Полный текст (1 189 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
إنْكَارَ نَصٍّ قَطْعِيٍّ، وَالْقَوْلُ فِي التَّعْلِيلِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ صُحْبَتِهِمْ بِالتَّوَاتُرِ بَلْ بِالْآحَادِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ إذْ لَوْ سَلَّمَ عَدَمَ التَّوَاتُرِ اللَّفْظِيِّ فَثُبُوتُ التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ قَطْعِيٌّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُمْ مِنْ أَصْحَابِي مَثَلًا (وَيَسْتَحِقُّ اللَّعْنَةَ) لِابْتِدَاعِهِ، وَكَذِبِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] فَهَذَا اللَّعْنُ لَيْسَ مَا يَقْتَضِيهِ الْكُفْرُ (وَلَوْ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لَمْ يَكُنْ مِنْ الصَّحَابَةِ كَفَرَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُ صَاحِبًا) الَّذِي أَخَذَ مِنْهُ الصَّحَابَةِ (بِقَوْلِهِ ﴿إِذْ يَقُولُ﴾ [التوبة: ٤٠] أَيْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة: ٤٠] أَيْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] .
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ رُوِيَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ طَلَعُوا فَوْقَ الْغَارِ فَأَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ ﵊ «مَا ظَنُّك بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» فَأَعْمَاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فَلَمْ يَرَوْهُ، يَشْكُلُ بِأَنَّ كَوْنَ الْمُرَادِ مِنْ الصَّاحِبِ هَذَا أَبَا بَكْرٍ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ، وَالْكُفْرُ يَقْتَضِي الْقَطْعِيَّةَ إذْ إنْكَارُ مَا يَكُونُ ظَنِّيَّ الدَّلَالَةِ لَيْسَ بِكُفْرٍ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْإِجْمَاعَ عَلَى إرَادَةِ ذَلِكَ مِنْهُ.
(وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ) لِظَهِيرِ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيِّ (وَمَنْ أَنْكَرَ إمَامَةَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (فَهُوَ كَافِرٌ فِي الصَّحِيحِ) قِيلَ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ خِلَافِ أَحَدٍ يُعْتَدُّ بِهِ وَقِيلَ لِنِسْبَةِ الْأُمَّةِ إلَى الضَّلَالَةِ، وَالْأُمَّةُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى الضَّلَالَةِ لِحَدِيثِ «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ» يَشْكُلُ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْكُفْرَ إنَّمَا هُوَ فِي الْإِجْمَاعِ الَّذِي وَقَعَ فِي الشَّرْعِيَّاتِ وَهَذَا كَالْإِجْمَاعِ فِي الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ وَلَوْ سُلِّمَ فَسَنَدُهُ الْقِيَاسُ عَلَى إمَامَتِهِ فِي الصَّلَاةِ نَصًّا وَقُرِّرَ أَيْضًا بِعَدَمِ الْكُفْرِ فِي الْإِجْمَاعِ الَّذِي سَنَدُهُ الْقِيَاسُ فَاعْلَمْ أَنَّ فِي إكْفَارِ مُنْكِرِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ كُفْرٌ مُطْلَقًا وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَلَيْسَ بِكُفْرٍ مُطْلَقًا وَكُفْرٌ فِي نَحْوِ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ فِي كَوْنِهِ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ الدِّينِيَّةِ وَعَدَمِهِ فِي غَيْرِهَا قِيلَ هُوَ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ فَتَأَمَّلْ وَيَشْكُلُ عَلَى الثَّانِي بِأَنَّ إنْكَارَ الْحَدِيثِ إنَّمَا يَكُونُ كُفْرًا إنْ مُتَوَاتِرًا، وَتَوَاتُرُ هَذَا الْحَدِيثِ مَمْنُوعٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْإِنْكَارُ عَلَى مَا بَعْدَ إقْرَارِ حَدِيثِيَّتِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا احْتِمَالٌ وَلَا كُفْرَ مَعَ الِاحْتِمَالِ (وَكَذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَ خِلَافَةَ عُمَرَ فِي أَصَحِّ الْأَقْوَالِ) قِيلَ لِإِنْكَارِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ أَيْضًا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِمَا ذُكِرَ آنِفًا مَعَ عَدَمِ الِانْدِفَاعِ بِدَفْعِ مَا ذُكِرَ آنِفًا فَافْهَمْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ إنْ اتَّحَدَ حُكْمُهُمَا فِي الْكُفْرِ، وَالْأُضْحِيَّةِ فَالْأَوْلَى جَمْعُهُمَا إذْ الْفَصْلُ الْوَاحِدُ أَوْلَى مِنْ الْفَصْلَيْنِ (انْتَهَى) ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ نَقْلَ الْمُصَنِّفِ هُنَا هَذِهِ الْأَخْبَارَ، وَالْآثَارَ وَأَقْوَالَ الْفُقَهَاءِ لِأَجْلِ إثْبَاتِ مُدَّعَاهُ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا قَدْحٌ فِي أَفْضَلِ الْأَوْلِيَاءِ إلَى آخِرِهِ فَإِذَا تَفَطَّنْت وَجَدْت عَدَمَ تَمَامِيَّةِ التَّقْرِيبِ فِي بَعْضِهَا وَعَدَمَ التَّقْرِيبِ أَصْلًا فِي بَعْضِهَا نَعَمْ يُمْكِنُ التَّقْرِيبُ لَكِنْ بِتَأْوِيلٍ خَفِيٍّ يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ، وَأَمَّا مُنْكِرُ خِلَافَةِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ فَمُبْتَدِعٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَعَنْ جَمِيعِ أَصْحَابِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(تَذْنِيبٌ)
لِلْمَسَائِلِ الْمُخْتَلِفَةِ بَيْنَ إمَامَيْ أَهْلِ السُّنَّةِ كَثَّرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَمِ الْهُدَى الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ، وَالشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى مَا جَمَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي رِسَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَبَعْضُ الْأَسَاتِذَةِ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ مَعَ بَعْضٍ آخَرَ عَنْ بَعْضِ الْكُتُبِ.
قَالَ جُمْهُورُ الْمَاتُرِيدِيَّةِ: الْأَوَّلُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَاجِبٌ عَقْلًا لَا شَرْعًا.
الثَّانِي وَأَنَّهُ تَعَالَى لَوْ لَمْ يَبْعَثْ لِلنَّاسِ رَسُولًا لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَتُهُ تَعَالَى.
الثَّالِثُ: وَأَنَّهُ يُعْرَفُ الصَّانِعُ بِصِفَاتِهِ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ.
الرَّابِعُ: وَأَنَّ الْوُجُودَ وَالْوَاجِبَ عَيْنُ الذَّاتِ فِي التَّحْقِيقِ.
الْخَامِسُ: وَأَنَّ حُسْنَ بَعْضِ الْأُمُورِ وَقُبْحَهُ يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ.
السَّادِسُ: وَأَنَّ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ كُلِّهَا رَاجِعَةٌ إلَى صِفَةٍ ذَاتِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ هِيَ التَّكْوِينُ وَهُوَ مَبْدَأُ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ فَالْفِعْلِيَّةُ كَالذَّاتِيَّةِ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لَا اعْتِبَارِيَّةٌ قَدِيمَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى.
السَّابِعُ: وَكُلُّ صِفَةٍ ذَاتِيَّةٍ أَوْ فِعْلِيَّةٍ وَاجِبَةِ الْوُجُودِ لَيْسَتْ بِمُمْكِنَةٍ.
الثَّامِنُ: وَأَنَّ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ مِنْ نَحْوِ الْخَالِقِ الْبَارِئِ الرَّازِقِ لَهَا أَسْمَاءٌ غَيْرُ الْقُدْرَةِ بِلَا رُجُوعٍ إلَيْهَا بَلْ إلَى التَّكْوِينِ.
التَّاسِعُ: وَأَنَّ التَّكْوِينَ لَيْسَ عَيْنَ الْمُكَوَّنِ.
الْعَاشِرُ: وَأَنَّ الْبَقَاءَ لَيْسَ صِفَةً زَائِدَةً.
الْحَادِيَ عَشَرَ: وَالسَّمْعُ
стр. 247
وَالْبَصَرُ صِفَتَانِ غَيْرُ الْعِلْمِ بِالْمَسْمُوعِ، وَالْمُبْصَرِ.
الثَّانِي عَشَرَ: وَأَنَّ إدْرَاكَ الْمَشْمُومِ، وَالْمَذُوقِ، وَالْمَلْمُوسِ لَيْسَ صِفَةً غَيْرَ الْعِلْمِ فِي شَأْنِهِ تَعَالَى.
الثَّالِثَ عَشَرَ: وَأَنَّ أَفْعَالَهُ تَعَالَى مُعَلَّلَةٌ بِالْحِكَمِ، وَالْمَصَالِحِ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: وَأَنَّ الْإِرَادَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الرِّضَا، وَالْمَحَبَّةَ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: اللَّهُ مُتَكَلِّمٌ فِي الْأَزَلِ لَا مُكَلِّمٌ فِي الْأَزَلِ.
السَّادِسَ عَشَرَ: وَأَنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ أَعْظَمُ مِنْ بَعْضٍ.
السَّابِعَ عَشَرَ: وَأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ الْأَزَلِيُّ بِالْمَعْدُومِ.
الثَّامِنَ عَشَرَ: وَأَنَّ وُجُودَ الْأَشْيَاءِ بِالْإِيجَادِ لَا بِخِطَابِ كُنْ.
وَعَنْ الْبَزْدَوِيِّ هُوَ بِالْخِطَابِ، وَالْإِيجَادِ مَعًا.
التَّاسِعَ عَشَرَ: وَأَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ وَهُوَ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَيْضًا.
الْعِشْرُونَ: وَأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْإِيمَانِ لَا يَجُوزُ حَالًا وَاسْتِقْبَالًا.
الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: وَأَنَّ الشَّقِيَّ فِي الْحَالِ قَدْ يَسْعَدُ وَبِالْعَكْسِ.
الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: وَأَنَّهُ وَإِنْ جَازَ تَعَلُّقُ الرُّؤْيَةِ بِكُلِّ مَوْجُودٍ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعَلُّقُ السَّمَاعِ بِكُلِّ مَوْجُودٍ.
الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: وَأَنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَسْمَعْ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ بَلْ سَمِعَ كَلَامًا مُؤَلَّفًا مِنْ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ.
الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِمَا لَا يُطَاقُ.
الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْذِيبُ الْمُطِيعِ وَتَنْعِيمُ الْكَافِرِ عَقْلًا لِمُخَالَفَةِ الْحِكْمَةِ وَوَضْعِ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَكَذَا تَخْلِيدُ الْمُؤْمِنِ فِي النَّارِ وَتَخْلِيدُ الْكَافِرِ فِي الْجَنَّةِ.
السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: وَأَنَّهُ تَعَالَى لَا يُرَى فِي الْمَنَامِ وَإِنْ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى خِلَافِهَا بَلْ أَوَّلُوا كَلَامَ الشَّيْخِ.
السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ وَأَنَّهُ لَيْسَ الرُّؤْيَا خَيَالًا بَاطِلًا بَلْ نَوْعُ مُشَاهَدَةٍ لِلرُّوحِ تَحْقِيقِيَّةً أَوْ بِمِثَالِهِ.
الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: وَأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الَّتِي يَعْمَلُ بِهَا الْعَبْدُ الطَّاعَةَ هِيَ بِعَيْنِهَا الِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَعْمَلُ بِهَا الْمَعْصِيَةَ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْقُدْرَةُ الْوَاحِدَةُ صَالِحَةً لِلضِّدَّيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ.
التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: وَأَنَّ الْعِلْمَ الْوَاحِدَ يَتَعَلَّقُ بِمَعْلُومَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ.
الثَّلَاثُونَ: وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَعْدَ مَوْتِهِمْ أَيْضًا أَنْبِيَاءُ حَقِيقَةً.
الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْوَحْيِ أَوْ الرَّأْيِ أَوْ الِاجْتِهَادِ وَإِنْ اخْتَلَفَ فِي تَفْصِيلِهِ.
الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: وَأَنَّ إيمَانَ الْمُقَلِّدِ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا بِتَرْكِ الِاسْتِدْلَالِ.
الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي الْإِيمَانِ الِاسْتِدْلَالِيِّ الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ عَلَى جَمِيعِ الْمَسَائِلِ الِاعْتِقَادِيَّةِ بَلْ يَكْفِي الِابْتِنَاءُ عَلَى قَوْلِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكِنْ فِيهِ نَوْعُ تَأَمُّلٍ.
الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: وَأَنَّهُ لَيْسَ الِاسْمُ غَيْرَ الْمُسَمَّى بَلْ عَيْنُهُ.
الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: وَأَنَّ الْحِكْمَةَ مَا لَهُ عَاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ، وَالسَّفَهُ عَلَى ضِدِّهِ لَا مَا وَقَعَ عَلَى قَصْدِ فَاعِلِهِ وَضِدِّهِ وَلَا مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْفَاعِلِ أَوْ لِغَيْرِهِ وَضِدِّهِ.
السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: وَفِعْلُ الْعَبْدِ يُسَمَّى كَسْبًا لَا خَلْقًا أَقُولُ فِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا.
السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: وَفِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى يُسَمَّى خَلْقًا لَا كَسْبًا فَهُوَ أَيْضًا كَمَا تَرَى.
الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: وَاسْمُ الْفِعْلِ يَشْمَلُهُمَا عَلَى سَبِيلٍ بِلَا أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي خَلْقِ اللَّهِ وَمَجَازًا فِي كَسْبِ الْعَبْدِ.
التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: وَأَنَّ مَا وَقَعَ بِغَيْرِ الْآلَةِ فَخَلْقٌ وَبِالْآلَةِ فَكَسْبٌ وَقِيلَ مَا يَجُوزُ تَفَرُّدُ الْقَادِرِ بِهِ فَخَلْقٌ وَمَا لَا فَكَسْبٌ.
الْأَرْبَعُونَ: وَأَنَّ إحْسَاسَ الشَّيْءِ بِإِحْدَى الْحَوَاسِّ لَيْسَ عِلْمًا بِهِ بَلْ هُوَ آلَةٌ لَهُ.
الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: وَأَنَّ الذُّكُورَةَ شَرْطُ النُّبُوَّةِ.
الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: وَأَنَّ مَا حَصَلَ مِنْ الْأَلَمِ عَقِيبَ الضَّرْبِ وَمِنْ الِانْكِسَارِ عَقِيبَ الْكَسْرِ لَيْسَ بِفِعْلِ الْعَبْدِ لِاسْتِحَالَةِ اكْتِسَابِ مَا لَيْسَ بِقَائِمٍ فِي مَحَلِّ قُدْرَتِهِ.
الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَأَنَّ إفَادَةَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ بِمَجْمُوعِ الْكَسْبِ وَالْخَلْقِ لَا بِالْخَلْقِ فَقَطْ.
الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَأَنَّ قُدْرَةَ الْعَبْدِ مُؤَثِّرَةٌ فِي فِعْلِهِ لَا أَنَّ لَهُ قُدْرَةً غَيْرَ مُؤَثِّرَةٍ.
الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَأَنَّ الْعِلَلَ وَالْأَسْبَابَ مِثْلُ الْقُوَى وَالطَّبَائِعِ مُؤَثِّرَةٌ حَقِيقَةً لَا عَادِيَةً فِيمَا يَبْدُو مِنْهَا مِنْ الْآثَارِ.
السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ مَقْدُورٌ وَاحِدٌ بَيْنَ قُدْرَةِ قَادِرَيْنِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ الْأَشْعَرِيَّةِ أَيْضًا.
السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَأَنَّ الْأَرْوَاحَ لَيْسَتْ بِجِسْمٍ وَلَا جُثْمَانِيٍّ بَلْ هِيَ أُمُورٌ مُجَرَّدَةٌ عَنْ الْمَادَّةِ.
الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَأَنَّهُ يَعْرِفُ بَعْضَ الْأَحْكَامِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ
стр. 248
بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى الْعِلْمَ بِهِ إمَّا بِلَا كَسْبٍ كَوُجُوبِ تَصْدِيقِ النَّبِيِّ وَحُرْمَةِ الْكَذِبِ الضَّارِّ وَإِمَّا مَعَ الْكَسْبِ بِالنَّظَرِ وَتَرْتِيبِ الْمُقَدِّمَاتِ وَقَدْ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ.
التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَأَنَّ صِفَاتِهِ تَعَالَى بَاقِيَةٌ بِبَقَاءٍ هُوَ نَفْسُ تِلْكَ الصِّفَةِ.
الْخَمْسُونَ: وَأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْمُشَارَكَةِ فِي جَمِيعِ الْأَوْصَافِ.
الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ جِنْسٌ يَشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعِهِ مِنْ الْمُشَابَهَةِ، وَالْمُضَاهَاةِ، وَالْمُسَاوَاةِ وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْجِنْسِ عَلَى كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ جَائِزٌ، وَفِيهِ كَلَامٌ.
الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ: تُؤَوَّلُ الْمُشَابِهَاتُ إجْمَالًا وَيُفَوَّضُ تَفْصِيلُهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّ حُكْمَ الْمُتَشَابِهَاتِ انْقِطَاعُ رَجَاءِ مَعْرِفَةِ الْمُرَادِ مِنْهَا فِي هَذِهِ الدَّارِ.
الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّ الْقَضَاءَ، وَالْقَدَرَ غَيْرُ الْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ.
الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّهُمْ حَكَمُوا بِكُفْرِ مَنْ يَقُولُ النَّبِيُّ يَعْلَمُ الْغَيْبَ.
السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، وَالْحَقُّ وَاحِدٌ.
السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّ الدَّلِيلَ اللَّفْظِيَّ قَدْ يُفِيدُ الْيَقِينَ إنْ تَوَارَدَ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ عِنْدَ عَدَمِ صَارِفٍ.
الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّ الْمَحَبَّةَ بِمَعْنَى الِاسْتِحْمَادِ لَا مُطْلَقِ إرَادَةٍ فَلَا تَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ الطَّاعَةِ.
التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّهُ يَنْعَمُ الْكَافِرُ فِي الدُّنْيَا.
السِّتُّونَ: وَأَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ الْكَافِرُ بِأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ.
الْحَادِي وَالسِّتُّونَ: وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ مِنْ الصَّغَائِرِ عَمْدًا وَمِنْ الْكَبَائِرِ مُطْلَقًا.
الثَّانِي وَالسِّتُّونَ: وَأَنَّهُ يَصِحُّ إمَامَةُ الْمَفْضُولِ.
الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ: وَأَنَّ الْمَوْتَ فَسَادُ بِنْيَةِ الْحَيَوَانِ لَا عَدَمُ الْحَيَاةِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَوْ عَرْضٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ.
الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ: وَأَنَّ الْأَعْرَاضَ لَا تُعَادُ.
الْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ: وَأَنَّ تَوْبَةَ الْيَأْسِ مَقْبُولَةٌ.
السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ: وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُ مَا لَا يُقْبَلُ حُسْنُهُ أَوْ قُبْحُهُ السُّقُوطُ كَوُجُوبِ الْإِيمَانِ وَحُرْمَةِ الْكُفْرِ.
السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ: وَأَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ مَدْلُولَا الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِيمَا يُدْرَكُ عَقْلًا وَعِنْدَ الْبَعْضِ مُطْلَقًا لِحِكْمَةِ الْآمِرِ وَالنَّاهِي.
الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ: وَأَنَّ الْإِقْرَارَ جُزْءُ الْإِيمَانِ وَإِنْ شَرْطًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ كَالْأَشَاعِرَةِ.
التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ: وَإِنْ بَلَغَ فِي شَاهِقِ الْجَبَلِ وَلَمْ تَصِلْ إلَيْهِ الدَّعْوَةُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِيمَانُ بِالصَّانِعِ فِي مُدَّةِ الِاسْتِدْلَالِ دُونَ الْأَعْمَالِ بِحَسَبِ وُجُودِهِ وَوَحْدَتِهِ وَاتِّصَافِهِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ الْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ، وَالْإِرَادَةِ وَكَوْنِهِ مُحْدِثَ الْعَالَمِ وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ.
السَّبْعُونَ: وَأَنَّ الْعَقْلَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي إدْرَاكِ بَعْضِ الشَّرْعِيَّاتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْحُكْمِ.
الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ: وَأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا الْحَالَ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ.
الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ: وَأَنَّ إرْسَالَ الرُّسُلِ وَاجِبٌ بِمَعْنَى لِيَاقَةِ الْحِكْمَةِ فَقِيلَ فَنِزَاعٌ لَفْظًا.
الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ: وَالِاسْتِطَاعَةُ مَعَ الْفِعْلِ. أَقُولُ فِيهِ شَيْءٌ يَظْهَرُ بِالرُّجُوعِ إلَى شَرْحِ الْعَقَائِدِ نَعَمْ قَدْ يُنْسَبُ ذَلِكَ إلَى بَعْضِ الْأَشَاعِرَةِ خِلَافًا لِجُمْهُورِ الْأَشَاعِرَةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ هَذَا مَا يَحْضُرُ لَنَا مِنْ كُتُبِهِمْ إنْ كَانَ زَائِدًا عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ وَكَانَ بَعْضُ مَا ذُكِرَ رَاجِعًا إلَى بَعْضٍ آخَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ.
(تَذْيِيلٌ) لَا عَلَيْنَا أَنْ نُشِيرَ إلَى أَقَاوِيلِ الْفَلَاسِفَةِ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرْعِ إجْمَاعًا أَيْضًا لَأَنْ يُحْتَرَزَ عَنْهَا لِكَثْرَةِ اخْتِلَاطِهِمْ فِي الشَّرْعِيَّاتِ قَالُوا: الْأَوَّلُ أَنَّهُ تَعَالَى يَتَّصِفُ بِاللَّذَّةِ الْعَقْلِيَّةِ.
وَالثَّانِي وَأَنَّهُ مُوجِبٌ بِالذَّاتِ فَمَعْنَى قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ إنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَفْعَلْ لَا بِمَعْنَى يَصِحُّ الْفِعْلُ، وَالتَّرْكُ.
الثَّالِثُ: وَأَنَّ الْجِسْمَ مُرَكَّبٌ مِنْ الْهُيُولِيّ وَالصُّورَةِ لَا مِنْ الْأَجْزَاءِ الْفَرْدَةِ.
الرَّابِعُ: وَأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ وُجُودُ الْجُزْءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ.
الْخَامِسُ: وَأَنَّ الْأَفْلَاكَ قَدِيمَةٌ بِهُيُولَاهَا وَصُوَرِهَا النَّوْعِيَّةِ نَوْعًا وَشَخْصًا.
السَّادِسُ: وَأَنَّ الْعَنَاصِرَ قَدِيمَةٌ بِهُيُولَاهَا وَصُوَرِهَا النَّوْعِيَّةِ جِنْسًا لَا نَوْعًا وَلَا شَخْصًا.
السَّابِعُ: وَأَنَّ بُطْلَانَ التَّسَلْسُلِ مَخْصُوصٌ بِالْأَشْيَاءِ الْمَوْجُودَةِ الْمُرَتَّبَةِ الْمُجْتَمِعَةِ فِي الْوُجُودِ لَا أَنَّهُ مُحَالٌ مُطْلَقًا.
الثَّامِنُ وَأَنَّ السَّبْقَ مُنْحَصِرٌ فِي خَمْسٍ لَا سَادِسَ. التَّاسِعُ: لَا عَالَمَ وَرَاءَ الْعَالَمِ.
الْعَاشِرُ: وَالْخَلَاءُ مُحَالٌ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: وَالْمَكَانُ لَيْسَ بِبُعْدٍ مَوْهُومٍ بَلْ هُوَ السَّطْحُ الْبَاطِنُ مِنْ الْحَاوِي الْمُمَاسِّ لِلسَّطْحِ الظَّاهِرِ مِنْ الْمُحَوِّي.
الثَّانِي عَشَرَ: وَالْوُجُودُ الذِّهْنِيُّ ثَابِتٌ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: وَالْمَقُولَاتُ الْعَشْرُ مَوْجُودَاتٌ
стр. 249
خَارِجِيَّةٌ نَوْعًا أَوْ شَخْصًا عَلَى اخْتِلَافِهِمْ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: وَالْمُجَرَّدَاتُ ثَابِتَةٌ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: وَحَقِيقَةُ الْإِنْسَانِ أَمْرٌ مُجَرَّدٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ تَعَلُّقَ التَّدْبِيرِ، وَالتَّصَرُّفِ.
السَّادِسَ عَشَرَ: وَالْجَوَاهِرُ خَمْسَةٌ الْهُيُولِيّ، وَالصُّورَةُ، وَالْجِسْمُ الْمُرَكَّبُ مِنْهُمَا، وَالْعُقُولُ، وَالنُّفُوسُ.
السَّابِعَ عَشَرَ: وَالْجِنُّ، وَالشَّيَاطِينِ، وَالْمَلَائِكَةُ لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ إلَّا بِمُفَارَقَةِ النُّفُوسِ الْخَيِّرَةِ، وَالشِّرِّيرَةِ عَنْ أَبْدَانِهِمْ. الثَّامِنَ عَشَرَ، وَأَنَّ الْوُجُودَ عَيْنُ الذَّاتِ فِي الْوَاجِبِ زَائِدٌ فِي الْمُمْكِنِ لَا أَنَّهُ زَائِدٌ فِي الْكُلِّ.
التَّاسِعَ عَشَرَ وَأَنَّ إعَادَةَ الْمَعْدُومِ بِعَيْنِهِ مُمْتَنِعٌ.
الْعِشْرُونَ، وَالْحَادِثُ مُفْتَقِرٌ إلَى مَادَّةٍ وَمُدَّةٍ.
الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: وَالْحَشْرُ الْجُسْمَانِيُّ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ.
الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: وَالْمَعَادُ رُوحَانِيٌّ فَقَطْ.
الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: وَقِيَامُ الْعَرْضِ بِالْعَرْضِ جَائِزٌ.
الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: وَالْجَوْهَرُ لَا يَقْتَضِي التَّحَيُّزَ.
الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: وَأَنَّ الْأَجْسَادَ الْبَسِيطَةَ الطِّبَاعِ مُتَّصِلَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا هِيَ عِنْدَ الْحِسِّ.
السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: وَأَنَّهُ يَشْتَرِكُ فِي الثُّبُوتِ الْأَعْرَاضُ، وَالْأَحْوَالُ الْمُكْتَسَبَةُ بِالرِّيَاضَاتِ، وَالْمُجَاهَدَاتِ فِي الْخَلَوَاتِ، وَالِانْقِطَاعَاتِ، وَالِاسْتِعْدَادُ الذَّاتِيُّ مِنْ صَفَاءِ الْجَوْهَرِ وَذَكَاءِ الْفِطْرَةِ.
السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: وَأَنَّ الْمَقَادِيرَ أَيْ الْجِسْمَ التَّعَلُّمِيَّ، وَالسَّطْحَ، وَالْخَطَّ أُمُورٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْجِسْمِيَّةِ.
الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: وَالْحَوَادِثُ الَّتِي لَا أَوَّلَ لَهَا ثَابِتَةٌ.
التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: وَحَيَاتُهُ تَعَالَى صِحَّةُ اتِّصَافِهِ بِالْعِلْمِ فَهُوَ حَيٌّ لَا حَيَاةَ لَهُ.
الثَّلَاثُونَ: وَكَوْنُهُ سَمِيعًا وَبَصِيرًا وَهُوَ عِلْمُهُ تَعَالَى بِالْمَسْمُوعَاتِ، وَالْمُبْصِرَاتِ.
الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: وَالْحَوَاسُّ الْبَاطِنَةُ ثَابِتَةٌ فِي الْحَيَوَانِ.
الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: وَالْقَضَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ عِلْمِهِ تَعَالَى بِمَا يَنْبَغِي سُمُوًّا بِالْعِنَايَةِ.
الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: وَالْقَدَرُ عِبَارَةٌ عَنْ خُرُوجِ الْمَوْجُودَاتِ إلَى الْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ بِأَسْبَابِهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَقَرَّرَ فِي الْقَضَاءِ.
الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: وَاللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ هُوَ الْعَقْلُ الْفَعَّالُ أَوْ نَفْسُ الْفَلَكِ الْأَعْظَمِ.
الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: وَالْعِلْمُ حُصُولُ صُورَةِ الشَّيْءِ فِي الْعَقْلِ.
السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: وَأَنَّ حُصُولَ الضَّرُورِيَّاتِ فِينَا يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّوَجُّهِ، وَالْإِحْسَاسِ وَغَيْرِهِمَا.
السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: وَالْحَوَادِثُ الْأَرْضِيَّةُ مُسْتَنِدَةٌ إلَى الْأَوْضَاعِ الْفَلَكِيَّةِ.
الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: وَحُصُولُ الْعِلْمِ عَقِيبَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ إعْدَادِيٌّ فَالنَّظَرُ يُعِدُّ الذِّهْنَ، وَالنَّتِيجَةُ تُفِيضُ عَلَيْهِ.
التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: وَأَنَّ التَّعَيُّنَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ.
الْأَرْبَعُونَ: وَالسَّبَبُ الْمُحْوِجُ فِي الْمُمْكِنِ إلَى الْعِلَّةِ هُوَ الْإِمْكَانُ لَا الْحُدُوثُ.
الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ وَأَنَّ الْوَحْدَةَ، وَالْكَثْرَةَ أَمْرَانِ مَوْجُودَانِ.
الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ وَمَعْنَى الْجَوْهَرِ مَاهِيَّةٌ إذَا وُجِدَتْ كَانَتْ لَا فِي مَوْضُوعٍ.
الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ، وَالْعَرْضُ مَاهِيَّةٌ إذَا وُجِدَتْ كَانَتْ فِي مَوْضُوعٍ.
الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَالْمَوْجُودَاتُ فِي الْمَقُولَاتِ الْعَشْرِ.
الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَالْإِمْكَانُ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ.
السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ، وَالْوَاحِدُ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ.
السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَعَدَمُ الْعِلَّةِ عِلَّةٌ لِعَدَمِ الْمَعْلُولِ.
الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَكُلٌّ مِنْ الْوُجُودِ، وَالْعَدَمِ يَحْتَاجُ إلَى عِلَّةٍ مُرَجَّحَةٍ.
التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: وَيَجِبُ الْإِبْصَارُ عِنْدَ سَلَامَةِ الْحَاسَّةِ بِشُرُوطِهِ وَكَذَا سَائِرُهَا، وَالْأَعْرَاضُ النِّسْبِيَّةُ كُلُّهَا مَوْجُودَاتٌ خَارِجِيَّةٌ.
الْخَمْسُونَ: وَصِفَاتُهُ تَعَالَى عَيْنُ ذَاتِهِ.
الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي فِعْلِ الْعَبْدِ قُدْرَةُ الْعَبْدِ بِالْإِيجَابِ وَامْتِنَاعُ التَّخَلُّفِ.
الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ بَلْ يَعْلَمُ الْكُلِّيَّاتِ.
الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ: وَالنَّفْسُ لَا تُدْرِكُ الْجُزْئِيَّاتِ الْمَادِّيَّةَ بِالذَّاتِ.
الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّ لِلْحَيَوَانِ أَجَلًا طَبِيعِيًّا عِنْدَ تَحَلُّلِ الرُّطُوبَةِ وَانْطِفَاءِ الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّتَيْنِ وَأَجَلًا احْتِرَامِيًّا بِحَسَبِ الْآفَاتِ، وَالْأَمْرَاضِ.
الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ: وَرُسُلُ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ مِنْ رُسُلِ الْبَشَرِ بَلْ الْمَلَائِكَةُ مُطْلَقًا أَفْضَلُ مِنْ الْبَشَرِ مُطْلَقًا.
السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّهُ تَعَالَى لَا يُعْلَمُ ذَاتُهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُعْلَمُ غَيْرُهُ فَقَطْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُعْلَمُ غَيْرُ الْمُتَنَاهِي.
السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: وَالْخَرْقُ، وَالِالْتِئَامُ لِلْفُلْكِ مُمْتَنِعٌ.
الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْ اللَّهِ غَيْرُ
стр. 250
الْعَقْلِ الْأَوَّلِ.
التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ: وَأَنَّهُ يَجُوزُ قِيَامُ الْعَرْضِ بِالْعَرْضِ.
السِّتُّونَ: وَأَنَّ الْأَبْعَادَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ.
الْحَادِي وَالسِّتُّونَ: وَأَنَّ الْوُجُودَ مُشْتَرَكٌ مَعْنَوِيٌّ بَيْنَ الْمَوْجُودَاتِ.
الثَّانِي وَالسِّتُّونَ: وَأَنَّ الْوُجُودَ وَاحِدٌ فِي جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ وَغَيْرِهَا.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فِي مُنْقِذِ الضَّلَالِ مَجْمُوعُ مَا غَلِطُوا فِيهِ رَاجِعٌ إلَى عِشْرِينَ أَصْلًا يَجِبُ التَّكْفِيرُ فِي ثَلَاثَةٍ، وَالتَّبْدِيعُ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ وَلِإِبْطَالِ مَذْهَبِهِمْ صَنَّفْنَا التَّهَافُتُ وَتِلْكَ الثَّلَاثَةُ إنْكَارُ الْحَشْرِ الْجُسْمَانِيِّ، وَنَفْيُ عِلْمِ الْجُزْئِيَّاتِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَقَوْلُهُمْ بِقِدَمِ الْعَالَمِ، وَقَدْ أَوَّلَ الدَّوَانِيُّ مُحْتَجًّا بِالْغَيْرِ تَخْلِيصًا عَنْ الْكُفْرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الْعُلُومِ الْمَقْصُودَةِ لِغَيْرِهَا]
[النَّوْعُ الْأَوَّلُ فِي الْمَأْمُورِ بِهَا]
[الصِّنْفُ الْأَوَّلُ فِي الْعُلُومِ الَّتِي هِيَ فَرْضُ الْعَيْنِ]
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
مِنْ الْفُصُولِ الثَّلَاثَةِ لِلْبَابِ الثَّانِي مِنْ أَبْوَابِ الْكِتَابِ الثَّلَاثَةِ (فِي الْعُلُومِ الْمَقْصُودَةِ لِغَيْرِهَا) يَعْنِي لَا يَكُونُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ هُوَ نَفْسُهُ كَالِاعْتِقَادِيَّاتِ بَلْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ غَيْرِهِ كَالْفِقْهِ (وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مَأْمُورٌ بِهَا وَمَنْهِيٌّ عَنْهَا وَمَنْدُوبٌ إلَيْهَا النَّوْعُ الْأَوَّلُ فِي الْمَأْمُورِ بِهَا) بِالْأَمْرِ الْإِيجَابِيِّ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ الْأَمْرِ (وَهُوَ صِنْفَانِ الصِّنْفُ الْأَوَّلُ فِي) الْعُلُومِ الَّتِي هِيَ (فَرْضُ الْعَيْنِ) يَعْنِي تُفْرَضُ عَلَى أَعْيَانِ كُلِّ أَحَدٍ فَإِذَا عُلِمَ الْبَعْضُ لَا يَسْقُطُ عَنْ الْبَاقِينَ. لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ الْفَرْضِ مَا يَشْمَلُ الْوَاجِبَ أَيْضًا عَلَى طَرِيقِ عُمُومِ الْمَجَازِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْفَرْضَ مَا يَكُونُ فِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ مَعَ مَنْعِهِ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ. وَاجِبُ وَالْوَاجِبِ مَا يَكُونُ فِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ أَيْضًا لَكِنْ كَانَ مَنْعُهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ فَالْأَوَّلُ لَازِمٌ عِلْمًا وَعَمَلًا حَتَّى يَكْفُرَ جَاحِدُهُ، وَالثَّانِي لَازِمٌ عَمَلًا لَا عِلْمًا فَلَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ بَلْ يَفْسُقُ إنْ اسْتَخَفَّ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ وَأَمَّا إنْ مُؤَوَّلًا فَلَا وَيُعَاقَبُ تَارِكُهُمَا إلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ.
وَقَدْ يُطْلَقُ الْوَاجِبُ عَلَى مَا يَعُمُّ الْفَرْضَ.، وَالْوَاجِبُ بِمَعْنَى مَا يَكُونُ فِعْلُهُ أَوْلَى مَعَ مَنْعِ التَّرْكِ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا، وَالسُّنَّةُ مَا يَكُونُ فِعْلُهُ أَوْلَى بِلَا مَنْعٍ عَنْ تَرْكِهِ مَعَ كَوْنِهِ طَرِيقَةً مَسْلُوكَةً فِي الدِّينِ، وَالْمَنْدُوبُ، وَالنَّفَلُ مَا هُوَ أَوْلَى بِعَدَمِ الْمَنْعِ أَيْضًا لَكِنْ بِلَا طَرِيقَةٍ مَسْلُوكَةٍ، وَالسُّنَّةُ إمَّا فِي الْعِبَادَاتِ فَهَدْيٌ يُوجِبُ تَرْكُهُ كَرَاهَةً كَالْجَمَاعَةِ، وَالْأَذَانِ وَإِمَّا فِي الْعَادَاتِ فَزَوَائِدُ كَسَيْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي لِبَاسِهِ وَقِيَامِهِ وَقُعُودِهِ فَفِعْلُهُ فَضِيلَةٌ لَا كَرَاهَةَ فِي تَرْكِهِ وَقَدْ تُطْلَقُ السُّنَّةُ عَلَى غَيْرِ طَرِيقَتِهِ ﵊ كَسُنَّةِ الْعُمُرَيْنِ، وَالنَّفَلُ دُونَ سُنَّةِ الزَّوَائِدِ.، وَالْحَرَامُ مَا يَكُونُ تَرْكُهُ أَوْلَى مَعَ الْمَنْعِ عَنْ الْفِعْلِ.، وَالْمَكْرُوهُ مَا يَكُونُ تَرْكُهُ أَوْلَى مِنْ الْفِعْلِ بِلَا مَنْعٍ قَطْعِيٍّ عَنْ الْفِعْلِ.، وَالْمُبَاحُ مَا اسْتَوَيَا أَيْ الْفِعْلُ، وَالتَّرْكُ. وَالْحَرَامُ يُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ إنْ تَشَهَّى وَمَنَعَ مَعَ الْفُرْصَةِ. وَالْمَكْرُوهُ التَّحْرِيمِيُّ إلَى الْحُرْمَةِ أَقْرَبُ، وَالتَّنْزِيهِيُّ إلَى الْحِلِّ أَقْرَبُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ حَرَامٌ لَكِنْ بِغَيْرِ قَطْعِيٍّ (وَهُوَ عِلْمُ الْحَالِ) الضَّمِيرُ إلَى الْفَرْضِ فِي ضِمْنِ الْفُرُوضِ.
(قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا﴾ [النحل: ٤٣] أَيُّهَا الْمُكَلَّفُونَ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الظَّاهِرِيَّةِ، وَالْبَاطِنِيَّةِ ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣] أَيْ الْعِلْمِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ الْوُجُوبُ، وَالْأَصْلُ فِي الْمُطْلَقِ حَمْلُهُ عَلَى الْكَمَالِ فَكَمَالُ الْوُجُوبِ هُوَ الْفَرْضُ فَيُفْرَضُ عَلَى غَيْرِ الْعَالِمِ طَلَبُ الْعِلْمِ مِنْ الْعَالِمِ
стр. 251
وَفَرْضِيَّةُ الطَّلَبِ تَابِعَةٌ لِفَرْضِيَّةِ الْمَطْلُوبِ فَعِلْمُ الْحَالِ فَرْضٌ أَوْ يُقَالُ الْمَطْلُوبُ طَلَبُ عِلْمِ الْحَالِ بِحَذْفِ الْمُضَافِ لَكِنْ إنَّمَا يَثْبُتُ الْفَرْضُ بِهَذِهِ الْآيَةِ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الذِّكْرِ هُوَ الْعِلْمُ قَطْعًا وَمِنْ الْعِلْمِ عِلْمُ الْحَالِ قَطْعًا أَيْضًا وَكِلَاهُمَا مَحَلُّ عِنَايَةٍ فَافْهَمْ.
(وَخَرَّجَ مَجَّ) ابْنُ مَاجَهْ (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ تَبَايَنَتْ الْأَقْوَالُ وَتَنَاقَضَتْ الْآرَاءُ فِي هَذَا الْعِلْمِ الْمَفْرُوضِ عَلَى نَحْوِ عِشْرِينَ قَوْلًا وَكُلُّ فِرْقَةٍ تُقِيمُ عَلَى عِلْمِهَا وَكُلٌّ لِكُلٍّ مُعَارِضٌ وَبَعْضٌ لِبَعْضٍ مُنَاقِضٌ وَأَجْوَدُ مَا قِيلَ قَوْلُ الْقَاضِي مَا لَا مَنْدُوحَةَ عَنْ تَعَلُّمِهِ كَمَعْرِفَةِ الصَّانِعِ وَنُبُوَّةِ رُسُلِهِ وَكَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ فَرْضُ عَيْنٍ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الْمُرَادُ الْعِلْمُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ الَّذِي نَشَأَ عَنْهُ الْمَعَارِفُ الْقَلْبِيَّةُ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ بَلْ قَدْ يَكُونُ حِجَابًا مَانِعًا مِنْهُ وَإِنَّمَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ بِالْمُجَاهَدَةِ فَجَاهِدْ تُشَاهِدْ ثُمَّ أَطَالَ فِي تَقْرِيرِهِ بِمَا يَشْرَحُ الصُّدُورَ وَيَمْلَأُ الْقَلْبَ مِنْ النُّورِ ثُمَّ قَالَ عَنْ السُّهْرَوَرْدِيّ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الْعِلْمِ قِيلَ عِلْمُ الْإِخْلَاصِ، وَهُوَ مَعْرِفَةُ آفَاتِ النَّفْسِ وَخَدْعِ النَّفْسِ وَغُرُورِهَا وَشَهَوَاتِهَا يُخَرِّبُ مَبَانِيَ الْإِخْلَاصِ فَعِلْمُهُ فَرْضٌ. وَقِيلَ مَعْرِفَةُ الْخَوَاطِرِ مِنْ لَمَّةِ الْمَلَكِ وَمِنْ لَمَّةِ الشَّيْطَانِ وَقِيلَ عِلْمُ نَحْوِ الْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ وَقِيلَ عِلْمُ التَّوْحِيدِ وَقِيلَ عِلْمُ الْبَاطِنِ وَهُوَ مَا يَزْدَادُ بِهِ الْعَبْدُ يَقِينًا وَهُوَ الَّذِي يَكْتَسِبُهُ الْأَوْلِيَاءُ فَهُمْ وَارِثُو الْمُصْطَفَى.
قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ: الْعِلْمُ الْمَفْرُوضُ ثَلَاثَةٌ عِلْمُ التَّوْحِيدِ وَعِلْمُ السِّرِّ أَيْ الْقَلْبِ وَعِلْمُ الشَّرِيعَةِ وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
ثُمَّ قَالَ أَيْضًا عَنْ الْغَزَالِيِّ اخْتَلَفُوا وَتَجَاذَبُوا فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ فَالْمُتَكَلِّمُ يُحْمَلُ عَلَى عِلْمِ الْكَلَامِ، وَالْفَقِيهُ عَلَى الْفِقْهِ، وَالْمُفَسِّرُ، وَالْمُحَدِّثُ عَلَيْهِمَا، وَالنَّحْوِيُّ عَلَى عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ إذْ الشَّرْعُ إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] .
فَلَا بُدَّ مِنْ إتْقَانِ عِلْمِ الْبَيَانِ، وَالتَّحْقِيقِ حَمَلَهُ عَلَى مَا يَعُمُّ ذَلِكَ مِنْ عُلُومِ الشَّرْعِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي بَعْضِ رَسَائِلِهِ الْعُلُومُ الَّتِي هِيَ فَرْضُ عَيْنٍ ثَلَاثَةٌ:
عِلْمُ التَّوْحِيدِ مِقْدَارُ مَا يُعْرَفُ بِهِ ذَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتُهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ تَعَالَى وَتَصْدِيقُ نَبِيِّهِ فِي جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَعِلْمُ الْأَخْلَاقِ مِقْدَارُ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَعْظِيمُ اللَّهِ وَإِخْلَاصُ عَمَلِهِ وَإِصْلَاحُهُ. وَعِلْمُ الْفِقْهِ مَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ لَعَلَّ هَذَا هُوَ الْأَوْجَهُ فِي إرَادَةِ هَذَا الْمَقَامِ، وَآخِرُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرُ، وَاللُّؤْلُؤُ، وَالذَّهَبُ فَقَالَ شَارِحُهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ كُلَّ عِلْمٍ يَخْتَصُّ بِاسْتِعْدَادٍ وَلَهُ أَهْلٌ فَإِذَا وَضَعَهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ فَقَدْ ظَلَمَ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِيهِ أَيْضًا زَادَ قَوْلُهُ «وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ» قَالَ شَارِحُهُ حِكْمَتُهُ أَنَّ صَلَاحَ الْعَالَمِ مَنُوطٌ بِالْعَالِمِ وَتَمَامُهُ فِيهِ (وَقَالَ فِي تَعْلِيمِ الْمُتَعَلِّمِ) قِيلَ صَاحِبُهُ تِلْمِيذُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَمِنْ أَفَاضِلِ تَلَامِذَتِهِ (وَيُفْتَرَضُ) (عَلَى الْمُسْلِمِ طَلَبُ مَا) عَلِمَ (يَقَعُ لَهُ فِي حَالِهِ) فِعْلًا
стр. 252
وَتَرْكًا بَلْ اعْتِقَادًا (فِي أَيِّ حَالٍ كَانَ) سَفَرًا وَحَضَرًا صِحَّةً وَمَرَضًا فِي أَمْرِ الدِّيَانَاتِ، وَالْمُعَامَلَاتِ (فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ) أَيْ الْمُسْلِمِ (مِنْ الصَّلَوَاتِ) الْخَمْسِ الْمَكْتُوبَةِ، وَالْجُمُعَةِ (فَيُفْتَرَضُ عَلَيْهِ عِلْمُ مَا يَقَعُ لَهُ فِي صَلَاتِهِ بِقَدْرِ مَا يُؤَدِّي بِهِ فَرْضَ الصَّلَاةِ) فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ أَوْ فِي شَرَائِطِهَا صِحَّةً وَفَسَادًا إذْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ وَاجِبٌ (وَيَجِبُ) مِنْ الْوُجُوبِ مُقَابِلُ الْفَرْضِ (عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يُؤَدِّي بِهِ الْوَاجِبَ) إذْ الْعِلْمُ تَابِعٌ لِلْمَعْلُومِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ (لِأَنَّ)
عِلْمَ (مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إلَى إقَامَةِ الْفَرْضِ) (يَكُونُ فَرْضًا وَ) عِلْمُ (مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إلَى إقَامَةِ الْوَاجِبِ) (يَكُونُ وَاجِبًا) الْأَوَّلُ دَلِيلٌ لِلْأَوَّلِ، وَالثَّانِي لِلثَّانِي فَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ عِلْمَ السُّنَّةِ سُنَّةٌ، وَالْمُسْتَحَبُّ مُسْتَحَبٌّ (وَكَذَلِكَ فِي الصَّوْمِ، وَالزَّكَاةِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ) قَدْرَ نِصَابٍ فَارِغٍ عَنْ دَيْنِهِ وَحَوَائِجِهِ (وَالْحَجُّ إنْ وَجَبَ) الظَّاهِرُ هُنَا إنْ فُرِضَ (عَلَيْهِ) فَمَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ وُجُوبُهُمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ عِلْمُهُمَا وَكَذَا سَائِرُهَا فَلَا يَجِبُ عِلْمُهُمَا عَلَى الْفَقِيرِ (وَكَذَلِكَ فِي الْبُيُوعِ إنْ كَانَ يَتَّجِرُ) أَيْ مِنْ أَهْلِ التِّجَارَةِ فَيَجِبُ عَلَى التَّاجِرِ أَنْ يَعْلَمَ أَحْكَامَ الْبُيُوعِ صِحَّةً وَنَفَاذًا وَفَسَادًا وَبُطْلَانًا حِلًّا وَحُرْمَةً وَرِبًا وَغَيْرِهَا.
قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ السِّرَاجِيَّةِ لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالتِّجَارَةِ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَحْكَامَ الْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ (انْتَهَى) كَلَامُ تَعْلِيمِ الْمُتَعَلِّمِ (ثُمَّ قَالَ) أَيْ فِي تَعْلِيمِ الْمُتَعَلِّمِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ أَوْ فِي هَذَا الْمَحَلِّ لَكِنْ بَعْدَ كَلَامٍ آخَرَ وَإِلَّا فَالْقَطْعُ مَعَ كَلِمَةٍ ثُمَّ لَيْسَ بِحَسَنٍ.
(وَكُلُّ مَنْ اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ) نَحْوُ الْإِجَارَةِ، وَالْمُزَارَعَةِ، وَالْمُسَاقَاةِ، الْوَدِيعَةِ، وَالْعَارِيَّةِ (وَالْحِرَفِ) جَمْعُ حِرْفَةٍ بِمَعْنَى الصَّنْعَةِ (يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ التَّحَرُّزُ عَنْ الْحَرَامِ فِيهِ) أَيْ عِلْمٌ يُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ.
وَعَنْ الْبَزَّازِيَّةِ: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالتِّجَارَةِ مَا لَمْ يَحْفَظْ كِتَابَ الْبُيُوعِ وَكَانَ التُّجَّارُ فِي الْقَدِيمِ إذَا سَافَرُوا اسْتَصْحَبُوا مَعَهُمْ فَقِيهًا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ فِي أُمُورِهِمْ.
وَعَنْ أَئِمَّةِ خُوَارِزْمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلتَّاجِرِ مِنْ فَقِيهٍ صَدِيقٍ (وَكَذَلِكَ) تَوْسِيطٌ لِلْمُغَايَرَةِ فِيمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ (يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ عِلْمُ أَحْوَالِ الْقَلْبِ مِنْ التَّوَكُّلِ) تَفْوِيضِ الْأَمْرِ إلَى اللَّهِ، وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ تَعَالَى قِيلَ هُوَ السُّكُوتُ تَحْتَ أَقْدَارِ اللَّهِ تَعَالَى (وَالْإِنَابَةِ) الرُّجُوعِ إلَيْهِ تَعَالَى (وَالْخَشْيَةِ) الْخَوْفِ بِسَبَبِ الْمَعْرِفَةِ.
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنِّي لَأَعْرَفُكُمْ بِاَللَّهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً»
стр. 253
(وَالرِّضَا) عَنْهُ تَعَالَى فِي كُلِّ أَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ بِأَنْ يُسِرَّ فِي الْقَلْبِ بِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ النَّوَازِلِ (فَإِنَّهُ) أَيْ الْمُسْلِمُ (وَاقِعٌ) مُدَّةَ عُمُرِهِ (فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ انْتَهَى ثُمَّ قَالَ) فِي تَعْلِيمِ الْمُتَعَلِّمِ (وَكَذَلِكَ) الْحُكْمُ (فِي سَائِرِ الْأَخْلَاقِ نَحْوُ الْجُودِ، وَالْبُخْلِ، وَالْجُبْنِ) بِضَمِّ الْجِيمِ الْخَوْفُ فِي مَعَارِكِ الْخَوْفِ (وَالْجَرَاءَةِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ ضِدُّ الْجُبْنِ (وَالتَّكَبُّرِ، وَالتَّوَاضُعِ، وَالْعِفَّةِ) التَّعَفُّفِ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ (وَالْإِسْرَافِ) أَيْ الْخُرُوجِ عَنْ حَدِّ الْوَسَطِ، وَالِاعْتِدَالِ (وَ) ضِدِّهِ (التَّقْتِيرِ) أَيْ التَّقْلِيلِ (وَغَيْرِهَا) مِنْ الْأَخْلَاقِ حَمِيدَةً أَوْ ذَمِيمَةً (فَإِنَّ الْكِبَرَ، وَالْبُخْلَ، وَالْجُبْنَ، وَالْإِسْرَافَ حَرَامٌ وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهَا إلَّا بِعِلْمِهَا، وَعِلْمِ مَا يُضَادُّهَا) مِمَّا ذُكِرَ حَتَّى يَكُونَ الْمُكَلَّفُ تَارِكَهَا بِقَصْدِهِ وَاخْتِيَارِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُجَاهَدَةً مِنْهُ فِي نَفْسِهِ فَإِنَّ الْمُجَاهَدَةَ فِي النَّفْسِ عِبَادَةٌ وَلَا تَحْصُلُ لِأَحَدٍ إلَّا بِالْعِلْمِ وَهِيَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ (فَيُفْتَرَضُ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ عِلْمُهَا) لِيُؤَدِّيَ بِهِ فَرْضَهَا. قِيلَ عَنْ الشَّاذِلِيِّ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتَوَغَّلْ فِي عِلْمِنَا هَذَا مَاتَ مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِرِ (انْتَهَى) كَلَامُ تَعْلِيمِ الْمُتَعَلِّمِ أُورِدَ عَلَى قَوْلِهِ فَيُفْتَرَضُ أَنَّ اللَّازِمَ هُوَ الْوُجُوبُ لَا الِافْتِرَاضُ لِثُبُوتِهِ بِالِاجْتِهَادِ فَظَنِّيٌّ لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ إلَّا أَنْ يُرَادَ التَّجَوُّزُ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الثَّوَابِ بِالْإِتْيَانِ، وَالْعِقَابِ بِالتَّرْكِ. أَقُولُ يُقَالُ لِلْوَاجِبِ فَرْضًا عَمَلِيًّا بَلْ قَدْ تَرَى الْأُصُولِيِّينَ يُطْلِقُونَ الْفَرْضَ عَلَى الْوَاجِبِ كَالْعَكْسِ عَلَى أَنَّ كَوْنَ ثُبُوتِهِ بِالِاجْتِهَادِ مَمْنُوعٌ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ إلَّا بِالنَّظَرِ، وَالِاسْتِدْلَالِ الَّذِي لَا يَخْتَصُّ فَهْمُهُ بِالْمُجْتَهِدِ وَأَنَّ كُلَّ مَا يَثْبُتُ بِالِاجْتِهَادِ لَا يَلْزَمُ ظَنِّيَّتُهُ بَلْ يَجُوزُ كَوْنُهُ قَطْعِيًّا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ (حَاصِلُهُ) كَلَامُ تَعْلِيمِ الْمُتَعَلِّمِ كُلُّهُ (أَنَّ الْعِلْمَ تَابِعٌ لِلْمَعْلُومِ فَإِنْ كَانَ) الْمَعْلُومُ (فَرْضًا أَوْ حَرَامًا فَفَرْضٌ) أَيْ فَالْعِلْمُ بِهِ فَرْضٌ لِلِامْتِثَالِ فِي الْأَوَّلِ، وَالِاجْتِنَابِ فِي الثَّانِي (وَإِنْ وَاجِبًا أَوْ مَكْرُوهًا فَوَاجِبٌ) أَيْ فَتَعَلُّمُهُ وَاجِبٌ لِلْإِقْدَامِ فِي الْأَوَّلِ، وَالْكَفِّ فِي الثَّانِي هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قُرِّرَ فِي الْأُصُولِ مِنْ أَنَّ وُجُوبَ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ تَرْكِهِ وَحُرْمَةُ الشَّيْءِ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَرْكِهِ.
قَالَ فِي التَّلْوِيحِ هَذَا مِمَّا لَا يُتَصَوَّرُ النِّزَاعُ فِيهِ (وَإِنْ) كَانَ الْمَعْلُومُ (سُنَّةً) فَتَعَلُّمُهُ (سُنَّةٌ وَإِنْ نَفْلًا فَنَفْلٌ وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ) فِي الْفَرْضِ، وَالْحَرَامُ فَرْضٌ، وَفِي الْوَاجِبِ وَاجِبٌ، وَفِي السُّنَّةِ سُنَّةٌ، وَفِي النَّفْلِ نَفْلٌ وَإِنْ مَكْرُوهًا فَمَنْدُوبٌ.
قَالَ الْعَضُدُ الْعَلَّامَةُ فِي عَقَائِدِهِ: وَشَرْطُ وُجُوبِهِ وَنَدْبِهِ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى الْفِتْنَةِ.
قَالَ الدَّوَانِيُّ: فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْفِتْنَةِ لَمْ يَجِبْ وَلَمْ يُنْدَبْ بَلْ رُبَّمَا كَانَ حَرَامًا بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يَحْضُرَ الْمُنْكَرَ وَيَعْتَزِلَ فِي بَيْتِهِ لِئَلَّا يَرَاهُ وَلَا يَخْرُجُ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَلَا تَلْزَمُ الْهِجْرَةُ إلَّا إذَا كَانَ عُرْضَةً لِلْفَسَادِ. ثُمَّ قَالَ الْعَلَّامَةُ أَيْضًا: وَأَنْ يَظُنَّ قَبُولَهُ فَقَالَ الدَّوَانِيُّ أَيْضًا: وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ قَبُولَهُ لَمْ يَجِبْ سَوَاءٌ ظَنَّ عَدَمَ الْقَبُولِ أَوْ شَكَّ فِي الْقَبُولِ وَعَدَمِهِ وَهَذَا ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ.
وَفِي الْأَخِيرِ تَأَمُّلٌ وَإِذَا لَمْ يَجِبْ لِعَدَمِ ظَنِّ الْقَبُولِ وَلَمْ يَخَفْ الْفِتْنَةَ فَيُسْتَحَبُّ إظْهَارُ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ (غَيْرَ أَنَّهُمَا) أَيْ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ (عَلَى سَبِيلِ الْكِفَايَةِ وَعِلْمُ الْحَالِ عَلَى سَبِيلِ الْعَيْنِ، وَمِنْهُ اعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالْجَمَاعَةِ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ وَ)
стр. 254
كَذَلِكَ (تَنْوِيرُهُ) أَيْ إنَارَتُهُ (بِالِاسْتِدْلَالِ لِلْخُرُوجِ عَنْ التَّقْلِيدِ) ، وَالتَّقْلِيدُ وَإِنْ جَائِزًا عِنْدَنَا لَكِنْ يُؤْثَمُ قَالَ فِي الْأُصُولِ لَا تَقْلِيدَ فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ عِنْدَنَا لِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَعْرِفَةِ بِالصَّانِعِ وَإِنْ جَائِزًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيِّ وَوَاجِبًا عِنْدَ طَائِفَةٍ كَمَا فِي زُبْدَةِ الْوُصُولِ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ لَكِنْ كَوْنُ عِلْمِ الْحَالِ سِيَّمَا مَا فِي مُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ فُرُوضِ الْعَيْنِ عَلَى إطْلَاقِهِ مَنْظُورٌ فِيهِ لَا سِيَّمَا مَا يَجِبُ تَنْوِيرُهُ إذْ سَيُسْمَعُ مِنْ الصِّنْفِ كَوْنُ ذَلِكَ عَلَى الْكِفَايَةِ.
قَالَ الدَّوَانِيُّ: يَجِبُ عَلَى الْكِفَايَةِ تَفْصِيلُ الدَّلَائِلِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ إزَالَةِ الشُّبْهَةِ وَإِلْزَامِ الْمُعَانِدِينَ وَإِرْشَادِ الْمُسْتَرْشِدِينَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ حَدٍّ مِنْ الْمَسَافَةِ الْقُصْوَى مِنْ شَخْصٍ مُتَّصِفٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَيُسَمَّى الْمَنْصُوبُ بِالذَّبِّ وَيَحْرُمُ عَلَى الْإِمَامِ إخْلَاءُ الْمَسَافَةِ الْقُصْوَى عَنْ مِثْلِ هَذَا الشَّخْصِ كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ إخْلَاءُ مَسَافَةِ الْعَدْوَى عَنْ الْعَالِمِ بِظَوَاهِرِ الشَّرِيعَةِ، وَالْأَحْكَامِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْعَامَّةُ وَإِلَى اللَّهِ الْمُشْتَكَى مِنْ زَمَانٍ انْطَمَسَ فِيهِ مَعَالِمُ الْعِلْمِ، وَالْفَضْلِ وَعَمَرَ فِيهِ مَرَابِطُ الْجَهْلِ وَتَصَدَّى لِرِيَاسَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالتَّمَيُّزِ مَنْ عُرِّيَ عَنْ الْعِلْمِ، وَالتَّمَيُّزِ مُتَوَسِّلًا فِي ذَلِكَ بِالْحَوْمِ حَوْلَ الظُّلْمَةِ ثُمَّ قَالَ مَا قَالَ.
[الصِّنْفُ الثَّانِي فِي فَرْضُ الْكِفَايَةِ]
(الصِّنْفُ الثَّانِي)
مِنْ صِنْفَيْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ (فِي) عُلُومٍ هِيَ (فَرْضُ الْكِفَايَةِ) بِحَيْثُ إذَا عَلِمَهَا الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ وَإِذَا تَرَكَ الْكُلُّ أَثِمُوا.
قَالَ حَفِيدٌ السَّعْدُ فِي أُنْمُوذَجِ الْعُلُومِ: الْقِيَامُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنْ الْقِيَامِ بِفَرْضِ الْعَيْنِ.
وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إنَّ قِيَاسَ مَا ذَكَرُوهُ يَقْتَضِي تَفْضِيلَ سُنَّةِ الْكِفَايَةِ كَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَابْتِدَاءِ السَّلَامِ عَلَى سُنَّةِ الْعَيْنِ. ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَيْهِ بِأَنَّ جَعْلَ التَّشْمِيتَ أَفْضَلَ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَجَعَلَ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ أَفْضَلَ مِنْ الْمَفْرُوضَةِ بَعِيدٌ وَأَنَّ عَدَمَ صِحَّةِ النِّيَابَةِ فِي الْعَيْنِ يُشْعِرُ بِشَرَفِهِ يُرَدُّ عَلَيْهِ: إنَّ تَرْكَ الْوَاحِدِ وَاحِدَةً مِنْ الْمَفْرُوضَةِ لَيْسَ كَتَرْكِ الْعَامَّةِ صَلَاةَ جِنَازَةٍ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ الشَّنَاعَةَ فِي هَذَا أَكْثَرُ.
وَقِيلَ أَيْضًا: إنَّ مَا فُرِضَ حَقًّا لِلنَّفْسِ فَقَطْ فَأَهَمُّ عِنْدَهَا، وَأَشَقُّ فَأَفْضَلُ وَمَا فُرِضَ لِلْعَامَّةِ، وَالْآتِي وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَالْأَمْرُ إذَا عَمَّ خَفَّ وَإِذَا خَصَّ ثَقُلَ.
وَعَنْ الْعَيْنِيِّ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْكِفَايَةَ لِإِسْقَاطِ الْحَرَجِ عَنْ الْأُمَّةِ وَبِالتَّرْكِ يَعْصِي كُلُّ الْأُمَّةِ كَانَ أَفْضَلَ (وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ غَيْرِهِ أَعْنِي الْفِقْهَ كُلَّهُ) وَرَاءَ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ سَابِقًا مِنْ قَدْرِ عِلْمِ الْحَالِ فَلَوْ تَرَكَ قَوْلَهُ كُلَّهُ لَكَانَ أَوْلَى لِإِيهَامِهِ شُمُولَ هَذَا النَّوْعِ وَهُوَ فَرْضٌ وَلَوْ أُرِيدَ مِنْ الْفِقْهِ مَا هُوَ مُصْطَلَحُ الْأُصُولِيِّ مِنْ عِلْمِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا عَنْ دَلِيلِهَا وَأَبْقَى لَفْظَ الْكُلِّ عَلَى ظَاهِرِهِ لَمْ يَبْعُدْ.
وَأَيْضًا لَوْ جَعَلَ ذَلِكَ قَيْدًا لِقَوْلِهِ بِحَالِ غَيْرِهِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ أَيْضًا لَعَلَّ وَجْهَ التَّأْكِيدِ الشُّمُولُ إلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْفِقْهِ عِبَادَاتٌ وَمُعَامَلَاتٌ وَدِيَانَاتٌ (وَعِلْمَ التَّفْسِيرِ) أَيْ مَعَانِي الْقُرْآنِ (وَالْحَدِيثِ) مَعَانِي أَقْوَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِاحْتِمَالِ ظُهُورِ مُخَالِفٍ يَحْتَجُّ بِظَاهِرِ آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ بِمَعْنًى غَيْرِ مُرَادٍ أَوْ ظُهُورِ شُبْهَةٍ لِشَخْصٍ فَيَحْتَاجُ إلَى حَلِّهِ يَشْكُلُ بِأَنَّ مَعْرِفَةَ مَعَانِي الْقُرْآنِ، وَالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ إنَّمَا تَتَيَسَّرُ لِلْمُجْتَهِدِ، وَالْمُجْتَهِدُ فِي زَمَانِنَا مُنْقَرِضٌ وَقَدْ أَغْنَى عَنْهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى زَمَانِنَا عِلْمُ الْكَلَامِ، وَالْفِقْهِ وَأَنَّ أَدِلَّةَ الْمُقَلِّدِ لَيْسَتْ إلَّا قَوْلَ الْمُجْتَهَدِ.
وَلِهَذَا إذَا ظَهَرَ التَّعَارُضُ بَيْنَ أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ وَبَيْنَ آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ فَيُقَدَّمُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَتَهُ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ لِلْمُجْتَهِدِ فَلَعَلَّ لِتِلْكَ الْآيَةِ مَثَلًا مُعَارِضًا أَوْ مُخَصَّصًا أَوْ تَأْوِيلًا أَوْ نَاسِخًا اطَّلَعَ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ وَلَمْ تَطَّلِعْ أَنْتَ (وَالْأُصُولِيِّينَ) بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ أَيْ عِلْمِ الْكَلَامِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ لِاحْتِمَالِ ظُهُورِ مُبْتَدِعٍ فِي الِاعْتِقَادِ أَوْ مُشَكِّكٍ فِي الْفِقْهِ يَشْكُلُ أَيْضًا أَنَّ الْأُصُولَ مُخْتَصٌّ بِالْمُجْتَهِدِ وَأَنَّ أَثَرَهُ هُوَ الِاجْتِهَادُ وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالْفَقِيهِ وَقَدْ عَرَفْت انْقِرَاضَهُ وَعَدَمَ إمْكَانِهِ فِي زَمَانِنَا. وَقَدْ قِيلَ بِانْقِرَاضِ الِاجْتِهَادِ فِي سَنَةِ أَرْبَعِمِائَةٍ إلَّا أَنْ يُدَّعَى عَدَمُ انْقِرَاضِ الْمُجْتَهِدِ فِي الْمَذْهَبِ بِجَوَازِ تَحَرِّي الِاجْتِهَادِ وَلَوْ مَذْهَبًا مَرْجُوحًا (وَالْقِرَاءَةُ) الظَّاهِرُ بِجَمِيعِ الْقِرَاءَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَالْمَشْهُورَةِ بَلْ الْآحَادُ، وَالشُّذُوذُ لِئَلَّا يَلْزَمَ نَفْيُ قُرْآنِيَّةِ مَا كَانَ قُرْآنًا
стр. 255
وَإِثْبَاتُ الْقُرْآنِيَّةِ فِيمَا لَا يَكُونُ قُرْآنًا.
قَالَ الْجَعْبَرِيُّ نَقْلُ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ لِأَنَّهَا أَبْعَاضُ الْقُرْآنِ وَقَدْ كَانَ كُلُّ الْقُرْآنِ فَرْضَ كِفَايَةٍ فَبَعْضُهُ أَيْضًا كَذَلِكَ وَأَمَّا قِرَاءَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ جُمْلَةِ الْقِرَاءَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ فِي قَدْرِ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فَفَرْضُ عَيْنٍ. وَقِيلَ وَمِنْ عِلْمِ الْقِرَاءَةِ: عِلْمُ التَّجْوِيدِ لَكِنْ نُقِلَ عَنْ الْجَزَرِيِّ وَعَلِيٍّ الْقَارِي وَتَسْهِيلِ التَّجْوِيدِ أَنَّ أَخْذَ الْقُرْآنِ بِالتَّجْوِيدِ عَنْ فَمِ الْمُحْسِنِ الْحَاذِقِ فَرْضُ عَيْنٍ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ أَيْضًا (وَأَمَّا) عِلْمُ (الْحِسَابِ) (فَمُحْتَاجٌ إلَيْهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ) أَيْ الشَّرْعِيَّةِ إنَّمَا فَصَّلَهُ بِكَلِمَةِ أَمَّا لِعَدَمِ الْجَزْمِ فِيهِ قَطْعًا لِعَدَمِ الرِّوَايَةِ عَنْ الْأَئِمَّةِ نَصًّا بَلْ إنَّمَا خَرَّجَهُ مِنْ قَوَاعِدِهِمْ رَأْيًا بَلْ تَقْرِيبًا (خُصُوصًا) أَيْ أَخُصُّ خُصُوصًا (الْفَرَائِضَ) بِمُشَارَكَةِ الْغَيْرِ فِي أَصْلِ الِاحْتِيَاجِ كَأَمْوَالِ الزَّكَاةِ، وَالدِّيَاتِ، وَالْإِقْرَارِ، وَالْوَصَايَا (فَلِذَا قَالُوا هُوَ رُبْعُ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ نِصْفُ الْفَرَائِضِ) ؛ لِأَنَّ الْفَرَائِضَ نِصْفُ الْعِلْمِ، وَالْحِسَابَ نِصْفُ الْفَرَائِضِ، وَنِصْفُ النِّصْفِ رُبْعٌ (فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ) الْحِسَابُ (فَرْضَ كِفَايَةٍ) إذْ عِلْمُ الْفَرَائِضِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَتَرْتِيبُ دَلِيلِهِ أَنَّ الْحِسَابَ شَيْءٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ عِلْمُ الْفَرَائِضِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَكُلُّ شَيْءٍ شَأْنُهُ كَذَا فَفَرْضُ كِفَايَةٍ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ الْفَرَائِضُ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ أَصْلِ الْحِسَابِ الْمُتَدَاوَلِ فِي أَفْوَاهِ الْعَوَامّ بِلَا مُرَاجَعَةٍ إلَى قَوَاعِدِ عِلْمِ الْحِسَابِ كَمَا تَرَى كَثِيرًا يُحَصِّلُونَهُ بِلَا مَعْرِفَةِ عِلْمِ الْحِسَابِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ مَا ذَكَرُوا فِي أَثْنَاءِ مَبَاحِثِ مَسَائِلِ الْفَرَائِضِ سِيَّمَا الْمُنَاسَخَةُ مِنْ نَحْوِ التَّمَاثُلِ وَالتَّدَاخُلِ هُوَ مِنْ عِلْمِ الْحِسَابِ، وَالْفَرْضِيَّةُ فِي الْحِسَابِ لَا بِحَسَبِ جَمِيعِ أَجْزَائِهِ بَلْ بِمُطْلَقِهِ وَلَوْ وُجِدَ فِي ضِمْنِ أَقَلَّ أَجْزَائِهِ (وَقَدْ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ بِهِ) أَيْ بِكَوْنِهِ فَرْضَ كِفَايَةٍ (فِي الْإِحْيَاءِ) .
فَإِنْ قِيلَ الْغَزَالِيُّ مِنْ مَشَايِخِ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَطْلُوبُ مِنْ مَسَائِلِ الْحَنَفِيَّةِ فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ الْمَطْلُوبُ. قُلْنَا لَعَلَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ عَلَى وَفْقِ قَاعِدَتِنَا وَنَهْجِ قِيَاسِنَا أَوْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي مَسْأَلَةٍ لَمْ يَقَعْ فِيهَا نَصُّ أَصْحَابِنَا وَلَمْ يُخَالِفْ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ وَقِيَاسِهِمْ أَنْ يَعْمَلَ بِمَذْهَبِ مُخَالِفِينَا لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ فِي مُنْقِذِ الضَّلَالِ مِنْ أَنَّ الْعِلْمَ الرِّيَاضَيَّ مِنْ الْفَلْسَفِيَّةِ تَعَلَّقَ بِعِلْمِ الْحِسَابِ، وَالْهَنْدَسَةِ وَعِلْمِ هَيْئَةِ الْعَالَمِ وَلَيْسَ يَتَعَلَّقُ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا لَكِنْ تَطَرَّقَ إلَيْهِ آفَتَانِ إلَى آخِرِ مَا قَالَ وَجَزَمَ فِي الْأَشْبَاهِ بِحُرْمَةِ عِلْمِ الْفَلْسَفَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ عَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِالدِّينِ مَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَاتِهِ وَبِكَوْنِهِ فَرْضَ كِفَايَةٍ بِالنَّظَرِ إلَى تَوَقُّفِ أَمْرٍ شَرْعِيٍّ عَلَيْهِ فَتُطْرَقُ الْآفَةُ مِنْ أَمْرٍ عَرَضِيٍّ لَا يَضُرُّ (وَأَمَّا) (عُلُومُ الْعَرَبِيَّةِ) وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ: عِلْمًا النَّحْوُ، وَالصَّرْفُ، وَالْمَعَانِي، وَالْبَيَانُ، وَاللُّغَةُ، وَالِاشْتِقَاقُ، وَالْعَرُوضُ، وَالْقَافِيَةُ وَهَذِهِ الثَّمَانِيَةُ أُصُولٌ، وَالْبَاقِيَةُ فُرُوعٌ وَهُوَ عِلْمُ: الْخَطِّ، وَقَرِيضُ الشِّعْرِ، وَالْإِنْشَاءُ، وَالْمُحَاضَرَاتُ، وَالتَّوَارِيخُ (فَفِي بُسْتَانِ الْعَارِفِينَ) لِأَبِي اللَّيْثِ (اعْلَمْ أَنَّ الْعَرَبِيَّةَ لَهَا فَضْلٌ عَلَى سَائِرِ الْأَلْسِنَةِ) .
وَقَالَ بَعْضُ الْأَسَاتِذَةِ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ أُصُولِ اللُّغَاتِ. قِيلَ: سَبْعَةٌ الصِّينُ، وَالْهِنْدُ، وَالسُّودَانُ، وَالرُّومُ، وَالتُّرْكُ، وَالْعَرَبُ وَلَمْ يَذْكُرْ السَّابِعَةَ وَلَعَلَّهَا السُّرْيَانِيَّةُ لُغَةُ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ وَكُلُّ هَذِهِ اللُّغَاتِ قَدْ عَلَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ﵊. وَأَمَّا الْعَرَبِيَّةُ فَلَهَا مَزِيَّةٌ عَلَى بَاقِيهَا حَتَّى يُكْرَهَ التَّكَلُّمُ بِغَيْرِهَا لِمَنْ يُحْسِنُهَا. قِيلَ عَنْ الْمُبْتَغَى: لِسَانُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْعَرَبِيَّةُ، وَالْفَارِسِيَّةُ وَقَدْ يُزَادُ الدُّرِّيَّةُ. وَقِيلَ النَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ بِالسُّرْيَانِيَّةِ وَبَعْدَهُ فِيهَا بِالْعَرَبِيَّةِ.
أَقُولُ نُقِلَ عَنْ الْكَافِي كَمَا فِي الْمُبْتَغَى وَأَيْضًا عَنْ الدَّيْلَمِيِّ إذَا أَرَادَ أَمْرًا فِيهِ لِينٌ أَوْحَى بِهِ إلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ بِالْفَارِسِيَّةِ.
قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ وَكِلَاهُمَا مَوْضُوعٌ فَإِنَّهُ مُعَارَضٌ بِحَدِيثٍ صَحِيحٍ مَرْفُوعٍ «أَحِبُّوا الْعَرَبَ لِثَلَاثٍ فَإِنِّي عَرَبِيٌّ وَكَلَامُ اللَّهِ عَرَبِيٌّ وَلِسَانُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَدْ كَانَ آدَم لَا يَتَكَلَّمُ فِيهَا إلَّا بِهِ فَلَمَّا أُهْبِطَ تَكَلَّمَ بِغَيْرِهِ. أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَنْفِي عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْفَارِسِيَّةَ
стр. 256
إذْ لَا نَصَّ فِي كَوْنِ الْإِضَافَةِ فِي قَوْلِهِ وَلِسَانُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَيْضًا فِي كَوْنِ اللَّامِ فِي الْجَنَّةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَلَا شَيْءَ يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ فَلَا بُدَّ فِي النَّفْيِ مِنْ رِوَايَةٍ صَرِيحَةٍ إذْ لَا يَكْفِي الدِّرَايَةُ فِي مِثْلِهِ سِيَّمَا فِي مُقَابَلَةِ الْكَافِي، وَالْمُبْتَغَى، وَالدَّيْلَمِيِّ (فَمَنْ تَعَلَّمَهَا أَوْ عَلَّمَهَا غَيْرَهُ فَهُوَ مَأْجُورٌ) كَيْفَ وَقَدْ قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة بَعْدَمَا عَدَّ الْعَرَبِيَّةَ كُلَّهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ (لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ الْقُرْآنَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ) .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] وَقَالَ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] (فَمَنْ تَعَلَّمَهَا) أَيْ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ (فَإِنَّهُ يَفْهَمُ بِهَا ظَاهِرَ الْقُرْآنِ) أَيْ مَعْنَاهُ الظَّاهِرِيُّ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلٍ وَتَخْصِيصٍ وَمُقَايَسَةٍ كَأَقْسَامِهِ مِنْ الظَّاهِرِ، وَالنَّصِّ، وَالْمُفَسَّرِ، وَالْمُحْكَمِ وَنَحْوِهَا أَوْ مَعْنَاهُ الَّذِي يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ بِلَا دَلِيلٍ دَالٍّ عَلَى خِلَافِهِ وَصَارِفٍ يُصْرَفُ عَنْ ظَاهِرِهِ أَوْ مَعْنَاهُ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَى مُقَدِّمَاتٍ اجْتِهَادِيَّةٍ وَقَوَاعِدَ اسْتِنْبَاطِيَّةٍ وَبَاطِنُ الْقُرْآنِ إمَّا خِلَافُ مَا أُشِيرَ آنِفًا وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِأَقْسَامِهِ الْخَفِيَّةِ كَالْخَفِيِّ، وَالْمُشْكِلِ، وَالْمُجْمَلِ، وَالْكِنَايَةِ وَنَحْوِهَا فَمَعْرِفَتُهُ لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الْعَرَبِيَّةِ بَلْ يَحْتَاجُ إلَى عُلُومٍ أُخَرَ وَلِهَذَا اخْتَصَّ مَعْرِفَتُهُ بِالْمُجْتَهِدِ.
وَأَمَّا مَا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكُلِّ آيَةٍ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ وَلِكُلِّ حَرْفٍ مَطْلَعٌ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ مَرْفُوعًا «الْقُرْآنُ تَحْتَ الْعَرْشِ لَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ بَلَغَ وُجُوهَ الظَّهْرِ، وَالْبَطْنِ خَمْسًا» مَذْكُورٌ فِي الْإِتْقَانِ، وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ الْقُرْآنَ ذُو شُجُونٍ وَفُنُونٍ وَظُهُورٍ وَبُطُونٍ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَلَا تَبْلُغُ غَايَتُهُ» الْحَدِيثَ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ التَّفْتَازَانِيُّ وَأَمَّا مَا يَذْهَبُ إلَيْهِ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّ النُّصُوصَ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَمَعَ ذَلِكَ فِيهَا إشَارَاتٌ خَفِيَّةٌ إلَى دَقَائِقَ تَنْكَشِفُ عَلَى أَرْبَابِ السُّلُوكِ يُمْكِنُ التَّطْبِيقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الظَّوَاهِرِ الْمُرَادَةِ فَهُوَ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ وَمَحْضِ الْعِرْفَانِ وَلَيْسَ مِنْهُ مَا ادَّعَاهُ الْبَاطِنِيَّةُ (وَمَعَانِي الْأَخْبَارِ) النَّبَوِيَّةِ (انْتَهَى) كَلَامُ بُسْتَانِ الْعَارِفِينَ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ كَوْنُ الْعَرَبِيَّةِ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَاللَّازِمُ مِنْ الدَّلِيلِ أَيْ مَا نُقِلَ مِنْ الْبُسْتَانِ هُوَ الْفَضْلُ، وَالْفَضْلُ الْمُطْلَقُ أَعَمُّ، وَالْعَامُّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْخَاصَّ بِإِحْدَى الدَّلَالَاتِ الثَّلَاثِ إلَّا أَنْ يُدَّعَى انْفِهَامُ الْوُجُوبِ مِنْ تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُ تَعَالَى أَنْزَلَ الْقُرْآنَ إلَى آخِرِهِ وَمِنْ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ مِنْ قَوْلِهِ فَإِنَّهُ يُفْهَمُ بِهَا إلَى آخِرِهِ وَمَفْهُومُ التَّصْنِيفِ حُجَّةٌ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ (وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْأَصْلُ أَعْنِي أَنَّ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إلَى الْفَرْضِ فَرْضٌ وَكَذَلِكَ فِي الْوَاجِبِ) مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إلَيْهِ وَاجِبٍ (وَغَيْرِهِ) مِنْ نَحْوِ السُّنَّةِ، وَالْمُسْتَحَبِّ (كَوْنُهَا فُرُوضَ كِفَايَةٍ؛ لِأَنَّ الْعُلُومَ الشَّرْعِيَّةَ) أَيْ الْعُلُومَ الْمَأْخُوذَةَ مِنْ الشَّرْعِ، وَالشَّرْعُ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ فَهُوَ عِلْمُ التَّوْحِيدِ مِنْ حَيْثُ أَصْلُهُ وَاعْتِبَارُهُ أَوْ اعْتِبَارُهُ فَقَطْ، وَالْفِقْهُ فَالْأَوَّلُ لِتَصْحِيحِ الْإِيمَانِ، وَالثَّانِي لِأَعْمَالِ الْأَرْكَانِ وَلَا شَكَّ فِي فَرْضِيَّتِهِمَا (مُتَوَقِّفَةٌ عَلَيْهَا) أَيْ الْعَرَبِيَّةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَيْ الْكِتَابَ، وَالسُّنَّةَ عَرَبِيٌّ لَا يَخْفَى أَنَّ اللَّازِمَ مِنْ الدَّلِيلِ كَوْنُهَا فَرْضَ عَيْنٍ، وَالْمَطْلُوبُ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَلَا تَقْرِيبَ أَوْ أَنَّ هَذَا مُحْتَاجٌ إلَى مُقَدِّمَةٍ أُخْرَى فَافْهَمْ تُرْشِدْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
[النَّوْعُ الثَّانِي الْعُلُومِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا]
(النَّوْعُ الثَّانِي)
مِنْ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ لِلْعُلُومِ (فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ) سَوَاءٌ لِخَاصَّةِ نَفْسِهِ أَوْ لِمُحَافَظَةِ عَقَائِدِ أَهْلِ الْحَقِّ كَمَا عِنْدَ ظُهُورِ مُعَانِدٍ مُكَابِرٍ يَقْصِدُ الْإِلْحَادَ (مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ) كَالتَّعَمُّقِ فِيهِ
стр. 257
، وَالتَّشَبُّثِ بِأَذْيَالِ الْفَلَاسِفَةِ (وَ) مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ مِنْ (عِلْمِ النُّجُومِ) كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ (أَمَّا الْأَوَّلُ) فَقَدْ قَالَ (فِي حَقِّهِ) فِي الْخُلَاصَةِ (تَعَلُّمُ عِلْمِ الْكَلَامِ، وَالنَّظَرِ فِيهِ) أَيْ التَّعَمُّقِ بِالتَّأَمُّلِ فِيهِ (وَالْمُنَاظَرَةِ) أَيْ الْمُجَادَلَةِ لِإِظْهَارِ الصَّوَابِ (وَرَاءَ قَدْرِ الْحَاجَةِ) مِنْ حَيْثُ تَصْحِيحُ الِاعْتِقَادِ وَرَدُّ شُبْهَةِ الْخَصْمِ (مَنْهِيٌّ عَنْهُ) يَشْكُلُ بِمَا فِي الْعَقَائِدِ الْعَضُدِيَّةِ أَنَّ النَّظَرَ أَيْ الْفِكْرَ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَاجِبٌ شَرْعًا وَبِمَا فِي شَرْحِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥٠] ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]- وَأَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ وَاجِبٌ وَمُطْلَقٌ وَمُتَوَقِّفٌ عَلَى النَّظَرِ وَمَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ وَاجِبٌ.
ثُمَّ قَالَ الْمُرَادُ مِنْ الْمَعْرِفَةِ التَّصْدِيقُ بِوُجُودِهِ وَصِفَاتِهِ تَعَالَى الْكَمَالِيَّةِ، وَالثُّبُوتِيَّةِ، وَالسَّلْبِيَّةِ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ قَدْرَ الطَّاقَةِ لَا يُحَدُّ بِقَدْرِ حَاجَةٍ بَلْ يَقْتَضِي اسْتِيعَابَ الْكُلِّ.
(وَقَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ) (وَدَفْعُ الْخَصْمِ) أَيْ خَصْمِ أَهْلِ السُّنَّةِ كَعَامَّةِ أَهْلِ الْهَوَى، وَالْفَلَاسِفَةِ (وَإِثْبَاتُ الْمَذْهَبِ الْحَقِّ) (يَحْتَاجُ إلَيْهِ) سَوَاءٌ كَانَ الْخَصْمُ مَوْجُودًا بِالْفِعْلِ أَوْ لَا لِاحْتِمَالِ ظُهُورِهِ بَغْتَةً كَأَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ الْخُلَاصَةِ قَدْرَ الْحَاجَةِ فَقَدْرُ الْحَاجَةِ بِدَفْعِ الْخَصْمِ وَإِثْبَاتِ الْمَذْهَبِ (والتتارخانية) وَعِبَارَتُهَا.
(وَفِي النَّوَازِلِ قَالَ أَبُو نَصْرٍ: بَلَغَنِي أَنَّ حَمَّادَ بْنَ أَبِي حَنِيفَةَ) رَحِمَهُمَا اللَّهُ (كَانَ يَتَكَلَّمُ) بِالْمُنَاظَرَةِ، وَالْمُجَادَلَةِ (فِي عِلْمِ الْكَلَامِ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ) أَبُوهُ (أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ) عَلَى طَرِيقِ الْعَرْضِ، وَالِاسْتِفْسَارِ لَا عَلَى طَرِيقِ الرَّدِّ، وَالْمُنَاقَشَةِ (قَدْ رَأَيْتُك تَتَكَلَّمُ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ) أَيْ فِي الْمُنَاظَرَةِ فِي الْكَلَامِ وَإِلَّا فَلَا تَحْسُنُ الْمُقَابَلَةُ (فَمَا بَالَك تَنْهَانِي عَنْهُ) يَعْنِي إنَّمَا فَعَلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّا قَدْ رَأَيْنَاك تَتَكَلَّمُ وَإِنَّ شَأْنَ مِثْلِنَا الِاقْتِدَاءُ بِك وَأَنْتَ تَمْنَعُنَا فَمَا وَجْهُ مَنْعِك أَوْ كَيْفَ تَمْنَعُنَا، وَأَنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ.
(قَالَ لَهُ يَا بُنَيَّ) تَصْغِيرُ الِابْنِ لِلِاسْتِشْفَاقِ (كُنَّا نَتَكَلَّمُ) أَيْ بِالْمُنَاظَرَةِ كَمَا عَرَفَتْ (وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا) مَعَ مَنْ نَاظَرَنَا مَعَهُ عَلَى غَايَةِ التَّحَفُّظِ وَنِهَايَةِ التَّحَرُّزِ حَتَّى (كَأَنَّ الطَّيْرَ عَلَى رَأْسِنَا) قِيلَ مَثَلٌ لِكَمَالِ التَّأَنِّي فِي الْأُمُورِ، وَالتَّدَبُّرِ فِيهَا لِئَلَّا يَقَعَ فِي الْهَلَكَةِ وَشَيْءٍ مِنْ خَطَرِهِ كَقَصْدِ تَغْلِيطِ الْخَصْمِ وَتَخْجِيلِهِ، وَالتَّفَوُّقِ عَلَيْهِ وَإِيقَاعِ الزَّلَّةِ عَلَيْهِ (مَخَافَةَ أَنْ نَزِلَّ) مِنْ الزَّلَلِ أَيْ نَقَعَ فِي الزَّلَلِ، وَالْخَطَأِ لِعِظَمِ خَطَئِهِ وَهُوَ الْكُفْرُ (وَأَنْتُمْ تَتَكَلَّمُونَ الْيَوْمَ وَكُلُّ وَاحِدٍ) مِنْكُمْ (يُرِيدُ أَنْ يَزِلَّ صَاحِبُهُ) لِيَغْلِبَ عَلَيْهِ بِالْحُجَّةِ (وَإِذَا أَرَادَ) أَحَدُكُمْ (أَنْ يَزِلَّ صَاحِبُهُ فَقَدْ أَرَادَ أَنْ يَكْفُرَ) مِنْ التَّكْفِيرِ (صَاحِبُهُ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَتْ الْمُنَاظَرَةُ فِي أُصُولِ الْكَلَامِ وَأُمَّهَاتِهِ وَإِلَّا فَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْخَوَاصِّ، وَالْفَضَائِلِ، وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النِّزَاعُ، وَالْغَلَبَةُ إلَى نَحْوِ الْأَوْلَوِيَّةِ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْخَطَأَ فِي الْعَقَائِدِ لَيْسَ كُلُّهُ كُفْرًا فَإِزْلَالُ الْخَصْمِ فِي هَذَا الْجِنْسِ لَيْسَ بِكُفْرٍ لِعَدَمِ الرِّضَا بِالْكُفْرِ (وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُكَفِّرَ صَاحِبَهُ فَقَدْ كَفَرَ قَبْلَ أَنْ يَكْفُرَ صَاحِبُهُ) لِرِضَاهُ بِكُفْرِهِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْإِرَادَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الرِّضَا عِنْدَنَا وَجَعَلَ عِلَّةَ الْكُفْرِ شَيْئًا حَاصِلًا فِي الْإِرَادَةِ غَيْرَ الرِّضَا بَعِيدٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ هَذِهِ الْإِرَادَةُ غَيْرُ مُنْفَكَّةٍ عَنْ الرِّضَا لَكِنْ لَوْ كَانَ الْخَصْمُ مِنْ أَهْلِ الْهَوَى سِيَّمَا مِمَّنْ وَصَلَ هَوَاهُ إلَى الْكُفْرِ وَظَهَرَ تَعَنُّتُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ إزْلَالَهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ بَلْ إعَانَةَ دِينٍ وَغَيْرَةً بَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْمُقَدِّمَاتِ السَّفْسَطِيَّةِ، وَالْمَبَادِئِ الشُّعَبِيَّةِ عِنْدَ عَدَمِ إلْزَامِهِ بِالْأَدِلَّةِ الْيَقِينِيَّةِ، وَالْجَدَلِيَّةِ بَلْ يَجِبُ ذَلِكَ عِنْدَ تَعَيُّنِهِ فَتَأَمَّلْ.
ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ كَلَامَ حَضْرَةِ الْإِمَامِ
стр. 258
- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مُشْكِلٌ مِنْ وُجُوهٍ:
أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّهُ سُوءُ ظَنٍّ وَحُسْنُ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ، وَالْحَمْلُ عَلَى الصَّلَاحِ لَازِمٌ.
وَأَمَّا ثَانِيًا: فَإِنَّهُ كَيْفَ يُقَدَّمُ حَمَّادٌ وَيَجْهَلُ عَلَى مَا يُوجِبُ الْكُفْرَ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ، وَالْمُجْتَهِدِينَ بَلْ عُدَّ هُوَ مِنْ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمْ.
وَأَمَّا ثَالِثًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ إكْفَارُ حَمَّادٍ مَعَ جَمِيعِ مَنْ نَاظَرَ مَعَهُ.
إذْ حَاصِلُ مَا ذُكِرَ أَنْتُمْ فِي مُنَاظَرَتِكُمْ فِي الْكَلَامِ مُرِيدُونَ كُفْرَ أَصْحَابِكُمْ وَكُلُّ مَرِيدٍ ذَلِكَ كَافِرٌ فَأَنْتُمْ فِي مُنَاظَرَتِكُمْ كَافِرُونَ. أَقُولُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ الْإِمَامِ بِنَاءً عَلَى فَهْمِهِ ذَلِكَ مِنْ الْقَرَائِنِ وَعَلَى طَرِيقِ النَّصِيحَةِ لِكَمَالِ الشَّفَقَةِ. وَقَوْلُهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ يُرِيدُ إلَى آخِرِهِ قَضِيَّةٌ مُمْكِنَةٌ لَا فِعْلِيَّةٌ أَيْ لَا يَأْمَنُ مِنْ تِلْكَ الْإِرَادَةِ بَلْ يَتَوَقَّعُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَعَنْ أَبِي اللَّيْثِ الْحَافِظِ) الظَّاهِرِ حَافِظِ الْحَدِيثِ وَهُوَ مَنْ أَحَاطَ عِلْمُهُ بِمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ مَتْنًا وَإِسْنَادًا وَهُوَ غَيْرُ أَبِي اللَّيْثِ الْفَقِيهِ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا سَمَرْقَنْدِيًّا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَهُوَ كَانَ بِسَمَرْقَنْدَ) مِنْ بُلْدَانِ بُخَارَى (مُقَدَّمَاتٌ فِي الزَّمَانِ عَلَى الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ) الْمَشْهُورِ صَاحِبِ التَّنْبِيهِ، وَالتَّفْسِيرِ، وَالْبُسْتَانِ.
(قَالَ) (مَنْ اشْتَغَلَ بِالْكَلَامِ) عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مَرْضِيٍّ وَوَرَاءَ حَاجَةٍ تَوْفِيقًا لِكَلَامِهِمْ وَإِلَّا فَتَنَاقَضَ (مُحِيَ) بِالْمَفْعُولِ (اسْمُهُ) أَيْ نَفْسُهُ (مِنْ دَفْتَرِ الْعُلَمَاءِ) لِكُفْرِهِ أَوْ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَدِّ بِهَا لِفِسْقِهِ.
وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا تَجُوزُ إمَامَةُ الْمُتَكَلِّمِ وَإِنْ عَلَى الْحَقِّ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَطَاءَ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْعَوَامَّ وَإِنْ اعْتَقَدُوا كَوْنَهُ عَالِمًا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِعَالَمٍ كَمَا فِي الْبَزَّازِيِّ.
(وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ يُكْرَهُ الْخَوْضُ فِي الْكَلَامِ مَا لَمْ تَقَعْ شُبْهَةٌ) لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ يَجِبُ حَلُّهَا لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ مَنْعِ حَمَّادٍ هُوَ الْحُرْمَةُ إلَّا أَنْ يُرَادَ مِنْ الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ فَهِيَ نَفْسُ الْحَرَامِ أَوْ قَرِيبَةٌ أَوْ يُحْمَلُ نَهْيُ حَمَّادٍ عَلَى التَّنْزِيهِ لَا التَّحْرِيمِ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فَإِنَّ النَّهْيَ كَمَا يَكُونُ لِلتَّحْرِيمِ قَدْ يَكُونُ لِلتَّنْزِيهِ كَمَا فِي الْأُصُولِ (فَإِذَا وَقَعَتْ شُبْهَةٌ وَجَبَتْ إزَالَتُهَا) لَا يَخْفَى أَنَّ إزَالَتَهَا مُحْتَاجَةٌ إلَى رُسُوخِ الْقَوَاعِدِ الْكَلَامِيَّةِ وَحُضُورِ مُقَدَّمَاتِهَا وَمَبَادِئِهَا لَدَيْهَا وَهُوَ مُقْتَضٍ لِلِاشْتِغَالِ إلَّا أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى الِاشْتِغَالِ الْخَوْضُ بَعْدَ الْحُصُولِ، وَالدَّوَامِ، وَالتَّكْرَارِ بِلَا دَاعٍ (كَمَنْ يَكُونُ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ يَنْبَغِي) يَجِبُ عَلَيْهِ (أَنْ لَا يُوقِعَ نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ) عَقْلًا وَشَرْعًا أَمَّا شَرْعًا فَنَحْوُ قَوْله تَعَالَى. ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] .
(فَإِنْ وَقَعَ) فِي الْبَحْرِ (وَجَبَ عَلَيْنَا) شَرْعًا (إخْرَاجُهُ) مِنْ الْبَحْرِ قَالَ الْمُحَشِّي شَبَّهَ عِلْمَ الْكَلَامِ بِالْبَحْرِ؛ لِأَنَّهُ غَالِبًا سَبَبٌ لِلْهَلَاكِ الدُّنْيَوِيِّ وَقِيلَ فَكَذَلِكَ صَاحِبُ الشُّبْهَةِ إذَا عَرَضَتْ لَهُ أَوْ اطَّلَعَ أَنَّهَا فِي غَيْرِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ رَفْعُهَا وَإِزَالَتُهَا (انْتَهَى) كَلَامُ التَّتَارْخَانِيَّة.
(أَقُولُ أَفَادَ) أَيْ الْقَوْلُ الْأَخِيرُ لِلْإِمَامِ (أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ) كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَجَبَ عَلَيْنَا إزَالَتُهَا وَقَوْلُهُ: وَإِنْ وَقَعَ وَجَبَ عَلَيْنَا إخْرَاجُهُ.
قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة الِاشْتِغَالُ بِالْكَلَامِ بِدْعَةٌ وَاشْتِغَالٌ بِمَا لَا يَعْنِي عِنْدَ السَّلَف لَكِنْ بِحُكْمِ ضَرُورَةِ دَفْعِ شُبْهَةِ الْمُبْتَدِعَةِ كَانَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ. لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ النُّقُولِ إثْبَاتُ قَدْرِ النَّهْيِ وَرَاءَ الْحَاجَةِ وَيَقْتَضِي هَذَا كَوْنَ الْمَقْصُودِ إثْبَاتَ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بَابُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ بَلْ بَابُهُ قَدْ تَقَدَّمَ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا اسْتِطْرَادِيٌّ.
وَأَمَّا الْمَقْصُودُ مِنْ النُّقُولِ أَعْنِي إثْبَاتَ قَدْرِ الْمَنْهِيِّ فَوَاضِحٌ صَرَاحَةً وَإِشَارَةً وَكِنَايَةً مَنْطُوقًا وَمَفْهُومًا فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّصْرِيحِ بِالذِّكْرِ لَكِنْ لَا يَدْفَعُ الْأَوْلَوِيَّةَ كَمَا لَا يَخْفَى (لَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَهُ أَوْ يَتَعَلَّمَهُ إلَّا كُلُّ ذَكِيٍّ) فَطِنٍ لَبِيبٍ قَادِرٍ عَلَى تَمْيِيزِ الْقَوِيِّ مِنْ الضَّعِيفِ، وَالْحَقِّ مِنْ الْبَاطِلِ سِيَّمَا عِنْدَ وُرُودِ شُبَهِ الْخُصُومِ عَلَى صُوَرِ الْأَدِلَّةِ الْبُرْهَانِيَّةِ (مُتَدَيِّنٍ) لَا يَظْهَرُ لِهَذَا الْقَيْدِ فَائِدَةٌ مُعْتَدَّةٌ بِهَا (مُجِدٍّ) صَاحِبِ جِدٍّ وَسَعْيٍ لِغُمُوضَةِ أَسْرَارِهِ
стр. 259
وَإِغْلَاقِ حَقَائِقِهِ (وَإِلَّا يُخَافُ عَلَيْهِ الْمَيْلُ إلَى الْمَذَاهِبِ الْبَاطِلَةِ) مِنْ الْفِرَقِ النَّارِيَّةِ الْهَوَائِيَّةِ لِعَدَمِ رُسُوخِ قَوَاعِدِ الدِّينِ لِعَدَمِ الذَّكَاءِ أَوْ لِعَدَمِ الْجِدِّ أَوْ لِعَدَمِ الِاحْتِيَاطِ، وَالْمُبَالَاةِ عَلَى مُوجِبِ عِلْمِهِ وَفَهْمِهِ مِنْ عَدَمِ الدِّيَانَةِ فَافْهَمْ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى الْمُحَاكِمَةِ بَيْنَ ذَمِّ الْكَلَامِ وَمَدْحِهِ فَمَمْدُوحٌ لِلْأَذْكِيَاءِ إلَى أَنْ يَكُونَ فَرْضَ كِفَايَةٍ وَمَذْمُومٌ لِلْأَغْبِيَاءِ الْمَذْكُورَةِ إلَى أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا فِيمَا ذُكِرَ حَصَلَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ مَا سَبَقَ مِنْ الْمُصَنِّفِ صَرِيحًا وَمَا أُشِيرَ فِي ضِمْنِهِ أَيْضًا مِنْ الْمَنْعِ.
وَمَا نُقِلَ فِي نَحْوِ الدُّرَرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ مُلَاقَاةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ خَيْرٌ مِنْ مُلَاقَاتِهِ بِعِلْمِ الْكَلَامِ فَمَا ظَنُّك بِالْكَلَامِ الْمَخْلُوطِ بِأَبَاطِيلِ الْفَلَاسِفَةِ الْمُتَدَاوَلَةِ فِي زَمَانِنَا وَنَقَلَ الْغَيْرُ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا لَوْ عَلِمَ النَّاسُ مَا فِي الْكَلَامِ لَفَرُّوا مِنْهُ كَالْأَسَدِ. وَعَنْهُ أَيْضًا لَمُلَاقَاةُ الرَّجُلِ رَبَّهُ بِكُلِّ ذَنْبٍ مَا خَلَا الشِّرْكَ خَيْرٌ مِنْ مُلَاقَاتِهِ بِشَيْءٍ مِنْ الْكَلَامِ.
وَعَنْ أَبِي لَا يَجُوزُ النَّظَرُ فِي الْكُتُبِ الْكَلَامِيَّةِ وَلَا إمْسَاكُهَا لِكَوْنِهَا مَشْحُونَةً بِالشِّرْكِ، وَالضَّلَالِ وَلِإِيرَاثِ الشُّكُوكِ، وَالْأَوْهَامِ فِي عَقَائِدِ الْإِسْلَامِ وَكَذَا كُتُبُ الْأَشْعَرِيِّ فِي الِاعْتِزَالِ دُونَ مَا صَنَّفَهُ بَعْدَهُ لِكَوْنِهِ مُنَاقِضًا لِمَا قَبْلَهُ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يُكْرَهُ الْخَوْضُ فِي الْكَلَامِ مَا لَمْ تَقَعْ شُبْهَةٌ فَيَجِبُ وَلَوْ بِالْمُنَاظَرَةِ لِدَفْعِهَا، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مَنْ طَلَبَ الدِّينَ بِالْكَلَامِ تَزَنْدَقَ وَقَدْ سَمِعْت عَنْ الْبَزَّازِيِّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ إمَامَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَلَوْ بِحَقٍّ وَنَحْوُ ذَلِكَ كُلِّهِ فَمَحْمُولٌ عَلَى كَوْنِهَا لِلْغَبِيِّ، وَالْمُتَعَصِّبِ فِي الدِّينِ، وَالْقَاصِرِ عَنْ تَحْصِيلِ الْيَقِينِ، وَالْقَاصِدِ لِإِفْسَادِ عَقَائِدِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْخَائِضِ فِيمَا لَا يُفْتَقَرُ إلَيْهِ مِنْ غَوَامِضِ الْمُتَفَلْسِفِينَ وَإِلَّا فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْمَنْعُ عَمَّا هُوَ أَصْلُ الْوَاجِبَاتِ وَأَسَاسُ الشَّرْعِيَّاتِ. وَبِالْجُمْلَةِ أَنَّ عِلْمَ الْكَلَامِ فِي نَفْسِهِ أَشْرَفُ جَمِيعِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْوَاجِبَاتِ وَمَوْضُوعُهُ ذَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتُهُ وَأَدِلَّتُهُ قَطْعِيَّةٌ يَقِينِيَّةٌ وَمَأْخَذُهُ كِتَابٌ وَسُنَّةٌ وَغَايَتُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَغَايَةُ غَايَتِهِ الْفَوْزُ بِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ وَتَفْصِيلُهُ فِي الْمَوَاقِفِ.
(وَأَمَّا) (الثَّانِي) وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ مِنْ النُّجُومِ (فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا) الْحَدِيثُ إنْ أُضِيفَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَرْفُوعٌ وَإِلَى الصَّحَابِيِّ فَمَوْقُوفٌ وَإِلَى التَّابِعِيِّ فَمَقْطُوعٌ فَالْمَرْفُوعُ أَقْوَى الْكُلِّ وَلِذَا صَرَّحَ بِرَفْعِهِ «مَنْ اقْتَبَسَ» أَيْ اسْتَفَادَ وَتَعَلَّمَ «عِلْمًا مِنْ النُّجُومِ» فُسِّرَ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ النُّجُومِ إذْ هُوَ عِلْمٌ وَاسِعٌ وَمِنْهُ الْأَحْكَامُ بِإِخْبَارِ الْمُغَيَّبَاتِ، وَالْإِخْبَارِ عَمَّا سَيَأْتِي وَمَعْرِفَةِ الْمَسْرُوقَاتِ، وَالْكُنُوزِ، وَالدَّفَائِنِ وَأَعْمَارِ الرِّجَالِ، وَالْقَحْطِ، وَالْغَلَاءِ، وَالْخِصْبِ، وَالرَّخَاءِ، وَالْأَمْنِ، وَالسَّلَامَةِ، وَالْفِتَنِ، وَالْمَصَائِبِ وَنَحْوِهَا وَقَدْ كَذَّبَ كُلَّهُ الشَّرْعُ.
«اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنْ السِّحْرِ» أَيْ قِطْعَةً مِنْهُ وَقَدْ سَبَقَ قَالَ الْمُنَاوِيُّ النَّجَّامَةُ تَدْعُو إلَى الْكِهَانَةِ، وَالْمُنَجِّمُ كَاهِنٌ، وَالْكَاهِنُ سَاحِرٌ، وَالسَّاحِرُ كَافِرٌ، وَالْكَافِرُ فِي النَّارِ «زَادَ مَا زَادَ» كُلَّمَا زَادَ مِنْ النُّجُومِ زَادَ لَهُ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ إثْمِ السَّاحِرِ أَوْ زَادَ اقْتِبَاسَ شُعَبِ السِّحْرِ مَا زَادَ اقْتِبَاسُ عِلْمِ النُّجُومِ. فَإِنْ قِيلَ هَذَا مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَعَلَّمُوا مِنْ النُّجُومِ مَا تَهْتَدُونَ بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ، وَالْبَحْرِ ثُمَّ انْتَهُوا» . قُلْنَا التَّوْفِيقُ مُشَارٌ بِقَوْلِهِ «ثُمَّ انْتَهُوا» وَمِنْ قَوْلِهِ «مِنْ السِّحْرِ» فَمَا لَا يُفْضِي إلَى نَحْوِ السِّحْرِ الْمَمْنُوعِ شَرْعًا فَخَارِجٌ عَنْ النَّهْيِ وَمِنْهُ مَا يُهْتَدَى بِهِ فِي الْبَحْرِ، وَالْبَرِّ سِيَّمَا لِلْمُسَافِرِ وَلِأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ. وَتَحْقِيقُهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ النُّجُومَ قِسْمَانِ الْأَوَّلُ تَبْيِينٌ يُبَيِّنُ بِهِ الْقِبْلَةَ وَأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، وَالسَّابِقِ مِنْ الْيَوْمِ، وَالْبَاقِي إلَى الْغُرُوبِ فَجَائِزٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَهَذَا مَحْمَلُ حَدِيثِ تَعَلَّمُوا، وَالثَّانِي تَأْثِيرٌ وَهُوَ بَاطِلٌ وَمُحَرَّمٌ
стр. 260
قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ وَهُوَ مَحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثِ.
(فَائِدَةٌ)
كَانَ يَكْتُمُ عُلَمَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ النُّجُومَ، وَالطِّبَّ عَنْ أَوْلَادِهِمْ لِئَلَّا يَتَقَرَّبُوا بِهِمَا إلَى الْمَطَالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ الدَّنِيَّةِ فَيَضْمَحِلَّ دِينُهُمْ كَذَا فِي الْمُنَاوِيِّ.
(وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ وَتَعَلُّمُ عِلْمِ النُّجُومِ قَدْرَ مَا يُعْلَمُ بِهِ مَوَاقِيتُ الصَّلَاةِ، وَالْقِبْلَةِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَالزِّيَادَةُ حَرَامٌ انْتَهَى) لِإِفْضَائِهِ إلَى مَعْرِفَةِ الْحَوَادِثِ وَاطِّلَاعِ الْغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ.
قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَتَأْوِيلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥]- أَيْ جَعَلْنَا النُّجُومَ سَبَبًا لِكَذِبِ الْمُنَجِّمِينَ أُطْلِقَ اسْمُ الشَّيْطَانِ عَلَى النَّجْمِ وَسُمِّيَ هَذَيَانُهُ رَجْمًا مِنْ رَجْمِ الْغَيْبِ.
(وَفِي بُسْتَانِ الْعَارِفِينَ وَلَوْ تَعَلَّمَ مَنْ عَلِمَ النُّجُومَ مِقْدَارَ مَا يَعْرِفُ بِهِ الْقِبْلَةَ وَأَمْرَ الْحِسَابِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مِقْدَارُ مَا يَعْرِفُ بِهِ الْحِسَابَ فَقَطْ (فَلَا بَأْسَ بِهِ) فَإِنْ قِيلَ إنَّ مَا لَا بَأْسَ فِيهِ فِي الْعُرْفِ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا تَرْكُهُ أَوْلَى وَقَدْ سَمِعْت الْأَمْرَ النَّبَوِيَّ آنِفًا مِنْ قَوْلِهِ «تَعَلَّمُوا مِنْ النُّجُومِ مَا تَهْتَدُونَ بِهِ» .
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَهْتَدِي بِهِ. قُلْنَا الْأَمْرُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَى مُطْلَقِ الْإِذْنِ وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ أَنَّ كَلِمَةَ لَا بَأْسَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْوُجُوبِ كَلَا جُنَاحَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] وَالسَّعْيُ وَاجِبٌ عِنْدَنَا فَرْضٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَلَا بَأْسَ وَلَا جُنَاحَ وَاحِدٌ وَبِمَعْنَى الِاسْتِحْبَابِ، وَالسُّنَّةِ كَمَا فِي قَوْلِ صَاحِبِ النِّهَايَةِ لَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ لِلصَّائِمِ وَبِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِمْ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَقُشَّ الْمَسْجِدَ بِالْجَصِّ وَمَاءِ الذَّهَبِ أَيْ لَا أَجْرَ وَلَا إثْمَ وَبِمَعْنَى تَرْكِ الْأَوْلَى أَيْ الْمُسْتَحَبِّ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْبَأْسَ الشِّدَّةُ وَبِمَعْنَى لَا يَجُوزُ نَحْوَ قَوْلِهِمْ لَا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ أَيْ لَا يَجُوزُ لَكِنَّ الشَّائِعَ فِيمَا تَرَكَهُ أَوْلَى وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الْكِفَايَةِ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْغَالِبِ الشَّائِعِ وَلَا يُعْتَبَرُ بِالنَّادِرِ.
وَلِهَذَا يُقَالُ الْمُفْرَدُ يُلْحَقُ بِالْأَعَمِّ، وَالْأَغْلَبِ فِي الْعُرْفِ، وَاللُّغَةِ نَعَمْ قَدْ يُعْدَلُ عَنْ الْأُصُولِ، وَالْقَوَاعِدِ بِالْعَوَارِضِ، وَالْمَوَانِعِ (وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَا ذُكِرَ (إذَا تَعَلَّمَ مِقْدَارَ مَا يَعْرِفُ بِهِ الْقِبْلَةَ وَأَمْرَ الْحِسَابِ انْتَهَى، وَفِي تَعْلِيمِ الْمُتَعَلِّمِ عِلْمَ النُّجُومِ بِمَنْزِلَةِ الْمَرَضِ) ؛ لِأَنَّهُ يُمْرِضُ الْقَلْبَ وَيُوهِنُ الِاعْتِقَادَ بِتَأْثِيرِ غَيْرِهِ تَعَالَى وَبِاعْتِقَادِ الْغَيْبِ وَنَحْوِهِمَا (فَتَعَلُّمُهُ حَرَامٌ) وَكَذَا تَعْلِيمُهُ (لِأَنَّهُ يَضُرُّ) بِدِينِهِ.
قَالَ الْمُحَشِّي عِلْمُ الْحَالِ غِذَاءٌ وَعِلْمُ الْكَلَامِ دَوَاءٌ وَعِلْمُ النُّجُومِ مَرَضٌ وَسُمٌّ وَاجِبُ الِاحْتِرَازِ (وَلَا يَنْفَعُ، وَالْهَرَبُ مِنْ قَضَائِهِ تَعَالَى وَقَدَرِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ انْتَهَى) إشَارَةً إلَى رَدِّ مَا اعْتَقَدُوا مِنْ فَوَائِدِ النُّجُومِ لِأَنَّهُ إذَا عُلِمَ وُقُوعُ زَلْزَلَةٍ فِي أَرْضِ كَذَا فِي وَقْتِ كَذَا يُحْتَرَزُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَنْ تِلْكَ الْأَرْضِ فَيَنْجُو وَإِذَا عُلِمَ انْهِزَامُ هَذَا الْعَسْكَرِ وَكَوْنِهِمْ قَتْلَى لَا يَحْضُرُ وَيَنْجُو مِنْ الْهَلَاكِ وَهَكَذَا غَرَقُ سَفِينَةٍ وَإِحْرَاقُ دَارٍ وَنَحْوِهَا وَعَدَمُ إمْكَانِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُغْنِي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ» لَا يُقَالُ فِيهِ اعْتِرَافٌ بِصِحَّةِ مَا ادَّعَوْا مِنْ اطِّلَاعِ الْكَوَائِنِ الْمُسْتَقْبَلَةِ.
لِأَنَّا نَقُولُ الْكَلَامُ عَلَى الْفَرْضِ، وَالتَّنْزِيلُ لَا عَلَى الْوُقُوعِ، وَالتَّحْقِيقِ لَكِنَّ ذَلِكَ جَازَ فِي نَحْوِ الصَّدَقَةِ، وَالْبِرِّ، وَالدُّعَاءِ، وَالصِّلَةِ وَقَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ مُعَلَّقَةٍ عَلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إلَّا الدُّعَاءُ وَلَا يَزِيدُ الْعُمْرَ إلَّا الْبِرُّ» فَارْجِعْ تَظْفَرْ بِفَوَائِدَ بَلْ نَفَائِسَ مِنْ دَقَائِقِ الْكَلَامِيَّةِ (أَقُولُ) تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَقَاوِيلِ مَنْعًا وَمَسَاغًا (فَمَا هُوَ الْحَرَامُ مِنْ عِلْمِ النُّجُومِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ) بِالْحُكْمِ بِأَنَّهُ يَقَعُ كَذَا وَيُولَدُ كَذَا وَيَهْلِكُ بِكَذَا وَهَكَذَا (كَقَوْلِهِمْ إذَا وَقَعَ كُسُوفٌ أَوْ خُسُوفٌ أَوْ زَلْزَلَةٌ أَوْ نَحْوُهَا) كَانْتِثَارِ الْكَوَاكِبِ، وَالرَّعْدِ، وَالْبَرْقِ وَشِدَّةِ الرِّيَاحِ
стр. 261
(فِي زَمَانِ كَذَا سَيَقَعُ كَذَا) مِنْ خِصْبٍ وَرَخَاءٍ وَقَحْطٍ وَغَلَاءٍ وَوَبَاءٍ وَمَوْتِ كِبَارٍ وَحَرْبٍ وَأَمْنٍ وَكَثْرَةِ أَمْطَارٍ لَكِنْ تَقَدَّمَ مِنْ شَرْحِ الْعَقَائِدِ إنْ كَانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْعَلَامَةِ، وَالتَّجْرِبَةِ فَلَيْسَ بِحَظْرٍ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ ذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ عِنْدَ رُؤْيَةِ هَالَةِ الْقَمَرِ: يَكُونُ مَطَرٌ مُدَّعِيًا عِلْمَ الْغَيْبِ لَا بِعَلَامَةٍ كُفْرٌ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْغَيْبِ أَمْرٌ تَفَرَّدَ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى لَا سَبِيلَ إلَيْهِ لِلْعِبَادِ إلَّا بِإِعْلَامٍ مِنْهُ وَإِلْهَامٍ بِطَرِيقِ الْمُعْجِزَةِ أَوْ الْكَرَامَةِ وَإِرْشَادٍ إلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْأَمَارَاتِ فِيمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ وَمِنْ غَرِيبِ هَذَا الْبَابِ مَا فِي أُنْمُوذَجِ حَفِيدٍ السَّعْدِ السِّحْرُ يُوجِبُ الْقِصَاصَ إذَا أَقَرَّ أَنَّ سِحْرَهُ يَقْتُلُ غَالِبًا وَالدِّيَةُ إنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ كَذَلِكَ.
(وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْقِبْلَةِ، وَالْمَوَاقِيتِ فَتَحْصُلُ بِالْعِلْمِ الْمُسَمَّى بِالْهَيْئَةِ) فَالْعِلْمُ عَلَى ذَلِكَ بِالْآلَاتِ الْمُتَدَاوَلَةِ كَالْإِسْطِرْلَابِ وَلَوْحِ رُبْعِ الْجَيْبِ وَذَاتِ الْكُرْسِيِّ وَنَحْوِهَا مِنْ الْهَيْئَةِ فِي الْأَصْلِ.
وَإِنْ أَفْرَدُوهَا بِالِاسْتِقْلَالِ فِي زَمَانِنَا كَنِسْبَةِ الْفَرَائِضِ إلَى الْفِقْهِ (فَلَمَّا كَانَا) أَيْ الْقِبْلَةُ، وَالْوَقْتُ (شَرْطَيْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ لَزِمَ مَعْرِفَتُهُمَا بِالتَّحَرِّي) هُوَ بَذْلُ الْمَجْهُودِ لِنَيْلِ الْمَقْصُودِ وَأَصْلُهُ طَلَبُ الْأُخْرَى أَيْ الْأُولَى (وَالْأَمَارَاتِ) أَيْ الْعَلَامَاتِ (وَهَذَا الْعِلْمُ) أَيْ الْهَيْئَةُ لَا بِتَمَامِهِ بَلْ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْأَمْرِ (مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ التَّحَرِّي، وَالْمَعْرِفَةِ) يَشْكُلُ أَنَّ هَذَا السَّبَبَ إنْ شَرْعِيًّا أَيْ مَعْلُومًا بِالشَّرْعِ فَلَيْسَ بِمُسَلَّمٍ، وَلَوْ سُلِّمَ لَزِمَ تَعَيُّنُ وُجُوبِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا يَذْكُرُهُ الْآنَ وَإِلَّا فَلَيْسَ بِمُفِيدٍ كَمَا تَقْتَضِيهِ قَاعِدَةُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الشَّرْعِيَّيْنِ نَعَمْ قَدْ ذَكَرَ الْعَضُدُ فِي مُخْتَصَرِ الْأُصُولِ أَنَّ الْأَحْكَامَ قَدْ تُؤْخَذُ لَا مِنْ الشَّرْعِ كَالتَّمَاثُلِ، وَالتَّحَالُفِ وَإِنَّ الْحُسْنَ، وَالْقُبْحَ الْعَقْلِيَّيْنِ قَدْ ثَبَتَا عِنْدَنَا كَمَا عَرَفْت فِي مَحَلِّهِ (فَجَازَ الِاشْتِغَالُ بِهِ) وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُمْ لَا بَأْسَ بِهِ فَهَذَا بَيَانُ وَجْهِ مَا فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ لَا الِاسْتِدْلَالِ ابْتِدَاءً بِرَأْيِهِ فِي اسْتِخْرَاجِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ حَتَّى يَرُدَّ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّ ذَلِكَ مَنْصِبُ الِاجْتِهَادِ عَلَى أَنَّهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجُوزُ تَحَرِّي الِاجْتِهَادِ لَا يَبْعُدُ اجْتِهَادُ الْمُصَنِّفِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ.
وَلِمَا وُجِّهَ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا؛ لِأَنَّ مَا يَكُونُ وَسِيلَةً إلَى الْوَاجِبِ فَوَاجِبٌ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَأَمَّا أَنْ يَجِبَ) النُّجُومُ (فَلَا إذْ لَا انْحِصَارَ لِلْأَسْبَابِ فِيهِ) أَيْ فِي النُّجُومِ الْحَاصِلِ فِي ضِمْنِ الْهَيْئَةِ يَشْكُلُ أَنَّ مُطْلَقَ السَّبَبِ كَالْعَامِّ وَلَا وُجُودَ لِلْعَامِّ إلَّا فِي ضِمْنِ الْخَاصِّ فَإِذَا كَانَ الْمُطْلَقُ وَاجِبًا فَفِي ضِمْنِ أَيْ أَفْرَادِهِ تَحَقُّقٌ كَانَ الْوَاجِبُ ذَلِكَ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ وَاَلَّذِي يَخْطِرُ بِالْبَالِ أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُكَلِّفْ تَحْصِيلَ هَذَا السَّبَبِ بِهَذَا الطَّرِيقِ لِلْحَرَجِ، وَالْعُسْرِ فِي ذَلِكَ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ بَلْ اكْتَفَى بِمُجَرَّدِ التَّحَرِّي فَلَوْ أَتَى الْمُكَلَّفُ مِنْ عِنْدِهِ حُصُولُهُمَا أَيْ الْقِبْلَةِ، وَالْوَقْتِ لَا يَمْنَعُهُ الشَّرْعُ بَلْ يُجَوِّزُهُ لَكِنْ يُرَدُّ بِعَدَمِ ارْتِكَابِ السَّلَفِ وَعَدَمِ الْتِفَاتِهِمْ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلَا أَقَلَّ مِنْ كَوْنِهِ بِدْعَةً فِي الْعِبَادَةِ فَتَأَمَّلْ (وَ) إنَّهُ (لَا يَلْزَمُ الْيَقِينُ فِيهِمَا) فِي الْقِبْلَةِ، وَالْوَقْتِ حَتَّى يَجِبَ فَظَاهِرُهُ الِاعْتِرَافُ بِحُصُولِ الْقَطْعِ بِالنُّجُومِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِلَّا لَثَبَتَ ابْتِدَاءُ رَمَضَانَ وَاخْتِتَامُهُ بِالنُّجُومِ وَلَيْسَ فَلَيْسَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا فِي هَذَا وَمَا فِي ذَلِكَ تَحَكُّمٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْفَرْضِ، وَالتَّنْزِيلِ (بَلْ يَكْفِي الظَّنُّ) فِي اسْتِحْصَالِ نَحْوِهِمَا لِلْحَرَجِ كَمَا يَدُلُّ قَوْلُهُ الْآتِي لَكِنْ هَذَا إنَّمَا يَدْفَعُ الْفَرْضِيَّةَ لَا الْوُجُوبَ.
وَالْمَسْأَلَةُ لَيْسَ فِيهَا فَضِيلَةٌ وَاسْتِحْبَابٌ فَضْلًا عَنْ الْوُجُوبِ بَلْ مَا فِيهَا هُوَ أَصْلُ الْجَوَازِ (وَأَنَّهُ) أَيْ الْهَيْئَةَ (يَحْتَاجُ إلَى ذَكَاءٍ) كِيَاسَةٍ (وَقُوَّةِ حَدْسٍ وَخَيَالٍ وَجَدٍّ كَثِيرٍ) فَفِيهِ حَرَجٌ (فَلَا يَقَعُ التَّكْلِيفُ بِهِ لِكُلِّ أَحَدٍ إذْ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَدْفَعُ الْوُجُوبَ عَيْنًا لَا الْمُطْلَقَ فَيَجُوزُ الْوُجُوبُ عَلَى طَرِيقِ الْكِفَايَةِ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَا فِي الْمَقْصِدِ وَبَيْنَ مَا فِي الْأَسْبَابِ، وَالشَّرَائِطِ وَأَنْ يَعْسُرَ فِي كُلِّ وَقْتٍ أَنْ يُوجَدَ شَخْصٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يُسْتَخْبَرُ مِنْهُ عَنْهُمَا (وَأَيْضًا تَحْتَاجُ مَعْرِفَةُ الْقِبْلَةِ بِالْهَيْئَةِ إلَى مَعْرِفَةِ عَرْضِ كُلِّ بَلَدٍ وَطُولِهِ)
стр. 262
هُمَا مَعْرُوفَانِ عِنْدَهُمْ وَمُحَرَّرَانِ فِي كُتُبِهِمْ (وَلَا نُمَكِّنُ تِلْكَ الْمَعْرِفَةَ إلَّا بِتَقْلِيدِ مَنْ لَمْ تُعْرَفْ عَدَالَتُهُ) لَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْحَصْرِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ مَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُتَدَاوَلِ بَيْنَهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَلَا شَكَّ فِي تَدَاوُلِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ بَيْنَ الْإِسْلَامِيِّينَ بَلْ الثِّقَةُ مِنْهُمْ وَإِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَصْلِ الْمُسْتَخْرَجِ فَهُمْ ادَّعَوْا كَوْنَ عِلْمِهِمْ فِي الْأَصْلِ شَرِيعَةً مِنْ شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَانْتِهَاءِ سِلْسِلَتِهِمْ إلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ فَقِيلَ إلَى إبْرَاهِيمَ وَقِيلَ إلَى لُقْمَانَ وَقِيلَ إلَى إدْرِيسَ وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ عِنْدَهُمْ هُرْمُسُ الْحَكِيمُ حَتَّى ادَّعَوْا أَنَّ هَذِهِ الْآلَاتِ النُّجُومِيَّةَ أَوَّلُ مَنْ اسْتَخْرَجَهَا هُوَ هُرْمُسُ.
قَالَ فِي الْفَوَائِحِ الْمِسْكِيَّةِ إنَّ هُرْمُسَ صَعِدَ إلَى فُلْكِ زُحَلَ وَدَارَ مَعَهُ ثَلَاثِينَ سَنَةً حَتَّى شَاهَدَ جَمِيعَ أَحْوَالِ الْأَفْلَاكِ فَنَزَلَ إلَى الْأَرْضِ فَأَخْبَرَ النَّاسَ بِعِلْمِ النُّجُومِ.
وَقَالَ فِي بَعْضِ حَوَاشِي حِكْمَةِ الْعَيْنِ إنَّ أَصْلَ الْحِكْمَةِ وَحَيٌّ إلَهِيٌّ إلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ إنَّمَا هُوَ بِتَلَاحُقِ الْأَفْكَارِ وَتَكَاثُرِ الْآرَاءِ (فَلَا يُوجِبُ الْعَمَلَ) لَا يَخْفَى أَنَّ اللَّازِمَ مِمَّا ذَكَرَهُ وَمَهَّدَهُ عَدَمُ جَوَازِ الْعَمَلِ لَا عَدَمُ الْوُجُوبِ وَصَرْفُ النَّفْيِ إلَى الْقَيْدِ، وَالْمُقَيَّدِ مَعًا أَيْ لَا يَجُوزُ مَعَ كَوْنِهِ خِلَافُ الْأَصْلِ فِي الْأَصْلِ فَنَفْيُ مَا أُثْبِتَ أَوْلَى يَعْنِي يُنَافِي تَقْرِيبَ الدَّلِيلِ.
حَاصِلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَقَامِ مَعَ طُولِهِ بِالْكَلَامِ أَنَّ التَّوْفِيقَ بَيْنَ كَوْنِ النُّجُومِ لَا بَأْسَ كَمَا فِي كَلَامِ الْخُلَاصَةِ، وَالْبُسْتَانِ وَبَيْنَ حُرْمَتِهِ كَمَا فِي ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَكَلَامُ تَعْلِيمِ الْمُتَعَلِّمِ أَنَّ الْحُرْمَةَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ وَكَوْنُهُ لَا بَأْسَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ وَوَقْتِ الصَّلَاةِ.
(وَأَمَّا سَائِرُ عُلُومِ الْفَلَاسِفَةِ) عِلْمُ الْفَلَاسِفَةِ هُوَ اسْتِكْمَالُ النَّفْسِ بِالْعِلْمِ، وَالْعَمَلِ أَوْ هُوَ عِلْمٌ بِأَحْوَالِ الْأَعْيَانِ الْمَوْجُودَاتِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (فَالْمَنْطِقُ) الْمُعَرَّفُ بِآلَةٍ قَانُونِيَّةٍ تَعْصِمُ مُرَاعَتُهَا الذِّهْنَ عَنْ الْخَطَأِ فِي الْفِكْرِ وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ عِلْمِ الْفَلْسَفَةِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ اسْتَخْرَجَهُ مِنْ الْقَرِيحَةِ هُوَ أَرِسْطُو وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ جَعْلُهُمْ جُزْءًا مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ مَثَلًا عَلَى وَجْهِ الْمَبْدَئِيَّةِ إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلْمٌ مَبْدَأً لِعِلْمٍ آخَرَ وَذَاكَ غَيْرٌ لِذَلِكَ كَمَا سَتَسْمَعُ (دَاخِلٌ فِي الْكَلَامِ) إذْ أَصْلُ الْكَلَامِ إنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ الْعَقْلِيِّ، وَالِاسْتِدْلَالِ الْحَقِيقِيِّ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْمَنْطِقِ إذْ حَاصِلُهُ اسْتِحْصَالُ الْمَجْهُولَاتِ بِالْمَعْلُومَاتِ فَيَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ. اعْلَمْ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي الْمَنْطِقِ قَالَ بَعْضُهُمْ بِالْحُرْمَةِ وَبَعْضُهُمْ بِعَدَمِهَا بَلْ بِوُجُوبِهِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالَ فِي الْأَشْبَاهِ عِلْمُ الْفَلْسَفَةِ حَرَامٌ وَدَخَلَ فِيهِ الْمَنْطِقُ.
وَعَنْ ابْنِ حَجَرٍ الْمَكِّيِّ عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّهُ حَرَامٌ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ إخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْ الْمَدَارِسِ وَسَجْنِهِمْ وَكَفِّ شَرِّهِمْ وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الشَّرْعِيَّةِ مُنْكَرٌ بَشِيعٌ.
وَفِي أُنْمُوذَجِ حَفِيدٍ السَّعْدِ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْعِلْمِ الْمُحْتَرَمِ حَتَّى يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِكُتُبِهِ وَمِثْلُهُ ذَكَرَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ مَوْرِدًا الِاتِّفَاقَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْوَرَقِ الْخَالِي عَنْ الْخَطِّ وَيَجُوزُ إهَانَتُهُ فِي الشَّرْعِ.
وَعَنْ الْإِسْنَوِيِّ أَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَرَمٍ، وَنُقِلَ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ أَنَّهُ بِدْعَةٌ وَكَشُرْبِ الْخَمْرِ.
وَعَنْ قُوتِ الْقُلُوبِ أَنَّ الْجُهَّالَ جَعَلُوا أَصْحَابَ الْمَنْطِقِ عُلَمَاءَ.
وَعَنْ الْجَوْهَرِيِّ أَنَّهُ تَضْيِيعُ الْعُمْرِ.
وَعَنْ شَرْحِ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ لِعَلِيٍّ الْقَارِي أَيْضًا عَنْ السُّيُوطِيّ: أَنَّهُ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَأَكْثَرُ الْمُعْتَبَرِينَ كَابْنِ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيِّ.
وَعَنْ الْقَزْوِينِيِّ: رَجَعَ الْغَزَالِيُّ إلَى تَحْرِيمِهِ بَعْدَمَا أَثْنَى عَلَيْهِ.
وَعَنْ السَّلَفِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ عَدَمُ قَبُولِ رِوَايَةِ مُشْتَغِلِهِ. وَفِي شَرْحِ الْأَشْبَاهِ لِلْحَمَوِيِّ: الْقَوْلُ بِتَصْرِيحٍ كَثِيرٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِالْحُرْمَةِ لِكَوْنِهِ تَضْيِيعَ الْعُمْرِ وَلِإِفْضَائِهِ
стр. 263
إلَى مَيْلِ سَائِرِ الْفَلْسَفَةِ فَمَنْ قِيلَ سَدُّ الذَّرَائِعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُنَافِي الشَّرْعِ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَفِي أُنْمُوذَجِ الْحَفِيدِ أَيْضًا عَنْ الْغَزَالِيِّ: أَنَّ الْمَنْطِقَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَقَوَّاهُ الشَّيْخُ السُّبْكِيُّ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ انْتَهَى.
وَفِي الْحَدِيقَةِ عَنْ الْغَزَالِيِّ أَيْضًا فِي الْمُسْتَصْفَى: الْمَنْطِقُ مُقَدِّمَةٌ لِكُلِّ الْعُلُومِ، وَمَنْ لَا يُحِيطُ بِهَا لَا ثِقَةَ بِعُلُومِهِ.
وَفِي مُنْقِذِ الضَّلَالِ لَهُ أَيْضًا: الْمَنْطِقُ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالدِّينِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا. ثُمَّ فُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ هُنَاكَ لُزُومُهُ فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا الْآفَةُ مِنْ إهْمَالِهِ فِي الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ بَعْدَمَا حَصَّلُوهُ إلَى أَنْ يُفِيدَ الْيَقِينَ، وَنُقِلَ عَنْهُ أَيْضًا فِي أَوَّلِ الْمُنْتَقَى مَدْحُهُ الْمَنْطِقَ.
وَفِي شَرْحِ الْأَشْبَاهِ عَنْ الْغَزَالِيِّ أَيْضًا أَنَّهُ سَمَّاهُ: " مِعْيَارَ الْعُلُومِ " وَمَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِهِ لَا ثِقَةَ بِعِلْمِهِ، وَالْعَلَّامَةُ الْقُطْبُ حَكَى عَنْ الْعُلَمَاءِ الْحُكْمَ بِمُطْلَقِ وُجُوبِهِ، وَالْعَلَّامَةُ الشَّرِيفُ بَعْدَمَا حَكَى الْإِجْمَاعَ فِي مُطْلَقِ وُجُوبِهِ ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ بِعَيْنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَتِهِ تَعَالَى عَلَيْهِ أَوْ بِكِفَايَةِ فَرْضِيَّتِهِ لِتَوَقُّفِ شِعَارِ الدِّينِ عَلَيْهِ.
وَفِي شَرْحِ حَدِيثِ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ لِابْنِ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيِّ صَرَّحَ بِجَوَازِهِ بَلْ بِلُزُومِهِ.
وَفِي الْحَدِيقَةِ: عَنْ الْقَرَافِيِّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ الْمَنْطِقُ شَرْطٌ لِلِاجْتِهَادِ، وَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ مَتَى جَهِلَهُ سُلِبَ عَنْهُ اسْمُ الِاجْتِهَادِ.
وَقَالَ السُّبْكِيُّ: يَنْبَغِي تَقْدِيمُ الِاشْتِغَالِ بِهِ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْفِقْهِ لَعَلَّ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَنْطِقَ مُجَرَّدُ صُوَرِ الْأَدِلَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ مَادَّةٍ فَالْوَاجِبُ أَنْ يُقَدِّمَ هَذِهِ الْمَادَّةَ مِنْ الشَّرْعِيَّةِ لِيَكُونَ كَدُّهُ فِي الشَّرْعِيَّةِ وَأَنْ يَصْرِفَ عَنْ الْفَلْسَفَةِ الَّتِي لَا يَطْرُقُهُ الْعَيْبُ إلَّا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ ثُمَّ قَالَ: هُوَ أَحْسَنُ الْعُلُومِ وَأَنْفَعُهَا فِي كُلِّ بَحْثٍ، وَمَنْ قَالَ إنَّهُ كُفْرٌ أَوْ حَرَامٌ فَجَاهِلٌ.
وَفِي إتْقَانِ السُّيُوطِيّ: الْقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْحِجَجِ الْمَنْطِقِيَّةِ، وَالْقَوَاعِدِ الْجَدَلِيَّةِ إلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى الصَّرَاحَةِ لِعَدَمِ شُهْرَتِهِ عِنْدَ مَنْ نَزَلَ فِيهِمْ الْقُرْآنُ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْأُصُولِ، وَصَرِيحُ عَامَّةِ الْأُصُولِيِّينَ جُزْءٌ مِنْ الْكَلَامِ وَأَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ جَعَلَ الْمَنْطِقَ تَبَعًا لِلْآمِدِيِّ مَبَادِئَ كَلَامِيَّةً لِلْأُصُولِ وَمَشَى عَلَيْهِ شُرَّاحُهُ وَمُحَشِّيهِ كَالْعَضُدِ، وَالْأَبْهَرِيِّ، وَالسَّعْدِ، وَالشَّرِيفِ وَغَيْرِهِمْ وَصَنَّفَ فِي الْمَنْطِقِ كُتُبًا وَرَسَائِلَ خَلْقٌ لَا يُحْصَى مِنْ السَّلَفِ، وَالْخَلَفِ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَحِيلُ الْعَقْلُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الْجَهَالَةِ، وَالْغَوَايَةِ، وَالْمُكَابَرَةِ وَنِسْبَةُ حَالِ اجْتِمَاعِهِمْ فِي ذَلِكَ عَلَى الضَّلَالَةِ سَتُبَيَّنُ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ» ثُمَّ الْمُحَاكَمَةُ، وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ.
قَالَ الشَّارِحُ الْحَمَوِيُّ لِلْأَشْبَاهِ عَلَى قَوْلِهِ بِالْحُرْمَةِ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَمْ أَرَ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا حُرْمَةَ الْمَنْطِقِ فَلَا بُدَّ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ النَّقْلِ. أَقُولُ لَعَلَّ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى حُكْمَ الْفُقَهَاءِ بِحُرْمَةِ الْفَلْسَفَةِ وَكَانَ الْمَنْطِقُ جُزْءًا مِنْ الْفَلْسَفَةِ عِنْدَهُ حُكِمَ بِحُرْمَتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لَيْسَ كُلُّ الْفَلْسَفَةِ مُخَالِفًا لِلشَّرْعِ كَأَثَرِ الْإِلَهِيَّاتِ، وَالطَّلَبِ وَبَعْضِ النُّجُومِ وَنَحْوِهَا. ثُمَّ قَالَ عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ: الْمُحَرَّمُ مَنْطِقُ الْفَلَاسِفَةِ.
وَأَمَّا مَنْطِقُ الْإِسْلَامِيِّينَ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يُنَافِي الشَّرْعَ فَلَا يَحْرُمُ وَنَحْوُهُ حُكِيَ فِي الْحَدِيقَةِ عَنْ الْبَعْضِ بِأَنَّ الْمُحَرَّمَ مَا يُلْتَزَمُ فِيهِ نَفْيُ الشَّرْعِيَّاتِ وَهُوَ مَحْمَلُ أَقْوَالِ نَحْوِ ابْنِ الصَّلَاحِ.
وَأَمَّا الْمَنْطِقُ الْمُتَدَاوَلُ الْيَوْمَ بَيْنَ كِبَارِ أَهْلِ السُّنَّةِ الظَّاهِرُ إعَانَتُهُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ فَمَعَاذَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُنْكِرَهُ نَحْوُ ابْنِ الصَّلَاحِ وَلَا يُعْتَبَرُ إنْكَارُ مَنْ لَا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْمَنْطِقِ؛ لِأَنَّ مَنْ جَهِلَ شَيْئًا عَادَاهُ وَكَفَى حُجَّةً عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَتَفَوَّهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ غَيْرَ الْعَارِفِ مَعَ عَارِفِهِ. وَفَصَّلَ الْقَوْلَ أَنَّهُ كَسَيْفِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَا يُنْكَرُ فِي أَصْلِهِ إلَّا أَنْ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.
أَقُولُ وَمِثْلُهُ عُرِفَ آنِفًا مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ فِي الْمُنْقِذِ لِأَنَّهُ لَا مَنْعَ مِنْ أَصْلِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ عَدَمِ اسْتِعْمَالِهِ فِي مَحَلِّهِ أَوْ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لَعَلَّ مَنْعَ السَّلَفِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا شَاهَدُوا فِي زَمَانِهِمْ مِنْ جَعْلِهِمْ الْمَنْطِقَ آلَةً لِتَرْوِيجِ الْفَلْسَفِيَّاتِ، وَلِهَجْرِ الشَّرْعِيَّاتِ لِأَنَّهُ أَوَانُ أَوَّلِ تَرْجَمَةِ كُتُبِ الْفَلَاسِفَةِ الْيُونَانِيَّةِ إلَى الْعَرَبِيَّةِ كَمَا يَدُلُّ قَصَصُهُمْ وَحِكَايَةُ أَحْوَالِهِمْ. وَبِالْجُمْلَةِ أَنَّهُ مَمْدُوحٌ فِي أَصْلِهِ، وَالذَّمُّ إنَّمَا يَتَطَرَّقُ مِنْ عَوَارِضِهِ فَالْمُثْبِتُونَ نَظَرُوا إلَى ذَاتِهِ وَإِعَانَتِهِ لِلْأُصُولِ، وَالْفُرُوعِ حَتَّى جَعَلُوهُ مَبَادِئَ لِلْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ كَالْكَلَامِ، وَالْأُصُولِ، وَالنَّافُونَ نَظَرُوا إلَى عَوَارِضِهِ مِنْ نَحْوِ التَّعَصُّبِ وَإِلْزَامِ الْمُوَحَّدِ أَوْ كَثْرَةِ تَوَغُّلٍ تُوجِبُ هَجْرَ الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا
стр. 264
الْمَنْطِقُ مَبَادِئٌ فَلْيُسْرَعْ مِنْهُ إلَى الْمَقَاصِدِ فَنَفَوْهُ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ حَرَامٌ أَلْبَتَّةَ بَلْ الْمَقَاصِدُ الشَّرْعِيَّةُ أَيْضًا قَدْ تَحْرُمُ بِمِثْلِ تِلْكَ الْعَوَارِضِ كَالتَّعَلُّمِ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ وَيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ وَيَأْكُلَ أَمْوَالَ الْأَغْنِيَاءِ وَيَسْتَخْدِمَ الْفُقَرَاءَ وَيَتَقَرَّبَ إلَى الْأُمَرَاءِ كَمَا ذَكَرَ الْحَمَوِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَبِمَا ذَكَرْنَا وَشَيَّدْنَا أَمْكَنَ لَك دَفْعُ مَا أُورِدَ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ مِنْ الْخَيَالَاتِ، وَالْأَوْهَامِ مِنْ مَنْعِ كَوْنِ الْمَنْطِقِ قِسْمَيْنِ. أَقُولُ وَقَدْ أَشَرْنَا أَنَّ تَعَدُّدَهُ بِاعْتِبَارِ مَحَلِّهِ وَحَالِ مُسْتَعْمَلِهِ، وَمَنْ مَنْعَ عَدَمَ ضَرَرِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ كَيْفَ وَعَامَّةُ فِرَقِ الضَّلَالَةِ بِسَبَبِ تَشَبُّثِ هَذَا الْعِلْمِ أَفْسَدُوا هَذَا الدِّينَ الْقَوِيمَ. أَقُولُ لَيْسَ إفْسَادُهُمْ بِمُجَرَّدِ صُوَرِ الْأَدِلَّةِ بَلْ بِمَوَادِّهَا وَلَوْ سَلَّمَ فَتَخَلَّصَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَغَلَبَتْهُمْ عَلَيْهِمْ إنَّمَا هُوَ بِتَمَيُّزِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ مِنْ الْفَاسِدِ وَذَلِكَ بِهَذَا الْعِلْمِ وَمَنْ مَنَعَ كَوْنَهُ شَرْطًا لِلِاجْتِهَادِ بِالِاسْتِنَادِ أَنَّ الصَّحَابَةَ مُجْتَهِدُونَ وَلَيْسُوا بِعَارِفِي هَذَيَانَاتِ الْمَنَاطِقَةِ كَيْفَ وَهُوَ يُفْضِي إلَى أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاعْتِقَادُ ذَلِكَ كُفْرٌ لِتَحْقِيرِ عِلْمِهِ ﵊ وَلِاسْتِلْزَامِ كَوْنِ الْأَحْكَامِ مُعَلَّلَةً بِالْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ دُونَ الشَّرْعِيَّةِ. أَقُولُ: مُرَاعَاةُ الْمَنْطِقِ حَاصِلٌ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ لَكِنْ لِقُوَّةِ ذَكَائِهِمْ وَجِيَادَةِ طِبَاعِهِمْ اسْتَغْنَوْا عَنْ تَفْصِيلِهِ كَعِلْمِ الْأُصُولِ بِالْإِجْمَالِ مَعَ عَدَمِ تَفْصِيلِهِ عِنْدَهُمْ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ عِلْمٌ آلِيٌّ لَيْسَ فِيهِ مَادَّةٌ قَصْدِيَّةٌ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ اسْتِلْزَامُ مُتَارَكَةِ الشَّرْعِيَّاتِ بِكَوْنِ الْعِلَلِ هِيَ الْعَقْلِيَّاتُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْجَهْلِيَّاتِ وَأَنَّهُ هَلْ يُتَصَوَّرُ لُزُومُ أَخْذِ الْمُجْتَهِدِ أَحْوَالَ اجْتِهَادِهِ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي اجْتِهَادِهِ ﵊ وَبَعْدَ تَسْلِيمِ ذَلِكَ عَرَفْته كَمَا عَرَفْت حَالَ نِسْبَتِهِ إلَى الْكُفْرِ وَمَا اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ فَإِذَا عَرَفْت حَالَ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ فَلَعَلَّك قَدَرْت أَنْ تَعْرِفَ بِوَاقِيَ وَهْمِيَّاتِهِ السَّاقِطَةِ وَبِالْجُمْلَةِ فَالِاشْتِغَالُ بِتَمَامِهِ لَا يُفِيدُ إلَّا الْمَلَالَ وَقَسْوَةَ الْبَالَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ.
(وَعِلْمُ الْهَنْدَسَةِ) عِلْمٌ يُعْرَفُ بِهِ خَوَاصُّ الْمَقَادِيرِ مِنْ الْخَطِّ، وَالسَّطْحِ، وَالْجِسْمِ التَّعْلِيمِيِّ (مُبَاحٌ) كَسَائِرِ الرِّيَاضِيَّاتِ كَالْحِسَابِ، وَالْهَيْئَةِ لِعَدَمِ التَّعَلُّقِ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا لَكِنْ قَالَ الْغَزَالِيُّ: تَوَلَّدَتْ مِنْهُ آفَتَانِ.
الْأُولَى: النَّاظِرُ إلَيْهَا يَرَى وُضُوحَهَا فَيَحْسُنُ عِنْدَهُ اعْتِقَادُ عَامَّةِ الْفَلْسَفَةِ فَيَدْعُوهُ إلَى اعْتِقَادِ كُفْرِيَّاتِهِمْ وَإِلَى تَقْلِيدِهِمْ فِيهَا.
وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ فِي اعْتِقَادٍ أَنَّ الدِّينَ يَنْتَصِرُ بِإِنْكَارِ جَمِيعِ عُلُومِهِمْ فَإِذَا رَأَى ظُهُورَ دَلَالَتِهَا يَزُولُ اعْتِقَادُهُ بِالدِّينِ بَلْ رُبَّمَا يَعْتَقِدُ بِنَاءَ الدِّينِ عَلَى الْجَهْلِ فَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوْلَى عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى هَاتَيْنِ الْآفَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ نَظَرُهُ إلَى أَصْلِهَا دُونَ عَوَارِضِهَا (وَالْإِلَهِيَّاتُ) أَيْ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ (مَا يُخَالِفُ مِنْهَا الشَّرْعُ) كَمَا يُخَالِفُ الْكَلَامِيَّةُ سَوَاءٌ وَصَلَ إلَى الْكُفْرِ أَوْ لَا كَمَا سَبَقَ التَّفْصِيلُ قَرِيبًا (فَجَهْلٌ مُرَكَّبٌ) لِعَدَمِ خَارِجٍ يُطَابِقُ النِّسْبَةَ إذْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ اعْتِقَادٍ جَازِمٍ غَيْرِ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ، وَالْجَهْلُ الْبَسِيطُ عَدَمُ الْعِلْمِ عَمَّا مَنْ شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا (لَا يَجُوزُ تَحْصِيلُهُ وَلَا النَّظَرُ) التَّأَمُّلُ فِيهِ (الْأَعْلَى وَجْهُ الرَّدِّ) وَذَلِكَ لِلْمُنْتَهِي الذَّكِيِّ الْقَادِرِ لَا الْمُبْتَدِئِ الْغَبِيِّ الْعَاجِزِ لَكِنْ ظَاهِرُ التتارخانية الْمَنْعُ عَنْ إطْلَاقِ عِلْمِ الْفَلْسَفَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ قُبَيْلَ الْفَصْلِ الرَّابِعِ مِنْ أَوَّلِهِ، وَفِي الثَّلَاثِينَ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ مَعَ زِيَادَةِ الْهَنْدَسَةِ فِيهِ وَضَمِّهَا إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَأَمَّا عِلْمُ الْفَلَاسِفَةِ، وَالْهَنْدَسَةِ بَعِيدٌ مِنْ عِلْمِ الْآخِرَةِ اسْتِخْرَاجُ ذَلِكَ الَّذِينَ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ نَعَمْ قَالَ هُنَاكَ أَيْضًا تَعْلِيمُ الْمَعَاصِي لِيَجْتَنِبَ عَنْهَا جَائِزٌ (وَقَدْ اسْتَقْصَى) الرَّدَّ (فِي) عِلْمِ (الْكَلَامِ) وَلِذَا جَعَلَ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ وَأَنَّهُ لَا يَتَحَمَّلُهُ هَذَا الْمَقَامُ (وَمَا يُوَافِقُهُ فَدَاخِلٌ فِي الْكَلَامِ أَيْضًا) فَمُسْتَغْنًى عَنْهَا. أَقُولُ دَعْوَى الدُّخُولِ مُشْكِلٌ إذْ الْكَلَامُ مُلْتَزَمٌ أَخْذُهُ مِنْ الشَّرْعِ بِخِلَافِ تِلْكَ الْإِلَهِيَّاتِ بَلْ الْتِزَامُ عَدَمُ الْأَخْذِ مِنْ الشَّرِيعَةِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الدُّخُولُ، وَقَدْ انْتَفَى الْحُسْنُ، وَالْقُبْحُ الْعَقْلِيَّانِ عِنْدَنَا نَعَمْ إنَّ أُصُولَ بَعْضِ الْمَسَائِلِ لَا تَحْصُلُ مِنْ الشَّرْعِ ابْتِدَاءً لَكِنْ بِحَسَبِ تَطْبِيقِهَا إلَيْهِ انْتِهَاءً إلَّا أَنْ يُرَادَ مُطْلَقُ الصُّورَةِ وَأَنَّهُ يُشْعِرُ جَوَازَ تَوَغُّلِ هَذِهِ الْإِلَهِيَّاتِ وَاسْتِحْصَالِهَا.
(وَالطَّبِيعِيَّاتُ مَا خَالَفَ مِنْهَا الشَّرْعَ) هُوَ عِلْمٌ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَجْسَامِ عَالَمِ السَّمَوَاتِ وَكَوَاكِبِهَا وَمَا تَحْتَهَا مِنْ الْأَجْسَامِ الْمُفْرَدَةِ، وَالْمُخَالِفُ لِلشَّرْعِ
стр. 265
نَحْوُ نِسْبَةِ تَأْثِيرِ الْأَشْيَاءِ إلَى بَعْضِ الطَّبَائِعِ، وَالْمُؤَثِّرُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى (فَمَبْنِيٌّ عَلَى الْإِلَهِيَّاتِ وَقَدْ عَرَفْت حَالَهَا) فِي الرَّدِّ.
(وَمَا لَمْ يُخَالِفْ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ) قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُنْقِذِ مَا لَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ مِنْهَا كَالطِّبِّ فَلَا يُمْنَعُ. أَقُولُ لَكِنْ هِيَ لِعَدَمِ ثَمَرَةٍ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا كَالْعَبَثِ لَا سِيَّمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكَدِّ فِي اسْتِحْصَالِهَا فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَلْحَقَ بِتَضْيِيعِ الْعُمْرِ.
(وَأَمَّا السِّحْرُ) وَقَدْ تَقَدَّمَ (، وَالنِّيرَنْجَاتُ) وَيُقَالُ لَهَا الشَّعْبَذَةُ أَيْضًا فُسِّرَ بِأَنَّهُ عِلْمٌ بِكَيْفِيَّةِ اسْتِعْدَادَاتٍ تَقْدِرُ بِهَا النُّفُوسُ الْبَشَرِيَّةُ عَلَى ظُهُورِ التَّأْثِيرِ فِي الْعَنَاصِرِ (وَنَحْوِهِمَا مِنْ الشُّرُورِ، وَالْمَعَاصِي فَيَجُوزُ تَعَلُّمُهَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْهَا) لَا لِلرَّغْبَةِ فِيهَا (كَمَا قِيلَ
عَرَفْت الشَّرَّ لَا لِلشَّرِّ لَكِنْ لِتَوَقِّيهِ)
أَيْ لِتَحَفُّظِهِ، وَالِاحْتِرَازِ عَنْهُ لَا يَخْفَى أَنَّ الدَّلِيلَ يَخْتَصُّ بِمَا تَكُونُ مَعْرِفَتُهُ وَسِيلَةً لِاحْتِرَازِهِ، وَالْمَطْلُوبُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَدَعْوَى كَوْنِ الْكُلِّ كَذَلِكَ بَعِيدٌ (وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ الشَّرَّ وَيَجْهَلْهُ يَقَعُ فِيهِ) لِعَدَمِ عِلْمِهِ، وَالْتِبَاسِهِ بِالْخَيْرِ لَا يُقَالُ الْمَعْرِفَةُ الْإِجْمَالِيَّةُ بَلْ التَّقْلِيدُ كَافٍ فِي عَدَمِ الْوُقُوعِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَعْرِفَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ التَّعَلُّمِ هُوَ التَّفْصِيلُ فَلَا تَقْرِيبَ لِأَنَّ التَّفْصِيلَ لَيْسَ كَالْإِجْمَالِ إذْ التَّفْصِيلُ كَالْكُنْهِ، وَالْإِجْمَالُ كَالْوَجْهِ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا نَعَمْ إنَّ أَصْلَ التَّوَقِّي حَاصِلٌ بِالْإِجْمَالِ لَعَلَّ تَحْقِيقَ ذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ إنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِجَوَازِ ظُهُورِ سَاحِرٍ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ بِالْخَوَارِقِ السِّحْرِيَّةِ إذْ ذَلِكَ إنَّمَا يَتَحَصَّلُ بِالتَّفْصِيلِ لَكِنَّ السَّابِقَ إلَى الْخَاطِرِ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ مَظَانِّ ظُهُورِ مِثْلِ هَذَا الْمُدَّعِي وَإِلَّا فَمَا يَكُونُ فِي نُدْرَةٍ سِيَّمَا فِي غَايَتِهَا لَا يَكُونُ مَدَارًا لِتَشْرِيعِ الْأَحْكَامِ.
(وَأَمَّا) (الْمُنَاظَرَةُ) أَيْ الْمُبَاحَثَةُ (وَالْحِيلَةُ فِيهَا فَفِي الْخُلَاصَةِ التَّمْوِيهُ) فُسِّرَ بِالتَّكَلُّمِ بِكَلَامٍ مُزَخْرَفٍ لِإِلْزَامِ الْخَصْمِ (وَالْحِيلَةُ فِي الْمُنَاظَرَةِ) بِالْمُقَدِّمَاتِ الْجَدَلِيَّةِ، وَالْخَطَابِيَّةِ بَلْ الشَّبِيهُ، وَالسَّفْسَطِيَّةَ وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ عِنْدَهُ بَلْ وَلَمْ يُطَابِقْ لِلْوَاقِعِ (إنْ) (تَكَلَّمَ) مُخَاطِبُك مَعَك (مُتَعَلِّمًا) مُرِيدًا أَخْذَ عِلْمٍ مِنْك أَيْ مُسْتَفِيدًا (مُسْتَرْشِدًا) طَالِبَ رُشْدٍ (أَوْ) لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّمًا وَلَكِنْ كَانَ (تَكَلَّمَ عَلَى الْإِنْصَافِ) عَلَى قَصْدِ إظْهَارِ الصَّوَابِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ فَرْقٌ بَيْنَ ظُهُورِ الْحَقِّ مِنْهُ وَمِنْ خَصْمِهِ (بِلَا تَعَنُّتٍ) مُعَانَدَةً وَمُكَابَرَةً (يُكْرَهُ) التَّمْوِيهُ، وَالْحِيلَةُ مِنْك لِلُزُومِ كَوْنِك مُبْطِلًا وَمُعَانِدًا وَمُلَبِّسًا لِلْحَقِّ بِالْبَاطِلِ فَالْكَرَاهَةُ لَيْسَتْ بِتَحْرِيمِيَّةٍ (وَكَذَا) يُكْرَهُ (إذَا) (تَكَلَّمَ) خَصْمُك (غَيْرَ مُسْتَرْشِدٍ لَكِنْ عَلَى الْإِنْصَافِ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ تَكْرَارٌ بِقَوْلِهِ أَوْ إنْ تَكَلَّمَ إلَّا أَنْ يُحْمَلُ لَفْظَةُ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ (بِلَا تَعَنُّتٍ) بِلَا قَصْدِ إيقَاعِ زَلَّةِ خَصْمِهِ (فَإِنْ تَكَلَّمَ مَعَ مَنْ يُرِيدُ التَّعَنُّتَ) أَيْ مُجَرَّدَ التَّفَوُّقِ وَإِذْلَالَ الْخَصْمِ (وَيُرِيدُ أَنْ يَطْرَحَهُ لَا يُكْرَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَحْتَالَ كُلَّ حِيلَةٍ لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ) ضَرَرَهُ وَيَظْهَرَ فَسَادُهُ (لِأَنَّ الْحِيلَةَ لِدَفْعِ التَّعَنُّتِ مَشْرُوعَةٌ) لِأَنَّ جَزَاءَ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا لَعَلَّ إنْ كَانَ قَصْدُ ذَلِكَ الْمُعَانِدِ الْإِلْحَادَ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُمْكِنْ بِغَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ فَالْحِيلَةُ وَاجِبَةٌ وَإِلَّا فَتَرْكُهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُنَاظَرَةَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ إظْهَارَ الصَّوَابِ لَيْسَ بِمُفِيدٍ شَيْئًا وَلَيْسَ بِمُسْتَحْسَنٍ فِي الْآدَابِ.
(قَالَ) فِي الْخُلَاصَةِ (وَسَمِعْت الْقَاضِيَ الْإِمَامَ) قِيلَ قَاضِي خَانْ (يَقُولُ إنْ أَرَادَ) الْمُنَاظِرُ (تَخْجِيلَ الْخَصْمِ
стр. 266
يَكْفُرُ) أَيْ إيقَاعَهُ فِي الْخَجْلَةِ لَعَلَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالِاعْتِقَادِيَّاتِ الضَّرُورِيَّةِ لِاسْتِلْزَامِهِ رِضَا كُفْرِ غَيْرِهِ.
(قَالَ) أَيْ فِي الْخُلَاصَةِ (رَأَيْت فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَعِنْدِي لَا يَكْفُرُ إلَّا أَنَّهُ يُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرَ) لَعَلَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ لُزُومِ الْكُفْرِ كُفْرًا، وَالْأَوَّلُ عَلَى كُفْرِهِ أَوْ الْأَوَّلُ فِي ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ وَهَذَا فِي مَحَلٍّ فِيهِ نَوْعُ خَفَاءٍ وَأَمَّا التَّخْجِيلُ فِي غَيْرِ الشَّرْعِيَّاتِ فَالظَّاهِرُ لَيْسَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ (انْتَهَى) أَقُولُ قَرِيبٌ إلَيْهِ مَا فِي التتارخانية (، وَالْأَوْلَى فِي زَمَانِنَا) عَصْرُ التِّسْعِمِائَةِ (أَنْ يُنَاظِرَ أَحَدًا إذْ قَلَّمَا يُوجَدُ مَنْ يُرِيدُ إظْهَارَ الصَّوَابِ) لَيْسَ هَذَا سُوءُ ظَنٍّ بَلْ بِمُشَاهَدَةٍ وَتَجْرِبَةٍ، وَالْأَصْلُ فِي اجْتِمَاعِ الْمَفْسَدَةِ، وَالْمَصْلَحَةِ تَرْجِيحُ جَانِبِ الْمَفْسَدَةِ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ وَقَدْ كَانَتْ الْكَثْرَةُ هُنَا فِي جَانِبِ الْمَفْسَدَةِ. فَإِنْ قِيلَ هَذَا رَاجِعٌ إلَى التَّرْجِيحِ بِالْكَثْرَةِ فَلَيْسَ بِمَذْهَبٍ عِنْدَنَا. قُلْنَا بَلْ مِنْ قَبِيلِ إلْحَاقِ الْمُفْرَدِ بِالْأَعَمِّ، وَالْأَغْلَبِ وَإِنَّ الْأَصْلَ فِي وَضْعِ الْأَحْكَامِ هُوَ الشُّيُوعُ، وَالْكَثْرَةُ لَا الْقِلَّةُ، وَالنُّدْرَةُ وَعَنْ بَحْرِ الْكَلَامِ الْمُنَاظَرَةُ فِي الدِّينِ جَائِزَةٌ إلَّا لِمُرَاءٍ وَقَاصِدِ طَلَبِ جَاهٍ وَثَنَاءٍ وَإِرَادَةِ دُنْيَا لَكِنْ عِنْدَ عِلْمِهِ بِمَحْمُودِيَّةِ قَصْدِهِ فَجَائِزٌ بَلْ قَدْ يَجِبُ.
[النَّوْعُ الثَّالِثُ الْعُلُومِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهَا]
(النَّوْعُ الثَّالِثُ)
مِنْ الْعُلُومِ الثَّلَاثَةِ (فِي الْمَنْدُوبِ إلَيْهَا وَهِيَ مَعْرِفَةُ فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَنَوَافِلِهَا) الْمُرَادُ الْجِنْسُ وَإِلَّا فَبَيَانُ جَمِيعِ الْفَضَائِلِ، وَالنَّوَافِلِ مَعَ عَدَمِ وُقُوعِهِ هُنَا لَا يُمْكِنُ فِي ذَاتِهِ عَادَةً (وَسُنَنِهَا) الظَّاهِرُ فِي مُقَابَلَةِ مُطْلَقِ الْفَضَائِلِ هِيَ الْمُؤَكَّدَةُ وَإِنْ عَمَّمَ وَمِنْ ذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْمَنْدُوبِ لَيْسَ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ بِمَعْنَى الْمُسْتَحَبِّ بَلْ الْعَامِّ إلَى السُّنَّةِ وَلَوْ عُمُومَ مَجَازٍ إذْ قَوْلُهُ: سُنَنُهَا عَطْفٌ عَلَى فَضَائِلِ أَعْمَالِ الْوَاقِعَةِ فِي بَيَانِ الْعُلُومِ الْمَنْدُوبَةِ لَكِنَّ الْإِشْكَالَ بِقَوْلِهِ (وَمَكْرُوهَاتِهَا) بَاقٍ إذْ عِنْوَانُ هَذَا النَّوْعِ لِلْمَنْدُوبَةِ، وَالْمَكْرُوهَاتُ لَيْسَتْ بِمَنْدُوبَةٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ (وَفُرُوضِ الْكِفَايَةِ) فَيَجُوزُ بِالتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ إذْ مُطْلَقُ مَا يَكُونُ فِعْلُهُ أَوْلَى فِي مَعْنَى النَّدْبِ شَامِلٌ لِلْكُلِّ لَكِنْ فِيهِ تَأَمُّلٌ (فِيمَا وَجَدَ الْقَائِمُ بِهَا) أَيْ عِنْدَ إتْيَانِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ غَيْرُهُ مِنْ النَّاسِ قِيلَ فَإِنَّهَا لَا تَبْقَى فُرُوضًا بَعْدُ وَلَا يُثَابُ فَاعِلُهَا ثَوَابَ الْفَرْضِ بَعْدَ إتْيَانِ مَنْ سَقَطَ الْفَرْضُ بِإِتْيَانِهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ نَفْلًا فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ (وَالتَّعَمُّقِ) فِيهَا عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَضَائِلُ الْأَعْمَالِ (وَالتَّوَغُّلِ) أَيْ الْإِكْثَارُ (فِي أَدِلَّةِ فُرُوضِ الْعَيْنِ، وَالْكِفَايَةِ وَوُجُوهِهِمَا) .
قَالَ الْمُحَشِّي قِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ بَلْ مُبَاحٌ لِكَوْنِهِ شُغْلًا بِمَا لَا يُهِمُّ لَا يَخْفَى أَنَّ مَعْرِفَةَ الْأَمْرِ الْمُهِمِّ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ لَيْسَتْ كَمَعْرِفَتِهِ بِوَجْهٍ وَاحِدٍ (وَمِنْهَا) مِنْ هَذَا النَّوْعِ أَعْنِي الْمَنْدُوبَ (الطِّبُّ قَالَ فِي بُسْتَانِ الْعَارِفِينَ يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْرِفَ مِنْ) عِلْمِ (الطِّبِّ) عِلْمٌ يُعْرَفُ بِهِ أَحْوَالُ بَدَنِ الْإِنْسَانِ مِنْ صِحَّةٍ وَمَرَضٍ وَمِزَاجٍ وَأَخْلَاطٍ (مِقْدَارَ مَا يَمْتَنِعُ بِهِ عَمَّا يَضُرُّ بِبَدَنِهِ) مِنْ الْمَأْكَلِ، وَالْمُشْرَبِ، وَالْمَسْكَنِ، وَالْمَلْبَسِ (انْتَهَى) .
قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ: عِلْمُ الطِّبِّ أَكْثَرُ الْعُلُومِ احْتِيَاجًا إلَى التَّفْصِيلِ إذْ مَا يَكُونُ دَوَاءً لِشَيْءٍ قَدْ يَكُونُ دَاءً لِآخَرَ فِي مَرَضٍ وَاحِدٍ وَمَا يَكُونُ دَوَاءً لِوَاحِدٍ فِي سَاعَةٍ قَدْ يَكُونُ دَاءً فِي أُخْرَى وَيَخْتَلِفُ الدَّوَاءُ بِاخْتِلَافِ السِّنِّ، وَالْفُصُولِ، وَالْغِذَاءِ الْمُتَقَدِّمِ، وَالْأَمْكِنَةِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَلَا يَجِبُ) الطِّبُّ أَقُولُ فِي التتارخانية إنَّ عِلْمَ الطِّبِّ فَرْضُ كِفَايَةٍ إذَا قَامَ فِي الْبَلَدِ بِذَلِكَ وَاحِدٌ سَقَطَ عَنْ الْكُلِّ وَأَمَّا تَعَمُّقُهُ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ قُوَّةٌ عَلَى قَدْرِ الْكِفَايَةِ انْتَهَى وَمِثْلُهُ نُقِلَ عَنْ الْغَزَالِيِّ
стр. 267
لَكِنْ فِي فُصُولِ الْأُسْرُوشَنِيُّ بِالنَّدْبِ أَيْضًا لَعَلَّ اخْتِيَارَ الْمُصَنِّفِ جَانِبَ عَدَمِ الْوُجُوبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ تَابِعٌ لِلْمَعْلُومِ وَلَيْسَ فَلَيْسَ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ التَّدَاوِي لَا يَجِبُ) . وَأَشَارَ إلَى دَلِيلِهِ بِقَوْلِهِ (قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ) : لِئَلَّا يَلْزَمَ اسْتِدْلَالُ الْمُقَلِّدِ ابْتِدَاءً فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ الَّذِي هُوَ مَنْصِبُ الْمُجْتَهِدِ وَلِئَلَّا يَلْزَمَ الرَّأْيُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ بِمِثْلِ مَا فِي التتارخانية (رَجُلٌ اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ) أَيْ لَا يَقْدِرُ عَلَى إمْسَاكِ غَائِطِهِ (أَوْ رَمِدَتْ عَيْنَاهُ) مَثَلًا (فَلَمْ يُعَالَجْ) مَعَ إمْكَانِ الْمُعَالَجَةِ (حَتَّى أَضْعَفَهُ) دَاؤُهُ. (وَمَاتَ لَا إثْمَ عَلَيْهِ) فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَكَانَ آثِمًا (وَفَرْقٌ) الظَّاهِرُ بِالتَّنْوِينِ (بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا صَامَ وَلَمْ يَأْكُلْ حَتَّى مَاتَ وَهُوَ قَادِرٌ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَكْلَ مِقْدَارُ قُوَّتِهِ فَرْضُ) عَيْنٍ (لِأَنَّ فِيهِ شِبَعًا بِيَقِينٍ) يَعْنِي أَنَّ الْفَرْضِيَّةَ هَاهُنَا تَابِعَةٌ لِقَطْعِيَّةِ الدَّوَاءِ فَإِنَّ الشِّبَعَ يَقِينٌ (فَإِذَا تَرَكَ الْأَكْلَ كَانَ مُتْلِفًا لِنَفْسِهِ) مَعَ قُدْرَتِهِ (وَلَا كَذَلِكَ الْمُعَالَجَةُ لِأَنَّ الصِّحَّةَ بِالْمُعَالَجَةِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ) لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ إيهَامِ الْحُسْنِ الْعَقْلِيِّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّعْلِيلِ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَإِنَّ كُلَّ مَا كَانَ أَثَرُهُ قَطْعِيًّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ ثُمَّ قَوْلُهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ أَيْ عِلْمًا قَطْعِيًّا لَا مُطْلَقًا إذْ الظَّنُّ مِنْ أَقْسَامِ مُطْلَقِ الْعِلْمِ لَكِنْ يَشْكُلُ بِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرِئَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى» إذْ الشَّرْطِيَّةُ لُزُومِيَّةٌ لَا اتِّفَاقِيَّةٌ، وَاللُّزُومُ يَقْتَضِي عَدَمَ الِانْفِكَاكِ، وَفِي مِثْلِهِ لَا يَبْعُدُ حَمْلُ كَلِمَةِ " إذَا " عَلَى الْكُلِّيَّةِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثٌ آخَرُ «مَا مِنْ دَاءٍ إلَّا وَلَهُ دَوَاءٌ» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «إنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إلَّا أَنْزَلَ لَهُ الشِّفَاءَ» .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «إلَّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ» ، وَالْأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ.
وَأَمَّا تَخَلُّفُ بَعْضِ الْأَدْوِيَةِ فَمِنْ جَهْلِ الطَّبِيبِ كَمَا أُشِيرَ فِي الْحَدِيثِ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَضَعْ دَاءً إلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً» هَذِهِ الْكَلِمَةُ صَادِقَةُ الْعُمُومِ؛ لِأَنَّهَا خَبَرٌ مِنْ الصَّادِقِ الْبَشِيرِ عَنْ الْخَالِقِ الْقَدِيرِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ فَالدَّاءُ وَالدَّوَاءُ خَلْقُهُ، وَالشِّفَاءُ، وَالْهَلَاكُ فِعْلُهُ وَرَبْطُ الْأَسْبَابِ بِالْمُسَبِّبَاتِ حِكْمَتُهُ وَحُكْمُهُ فَكُلُّ ذَلِكَ بِقَدَرٍ لَا مَعْدِلَ عَنْهُ انْتَهَى. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ عَدَمُ الْقَطْعِ لَيْسَ فِي ذَاتِهِ بَلْ فِي إصَابَةِ الْحَكِيمِ، وَالطَّبِيبِ كَمَا أُشِيرَ فَالظَّنُّ فِي طَرِيقِ شَيْءٍ قَطْعِيٍّ مَانِعٌ عَنْ الْقَطْعِ كَآحَادِ الْأَحَادِيثِ فَإِنَّ مَتْنَ الْحَدِيثِ وَإِنْ قَطْعِيًّا لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ لِظَنٍّ فِي سَنَدِهِ فَتَأَمَّلْ مَا فِيهِ أَيْضًا.
(وَقَالَ فِي فُصُولِ الْعِمَادِيِّ) لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أَرْبَعِينَ فَصْلًا (اعْلَمْ أَنَّ الْأَسْبَابَ الْمُزِيلَةَ لِلضَّرَرِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْأَسْبَابِ مَا يَعُمُّ الْحَقِيقِيَّ، وَالصُّورِيَّ أَوْ الِاعْتِقَادِيَّ وَإِلَّا فَالْمَوْهُومَاتُ لَيْسَتْ فِي الْحَقِيقَةِ أَسْبَابًا مُزِيلَةً (تَنْقَسِمُ إلَى مَقْطُوعٍ بِهِ) بِالتَّجْرِبَةِ الْقَطْعِيَّةِ، وَالْمُشَاهَدَةِ الْيَقِينِيَّةِ (كَالْمَاءِ الْمُزِيلِ لِضَرَرِ الْعَطَشِ) أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ فَإِنَّهُ قَدْ يَزُولُ الْعَطَشُ بِغَيْرِ الْمَاءِ كَالْبِطِّيخِ وَكَذَا قَوْلُهُ.
(وَالْخُبْزُ الْمُزِيلُ لِضَرَرِ الْجُوعِ) فَلَا يَضُرُّ دَفْعُهُ بِشَيْءٍ آخَرَ حَتَّى تَنْتَقِضَ الْقَطْعِيَّةُ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ الْأَوَّلَ وَكَذَا الْقِسْمُ الثَّالِثُ لَيْسَا مِنْ مَقْصُودِنَا بَلْ إتْيَانُهُمَا لِإِتْمَامِ الْمَنْقُولِ مَعَ تَضَمُّنِهِ فَائِدَةَ تَوْضِيحِ الْقِسْمِ الْمَقْصُودِ وَزِيَادَةِ تَنْبِيهٍ (وَإِلَى مَظْنُونٍ) لِاحْتِمَالِ التَّخَلُّفِ احْتِمَالًا مَرْجُوحًا
стр. 268
(كَالْفَصْدِ، وَالْحِجَامَةِ وَشُرْبِ الْمُسْهِلِ وَسَائِرِ أَسْبَابِ الطِّبِّ أَعْنِي مُعَالَجَةَ الْبُرُودَةِ بِالْحَرَارَةِ، وَالْحَرَارَةِ بِالْبُرُودَةِ وَهِيَ الْأَسْبَابُ الظَّاهِرَةُ فِي الطِّبِّ) إذْ جِنْسُ مَا ذُكِرَ مُجَرَّدُ سَبَبٍ ظَاهِرِيٍّ لَا حَقِيقِيٍّ إذْ ذَلِكَ تَأْثِيرُ قُدْرَتِهِ تَعَالَى لَا طَبْعُ مَا ذُكِرَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ (وَإِلَى مَوْهُومٍ) أَيْ جَانِبُ التَّخَلُّفِ رَاجِحٌ، وَجَانِبُ النَّفْعِ مَرْجُوحٌ قَلِيلٌ (كَالْكَيِّ) بِالنَّارِ كَمَا قِيلَ: آخَرُ الطِّبِّ أَوْ الدَّوَاءِ الْكَيُّ أَيْ أَضْعَفُهُ فَغَيْرُهُ مِنْ الْمُعَالَجَاتِ أَشَدُّ تَأْثِيرًا مِنْهُ.
(وَالرُّقْيَةُ) بِالضَّمِّ الْعُوذَةُ، وَالتَّعْوِيذَاتُ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونَانِ مِنْ الْمَوْهُومَةِ وَقَدْ صَحَّا عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا سِيَّمَا الرُّقْيَةُ فِعْلًا كَمَا فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَعَنْ أَبَوَيْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اشْتَكَى إنْسَانٌ أَيْ مَرِضَ مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ أَذْهِبْ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُك شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» أَوْ قَوْلًا كَمَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «ضَعْ يَدَك عَلَى الَّذِي يَأْلَمُ مِنْ جَسَدِك، وَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاَللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» .
وَفِي الْبُخَارِيِّ «اسْتَرْقُوا لَهَا فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ» قَالَهُ حِينَ رَأَى جَارِيَةً وَمِثْلَهَا فِي غَايَةِ كَثْرَةٍ. كَمَا فِي الْمَشَارِقِ، وَالْحِصْنِ لَا سِيَّمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَوَامِرِ الْوُجُوبُ وَلَا أَقَلَّ مِنْ النَّدْبِ، وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ مِنْ اسْتِحْبَابِ تَرْكِهِمَا. قُلْت الْمُرَادُ بَعْضُهُمَا كَمَا سَيُشِيرُ الْمُصَنِّفُ وَأَنَّ الْأَمْرَ قَدْ يَكُونُ لِلْإِبَاحَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كُلُوا﴾ [البقرة: ٥٧] وَقَوْلُهُ ﴿فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] بَلْ لِلْإِذْنِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: ١٥] لَمَّا ذَكَرَ أَقْسَامَ الْأَسْبَابِ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ أَحْكَامَهَا فَقَالَ عَلَى طَرِيقِ التَّفْصِيلِ بَعْدَ الْإِجْمَالِ.
(أَمَّا الْمَقْطُوعُ بِهِ) وَهُوَ أَوَّلُ الثَّلَاثَةِ (فَلَيْسَ تَرْكُهُ مِنْ التَّوَكُّلِ) عَلَى اللَّهِ تَعَالَى (بَلْ تَرْكُهُ حَرَامٌ عِنْدَ خَوْفِ الْمَوْتِ) مِنْ الْعَطَشِ أَوْ الْجُوعِ لِظُهُورِ التَّهْلُكَةِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا قَطْعِيًّا.
(وَأَمَّا الْمَوْهُومُ) ثَالِثُ الْأَقْسَامِ (فَشَرْطُ التَّوَكُّلِ) عَلَى اللَّهِ تَعَالَى (تَرْكُهُ إذْ بِهِ) أَيْ بِتَرْكِ هَذَا الْقِسْمِ الْمَوْهُومِ (وَصَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُتَوَكِّلِينَ وَذَلِكَ فِي حَدِيثٍ بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ «أَنَّهُ ﵊ قَالَ أُرِيت» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ أَرَانِي اللَّهُ تَعَالَى «الْأُمَمَ» أُمَمَ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ «بِالْمَوْسِمِ» فِي مَوْسِمِ مِنًى.
«فَرَأَيْت أُمَّتِي» أُمَّةَ إجَابَةٍ لَا أُمَّةَ دَعْوَةٍ «قَدْ مَلَئُوا السَّهْلَ، وَالْجَبَلَ فَأَعْجَبَنِي كَثْرَتُهُمْ وَهَيْئَاتُهُمْ فَقِيلَ» مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى «لِي أَرَضِيت؟ قُلْت: نَعَمْ قَالَ وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ» أَيْ حِسَابِ الْمُنَاقَشَةِ إمَّا عَلَى مُوجِبِ قُوَّةِ اكْتِسَابِهِمْ الصَّالِحَاتِ وَمُتَارَكَةِ الزَّائِلَاتِ الْفَانِيَاتِ أَوْ بِفَضْلِهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً أَوْ بِشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ «قِيلَ» مِنْ الصَّحَابَةِ «مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ» الْغَرَضُ مِنْ السُّؤَالِ مَعْرِفَةُ سَبَبِ هَذَا الدُّخُولِ حَتَّى يُحَصِّلَهُ بَلْ غَرَضُ هَذَا الْحَاكِي - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ ذَلِكَ.
«قَالَ هُمْ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ» لَا يَتَدَاوُونَ بِالْكَيِّ «وَلَا يَسْتَرْقُونَ» لَا يَتَدَاوُونَ بِالرُّقْيَةِ «وَلَا يَتَطَيَّرُونَ» لَا يَتَشَاءَمُونَ ضِدُّ التَّفَاؤُلِ «وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» يُقْصِرُونَ
стр. 269
تَوَكُّلَهُمْ وَاعْتِمَادَهُمْ عَلَى رَبِّهِمْ الَّذِي رَبَّاهُمْ بِالْإِيجَادِ وَسَائِرِ الْكَمَالَاتِ فَكَانَ تَصَرُّفُهُمْ بِيَدِهِ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى شَرَفِ التَّوَكُّلِ وَقُوَّةِ أَثَرِهِ يَعْنِي إنَّمَا لَمْ يَفْعَلُوا نَحْوَ مَا ذُكِرَ لِكَمَالِ تَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ تَعَالَى فَقَرِيبٌ أَنَّ مِنْ عَطْفِ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ، وَالْمُتَبَادِرُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ حَالَهُمْ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، وَالْأَشْيَاءِ قَصْرُ التَّوَكُّلِ عَلَى رَبِّهِمْ وَمَا ذُكِرَ هَاهُنَا بَعْضٌ مِنْ تَنَاوُلَاتِهِ فَيَلْتَزِمُونَ الْإِعْرَاضَ عَنْ جَمِيعِ الْأَسْبَابِ غَيْرِهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ هُوَ الْمَانِعُ الدَّافِعُ، وَالضَّارُّ النَّافِعُ لَا غَيْرُ فَيَقْصُرُونَ نَظَرَهُمْ إلَى طَاعَاتِ اللَّهِ وَمُلَاحَظَةِ جَلَالِهِ وَيَسْتَغْرِقُونَ فِي أَنْوَارِ عَالَمِ الْقُدُسِ، وَالْمَلَكُوتِ فَإِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمُجَازَاةِ الْعَلِيَّةِ لَا يَتَحَصَّلُ بِسُهُولَةٍ فَإِنَّ الْأَجْرَ عَلَى قَدْرِ التَّعَبِ عَادَةً نَعَمْ سَاحَةُ الْفَضْلِ، وَالْكَرَمِ لَا نِهَايَةَ لَهَا أَوْ نَقُولُ فِيمَا عُدَّ هُنَا تَذْكِيرًا لِمَا عَدَاهُ فَإِنَّ مَا ذُكِرَ إنَّمَا وَقَعَ تَمْثِيلًا أَوْ اكْتِفَاءً وَدَلَالَةً لَا حَصْرًا نَعَمْ إنَّهُ قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْعَمَلَ الْقَلِيلَ قَدْ يَكُونُ وَسِيلَةً إلَى الْأَجْرِ الْجَزِيلِ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٥٤] وَقَدْ سَبَقَ أَيْضًا أَنَّ النُّصُوصَ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَأَنَّ كُلَّ أَمْرٍ مُمْكِنٍ أَخْبَرَ بِهِ الشَّارِعُ لَا يُعْدَلُ عَنْهُ هَذَا لَكِنْ يَشْكُلُ بِوُقُوعِ الْكَيِّ فِي الصَّحَابَةِ بِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِالطِّبِّ كُلِّهِ، وَالرُّقْيَةِ النَّبَوِيَّةِ فَتَأَمَّلْ، وَانْظُرْ.
«فَقَامَ عُكَّاشَةُ» بْنُ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيُّ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ «فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ» لَا بُدَّ مِنْ تَفْرِيقِ الدُّعَاءِ مِنْ التَّعَوُّذِ الَّذِي هُوَ دُعَاءٌ مَخْصُوصٌ بَلْ ظَاهِرُ مُطْلَقِ الدُّعَاءِ كَالْمُنَافِي لِكَمَالِ التَّوَكُّلِ فَالِاسْتِدْعَاءُ مِنْهُ ﵊ كَنَفْسِ الدُّعَاءِ مُشْكِلٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَبَيْنَ الْعَادِيَّةِ، وَالْبَدَنِيَّةِ بَعِيدٌ، وَالْجَوَابُ بِأَنَّ مُنَافَاةَ التَّوَكُّلِ عِنْدَ عَدَمِ مَعْرِفَةِ السَّبَبِ مِنْهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا عِنْدَ الِاعْتِرَافِ فَمِنْ التَّوَكُّلِ وَأَنَّ الْمُنَافَاةَ فِي التَّعَمُّقِ فِي الْأَسْبَابِ لَا فِي الْإِطْلَاقِ لَا تُغْنِي حَقَّ الْغَنَاءِ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ دُعَاءِ النَّبِيِّ وَغَيْرِهِ إذْ دُعَاءُ النَّبِيِّ لَا يُرَدُّ فَمِنْ الْقَطْعِيِّ فَتَأَمَّلْ «فَقَالَ اللَّهُمَّ: اجْعَلْهُ مِنْهُمْ فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ اُدْعُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبَقَك بِهَا» بِهَذِهِ الْفِعْلَةِ أَوْ الْخَصْلَةِ «عُكَّاشَةُ» كَانَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْأَحْكَمِ أَيْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ إذْ هُوَ تَلَقٍّ بِغَيْرِ مَا يُتَرَقَّبُ وَيُتَطَلَّبُ. قِيلَ فِي إخْرَاجِ الْكَلَامِ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ لِعَدَمِ إذْنٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لِكَوْنِ السَّائِلِ مِنْ الْمُنَافِقِينَ.
أَقُولُ لَعَلَّ الْأَوْجَهَ عَدَمُ تَحَمُّلِ حَالِ هَذَا السَّائِلِ عَلَى هَذَا الدُّعَاءِ لِكَوْنِهِ مِنْ الْعَوَامّ وَيُؤَيِّدُهُ عَدَمُ التَّصْرِيحِ بِاسْمِهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ أَوْ؛ لِأَنَّ سُؤَالَهُ بِمُجَرَّدِ قَرِيحَتِهِ، وَالثَّانِي بِمُقَايَسَتِهِ عَلَى الْأَوَّلِ وَاقْتِدَائِهِ وَمُتَابَعَتِهِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ ﵊ عَرَفَ مِنْ الثَّانِي عَدَمَ صِدْقِ رَغْبَتِهِ بَلْ بِمُجَرَّدِ لَفْظِهِ وَظَاهِرِهِ، وَعَرَفَ مِنْ الْأَوَّلِ صَفَاءَ بَاطِنِهِ، وَسَلَامَةَ صَدْرِهِ كَمَا حُكِيَ عَنْ عَبْدِ الْقَادِرِ الْكِيلَانِيِّ مَا وَصَلْت إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِقِيَامِ لَيْلٍ وَلَا صِيَامِ نَهَارٍ وَلَا دِرَاسَةِ عِلْمٍ وَلَكِنْ وَصَلْت إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْكَرَمِ، وَالتَّوَاضُعِ وَسَلَامَةِ الصَّدْرِ.
(وَصَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُتَوَكِّلِينَ بِتَرْكِ الْكَيِّ، وَالرُّقْيَةِ، وَالتَّطَيُّرِ وَأَقْوَاهَا الْكَيُّ) فَإِنَّهُ قَرِيبٌ إلَى مُجَانَسَةِ الطِّبِّ الَّذِي هُوَ مِنْ الظَّنِّيِّ فَهُوَ أَقْوَى الْأَسْبَابِ الْوَهْمِيَّةِ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ فِي أَهَمِّيَّةِ التَّرْكِ (ثُمَّ الرُّقْيَةُ) وَمِنْ ثَمَّةَ كَانَتْ جَائِزَةً فِي نَفْسِهَا وَوَرَدَ بِهَا آثَارٌ (وَالطِّيَرَةُ آخِرُ دَرَجَاتِهَا) وَلِهَذَا كَانَ مَمْنُوعًا فِي الشَّرْعِ (وَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا) عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ.
(وَالِاتِّكَالُ إلَيْهَا) وَإِنْ اعْتَقَدَ التَّأْثِيرَ الْحَقِيقِيَّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى (غَايَةُ التَّعَمُّقِ فِي مُلَاحَظَةِ الْأَسْبَابِ) الظَّاهِرَةِ الْعَادِيَّةِ فَلَيْسَ بِمَمْدُوحٍ بَلْ تَرْكُهُ أَوْلَى يُمْكِنُ فَهْمُ هَذَا التَّرْتِيبِ مِنْ تَرْتِيبِ الْحَدِيثِ إمَّا مِنْ لَفْظَةِ الْوَاوِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَنُسِبَ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنْ مَجَازًا عِنْدَنَا أَوْ مِنْ قَبِيلِ دَلَالَةِ التَّرْتِيبِ فِي الذِّكْرِ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي الْوَاقِعِ كَمَا فِي آيَةِ الْوُضُوءِ عَلَى سُنِّيَّةِ التَّرْتِيبِ ثُمَّ التَّعَمُّقُ مُنَاقِضٌ لِلتَّوَكُّلِ فَحَاصِلُ الْمَقَامِ التَّشَبُّثُ بِالْأَسْبَابِ الْوَهْمِيَّةِ تَعَمُّقٌ، وَالتَّعَمُّقُ مُنَاقِضٌ لِلتَّوَكُّلِ هَذَا لَكِنْ يَسْبِقُ إلَى الْخَاطِرِ الْفَاتِرِ إنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ السَّبَبِ الْوَهْمِيِّ مَا يَكُونُ سَبَبًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَيَكُونُ ضَعِيفًا أَوْ يَكُونُ تَأْثِيرُهُ نَادِرًا فَالطِّيَرَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ
стр. 270
أَهْلُ الْمَعْقُولِ فِي الْمُغَالَطَةِ مِنْ الْكَوَاذِبِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَالْكَيُّ، وَالرُّقْيَةُ لَيْسَا كَذَلِكَ بَلْ عَدُّ الطِّيَرَةَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ وَلَوْ اعْتِقَادًا لَيْسَ بِظَاهِرٍ. وَبِالْجُمْلَةِ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الطِّيَرَةِ مِنْ الْأَسْبَابِ، وَالْمَذَاهِبُ عِنْدَنَا أَنَّ الْقِرَانَ فِي النَّظْمِ لَا يَقْتَضِي الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ.
(وَأَمَّا الدَّرَجَةُ الْمُتَوَسِّطَةُ وَهِيَ الْمَظْنُونَةُ كَالْمُدَاوَاةِ بِالْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ) كَالْأَدْوِيَةِ، وَالْمُعَالَجَةِ (فَفِعْلُهُ لَيْسَ مُنَاقِضًا لِلتَّوَكُّلِ بِخِلَافِ الْمَوْهُومِ) لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا كَانَ عَلَى الْأَعَمِّ، وَالْأَغْلَبِ وَإِلَّا فَقَدْ يُوجَدُ الْمَظْنُونُ فِيمَا عُدَّ مِنْ الْوَهْمِيَّاتِ وَقَدْ يُوجَدُ الْمَوْهُومُ فِيمَا عُدَّ مِنْ الْمَظْنُونَاتِ عَلَى مَا تَشْهَدُ بِهِ التَّجْرِبَةُ (وَتَرْكُهُ لَيْسَ مَحْظُورًا) مَمْنُوعًا (بِخِلَافِ الْمَقْطُوعِ بِهِ) فَإِنَّ تَرْكَهُ حَرَامٌ عِنْدَ إفْضَائِهِ إلَى الْمَوْتِ، وَالْمَكْرُوهِ عِنْدَ إضْعَافِهِ (بَلْ قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ فِعْلِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ) أَيْ حَالِ خَوْفِ الِاعْتِمَادِ عَلَى غَيْرِهِ تَعَالَى مِنْ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ وَحَالِ التَّعَمُّقِ كَمَا سَبَقَ وَيَأْتِي أَيْضًا.
(وَفِي حَقِّ بَعْضِ الْأَشْخَاصِ) لَعَلَّ صَاحِبَ كَمَالِ التَّوَكُّلِ مِنْ الْخَوَاصِّ قِيلَ لِعَدَمِ إقْبَالِ طَبْعِهِ عَلَيْهِ كَمَا فِي أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قِيلَ لَهُ نَدْعُو لَك طَبِيبًا فَقَالَ قَدْ رَآنِي الطَّبِيبُ كَمَا فِي الْعِمَادِيِّ (فَهُوَ) أَيْ الْمَظْنُونُ (عَلَى دَرَجَةٍ بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ) الْفِعْلِ، وَالتَّرْكِ، وَقِيلَ: الْحِلُّ، وَالْحُرْمَةُ (انْتَهَى) كَلَامُ فُصُولِ الْعِمَادِيِّ.
ثُمَّ إنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الطَّبِيبِ عَادِلًا وَفَاسِقًا بَلْ مُؤْمِنًا وَكَافِرًا بَعْدَ أَنْ سَبَقَ ظَنُّ الْمَرِيضِ إلَى صِدْقِهِ وَحَذَاقَتِهِ إذْ يُقْبَلُ قَوْلُ الْكَافِرِ فِي الْمُعَامَلَاتِ فِي الدُّورِ قَبْلَ قَوْلِ كَافِرٍ وَلَوْ مَجُوسِيًّا شَرَيْت اللَّحْمَ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ مِنْ مَجُوسِيٍّ.
وَفِي الْكَنْزِ يُقْبَلُ قَوْلُ الْكَافِرِ فِي الْحِلِّ، وَالْحُرْمَةِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّ الْحِلَّ، وَالْحُرْمَةَ مِنْ الدِّيَانَاتِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْكَافِرِ فِيهَا وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا مَا يَكُونُ فِي ضِمْنِ الْمُعَامَلَاتِ وَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ مِنْ الْمَنْعِ عَنْ التَّطْبِيبِ بِالْكَافِرِ فَعَلَى مَنْ يُوجِبُ وَهَنَ اعْتِقَادِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: (أَقُولُ) قَالَ الْمُحَشِّي لَمَّا كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ عِمَادِ الدِّينِ مُشْعِرًا بِوُجُوبِ تَرْكِ الْكَيِّ، وَالرُّقْيَةِ وَأَمْثَالِهِمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَرْكَهُ شَرْطٌ لِلتَّوَكُّلِ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّوَكُّلِ فِي كِتَابِهِ مَعَ أَنَّ أَمْثَالَ ذَلِكَ مُبَاحٌ بَيْنَ الْمُصَنِّفِ مُرَادُهُ لِئَلَّا يَقَعَ الْخَبْطُ، وَالزَّلَّةُ أَقُولُ قَوْلُهُ مَعَ أَنَّ أَمْثَالَ ذَلِكَ مُبَاحٌ مُشْكِلٌ بِالطِّيَرَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ الْوَهْمِيَّاتِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُبَاحٍ (مُرَادُهُ) فُصُولُ الْعِمَادِيِّ (بِالتَّوَكُّلِ) عِنْدَ قَوْلِهِ.
وَأَمَّا الْمَوْهُومُ فَشَرْطُ التَّوَكُّلِ تَرْكُهُ إلَى آخِرِهِ وَعِنْدَ قَوْلِهِ فَفِعْلُهُ لَيْسَ مُنَاقِضًا لِلتَّوَكُّلِ بِخِلَافِ الْمَوْهُومِ مُطَابَقَةً، وَالْتِزَامًا أَوْ مَفْهُومًا (كَمَالُهُ إذْ أَصْلُهُ) أَيْ التَّوَكُّلِ (فَرْضُ) عَيْنٍ (وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنْ لَا خَالِقَ) فِي الْوُجُودِ (وَلَا مُؤَثِّرَ فِي شَيْءٍ) كَالْأَدْوِيَةِ (إلَّا اللَّهُ تَعَالَى فَالشِّفَاءُ لَيْسَ إلَّا مِنْهُ تَعَالَى وَأَنَّهُ جَرَتْ عَادَتُهُ تَعَالَى عَلَى رَبْطِ الْمُسَبِّبَاتِ بِالْأَسْبَابِ) بِدُونِ أَنْ تَكُونَ مُؤَثِّرَةً عَقْلِيَّةً عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُؤَثِّرُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى كَالنَّارِ لِلْحَرَارَةِ، وَالشِّبَعِ لِلْأَكْلِ.
(فَالتَّشَبُّثُ بِالْأَسْبَابِ) الْعَادِيَّةِ (عَلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ لَا يُنَاقِضُ هَذَا التَّوَكُّلَ) الْفَرْضُ الَّذِي هُوَ
стр. 271
أَصْلُ التَّوَكُّلِ وَإِنْ مُنَاقِضًا لِكَمَالِهِ فِي حَقِّ الْمُوهِمِ مُطْلَقًا، وَفِي حَقِّ الْمَظْنُونِ حَالَ التَّعَمُّقِ (مَظْنُونَةً أَوْ مَوْهُومَةً) كَالْمَقْطُوعَةِ (وَلَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ هَذَا) أَيْ كَوْنَ التَّأْثِيرِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى (بَلْ اعْتَقَدَ أَنَّ الشِّفَاءَ مِنْ الدَّوَاءِ فَالْمَظْنُونُ بَلْ الْمُتَيَقَّنُ مُنَاقِضٌ لِهَذَا التَّوَكُّلِ أَيْضًا) كَالْمَوْهُومِ إذْ الْكُلُّ مُسَاوٍ حِينَئِذٍ بَلْ فِيهِ خَوْفُ كُفْرٍ لِكَوْنِهِ شِرْكًا فِي الْخَالِقِيَّةِ كَالدَّهْرِيَّةِ، وَالطِّبَاعِيَّةِ.
قِيلَ: إنْ اعْتَقَدَ كَوْنَهُ مُؤَثِّرًا بِذَاتِهِ فَكُفْرٌ وَإِنْ بِجَعْلِهِ تَعَالَى فِيهِ فَفِسْقٌ إذْ الْمُؤَثِّرُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى ابْتِدَاءً تَأَمَّلْ (وَأَمَّا كَمَالُ التَّوَكُّلِ فَالِاعْتِمَادُ، وَالِاتِّكَالُ) مِنْ التَّوَكُّلِ (عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِلَا اسْتِقْصَاءٍ) طَلَبِ الْقُصْوَى، وَالْغَايَةِ (وَلَا تَعَمُّقٍ) تَوَغُّلٍ (فِي مُلَاحَظَةِ الْأَسْبَابِ) إلَى أَنْ يَضْعُفَ الِاعْتِمَادُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْ يَذْهَلَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ بَلْ مَكْرُوهٌ فَيَلْزَمُ أَنَّ تَقْسِيمَ فُصُولِ الْعِمَادِيِّ إمَّا لَيْسَ بِحَاصِرٍ أَوْ مُسْتَلْزِمٍ لِتَدَاخُلِ الْأَقْسَامِ كَمَا لَا يَخْفَى.
(فَهَذَا مُسْتَحَبٌّ) لِوُرُودِ جِنْسِهِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ تَأْثِيرِ الظَّنِّ فَهَذَا الِاسْتِحْبَابُ أَيْ النَّدْبُ كَالنَّتِيجَةِ لِهَذَيْنِ الْكَلَامَيْنِ مَعَ طُولِهِمَا أَعْنِي كَلَامَ فُصُولِ الْعِمَادِيِّ وَكَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ: أَقُولُ (يُنَاقِضُهُ التَّشَبُّثُ) التَّمَسُّكُ (بِالسَّبَبِ الْمَوْهُومِ) فِي الِاسْتِحْبَابِيِّ وَعَدَمِهَا لَا فِي أَصْلِ الْجَوَازِ وَلَا فِي أَصْلِ التَّوَكُّلِ كَمَا عَرَفْت (فَتَرْكُ الْكَيِّ، وَالرَّقْيِ وَأَمْثَالِهِمَا) مِنْ الْمَوْهُومِ (مُسْتَحَبٌّ) لِلْكَمَالِ (وَلَا وَاجِبَ) لِعَدَمِ تَنَافِيهِ لِأَصْلِ التَّوَكُّلِ.
ثُمَّ أَقُول هَذَا هُوَ الْكَلَامُ عَلَى مُرَادِ الْمُصَنِّفِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ هُنَا هُوَ الْمُوجِبَةُ الْكُلِّيَّةُ أَيْ كُلُّ الطِّبِّ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ عَلَى مَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ سَابِقًا وَمِنْهَا الطِّبُّ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْعِمَادِيَّةِ نَقِيضُهُ ظَاهِرًا وَضِدُّهُ احْتِمَالًا إذْ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي آخِرِ كَلَامِهِ بَلْ قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ فِعْلِهِ هُوَ السَّالِبَةُ الْجُزْئِيَّةُ بَعْضَ الطِّبِّ لَيْسَ مَنْدُوبًا إلَيْهِ وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ احْتِمَالًا بَعْضُ الطِّبِّ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فَهَذَا ضِدٌّ لِلْمُوجِبَةِ الْكُلِّيَّةِ كَكَوْنِ السَّابِقَةِ الْجُزْئِيَّةِ نَقِيضُهَا فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُصَنِّفِ دَفْعُ هَذَا الْمَحْذُورِ، وَلَا يَتَعَرَّضُ إلَى نَقْلِ كَلَامِ الْعِمَادِيِّ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَقُولُ مُرَادُهُ إلَى آخِرِهِ إنَّمَا يُفِيدُ اسْتِحْبَابَ تَرْكِ الْمَوْهُومِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَطْلُوبٍ لَا اسْتِحْبَابَ فِعْلِ الْمَظْنُونِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ لَعَلَّ أَنَّ تَحْقِيقَهُ أَنْ يَجْعَلَ قَوْلَ الْعِمَادِيِّ فَفِعْلُهُ لَيْسَ مُنَاقِضًا لِلتَّوَكُّلِ أَيْ التَّوَكُّلِ الْكَامِلِ بَلْ مُجَامِعٌ لَهُ، وَالْمُجَامَعُ لِلتَّوَكُّلِ الْكَامِلِ لَا أَقَلَّ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ وَيَجْعَلُ قَرِينَةَ ذَلِكَ مَظْنُونِيَّةً مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ أَوْ تَصْرِيحِ الْقَوْمِ بِنَدْبِيَّةِ الطِّبِّ هَذَا إذَا خَلَا عَنْ الْمَوَانِعِ، وَالْعَوَارِضِ وَأَمَّا عِنْدَ الْعَوَارِضِ فَقَدْ يَكُونُ التَّرْكُ أَفْضَلَ أَيْ النَّدْبُ يَكُونُ فِي جَانِبِ التَّرْكِ فَلَا تَعَارُضَ وَلَا عَدَمَ تَقْرِيبٍ.
(قَالَ فِي بُسْتَانِ الْعَارِفِينَ) حَاصِلُهُ إثْبَاتُ جَوَازِ الرَّقْيِ، وَالْكَيِّ، وَالتَّدَاوِي وَإِبَاحَتُهَا لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمَسُّ بِأَصْلِ الْمَطْلُوبِ الَّذِي هُوَ نَدْبِيَّةُ الطِّبِّ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ الْإِبَاحَةِ النَّدْبُ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْجَوَازُ جُزْءُ النَّدْبِ فَالْمُرَادُ إثْبَاتُ جُزْءِ الْمَطْلُوبِ لِإِتْمَامِهِ، وَالْكَلَامُ فِي الرَّقْيِ، وَالْكَيِّ لِإِتْمَامِ الْمَنْقُولِ بِلَفْظِهِ مَعَ تَضَمُّنِهَا فَوَائِدَ مُنَاسِبَةٍ لِلْمَقَامِ.
وَقَالَ الْمُحَشِّي جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ وَارِدٍ عَلَى قَوْلِهِ بِجَوَازِ الرُّقْيَةِ فَهُوَ كَمَا تَرَى اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يَعْنِي بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَطْلُوبِ الْأَوْلَى.
وَأَمَّا التَّطَفُّلِيُّ فَلَا يَحْسُنُ هَذَا التَّطْوِيلُ لِأَجْلِهِ (وَأَمَّا الْأَخْبَارُ الَّتِي وَرَدَتْ فِي النَّهْيِ) نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ فِي الْحَاشِيَةِ أَيْ عَنْ التَّدَاوِي، وَالرَّقْيِ أَقُولُ فِي الرَّقْيِ عَلَى الصَّرَاحَةِ، وَالتَّدَاوِي يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْإِشَارَةِ وَكَذَا الْكَيُّ فَالْكَلَامُ عَلَى نَحْوِ الِاكْتِفَاءِ (فَإِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ أَلَا يَرَى إلَى مَا رَوَى جَابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
стр. 272
نَهَى عَنْ الرَّقْيِ وَكَانَ عِنْدَ آلِ» أَهْلِ «عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ رُقْيَةً يَرْقُونَ بِهَا مِنْ الْعَقْرَبِ فَأَتَوْا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَرَضُوا عَلَيْهِ وَقَالُوا إنَّك نَهَيْت عَنْ الرَّقْيِ فَقَالَ مَا أَرَى بِهِ» الْآنَ «بَأْسًا مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ»
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّهْيَ) فِي السَّابِقِ (عَنْ) الرَّقْيِ (الَّذِي يَرَى) يَعْتَقِدُ (الْعَافِيَةَ فِي الدَّوَاءِ) بِتَأْثِيرِهِ (مِنْ نَفْسِهِ) نَفْسِ الدَّوَاءِ دُونَ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَأَمَّا إذَا عَرَفَ أَنَّ الْعَافِيَةَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَالدَّوَاءُ سَبَبٌ لَا بَأْسَ بِهِ) .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ نُهِيَ عَنْ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمِ، وَالتُّوَلَةِ الرَّقْيُ الْمَنْهِيُّ مَا يُزْعَمُ مِنْ تَسْخِيرِ الْجِنِّ وَمَا يَرْكَنُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَذِكْرِ الشَّيَاطِينِ، وَالِاسْتِعَانَةِ مِنْهُمْ، وَالتَّعَوُّذِ مِنْ مَرَدَتِهِمْ. وَأَمَّا الرُّقْيَةُ بِالْقُرْآنِ وَبِالْأَسْمَاءِ فَجَائِزَةٌ قَدْ مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ.
قَالَ ابْنُ التِّينِ: هَذَا الرَّقْيُ هُوَ الطِّبُّ الرُّوحَانِيُّ أَنَّ عَلَى لِسَانِ الْأَبْرَارِ حَصَلَ الشِّفَاءُ فَلَمَّا عَزَّ ذَلِكَ فَزِعَ النَّاسُ إلَى الطِّبِّ الْجُسْمَانِيِّ انْتَهَى مُلَخَّصًا.
قَالَ الْمُحَشِّي الرَّقْي جَائِزٌ إنْ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ شَرْعًا كَالْإِقْسَامِ بِغَيْرِهِ تَعَالَى، وَالْأَلْفَاظِ الْغَيْرِ الْمَفْهُومَةِ الْمَعَانِي مِثْلُ: آهَيَّا وشراهيا. أَقُولُ إنْ أَخَذَ مِثْلَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ كَالْغَزَالِيِّ وَبَعْضِ ثِقَاتِ الصُّوفِيَّةِ. فَالظَّاهِرُ لَا مَنْعَ حِينَئِذٍ عَلَى حَمْلِ اطِّلَاعِهِمْ عَلَى مَعْنَاهُ كَمَا قِيلَ مَعْنَى آهيا وشراهيا يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ كَمَا يُقَالُ مَعْنَى جَبْرَائِيلَ عَبْدُ اللَّهِ ثُمَّ الْأَمْرُ النَّبَوِيُّ آنِفًا مِنْ قَوْلِهِ فَلْيَفْعَلْ فِي جَوَابِ الرَّقْيِ لَا أَقَلَّ مِنْ النَّدْبِ وَقَدْ اُخْتُصَّ بِالطِّبِّ سَابِقًا وَأَيْضًا.
قَالَ فِي الشِّرْعَةِ وَمِنْ السُّنَنِ أَنْ يُسْتَشْفَى بِالذِّكْرِ، وَالدُّعَاءِ، وَالْقُرْآنِ، وَالْفَاتِحَةِ، وَقَدْ كَثُرَتْ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ فِي هَذَا الْبَابِ.
فَحَاصِلُ الْإِشْكَالِ إنْ أُرِيدَ مِنْ الرَّقْيِ مَا اُعْتُقِدَ تَأْثِيرُهُ مِنْ غَيْرِهِ تَعَالَى أَوْ مَا لَا يُعْلَمُ مَعْنَاهُ فَحَرَامٌ وَإِلَّا فَنَدْبٌ أَوْ سُنَّةٌ وَقَدْ نَفَيْتُمْ ذَلِكَ. وَنُقِلَ عَنْ النَّوَوِيِّ أَنَّ الرُّقَى فِي حَدِيثِ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ مَا هِيَ مِنْ كَلَامِ الْكُفَّارِ، وَالْمَجْهُولَةِ الْمَعْنَى.
وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ الْآيَاتِ وَمَفْهُومَةُ الْمَعَانِي فَسُنَّةٌ وَنَقَلَ الْبَعْضُ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ الرَّقْيِ بِهَا. وَعَنْ الْمَازِرِيِّ جَمِيعُ الرُّقَى جَائِزٌ فِيمَا ذُكِرَ. وَأَمَّا رُقَى أَهْلِ الْكِتَابِ فَجَوَّزَهَا أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْمُنَاوِيِّ عَنْ الْمُوَطَّإِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِلْيَهُودِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَرْقِي عَائِشَةَ ارْقِيهَا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. وَكَرِهَهَا مَالِكٌ لِعَدَمِ الْأَمْنِ بَقِيَ أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى النَّسْخِ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
وَأَمَّا عِنْدَ إمْكَانِ التَّوْفِيقِ كَمَا ذُكِرَ فَلَا قَالَ فِي الْإِتْقَانِ إنَّمَا يَرْجِعُ مِنْ النَّسْخِ إلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ عَنْ الرَّسُولِ ﵊ أَوْ عَنْ صَحَابِيٍّ ثُمَّ قَالَ وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَى قَوْلِ عَوَامِّ الْمُفَسِّرِينَ بَلْ وَلَا اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِينَ
стр. 273
مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ صَحِيحٍ وَلَا مُعَارَضَةِ بَيِّنَةٍ مَعَ عِلْمِ تَارِيخٍ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا يُجْتَرَأُ عَلَيْهِ بِلَا ضَرُورَةٍ وَلَا حُجَّةٍ.
(وَقَدْ جَاءَتْ الْآثَارُ فِي الْإِبَاحَةِ) أَيْ إبَاحَةِ مُطْلَقِ الدَّوَاءِ لَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ بِلَفْظِ الْإِبَاحَةِ فِي الْآثَارِ، وَالظَّاهِرُ فِي مَوَاضِعَ وُقُوعُهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ عَلَى الْأَمْرِ أَوْ الْفِعْلِ كَمَا يَشْهَدُ بِهِ التَّتَبُّعُ وَيَدُلُّ قَوْلُهُ (أَلَا يَرَى) إلَى آخِرِهِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى النَّدْبِ أَوْ السُّنَّةِ فَتَأَمَّلْ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا جُرِحَ يَوْمَ أُحُدٍ» غَزْوَةٍ مِنْ غَزَوَاتِهِ ﵊ اُسْتُشْهِدَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ عَمُّ النَّبِيِّ ﵊ وَرَضِي اللَّه تَعَالَى عَنْهُمْ «دَاوَى» مِنْ الدَّوَاءِ «جُرْحَهُ بِعَظْمٍ قَدْ بَلِيَ» لِيَقْطَعَ دَمَهُ قِيلَ الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ دَاوَاهُ بِحَصِيرٍ أَحْرَقَهُ وَكَبَسَ بِهِ مَحَلَّ الْجُرْحِ فَأَمْسَكَ الدَّمُ وَفِعْلُهُ سُنَّةٌ يُقْتَدَى بِهِ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي فِعْلِهِ.
وَاحْتِمَالُ الزَّلَّةِ بَعِيدٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَنُبِّهَ وَمَنَعَ عَنْ الرِّوَايَةِ بِلَا نَكِيرٍ وَاحْتِمَالُ كَوْنِهِ مِنْ الْخَوَاصِّ خِلَافُ الْأَصْلِ لَا يُرْجَعُ إلَيْهِ.
(وَرُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ» الَّذِينَ نَصَرُوا لِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْمُهَاجِرِينَ بِالدِّيَارِ، وَالْأَمْوَالِ، وَالْمُحَارَبَةِ مَعَ أَعْدَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ «رُمِيَ» عَلَى صِيغَةِ الْمَفْعُولِ ( «فِي أَكْحَلِهِ» قِيلَ عَنْ الْقَامُوسِ وَهُوَ عِرْقٌ فِي الْيَدِ أَوْ هُوَ عِرْقُ الْحَيَاةِ وَلَا تَقُلْ عِرْقُ الْأَكْحَلِ «بِمِشْقَصٍ» كَمِنْبَرٍ نَصْلٍ عَرِيضٍ «فَأَمَرَ بِهِ» أَيْ الرَّجُلِ «النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكُوِيَ» بِالنَّارِ فَثَبَتَ أَنَّ الْكَيَّ مَأْمُورٌ بِهِ.
قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «نَهَى النَّبِيُّ ﵊ عَنْ الْكَيِّ» وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ نَهْيَ تَنْزِيهٍ إنْ اُسْتُغْنِيَ عَنْهُ بِغَيْرِهِ وَأَمَّا عِنْدَ تَعَيُّنِهِ فَلَا يُكْرَهُ فَقَدْ «كَوَى النَّبِيُّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ الَّذِي اهْتَزَّ بِمَوْتِهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَأُبَيُّ بْنَ كَعْبٍ الْمَخْصُوصَ بِأَنَّهُ أَقْرَأُ الْأُمَّةِ» وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ مِثْلَ سَعْدٍ وَأُبَيُّ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنْ السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ وَصَفَهُمْ النَّبِيُّ فَقَدْ أَخْطَأَ كَمَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ انْتَهَى.
وَأَمَّا مَا أَخْرَجَ مُسْلِمُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تُسَلِّمُ عَلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَلَمَّا اكْتَوَى انْقَطَعَ التَّسْلِيمُ فَلَمَّا تَرَكَهُ عَادَ إلَيْهِ فَلَعَلَّهُ لِإِمْكَانِ الْغَيْرِ.
(وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْقِي» نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ «بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ» .
قَالَ الْمُحَشِّي أَيْ قَرَأَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «ثُمَّ مَسَحَ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ، فَقَالَ مَنْ فَعَلَ هَذَا بَرِئَ مِنْ الْآفَاتِ» (وَالْآثَارُ فِيهِ) أَيْ تَدَاوِي النَّبِيِّ وَرُقْيَتِهِ (أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى) كَمَا ذُكِرَ فِي كُتُبِ الْأَحَادِيثِ كَالْحِصْنِ الْحَصِينِ، وَالطِّبِّ النَّبَوِيِّ الَّذِي أُحِيلَ إلَيْهِ فِي تَعْلِيمِ الْمُتَعَلِّمِ، وَذُكِرَ هُنَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ رِيقِ نَفْسِهِ عَلَى أُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ ثُمَّ يَضَعُهَا عَلَى التُّرَابِ يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْهُ شَيْءٌ فَيَمْسَحُ بِهِ عَلَى الْمَوْضِعِ الْمَجْرُوحِ أَوْ الْعَلِيلِ وَيَقُولُ حَالَ الْمَسْحِ: بِاسْمِ اللَّهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا يُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا» .
قَالَ الْجُمْهُورُ جُمْلَةُ الْأَرْضِ وَقِيلَ أَرْضُ الْمَدِينَةِ خَاصَّةً لِرِقَّتِهَا، وَالرِّيقَةُ أَقَلُّ مِنْ الرِّيقِ (انْتَهَى) كَلَامُ الْبُسْتَانِ
стр. 274
(ثُمَّ إنْ عُدَّ الْكَيُّ) كَمَا عُدَّ فِي الْعِمَادِيِّ هَذَا مِنْ الْمُصَنِّفِ إشَارَةً إلَى مَا سَبَقَ مِنْ الْإِشْكَالِ عَلَيْهِ. حَاصِلُهُ تَحْرِيرُ مُرَادِهِ بِالْبَعْضِيَّةِ لَكِنْ حِينَئِذٍ يَضْمَحِلُّ التَّقْسِيمُ فَإِمَّا لَا يَحْسُنُ فِي ذَاتِهِ أَوْ فِي قِسْمَتِهِ (مِنْ الْمَوْهُومِ لَيْسَ بِيَقِينٍ بَلْ قَدْ يَكُونُ مِنْ الْمَظْنُونِ بَلْ مِنْ الْمُتَيَقَّنِ) تَجْرِبَةً أَوْ شَرْعًا (فَلِذَا) أَيْ فَلِكَوْنِهِ مِنْ الْمُتَيَقَّنِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ (أُمِرَ) فِي الشَّرْعِ (بِالْحَسْمِ) حَسَمَهُ يَحْسِمُهُ فَانْحَسَمَ قَطَعَهُ بِالدَّوَاءِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ (فِي قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ) أَوْ رِجْلِهِ (لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى الْهَلَاكِ) لَكِنْ كَوْنُ أَمْرِ الْحَسْمِ فِي الشَّرْعِ دَالًّا عَلَى الْيَقِينِ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ كَيْفَ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَاقْطَعُوا وَاحْسِمُوا» وَهُوَ لَيْسَ بِمُتَوَاتِرٍ بَلْ آحَادٌ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْقَطْعِ، وَادِّعَاءُ الْإِجْمَاعِ فِيهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ سَنَدًا لَهُ بَعِيدٌ، إذْ الْحَسْمُ نَدْبٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَيُرَادُ بِالْمُتَيَقَّنِ فِعْلًا لَا اعْتِقَادًا.
(وَعَدُّ التَّطَيُّرِ مِنْ الْمَوْهُومِ يُوهِمُ الْجَوَازَ) بَلْ يَدُلُّ لِقَوْلِهِ (كَقَرِينَيْهِ) أَيْ الْكَيِّ، وَالرُّقْيَةِ (بَلْ هُوَ حَرَامٌ اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ كُفْرًا) لِنِسْبَةِ التَّأْثِيرِ إلَى غَيْرِهِ تَعَالَى (ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ وَغَيْرُهُ) قِيلَ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ صَاحَتْ الطَّيْرُ فَقَالَ رَجُلٌ يَمُوتُ الْمَرِيضُ أَوْ خَرَجَ إلَى السَّفَرِ فَرَجَعَ لِصِيَاحِ الْعَقْعَقِ كُفْرٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَقِيلَ لَا وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا نَقَلَ عَنْ عُمْدَةِ الْمُفْتِي؛ لِأَنَّهُ عَلَى وَجْهِ التَّفَاؤُلِ، وَالْأَحَادِيثُ فِي مَنْعِ الطَّيْرَةِ كَثِيرَةٌ نَحْوُ «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ وَلَا غُولَ» وَنَحْوُ «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ» (فَظَهَرَ أَنَّ الطِّبَّ لَيْسَ بِفَرْضٍ) وَلَا وَاجِبٍ (بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَنَا) وَقَدْ سَبَقَ مِنْ الْأَحَادِيثِ «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرِئَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى» . عَنْ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِيهِ اسْتِحْبَابُ الدَّوَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَجُمْهُورِ السَّلَفِ وَعَامَّةِ الْخَلَفِ.
قَالَ الْقَاضِي فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ صِحَّةُ عِلْمِ الطِّبِّ وَجَوَازُهُ وَاسْتِحْبَابُهُ وَرَدٌّ لِمُنْكِرِ التَّدَاوِي كَغُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ؛ لِأَنَّ فَاعِلَ الْكُلِّ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالتَّدَاوِي مِنْ قَدَرِ اللَّهِ. وَيُحْتَجُّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَمِثْلُهُ الْأَمْرُ بِالدُّعَاءِ وَقِتَالِ الْكُفَّارِ، وَالتَّجَنُّبِ عَنْ التَّهْلُكَةِ، وَالْقِصَاصِ، وَالدِّيَةِ عَلَى الْقَاتِلِ مَعَ أَنَّ الْأَجَلَ وَاحِدٌ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ.
(وَقَالَ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْإِحْيَاءِ إنَّهُ) أَيْ الطِّبُّ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) لَعَلَّ هَذَا إشَارَةٌ إلَى فَائِدَةِ لَفْظِ عِنْدَنَا آنِفًا لَكِنْ قَدْ سَمِعْت سَابِقًا كَوْنَهُ كَذَلِكَ عِنْدَنَا أَيْضًا أَيْ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
(تَفْرِيعٌ) نُقِلَ عَنْ الْإِحْيَاءِ الْعُلُومُ الشَّرْعِيَّةُ كُلُّهَا مَحْمُودَةٌ إلَّا بِعَوَارِضَ خَارِجَةٍ، وَالْكَلَامُ بِهَذِهِ الْمُجَادَلَاتِ، وَالْمُشَاغَبَاتِ وَنَقْلِ الْمَقَالَاتِ الَّتِي أَكْثَرُهَا تُرَّهَاتٌ وَغَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِالدِّينِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ فَمِنْ الْبِدَعِ فَالْآنَ بِحُكْمِ الضَّرُورَةِ كَانَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ لِدَفْعِ مُبْتَدَعٍ مُخَاصِمٍ.، وَالْعُلُومُ الْغَيْرُ الشَّرْعِيَّةِ فَإِنْ مَحْمُودَةً كَالطِّبِّ لِحَاجَةِ بَقَاءِ الْأَبَدَانِ، وَالْحِسَابِ لِلْمُعَامَلَاتِ وَقِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ، وَالْفِلَاحَةِ، وَالْحِيَاكَةِ وَسَائِرِ أُصُولِ الصِّنَاعَاتِ لِحَاجَةِ بَقَاءِ الْبِنْيَةِ أَيْضًا فَمِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ.
وَأَمَّا التَّعَمُّقُ فِي دَقَائِقِ الْحِسَابِ، وَالطِّبِّ مَثَلًا فَفَضِيلَةٌ لَا فَرْضِيَّةٌ أَوْ مَذْمُومَةٌ كَالسِّحْرِ، وَالطَّلْسَمَاتِ وَعِلْمِ الشَّعْبَذَةِ، وَالتَّلْبِيسَاتِ وَإِمَّا مُبَاحٌ كَعِلْمِ الْأَشْعَارِ الَّتِي لَا سُخْفَ فِيهَا، وَالتَّوَارِيخِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ.
وَأَمَّا الْفَلْسَفَةُ فَالْهَنْدَسَةُ، وَالْحِسَابُ فَمُبَاحَانِ إلَّا إذَا خِيفَ التَّجَاوُزُ إلَى عُلُومٍ مَذْمُومَةٍ. وَالْمَنْطِقُ دَاخِلٌ فِي الْكَلَامِ، وَالْإِلَهِيَّاتِ فَمَا هُوَ مُوَافِقٌ لِلشَّرْعِ دَاخِلٌ فِي الْكَلَامِ وَمَا لَا يُوَافِقُ فَإِمَّا كُفْرٌ أَوْ بِدْعَةٌ، وَالطَّبِيعِيَّاتُ بَعْضُهَا مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ فَجَهْلٌ وَبَعْضُهَا بَحْثٌ عَنْ أَحْوَالِ الْأَجْسَامِ فَشَبِيهٌ بِنَظَرِ الْأَطِبَّاءِ وَيَقْرَبُ إلَيْهِ كَلَامٌ فِي مُنْقِذِ الضُّلَّالِ كَمَا أُشِيرَ سَابِقًا وَتَمَامُ تَفْصِيلِهِ يُعْرَفُ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ.
وَفِي التتارخانية بَعْدَمَا نَقَلَ مَا ذُكِرَ عَنْ الْإِحْيَاءِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْعَرَبِيَّةَ وَأُصُولَ
стр. 275
الْفِقْهِ وَأُصُولَ الْحَدِيثِ وَتَفَاصِيلَ الْفِقْهِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَكَذَا عِلْمُ الْقِرَاءَةِ، وَالتَّجْوِيدِ وَعِلْمُ الْحَدِيثِ، وَالتَّفْسِيرِ، وَالْكَلَامُ بِدْعَةٌ فِي زَمَانِ السَّلَفِ وَفَرْضُ كِفَايَةٍ فِي زَمَانِنَا لِضَرُورَةِ دَفْعِ الْمُخَالِفِ وَعِلْمُ الشَّعْرِ، وَالنِّيرَنْجَاتُ، وَالطَّلْسَمَاتُ وَعِلْمُ النُّجُومِ وَنَحْوُهَا غَيْرُ مَحْمُودٍ، وَكَذَا أَنْسَابُ الْعَرَبِ.
وَأَمَّا عِلْمُ الْمُكَاشَفَةِ فَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْمُجَاهَدَةِ مُقَدِّمَةً لِلْهِدَايَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] .
وَفِي الْمُنْقِذِ لِلْغَزَالِيِّ عَلِمْت يَقِينًا أَنَّ الصُّوفِيَّةَ هُمْ السَّالِكُونَ بِطُرُقِ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً وَسِيرَتَهُمْ أَحْسَنُ السَّيْرِ وَطَرِيقَتَهُمْ أَحْسَنَ الطُّرُقِ لَوْ جُمِعَ عَقْلُ الْعُقَلَاءِ وَحِكْمَةُ الْحُكَمَاءِ وَعِلْمُ الْوَاقِفِينَ عَلَى أَسْرَارِ الشَّرْعِ لِيُغَيِّرُوا شَيْئًا مِنْ سِيرَتِهِمْ وَيُبَدِّلُوهُ بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ لَمْ يَجْدُوا إلَيْهِ سَبِيلًا، فَإِنَّ جَمِيعَ حَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ مُقْتَبَسَةٌ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ فَمَاذَا يَقُولُ الْقَائِلُ فِي طَرِيقَةٍ أَوَّلُ شَرْطِهَا طَهَارَةُ الْقَلْبِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى وَمِفْتَاحُهَا: اسْتِغْرَاقُ الْقَلْبِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَآخِرُهَا الْفَنَاءُ فِي اللَّهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ يَطُولُ الْكَلَامُ بِذِكْرِهَا.
وَفِي الْحَدِيثِ: «عِلْمُ الْبَاطِنِ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى وَحِكْمَةٌ مِنْ حِكَمِ اللَّهِ يَقْذِفُهُ فِي قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ عِلْمُ الْبَاطِنِ عِلْمُ الْمُكَاشَفَةِ وَذَلِكَ غَايَةُ الْعُلُومِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهُ يُخَافُ عَلَيْهِ سُوءٌ الْخَاتِمَةِ وَأَدْنَاهُ التَّصْدِيقُ بِهِ وَتَسْلِيمُهُ لِأَهْلِهِ وَهَذَا هُوَ الْعِلْمُ الْخَفِيُّ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ مِنْ الْعِلْمِ كَهَيْئَةِ الْمَكْنُونِ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِاَللَّهِ» انْتَهَى.
وَفِي الْأَشْبَاهِ: الْعِلْمُ بِقَدْرِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِدِينِهِ فَرْضُ عَيْنٍ وَبِمَا زَادَ عَلَيْهِ لِنَفْعِ غَيْرِهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَالتَّبَحُّرُ فِي الْفِقْهِ مَنْدُوبٌ كَعِلْمِ الْقَلْبِ وَعِلْمُ الْفَلْسَفَةِ، وَالشَّعْبَذَةِ، وَالتَّنْجِيمِ، وَالرَّمَلِ وَعُلُومُ الطَّبَائِعِيِّينَ حَرَامٌ وَأَشْعَارُ الْمُوَلِّدِينَ مِنْ الْغَزْلِ، وَالْبَطَالَةِ حَرَامٌ، وَالْأَشْعَارُ الَّتِي لَا سُخْفَ فِيهَا مُبَاحٌ إلَى آخِرِهِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ قَدْرُ مَا يُعْلَمُ مَوَاقِيتُ الصَّلَاةِ، وَالْقِبْلَةِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَالزِّيَادَةُ حَرَامٌ فَإِذَا عُرِفَتْ الْعُلُومُ وَمَرَاتِبُهَا.
(فَإِذَا فَرَغَ السَّالِكُ مِنْ فَرْضِ الْعَيْنِ وَوُجِدَ مَنْ يَقُومُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَوْ لَمْ يُوجَدْ) مِنْ يُحَصِّلُ فَرْضَ الْكِفَايَةِ مِنْ الْغَيْرِ (فَحَصَّلَهُ) أَيْ فَرْضَ الْكِفَايَةِ (أَيْضًا) كَفَرْضِ الْعَيْنِ (فَلَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَقْبَلَ عَلَى الْعِبَادَةِ) فَيَتَفَرَّغُ لَهَا وَيَنْقَطِعُ عَمَّا سِوَاهَا وَيَسْتَوْعِبُ أَوْقَاتَهَا بِطَاعَةِ مَوْلَاهُ كَمَا هُوَ طَرِيقُ الْمُتَصَوِّفَةِ لَا سِيَّمَا الْوَاصِلِينَ إلَى رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ كَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ (وَإِنْ شَاءَ أَقْبَلَ عَلَى الْعِلْمِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ) كَمَا سَبَقَ كَمَا هُوَ الْمُجْتَهِدِينَ وَكَافَّةِ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ (فَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ الْأَوَّلِ) لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ التَّفْضِيلِ، وَالِاخْتِيَارِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَصْلِ الْفَضْلِ وَإِنْ أَوْهَمَ بِالنِّسْبَةِ إلَى رُتْبَةِ الْفَضْلِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ الْعِلْمُ أَفْضَلُ أَوْ الْعَمَلُ. فَاخْتَارَ أَهْلُ الظَّاهِرِ الْأَوَّلَ لِمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ.
وَأَهْلُ الْبَاطِنِ الثَّانِيَ إذْ جَمِيعُ الْعُلُومِ مُقَدِّمَاتٌ، وَالْأَعْمَالُ نَتَائِجُ وَثَمَرَاتٌ فَلَوْلَا الْعَمَلُ لَا يُصَارُ إلَى الْعِلْمِ وَلِكَثِيرٍ مِنْ الْآيَاتِ، وَالْأَحَادِيثِ أَمَّا الْآيَاتُ فَنَحْوُ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى - فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٣٩ - ١١٠] ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]- ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢]- ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا﴾ [الكهف: ١٠٧]- ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم: ٦٠]- ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] .
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَنَحْوُ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» الْحَدِيثَ. «وَأَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ» .
وَعَنْ الْحَسَنِ يَقُولُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي وَاقْتَسِمُوهَا عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِكُمْ. وَعَنْهُ أَيْضًا طَلَبُ الْجَنَّةِ بِلَا عَمَلٍ ذَنْبٌ مِنْ الذُّنُوبِ وَغَيْرُهَا.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي النَّصَائِحِ الْوَلَدِيَّةِ: الْعِلْمُ الْمُجَرَّدُ لَا يُؤْخَذُ بِالْيَدِ فَلَوْ قَرَأَ رَجُلٌ مِائَةَ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ وَتَعَلَّمَهَا وَلَمْ يَعْمَلْ بِهَا لَا تُفِيدُهُ إلَّا بِالْعَمَلِ وَلَوْ قَرَأْت الْعِلْمَ مِائَةَ سَنَةٍ وَجَمَعْت أَلْفَ كِتَابٍ لَا تَكُونُ مُسْتَعِدًّا لِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا بِالْعَمَلِ. وَرُئِيَ الْجُنَيْدُ فِي الْمَنَامِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَسُئِلَ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ طَاحَتْ الْعِبَارَاتُ وَفَنِيَتْ الْإِشَارَاتُ مَا نَفَعَنَا إلَّا رَكْعَتَانِ رَكَعْنَاهُمَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَأُيِّدَ بِالْأَمْثَالِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ النُّصُوصِ، وَالْآثَارِ.
وَقَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ: لَمَّا اسْتَوْصَى مُوسَى مِنْ الْخَضِرِ حِينَ الْمُفَارِقَةِ قَالَ لَا تَطْلُبْ الْعِلْمَ لِتُحَدِّثَ بِهِ وَاطْلُبْهُ لِتَعْمَلَ بِهِ
стр. 276
وَاسْتَدْعَى قَالَ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْك طَاعَتَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ النِّسْبَةَ بَيْنَ الْعِلْمِ، وَالْعَمَلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّفْلِ مِنْهُمَا، وَالْفَرْضِ مِنْهُمَا لِمَنْ أَتَى بِهِمَا (الْآيَاتُ) أَيْ هَذِهِ الْآيَاتُ هِيَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ أَوْ الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ هِيَ مَا سَيَذْكُرُ. اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ قَالَ بَعْضٌ الْمَذْكُورُ مُبْتَدَأٌ، وَالْمَحْذُوفُ خَبَرٌ إذْ الْمُبْتَدَأُ ذَاتٌ وَأَصْلٌ، وَالْخَبَرُ وَصْفٌ تَابِعٌ لَهُ قَالَ بَعْضٌ عَكْسَهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْإِفَادَةِ هُوَ الْخَبَرُ وَرُجِّحَ هَذَا كَمَا قَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] أَيْ أَمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ أَوْ صَبْرٌ جَمِيلٌ أَجْمَلُ
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ فَضْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْعَمَلِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ الْأَوَّلِ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْأَدِلَّةِ هُوَ فَضْلُ الْعِلْمِ فِي نَفْسِهِ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَمَلِ كَمَا سَيَظْهَرُ بَلْ بَعْضُهَا لَا يُخَصُّ بِالْعِلْمِ بَلْ يَدُلُّ عَلَى الْعَمَلِ أَيْضًا كَمَا سَيَظْهَرُ أَيْضًا إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ كَوْنَ الْمَطْلُوبِ مُطْلَقَ الْفَضْلِ أَوْ تُؤَوَّلُ الْأَدِلَّةُ عَلَى وَجْهٍ يَدُلُّ عَلَى الْفَضْلِ الْإِضَافِيِّ وَلَوْ خِلَافَ الظَّاهِرِ ثُمَّ الْآيَاتُ إحْدَى عَشَرَةَ الْأُولَى مِنْ الْبَقَرَةِ.
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] لَمَّا فَهِمَ الْمَلَائِكَةُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]- فَضْلَ الْخَلِيفَةِ عَلَيْهِمْ تَعَجَّبُوا وَاسْتَعْظَمُوا. وَأَجَابَ تَعَالَى أَوَّلًا إجْمَالًا بِقَوْلِهِ ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] وَثَانِيًا تَفْصِيلًا بِقَوْلِهِ ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ﴾ [البقرة: ٣١] حَاصِلُهُ رَاجِعٌ إلَى بَيَانِ فَضْلِهِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ عِلْمِ الْخَلِيفَةِ يَعْنِي مَا لَا يَعْلَمُونَ فَضْلَ آدَمَ عَلَيْهِمْ إلَى أَنْ سَجَدُوا لَهُ بِالْعِلْمِ فَدَلَّ عَلَى الْمَقْصُودِ وَهُوَ فَضْلُ الْعِلْمِ وَشَرَفِهِ لَكِنْ فِي نَفْسِهِ لَا بِالْإِضَافَةِ إلَى الْعَمَلِ كَمَا نَبَّهَ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ بِمَحْضِ فَضْلِهِ تَعَالَى لَا بِكَسْبِهِ وَإِتْعَابِهِ الَّذِي هُوَ مَدَارُ الْفَضْلِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْإِسْنَادِ وَكَوْنُ التَّعْلِيمِ عَلَى خَلُقَ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ كَمَا سَيُشَارُ إلَيْهِ فَمَا وَجْهُ التَّفْضِيلِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ. قُلْنَا بَعْدَ تَسْلِيمِ تَوَقُّفِ الْفَضْلِ عَلَى مَدْخَلِيَّةِ الْفَاضِلِ فِي حُصُولِ الْفَضْلِ قَالُوا: إنَّ إفَاضَةَ الْعِلْمِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى اسْتِعْدَادِ الْمُتَعَلِّمِ لِقَبُولِ الْفَيْضِ وَتَلَقِّيه مِنْ جِهَتِهِ كَمَا قَالُوا أَيْضًا تَأْثِيرُ الْعِلَّةِ الْفَاعِلِيَّةِ مُحْتَاجٌ إلَى اسْتِعْدَادِ الْعِلَّةِ الْقَابِلِيَّةِ.
قَالَ أَبُو السُّعُودِ فِي تَفْسِيرِهِ: وَبِهِ يَظْهَرُ أَحَقِّيَّتَهُ بِالْخِلَافَةِ مِنْهُمْ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؛ لِأَنَّ جِبِلَّتَهُمْ غَيْرُ مُسْتَعِدَّةٍ لِإِحَاطَةِ تَفَاصِيلِ الْجُزْئِيَّاتِ الْمَادِّيَّةِ. ثُمَّ هَذَا التَّعْلِيمُ بِخَلْقِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ، وَالْإِلْهَامِ فِي قَلْبِهِ وَإِلْقَائِهِ فِي رَوْعِهِ مَعْرِفَةَ الْأَشْيَاءِ وَخَوَاصِّهَا وَأَسْمَائِهَا وَأُصُولِ الْعُلُومِ وَقَوَانِينِ الصِّنَاعَاتِ وَكَيْفِيَّةِ آلَاتِهَا كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الْقَصْعَةَ قِيلَ بِجَمِيعِ اللُّغَاتِ فَاللُّغَاتُ الْمُتَخَالِفَةُ فِي أَوْلَادِهِ كُلِّهَا إنَّمَا أُخِذَتْ عَنْهُ وَقِيلَ اسْمَ كُلِّ مَا كَانَ وَسَيَكُونُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ صَنْعَةَ كُلِّ شَيْءٍ ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣١] الضَّمِيرُ لِلْمُسَمَّيَاتِ الْمَدْلُولَةِ ضِمْنًا أَوْ الْتِزَامًا.
وَفِيهِ تَغْلِيبُ الْعُقَلَاءِ وَكَذَا جَانِبُ الذُّكُورِ قِيلَ مَعْنَى الْعَرْضِ: الْإِظْهَارُ ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي﴾ [البقرة: ٣١] أَخْبِرُونِي ﴿بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ﴾ [البقرة: ٣١] الْأَمْرُ لِلتَّعْجِيزِ كَمَا فِي ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ [البقرة: ٢٣] تَبْكِيتًا لَهُمْ فِيمَا اعْتَقَدُوا مِنْ اسْتِحْقَاقِهِمْ الْخِلَافَةَ وَإِظْهَارًا لِحِكْمَةِ إيثَارِ الْخِلَافَةِ لِآدَمَ مِنْ أَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُمْ فَأَوْلَى بِالْخِلَافَةِ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ، وَالتَّصَرُّفَ الَّذِي تَقْتَضِيه الْخِلَافَةُ مُحْتَاجٌ إلَى الْعِلْمِ لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْخَلِيفَةِ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ زَمَانِهِ نَعَمْ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ لَا يُنَافِي الْأَوْلَوِيَّةَ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١] فِي اعْتِقَادِ أَنَّكُمْ أَحِقَّاءُ لِلْخِلَافَةِ مِنْ الْخَلِيفَةِ الْمَوْعُودِ عَلَى مَا لَزِمَ مَقَالُهُمْ ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] اعْتِرَافٌ بِعَجْزِهِمْ وَإِيذَانٌ بِأَنَّ سُؤَالَهُمْ لَيْسَ سُؤَالَ اعْتِرَاضٍ بَلْ اسْتِفْسَارٌ وَبَيَانٌ لِفَضْلِ الْإِنْسَانِ الَّذِي خَفِيَ عَلَيْهِمْ، وَإِظْهَارٌ لِشُكْرِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وَمُرَاعَاةً لِلْأَدَبِ بِتَفْوِيضِ الْعِلْمِ كُلِّهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] فِيهِ تَحْقِيقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] ﴿الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] كُلُّ فِعْلِك عَلَى حِكْمَةٍ وَمَصْلَحَةٍ
стр. 277
فَمِنْ جُمْلَةِ عِلْمِهِ اسْتِحْقَاقُ آدَمَ بِالْخِلَافَةِ.
وَمِنْ جُمْلَةِ حِكْمَتِهِ جَعْلُ آدَمَ خَلِيفَةً وَتَعْلِيمُهُ مَا هُوَ قَابِلٌ اسْتِعْدَادَهُ لِجَمِيعِ الْعُلُومِ كَمَا عَرَفْت ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ﴾ [البقرة: ٣٣] أَعْلِمْهُمْ وَأَخْبِرْهُمْ ﴿بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] الَّتِي عَجَزُوا عَنْ عِلْمِهَا وَاعْتَرَفُوا بِتَقَاصُرِهِمْ عَنْ بُلُوغِ مَرْتَبَتِهَا ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] فِي إيثَارِ الْفَاءِ إيذَانٌ بِمُسَارَعَةِ الْإِخْبَارِ، وَالْإِظْهَارِ مَوْضِعَ الْإِضْمَارِ لِكَمَالِ الْعِنَايَةِ بِشَأْنِ الْأَسْمَاءِ وَلِإِيذَانِ كَوْنِ خَبَرِ آدَمَ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٣٣] تَقْرِيرٌ لِمَا مَرَّ مِنْ الْجَوَابِ الْإِجْمَالِيِّ وَاسْتِحْضَارٌ لَهُ ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣] .
قَالَ أَبُو السُّعُودِ كَأَنَّهُ قِيلَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إنِّي أَعْلَمُ فِيهِ مِنْ دَوَاعِي الْخِلَافَةِ مَا لَا تَعْلَمُونَ مِنْهَا وَهُوَ الَّذِي عَايَنْتُمُوهُ ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] مِنْ قَوْلِكُمْ ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] مِنْ كَتْمِ إبْلِيسَ الْكُفْرَ وَقِيلَ الْكَتْمُ قَوْلُهُمْ لَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ خَلْقًا أَفْضَلَ مِنَّا أَوْ كَتْمِ إبْلِيسُ التَّكَبُّرَ فَمِنْ قَبِيلِ بَنُو فُلَانٍ قَتَلُوا، وَالْقَاتِلُ وَاحِدٌ.
قَالَ أَبُو السُّعُودِ قَالُوا فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى شَرَفِ الْإِنْسَانِ وَمَزِيَّةِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَأَنَّهُ مَنَاطُ الْخِلَافَةِ وَأَنَّ إطْلَاقَ التَّعْلِيمِ جَائِزٌ دُونَ الْمُعَلِّمِ وَأَنَّ اللُّغَاتِ تَوْقِيفِيَّةٌ، وَأَنَّ عُلُومَ الْمَلَائِكَةِ وَكَمَا لَاتَهُمُّ تَقْبَلُ الزِّيَادَةَ خِلَافًا لِلْحُكَمَاءِ وَأَنَّ آدَمَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ بِالْعِلْمِ وَكَذَا نُقِلَ عَنْ الْقَاضِي.
وَالثَّانِيَةُ مِنْ الْبَقَرَةِ أَيْضًا ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٦٩] تَحْقِيقُ الْعِلْمِ وَإِتْقَانِ الْعَمَلِ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ الْعِلْمُ النَّافِعُ الْمُؤَدِّي إلَى الْعَمَلِ كَمَا فِي الْجَلَالَيْنِ لَا يَخْفَى عَدَمُ التَّقْرِيبِ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ لَكِنْ عَنْ مُجَاهِدٍ هِيَ الْقُرْآنُ، وَالْعِلْمُ، وَالْفِقْهُ.
وَعَنْ النَّخَعِيِّ مَعْرِفَةُ مَعَانِي الْأَشْيَاءِ وَفَهْمُهَا.
وَعَنْ الضَّحَّاكِ الْقُرْآنُ وَفَهْمُهُ وَكَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَكَذَا عَنْ الْمُفَسِّرِينَ.
وَعَنْ الْخَازِنِ حَاصِلُ الْأَقْوَالِ الْعِلْمُ، وَالْإِصَابَةُ فِيهِ لَعَلَّ الْإِصَابَةَ فِيهِ هُوَ الْعَمَلُ وَقِيلَ الْعِلْمُ اللَّدُنِّي وَقِيلَ إشْهَادُ الْحَقِّ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَقِيلَ تَجْرِيدُ السِّرِّ لِوُرُودِ الْإِلْهَامِ وَقِيلَ النُّورُ الْمُفَرِّقُ بَيْنَ الْإِلْهَامِ، وَالْوَسْوَاسِ وَقِيلَ النُّبُوَّةُ، وَقِيلَ الْخَشْيَةُ وَقِيلَ الْوَرَعُ وَقِيلَ وَقِيلَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ مَعَ الِاحْتِمَالِ كَمَا مَرَّ عَنْ التَّلْوِيحِ وَلَوْ سُلِّمَ فَالدَّلَالَةُ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ بِنَفْسِهِ، وَالْمَطْلُوبُ فَضْلُهُ عَلَى الْعَمَلِ ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] يَتَزَايَدُ وَلَا يَنْقُصُ.
وَالثَّالِثَةُ فِي آلِ عِمْرَانَ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران: ٧] الْمُتَشَابِهِ ﴿إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] الَّذِينَ تَمَكَّنُوا وَثَبَتُوا فِي الْعِلْمِ.
وَعَنْ مَالِكٍ الْعَالِمُ الْعَامِلُ بِمَا عَلِمَ الْمُتَّبِعُ لَهُ وَقِيلَ الرَّاسِخُ بِأَرْبَعَةٍ التَّقْوَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّوَاضُعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْقِ، وَالزُّهْدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدُّنْيَا، وَالْمُجَاهَدَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ لَعَلَّ دَلَالَتَهَا عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْوَقْفِ أَوْ لَا يَعْنِي عَلَى كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ وَإِنْ كَانَ عَلَى عَدَمِ الْوَقْفِ أَبْلَغُ وَكَانَ الْوَقْفُ لِلْأَكْثَرِ إذْ الْمُقَامُ مَدْحُهُمْ وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ مَدْحُهُمْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الزَّائِغِينَ فَلَا يَقْتَضِي الْفَضْلَ عَلَى الْإِطْلَاقِ نَعَمْ قَدْ يُفْهَمُ الْإِطْلَاقُ مِنْ قَوْلِهِ فِي آخَرِ الْآيَةِ - ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]- عَنْ الْخَازِنِ ثَنَاءٌ مِنْ اللَّهِ لِقَائِلِي ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] .
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: مَدْحٌ لِلرَّاسِخِينَ بِجَوْدَةِ الذِّهْنِ، وَحُسْنِ النَّظَرِ إلَى آخِرِهِ فَالْأُولَى إتْمَامُ الْآيَةِ.
وَالرَّابِعَةُ فِي آلِ عِمْرَانَ أَيْضًا
стр. 278
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ١٨] قِيلَ مَعْنَى شَهَادَةِ اللَّهِ إخْبَارُهُ وَمَعْنَى شَهَادَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَالْمُؤْمِنِينَ إقْرَارُهُمْ ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] الْأَنْبِيَاءُ.
وَعَنْ ابْنِ كَيْسَانَ الْمُهَاجِرِينَ، وَالْأَنْصَارِ وَعَنْ مُقَاتِلٍ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ.
وَعَنْ السُّدِّيَّ وَالْكَلْبِيِّ يَعْنِي عُلَمَاءَ الْمُؤْمِنِينَ فَالِاحْتِجَاجُ صَرِيحٌ فِي الْأَخِيرِ مُطَابَقَةً وَعَلَى الْبَوَاقِي دَلَالَةٌ أَوْ مُقَايَسَةً أَوْ إشَارَةً لَكِنْ عَلَى الْأَوَّلِ مَحَلُّ خَفَاءٍ ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] مُقِيمًا بِالْعَدْلِ فِي قَسْمِهِ وَحُكْمِهِ نُصِبَ عَلَى الْحَالِ الْمُؤَكَّدَةِ مِنْ اللَّهِ أَوْ مِنْ قَوْلِهِ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا.
وَعَنْ الْبَغَوِيّ أَيْ قَائِمًا بِتَدْبِيرِ الْخَلْقِ.
قَالَ فِي التتارخانية بَعْدَمَا اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ بَدَأَ اللَّهُ بِنَفْسِهِ وَثَنَّى بِمَلَائِكَتِهِ وَثَلَّثَ بِأَهْلِ الْعِلْمِ.
وَالْخَامِسَةُ فِي آلِ عِمْرَانَ أَيْضًا ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] جَمْعُ: رَبَّانِيٍّ مَنْسُوبٌ إلَى الرَّبِّ بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ، وَالنُّونِ وَهُوَ الْكَامِلُ فِي الْعِلْمِ، وَالْعَمَلِ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ.
وَعَنْ الْوَاحِدِيِّ أَيْ مُعَلِّمِينَ وَقِيلَ: فُقَهَاءَ عُلَمَاءَ حُكَمَاءَ، وَالنِّسْبَةُ لِلتَّخْصِيصِ عَلَى عِلْمِ الرَّبِّ أَيْ الشَّرِيعَةِ، وَالصِّفَاتِ.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ الَّذِي يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ.
وَعَنْ عَطَاءٍ عُلَمَاءَ حُكَمَاءَ نُصَحَاءَ لِلَّهِ فِي خَلْقِهِ. وَقِيلَ الرَّبَّانِيُّونَ فَوْقَ الْأَحْبَارِ، وَالْأَحْبَارُ فَوْقَ الْعُلَمَاءِ. وَقِيلَ الَّذِينَ جَمَعُوا مَعَ الْعِلْمِ الْبَصَارَةَ بِسِيَاسَةِ النَّاسِ.
وَعَنْ الْمُبَرِّدِ هُمْ مُرَبُّو الْعِلْمِ بِالْقِيَامِ بِهِ وَبِالتَّعْلِيمِ.
وَعَنْ جَعْفَرٍ ﵁ كُونُوا مُسْتَمِعِينَ بِسَمْعِ الْقُلُوبِ وَنَاظِرِينَ بِأَعْيُنِ الْغُيُوبِ.
وَعَنْ الْجُنَيْدِ أَخْرَجَهُمْ عَنْ الْكَوْنِ جُمْلَةً وَجَذَبَهُمْ إلَى الْحَقِّ إشَارَةً.
وَعَنْ الشِّبْلِيِّ الرَّبَّانِيُّ مَنْ يَأْخُذُ الْعِلْمَ مِنْ الْحَقِّ لَا مِنْ الْخَلْقِ وَلَا يَرْجِعُ فِي بَيَانِهِ إلَّا إلَى الرَّبِّ وَقِيلَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِهَا أَيْضًا عَلَى بَعْضِ الِاحْتِمَالَاتِ كَمَا تَرَى ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] بِسَبَبِ كَوْنِكُمْ مُعَلِّمِينَ الْكِتَابَ وَدَارِسِينَ لَهُ فَإِنَّ فَائِدَةَ التَّعْلِيمِ، وَالتَّعَلُّمِ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ، وَالْخَيْرِ لِلِاعْتِقَادِ، وَالْعَمَلِ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ. وَقِيلَ كُونُوا مُعَلِّمِينَ النَّاسَ بِعِلْمِكُمْ وَدَرْسِكُمْ أَيْ عَلِّمُوا النَّاسَ وَبَيِّنُوا لَهُمْ.
وَعَنْ الْخَازِنِ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِسَبَبِ كَوْنِكُمْ عَالِمِينَ وَمُعَلِّمِينَ وَبِسَبَبِ دِرَاسَتِكُمْ الْكِتَابَ فَدَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ، وَالتَّعَلُّمَ، وَالدِّرَاسَةَ يُوجِبُ كَوْنَ الْإِنْسَانِ رَبَّانِيًّا فَمَنْ اشْتَغَلَ بِالْعِلْمِ، وَالتَّعْلِيمِ لَا بِهَذَا الْمَقْصُودِ ضَاعَ عِلْمُهُ وَخَابَ سَعْيُهُ.
وَالسَّادِسُ فِي طَه ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] سَلْ اللَّهَ تَعَالَى زِيَادَةَ الْعِلْمِ بَدَلَ الِاسْتِعْجَالِ فِي تَلَقِّي الْوَحْيِ مِنْ جَبْرَائِيلَ فَإِنَّ مَا أُوحِيَ إلَيْك تَنَالُهُ لَا مَحَالَةَ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ. قِيلَ مَا أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِطَلَبِ زِيَادَةِ شَيْءٍ إلَّا فِي الْعِلْمِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عِلْمًا أَيْ حِفْظًا وَقِيلَ قُرْآنًا وَقِيلَ أَدَبًا أَوْ صَبْرًا عَلَى الطَّاعَةِ، وَالْجِهَادِ.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ أَيْ عَالِمًا بِك جَاهِلًا بِمَا سِوَاك.
وَالسَّابِعَةُ فِي الْعَنْكَبُوتِ ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ﴾ [العنكبوت: ٤٣] الْأَشْبَاهُ يَعْنِي أَمْثَالَ الْقُرْآنِ الَّتِي شَبَّهَ بِهَا أَحْوَالَ كُفَّارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِكُفَّارِ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ نُقِلَ
стр. 279
عَنْ الْخَازِنِ ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ [العنكبوت: ٤٣] تَسْهِيلًا لِأَفْهَامِهِمْ ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾ [العنكبوت: ٤٣] وَمَا يُدْرِكُ فَائِدَةَ ضَرْبِهَا ﴿إِلا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] الَّذِينَ يَتَدَبَّرُونَ الْأَشْيَاءَ عَلَى مَا يَنْبَغِي.
وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ الْعَالِمُ مَنْ عَقَلَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فَعَمِلَ بِطَاعَتِهِ وَاجْتَنَبَ سُخْطَهُ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ. وَجْهُ الدَّلَالَةِ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ إذَا قَصُرَ فَهْمُ الْأَمْثَالِ الْمَضْرُوبَةِ عَلَى الْعُلَمَاءِ لَزِمَ ضَرُورَةُ مَدْحِهِمْ وَشَرَفِهِمْ لَكِنْ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ لَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ فَقَطْ بَلْ مَعَ الْعَمَلِ، وَالْكَلَامُ فِي الْأَوَّلِ.
وَالثَّامِنَةُ فِي الرُّومِ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [الروم: ٢٢] فِي اخْتِلَافِ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ﴿لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢] لَا يَخْفَى عَلَى كُلِّ ذِي عِلْمٍ إنْسٍ وَجِنٍّ.
وَالتَّاسِعَةُ فِي فَاطِرِ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] إذْ الْخَشْيَةُ إنَّمَا تَكُونُ بِمَعْرِفَةِ الْمَخْشِيِّ وَصِفَاتِهِ فَكُلَّمَا ازْدَادَ الْعِلْمُ ازْدَادَتْ الْخَشْيَةُ.
وَلِذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنِّي أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ» وَتَقْدِيمُ الْمَفْعُولِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حَصْرُ الْفَاعِلِيَّةِ وَلَوْ أَخَّرَ لَانْعَكَسَ الْأَمْرُ. وَقُرِئَ بِرَفْعِ اسْمِ اللَّهِ وَنَصْبِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْخَشْيَةَ مُسْتَعَارَةٌ لِلتَّعْظِيمِ فَإِنَّ الْمُعَظَّمَ يَكُونُ مَهِيبًا كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ.
وَعَنْ الْخَازِنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْ إنَّمَا يَخَافُنِي مَنْ عَلِمَ جَبَرُوتِي وَعِزَّتِي وَسُلْطَانِي. وَعَنْ مَسْرُوقٍ كَفَى بِخَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى عِلْمًا وَكَفَى بِالِاغْتِرَارِ بِاَللَّهِ جَهْلًا.
وَعَنْ الرُّبَيِّعِ مِنْ لَمْ يَخْشَ اللَّهَ فَلَيْسَ بِعَالِمٍ. وَعَنْ حَاشِيَةِ شَيْخْ زَادَهْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى حَصْرِ الْخَشْيَةِ بِالْعُلَمَاءِ لِدَلَالَةِ إنَّمَا عَلَى الْحَصْرِ وَآيَةِ ﴿لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨] دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ لِأَهْلِ الْخَشْيَةِ وَكَوْنُهَا لِأَهْلِ الْخَشْيَةِ يُنَافِي كَوْنَهَا لِغَيْرِهِمْ فَدَلَّ مَجْمُوعُ الْآيَتَيْنِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْجَنَّةِ أَهْلٌ إلَّا الْعُلَمَاءُ. وَقِيلَ إذَا كَانَتْ الْخَشْيَةُ مِنْ لَوَازِمِ الْعِلْمِ فَإِذَا انْتَفَى اللَّازِمُ أَيْ الْخَشْيَةُ انْتَفَى الْمَلْزُومُ أَيْ الْعِلْمُ فَالْعِلْمُ مَا يَكُون سَبَبًا لِلْخَشْيَةِ، وَمَا عَدَاهُ لَيْسَ بِعِلْمٍ وَإِنْ عَدُّوهُ عِلْمًا. قِيلَ وَمَا يُقَالُ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَشْيَةَ فِي الْعُلَمَاءِ وَلَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ عَالِمٍ فِيهِ خَشْيَةٌ فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ مَأْخَذَ الِاشْتِقَاقِ يُفِيدُ الْعِلِّيَّةَ وَذَكَرَ الْخَشْيَةَ؛ لِأَنَّهَا مِلَاكُ الْأُمُورِ إذْ الْخَشْيَةُ جَالِبَةٌ لِكُلِّ خَيْرٍ وَعَدَمُهَا لِكُلِّ مَكْرُوهٍ قَالُوا الرِّعَةُ، وَالْفِقْهُ، وَالِاسْتِقَامَةُ، وَالتُّقَى كُلُّهَا مُسَخَّرَةٌ لِلْخَشْيَةِ فَمَنْ رُزِقَ لَهُ الْخَشْيَةُ مَلَكَ كُلَّ شَيْءٍ فَإِذَا حُصِرَ ذَلِكَ بِالْعُلَمَاءِ لَزِمَ اخْتِصَاصُ الْفَضْلِ بِهِمْ ضَرُورَةً.
وَالْعَاشِرَةُ فِي الزُّمَرِ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] بَلْ الْعَالِمُونَ فَائِقَةٌ لِمَزِيدِ فَضْلِهِمْ بِسَبَبِ عِلْمِهِمْ هَذِهِ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ فِي نَفْسِهِ لَكِنْ لَا تَدُلُّ كَمَا فِي السَّوَابِقِ عَلَى الْفَضْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَمَلِ إذْ الْكَلَامُ فِي الْعَالِمِ الْمُتَفَرِّغِ لِلْعُلُومِ الْمَنْدُوبَةِ، وَالْعَامِلِ الْمُتَقَاعِدِ لِأَجْلِ فَضَائِلِ الْعِبَادَاتِ فَتَأَمَّلْ.
وَالْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: فِي الْمُجَادَلَةِ ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ [المجادلة: ١١] قَالَ الْقَاضِي بِالنَّصْرِ وَحُسْنِ الذِّكْرِ فِي الدُّنْيَا وَإِيوَائِهِمْ غُرَفَ الْجِنَانِ فِي الْآخِرَةِ ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] يَرْفَعُ الْعُلَمَاءَ مِنْهُمْ خَاصَّةً
стр. 280
دَرَجَاتٍ بِمَا جَمَعُوا مِنْ الْعِلْمِ، وَالْعَمَلِ فَإِنَّ الْعِلْمَ مَعَ عُلُوِّ دَرَجَتِهِ يَقْتَضِي الْعَمَلَ الْمَقْرُونَ بِهِ مَزِيدَ رِفْعَةٍ وَلِذَلِكَ يُقْتَدَى بِالْعَالِمِ فِي أَفْعَالِهِ وَلَا يُقْتَدَى بِغَيْرِهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ» فِي الْبَيْضَاوِيِّ وَهَذِهِ أَيْضًا كَمَا تَرَى فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ الْمُتَبَادَرُ إلَّا أَنْ يُدَّعَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي نِسْبَةِ الْعِلْمِ مَعَ الْعَمَلِ، وَالْعَمَلِ الْمُجَرَّدِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْبُعْدِ لَعَلَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ مُؤَوَّلَاتٌ أَوْ مُفَسَّرَاتٌ بِالْأَحَادِيثِ وَلِذَا أَوْرَدَ بَعْدَهَا الْأَخْبَارَ فَإِذَا اُعْتُبِرَتْ الدَّلَالَةُ بِحَسَبِ الْمَجْمُوعِ أَمْكَنَ حُصُولُ الْمَطْلُوبِ سِيَّمَا لَوْ جَعَلَ الْمَطْلُوبَ ظَنِّيًّا.
قَالَ فِي التتارخانية آثَرَ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لِلْعُلَمَاءِ دَرَجَاتٌ فَوْقَ الْمُؤْمِنِينَ تِسْعُ مِائَةِ دَرَجَةٍ مَا بَيْن كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ الْآيَاتُ أَيْضًا عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ كَمَا فِي التتارخانية ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦] يَعْنِي الْعِلْمَ ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ﴾ [الرحمن: ٣] ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٤] ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [القصص: ٨٠] . ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] .
رَدَّ حُكْمَهُ فِي الْوَقَائِعِ إلَى اسْتِنْبَاطِهِمْ فَالْحَقُّ رَتَّبَهُمْ بِرُتْبَةِ الْأَنْبِيَاءِ فِي كَشْفِ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] . وَالْمُرَادُ التَّعْلِيمُ، وَالْإِرْشَادُ ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت: ٣٣]- ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]- وَغَيْرُهَا (الْأَخْبَارُ) الدَّالَّةُ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ (دت) أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ (عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ وَهُوَ) يَوْمَئِذٍ (بِدِمَشْقَ) الشَّامِ.
(فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مَا أَقْدَمَك) مَا سَبَبُ قُدُومِك (يَا أَخِي قَالَ حَدِيثٌ بَلَغَنِي أَنَّك تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ) لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ (أَمَا جِئْت لِحَاجَةٍ) غَيْرِ هَذَا (قَالَ لَا قَالَ أَمَا قَدِمْت لِتِجَارَةٍ) السُّؤَالُ وَتَكْرِيرُهُ لِلِاسْتِعْظَامِ لِكَوْنِهِ خِلَافَ الْعَادَةِ فِي هَذِهِ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ أَوْ إعْلَامِ غَيْرِهِ فِي الْمَجْلِسِ إظْهَارًا لِشَرَفِ الْأَمْرِ، وَالْجَائِيّ (قَالَ لَا قَالَ) الرَّجُلُ (مَا جِئْت إلَّا فِي طَلَبِ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ) أَبُو الدَّرْدَاءِ (فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا» مُدَّةَ سَفَرٍ أَوْ لَا وَلَوْ فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ أَوْ قَرْيَةٍ وَلَوْ خُطْوَةً أَوْ خُطْوَتَيْنِ «يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا» نَكَّرَهُ لِيَشْمَلَ كُلَّ عِلْمٍ وَآلَتِهِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا أَيْ حَالَ كَوْنِهِ طَالِبًا فِي سُلُوكِهِ عِلْمًا شَرْعِيًّا قَصْدِيًّا أَوْ آلِيًّا كَمَا تَقَدَّمَ.
«سَلَكَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ» أَيْ بِذَلِكَ الْعَبْدِ «طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ»
стр. 281
لِلتَّسَبُّبِ بِهَا وَقُوَّةِ إيصَالِهِ لِوُفُورِ الْأَجْرِ «وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ» الْحَفَظَةَ أَوْ مُطْلَقَ الْمَلَائِكَةِ «لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا» إكْرَامًا أَيْ تَوَاضُعًا أَوْ تَبَرُّكًا مِنْ الْمَسِّ أَوْ لِإِلْهَامِ عِلْمٍ أَوْ كُلِّ خَيْرٍ فَيَفِرُّ الشَّيْطَانُ لِمُضَادَّتِهِ بِالْمَلَكِ أَوْ تَعَطُّفًا أَوْ تَلَطُّفًا أَوْ دَفْعَ سُوءٍ «رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ» أَوْ لِإِيصَالِهِ إلَى مَقْصُودٍ أَوْ تَزَاحُمًا لِلزِّيَارَةِ لِطَالِبِ الْعِلْمِ «وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ» مَلَائِكَةٌ أَوْ حَيَوَانَاتٌ بَلْ النَّبَاتُ، وَالْجَمَادُ كَمَا قِيلَ لَكِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ قَوْلِهِ مَنْ الْحَقِيقَةُ فِي أُولِي الْعِلْمِ وَإِنْ أَمْكَنَ فِي نَفْسِهِ - ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]- وَلَا يُلَائِمُ الْغَايَةَ فِي قَوْلِهِ.
«حَتَّى الْحِيتَانُ» جَمْعُ حُوتٍ السَّمَكُ «فِي الْمَاءِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ» . فَإِنْ قِيلَ إنَّ اسْتِغْفَارَ الْحَيَوَانَاتِ الْعَجَمِ، وَالْجَمَادَاتِ غَيْرُ مَعْقُولٍ يَعْنِي خِلَافَ الْقِيَاسِ، وَالرَّاوِي هَذَا لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ بِالرِّوَايَةِ وَمِثْلُ هَذَا الْخَبَرِ الْوَاحِدِ، الْوَارِدِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ إذْ يُقَدَّمُ الْقِيَاسُ حِينَئِذٍ. قُلْنَا بَعْدَ تَسْلِيمِ عَدَمِ مَعْرُوفِيَّةِ الرَّأْيِ بِالرِّوَايَةِ لَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُ خِلَافَ الْقِيَاسِ بَلْ الْقِيَاسُ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ مُمْكِنٍ أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ فَثَابِتٌ وَأَنَّ النُّصُوصَ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا مَا لَمْ يَصْرِفْهَا صَارِفٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا أَقَلَّ مِنْ كَوْنِهِ خَبَرًا ضَعِيفًا.
وَقَدْ قَرَّرَ أَنَّ الْفَضَائِلِ تَثْبُتُ بِالْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ أَنْ يُنْطِقَ كُلَّ شَيْءٍ فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ إنَّ الْمُرَادَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِعَدَدِ كُلٍّ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانَاتِ اسْتِغْفَارَةً مُسْتَجَابَةً لَكِنْ يَشْكُلُ بِنَحْوِ الْكُفَّارِ بَلْ الْفُسَّاقِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَعَدَمُ اسْتِغْفَارِهِمْ ظَاهِرٌ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ مِنْ قَبِيلِ عَامٍّ خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ بِشَهَادَةِ الْعَقْلِ أَوْ الْحِسِّ أَوْ الْعَادَةِ وَحِينَئِذٍ حُجَّةٌ فِي الْبَاقِي ثُمَّ اسْتِغْفَارُ الْبَوَاقِي وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ لَكِنَّ الْوُقُوعَ عَلَى الْعُمُومِ لَيْسَ بِبَعِيدٍ نَحْوَ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ.
ثُمَّ وَجْهُ اسْتِغْفَارِهِمْ تَنَفُّعُهُمْ مِنْ بَرَكَةِ عِلْمِهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُفِيضُ الْخَيْرَ، وَالرَّحْمَةَ عَلَى الْكُلِّ بِبَرَكَةِ الْعِلْمِ وَبَرَكَةِ ثَمَرَتِهِ مِنْ الْعَمَلِ وَاكْتِسَابِ الصَّالِحَاتِ وَهَذَا أَقْرَبُ مِمَّا نُقِلَ عَنْ شَرْحِ الْمُنَاوِيِّ أَنَّ حِكْمَتَهُ أَنَّ صَلَاحَ الْعَالَمِ مَنُوطٌ بِالْعَالِمِ إذْ بِالْعِلْمِ أَنَّ الطَّيْرَ لَا يُؤْذَى وَلَا يُقْتَلُ إلَّا لِأَكْلِهِ وَلَا يُذْبَحُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَلَا يُعَذَّبُ طَيْرٌ وَلَا غَيْرُهُ بِجُوعٍ وَلَا ظَمَأٍ إلَى آخَرِ مَا قَالَ «وَفَضْلُ الْعَالِمِ» الْعَامِلِ «عَلَى الْعَابِدِ» الْمُتَفَرِّغِ لِلْعِبَادَةِ وَلَوْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ وَلَمْ يَجْرِ عَلَى مُقْتَضَى عِلْمِهِ مِنْ نَحْوِ التَّعْلِيمِ، وَالتَّدْرِيسِ، وَالْإِفْتَاءِ، وَالْقَضَاءِ، وَالْوَعْظِ وَتَصْنِيفِ الْكُتُبِ وَمُطَالَعَتِهَا وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا يُقَالُ أَيْ الْعَامِلُ بِلَا عِلْمٍ إذْ حِينَئِذٍ لَا فَضْلَ لَهُ أَصْلًا «كَفَضْلِ الْقَمَرِ» لَيْلَةَ الْبَدْرِ «عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ» فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي أَنْفُسِهَا أَنْوَارًا لَكِنَّهَا عِنْدَ نُورِ الْقَمَرِ سِيَّمَا عِنْدَ الْبَدْرِ كَالْمُضْمَحِلِّ بَلْ أَكْثَرُهَا مُضْمَحِلٌّ بِالْكُلِّيَّةِ، وَفِي تَشْبِيهِ الْعَالِمِ بِالْقَمَرِ إشَارَةٌ إلَى تَعَدِّي الْعِلْمِ إلَى الْغَيْرِ وَانْتِفَاعِ الْعَالِمِ بِعِلْمِهِ إذَا عَلَّمَهُ كَمَا أَنَّهُ فِي تَشْبِيهِ الْعَابِدِ بِالنُّجُومِ إشَارَةٌ إلَى عَدَمِ نَفْعِهِ لِلْغَيْرِ وَكَمَا أَنَّ نُورَ الْقَمَرِ مُسْتَفَادٌ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ كَذَلِكَ يُسْتَفَادُ نُورُ الْعَالِمِ مِنْ النَّيْرِ الْأَعْظَمِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَإِنَّ «الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ يَنْتَقِلُ مِنْ الْأَقْرَبِ وَأَقْرَبُ الْأُمَّةِ فِي نِسْبَةِ الدِّينِ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ أَعْرَضُوا عَنْ
стр. 282
الدُّنْيَا وَأَقْبَلُوا عَلَى الْآخِرَةِ وَكَانُوا بَدَلًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ فَازُوا بِالْحُسْنَيَيْنِ الْعِلْمِ، وَالْعَمَلِ وَحَازُوا الْفَضِيلَتَيْنِ الْكَمَالَ، وَالتَّكْمِيلَ وَهُوَ الْمِيرَاثُ الْأَكْبَرُ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ إنَّمَا يُوَرَّثُونَ مِيرَاثَ الدُّنْيَا، وَالرُّسُلُ إنَّمَا يُوَرِّثُونَ وَرَثَتَهُمْ الْحِكَمَ الرَّبَّانِيَّةَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا رُتْبَةَ فَوْقَ رُتْبَةِ النُّبُوَّةِ فَلَا شَرَفَ فَوْقَ شَرَفِ وَارِثِ تِلْكَ الرُّتْبَةِ.
وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «الْعُلَمَاءُ مَصَابِيحُ الْأَرْضِ وَخُلَفَاءُ الْأَنْبِيَاءِ وَوَرَثَتِي وَوَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الْكَشَّافِ لِمُدَانَاتِهِمْ لَهُمْ فِي الشَّرَفِ، وَالْمَنْزِلَةِ؛ لِأَنَّهُمْ أَلْقُوا بِمَا بُعِثُوا مِنْ أَجْلِهِ.
وَعَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ أَحْوَالُهُمْ الْكِتْمَانُ لَوْ قُطِّعُوا إرْبًا إرْبًا مَا عُرِفَ مَا عِنْدَهُمْ. ثُمَّ قَالَ
(فَائِدَةٌ) سُئِلَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ عَمَّا اُشْتُهِرَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ مِنْ حَدِيثِ: «عُلَمَاءُ أُمَّتِي كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ» فَقَالَ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا اسْتِنَادَ بِهَذَا اللَّفْظِ وَيُغْنِي عَنْهُ «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ انْتَهَى لَعَلَّ مَعْنَى يُغْنِي يُنَافِي إذْ الْخُصُوصُ يُنَافِي الْعُمُومَ وَيَحْتَمِلُ يُغْنِي يَعْنِي لَا يُبْقِي حَاجَةً لِقُرْبِ مَضْمُونِهِ مِنْهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بِهَذَا اللَّفْظِ فَحِينَئِذٍ يَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ نَقْلِ الْمَعْنَى.
وَقَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ عَنْ الدَّمِيرِيِّ، وَالْعَسْقَلَانِيِّ، وَالزَّرْكَشِيِّ لَا أَصْلَ لَهُ وَسَكَتَ عَنْهُ السُّيُوطِيّ فَمَا فِي نَحْوِ شَرْحِ الشِّرْعَةِ مِنْ تَصْحِيحِهِ بِالرُّؤْيَا لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ إذْ غَايَتُهُ الْإِلْهَامُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ فِي إفَادَةِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَعْرِفَةِ سِيَّمَا وَقَعَ تَصْرِيحٌ دَلِيلٌ عَلَى نَفْيِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ «إنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ» أَيْ تَعَلَّمَهُ «فَقَدْ أَخَذَ بِحَظٍّ» نَصِيبٍ «وَافِرٍ» كَثِيرٍ زَائِدٍ فِي الْكَمَالِ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنْ الدُّنْيَا وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهَا لِاشْتِغَالِهِمْ بِالْفَضَائِلِ، وَالْكَمَالَاتِ النَّفِيسَةِ وَلَا يَنْتَقِلُ الشَّيْءُ إلَى الْوَارِثِ إلَّا بِالصِّفَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا عِنْدَ الْمَوْرُوثِ.
عَنْ الْغَزَالِيِّ: الْعَالِمُ لَا يَكُونُ وَارِثًا لِنَبِيِّهِ إلَّا إذَا اطَّلَعَ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِي الشَّرِيعَةِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ إلَّا دَرَجَةَ النُّبُوَّةِ وَهِيَ الْفَارِقَةُ بَيْنَ الْوَارِثِ، وَالْمَوْرُوثِ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ (طب) طَبَرَانِيٌّ (عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ الْفِقْهُ» الْمُصْطَلَحُ الْمُعَرَّفُ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ بِمَعْرِفَةِ النَّفْسِ بِمَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا وَعِنْدَ بَعْضٍ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ الْمُكْتَسَبُ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ فَيَدْخُلُ جَمِيعُ مَبَادِئِ الْفِقْهِ الَّتِي عُدَّتْ مِنْ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ «وَأَفْضَلُ الدِّينِ» الْإِسْلَامُ وَهُوَ وَضْعٌ إلَهِيٌّ سَائِقٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ بِاخْتِيَارِهِمْ الْمَحْمُودَ إلَى الْخَيْرِ بِالذَّاتِ وَيَتَنَاوَلُ الِاعْتِقَادِيَّاتِ، وَالْعَمَلِيَّاتِ، وَقَدْ يُخَصُّ بِالْفُرُوعِ لَعَلَّ الْمُرَادَ هُنَا هَذَا الْمَخْصُوصُ ( «الْوَرَعُ» تَرْكُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ بَأْسٌ وَيُفَسَّرُ بِتَرْكِ الشُّبُهَاتِ (طط) طَبَرَانِيٌّ فِي الْأَوْسَطِ (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
стр. 283
- صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «قَلِيلُ الْعِلْمِ» الشَّرْعِيِّ الْمَقْرُونِ بِالْعَمَلِ «خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ الْعِبَادَةِ» فَإِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ صَاحِبُ فَضِيلَتَيْنِ، وَالْعَامِلَ صَاحِبُ فَضِيلَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنَّ الْعِلْمَ مُتَعَدٍّ، وَالْعَمَلَ قَاصِرٌ وَإِنَّ الْعِبَادَةَ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ لَا تَخْلُو عَنْ قُصُورٍ وَخَلَلٍ وَإِنَّ عِبَادَةَ الْعَالِمِ مَعَ تَيَقُّنِ مَنَافِعِهَا وَتَحَقُّقِ غَايَتِهَا وَلِأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ الْمُصَحِّحُ لِلْعِبَادَةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «قَلِيلُ الْفِقْهِ» وَفِي أُخْرَى «قَلِيلُ التَّوْفِيقِ» .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «قَلِيلُ الْعَمَلِ يَنْفَعُ مَعَ الْعِلْمِ وَكَثِيرُ الْعَمَلِ لَا يَنْفَعُ مَعَ الْجَهْلِ» فَبِهَذَا الْحَدِيثِ يُعْلَمُ عِلَّةُ حُكْمِ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا (طط) طَبَرَانِيٌّ فِي الْأَوْسَطِ (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ جَاءَ أَجَلُهُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ» لِرِضَاهُ تَعَالَى إمَّا لِلتَّعْلِيمِ أَوْ الْعَمَلِ «لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ إلَّا دَرَجَةَ النُّبُوَّةِ» ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِلْأُمَّةِ أَنْ تَبْلُغَ دَرَجَةَ النُّبُوَّةِ؛ لِأَنَّهَا وَهْبِيَّةٌ إلَهِيَّةٌ لَا يُمْكِنُ حُصُولُهَا بِالْكَسْبِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ نَبِيًّا وَاحِدًا أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ (طك) الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ (عَنْ ثَعْلَبَةَ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْعُلَمَاءِ» الَّذِينَ مَشَوْا عَلَى مُوجِبِ عُلُومِهِمْ وَرَاعَوْا حُقُوقَهُ «يَوْمَ الْقِيَامَةِ إذَا قَعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ» الَّذِي وَسِعَ السَّمَوَاتِ، وَالْأَرْضَ بِلَا كَيْفِيَّةِ لَوَازِمِ الْجِسْمِيَّةِ لَعَلَّ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ إظْهَارِ كَمَالِ عَظَمَتِهِ وَجَبَرُوتِهِ «لِفَصْلِ عِبَادِهِ» لَعَلَّ ذَلِكَ وَقْتَ الْمُحَاسَبَةِ وَوَضْعِ مِيزَانِ الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ «إنِّي لَمْ أَجْعَلْ عِلْمِي» الْإِضَافَةُ لِتَعْظِيمِ الْمُضَافِ «وَحِلْمِي» أَيْ تَخَلُّفَكُمْ بِأَخْلَاقِي كَمَا وَرَدَ «تَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ» .
وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مِائَةَ خُلُقٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ خُلُقًا مَنْ أَتَاهُ بِخُلُقٍ مِنْهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» «فِيكُمْ إلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَغْفِرَ لَكُمْ» جَمِيعَ ذُنُوبِكُمْ فَحَذَفَ الْمَفْعُولَ لِلتَّعْمِيمِ الظَّاهِرِ فِي مِثْلِ الصَّغَائِرِ «وَلَا أُبَالِي» لِقُوَّةِ شَرَفِ الْعِلْمِ يَعْنِي لَا أَجْعَلُ فِي جَوْفِهِ الْعِلْمَ إلَّا لَأَنْ أَغْفِرَ لَهُ. قِيلَ فِي إضَافَةِ الْعِلْمِ، وَالْحِلْمِ إلَيْهِ تَعَالَى إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الشَّرَفَ إنَّمَا هُوَ بِالْعَمَلِ بِهِ وَإِلَّا لَا يُنْسَبَانِ إلَيْهِ تَعَالَى.
وَعَنْ الْمُنْذِرِيِّ لِيَنْظُرَ هَذِهِ الْإِضَافَةُ وَلَا يُغْتَرَّ بِظَاهِرِ الْإِضَافَةِ.
وَعَنْ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ أَمْعِنْ هَذِهِ الْإِضَافَةَ أَنَّهُ لَيْسَ الْعِلْمُ الْمُجَرَّدُ عَنْ الْعَمَلِ، وَالْإِخْلَاصِ (صف) الْأَصْفَهَانِيُّ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يُجَاءُ» مُضَارِعٌ
стр. 284
مَجْهُولٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ «بِالْعَالِمِ وَالْعَابِدِ يُقَالُ لِلْعَابِدِ اُدْخُلْ الْجَنَّةَ» ابْتِدَاءً بَلْ قَبْلَ الْحِسَابِ كَمَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ «وَيُقَالُ لِلْعَالِمِ قِفْ حَتَّى تَشْفَعَ لِلنَّاسِ» ؛ لِأَنَّ وِرَاثَةَ النُّبُوَّةِ تَقْتَضِي مُشَارَكَةَ جِنْسِ مَنْصِبِ النُّبُوَّةِ فَإِذَا تَعَدَّى نَفْعُ عِلْمُهُ فِي الدُّنْيَا فَكَذَا فِي الْآخِرَةِ لَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَالْأَغْلَبُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ جِنْسِ الشَّفَاعَةِ عَنْ جَمِيعِ الْعَابِدِ إذْ الصُّلَحَاءُ لَهُمْ حَظٌّ فِي مَقَامِ الشَّفَاعَةِ وَإِنْ لَمْ يَكْثُرْ كَالْعُلَمَاءِ (صف) الْأَصْفَهَانِيُّ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ سَبْعُونَ دَرَجَةً مَا بَيْن كُلِّ دَرَجَتَيْنِ حُضْرُ الْفَرَسِ» ارْتِفَاعُهَا فِي الْعَدْوِ «سَبْعِينَ عَامًا» لِلتَّكْثِيرِ لَا لِلْحَصْرِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] كَمَا فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ، وَالْأَرْضِ» «وَذَلِكَ» أَيْ عِلَّةُ ذَلِكَ الْفَضْلِ «؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَبْتَدِعُ» يُحَسِّنُ «الْبِدْعَةَ لِلنَّاسِ» وَيُزَيِّنُهَا «فَيُبْصِرُهَا الْعَالِمُ» بِنُورِ عِلْمِهِ «فَيَنْهَى عَنْهَا» فَيَنْزَجِرُ «، وَالْعَابِدُ مُقْبِلٌ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ لَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا» لِعَدَمِ عِلْمِهِ أَوْ لِكَمَالِ تَوَجُّهِهِ لِعِبَادَتِهِ. (قُطْن هق) دَارَقُطْنِيٌّ وَبَيْهَقِيٌّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا عُبِدَ» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ «اللَّهُ بِشَيْءٍ» بِالْعِبَادَاتِ الظَّاهِرِيَّةِ، وَالْبَاطِنِيَّةِ «أَفْضَلُ مِنْ فِقْهٍ فِي دِينِ اللَّهِ» ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الْعِبَادَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْفِقْهِ إذْ الْجَاهِلُ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَتَّقِي وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ فَضْلُ الْفِقْهِ وَتَمْيِيزُهُ عَلَى سَائِرِ الْعُلُومِ بِكَوْنِهِ أَهَمَّهَا وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَشْرَفَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَصَوِّفَةِ الْمُرَادُ بِالْفِقْهِ هُنَا انْكِشَافُ الْأُمُورِ، وَالْفَهْمُ هُوَ الْعَارِضُ الَّذِي يَعْتَرِضُ فِي الْقَلْبِ مِنْ النُّورِ فَإِذَا عَرَضَ انْفَتِحْ بَصَرُ الْقَلْبِ فَرَأَى صُورَةَ الشَّيْءِ فِي صَدْرِهِ حَسَنًا كَانَ أَوْ قَبِيحًا فَالْفِقْهُ هُوَ الِانْفِتَاحُ، وَالْعَارِضُ هُوَ الْفَهْمُ، وَقَدْ أَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْفِقْهَ مِنْ فِعْلِ الْقَلْبِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] .
وَقَالَ الْمُصْطَفَى فِقْهُ الرَّجُلِ أَيْ فَهْمُ الْأُمُورِ وَقَدْ كَلَّفَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ أَنْ يَعْرِفُوهُ ثُمَّ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ أَنْ يَخْضَعُوا وَيَدِينُوا لَهُ فَشَرَعَ لَهُمْ الْحَلَالَ، وَالْحَرَامَ لِيَدِينُوا لَهُ بِالْمُبَاشَرَةِ فَذَلِكَ الدِّينُ هُوَ الْخُضُوعُ، وَالْفِقْهُ، وَالدِّينُ جُنْدٌ عَظِيمٌ يُؤَيِّدُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَهْلَ الْيَقِينِ الَّذِينَ عَايَنُوا مَحَاسِنَ الْأُمُورِ وَمَشَايِنَهَا وَأَقْدَارَ الْأَشْيَاءِ وَحُسْنَ تَدْبِيرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ لَهُمْ بِنُورِ يَقِينِهِمْ لِيَعْبُدُوهُ عَلَى بَصِيرَةٍ وَيُسْرٍ وَمَنْ حُرِمَ ذَلِكَ عَبْدَهُ عَلَى مُكَابَرَةٍ وَعُسْرٍ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ وَإِنْ أَطَاعَ وَانْقَادَ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَالنَّفْسُ إنَّمَا تَخِفُّ وَتَنْقَادُ إذَا رَأَتْ نَفْعَ شَيْءٍ أَوْ ضُرَّهُ، وَالنَّفْسُ جُنْدُهَا الشَّهَوَاتِ وَيَحْتَاجُ صَاحِبُهَا إلَى أَضْدَادِهَا مِنْ الْجُنُودِ وَهُوَ الْفِقْهُ كَذَا فِي الْمُنَاوِيِّ «وَلَفَقِيهٌ وَاحِدٌ» وَاَللَّهِ لَفَقِيهٌ، وَالْفَقِيهُ هُوَ الْعَالِمُ بِأَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الظَّاهِرِ، وَالْبَاطِنِ «أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ» الَّذِي يُرِيدُ إغْوَاءَهُ وَإِضْلَالَهُ بُغْضًا وَعَدَاوَةً «مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ» بِعَمَلٍ صَالِحٍ بِلَا عِلْمٍ أَوْ لَهُ عِلْمٌ لَكِنْ يَتَقَاعَدُ لِلْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ النُّورَيْنِ يَغْلِبَانِ عَلَى نُورٍ وَاحِدٍ وَلِأَنَّ الشَّيْطَانَ رُبَّمَا يَدْخُلُ عَلَى عَمَلِهِ فَيُفْسِدُهُ بِلَا شُعُورِهِ بِخِلَافِ الْعَالِمِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ حِيَلَهُ وَطُرُقَ غَوَائِلِهِ فَيَدْفَعُ «وَلِكُلِّ شَيْءٍ عِمَادٌ» يَرْتَفِعُ بِهِ بُنْيَانُهُ وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ «وَعِمَادُ الدِّينِ الْفِقْهُ» الَّذِي بِهِ
стр. 285
قِوَامُهُ.
(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) وَاَللَّهِ (لَأَنْ أَجْلِسَ سَاعَةً) الظَّاهِرُ التَّنْكِيرُ لِلتَّقْلِيلِ، وَالسَّاعَةُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْجَدِيدَيْنِ، وَالْوَقْتُ الْحَاضِرُ كَذَا فِي الْقَامُوسِ (فَأَفْقَهُ) أَيْ أَتَعَلَّمُ الْفِقْهَ (أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ إحْيَاءِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ) بِالْقِيَامِ، وَالتَّهَجُّدِ مَعَ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.
(وَفِي رِوَايَةِ لَيْلَةٍ إلَى الصَّبَاحِ) ظَاهِرُهُ مُطْلَقُ لَيْلَةٍ مِنْ اللَّيَالِي لَكِنَّ قَاعِدَةَ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ وَالْحَادِثَةِ تَجْعَلُ اللَّيْلَةَ الْمُطْلَقَةَ مُقَيَّدَةً وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى تَفَاوُتِ الْمُتَعَلِّمِينَ وَتَفَاوُتِ عِلْمِهِمْ وَتَفَاوُتِ غَرَضِهِمْ فَقَالَ تَاجُ الدِّينِ فِي رِسَالَتِهِ الْكُبْرَى: لَمَّا حَصَلَ التَّرَقِّي لِمُرِيدِ أَبِي تُرَابٍ النَّخْشَبِيِّ قَالَ: اذْهَبْ عِنْدَ أَبِي يَزِيدَ قَالَ الْغُلَامُ لَيْسَ لِي حَاجَةٌ إلَى أَبِي يَزِيدَ لِأَنِّي أَرَى اللَّهَ تَعَالَى جَهْرَةً فَقَالَ الشَّيْخُ رُؤْيَةُ أَبِي يَزِيدَ مَرَّةً وَاحِدَةً أَحْسَنُ مِنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ سَبْعِينَ مَرَّةً. فَإِنْ قِيلَ إنَّ جِنْسَ هَذَا الْمَطْلَبِ لَا يُمْكِنُ وَصْلَتُهُ بِالْعَقْلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَطَالِبِ السَّمْعِيَّةِ فَأَيْنَ يَعْلَمُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا بِالْحَدِيثِ وَكَانَ مِنْ رُؤَسَاءِ أَهْلِ الصُّفَّةِ لَكِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ. قُلْنَا بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِهِ مِنْ السَّمْعِيَّةِ يُحْمَلُ عَلَى الْخَبَرِ الْمَوْقُوفِ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ.
(ت. عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ «ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالْآخَرُ عَالِمٌ فَقَالَ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ» فِي الشَّرَفُ، وَالرِّفْعَةِ أَيْ نِسْبَةُ شَرَفِ الْعَالِمِ إلَى شَرَفِ الْعَابِدِ كَنِسْبَةِ شَرَفِ الرَّسُولِ إلَى أَدْنَى شَرَفِ الصَّحَابَةِ وَقَدْ شُبِّهُوا بِالنُّجُومِ فِي حَدِيثِ «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَهَذَا التَّشْبِيهُ يُنَبِّهُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْعَالِمِ مِنْ الْعِبَادَةِ وَلِلْعَابِدِ مِنْ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ تَشْبِيهَهَا بِالْمُصْطَفَى وَبِالْعِلْمِ يَسْتَدْعِي الْمُشَارَكَةَ فِيمَا فُضِّلُوا بِهِ مِنْ الْعِلْمِ، وَالْعَمَلِ كَيْفَ لَا، وَالْعِلْمُ مُقَدِّمَةٌ لِلْعَمَلِ وَصِحَّةُ الْعَمَلِ مُتَوَفِّقَةٌ عَلَى الْعِلْمِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ إنَّمَا كَانَ الْعَالِمُ أَفْضَلَ إذَا كَانَ عَامِلًا؛ لِأَنَّ الْعَالِمَ إذَا لَمْ يَكُنْ عَامِلًا فَعِلْمُهُ وَبَالٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْعَابِدُ بِغَيْرِ فِقْهٍ فَمَعَ نَقْصِهِ هُوَ أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ مِنْ فَقِيهٍ بِلَا تَعَبُّدٍ كَفَقِيهٍ هِمَّتُهُ فِي الشُّغْلِ بِالرِّيَاسَةِ انْتَهَى أَشْكَلَ إنْ أُرِيدَ مِنْ الْعَابِدِ مَنْ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ أَصْلًا يَعْنِي عِلْمَ عِبَادَتِهِ فَفَاسِقٌ عَابِثٌ فَلَا فَضْلَ لَهُ أَصْلًا، وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِيمَا لَهُ فَضْلٌ وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ لَهُ عِلْمًا بِعِبَادَتِهِ فَمُخَالِفٌ عَلَى مَا اُتُّفِقَ عَلَى فَضْلِ الْعِبَادَةِ عَلَى الْعِلْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا إذْ الْعِلْمُ مَقْصُودٌ لِلْعِبَادَةِ وَمَا يُرَادُ لِلْغَيْرِ مُسْتَحِيلٌ أَنْ يَكُونَ أَشْرَفَ مِنْهُ. أَقُولُ هَذَا دِرَايَةٌ فِي مُقَابَلَةِ رِوَايَةٍ، وَإِنَّ الْحُسْنَ لَيْسَ بِعَقْلِيٍّ مَحْضٍ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا يُرَادَ لِلْغَيْرِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ أَشْرَفَ مِنْهُ عَلَى الْكُلِّيَّةِ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ النَّظَرَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ أَفْضَلُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِصَلَاةِ التَّسْبِيحِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْفَضَائِلِ، وَالنَّوَافِلِ عَلَى الْإِطْلَاقِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْعِبَادَةِ مِنْ الْعَالِمِ أَفْضَلُ مِنْ اشْتِغَالِهِ بِالْعِلْمِ بَعْدَ أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ» هُمْ الْمَلَائِكَةُ «وَالْأَرْضِ» مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْعُبَّادِ، وَالزُّهَّادِ، وَالْوُرَّاعِ بَلْ مُطْلَقُ عَوَامِّ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ مُطْلَقُ الْحَيَوَانَاتِ بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ «حَتَّى النَّمْلَةِ فِي جُحْرِهَا، وَالْحِيتَانِ» جَمْعٌ حُوتٍ بِمَعْنَى: السَّمَكِ «فِي الْبَحْرِ يُصَلُّونَ» يَدْعُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ وَيُثْنُونَ «عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ» مِنْ فِعْلِ الطَّاعَاتِ وَتَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ: أَيْ
следующие страницы →