ أَرَادَ الْمَعْنَى الْمُرَادَ بِالْعِبَارَةِ الْأُولَى كَفَرَ لَا بِالثَّانِيَةِ وَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّ الْقَائِلَ عِنْدَ قَصْدِ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ هَذَا التَّرْكِيبِ لَيْسَ يَكْفُرُ أَلْبَتَّةَ لِتَحَمُّلِ اللَّفْظِ عَلَى هَذِهِ الْإِرَادَةِ. (وَفِيهَا) (رَجُلٌ وَصَفَ اللَّهَ تَعَالَى بِالْفَوْقِ أَوْ بِالتَّحْتِ) (فَهَذَا تَشْبِيهٌ) أَيْ بِالْأَجْسَامِ فَتَجْسِيمٌ (وَكُفْرٌ) لَعَلَّهُ إنْ كَانَ مُرَادُهُ مِنْ الْفَوْقِ هُوَ الْعُلُوُّ، وَالرِّفْعَةُ، وَالْقَهْرُ، وَالْغَلَبَةُ فَلَا يَكْفُرُ بَلْ يَنْبَغِي إجْرَاءُ التَّفْصِيلِ السَّابِقِ مِنْ إرَادَةِ حِكَايَةِ مَا فِي الْأَخْبَارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] . (وَفِيهَا) (رَجُلٌ قَالَ يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِعْلًا لَا حِكْمَةَ فِيهِ) (يَكْفُرُ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ اللَّهَ تَعَالَى بِالسَّفَهِ) وَالْعَبَثِ إذْ كُلُّ فِعْلٍ خَالٍ عَنْ الْمَصْلَحَةِ، وَالْفَائِدَةِ فَهُوَ عَبَثٌ (وَهُوَ كُفْرٌ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى رَاعَى الْحِكْمَةَ فِيمَا خَلَقَ وَأَمَرَ وَإِنْ خَفِيَ عَلَيْنَا حِكْمَةُ بَعْضِ أَفْعَالِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ يَشْكُلُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ وُجُوبُ رِعَايَةِ الْحِكْمَةِ، وَقَدْ عَرَفَتْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ الْكُفْرُ فِي وُقُوعِ فِعْلٍ بِلَا حِكْمَةٍ لَبَعُدَ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ فَتَأَمَّلْ. (وَفِيهَا: وَلَوْ) (قَالَ خداي بود) أَيْ كَانَ اللَّهُ (وَهَيْج نبود) وَمَا كَانَ شَيْءٌ (وَبِأَشَدْ) أَيْ يَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا (وَهِيج نباشد) أَيْ وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ أَصْلًا (فَقَدْ قِيلَ الشَّطْرُ الثَّانِي) وَهُوَ وَيَكُونُ اللَّهُ وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ أَصْلًا (مِنْ كَلَامِ الْمَلَاحِدَةِ) الْكَافِرِينَ بِالتَّمَسُّكِ بِبَاطِنِ الْقُرْآنِ فَقَطْ دُونَ ظَاهِرِهِ لِغَرَضِ إبْطَالِ الشَّرَائِعِ كَمَا فُهِمَ مِنْ تَفْسِيرِ بَعْضٍ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هُمْ الْبَاطِنِيَّةُ الَّذِينَ سُمُّوا بِالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ لَكِنْ ظَاهِرُهُ تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ (فَإِنَّ ظَنَّهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ وَمَا فِيهَا مِنْ الْحُورِ الْعِينِ لِلْفَنَاءِ) يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَلَاحِدَةُ هُمْ الْجَهْمِيَّةُ الْقَائِلُونَ بِفَنَاءِ الْجَنَّةِ، وَالنَّارِ وَفَنَاءِ أَهْلِهِمَا. (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الظَّنُّ (كُفْرٌ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ) ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعُ لَيْسَ عَلَيْهِ شُبْهَةٌ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ (وَخَطَأٌ عَظِيمٌ) لَيْسَ بِكُفْرٍ (عِنْدَ الْبَعْضِ) لَكِنْ يُخَافُ مِنْهُ الْكُفْرُ لِاحْتِمَالِ حِكَايَةِ ظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] . قَالَ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي هُنَا ثَلَاثَةُ

стр. 229

أَشْيَاءَ: الْكُفْرُ فَيَحْبَطُ جَمِيعَ عَمَلِهِ وَيُجَدِّدُ إيمَانَهُ وَنِكَاحَهُ وَمَا فِيهِ خَوْفُ الْكُفْرِ فَيُجَدِّدُ الْإِيمَانَ، وَالنِّكَاحَ وَمَا فِيهِ خَطَأٌ عَظِيمٌ فَيَسْتَغْفِرُ فَقَطْ. (وَفِيهَا) (مَنْ أَنْكَرَ الْقِيَامَةَ) الظَّاهِرُ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ لِقَوْلِهِ (أَوْ الْجَنَّةَ أَوْ النَّارَ أَوْ الْمِيزَانَ أَوْ الْحِسَابَ أَوْ الصِّرَاطَ أَوْ الصَّحَائِفَ الْمَكْتُوبَةَ) مِنْ الْحَفَظَةِ فِي الدُّنْيَا (فِيهَا أَعْمَالَ الْعِبَادِ) الْمُكَلَّفِينَ مِنْهُمْ (يَكْفُرُ) لِإِنْكَارِ مَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ ضَرُورَةً كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ إجْمَاعًا. (وَفِيهَا) أَيْ التتارخانية أَيْضًا (وَمَنْ) (قَالَ: إنَّ الْمِيزَانَ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَدْلِ فَقَطْ) لَيْسَ وَرَاءَهُ مِيزَانٌ حَقِيقِيٌّ (وَلَا يَكُونُ مِيزَانٌ يُوزَنُ بِهِ الْأَعْمَالُ) (فَهُوَ مُبْتَدِعٌ) لِحَمْلِ النُّصُوصِ عَلَى خِلَافِ تَبَادُرِهَا، وَالْوَاجِبُ حَمْلُهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَتَبَادُرِهَا بِلَا دَاعٍ (وَلَيْسَ بِكَافِرٍ) لِاحْتِمَالِ النُّصُوصِ وَلَوْ ضَعِيفًا وَقَدْ عَرَفْت سَابِقًا أَنَّ الِاحْتِمَالَ الْوَاهِيَ يَكُونُ مَدَارًا لِلْخَلَاصِ عَنْ الْكُفْرِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَشْكُلُ بِمَا سَبَقَ مِنْ الْمُنْصِفِ أَنَّ الْعُدُولَ عَنْ ظَوَاهِرِ النُّصُوصِ إلَى مَعَانٍ يَدَّعِيهَا أَهْلُ الْبَاطِلِ كُفْرٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ فَرْقٌ بَيْنَ مَا ادَّعُوا وَبَيْنَ هَذَا إذْ الْأَوَّلُ مُؤَدٍّ إلَى إبْطَالِ الشَّرِيعَةِ وَإِنْكَارِ الْقِيَامَةِ، وَالثَّانِي عَلَى إثْبَاتِ الْقِيَامَةِ وَإِبْقَاءِ الشَّرِيعَةِ. (وَفِيهَا وَمَنْ) (أَنْكَرَ عَذَابَ الْقَبْرِ) (فَهُوَ مُبْتَدِعٌ) ؛ لِأَنَّ أَدِلَّتَهُ إمَّا مُحْتَمَلَاتٌ قُرْآنِيَّةٌ فَلَا قَطْعَ قَالَ فِي التَّلْوِيحِ: لَا حُجَّةَ مَعَ الِاحْتِمَالِ، أَوْ أَخْبَارَ آحَادٍ فَلَا يَخْلُو عَنْ الِاحْتِمَالِ أَيْضًا وَلَا يَكْفُرُ بِإِنْكَارِ الْمُحْتَمَلِ لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا فِي الْمَوَاقِفِ وَتَهْذِيبِ الْكَمَالِ وَشَرْحِ الْعَقَائِدِ مِنْ التَّصْرِيحِ أَنَّ أَحَادِيثَ عَذَابِ الْقَبْرِ بَالِغَةٌ إلَى التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ، وَأَيْضًا قَالُوا بِأَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ حَقٌّ بِالْإِجْمَاعِ مُسْتَنِدًا بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ قَبْلَ ظُهُورِ الْمُخَالِفِ فَلَا يَضُرُّ وُقُوعُ الْخِلَافِ لِتَقَرُّرِ الْإِجْمَاعِ إذْ الِاخْتِلَافُ اللَّاحِقُ لَا يَضُرُّ الْإِجْمَاعَ السَّابِقَ بَلْ نَفْسُ الْخِلَافِ سَاقِطٌ لِكَوْنِهِ خَرْقَ إجْمَاعٍ وَخَرْقُ الْإِجْمَاعِ بَاطِلٌ. فَأَقُولُ وَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقَاعِدَةُ هُوَ كُفْرُ إنْكَارِ عَذَابِ الْقَبْرِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الضَّرُورَاتِ الدِّينِيَّةِ يَعْرِفُهُ الْعَامِّيُّ، وَالْخَاصِّيُّ وَاحْتِمَالُ ظَوَاهِرِ بَعْضِ النُّصُوصِ عَلَى عَدَمِ الْعَذَابِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى - ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]- فَمَعَ كَوْنِهِ مُجَابًا فِي مَحَلِّهِ مُرْتَفِعٌ بِالْإِجْمَاعِ وَقَدْ قِيلَ ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ لِلْكِتَابِ مَعَ قَطْعِيِّ الدَّلَالَةِ لِلْآحَادِ يُفِيدُ الْفَرْضِيَّةَ وَقِيلَ أَيْضًا إنَّ جَمِيعَ أَخْبَارِ الْآحَادِ الْمُوَافِقَةِ لِلْكِتَابِ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ فَيَنْتَظِمُ بِهَا الِاسْتِدْلَال عَلَى الْفَرْضِيَّةِ مُطَّرِدًا فَاحْفَظْهَا فَتَنْفَعْك فِي مَوَاضِعَ شَتَّى. (وَمَنْ أَنْكَرَ شَفَاعَةَ الشَّافِعِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (فَهُوَ كَافِرٌ) ظَاهِرُهُ سَوَاءً كَانَتْ لِلْأَنْبِيَاءِ أَوْ الْعُلَمَاءِ أَوْ الصُّلَحَاءِ إذْ الْجَمْعُ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ ظَاهِرٌ فِي الْإِفْرَادِيِّ لَكِنَّ الظَّاهِرَ مُطْلَقُ الشَّفَاعَةِ إجْمَالًا بِلَا تَفْصِيلٍ أَوْ شَفَاعَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَالظَّاهِرُ أَيْضًا فِي مُطْلَقِ الْقِيَامَةِ، وَإِلَّا فَفِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ أَنَّهُمْ لَا يَشْفَعُونَ فِي بَعْضِ مَوَاطِنِ الْقِيَامَةِ وَأَيْضًا الْمُرَادُ الشَّفَاعَةُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ إجْمَاعًا وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى خِلَافِ الْمُعْتَزِلَةِ لِكَوْنِهِ فِي مُقَابَلَةِ الدَّلِيلِ. قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: بَلْ الْأَحَادِيثُ فِي بَابِ الشَّفَاعَةِ مُتَوَاتِرَةُ الْمَعْنَى وَلَكِنْ يَنْبَغِي احْتِمَالُ نَحْوِ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨]- وَقَوْلُهُ - ﴿وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]-، وَالِاحْتِمَالُ وَلَوْ ضَعِيفًا يُؤَثِّرُ فِي عَدَمِ الْكُفْرِ كَمَا مَرَّ مِرَارًا وَمَا أَتَوْهُ فِي بَيَانِهِمَا وَنَحْوِهِمَا مَمْنُوعٌ قَطْعِيَّتُهُ حَتَّى تَكُونَا مُفَسَّرَتَيْنِ بَلْ يُحْتَمَلُ كَوْنُ بَيَانِهِمَا ظَنِّيًّا فَتَكُونَانِ مُؤَوَّلَتَيْنِ، نَعَمْ تَوَاتُرُ الْأَحَادِيثِ الْقَطْعِيِّ الدَّلَالَةِ رَاجِحٌ عَلَى ظَنِّيِّ الدَّلَالَةِ مِنْ الْكِتَابِ أَقُولُ لَعَلَّ الْأَقْرَبَ الِاسْتِمْسَاكُ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَ ظُهُورِ الْمُخَالِفِ. (وَفِيهَا وَمَنْ) (قَالَ بِتَخْلِيدِ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ) الَّذِينَ مَاتُوا بِلَا تَوْبَةٍ (فِي النَّار) كَالْمُعْتَزِلَةِ (فَهُوَ مُبْتَدِعٌ) لَيْسَ بِكَافِرٍ لِاحْتِمَالِ ظَوَاهِرِ بَعْضِ النُّصُوصِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] الْآيَةَ - وَلَوْ احْتِمَالًا فَاسِدًا لِتَعَارُضِ أَدِلَّةٍ أَقْوَى مِنْهَا كَمَا فُصِّلَ فِي مَحَلِّهِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ التَّفْتَازَانِيِّ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ قَطْعِيَّةُ عَدَمِ التَّخْلِيدِ فَافْهَمْ. (وَفِيهَا وَلَوْ) (أَنْكَرَ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى) (بَعْدَ الدُّخُولِ) لَعَلَّ قَبْلَ الدُّخُولِ كَمَا فِي الْقِيَامَةِ وَإِنْ ثَبَتَتْ الرُّؤْيَةُ لَكِنْ بِالْآحَادِ فَلَا يَكْفُرُ (فِي الْجَنَّةِ يَكْفُرُ) لِثُبُوتِهَا بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ قَبْلَ ظُهُورِ الْمُخَالِفِ كَمَا فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ

стр. 230

وَأَشْكَلَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ مِنْهُ بِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ عَدَمِ إكْفَارِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَبَيْنَ إكْفَارِ مُحِيلِ الرُّؤْيَةِ وَخَلْقِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِمَا مُتَعَذَّرٌ أَقُول قَدْ سَمِعْتَ الْمَنْقُولَ عَنْ الْمَوَاقِفِ وَعَرَفْتَ الِاسْتِثْنَاءَ فِيهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ أَمْثَالَ مَا ذُكِرَ دَاخِلٌ فِي أَحَدِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ وَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِمْ لَا يَكْفُرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ إذَا خَلَا عَنْ الْمَوَانِعِ وَسَلِمَ مِنْ الْمَنَافِي أَوْ مَا دَامُوا فِي كَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِرِعَايَةِ شَرَائِطِ الْأَهْلِيَّةِ وَنَفْيِ مُنَافِيهَا. (وَكَذَا لَوْ قَالَ لَا أَعْرِفُ عَذَابَ الْقَبْرِ فَهُوَ كَافِرٌ) نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ فِي الْحَاشِيَةِ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا سَبَقَ مِنْ كَوْنِهِ مُبْتَدِعًا فَيُحْمَلُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ لَا يَخْفَى فِي إبَاءِ سَوْقِ الْعِبَارَةِ عَنْ هَذَا التَّأْوِيلِ وَقِيلَ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى كَوْنِهِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِهْزَاءِ كَمَا يَكْفُرُ عِنْدَ قَوْلِهِ لَا أَعْرِفُ الشَّرْعَ لِمَنْ قَالَ: أَمْرُ الشَّرْعِ كَذَا لِلِاسْتِخْفَافِ لَا خَفَاءَ فِي بُعْدِهِمَا أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ السَّوْقَ فِي مِثْلِهِ يَأْبَى عَنْ الْبِنَاءِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ ذَلِكَ لَعَبَّرَ بِنَحْوِ قِيلَ أَوْ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةٍ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الظَّاهِرَ هُنَا مَسْأَلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ بِمُرْتَبِطَةٍ بِشَيْءٍ آخَرَ يُفَادُ مِنْهُ نَحْوَ الِاسْتِخْفَافِ، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى أَنَّ النَّفْيَ رَاجِعٌ إلَى الْقَيْدِ فَقَطْ دُون الْمُقَيَّدِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ الْعَذَابَ فِي نَفْسِهِ وَاقِعٌ لَكِنِّي لَا أَعْرِفُهُ فَيَسْتَلْزِمُ اسْتِحْقَارَ عَذَابِهِ أَوْ اسْتِهْزَاءَهُ لَمْ يَبْعُدْ غَايَةَ بُعْدٍ. (وَفِيهَا يَجِبُ إكْفَارُ) (الْقَدَرِيَّةِ) إمَّا فِرْقَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُتَشَعِّبَةٌ إلَى إحْدَى عَشْرَةَ أَوْ نَوْعٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ (فِي نَفْيِهِمْ كَوْنَ الشَّرِّ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى) بَلْ ذَلِكَ مَخْلُوقٌ لِلشَّيْطَانِ أَوْ لِلْعَبْدِ وَأَمَّا لَوْ قَالُوا التَّقْدِيرُ مِنْ اللَّهِ، وَالتَّحْرِيكُ، وَالتَّسَبُّبُ مِنْ نَفْسِ الْعَبْدِ أَوْ الشَّيْطَانِ أَوْ أَرَادُوا التَّحَاشِيَ عَنْ نِسْبَةِ الشَّرِّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى تَأَدُّبًا مُعْتَقِدًا خَلْقَهُ تَعَالَى فَلَا يَكْفُرُونَ بَلْ لَا يَضِلُّونَ لَكِنْ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ تَمَسُّكَهُمْ إذَا كَانَ ظَاهِرًا نَحْوَ قَوْله تَعَالَى - ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]- فَلَا أَقَلُّ مِنْ مُحْتَمَلِ النَّصِّ، وَلَوْ كَانَ ضَعِيفًا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مِثْلِهِ عَدَمُ الْكُفْرِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ أَدِلَّةَ شُمُولِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَكْوِينُهُ عَقْلًا وَنَقْلًا فِي غَايَةِ الظُّهُورِ وَاحْتِمَالُ تَمَسُّكِهِمْ مِنْ النَّصِّ عَلَى مَطْلُوبِهِمْ فِي غَايَةِ الْخَفَاءِ (وَفِي دَعْوَاهُمْ) أَيْ الْقَدَرِيَّةِ (إنَّ كُلَّ فَاعِلٍ) مِنْ الْإِنْسَانِ أَوْ غَيْرِهِ خَيْرًا أَوْ شَرًّا (خَالِقٌ فِعْلَ نَفْسِهِ) دُونَ اللَّهِ تَعَالَى إذْ مَذْهَبُهُمْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ خَالِقُ الْجَوَاهِرِ. وَأَمَّا الْأَعْرَاضُ فَتُحْدِثُهَا الْأَجْسَامُ إمَّا إيجَابًا كَحَرْقِ النَّارِ أَوْ اخْتِيَارًا كَحَرَكَةِ الْحَيَوَانِ، وَمِنْ أَجْلِ إسْنَادِهِمْ أَفْعَالَ الْعِبَادِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا إلَى قُدْرَةِ الْعِبَادِ سُمُّوا بِالْقَدَرِيَّةِ وَهُمْ الَّذِينَ أَشَارَ إلَيْهِمْ ﷺ بِقَوْلِهِ «الْقَدَرِيَّةِ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ» وَقَوْلِهِ: «هُمْ خُصَمَاءُ اللَّهِ فِي الْقَدَرِ» كَمَا فِي الْمَوَاقِفِ وَجْهُ الشَّبَهِ أَنَّ الْمَجُوسَ يَنْسُبُونَ الْكَوَائِنَ إلَى إلَهَيْنِ يَزْدَانُ فَاعِلُ الْخَيْرِ وَأُهْرِمَنْ فَاعِلُ الشَّرِّ نُقِلَ عَنْ مِنْهَاجِ الزَّمَخْشَرِيِّ الْحَسَنَةُ مِنْ اللَّهِ، وَالْمَعْصِيَةُ مِنْ الْعَبْدِ وَاَللَّهُ بَرِيءٌ مِنْهَا فَعَلَى مَا ذُكِرَ يَلْزَمُ إكْفَارُ الزَّمَخْشَرِيِّ. (وَفِيهَا يَجِبُ إكْفَارُ الْكَيْسَانِيَّةِ) صِنْفٌ مِنْ الشِّيعَةِ أَوْ مِنْ الرَّوَافِضِ (فِي إجَازَتِهِمْ الْبَدَاءَ) بِالْفَتْحِ، وَالْمَدِّ بِمَعْنَى ظُهُورِ الرَّأْيِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ (عَلَى اللَّهِ تَعَالَى) لِاسْتِلْزَامِ الْجَهْلِ بَلْ النَّدَمُ وَمِنْ ثَمَّةَ لَمْ تُجَوِّزْ الْيَهُودُ نَسْخَ الشَّرَائِعِ لَا يَخْفَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى كَوْنِ لُزُومِ الْكُفْرِ كُفْرًا، وَلَوْ لَمْ يَلْزَمْ أَوْ لَمْ يَكُنْ اللُّزُومُ بَيِّنًا فَلَيْسَ بِكُفْرٍ ابْتِدَاءً. (وَيَجِبُ إكْفَارُ الرَّوَافِضِ فِي قَوْلِهِمْ: بِرَجْعِ الْأَمْوَاتِ إلَى الدُّنْيَا)

стр. 231

وَقَوْلِهِمْ (بِتَنَاسُخِ الْأَرْوَاحِ) أَيْ مِنْ جَسَدٍ إلَى جَسَدٍ عَلَى الْأَبَدِ (وَانْتِقَالِ رُوحِ الْإِلَهِ إلَى الْأَئِمَّةِ) الِاثْنَا عَشَرَ ﵃ مِنْ أَوْلَادِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ - وَهُمْ عَلِيٌّ الْمُرْتَضَى وَحَسَنٌ وَحُسَيْنٌ وَزَيْنُ الْعَابِدِينَ وَمُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ وَجَعْفَرٌ الصَّادِقُ وَمُوسَى الْكَاظِمُ وَعَلِيٌّ الرِّضَا وَمُحَمَّدٌ التَّقِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّقِيُّ، وَالْحَسَنُ الْعَسْكَرِيُّ وَمُحَمَّدُ الْمُنْتَظَرُ الْمَهْدِيُّ (وَأَنَّ الْأَئِمَّةَ) الْمَذْكُورِينَ عِنْدَهُمْ (آلِهَةٌ) لِحُلُولِ الْإِلَهِ فِيهِمْ، وَلَا شَكَّ فِي اسْتِلْزَامِهِ إنْكَارَ الْقِيَامَةِ وَاعْتِقَادَ الْحُلُولِ فِيهِ تَعَالَى (وَبِقَوْلِهِمْ بِخُرُوجِ إمَامٍ بَاطِنٍ) اخْتَفَى مِنْ الشُّرُورِ، وَالطُّغْيَانِ لِفَسَادِ الزَّمَانِ سَيَخْرُجُ عِنْدَ صَلَاحِ الزَّمَانِ (وَتَعْطِيلِهِمْ الْأَمْرَ، وَالنَّهْيَ) وَلِعَدَمِ شَرْعِيَّةِ أَحْكَامِهِمْ أَصْلًا (إلَى أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ الْبَاطِنُ) قَالُوا الْإِمَامَةُ مَنْصُوصَةٌ لِعَلِيٍّ وَأَوْلَادِهِ إلَى جَعْفَرٍ الصَّادِقِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَاسْتَقَرَّ رَأْيُهُمْ عَلَى ابْنِهِ مُوسَى الْكَاظِمِ فَعَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا فَعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّقِيِّ فَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الزَّكِيِّ فَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَهُوَ الْإِمَامُ الْمُنْتَظَرُ خُرُوجُهُ، وَالْمَخْفِيُّ الْمَذْكُورُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَلَا شَكَّ فِي كَوْنِ ذَلِكَ كُفْرًا (وَبِقَوْلِهِمْ) أَيْ الرَّافِضَةِ (أَنَّ جَبْرَائِيلَ ﵊ غَلِطَ فِي الْوَحْيِ إلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) فَالنَّبِيُّ حَقِيقَةً هُوَ عَلِيٌّ وَيَلْعَنُونَ صَاحِبَ رِيشٍ يَعْنِي جَبْرَائِيلَ وَصِنْفٌ مِنْهُمْ يَجْعَلُونَ النَّبِيَّ ﵊ مَعَ عَلِيٍّ شَرِيكًا فِي النُّبُوَّةِ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مَعَ مُوسَى (وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ خَارِجُونَ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ وَأَحْكَامُهُمْ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ) . (وَيَجِبُ إكْفَارُ الْخَوَارِجِ) الَّذِينَ خَرَجُوا عَنْ إطَاعَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَهُمْ أَوَّلُ فِرْقَةٍ تَفَرَّقَتْ فِي الْإِسْلَامِ وَقَدْ كَانُوا فِي عَسْكَرِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَلَمَّا وَقَعَ التَّحْكِيمُ تَبَرَّءُوا مِنْ عَلِيٍّ فَأَرْسَلَ عَلِيٌّ ابْنَ مَسْعُودٍ لِإِزَالَةِ شُبْهَتِهِمْ فَقَبِلَ الْبَعْضُ وَأَصَرَّ الْآخَرُونَ فَقَتَلَهُمْ عَلِيٌّ ﵁ وَفَرَّ الْبَاقُونَ وَانْضَمَّ إلَيْهِمْ أَصْحَابُ الْعُقُولِ السَّخِيفَةِ وَقَتَلُوا الْعِبَادَ وَغَلَبُوا عَلَى بَعْضِ الْبِقَاعِ، وَالْقِلَاعِ فَمَذَاهِبُهُمْ: خُلُودُ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ فِي النَّارِ وَإِكْفَارُ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - ثُمَّ دَسُّوا عَلَى قَتْلِ عَلِيٍّ فِي الْكُوفَةِ وَقَتْلِ مُعَاوِيَةَ فِي الشَّامِ وَقَتْلِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي مِصْرَ وَعَيَّنُوا لِقَتْلِ عَلِيٍّ ابْنَ مُلْجِمٍ فَضَرَبَهُ بِسَيْفٍ مَسْمُومٍ وَقْتَ الصُّبْحِ وَهُوَ يَؤُمُّ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ

стр. 232

ثُمَّ هَزَمَهُمْ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَقَاتَلَهُمْ فِي خِلَافَةِ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَفَرَّقَ جَمْعَهُمْ وَلَمَّا قُتِلَ مُصْعَبٌ تَعَاضَدَتْ شَوْكَتُهُمْ فَأَضَرُّوا الْعِبَادَ فَبَعَثَ إلَيْهِمْ الْحَجَّاجُ الْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ وَامْتَدَّ الْحَرْبُ إلَى نَحْوِ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَالْغَلَبَةُ فِي الْأَكْثَرِ لِلْخَوَارِجِ مَعَ أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمْ يُقَصِّرْ فِي الْإِمْدَادِ إلَى أَنْ انْهَزَمُوا فَانْقَطَعَ شَرُّهُمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَوَّلُ ظُهُورِهِمْ أَوَاخِرُ صِفِّينَ وَآخِرُ مُدَّتِهِمْ أَوَاخِرُ مُدَّةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ (فِي إكْفَارِهِمْ جَمِيعَ الْأُمَّةِ) الَّذِينَ أَنْكَرُوا عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَرْضَوْا أَفْعَالَهُمْ. (وَفِي إكْفَارِهِمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرَ وَعَائِشَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -) وَابْنَ عَبَّاسٍ وَمَنْ قَعَدَ عَنْ الْقِتَالِ مَعَهُمْ، وَسَائِرَ الْمُسْلِمِينَ وَأَبَاحُوا قَتْلَ صِبْيَانِ مُخَالِفِيهِمْ وَنِسْوَانِهِمْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِكَوْنِ أَوَّلِهِمْ عِنْدَ وَقْعَةِ التَّحْكِيمِ فِي صِفِّينَ، لَعَلَّ أَوَّلَهُمْ عِنْدَ وَقْعَةِ عُثْمَانَ حِين خَرَجُوا عَلَيْهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَوْقَعُوا حَرْبَ الدَّارِ إلَى شَهَادَةِ عُثْمَانَ كَمَا قِيلَ، لَعَلَّ تَخْصِيصَهُمْ بِمَا ذُكِرَ قِصَّةُ حَرْبِ الْجَمَلِ إذْ أَرْبَابُ الرَّأْيِ فِي تِلْكَ الْحَرْبِ هُمْ هَؤُلَاءِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، لَعَلَّ وَجْهَ الْإِكْفَارِ بِإِكْفَارِهِمْ هَذَا اسْتِلْزَامُ إنْكَارِ النَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ أَنَّهُمْ مُبَشَّرُونَ بِالْجَنَّةِ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ إكْفَارَ مُسْلِمٍ مُطْلَقًا، وَالرِّضَا بِكُفْرِهِ كُفْرٌ وَهَذَا مُشْتَرَكٌ فِي الْجَمِيعِ نَعَمْ إنَّ الْكُفْرَ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ وَهُنَا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ. (وَيَجِبُ إكْفَارُ الْيَزِيدِيَّةِ) فِرْقَةٌ مِنْ الْخَوَارِجِ أَصْحَابُ يَزِيدَ بْنِ أُنَيْسَةَ (فِي انْتِظَارِ نَبِيٍّ مِنْ الْعَجَمِ يَنْسَخُ مِلَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) بِكِتَابٍ يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ جُمْلَةً وَاحِدَةً عَلَى دِينِ الصَّابِئَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ وَجْهُ الْكُفْرِ وَاضِحٌ إذْ كَوْنُهُ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَبَقَاءُ شَرِيعَتِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثَابِتٌ بِأَدِلَّةٍ قَطْعِيَّةٍ بَلْ مِنْ الضَّرُورَاتِ الدِّينِيَّةِ. (وَيَجِبُ إكْفَارُ النَّجَّارِيَّةِ) أَصْحَابُ حُسَيْنِ بْنِ النَّجَّارِ (فِي نَفْيِهِمْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى) كَالْمُعْتَزِلَةِ فَالْكَلَامُ كَالْكَلَامِ (وَفِي قَوْلِهِمْ: إنَّ الْقُرْآنَ جِسْمٌ إذَا كُتِبَ) فَكَاغِدٌ وَحِبْرٌ (وَعَرَضٌ إذَا قُرِئَ) لِاسْتِلْزَامِهِ حُدُوثَ الْقُرْآنِ وَكَوْنِهِ تَعَالَى مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ. (وَفِيهَا) أَيْ التتارخانية (وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي) (إكْفَارِ الْمُجْبِرَةِ) أَيْ الْجَبْرِيَّةِ بِقَوْلِهِمْ يَكُونُ الْعَبْدُ مَجْبُورًا فِي أَفْعَالِهِ فَيَكُونُ فِعْلُ الْعَبْدِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ فَقَطْ بِلَا قُدْرَةٍ مِنْ الْعَبْدِ أَصْلًا خِلَافَ الْقَدَرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِكَوْنِ فِعْلِ الْعَبْدِ بِخَلْقِ الْعَبْدِ بِلَا قُدْرَةٍ مِنْ اللَّهِ وَأَهْلُ الْحَقِّ مُتَوَسِّطٌ كَمَا بُيِّنَ فِي مَحِلِّهِ (فَمِنْهُمْ مَنْ أَكْفَرَهُمْ) لِاسْتِلْزَامِهِ إبْطَالَ قَاعِدَةِ التَّكْلِيفِ وَكَوْنَ تَكْلِيفِهِ سَفَهًا (وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَى إكْفَارَهُمْ)

стр. 233

لِاحْتِمَالِ بَعْضِ النُّصُوصِ وَتَأْوِيلِهِ نَحْوَ ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ﴿لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] وَإِنْ كَانَ تَأْوِيلًا بَاطِلًا (وَالصَّوَابُ إكْفَارُ مَنْ لَمْ يَرَ) أَيْ لَمْ يَعْتَقِدْ (لِلْعَبْدِ فِعْلًا أَصْلًا) لِاسْتِلْزَامِهِ كَوْنَ تَكْلِيفَاتِ الشَّرْعِ كَتَكْلِيفِ الْجَمَادِ. (وَيَجِبُ إكْفَارُ مَعْمَرٍ) مِنْ الْقَدَرِيَّةِ (فِي قَوْلِهِ: إنَّ الْإِنْسَانَ غَيْرُ الْجَسَدِ) ، وَالْإِنْسَانُ هُوَ الْحَيَوَانُ النَّاطِقُ، وَالْحَيَوَانُ جِسْمٌ نَامٍ مُتَحَرِّكٌ بِالْإِرَادَةِ، وَالْجِسْمُ هُوَ الْجَسَدُ قِيلَ هَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ كَوْنِ الْجَسَدِ مُكَلَّفًا وَقَدْ ثَبَتَ بِالْقَطْعِيِّ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا فَيَسْتَلْزِمُ إنْكَارَ النَّصِّ الْقَطْعِيِّ أَقُولُ النَّصُّ عَلَى كَوْنِ الْإِنْسَانِ مُكَلَّفًا لَا عَلَى كَوْنِ الْجَسَدِ مُكَلَّفًا وَلَا عَلَى كَوْنِ الْإِنْسَانِ جَسَدًا فَيَجُوزُ كَوْنُ غَيْرِ الْجَسَدِ إنْسَانًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْغَزَالِيِّ، وَالرَّاغِبِ، وَالصُّوفِيَّةِ الْمُكَاشِفِينَ مِنْ أَنَّ الْإِنْسَانَ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْبَدَنِ تَعَلُّقَ التَّدْبِيرِ، وَالتَّصَرُّفِ، وَلَوْ سَلِمَ مَنْصُوصُ التَّكْلِيفِ لِلْبَدَنِ أَعْنِي الْجَسَدَ فَيَجُوزُ لِكَوْنِهِ مُتَعَلَّقَ الْجَوْهَرِ الَّذِي هُوَ الْإِنْسَانُ وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ الْإِنْسَانُ هُوَ الْهَيْكَلُ الْمَخْصُوصُ. وَعِنْدَ الرَّاوَنْدِيِّ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ فِي الْقَلْبِ، وَعِنْدَ النَّظَّامِ جِسْمٌ لَطِيفٌ سَارٍ فِي الْبَدَنِ بَاقٍ مِنْ أَوَّلِ الْعُمْرِ إلَى آخِرِهِ - وَقِيلَ قُوَّةٌ فِي الدِّمَاغِ مَبْدَأٌ لِلْحِسِّ، وَالْحَرَكَةِ وَقِيلَ قُوَّةٌ لِلْقَلْبِ مَبْدَأٌ لِلْحَيَاةِ فِي الْبَدَنِ وَقِيلَ النَّفْسُ الْإِنْسَانِيُّ ثَلَاثُ قُوًى فِي الدِّمَاغِ هِيَ النَّفْسُ النَّاطِقَةُ، وَفِي الْقَلْبِ هِيَ النَّفْسُ الْغَضَبِيَّةُ الْمُسَمَّاةُ بِالنَّفْسِ الْحَيَوَانِيَّةِ، وَفِي الْكَبِدِ هِيَ النَّفْسُ النَّبَاتِيَّةُ الَّتِي هِيَ مَبْدَأُ التَّغَذِّي الْمُسَمَّاةُ بِالشَّهْوَانِيَّةِ، وَهِيَ الْأَخْلَاطُ الْأَرْبَعَةُ الْمُعْتَدِلَةُ، وَقِيلَ هِيَ الْمِزَاجُ وَاعْتِدَالُ الْأَخْلَاطِ وَقِيلَ هِيَ الدَّمُ الْمُعْتَدِلُ وَقِيلَ هِيَ الْهَوَاءُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الْمَوَاقِفِ بَعْدَمَا عَدَّ مَا ذَكَرَ وَأَشَارَ إلَى غَيْرِهِ قَالَ إنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصْلُحُ لِلتَّعْوِيلِ عَلَيْهِ انْتَهَى. وَأَيْضًا صَرَّحَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ مِنْ آرَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ النَّفْسَ الْإِنْسَانِيَّةَ جِسْمٌ لَطِيفٌ سَارٍ فِي الْبَدَنِ لَا يَتَبَدَّلُ وَلَا يَتَحَلَّلُ لَعَلَّهُ مَا نُسِبَ إلَى النَّظَّامِ وَحَاصِلُ رِسَالَةِ ابْنِ الْكَمَالِ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا وَإِبْطَالُ كَوْنِ الْإِنْسَانِ هَذَا الْهَيْكَلَ الْمَخْصُوصَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذُكِرَ يُوجِبُ عَدَمَ الْكُفْرِ (وَأَنَّهُ حَيٌّ قَادِرٌ مُخْتَارٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَرِّكٍ وَلَا سَاكِنٍ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَوْصَافِ الْجَائِزَةِ عَلَى الْأَجْسَامِ) مِنْ الْكِبَرِ، وَالصِّغَرِ، وَالطُّولِ، وَالْقِصَرِ، وَالِاتِّصَالِ، وَالِانْفِصَالِ وَغَيْرِهَا قِيلَ فِي وَجْهِ الْكُفْرِ هُوَ إثْبَاتُ مَا هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْأُلُوهِيَّةِ لِلْإِنْسَانِ فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ لِلْإِنْسَانِ لَيْسَ إلَّا مِنْ خَوَاصِّ الْوَاجِبِ، لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا رَاجِعٌ إلَى كَوْنِهِ جَوْهَرًا مِنْ الْمَذَاهِبِ الْمَذْكُورَةِ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ مَذْهَبٌ لِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ أَجْمَعُوا عَلَى إسْلَامِهِمْ. وَقِيلَ إنَّ فَاعِلَ الشُّرُورِ هُوَ الْجِسْمُ الْمُتَحَرِّكُ، وَالسَّاكِنُ، وَالْمُؤَاخَذُ بِالْعَذَابِ فِي ذَلِكَ هُوَ الْإِنْسَانُ فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَلْزَمُ تَعْذِيبُ غَيْرِ فَاعِلِ الشَّرِّ وَهُوَ ظُلْمٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ إنَّمَا يَلْزَمُ الظُّلْمُ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا عَلَاقَةٌ وَرَابِطَةٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا تَعَلُّقٌ كَمَا مَرَّ، وَالْمُؤَاخَذَةُ بِذَلِكَ التَّعَلُّقِ وَقِيلَ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ كَوْنَ امْتِثَالِ التَّكَالِيفِ بِمُجَرَّدٍ نَحْوَ التَّفَكُّرِ بِدُونِ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ وَهَذَا يَقْتَضِي إلْغَاءَ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ كُفْرٌ وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ التَّجَرُّدَ لَا يُوجِبُ وَلَا يُنَافِي مَا أَوْجَبَهُ عَلَى أَنَّك قَدْ عَرَفْت مِنْ جَوَازِ كِفَايَةِ نَحْوَ التَّعَلُّقِ، لَعَلَّ وَجْهَ الْكُفْرِ لَيْسَ مَا ذُكِرَ هُنَا فَقَطْ بَلْ لَهُمْ كَلَامٌ آخَرُ اقْتَضَى مَجْمُوعُهُ الْكُفْرَ وَمَا ذُكِرَ هُنَا بَعْضُ ذَلِكَ الْكَلَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَيَجِبُ إكْفَارُ قَوْمٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَرَى شَيْئًا وَلَا يُرَى) فَإِنَّ الْأَوَّلَ إنْكَارٌ لِصِفَةِ الْبَصَرِ أَوْ الْعِلْمِ، وَالثَّانِي لِكَوْنِهِ تَعَالَى مَرْئِيًّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] وَقَالَ ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] وَقَالَ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] الْآيَةَ لَعَلَّ الْكُفْرَ بِمَجْمُوعِ الْكَلَامِ مِنْ حَيْثُ الْمَجْمُوعُ أَوْ الْمُرَادُ مِنْ الْأَوَّلِ عَلَى عَدَمِ التَّأْوِيلِ بِالرُّجُوعِ إلَى صِفَةِ

стр. 234

الْعِلْمِ وَإِلَّا فَالْأَشَاعِرَةُ قَائِلُونَ بِعَدَمِ صِفَةِ السَّمْعِ، وَالْبَصَرِ عَلَى مَا قِيلَ. (وَيَجِبُ إكْفَارُ الشَّيْطَانِيَّةِ الطَّارِقِ) قِيلَ الصَّوَابُ شَيْطَانُ الطَّارِقِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَقَبُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ رَأْسِ النُّعْمَانِيَّةِ مِنْ فِرَقِ غُلَاةِ الرَّافِضَةِ وَقِيلَ مِنْ الشِّيعَةِ (فِي قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ شَيْئًا إلَّا إذَا أَرَادَهُ وَقَدَّرَهُ) فَمَا لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِرَادَةُ كَذَاتِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَجَمِيعِ الْمُمْتَنِعَاتِ، وَالْمَعْدُومَاتِ حَالَ عَدَمِهَا لَا يَكُونُ مَعْلُومًا لَهُ تَعَالَى فَيَلْزَمُ الْجَهْلُ تَعَالَى اللَّهُ عَنْهُ عُلُوًّا كَبِيرًا. (وَفِيهَا مَنْ يَقُولُ بِقَوْلِ جَهْمٍ) ابْنِ صَفْوَانَ عَنْ حَاشِيَةِ الْمُصَنِّفِ قَالَ لَا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ أَصْلًا وَاَللَّهُ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ وَأَنَّ عِلْمَهُ حَادِثٌ لَا فِي مَحَلٍّ وَأَنَّهُ لَا يَتَّصِفُ بِمَا يَتَّصِفُ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ، وَالْإِرَادَةِ وَغَيْرِهَا، وَأَنَّ الْجَنَّةَ، وَالنَّارَ تَفْنَيَانِ انْتَهَى. فَلَا تَكْرَارَ كَمَا تُوُهِّمَ بِنَاءً عَلَى تَفْسِيرِهِ بِالْمُجْبِرَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْكُفْرَ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ مَجْمُوعِ الْمَقَالِ مِنْ حَيْثُ الْمَجْمُوعُ بَلْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَقَالِ قِيلَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَكَانَ فَصِيحَ اللِّسَانِ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ، وَيُجَالِسُ الدَّهْرِيَّةَ وَيَقُولُ الرَّبُّ هُوَ هَذَا الْهَوَاءُ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِي كُلِّ شَيْءٍ وَلَا يَخْلُو مِنْهُ شَيْءٌ فَقُتِلَ عَلَى بِدْعَتِهِ بِأَصْبَهَانَ قِيلَ فَاسْوَدَّ وَجْهُهُ لَكِنْ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أُسْنِدَ إلَى الْجَهْمِيَّةِ كَلِمَاتٌ أُخَرَ نَحْوَ أَنْ يُقَالَ اللَّهُ بِكُلِّ مَكَان لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]- وَأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْمَعْرِفَةُ بِلَا اعْتِبَارِ إقْرَارٍ (فَهُوَ خَارِجٌ عِنْدَنَا مِنْ الدِّينِ فَلَا نُصَلِّي عَلَيْهِ وَلَا نَتْبَعُ جِنَازَتَهُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ الْمَيِّتِ وَبِالْكَسْرِ نَعْشٌ وَعَلَيْهِ الْمَيِّتُ، وَقِيلَ اسْمٌ لِهَذَا بِالْفَتْحِ أَيْضًا وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ قِيلَ ذُكِرَ جَهْمٌ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ فَقَالَ عَجِبْت لِشَيْطَانٍ إلَى النَّاسِ دَاعِيًا إلَى النَّارِ وَاشْتُقَّ اسْمُهُ مِنْ جَهَنَّمَ. (وَأَمَّا صِنْفُ) (الْقَدَرِيَّةِ) مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ النَّافِينَ لِلْقَدَرِ (يَرُدُّونَ الْعِلْمَ) لَهُ تَعَالَى (فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا) خَارِجُونَ عَنْ الدِّينِ (وَتَفْسِيرُ رَدِّ الْعِلْمِ) أَيْ بَيَانُهُ (أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ عِنْدَ كَوْنِهِ) أَيْ عِنْدَ وُجُودِهِ (وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ) يُوجَدُ (عِنْدَ كَوْنِهِ) وُجُودِهِ وَهَذَا قَرِيبٌ مِمَّا سَبَقَ. (وَأَمَّا الشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ) لَمْ يُوجَدْ (فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى يَكُونَ فَهَؤُلَاءِ) الظَّاهِرُ كُلُّ مَا ذَكَرَ هُنَا لَا الْأَخِيرُ فَقَطْ لِعُمُومِ عِلَّتِهِ وَحُكْمِهِ مِنْ قَوْلِهِ (كُفَّارٌ لَا نَتَزَوَّجُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَلَا نُزَوِّجُهُمْ) لِلُزُومِ إجْرَاءِ أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّينَ عَلَيْهِمْ (وَلَا نَتْبَعُ جِنَازَتَهُمْ) . (وَأَمَّا) (الْمُرْجِئَةُ فَإِنَّ ضَرْبًا مِنْهُمْ يَقُولُونَ نُرْجِئُ) أَيْ نَكِلُ (أَمْرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْكَافِرِينَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى) خِلَافَ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ فِي الْجَنَّةِ وَأَنَّ كُلَّ كَافِرٍ فِي النَّارِ عَلَى مُقْتَضَى

стр. 235

خَبَرِهِ وَوَعْدِهِ بِلَا إيجَابٍ (فَيَقُولُونَ الْأَمْرُ) مِنْ الْعَفْوِ، وَالتَّعْذِيبِ (فِيهِمْ) فِي الْمُؤْمِنِينَ، وَالْكَافِرِينَ (مُفَوَّضٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى) فَإِنَّهُ (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) كَمَا هُوَ عِنْدَنَا فِي الذُّنُوبِ غَيْرِ الشِّرْكِ (وَالْكَافِرِينَ) وَقَدْ امْتَنَعَ بِالنُّصُوصِ الْقَطْعِيَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ مَغْفِرَةُ الْكَافِرِ وَاَللَّهُ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ (وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) مُؤْمِنًا وَلَوْ صَالِحًا أَوْ كَافِرًا، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ الْمُطِيعَ أَشَارَ إلَى دَلِيلِهِمْ عَلَى حُكْمِهِمْ بِقَوْلِهِ (وَيَقُولُونَ لَهُ تَعَالَى الْآخِرَةُ، وَالْأُولَى) . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ [الليل: ١٣] فَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ فَهَذَا (كَمَا نَرَى) نَعْتَقِدُ (يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا) بِالْفَقْرِ، وَالْمَرَضِ، وَالْمَصَائِبِ (وَيُنَعِّمُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ الْكَافِرِينَ) بِأَنْوَاعِ النِّعَمِ وَضُرُوبِ الْإِحْسَانِ كُلِّهَا اسْتِدْرَاجًا وَمَقْتًا (وَذَلِكَ) أَيْ فِعْلُهُ مَعَ الْفَرِيقَيْنِ (عَدْلٌ فَكَذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ) فَيَجُوزُ تَنْعِيمُهُ لِلْكَافِرِ وَتَعْذِيبُهُ لِلْمُؤْمِنِ. وَأَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ يَمْتَنِعُ تَنْعِيمُ الْكَافِرِ فِي الْآخِرَةِ نَصَّا وَإِجْمَاعًا وَكَذَا تَعْذِيبُ مُطْلَقِ الْمُؤْمِنِ خُلُودًا، وَالْمُؤْمِنُ الْمُطِيعُ أَصْلًا عَلَى مُقْتَضَى وَعْدِهِ وَأَنَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ وَلَا يَجُوزُ خُلْفُ الْوَعْدِ مِنْهُ تَعَالَى (فَيُسَوُّونَ حُكْمَ الْآخِرَةِ، وَالْأُولَى) فِي الْمُؤْمِنِ، وَالْكَافِرِ فِي الْمَغْفِرَةِ، وَالْمُؤَاخَذَةِ (فَهَؤُلَاءِ ضَرْبٌ مِنْ الْمُرْجِئَةِ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ (وَهُمْ كُفَّارٌ) لِتَسْوِيَتِهِمْ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ فَيَلْزَمُهُمْ عَدَمُ نَفْعِ الْإِيمَانِ، وَالطَّاعَةِ وَعَدَمُ ضَرَرِ الْكُفْرِ، وَالْفِسْقِ. (وَكَذَلِكَ) فِي الْإِكْفَارِ (الضَّرْبُ الْآخَرُ مِنْهُمْ) (الَّذِينَ يَقُولُونَ حَسَنَاتُنَا مَقْبُولَةٌ وَسَيِّئَاتُنَا مَغْفُورَةٌ) فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ كَمَا لَا يُفِيدُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ (وَالْأَعْمَالُ) الَّتِي اعْتَقَدْنَا فِي شَرِيعَتِنَا قَالُوا (لَيْسَتْ بِفَرَائِضَ) بَلْ كُلُّهَا نَوَافِلُ فَالْعَبْدُ مُخَيَّرٌ فِي إتْيَانِهَا (وَلَا يُقِرُّونَ) مِنْ الْإِقْرَارِ (بِفَرَائِضِ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ وَسَائِرِ الْفَرَائِضِ) كَالْحَجِّ، وَالْجِهَادِ تَخْصِيصٌ بَعْدَ التَّعْمِيمِ (وَيَقُولُونَ هَذِهِ) كُلُّ الْفَرَائِضِ، وَالْوَاجِبَاتِ (فَضَائِلُ مَنْ عَمِلَ بِهَا فَحَسَنٌ) يُثَابُ عَلَيْهِ (وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) مِنْ الْعَذَابِ، وَالْعِقَابِ (فَهَؤُلَاءِ أَيْضًا كُفَّارٌ) لِإِنْكَارِهِمْ النُّصُوصَ الْقَطْعِيَّةَ. (وَأَمَّا) (الْمُرْجِئَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نَتَوَلَّى) لَا نَتَّخِذُ أَوْلِيَاءَ (الْمُؤْمِنِينَ الْمُذْنِبِينَ وَلَا نَتَبَرَّأُ مِنْهُمْ) (فَهَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعَةُ) مُبْتَدَأٌ أَوْ خَبَرٌ فَالْأَوْلَى فَهَؤُلَاءِ

стр. 236

هُمْ الْمُبْتَدِعَةُ أَوْ مُبْتَدِعَةٌ (وَلَا تُخْرِجُهُمْ بِدْعَتُهُمْ مِنْ الْإِيمَانِ إلَى الْكُفْرِ) أَقُولُ الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبِدْعَةٍ إذْ ظَاهِرُهُ هُوَ الْبُغْضُ فِي اللَّهِ لِعِصْيَانِهِ بَلْ اللَّائِقُ عَدَمُ اتِّخَاذِ الْفُسَّاقِ أَوْلِيَاءَ وَأَنْ يَعْرِضَ كُلَّ الْإِعْرَاضِ كَمَا يَعْرِضُ عَنْ الْكُفَّارِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ بَعِيدٌ عَنْ ظَاهِرِهِ وَتَأْوِيلٌ لِجَلْبِ مَفْسَدَةٍ، وَالتَّأْوِيلُ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ. (وَأَمَّا) (الْمُرْجِئَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ نُرْجِئُ) أَيْ نُفَوِّضُ (أَمْرَ الْمُؤْمِنِينَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَا نُنْزِلُهُمْ) أَيْ لَا نَحْكُمُ بِأَنَّ لَهُمْ (جَنَّةً وَلَا نَارًا وَلَا نَتَبَرَّأُ مِنْهُمْ وَنَتَوَلَّاهُمْ) الظَّاهِرُ وَلَوْ فُسَّاقًا (فِي الدِّينِ فَهُمْ عَلَى السُّنَّةِ) فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَوْلِيَاءُ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ مِنْ السُّنَّةِ أَيْضًا الْإِعْرَاضُ عَنْ الْفَسَقَةِ، وَالظَّلَمَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣] إلَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّ هَذَا بِالنَّظَرِ إلَى أَصْلِ الْإِيمَانِ (فَالْزَمْ قَوْلَهُمْ، وَخُذْ بِهِ) صِيغَتَا أَمْرٍ. (وَأَمَّا) (الْخَوَارِجُ) (فَمَنْ لَمْ يَرُدَّ قَوْلَهُمْ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى) وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (وَكَانَ خَطَؤُهُمْ عَلَى وَجْهِ التَّأْوِيلِ) بِصَرْفٍ عَنْ ظَاهِرِهِ (يَتَأَوَّلُونَ أَنَّ الْأَعْمَالَ) أَيْ الصَّالِحَةَ (إيمَانٌ يَقُولُونَ إنَّ الصَّلَاةَ إيمَانٌ وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ، وَالزَّكَاةُ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْفَرَائِضِ، وَالطَّاعَاتِ) وَلَوْ نَوَافِلُ (فَمَنْ أَتَى بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) وَكَذَا سَائِرُ مَا عُلِمَ مَجِيئُهُ بِالضَّرُورَةِ (وَ) أَتَى بِفِعْلِ (جَمِيعِ الطَّاعَاتِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الطَّاعَاتِ) الْمَفْرُوضَةِ (كَفَرَ) لِفَقْدِ الْكُلِّ بِفَقْدِ جُزْئِهِ، وَمِنْ الطَّاعَاتِ تَرْكُ الْمَعَاصِي. وَأَمَّا النَّوَافِلُ فَلَعَلَّهَا مِنْ الْأَجْزَاءِ الْمُكَمِّلَةِ (وَيَقُولُونَ الزَّانِي يَكْفُرُ حِينَ يَزْنِي وَشَارِبُ الْخَمْرِ يَكْفُرُ حِينَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ) أَخْذًا بِظَوَاهِرِ نَحْوِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» وَ «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ» (وَكَذَا يَقُولُونَ فِي جَمِيعِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ) فَإِنَّهُ يَكْفُرُ حِينَ فِعْلِهِ (يُكَفِّرُونَ النَّاسَ) أَيْ الْمُسْلِمِينَ (بِتَرْكِ الْعَمَلِ) مِنْ فِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَتَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ (فَهَؤُلَاءِ تَأَوَّلُوا) الْأَخْبَارَ الشَّرْعِيَّةَ (وَأَخْطَئُوا) فِي تَأْوِيلِهِمْ (فَهُمْ مُبْتَدِعَةٌ) لَيْسُوا بِكَافِرِينَ لِكَوْنِ إكْفَارِهِمْ اغْتِرَارًا بِظَاهِرِ النَّصِّ لَا بِمُجَرَّدِ هَوًى لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا قَالُوا: إنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ تُكَفِّرُنَا فَنُكَفِّرُهُمْ وَأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ لَيْسَ بِكَافِرٍ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ هَذَا الْإِجْمَاعَ مِنْ الظَّنِّيِّ الَّذِي لَا يُكَفَّرُ جَاحِدُهُ (فَإِيَّاكَ وَقَوْلَهُمْ) وَتَبَاعَدْ وَاحْذَرْ عَنْهُ (وَلَا تَقُلْ بِقَوْلِهِمْ وَاجْتَنِبْهُمْ وَاحْذَرْهُمْ وَفَارِقْهُمْ وَخَالِفْهُمْ) إذْ حَالُ الْمُتَسَنِّنِ مَعَ الْمُبْتَدِعَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فَتَأَمَّلْ

стр. 237

مَا سَبَقَ. (وَأَمَّا) (مَنْ لَمْ يَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ) مِنْ الرَّوَافِضِ، وَالشِّيعَةِ وَيَرَوْنَ الْمَسْحَ عَلَى أَرْجُلِهِمْ عُرْيَانَةً (فَقَدْ رَغِبَ) أَعْرَضَ (عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ عِنْدَنَا مُبْتَدِعٌ) إنْ مُتَأَوِّلًا وَيُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرُ إنْ مُنْكِرًا لِكَوْنِ ثُبُوتِهِ قَرِيبًا إلَى التَّوَاتُرِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ يُنْكِرُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَيَكْفُرُ إنْ كَرَاهَةً لَهَا، وَقِيلَ إنْ كَسَلًا أَيْضًا (فَلَا تَتَّخِذْهُ إمَامًا فِي صَلَاتِك) فَإِنْ قِيلَ الْمُبْتَدِعُ لَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا وَقَدْ قَرَّرَ جَوَازَ إمَامَةِ الْفَاسِقِ قُلْنَا النَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ فَإِنَّ إمَامَتَهُ وَإِنْ جَائِزَةً فِي نَفْسِهَا لَكِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ وَقَدْ أُشِيرَ آنِفًا أَنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ الْمَسْحَ عَلَى الرِّجْلِ عُرْيَانَةً فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ أَوْ لِاحْتِمَالِ مَا يُوجِبُ تَكْفِيرَهُ وَحَمْلُ الْبِدْعَةِ عَلَى الْكُفْرِ بِهَذِهِ الْقَرِينَةِ بَعِيدٌ عَنْ حَلَاوَةِ السَّوْقِ (وَلَا تُوَقِّرْهُ) التَّوْقِيرُ التَّعْظِيمُ (وَلَا تَخْتَلِفْ إلَيْهِ) لَا تَرَدُّدٌ وَلَا تَخْتَلِطُ إلَيْهِ (فَإِنَّهُ صَاحِبُ بِدْعَتِهِ) وَصَاحِبُ الْبِدْعَةِ مِمَّنْ يَجِبُ إهَانَتُهُ وَبُغْضُهُ. قَالَ فِي الشِّرْعَةِ وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ مُفَاتَحَةِ الْقَدَرِيَّةِ بِالسَّلَامِ أَيْ أَنْ يَبْدَأَ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِمْ وَنَهَى عَنْ عِيَادَةِ مَرْضَاهُمْ وَشُهُودِ مَوْتَاهُمْ وَنَهَى عَنْ اسْتِمَاعِ كَلَامِ أَهْلِ الْبِدْعَةِ أَجْمَعِينَ فَإِنْ قَدَرْت عَلَى زَجْرِهِمْ بِأَشَدِّ الْقَوْلِ وَإِهَانَتِهِمْ بِأَبْلَغِ الْإِذْلَالِ فَافْعَلْ فَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ انْتَهَرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ مَلَأَ اللَّهُ قَلْبَهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا، وَمَنْ أَهَانَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ آمَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ» (انْتَهَى) كَلَامُ التتارخانية. ثُمَّ لَمَّا بَيَّنَ جُمْلَةَ مُعْتَقَدَاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَمَوَاضِعَ لُزُومِ الْكُفْرِ، وَالْإِكْفَارِ مِنْ فِرَقِ الْمُخَالِفِينَ نَبَّهَ عَلَى أَهَمِّيَّةِ مَرْتَبَةِ الْيَقِينِ فِي مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَعَظَّمَ الْخَطَرَ فِي عَدَمِ الِاسْتِيقَانِ مُحْتَجًّا بِشَوَاهِدَ تَصْلُحُ لِلِاعْتِبَارِ وَتَدْعُو لِلِانْزِجَارِ فَقَالَ (فَعَلَيْك أَيُّهَا السَّالِكُ) إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فِي طَرِيقِ اللَّهِ تَعَالَى (بِالْجِدِّ) أَيْ الِاجْتِهَادِ وَكَثْرَةِ السَّعْيِ (وَالتَّشْمِيرِ) عَنْ الْمِصْبَاحِ فِي الْأَصْلِ الِاجْتِهَادُ مَعَ السُّرْعَةِ (فِي تَحْصِيلِ الْيَقِينِ) بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ دُونَ التَّقْلِيدِ أَوْ بِالنَّظَرِ الْفَاسِدِ صُورَةً أَوْ مَادَّةً (بِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالْجَمَاعَةِ، وَالْإِذْعَانِ لَهُ) لِلْمَذْهَبِ الْمَذْكُورِ (وَغَايَةِ التَّيَقُّظِ) مِنْ غَبَاوَةِ الذُّهُولِ (وَالتَّنَبُّهِ) مِنْ نَوْمِ الْغَفْلَةِ (، وَالتَّضَرُّعِ) أَيْ التَّوَسُّلِ كَمَا قِيلَ. (وَالِاسْتِعَانَةِ بِاَللَّهِ تَعَالَى) فَإِنَّ الْأَمْرَ صَعْبٌ، وَالْخَطَرَ عَظِيمٌ، وَالنَّفْعَ جَسِيمٌ مَعَ عَدَمِ طَاقَةِ الْقُوَى الْإِنْسَانِيَّةِ وَعَدَمِ اسْتِقْلَالِهَا فِيهِ (حَتَّى لَا تَزِلَّ) مِنْ الزَّلَلِ هُوَ الْخَطَأُ (قَدَمُك) الْمَعْنَوِيَّةُ (وَلَا يَزُولَ اعْتِقَادُك) الْحَقَّ (بِإِضْلَالِ مُضِلٍّ) مِنْ شَيَاطِينِ الْجِنِّ، وَالْإِنْسِ (وَتَشْكِيكِ مُشَكِّكٍ) بِإِرَادَةِ شُبَهٍ فِي صُوَرِ أَدِلَّةٍ فَإِنَّ الْأَقْوَامَ بَعْدَمَا اهْتَدَوْا فِي حَقِّ الْمَقَامِ أَزَلُّوا فِي هَذَا الْبَابِ الْأَقْدَامَ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا وَمِنْ جُمْلَتِهِمْ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَإِنِّي قَدْ سَمِعْت) بِالذَّاتِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ بِقَدْرِ التَّحْقِيقِيَّةِ أَوْ بِوَاسِطَةٍ وَهِيَ

стр. 238

الْمُتَعَارَفَةُ الْغَالِبَةُ هَذَا يَصْلُحُ شَاهِدًا مُؤَبَّدًا لِمَا ذَكَرَهُ وَأَنَّ مَا ذَكَرَ لَيْسَ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ الْعَقْلِيَّةِ بَلْ مِنْ الْأُمُورِ الْوَاقِعَةِ. (عَنْ بَعْضِ مُتَصَوِّفَةِ) أَيْ مُظْهِرِ الصَّفْوَةِ وَلَيْسَ لَهُ صَفْوَةٌ أَوْ هُمْ مُتَصَوِّفَةٌ فِي اعْتِقَادِهِمْ وَعِنْدَ تَابِعِيهِمْ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَا عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ أَوْ الْإِطْلَاقُ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، وَالْكَوْنِ وَإِلَّا فَإِطْلَاقُ الْمُتَصَوِّفَةِ عَلَى أَمْثَالِهِمْ افْتِرَاءٌ مَحْضٌ وَأَيْنَ الثُّرَيَّا مِنْ يَدِ الْمُتَنَاوِلِ (زَمَانِنَا) وَهُوَ عَصْرُ التِّسْعِمِائَةِ لَكِنَّ وَفَاتَهُ إحْدَى وَثَمَانِينَ وَتِسْعَمِائَةٍ لَيْسَ هَذَا غِيبَةً بَلْ تَنْفِيرٌ لِلْغَيْرِ وَإِظْهَارُ بُغْضٍ فِي اللَّهِ (حُكِيَ عَنْ شَيْخِهِ) الْمُتَبَادَرُ بِلَا وَاسِطَةٍ (أَنَّ وَاحِدًا مِنْ أَقْرِبَائِهِ) نَسَبًا أَوْ صِهْرًا أَوْ خِدْمَةً وَتَرَدُّدًا بِالشَّيْخِ (يَرَى اللَّهَ) الظَّاهِرُ بِهِمَّةِ الشَّيْخِ (كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) بِنَظَرِ الْعَيْنِ يَعْنِي عَيْنَ الرَّأْسِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ. (وَأَنَّ مُوسَى ﵇ مَعَ كَوْنِهِ كَلِيمَ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ ذَلِكَ) وَحَمَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَمْ يَبْقَ لِلْإِنْكَارِ مَجَالٌ. رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - كُنَّا نَتَرَاءَى اللَّهَ تَعَالَى ثَمَّةَ أَيْ نَطْلُبُ رُؤْيَتَهُ الْقَلْبِيَّةَ بِحُضُورِ شُهُودِهِ ثَمَّةَ وَإِنَّ الْكَشْفَ، وَالتَّجَلِّيَ بِالْبَصِيرَةِ مُمْكِنٌ بَلْ وَاقِعٌ غَيْرُ مُنْكَرٍ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْبَاطِنُ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ» الْحَدِيثَ. وَقَوْلُهُ «إنَّ مِنْ الْعِلْمِ كَهَيْئَةِ الْمَكْنُونِ لَا يَصِلُهُ إلَّا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ» (وَقِيلَ لَهُ) مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] حِين طَلَبَ مُوسَى بِقَوْلِهِ ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] فَهُنَا أَرْبَعَةُ أُمُورٍ: رُؤْيَةُ الْبَصَرِ مِنْ مُوسَى وَمِنْ ذَلِكَ الْوَاحِدِ، وَرُؤْيَةُ الْبَصِيرَةِ مِنْهَا أَوْ الْبَصَرِ مِنْ مُوسَى، وَالْبَصِيرَةِ مِنْ الْوَاحِدِ، وَالْعَكْسُ فَالظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْبَصَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِ وَكَذَا الْبَصَرُ مِنْ جَانِبِ الْوَاحِدِ، وَالْبَصِيرَةُ مِنْ جَانِبِ مُوسَى. وَأَمَّا الْبَصِيرَةُ مِنْ الْوَاحِدِ، وَالْبَصَرُ مِنْ مُوسَى فَالظَّاهِرُ لَيْسَ بِكُفْرٍ لَكِنْ يَأْبَى عَنْهُ صَنِيعُ سَوْقِ ذَلِكَ الْمُتَصَوِّفِ وَإِنْ احْتَمَلَ فِي نَفْسِهِ وَأَمَّا الْبَصِيرَةُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَلَا يُجَابِهُ تَفْصِيلُ غَيْرِ النَّبِيِّ عَلَى النَّبِيِّ فَكُفْرٌ أَيْضًا (وَهَذَا الْكَلَامُ رُبَّمَا يَسْمَعُهُ الْغَافِلُ) إمَّا لِعَدَمِ عِلْمِ أَحْوَالِهِ تَعَالَى وَأَحْوَالِ النَّبِيِّ مَعَ غَيْرِهِ أَوْ لِعَدَمِ تَوَجُّهِهِ بِمَا فِي قَلْبِهِ مِنْ مَقَامَاتِ الْعَارِفِينَ (بَغْتَةً) مِنْ غَيْرِ سَبْقِ تَأَمُّلٍ يَعْنِي غَفْلَةً وَفَجْأَةً (فَيَظُنُّ أَنَّهُ صَحِيحٌ) ، وَالظَّنُّ خَطَأٌ فَضْلًا عَمَّا فَوْقَهُ مِنْ الِاعْتِقَادِ (أَوْ يَشُكُّ) فِي صِحَّتِهِ وَسَبَبُهُ الْغَالِبُ لِحُسْنِ الظَّنِّ بِالْمُدَّعِي الْقَائِلِ. (وَهَذَا) ، وَالْحَالُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ (تَفْضِيلٌ لِغَيْرِ النَّبِيِّ عَلَى مُوسَى ﵇) الَّذِي هُوَ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ (بَلْ عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ) أَمَّا عَلَى مُوسَى؛ لِأَنَّهُ نَالَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ مَا لَمْ يَنَلْهُ مُوسَى مَرَّةً وَاحِدَةً فِي عُمْرِهِ مَعَ قُوَّةِ حِرْصِهِ وَطَلَبِهِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا رُؤْيَةُ اللَّهِ وَإِنْ تَيَسَّرَ كَانَ لِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ اخْتِلَافِيٌّ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ (فَإِنَّ) (رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى) بِالْبَصَرِ (أَعْلَى الْمَرَاتِبِ) لَا مَرْتَبَةَ فَوْقَهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُوجَدُ بِالْقُرْبِ الْكَامِلِ إلَيْهِ تَعَالَى (وَلَمْ يَتَيَسَّرْ لِأَحَدٍ فِي الدُّنْيَا) ؛ لِأَنَّ الْبَصَرَ فَانٍ، وَالْحَقَّ بَاقٍ وَلَا يُرَى الْبَاقِي بِالْفَانِي. وَأَمَّا فِي الْقِيَامَةِ فَالْعَيْنُ بَاقٍ أَيْضًا فَيَرَى الْبَاقِيَ بِالْبَاقِي كَمَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ وَعَنْ الشَّيْخِ عَلْوَانَ فَكَذَبَ مُدَّعِي الرُّؤْيَةَ هُنَا بِمَا كَادَ أَنْ يُطْبِقَ عَلَيْهِ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ لَا سِيَّمَا مِمَّنْ يَكُونُ مُتَمَسِّكًا بِالْأَوْهَامِ غَيْرَ مُتَخَلِّقٍ وَلَا مُتَحَقِّقٍ بِقَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ فَفِسْقُهُ لِكَذِبِهِ وَافْتِرَائِهِ وَاضِحٌ انْتَهَى. (سِوَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ)

стр. 239

وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ هَلْ هُوَ بِالْبَصَرِ أَوْ بِالْبَصِيرَةِ عَلَى اخْتِلَافِ رِوَايَاتِ كِبَارِ الْأَصْحَابِ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ بِعَيْنِ الرَّأْسِ وَتَصْحِيحُ التَّفْتَازَانِيِّ تَصْحِيحٌ بِالْفُؤَادِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ. (وَقَدْ عَرَفْت فِيمَا سَبَقَ) فِي أَوَائِلِ هَذَا الْفَصْلِ (أَنَّ اعْتِقَادَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ) (الْوَلِيَّ) مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَوْ فِي أَعْلَى دَرَجَةِ الْقُرْبِ (لَا يَبْلُغُ دَرَجَةَ النَّبِيِّ) سِيَّمَا الرَّسُولُ خُصُوصًا أُولِي الْعَزْمِ قَالُوا: إنَّ آخِرَ مَقَامَاتِ الْوَلَايَةِ أَوَّلُ مَقَامَاتِ الصِّدِّيقِيَّةِ وَآخِرَ مَقَامَاتِ الصِّدِّيقِيَّةِ أَوَّلُ دَرَجَاتِ النَّبَوِيَّةِ وَآخِرَهَا أَوَّلُ دَرَجَاتِ الرِّسَالَةِ وَآخِرَهَا أَوَّلُ دَرَجَاتِ أُولِي الْعَزْمِ الَّذِينَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ مُوسَى ﵇ وَهُوَ لَمْ يَظْفَرْ بِالرُّؤْيَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ (فَضْلًا عَنْ أَنْ يَتَجَاوَزَهَا) إذْ مُقْتَضَى تِلْكَ الدَّعْوَى التَّجَاوُزُ لِمَرْتَبَةِ مُوسَى صَرِيحًا وَلِمَرَاتِبِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ الْتِزَامًا أَوْ دَلَالَةً. رُوِيَ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْبِسْطَامِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى رُؤْيَةَ مَقَامِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقِيلَ لَهُ إنَّكَ لَا تُطِيقُ؛ لِأَنَّ نُورَك ضَعِيفٌ فَأَلَحَّ فِي السُّؤَالِ. قَالَ أَبُو يَزِيدَ فَفَتَحَ لِي مِنْ ذَلِكَ خُرْمَ إبْرَةٍ فَلَمْ أُطِقْ الثُّبُوتَ عِنْدَ ذَلِكَ وَاحْتَرَقْت هَذَا قَوْلُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنْ قِيلَ قُرِّرَ فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَتَجَاسَرُ عَلَى الْكُفْرِ مَعَ احْتِمَالِ عَدَمِهِ وَلَوْ احْتِمَالًا ضَعِيفًا فَالْبَصَرُ مِنْ جَانِبِ مُوسَى. وَالْبَصِيرَةُ مِنْ جَانِبِ الْوَاحِدِ وَإِنْ لَمْ يُسَاعِدْهُ السَّوْقُ لَيْسَ بِكُفْرٍ كَمَا أُشِيرَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الْفَضْلَ كَمَا رُوِيَ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ الْمَشَايِخِ قِيلَ لَهُ لِمَ لَا تَمْشِي إلَى أَبِي يَزِيدَ فَتَرَاهُ فَقَالَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ رَأَيْت اللَّهَ وَأَغْنَانِي عَنْ أَبِي يَزِيدَ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ لَأَنْ تَرَى أَبَا يَزِيدَ مَرَّةً خَيْرٌ لَك مِنْ أَنْ تَرَى اللَّهَ أَلْفَ مَرَّةٍ ثُمَّ اتَّفَقَ لَهُ بَعْدَ زَمَانٍ رُؤْيَةُ أَبِي يَزِيدَ فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْمَرِيدُ مَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ فَقِيلَ لِأَبِي يَزِيدَ عَنْهُ فَقَالَ كَانَ الْحَقُّ عِنْدَهُ عَلَى قَدْرِهِ وَقَدْرُنَا أَعْظَمُ مِنْ قَدْرِهِ فَمَعْرِفَتُنَا بِاَللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ فَلَمَّا رَآنَا كَشَفَ اللَّهُ عَنْ بَصِيرَتِهِ فَرَأَى الْحَقَّ عَلَى قَدْرِنَا لَا عَلَى قَدْرِهِ فَلَمْ يُطِقْ فَمَاتَ. وَعَنْ الْإِحْيَاءِ قَالَ أَبُو تُرَابٍ النَّخْشَبِيُّ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: يَا غُلَامُ اذْهَبْ عِنْدَ أَبِي يَزِيدَ فَقَالَ لَيْسَ لِي عِنْدَهُ حَاجَةٌ لِأَنِّي أَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَقَالَ الشَّيْخُ لَأَنْ تَرَى أَبَا يَزِيدَ مَرَّةً أَحْسَنُ مِنْ أَنْ تَرَى اللَّهَ سَبْعِينَ مَرَّةً قُلْنَا فِي جَوَابِ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ قَوْلُهُ وَإِنَّ مُوسَى مَعَ كَوْنِهِ كَلِيمًا إلَى آخِرِهِ يَقْطَعُ عِرْقَ هَذَا الِاحْتِمَالِ إذْ هُوَ نَصٌّ فِي التَّفْضِيلِ وَآبٍ عَنْ التَّأْوِيلِ وَأَنَّ رُؤْيَةَ الْوَاحِدِ الْمَذْكُورِ كَالْغُلَامِ الْمَذْكُورِ تَارَةً لَا تَقْتَضِي عَدَمَ رُؤْيَةِ أَبِي يَزِيدَ أَوْ قِلَّتَهَا بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَهُ مُسْتَغْرِقٌ فِي لُجَّةِ بَحْرِ أَنْوَارِ الْقُدْسِ، وَالْمُشَاهَدَةِ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ وَمَا قِيلَ جَوَابًا عَنْ تَخْطِئَةِ الْمُصَنِّفِ عَلَى ذَلِكَ الْمُتَصَوِّفِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ الْمَنْفِيَّةُ عَنْ مُوسَى، وَالْمُثْبَتَةُ لِلْوَاحِدِ الْمَذْكُورِ مِنْ أَقْرِبَاءِ الشَّيْخِ هُمَا الرُّؤْيَةُ بِالْبَصِيرَةِ وَيَجُوزُ أَنْ نَيْلَ وَاحِدٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِحُكْمِ الْوِرَاثَةِ لِمُحَمَّدٍ ﵊ لِلرُّؤْيَةِ أَتَمُّ مِنْهَا لِلنَّبِيِّ فَالرُّؤْيَةُ الْقَلْبِيَّةُ الَّتِي لَمْ يَنَلْهَا مُوسَى بَعْدَ طَلَبِهَا يَجُوزُ أَنْ يَنَالَهَا وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِسَبَبِ اقْتِبَاسِهِ مِنْ مِشْكَاةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِهَذَا وَرَدَ أَنَّ مُوسَى ﵊ قَالَ يَا رَبِّ اجْعَلْنِي مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا رَأَى وَصْفَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَأُيِّدَ ذَلِكَ بِأَنَّ مَقَامَ نَبِيِّنَا جَامِعٌ لِمَقَامَاتِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ فَعِلْمُهُ أَكْثَرُ مِنْ عُلُومِهِمْ فَوَلِيٌّ مِنْ أَوْلِيَائِهِ يَعْلَمُ مَا لَمْ يَعْلَمْ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ بِحُكْمِ وِرَاثَتِهِ وَأَنَّ التَّقَدُّمَ فِي الْعِلْمِ، وَالسَّبْقَ فِيهِ لَا يَقْتَضِي السَّبْقَ فِي الْفَضْلِ كَهُدْهُدِ سُلَيْمَانَ ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢] . وَقِصَّةُ الْخَضِرِ مَعَ مُوسَى ﵉ مَعَ سَبْقِ مُوسَى فِي الْفَضْلِ بِلَا شَكٍّ قَدْ سَبَقَ الْخَضِرُ فِي الْعِلْمِ حَتَّى قَالَ مُوسَى ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] الْآيَاتِ فَخَطَأٌ ظَاهِرٌ وَعُذْرُهُ أَعْظَمُ مِنْ جِنَايَةِ ذَلِكَ الْمُتَصَوِّفِ إذْ مَقَامُ الرُّؤْيَةِ الْفُؤَادِيَّةِ كَالْبَصَرِيَّةِ يَقْتَضِي الْقُرْبِيَّةَ، وَالْأَفْضَلِيَّةُ لَيْسَتْ إلَّا بِالْأَقْرَبِيَّةِ فَيَلْزَمُهُ تَفْضِيلُ الْأُمَّةِ عَلَى النُّبُوَّةِ لُزُومًا بَيِّنًا فَيَلْزَمُهُ نَفْيُ مَا أَثْبَتَهُ صَرِيحًا بِقَوْلِهِ لَا يَقْتَضِي السَّبْقَ فِي الْفَضْلِ وَقِيَاسُهُ عَلَى الْعِلْمِ قِيَاسٌ فِقْهِيٌّ مَعَ الْفَارِقِ عَلَى أَنَّ أَمْرَ الْهُدْهُدِ لَيْسَ بِعِلْمٍ بَلْ خَبَرٍ عَمَّا يَرَاهُ وَلَمْ يَرَهُ سُلَيْمَانُ. وَأَمَّا حَدِيثُ الْخَضِرِ فَإِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَا كَلَامَ وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْخَضِرِ أَعْلَمَ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ بِإِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِحِكْمَةٍ كَوْنُهُ أَعْلَمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ مُوسَى أَعْلَمُ

стр. 240

فِي أُمُورِ النُّبُوَّةِ، وَالْخَضِرُ أَعْلَمُ بِأُمُورٍ أُخَرَ، وَالْفَضْلُ إنَّمَا هُوَ بِعِلْمِ النُّبُوَّةِ وَقَدْ قِيلَ إنَّ مَا فَعَلَهُ الْخَضِرُ ﵊ بِأَمْرِ نَبِيٍّ آخَرَ وَإِنْ ضَعُفَ، وَقِيلَ أَيْضًا إنَّمَا مَجِيءُ مُوسَى ﵊ إلَى الْخَضِرِ لِلتَّأْدِيبِ لَا لِلتَّعَلُّمِ. وَقَالَ بَعْضٌ إنَّ مُوسَى هَذَا غَيْرُ مَنْ كَانَ نَبِيًّا وَأَنْتَ تَعْلَمُ سَخَافَةَ بَاقِي كَلَامِهِ بِلَا احْتِيَاجٍ إلَى إيرَادِ كَلَامٍ لِإِبْطَالِ مَرَامِهِ وَبِالْجُمْلَةِ لَا يَخْلُو مَجْمُوعُ هَذَا الْكَلَامِ عَنْ لِحَاقِ شَيْنٍ وَازْدِرَاءٍ وَعَنْ التَّنْزِيلِ، وَالنَّقْصِ عَنْ الرُّتْبَةِ الْعَلِيَّةِ لِمُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَقَدْ ذَكَرَ) الشَّرِيفُ الْعَلَّامَةُ (فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ وَ) ذَكَرَ السَّعْدُ الْعَلَّامَةُ فِي (شَرْحِ الْمَقَاصِدِ) فِي التَّرْتِيبِ إيمَاءً إلَى تَفْضِيلِ الشَّرِيفِ عَلَى السَّعْدِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى عَكْسِهِ (أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ) بَلْ نَبِيٌّ وَاحِدٌ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْعَارِفِينَ أَنَّ الْوَلَايَةَ أَعْلَى مِنْ النُّبُوَّةِ فَقِيلَ فِي بَيَانِ مُرَادِهِ عَنْ الْمَعَارِفِ الْجَامِي إنَّ جِهَةَ وِلَايَةِ نَبِيٍّ أَعْلَى مِنْ جِهَةِ نُبُوَّةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ إذْ كُلُّ نَبِيٍّ لَا يَكُونُ نَبِيًّا مَا لَمْ يَكُنْ وَلِيًّا إذْ الْوَلَايَةُ كَسْبِيَّةٌ، وَالنُّبُوَّةُ وَهْبِيَّةٌ، وَالْكَسْبِيَّةُ أَفْضَلُ مِنْ الْوَهْبِيَّةِ بَلْ قِيلَ إنَّ النُّبُوَّةَ إنَّمَا تَحْصُلُ بِالتَّهَيُّؤِ، وَالِاسْتِعْدَادِ لَهَا وَذَلِكَ بِإِكْمَالِ الْوَلَايَةِ وَإِتْمَامِهَا فَدَرَجَةُ جِهَةِ الْوَلَايَةِ قُبَيْلَ وُقُوعِ النُّبُوَّةِ أَقْوَى وَأَكْمَلُ مِنْ دَرَجَاتِ سَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ كُلِّهَا إذْ وَلَايَتُهُمْ لَنْ تَعُدَّهُمْ إلَى النُّبُوَّةِ فَافْهَمْ. (وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ أَنَّ تَفْضِيلَ الْوَلِيِّ عَلَى النَّبِيِّ) فَضْلًا عَنْ الرَّسُولِ (كُفْرٌ وَضَلَالٌ) أَشَارَ إلَى عِلَّتِهِ بِقَوْلِهِ (كَيْفَ وَهُوَ تَحْقِيرٌ لِلنَّبِيِّ) هَذَا دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ (وَخَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ) دَلِيلٌ نَقْلِيٌّ وَإِطْلَاقُ الْإِجْمَاعِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كَمَالُهُ الَّذِي هُوَ الْقَطْعِيُّ دَلَالَةً وَثُبُوتًا كَمَا قَالَ الْإِمَامُ الْبَزَّازِيُّ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ الْأَصْلُ أَنَّ الْمُطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَمَالِ الْخَالِي عَنْ الْعَوَارِضِ الْمَانِعَةِ مِنْ الْجَوَازِ. (وَسَمِعْت عَنْ بَعْضِ الْخَلْوَتِيَّةِ) الصُّوفِيَّةُ قِيلَ الْقِيَاسُ خَلْوِيٌّ، وَالْخَلْوَتِيَّةُ مِنْ الْغَلَطِ الْمَشْهُورِ يُمْكِنُ أَنْ يُشَارَ بِالتَّقْيِيدِ بِالْبَعْضِ إلَى أَنَّ مُطْلَقَ الْخَلْوَتِيَّةِ لَيْسُوا بِقَائِلِينَ بِجِنْسِ هَذِهِ الْفُحْشِيَّاتِ فَالذَّمُّ مُخْتَصٌّ بِالْبَعْضِ لَا بِالْكُلِّ (أَنَّ مَا عَدَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يَبْلُغُوا) فِي مَقَامِ الْكَشْفِ، وَالشُّهُودِ (مَرْتَبَةَ الِاسْمِ السَّابِعِ) الَّذِي وَقَعَ فِي تَرْتِيبِهِمْ (بَلْ وَقَفُوا فِي السَّادِسِ، وَلَمْ يَتَجَاوَزُهُ وَإِنَّا) مَعَاشِرَ الصُّوفِيَّةِ أَوْ الْخَلْوَتِيَّةِ (قَدْ جَاوَزْنَاهُ) أَيْ السَّادِسَ بِالْوُصُولِ إلَى السَّابِعِ وَثُبُوتُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ إمَّا بِدَعْوَى الْكَشْفِ أَوْ بِادِّعَاءِ آثَارٍ وَأَخْبَارٍ أَوْ إشَارَةِ قُرْآنٍ. (وَهَذَا) الْكَلَامُ (مِثْلُ الْأَوَّلِ) فِي كَوْنِهِ كُفْرًا وَضَلَالًا وَتَحْقِيرًا، وَخَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ ذَوْقَ ذَلِكَ الِاسْمِ مِنْ أَطْوَارِ الْوَلَايَةِ لَا مِنْ مَقَامَاتِ النُّبُوَّةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ لِلْوَلِيِّ بِوِرَاثَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِلْمَ وَلَايَةٍ لَا يَحْصُلُ لِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ فِي مَقَامِ وَلَايَتِهِمْ، وَإِنْ حَصَلَ فِي مَقَامِ نُبُوَّاتِهِمْ مَا لَمْ يَحْصُلْ لِجَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ كَلَامٌ خَالٍ عَنْ التَّحْصِيلِ كَمَا مَرَّ قَرِيبًا وَعَرَفْت أَيْضًا أَنَّ وَلَايَةَ كُلِّ نَبِيٍّ فِي الْكَمَالِ فَوْقَ وَلَايَةِ كُلِّ وَلِيٍّ وَأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ ذَلِكَ هُوَ الْإِطْلَاقُ لَا التَّفْصِيلُ وَأَنَّ مِثْلَ هَذَا الِاحْتِمَالِ الْوَاهِي لَوْ كَانَ مَدَارًا لِلْخَلَاصِ عَنْ الْكُفْرِ لَمْ يَبْقَ لِمَا ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ الرِّدَّةِ مِنْ أَلْفَاظِ الْكُفْرِ مَحَلٌّ يَقَعُ بَلْ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ الْغَيْرِ الْوَاقِعَةِ أَصْلًا هَذَا وَلَوْ حَمَلَ مُرَادَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنَّا قَدْ جَاوَزْنَا يَعْنِي جَاوَزْنَا مَعَ نَبِيِّنَا، وَالْمُتَجَاوِزُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ نَبِيُّنَا وَكَانَ الْحُكْمُ فِي الْمَجْمُوعِ بِسَبَبِ وُجُودِهِ فِي بَعْضِ أَجْزَائِهِ لَأَمْكَنَ عَدَمُ الْكُفْرِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ أَيْضًا. (وَقَالَ) أَيْ الْقَائِلُ الْمَذْكُورُ مِنْ الْخَلْوَتِيَّةِ (إنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الْإِرْشَادِ) إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَضْلًا عَنْ سَائِرِ الْأَصْحَابِ يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ (وَإِنَّا نَتَجَاوَزُ مَرْتَبَةَ الْأَصْحَابِ) أَيْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

стр. 241

وَمَا قِيلَ إنَّ الْإِرْشَادَ بِكَثْرَةِ الْعِلْمِ وَفَضْلِ الصِّدِّيقِ عَلَى الْجَمِيعِ إنَّمَا هُوَ بِجِهَةِ غَيْرِ الْعِلْمِ فَمَزِيَّةُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ بِالْعِلْمِ لَا تُوجِبُ مَزِيَّةَ فَضْلِهِ عَلَيْهِ كَبَابِ مَدِينَةِ الْعِلْمِ مَعَ كَوْنِهِ أَعْلَمَ مِنْ الصِّدِّيقِ كَانَ الصِّدِّيقُ أَفْضَلَ مِنْهُ فَلَا يُخْفَى مَا فِيهِ مِنْ السَّخَافَةِ إذْ دَعْوَاهُمْ فِي مَرْتَبَةِ الْإِرْشَادِ كَانَ بِأَمْرٍ غَيْرِ الْعِلْمِ كَتَصْفِيَةِ الْبَاطِنِ وَتَجْلِيَةِ الرُّوحِ، وَالْوُصُولِ فِي مَقَامٍ مِنْ مَقَامَاتِ الْقُرْبِ الْإِلَهِيِّ. وَالْقَوْلُ حِكَايَةٌ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ قَالَ قَدْ يُوجَدُ فِي غَيْرِ الصَّحَابِيِّ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ بَعْدَ تَسْلِيمِ ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَوَامِّ الصَّحَابَةِ، وَالْكَلَامُ مَعَ أَخَصِّ خَوَاصِّهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فَتَعَيَّنَ التَّأْوِيلُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ تَحَمُّلِ الْمَقَامِ وَاحْتِمَالِ الْكَلَامِ لَا عِنْدَ تَدَاعِي الْقَرَائِنِ عَلَى سَدِّ التَّأْوِيل. (وَهَذَا) فِي حَقِّ أَبِي بَكْرٍ (قَدْحٌ فِي أَفْضَلِ الْأَوْلِيَاءِ) لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ فَقَطْ بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ (وَطَعْنٌ فِي أَفَاضِلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ) عَامَّةِ الصَّحَابَةِ، وَالْأَوَّلُ بِطَرِيقِ الْعِبَارَةِ وَمَدْلُولٍ مُطَابِقِيٍّ، وَالثَّانِي بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ، وَالْتِزَامِيٍّ (بَلْ) طَعْنٌ (فِي سَيِّدِنَا وَسَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ رَسُولِ اللَّهِ وَحَبِيبِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِاسْتِلْزَامِ هَذَا الْكَلَامِ دَعْوَى الْمُسَاوَاةِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْبُلُوغِ إلَى مَرْتَبَةِ الِاسْمِ السَّابِعِ. وَقِيلَ لِاسْتِلْزَامِهِ كَذِبَ النَّبِيِّ فِي خَبَرِهِ بِأَنَّ النَّبِيَّ وَالصَّحَابِيَّ أَفْضَلُ مِمَّنْ سِوَاهُمْ (وَقَدْ خَرَّجَ خ م عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -) لَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ عِمْرَانَ وَإِنْ كَانَ قَدِيمًا فِي الْإِسْلَامِ وَغَزَا مَعَهُ غَزَوَاتٍ وَمِنْ فُضَلَاءِ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ وَكَانَتْ الْمَلَائِكَةُ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ إلَى أَنْ اكْتَوَى لِمَرَضٍ فَانْقَطَعَ تَسْلِيمُهُمْ فَأَبَى عَنْ الِاكْتِوَاءِ فَأَعَادُوا السَّلَامَ لَكِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَقْدَمُ مِنْهُ سَادِسُ الْإِسْلَامِ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَجَمِيعَ الْمَشَاهِدِ وَصَاحِبُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَاحِبُ وِسَادِهِ وَسِوَاكِهِ وَنَعْلَيْهِ، وَأَفْقَهُ الصَّحَابَةِ وَأَعْلَمُهُمْ وَأَزْهَدُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ تَرَدُّدًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى عُدَّ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ وَلَا أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ وَرِوَايَتُهُ ثَمَانُمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا، وَرِوَايَةُ عِمْرَانَ مِائَةٌ وَثَمَانُونَ (أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» أَيْ عَصْرِي مِنْ الِاقْتِرَانِ يَعْنِي أَصْحَابِي أَوْ مَنْ رَآنِي أَوْ مَنْ كَانَ حَيًّا فِي عَهْدِي وَمُدَّتُهُمْ مِنْ الْبَعْثِ نَحْوَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً سُمِّيَتْ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ قَرْنًا لِتَقَدُّمِهَا الَّتِي بَعْدَهَا كَذَا فِي الْمُنَاوِيِّ وَقِيلَ الْقَرْنُ أَرْبَعُونَ سَنَةً أَوْ عَشْرٌ أَوْ عِشْرُونَ أَوْ ثَلَاثُونَ أَوْ خَمْسُونَ أَوْ سِتُّونَ أَوْ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ أَوْ مِائَةٌ أَوْ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِغُلَامٍ عِشْ قَرْنًا فَعَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ» كَذَا فِي الْقَامُوسِ انْتَهَى لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ هُنَا مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي إلَّا أَقَلُّهَا «ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» أَيْ يَقْرَبُونَ مِنْهُمْ وَهُمْ التَّابِعُونَ وَهُمْ مِنْ مِائَةٍ إلَى نَحْو تِسْعِينَ «ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ وَهُمْ إلَى حُدُودِ الْعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ. قَالَ الْمُنَاوِيُّ ثُمَّ ظَهَرَتْ الْبِدَعُ وَأَطْلَقَتْ الْمُعْتَزِلَةُ أَلْسِنَتَهَا وَرَفَعَتْ الْفَلَاسِفَةُ رُءُوسَهَا وَلَمْ يَزَلْ الْأَمْرُ فِي نَقْصٍ إلَى الْآنَ ( «ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ» يَظْهَرُ وَيَشِيعُ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ لَا خَيْرَ فِيهِمْ» ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «، وَالْقَرْنُ الرَّابِعُ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمْ شَيْئًا فَلَا تَعْتَمِدُوا أَقْوَالَهُمْ وَأَفْعَالَهُمْ» إذْ شَأْنُ الْكَذِبِ عَدَمُ الِاعْتِمَادِ، وَالِاغْتِنَاءِ بِهِ؛ لِأَنَّ غَالِبَهَا بِدَعٌ وَضَلَالَاتٌ وَقَدْ وَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ كَمَا فِي حَدِيثٍ «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ»

стр. 242

الْحَدِيثَ. لَعَلَّ الْحُكْمَ بِالْأَكْثَرِ وَالْأَغْلَبِ فِي هَذِهِ الْقُرُونِ وَإِلَّا فَمَا ظَهَرَ مِنْ الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ مِنْ الْقَرْنِ الثَّانِي، وَالثَّالِثِ كَزَمَانِ يَزِيدَ وَالْحَجَّاجِ، وَمَا ظَهَرَ مِنْ الرَّابِعِ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الْمَشَايِخِ وَالْعُلَمَاءِ الْمُجْمَعِ عَلَى اسْتِقَامَتِهِمْ وَصَلَاحِهِمْ وَعَدَالَتِهِمْ إلَى يَوْمِنَا هَذَا يَشْكُلُ عَلَى الْحَدِيثِ ثُمَّ إنَّمَا كَانَ قَرْنُهُ خَيْرَ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُمْ آمَنُوا بِهِ حِينَ كَفَرَ النَّاسُ وَصَدَّقُوهُ حِينَ كَذَّبُوهُ وَنَصَرُوهُ حِين خَذَلُوهُ وَجَاهَدُوا وَآوَوْا وَنَصَرُوا وَتَنَوَّرُوا بِأَنْوَارِ النُّبُوَّةِ. ثُمَّ الظَّاهِرُ مِنْ إتْيَانِ الْحَدِيثِ إثْبَاتُ لُزُومِ الْقَدْحِ فِي سَيِّدِنَا مِنْ حَيْثُ لُزُومُ الْكَذِبِ فِي خَبَرِهِ وَإِثْبَاتُ كَوْنِ الصَّحَابَةِ أَفَاضِلَ الْأُمَّةِ إذْ الْخَيْرِيَّةُ فِي قَرْنِهِ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْفَضْلِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ إنَّمَا يَتِمُّ إذَا كَانَتْ الْأَفْضَلِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَفْرَادِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ شُرَّاحِ الْحَدِيثِ. وَأَمَّا إذَا كَانَتْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَجْمُوعِ كَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَعَنْ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّ مَنْ قَاتَلَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ فِي زَمَنِهِ بِأَمْرِهِ أَوْ أَنْفَقَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ بِسَبَبِهِ لَا يَعْدِلُهُ فِي الْفَضْلِ أَحَدٌ بَعْدَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ فَلَا يَتِمُّ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقَعْ لَهُ ذَلِكَ فَمَحَلُّ بَحْثٍ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ التَّابِعِيُّ الْكَبِيرُ الْمُجْمَعُ عَلَى جَلَالَتِهِ وَإِمَامَتِهِ لَقَدْ أَدْرَكْنَا أَقْوَامًا يُرِيدُ الصَّحَابَةَ كُنَّا فِي جَنْبِهِمْ لُصُوصًا (وَخَرَجَ م عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) وَعَنْ أَبَوَيْهَا « (أَنَّهُ سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ قَالَ) - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِمْ) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِيهِ بَدَلُ فِيهِمْ وَهُمْ الصَّحَابَةُ. (ثُمَّ الثَّانِي) التَّابِعُونَ (ثُمَّ الثَّالِثُ) » أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ (وَخَرَّجَا) أَيْ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ خَرَّجَا خ م فَالظَّاهِرُ مِنْ سَهْوِ النَّاسِخِ وَإِنْ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ بَعْضُ الشَّارِحِينَ فَأَخَذَهُ (عَنْ) أَبِي سَعِيدٍ (الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي» ، وَفِي الْمَشَارِقِ عَلَى رَمْزِ مُسْلِمٍ فَقَطْ عَلَى تَكْرَارِ هَذَا الْقَوْلِ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ تَكْرَارُهُ لِلتَّأْكِيدِ وَلِغَايَةِ قُبْحِ سَبِّهِمْ قَالَ الْجُمْهُورُ مَنْ سَبَّ أَحَدًا مِنْهُمْ يُعَزَّرُ وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ يُقْتَلُ. وَفِي فَتَاوَى أَبِي السُّعُودِ فِيمَنْ اسْتَفْتَى عَنْ سَبِّ مُعَاوِيَةَ وَطَعْنِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَجَابَ بِالضَّرْبِ الشَّدِيدِ، وَالْحَبْسِ عَلَى التَّأْبِيدِ إلَى أَنْ يُظْهِرَ سِيمَاءَ الصَّلَاحِ، وَالتَّوْبَةَ الصَّادِقَةَ «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ» أَيْ كُلَّ أَحَدٍ مِنْكُمْ «لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا» يَعْنِي لَوْ تَصَدَّقَ ذَهَبًا مِقْدَارَ جَبَلِ أُحَدٍ ( «مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ» بِضَمِّ الْمِيم. وَرُوِيَ بِفَتْحِهَا رُبْعُ الصَّاعِ ( «وَلَا نَصِيفُهُ» وَهُوَ لُغَةٌ فِي النِّصْفِ كَالْخَمِيسِ فِي الْخَمْسِ وَقِيلَ النَّصِيفُ مِكْيَالٌ أَيْضًا دُونَ الْمُدِّ يَعْنِي تَصَدُّقُ قَدْرَ الْمُدِّ مِنْ الطَّعَامِ مِنْ الصَّحَابَةِ أَفْضَلُ مِنْ تَصَدُّقِ ذَهَبٍ مِثْلِ أُحُدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ إنْفَاقَهُمْ بِصِدْقِ النِّيَّةِ وَمَزِيدِ الْإِخْلَاصِ مَعَ مَا كَانُوا فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ وَكَثْرَةِ الْحَاجَةِ إلَى نُصْرَةِ الدَّيْنِ وَهَذَا مَعْدُومٌ بِعَدَمِهِمْ وَكَذَا سَائِرُ طَاعَاتِهِمْ. فَإِنْ قُلْت الْمُخَاطَبُونَ إنْ كَانُوا الصَّحَابَةَ فَغَيْرُ مُسْتَقِيمٍ وَإِنْ كَانُوا مَنْ بَعْدَهُمْ فَهُمْ غَيْرُ مَوْجُودِينَ قُلْت يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ مِنْ الْعَوَامّ الَّذِينَ لَمْ يُصَاحِبُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُفْهَمُ مِنْهُ خِطَابُ مَنْ بَعْدَهُمْ بِدَلَالَةِ النَّصِّ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْخِطَابَ يُوجِبُ الرُّؤْيَةَ، وَالرُّؤْيَةُ تُوجِبُ الصُّحْبَةَ فَيَرْجِعُ إلَى الشِّقِّ الْأَوَّلِ الَّذِي حُكِمَ فِيهِ بِعَدَمِ الِاسْتِقَامَةِ وَكَذَا مَا أُجِيبَ عَنْهُ أَيْضًا بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِعَوَامِّ الصَّحَابَةِ أَوْ مَعَ صِغَارِ الصَّحَابَةِ أَوْ مَعَ الَّذِينَ سَيُوجَدُونَ وَأَكْثَرُ الشَّرَائِعِ عَلَى هَذَا النَّهْجِ وَقَدْ قِيلَ فِي سَبَبِ وُرُودِ هَذَا الْحَدِيثِ «كَانَ

стр. 243

بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَبَيْنَ خَالِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - شَيْءٌ فَسَبَّهُ خَالِدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تَسُبُّوا» . إلَى آخِرِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ خَالِدًا مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ حَتَّى سَمَّاهُ ﷺ سَيْفَ اللَّهِ وَسَيْفَ الْأَرْضِ وَبَعَثَهُ فِي سَرَايَا وَشَهِدَ مَعَهُ غَزَوَاتِ الْفَتْحِ وَحُنَيْنٍ وَتَبُوكَ وَحَجَّةَ الْوَدَاعِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ مِنْ الْمُخَاطَبِينَ مُتَأَخِّرُو الصَّحَابَةِ وَعَوَامُّهُمْ مَعَ مُطْلَقِ مَنْ بَعْدَهُمْ وَمِنْ الصَّحَابَةِ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ وَمَنْ نَزَلَ فِي فَضْلِهِمْ وَتَبْرِئَتِهِمْ الْقُرْآنُ كَأَهْلِ بَدْرٍ بِقَرِينَةِ سَبَبِ وُرُودِ الْحَدِيثِ فَتَأَمَّلْ. (وَخَرَّجَ ت) التِّرْمِذِيُّ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «اللَّهَ اللَّهَ فِي» حَقِّ «أَصْحَابِي» أَيْ: اتَّقُوا اللَّهَ فِيهِمْ وَلَا تَلْمِزُوهُمْ بِسُوءٍ أَوْ اُذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِمْ وَفِي تَعْظِيمِهِمْ، وَالتَّكْرِيرُ لِلْإِيذَانِ بِمَزِيدِ الْحَثِّ عَلَى الْكَفِّ عَنْ التَّعَرُّضِ لَهُمْ بِمُقْتَضٍ فَلَا يُنْظَرُ إلَى الْمُخَالَفَاتِ الِاجْتِهَادِيَّةِ، وَالْحُرُوبِ الْمُنْبَعِثَةِ عَنْ الْحَمِيَّةِ الدِّينِيَّةِ فِي نُصْرَةِ الْأَحْكَامِ. ( «لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا» بِمُعْجَمَةٍ هَدَفًا تَرْمُوهُمْ بِقَبِيحِ الْكَلَامِ فَتَشْبِيهٌ بَلِيغٌ «مِنْ بَعْدِي فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أُحِبُّهُمْ» أَيْ فَبِسَبَبِ حُبِّي لَهُ أَوْ حُبِّي إيَّاهُمْ فَإِنَّ مَنْ أَحَبَّ أَحَدًا أَحَبَّ جَمِيعَ مَنْ يُحِبُّهُ ذَلِكَ «وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي» فَبِسَبَبِ بُغْضِهِ إيَّايَ «أَبْغَضُهُمْ» يَعْنِي إنَّمَا أَبْغَضُهُمْ لِبُغْضِهِ إيَّايَ «وَمَنْ آذَاهُمْ» بِمُطْلَقِ مَا يَسُؤْهُمْ وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ فَإِنَّ الْأَمْوَاتَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى بِهِ الْأَحْيَاءُ. «فَقَدْ آذَانِي» فَإِنَّ الْحَبِيبَ يَتَأَذَّى بِمَا يَتَأَذَّى بِهِ حَبِيبُهُ وَبِإِذَائِهِ «وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ تَعَالَى» ؛ لِأَنَّ تَعْظِيمَ الرَّسُولِ تَعْظِيمُ مُرْسِلِهِ وَكَذَا أَذَاهُ «وَمَنْ آذَى اللَّهَ تَعَالَى فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ» أَيْ يُسْرِعَ انْتِزَاعِ رُوحِهِ أَخْذَةَ غَضْبَانَ مُنْتَقِمٍ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ جَبَّارٍ قَهَّارٍ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣]- هَذَا عُدَّ مِنْ بَاهِرِ مُعْجِزَاتِهِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ بَعْدَ انْتِقَالِهِ مِنْ ظُهُورِ الْبِدَعِ وَإِيذَاءِ الْبَعْضِ لِحُبِّ بَعْضٍ آخَرَ. قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ (تَتِمَّةٌ) اُخْتُلِفَ فِي سَابِّ الصَّحَابَةِ فَقَالَ عِيَاضٌ قَالَ الْجُمْهُورُ يُعَزَّرُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ يُقْتَلُ وَخَصَّ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ ذَلِكَ بِالشَّيْخَيْنِ، وَالْحَسَنَيْنِ فَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَجْهَيْنِ، وَقَوَّاهُ السُّبْكِيُّ فِيمَنْ كَفَّرَ الشَّيْخَيْنِ وَمَنْ كَفَّرَ مَنْ صَرَّحَ الْمُصْطَفَى بِإِيمَانِهِ أَوْ تَبْشِيرِهِ بِالْجَنَّةِ وَأَطْلَقَ الْجُمْهُورُ التَّعْزِيرَ انْتَهَى. قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: سَبُّ الشَّيْخَيْنِ وَلَعْنُهُمَا كُفْرٌ وَتَفْضِيلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا ابْتِدَاعٌ وَكُلُّ كَافِرٍ تَابَ فَتَوْبَتُهُ مَقْبُولَةٌ إلَّا الْكَافِرَ بِسَبِّ نَبِيٍّ أَوْ بِسَبِّ الشَّيْخَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا (وَخَرَّجَ ت عَنْ أَنَسٍ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - « (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -) أَيْ أَخْبَرَ عَنْهُمَا» أَوْ قَالَ لَهُمَا ( «هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ» جَمْعُ كَهْلٍ مَنْ خَطَّهُ الشَّيْبُ أَوْ مَنْ جَاوَزَ الثَّلَاثِينَ وَأَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ إلَى إحْدَى وَخَمْسِينَ «أَهْلِ الْجَنَّةِ» وَجْهُ الْكُهُولَةِ إمَّا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِمَا كَهْلَيْنِ عِنْدَ وُرُودِ هَذَا الْأَثَرِ أَوْ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَا عَلَيْهِ عِنْدَ خُرُوجِهِمَا مِنْ الدُّنْيَا كَمَا قِيلَ أَوْ كَمَا أَنَّ الْكُهُولَةَ أَمْرٌ وَسَطٌ بَيْنَ الشَّبَابِ، وَالشَّيْبِ كَذَلِكَ فَضْلُهُمَا مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ فَضْلِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ وَإِلَّا فَأَهْلُ الْجَنَّةِ جُرْدٌ مُرْدٌ أَبْنَاءُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ عَلَى سَمْتِ آدَمَ وَصُورَةِ يُوسُفَ وَقَلْبِ أَيُّوبَ وَلَوْ سِقْطًا أَوْ شَيْخًا هَرَمًا فَانِيًا. «مِنْ الْأَوَّلِينَ» بَيَانٌ لِلْكُهُولِ «وَالْآخِرِينَ

стр. 244

إلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِهِمَا عَلَى أَوْلِيَاءِ جَمِيعِ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ وَلَوْ هُمْ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِي نُبُوَّتِهِمْ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ نُبُوَّتِهِمْ وَقَدْ نَصَّ الْقُرْآنُ فِي مَوَاضِعِهِ بِمَا يُشْعِرُ فَضْلَهُ فَافْهَمْ (وَخَرَّجَ ت عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا وَلَهُ وَزِيرَانِ» الْوَزِيرُ وَلِيُّ الْعَهْدِ وَيَحْمِلُ الثِّقَلَ وَيُعِينُ بِالرَّأْيِ «مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَوَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ فَجَبْرَائِيلُ وَمِيكَائِيلُ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -» . «وَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لَعَلَّ هَذَا تَمْثِيلٌ لِرُتْبَةِ الشَّرَفِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَوَاقِي إذْ حَاصِلُ الْوَزَارَةِ التَّبَعِيَّةُ، وَالْإِعَانَةُ فَإِعَانَةُ أَبِي بَكْرٍ بِكَوْنِهِ سَابِقًا فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى صَارَ كَثِيرٌ مِنْ أَعْيَانِ كِبَارِ الْأَصْحَابِ أَسْلَمُوا بِإِشَارَتِهِ وَإِعَانَةُ عُمَرَ بِظُهُورِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَهُمَا كَانَا خَلِيفَةً بَعْدَ وَفَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِعَانَةُ جَبْرَائِيلَ ظَاهِرَةٌ. وَأَمَّا إعَانَةُ مِيكَائِيلَ فَلَعَلَّهُ فِي الْإِعَانَةِ فِي الْحُرُوبِ عِنْدَ إمْدَادِهِ تَعَالَى بِالْمَلَائِكَةِ أَوْ يُقَالُ هُمَا وِزَارَتُهُمَا فِي مَصَالِحِ الْمَلَكُوتِ، وَالْجَبَرُوتِ يَعْنِي فِي الْأُمُورِ الَّتِي بَيْنَهُ ﷺ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَوِزَارَةُ الْعُمُرَيْنِ فِيمَا بَيْنَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ أُمَّتِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (وَخَرَّجَ خ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ) بْنِ الْإِمَامِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ غَيْرِ فَاطِمَةَ مِنْ جَارِيَةٍ أَخَذَهَا عَلِيٌّ مِنْ سَبْيِ بَنِي حَنِيفَةَ جَمَاعَةِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَيُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ الْأَكْبَرُ وَلِابْنٍ آخَرَ مُحَمَّدٌ الْأَوْسَطُ وَلِآخَرَ لَهُ مُحَمَّدٌ الْأَصْغَرُ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ بِاسْمِ مُحَمَّدٍ لَعَلَّ لِغَايَةِ الْفَضْلِ فِي اسْمِ مُحَمَّدٍ كَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ وَإِنْ طَعَنَهُ بَعْضُهُمْ. وَيُقَالُ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ الْوَلَدِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ ذَكَرًا وَتِسْعَ عَشْرَةَ أُنْثَى (قُلْت لِأَبِي) يَعْنِي عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - (أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ قُلْت ثُمَّ مَنْ قَالَ عُمَرُ وَخَشِيت أَنْ أَقُولَ ثُمَّ مَنْ فَيَقُولَ عُثْمَانُ قُلْت ثُمَّ أَنْتَ قَالَ مَا أَنَا إلَّا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) وَقَعَتْ الرِّوَايَةُ فِي بَحْرِ الْكَلَامِ هَكَذَا أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ مَنْ خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ عُمَرُ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ عُثْمَانُ قَالَ ثُمَّ مَنْ فَسَكَتَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فَقَالَ لَوْ شِئْت لَأَنْبَأْتُكُمْ بِالرَّابِعِ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ أَنْتَ قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَبُوك امْرُؤٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا سَكَتَ لِئَلَّا يُرِدْ مَدْحَ نَفْسِهِ وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي تَفْصِيلِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ مَعَ الْإِجْمَاعِ فِي الْأَوَّلَيْنِ، وَالِاخْتِلَافُ فِي الْآخِرِينَ مَعَ كَوْنِ الْأَكْثَرِ، وَالْأَصَحِّ تَقْدِيمُ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَلَى وَفْقِ هَذَا التَّرْتِيبِ. (وَخَرَّجَ ت عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) وَعَنْ أَبَوَيْهَا (أَنَّهَا قَالَتْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَا يَنْبَغِي لِقَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ» ؛ لِأَنَّ مَدَارَ الْإِمَامَةِ عَلَى الْفَضِيلَةِ فَمَنْ هُوَ أَفْضَلُ فَهُوَ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ كَمَا فَصَّلْت فِي الْفِقْهِيَّةِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْجَمِيعِ كَمَا تَقَدَّمَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُشَارَ مِنْهُ الْإِمَامَةُ بِمَعْنَى الْخِلَافَةِ فَإِنْ قِيلَ قَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ فَيَلْزَمُ تَقْدِيمُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْإِمَامَةِ قُلْت قَرَّرَ فِيهِ أَيْضًا تَخْصِيصَ الْعَامِّ بِالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ إذْ لَفْظُ قَوْمٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ

стр. 245

الْعُمُومُ فَلَا إشْكَالَ أَصْلًا ثُمَّ إنَّهُ لِهَذَا عَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْإِمَامَةِ فِي مَرَضِهِ فَلَمَّا أَمَّ عُمَرُ وَصَلَّى بِالنَّاسِ أَعَادُوا صَلَاتَهُمْ بِإِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ أَنَّهُ «لَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَاهُ بِلَالٌ إلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ ﵊ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ غَائِبٌ وَعُمَرُ فِي النَّاسِ فَقُلْت يَا عُمَرُ قُمْ فَصَلِّ بِالنَّاسِ فَتَقَدَّمَ فَكَبَّرَ فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَوْتَهُ قَالَ فَأَيْنَ أَبُو بَكْرٍ يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ، فَبَعَثَ إلَى أَبِي بَكْرٍ فَجَاءَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى بِهِمْ عُمَرُ تِلْكَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ» وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ «حِينَ سَمِعَ صَوْتَ عُمَرَ خَرَجَ حَتَّى أَطْلَعَ رَأْسَهُ مِنْ حُجْرَتِهِ ثُمَّ قَالَ لَا لَا لَا لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ يَقُولُ ذَلِكَ مُغْضَبًا» . وَفِي بَحْرِ الْكَلَامِ فِي بَحْثِ الْخِلَافَةِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ حِينَ الْمُشَاوَرَةِ ظَنَنْت أَنَّ عَلِيًّا يَصْلُحُ لِذَلِكَ فَأَرَدْت أَنْ أُتَابِعَ فَقَامَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَسَلَّ سَيْفَهُ وَقَالَ قُمْ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ: فَمَنْ ذَا الَّذِي يُؤَخِّرُك عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ خَلِيفَةً وَلَمْ يَأْمُرْنِي، وَقَالَ مُرْ أَبَا بَكْرٍ بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ رَضِينَا لِأَمْرِ دُنْيَانَا مَا رَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَمْرِ دِينِنَا. (وَخَرَّجَ ت عَنْهَا أَيْضًا) عَائِشَةُ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا) لَهُ سِيَادَةٌ عَلَيْنَا (وَخَيْرُنَا) أَكْثَرُ خَيْرًا مِنَّا (وَأَحَبُّنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) تَعَلَّقَ الظَّرْفُ بِأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ عَلَى التَّنَازُعِ مَعَ نِسْبِيَّةِ الثَّانِي وَجْهُ الْخَيْرِيَّةِ وَتَفَاصِيلُ الْأَحْبِيَةِ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَ عُمَرَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَبَكَى، وَقَالَ وَدِدْت أَنَّ عَمَلِي كُلَّهُ مِثْلُ عَمَلِهِ يَوْمًا وَاحِدًا مِنْ أَيَّامِهِ وَلَيْلَةً وَاحِدَةً مِنْ لَيَالِيهِ يُرِيدُ لَيْلَةَ الْغَارِ. وَأَمَّا الْيَوْمُ فَمَا تَقَدَّمَ حِينَ ارْتِدَادِ الْعَرَبِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَلَّ الِاحْتِجَاجَ بِنَحْوِ قَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ عَلَى قَاعِدَةِ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ لَا سِيَّمَا عِنْدَ سُكُوتِ الْبَاقِينَ يَكُونُ إجْمَاعًا أَوْ أَنَّهُ كَتَزْكِيَةِ الشُّهُودِ وَتَعْدِيلِهَا. (وَخَرَّجَ ت عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يَا خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ بَعْدَ انْتِقَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَبَعْدَ إخْوَانِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا يُتَوَهَّمُ تَفْضِيلُهُ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ الِاحْتِجَاجِ عَلَى فَضْلِ الصَّحَابَةِ عُمُومًا وَخُصُوصًا بِالْأَحَادِيثِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ أَرَادَ أَنْ يَحْتَجَّ بِأَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ فَقَالَ. (وَقَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة لَوْ) (قَالَ) قَائِلٌ (عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - لَمْ يَكُونُوا أَصْحَابًا) (لَا يَكْفُرُ) ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ كَذِبًا لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ

стр. 246

إنْكَارَ نَصٍّ قَطْعِيٍّ، وَالْقَوْلُ فِي التَّعْلِيلِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ صُحْبَتِهِمْ بِالتَّوَاتُرِ بَلْ بِالْآحَادِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ إذْ لَوْ سَلَّمَ عَدَمَ التَّوَاتُرِ اللَّفْظِيِّ فَثُبُوتُ التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ قَطْعِيٌّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُمْ مِنْ أَصْحَابِي مَثَلًا (وَيَسْتَحِقُّ اللَّعْنَةَ) لِابْتِدَاعِهِ، وَكَذِبِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] فَهَذَا اللَّعْنُ لَيْسَ مَا يَقْتَضِيهِ الْكُفْرُ (وَلَوْ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لَمْ يَكُنْ مِنْ الصَّحَابَةِ كَفَرَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُ صَاحِبًا) الَّذِي أَخَذَ مِنْهُ الصَّحَابَةِ (بِقَوْلِهِ ﴿إِذْ يَقُولُ﴾ [التوبة: ٤٠] أَيْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة: ٤٠] أَيْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] . قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ رُوِيَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ طَلَعُوا فَوْقَ الْغَارِ فَأَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ ﵊ «مَا ظَنُّك بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» فَأَعْمَاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فَلَمْ يَرَوْهُ، يَشْكُلُ بِأَنَّ كَوْنَ الْمُرَادِ مِنْ الصَّاحِبِ هَذَا أَبَا بَكْرٍ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ، وَالْكُفْرُ يَقْتَضِي الْقَطْعِيَّةَ إذْ إنْكَارُ مَا يَكُونُ ظَنِّيَّ الدَّلَالَةِ لَيْسَ بِكُفْرٍ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْإِجْمَاعَ عَلَى إرَادَةِ ذَلِكَ مِنْهُ. (وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ) لِظَهِيرِ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيِّ (وَمَنْ أَنْكَرَ إمَامَةَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (فَهُوَ كَافِرٌ فِي الصَّحِيحِ) قِيلَ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ خِلَافِ أَحَدٍ يُعْتَدُّ بِهِ وَقِيلَ لِنِسْبَةِ الْأُمَّةِ إلَى الضَّلَالَةِ، وَالْأُمَّةُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى الضَّلَالَةِ لِحَدِيثِ «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ» يَشْكُلُ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْكُفْرَ إنَّمَا هُوَ فِي الْإِجْمَاعِ الَّذِي وَقَعَ فِي الشَّرْعِيَّاتِ وَهَذَا كَالْإِجْمَاعِ فِي الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ وَلَوْ سُلِّمَ فَسَنَدُهُ الْقِيَاسُ عَلَى إمَامَتِهِ فِي الصَّلَاةِ نَصًّا وَقُرِّرَ أَيْضًا بِعَدَمِ الْكُفْرِ فِي الْإِجْمَاعِ الَّذِي سَنَدُهُ الْقِيَاسُ فَاعْلَمْ أَنَّ فِي إكْفَارِ مُنْكِرِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ كُفْرٌ مُطْلَقًا وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَلَيْسَ بِكُفْرٍ مُطْلَقًا وَكُفْرٌ فِي نَحْوِ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ فِي كَوْنِهِ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ الدِّينِيَّةِ وَعَدَمِهِ فِي غَيْرِهَا قِيلَ هُوَ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ فَتَأَمَّلْ وَيَشْكُلُ عَلَى الثَّانِي بِأَنَّ إنْكَارَ الْحَدِيثِ إنَّمَا يَكُونُ كُفْرًا إنْ مُتَوَاتِرًا، وَتَوَاتُرُ هَذَا الْحَدِيثِ مَمْنُوعٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْإِنْكَارُ عَلَى مَا بَعْدَ إقْرَارِ حَدِيثِيَّتِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا احْتِمَالٌ وَلَا كُفْرَ مَعَ الِاحْتِمَالِ (وَكَذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَ خِلَافَةَ عُمَرَ فِي أَصَحِّ الْأَقْوَالِ) قِيلَ لِإِنْكَارِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ أَيْضًا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِمَا ذُكِرَ آنِفًا مَعَ عَدَمِ الِانْدِفَاعِ بِدَفْعِ مَا ذُكِرَ آنِفًا فَافْهَمْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ إنْ اتَّحَدَ حُكْمُهُمَا فِي الْكُفْرِ، وَالْأُضْحِيَّةِ فَالْأَوْلَى جَمْعُهُمَا إذْ الْفَصْلُ الْوَاحِدُ أَوْلَى مِنْ الْفَصْلَيْنِ (انْتَهَى) ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ نَقْلَ الْمُصَنِّفِ هُنَا هَذِهِ الْأَخْبَارَ، وَالْآثَارَ وَأَقْوَالَ الْفُقَهَاءِ لِأَجْلِ إثْبَاتِ مُدَّعَاهُ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا قَدْحٌ فِي أَفْضَلِ الْأَوْلِيَاءِ إلَى آخِرِهِ فَإِذَا تَفَطَّنْت وَجَدْت عَدَمَ تَمَامِيَّةِ التَّقْرِيبِ فِي بَعْضِهَا وَعَدَمَ التَّقْرِيبِ أَصْلًا فِي بَعْضِهَا نَعَمْ يُمْكِنُ التَّقْرِيبُ لَكِنْ بِتَأْوِيلٍ خَفِيٍّ يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ، وَأَمَّا مُنْكِرُ خِلَافَةِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ فَمُبْتَدِعٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَعَنْ جَمِيعِ أَصْحَابِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (تَذْنِيبٌ) لِلْمَسَائِلِ الْمُخْتَلِفَةِ بَيْنَ إمَامَيْ أَهْلِ السُّنَّةِ كَثَّرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَمِ الْهُدَى الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ، وَالشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى مَا جَمَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي رِسَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَبَعْضُ الْأَسَاتِذَةِ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ مَعَ بَعْضٍ آخَرَ عَنْ بَعْضِ الْكُتُبِ. قَالَ جُمْهُورُ الْمَاتُرِيدِيَّةِ: الْأَوَّلُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَاجِبٌ عَقْلًا لَا شَرْعًا. الثَّانِي وَأَنَّهُ تَعَالَى لَوْ لَمْ يَبْعَثْ لِلنَّاسِ رَسُولًا لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَتُهُ تَعَالَى. الثَّالِثُ: وَأَنَّهُ يُعْرَفُ الصَّانِعُ بِصِفَاتِهِ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ. الرَّابِعُ: وَأَنَّ الْوُجُودَ وَالْوَاجِبَ عَيْنُ الذَّاتِ فِي التَّحْقِيقِ. الْخَامِسُ: وَأَنَّ حُسْنَ بَعْضِ الْأُمُورِ وَقُبْحَهُ يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ. السَّادِسُ: وَأَنَّ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ كُلِّهَا رَاجِعَةٌ إلَى صِفَةٍ ذَاتِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ هِيَ التَّكْوِينُ وَهُوَ مَبْدَأُ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ فَالْفِعْلِيَّةُ كَالذَّاتِيَّةِ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لَا اعْتِبَارِيَّةٌ قَدِيمَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى. السَّابِعُ: وَكُلُّ صِفَةٍ ذَاتِيَّةٍ أَوْ فِعْلِيَّةٍ وَاجِبَةِ الْوُجُودِ لَيْسَتْ بِمُمْكِنَةٍ. الثَّامِنُ: وَأَنَّ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ مِنْ نَحْوِ الْخَالِقِ الْبَارِئِ الرَّازِقِ لَهَا أَسْمَاءٌ غَيْرُ الْقُدْرَةِ بِلَا رُجُوعٍ إلَيْهَا بَلْ إلَى التَّكْوِينِ. التَّاسِعُ: وَأَنَّ التَّكْوِينَ لَيْسَ عَيْنَ الْمُكَوَّنِ. الْعَاشِرُ: وَأَنَّ الْبَقَاءَ لَيْسَ صِفَةً زَائِدَةً. الْحَادِيَ عَشَرَ: وَالسَّمْعُ

стр. 247

وَالْبَصَرُ صِفَتَانِ غَيْرُ الْعِلْمِ بِالْمَسْمُوعِ، وَالْمُبْصَرِ. الثَّانِي عَشَرَ: وَأَنَّ إدْرَاكَ الْمَشْمُومِ، وَالْمَذُوقِ، وَالْمَلْمُوسِ لَيْسَ صِفَةً غَيْرَ الْعِلْمِ فِي شَأْنِهِ تَعَالَى. الثَّالِثَ عَشَرَ: وَأَنَّ أَفْعَالَهُ تَعَالَى مُعَلَّلَةٌ بِالْحِكَمِ، وَالْمَصَالِحِ. الرَّابِعَ عَشَرَ: وَأَنَّ الْإِرَادَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الرِّضَا، وَالْمَحَبَّةَ. الْخَامِسَ عَشَرَ: اللَّهُ مُتَكَلِّمٌ فِي الْأَزَلِ لَا مُكَلِّمٌ فِي الْأَزَلِ. السَّادِسَ عَشَرَ: وَأَنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ أَعْظَمُ مِنْ بَعْضٍ. السَّابِعَ عَشَرَ: وَأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ الْأَزَلِيُّ بِالْمَعْدُومِ. الثَّامِنَ عَشَرَ: وَأَنَّ وُجُودَ الْأَشْيَاءِ بِالْإِيجَادِ لَا بِخِطَابِ كُنْ. وَعَنْ الْبَزْدَوِيِّ هُوَ بِالْخِطَابِ، وَالْإِيجَادِ مَعًا. التَّاسِعَ عَشَرَ: وَأَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ وَهُوَ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَيْضًا. الْعِشْرُونَ: وَأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْإِيمَانِ لَا يَجُوزُ حَالًا وَاسْتِقْبَالًا. الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: وَأَنَّ الشَّقِيَّ فِي الْحَالِ قَدْ يَسْعَدُ وَبِالْعَكْسِ. الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: وَأَنَّهُ وَإِنْ جَازَ تَعَلُّقُ الرُّؤْيَةِ بِكُلِّ مَوْجُودٍ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعَلُّقُ السَّمَاعِ بِكُلِّ مَوْجُودٍ. الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: وَأَنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَسْمَعْ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ بَلْ سَمِعَ كَلَامًا مُؤَلَّفًا مِنْ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ. الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِمَا لَا يُطَاقُ. الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْذِيبُ الْمُطِيعِ وَتَنْعِيمُ الْكَافِرِ عَقْلًا لِمُخَالَفَةِ الْحِكْمَةِ وَوَضْعِ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَكَذَا تَخْلِيدُ الْمُؤْمِنِ فِي النَّارِ وَتَخْلِيدُ الْكَافِرِ فِي الْجَنَّةِ. السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: وَأَنَّهُ تَعَالَى لَا يُرَى فِي الْمَنَامِ وَإِنْ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى خِلَافِهَا بَلْ أَوَّلُوا كَلَامَ الشَّيْخِ. السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ وَأَنَّهُ لَيْسَ الرُّؤْيَا خَيَالًا بَاطِلًا بَلْ نَوْعُ مُشَاهَدَةٍ لِلرُّوحِ تَحْقِيقِيَّةً أَوْ بِمِثَالِهِ. الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: وَأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الَّتِي يَعْمَلُ بِهَا الْعَبْدُ الطَّاعَةَ هِيَ بِعَيْنِهَا الِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَعْمَلُ بِهَا الْمَعْصِيَةَ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْقُدْرَةُ الْوَاحِدَةُ صَالِحَةً لِلضِّدَّيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ. التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: وَأَنَّ الْعِلْمَ الْوَاحِدَ يَتَعَلَّقُ بِمَعْلُومَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ. الثَّلَاثُونَ: وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَعْدَ مَوْتِهِمْ أَيْضًا أَنْبِيَاءُ حَقِيقَةً. الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْوَحْيِ أَوْ الرَّأْيِ أَوْ الِاجْتِهَادِ وَإِنْ اخْتَلَفَ فِي تَفْصِيلِهِ. الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: وَأَنَّ إيمَانَ الْمُقَلِّدِ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا بِتَرْكِ الِاسْتِدْلَالِ. الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي الْإِيمَانِ الِاسْتِدْلَالِيِّ الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ عَلَى جَمِيعِ الْمَسَائِلِ الِاعْتِقَادِيَّةِ بَلْ يَكْفِي الِابْتِنَاءُ عَلَى قَوْلِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكِنْ فِيهِ نَوْعُ تَأَمُّلٍ. الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: وَأَنَّهُ لَيْسَ الِاسْمُ غَيْرَ الْمُسَمَّى بَلْ عَيْنُهُ. الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: وَأَنَّ الْحِكْمَةَ مَا لَهُ عَاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ، وَالسَّفَهُ عَلَى ضِدِّهِ لَا مَا وَقَعَ عَلَى قَصْدِ فَاعِلِهِ وَضِدِّهِ وَلَا مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْفَاعِلِ أَوْ لِغَيْرِهِ وَضِدِّهِ. السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: وَفِعْلُ الْعَبْدِ يُسَمَّى كَسْبًا لَا خَلْقًا أَقُولُ فِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا. السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: وَفِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى يُسَمَّى خَلْقًا لَا كَسْبًا فَهُوَ أَيْضًا كَمَا تَرَى. الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: وَاسْمُ الْفِعْلِ يَشْمَلُهُمَا عَلَى سَبِيلٍ بِلَا أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي خَلْقِ اللَّهِ وَمَجَازًا فِي كَسْبِ الْعَبْدِ. التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: وَأَنَّ مَا وَقَعَ بِغَيْرِ الْآلَةِ فَخَلْقٌ وَبِالْآلَةِ فَكَسْبٌ وَقِيلَ مَا يَجُوزُ تَفَرُّدُ الْقَادِرِ بِهِ فَخَلْقٌ وَمَا لَا فَكَسْبٌ. الْأَرْبَعُونَ: وَأَنَّ إحْسَاسَ الشَّيْءِ بِإِحْدَى الْحَوَاسِّ لَيْسَ عِلْمًا بِهِ بَلْ هُوَ آلَةٌ لَهُ. الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: وَأَنَّ الذُّكُورَةَ شَرْطُ النُّبُوَّةِ. الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: وَأَنَّ مَا حَصَلَ مِنْ الْأَلَمِ عَقِيبَ الضَّرْبِ وَمِنْ الِانْكِسَارِ عَقِيبَ الْكَسْرِ لَيْسَ بِفِعْلِ الْعَبْدِ لِاسْتِحَالَةِ اكْتِسَابِ مَا لَيْسَ بِقَائِمٍ فِي مَحَلِّ قُدْرَتِهِ. الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَأَنَّ إفَادَةَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ بِمَجْمُوعِ الْكَسْبِ وَالْخَلْقِ لَا بِالْخَلْقِ فَقَطْ. الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَأَنَّ قُدْرَةَ الْعَبْدِ مُؤَثِّرَةٌ فِي فِعْلِهِ لَا أَنَّ لَهُ قُدْرَةً غَيْرَ مُؤَثِّرَةٍ. الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَأَنَّ الْعِلَلَ وَالْأَسْبَابَ مِثْلُ الْقُوَى وَالطَّبَائِعِ مُؤَثِّرَةٌ حَقِيقَةً لَا عَادِيَةً فِيمَا يَبْدُو مِنْهَا مِنْ الْآثَارِ. السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ مَقْدُورٌ وَاحِدٌ بَيْنَ قُدْرَةِ قَادِرَيْنِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ الْأَشْعَرِيَّةِ أَيْضًا. السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَأَنَّ الْأَرْوَاحَ لَيْسَتْ بِجِسْمٍ وَلَا جُثْمَانِيٍّ بَلْ هِيَ أُمُورٌ مُجَرَّدَةٌ عَنْ الْمَادَّةِ. الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَأَنَّهُ يَعْرِفُ بَعْضَ الْأَحْكَامِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ

стр. 248

بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى الْعِلْمَ بِهِ إمَّا بِلَا كَسْبٍ كَوُجُوبِ تَصْدِيقِ النَّبِيِّ وَحُرْمَةِ الْكَذِبِ الضَّارِّ وَإِمَّا مَعَ الْكَسْبِ بِالنَّظَرِ وَتَرْتِيبِ الْمُقَدِّمَاتِ وَقَدْ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ. التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَأَنَّ صِفَاتِهِ تَعَالَى بَاقِيَةٌ بِبَقَاءٍ هُوَ نَفْسُ تِلْكَ الصِّفَةِ. الْخَمْسُونَ: وَأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْمُشَارَكَةِ فِي جَمِيعِ الْأَوْصَافِ. الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ جِنْسٌ يَشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعِهِ مِنْ الْمُشَابَهَةِ، وَالْمُضَاهَاةِ، وَالْمُسَاوَاةِ وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْجِنْسِ عَلَى كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ جَائِزٌ، وَفِيهِ كَلَامٌ. الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ: تُؤَوَّلُ الْمُشَابِهَاتُ إجْمَالًا وَيُفَوَّضُ تَفْصِيلُهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى. الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّ حُكْمَ الْمُتَشَابِهَاتِ انْقِطَاعُ رَجَاءِ مَعْرِفَةِ الْمُرَادِ مِنْهَا فِي هَذِهِ الدَّارِ. الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّ الْقَضَاءَ، وَالْقَدَرَ غَيْرُ الْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ. الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّهُمْ حَكَمُوا بِكُفْرِ مَنْ يَقُولُ النَّبِيُّ يَعْلَمُ الْغَيْبَ. السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، وَالْحَقُّ وَاحِدٌ. السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّ الدَّلِيلَ اللَّفْظِيَّ قَدْ يُفِيدُ الْيَقِينَ إنْ تَوَارَدَ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ عِنْدَ عَدَمِ صَارِفٍ. الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّ الْمَحَبَّةَ بِمَعْنَى الِاسْتِحْمَادِ لَا مُطْلَقِ إرَادَةٍ فَلَا تَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ الطَّاعَةِ. التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّهُ يَنْعَمُ الْكَافِرُ فِي الدُّنْيَا. السِّتُّونَ: وَأَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ الْكَافِرُ بِأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ. الْحَادِي وَالسِّتُّونَ: وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ مِنْ الصَّغَائِرِ عَمْدًا وَمِنْ الْكَبَائِرِ مُطْلَقًا. الثَّانِي وَالسِّتُّونَ: وَأَنَّهُ يَصِحُّ إمَامَةُ الْمَفْضُولِ. الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ: وَأَنَّ الْمَوْتَ فَسَادُ بِنْيَةِ الْحَيَوَانِ لَا عَدَمُ الْحَيَاةِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَوْ عَرْضٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ. الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ: وَأَنَّ الْأَعْرَاضَ لَا تُعَادُ. الْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ: وَأَنَّ تَوْبَةَ الْيَأْسِ مَقْبُولَةٌ. السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ: وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُ مَا لَا يُقْبَلُ حُسْنُهُ أَوْ قُبْحُهُ السُّقُوطُ كَوُجُوبِ الْإِيمَانِ وَحُرْمَةِ الْكُفْرِ. السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ: وَأَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ مَدْلُولَا الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِيمَا يُدْرَكُ عَقْلًا وَعِنْدَ الْبَعْضِ مُطْلَقًا لِحِكْمَةِ الْآمِرِ وَالنَّاهِي. الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ: وَأَنَّ الْإِقْرَارَ جُزْءُ الْإِيمَانِ وَإِنْ شَرْطًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ كَالْأَشَاعِرَةِ. التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ: وَإِنْ بَلَغَ فِي شَاهِقِ الْجَبَلِ وَلَمْ تَصِلْ إلَيْهِ الدَّعْوَةُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِيمَانُ بِالصَّانِعِ فِي مُدَّةِ الِاسْتِدْلَالِ دُونَ الْأَعْمَالِ بِحَسَبِ وُجُودِهِ وَوَحْدَتِهِ وَاتِّصَافِهِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ الْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ، وَالْإِرَادَةِ وَكَوْنِهِ مُحْدِثَ الْعَالَمِ وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ. السَّبْعُونَ: وَأَنَّ الْعَقْلَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي إدْرَاكِ بَعْضِ الشَّرْعِيَّاتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْحُكْمِ. الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ: وَأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا الْحَالَ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ. الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ: وَأَنَّ إرْسَالَ الرُّسُلِ وَاجِبٌ بِمَعْنَى لِيَاقَةِ الْحِكْمَةِ فَقِيلَ فَنِزَاعٌ لَفْظًا. الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ: وَالِاسْتِطَاعَةُ مَعَ الْفِعْلِ. أَقُولُ فِيهِ شَيْءٌ يَظْهَرُ بِالرُّجُوعِ إلَى شَرْحِ الْعَقَائِدِ نَعَمْ قَدْ يُنْسَبُ ذَلِكَ إلَى بَعْضِ الْأَشَاعِرَةِ خِلَافًا لِجُمْهُورِ الْأَشَاعِرَةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ هَذَا مَا يَحْضُرُ لَنَا مِنْ كُتُبِهِمْ إنْ كَانَ زَائِدًا عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَكَانَ بَعْضُ مَا ذُكِرَ رَاجِعًا إلَى بَعْضٍ آخَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ. (تَذْيِيلٌ) لَا عَلَيْنَا أَنْ نُشِيرَ إلَى أَقَاوِيلِ الْفَلَاسِفَةِ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرْعِ إجْمَاعًا أَيْضًا لَأَنْ يُحْتَرَزَ عَنْهَا لِكَثْرَةِ اخْتِلَاطِهِمْ فِي الشَّرْعِيَّاتِ قَالُوا: الْأَوَّلُ أَنَّهُ تَعَالَى يَتَّصِفُ بِاللَّذَّةِ الْعَقْلِيَّةِ. وَالثَّانِي وَأَنَّهُ مُوجِبٌ بِالذَّاتِ فَمَعْنَى قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ إنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَفْعَلْ لَا بِمَعْنَى يَصِحُّ الْفِعْلُ، وَالتَّرْكُ. الثَّالِثُ: وَأَنَّ الْجِسْمَ مُرَكَّبٌ مِنْ الْهُيُولِيّ وَالصُّورَةِ لَا مِنْ الْأَجْزَاءِ الْفَرْدَةِ. الرَّابِعُ: وَأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ وُجُودُ الْجُزْءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ. الْخَامِسُ: وَأَنَّ الْأَفْلَاكَ قَدِيمَةٌ بِهُيُولَاهَا وَصُوَرِهَا النَّوْعِيَّةِ نَوْعًا وَشَخْصًا. السَّادِسُ: وَأَنَّ الْعَنَاصِرَ قَدِيمَةٌ بِهُيُولَاهَا وَصُوَرِهَا النَّوْعِيَّةِ جِنْسًا لَا نَوْعًا وَلَا شَخْصًا. السَّابِعُ: وَأَنَّ بُطْلَانَ التَّسَلْسُلِ مَخْصُوصٌ بِالْأَشْيَاءِ الْمَوْجُودَةِ الْمُرَتَّبَةِ الْمُجْتَمِعَةِ فِي الْوُجُودِ لَا أَنَّهُ مُحَالٌ مُطْلَقًا. الثَّامِنُ وَأَنَّ السَّبْقَ مُنْحَصِرٌ فِي خَمْسٍ لَا سَادِسَ. التَّاسِعُ: لَا عَالَمَ وَرَاءَ الْعَالَمِ. الْعَاشِرُ: وَالْخَلَاءُ مُحَالٌ. الْحَادِيَ عَشَرَ: وَالْمَكَانُ لَيْسَ بِبُعْدٍ مَوْهُومٍ بَلْ هُوَ السَّطْحُ الْبَاطِنُ مِنْ الْحَاوِي الْمُمَاسِّ لِلسَّطْحِ الظَّاهِرِ مِنْ الْمُحَوِّي. الثَّانِي عَشَرَ: وَالْوُجُودُ الذِّهْنِيُّ ثَابِتٌ. الثَّالِثَ عَشَرَ: وَالْمَقُولَاتُ الْعَشْرُ مَوْجُودَاتٌ

стр. 249

خَارِجِيَّةٌ نَوْعًا أَوْ شَخْصًا عَلَى اخْتِلَافِهِمْ. الرَّابِعَ عَشَرَ: وَالْمُجَرَّدَاتُ ثَابِتَةٌ. الْخَامِسَ عَشَرَ: وَحَقِيقَةُ الْإِنْسَانِ أَمْرٌ مُجَرَّدٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ تَعَلُّقَ التَّدْبِيرِ، وَالتَّصَرُّفِ. السَّادِسَ عَشَرَ: وَالْجَوَاهِرُ خَمْسَةٌ الْهُيُولِيّ، وَالصُّورَةُ، وَالْجِسْمُ الْمُرَكَّبُ مِنْهُمَا، وَالْعُقُولُ، وَالنُّفُوسُ. السَّابِعَ عَشَرَ: وَالْجِنُّ، وَالشَّيَاطِينِ، وَالْمَلَائِكَةُ لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ إلَّا بِمُفَارَقَةِ النُّفُوسِ الْخَيِّرَةِ، وَالشِّرِّيرَةِ عَنْ أَبْدَانِهِمْ. الثَّامِنَ عَشَرَ، وَأَنَّ الْوُجُودَ عَيْنُ الذَّاتِ فِي الْوَاجِبِ زَائِدٌ فِي الْمُمْكِنِ لَا أَنَّهُ زَائِدٌ فِي الْكُلِّ. التَّاسِعَ عَشَرَ وَأَنَّ إعَادَةَ الْمَعْدُومِ بِعَيْنِهِ مُمْتَنِعٌ. الْعِشْرُونَ، وَالْحَادِثُ مُفْتَقِرٌ إلَى مَادَّةٍ وَمُدَّةٍ. الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: وَالْحَشْرُ الْجُسْمَانِيُّ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ. الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: وَالْمَعَادُ رُوحَانِيٌّ فَقَطْ. الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: وَقِيَامُ الْعَرْضِ بِالْعَرْضِ جَائِزٌ. الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: وَالْجَوْهَرُ لَا يَقْتَضِي التَّحَيُّزَ. الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: وَأَنَّ الْأَجْسَادَ الْبَسِيطَةَ الطِّبَاعِ مُتَّصِلَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا هِيَ عِنْدَ الْحِسِّ. السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: وَأَنَّهُ يَشْتَرِكُ فِي الثُّبُوتِ الْأَعْرَاضُ، وَالْأَحْوَالُ الْمُكْتَسَبَةُ بِالرِّيَاضَاتِ، وَالْمُجَاهَدَاتِ فِي الْخَلَوَاتِ، وَالِانْقِطَاعَاتِ، وَالِاسْتِعْدَادُ الذَّاتِيُّ مِنْ صَفَاءِ الْجَوْهَرِ وَذَكَاءِ الْفِطْرَةِ. السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: وَأَنَّ الْمَقَادِيرَ أَيْ الْجِسْمَ التَّعَلُّمِيَّ، وَالسَّطْحَ، وَالْخَطَّ أُمُورٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْجِسْمِيَّةِ. الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: وَالْحَوَادِثُ الَّتِي لَا أَوَّلَ لَهَا ثَابِتَةٌ. التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: وَحَيَاتُهُ تَعَالَى صِحَّةُ اتِّصَافِهِ بِالْعِلْمِ فَهُوَ حَيٌّ لَا حَيَاةَ لَهُ. الثَّلَاثُونَ: وَكَوْنُهُ سَمِيعًا وَبَصِيرًا وَهُوَ عِلْمُهُ تَعَالَى بِالْمَسْمُوعَاتِ، وَالْمُبْصِرَاتِ. الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: وَالْحَوَاسُّ الْبَاطِنَةُ ثَابِتَةٌ فِي الْحَيَوَانِ. الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: وَالْقَضَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ عِلْمِهِ تَعَالَى بِمَا يَنْبَغِي سُمُوًّا بِالْعِنَايَةِ. الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: وَالْقَدَرُ عِبَارَةٌ عَنْ خُرُوجِ الْمَوْجُودَاتِ إلَى الْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ بِأَسْبَابِهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَقَرَّرَ فِي الْقَضَاءِ. الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: وَاللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ هُوَ الْعَقْلُ الْفَعَّالُ أَوْ نَفْسُ الْفَلَكِ الْأَعْظَمِ. الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: وَالْعِلْمُ حُصُولُ صُورَةِ الشَّيْءِ فِي الْعَقْلِ. السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: وَأَنَّ حُصُولَ الضَّرُورِيَّاتِ فِينَا يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّوَجُّهِ، وَالْإِحْسَاسِ وَغَيْرِهِمَا. السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: وَالْحَوَادِثُ الْأَرْضِيَّةُ مُسْتَنِدَةٌ إلَى الْأَوْضَاعِ الْفَلَكِيَّةِ. الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: وَحُصُولُ الْعِلْمِ عَقِيبَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ إعْدَادِيٌّ فَالنَّظَرُ يُعِدُّ الذِّهْنَ، وَالنَّتِيجَةُ تُفِيضُ عَلَيْهِ. التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: وَأَنَّ التَّعَيُّنَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ. الْأَرْبَعُونَ: وَالسَّبَبُ الْمُحْوِجُ فِي الْمُمْكِنِ إلَى الْعِلَّةِ هُوَ الْإِمْكَانُ لَا الْحُدُوثُ. الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ وَأَنَّ الْوَحْدَةَ، وَالْكَثْرَةَ أَمْرَانِ مَوْجُودَانِ. الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ وَمَعْنَى الْجَوْهَرِ مَاهِيَّةٌ إذَا وُجِدَتْ كَانَتْ لَا فِي مَوْضُوعٍ. الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ، وَالْعَرْضُ مَاهِيَّةٌ إذَا وُجِدَتْ كَانَتْ فِي مَوْضُوعٍ. الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَالْمَوْجُودَاتُ فِي الْمَقُولَاتِ الْعَشْرِ. الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَالْإِمْكَانُ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ. السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ، وَالْوَاحِدُ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ. السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَعَدَمُ الْعِلَّةِ عِلَّةٌ لِعَدَمِ الْمَعْلُولِ. الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَكُلٌّ مِنْ الْوُجُودِ، وَالْعَدَمِ يَحْتَاجُ إلَى عِلَّةٍ مُرَجَّحَةٍ. التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَيَجِبُ الْإِبْصَارُ عِنْدَ سَلَامَةِ الْحَاسَّةِ بِشُرُوطِهِ وَكَذَا سَائِرُهَا، وَالْأَعْرَاضُ النِّسْبِيَّةُ كُلُّهَا مَوْجُودَاتٌ خَارِجِيَّةٌ. الْخَمْسُونَ: وَصِفَاتُهُ تَعَالَى عَيْنُ ذَاتِهِ. الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي فِعْلِ الْعَبْدِ قُدْرَةُ الْعَبْدِ بِالْإِيجَابِ وَامْتِنَاعُ التَّخَلُّفِ. الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ بَلْ يَعْلَمُ الْكُلِّيَّاتِ. الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ: وَالنَّفْسُ لَا تُدْرِكُ الْجُزْئِيَّاتِ الْمَادِّيَّةَ بِالذَّاتِ. الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّ لِلْحَيَوَانِ أَجَلًا طَبِيعِيًّا عِنْدَ تَحَلُّلِ الرُّطُوبَةِ وَانْطِفَاءِ الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّتَيْنِ وَأَجَلًا احْتِرَامِيًّا بِحَسَبِ الْآفَاتِ، وَالْأَمْرَاضِ. الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ: وَرُسُلُ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ مِنْ رُسُلِ الْبَشَرِ بَلْ الْمَلَائِكَةُ مُطْلَقًا أَفْضَلُ مِنْ الْبَشَرِ مُطْلَقًا. السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّهُ تَعَالَى لَا يُعْلَمُ ذَاتُهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُعْلَمُ غَيْرُهُ فَقَطْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُعْلَمُ غَيْرُ الْمُتَنَاهِي. السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: وَالْخَرْقُ، وَالِالْتِئَامُ لِلْفُلْكِ مُمْتَنِعٌ. الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْ اللَّهِ غَيْرُ

стр. 250

الْعَقْلِ الْأَوَّلِ. التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّهُ يَجُوزُ قِيَامُ الْعَرْضِ بِالْعَرْضِ. السِّتُّونَ: وَأَنَّ الْأَبْعَادَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ. الْحَادِي وَالسِّتُّونَ: وَأَنَّ الْوُجُودَ مُشْتَرَكٌ مَعْنَوِيٌّ بَيْنَ الْمَوْجُودَاتِ. الثَّانِي وَالسِّتُّونَ: وَأَنَّ الْوُجُودَ وَاحِدٌ فِي جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ وَغَيْرِهَا. قَالَ الْغَزَالِيُّ: فِي مُنْقِذِ الضَّلَالِ مَجْمُوعُ مَا غَلِطُوا فِيهِ رَاجِعٌ إلَى عِشْرِينَ أَصْلًا يَجِبُ التَّكْفِيرُ فِي ثَلَاثَةٍ، وَالتَّبْدِيعُ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ وَلِإِبْطَالِ مَذْهَبِهِمْ صَنَّفْنَا التَّهَافُتُ وَتِلْكَ الثَّلَاثَةُ إنْكَارُ الْحَشْرِ الْجُسْمَانِيِّ، وَنَفْيُ عِلْمِ الْجُزْئِيَّاتِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَقَوْلُهُمْ بِقِدَمِ الْعَالَمِ، وَقَدْ أَوَّلَ الدَّوَانِيُّ مُحْتَجًّا بِالْغَيْرِ تَخْلِيصًا عَنْ الْكُفْرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الْعُلُومِ الْمَقْصُودَةِ لِغَيْرِهَا] [النَّوْعُ الْأَوَّلُ فِي الْمَأْمُورِ بِهَا] [الصِّنْفُ الْأَوَّلُ فِي الْعُلُومِ الَّتِي هِيَ فَرْضُ الْعَيْنِ] (الْفَصْلُ الثَّانِي) مِنْ الْفُصُولِ الثَّلَاثَةِ لِلْبَابِ الثَّانِي مِنْ أَبْوَابِ الْكِتَابِ الثَّلَاثَةِ (فِي الْعُلُومِ الْمَقْصُودَةِ لِغَيْرِهَا) يَعْنِي لَا يَكُونُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ هُوَ نَفْسُهُ كَالِاعْتِقَادِيَّاتِ بَلْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ غَيْرِهِ كَالْفِقْهِ (وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مَأْمُورٌ بِهَا وَمَنْهِيٌّ عَنْهَا وَمَنْدُوبٌ إلَيْهَا النَّوْعُ الْأَوَّلُ فِي الْمَأْمُورِ بِهَا) بِالْأَمْرِ الْإِيجَابِيِّ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ الْأَمْرِ (وَهُوَ صِنْفَانِ الصِّنْفُ الْأَوَّلُ فِي) الْعُلُومِ الَّتِي هِيَ (فَرْضُ الْعَيْنِ) يَعْنِي تُفْرَضُ عَلَى أَعْيَانِ كُلِّ أَحَدٍ فَإِذَا عُلِمَ الْبَعْضُ لَا يَسْقُطُ عَنْ الْبَاقِينَ. لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ الْفَرْضِ مَا يَشْمَلُ الْوَاجِبَ أَيْضًا عَلَى طَرِيقِ عُمُومِ الْمَجَازِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْفَرْضَ مَا يَكُونُ فِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ مَعَ مَنْعِهِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ. وَاجِبُ وَالْوَاجِبِ مَا يَكُونُ فِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ أَيْضًا لَكِنْ كَانَ مَنْعُهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ فَالْأَوَّلُ لَازِمٌ عِلْمًا وَعَمَلًا حَتَّى يَكْفُرَ جَاحِدُهُ، وَالثَّانِي لَازِمٌ عَمَلًا لَا عِلْمًا فَلَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ بَلْ يَفْسُقُ إنْ اسْتَخَفَّ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ وَأَمَّا إنْ مُؤَوَّلًا فَلَا وَيُعَاقَبُ تَارِكُهُمَا إلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ. وَقَدْ يُطْلَقُ الْوَاجِبُ عَلَى مَا يَعُمُّ الْفَرْضَ.، وَالْوَاجِبُ بِمَعْنَى مَا يَكُونُ فِعْلُهُ أَوْلَى مَعَ مَنْعِ التَّرْكِ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا، وَالسُّنَّةُ مَا يَكُونُ فِعْلُهُ أَوْلَى بِلَا مَنْعٍ عَنْ تَرْكِهِ مَعَ كَوْنِهِ طَرِيقَةً مَسْلُوكَةً فِي الدِّينِ، وَالْمَنْدُوبُ، وَالنَّفَلُ مَا هُوَ أَوْلَى بِعَدَمِ الْمَنْعِ أَيْضًا لَكِنْ بِلَا طَرِيقَةٍ مَسْلُوكَةٍ، وَالسُّنَّةُ إمَّا فِي الْعِبَادَاتِ فَهَدْيٌ يُوجِبُ تَرْكُهُ كَرَاهَةً كَالْجَمَاعَةِ، وَالْأَذَانِ وَإِمَّا فِي الْعَادَاتِ فَزَوَائِدُ كَسَيْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لِبَاسِهِ وَقِيَامِهِ وَقُعُودِهِ فَفِعْلُهُ فَضِيلَةٌ لَا كَرَاهَةَ فِي تَرْكِهِ وَقَدْ تُطْلَقُ السُّنَّةُ عَلَى غَيْرِ طَرِيقَتِهِ ﵊ كَسُنَّةِ الْعُمُرَيْنِ، وَالنَّفَلُ دُونَ سُنَّةِ الزَّوَائِدِ.، وَالْحَرَامُ مَا يَكُونُ تَرْكُهُ أَوْلَى مَعَ الْمَنْعِ عَنْ الْفِعْلِ.، وَالْمَكْرُوهُ مَا يَكُونُ تَرْكُهُ أَوْلَى مِنْ الْفِعْلِ بِلَا مَنْعٍ قَطْعِيٍّ عَنْ الْفِعْلِ.، وَالْمُبَاحُ مَا اسْتَوَيَا أَيْ الْفِعْلُ، وَالتَّرْكُ. وَالْحَرَامُ يُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ إنْ تَشَهَّى وَمَنَعَ مَعَ الْفُرْصَةِ. وَالْمَكْرُوهُ التَّحْرِيمِيُّ إلَى الْحُرْمَةِ أَقْرَبُ، وَالتَّنْزِيهِيُّ إلَى الْحِلِّ أَقْرَبُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ حَرَامٌ لَكِنْ بِغَيْرِ قَطْعِيٍّ (وَهُوَ عِلْمُ الْحَالِ) الضَّمِيرُ إلَى الْفَرْضِ فِي ضِمْنِ الْفُرُوضِ. (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا﴾ [النحل: ٤٣] أَيُّهَا الْمُكَلَّفُونَ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الظَّاهِرِيَّةِ، وَالْبَاطِنِيَّةِ ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣] أَيْ الْعِلْمِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ الْوُجُوبُ، وَالْأَصْلُ فِي الْمُطْلَقِ حَمْلُهُ عَلَى الْكَمَالِ فَكَمَالُ الْوُجُوبِ هُوَ الْفَرْضُ فَيُفْرَضُ عَلَى غَيْرِ الْعَالِمِ طَلَبُ الْعِلْمِ مِنْ الْعَالِمِ
следующие страницы →