Полный текст (1 189 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
لِلتَّسَبُّبِ بِهَا وَقُوَّةِ إيصَالِهِ لِوُفُورِ الْأَجْرِ «وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ» الْحَفَظَةَ أَوْ مُطْلَقَ الْمَلَائِكَةِ «لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا» إكْرَامًا أَيْ تَوَاضُعًا أَوْ تَبَرُّكًا مِنْ الْمَسِّ أَوْ لِإِلْهَامِ عِلْمٍ أَوْ كُلِّ خَيْرٍ فَيَفِرُّ الشَّيْطَانُ لِمُضَادَّتِهِ بِالْمَلَكِ أَوْ تَعَطُّفًا أَوْ تَلَطُّفًا أَوْ دَفْعَ سُوءٍ «رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ» أَوْ لِإِيصَالِهِ إلَى مَقْصُودٍ أَوْ تَزَاحُمًا لِلزِّيَارَةِ لِطَالِبِ الْعِلْمِ «وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ» مَلَائِكَةٌ أَوْ حَيَوَانَاتٌ بَلْ النَّبَاتُ، وَالْجَمَادُ كَمَا قِيلَ لَكِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ قَوْلِهِ مَنْ الْحَقِيقَةُ فِي أُولِي الْعِلْمِ وَإِنْ أَمْكَنَ فِي نَفْسِهِ - ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]- وَلَا يُلَائِمُ الْغَايَةَ فِي قَوْلِهِ.
«حَتَّى الْحِيتَانُ» جَمْعُ حُوتٍ السَّمَكُ «فِي الْمَاءِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ» . فَإِنْ قِيلَ إنَّ اسْتِغْفَارَ الْحَيَوَانَاتِ الْعَجَمِ، وَالْجَمَادَاتِ غَيْرُ مَعْقُولٍ يَعْنِي خِلَافَ الْقِيَاسِ، وَالرَّاوِي هَذَا لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ بِالرِّوَايَةِ وَمِثْلُ هَذَا الْخَبَرِ الْوَاحِدِ، الْوَارِدِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ إذْ يُقَدَّمُ الْقِيَاسُ حِينَئِذٍ. قُلْنَا بَعْدَ تَسْلِيمِ عَدَمِ مَعْرُوفِيَّةِ الرَّأْيِ بِالرِّوَايَةِ لَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُ خِلَافَ الْقِيَاسِ بَلْ الْقِيَاسُ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ مُمْكِنٍ أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ فَثَابِتٌ وَأَنَّ النُّصُوصَ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا مَا لَمْ يَصْرِفْهَا صَارِفٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا أَقَلَّ مِنْ كَوْنِهِ خَبَرًا ضَعِيفًا.
وَقَدْ قَرَّرَ أَنَّ الْفَضَائِلِ تَثْبُتُ بِالْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ أَنْ يُنْطِقَ كُلَّ شَيْءٍ فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ إنَّ الْمُرَادَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِعَدَدِ كُلٍّ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانَاتِ اسْتِغْفَارَةً مُسْتَجَابَةً لَكِنْ يَشْكُلُ بِنَحْوِ الْكُفَّارِ بَلْ الْفُسَّاقِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ وَعَدَمُ اسْتِغْفَارِهِمْ ظَاهِرٌ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ مِنْ قَبِيلِ عَامٍّ خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ بِشَهَادَةِ الْعَقْلِ أَوْ الْحِسِّ أَوْ الْعَادَةِ وَحِينَئِذٍ حُجَّةٌ فِي الْبَاقِي ثُمَّ اسْتِغْفَارُ الْبَوَاقِي وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ لَكِنَّ الْوُقُوعَ عَلَى الْعُمُومِ لَيْسَ بِبَعِيدٍ نَحْوَ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ.
ثُمَّ وَجْهُ اسْتِغْفَارِهِمْ تَنَفُّعُهُمْ مِنْ بَرَكَةِ عِلْمِهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُفِيضُ الْخَيْرَ، وَالرَّحْمَةَ عَلَى الْكُلِّ بِبَرَكَةِ الْعِلْمِ وَبَرَكَةِ ثَمَرَتِهِ مِنْ الْعَمَلِ وَاكْتِسَابِ الصَّالِحَاتِ وَهَذَا أَقْرَبُ مِمَّا نُقِلَ عَنْ شَرْحِ الْمُنَاوِيِّ أَنَّ حِكْمَتَهُ أَنَّ صَلَاحَ الْعَالَمِ مَنُوطٌ بِالْعَالِمِ إذْ بِالْعِلْمِ أَنَّ الطَّيْرَ لَا يُؤْذَى وَلَا يُقْتَلُ إلَّا لِأَكْلِهِ وَلَا يُذْبَحُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَلَا يُعَذَّبُ طَيْرٌ وَلَا غَيْرُهُ بِجُوعٍ وَلَا ظَمَأٍ إلَى آخَرِ مَا قَالَ «وَفَضْلُ الْعَالِمِ» الْعَامِلِ «عَلَى الْعَابِدِ» الْمُتَفَرِّغِ لِلْعِبَادَةِ وَلَوْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ وَلَمْ يَجْرِ عَلَى مُقْتَضَى عِلْمِهِ مِنْ نَحْوِ التَّعْلِيمِ، وَالتَّدْرِيسِ، وَالْإِفْتَاءِ، وَالْقَضَاءِ، وَالْوَعْظِ وَتَصْنِيفِ الْكُتُبِ وَمُطَالَعَتِهَا وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا يُقَالُ أَيْ الْعَامِلُ بِلَا عِلْمٍ إذْ حِينَئِذٍ لَا فَضْلَ لَهُ أَصْلًا «كَفَضْلِ الْقَمَرِ» لَيْلَةَ الْبَدْرِ «عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ» فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي أَنْفُسِهَا أَنْوَارًا لَكِنَّهَا عِنْدَ نُورِ الْقَمَرِ سِيَّمَا عِنْدَ الْبَدْرِ كَالْمُضْمَحِلِّ بَلْ أَكْثَرُهَا مُضْمَحِلٌّ بِالْكُلِّيَّةِ، وَفِي تَشْبِيهِ الْعَالِمِ بِالْقَمَرِ إشَارَةٌ إلَى تَعَدِّي الْعِلْمِ إلَى الْغَيْرِ وَانْتِفَاعِ الْعَالِمِ بِعِلْمِهِ إذَا عَلَّمَهُ كَمَا أَنَّهُ فِي تَشْبِيهِ الْعَابِدِ بِالنُّجُومِ إشَارَةٌ إلَى عَدَمِ نَفْعِهِ لِلْغَيْرِ وَكَمَا أَنَّ نُورَ الْقَمَرِ مُسْتَفَادٌ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ كَذَلِكَ يُسْتَفَادُ نُورُ الْعَالِمِ مِنْ النَّيْرِ الْأَعْظَمِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَإِنَّ «الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ يَنْتَقِلُ مِنْ الْأَقْرَبِ وَأَقْرَبُ الْأُمَّةِ فِي نِسْبَةِ الدِّينِ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ أَعْرَضُوا عَنْ
стр. 282
الدُّنْيَا وَأَقْبَلُوا عَلَى الْآخِرَةِ وَكَانُوا بَدَلًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ فَازُوا بِالْحُسْنَيَيْنِ الْعِلْمِ، وَالْعَمَلِ وَحَازُوا الْفَضِيلَتَيْنِ الْكَمَالَ، وَالتَّكْمِيلَ وَهُوَ الْمِيرَاثُ الْأَكْبَرُ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ إنَّمَا يُوَرَّثُونَ مِيرَاثَ الدُّنْيَا، وَالرُّسُلُ إنَّمَا يُوَرِّثُونَ وَرَثَتَهُمْ الْحِكَمَ الرَّبَّانِيَّةَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا رُتْبَةَ فَوْقَ رُتْبَةِ النُّبُوَّةِ فَلَا شَرَفَ فَوْقَ شَرَفِ وَارِثِ تِلْكَ الرُّتْبَةِ.
وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «الْعُلَمَاءُ مَصَابِيحُ الْأَرْضِ وَخُلَفَاءُ الْأَنْبِيَاءِ وَوَرَثَتِي وَوَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الْكَشَّافِ لِمُدَانَاتِهِمْ لَهُمْ فِي الشَّرَفِ، وَالْمَنْزِلَةِ؛ لِأَنَّهُمْ أَلْقُوا بِمَا بُعِثُوا مِنْ أَجْلِهِ.
وَعَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ أَحْوَالُهُمْ الْكِتْمَانُ لَوْ قُطِّعُوا إرْبًا إرْبًا مَا عُرِفَ مَا عِنْدَهُمْ. ثُمَّ قَالَ
(فَائِدَةٌ) سُئِلَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ عَمَّا اُشْتُهِرَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ مِنْ حَدِيثِ: «عُلَمَاءُ أُمَّتِي كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ» فَقَالَ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا اسْتِنَادَ بِهَذَا اللَّفْظِ وَيُغْنِي عَنْهُ «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ انْتَهَى لَعَلَّ مَعْنَى يُغْنِي يُنَافِي إذْ الْخُصُوصُ يُنَافِي الْعُمُومَ وَيَحْتَمِلُ يُغْنِي يَعْنِي لَا يُبْقِي حَاجَةً لِقُرْبِ مَضْمُونِهِ مِنْهُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بِهَذَا اللَّفْظِ فَحِينَئِذٍ يَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ نَقْلِ الْمَعْنَى.
وَقَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ عَنْ الدَّمِيرِيِّ، وَالْعَسْقَلَانِيِّ، وَالزَّرْكَشِيِّ لَا أَصْلَ لَهُ وَسَكَتَ عَنْهُ السُّيُوطِيّ فَمَا فِي نَحْوِ شَرْحِ الشِّرْعَةِ مِنْ تَصْحِيحِهِ بِالرُّؤْيَا لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ إذْ غَايَتُهُ الْإِلْهَامُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ فِي إفَادَةِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَعْرِفَةِ سِيَّمَا وَقَعَ تَصْرِيحٌ دَلِيلٌ عَلَى نَفْيِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ «إنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ» أَيْ تَعَلَّمَهُ «فَقَدْ أَخَذَ بِحَظٍّ» نَصِيبٍ «وَافِرٍ» كَثِيرٍ زَائِدٍ فِي الْكَمَالِ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنْ الدُّنْيَا وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهَا لِاشْتِغَالِهِمْ بِالْفَضَائِلِ، وَالْكَمَالَاتِ النَّفِيسَةِ وَلَا يَنْتَقِلُ الشَّيْءُ إلَى الْوَارِثِ إلَّا بِالصِّفَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا عِنْدَ الْمَوْرُوثِ.
عَنْ الْغَزَالِيِّ: الْعَالِمُ لَا يَكُونُ وَارِثًا لِنَبِيِّهِ إلَّا إذَا اطَّلَعَ عَلَى جَمِيعِ مَعَانِي الشَّرِيعَةِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ إلَّا دَرَجَةَ النُّبُوَّةِ وَهِيَ الْفَارِقَةُ بَيْنَ الْوَارِثِ، وَالْمَوْرُوثِ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ (طب) طَبَرَانِيٌّ (عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ الْفِقْهُ» الْمُصْطَلَحُ الْمُعَرَّفُ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ بِمَعْرِفَةِ النَّفْسِ بِمَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا وَعِنْدَ بَعْضٍ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ الْمُكْتَسَبُ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ فَيَدْخُلُ جَمِيعُ مَبَادِئِ الْفِقْهِ الَّتِي عُدَّتْ مِنْ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ «وَأَفْضَلُ الدِّينِ» الْإِسْلَامُ وَهُوَ وَضْعٌ إلَهِيٌّ سَائِقٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ بِاخْتِيَارِهِمْ الْمَحْمُودَ إلَى الْخَيْرِ بِالذَّاتِ وَيَتَنَاوَلُ الِاعْتِقَادِيَّاتِ، وَالْعَمَلِيَّاتِ، وَقَدْ يُخَصُّ بِالْفُرُوعِ لَعَلَّ الْمُرَادَ هُنَا هَذَا الْمَخْصُوصُ ( «الْوَرَعُ» تَرْكُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ بَأْسٌ وَيُفَسَّرُ بِتَرْكِ الشُّبُهَاتِ (طط) طَبَرَانِيٌّ فِي الْأَوْسَطِ (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
стр. 283
- صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «قَلِيلُ الْعِلْمِ» الشَّرْعِيِّ الْمَقْرُونِ بِالْعَمَلِ «خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ الْعِبَادَةِ» فَإِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ صَاحِبُ فَضِيلَتَيْنِ، وَالْعَامِلَ صَاحِبُ فَضِيلَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنَّ الْعِلْمَ مُتَعَدٍّ، وَالْعَمَلَ قَاصِرٌ وَإِنَّ الْعِبَادَةَ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ لَا تَخْلُو عَنْ قُصُورٍ وَخَلَلٍ وَإِنَّ عِبَادَةَ الْعَالِمِ مَعَ تَيَقُّنِ مَنَافِعِهَا وَتَحَقُّقِ غَايَتِهَا وَلِأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ الْمُصَحِّحُ لِلْعِبَادَةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «قَلِيلُ الْفِقْهِ» وَفِي أُخْرَى «قَلِيلُ التَّوْفِيقِ» .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «قَلِيلُ الْعَمَلِ يَنْفَعُ مَعَ الْعِلْمِ وَكَثِيرُ الْعَمَلِ لَا يَنْفَعُ مَعَ الْجَهْلِ» فَبِهَذَا الْحَدِيثِ يُعْلَمُ عِلَّةُ حُكْمِ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا (طط) طَبَرَانِيٌّ فِي الْأَوْسَطِ (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ جَاءَ أَجَلُهُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ» لِرِضَاهُ تَعَالَى إمَّا لِلتَّعْلِيمِ أَوْ الْعَمَلِ «لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ إلَّا دَرَجَةَ النُّبُوَّةِ» ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِلْأُمَّةِ أَنْ تَبْلُغَ دَرَجَةَ النُّبُوَّةِ؛ لِأَنَّهَا وَهْبِيَّةٌ إلَهِيَّةٌ لَا يُمْكِنُ حُصُولُهَا بِالْكَسْبِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ نَبِيًّا وَاحِدًا أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ (طك) الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ (عَنْ ثَعْلَبَةَ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْعُلَمَاءِ» الَّذِينَ مَشَوْا عَلَى مُوجِبِ عُلُومِهِمْ وَرَاعَوْا حُقُوقَهُ «يَوْمَ الْقِيَامَةِ إذَا قَعَدَ عَلَى كُرْسِيِّهِ» الَّذِي وَسِعَ السَّمَوَاتِ، وَالْأَرْضَ بِلَا كَيْفِيَّةِ لَوَازِمِ الْجِسْمِيَّةِ لَعَلَّ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ إظْهَارِ كَمَالِ عَظَمَتِهِ وَجَبَرُوتِهِ «لِفَصْلِ عِبَادِهِ» لَعَلَّ ذَلِكَ وَقْتَ الْمُحَاسَبَةِ وَوَضْعِ مِيزَانِ الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ «إنِّي لَمْ أَجْعَلْ عِلْمِي» الْإِضَافَةُ لِتَعْظِيمِ الْمُضَافِ «وَحِلْمِي» أَيْ تَخَلُّفَكُمْ بِأَخْلَاقِي كَمَا وَرَدَ «تَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ» .
وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مِائَةَ خُلُقٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ خُلُقًا مَنْ أَتَاهُ بِخُلُقٍ مِنْهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» «فِيكُمْ إلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَغْفِرَ لَكُمْ» جَمِيعَ ذُنُوبِكُمْ فَحَذَفَ الْمَفْعُولَ لِلتَّعْمِيمِ الظَّاهِرِ فِي مِثْلِ الصَّغَائِرِ «وَلَا أُبَالِي» لِقُوَّةِ شَرَفِ الْعِلْمِ يَعْنِي لَا أَجْعَلُ فِي جَوْفِهِ الْعِلْمَ إلَّا لَأَنْ أَغْفِرَ لَهُ. قِيلَ فِي إضَافَةِ الْعِلْمِ، وَالْحِلْمِ إلَيْهِ تَعَالَى إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الشَّرَفَ إنَّمَا هُوَ بِالْعَمَلِ بِهِ وَإِلَّا لَا يُنْسَبَانِ إلَيْهِ تَعَالَى.
وَعَنْ الْمُنْذِرِيِّ لِيَنْظُرَ هَذِهِ الْإِضَافَةُ وَلَا يُغْتَرَّ بِظَاهِرِ الْإِضَافَةِ.
وَعَنْ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ أَمْعِنْ هَذِهِ الْإِضَافَةَ أَنَّهُ لَيْسَ الْعِلْمُ الْمُجَرَّدُ عَنْ الْعَمَلِ، وَالْإِخْلَاصِ (صف) الْأَصْفَهَانِيُّ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يُجَاءُ» مُضَارِعٌ
стр. 284
مَجْهُولٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ «بِالْعَالِمِ وَالْعَابِدِ يُقَالُ لِلْعَابِدِ اُدْخُلْ الْجَنَّةَ» ابْتِدَاءً بَلْ قَبْلَ الْحِسَابِ كَمَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ «وَيُقَالُ لِلْعَالِمِ قِفْ حَتَّى تَشْفَعَ لِلنَّاسِ» ؛ لِأَنَّ وِرَاثَةَ النُّبُوَّةِ تَقْتَضِي مُشَارَكَةَ جِنْسِ مَنْصِبِ النُّبُوَّةِ فَإِذَا تَعَدَّى نَفْعُ عِلْمُهُ فِي الدُّنْيَا فَكَذَا فِي الْآخِرَةِ لَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَالْأَغْلَبُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ جِنْسِ الشَّفَاعَةِ عَنْ جَمِيعِ الْعَابِدِ إذْ الصُّلَحَاءُ لَهُمْ حَظٌّ فِي مَقَامِ الشَّفَاعَةِ وَإِنْ لَمْ يَكْثُرْ كَالْعُلَمَاءِ (صف) الْأَصْفَهَانِيُّ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ سَبْعُونَ دَرَجَةً مَا بَيْن كُلِّ دَرَجَتَيْنِ حُضْرُ الْفَرَسِ» ارْتِفَاعُهَا فِي الْعَدْوِ «سَبْعِينَ عَامًا» لِلتَّكْثِيرِ لَا لِلْحَصْرِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] كَمَا فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ، وَالْأَرْضِ» «وَذَلِكَ» أَيْ عِلَّةُ ذَلِكَ الْفَضْلِ «؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَبْتَدِعُ» يُحَسِّنُ «الْبِدْعَةَ لِلنَّاسِ» وَيُزَيِّنُهَا «فَيُبْصِرُهَا الْعَالِمُ» بِنُورِ عِلْمِهِ «فَيَنْهَى عَنْهَا» فَيَنْزَجِرُ «، وَالْعَابِدُ مُقْبِلٌ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ لَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا» لِعَدَمِ عِلْمِهِ أَوْ لِكَمَالِ تَوَجُّهِهِ لِعِبَادَتِهِ. (قُطْن هق) دَارَقُطْنِيٌّ وَبَيْهَقِيٌّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا عُبِدَ» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ «اللَّهُ بِشَيْءٍ» بِالْعِبَادَاتِ الظَّاهِرِيَّةِ، وَالْبَاطِنِيَّةِ «أَفْضَلُ مِنْ فِقْهٍ فِي دِينِ اللَّهِ» ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الْعِبَادَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْفِقْهِ إذْ الْجَاهِلُ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَتَّقِي وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ فَضْلُ الْفِقْهِ وَتَمْيِيزُهُ عَلَى سَائِرِ الْعُلُومِ بِكَوْنِهِ أَهَمَّهَا وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَشْرَفَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَصَوِّفَةِ الْمُرَادُ بِالْفِقْهِ هُنَا انْكِشَافُ الْأُمُورِ، وَالْفَهْمُ هُوَ الْعَارِضُ الَّذِي يَعْتَرِضُ فِي الْقَلْبِ مِنْ النُّورِ فَإِذَا عَرَضَ انْفَتِحْ بَصَرُ الْقَلْبِ فَرَأَى صُورَةَ الشَّيْءِ فِي صَدْرِهِ حَسَنًا كَانَ أَوْ قَبِيحًا فَالْفِقْهُ هُوَ الِانْفِتَاحُ، وَالْعَارِضُ هُوَ الْفَهْمُ، وَقَدْ أَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْفِقْهَ مِنْ فِعْلِ الْقَلْبِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] .
وَقَالَ الْمُصْطَفَى فِقْهُ الرَّجُلِ أَيْ فَهْمُ الْأُمُورِ وَقَدْ كَلَّفَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ أَنْ يَعْرِفُوهُ ثُمَّ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ أَنْ يَخْضَعُوا وَيَدِينُوا لَهُ فَشَرَعَ لَهُمْ الْحَلَالَ، وَالْحَرَامَ لِيَدِينُوا لَهُ بِالْمُبَاشَرَةِ فَذَلِكَ الدِّينُ هُوَ الْخُضُوعُ، وَالْفِقْهُ، وَالدِّينُ جُنْدٌ عَظِيمٌ يُؤَيِّدُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَهْلَ الْيَقِينِ الَّذِينَ عَايَنُوا مَحَاسِنَ الْأُمُورِ وَمَشَايِنَهَا وَأَقْدَارَ الْأَشْيَاءِ وَحُسْنَ تَدْبِيرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ لَهُمْ بِنُورِ يَقِينِهِمْ لِيَعْبُدُوهُ عَلَى بَصِيرَةٍ وَيُسْرٍ وَمَنْ حُرِمَ ذَلِكَ عَبْدَهُ عَلَى مُكَابَرَةٍ وَعُسْرٍ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ وَإِنْ أَطَاعَ وَانْقَادَ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَالنَّفْسُ إنَّمَا تَخِفُّ وَتَنْقَادُ إذَا رَأَتْ نَفْعَ شَيْءٍ أَوْ ضُرَّهُ، وَالنَّفْسُ جُنْدُهَا الشَّهَوَاتِ وَيَحْتَاجُ صَاحِبُهَا إلَى أَضْدَادِهَا مِنْ الْجُنُودِ وَهُوَ الْفِقْهُ كَذَا فِي الْمُنَاوِيِّ «وَلَفَقِيهٌ وَاحِدٌ» وَاَللَّهِ لَفَقِيهٌ، وَالْفَقِيهُ هُوَ الْعَالِمُ بِأَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الظَّاهِرِ، وَالْبَاطِنِ «أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ» الَّذِي يُرِيدُ إغْوَاءَهُ وَإِضْلَالَهُ بُغْضًا وَعَدَاوَةً «مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ» بِعَمَلٍ صَالِحٍ بِلَا عِلْمٍ أَوْ لَهُ عِلْمٌ لَكِنْ يَتَقَاعَدُ لِلْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ النُّورَيْنِ يَغْلِبَانِ عَلَى نُورٍ وَاحِدٍ وَلِأَنَّ الشَّيْطَانَ رُبَّمَا يَدْخُلُ عَلَى عَمَلِهِ فَيُفْسِدُهُ بِلَا شُعُورِهِ بِخِلَافِ الْعَالِمِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ حِيَلَهُ وَطُرُقَ غَوَائِلِهِ فَيَدْفَعُ «وَلِكُلِّ شَيْءٍ عِمَادٌ» يَرْتَفِعُ بِهِ بُنْيَانُهُ وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ «وَعِمَادُ الدِّينِ الْفِقْهُ» الَّذِي بِهِ
стр. 285
قِوَامُهُ.
(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) وَاَللَّهِ (لَأَنْ أَجْلِسَ سَاعَةً) الظَّاهِرُ التَّنْكِيرُ لِلتَّقْلِيلِ، وَالسَّاعَةُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْجَدِيدَيْنِ، وَالْوَقْتُ الْحَاضِرُ كَذَا فِي الْقَامُوسِ (فَأَفْقَهُ) أَيْ أَتَعَلَّمُ الْفِقْهَ (أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ إحْيَاءِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ) بِالْقِيَامِ، وَالتَّهَجُّدِ مَعَ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.
(وَفِي رِوَايَةِ لَيْلَةٍ إلَى الصَّبَاحِ) ظَاهِرُهُ مُطْلَقُ لَيْلَةٍ مِنْ اللَّيَالِي لَكِنَّ قَاعِدَةَ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ وَالْحَادِثَةِ تَجْعَلُ اللَّيْلَةَ الْمُطْلَقَةَ مُقَيَّدَةً وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى تَفَاوُتِ الْمُتَعَلِّمِينَ وَتَفَاوُتِ عِلْمِهِمْ وَتَفَاوُتِ غَرَضِهِمْ فَقَالَ تَاجُ الدِّينِ فِي رِسَالَتِهِ الْكُبْرَى: لَمَّا حَصَلَ التَّرَقِّي لِمُرِيدِ أَبِي تُرَابٍ النَّخْشَبِيِّ قَالَ: اذْهَبْ عِنْدَ أَبِي يَزِيدَ قَالَ الْغُلَامُ لَيْسَ لِي حَاجَةٌ إلَى أَبِي يَزِيدَ لِأَنِّي أَرَى اللَّهَ تَعَالَى جَهْرَةً فَقَالَ الشَّيْخُ رُؤْيَةُ أَبِي يَزِيدَ مَرَّةً وَاحِدَةً أَحْسَنُ مِنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ سَبْعِينَ مَرَّةً. فَإِنْ قِيلَ إنَّ جِنْسَ هَذَا الْمَطْلَبِ لَا يُمْكِنُ وَصْلَتُهُ بِالْعَقْلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَطَالِبِ السَّمْعِيَّةِ فَأَيْنَ يَعْلَمُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا بِالْحَدِيثِ وَكَانَ مِنْ رُؤَسَاءِ أَهْلِ الصُّفَّةِ لَكِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ. قُلْنَا بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِهِ مِنْ السَّمْعِيَّةِ يُحْمَلُ عَلَى الْخَبَرِ الْمَوْقُوفِ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ.
(ت. عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ «ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالْآخَرُ عَالِمٌ فَقَالَ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ» فِي الشَّرَفُ، وَالرِّفْعَةِ أَيْ نِسْبَةُ شَرَفِ الْعَالِمِ إلَى شَرَفِ الْعَابِدِ كَنِسْبَةِ شَرَفِ الرَّسُولِ إلَى أَدْنَى شَرَفِ الصَّحَابَةِ وَقَدْ شُبِّهُوا بِالنُّجُومِ فِي حَدِيثِ «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَهَذَا التَّشْبِيهُ يُنَبِّهُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْعَالِمِ مِنْ الْعِبَادَةِ وَلِلْعَابِدِ مِنْ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ تَشْبِيهَهَا بِالْمُصْطَفَى وَبِالْعِلْمِ يَسْتَدْعِي الْمُشَارَكَةَ فِيمَا فُضِّلُوا بِهِ مِنْ الْعِلْمِ، وَالْعَمَلِ كَيْفَ لَا، وَالْعِلْمُ مُقَدِّمَةٌ لِلْعَمَلِ وَصِحَّةُ الْعَمَلِ مُتَوَفِّقَةٌ عَلَى الْعِلْمِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ إنَّمَا كَانَ الْعَالِمُ أَفْضَلَ إذَا كَانَ عَامِلًا؛ لِأَنَّ الْعَالِمَ إذَا لَمْ يَكُنْ عَامِلًا فَعِلْمُهُ وَبَالٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْعَابِدُ بِغَيْرِ فِقْهٍ فَمَعَ نَقْصِهِ هُوَ أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ مِنْ فَقِيهٍ بِلَا تَعَبُّدٍ كَفَقِيهٍ هِمَّتُهُ فِي الشُّغْلِ بِالرِّيَاسَةِ انْتَهَى أَشْكَلَ إنْ أُرِيدَ مِنْ الْعَابِدِ مَنْ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ أَصْلًا يَعْنِي عِلْمَ عِبَادَتِهِ فَفَاسِقٌ عَابِثٌ فَلَا فَضْلَ لَهُ أَصْلًا، وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِيمَا لَهُ فَضْلٌ وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ لَهُ عِلْمًا بِعِبَادَتِهِ فَمُخَالِفٌ عَلَى مَا اُتُّفِقَ عَلَى فَضْلِ الْعِبَادَةِ عَلَى الْعِلْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا إذْ الْعِلْمُ مَقْصُودٌ لِلْعِبَادَةِ وَمَا يُرَادُ لِلْغَيْرِ مُسْتَحِيلٌ أَنْ يَكُونَ أَشْرَفَ مِنْهُ. أَقُولُ هَذَا دِرَايَةٌ فِي مُقَابَلَةِ رِوَايَةٍ، وَإِنَّ الْحُسْنَ لَيْسَ بِعَقْلِيٍّ مَحْضٍ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا يُرَادَ لِلْغَيْرِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ أَشْرَفَ مِنْهُ عَلَى الْكُلِّيَّةِ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ النَّظَرَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ أَفْضَلُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِصَلَاةِ التَّسْبِيحِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْفَضَائِلِ، وَالنَّوَافِلِ عَلَى الْإِطْلَاقِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْعِبَادَةِ مِنْ الْعَالِمِ أَفْضَلُ مِنْ اشْتِغَالِهِ بِالْعِلْمِ بَعْدَ أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ» هُمْ الْمَلَائِكَةُ «وَالْأَرْضِ» مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْعُبَّادِ، وَالزُّهَّادِ، وَالْوُرَّاعِ بَلْ مُطْلَقُ عَوَامِّ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ مُطْلَقُ الْحَيَوَانَاتِ بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ «حَتَّى النَّمْلَةِ فِي جُحْرِهَا، وَالْحِيتَانِ» جَمْعٌ حُوتٍ بِمَعْنَى: السَّمَكِ «فِي الْبَحْرِ يُصَلُّونَ» يَدْعُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ وَيُثْنُونَ «عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ» مِنْ فِعْلِ الطَّاعَاتِ وَتَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ: أَيْ
стр. 286
يَسْتَغْفِرُونَ لَهُمْ طَالِبِينَ لِتَخْلِيَتِهِمْ عَمَّا لَا يَنْبَغِي وَلَا يَلِيقُ بِهِمْ مِنْ الْأَوْضَارِ، وَالْأَدْنَاسِ؛ لِأَنَّ بَرَكَةَ عِلْمِهِمْ وَعَمَلِهِمْ وَإِرْشَادِهِمْ وَفَتْوَاهُمْ سَبَبٌ لِانْتِظَامِ أَحْوَالِ الْعَالَمِ وَذِكْرُ النَّمْلَةِ، وَالْحُوتِ بَعْدَ ذِكْرِ الثَّقَلَيْنِ، وَالْمَلَائِكَةِ تَتْمِيمٌ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ عَلَى طَرِيقَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَخَصَّ النَّمْلَةَ، وَالْحُوتَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَطَرِ وَحُصُولِ الْخَيْرِ، وَالْخِصْبِ بِبَرَكَتِهِمْ كَمَا قَالَ «بِهِمْ تُنْصَرُونَ وَبِهِمْ تُرْزَقُونَ» حَتَّى الْحُوتِ الَّذِي لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْعُلَمَاءِ افْتِقَارَ غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ فِي جَوْفِ الْمَاءِ يَعِيشُ أَبَدًا بِبَرَكَتِهِمْ ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ «إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ» جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيَانِ التَّفَاوُتِ الْعَظِيمِ بَيْنَ الْعَالِمِ، وَالْعَابِدِ وَأَنَّ نَفْعَ الْعَابِدِ مَقْصُورٌ عَلَى نَفْسِهِ وَنَفْعَ الْعَالِمِ مُتَجَاوِزٌ إلَى الْخَلَائِقِ حَتَّى النَّمْلَةِ، وَذَكَرَ النَّمْلَةَ؛ لِأَنَّ دَأْبَهَا الْقِنْيَةُ وَادِّخَارُ الْقُوتِ فِي جُحْرِهَا ثُمَّ التَّدَرُّجُ مِنْهَا إلَى الْحِيتَانِ وَإِعَادَةُ كَلِمَةِ الْغَايَةِ لِلتَّرَقِّي، وَلَا رُتْبَةَ فَوْقَ رُتْبَةِ مَنْ تَشْتَغِلُ الْمَلَائِكَةُ مَعَ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ بِالِاسْتِغْفَارِ لَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلِذَا لَا يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ، وَإِنَّهُ لَيُتَنَافَسُ فِي دَعْوَةِ رَجُلٍ صَالِحٍ فَكَيْفَ بِدُعَاءِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَأَمَّا إلْهَامُ الْحَيَوَانَاتِ الِاسْتِغْفَارَ لَهُ فَقِيلَ؛ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ وَمَنَافِعِهِمْ، وَالْعُلَمَاءُ هُمْ الْمُبَيِّنُونَ الْحِلَّ، وَالْحَرَامَ وَيُوصُونَ بِالْإِحْسَانِ إلَيْهَا وَدَفْعِ الضُّرِّ عَنْهَا حَتَّى بِإِحْسَانِ الْقِتْلَةِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُثْلَةِ فَاسْتِغْفَارُهُمْ لَهُ شُكْرٌ لِتِلْكَ النِّعْمَةِ وَذَلِكَ فِي حَقِّ الْبَشَرِ آكَدُ؛ لِأَنَّ احْتِيَاجَهُمْ إلَى الْعِلْمِ أَشَدُّ وَعَوْدَ فَوَائِدِهِ عَلَيْهِمْ أَعْظَمُ وَأَتَمُّ.
(مج. عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَنْبِيَاءُ» - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «ثُمَّ الْعُلَمَاءُ» .
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَفْظَةُ ثَلَاثَةٍ بَعْدَ قَوْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَمَّا كَانَ الْعُلَمَاءُ يُحْسِنُونَ إلَى النَّاسِ بِعِلْمِهِمْ الَّذِي أَفْنَوْا بِهِ نَفَائِسَ أَوْقَاتِهِمْ أَكْرَمَهُمْ اللَّهُ بِوِلَايَةِ مَقَامِ الْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ فِي الْآخِرَةِ بِالشَّفَاعَةِ جَزَاءً وِفَاقًا «ثُمَّ الشُّهَدَاءُ» اتَّفَقُوا بِنَحْوِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى فَضْلِ الْعَالِمِ عَلَى الشَّهِيدِ لِأَنَّ كُلَّ عَامِلٍ إنَّمَا يَتَلَقَّى عَمَلَهُ مِنْ الْعَالِمِ فَهُوَ أَصْلُهُ وَأُسُّهُ وَعَكَسَ آخَرُونَ بِأَحَادِيثَ.
قَالَ الزَّمْلَكَانِيُّ: وَعِنْدِي أَنَّهُ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَالْأَشْخَاصِ كَذَا فِي الْمُنَاوِيِّ. فَإِنْ قِيلَ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يَقْتَضِي الْحَصْرَ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَقَدْ ثَبَتَ شَفَاعَةُ الصِّدِّيقِينَ، وَالصُّلَحَاءِ وَغَيْرِهِمْ. قُلْنَا إنَّ ذِكْرَ الشَّيْءِ لَا يُنَافِي لِمَا عَدَاهُ وَمَفْهُومُ الْعَدَدِ بَلْ مُطْلَقُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ عِنْدَنَا خُصُوصًا فِي الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ إرْجَاعُ ذَلِكَ الْبَاقِي إلَى وَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ.
(طك) طَبَرَانِيٌّ فِي الْكَبِيرِ (عَنْ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا» يَحْصُلُ «الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ»
стр. 287
بِالْكَسْبِ، وَالْأَخْذِ عَنْ الْأُسْتَاذِ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ: أَيْ لَيْسَ الْعِلْمُ الْمُعْتَبَرُ إلَّا الْمَأْخُوذَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَوَرَثَتِهِمْ عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ وَتَعَلُّمُهُ طَلَبُهُ وَأَخْذُهُ عَنْهُمْ حَيْثُ كَانُوا فَلَا عِلْمَ إلَّا بِتَعْلِيمٍ مِنْ الشَّارِعِ أَوْ مِنْ نَائِبِهِ وَمَا تُفِيدُهُ الْعِبَادَةُ، وَالتَّقْوَى، وَالْمُجَاهَدَةُ، وَالرِّيَاضَةُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يُوَافِقُ الْأُصُولَ وَيَشْرَحُ الصُّدُورَ وَيُوَسِّعُ الْعُقُولَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تَعَلَّمُوا فَأَحَدُكُمْ لَا يَدْرِي مَتَى يُحْتَاجُ إلَيْهِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: مَنْ رَقَّ وَجْهُهُ رَقَّ عِلْمُهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَتَعَلَّمُ مُسْتَحْيٍ وَلَا مُتَكَبِّرٌ.
وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: بِمَ نِلْت هَذَا الْعِلْمَ قَالَ بِلِسَانٍ سَئُولٍ وَقَلْبٍ عَقُولٍ انْتَهَى.
«وَ» إنَّمَا «الْفِقْهُ بِالتَّفَقُّهِ» أَيْ التَّكَلُّفِ، وَالْإِتْعَابِ فِي تَحْصِيلِهِ لَا بِسُهُولَةٍ خِلَافَ مُتَوَهِّمِي جَهَلَةِ الْمُتَصَوِّفَةِ مِنْ حُصُولِهِ بِلَا تَعَلُّمٍ بِنُورِ التَّوْحِيدِ، وَقِيلَ أَيْ التَّفَهُّمُ بِقُوَّةِ نُورِ الْخُشُوعِ، وَالْإِخْلَاصِ، وَالتَّقْوَى، لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ خَفَاءِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى إلَّا أَنْ يُقَالَ أَيْ الْعَمَلُ بِالْفِقْهِ وَكَمَالِ الْعَمَلِ بِنَحْوِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْفِقْهِ، وَالِاسْتِقَامَةِ، وَالرِّعَةِ، وَالزُّهْدِ، وَالتَّقْوَى، وَالْخَوْفِ، وَالْخَشْيَةِ فِي الْغَضَبِ، وَالرِّضَا.
«وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا» أَيْ كَامِلًا بَاعِثًا لِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ «يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» عِلْمِ الشَّرِيعَةِ « ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] » سَوَاءٌ كَانَ خَوْفَ هَيْبَةٍ وَإِجْلَالٍ أَوْ خَوْفَ عَذَابٍ وَعِقَابٍ.
وَالتَّخْصِيصُ بِالْأَوَّلِ كَمَا تُوُهِّمَ يَقْتَضِي أَمْنَ الْعُلَمَاءِ، وَالتَّخْصِيصُ بِالْأَنْبِيَاءِ وَاَلَّذِينَ بُشِّرُوا بِالْجَنَّةِ بَعِيدٌ فَفُهِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ مِنْ لَا خَشْيَةَ لَهُ لَيْسَ بِعَالِمٍ وَعِلْمُهُ الصُّورِيُّ لَيْسَ بِعِلْمٍ حَقِيقَةً (بِرّ) ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
(عَنْ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَعَلَّمُوا» أَيُّهَا الْمُكَلَّفُونَ «الْعِلْمَ» الزَّاجِرَ النَّافِعَ وَمَبَادِئَهُ إذْ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ أَمْرٌ بِلَوَازِمِهِ وَشَرَائِطِهِ «فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ لِلَّهِ تَعَالَى» الْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ «خَشْيَةً» لَهُ تَعَالَى لَا لِغَيْرِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] «وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ وَمُذَاكَرَتَهُ» بِأَغْرَاضٍ حَمِيدَةٍ وَأَسَالِيبَ مُرْضِيَةٍ، وَفَرْقُ الْمُذَاكِرَةِ مَعَ التَّعَلُّمِ، الْأَوَّلُ: مَعَ مَنْ عَلِمَ كَالْمُسَاوِي، وَالثَّانِي: لِمَنْ لَا يَعْلَمُ كَالْمُسْتَفِيدِ «تَسْبِيحٌ» إمَّا تَنْزِيهُ حَقِيقَةٍ كَمَا فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ أَوْ تَنْزِيهُ مُشَابَهَةٍ ثَوَابًا كَمَا فِي الْعَمَلِيَّةِ.
«، وَالْبَحْثَ» الْمُبَاحَثَةُ، وَالْمُنَاظَرَةُ لِمُجَرَّدِ إظْهَارِ الصَّوَابِ «عَنْهُ جِهَادٌ» ثَوَابُ جِهَادٍ فِي الْمَشَقَّةِ أَوْ فِي إعْلَاءِ دِينِ اللَّهِ وَإِعْزَازِ كَلِمَتِهِ الْعُلْيَا، وَقِيلَ مُجَاهَدَةُ نَفْسٍ «وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ» ؛ لِأَنَّهُ بَذْلُ إحْسَانٍ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، وَالْمُشَبَّهُ بِهِ ضَعِيفٌ مِنْ الْمُشَبَّهِ فِي وَجْهِ الشَّبَهِ إذْ الصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ الْمُتَعَدِّيَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْقَاصِرَةِ «وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ» إلَيْهِ تَعَالَى يَعْنِي زِيَادَةَ قُرْبَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ الْعِبَادَاتِ.
وَقِيلَ: قُرْبَةٌ إلَى الْأَهْلِ لِكَوْنِهِ صِلَةً لَهُ «لِأَنَّهُ مَعَالِمُ الْحَلَالِ، وَالْحَرَامِ» أَيْ شَعَائِرُهُ وَعَلَامَتُهُ فَإِنَّ مَعْرِفَتَهُمَا مُنْحَصِرَةٌ بِالْعِلْمِ ( «وَمَنَارُ» وَهُوَ الْجَبَلُ وَمَا يُوضَعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مِنْ الْحُدُودِ وَمَحَجَّةِ الطَّرِيقِ وَمَوْضِعِ النُّورِ «سُبُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَهُوَ الْأَنِيسُ فِي الْوَحْشَةِ» لِمَا فِيهِ مِنْ الْأُنْسِيَّةِ «وَالصَّاحِبُ فِي الْغُرْبَةِ» عَنْ الْأَوْطَانِ، وَالْأَقْرَانِ كَمَا فِي حَدِيثِ «طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: أُنَاسٌ صَالِحُونَ فِي أُنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ» .
стр. 288
«وَالْمُحَدِّثُ فِي الْخَلْوَةِ» أَيْ الْعُزْلَةِ عَنْ النَّاسِ إذْ حَالُ الصَّاحِبِ، وَالْأَنِيسِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ «وَالدَّلِيلُ عَلَى السَّرَّاءِ» أَيْ مُرْشِدٌ لِمَا يَسُرُّ الْعَبْدَ «، وَالضَّرَّاءِ» حَالَ الضَّرَرِ كَالْمَرَضِ فَيُعْلَمُ بِهِ الْمَنَافِعُ، وَالْمَضَارُّ دِينِيًّا أَوْ دُنْيَوِيًّا «، وَالسِّلَاحُ» الَّذِي يَكُونُ آلَةً لِلْمُحَارِبَةِ، وَالْمُقَاتَلَةِ «عَلَى الْأَعْدَاءِ» دِينِيًّا كَالنَّفْسِ، وَالشَّيْطَانِ وَفَسَقَةِ الْإِنْسَانِ وَدُنْيَوِيًّا بِإِضْمَارِ الْحَسَدَةِ، وَالْمُبْغِضِينَ «وَالزَّيْنُ» ، وَالزِّينَةُ، وَالْهَيْئَةُ الْحَسَنَةُ «عِنْدَ الْأَخِلَّاءِ يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَقْوَامًا» .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] «فَيَجْعَلُهُمْ فِي الْخَيْرِ قَادَةً» جَمْعُ قَائِدٍ دُعَاةً إلَيْهِ يَجْذِبُونَ النَّاسَ بِسَلَاسِلِ الْحُجَجِ، وَالْبَيِّنَاتِ إلَى نَعِيمِ الْجَنَّاتِ «وَأَئِمَّةً» جَمْعُ إمَامٍ «يُقْتَصُّ آثَارُهُمْ» فِي الْقَامُوسِ قَصَّ أَثَرَهُ قَصًّا وَقَصِيصًا تَتَبَّعَهُ أَيْ فِي حَيَاتِهِمْ وَبَعْدَ مَمَاتِهِمْ ( «وَيُقْتَدَى بِفِعَالِهِمْ» .
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: فَعَالٌ كَسَحَابٍ اسْمُ الْفِعْلِ الْحَسَنُ، وَالْكَرَمُ «وَيُنْتَهَى» بِالْمَفْعُولِ أَيْ يُرْجَعُ «إلَى آرَائِهِمْ» فِي الْأَحْكَامِ، وَالْحَوَادِثِ، وَالْوَقَائِعِ «وَتَرْغَبُ الْمَلَائِكَةُ فِي خُلَّتِهِمْ» أَيْ صُحْبَتِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ فَلَا يُفَارِقُونَهُمْ وَيُلْهِمُونَهُمْ الْخَيْرَ وَيُحَذِّرُونَهُمْ مِنْ الشَّرِّ.
وَفِي الْقَامُوسِ: الْخِلَّةُ بِالْكَسْرِ هِيَ الصَّدَاقَةُ، وَالْإِخَاءُ، وَالْخُلَّةُ أَيْضًا الصَّدِيقُ لِلذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى، وَالْوَاحِدِ، وَالْجَمْعِ، وَالْخِلُّ بِالْكَسْرِ، وَالضَّمِّ الصَّدِيقُ الْمُخْتَصُّ أَوْ لَا يُضَمُّ إلَّا مَعَ وُدٍّ «وَبِأَجْنِحَتِهَا تَمْسَحُهُمْ» حِفْظًا لَهُمْ وَتَعْظِيمًا بِهِمْ وَتَوْقِيرًا إيَّاهُمْ «يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ رَطْبٍ» قِيلَ رُوحَانِيٍّ «وَيَابِسٍ» جُسْمَانِيٍّ وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ بِالْبَرِّيِّ، وَالْبَحْرِيِّ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ.
فَقَوْلُهُ «وَحِيتَانُ الْبَحْرِ وَهَوَامُّهُ» أَيْ بَوَاقِي حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ إلَى آخِرِهِ مِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
وَقَدْ عَرَفْت وَجْهَ التَّخْصِيصِ قَرِيبًا «وَسِبَاعُ الْبَرِّ» بِالْفَتْحِ ضِدَّ الْبَحْرِ ( «وَأَنْعَامُهُ» جَمْعُ نَعَمٍ بِالتَّحْرِيكِ، وَقَدْ يُسَكَّنُ عَيْنُهُ، وَهِيَ: الْإِبِلُ، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ أَوْ خَاصٌّ بِالْإِبِلِ وَيُجْمَعُ عَلَى أَنَاعِيمَ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْقَامُوسِ «لِأَنَّ الْعِلْمَ» الْمَقْرُونَ بِالْعَمَلِ، وَالْإِخْلَاصِ «حَيَاةُ الْقُلُوبِ مِنْ» مَوْتِ «الْجَهْلِ، وَمَصَابِيحُ الْأَبْصَارِ» يَعْنِي نُورَ الْأَبْصَارِ وَضِيَاءَهَا «مِنْ الظُّلَمِ» لِأَنَّ كُلَّ خَفِيٍّ يَنْكَشِفُ بِالْعِلْمِ.
«يَبْلُغُ الْعَبْدُ بِالْعِلْمِ مَنَازِلَ الْأَخْيَارِ» جَمْعُ خَيِّرٍ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنَى كَثِيرِ الْخَيْرِ إمَّا لِلْعَمَلِ بِمُوجَبِهِ أَوْ لِإِبْقَاءِ شَرِيعَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي هِيَ مَظْهَرُ وَحْيِ اللَّهِ أَوْ بِالتَّدْرِيسِ، وَالتَّعْلِيمِ، وَالْعِظَةِ، وَالتَّذْكِيرِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ «وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي الدُّنْيَا» بِكَوْنِهِ مُمْتَازًا وَمُعَظَّمًا عِنْدَ سَائِرِ النَّاسِ وَلِذَا تَرَى الْعَالِمَ الْعَامِلَ، وَالْمُتَقَاعِدَ لِلطَّاعَةِ وَجِيهًا مُحْتَرَمًا وَمُهَابًا مُحْتَشِمًا عِنْدَ النَّاسِ مَعَ كَوْنِهِ مُتَوَاضِعًا حَلِيمًا.
وَقَدْ يُظْهِرُ فِي يَدِهِ خَوَارِقَ بِالْكَرَامَاتِ الْعِيَانِيَّةِ، وَيَجْعَلُ الدُّنْيَا وَأَهْلَهَا خَادِمَةً لَهُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا دُنْيَا اُخْدُمِي مَنْ خَدَمَنِي وَأَتْعِبِي مَنْ خَدَمَك» وَجَعَلَ حُكْمَ مُهِينِهِ وَمُسْتَأْذِيهِ وَشَاتِمِهِ وَضَارِبِهِ
стр. 289
وَنَحْوِهَا مُمْتَازًا عَنْ أَحْكَامِ أَفْرَادِ النَّاسِ «، وَالْآخِرَةِ» بِالْعَفْوِ وَبِالْمَغْفِرَةِ، وَالشَّفَاعَةِ، وَالْمَقَامِ الْعَلِيِّ فِي الْجَنَّةِ بَلْ مَقَامِ الْحَشْرِ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «، وَالتَّفَكُّرُ فِيهِ» فِي الْعِلْمِ الزَّاجِرِ لَا مُطْلَقِ الْعِلْمِ لَكِنْ بِالنِّيَّةِ الْمَحْمُودَةِ «يَعْدِلُ الصِّيَامَ» جَمْعُ صَوْمٍ يَعْنِي صَوْمًا كَثِيرًا الظَّاهِرُ أَنَّ قَلِيلَ التَّفَكُّرِ يَعْدِلُ كَثِيرَ الصَّوْمِ «وَمُدَارَسَتُهُ» قِرَاءَتُهُ عَلَى الْمَشَايِخِ «تَعْدِلُ الْقِيَامَ» قِيَامَ اللَّيَالِي بِالتَّهَجُّدِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالذِّكْرِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ الْفَضَائِلِ صَلَاةُ اللَّيْلِ. فَإِنْ قِيلَ قُرِّرَ فِي الْفِقْهِيَّةِ وَجَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ تَرْجِيحُ الْعِلْمِ وَأَفْضَلِيَّتِهِ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ، وَالْمُعَادَلَةُ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ. قُلْنَا إمَّا الْمُرَادُ أَنَّ قَلِيلَ ذَلِكَ مُعَادِلٌ لِكَثِيرٍ مِنْ ذَاكَ كَمَا أُشِيرَ أَوْ أَنَّ ذَاكَ كَانَ أَوَّلًا ثُمَّ زَادَ فَضْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذِهِ أَوْ أَعْمَالٌ أَوْ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْمُخَاطَبِينَ مِنْ الْعَوَامّ، وَالْخَوَاصِّ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَاخْتِلَافِ عُلُومِهِمْ وَطَاعَاتِهِمْ «بِهِ تُوصَلُ الْأَرْحَامُ» بِأَدَاءِ حُقُوقِهِمْ مِنْ النَّفَقَةِ، وَالْكِسْوَةِ، وَالزِّيَادَةِ وَأَدَاءِ الْحَاجَاتِ وَسَائِرِ الْإِحْسَانِ الْفَاضِلَةِ إذْ كُلُّ ذَلِكَ، وَحُكْمُهُ مِنْ الْوُجُوبِ، وَالنَّدْبِ وَقُوَّةِ أَثَرِهِ مِنْ الثَّوَابِ، وَالْمَرْحَمَةِ إنَّمَا يُعْلَمُ بِالْعِلْمِ «وَبِهِ يُعْرَفُ الْحَلَالُ، وَالْحَرَامُ» تَقْدِيمُ الْمَفْعُولِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِلْحَصْرِ، وَفِيهِ قَصْرُ مَعْرِفَةِ الْحِلِّ، وَالْحُرْمَةِ بِالْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ دُونَ غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ الَّتِي سَبَقَتْ الْإِشَارَةُ مِنْ ادِّعَاءِ الْأَخْذِ عَنْ النَّبِيِّ أَوْ عَنْ اللَّهِ بِلَا وَاسِطَةِ شَيْءٍ وَلَا مُرَاجَعَةِ كِتَابٍ بَلْ نَبِيٍّ «وَهُوَ» أَيْ الْعِلْمُ «إمَامُ الْعَمَلِ» لِتَبَعِيَّةِ الْعَمَلِ وَتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ كَمَا يَدُلُّ قَوْلُهُ «، وَالْعَمَلُ تَابِعُهُ» ، وَفِيهِ تَصْرِيحٌ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْعَمَلِ وَمِنْ جُمْلَةِ الْعَمَلِ الشَّهَادَةُ فَتَدَبَّرْ.
«يُلْهَمُهُ» بِالْمَفْعُولِ أَيْ يُلْهِمُ اللَّهُ تَعَالَى حُذِفَ الْفَاعِلُ لِلتَّعَيُّنِ «السُّعَدَاءُ» مَنْ سَبَقَتْ لَهُ الْحُسْنَى مِنْ اللَّهِ تَعَالَى «وَيُحْرَمُهُ الْأَشْقِيَاءُ» يَعْنِي مَنْ لَمْ يُرْزَقْ الْعِلْمَ فَمِنْ الْأَشْقِيَاءِ، وَالشَّقِيُّ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الْكَلِمَةُ الْأَزَلِيَّةُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ (مج) ابْنُ مَاجَهْ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا أَبَا ذَرٍّ لَأَنْ تَغْدُوَ» وَاَللَّهِ لَأَنْ تَغْدُوَ خَرَجَ الْكَلَامُ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ الْحَالَ اقْتَضَى كَمَالَ الْعِنَايَةِ بِمُوجِبِ الْحُكْمِ لِقُوَّةِ الْفَضْلِ وَزِيَادَةِ الشَّرَفِ أَوْ لِلتَّحْرِيضِ عَلَى مُسَارَعَتِهِ أَيْ تَذْهَبُ فِي وَقْتِ الْغُدْوَةِ بِالضَّمِّ الْبَكْرَةِ أَوْ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ كَالْغَدَاةِ قِيلَ تَخْصِيصُهُ بِهَذَا الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ الْأَوْقَاتِ، وَمَحَلُّ نُزُولِ الْبَرَكَاتِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِتَقْدِيمِهِ عَلَى سَائِرِ أُمُورِهِ وَلِدَلَالَتِهِ عَلَى شَوْقِهِ، وَحِرْصِهِ «فَتَعَلَّمَ» أَيْ تَتَعَلَّمَ «آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ» .
فِيهِ إشَارَةٌ إلَى الْأَتْعَابِ، وَالتَّكَلُّفِ فِي تَحْصِيلِهِ وَيُنَاسِبُهُ عِظَمُ هَذَا الْأَجْرِ عَلَى وَفْقِ أَجْرِكُمْ بِقَدْرِ تَعَبِكُمْ فَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِمَنْ أَتْعَبَ فِي تَحْصِيلِهِ وَتَحْرِيضٌ وَتَرْغِيبٌ عَلَى الْكَدِّ، وَالْمِحَنِ فِي حُصُولِهِ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَالْمَعْنَى مُتَّحِدٌ. ثُمَّ الظَّاهِرُ مِنْ الْآيَةِ أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً وَمِنْ الْوَاحِدَةِ الْمَعْهُودَةِ الْمُتَعَارَفَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ طَائِفَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَلَوْ مَا دُونَ آيَةٍ وَأَنْ يَكُونَ لِتَحْصِيلِهِ أَصْلَ قِرَاءَتِهِ أَوْ لِتَرْتِيلِهِ أَوْ تَجْوِيدِهِ وَوُجُوهِ قِرَاءَتِهِ وَلِتَحْصِيلِ مَعَانِيه اللُّغَوِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالشَّرْعِيَّةِ الْمُرَادِيَةِ فَإِذَا كَانَ حَالُ الْوَاحِدَةِ كَذَلِكَ فَحَالُ مَا فَوْقَ ذَلِكَ عَلَى مُقَاسَاةِ مَا ذُكِرَ كَذَلِكَ «خَيْرٌ لَك مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ مِائَةَ رَكْعَةٍ مِنْ النَّوَافِلِ» الظَّاهِرُ أَيُّ نَافِلَةٍ كَانَتْ وَلَوْ صَلَاةَ تَهَجُّدٍ بَلْ صَلَاةَ تَسْبِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ، وَالتَّخْصِيصُ بِلَا مُخَصِّصٍ خِلَافُ الْأَصْلِ وَأَمَّا التَّقْيِيدُ
стр. 290
بِالنَّوَافِلِ فَبِدَلَالَةِ شَوَاهِدِ الشَّرْعِ وَلَوْ كَانَ الْمُتَعَلِّمُ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فَرَفْعُ هَذَا الْقَيْدِ لَازِمٌ أَيْضًا فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْقَارِئِ لِلثَّوَابِ دُونَ قِرَاءَتِهِ لِلتَّعَلُّمِ لَعَلَّ ذَلِكَ لِلْأَتْعَابِ أَوْ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً لِقِرَاءَتِهِ بَعْدَهُ لِلثَّوَابِ أَوْ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً لِلتَّعْلِيمِ الَّذِي هُوَ الْمُتَعَدِّي فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مُجَازَاةِ فَضْلِ مُعَلِّمٍ ذَلِكَ بِالْأَوْلَى أَوْ بِالْمُسَاوَاةِ أَوْ الْمُقَايَسَةِ «وَلَأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ بَابًا» نَوْعًا «مِنْ الْعِلْمِ» ، وَفِي إيثَارِ لَفْظِ النَّوْعِ إشَارَةٌ إلَى الْكَثْرَةِ الشَّخْصِيَّةِ وَقِيلَ: إشَارَةٌ إلَى لُزُومِ جَمِيعِ لَوَازِمِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَشَرَائِطِهَا كَمَسْأَلَةِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِجَمِيعِ شَرَائِطِهَا وَأَرْكَانِهَا بِتَفَاصِيلِ أَبْحَاثِهَا صِحَّةً وَفَسَادًا، لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْبُعْدِ.
«عَمِلَ أَوْ لَمْ يَعْمَلْ» يَعْنِي سَوَاءٌ مِمَّا عَمِلَ هُوَ أَوْ مِمَّا لَمْ يَعْمَلْ كَتَعَلُّمِ الْفَقِيرِ مَسَائِلَ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَالرَّجُلِ مَسَائِلَ الْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ أَوْ الصِّيغَتَانِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ الْغَيْرِ أَوْ كَانَ الْعِلْمُ مِنْ الْفَضَائِلِ، وَالنَّوَافِلِ وَلَمْ يَعْمَلْ الْمُتَعَلِّمُ بِهِ أَوْ يَعْمَلْ وَلَمْ يَسْتَدِمْ وَلَمْ يَسْتَغْرِقْ أَوْقَاتَهُ بِإِتْيَانِ تِلْكَ النَّوَافِلِ «خَيْرٌ لَك مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ أَلْفَ رَكْعَةٍ» لِكَوْنِهَا عِبَادَةً مُتَعَدِّيَةً وَتِلْكَ قَاصِرَةٌ وَإِنَّ التَّعَلُّمَ اسْتِحْصَالُ وِرَاثَةِ النُّبُوَّةِ وَاسْتِحْفَاظُ أَسْرَارِ شَرِيعَةِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ حِكْمَةُ إنْزَالِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ وَمَصْلَحَةُ إرْسَالِ الرُّسُلِ الرَّبَّانِيَّةِ وَهِيَ الَّتِي يَدُومُ بِالِاسْتِقَامَةِ فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ بَقَاءُ الدُّنْيَا كَمَا أُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنْ اسْتَقَامَتْ أُمَّتِي فَلَهَا يَوْمٌ وَإِنْ لَمْ تَسْتَقِمْ فَلَهَا نِصْفُ يَوْمٍ» لَا يَخْفَى مَا فِي وُضُوحِ الدَّلَالَةِ عَلَى شَرَفِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ عَلَى الْعَمَلِ.
وَقِيلَ هَذَا مُخْتَصٌّ بِذَلِكَ الْمُخَاطَبِ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ لِلْعِلْمِ، لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْأُصُولِ مِنْ أَنَّ خِطَابَ الرَّسُولِ لِلْوَاحِدِ خِطَابٌ لِلْجَمَاعَةِ نَصًّا أَوْ دَلَالَةً أَوْ مُقَايَسَةً وَأَنَّ أَبَا ذَرٍّ مِنْ أَعْيَانِ كِبَارِ الصَّحَابَةِ خَامِسٌ فِي الْإِسْلَامِ وَمِنْ زُهَّادِهِمْ.
وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حِينَ سُئِلَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ ذَاكَ رَجُلٌ وَعَى عِلْمًا عَجَزَ عَنْهُ النَّاسُ ثُمَّ أَوْكَأَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا مِنْهُ وَصَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَصْدَقُكُمْ أَبُو ذَرٍّ» .
«وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ أَوْصَانِي خَلِيلِي - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسِتٍّ: حُبِّ الْمَسَاكِينِ وَأَنْ أَنْظُرَ إلَى مَا هُوَ تَحْتِي وَلَا أَنْظُرَ إلَى مَا هُوَ فَوْقِي، وَأَنْ أَقُولَ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا وَأَنْ لَا تَأْخُذَنِي فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ» .
وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ وَاَللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مَا انْبَسَطْتُمْ إلَى نِسَائِكُمْ وَلَا تَقَارَرْتُمْ عَلَى فُرُشِكُمْ، وَاَللَّهِ لَوَدِدْت أَنَّ اللَّهَ خَلَقَنِي يَوْمَ خَلَقَنِي شَجَرَةً تُعْضَدُ، وَيُؤْكَلُ ثَمَرُهَا، وَقِيلَ لَهُ اتَّخَذَ ضَيْعَةً كَفُلَانٍ وَفُلَانٍ قَالَ وَمَا أَصْنَعُ أَنْ أَكُونَ أَمِيرًا وَإِنَّمَا يَكْفِينِي كُلَّ يَوْمٍ شَرْبَةَ مَاءٍ أَوْ لَبَنٍ، وَفِي الْجُمُعَةِ قَفِيزًا مِنْ قَمْحٍ، وَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ عَلَى مَا فِي التتارخانية «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» .
«الْإِيمَانُ عُرْيَانٌ فَلِبَاسُهُ التَّقْوَى وَزِينَتُهُ الْحَيَاءُ وَثَمَرَتُهُ الْعِلْمُ» .
«مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ فِقْهٍ فِي دِينٍ وَفَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ، وَلِكُلِّ شَيْءٍ عِمَادٌ وَعِمَادُ هَذَا الدِّينِ الْفِقْهُ» .
«خَيْرُ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ الْفِقْهُ» .
«مَوْتُ قَبِيلَةٍ أَيْسَرُ مِنْ مَوْتِ عَالِمٍ» .
«مَنْ تَفَقَّهَ فِي دِينِ اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّهُ وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» .
«الْعَالِمُ أَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ» .
«مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إلَى عُتَقَاءِ اللَّهِ مِنْ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إلَى الْعُلَمَاءِ، وَالْمُتَعَلِّمِينَ» .
«خَمْسٌ مِنْ النَّظَرِ عِبَادَةٌ: النَّظَرُ إلَى الْأَبَوَيْنِ عِبَادَةٌ، وَالنَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ عِبَادَةٌ، وَالنَّظَرُ إلَى الْكَعْبَةِ عِبَادَةٌ، وَالنَّظَرُ فِي زَمْزَمَ عِبَادَةٌ يَحُطُّ الْخَطَايَا حَطًّا، وَالنَّظَرُ إلَى الْعَالِمِ عِبَادَةٌ» . «وَمَنْ أَحَبَّ الْعِلْمَ، وَالْعُلَمَاءَ لَا تُكْتَبُ خَطِيئَةُ أَيَّامِ حَيَاتِهِ» ، «يَبْعَثُ اللَّهُ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يُمَيِّزُ الْعُلَمَاءَ فَيَقُولُ يَا مَعْشَرَ الْعُلَمَاءِ إنِّي لَمْ أَضَعْ فِيكُمْ عِلْمِي إلَّا لِعِلْمِي بِكُمْ فَلَمْ أَضَعْ عِلْمِي فِيكُمْ لِأُعَذِّبَكُمْ انْطَلِقُوا فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ» ، «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: لَا تُحَقِّرُوا عَبْدًا أَنِّي آتَيْته عِلْمًا فَإِنِّي لَمْ أُحَقِّرْهُ حِينَ عَلَّمْته» ، «جُلُوسُ سَاعَةٍ عِنْدَ مُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ رَكْعَةٍ تَطَوُّعًا وَخَيْرٌ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ تَسْبِيحَةٍ وَخَيْرٌ مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ فَرَسٍ يَغْزُو بِهَا الْمُؤْمِنُ» . «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْ بِهِمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» .
«طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» ، «مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ» .
«مَا آتَى اللَّهُ عَالِمًا عِلْمًا إلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ
стр. 291
مِنْ الْمِيثَاقِ كَمَا أَخَذَ عَلَى النَّبِيِّينَ أَنْ يُبَيِّنَهُ وَلَا يَكْتُمَهُ» ، «لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِك رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَك مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» .
«مَنْ تَعَلَّمَ بَابًا مِنْ الْعِلْمِ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ أُعْطِيَ ثَوَابَ سَبْعِينَ نَبِيًّا صِدِّيقًا» .
(الْآثَارُ) عَلَى مَا فِيهَا أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنْ الْمَالِ الْعِلْمُ يَحْرُسُك وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، وَالْعِلْمُ حَاكِمٌ، وَالْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ لَيْسَ شَيْءٌ أَعَزَّ مِنْ الْعِلْمِ إلَى آخِرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خُيِّرَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد بَيْنَ الْعِلْمِ، وَالْمَالِ، وَالْمُلْكِ فَاخْتَارَ الْعِلْمَ فَأُعْطِيَ الْمَالَ، وَالْمُلْكَ مَعَهُ.
قَالَ الْحَسَنُ يُوزَنُ مِدَادُ الْعُلَمَاءِ بِدَمِ الشُّهَدَاءِ فَيَرْجَحُ مِدَادُ الْعُلَمَاءِ عَلَى دَمِ الشُّهَدَاءِ.
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ لَأَنْ أَتَعَلَّمَ مَسْأَلَةً أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ الْعَالِمُ، وَالْمُتَعَلِّمُ شَرِيكَانِ فِي الْخَيْرِ وَسَائِرُ النَّاسِ هَمَجٌ لَا خَيْرَ فِيهِمْ كُنَّ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا أَوْ مُسْتَمِعًا وَلَا تَكُنْ الرَّابِعَ فَتَهْلِكَ.
قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: مَنْ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ فَعُمِلَ بِهِ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ ذَلِكَ الْعَمَلِ انْتَهَى.
(أَقْوَالُ الْفُقَهَاءِ) الدَّالَّةُ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ (فِي الْخُلَاصَةِ سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْمُتَفَقِّهَةِ هِيَ أَفْضَلُ أَمْ دَرْسُ الْفِقْهِ) تَعْلِيمًا وَتَعَلُّمًا وَمُطَالَعَةً.
(قَالَ حُكِيَ عَنْ أَبِي مُطِيعٍ الْبَلْخِيّ) بَلْدَةٌ مِنْ قُرْبِ بُخَارَى (أَنَّهُ قَالَ: النَّظَرُ) أَيْ التَّأَمُّلُ كَالْمُطَالَعَةِ (فِي كُتِبَ أَصْحَابِنَا) الْفُقَهَاءِ (مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ) مُدَارَسَةً (أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ) الَّذِي يَكُونُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي صَلَاةِ التَّهَجُّدِ. اعْلَمْ أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِي اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِمَّا فِي النَّهَارِ وَقِرَاءَتُهُ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَتِهِ فِي اللَّيْلِ.
وَقَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: عَنْ عَلِيٍّ ﵁ يَعْدِلُ كُلُّ حَرْفٍ مِنْ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ قَائِمًا مِائَةَ حَسَنَةٍ وَجَالِسًا خَمْسِينَ وَإِنْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ عَلَى وُضُوءٍ فَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ، وَعَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَعَشْرٌ. ثُمَّ الظَّاهِرُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ قِيَامُهُ بِالصَّلَاةِ، وَالصَّلَاةُ لَا تَكُونُ إلَّا بِقِرَاءَةٍ فَيَكُونُ حَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ مُطَالَعَةَ الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ فَضْلًا عَنْ دِرَاسَتِهَا أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الَّتِي هِيَ فِي الصَّلَاةِ وَيَكُونُ فِي اللَّيْلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الدِّرَاسَةَ أَفْضَلُ مِنْ الْمُطَالَعَةِ فَبَيْنَ الدِّرَاسَةِ الْفِقْهِيَّةِ وَمُطْلَقِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَرَاتِبُ فِي الْفَضْلِ. وَلَا يَخْفَى عَلَى هَذَا مُطَابَقَةُ الْجَوَابِ لِلسُّؤَالِ عَلَى أَبْلَغِ وَجْهٍ، وَأَحْكَمِ أُسْلُوبٍ فَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ الدَّرْسِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَالْجَوَابَ بِقِيَامِ اللَّيْلِ وَمُطَالَعَةَ الْكُتُبِ فَلَا مُطَابَقَةَ وَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مِنْ قَبِيلِ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ لَعَلَّ وَجْهَ الْفَضْلِ أَنَّ الْفِقْهَ هُوَ ثَمَرَاتُ الْقُرْآنِ وَنَتَائِجُهُ الَّتِي هِيَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنْ نُزُولِ الْقُرْآنِ وَثَوَابِ التِّلَاوَةِ لِمُجَرَّدِ التَّبَرُّكِ.
وَقِيلَ: لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ عِبَادَةٌ قَاصِرَةٌ، وَالْمُطَالَعَةَ مُتَعَدِّيَةٌ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُلَائِمُهُ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُطَالَعَةُ لِأَجْلِ الدِّرَاسَةِ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ النَّظَرُ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ سَمَاعٍ وَكَذَا دَرْسُ الْفِقْهِ لِلْفَقِيهِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.
وَفِي التتارخانية النَّظَرُ فِي الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] خَمْسَةَ آلَافِ مَرَّةً.
(وَعَنْ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْبُخَارِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْفَقِيهِ هَلْ يُصَلِّي صَلَاةَ التَّسْبِيحِ) الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ نَوَافِلِ الصَّلَوَاتِ، وَالصَّلَاةُ النَّافِلَةُ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْفَضَائِلِ مِنْ الْعِبَادَاتِ.
(قَالَ) فِي الْجَوَابِ (تِلْكَ) صَلَاةُ التَّسْبِيحِ (طَاعَةُ الْعَامَّةِ) الَّذِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِأَفْضَلِ الطَّاعَاتِ وَأَمَّا الْخَوَاصُّ أَيْ الْقَادِرُونَ عَلَى اشْتِغَالِ الْفِقْهِ مُطَالَعَةً أَوْ تَدْرِيسًا أَوْ إفْتَاءً فَطَاعَتُهُمْ بَعْدَ الْوَاجِبَاتِ، وَالسُّنَنِ الْمُؤَكَّدَاتِ الِاشْتِغَالُ بِالْفِقْهِ بَلْ قَدْ يُتْرَكُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُزَاحَمَةِ، وَالْمُضَايَقَةِ كَمَا فِي الدُّرَرِ (فَقِيلَ لَهُ) : عَلَى طَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ، وَالْمُقَابَلَةِ (فَلِأَنَّ الْفَقِيهَ يُصَلِّي صَلَاةَ التَّسْبِيحِ، قَالَ) جَوَابًا لَهُ (هُوَ) أَيْ ذَلِكَ الْمُصَلِّي صَلَاةَ التَّسْبِيحِ (عِنْدِي
стр. 292
مِنْ الْعَامَّةِ) حَيْثُ تَرَكَ الْأَفْضَلَ مَعَ إمْكَانِهِ وَفَعَلَ الْمَفْضُولَ بِلَا دَاعِيَةٍ. وَجْهُ الْفَضْلِ مَا عَرَفْت آنِفًا لَكِنْ يَشْكُلُ كَمَا عَرَفْتَ سَابِقًا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعُلُومِ كُلِّهَا هُوَ الْأَعْمَالُ، وَالْعُلُومُ وَسَائِلُ وَلَا شَكَّ أَنَّ ثَوَابَ الِاشْتِغَالِ بِالْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ أَكْثَرُ مِمَّا هُوَ مَقْصُودٌ بِالْغَيْرِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَالِ الضَّرُورَةِ بِذَلِكَ وَظَاهِرُ السَّوْقِ هُوَ الِانْطِلَاقُ فَتَأَمَّلْ.
(انْتَهَى) كَلَامُ الْخُلَاصَةِ (وَفِي التَّجْنِيسِ) لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ الْإِمَامِ الْفَرْغَانِيِّ (الرَّجُلُ) وَكَذَا الْمَرْأَةُ (إذَا تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ) مَا يَحْصُلُ بِهِ فَرِيضَةُ الصَّلَاةِ مَا يَحْصُلُ بِهِ فَرِيضَةُ الصَّلَاةِ وَوَاجِبُهَا بَلْ سُنَنُهَا عَلَى مَا حُرِّرَ فِي الْفِقْهِيَّة (وَلَمْ يَتَعَلَّمْ الْكُلَّ) كُلَّ الْقُرْآنِ (فَإِذَا وَجَدَ) ذَلِكَ الرَّجُلُ (فَرَاغًا) أَيْ وَقْتًا خَالِيًا مِنْ الْوَاجِبَاتِ، وَالسُّنَنِ الْمُؤَكَّدَاتِ وَكَذَا مِنْ اكْتِسَابِ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ (كَانَ تَعَلُّمُ) بِوَاقِي (الْقُرْآنِ أَفْضَلَ مِنْ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ) وَلَوْ صَلَاةَ التَّسْبِيحِ (لِأَنَّ حِفْظَ الْقُرْآنِ) سَوَاءٌ مِنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ أَوْ مِنْ الْمُصْحَفِ صَحِيحًا مُجَوَّدًا (عَلَى الْأُمَّةِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) وَلَا شَكَّ أَنَّ الْفَرْضَ وَلَوْ كِفَايَةً أَفْضَلُ مِنْ النَّفْلِ وَإِنْ وُجِدَ مَنْ يُقِيمُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ فِي نَفْسِهِ فَضْلًا وَكَانَ مُسْقِطًا عَنْ الْغَيْرِ الْوُجُوبَ فَكَأَنَّهُ أَحْرَزَ الْفَضِيلَتَيْنِ وَوُجُودُ الْغَيْرِ عَلَى خَطَرِ الزَّوَالِ بِالْمَوْتِ أَوْ النِّسْيَانِ مَثَلًا (وَتَعَلُّمُ الْفِقْهِ) زَائِدًا عَلَى مَا لَزِمَ عَلَيْهِ (أَوْلَى مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ) لِمَا ذُكِرَ أَيْضًا مِنْ كَوْنِهِ غَايَةَ الْقُرْآنِ وَنِهَايَةَ حِكْمَةِ نُزُولِ الْفُرْقَانِ وَفَائِدَةَ مَصْلَحَةِ النُّبُوَّةِ عَلَى الْإِنْسَانِ وَأَيْضًا التَّعْدِيَةَ وَعُمُومَ النَّفْعِ وَعِظَمَ الْقَدْرِ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى رُتْبَةِ وِرَاثَةِ النُّبُوَّةِ (انْتَهَى) مَا فِي التَّجْنِيسِ.
(وَفِيهِ) فِي التَّجْنِيسِ (أَيْضًا طَلَبُ الْعِلْمِ) الشَّرْعِيِّ (، وَالْفِقْهِ) أَيْ الْفَهْمِ، وَالتَّأَمُّلِ فِيهِ (وَالْعَمَلِ بِهِ إذَا صَحَّتْ النِّيَّةُ) بِنَحْوِ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ تَعَالَى وَتَحْصِيلِ رِضَاهُ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إلَى غَيْرِهِ (أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ أَعْمَالِ الْبِرِّ) بِالْكَسْرِ الطَّاعَاتِ كَنَوَافِلِ الصَّلَاةِ (لِقَوْلِهِ ﵊ «مَا عُبِدَ اللَّهُ» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ «بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ فِقْهٍ فِي الدِّينِ» إنَّ الْعَمَلَ الْقَلِيلَ كَثِيرٌ مَعَ الْعِلْمِ، وَالْعَمَلُ الْكَثِيرُ لَا يَنْفَعُ مَعَ الْجَهْلِ فَصِحَّةُ الْعَمَلِ مُحْتَاجٌ إلَى الْعِلْمِ، كَمَا فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْعِلْمُ بِاَللَّهِ إنَّ الْعِلْمَ يَنْفَعُك مَعَهُ قَلِيلُ الْعَمَلِ وَكَثِيرُهُ وَإِنَّ الْجَهْلَ لَا يَنْفَعُك مَعَهُ قَلِيلُ الْعَمَلِ وَلَا كَثِيرُهُ» . فَإِنْ قِيلَ: إنَّ لِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ مُعَارَضَاتٍ كَثِيرَةً نَحْوَ حَدِيثِ «إنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ» .
وَحَدِيثِ «أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ الدُّعَاءُ» وَحَدِيثُ «أَفْضَلِ الْعِبَادَةِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» وَقَدْ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ ﵊ «أَفْضَلُ الْعِبَادِ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا» .
وَفِيهِ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ وَرَأْسُ كُلِّ سَعَادَةٍ بَلْ هُوَ كَالْحَيَاةِ لَلْأَبَدَانِ، وَالرُّوحِ لِلْإِنْسَانِ وَهَلْ لِلْإِنْسَانِ غِنًى عَنْ الْحَيَاةِ وَهَلْ لَهُ عَنْ الرُّوحِ مَعْدِلٌ وَإِنْ شِئْت قُلْت بِهِ بَقَاءُ الدُّنْيَا، وَقِيَامُ السَّمَوَاتِ، وَالْأَرْضِ. قُلْنَا أَوَّلًا نَحْنُ مُقَلِّدُونَ وَحُجَّتُنَا هِيَ أَقْوَالُ الْفُقَهَاءِ وَكُلُّ مَا خَالَفَ لِنَصِّ أَقْوَالِهِمْ فَنَحْنُ نَتَمَسَّكُ بِهَا لَا بِهِ وَلَا جَائِزَ أَنَّ هَذَا النَّصَّ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ كَمَا لَا جَوَازَ فِي الْحَمْلِ عَلَى عَدَمِ اطِّلَاعِ مَعَانِيه فَالْحَدِيثُ الَّذِي وَافَقَ عَلَى قِيَاسِهِمْ لَا سِيَّمَا وَقَعَ فِي احْتِجَاجِهِمْ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ وَقَدْ سَمِعْت سَابِقًا الِاخْتِلَافَ فِي أَنَّ الْعِلْمَ أَفْضَلُ أَوْ الْعَمَلَ فَأَفْضَلُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ إضَافِيٌّ يَعْنِي دُونَ فَضْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ سَمِعْت أَيْضًا أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ قَدْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَالْأَشْخَاصِ، وَالْأَوْقَاتِ. وَقِيلَ فِي تَعَارُضِ حَدِيثِ الصَّلَاةِ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْأَعْمَالِ الْفِعْلِيَّةِ وَهَذَا عَامٌّ لَهَا وَلِغَيْرِهَا وَأَنْتَ تَعْلَمُ مَا فِيهِ.
(وَلِأَنَّهُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِقَوْلِهِ (أَعَمُّ نَفْعًا؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ) بِالْعَمَلِ
стр. 293
(وَإِلَى غَيْرِهِ) بِالتَّعْلِيمِ، وَالْإِفْتَاءِ، وَالْعِظَةِ، وَالْقَضَاءِ (وَنَفْعَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ يَرْجِعُ إلَى الْعَامِلِ خَاصَّةً) يَعْنِي نَفْعَ سَائِرِ الْأَعْمَالِ لَا يَرْجِعُ إلَّا إلَى عَامِلِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا يَكُونُ نَفْعُهُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ أَفْضَلُ مِمَّا يَكُونُ لِنَفْسِهِ فَقَطْ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى احْتِمَالِ كَوْنِ مَا يَكُونُ لِنَفْسِهِ فَقَطْ قَوِيًّا عَمَّالَهُ وَلِغَيْرِهِ مَعًا لِتَسَاوِي احْتِمَالِ الْعَكْسِ فِيهِ أَيْضًا لَكِنْ يَشْكُلُ بِمِثْلِ حَدِيثِ: مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً إذْ الْآتِي بِمِثْلِ عَمَلِ الْعَامِلِ لِأَجْلِ رُؤْيَتِهِ مِنْهُ يُؤْجَرُ الْعَامِلُ مِثْلَ أَجْرِ ذَلِكَ الْآتِي فَيَكُونُ مُتَعَدِّيًا أَيْضًا نَعَمْ قَلِيلٌ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ بِخِلَافِ الْعِلْمِ بَلْ طَبِيعَةٌ لَهُ وَعَارِضٌ لِلْعَمَلِ فَافْهَمْ.
وَأَمَّا إثَابَةُ دَالِّ الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ فَلَا يَبْعُدُ إرْجَاعُهُ إلَى الْعِلْمِ كَالتَّعْلِيمِ (قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ) صَاحِبُ الْهِدَايَةِ (عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى) مِنْ الْخَطَأِ، وَالزَّيْغِ فِي الْأَفْعَالِ، وَالْأَقْوَالِ سِيَّمَا فِي هَذَا الْقَوْلِ (وَكَذَا الِاشْتِغَالُ بِالزِّيَادَةِ) مِنْ تَحْصِيلِ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ (بَعْدَمَا تَعَلَّمَ قَدْرَ مَا يَحْتَاج إلَيْهِ أَفْضَلُ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ هَذَا السَّوْقِ أَنْ يَكُونَ مَا قَبْلَهُ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فَإِذًا لَا فَضْلَ فِي الْعَمَلِ أَصْلًا، وَقَدْ قَالَ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ أَعْمَالِ الْبِرِّ.
حَاصِلُهُ إنْ أُرِيدَ مِنْ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ آنِفًا طَلَبُ الْعِلْمِ إلَى آخِرِهِ عُلِمَ الْحَالُ فَلَا نُسَلِّمُ حُصُولَ أَصْلِ الْفَضْلِ فِي الْعَمَلِ حِينَئِذٍ، وَإِنْ أُرِيدَ وَرَاءَ عِلْمِ الْحَالِ فَلَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ التَّشْبِيهِ فِي قَوْلِهِ وَكَذَا الِاشْتِغَالُ. . . إلَخْ إذْ هُوَ حِينَئِذٍ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ (إذَا كَانَ لَا يَدْخُلُ النُّقْصَانُ فِي فَرَائِضِهِ) وَكَذَا الْوَاجِبَاتُ، وَالسُّنَنُ الْمُؤَكَّدَةُ وَلَا شَكَّ أَنَّ ظَاهِرَهُ الْقَصْرُ بِالْفَرَائِضِ، وَالْأَوْلَى التَّعْمِيمُ.
(وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَا قُلْنَا) مِنْ نَفْعِ الْغَيْرِ أَيْضًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ» لَا مَا زَعَمَ بَعْضُ الزُّهَّادِ مِنْ أَفْضَلِيَّةِ الِاشْتِغَالِ بِالْعِبَادَةِ بِنَاءً عَلَى كَوْنِهَا مَقْصُودَةً أَصْلِيَّةً، وَالْعِلْمُ وَسِيلَةٌ وَلِأَنَّ فِي الِاشْتِغَالِ بِهَا يَحْصُلُ الْحَالَاتُ السَّنِيَّةُ مِنْ مُشَاهَدَاتِ الْأَنْوَارِ وَرُؤْيَةِ الْأَنْبِيَاءِ الْكِبَارِ وَحُضُورِ الْقَلْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي: لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّفْيِ مِنْ دَلِيلٍ وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَدِلَّةِ الْإِثْبَاتِ فَمُعَارَضٌ بِمِثْلِهَا بِأَدِلَّةِ النَّفْيِ كَمَا سَبَقَتْ الْإِشَارَةُ غَايَتُهُ مَا أُشِيرَ أَيْضًا أَنَّ التَّعْوِيلَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ هُوَ أَقْوَالُ الْفُقَهَاءِ وَلَا مَدْخَلَ لِدِرَايَةِ الْغَيْرِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ.
لَكِنَّ قَائِلَ هَذَا الْحُكْمِ هُوَ الْمُتَصَوِّفَةُ، وَقَدْ كَثُرَ فِيهِمْ الْمُجْتَهِدُ كَالْغَزَالِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ عَلَى أَنَّ كَوْنَ هَذِهِ مِمَّا اخْتَصَّ فَهْمُهُ بِالْمُجْتَهِدِ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ مِنْ الْعَالِمِ حَظٌّ فِيهِ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَنْ يَتَقَاعَدُ لِلْعَمَلِ بَعْدَ تَحْصِيلِ عِلْمِ الْحَالِ وَمِنْ يَتَقَاعَدُ لَهُ بَعْدَ تَحْصِيلِ جَمِيعِ الْعُلُومِ وَكَلَامُ الْمُتَصَوِّفَةِ فِي الثَّانِي فَقَطْ، وَالْكَلَامُ هُنَا فِي الْأَوَّلِ لَكِنْ حِينَئِذٍ لَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَالسَّابِقُ إلَى الْخَاطِرِ الْفَاتِرِ أَنَّ مَنْ لَا يَأْخُذَ ذَوْقًا مِنْ الْعِلْمِ لِغَبَاوَتِهِ مَثَلًا فَالْأَفْضَلُ لَهُ الْعَمَلُ وَمِنْ لَا يَأْخُذُ ذَوْقًا مِنْ الْعَمَلِ كَذَلِكَ فَالْأَفْضَلُ لَهُ الْعِلْمُ كَمَا يَقْرَبُ إلَيْهِ كَلَامُ الْبَزَّازِيِّ بَعْضَ الْقُرْبِ.
(وَصِحَّةُ النِّيَّةِ) الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا فِي التَّعَلُّمِ (أَنْ يَطْلُبَ بِهِ) بِطَلَبِ الْعِلْمِ (وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى) رِضَاهُ (وَ) نَجَاةَ (الدَّارِ الْآخِرَةِ) وَثَوَابَهَا (وَلَا يَنْوِي بِهِ طَلَبَ الدُّنْيَا) كَالْجَاهِ، وَالْمَنَاصِبِ وَجَلْبِ الْمَالِ، وَالتَّعَزُّزِ بَيْنَ الْأَقْرَانِ وَغَيْرِهَا مِنْ اللَّذَّاتِ الْعَاجِلَةِ (وَقِيلَ إذَا أَرَادَ) طَالِبُ الْعِلْمِ (أَنْ يُصَحِّحَ نِيَّتَهُ يَنْوِي الْخُرُوجَ مِنْ الْجَهْلِ وَمَنْفَعَةَ الْخَلْقِ) بِالتَّعْلِيمِ وَنَحْوِهِ لَعَلَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ، وَالْخَطَابَةِ لَهُمْ سِيَّمَا عَدَمُ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ (وَإِحْيَاءَ الْعِلْمِ) بَقَاءَهُ
стр. 294
سِيَّمَا عِنْدَ نُدْرَةِ أَهْلِهِ (انْتَهَى) كَلَامُ التَّجْنِيسِ لَا كَلَامَ قَبْلُ كَمَا تُوُهِّمَ لَا يَخْفَى أَنَّ مُجَرَّدَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْخُرُوجِ، وَالْمَنْفَعَةِ لَا يُعْتَبَرُ مَا لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْآخِرَةُ فَإِنْ أُرِيدَ الْإِطْلَاقُ فَلَا نُسَلِّمُ كَوْنَهَا نِيَّةً مُقَيَّدَةً وَإِنْ أُرِيدَ التَّقْيِيدُ بِذَلِكَ فَرَاجِعٌ إلَيْهِ لَعَلَّ لِهَذَا مَرَضِهِ فَأُخِّرَ وَعَبَّرَ عَنْهُ بِقِيلِ وَبِمَا ذُكِرَ عَرَفْت عَدَمَ اتِّحَادِهِمَا بَلْ تَلَازُمَهُمَا كَمَا تَوَهَّمَ.
(وَفِي بُسْتَانِ الْعَارِفِينَ فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَصْحِيحِ النِّيَّةِ) لِمُزَاحَمَةِ الْغَوَائِلِ النَّفْسَانِيَّةِ وَمُعَارَضَةِ الْأَوْهَامِ الشَّيْطَانِيَّةِ وَغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ (فَالْعِلْمُ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ) لِأَجْلِ عَدَمِ الْخُلُوصِ إذْ ضَرَرُ الْجَهْلِ أَشَدُّ مِنْ ضَرَرِ عَدَمِ خُلُوصِ النِّيَّةِ، وَالْأَصْلُ عِنْدَ تَعَارُضِ الضَّرَرَيْنِ ارْتِكَابُ الْأَخَفِّ كَمَا عِنْدَ تَعَارُضِ الْمَفْسَدَتَيْنِ كَذَلِكَ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ (لِأَنَّهُ إذَا تَعَلَّمَ الْعِلْمَ فَإِنَّهُ يُرْجَى) وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ (أَنْ يُصَحِّحَ الْعِلْمُ) فَاعِلُ يُصَحِّحُ (نِيَّتَهُ) فَإِنَّ الْعِلْمَ إذَا خَلَا عَنْ الْمَوَانِعِ وَخُلِّيَ وَطَبْعُهُ يَنْفِي الْمَفَاسِدَ.
وَالْمَانِعُ أَمْرٌ عَرَضِيٌّ فَعَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ (قَالَ مُجَاهِدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) تَأْيِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ إذْ هُوَ مِنْ التَّابِعِينَ يَصْلُحُ كَلَامُهُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً لَنَا سِيَّمَا فِيمَا لَا يُعْلَمُ خِلَافُ غَيْرِهِ وَقَدْ كَانَ لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ كَمَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ عَلَى الْأَصَحِّ (طَلَبْنَا الْعِلْمَ وَمَا لَنَا فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ النِّيَّةِ) يَعْنِي لَيْسَ لَنَا عِنْدَ طَلَبِ الْعِلْمِ نِيَّةٌ كَامِلَةٌ تَامَّةٌ مَحْمُودَةٌ أَيْ لَمْ نَقْدِرْ عَلَى تَصْفِيَةِ نِيَّتِنَا فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ أَوْ لَيْسَ لَنَا نِيَّةٌ حَمِيدَةٌ فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ (ثُمَّ رَزَقَنَا اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ) فِي الْعِلْمِ (تَصْحِيحَ النِّيَّةِ) بِقُوَّةِ الْعِلْمِ وَتَصَرُّفِهِ فِيمَا هُوَ لَهُ أَوْ بِمُقَاسَاةِ الْغَيْرِ وَبِتَجْرِبَةِ عَدَمِ ثَمَرَتِهِ أَوْ بِبُلُوغِ السِّنِّ إلَى رُتْبَةِ الِانْحِطَاطِ الَّتِي يَنْتَهِي عِنْدَهَا تَوَقُّدُ نِيرَانِ آمَالِهِ وَتَنْطَفِئُ سَوْرَةُ أَمَانِيه (انْتَهَى وَفِيهِ) أَيْ الْبُسْتَانِ.
(قَالَ بَعْضُهُمْ) سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ (تَعَلَّمْنَا الْعِلْمَ لِغَيْرِ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَبَى) امْتَنَعَ (الْعِلْمُ أَنْ يَكُونَ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى) الظَّاهِرُ أَنَّ الْفَاءَ فِي فَأَبَى بِمَعْنَى ثُمَّ إذْ الْمُتَبَادَرُ أَنَّ الْإِبَاءَ لَيْسَ فِي فَوَرَانِ حُصُولِ الْعِلْمِ وَإِنْ أَمْكَنَ فِي نَفْسِهِ سِيَّمَا عَنْ مِثْلِ سُفْيَانَ لَكِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْوِجْدَانِيَّاتِ تَصْلُحُ حُجَّةً فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَطَالِبِ الظَّنِّيَّةِ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْجَمِيعِ، وَقَدْ قَرَّرَ فِي الْمِيزَانِيَّةِ أَنَّ الْمُقَدِّمَةَ الْمَأْخُوذَةَ مِمَّنْ يَحْسُنُ بِهِ الظَّنُّ لِعِلْمِهِ أَوْ صَلَاحِهِ وَرِيَاضَتِهِ مِنْ الْخَطَابَةِ الَّتِي كَانَ مِنْهَا تَرْغِيبُ الْجُمْهُورِ إلَى مَا يَنْفَعُهُمْ فِي دِينِهِمْ أَوْ دُنْيَاهُمْ وَكَذَا تَنْفِيرُ الشَّرِّ وَسُفْيَانُ مِنْ كِبَارِ الْمُجْتَهِدِينَ وَعُظَمَاءِ الصُّوفِيَّةِ (وَالظَّاهِرُ) مِنْ قَوْلِ هَذَا الْبَعْضِ تَعَلَّمْنَا الْعِلْمَ (أَنَّ مُرَادَهُ) بِالْعِلْمِ عَلَى مَا قِيلَ لَعَلَّ الْحَقَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِ الْبُسْتَانِ فَالْعِلْمُ أَفْضَلُ إلَى آخِرِهِ.
قَالَ الْمُحَشِّي فِي فَائِدَةِ هَذَا الْقَوْلِ: لَمَّا كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْفَقِيهِ شَامِلًا لِكُلِّ عِلْمٍ وَلَمْ يَكُنْ كُلُّهُ كَذَلِكَ أَرَادَ الْمُصَنِّفُ إعْلَامَ مُرَادِهِ لِئَلَّا يَقَعَ فِي الْخَبْطِ مَنْ كَانَ قَاصِرَ النَّظَرِ.
قَوْلُهُ وَلَمْ يَكُنْ كُلُّهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَدَمُ تَصْحِيحِ النِّيَّةِ فِي غَيْرِ الْعُلُومِ الزَّاجِرَةِ فَالْأَفْضَلِيَّةُ فِي جَانِبِ التَّرْكِ. أَقُولُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ غَيْرِ الزَّاجِرَةِ مُقَدَّمَاتِ تِلْكَ الزَّاجِرَةِ وَمَبَادِئِهَا كَالْعَرَبِيَّةِ فَقَوْلُهُ وَلَمْ يَكُنْ كُلُّهُ كَذَلِكَ مَمْنُوعٌ وَأَنَّ غَيْرَهَا كَالْفَلْسَفِيَّاتِ فَيَقْتَضِي أَنْ يَصِحَّ بِتَصْحِيحِ النِّيَّةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كُلُّ عِلْمٍ يَصِحُّ بِتَصْحِيحِ النِّيَّةِ إذْ بَعْضُهُ لَا يَصِحُّ ابْتِدَاءً وَلَا يَكُونُ صَلَاحُهُ بِتَصْحِيحِ النِّيَّةِ.
(الْعُلُومُ الزَّاجِرَةُ) الْفِقْهُ، وَالتَّصَوُّفُ وَالتَّفْسِيرُ، وَالْحَدِيثُ، وَالتَّخْصِيصُ بِغَيْرِ الْأَوَّلِ كَمَا تُوُهِّمَ مَعَ عَدَمِ اسْتِقَامَتِهِ فِي نَفْسِهِ لَا يُلَائِمُهُ قَوْلُهُ: أَنْ لَا يَقْتَصِرَ عَلَى الْفِقْهِ لَا يَخْفَى أَنَّ كَوْنَ هَذَا الْمَعْنَى مُرَادًا ظَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ بِلَا احْتِيَاجٍ إلَى قَوْلِهِ: (بِدَلِيلِ قَوْلِهِ) أَيْ قَوْلِ الْبُسْتَانِ (فِيمَا سَبَقَ) لَا هُنَا بَلْ فِي كِتَابِهِ فَلَعَلَّ أَنَّ مُعْظَمَ مَقْصُودِ الْمُصَنِّفِ
стр. 295
مِنْ ذِكْرِهِ نَقْدَ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ الْفَوَائِدِ، وَقَدْ يُتَوَهَّمُ رُجُوعُ ضَمِيرِ قَوْلِهِ إلَى الْبَعْضِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَمَقُولُ الْقَوْلِ قَوْلُهُ (وَإِذَا أَخَذَ الْإِنْسَانُ حَظًّا) نَصِيبًا (وَافِرًا) وَقِيلَ الْمَقُولُ قَوْلُهُ هُنَا فَإِنَّهُ يُرْجَى أَنْ يُصَحِّحَ الْعِلْمَ.
وَقَوْلُهُ وَإِذَا أَخَذَ لَيْسَ مِنْ الْبُسْتَانِ بَلْ مِنْ الْمُصَنِّفِ (مِنْ الْفِقْهِ) وَرَاءَ الْحَاجَةِ (يَنْبَغِي) قِيلَ يَجِبُ، وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ لَعَلَّ الثَّانِيَ هُوَ الْحَقُّ إذْ عِلْمُ نَحْوَ عِلْمِ الزُّهْدِ بَعْدَ الْفِقْهِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ (أَنْ لَا يَقْتَصِرَ عَلَى الْفِقْهِ) فَقَطْ إذْ رُبَّمَا يُوقِعُهُ فِي الْغَفْلَةِ (وَلَكِنْ يَنْظُرُ) بِتَأَمُّلٍ (فِي عِلْمِ الزُّهْدِ) أَيْ التَّصَوُّفِ الَّذِي هُوَ عِلْمٌ يُعْرَفُ بِهِ أَحْوَالُ الْقُلُوبِ مِنْ الذَّمِيمَةِ أَوْ الْحَمِيدَةِ فَيَزْهَدُ عَنْ الدُّنْيَا، وَيَرْغَبُ فِي الْأُخْرَى.
(وَفِي كَلَامِ الْحُكَمَاءِ) الْمُشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ خَلَصَ بِاَللَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ» وَهِيَ عُلُومُ الْحَقَائِقِ الْإِلَهِيَّة، وَالْإِلْهَامِ لَا عُلُومُ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ حُكَمَاءَ. وَقَدْ عَرَفْت سَابِقًا أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ بَلْ هُوَ شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ.
عَنْ الشَّيْخِ الشَّاذِلِيِّ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتَوَغَّلْ فِي عِلْمِنَا هَذَا مَاتَ مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِرِ (وَشَمَائِلِ الصَّالِحِينَ) أَخْلَاقِهِمْ مِنْ نَحْوِ الْوَرَعِ، وَالزُّهْدِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الدُّنْيَا، وَالْإِقْبَالِ عَلَى الْآخِرَةِ وَتَطْهِيرِ الْقَلْبِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ (فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إذَا تَعَلَّمَ الْفِقْهَ) وَحْدَهُ (وَلَمْ يَنْظُرْ فِي عِلْمِ الزُّهْدِ، وَالْحِكْمَةِ قَسَا) مِنْ الْقَسْوَةِ (قَلْبُهُ) لِاشْتِغَالِهِ بِعُلُومٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِأَحْوَالِ الْخَلْقِ (وَالْقَلْبُ الْقَاسِي بَعِيدٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ مِنْ رَحْمَتِهِ الْكَامِلَةِ فَالْفِقْهُ الْمُجَرَّدُ بِلَا زُهْدٍ وَحِكْمَةٍ لَيْسَ بِمَمْدُوحٍ بَلْ مَذْمُومٌ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِغَفْلَةِ الْقَلْبِ وَلَعَلَّ هَذَا مَا قَالُوا مَنْ تَفَقَّهَ تَفَسَّقَ وَإِنْ أَمْكَنَ لَهُ وَجْهٌ آخَرُ (انْتَهَى) كَلَامُ الْبُسْتَانِ.
وَعَنْ التِّرْمِذِيِّ «لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ وَإِنَّ أَبْعَدَ الْقُلُوبِ مِنْ اللَّهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي» .
وَعَنْ الشِّرْعَةِ مَعَ شَرْحِهِ وَيَقْتَبِسُ الْمُتَعَلِّمُ مِنْ كُلِّ فَنٍّ حَظًّا كَافِيًا لِحَاجَتِهِ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْبَعْضِ فَقَدْ قِيلَ مَنْ طَلَبَ اللَّهَ بِعِلْمِ الْكَلَامِ وَحْدَهُ تَزَنْدَقَ، وَبِالزُّهْدِ وَحْدَهُ ابْتَدَعَ، وَبِالْفِقْهِ وَحْدَهُ تَفَسَّقَ ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ (فَإِذَا كَانَ الْحَالُ هَذَا) أَيْ قَسْوَةَ الْقَلْبِ (فِي الْفِقْهِ) الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْعُلُومِ عَلَى الِاتِّفَاقِ
стр. 296
(فَمَا ظَنُّك بِسَائِرِ الْعُلُومِ الْغَيْرِ الزَّاجِرَةِ) كَالْعَرَبِيَّةِ فَإِنَّهَا تُوجِبُ قَسْوَةَ الْقَلْبِ، وَالْبُعْدَ مِنْ اللَّهِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى فَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ ازْدَادَ عِلْمًا وَلَمْ يَزْدَدْ زُهْدًا فَإِنَّمَا ازْدَادَ مِنْ اللَّهِ بُعْدًا» وَبِالْجُمْلَةِ لَا يَسُوغُ إهْمَالُ عِلْمِ الزُّهْدِ عِنْدَ اشْتِغَالِ أَيِّ عِلْمٍ كَانَ وُجُوبًا أَوْ اسْتِحْبَابًا كَمَا عَرَفْت
(وَفِي التَّجْنِيسِ رَجُلٌ تَفَقَّهَ ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالْعِبَادَةِ وَامْتَنَعَ عَنْ التَّعْلِيمِ فَإِنْ كَانَ النَّاسُ اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِغَيْرِهِ) بِسَبَبِ تَعْلِيمِ الْغَيْرِ مِنْ الْعُلَمَاءِ (أَجْزَأَهُ) أَيْ الِاشْتِغَالُ مَعَ الِامْتِنَاعِ، وَفِي التَّعْبِيرِ بِالْإِجْزَاءِ إشَارَةٌ إلَى أَدْنَى الْجَوَازِ إذْ الْإِتْيَانُ فَرْضُ كِفَايَةٍ (كَمَا فَعَلَهُ دَاوُد الطَّائِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) مَنْسُوبٌ إلَى قَبِيلَةِ طَيِّئٍ كَحَاتِمٍ الطَّائِيِّ (فَإِنَّهُ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) رَحِمَهُمَا اللَّهُ (ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالْعِبَادَةِ) لِوُجُودِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالْغَيْرِ (وَاعْتَزَلَ النَّاسَ) عَنْ اخْتِلَاطِهِمْ وَأُنْسِهِمْ لَا كَمَا فَعَلَ بَعْضُ الْمُتَصَوِّفَةِ مِنْ تَرْكِ نَحْوِ الْجُمُعَةِ، وَالْجَمَاعَاتِ لِكَمَالِ الْعُزْلَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِجَائِزٍ، وَأَمَّا الْوَحْشَةُ إلَى الْجِبَالِ، وَالْمَفَاوِزِ الَّتِي لَا عُمْرَانَ فِي قُرْبِهَا فَالتَّرْكُ وَإِنْ جَازَ حِينَئِذٍ لَكِنْ لَعَلَّهُ تَرْكُ الْأَفْضَلِ إذْ فِعْلُ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ النَّوَافِلِ فَضْلًا عَنْ الْفَرَائِضِ، وَالْوَاجِبَاتِ فَإِيثَارُ فَضْلٍ يَدْعُو إلَى تَرْكِ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ وَالْوَاجِبَاتِ تَرْكُ الْأَفْضَلِ لِأَجْلِ الْفَاضِلِ (وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِالتَّعْلِيمِ) لِاقْتِضَائِهِ الصُّحْبَةَ بِالْغَيْرِ وَكُلُّ رَدِيءِ الْخُلُقِ مُتَوَلِّدٌ مِنْهَا.
(وَهَذَا) أَيْ الْإِجْزَاءُ (لِأَنَّهُ) أَيْ طَرِيقُ اشْتِغَالِ الْعِبَادَةِ فَقَوْلُهُ (أَخْذٌ) لَيْسَ بِفِعْلٍ بَلْ مَصْدَرٌ وَخَبَرَانِ (بِالْفَضْلِ وَإِنْ كَانَ التَّعْلِيمُ أَفْضَلَ) عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ عِنْدَهُ هُوَ ذَلِكَ أَيْ عَدَمُ اشْتِغَالِ التَّعْلِيمِ لِلْعِبَادَةِ وَقَدْ سَمِعْت مَا يَتَعَلَّقُ بِمَا ذُكِرَ (لِأَنَّ نَفْعَهُ أَوْفَرُ) لِتَعَدِّيهِ دُونَ الْعِبَادَةِ فَإِنَّهَا قَاصِرَةٌ (فَلَا يَكُونُ بِهِ بَأْسٌ) .
وَفِي التَّعْبِيرِ إشَارَةٌ إلَى أَوْلَوِيَّةِ التَّرْكِ كَمَا هُوَ حَالُ الْفَاضِلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَفْضَلِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ دَاوُد مِنْ كِبَارِ الصُّوفِيَّةِ الْمُتَسَنِّنَةِ وَهُمْ يَلْتَزِمُونَ عَزَائِمَ كُلِّ الْأَعْمَالِ إلَى أَنْ يَجْعَلُوا الرُّخَصَ كَالْمُحَرَّمِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ ارْتِكَابُ مَا لَا بَأْسَ.
أَقُولُ قَدْ عَرَفْت أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْعَكْسِ عِنْدَهُمْ (انْتَهَى) .
(وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعِبَادَةَ الْمُتَعَدِّيَةَ إلَى الْغَيْرِ أَفْضَلُ مِنْ الْقَاصِرَةِ؛ لِأَنَّ خَيْرَ النَّاسِ مَنْ يَنْفَعُ النَّاسَ) اقْتِبَاسٌ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ» وَتَلْمِيحٌ إلَى قَوْلِهِ ﵊ «الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ فَأَحَبُّهُمْ إلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ» ، وَالْحَدِيثَانِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الثَّانِي أَيْ بِالْهِدَايَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّعْلِيمِ لِمَا يُصْلِحُهُمْ، وَالْعَطْفِ عَلَيْهِمْ، وَالتَّرَحُّمِ، وَالْإِنْفَاقِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْإِحْسَانَاتِ الْأُخْرَوِيَّةِ، وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى فَضْلِ قَضَاءِ حَوَائِجِ الْخَلْقِ وَنَفْعِهِمْ بِمَا تَيَسَّرَ مِنْ عِلْمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ إشَارَةٍ أَوْ نُصْحٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى خَيْرٍ أَوْ إعَانَةٍ أَوْ شَفَاعَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ
الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ تَحْتَ ظِلَالِهِ ... فَأَحَبُّهُمْ طُرًّا إلَيْهِ أَبَرُّهُمْ لِعِيَالِهِ
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ بِمَا حَاصِلُهُ الْإِحْسَانُ بِالْمَالِ، وَالْجَاهِ، وَالنَّفْعِ الدِّينِيِّ، وَالدُّنْيَوِيِّ وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْإِمَامَ الْعَادِلَ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ لِوُفُورِ نَفْعِهِ لِلْعَامِّ، وَالْخَاصِّ هَذَا. ثُمَّ أَقُولُ إنْ أُرِيدَ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ الْعَقْلِيَّةِ بِلَا رُجُوعٍ إلَى النَّقْلِ فَمِنْ قَبِيلِ إثْبَاتِ الْمَطْلَبِ النَّقْلِيِّ الشَّرْعِيِّ بِالْعَقْلِيِّ فَلَيْسَ بِجَائِزٍ سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِشَرْعِيَّةِ الْحُسْنِ، وَالْقُبْحِ، وَأَنَّ النَّقْلِيَّةَ ابْتِدَاءً أَوْ رُجُوعًا كَمَا نَبَّهَ آنِفًا فَلَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِالْعِلْمِ بَلْ شَامِلٌ لِبَعْضِ الْعَمَلِ، وَقَدْ سَمِعْت بَيَانَ شَارِحِ الْحَدِيثِ مَعْنَى الْحَدِيثَيْنِ كَمَا يَقْتَضِي إطْلَاقَ صِيغَتَيْ الْحَدِيثَيْنِ وَقَدْ قَالَ شَارِحُهُ عَنْ الْمِيزَانِ إنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ وَاهٍ وَعَنْ ابْنِ عَدِيٍّ لَهُ مَنَاكِيرُ.
وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ عَنْ الثِّقَاتِ الطَّامَّاتِ وَعَنْ الْهَيْثَمِيِّ أَنَّ الْحَدِيثَ
стр. 297
الثَّانِيَ مُنْكَرٌ.
وَعَنْ ابْنِ الْجَوْزِيِّ لَا يَصِحُّ، وَعَنْ الْهَيْثَمِيِّ أَيْضًا مَتْرُوكٌ وَكَذَا عَنْ النَّيْسَابُورِيِّ وَعَدَّهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَنَاكِيرِ وَبِالْجُمْلَةِ الِاحْتِجَاجُ عَلَى إطْلَاقِهِ لَيْسَ بِتَامٍّ، وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ مَدَارُهُ النُّصُوصُ وَالْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ وَعِلَّتُهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النُّصُوصِ التَّعْلِيلُ سِيَّمَا عِنْدَ إدْرَاكِ الْعِلَّةِ فَالْمَذْكُورُ إمَّا عِلَّةٌ مَنْصُوصَةٌ أَوْ مُسْتَنْبَطَةٌ وَيُؤَيِّدُ كَوْنَ ذَلِكَ مُرَادَهُ قَوْلُهُ: وَالْحَاصِلُ أَيْ حَاصِلُ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ فَتَأَمَّلْ.
(ثُمَّ الْمُتَعَدِّيَةُ) مُطْلَقًا (نَوْعَانِ أُخْرَوِيٌّ) فِيهِ نَفْعٌ أُخْرَوِيٌّ لِلْغَيْرِ (وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ أَعْمَالِ الْبِرِّ إذْ هُوَ عَمَلُ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) إذْ شَأْنُهُمْ تَعْلِيمُ الشَّرَائِعِ الْإِلَهِيَّةِ وَتَبْلِيغُ الْأَحْكَامِ الرَّبَّانِيَّةِ (وَبِهِ) أَيْ بِهَذَا النَّوْعِ (فُضِّلُوا) بِالْبِنَاءِ عَلَى الْمَفْعُولِ الْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَهُ مِنْ فِعْلِ فُضِّلُوا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُفِيدُ الْحَصْرَ لَا يَخْفَى أَنَّ تَفْضِيلَ الْأَنْبِيَاءِ إنَّمَا هُوَ بِالْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْمَدْخَلِيَّةِ لَا بِالْحَصْرِ وَأَنَّهُ يُشْعِرُ عَدَمَ مَدْخَلِ أَعْمَالِهِمْ فِي تَفْضِيلِهِمْ وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ تَفْضِيلَهُمْ بِهِ إنَّمَا هُوَ لِسَبَبِ الِابْتِدَاءِ وَبِالِاخْتِصَاصِ بِهِمْ وَكَلَامُنَا عِنْدَ إقَامَةِ الْغَيْرِ هَذَا الْأَمْرَ وَأَنَّ قِيَاسَ حَالِ الْأُمَّةِ عَلَى حَالِ النَّبِيِّ قِيَاسٌ مَعَ فَارِقٍ ظَاهِرٍ.
وَقَدْ كَانَ عِلَّةُ الْأَصْلِ مَقْصُودًا بِهِ غَيْرَ مُتَعَدٍّ بِالْغَيْرِ (خَرَّجَ دَيْلَمٌ) أَبُو مَنْصُورٍ الدَّيْلَمِيُّ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَعَلَّمَ بَابًا» نَوْعًا «مِنْ الْعِلْمِ» النَّافِعِ الزَّاجِرِ «لِيُعَلِّمَ النَّاسَ» لِمُجَرَّدِ رِضَاهُ تَعَالَى يَعْنِي نِيَّتُهُ تَعْلِيمُ النَّاسِ قِيلَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ فِي تَرَتُّبِ الثَّوَابِ وَإِلَى عَدَمِ شَرْطِيَّةِ إحَاطَةِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِلْمِ فِي الْمُعَلِّمِ وَإِلَى شَرْطِيَّةِ إحَاطَةِ جَمِيعِ أَرْكَانِ الْمَسْأَلَةِ وَشَرَائِطِهَا فَمَسْأَلَةُ الصَّلَاةِ بَابٌ مِنْهُ انْتَهَى.
«أُعْطِيَ» مِنْ اللَّهِ تَعَالَى «ثَوَابَ سَبْعِينَ صِدِّيقًا» مِنْ أَوْزَانِ الْمُبَالَغَةِ وَهُوَ الْمَبَالِغُ فِي الصِّدْقِ وَهُوَ الَّذِي كَمُلَ فِي تَصْدِيقِ كُلِّ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِلْمًا وَقَوْلًا وَفِعْلًا لِصَفَاءِ بَاطِنِهِ وَقُوَّتِهِ بِبَاطِنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِشِدَّةِ مُنَاسَبَتِهِ لَهُ وَلِهَذَا لَمْ يَتَخَلَّلْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بَيْنَهُمَا شَيْءٌ فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ.
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الصِّدِّيقُونَ الَّذِينَ صَعِدَتْ نُفُوسُهُمْ تَارَةً بِمَرَاقِي النَّظَرِ فِي الْحِجَجِ، وَالْآيَاتِ وَأُخْرَى بِمَعَارِجِ التَّصْفِيَةِ وَالرِّيَاضَاتِ إلَى أَوْجِ الْعِرْفَانِ عَلَى مَا اطَّلَعُوا عَلَى الْأَشْيَاءِ وَأَخْبَرُوا عَنْهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فَالْعَالِمُ دَاخِلٌ عَلَى التَّفْسِيرَيْنِ فِي مَفْهُومِ الصِّدِّيقِ فَيَلْزَمُ تَفْصِيلُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْقَوْلُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي تَفْضِيلِ الْمُتَعَلِّمِ مَعَ الصِّدِّيقِ بِحَسَبِ إعْطَاءِ الثَّوَابِ يَقْتَضِي تَفْضِيلَ الْمُتَعَلِّمِ عَلَى الْمُعَلِّمِ، فَالْحَدِيثُ مُشْكِلٌ فَالِاحْتِجَاجُ بِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى دَفْعِ إشْكَالِهِ أَقُولُ لَا يَبْعُدُ أَنَّ الِاسْتِشْهَادَ بِحَسَبِ قَصْدِ تَعْلِيمِ النَّاسِ فَالْمُتَعَلِّمُ لِقَصْدِ التَّعْلِيمِ مُثَابٌ أَكْثَرَ مِنْ ثَوَابِ الصِّدِّيقِ الَّذِي هُوَ شَامِلٌ لِلْعَالِمِ لَكِنْ ذَلِكَ الْعَالِمُ لَا يُعَلِّمُ الْغَيْرَ بَلْ يَتَعَاقَدُ لِلْعَمَلِ فَالْمُتَعَلِّمُ الْقَاصِدُ لِتَعْلِيمِ النَّاسِ أُعْطِيَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ كَالْعَالِمِ كَذَلِكَ أَكْثَرُ مِمَّا أُعْطِيَ لِلْعَالِمِ الَّذِي لَا يُعَلِّمُ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى الْعَمَلِ.
ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْحَدِيثَ مُؤَوَّلٌ أَيْضًا إمَّا بِأَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُرَادَ جِنْسُ ثَوَابِ سَبْعِينَ صِدِّيقًا أَوْ بَعْضِ ثَوَابِ سَبْعِينَ وَقِيلَ ثَوَابُ السَّبْعِينَ غَيْرُ مُضَاعَفٍ وَلَهُ مُضَاعَفٌ، وَلَعَلَّ السَّبْعِينَ لِلتَّكْثِيرِ لَا لِلْعَدَدِ فَتَأَمَّلْ بَعْدُ.
(وَلِذَا قَالَ فِي التَّجْنِيسِ إذَا تَعَلَّمَ رَجُلَانِ عِلْمًا عِلْمَ الصَّلَاةِ) الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْعُلُومِ إذْ شَرَفُ الْعِلْمِ عَلَى قَدْرِ شَرَفِ مَعْلُومِهِ (أَوْ غَيْرَهُ) مِنْ الْمُهِمَّاتِ الشَّرْعِيَّةِ (أَحَدُهُمَا يَتَعَلَّمُ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ وَ) الرَّجُلُ (الْآخَرُ) يَتَعَلَّمُ (لِيَعْمَلَ بِهِ) بِعِلْمِهِ (فَاَلَّذِي يَتَعَلَّمُ لِيُعَلِّمَ) غَيْرَهُ (أَفْضَلُ) مِنْ الَّذِي يَتَعَلَّمُ لِيَعْمَلَ بِهِ (لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ أَكْثَرُ لِلنَّاسِ وَأَبْلَغُ فِي أَمْرِ الدِّينِ) لِإِبْقَاءِ شَرِيعَةِ اللَّهِ وَإِجْرَاءِ حُكْمِ اللَّهِ وَحِمَايَتِهَا عَنْ الضَّيَاعِ وَصِيَانَتِهَا عَنْ الضَّعْفِ، وَالِانْطِمَاسِ (انْتَهَى) كَلَامُ التَّجْنِيسِ.
(وَدُنْيَوِيٌّ) عَطْفٌ عَلَى أُخْرَوِيٍّ كَوْنُهُ
стр. 298
مِنْ الدُّنْيَوِيِّ لِكَوْنِهِ بِوَاسِطَةِ مَنَافِعِ الدُّنْيَا وَإِلَّا فَهَذَا أُخْرَوِيٌّ أَيْضًا (كَالصَّدَقَةِ) زَكَاةٍ أَوْ نَافِلَةٍ فَإِنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ أَيْضًا لِانْتِفَاعِ الْغَيْرِ وَلَوْ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا (وَالْإِعَانَةِ) عَلَى الْبِرِّ، وَالتَّقْوَى (وَالدَّلَالَةِ) عَلَى الْخَيْرِ دُنْيَوِيٍّ أَوْ أُخْرَوِيٍّ فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «الدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ وَاَللَّهُ يُحِبُّ إغَاثَةَ اللَّهْفَانِ» .
(وَالشَّفَاعَةِ) الْحَسَنَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]- (وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ) كَالْجِسْرِ فُرِّقَ بِأَنَّ الْأَوَّلَ يَكُونُ بِالْبِنَاءِ، وَالثَّانِيَ أَعَمُّ (وَنَحْوِهَا) كَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِينَ، فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ مَنْ أَغَاثَ مَلْهُوفًا كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ مَغْفِرَةً وَاحِدَةٌ مِنْهَا صَلَاحُ أَمْرِهِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ لَهُ دَرَجَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَقَضَاءُ الْحَاجَةِ أَيْضًا فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ أَيْضًا «مَنْ قَضَى لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ حَاجَةً كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ كَمَنْ حَجَّ وَاعْتَمَرَ» وَنَحْوِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَالسِّقَايَاتِ، وَالرِّبَاطِ وَنَحْوِهَا (وَتَسْوِيَةِ الطُّرُقِ) بِنَحْوِ رَفْعِ الْأَحْجَارِ وَتَسْهِيلِ الْمُرُورِ بِأَيِّ وَجْهٍ (وَإِمَاطَةِ الْأَذَى) أَيْ إزَالَةِ مَا يُؤْذِي الْمَارِّينَ (عَنْهَا) عَنْ الطُّرُقِ اقْتِبَاسٌ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ» .
(فَهَذَا) النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْمُتَعَدِّيَةِ (مُتَوَسِّطٌ بَيْنَهُمَا) بَيْنَ النَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُتَعَدِّيَةِ، وَالْعِبَادَةِ الْقَاصِرَةِ (دُونَ الْأَوَّلِ) تَحْتَهُ لِتَمَحُّضِهِ فِي الْأُخْرَوِيَّةِ (وَفَوْقَ الْقَاصِرَةِ) لِعَدَمِ تَعَدِّيهَا أَصْلًا أَوْ تَعَدِّي الْأَوَّلِ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَدِيمُ إلَى انْقِرَاضِ الزَّمَانِ وَأُشِيعَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْتَشِرُ شَرْقًا وَغَرْبًا (كَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالذِّكْرِ) لَكِنْ يَشْكُلُ بِنَحْوِ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]- فُسِّرَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ حَيْثُ الْفَضْلُ وَبِأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ ظَاهِرُهَا كَوْنُ الذِّكْرِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ عَلَى الْإِطْلَاقِ عَلَى حَسَبِ شَرَفِ الْمَذْكُورِ، كَحَدِيثِ الْحِصْنُ الْحَصِينُ.
«أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ» الْحَدِيثَ؛ لِأَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلَ لِلْفَرْدِ السَّابِقِ.
وَفِي الْجَامِعِ: «أَفْضَلُ الْعِبَادِ دَرَجَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا» قَالُوا فِي شَرْحِهِ فَالذِّكْرُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ وَرَأْسُ كُلِّ عِبَادَةٍ وَرَأْسُ كُلِّ سَعَادَةٍ، وَفِيهِ أَيْضًا «لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَا يَسْبِقُهَا عَمَلٌ وَلَا تَتْرُكُ ذَنْبًا» .
وَحَدِيثُ «أَفْضَلُ مَا أَقُولُ أَنَا، وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» فَتَفْضِيلُ الْعَكْسِ إمَّا عَنْ رَأْيٍ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ أَوْ تَرْجِيحِ مَرْجُوحٍ فَتَأَمَّلْ (وَالدُّعَاءِ فَلِذَا) لِأَجْلِ كَوْنِ هَذَا النَّوْعِ أَفْضَلَ مِنْ الْقَاصِرَةِ (كَانَ الِاشْتِغَالُ بِأَمْرِ النِّكَاحِ) التَّزَوُّجِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى حُقُوقِهِ (وَالْكَسْبِ) مِنْ الْحَلَالِ (لِأَجْلِ التَّصَدُّقِ أَفْضَلُ مِنْ التَّخَلِّي) التَّقَاعُدِ (لِلْعِبَادَةِ) ؛ لِأَنَّ فِي النِّكَاحِ تَكْثِيرَ الْأُمَّةِ وَإِعْفَافَ النَّفْسِ، وَفِي الصَّدَقَةِ دَفْعَ احْتِيَاجِ الْفَقِيرِ.
قَالَ الْمُحَشِّي: لِأَنَّ فِيهِمَا نَفْعًا دُنْيَوِيًّا لِلْغَيْرِ بِخِلَافِ التَّخَلِّي لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ خَفَاءِ النَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ فِي النِّكَاحِ وَإِنْ كَانَ سَوْقُ الْكَلَامِ فِيهِ.
(فَعَلَيْك أَيُّهَا السَّالِكُ) مِنْ خُرَافَاتِ هَذَا الْعَالِمِ الرِّجْسِ، وَالزُّورِ إلَى مَقَاصِدِ أَنْوَاعِ عَيَالِمِ الْقُدْسِ، وَالنُّورِ. أَقُولُ يُرِيدُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ إثْبَاتِ فَضْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْعِبَادَةِ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يُوصِيَ بِالْجِدِّ فِي اسْتِحْصَالِ الْعِلْمِ بِلَا مُبَالَاةِ الْمُخَالِفِ فِي ذَلِكَ (بِالْجِدِّ) أَيْ السَّعْيِ، وَالِاجْتِهَادِ (وَالْمُوَاظَبَةِ فِي تَحْصِيلِ الْعِلْمِ) أَيْ اكْتِسَابِهِ وَارْتِكَابِ الْمَشَاقِّ، وَالْكُلْفَةِ فِي طَرِيقِهِ لِعِظَمِ شَرَفِهِ وَقُوَّةِ فَضْلِهِ بِمَا سَمِعْت سَابِقًا (فَلَا تُصْغِ) مِنْ الْإِصْغَاءِ أَيْ لَا تَلْتَفِتْ (إلَى تُرَّهَاتِ) أَبَاطِيلِ (جَهَلَةِ الْمُتَصَوِّفَةِ)
стр. 299
لِإِظْهَارِ مَا لَيْسَ فِي الْبَاطِنِ إذْ بِحَسَبِ ادِّعَائِهِمْ أَوْ بِحَسَبِ ظَنِّ الْخَلْقِ فِيهِمْ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ الصُّوفِيَّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ هُوَ الْمُتَشَرِّعُ بِأَصَحِّ الشَّرَائِعِ، وَالْمُتَسَنِّنُ بِأَقْوَمِ السُّنَنِ (فِي زَمَانِنَا) ، وَفِي دِيَارِنَا هُوَ عَصْرُ التِّسْعُمِائَةِ فِي التَّقْيِيدِ بِالْجَهَلَةِ، وَالزَّمَانُ إشَارَةٌ بَلْ دَلَالَةٌ إلَى أَنَّ كُلَّ صُوفِيٍّ لَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا هُوَ كَذَلِكَ فِي كُلِّ طَائِفَةٍ كَالْفُقَهَاءِ، وَالْعُلَمَاءِ فِيهِمْ فَسَقَةٌ وَصُلَحَاءُ، وَالْمُحَدِّثِينَ، وَالْمُفَسِّرِينَ، وَالْمُلُوكِ، وَالْأُمَرَاءِ، وَالْقُضَاةِ وَأَهْلِ الْأَسْوَاقِ، وَالصَّنَائِعِ فِيهِمْ كِلَا النَّوْعَيْنِ الْفِسْقِ وَالصَّلَاحِ، فَلَا يَعُمُّ الذَّمُّ بِذَمِّ نَوْعٍ وَاحِدٍ كَبَعْضِ الْجَهَلَةِ.
(يَقُولُونَ الْعِلْمُ حِجَابٌ) عَنْ مُشَاهَدَةِ أَنْوَارِ الْقُدْسِ مِنْ التَّجَلِّيَاتِ، وَالْمُكَاشَفَاتِ وَهَذَا جَهْلٌ إذْ بِالْعِلْمِ يَزْدَادُ الشُّهُودُ وَتَكْمُلُ الْمَعْرِفَةُ بَلْ الْحِجَابُ هُوَ الْجَهْلُ كَيْفَ، وَإِنَّ الْوُصُولَ مُحْتَاجٌ إلَى قَطْعِ عَقَبَاتِ النَّفْسِ وَدَفْعِ حِيَلِ الشَّيْطَانِ وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِالْعِلْمِ، وَلَعَلَّ مَنْشَأَ غَلَطِهِمْ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ يَشْتَغِلُونَ بِالْمُحَرَّمَاتِ وَيُصِرُّونَ عَلَى الْمَنْهِيَّاتِ وَيَسْتَغْرِقُونَ فِي الْمُنْكَرَاتِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ مُوَرِّثَ ذَلِكَ هُوَ الْعِلْمُ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا فَإِنَّهُ إذَا زَلَّ عَالِمٌ زَلَّ عَالَمٌ كَمَا أَنَّهُ إذَا عَزَّ عَالِمٌ عَزَّ عَالَمٌ وَأَكْثَرُ مَشَاهِيرِ الْمُتَصَوِّفَةِ مُتَبَحِّرُونَ فِي الْعِلْمِ وَمُجْتَهِدُونَ.
(وَأَنَّهُ) أَيْ الْعِلْمَ (يَحْصُلُ بِالْكَشْفِ) بِدُونِ تَجَشُّمٍ لِكَسْبِ انْكِشَافِ مَا وَرَاءَ الْمَحْسُوسِ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ بِتَصْفِيَةِ الْقَلْبِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ بِدَوَامِ الذِّكْرِ وَنِسْيَانِ مَا عَدَا الْمَذْكُورِ.
وَعَنْ التِّلْمِسَانِيِّ: الْمُشَاهَدَةُ الْحَقِيقِيَّةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُشَاهَدَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ نَحْوِ الْإِخْبَارِ عَنْ الْمُغَيَّبَاتِ فَلَيْسَتْ مُكَاشَفَةً حَقِيقِيَّةً بَلْ صُورِيَّةً قَاطِعَةً لِلْأَوْلَى (فَلَا حَاجَةَ إلَى الْكَسْبِ) أَيْ الْمُطَالَعَةِ، وَالْأَخْذِ مِنْ الْأُسْتَاذِ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَقُولُونَ ذَلِكَ وَهُوَ تَنَاقُضٌ قُلْنَا لَعَلَّ مُرَادَهُمْ الِابْتِدَاءُ بِالْعِلْمِ حِجَابٌ مَانِعٌ عَنْ الْكَشْفِ وَأَمَّا الِابْتِدَاءُ بِالْمُجَاهَدَةِ فَيُنْتِجُ الْكَشْفَ الَّذِي يُفْضِي إلَى الْعِلْمِ (فَإِنَّهُ كَذِبٌ) يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ «وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ» وَإِنَّ الْعِلْمَ الَّذِي ادَّعَوْا حُصُولَهُ بِالْكَشْفِ هُوَ عِلْمُ الْمَعْرِفَةِ لَا عُلُومُ الشَّرِيعَةِ، وَالْأَحْكَامِ نَعَمْ قَدْ يَحْصُلُ لَكِنْ عَلَى طَرِيقِ النُّدْرَةِ مَعَ كَثْرَةِ التَّخَلُّفِ فَلَا يَكُونُ مَنَاطًا لِلْحُكْمِ وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ (وَضَلَالٌ) فِي حَقِّ نَفْسِهِ (وَإِضْلَالٌ) فِي حَقِّ غَيْرِهِ قِيلَ هُنَا، وَفِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ فِيمَا سَبَقَ فِي مِثْلِهِ إنَّ هَذَا الطَّعْنَ وَالتَّخْطِئَةَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْعَامِّ لَا عَلَى وَجْهِ التَّخَصُّصِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمُعَيَّنٍ فَإِنَّ سُوءَ الظَّنِّ حَرَامٌ وَحُسْنَ الظَّنِّ لَازِمٌ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: يَجِبُ حَمْلُ الْإِخْوَانِ عَلَى الْمَحَامِلِ الْحَسَنَةِ فِي كُلِّ نَقِيصَةٍ إلَى سَبْعِينَ مَحْمَلًا ثُمَّ قَالَ فَلَا تَسْأَلْ مِمَّنْ لَا يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ عَنْ أَحْكَامِ اللَّهِ أَصْلًا فَإِنَّهُ تَخْجِيلُ كُفْرٍ كَمَا سَبَقَ وَإِذَا سَاعَدَهُ التَّوْفِيقُ يَعْمَلُ بِلَا عِلْمٍ وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ لِلْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ فَكَمْ مِنْ عَالِمٍ لَمْ يُوَفِّقْهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْعِلْمِ فَمَخْذُولٌ وَكَمْ مِنْ جَاهِلٍ وَفَّقَهُ بِالْعَمَلِ بِالْإِلْهَامِ فَخُيِّرَ مِنْ ذَلِكَ الْعَالِمِ وَإِنَّمَا لِلْعَالِمِ النُّصْحُ، وَالتَّحْذِيرُ بِلَا إسَاءَةِ ظَنٍّ وَتَجَسُّسٍ وَامْتِهَانٍ لِمُعَيَّنٍ إلَى غَيْرِ مَا قَالَهُ لَا يَخْفَى مَا فِيهَا مِنْ الْخَلْطِ وَالْخَلَلِ وَسَدِّ طُرُقِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَطُرُقِ الْحُدُودِ، وَالتَّعْزِيرَاتِ، وَالتَّأْوِيلِ بِالْحَسَنِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ التَّحَمُّلِ وَعَدَمِ صَرَاحَةِ الْخَطَأِ وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ فِي مُعَيَّنٍ فَمَا مَعْنَى وُجُودُهُ فِي الْعُمُومِ، وَقَدْ قَالُوا لَا وُجُودَ لِلْعَامِّ إلَّا فِي ضِمْنِ الْخَاصِّ وَسَلْبِ تَعَلُّمِ الْعِلْمِ وَنَفْعِهِ وَتَفْوِيضِهِ إلَى تَوْفِيقِهِ تَعَالَى وَإِلَى حُصُولِهِ بِالْإِلْهَامِ، وَالْكَشْفِ مُخَالِفٌ لِقَوَاطِع النُّصُوصِ، وَالْإِجْمَاعِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ.
(فَإِنَّ الْعِلْمَ) أَيْ تَعَلُّمَهُ وَكَسْبَهُ (فَرْضٌ) عَيْنًا وَكِفَايَةً كَمَا سَبَقَ لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ الْعَمَلِ عَلَيْهِ (وَأَنَّهُ) أَيْ الْعِلْمَ إنَّمَا يَحْصُلُ (بِالتَّعَلُّمِ) لَا غَيْرُ (لِمَا قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) كَمَا سَبَقَ «إنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ» .
لَا يُقَالُ كَيْفَ يَحْصُلُ الْفَرْضُ مِنْ الْخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْحَدِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ لَيْسَ بِمُتَوَاتِرٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَعَلَّك قَدْ سَمِعْت فِيمَا سَبَقَ أَنَّ ظَنِّيَّ الدَّلَالَةِ مِنْ الْكِتَابِ مَعَ قَطْعِيِّ الدَّلَالَةِ مِنْ الْخَبَرِ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْقَطْعَ وَيَجُوزُ حِينَئِذٍ إضَافَةُ الْحُكْمِ الْقَطْعِيِّ إلَى مِثْلِ هَذَا الْوَاحِدِ وَهَذَا مَعْنَى مَا قَالُوا الْخَبَرُ الْوَاحِدُ الْمُؤَيَّدُ بِالْحُجَّةِ الْقَطْعِيَّةِ يَصِحُّ إضَافَةُ الْفَرْضِ إلَيْهِ، وَهَاهُنَا مُؤَيَّدٌ بِالْكِتَابِ بَلْ بِالْإِجْمَاعِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ سَنَدًا لِلْإِجْمَاعِ، وَيُضَافُ الْحُكْمُ إلَى السَّنَدِ وَقَدْ يُطْلَقُ الْفَرْضُ عَلَى الظَّنِّيِّ لَكِنْ لَعَلَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ هُنَا.
(وَأَنَّ مَأْخَذَهُ) أَيْ الْعِلْمِ
стр. 300
(كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةُ حَبِيبِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا بَيَّنَّاهُ سَابِقًا) فِي فَضْلِ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِالْكَشْفِ، وَالْإِلْهَامِ وَلَا بِالْأَخْذِ مِنْ اللَّهِ بِالذَّاتِ وَلَا مِنْ الرَّسُولِ ﵊ (وَإِنَّ الصَّحَابَةَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - (خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَفْضَلُهَا) عِلْمًا وَعَمَلًا (فَإِنَّهُمْ اجْتَهَدُوا) فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْأَدِلَّةِ (اخْتَلَفُوا وَاسْتَدَلُّوا بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أُلْهِمَ إلَيَّ) أَوْ وَقَفْت بِالْكَشْفِ (أَنَّهُ حَرَامٌ أَوْ حَلَالٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ) فَلَوْ أَمْكَنَ لَوَقَعَ مِنْهُمْ وَلَوْ وَقَعَ لَسُمِعَ.
وَنُقِلَ فَإِنْ قِيلَ فِي الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ هَذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ كَانَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَجَاءَ شَيْبَانُ الرَّاعِي فَقَالَ أَحْمَدُ أُرِيدُ أَنْ أُنَبِّهَ هَذَا عَلَى نُقْصَانِ عِلْمِهِ لِيَشْتَغِلَ بِبَعْضِ الْعِلْمِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَفْعَلْ فَلَمْ يَقْنَعْ فَقَالَ لِشَيْبَانَ مَا تَقُولُ فِيمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسٍ فِي الْيَوْمِ، وَاللَّيْلَةِ وَلَا يَدْرِي أَيَّ صَلَاةٍ نَسِيَهَا مَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، فَقَالَ شَيْبَانُ يَا أَحْمَدُ هَذَا قَلْبٌ غَفَلَ عَنْ اللَّهِ فَالْوَاجِبُ أَنْ يُؤَدَّبَ حَتَّى لَا يَغْفُلَ عَنْ مَوْلَاهُ بَعْدَهُ فَغُشِيَ عَلَى أَحْمَدَ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ لَهُ الشَّافِعِيُّ: أَلَمْ أَقُلْ لَك لَا تُحَرِّكْ هَذَا وَشَيْبَانُ الرَّاعِي كَانَ أُمِّيًّا
قُلْنَا لَا دَلَالَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَعْرِفَةِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ مُخْتَصٍّ بِالْعَالِمِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَشَايِخِ وَأَنَّهُ لَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ سَنَدِهِ وَلَوْ سَلِمَ فَقَدْ سَمِعْت أَنَّ كُلَّ مَا يُخَالِفُ النَّصَّ فَهُوَ رَدٌّ وَقَدْ دَلَّ النَّصُّ عَلَى لُزُومِ التَّعَلُّمِ وَأَنَّ صِحَّتَهُ إنَّمَا تُعْرَفُ بِمُوَافَقَةِ الْعِلْمِ الظَّاهِرِ وَأَنَّهُ لَوْ سَلِمَ فَنَادِرٌ اتِّفَاقِيٌّ لَا بِمُوجِبٍ مُفْضٍ (فَإِنْ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ كُوشِفُوا وَوَصَلُوا إلَى مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ الصَّحَابَةُ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - قِيلَ قَدْ يُوجَدُ فِيمَا بَعْدَ الصَّحَابِيِّ أَفْضَلُ مِنْهُمْ فِي الْعِلْمِ، وَالْكَشْفِ بَلْ يُوجَدُ عِلْمٌ فِي غَيْرِ النَّبِيِّ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ الْأَحْكَامِ الدِّينِيَّةِ مَا لَا يُوجَدُ فِي النَّبِيِّ سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِوِلَايَةِ الْخَضِرِ وَنُبُوَّةِ مُوسَى وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ ذَلِكَ أَنَّ كَلَامَنَا فِي الشَّرْعِيَّاتِ وَادِّعَاءَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الصَّحَابِيِّ غَيْرُ مُسَلَّمٍ كَالنَّبِيِّ (فَهُمْ مُبْتَدِعُونَ خَارِجُونَ عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالْجَمَاعَةِ) لِمَا عَرَفْت مِنْ مُخَالَفَةِ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْفُقَهَاءِ وَلِمَا عَرَفْت مِنْ فَضْلِ الصَّحَابَةِ.
(وَلَوْ سُئِلَ أَحَدُهُمْ عَنْ) شَيْءٍ مِنْ (الْأَخْلَاقِ الْمَذْمُومَةِ مِثْلِ الرِّيَاءِ، وَالْكِبْرِ، وَالْعُجْبِ، وَالْحَسَدِ، وَالْحِقْدِ أَوْ عَنْ) مَعْرِفَةِ (عِلَاجِهَا أَوْ عَنْ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ مِثْلِ النِّيَّةِ، وَالتَّوْبَةِ، وَالتَّوَكُّلِ، وَالصَّبْرِ، وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَالشُّكْرِ أَوْ عَنْ طَرِيقِ تَحْصِيلِهَا أَوْ تَقْوِيَةِ ضَعِيفِهَا بُهِتَ) أَيْ دُهِشَ وَتَحَيَّرَ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْجَوَابِ عَنْهُ وَقَدْ كَانَ التَّصَوُّفُ فِي الْحَقِيقَةِ عِبَارَةٌ عَنْ أَمْثَالِهَا وَلِهَذَا قَدْ يُقَالُ لِعِلْمِ التَّصَوُّفِ عِلْمُ الْأَخْلَاقِ (وَخَجِلَ) مِنْ الْخَجَالَةِ (وَخَلَطَ فِي كَلَامِهِ) بِالْهَذَيَانَاتِ (وَتَكَلَّمَ بِالشَّطْحِ) بِالدَّعَاوَى الْبَاطِلَةِ وَبِالْخُرُوجِ عَنْ الْحُدُودِ (وَالطَّامَّاتِ) أَيْ الزَّخَارِفِ الْبَاطِلَةِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ عَدَمُ الْعِرْفَانِ عَنْ أَصْلِ مَا سُئِلَ وَعَدَمُ الْجَوَابِ عَنْ مَعْنَى مَا سُئِلَ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ لَا عَدَمُ الْعِلْمِ وَالْجَوَابِ عَلَى اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ الْآنَ حَتَّى تَوَهَّمَ وَيُقَالُ إنَّهُ لَوْ سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِخُصُوصِ هَذَا الِاصْطِلَاحِ لَا يَعْرِفُهُ وَمَا فَائِدَةُ الْعِلْمِ بِلَا عَمَلٍ وَمَا ضَرَرُ عَدَمِ الْعِلْمِ مَعَ عَمَلٍ وَلَيْسَ الْعِلْمُ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ بَلْ لِأَجْلِ الْعَمَلِ وَلَوْ وُجِدَ الْعَمَلُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى فَمَا ضَرَرُ عَدَمِ الْعِلْمِ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ خَلْطٌ أَيُّ خَلْطً وَجَسَارَةٌ إلَى مَا يُوجِبُ أَمْرًا عَظِيمًا (بَلْ لَوْ سُئِلَ عَنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ، وَالْوُضُوءِ، وَالِاسْتِنْجَاءِ تَحَيَّرَ وَاضْطَرَبَ)
стр. 301
وَلَا يَقْدِرُ عَلَى جَوَابٍ أَصْلًا وَهَذِهِ مِنْ أَجْلَى الْوَاضِحَاتِ حَتَّى لِأَكْثَرِ الصِّبْيَانِ، وَالْعَامِّيِّ الْمَحْضِ (بَلْ بَعْضُهُمْ لَمْ يُصَحِّحْ اعْتِقَادَهُ بَعْدُ) بِأَنْ لَا يَعْرِفَ ذَاتَهُ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَأَحْوَالَهُ وَكَذَا مَا فِي حَقِّ الرُّسُلِ (وَيَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ وَأَنَّهُ تَعَالَى عَلَى صُورَةٍ) وَقَدْ قَرَّرَ فِي الْفِقْهِيَّةِ، وَالْكَلَامِيَّةِ تَفْصِيلَهُ وَحَرَّرَ فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ كُفْرٌ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْنَا تَفْصِيلُ جِهَةِ الْكُفْرِ بَلْ التَّسْلِيمُ كَافٍ هُنَا إذْ الْبُرْهَانُ إنَّمَا هُوَ فِي مَبْحَثِهِ
стр. 302
الْأَصْلِيِّ.
قَالَ فِي الْوَسِيلَةِ قَالَ شَارِحُ الطَّرِيقَةِ جَارِحُ الشَّرِيعَةِ مُحَمَّدٌ الْكُرْدِيُّ فِي شَرْحِهِ الْمُسَمَّى بِالتَّوْفِيقِ: هَذَا الِاعْتِقَادُ صَحِيحٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُطَابِقٌ لِاعْتِقَادِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْأَوْلِيَاءِ مُوَافِقٌ لِمَا وَرَدَ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ وَإِنْ خُولِفَ مُتَشَبِّثًا بِأَذْيَالِ الْفَلَاسِفَةِ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمُكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» .
وَقَالَ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ فَتَأَمَّلْ فِيهِ بِاللُّطْفِ وَلَا تَكُنْ سَفِيهًا فَإِنَّ السَّفِيهَ مَحْرُومٌ مِنْ الْكَمَالَاتِ انْتَهَى
стр. 303
ثُمَّ اشْتَغَلَ بِرَدِّهِ بِتَفْصِيلٍ لَا يَسَعُهُ الْمَقَامُ وَقَدْ أَغْنَيْنَاك عَنْهُ وَلَا ضَرُورَةَ فِيمَا كَانَ خَطَؤُهُ ضَرُورِيًّا وَاضِحًا بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ بَلْ عَامَّةُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.
وَقَدْ أُجِيبَ عَمَّا اُشْتُبِهَ عَلَيْهِ، وَفِي مَحَلِّهِ قَالَ فِي الْوَسِيلَةِ أَيْضًا: قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي تَقْرِيظِ ذَلِكَ الشَّرْحِ وَإِمْضَائِهِ: هَذِهِ الْأَوْرَاقُ الْحَرِيَّةُ بِالْإِحْرَاقِ الْمُتَضَمِّنَةُ لِلْمَذَاهِبِ الْبَاطِلَةِ، وَالْكَلِمَاتِ الْعَاطِلَةِ بِحَيْثُ تُنْبِئُ عَنْ حَمَاقَةِ مَنْ جَمَعَهَا وَسُوءِ عَقِيدَةِ مَنْ رَتَّبَهَا، وَإِنَّ السُّلْطَانَ مُحَمَّدَ خَانْ مَنَعَ قِرَاءَةَ هَذَا الْكِتَابِ وَأَمَرَ بِإِعْدَامِ نُسْخَتِهِ أَيْنَمَا تُوجَدُ، وَأَمَرَ بِنَفْيِ مُؤَلِّفِهِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَأَلْفٍ، فَإِنْ قِيلَ إذَا لَمْ يَكُنْ اعْتِقَادُهُ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ فَبِمُجَرَّدِ الظَّنِّ هَلْ يَلْزَمُ الْكُفْرُ.
قُلْنَا أَدِلَّتُهُ تَقْتَضِي لُزُومَ الْقَطْعِ وَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الشَّكَّ سِيَّمَا فِي الضَّرُورِيَّاتِ بَلْ خُلُوُّ الذِّهْنِ كُفْرٌ فَضْلًا عَنْ الظَّنِّ (وَبَعْضُهُمْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُرِيدُ الْقَبَائِحَ، وَالْمَعَاصِيَ وَبَعْضُهُمْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُوجِدٌ لِفِعْلِهِ)
стр. 304
كَالْمُعْتَزِلَةِ وَقَدْ فُصِّلَ الرَّدُّ فِي مُخْتَصَرَاتِ الْكَلَامِيَّةِ وَمَبْسُوطَاتِهَا بَلْ أُشِيرَ فِيمَا سَبَقَ فَلَا نَشْتَغِلُ بِهِ (وَأَكْثَرُهُمْ يُصَلُّونَ بِلَا تَعْدِيلِ أَرْكَانٍ) وَهُوَ فَرْضٌ أَوْ وَاجِبٌ وَلَا أَقَلَّ أَنْ يَكُونَ سُنَّةً، وَالتَّصَوُّفُ يَقْتَضِي الْعَمَلَ بِالْأَحْوَطِ (وَلَا تَجْوِيدِ قُرْآنٍ) وَهُوَ أَيْضًا حَتْمٌ لَازِمٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْجَزَرِيِّ وَنُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ الْقَارِي وَتَسْهِيلُ التَّجْوِيدِ الِاتِّفَاقُ مِنْ جَمِيعِ الْمُجَوِّدِينَ وَإِنَّ أَخْذَ الْقُرْآنِ عَنْ فَمِ الْمُحْسِنِ فَرْضُ عَيْنٍ قِيلَ يَجُوزُ لِلْعَجْزِ عَنْ التَّجْوِيدِ بَعْدَ السَّعْيِ فَلَا إثْمَ كَمَا فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إذَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَأَخْطَأَ أَوْ لَحَنَ أَوْ كَانَ أَعْجَمِيًّا كَتَبَهُ الْمَلَكُ كَمَا أُنْزِلَ أَقُولُ قَرَائِنُ سَائِرِ أَحْوَالِ جِنْسِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ يُوجِبُ أَنَّ ذَلِكَ لِلْكَسْلَانِ لَا لِلْعَجْزِ كَتَرْكِ التَّعْدِيلِ وَأَنَّ الطَّعْنَ لِمَنْ تَكَاسَلَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمُصَنِّفَ وَقَفَ عَلَى كَسْلَانِهِمْ وَطَعَنَ بَلْ يُمْكِنُ أَنَّ الْمَطْلَبَ اسْتِقْرَائِيٌّ فَلَا بُدَّ فِي السَّنَدِ مِنْ تَحَقُّقِ الْوُقُوعِ.
وَعَنْ الْجَارِحِ الْمَذْكُورِ الْكُرْدِيِّ نَظَرَ الصُّوفِيَّةُ إلَى تَعْدِيلِ أَرْكَانِ الْبَاطِنِ هُوَ مَحَلُّ نَظَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنَاطُ الثَّوَابِ فَإِذَا حَصَلَ هَذَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ، وَالْعِبَادَةُ إنَّمَا هِيَ بِحُسْنِ التَّوَجُّهِ لَا بِالطُّولِ وَالْقَصْرِ وَنَحْوِهِمَا كَمَا فِي الْأُصُولِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنْكَارٌ لِلشَّرِيعَةِ الظَّاهِرِيَّةِ بَلْ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ، وَالْإِسْنَادُ إلَى الْأُصُولِ افْتِرَاءٌ مَحْضٌ وَأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ وُجُودُ
стр. 305
عَيْنِهِ فِي الْأُصُولِ فَبَاطِلٌ ضَرُورَةً وَإِنْ قَاعِدَتُهُ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ بَلْ مَا قَوَاعِدُهُ هُوَ جَانِبُ لُزُومِهِ وَأَنَّ الْأَحْكَامَ تُؤْخَذُ لِمِثْلِنَا مِنْ الْفُرُوعِ لَا مِنْ الْأُصُولِ وَاسْتِخْرَاجُ الْأَحْكَامِ مِنْ الْأُصُولِ وَظِيفَةُ الْمُجْتَهِدِ.
(وَمَعَ هَذِهِ الْفَضَائِحِ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ وَاصِلُونَ مُكَاشِفُونَ) وَقَدْ عَدِمَ أَرْبَابُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ تَرْكَ الْأَوْلَى وَارْتِكَابَ مَا لَا بَأْسَ بِلَا ضَرُورَةٍ مِنْ مَوَانِعِ الْوُصُولِ وَرِعَايَةِ غَايَتِهِمْ مِنْ شَرَائِطِهِ (فَهَيْهَاتَ) بَعُدَتْ هَذِهِ الدَّعْوَى عَنْ الْحَقِّ، وَالصَّدَقَةِ بُعْدًا لَا رَيْبَ فِيهِ (هَيْهَاتَ) تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ (نَعَمْ) .
قَالَ الْمُحَشِّي هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ وَهُوَ تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ مَعَ بَقَاءِ الْخِلَافِ.
قُلْت وَأَيْضًا هُوَ مِنْ قَبِيلِ تَأْكِيدِ الذَّمِّ بِمَا يُشْبِهُ الْمَدْحَ، وَالْأَوَّلُ أُصُولِيٌّ، وَالثَّانِي بَدِيعِيٌّ (أَنَّهُمْ وَاصِلُونَ إلَى الشَّيْطَانِ) الَّذِي هُوَ شَيْخُهُمْ الَّذِي عَلَّمَهُمْ هَوَاهُمْ وَغَرَّهُمْ فِي أَمَانِيهِمْ وَلِذَا أَنَّهُمْ (مَغْرُورُونَ بِأَمَانِيِّهِ) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إلَّا غُرُورًا. جَمْعُ أُمْنِيَةٍ بِمَعْنَى الْمَقْصُودِ يَعْنِي أَنَّهُمْ يَدَّعُونَ الْوَصْلَةَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَيْسُوا بِوَاصِلِينَ إلَيْهِ بَلْ وَاصِلُونَ إلَى الشَّيْطَانِ وَيَأْتَمِرُونَ بِأَمْرِهِ وَدَلَالَاتِهِ وَيَمْشُونَ عَلَى نَهْجِ تَصَرُّفَاتِهِ.
حُكِيَ أَنَّ عَبْدَ الْقَادِرِ الْكِيلَانِيَّ اعْتَزَلَ عَنْ النَّاسِ وَتَوَحَّشَ لِلْعِبَادَةِ فَلَيْلَةً مِنْ اللَّيَالِي امْتَلَأَ الْعَالَمُ بِالْأَنْوَارِ فَنَادَى مُنَادِيًا عَبْدَ الْقَادِرِ: اجْتَهَدْت لِلْعِبَادَةِ لِي وَعَبَدْتَ حَقَّ الْعِبَادَةِ فَإِنِّي قَدْ رَفَعْت عَنْك حُرْمَةَ الْأَشْيَاءِ وَأَبَحْت جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ لَك فَافْعَلْ مَا شِئْت فِيمَا بَعْدُ وَقَدْ غَفَرْت لَك فَقَالَ: عَبْدُ الْقَادِرِ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّكَ يَا شَيْطَانُ فَإِذَا قَدْ رَكَدَ الظَّلَامُ وَاضْمَحَلَّتْ تِلْكَ الْأَنْوَارُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ قَدْ نَجَوْت بِعِلْمِك يَا عَبْدَ الْقَادِرِ إنِّي قَدْ أَهْلَكْت فِي هَذَا الْمَقَامِ عُبَّادًا وَزُهَّادًا.
(عَامِلُونَ بِوَسَاوِسِهِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَقَعَ لِبَعْضِهِمْ كَشْفٌ حِسِّيٌّ لِبَعْضِ الْأَشْيَاءِ) عَنْ أُمُورٍ مَحْسُوسَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْأَكْوَانِ مِنْ الْإِخْبَارِ عَنْ شَيْءٍ فَيَكُون كَذَلِكَ وَهُوَ الْكَشْفُ الصُّورِيُّ (أَوْ نَحْوِهِ) مِنْ الْمَنَامَاتِ، وَالتَّخَيُّلَاتِ، وَالْوَارِدَاتِ الْغَيْبِيَّةِ، وَالْهَوَاتِفِ (مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ بِمُقْتَضَى الرِّيَاضَاتِ) بِتَصْفِيَةِ الْبَاطِنِ، وَالتَّجَرُّدِ عَنْ الْعَلَائِقِ الْبَشَرِيَّةِ (أَوْ إرَاءَةِ الشَّيْطَانِ) لَهُمْ طَيَرَانًا فِي الْهَوَاءِ بِرَفْعِ بَعْضِهِمْ أَوْ نَقْلِهِ مِنْ مَكَان بِأَسْرَعِ زَمَانٍ أَوْ الْإِتْيَانِ بِمَا يُرِيدُونَهُ (مَكْرًا) إضْمَارًا لِلسُّوءِ بِهِ (وَاسْتِدْرَاجًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْكَفَرَةِ الْمُرْتَاضِينَ) .
وَعَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّ عَالَمَ الصَّفَا حِجَابٌ؛ لِأَنَّهُ بِهِ يَكُونُ الْكَشْفُ وَهَذَا يُشَارِكُنَا فِيهِ الرُّهْبَانُ وَإِنَّمَا نُفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِعَالَمِ التَّرْقِيَةِ (فَيَظُنُّونَ أَنَّهُ كَرَامَةٌ وَوِلَايَةٌ فَيَغْتَرُّونَ بِهِ) فَيَهْلِكُونَ وَلَا يَشْعُرُونَ وَكُلُّ ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ وَلَا يُحْتَمَلُ كَوْنُ ذَلِكَ غَيْرَ ذَلِكَ مَا دَامَتْ أَفْعَالُهُمْ الظَّاهِرَةُ عَلَى خِلَافِ الْقَوَانِينِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِنْ اسْتَقَامَ بَاطِنُهُمْ خِلَافًا لِمَنْ خَلَطَ وَيَشْهَدُهُ قَوْلُهُ (وَقَدْ سَمِعْت سَابِقًا قَوْلَ سُلْطَانِ الْعَارِفِينَ أَبِي يَزِيدَ الْبِسْطَامِيِّ) هَذَا إثْبَاتٌ لِتَوَقُّفِ الْفَيْضِ الْإِلَهِيِّ عَلَى كَمَالِ اتِّبَاعِ الشَّرْعِ وَلِكَوْنِ الْكَشْفِ الْخَارِجِيِّ اسْتِدْرَاجًا مِنْ مُخَالِفِ الشَّرْعِ (لَوْ نَظَرْتُمْ إلَى رَجُلٍ) أَيْ شَخْصٍ (أُعْطِيَ مِنْ الْكَرَامَاتِ حَتَّى تَرَبَّعَ فِي الْهَوَاءِ) أَوْ جَلَسَ عَلَى الْمَاءِ أَوْ فِي النَّارِ (فَلَا تَغْتَرُّوا بِهِ) وَتَنْسِبُوهُ
стр. 306
إلَى الْوِلَايَةِ (حَتَّى تَنْظُرُوا كَيْفَ تَجِدُونَهُ عِنْدَ الْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ وَحِفْظِ الْحُدُودِ) الْإِلَهِيَّةِ (وَأَدَاءِ) (أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ انْتَهَى فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِهِمْ) بِالسِّرَايَةِ إلَيْنَا بِالِاغْتِرَارِ بِظَاهِرِ أَفَاعِيلِهِمْ الْكَاذِبَةِ بِدُونِ مُلَاحَظَةِ التَّوْفِيقِ إلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ الظَّاهِرِيِّ (وَأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ) الَّتِي لَا تَدْخُلُ فِي الْمَوَازِينِ النَّبَوِيَّةِ (فَإِنَّهُمْ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ) بِوَسْوَسَتِهِمْ وَإِضْلَالِهِمْ (وَقُطَّاعُ طَرِيقِ اللَّهِ تَعَالَى وَخُصَمَاءُ حَبِيبِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِاسْتِهَانَتِهِمْ شَرِيعَتَهُ وَمُخَالَفَتِهِمْ سُنَّتَهُ وَهُمْ يَدَّعُونَ وِلَايَتَهُ.
стр. 307
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي التَّقْوَى] [ النَّوْعُ الْأَوَّلُ فِي فَضِيلَة التَّقْوَى]
ثَالِثُ الثَّلَاثَةِ مِنْ الْبَابِ الثَّانِي مِنْ الْأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ لِلْكِتَابِ وَسَيُبَيِّنُ تَعْرِيفَهَا (وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ) بَيَانُ فَضْلِهَا وَبَيَانُ حَقِيقَتِهَا وَمَوْضِعُ جَرَيَانِهَا (النَّوْعُ الْأَوَّلُ فِي فَضِيلَتِهَا) الْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَ بَيَانَ حَقِيقَتِهَا؛ لِأَنَّ تَصَوُّرَ الشَّيْءِ يُقَدَّمُ عَلَى أَحْوَالِهِ وَأَوْصَافِهِ لَعَلَّ الْفَضْلَ كَالْمُقَدَّمَةِ وَقِيلَ قَدَّمَهُ زِيَادَةَ شَوْقٍ إلَى مَعْرِفَتِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّ تَأْخِيرَهَا لِيَكُونَ مَعَ الثَّالِثِ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ جَرَيَانِهَا (اعْلَمْ أَوَّلًا) أَيُّهَا السَّالِكُ إلَى اللَّهِ (أَنِّي أَرَدْت أَنْ أُورِدَ جَمِيعَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضِيلَةِ التَّقْوَى) إمَّا اسْتِقْرَاءٌ تَامٌّ فَالْجَمِيعِيَّةُ حَقِيقِيَّةٌ إذْ يُمْكِنُ ذَلِكَ أَوْ نَاقِصٌ فَالْجَمِيعِيَّةُ عَلَى اعْتِقَادِ الْمُصَنِّفِ وَجْهُ إتْيَانِ الْجَمِيعِ لِوُفُورِ فَضْلِهَا وَلِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهَا وَقُوَّةِ فَوَائِدِهَا وَلِزِيَادَةِ التَّمْكِينِ فِي الْخَاطِرِ؛ لِئَلَّا يَنْفَكَّ السَّالِكُ عَنْهَا؛ وَلِتَكُونَ مَلَكَةً رَاسِخَةً لَا يَحْتَاجُ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَى طَلَبِ فَضْلِهَا وَكَذَا إظْهَارُهُ مَوْضِعَ الْإِضْمَارِ (فَوَجَدْتهَا تَجَاوَزَتْ مِائَةً وَخَمْسِينَ) أَيْ الْمُطْلَقُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّقْوَى عَلَى صُورَةِ الْأَمْرِ أَوَّلًا (وَوَجَدْت صَرِيحَ الْأَمْرِ) أَيْ صِيغَتَهُ الَّتِي الْأَصْلُ فِيهَا الْوُجُوبُ (فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ فَاقْتَصَرْت عَلَى الْمُكَرَّرَاتِ) وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا (عَلَى) آيَةٍ (وَاحِدَةٍ) لِكَوْنِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْكُلِّ وَاحِدًا فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ اشْتِمَالُ الْقُرْآنِ عَلَى التَّكْرَارِ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِوَاحِدَةٍ فَمَا وَرَاءَهَا عَبَثٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ كِتَابٌ حَكِيمٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ كَوْنَ كُلِّ تَكْرِيرٍ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ كَيْفَ وَمِنْ أَنْوَاعِ الْإِطْنَابِ التَّكْرِيرُ لِنُكْتَةٍ كَالتَّأْكِيدِ وَزِيَادَةِ التَّنْبِيهِ وَالْإِيقَاظِ لِيَكْمُلَ تَلَقِّي الْكَلَامِ بِالْقَبُولِ، وَأَنَّ كُلًّا قَدْ جَاءَ بِمَعْنَى سِيقَ لَهُ الْكَلَامُ لَهُ خُصُوصِيَّةٌ خَاصَّةٌ لِذَلِكَ كَمَا قَالُوا فِي تَكَرُّرِ قَصَصِ مُوسَى ﵊ وَفِرْعَوْنَ مَثَلًا وَفِي نَحْوِ - ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣]- كَمَا فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ وَالْإِتْقَانِ (وَلَمْ أُرَاعِ تَرْتِيبَ الْمُصْحَفِ كَمَا رَاعَيْت فِيمَا سَبَقَ) فِي فَصْلِ الِاعْتِصَامِ وَغَيْرِهِ (تَقْدِيمًا لِلْمُنَاسَبَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ) إمَّا لِكُلِّ آيَةٍ مَعَ آيَةٍ أُخْرَى أَوْ بِحَسَبِ قُوَّةِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَقْصُودِ لَكِنَّ عَدَمَ مُرَاعَاةِ هَذَا الْجَانِبِ فِيمَا سَبَقَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَجْهٍ وَمُوجِبُ رِعَايَةِ هَذَا هُنَا أَيْضًا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَجْهٍ وَالْقَوْلُ أَنَّهُ لِجَوَازِ الْعَمَلِ بِالْجَانِبَيْنِ اخْتَارَ فِي أَحَدِ الْمَوَاضِعِ بِأَحَدِهِمَا.
стр. 308
وَفِي الْآخَرِ بِالْآخَرِ لَيْسَ بِشَيْءٍ نَافِعٍ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ فِي الْإِتْقَانِ بِنَاءً عَلَى الْأَثَرِ الْأَوْلَى أَنْ يَقْرَأَ عَلَى تَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ؛ لِأَنَّ تَرْتِيبَهُ لِحِكْمَةٍ وَلَا يَتْرُكُهَا إلَّا إذَا وَرَدَ فِي أَثَرٍ، وَإِنْ جَازَ فِي نَفْسِهِ لَكِنَّ تَرْكَ الْأَفْضَلِ نَعَمْ يُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا لِأَجَلِ الْقِرَاءَةِ وَبَيْنَ مَا لِأَجَلِ الِاحْتِجَاجِ (الْآيَاتُ) فِي الْحُجُرَاتِ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] فَالسَّابِقُ فِي التَّقْوَى هُوَ السَّابِقُ فِي الْفَضْلِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ التَّقْوَى بِهَا تَكْمُلُ النُّفُوسُ وَتَتَفَاضَلُ الْأَشْخَاصُ فَمَنْ أَرَادَ شَرَفًا فَلْيَلْتَمِسْ مِنْهَا كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَكْرَمَ النَّاسِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ» قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَكْرَمَ النَّاسِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ» وَفِي الْآثَارِ أَكْرَمُهُمْ أَتْقَاهُمْ وَفِيهَا أَيْضًا أَكْرَمُ الْكَرَمِ التَّقْوَى وَسَتَعْرِفُ تَفْصِيلَ مَعْنَى التَّقْوَى مِنْ الْمُصَنِّفِ
ثُمَّ وَجْهُ تَقْدِيمِ هَذِهِ الْآيَةِ قُوَّةُ دَلَالَتِهَا عَلَى فَضْلِ التَّقْوَى عَلَى وَجْهٍ لَا فَضْلَ فَوْقَ فَضْلِهَا إذْ الْفَرْدُ السَّابِقُ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْفَضْلِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَسْبِقَهُ شَيْءٌ آخَرُ فِي الْكَرَمِ عِنْدَ اللَّهِ وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْجَمِيعِ حَيْثُ نَزَلَ - ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي﴾ [الليل: ١٨]- الْآيَةَ فِي حَقِّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَأَبُو بَكْرٍ أَتْقَى بِهَذَا الْآيَةِ وَكُلُّ أَتْقَى أَكْرَمُ عِنْدَ اللَّهِ بِتِلْكَ الْآيَةِ فَأَبُو بَكْرٍ أَكْرَمُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْأَكْرَمُ عِنْدَ اللَّهِ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ.
وَعَنْ الْوَاحِدِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمَرْتُكُمْ فَضَيَّعْتُمْ مَا عَهِدْت إلَيْكُمْ فِيهِ وَرَفَعْت أَنْسَابَكُمْ فَالْيَوْمَ أَرْفَعُ نَسَبِي وَأَضَعُ أَنْسَابَكُمْ أَيْنَ الْمُتَّقُونَ - ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] » وَفِي الْمَائِدَةِ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] عَنْ الْكُفْرِ أَوْ سَائِرِ الْمَعَاصِي فَإِنْ أُرِيدَ الْأَوَّلُ فَالْحَصْرُ حَقِيقِيٌّ، وَإِنْ الثَّانِي فَإِضَافِيٌّ أَوْ ادِّعَائِيٌّ فَالْقَوْلُ أَنَّ الطَّاعَةَ لَا تُقْبَلُ إلَّا مِنْ مُؤْمِنٍ مُتَّقٍ بِظَاهِرِهِ لَيْسَ بِحَسَنٍ بِدُونِ مُلَاحَظَةِ مَا عَرَفْت فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى قَبُولِ عَمَلِ الْمُتَّقِينَ؛ وَلِهَذَا تَرَى قَبُولَ دَعَوَاتِ الصَّالِحِينَ أَكْثَرَ لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَخَدَّامُهُ الْخَوَاصُّ
وَفِي الْأَنْفَالِ ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] أَيْ مَا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ ﴿إِلا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] مِنْ الشِّرْكِ الَّذِينَ لَا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ فَيَشْكُلُ بِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ هُنَا مِنْ التَّقْوَى فِي الْمَطْلُوبِ هُوَ الْمَعْنَى الْمُتَبَادِرُ عِنْدَ إطْلَاقِ الشَّرْعِ مِنْ نَحْوِ الِاجْتِنَابِ مِنْ كُلِّ حَرَامٍ وَمَكْرُوهٍ عَلَى مَا سَيُفْهَمُ مِنْ الْمُصَنِّفِ فَالتَّقْرِيبُ لَيْسَ بِتَامٍّ أَوْ تَفْسِيرُ الْبَيْضَاوِيِّ بِالِاتِّقَاءِ مِنْ الشِّرْكِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَهُوَ مُشْكِلٌ أَيْضًا فَالْوَجْهُ الْأَسْلَمُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْأَوَّلِ وَلَا يُعْبَأُ بِمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ مَا أَمْكَنَ إرَادَتُهُ مِنْ اللَّفْظِ بِنَاءً عَلَى الْحَمْلِ عَلَى ذَلِكَ الْمُتَبَادِرِ.
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ الْوَاحِدِيِّ التَّفْسِيرُ بِالِاتِّقَاءِ عَنْ الْكُفْرِ وَالْفَوَاحِشِ، فَإِذَا قَصُرَتْ وِلَايَةُ اللَّهِ عَلَى الِاتِّقَاءِ فَالِاتِّقَاءُ لَهُ زِيَادَةُ فَضْلٍ وَغَايَةُ شَرَفٍ
فَإِنْ قِيلَ الرَّاجِحُ مِنْ كَلَامِ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ رُجُوعُ ضَمِيرِ أَوْلِيَاؤُهُ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَكَيْفَ يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمَطْلُوبِ وَقَدْ قِيلَ لَا حُجَّةَ مَعَ الِاحْتِمَالِ قُلْنَا بَعْدَ تَسْلِيمِ ذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ الْوِلَايَةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِوِلَايَةِ اللَّهِ بَلْ إنَّمَا تَصِيرُ الْوِلَايَةُ فِي الْمَسْجِدِ لِأَجْلِ ثُبُوتِ الْوِلَايَةِ لَهُ تَعَالَى وَفِي الْجَاثِيَةِ ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩] أَيْ نَاصِرُ الْمُوَحِّدِينَ النَّاصِرِينَ أَوْ الَّذِينَ اتَّقَوْا الشِّرْكَ كَمَا فَسَّرُوا بِهِ فَالْكَلَامُ كَمَا سَمِعْت وَفِي بَرَاءَةٍ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤] فِي أَدَاءِ فَرَائِضِ اللَّهِ وَالْوَفَاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ كَمَا نَقَلَ الْوَاحِدِيُّ وَفِي نَقْضِ عَهْدِ اللَّهِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْخَازِنِ وَفِي النَّجْمِ ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] فَلَا تُثْنُوا عَلَيْهَا بِزَكَاءِ الْعَمَلِ وَزِيَادَةِ الْخَيْرِ أَوْ بِالطَّهَارَةِ عَنْ الْمَعَاصِي وَالرَّذَائِلِ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ أَوْ لَا تَدْعُوَا بِلَا عَمَلٍ أَوْ لَا تُخْبِرُوا بِخَبَرٍ عَمِلْتُمُوهُ
رُوِيَ أَنَّ «زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ سُمِّيتُ بَرَّةً فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
стр. 309
لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِالْبَرِّ مِنْكُمْ» .
وَعَنْ الْخَازِنِ عَلِمَ اللَّهُ حَالَكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ رِيَاءً وَخُيَلَاءَ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ تَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ أَنَا خَيْرٌ مِنْك أَوْ أَنَا أَزْكَى مِنْك أَوْ أَتْقَى مِنْك فَإِنَّ الْعِلْمَ عِنْدَ اللَّهِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى وُجُوبِ خَوْفِ الْخَاتِمَةِ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ عَاقِبَةَ مَنْ هُوَ عَلَى التَّقْوَى ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢] بِمَنْ بَرَّ وَأَطَاعَ وَأَخْلَصَ الْعَمَلَ لَا يَخْفَى أَنَّ دَلَالَةَ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ لَيْسَتْ بِوَاضِحَةٍ إلَّا بِلُزُومٍ خَفِيٍّ.
وَفِي الْبَقَرَةِ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤] فِي قَبُولِ طَاعَاتِهِمْ وَاسْتِجَابَةِ دَعَوَاتِهِمْ وَالْعَوْنِ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِمْ وَفِي إسْكَانِهِمْ فِي أَعْلَى غُرَفِ جِنَانِهِ فَانْظُرْ مَا فِي هَذِهِ مِنْ رُتْبَةِ الْمَعِيَّةِ الْإِلَهِيَّةِ وَتَقْدِيمِ الْأَمْرِ وَإِيثَارِ كَلِمَةِ التَّحْقِيقِيَّةِ وَالْإِظْهَارِ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ لِكَمَالِ الْعِنَايَةِ فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ هَذِهِ عَلَى مَا قَبْلَهَا كَمَا فِي تَرْتِيبِهِ الْأَصْلِيِّ وَفِي طَه ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ [طه: ١٣٢] الْحَمِيدَةُ مِنْ الْفَوْزِ وَالسَّعَادَةِ ﴿لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] لِذَوِي التَّقْوَى كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ وَفِي الْقَصَصِ ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] مَا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعِقَابُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَدَاءِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ.
وَعَنْ الْكَلْبِيِّ الْكَبَائِرُ وَالْفَوَاحِشُ وَفَسَّرَ الْعَاقِبَةَ بِالثَّوَابِ أَوْ الْجَنَّةِ وَفِي الزُّخْرُفِ ﴿وَالآخِرَةُ﴾ [الزخرف: ٣٥] أَيْ ثَوَابُهَا أَوْ سَلَامَتُهَا أَوْ الْجَنَّةُ ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٥] مُخْتَصَّةٌ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] لِتَقْوَاهُمْ وَتَرْكِ دُنْيَاهُمْ لِنَيْلِ أُخْرَاهُمْ وَفِي ص ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩] مَرْجِعٍ أَيْ أَحْسَنُ مَرْجِعٍ وَمُنْقَلَبٍ وَفِي آلِ عِمْرَانَ ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣] عَظِيمَةٍ ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] فَلْيُسْرِعْ عِنْدَ الذَّنْبِ إلَى الرُّجُوعِ لِلْمَغْفِرَةِ وَإِلَى التَّوْبَةِ مِنْ الْمَعَاصِي.
وَعَنْ الْبَغَوِيّ بَادِرُوا وَسَابِقُوا إلَى مَا يُوجِبُ الْمَغْفِرَةَ بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ أَوْ إلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَفِي الْبَيْضَاوِيِّ سَارِعُوا إلَى مَا تَسْتَحِقُّونَ بِهِ الْمَغْفِرَةَ كَالْإِسْلَامِ وَالتَّوْبَةِ وَالْإِخْلَاصِ ﴿وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣] عَنْ الْخَازِنِ الْمَغْفِرَةُ إزَالَةُ الْعِقَابِ وَالْجَنَّةُ حُصُولُ الثَّوَابِ، وَفِيهِ إشْعَارٌ إلَى لُزُومِ مُسَارَعَةِ مَا يُوجِبُ الْمَغْفِرَةَ مِنْ نَحْوِ التَّوْبَةِ وَتَرْكِ الْمَنْهِيَّاتِ وَالْمُسَارَعَةِ إلَى الصَّالِحَاتِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى الْجَنَّةِ ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] أَيْ عَرْضُهَا كَعَرْضِهِمَا.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - كَسَبْعِ سَمَوَاتٍ وَسَبْعِ أَرَضِينَ لَوْ وُصِلَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ وَعَنْ الْوَاحِدِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ يُرِيدُ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْ أَوْلِيَائِهِ.
وَعَنْ ابْنِ جَمِيلٍ أَيْ لَوْ جُعِلَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ طَبَقًا طَبَقًا بِحَيْثُ تَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةٍ سَطْحًا وَوُصِلَ الْبَعْضُ بِالْبَعْضِ كَانَ ذَلِكَ مِثْلُ عَرْضِ الْجَنَّةِ وَتَخْصِيصُ الْعَرْضِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الطُّولَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَنَّ الطُّولَ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ ﴿أُعِدَّتْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] هُيِّئَتْ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] لِتَقْوَاهُمْ عَنْ الشِّرْكِ وَالْكَبَائِرِ وَإِصْرَارِ الصَّغَائِرِ اُحْتُجَّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى كَوْنِهَا مَخْلُوقَةً الْآنَ إذْ النُّصُوصُ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا لِإِمْكَانِهَا فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَعَنْ الْبَيْضَاوِيِّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ الْجَنَّةِ وَكَوْنِهَا خَارِجَةً عَنْ هَذَا الْعَالَمِ.
стр. 310
لَعَلَّ وَجْهَ دَلَالَتِهَا عَلَيْهِ عَظَمَتُهَا مِنْ هَذَا الْعَالَمِ وَفِي مَرْيَمَ ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] أَيْ نَجْعَلُهَا ثَوَابَ أَعْمَالِهِمْ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ بَاقٍ بَعْدَ فَانٍ؛ وَلِأَنَّهُ أَطْيَبُ الْمَالِ وَأَهْنَؤُهُ وَقِيلَ؛ لِأَنَّهُمْ يَرِثُونَ مَا أُعِدَّ لِلْكُفَّارِ لَوْ آمَنُوا؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ مَوْتٌ وَتَقْوَاهُمْ أَوْرَثَهُمْ إيَّاهَا وَفِي الزُّمَرِ ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ﴾ [الزمر: ٧٣] إسْرَاعًا بِهِمْ إلَى دَارِ الْكَرَامَةِ، وَقِيلَ سِيقَ مَرَاكِبُهُمْ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ وَقِيلَ السَّوْقُ حَقِيقَةً لِلْإِسْرَاعِ فِي وُصُولِ دَارِ الْكَرَامَةِ كَمَا فِي الْكَافِرِ لِتَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ فَيَنْدَفِعُ أَنَّ السَّوْقَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ عَلَى خِلَافِ الطَّبِيعَةِ وَيُوهِمُ الزَّجْرَ فَلَا حَاجَةَ أَنَّهُ لِلْمُشَاكَلَةِ لِسَوْقِ أَهْلِ النَّارِ ﴿زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣] جَمْعُ زُمْرَةٍ جَمَاعَةً قَلِيلَةً أَوْ أَفْوَاجًا مُتَفَرِّقَةً بَعْضُهَا فِي إثْرِ بَعْضٍ عَلَى تَفَاوُتِ مَرَاتِبِهِمْ ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] جَوَابُ إذَا وَالْوَاوُ مُقْحَمَةٌ وَقِيلَ لِلْحَالِ أَوْ جَاءُوهَا مُفَتَّحَةً لَا يَقِفُونَ وَقِيلَ وَاوُ الثَّمَانِيَةِ وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ أَيْ فَازُوا أَوْ نَالُوا الْمُنَى ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر: ٧٣] طَهُرْتُمْ مِنْ الْمَعَاصِي أَوْ طَابَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ أَوْ أَبْشِرُوا بِالسَّلَامَةِ مِنْ كُلِّ آفَةٍ طِبْتُمْ أَوْ طَابَ لَكُمْ الْمُقَامُ أَوْ طِبْتُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ أَوْ عَنْ الْخَبَائِثِ أَوْ طَابَتْ أَعْمَالُكُمْ فَطَابَ مَثْوَاكُمْ ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] مُقَدِّرِينَ الْخُلُودَ وَالْفَاءُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ طِبْتُمْ سَبَبٌ لِدُخُولِهِمْ وَخُلُودِهِمْ، وَهُوَ لَا يَمْنَعُ دُخُولَ الْعَاصِي بِالْعَفْوِ؛ لِأَنَّهُ يُطَهِّرُهُ.
وَعَنْ الْخَازِنِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا سِيقُوا إلَى الْجَنَّةِ فَإِذَا انْتَهَوْا إلَيْهَا وَجَدُوا عِنْدَ بَابِهَا شَجَرَةً يَخْرُجُ مِنْ تَحْتِهَا عَيْنَانِ فَيَغْتَسِلُ الْمُؤْمِنُ مِنْ إحْدَاهُمَا فَيَطْهُرُ ظَاهِرُهُ وَيَشْرَبُ مِنْ الْأُخْرَى فَيَطْهُرُ بَاطِنُهُ وَتَتَلَقَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ لَهُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ (الْآيَتَيْنِ) كَمِّلْ الْآيَتَيْنِ - ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ - وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٤ - ٧٥]- وَفِي يُوسُفَ ﴿وَلَدَارُ الآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩] أَيْ الْجَنَّةُ ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [يوسف: ١٠٩] عَنْ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ١٠٩] بِالتَّاءِ وَالْيَاءِ وَفِي يُوسُفَ أَيْضًا ﴿وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [يوسف: ٥٧] أَيْ أَفْضَلُ مِنْ أَجْرِ الدُّنْيَا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٧] أَيْ يَخَافُونَ وَيُطِيعُونَ وَلَا يَعْصُونَ وَفِي الشُّعَرَاءِ ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَرُبَتْ الْجَنَّةُ لِأَوْلِيَائِي وَقِيلَ الْجَنَّةُ قَرِيبَةٌ مِنْ مَوْقِفِ السُّعَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَنْظُرُونَ إلَيْهَا.
وَفِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿مَثَلُ﴾ [محمد: ١٥] صِفَةُ ﴿الْجَنَّةِ﴾ [محمد: ١٥] ﴿الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [محمد: ١٥] وَهُمْ
стр. 311
أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﵊ خَبَرُهُ قَوْلُهُ فِيهَا الْآيَةَ وَفِي النَّحْلِ ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠] دَارُ الْآخِرَةِ فَحُذِفَتْ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهَا وَقَوْلُهُ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [النحل: ٣١] خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ.
وَعَنْ الْحَسَنِ هِيَ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ أَهْلَ التَّقْوَى يَتَزَوَّدُونَ فِيهَا إلَى الْآخِرَةِ ﴿يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [النحل: ٣١] تَحْتَ دُورِ أَهْلِهَا وَقُصُورِهِمْ وَمَسَاكِنِهِمْ ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ [النحل: ٣١] مِمَّا تَشْتَهِي الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ مَعَ زِيَادَاتٍ لَمْ تَرَ الْعَيْنُ وَلَمْ تَسْمَعْ الْأُذُنُ وَلَمْ تَخْطِرْ عَلَى قَلْبِ أَحَدٍ وَفِيهِ دَلَالَةٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَجِدُ جَمِيعَ مَا أَرَادَهُ إلَّا فِي الْجَنَّةِ ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣١] هَكَذَا يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ الْخَائِفِينَ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢] طَاهِرِينَ مِنْ الشِّرْكِ عَنْ مُجَاهِدٍ زَاكِيَةً أَقْوَالُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ وَقِيلَ طَيِّبِينَ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِكُلِّ حَسَنٍ فَتَشْمَلُ جَمِيعَ الْأَوَامِرِ وَفِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَاجْتِنَابَ كُلِّ الْمَنَاهِي وَالْمَكْرُوهَاتِ مَعَ الْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ وَالْخِصَالِ الْمُرْضِيَةِ وَالْمُبَاعِدَةِ عَنْ الْأَخْلَاقِ الْمَذْمُومَةِ وَالْخِصَالِ الْمَكْرُوهَةِ.
وَقِيلَ مَعْنَاهُ وَفَاتُهُمْ طَيِّبَةٌ سَهْلَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ يُبَشَّرُونَ عِنْدَ قَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ بِالرِّضْوَانِ وَالْجَنَّةِ وَالْكَرَامَةِ فَيَحْصُلُ فَرَحٌ وَسُرُورٌ فَيَطِيبُ لَهُمْ الْمَوْتُ نُقِلَ عَنْ الْخَازِنِ وَقِيلَ فَرِحِينَ بِبِشَارَةِ الْمَلَائِكَةِ إيَّاهُمْ بِالْجَنَّةِ أَوْ طَيِّبِينَ بِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ لِتَوَجُّهِ نُفُوسِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ إلَى حَضْرَةِ الْقُدْسِ ﴿يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل: ٣٢] مِنْ أَنْفُسِ الْمَلَائِكَةِ أَوْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ لَا يُخِيفُكُمْ بَعْدَ مَكْرُوهٍ ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] فِي الدُّنْيَا مِنْ صَالِحَاتِ الْأَعْمَالِ بِمَعْنَى السَّبَبِ الْعَادِيِّ التَّفَضُّلِيِّ لَا الْعَقْلِيُّ الْإِيجَابِيُّ كَمَا يَزْعُمُهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْآيَةِ مَعَ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ» الْحَدِيثُ لَيْسَ بِمُتَعَارِضٍ وَقِيلَ مَعْنَى الْآيَاتِ دُخُولُ الْجَنَّةِ بِسَبَبِ الْأَعْمَالِ، ثُمَّ التَّوْفِيقُ لِلْأَعْمَالِ الْهِدَايَةُ لِلْإِخْلَاصِ فِيهَا وَقَبُولِهَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَفَضْلِهِ فَلَمْ يَدْخُلْ بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ، وَهُوَ مُرَادُ الْحَدِيثِ وَيَصِحُّ أَنَّهُ دَخَلَ بِالْأَعْمَالِ أَيْ بِسَبَبِهَا، وَهِيَ مِنْ الرَّحْمَةِ وَفِي الدُّخَانِ ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ﴾ [الدخان: ٥١] مَوْضِعِ إقَامَةٍ ﴿أَمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١] ذِي أَمَانَةٍ لَا ضَيَاعَ وَلَا آفَةَ فِيهِ وَلَا انْتِقَالَ أَوْ أَمِينٌ صَاحِبُهُ مِنْ الْمَوْتِ وَالْحَوَادِثِ أَوْ مِنْ الشَّيْطَانِ أَوْ مِنْ كُلِّ مِحَنٍ وَبُؤْسٍ وَشِدَّةٍ ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٥٢] بَدَلٌ مِنْ مَقَامٍ جِيءَ بِهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى نَزَاهَتِهِ وَاشْتِمَالِهِ عَلَى مَا يَسْتَلِذُّ بِهِ مِنْ الْمَأْكَلِ وَالْمَشَارِبِ ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الدخان: ٥٣] السُّنْدُسُ مَا رَقَّ مِنْ الْحَرِيرِ وَالْإِسْتَبْرَقُ مَا غَلُظَ مِنْهُ وَالْإِسْتَبْرَقُ مُعَرَّبٌ مِنْ سَتَبَرُّهُ وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ كَوْنَ الْقُرْآنِ عَرَبِيًّا؛ لِأَنَّهُ بِالتَّعْرِيبِ يَخْرُجُ عَنْ الْعَجَمِيَّةِ وَلِذَا جَرَى عَلَيْهِ جَمِيعُ التَّصَرُّفَاتِ الْعَرَبِيَّةِ ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ [الدخان: ٥٣] يُقَابِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِلْأُنْسِ وَالصُّحْبَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ.
﴿كَذَلِكَ﴾ [الدخان: ٥٤] كَمَا أَكْرَمْنَاهُمْ بِمَا وَصَفْنَا مِنْ الْجَنَّاتِ وَالْعُيُونِ وَاللِّبَاسِ أَكْرَمْنَاهُمْ ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] أَيْ قَرَنَّاهُمْ بِهِمْ قَالُوا ذَلِكَ لَيْسَ بِعَقْدِ التَّزْوِيجِ بَلْ مُجَرَّدُ الْمُقَارَنَةِ قُلْت لَا مَانِعَ مِنْ الْحَمْلِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَا دَاعِي لِلصَّرْفِ عَنْ حَقِيقَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْحُورُ النَّقِيَّاتُ الْبَيَاضِ وَقِيلَ شَدِيدَاتُ بَيَاضِ الْعَيْنِ وَقِيلَ عَظِيمَةُ الْعَيْنَيْنِ ﴿يَدْعُونَ فِيهَا﴾ [الدخان: ٥٥] يَطْلُبُونَ ﴿بِكُلِّ فَاكِهَةٍ﴾ [الدخان: ٥٥] بِكُلِّ مَا يَشْتَهُونَ مِنْ الْفَوَاكِهِ ﴿آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] مِنْ انْقِطَاعِهَا وَمَضَرَّتِهَا أَوْ مِنْ الْمَوْتِ أَوْ مِنْ كُلِّ مَخُوفٍ أَوْ مِنْ الشَّيْطَانِ ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] فِي الدُّنْيَا فَلِذَا قِيلَ لَفْظُ إلَّا بِمَعْنَى لَكِنْ ﴿وَوَقَاهُمْ﴾ [الدخان: ٥٦] .
стр. 312
حَفِظَهُمْ ﴿عَذَابَ الْجَحِيمِ - فَضْلا مِنْ رَبِّكَ﴾ [الدخان: ٥٦ - ٥٧] لَا وُجُوبًا عَلَيْهِ وَلَا اسْتِحْقَاقًا مِنْ الْعَبْدِ ﴿ذَلِكَ﴾ [الدخان: ٥٧] أَيْ هَذَا الْأَمْرُ الْعَظِيمُ الشَّأْنُ ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٧] لَا غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَطْرُقُهُ فَنَاءٌ وَلَا مُزَاحِمٌ وَلَا احْتِمَالُ زَوَالٍ وَنُقْصَانٍ وَفِي الطُّورِ ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ [الطور: ١٧] بِأَنْوَاعِ النِّعَمِ ﴿فَاكِهِينَ﴾ [الطور: ١٨] نَاعِمِينَ مُتَلَذِّذِينَ ﴿بِمَا آتَاهُمْ﴾ [الطور: ١٨] أَعْطَاهُمْ ﴿رَبُّهُمْ﴾ [الطور: ١٨] مِنْ كَرَامَةِ الْجَنَّةِ ﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الطور: ١٨] ﴿كُلُوا﴾ [الطور: ١٩] أَيُّهَا الْمُتَّقُونَ لِتَقْوَاكُمْ فِي الدُّنْيَا ﴿وَاشْرَبُوا﴾ [الطور: ١٩] مِنْ أَيِّ طَعَامٍ وَشَرَابٍ اشْتَهَيْتُمْ أَيْ يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ ﴿هَنِيئًا﴾ [الطور: ١٩] مَأْمُونُ الْعَاقِبَةِ مِنْ التُّخَمَةِ وَالسَّقَمِ أَوْ مَأْمُونُ الْآفَاتِ كَمَا فِي الدُّنْيَا ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٩] بِسَبَبِهِ أَوْ بَدَلَهُ وَقِيلَ الْبَاءُ زَائِدَةٌ وَمَا فَاعِلُ هَنِيئًا وَالْمَعْنَى هَنَّأَكُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَيْ جَزَاؤُهُ.
﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠] صُفَّ بَعْضُهَا إلَى جَنْبِ بَعْضٍ ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠] أَيْ صَيَّرْنَاهُمْ أَزْوَاجًا بِسَبَبِهِنَّ وَفِي الْمُرْسَلَاتِ ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ﴾ [المرسلات: ٤١] أَيْ التَّرَفُّهِ وَالنِّعَمِ وَالرَّاحَةِ كَمَا عِنْدَ ظِلِّ الْأَشْجَارِ وَقْتَ شِدَّةِ حَرَارَةِ الشَّمْسِ ﴿وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١] مِيَاهٌ جَارِيَةٌ ﴿وَفَوَاكِهَ﴾ [المرسلات: ٤٢] مِنْ أَنْوَاعٍ مُتَفَرِّقَةٍ ﴿مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [المرسلات: ٤٢] مِمَّا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [المرسلات: ٤٣] يُقَالُ ذَلِكَ مِنْ اللَّهِ بِالذَّاتِ أَوْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إكْمَالًا لِلْمَسَرَّةِ وَتَلْذِيذًا بِلَذَّةِ الْخِطَابِ الْإِكْرَامِيِّ ﴿هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤٣] فِي الدُّنْيَا مِنْ اكْتِسَابِ الصَّالِحَاتِ ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [المرسلات: ٤٤] فِي الدُّنْيَا بِقَبُولِ الْأَوَامِرِ وَانْزِجَارِ الْمَنَاهِي، وَقِيلَ الْمَقْصُودُ تَذْكِيرُ الْكُفَّارِ مَا فَاتَهُمْ مِنْ الْفُرْصَةِ الَّتِي أُمْكِنَتْ لَهُمْ ازْدِيَادًا لِمُسَاءَتِهِمْ وَعُقُوبَتِهِمْ
وَفِي النَّبَأِ ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ [النبأ: ٣١] مَوْضِعُ الْفَوْزِ وَالظَّفَرِ وَالنَّجَاةِ مِنْ النَّارِ ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ [النبأ: ٣٢] بَيَانُ مَفَازًا أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ أَيْ بَسَاتِينَ مَحُوطَةً بِالْجُدُرِ فِيهَا أَشْجَارُ الْجَنَّةِ وَثِمَارُهَا ﴿وَكَوَاعِبَ﴾ [النبأ: ٣٣] جَمْعُ كَاعِبٍ امْرَأَةٌ تَكَعَّبَ ثَدْيُهَا وَنَهَدَ وَارْتَفَعَ وَفَلَكَ ﴿أَتْرَابًا﴾ [النبأ: ٣٣] أَوْ مُسْتَوِيَاتٍ فِي السِّنِّ أَوْ عَذَارَى أَقْرَانًا مُتَصَافِيَاتٍ مُتَوَاخِيَاتٍ وَقِيلَ لُدَّاتٍ عَلَى ثَمَانِي عَشَرَةَ سَنَةً ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: ٣٤] مَمْلُوءَةً أَوْ مُتَتَابِعَةً أَوْ صَافِيَةً ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ [النبأ: ٣٥] فِي الْجَنَّةِ أَوْ حَالَ شُرْبِهِمْ ﴿لَغْوًا﴾ [النبأ: ٣٥] بَاطِلًا ﴿وَلا كِذَّابًا﴾ [النبأ: ٣٥] تَكْذِيبًا أَيْ لَا يُكَذِّبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا خِلَافُ شُرْبِ خَمْرِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ التَّكَلُّمِ بِالْبَاطِلِ ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ﴾ [النبأ: ٣٦] فَضْلًا وَثَوَابًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣٦] كَافِيًا أَوْ كَثِيرًا مِمَّا عَمِلُوا وَفِي الْبَقَرَةِ ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] حَصِّلُوا لِمَعَادِكُمْ زَادًا وَذُخْرًا يَعْنِي التَّقْوَى فَإِنَّهُ خَيْرُ زَادٍ وَقِيلَ عَنْ الْخَازِنِ أَيْ كُلُّ سَفَرٍ يُوجِبُ زَادًا فِي الطَّرِيقِ وَأَعْظَمُ السَّفَرِ مَا يَكُونُ مِنْ الدُّنْيَا إلَى الْآخِرَةِ فَزَادُهُ تَقْوَى اللَّهِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَهَذَا الزَّادُ أَفْضَلُ مِنْ زَادِ سَفَرِ الدُّنْيَا مِنْ نَحْوِ الْمَأْكَلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوَصِّلُ إلَى مُرَادِ النَّفْسِ وَشَهَوَاتِهَا وَزَادُ الْآخِرَةِ إلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ ﴿وَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ١٩٧] خَافُوا عِقَابِي وَاشْتَغِلُوا بِتَقْوَايَ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى كَمَالِ عَظَمَةِ اللَّهِ.
стр. 313
﴿يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] الَّذِينَ يَعْمَلُونَ حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ أَوْ يَا صَاحِبِي الْعُقُولِ الصَّافِيَةِ عَنْ شَوَائِبِ الْهَوَى وَكَدَرِ النَّفْسِ وَفِي الْأَعْرَافِ ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ [الأعراف: ٢٦] لِبَاسُ الْوَرَعِ وَالْخَشْيَةِ أَوْ الْإِيمَانِ أَوْ السِّيرَةِ الْحَسَنَةِ أَوْ لِبَاسُ الْحَرْبِ أَوْ الْعَمَلِ الصَّالِحِ أَوْ الْعَفَافِ أَوْ التَّوْحِيدِ أَوْ الْحَيَاءِ أَوْ السَّكِينَةِ أَوْ لِبَاسُ أَهْلِ الزُّهْدِ مِنْ الصُّوفِ وَخَشِنِ الثِّيَابِ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] هَذِهِ الْجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ أَعْنِي: قَوْلَهُ لِبَاسُ يَعْنِي لِبَاسُ التَّقْوَى خَيْرٌ مِنْ لِبَاسِ الزِّينَةِ وَالْجَمَالِ الَّذِي هُوَ لِبَاسُ أَهْلِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُ يُعِدُّ صَاحِبَهُ إلَى لِقَاءِ مَوْلَاهُ وَفِي الْحُجُرَاتِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: ٣] أَخْلَصَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَنَقَّاهَا مِنْ الشَّهَوَاتِ إظْهَارًا لِلتَّقْوَى أَوْ جَرَّبَ قُلُوبَهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمِحَنِ وَالتَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ لِأَجْلِ التَّقْوَى وَفِي الْحَجِّ ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] ، وَهِيَ الْهَدْيُ وَالْبُدْنُ وَتَعْظِيمُهَا اسْتِحْسَانُهَا لِلنَّحْرِ أَوْ هِيَ دِينُ اللَّهِ أَوْ فَرَائِضُ الْحَجِّ وَمَوَاضِعُ نُسُكِهِ أَوْ الْهَدَايَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ مَعَالِمِ الْحَجِّ وَتَعْظِيمُهَا أَنْ يَخْتَارَهَا حِسَانًا سِمَانًا غَالِيَةَ الْأَثْمَانِ ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] نَاشِئَةٌ مِنْ تَقْوَاهُمْ قُلُوبُهُمْ فَذَكَرَ الْقُلُوبَ؛ لِأَنَّهَا مَنْشَأٌ لِلتَّقْوَى كَمَا لِلْفُجُورِ أَيْضًا وَالْآمِرَةُ بِهِمَا
وَفِي التَّوْبَةِ ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ [التوبة: ١٠٩] أَيْ بُنْيَانَ دِينِهِ ﴿عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٩] خَشْيَةَ اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ ﴿وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ﴾ [التوبة: ١٠٩] وَالتَّأْسِيسُ إحْكَامُ أَسَاسِ الْبِنَاءِ وَالْأَسَاسُ أَصْلُهُ وَالْمَعْنَى أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَ دِينِهِ عَلَى قَاعِدَةٍ قَوِيَّةٍ مُحْكَمَةٍ هِيَ تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَرِضْوَانُهُ خَيْرٌ ﴿أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩] يَعْنِي أَمْ مَنْ أَسَّسَ دِينَهُ عَلَى أَضْعَفِ الْقَوَاعِدِ وَأَقَلِّهَا بَقَاءً، وَهُوَ الْبَاطِلُ وَالنِّفَاقُ الَّذِي مِثْلُهُ مِثْلُ بِنَاءٍ عَلَى غَيْرِ أَسَاسٍ ثَابِتٍ وَقَوْلُهُ شَفَا بِمَعْنَى الطَّرَفِ وَجُرُفٍ جَانِبُ وَادٍ مُنْحَرِفٍ أَصْلُهُ بِجَرَيَانِ الْمَاءِ فِيهِ وَهَارٍ مُتَصَدِّعٌ مَائِلٌ إلَى السُّقُوطِ ﴿فَانْهَارَ بِهِ﴾ [التوبة: ١٠٩] أَيْ سَقَطَ مَعَ بَانِيهِ ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٠٩] وَفِي الْأَعْرَافِ ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] مِنْ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فِي الدُّنْيَا ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ [الأعراف: ١٥٦] فَسَأُثْبِتُهَا فِي الْآخِرَةِ وَأَخُصُّهَا ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] الْكُفْرَ وَالْمَعَاصِي فِي الْآخِرَةِ.
قِيلَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ إبْلِيسُ أَنَا مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي وَسِعَتْهُ رَحْمَتُهُ تَعَالَى فَأَنْزَلَ ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ [الأعراف: ١٥٦] وَقِيلَ لِلْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَكِنَّ الْكَافِرَ يُرْزَقُ وَيُدْفَعُ عَنْهُ بِبَرَكَةِ الْمُؤْمِنِ لِسِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَجَبَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً وَفِي الْبَقَرَةِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] يَعْنِي الْقُرْآنُ نُورٌ وَبَيَانٌ لِأَهْلِ التَّقْوَى وَفِي الْبَقَرَةِ ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦] أَيْ تَدْعُوهُمْ إلَى الشُّكْرِ وَالْخَوْفِ وَالثَّبَاتِ عَلَى الطَّاعَةِ وَالصَّبْرِ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَفِي الْأَنْبِيَاءِ ﴿وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] وَخُصَّ الْمُتَّقُونَ؛ لِأَنَّهُمْ الْمُنْتَفِعُونَ بِهِ.
وَفِي الْبَقَرَةِ
стр. 314
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] قِيلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَعَنْ عَلْقَمَةَ الْأَوَّلُ مَكِّيٌّ وَالثَّانِي مَدَنِيٌّ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ كُلُّ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ الْعِبَادَةِ فَبِمَعْنَى التَّوْحِيدِ.
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: النَّاسُ لِلْمَوْجُودِينَ وَقْتَ النُّزُولِ لَفْظًا وَلَيْسَ لِمَنْ سَيُوجَدُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَفِي أُصُولِ الْحَنَفِيَّةِ مِثْلُ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] لَيْسَ خِطَابًا لِمَنْ بَعْدَهُمْ إلَّا بِدَلِيلٍ خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ وَشَامِلٌ لِلنَّبِيِّ وَلَوْ مَعَ الْأَقَلِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَكَذَا يَا عِبَادِي وَيَشْمَلُ الْعَبْدَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ.
وَعَنْ الرَّازِيّ إنْ كَانَ الْخِطَابُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى يَشْمَلُهُ وَإِلَّا فَلَا ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] مِنْ غَيْرِ سَبْقِ مَادَّةٍ وَصُورَةٍ مِثَالِيَّةٍ فِي مَقَامِ التَّعْلِيلِ لِلْعِبَادَةِ، فَإِنَّ كُلَّ وَصْفٍ يَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ، فَهُوَ عِلَّةٌ ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] مِنْ الْأُمَمِ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي اُعْبُدُوا أَيْ اُعْبُدُوا رَبَّكُمْ رَاجِينَ انْخِرَاطَكُمْ فِي سِلْكِ الْمُتَّقِينَ الْفَائِزِينَ بِالْفَلَاحِ وَالْمُسْتَوْجِبِينَ لِجِوَارِ اللَّهِ تَعَالَى فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ التَّقْوَى مُنْتَهَى دَرَجَاتِ السَّالِكِينَ، وَهُوَ التَّبَرِّي عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَالتَّنْزِيهُ عَمَّا يَشْغَلُ سِرَّهُ عَنْهُ وَالتَّبَتُّلُ إلَيْهِ كَمَا يَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ وَعَلَى أَنَّ الْعَابِدَ لَا يَغْتَرُّ بِعِبَادَتِهِ بَلْ يَكُونُ عَلَى خَوْفٍ وَرَجَاءٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] وَقِيلَ تَعْلِيلٌ لِلْخَلْقِ أَيْ خَلَقَكُمْ لِلِاتِّقَاءِ كَمَا فِي - ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ﴾ [الذاريات: ٥٦]- الْآيَةَ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَتِهِ تَعَالَى وَمَعْرِفَةِ وَحْدَانِيِّتِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ لِلْعِبَادَةِ هُوَ النَّظَرُ فِي صُنْعِهِ وَالِاسْتِدْلَالُ بِأَفْعَالِهِ، وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَسْتَحِقُّ بِعِبَادَتِهِ ثَوَابًا، فَإِنَّهَا لَمَّا أُوجِبَتْ عَلَيْهِ شُكْرًا لِمَا عَدَّدَهُ عَلَيْهِ مِنْ النِّعَمِ السَّابِقَةِ فَهُوَ كَأَجِيرٍ أَخَذَ الْأَجْرَ قَبْلَ الْعَمَلِ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ.
وَقِيلَ عَنْ الْوَاحِدِيِّ إنَّ لَعَلَّ تَكُونُ تَرَجِّيًا وَبِمَعْنَى كَيْ وَقِيلَ كَلِمَةُ تَرْجِيَةٍ وَتَطْمِيعٍ أَيْ كُونُوا عَلَى رَجَاءٍ وَطَمَعٍ أَنْ تَتَّقُوا بِعِبَادَتِكُمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ تَحِلَّ بِكُمْ وَفِي الْأَعْرَافِ ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] أَيْ الْكِتَابِ مِنْ الْمَوَاعِظِ وَالنَّصَائِحِ وَالْأَحْكَامِ وَالْعِبَرِ أَوْ اعْمَلُوا بِهِ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣] لِكَيْ تَتَّقُوا الْمَعَاصِي أَوْ رَجَاءَ أَنْ تَكُونُوا مِنْ الْمُتَّقِينَ.
وَعَنْ الْبَغَوِيّ: اُذْكُرُوا اُدْرُسُوا وَقِيلَ احْفَظُوا لِكَيْ تَنْجُوا مِنْ هَلَاكِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْعُقْبَى وَفِي الْبَقَرَةِ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] بَقَاءٌ عَظِيمٌ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلِانْزِجَارِ عَنْ الْقَتْلِ، وَالِارْتِدَاعِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُقْتَلُ عِنْدَ قَتْلِ الْغَيْرِ ﴿يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] ذَوِي الْعُقُولِ الْكَامِلَةِ نَادَاهُمْ لِلتَّأَمُّلِ فِي حِكْمَةِ الْقِصَاصِ مِنْ اسْتِبْقَاءِ الْأَرْوَاحِ وَحِفْظِ النُّفُوسِ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] عَنْ الْقَتْلِ أَوْ عَنْ الْقِصَاصِ كَمَا فَسَّرُوا بِهِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ ضَعْفِ الدَّلَالَةِ بَلْ عَدَمُهَا عَلَى الْمَطْلُوبِ الَّذِي هُوَ التَّقْوَى الْمَقْصُودَةُ هُنَا وَفِي الْبَقَرَةِ أَيْضًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ﴾ [البقرة: ١٨٣] أَيْ فُرِضَ ﴿عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] فِي رَمَضَانَ، وَكَانَ قَبْلُ فَرْضُ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فَنُسِخَ بِرَمَضَانَ قَبْلَ قِتَالِ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ.
حُكِيَ عَنْ الْوَاحِدِيِّ ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] مِنْ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَفِيهِ تَوْكِيدٌ لِلْحُكْمِ وَتَرْغِيبٌ فِي الْفِعْلِ وَتَطْبِيبٌ عَلَى النَّفْسِ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ وَالتَّشْبِيهُ فِي أَصْلِ الْوُجُوبِ لَا فِي الْكَيْفِيَّةِ وَقِيلَ كَانَ صَوْمُهُمْ فِي الْكَيْفِيَّةِ مِثْلُ صَوْمِنَا وَشَقَّ عَلَيْهِمْ عِنْدَ اشْتِدَادِ الْحَرِّ أَوَانَ الْكُسُوبِ وَالسَّفَرِ فَتَشَاوَرُوا وَقَالُوا لِذَلِكَ عِلَاجٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِمْ وَعَرَضُوا أَمْوَالًا وَعَطَايَا فَتَشَاوَرَ عُلَمَاؤُهُمْ وَاسْتَقَرَّ رَأْيُهُمْ بِمُقَابَلَةِ ارْتِشَائِهِمْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوهُ بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالرَّبِيعِ وَيَحْتَرِزُوا عَنْ الْحَيَوَانَاتِ وَيَأْكُلُوا وَيَشْرَبُوا وَيَزِيدُوا عَلَيْهَا
стр. 315
عَشَرَةً كَفَّارَةً لِمَا صَنَعُوا فَصَارَ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ إنَّ مَلِكًا لَهُمْ اشْتَكَى فِيهِ فَجَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ إنْ بَرِيءَ مِنْ وَجَعِهِ أَنْ يَزِيدَ فِي صَوْمِهِمْ أُسْبُوعًا فَبَرِيءَ فَزَادَ أُسْبُوعًا، ثُمَّ مَاتَ هُوَ وَوَلِيَهُمْ مَلِكٌ آخَرُ فَأَتَمَّ خَمْسِينَ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] الْمَعَاصِي بِقَهْرِ النَّفْسِ وَكَسْرِ شَهَوَاتِهَا وَقِيلَ عَنْ تَغْيِيرِ الصَّوْمِ كَمَا فَعَلَهُ النَّصَارَى وَقِيلَ لَعَلَّكُمْ تَنْتَظِمُونَ فِي زُمْرَةِ الْمُتَّقِينَ وَجْهُ الِاحْتِجَاجِ أَنَّ التَّقْوَى أَمْرٌ عَظِيمٌ شُرِعَ لِأَجْلِ نَيْلِهَا قَهْرُ النَّفْسِ بِهَذَا الصِّيَامِ وَتَعْذِيبِ النَّفْسِ وَفِي الْبَقَرَةِ أَيْضًا ﴿كَذَلِكَ﴾ [البقرة: ١٨٧] أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ الْبَيَانِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٧] مَعَالِمَ دِينِهِ وَأَحْكَامَ شَرِيعَتِهِ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧] مَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فَيُنَحُّوا مِنْ الْعَذَابِ فَإِذَا كَانَ غَايَةُ تِبْيَانِ الْآيَاتِ الْجَلِيلَةِ الشَّأْنُ لِلنَّاسِ هِيَ اتِّقَاؤُهُمْ فَالتَّقْوَى أَمْرٌ شَرِيفٌ وَلَهُ فَضْلٌ مُنِيفٌ وَفِي الْأَنْعَامِ ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥١] خَوِّفْ بِالْقُرْآنِ ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٥١] .
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: هُمْ الْمُؤْمِنُونَ الْمُفَرِّطُونَ فِي الْعَمَلِ أَوْ الْمُجَوِّزُونَ لِلْحَشْرِ مُؤْمِنًا أَوْ كَافِرًا مُقِرًّا أَوْ مُتَرَدِّدًا فَإِنَّ الْإِنْذَارَ لَا يُفِيدُ لِمَنْ يَقْطَعُ فِي الْإِنْكَارِ، وَقِيلَ هُمْ الْكُفَّارُ ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الأنعام: ٥١] أَيْ اللَّهِ ﴿وَلِيٌّ﴾ [الأنعام: ٥١] قَرِيبٌ يَنْصُرُهُمْ ﴿وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١] فَإِنْ قِيلَ إنْ أُرِيدَ بِهِمْ الْكُفَّارُ فَيَلْزَمُ أَنْ يُرَادَ مِنْ الِاتِّقَاءِ مَا يَتَّقِي مِنْ الْكُفْرِ فَلَا تَقْرِيبَ إذْ الظَّاهِرُ كَمَا عَرَفْت أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الِاتِّقَاءِ هُنَا مَا يُجْتَنَبُ مِنْ الْكَبَائِرِ وَالْإِصْرَارُ عَلَى الصَّغَائِرِ وَالْبِدَعِ، وَإِنْ أُرِيدَ الْمُؤْمِنُونَ فَيَلْزَمُ عَدَمُ الشَّفَاعَةِ لَهُمْ قُلْنَا قَدْ سَبَقَ مَا يَصْلُحُ جَوَابًا لِذَلِكَ - ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣]- ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَيَنْزَجِرُوا عَنْ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي وَفِي الْأَنْعَامِ أَيْضًا ﴿ذَلِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٣] يَعْنِي عَدَمَ اتِّبَاعِكُمْ السُّبُلَ الْمُخْتَلِفَةَ وَالْأَهْوَاءَ الْمُضِلَّةَ وَالْبِدَعَ الْمُرْدِيَةَ ﴿وَصَّاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٣] اللَّهُ تَعَالَى ﴿بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] الضَّلَالَ وَالتَّفَرُّقَ عَنْ الْحَقِّ وَفِي الْمَائِدَةِ ﴿اعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨] فِي أَوْلِيَائِكُمْ وَأَعْدَائِكُمْ ﴿هُوَ﴾ [المائدة: ٨] الْعَدْلُ الْمَذْكُورُ مَعْنًى ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] عَنْ النَّارِ أَوْ الْمَعَاصِي وَفِي الْبَقَرَةِ ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ يَعْنِي عَفْوُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ أَدْعَى إلَى اتِّقَاءِ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ نَدْبٌ وَفِي الْبَقَرَةِ أَيْضًا ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٣] الْيَهُودَ ﴿آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٣] بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْقُرْآنِ ﴿وَاتَّقَوْا﴾ [البقرة: ١٠٣] الْكُفْرَ وَالْإِثْمَ ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ [البقرة: ١٠٣] أَيْ لَكَانَ ثَوَابُ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهُمْ خَيْرًا.
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِالرَّسُولِ وَالْكِتَابِ وَاتَّقُوا بِتَرْكِ الْمَعَاصِي لَمَثُوبَةٌ ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ١٠٣] وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ دَلَالَةِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ وَفِي آلِ عِمْرَانَ ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ [آل عمران: ١٢٠] عَلَى مَشَاقِّ الْمُنَافِقِينَ ﴿وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٠] مُوَالَاتِهِمْ أَوْ مَا
стр. 316
حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴿لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠] مِنْ الْمَكَارِهِ، وَهُوَ إرْشَادٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبْرِ وَالتَّقْوَى عَلَى كَيْدِ الْأَعْدَاءِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الِانْفِعَالُ قَلِيلًا وَفِي آلِ عِمْرَانَ أَيْضًا ﴿بَلَى﴾ [آل عمران: ١٢٥] أَيْ يَكْفِيكُمْ الْإِمْدَادُ بِهِمْ ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٥] مَعْصِيَةَ اللَّهِ وَمُخَالَفَةَ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿وَيَأْتُوكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٥] الْمُشْرِكُونَ ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران: ١٢٥] مِنْ غَضَبِهِمْ هَذَا أَوْ مِنْ وَجْهِهِمْ هَذَا وَأَصْلُ الْفَوْرِ غَلَيَانُ الْقِدْرِ، ثُمَّ لِلْغَضَبِ ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾ [آل عمران: ١٢٥] هُمْ ثَلَاثَةُ الْآلَافِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلُ ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] مُعَلَّمِينَ خُيُولَهُمْ بِالصُّوفِ الْأَبْيَضِ وَقُرِئَ بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ سَوَّمُوا نُفُوسَهُمْ بِعِمَامَةٍ صَفْرَاءَ وَثِيَابٍ بِيضٍ.
وَعَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ الْمَلَائِكَةُ كَانَتْ عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ بِعَمَائِمَ صُفْرٍ.
وَعَنْ عَلِيٍّ بِيضٍ أَرْسَلُوهَا بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ.
وَعَنْ الْخَازِنِ عَنْ ابْنِ الْجَوْزِيِّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَيْنَمَا أَنَا أَمْتَحُ مِنْ قَلِيبِ بَدْرٍ جَاءَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ أَشَدُّ مِنْهَا، ثُمَّ أَشَدُّ مِنْهَا، ثُمَّ أَشَدُّ مِنْهَا فَالْأُولَى جَبْرَائِيلُ فِي أَلْفَيْنِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالثَّانِيَةُ مِيكَائِيلُ فِي أَلْفَيْنِ أَيْضًا عَنْ يَمِينِهِ ﵊ وَالثَّالِثَةُ إسْرَافِيلُ فِي أَلْفٍ عَنْ يَسَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكُنْت عَنْ يَسَارِهِ وَهَزَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَعْدَاءَهُ وَفِي آلِ عِمْرَانَ ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ [آل عمران: ١٨٦] عَلَى الْأَذَى وَالشَّدَائِدِ ﴿وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٨٦] بِتَرْكِ الْمَعَاصِي وَالْمُعَارَضَةِ ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ١٨٦] الصَّبْرَ ﴿مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] مَعْزُومَاتِ الْأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ عَلَيْكُمْ فِعْلُهَا وَتَحَمُّلُهَا أَوْ مِمَّا عَزَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَيْ أَمَرَ بِهِ وَبَالَغَ فِيهِ وَالْعَزْمُ فِي الْأَصْلِ ثَبَاتُ الرَّأْيِ عَلَى الشَّيْءِ نَحْوُ إمْضَائِهِ.
وَعَنْ الْبَغَوِيّ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أَيْ مِنْ حَقِّ الْأُمُورِ وَحَتْمِهَا وَفِي النِّسَاءِ ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾ [النساء: ١٢٩] مَا كُنْتُمْ تُفْسِدُونَ ﴿وَتَتَّقُوا﴾ [النساء: ١٢٩] فِيمَا يُسْتَقْبَلُ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩] وَفِي الْمَائِدَةِ ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٦٥] أَيْ قَرَنُوا إيمَانَهُمْ بِعَمَلِ التَّقْوَى ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [المائدة: ٦٥] يَشْكُلُ أَنَّ إيمَانَ الْكَافِرِ وَلَوْ لَمْ يُقَارِنْ الْعَمَلَ كَافٍ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَمَا فَائِدَةُ تَعْلِيقِ تَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ وَإِدْخَالِ الْجَنَّاتِ بِمَجْمُوعِ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى وَالْحَمْلُ عَلَى مُرُورِ مُدَّةٍ مُتَطَاوِلَةٍ بَعْدَ الْإِيمَانِ بَعِيدٌ كَالْحَمْلِ عَلَى الِاتِّقَاءِ مِنْ الْكُفْرِ عَلَى أَنْ يَكُونَ عَطْفَ تَفْسِيرٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَصْلُ الْإِيمَانِ سَبَبُ أَصْلِ الدُّخُولِ.
وَأَمَّا مَعِيَّتُه فَلِجَنَّاتِ النَّعِيمِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ صِيغَةُ الْجَمْعِ وَفِي الْأَعْرَافِ ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى﴾ [الأعراف: ٩٦] الْمَدْلُولُ فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ﴾ [الأعراف: ٩٤]- وَقِيلَ مَكَّةُ وَمَا حَوْلَهَا.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ وَالْقُرَى فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَدِينَةُ لَعَلَّ الْمُرَادَ مَا يَشْمَلُ الْقَرْيَةَ وَالْمَدِينَةَ وَالْبَرَارِيَ إمَّا بِعُمُومِ الْمَجَازِ أَوْ بِدَلَالَةِ النَّصِّ أَوْ الْمُقَايَسَةِ ﴿آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [الأعراف: ٩٦] الشِّرْكَ وَالْمَعَاصِي.
وَعَنْ ابْنِ جَمِيلٍ أَنَّ الْمُهْلَكِينَ لَوْ أَتَوْا بِالْإِيمَانِ
стр. 317
وَاتَّقُوا الْمَنَاهِيَ ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] مِنْ الْأَمْطَارِ وَالرِّيَاحِ اللَّوَاقِحِ وَمِنْ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتَاتِ.
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: لَوَسَّعْنَا عَلَيْهِمْ الْخَيْرَ وَيَسَّرْنَاهُ لَهُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الْخِصْبُ وَالرَّخَاءُ وَكَثْرَةُ الْمَوَاشِي وَزِيدَ الثِّمَارُ وَالْأَرْزَاقُ وَالْأَمْنُ وَالسَّلَامَةُ وَأَصْلُ الْبَرَكَةِ ثُبُوتُ الْخَيْرِ الْإِلَهِيِّ فِي الشَّيْءِ.
وَعَنْ الْبَغَوِيّ هِيَ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى الشَّيْءِ وَالْمُتَابَعَةُ سَوَاءٌ مَطَرًا أَوْ نَبَاتًا ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٩٦] عَاقَبْنَاهُمْ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ كَالْقَحْطِ ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦] بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ الْأَعْمَالَ الْخَبِيثَةَ.
وَعَنْ الْعُيُونِ إذَا كَانَ الْمَرْءُ شَاكِرًا كَانَ سِعَةُ الرِّزْقِ فِيهِ مِنْ السَّعَادَةِ وَإِلَّا فَمِنْ الشَّقَاوَةِ وَفِي الْأَنْفَالِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الأنفال: ٢٩] بِطَاعَتِهِ وَتَرْكِ عِصْيَانِهِ ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] هِدَايَةً فَارِقَةً بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ أَوْ نَصْرًا فَارِقًا بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ بِإِعْزَازِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِذْلَالِ الْكَافِرِينَ أَوْ مَخْرَجًا مِنْ الشُّبُهَاتِ وَنَجَاةً مِمَّا يَحْذَرُونَ فِي الدَّارَيْنِ أَوْ ظُهُورًا لِيُشْهِرَ أَمْرَكُمْ وَيُثْبِتَ دِينَكُمْ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ.
وَعَنْ الْخَازِنِ فُرْقَانًا يَعْنِي نُورًا فِي قُلُوبِكُمْ تُفَرِّقُونَ بِهِ الْحَقَّ عَنْ الْبَاطِلِ وَقِيلَ ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩] الصَّغَائِرَ ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩] ذُنُوبَكُمْ الْكَبَائِرَ وَقِيلَ الْمُرَادُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩] فَلَا تَطْلُبُوا الْفَضْلَ مِنْ غَيْرِهِ.
وَعَنْ الْبَيْضَاوِيِّ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَا وَعَدَهُ بِمُقَابَلَتِهِ الْعَمَلَ تَفَضُّلِيٌّ لَا وُجُوبِيٌّ وَقِيلَ كَأَنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ يَعْنِي مَنْ كَانَ صَاحِبَ فَضْلٍ عَظِيمٍ يَقْدِرُ أَنْ يُعْطِيَ مِثْلَ هَذَا الْوَعْدِ.
وَفِي النُّورِ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ [النور: ٥٢] بِسُكُونِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ فِيمَا بَعْدُ فَلَمْ يَعْصِ اللَّهَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ قِيلَ هَذِهِ الْآيَةُ جَامِعَةٌ لِكُلِّ مَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَفْعَلَهُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] بِالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ لِجَمْعِهِمْ أَسْبَابَ الْفَوْزِ وَفِي الطَّلَاقِ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ [الطلاق: ٢] فِي الْمَعَاصِي وَالْمُحَرَّمَاتِ ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] إلَى الْحَلَالِ وَالطَّاعَةِ.
وَعَنْ الْوَاحِدِيِّ نَزَلَتْ فِي «عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَسَرَ الْعَدُوُّ ابْنًا لَهُ فَأَتَى الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ وَشَكَا إلَيْهِ الْفَاقَةَ أَيْضًا فَقَالَ لَهُ اتَّقِ اللَّه وَاصْبِرْ وَأَكْثِرْ مِنْ قَوْلِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ فَفَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ فَبَيْنَا هُوَ فِي بَيْتِهِ إذْ أَتَاهُ ابْنُهُ وَقَدْ غَفَلَ عَنْهُ الْعَدُوُّ فَأَصَابَ إبِلًا وَجَاءَ بِهَا إلَى أَبِيهِ» فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] أَيْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ يَعْنِي يُوَسِّعُ رِزْقَهُ.
«وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَاسْتَاقَ غَنَمَهُمْ فَجَاءَ بِهَا إلَى أَبِيهِ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ آلَافِ شَاةٍ فَانْطَلَقَ أَبُوهُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَ عَنْ حِلِّهِ فَقَالَ نَعَمْ» وَفِي الطَّلَاقِ أَيْضًا ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ [الطلاق: ٤] فِي أَحْكَامِهِ فَيُرَاعِي حُقُوقَهَا وَيَصْبِرْ ﴿يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٤] أَمْرِ الدَّارَيْنِ ﴿يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤] يُسَهِّلُهُ وَيُوَفِّقُهُ وَفِي الطَّلَاقِ أَيْضًا ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ [الطلاق: ٥] بِطَاعَتِهِ ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ﴾ [الطلاق: ٥] بِالْيَاءِ وَالنُّونِ ﴿سَيِّئَاتِهِ﴾ [الطلاق: ٥] مِنْ الصَّلَاةِ إلَى الصَّلَاةِ وَمِنْ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ ﴿وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥] بِالْمُضَاعَفَةِ كَعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَأَنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ وَفِي الْأَحْزَابِ
стр. 318
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٧٠] فِي ارْتِكَابِ مَا يَكْرَهُهُ فَضْلًا عَمَّا يُؤْذِي رَسُولَهُ ﴿وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] قَاصِدًا إلَى الْحَقِّ وَالْعَدْلِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - صَوَابًا وَقِيلَ صِدْقًا وَقِيلَ هُوَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَقِيلَ الْقَوْلُ الَّذِي يُوَافِقُ ظَاهِرُهُ بَاطِنَهُ أَوْ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ الْغَرَضُ النَّهْيُ عَنْ الْخَوْضِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِمْ وَالْحَثُّ عَلَى حِفْظِ اللِّسَانِ فِي كُلِّ بَابٍ فَإِنَّهُ رَأْسُ الْخَيْرِ كُلِّهِ وَالْمَعْنَى رَاقِبُوا اللَّهَ تَعَالَى فِي حِفْظِ أَلْسِنَتِكُمْ وَتَسْدِيدِ قَوْلِكُمْ ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧١] بِتَوْفِيقِ صَالِحِ الْأَعْمَالِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِقَبُولِ حَسَنَاتِكُمْ ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧١] الْآيَةَ وَفِي آلِ عِمْرَانَ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩] رَاجِينَ الْفَلَاحَ لَا الْقَطْعَ، فَإِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ كَذَا قِيلَ إنْ أُرِيدَ الْقَطْعُ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَعْدِهِ وَعَادَتِهِ فَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الْقَطْعِ فِي الْفَلَاحِ لِلْمُتَّقِي الْخَالِصِ، وَأَنَّ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَاتِ التَّقْوَى فَالْكَلَامُ فِي السَّبَبِ الْعَادِيِّ كَيْفَ وَخُلْفُ الْوَعْدِ وَالْكَذِبِ فِي الْخَبَرِ وَالرُّجُوعِ عَنْ الْحُكْمِ وَتَبْدِيلِ الْقَوْلِ مُحَالٌ فِي حَقِّهِ تَعَالَى كَمَا سَبَقَ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَوَقُّفِ الْفَلَاحِ عَلَى التَّقْوَى؛ وَلِهَذَا عَنْ ابْنِ جَمِيلٍ التَّقْوَى هُنَا وَاجِبَةٌ؛ لِأَنَّ الْفَلَاحَ تَوَقَّفَ عَلَيْهَا فَلَوْ لَمْ تَبْقَ زَالَ الْفَلَاحُ وَفِي آلِ عِمْرَانَ أَيْضًا ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣] بِصَرْفِ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ لِمَا خَلَقَ لَهُ، وَذَلِكَ بِالتَّقْوَى عَنْ عِقَابِهِ وَفِي الْحُجُرَاتِ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٩] فَلَا تَعْصُوهُ وَلَا تُخَالِفُوا أَمْرَهُ أَوْ مُخَالَفَةُ حُكْمِهِ وَالْإِهْمَالُ فِيهِ ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] رَاجِينَ رَحْمَتَكُمْ وَفِي الْمَائِدَةِ ﴿وَتَعَاوَنُوا﴾ [المائدة: ٢] تَنَاصَرُوا ﴿عَلَى الْبِرِّ﴾ [المائدة: ٢] اتِّبَاعُ أَمْرِ اللَّهِ وَالْعَمَلُ بِهِ أَوْ الْإِسْلَامُ أَوْ الْعَفْوُ وَالْإِعْفَاءُ ﴿وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] اجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ أَوْ السُّنَّةِ وَمُتَابَعَتِهَا.
وَعَنْ الْخَازِنِ لِيُعِنْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا عَلَى كَسْبِ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى.
وَعَنْ السُّلَمِيِّ الْبِرُّ مَا وَافَقَك عَلَيْهِ الْعِلْمُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَالتَّقْوَى مُخَالَفَةُ الْهَوَى وَقِيلَ الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إلَيْهِ قَلْبُك وَقِيلَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى طَاعَةُ الْأَكَابِرِ مِنْ السَّادَاتِ وَالْمَشَايِخِ وَلَا تُضَيِّعُوا حُظُوظَكُمْ مِنْهُمْ وَمِنْ مُعَاوَنَتِهِمْ وَخِدْمَتِهِمْ وَعَنْ سَهْلٍ الْبِرُّ الْإِيمَانُ وَالتَّقْوَى السُّنَّةُ
وَفِي الْعَلَقِ ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ [العلق: ١٢] بِالْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ أَوْ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي فَنَهَاهُ عَنْهُ نَقْلٌ عَنْ الْعُيُونِ وَفِي النِّسَاءِ ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا﴾ [النساء: ١٣١] أَمَرْنَا ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ١٣١] مِنْ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ [النساء: ١٣١] يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ فِي الْقُرْآنِ ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] بِأَنْ تُوَحِّدُوهُ وَتُطِيعُوهُ وَتَحْذَرُوهُ وَلَا تُخَالِفُوا أَمْرَهُ فَالتَّقْوَى شَرِيعَةٌ قَدِيمَةٌ أَوْصَى بِهَا اللَّهُ جَمِيعَ الْأُمَمِ وَحِينَ اسْتَوْصَى مِنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ قَالَ أُوصِيَك يَا وَلَدِي بِمَا أَوْصَى بِهِ اللَّهُ تَعَالَى جَمِيعَ أَنْبِيَائِهِ وَكَافَّةَ أَوْلِيَائِهِ وَجُمْلَةَ أَحِبَّائِهِ وَعَامَّةَ عِبَادِهِ لِكَوْنِهِ غَايَةَ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَيْهِ فَلَيْسَ أَعَزَّ مِنْهُ وَلَا أَفْضَلَ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] فَعَلَيْك بِبَذْلِ جُهْدِك وَغَايَةِ سَعْيِك فِي تَحْقِيقِ حَقَائِقِ التَّقْوَى وَتَدْقِيقِ أَسْرَارِهَا فَإِنَّ لَهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَحَقًّا وَحَقِيقَةً فَمَنْ بَلَغَهَا فَقَدْ مَلَكَ سُلْطَةً سَرْمَدِيَّةً انْتَهَى وَفِي الْمَائِدَةِ.
﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ١١٢] قَالَ عِيسَى لِلْحَوَارِيِّينَ الْقَائِلِينَ لَهُ - ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢]- الْآيَةَ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ١١٢] فِي سُؤَالِ الْمَائِدَةِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢] ؛ لِأَنَّهُ سُؤَالُ تَعَنُّتٍ وَقِيلَ أَمَرَهُمْ بِالتَّقْوَى لِيَحْصُلَ لَهُمْ هَذَا السُّؤَالُ وَقِيلَ اسْتَعِينُوا عَلَى هَذَا بِالتَّقْوَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]-، ثُمَّ الِاحْتِجَاجُ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَنَا شَرِيعَةٌ لَنَا إذَا قَصَّهُ اللَّهُ أَوْ أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ بِلَا نَكِيرٍ
وَفِي
стр. 319
آلِ عِمْرَانَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] حَقَّ خَوْفِهِ بِأَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى طَرْفَةَ عَيْنٍ أَوْ بِاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ فِي الْقِيَامِ بِالْوَاجِبِ لَا مَحَالَةَ وَالِاجْتِنَابِ عَنْ الْمَحَارِمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] .
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِأَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرَ وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا قَالُوا بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ فَاتَّقُوا اللَّه مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ «حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ شَقَّ عَلَى الصَّحَابَةِ حَتَّى قَالُوا لَا نُطِيقُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَقُولُوا كَمَا تَقُولُ الْيَهُودُ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، وَلَكِنْ قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا» فَنَزَلَتْ ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] فَكَانَتْ أَعْظَمَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْأُولَى فَسَهَّلَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَنْزَلَ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] فَصَارَتْ نَاسِخَةً فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِآيَةٍ مَنْسُوخَةٍ
وَقِيلَ إنَّ هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَابْنِ زَيْدٍ وَالسُّدِّيِّ نَعَمْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى حَقَّ تُقَاتِهِ أَدَاءُ مَا كَانَ فِي طَاقَةِ الْعَبْدِ عَلَى أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ تَفْسِيرًا لَهُ لَا نَاسِخًا وَلَا مُخَصِّصًا وَالنَّسْخُ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ إنْ أُرِيدَ بِهِ أَنْ يَأْتِيَ الْعَبْدُ بِكُلِّ مَا يَجِبُ لِلَّهِ وَيَسْتَحِقُّهُ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ تَحْصِيلُهُ لِلْعَبْدِ كَذَا قَالُوا لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ حَاصِلَ سَبَبِ الْقَوْلِ بِالنَّسْخِ هُوَ الْقَوْلُ بِالِامْتِنَاعِ لِلْعَبْدِ فَهَلْ يُمْكِنُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ لَا يُكَلِّفُ الْعَبْدَ مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ، وَأَنَّ النَّسْخَ الْأَصَحَّ أَنَّهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِيهِ بَلْ بِالسَّمْعِ، وَأَنَّك قَدْ سَمِعْت أَنَّ ذَلِكَ رَأْيٌ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْآثَارِ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ أَوْ مُنْقَطِعٌ وَالرِّوَايَةُ الْوَاحِدَةُ فِي جَنْبِ الْمُتَعَدِّدَةِ أَوْ مُقَابِلِهَا لَا يُعْتَدُّ بِهَا فَافْهَمْ ذَلِكَ وَفِي التَّغَابُنِ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] عَلَى قَدْرِ طَاقَتِكُمْ إذْ لَا تَكْلِيفَ بِمَا لَا يُطَاقُ فَهَذِهِ لِمَا قَبْلَهَا كَمَا سَمِعْت كَمَا نُقِلَ عَنْ الْخَازِنِ وَعَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ قِيلَ نَسَخَ هَذَا قَوْلَهُ حَقَّ تُقَاتِهِ لِمَا اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنْ قَامُوا حَتَّى تَوَرَّمَتْ أَقْدَامُهُمْ وَتَقَرَّحَتْ جِبَاهُهُمْ
أَقُولُ كَمَا نَبَّهَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِهِ حَقَّ تُقَاتِهِ مَا أَمْكَنَ صُدُورُهُ مِنْ الْعَبْدِ غَايَتُهُ نِهَايَةُ مَا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ مِنْ الْعَبْدِ كَيْفَ، وَقَدْ رَفَعَ عَنَّا التَّكَالِيفَ الشَّاقَّةَ كَالْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ بَلْ رَفَعَ كُلَّ مَا فِيهِ حَرَجٌ وَأَرَادَ الْيُسْرَ لَا الْعُسْرَ لَعَلَّ لِهَذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ الْبَيْضَاوِيُّ لِنَسْخِهَا.
وَقَالَ أَيْ اُبْذُلُوا فِي تَقْوَاهُ جُهْدَكُمْ وَطَاقَتَكُمْ لَعَلَّ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ أَيْضًا مَا اسْتَطَعْتُمْ، ثُمَّ هَذِهِ الْآيَاتُ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ آيَةً لَكِنَّ دَلَالَةَ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَلَى فَضْلِ التَّقْوَى الْمُرَادَةِ لَيْسَتْ بِظَاهِرَةٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَى بَعْضِهَا وَأَيْضًا لَا يَظْهَرُ فِي الْكُلِّ تَرْتِيبُ قُوَّةِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ الْمُتَبَادِرِ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ فِيمَا تَقَدَّمَ إلَّا أَنْ يُرَادَ فَضْلُ مُطْلَقِ التَّقْوَى مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي سَيَذْكُرُهَا الْمُصَنِّفُ
وَإِذَا عَرَفْت أَنَّ مَوَاقِعَ التَّقْوَى فِي الْقُرْآنِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ إجْمَالًا وَعَرَفْت مَا ذَكَرْنَا تَفْصِيلًا مِنْ الثَّلَاثِ وَالسِّتِّينَ وَمَا فِي ضِمْنِهَا مِنْ الْفَضْلِ وَالْفَوَائِدِ (فَمَا مِنْ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ) الْمُوجِبَةِ لِرِضَاهُ تَعَالَى مِنْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةِ (أَكْثَرُ ذِكْرًا) مِنْ حَيْثُ ذَاتِهَا (وَثَنَاءً عَلَيْهَا) مِنْ حَيْثُ فَضْلِهَا وَمَدْحِهَا (فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ التَّقْوَى) لَعَلَّ هَذَا إمَّا إضَافِيٌّ وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذِكْرَ الْإِيمَانِ وَلَفْظَ الْأَعْمَالِ وَالطَّاعَةِ أَكْثَرُ مِنْ التَّقْوَى (فَتَأَمَّلْ) أَيُّهَا الْمُشْتَاقُ إلَى لِقَاءِ اللَّهِ وَالطَّالِبُ رِضَا اللَّهِ وَالسَّالِكُ إلَى طَرِيقِ اللَّهِ (فِيمَا كَتَبْنَا مِنْ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ) عِبَارَةً أَوْ دَلَالَةً أَوْ إشَارَةً أَوْ مُقَايَسَةً (كَيْفَ كَانَ الْمُتَّقِي عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَكْرَمَ) وَأَشْرَفَ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَةُ الْأُولَى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] .
وَقَدْ سَمِعْت أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لِثُبُوتِ سَبْقِيَّتِهِ فِي التَّقْوَى عَلَى الْغَيْرِ بِالنَّصِّ كَانَ أَكْرَمَ عِنْدَ اللَّهِ، وَكَانَ بِذَلِكَ أَفْضَلَ الْخَلَائِقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَالْفَضْلُ دَائِرٌ عَلَى التَّقْوَى فِي مَرَاتِبِهَا (وَ) كَانَ (مَقْبُولَ الطَّاعَةِ) إلَى أَنْ يَنْحَصِرَ الْقَبُولُ إلَى التَّقْوَى بِقَوْلِهِ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] (وَ) كَانَ (وَلِيَّهُ) بَلْ حَصَرَ الْوِلَايَةَ إلَيْهِمْ ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩] (وَحَبِيبَهُ) ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤] فَانْظُرْ مَقَامَ الْمَحَبَّةِ الرَّبَّانِيَّةِ فَإِنَّهَا رُتْبَةُ أَوْلِيَائِهِ الْمُقَرَّبِينَ (وَكَيْفَ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَلِيًّا) بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْآيَتَيْنِ (وَمُحِبًّا) بِمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا
стр. 320
(وَمُزَكِّيًا) ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢] (وَنَاصِرًا) ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤] فَانْظُرْ هَذِهِ الْمَعِيَّةَ الْإِلَهِيَّةَ (وَكَيْفَ كَانَ لَهُ الْعَاقِبَةُ) الْمُرْضِيَةُ ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]
فَانْظُرْ لِمَا فِيهِ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ مِنْ لَامِ الْمِلْكِ بَلْ لَامَيْ التَّعْرِيفَيْنِ أَيْضًا (وَالْآخِرَةُ) ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩] وَعَلَى هَذَا فَقِسْ اللَّفَّ وَالنَّشْرَ الْمُرَتَّبَ (وَكَيْفَ أُعِدَّتْ لَهُ) لِلْمُتَّقِي (الْجَنَّةُ وَأُورِثَتْ) بِالْمَجْهُولِ (لَهُ وَأُزْلِفَتْ) قُرِّبَتْ (وَوُعِدَتْ لَهُ، وَكَانَتْ دَارًا) لِلْمُتَّقِينَ (وَكَيْفَ كَانَتْ التَّقْوَى لِلْآخِرَةِ زَادًا وَلِبَاسًا) ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] (وَكَيْفَ أُضِيفَتْ) التَّقْوَى (إلَى الرَّئِيس الْأَشْرَفِ) أَيْ الْقَلْبِ (وَامْتُحِنَ بِهَا وَكَيْفَ جُعِلَتْ سَبَبًا لِلْخَيْرِيَّةِ) فِي كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ (وَكِتَابَةُ الرَّحْمَةِ) أَيْ إلْزَامُهَا (وَكَيْفَ خَصَّ لَهَا) لِأَجْلِ التَّقْوَى (كَوْنَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى هُدًى وَمَوْعِظَةً وَذِكْرَى) ؛ لِأَنَّ بِهَا يَتِمُّ الِانْتِفَاعُ وَيَكْمُلُ الِارْتِفَاعُ
(وَكَيْفَ جُعِلَتْ غَايَةً) مُنْتَهًى وَنِهَايَةً (لِلْعِبَادَةِ وَالذِّكْرِ وَالْقِصَاصِ وَالصِّيَامِ) مِنْ الْعِبَادِ (وَالتَّبْيِينِ) مِنْ اللَّهِ تَعَالَى (وَالْإِنْذَارِ) مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَالتَّوْصِيَةِ) مِنْهُ تَعَالَى (وَالْعَدْلِ وَالْعَفْوِ) مِنْ الْعِبَادِ (وَكَيْفَ كَانَتْ شَرْطًا وَسَبَبًا لِلْمَثُوبَةِ) مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى (وَدَفْعِ الْكَيْدِ) مِنْ الْأَعْدَاءِ (وَالْإِمْدَادِ) بِالْمَلَائِكَةِ (وَإِتْيَانِ مَا يَجِبُ الْعَزْمُ عَلَيْهِ وَالْمَغْفِرَةُ) لِلْعِبَادِ (وَالرَّحْمَةِ) لَهُمْ بِالْوَعْدِ الصَّادِقِ (وَتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ وَإِدْخَالِ الْجَنَّةِ وَفَتْحِ الْبَرَكَاتِ) مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (وَالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْفَوْزِ) بِوُصُولِ السَّعَادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ (وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَضَايِقِ) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (وَالرِّزْقِ) لِلْعَبْدِ (مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ وَالْيُسْرِ) عِنْدَ كُلِّ عُسْرٍ (وَإِعْظَامِ الْأَجْرِ وَإِصْلَاحِ الْعَمَلِ وَالْفَلَاحِ) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (وَالشُّكْرِ) لِلَّهِ تَعَالَى (وَكَيْفَ أَمَرَ) اللَّهُ تَعَالَى (بِالتَّعَاوُنِ عَلَيْهَا) أَيْ التَّقْوَى (وَمَدَحَ الْآمِرَ بِهَا وَوَصَّى بِهَا الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ وَجُعِلَتْ مُقْتَضَى الْإِيمَانِ وَأُمِرَ) بِالْمَجْهُولِ (بِتَحْصِيلِ حَقِيقَتِهَا وَكَمَالِهَا بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ) فَإِذَا عَرَفْت هَذِهِ الْفَوَائِدَ الْعَظِيمَةَ وَالْمَنَافِعَ الْفَخِيمَةَ الْمُنْتَزِعَةَ وَالْمَفْهُومَةَ مِنْ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ.
(فَيَا أَيُّهَا الطَّالِبُ لِلْآخِرَةِ وَ) يَا أَيُّهَا (السَّالِكُ) الْعَابِرُ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيئَةِ إلَى الْمَنَازِلِ الْأُخْرَوِيَّةِ الْعَلِيَّةِ أَوْ التَّارِكُ هَذِهِ الْمَوَاطِنَ الْفَانِيَةَ لِأَجْلِ الْمَرَاتِبِ الْبَاقِيَةِ أَوْ الْمُسَافِرِ مِنْ رَذِيلَةِ الْأَخْلَاقِ مَعَ سُوءِ الِاعْتِقَادِ وَذَمِيمَةِ الْأَطْوَارِ وَسَيِّئَةِ الْأَعْمَالِ إلَى خِلَافِهَا (فِي طَرِيقِهَا) الْآخِرَةِ
следующие страницы →