Полный текст (1 189 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴿لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠] مِنْ الْمَكَارِهِ، وَهُوَ إرْشَادٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبْرِ وَالتَّقْوَى عَلَى كَيْدِ الْأَعْدَاءِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الِانْفِعَالُ قَلِيلًا وَفِي آلِ عِمْرَانَ أَيْضًا ﴿بَلَى﴾ [آل عمران: ١٢٥] أَيْ يَكْفِيكُمْ الْإِمْدَادُ بِهِمْ ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٥] مَعْصِيَةَ اللَّهِ وَمُخَالَفَةَ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿وَيَأْتُوكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٥] الْمُشْرِكُونَ ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران: ١٢٥] مِنْ غَضَبِهِمْ هَذَا أَوْ مِنْ وَجْهِهِمْ هَذَا وَأَصْلُ الْفَوْرِ غَلَيَانُ الْقِدْرِ، ثُمَّ لِلْغَضَبِ ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾ [آل عمران: ١٢٥] هُمْ ثَلَاثَةُ الْآلَافِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلُ ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] مُعَلَّمِينَ خُيُولَهُمْ بِالصُّوفِ الْأَبْيَضِ وَقُرِئَ بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ سَوَّمُوا نُفُوسَهُمْ بِعِمَامَةٍ صَفْرَاءَ وَثِيَابٍ بِيضٍ.
وَعَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ الْمَلَائِكَةُ كَانَتْ عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ بِعَمَائِمَ صُفْرٍ.
وَعَنْ عَلِيٍّ بِيضٍ أَرْسَلُوهَا بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ.
وَعَنْ الْخَازِنِ عَنْ ابْنِ الْجَوْزِيِّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَيْنَمَا أَنَا أَمْتَحُ مِنْ قَلِيبِ بَدْرٍ جَاءَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ أَشَدُّ مِنْهَا، ثُمَّ أَشَدُّ مِنْهَا، ثُمَّ أَشَدُّ مِنْهَا فَالْأُولَى جَبْرَائِيلُ فِي أَلْفَيْنِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالثَّانِيَةُ مِيكَائِيلُ فِي أَلْفَيْنِ أَيْضًا عَنْ يَمِينِهِ ﵊ وَالثَّالِثَةُ إسْرَافِيلُ فِي أَلْفٍ عَنْ يَسَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكُنْت عَنْ يَسَارِهِ وَهَزَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَعْدَاءَهُ وَفِي آلِ عِمْرَانَ ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ [آل عمران: ١٨٦] عَلَى الْأَذَى وَالشَّدَائِدِ ﴿وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٨٦] بِتَرْكِ الْمَعَاصِي وَالْمُعَارَضَةِ ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ١٨٦] الصَّبْرَ ﴿مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] مَعْزُومَاتِ الْأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ عَلَيْكُمْ فِعْلُهَا وَتَحَمُّلُهَا أَوْ مِمَّا عَزَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَيْ أَمَرَ بِهِ وَبَالَغَ فِيهِ وَالْعَزْمُ فِي الْأَصْلِ ثَبَاتُ الرَّأْيِ عَلَى الشَّيْءِ نَحْوُ إمْضَائِهِ.
وَعَنْ الْبَغَوِيّ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أَيْ مِنْ حَقِّ الْأُمُورِ وَحَتْمِهَا وَفِي النِّسَاءِ ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾ [النساء: ١٢٩] مَا كُنْتُمْ تُفْسِدُونَ ﴿وَتَتَّقُوا﴾ [النساء: ١٢٩] فِيمَا يُسْتَقْبَلُ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩] وَفِي الْمَائِدَةِ ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٦٥] أَيْ قَرَنُوا إيمَانَهُمْ بِعَمَلِ التَّقْوَى ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [المائدة: ٦٥] يَشْكُلُ أَنَّ إيمَانَ الْكَافِرِ وَلَوْ لَمْ يُقَارِنْ الْعَمَلَ كَافٍ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ فَمَا فَائِدَةُ تَعْلِيقِ تَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ وَإِدْخَالِ الْجَنَّاتِ بِمَجْمُوعِ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى وَالْحَمْلُ عَلَى مُرُورِ مُدَّةٍ مُتَطَاوِلَةٍ بَعْدَ الْإِيمَانِ بَعِيدٌ كَالْحَمْلِ عَلَى الِاتِّقَاءِ مِنْ الْكُفْرِ عَلَى أَنْ يَكُونَ عَطْفَ تَفْسِيرٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَصْلُ الْإِيمَانِ سَبَبُ أَصْلِ الدُّخُولِ.
وَأَمَّا مَعِيَّتُه فَلِجَنَّاتِ النَّعِيمِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ صِيغَةُ الْجَمْعِ وَفِي الْأَعْرَافِ ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى﴾ [الأعراف: ٩٦] الْمَدْلُولُ فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ﴾ [الأعراف: ٩٤]- وَقِيلَ مَكَّةُ وَمَا حَوْلَهَا.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ وَالْقُرَى فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَدِينَةُ لَعَلَّ الْمُرَادَ مَا يَشْمَلُ الْقَرْيَةَ وَالْمَدِينَةَ وَالْبَرَارِيَ إمَّا بِعُمُومِ الْمَجَازِ أَوْ بِدَلَالَةِ النَّصِّ أَوْ الْمُقَايَسَةِ ﴿آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [الأعراف: ٩٦] الشِّرْكَ وَالْمَعَاصِي.
وَعَنْ ابْنِ جَمِيلٍ أَنَّ الْمُهْلَكِينَ لَوْ أَتَوْا بِالْإِيمَانِ
стр. 317
وَاتَّقُوا الْمَنَاهِيَ ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] مِنْ الْأَمْطَارِ وَالرِّيَاحِ اللَّوَاقِحِ وَمِنْ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتَاتِ.
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: لَوَسَّعْنَا عَلَيْهِمْ الْخَيْرَ وَيَسَّرْنَاهُ لَهُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الْخِصْبُ وَالرَّخَاءُ وَكَثْرَةُ الْمَوَاشِي وَزِيدَ الثِّمَارُ وَالْأَرْزَاقُ وَالْأَمْنُ وَالسَّلَامَةُ وَأَصْلُ الْبَرَكَةِ ثُبُوتُ الْخَيْرِ الْإِلَهِيِّ فِي الشَّيْءِ.
وَعَنْ الْبَغَوِيّ هِيَ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى الشَّيْءِ وَالْمُتَابَعَةُ سَوَاءٌ مَطَرًا أَوْ نَبَاتًا ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٩٦] عَاقَبْنَاهُمْ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ كَالْقَحْطِ ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦] بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ الْأَعْمَالَ الْخَبِيثَةَ.
وَعَنْ الْعُيُونِ إذَا كَانَ الْمَرْءُ شَاكِرًا كَانَ سِعَةُ الرِّزْقِ فِيهِ مِنْ السَّعَادَةِ وَإِلَّا فَمِنْ الشَّقَاوَةِ وَفِي الْأَنْفَالِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الأنفال: ٢٩] بِطَاعَتِهِ وَتَرْكِ عِصْيَانِهِ ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] هِدَايَةً فَارِقَةً بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ أَوْ نَصْرًا فَارِقًا بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ بِإِعْزَازِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِذْلَالِ الْكَافِرِينَ أَوْ مَخْرَجًا مِنْ الشُّبُهَاتِ وَنَجَاةً مِمَّا يَحْذَرُونَ فِي الدَّارَيْنِ أَوْ ظُهُورًا لِيُشْهِرَ أَمْرَكُمْ وَيُثْبِتَ دِينَكُمْ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ.
وَعَنْ الْخَازِنِ فُرْقَانًا يَعْنِي نُورًا فِي قُلُوبِكُمْ تُفَرِّقُونَ بِهِ الْحَقَّ عَنْ الْبَاطِلِ وَقِيلَ ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩] الصَّغَائِرَ ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩] ذُنُوبَكُمْ الْكَبَائِرَ وَقِيلَ الْمُرَادُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩] فَلَا تَطْلُبُوا الْفَضْلَ مِنْ غَيْرِهِ.
وَعَنْ الْبَيْضَاوِيِّ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَا وَعَدَهُ بِمُقَابَلَتِهِ الْعَمَلَ تَفَضُّلِيٌّ لَا وُجُوبِيٌّ وَقِيلَ كَأَنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ يَعْنِي مَنْ كَانَ صَاحِبَ فَضْلٍ عَظِيمٍ يَقْدِرُ أَنْ يُعْطِيَ مِثْلَ هَذَا الْوَعْدِ.
وَفِي النُّورِ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ [النور: ٥٢] بِسُكُونِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ فِيمَا بَعْدُ فَلَمْ يَعْصِ اللَّهَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ قِيلَ هَذِهِ الْآيَةُ جَامِعَةٌ لِكُلِّ مَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَفْعَلَهُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] بِالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ لِجَمْعِهِمْ أَسْبَابَ الْفَوْزِ وَفِي الطَّلَاقِ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ [الطلاق: ٢] فِي الْمَعَاصِي وَالْمُحَرَّمَاتِ ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] إلَى الْحَلَالِ وَالطَّاعَةِ.
وَعَنْ الْوَاحِدِيِّ نَزَلَتْ فِي «عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَسَرَ الْعَدُوُّ ابْنًا لَهُ فَأَتَى الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ وَشَكَا إلَيْهِ الْفَاقَةَ أَيْضًا فَقَالَ لَهُ اتَّقِ اللَّه وَاصْبِرْ وَأَكْثِرْ مِنْ قَوْلِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ فَفَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ فَبَيْنَا هُوَ فِي بَيْتِهِ إذْ أَتَاهُ ابْنُهُ وَقَدْ غَفَلَ عَنْهُ الْعَدُوُّ فَأَصَابَ إبِلًا وَجَاءَ بِهَا إلَى أَبِيهِ» فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] أَيْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ يَعْنِي يُوَسِّعُ رِزْقَهُ.
«وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَاسْتَاقَ غَنَمَهُمْ فَجَاءَ بِهَا إلَى أَبِيهِ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ آلَافِ شَاةٍ فَانْطَلَقَ أَبُوهُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَ عَنْ حِلِّهِ فَقَالَ نَعَمْ» وَفِي الطَّلَاقِ أَيْضًا ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ [الطلاق: ٤] فِي أَحْكَامِهِ فَيُرَاعِي حُقُوقَهَا وَيَصْبِرْ ﴿يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٤] أَمْرِ الدَّارَيْنِ ﴿يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤] يُسَهِّلُهُ وَيُوَفِّقُهُ وَفِي الطَّلَاقِ أَيْضًا ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ [الطلاق: ٥] بِطَاعَتِهِ ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ﴾ [الطلاق: ٥] بِالْيَاءِ وَالنُّونِ ﴿سَيِّئَاتِهِ﴾ [الطلاق: ٥] مِنْ الصَّلَاةِ إلَى الصَّلَاةِ وَمِنْ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ ﴿وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: ٥] بِالْمُضَاعَفَةِ كَعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَأَنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ وَفِي الْأَحْزَابِ
стр. 318
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٧٠] فِي ارْتِكَابِ مَا يَكْرَهُهُ فَضْلًا عَمَّا يُؤْذِي رَسُولَهُ ﴿وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] قَاصِدًا إلَى الْحَقِّ وَالْعَدْلِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - صَوَابًا وَقِيلَ صِدْقًا وَقِيلَ هُوَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَقِيلَ الْقَوْلُ الَّذِي يُوَافِقُ ظَاهِرُهُ بَاطِنَهُ أَوْ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ الْغَرَضُ النَّهْيُ عَنْ الْخَوْضِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِمْ وَالْحَثُّ عَلَى حِفْظِ اللِّسَانِ فِي كُلِّ بَابٍ فَإِنَّهُ رَأْسُ الْخَيْرِ كُلِّهِ وَالْمَعْنَى رَاقِبُوا اللَّهَ تَعَالَى فِي حِفْظِ أَلْسِنَتِكُمْ وَتَسْدِيدِ قَوْلِكُمْ ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧١] بِتَوْفِيقِ صَالِحِ الْأَعْمَالِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِقَبُولِ حَسَنَاتِكُمْ ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧١] الْآيَةَ وَفِي آلِ عِمْرَانَ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩] رَاجِينَ الْفَلَاحَ لَا الْقَطْعَ، فَإِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ كَذَا قِيلَ إنْ أُرِيدَ الْقَطْعُ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَعْدِهِ وَعَادَتِهِ فَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الْقَطْعِ فِي الْفَلَاحِ لِلْمُتَّقِي الْخَالِصِ، وَأَنَّ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَاتِ التَّقْوَى فَالْكَلَامُ فِي السَّبَبِ الْعَادِيِّ كَيْفَ وَخُلْفُ الْوَعْدِ وَالْكَذِبِ فِي الْخَبَرِ وَالرُّجُوعِ عَنْ الْحُكْمِ وَتَبْدِيلِ الْقَوْلِ مُحَالٌ فِي حَقِّهِ تَعَالَى كَمَا سَبَقَ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَوَقُّفِ الْفَلَاحِ عَلَى التَّقْوَى؛ وَلِهَذَا عَنْ ابْنِ جَمِيلٍ التَّقْوَى هُنَا وَاجِبَةٌ؛ لِأَنَّ الْفَلَاحَ تَوَقَّفَ عَلَيْهَا فَلَوْ لَمْ تَبْقَ زَالَ الْفَلَاحُ وَفِي آلِ عِمْرَانَ أَيْضًا ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣] بِصَرْفِ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ لِمَا خَلَقَ لَهُ، وَذَلِكَ بِالتَّقْوَى عَنْ عِقَابِهِ وَفِي الْحُجُرَاتِ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٩] فَلَا تَعْصُوهُ وَلَا تُخَالِفُوا أَمْرَهُ أَوْ مُخَالَفَةُ حُكْمِهِ وَالْإِهْمَالُ فِيهِ ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] رَاجِينَ رَحْمَتَكُمْ وَفِي الْمَائِدَةِ ﴿وَتَعَاوَنُوا﴾ [المائدة: ٢] تَنَاصَرُوا ﴿عَلَى الْبِرِّ﴾ [المائدة: ٢] اتِّبَاعُ أَمْرِ اللَّهِ وَالْعَمَلُ بِهِ أَوْ الْإِسْلَامُ أَوْ الْعَفْوُ وَالْإِعْفَاءُ ﴿وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] اجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ أَوْ السُّنَّةِ وَمُتَابَعَتِهَا.
وَعَنْ الْخَازِنِ لِيُعِنْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا عَلَى كَسْبِ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى.
وَعَنْ السُّلَمِيِّ الْبِرُّ مَا وَافَقَك عَلَيْهِ الْعِلْمُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَالتَّقْوَى مُخَالَفَةُ الْهَوَى وَقِيلَ الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إلَيْهِ قَلْبُك وَقِيلَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى طَاعَةُ الْأَكَابِرِ مِنْ السَّادَاتِ وَالْمَشَايِخِ وَلَا تُضَيِّعُوا حُظُوظَكُمْ مِنْهُمْ وَمِنْ مُعَاوَنَتِهِمْ وَخِدْمَتِهِمْ وَعَنْ سَهْلٍ الْبِرُّ الْإِيمَانُ وَالتَّقْوَى السُّنَّةُ
وَفِي الْعَلَقِ ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ [العلق: ١٢] بِالْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ أَوْ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي فَنَهَاهُ عَنْهُ نَقْلٌ عَنْ الْعُيُونِ وَفِي النِّسَاءِ ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا﴾ [النساء: ١٣١] أَمَرْنَا ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ١٣١] مِنْ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ [النساء: ١٣١] يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ فِي الْقُرْآنِ ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] بِأَنْ تُوَحِّدُوهُ وَتُطِيعُوهُ وَتَحْذَرُوهُ وَلَا تُخَالِفُوا أَمْرَهُ فَالتَّقْوَى شَرِيعَةٌ قَدِيمَةٌ أَوْصَى بِهَا اللَّهُ جَمِيعَ الْأُمَمِ وَحِينَ اسْتَوْصَى مِنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ قَالَ أُوصِيَك يَا وَلَدِي بِمَا أَوْصَى بِهِ اللَّهُ تَعَالَى جَمِيعَ أَنْبِيَائِهِ وَكَافَّةَ أَوْلِيَائِهِ وَجُمْلَةَ أَحِبَّائِهِ وَعَامَّةَ عِبَادِهِ لِكَوْنِهِ غَايَةَ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَيْهِ فَلَيْسَ أَعَزَّ مِنْهُ وَلَا أَفْضَلَ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] فَعَلَيْك بِبَذْلِ جُهْدِك وَغَايَةِ سَعْيِك فِي تَحْقِيقِ حَقَائِقِ التَّقْوَى وَتَدْقِيقِ أَسْرَارِهَا فَإِنَّ لَهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَحَقًّا وَحَقِيقَةً فَمَنْ بَلَغَهَا فَقَدْ مَلَكَ سُلْطَةً سَرْمَدِيَّةً انْتَهَى وَفِي الْمَائِدَةِ.
﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ١١٢] قَالَ عِيسَى لِلْحَوَارِيِّينَ الْقَائِلِينَ لَهُ - ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢]- الْآيَةَ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ١١٢] فِي سُؤَالِ الْمَائِدَةِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ١١٢] ؛ لِأَنَّهُ سُؤَالُ تَعَنُّتٍ وَقِيلَ أَمَرَهُمْ بِالتَّقْوَى لِيَحْصُلَ لَهُمْ هَذَا السُّؤَالُ وَقِيلَ اسْتَعِينُوا عَلَى هَذَا بِالتَّقْوَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]-، ثُمَّ الِاحْتِجَاجُ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَنَا شَرِيعَةٌ لَنَا إذَا قَصَّهُ اللَّهُ أَوْ أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ بِلَا نَكِيرٍ
وَفِي
стр. 319
آلِ عِمْرَانَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] حَقَّ خَوْفِهِ بِأَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى طَرْفَةَ عَيْنٍ أَوْ بِاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ فِي الْقِيَامِ بِالْوَاجِبِ لَا مَحَالَةَ وَالِاجْتِنَابِ عَنْ الْمَحَارِمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] .
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِأَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرَ وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا قَالُوا بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ فَاتَّقُوا اللَّه مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ «حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ شَقَّ عَلَى الصَّحَابَةِ حَتَّى قَالُوا لَا نُطِيقُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَقُولُوا كَمَا تَقُولُ الْيَهُودُ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، وَلَكِنْ قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا» فَنَزَلَتْ ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] فَكَانَتْ أَعْظَمَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْأُولَى فَسَهَّلَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَنْزَلَ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] فَصَارَتْ نَاسِخَةً فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِآيَةٍ مَنْسُوخَةٍ
وَقِيلَ إنَّ هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَابْنِ زَيْدٍ وَالسُّدِّيِّ نَعَمْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى حَقَّ تُقَاتِهِ أَدَاءُ مَا كَانَ فِي طَاقَةِ الْعَبْدِ عَلَى أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ تَفْسِيرًا لَهُ لَا نَاسِخًا وَلَا مُخَصِّصًا وَالنَّسْخُ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ إنْ أُرِيدَ بِهِ أَنْ يَأْتِيَ الْعَبْدُ بِكُلِّ مَا يَجِبُ لِلَّهِ وَيَسْتَحِقُّهُ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ تَحْصِيلُهُ لِلْعَبْدِ كَذَا قَالُوا لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ حَاصِلَ سَبَبِ الْقَوْلِ بِالنَّسْخِ هُوَ الْقَوْلُ بِالِامْتِنَاعِ لِلْعَبْدِ فَهَلْ يُمْكِنُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ لَا يُكَلِّفُ الْعَبْدَ مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ، وَأَنَّ النَّسْخَ الْأَصَحَّ أَنَّهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِيهِ بَلْ بِالسَّمْعِ، وَأَنَّك قَدْ سَمِعْت أَنَّ ذَلِكَ رَأْيٌ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْآثَارِ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ أَوْ مُنْقَطِعٌ وَالرِّوَايَةُ الْوَاحِدَةُ فِي جَنْبِ الْمُتَعَدِّدَةِ أَوْ مُقَابِلِهَا لَا يُعْتَدُّ بِهَا فَافْهَمْ ذَلِكَ وَفِي التَّغَابُنِ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] عَلَى قَدْرِ طَاقَتِكُمْ إذْ لَا تَكْلِيفَ بِمَا لَا يُطَاقُ فَهَذِهِ لِمَا قَبْلَهَا كَمَا سَمِعْت كَمَا نُقِلَ عَنْ الْخَازِنِ وَعَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ قِيلَ نَسَخَ هَذَا قَوْلَهُ حَقَّ تُقَاتِهِ لِمَا اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنْ قَامُوا حَتَّى تَوَرَّمَتْ أَقْدَامُهُمْ وَتَقَرَّحَتْ جِبَاهُهُمْ
أَقُولُ كَمَا نَبَّهَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِهِ حَقَّ تُقَاتِهِ مَا أَمْكَنَ صُدُورُهُ مِنْ الْعَبْدِ غَايَتُهُ نِهَايَةُ مَا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ مِنْ الْعَبْدِ كَيْفَ، وَقَدْ رَفَعَ عَنَّا التَّكَالِيفَ الشَّاقَّةَ كَالْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ بَلْ رَفَعَ كُلَّ مَا فِيهِ حَرَجٌ وَأَرَادَ الْيُسْرَ لَا الْعُسْرَ لَعَلَّ لِهَذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ الْبَيْضَاوِيُّ لِنَسْخِهَا.
وَقَالَ أَيْ اُبْذُلُوا فِي تَقْوَاهُ جُهْدَكُمْ وَطَاقَتَكُمْ لَعَلَّ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ أَيْضًا مَا اسْتَطَعْتُمْ، ثُمَّ هَذِهِ الْآيَاتُ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ آيَةً لَكِنَّ دَلَالَةَ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَلَى فَضْلِ التَّقْوَى الْمُرَادَةِ لَيْسَتْ بِظَاهِرَةٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَى بَعْضِهَا وَأَيْضًا لَا يَظْهَرُ فِي الْكُلِّ تَرْتِيبُ قُوَّةِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ الْمُتَبَادِرِ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ فِيمَا تَقَدَّمَ إلَّا أَنْ يُرَادَ فَضْلُ مُطْلَقِ التَّقْوَى مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي سَيَذْكُرُهَا الْمُصَنِّفُ
وَإِذَا عَرَفْت أَنَّ مَوَاقِعَ التَّقْوَى فِي الْقُرْآنِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ إجْمَالًا وَعَرَفْت مَا ذَكَرْنَا تَفْصِيلًا مِنْ الثَّلَاثِ وَالسِّتِّينَ وَمَا فِي ضِمْنِهَا مِنْ الْفَضْلِ وَالْفَوَائِدِ (فَمَا مِنْ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ) الْمُوجِبَةِ لِرِضَاهُ تَعَالَى مِنْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةِ (أَكْثَرُ ذِكْرًا) مِنْ حَيْثُ ذَاتِهَا (وَثَنَاءً عَلَيْهَا) مِنْ حَيْثُ فَضْلِهَا وَمَدْحِهَا (فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ التَّقْوَى) لَعَلَّ هَذَا إمَّا إضَافِيٌّ وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذِكْرَ الْإِيمَانِ وَلَفْظَ الْأَعْمَالِ وَالطَّاعَةِ أَكْثَرُ مِنْ التَّقْوَى (فَتَأَمَّلْ) أَيُّهَا الْمُشْتَاقُ إلَى لِقَاءِ اللَّهِ وَالطَّالِبُ رِضَا اللَّهِ وَالسَّالِكُ إلَى طَرِيقِ اللَّهِ (فِيمَا كَتَبْنَا مِنْ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ) عِبَارَةً أَوْ دَلَالَةً أَوْ إشَارَةً أَوْ مُقَايَسَةً (كَيْفَ كَانَ الْمُتَّقِي عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَكْرَمَ) وَأَشْرَفَ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَةُ الْأُولَى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] .
وَقَدْ سَمِعْت أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لِثُبُوتِ سَبْقِيَّتِهِ فِي التَّقْوَى عَلَى الْغَيْرِ بِالنَّصِّ كَانَ أَكْرَمَ عِنْدَ اللَّهِ، وَكَانَ بِذَلِكَ أَفْضَلَ الْخَلَائِقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَالْفَضْلُ دَائِرٌ عَلَى التَّقْوَى فِي مَرَاتِبِهَا (وَ) كَانَ (مَقْبُولَ الطَّاعَةِ) إلَى أَنْ يَنْحَصِرَ الْقَبُولُ إلَى التَّقْوَى بِقَوْلِهِ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] (وَ) كَانَ (وَلِيَّهُ) بَلْ حَصَرَ الْوِلَايَةَ إلَيْهِمْ ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩] (وَحَبِيبَهُ) ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤] فَانْظُرْ مَقَامَ الْمَحَبَّةِ الرَّبَّانِيَّةِ فَإِنَّهَا رُتْبَةُ أَوْلِيَائِهِ الْمُقَرَّبِينَ (وَكَيْفَ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَلِيًّا) بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْآيَتَيْنِ (وَمُحِبًّا) بِمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا
стр. 320
(وَمُزَكِّيًا) ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢] (وَنَاصِرًا) ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤] فَانْظُرْ هَذِهِ الْمَعِيَّةَ الْإِلَهِيَّةَ (وَكَيْفَ كَانَ لَهُ الْعَاقِبَةُ) الْمُرْضِيَةُ ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]
فَانْظُرْ لِمَا فِيهِ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ مِنْ لَامِ الْمِلْكِ بَلْ لَامَيْ التَّعْرِيفَيْنِ أَيْضًا (وَالْآخِرَةُ) ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] ﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٤٩] وَعَلَى هَذَا فَقِسْ اللَّفَّ وَالنَّشْرَ الْمُرَتَّبَ (وَكَيْفَ أُعِدَّتْ لَهُ) لِلْمُتَّقِي (الْجَنَّةُ وَأُورِثَتْ) بِالْمَجْهُولِ (لَهُ وَأُزْلِفَتْ) قُرِّبَتْ (وَوُعِدَتْ لَهُ، وَكَانَتْ دَارًا) لِلْمُتَّقِينَ (وَكَيْفَ كَانَتْ التَّقْوَى لِلْآخِرَةِ زَادًا وَلِبَاسًا) ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] (وَكَيْفَ أُضِيفَتْ) التَّقْوَى (إلَى الرَّئِيس الْأَشْرَفِ) أَيْ الْقَلْبِ (وَامْتُحِنَ بِهَا وَكَيْفَ جُعِلَتْ سَبَبًا لِلْخَيْرِيَّةِ) فِي كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ (وَكِتَابَةُ الرَّحْمَةِ) أَيْ إلْزَامُهَا (وَكَيْفَ خَصَّ لَهَا) لِأَجْلِ التَّقْوَى (كَوْنَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى هُدًى وَمَوْعِظَةً وَذِكْرَى) ؛ لِأَنَّ بِهَا يَتِمُّ الِانْتِفَاعُ وَيَكْمُلُ الِارْتِفَاعُ
(وَكَيْفَ جُعِلَتْ غَايَةً) مُنْتَهًى وَنِهَايَةً (لِلْعِبَادَةِ وَالذِّكْرِ وَالْقِصَاصِ وَالصِّيَامِ) مِنْ الْعِبَادِ (وَالتَّبْيِينِ) مِنْ اللَّهِ تَعَالَى (وَالْإِنْذَارِ) مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَالتَّوْصِيَةِ) مِنْهُ تَعَالَى (وَالْعَدْلِ وَالْعَفْوِ) مِنْ الْعِبَادِ (وَكَيْفَ كَانَتْ شَرْطًا وَسَبَبًا لِلْمَثُوبَةِ) مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى (وَدَفْعِ الْكَيْدِ) مِنْ الْأَعْدَاءِ (وَالْإِمْدَادِ) بِالْمَلَائِكَةِ (وَإِتْيَانِ مَا يَجِبُ الْعَزْمُ عَلَيْهِ وَالْمَغْفِرَةُ) لِلْعِبَادِ (وَالرَّحْمَةِ) لَهُمْ بِالْوَعْدِ الصَّادِقِ (وَتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ وَإِدْخَالِ الْجَنَّةِ وَفَتْحِ الْبَرَكَاتِ) مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (وَالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْفَوْزِ) بِوُصُولِ السَّعَادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ (وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَضَايِقِ) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (وَالرِّزْقِ) لِلْعَبْدِ (مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ وَالْيُسْرِ) عِنْدَ كُلِّ عُسْرٍ (وَإِعْظَامِ الْأَجْرِ وَإِصْلَاحِ الْعَمَلِ وَالْفَلَاحِ) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (وَالشُّكْرِ) لِلَّهِ تَعَالَى (وَكَيْفَ أَمَرَ) اللَّهُ تَعَالَى (بِالتَّعَاوُنِ عَلَيْهَا) أَيْ التَّقْوَى (وَمَدَحَ الْآمِرَ بِهَا وَوَصَّى بِهَا الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ وَجُعِلَتْ مُقْتَضَى الْإِيمَانِ وَأُمِرَ) بِالْمَجْهُولِ (بِتَحْصِيلِ حَقِيقَتِهَا وَكَمَالِهَا بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ) فَإِذَا عَرَفْت هَذِهِ الْفَوَائِدَ الْعَظِيمَةَ وَالْمَنَافِعَ الْفَخِيمَةَ الْمُنْتَزِعَةَ وَالْمَفْهُومَةَ مِنْ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ.
(فَيَا أَيُّهَا الطَّالِبُ لِلْآخِرَةِ وَ) يَا أَيُّهَا (السَّالِكُ) الْعَابِرُ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيئَةِ إلَى الْمَنَازِلِ الْأُخْرَوِيَّةِ الْعَلِيَّةِ أَوْ التَّارِكُ هَذِهِ الْمَوَاطِنَ الْفَانِيَةَ لِأَجْلِ الْمَرَاتِبِ الْبَاقِيَةِ أَوْ الْمُسَافِرِ مِنْ رَذِيلَةِ الْأَخْلَاقِ مَعَ سُوءِ الِاعْتِقَادِ وَذَمِيمَةِ الْأَطْوَارِ وَسَيِّئَةِ الْأَعْمَالِ إلَى خِلَافِهَا (فِي طَرِيقِهَا) الْآخِرَةِ
стр. 321
(إنْ كُنْت صَادِقًا فِي دَعْوَاك) فِي دَعْوَى الطَّلَبِ وَالسُّلُوكِ أَوْ دَعْوَى مَحَبَّةِ اللَّهِ وَوِصَالِهِ وَمَحَبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَالدُّخُولِ فِي زُمْرَتِهِ وَشَفَاعَتِهِ (أَكْبِبْ) لَازِمْ (عَلَيْهَا) عَلَى التَّقْوَى فَإِنَّك قَدْ عَرَفْت أَنَّ زِمَامَ كُلِّ خَيْرٍ بِيَدِهَا وَحُصُولَ كُلِّ مُرَادٍ سُخِّرَ بِهَا (وَصِرْ عَاشِقًا) شَدِيدَ الْمَحَبَّةِ (مُسْتَهْتِرًا) مُسْتَدِيمًا (لَهَا) بِحَيْثُ لَا تُفَارِقُهَا وَلَوْ فَارَقْت عَجِّلْ وِصَالَهَا بِحَيْثُ لَا يَكُونُ لَك صَبْرٌ وَقَرَارٌ عِنْدَ فِرَاقِهَا كَالْعَاشِقِ مَعَ الْمَعْشُوقِ (بِحَيْثُ لَا يُعَوِّقُك عَنْهَا عَائِقٌ أَصْلًا) مِنْ الْعَوْقِ أَيْ مَانِعٌ وَلَوْ عَظِيمًا قَوِيًّا فَرَجِّحْهَا عَلَى جَمِيعِ مُهِمَّاتِك عِنْدَ عُرُوضِ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ (وَلَوْ اجْتَمَعَتْ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ الْمَنْعِ عَنْ التَّقْوَى فَإِنَّ فَوَائِدَ التَّقْوَى وَمَنَافِعَهَا كَمَا عَرَفْت يَقْتَضِي أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ أَمْرًا عَظِيمًا فِي نَفْسِهِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ فِي وُسْعِ الْعَبْدِ تَحْصِيلُهُ اسْتِقْلَالًا أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ الْمُرَاجَعَةَ وَالِاسْتِمْدَادَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَاسْتَدْرَكَ فَقَالَ، وَلَكِنَّ ﴿اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي﴾ [فاطر: ٨] مِنْ فَضْلِهِ (مَنْ يَشَاءُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ) يُعْطِيهِ مَنْ يَشَاءُ
فَإِنْ قِيلَ ظَاهِرُهُ عَدَمُ نَفْعِ سَعْيِ الْعَبْدِ وَعَدَمُ اقْتِدَارِهِ وَذَلِكَ مُنَافٍ لِلتَّوْصِيَةِ بِالْجِدِّ وَالسَّعْيِ، وَأَنَّهُ جَبْرٌ قُلْنَا قَدْ مَرَّ الْجَوَابُ فِي مَوَاضِعَ وَقَدْ عَرَفْت الْجَبْرَ الْمُتَوَسِّطَ وَالْأَفْعَالَ الِاخْتِيَارِيَّةَ لِلْعَبْدِ وَالتَّخْصِيصَ بِالْخَيْرِ مَعَ أَنَّ الشَّرَّ بِيَدِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ وَمَطْمَحُ النَّظَرِ وَقِيلَ سَكَتَ عَنْ الشَّرِّ تَأَدُّبًا وَقِيلَ؛ لِأَنَّ الشَّرَّ بِيَدِ النُّفُوسِ وَالنُّفُوسُ بِيَدِهِ تَعَالَى فَالْخَيْرُ مِنْهُ تَعَالَى بِالذَّاتِ وَالشَّرُّ مِنْهُ بِالْوَاسِطَةِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] قُلْت لَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنْ غَايَةِ السَّخَافَةِ كَمَا عُرِفَ فِي الْكَلَامِ ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠] يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (الْأَخْبَارُ) .
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ التَّقْوَى أَرَادَ بَيَانَ الْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ الْوَارِدَةِ فِي أَفْضَلِيَّةِ التَّقْوَى لِيُعْلَمَ تَطَابُقُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: الْأَخْبَارُ، أَيْ الْأَخْبَارُ مَا سَيَذْكُرُ أَوْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ عَلَى حَذْفِ الْخَبَرِ أَوْ الْمُبْتَدَأِ فَمَنْ رَجَّحَ الْأَوَّلَ يَقُولُ الْمُبْتَدَأُ أَصْلٌ وَالْخَبَرُ وَقْفٌ تَابِعٌ فَالْمَذْكُورُ مُبْتَدَأٌ، وَمَنْ رَجَّحَ الثَّانِيَ يَقُولُ الْمُبْتَدَأُ مَعْلُومٌ وَالْمَقْصُودُ بِالْإِفَادَةِ هُوَ الْخَبَرُ فَهُوَ الْمَذْكُورُ، ثُمَّ الظَّاهِرُ بَعْضُ الْأَخْبَارِ أَوْ جِنْسُ الْأَخْبَارِ الْمُرَادُ حُصُولُهُ فِي ضِمْنِ بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَلَوْ أُرِيدَ الِاسْتِغْرَاقُ أَيْ جَمِيعُ الْأَخْبَارِ الَّذِي وَصَلَ إلَى الْمُصَنِّفِ لَمْ يَبْعُدْ كُلَّ بُعْدٍ (حَدّ) أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الْغِفَارِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لَهُ اُنْظُرْ» اعْتَبِرْ «فَإِنَّك لَسْت بِخَيْرٍ مِنْ أَحْمَرَ وَلَا أَسْوَدَ» إمَّا لِأَصَالَتِهِمَا فِي أَلْوَانِ الْإِنْسَانِ وَالْمَقْصُودُ شُمُولُ الْكُلِّ أَوْ الْأَحْمَرُ الْإِنْسُ لِغَلَبَةِ الدَّمِ فِي الْأَجْسَامِ التُّرَابِيَّةِ وَالْأَسْوَدُ الْجِنُّ لِغَلَبَةِ النَّارِ فِي الْأَجْسَامِ الْهَوَائِيَّةِ أَوْ الْأَحْمَرُ سُكَّانُ الْمُدُنِ وَالْقُرَى وَالْأَسْوَدُ سُكَّانُ الْبَوَادِي أَوْ الْأَحْمَرُ النِّسَاءُ لِرَاحَتِهِنَّ وَالْأَسْوَدُ الرِّجَالُ لِتَعَبِهِمْ فِي الْمَعِيشَةِ أَوْ الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ «إلَّا أَنْ تَفْضُلَهُ» تَصِيرُ فَاضِلًا عَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ «بِالتَّقْوَى» وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِتَقْوَى بِلَا لَامٍ أَيْ تَزِيدُ عَلَيْهِ فِي وِقَايَةِ النَّفْسِ عَمَّا يَضُرُّهَا فِي الْآخِرَةِ وَمَرَاتِبِهَا كَمَا سَتَعْرِفُهَا ثَلَاثَةٌ التَّوَقِّي عَنْ الْعَذَابِ الْمُخَلَّدِ، ثُمَّ عَنْ كُلِّ مُحَرَّمٍ، ثُمَّ عَنْ مَا يَشْغَلُ السِّرَّ عَنْ الْحَقِّ تَقَدَّسَ فَالتَّقْوَى أَمْرٌ يَفْضُلُ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى الْكُلِّ فَمَنْ كَانَ أَسْبَقَ فِيهَا فَأَسْبَقُ فِي الْفَضْلِ.
стр. 322
(هق) الْبَيْهَقِيُّ (عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ» ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ «فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ أَلَا» اسْتِفْتَاحٌ لِلتَّنْبِيهِ وَالتَّحْقِيقُ «لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ» الْمُتْقِنُ لِلتَّكَلُّمِ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ بِلَا تَكَلُّفٍ «عَلَى عَجَمِيٍّ» خِلَافِ الْعَرَبِ فَإِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عَجَمِيٌّ وَابْنُهُ إسْمَاعِيلُ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَرَبِيٌّ وَقِيلَ الْفَارِقُ هُوَ اللِّسَانُ كَمَا فِي حَدِيثِ مَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَهُوَ عَرَبِيٌّ «وَلَا» فَضْلَ «لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ» كَمَا عَرَفْت مَعْنَيَيْهِمَا إذْ الْفَضْلُ لَيْسَ دَائِرًا عَلَى النَّوْعِ أَوْ النَّسَبِ أَوْ الْمَكَانِ «وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ» آدَمَ ﵊ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ «إلَّا بِالتَّقْوَى» عَلَى مَرَاتِبِهَا أَشَارَ إلَى الْعِلَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] أَلَا) حَرْفُ تَنْبِيهٍ أَيْضًا «هَلْ بَلَّغْتُ» بِالتَّكَلُّمِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] «قَالُوا بَلَى» أَيْ بَلَّغْت «يَا رَسُولَ اللَّهِ» زَادَ فِي رِوَايَةٍ «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» «قَالَ» - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ» أَيْ الْحَاضِرُ «الْغَائِبَ» وَقِيلَ الشَّاهِدُ الْعَالِمُ وَالْغَائِبُ الْجَاهِلُ الْغَافِلُ
قِيلَ فِيهِ حَثٌّ عَلَى رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَحِفْظِهِ وَضَبْطِهِ، ثُمَّ التَّحَدُّثُ بِهِ لِأَهْلِهِ وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ (هق) الْبَيْهَقِيُّ (ططص) الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمَةِ الْأَوْسَطِ وَالصَّغِيرِ.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مُنَادِيًا يُنَادِي» فِي عَالَمِ الْمَحْشَرِ إعْلَامًا لِأَهْلِ الْمَحْشَرِ مَنْ أَكْرَمُ عِنْدَهُ وَإِيذَانًا بِشَرَفِ التَّقْوَى وَثَمَرَتِهَا «أَلَا إنِّي جَعَلْت» بَيْنَكُمْ «نَسَبًا» يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلَى رَحْمَتِي، وَهُوَ التَّقْوَى «وَجَعَلْتُمْ نَسَبًا» مَبْنِيًّا عَلَى عَرَضِ الدُّنْيَا وَحُطَامَاتِهَا «فَجَعَلْت أَكْرَمَكُمْ أَتْقَاكُمْ» لَعَلَّ الْفَرْدَ السَّابِقَ مِنْ التَّقْوَى هُوَ الْغَايَةُ فِي نِهَايَةِ التَّقْوَى مِنْ تَطْهِيرِ السِّرِّ عَمَّا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَطْعِ تَعَلُّقِ النَّفْسِ مِنْ كُلِّ مَا يَهْوَاهُ كَمَا فِي مَقَامِ جَمْعِ الْجَمْعِ عِنْدَ أَهْلِ اللَّهِ «فَأَبَيْتُمْ» أَيْ امْتَنَعْتُمْ مِنْ كُلِّ قَوْلٍ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ «إلَّا أَنْ تَقُولُوا» فِي اعْتِبَارِ نَسَبِكُمْ الَّذِي جَعَلْتُمُوهُ بَيْنَكُمْ فِي الدُّنْيَا «فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ خَيْرٌ مِنْ فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ» مِنْ جِهَةِ الْجَاهِ وَالْمَالِ وَنَسَبِ الدُّنْيَا «فَالْيَوْمَ أَرْفَعُ نَسَبِي وَأَضَعُ نَسَبَكُمْ أَيْنَ الْمُتَّقُونَ» حَتَّى يُحْفَظُوا مِنْ الْمَخَاوِفِ وَيُوصَلُوا إلَى الْمَطَالِبِ وَتُقْضَى لَهُمْ الْحَوَائِجُ لِكَوْنِهِمْ مِنْ أَنْسَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
(حَدَّ) أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «سِتَّةُ أَيَّامٍ» فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا «اعْقِلْ» تَعْقَلْ وَانْتَظِرْ وَاحْفَظْ مَا لِلتَّشَوُّقِ بِالِانْتِظَارِ؛ لِأَنَّ
стр. 323
الشَّيْءَ بَعْدَ الطَّلَبِ أَلَذُّ أَوْ لِاخْتِبَارِ كَوْنِهِ طَالِبًا حَقِيقِيًّا أَوْ لِعَدَمِ اسْتِعْدَادِهِ لِذَلِكَ عَسَى أَنْ يَكُونَ مُسْتَعِدًّا بَعْدَ السِّتَّةِ «يَا أَبَا ذَرٍّ مَا يُقَالُ لَك بَعْدُ» مِنْ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ هَذَا الْكَلَامُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ لِكَمَالِ الِاسْتِشْرَاقِ.
«فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ السَّابِعُ قَالَ أُوصِيَك بِتَقْوَى اللَّهِ» بِأَنْ تُطِيعَهُ فَلَا تَعْصِيَهُ وَتَشْكُرَهُ فَلَا تَكْفُرَهُ وَالتَّقْوَى أُسُّ كُلِّ فَلَاحٍ وَنَجَاحٍ فِي الدَّارَيْنِ.
قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ لَيْسَ فِي الْعَالَمِ خَصْلَةٌ لِلْعَبْدِ أَجْمَعُ لِلْخَيْرِ وَأَعْظَمُ لِلْأَجْرِ وَأَجَلُّ فِي الْعُبُودِيَّةِ وَأَعْظَمُ فِي الْقَدْرِ وَأَوْفَى بِالْحَالِ وَأَنْجَحُ لِلْآمَالِ مِنْ هَذِهِ الْخَصْلَةِ الَّتِي هِيَ التَّقْوَى وَإِلَّا لَمَا أَوْصَى اللَّهُ بِهَا خَوَاصَّ خَلْقِهِ فَهِيَ الْغَايَةُ الَّتِي لَا مُتَجَاوَزَ عَنْهَا وَلَا مُقْتَصَرَ دُونَهَا وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ فِيهَا كُلَّ نُصْحٍ وَدَلَالَةٍ وَإِرْشَادٍ وَتَأْدِيبٍ وَتَعْلِيمٍ فَهِيَ الْجَامِعَةُ لِخَيْرِ الدَّارَيْنِ الْكَافِيَةُ لِجَمِيعِ الْمُهِمَّاتِ الْمُبَلِّغَةِ إلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ كَذَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْمُنَاوِيِّ «فِي سِرِّ أَمْرِك وَعَلَانِيَتِهِ» فِي بَاطِنِهِ وَظَاهِرِهِ وَالْقَصْدُ الْوَصِيَّةُ بِإِخْلَاصِ التَّقْوَى وَتَجَنُّبِ الرِّيَاءِ فِيهَا
قَالَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ إذَا أَرَدْنَا تَحْدِيدَ التَّقْوَى عَلَى مَوْضِعِ عِلْمِ السِّرِّ نَقُولُ حَدُّهَا الْجَامِعُ تَبْرِئَةُ الْقَلْبِ مِنْ شَرٍّ لَمْ يَسْبِقْ عَنْك مِثْلُهُ بِقُوَّةِ الْعَزْمِ عَلَى تَرْكِهِ حَتَّى يَصِيرَ ذَلِكَ وِقَايَةً بَيْنَك وَبَيْنَ كُلِّ شَرٍّ قَالَ هُنَا أَصْلٌ هُوَ الْعِبَادَةُ وَشَطْرَانِ اكْتِسَابٌ هُوَ فِعْلُ الطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابٌ هُوَ تَجَنُّبُ السَّيِّئَاتِ، وَهُوَ التَّقْوَى، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَوَّلِ فَاشْتِغَالُ الْمُبْتَدَئِينَ أَنْ يَصُومُوا نَهَارَهُمْ ويَقُومُوا لَيْلَهُمْ وَاشْتِغَالُ الْمُنْتَهِينَ أُولِي الْبَصَائِرِ، وَالِاجْتِنَابُ إنَّمَا هُوَ حِفْظُ الْقُلُوبِ عَنْ الْمَيْلِ لِغَيْرِهِ تَعَالَى وَالْبُطُونِ عَنْ الْفُضُولِ وَالْأَلْسِنَةِ عَنْ اللَّغْوِ وَالْأَعْيُنِ عَنْ النَّظَرِ إلَى مَا لَا يَعْنِيهِمْ «، وَإِذَا أَسَأْت» إلَى أَحَدٍ «فَأَحْسِنْ» فِي فَوْرِهِ - ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]- فَلَا تَتْرُكْهُ يَسْخَطْ عَلَيْك فَرُبَّمَا يَدْعُو اللَّهَ عَلَيْك فَيُجِيبُهُ «وَلَا تَسْأَلَنَّ أَحَدًا» مِنْ الْخَلْقِ «شَيْئًا» مِنْ الرِّزْقِ ارْتِقَاءً إلَى مَقَامِ التَّوَكُّلِ فَلَا تُعَلِّقْ قَلْبَك بِأَحَدٍ مِنْ الْخَلْقِ بَلْ بِوَعْدِ اللَّهِ وَحُسْنِ كِفَايَتِهِ وَضَمَانِهِ - ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]
وَقَدْ قَالَ أَهْلُ الْحَقِّ مَا سَأَلَ إنْسَانٌ النَّاسَ إلَّا لِجَهْلِهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَضَعْفِ يَقِينِهِ بَلْ إيمَانِهِ وَقِلَّةِ صَبْرِهِ وَمَا تَعَفَّفَ مُتَعَفِّفٌ إلَّا لِوُفُورِ عِلْمِهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَتَزَايُدِ مَعْرِفَتِهِ وَكَثْرَةِ حَيَائِهِ مِنْهُ، وَإِنْ سَقَطَ سَوْطُك كَالْعَصَا فَلَا تَطْلُبْ مِنْ إنْسَانٍ مُنَاوَلَتَهُ بَلْ يَنْزِلُ هُوَ فَيَتَنَاوَلُهُ بِيَدِهِ «وَلَا تَقْبِضَنَّ أَمَانَةً» خَوْفًا لِلْخِيَانَةِ وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ إنْ عَاجِزًا عَنْ حِفْظِهَا، وَإِنْ قَدَرَ فَنَدْبٌ بَلْ إنْ تَعَيَّنَ فَوَاجِبٌ (قش) الْقُشَيْرِيُّ.
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوْصِنِي فَقَالَ لَهُ عَلَيْك بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا» أَيْ التَّقْوَى «جِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ» مِنْ
стр. 324
خُيُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنَّهَا، وَإِنْ قَلَّ لَفْظُهَا كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِحُقُوقِ الْحَقِّ وَحُقُوقِ الْخَلْقِ وَزَادَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَوْلَهُ «وَعَلَيْك بِالْجِهَادِ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْك بِذِكْرِ اللَّهِ وَتِلَاوَةِ كِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ نُورٌ لَك فِي الْأَرْضِ وَذِكْرٌ لَك فِي السَّمَاءِ وَاخْزِنْ لِسَانَك إلَّا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّك بِذَلِكَ تَغْلِبُ الشَّيْطَانَ»
قَالَ الْمُنَاوِيُّ، ثُمَّ الذِّكْرُ يَقَعُ بِاللِّسَانِ وَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ وَلَا يُشْتَرَطُ اسْتِحْضَارُ مَعْنَاهُ فَلَوْ انْضَمَّ فَأَبْلَغُ الْكَمَالِ
(مج) ابْنُ مَاجَهْ.
(عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «كَانَ يَقُولُ مَا اسْتَفَادَ الْمَرْءُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى خَيْرًا» لَهُ «مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ» بِإِتْيَانِ الْمَأْمُورَاتِ وَتَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ فِي الْمُنَاوِيِّ عَنْ الطِّيبِيِّ جَعَلَ التَّقْوَى نِصْفَيْنِ نِصْفًا تَزَوُّجًا وَنِصْفًا غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ فِي التَّزَوُّجِ التَّحَصُّنَ مِنْ الشَّيْطَانِ وَكَسْرَ التَّوَقَانِ وَدَفْعَ غَوَائِلِ الشَّهْوَةِ وَغَضَّ الْبَصَرِ وَحِفْظَ الْفَرْجِ «إنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا» بِصَوْنِهَا مِنْ الزِّنَا وَمُقَدِّمَاتِهِ بَيَانٌ لِخَيْرِيَّتِهَا عَلَى سَبِيلِ التَّقْسِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو الزَّوْجُ إمَّا حَاضِرٌ فَافْتِقَارُهُ إلَيْهَا إمَّا مِنْ جِنْسِ الْخِدْمَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ فَتَكُونُ مُطِيعَةً أَوْ ذَاتَ جَمَالٍ وَدَلَالٍ فَمُسِرَّةٌ وَإِمَّا غَائِبٌ فَتَحْفَظُ مَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ مِنْ نَفْسِهَا «وَمَالِهِ» فَنَاصِحَةٌ.
عَنْ ابْنِ حَجَرٍ هَذَا فِي حَقِّ مَنْ يَتَأَتَّى مِنْهُ النَّسْلُ وَأَنْتَ تَعْلَمُ ضَعْفَ دَلَالَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْمَقْصُودِ إلَّا أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَفْضَلَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ هُوَ التَّقْوَى، ثُمَّ بَعْدَهَا هَذِهِ الْمَرْأَةُ.
(طب) طَبَرَانِيٌّ (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ «أَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غُزَاةٍ أَوْ» مِنْ «سَرِيَّةٍ» قِطْعَةٌ مِنْ الْجَيْشِ يُقَالُ خَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُمِائَةِ رَجُلٍ كَذَا نُقِلَ عَنْ الصِّحَاحِ «فَدَعَا فَاطِمَةَ» - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - حَتَّى جَاءَتْ «فَقَالَ يَا فَاطِمَةُ اشْتَرِي نَفْسَك مِنْ اللَّهِ تَعَالَى» أَيْ مِنْ عَذَابِهِ وَأَلِيمِ عِقَابِهِ «فَإِنِّي لَا أُغْنِي عَنْك» لَا أَنْفَعُك «مِنْ اللَّهِ شَيْئًا» كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] «وَقَالَ» النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِنِسْوَتِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ لِعِتْرَتِهِ» أَقَارِبِهِ
стр. 325
وَذُرِّيَّتِهِ «، ثُمَّ قَالَ مَا بَنُو هَاشِمٍ» وَهُمْ أَوْلَادُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَعْمَامُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَمَّاتُهُ.
وَكَانَتْ أَعْمَامُهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَوْلَادُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ ثَالِثَ عَشْرِهِمْ وَهُمْ الْحَارِثُ وَأَبُو طَالِبٍ وَاسْمُهُ عَبْدُ مَنَافٍ وَالزُّبَيْرُ وَيُكَنَّى أَبَا الْحَارِثِ وَحَمْزَةَ وَأَبُو لَهَبٍ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى وَالْغَيْدَاقُ وَالْمُقَوِّمُ وَضِرَارٌ أَوْ الْعَبَّاسُ وَقُثَمٌ وَعَبْدُ الْكَعْبَةِ وَجَحَلٌ بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ، وَهُوَ الْمُسَغَّمُ الضَّخْمُ.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: بِتَقْدِيمِ الْحَاءِ، وَهُوَ الْقَيْدُ وَالْخَلْخَالُ وَيُسَمَّى الْمُغِيرَةُ وَقِيلَ كَانُوا أَحَدَ عَشَرَ فَأَسْقَطَ الْغَيْدَاقَ وَحَجْل وَقِيلَ تِسْعَةٌ فَأَسْقَطَ قَثْمًا وَعَبْدَ الْكَعْبَةِ وَعَمَّاتُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَنَاتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ سِتٌّ: عَاتِكَةُ وَأُمَيْمَةُ وَالْبَيْضَاءُ، وَهِيَ أُمُّ حَكِيمٍ وَبَرَّةُ وَصَفِيَّةُ وَأَرْوَى وَلَمْ يُسْلِمْ مِنْهُنَّ إلَّا صَفِيَّةُ أُمُّ الزُّبَيْرِ بِلَا خِلَافٍ وَاخْتُلِفَ فِي أَرْوَى وَعَاتِكَةَ كَمَا فِي مَوَاهِبِ الْقَسْطَلَّانِيِّ لَكِنْ فِي مَصْرِفِ زَكَاةِ الْفِقْهِيَّةِ.
وَأَمَّا بَنُو أَبِي لَهَبٍ فَلَا إكْرَامَ لَهُمْ لِقَطْعِ الْقُرْآنِ عَلَاقَتَهُ «بِأَوْلَى النَّاسِ بِأُمَّتِي» أَيْ بِأُمُورِ أُمَّتِي أَوْ مِنْ أُمَّتِي مَعَ أَنَّهُمْ مِنْ قَبِيلَتِي الَّتِي هِيَ أَشْرَفُ الْقَبَائِلِ يَعْنِي لَوْ كَانَ الشَّرَفُ بِالْحَسَبِ وَالنَّسَبِ لَكَانُوا هُمْ الْأَشْرَافُ لَكِنْ لَيْسَ كَذَلِكَ «إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِأُمَّتِي الْمُتَّقُونَ» مَرَاتِبُ الْأَوْلَوِيَّةِ عَلَى مَرَاتِبِ التَّقْوَى «وَلَا قُرَيْشُ» وَأَصْلُهُ دَابَّةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ الْبَحْرِ تَمْنَعُ السُّفُنَ مِنْ السَّيْرِ فِي الْبَحْرِ وَتَدْفَعُهَا فَتُلْقِيهَا وَتَضْرِبُهَا فَتَكْسِرُهَا.
قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: هِيَ سَيِّدَةُ الدَّوَابِّ الْبَحْرِيَّةِ وَأَشَدُّهَا وَكَذَلِكَ قُرَيْشٌ سَادَاتٌ النَّاسِ كَذَا نُقِلَ عَنْ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ لِلدَّمِيرِيِّ «بِأَوْلَى النَّاسِ بِأُمَّتِي إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِأُمَّتِي الْمُتَّقُونَ» لَا يَخْفَى أَنَّ الْهَاشِمِيَّ أَشْرَفُ مِنْ قُرَيْشٍ فَبَعْدَ نَفْيِ الْأَوْلَوِيَّةِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ لَا بُدَّ لِنَفْيِ هَذِهِ مِنْ وَجْهٍ فَالْوَجْهُ إمَّا لِدَفْعِ وَهْمِ عَدَمِ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ الْهَاشِمِيِّ عَلَى مَفْهُومِ اللَّقَبِ أَوْ كَانَ فِي الْمُخَاطَبِينَ قُرَشِيٌّ وَأُرِيدَ تَنْصِيصُ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ أَوْ إيذَانًا عَلَى عَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ بِحَسَبِ الْكَثْرَةِ.
وَقَدْ عُرِفَ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي نُكْتَةُ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ فِي بَحْثِ الْإِطْنَابِ، وَإِنْ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ لَكِنْ قَدْ رُدَّ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْإِتْقَانِ «وَلَا الْأَنْصَارُ» أَهْلُ الْمَدِينَةِ نَصَرُوهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى جَعَلُوهُمْ مُشَارِكِينَ فِي دَارِهِمْ وَدِيَارِهِمْ وَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ بَلْ يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ احْتِيَاجٌ هُمْ قَبِيلَتَانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَمِنْهُمْ أَهْلُ الصُّفَّةِ لِكَثْرَةِ سُكْنَاهُمْ فِي صُفَّةِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِتَعْلِيمِ الدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ يَنْقَطِعُونَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَيَتَفَرَّغُونَ لِذَلِكَ الدِّينِ نَزَلَ فِي شَأْنِهِمْ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]- وَرَئِيسُهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - «بِأَوْلَى النَّاسِ بِأُمَّتِي إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِأُمَّتِي الْمُتَّقُونَ» فِي الْإِضَافَاتِ تَنْبِيهَاتٌ أَنَّ الِانْتِسَابَ إلَى النَّبِيِّ ﵊ لَيْسَ بِالْقَرَابَةِ وَلَا بِالْخِدْمَةِ وَلَا بِالْإِحْسَانِ بَلْ بِالتَّشَرُّعِ بِشَرِيعَتِهِ وَالتَّسَنُّنِ بِسُنَّتِهِ، وَهُوَ بِكَمَالِ الِاتِّبَاعِ لَهُ اعْتِقَادًا وَقَوْلًا وَفِعْلًا بَلْ سِيرَةً أَيْضًا إذْ حَاصِلُ الِاتِّقَاءِ مَأْخُوذٌ مِنْهُ لَكِنْ قَالُوا لَا شَرَفَ بِالنَّسَبِ إلَّا بِنَسَبِ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - تَرَكَ الْمُهَاجِرُونَ لَعَلَّهُمْ دَاخِلُونَ فِي قُرَيْشٍ وَهَاشِمٍ وَلَوْ تَغْلِيبًا، ثُمَّ أَشَارَ إلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ بِقَوْلِهِ «إنَّمَا أَنْتُمْ» إمَّا خِطَابٌ لِجَمِيعِ مَنْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَوْ لِلْمُطْلَقِ وَالْمُتَكَلِّمُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ خِطَابِهِ فَتَدَبَّرْ «مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ» آدَم وَحَوَّاءُ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَأَنْتُمْ كَجُمَامٍ» مَا يُمْلَأُ بِهِ الصَّاعُ كَالْحُبُوبِ
وَقِيلَ الْمُكَالُ بِهِ لِتَسَاوِيهِ فِي الْعَادَةِ قَدْرًا وَثَمَنًا وَفُسِّرَ بِالْكَيْلِ وَقِيلَ أَيْ أَنْتُمْ مُسْتَوُونَ مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ وَالنَّسَبُ كَاسْتِوَاءِ رَأْسِ الصَّاعِ «الصَّاعُ لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ إلَّا بِالتَّقْوَى» فَإِنَّ الْفَضْلَ عِنْدَ اللَّهِ مُعْتَبَرٌ بِالتَّقْوَى (وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ) فَضْلِ التَّقْوَى (كَثِيرَةٌ جِدًّا) فَيَطُولُ الْكَلَامُ بِذِكْرِهَا وَلَا يَتَحَمَّلُهَا الْمَقَامُ وَمِنْهَا أَحَادِيثُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «أُوصِيَك بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهُ رَأْسُ الْأَمْرِ كُلِّهِ» الْحَدِيثَ وَأَيْضًا «أُوصِيَك بِتَقْوَى اللَّهِ وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ»
стр. 326
وَأَيْضًا «أَكْرَمُ النَّاسِ أَتْقَاهُمْ» .
وَفِي الْمُحَاضَرَاتِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ «قَالَ لِمُعَاذٍ أُوصِيَك بِتَقْوَى اللَّهِ وَصِدْقِ الْحَدِيثِ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَتَرْكِ الْخِيَانَةِ وَحِفْظِ الْجِوَارِ وَرَحِمِ الْيَتِيمِ وَلِينِ الْكَلَامِ وَبَذْلِ السَّلَامِ وَحُسْنِ الْعَمَلِ وَقَصْرِ الْأَمَلِ وَلُزُومِ الْإِيمَانِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الْقُرْآنِ» .
وَفِي رِسَالَةِ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ «قِيلَ يَا مُحَمَّدُ مَنْ آلُ مُحَمَّدٍ قَالَ كُلُّ تَقِيٍّ نَقِيٍّ آلُ التَّقْوَى جِمَاعُ الْخَيْرَاتِ» .
وَفِي الْمِنْهَاجِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ «مَا أُعْجِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا وَلَا أَعْجَبَهُ أَحَدٌ إلَّا ذُو تُقًى» (الْآثَارُ) عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ لَمَّا وَلِيَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - خَطَبَ النَّاس فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ وُلِّيت أَمْرَكُمْ وَلَسْت بِخَيْرِكُمْ، وَلَكِنْ قَدْ نَزَلَ الْقُرْآنُ وَبَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السُّنَنَ فَعَلَّمَنَا اعْلَمُوا أَنَّ أَكْيَسَ الْكَيْسِ التَّقْوَى، وَأَنَّ أَحْمَقَ الْحُمْقِ الْفُجُورُ.
وَمِنْ خُطْبَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَيُّهَا النَّاسُ اعْتَصِمُوا بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّ لَهَا حَبْلًا وَثِيقًا عُرْوَتُهُ وَمَعْقِلًا مَنِيعًا ذُرْوَتُهُ وَبَادِرُوا الْمَوْتَ وَغَمَرَاتِهِ وَأَمْهِدُوا لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ، وَأَعِدُّوا لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ.
وَمِنْهَا أَيْضًا: أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَأُحَذِّرُكُمْ أَهْلَ النِّفَاقِ فَإِنَّهُمْ الضَّالُّونَ الْمُضِلُّونَ وَالزَّالُّونَ الْمُزِلُّونَ يَتَلَوَّنُونَ أَلْوَانًا وَيَفْتِنُونَ افْتِنَانَا.
وَحِينَ ضَرَبَهُ ابْنُ مُلْجِمٍ قَالَ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَنْ لَا تَبْغِيَا الدُّنْيَا، وَإِنْ بَغَتْكُمَا وَلَا تَأْسَفَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا زَوَى عَنْكُمَا وَقُولَا بِالْحَقِّ وَاعْمَلَا لِلْآخِرَةِ وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصِيمًا وَلِلْمَظْلُومِ عَوْنًا أُوصِيكُمَا وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي، وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي بِتَقْوَى اللَّهِ وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ.
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: لَا مُعِينَ إلَّا اللَّهُ وَلَا دَلِيلَ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ وَلَا زَادَ إلَّا التَّقْوَى وَلَا عَمَلَ إلَّا الصَّبْرُ وَعَنْ الْكِتَّانِيِّ قُسِّمَتْ الدُّنْيَا عَلَى الْبَلْوَى وَقُسِّمَتْ الْجَنَّةُ عَلَى التَّقْوَى
وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ سَمِعْت الْحَرِيرِيَّ يَقُولُ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّقْوَى وَالْمُرَاقَبَةِ لَمْ يَصِلْ إلَى الْكَشْفِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَعَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرَّيْحَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ كَانَ رَأْسُ مَالِهِ التَّقْوَى كَلَّتْ الْأَنْفُسُ عَنْ وَصْفِ رِبْحِهِ وَالْمُتَّقِي مِثْلُ أَبِي زَيْدٍ الْبِسْطَامِيِّ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ - الْعَزِيزُ اشْتَرَى مِنْ هَمَذَانَ حَبَّ الْقُرْطُمِ فَلَمَّا رَجَعَ إلَى بِسْطَامٍ رَأَى فِيهِ نَمْلَتَيْنِ فَرَجَعَ إلَى هَمَذَانَ وَوَضَعَ النَّمْلَتَيْنِ وَأَيْضًا أَنَّهُ غَسَلَ ثَوْبَهُ فَقَالَ صَاحِبُهُ نُعَلِّقُ الثَّوْبَ فِي جُدَرَانِ الْكُرُومِ فَقَالَ لَا تَضْرِبْ الْوَتَدَ فِي جِدَارِ النَّاسِ فَقَالَ نُعَلِّقُهُ فِي الشَّجَرِ فَقَالَ لَا؛ لِأَنَّهُ يَكْسِرُ الْأَغْصَانَ فَقَالَ نَبْسُطُهُ عَلَى الْأَرْضِ فَقَالَ لَا؛ لِأَنَّهُ عَلَفٌ لِلدَّوَابِّ فَوَلَّى ظَهْرَهُ إلَى الشَّمْسِ وَالْقَمِيصُ عَلَى ظَهْرِهِ حَتَّى جَفَّ.
وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ غَرَزَ عَصَاهُ فِي الْأَرْضِ فَسَقَطَتْ وَوَقَعَتْ عَلَى عَصَا شَيْخٍ بِجَنْبِهِ رَكَّزَ عَصَاهُ فِي الْأَرْضِ فَانْحَنَى الشَّيْخُ وَأَخَذَ عَصَاهُ فَمَضَى أَبُو زَيْدٍ إلَى بَيْتِ الشَّيْخِ وَاسْتَحَلَّهُ وَرُئِيَ عُتْبَةُ الْغُلَامَ يَتَصَبَّبُ عَرَقًا فِي الشِّتَاءِ فَقَالَ؛ لِأَنَّهُ مَكَانٌ عَصَيْت رَبِّي فِيهِ لِأَنِّي كَشَطْت مِنْ هَذَا الْجِدَارِ قِطْعَةَ طِينٍ فَغَسَلَ ضَيْفٌ لِي يَدَهُ بِهَا وَلَمْ أَسْتَحِلَّ صَاحِبَهُ مِنْ رِسَالَةِ الْقُشَيْرِيِّ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ التَّقْوَى كَنْزٌ عَزِيزٌ وَجَوْهَرٌ نَفِيسٌ وَخَيْرٌ كَثِيرٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَفَوْزٌ كَبِيرٌ وَغُنْمٌ جَسِيمٌ وَمِلْكٌ عَظِيمٌ فَجَمِيعُ خَيْرَاتِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَحْتَ هَذِهِ الْخَصْلَةِ الْوَاحِدَةِ أَيْ التَّقْوَى وَتَأَمَّلْ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِهَا مِنْ تَعْلِيقِ الْخَيْرِ وَالثَّوَابِ وَعَدَّ مِنْهَا اثْنَيْ عَشَرَ
أَوَّلُهَا الْمِدْحَةُ وَالثَّنَاءُ ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] .
ثَانِيهَا: الْحِفْظُ وَالْحِرَاسَةُ مِنْ الْأَعْدَاءِ ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]
ثَالِثُهَا: التَّأْيِيدُ وَالنُّصْرَةُ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا - أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٢٨ - ١٩٤] .
رَابِعُهَا: النَّجَاةُ مِنْ الشَّدَائِدِ وَالرِّزْقُ مِنْ الْحَلَالِ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] .
خَامِسُهَا: إصْلَاحُ الْعَمَلِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧١] .
سَادِسُهَا: غُفْرَانُ الذُّنُوبِ ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: ١٢] .
سَابِعُهَا: مَحَبَّةُ اللَّهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤] .
ثَامِنُهَا: الْقَبُولُ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] .
تَاسِعُهَا: الْإِكْرَامُ وَالْإِعْزَازُ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] .
عَاشِرُهَا: الْبِشَارَةُ عِنْدَ الْمَوْتِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣] ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] .
الْحَادِيَ عَشَرَ: النَّجَاةُ مِنْ النَّارِ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ [الليل: ١٧] .
الثَّانِيَ عَشَرَ: الْخُلُودُ
стр. 327
فِي الْجَنَّةِ ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] فَهَذِهِ وَكُلُّ خَيْرٍ وَسَعَادَةٍ فِي الدَّارَيْنِ تَحْتَ هَذِهِ التَّقْوَى فَلَا تَنْسَ نَصِيبَك مِنْهَا
ثُمَّ قَالَ فَعَلَيْك بِهَذِهِ التَّقْوَى إنْ أَرَدْت سَعَادَةَ الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى وَلَقَدْ صَدَقَ الْقَائِلُ
مَنْ اتَّقَى اللَّهَ فَذَاكَ الَّذِي ... سِيقَ إلَيْهِ الْمَتْجَرُ الرَّابِحُ
وَكُتِبَ عَلَى بَعْضِ الْقُبُورِ
لَيْسَ زَادٌ سِوَى التُّقَى ... فَخُذِي مِنْهُ أَوْ دَعِي
وَبَلَغَنِي أَنَّ عَامِرًا بَكَى عِنْدَ مَوْتِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ، ثُمَّ يَأْتِي إلَى فِرَاشِهِ فَيَقُولُ لِنَفْسِهِ أَيَا مَأْوَى كُلِّ شَرٍّ وَاَللَّهِ مَا رَضِيتُك لِلَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَقِيلَ لَهُ مَا يُبْكِيَك فَقَالَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] .
ثُمَّ تَأَمَّلْ نُكْتَةً أُخْرَى هِيَ أَصْلٌ لِلْأُصُولِ، وَهِيَ أَنَّ بَعْضَهُمْ حِينَ اسْتَوْصَى مِنْ بَعْضِ أَشْيَاخِهِ قَالَ أُوصِيَك بِوَصِيَّةِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١] قُلْت وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِصَلَاحِ الْعَبْدِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ أَوْ لَيْسَ هُوَ أَرْحَمُ وَأَرْأَفُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ وَلَوْ كَانَ فِي الْعَالَمِ أَصْلَحُ وَأَجْمَعُ وَأَعْظَمُ وَأَجَلُّ وَأَنْجَحُ مِنْ التَّقْوَى لَأَمَرَ عِبَادَهُ بِهِ فَإِذَا أَوْصَى الْكُلَّ بِهَا فَهِيَ الْغَايَةُ فَجَمَعَ كُلَّ نُصْحٍ وَدَلَالَةٍ وَإِشَارَةٍ وَتَنْبِيهٍ وَتَأْدِيبٍ وَتَعْلِيمٍ وَتَهْذِيبٍ فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ الْوَاحِدَةِ فَهِيَ الْكَافِيَةُ لِلْمُهِمَّاتِ وَالْمُبَلِّغَةُ إلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ.
(وَ) الِاسْتِدْلَال بِنَظَرِ (الْعَقْلِ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ التَّقْوَى مِنْ غَيْرِهَا مِنْ) سَائِرِ (الطَّاعَاتِ؛ لِأَنَّ التَّحْلِيَةَ) بِالْمُهْمَلَةِ التَّزَيُّنُ (بَعْدَ التَّخْلِيَةِ) بِالْمُعْجَمَةِ التَّبَرِّي وَالتَّخَلِّي (وَالتَّزْيِينُ بَعْدَ التَّطْهِيرِ فَالْأَوَّلُ) الطَّاعَاتُ (بِدُونِ الثَّانِي) التَّخَلِّي وَالتَّطْهِيرُ عَنْ السَّيِّئَاتِ (لَا يُفِيدُ وَعَكْسُهُ يُفِيدُ) أَقُولُ لَعَلَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الشُّمُولِ إلَى الْكُفْرِ وَإِلَّا فَمَنْ فَعَلَ الْمُنْكَرَ غَيْرَ الْكُفْرِ يَلْزَمُ أَنْ لَا تُقْبَلَ حَسَنَاتُهُ وَاجِبَاتٌ أَوْ نَوَافِلُ وَالِاجْتِرَاءُ صَعْبٌ، وَإِنْ مَشَى عَلَى ظَاهِرِهِ بَعْضٌ لَعَلَّ الْمُرَادَ هُوَ الْكَمَالُ يَعْنِي لَا يُفِيدُ فَائِدَةً مُعْتَدَّةً كَامِلَةً (فَهِيَ) أَيْ التَّقْوَى (الْأَسَاسُ) أَيْ الْأَصْلُ (لِجَمِيعِ خِصَالِ الْخَيْرِ فَخُذْهَا) بِجِدٍّ وَ (بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَك) وَأَوْصِهِمْ كَمَا أَوْصَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ خَوَاصَّ عِبَادِهِ كَمَا عَرَفْت كَمَا قَالَ اللَّهُ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» الْحَدِيثُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) أَيْ بِأَحْسَنِ التَّقْوَى أَيْ أَقْوَاهَا وَأَقْوَمِهَا أَوْ بِكَمَالِهَا (فَإِنَّ فِيهَا سَعَادَةَ الدَّارَيْنِ) بَلْ رِيَاسَتَهُمَا (وَالْفَوْزَ بِالْحَيَاتَيْنِ) حَيَاةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَوْ بِالْحَيَاةِ الْقُدْسِيَّةِ النُّورَانِيَّةِ الْغِيَابِيَّةِ وَالْحَيَاةِ الْحِسِّيَّةِ الْجُسْمَانِيَّةِ الْهَيُولَانِيَّةِ أَوْ الْحَيَاةِ الْحِسِّيَّةِ بِالْأَرْزَاقِ الْمَعَاشِيَّةِ وَالْحَيَاةِ الْمَعْنَوِيَّةِ بِالْأَرْزَاقِ الْمَعَادِيَّةِ وَقِيلَ أَوْ الْحَيَاةُ الْإِنْسَانِيَّةُ بِالْإِمْدَادَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالْحَيَاةُ الْحَيَوَانِيَّةُ بِالْإِمْدَادَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ أَوْ الْحَيَاةُ الْكَوْنِيَّةُ وَالْحَيَاةُ الْأَزَلِيَّةُ.
(يَسَّرَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكُمْ إنَّهُ هُوَ الْبَرُّ) بِالْفَتْحِ الْمُحْسِنُ الْمُتَفَضِّلُ (الرَّحِيمُ وَالْجَوَادُ الْكَرِيمُ) الَّذِي لَا يُخَيِّبُ رَاجِيَهُ وَلَا يَخْسَرُ مُنَاجِيَهُ وَفُسِّرَ بِنَيْلِ مَا يَنْبَغِي عَلَى مَا يَنْبَغِي لَعَلَّ كَوْنَ شَرَفِ التَّقْوَى وَعَظَمَتِهَا مِنْ شِدَّةِ اكْتِسَابِهَا وَصُعُوبَةِ تَحْصِيلِهَا عَلَى أَنَّ اللَّذَّاتِ عَلَى حَسَبِ الْمَئُونَاتِ وَالْأَجْرُ بِقَدْرِ التَّعَبِ وَالْأَفْضَلُ فِي الْأُمُورِ مَا هُوَ أَشَقُّ اقْتَضَى الدَّعْوَةَ وَالتَّضَرُّعَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهَا إنَّمَا تَتَحَصَّلُ بِهِدَايَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ، وَهُوَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَدَعَا الْمُصَنِّفُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ.
[النَّوْعُ الثَّانِي فِي تَفْسِير التَّقْوَى]
(النَّوْعُ الثَّانِي فِي تَفْسِيرِهَا)
أَيْ التَّقْوَى لُغَةً وَشَرْعًا لِكَمَالِ الْعِنَايَةِ بِشَأْنِهَا وَلِزِيَادَةِ التَّمْكِينِ (هِيَ فِي اللُّغَةِ) مُشْتَقَّةٌ
стр. 328
(مِنْ وَقَاهُ) وَقْيًا وَوِقَايَةً صَانَهُ مِنْ قَبِيلِ اشْتِقَاقِ الْمَصْدَرِ مِنْ الْفِعْلِ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ أَوْ التَّقْوَى لَيْسَ بِمَصْدَرٍ بَلْ اسْمٌ كَالْعَلَمِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْقَامُوسِ وَاتَّقَيْت الشَّيْءَ وَتَقَيْتُهُ حَذِرْته وَالِاسْمُ التَّقْوَى أَصْلُهُ تَقْيَا قَلَبُوهُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْمِ وَالصِّفَةِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ: وَأَصْلُ تَقْوَى هُوَ الْوَقْوَى بِالْوَاوِ مَصْدَرُ الْوِقَايَةُ يُقَالُ وَقَى وِقَايَةً وَوَقْوَى عِوَضٌ عَنْ الْوَاوِ تَاءٌ كَمَا فِي الْوُكْلَانِ وَالتُّكْلَانِ (فَاتَّقَى) يَتَّقِي أَصْلُهُ اوْتَقَى يَوْتَقِي عَلَى افْتَعَلَ فَقُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا وَأُبْدِلَتْ مِنْهَا التَّاءُ وَأُدْغِمَتْ فَلَمَّا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى لَفْظِ الِافْتِعَالِ تَوَهَّمُوا أَنَّ التَّاءَ مِنْ لَفْظِ الْحَرْفِ فَجَعَلُوهُ اتَّقَى يَتَّقِي بِفَتْحِ التَّاءِ فِيهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا لَهُ مِثَالًا يُلْحِقُونَهُ بِهِ فَقَالُوا تَقِيَ يَتَّقِي مِثْلُ قَضَى يَقْضِي كَذَا نُقِلَ عَنْ الصِّحَاحِ (وَالْوِقَايَةُ) بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ (فَرْطُ الصِّيَانَةِ) مِنْ الْمَخَاوِفِ وَالْمَهَالِكِ (أَصْلُهَا وَقْيًا) مَصْدَرُ وَقَاهُ (قُلِبَتْ وَاوُهَا تَاءً كَمَا فِي تُكْلَانَ) أَصْلُهُ وُكْلَانُ مَصْدَرُ وَكَلَ الْأَمْرَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَوَّضَهُ إلَيْهِ.
(وَتُجَاهُ) أَصْلُهُ وُجَاهُ مِنْ الْمُوَاجَهَةِ (وَ) قُلِبَتْ (يَاؤُهَا) أَيْ يَاءُ وَقْيًا (وَاوًا كَمَا فِي بَقْوَى) بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ.
قَالَ فِي الصِّحَاحِ: أَبْقَيْت عَلَى فُلَانٍ إذَا ارْعَوَيْت عَلَيْهِ وَرَحِمْته (وَأَلِفُهَا) أَيْ التَّقْوَى (لِلتَّأْنِيثِ) مِثْلُ حُبْلَى فَغَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ تَقُومُ مَقَامَ عِلَّتَيْنِ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى) ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى﴾ [التوبة: ١٠٩] بِالْقَصْرِ بِلَا تَنْوِينٍ لِعَدَمِ الِانْصِرَافِ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٩] وَفِي الشَّرِيعَةِ لَهَا مَعْنَيَانِ عَامٌّ) أَيْ لِأَنْوَاعِهَا (وَهُوَ الصِّيَانَةُ) أَيْ الْحِفْظُ (وَالِاجْتِنَابُ) أَيْ التَّبَاعُدُ (عَنْ كُلِّ مُضِرٍّ فِي الْآخِرَةِ فَلَهُ عَرْضٌ) سِعَةٌ (عَرِيضٌ) وَاسِعٌ كَظِلٍّ ظَلِيلٍ؛ لِأَنَّهُ (يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ) بِحَسَبِ الْمُحَافَظَةِ وَالتَّقْيِيدِ فِي اكْتِسَابِ الصَّالِحَاتِ (وَالنُّقْصَانُ) بِحَسَبِ تَرْكِ بَعْضِهَا (أَدْنَاهُ) بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ تَنْقِيصُهُ (الِاجْتِنَابُ عَنْ الشِّرْكِ) أَيْ مُطْلَقُ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ إمَّا بِعُمُومِ الْمَجَازِ أَوْ بِطَرِيقِ الْمُقَايَسَةِ أَوْ أَنَّهُ مِنْ تَسْمِيَةِ الْكُلِّ بِاسْمِ أَعْظَمِ أَجْزَائِهِ (الْمُخَلِّدُ) الْمُوجِبُ لِخُلُودِ صَاحِبِهِ (فِي النَّارِ) بِمُوجِبِ عَدْلِهِ تَعَالَى وَحُكْمِهِ وَخَبَرِهِ تَعَالَى لَا عَلَى الْوُجُوبِ عَلَيْهِ تَعَالَى كَمَا تَقَدَّمَ
الظَّاهِرُ وَصْفُ تَوْضِيحٍ أَوْ ذَمٍّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصًا احْتِرَازًا عَنْ الشِّرْكِ الْخَفِيِّ كَالرِّيَاءِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُخَلِّدٍ وَكَالذُّهُولِ فِي نِسْبَةِ أَشْيَاءَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَنِسْبَتُهَا إلَى أَسْبَابِهَا اسْتِقْلَالًا (وَأَعْلَاهُ) أَيْ الْعَرْضُ الْمَذْكُورُ (التَّنَزُّهُ) التَّبَرِّي (عَمَّا) عَنْ كُلِّ شَيْءٍ (يَشْغَلُ سِرَّهُ) قَلْبَهُ (عَنْ الْحَقِّ تَعَالَى) بِآثَارِ تَجَلِّيَاتِهِ الْجَلَّالِيَّةِ وَالْجَمَالِيَّةِ بِحَيْثُ لَوْ طَرَأَ غَيْرُهُ وَلَوْ أَنَّا لِأَجْلِ الذُّهُولِ يُتَدَارَكُ مِنْ فَوْرِهِ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ وَيَعُدُّهُ إسَاءَةً كَالْكَبِيرَةِ فَيَتُوبُ وَيَتَضَرَّعُ لَهُ تَعَالَى وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ (وَالتَّبَتُّلُ إلَيْهِ بِشَرَاشِرِهِ) أَيْ الِانْقِطَاعُ إلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ.
وَنُقِلَ عَنْ الْقَامُوسِ: الشَّرَاشِرُ النَّفْسُ وَالْأَثْقَالُ وَالْمَحَبَّةُ وَجَمِيعُ الْجَسَدِ فَلِلْجَمْعِ هُنَا وَجْهٌ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: ٨]- وَذَلِكَ بِاسْتِغْرَاقِ الْوَقْتِ وَالْأَحْوَالِ فِي ذِكْرِهِ تَعَالَى بِالْقَلْبِ أَوْ اللِّسَانِ مَعَ مُوَاطَأَةِ الْقَلْبِ، وَهُوَ طَرِيقُ السَّادَةِ الصُّوفِيَّةِ الْمُتَسَنِّنَةِ قَدَّسَ اللَّهُ أَسْرَارَهُمْ دُونَ الْغُلَاةِ وَالْمُتَشَقِّقَةِ سَامَحَ اللَّهُ مُعَامَلَتَهُمْ.
(وَهُوَ التَّقِيُّ الْحَقِيقِيُّ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ قُصُورٌ وَلَا فُتُورٌ فِي الْأَفْعَالِ
стр. 329
وَالتُّرُوكِ بَلْ يَأْتِي الْكُلُّ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ وَالطَّرْزِ الْأَتَمِّ وَذَلِكَ فِي جَمِيعِ عُمُرِهِ.
(وَ) الثَّانِي (خَاصٌّ) لِبَعْضِ الْمَعَانِي (وَهُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي الشَّرْعِ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَعَدَمُ الْقَرِينَةِ) إذْ عِنْدَ الْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ وَلَا يُمْكِنُ الْإِرَادَةُ لِسَائِرِ الْمَعَانِي الْحَقِيقِيَّةِ (أَعْنِي صِيَانَةَ النَّفْسِ عَمَّا تَسْتَحِقُّ بِهِ الْعُقُوبَةَ مِنْ فِعْلِ) مَعْصِيَةٍ وَلَوْ صَغِيرَةً إذْ يَجُوزُ الْعِقَابُ عَلَى الصَّغِيرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فَانْتَظِرْ (أَوْ تَرْكُ) طَاعَةٍ.
قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ إطْلَاقُ التَّقْوَى فِي الْقُرْآنِ ثَلَاثَةٌ بِمَعْنَى الْخَشْيَةِ نَحْوُ ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١] وَبِمَعْنَى الطَّاعَةِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] أَيْ أَطِيعُوا اللَّهَ حَقَّ طَاعَتِهِ وَبِمَعْنَى تَبْرِئَةِ الْقَلْبِ مِنْ الذُّنُوبِ وَهَذِهِ هِيَ حَقِيقَةُ التَّقْوَى دُونَ الْأَوَّلَيْنِ نَحْوُ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ هُوَ ذَلِكَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ غَيْرُ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ
ثُمَّ قَالَ مَنَازِلُ التَّقْوَى ثَلَاثَةٌ عَنْ الشِّرْكِ وَعَنْ الْبِدْعَةِ وَعَنْ الْمَعَاصِي فَمُقَابِلُهَا الْإِيمَانُ وَالْإِقْرَارُ بِالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةُ وَالْإِحْسَانُ وَالِاسْتِقَامَةُ (فَاجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ لَازِمٌ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ) لِإِيجَابِهَا الْعُقُوبَةَ قَطْعًا لَكِنْ يُمْكِنُ مَنْعُ الْمُلَازَمَةِ بِقَاعِدَةِ جَوَازِ الْمَغْفِرَةِ عَنْ الْكَبَائِرِ فِيمَا دُونَ الشِّرْكِ وَالِاحْتِمَالِ، وَلَوْ ضَعِيفًا يُنَافِي اللُّزُومَ الْقَطْعِيَّ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا احْتِمَالٌ نَاشِئٌ عَنْ الدَّلِيلِ لَا مُطْلَقُ احْتِمَالٍ فَتَأَمَّلْ فِيهِ حَتَّى يَتَّضِحَ مَا يُنَافِيهِ، ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ الِاتِّفَاقِ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْحَقِّ أَوْ اتِّفَاقُ مَنْ يُعْتَدَّ بِهِمْ فَلَا ضَرَرَ بِمُخَالَفَةٍ نَحْوُ مَنْ يَقُولُ لَا ضَرَرَ لِلْمَعَاصِي مَعَ الْإِيمَانِ (وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَقِيلَ لَا) أَيْ لَيْسَ بِلَازِمٍ تَرْكُهَا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لِلتَّقْوَى أَقُولُ بَعْدَ مَا أَطْلَقَ فِي الِاعْتِقَادِيَّةِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ الْعِقَابُ عَلَى الصَّغِيرَةِ سَوَاءٌ اجْتَنَبَ مُرْتَكِبُهَا عَنْ الْكَبِيرَةِ أَمْ لَا لَا وَجْهَ لِذِكْرِ هَذَا الْخِلَافِ هُنَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ (لِأَنَّهَا مُكَفِّرَةٌ عَنْ مُجْتَنِبِ الْكَبَائِرِ) فَهُوَ حُجَّةٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ فِي مَحَلِّهِ كَمَا سَيُشِيرُ إلَيْهِ هُنَا بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْكَبَائِرِ فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]- هُوَ أَنْوَاعُ الْكُفْرِ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبٌ لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ فَاللَّائِقُ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ خِلَافُهُمْ هُنَا، ثُمَّ أَقُولُ عَلَى مُرَادِهِ إنَّ اجْتِنَابَ الْكَبَائِرِ مُسْتَلْزِمٌ لِمُوَاظَبَةِ الطَّاعَاتِ وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَكَذَا الْجُمُعَةُ وَرَمَضَانُ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ فَالْمُرَادُ اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ صَرَاحَةً أَوْ الْتِزَامًا (فَلَا يَسْتَحِقُّ بِهَا الْعُقُوبَةَ) لَا عَقْلًا بَلْ سَمْعًا وَتَفَضُّلًا وَأَيْضًا لَا جَوَازَ بَلْ وُقُوعًا (وَقِيلَ نَعَمْ) أَيْ يَلْزَمُ الِاجْتِنَابُ عَنْ الصَّغَائِرِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لِلتَّقْوَى (لِأَنَّ بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ حَمَلَ الْكَبَائِرَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ) الْمَذْكُورَةِ آنِفًا (عَلَى أَنْوَاعِ الشِّرْكِ) ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يُصْرَفُ إلَى الْكَمَالِ وَمُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ يَقْتَضِي انْقِسَامَ الْآحَادِ بِالْآحَادِ (فَلَمْ يَتَعَيَّنْ التَّكْفِيرُ) أَيْ كَوْنُهَا مُكَفِّرَةً عِنْدَ الِاجْتِنَابِ عَنْ الْكَبِيرَةِ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّازِمَ مِنْ هَذَا هُوَ الْجَوَازُ وَالْكَلَامُ فِي الْوُقُوعِ وَأَيْضًا كَمَا لَا تَعْيِينَ فِي التَّكْفِيرِ لَا تَعْيِينَ فِي عَدَمِ التَّكْفِيرِ إذْ الْبَعْضِيَّةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ أَنَّ الْبَعْضَ الْآخَرَ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ حَمَلَ الْكَبَائِرَ عَلَى الْأَعَمِّ أَوْ مَا دُونَ الْكُفْرِ مِنْ سَائِرِ الْكَبَائِرِ، وَهُوَ الْمَعْنَى الْعُرْفِيُّ الْمُتَبَادِرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَا إنَّ هَذَا مِنْ نَحْوِ تَعَارُضِ الْإِبَاحَةِ وَالْحَظْرِ فَيُرَجَّحُ الْحَظْرُ فَافْهَمْ (وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْعِقَابَ عَلَى الصَّغِيرَةِ جَائِزٌ، وَلَوْ مَعَ اجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَيْضًا لَمْ يَثْبُتْ تَغَايُرُهُمَا) أَيْ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ (بِالذَّاتِ) بَلْ بِالِاعْتِبَارِ وَالْإِضَافَةِ إلَى مَا فَوْقَهُمَا وَمَا تَحْتَهُمَا.
قَالَ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ عَنْ
стр. 330
صَاحِبِ الْكِفَايَةِ وَالْحَقُّ أَنَّهَا اسْمَانِ إضَافِيَّانِ لَا يُعْرَفَانِ بِذَاتِهِمَا فَكُلُّ مَعْصِيَةٍ إنْ أُضِيفَتْ إلَى مَا فَوْقَهَا فَهِيَ صَغِيرَةٌ، وَإِنْ أُضِيفَتْ إلَى مَا دُونَهَا فَهِيَ كَبِيرَةٌ قَالَ أَيْضًا وَقِيلَ كُلُّ مَعْصِيَةٍ أَصَرَّ عَلَيْهَا الْعَبْدُ فَهِيَ كَبِيرَةٌ وَكُلُّ مَا اُسْتُغْفِرَ مِنْهَا فَهِيَ صَغِيرَةٌ وَقِيلَ فِي هَذَا الْمَقَامِ تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: الْكَبَائِرُ حُقُوقُ الْعِبَادِ وَالصَّغَائِرُ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يَغْفِرُ.
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ: الْكَبَائِرُ ذُنُوبُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالسَّيِّئَاتُ ذُنُوبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَقِيلَ الْكَبَائِرُ الْعَمْدُ وَالصَّغَائِرُ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ وَحَدِيثُ النَّفْسِ الْمَرْفُوعُ عَنْ الْأُمَّةِ.
وَقِيلَ الْكَبَائِرُ ذُنُوبُ الْمُسْتَحِلِّينَ وَالصَّغَائِرُ ذُنُوبُ الْمُسْتَغْفِرِينَ وَقَالَ السُّدِّيَّ الْكَبَائِرُ مَا نُهِيَ عَنْهُ وَالسَّيِّئَاتُ مُقَدِّمَاتُهَا وَتَوَابِعُهَا وَقِيلَ الْكَبَائِرُ مَا يَسْتَحْقِرُهُ الْعِبَادُ وَالصَّغَائِرُ مَا يَخَافُونَهُ انْتَهَى نَقْلًا عَنْ الْبَغَوِيّ لَا يَخْفَى عَدَمُ صَلَاحِيَّةِ هَذِهِ الْخِلَافِيَّاتِ لِلشَّهَادَةِ عَلَى الْمَقْصُودِ وَأَنْتَ سَمِعْت مَا يَصْلُحُ لِلشَّهَادَةِ هَذَا لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ الْإِضَافَةِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ فَرْدٍ حَقِيقِيٍّ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْكَبِيرَةِ وَأَيْضًا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ لَا يَكُونَ لِلْآيَةِ مَعْنًى مَحْصُولٌ مُعْتَدٌّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ إطْلَاقُ الْكَبَائِرِ عَلَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ السَّيِّئَاتُ فَلَا مَعْنَى لَأَنْ يُقَالَ إنْ تَجْتَنِبُوا عَنْ الْكَبَائِرِ نُكَفِّرْ كَبَائِرَكُمْ أَوْ إنْ تَجْتَنِبُوا عَنْ الصَّغَائِرِ نُكَفِّرْ صَغَائِرَكُمْ وَلَعَلَّ هَذَا مَدَارُ التَّسْلِيمِ فِي قَوْلِهِ (وَعَلَى التَّسْلِيمِ لَمْ نَعْلَمْ يَقِينًا عَدَدَ الْكَبَائِرِ) ؛ لِأَنَّهُ (قِيلَ سَبْعٌ وَقِيلَ سَبْعُونَ وَقِيلَ سَبْعُمِائَةٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ) وَقَدْ عَرَفْت الِاخْتِلَافَاتِ فِي الِاعْتِقَادِيَّةِ.
وَأَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الْكَبَائِرِ أَسَبْعٌ هِيَ قَالَ هِيَ إلَى سَبْعِمِائَةٍ أَقْرَبُ إلَّا أَنَّهُ لَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ.
أَقُولُ أَيْضًا: لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً أَيُّ عَدَدٍ اُعْتُبِرَ وَإِلَّا فَيَكُونُ الْخِطَابُ كَالْعَبَثِ الَّذِي لَا يُنَاسِبُ الْحَكِيمَ فَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ الْعَدَدِ صَغِيرَةٌ قَطْعًا أَوْ لَا بُدَّ مِنْ تَصْحِيحِ الْعُلَمَاءِ لِوَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ فَالِاعْتِبَارُ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ عَلَى أَنَّ بَعْضَهَا كَالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ وَبَعْضَهَا ضَعِيفٌ لَا يَحْسُنُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فَلْنَأْخُذْ الْقَوِيَّ كَرِوَايَةِ السَّبْعِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ يُخْفِيهِ تَعَالَى لِحِكْمَةٍ كَلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَسَاعَةِ الْجُمُعَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يُخْفِيَ الْكَبَائِرَ لِحِكْمَةِ اجْتِنَابِ كُلِّ مَعْصِيَةٍ عَلَى احْتِمَالِ كَوْنِهَا كَبِيرَةً كَمَا نُقِلَ عَنْ مُخْتَصَرِ التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ وَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُعَيِّنْ جُمْلَةَ الْكَبَائِرِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْإِغْرَاءَ عَلَى الصَّغَائِرِ الْإِخْبَارُ بِتَكْفِيرِهَا عِنْدَ اجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ.
(وَقَدْ قَالَ ﵊) فِيمَا خَرَّجَهُ (ت) التِّرْمِذِيُّ (وَحَسَّنَهُ ومج وحك) وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ (وَصَحَّحَهُ) الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ مَا اتَّصَلَ سَنَدُهُ وَعُدِّلَتْ نَقَلَتُهُ وَسَلِمَ مِنْ الشُّذُوذِ وَالْعِلَّةِ وَالْحَسَنُ دُونَ ذَلِكَ إذْ هُوَ مَا خَفَّ ضَبْطُهُ وَبِكَثْرَةِ طُرُقِهِ يَلْحَقُ بِالصَّحِيحِ وَمَا سِوَاهُمَا فَضَعِيفٌ.
(عَنْ عَطِيَّةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُتَّقِينَ» أَيْ دَرَجَةَ الْمُتَّقِينَ «حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ» وَلَوْ مُبَاحًا «حَذَرًا مِمَّا بِهِ بَأْسٌ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ: أَنْ يَتْرُكَ فُضُولَ الْحَلَالِ حَذَرًا مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ.
قَالَ الْغَزَالِيِّ: الِاشْتِغَالُ بِفُضُولِ الْحَلَالِ وَالِانْهِمَاكُ فِيهِ يَجُرُّ إلَى الْحَرَامِ لِشَرَهِ النَّفْسِ وَطُغْيَانِهَا وَتَمَرُّدِ الْهَوَى وَشَيْطَانِهِ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْمَنَ مِنْ الضَّرَرِ فِي دِينِهِ اجْتَنَبَ الْخَطَرَ فَامْتَنَعَ عَنْ فُضُولِ الْحَلَالِ حَذَرًا أَنْ يَجُرَّهُ إلَى مَحْضِ الْحَرَامِ، ثُمَّ قَالَ لِلتَّقْوَى مَرَاتِبُ، التَّوَقِّي مِنْ الْعَذَابِ الْمُخَلَّدِ بِالتَّبَرِّي عَنْ الشِّرْكِ ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦] وَالتَّوَقِّي عَنْ كُلِّ مَا يُؤَثِّمُ مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ حَتَّى الصَّغَائِرِ، وَهُوَ الْمُتَعَارَفُ بِالتَّقْوَى فِي الشَّرْعِ الْمَقْصُودَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَالتَّوَقِّي عَمَّا يَشْغَلُ سِرَّهُ عَنْ رَبِّهِ، وَهُوَ التَّقْوَى الْحَقِيقِيَّةُ الْمَطْلُوبَةُ بِقَوْلِهِ - ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]- وَيَجُوزُ تَنْزِيلُ الْحَدِيثِ أَيْضًا اهـ.
قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ أَنَا وَجَدْت التَّقْوَى بِمَعْنَى اجْتِنَابِ فُضُولِ الْحَلَالِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا سُمِّيَ الْمُتَّقُونَ مُتَّقِينَ لِتَرْكِهِمْ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ بَأْسٌ» .
وَأَحْبَبْت أَنْ أَجْمَعَ بَيْن مَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا وَبَيْنَ مَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَكُونَ حَدًّا جَامِعًا فَأَقُولُ التَّقْوَى اجْتِنَابُ كُلِّ مَا تَخَافُ مِنْهُ ضَرَرًا فِي دِينِك، وَأَمَّا تَحْدِيدُهَا عَلَى مَوْضُوعِ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ فَهُوَ تَبْرِئَةُ الْقَلْبِ مِنْ شَرٍّ لَمْ يَسْبِقْ مِنْك مِثْلُهُ لِقُوَّةِ الْعَزْمِ عَلَى تَرْكِهِ حَتَّى يَصِيرَ ذَلِكَ وِقَايَةً بَيْنَك وَبَيْنَ كُلِّ
стр. 331
شَرٍّ سَوَاءٌ شَرًّا أَصْلِيًّا أَوْ شَرًّا غَيْرَ أَصْلِيٍّ، وَهِيَ مَا نُهِيَ عَنْهُ تَأْدِيبًا، وَهُوَ فُضُولُ الْحَلَالِ كَالْمُبَاحَاتِ الْمَأْخُوذَةِ بِالشُّبُهَاتِ فَالْأُولَى يُوجِبُ تَرْكُهَا عَذَابَ النَّارِ وَالثَّانِيَةُ يُوجِبُ تَرْكُهَا الْحَبْسَ وَالْحِسَابَ وَالتَّعْيِيرَ وَاللَّوْمَ فَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ اسْتَكْمَلَ حَقَّ التَّقْوَى وَجَمَعَ كُلَّ خَيْرٍ وَهَذَا هُوَ الْوَرَعُ الْكَامِلُ اهـ، ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ اسْتَدَلَّ عَلَى لُزُومِ اجْتِنَابِ الصَّغَائِرِ لِلْمُتَّقِي بِالْمَعْنَى الْخَاصِّ أَوَّلًا بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَثَانِيًا بِالنَّقْلِيَّةِ فَأَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ أَوَّلًا فَأَشَارَ إلَى وَجْهِ الدَّلَالَةِ فَقَالَ (يَقُولُ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى) أَظْهَرَ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ هَضْمًا لِنَفْسِهِ وَحِذَارًا مِنْ وَهْمِ الْعُجْبِ وَنَحْوِهِ (هَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ) صَرِيحٌ لِعَدَمِ احْتِمَالِ التَّأْوِيلِ وَالتَّخْصِيصِ (فِي لُزُومِ اجْتِنَابِ الصَّغَائِرِ) فِي التَّقْوَى بِهَذَا الْمَعْنَى الْخَاصِّ (لِأَنَّهَا) أَيْ الصَّغَائِرَ (بَعْدَ الْإِغْمَاضِ) عَمَّا ذُكِرَ (وَمُسَاعَدَةُ الْخَصْمِ) الْقَائِلِ بِأَنَّهَا مُكَفِّرَةٌ عَنْ مُجْتَنِبِ الْكَبَائِرِ (مِمَّا لَا بَأْسَ بِهِ) يَعْنِي الصَّغَائِرَ مِمَّا لَا بَأْسَ بِهِ وَكُلُّ مَا لَا بَأْسَ بِهِ لَازِمٌ تَرْكُهُ لِلْمُتَّقِي بِحُكْمِ الْحَدِيثِ، وَأَمَّا شُمُولُ الْكُبْرَى لِلْحَلَالِ الْمَحْضِ فَسَيُجِيبُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ، وَأَمَّا الْحَلَالُ الْخَالِصُ (بَلْ يَزِيدُ) أَيْ هَذَا الْعَبْدُ الضَّعِيفُ (وَيَقُولُ: كَلِمَةُ مَا) فِي قَوْلِهِ مَا لَا بَأْسَ بِهِ (عَامَّةٌ لِكُلِّ مَا فِيهِ احْتِمَالُ الْحُرْمَةِ) كَالشُّبُهَاتِ بَلْ مَا يَحْتَمِلُ الْحُرْمَةَ احْتِمَالًا مَرْجُوحًا وَلَوْ كَانَ جَانِبُ الْحِلِّ رَاجِحًا (وَ) احْتِمَالُ (الْإِفْضَاءِ إلَى الْحَرَامِ) فَإِنْ قِيلَ عُمُومُ مَا لَيْسَ بِمُخْتَصٍّ بِمَا ذُكِرَ بَلْ شَامِلٌ لَهُ وَلِكُلِّ مَا لَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ فَإِنْ أُرِيدَ هَذَا الْخُصُوصُ مِنْ هَذَا الْعَامِّ فَلَا دَلَالَةَ لِلْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ بِإِحْدَى الدَّلَالَاتِ الثَّلَاثِ، وَإِنْ أُرِيدَ الْعُمُومُ عَلَى عُمُومِهِ فَمَعَ كَوْنِهِ خِلَافَ صَرِيحِ لَفْظِهِ لَا يَسْتَقِيمُ فِي نَفْسِهِ لِإِفْضَائِهِ إلَى جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَإِنْ أُرِيدَ الْعَامُّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ فَالِاحْتِجَاجُ بِالْعَامِّ مَحَلُّ كَلَامٍ كَمَا فَصَّلَ فِي الْأُصُولِ قُلْنَا قَوْلُهُ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ عُرْفًا دَافِعٌ لِهَذِهِ الشُّبْهَةِ.
وَقَدْ قَالَ فِي التَّلْوِيحِ: إنَّ اسْتِعْمَالَ النَّاسِ حُجَّةٌ وَالْمَعْنَى الْعُرْفِيُّ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ يُتَسَارَعُ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ بِلَا صَارِفٍ وَعِنْدَ الصَّارِفِ إلَى غَيْرِهِ وَلَوْ لُغَوِيًّا مَجَازٌ عُرْفِيٌّ فَتَنْدَفِعُ أَيْضًا إذْ الْمُرَادُ وَلَوْ مَعْنًى عُرْفِيًّا لَكِنْ يَحْتَمِلُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ.
وَقَدْ قَالَ فِي التَّلْوِيحِ: وَلَا حُجَّةَ مَعَ الِاحْتِمَالِ فَتَأَمَّلْ، ثُمَّ كَوْنُ كَلِمَةِ " مَا " عَامَّةً لَيْسَ بِمَقْطُوعٍ بِهِ كَمَا فِي الْأُصُولِ لَكِنَّ الْمَقَامَ كَالْخَطَّابِيِّ فَلَا يُعْبَأُ بِهِ (كَعُمُومِ الثَّانِيَةِ) فِي مِمَّا بِهِ بَأْسٌ (الْحَرَامَ) مَفْعُولُ الْعُمُومِ إنْ خَصَّ الْبَأْسَ بِالْحَرَامِ وَالظَّاهِرُ مُطْلَقُ الضَّرَرِ الشَّامِلِ لَهُ وَلِنَحْوِ الْمَكْرُوهِ لَكِنْ بَعْدَ الْإِغْمَاضِ الْمَذْكُورِ يَنْبَغِي عَدَمُ الشُّمُولِ.
(وَأَمَّا الْحَلَالُ الْخَالِصُ عَنْ) شَائِبَةِ (الشُّبْهَةِ) ابْتِدَاءً أَوْ إفْضَاءً (فَلَا يَتَنَاوَلُهُ) لَفْظُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ (عُرْفًا) إذْ هُوَ فِي الْعُرْفِ مَا يَكُونُ تَرْكُهُ أَوْلَى لَعَلَّك قَدْ سَمِعْت تَفْصِيلَ اسْتِعْمَالِ لَفْظِ لَا بَأْسَ فَارْجِعْ تَرْشُدْ (وَإِنْ تَنَاوَلَهُ) أَيْ، وَإِنْ تَنَاوَلَ لَفْظُ لَا بَأْسَ الْحَلَالَ (لُغَةً) إذْ الْحَلَالُ لَيْسَ فِيهِ بَأْسٌ أَيْ ضَرَرٌ وَقَدْ عَرَفْت هَذَا الْقَوْلَ آنِفًا وَهَذَا الْفَقِيرُ الضَّعِيفُ أَيْضًا يَقُولُ ابْتِدَاءً أَوْ انْتِزَاعًا مِنْ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ يَدْخُلُ فِي الْحَدِيثِ الْمُبَاحَاتُ الْمَأْخُوذَةُ بِالشُّبُهَاتِ وَفُضُولُ الْحَلَالِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ وَالِانْهِمَاكَ فِيهِ رُبَّمَا يَجُرُّ صَاحِبَهُ إلَى الْحَرَامِ لِشَرَهِ النَّفْسِ وَطُغْيَانِهَا وَتَمَرُّدِ الْهَوَى فَالْأَمْنُ وَالسَّلَامَةُ التَّجَنُّبُ عَنْهُ لِئَلَّا يَجُرَّ إلَى الْحَرَامِ كَمَا هُوَ مَضْمُونُ الْحَدِيثِ وَقَدْ سَمِعْت أَنَّ الشُّبْهَةَ تَكْفِي لِإِثْبَاتِ الْعِبَادَاتِ كَمَا تَكْفِي لِرَدِّ الْعُقُوبَاتِ وَسَيُفْهَمُ مِنْ الْحَدِيثِ الْآتِي وَأَيْضًا قَالُوا الْإِصْرَارُ عَلَى الْمُبَاحِ لِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي كَالصَّيْدِ صَغِيرَةٌ حَتَّى قِيلَ مَنْ اتَّخَذَ الِاكْتِسَابَ بِالصَّيْدِ فَلَا يُؤْكَلُ.
(خ م عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) هَذَا دَلِيلٌ نَقْلِيٌّ آخَرُ عَلَى لُزُومِ اجْتِنَابِ الصَّغَائِرِ فِي التَّقْوَى (يَقُولُ إنَّ «الْحَلَالَ بَيِّنٌ» التَّأْكِيدُ إمَّا لِمَزِيدِ الِاهْتِمَامِ أَوْ لِأَمَارَةِ
стр. 332
الْإِنْكَارِ عَلَى مَضْمُونِ الْحُكْمِ بِنَصِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِنَوْعِهِ أَوْ جِنْسِهِ عِبَارَةً أَوْ إشَارَةً أَوْ دَلَالَةً أَوْ مُقَايَسَةً «وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ» كَذَلِكَ «وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ» بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ وَتَزَاحُمِ الْمَعَانِي وَلِوُقُوعِهِمَا بَيْنَ أَصْلَيْنِ وَلِتَجَاذُبِ الرِّوَايَاتِ وَتَخَالُفِ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ أَيْضًا وَلَا مُرَجِّحَ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ.
«لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ» لِخَفَائِهِنَّ كَالْجِهَاتِ السَّابِقَةِ مِنْ نَحْوِ خَفَاءِ النَّصِّ وَتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ قَيَّدَ بِالْكَثِيرِ إذْ الْقَلِيلُ كَالْمُجْتَهِدِ يَعْلَمُهَا بَلْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ لَا يَعْلَمُ كُلَّ حُكْمٍ لِثُبُوتِ التَّوَقُّفِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَثُبُوتِ لَا أَدْرِي كَمَالِكٍ مِمَّنْ أُجْمِعَ عَلَى فَقَاهَتِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ لَا يَعْلَمُ قَطْعًا فِي كُلِّ اجْتِهَادِيَّةٍ بَلْ ظَنًّا عَلَى وَجْهٍ يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ فَلَفْظُ كَثِيرٍ تَجُوزُ عَنْ الْكُلِّ أَوْ يُرَادُ غَيْرُ النَّبِيِّ ﵊ فَلَا يَشْكُلُ بِأَنَّهُ إذَا عَلِمَهَا الْمُجْتَهِدُ ابْتِدَاءً يَعْلَمُهَا الْمُقَلِّدُ انْتِهَاءً فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهَا بَيِّنًا فَلَا يَبْقَى مُشْتَبَهٌ قِيلَ هُنَا اُخْتُلِفَ فِي تَعَاطِي الشُّبُهَاتِ فَقِيلَ حَرَامٌ لِقَوْلِهِ «اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» .
وَقِيلَ حَلَالٌ بِدَلِيلٍ «كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى» إلَى آخِرِهِ وَقِيلَ بِالْوَقْفِ كَمَا فِي الْفَتْحِيَّةِ انْتَهَى. فَفِيهِ تَأَمُّلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى تَمَامِ مَقْصُودِ الْحَدِيثِ «فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ» طَلَبَ التَّبَرِّي «لِدِينِهِ» مِنْ الْخَطَرِ الشَّرْعِيِّ.
«وَعِرْضِهِ» مِنْ وُقُوعِ النَّاسِ فِيهِ أَوْ بَدَنِهِ مِنْ الْعُقُوبَةِ «وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَا فَعَلَهُ حَرَامًا أَوْ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَقَعَ فِي الْحَرَامِ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ ظَاهِرَهُ مُوجِبَةٌ كُلِّيَّةٌ وَلَا شَكَّ أَنَّ بَعْضَ مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ يَقَعُ فِي الْحَلَالِ، وَإِنْ أُرِيدَ الْإِيجَابُ الْجُزْئِيُّ فَلَا شَكَّ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَعْلُومَةٍ بَلْ احْتِمَالٌ وَلَا حُجَّةَ مَعَ الِاحْتِمَالِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ إنَّ الْجُزْئِيَّاتِ الْمَظْنُونَةِ الْمُنْدَرِجَةِ تَحْتَ أَصْلٍ قَطْعِيٍّ يَجِبُ انْدِرَاجُهَا فِي هَذَا الْحُكْمِ مِثْلُ أَنْ يَعْرِفَ الْإِنْسَانُ أَنَّ كُلَّ مَسْمُومٍ يَجِبُ اجْتِنَابُهُ، ثُمَّ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا الطَّعَامَ مَسْمُومٌ فَإِنَّ الْعَقْلَ يُوجِبُ اجْتِنَابَهُ وَأَيْضًا سَمِعْت مِرَارًا عَنْ التَّلْوِيحِ الْحُرُمَاتُ كَدَرْءِ الْعُقُوبَاتِ تُثْبِتُ الشُّبُهَاتِ، وَقِيلَ الْمَعْنَى مَنْ تَعَوَّدَ فِي وُقُوعِ الشُّبُهَاتِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْخَفَاءِ وَقِيلَ يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ وَقِيلَ التَّجَاسُرُ عَلَى الشُّبْهَةِ يَكُونُ دَاعِيًا إلَى تَجَاسُرِ الْحَرَامِ وَأَيْضًا فِيهِ خَفَاءٌ لَا يَخْفَى، ثُمَّ وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْقَدْرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى تَجَنُّبِ الشُّبُهَاتِ فَأَوْلَى عَلَى تَجَنُّبِ مَا يَكُونُ صَغِيرَةً قَطْعًا كَالْكَبِيرَةِ لَكِنْ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ كَلَامُنَا عَلَى تَسْلِيمِ كَوْنِ الصَّغَائِرِ مُكَفِّرَةً عِنْدَ اجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ فَلَا يَدُلُّ الِاجْتِنَابُ عَنْ الْحُرْمَةِ وَلَوْ احْتِمَالًا عَلَى الِاجْتِنَابِ عَنْ الصَّغِيرَةِ إذْ هِيَ مُكَفِّرَةٌ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ الشُّبُهَاتِ عَامَّةً عَلَى مَا يَحْتَمِلُ الْكَبِيرَةَ وَالصَّغِيرَةَ وَيُسْتَعَانُ عَلَيْهِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ مَعَ اللَّامِ أَوْ لَمَّا كَانَ فِيهِ نَوْعُ خَفَاءٍ، وَكَانَ الْأَمْرُ مُهِمًّا اسْتَوْضَحَ بِتَشْبِيهِ الْمَحْسُوسِ فَقَالَ «كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى» أَيْ حَالُهُ كَحَالِ مَنْ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى هُوَ مَا حُمِيَ مِنْ الْأَرْضِ وَمُنِعَ مِنْهُ الْغَيْرُ «يُوشِكُ» بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ يُسْرِعُ وَيَقْرُبُ «أَنْ يَقَعَ فِيهِ» أَيْ فِي الْحِمَى وَتَأْكُلُ مَاشِيَتُهُ مِنْهُ عَنْ الْمُحَشِّي شَبَّهَ الْمُكَلَّفَ بِالرَّاعِي وَالنَّفْسَ الْبَهِيمِيَّةَ بِالْأَنْعَامِ وَالْمُشْتَبِهَاتُ بِمَا حَوْلَ الْحِمَى وَالْمَحَارِمُ بِالْحِمَى فَيَكُونُ تَشْبِيهًا مَعْلُومًا بِاعْتِبَارِ طَرَفَيْهِ وَتَمْثِيلًا
стр. 333
بِاعْتِبَارِ وَجْهِهِ انْتَهَى «أَلَا» حَرْفُ افْتِتَاحٍ جِيءَ بِهِ لِعِظَمِ مَا بَعْدَهَا «وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ» بِكَسْرِ اللَّامِ مِنْ الْمُلُوكِ «حِمًى» يَحْمِيهِ مِنْ النَّاسِ «أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ» أَيْ الْمَعَاصِي يَحْمِيهَا مِنْ كُلِّ دَاخِلٍ فِيهَا عَلَى وَجْهٍ يُعَاقِبُ دَاخِلَهَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقَارِبَ مَا يُفْضِيهَا وَمَا يَقْرَبُهَا أَيْضًا لِئَلَّا يَقَعَ فِيهَا «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً» قِطْعَةَ لَحْمٍ قَدْرَ مَا يُمْضَغُ «إذَا صَلَحَتْ» بِالْفَتْحِ أَوْ بِالضَّمِّ «صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ» ؛ لِأَنَّهَا أَمِيرُهُ وَسُلْطَانُهُ «، وَإِذَا فَسَدَتْ» أَظْلَمَتْ بِالضَّلَالَةِ وَالْغَبَاوَةِ «فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ» بِارْتِكَابِ الْمُنْكَرَاتِ وَإِقْدَامِ الْمَنْهِيَّاتِ «أَلَا، وَهِيَ» أَيْ الْمُضْغَةُ «الْقَلْبُ» سُمِّيَ بِهِ لِانْقِلَابِ مَا فِيهِ مِنْ الْخَوَاطِرِ قِيلَ يَعْنِي الْقَلْبَ بِمَنْزِلَةِ الْمَلِكِ وَالْجَسَدُ كَالْمَدِينَةِ، وَهُوَ قَاعِدٌ فِي وَسَطِهَا وَسَائِرُ الْجَوَارِحِ بِمَنْزِلَةِ الرَّعَايَا مُطِيعَاتٌ لِلْمَلِكِ فِي أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ فَإِصْلَاحُهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمُهِمَّاتِ قِيلَ عَنْ الْمُنَاوِيِّ عَقَّبَ بِهِ قَوْلَهُ «الْحَلَالَ بَيِّنٌ» إشْعَارًا بِأَنَّ أَكْلَ الْحَلَالِ يُنَوِّرُهُ وَيُصْلِحُهُ وَالشُّبَهُ تُقَسِّيهِ وَتُظْلِمُهُ (وَأَيْضًا الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ مَرْعِيٌّ فِي الشَّرْعِيِّ مَا أَمْكَنَ) ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا إذْ النَّقْلُ بِلَا مُنَاسَبَةٍ أَصْلًا جَائِزٌ كَالْمُرْتَجِلِ فَالرِّعَايَةُ أَوْلَى قِيلَ تَارَةً بِالتَّخْصِيصِ وَتَارَةً بِالنَّقْلِ لِمُنَاسَبَةٍ (وَفَرْطُ الصِّيَانَةِ) الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لِلتَّقْوَى (يَقْتَضِي الِاجْتِنَابَ عَنْ الصَّغَائِرِ وَالشُّبُهَاتِ أَيْضًا) كَالْكَبَائِرِ إذْ الْكَبَائِرُ بِأَصْلِ الصِّيَانَةِ، وَأَمَّا فَرْطُهَا فَبِالِاجْتِنَابِ عَنْ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ الِاقْتِضَاءِ هُوَ مُنَاسَبَةُ الِانْتِقَالِ وَصِحَّتُهُ لَا الِاقْتِضَاءُ التَّامُّ الضَّرُورِيُّ وَإِلَّا فَظَاهِرُ الْمَنْعِ مِنْ وَجْهَيْنِ (لَكِنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ جَمِيعِ الشُّبُهَاتِ لَا يُمْكِنُ فِي هَذَا الزَّمَانِ) لِغَلَبَةِ الشُّبُهَاتِ لِشُيُوعِ الْجَهْلِ وَعُسْرِ التَّجَنُّبِ عَنْهَا.
قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الرَّجُلُ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَ الْمَالَ أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ» كَذَا رُوِيَ عَنْ الْبُخَارِيِّ (عَلَى مَا سَيَجِيءُ) فِي ثَانِي الْبَابِ الثَّالِثِ (إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) وَفِي الْحَدِيثِ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الْمُسْتَمْسِكُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ (فَخَرَجَ) مِنْ لُزُومِ الِاجْتِنَابِ فِي التَّقْوَى (مَا عَدَا الشُّبْهَةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الْحَرَامِ) ، وَهُوَ مَا يَكُونُ جَانِبُ الْحِلِّ رَاجِحًا أَوْ مُتَسَاوِيًا لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ وَقَدْ قُرِّرَ فِي الْأُصُولِ تَرْجِيحُ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَعَلَى النَّدْبِ نَعَمْ فِيهِ أَيْضًا رُجْحَانُ الْمُثْبِتِ عَلَى النَّافِي فَتَأَمَّلْ (لِأَنَّ الطَّاعَةَ) لِلَّهِ تَعَالَى (بِقَدْرِ الطَّاقَةِ) إذْ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا.
وَقَدْ قَالَ - «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» - «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» - لَكِنْ يَأْتِي مَا قَالُوا فِي مِثْلِهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ التَّجَنُّبُ عَنْ الْكُلِّ وَلَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْكُلِّ فَإِذَا لَزِمَ التَّجَنُّبُ عَنْ الْبَعْضِ وَالْإِقْدَامِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مُعَيَّنًا فَمِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ وَإِلَّا فَالِاجْتِنَابُ عَنْ الْمَجْهُولِ مُحَالٌ وَالْجَوَابُ بِغَلَبَةِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ أَوْ تَسَاوِيهِ يَقْتَضِي ضَابِطَةً بِهَا يُمَيِّزُ الْبَعْضَ عَنْ الْبَعْضِ، وَإِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ وَالْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ لَيْسَا بِمُخْتَلِفَيْنِ وَالْحَقُّ أَنَّ اعْتِبَارَ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِالْمُجْتَهِدِ وَلَا عِبْرَةَ بِالْغَيْرِ وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ الْمُجْتَهِدِ (فَتَعَيَّنَ لُزُومُ اجْتِنَابِ كُلِّ حَرَامٍ وَمَكْرُوهٍ تَحْرِيمًا) فَتَرْكُ الْوَاجِبَاتِ دَاخِلٌ فِي الْحَرَامِ
стр. 334
قِيلَ وَتَرْكُ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ بِلَا عُذْرٍ عَمْدًا دَاخِلٌ فِي الْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا (فِي تَحَقُّقِ التَّقْوَى) لَا يَخْفَى أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَا عَدَا مَا ذُكِرَ لَا يَلْزَمُ اجْتِنَابُهُ فِي التَّقْوَى وَقَدْ قُرِّرَ آنِفًا اجْتِنَابُ نَحْوِ الشُّبُهَاتِ وَمَا لَا يَكُونُ حَرَامًا لَكِنَّهُ لَهُ إفْضَاءٌ إلَيْهِ وَأَنْتَ عَرَفْت أَيْضًا مِنْ نَحْوِ فُضُولِ الْحَلَالِ وَاشْتِغَالِ الْمُبَاحَاتِ مِمَّا يَلْزَمُ اجْتِنَابُهُ فِي التَّقْوَى فَلَا بُدَّ مِنْ إرَادَةِ الْعُمُومِ فِي الْحَرَامِ إلَى مَا بِالذَّاتِ أَوْ بِالْإِفْضَاءِ وَلَوْ احْتِمَالًا وَكَذَا الْكَرَاهَةُ (هَذَا) الْمَذْكُورُ مِنْ نَحْوِ لُزُومِ اجْتِنَابِ الصَّغَائِرِ وَالشُّبُهَاتِ وَمَا يُفْضِي إلَى الْمُحَرَّمِ وَنَحْوِهَا (مَا عِنْدِي) فَإِنْ قِيلَ حَاصِلُ مَا ذُكِرَ اسْتِخْرَاجُ مِثْلِ هَذَا الْحُكْمِ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَهُوَ مَنْصِبُ الْمُجْتَهِدِ وَقَدْ انْقَرَضَ قِيلَ عَنْ الْقَوْلِ الْبَلِيغِ لِلْحَمَوِيِّ عَنْ بَعْضِ رَسَائِلِ ابْنِ نُجَيْمٍ أَنَّ الْقِيَاسَ بَعْدَ الْأَرْبَعمِائَةِ مُنْقَطِعٌ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَهَا أَنْ يَقِيسَ مَسْأَلَةً بِمَسْأَلَةٍ قُلْت قَدْ يَفْهَمُ غَيْرُ الْفَقِيهِ مَعَانِيَ بَعْضِ النُّصُوصِ لِكَوْنِهِ مُفَسِّرًا أَوْ صَرِيحًا أَوْ نَحْوَهُمَا وَيَجُوزُ فَهْمُ ذَلِكَ بِبَعْضِ قَوَاعِدِ الْمُجْتَهِدِ أَوْ بِدُخُولِهِ تَحْتَ أَصْلٍ كُلِّيٍّ مِنْ الْمُجْتَهِدِ (وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ) .
قَالَ الْمَوْلَى: حَسَنٌ حَلَبِيٌّ فِي بَعْضِ حَوَاشِيهِ إنَّ مِثْلَ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ مَتَانَةِ الْقَوْلِ السَّابِقِ وَوَثَاقَتِهِ وَقَدْ قِيلَ هُنَا وَلَا كَلَامَ فِي قُوَّتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِيَاطِ وَالتَّبَاعُدِ عَنْ مُدَاخَلَةِ الْآثَامِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى الْهَلَاكِ أَقُولُ الْقُوَّةُ إنَّمَا تَتَحَصَّلُ فِي اسْتِخْرَاجِ الْحُكْمِ مِنْ دَلِيلِهِ لَا غَيْرَ.
[النَّوْعُ الثَّالِثُ الْأَعْضَاءِ الَّتِي تَجْرِي فِيهَا التَّقْوَى]
(النَّوْعُ الثَّالِثُ)
(فِي مَجَارِيهَا) أَيْ الْأَعْضَاءِ الَّتِي تَجْرِي فِيهَا التَّقْوَى (اعْلَمْ أَنَّ التَّقْوَى) الظَّاهِرُ بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ الَّذِي يُصَارُ إلَيْهِ فِي مُخَاطَبَاتِ الشَّرْعِ (لَا تَحْصُلُ إلَّا بِاجْتِنَابِ الْمُنْكَرَاتِ) جَمِيعًا قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا (وَالْمَنْهِيُّ عَنْهَا) خَصَّ ذَلِكَ بِالْمَكْرُوهِ التَّحْرِيمِيِّ لَكِنْ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ يَعُمُّ ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ (وَإِتْيَانُ الْمَعْرُوفَاتِ) اعْتِقَادًا وَأَخْلَاقًا وَعَمَلًا إذْ التَّقْوَى بِهَذَا الْمَعْنَى تَعُمُّ الْفِعْلَ وَالتَّرْكَ (وَالْمَأْمُورُ بِهَا) مِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ إذْ الْأَمْرُ سَبَبٌ لِلْمَعْرُوفَاتِ كَالْأَوَّلِ (إذْ تَرْكُ الْمَأْمُورِ بِهِ مِمَّا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعُقُوبَةَ) وَكُلُّ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعُقُوبَةَ فَتَرْكُهُ مِنْ التَّقْوَى (وَلَكِنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْهَا) مِنْ التَّقْوَى (وَمِنْ الذُّنُوبِ فِي أَوَّلِ السَّمَاعِ) عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (الْوُجُودِيَّاتُ كَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ) فَإِنَّ قَلِيلَهَا وَكَثِيرَهَا حَرَامٌ لَعَيْنِهَا وَنَجِسَةٌ نَجَاسَةً مُغَلَّظَةً كَالْبَوْلِ وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا وَيُحَدُّ شَارِبُهَا، وَإِنْ لَمْ تُسْكِرْ وَشَارِبُ غَيْرِهَا إنْ سَكِرَ وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الطَّبْخُ (لَا) الذُّنُوبُ (الْعَدَمِيَّاتُ مِثْلُ تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ) وَنَحْوِ ذَلِكَ (فَلِذَا لَمْ يُعَدَّ مِنْ الْكَبَائِرِ) كَمَا سَيَأْتِي (مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ فَلْنَذْكُرْ الْوُجُودِيَّاتِ مُفَصَّلًا، ثُمَّ الْعَدَمِيَّاتِ) ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إذَا كَانَ هُوَ الْوُجُودِيَّاتُ فَنَاسَبَ تَقْدِيمَهَا (مُجْمَلًا) لِانْفِهَامِ التَّفْصِيل لِلْعَدَمِيَّاتِ أَيْضًا مِنْ مُقَابِلَاتِهَا أَوْ لِعَدَمِ قُوَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِهَا كَالْأُولَى فَإِنَّهَا كَالِاسْتِطْرَادِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأُولَى فِي التُّقَى ذَوَاتُهَا بِالذَّاتِ وَمِنْ الثَّانِيَةِ بِالْوَاسِطَةِ
(فَنَقُولُ الْمُنْكَرُ إمَّا مَخْصُوصٌ بِعُضْوٍ مُعَيَّنٍ) كَالرِّجْلِ وَالْيَدِ (أَوَّلًا وَالْأَوَّلُ) مَا يَخْتَصُّ بِمُعَيَّنٍ (فِي الْغَالِبِ ثَمَانِيَةٌ) وَفِي غَيْرِ الْغَالِبِ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَالظَّهْرِ فِي حَمْلِ مُحَرَّمٍ بِهِ فِي الْمَنْهِيَّاتِ وَغَيْرُ الْغَالِبِ
стр. 335
كَالْقُبْلَةِ لَكِنَّا أَدْرَجْنَاهَا فِيمَا لَا يَخْتَصُّ بِعُضْوٍ مُعَيَّنٍ (قَلْبٌ) هُوَ اللَّطِيفَةُ الرُّوحَانِيَّةُ الْمَنْفُوخَةُ فِي الْجِسْمِ الصَّنَوْبَرِيِّ الْمُودَعِ فِي جَانِبِ الْيَسَارِ مِنْ تَجْوِيفِ الصَّدْرِ الْجُسْمَانِيِّ مِنْ الْإِنْسَانِ (وَأُذُنٌ) الْمُرَادُ هُنَا قُوَّةٌ مُودَعَةٌ فِي الْعَصَبِ الْمَفْرُوشِ فِي مُقَعَّرِ الصِّمَاخِ يُدْرِكُ بِهَا الْأَصْوَاتَ بِطَرِيقِ وُصُولِ الْهَوَاءِ الْمُتَكَيَّفِ بِكَيْفِيَّةِ الصَّوْتِ إلَى الصِّمَاخِ (وَعَيْنٌ) وَالْمُرَادُ قُوَّةٌ مُودَعَةٌ فِي الْعَصْبَتَيْنِ الْمُجَوَّفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَتَلَاقَيَانِ فِي الدِّمَاغِ، ثُمَّ تَفْتَرِقَانِ فَتَتَأَدَّيَانِ إلَى الْعَيْنَيْنِ يُدْرِكُ بِهَا الْأَضْوَاءَ وَالْأَلْوَانَ وَالْأَشْكَالَ وَالْمَقَادِيرَ وَالْحَرَكَاتِ وَالْحُسْنَ وَالْقُبْحَ وَغَيْرَ ذَلِكَ (وَلِسَانٌ) الْمُرَادُ الْقُوَّةُ الْمُودَعَةُ فِي الْجُرْمِ الْمُتَّصِلِ بِالْفَمِ الَّذِي يَقْرَعُ الْهَوَاءَ الْخَارِجَ مِنْ الْجَوْفِ فَتَظْهَرُ مِنْهُ صُوَرُ الْحُرُوفِ (وَيَدٌ) الْمُرَادُ الْقُوَّةُ الْمُودَعَةُ فِي الْعُضْوِ الْمَعْرُوفِ لِلتَّصَرُّفِ فِيمَا كَانَ بِهَا (وَبَطْنٌ) هُوَ الْقُوَّةُ الْمُودَعَةُ فِي الْبَاطِنِ لِطَبْخِ الْغِذَاءِ وَتَقْسِيمِهِ فِي الْبَدَنِ (وَفَرْجٌ) ، وَهُوَ آلَةُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمُرَادُ الْقُوَّةُ الْمُودَعَةُ فِي ذَلِكَ لِحُصُولِ الْجِمَاعِ (وَرِجْلٌ) الْمُرَادُ الْقُوَّةُ الْمُودَعَةُ فِي الْعُضْوِ الْمَعْرُوفِ لِلْمَشْيِ وَنَحْوِهِ وَلَا دَخْلَ لِهَذِهِ الْأَعْضَاءِ فِي اقْتِرَافِ الذُّنُوبِ مِنْ دُونِ الْقُوَى الْمُنْبَثَّةِ فِيهَا فَالْعُمْدَةُ فِيهَا قُوَى الْأَعْضَاءِ لَا أَنْفُسُ الْأَعْضَاءِ.
(فَعَلَى السَّالِكِ) مِنْ هَذِهِ الْفَانِيَاتِ إلَى تِلْكَ الْبَاقِيَاتِ (أَنْ يَحْفَظَ كُلَّ عُضْوٍ مِنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ) يُتَصَوَّرُ صُدُورُهَا مِنْ عُضْوِهَا وَيَدُومُ عَلَى ذَلِكَ الْحِفْظِ (حَتَّى يَكُونَ لَهُ مَلَكَةٌ) كَيْفِيَّةٌ رَاسِخَةٌ فِي الْقَلْبِ إلَى أَنْ يَكُونَ طَبِيعَةً مَجْبُولَةً فَيَرْتَفِعُ التَّكَلُّفُ مِنْ الْبَيْنِ (فَيَنْخَرِطُ) يَنْتَظِمُ (فِي سِلْكِ الْمُتَّقِينَ) وَيَتَرَقَّى إلَى دَرَجَةِ الصَّالِحِينَ إلَى أَنْ يُشَارَ إلَيْهِ بِإِشَارَةِ أُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ لِكَوْنِهِ حِينَئِذٍ مِنْ زُمْرَةِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ لِتَزَيِّيهِ بِزِيِّهِمْ وَشَبَهِهِ بِهِمْ، وَمَنْ أَشْبَهَ قَوْمًا فَهُوَ مِنْهُمْ فَإِنْ قُلْت السَّادَةُ الصُّوفِيَّةُ قَالُوا لَا بُدَّ هُنَا مِنْ الْعِلْمِ أَوَّلًا وَإِحْكَامُ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ ثَانِيًا وَإِحْكَامُ الْأَمْرِ بِالِاسْتِقَامَةِ ثَالِثًا فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ وَتَعَاضَدَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ تَوَلَّدَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ وَلَدٌ صَالِحٌ هُوَ نَتِيجَتُهَا وَثَمَرَةُ قُلُوبِهَا وَيُسَمَّى هَذَا الْوَلَدُ بِالتَّقْوَى فَلَا وُجُودَ لِلتَّقْوَى إلَّا بِاعْتِمَادِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كِفَايَةُ مُطْلَقِ مُجَانَبَةِ الْأَعْضَاءِ عَنْ مَعَاصِيهَا
قُلْت إذْ تَفَطَّنْت مَا تَقَدَّمَ حَقَّ التَّفَطُّنِ تَعْرِفُ حُصُولَ بَعْضِ ذَلِكَ مُطَابَقَةً وَبَعْضُهُ تَضَمُّنًا وَبَعْضُهُ الْتِزَامًا، ثُمَّ إنَّ التَّقْوَى لِكَوْنِهَا نَتِيجَةً مُتَوَلِّدَةً مِنْ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالِاسْتِقَامَةِ تَرَى الْكِتَابَ الْإِلَهِيَّ تَارَةً يُرَغِّبُ إلَى الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] وَتَارَةً يُرَغِّبُ إلَى الْعَمَلِ بِقَوْلِهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [يونس: ٩] وَتَارَةً إلَى الِاسْتِقَامَةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] وَكُلُّ ذَلِكَ تَرْغِيبٌ إلَى التَّقْوَى إذْ لَا عِبْرَةَ لِلْعَمَلِ بِلَا عِلْمٍ وَلَا عِبْرَةَ لَهُمَا بِلَا اسْتِقَامَةٍ فَتَقْوَى الْجَاهِلِ مَعْدُومَةٌ وَتَقْوَى الْفَاسِقِ مَرْدُودَةٌ فَالْفَضِيلَةُ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالِاسْتِقَامَةِ، وَهَذِهِ أُمُورٌ مُشْكِلَةٌ وَأَشْكَلُهَا الِاسْتِقَامَةُ وَقَدْ نَبَّهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى شِدَّتِهَا وَصُعُوبَتِهَا حَيْثُ «قَالَ شَيَّبَتْنِي سُورَةُ هُودٍ» الْمُرَادُ قَوْلُهُ ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] وَالِاسْتِقَامَةُ دَوَامُ قِيَامِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ بِلَا تَرْكٍ فَلَوْ وُجِدَ وَلَوْ آنِيًّا بِلَا عُذْرٍ انْتَفَتْ الِاسْتِقَامَةُ كَذَا فِي حَلِّ الرُّمُوزِ (فَلَا بُدَّ مِنْ تِسْعَةِ أَصْنَافٍ) لِبَيَانِ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ.
[الصِّنْفُ الْأَوَّلُ فِي مُنْكَرَاتِ الْقَلْبِ]
[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِيرِ الْخُلُقِ]
(الصِّنْفُ الْأَوَّلُ فِي مُنْكَرَاتِ الْقَلْبِ)
الْمُنْكَرَاتُ الصَّادِرَةُ مِنْ الْقَلْبِ (وَآفَاتُهُ) أَيْ الْبَلِيَّةُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَيْهِ (اعْلَمْ أَنَّ صَلَاحَهُ) أَيْ الْقَلْبِ (أَهَمُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إذْ هُوَ) أَيْ الْقَلْبُ (مَلِكٌ) بِكَسْرِ اللَّامِ (مُطَاعٌ) يُطِيعُ وَيَنْقَادُ إلَى أَمْرِهِ كُلُّ الْأَعْضَاءِ فِي أَقَالِيمِ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّهُ (نَافِذُ الْحُكْمِ) وَالتَّصَرُّفِ (وَالْأَعْضَاءُ رَعِيَّةٌ) تَابِعَةٌ لَهُ (وَخُدَّمٌ) بِالتَّشْدِيدِ
стр. 336
جَمْعُ خَادِمٍ (لَهُ فَلِذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً» الْحَدِيثُ) كَمِّلْ الْحَدِيثَ وَقِيلَ أَيْ هُوَ الْحَدِيثُ أَوْ الْحَدِيثُ مَا سَلَفَ «إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا، وَهِيَ الْقَلْبُ» .
قِيلَ عَنْ الْمِشْكَاةِ رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ فِي جَوْفِ الْمُؤْمِنِ الْمُخْلِصِ بَيْتًا وَسَمَّاهُ قَلْبًا، ثُمَّ أَغْلَقَ الْبَابَ وَأَمْسَكَ الْمِفْتَاحَ وَلَمْ يُوَكِّلْ بِهِ جَبْرَائِيلَ وَلَا مِيكَائِيلَ وَلَا غَيْرَهُمَا.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا خَزِينَتِي وَمَوْضِعُ نَظَرِي وَمَسْكَنُ مَعْرِفَتِي فَنِعْمَ الْمَسْكَنُ وَنِعْمَ السَّاكِنُ كُلَّمَا أَفْسَدَهُ الْعَبْدُ مِنْ ظَاهِرِهِ بِالْعِصْيَانِ أَصْلَحَهُ الْمَوْلَى مِنْ بَاطِنِهِ بِالْغُفْرَانِ وَكُلَّمَا لَوَّثَ الشَّيْطَانُ بَدَنَهُ بِالْمَعْصِيَةِ زَيَّنَهُ الرَّحْمَنُ بِالْمَعْرِفَةِ (وَإِصْلَاحُهُ تَخْلِيَتُهُ عَنْ الْأَوْصَافِ الذَّمِيمَةِ) وَيُقَالُ تَهْذِيبُ الْأَخْلَاقِ (وَتَحْلِيَتُهُ) مِنْ حُلِيِّ السَّيْفِ أَيْ تَزْيِينِهِ (بِالْأَوْصَافِ الْحَمِيدَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ قِسْمَيْنِ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فِي تَفْسِيرِ الْخُلُقِ)
إنَّمَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِعَدَمِ كِفَايَةِ الْمَعْرِفَةِ الْإِجْمَالِيَّةِ فِي ذِكْرِ أَحْكَامِ الْخُلُقِ لِزِيَادَةِ الْعِنَايَةِ عَلَيْهِ أَوْ؛ لِأَنَّ تَفْصِيلَ مَعْنَاهُ يُعِينُ عَلَى قَبُولِ بَعْضِ أَحْكَامِهِ بِلَا احْتِيَاجٍ إلَى إقَامَةِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ كَالْأَوَّلِيَّاتِ يُفِيدُ الْحُكْمَ الضَّرُورِيَّ بِمُجَرَّدِ تَصَوُّرِ الطَّرَفَيْنِ، وَأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ يَكُونُ ضَرُورِيًّا بِبَعْضِ الْعِنْوَانِ وَنَظَرِيًّا بِبَعْضِ عِنْوَانٍ آخَرَ، ثُمَّ لَفْظُ الْخُلُقِ بِضَمِّ الْخَاءِ وَاللَّامِ وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا نُقِلَ عَنْ الرَّاغِبِ الْخَلْقِ وَالْخُلْقِ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَالشَّرْبِ وَالشُّرْبِ لَكِنْ خُصَّ الْفَتْحُ بِالْهَيْئَاتِ وَالصُّوَرِ الْمُدْرَكَةِ بِالْبَصَرِ وَالضَّمُّ بِالْقَوِيِّ وَالسَّجَايَا الْمُدْرَكَةِ بِالْبَصِيرَةِ (وَبَيَانُ مَنْشَئِهِ) مَبْدَئِهِ وَأَصْلِهِ (وَتَقْسِيمُهُ إلَى الْمَذْمُومِ وَالْمَمْدُوحِ) أَيْ الْأَخْلَاقَ الْحَمِيدَةَ وَالذَّمِيمَةَ (وَطَرِيقُ إزَالَةِ الْأَوَّلِ) بِأَيِّ طَرِيقٍ يُزَالُ مِنْ الْأَسْبَابِ وَالْمُعَالَجَاتِ (وَعِلَاجُهُ) أَيْ أَدْوِيَتُهُ وَمُعَالَجَتُهُ إذْ هُوَ مَرَضٌ رَاسِخٌ صَعْبٌ إزَالَتُهُ فَمُحْتَاجٌ إلَى زِيَادَةِ تَكَلُّفٍ مِنْ الْمُعَالَجَاتِ وَالْأَدْوِيَةِ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ وَالْمُرَكَّبَاتِ حَتَّى ذَهَبَ بَعْضٌ إلَى كَوْنِ الْخُلُقِ ضَرُورِيًّا فَيَمْتَنِعُ خُرُوجُهُ فَالتَّكَلُّفُ لِإِخْرَاجِهِ بِالْأَدْوِيَةِ لَيْسَ بِمُفِيدٍ وَقَدْ نُسِبَ ذَلِكَ إلَى الْمُتَصَوِّفَةِ كَمَا وَقَعَ فِي صَرِيحِ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ لَكِنَّ الْحَقَّ أَنْ يُحْمَلَ مُرَادُهُمْ عَلَى كَوْنِ الْإِزَالَةِ صَعْبَةً وَشَقَّةً أَوْ مُرَادُهُمْ ضَرُورِيَّةُ أَصْلِهِ وَامْتِنَاعُ إزَالَةِ أَصْلِهِ لَا أَثَرِهِ وَإِلَّا فَمَا يَسْتَلْزِمُهُ مِنْ الْمَفَاسِدِ قَرِيبٌ أَنْ لَا يُحْصَى (إجْمَالًا) ؛ لِأَنَّ التَّفْصِيلَ لَا يَتَحَمَّلُهُ الْكِتَابُ، وَأَنَّ الْإِجْمَالَ دَلِيلٌ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَأَنَّ الْعَارِفَ يَكْفِيهِ الْإِشَارَةُ وَإِلَّا فَلَا يُفِيدُ كَثِيرًا مِنْ السِّفَارَةِ.
(وَتَحْصِيلُ الثَّانِي) الْمَحْمُودُ بَعْدَمَا عُدِمَ (وَإِبْقَائِهِ) بَعْدَمَا وُجِدَ وَعَدَمُ زَوَالِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ (وَحِفْظُ صِحَّتِهِ وَتَقْوِيَتُهُ إجْمَالًا أَيْضًا فَنَقُولُ الْخُلُقُ مَلَكَةٌ) كَيْفِيَّةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ (تُصْدَرُ عَنْهَا الْأَفْعَالُ النَّفْسَانِيَّةُ) مِنْ الِاعْتِقَادِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ أَيْ الِاخْتِيَارِيَّةِ فَيَنْدَفِعُ مَا يُتَوَهَّمُ هَهُنَا أَنَّ الْكَيْفِيَّاتِ أُمُورٌ جِبِلِّيَّةٌ غَيْرُ أَفْعَالٍ وَالتَّكْلِيفُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ فَيَنْتَظِمُ الْخُلُقُ كَيْفِيَّةً وَالتَّكْلِيفُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَيْفِيَّةِ فَيَلْزَمُ عَدَمُ تَعَلُّقِ التَّكْلِيفِ بِتَحْصِيلِ الْمَحْمُودَةِ وَبِإِزَالَةِ الْمَذْمُومَةِ وَجْهُ الِانْدِفَاعِ أَنَّ التَّكْلِيفَ لَيْسَ عَلَى نَفْسِ الْخُلُقِ بَلْ عَلَى أَثَرِهِ الَّذِي هُوَ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ وَلَا يَمْتَنِعُ صُدُورُ الِاخْتِيَارِيِّ عَنْ الِاضْطِرَارِيِّ كَأَفْعَالِ الْعِبَادِ، فَإِنَّهَا تَصْدُرُ بِأَصْلِ الْقُدْرَةِ الَّذِي كَانَ تَحْصِيلُهُ لَيْسَ بِمَقْدُورٍ لِلْمَخْلُوقِ بَلْ أَمْرٌ اضْطِرَارِيٌّ لِلْعَبْدِ وَيُشِيرُ إلَى اخْتِيَارِيَّةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ.
(بِسُهُولَةٍ
стр. 337
مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ) بِالتَّشْدِيدِ النَّظَرُ وَالتَّأَمُّلُ لَعَلَّ الْمُرَادَ بِمَعْنًى مِنْ غَيْرِ عُسْرٍ وَصُعُوبَةٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ رَدًّا لِبَعْضٍ ذَهَبَ إلَيْهِ وَفَائِدَةُ التَّقْيِيدِ مُلَاحَظَةُ عَدَمِ الْحَرَجِ وَقَاعِدَةُ التَّكْلِيفِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ (وَيُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ) أَيْ تَبْدِيلُهُ وَإِزَالَتُهُ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ كَمَا النَّسَبُ إلَى الْمَلَاحِدَةِ (لَوْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ) بِتَكْلِيفِ إزَالَةِ أَحَدِهِمَا وَبِتَكْلِيفِ تَحْصِيلِ الْآخَرِ لِنَحْوِ حَدِيثِ «حَسِّنُوا أَخْلَاقَكُمْ» وَكُلُّ مَا كَلَّفَهُ الشَّرْعُ فَقَابِلٌ لِلتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ كَالنَّهْيِ عَنْ الْبُخْلِ وَالْكِبْرِ وَكَالْأَمْرِ بِالْبَذْلِ وَالتَّوَاضُعِ (وَاتِّفَاقُ الْعُقَلَاءِ) عَلَى إمْكَانِ ذَلِكَ التَّبْدِيلِ (وَالتَّجْرِبَةُ) شَاهِدَةٌ عَلَى وُقُوعِهِ وَالتَّجْرِبَةُ إحْدَى الْمُقَدِّمَاتِ الْبُرْهَانِيَّةِ الْقَطْعِيَّةِ يَعْنِي إنْ احْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِالْحُجَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فَتَلْزَمُهُ بِالشَّرْعِيَّةِ وَتَرَجُّحُهُ بِالْعَقْلِيَّةِ التَّجْرِيبِيَّةِ، وَأَنَّ بِالْعَقْلِيَّةِ فَكَذَا بِالْعَقْلِيَّةِ الْمُؤَيَّدَةِ بِالشَّرْعِيَّةِ نُقِلَ عَنْ الْعَوَارِفِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ تَبْدِيلَ الْأَخْلَاقِ مُمْكِنٌ وَمَقْدُورٌ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ «حَسِّنُوا أَخْلَاقَكُمْ» .
وَنُقِلَ بِالْجَزْمِ بِهِ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَقَدْ سَمِعْت مِنْهُ الْمَنْعَ أَيْضًا وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠] وَبَعْضٌ بِحَدِيثِ «إنَّك امْرُؤٌ قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ خَلْقَك فَأَحْسِنْ خُلُقَك» وَفِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ إنَّهُ غَرِيزِيَّةٌ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «إنَّ اللَّهَ قَسَّمَ بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ كَمَا قَسَّمَ أَرْزَاقَكُمْ» .
وَعَنْ الْقُرْطُبِيِّ الْخُلُقُ جِبِلَّةٌ فِي نَوْعِ الْإِنْسَانِ وَهُنَا قَوْلٌ ثَالِثٌ نَقَلَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ يَكُونُ طَبِيعِيًّا لِبَعْضٍ كَسَخَاوَةِ الصَّبِيِّ وَيَكُونُ بِالِانْقِيَادِ وَبِالتَّعَلُّمِ فَمَنْ جَمَعَ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ فَفِي غَايَةِ النَّفَاسَةِ وَاحْتُجَّ عَلَى ذَلِكَ «بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَشَجِّ إنَّ فِيك لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدِيمًا كَانَ فِي أَوْ حَادِثًا قَالَ قَدِيمًا» حَيْثُ كَانَ فِي تَرْدِيدِ السُّؤَالِ وَتَقْرِيرِهِ عَلَيْهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ فِي الْخُلُقِ جِبِلِّيًّا وَمُكْتَسَبًا وَمِنْ هُنَا أَمْكَنَ حَمْلُ نِزَاعِ الْفَرِيقَيْنِ هُنَا عَلَى اللَّفْظِيِّ وَقَدْ سَمِعْت أَيْضًا بِأَنَّ مَنْ يَدَّعِي الْجِبِلِّيَّ يُرِيدُ أَصْلَهُ، وَمَنْ يَدَّعِي الْكَسْبِيَّ يُرِيدُ أَثَرَهُ أَوْ الْجِبِلِّيُّ مَا صَعُبَ وَالْكَسْبِيُّ مَا سَهُلَ وَبِمَا ذُكِرَ سَهُلَ عَلَيْك دَفْعُ مَا يَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ اتِّفَاقُ الْعُقَلَاءِ مَعَ مُخَالَفَةِ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ وَالْأَحَادِيثِ (وَتَخْتَلِفُ الِاسْتِعْدَادَاتُ فِيهِ) أَيْ فِي تَغْيِيرِ الْخُلُقِ قُوَّةً وَضَعْفًا (بِحَسَبِ الْأَمْزِجَةِ) قُوَّةً وَضَعْفًا فِي الْمُنَاوِيِّ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ.
стр. 338
الْأَخْلَاقُ يَظْهَرُ حَمِيدُهَا بِالِاخْتِيَارِ وَيَظْهَرُ ذَمِيمُهَا بِالِاضْطِرَارِ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهَا خُلُقٌ مَطْبُوعٌ وَبَعْضُهَا تَخَلُّقٌ مَصْنُوعٌ.
وَعَنْ الْقُرْطُبِيِّ أَنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْخُلُقِ فَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَانَ مَحْمُودًا وَإِلَّا فَمَأْمُورٌ بِالْمُجَاهَدَةِ حَتَّى يَكُونَ مَحْمُودًا، وَإِنْ ضَعِيفًا فَيَرْتَاضُ حَتَّى يَقْوَى، وَيَكُونَ مَحْمُودًا لَعَلَّ الْأَصْلَ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ أَنَّ الْإِنْسَانَ فِي أَوَّلِ فِطْرَتِهِ يُخْلَقُ مُسْتَعِدًّا لِلطَّرَفَيْنِ فَبِالِاخْتِلَاطِ وَالْأُلْفَةِ وَالْأُنْسِيَّةِ يَتَجَاذَبُ وَيَزْدَادُ كُلٌّ مِنْ الطَّرَفَيْنِ (وَمُنْشَؤُهُ) أَيْ مَوْضِعُ ابْتِدَائِهِ وَنَشْأَتِهِ حَمِيدًا أَوْ ذَمِيمًا (قُوَى) جَمْعُ قُوَّةٍ (النَّفْسُ) النَّاطِقَةُ الَّتِي يُعَبِّرُ عَنْهَا كُلُّ أَحَدٍ بِقَوْلِهِ أَنَا وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ كَمَا مَرَّ لَكِنَّ الْمُنَاسِبَ هِيَ الْجَوْهَرُ الْمُدْرَكُ الْعَارِفُ بِإِلْهَامِهِ تَعَالَى (وَهِيَ) أَيْ تِلْكَ الْقُوَى الْمَنْشَئِيَّةُ (ثَلَاثٌ) الْأُولَى (النُّطْقُ، وَهُوَ قُوَّةُ الْإِدْرَاكِ) وَيُقَالُ أَيْضًا الْقُوَى الْعَقْلِيَّةُ وَالْمُدْرِكَةُ وَالنُّطْقِيَّةُ لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ النُّطْقِ هُوَ الْبَاطِنِيُّ الَّذِي هُوَ مَبْدَأُ الْإِدْرَاكِ لَا الظَّاهِرِيُّ الَّذِي بِمَعْنَى التَّكَلُّمِ وَإِلَّا فَالْحَمْلُ وَالتَّفْسِيرُ بِالْمُبَايِنِ وَهَذَا النُّطْقُ مُمَيِّزٌ ذَاتِيٌّ لِلْإِنْسَانِ وَشَرَفُهُ عَلَى السَّائِرِ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِهِ وَلَهُ طَرَفَانِ يُوجِبَانِ الذَّمَّ إفْرَاطٌ وَتَفْرِيطٌ وَوَسَطٌ يُوجِبُ الْمَدْحَ فَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا كَمَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ (فَاعْتِدَالُهُ) أَيْ النُّطْقِ هُوَ.
(الْحِكْمَةُ، وَهِيَ مَلَكَةٌ لِلنَّفْسِ تُدْرِك) أَيْ النَّفْسُ (بِهَا الصَّوَابَ مِنْ الْخَطَأِ) وَيُقَالُ أَيْضًا هِيَ مَلَكَةٌ تَصْدُرُ عَنْهَا الْأَفْعَالُ الْمُتَوَسِّطَةُ وَأَيْضًا يُقَالُ هِيَ هَيْئَةٌ حَاصِلَةٌ لِلْقُوَّةِ النُّطْقِيَّةِ مُتَوَسِّطَةٌ بِهَا تُدْرِك أُمُورًا يَنْبَغِي أَنْ تُدْرَكَ
اعْلَمْ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي كُتُبِ الْقَوْمِ لِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ أَكْثَرُهَا مُتَقَارِبَةٌ إذْ هِيَ فِي الْمَوَاقِفِ لُغَةً الْمُبَالَغَةُ فِي الْعِلْمِ.
وَعَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ هُوَ التَّنَاهِي فِي الْعِلْمِ وَاصْطِلَاحًا اسْتِكْمَالُ النَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ بِالْفِعْلِ النَّظَرَ وَالْعَمَلَ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَيُقَرِّبُهُ مَا يُقَالُ هِيَ عِلْمٌ يُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا هُوَ الْحَقُّ وَنَفْسُ الْأَمْرِ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَقِيلَ مُوَافَقَةُ الْأَشْيَاءِ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ الْبَشَرِيَّةِ.
وَعَنْ الْمَصَابِيحِ الزَّبُورُ وَعِلْمُ الشَّرَائِعِ وَقِيلَ كُلُّ كَلَامٍ وَافَقَ الْحَقَّ وَقِيلَ عَنْ شَرْحِ الْحَقَائِقِ هِيَ الْعِلْمُ اللَّدُنْيُّ وَقِيلَ هِيَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِهِ وَقِيلَ هِيَ الْكَلِمَةُ الْمُنْجِيَةُ صَاحِبَهَا مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْمُهْلِكَاتِ وَقِيلَ كَمَالُ النَّفْسِ عِلْمًا وَعَمَلًا وَقِيلَ خُرُوجُ النَّفْسِ مِنْ الْقُوَّةِ إلَى الْفِعْلِ مِنْ جَانِبِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَقِيلَ الشَّغْلُ بِالْعَمَلِ فِي شَرْحِ الطَّوَالِعِ هِيَ جَعْلُ الْأَفْعَالِ عَلَى مَا يَنْبَغِي، ثُمَّ قَالَ فِي حَلِّ الرُّمُوزِ لِلْحِكْمَةِ عِدَّةُ مَعَانٍ الْأَوَّلُ عِلْمُ الشَّرِيعَةِ فَهُوَ الْمَعْنَى مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] وَيُؤَيِّدُهُ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعِلْمِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] أَيْ بِالْفِقْهِ وَالثَّانِي الْإِطْلَاعُ عَلَى حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اللَّهُمَّ أَرِنَا الْأَشْيَاءَ كَمَا هِيَ» وَلِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ هَذَا الْمَعْنَى «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عُلُوِّ رُتْبَتِهِ يَدْعُو كَثِيرًا بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ أَرِنَا الْأَشْيَاءَ كَمَا هِيَ» ، وَهِيَ الْعِلْمُ اللَّدُنِّي الَّذِي هُوَ نَتِيجَةُ الْخِدْمَةِ وَثَمَرَةُ الرِّيَاضَةِ.
قَالَ زَيْنُ الْإِسْلَامِ وَالْعَجَبُ مِمَّنْ دَخَلَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ وَأَرَادَ الْوُصُولَ إلَى اللَّهِ وَقَدْ حَصَلَ اسْتِخْرَاجُ مَعَانِي كَلَامِهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ ﵊، ثُمَّ لَا يَشْتَغِلُ بِالذِّكْرِ وَالْمُرَاقَبَةِ وَالْإِعْرَاضِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ لِتَنْصَبَّ عَلَى قَلْبِهِ مِيَاهُ الْعُلُومِ اللَّدُنِّيَّةِ الَّتِي لَوْ عَاشَ أَلْفَ سَنَةٍ فِي تَدْرِيسِ الِاصْطِلَاحَاتِ وَتَصْنِيفِهَا لَا يَشُمَّ مِنْهَا رَائِحَةً وَلَا يُشَاهِدُ مِنْ آثَارِهَا وَأَنْوَارِهَا لُمْعَةً وَالسِّرُّ فِي عُلُوِّ رُتْبَتِهِ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ الْجَفَاءِ وَالِالْتِبَاسِ وَالْآخِرَةُ دَارُ الْجَلَاءِ وَالِانْكِشَافِ، وَأَنَّ الِاعْتِقَادَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ تَابِعَةٌ لِلْمَعَارِفِ الِاكْتِسَابِيَّةِ وَالِانْكِشَافِيَّة فَصَاحِبُ هَذِهِ إذَا ارْتَحَلَ مِنْ الدُّنْيَا فَازَ بِالسَّعَادَةِ الْكُبْرَى إذْ هِيَ دَارُ الِانْكِشَافِ وَالتَّخَلُّصِ مِنْ عَوَائِقِ عَالَمِ الْمَوَادِّ وَالْبُرْهَانِ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]- فَإِنَّهَا أَبَدِيَّةٌ سَرْمَدِيَّةٌ وَحَيَاةُ الدُّنْيَا سَرِيعَةُ الزَّوَالِ مُعْقَبَةٌ بِالْفِنَاءِ فَرُؤْيَةُ الدُّنْيَا مَوْجُودَةٌ وَالْآخِرَةِ مَعْدُومَةٌ بِنَظَرِ هَذِهِ الْعُيُونِ الْعَوْرَاءِ الْعَمْيَاءِ وَإِلَّا فَعِنْدَ قَبْضِ الْأَرْوَاحِ وَانْطِبَاقِ هَذِهِ الْعُيُونِ وَانْفِتَاحِ الْعُيُونِ الْحَقِيقِيَّةِ تَنْكَشِفُ الْقَضِيَّةُ وَتَنْقَلِبُ الْوَقِيعَةُ فَنَقُولُ يَا رَبُّ مَا هَذِهِ الْحَالَةُ وَالْأُمُورُ بِأَسْرِهَا مَعْكُوسَةٌ.
стр. 339
وَالْقَضَايَا مُنْقَلِبَةٌ فَنُودِيَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ
- فَقِيلَ ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]- فَنَقُولُ - ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]- فَنُجَابُ - ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧]- فَنَقُولُ رَبَّنَا مَا عَلِمْت حَقِيقَةَ الْحَالِ مِنْ أَنَّ مَا يُرَى مَوْجُودٌ ظَاهِرًا وَلَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي الْحَقِيقَةِ فَيُقَالُ فِي جَوَابِهِ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ تَعَالَى ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور: ٣٩] وَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مِنْ تَرْكِ التَّدَبُّرِ الَّذِي هُوَ رَأْسُ الشَّقَاوَةِ كَمَا أَنَّ التَّدَبُّرَ وَالتَّفَكُّرَ رَأْسُ كُلِّ السَّعَادَةِ كَمَا قِيلَ إذَا كَانَ لِلْمَرْءِ فِكْرَةٌ فَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ عِبْرَةٌ فَصَاحِبُ الْفِكْرَةِ كُلُّ ذَرَّةٍ مِنْ ذَرَّاتِ الْأَكْوَانِ لَهُ شَيْخٌ مُرْشِدٌ
وَالثَّالِثُ مِنْ مَعَانِي الْحِكْمَةِ مَا سَمَّاهُ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ حِكْمَةٌ مِنْ عِلْمِ الْفَلَاسِفَةِ وَهَذَا كَتَسْمِيَةِ الْأَعْمَى بِالْبَصِيرِ وَالْبَرِّيَّةِ الْمُهْلِكَةِ بِالْمَفَازَةِ كَيْفَ وَمِنْ أُصُولِ مَسَائِلِهِمْ قِدَمُ الْعَالَمِ وَكَوْنُهُ تَعَالَى مُوجِبًا بِالذَّاتِ بِلَا اخْتِيَارٍ لَهُ أَصْلًا وَامْتِنَاعُ الْخَرْقِ وَالِالْتِئَامِ لِلسَّمَاءِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْفُحْشِيَّاتِ كَمَا سَبَقَ وَالْعَجَبُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ يَقْتَفُونَ أَثَرَهُمْ وَيُرَوِّجُونَ أَقْوَالَهُمْ وَيُشْهِرُونَ مَذَاهِبَهُمْ وَيَفْتَخِرُونَ بِعُلُومِهِمْ وَيَتْرُكُونَ عُلُومَ رَبِّهِمْ وَيُرَجِّحُونَهَا عَلَى عُلُومِ سُنَّةِ نَبِيِّهِمْ نَعُوذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا (وَإِفْرَاطُهُ الْجَرْبَزَةَ) بِالْجِيمِ فَالرَّاءِ فَالْبَاءِ فَالزَّايِ فِي الصِّحَاحِ رَجُلٌ جُرْبُزٌ بِالضَّمِّ بَيِّنُ الْجَرْبَزَةِ بِالْفَتْحِ أَيْ خَبٌّ، وَهُوَ الْقُرْبُزُ أَيْضًا.
وَعَنْ مُخْتَصَرِ الْقَامُوسِ جَرْبَزَ الرَّجُلُ ذَهَبَ أَوْ انْقَبَضَ أَوْ سَقَطَ، وَهُوَ مُعَرَّبٌ (وَهِيَ مَلَكَةُ إدْرَاكٍ تَدْعُو) صَاحِبَهَا (إلَى اطِّلَاعِ مَا لَا يُمْكِنُ إدْرَاكُهُ) لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ تَعَالَى أَوْ لِمَنْ شَاءَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِحِكْمَةٍ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ تَعَالَى يَعْنِي إلَى إرَادَةِ الِاطِّلَاعِ فَإِنَّ نَفْسَهُ مُمْتَنِعٌ (كَالْمُتَشَابِهَاتِ) فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ فَإِنَّ غَيْرَهُمَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْمُتَشَابِهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ إدْرَاكُهُ فَذَاكَ وَإِلَّا فَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ (وَبَحْثُ الْقَدَرِ) أَيْ تَقْدِيرُهُ تَعَالَى وَقَضَاؤُهُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ إذْ هَذَا الْبَحْثُ أَيْضًا مِنْ الْمُتَشَابِهَاتِ فَإِنَّهَا مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ.
وَإِنْ قِيلَ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْلَمُهَا لَعَلَّهُ إنْ صَحَّ فَعَلَى طَرِيقِ الْخَوَارِقِ وَالْكَلَامُ فِي الْإِمْكَانِ الْعَادِيِّ وَإِلَّا فَقَالُوا بِإِمْكَانِ عِلْمِهَا فِي النَّشْأَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ وَلِهَذَا نَرَى بَعْضَ الْأُصُولِيِّينَ فِي تَعْرِيفِ الْمُتَشَابِهِ يَقُولُ مَا يَنْقَطِعُ رَجَاءَ مَعْرِفَتِهِ فِي هَذِهِ النَّشْأَةِ (أَوْ) مَلَكَةٌ (تَصْدُرُ بِهَا أَفْعَالٌ يَتَضَرَّرُ الْغَيْرُ بِهَا) كَالْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ وَقِيلَ أَوْ لَا يَتَضَرَّرُ الْغَيْرُ بِهَا، وَلَكِنْ تَخْلُو عَنْ نَفْعٍ أُخْرَوِيٍّ فَيَدْخُلُ الْخَبُّ، وَهُوَ كَيْفِيَّةٌ يَقْتَدِرُ بِهَا عَلَى اسْتِعْمَالِ الدَّهَاءِ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَبُلُوغِ غَايَاتِهَا (وَتَفْرِيطُهُ) أَيْ اعْتِدَالُ الْحِكْمَةِ أَوْ النُّطْقِ (الْبَلَادَةُ) ضِدُّ الذَّكَاءِ كَالْحَمَاقَةِ وَالِانْخِدَاعِ (وَهِيَ مَلَكَةٌ بِهَا يَقْصُرُ صَاحِبُهَا عَنْ إدْرَاكِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ) وَالنَّفْعِ وَالضُّرِّ دِينِيًّا أَوْ دُنْيَوِيًّا.
(وَ) الثَّانِيَةُ (الْغَضَبُ، وَهُوَ حَرَكَةُ النَّفْسِ) الْحَيَوَانِيَّةِ (دَفْعًا لِلْمُنَافِرِ) حَالًا أَوْ مَآلًا وَذَلِكَ بِغَلَيَانِ دَمِ الْقَلْبِ عِنْدَ إدْرَاكِ مَا لَا يُلَائِمُهُ مِنْ الْأَذَى وَالْأَلَمَ، ثُمَّ قِيلَ هَذِهِ الْحَرَكَةُ جَزَعٌ إنْ لَمْ يَكُنْ الِانْتِقَامُ لِكَوْنِهِ أَعْلَى مِنْهُ فَيَنْقَبِضُ ذَلِكَ الدَّمُ وَحِقْدٌ إنْ وَقَعَ تَرَدُّدٌ فِي الِانْتِقَامِ لِكَوْنِهِ مُسَاوِيًا لَهُ وَغَضَبٌ إنْ أَمْكَنَ الِانْتِقَامُ (فَاعْتِدَالُهُ الشَّجَاعَةُ، وَهِيَ مَلَكَةٌ بِهَا يُقْدِمُ عَلَى أُمُورٍ يَنْبَغِي أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهَا) كَالْمُحَارَبَةِ مَعَ الْكُفَّارِ مَا لَمْ يَزِيدُوا عَلَى ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ وَتَخْلِيصِ الْمَظْلُومِ مِنْ يَدِ الظَّالِمِ، وَإِنْ حَصَلَ الْإِقْدَامُ مِنْ غَيْرِ تَرَوٍّ فَجُرْأَةٌ (وَإِفْرَاطُهُ التَّهَوُّرُ) ، وَهُوَ الْوُقُوعُ فِي الشَّيْءِ بِقِلَّةِ مُبَالَاةٍ
стр. 340
(وَهُوَ مَلَكَةٌ بِهَا يُقْدِمُ عَلَى أُمُورٍ) مَهُولَةٍ يَصْعُبُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهَا (لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهَا) لِضَعْفِهِ كَالْقِتَالِ مَعَ الْكُفَّارِ إذَا كَانُوا زَائِدِينَ عَلَى ضِعْفِ الْمُسْلِمِينَ وَيَتَوَلَّدُ مِنْهُ الْكِبْرُ وَالْعُجْبُ وَالصَّلَفُ وَالِاسْتِشَاطَةُ (وَتَفْرِيطُهُ الْجُبْنُ، وَهُوَ هَيْئَةٌ رَاسِخَةٌ بِهَا يُحَجِّمُ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَالْجِيمِ لَا بِالْهَاءِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَيْ يَتَأَخَّرُ وَيَكُفُّ (عَنْ مُبَاشَرَةِ مَا يَنْبَغِي) أَنْ يَلِيقَ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ بَلْ يَجِبُ.
(وَ) الثَّالِثَةُ (الشَّهْوَةُ، وَهِيَ حَرَكَةُ النَّفْسِ) الْحَيَوَانِيَّةِ (طَلَبًا لِلْمُلَائِمِ) بِهَا صَيْدُ الْإِنْسَانِ وَسُخِّرَ فِي سَائِرِ الْأَعْمَالِ لَهَا مِمَّا يَجِدُ لَهَا حَظًّا عَاجِلًا (فَاعْتِدَالُهَا الْعِفَّةُ) قِيلَ هِيَ أَكْثَرُ مَا تَتَعَلَّقُ بِاللَّذَّاتِ الْبَهِيمِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْبَطْنِ وَالْفَرْجِ وَتَمَامُهَا يَتَعَلَّقُ بِحِفْظِ الْجَوَارِحِ وَلِذَا قَالَ (وَهِيَ مَلَكَةٌ بِهَا يُبَاشِرُ) الْإِنْسَانُ (الْمُشْتَهَيَاتِ) بِمُقْتَضَى طَبْعِهِ (عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ وَالْمُرُوءَةِ) قِيلَ عَنْ الْمُجْمَلِ مَهْمُوزَةٌ وَقِيلَ عَنْ الصِّحَاحِ الْمُرُوءَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ وَلَك أَنْ تُشَدِّدَ بِمَعْنَى كَمَالِ الرُّجُولِيَّةِ قِيلَ هُوَ أُسُّ الْفَضَائِلِ مِنْ الْقَنَاعَةِ وَالزُّهْدِ وَغِنَى النَّفْسِ وَالسَّخَاءِ وَغَيْرِهَا (وَإِفْرَاطُهَا الشَّرَهُ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ مَصْدَرُ شَرِه كَفَرِحَ غَلَبَهُ حِرْصُهُ (وَالْفُجُورُ) ، وَهُوَ الْكَذِبُ وَالِانْبِعَاثُ فِي الْمَعَاصِي كَمَا عَنْ الْمُجْمَلِ.
وَعَنْ الصِّحَاحِ وَالْفِسْقُ وَالْكَذِبُ وَأَصْلُهُ الْمَيْلُ (وَهُوَ مَلَكَةٌ بِهَا يَتَنَاوَلُ) الْإِنْسَانُ (الْمُشْتَهَيَاتِ مُطْلَقًا) حَلَالًا أَوْ حَرَامًا مُوَافِقًا لِلشَّرْعِ أَوْ لَا (وَتَفْرِيطُهَا) أَيْ الشَّهْوَةِ (الْخُمُودُ) فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ بِالْجِيمِ (وَهُوَ مَلَكَةٌ بِهَا يُقَصِّرُ) الْإِنْسَانُ لِضَعْفِ الْبِنْيَةِ أَوْ كِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ نَحْوِهِ (عَنْ اسْتِيفَاءِ مَا يَنْبَغِي مِنْ الْمُشَهَّيَاتْ)
قِيلَ فَبِقَوْلِهِ مَا يَنْبَغِي خَرَجَ مِنْ الْوَرَعِ مَا يَكُونُ لِتَحْصِيلِ التَّقْوَى وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَكَذَا الْوُقُوفُ عَنْ الشُّبُهَاتِ عَلَى مَا يَرَاهُ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَمَا هُوَ مِنْهُ فَضِيلَةٌ، وَهُوَ الْوُقُوفُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْمُبَاحَاتِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى أَقَلِّ الضَّرُورَاتِ (وَالْأَوْسَاطُ) الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ الْحِكْمَةِ وَالْعِفَّةِ وَالشَّجَاعَةِ الَّتِي هِيَ الْفَضَائِلُ فِي أَنْفُسِهَا (تَحْصُلُ بِاسْتِخْدَامِ الْأَوَّلِ) النُّطْقَ (الْأَخِيرِينَ) الْغَضَبِ وَالشَّهْوَةِ بِقَهْرِهِمَا وَإِذْلَالِهِمَا بِمَعْنَى أَنَّ النُّطْقَ يَعْنِيَ الْعَقْلَ إذَا غَلَبَ عَلَيْهِمَا وَجَعَلَهُمَا خَادِمَيْنِ لَهُ تَحْصُلُ الْأَوْسَاطُ.
(وَالْأَطْرَافُ) السِّتَّةُ مِنْ الْجَرْبَزَةِ وَالْبَلَادَةِ وَالتَّهَوُّرِ وَالْجُبْنِ وَالشَّرَهِ وَالْخُمُودِ (تَحْصُلُ بِاسْتِخْدَامِهِمَا) الْغَضَبِ وَالشَّهْوَةِ (إيَّاهُ) أَيْ النُّطْقَ
стр. 341
بِأَنْ يَخْرُجَ عَنْ الِاعْتِدَالِ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ النُّطْقُ فِي دَرَجَةِ الِاعْتِدَالِ يَكُونُ مَقْهُورًا تَحْتَ الْغَضَبِ وَالشَّهْوَةِ فَمَا دَامَ الْحُكْمُ وَالتَّصَرُّفُ فِي أَيْدِيهِمَا تَفُوتُ الْأَوْسَاطُ الشَّرِيفَةُ وَتَحْصُلُ الْأَطْرَافُ الرَّذِيلَةُ وَيَتْبَعُهَا سَائِرُ الْمَذْمُومَةِ (وَالْأَطْرَافُ) السِّتَّةُ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ مَعَ شَوْبِ غَرَضٍ فَاسِدٍ أَوْ لَا (وَالْأَوْسَاطُ الْمَشُوبُ بِهَا غَرَضٌ فَاسِدٌ رَذَائِلُ) كَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْحَسَدِ أَمَّا الْمَشُوبُ بِالْحِكْمَةِ فَكَمَنْ يَتَعَلَّمُهَا لِمُجَارَاةِ الْعُلَمَاءِ وَمُمَارَاةِ السُّفَهَاءِ، وَأَمَّا فِي الشَّجَاعَةِ فَكَمَنْ يُرِيهَا لِلْجِهَادِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا، وَأَمَّا فِي الْعِفَّةِ فَكَمَنْ يَتْرُكُ اللَّذَّةَ وَيَقْصِدُ اعْتِيَاضًا عَنْهَا جَاهًا فِي الدُّنْيَا فَهَذِهِ رَذَائِلُ لِمَا فِيهَا مِنْ شَائِبَةِ الْغَرَضِ الْفَاسِدِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ فَضِيلَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ آثَارًا كَثِيرَةً.
(فَلِلْحِكْمَةِ سَبْعُ شُعَبٍ) الْأَوَّلُ صَفَاءُ الذِّهْنِ هُوَ اسْتِعْدَادُ النَّفْسِ لِاسْتِخْرَاجِ الْمَطْلُوبِ بِلَا وِجْدَانِ اضْطِرَابٍ يَمْنَعُ الْوُصُولَ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ إلَيْهِ الثَّانِي جَوْدَةُ الْفَهْمِ هِيَ صِحَّةُ انْتِقَالِ الذِّهْنِ مِنْ تَصَوُّرِ الْمَلْزُومِ إلَى تَصَوُّرِ اللَّازِمِ الثَّالِثُ الذَّكَاءُ هُوَ سُرْعَةُ انْتِقَالِ الذِّهْنِ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ إلَى النَّتِيجَةِ هَذَا أَخَصُّ مِنْ الثَّانِي، وَهُوَ مِنْ الْأَوَّلِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ: يَعْنِي الِاسْتِعْدَادَ مَرْتَبَةُ الْعَقْلِ الْهَيُولَانِيِّ.
وَالثَّانِي: يَعْنِي الِانْتِقَالَ مَرْتَبَةُ الْعَقْلِ بِالْمَلَكَةِ
وَالثَّالِثُ: يَعْنِي سُرْعَةَ الِانْتِقَالِ قَرِيبٌ لِمَرْتَبَةِ الْعَقْلِ بِالْفِعْلِ.
الرَّابِعُ: حُسْنُ التَّصَوُّرِ هُوَ الْبَحْثُ عَنْ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ بِقَدْرِ مَا هِيَ عَلَيْهِ بِلَا إدْخَالٍ زَائِدٍ بِلَا إهْمَالٍ دَاخِلٍ.
الْخَامِسُ: سُهُولَةُ التَّعَلُّمِ هِيَ قُوَّةٌ لِلنَّفْسِ عَلَى دَرْكِ الْمَطْلُوبِ بِلَا زِيَادَةِ سَعْيٍ وَمَئُونَةِ كُلْفَةٍ.
السَّادِسُ: الْحِفْظُ هُوَ ضَبْطُ الصُّوَرِ الْمُدْرَكَةِ الْحَاصِلِ بِالِاكْتِسَابِ.
السَّابِعُ: الذِّكْرُ بِالضَّمِّ اسْتِحْضَارُ الْأُمُورِ الْمَضْبُوطَةِ وَالنِّسَبُ غَيْرُ خَافِيَةٍ (وَلِلشُّجَاعَةِ إحْدَى عَشَرَةَ)
الْأَوَّلُ: كِبْرُ النَّفْسِ هُوَ اسْتِحْقَارُ الْيَسَارِ وَالْفَقْرُ وَالْكِبْرُ وَالصِّغَرُ.
الثَّانِي: عِظَمُ التُّهْمَةِ هُوَ عَدَمُ الْمُبَالَاةِ بِسَعَادَةِ الدُّنْيَا وَشَقَاوَتِهَا.
الثَّالِثُ: الصَّبْرُ هُوَ قُوَّةُ مُقَاوَمَةٍ لِلْآلَامِ وَالْأَهْوَالِ.
الرَّابِعُ: النَّجْدَةُ عَدَمُ الْجَزَعِ مِنْ الْمَخَاوِفِ مَعَ مَلَكَةِ الثَّبَاتِ لِلنَّفْسِ.
الْخَامِسُ: الْحِلْمُ هُوَ الطُّمَأْنِينَةُ عِنْدَ ثَوْرَةِ الْغَضَبِ.
السَّادِسُ: السُّكُونُ هُوَ التَّأَنِّي فِي الْخُصُومَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ.
السَّابِعُ: التَّوَاضُعُ هُوَ اسْتِعْظَامُ ذَوِي الْفَضَائِلِ، وَمَنْ دُونَهُ فِي الْمَالِ وَالْجَاهِ بَعْدَ نَفْسِهِ دُونَ مَرَاتِبِهِمْ.
الثَّامِنُ: الشَّهَامَةُ هِيَ الْحِرْصُ عَلَى مُبَاشَرَةِ أُمُورٍ عَظِيمَةٍ.
التَّاسِعُ: الِاحْتِمَالُ هُوَ إتْعَابُ النَّفْسِ فِي الْحَسَنَاتِ.
الْعَاشِرُ: الْحَمِيَّةُ هِيَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْحَرَامِ وَالدِّينِ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: الرِّقَّةُ هِيَ التَّأَذِّي مِنْ أَذًى يَلْحَقُ الْغَيْرَ.
(وَلِلْعِفَّةِ إحْدَى عَشَرَةَ أَيْضًا الْأَوَّلُ) الْحَيَاءُ انْحِصَارُ النَّفْسِ عَنْ ارْتِكَابِ الْقَبَائِحِ شَرْعِيَّةً أَوْ عَقْلِيَّةً أَوْ عُرْفِيَّةً.
الثَّانِي: الصَّبْرُ هُوَ حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ مُتَابَعَةِ الْهَوَى.
الثَّالِثُ: الدَّعَةُ هِيَ السُّكُونُ عِنْدَ هَيَجَانِ الشَّهْوَةِ.
الرَّابِعُ: النَّزَاهَةُ هِيَ اكْتِسَابُ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ مَهَانَةٍ وَلَا ظُلْمٍ، وَإِنْفَاقُهُ فِي الْمَصَارِفِ الْحَمِيدَةِ فَمَعَ الْمَهَانَةِ تَفْرِيطٌ، وَمَعَ الظُّلْمِ إفْرَاطٌ.
الْخَامِسُ: الْقَنَاعَةُ هِيَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْكَفَافِ بِمَعْنَى تَسْوِيَةِ الْمَدْخَلِ وَالْمَصْرِفِ.
السَّادِسُ: الْوَقَارُ هُوَ التَّأَنِّي فِي التَّوَجُّهِ نَحْوَ الْمَطَالِبِ.
السَّابِعُ: الرِّفْقُ هُوَ حُسْنُ الِانْقِيَادِ.
الثَّامِنُ: حُسْنُ السَّمْتِ هُوَ مَحَبَّةُ مَا يُكَمِّلُ النَّفْسَ.
التَّاسِعُ: الْوَرَعُ هُوَ مُلَازَمَةُ الْأَعْمَالِ الْحَمِيدَةِ بِمُوَافَقَةِ الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ وَالْمُرُوءَةِ.
الْعَاشِرُ: الِانْتِظَامُ هُوَ تَقْرِيرُ الْأُمُورِ وَتَرْتِيبُهَا بِحَسَبِ الْمَصَالِحِ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: السَّخَاءُ إعْطَاءُ مَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَنْبَغِي.
(وَتَحْتَ هَذَا السَّخَاءِ سِتُّ فَضَائِلَ الْأَوَّلُ) الْكَرْمُ الْإِعْطَاءُ بِالسُّهُولَةِ وَطِيبِ النَّفْسِ.
الثَّانِي: الْإِيثَارُ تَرْجِيحُ الْغَيْرِ عَلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ.
الثَّالِثُ: النَّيْلُ الْإِعْطَاءُ مَعَ السُّرُورِ.
الرَّابِعُ: الْمُوَاسَاةُ مُشَارَكَةُ الْأَصْدِقَاءِ فِي الِانْتِفَاعِ فِي الْبَذْلِ.
الْخَامِسُ: السَّمَاحَةُ الْبَذْلُ تَفَضُّلًا بِلَا وُجُوبٍ عَلَيْهِ وَلَا تَوَقُّعِ مُجَازَاةٍ
السَّادِسُ: الْمُسَامَحَةُ تَرْكُ مَا لَا يَجِبُ تَرْكُهُ تَنَزُّهًا وَزَادَ بَعْضُهُمْ الْمُرُوءَةَ هِيَ رَغْبَةٌ صَادِقَةٌ لِلنَّفْسِ فِي الْإِفَادَةِ بِقَدْرِ مَا يُمْكِنُ وَالْعَفْوُ هُوَ تَرْكُ الْمُجَازَاةِ مَعَ الْقُدْرَةِ، ثُمَّ الْعَدَالَةُ كَيْفِيَّةٌ مُتَوَسِّطَةٌ حَادِثَةٌ مِنْ مَجْمُوعِ الْحِكْمَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْعِفَّةِ وَقِيلَ بِمُغَايَرَتِهَا وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ شُعَبَ الْعَدَالَةِ مُغَايِرَةٌ لِشُعَبِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّ شُعَبَهَا
стр. 342
حَقِيقِيَّةٌ وَشُعَبُ الْعَدَالَةِ إضَافِيَّةٌ وَرُدَّ بِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ حَقِيقِيَّةُ الْكُلِّ فَمَمْنُوعٌ، وَإِنْ الْبَعْضَ فَلَا يُفِيدُ وَلَوْ سُلِّمَ فَيَجُوزُ كَوْنُ شُعَبِ الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعُ مُخَالَفَةٍ لِشُعَبِ كُلِّ وَاحِدَةٍ وَلَهَا أَيْ الْعَدَالَةِ أَرْبَعَ عَشَرَةَ شُعْبَةً
الْأُولَى الصَّدَاقَةُ مَحَبَّةٌ صَادِقَةٌ بِحَيْثُ لَا يَشُوبُهَا غَرَضٌ مَعَ إيثَارٍ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْخَيْرَاتِ.
الثَّانِيَةُ: الْأُلْفَةُ اتِّفَاقُ الْآرَاءِ فِي تَعَاوُنِ الْمَعَاشِ.
الثَّالِثَةُ: الْوَفَاءُ مُلَازَمَةُ طَرِيقِ الْمُوَاسَاةِ وَمَحَافِظُ عُهُودِ الْخُلْطَةِ.
الرَّابِعَةُ: التَّوَدُّدُ طَلَبُ مَوَدَّةِ الْأَكْفَاءِ بِمَا يُوجِبُ ذَلِكَ.
الْخَامِسَةُ: الْمُكَافَأَةُ مُقَابَلَةُ الْإِحْسَانِ بِالْإِحْسَانِ مَثَلًا أَوْ بِزِيَادَةٍ.
السَّادِسَةُ: حُسْنُ الشَّرِكَةِ رِعَايَةُ الْعَدَالَةِ فِي الْمُعَامَلَاتِ.
السَّابِعَةُ: حُسْنُ الْقَضَاءِ تَرْكُ اللُّوَّمِ وَالْمَنِّ فِي الْمُجَازَاةِ.
الثَّامِنَةُ: صِلَةُ الرَّحِمِ مُشَارَكَةُ ذَوِي الْقَرَابَةِ فِي الْخَيْرَاتِ.
التَّاسِعُ: الشَّفَقَةُ صَرْفُ الْهِمَّةِ إلَى إزَالَةِ الْمَكْرُوهِ عَنْ النَّاسِ.
الْعَاشِرَةُ: الْإِصْلَاحُ التَّوَسُّطُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْخُصُومَاتِ بِمَا يَدْفَعُهَا.
الْحَادِيَةَ عَشَرَةَ: التَّوَكُّلُ تَرْكُ الْمُسَمَّى فِيمَا لَا يَسَعُهُ قُدْرَةُ الْبَشَرِ.
الثَّانِيَةَ عَشَرَةَ: التَّسْلِيمُ انْقِيَادُ أَمْرِ اللَّهِ وَتَرْكِ الِاعْتِرَاضِ فِيمَا لَا يُلَائِمُ الطَّبِيعَةَ.
الثَّالِثَةَ عَشَرَةَ: الرِّضَا طِيبُ النَّفْسِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ الْمَصَائِبِ، وَفِيمَا يَفُوتُهُ مِنْ الْفَرَائِدِ.
الرَّابِعَةَ عَشَرَةَ: الْعِبَادَةُ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَالتَّفْصِيلُ سَيُعْرَفُ مِنْ الْمُصَنِّفِ، ثُمَّ إذَا عَرَفْت ذَلِكَ.
(فَكُلُّ خُلُقٍ مَذْمُومٍ) أَيْ جَمِيعُ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ (نَاشِئٌ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْأَوْسَاطِ الْمَشُوبَةِ وَالْأَطْرَافِ مُطْلَقًا (مُنْفَرِدَةً أَوْ مُجْتَمِعَةً بَعْضُهَا أَوْ كُلُّهَا) وَلَمَّا فَسَّرَ الْخُلُقَ وَبَيَّنَ مَنْشَأَهُ أَخَذَ فِي الْكَلَامِ عَلَى عِلَاجِهِ حَسْبَمَا وَعَدَ قَبْلُ فَقَالَ: (وَعِلَاجُهُ الْكُلِّيُّ) الشَّامِلُ لِجَمِيعِ جُزْئِيَّاتِهِ (الْإِجْمَالِيُّ) بِلَا تَفْصِيلٍ (مَعْرِفَةُ حَقَائِقِ الْأَمْرَاضِ كَالْكِبْرِ وَالْبُخْلِ) لِيَمْتَازَ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ (وَغَوَائِلُهَا) جَمْعُ غَائِلَةٍ بِمَعْنَى الْمَضَرَّةِ.
(وَأَسْبَابُهَا وَأَضْدَادُهَا وَفَوَائِدُهَا) أَيْ الْأَضْدَادُ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ الْمَنَافِعِ وَالْكِمَالَاتِ (وَأَسْبَابُهَا) أَيْ الْأَضْدَادِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ تَحْصِيلِهَا (ثُمَّ مَعْرِفَةُ وُجُودِ الْأَمْرَاضِ فِي نَفْسِهِ بِالتَّفْتِيشِ وَالتَّأَمُّلِ وَاخْتِيَارِ مَنْ يُنَبِّهُهُ) مِنْ عَالِمٍ أَوْ شَيْخٍ مُرْشِدٍ (عَلَى عَيْبِهِ) وَالْمُؤْمِنُ مِرْآةُ أَخِيهِ وَالرَّجُلُ لَا يَعْرِفُ كُلَّ عَيْبِهِ (مِنْ أَصْدِقَاءِ الصِّدْقِ) إذْ مَنْ لَا يَصْدُقُ فِي دَعْوَى صَدَاقَتِهِ لَا يَخْلُو عَنْ مُدَاهَنَةٍ أَوْ تَكُونُ صَدَاقَتُهُ صُورِيَّةٌ دُنْيَوِيَّةٌ لَا حَقِيقِيَّةٌ أُخْرَوِيَّةٌ إذْ الْمُحِبُّ الصَّادِقُ يَحْفَظُ حَبِيبَهُ مِنْ الْمَهَالِكِ وَالْمَخَاوِفِ لَكِنَّ مِثْلَهُ فِي غَايَةِ عِزَّةٍ وَنِهَايَةِ نُدْرَةٍ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
صَادُ الصَّدِيقِ وَكَافُ الْكِيمْيَاءِ مَعًا ... لَا يُوجَدَانِ فَدَعْ عَنْ نَفْسِك الطَّمَعَا
رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَهْدَى إلَيَّ عَيْبِي وَلِهَذَا سُنَّ عَقْدُ الْأُخُوَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ (وَالتَّفَحُّصُ لِقَوْلُ أَعْدَائِهِ) فِي حَقِّهِ (فَإِنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إلَى عُيُوبِهِ) لِإِجْرَاءِ عَدَاوَتِهِمْ لَهُ (وَيَذْكُرُونَهُ بِهَا) أَيْ بِتِلْكَ الْعُيُوبِ طَلَبًا لِحَقَارَتِهِ فَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرُوا فِيهِ مَوْجُودًا فَلْيَسْعَ إلَى إزَالَتِهِ، وَأَنَّ الْأَحِبَّاءَ قَلَّمَا يَرَوْنَ نَقَائِصَ أَحِبَّائِهِمْ كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الصَّدَاقَةُ الصَّادِقَةُ تُرِي نَقَائِصَ الصِّدِّيقِ مَحَاسِنَ.
وَقِيلَ عَنْ الْإِحْيَاءِ إنَّ رَجُلًا قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ نَبِّهْنِي عَلَى عَيْبِي فَقَالَ لَاحَظْتُك بِعَيْنِ
стр. 343
الْوِدَادِ فَاسْتَحْسَنْت مِنْك مَا رَأَيْت فَسَلْ غَيْرِي عَنْ عَيْبِك (وَالنَّظَرُ إلَى النَّاسِ) أَيْ مَعَايِبِهِمْ فَإِنْ رَأَى مَا يَكْرَهُهُ فَيَجْتَنِبُ عَنْهُ فَإِنَّ مَا كَرِهَهُ مِنْ النَّاسِ يَكْرَهُهُ النَّاسُ مِنْهُ أَوْ الْمَعْنَى فِيمَا يَقُولُونَ فِي حَقِّهِ كَمَا قِيلَ لَكِنْ يَكُونُ كَالْمُسْتَغْنِي عَنْهُ بِمَا قَبْلَهُ (فَإِنَّهُمْ مِرْآةٌ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ فَيَرَى فِي عُيُوبِ غَيْرِهِ عُيُوبَ نَفْسِهِ» قِيلَ لِعِيسَى - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَنْ أَدَّبَك فَقَالَ مَا أَدَّبَنِي أَحَدٌ فَإِذَا رَأَيْت جَهْلَ الْجَاهِلِ تَجَانَبْتُهُ وَفِي رِوَايَةٍ مَا اسْتَحْسَنْت مِنْ فِعْلِ النَّاسِ دَاخَلْت وَمَا اسْتَهْجَنْت جَانَبْت وَقِيلَ لِلُقْمَانَ مِمَّنْ تَعَلَّمْت الْأَدَبَ قَالَ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ الْأَدَبَ (وَتَذْكِرَةٌ لِكُلِّ طَالِبٍ مُسْتَبْصِرٍ) ذِي بَصِيرَةٍ فِي الْحَقِّ وَأَمْرِ الْآخِرَةِ (ثُمَّ تَمْيِيزُ أَسْبَابِهَا) إذْ مَا لَمْ يُمَيِّزْ الْأَسْبَابَ لَمْ يَعْلَمْ طَرِيقَ إزَالَتِهَا (ثُمَّ إزَالَةُ الْأَسْبَابِ) إذْ الْمُسَبِّبَاتُ إنَّمَا تَزُولُ بِزَوَالِ أَسْبَابِهَا (وَارْتِكَابٌ) بِتَحَمُّلِ الْأَتْعَابِ وَالْمَشَاقِّ (الْفَضِيلَةُ الْمُقَابِلَةُ) لِذَلِكَ الْمَذْمُومِ (وَالتَّكَلُّفُ فِي تَحْصِيلِهَا) أَيْ الْفَضِيلَةِ فَإِنَّ مَنْعَ النَّفْسِ عَمَّا ائْتَلَفَتْهُ وَجُبِلَتْ عَلَيْهِ مُحْتَاجٌ إلَى تَكَلُّفٍ وَزِيَادَةِ مَشَقَّةٍ، فَإِنَّ الْمَنَاهِيَ مَحْبُوبَةٌ وَالنُّفُوسُ إلَيْهَا مَجْذُوبَةٌ (إذْ الْأَمْرَاضُ) الْعَقْلِيَّةُ كَالْحِسِّيَّةِ (تُعَالَجُ بِالْأَضْدَادِ كَمَا أَنَّ الصِّحَّةَ) الْبَدَنِيَّةَ (تُحْفَظُ بِالْأَنْدَادِ) بِالْأَمْثَالِ يَعْنِي الِاعْتِدَالَ فِي الْمِزَاجِ فَالْمَيْلُ عَنْ الِاعْتِدَالِ مَرَضٌ مُهْلِكٌ (ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ (التَّعْنِيفُ) أَيْ الزَّجْرُ وَعَدَمُ الرِّفْقِ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّغْلِيظِ (بِالتَّعْيِيرِ) بِنِسْبَةِ الْعَارِ، وَهُوَ الشَّيْنُ (وَالتَّوْبِيخُ) أَيْ اللُّوَّمُ وَالتَّقْرِيعُ (فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ) لِتَأَلُّمِ النُّفُوسِ بِهِمَا خُصُوصًا أَرْبَابُ الْهِمَمِ الْعَالِيَةِ (ثُمَّ) ارْتِكَابُ (الرَّذِيلَةِ الْمُقَابِلَةِ) لِلْخُلُقِ الْحَسَنِ كَارْتِكَابِ الْإِسْرَافِ لِإِزَالَةِ الْبُخْلِ وَإِلْقَاءِ النَّفْسِ فِي الْمَخَاوِفِ لِإِزَالَةِ الْجُبْنِ وَهَذَا لِلتَّدَاوِي بِالنَّجَسِ لِلضَّرُورَةِ (فَلْيُحْفَظْ) عِنْدَهُ (حَتَّى لَا يُتَجَاوَزَ إلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ) يَعْنِي فَلْيَكْتَفِ بِقَدْرِ مَا يُزِيلُ ذَلِكَ الْمَرَضَ وَلَا يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ لِئَلَّا يَتَجَاوَزَ إلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ كَالْإِسْرَافِ مَثَلًا فَيَكُونُ كَمَنْ هَرَبَ مِنْ الْمَطَرِ وَوَقَفَ تَحْتَ الْمِيزَابِ أَوْ الْمَعْنَى فَلْيَحْفَظْ مَا ارْتَكَبَهُ مِنْ الرَّذِيلَةِ لِتَرْكِ ذَلِكَ عِنْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ، فَإِنَّ مَا أُبِيحَ لِضَرُورَةٍ يَزُولُ بِزَوَالِ تِلْكَ الضَّرُورَةِ لَكِنْ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ عِنْدَ كَوْنِ مَا ارْتَكَبَهُ أَخَفَّ مِمَّا يُرِيدُ إزَالَتَهُ فَإِنَّ الْأَصْلَ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الضَّرَرَيْنِ ارْتِكَابُ أَخَفِّهِمَا وَقِيلَ فِي بَيَانِ هَذَا الْمَقَامِ قَوْلُهُ، ثُمَّ الرَّذِيلَةُ أَيْ، ثُمَّ أَنَّهُ لَا يَنْسَى الرَّذِيلَةَ الْمُقَابِلَةَ لِلْفَضِيلَةِ الْمَذْكُورَةِ فَلْتُحْفَظْ عِنْدَهُ حَتَّى لَا يَتَجَاوَزَ عَنْ الْفَضِيلَةِ إلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ أَيْ الرَّذِيلَةِ فَإِنَّ الْمَحْفُوظَ يَسْهُلُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَتَأَمَّلْ (ثُمَّ) إنْ لَمْ يَزُلْ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْمُعَالَجَاتِ لِقُوَّةِ تَمَكُّنِهِ فِي النَّفْسِ أَوْ لِضَعْفِ اسْتِعْمَالِهِ تِلْكَ الْمُعَالَجَاتِ (الرِّيَاضَاتُ) جَمْعُ رِيَاضَةٍ، وَهِيَ تَمْرِينُ النَّفْسِ وَتَعْلِيمُهَا الْأَمْرَ الشَّاقَّ عَلَيْهَا شَيْئًا فَشَيْئًا (الشَّاقَّةُ) الْمُتْعِبَةُ الصَّعْبَةُ فَكَالصِّفَّةِ التَّوْضِيحِيَّةِ (كَالنُّذُورِ) الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ (وَالْأَيْمَانُ) جَمْعُ يَمِينٍ (وَالْعُهُودُ) الْمَوَاثِيقُ الشَّدِيدَةُ فَكَالْمُسْتَغْنِي عَنْهُ بَعْدَ ذِكْرِ الْأَيْمَانِ (عَلَى الْتِزَامِ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ) كَقِيَامِ أَكْثَرِ اللَّيْلِ وَصِيَامِ أَكْثَرِ الشَّهْرِ (حَتَّى تُذْعِنَ) أَيْ تَقْبَلَ النَّفْسُ (مَا هُوَ أَسْهَلَ مِنْهَا) مِنْ تِلْكَ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ (بِالطِّيبِ وَالسُّهُولَةِ) فَإِنَّهُ يَخِفُّ ذَلِكَ عِنْدَمَا هُوَ أَعْظَمُ ضَرَرًا وَأَشَقُّ.
وَفِي رِسَالَةِ
стр. 344
الْقُشَيْرِيِّ عَنْ الْبِسْطَامِيِّ قِيلَ لَهُ مَا لَقِيت فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ مَا لَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ فَقِيلَ لَهُ مَا أَهْوَنُ مَا لَقِيَتْ نَفْسُك مِنْك فَقَالَ أَمَّا هَذَا فَنَعَمْ دَعَوْتهَا إلَى شَيْءٍ مِنْ الطَّاعَاتِ فَلَمْ تُجِبْنِي فَمَنَعْتهَا الْمَاءَ سَنَةً وَهَذَا كَمَنْ يَطِيبُ لَهُ الْكَيُّ وَالْمُعَالَجَاتُ الصَّعْبَةُ عِنْدَ خَوْفِ الْهَلَاكِ مِنْ الْأَمْرَاضِ لِرَجَاءِ الْخَلَاصِ بِهَا (وَاسْتِمَاعُ مَا وَرَدَ فِي ذَمِّ سُوءِ الْخُلُقِ) مِنْ الْآثَارِ النَّبَوِيَّةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ مَعْرِفَةُ حَقَائِقِ الْأَمْرَاضِ؛ وَلِهَذَا تَرَكَ لَفْظَ ثُمَّ الدَّالَّةَ عَلَى التَّرْتِيبِ وَالتَّرَاخِي، فَلَيْسَ هَذَا سَابِعُ الْعِلَاجِ الْمُتَرَتِّبِ الْمُتَقَدِّمِ فَالْعِلَاجُ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا السِّتَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى التَّرْتِيبِ وَثَانِيهِمَا هُوَ هَذَا خِلَافًا لِجُمْهُورِ الشُّرَّاحِ هُنَا (إجْمَالًا) عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ لَيْسَ بِمُصَرَّحٍ بِأَعْيَانِ شَيْءٍ مِنْ الذَّمِيمَةِ بَلْ شَامِلٌ لِجُزْئِيَّاتٍ كَثِيرَةٍ (وَتَفْصِيلًا) أَيْ كُلُّ ذَمِيمَةٍ ذَمِيمَةٌ بِأَثَرِ أَثَرٍ (وَ) هَذَا (الثَّانِي) أَيْ التَّفْصِيلِيُّ (سَيَجِيءُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقِسْمِ الثَّانِي، وَأَمَّا الْأَوَّلُ) أَيْ الْإِجْمَالِيُّ (فَمِنْهُ مَا خَرَجَ صف) أَيْ الْأَصْفَهَانِيُّ.
(عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَعْظَمُ» جِنَايَةً وَمُؤَاخَذَةً «عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى» ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَعْظَمَ عِنْدَ النَّاسِ «مِنْ سُوءِ الْخُلُقِ» مُطْلَقًا (وَ) سَبَبُ (ذَلِكَ) أَيْ الْأَعْظَمِيَّةِ (أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ ذَنْبٍ) بِالتَّوْبَةِ (إلَّا وَقَعَ فِي ذَنْبٍ) آخَرَ لِرُسُوخِ ذَلِكَ الْخُلُقِ الَّذِي هُوَ الْمَبْدَأُ لَعَلَّ أَنَّ أَصْلَهُ رَاسِخٌ ضَرُورِيٌّ، وَإِنْ كَانَ ثَمَرَتُهُ اخْتِيَارِيَّةٌ فَمَا دَامَ الْأَصْلُ قَلَّمَا يَخْلُو عَنْ الْأَثَرِ فَتَأَمَّلْ جِدًّا.
وَالْحَدِيثُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى رِوَايَةِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَعَنْ أَبَوَيْهَا هَكَذَا كَمَا يَقْرُبُ مَا سَيَذْكُرُ هُنَا «مَا مِنْ ذَنْبٍ إلَّا وَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَوْبَةٌ إلَّا سُوءُ الْخُلُقِ فَإِنَّهُ لَا يَتُوبُ مِنْ ذَنْبٍ إلَّا رَجَعَ إلَى مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فَلَا يَثْبُتُ عَلَى التَّوْبَةِ أَبَدًا فَهُوَ كَالْمُصِرِّ؛ لِأَنَّهُ إنْ تَابَ مِنْ وَاحِدٍ يَفْعَلُ آخَرَ فَالتَّوَهُّمُ بِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا هُوَ الْغَضَبُ بِشَهَادَةِ الْعُرْفِ وَبِقَوْلِهِ ﵊ «حُسْنُ الْخُلُقِ أَنْ لَا تَغْضَبَ» إلَى آخِرِ مَا قَالَ تَأْوِيلٌ مُخَرِّجٌ لِلْحَدِيثِ عَنْ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَقْصُودِ لِكَوْنِهِ رَاجِعًا إلَى التَّفْصِيلِيِّ وَالْكَلَامُ فِي الْإِجْمَالِيِّ.
(خَرَّجَ طط) الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ (عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) وَعَنْ أَبَوَيْهَا (أَنَّهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الشُّؤْمُ» ضِدُّ الْيُمْنِ وَالتَّبَرُّكِ، وَهُوَ مَا يَكْرَهُهُ الْإِنْسَانُ وَيَخَافُ مِنْ سُوءِ عَاقِبَتِهِ «سُوءُ الْخُلُقِ» ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ بَلْ شَأْنُهُ الشَّرُّ وَالْهَوَانُ وَفِي تَعْرِيفِ الْمُسْنَدِ إشَارَةٌ إلَى الْحَصْرِ فَالْمَعْنَى الشُّؤْمُ هَذَا لَا مَا يَتَشَاءَمُ النَّاسُ مِنْهُ (طط صف) الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالْأَصْفَهَانِيُّ.
(عَنْ عَائِشَةَ) وَعَنْ أَبَوَيْهَا (عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَا مِنْ شَيْءٍ» مِنْ الْمَعَاصِي وَالْمُذْنِبِينَ «إلَّا لَهُ تَوْبَةٌ» عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى «إلَّا صَاحِبُ سُوءِ الْخُلُقِ فَإِنَّهُ» لِسُوءِ طَبِيعَتِهِ وَفَسَادِ مِزَاجِهِ «لَا يَتُوبُ مِنْ ذَنْبٍ إلَّا عَادَ فِي» ذَنْبٍ «شَرٍّ مِنْهُ» إمَّا عَلَى الْإِمْكَانِ أَوْ الْأَكْثَرِ وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُ الشَّرُّ مِنْهُ
стр. 345
(طكط هَقّ) الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ وَالْبَيْهَقِيِّ (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْخُلُقُ الْحَسَنُ» لِغَايَةِ شَرَفِهِ «يُذِيبُ الْخَطَايَا كَمَا يُذِيبُ الْمَاءُ الْجَلِيدَ» أَيْ الْجَمَدَ، وَهُوَ مَا يَجْمُدُ مِنْ الْمَاءِ لِفَرْطِ الْيُبْسِ وَالْبَرْدِ لَعَلَّ ذَلِكَ إمَّا لِتَوْفِيقِ تَوْبَةٍ أَوْ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الِاسْتِشْهَادِ مَا ذُكِرَ فِيمَا بَعْدُ، وَأَمَّا مَا ذُكِرَ قَبْلُ فَلِئَلَّا يَقْطَعَ الْحَدِيثَ «وَالْخُلُقُ السُّوءُ» مَلَكَةٌ يَصْدُرُ عَنْهَا سَيِّئُ الْأَفْعَالِ بِسُهُولَةٍ «يُفْسِدُ الْأَعْمَالَ» الصَّالِحَةَ «كَمَا يُفْسِدُ الْخَلُّ الْعَسَلَ» بِإِذْهَابِ حَلَاوَتِهِ وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الذَّمِيمَةِ الْإِجْمَالِيَّةِ شَرَعَ فِي الْمَحْمُودَةِ فَقَالَ (وَالْأَوْسَاطُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ وَالْأَطْرَافُ مُطْلَقًا وَالْأَوْسَاطُ الْمَشُوبَةُ إلَخْ قَدَّمَ التَّخْلِيَةَ عَلَى التَّحْلِيَةِ، وَهِيَ الثَّلَاثَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ مِنْ الْحِكْمَةِ وَالْعِفَّةِ وَالشَّجَاعَةِ (الْخَالِيَةِ عَنْ الْغَرَضِ الْفَاسِدِ) كَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ (فَضَائِلُ) وَكِمَالَاتُ (فَكُلُّ خُلُقٍ مَحْمُودٍ نَاشِئٌ مِنْهَا) مِنْ الْأَوْسَاطِ الْمَوْصُوفَةِ (مُنْفَرِدَةً أَوْ مُجْتَمَعًا بَعْضُهَا) مَعَ آخَرَ (أَوْ) نَاشِئٌ (مِنْ مَجْمُوعِهَا الْمُسَمَّى بِالْعَدَالَةِ) وَكَمَالُ هَذِهِ الْأَوْسَاطِ خُصَّ بِأَشْرَفِ الْخُلُقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] (فَمَنْ حَصَلَ لَهُ) شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَحْمُودِ (بِكَسْبٍ أَوْ طَبْعٍ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَنَا عَدَمُ الطَّبْعِ وَالْحَمْلُ عَلَى الْإِشَارَةِ لِلْمَذْهَبَيْنِ بَعِيدٌ لَعَلَّك قَدْ عَرَفْته قَبْلُ (فَلْيَحْفَظْهُ) وَلِبَعْضٍ لِئَلَّا يَتَحَوَّلَ (بِمُلَازَمَةِ أَهْلِهِ) مِنْ الصُّلَحَاءِ، فَإِنَّ الصَّاحِبَ يَقْتَدِي بِصَاحِبِهِ وَالْمُجَاوَرَةُ تُوجِبُ الْإِشْرَاكَ فِي الْمُجَاوِرِ، وَأَنَّ الصُّحْبَةَ سَارِيَةٌ وَالطَّبِيعَةُ سَارِقَةٌ (وَعَدَمُ صُحْبَةِ الْأَشْرَارِ) لِسُرْعَةِ انْسِلَاخِ التَّخَلُّقِ وَعَوْدِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْخُلُقِ، فَإِنَّ لِلْمُجَاوِرَاتِ تَأْثِيرًا عَجِيبًا سَرِيعًا كَمَا قِيلَ، وَمَنْ يَصْحَبُ الْأَشْرَارَ يُعَدُّ شِرِّيرًا وَقِيلَ:
عَنْ الْمَرْءِ لَا تَسَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ... فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمُقَارِنِ يَقْتَدِي
إذَا كَانَ ذَا شَرٍّ فَجَنِّبْهُ سُرْعَةً ... وَإِنْ كَانَ ذَا خَيْرٍ فَقَارِنْهُ تَهْتَدِي
، وَكَمَا قِيلَ:
لَا تَصْحَبْ الْكَسْلَانَ فِي حَالَاتِهِ ... كَمْ صَالِحٍ بِفَسَادِ آخَرَ يَفْسُدُ
عَدْوَى الْبَلِيدِ إلَى الْجَلِيدِ سَرِيعَةٌ ... كَالْجَمْرِ يُوضَعُ فِي الرَّمَادِ فَيَخْمُدُ
كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ» (وَإِيَّاهُ) لِيَحْذَرْ مَنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ الْخُلُقُ الْمَحْمُودُ (وَالِاسْتِرْسَالُ) مِنْ إرْسَالِ نَفْسِهِ حَيْثُ تَشْتَهِي وَتَهْوَى (فِي الْمَلَاهِي) مِنْ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ (وَالْمِزَاحِ) الْمَذْمُومِ مِنْهُ مَا كَثُرَ أَوْ مَا يُؤْذِي أَوْ يُبْطِلُ، وَأَمَّا الْمِزَاحُ الْحَقُّ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ مِمَّا لَا يُؤْذِي بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ فَيَجُوزُ وَسَيَجِيءُ (وَالْمِرَاءُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ مَمْدُودًا الْمُجَادَلَةُ (وَلْيَرُضْ) مِنْ الرِّيَاضَةِ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَضَمِّ الرَّاءِ (نَفْسَهُ بِوَظَائِفَ عِلْمِيَّةٍ وَعَمَلِيَّةٍ) كَالتَّعْلِيمِ وَالتَّعَلُّمِ وَالْمُطَالَعَةِ وَكَالِاشْتِغَالِ بِالْفَضَائِلِ وَالنَّوَافِلِ وَزِيَارَةِ الصَّالِحِينَ (فَلْيَذْكُرْ جَلَالَتَهُ) أَيْ الْخُلُقَ الْمَحْمُودَ فَإِنَّهُ فَضْلٌ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى (وَدَوَامَهُ وَصَفَاءَهُ) لَهُ مِنْ كَدُورَاتِ أَضْدَادِهِ (وَ) لِيَذْكُرَ (حَقَارَةَ الدُّنْيَا) عِنْدَ اللَّهِ عَلَى وَجْهٍ لَا تَعْدِلُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ.
قَالَ
стр. 346
لُقْمَانُ لِابْنِهِ: " إنَّ الدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ قَدْ غَرِقَ فِيهَا نَاسٌ كَثِيرٌ فَلْتَكُنْ سَفِينَتُك فِيهَا تَقْوَى اللَّهِ الْعَظِيمِ، وَحَشْوُهَا الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ تَعَالَى ".
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّك غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وَعُدَّ نَفْسَك مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ» .
(وَزَوَالَهَا وَنَكِدَهَا) أَيْ عُسْرَهَا وَشِدَّتَهَا (وَبِاسْتِمَاعِ مَا وَرَدَ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ) عَطْفٌ عَلَى مُلَازَمَةٍ (إجْمَالًا) عَلَى وَجْهٍ يَشْتَمِلُ عَلَى جُزْئِيَّاتٍ كَثِيرَةٍ (وَتَفْصِيلًا وَالثَّانِي) أَيْ التَّفْصِيلِيُّ (سَيَجِيءُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْكِتَابِ (وَمِنْ الْأَوَّلِ) أَيْ الْإِجْمَالِيِّ (قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى) لِحَبِيبِهِ ﵊ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] عَنْ الْحَلِيمِيِّ إنَّمَا وَصَفَ الْخُلُقَ بِالْعَظَمَةِ مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ فِي مُطْلَقِ الْخُلُقِ الْكَرْمُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ اخْتِصَاصُهُ بِمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ الْكَرَمِ مِنْ نَحْوِ السَّمَاحَةِ بَلْ كَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَفِيقًا بِهِمْ شَدِيدًا عَلَى الْكُفَّارِ غَلِيظًا عَلَيْهِمْ مَهِيبًا فِي صُدُورِ الْأَعْدَاءِ مَنْصُورًا بِالرُّعْبِ مِنْهُمْ عَلَى مَسِيرَةِ شَهْرٍ.
وَعَنْ الْجُنَيْدِ إنَّمَا كَانَ خُلُقُهُ عَظِيمًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ هِمَّةٌ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ مَعَ الْخَلْقِ وَبَاطِنَهُ مَعَ الْحَقِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ.
(وَ) مِنْهُ (قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا خَرَّجَهُ طك) الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الْعَبْدَ لَيَبْلُغُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ» لِكَوْنِهِ مَجَامِعَ الْخَيْرِ «عَظِيمَ دَرَجَاتِ الْآخِرَةِ» مَرَاتِبَهَا الْعَالِيَةِ «وَشَرَفَ الْمَنَازِلِ و» الْحَالُ «أَنَّهُ» أَيْ ذَلِكَ الْعَبْدُ «لَضَعِيفُ الْعِبَادَةِ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَيْسَرِ الْعِبَادَةِ وَأَهْوَنِهَا عَلَى الْبَدَنِ الصَّمْتُ وَحُسْنُ الْخُلُقِ» .
وَعَنْ الْمَاوَرْدِيِّ: هَذَا الْحَدِيثُ جَامِعٌ لِآدَابِ الْعَدْلِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا «وَأَنَّهُ» أَيْ الْعَبْدَ «لَيَبْلُغُ بِسُوءِ خُلُقِهِ أَسْفَلَ دَرَكَةٍ فِي جَهَنَّمَ» ، وَإِنْ كَثُرَتْ عِبَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَهْدِمُهَا كَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْعُجْبِ بَلْ رُبَّمَا يُفْضِي إلَى الْكُفْرِ.
قَالَ الْفُضَيْلُ «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ فُلَانَةَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ، وَهِيَ سَيِّئَةُ الْخُلُقِ تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا قَالَ لَا خَيْرَ فِيهَا هِيَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلُّ حُسْنِ خُلُقٍ مُفْضٍ مِنْ حَسَنَةٍ إلَى حَسَنَةٍ إلَى أَنْ تُضَاعَفَ الْحَسَنَاتُ، وَكَذَا سَيِّئُهُ.
(حَدّ هق حك) الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «بُعِثْت» مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى «لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» .
стр. 347
أَيْ لِأُتَمِّمَ الْأَخْلَاقَ الْكَرِيمَةَ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَصْلَ الْخُلُقِ الْكَرِيمِ حَاصِلٌ لِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَإِتْمَامُهُ مُخْتَصٌّ بِهِ عَلَيْهِمْ التَّحِيَّةُ وَالتَّسْلِيمُ وَلِهَذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى مُجَدِّدٍ وَمُؤَسِّسٍ فَصَارَتْ شَرِيعَتُهُ خَاتَمَ الشَّرَائِعِ وَأَيْضًا فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مَجْمَعُ جَمِيعِ الْأَخْلَاقِ الْحِسَانِ الثَّابِتَةِ فِي جَمِيعِ الْأَنَامِ كَكَرَمِ الْعَرَبِ وَشَجَاعَةِ قُرَيْشٍ وَرِقَّةِ أَهْلِ الْيَمَنِ وَغَيْرِهَا لِكَوْنِ خُلُقِهِ هُوَ الْقُرْآنُ الْجَامِعُ لِكُلِّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ فَهَذَا سِرُّ قَوْلِهِ ﵊ «لَا نَبِيَّ بَعْدِي» .
(طب د) الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو دَاوُد (عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ذَهَبَ» صَاحِبُ «حُسْنِ الْخُلُقِ» أَيْ ظَفِرَ وَفَازَ «بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» إذْ بِهِ يَأْمَنُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْعِبَادِ وَلِهَذَا الْمَرْأَةُ الَّتِي لَهَا زَوْجَانِ فِي الدُّنْيَا تَكُونُ فِي الْجَنَّةِ لِأَحْسَنِهِمَا خُلُقًا.
(طط) الطَّبَرَانِيُّ فِي أَوْسَطِهِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَا حَسَّنَ اللَّهُ خَلْقَ رَجُلٍ وَخُلُقَهُ» بِضَمَّةٍ أَوْ ضَمَّتَيْنِ بِمَعْنَى الطَّبِيعَةِ وَالْعَادَةِ وَقِيلَ أَيْ الصُّورَةُ الظَّاهِرِيَّةُ وَالْبَاطِنِيَّةُ «فَيُطْعِمُهُ النَّارَ» مِنْ قَبِيلِ مَا تَأْتِينَا فَتُحَدِّثَنَا إذْ حُسْنُ خِلْقَتِهِ يُحَبِّبُهُ إلَى النَّاسِ وَحُسْنُ طَبِيعَتِهِ يُحَبِّبُهُ إلَى اللَّهِ وَإِلَى النَّاسِ فَيَكْمُلُ لَهُ مَحَبَّةُ اللَّهِ وَالنَّاسِ فَيَفُوزُ بِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ.
(هق) الْبَيْهَقِيُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَيْك بِحُسْنِ الْخُلُقِ» أَيْ الْزَمْهُ، وَهُوَ اعْتِدَالُ قُوَى النَّفْسِ.
وَعَنْ الْإِحْيَاءِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ دَائِمًا يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُزَيِّنَهُ بِمَحَاسِنِ الْآدَابِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ» «قَالَ وَمَا حُسْنُ الْخُلُقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ» - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَصِلُ» مِنْ الْوَصْلِ وَالْمُوَاصَلَةِ بِالزِّيَارَةِ وَالْأُلْفَةِ وَالْإِحْسَانِ «مَنْ قَطَعَكَ» وَفَارَقَك وَبَاعَدَك وَلَوْ عَلِمْت عَدَمَ رَغْبَتِهِ إلَيْك فَإِنَّك مَأْجُورٌ فِي صَنِيعِك «وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ» مَالًا أَوْ بَدَنًا أَوْ عِرْضًا سِيَّمَا عِنْدَ الْقُدْرَةِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إنْفَاذِهِ مَلَأَ اللَّهُ قَلْبَهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا» «وَتُعْطِي» مَالًا أَوْ عِلْمًا أَوْ خِدْمَةً أَوْ قَضَاءَ حَاجَةٍ «مَنْ حَرَمَكَ» مِنْ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ وَالتَّخْصِيصُ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ لِكَوْنِهَا أَعْظَمُ الْأَخْلَاقِ الْحِسَانِ أَوْ لِوُجُودِ غَيْرِهَا فِي أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ لِحَادِثَةٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ أَوْ لِاسْتِلْزَامِهَا سَائِرَهَا كُلِّيًّا أَوْ أَكْثَرِيًّا وَإِلَّا فَالْأَخْلَاقُ الْحِسَانُ لَيْسَتْ بِمَحْصُورَةٍ فِيمَا ذُكِرَ لَكِنْ فِي كَوْنِ هَذَا الْحَدِيثِ شَاهِدًا لِلْإِجْمَالِيِّ خَفَاءً بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ التَّفْصِيلِيِّ إلَّا
стр. 348
أَنْ يَدَّعِيَ الْإِجْمَالِيَّ فِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ
وَفِي التَّنْبِيهِ " عَنْ الْمَأْمُونِ أَنَّ جَارِيَتَهُ جَاءَتْ بِمَرَقَةٍ فَعَثَرَتْ فَصَبَّتْ عَلَيْهِ فَأَرَادَ أَنْ يَضْرِبَهَا فَقَالَتْ اسْتَعْمِلْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] قَالَ: قَدْ فَعَلْت، فَقَالَتْ: اسْتَعْمِلْ مَا بَعْدَهُ ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] قَالَ: عَفَوْت، فَقَالَتْ ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] قَالَ أَحْسَنْت إلَيْك فَأَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى ".
وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: " أَفْضَلُ الْفَضَائِلِ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَك، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَك، وَتَصْفَحَ عَمَّنْ ظَلَمَك " قَالَ شَارِحُهُ النِّحْرِيرُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَشَقُّ عَلَى النَّفْسِ مِنْ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ الشَّاقَّةِ.
قَالَ الرَّاغِبُ: فَالْعَفْوُ نِهَايَةُ الْحِلْمِ وَالشَّجَاعَةِ وَإِعْطَاءُ مَنْ حَرَمَك غَايَةُ الْجُودِ وَوَصْلُ مَنْ قَطَعَك نِهَايَةُ الْإِحْسَانِ.
وَقَالَ بَعْضُ مَنْ قَابَلَ الْإِسَاءَةَ بِالْإِحْسَانِ فَهُوَ أَكْمَلُ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ، وَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِإِطْلَاقِ وَصْفِ الْإِنْسَانِيَّةِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً أَوْ ادِّعَاءً وَمُبَالَغَةً وَمِنْ ثَمَرَاتِ هَذَا الْخُلُقِ صَيْرُورَةُ الْعَدُوِّ خَلِيلًا أَوْ صَيْرُورَتُهُ قَتِيلًا وَتُنَكِّلُ بِهِ سِهَامُ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ تَنْكِيلًا.
قَالَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ رَأَيْت فِي الْإِنْجِيلِ قَالَ عِيسَى: لَقَدْ قِيلَ لَكُمْ مِنْ قَبْلُ أَنَّ السِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالْآنَ أَقُولُ لَكُمْ لَا تُقَابِلُوا الشَّرَّ بِالشَّرِّ مَنْ ضَرَبَ خَدَّك الْأَيْمَنَ فَحَوِّلْ إلَيْهِ الْأَيْسَرَ، وَمَنْ أَخَذَ رِدَاءَك فَأَعْطِهِ إزَارَك انْتَهَى.
(فَعَلَيْك أَيُّهَا السَّالِكُ بِتَخْلِيَةِ قَلْبِك عَنْ الرَّذَائِلِ وَتَحْلِيَتِهِ بِالْفَضَائِلِ) الظَّاهِرُ أَنَّ كِلَا اللَّامَيْنِ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَإِنَّ تَرْكَ خُلُقٍ وَاحِدٍ بِمَا يَدْعُو إلَى الْبَاقِي؛ لِأَنَّ بَعْضَهَا مُرْتَبِطٌ بِبَعْضٍ، وَأَنَّ السَّلَامَةَ لَا تَصْفُو بِعَدَمِ بَعْضِ الْأَمْرَاضِ بَلْ بِجَمِيعِهَا (فَإِنَّ التَّصَوُّفَ عِبَارَةٌ عَنْهُمَا) أَيْ التَّخْلِيَةِ وَالتَّحْلِيَةِ وَلِذَا عَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَنْ عِلْمِ التَّصَوُّفِ بِعِلْمِ الْأَخْلَاقِ (إذْ قِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ هُوَ الْخُرُوجُ مِنْ كُلِّ خُلُقٍ دَنِيءٍ) مِنْ الدَّنَاءَةِ أَيْ رَذِيلٍ (وَالدُّخُولُ فِي كُلِّ خُلُقٍ سُنِّيٍّ) أَيْ عَلَى قَوْلِ الْقَائِلِ الْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَرِيرِيِّ.
وَعَنْ الْجُنَيْدِ هُوَ أَنْ يُمِيتَك الْحَقُّ عَنْك وَيُحْيِيك بِهِ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ الْمَكِّيِّ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِمَا هُوَ أَوْلَى فِي الْوَقْتِ وَقِيلَ هُوَ أَخْلَاقٌ كَرِيمَةٌ ظَهَرَتْ فِي زَمَانٍ كَرِيمٍ مِنْ رَجُلٍ كَرِيمٍ مَعَ قَوْمٍ كِرَامٍ.
وَعَنْ الْكَرْخِيِّ هُوَ الْأَخْذُ بِالْحَقَائِقِ وَالْيَأْسُ مِمَّا فِي أَيْدِي الْخَلَائِقِ كَمَا فِي الْقُشَيْرِيِّ وَقِيلَ هُوَ تَرْكُ الدَّعَاوَى وَكِتْمَانُ الْمَعَانِي وَقِيلَ هُوَ اخْتِيَارُ الْعُزْلَةِ وَاتِّبَاعُ الشَّرِيعَةِ وَالنُّطْقُ بِالْحِكْمَةِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ.
قَالَ عَبْدُ الرَّءُوفِ الْمُنَاوِيُّ فِي فَيْضِ الْقَدِيرِ شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: حَاوَلَ بَعْضُهُمْ جَمْعَ الْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ فَقَالَ الْإِحْسَانُ وَالْإِخْلَاصُ وَالْإِيثَارُ وَاتِّبَاعُ السَّيِّئَةِ بِالْحَسَنَةِ وَالِاسْتِقَامَةُ وَالِاقْتِصَادُ فِي الْعِبَادَةِ وَالْمَعِيشَةِ وَالِاشْتِغَالُ بِعَيْبِ النَّفْسِ عَنْ عَيْبِ النَّاسِ وَالْإِنْصَافُ وَفِعْلُ الرُّخَصِ أَحْيَانًا وَالِاعْتِقَادُ مَعَ التَّسْلِيمِ وَالِافْتِقَارُ الِاخْتِيَارِيُّ وَالْإِنْفَاقُ بِغَيْرِ تَقْتِيرٍ، وَإِنْفَاقُ الْمَالِ لِصِيَانَةِ الْعِرْضِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَجَنُّبُ الشُّبْهَةِ وَاتِّقَاءُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ لِمَا بِهِ بَأْسٌ وَإِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالِاسْتِشَارَةُ وَالِاسْتِخَارَةُ وَالْأَدَبُ وَالِاحْتِرَامُ وَالْإِجْلَالُ لِأَفَاضِلِ الْبَشَرِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ وَإِدْخَالُ
стр. 349
السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَالِاسْتِرْشَادُ وَالْإِرْشَادُ بِتَرْبِيَةٍ وَتَعْلِيمٍ وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ وَالِابْتِدَاءُ بِهِ وَإِكْرَامُ الْجَارِ وَإِجَابَةُ السَّائِلِ وَالْإِعْطَاءُ قَبْلَ السُّؤَالِ وَاسْتِكْثَارُ قَلِيلِ الْخَيْرِ مِنْ الْغَيْرِ وَاحْتِقَارُ عَظِيمِهِ مِنْ نَفْسِهِ وَبَذْلُ الْجَاهِ وَالْجَهْدِ وَالْبِشْرُ وَالْبَشَاشَةُ وَالتَّوَاضُعُ وَالتَّوْبَةُ وَالتَّعَاوُنُ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالتُّؤَدَةُ وَالتَّأَنِّي وَتَدْبِيرُ الْمَنْزِلِ وَالْمَعِيشَةِ وَالتَّفَكُّرُ وَالتَّكَبُّرُ عَلَى الْمُتَكَبِّرِ وَتَنْزِيلُ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ وَتَقْدِيمُ الْأَهَمِّ وَالتَّغَافُلُ عَنْ زَلَلِ النَّاسِ وَتَحَمُّلُ الْأَذَى وَالتَّهْنِئَةُ وَالتَّسْلِيمُ لِمَجَارِي الْقَدَرِ وَتَرْكُ الْأَذَى وَالْبَطَالَةِ وَمُعَادَاةِ الرِّجَالِ وَالتَّكَلُّفِ وَالْمِرَاءِ وَالتَّحْمِيضُ لِدَفْعِ الْمَلَالَةِ وَالتَّحَدُّثُ بِالنِّعْمَةِ وَالتَّكْثِيرُ مِنْ الْإِخْوَانِ وَالْأَعْوَانِ وَتَحَمُّلُ الْمُعْسِرِ وَالتَّسْمِيَةُ بِاسْمٍ حَسَنٍ مَعَ تَغْيِيرِ اللَّقَبِ الْقَبِيحِ وَالتَّوْسِعَةُ عَلَى الْعِيَالِ وَتَجَنُّبُ مَوَاقِعِ التُّهَمِ وَمَوَاضِعِ الظُّلْمِ وَالْكَلَامُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَالتَّعَرُّفُ بِاَللَّهِ وَالتَّطْبِيبُ بِالطِّبِّ النَّبَوِيِّ وَالثَّبَاتُ فِي الْأُمُورِ وَالثِّقَةُ بِاَللَّهِ وَجِهَادُ النَّفْسِ وَجَلْبُ الْمَصَالِحِ وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ وَالْحِلْمُ وَالْحَيَاءُ وَحِفْظُ الْأَمَانَةِ وَالْعَهْدِ وَالْعِرَضِ وَحُسْنُ الصَّمْتِ وَالتَّفَهُّمُ وَالتَّعَقُّلُ فِي الْمَقَالِ وَالسَّمْتِ وَحُسْنُ الظَّنِّ وَطَلَبُ الْمَعِيشَةِ وَالْمُعَاشَرَةُ وَالْحَمِيَّةُ وَخِدْمَةُ الصُّلَحَاءِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْإِخْوَانِ وَالضَّيْفِ وَالْخُشُوعُ وَخَوْفُ اللَّهِ وَخِدَاعُ الْكُفَّارِ وَدَرْءُ الْمَفَاسِدِ وَدَوَامُ التَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ وَالدَّأْبُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَالذِّلَّةُ لِلَّهِ وَالرِّفْقُ فِي الْمَعِيشَةِ وَرَحْمَةُ الصِّغَارِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْيَتِيمِ وَالْحَيَوَانِ وَالْمَرِيضِ وَالرِّضَا بِالدُّونِ مِنْ الْمَجَالِسِ وَالرَّجَاءُ وَالرِّقَّةُ لِلْغَيْرِ لِتَأَذِّيه وَالزُّهْدُ وَالسَّخَاءُ وَالسَّمَاحُ وَالسَّلَامُ عِنْدَ اللِّقَاءِ حَتَّى عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ وَالشَّجَاعَةُ وَالشَّهَامَةُ وَالشَّفَاعَةُ وَالشُّكْرُ وَالصَّبْرُ وَالصِّدْقُ وَالصُّلْحُ وَالصَّدَاقَةُ وَالصُّحْبَةُ وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَالصَّمْتُ وَضَبْطُ النَّفْسِ عَنْ التَّفْرِقَةِ وَطَهَارَةُ الْبَاطِنِ وَالْعِفَّةُ وَالْعَدْلُ وَالْعَفْوُ وَالْعُزْلَةُ وَعُلُوُّ الْهِمَّةِ وَالْغَضَبُ لِلَّهِ وَالْغَيْرَةُ الْحَمِيدَةُ وَالْغِبْطَةُ وَالْفَزَعُ إلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالْفِرَاسَةُ وَفِعْلُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَالْقِيَامُ بِحَقِّ الْغَيْرِ وَقَبُولُ الْحَقِّ وَقَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ مُرًّا وَقَضَاءُ حَوَائِجِ النَّاسِ وَكَظْمُ الْغَيْظِ وَكَفَالَةُ الْيَتِيمِ وَلِقَاءُ الْقَادِمِ وَلُزُومُ الطَّهَارَةِ وَالتَّهَجُّدُ وَالصَّلَاةُ الْمَأْثُورَةُ وَالْفَوَائِدُ الْجَمِيلَةُ وَالْمُدَارَاةُ وَالْمُخَاطَبَةُ بِلِينِ الْكَلَامِ وَمُحَاسَبَةُ النَّفْسِ وَمُخَالَفَتُهَا وَالْمُعَاشَرَةُ بِالْمَعْرُوفِ وَمَعْرِفَةُ الْحَقِّ لِأَهْلِهِ وَلِمَنْ عَرَفَهُ لَك وَمَحَبَّةُ أَهْلِ الْبَيْتِ وَالْمُعَافَاةُ وَالْمَزْحُ الْعَدْلُ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالنُّصْحُ وَالنَّزَاهَةُ وَالْوَرَعُ وَهَضْمُ النَّفْسِ وَالْيَقِينُ وَنَحْوُ ذَلِكَ انْتَهَى لَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذُكِرَ كُلُّهُ مَضْمُونُ آيَاتٍ وَآثَارٍ يَجِبُ حِفْظُهُ وَيَلْزَمُ ضَبْطُهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَآنٍ
[الْقِسْمُ الثَّانِي فِي الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ وَعَدَدهَا سِتُّونَ]
[الْأَوَّلُ الْكُفْرُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ ثَلَاثَة أَنْوَاع]
[الْأَوَّلُ كُفْر جَهْلِيٌّ]
(الْقِسْمُ الثَّانِي)
مِنْ الْقِسْمَيْنِ (فِي الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ) الرَّدِيئَةِ (وَتَفْسِيرِهَا) بَيَانُ مَفْهُومَاتِهَا الشَّرْعِيَّةِ وَغَوَائِلِهَا مُفْسِدَاتِهَا (وَعِلَاجِهَا تَفْصِيلًا) (اعْلَمْ أَنِّي تَتَبَّعْتهَا) يَعْنِي عَلَى تَتَبُّعِي (فَوَجَدْتهَا سِتِّينَ) ، وَإِنْ جَازَ تَجَاوُزُهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ الْحَصْرَ اسْتِقْرَائِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ قِيلَ ذَلِكَ بِحَسَبِ النَّوْعِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ بِحَسَبِ الْأَفْرَادِ (الْأَوَّلُ الْكُفْرُ بِاَللَّهِ تَعَالَى الْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ) أَيْ نَوْعٌ كَمَا قِيلَ الْكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ (وَهُوَ أَعْظَمُ الْمُهْلِكَاتُ) فِي الدُّنْيَا لِإِيجَابِ إهْدَارِ النَّفْسِ وَالْأُسَرِ وَإِبَاحَةِ الْأَمْوَالِ، وَفِي الْآخِرَةِ لِإِيجَابِهِ الْخُلُودَ فِي النَّارِ (عَلَى الْإِطْلَاقِ) ، وَإِنْ كَانَ فِي أَنْوَاعِهِ تَفَاوُتٌ فِي نَفْسِهِ بِإِيجَابِ زِيَادَةِ الْعُقُوبَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ؛ لِأَنَّ جَزَاءَ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ نِهَايَةً فِي الْجِنَايَةِ اقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ أَنْ يُجْزَى بِمَا يَكُونُ نِهَايَةً فِي الْعُقُوبَةِ، وَهُوَ الْخُلُودُ (فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ) إمَّا لِصُعُوبَةِ الْمَبْحَثِ أَوْ لِكَثْرَتِهِ أَوْ لِإِيثَارِ الْحَمْدِ عَلَى تَخَلُّصِهِ مِنْهُ (هُوَ) أَيْ الْكُفْرُ (عَدَمُ الْإِيمَانِ عَمَّنْ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا) يَشْكُلُ بِالشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ الْإِيمَانُ لِكَوْنِهِ مَطْبُوعًا عَلَى الْكُفْرِ وَلِذَا قَالُوا هُوَ جَوْهَرٌ هَوَائِيٌّ إلَى آخِرِهِ إلَّا أَنْ يُمْنَعَ ذَلِكَ بِعَدَمِ الِاتِّفَاقِ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي اضْمِحْلَالَ أَكْثَرِ
стр. 350
قَوَاعِدِ الشَّرْعِ، فَإِمَّا مُؤَوَّلٌ أَوْ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَلْيُتَأَمَّلْ.
فَالتَّقَابُلُ عَدَمٌ وَمَلَكَةٌ وَقِيلَ تَضَادٌّ لِكَوْنِ الْكُفْرِ مِنْ الْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ الْأَخْلَاقَ مِنْ قَبِيلِ الْكَيْفِيَّاتِ وَالْكَيْفُ مِنْ الْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَعْدُومًا نَعَمْ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: إنَّ الْأَحْكَامَ الْوُجُودِيَّةَ جَارِيَةٌ فِي الْعَدَمِ فِي تَقَابُلِ الْعَدَمِ وَالْمَلَكَةِ تَأَمَّلْ ثُمَّ قِيلَ هَذَا شَامِلٌ لِلْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَكِ فَإِنَّهُمْ هُمْ الْمُكَلَّفُونَ وَغَيْرُهُمْ لَا يُوصَفُونَ بِإِيمَانٍ وَكُفْرٍ لِعَدَمِ الشَّأْنِ فِيهِمْ أَقُولُ يَشْكُلُ بِالشَّيْطَانِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ دُخُولَهُ فِي الْجِنِّ أَوْ الْمَلَكِ فَافْهَمْ وَأَيْضًا بِالْمَلَكِ لِامْتِنَاعِ تَصَوُّرِ عَدَمِ الْإِيمَانِ فِيهِمْ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ إمْكَانَ الْكُفْرِ مِنْهُمْ كَمَا قِيلَ فِي إبْلِيسَ أَوْ بِنَاءً عَلَى الْإِمْكَانِ الْأَصْلِيِّ وَالِامْتِنَاعُ إنَّمَا هُوَ فِي الْوُقُوعِ فَتَأَمَّلْ أَيْضًا.
(وَالْإِيمَانُ) إنَّمَا ذُكِرَ هُنَا لِكَوْنِهِ مَأْخُوذًا فِي مَاهِيَّةِ الْكُفْرِ وَمَعْرِفَةُ الْكُلِّ مَوْقُوفٌ عَلَى مَعْرِفَةِ أَجْزَائِهِ (هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ) عَلَى وَجْهِ الْقَطْعِ وَالْإِذْعَانِ وَلَوْ تَقْلِيدًا (بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى) فَلَوْ صَدَّقَ الْجَمِيعَ وَلَمْ يُصَدِّقْ وَاحِدًا فَلَا يُوجَدُ لَهُ إيمَانٌ (وَالْإِقْرَارُ بِهِ) بِذَلِكَ الْجَمِيعِ، وَلَوْ إجْمَالًا لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا عَلِمَ مِنْ دِينِهِ بِالضَّرُورَةِ، وَلَوْ صَبِيًّا وَعَامِّيًّا بَلْ قَدْ يَعْلَمُ الْمُخَالِفُ كَأَهْلِ الذِّمَّةِ لِبَدَاهَتِهِ فِي الدِّينِ، وَإِنْ نَظَرِيًّا فِي نَفْسِهِ كَالتَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْبَعْثِ وَالْإِقْرَارِ بِهِ (عِنْدَ عَدَمِ الْمَانِعِ) كَالْإِكْرَاهِ وَالْخُرْسِ وَالْمَرَضِ وَغَيْرِهَا كَعَدَمِ وِجْدَانِ وَقْتِ الْإِقْرَارِ فَمَنْ حَصَلَ لَهُ التَّصْدِيقُ فَمَاتَ فَوْرًا بِلَا إقْرَارٍ فَمُسْلِمٌ (حَقِيقَةً وَحُكْمًا) أَيْ حُكْمُ الشَّرْعِ قَيْدَانِ لِمَجْمُوعِ التَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَارِ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِمَا مَعًا إذْ لَوْ وُجِدَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ حَقِيقَةً وَلَمْ يُوجَدَا حُكْمًا كَأَنْ يُقَارِنَا بِمَا جَعَلَهُ الشَّارِعُ عَلَامَةً لِلتَّكْذِيبِ كَاسْتِخْفَافِ الشَّرِيعَةِ وَالْقُرْآنِ وَالْمَلَكِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا (أَوْ حُكْمًا فَقَطْ) يَعْنِي يُوجَدُ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ فِي حُكْمٍ وَلَا يُوجَدَانِ حَقِيقَةً كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَكِنْ يَشْكُلُ بِنَحْوِ الْأَخْرَسِ وَالْمُكْرَهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ ادَّعَى دُخُولَهُ فِي الْأَوَّلِ فَلَمْ تُوجَدْ حَقِيقَةُ الْإِقْرَارِ، وَإِنْ وُجِدَتْ حَقِيقَةُ التَّصْدِيقِ وَأَنَّ فِي الثَّانِي كَمَا تَوَهَّمَ فَقَدْ وُجِدَ فِيهِمَا حَقِيقَةُ التَّصْدِيقِ (وَتَفْسِيرُ الْكُفْرِ بِالْإِنْكَارِ لَيْسَ بِجَامِعٍ لِخُرُوجِ الشَّكِّ وَخُلُوِّ الذِّهْنِ عَنْهُ) إذْ الْمُعَرَّفُ أَيْ الْكُفْرُ صَادِقٌ وَالتَّعْرِيفُ لَيْسَ بِصَادِقٍ عَلَيْهِمَا لِعَدَمِ الْإِنْكَارِ فِيهِمَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ مِنْ الْإِنْكَارِ عَدَمُ التَّصْدِيقِ أَوْ الْجَهْلُ وَعَدَمُ الْعِلْمِ (فَعَلَى الْأَوَّلِ) أَيْ عَدَمِ الْإِيمَانِ عَمَّنْ مِنْ شَأْنِهِ إلَى آخِرِهِ (بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ (تَقَابُلُ الْعَدَمِ وَالْمَلَكَةِ وَعَلَى الثَّانِي تَقَابُلُ التَّضَادِّ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُتَقَابِلَيْنِ أَرْبَعَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا إنْ كَانَا وُجُودِيَّيْنِ وَأَمْكَنَ تَعَقُّلُ أَحَدِهِمَا مَعَ الذُّهُولِ
стр. 351
عَنْ الْآخَرِ فَضِدَّانِ كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَهُمَا يُكَذَّبَانِ لِعَدَمِ الْمَحَلِّ وَاتِّصَافِهِ بِالْوَسَطِ كَالْجِسْمِ الْأَحْمَرِ مَثَلًا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَعَقُّلُ أَحَدِهِمَا مَعَ الذُّهُولِ عَنْ الْآخَرِ فَمُضَافَانِ كَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ وَهُمَا أَيْضًا يُكَذَّبَانِ لِخُلُوِّ الْمَحَلِّ عَنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا وُجُودِيًّا وَالْآخَرُ عَدَمِيًّا فَإِنْ اُعْتُبِرَ كَوْنُ الْمَوْضُوعِ مُسْتَعِدًّا لِلِاتِّصَافِ بِالْوُجُودِيِّ بِحَسَبِ شَخْصِهِ كَالْأَعْمَى أَوْ نَوْعِهِ كَالْأَكْمَهِ أَوْ جِنْسِهِ كَالْعَقْرَبِ فَعَدَمٌ وَمَلَكَةٌ حَقِيقَةٌ، وَإِنْ اُعْتُبِرَ كَوْنُ الْمَوْضُوعِ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ اتِّصَافُهُ بِهِ فَمَلَكَةٌ وَعَدَمٌ مَشْهُورَانِ وَهُمَا يُكَذَّبَانِ لِعَدَمِ الْمَوْضُوعِ أَوْ عَدَمِ اسْتِعْدَادِهِ لَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فَسَلْبٌ وَإِيجَابٌ كَالْإِنْسَانِ وَاللَّا إنْسَانِ وَهُمَا لَا يُصَدَّقَانِ وَلَا يُكَذَّبَانِ؛ لِأَنَّ اجْتِمَاعَ النَّقِيضَيْنِ وَارْتِفَاعَهُمَا مُحَالَانِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِنْكَارَ لَيْسَ بِوُجُودِيٍّ فَلَا يَكُونُ تَقَابُلُ تَضَادٍّ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ نَحْوَ الْجَهْلِ فَبَعْدَ تَسْلِيمِ وُجُودِيَّتِهِ لَا يَرِدُ إشْكَالُ الْمُصَنِّفِ بِعَدَمِ جَمْعِ التَّعْرِيفِ ثُمَّ أَقُولُ هَذَا الْبَحْثُ لَا يَحْسُنُ عَلَى وَظِيفَةِ الْمُصَنِّفِ وَالْتِزَامِهِ وَعَادَتِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَلَا يُعْلَمُ لِحُسْنِهِ دَاعٍ حَسَنٌ (وَالْكُفْرُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ)
لَمَّا عَرَّفَ الْكُفْرَ وَبَيَّنَ مَاهِيَّتَه أَوَّلًا أَرَادَ أَنْ يُقَسِّمَ ثَانِيًا الْأَوَّلُ (جَهْلِيٌّ) لِتَسَبُّبِهِ عَنْ الْجَهْلِ (وَسَبَبُهُ عَدَمُ الْإِصْغَاءِ) وَالِاسْتِمَاعِ بِالسَّمْعِ (وَالِالْتِفَاتِ) بِالْبَصِيرَةِ وَالنَّفْسِ (وَالتَّأَمُّلِ فِي الْآيَاتِ) الْقُرْآنِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ (وَالدَّلَائِلِ) الْعَقْلِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ (كَكُفْرِ الْعَوَامّ وَالْجَهْلُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ (هُوَ الثَّانِي مِنْ آفَاتِ الْقَلْبِ) بِمَعْنًى يَعُمُّ الْكُفْرَ وَغَيْرَهُ يَعْنِي عَدَمَ عِلْمِ مَا يَجِبُ الْعِلْمُ بِهِ (وَهُوَ) أَيْ الْجَهْلُ (عَدَمُ الْعِلْمِ عَمَّنْ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا) فَبَيْنَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ تَقَابُلُ عَدَمٍ وَمَلَكَةٍ (وَهُوَ نَوْعَانِ) جَهْلٌ (بَسِيطٌ) أَيْ غَيْرُ مُرَكَّبٍ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ يَعْلَمُ جَهْلَهُ وَلَيْسَ فِيهِ اعْتِقَادٌ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ (وَأَصْحَابُهُ كَالْأَنْعَامِ) كَالْبَهَائِمِ لِفَقْدِهِمْ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى فَاعِلِهِ وَالْمَفْعُولُ مَذْكُورٌ بِقَوْلِهِ (مَا بِهِ يَمْتَازُ الْإِنْسَانُ عَنْهَا) عَنْ الْأَنْعَامِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْإِدْرَاكِ (بَلْ هُمْ أَضَلُّ) مِنْ تِلْكَ الْأَنْعَامِ لَكِنَّ نِسْبَةَ أَصْلِ الضَّلَالَةِ إلَى الْأَنْعَامِ يَقْتَضِي أَنْ يُرَادَ مِنْ الضَّلَالَةِ مَعْنًى غَيْرُ مَعْنَاهَا الشَّرْعِيِّ الْمَشْهُورِ
كَمَا يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ (لِتَوَجُّهِهَا) أَيْ الْأَنْعَامِ (نَحْوَ كَمَالَاتِهَا) الَّتِي تَقْتَضِيهَا طَبِيعَتُهَا النَّوْعِيَّةُ فَإِنَّ الْأَنْعَامَ تُبْصِرُ مَنَافِعَهَا فَتُلَازِمُهَا وَمَضَارَّهَا فَتَجْتَنِبُهَا بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ الْجَاهِلِينَ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ وَلَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ هَذَا الْعَارَ الَّذِي هُوَ أَقْبَحُ الْقَبَائِحِ وَلَا يَسْعَى إلَى تَحْصِيلِ مَنَافِعِهِ الَّتِي هِيَ الْمَعْرِفَةُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩]- وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَلْمِيحٌ إلَيْهِ
стр. 352
(فَمَا وَجَبَ عِلْمُهُ مِمَّا سَبَقَ) فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ مِنْ الْفُرُوضِ عَيْنًا وَكِفَايَةً (حَرُمَ جَهْلُهُ) وَمَا وَجَبَ عِلْمُهُ كِفَايَةً حَرُمَ جَهْلُ النَّاسِ أَجْمَعَ بِهِ (وَمَا لَا) يَجِبُ عِلْمُهُ (فَلَا) يَحْرُمُ جَهْلُهُ، وَلَكِنْ يَفُوتُ بِهِ مِنْ الْكَمَالِ حَسَبِ مَرْتَبَةِ عِلْمِهِ وَقَدْ عَرَفْت مَرَاتِبَ الْعِلْمِ فِيمَا سَبَقَ (وَعِلَاجُهُ) أَيْ مُدَاوَاةُ الْجَهْلِ الْبَسِيطِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ التَّعَلُّمُ (بَعْدَ مَعْرِفَةِ غَوَائِلِهِ) إلَى الْكُفْرِ وَإِلَى الْأَضَلِّيَّةِ مِنْ الْأَنْعَامِ (وَفَوَائِدُ الْعِلْمِ مِمَّا سَبَقَ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ) مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ وَالْأَقْوَالِ (التَّعَلُّمُ) فَإِنَّهُ دَوَاءٌ مُجَرَّبٌ وَمُنْحَصِرٌ إلَيْهِ.
(وَقَدْ يَحْصُلُ) لِلْإِنْسَانِ (بِسَبَبِ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ جَهْلٌ يُسَمَّى حَيْرَةً) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ يُقَالُ حَارَ فِي أَمْرِهِ يَحَارُ حَيْرًا وَحَيْرَةً فَهُوَ حَيْرَانُ إذَا لَمْ يَقِفْ عَلَى الصَّوَابِ فِيهِ (وَ) يُسَمَّى (شَكًّا وَتَرَدُّدًا وَتَوَقُّفًا فَعِلَاجُهُ مُمَارَسَةٌ) مُدَاخَلَةٌ وَمُدَانَاةٌ (الْقَوَانِينِ) الضَّوَابِطِ الْكُلِّيَّةِ (الْعَقْلِيَّةِ كَالْمَنْطِقِ) فَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ كَمَا عَرَفْت مِنْ الْمُصَنِّفِ مِنْ كَوْنِهِ وُجُوبًا عَلَى الْكِفَايَةِ لَكِنْ يَقْتَضِي ذَلِكَ كَوْنُهُ عَيْنًا تَأَمَّلْ (وَغَيْرِهِ) قِيلَ مِنْ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ كَالْمَعَانِي وَالْأُصُولِ وَالْجَدَلِ وَنَحْوِهَا، وَقِيلَ مِنْ الْكَلَامِ وَالْحِكْمَةِ الْيُونَانِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ مَحْظُورًا فِي نَفْسِهِ لَكِنْ قَدْ يُبَاحُ لِعَارِضٍ لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ الْغَيْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِمُطْلَقِ الْمَادَّةِ أَيُّ عِلْمٍ كَانَ إذْ الْمَنْطِقُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالصُّورَةِ (حَتَّى) مُتَعَلِّقٌ بِالْمُمَارَسَةِ (يَطَّلِعُ) ذَلِكَ الْجَاهِلُ الْمُتَحَيِّرُ (عَلَى شَرْطٍ أَهْمَلَهُ) مِنْ شَرَائِطِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ مَادَّةً أَوْ صُورَةً (أَوْ اعْتَبَرَهُ) فِي الدَّلِيلِ (وَ) هُوَ فِي نَفْسِهِ (لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا فِي أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَطَّلِعُ أَيْ الْمُتَعَارِضَيْنِ (فَيَزُولُ التَّعَارُضُ) بِالْإِطْلَاعِ عَلَى ذَلِكَ (فَالْحَيْرَةُ وَتَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ) كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ إجْمَاعًا.
وَأَمَّا تَعَارُضُ الْقِيَاسَيْنِ فَيَعْمَلُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ مِمَّا شَهِدَ بِهِ الْقَلْبُ فَلَا يُتَصَوَّرُ النَّسْخُ وَلَا سُقُوطُهُمَا خِلَافًا لِمَنْ غَلِطَ (قَدْ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنْ لَا يَعْلَمَ التَّارِيخَ) أَيْ تَارِيخَ نُزُولِ الْآيَتَيْنِ أَوْ وُرُودَ الْحَدِيثَيْنِ أَوْ تَارِيخَ آيَةٍ وَحَدِيثٍ إذْ لَوْ عَلِمَ لَحَمَلَ عَلَى نَسْخِ الْمُتَأَخِّرِ مُقَدَّمَهُ إذْ حَقِيقَةُ التَّعَارُضِ لَا تُمْكِنُ مِنْ الشَّارِعِ لِاسْتِلْزَامِهِ الْعَبَثَ (وَامْتَنَعَ التَّرْجِيحُ بِالْأَسْبَابِ الْمُرَجِّحَةِ فَيُوجِبُ الشَّكَّ وَالتَّوَقُّفَ) هَذَا صَرِيحٌ فِي لُزُومِ التَّوَقُّفِ بِمُجَرَّدِ عَدَمِ التَّارِيخِ وَالتَّرْجِيحِ وَقَدْ قُرِّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ عِنْدَ عَدَمِ التَّارِيخِ يُطْلَبُ الْمُخَلِّصُ بِالْجَمْعِ وَالتَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا مَا أَمْكَنَ مِنْ الْحُكْمِ أَوْ الزَّمَانِ أَوْ الْمَحَلِّ لَعَلَّ حَاصِلَهُ رَاجِعٌ إلَى إثْبَاتِ الْمَعَانِي مُغَايِرَةً وَحِدَاتِهَا الْمَذْكُورَةَ فِي عِلْمِ الْمِيزَانِ فِي شَرْطِ التَّنَاقُضِ
وَقُرِّرَ أَيْضًا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْجَمْعَ فَيُتْرَكُ الدَّلِيلَانِ وَيُصَارُ مِنْ الْكِتَابِ إلَى السُّنَّةِ فَمِنْهَا إلَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فَمِنْهَا إلَى الْقِيَاسِ أَوْ إلَى مَا شَهِدَ بِهِ الْقَلْبُ مِنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ فَيُقَرَّرُ الْأَصْلُ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلَيْنِ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَعُدَّ تَعَارُضَ مَا أَمْكَنَ فِيهِ الْجَمْعُ وَالْمَصِيرُ فَتَأَمَّلْ وَأَيْضًا يَرُدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ انْحِصَارُ مَعْرِفَةِ النَّسْخِ عَلَى مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ وَقَدْ قُرِّرَ فِي الْأُصُولِ أَيْضًا أَنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ التَّارِيخِ أَنَّ أَحَدَهُمَا مُحَرِّمٌ وَالْآخَرَ مُبِيحٌ فَالْمُحَرِّمُ نَاسِخُ دَلَالَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ أَوْ أَحَدُهُمَا مُثْبِتٌ لِأَمْرٍ عَارِضٍ وَالْآخَرُ نَافِيًا فَالنَّافِي نَاسِخٌ عِنْدَ بَعْضٍ وَمُتَعَارِضَانِ عِنْدَ آخَرَ فَالْجَوَابُ الْجَوَابُ وَأَيْضًا يُمْكِنُ إدْرَاجُهَا فِي الْأَسْبَابِ الْمُرَجَّحَةِ وَلَوْ مَجَازًا عَلَى اصْطِلَاحِهِمْ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا عَلَيْنَا أَنْ نَذْكُرَ بَعْضَ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ الَّتِي خَلَتْ عَنْهَا مَشَاهِيرُ الْكُتُبِ مَعَ كَثْرَةِ الدَّوَاعِي إلَيْهَا، وَهُوَ رُجْحَانُ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَعَلَى النَّدْبِ وَعَلَى الْكَرَاهَةِ وَالْوُجُوبِ عَلَى النَّدْبِ وَالدَّارِئِ لِلْحَدِّ عَلَى الْمُوجِبِ لَهُ وَالْمُوجِبِ لِلطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ عَلَى عَدَمِهِمَا وَالْأَخَفِّ عَلَى الْأَثْقَلِ لِلْيُسْرِ وَنَفْيِ الْحَرَجِ وَتُرَجَّحُ الْحَقِيقَةُ عَلَى الْمَجَازِ وَالْأَشْهَرُ، وَلَوْ.
стр. 353
مَجَازًا عَلَى غَيْرِ الْأَشْهَرِ وَلَوْ حَقِيقَةً خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالصَّرِيحِ عَلَى الْكِنَايَةِ وَالنَّهْيِ عَلَى الْأَمْرِ وَعَلَى الْإِبَاحَةِ وَالْأَمْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَالْأَقَلِّ احْتِمَالًا عَلَى الْأَكْثَرِ احْتِمَالًا وَالْمَجَازِ عَلَى الْمُشْتَرَكِ وَاللُّغَوِيِّ الْمُسْتَعْمَلِ شَرْعًا عَلَى الشَّرْعِيِّ بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ الشَّرْعِيِّ وَمَا فِي دَلَالَتِهِ تَأْكِيدٌ عَلَى مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَتَخْصِيصِ الْعَامِّ عَلَى تَأْوِيلِ الْخَاصِّ وَالْخَاصِّ وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ عَلَى الْعَامِ مُطْلَقًا وَالْعَامِ الَّذِي لَمْ يُخَصَّ عَلَى مَا خُصَّ وَالْمُقَيَّدِ عَلَى الْمُطْلَقِ وَمُطْلَقٍ لَمْ يُخْرَجْ مِنْهُ مُقَيَّدٌ عَلَى مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ عَلَى تَأْوِيلِ الْمُقَيَّدِ وَالْجَمْعِ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ وَاسْمِ الْمَوْصُولِ عَلَى اسْمِ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى النَّصِّ وَلَوْ كِتَابًا وَالْأَقْدَمِ مِنْ الْإِجْمَاعِ الظَّنِّيِّ عَلَى الْمُتَأَخِّرِ لِقَرِيبَةِ الْعَهْدِ وَالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ عَلَى الْآحَادِ وَالْمُتَوَاتِرِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَخَبَرِ الْمَعْرُوفِ بِالْفِقْهِ عَلَى غَيْرِهِ وَالْمَعْرُوفِ بِالرِّوَايَةِ عَلَى غَيْرِهِ وَالْمُسْنَدِ عَلَى الْمُرْسَلِ وَمُرْسَلِ التَّابِعِيِّ عَلَى مُرْسَلِ تَابِعِ التَّابِعِينَ وَالْأَعْلَى إسْنَادًا عَلَى الْأَسْفَلِ وَالْمُسْنَدِ الْمُعَنْعَنِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا يُحَالُ إلَى الْكُتُبِ الْمَعْرُوفَةِ وَالْمُسْنَدِ إلَى كِتَابٍ مَشْهُورٍ عُرِفَ بِالصِّحَّةِ عَلَى غَيْرِهِ وَالْمُسْنَدِ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى الْمُخْتَلَفِ وَالرِّوَايَةِ بِقِرَاءَتِهِ عَلَى الشَّيْخِ عَلَى الرِّوَايَةِ بِقِرَاءَةِ الشَّيْخِ عَلَيْهِ وَغَيْرِ الْمُخْتَلَفِ فِي رَفْعِهِ عَلَى الْمُخْتَلَفِ وَالرَّاوِي سَمَاعِهِ مِنْ الرَّسُولِ عَلَى الْآخَرِ الْمُحْتَمَلِ سَمَاعِهِ وَعَدَمِهِ وَسُكُوتِهِ عَمَّا جَرَى بِحُضُورِهِ عَلَى سُكُوتِهِ عَمَّا جَرَى بِغَيْبَتِهِ وَسَمْعِهِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ فِيمَا لَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى عَلَى خَبَرِهِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَبِثِقَةِ الرَّاوِي وَفِطْنَتِهِ وَوَرَعِهِ وَضَبْطِهِ
وَالْحَدِيثِ الَّذِي كَانَ رِوَايَةَ صَاحِبِ الْوَاقِعَةِ عَلَى غَيْرِهِ وَحَدِيثِ الْمُقَدَّمِ إسْلَامًا عَلَى مُؤَخَّرِهِ وَحَدِيثِ مَشْهُورِ النَّسَبِ عَلَى غَيْرِهِ وَحَدِيثِ الْبَالِغِ حِينَ التَّحَمُّلِ عَلَى حَدِيثِ الصَّبِيِّ وَتَرْجِيحِ الْمُوَافِقِ لِدَلِيلٍ آخَرَ عَلَى مَا لَا يُؤَيِّدُهُ دَلِيلٌ آخَرُ وَالْمُوَافِقِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَيْ عَمَلِهِمْ عَلَى مَا لَمْ يَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهُ وَكَذَا الْمُوَافِقُ لِعَمَلِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَالْمُوَافِقُ لِعَمَلِ الْأَعْلَمِ عَلَى غَيْرِهِ وَالْحُكْمِ الَّذِي ذُكِرَتْ عِلَّتُهُ عَلَى مَا لَمْ تُذْكَرْ وَالْعَامِّ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ فِي حَقِّ هَذَا السَّبَبِ وَالْعَامِّ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ فِي حَقِّ غَيْرِ ذَلِكَ السَّبَبِ عَلَى الْعَامِّ الْوَارِدِ عَلَيْهِ وَالْعَامِّ الْأَمَسِّ بِالْمَقْصُودِ عَلَى الْعَامِ الَّذِي لَمْ يُمَسَّ بِهِ وَمَا فَسَّرَهُ رِوَايَةً بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ عَلَى غَيْرِهِ وَاَلَّذِي ذُكِرَ سَبَبُ وُرُودِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا تَعَارُضُ الْقِيَاسَيْنِ فَأَسْبَابُ تَرْجِيحَاتِهِ كَبَاقِي أَسْبَابِ الْأَدِلَّةِ فَمِنْ الْأُصُولِيَّةِ، وَعِنْدَ تَعَارُضِ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ فَمَا بِالْوَصْفِ الذَّاتِيِّ أَوْلَى مِمَّا كَانَ بِالْوَصْفِ الْعَارِضِيِّ ثُمَّ إذَا لَمْ يُمْكِنْ التَّوْفِيقُ وَالتَّرْجِيحُ فَيُوجِبُ التَّعَارُضَ وَحِينَئِذٍ الشَّكُّ وَالتَّوَقُّفُ فِي الْحُكْمِ.
(فَلِذَا تَوَقَّفَ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ كَأَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ) أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ تَوَقَّفُوا (فِي سُؤْرِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ) فَإِنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي طَهُورِيَّتِهِ وَقِيلَ فِي طَهَارَتِهِ لِتَعَارُضِ الْأَخْبَارِ وَامْتِنَاعِ الْقِيَاسِ إذْ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ «نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» وَفِي رِوَايَتِهِ أَيْضًا «كُلُّ مَنْ سُمِّينَ مَالِكٌ حِينَ قَالَ لَهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مَالِي إلَّا هَذِهِ الْحَمِيرَاتُ» وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى «حَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ» .
وَفِي رِوَايَةِ غَالِبِ بْنِ أَبْجَرَ أَنَّهُ أَبَاحَهَا فَإِذَا شَكَّ فِي لَحْمِهِ اُشْتُبِهَ فِي سُؤْرِهِ وَلِتَعَارُضِ الْآثَارِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ سُؤْرَ الْحِمَارِ نَجِسٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - طَاهِرٌ، وَأَمَّا امْتِنَاعُ الْقِيَاسِ؛ فَلِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِالْهِرَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَهَا فِي الطَّوَافِ وَلَا بِالْكَلْبِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا إلْحَاقَ لُعَابِهِ بِلَحْمِهِ أَوْ لَبَنِهِ فِي أَوْضَحِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ طَاهِرٌ وَلَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةَ الِاخْتِلَاطِ وَلَا بِعِرْقِهِ الطَّاهِرِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ فِيهِ أَكْثَرُ كَذَا فِي الْمِرْآةِ (وَأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ) أَفِي الْجَنَّةِ أَمْ فِي النَّارِ (وَ) فِي (وَقْتِ الْخِتَانِ) أَقَبْلَ الْبُلُوغِ أَمْ بَعْدَهُ أَوْ فِي أَيِّ سَنَةٍ فِي زَمَانِ صِغَرِهِ وَنَقَلَ عَنْ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ كَرَاهَةَ التَّرْكِ إلَى الْبُلُوغِ وَعَنْ الْيَنَابِيعِ وَمَجْمَعِ الْفَتَاوَى عَنْ أَبِي اللَّيْثِ اسْتِحْبَابَهُ عِنْدَ بُلُوغِهِ إلَى سَبْعٍ إلَى عَشْرٍ وَعَنْ الذَّخِيرَةِ قِيلَ
стр. 354
سَبْعُ سِنِينَ وَقِيلَ تِسْعٌ وَقِيلَ عَشْرٌ وَقِيلَ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ بَلْ مُطْلَقُ إطَاقَةِ أَلَمِ الْخِتَانِ وَقِيلَ أَقْصَاهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ وَأَقَلُّهُ قَالَ الْإِمَامِ لَمْ أَعْلَمْ وَلَمْ يَرِدْ عَنْ صَاحِبَيْهِ شَيْءٌ.
(وَ) فِي (دَهْرِ مُنْكِرٍ) كَمَا فِي قَوْلِهِ لَا يُكَلِّمُهُ دَهْرًا، وَأَمَّا الْمُعَرَّفُ فَيُرَادُ الْأَبَدُ نَقَلَ عَنْ الْحَدَّادِيِّ أَنَّ جُمْلَةَ مَا تَوَقَّفَ الْإِمَامُ فِيهِ أَرْبَعَةَ عَشْرَ وَقِيلَ وَعَنْ خِزَانَةِ الْفَتَاوَى تَوَقُّفُهُ ﵀ مِنْ جَلَالَةِ قَدْرِهِ وَعُلُوِّ أَمْرِهِ وَغَايَةِ وَرَعِهِ وَالتَّوَقُّفُ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ مِنْ الْعِلْمِ وَعَنْ الْيَنَابِيعِ أَيْضًا هُوَ مِنْ غَايَةِ مَعْرِفَتِهِ بِالْأَحْكَامِ وَكَمَالِ وَرَعِهِ فِي الدِّينِ وَهَذَا أَيْضًا مِنْ سِيَرِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَلْ بِالْمَلَائِكَةِ كَمَا فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى شَرْحِ الْمُلْتَقَى عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْكَرْمَانِيِّ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَفْضَلِ الْبِقَاعِ فَقَالَ لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ جَبْرَائِيلَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى فَقَالَ خَيْرُ الْبِقَاعِ الْمَسَاجِدُ وَخَيْرُ أَهْلِهَا أَوَّلُهُمْ دُخُولًا وَآخِرُهُمْ خُرُوجًا وَشَرُّ أَهْلِهَا آخِرُهُمْ دُخُولًا وَأَوَّلُهُمْ خُرُوجًا» وَفِي الْحَقَائِقِ أَنَّهُ تَنْبِيهٌ لِكُلِّ مُفْتٍ أَنْ لَا يَسْتَنْكِفَ عَنْ التَّوَقُّفِ فِيمَا لَا وُقُوفَ لَهُ عَلَيْهِ إذْ الْمُجَازَفَةُ افْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَسُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقِيلَ لَهُ أَمَا تَسْتَحْيِي وَأَنْتَ مُفْتِي الْعِرَاقِيِّينَ فَقَالَ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا فَكَيْفَ أَنَا وَحِينَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا أَدْرِي قِيلَ لَهُ تَأْكُلُ كُلَّ يَوْمٍ كَذَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَكَيْفَ تَقُولُ لَا أَدْرِي فَقَالَ أَنَا آكُلُ بِقَدْرِ عِلْمِي وَلَوْ أَكَلْت بِقَدْرِ جَهْلِي مَا كَفَانِي مَالُ الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا وَسُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الْعِيَاضِيُّ عَنْ مَسْأَلَةٍ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقِيلَ لَهُ لَيْسَ الْمِنْبَرُ مَوْضِعَ الْجُهَّالِ فَقَالَ إنَّمَا عَلَوْت بِقَدْرِ عِلْمِي وَلَوْ عَلَوْت بِقَدْرِ جَهْلِي لَعَلَوْت السَّمَاءَ وَسُئِلَ عَالِمٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقَالَ السَّائِلُ لَيْسَ هَذَا مَكَانُ الْجُهَّالِ فَقَالَ الْمَكَانُ لِلَّذِي يَعْلَمُ شَيْئًا وَيَجْهَلُ شَيْئًا أَمَّا الَّذِي يَعْلَمُ وَلَا يَجْهَلُ فَلَا مَكَانَ لَهُ ﷻ .
(وَ) النَّوْعُ الثَّانِي جَهْلٌ (مُرَكَّبٌ) (هُوَ اعْتِقَادٌ غَيْرِ مُطَابِقٍ) لِلْوَاقِعِ كَاعْتِقَادَاتِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْفِرَقِ الْمُخَالَفَةِ قَالَ الْمُحَشِّي هُنَا النَّاسُ أَرْبَعَةٌ رَجُلٌ يَدْرِي وَيَدْرِي أَنَّهُ يَدْرِي فَهَذَا عَالِمٌ فَاتَّبِعُوهُ وَرَجُلٌ يَدْرِي وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ يَدْرِي فَهَذَا نَائِمٌ فَأَيْقِظُوهُ وَرَجُلٌ لَا يَدْرِي وَيَدْرِي أَنَّهُ لَا يَدْرِي فَهَذَا جَاهِلٌ فَعَلِّمُوهُ وَرَجُلٌ لَا يَدْرِي وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ لَا يَدْرِي فَهَذَا أَحْمَقُ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّ هَذَا قَوْلُهُ (وَهُوَ شَرٌّ مِنْ الْأَوَّلِ) لِكَوْنِهِ جَهْلَيْنِ وَالْأَوَّلُ جَهْلٌ وَاحِدٌ (مَرَضٌ مُزْمِنٌ) الَّذِي أَعْيَا الْأَطِبَّاءَ مِنْ دَوَائِهِ (قَلَّمَا يَقْبَلُ الْعِلَاجَ) كَمَا قَالَ عِيسَى ﵊ دَاوَيْت الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأَحْيَيْت الْمَوْتَى، وَأَمَّا الْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ فَقَدْ أَعْيَانِي دَوَاؤُهُ (لِأَنَّ صَاحِبَهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ) أَيْ جَهْلَهُ (عِلْمٌ وَكَمَالٌ لَا جَهْلٌ وَمَرَضٌ
стр. 355
فَلَا يَطْلُبُ إزَالَتَهُ وَعِلَاجَهُ) ؛ لِأَنَّ دَاعِيَ الِاحْتِيَاجِ إلَى الْإِزَالَةِ إنَّمَا هُوَ مَعْرِفَةُ كَوْنِهِ نَقْصًا وَهَذَا يَعْرِفُهُ كَمَالًا (إلَّا أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى فَسَادِهِ بَغْتَةً) فَجْأَةً (بِعِنَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى) لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي انْسِدَادَ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْعِظَةِ وَالتَّذْكِيرِ لِصَاحِبِ هَذَا النَّوْعِ إلَّا أَنْ يُرَادَ الْإِزَالَةُ عَلَى الْيُسْرِ وَالْكَثْرَةِ وَالسُّهُولَةِ.
[النَّوْعُ الثَّانِي كُفْرٌ جُحُودِيٌّ وَعِنَادِيٌّ]
(وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الثَّلَاثَةِ كُفْرٌ جُحُودِيٌّ وَعِنَادِيٌّ)
مِنْ الْمُعَانَدَةِ، وَهِيَ الْمُفَارَقَةُ وَالْمُجَانَبَةُ وَالْمُعَارَضَةُ بِالْخِلَافِ كَالْعِنَادِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ (وَسَبَبُهُ) ثَلَاثَةٌ اسْتِكْبَارٌ وَحُبُّ رِيَاسَةٍ وَخَوْفُ ذَمٍّ الْأَوَّلُ (الِاسْتِكْبَارُ وَسَيَجِيءُ) أَبْحَاثُهُ لِئَلَّا يَقَعَ الْفَصْلُ؛ لِأَنَّ بَحْثَهُ طَوِيلٌ (كَكُفْرِ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ) أَيْ قَوْمِهِ مَعَ رُؤْيَتِهِمْ الْمُعْجِزَاتِ الْكَثِيرَةِ مِنْ مُوسَى ﵊ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ [المؤمنون: ٤٦] عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦] مُتَكَبِّرِينَ مِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٤٧] مُوسَى وَهَارُونَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ﴿مِثْلِنَا﴾ [المؤمنون: ٤٧] وَفِي اعْتِقَادِهِمْ التَّمَاثُلُ فِي الْبَشَرِيَّةِ مَانِعٌ لِلنُّبُوَّةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ كَالْمَلَكِ وَهَذَا مِنْ غَايَةِ جَهْلِهِمْ فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أُلُوهِيَّةَ فِرْعَوْنَ مَعَ كَوْنِهِ مِثْلَهُمْ ﴿وَقَوْمُهُمَا﴾ [المؤمنون: ٤٧] وَالْحَالُ أَنَّ قَوْمَهُمَا أَيْ بَنِي إسْرَائِيلَ ﴿لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] يَخْدُمُونَ وَيَنْقَادُونَ لِقَهْرِهِمْ وَاسْتِيلَائِهِمْ وَقِيلَ لِعِبَادَتِهِمْ فِرْعَوْنَ عَلَى اعْتِقَادِ أُلُوهِيَّتِهِ (وقَوْله تَعَالَى ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ [النمل: ١٤] أَيْ آيَاتِ اللَّهِ ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا﴾ [النمل: ١٤] تَحَقَّقَتْهَا ﴿أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا﴾ [النمل: ١٤] تَجَاوُزًا عَنْ الْحَدِّ ﴿وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] أَيْ جَحَدُوا بِهَا لِلظُّلْمِ وَالتَّكَبُّرِ عَنْ اتِّبَاعِهِ.
(وَ) الثَّانِي (خَوْفُ عَدَمِ وُصُولِ الرِّيَاسَةِ) الْجَاهِ وَالرِّفْعَةِ (أَوْ) خَوْفُ (زَوَالِهَا كَكُفْرِ هِرَقْلَ) بِكَسْرِ الْهَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْقَافِ عَلَمٌ لَهُ، وَهُوَ صَاحِبُ الرُّومِ وَالشَّامِ وَلَقَبُهُ قَيْصَرُ وَكَذَا كُلٌّ مِنْ مَلِكِ الرُّومِ كَمَلِكِ فَارِسَ يُلَقَّبُ بِكِسْرَى وَالْحَبَشَةِ بِالنَّجَاشِيِّ وَالتُّرْكُ بِخَاقَانَ وَالْقِبْطُ بِفِرْعَوْنَ وَمِصْرُ بِالْعَزِيزِ وَحِمْيَرُ بِتُبَّعَ وَقِصَّتُهُ أَنَّ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ حِينَ أَعْطَى إلَى هِرَقْلَ مَكْتُوبَ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ مِنْ طَرَفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ اتَّفَقَ لَهُ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِ بِلَيْلَةٍ أَنَّهُ نَظَرَ فِي النُّجُومِ فَرَأَى عَلَائِمَ شَأْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَظُهُورِ دِينِهِ وَانْتِشَارِهِ وَنَسْخِهِ لِسَائِرِ الْأَدْيَانِ فَأَصْبَحَ مُضْطَرِبًا وَأَخْبَرَ بِذَلِكَ أَعْيَانَ دَوْلَتِهِ فَبَيْنَمَا هُمْ فِي ذَلِكَ فَحَصُوا وَوَجَدُوا أَبَا سُفْيَانَ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ تُجَّارٍ مِنْ الشَّامِ فَأَحْضَرُوهُ عِنْدَهُ فَسَأَلَهُ عَنْ أَحْوَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ هُوَ مِنْ أَشْرَافِكُمْ وَفُقَرَائِكُمْ وَهَلْ سَبَقَ مِنْ الْغَيْرِ فِيكُمْ دَعْوَى نُبُوَّةٍ وَهَلْ فِي أَجْدَادِهِ مَلِكٌ وَإِمَارَةٌ وَهَلْ أَتْبَاعُهُ أَغْنِيَاءُ أَوْ فُقَرَاءُ وَضُعَفَاءُ وَهَلْ أَمْرُهُ عَلَى التَّزَايُدِ أَوْ التَّنَاقُصِ وَهَلْ يَبْقَى مَنْ يَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ وَهَلْ يَصْدُرُ عَنْهُ غَدْرٌ وَهَلْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ وَهَلْ الْغَلَبَةُ فِي الْمُحَارَبَةِ وَالْكَثْرَةُ فِي الْغَلَبَةِ مِنْ جَانِبِهِ أَوْ مِنْ مُخَالِفِهِ وَكَذَا وَكَذَا.
فَلَمَّا أَجَابَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَى مَا هُوَ الْوَاقِعُ قَالَ هِرَقْلُ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَمَارَاتِ النُّبُوَّةِ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ غَيْرَةً وَتَكْذِيبًا لَكِنْ صَدَرَ عَنْهُ كَذِبٌ عَجِيبٌ فَأَخْبَرَ أَمْرَ الْمِعْرَاجِ مِنْ إسْرَائِهِ فِي لَيْلَةٍ
следующие страницы →