Полный текст (1 189 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
عَنْ الْآخَرِ فَضِدَّانِ كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَهُمَا يُكَذَّبَانِ لِعَدَمِ الْمَحَلِّ وَاتِّصَافِهِ بِالْوَسَطِ كَالْجِسْمِ الْأَحْمَرِ مَثَلًا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَعَقُّلُ أَحَدِهِمَا مَعَ الذُّهُولِ عَنْ الْآخَرِ فَمُضَافَانِ كَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ وَهُمَا أَيْضًا يُكَذَّبَانِ لِخُلُوِّ الْمَحَلِّ عَنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا وُجُودِيًّا وَالْآخَرُ عَدَمِيًّا فَإِنْ اُعْتُبِرَ كَوْنُ الْمَوْضُوعِ مُسْتَعِدًّا لِلِاتِّصَافِ بِالْوُجُودِيِّ بِحَسَبِ شَخْصِهِ كَالْأَعْمَى أَوْ نَوْعِهِ كَالْأَكْمَهِ أَوْ جِنْسِهِ كَالْعَقْرَبِ فَعَدَمٌ وَمَلَكَةٌ حَقِيقَةٌ، وَإِنْ اُعْتُبِرَ كَوْنُ الْمَوْضُوعِ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ اتِّصَافُهُ بِهِ فَمَلَكَةٌ وَعَدَمٌ مَشْهُورَانِ وَهُمَا يُكَذَّبَانِ لِعَدَمِ الْمَوْضُوعِ أَوْ عَدَمِ اسْتِعْدَادِهِ لَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فَسَلْبٌ وَإِيجَابٌ كَالْإِنْسَانِ وَاللَّا إنْسَانِ وَهُمَا لَا يُصَدَّقَانِ وَلَا يُكَذَّبَانِ؛ لِأَنَّ اجْتِمَاعَ النَّقِيضَيْنِ وَارْتِفَاعَهُمَا مُحَالَانِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِنْكَارَ لَيْسَ بِوُجُودِيٍّ فَلَا يَكُونُ تَقَابُلُ تَضَادٍّ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ نَحْوَ الْجَهْلِ فَبَعْدَ تَسْلِيمِ وُجُودِيَّتِهِ لَا يَرِدُ إشْكَالُ الْمُصَنِّفِ بِعَدَمِ جَمْعِ التَّعْرِيفِ ثُمَّ أَقُولُ هَذَا الْبَحْثُ لَا يَحْسُنُ عَلَى وَظِيفَةِ الْمُصَنِّفِ وَالْتِزَامِهِ وَعَادَتِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَلَا يُعْلَمُ لِحُسْنِهِ دَاعٍ حَسَنٌ (وَالْكُفْرُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ)
لَمَّا عَرَّفَ الْكُفْرَ وَبَيَّنَ مَاهِيَّتَه أَوَّلًا أَرَادَ أَنْ يُقَسِّمَ ثَانِيًا الْأَوَّلُ (جَهْلِيٌّ) لِتَسَبُّبِهِ عَنْ الْجَهْلِ (وَسَبَبُهُ عَدَمُ الْإِصْغَاءِ) وَالِاسْتِمَاعِ بِالسَّمْعِ (وَالِالْتِفَاتِ) بِالْبَصِيرَةِ وَالنَّفْسِ (وَالتَّأَمُّلِ فِي الْآيَاتِ) الْقُرْآنِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ (وَالدَّلَائِلِ) الْعَقْلِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ (كَكُفْرِ الْعَوَامّ وَالْجَهْلُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ (هُوَ الثَّانِي مِنْ آفَاتِ الْقَلْبِ) بِمَعْنًى يَعُمُّ الْكُفْرَ وَغَيْرَهُ يَعْنِي عَدَمَ عِلْمِ مَا يَجِبُ الْعِلْمُ بِهِ (وَهُوَ) أَيْ الْجَهْلُ (عَدَمُ الْعِلْمِ عَمَّنْ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا) فَبَيْنَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ تَقَابُلُ عَدَمٍ وَمَلَكَةٍ (وَهُوَ نَوْعَانِ) جَهْلٌ (بَسِيطٌ) أَيْ غَيْرُ مُرَكَّبٍ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ يَعْلَمُ جَهْلَهُ وَلَيْسَ فِيهِ اعْتِقَادٌ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ (وَأَصْحَابُهُ كَالْأَنْعَامِ) كَالْبَهَائِمِ لِفَقْدِهِمْ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى فَاعِلِهِ وَالْمَفْعُولُ مَذْكُورٌ بِقَوْلِهِ (مَا بِهِ يَمْتَازُ الْإِنْسَانُ عَنْهَا) عَنْ الْأَنْعَامِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْإِدْرَاكِ (بَلْ هُمْ أَضَلُّ) مِنْ تِلْكَ الْأَنْعَامِ لَكِنَّ نِسْبَةَ أَصْلِ الضَّلَالَةِ إلَى الْأَنْعَامِ يَقْتَضِي أَنْ يُرَادَ مِنْ الضَّلَالَةِ مَعْنًى غَيْرُ مَعْنَاهَا الشَّرْعِيِّ الْمَشْهُورِ
كَمَا يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ (لِتَوَجُّهِهَا) أَيْ الْأَنْعَامِ (نَحْوَ كَمَالَاتِهَا) الَّتِي تَقْتَضِيهَا طَبِيعَتُهَا النَّوْعِيَّةُ فَإِنَّ الْأَنْعَامَ تُبْصِرُ مَنَافِعَهَا فَتُلَازِمُهَا وَمَضَارَّهَا فَتَجْتَنِبُهَا بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ الْجَاهِلِينَ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ وَلَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ هَذَا الْعَارَ الَّذِي هُوَ أَقْبَحُ الْقَبَائِحِ وَلَا يَسْعَى إلَى تَحْصِيلِ مَنَافِعِهِ الَّتِي هِيَ الْمَعْرِفَةُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩]- وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَلْمِيحٌ إلَيْهِ
стр. 352
(فَمَا وَجَبَ عِلْمُهُ مِمَّا سَبَقَ) فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ مِنْ الْفُرُوضِ عَيْنًا وَكِفَايَةً (حَرُمَ جَهْلُهُ) وَمَا وَجَبَ عِلْمُهُ كِفَايَةً حَرُمَ جَهْلُ النَّاسِ أَجْمَعَ بِهِ (وَمَا لَا) يَجِبُ عِلْمُهُ (فَلَا) يَحْرُمُ جَهْلُهُ، وَلَكِنْ يَفُوتُ بِهِ مِنْ الْكَمَالِ حَسَبِ مَرْتَبَةِ عِلْمِهِ وَقَدْ عَرَفْت مَرَاتِبَ الْعِلْمِ فِيمَا سَبَقَ (وَعِلَاجُهُ) أَيْ مُدَاوَاةُ الْجَهْلِ الْبَسِيطِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ التَّعَلُّمُ (بَعْدَ مَعْرِفَةِ غَوَائِلِهِ) إلَى الْكُفْرِ وَإِلَى الْأَضَلِّيَّةِ مِنْ الْأَنْعَامِ (وَفَوَائِدُ الْعِلْمِ مِمَّا سَبَقَ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ) مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ وَالْأَقْوَالِ (التَّعَلُّمُ) فَإِنَّهُ دَوَاءٌ مُجَرَّبٌ وَمُنْحَصِرٌ إلَيْهِ.
(وَقَدْ يَحْصُلُ) لِلْإِنْسَانِ (بِسَبَبِ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ جَهْلٌ يُسَمَّى حَيْرَةً) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ يُقَالُ حَارَ فِي أَمْرِهِ يَحَارُ حَيْرًا وَحَيْرَةً فَهُوَ حَيْرَانُ إذَا لَمْ يَقِفْ عَلَى الصَّوَابِ فِيهِ (وَ) يُسَمَّى (شَكًّا وَتَرَدُّدًا وَتَوَقُّفًا فَعِلَاجُهُ مُمَارَسَةٌ) مُدَاخَلَةٌ وَمُدَانَاةٌ (الْقَوَانِينِ) الضَّوَابِطِ الْكُلِّيَّةِ (الْعَقْلِيَّةِ كَالْمَنْطِقِ) فَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ كَمَا عَرَفْت مِنْ الْمُصَنِّفِ مِنْ كَوْنِهِ وُجُوبًا عَلَى الْكِفَايَةِ لَكِنْ يَقْتَضِي ذَلِكَ كَوْنُهُ عَيْنًا تَأَمَّلْ (وَغَيْرِهِ) قِيلَ مِنْ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ كَالْمَعَانِي وَالْأُصُولِ وَالْجَدَلِ وَنَحْوِهَا، وَقِيلَ مِنْ الْكَلَامِ وَالْحِكْمَةِ الْيُونَانِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ مَحْظُورًا فِي نَفْسِهِ لَكِنْ قَدْ يُبَاحُ لِعَارِضٍ لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ الْغَيْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِمُطْلَقِ الْمَادَّةِ أَيُّ عِلْمٍ كَانَ إذْ الْمَنْطِقُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالصُّورَةِ (حَتَّى) مُتَعَلِّقٌ بِالْمُمَارَسَةِ (يَطَّلِعُ) ذَلِكَ الْجَاهِلُ الْمُتَحَيِّرُ (عَلَى شَرْطٍ أَهْمَلَهُ) مِنْ شَرَائِطِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ مَادَّةً أَوْ صُورَةً (أَوْ اعْتَبَرَهُ) فِي الدَّلِيلِ (وَ) هُوَ فِي نَفْسِهِ (لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا فِي أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَطَّلِعُ أَيْ الْمُتَعَارِضَيْنِ (فَيَزُولُ التَّعَارُضُ) بِالْإِطْلَاعِ عَلَى ذَلِكَ (فَالْحَيْرَةُ وَتَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ) كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ إجْمَاعًا.
وَأَمَّا تَعَارُضُ الْقِيَاسَيْنِ فَيَعْمَلُ بِأَيِّهِمَا شَاءَ مِمَّا شَهِدَ بِهِ الْقَلْبُ فَلَا يُتَصَوَّرُ النَّسْخُ وَلَا سُقُوطُهُمَا خِلَافًا لِمَنْ غَلِطَ (قَدْ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنْ لَا يَعْلَمَ التَّارِيخَ) أَيْ تَارِيخَ نُزُولِ الْآيَتَيْنِ أَوْ وُرُودَ الْحَدِيثَيْنِ أَوْ تَارِيخَ آيَةٍ وَحَدِيثٍ إذْ لَوْ عَلِمَ لَحَمَلَ عَلَى نَسْخِ الْمُتَأَخِّرِ مُقَدَّمَهُ إذْ حَقِيقَةُ التَّعَارُضِ لَا تُمْكِنُ مِنْ الشَّارِعِ لِاسْتِلْزَامِهِ الْعَبَثَ (وَامْتَنَعَ التَّرْجِيحُ بِالْأَسْبَابِ الْمُرَجِّحَةِ فَيُوجِبُ الشَّكَّ وَالتَّوَقُّفَ) هَذَا صَرِيحٌ فِي لُزُومِ التَّوَقُّفِ بِمُجَرَّدِ عَدَمِ التَّارِيخِ وَالتَّرْجِيحِ وَقَدْ قُرِّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ عِنْدَ عَدَمِ التَّارِيخِ يُطْلَبُ الْمُخَلِّصُ بِالْجَمْعِ وَالتَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا مَا أَمْكَنَ مِنْ الْحُكْمِ أَوْ الزَّمَانِ أَوْ الْمَحَلِّ لَعَلَّ حَاصِلَهُ رَاجِعٌ إلَى إثْبَاتِ الْمَعَانِي مُغَايِرَةً وَحِدَاتِهَا الْمَذْكُورَةَ فِي عِلْمِ الْمِيزَانِ فِي شَرْطِ التَّنَاقُضِ
وَقُرِّرَ أَيْضًا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْجَمْعَ فَيُتْرَكُ الدَّلِيلَانِ وَيُصَارُ مِنْ الْكِتَابِ إلَى السُّنَّةِ فَمِنْهَا إلَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فَمِنْهَا إلَى الْقِيَاسِ أَوْ إلَى مَا شَهِدَ بِهِ الْقَلْبُ مِنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ فَيُقَرَّرُ الْأَصْلُ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلَيْنِ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَعُدَّ تَعَارُضَ مَا أَمْكَنَ فِيهِ الْجَمْعُ وَالْمَصِيرُ فَتَأَمَّلْ وَأَيْضًا يَرُدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ انْحِصَارُ مَعْرِفَةِ النَّسْخِ عَلَى مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ وَقَدْ قُرِّرَ فِي الْأُصُولِ أَيْضًا أَنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ التَّارِيخِ أَنَّ أَحَدَهُمَا مُحَرِّمٌ وَالْآخَرَ مُبِيحٌ فَالْمُحَرِّمُ نَاسِخُ دَلَالَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ أَوْ أَحَدُهُمَا مُثْبِتٌ لِأَمْرٍ عَارِضٍ وَالْآخَرُ نَافِيًا فَالنَّافِي نَاسِخٌ عِنْدَ بَعْضٍ وَمُتَعَارِضَانِ عِنْدَ آخَرَ فَالْجَوَابُ الْجَوَابُ وَأَيْضًا يُمْكِنُ إدْرَاجُهَا فِي الْأَسْبَابِ الْمُرَجَّحَةِ وَلَوْ مَجَازًا عَلَى اصْطِلَاحِهِمْ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا عَلَيْنَا أَنْ نَذْكُرَ بَعْضَ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ الَّتِي خَلَتْ عَنْهَا مَشَاهِيرُ الْكُتُبِ مَعَ كَثْرَةِ الدَّوَاعِي إلَيْهَا، وَهُوَ رُجْحَانُ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَعَلَى النَّدْبِ وَعَلَى الْكَرَاهَةِ وَالْوُجُوبِ عَلَى النَّدْبِ وَالدَّارِئِ لِلْحَدِّ عَلَى الْمُوجِبِ لَهُ وَالْمُوجِبِ لِلطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ عَلَى عَدَمِهِمَا وَالْأَخَفِّ عَلَى الْأَثْقَلِ لِلْيُسْرِ وَنَفْيِ الْحَرَجِ وَتُرَجَّحُ الْحَقِيقَةُ عَلَى الْمَجَازِ وَالْأَشْهَرُ، وَلَوْ.
стр. 353
مَجَازًا عَلَى غَيْرِ الْأَشْهَرِ وَلَوْ حَقِيقَةً خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالصَّرِيحِ عَلَى الْكِنَايَةِ وَالنَّهْيِ عَلَى الْأَمْرِ وَعَلَى الْإِبَاحَةِ وَالْأَمْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَالْأَقَلِّ احْتِمَالًا عَلَى الْأَكْثَرِ احْتِمَالًا وَالْمَجَازِ عَلَى الْمُشْتَرَكِ وَاللُّغَوِيِّ الْمُسْتَعْمَلِ شَرْعًا عَلَى الشَّرْعِيِّ بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ الشَّرْعِيِّ وَمَا فِي دَلَالَتِهِ تَأْكِيدٌ عَلَى مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَتَخْصِيصِ الْعَامِّ عَلَى تَأْوِيلِ الْخَاصِّ وَالْخَاصِّ وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ عَلَى الْعَامِ مُطْلَقًا وَالْعَامِ الَّذِي لَمْ يُخَصَّ عَلَى مَا خُصَّ وَالْمُقَيَّدِ عَلَى الْمُطْلَقِ وَمُطْلَقٍ لَمْ يُخْرَجْ مِنْهُ مُقَيَّدٌ عَلَى مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ عَلَى تَأْوِيلِ الْمُقَيَّدِ وَالْجَمْعِ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ وَاسْمِ الْمَوْصُولِ عَلَى اسْمِ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى النَّصِّ وَلَوْ كِتَابًا وَالْأَقْدَمِ مِنْ الْإِجْمَاعِ الظَّنِّيِّ عَلَى الْمُتَأَخِّرِ لِقَرِيبَةِ الْعَهْدِ وَالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ عَلَى الْآحَادِ وَالْمُتَوَاتِرِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَخَبَرِ الْمَعْرُوفِ بِالْفِقْهِ عَلَى غَيْرِهِ وَالْمَعْرُوفِ بِالرِّوَايَةِ عَلَى غَيْرِهِ وَالْمُسْنَدِ عَلَى الْمُرْسَلِ وَمُرْسَلِ التَّابِعِيِّ عَلَى مُرْسَلِ تَابِعِ التَّابِعِينَ وَالْأَعْلَى إسْنَادًا عَلَى الْأَسْفَلِ وَالْمُسْنَدِ الْمُعَنْعَنِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا يُحَالُ إلَى الْكُتُبِ الْمَعْرُوفَةِ وَالْمُسْنَدِ إلَى كِتَابٍ مَشْهُورٍ عُرِفَ بِالصِّحَّةِ عَلَى غَيْرِهِ وَالْمُسْنَدِ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى الْمُخْتَلَفِ وَالرِّوَايَةِ بِقِرَاءَتِهِ عَلَى الشَّيْخِ عَلَى الرِّوَايَةِ بِقِرَاءَةِ الشَّيْخِ عَلَيْهِ وَغَيْرِ الْمُخْتَلَفِ فِي رَفْعِهِ عَلَى الْمُخْتَلَفِ وَالرَّاوِي سَمَاعِهِ مِنْ الرَّسُولِ عَلَى الْآخَرِ الْمُحْتَمَلِ سَمَاعِهِ وَعَدَمِهِ وَسُكُوتِهِ عَمَّا جَرَى بِحُضُورِهِ عَلَى سُكُوتِهِ عَمَّا جَرَى بِغَيْبَتِهِ وَسَمْعِهِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ فِيمَا لَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى عَلَى خَبَرِهِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَبِثِقَةِ الرَّاوِي وَفِطْنَتِهِ وَوَرَعِهِ وَضَبْطِهِ
وَالْحَدِيثِ الَّذِي كَانَ رِوَايَةَ صَاحِبِ الْوَاقِعَةِ عَلَى غَيْرِهِ وَحَدِيثِ الْمُقَدَّمِ إسْلَامًا عَلَى مُؤَخَّرِهِ وَحَدِيثِ مَشْهُورِ النَّسَبِ عَلَى غَيْرِهِ وَحَدِيثِ الْبَالِغِ حِينَ التَّحَمُّلِ عَلَى حَدِيثِ الصَّبِيِّ وَتَرْجِيحِ الْمُوَافِقِ لِدَلِيلٍ آخَرَ عَلَى مَا لَا يُؤَيِّدُهُ دَلِيلٌ آخَرُ وَالْمُوَافِقِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَيْ عَمَلِهِمْ عَلَى مَا لَمْ يَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهُ وَكَذَا الْمُوَافِقُ لِعَمَلِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَالْمُوَافِقُ لِعَمَلِ الْأَعْلَمِ عَلَى غَيْرِهِ وَالْحُكْمِ الَّذِي ذُكِرَتْ عِلَّتُهُ عَلَى مَا لَمْ تُذْكَرْ وَالْعَامِّ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ فِي حَقِّ هَذَا السَّبَبِ وَالْعَامِّ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ فِي حَقِّ غَيْرِ ذَلِكَ السَّبَبِ عَلَى الْعَامِّ الْوَارِدِ عَلَيْهِ وَالْعَامِّ الْأَمَسِّ بِالْمَقْصُودِ عَلَى الْعَامِ الَّذِي لَمْ يُمَسَّ بِهِ وَمَا فَسَّرَهُ رِوَايَةً بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ عَلَى غَيْرِهِ وَاَلَّذِي ذُكِرَ سَبَبُ وُرُودِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا تَعَارُضُ الْقِيَاسَيْنِ فَأَسْبَابُ تَرْجِيحَاتِهِ كَبَاقِي أَسْبَابِ الْأَدِلَّةِ فَمِنْ الْأُصُولِيَّةِ، وَعِنْدَ تَعَارُضِ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ فَمَا بِالْوَصْفِ الذَّاتِيِّ أَوْلَى مِمَّا كَانَ بِالْوَصْفِ الْعَارِضِيِّ ثُمَّ إذَا لَمْ يُمْكِنْ التَّوْفِيقُ وَالتَّرْجِيحُ فَيُوجِبُ التَّعَارُضَ وَحِينَئِذٍ الشَّكُّ وَالتَّوَقُّفُ فِي الْحُكْمِ.
(فَلِذَا تَوَقَّفَ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ كَأَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ) أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ تَوَقَّفُوا (فِي سُؤْرِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ) فَإِنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي طَهُورِيَّتِهِ وَقِيلَ فِي طَهَارَتِهِ لِتَعَارُضِ الْأَخْبَارِ وَامْتِنَاعِ الْقِيَاسِ إذْ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ «نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» وَفِي رِوَايَتِهِ أَيْضًا «كُلُّ مَنْ سُمِّينَ مَالِكٌ حِينَ قَالَ لَهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مَالِي إلَّا هَذِهِ الْحَمِيرَاتُ» وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى «حَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ» .
وَفِي رِوَايَةِ غَالِبِ بْنِ أَبْجَرَ أَنَّهُ أَبَاحَهَا فَإِذَا شَكَّ فِي لَحْمِهِ اُشْتُبِهَ فِي سُؤْرِهِ وَلِتَعَارُضِ الْآثَارِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ سُؤْرَ الْحِمَارِ نَجِسٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - طَاهِرٌ، وَأَمَّا امْتِنَاعُ الْقِيَاسِ؛ فَلِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِالْهِرَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَهَا فِي الطَّوَافِ وَلَا بِالْكَلْبِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا إلْحَاقَ لُعَابِهِ بِلَحْمِهِ أَوْ لَبَنِهِ فِي أَوْضَحِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ طَاهِرٌ وَلَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةَ الِاخْتِلَاطِ وَلَا بِعِرْقِهِ الطَّاهِرِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ فِيهِ أَكْثَرُ كَذَا فِي الْمِرْآةِ (وَأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ) أَفِي الْجَنَّةِ أَمْ فِي النَّارِ (وَ) فِي (وَقْتِ الْخِتَانِ) أَقَبْلَ الْبُلُوغِ أَمْ بَعْدَهُ أَوْ فِي أَيِّ سَنَةٍ فِي زَمَانِ صِغَرِهِ وَنَقَلَ عَنْ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ كَرَاهَةَ التَّرْكِ إلَى الْبُلُوغِ وَعَنْ الْيَنَابِيعِ وَمَجْمَعِ الْفَتَاوَى عَنْ أَبِي اللَّيْثِ اسْتِحْبَابَهُ عِنْدَ بُلُوغِهِ إلَى سَبْعٍ إلَى عَشْرٍ وَعَنْ الذَّخِيرَةِ قِيلَ
стр. 354
سَبْعُ سِنِينَ وَقِيلَ تِسْعٌ وَقِيلَ عَشْرٌ وَقِيلَ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ بَلْ مُطْلَقُ إطَاقَةِ أَلَمِ الْخِتَانِ وَقِيلَ أَقْصَاهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ وَأَقَلُّهُ قَالَ الْإِمَامِ لَمْ أَعْلَمْ وَلَمْ يَرِدْ عَنْ صَاحِبَيْهِ شَيْءٌ.
(وَ) فِي (دَهْرِ مُنْكِرٍ) كَمَا فِي قَوْلِهِ لَا يُكَلِّمُهُ دَهْرًا، وَأَمَّا الْمُعَرَّفُ فَيُرَادُ الْأَبَدُ نَقَلَ عَنْ الْحَدَّادِيِّ أَنَّ جُمْلَةَ مَا تَوَقَّفَ الْإِمَامُ فِيهِ أَرْبَعَةَ عَشْرَ وَقِيلَ وَعَنْ خِزَانَةِ الْفَتَاوَى تَوَقُّفُهُ ﵀ مِنْ جَلَالَةِ قَدْرِهِ وَعُلُوِّ أَمْرِهِ وَغَايَةِ وَرَعِهِ وَالتَّوَقُّفُ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ مِنْ الْعِلْمِ وَعَنْ الْيَنَابِيعِ أَيْضًا هُوَ مِنْ غَايَةِ مَعْرِفَتِهِ بِالْأَحْكَامِ وَكَمَالِ وَرَعِهِ فِي الدِّينِ وَهَذَا أَيْضًا مِنْ سِيَرِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَلْ بِالْمَلَائِكَةِ كَمَا فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى شَرْحِ الْمُلْتَقَى عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْكَرْمَانِيِّ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَفْضَلِ الْبِقَاعِ فَقَالَ لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ جَبْرَائِيلَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى فَقَالَ خَيْرُ الْبِقَاعِ الْمَسَاجِدُ وَخَيْرُ أَهْلِهَا أَوَّلُهُمْ دُخُولًا وَآخِرُهُمْ خُرُوجًا وَشَرُّ أَهْلِهَا آخِرُهُمْ دُخُولًا وَأَوَّلُهُمْ خُرُوجًا» وَفِي الْحَقَائِقِ أَنَّهُ تَنْبِيهٌ لِكُلِّ مُفْتٍ أَنْ لَا يَسْتَنْكِفَ عَنْ التَّوَقُّفِ فِيمَا لَا وُقُوفَ لَهُ عَلَيْهِ إذْ الْمُجَازَفَةُ افْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَسُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقِيلَ لَهُ أَمَا تَسْتَحْيِي وَأَنْتَ مُفْتِي الْعِرَاقِيِّينَ فَقَالَ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا فَكَيْفَ أَنَا وَحِينَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا أَدْرِي قِيلَ لَهُ تَأْكُلُ كُلَّ يَوْمٍ كَذَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَكَيْفَ تَقُولُ لَا أَدْرِي فَقَالَ أَنَا آكُلُ بِقَدْرِ عِلْمِي وَلَوْ أَكَلْت بِقَدْرِ جَهْلِي مَا كَفَانِي مَالُ الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا وَسُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الْعِيَاضِيُّ عَنْ مَسْأَلَةٍ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقِيلَ لَهُ لَيْسَ الْمِنْبَرُ مَوْضِعَ الْجُهَّالِ فَقَالَ إنَّمَا عَلَوْت بِقَدْرِ عِلْمِي وَلَوْ عَلَوْت بِقَدْرِ جَهْلِي لَعَلَوْت السَّمَاءَ وَسُئِلَ عَالِمٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقَالَ السَّائِلُ لَيْسَ هَذَا مَكَانُ الْجُهَّالِ فَقَالَ الْمَكَانُ لِلَّذِي يَعْلَمُ شَيْئًا وَيَجْهَلُ شَيْئًا أَمَّا الَّذِي يَعْلَمُ وَلَا يَجْهَلُ فَلَا مَكَانَ لَهُ ﷻ .
(وَ) النَّوْعُ الثَّانِي جَهْلٌ (مُرَكَّبٌ) (هُوَ اعْتِقَادٌ غَيْرِ مُطَابِقٍ) لِلْوَاقِعِ كَاعْتِقَادَاتِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْفِرَقِ الْمُخَالَفَةِ قَالَ الْمُحَشِّي هُنَا النَّاسُ أَرْبَعَةٌ رَجُلٌ يَدْرِي وَيَدْرِي أَنَّهُ يَدْرِي فَهَذَا عَالِمٌ فَاتَّبِعُوهُ وَرَجُلٌ يَدْرِي وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ يَدْرِي فَهَذَا نَائِمٌ فَأَيْقِظُوهُ وَرَجُلٌ لَا يَدْرِي وَيَدْرِي أَنَّهُ لَا يَدْرِي فَهَذَا جَاهِلٌ فَعَلِّمُوهُ وَرَجُلٌ لَا يَدْرِي وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ لَا يَدْرِي فَهَذَا أَحْمَقُ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّ هَذَا قَوْلُهُ (وَهُوَ شَرٌّ مِنْ الْأَوَّلِ) لِكَوْنِهِ جَهْلَيْنِ وَالْأَوَّلُ جَهْلٌ وَاحِدٌ (مَرَضٌ مُزْمِنٌ) الَّذِي أَعْيَا الْأَطِبَّاءَ مِنْ دَوَائِهِ (قَلَّمَا يَقْبَلُ الْعِلَاجَ) كَمَا قَالَ عِيسَى ﵊ دَاوَيْت الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأَحْيَيْت الْمَوْتَى، وَأَمَّا الْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ فَقَدْ أَعْيَانِي دَوَاؤُهُ (لِأَنَّ صَاحِبَهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ) أَيْ جَهْلَهُ (عِلْمٌ وَكَمَالٌ لَا جَهْلٌ وَمَرَضٌ
стр. 355
فَلَا يَطْلُبُ إزَالَتَهُ وَعِلَاجَهُ) ؛ لِأَنَّ دَاعِيَ الِاحْتِيَاجِ إلَى الْإِزَالَةِ إنَّمَا هُوَ مَعْرِفَةُ كَوْنِهِ نَقْصًا وَهَذَا يَعْرِفُهُ كَمَالًا (إلَّا أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى فَسَادِهِ بَغْتَةً) فَجْأَةً (بِعِنَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى) لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي انْسِدَادَ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْعِظَةِ وَالتَّذْكِيرِ لِصَاحِبِ هَذَا النَّوْعِ إلَّا أَنْ يُرَادَ الْإِزَالَةُ عَلَى الْيُسْرِ وَالْكَثْرَةِ وَالسُّهُولَةِ.
[النَّوْعُ الثَّانِي كُفْرٌ جُحُودِيٌّ وَعِنَادِيٌّ]
(وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الثَّلَاثَةِ كُفْرٌ جُحُودِيٌّ وَعِنَادِيٌّ)
مِنْ الْمُعَانَدَةِ، وَهِيَ الْمُفَارَقَةُ وَالْمُجَانَبَةُ وَالْمُعَارَضَةُ بِالْخِلَافِ كَالْعِنَادِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ (وَسَبَبُهُ) ثَلَاثَةٌ اسْتِكْبَارٌ وَحُبُّ رِيَاسَةٍ وَخَوْفُ ذَمٍّ الْأَوَّلُ (الِاسْتِكْبَارُ وَسَيَجِيءُ) أَبْحَاثُهُ لِئَلَّا يَقَعَ الْفَصْلُ؛ لِأَنَّ بَحْثَهُ طَوِيلٌ (كَكُفْرِ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ) أَيْ قَوْمِهِ مَعَ رُؤْيَتِهِمْ الْمُعْجِزَاتِ الْكَثِيرَةِ مِنْ مُوسَى ﵊ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ [المؤمنون: ٤٦] عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ ﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦] مُتَكَبِّرِينَ مِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٤٧] مُوسَى وَهَارُونَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ﴿مِثْلِنَا﴾ [المؤمنون: ٤٧] وَفِي اعْتِقَادِهِمْ التَّمَاثُلُ فِي الْبَشَرِيَّةِ مَانِعٌ لِلنُّبُوَّةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ كَالْمَلَكِ وَهَذَا مِنْ غَايَةِ جَهْلِهِمْ فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أُلُوهِيَّةَ فِرْعَوْنَ مَعَ كَوْنِهِ مِثْلَهُمْ ﴿وَقَوْمُهُمَا﴾ [المؤمنون: ٤٧] وَالْحَالُ أَنَّ قَوْمَهُمَا أَيْ بَنِي إسْرَائِيلَ ﴿لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] يَخْدُمُونَ وَيَنْقَادُونَ لِقَهْرِهِمْ وَاسْتِيلَائِهِمْ وَقِيلَ لِعِبَادَتِهِمْ فِرْعَوْنَ عَلَى اعْتِقَادِ أُلُوهِيَّتِهِ (وقَوْله تَعَالَى ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ [النمل: ١٤] أَيْ آيَاتِ اللَّهِ ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا﴾ [النمل: ١٤] تَحَقَّقَتْهَا ﴿أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا﴾ [النمل: ١٤] تَجَاوُزًا عَنْ الْحَدِّ ﴿وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] أَيْ جَحَدُوا بِهَا لِلظُّلْمِ وَالتَّكَبُّرِ عَنْ اتِّبَاعِهِ.
(وَ) الثَّانِي (خَوْفُ عَدَمِ وُصُولِ الرِّيَاسَةِ) الْجَاهِ وَالرِّفْعَةِ (أَوْ) خَوْفُ (زَوَالِهَا كَكُفْرِ هِرَقْلَ) بِكَسْرِ الْهَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْقَافِ عَلَمٌ لَهُ، وَهُوَ صَاحِبُ الرُّومِ وَالشَّامِ وَلَقَبُهُ قَيْصَرُ وَكَذَا كُلٌّ مِنْ مَلِكِ الرُّومِ كَمَلِكِ فَارِسَ يُلَقَّبُ بِكِسْرَى وَالْحَبَشَةِ بِالنَّجَاشِيِّ وَالتُّرْكُ بِخَاقَانَ وَالْقِبْطُ بِفِرْعَوْنَ وَمِصْرُ بِالْعَزِيزِ وَحِمْيَرُ بِتُبَّعَ وَقِصَّتُهُ أَنَّ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ حِينَ أَعْطَى إلَى هِرَقْلَ مَكْتُوبَ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ مِنْ طَرَفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ اتَّفَقَ لَهُ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِ بِلَيْلَةٍ أَنَّهُ نَظَرَ فِي النُّجُومِ فَرَأَى عَلَائِمَ شَأْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَظُهُورِ دِينِهِ وَانْتِشَارِهِ وَنَسْخِهِ لِسَائِرِ الْأَدْيَانِ فَأَصْبَحَ مُضْطَرِبًا وَأَخْبَرَ بِذَلِكَ أَعْيَانَ دَوْلَتِهِ فَبَيْنَمَا هُمْ فِي ذَلِكَ فَحَصُوا وَوَجَدُوا أَبَا سُفْيَانَ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ تُجَّارٍ مِنْ الشَّامِ فَأَحْضَرُوهُ عِنْدَهُ فَسَأَلَهُ عَنْ أَحْوَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ هُوَ مِنْ أَشْرَافِكُمْ وَفُقَرَائِكُمْ وَهَلْ سَبَقَ مِنْ الْغَيْرِ فِيكُمْ دَعْوَى نُبُوَّةٍ وَهَلْ فِي أَجْدَادِهِ مَلِكٌ وَإِمَارَةٌ وَهَلْ أَتْبَاعُهُ أَغْنِيَاءُ أَوْ فُقَرَاءُ وَضُعَفَاءُ وَهَلْ أَمْرُهُ عَلَى التَّزَايُدِ أَوْ التَّنَاقُصِ وَهَلْ يَبْقَى مَنْ يَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ وَهَلْ يَصْدُرُ عَنْهُ غَدْرٌ وَهَلْ يُعْرَفُ بِالْكَذِبِ وَهَلْ الْغَلَبَةُ فِي الْمُحَارَبَةِ وَالْكَثْرَةُ فِي الْغَلَبَةِ مِنْ جَانِبِهِ أَوْ مِنْ مُخَالِفِهِ وَكَذَا وَكَذَا.
فَلَمَّا أَجَابَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَى مَا هُوَ الْوَاقِعُ قَالَ هِرَقْلُ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَمَارَاتِ النُّبُوَّةِ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ غَيْرَةً وَتَكْذِيبًا لَكِنْ صَدَرَ عَنْهُ كَذِبٌ عَجِيبٌ فَأَخْبَرَ أَمْرَ الْمِعْرَاجِ مِنْ إسْرَائِهِ فِي لَيْلَةٍ
стр. 356
مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى يَعْنِي الْقُدْسَ فَإِذَا عِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ خُدَّامِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ أَنَا أَعْلَمُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَأَخْبَرَ بَعْضَ وَقَائِعِهِ فِي الْقُدْسِ أَمَرَ هِرَقْلَ بِقِرَاءَةِ الْمَكْتُوبِ فَبَعْدَ الْقِرَاءَةِ أَظْهَرَ مَا فِي ضَمِيرِهِ مِنْ الْإِيمَانِ لِدِحْيَةَ فَقَالَ أَخَافُ عَلَى نَفْسِي إنْ أَظْهَرْت إيمَانِي لَكِنْ اذْهَبْ بِكِتَابِي إلَى رَاهِبٍ مُعْتَمَدٍ لِلْكُلِّ يُقَالُ لَهُ ضغاطر عَرِيفٌ بِالْعِلْمِ وَالنُّجُومِ عَسَى أَنْ يُؤْمِنَ فَيَقْتَدُوا بِهِ فَذَهَبَ فَلَمَّا رَأَى مَكْتُوبَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَفَ صِدْقَهُ فَآمَنَ وَدَعَا قَوْمَهُ إلَى دِينِهِ فَقَتَلُوهُ فَعَادَ دِحْيَةُ إلَى هِرَقْلَ فَأَخْبَرَ فَقَالَ لَوْلَا خَوْفُ هَذِهِ الْمَعْنَى لَأَظْهَرْت ثُمَّ لَمَّا رَجَعَ إلَى دَارِ سَلْطَنَتِهِ بَلْدَةِ حِمْصَ أَتَاهُ مَكْتُوبٌ مِنْ صَاحِبٍ لَهُ يُمَاثِلُهُ فِي الْعِلْمِ يُخْبِرُ فِيهِ شَأْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نُبُوَّةٍ فَجَمَعَ عُظَمَاءَ الرُّومِ وَعَرَضَ مُتَابَعَتَهُ ﵊ فَأَعْرَضُوا وَنَفَرُوا عَنْهُ فَلِمَا أَيِسَ مِنْ إيمَانِهِمْ رَدَّهُمْ إلَيْهِ وَاعْتَذَرَ إلَيْهِمْ بِأَنَّ مُرَادِي اخْتِبَارُ شِدَّةِ ثَبَاتِكُمْ فِي دِينِكُمْ فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ فَآثَرَ الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ خَوْفَ زَوَالِ رِيَاسَتِهِ
وَيُؤَيِّدُهُ إرْسَالُ غَوْثٍ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ فَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَرْسَلَ كِتَابَ إيمَانِهِ غَزْوَةً فَكَذَّبَ ﵊ إيمَانَهُ فَقَالَ هُوَ عَلَى نَصْرَانِيَّتِهِ وَقِيلَ إنَّهُ تَشَرَّفَ بِالْإِسْلَامِ وَالْأَصَحُّ عَدَمُهُ، وَأَمَّا مَكْتُوبُهُ ﵊ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ الْبُخَارِيِّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوك بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتَك اللَّهُ أَجْرَك مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْت فَإِنَّ عَلَيْك إثْمَ الْأَرِيسِيِّنَ وَ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] وَعَنْ شَرْحِ الْكَرْمَانِيِّ عَنْ النَّوَوِيِّ أَنَّ هَذِهِ الْقِطْعَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى جُمَلٍ مِنْ الْقَوَاعِدِ مِنْهَا اسْتِحْبَابُ تَصْدِيرِ الْكُتُبِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ كَافِرًا وَمِنْهَا سُنِّيَّةُ الِابْتِدَاءِ فِي الْمَكْتُوبِ بِاسْمِ الْكَاتِبِ أَوَّلًا وَلِذَا كَانَ عَادَةُ الْأَصْحَابِ أَنْ يَبْدَءُوا بِأَسْمَائِهِمْ وَرَخَّصَ جَمَاعَةٌ الِابْتِدَاءَ بِالْمَكْتُوبِ إلَيْهِ كَمَا كَتَبَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إلَى مُعَاوِيَةَ مُبْتَدِئًا بِاسْمِ مُعَاوِيَةَ
وَأَنَا أَقُولُ فِيهِ أَيْضًا اسْتِحْبَابُ تَعْظِيمِ الْمُعَظَّمِ عِنْدَ النَّاسِ وَلَوْ كَافِرًا إنْ تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً وَفِيهِ أَيْضًا إيمَاءٌ إلَى طَرِيقِ الرِّفْقِ وَالْمُدَارَاةِ لِأَجْلِ الْمَصْلَحَةِ وَفِيهِ أَيْضًا جَوَازُ السَّلَامِ عَلَى الْكَافِرِ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ كَمَا نُقِلَ عَنْ التَّجْنِيسِ مِنْ جَوَازِهِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ إذًا لَيْسَ لِلتَّوْقِيرِ بَلْ لِلْمَصْلَحَةِ وَلِإِشْعَارِ مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ مِنْ التَّوَدُّدِ وَالِائْتِلَافِ وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَخُصُّ بِالْخِطَابِ فِي السَّلَامِ عَلَى الْكَافِرِ وَلَوْ لِمَصْلَحَةٍ بَلْ يَذْكُرُ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ، وَإِنْ رَأَى السَّلَامَ عَلَى الْكَافِرِ، وَلَكِنْ لَمْ يَرِدْ؛ لِأَنَّهُ فِي الْبَاطِنِ وَالْحَقِيقَةِ لَيْسَ لَهُ بَلْ لِمَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَبَعِيَّةُ هُدًى بَلْ فِيهِ إغْرَاءٌ عَلَى دَلِيلِ اسْتِحْقَاقِ الدُّعَاءِ بِالسَّلَامِ مِنْ تَبِيعَةِ الْهُدَى.
(وَحُبُّ الرِّيَاسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ هُوَ الثَّالِثُ مِنْ أَمْرَاضِ الْقَلْبِ) مِنْ السِّتِّينَ الْمَذْمُومَةِ (وَهِيَ) الرِّيَاسَةُ (مَلِكُ) بِكَسْرِ اللَّامِ (الْقُلُوبِ وَيُسَمَّى) أَيْ حُبُّ الرِّيَاسَةِ (جَاهًا) مِنْ الْوَجَاهَةِ، وَهِيَ الصَّدَارَةُ وَالتَّقَدُّمُ عَلَى الْغَيْرِ (وَشَرَفًا وَصِيتًا) أَيْ الذِّكْرَ الْجَمِيلَ الَّذِي يَنْتَشِرُ فِي النَّاسِ (ت س) التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَالَ مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا» عَلَى صِيغَةِ الْمَفْعُولِ «فِي غَنَمٍ» جِنْسٌ لِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْحَيَوَانِ «بِأَفْسَدَ» أَكْثَرَ فَسَادًا «لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ» أَيْ شِدَّةِ مُحَافَظَتِهِ فِي الْمَذْمُومِ «عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» مُتَعَلِّقٌ بِأَفْسَدَ أَيْ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمَالِ وَالشَّرَفِ يَفْعَلُ فِي دِينِ صَاحِبِهِ مِنْ الْفَسَادِ وَالْهَلَاكِ أَشَدَّ مَا يَفْعَلُهُ الذِّئْبُ فِي غَنَمٍ أُرْسِلَ فِيهَا قَالَ الْمُنَاوِيُّ مَقْصُودُ الْحَدِيثِ الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ أَكْثَرُ فَسَادًا لِلدِّينِ مِنْ إفْسَادِ الذِّئْبَيْنِ لِلْغَنَمِ لِاسْتِدْعَاءِ ذَلِكَ الْعُلُوَّ وَالْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ وَذِكْرُ الذِّئْبَيْنِ لِمُنَاسِبَةِ حِرْصِ الْمَالِ وَحِرْصِ الشَّرَفِ
стр. 357
(هق) الْبَيْهَقِيُّ (عَنْ أَنَسٍ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (أَنَّهُ قَالَ حَسْبُ) بِالسُّكُونِ (امْرِئٍ) أَيْ يَكْفِيهِ (مِنْ الشَّرِّ) لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ (إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ) بِتَوْفِيقِهِ (تَعَالَى) إمَّا بِخَلْقِ مُبَاشَرَةِ الْأَسْبَابِ أَوْ ابْتِدَاءٍ مِنْ الْعَبْدِ (أَنْ يُشِيرَ النَّاسُ إلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ) لِتَفَرُّدِهِ وَعَظَمَتِهِ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ كَمَا هُوَ الْعَادَةُ (فِي دِينِهِ) بِسَبَبِ دِينِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵊ «عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ» (وَدُنْيَاهُ) وَلِذَا كَانَتْ الشُّهْرَةُ آفَةً أَمَّا الدِّينُ فَلِكَوْنِهِ مَنْبَعًا لِنَحْوِ الْعُجْبِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَى الْعَمَلِ وَالرِّيَاءِ وَآلَةً لِجَمْعِ الدُّنْيَا وَقِيلَ إنَّ الشُّهْرَةَ فِيهِ إنَّمَا تَكُونُ بِإِحْدَاثِ بِدْعَةٍ عَظِيمَةٍ فِيهِ خَفَاءٌ، وَأَمَّا الدُّنْيَا فَلِكَوْنِهِ مَنْبَعًا لِنَحْوِ الظُّلْمِ وَالْكِبْرِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الطَّاعَاتِ وَالتَّعَمُّقِ فِي الْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ (دَيْلَم) الدَّيْلَمِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (أَنَّهُ قَالَ ﵊ «حُبُّ الثَّنَاءِ» الْمَدْحِ وَالذِّكْرِ الْجَمِيلِ «مِنْ النَّاسِ يُعْمِي» عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَالرُّشْدِ أَوْ عَنْ النَّظَرِ إلَى مَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ «وَيَصُمُّ» عَنْ اسْتِمَاعِ الْحَقِّ أَوْ عَنْ اسْتِمَاعِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَمِعَ فَلَا يَسْمَعُ قَبَائِحَهُ فَإِذَا غَلَبَ الْحُبُّ عَلَى الْقَلْبِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَادِعٌ مِنْ عَقْلٍ أَوْ دِينٍ أَصَمَّ عَنْ الْعَدْلِ وَأَعْمَى عَنْ الرُّشْدِ فَيَكْرَهُ اسْتِمَاعَ قَبَائِحِهِ لِحِرْصِهِ عَلَى اسْتِمَاعِ مَآثِرِهِ (وَسَبَبُهُ ثَلَاثَةٌ أَحَدُهَا التَّوَسُّلُ بِالْجَاهِ) الَّذِي هُوَ الرِّيَاسَةُ (إلَى مَا حُرِّمَ مِنْ مُشْتَهَيَاتِ النَّفْسِ) كُلُّ مَا تَتَلَهَّى النَّفْسُ بِهِ وَتَشْتَهِي فَإِنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ بِحُبِّ الْمَنَاهِي فَإِنَّهَا إذَا خُلِّيَتْ عَنْ مَوَانِعِهَا وَطَبْعِهَا تُحِبُّ وَتَهْوَى حُرُمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى (وَمُرَادَاتِهَا) كَعَطْفِ تَفْسِيرٍ مِنْ نَحْوِ اسْتِيلَاءِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا وَالتَّرَفُّعِ عَلَى مَنْ دُونَهُ وَإِيقَاعِ الْهَيْبَةِ وَالْخَوْفِ فِي قُلُوبِ النَّاسِ وَالِاسْتِخْدَامِ (وَهَذَا حَرَامٌ) فَإِنَّ كُلَّ مَا يَكُونُ وَسِيلَةً إلَى الْحَرَامِ فَحَرَامٌ (وَثَانِيهَا التَّوَسُّلُ بِهِ إلَى أَخْذِ الْحَقِّ) الَّذِي لَهُ عَلَى الْغَيْرِ إذْ بِالرِّيَاسَةِ يَسْهُلُ ذَلِكَ (وَتَحْصِيلِ الْمَرَامِ) الْمَقْصُودِ الْمَشْرُوعِ (الْمُسْتَحَبِّ) قِيلَ كَالتَّمَكُّنِ بِبَذْلِ الصَّدَقَاتِ وَبُنْيَانِ الْمَسَاجِدِ (أَوْ الْمُبَاحِ) كَأَنْوَاعِ الْمَآكِلِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْمَنَاكِحِ (أَوْ) إلَى (دَفْعِ الظُّلْمِ) مِنْ الظَّالِمِينَ عَلَى الْمَظْلُومِينَ كَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ وَعِلْمٌ بِلَا جَاهٍ كَلَامٌ مُضَيَّعٌ (وَ) دَفْعِ (الشَّوَاغِلِ) الْعَائِقَةِ لَهُ عَنْ الطَّاعَاتِ (وَالتَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ أَوْ إلَى تَنْفِيذِ الْحَقِّ) عِنْدَ الْجَبَابِرَةِ (وَإِعْزَازِ الدِّينِ) الْمُحَمَّدِيِّ (وَإِصْلَاحِ الْخَلْقِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ) فَإِنَّ الرِّيَاسَةَ وَالرِّفْعَةَ تُعِينُ وَتُسَهِّلُ جِنْسَ هَذَا الْمَرَامِ (فَهَذَا إنْ خَلَا) عَرَى (عَنْ الْمَحْظُورِ) الْمَمْنُوعِ شَرْعًا (كَالرِّيَاءِ وَالتَّلْبِيسِ) أَيْ تَلْبِيسِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ (وَتَرْكِ الْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ فَجَائِزٌ بَلْ مُسْتَحَبٌّ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَكُونُ وَسِيلَةً إلَى مَشْرُوعٍ فَمَشْرُوعٌ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى
стр. 358
حِكَايَةً عَنْ الصَّالِحِينَ ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] وَنَحْوُ قَوْلِ سُلَيْمَانَ ﵊ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]- وَمِنْ الْأُصُولِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَنَا شَرِيعَةٌ لَنَا إذَا قَصَّهُ اللَّهُ أَوْ أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ بِلَا نَكِيرٍ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «لَأَنْ أَقْضِيَ يَوْمًا بِحَقٍّ وَعَدْلٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ سَنَةٍ أَغْزُوهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» وَأَيْضًا فِي حَدِيثٍ آخَرَ «عَدْلُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «إنَّ مَا يَزَعُ السُّلْطَانُ أَكْثَرُ مِمَّا يَزَعُ الْقُرْآنُ» (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَخْلُ عَنْ الْمَحْظُورِ (فَلَا) يَجُوزُ فَضْلًا عَنْ الِاسْتِحْبَابِ يَعْنِي إذَا كَانَ نِيَّتُهُ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ حُبِّ الرِّيَاسَةِ الْعِبَادَةَ وَالطَّاعَةَ، وَلَكِنْ لَمْ يَخْلُ عَنْ الْحَظْرِ نَحْوَ الرِّيَاءِ وَمَا ذَكَرَ بَعْدَهُ (لِأَنَّ النِّيَّةَ) الصَّحِيحَةَ (لَا تُؤَثِّرُ فِي) حِلِّ تِلْكَ (الْمُحَرَّمَاتِ وَ) كَذَا إبَاحَةُ (الْمَكْرُوهَاتِ) فَلَا يَحِلُّ تَعَاطِيهَا بِنِيَّةِ الْحِلِّ وَلَا تُبَاحُ بَلْ رُبَّمَا يَغْلُظُ حُكْمُ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ بِضَمِّ نِيَّةِ الْحِلِّ وَالْإِبَاحَةِ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي الطَّاعَاتِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ عَمَلًا وَاحِدًا قَدْ يَكُونُ مَشْرُوعًا بِنِيَّةٍ وَغَيْرَ مَشْرُوعٍ بِأُخْرَى وَدَعْوَى أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِمَا يَكُونُ مُبَاحًا فِي أَصْلِهِ وَالْكَلَامُ فِيمَا يَكُونُ حَرَامًا فِي أَصْلِهِ تَحَكُّمٌ (وَثَالِثُهَا التَّلَذُّذُ بِهِ) بِالْجَاهِ (نَفْسِهِ) تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ وَقِيلَ لِلتَّلَذُّذِ احْتِرَازًا عَنْ التَّلَذُّذِ بِعَوَارِضِهِ اللَّازِمَةِ لَهُ مِنْ قَضَاءِ الْأَغْرَاضِ وَالْمَقَاصِدِ النَّفْسَانِيَّةِ (وَظَنُّهُ كَمَالًا وَهَذَا كَحُبِّ الْمَالِ لِلتَّنَعُّمِ) فِي أَنْوَاعِ الْأَغْرَاضِ النَّفْسَانِيَّةِ (وَالتَّلَذُّذِ بِهِ) لِمُجَرَّدِ هَوَى النَّفْسِ (فَإِنْ خَلَا عَنْ الْمَحْظُورِ) أَيْ الْمَمْنُوعِ نَحْوَ قَصْدِ مُحَرَّمٍ (فَلَيْسَ بِحَرَامٍ، وَلَكِنَّهُ مَذْمُومٌ) فِي رُتْبَةِ الْكَمَالِ لِإِخْلَالِهِ بِهَا (لِكَوْنِ صَاحِبِهِ مَقْصُورًا لَهُمْ) أَيْ الْعَزْمِ وَالْهِمَّةِ (عَلَى مُرَاعَاةِ الْخَلْقِ) يَعْنِي يَقْصُرُ قَصْدَهُ عَلَى مُرَاعَاةِ الْخَلْقِ لِئَلَّا يَتَفَرَّقُوا عَنْهُ وَلِئَلَّا يَذُمُّوهُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ يُحِبُّ ثَنَاءَهُمْ وَيَكْرَهُ ذَمَّهُمْ (وَ) لِخَوْفِ (تَأْدِيَتِهِ) أَيْ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْجَاهِ يَخَافُ أَنْ يُؤَدِّيَ صَاحِبَهُ (إلَى الْمُرَاءَاةِ) مِنْ الرِّيَاءِ وَالْمُدَاهَنَاتِ وَالتَّصَنُّعَاتِ (لِأَجْلِهِمْ) لِأَجْلِ جَلْبِهِمْ وَثَنَائِهِمْ وَلِأَجْلِ نَيْلِهِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ (وَ) لِخَوْفِ (النِّفَاقِ) أَيْ وَلِخَوْفِ تَأْدِيَتِهِ إلَى النِّفَاقِ لِلْخَلْقِ (بِإِظْهَارِ مَا لَيْسَ فِيهِ) أَيْ فِيمَنْ يُحِبُّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْجَاهِ (مِنْ الْكِمَالَاتِ) يَعْنِي يُظْهِرُ هَذَا الرَّجُلُ كَمَالًا، وَهُوَ لَيْسَ فِيهِ (لِاقْتِنَاصِ قُلُوبِهِمْ) أَيْ صَيْدِ قُلُوبِهِمْ وَجَلْبِهِمْ (وَالتَّلْبِيسِ) أَيْ وَلِخَوْفِ تَأْدِيَتِهِ إلَى التَّلْبِيسِ أَيْ تَلْبِيسِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا (وَالْخُدْعَةِ) فُسِّرَ بِإِظْهَارِ خِلَافِ مَا فِي الْبَاطِنِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ هُوَ الْحِيلَةُ وَالْمَكْرُ (وَالْكَذِبِ وَالْعُجْبِ) أَيْ النَّظَرِ لِلنَّفْسِ (وَنَحْوِهَا) مِنْ الْمَحْظُورَاتِ الَّتِي تَصْدُرُ فِيمَنْ يَكُونُ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَا يَخْفَى أَنَّ اللَّازِمَ مِمَّا ذَكَرَ هُوَ الْحُرْمَةُ وَمَطْلُوبُ عَدَمِ الْحُرْمَةِ، فَإِنَّهُ لَا شَكَّ فِي كَوْنِ قَصْرِ الْقَصْدِ إلَى الْخَلْقِ مُعْرِضًا عَنْ الْحَقِّ أَوْ مُسْتَلْزِمًا إيَّاهُ وَمَا فِيهِ خَوْفُ الْحُرْمَةِ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْحُرُمَاتِ تَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ، وَأَنَّهُ مَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ إلَّا وَيَغْلِبُ الْحَرَامُ وَقَدْ قُرِّرَ تَرْجِيحُ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَأَنَّهُ قَدْ يُرَجَّحُ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ إلَّا أَنْ يُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ فِي مَطْلُوبٍ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ أَيْ قَطْعِيٍّ، وَيُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ، وَلَكِنَّهُ مَذْمُومٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَلَوْ تَحْرِيمًا لَكِنَّ الْمُتَبَادِرَ دُخُولُهُ فِي الْأَوَّلِ تَأَمَّلْ (وَعِلَاجُهُ) يَعْنِي إذَا كَانَ هَذَا النَّوْعُ مَذْمُومًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَاجٍ فَعِلَاجُهُ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ عَدَمُ ذِكْرِ عِلَاجِ الْأَوَّلِ مَعَ أَنَّهُ أَهَمُّ مِنْ هَذَا، وَلَوْ أُرِيدَ
стр. 359
مِنْ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ مُطْلَقُ حُبِّ الرِّيَاسَةِ لَأَشْكَلَ بِالثَّانِي إذْ هُوَ فِي نَفْسِهِ جَائِزٌ بَلْ مُسْتَحَبٌّ إذْ الْأَصْلُ وَالْمُتَبَادِرُ فِي النَّظَرِ هُوَ الذَّاتُ لَا الْعَوَارِضُ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّغْلِيبِ أَوْ ادَّعَى اعْتِبَارَ الْوَصْفِ الْمَذْمُومِ وَلَوْ بَعِيدًا أَوْ يُرَادُ مِنْ الْمَرْجِعِ مُطْلَقُ مَا يَكُونُ مَحْظُورًا مِنْ حُبِّ الرِّيَاسَةِ (أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَمَالٍ حَقِيقِيٍّ) بَلْ صُورِيٍّ وَمُسْتَعَارٍ مَجَازِيٍّ لِسُرْعَةِ زَوَالِهِ وَلِكَوْنِهِ مَشُوبًا بِالْكَدُورَاتِ وَالْعَوَائِقِ (لِفِنَائِهِ وَكَدُورَاتِهِ) فَإِنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ وَأَبْقَى وَإِنَّ الْبَاقِيَاتِ هِيَ الصَّالِحَاتُ (وَمَعْرِفَةُ) عَطْفٌ عَلَى أَنْ يَعْلَمَ أَيْ عِلَاجُهُ مَعْرِفَةُ (غَوَائِلِهِ الْمَذْكُورَةِ) فِي جَمِيعِ الثَّلَاثَةِ فَتَأَمَّلْ وَأَيْضًا مَا فُهِمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ (وَأَنْ يَعْمَلَ مَا يُسْقِطُ الْجَاهَ مِنْ قُلُوبِ الْخَلْقِ مِنْ الْأُمُورِ الْخَسِيسَةِ) الدَّنِيئَةِ عُرْفًا لَا شَرْعًا (الْمُبَاحَةِ) لِيَسْتَتِرَ بِهَا عَنْ عُيُونِ النَّاسِ فَيَسْلَمَ مِنْ إقْبَالِهِمْ عَلَيْهِ (كَمَا رُوِيَ أَنَّ بَعْضَ الْمُلُوكِ قَصَدَ) زِيَارَةَ (بَعْضِ الزُّهَّادِ فَلَمَّا عَلِمَ) الزَّاهِدُ (بِقُرْبِهِ مِنْهُ اسْتَدْعَى طَعَامًا وَبَقْلًا وَأَخَذَ يَأْكُلُ بِشَرَهٍ) قُوَّةِ حِرْصٍ (وَيُعَظِّمُ اللُّقْمَةَ فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْمَلِكُ سَقَطَ مِنْ عَيْنِهِ وَانْصَرَفَ) الْمَلِكُ عَنْهُ (فَقَالَ الزَّاهِدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَرَفَك عَنِّي) إمَّا بِلِسَانِهِ فِي غِيَابِهِ أَوْ بِقَلْبِهِ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا الصَّنِيعِ فِي الْأَكْلِ لَيْسَ بِمُنَاسِبٍ لِأَرْبَابِ الزُّهْدِ بَلْ صُنْعُهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ لَا يَخْفَى أَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنْ أَمْثَالِ هَذَا إنَّمَا هُوَ شَأْنُ الْعَوَامّ فَإِنَّ الْخَاصَّ الْعَارِفَ لَا يُغَيِّرُ اعْتِقَادَهُ بِمُطْلَقِ الْمُبَاحَاتِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ الْكَلَامِيَّةِ مِنْ الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ يَرْتَكِبُونَ الْمَحْظُورَاتِ الشَّرْعِيَّةِ لِتَنْفِيرِ الْخَلْقِ عَنْهُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فِي الشَّرْعِ وَأَيْضًا لَيْسَ هَذَا وُقُوعًا فِي التُّهَمِ الَّتِي أُمِرْنَا بِتَجَنُّبِهَا لِقَوْلِهِ ﵊ «اتَّقُوا مَوَاضِعَ التُّهَمِ» فَإِنْ قِيلَ إنَّ الْكَامِلَ لَا تُغَيِّرُ رِيَاسَتُهُ كَمَالَهُ بَلْ تَزِيدُهُ بِتَرْوِيجِ مَقَالِهِ فِي أَبْوَابِ الْمَشْرُوعَاتِ وَزَجْرِ الْمُنْهَيَاتِ بِالْمَوَاعِظِ الْحَسَنَةِ وَالْوَصَايَا الْمُسْتَحْسَنَةِ بَلْ هُوَ طَرِيقُ الْأَنْبِيَاءِ فَمَا وَجْهُ التَّسَتُّرِ فَإِنَّ الْمَلِكَ الْمَذْكُورَ مَثَلًا لَا يَخْلُو عَنْ مَنْفَعَةٍ دِينِيَّةٍ عِنْدَ صُحْبَتِهِ بِذَلِكَ الزَّاهِدِ مِنْ نَحْوِ اسْتِمَاعِ نُصْحِهِ وَائْتِمَارِ أَمْرِهِ وَرَجَاءِ مَظْلُومٍ وَتَخْلِيصِ مَلْهُوفٍ وَالْأَخْذِ مِنْ سِيرَتِهِ وَأَخْلَاقِهِ وَلَا أَقَلَّ مِنْ النَّظَرِ إلَى وَجْهِهِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَفْضَلِ الطَّاعَاتِ وَثَوَابِ الزِّيَارَةِ قُلْنَا لَعَلَّ هَذَا مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ التَّشَبُّثَ بِالْأَفْضَلِ وَأَنَّ مِثْلَهُ، وَإِنْ كَانَ اسْتِكْمَالًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الزَّائِرِ لَكِنَّهُ قَدْ يَكُونُ نَقْصًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَزُورِ كَمَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا تَسْكُنُ فِي بَلْدَةٍ وَأَهَالِيُهَا يَتَكَامَلُونَ بِك وَأَنْتَ مُنْتَقِصٌ بِهِمْ وَقَدْ قِيلَ أَيْضًا إيَّاكَ وَكَثْرَةَ الْإِخْوَانِ وَضَرَرُهُمْ الْأَقَلُّ أَنَّهُمْ يَسْرِقُونَ وَقْتَك بِزِيَارَتِهِمْ الَّذِي لَمْ يُعْطَ لَك شَيْءٌ أَعَزُّ مِنْهُ فَإِنَّهُ رَأْسُ مَالِ بِضَاعَتِك؛ لِأَنَّك إنَّمَا تَنَالُ بِهِ مَا يُنَالُ مِنْ الْقُرْبِ الْإِلَهِيِّ وَلِهَذَا كَانَ عَادَةُ الْمَشَايِخِ التَّوَحُّشَ عَنْ النَّاسِ وَالْعُزْلَةَ عَنْهُمْ وَهَذَا مَضْمُونُ مَا قَالَ (وَأَقْوَى الطُّرُقِ فِي قَطْعِ الْجَاهِ) وَإِزَالَتِهِ (الِاعْتِزَالُ عَنْ النَّاسِ) وَالنَّفْرَةُ مِنْهُمْ (إلَى مَوْضِعِ الْخُمُولِ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ سُقُوطُ النَّبَاهَةِ وَعَدَمُ الذِّكْرِ وَانْصِرَافُ شُهْرَتِهِ كَالْقُرَى الْبَعِيدَةِ وَرُءُوسِ الْجِبَالِ وَالْقَنَاعَةِ بِالْقَلِيلِ كَالنَّبَاتِ وَالثِّمَارِ وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَنْ يُلَازِمَ بَيْتَهُ فَلَا يَخْرُجُ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَالْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْحَاكِمِ فِي مُسْتَدْرَكِهِ «إذَا رَأَيْت النَّاسَ قَدْ مَرَجَتْ عُهُودَهُمْ وَخَفَّتْ أَمَانَاتِهِمْ وَكَانُوا هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَنَامِلِهِ فَالْزَمْ بَيْتَك وَامْلِكْ عَلَيْك لِسَانَك وَخُذْ مَا تَعْرِفُ وَدَعْ مَا تُنْكِرُ وَعَلَيْك بِخَاصَّةِ أَمْرِ نَفْسِك وَدَعْ عَنْك أَمْرَ الْعَامَّةِ كَمَا يُقَالُ هَذَا الزَّمَانُ زَمَانُ السُّكُوتِ وَلُزُومُ الْبُيُوتِ وَالْقَنَاعَةُ بِأَقَلِّ الْقُوتِ» (وَأَمَّا الْجَاهُ فَلَا حُبَّ لَهُ وَلَا حِرْصَ عَلَيْهِ) لَا مُطْلَقًا بَلْ مِنْ حَيْثُ جَعَلَهُ آلَةً لِغَيْرِ الْمَمْدُوحِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (لِلَّذَّةِ الْعَاجِلَةِ) دُونَ لَذَّةِ الْآخِرَةِ هَكَذَا فِي النُّسَخِ الظَّاهِرِ لِلَّذَّةِ الْعَاجِلَةِ فَاللَّامُ
стр. 360
التَّعْرِيفِ (فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ) شَرْعًا وَعَقْلًا بَلْ مَمْدُوحٍ كَيْفَ لَا وَإِنَّ عَمَلَهُمْ فِي سَاعَةٍ يُعَادِلُ بَلْ يَفُوقُ عَلَى عَمَلِ غَيْرِهِمْ فِي السِّنِينَ وَالْأَيَّامِ كَمَا فِي الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْإِمَامُ الْعَادِلُ أَعْلَى النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالْجَائِرِ أَخَسُّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَوْنُهُ مِنْ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ قَالَ شُرَّاحُ هَذَا الْحَدِيثِ قَدَّمَ الْإِمَامَ الْعَادِلَ لِعُمُومِ نَفْعِهِ وَتَعَدِّيهِ (فَأَيُّ جَاهٍ أَعْظَمُ مِنْ جَاهِ الْأَنْبِيَاءِ) - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (وَ) جَاهِ (الْخُلَفَاءِ) الْأَرْبَعَةِ (الرَّاشِدِينَ) الْمَهْدِيِّينَ الَّذِينَ قَضَوْا بِالْحَقِّ وَبِهِ كَانُوا يَعْدِلُونَ وَلَا مَقَامَ أَرْفَعُ مِنْ مَقَامَاتِهِمْ وَلَا جَاهَ أَعْظَمُ مِنْ جَاهَاتِهِمْ وَلَا حِرْصٌ وَلَا حُبٌّ لَهُمْ بِذَلِكَ وَمَا رُوِيَ مِنْ طَلَبِ بَعْضِهِمْ إنْ صَحَّ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ فَضْلِهِ الْأُخْرَوِيِّ.
(وَالسَّبَبُ الثَّالِثُ لِلْكُفْرِ الْجُحُودِيِّ خَوْفُ الذَّمِّ) مِنْ النَّاسِ (وَالتَّعْيِيرِ) مِنْ الْعَارِ يَعْنِي أَنَّ سَبَبَ الْكُفْرِ عِنَادًا قَدْ يَكُونُ خَوْفَ ذَمِّ النَّاسِ وَتَعْيِيرِهِمْ (كَكُفْرِ أَبِي طَالِبٍ) هُوَ أَبُو الْإِمَامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَعَمُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ مَعَ حُصُولِ الْمَعْرِفَةِ لَهُ بِنُبُوَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُؤْمِنْ لِخَوْفِ ذَمِّ النَّاسِ وَتَعْيِيرِهِمْ إذْ رُوِيَ «أَنَّهُ لَمَّا اُحْتُضِرَ أَبُو طَالِبٍ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ يَا عَمِّ قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ بِهَا لَك عِنْدَ اللَّهِ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي قَدْ عَلِمْت أَنَّك لَصَادِقٌ، وَلَكِنْ أَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ جَزَعَ عِنْدَ الْمَوْتِ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى - ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] » - كَمَا نُقِلَ عَنْ الْبَيْضَاوِيِّ وَفِي رِوَايَةٍ «جُمِعَ صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ عِنْدَ أَبِي طَالِبٍ حِينَ أَيِسُوا مِنْ حَيَاتِهِ فَقَالُوا نَحْنُ مُعْتَرِفُونَ بِرِيَاسَتِك وَلَمْ يَكُنْ لَنَا مُخَالَفَةٌ فِي أَمْرٍ مَا لَكِنَّا نَخَافُ بَقَاءَ الْخُصُومَةِ مَعَ مُحَمَّدٍ ﵊ بَعْدَك فَانْصَحْ لَهُ لَا يَتَعَرَّضُ لِدِينِنَا فَدَعَا أَبُو طَالِبٍ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَلَّغَهُ مَا قَالُوا فَلَمْ يُفِدْ ثُمَّ قَالَ أَبُو طَالِبٍ بِكَلَامٍ فَهِمَ مِنْهُ ﵊ مَيْلَهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَدَعَاهُ إلَى الْإِيمَانِ فَقَالَ لَوْ لَمْ يَكُنْ خَوْفُ طَعْنِ الْخَلْقِ لَآمَنْت بِك وَطَيَّبْتُكَ وَقِيلَ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَتَكَلَّمُ لِسَانُهُ شَيْئًا، وَلَكِنْ لَا يُفْهَمُ لِضَعْفِهِ فَقَرُبَ إلَيْهِ عَبَّاسٌ فَقَالَ آمَنُ بِك» وَعَنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ أَيْضًا كَذَلِكَ وَبِالْجُمْلَةِ اُخْتُلِفَ فِي إيمَانِهِ قِيلَ نَعَمْ وَقِيلَ لَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَاتَ أَبُو طَالِبٍ عَلَى الْكُفْرِ وَيُؤَيِّدُهُ «قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِرَسُولِ اللَّهِ ﵊ إنَّ عَمَّك الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ فَقَالَ اغْسِلْ فَكَفِّنْ فَادْفِنْ فَلْنَدْعُ لَهُ اللَّهَ تَعَالَى إلَى أَنْ نُمْنَعَ» وَيُرْوَى أَنَّهُ ﵊ اجْتَهَدَ لِدُعَائِهِ أَيَّامًا وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَنْزِلِهِ وَوَقَفَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فَدَعَوْا لِأَقْرِبَائِهِمْ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى
стр. 361
- ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣]- الْآيَةَ وَقَدْ سَبَقَ حَدِيثُ ضَحْضَاحِ النَّارِ وَأَيْضًا حَدِيثُ: «أَهْوَنُ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَبُو طَالِبٍ لَهُ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» وَيُرْوَى أَنَّهُ جُمِعَ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ فَأَوْصَى بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِعَانَةِ الضُّعَفَاءِ وَإِعْطَاءِ السَّائِلِينَ وَصِدْقِ الْأَحَادِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَاتِ ثُمَّ أَوْصَى بِمُتَابَعَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ أَمِينُ الْعَرَبِ وَصَادِقُ الْقَوْلِ وَأَنَّ مَا ادَّعَاهُ يَقْبَلُهُ الْعَقْلُ وَيَشْهَدُهُ اللِّسَانُ وَاعْتِقَادِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يُؤْمِنُ بِهِ بِلَادُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَتُسْلِمُ إلَيْهِ وَيَكُونُ حَلُّ الْعَالَمِ وَعَقْدُهُ فِي تَصَرُّفِهِ يَا بَنِي هَاشِمٍ تَقَرَّبُوا إلَيْهِ وَأَعِينُوا بِأَنْفُسِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدَهُ أَشْرَافُ قُرَيْشٍ وَلَمْ يُخْلُوهُ خَوْفًا مِنْ إيمَانِهِ وَقَالَ يَا عَمَّاهُ جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا حَمَيْتنِي فِي صِغَرِي وَكِبَرِي وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْك قُصُورٌ فِي رِعَايَتِي فَغَايَةُ رَجَائِي مِنْك إيمَانُك لِيُكَافِئَ خِدْمَتَك فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ أَعْلَمُ إشْفَاقَك إيَّايَ لَكِنْ أَخَافُ إنْ مِتُّ عَلَى الْإِيمَانِ مِنْ أَنْ يُتْعِبُوك لِأَجْلِ إيمَانِي فَلَوْلَا هَذَا لَجَعَلْتُك مَسْرُورًا بِهَذَا فَقَرَأَ أَبْيَاتًا مَضْمُونُهَا كَلَامُك حَقٌّ وَأَنْتَ أَمِينٌ فَلَمَّا سَمِعَتْهَا قُرَيْشٌ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَأَلَحُّوا بِعَدَمِ تَرْكِ دِينِ آبَائِهِ فَبِالْآخِرَةِ قَالَ لَا أَتْرُكُ دِينَ أَجْدَادِي فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا عَمَّاهُ أَنْتَ تُوصِي قَوْمَك بِإِيمَانِي وَلَا تُؤْمِنُ فَقَالَ لَوْ كُنْت فِي صِحَّةٍ لَآمَنْتُ بِك لَكِنْ أَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ خَافَ مِنْ الْمَوْتِ (وَهُوَ) أَيْ خَوْفُ الذَّمِّ وَالتَّعْيِيرِ السَّبَبُ.
[الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْقَلْبِ حُبُّ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ]
(الرَّابِعُ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْقَلْبِ وَالْخَامِسُ)
مِنْ الذَّمِيمَةِ السِّتِّينَ (حُبُّ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ وَهُمَا) أَيْ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ يَعْنِي خَوْفَ الذَّمِّ وَحُبَّ الْمَدْحِ (كَحُبِّ الرِّيَاسَةِ) الَّذِي سَبَقَ (سَبَبًا) بِالْمَدْحِ إلَى مُشْتَهَيَاتِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالتَّوَسُّلِ إلَى أَخْذِ حَقِّهِ وَالتَّلَذُّذِ بِهِ عَلَى ظَنِّ الْكَمَالِ (وَحُكْمًا) مِنْ الْحُرْمَةِ وَالِاسْتِحْبَابِ وَالْمَذْمُومَةِ (وَعِلَاجًا) مَنْ عَلِمَ عَدَمَ كَوْنِهِ كَمَالًا حَقِيقَةً لِفِنَائِهِ بَلْ هُوَ أَمْرٌ وَهْمِيٌّ سَرِيعُ الزَّوَالِ وَعَمَلُ مَا يُسْقِطُ الْمَدْحَ مِنْ أَلْسُنِ النَّاسِ (غَيْرَ أَنَّ السَّبَبَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ) فِي حُبِّ الْجَاهِ وَهُمَا التَّوَسُّلُ إلَى مَا حَرَّمَ وَإِلَى أَخْذِ الْحَقِّ وَنَحْوِهِ (فِي الْأَوَّلِ) فِي خَوْفِ الذَّمِّ وَالتَّعْيِيرِ خَوْفٌ (عَدَمُ التَّوَسُّلِ) إلَى مَا حَرَّمَ مِنْ الْمُشْتَهَيَاتِ أَوْ خَوْفُ عَدَمِهِ إلَى أَخْذِ الْحَقِّ وَنَحْوِهِ.
(وَالثَّالِثُ) فِي حُبِّ الْجَاهِ، وَهُوَ التَّلَذُّذُ بِهِ نَفْسِهِ هُوَ التَّأَلُّمُ بِالشُّعُورِ الْمَذْكُورِ فِي خَوْفِ الذَّمِّ (التَّأَلُّمُ بِشُعُورِ النُّقْصَانِ وَعَدَمِ مِلْكِ الْقُلُوبِ وَالْحِشْمَةِ) أَيْ التَّعْظِيمِ (فِيهَا) أَيْ الْقُلُوبِ (وَعِلَاجُهُ) عِلَاجُ زَوَالِ خَوْفِ الذَّمِّ (أَنْ تُحْضِرَ) أَنْتَ فِي (قَلْبِك) أَيْ تَخْطِرَ بِبَالِك وَتَقُولَ فِي نَفْسِك (إنَّ الذَّامَّ) مَنْ يَذُمُّنِي (إنْ كَانَ صَادِقًا) فِي ذَمِّهِ بِأَنْ صَدَرَ عَنْهُ مَا يُذَمُّ بِهِ (فَقَدْ عَرَّفَنِي) الظَّاهِرُ مِنْ التَّعْرِيفِ يَعْنِي عَرَّفَنِي مَا لَمْ أَعْرِفْهُ مِنْ حَالِ نَفْسِي فَهَذَا عِنْدَ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُمْكِنُ عَدَمُ الْعِلْمِ فِيمَا صَدَرَ عَنْهُ، وَهُوَ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ مَسْبُوقٌ بِالْقَصْدِ وَالِاخْتِيَارِ وَذَا عَلَى وَفْقِ الْعِلْمِ قُلْنَا يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ الْعِلْمُ عَلَى عِلْمِهِ وَأَنْ لَا يَعْلَمَ كَوْنَ مَا صَدَرَ عَنْهُ مَذَمَّةً بِاعْتِقَادِهِ حَسَنًا (وَذَكَّرَنِي) مَا نَسِيته مِنْ حَالِ نَفْسِي فَهَذَا فِي صُورَةِ الْمَعْرِفَةِ الَّتِي عَرَضَ عَلَيْهَا الْغَفْلَةَ (وَنَبَّهَنِي) مِنْ سِنَةِ الْغَفْلَةِ (عَلَى عَيْبِي) الَّذِي ذَهِلْت عَنْهُ؛ لِأَنَّ حُبَّ الشَّيْءِ يُعْمِي وَيُصِمُّ (فَإِنْ كَانَ مُمْكِنَ الزَّوَالِ)
стр. 362
كَالْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ نَحْوِ الْكِبْرِ وَالرِّيَاءِ وَالْحَسَدِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَتَرْكِ الصَّلَاةِ وَظُلْمِ الْعِبَادِ (فَاجْتَهَدَ فِي إزَالَتِهِ فَهُوَ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ التَّعْرِيفِ وَالتَّذْكِيرِ (نِعْمَةٌ) نَبَّهَك عَلَى عَيْبِك أَخُوك؛ لِأَنَّ ثَمَرَتَهَا حَسَنَةٌ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَخُصَّ مَا يُذَمُّ بِهِ بِمَا هُوَ مَذَمَّةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَفِي الشَّرْعِ دُونَ مَا هُوَ فِي الِاعْتِقَادِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَكُونُ الْمَذَمَّةُ اعْتِقَادًا مِمَّا يَمْتَنِعُ إزَالَتُهُ شَرْعًا (تُوجِبُ الْفَرَحَ بِهَا وَالْحُبَّ) لِذَلِكَ الذَّامِّ (وَالثَّنَاءَ وَالْمُكَافَأَةَ) بِالْجَمِيلِ كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ إنَّ فُلَانًا اغْتَابَك فَبَعَثَ إلَيْهِ طَبَقَ حَلْوَى وَقَالَ بَلَغَنِي أَنَّك أَهْدَيْت إلَيَّ حَسَنَاتِك فَكَافَأْتُك وَكَذَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ فُلَانٌ يَغْتَابُك فَأَرْسَلَ إلَيْهِ دَنَانِيرَ فَقَالَ لَوْ يُعْطِينَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَنُكْثِرُ أَنْ نُعْطِيَهُ مِنْ الدُّنْيَا (لِمُعْطِيهَا) أَيْ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَهُوَ الذَّامُّ (وَلَوْ أَرَادَ) الذَّامُّ (قَدْحِي وَطَعْنِي إذْ نِيَّتُهُ) أَيْ الذَّامِّ (لَا تُؤَثِّرُ فِيهَا) أَيْ فِي كَوْنِ تِلْكَ النِّعْمَةِ نِعْمَةً يَعْنِي لَا تُغَيِّرُهَا عَنْ كَوْنِهَا نِعْمَةً لِي (وَلَا تُخْرِجُهَا مِنْ أَنْ تَنْفَعَ لِي) وَكَوْنُهَا نِعْمَةً إنَّمَا تَدُورُ عَلَى النَّفْعِ وَكَمَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ مَنْ يُعَرِّفُنِي إنْ مَادِحًا فَأَقُولُ هَذَا وَلِيٌّ مَا رَآنِي إلَّا بِصُورَتِهِ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرَانِي وَلِيًّا مِنْ أَوْلِيَائِهِ، وَإِنْ ذَامًّا فَأَقُولُ هَذَا رَجُلٌ قَدْ كَشَفَ اللَّهُ لَهُ عَنْ عَيْبِي وَلَا يُكَاشِفُ الْأُولَى وَهَذَا رَجُلٌ يُسَمِّنِي بِمَا يُنْسَبُ إلَيَّ وَيَذْكُرُ حَتَّى نَتَحَفَّظَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ فَمَا يَنْصَحُ عِبَادَ اللَّهِ إلَّا وَلِيٌّ هَذَا كَانَ اعْتِقَادُهُ فِي الْخَلْقِ كُلِّهِمْ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ مَا ذَكَرَ مِنْ الْحُبِّ وَالثَّنَاءِ يَقْتَضِي الرِّضَا وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ الذَّمَّ مَعْصِيَةٌ وَالرِّضَا بِالْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ كَمَا أَنَّ الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ وَكَوْنُ الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ الشَّخْصِيِّ الْجُزْئِيِّ مَعْصِيَةً وَطَاعَةً مَعًا مُمْتَنِعٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ يَتَّصِفُ بِالْأُمُورِ الْمُتَقَابِلَةِ بِالِاعْتِبَارَاتِ الْمُتَقَابِلَةِ فَمِنْ حَيْثُ صُدُورُهُ عَنْ الذَّامِّ قَبِيحٌ وَمِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِالْمَذْمُومِ حَسَنٌ كَمَا أَنَّ الْمَعَاصِيَ مِنْ حَيْثُ خَلْقُهُ تَعَالَى لَيْسَ بِقَبِيحٍ وَمِنْ حَيْثُ كَسْبُ الْعَبْدِ قَبِيحٌ (بَلْ تَزِيدُ) تِلْكَ النِّيَّةُ الْفَاسِدَةُ نِعْمَةً أُخْرَى أَوْ تِلْكَ النِّعْمَةَ عَلَى نَفْعِي (لِصَيْرُورَةِ ذَمِّهِ حِينَئِذٍ) حِينَ إذْ أَرَادَ قَدْحِي وَطَعْنِي (لَمْزًا) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ اعْتِيَادُ الطَّعْنِ فِي الْأَعْرَاضِ، وَقِيلَ الطَّعْنُ فِي وَجْهِ الْمَطْعُونِ وَقِيلَ بِاللِّسَانِ وَبِالْعَيْنِ وَالْحَاجِبِ وَقِيلَ اسْتِهْزَاءٌ عَلَيَّ وَسُخْرِيَةٌ لِي وَقَوْلُهُ (أَوْ غِيبَةً) يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ مَا فِي وَجْهِ الْمَطْعُونِ (فَيَكُونُ) الظَّاهِرُ أَنَّ التَّفْرِيعَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْغِيبَةِ فَقَطْ (مُهْدِيًا) مِنْ الْإِهْدَاءِ (إلَيَّ بَعْضَ حَسَنَاتِهِ) إنْ كَانَتْ كَثِيرَةً وَالْغِيبَةُ قَلِيلَةٌ وَإِلَّا فَيَكُونُ الْإِهْدَاءُ بِجَمِيعِ حَسَنَاتِهِ هَذَا إنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَةٌ كَمَا رُوِيَ أَنَّ مَنْ اغْتَابَ غَيْرَهُ مِنْ النَّاسِ ذَهَبَتْ حَسَنَاتُهُ إلَى صَحَائِفِ ذَلِكَ حَتَّى لَا تَبْقَى لَهُ حَسَنَةٌ ثُمَّ تُكْتَبُ سَيِّئَاتُ الْغَيْرِ فِي صَحِيفَتِهِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ (أَوْ مُنْقِذًا لِي) مِنْ الْإِنْقَاذِ أَيْ مُخَلِّصًا وَمُنْجِيًا (مِنْ بَعْضِ ذُنُوبِي) وَفِي الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ مَثَلُ الَّذِي يَغْتَابُ النَّاسَ كَمَثَلِ مَنْ نَصَبَ مَنْجَنِيقًا يَرْمِي بِهِ حَسَنَاتِهِ شَرْقًا وَغَرْبًا فَيَغْتَابُ وَاحِدًا خُرَاسَانِيًّا وَآخَرَ حِجَازِيًّا وَآخَرَ تُرْكِيًّا فَيُفَرِّقُ حَسَنَاتِهِ فَيَقُومُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ، وَقِيلَ يُؤْتَى الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابُهُ وَلَا يَرَى فِيهِ حَسَنَةً فَيَقُولُ أَيْنَ صَلَاتِي وَصِيَامِي وَطَاعَتِي فَيُقَالُ ذَهَبَ
стр. 363
عَمَلُك كُلُّهُ بِاغْتِيَابِك لِلنَّاسِ وَقِيلَ مَنْ اُغْتِيبَ بِغِيبَةٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ نِصْفَ ذُنُوبِهِ وَقِيلَ يُعْطَى الرَّجُلُ كِتَابَهُ فَيَرَى فِيهِ حَسَنَاتٍ لَمْ يَعْمَلْهَا فَيُقَالُ هَذَا بِمَا اغْتَابَك النَّاسُ وَأَنْتَ لَا تَشْعُرُ وَذُكِرَتْ الْغِيبَةُ عِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ فَقَالَ: لَوْ كُنْت مُغْتَابًا لَاغْتَبْت وَالِدِيَّ؛ لِأَنَّهُمَا أَحَقُّ بِحَسَنَاتِي (فَتَتَضَاعَفُ) أَيْ تَتَزَايَدُ (النِّعْمَةُ) لِإِهْدَائِهِ بَعْضَ حَسَنَاتِهِ وَلِإِنْقَاذِهِ مِنْ بَعْضِ سَيِّئَاتِهِ فَصَارَتْ نِعْمَةً أُخْرَى فَوْقَ الْأُولَى مِنْ نَحْوِ التَّنْبِيهِ عَلَى الْعَيْبِ يَشْكُلُ بِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمَذْمُومِ حَقٌّ عَلَى الذَّامِّ يُوجِبُ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بَلْ يُؤَاخَذُ فِي الْآخِرَةِ قَطْعًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُؤَاخَذَ فِي الدُّنْيَا تَعْزِيرًا وَتَأْدِيبًا وَلَا يَبْعُدَانِ ذَلِكَ مُتَرَتِّبٌ عَلَى صَبْرِهِ عَلَى ذَمِّهِ وَأَذَاهُ وَعَفْوِهِ وَمَا ذَكَرَ عَلَى عَدَمِ صَبْرِهِ وَعَدَمِ عَفْوِهِ وَمِنْ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ كَثْرَةُ فَضْلِ الْعَفْوِ عَلَى أَخْذِ الْحَقِّ فِي مِثْلِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(فَأَيْنَ الْأَلَمُ) إذْ شَأْنُ مِثْلِ هَذِهِ النِّعْمَةِ إيجَابُ السُّرُورِ لَا الْأَلَمِ فَحَاصِلُ هَذَا الْعِلَاجِ أَنَّ الذَّمَّ لَا يَخْلُو عَنْ التَّذْكِيرِ وَالتَّنْبِيهِ وَإِهْدَاءِ الْحَسَنَاتِ وَتَحَمُّلِ السَّيِّئَاتِ وَمَا شَأْنُهُ كَذَا لَا يُوجِبُ الْأَلَمَ الَّذِي يَخَافُ مِنْهُ (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ زَوَالُهُ) أَيْ زَوَالُ الْعَيْبِ كَالْعَمَى وَالْغَبَاوَةِ وَالْقُبْحِ (يَحْصُلُ لِي النِّعْمَةُ الثَّانِيَةُ) هِيَ النِّعْمَةُ الْقَوِيَّةُ مِنْ إهْدَاءِ الْحَسَنَاتِ أَوْ إنْقَاذِ السَّيِّئَاتِ، وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ الْأُولَى مِنْ التَّعْرِيفِ أَوْ التَّذْكِيرِ أَوْ التَّنْبِيهِ (وَإِنْ كَانَ) الذَّامُّ (كَاذِبًا) فِي ذَمِّهِ (فَقَدْ بَهَتَنِي) مِنْ الْبُهْتَانِ هُوَ الْقَذْفُ الْبَاطِلُ وَالِافْتِرَاءُ بِالْكَذِبِ وَعَنْ الْجَوْهَرِيِّ بَهَتَهُ إذَا قَالَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ (وَأَضَرَّ نَفْسَهُ) بِمَا أَتَى بِهِ فِي حَقِّي (وَحَصَلَ لِي النِّعْمَةُ الثَّانِيَةُ) إهْدَاءُ الْحَسَنَاتِ، وَإِنْقَاذُ السَّيِّئَاتِ (أَكْثَرُ) فِي الْإِهْدَاءِ (وَأَعْظَمُ) فِي الْإِنْقَاذِ (مِنْ الْأَوَّلِ) أَيْ الْغِيبَةِ؛ لِأَنَّ الْبُهْتَانَ أَشَدُّ مِنْ الْغِيبَةِ وَقِيلَ هُوَ كَوْنُهُ صَادِقًا وَقِيلَ هُوَ التَّعْرِيفُ وَالتَّذْكِيرُ فَافْهَمْ (فَالْأَلَمُ مِنْ الذَّمِّ) مُطْلَقًا مُمْكِنُ الزَّوَالِ أَوَّلًا (إنَّمَا يَحْصُلُ لِمَنْ قَصَرَ نَظَرَهُ عَلَى الدُّنْيَا) دُونَ الْآخِرَةِ فَيَخَافُ أَنْ يَذْهَبَ عَنْهُ بِذَلِكَ جَاهُهُ فِيهَا.
(وَأَمَّا طَالِبُ الْآخِرَةِ فَالْحَاصِلُ لَهُ الْفَرَحُ وَالنَّشَاطُ) لِكَوْنِ الذَّمِّ دَاعِيًا لِمَا ذَكَرَ مِنْ النِّعَمِ الْأُخْرَوِيَّةِ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ طَلَبَ ضَرَرِ الْغَيْرِ لِنَفْعِ نَفْسِهِ وَيَسْتَلْزِمُ السُّرُورَ عَلَى ضَرَرِ غَيْرِهِ وَأَنَّ الذَّمَّ سِيَّمَا بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ يُوجِبُ إعْرَاضَ الْمُؤْمِنِينَ لَا سِيَّمَا الصَّالِحِينَ عَنْهُ وَعَدَمَ حُبِّهِمْ إيَّاهُ وَيُوجِبُ شَهَادَتَهُمْ عَلَى سُوءِ حَالِهِ وَأَهْلُ الْآخِرَةِ يَتَحَاشَوْنَ عَنْ مِثْلِهِ فَتَأَمَّلْ فِي كُلِّ ذَلِكَ حَتَّى يَظْهَرَ دَفْعُ مَا فِي ذَلِكَ (وَالسَّبَبُ الثَّالِثُ فِي حُبِّ الْمَدْحِ) وَالثَّنَاءِ شَيْئَانِ الْأَوَّلُ (التَّلَذُّذُ بِشُعُورٍ) بِإِدْرَاكِ (النَّفْسِ الْكَمَالَ) الْمُطَابِقَ لِلْوَاقِعِ (بِتَعْرِيفِ الْمَادِحِ) فَلَوْ لَمْ يَعْرِفْهَا لَمْ يَشْعُرْ بِهِ فَهَذَا فِي صُورَةِ عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ (أَوْ تَذْكِيرِهِ) عِنْدَ ذُهُولِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ (فِي الصِّدْقِ) ، وَأَمَّا الْكَذِبُ فَمُجَرَّدُ تَقْرِيرٍ.
(وَ) الثَّانِي التَّلَذُّذُ (بِشُعُورِهَا) أَيْ النَّفْسِ (مِلْكَ قَلْبِ الْمَادِحِ وَسَبَبِيَّتَهُ) أَيْ مِلْكَ قَلْبِ الْمَادِحِ (لِمِلْكِ قُلُوبِ الْآخَرِينَ) بِالِاسْتِمَاعِ مِنْ الْمَادِحِ (وَحِشْمَتِهَا) وَحَيَاءِ الْآخَرِينَ وَانْقِبَاضِهَا مِنْهُ تَوَاضُعًا وَتَعْظِيمًا فَيَرْجِعُ إلَى حُبِّ الْجَاهِ وَالرِّيَاسَةِ وَلِذَا كَانَ عِلَاجُهُ عِلَاجَ ذَلِكَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَعِلَاجُ الثَّانِي) أَيْ شُعُورُ مِلْكِ قَلْبِ الْمَادِحِ وَالْآخَرِينَ (قَدْ سَبَقَ) فِي عِلَاجِ حُبِّ الرِّيَاسَةِ مِنْ عَدَمِ
стр. 364
كَوْنِهِ كَمَالًا حَقِيقِيًّا بَلْ فَانِيًا مُتَكَدِّرًا وَمَا قِيلَ فِي عِلَاجِ حُبِّ الذَّمِّ مِنْ إحْضَارِ الْقَلْبِ فَوَهْمٌ مَحْضٌ.
(وَ) عِلَاجُ (الْأَوَّلِ) شُعُورُ الْكَمَالِ بِالتَّعْرِيفِ أَوْ التَّذْكِيرِ (إنْ كَانَ الْكَمَالُ دُنْيَوِيًّا) كَالْكِتَابَةِ وَسَائِرِ الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ وَكَثْرَةِ الْأَمْوَالِ (فَكَالثَّانِي) فِي الْمُعَالَجَةِ لِاتِّحَادِهِمَا فِي كَوْنِهِمَا دُنْيَوِيًّا (وَإِنْ) كَانَ (أُخْرَوِيًّا فَعِلَاجُهُ الْعِلْمُ) النَّافِعُ (وَالْعَمَلُ) بِهِ، وَقِيلَ قَوْلُهُ فَالْعِلْمُ إلَى آخِرِهِ بَيَانٌ لِلْكَمَالِ الْأُخْرَوِيِّ لَا يَخْفَى أَنَّ سَوْقَ الذَّوْقِ مَا عَرَفْته وَأَنَّ الْكَمَالَ الْأُخْرَوِيَّ لَيْسَ بِمُخْتَصٍّ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ بَلْ يَجْرِي فِي جَمِيعِ الْمَلَكَاتِ الْحَمِيدَةِ وَفِي الْعَمَلِ (فَقَطْ) لَيْسَ لَهُ عِلَاجٌ غَيْرَهُمَا (وَخَيْرِيَّتُهُمَا) أَيْ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ كَأَنَّهُ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ أَنَّا نَجِدُ أُنَاسًا لَهُمْ عِلْمٌ وَعَمَلٌ وَلَمْ يَكُنْ عِلَاجًا لِحُبِّ الْمَدْحِ (مَوْقُوفَةٌ عَلَى اسْتِجْمَاعِ الشَّرَائِطِ كَالْإِخْلَاصِ فِي الْعَمَلِ) وَإِلَّا فَشَرٌّ مَحْضٌ وَضَرَرٌ خَالِصٌ (وَعَدَمُ الْإِحْبَاطِ) أَيْ الْإِبْطَالِ (بِالْكُفْرِ إلَى الْمَوْتِ) إذْ بِالْكُفْرِ يَحْبَطُ جَمِيعُ عَمَلِهِ، وَإِنْ مُخْلِصًا، وَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ كَذَلِكَ (فَيَنْقَلِبَانِ شَرًّا وَضَرَرًا) قِيلَ الْأَوْلَى فَيَذْهَبُ عَلَيْهِ الْخَيْرُ وَيَفُوتُ نَفْعُهُ إذْ غَيْرُ الْخَيْرِ لَا يَصِيرُ شَرًّا وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ (فَيُوجِبَانِ أَلَمًا وَحُزْنًا) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
(وَهِيَ) أَيْ الشَّرَائِطُ الْمَذْكُورَةُ (مَجْهُولَةٌ) لِلْعَامِلِ (مَشْكُوكَةٌ) بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ (بَلْ غَيْرُ مَظْنُونَةٍ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَلْ عَدَمُهَا مَظْنُونَةٌ، وَهُوَ الْأَوْفَقُ (غَالِبَةٌ) وَالْأَظْهَرُ غَالِبًا كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَيْ فِي غَالِبِ النَّاسِ يَعْنِي الْجَهَلَةَ إمَّا لِلشَّكِّ أَوْ الْوَهْمِ (لِأَنَّ النَّفْسَ الْأَمَّارَةَ بِالسُّوءِ) فَتَأْمُرُ بِعَدَمِ الشَّرَائِطِ مِنْ الرِّيَاءِ وَنَحْوِهَا (وَشَيَاطِينَ الْإِنْسِ) مِنْ أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ (وَالْجِنِّ) الَّذِينَ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا (صَارِفَةٌ عَنْهَا) أَيْ الشُّرُوطِ يَشْكُلُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ النَّفْسِ أَمَّارَةً بِالسُّوءِ امْتِثَالُهَا وَالْإِتْيَانُ بِذَلِكَ السُّوءِ بَلْ الْعَالِمُ يَدْفَعُهَا بِأَوَامِرِ الشَّرْعِ الْمُخَالِفِ لِأَمْرِهَا كَمَا هُوَ شَأْنُ عُلَمَاءِ الْآخِرَةِ، وَأَنَّ الشَّيَاطِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى التَّأْثِيرِ بَلْ حَالُهُمْ هُوَ التَّحْرِيكُ وَالْوَسْوَسَةُ فَكَيْفَ يَقْطَعُ بِصَرْفِهِمْ وَأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَأْتِيَ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ عَمَلًا مَا بِشَرَائِطِهِ، وَهُوَ سُوءُ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِينَ لَا سِيَّمَا الزَّاهِدِينَ الْمُتَوَرِّعِينَ وَأَنَّهُ إنْ كَانَ أَمْرُ النَّفْسِ مُوجِبًا لِلسُّوءِ وَصَرْفُ الشَّيَاطِينِ مَقْطُوعًا بِهِ يَلْزَمُ عَبَثِيَّةُ التَّكْلِيفِ، وَإِنْ مُمْكِنًا فَقَطْ وَمُحْتَمَلًا فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ إلَّا أَنْ يُقَالَ النَّظَرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَالِمِ الْعَامِلِ إلَى نَفْسِهِ فَيَلْزَمُ عَلَى كُلِّ اعْتِقَادٍ عَدَمُ تَأَتِّي الشَّرَائِطِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣] وَأَنَّ الْمَطْلَبَ كَالظَّنِّيِّ فَيُفِيدُ الدَّلِيلَ الْخَطَّابِيَّ (فَسَبَبِيَّتُهُمَا لِلْخَشْيَةِ) مِنْ اللَّهِ تَعَالَى خَشْيَةَ مَهَابَةٍ وَإِجْلَالٍ (وَالْوَجَلِ) أَيْ الْخَوْفِ وَالتَّعَبِ (أَوْلَى) أَحْرَى (وَأَقْرَبَ) إلَى الصَّوَابِ (مِنْهَا) مِنْ سَبَبِيَّتِهِمَا أَيْ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ (لِلْفَرَحِ) بِهِدَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى (وَالْأَمْنِ) مِنْ الْعَذَابِ، وَإِنْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَفْرَحَ بِتَوْفِيقِ الطَّاعَةِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَغْلِبَ خَوْفُهُ عَلَى سُرُورِهِ وَفَرَحِهِ لَعَلَّ هَذَا مَحْصُولُ مَا قَالُوا مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ خَوْفَهُ غَالِبًا عَلَى رَجَائِهِ مَا دَامَ فِي الصِّحَّةِ وَعَكْسُهُ فِي حَالِ الْمَرَضِ (عِنْدَ سَالِكِ طَرِيقِ الْآخِرَةِ) وَكُلُّ أَحَدٍ سَالِكُ الْآخِرَةِ أَوْ الْمُرَادُ عِنْدَ تَارِكِ الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]
стр. 365
فَالْفَرَحُ وَالْأَمْنُ تَبْعِيدٌ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ أَلَا تَرَى قِصَّةَ بَلْعَامَ ابْنِ بَاعُورَا وَبَرْصِيصَا أَمَّا بَلْعَامُ فَفِي أَوَّلِ أَمْرِهِ كَانَ يُوضَعُ فِي مَجْلِسِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ مِحْبَرَةً لِكِتَابَةِ حِكْمَةِ لِسَانِهِ وَكَانَ إذَا نَظَرَ رَأَى الْعَرْشَ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٧٥] ثُمَّ بِمَيْلِهِ إلَى الدُّنْيَا مَيْلَةً وَاحِدَةً وَتَرْكُهُ لِوَلِيٍّ مِنْ أَوْلِيَائِهِ حُرْمَةً وَاحِدَةً سَلَبَ اللَّهُ تَعَالَى مَعْرِفَتَهُ وَجَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلْبِ حَيْثُ قَالَ - ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف: ١٧٦]- الْآيَةَ
وَأَمَّا بِرْصِيصَا فَعَبَدَ فِي صَوْمَعَتِهِ سَبْعِينَ سَنَةً لَمْ يَعْصِ اللَّهَ تَعَالَى طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى قِيلَ طَارَ فِي الْهَوَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ تَلَامِذَتِهِ بِقُوَّةِ هِمَّتِهِ ثُمَّ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ وَفِي حَقِّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ﴾ [الحشر: ١٦] الْآيَةَ وَأَيْضًا اُنْظُرْ إلَى حَالِ إبْلِيسَ حَيْثُ عَبَدَ ثَمَانِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى لَمْ يَتْرُكْ مَوْضِعَ قَدَمٍ إلَّا وَسَجَدَ لِلَّهِ فِيهِ ثُمَّ بِمُجَرَّدِ تَرْكِ أَمْرٍ وَاحِدٍ لَعَنَهُ اللَّهُ أَبَدَ الْآبِدِينَ (فَلِذَا) أَيْ فَلِكَوْنِ سَبَبِيَّةِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ لِلْخَشْيَةِ أَوْلَى وَأَقْرَبَ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] فَالْعِلْمُ إنَّمَا يُثْمِرُ الْخَشْيَةَ لَا الْأَمْنَ إذْ مَأْخَذُ الِاشْتِقَاقِ فِي مِثْلِهِ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ فَكُلَّمَا ازْدَادَ الْعِلْمُ تَزْدَادُ الْخَشْيَةُ كَمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَا أُعْرَفُكُمْ بِاَللَّهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً» وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّ الْمَلَائِكَةِ - ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]- فَإِنْ قِيلَ هَذِهِ الْآيَةُ مَعَ قَوْله تَعَالَى - ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]- تُوجِبُ الْأَمْنَ لِلْعُلَمَاءِ إذْ بِحُكْمِ الْأُولَى نَقُولُ الْعُلَمَاءُ قَوْمٌ لَهُمْ خَشْيَةٌ وَبِحُكْمِ الثَّانِيَةِ وَكُلُّ قَوْمٍ لَهُمْ خَشْيَةٌ فَلَهُمْ الْجَنَّةُ فَيُنْتَجُ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ الْعُلَمَاءُ لَهُمْ الْجَنَّةُ
قُلْنَا إنْ أُرِيدَ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي الصُّغْرَى الْكُلُّ فَلَا نُسَلِّمُ دَلَالَةَ الْآيَةِ الْأُولَى عَلَيْهِ إذْ لَيْسَ الْعُلَمَاءُ مَقْصُورًا عَلَى خَشْيَةِ اللَّهِ بَلْ الْعَكْسُ إذْ الْمَقْصُورُ عَلَيْهِ فِي إنَّمَا هُوَ الْأَخِيرُ، وَإِنْ الْبَعْضَ فَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ الْكُلَّ فَلَا نُسَلِّمُ التَّقْرِيبَ، وَإِنْ الْبَعْضَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْجَنَّةِ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْأَمْنُ لِعَالِمٍ مَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَتَحْقِيقُهُ مَا سَبَقَتْ إلَيْهِ الْإِشَارَةُ مِنْ أَنَّ الْخَشْيَةَ مِنْ لَوَازِمِ الْعِلْمِ فَعِنْدَ عَدَمِ الْخَشْيَةِ يَلْزَمُ عَدَمُ الْعِلْمِ فَمَنْ كَانَ لَهُ عِلْمُ صُورَةٍ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ خَشْيَةٌ فَلَيْسَ بِعَالِمٍ حَقِيقَةً وَذَلِكَ بِحُكْمِ إفَادَةِ مَأْخَذِ الِاشْتِقَاقِ الْعَلِيَّةَ فَيَتَّضِحُ بِذَلِكَ قُوَّةُ سَبَبِيَّةِ الْعِلْمِ لِلْخَشْيَةِ لَا الْفَرَحِ وَالْأَمْنِ « (وَفَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] يُعْطُونَ ﴿مَا آتَوْا﴾ [المؤمنون: ٦٠] مَا أَعْطَوْا مِنْ الصَّدَقَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ (بِاَلَّذِينَ) الْجَارِ مُتَعَلِّقٌ بِفَسَّرَ (يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ) فَالتَّفْسِيرُ لِقَوْلِهِ مَا آتَوْا» كَمَا أُشِيرَ رَوَى أَحْمَدُ وَكَذَا الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَعَنْ أَبَوَيْهَا أَنَّهَا «سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]- الْآيَةَ فَقَالَتْ أَهُوَ الرَّجُلُ يَسْرِقُ وَيَزْنِي وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لَا، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَيُصَلِّي وَمَعَ ذَلِكَ يَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ لَا يَتَقَبَّلَ مِنْهُ» فَالْآيَةُ الْأُولَى لِأَقْرَبِيَّةِ الْعِلْمِ لِلْخَشْيَةِ وَالثَّانِيَةُ لِأَقْرَبِيَّةِ الْعَمَلِ (وَسَيَجِيءُ ضَرَرُ الْمَدْحِ فِي آفَاتِ اللِّسَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) فَلَا حَاجَةَ أَنْ يُذْكَرَ هُنَا فَكَأَنَّهُ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ أَوْ اعْتِذَارٍ عَنْ عَدَمِ التَّرْكِ.
[النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ لِلْكُفْرِ كُفْرٌ حُكْمِيٌّ]
(وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ لِلْكُفْرِ)
(كُفْرٌ حُكْمِيٌّ) مَا يَكُونُ كُفْرًا بِحُكْمِ الشَّرْعِ (وَهُوَ) إمَّا قَوْلًا أَوْ فِعْلًا (مَا جَعَلَهُ الشَّارِعُ) اللَّهُ أَوْ رَسُولُهُ (أَمَارَةَ التَّكْذِيبِ) ، وَإِنْ وُجِدَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ لِعَدَمِ اعْتِبَارِهِمَا مَعَ وُجُودِهَا (كَاسْتِخْفَافِ) اسْتِهَانَةِ
стр. 366
وَاحْتِقَارِ (مَا يَجِبُ تَعْظِيمُهُ) شَرْعًا (مِنْ اللَّهِ تَعَالَى) بَيَانٌ لِمَا كَتَوْصِيفِهِ تَعَالَى بِمَا لَا يَلِيقُ بِهِ كَقَوْلِ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْظُرُ إلَيْنَا مِنْ الْعَرْشِ أَوْ السَّمَاءِ أَوْ يُبْصِرُ وَلَوْ قَالَ يَطْلُعُ لَا وَقَوْلُ لَا تَرْضَى يَا رَبِّ بِهَذَا الظُّلْمِ وَالْأَصَحُّ لَيْسَ بِخَطَأٍ وَاَللَّهُ يَظْلِمُك كَمَا ظَلَمْتنِي الْأَصَحُّ أَنَّهُ كُفْرٌ وَاَللَّهُ جَلَسَ لِلْإِنْصَافِ وَقَالَ لِمَنْ مَاتَ اخْتِيَارُ اللَّهِ إلَى إرَادَةِ الْآدَمِيِّ وَقَالَ لِمَنْ لَا يَمْرَضُ نَسِيَهُ اللَّهُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ أَوْ الْقُرْآنِ أَوْ النَّبِيِّ وَفُلَانٌ فِي عَيْنِي يَهُودِيٌّ وَفِي عَيْنِ اللَّهِ وَقِيلَ إنْ أَرَادَ اسْتِقْبَاحَ فِعْلِهِ لَا يُكَفَّرُ وَيَدُ اللَّهِ طَوِيلَةٌ وَقِيلَ إنْ أَرَادَ بِهِ الْقُدْرَةَ لَا يَكْفُرُ وَعَلِمَ اللَّهُ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَا، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَيَمِينُك وَضَرْطُ الْحِمَارِ سَوَاءٌ وَيَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّ سُرُورِي وَحُزْنِي مِثْلُ سُرُورِك وَحُزْنِك وَقِيلَ إنْ ظَهَرَ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا لَا يَكْفُرُ وَيَعْلَمُ اللَّهُ أَنِّي أَدْعُوك دَائِمًا وَلِحَبِيبِهِ أَنْتَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَوْ قِيلَ لِظَالِمٍ حَالَ ظُلْمِهِ أَمَا تَخَافُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ لَا أَخَافُ وَلَوْ فِي غَيْرِ حَالِ ظُلْمِهِ لَا يَكْفُرُ إلَّا أَنْ يَعْتَقِدَ كَوْنَهُ عَلَى حَقٍّ وَأَرَى هَذَا الْأَمْرَ مِنْك وَمِنْ اللَّهِ أَوْ أَعْتَمِدُ اللَّهَ وَإِيَّاكَ أَوْ أَرْجُو مِنْك وَمِنْ اللَّهِ كَلَامٌ قَبِيحٌ لَيْسَ بِكُفْرٍ وَأَصَابَ عَلَى فُلَانٍ قَضَاءَ سُوءٍ خَطَأً وَكَذَا يَكْفُرُ إذَا نَعَتَ اللَّهَ بِجَارِحَةٍ أَوْ نَفَى صِفَةً مِنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ أَوْ قَالَ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ أَوْ وَصَفَهُ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَان أَوْ قَالَ مَعَهُ قَدِيمٌ آخَرُ أَوْ مُدَبِّرٌ آخَرُ مُسْتَقِلٌّ أَوْ وَصَفَهُ بِالْجِسْمِ أَوْ الْحُدُوثِ أَوْ عَدَمِ عِلْمِهِ بِالْجُزْئِيَّاتِ أَوْ سَجَدَ لِغَيْرِهِ تَعَالَى أَوْ سَبَّهُ تَعَالَى أَوْ أَشْرَكَ بِعِبَادَتِهِ شَيْئًا أَوْ افْتَرَى عَلَيْهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ لِمَخْلُوقٍ إنَّ خَلْقَهُ عَبَثٌ وَمُهْمَلٌ وَالتَّفْصِيلُ فِي الْفَتَاوَى (وَمَلَائِكَتِهِ) وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ رُؤْيَتُك عَلَيَّ كَرُؤْيَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ قَالُوا يَكْفُرُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ قَالَ لِعَدَاوَةِ الْمَلَكِ وَاسْتِهْزَائِهِ كَفَرَ وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ قَالَ " رَوَى فُلَانٌ دشمن ميدارجون رَوَى مَلَكُ الْمَوْتِ " فَالْأَكْثَرُ عَلَى كُفْرِهِ.
وَلَوْ قَالَ لَا أَسْمَعُ شَهَادَةَ فُلَانٍ وَلَوْ كَانَ جَبْرَائِيلُ أَوْ مِيكَائِيلَ يَكْفُرُ وَلَوْ قَالَ إذَا شَهِدَ جَبْرَائِيلُ أَوْ مِيكَائِيلُ لَا أَقْبَلُ يَكْفُرُ أَوْ قَالَ أَعْطِنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ حَتَّى أَبْعَثَ مَلَكَ الْمَوْتِ لِيَرْفَعَ رُوحَ فُلَانٍ يَكْفُرُ وَلَوْ قَالَ أَنَا مَلَكُك فِي مَوْضِعِ كَذَا أَوْ أَنَا مَلَكُك مُطْلَقًا لَا يَكْفُرُ بِخِلَافِ أَنَا نَبِيٌّ (وَكُتُبِهِ) فَمَنْ اسْتَخَفَّ بِالْقُرْآنِ أَوْ حَرْفٍ مِنْهُ أَوْ أَلْقَى الْمُصْحَفَ إلَى الْقَاذُورَاتِ أَوْ جَحَدَ حَرْفًا مِنْهُ أَوْ كَذَّبَ بِهِ أَوْ نَفَى مَا أَثْبَتَهُ أَوْ أَثْبَتَ مَا نَفَاهُ أَوْ بَدَّلَ حَرْفًا مِنْهُ أَوْ زَادَ أَوْ قَرَأَ عَلَى الْهَزْلِ بِنَحْوِ الدُّفِّ أَوْ قَالَ شَبِعْت مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ اسْتَعْمَلَ الْقُرْآنَ فِي بِذْلَةِ كَلَامِهِ كَمَنْ مَلَأَ الْقَدَحَ وَقَالَ كَأْسًا دِهَاقًا أَوْ قَالَ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الشُّرْبِ، وَكَانَتْ شَرَابًا طَهُورًا أَوْ عِنْدَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ لَعَلَّ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ لَا يَكْفُرُ أَوْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ أَوْ عَابَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ وَكَذَا مَنْ أَنْكَرَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ أَوْ سَبَّهُمَا وَمَنْ قَرَأَ أَوْ أَقْرَأ بِشَوَاذٍّ مِنْ الْحُرُوفِ مِمَّا لَيْسَ فِي الْمُصْحَفِ قَالُوا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ كَمَا فِي تَبْيِينِ الْمَحَارِمِ وَفِي إنْكَارِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ قِيلَ يَكْفُرُ وَقِيلَ لَا وَلَوْ قَالَ خُذْ أُجْرَةَ الْمُصْحَفِ يَكْفُرُ وَأَشْكَلَ عَلَيْهِ إذَا تَوَسَّدَ الْكِتَابَ إنْ قَصَدَ الْحِفْظَ لَا يُكْرَهُ وَإِلَّا يُكْرَهُ وَكَذَا الْجُلُوسُ عَلَى جُوَالِقَ فِيهَا مُصْحَفٌ (وَرُسُلِهِ) كَمَنْ أَنْكَرَ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ لَمْ يَرْضَ سُنَّةً مِنْ سُنَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ قَالَ.
стр. 367
لَوْ كَانَ فُلَانٌ نَبِيًّا مَا آمَنَتْ بِهِ أَوْ أَمَرَنِي لَمْ أَفْعَلْ أَوْ فُلَانٌ أَوْ صَالِحٌ خَيْرٌ مِنْ النَّبِيِّ أَوْ قَالَ الْأَوْلِيَاءُ خَيْرٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ قَالَ لِشَعْرِ النَّبِيِّ ﵊ شُعَيْرٌ يَكْفُرُ إلَّا بِقَصْدِ التَّعْظِيمِ أَوْ قَالَ لِلنَّبِيِّ كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلَ قَالَ كَذَا وَلَوْ شَتَمَ كُلَّ مَنْ كَانَ اسْمُهُ عَلَى اسْمِ النَّبِيِّ وَخَطَرَ بِبَالِهِ كَوْنُ النَّبِيِّ مِنْهُمْ يَكْفُرُ أَوْ قَالَ لَوْ لَمْ يَأْكُلْ آدَم ﵇ الْحِنْطَةَ لَمَا وَقَعْنَا فِي هَذَا الْبَلَاءِ قِيلَ نَعَمْ وَقِيلَ لَا وَمَنْ ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَطَلَبَ الْآخَرُ الْمُعْجِزَةَ لَا لِقَصْدِ إظْهَارِ كَذِبِهِ يَكْفُرَانِ وَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﵊ طَوِيلُ الظُّفْرِ خَلَقُ الثِّيَابِ يَكْفُرُ وَرَدَّ حَدِيثًا نَقَلَهُ عَنْ النَّبِيِّ أَحَدٌ قِيلَ يَكْفُرُ مُطْلَقًا وَقِيلَ إنْ مُتَوَاتِرًا أَوْ قَالَ كَثِيرًا مَا سَمِعْنَاهُ اسْتِخْفَافًا وَلَوْ قِيلَ لِرَجُلٍ اسْتُك أَوْ قُصَّ شَارِبَك فَإِنَّهُ سُنَّةً فَقَالَ لَا أَفْعَلُهُ عَلَى طَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ يَكْفُرُ وَلَوْ قِيلَ النَّبِيُّ يُحِبُّ شَيْءَ كَذَا فَقَالَ لَا أُحِبُّهُ أَنَا يَكْفُرُ قَالَ رَجُلٌ أَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ الْقَرْعُ حَتَّى يُحِبَّهُ النَّبِيُّ أَوْ قَالَ أَنَا لَا أُحِبُّهُ عِنْدَ مُذَاكَرَةِ حُبِّهِ النَّبِيَّ ﵊ فَأَمَرَ أَبُو يُوسُفَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ فَاسْتَغْفَرَ الرَّجُلُ فَتَرَكَهُ وَلَوْ قَالَ الْأَنْبِيَاءُ مُكِدُّونَ يَكْفُرُ؛ لِأَنَّ فَقْرَهُمْ اخْتِيَارِيٌّ وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ فَقَالَ آخَرُ مُسْتَخِفًّا أَرَى الْمِنْبَرَ وَالْقَبْرَ وَلَا أَرَى شَيْئًا آخَرَ يَكْفُرُ
وَلَوْ قَالَ إنَّ آدَمَ نَسَجَ الْكِرْبَاسَ فَقَالَ آخَرُ نَحْنُ مِنْ أَوْلَادِ الْحَائِكِ يَكْفُرُ وَلَوْ ذُكِرَ عِنْدَ رَجُلٍ قِصَّةُ يُوسُفَ مَعَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِمَا وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ آخَرُ شَيْخٌ فَقَدَ ابْنَهُ ثُمَّ وَجَدَهُ قَالَ فِي مَعْرُوضَاتِ أَبِي السُّعُودِ كَفَرَ وَكَذَا ذُكِرَ عِنْدَ رَجُلٍ حَالُهُ ﷺ مَعَ نِسْوَانِهِ قَالَ بِالتُّرْكِيِّ " زنباره جه ايمش يَكْفُرُ " وَكَذَا مَنْ سَبَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ عَابَهُ أَوْ شَبَّهَهُ بِشَيْءٍ عَلَى طَرِيقِ التَّعْيِيرِ أَوْ دَعَا عَلَيْهِ أَوْ تَمَنَّى لَهُ مَضَرَّةً أَوْ نَسَبَ مَا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ الْعَالِي أَوْ نَسَبَ الْجُنُونَ إلَيْهِ أَوْ غَيْرَهُ بِمَا جَرَى عَلَيْهِ مِنْ الْبَلَايَا أَوْ نَسَبَ إلَيْهِ الْمُدَاهَنَةَ فِي أَمْرِ التَّبْلِيغِ وَأَلْحَقَ نَقْصًا فِي نَسَبِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ عِرْضِهِ أَوْ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِهِ أَوْ قَالَ تَعْبِيرًا رِدَاءُ النَّبِيِّ وَسِخٌ أَوْ عَيَّرَهُ بِرَعْيِ الْغَنَمِ أَوْ السَّهْوِ أَوْ النِّسْيَانِ أَوْ نَسَبَ إلَيْهِ سَفَهًا مِنْ الْقَوْلِ أَوْ قَالَ اسْتِخْفَافًا هُزِمَ النَّبِيُّ أَوْ قَالَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْعَرَبِ كَفَرَ فِي الْكُلِّ كَمَا فِي تَبْيِينِ الْمَحَارِمِ وَقَدْ سَبَقَ التَّفْصِيلُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا تَوْبَةُ السَّابِّ عِيَاذًا بِاَللَّهِ تَعَالَى فَلَا تُقْبَلُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ مَالِكٍ فَقَبْلَ التَّوْبَةِ يُقْتَلُ كُفْرًا وَبَعْدَهَا حَدًّا وَلَا تَعْمَلُ تَوْبَتُهُ فِي إسْقَاطِ قَتْلِهِ عِنْدَنَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَوْبَتِهِ فِي نَفْسِهِ أَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ سَبِّهِ صَحْوًا أَوْ سُكْرًا
وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْهُمَامِ التَّقْيِيدُ فِي السُّكْرِ بِكَوْنِهِ بِسَبَبٍ مَحْظُورٍ وَعَدَمِ إكْرَاهٍ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تُؤَثِّرُ تَوْبَتُهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ فِي إسْقَاطِ قَتْلِهِ وَنَسَبَ الْخِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى بِخِلَافِ سَبِّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُمْكِنُ إلْحَاقُ الْمَعَرَّةِ فِي جِنْسِهِ دُونَ اللَّهِ تَعَالَى كَذَا فِي التَّبْيِينِ أَيْضًا لَعَلَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفُ أَحْوَالِ السَّابِّ عَمْدًا وَخَطَأً وَصَلَاحًا وَفِسْقًا كَمَا أُشِيرَ فِي مَحَلِّهِ، وَأَمَّا سَبُّ الشَّيْخَيْنِ وَقَذْفُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فَكُفْرٌ كَنَفَيْ خِلَافَتِهِمَا وَسَابُّ سَائِرَ الصَّحَابَةِ مَلْعُونٌ مُوجِبٌ لِلنَّكْلِ الشَّدِيدِ
(وَالْيَوْمِ الْآخَرِ وَمَا فِيهِ) مِنْ الْحِسَابِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْعِقَابِ وَالثَّوَابِ وَالْحَوْضِ وَالْمِيزَانِ وَالصِّرَاطِ وَالْجَنَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ فَمَنْ جَحَدَ وَعْدًا أَوْ وَعِيدًا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ عِنْدَ الْفَزَعِ، وَفِي الْقَبْرِ وَالْقِيَامَةِ يَكْفُرُ وَكَذَا لَوْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ وَلَوْ أَنْكَرَ بَعْثَ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ لَا يَكْفُرُ كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ الْكَلَابَاذِيُّ وَكَذَا إنْكَارُ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ الدُّخُولِ كُفْرٌ وَإِنْكَارُ حَشْرِ الْحَيَوَانِ سِوَى بَنِي آدَمَ لَيْسَ بِكُفْرٍ بِمَكَانِ الْخِلَافِ وَلَوْ قَالَ لَوْ أَعْطَانِي اللَّهُ تَعَالَى الْجَنَّةَ دُونَك لَا أَدْخُلُهَا، وَلَوْ أَمَرَنِي اللَّهُ تَعَالَى أَنْ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ مَعَ فُلَانٍ لَا أَدْخُلُهَا أَوْ قَالَ لَوْ أَعْطَانِي اللَّهُ الْجَنَّةَ لِهَذَا الْعَمَلِ أَوْ لِأَجْلِك لَا أُرِيدُهَا أَوْ لَا
стр. 368
أُرِيدَ الْجَنَّةَ وَأُرِيدُ الرُّؤْيَةَ يَكْفُرُ وَلَوْ قَالَ لِخَصْمِهِ آخُذُ مِنْك حَقِّي فِي الْمَحْشَرِ فَقَالَ إيشْ شُغْلٌ لِي فِي الْمَحْشَرِ أَوْ أَيْنَ تَجِدُنِي فِي ذَلِكَ الْجَمْعِ يَكْفُرُ أَوْ قَالَ أَدِّ حَقِّي وَإِلَّا آخُذُهُ فِي الْقِيَامَةِ فَقَالَ خَصْمُهُ أَعْطِنِي آخَرَ وَخُذْ مِنِّي فِي الْقِيَامَةِ الْأَكْثَرَ لَا يَكْفُرُ وَلَوْ قِيلَ دَعْ الدُّنْيَا لِتَنَالَ الْآخِرَةَ فَقَالَ لَا أُبْدِلُ النَّقْدَ بِالنَّسِيئَةِ يَكْفُرُ وَفُلَانٌ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ يَخْشَى بِالْكُفْرِ وَلَوْ قَالَ الْمُثَابُ وَالْمُعَاقَبُ هُوَ الرُّوحُ فَقَطْ لَا يَكْفُرُ وَالْكُلُّ مِنْ التتارخانية (وَالشَّرِيعَةِ) كَمَنْ قَالَ لِشَرِيعَةٍ مِنْ الشَّرَائِعِ إنَّهَا خَيْرٌ مِنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ عِلْمٌ مِنْ الْعُلُومِ خَيْرٌ مِنْ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ أَوْ نَفَى كَوْنَ عِلْمِ التَّوْحِيدِ مِنْ الشَّرِيعَةِ أَوْ قَالَ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ حَقِيقَةٌ أَوْ أَنْكَرَ حُكْمًا ثَابِتًا بِالْإِجْمَاعِ أَوْ اسْتَهْزَأَ بِهِ وَلَوْ قِيلَ لِرَجُلٍ صَلِّ فَقَالَ طَوَّلْت الْأَمْرَ عَلَيَّ أَوْ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يُتِمَّ هَذَا الْأَمْرَ أَوْ الْعَاقِلُ لَا يَشْرَعُ فِي أَمْرٍ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُتِمَّهُ أَوْ غَسَلْت يَدِي مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ أَعْطَيْتهَا الزُّرَّاعَ حَتَّى يَزْرَعَهَا أَوْ أَصْبِرُ إلَى أَنْ يَجِيءَ رَمَضَانُ فَأَجْمَعَ كُلَّهَا أَوْ أُصَلِّيَ وَمَا يَزْدَادُ لِي شَيْئًا أَوْ أَنْتَ أَيَّ شَيْءٍ رَبِحْت بِهَا يَكْفُرُ وَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ لَا أُصَلِّي فَإِنَّ الثَّوَابَ لِسَيِّدِي وَلَوْ قِيلَ لِرَجُلٍ صَلِّ حَتَّى تَجِدَ حَلَاوَةً فَقَالَ أَنْتَ لَا تُصَلِّي حَتَّى تَجِدَ حَلَاوَةً أَوْ قَالَ صَلَّيْت أَوْ لَمْ أُصَلِّ سَوَاءٌ أَوْ قِيلَ لِرَجُلٍ صَلِّ الْفَرِيضَةَ فَقَالَ لَا أُصَلِّي يَكْفُرُ إلَّا إنْ أَرَادَ لَا أُصَلِّي بِأَمْرِك أَوْ تَرْكُ الصَّلَاةِ طَيِّبٌ أَوْ شُغْلُ الْكُبَرَاءِ أَوْ الْكَسَالَى أَوْ هُوَ شَغْلٌ يُوجِبُ الْهَرَبَ يَكْفُرُ وَلَوْ صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ قِيلَ نَعَمْ وَقِيلَ لَا وَلَوْ قَالَ عِنْدَ مَجِيءِ رَمَضَانَ جَاءَ الضَّيْفُ الثَّقِيلُ وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: أَدِّ الزَّكَاةَ فَقَالَ لَا أُؤَدِّي يَكْفُرُ وَلَوْ تَمَنَّى حِلْيَةَ الرِّبَا أَوْ الظُّلْمِ يَكْفُرُ لَا مَنْ تَمَنَّى شُرْبَ الْخَمْرِ أَوْ قَالَ اشْرَبْ الْخَمْرَ وَدَعْ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ إنَّهَا حَرَامٌ وَمَنْ قَالَ حُكْمُ الشَّرْعِ هَكَذَا وَقَالَ هَاتِ الرِّجَالَ أَيْشَ أَعْمَلُ بِالشَّرْعِ أَوْ أَنَا أَعْمَلُ بِلَا شَرْعٍ قِيلَ نَعَمْ، وَقِيلَ لَا وَلَوْ قَالَ تَعَالَ مَعِي إلَى الشَّرْعِ فَقَالَ خَصْمُهُ هَاتِ الرِّجَالِ حَتَّى أَمْشِيَ أَوْ أَنَا أيش أَعْمَلُ بِالشَّرْعِ أَوْ لَا أَعْرِفُ أَوْ فِي هُنَا لَا يَمْشِي الْأَمْرُ أَوْ عِنْدِي دَبُّوسٌ إيشْ أَعْمَل بِالشَّرْعِ أَوْ حِينَ أَخَذْت الدَّرَاهِمَ أَيْنَ كَانَ الشَّرْعُ يَكْفُرُ وَمَنْ كَذَبَ فَقَالَ الْآخَرُ بَارَكَ اللَّهُ فِي كَذِبِك يَكْفُرُ وَلَوْ قَالَ أُرِيدُ الْمَالَ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا يَخَافُ الْكُفْرَ وَلَوْ دَفَعَ إلَى الْفَقِيرِ مِنْ مَالٍ حَرَامٍ شَيْئًا يَرْجُو الثَّوَابَ يَكْفُرُ وَلَوْ عَلِمَ الْفَقِيرُ بِذَلِكَ الْحَرَامِ فَدَعَا لِلْمُعْطِي كَفَرَ وَلَوْ قِيلَ كُلْ مِنْ حَلَالٍ فَقَالَ الْحَرَامُ أَحَبُّ إلَيَّ يَكْفُرُ وَلَوْ قَالَ الشَّرِيعَةُ تَلْبِيسٌ أَوْ حِيَلٌ إنْ أَرَادَ أَنَّ فِي الْمُعَامَلَاتِ مَا يَصِحُّ فِيهِ الْحِيلَةُ لَا يَكْفُرُ وَإِلَّا يَكْفُرُ وَفِي التتارخانية رَجُلٌ قِيلَ لَهُ طُلَّابُ الْعِلْمِ يَمْشُونَ عَلَى أَجْنِحَةِ الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ " أَيْنَ بَارِي دروغست " كَفَرَ حُكِيَ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ الطُّلَّابِ سَمِعَ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمَلَائِكَةُ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ» فَضَرَبَ رِجْلَهُ عَلَى الْأَرْضِ لِيَكْسِرَ أَجْنِحَةَ الْمَلَائِكَةِ فَجَعَلَ اللَّهُ رِجْلَهُ يَابِسَةً رَجُلٌ قَالَ " قِيَاسُ أَبِي حَنِيفَةَ حَقٌّ نَسِيت " يَكْفُرُ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ جَوَازِ الْقِيَاسِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] إلَى قَوْلِهِ ﴿نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ [الأعراف: ٥٧] فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ إثْبَاتُ الْقِيَاسِ، وَهُوَ رَدُّ الْمُخْتَلَفِ إلَى الْمُتَّفَقِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُتَّفِقِينَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْمَطَرَ وَيُخْرِجُ النَّبَاتَ مِنْ الْأَرْضِ فَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ لِإِحْيَائِهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا (وَعُلُومِهَا) كَعِلْمِ التَّوْحِيدِ وَالْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ رَجُلٌ جَلَسَ عَلَى مَكَان مُرْتَفِعٍ أَوْ أُجْلِسَ فَيَسْأَلُونَ مِنْهُ مَسَائِلَ اسْتِهْزَاءً أَوْ يَضْرِبُونَهُ بِمَا شَاءُوا وَهُمْ يَضْحَكُونَ كَفَرُوا وَالِاسْتِهْزَاءُ بِالْعِلْمِ أَوْ الْعُلَمَاءِ كُفْرٌ وَمَنْ شَتَمَ عَالِمًا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ خِيفَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ وَلَوْ قَالَ " فَسَادُ كردن بِهِ ازدانشمدي " أَوْ قَصْعَةُ ثَرِيدٍ خَيْرٌ مِنْ الْعِلْمِ كَفَرَ قَالَ لَا أَقُولُ بِفَتْوَى الْأَئِمَّةِ
стр. 369
وَلَا أَعْمَلُ بِفَتْوَاهُمْ لَازِمٌ لَهُ الِاسْتِغْفَارُ قَالَ لِعَالِمٍ ذَكَرُ الْحِمَارِ فِي اسْتِ عِلْمِك مُرِيدًا عِلْمَ الدِّينِ يَكْفُرُ قَالَ فِعْلُ طَالِبِ الْعِلْمِ وَالْكُفْرِ سَوَاءٌ إنْ أَرَادَ جَمِيعَ أَفْعَالِهِمْ يَكْفُرُ وَمَنْ أَبْغَضَ عَالِمًا وَشَتَمَهُ بِلَا سَبَبٍ يُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرُ قَالَ لِصَالِحٍ وَجْهُهُ عِنْدِي كَوَجْهِ الْخِنْزِيرِ يُخَافُ عَلَيْهِ الْكُفْرُ قَالَ لِفَقِيهٍ أَخَذَ شَارِبَهُ مَا أَعْجَبَ قُبْحَ قَصِّ الشَّارِبِ وَلَفِّ الْعِمَامَةِ تَحْتَ الذَّقَنِ يَكْفُرُ وَالتَّشَبُّهُ بِالْعِلْمِ وَأَخْذُ الْخَشَبَةِ لِضَرْبِ الصِّبْيَانِ اسْتِهْزَاءً كُفْرٌ مَنْ رَجَعَ مِنْ مَجْلِسِ الْعِلْمِ فَقَالَ أَحَدٌ هَذَا يَرْجِعُ مِنْ الْكَنِيسَةِ كَفَرَ وَمَنْ قِيلَ لَهُ اذْهَبْ إلَى مَجْلِسِ الْعِلْمِ فَقَالَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِمَا يَقُولُونَ أَوْ مَا لِي فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ يَكْفُرُ أَوْ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ بِمَا أَمَرَ الْعُلَمَاءُ أَوْ لَا تَذْهَبُ إلَى مَجْلِسِ الْعِلْمِ تُطَلِّقُ امْرَأَتَك مُمَازَحَةً أَوْ أَيُّ شَيْءٍ أَعْرِفُ الْعِلْمَ اسْتِهْزَاءً أَوْ اعْتَقَدَ بِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَى الْعِلْمِ أَوْ قَالَ مَاذَا يَصْلُحُ لِي مَجْلِسُ الْعِلْمِ أَوْ أَلْقَى الْفَتْوَى عَلَى الْأَرْضِ أَوْ قَالَتْ لَعْنَةُ اللَّهِ أَوْ اللَّعْنَةُ عَلَى الزَّوْجِ الْعَالِمِ أَوْ قَالَ لِعَالِمٍ عُوَيْلِمٌ اسْتِخْفَافًا كُلُّهُ كَفَرَ قَالَ لِفَقِيهٍ يَذْكُرُ عِلْمًا هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ أَوْ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْلُحُ هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُوجَدَ الدِّرْهَمُ؛ لِأَنَّ الْعِزَّةَ وَالْحُرْمَةَ الْيَوْمَ لِلدِّرْهَمِ لَا الْعِلْمِ قَالَ لِعَابِدٍ مَهْلًا أَوْ اجْلِسْ حَتَّى لَا تُجَاوِزَ الْجَنَّةَ كَفَرَ (وَالرِّضَا بِكُفْرِ نَفْسِهِ كُفْرٌ مُطْلَقًا) اسْتِحْسَانًا أَوَّلًا (وَبِكُفْرِ غَيْرِهِ اسْتِحْسَانًا لَهُ) أَيْ الْكُفْرِ لِإِرَادَةِ اشْتِدَادِ عَذَابِهِ لِكَوْنِهِ شِرِّيرًا مُؤْذِيًا حَتَّى يَنْتَقِمَ اللَّهُ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ مُوسَى ﵊ ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]- كُفْرٌ (بِالِاتِّفَاقِ) ؛ لِأَنَّ اسْتِحْسَانَ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ تَكْذِيبٌ لِلشَّرْعِ قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَعَلَى هَذَا إذَا دَعَا عَلَى ظَالِمٍ أَمَاتَك اللَّهُ عَلَى الْكُفْرِ أَوْ سَلَبَ اللَّهُ إيمَانَك أَوْ دَعَا عَلَيْهِ بِالْفَارِسِيِّ " خداي تَعَالَى جان توبكافري ستاند " لَيْسَ بِكُفْرٍ ثُمَّ مَا فِيهَا مِنْ الرِّضَا بِكُفْرِ الْغَيْرِ مُخْتَلَفٌ وَفِي النِّصَابِ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْكُفْرِ وَفِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ مَسْأَلَةٌ عَلَى عَدَمِ كُفْرِهِ فَمَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِحْسَانِ كَمَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ (وَ) الرِّضَا بِكُفْرِ غَيْرِهِ كُفْرٌ (مُطْلَقًا) اسْتِحْسَانًا أَوَّلًا (عِنْدَ الْبَعْضِ) وَفِيهَا أَيْضًا وَقَدْ عَثَرْنَا عَلَى رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الرِّضَا بِكُفْرِ الْغَيْرِ كُفْرٌ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ انْتَهَى لَا يَخْفَى فِي جَرَيَانِ قَاعِدَةِ تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ أَوْ تَفْسِيرِ الْمُجْمَلِ إنْ كَانَ كَلَامُ الْإِمَامِ مُطْلَقًا أَوْ مُجْمَلًا فَالظَّاهِرُ حِينَئِذٍ كَوْنُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ فَقَطْ وَمَا فِي بَعْضِ شُرُوحِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُخْتَارُ هُوَ الثَّانِي وَالْأَوَّلُ أَقْوَى رِوَايَةً وَالثَّانِي دِرَايَةً فَلَمْ نَعْثِرْ عَلَيْهِ فِي كُتُبِ الْقَوْمِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّ الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ عَلَى هَذَا وَنُقِلَ عَنْ جَامِعِ الْفَتَاوَى، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَكَذَا عَنْ مُنْيَةِ الْمُفْتِي (وَالتَّكَلُّمِ بِمَا يُوجِبُهُ) أَيْ الْكُفْرَ (طَائِعًا مِنْ غَيْرِ سَبْقِ اللِّسَانِ) ، وَأَمَّا إذَا سَبَقَ لِسَانُهُ إلَى كَلِمَةِ كُفْرٍ خَطَأً عِنْدَ إرَادَةِ كَلِمَةٍ مُبَاحَةٍ فَلَا يَكْفُرُ عِنْدَ الْكُلِّ بِخِلَافِ الْهَازِلِ لَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الشِّفَاءِ لِلْعِيَاضِ الْخَطَأُ فِي حَقِّ النَّبِيِّ لَيْسَ بِمَعْفُوٍّ فِي الْبَزَّازِيَّةِ عَدَمُ الْكُفْرِ دِيَانَةً وَفِي الْقَضَاءِ لَا يُصَدَّقُ (عَالِمًا بِأَنَّهُ كُفْرٌ كُفْرٌ) خَبَرٌ وَالتَّكَلُّمُ (بِالِاتِّفَاقِ) يَشْكُلُ بِمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة
стр. 370
عَنْ الْخَانِيَّةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَكُونُ الْكُفْرُ كُفْرًا حَتَّى يَعْتَقِدَ عَلَيْهِ الْقَلْبُ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّكَلُّمِ بِالِاعْتِقَادِ (وَ) أَمَّا التَّكَلُّمُ بِمَا يُوجِبُهُ حَالَ كَوْنِهِ (جَاهِلًا بِهِ) أَنَّهُ كَفَرَ فَهُوَ كُفْرٌ (عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ) قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَمَنْ أَتَى بِلَفْظَةِ الْكُفْرِ مَعَ عَدَمِ عِلْمِهِ أَنَّهَا لَفْظَةُ الْكُفْرِ، وَلَكِنْ أَتَى بِهَا عَنْ اخْتِيَارٍ فَقَدْ كَفَرَ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ وَيَدْخُلُ فِيهِ نَحْوِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ خدايم بِغَيْرِ هَمْزَةٍ وَيُرِيدُ بِهِ مِنْ خودائم. بِالْهَمْزَةِ يَكْفُرُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة أَيْضًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْجَاهِلُ إذَا تَكَلَّمَ بِكُفْرٍ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ كُفْرٌ لَا يُكَفَّرُ وَيُعْذَرُ بِالْجَهْلِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ الْجَاهِلُ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهَا كُفْرٌ قَالَ بَعْضُهُمْ يَكْفُرُ وَقِيلَ لَا وَيُعْذَرُ بِالْجَهْلِ، وَأَمَّا إذَا خَطَرَ بِبَالِهِ أَشْيَاءُ تُوجِبُ الْكُفْرَ لَكِنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ بِهَا، فَذَلِكَ مَحْضُ الْإِيمَانِ (وَكَذَا الْفِعْلُ) كَالتَّكَلُّمِ فِيمَا إذَا فَعَلَ مَا يُوجِبُ الْكُفْرَ عَمْدًا عَالِمًا بِكُفْرِهِ فَكَافِرٌ، وَإِنْ جَاهِلًا بِكُفْرِهِ فَكُفْرٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ دُونَ الْبَعْضِ، وَذَا كَشَدِّ الزُّنَّارِ عَلَى وَسَطِهِ وَوَضْعِ الْعَسَلِيِّ عَلَى كَتِفِهِ عَنْ الْخَانِيَّةِ سَوَاءٌ بِاعْتِقَادٍ أَوْ لَا كَسُخْرِيَةٍ وَوَضْعِ قَلَنْسُوَةِ الْمَجُوسِ عَلَى رَأْسِهِ قِيلَ نَعَمْ وَقِيلَ لَا وَقِيلَ إنْ لِضَرُورَةٍ كَدَفْعِ الْبَرْدِ لَا وَإِلَّا فَنَعَمْ إلَّا لِخَدِيعَةِ الْحَرْبِ وَلِلتِّجَارَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ يَكْفُرُ (وَلَوْ هَزْلًا وَمُزَاحًا) بِضَمِّ الْمِيمِ لَعِبًا (بِلَا اعْتِقَادِ مَدْلُولِهِ) كَمَا سَمِعْت آنِفًا (بَلْ مَعَ اعْتِقَادِ خِلَافِهِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ) أَيْ دِيَانَةً (أَيْضًا) كَمَا هُوَ كُفْرُ قَضَاءٍ وَعِنْدَ النَّاسِ (فَلَا يُفِيدُهُ) فِي عَدَمِ الْكُفْرِ (اعْتِقَادُ الْحَقِّ) بِقَلْبِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ جُعِلَ كُفْرًا فِي الشَّرْعِ فَلَا تَعْمَلُ النِّيَّةُ فِي تَغْيِيرِهِ لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا فِي الْأَشْبَاهِ، وَأَمَّا الْكُفْرُ فَيُشْتَرَطُ لَهُ النِّيَّةُ لِقَوْلِهِمْ إنَّ كُفْرَ الْمُكْرَهِ غَيْرُ صَحِيحٍ إلَّا أَنْ يُرَادَ مِنْ النِّيَّةِ النِّيَّةُ فِي التَّكَلُّمِ فَمَنْ فَعَلَ مَا يَخْتَصُّ بِالْكَفَرَةِ بِلَا ضَرُورَةٍ وَبِاخْتِيَارٍ، وَلَوْ بِلَا اعْتِقَادٍ بِكُفْرٍ فِي الْخُلَاصَةِ وَمَنْ أَهْدَى الْبَيْضَةَ إلَى الْمَجُوسِ يَوْمَ النَّيْرُوزِ كَفَرَ وَمَنْ اشْتَرَى يَوْمَ النَّيْرُوزِ شَيْئًا تَعْظِيمًا لِلنَّيْرُوزِ.
стр. 371
كَفَرَ قِيلَ عَنْ الشَّارِحِ الْكُرْدِيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْإِكْفَارَ إنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إلَى الظَّاهِرِ وَاَللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ فَالْحُكْمُ بِالْكُفْرِ عِنْدَ اللَّهِ حُكْمٌ بِالْمَجْهُولِ، وَهُوَ بَاطِلٌ ثُمَّ قَالَ فَاحْفَظْ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا فِي الْفَتَاوَى مِنْ أَلْفَاظِ الْكُفْرِ فَإِنَّ أَكْثَرَهَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّهْدِيدِ وَالتَّهْوِيلِ وَكُفْرَانِ النِّعْمَةِ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْإِيمَانِ إلَّا بِجُحُودِ مَا دَخَلَ فِيهِ أَوْ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عَلَى مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ انْتَهَى.
وَأُجِيبَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْكُفْرَ قَدْ يَكُونُ بِمَا جُعِلَ أَمَارَةً لِلتَّكْذِيبِ وَدَلِيلًا كَإِلْقَاءِ الْمُصْحَفِ بِالْقَاذُورَاتِ وَأَيَّدَ بِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْعَلَامَةِ مُقَرَّرٌ فِي الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ كَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ أَقُولُ الْكُلُّ مَنْظُورٌ فِيهِ إذْ الْحَقُّ وَاحِدٌ فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ فَيَلْزَمُ عَلَى الْإِصَابَةِ بِلَا احْتِمَالِ خَطَأٍ وَأَنَّ الْحُكْمَ بِجَهَالَةِ مَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى جَارٍ فِي جَمِيعِ الِاعْتِقَادِيَّاتِ، وَلَوْ أُرِيدَ أَنَّ سَائِرَ الِاعْتِقَادِيَّاتِ لَهَا أَدِلَّةٌ، وَلَيْسَ لِهَذِهِ بِخُصُوصِهَا دَلِيلٌ فَتَحَكُّمٌ وَأَنَّ نِسْبَةَ نَحْوِ التَّهْدِيدِ إلَى الْفَتَاوَى كَالْمَقَامِ الْخَطَّابِيِّ فِرْيَةٌ بِلَا مِرْيَةٍ مَعَ بَسْطِهِمْ الْأَدِلَّةِ وَتَقْرِيرِهِمْ الْوُجُوهَ الْمُعَيَّنَةَ لِعَيْنِ مُدَّعِي هَذَا الْبَابِ، وَأَنَّ فِيمَا ذَكَرَهُ ذُهُولًا عَمَّا قَرَّرَهُ فِي آخَرِ كَلَامِهِ مِنْ الطَّحَاوِيِّ أَوْ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّ حَاكِمَ الْكُفْرِ إنَّمَا يَحْكُمُ بِنَحْوِ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْمُطْلَقِ وَلَيْسَ بِمَطْلُوبٍ وَالْمَطْلُوبُ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَيْسَ بِدَالٍّ وَلَوْ أَشْكَلَ بِأَنَّ التَّصْدِيقَ الْيَقِينِيَّ الْقَلْبِيَّ مَا دَامَ ثَابِتًا فِي الْقَلْبِ كَيْفَ يَزُولُ بِالْعَوَارِضِ الْخَارِجِيَّةِ فَإِنَّ فِيهِ زَوَالَ الْأَصْلِ الذَّاتِيِّ بِالْعَوَارِضِ الْجُزْئِيَّةِ، وَهُوَ لَيْسَ بِجَائِزٍ وَإِذَا تَعَارَضَ الْوَجْهُ الذَّاتِيُّ مَعَ الْوَجْهِ الْعَرْضِيِّ يُقَدَّمُ الذَّاتِيُّ وَأَنَّ صَرِيحَ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ عَلَى كَوْنِهِ كَافِرًا عِنْدَ اللَّهِ مَعَ ثُبُوتِ التَّصْدِيقِ الْإِيمَانِيِّ فِي الْقَلْبِ لَيْسَ بِثَابِتٍ لِصُعُوبَةِ دَفْعِهِ كَمَا لَا يَخْفَى فَافْهَمْ
(وَسَبَبُهُ) أَيْ سَبَبُ الْكُفْرِ الْحُكْمِيِّ (قَصْدُ إظْهَارِ الظَّرَافَةِ) أَيْ الْكَيَاسَةِ وَالْبَرَاعَةِ فِي الْكَلَامِ (وَالْبَلَاغَةِ) الْفَصَاحَةِ كَقَوْلِهِ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَحْبُوبِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَقَوْلُهُ لِمَنْ اسْمُهُ يَحْيَى يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ (وَإِتْيَانُ الْأَمْرِ الْغَرِيبِ) لِيَتَعَجَّبَ مِنْهُ النَّاسُ (وَتَطْيِيبُ الْمَجْلِسِ) أَيْ عَلَى اعْتِقَادِهِ لِانْشِرَاحِ الصُّدُورِ وَالِامْتِلَاءِ بِالسُّرُورِ لِلسُّفَهَاءِ مِنْ بَأْسِ الْغُرُورِ (وَإِضْحَاكُ الْحَاضِرِينَ بِالْهَزْلِ) الْمُزَاحِ (وَالْهَزْءُ) السُّخْرِيَةِ (وَالْمُزَاحِ) لِيَتَقَرَّبَ بِذَلِكَ إلَى مَحَبَّةِ الْمَغْرُورِينَ مِنْ عَبَدَةِ الدُّنْيَا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥]
كَمَا حُكِيَ أَنَّ تَيْمُورَ بْنَ نَجْمِ الدِّينِ انْقَبَضَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ رَجُلٌ لِإِضْحَاكِ الْأَمِيرِ إنَّهُ دَخَلَ عَلَى فُلَانِ الْقَاضِي وَاحِدٌ فَقَالَ فُلَانٌ أَكَلَ صَوْمَ رَمَضَانَ فَقَالَ الْقَاضِي لَيْتَ آخَرَ يَأْكُلُ الصَّلَاةَ لِيُتَخَلَّصَ مِنْهُمَا فَقَالَ الْأَمِيرُ أَمَّا وَجَدْت مُضْحِكًا آخَرَ سِوَى الدِّينِ فَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ (أَوْ) سَبَبُهُ (شِدَّةُ الْغَضَبِ وَالضَّجَرِ) أَيْ الْقَلَقِ وَالْجَزَعِ عَلَى فَوَاتِ حَظِّهِ بِالْحِقْدِ عَلَى الْغَيْرِ الْمَحْظُوظِ فَيُحَاكِيهِ وَيَسْخَرُ مِنْهُ وَيُضْحِكُ عَلَيْهِ عَدُوَّهُ وَغَيْرَ عَدُوِّهِ (وَبِالْجُمْلَةِ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَبَبَ الْكُفْرِ الْحُكْمِيِّ (الْخِفَّةُ) فِي الْعَقْلِ (وَالشَّرَهُ) أَيْ الْحِرْصُ (عَلَى الْكَلَامِ) فَيَتَكَلَّمُ بِتِلْكَ الْفَضَائِحِ وَالْقَبَائِحِ فَيَحْرِقُ نَفْسَهُ لِرِضَا الْغَيْرِ (وَالْمُحَاكَاةُ) مِنْ حِكَايَةِ كُفْرِيَّاتِ الْغَيْرِ عَلَى وَجْهِ الْقَبُولِ وَالرِّضَا وَالِاسْتِحْسَانِ (وَعَدَمُ حِفْظِ اللِّسَانِ) عَنْ كُلِّ مَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ (وَ) عَدَمُ حِفْظِ سَائِرِ (الْأَعْضَاءِ) مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي تُوجِبُ الْكُفْرَ
стр. 372
(وَعَدَمُ الْمُبَالَاةِ فِي أَمْرِ الدِّينِ) أَيْ عَدَمُ الِاعْتِنَاءِ فِيهَا كَالِاسْتِهَانَةِ بِالْمَعْصِيَةِ وَلَوْ صَغِيرَةً
عَنْ الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ ارْتَكَبَ صَغِيرَةً فَقَالَ آخَرُ تُبْ فَقَالَ مَا فَعَلْت أَنَا حَتَّى أَحْتَاجَ إلَى التَّوْبَةِ وَفِي الْمُحِيطِ أَوْ قَالَ حَتَّى أَتُوبَ كَفَرَ وَنُقِلَ عَنْهُ أَيْضًا مُسْلِمَةٌ صَغِيرَةٌ إذَا بَلَغَتْ عَاقِلَةً، وَهِيَ لَا تَعْرِفُ الْإِسْلَامَ وَلَا تَصِفُهُ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّهَا جَاهِلَةٌ لَيْسَ لَهَا مِلَّةٌ مَخْصُوصَةٌ، وَهِيَ شَرْطُ النِّكَاحِ ابْتِدَاءً وَبَقَاءً وَمُحَمَّدٌ سَمَّاهَا مُرْتَدَّةً؛ لِأَنَّهَا مُسْلِمَةٌ بِالتَّبَعِيَّةِ وَالْآنَ تَكْفُرُ بِفَقْدِ التَّبَعِيَّةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يَجْرِي فِي حَقِّ الْجَمِيعِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى زَوْجًا وَمُجَرَّدًا فَيَلْزَمُ عَلَى مَنْ كَانَ حَالُهُ كَذَا حِينَ الْبُلُوغِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ مَنْ نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ وِجْدَانًا لَكِنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَعْبِيرِهِ لِسَانًا سِيَّمَا بِالِاصْطِلَاحِ الْمُتَعَارَفِ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالْمُسْلِمِينَ وَعَنْ جَوَاهِرِ الْفِقْهِ مَنْ قَالَ قَتْلُ فُلَانٍ حَلَالٌ أَوْ مُبَاحٌ بِلَا شَيْءٍ يُوجِبُ قَتْلَهُ وَقَالَ آخَرُ: صَدَقَتْ كَفَرَ كَمَنْ يَكْفُرُ بِقَوْلِهِ أَحْسَنْت لِمَنْ يَأْمُرُ بِقَتْلٍ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ لِمَنْ قَتَلَ سَارِقًا أَحْيَانَا سِرًّا وَنَحْوَهُ فِي تَبْيِينِ الْمَحَارِمِ وَمَنْ قَالَ قَتْلُ فُلَانٍ وَاجِبٌ أَوْ فُلَانٌ مُسْتَحِقُّ الْقَتْلِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ مَا يَلْزَمُهُ الْقَتْلُ يَكْفُرُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَلَّ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذَا كَثِيرُ الْوُقُوعِ وَالنَّاسُ عَنْهُ غَافِلُونَ
وَكَذَا لَوْ ضَرَبَ ظَالِمٌ مِنْ الظَّالِمِينَ شَخْصًا بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ قَدْ أَحْسَنْت أَنَّهُ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلضَّرْبِ أَوْ الْقَتْلِ يَكْفُرُ لِمَا قُلْنَا انْتَهَى.
قَالَ لِمَنْ لَبِسَ حَرِيرًا بَارَكَ اللَّهُ فِي هَذَا يَكْفُرُ عِنْدَ بَعْضٍ وَعَنْ جَوَاهِرِ الْفِقْهِ قَالَ لَبَّيْكَ لِمَنْ قَالَ يَا كَافِرُ أَوْ يَا مَجُوسِيُّ يَكْفُرُ وَعَنْ الْخُلَاصَةِ إنْ كُنْت كَذَلِكَ فَفَارِقْنِي أَوْ قَالَ أَنَا كَذَلِكَ أَوْ إذَا أَنَا هَكَذَا فَلَا تُقِمْ مَعِي أَوْ عِنْدِي فِي الْخُلَاصَةِ الْأَظْهَرُ يَكْفُرُ قَالَ لِرَمَضَانَ جَاءَ الشَّهْرُ الثَّقِيلُ أَوْ الطَّوِيلُ أَوْ الضَّعِيفُ كَفَرَ وَفِي قَاضِي خَانْ مَنْ قِيلَ لَهُ أَلَا تَخَافُ اللَّهَ أَوْ أَلَا تَسْتَحْيِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ لَا كَفَرَ وَفِي جَوَاهِرِ الْفِقْهِ قَالَ لِخَصْمِهِ لَا أَسْتَحْلِفُك بِاَللَّهِ وَأَسْتَحْلِفُك بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ أَوْ قَالَ حَلِفُك وَضَرْطُ الْحِمَارِ سَوَاءٌ أَوْ وَاحِدٌ أَوْ قَالَ يَظْلِمُك اللَّهُ كَمَا ظَلَمْتنِي أَوْ قَالَ أَحْسَنُ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّي كُلَّ الْإِحْسَانِ وَالْإِسَاءَةِ مِنِّي يَكْفُرُ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمُحِيطِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْت كَذَا وَلَمْ يَفْعَلْهُ أَوْ اللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ أَنَّهُ هَكَذَا، وَهُوَ يَكْذِبُ أَوْ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّك أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ وَلَدِي، وَهُوَ كَاذِبٌ فِيهِ كَفَرَ قَالَ حِينَ أُصِيبُ بِمَصَائِبَ مُخْتَلِفَةٍ يَا رَبُّ أَخَذْت مَالِيَّ وَكَذَا وَكَذَا فَمَاذَا تَفْعَلُ أَيْضًا لِي أَوْ مَاذَا تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ قِيلَ يَكْفُرُ
وَنُقِلَ عَنْ فَوْزِ النَّجَاةِ قَالَ لَوْ قَوَّانِي اللَّهُ تَعَالَى لِأَنْتَصِفَ مِنْك كَفَرَ؛ لِأَنَّهُ شَكَّ فِي عَدْلِ اللَّهِ وَعَنْ الظَّهِيرِيَّةِ سُلْطَانٌ عَطَسَ فَقَالَ رَجُلٌ
стр. 373
يَرْحَمُك اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ آخَرُ لَا يُقَالُ لِلسُّلْطَانِ هَكَذَا يَكْفُرُ وَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ تَهَاوُنًا كَفَرَ وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ وَالْيَأْسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى كُفْرٌ قَالَ مُعْتَذِرًا كُنْت كَافِرًا فَأَسْلَمْت قِيلَ نَعَمْ وَقِيلَ لَا وَمَنْ قِيلَ لَهُ أَتَعْمَلُ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ بِلَا إنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ أَمَرَنِي اللَّهُ بِهَذَا الْأَمْرِ لَا أَفْعَلُهُ كَفَرَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة لَوْ قَالَ لِحَرَامٍ هَذَا حَلَالٌ بِلَا اعْتِقَادٍ لَا يَكْفُرُ وَفِيهَا رَجُلٌ يَبِيعُ فِي السُّوقِ وَيَقُولُ إنَّهُ حَلَالٌ، وَهُوَ كَاذِبٌ لِتَرْوِيجِ مَا بَاعَهُ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ: إذَا اعْتَقَدَهُ حَلَالًا، وَهُوَ حَرَامٌ إنْ حَرَامًا لِغَيْرِهِ كَمَالِ الْغَيْرِ لَا يَكْفُرُ بِاعْتِقَادِ الْحِلِّ، وَإِنْ لِعَيْنِهِ فَإِنْ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ يَكْفُرُ، وَإِنْ بِالْآحَادِ لَا وَعَنْ تَاجِ الدِّينِ الْكَبِيرِ هَذَا التَّفْصِيلُ لِلْعَالِمِ أَمَّا فِي حَقِّ الْجَاهِلِ فَإِنْ ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ كَفَرَ مُطْلَقًا لَعَلَّ هَذَا مَرْجِعُ مَا فِي تَبْيِينِ الْمَحَارِمِ اعْتِقَادُ الْحَلَالِ الثَّابِتِ بِقَطْعِيٍّ حُرْمَتِهِ وَاعْتِقَادُ الْحَرَامِ الثَّابِتِ بِقَطْعِيٍّ حِلِّهِ كُفْرٌ عِنْدَ بَعْضٍ وَعِنْدَ آخَرَ فِي الْحَرَامِ لِغَيْرِهِ لَا وَاسْتِحْلَالُ الْمَعْصِيَةِ كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً أَوْ بِقَطْعِيٍّ يَكْفُرُ كَاسْتِهَانَتِهَا وَتَخْفِيفِهَا وَمَنْ اسْتَخَفَّ بِالْمَسْجِدِ أَوْ بِنَحْوِهِ مِمَّا يَعْظُمُ فِي الشَّرْعِ كَفَرَ
وَمَنْ صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ عَمْدًا أَوْ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ تَرَكَ صَلَاةً تَهَاوُنًا كَفَرَ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا كَافِرَةُ فَقَالَتْ: لَا بَلْ أَنْتَ أَوْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا يَا كَافِرُ فَقَالَ لَا بَلْ أَنْتَ لَمْ تَقَعْ فُرْقَةٌ عَلَى مَا ذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ وَيَنْبَغِي وُقُوعُ الْفُرْقَةِ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الْأَعْمَشِ قَالَ لِمُسْلِمٍ يَا كَافِرُ وَلَمْ يَقُلْ الْمُخَاطَبُ شَيْئًا أَوْ لِامْرَأَتِهِ وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا وَكَذَا لِزَوْجِهَا قَالَ الْأَعْمَشِ يَكْفُرُ وَكَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَئِمَّةِ بُخَارَى وَالْمُخْتَارُ فِي مِثْلِهِ إنْ عَلَى طَرِيقِ الشَّتْمِ بِلَا اعْتِقَادِ كُفْرِهِ لَا يَكْفُرُ وَقِيلَ إنْ قَالَ فِي حَالِ غَضَبِهِ لَا يَكْفُرُ وَإِذَا قَالَ لِدَابَّتِهِ يَا مَالَ الْكَافِرِ لَا يَكْفُرُ وَقِيلَ إنْ نَتَجَتْ عِنْدَهُ يَكْفُرُ قَالَ لِغَيْرِهِ يَا كَافِرُ إنْ فِيهِ شُبْهَةُ الْكُفْرِ كَكَوْنِهِ عَرِيفًا أَوْ عَشَّارًا أَوْ عَوَانًا فَلَا يَكْفُرُ وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي إيمَانِهِ، وَإِنْ فَاسِقًا مُعْلِنًا مِصْرًا جَاهِلًا فِي عُلُومِ الدِّينِ فَيَكْفُرُ، وَأَمَّا فِي شَكِّ إيمَانِهِ فَلَا يَكْفُرُ وَهَذَا كُلُّهُ رَاجِعٌ إلَى مَعْنَى، وَهُوَ أَنَّ الْمَعَاصِيَ لَا تُوجِبُ سَلْبَ الْإِيمَانِ، وَلَكِنْ نِسْيَانُ التَّوْبَةِ وَتَحْقِيرُ الذَّنْبِ وَعَدَمُ رُؤْيَةِ الْعُقُوبَةِ يُوجِبُ سَلْبَ الْإِيمَانِ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَرَ الْمَعَاصِيَ قَبِيحًا وَلَمْ يَرَ الطَّاعَةَ حَسَنًا أَوْ لَمْ يَرَ الثَّوَابَ عَلَى الطَّاعَةِ أَوْ لَمْ يَرَ وُجُوبَ الطَّاعَاتِ يَكْفُرُ
وَمَنْ يَتَوَهَّمُ هَذِهِ الْمَعَانِيَ بِدَلِيلِ أَفْعَالِهِ يَجُوزُ الشَّكُّ فِي إيمَانِهِ وَمَنْ تَلَفَّظَ بِلَفْظٍ مِثْلَ هَذِهِ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ وَلَوْ تَمَنَّى حِلَّ مَا يُدْرِكُ حُرْمَتَهُ الْعَقْلُ كَالزِّنَا وَاللُّوَاطَةِ وَالظُّلْمِ وَقَتْلِ النَّفْسِ ظُلْمًا يَكْفُرُ وَلَوْ تَمَنَّى حِلَّ مَا لَا تُدْرَكُ حُرْمَتُهُ بِالْعَقْلِ كَالْخَمْرِ وَالْمُنَاكَحَةِ بَيْنَ الْأَخِ وَالْأُخْتِ لَا يَكْفُرُ قَالَ أَنَا إبْلِيسُ أَوْ فِرْعَوْنُ لَا يَكْفُرُ إلَّا إذَا قَالَ اعْتِقَادِي كَاعْتِقَادِهِمَا رَجُلٌ رَوَى أَنَّ إبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ رَأَوْهُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ بِالْبَصْرَةِ وَبِمَكَّةَ قَالَ ابْنُ مُقَاتِلٍ يَكْفُرُ وَكَذَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ وَكَذَا مَشَايِخُ الْعِرَاقِ قَالُوا بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ مِنْ الْكَرَامَةِ بَلْ مِنْ الْمُعْجِزَةِ وَقَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ بِجَوَازِهَا فِي حَقِّ الْوَلِيِّ وَيُؤَيِّدُهُ ثُبُوتُ النَّسَبِ بَيْنَ الْمَشْرِقِيِّ وَالْمَغْرِبِيِّ وَكَذَا مَشَايِخُ خُرَاسَانَ جَوَّزُوهَا فِي الْكَرَامَةِ وَسُئِلَ عُمَرُ النَّسَفِيُّ أَنَّ الْكَعْبَةَ تَدُورُ حَوْلَ بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ أَجَابَ نَقْضُ الْعَادَةِ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَامَةِ جَائِزٌ وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْأَلَ الْعَامِّيُّ عَنْ التَّوْحِيدِ لَكِنْ يُقَالُ لَهُ أَلَيْسَ الدِّينُ هَكَذَا وَيَنْبَغِي لِلرَّجُلِ إذَا زُفَّتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ أَنْ لَا يَغْشَاهَا حَتَّى يَسْأَلَهَا عَنْ الْإِسْلَامِ فَإِنْ وَصَفَتْ أَوْ وَصَفَ هُوَ فَعَلِمَتْ وَإِلَّا بَانَتْ وَالسَّبِيلُ أَنْ يَصِفَهُ هُوَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ يَقُولُ هَلْ أَنْتِ عَلَى هَذَا
ثُمَّ تَفَاصِيلُ أَلْفَاظِ الْكُفْرِ وَأَفْعَالِ الِارْتِدَادِ مَذْكُورَةٌ فِي الْفَتَاوَى لَكِنَّ لَا يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْكُفْرِ فِي كُلِّ ذَلِكَ مُطْلَقًا مَا لَمْ يُعَايِنْ إرَادَةَ جِهَةِ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ جِنَايَةٌ عَظِيمَةٌ لَا يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ مَا دَامَ أَنْ يُوجَدَ فِيهِ غَيْرُ الْكُفْرِ وَلَوْ احْتِمَالًا ضَعِيفًا لِجَوَازِ إرَادَةِ ذَلِكَ وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ احْتِمَالًا لِلْكُفْرِ وَاحْتِمَالٌ وَاحِدٌ لِغَيْرِ الْكُفْرِ فَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَمِيلَ إلَى عَدَمِ الْكُفْرِ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ وَأَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ عِنْدَنَا، وَإِنْ لَمْ يَنْفَعْهُ فَتْوَى الْمُفْتِي عِنْدَ نِيَّةِ الْوَجْهِ الَّذِي يُوجِبُ إلَى هُنَا مِنْ التَّتَارْخَانِيَّة إلَّا قَلِيلًا
(وَعِلَاجُهُ) أَيْ عِلَاجُ مَا يُوجِبُ الْكُفْرَ قَوْلًا وَفِعْلًا (أَنْ يَعْرِفَ أَوَّلًا آفَاتِ الْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ) أَيْ مَفَاسِدَهُ
стр. 374
(مِنْ حَبْطِ الطَّاعَاتِ كُلِّهَا) حَتَّى لَمْ يَعُدْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَيَصِيرُ مُتَسَاوِيًا مَعَ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدُ فِي عَدَمِ الثَّوَابِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ ثَانِيًا إنْ غَنِيًّا، وَلَا يَجِبُ قَضَاءُ مَا صَلَّى وَصَامَ، وَزَكَّى لِلْحَرَجِ وَعَدَمِ الْإِمْكَانِ وَيَجِبُ قَضَاءُ مَا فَاتَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تَذْهَبُ بِالْكُفْرِ وَلَا شَيْءَ عَلَى قَاتِلِهِ فَوْرًا قَبْلَ عَرْضِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَبُّ عَرْضَهُ كَمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَذَهَابِ النِّكَاحِ) وَالْمَوْلُودُ بَيْنَهُمَا قَبْلَ تَجْدِيدِ النِّكَاحِ وَلَدُ زِنًا (وَحِلِّ دَمِهِ) حَتَّى لَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ أَوْ أَتْلَفَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ نُقِلَ عَنْ الْخَانِيَّةِ (وَحُرْمَةِ ذَبِيحَتِهِ) وَالْإِجْبَارُ عَلَى التَّوْبَةِ، وَهِيَ الرُّجُوعُ عَمَّا قَالَ بِعَيْنِهِ فَلَا يُفِيدُهُ إتْيَانُ الشَّهَادَتَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ وَالْجُحُودُ تَوْبَةٌ فَإِنْ لَمْ يَتُبْ بَعْدَ الْعَرْضِ يَجِبُ قَتْلُهُ (وَالْعَذَابِ الْمُخَلَّدِ) الْمُؤَبَّدِ (فِي النَّارِ لَوْ مَاتَ بِدُونِ التَّوْبَةِ) عِلَاجُهُ أَنْ يَعْرِفَ (ثَانِيًا آفَاتِ اللِّسَانِ مِمَّا سَيَجِيءُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ مُلَازَمَةُ الصَّمْتِ وَالسُّكُوتِ) هُمَا تَرْكُ الْكَلَامِ، وَقِيلَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ الصَّمْتَ مَا كَانَ عَنْ عَمْدٍ وَالسُّكُوتُ يَعُمُّهُ وَغَيْرُهُ كَمَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَتَكَلَّمْ بِخَيْرٍ أَوْ لِيَسْكُتْ» فَلَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِخَيْرٍ يَجِبُ عَلَيْهِ السُّكُوتُ (وَحِفْظُ اللِّسَانِ وَالْأَعْضَاءِ) عَنْ الْحَرَكَاتِ الْخَارِجَةِ عَنْ قَوَانِينِ الِانْتِظَامِ (وَالْجَدُّ وَتَرْكُ الْهَزْلِ وَالْهَزْءِ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَبَعْدَ الزَّايِ فِي الثَّانِي هَمْزَةٌ أَوْ وَاوٌ (وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ) الْمُؤَدِّيَةِ إلَى سَخَافَةِ الْعَقْلِ وَقِلَّةِ الْمُرُوءَةِ وَعَدَمِ الِاهْتِمَامِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى حُدُودِ الشَّرِيعَةِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ.
(وَ) بَعْدَ ذَلِكَ (الدُّعَاءُ وَالتَّضَرُّعُ) شِدَّةُ الطَّلَبِ لِغَايَةِ خَطَرِ الْأَمْرِ وَقُوَّةِ خَوْفِهِ وَصُعُوبَةِ تَخَلُّصِهِ (لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَحْفَظَهُ مِنْ الْكُفْرِ) بِأَنْوَاعِهِ كُلِّهَا (خُصُوصًا الدُّعَاءُ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) كَمَا (خَرَّجَهُ حَدّ طب) أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالطَّبَرَانِيُّ (فَقَالَ) أَبُو مُوسَى «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ» قِيلَ أَيْ الْخَفِيَّ وَقِيلَ مُطْلَقًا «فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ» أَيْ حَرَكَتِهَا فَيَسْرِي لِلْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ «فَقَالَ لَهُ» ﵊ «مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ» مِنْ الْأَصْحَابِ وَقَوْلُهُ «وَكَيْفَ نَتَّقِيهِ، وَهُوَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ يَا رَسُولَ اللَّهِ» مَقُولُ الْقَوْلِ (قَالَ) ﵊ -
стр. 375
فِي جَوَابِهِ «قُولُوا اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِك أَنْ نُشْرِكَ بِك شَيْئًا» مِنْ الشِّرْكِ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ «نَعْلَمُهُ» كَالشِّرْكِ الْجَلِيِّ «وَنَسْتَغْفِرُك لِمَا لَا نَعْلَمُهُ» كَالشِّرْكِ الْخَفِيِّ فِي أَكْثَرِ الْفَتَاوَى «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ أَنْ أُشْرِكَ بِك شَيْئًا وَأَنَا أَعْلَمُ وَأَسْتَغْفِرُك لِمَا لَا أَعْلَمُ إنَّك أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» يَقُولُ فِي الصُّبْحِ وَالْمَسَاءِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ الدُّعَاءَيْنِ كَمَا فِي وَصَايَاهُ التُّرْكِيَّةِ.
(وَخَرَّجَهُ) أَيْ هَذَا الْحَدِيثَ (يَعْلَى) أَبُو يَعْلَى (مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَزَادَ يَقُولُ «كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» وَغَائِلَةُ الْكُفْرِ) أَيْ مَفْسَدَتُهُ (الْعُظْمَى حِرْمَانُ دُخُولِ الْجِنَانِ وَالْعَذَابُ الْمُؤَبَّدُ فِي النِّيرَانِ) بِالنُّصُوصِ الْقَطْعِيَّةِ وَإِجْمَاعِ جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ إذَا كَانَ غَايَةً فِي الْجِنَايَةِ فَجُوزِيَ بِمَا يَكُونُ غَايَةً فِي الْعُقُوبَةِ، وَهِيَ الْخُلُودُ وَالتَّأْبِيدُ فَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا أَوْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي نِيَّتِهِ أَنْ لَوْ بَقِيَ أَبَدًا لَكَانَ عَلَى الْكُفْرِ أَبَدًا فَجَزَاءُ الْأَبَدِيِّ أَبَدِيٌّ جَزَاءً وِفَاقًا أَوْ لِأَنَّ اللَّهَ يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِهِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، فَلَا يُتَصَوَّرُ الظُّلْمُ وَاَللَّهُ تَعَالَى نَفَى الظُّلْمَ عَنْ نَفْسِهِ ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى نَحْوِ مَا وَقَعَ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ الْعَضُدِيَّةِ مِنْ أَنَّ التَّأْبِيدَ إنَّمَا هُوَ لِلْكَافِرِ الْمُعَانِدِ، وَأَمَّا الَّذِي يَجْتَهِدُ فِي دِينِهِ عَلَى حَسَبِ وُسْعِهِ فَلَا لِخَرْقِ الْإِجْمَاعِ وَلِكَوْنِهِ كَلَامًا فِي مُقَابَلَةِ النُّصُوصِ الْقَطْعِيَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ بِالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، وَإِنْ أُسْنِدَ إلَى نَحْوِ الْغَزَالِيِّ (وَسَبَبُ الْإِيمَانِ) فِي مُقَابَلَةِ الْكُفْرِ الْحُكْمِيِّ (النَّظَرُ) الْمُعَرَّفُ بِتَرْتِيبِ أُمُورٍ مَعْلُومَةٍ لِلتَّأَدِّي إلَى الْمَجْهُولِ، وَهُوَ أَوَّلُ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَوْ جُزْءُ الْأَوَّلِ أَوْ الْقَصْدُ إلَيْهِ كَمَا مَرَّ.
(وَالتَّأَمُّلُ) بِمَعْنَى النَّظَرِ فَعَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَإِنْ فُسِّرَ بِنَحْوِ التَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ (فِي الْآيَاتِ) الْأَدِلَّةُ وَالتَّفْسِيرُ بِالْعَلَامَاتِ إمَّا مُؤَوَّلٌ بِالْأَدِلَّةِ أَوْ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْعَلَامَاتِ ظَنِّيَّةٌ كَالْأَمَارَةِ وَالْمَقَامُ بُرْهَانِيٌّ تَحْقِيقِيٌّ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ (الدَّالَّةِ) إذْ الْمُتَبَادِرُ مِنْ الدَّلَالَةِ الْمُطَلَّقَةِ مَا يَلْزَمُ مِنْ الْعِلْمِ لَهُ الْعِلْمُ بِشَيْءٍ آخَرَ (عَلَى وُجُودِ الْبَارِي) عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ الْأَثَرِ إلَى الْمُؤَثِّرِ كَالِاسْتِدْلَالِ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ أَوْ إمْكَانِهِ أَوْ بِهِمَا عَلَى وُجُودِ مُحْدِثِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت: ٣٧] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢]- وَغَيْرُ ذَلِكَ (وَاتِّصَافِهِ) تَعَالَى (بِأَوْصَافِ الْكَمَالِ) كَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْعِلْمِ كَمَا سَبَقَ فِي وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ (وَ) عَلَى (تَنَزُّهِهِ) تَبَرُّئِهِ وَتَقَدُّسِهِ (عَنْ صِفَاتِ) سِمَاتِ (النُّقْصَانِ) كَمَا فِي جَمِيعِ الْمُنَزِّهَاتِ الْمُقَرَّرِ فِيمَا مَرَّ (وَ) التَّأَمُّلُ فِي الْآيَاتِ الدَّالَّةِ (عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، وَهِيَ الْمُعْجِزَاتُ (وَ) سَبَبُ الْإِيمَانِ أَيْضًا (تَيَقُّنُ التَّأْبِيدِ) أَيْ الْعِلْمُ الْيَقِينِيُّ الْقَطْعِيُّ عَلَى تَأَبُّدِهِ (فِي النَّارِ إنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ) بِاَللَّهِ عِيَاذًا بِهِ تَعَالَى (وَالْإِنْكَارِ) لِنُبُوَّتِهِ ﵊ (وَ) سَبَبُهُ (رَجَاءُ دُخُولِ الْجَنَّةِ دَارِ الْقَرَارِ) يَتَقَرَّرُ مَنْ دَخَلَ مُؤَبَّدًا بِلَا خُرُوجٍ (وَفَائِدَتُهُ) أَيْ الْإِيمَانِ (الْعُظْمَى
стр. 376
النَّجَاةُ مِنْ التَّأْبِيدِ الْمَذْكُورِ وَالْفَوْزُ بِالدُّخُولِ الْمَزْبُورِ) فِي فَوَائِدِ الْإِيمَانِ فِيهِ مُرَاعَاةُ تَقَدُّمِ التَّخْلِيَةِ عَلَى التَّحْلِيَةِ (رَزَقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ) النَّجَاةَ مِنْ نِيرَانِهِ وَالتَّلَذُّذَ فِي جِنَانِهِ قِيلَ أَيْ كُلُّ كَمَالٍ يَلِيقُ بِاسْتِعْدَادِنَا وَحَذَفَ الْمَفْعُولَ لِلتَّعْمِيمِ (إنَّهُ هُوَ الْكَرِيمُ) صَاحِبُ فَضْلٍ وَكَرْمٍ (الْغَفُورُ) يَغْفِرُ ذُنُوبَ عِبَادِهِ الْمَانِعَةِ عَنْ الْجَنَّةِ
[السَّادِسُ اعْتِقَادُ الْبِدْعَةِ]
(وَالسَّادِسُ) مِنْ الذَّمِيمَةِ السِّتِّينَ (اعْتِقَادُ الْبِدْعَةِ) كَمَا سَبَقَ كَاعْتِقَادِ أَهْلِ الْهَوَى (وَسَبَبُهُ اتِّبَاعُ الْهَوَى) أَيْ شَهْوَةُ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ (وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْعَقْلِ) الْمُجَرَّدِ بِلَا مُرَاعَاةِ شَرْعٍ كَمَا لِلْحُكَمَاءِ وَالْمُعْتَزِلَةِ الْقَاصِرِينَ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ عَلَى الْعَقْلِ (وَالْإِعْجَابُ بِالرَّأْيِ) أَيْ تَحْسِينُ رَأْيِهِ وَالْوُقُوفُ عِنْدَهُ وَلَا يَرْتَكِبُ إلَى آخَرَ (وَالتَّقْلِيدُ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ إذَا لِكُلٍّ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِغَيْرِ الْمُصِيبِ إذْ تَقْلِيدُ الْمُصِيبِ لَيْسَ بِعَيْنِ هَذِهِ الْآفَةِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ إسَاءَةٌ فِي نَفْسِهِ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ إمَّا أَتْبَاعُ الْمَاتُرِيدِيِّ أَوْ الْأَشْعَرِيِّ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّهُمْ فِي إعْصَارِنَا وَلَوْ خَوَاصَّ مُقَلَّدِينَ لَهُمَا فَيَلْزَمُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى هَذِهِ الْبِدْعَةِ الشَّنِيعَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ كُلُّهُمْ مُسْتَدِلُّونَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ لَكِنَّ أَدِلَّتَهُمْ مُوَافِقَةٌ لِأَدِلَّتِهِمَا أَوْ أَنَّهُمْ مُقَلِّدُونَ لَهُمَا فِي ابْتِدَاءِ حَالِهِمْ ثُمَّ بَعْدَ رُسُوخِ أَدِلَّتِهِمَا فِي خَاطِرِهِمْ وَقَبُولِهِمْ إيَّاهَا مَعَ عِرْفَانِهِمْ غَايَاتِهَا صَارُوا مُسْتَدِلِّينَ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّ مَعْرِفَةَ أَدِلَّةِ الْغَيْرِ اسْتِدْلَالٌ لَا تَقْلِيدٌ فِي هَذَا الْبَابِ ثُمَّ السَّبَبَانِ الْأَوَّلَانِ لِخَوَاصِّ أَهْلِ الْبِدْعَةِ وَمُجْتَهِدَيْهِمْ وَالثَّالِثُ لِمُقَلِّدِيهِمْ.
[السَّابِع اتِّبَاعُ الْهَوَى]
(فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى) الْفَاءُ لِلتَّفْصِيلِ (فَهُوَ) الْخُلُقُ.
(السَّابِعُ) مِنْ السِّتِّينَ (مِنْ آفَاتِ الْقَلْبِ) الَّذِي تَبِعَتْهُ الْأَعْضَاءُ بِشَهَادَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَلَا إنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا، وَهِيَ الْقَلْبُ» كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ ثُمَّ أَرَادَ إثْبَاتَ مَذْمُومِيَّةِ الْهَوَى بِالْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ اللَّذَيْنِ هُمْ أَصْلَا الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ
وَأَسَاسُهَا أَمَّا الْآيَاتُ فَقَدْ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾ [النساء: ١٣٥] الْمَيْلُ النَّفْسَانِيُّ وَشَهَوَاتُهَا وَمَا يُسْتَلَذُّ مِنْهَا ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٣٥] كَرَاهَةَ أَنْ تَمِيلُوا عَنْ الْحَقِّ لِلْقَرَابَةِ وَالْمَوَدَّةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْعُدُولِ أَوْ لَأَنْ تَعْدِلُوا مِنْ الْعَدَالَةِ فَعِلَّةٌ لِلنَّهْيِ فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَدَمَ اتِّبَاعِ الْهَوَى عِلَّةً لِوُجُودِ الْعَدْلِ كَمَا جَعَلَ اتِّبَاعَهُ سَبَبًا لِلْإِضْلَالِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص: ٢٦] مَا تَهْوَى النَّفْسُ فِي الْحُكُومَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ [ص: ٢٦] يُوقِعَك فِي الْحَيْرَةِ وَالزَّيْغِ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ
стр. 377
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات: ٤٠] مَقَامَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ يَعْلَمُهُ بِالْمَبْدَإِ وَالْمَعَادِ ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] أَيْ الْمَيْلِ إلَيْهِ بِمُقْتَضَى الْجِبِلَّةِ الْبَشَرِيَّةِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مَجْبُولٌ عَلَى حُبِّ الْهَوَى لِلِاخْتِيَارِ مِنْ اللَّهِ ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١] مَأْوَاهُ لَيْسَ لَهُ سِوَاهَا مَأْوًى فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ اللَّهُ مُخَالَفَةَ النَّفْسِ بِتَرْكِ هَوَاهَا عِلَّةً عَادِيَّةً وَسَبَبًا شَرْعِيًّا لِقَصْرِ مَقَامِهِ عَلَى الْجَنَّةِ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ مُخَالَفَةُ النَّفْسِ رَأْسَ الْعِبَادَةِ قَالَ فِي الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ وَقَدْ سُئِلَ الْمَشَايِخُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالُوا: ذَبْحُ النَّفْسِ بِسُيُوفِ الْمُخَالَفَةِ
وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ نَجَمَتْ طَوَارِقُ نَفْسِهِ أَفَلَتَ شَوَارِقُ أُنْسِهِ قَالَ ذُو النُّونِ: مِفْتَاحُ الْعِبَادَةِ الْفِكْرُ وَعَلَامَةُ الْإِصَابَةِ مُخَالَفَةُ النَّفْسِ وَالْهَوَى وَمُخَالَفَتُهَا تَرْكُ شَهَوَاتِهَا وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: النَّفْسُ مَجْبُولَةٌ عَلَى سُوءِ الْأَدَبِ وَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ بِمُلَازَمَةِ الْأَدَبِ فَالنَّفْسُ تَجْرِي بِطَبْعِهَا فِي مَيْدَانِ الْمُخَالَفَةِ وَالْعَبْدُ يَرُدُّهَا بِجَهْدِهِ عَنْ سُوءِ الْمُطَالَبَةِ فَمَنْ أَطْلَقَ عِنَانَهَا فَهُوَ شَرِيكُهَا مَعَهَا فِي فَسَادِهَا وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ﴾ [الجاثية: ٢٣] جَعَلَ ﴿إِلَهَهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] مَعْبُودَهُ ﴿هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] بِحَيْثُ لَا يَعْبُدُ إلَّا مَا تَهْوَاهُ نَفْسُهُ بِأَنْ أَطَاعَهُ، وَبَنَى عَلَيْهِ دِينَهُ لَا يَسْمَعُ حُجَّةً وَلَا يُبْصِرُ دَلِيلًا وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] فِي إيثَارِ الدُّنْيَا وَاسْتِرْضَاءِ قَوْمِهِ وَأَعْرَضَ عَنْ مُقْتَضَى الْآيَاتِ وَالنُّذُرِ ﴿فَمَثَلُهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] فَصِفَتُهُ الَّتِي هِيَ مَثَلٌ فِي الْخِسَّةِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ النَّظِيرُ يُقَالُ مِثْلٌ وَمَثَلٌ وَمَثِيلٌ كَشَبَهٍ وَشِبْهٍ وَشَبِيهٍ ثُمَّ نُقِلَ لِلْقَوْلِ السَّائِرِ الْمُمَثَّلِ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ وَلَا يُضْرَبُ إلَّا مَا فِيهِ غَرَابَةٌ؛ وَلِذَلِكَ حُوفِظَ عَلَيْهِ مِنْ التَّغْيِيرِ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِكُلِّ حَالٍ أَوْ قِصَّةٍ أَوْ صِفَةٍ لَهَا شَأْنٌ، وَفِيهَا غَرَابَةٌ
﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] كَصِفَتِهِ فِي أَخَسِّ أَحْوَالِهِ أَوْ فِي عَدَمِ التَّأَثُّرِ بِالْوَعْظِ وَالْبَقَاءِ عَلَى الضَّلَالَةِ ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] أَيْ تَزْجُرْهُ وَتَطْرُدْهُ ﴿يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦] مِنْ لَهَثَ كَمَنَعَ وَاللُّهْثَةُ بِالضَّمِّ الْعَطَشُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ ﴿أَوْ تَتْرُكْهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] مِنْ غَيْرِ حِمْلٍ عَلَيْهِ وَلَا زَجْرٍ عَنْ هَذِهِ الْفَعْلَةِ ﴿يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦]
стр. 378
فَهُوَ يَلْهَثُ عَلَى كُلِّ حَالٍ قِيلَ كُلُّ حَيَوَانٍ يَلْهَثُ مِنْ تَعَبٍ أَوْ عَطَشٍ سِوَى الْكَلْبِ فَإِنَّهُ يَلْهَثُ فِي كُلِّ حَالٍ مِنْ الرَّاحَةِ وَالشِّدَّةِ وَكَذَا مُتَّبِعُ هَوَاهُ يَلْهَثُ عَلَى غَرَضِ نَفْسِهِ أَيْ يَتَعَطَّشُ إلَى الدُّنْيَا وَإِلَى الْحَظِّ الْعَاجِلِ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى الْوَعْظِ وَالنَّصَائِحِ وَلَا إلَى غَيْرِهِمَا قِيلَ هُوَ أَحَدُ عُلَمَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ أَوْ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَوْ بَلْعَامُ بْنُ بَاعُورَاءَ وَقَدْ سَمِعْت بَعْضَ أَحْوَالِهِ قَرِيبًا
وَرُوِيَ أَنَّ قَوْمَهُ سَأَلُوهُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى مُوسَى ﵊ فَقَالَ كَيْفَ أَدْعُو عَلَى كَلِيمِ اللَّهِ وَمَعَهُ الْمَلَائِكَةُ فَأَلَحُّوا وَعَرَضُوا لَهُ شَيْئًا وَتَوَسَّلُوا بِالْغَيْرِ وَاسْتَشْفَعُوا فَمَالَ إلَى هَوَى نَفْسِهِ حَتَّى دَعَا عَلَيْهِ فَبَقِيَ مُوسَى مَعَ جُنْدِهِ فِي التِّيهِ فَجَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَنْزِلَةِ الْكَلْبِ الْمَطْرُودِ فَأَوْقَعَهُ فِي بَحْرِ الضَّلَالِ إلَى الْأَبَدِ فَسَلَبَ عَنْهُ مَعْرِفَتُهُ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صَنَّفَ كِتَابًا فِي نَفْيِ صَانِعِ الْعَالَمِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ سَخَطِهِ وَقَالَ فِي الْمِنْهَاجِ: فَانْظُرْ شُؤْمَ حُبِّ الدُّنْيَا مَا يَفْعَلُ بِالْعُلَمَاءِ خَاصَّةً فَتَنَبَّهْ، فَإِنَّ الْأَمْرَ خَطِيرٌ وَالْعُمُرُ قَصِيرٌ، وَفِي الْعَمَلِ تَقْصِيرٌ وَالنَّاقِدُ بَصِيرٌ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الكهف: ٢٨] غَرَضَ نَفْسِهِ مِنْ شَهْوَتِهِ الْعَاجِلَةِ ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] ضَيَاعًا وَهَلَاكًا لِإِهْمَالِهِ نَفْسَهُ فِي كُلِّ مَا تَمَنَّاهُ وَلِإِرْسَالِهِ فِي كُلِّ مُيُولَاتِهِ وَإِفْنَاءِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي أُعْطِيت لَهُ لِاكْتِسَابِ الْبَاقِيَاتِ فَتَبَعِيَّةُ الْهَوَى أَفَضْت إلَى الضَّيَاعِ وَالْهَلَاكِ
قَالَ الْجُنَيْدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - النَّفْسُ هِيَ الدَّاعِيَةُ إلَى الْمَهَالِكِ الْمُعِينَةُ لِلْأَعْدَاءِ الْمُتَّبِعَةُ لِلْهَوَى الْمُتَّهَمَةُ بِأَصْنَافِ الْأَسْوَاءِ، وَفِي الْقُشَيْرِيِّ كَيْفَ يَصِحُّ لِلْعَاقِلِ الرِّضَا عَنْ نَفْسِهِ وَالْكَرِيمُ بْنُ الْكَرِيمِ بْنِ الْكَرِيمِ بْنِ الْكَرِيمِ يَقُولُ - ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]- ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الروم: ٢٩] بِالْكُفْرِ أَوْ الْفِسْقِ ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ [الروم: ٢٩] مُقْتَضَيَاتِ نُفُوسِهِمْ فِي حُظُوظِهِمْ الْعَاجِلَةِ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الروم: ٢٩] مَعَ جَهْلٍ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ [القصص: ٥٠] أَكْثَرُ ضَلَالًا ﴿مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [القصص: ٥٠] وَلَا مُسَاوِيَ لَهُ فِي الضَّلَالَةِ فَضْلًا عَنْ السَّبْقَةِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الطَّمَسْتَانِيِّ النِّعْمَةُ الْعُظْمَى الْخُرُوجُ عَنْ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ أَعْظَمُ حِجَابًا بَيْنَك وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ سَهْلٍ مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِثْلَ مُخَالَفَةِ النَّفْسِ وَالْهَوَى حُكِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ شَيْبَانَ أَنَّهُ قَالَ مَا بِتُّ تَحْتَ سَقْفٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَكُنْت أَشْتَهِي عَدْسًا وَلَمْ يُتَّفَقْ لِي فَوَقْتًا حُمِلَ إلَيَّ عَدَسٌ فَتَنَاوَلْت فَخَرَجْت فَرَأَيْت قَوَارِيرَ فَظَنَنْته خَلًّا فَقِيلَ خَمْرٌ وَهَذِهِ الدِّنَانُ أَيْضًا خَمْرٌ فَأَصَبْت وَالْحِمَارُ يَتَوَهَّمُ أَنَّ فِعْلِي بِأَمْرِ السُّلْطَانِ فَعِنْدَ مَعْرِفَتِهِ حَالِي حَمَلَنِي إلَى ابْنِ طُولُونَ فَضَرَبَنِي مِائَتَيْ خَشَبَةٍ وَطَرَحَنِي فِي السِّجْنِ فَبَعْدَ مُدَّةٍ شَفَعَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيُّ فَلَمَّا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَيَّ قَالَ إيشْ فَعَلْت بِشِبْعَةِ عَدْسٍ وَمِائَتَيْ خَشَبَةٍ فَقَالَ نَجَوْت مَجَّانًا
وَعَنْ السَّرِيِّ إنَّ نَفْسِي تُطَالِبُنِي ثَلَاثِينَ سَنَةً أَوْ أَرْبَعِينَ أَنْ أَغْمِسَ جَزَرَةً فِي دِبْسٍ فَمَا أَطْعَمْتهَا وَقِيلَ وَجَّهَ عِصَامُ بْنُ يُوسُفَ الْبَلْخِيّ شَيْئًا إلَى حَاتِمٍ الْأَصَمِّ فَقِبَلَهُ فَقِيلَ لَهُ لِمَ قَبِلْته قَالَ وَجَدْت فِي أَخْذِهِ ذُلِّي وَعِزَّهُ وَفِي رَدِّهِ عِزِّي وَذُلَّهُ وَالتَّفْصِيلُ فِي الْقُشَيْرِيَّةِ (وَخَرَّجَ ز) الْبَزَّارُ (عَنْ أَنَسٍ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ) هُوَ قَوْلُهُ ﵊ «ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ وَثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ وَثَلَاثٌ
стр. 379
كَفَّارَاتٌ وَثَلَاثٌ دَرَجَاتٌ (أَمَّا الْمُهْلِكَاتُ فَشُحٌّ) » بُخْلٌ «مُطَاعٌ» يُطِيعُهُ النَّاسُ أَوْ هُوَ يُطِيعُ بُخْلَهُ «وَهَوًى مُتَّبَعٌ» يَتْبَعُ كُلُّ أَحَدٍ لِمَا أَمَرَهُ هَوَاهُ أَوْ هُوَ نَفْسُهُ يَتْبَعُ فِي كُلِّ مَا يَهْوَاهُ «وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ» يَجِدُ نَفْسَهُ حَسَنًا بِمَعْنَى رُؤْيَةِ نَفْسِهِ كَامِلًا مَعَ نِسْيَانِ عُيُوبِهِ
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَمِنْ آفَاتِ الْعُجْبِ أَنَّهُ يَحْجُبَ عَنْ التَّوْفِيقِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا شَيْءَ أَسْرَعُ مِنْهُ إلَى الْهَلَاكِ قَالَ عِيسَى - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ كَمْ مِنْ سِرَاجٍ قَدْ أَطْفَأَتْهُ الرِّيحُ وَكَمْ مِنْ عَابِدٍ أَفْسَدَهُ الْعُجْبُ، وَأَمَّا الْمُنْجِيَاتُ فَالْعَدْلُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا وَالْقَصْدُ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى وَخَشْيَةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَالْكَفَّارَاتُ فَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي السَّبَرَاتِ فِي شَدَائِدِ الْبَرْدِ وَنَقْلُ الْأَقْدَامِ إلَى الْجَمَاعَاتِ، وَأَمَّا الدَّرَجَاتُ فَإِطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ بَيْنَ النَّاسِ مَنْ عَرَفْته أَوْ لَمْ تَعْرِفْهُ وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ صَلَاةُ التَّهَجُّدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ حَالَ غَفْلَةِ النَّاسِ وَاسْتِغْرَاقِهِمْ فِي لَذَّةِ النَّوْمِ وَذَلِكَ وَقْتَ الصَّفَاءِ وَتَنَزُّلَاتِ غَيْثِ الرَّحْمَةِ وَإِشْرَاقِ الْأَنْوَارِ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى هَذَا الْبَيَانِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَرْمُوزٌ لِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ رِوَايَةً عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَتَرْتِيبُ الْبَزَّارِ عَلَى رِوَايَةِ الْمُغَايَرَةِ لَكِنْ قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الْعَلَائِيِّ سَنَدُهُ ضَعِيفٌ وَعَدَّهُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ الْمَنَاكِيرِ قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَنْ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا وَمَرْوِيٌّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَإِنْ لَمْ تَسْلَمْ أَفْرَادُ الْأَسَانِيدِ عَنْ الْمَقَالِ لَكِنَّ مَجْمُوعَهَا حَسَنٌ.
(أَقُولُ) وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ الْمَلَأَ الْأَعْلَى اخْتَصَمُوا أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَلَمْ يَنْكَشِفْ لَهُمْ فَعَرَضُوا إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى اصْبِرُوا حَتَّى يَأْتِيَ حَلَّالُ الْمُشْكِلَاتِ فَعِنْدَ بَعْثِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَلَبُوا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى حَلَّهُ عَلَى وَعْدِهِ فَأَرْسَلَ جَبْرَائِيلَ فَأُسْرِيَ بِهِ إلَى الْمِعْرَاجِ إلَى أَنْ وَصَلَ ﵇ إلَى مَقَامِ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى فِيهِ إلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ثُمَّ بَعْدَ الْعَوْدَةِ سَأَلُوا فَأَجَابَ بِمَضْمُونِ هَذَا الْحَدِيثِ (وَخَرَّجَ دُنْيَا) ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا (عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ ﵊ «إنَّ أَشَدَّ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ خَصْلَتَانِ اتِّبَاعُ الْهَوَى» الِانْقِيَادُ لِحُظُوظِ النَّفْسِ «وَطُولُ الْأَمَلِ» مَأْمُولِيَّةُ طُولِ الْبَقَاءِ وَنِسْيَانُ الْمَوْتِ «فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَإِنَّهُ يَعْدِلُ» يَمِيلُ «بِك عَنْ» اتِّبَاعِ «الْحَقِّ» الشَّرِيعَةِ الْحَقَّةِ «، وَأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَإِنَّهُ يُحَبِّبُ» أَيْ يَجْعَلُ «إلَيْك الدُّنْيَا» مَحْبُوبَةً.
(وَخَرَّجَ ت) التِّرْمِذِيُّ (عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْكَيِّسُ» خِلَافُ الْأَحْمَقِ أَيْ الْعَاقِلُ الذَّكِيُّ الْفَطِنُ وَقِيلَ الرِّفْقُ فِي الْأُمُورِ وَعَنْ الرَّاغِبِ الْقُدْرَةِ عَلَى جَوْدَةِ اسْتِنْبَاطِ مَا هُوَ أَصْلَحُ فِي بُلُوغِ الْخَيْرِ «مَنْ دَانَ نَفْسَهُ» غَلَبَ وَقَهَرَ وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِحَاسَبَهَا وَأَذَلَّهَا يَعْنِي جَعَلَ نَفْسَهُ مُطِيعَةً لِأَوَامِرِ رَبِّهَا وَقِيلَ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَى الْعِبَادَةِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ كَانَ مَشَايِخُنَا يُحَاسِبُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى أَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ وَيُقَيِّدُونَ فِي دَفْتَرٍ فَإِذَا كَانَ بَعْدَ الْعِشَاءِ حَاسَبُوا نُفُوسَهُمْ وَأَحْضَرُوا دَفْتَرَهمْ فَإِنْ اسْتَحَقَّ اسْتِغْفَارًا اسْتَغْفَرُوا، وَإِنْ شُكْرًا فَشَكَرُوا ثُمَّ يَنَامُونَ فَزِدْنَا عَلَيْهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ الْخَوَاطِرَ فَكُنَّا نُقَيِّدُ مَا تُحَدِّثُ بِهِ نُفُوسُنَا وَنَهْتَمُّ بِهِ وَنُحَاسِبُهَا عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا «وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ» قَبْلَ نُزُولِهِ لِيَصِيرَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَالْمَوْتُ عَاقِبَةُ أُمُورِ الدُّنْيَا فَالْكَيِّسُ مَنْ أَبْصَرَ الْعَاقِبَةَ وَالْأَحْمَقُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا وَحَجَبَتْهُ الشَّهَوَاتُ وَالْغَفَلَاتُ
стр. 380
«وَالْعَاجِزُ» الْمُقَصِّرُ فِي الْأُمُورِ «مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا» فَلَمْ يَكُفَّهَا عَنْ الشَّهَوَاتِ وَلَمْ يَمْنَعْهَا عَنْ الْحُرُمَاتِ وَاللَّذَّاتِ «وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ الْأَمَانِيَّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ يَعْنِي مَعَ تَقْصِيرِهِ فِي طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ شَهَوَاتِهِ لَا يَسْتَعِدُّ وَلَا يَعْتَذِرُ وَلَا يَرْجِعُ بَلْ تَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْعَفْوَ وَالْجَنَّةَ مَعَ الْإِصْرَارِ وَتَرْكِ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ
قَالَ الطِّيبِيُّ الْعَاجِزُ مَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فَأَعْطَاهَا مَا تَشْتَهِيهِ قَالَ الْحَسَنُ إنَّ قَوْمًا أَلْهَتْهُمْ الْأَمَانِيُّ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا لَهُمْ حَسَنَةً وَيَقُولُ: أَحَدُهُمْ إنِّي أُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّي وَكَذَبَ فَإِنَّهُ لَوْ أَحْسَنَ الظَّنَّ لَعَمِلَ الْحَسَنَ ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣] وَقَدْ أَفَادَ الْخَبَرُ أَنَّ التَّمَنِّي مَذْمُومٌ، وَأَمَّا الرَّجَاءُ فَمَحْمُودٌ فَإِنَّ التَّمَنِّي يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إلَى الْكَسَلِ بِخِلَافِ الرَّجَاءِ فَإِنَّهُ تَعْلِيقُ الْقَلْبِ بِمَحْبُوبٍ يَحْصُلُ حَالًا قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرَّجَاءُ يَكُونُ لَهُ أَصْلٌ دُونَ التَّمَنِّي (فَالْهَوَى مَصْدَرُ هَوِيَهُ يَهْوَاهُ مِنْ بَابِ عَلِمَ أَيْ أَحَبَّهُ وَاشْتَهَاهُ) وَفِي الْقَامُوسِ الْهَوَى بِالْقَصْرِ الْعِشْقُ فِي الْخَيْرِ أَوْ الشَّرِّ وَإِرَادَةُ النَّفْسِ وَفِي الصِّحَاحِ هُوَ بِالْقَصْرِ هَوَى النَّفْسِ وَالْجَمْعُ الْأَهْوَاءُ وَهَوِيَ بِالْكَسْرِ يَهْوِي هَوًى إذَا أَحَبَّ (وَالنَّفْسُ بِالطَّبْعِ) يَعْنِي إذَا خُلِّيَتْ عَنْ الْمَوَانِعِ الْخَارِجَةِ وَطَبْعِهَا (مَيَّالَةٌ إلَى الشَّرِّ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) بِمَا يَضُرُّ صَاحِبَهَا مِنْ تَشَهِّي مَا لَا يَرْضَى بِهِ اللَّهُ تَعَالَى اقْتِبَاسٌ وَإِشَارَةٌ إلَى دَلِيلِ الْحُكْمِ
قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ: عَنْ بَعْضٍ إذَا هَمَّتْ النَّفْسُ بِمَعْصِيَةٍ أَوْ انْبَعَثَتْ لِشَهْوَةٍ لَوْ تَشَفَّعْت إلَيْهَا بِاَللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ بِرَسُولِهِ وَبِجَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ وَبِكِتَابِهِ وَبِجَمِيعِ السَّلَفِ وَتُعْرِضُ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَالْقَبْرَ وَالْقِيَامَةَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ لَا تُعْطِي الِانْقِيَادَ وَلَا تَتْرُكُ الشَّهْوَةَ ثُمَّ اسْتَقْبَلْتهَا بِمَنْعِ رَغِيفٍ تَسْكُنُ وَتَتْرُكُ شَهْوَتَهَا (فَاتِّبَاعُ هَوَاهَا يُرْدِي) مِنْ الرَّدَى (وَيُهْلِكُ) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (لَا مَحَالَةَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ أَلْبَتَّةَ فَالْعَاقِلُ يُتَّهَمُ عَلَى مُخَالَفَةِ كُلِّ مَا تَمِيلُ إلَيْهِ كَمَا قَالَ الْبُوصِيرِيُّ فِي قَصِيدَتِهِ
وَخَالِفْ النَّفْسَ وَالشَّيْطَانَ وَاعْصِهِمَا ... وَإِنْ هُمَا مَحَضَاكَ النُّصْحَ فَاتَّهِمْ
وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَدُورُ مَا فِي الْمِنْهَاجِ عَنْ بَعْضٍ يُقَالُ لَهُ أَحْمَدُ بْنُ أَرْقَمَ الْبَلْخِيّ أَنَّهُ قَالَ نَازَعَتْنِي نَفْسِي بِالْخُرُوجِ إلَى الْغَزْوِ فَقُلْت سُبْحَانَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ - ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]- وَهَذِهِ تَأْمُرُنِي بِالْخَيْرَاتِ
قُلْت مُرَادُهَا الْخَلَاصُ مِنْ حَبْسِ الْوَحْدَةِ فَتَصِلُ إلَى الْخُلْطَةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ بِالْأُلْفَةِ وَإِكْرَامِ الْخَلْقِ فَقُلْت لَهَا لَا أُنْزِلُك الْعُمْرَانَ أَبَدًا وَلَا عَلَى مَعْرِفَةِ أَحَدٍ فَأَجَابَتْ أَسَأْت الظَّنَّ وَقُلْت اللَّهُ أَصْدَقُ فَقُلْت أُقَاتِلُ الْعَدُوَّ مُقَدَّمًا عَلَى الْكُلِّ فَتُقْتَلُ فَأَجَابَتْ ثُمَّ عَدَّدْت أَشْيَاءَ فَأَجَابَتْ لِكُلٍّ ثُمَّ قُلْت يَا رَبِّ نَبِّهْنِي بِهَا، فَإِنِّي مُتَّهِمٌ لَهَا فَكُوشِفْت كَأَنَّ النَّفْسَ تَقُولُ يَا أَحْمَدُ أَنْتَ تَقْتُلُنِي كُلَّ يَوْمٍ مَرَّاتٍ بِمَنْعِ شَهَوَاتِي وَبِمُخَالَفَةِ مُيُولَاتِي فَإِنْ قَاتَلْت قُتِلَتْ أَنَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَنَجَوْت مِنْ قَتَلَاتِكَ وَيَتَسَامَعُ النَّاسُ شَهَادَتِي فَيَكُونُ لِي ذِكْرًا وَشَرَفًا قَالَ فَقَعَدْت وَلَمْ أَخْرُجْ إلَى الْغَزْوِ فَانْظُرْ إلَى خِدَاعِهَا تَرْضَى إيقَاعَ نَفْسِهَا فِي التَّهْلُكَةِ بِمُجَرَّدِ رِيَاءٍ بَعْدَ مَوْتِهَا وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ
تَوَقَّ نَفْسَك لَا تَأْمَنْ غَوَائِلَهَا ... فَالنَّفْسُ أَخْبَثُ مِنْ سَبْعِينَ شَيْطَانَا
(أَمَّا فِي غَيْرِ الْمُبَاحَاتِ) مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ (فَظَاهِرٌ) إرْدَاؤُهُ وَإِهْلَاكُهُ مِنْ الْعِقَابِ وَالْعِتَابِ
стр. 381
وَاسْتِحْقَاقِ حِرْمَانِ الشَّفَاعَةِ (وَأَمَّا فِيهَا) فِي الشَّهَوَاتِ الْمُبَاحَاتِ (فَبَعْدَ كَوْنِهِ) أَيْ الْهَوَى (صِفَةً بَهِيمِيَّةً) مِنْ صِفَاتِ الْبَهَائِمِ مِنْ الرَّتْعِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْغَفْلَةِ عَنْ الشُّكْرِ (وَرُكُونًا) مَيْلًا (إلَى الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ) الْخَسِيسَةِ حَتَّى لَا تَعْدِلَ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى (وَشُغْلًا شَاغِلًا عَنْ الطَّاعَةِ وَزَادِ الْآخِرَةِ) كَالتَّقْوَى فَإِنَّهَا خَيْرُ الزَّادِ (مُفْضٍ إلَى الْمَحْظُورِ) الْمَمْنُوعِ كَالْمُحَرَّمَاتِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ إذَا شَبِعَتْ بِالْمُبَاحَاتِ تُشَجِّعُ عَلَى الْمَمْنُوعَاتِ (وَجَارٌّ) بِالتَّشْدِيدِ مِنْ الْجَرِّ بِمَعْنَى الْجَذْبِ (إلَى الشُّرُورِ وَمُؤَدٍّ إلَى الْفُجُورِ) مِنْ الْفِسْقِ وَالْعِصْيَانِ (وَحِمًى) مِنْ حَمَيْته حِمَايَةً أَيْ دَفَعْت عَنْهُ وَهَذَا شَيْءٌ حِمًى عَلَى فَعَلٌ أَيْ مَحْظُورٌ لَا يُقْرَبُ وَأَحْمَيْت الْمَكَانَ جَعَلْته حِمًى وَفِي الْحَدِيثِ «لَا حِمَى إلَّا اللَّهُ وَرَسُولُهُ» نَقَلَ عَنْ الصِّحَاحِ (لِلْحَرَامِ) كَمَا فِي الْمُحَرَّمَاتِ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِهَا بِبَعْضٍ كَمَا قَالَ الْقَاضِي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١]
وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا وَلَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ اسْتَجَرَّهُ إلَى مُعَاوَدَةِ مِثْلِهِ وَالِانْهِمَاكِ فِيهِ وَارْتِكَابِ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ حَتَّى تَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ الذُّنُوبُ وَتَأْخُذَ بِمَجَامِعِ قَلْبِهِ فَيَصِيرَ بِطَبْعِهِ مَائِلًا إلَى الْمَعَاصِي مُسْتَحْسِنًا إيَّاهَا مُعْتَقِدًا أَنْ لَا لَذَّةَ سِوَاهَا مُبْغِضًا لِمَنْ يَمْنَعُهُ عَنْهَا مُكَذِّبًا لِمَنْ يَنْصَحُهُ فِيهَا (وَمَأْوًى) مَرْجِعًا (لِلْآلَامِ) مِنْ الْأَلَمِ (وَالْآثَامِ) مِنْ الْإِثْمِ (وَصَاحِبُهُ) صَاحِبُ هَوَى النَّفْسِ فِي الْمُبَاحَاتِ (خَسِيسٌ دَنِيءٌ) أَيْ خَبِيثُ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ مَاجِنٌ كَمَا نَقَلَ عَنْ الْقَامُوسِ (لَئِيمٌ) مِنْ اللُّؤْمِ ضِدُّ الْكَرَمِ (رَذِيلٌ بَلْ هُوَ خِنْزِيرُ الشَّهْوَةِ) أَيْ شَهْوَتُهُ الَّتِي هِيَ كَشَهْوَةِ الْخِنْزِيرِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْمُشَبَّهِ بِهِ إلَى الْمُشَبَّهِ كَلُجَيْنِ الْمَاءِ أَوْ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ مِنْ قَبِيلِ زَيْدٌ أَسَدٌ (خَادِمٌ مُطِيعٌ وَعَبْدٌ ذَلِيلٌ وَأَنْشَدُوا) أَيْ الْعُلَمَاءُ (نُونُ الْهَوَانِ) بِمَعْنَى الذُّلِّ وَالْحَقَارَةِ (مِنْ الْهَوَى مَسْرُوقَةٌ) أَيْ أَصْلُ الْهَوَى الْهَوَانُ فَأُخِذَتْ النُّونُ مِنْهُ وَوُضِعَتْ فِي الْهَوَانِ (فَصَرِيعُ كُلِّ هَوًى) أَيْ مَصْرُوعُ كُلِّ هَوَى النَّفْسِ (صَرِيعُ هَوَانٍ) مَصْرُوعُ ذِلَّةٍ وَحَقَارَةٍ فَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْهَوَى يَغْلِبْ عَلَيْهِ الْهَوَانُ وَالذِّلَّةُ فَيَصِيرُ مُسْتَقْبَحًا وَمُسْتَنْكَرًا؛ وَلِأَنَّهُ أَسِيرٌ وَشَأْنُ الْأَسِيرِ مُهَانٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَعَلَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ التَّعَمُّقِ وَعِنْدَ تَجَرُّدِهِ لِتَلَذُّذِ النَّفْسِ كَمَا يُقَالُ إنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الْمُبَاحَاتِ قَدْ يَنْقَلِبُ صَغِيرَةً وَإِلَّا فَبِالنِّيَّةِ الْحَمِيدَةِ يَكُونُ الْمُبَاحُ حَسَنَةً مُثَابًا بِهِ.
(وَمُقَابِلُهُ) أَيْ خِلَافُ اتِّبَاعِ الْهَوَى وَضِدُّهُ (الْمُجَاهَدَةُ، وَهِيَ فَطْمُ النَّفْسِ) أَيْ قَطْعُهَا (عَنْ الْمَأْلُوفَاتِ) أَيْ مَا اعْتَادَتْ عَلَيْهِ وَاسْتَلَذَّتْ بِهِ مِنْ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ (وَحَمْلُهَا عَلَى خِلَافِ هَوَاهَا فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ فَهِيَ بِضَاعَةُ الْعُبَّادِ) بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ جَمْعُ عَابِدٍ يَعْنِي مَالَهُمْ الَّذِي يَتَّجِرُونَ بِهِ فَيَكْتَسِبُونَ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (وَرَأْسُ مَالِ الزُّهَّادِ) جَمْعُ زَاهِدٍ أَيْ الْمُعْرِضُ بِقَلْبِهِ عَنْ الدُّنْيَا (وَمَدَارُ
стр. 382
صَلَاحِ النُّفُوسِ وَتَذْلِيلِهَا) جَعْلِهَا ذَلِيلَةً وَحَقِيرَةً (وَمَلَاكُ) أَيْ مَا يَقُومُ بِهِ (تَقْوِيَةِ الْأَرْوَاحِ) ؛ لِأَنَّ الْمُجَاهَدَةَ شَيْءٌ تَتَقَوَّى بِهِ الْأَرْوَاحُ فَتَسْتَعِدُّ لِلْأَنْوَارِ الْقُدْسِيَّةِ بِالتَّخَلُّصِ عَنْ ظُلُمَاتِ الْأَشْبَاحِ (وَتَصْفِيَتِهَا) مِنْ أَكْدَارِ الطَّبِيعَةِ الْهَيُولَانِيَّةِ وَأَوْسَاخِ الْمَوَادِّ الْجُسْمَانِيَّةِ وَعَوَائِقِ الْمَلَكَاتِ الرَّدِيَّةِ (وَوُصُولِهَا) إلَى الْمُكَاشَفَاتِ اللَّاهُوتِيَّةِ وَالْأَنْوَارِ الْقُدْسِيَّةِ أَوْ إلَى لِقَائِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ مَنْ زَيَّنَ ظَاهِرَهُ بِالْمُجَاهَدَةِ حَسَّنَ اللَّهُ تَعَالَى سَرَائِرَهُ بِالْمُشَاهَدَةِ
وَعَنْ السَّرِيِّ يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ جِدُّوا قَبْلَ أَنْ تَبْلُغُوا مَبْلَغِي فَتَضْعُفُوا وَتُقَصِّرُوا كَمَا قَصَّرْت وَقَدْ كَانَ لَا يَلْحَقُهُ أَحَدٌ مِنْ الشَّبَابِ فِي الْعِبَادَةِ وَالْمُجَاهَدَةِ بِأَنْ لَا يَأْكُلَ إلَّا بِالْفَاقَةِ وَلَا يَنَامَ إلَّا عِنْدَ الْغَلَبَةِ وَلَا يَتَكَلَّمَ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ لَنْ يَنَالَ الرَّجُلُ دَرَجَةَ الصَّالِحِينَ حَتَّى يَجُوزَ سِتَّ عَقَبَاتٍ يُغْلِقُ بَابَ النِّعْمَةِ وَيَفْتَحُ بَابَ الشِّدَّةِ يُغْلِقُ بَابَ الْعِزِّ وَيَفْتَحُ بَابَ الذُّلِّ يُغْلِقُ بَابَ الرَّاحَةِ وَيَفْتَحُ بَابَ الْجَهْدِ يُغْلِقُ بَابَ النَّوْمِ وَيَفْتَحُ بَابَ السَّهَرِ وَيُغْلِقُ بَابَ الْغِنَى وَيَفْتَحُ بَابَ الْفَقْرِ يُغْلِقُ بَابَ الْأَمَلِ وَيَفْتَحُ بَابَ الِاسْتِعْدَادِ لِلْمَوْتِ
وَاعْلَمْ أَنَّ لِلنَّفْسِ صِفَتَيْنِ انْهِمَاكٌ فِي الشَّهَوَاتِ وَامْتِنَاعٌ عَنْ الطَّاعَاتِ فَإِذَا جَمَحَتْ عِنْدَ رُكُوبِ الْهَوَى يَجِبُ كَبْحُهَا بِلِجَامِ التَّقْوَى وَإِذَا حَرَنَتْ عِنْدَ الْقِيَامِ بِالْمُوَافَقَاتِ يَجِبُ سَوْقُهَا بِسَوْطِ خِلَافِ الْهَوَى وَجَهْدُ الْعَوَامّ فِي تَوْفِيَةِ الْأَعْمَالِ وَقَصْدُ الْخَوَاصِّ إلَى تَصْفِيَةِ الْأَحْوَالِ وَعَنْ بَعْضٍ قَالَ حَجَجْت كَذَا كَذَا حَجَّةً فَبَانَ لِي أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مَشُوبٌ بِحَظِّي وَذَلِكَ أَنَّ وَالِدَتِي سَأَلَتْنِي يَوْمًا أَنْ أَسْتَقِيَ لَهَا جَرَّةَ مَاءٍ فَثَقُلَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِي فَعَلِمْت أَنَّ مُطَاوَعَةَ نَفْسِي فِي الْحَجَّاتِ كَانَتْ لِحَظٍّ وَشَرَفٍ لِنَفْسِي إذْ لَوْ كَانَتْ نَفْسِي عَلَى خُلُوصٍ لَمْ يَصْعُبْ عَلَيْهَا مَا هُوَ حَقُّ الشَّرْعِ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الرَّاحَةُ هِيَ الْخَلَاصُ مِنْ أَمَانِي النَّفْسِ وَعَنْ بَعْضٍ الْآفَةُ مِنْ ثَلَاثٍ سَقَمُ الطَّبِيعَةِ أَيْ أَكْلُ الْحَرَامِ وَمُلَازَمَةُ الْعَادَةِ أَيْ النَّظَرِ وَالِاسْتِمَاعِ لِلْحَرَامِ وَفَسَادُ الصُّحْبَةِ أَيْ تَبَعِيَّةُ كُلِّ شَهْوَةٍ لِلنَّفْسِ وَعَنْ بَعْضٍ لَا يَرَى أَحَدٌ عَيْبَ نَفْسِهِ، وَهُوَ مُسْتَحْسِنٌ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا وَإِنَّمَا يَرَى عُيُوبَ نَفْسِهِ مَنْ يَتَّهِمُهَا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَعَنْ السَّرِيِّ إيَّاكُمْ وَجِيرَانَ الْأَغْنِيَاءِ وَقُرَّاءَ الْأَسْوَاقِ وَعُلَمَاءَ الْأُمَرَاءِ وَعَنْ ذِي النُّونِ إنَّمَا دَخَلَ الْفَسَادُ عَلَى الْخَلْقِ مِنْ سِتَّةِ أَشْيَاءَ أَوَّلُهَا ضَعْفُ النِّيَّةِ بِعَمَلِ الْآخِرَةِ صَارَتْ أَبْدَانُهُمْ رَهِينَةً لِشَهَوَاتِهِمْ ثَانِيهَا غَلَبَ عَلَيْهِمْ طُولُ الْأَمَلِ مَعَ قُرْبِ الْأَجَلِ ثَالِثُهَا آثَرُوا رِضَا الْمَخْلُوقِينَ عَلَى رِضَا الْخَالِقِ رَابِعُهَا اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ خَامِسُهَا وَنَبَذُوا سُنَّةَ نَبِيِّهِمْ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ سَادِسُهَا جَعَلُوا زَلَّاتِ السَّلَفِ حُجَّةَ أَنْفُسِهِمْ وَدَفَنُوا كَثِيرَ مَنَاقِبِهِمْ الْكُلُّ مِنْ الْقُشَيْرِيَّةِ إذَا عَرَفْت حَالَ النَّفْسِ مِنْ أَنَّ الْخِزْيَ وَالْبُؤْسَ فِي مُوَافَقَتِهَا وَالْعِزَّ وَالشَّرَفَ وَالرِّفْعَةَ فِي مُخَالَفَتِهَا (فَعَلَيْك أَيُّهَا السَّالِكُ) مِنْ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ الْفَانِيَةِ إلَى الْآخِرَةِ الْفَاخِرَةِ الْبَاقِيَةِ أَوْ السَّالِكُ مِنْ كَدُورَاتِ عَالَمِ الرِّجْسِ وَالزُّورِ إلَى مَعَالِي عَيَالِمِ الْقُدْسِ وَالنُّورِ (بِالتَّشَمُّرِ) السَّعْيِ الْبَلِيغِ وَالْجَدِّ التَّامِّ (فِي مَنْعِ النَّفْسِ عَنْ الْهَوَى) وَلَوْ بِالْحِيَلِ وَالرِّيَاضَاتِ وَتَكْلِيفِ الْأَفْعَالِ الشَّاقَّةِ (وَحَمْلِهَا عَلَى الْمُجَاهَدَةِ) عَلَى مَا ذُكِرَ مَتْنًا وَشَرْحًا حَتَّى تَنْقَادَ لَك فِيمَا أَمَرْت بِهِ (إنْ شِئْت مِنْ اللَّهِ الْهُدَى) فَمَنْ كَانَ مُرَادُهُ الْهِدَايَةَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا بُدَّ أَنْ يُحَصِّلَ الْمُجَاهَدَةَ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمُجَاهَدَةَ عِلَّةً عَادِيَةً لِهِدَايَتِهِ كَمَا (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] طُرُقَنَا الْمُوَصِّلَةَ إلَيْنَا، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي هُوَ صِرَاطُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَوْ سَبِيلِ السَّيْرِ إلَيْنَا وَالْوُصُولِ إلَى جَنَابِنَا أَوْ لَنَزِيدَنَّهُمْ هِدَايَةً إلَى سُبُلِ الْخَيْرِ وَتَوْفِيقًا إلَى سُلُوكِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦] ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧] وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ جَاهَدَ﴾ [العنكبوت: ٦] نَفْسَهُ عَنْ مِحَنِ الطَّاعَاتِ وَمَشَاقِّ الْعِبَادَاتِ وَالْكَفِّ عَنْ الْمُيُولَاتِ وَالشَّهَوَاتِ ﴿فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: ٦] ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهَا لَهَا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦] لَا تَنْفَعُهُ الطَّاعَاتُ وَلَا تَضُرُّهُ الْمَعْصِيَةُ بِيَدِهِ مَلَكُوتِ الْقُلُوبِ وَالنَّوَاصِي وَلَمَّا أَفَادَ مَا تَقَدَّمَ مَذْمُومِيَّةَ الْمُبَاحَاتِ مُطْلَقًا
стр. 383
وَقَدْ كَانَ نَوْعٌ مِنْهَا غَيْرَ مَذْمُومٍ شَرَعَ فِي بَيَانِهِ فَقَالَ (ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمَذْمُومَ فِي اتِّبَاعِ الْهَوَى فِي الْمُبَاحَاتِ الْإِصْرَارُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى فِي الْمُبَاحَاتِ (إذْ طَبْعُ الْبَشَرِ لَا يَتَحَمَّلُ الْمُخَالَفَةَ الْكُلِّيَّةَ) بِحَيْثُ لَا يَبْقَى حَظُّ نَفْسٍ فِي شَيْءٍ أَصْلًا فَإِنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ الْبَشَرِيَّةِ وَالْتِحَاقٌ بِالْمَلَكِيَّةِ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا يَدُومُ لِلْبَشَرِ وَمُمْتَنِعٌ لِإِفْسَادِهِ الْبِنْيَةَ الْعُنْصُرِيَّةَ الْمَادِّيَّةَ فَلَا تَكْلِيفَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهَا مِمَّا لَا يُطَاقُ وَيُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَفْسُك مَطِيَّتُك فَارْفُقْ بِهَا» (وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْغُلُوِّ) تَجَاوُزِ الْحَدِّ (وَالْإِفْرَاطِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٧٧] (وَقَدْ مَرَّ فِي فَصْلِ الِاقْتِصَادِ أَنَّهُ) أَيْ الْغُلُوَّ (مَنْهِيٌّ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ يُورِثُ الْمَلَالَةَ وَالسَّآمَةَ) أَيْ التَّكَاسُلَ وَالتَّقْصِيرَ (الْمُؤَدِّيَةَ) بَعْدَ ذَلِكَ (إلَى عَدَمِ الْمُدَاوَمَةِ الْمَذْمُومِ جِدًّا) قَطْعًا وَقَوِيًّا (فِي الْعِبَادَةِ) لَعَلَّهُ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ إذْ يَكْثُرُ ذَلِكَ فِي الْعَوَامّ وَفِي حَالِ الِابْتِدَاءِ، وَأَمَّا فِي الْخَوَاصِّ وَحَالِ الِانْتِهَاءِ فَلَا يَبْعُدُ وُجُودُهُ (وَلِذَا) لِقُبْحِ الْمَلَلِ (قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مِنْ الْأَعْمَالِ» الصَّالِحَةِ «مَا تُطِيقُونَهُ» أَيْ تَقْدِرُونَ عَلَى الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ بِلَا تَكَلُّفٍ وَلَا مَشَقَّةٍ «فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَمَلُّ» أَيْ لَا يَعْرِضُ عَنْكُمْ إعْرَاضَ الْمَلُولِ عَنْ الشَّيْءِ أَوْ لَا يَقْطَعُ الثَّوَابَ وَالرَّحْمَةَ عَنْكُمْ مَا بَقِيَ لَكُمْ نَشَاطُ الطَّاعَةِ أَوْ لَا يَتْرُكُ فَضْلَهُ عَنْكُمْ حَتَّى تَتْرُكُوا سُؤَالَهُ ذَكَرَ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ لِلِازْدِوَاجِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وَإِلَّا فَالْمَلَالُ فُتُورٌ يَعْرِضُ لِلنَّفْسِ مِنْ كَثْرَةِ مُزَاوَلَةِ شَيْءٍ فَيُورِثُ الْكَلَالَ فِي الْفِعْلِ، وَهُوَ مُحَالٌ عَلَيْهِ تَعَالَى «حَتَّى تَمَلُّوا» بِفَتْحِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَيْ تَقْطَعُوا أَعْمَالَكُمْ أَوْ تُقَلِّلُوا مِنْهَا قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - رَاوِيَةُ هَذَا الْحَدِيثِ ذُكِرَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْحَوْلَاءَ بِنْتَ ثُوَيْبٍ لَا تَنَامُ اللَّيْلَ فَذَكَرَهُ «وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا دَامَ» وَاظَبَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ «، وَإِنْ قَلَّ» وَالظَّاهِرُ مِنْ سَوْقِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ هَذَا مِنْ تَتِمَّةِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ وَالْوَاقِعُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ حَدِيثٌ مُسْتَقِلٌّ آخَرُ قَالَ الْمُنَاوِيُّ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تَأْلَفُهُ فَيَدُومُ بِسَبَبِهِ الْإِقْبَالُ عَلَى الْحَقِّ تَقَدَّسَ؛ وَلِأَنَّ تَارِكَ الْعَمَلِ بَعْدَ الشُّرُوعِ كَالْمُعْرِضِ بَعْدَ الْوَصْلِ؛ وَلِأَنَّ الْمُوَاظِبَ مُلَازِمٌ لِلْخِدْمَةِ وَلَيْسَ مَنْ لَازَمَ الْبَابَ كَمَنْ جَدَّ ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْ الْأَعْتَابِ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْأَنْجَابِ لَا تَقْطَعْ الْخِدْمَةَ، وَإِنْ ظَهَرَ لَك عَدَمُ الْقَبُولِ وَكَفَى بِك شَرَفًا أَنْ يُقِيمَك فِي خِدْمَتِهِ؛ وَلِأَنَّ الْمُدَاوِمَ يَدُومُ لَهُ الْإِمْدَادُ مِنْ حَضْرَةِ رَبِّ الْعِبَادِ وَلِذَلِكَ شَدَّدَ الصُّوفِيَّةُ النَّكِيرَ عَلَى تَرْكِ الْأَوْرَادِ وَفِيهِ فَضِيلَةُ الدَّوَامِ عَلَى الْعَمَلِ وَرَأْفَةُ الْمُصْطَفَى بِأُمَّتِهِ حَيْثُ أَرْشَدَهُمْ إلَى مَا يُصْلِحُهُمْ، وَهُوَ مَا يُمْكِنُ الدَّوَامُ عَلَيْهِ بِلَا مَشَقَّةٍ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ فِيهِ أَنْشَطُ وَبِهِ يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْعَمَلِ، وَهُوَ الْحُضُورُ هَذَا عُصَارَةُ مَا قِيلَ فِي تَوْجِيهِ الدَّوَامِ وَأَقُولُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّوَامِ التَّرَفُّقُ بِالنَّفْسِ وَتَدَرُّبُهَا بِالتَّعَبُّدِ لِئَلَّا تَضْجَرَ فَيَكُونَ مِنْ قَبِيلِ أَنَّ لِجَسَدِك عَلَيْك حَقًّا (خَرَّجَهُ) هَذَا الْحَدِيثَ (خ م عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) وَعَنْ أَبَوَيْهَا (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «خُذُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ» الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ بِلَا ضَرَرٍ «فَوَاَللَّهِ لَا يَسْأَمُ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى تَسْأَمُوا» يَعْنِي اعْمَلُوا بِحَسَبِ
стр. 384
وُسْعِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَعْرِضُ عَنْكُمْ إعْرَاضَ الْمَلُولِ وَلَا يَنْقُصُ ثَوَابَ أَعْمَالِكُمْ مَا بَقِيَ لَكُمْ نَشَاطٌ، فَإِذَا سَئِمْتُمْ فَاقْعُدُوا، فَإِنَّكُمْ إذَا مَلَلْتُمْ مِنْ الْعِبَادَةِ وَأَتَيْتُمْ بِهَا عَلَى كَلَالَةٍ كَانَ مُعَامَلَةُ اللَّهِ مَعَكُمْ مُعَامَلَةَ الْمَلُولِ مِنْكُمْ ذَكَرَهُ الْمُنَاوِيُّ لَكِنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ فِي الْجَامِعِ عَلَى تَخْرِيجِ الطَّبَرَانِيِّ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُمَامَةَ «خُذُوا مِنْ الْعِبَادَةِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْأَمُ حَتَّى تَسْأَمُوا» قَالَ الشَّارِحُ عَنْ الْهَيْثَمِيِّ فِيهِ بِشْرُ بْنُ نُمَيْرٍ ضَعِيفٌ (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ) مَوْقُوفٌ فَإِمَّا حَدِيثٌ مَحْذُوفُ الْإِسْنَادِ أَوْ أَثَرٌ مِنْ آثَارِهِ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ «رَوِّحُوا» مِنْ التَّرْوِيحِ بِمَعْنَى النَّشَاطِ «الْقُلُوبَ» بِإِزَاحَةِ الْكَدِّ كُلَّ آنٍ عَنْ مُكَابَدَةِ الْعِبَادَاتِ بِبَعْضِ الْمُبَاحَاتِ فَسَاعَةٌ لِلذِّكْرِ وَسَاعَةٌ لِلِاسْتِرَاحَةِ «فَإِنَّهَا» أَيْ الْقُلُوبَ «إذَا أُكْرِهَتْ» جُبِرَتْ عَلَى الْأَعْمَالِ «عَيَتْ» تَعِبَتْ وَأَعْرَضَتْ لَكِنْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «رَوِّحُوا الْقُلُوبَ سَاعَةً فَسَاعَةً» فَقَالَ شَارِحُهُ أَيْ أَرِيحُوهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ بِمُبَاحٍ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إنِّي لَأَجُمُّ فُؤَادِي بِبَعْضِ الْبَاطِلِ أَيْ اللَّهْوِ الْجَائِزِ لِأَنْشَطَ لِلْحَقِّ «وَذُكِرَ عِنْدَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقُرْآنُ وَالشِّعْرُ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَالَ أَقُرْآنٌ وَشِعْرٌ فَقَالَ نَعَمْ سَاعَةٌ هَذَا وَسَاعَةٌ ذَلِكَ» وَقَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَأَجِمُّوا هَذِهِ الْقُلُوبَ فَإِنَّهَا تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الْأَبْدَانُ أَيْ تَكِلُّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّمَا «ذَكَرَ الْمُصْطَفَى ذَلِكَ لِأُولَئِكَ الْأَكَابِرِ الَّذِينَ اسْتَوْلَتْ هُمُومُ الْآخِرَةِ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَخَشِيَ عَلَيْهَا أَنْ تَحْتَرِقَ» وَقَالَ الْحَكِيمُ: فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ الذِّكْرُ الْمَنْهَلُ لِلنُّفُوسِ إنَّمَا يَدُومُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثُمَّ يَنْقَطِعُ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا اُنْتُفِعَ بِالْعَيْشِ وَالنَّاسُ فِي الذِّكْرِ طَبَقَاتٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَدُومُ لَهُ ذِكْرُهُ فِي وَقْتِ الذِّكْرِ ثُمَّ تَعْلُوهُ غَفْلَةٌ حَتَّى يَقَعَ فِي التَّخْلِيطِ، وَهُوَ الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَدُومُ لَهُ ذِكْرُهُ فِي وَقْتِ الذِّكْرِ ثُمَّ تَعْلُوهُ مَعْرِفَتُهُ بِسَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ وَحُسْنِ مُعَامَلَتِهِ عِبَادَهُ فَتَطِيبُ نَفْسُهُ بِذَلِكَ فَيَصِلُ إلَى مُعَايَنَتِهِ، وَهُوَ الْمُقْتَصِدُ، وَأَمَّا أَهْلُ الْيَقِينِ وَهُمْ السَّابِقُونَ، فَقَدْ جَاوَزُوا هَذِهِ الْخُطَّةَ، وَلَهُمْ دَرَجَاتٌ قَالَ وَقَوْلُهُ سَاعَةٌ وَسَاعَةٌ أَيْ سَاعَةٌ لِلذِّكْرِ وَسَاعَةٌ لِلنَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ إذَا حُجِبَ عَنْ احْتِمَالِ مَا يَحِلُّ بِهِ يَحْتَاجُ إلَى مِزَاحٍ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُصْطَفَى ﵊ لَمَّا سَارَ إلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى فَغَشِيَهَا مَا غَشَّى وَأَشْرَقَ النُّورُ حَالَ دُونَهُ فِرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ وَتَحَوَّلَتْ السِّدْرَةُ زَبَرْجَدًا وَيَاقُوتًا فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ بَصَرُهُ لِلنُّورِ عُورِضَ بِذَلِكَ مِزَاحًا لِيَسْتَقِرَّ كَأَنَّهُ شَغَلَ قَلْبَهُ بِهَذَا الْمِزَاحِ عَمَّا رَأَى لِئَلَّا يَنْفِرَ، وَلَا يَجِدَ قَرَارًا انْتَهَى (وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قَالَ إنِّي لَأَسْتَجِمُّ نَفْسِي) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ بِمَعْنَى الِاسْتِرَاحَةِ (بِاللَّهْوِ) أَيْ بِمَا تَتَلَهَّى بِهِ النَّفْسُ مِمَّا يُسْتَلَذُّ بِهِ الظَّاهِرُ الْمُبَاحُ كَالْمِزَاحِ (لِيَكُونَ عَوْنًا لِي عَلَى الْحَقِّ) بِالنَّشَاطِ وَالْإِقْدَامِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فَيَنْبَغِي تَرْوِيحُ الذِّهْنِ بِنَحْوِ شِعْرٍ أَوْ حِكَايَاتٍ عِنْدَ جُمُودِ الذِّهْنِ وَوُقُوفِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ إنْسَانٌ عَلَى مُكَابَدَةِ ذِهْنِهِ عَلَى الْفَهْمِ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ مَعَ الْإِكْرَاهِ أَشَدُّ نُفُورًا وَأَبْعَدُ قَبُولًا وَفِي الْأَثَرِ أَنَّ الْقَلْبَ إذَا أُكْرِهَ عَمِيَ فَيُدْفَعُ بِتَرْوِيحِهِ
وَلَيْسَ بِمُغَنٍّ فِي الْمَوَدَّةِ شَافِعٌ ... إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الضُّلُوعِ شَفِيعُ
فَإِنَّ لِهَذِهِ الْقُلُوبِ تَنَافُرًا كَتَنَافُرِ الْوَحْشِ فَتَأَلَّفُوهَا بِالِاقْتِصَادِ فِي التَّعْلِيمِ وَالتَّوَسُّطِ فِي التَّقْوِيمِ لِتَحْسُنَ طَاعَتُهَا وَيَدُومَ نَشَاطُهَا وَفِي صُحُفِ إبْرَاهِيمَ ﵊ عَلَى الْعَبْدِ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ سَاعَةٌ يُنَاجِي رَبَّهُ وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ نَفْسَهُ وَسَاعَةٌ لِلَّذَّةِ نَفْسِهِ فِيمَا يَحِلُّ (فَحِينَئِذٍ) حِينَ كَوْنِ تَرْوِيحِ النَّفْسِ مَطْلُوبًا (لَا بُدَّ أَحْيَانَا أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ الْمُشْتَهَيَاتِ الْمُبَاحَاتِ اسْتِرَاحَةً مِنْ التَّعَبِ) الْحَاصِلِ مِنْ حَمْلِ مَشَاقِّ التَّكْلِيفِ (وَتَحَرُّزًا عَنْ السَّآمَةِ) الْمَلَلِ وَالْكَسَلِ (وَتَحْرِيكًا لِلنَّشَاطِ عَلَى الْعِبَادِ فَلِذَا) أَيْ لِلُزُومِ تَنَاوُلِ الْمُشْتَهَيَاتِ
стр. 385
الْمُبَاحَاتِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ (قَالَ الْإِمَامُ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ ﵀ لَوْ سَكَنَ نَشَاطُهُ) فِي الْعِبَادَةِ (وَضَعُفَتْ رَغْبَتُهُ) فِيهَا (وَعَلِمَ أَنَّ التَّرَفُّهَ) التَّوَسُّعَ وَالرَّاحَةَ وَالتَّنَعُّمَ كَمَا فُهِمَ مِنْ الْقَامُوسِ (بِالنَّوْمِ أَوْ الْحَدِيثِ) كَمَنَاقِبِ الْمَشَايِخِ وَالْعُلَمَاءِ (أَوْ الْمِزَاحِ) الْمُبَاحَيْنِ (فِي سَاعَةٍ) الظَّاهِرُ أَنَّ التَّنْكِيرَ لِلتَّقْلِيلِ أَوْ التَّحْقِيرِ (يَرُدُّ نَشَاطَهُ) وَرَغْبَتَهُ إلَى الطَّاعَةِ (فَذَلِكَ) التَّرَفُّهُ (أَفْضَلُ لَهُ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ مَعَ الْمَلَالِ) ؛ لِأَنَّ مَلَاكَ الْأَمْرِ فِي الْعِبَادَةِ سِيَّمَا الصَّلَاةَ رَأْسًا وَأَسَاسًا حُضُورُ الْقَلْبِ وَالتَّفَهُّمُ وَالتَّعْظِيمُ وَالْهَيْبَةُ وَالرَّجَاءُ وَالْحَيَاءُ وَحُضُورُ الْقَلْبِ تَفْرِيغُ الْقَلْبِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ وَالتَّفَهُّمُ جَمْعُ اللَّفْظِ مَعَ الْمَعْنَى فَرُبَّمَا يَكُونُ حَاضِرًا مَعَ اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى، وَهُوَ مَقَامٌ يَتَفَاوَتُ فِيهِ النَّاسُ فَكَمْ مِنْ مَعَانٍ تَسْنَحُ لِلْمُصَلِّي فِي صَلَاتِهِ لَمْ تَكُنْ خَطَرَتْ بِقَلْبِهِ أَبَدًا وَلِهَذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالتَّعْظِيمُ أَنْ يُشَاهِدَ مِنْ لَوْحِ الْقَلْبِ عَظَمَتَهُ تَعَالَى وَكِبْرِيَاءَهُ وَأَنَّ الْعَبْدَ مُسَخَّرٌ مَرْبُوبٌ وَمِنْهُ يَحْصُلُ الْخُشُوعُ وَالْهَيْبَةُ أَنْ يَثُورَ مِنْ زَاوِيَةِ مَعْرِفَةِ الْجَلَالِ خَوْفٌ يَنْتَشِرُ مِنْهُ عَلَى الْأَعْضَاءِ مَا تَكَادُ تَكِلُّ عَنْ حَمْلِهِ لَوْلَا الرَّجَاءُ فَإِنَّ مَنْ لَا يَخَافُ لَا يُسَمَّى هَائِبًا وَالْخَوْفُ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْخَسِيسَةِ لَا يُسَمَّى هَيْبَةً وَالرَّجَاءُ بِأَنْ يَسْرَحَ النَّظَرُ فِي مَعْرِفَةِ لُطْفِ اللَّهِ وَكَرْمِهِ وَأَنْوَاعِ إنْعَامِهِ وَاسْتِغْنَائِهِ وَالْحَيَاءُ بِأَنْ يُجِيلَ النَّظَرَ فِي قُصُورِهِ عَنْ أَدَاءِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ مَعْرِفَةِ حَقَارَةِ نَفْسِهِ وَخُبْثِ دَخْلِهَا وَقِلَّةِ خُلُوصِهَا وَإِخْلَاصِهَا وَمَيْلِهَا إلَى الْحَظِّ الْعَاجِلِ وَهَذَا لَا يُمْكِنُ مَعَ الْمَلَالِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ (فَفِي الْحَقِيقَةِ هَذَا) أَيْ اتِّبَاعُ الْهَوَى فِي الْمُبَاحَاتِ لِأَجْلِ النَّشَاطِ (اتِّبَاعٌ لِلشَّرْعِ) لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ آنِفًا وَأَيْضًا عَنْ الْبُخَارِيِّ قِصَّةُ حَبْلِ زَيْنَبَ حَدِيثُ حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ بِنَشَاطِهِ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ كَمَا مَرَّ أَيْضًا وَحِينَئِذٍ (لَا) يَكُونُ اتِّبَاعًا (لِلْهَوَى الْمَحْضِ) قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ إذَا قَصَدَ بِالْمُبَاحَاتِ التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ أَوْ التَّوَصُّلَ إلَيْهَا كَانَتْ عِبَادَةً كَالْأَكْلِ وَالنَّوْمِ وَاكْتِسَابِ الْمَالِ وَالْوَطْءِ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ» وَعَلَى هَذَا الْبَابِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ ﵊ «نَوْمُ الْعَالِمِ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ الْجَاهِلِ» .
(فُرُوعٌ)
نُقِلَ عَنْ الْجَامِعِ فِي الْفَتْوَى وَالْمُجْتَبَى وَالْخَانِيَّةِ لَوْ غَلَبَهُ النَّوْمُ تُكْرَهُ لَهُ التَّرَاوِيحُ بَلْ يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ؛ لِأَنَّ فِي الصَّلَاةِ مَعَ النَّوْمِ تَهَاوُنًا وَغَفْلَةً وَتَرْكَ تَدَبُّرٍ وَيُكْرَهُ لِلْمُقْتَدِي أَنْ يَقْعُدَ فِي التَّرَاوِيحِ فَيَقُومَ عِنْدَ الرُّكُوعِ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ التَّكَاسُلِ وَتَشْبِيهِ الْمُنَافِقِ وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ، وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ» وَعَنْ الضَّحَّاكِ فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]- أَرَادَ بِهِ سُكْرَ النَّوْمِ وَفِي تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ وَلَوْ اشْتَبَهَ عَلَى مَرِيضٍ أَعْدَادُ الرَّكَعَاتِ أَوْ السَّجَدَاتِ لِنُعَاسٍ يَلْحَقُهُ لَا يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ (وَ) بَيَانُ (الْعُجْبِ) الَّذِي هُوَ سَبَبُ اعْتِقَادِ الْبِدْعَةِ (سَيَجِيءُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) أَخَّرَهُ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى زِيَادَةِ تَفْصِيلٍ (وَأَمَّا التَّقْلِيدُ) الْمَذْكُورُ فِيمَا سَبَقَ (وَهُوَ) الْخُلُقُ.
[الثَّامِنُ مِنْ آفَاتِ الْقَلْبِ وَهُوَ الِاقْتِدَاءُ بِالْغَيْرِ]
(الثَّامِنُ) مِنْ السِّتِّينَ الْمَذْمُومَةِ (مِنْ آفَاتِ الْقَلْبِ، وَهُوَ الِاقْتِدَاءُ بِالْغَيْرِ) اعْتِقَادًا أَوْ قَوْلًا أَوْ عَمَلًا (بِمُجَرَّدِ حُسْنِ الظَّنِّ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ) صَالِحَةٍ لِلِاقْتِدَاءِ فَخَرَجَ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ (وَتَحْقِيقٍ) بِالدَّلِيلِ وَقِيلَ أَوْ كَشْفٍ قَلْبِيٍّ فِي ذَلِكَ فَفِيهِ نَظَرٌ فِي حُكْمِ ظَاهِرِ الشَّرْعِ (وَذَا) أَيْ التَّقْلِيدُ (لَا يَجُوزُ فِي الِاعْتِقَادِيَّةِ) أَيْ فِي أُصُولِ الْعَقَائِدِ الْإِسْلَامِيَّةِ لِإِمْكَانِ الِاهْتِدَاءِ بِمُجَرَّدِ نَظَرِ الْعَقْلِ فَكُلُّ مَنْ لَهُ عَقْلٌ يُمْكِنُ لَهُ الِاسْتِدْلَال سِيَّمَا مِنْ الْأَثَرِ إلَى الْمُؤَثِّرِ فَلَا ضَرُورَةَ لَهُ إلَى التَّقْلِيدِ (بَلْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَظَرٍ) صَحِيحٍ وَتَأَمُّلٍ مِنْ تَرْتِيبِ الْأُمُورِ الْمَعْلُومَةِ لِلتَّأَدِّي إلَى الْمَجْهُولِ
стр. 386
(وَاسْتِدْلَالٍ وَلَوْ عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ) بِأَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى تَعْبِيرِهِ بِعِبَارَةٍ مُحَرَّرَةٍ عَلَى تَفْصِيلِ اصْطِلَاحِ الْقَوْمِ بَلْ فِي ذِهْنِهِ مَعْنَى يَسْتَحْصِلُ الْمَقْصُودَ لَعَلَّ هَذَا حَاصِلُ الْإِيمَانِ الْإِجْمَالِيِّ فَإِنْ قِيلَ هَذَا، وَإِنْ كَانَ جَارِيًا فِي نَحْوِ ذَاتِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ لَكِنْ لَا يَجْرِي فِي أَكْثَرِ الِاعْتِقَادِيَّاتِ كَأُمُورِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يَهْتَدِي فِيهَا بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ؛ وَلِذَا قَالَ فِي الْكَلَامِيَّةِ الْمَطَالِبُ إمَّا عَقْلِيٌّ مَحْضٌ كَأُمَّهَاتِ الشَّرَائِعِ مِنْ نَحْوِ وُجُودِهِ تَعَالَى وَصِدْقِ رَسُولِهِ أَوْ نَقْلِيٌّ مَحْضٌ كَأُمُورِ الْآخِرَةِ وَوُجُودِ غُرَابٍ الْآنَ فِي مَنَارَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة أَوْ بِهِمَا كَحُدُوثِ الْعَالَمِ قُلْنَا قَدْ سَبَقَ الْإِشَارَةُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ أُصُولُ الِاعْتِقَادِيَّةِ الْكَلَامِيَّةِ يَعْنِي أُمَّهَاتِ الشَّرَائِعِ أَوْ لِكُلِّ شَيْءٍ نَظَرٌ وَاسْتِدْلَالٌ عَلَى حَالِهِ فَاسْتِدْلَالُ هَذَا الْجِنْسِ بِأَدِلَّتِهِ الشَّرْعِيَّةِ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ الْإِيمَانَ الْإِجْمَالِيَّ جَائِرٌ عِنْدَنَا وَظَاهِرُ صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ، وَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِهِ لَكِنْ قُلْنَا بِكَوْنِهِ إثْمًا فَعَدَمُ الْجَوَازِ يُصْرَفُ إلَيْهِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ [يونس: ١٠١] تَفَكَّرُوا ﴿مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] مَا وَضَعَهُ فِيهِمَا مِنْ الْعَجَائِبِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِهِ وَالْغَرَائِبِ الْمُنْبِئَةِ عَنْ صِفَاتِهِ الْكَامِلَةِ وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ الْبَعْرَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ وَأَثَرُ الْقَدَمِ عَلَى الْمَسِيرِ فَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ وَأَرْضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ أَفَلَا تَدُلَّانِ عَلَى اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ (وَالْآيَاتُ فِيهِ) فِي وُجُوبِ النَّظَرِ (وَفِي ذَمِّ الْمُقَلِّدِينَ) لَا مُطْلَقًا بَلْ (فِي الِاعْتِقَادِ كَثِيرَةٌ جِدًّا) قَطْعًا نَحْوَ قَوْله تَعَالَى - ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]- وَنَحْوَ ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] وَنَحْوَ ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]- (وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى وُجُوبِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فِي الْعَقَائِدِ، وَأَمَّا الْمُخَالِفُ فَإِمَّا خِلَافُهُ بَعْدَ مُضِيِّ قَرْنِ الْإِجْمَاعِ السَّابِقِ فَلَا يُعْتَبَرُ خِلَافُهُ إذْ الْخِلَافُ اللَّاحِقُ لَا يَمْنَعُ الْإِجْمَاعَ السَّابِقَ بَلْ هُوَ نَفْسُهُ سَاقِطٌ لِامْتِنَاعِ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ أَوْ؛ لِأَنَّ الْمُخَالِفَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ فَلَا يُعْتَبَرُ خِلَافُهُ بَقِيَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لَا فِي الدُّنْيَوِيِّ وَلَا فِي الْعَقْلِيِّ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الْعَقْلِيِّ قُلْنَا، وَإِنْ فُهِمَ كَذَلِكَ مِنْ ظَاهِرِ التَّوْضِيحِ لَكِنَّ التَّلْوِيحَ أَوْرَدَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْعَقْلِيَّ قَدْ يَكُونُ ظَنِّيًّا فَبِالْإِجْمَاعِ يَصِيرُ قَطْعِيًّا كَمَا فِي تَفْضِيلِ الصَّحَابَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الِاعْتِقَادِيَّاتِ هَذَا لَكِنْ لَا يَخْلُو عَنْ تَأَمُّلٍ (فَالْمُقَلِّدُ فِي الِاعْتِقَادِ آثِمٌ) كَافِرٌ عِنْدَنَا لِمَا ذَكَرْنَا آنِفًا (وَإِنْ كَانَ إيمَانُهُ صَحِيحًا عِنْدَنَا) الْمَاتُرِيدِيَّةُ وَقِيلَ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ نَعَمْ أَيْضًا وَالصَّحِيحُ لَا قِيلَ الْكَلَامُ فِي مُقَلِّدٍ حَصَلَ لَهُ ثَبَاتٌ بِحَيْثُ لَا يُزَحْزِحُهُ تَشْكِيكٌ أَقُولُ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مَنْصِبُ الِاسْتِدْلَالِ لَا التَّقْلِيدُ ثُمَّ الْمُوجِبُونَ الِاسْتِدْلَالَ مَعَ نَفْيِ التَّقْلِيدِ كَالْأَشْعَرِيِّ وَالْبَاقِلَّانِيّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَقِيلَ مَالِكٌ أَيْضًا فَالْمُقَلِّدُ مُؤْمِنٌ عَاصٍ وَقِيلَ لَيْسَ بِعَاصٍ إلَّا ذَا كَانَ مَعَهُ أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ وَأَهْمَلَهُ بِالتَّكَاسُلِ وَقِيلَ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ أَصْلًا فَأَوْرَدَ بِلُزُومِ إكْفَارِ عَوَامِّ الْمُؤْمِنِينَ أَقُولُ قَدْ أُشِيرَ
стр. 387
آنِفًا وَحُرِّرَ سَابِقًا أَنَّهُمْ مُسْتَدِلُّونَ إجْمَالًا فِي وِجْدَانِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى إتْيَانِ عِبَارَةٍ جَامِعَةٍ فَالْعَوَامُّ إنْ سُئِلُوا مَنْ أَوْجَدَ هَذِهِ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ يَقُولُونَ اللَّهُ وَفِي مُحَاوَرَاتِ كُلِّهِمْ اللَّهُ فَعَلَ كَذَا وَأَعْطَى كَذَا وَمَنَعَ كَذَا فَلَزِمَهُمْ الِاسْتِدْلَال، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا وَجْهَ اسْتِدْلَالِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، (وَأَمَّا التَّقْلِيدُ فِي الْأَعْمَالِ) الْفَرْعِيَّةِ (فَجَائِزٌ) تَقْلِيدُهُ (لِمَنْ كَانَ عَدْلًا) فَإِنَّ الْفَاسِقَ لَا يُؤْمِنُ عَلَى خَبَرِهِ بِمُقْتَضَى عِلْمِهِ بَلْ قَدْ يُخْبِرُ بِحُكْمٍ، وَهُوَ خِلَافُ عِلْمِهِ وَقِيلَ هُوَ مَنْ اجْتَمَعَ فِيهِ الْحِكْمَةُ وَالشَّجَاعَةُ وَالْعِفَّةُ (مُجْتَهِدًا) قَدْ يُؤْخَذُ الْعَدْلُ فِي مَفْهُومِ الِاجْتِهَادِ فَافْهَمْ لَكِنْ بِلَا لُزُومِ مُجْتَهِدٍ مُعَيَّنٍ بَلْ يَجُوزُ بِأَيٍّ مِنْ الْأَرْبَعَةِ لِعَدَمِ نَصٍّ عَلَى تَعْيِينِهِ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ تَلْفِيقٍ، وَأَنَّهُ إنْ وَقَعَ تَقْلِيدٌ بِوَاحِدٍ هَلْ يَلْزَمُ الدَّوَامُ عَلَيْهِ أَوْ يَجُوزُ الِانْتِقَالُ مِنْهُ إلَى آخَرَ لِضَرُورَةٍ أَوَّلًا، وَإِنْ قَلَّدَ فِي عَمَلٍ بِمُجْتَهِدٍ آخَرَ مَعَ تَقْلِيدِهِ فِي عَمَلٍ بِمُجْتَهِدٍ آخَرَ أَوْ إنْ قَلَّدَ فِي عَمَلٍ بِمُجْتَهِدٍ فِي وَقْتٍ وَبِمُجْتَهِدٍ آخَرَ فِي وَقْتٍ آخَرَ فِي ذَلِكَ فَفِيهَا تَفْصِيلٌ لَعَلَّهُ قَدْ سَبَقَ بَعْضُ تَفْصِيلِهِ فَارْجِعْ إلَيْهِ (وَلَكِنْ لَمَّا انْقَطَعَ الِاجْتِهَادُ مُذْ زَمَانٍ طَوِيلٍ) وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ نُجَيْمٍ انْقِطَاعُ الْقِيَاسِ بَعْدَ الْأَرْبَعِمِائَةِ فَلَا يَجُوزُ بَعْدَهَا لِأَحَدٍ لَكِنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ.
وَأَمَّا عِنْدَمَا يُجَوِّزُهُ فَلَا يَنْقَرِضُ الْمُجْتَهِدُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَبَدًا وَقَدْ يُقَالُ فِي لُزُومِ كَوْنِ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي مُجْتَهِدًا مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ وَمُطَالَعَتُهَا وَأَنَّ أَيَّ حُكْمٍ أُخِذَ مِنْ أَيِّ دَلِيلٍ وَعَلَى أَيِّ قَاعِدَةٍ وَأَصْلٍ وَنَحْوِهَا وَيَقْرُبُ إلَيْهِ قَوْلُهُ (انْحَصَرَ طَرِيقُ مَعْرِفَةِ مَذْهَبِ الْمُجْتَهِدِ الْمُقَلَّدِ فِي نَقْلِ كِتَابٍ مُعْتَبَرٍ مُتَدَاوَلٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الثِّقَاتِ) فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى اعْتِبَارِ غَيْرِ الْعُلَمَاءِ أَوْ اعْتِبَارِ غَيْرِ الثِّقَاتِ مِنْ الْعُلَمَاءِ (مُصَحَّحٍ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى مُطَالَعَتِهِ وَاسْتِخْرَاجِهِ) فَهْمِ مَعَانِي مَسَائِلِهِ (وَإِخْبَارِ عَدْلٍ مَوْثُوقٍ بِهِ فِي عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ) فَيُخْبِرُ بِقَوْلِ
стр. 388
الْمُجْتَهِدِ فَيُعْتَمَدُ عَلَى خَبَرِهِ (فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِكُلِّ كِتَابٍ) فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِي الْقَضَاءِ وَالْفَتْوَى هَذَا تَفْرِيعٌ لِقَوْلِهِ فِي نَقْلِ كِتَابٍ مُعْتَبَرٍ يَعْنِي لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِكِتَابٍ مَجْهُولٍ مَسْتُورٍ كَالنَّوَادِرِ نَقَلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ وَمِثْلُهُ كِتَابُ الْحَاوِي وَجَامِعِ الْفَتَاوَى وَالْفَتَاوَى الصُّوفِيَّةِ وَرَوْضَةِ الْمَجَالِسِ وَمُشْتَمَلِ الْأَحْكَامِ وَجَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَالتَّسْهِيلِ لِلْقَاضِي مَحْمُودٍ وَالْمُهِمَّاتِ وَالْحَدَّادِيَّةِ وَأَيْضًا لِقُنْيَةٍ مَشْهُورَةٍ بِضَعْفِ الرِّوَايَةِ وَصَاحِبُهَا مُعْتَزِلِيٌّ.
وَأَيْضًا صُرَّةُ الْفَتَاوَى لَكِنْ إذَا لَمْ يُعْلَمْ خِلَافٌ أَقْوَى مِنْهَا وَلَا خِلَافَ قِيَاسٌ وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ فِي كِتَابٍ مُعْتَبَرٍ فَلَا جَرَمَ يَعْمَلُ بِهِ، وَالْكِتَابُ الْمُعْتَبَرُ كَالْمُتُونِ الْأَرْبَعَةِ وَالْهِدَايَةِ وَالْمَجْمَعِ قَالُوا اجْتِمَاعُهَا فِي مَسْأَلَةٍ كَنَصٍّ قَاطِعٍ وَمِنْ الْفَتَاوَى كَقَاضِي خَانْ وَالْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ لَا يُخَالِفَ الْغَيْرَ سِيَّمَا لِلْأَوْثَقِ وَالْأَكْثَرِ فِي كَوْنِ اعْتِبَارِ قَوْلِ الْكِتَابِ الْمُعْتَبَرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ قَوْلٌ ضَعِيفٌ فِي كِتَابٍ قَوِيٍّ كَمَا نَقَدُوا فِي بَعْضِ أَقْوَالِ الْهِدَايَةِ، وَأَمَّا كُتُبُ الْأَحَادِيثِ، وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ لَنَا حُجَّةً فِي الْأَحْكَامِ أَحَادِيثُ نَبِيِّنَا ﵊ كَقَوْلِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلَّامِ لِكَوْنِهَا مَنْصِبَ الِاجْتِهَادِ فَأَصَحُّهَا صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ فَمُسْلِمٌ عَلَى الْأَصَحِّ ثُمَّ بَوَاقِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ لَكِنَّ الْأَحَادِيثَ الضَّعِيفَةَ يَجُوزُ رِوَايَتُهَا وَالْعَمَلُ بِهَا فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ إنْ لَمْ يُخَالِفْ أَقْوَى مِنْهَا وَلَا الْقِيَاسَ وَفِي تَأْيِيدِ عَمَلٍ ثَابِتٍ أَوْ احْتِيَاطِ عَمَلٍ أَيْضًا لَا فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ أَصْلًا، وَأَمَّا الْمَوْضُوعُ فَلَا يَجُوزُ رِوَايَتُهُ إلَّا مَعَ تَنْبِيهِ مَوْضُوعِيَّتِهِ وَلَا الْعَمَلُ بِهِ أَصْلًا خِلَافًا لِمَنْ وَهَمَ (وَلَا) يَجُوزُ الْعَمَلُ (بِقَوْلِ كُلِّ مَنْ تَزَيَّا بِزِيِّ الْعُلَمَاءِ) مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ حَالِهِ عِلْمًا وَثِقَةً وَعَمَلًا فَلَا بُدَّ مِمَّنْ يَصْلُحُ اقْتِدَاؤُهُ لِكَوْنِهِ مُجَرَّبَ الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ عَالِمٍ أَوْ عَالِمًا لَكِنْ لَيْسَ بِثِقَةٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ الْفَسَادِ الْكَبِيرِ الْعَالِمَ الْمُتَهَتِّكَ وَأَيْضًا إذَا زَلَّ عَالِمٌ زَلَّ عَالَمٌ.
(وَمُقَابِلُ اعْتِقَادِ الْبِدْعَةِ اعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَسَبَبُهُ) سَبَبُ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ (التَّمَسُّكُ بِالسُّنَّةِ) اعْتِقَادًا وَأَقْوَالًا وَأَعْمَالًا فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ بَلْ فِي الْعَادَاتِ (وَمَا عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ) مِنْ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - (وَ) سَبَبُهُ أَيْضًا (تَرْكُ الْهَوَى) أَيْ الْحُظُوظَاتِ الْعَاجِلَةِ (وَ) تَرْكِ (الْإِعْجَابِ بِالرَّأْيِ) أَيْ تَحْسِينِ عَقْلِهِ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ شَرْعِيٍّ (مَعَ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ أَوْ التَّقْلِيدِ لِصَاحِبِهِ) أَيْ لِصَاحِبِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ (وَلَوْ مَعَ إثْمٍ) لِتَرْكِ الْوَاجِبِ.
[التَّاسِعُ الرِّيَاءُ]
[الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ فِي تَعْرِيفِ الرِّيَاء]
(وَالتَّاسِعُ) مِنْ السِّتِّينَ الْمَذْمُومَةِ
стр. 389
(الرِّيَاءُ) وَفِيهِ سَبْعَةُ مَبَاحِثَ تَعْرِيفُهُ وَمَا بِهِ الرِّيَاءُ وَمَا لَهُ الرِّيَاءُ وَالرِّيَاءُ الْخَفِيُّ وَعَلَامَاتُهُ وَأَحْكَامُ الرِّيَاءِ وَالْأُمُورُ الْمُتَرَدِّدَةُ بَيْنَ الرِّيَاءِ وَالْإِخْلَاصِ وَعِلَاجُ الرِّيَاءِ (الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ فِي تَعْرِيفِهِ) لِيَمْتَازَ عَنْ الْآخَرِ لِكَمَالِ الْعِنَايَةِ بِهِ لِعِظَمِ خَطَرِهِ وَكَثْرَةِ وُقُوعِهِ (وَتَقْسِيمُهُ هُوَ) أَيْ الرِّيَاءُ لُغَةً إظْهَارُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ مَصْدَرُ رَاءَى يُرَائِي مُرَاءَاةً وَرِيَاءً يُقَالُ رَاءَيْته أَظْهَرْت لَهُ خِلَافَ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ وَقِيلَ هُوَ طَلَبُ الْمَنْزِلَةِ فِي الْقُلُوبِ بِإِرَادَةِ الْفَضَائِلِ مُطْلَقًا وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الرُّؤْيَةِ وَالْعُرْفُ هُوَ (إرَادَةُ نَفْعِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ أَوْ دَلِيلِهِ) أَيْ دَلِيلِ الْعَمَلِ نَحْوِ ذُبُولِ الشَّفَتَيْنِ وَخَفْضِ الصَّوْتِ وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى مَا يُقَالُ الرِّيَاءُ طَلَبُ الْمَنْزِلَةِ فِي الْقُلُوبِ بِإِظْهَارِ الْعِبَادَاتِ (أَوْ إعْلَامِهِ) أَيْ عَمَلِ الْآخِرَةِ (أَحَدًا مِنْ النَّاسِ) فَالرِّيَاءُ بِثَلَاثَتِهِ (مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ مُلْجِئٍ) مُضْطَرٍّ اعْلَمْ أَنَّ الْإِكْرَاهَ هُوَ حَمْلُ الْغَيْرِ عَلَى مَا لَا يَرْضَاهُ وَلَا يَخْتَارُهُ إذَا خَلَى وَنَفْسُهُ فَإِمَّا كَامِلٌ إنْ أَفْسَدَ الِاخْتِيَارَ وَأُعْدِمَ الرِّضَا فَهُوَ مُلْجِئٌ أَيْ يُوجِبُ الِاضْطِرَارُ كَالتَّهْدِيدِ بِمَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ وَإِمَّا قَاصِرٌ بِعَدَمِ الرِّضَا لَا يُوجِبُ الْإِلْجَاءَ وَلَا يَقْصِدُ الِاخْتِيَارَ كَمَا بِنَحْوِ حَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ فَالْمَفْهُومُ مِنْ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ إبَاحَةِ الرِّيَاءِ بِمُجَرَّدِ الْإِكْرَاهِ مَا لَمْ يَكُنْ مُلْجِئًا قَالَ فِي التَّلْوِيحِ عَنْ الْإِمَامِ الْبُرَغْرِيِّ إنَّ فِعْلَ الْمُكْرَهِ مُبَاحٌ كَالْقَتْلِ وَالرِّيَاءِ وَفَرْضٌ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَمُرَخَّصٌ كَإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَالْإِفْطَارِ وَإِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ فَتَأَمَّلْ.
(الْبَاعِثِ) صِفَةُ الْإِعْلَامِ (عَلَى نَفْسِهِ) أَيْ نَفْسِ الْعَمَلِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي قَصْدِهِ إعْلَامُ الْغَيْرِ لَمْ يَأْتِ بِهَذَا الْعَمَلِ أَوْ صِفَةٌ لِنَفْعِ الدُّنْيَا يَعْنِي الْبَاعِثَ عَلَى نَفْسِ عَمَلِ الْآخِرَةِ هُوَ نَفْعُ الدُّنْيَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَاعِثٍ عَلَى التَّنْكِيرِ أَيْ بَاعِثُ ذَلِكَ الْإِكْرَاهِ عَلَى نَفْسِ الْعَمَلِ يَعْنِي يَكُونُ الْإِكْرَاهُ دَاعِيًا إلَى الْعَمَلِ بِالرِّيَاءِ وَبِالْجُمْلَةِ لَعَلَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ خَفَاءٍ (وَضِدُّهُ الْإِخْلَاصُ، وَهُوَ تَجْرِيدُ قَصْدِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالطَّاعَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِالتَّقَرُّبِ (عَنْ نَفْعِ الدُّنْيَا) مُتَعَلِّقٌ بِالتَّجْرِيدِ (وَ) عَنْ (الْإِعْلَامِ السَّابِقِ) ، وَأَمَّا لَوْ عَلِمُوا بِذَلِكَ مِنْهُ وَلَمْ يَقْصِدْ فَلَا يَضُرُّ فِي إخْلَاصِهِ فَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ الْمَرْفُوعِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَاجِلِ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ وَهَذَا قَرِيبٌ إلَى مَا فِي الْقُشَيْرِيَّةِ الْإِخْلَاصُ إفْرَادُ الْحَقِّ فِي الطَّاعَةِ بِالْقَصْدِ، وَهُوَ أَنْ يُرِيدَ بِطَاعَتِهِ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى دُونَ شَيْءٍ آخَرَ مِنْ تَصَنُّعِ الْمَخْلُوقِ أَوْ اكْتِسَابِ مَحْمَدَةٍ عِنْدَ النَّاسِ وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ الْإِخْلَاصُ التَّوَقِّي عَنْ مُلَاحَظَةِ الْأَشْخَاصِ وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ «الْإِخْلَاصُ سِرٌّ مِنْ سِرِّي اسْتَوْدَعَتْهُ قَلْبَ مَنْ أَحْبَبْته مِنْ عِبَادِي»
وَعَنْ ذِي النُّونِ ثَلَاثٌ مِنْ عَلَامَاتِ الْإِخْلَاصِ اسْتِوَاءُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ مِنْ الْعَامَّةِ وَنِسْيَانُ رُؤْيَةِ الْأَعْمَالِ فِي الْأَعْمَالِ وَاقْتِضَاءُ ثَوَابِ الْعَمَلِ فِي الْآخِرَةِ وَقِيلَ الْإِخْلَاصُ لَا يَكُونُ لِلنَّفْسِ فِيهِ حَظٌّ بِحَالٍ (وَيُثْمِرُ) أَيْ الْإِخْلَاصُ يُنْتِجُ (الْإِحْسَانَ) أَيْ الْمَذْكُورَ فِي نَحْو - ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]- ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]- ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]- فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ قِيلَ وَحَقِيقَتُهُ سَجِيَّةٌ فِي النَّفْسِ تَحْمِلُ عَلَى مُجَازَاةِ الْمُسِيءِ بِجَوَائِزِ الْمُحْسِنِ وَقِيلَ هُوَ مَعْرِفَةُ الْعُبُودِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ مَعًا
وَقِيلَ اتِّفَاقُ
стр. 390
الْمَعْنَى عَلَى اتِّفَاقِ الْعِيَانِ وَالْإِحْسَانُ لِمَنْ أَسَاءَ كَائِنًا مَنْ كَانَ وَقِيلَ إتْقَانُ الْعِبَادَةِ بِإِيقَاعِهَا عَلَى وَجْهِهَا مَعَ رِعَايَةِ حَقِّ الْحَقِّ وَمُرَاقَبَتِهِ وَاسْتِحْضَارِ عَظَمَتِهِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا (وَهُوَ) نَحْوَ أَنَّ أَحَدَهُمَا غَالِبٌ عَلَيْهِ مُشَاهَدَةُ الْحَقِّ كَمَا قَالَ (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ) مَنْ عَبَدَ أَطَاعَ وَالتَّعَبُّدُ التَّنَسُّكُ وَالْعُبُودِيَّةُ الْخُضُوعُ وَالذِّلَّةُ (كَإِنَّك تَرَاهُ) بِأَنْ تَتَأَدَّبَ فِي عِبَادَتِهِ كَأَنَّك تَنْظُرُ إلَيْهِ فَجَمَعَ مَعَ الْإِيجَازِ بَيَانَ الْمُرَاقَبَةِ فِي كُلِّ حَالٍ وَالْإِخْلَاصَ فِي سَائِرِ الْأَعْمَالِ وَالْحَثَّ عَلَيْهِمَا بِحَيْثُ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ عَايَنَ رَبَّهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنْ مُمْكِنِهِ وَالثَّانِي مَنْ لَا يَنْتَهِي إلَى هَذِهِ الْحَالِ لَكِنْ غَلَبَ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَقَّ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ وَمُشَاهِدٌ لَهُ، وَقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك) أَيْ فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْيَقِينُ وَالْحُضُورُ إلَى هَاتِيك الرُّؤْيَةِ فَإِلَى أَنْ تَحَقَّقَ أَنَّ نَفْسَك بِمَرْأَى مِنْهُ تَقَدَّسَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ مُشَاهِدٌ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ فِي حَرَكَتِهِ وَسُكُونِهِ فَكَمَا أَنَّهُ لَا يُقَصِّرُ فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ وَلَا يُقَصِّرُ فِي الثَّانِي لِاسْتِوَائِهِمَا بِالنِّسْبَةِ لِاطِّلَاعِهِمَا إلَى اطِّلَاعِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِمَا قَبْلَهُ فَإِنَّ الْعَبْدَ إذَا أُمِرَ بِمُرَاقَبَةِ اللَّهِ فِي عِبَادَتِهِ وَاسْتِحْضَارِ قُرْبِهِ مِنْهُ حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهُ شَقَّ عَلَيْهِ فَيَسْتَعِينُ عَلَيْهِ بِإِيمَانِهِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ لَا يَخْفَى مِنْهُ شَيْءٌ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ إلَى ذَلِكَ الْمَقَامِ الْأَكْمَلِ الَّذِي هُوَ مَقَامُ الشُّهُودِ الْأَكْبَرِ وَذَلِكَ قَرِيبٌ إلَى مَا يُقَالُ مِنْ أَنَّ الْمُرَاقَبَةَ عَلَى نَحْوِ حَالَيْنِ
أَحَدُهُمَا غَالِبٌ عَلَيْهِ مُشَاهَدَةُ الْحَقِّ فَكَأَنَّهُ يَرَاهُ وَيُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﵇ «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي عِبَادَةِ رَبِّي» وَثَانِيهِمَا لَا يَنْتَهِي إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ لَكِنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَقَّ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ وَمُشَاهِدٌ لَهُ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْله تَعَالَى - ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩]- وَهَاتَانِ الْحَالَتَانِ ثَمَرَةُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَشْيَتِهِ (وَقَدْ يُطْلَقُ الرِّيَاءُ) شَرْعًا (عَلَى حُبِّ الْمَنْزِلَةِ) الْعَالِيَةِ (وَقَصْدِهَا فِي قُلُوبِ النَّاسِ) لِيَحْمَدُوهُ وَيُعَظِّمُوهُ (بِأَعْمَالِ الدُّنْيَا) مِثْلَ الْكِتَابَةِ وَالْخِيَاطَةِ (وَهَذَا رِيَاءُ أَهْلِ الدُّنْيَا) لِيَنَالَ بِهِ رُتْبَةَ الدُّنْيَا وَهَذَا أَيْضًا مَذْمُومٌ لِإِفْضَائِهِ إلَى الدِّينِ (وَالْأَوَّلُ بِقِسْمَيْهِ) الْأَوَّلُ إرَادَةُ النَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ بِعَمَلِ الْآخِرَةِ أَوْ دَلِيلِهِ وَالثَّانِي إعْلَامُهُ بِذَلِكَ وَيُسَمَّى هَذَا بِالسُّمْعَةِ (رِيَاءُ أَهْلِ الدِّينِ) الْمُحْبِطُ لِلْعَمَلِ (فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ إنْ لَمْ يُقَارِنْهُ إرَادَةُ نَفْعِ الْآخِرَةِ) أَصْلًا بَلْ مُرَادُهُ نَفْعُ الدُّنْيَا كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِجَلْبِ الْأَمْوَالِ (فَهُوَ رِيَاءٌ مَحْضٌ، وَإِنْ قَارَنَتْهُ) أَيْ قَارَنَتْ إرَادَةُ نَفْعِ الْآخِرَةِ إلَى الْأَوَّلِ (فَرِيَاءُ تَخْلِيطٍ) لِاخْتِلَاطِ الْإِرَادَتَيْنِ وَهَذَا ثَلَاثَةٌ (إمَّا) نَفْعُ الدُّنْيَا (غَالِبٌ) عَلَى نَفْعِ الْآخِرَةِ وَقِيلَ عَلَى الْعَكْسِ فَتَدَبَّرْ (أَوْ مُسَاوٍ أَوْ مَغْلُوبٌ فَالْجُمْلَةُ خَمْسَةٌ) دِينِيٌّ مَحْضٌ وَتَخْلِيطٌ تَحْتَهُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ وَالْإِعْلَامُ يَعْنِي لَمَّا كَانَ أَوَّلُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ فَإِذَا ضُمَّ إلَيْهَا ثَانِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ يَصِيرُ خَمْسَةً (وَالْمُرَادُ مِنْهُ نَفْعُ الدُّنْيَا) ، وَهُوَ أَوَّلُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ يَعْنِي الَّذِي يُرَادُ مِنْهُ نَفْعُ الدُّنْيَا (أَمَّا خَالِقٌ) إذْ يُرَادُ ذَلِكَ النَّفْعُ وَيُطْلَبُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى كَصَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ هِيَ عَمَلُ الْآخِرَةِ يُقْصَدُ بِهَا اسْتِكْشَافُ الْأَمْرِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى (أَوْ مَخْلُوقٌ) كَإِظْهَارِ الصَّلَاحِ لِجَلْبِ الدُّنْيَا مِنْ بَعْضِ الْمَخْلُوقِ
وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ نَفْعَ الدُّنْيَا أَيْ أَوَّلَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَرْبَعَةٌ فَإِذَا ضُرِبَ هَذَانِ الِاثْنَانِ فِيهَا يَكُونُ ثَمَانِيَةً وَإِذَا وُضِعَ بِجَنْبِهَا ثَانِي الْأَوَّلِ يَعْنِي الْإِعْلَامَ فَتِسْعَةٌ (وَنَفْعُ الدُّنْيَا) أَيْضًا (إمَّا جَاهٌ) رِيَاسَةٌ كُلِّيَّةٌ أَوْ إضَافِيَّةٌ أَوْ جُزْئِيَّةٌ كَمَنْ يَطْلُبُ بِالْعِلْمِ الَّذِي هُوَ عَمَلُ الْآخِرَةِ الْمَنَازِلَ
следующие страницы →