← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21654

بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية

محمد الخادمي

Полный текст (1 189 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

(وَاسْتِدْلَالٍ وَلَوْ عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ) بِأَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى تَعْبِيرِهِ بِعِبَارَةٍ مُحَرَّرَةٍ عَلَى تَفْصِيلِ اصْطِلَاحِ الْقَوْمِ بَلْ فِي ذِهْنِهِ مَعْنَى يَسْتَحْصِلُ الْمَقْصُودَ لَعَلَّ هَذَا حَاصِلُ الْإِيمَانِ الْإِجْمَالِيِّ فَإِنْ قِيلَ هَذَا، وَإِنْ كَانَ جَارِيًا فِي نَحْوِ ذَاتِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ لَكِنْ لَا يَجْرِي فِي أَكْثَرِ الِاعْتِقَادِيَّاتِ كَأُمُورِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يَهْتَدِي فِيهَا بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ؛ وَلِذَا قَالَ فِي الْكَلَامِيَّةِ الْمَطَالِبُ إمَّا عَقْلِيٌّ مَحْضٌ كَأُمَّهَاتِ الشَّرَائِعِ مِنْ نَحْوِ وُجُودِهِ تَعَالَى وَصِدْقِ رَسُولِهِ أَوْ نَقْلِيٌّ مَحْضٌ كَأُمُورِ الْآخِرَةِ وَوُجُودِ غُرَابٍ الْآنَ فِي مَنَارَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة أَوْ بِهِمَا كَحُدُوثِ الْعَالَمِ قُلْنَا قَدْ سَبَقَ الْإِشَارَةُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ أُصُولُ الِاعْتِقَادِيَّةِ الْكَلَامِيَّةِ يَعْنِي أُمَّهَاتِ الشَّرَائِعِ أَوْ لِكُلِّ شَيْءٍ نَظَرٌ وَاسْتِدْلَالٌ عَلَى حَالِهِ فَاسْتِدْلَالُ هَذَا الْجِنْسِ بِأَدِلَّتِهِ الشَّرْعِيَّةِ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ الْإِيمَانَ الْإِجْمَالِيَّ جَائِرٌ عِنْدَنَا وَظَاهِرُ صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ، وَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِهِ لَكِنْ قُلْنَا بِكَوْنِهِ إثْمًا فَعَدَمُ الْجَوَازِ يُصْرَفُ إلَيْهِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ [يونس: ١٠١] تَفَكَّرُوا ﴿مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] مَا وَضَعَهُ فِيهِمَا مِنْ الْعَجَائِبِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِهِ وَالْغَرَائِبِ الْمُنْبِئَةِ عَنْ صِفَاتِهِ الْكَامِلَةِ وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ قَالَ الْأَعْرَابِيُّ الْبَعْرَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ وَأَثَرُ الْقَدَمِ عَلَى الْمَسِيرِ فَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ وَأَرْضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ أَفَلَا تَدُلَّانِ عَلَى اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ (وَالْآيَاتُ فِيهِ) فِي وُجُوبِ النَّظَرِ (وَفِي ذَمِّ الْمُقَلِّدِينَ) لَا مُطْلَقًا بَلْ (فِي الِاعْتِقَادِ كَثِيرَةٌ جِدًّا) قَطْعًا نَحْوَ قَوْله تَعَالَى - ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]- وَنَحْوَ ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] وَنَحْوَ ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]- (وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى وُجُوبِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فِي الْعَقَائِدِ، وَأَمَّا الْمُخَالِفُ فَإِمَّا خِلَافُهُ بَعْدَ مُضِيِّ قَرْنِ الْإِجْمَاعِ السَّابِقِ فَلَا يُعْتَبَرُ خِلَافُهُ إذْ الْخِلَافُ اللَّاحِقُ لَا يَمْنَعُ الْإِجْمَاعَ السَّابِقَ بَلْ هُوَ نَفْسُهُ سَاقِطٌ لِامْتِنَاعِ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ أَوْ؛ لِأَنَّ الْمُخَالِفَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ فَلَا يُعْتَبَرُ خِلَافُهُ بَقِيَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لَا فِي الدُّنْيَوِيِّ وَلَا فِي الْعَقْلِيِّ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الْعَقْلِيِّ قُلْنَا، وَإِنْ فُهِمَ كَذَلِكَ مِنْ ظَاهِرِ التَّوْضِيحِ لَكِنَّ التَّلْوِيحَ أَوْرَدَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْعَقْلِيَّ قَدْ يَكُونُ ظَنِّيًّا فَبِالْإِجْمَاعِ يَصِيرُ قَطْعِيًّا كَمَا فِي تَفْضِيلِ الصَّحَابَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الِاعْتِقَادِيَّاتِ هَذَا لَكِنْ لَا يَخْلُو عَنْ تَأَمُّلٍ (فَالْمُقَلِّدُ فِي الِاعْتِقَادِ آثِمٌ) كَافِرٌ عِنْدَنَا لِمَا ذَكَرْنَا آنِفًا (وَإِنْ كَانَ إيمَانُهُ صَحِيحًا عِنْدَنَا) الْمَاتُرِيدِيَّةُ وَقِيلَ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ نَعَمْ أَيْضًا وَالصَّحِيحُ لَا قِيلَ الْكَلَامُ فِي مُقَلِّدٍ حَصَلَ لَهُ ثَبَاتٌ بِحَيْثُ لَا يُزَحْزِحُهُ تَشْكِيكٌ أَقُولُ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مَنْصِبُ الِاسْتِدْلَالِ لَا التَّقْلِيدُ ثُمَّ الْمُوجِبُونَ الِاسْتِدْلَالَ مَعَ نَفْيِ التَّقْلِيدِ كَالْأَشْعَرِيِّ وَالْبَاقِلَّانِيّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَقِيلَ مَالِكٌ أَيْضًا فَالْمُقَلِّدُ مُؤْمِنٌ عَاصٍ وَقِيلَ لَيْسَ بِعَاصٍ إلَّا ذَا كَانَ مَعَهُ أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ وَأَهْمَلَهُ بِالتَّكَاسُلِ وَقِيلَ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ أَصْلًا فَأَوْرَدَ بِلُزُومِ إكْفَارِ عَوَامِّ الْمُؤْمِنِينَ أَقُولُ قَدْ أُشِيرَ

стр. 387

آنِفًا وَحُرِّرَ سَابِقًا أَنَّهُمْ مُسْتَدِلُّونَ إجْمَالًا فِي وِجْدَانِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى إتْيَانِ عِبَارَةٍ جَامِعَةٍ فَالْعَوَامُّ إنْ سُئِلُوا مَنْ أَوْجَدَ هَذِهِ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ يَقُولُونَ اللَّهُ وَفِي مُحَاوَرَاتِ كُلِّهِمْ اللَّهُ فَعَلَ كَذَا وَأَعْطَى كَذَا وَمَنَعَ كَذَا فَلَزِمَهُمْ الِاسْتِدْلَال، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا وَجْهَ اسْتِدْلَالِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ، (وَأَمَّا التَّقْلِيدُ فِي الْأَعْمَالِ) الْفَرْعِيَّةِ (فَجَائِزٌ) تَقْلِيدُهُ (لِمَنْ كَانَ عَدْلًا) فَإِنَّ الْفَاسِقَ لَا يُؤْمِنُ عَلَى خَبَرِهِ بِمُقْتَضَى عِلْمِهِ بَلْ قَدْ يُخْبِرُ بِحُكْمٍ، وَهُوَ خِلَافُ عِلْمِهِ وَقِيلَ هُوَ مَنْ اجْتَمَعَ فِيهِ الْحِكْمَةُ وَالشَّجَاعَةُ وَالْعِفَّةُ (مُجْتَهِدًا) قَدْ يُؤْخَذُ الْعَدْلُ فِي مَفْهُومِ الِاجْتِهَادِ فَافْهَمْ لَكِنْ بِلَا لُزُومِ مُجْتَهِدٍ مُعَيَّنٍ بَلْ يَجُوزُ بِأَيٍّ مِنْ الْأَرْبَعَةِ لِعَدَمِ نَصٍّ عَلَى تَعْيِينِهِ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ تَلْفِيقٍ، وَأَنَّهُ إنْ وَقَعَ تَقْلِيدٌ بِوَاحِدٍ هَلْ يَلْزَمُ الدَّوَامُ عَلَيْهِ أَوْ يَجُوزُ الِانْتِقَالُ مِنْهُ إلَى آخَرَ لِضَرُورَةٍ أَوَّلًا، وَإِنْ قَلَّدَ فِي عَمَلٍ بِمُجْتَهِدٍ آخَرَ مَعَ تَقْلِيدِهِ فِي عَمَلٍ بِمُجْتَهِدٍ آخَرَ أَوْ إنْ قَلَّدَ فِي عَمَلٍ بِمُجْتَهِدٍ فِي وَقْتٍ وَبِمُجْتَهِدٍ آخَرَ فِي وَقْتٍ آخَرَ فِي ذَلِكَ فَفِيهَا تَفْصِيلٌ لَعَلَّهُ قَدْ سَبَقَ بَعْضُ تَفْصِيلِهِ فَارْجِعْ إلَيْهِ (وَلَكِنْ لَمَّا انْقَطَعَ الِاجْتِهَادُ مُذْ زَمَانٍ طَوِيلٍ) وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ نُجَيْمٍ انْقِطَاعُ الْقِيَاسِ بَعْدَ الْأَرْبَعِمِائَةِ فَلَا يَجُوزُ بَعْدَهَا لِأَحَدٍ لَكِنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ. وَأَمَّا عِنْدَمَا يُجَوِّزُهُ فَلَا يَنْقَرِضُ الْمُجْتَهِدُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَبَدًا وَقَدْ يُقَالُ فِي لُزُومِ كَوْنِ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي مُجْتَهِدًا مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ وَمُطَالَعَتُهَا وَأَنَّ أَيَّ حُكْمٍ أُخِذَ مِنْ أَيِّ دَلِيلٍ وَعَلَى أَيِّ قَاعِدَةٍ وَأَصْلٍ وَنَحْوِهَا وَيَقْرُبُ إلَيْهِ قَوْلُهُ (انْحَصَرَ طَرِيقُ مَعْرِفَةِ مَذْهَبِ الْمُجْتَهِدِ الْمُقَلَّدِ فِي نَقْلِ كِتَابٍ مُعْتَبَرٍ مُتَدَاوَلٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الثِّقَاتِ) فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى اعْتِبَارِ غَيْرِ الْعُلَمَاءِ أَوْ اعْتِبَارِ غَيْرِ الثِّقَاتِ مِنْ الْعُلَمَاءِ (مُصَحَّحٍ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى مُطَالَعَتِهِ وَاسْتِخْرَاجِهِ) فَهْمِ مَعَانِي مَسَائِلِهِ (وَإِخْبَارِ عَدْلٍ مَوْثُوقٍ بِهِ فِي عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ) فَيُخْبِرُ بِقَوْلِ

стр. 388

الْمُجْتَهِدِ فَيُعْتَمَدُ عَلَى خَبَرِهِ (فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِكُلِّ كِتَابٍ) فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِي الْقَضَاءِ وَالْفَتْوَى هَذَا تَفْرِيعٌ لِقَوْلِهِ فِي نَقْلِ كِتَابٍ مُعْتَبَرٍ يَعْنِي لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِكِتَابٍ مَجْهُولٍ مَسْتُورٍ كَالنَّوَادِرِ نَقَلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ وَمِثْلُهُ كِتَابُ الْحَاوِي وَجَامِعِ الْفَتَاوَى وَالْفَتَاوَى الصُّوفِيَّةِ وَرَوْضَةِ الْمَجَالِسِ وَمُشْتَمَلِ الْأَحْكَامِ وَجَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَالتَّسْهِيلِ لِلْقَاضِي مَحْمُودٍ وَالْمُهِمَّاتِ وَالْحَدَّادِيَّةِ وَأَيْضًا لِقُنْيَةٍ مَشْهُورَةٍ بِضَعْفِ الرِّوَايَةِ وَصَاحِبُهَا مُعْتَزِلِيٌّ. وَأَيْضًا صُرَّةُ الْفَتَاوَى لَكِنْ إذَا لَمْ يُعْلَمْ خِلَافٌ أَقْوَى مِنْهَا وَلَا خِلَافَ قِيَاسٌ وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ فِي كِتَابٍ مُعْتَبَرٍ فَلَا جَرَمَ يَعْمَلُ بِهِ، وَالْكِتَابُ الْمُعْتَبَرُ كَالْمُتُونِ الْأَرْبَعَةِ وَالْهِدَايَةِ وَالْمَجْمَعِ قَالُوا اجْتِمَاعُهَا فِي مَسْأَلَةٍ كَنَصٍّ قَاطِعٍ وَمِنْ الْفَتَاوَى كَقَاضِي خَانْ وَالْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ لَا يُخَالِفَ الْغَيْرَ سِيَّمَا لِلْأَوْثَقِ وَالْأَكْثَرِ فِي كَوْنِ اعْتِبَارِ قَوْلِ الْكِتَابِ الْمُعْتَبَرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ قَوْلٌ ضَعِيفٌ فِي كِتَابٍ قَوِيٍّ كَمَا نَقَدُوا فِي بَعْضِ أَقْوَالِ الْهِدَايَةِ، وَأَمَّا كُتُبُ الْأَحَادِيثِ، وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ لَنَا حُجَّةً فِي الْأَحْكَامِ أَحَادِيثُ نَبِيِّنَا ﵊ كَقَوْلِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلَّامِ لِكَوْنِهَا مَنْصِبَ الِاجْتِهَادِ فَأَصَحُّهَا صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ فَمُسْلِمٌ عَلَى الْأَصَحِّ ثُمَّ بَوَاقِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ لَكِنَّ الْأَحَادِيثَ الضَّعِيفَةَ يَجُوزُ رِوَايَتُهَا وَالْعَمَلُ بِهَا فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ إنْ لَمْ يُخَالِفْ أَقْوَى مِنْهَا وَلَا الْقِيَاسَ وَفِي تَأْيِيدِ عَمَلٍ ثَابِتٍ أَوْ احْتِيَاطِ عَمَلٍ أَيْضًا لَا فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ أَصْلًا، وَأَمَّا الْمَوْضُوعُ فَلَا يَجُوزُ رِوَايَتُهُ إلَّا مَعَ تَنْبِيهِ مَوْضُوعِيَّتِهِ وَلَا الْعَمَلُ بِهِ أَصْلًا خِلَافًا لِمَنْ وَهَمَ (وَلَا) يَجُوزُ الْعَمَلُ (بِقَوْلِ كُلِّ مَنْ تَزَيَّا بِزِيِّ الْعُلَمَاءِ) مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ حَالِهِ عِلْمًا وَثِقَةً وَعَمَلًا فَلَا بُدَّ مِمَّنْ يَصْلُحُ اقْتِدَاؤُهُ لِكَوْنِهِ مُجَرَّبَ الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ عَالِمٍ أَوْ عَالِمًا لَكِنْ لَيْسَ بِثِقَةٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ الْفَسَادِ الْكَبِيرِ الْعَالِمَ الْمُتَهَتِّكَ وَأَيْضًا إذَا زَلَّ عَالِمٌ زَلَّ عَالَمٌ. (وَمُقَابِلُ اعْتِقَادِ الْبِدْعَةِ اعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَسَبَبُهُ) سَبَبُ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ (التَّمَسُّكُ بِالسُّنَّةِ) اعْتِقَادًا وَأَقْوَالًا وَأَعْمَالًا فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ بَلْ فِي الْعَادَاتِ (وَمَا عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ) مِنْ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - (وَ) سَبَبُهُ أَيْضًا (تَرْكُ الْهَوَى) أَيْ الْحُظُوظَاتِ الْعَاجِلَةِ (وَ) تَرْكِ (الْإِعْجَابِ بِالرَّأْيِ) أَيْ تَحْسِينِ عَقْلِهِ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ شَرْعِيٍّ (مَعَ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ أَوْ التَّقْلِيدِ لِصَاحِبِهِ) أَيْ لِصَاحِبِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ (وَلَوْ مَعَ إثْمٍ) لِتَرْكِ الْوَاجِبِ. [التَّاسِعُ الرِّيَاءُ] [الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ فِي تَعْرِيفِ الرِّيَاء] (وَالتَّاسِعُ) مِنْ السِّتِّينَ الْمَذْمُومَةِ

стр. 389

(الرِّيَاءُ) وَفِيهِ سَبْعَةُ مَبَاحِثَ تَعْرِيفُهُ وَمَا بِهِ الرِّيَاءُ وَمَا لَهُ الرِّيَاءُ وَالرِّيَاءُ الْخَفِيُّ وَعَلَامَاتُهُ وَأَحْكَامُ الرِّيَاءِ وَالْأُمُورُ الْمُتَرَدِّدَةُ بَيْنَ الرِّيَاءِ وَالْإِخْلَاصِ وَعِلَاجُ الرِّيَاءِ (الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ فِي تَعْرِيفِهِ) لِيَمْتَازَ عَنْ الْآخَرِ لِكَمَالِ الْعِنَايَةِ بِهِ لِعِظَمِ خَطَرِهِ وَكَثْرَةِ وُقُوعِهِ (وَتَقْسِيمُهُ هُوَ) أَيْ الرِّيَاءُ لُغَةً إظْهَارُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ مَصْدَرُ رَاءَى يُرَائِي مُرَاءَاةً وَرِيَاءً يُقَالُ رَاءَيْته أَظْهَرْت لَهُ خِلَافَ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ وَقِيلَ هُوَ طَلَبُ الْمَنْزِلَةِ فِي الْقُلُوبِ بِإِرَادَةِ الْفَضَائِلِ مُطْلَقًا وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الرُّؤْيَةِ وَالْعُرْفُ هُوَ (إرَادَةُ نَفْعِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ أَوْ دَلِيلِهِ) أَيْ دَلِيلِ الْعَمَلِ نَحْوِ ذُبُولِ الشَّفَتَيْنِ وَخَفْضِ الصَّوْتِ وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى مَا يُقَالُ الرِّيَاءُ طَلَبُ الْمَنْزِلَةِ فِي الْقُلُوبِ بِإِظْهَارِ الْعِبَادَاتِ (أَوْ إعْلَامِهِ) أَيْ عَمَلِ الْآخِرَةِ (أَحَدًا مِنْ النَّاسِ) فَالرِّيَاءُ بِثَلَاثَتِهِ (مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ مُلْجِئٍ) مُضْطَرٍّ اعْلَمْ أَنَّ الْإِكْرَاهَ هُوَ حَمْلُ الْغَيْرِ عَلَى مَا لَا يَرْضَاهُ وَلَا يَخْتَارُهُ إذَا خَلَى وَنَفْسُهُ فَإِمَّا كَامِلٌ إنْ أَفْسَدَ الِاخْتِيَارَ وَأُعْدِمَ الرِّضَا فَهُوَ مُلْجِئٌ أَيْ يُوجِبُ الِاضْطِرَارُ كَالتَّهْدِيدِ بِمَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ وَإِمَّا قَاصِرٌ بِعَدَمِ الرِّضَا لَا يُوجِبُ الْإِلْجَاءَ وَلَا يَقْصِدُ الِاخْتِيَارَ كَمَا بِنَحْوِ حَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ فَالْمَفْهُومُ مِنْ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ إبَاحَةِ الرِّيَاءِ بِمُجَرَّدِ الْإِكْرَاهِ مَا لَمْ يَكُنْ مُلْجِئًا قَالَ فِي التَّلْوِيحِ عَنْ الْإِمَامِ الْبُرَغْرِيِّ إنَّ فِعْلَ الْمُكْرَهِ مُبَاحٌ كَالْقَتْلِ وَالرِّيَاءِ وَفَرْضٌ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَمُرَخَّصٌ كَإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَالْإِفْطَارِ وَإِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ فَتَأَمَّلْ. (الْبَاعِثِ) صِفَةُ الْإِعْلَامِ (عَلَى نَفْسِهِ) أَيْ نَفْسِ الْعَمَلِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي قَصْدِهِ إعْلَامُ الْغَيْرِ لَمْ يَأْتِ بِهَذَا الْعَمَلِ أَوْ صِفَةٌ لِنَفْعِ الدُّنْيَا يَعْنِي الْبَاعِثَ عَلَى نَفْسِ عَمَلِ الْآخِرَةِ هُوَ نَفْعُ الدُّنْيَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَاعِثٍ عَلَى التَّنْكِيرِ أَيْ بَاعِثُ ذَلِكَ الْإِكْرَاهِ عَلَى نَفْسِ الْعَمَلِ يَعْنِي يَكُونُ الْإِكْرَاهُ دَاعِيًا إلَى الْعَمَلِ بِالرِّيَاءِ وَبِالْجُمْلَةِ لَعَلَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ خَفَاءٍ (وَضِدُّهُ الْإِخْلَاصُ، وَهُوَ تَجْرِيدُ قَصْدِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالطَّاعَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِالتَّقَرُّبِ (عَنْ نَفْعِ الدُّنْيَا) مُتَعَلِّقٌ بِالتَّجْرِيدِ (وَ) عَنْ (الْإِعْلَامِ السَّابِقِ) ، وَأَمَّا لَوْ عَلِمُوا بِذَلِكَ مِنْهُ وَلَمْ يَقْصِدْ فَلَا يَضُرُّ فِي إخْلَاصِهِ فَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ الْمَرْفُوعِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَاجِلِ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ وَهَذَا قَرِيبٌ إلَى مَا فِي الْقُشَيْرِيَّةِ الْإِخْلَاصُ إفْرَادُ الْحَقِّ فِي الطَّاعَةِ بِالْقَصْدِ، وَهُوَ أَنْ يُرِيدَ بِطَاعَتِهِ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى دُونَ شَيْءٍ آخَرَ مِنْ تَصَنُّعِ الْمَخْلُوقِ أَوْ اكْتِسَابِ مَحْمَدَةٍ عِنْدَ النَّاسِ وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ الْإِخْلَاصُ التَّوَقِّي عَنْ مُلَاحَظَةِ الْأَشْخَاصِ وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ «الْإِخْلَاصُ سِرٌّ مِنْ سِرِّي اسْتَوْدَعَتْهُ قَلْبَ مَنْ أَحْبَبْته مِنْ عِبَادِي» وَعَنْ ذِي النُّونِ ثَلَاثٌ مِنْ عَلَامَاتِ الْإِخْلَاصِ اسْتِوَاءُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ مِنْ الْعَامَّةِ وَنِسْيَانُ رُؤْيَةِ الْأَعْمَالِ فِي الْأَعْمَالِ وَاقْتِضَاءُ ثَوَابِ الْعَمَلِ فِي الْآخِرَةِ وَقِيلَ الْإِخْلَاصُ لَا يَكُونُ لِلنَّفْسِ فِيهِ حَظٌّ بِحَالٍ (وَيُثْمِرُ) أَيْ الْإِخْلَاصُ يُنْتِجُ (الْإِحْسَانَ) أَيْ الْمَذْكُورَ فِي نَحْو - ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]- ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]- ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]- فَاللَّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ قِيلَ وَحَقِيقَتُهُ سَجِيَّةٌ فِي النَّفْسِ تَحْمِلُ عَلَى مُجَازَاةِ الْمُسِيءِ بِجَوَائِزِ الْمُحْسِنِ وَقِيلَ هُوَ مَعْرِفَةُ الْعُبُودِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ مَعًا وَقِيلَ اتِّفَاقُ

стр. 390

الْمَعْنَى عَلَى اتِّفَاقِ الْعِيَانِ وَالْإِحْسَانُ لِمَنْ أَسَاءَ كَائِنًا مَنْ كَانَ وَقِيلَ إتْقَانُ الْعِبَادَةِ بِإِيقَاعِهَا عَلَى وَجْهِهَا مَعَ رِعَايَةِ حَقِّ الْحَقِّ وَمُرَاقَبَتِهِ وَاسْتِحْضَارِ عَظَمَتِهِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا (وَهُوَ) نَحْوَ أَنَّ أَحَدَهُمَا غَالِبٌ عَلَيْهِ مُشَاهَدَةُ الْحَقِّ كَمَا قَالَ (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ) مَنْ عَبَدَ أَطَاعَ وَالتَّعَبُّدُ التَّنَسُّكُ وَالْعُبُودِيَّةُ الْخُضُوعُ وَالذِّلَّةُ (كَإِنَّك تَرَاهُ) بِأَنْ تَتَأَدَّبَ فِي عِبَادَتِهِ كَأَنَّك تَنْظُرُ إلَيْهِ فَجَمَعَ مَعَ الْإِيجَازِ بَيَانَ الْمُرَاقَبَةِ فِي كُلِّ حَالٍ وَالْإِخْلَاصَ فِي سَائِرِ الْأَعْمَالِ وَالْحَثَّ عَلَيْهِمَا بِحَيْثُ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ عَايَنَ رَبَّهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنْ مُمْكِنِهِ وَالثَّانِي مَنْ لَا يَنْتَهِي إلَى هَذِهِ الْحَالِ لَكِنْ غَلَبَ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَقَّ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ وَمُشَاهِدٌ لَهُ، وَقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك) أَيْ فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْيَقِينُ وَالْحُضُورُ إلَى هَاتِيك الرُّؤْيَةِ فَإِلَى أَنْ تَحَقَّقَ أَنَّ نَفْسَك بِمَرْأَى مِنْهُ تَقَدَّسَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ مُشَاهِدٌ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ فِي حَرَكَتِهِ وَسُكُونِهِ فَكَمَا أَنَّهُ لَا يُقَصِّرُ فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ وَلَا يُقَصِّرُ فِي الثَّانِي لِاسْتِوَائِهِمَا بِالنِّسْبَةِ لِاطِّلَاعِهِمَا إلَى اطِّلَاعِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِمَا قَبْلَهُ فَإِنَّ الْعَبْدَ إذَا أُمِرَ بِمُرَاقَبَةِ اللَّهِ فِي عِبَادَتِهِ وَاسْتِحْضَارِ قُرْبِهِ مِنْهُ حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهُ شَقَّ عَلَيْهِ فَيَسْتَعِينُ عَلَيْهِ بِإِيمَانِهِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ لَا يَخْفَى مِنْهُ شَيْءٌ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ إلَى ذَلِكَ الْمَقَامِ الْأَكْمَلِ الَّذِي هُوَ مَقَامُ الشُّهُودِ الْأَكْبَرِ وَذَلِكَ قَرِيبٌ إلَى مَا يُقَالُ مِنْ أَنَّ الْمُرَاقَبَةَ عَلَى نَحْوِ حَالَيْنِ أَحَدُهُمَا غَالِبٌ عَلَيْهِ مُشَاهَدَةُ الْحَقِّ فَكَأَنَّهُ يَرَاهُ وَيُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﵇ «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي عِبَادَةِ رَبِّي» وَثَانِيهِمَا لَا يَنْتَهِي إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ لَكِنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَقَّ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ وَمُشَاهِدٌ لَهُ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْله تَعَالَى - ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الشعراء: ٢١٨] ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩]- وَهَاتَانِ الْحَالَتَانِ ثَمَرَةُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَشْيَتِهِ (وَقَدْ يُطْلَقُ الرِّيَاءُ) شَرْعًا (عَلَى حُبِّ الْمَنْزِلَةِ) الْعَالِيَةِ (وَقَصْدِهَا فِي قُلُوبِ النَّاسِ) لِيَحْمَدُوهُ وَيُعَظِّمُوهُ (بِأَعْمَالِ الدُّنْيَا) مِثْلَ الْكِتَابَةِ وَالْخِيَاطَةِ (وَهَذَا رِيَاءُ أَهْلِ الدُّنْيَا) لِيَنَالَ بِهِ رُتْبَةَ الدُّنْيَا وَهَذَا أَيْضًا مَذْمُومٌ لِإِفْضَائِهِ إلَى الدِّينِ (وَالْأَوَّلُ بِقِسْمَيْهِ) الْأَوَّلُ إرَادَةُ النَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ بِعَمَلِ الْآخِرَةِ أَوْ دَلِيلِهِ وَالثَّانِي إعْلَامُهُ بِذَلِكَ وَيُسَمَّى هَذَا بِالسُّمْعَةِ (رِيَاءُ أَهْلِ الدِّينِ) الْمُحْبِطُ لِلْعَمَلِ (فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ إنْ لَمْ يُقَارِنْهُ إرَادَةُ نَفْعِ الْآخِرَةِ) أَصْلًا بَلْ مُرَادُهُ نَفْعُ الدُّنْيَا كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِجَلْبِ الْأَمْوَالِ (فَهُوَ رِيَاءٌ مَحْضٌ، وَإِنْ قَارَنَتْهُ) أَيْ قَارَنَتْ إرَادَةُ نَفْعِ الْآخِرَةِ إلَى الْأَوَّلِ (فَرِيَاءُ تَخْلِيطٍ) لِاخْتِلَاطِ الْإِرَادَتَيْنِ وَهَذَا ثَلَاثَةٌ (إمَّا) نَفْعُ الدُّنْيَا (غَالِبٌ) عَلَى نَفْعِ الْآخِرَةِ وَقِيلَ عَلَى الْعَكْسِ فَتَدَبَّرْ (أَوْ مُسَاوٍ أَوْ مَغْلُوبٌ فَالْجُمْلَةُ خَمْسَةٌ) دِينِيٌّ مَحْضٌ وَتَخْلِيطٌ تَحْتَهُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ وَالْإِعْلَامُ يَعْنِي لَمَّا كَانَ أَوَّلُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ فَإِذَا ضُمَّ إلَيْهَا ثَانِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ يَصِيرُ خَمْسَةً (وَالْمُرَادُ مِنْهُ نَفْعُ الدُّنْيَا) ، وَهُوَ أَوَّلُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ يَعْنِي الَّذِي يُرَادُ مِنْهُ نَفْعُ الدُّنْيَا (أَمَّا خَالِقٌ) إذْ يُرَادُ ذَلِكَ النَّفْعُ وَيُطْلَبُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى كَصَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ هِيَ عَمَلُ الْآخِرَةِ يُقْصَدُ بِهَا اسْتِكْشَافُ الْأَمْرِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى (أَوْ مَخْلُوقٌ) كَإِظْهَارِ الصَّلَاحِ لِجَلْبِ الدُّنْيَا مِنْ بَعْضِ الْمَخْلُوقِ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ نَفْعَ الدُّنْيَا أَيْ أَوَّلَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَرْبَعَةٌ فَإِذَا ضُرِبَ هَذَانِ الِاثْنَانِ فِيهَا يَكُونُ ثَمَانِيَةً وَإِذَا وُضِعَ بِجَنْبِهَا ثَانِي الْأَوَّلِ يَعْنِي الْإِعْلَامَ فَتِسْعَةٌ (وَنَفْعُ الدُّنْيَا) أَيْضًا (إمَّا جَاهٌ) رِيَاسَةٌ كُلِّيَّةٌ أَوْ إضَافِيَّةٌ أَوْ جُزْئِيَّةٌ كَمَنْ يَطْلُبُ بِالْعِلْمِ الَّذِي هُوَ عَمَلُ الْآخِرَةِ الْمَنَازِلَ

стр. 391

الرَّفِيعَةَ هِيَ نَفْعُ الدُّنْيَا وَالْجَاهُ (أَوْ مَالٌ) كَمَنْ يَقْرَأُ بَعْضَ الْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارِ لِيَكْثُرَ مَالُهُ (أَوْ قَضَاءَ شَهْوَةٍ) كَالتَّزَوُّجِ (أَوْ دَفْعَ ضَرَرٍ يَسِيرٍ) قَالَ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي وَتَبِعَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ احْتِرَازًا عَنْ الْكَثِيرِ مِثْلَ الْقَتْلِ وَتَلَفِ الْعُضْوِ لَعَلَّ مُرَادَهُ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مِنْ الرِّيَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ إكْرَاهًا مُلْجِئًا فَيَظْهَرُ ضَعْفُ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الْكَثِيرُ هُوَ الْأَوْلَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ إذَا ضُرِبَتْ فِي الثَّمَانِيَةِ الْمَذْكُورَةِ فَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ وَعِنْدَ ضَمِّ الْإِعْلَامِ الْمَذْكُورِ فَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ (وَكُلٌّ مِنْهَا) الظَّاهِرُ رَاجِعٌ إلَى هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الْمَضْرُوبَةِ فِي تِلْكَ الثَّمَانِيَةِ الْبَالِغَةِ إلَى اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ (إمَّا لِلتَّوَسُّلِ إلَى عَمَلِ الْآخِرَةِ أَوَّلًا) فَالْأَقْسَامُ بَالِغَةٌ إلَى أَرْبَعَةٍ وَسِتِّينَ. (وَالْأَوَّلُ) أَيْ إرَادَةُ نَفْعِ الدُّنْيَا لِلتَّوَسُّلِ إلَى الْآخِرَةِ بِجَمِيعِ أَقْسَامِهِ وَقُيُودِهِ فِي ذَلِكَ الْمَبْلَغِ إنْ كَانَ (مِنْ الْخَالِقِ تَعَالَى لَيْسَ بِرِيَاءٍ) لَعَلَّ الْأَخْصَرَ وَالْأَظْهَرَ وَالْأَضْبَطَ فِي هَذَا الْمَقَامِ عَلَى رَأْيِ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَرَامِ أَنْ يُقَالَ الرِّيَاءُ إمَّا إرَادَةُ نَفْعِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ أَوْ دَلِيلِهِ وَإِمَّا إعْلَامُهُ أَحَدًا وَإِمَّا حُبُّ الْمَنْزِلَةِ الْأَوَّلَانِ رِيَاءُ أَهْلِ الدِّينِ وَالثَّالِثُ رِيَاءُ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ لَا يُقَارِنَ إرَادَةَ نَفْعِ الْآخِرَةِ فَرِيَاءٌ مَحْضٌ أَوْ يُقَارِنَ غَالِبًا أَوْ مَغْلُوبًا أَوْ مُسَاوِيًا فَتَخْلِيطٌ ثُمَّ نَفْعُ الدُّنْيَا الْمُتَصَوَّرُ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ إمَّا جَاهٌ أَوْ مَالٌ أَوْ قَضَاءُ شَهْوَةٍ أَوْ دَفْعُ ضَرَرٍ يَسِيرٍ وَكُلُّ ذَلِكَ إمَّا لِلطَّلَبِ مِنْ الْخَالِقِ أَوْ الْمَخْلُوقِ وَكُلُّ ذَلِكَ إمَّا لِلتَّوَسُّلِ إلَى عَمَلِ الْآخِرَةِ أَوْ لَا وَالْأَوَّلُ إنْ مِنْ الْخَالِقِ لَيْسَ بِرِيَاءٍ لَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ زِيَادَةَ بَسْطٍ وَتَفْصِيلٍ فِي الْمَقَامِ لِزِيَادَةِ اهْتِمَامٍ فِي الْمَرَامِ وَإِلَّا فَأَوْضَحَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ هُوَ إرَادَةُ نَفْعِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ إلَخْ وَالْمُضَافُ إلَيْهِ أَعْنِي نَفْعَ الدُّنْيَا إمَّا جَاهٌ أَوْ مَالٌ إلَخْ وَالْمُضَافُ يَعْنِي الْإِرَادَةَ الْمَذْكُورَةَ إمَّا مُجَرَّدَةٌ فَرِيَاءٌ مَحْضٌ أَوْ مُقَارِنُ غَالِبٍ أَوْ مَغْلُوبٍ أَوْ مُسَاوٍ وَأَيْضًا الْإِرَادَةُ إمَّا مِنْ الْخَالِقِ أَوْ الْمَخْلُوقِ وَأَيْضًا إمَّا لِلتَّوَسُّلِ إلَى عَمَلِ الْآخِرَةِ أَوْ لَا ثُمَّ أَقُولُ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ كَوْنُ الْإِعْلَامِ خَارِجًا عَنْ هَذِهِ التَّقْسِيمَاتِ وَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْسَامَ تَجْرِي فِي إرَادَةِ نَفْعِ الدُّنْيَا بِإِعْلَامِ عَمَلِ الْآخِرَةِ فَتَخْصِيصُهُ فِيمَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ، وَإِنْ كَانَ إعْلَامُ الْغَيْرِ إلَخْ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي وَأَيْضًا قَوْلُهُ وَكُلٌّ مِنْهَا إمَّا لِلتَّوَسُّلِ إلَخْ إشَارَةٌ إلَى جَمِيعِ الْأَقْسَامِ السَّابِقَةِ كَمَا لَزِمَ عَلَى تَوْضِيحِ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي كَمَا أُشِيرَ آنِفًا وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ الرِّيَاءُ الْمَحْضُ فَيَئُولُ الْمَعْنَى أَنَّ مَا لَا يُقَارِنُ إرَادَةَ نَفْعِ الْآخِرَةِ إمَّا لِلتَّوَسُّلِ إلَى عَمَلِ الْآخِرَةِ إلَى آخِرِهِ فَقِسْمُ الشَّيْءِ قَسِيمٌ لَهُ أَوْ قَسِيمُ الشَّيْءِ قِسْمٌ مِنْهُ أَوْ قُبْحُ التَّرْدِيدِ وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُقَارَنَةِ وَالتَّوَسُّلِ بَعِيدٌ فَتَأَمَّلْ. (لِوُرُودِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ) فَإِنَّ طَلَبَ الْمَطَرِ لِأَجَلِ الزُّرُوعِ وَالنَّبَاتَاتِ إرَادَةُ نَفْعِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُوَ الْخَالِقُ تَعَالَى لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ قَصْدَ التَّوَسُّلِ إلَى عَمَلِ الْآخِرَةِ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، وَإِنْ لَزِمَ نَفْسُ التَّوَسُّلِ بِلَا قَصْدٍ وَالْكَلَامُ فِي الْقَصْدِ لَا فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ ادَّعَى أَنَّ الْمِثَالَ عَلَى مَنْ يَطْلُبُ الْمَطَرَ لِأَجْلِ نَحْوِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ أَوْ الزُّرُوعِ لَكِنْ بِشَرْطِ نِيَّةِ التَّقَوِّي بِذَلِكَ عَلَى طَاعَةِ الْآخِرَةِ فَلَا يَخْفَى غَايَةُ بُعْدِهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ بِكِفَايَةِ لُزُومِ التَّوَسُّلِ وَأَيْضًا إنَّ نَحْوَ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ لَا يُقَارِنُهَا إرَادَةُ نَفْعِ الْآخِرَةِ فِي الْأَكْثَرِ سِيَّمَا عَامَّةُ الْعَوَامّ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ رِيَاءً مَحْضًا يَجِبُ الْمَنْعُ مِنْهُ إلَّا بِتِلْكَ النِّيَّةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَدَعْوَى الْكِفَايَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا يُمْكِنُ هُنَا لِتَصْرِيحِ الْإِرَادَةِ (وَالِاسْتِخَارَةُ) فَإِنَّهَا أَيْضًا كَذَلِكَ عِنْدَ كَوْنِ الِاسْتِخَارَةِ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ لَا دِينِيٍّ (وَالْحَاجَةُ) فَإِنَّهَا كَذَلِكَ فِي ذَلِكَ التَّفْصِيلِ (وَنَحْوُهَا) قِيلَ كَالْإِمَامَةِ وَالْخَطَابَةِ وَتَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ بِالْأُجْرَةِ، فَإِنَّهَا نَفْعٌ دُنْيَوِيٌّ بِعَمَلِ الْآخِرَةِ لِلتَّوَسُّلِ إلَى إنْفَاقِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَتَفَرُّغِ عِبَادَتِهِ تَعَالَى وَقِيلَ مِثْلُ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ فِي أَيَّامِ الْعُسْرَةِ وَدَفْعِ الْفَقْرِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ وَالْإِخْلَاصِ وَالْأَنْعَامِ لِشِفَاءِ الْأَمْرَاضِ وَقِرَاءَةِ يس لِمَا أَرَادَ. (وَغَيْرُهَا) بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ أَيْ غَيْرُ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إلَى عَمَلِ الْآخِرَةِ مِنْ الْخَالِقِ (كُلُّهُ) أَيْ فِي جَمِيعِ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ سَابِقًا مِنْ الْأَقْسَامِ مِمَّا هُوَ مِنْ الْمَخْلُوقِ مُطْلَقًا وَمِنْ الْخَالِقِ أَنَّ عَدَمَ التَّوَسُّلِ الْأُخْرَوِيِّ

стр. 392

(رِيَاءٌ) فَظَاهِرُهُ شَامِلٌ لِأَنْوَاعِ التَّخْلِيطِ وَلَوْ مَغْلُوبًا فَيَلْزَمُ عَدَمُ ثَوَابِ حَجٍّ مَنْ ضَمَّ قَصْدَ التِّجَارَةِ إلَى قَصْدِ حَجِّهِ بَلْ حُرْمَتُهُ كَمَا هُوَ قَوْلُ مَنْ جَعَلَ قَصْدَ الدُّنْيَا مُطْلَقًا مَانِعًا مِنْ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَبَعْضُهُمْ فَصَّلَ بِالْغَلَبَةِ فَإِنْ غَلَبَ الدُّنْيَا لَا وَإِلَّا نَعَمْ وَبَعْضُهُمْ أَثَابَ مُطْلَقًا بِقَصْدِهِ الدِّينِيِّ؛ لِأَنَّ مَا ضُمَّ إلَيْهِ أَمْرٌ مُبَاحٌ فَفِي الْمَقَامِ مَا إنْ تُؤُمِّلَ فُهِمَ (وَإِنْ كَانَ إعْلَامُ الْغَيْرِ) مُتَعَلِّقٌ بِصَدْرِ الْمَبْحَثِ الْأَوَّلِ فَهُوَ الْإِعْلَامُ الْمَأْخُوذُ فِي تَعْرِيفِ الرِّيَاءِ (بَاعِثًا) لَهُ (عَلَى مُجَرَّدِ الْإِظْهَارِ) لَا يَظْهَرُ فَائِدَةُ هَذَا الْقَيْدِ (لِلِاقْتِدَاءِ) أَيْ اقْتِدَاءِ الْغَيْرِ الَّذِي أَعْلَمَ إلَيْهِ فَيَعْمَلُ مِثْلَهُ فَمِنْ بَابِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْخَيْرِ (وَنَحْوَهُ مِنْ النِّيَّاتِ الصَّالِحَةِ لَا عَلَى نَفْسِ الْعَمَلِ) لَعَلَّ مِنْهُ غَرَضَ حَسَنِ الِاعْتِقَادِ إلَيْهِ وَالشَّهَادَةَ بِحَسَنِ حَالِهِ عَسَى أَنْ يَغْفِرَهُ اللَّهُ بِاعْتِقَادِهِ أَوْ بِشَهَادَتِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ وَقِيلَ كَقَصْدِ الشُّكْرِ أَوْ الرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِينَ لَهُ بِنِيَّةِ نُصْرَةِ الْحَقِّ وَقِيلَ كَالتَّعْلِيمِ لِلْجَاهِلِ (فَلَيْسَ بِرِيَاءٍ) بَلْ مِمَّا يُثَابُ قِيلَ هُنَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَصْدَ الْإِعْلَامِ حَالَ الْعَمَلِ فَرِيَاءٌ، وَإِنْ وُجِدَ الْعَمَلُ خَالِصًا ثُمَّ حَصَلَ الْإِعْلَامُ فَلَيْسَ بِرِيَاءٍ لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مِنْ حَاصِلِ الْمَقَامِ إذْ مَعْنَى الْمَقَامِ كَمَا عَرَفْت إرَادَةَ نَفْعِ الدُّنْيَا بِإِعْلَامِ عَمَلِ الْآخِرَةِ فَالْإِعْلَامُ بَعْدَ الْعَمَلِ بِالْخُلُوصِ رِيَاءٌ غَايَتُهُ أَمْرٌ آخَرُ غَيْرَ الْعَمَلِ وَلَا يُزِيلُ ثَوَابَهُ قِيلَ عَنْ بَعْضِ شُرَّاحِ الْكِتَابِ إنِّي تَرَكْت عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ بِأَسْرِهَا لِكَوْنِهَا كَالْهَذَيَانَاتِ وَالْأَلْفَاظِ الْمُهْمَلَةِ فَالِاشْتِغَالُ بِهَا اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يَعْنِي وَأَوْرَدَ بِأَنَّهُ مِنْ عَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى مُرَادِهِ وَقُصُورِ النَّظَرِ عَنْ الشَّرْحِ عَلَى وَفْقِ مَرَامِهِ لِكَوْنِ مَأْخَذِهِ شَرِيفًا فَلَا يَطَّلِعُ إلَّا مَنْ سَاعَدَهُ التَّوْفِيقُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى التَّوْفِيقِ. أَقُولُ لَعَلَّ مُرَادَ الْمُورِدِ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى تَفْصِيلِ هَذِهِ التَّقْسِيمَاتِ وَتَكْثِيرِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ بَلْ الْإِجْمَالُ كَافٍ فِي وُصُولِ الْمُرَادِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ أَكْثَرَ الْأَقْسَامِ مُتَقَارِبَةٌ وَمُتَشَابِهَةٌ بَلْ مُتَمَاثِلَةٌ فَيَحْتَاجُ تَمْيِيزُ مَا يَكُونُ رِيَاءً مِمَّا لَا يَكُونُ رِيَاءً إلَى هَذَا التَّفْصِيلِ وَلَوْ سَلِمَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّعْبِيرِ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْمُتَوَرِّعِ الْخَبِيرِ مِمَّا يُوجِبُ الشَّيْنَ وَالتَّحْقِيرَ لَا يَلِيقُ إلَّا مِمَّنْ يَتَّصِفُ بِالتَّقْصِيرِ (فُرُوعٌ مُهِمَّةٌ) فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ الْخُلَاصَةِ لَا رِيَاءَ فِي الْفَرَائِضِ لَكِنْ فِي شَرْحِهِ لِلْحَمَوِيِّ عَنْ الْوَاقِعَاتِ وَالْمَنْفِيُّ بِعَدَمِ الرِّيَاءِ صَوْمُ الْفَرِيضَةِ بِخِلَافِ سَائِرِ الطَّاعَاتِ لِحَدِيثٍ قُدْسِيٍّ «الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» وَلَمْ يَرَ مِثْلَهُ فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَأَمَّا إذَا أَخْبَرَ أَنَّهُ صَائِمٌ فَالرِّيَاءُ فِي خَبَرِهِ لَا فِي صَوْمِهِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ بِالْإِخْلَاصِ ثُمَّ خَالَطَهُ الرِّيَاءُ فَالْعِبْرَةُ بِالْبِنَاءِ وَلَا رِيَاءَ فِي الْفَرَائِضِ فِي حَقِّ سُقُوطِ الْوَاجِبِ فَصَحِيحَةٌ لَكِنْ يُفْهَمُ مِنْهُ عَدَمُ الثَّوَابِ أَصْلًا أَوْ كَمَالًا وَأَشْكَلَ عَلَيْهِ بِمَا إذَا شَارَكَ مُرِيدُ اللَّحْمِ مُرِيدَ الْأُضْحِيَّةِ حَيْثُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْبَعْضَ إذَا لَمْ يَقَعْ قُرْبَةً خَرَجَ الْكُلُّ عَنْ كَوْنِهِ قُرْبَةً فَلَوْ ذَبَحَ أُضْحِيَّةً لِلَّهِ تَعَالَى وَلِغَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ وَلِهَذَا صَرَّحَ فِي نَفْسِ الْبَزَّازِيَّةِ الذَّبْحُ لِلْقَادِمِ مِنْ الْحَجِّ أَوْ الْغَزْوِ أَوْ أَمِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ مَيْتَةٌ وَإِنَّمَا الشَّأْنُ فِي كُفْرِ الذَّابِحِ قِيلَ نَعَمْ وَقِيلَ لَا وَالْمُرَادُ مِنْ الذَّابِحِ قِيلَ حَقِيقَةٌ وَقِيلَ مَجَازٌ عَنْ الْآمِرِ وَعَنْ التَّتَارْخَانِيَّة أَيْضًا افْتَتَحَ خَالِصًا ثُمَّ دَخَلَ فِي قَلْبِهِ الرِّيَاءُ فَهُوَ عَلَى مَا افْتَتَحَ وَعَنْ الْوَاقِعَاتِ أَنَّ التَّحَرُّزَ مِمَّا يَعْرِضُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ لَا يُمْكِنُ وَالرِّيَاءُ أَنَّهُ لَوْ خَلَا عَنْ النَّاسِ لَا يُصَلِّي وَلَوْ كَانَ مَعَ النَّاسِ يُصَلِّي فَأَمَّا لَوْ صَلَّى مَعَ النَّاسِ يُحْسِنُهَا وَلَوْ وَحْدَهُ لَا يُحْسِنُ فَلَهُ ثَوَابُ أَصْلِ الصَّلَاةِ دُونَ الْإِحْسَانِ وَفِي الْيَنَابِيعِ لَوْ صَلَّى رِيَاءً لَا أَجْرَ لَهُ بَلْ الْوِزْرُ وَقِيلَ لَا أَجْرَ لَهُ وَلَا وِزْرَ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ أَوْ الْقِرَاءَةَ وَخَافَ مِنْ دُخُولِ الرِّيَاءِ فَلَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَوْهُومٌ وَالْحَاجُّ إذَا خَرَجَ تَاجِرًا فَلَا أَجْرَ لَهُ كَمَا فُهِمَ مِنْ الزَّيْلَعِيِّ

стр. 393

وَقِيلَ يَنْظُرُ بِقَصْدِ الْأَغْلَبِ، وَإِنْ تَسَاوَيَا تَسَاقَطَا حُكِيَ عَنْ النَّوَوِيِّ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ صَلِّ الظُّهْرَ وَلَك دِينَارٌ فَصَلَّى بِهَذِهِ النِّيَّةِ تُجْزِئُ صَلَاتُهُ وَلَا يَسْتَحِقُّ الدِّينَارَ وَقَوَاعِدُنَا أَيْضًا تَقْتَضِي ذَلِكَ وَفِي الْقُنْيَةِ شَرَعَ فِي الْفَرْضِ وَشَغَلَهُ الْفِكْرُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى أَتَمَّ الصَّلَاةَ لَا يُسْتَحَبُّ إعَادَتُهُ وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ لَا يُعِيدُ وَفِي بَعْضِهَا لَمْ يَنْقُصْ أَجْرُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ تَقْصِيرٍ مِنْهُ، فَإِذَا تَيَقَّنْت ذَلِكَ عَرَفْت مَا فِي مُطْلَقَاتِ الْمُصَنِّفِ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى التَّفْصِيلِ وَالتَّقْيِيدِ [الْمَبْحَثُ الثَّانِي آلَةُ الرِّيَاءِ] (الْمَبْحَثُ الثَّانِي مِنْ السَّبْعَةِ) (فِيمَا بِهِ الرِّيَاءُ) أَيْ آلَةُ الرِّيَاءِ فَالْبَاءُ دَاخِلَةٌ عَلَى الْآلَةِ (وَهُوَ خَمْسَةٌ الْأَوَّلُ الْبَدَنُ وَذَلِكَ) أَيْ مَا بِالْبَدَنِ (بِإِظْهَارِ النُّحُولِ) أَيْ الضَّعْفِ وَالسَّقَمِ (لِيَدُلَّ عَلَى قِلَّةِ الْأَكْلِ وَ) عَلَى (شِدَّةِ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ وَ) عَلَى (غَلَبَةِ خَوْفِ) الْقَلْبِ مِنْ (الْآخِرَةِ وَإِظْهَارِ الِاصْفِرَارِ) فِي لَوْنِهِ (لِيَدُلَّ عَلَى سَهَرِ اللَّيْلِ) عَدَمِ النَّوْمِ فِي اللَّيْلِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا يَشْكُلُ أَنَّ مِثْلَ الِاصْفِرَارِ لَيْسَ مِنْ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ إظْهَارُهُ إلَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّ ذَلِكَ بِإِتْيَانِ سَبَبِ الِاصْفِرَارِ لِأَجْلِ مِثْلِ ذَلِكَ الْإِظْهَارِ (وَ) عَلَى (كَثْرَةِ الْحُزْنِ فِي الدِّينِ) ؛ لِأَنَّ الْحُزْنَ الْكَثِيرَ مِنْ أَسْبَابِ الِاصْفِرَارِ (وَذُبُولِ الشَّفَتَيْنِ) أَيْ يُبُوسَتِهِمَا (وَ) إظْهَارِ (خَفْضِ الصَّوْتِ لِيَدُلَّ) كُلُّهُ أَوْ مَجْمُوعُهُ (عَلَى الصَّوْمِ وَ) عَلَى (ضَعْفِ الْجُوعِ) فَإِنَّ جُوعَ الصَّوْمِ يُضْعِفُ الْبَدَنَ فَيُوجِبُ نَحْوَ خَفْضِ الصَّوْتِ. (وَوَقَارِ الشَّرْعِ) أَيْ تَوْقِيرِهِ لَهُ بِنَهْيِهِ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ لُقْمَانَ لِابْنِهِ - ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]- (وَحَلْقِ الشَّارِبِ) لِإِظْهَارِ مُوَاظَبَةِ السُّنَّةِ (وَإِطْرَاقِ الرَّأْسِ) طَأْطَأَتِهِ وَإِرْخَائِهِ مَشْيًا وَجُلُوسًا لِإِظْهَارِ الْإِعْرَاضِ عَنْ النَّاسِ وَعَنْ رُؤْيَةِ عُيُوبِهِمْ وَتَتَبُّعِ عَوْرَاتِهِمْ أَوْ لِإِظْهَارِ اشْتِغَالِ الْقَلْبِ عَلَى فِكْرِهِ تَعَالَى أَوْ ذِكْرِهِ أَوْ مُلَاحَظَةِ مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ (وَالْهُدُوِّ) بِضَمِّ أَوَّلَيْهِ وَسُكُونِ الْوَاوِ السُّكُونِ فِي أَعْضَائِهِ وَالتَّأَنِّي (فِي الْحَرَكَةِ) مَشْيًا وَغَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ الصَّالِحِينَ. قَالَ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِرَجُلٍ طَأْطَأَ رَقَبَتَهُ يَا صَاحِبَ الرَّقَبَةِ ارْفَعْ رَقَبَتَك لَيْسَ الْخُشُوعُ فِي الرِّقَابِ وَإِنَّمَا الْخُشُوعُ فِي الْقَلْبِ (وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَغَضِّ بَصَرِهِ لِيَظُنَّ أَنَّهُ فِي الْمُرَاقَبَةِ وَسَدِّ أُذُنِهِ بِنَحْوِ شَمْعٍ أَوْ قُطْنٍ لِئَلَّا يَسْمَعَ اغْتِيَابَ النَّاسِ وَفُحْشَيَاتِهِمْ وَإِبْقَاءِ أَثَرِ السُّجُودِ فِي جَبْهَتِهِ وَهَذَا رِيَاءُ أَهْلِ الدِّينِ (وَ) أَمَّا (رِيَاءُ أَهْلِ الدُّنْيَا) بِالْبَدَنِ (بِإِظْهَارِ السِّمَنِ) بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ لِدَلَالَتِهِ عَلَى قُوَّتِهِ وَشَجَاعَتِهِ أَوْ عَلَى غِنَاهُ وَعَدَمِ خِسَّتِهِ بِكَثْرَةِ أَكْلِهِ (وَصَفَاءِ اللَّوْنِ وَاعْتِدَالِ الْقَامَةِ وَحُسْنِ الْوَجْهِ) أَيْ نَضَارَتِهِ وَبَشَرَتِهِ وَإِلَّا فَأَمْرٌ اضْطِرَارِيٌّ لَا مَجَالَ لِلْقَصْدِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى فَرَحِ قَلْبِهِ وَعَدَمِ حُزْنِهِ (وَنَظَافَةِ الْبَدَنِ) لِلدَّلَالَةِ عَلَى اهْتِمَامِهِ بِأَمْرِ نَفْسِهِ وَلِلْخَوْفِ مِنْ ذَمِّ غَيْرِهِ

стр. 394

(وَنَحْوِهَا) كَإِظْهَارِ الْقُوَّةِ فِي رَفْعِ شَيْءٍ وَمُصَارَعَةٍ لِرَجُلٍ قَوِيٍّ لِوُصُولِ الدُّنْيَا أَوْ لِلتَّقَرُّبِ إلَى أَحَدٍ أَوْ لِلذِّكْرِ الْجَمِيلِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُرَائِي بِهِ أَهْلُ الدُّنْيَا بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَمِثْلُ هَذَا إنْ كَانَ بِقَصْدِ إظْهَارِ النِّعْمَةِ وَشُكْرِهَا لَيْسَ بِرِيَاءٍ فَإِنْ قِيلَ إنَّ الرِّيَاءَ إنَّمَا يَكُونُ بِنَفْعِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَا ذُكِرَ رِيَاءً قُلْت قَدْ عَرَفْت أَنَّهُ يُطْلَقُ الرِّيَاءُ أَيْضًا عَلَى نَحْوِ مَا ذُكِرَ هُنَا لَكِنْ يَنْبَغِي عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَ حُكْمَهُ إمَّا هُنَا أَوْ هُنَالِكَ لَعَلَّ ذَلِكَ كَالنَّهْيِ التَّنْزِيهِيِّ لَا التَّحْرِيمِيِّ بِخِلَافِ الدِّينِيِّ. (وَالثَّانِي) مِنْ الْخَمْسَةِ (الزِّيُّ) بِالْكَسْرِ الْهَيْئَةُ (كَلُبْسِ الصُّوفِ) الَّذِي يَعْتَادُهُ الصُّوفِيَّةُ (وَتَشْمِيرُهُ) تَرْفِيعُهُ (إلَى قَرِيبٍ مِنْ نِصْفِ السَّاقِ) كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ «أُزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ» (وَغَلِيظُ الثِّيَابِ) أَيْ الثَّخِينُ (وَالْمُرَقَّعُ وَالطَّيْلَسَانُ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَاحِدُ الطَّيَالِسَةِ وَالْهَاءُ فِي الْجَمْعِ لِلْعُجْمَةِ؛ لِأَنَّهُ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ كَذَا فِي الصِّحَاحِ، وَهُوَ رِدَاءٌ مُدَوَّرٌ يُوضَعُ عَلَى الرَّأْسِ وَالْمَنْكِبَيْنِ وَعِنْدَ الْبَعْضِ ثَوْبٌ يُلْبَسُ فِي أَيَّامِ الشِّتَاءِ (لِيُظْهِرَ) بِذَلِكَ (أَنَّهُ مُتَّبِعٌ لِلسُّنَّةِ) وَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ سُنَّةً (وَلِتَنْصَرِفَ إلَيْهِ الْأَعْيُنُ) فَيَمِيلُوا إلَيْهِ (بِسَبَبِ تَمَيُّزِهِ) عَنْهُمْ لِغَرَابَةِ مَلْبَسِهِ بِهِ. (وَلُبْسُ الثِّيَابِ الْمُخَرَّقَةِ) الْبَالِيَةِ الْمُتَقَطِّعَةِ (وَالْوَسِخَةِ) مِنْ عَدَمِ الْغَسْلِ (لِيَدُلَّ بِهِ عَلَى اسْتِغْرَاقِ) قَلْبِهِ (الْهَمِّ) الِاهْتِمَامِ (بِالدِّينِ) وَمُهِمَّاتِ أَحْكَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لِكَمَالِ تَعَمُّقِهِ فِي إحْكَامِ أَحْكَامِ الدِّينِ لَا يَجِدُ وَقْتًا يَتَفَرَّغُ لِذَلِكَ، وَأَنَّهُ لِكَمَالِ وَرَعِهِ لَا يَلْتَفِتُ إلَى الْخَلْقِ بَلْ قَصْدُهُ تَطْهِيرُ مَنْظَرِ الْخَالِقِ (وَ) عَلَى (عَدَمِ تَفَرُّغِهِ لِلْخِيَاطَةِ) أَيْ خِيَاطَةِ الْمُخْرَقِ (وَ) كَذَا (الْغُسْلُ) فِي الْوَسِخِ تَرَكَهُ لِظُهُورِهِ مِمَّا ذَكَرَهُ (أَوْ) يَدُلُّ (عَلَى التَّوَاضُعِ وَكَسْرِ النَّفْسِ) فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا اللُّبْسِ لَا يُوجَدُ إلَّا فِيمَنْ كَسَرَ نَفْسَهُ (وَ) عَلَى (الْفَقْرِ) إلَى اللَّهِ أَوْ مُطْلَقًا (وَالزُّهْدِ) فِي الدُّنْيَا (وَلَوْ كُلِّفَ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا وَسَطًا) لَا أَعْلَى وَلَا أَدْنَى تَقْيِيدُهُ بِهِ إمَّا لِكَوْنِهِ مَمْدُوحًا فِي نَفْسِهِ أَوْ لِكَوْنِهِ كِسْوَةَ أَقْرَانِهِ فِي الْغَالِبِ (نَظِيفًا) خَالِيًا مِنْ الْوَسَخِ لِزِيَادَةِ التَّوْضِيحِ وَإِلَّا فَيُفْهَمُ مِنْ الْوَسَطِ (لَكَانَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الذَّبْحِ) لَا يَلْزَمُ فِي تَحْقِيقِ وُجُودِهِ هَذِهِ الرُّتْبَةُ بَلْ قَيْدٌ مُخَرَّجٌ عَلَى الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ (لِخَوْفِ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ) النَّاظِرُونَ الْوَاقِفُونَ (رَغِبَ فِي الدُّنْيَا) أَقْبَلَ عَلَيْهَا (وَرَجَعَ عَنْ الزُّهْدِ) فَتَسْقُطُ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ (وَمِنْهُمْ) أَيْ الْمُرَائِينَ بِالزِّيِّ (مَنْ يُرِيدُ الْقَبُولَ عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا) فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ الْمُتَوَرِّعَ الزَّاهِدَ (مِنْ الْمُلُوكِ وَالْأَغْنِيَاءِ) لِيُتَوَصَّلَ مِنْهُمْ نَحْوُ مَتَاعِ الدُّنْيَا. (وَعِنْدَ أَهْلِ الصَّلَاحِ) فَإِنَّ أَهْلَ الصَّلَاحِ يُحِبُّونَ مَنْ هُوَ نَوْعُهُمْ وَزِيُّهُمْ الظَّاهِرُ غَايَةُ غَرَضِهِ أَيْضًا مُنْتَهِي إلَى الدُّنْيَا وَإِلَّا فَالْقَبُولُ عِنْدَ أَهْلِ الصَّلَاحِ أَمْرٌ مَمْدُوحٌ وَنَفِيسٌ مَطْلُوبٌ (فَلَوْ لَبِسَ الْخَلِقَةَ وَالْوَسِخَةَ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ فِيهِمَا (ازْدَرَتْهُ أَهْلُ الدُّنْيَا) ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الثِّيَابِ مُهَانٌ فِي نَظَرِهِمْ فَإِنْ قِيلَ إذَا كَانَ مِثْلُ تِلْكَ الثِّيَابِ

стр. 395

مِنْ لَوَازِمِ الصَّلَاحِ فَكَيْفَ يَزْدَرِي بِهِمْ أَهْلُ الدُّنْيَا وَهُمْ يُحِبُّونَ الصُّلَحَاءَ قُلْت ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ وَالْعَادَاتِ (وَلَوْ ` ` لَبِسَ الْفَاخِرَةَ رَدَّتْهُ أَهْلُ الدِّينِ) لَا يَقْبَلُونَهُ؛ لِأَنَّ زِيَّ أَهْلِ الدُّنْيَا مَبْغُوضٌ عِنْدَهُمْ لِنَحْوِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الشَّيْطَانَ يُحِبُّ الْحُمْرَةَ فَإِيَّاكُمْ وَالْحُمْرَةَ» وَكُلُّ ثَوْبٍ ذِي شُهْرَةٍ كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَسَّرَ الشُّهْرَةَ بِمَزِيدِ الزِّينَةِ وَالنُّعُومَةِ أَوْ مَزِيدِ الْخُشُونَةِ وَالرَّثَاثَةِ بِهَا (وَلَا يُعْلَمُ) عِنْدَهُمْ (زُهْدُهُ وَصَلَاحُهُ) وَمُرَادُهُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وَمَقْبُولًا عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ. (فَيَطْلُبُونَ الْأَصْوَافَ) جَمْعُ صُوفٍ (الرَّقِيقَةَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الرَّفِيعَةَ بِالْفَاءِ فَالْعَيْنِ (وَالْأَكْسِيَةَ) جَمْعُ كِسَاءٍ ثَوْبٌ مَعْمُولٌ أَيْضًا مِنْ الشَّعْرِ (الرَّقِيقَةَ) قِيلَ عَنْ الْمَوَاهِبِ بِقَافَيْنِ فِيهِ وَفِيمَا قَبْلَهُ أَوْ بِفَاءٍ فَمُهْمَلَةٍ أَوْ أَحَدُهُمَا فِي أَحَدِ ذَيْنِك وَالْآخَرُ فِي الْآخَرِ (مِمَّا قِيمَتُهَا قِيمَةُ ثِيَابِ الْأَغْنِيَاءِ) لِكَوْنِهَا ذَاتَ قِيمَةٍ كَثِيرَةٍ (وَهَيْئَتُهَا هَيْئَةُ ثِيَابِ الصُّلَحَاءِ) لِكَوْنِهَا مِنْ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ (فَيَلْتَمِسُونَ الْقَبُولَ عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ) أَيْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَأَهْلِ الصَّلَاحِ لَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ حَمَاقَتِهِ وَقِلَّةِ تَدَبُّرِهِ فَإِنَّ أَهْلَ الصَّلَاحِ تَرِدُ مِنْ قِيمَةِ ثَوْبِهِ كَذَا وَإِنَّ هَيْئَتَهُ مُوَافِقَةٌ لَهُمْ (وَلَوْ كُلِّفُوا) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (لُبْسَ) ثَوْبٍ (خَشِنٍ أَوْ وَسِخٍ لَكَانَ عِنْدَهُمْ كَالذَّبْحِ خَوْفًا مِنْ السُّقُوطِ مِنْ أَعْيُنِ الْمُلُوكِ وَالْأَغْنِيَاءِ وَلَوْ كُلِّفُوا بِلُبْسِ مَا يَلْبَسُهُ الْأَغْنِيَاءُ لَعَظُمَ عَلَيْهِمْ) أَيْ صَعُبَ وَثَقُلَ عَلَيْهِمْ (خَوْفًا مِنْ أَنْ يُقَالَ رَغِبُوا فِي الدُّنْيَا) مَالُوا إلَيْهَا (وَأَنْ لَا يُعْلَمَ) أَيْ وَخَوْفًا أَنْ لَا يُعْلَمَ (أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ وَالزُّهْدِ) وَغَرَضُهُمْ كَوْنُهُمْ مَقْبُولِينَ عِنْدَهُمْ وَمَعْدُودِينَ مِنْهُمْ الظَّاهِرُ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ عِنْدَ اخْتِلَاطِهِمْ بِالْفَرِيقَيْنِ وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ سُوءِ الظَّنِّ بَلْ الْمَقْصُودُ إعْلَامُ كَوْنِهِ رِيَاءً فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ كُلًّا يَعْرِفُ مَا فِي نَفْسِهِ هَذَا رِيَاءُ الْعِبَادِ وَالزُّهَّادِ (وَرِيَاءُ أَهْلِ الدُّنْيَا) فِي الزِّيِّ (بِالثِّيَابِ النَّفِيسَةِ) كَثِيرَةِ الْقِيمَةِ (وَالْمَرَاكِبِ) مَا يُرْكَبُ عَلَيْهِ كَالْفَرَسِ (الرَّفِيعَةِ) عَلِيَّةِ الْقَدْرِ غَالِيَةِ الْقِيمَةِ. (وَالْمَسَاكِنِ) جَمْعُ مَسْكَنٍ كَالْبُيُوتِ (الْوَاسِعَةِ) لِيُعَظِّمَهُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْمُلُوكُ وَالْأَغْنِيَاءُ وَتَهَابُهُمْ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ (يَلْبَسُونَ) مَعَ ذَلِكَ (فِي بُيُوتِهِمْ الثِّيَابَ الْخَشِنَةَ وَلَا يَخْرُجُونَ بِهَا) إلَى النَّاسِ خَوْفًا مِنْ احْتِقَارِهِمْ وَحَمْلِهِمْ عَلَى الْخِسَّةِ وَالدَّنَاءَةِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ صَحَّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ لَهُ بُرْدٌ وَفِي رِوَايَةٍ أَخْضَرُ يَلْبَسُهُ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ قُلْنَا ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِتَعْظِيمِ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ لَا لِتَحْسِينِ مَنْظَرِ النَّاسِ أَوْ لِتَعْظِيمِ الْمَلَائِكَةِ الْحَاضِرِينَ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ صَحَّ أَيْضًا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَجَمَّلُ لِلْوُفُودِ أَيْضًا قُلْنَا قَالَ الْغَزَالِيُّ كَانَ هَذَا مِنْهُ عِبَادَةً؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِدَعْوَةِ الْخَلْقِ وَتَرْغِيبِهِمْ فِي الِاتِّبَاعِ وَاسْتِمَالَةِ قُلُوبِهِمْ وَلَوْ سَقَطَ مِنْ أَعْيُنِهِمْ لَمْ يَرْغَبُوا فِي اتِّبَاعِهِ فَإِنَّ أَعْيُنَ الْعَوَامّ تَمْتَدُّ إلَى الظَّاهِرِ دُونَ السَّرَائِرِ وَلِهَذَا سُنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حُسْنَ الْهَيْئَةِ وَاللِّبَاسِ وَيَتَعَمَّمُ وَيَرْتَدِي وَأَيَّدَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِخَبَرِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَعَنْ أَبَوَيْهَا «كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ يَلْبَسُهُمَا فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ» وَفِي شَرْحِ الْأَحْكَامِ فَإِذَا انْصَرَفَ طَوَيْنَاهُمَا إلَى مِثْلِهِ. (تَنْبِيهٌ) : ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ طُولَ رِدَائِهِ سِتَّةُ أَذْرُعٍ فِي عَرْضِ ثَلَاثَةٍ وَطُولَ إزَارِهِ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ وَشِبْرَانِ، وَكَانَ يَلْبَسُهُمَا فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ كُلُّهُ مِنْ الْمُنَاوِيِّ. (وَالثَّالِثُ) مِمَّا بِهِ الرِّيَاءُ (الْقَوْلُ كَالْوَعْظِ) لِلنَّاسِ بِتَرْغِيبِ مَا يَنْفَعُهُمْ وَتَنْفِيرِ مَا يَضُرُّهُمْ (وَالنُّطْقِ بِالْحِكْمَةِ) .

стр. 396

بِالْمَعَارِفِ الْخَفِيَّةِ وَالْعُلُومِ الْغَرِيبَةِ وَالْأَسْرَارِ الْعَجِيبَةِ وَالْحَقَائِقِ الْإِلَهِيَّةِ (وَالْأَخْبَارِ) النَّبَوِيَّةِ (وَالْآثَارِ) عَنْ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ دُونَهُمْ بِقَرِينَةِ الْمُقَابَلَةِ قَالَ فِي نُخْبَةِ الْفِكْرِ الْخَبَرُ مُرَادِفٌ لِلْحَدِيثِ وَقِيلَ الْحَدِيثُ مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ وَالْخَبَرُ مَا جَاءَ عَنْ غَيْرِهِ وَقِيلَ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ فَكُلُّ حَدِيثٍ خَبَرٌ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ (إظْهَارًا لِغَزَارَةِ) كَثْرَةِ (الْعِلْمِ وَدَلَالَةً عَلَى شِدَّةِ الْعِنَايَةِ) الِاعْتِنَاءِ وَالِاهْتِمَامِ (بِأَحْوَالِ السَّلَفِ) بِنَقْلِ مَقَالِهِمْ وَذِكْرِ أَحْوَالِهِمْ وَالِاشْتِغَالِ عَلَى مَا شَغَلَهُمْ (وَكَتَحْرِيكِ الشَّفَتَيْنِ بِالذِّكْرِ) لِيَظُنَّ النَّاظِرُ أَنَّهُ لَا يُعَطِّلُ وَقْتَهُ بَلْ يَسْتَوْعِبُهُ بِذِكْرِ رَبِّهِ (وَكَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ بِمَشْهَدٍ) مَحَلُّ نَظَرٍ وَشُهُودٍ مِنْ (الْخَلْقِ) لَا يَخْفَى أَنَّ نَفْسَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ لَا يَنْفَكَّانِ عَنْ الْخَلْقِ فَالْقَيْدُ كَالْمُسْتَدْرَكِ إلَّا أَنْ يُرَادَ مِنْ مَشْهَدِ الْخَلْقِ غَيْرُ الَّذِينَ أُمِرُوا أَوْ نُهُوا لَكِنْ يُوهِمُ عَدَمَ تَحَقُّقِ الرِّيَاءِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ. (وَإِظْهَارِ الْغَضَبِ لِلْمُنْكَرَاتِ) إنْ أُرِيدَ بِإِظْهَارِ الْغَضَبِ مَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ فَدَاخِلٌ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَإِلَّا فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْفِعْلِ فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْعَطْفِ التَّفْسِيرِيِّ أَوْ عَطْفِ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ لَكِنْ حِينَئِذٍ لَا يُلَائِمُهُ إعَادَةُ الْكَافِ (وَإِظْهَارِ الْأَسَفِ) أَيْ الْحُزْنِ الشَّدِيدِ (عَلَى مُقَارَفَةِ) بِالْقَافِ فَالرَّاءِ فَالْفَاءِ أَيْ اكْتِسَابِ (النَّاسِ لِلْمَعَاصِي) إظْهَارًا لِغَيْرَتِهِ فِي الدِّينِ (وَتَرْقِيقِ الصَّوْتِ) تَلْيِينِهِ وَتَحْسِينِهِ (بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ) لَا لِامْتِثَالِ حَدِيثِ «زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ» بَلْ (لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلَى الْحُزْنِ) الْحَاصِلِ فِي فُؤَادِهِ وَتَأَثُّرِهِ مِنْ تَدَبُّرِ مَعَانِيهِ (وَالْخَوْفِ) مِنْ عُقُوبَتِهِ تَعَالَى (وَكَادِّعَاءِ حِفْظِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ) إظْهَارًا لِشَجَاعَتِهِ فِي هَذَيْنِ (وَ) ادِّعَاءِ (لِقَاءِ الشُّيُوخِ) فَيُبَاهِي بِهِمْ وَيَحْتَجُّ عَلَى مَنْ يُخَاصِمُهُ بِهِمْ افْتِخَارًا (وَذِكْرِ مَا فَعَلَهُ مِنْ الطَّاعَاتِ) فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي لِيَنَالَ غَرَضَهُ مِنْ الدُّنْيَا (وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ يَرْوِي الْحَدِيثَ) مَثَلًا (بِبَيَانِ خَلَلٍ فِي نَقْلِهِ) فِي مَتْنِهِ زِيَادَةً أَوْ نُقْصَانًا أَوْ سَنَدًا أَوْ جَرْحًا أَوْ تَضْعِيفًا أَوْ تَخْرِيجًا (أَوْ صِحَّتِهِ) كَعَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ (أَوْ لَفْظِهِ) بِنَحْوِ تَبْدِيلٍ أَوْ تَصْحِيفٍ (لِيُعْرَفَ أَنَّهُ بَصِيرٌ) عَالِمٌ مُتْقِنٌ (بِالْأَحَادِيثِ) وَمَاهِرٌ فِي فَنِّهِ بِحَيْثُ أَحَاطَ بِجَمِيعِ أَقْسَامِهِ وَأَحْكَامِهِ لِإِظْهَارِ الْفَضْلِ فِيهِ فَيَصِيرُ مَرْجِعًا فِيهَا فَيَنَالُ غَرَضَهُ مِنْ الدُّنْيَا لَا يَخْفَى أَنَّ الْحُرْمَةَ إنَّمَا هِيَ مِنْ قَصْدِهِ، وَإِلَّا فَالرَّدُّ فِي مِثْلِ هَذَا النَّقْلِ وَاجِبٌ تَحَاشِيًا عَنْ الدُّخُولِ تَحْتَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» وَالتَّقْرِيرُ كَالتَّحْدِيثِ وَمِنْ طُرُقِ التَّحَمُّلِ سُكُوتُ الشَّيْخِ عَلَى الْحَدِيثِ الْمَقْرُوءِ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: السَّامِعُ لِذَلِكَ أَخْبَرَنِي فُلَانٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ كَذَا قِيلَ لَكِنْ إذَا كَانَ الرَّدُّ حِينَئِذٍ وَاجِبًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْكُتَ لِخَوْفِ الرِّيَاءِ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَا رِيَاءَ فِي الْفَرَائِضِ، وَكَذَا نَحْوُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ (وَكَالْمُجَادَلَةِ) الْمُخَاصَمَةِ لَا عَلَى إظْهَارِ الصَّوَابِ بَلْ (عَلَى قَصْدِ إفْحَامِ) أَيْ تَعْجِيزِ (الْخَصْمِ) وَإِسْكَاتِهِ بِالْحُجَّةِ (لِيُظْهِرَ لِلنَّاسِ قُوَّتَهُ) شَرَفَهُ وَرُتْبَتَهُ (فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ) فَلَوْ كَانَ لِإِظْهَارِ الصَّوَابِ أَوْ لِإِلْزَامِ الْمُتَعَنِّتِ الْقَاصِدِ لِهَتْكِ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ فَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ بَلْ وَاجِبٌ (وَنَحْوُ ذَلِكَ) مِنْ وُجُوهِ رِيَاءِ

стр. 397

الْقَوْلِ قِيلَ كَرَدِّ غَيْبَةِ أَحَدٍ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ إلَى مَحَبَّتِهِ وَنَيْلِ غَرَضِهِ مِنْهُ بِذَلِكَ وَالْخَطَابَةِ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ لِإِظْهَارِ الْفَضِيلَةِ لَعَلَّ مِنْهُ الْخَتْمُ لِرُوحِ الْمَيِّتِ بِالْأُجْرَةِ وَالتَّهْلِيلُ وَالتَّسْبِيحُ. وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ» أَيْ يَجْرِي مَعَهُمْ فِي الْمُنَاظَرَةِ رِيَاءً وَسُمْعَةً «أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ» يُجَادِلُهُمْ مُبَاهَاةً وَفَخْرًا «أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إلَيْهِ» أَيْ يَطْلُبُ الْعِلْمَ بِنِيَّةِ تَحْصِيلِ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَصَرْفِ وُجُوهِ الْعَامَّةِ «أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ» وَفِيهِ أَيْضًا «مَنْ أَكَلَ بِالْعِلْمِ» أَيْ اتَّخَذَ عِلْمَهُ ذَرِيعَةً إلَى جَلْبِ الْمَالِ وَوُصُولِ الدُّنْيَا «طَمَسَ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ» وَفِي رِوَايَةِ الدَّيْلَمِيِّ «طَمَسَ عَيْنَهُ وَرَدَّهُ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَكَانَتْ النَّارُ أَوْلَى بِهِ، وَإِنْ انْتَفَعَ النَّاسُ بِعِلْمِهِ» ؛ لِأَنَّ مَا أَفْسَدَهُ بِعِلْمِهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَصْلَحَهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ انْزِجَارَ الْجَاهِلِ عَنْ الدُّنْيَا بِانْزِجَارِ الْعَالِمِ فَإِذَا جَعَلَ عِلْمَهُ ذَرِيعَةً إلَى الدُّنْيَا فَيَكُونُ سَبَبًا لِجَرَاءَةِ عِبَادِ اللَّهِ عَلَى مَعَاصِيهِ وَمَعَ ذَلِكَ يُعِدُّ نَفْسَهُ أَنَّهُ خَيْرُ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ فَيَخَافُ مِنْهُ سُوءَ الْخَاتِمَةِ قَالَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ: وَالْعِلْمُ النَّافِعُ مِمَّا يَزِيدُ الْخَوْفَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَالْبَصِيرَةَ بِعُيُوبِ النَّفْسِ وَيَطَّلِعُ عَلَى مَكَايِدِ الشَّيْطَانِ وَغُرُورِهِ وَكَيْفِيَّةِ تَلْبِيسِهِ عَلَى الْعُلَمَاءِ السُّوءِ حَتَّى عَرَّضَهُمْ لِمَقْتِ اللَّهِ حَيْثُ أَكَلُوا الدُّنْيَا بِالدِّينِ وَاتَّخَذُوا الْعِلْمَ ذَرِيعَةً إلَى أَخْذِ الْأَمْوَالِ مِنْ السَّلَاطِينِ وَأَكْلِ أَمْوَالِ الْأَوْقَافِ وَالْيَتَامَى وَصَرْفِ هِمَمِهِمْ طُولَ النَّهَارِ إلَى طَلَبِ الْجَاهِ وَالْمَنْزِلَةِ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ وَاضْطَرَّهُمْ ذَلِكَ إلَى الْمُمَارَاةِ وَالْمُنَافَسَةِ وَالْمُبَاهَاةِ كَذَا فِي الْمُنَاوِيِّ وَقِرَاءَةُ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ الْأَسْمَاءِ لِقَهْرِ مَنْ يَسْتَحِقُّ لِقُوَّةِ ظُلْمِهِ لَيْسَ بِرِيَاءٍ عَلَى مَا بَسَطَ الْمُصَنِّفُ فِي بَعْضِ رَسَائِلِهِ هَذَا رِيَاءُ أَهْلِ الدِّينِ. (وَ) أَمَّا (رِيَاءُ أَهْلِ الدُّنْيَا) فَيَكُونُ (بِالْأَشْعَارِ) الَّتِي لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْأَحْكَامِ (وَالْأَمْثَالِ) الْأَدَبِيَّةِ كَضُرُوبِ الْأَمْثَالِ فِي الْمُكَالَمَةِ (وَإِظْهَارِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ) فِي الْمُخَاطَبَاتِ وَالْمَكْتُوبَاتِ قِيلَ كَإِظْهَارِ التَّوَدُّدِ إلَى النَّاسِ لِاسْتِمَالَةِ الْقُلُوبِ، وَقِيلَ هَذَا أَمْرٌ دُنْيَوِيٌّ تَوَسَّلَ بِهِ لِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ. (وَالرَّابِعُ) مِمَّا بِهِ الرِّيَاءُ (الْعَمَلُ كَتَطْوِيلِ الْمُصَلِّي الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَتَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ) فِي الْقَوْمَةِ وَالْجَلْسَةِ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا كَمَا هُوَ عِنْدَ بَعْضٍ فِي جَرَيَانِ الرِّيَاءِ خَفَاءً يُعْلَمُ مِمَّا سَبَقَ فَارْجِعْ فَتَدَبَّرْ (وَإِطْرَاقِ) طَأْطَأَةِ (الرَّأْسِ) لِإِيهَامِ أَنَّهُ عَلَى خَوْفٍ وَزِيَادَةِ خَشْيَةٍ فِي صَلَاتِهِ حَتَّى إنَّهُ لَيْسَ لَهُ خَيْرٌ عَنْ غَيْرِهِ (وَتَرْكِ الِالْتِفَاتِ) إلَى غَيْرِ مَا سُنَّ نَظَرُهُ فِي الصَّلَاةِ (وَإِظْهَارِ الْهُدُوِّ) أَيْ السُّكُونِ فِي الْأَفْعَالِ (وَالسُّكُونِ) كَالْمُسْتَغْنَى عَنْهُ لَكِنَّهُ أَتَى بِهِ لِزِيَادَةِ بَسْطِ (وَتَسْوِيَةِ الْقَدَمَيْنِ وَ) تَسْوِيَةِ (الْبَدَنِ) كَالصَّالِحِينَ (فِي مَحْضَرِ النَّاسِ) لِيُعَظِّمُوهُ وَلَا يَذُمُّوهُ (دُونَ الْخَلْوَةِ) فَيَتْرُكُ حِينَئِذٍ (وَقِسْ عَلَيْهَا) عَلَى مَا ذُكِرَ (سَائِرَ الْعِبَادَاتِ) كَإِعْطَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كَمَا قِيلَ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] فَافْهَمْ مَرَّتَيْنِ أَقُولُ وَكَذَا نَحْوُ الْغَزْوِ وَنَوَافِلِ الصَّدَقَةِ وَلَعَلَّ كَذَا بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ وَالْقَنْطَرَاتِ وَنَحْوِهَا هَذَا رِيَاءُ أَهْلِ الْآخِرَةِ (وَرِيَاءُ أَهْلِ الدُّنْيَا) فِي بَابِ الْعَمَلِ (بِالتَّبَخْتُرِ) التَّمَايُلِ (وَالِاخْتِيَالِ) ، وَهُوَ الْخُيَلَاءُ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ بِمَعْنَى الْكِبْرِ (وَتَقْرِيبِ الْخُطَى) بِالضَّمِّ جَمْعُ خَطْوَةٍ بِالْفَتْحِ قِيلَ عَنْ الْعَوَارِفِ مَرَّ الْمُهَلَّبُ صَاحِبُ جَيْشِ الْحَجَّاجِ مُتَبَخْتِرًا فِي جُبَّةِ خَزٍّ أَيْ إبْرَيْسِمَ فَقَالَ لَهُ مُطَرِّفٌ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذِهِ مِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ فَقَالَ: الْمُهَلَّبُ أَمَا تَعْرِفُنِي قَالَ أَعْرِفُك حَقَّ الْمَعْرِفَةِ أَوَّلُك نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ أَيْ فَاسِدَةٌ وَآخِرُك جِيفَةٌ قَذِرَةٌ وَأَنْتَ تَحْمِلُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ عَذِرَةً فَتَرَكَ الْمُهَلَّبُ مِشْيَتَهُ تِلْكَ (وَالْأَخْذِ بِأَطْرَافِ الذَّيْلِ) لِإِظْهَارِ الْخِفَّةِ وَالنَّشَاطِ (وَنَحْوِهِ) كَوَضْعِ أَطْرَافِ الْقَدَمِ وَالْأَصَابِعِ

стр. 398

عَلَى الْأَرْضِ فِي الْمَشْيِ وَحُكْمُهُ كَسَائِرِ الرِّيَاءِ يُسْمَعُ مِنْ الْمُصَنِّفِ. (وَالْخَامِسُ الْأَصْحَابُ وَالزَّائِرُونَ كَمَنْ يَفْرَحُ بِكَثْرَتِهِمْ) أَيْ بِكَثْرَةِ الْمُصَاحِبِينَ سِيَّمَا مِنْ الْأَشْرَافِ وَكَثْرَةِ الْأَحِبَّاءِ الزَّائِرِينَ سِيَّمَا مِنْ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ (وَ) يَفْرَحُ (بِمَشْيِهِمْ خَلْفَهُ) أَوْ إزَاءَهُ وَقُدَّامَهُ عَلَى اخْتِلَافِ الرُّسُومِ وَالْعَادَاتِ (عِنْدَ ذَهَابِهِ إلَى الْجُمُعَةِ أَوْ الدَّعْوَةِ) هَذَا عَلَى مَخْرَجِ الْعَادَةِ وَإِلَّا فَكَذَا فِي كُلِّ خُرُوجٍ نَحْوِ الدَّرْسِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ، وَهِيَ الدَّلَالَةُ عَلَى عُلُوِّ مَقَامِهِ وَرَفْعِ قَدْرِهِ وَشَرَفِ مَنْزِلَتِهِ وَرُتْبَتِهِ وَرَغْبَةُ الْخَلْقِ إلَيْهِ مَوْجُودَةٌ فِي الْجَمِيعِ لَعَلَّ أَحَدَ الْمِثَالَيْنِ لَمَّا خَرَجَ لِمَصْلَحَةِ الدِّينِ وَالْآخِرَةِ لِأَمْرِ نَفْسِهِ وَالدُّنْيَا (وَيُبَاهِي) يَفْتَخِرُ (بِهِمْ) تَرَفُّعًا عَلَى الْغَيْرِ (وَلَا يَذْهَبُ وَحْدَهُ لِيُقَالَ إنَّهُ مُرْشِدٌ كَامِلٌ لَهُ أَتْبَاعٌ كَثِيرَةٌ) لِيَنَالَ بِهِ مِنْ نَحْوِهِ الْجَاهَ وَإِقْبَالَ الْخَلْقِ وَحُصُولَ مُرَادِهِ مِنْهُمْ هَذَا رِيَاءُ أَهْلِ الدِّينِ فِي هَذَا الْبَابِ (وَرِيَاءُ أَهْلِ الدُّنْيَا) بِنَحْوِ مَا ذُكِرَ مِنْ كَثْرَةِ الْأَصْحَابِ وَالزُّوَّارِ (لِيُقَالَ إنَّهُ ذُو قُدْرَةٍ وَقُوَّةٍ) عَظِيمَةٍ عَلَى تَحْصِيلِ كُلِّ مَا أَرَادَهُ مِنْ جَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ (وَثَرْوَةٍ) كَثْرَةُ الْعَدَدِ مِنْ النَّاسِ وَالْمَالِ نُقِلَ عَنْ الْقَامُوسِ (وَعَبِيدٍ) جَمْعُ عَبْدٍ (وَخَدَمٍ) جَمْعُ خَادِمٍ (كَثِيرَةٍ) قِيلَ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْإِحْيَاءِ لَكِنْ كَوْنُ كُلِّ ذَلِكَ رِيَاءً إنَّمَا هُوَ بِالنِّيَّةِ، ثُمَّ قَالَ فَتَأَمَّلْ فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ عَلَامَةً وَلِلْمُؤْمِنِ فِرَاسَةً أَقُولُ هَذَا الْبَابُ مِنْ الْوِجْدَانِيَّاتِ فَالتَّفْصِيلُ لِمَا بَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا بِالْأَمَارَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْفِرَاسَاتِ الدَّالَّةِ وَإِلَّا فَالِاطِّلَاعُ مِنْ الْخَارِجِ عَلَى مَا فِي الْبَاطِنِ مُتَعَسِّرٌ وَلَا يَخْلُو عَنْ سُوءِ ظَنٍّ فَتَأَمَّلْ أَنْتَ أَيْضًا. [الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ مَا قَصَدَهُ الْمُرَائِي بِرِيَائِهِ] (الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ) مِنْ السَّبْعَةِ (فِيمَا لَهُ) لِأَجْلِهِ (الرِّيَاءُ) أَيْ مَا قَصَدَهُ الْمُرَائِي بِرِيَائِهِ (وَهُوَ الْجَاهُ) أَيْ الْقَدْرُ وَالْمَنْزِلَةُ عِنْدَ النَّاسِ (وَاسْتِمَالَةُ الْقُلُوبِ) طَلَبُ مَيْلِ قُلُوبِ النَّاسِ إلَيْهِ وَجَذْبِهِمْ إلَى مَحَبَّتِهِ وَتَعْظِيمِهِ وَمَدْحِهِ لِقَضَائِهِمْ حَاجَتَهُ وَيُؤَدُّوا مَصَالِحَهُ، ثُمَّ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنْ لَا يَنْحَصِرَ مَا لَهُ الرِّيَاءُ بِالْجَاهِ بَلْ يَضُمُّ إلَيْهِ الْمَالَ وَقَضَاءَ الشَّهْوَةِ وَدَفْعَ الضَّرَرِ الْيَسِيرِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ رُجُوعَ الْكُلِّ إلَى الِاسْتِمَالَةِ، وَإِنْ بَعِيدًا، وَهُوَ (إمَّا) مَقْصُودٌ (لِذَاتِهِ) بِلَا تَوَسُّلٍ إلَى شَيْءٍ يَعْنِي يَجْعَلُ نَفْسَ الْجَاهِ وَالِاسْتِمَالَةِ مَقْصُودًا مِنْ رِيَائِهِ كَمَنْ يَقْصِدُ بِرِيَائِهِ الِاشْتِهَارَ بِالزُّهْدِ وَكَثْرَةِ الْمُرِيدِينَ كَمَا يُصَرِّحُ الْمُصَنِّفُ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ قَصْدَ ذَلِكَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ التَّوَسُّلَاتِ الَّتِي يَذْكُرُهَا فَالتَّقَابُلُ لَيْسَ بِحَسَنٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ فَرَّقَ بَيْنَ مَا الْتَزَمَهُ وَقَصَدَهُ ابْتِدَاءً وَبَيْنَ مَا لَا يَقْصِدُهُ لَكِنَّهُ يَلْزَمُهُ وَلَا يَعْلَمُهُ (وَإِمَّا لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلَى مَعْصِيَةٍ) مِنْ نَحْوِ الْوَصْلَةِ إلَى أَكْلِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْفُجُورِ إلَى النِّسْوَانِ وَالْغِلْمَانِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ تَفْصِيلًا فَالتَّمْثِيلُ بِنَحْوِ شُرْبِ الْخَمْرِ لَا حَاصِلَ لَهُ (أَوْ مُبَاحٍ) كَمَنْ يُرَائِي لِيُرَغِّبَ النِّسْوَانَ فِي نِكَاحِهِ (أَوْ طَاعَةٍ) كَمُتَعَلِّمٍ يُرَائِي بِطَاعَتِهِ لِيَنَالَ عِنْدَ الْمُعَلِّمِ رُتْبَةً فَيَتَعَلَّمَ مِنْهُ عِلْمًا نَافِعًا (فِي اعْتِقَادِهِ) إمَّا قَيْدٌ لِلتَّوَسُّلِ أَوْ لِلثَّلَاثَةِ أَوْ لِلْأَخِيرَيْنِ فَعَلَى الْأَوَّلِ الْمُعْتَبَرِ قَصْدُ التَّوَسُّلِ إلَى ذَلِكَ لَا الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ كَمَا قِيلَ وَعَلَى الثَّانِي يَعْنِي يَصِلُ إلَيْهَا بِإِمَالَةِ الْقُلُوبِ إلَيْهِ وَلَوْ فِي اعْتِقَادِ الْمُرَائِي فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَمَا قِيلَ وَعَلَى الثَّالِثِ كَوْنُهُمَا طَاعَةً وَمُبَاحًا فِي اعْتِقَادِ الْمُرَائِي لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَمَا قِيلَ أَيْضًا لَا يَخْفَى مَا فِي الْكُلِّ مِنْ عَدَمِ الْمَحْصُولِ الْمُعْتَدِّ بِهِ لَعَلَّ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ لَا يَذْكُرَهُ (وَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ) الْمَعْصِيَةُ وَالطَّاعَةُ وَالْمُبَاحُ (أَغْرَاضًا) ابْتِدَاءً (مِنْ الرِّيَاءِ بِغَيْرِ تَوَسُّطِ)

стр. 399

قَصْدِ (جَاهٍ) فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْ الثَّلَاثَةِ مَقْصُودًا بِلَا تَوَسُّطِ جَاهٍ (فَتِلْكَ) جُمْلَةُ مَا لِأَجْلِهِ الرِّيَاءُ (أَرْبَعَةٌ) ذَاتُ الْجَاهِ مَعَ اسْتِمَالَةِ الْقُلُوبِ الْمَعْصِيَةُ الطَّاعَةُ الْمُبَاحُ لَكِنْ إذَا لُوحِظَ الْقِسْمَانِ الْأَخِيرَانِ فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ تَكُونُ الْأَقْسَامُ سَبْعَةً لَعَلَّ عَدَمَ اعْتِبَارِهِ لِاتِّحَادِ كُلِّ قِسْمٍ مَعَ قَرِينِهِ كَمَا يُفْهَمُ مِمَّا سَيُفَصِّلُهُ الْمُصَنِّفُ (وَلِكُلٍّ) لِأَجْلِ كُلٍّ مِنْ الْأَرْبَعَةِ (يَقَعُ الرِّيَاءَانِ) رِيَاءُ أَهْلِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا (أَمَّا الْأَوَّلُ) لِذَاتِ الْجَاهِ وَالِاسْتِمَالَةِ نَفْسِهِمَا أَمَّا فِي الدِّينِ (فَكَمَنْ يَقْصِدُ بِعِبَادَتِهِ أَنْ يَشْتَهِرَ بِالزُّهْدِ) الْإِعْرَاضُ عَنْ الدُّنْيَا (وَالْإِرْشَادِ وَكَثْرَةِ الْمُرِيدِينَ) وَالْمُتَعَلِّمِينَ (وَالْأَحِبَّاءِ) لِمُجَرَّدِ التَّلَذُّذِ بِالِاشْتِهَارِ وَمِلْكِ قُلُوبِ النَّاسِ بِلَا قَصْدِ تَوَسُّلٍ إلَى شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَهُ (وَكَمَنْ يَمْشِي) مُنْفَرِدًا (عَجِلًا فَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ النَّاسُ فَيَتْرُكُ الْعَجَلَةَ) وَيَمْشِي هَوْنًا عَلَى مَشْيِ الزُّهَّادِ وَالْوُرَّاعِ (كَيْ لَا يُقَالَ إنَّهُ مِنْ أَهْلِ اللَّهْوِ) أَيْ الْغَفْلَةِ وَالِاشْتِغَالِ بِزَخَارِفِ الدُّنْيَا (وَالسَّهْوِ) ذُهُولِ الْقَلْبِ عَنْ مُلَاحَظَةِ اللَّهِ وَمُرَاقَبَتِهِ (لَا مِنْ أَهْلِ الْوَقَارِ) مِنْ الْعِبَادِ وَالْعُلَمَاءِ فَتَسْقُطُ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ النَّاسِ وَلَا تَمِيلُ قُلُوبُهُمْ إلَيْهِ هَذَا رِيَاءُ أَهْلِ الدِّينِ أَيْضًا لَكِنْ لَا بِالْعِبَادَةِ؛ وَلِهَذَا أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْكَافَ لِإِيذَانِهِ نَوْعًا آخَرَ (وَمِنْهُمْ) مِنْ أَهْلِ مُرِيدِ نَفْسِ الْجَاهِ فِي الدِّينِ (مَنْ إذَا سَمِعَ) مِنْ النَّاسِ (هَذَا) أَيْ قَوْلَ النَّاسِ إنَّهُ مِنْ أَهْلِ اللَّهْوِ وَالسَّهْوِ (اسْتَحَى) مِنْ النَّاسِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ اسْتَحْيَا (أَنْ يُخَالِفَ مِشْيَتَهُ فِي الْخَلْوَةِ مِشْيَتَهُ بِمَرْأًى مِنْ النَّاسِ) فَيَنْسُبُونَهُ لِلرِّيَاءِ (فَيُكَلِّفُ نَفْسَهُ) أَيْ يَتَعَوَّدُ (الْمِشْيَةَ الْحَسَنَةَ) بِالْوَقَارِ (فِي الْخَلْوَةِ أَيْضًا) كَمَا بَيْنَ النَّاسِ (حَتَّى إذَا رَآهُ النَّاسُ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى التَّغْيِيرِ) فِي مِشْيَتِهِ (وَيَظُنُّ أَنَّهُ تَخَلَّصَ بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ التَّعَوُّدِ (مِنْ الرِّيَاءِ وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (قَدْ تَضَاعَفَ) أَيْ تَكَثَّرَ (بِهِ رِيَاؤُهُ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُحْسِنُ مِشْيَتَهُ فِي خَلْوَتِهِ لِيَكُونَ كَذَلِكَ) حَسَنَ الْمِشْيَةِ (فِي الْمَلَأِ) بَيْنَ النَّاسِ (لَا لِحَيَاءٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى) حَتَّى يَخْلُصَ بِهِ مِنْ الرِّيَاءِ أَوْ؛ لِأَنَّ رِيَاءَهُ فِي الْخَلْوَةِ وَالْجَلْوَةِ مَعًا وَالْأَوَّلُ فِي الْخَلْوَةِ فَقَطْ، فَإِنَّ الْمَدَارَ هُوَ النِّيَّةُ وَالْعَزِيمَةُ (وَكَذَلِكَ مَنْ يَسْبِقُ مِنْهُ الضَّحِكُ) لِلِانْفِعَالِ مِنْ أَمْرٍ غَرِيبٍ (أَوْ يَبْدُو مِنْهُ الْمِزَاحُ) أَيْ اللَّعِبُ فَإِنَّهُ مَا لَا جَدَّ فِيهِ كَاللَّعِبِ كَذَا قِيلَ لَكِنْ الْمِزَاحُ قَدْ يَكُونُ مُبَاحًا بَلْ قَدْ يُسْتَحَبُّ (فَيَخَافُ أَنْ يُنْظَرَ إلَيْهِ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (بِعَيْنِ الِاحْتِقَارِ) فَيَسْقُطُ جَاهُهُ (فَيُتْبِعُ) فَوْرًا (ذَلِكَ) الضَّحِكَ (بِالِاسْتِغْفَارِ) إظْهَارًا لِكَرَاهَةِ ذَلِكَ (وَيَتَنَفَّسُ الصُّعَدَاءَ) بِالصَّادِ الْمَضْمُومَةِ مَدُّ النَّفَسِ لِأَمْرٍ شَاقٍّ عَادَةً وَحَاصِلُهُ التَّنَفُّسُ بِتَوْجِيعٍ وَتَنْدِيمٍ (وَيَقُولُ مَا أَعْظَمَ غَفْلَةَ الْآدَمِيِّ عَنْ نَفْسِهِ) إظْهَارًا لِإِنْكَارِ ذَلِكَ وَتَدَارُكًا لِمَا سَهَا عَنْهُ (وَاَللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي خَلْوَةٍ) بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ (لَمَا كَانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ) بَلْ إنَّمَا ثَقُلَ لِمَحْضَرِ النَّاسِ

стр. 400

(وَإِنَّمَا يَخَافُ أَنْ يُنْظَرَ إلَيْهِ لَا بِعَيْنِ التَّوْقِيرِ) فَيَسْقُطُ جَاهُهُ لَعَلَّ هَذَا وَنَحْوَهُ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ فَكَمْ مِنْ شَخْصٍ يَرَى بَعْضَ النَّاسِ كَالْأَبَاعِدِ وَالْأَشْرَافِ دُونَ بَعْضٍ كَخَدَمِ نَفْسِهِ وَأَتْبَاعِهِ وَالْأَرَاذِلِ فَهُمْ يَسْتَحْيُونَ مِنْ النَّاسِ وَلَا يَسْتَحْيُونَ مِنْ اللَّهِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِأَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ، وَهُوَ مَعَهُمْ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ تَعَالَى شَيْءٌ مِنْ سِرِّهِمْ وَنَجْوَاهُمْ قِيلَ إنَّ هَذَا أَيْضًا يُضَاعِفُ رِيَاءَهُ؛ لِأَنَّ خَوْفَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً رِيَاءٌ وَاسْتِغْفَارَهُ ذَلِكَ رِيَاءٌ آخَرُ لَا يَخْفَى أَنَّ مُجَرَّدَ الْخَوْفِ بِلَا عَمَلٍ لَا يَكُونُ رِيَاءً (وَكَاَلَّذِي يَرَى جَمَاعَةً يَتَهَجَّدُونَ) فِي اللَّيْلِ (أَوْ يَصُومُونَ) النَّوَافِلَ (أَوْ يَتَصَدَّقُونَ) نَافِلَةً (فَيُوَافِقُهُمْ) فِي التَّهَجُّدِ وَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ (خِيفَةَ أَنْ يُنْسَبَ إلَى الْكَسَلِ وَيَلْحَقَ بِالْعَوَامِّ) فَيَذْهَبُ جَاهُهُ وَلَوْ وَافَقَهُمْ اقْتِدَاءً بِهِمْ فِي طَلَبِ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى تَذَكُّرًا مِنْ سُنَّتِهِمْ فَلَيْسَ بِرِيَاءٍ بَلْ مَمْدُوحٌ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ لَهُ تَعَالَى لَا لِغَيْرِهِ تَعَالَى (وَلَوْ خَلَا) عَنْ الْخَلْقِ (بِنَفْسِهِ لَكَانَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْهُ) لِانْتِفَاءِ بَاعِثِ عَمَلِهِ مِنْ اسْتِمَالَةِ الْقُلُوبِ وَكَذَا فِي مُوَافَقَةِ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَصَوْمِ يَوْمِ الْخَمِيسِ وَالِاثْنَيْنِ وَأَيَّامِ الْبِيضِ (وَكَاَلَّذِي يَعْطَشُ) أَيْ يُظْهِرُ الْعَطَشَ (يَوْمَ عَرَفَةَ أَوْ عَاشُورَاءَ) عَاشِرُ الْمُحَرَّمِ مَعَ تَاسِعِهِ أَوْ حَادِي عَشَرَ مِنْهُ فَإِنَّ صَوْمَ الْعَاشِرِ فَقَطْ مَكْرُوهٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ كَعَشَرَةِ ذِي الْحَجَّةِ بَلْ عَشَرَةُ الْمُحَرَّمِ (فَلَا يَشْرَبُ) الْمَاءَ فِي الْمَلَأِ وَيَبْقَى ظَمْآنَ (خَوْفًا مِنْ أَنْ يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ غَيْرُ صَائِمٍ) فَيَزُولُ مِلْكُ قُلُوبِهِمْ وَيَسْقُطُ مِنْ نَظَرِهِمْ (وَإِنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ) إلَى الشَّرَابِ لِاشْتِدَادِ عَطَشِهِ وَلَمْ يَجِدْ مَكَانًا خَالِيًا فَيَشْرَبْ (ذَكَرَ لِنَفْسِهِ عُذْرًا) مِنْ عَدَمِ صَوْمِهِ (تَصْرِيحًا) بِكَوْنِهِ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا (أَوْ تَعْرِيضًا) عَلَى طَرِيقِ الْإِيمَاءِ وَالْكِنَايَةِ (بِأَنْ يَتَعَلَّلَ بِمَرَضٍ اقْتَضَى فَرْطَ الْعَطَشِ) الَّذِي يُوجِبُ وَيَضْطَرُّ إلَى الْمَاءِ أَوْ يَقُولُ إذَا صُمْت يَزِيدُ عَطَشِي (أَوْ يَقُولُ أَفْطَرْت تَطْيِيبًا لِقَلْبِ فُلَانٍ) لِكَوْنِهِ ضَيْفًا أَوْ مُضِيفًا هَذَانِ مِنْ الْعُذْرِ الصَّرِيحِ لَعَلَّ التَّعْرِيضَ قَوْلُهُ (وَقَدْ لَا يَذْكُرُ ذَلِكَ) الْعُذْرَ (مُتَّصِلًا بِشُرْبِهِ كَيْ لَا يَظُنَّ أَنَّهُ يَعْتَذِرُ) مِنْ الشُّرْبِ (رِيَاءً، وَلَكِنَّهُ يَصْبِرُ) عَنْ الِاعْتِذَارِ (ثُمَّ) بَعْدَ زَمَانٍ (يَذْكُرُ عُذْرَهُ فِي مَعْرِضِ) مُنَاسَبَةِ (حِكَايَةٍ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ إنَّ فُلَانًا) مِنْ نَحْوِ الْعُظَمَاءِ مَثَلًا (مُحِبٌّ لِلْإِخْوَانِ شَدِيدُ الرَّغْبَةِ فِي أَنْ يَأْكُلَ الْإِنْسَانُ مِنْ طَعَامِهِ) وَلَا يَرْضَى بِوَجْهٍ إلَّا بِالْأَكْلِ مِنْ طَعَامِهِ (وَقَدْ أَلَحَّ الْيَوْمَ عَلَيَّ) مِنْ الْإِلْحَاحِ وَالْإِقْدَامِ (وَلَمْ أَجِدْ بُدًّا) خَلَاصًا (مِنْ تَطْيِيبِ قَلْبِهِ) فَأَفْطَرْت (وَمِثْلُ أَنْ يَقُولَ) فِي اعْتِذَارِ إفْطَارِهِ (إنَّ أُمِّي ضَعِيفَةُ) رَقِيقَةُ (الْقَلْبِ مُشْفِقَةٌ عَلَيَّ تَظُنُّ أَنِّي لَوْ صُمْت يَوْمًا مَرِضْت فَلَا تَدَعُنِي) فَلَا تَتْرُكُنِي أَنْ (أَصُومَ) لِهَذَا أَفْطَرْت هَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ حَالُ الْمُرَائِي (وَأَمَّا الْمُخْلِصُ) فِي ذَلِكَ (فَلَا يُبَالِي كَيْفَ نَظَرَ الْخَلْقُ إلَيْهِ)

стр. 401

لِكَوْنِ نَظَرِهِ إلَى الْخَالِقِ لَكِنْ لَوْ فَعَلَ مِثْلَ الْمَذْكُورَاتِ قَائِلًا لِئَلَّا يُقْتَدَى بِي فَأَكُونَ سَبَبًا إلَى فِعْلِهِمْ الْقَبِيحِ فَإِنَّ مَنْ خَافَ الْوِزْرَ وَالْوَبَالَ خَوْفًا مِنْ اللَّهِ فَلَيْسَ بِرِيَاءٍ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَغْبَةٌ فِي الصَّوْمِ وَ) الْحَالُ (قَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ) عَدَمَ الرَّغْبَةِ (مِنْهُ) مِنْ الْمُخْلِصِ (فَلَا يُرِيدُ) هُوَ (أَنْ يَعْتَقِدَ غَيْرُهُ) تَعَالَى مِنْ خَلْقِهِ (مَا يُخَالِفُ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونَ) بِتِلْكَ الْإِرَادَةِ (مُلْتَبِسًا) خَالِطًا عَمَلَهُ بِالرِّيَاءِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مُلْبِسًا أَيْ عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ. (وَإِنْ كَانَ لَهُ) لِلْإِنْسَانِ (رَغْبَةٌ فِي الصَّوْمِ) طَمَعًا فِي ثَوَابِهِ تَعَالَى (قَنِعَ) بِكَسْرِ النُّونِ أَيْ اكْتَفَى (بِعِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى) عَنْهُ (وَلَمْ يُشْرِكْ فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ (غَيْرَهُ) وَلَمْ يَرْضَ بِعِلْمِ الْغَيْرِ فَضْلًا عَنْ الْإِظْهَارِ (إلَّا أَنْ يَخْطِرَ لَهُ) بِبَالِهِ (أَنَّ فِي إظْهَارِهِ) أَيْ فِي نَحْوِ الصَّوْمِ وَبِاطِّلَاعِ غَيْرِهِ تَعَالَى (اقْتِدَاءَ غَيْرِهِ بِهِ) عَلَى طَرِيقِ حَدِيثِ «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً» (فَيَظْهَرُ) حِينَئِذٍ بِنِيَّةِ اقْتِدَاءِ الْغَيْرِ بِهِ لِيَكُونَ لَهُ مِثْلُ ثَوَابِ ذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى ثَوَابِهِ، ثُمَّ أَقُولُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَلْحَقَ بِذَلِكَ الْإِظْهَارِ لِأَجْلِ كَوْنِهِ مَحْبُوبًا فِي نَظَرِ الْمُؤْمِنِينَ سِيَّمَا الصَّالِحِينَ عَلَى مُلَاحَظَةِ مَضْمُونِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» وَلِيَكُونُوا شُهَدَاءَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى؛ وَلِأَنَّ الْمَرْءَ يَكُونُ مَغْفُورًا بِشَهَادَةِ الصُّلَحَاءِ بِحُسْنِ حَالِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْأَغْرَاضِ الْحَمِيدَةِ الرَّاجِعَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا إلَى النَّاسِ، ثُمَّ إلَى هُنَا كُلِّهِ مِثَالٌ لِوُقُوعِ الرِّيَاءِ لِأَهْلِ الدِّينِ لِأَجْلِ الْجَاهِ نَفْسِهِ مُشِيرًا إلَى أَقْسَامِهِ وَمَرَاتِبِهِ (وَ) أَمَّا لِوُقُوعِ أَهْلِ الدُّنْيَا لِأَجْلِهِ (كَمَنْ يُرِيدُ بِإِظْهَارِ الشَّجَاعَةِ) كَالْإِقْدَامِ فِي الْحُرُوبِ وَالْمَخَاوِفِ (وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ) فِي السِّيَاسَةِ الْمَدَنِيَّةِ وَتَدْبِيرِ أُمُورِ الْعَوَامّ وَالْخَوَاصِّ وَنِظَامِ مَهَامِّ الْمُسْلِمِينَ وَبِالْجُمْلَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِنِظَامِ الدَّوْلَةِ وَاسْتِقْرَارِ الْمُلْكِ وَالسَّلْطَنَةِ فِي أَحْوَالِ (الْإِمَارَةِ) بِالْكَسْرِ الْوِلَايَةُ (وَالْوِزَارَةِ) بِكَسْرِ الْوَاوِ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ الثِّقَلِ لِأَنَّهُ تَحَمَّلَ عَنْ الْمَلِكِ ثِقَلَ التَّدْبِيرِ (وَنَحْوِهِمَا) مِنْ الْوِلَايَاتِ وَالْمَنَاصِبِ. (وَأَمَّا الثَّانِي) مِنْ الْأَرْبَعَةِ وَهُوَ وُقُوعُ الرِّيَاءِ لِأَجْلِ الْجَاهِ لَا لِنَفْسِهِ بَلْ لِلتَّوَسُّلِ إلَى مَعْصِيَةٍ (فَكَمَنْ يُرَائِي بِعِبَادَتِهِ) مِنْ نَحْوِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ (وَيُظْهِرُ التَّقْوَى) الِاحْتِرَازَ عَنْ الْمَعَاصِي حَتَّى الشُّبُهَاتِ (وَالْوَرَعَ) أَيْ التَّدْقِيقَ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ وَاجْتِنَابِ النَّهْيِ (وَالِامْتِنَاعَ مِنْ أَكْلِ الشُّبُهَاتِ) وَتَخْصِيصُ الْأَكْلِ لِكَوْنِهِ أَغْلَبَ (لِيُعْرَفَ بِالْأَمَانَةِ) وَالِاسْتِقَامَةِ بِمُرَاعَاةِ الْحُقُوقِ بِلَا إضَاعَةٍ (فَيُوَلَّى) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (الْقَضَاءَ) أَيْ يُقَلِّدُ لَهُ الْإِمَامُ الْقَضَاءَ (أَوْ الْأَوْقَافَ) أَيْ يَجْعَلُهُ الْإِمَامُ مُتَوَلِّيًا لِلْأَوْقَافِ لَمَّا رَأَى مِنْهُ الْأَمَانَةَ وَأَمَارَةَ عَدَمِ الْإِضَاعَةِ وَالِاحْتِيَاطِ (أَوْ مَالَ الْأَيْتَامِ) أَيْ يَجْعَلُهُ وَصِيًّا لِلْأَيْتَامِ (أَوْ يُودَعُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (الْوَدَائِعَ) مِنْ طَرَفِ النَّاسِ (فَيَأْخُذُهَا وَيَجْحَدُهَا) أَوْ يُسَلِّمُ إلَيْهِ مَالَ الزَّكَاةِ لِيَقْسِمَ عَلَى الْمَحَاوِيجِ أَوْ صَدَقَةَ إسْقَاطِ الصَّلَاةِ فَيَأْكُلُهَا كُلًّا أَوْ بَعْضًا (وَكَمَنْ يُظْهِرُ زِيَّ التَّصَوُّفِ) أَيْ هَيْئَةَ الصُّوفِيَّةِ مِنْ الْكِسْوَةِ وَالسِّيرَةِ أَوْ الْأَخْلَاقِ (وَهَيْئَةِ الْخُشُوعِ) كَإِخْفَاءِ الصَّوْتِ وَغَضِّ الْبَصَرِ. (وَكَلَامَ

стр. 402

الْحِكْمَةِ) كَالتَّكَلُّمِ بِاصْطِلَاحَاتِ الصُّوفِيَّةِ وَالتَّرْغِيبَاتِ وَالتَّرْهِيبَاتِ (عَلَى سَبِيلِ الْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ لِيُحَبَّبَ إلَى امْرَأَةٍ أَوْ غُلَامٍ) أَمْرَدَ (لِأَجْلِ الْفُجُورِ) بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ أَوْ الْغُلَامِ بِالزِّنَى وَاللُّوَاطَةِ (وَكَمَنْ يَحْضُرُ مَجْلِسَ الْعِلْمِ أَوْ حَلْقَ الذِّكْرِ) مِنْ نَحْوِ ذِكْرِ اللَّهِ كَمَا لِلصُّوفِيَّةِ (لِمُلَاحَظَةِ النِّسْوَانِ أَوْ الصِّبْيَانِ) الَّذِينَ يَحْضُرُونَ هُنَالِكَ فَيَنْظُرُ بِشَهْوَةٍ أَوْ يَمَسُّ أَوْ يُقَبِّلُ قِيلَ هُنَا، وَأَمَّا النَّظَرُ إلَى الصِّبْيَانِ الْحِسَانِ الْمُجَرَّدُ عَنْ نَظَرِ الشَّهْوَةِ فَلَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ قَالَ الْغَزَالِيُّ الْمَحَبَّةُ قَدْ تَكُونُ لِذَاتِ الشَّيْءِ لَا لِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ وَقَضَاءُ الشَّهْوَةِ لَذَّةٌ أُخْرَى وَالطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ قَاضِيَةٌ بِاسْتِلْذَاذِ النَّظَرِ إلَى الْأَنْوَارِ وَالْأَزْهَارِ وَالْأَطْيَارِ الْمَلِيحَةِ وَالْأَلْوَانِ الْحَسَنَةِ حَتَّى إنَّ الْإِنْسَانَ لَيُفَرِّجُ عَنْهُ الْهَمَّ وَالْغَمَّ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا لَا لِطَلَبِ حَظٍّ وَرَاءَ النَّظَرِ كَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّءُوفِ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ انْتَهَى لَا يَخْفَى أَنَّهُ فِرْيَةٌ بِلَا مِرْيَةٍ وَلَا الْإِشْعَارُ فِيمَا نَقَلَهُ عَلَى مَا أَرَادَهُ فَضْلًا عَنْ الدَّلَالَةِ، ثُمَّ هَذَا رِيَاءُ أَهْلِ الدِّينِ بِالْجَاهِ لِلتَّوَسُّلِ إلَى الْمَعْصِيَةِ وَأَمَّا مِثَالُ رِيَاءِ أَهْلِ الدُّنْيَا لِأَجْلِ الْجَاهِ لِلتَّوَسُّلِ إلَى الْمَعْصِيَةِ فَقَوْلُهُ (وَكَمَنْ يُظْهِرُ الشَّجَاعَةَ وَحُسْنَ السِّيَاسَةِ) بِإِصَابَةِ الرَّأْيِ فِي نِظَامِ الْأُمُورِ (وَالضَّبْطَ) بِحِفْظِ أَحْوَالِ الْأَنَامِ وَعَدَمِ نِسْيَانِهَا (لِيَصِلَ إلَى وِلَايَةٍ) لِنَحْوِ مَنْصِبٍ أَوْ رِيَاسَةٍ (أَوْ وِصَايَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا) كَالْأَوْقَافِ (فَيَتَمَكَّنُ مِنْ) إتْيَانِ (الْمُحَرَّمَاتِ الْمُشْتَهَيَاتِ لَهُ) كَالزِّنَا وَاللُّوَاطَةِ. (وَأَمَّا) الْقِسْمُ (الثَّالِثُ) ، وَهُوَ الرِّيَاءُ لِأَجْلِ الْجَاهِ الَّذِي يُتَوَسَّلُ بِهِ إلَى الْمُبَاحِ (فَكَمَنْ يُرَائِي بِعِبَادَتِهِ لِيُبْذَلَ لَهُ الْأَمْوَالُ وَتَرْغَبُ فِي نِكَاحِهِ النِّسَاءُ) قِيلَ هُنَا عَنْ قُوتِ الْقُلُوبِ لِأَبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي وَاقِدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَخِي سُلَيْمَانَ قَالَ كَانَ رَجُلٌ يَخْدُمُ مُوسَى ﵇ فَجَعَلَ يَقُولُ حَدَّثَنِي مُوسَى كَلِيمُ اللَّهِ حَتَّى كَثُرَ مَالُهُ وَفَقَدَهُ مُوسَى دَهْرًا فَجَعَلَ مُوسَى ﵇ يَسْأَلُ عَنْهُ فَلَا يُحِسُّ مِنْهُ أَثَرًا حَتَّى جَاءَ رَجُلٌ ذَاتَ يَوْمٍ وَفِي يَدِهِ خِنْزِيرٌ وَفِي عُنُقِهِ حَبْلٌ أَسْوَدُ فَقَالَ لَهُ مُوسَى أَتَعْرِفُ فُلَانًا قَالَ نَعَمْ هُوَ هَذَا الْخِنْزِيرُ فَقَالَ مُوسَى يَا رَبِّ أَسْأَلُك أَنْ تَرُدَّهُ إلَى حَالِهِ الْأَوَّلِ حَتَّى أَسْأَلَهُ مِمَّ أَصَابَهُ هَذَا فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ لَوْ دَعَوْتنِي بِاَلَّذِي دَعَانِي آدَم فَمَنْ دُونَهُ مَا أَجَبْتُك فِيهِ، وَلَكِنِّي أُخْبِرُك إنَّمَا صَنَعْت بِهِ هَذَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِالدِّينِ كَذَا ذَكَرَهُ النَّجْمُ الْغَزِّيِّ فِي حُسْنِ التَّنْبِيهِ وَلَوْ كَانَ الْمَسْخُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا فِي الْمَاضِيَةِ لَرَأَيْت مِمَّنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِالدِّينِ خَنَازِيرَ كَثِيرَةً، وَلَكِنْ الْمَسْخُ الْآنَ وَقَعَ فِي الْقُلُوبِ لَا فِي الصُّوَرِ الظَّاهِرَةِ. (وَيُسَارِعُ فِي خِدْمَتِهِ أَوْ حَاجَتِهِ النَّاسُ) بِلَا طَلَبِهِ فَإِنَّ فِي الطَّلَبِ قَدْ لَا يُوجَدُ الْمُبَاحُ لِعَدَمِ الرِّضَا (وَكَمَنْ يُخَفِّفُ الصَّلَاةَ وَيَتْرُكُ التَّعْدِيلَ) بِاطْمِئْنَانِ الْجَوَارِحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقَوْمَةِ وَالْجَلْسَةِ (وَ) بِتَرْكِ (الْآدَابِ) الْمَطْلُوبَةِ فِي الصَّلَاةِ مِثْلُ الْمُسْتَحَبَّاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ (فِي الْخَلْوَةِ) عِنْدَ عَدَمِ رُؤْيَةِ النَّاسِ أَوْ عِنْدَ عَدَمِ مَنْ يُرَائِي لِأَجْلِهِ (وَيُطِيلُهَا) أَيْ الصَّلَاةَ (وَيُرَاعِي التَّعْدِيلَ وَالْآدَابَ) فِيهَا (فِي الْمَلَأِ) عِنْدَ النَّاسِ (فِرَارًا عَنْ إيذَاءِ النَّاسِ بِمَذَمَّتِهِ) لَا لِطَلَبِ رِضَاهُ تَعَالَى (وَغِيبَتِهِ) بِالْكَسْرِ أَيْ ذِكْرِهِ بِسُوءِ فِعَالِهِ فِي غِيَابِهِ (لَا طَلَبًا لِلْمَدْحِ مِنْهُمْ) مِنْ النَّاسِ (وَلَا ثَوَابًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى) فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَكُونُ رِيَاءً بِمَعْصِيَةٍ فَإِنَّ حُبَّ الْمَدْحِ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مَحْظُورٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨]- وَالثَّانِي يَكُونُ رِيَاءً بِطَاعَةٍ (وَكَمَنْ يُصَلِّي أَوْ يَقْرَأُ أَوْ يُهَلِّلُ لِأَخْذِ الْمَالِ) عَلَى ذَلِكَ (وَالتَّلَذُّذِ بِهِ) أَيْ بِالْمَالِ هَذَا رِيَاءُ أَهْلِ الدِّينِ

стр. 403

لِلْمُبَاحِ لَكِنْ هَذَا لَا أَقَلَّ مِنْ كَوْنِهِ سُوءَ أَدَبٍ وَلَوْ تَعْرِيضًا وَإِشَارَةً وَالسُّؤَالُ حَرَامٌ وَالْقَوْلُ إنَّ الْإِبَاحَةَ إنَّمَا هِيَ فِي اعْتِقَادِهِ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يُلَائِمُ السِّيَاقَ وَيَشْكُلُ بِمَا فِي الْفَتَاوَى مِنْ تَجْوِيزِ خُرُوجِ طَلَبَةِ الْعُلُومِ فِي الْمَوَاسِمِ لِنَحْوِ الْوَعْظِ وَالنَّصِيحَةِ لِيَجْمَعُوا لَهُ شَيْئًا يَدَّخِرُونَهُ فِي أَوَانِ التَّحْصِيلِ نَعَمْ الضَّرُورَةُ قَاضِيَةٌ هُنَا وَإِلَّا يَتَعَطَّلَ الْعِلْمُ وَلَا يَتَحَصَّلُ، وَأَمَّا نَحْوُ الْإِمَامَةِ وَالتَّأْذِينِ وَتَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ بِالْأُجْرَةِ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَكَالْمِثَالِ الْأَخِيرِ لِلثَّانِي) ، وَهُوَ أَنْ يُظْهِرَ الشَّجَاعَةَ وَحُسْنَ السِّيَاسَةِ وَالضَّبْطَ لِيَصِلَ إلَى وِلَايَةٍ وَوِصَايَةٍ (لِيَصِلَ) بِالْمَذْكُورَاتِ (إلَى الْمُشْتَهَيَاتِ مِنْ الْمُبَاحَاتِ) وَهَذَا مِثَالُ الرِّيَاءِ لِأَجْلِ الْمُبَاحِ نَفْسِهِ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَهَذَا الْمِثَالُ مُبَاحٌ فِي اعْتِقَادِهِ أَيْضًا، وَلَكِنَّهُ حَرَامٌ قَطْعًا. (وَأَمَّا الرَّابِعُ) ، وَهُوَ الرِّيَاءُ لِأَجْلِ الْجَاهِ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلَى طَاعَةٍ فِي اعْتِقَادِهِ أَوْ لِنَفْسِهَا (فَكَالْمِثَالِ الثَّانِي لِلثَّالِثِ) ، وَهُوَ تَخْفِيفُ الصَّلَاةِ وَتَرْكُ التَّعْدِيلِ أَوْ الْأَدَبِ فِي الْخَلْوَةِ وَإِطَالَتُهَا وَرِعَايَةُ التَّعْدِيلِ وَالْآدَابِ فِي الْمَلَأِ (إذَا كَانَ غَرَضُهُ صِيَانَةَ النَّاسِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ بِالْغِيبَةِ وَالذَّمِّ) فَيُحْسِنُهَا بَيْنَهُمْ لِيُسَلِّمَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا مَحْظُورٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَاعِثُهُ الدِّينَ لَكَانَ شَفَقَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَكْثَرَ وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْسِنَ وَيُخْلِصَ، وَإِنْ لَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى تَحْسِينِ عِبَادَتِهِ فِي الْخَلْوَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ الذَّمَّ بِالْمُرَاءَةِ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ ذَلِكَ اسْتِهْزَاءٌ. (وَكَالْمُتَعَلِّمِ) الرِّيَاءُ فِي هَذَا الْمِثَالِ لِأَجْلِ مِلْكِ قَلْبِ الْمُعَلِّمِ لِيَتَوَسَّلَ بِهِ إلَى تَعْلِيمِ عِلْمٍ نَافِعٍ، وَهُوَ طَاعَةٌ (يُرَائِي) مُعَلِّمَهُ (بِطَاعَتِهِ) لِعِلْمِهِ وَغَيْرِهِ (لِيَنَالَ عِنْدَ الْمُعَلِّمِ رُتْبَةً) مَزِيَّةً عَظِيمَةً بِاعْتِقَادِ صَلَاحِهِ وَتَقْوَاهُ (فَيَتَعَلَّمُ مِنْهُ عِلْمًا نَافِعًا) يَعْنِي يُرَائِي الْمُتَعَلِّمُ لِأَجْلِ مِلْكِ قَلْبِ الْمُعَلِّمِ لِيَتَوَسَّلَ بِهِ إلَى تَعَلُّمِ عِلْمٍ نَافِعٍ الَّذِي هُوَ طَاعَةٌ لَكِنْ رُبَّمَا كَانَ مُضِرًّا لَهُ فِي اعْتِقَادِ مُعَلِّمِهِ لِعَدَمِ اسْتِعْدَادِهِ لَهُ بِالتَّقْوَى كَمَا قِيلَ (وَكَالْوَلَدِ يُرَائِي بِعَمَلِهِ) مِنْ الطَّاعَاتِ (لِيُمِيلَ إلَيْهِ قَلْبَ أَبَوَيْهِ) بِالْمَحَبَّةِ وَالْكَرْمِ قِيلَ فِيهِ تَغْلِيبٌ تَأَمَّلْ لَعَلَّ الظَّاهِرَ قَلْبُ أَبَوَيْهِ وَلَوْ أُرِيدَ مِنْ الْإِضَافَةِ الْعَهْدُ وَالْمَعْهُودُ قَلْبَاهُمَا وَالِاسْتِغْرَاقُ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّغْلِيبِ (فَيَكُونُ بَارًّا لَهُمَا وَكَمَنْ يُرَائِي) بِعِبَادَتِهِ (عِنْدَ الْأَغْنِيَاءِ لِيَنَالَ مِنْهُمْ مَالًا يَتَّخِذُ عُدَّةً) أَيْ وَسِيلَةً بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الثَّانِيَةِ مَا أَعْدَدْته مِنْ مَالٍ أَوْ سِلَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ وَجَمَعَهُ عَدَدٌ كَغُرْفَةٍ وَغُرَفٍ (لِلْعِبَادَةِ) يَسْتَعِينُ بِهِ فِيهَا (أَوْ يُرَائِي) بِعِبَادَتِهِ (عِنْدَ الْأُمَرَاءِ) الظَّاهِرُ السَّلَاطِينُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (وَالْوُزَرَاءِ وَالْقُضَاةِ) وَكَذَا مُطْلَقُ مَنْ لَهُ رِيَاسَةٌ فِي الْحَلِّ وَالْعَقْدِ (لِيَنَالَ مِنْهُمْ جَاهًا أَوْ مَنْصِبًا) عَالِيًا (لِيَتَفَرَّغَ بِهِ لِلْعِبَادَةِ) لِحُصُولِ الدُّنْيَا مِنْ ذَلِكَ الْجَاهِ (وَدَفْعِ الشَّوَاغِلِ) الدُّنْيَوِيَّةِ (وَ) دَفْعِ (الظُّلْمِ) عَنْ نَفْسِهِ وَكِلَاهُمَا مَانِعَا الْعِبَادَةِ أَوْ عَنْ الْعِبَادَةِ بِالشَّفَاعَةِ وَالنُّصْحِ أَوْ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ بِجَاهِهِ (أَوْ لِيَنْفُذَ بِهِ) بِجَاهِهِ، وَمَنْصِبِهِ مِنْ التَّنْفِيذِ أَوْ الْإِنْفَاذِ (قَوْلُهُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ) ؛ لِأَنَّ لِلْجَاهِ تَأْثِيرًا بَلِيغًا فِي تَأْثِيرِ الْأَقْوَالِ، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ مَا يَزِعُ السُّلْطَانُ أَكْثَرُ مِمَّا يَزِعُ الْقُرْآنُ»

стр. 404

هَذَا مِثَالُ وُقُوعِ الرِّيَاءِ لِأَجْلِ نَفْسِ الطَّاعَةِ فِي اعْتِقَادِ الْمُرَائِي (وَكَمَنْ يُعْطَى لَهُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (دَرَاهِمَ مُسَمَّاةً) مُعِينَةً لِعِبَادَةٍ مُعَيَّنَةٍ (عَيَّنَهَا وَاقِفٌ أَوْ غَيْرُهُ) يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ التَّعْيِينُ عَلَى طَرِيقِ الْوَقْفِ أَوْ لَا مِثْلُ مُطْلَقِ الْإِعْطَاءِ (لِيَقْرَأَ جُزْءًا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى كُلَّ يَوْمٍ) فِي جَامِعٍ مُعَيَّنٍ أَوْ قَبْرٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مُطْلَقٍ (أَوْ يُصَلِّيَ رَكْعَةَ كَذَا أَوْ يُسَبِّحَ أَوْ يُهَلِّلَ) نَحْوَ سَبْعِينَ أَلْفًا كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ بِنَاءً عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ الْعَرَبِيِّ وَاَلَّذِي أُوصِيك بِهِ عَلَى أَنْ تُحَافِظَهُ عَلَى أَنْ تَشْتَرِيَ نَفْسَك مِنْ اللَّهِ بِعِتْقِ رَقَبَتِك مِنْ النَّارِ بِأَنْ تَقُولَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ سَبْعِينَ أَلْفَ مَرَّةٍ فَإِنَّ اللَّهَ يُعْتِقُ بِهَا رَقَبَتَك مِنْ النَّارِ أَوْ رَقَبَةَ مَنْ يَقُولُهَا مِنْ النَّاسِ. وَرَدَ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ نَبَوِيٌّ وَلَقَدْ أَخْبَرَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَسْطَلَّانِيُّ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا الرَّبِيعِ الْمَالِقِيَّ كَانَ عَلَى مَائِدَةِ طَعَامٍ، وَكَانَ قَدْ ذَكَرَ هَذَا الذِّكْرَ، وَكَانَ عَلَى الْمَائِدَةِ شَابٌّ صَغِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَشْفِ فَعِنْدَمَا مَدَّ يَدَهُ إلَى الطَّعَامِ بَكَى وَقَالَ لِأَنِّي رَأَيْت أُمِّي فِي جَهَنَّمَ قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ فَوَهَبْت فِي نَفْسِي هَذَا التَّوْحِيدَ لِإِعْتَاقِ أُمِّهِ فَقَالَ الصَّبِيُّ الْحَمْدُ لِلَّهِ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ النَّارِ مَسْرُورَةً فَأَكَلَ فَقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ فَصَحَّ عِنْدِي هَذَا الْخَبَرُ النَّبَوِيُّ وَكَشْفُ هَذَا الصَّبِيِّ فَمِثْلُ هَذَا الْخَبَرِ وَإِنْ ضَعِيفًا لَكِنْ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ سِيَّمَا فِي تَأْيِيدِ نَصٍّ وَلَمْ يُخَالِفْ الْقِيَاسَ وَلِهَذَا وَقَعَ فِي عَمَلِ بَعْضٍ وَوَصَايَاهُ كَمُلَّا خُسْرو وَابْنِ الْكَمَالِ وَوَقَعَ فِي مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ وَفِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبِسْطَامِيِّ وَأَيْضًا بَعْضُ الثِّقَةِ عَنْ بَعْضِ كُتُبِ عَلِيٍّ الْقَارِي فَالْأَوْلَى أَنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ لَكِنْ بِلَا أُجْرَةٍ وَلَوْ أُعْطِيَ عَلَى طَرِيقِ الصِّلَةِ بِلَا عَقْدٍ لَجَازَ لَكِنْ الْأَوْلَى عَدَمُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مُتَعَارَفًا وَالْمَعْرُوفُ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ شَرْطًا (أَوْ يُكَبِّرُ أَوْ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُعْطَى ثَوَابَهُ) أَيْ ثَوَابَ كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ (لِلْمُعْطِي) مِنْ الْوَقْفِ أَوْ مِنْ مَالِهِ (أَوْ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ) أَبَوَيْ الْوَاقِفِ أَوْ أَبَوَيْ مُطْلَقِ الْمُعْطِي وَكَذَا ثَوَابُ تَدْرِيسِ عِلْمِ الشَّرْعِ أَوْ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ اعْلَمْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي جِنْسِ هَذَا الْبَابِ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَمْوَاتِ أَوْ الْأَحْيَاءِ حَجًّا أَوْ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا أَوْ صَدَقَةً أَوْ غَيْرَهَا كَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ فَإِذَا فَعَلَ شَيْئًا مِنْ هَذَا وَجَعَلَ ثَوَابَهُ لِغَيْرِهِ جَازَ بِلَا شُبْهَةٍ وَيَصِلُ إلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لَكِنْ الِاسْتِئْجَارُ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا فِي بَابِ الْحَجِّ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الصَّدَقَةِ وَالْعِبَادَةِ الْمَالِيَّةِ وَفِي الْحَجِّ وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهَا مِنْ الطَّاعَاتِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ وَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّ «رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ كَانَ لِي أَبَوَانِ أَبَرُّهُمَا حَالَ حَيَاتِهِمَا فَكَيْفَ أَبَرُّهُمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا فَقَالَ لَهُ ﵊ إنَّ مِنْ الْبِرِّ بَعْدَ الْبِرِّ أَنْ تُصَلِّيَ لَهُمَا مَعَ صَلَاتِك، وَأَنْ تَصُومَ لَهُمَا مَعَ صِيَامِك» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ مَرْفُوعًا «مَنْ مَرَّ عَلَى الْمَقَابِرِ وَقَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً، ثُمَّ وَهَبَ أَجْرَهَا لِلْأَمْوَاتِ أُعْطِيَ مِنْ الْأَجْرِ بِعَدَدِ الْأَمْوَاتِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَتَصَدَّقُ عَنْ مَوْتَانَا وَنَحُجُّ عَنْهُمْ وَنَدْعُو لَهُمْ فَهَلْ يَصِلُ ذَلِكَ إلَيْهِمْ قَالَ نَعَمْ وَيَفْرَحُونَ بِهِ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالطَّبَقِ إذَا أُهْدِيَ إلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ الْبَكْرِيُّ وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنْ نَفْسِهِ وَالْآخَرُ عَنْ أُمَّتِهِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ أَيْ جَعَلَ ثَوَابَهُ لِأُمَّتِهِ وَهَذَا تَعْلِيمٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْفَعُهُ عَمَلُ غَيْرِهِ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ هُوَ الِاسْتِمْسَاكُ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] فَفِيهِ مَعَانٍ كَثْرَةٌ لَيْسَ هَذَا مَحَلُّ بَسْطِهَا كُلُّهُ مِنْ الْمَسْلَكِ الْمُقْسِطِ لِعَلِيٍّ الْقَارِيّ وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ جِنْسَ مَا ذُكِرَ مَمْدُوحٌ فِي أَصْلِهِ وَإِنَّمَا الْإِنْكَارُ فِي الْأُجْرَةِ وَلِذَا قَالَ (فَيَفْعَلُ ذَلِكَ الْمِسْكِينُ تِلْكَ الْعِبَادَاتِ) الْمُعِينُ لَهُ الْمَالُ بِالْوَقْفِ الْفَاسِدِ أَوْ الصَّدَقَةِ الْفَاسِدَةِ (طَمَعًا لِلْمَالِ لِيَجْعَلَهُ عُدَّةً) لَهُ (وَقُوَّةً لِلْعِبَادَةِ وَيَظُنُّ أَنَّهُ) كَسْبٌ (حَلَالٌ) وَلَيْسَ بِحَلَالٍ بَلْ حَرَامٌ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْأَنْسَبَ أَنْ يُذْكَرَ فِي الْبَحْثِ الْخَامِسِ فَتَدَبَّرْ.

стр. 405

(وَأَنَّ ثَوَابَهُ يَصِلُ إلَى الْآمِرِ، وَأَنَّهُ فِي طَاعَةٍ) مَعَ أَنَّهُ فِي رِيَاءٍ وَمَا عَبَدَ اللَّهَ تَعَالَى بِتِلْكَ الْعِبَادَاتِ إلَّا لِأَجْلِ الْمَالِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ مَعْصِيَةٌ ظَاهِرَةٌ وَإِثْمٌ قَبِيحٌ وَأَمَّا الْأَوْقَافُ وَالصَّدَقَاتُ عَلَى قِرَاءَةِ الْأَجْزَاءِ الْقُرْآنِيَّةِ

стр. 406

وَمَعْلُومَاتِ الْمُؤَذِّنِينَ وَالْمُدَرِّسِينَ وَكَذَا الْأَئِمَّةُ وَالْخُطَبَاءُ فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَدَارِسِ مَثَلًا فَقِيلَ لَيْسَ فِيهَا شَرْطُ هِبَةِ ثَوَابِ تِلْكَ الْعِبَادَاتِ لِرُوحِ الْوَاقِفِ بَلْ لَهُمَا ثَوَابُ صَدَقَتِهِمَا وَإِعَانَتِهِمَا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَبِالْجُمْلَةِ الْمَنْفِيُّ إهْدَاءُ ثَوَابِ الْأَعْمَالِ فِي مُقَابَلَةِ الْأُجْرَةِ، وَهُوَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِيمَا ذُكِرَ وَمَا وُجِدَ فِيهِ إلَّا إعَانَةٌ عَلَى مَنْ قَامَ بِتِلْكَ الْعِبَادَاتِ نَعَمْ لَوْ شُرِطَ إهْدَاءُ الثَّوَابِ فِي مُقَابَلَةِ هَذِهِ الْأَمْوَالِ لَكَانَ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَقُولُ قَدْ أَشَارَ إلَى نَفْيِ ذَلِكَ الْمُصَنِّفِ فِي آخِرِ هَذَا الْكِتَابِ وَأَيْضًا صَرَّحَ بِنَفْيِهِ فِي إنْقَاذِ الْهَالِكِينَ وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي نَحْوِ الْمُؤَذِّنِينَ وَالْمُدَرِّسِينَ فَوَجْهُ تَجْوِيزِ الْمُتَأَخِّرِينَ مَعَ كَوْنِهِ خِلَافَ الْقِيَاسِ مَشْهُورٌ فِي الْفِقْهِيَّةِ قِيلَ هُنَا عَنْ الشَّارِحِ الْكُرْدِيِّ اعْتِرَاضًا عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ طَاعَةٌ مَقْبُولَةٌ وَحَسَنَةٌ صَحِيحَةٌ عِنْدَ اللَّهِ وَيَصِلُ ثَوَابُهُ إلَى الْآمِرِ وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّ عَمَلُ الْأُمَّةِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ «لَمَّا رَقَى بَعْضَ الْمُسَافِرِينَ عَلَى لَدِيغٍ بِالْحَمْدِ فَبَرِئَ فَأَعْطَوْهُ شَيْئًا كَرِهَهُ أَصْحَابُهُ لِكَوْنِهِ أَجْرًا عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» وَفِي الْحَاوِي وَالْقُنْيَةِ يُكْرَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ لِخَتْمِ الْقُرْآنِ إلَّا أَنْ يَخْتِمَ جَمِيعَهُ وَلَوْ قَالَ اقْرَأْ مِنْهُ فَلَا يُكْرَهُ بِقِرَاءَةِ الْبَعْضِ وَيُكْرَهُ أَنْ يُنْقِصَ أَجْرَ الْخَتْمِ عَنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ انْتَهَى فَالْمَنْعُ جَهْلٌ وَضَلَالٌ وَتَفْرِيقٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَاحْفَظْهُ حَتَّى تَخْلُصَ مِنْ غَلَطَاتِ الْمُصَنِّفِ وَخُرَافَاتِهِ انْتَهَى. وَرَدَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْقِيَاسَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَدَمُ الْأُجْرَةِ فِي التَّعْلِيمِ مُطْلَقًا وَجُوِّزَ فِي الرُّقِيِّ خَاصَّةً لِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَحَمَلُوا الْأُجْرَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْأُجْرَةِ لِلرُّقْيَةِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَبَعْضُهُمْ قَدَّرَ مُضَافًا أَيْ رُقْيَةَ كِتَابِ اللَّهِ بِقَرِينَةِ سَبَبِ الْوُرُودِ وَقِيلَ بِنَسْخِهِ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْوَعِيدِ عَلَى أَخْذِ الْأُجْرَةِ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ خَبَرٌ وَاحِدٌ لَا يُعَارِضُ نَحْوَ نَصِّ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [البقرة: ٤١]- مَعَ أَنَّ إمَامَنَا لَمْ يَعْمَلْ بِالْحَدِيثِ وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَإِنْ عَمِلَ بِهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَدَعْوَى دَلَالَةِ النُّصُوصِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى الْجَوَازِ كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ الْأَرْبَعَةَ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]- ﴿إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [يوسف: ١٠٤] ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى مَا الْقُرْآنُ إلَّا دَلَالَةُ ذِكْرٍ لِلْعَالَمِينَ لَا يَتَجَاوَزُ إلَى كَوْنِهِ مِمَّا يُسْأَلُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ مِنْ الْخَلْقِ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ» وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا ثَوَابَ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَهِيَ الْحَالَةُ الْبَاعِثَةُ عَلَى الْعَمَلِ الْمُعَبِّرِ عَنْهَا بِالْعَزْمِ وَالْقَصْدِ وَلَا تُوجَدُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَلَا ثَوَابَ وَلَا إجَارَةَ وَلَا بَيْعَ؛ لِأَنَّهُمَا وَارِدَانِ عَلَى الْمَوْجُودِ وَالثَّوَابُ هُنَا مَعْدُومٌ وَالتَّفْصِيلُ فِي إنْقَاذِ الْهَالِكِ. وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ مِثْلُ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فِي كَوْنِهَا عِبَادَةً بَدَنِيَّةً مَحْضَةً فَكَمَا لَا تَجُوزُ الْأُجْرَةُ عَلَيْهِمَا لَا تَجُوزُ عَلَيْهَا وَأَمَّا كَوْنُ الْمُعْطِي صِلَةً بِلَا عَقْدٍ وَشَرْطٍ وَقِرَاءَةُ الْقَارِئِ حِسْبَةٌ وَمُعْطَاةٌ ثَوَابُهُ لِلْمُعْطِي فَمَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ الْعَطَاءَ إنَّمَا هُوَ لِمُجَرَّدِ الْقِرَاءَةِ عَلَى مُرَادِهِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَقْرَأْ لَمْ يُعْطَ وَكَذَا لَوْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَقْرَأْ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَ فِي الْحَاوِي وَالْقُنْيَةِ فَالْحَاوِي لِعَدَمِ كَوْنِهِ مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ الْفِقْهِيَّةِ لَا يُعْمَلُ بِمَا يُخَالِفُ فِيهِ الْأُصُولَ السَّابِقَةَ وَكَذَا الْقُنْيَةُ لِأَنَّ صَاحِبَهُ مُعْتَزِلِيٌّ فَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ فِيمَا يُخَالِفُ الْكُتُبَ الْمُعْتَبَرَةَ انْتَهَى مُلَخَّصًا أَقُولُ لَا حَاجَةَ إلَى كَثْرَةِ هَذَا التَّطْوِيلِ فِي رَدِّ هَذَا الْقَوْلِ بِالْجَمِيلِ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَدَمَ الْجَوَازِ عَلَى مَا فِي الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ كَمَا نُقِلَ عَنْ تَاجِ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ بِالْأُجْرَةِ لَا يُسْتَحَقُّ بِهَا الثَّوَابُ لَا لِلْمَيِّتِ وَلَا لِلْقَارِئِ وَعَنْ الْمُحِيطِينَ وَالْخُلَاصَةِ وَالِاخْتِيَارِ أَوْصَى لِقَارِئِ الْقُرْآنِ عِنْدَ قَبْرِهِ بِشَيْءٍ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ. وَعَنْ الْحَافِظِ الْعَيْنِيِّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ عَنْ الْوَاقِعَاتِ وَيُمْنَعُ الْقَارِئُ لِلدُّنْيَا وَالْآخِذُ وَالْمُعْطِي آثِمَانِ وَكَأَنَّ احْتِجَاجَ الْمُعْتَرِضِ بِالْحَدِيثِ وَالْكُتُبِ الضَّعِيفَةِ كَانَ رَأْيًا فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَتَرْجِيحِ الْمَرْجُوحِ عَلَى الرَّاجِحِ وَقَدْ كَانَ دَلِيلُ الْمُقَلِّدِ هُوَ قَوْلُ مَنْ قَلَّدَهُ لَا غَيْرُ فَإِنَّ الِاحْتِجَاجَ بِالنَّصِّ هُوَ مَنْصِبُ الِاجْتِهَادِ وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ مُعَارِضٌ بِخَبَرِ إنْ كُنْت تُحِبُّ أَنْ تُطَوِّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا أَيْ الْهَدِيَّةَ عَلَى تَعْلِيمِهِ وَبِخَبَرِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ عَلَّمْت

стр. 407

رَجُلًا الْقُرْآنَ فَأَهْدَى إلَيَّ قَوْسًا فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﵊ فَقَالَ إنْ أَخَذْتهَا أَخَذْت قَوْسًا مِنْ نَارٍ فَرَدَدْتهَا (وَكَمَنْ يُصَلِّي أَوْ يُهَلِّلُ فِي الْمَلَأِ) عِنْدَ النَّاسِ (لِمُجَرَّدِ إرَاءَةِ النَّاسِ) بِدُونِ طَلَبِ رِضَاهُ تَعَالَى وَثَوَابِهِ وَإِلَّا فَيَشْكُلُ كَوْنُهُ رِيَاءً وَلَيْسَ لَهُ قَصْدٌ فِي إرَاءَةِ النَّاسِ إلَّا (لِيَقْتَدُوهُ) يَقْتَدُوا بِهِ وَيَتْبَعُوهُ (وَيَتَعَلَّمُوا مِنْهُ كَيْفِيَّةَ الْعَمَلِ) إنْ كَانَ غَرَضُهُ مِنْ تَعَلُّمِهِمْ إرْشَادَهُ إيَّاهُمْ الْحَقَّ أَوْ طَرِيقَ أَمْرِ الْمَعْرُوفِ أَوْ التَّخَلُّصِ مِنْ وِزْرِ عَدَمِ التَّعْلِيمِ إيَّاهُمْ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الرِّيَاءِ وَقَدْ قُرِّرَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ الْعَمَلُ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي غَرَضِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَظَاهِرٌ فِي كَوْنِهِ رِيَاءً لَكِنْ قَوْلُهُ (وَيَصِيرُ سَبَبًا لِطَاعَتِهِمْ) لَا يُلَائِمُهُ (وَلَوْ لَمْ يَرَهُ النَّاسُ) يَعْنِي لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَلَأِ (لَمْ يَفْعَلْ) لِكَوْنِ غَرَضِهِ مُجَرَّدَ الْإِرَاءَةِ وَقَدْ فَاتَ (وَهَذَا أَيْضًا رِيَاءُ) أَهْلِ الدِّينِ قِيلَ إلَّا أَنَّهُ وَسِيلَةُ الْخَيْرِ فَفِيهِ تَأَمُّلٌ. (بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ قَصَدَ الِاقْتِدَاءَ بَاعِثًا عَلَى مُجَرَّدِ الْإِظْهَارِ) يَعْنِي يَأْتِي فِي خَلْوَتِهِ لَكِنْ مَقْصُودُهُ مِنْ الْإِظْهَارِ هُوَ الِاقْتِدَاءُ (لَا الْإِحْدَاثُ) بِحَيْثُ لَا يَأْتِي فِي السِّرِّ أَيْ فِي خَلْوَتِهِ كَمَا فِي الْأَوَّلِ فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِظْهَارِ وَالْإِحْدَاثِ بِالْإِتْيَانِ فِي الْخَلْوَةِ وَالْإِيجَادِ ابْتِدَاءً عِنْدَ النَّاسِ بِدُونِ إتْيَانِهِ فِي الْخَلْوَةِ (فَإِنَّهُ لَيْسَ بِرِيَاءٍ) ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ مَوْجُودٌ لَوْلَا قَصْدُ الِاقْتِدَاءِ (بَلْ هُوَ) حِينَئِذٍ (مُسْتَحَبٌّ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ عَمَلًا لِنَفْسِهِ وَتَعْلِيمًا لِغَيْرِهِ بَلْ قَدْ يَجِبُ (وَرِيَاءُ أَهْلِ الدُّنْيَا) فِي هَذَا النَّوْعِ (بِإِظْهَارِ الشَّجَاعَةِ وَنَحْوِهَا) كَالْجُودِ وَالْكَرَمِ (لِيَصِلَ إلَى وِلَايَةٍ) وَإِمَارَةٍ وَتَوْلِيَةٍ وَقَضَاءٍ وَنَحْوِهَا (لِيُنَفِّذَ أَحْكَامَ الشَّرْعِ) ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ نَافِذُ الْكَلِمِ وَمُطَاعُ الْأَمْرِ (وَيُصْلِحُ النَّاسَ) بِالْمُصَالَحَةِ وَدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ (وَيَرْفَعُ الظُّلْمَ وَالْمُنْكَرَاتِ) . [الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ فِي الرِّيَاءِ الْخَفِيِّ] (الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ) مِنْ السَّبْعَةِ (فِي الرِّيَاءِ الْخَفِيِّ) فَلَا يُنْتَبَهُ لَهُ إلَّا بِنَظَرٍ دَقِيقٍ وَتَأَمُّلٍ حَقِيقِيٍّ إذْ لَا يُدْرِكُهُ إلَّا الْخَاصَّةُ (وَعَلَامَاتُهُ) الدَّالَّةُ عَلَى وُجُودِهِ (اعْلَمْ أَنَّ الرِّيَاءَ قَدْ يَكُونُ خَفِيًّا) كَمَا قَدْ يَكُونُ جَلِيًّا كَمَا فِيمَا تَقَدَّمَ مُنْتَهِيًا (إلَى أَنْ يَكُونَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ) أَيْ صَوْتِ حَرَكَةِ مَشْيِهَا عَلَى حَجَرٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْهُلُ حِسُّهُ لِكَمَالِ لُطْفِهِ فَإِذَا كَانَ خَفِيًّا لَا يُدْرِكُ بِالْحِسِّ فَيَكُونُ إدْرَاكُهُ بِالِاسْتِدْلَالِ (فَتَحْتَاجُ) قِيلَ بِالْفَوْقِيَّةِ وَقِيلَ بِالتَّحْتِيَّةِ (فِي مَعْرِفَتِهِ إلَى عَلَامَاتٍ) وَأَمَارَاتٍ لِتَسْتَدِلَّ بِهَا (مِنْهَا أَنَّ يُسْرَ) الْعَابِدِ (بِاطِّلَاعِ النَّاسِ عَلَى طَاعَتِهِ وَمَدْحِهِمْ) لَهُ قُرْبُ عَبْدٍ يُخْلِصُ فِي عَمَلِهِ وَلَا يَعْتَقِدُ الرِّيَاءَ بَلْ يَكْرَهُهُ وَيَرُدُّهُ وَيُتَمِّمُ الْعَمَلَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ إذَا اطَّلَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ سَرَّهُ ذَلِكَ وَهَذَا السُّرُورُ يَدُلُّ عَلَى رِيَاءٍ خَفِيٍّ مِنْهُ إذْ لَوْلَا الْتِفَاتُ الْقَلْبِ إلَى النَّاسِ لَمَا ظَهَرَ سُرُورُهُ عِنْدَ اطِّلَاعِ النَّاسِ فَلَقَدْ كَانَ الرِّيَاءُ مُسْتَكِنًّا فِي الْقَلْبِ اسْتِكْنَانَ النَّارِ فِي الْحَجَرِ. كَذَا قِيلَ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الِاطِّلَاعُ وَالسُّرُورُ لَكِنْ إذَا كَانَ بِحَالٍ لَوْ اطَّلَعَ لِسِرٍّ فَيَكُونُ رِيَاءً (مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلَاحِظَ اقْتِدَاءَ غَيْرِهِ بِهِ) يَعْنِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ مَسَرَّتِهِ اقْتِدَاءَ غَيْرِهِ بِهِ فِي تِلْكَ الطَّاعَةِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَضَاعَفُ الْأَجْرُ لِكَوْنِهِ عِبَادَةً مُتَعَدِّيَةً فَلَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ وَأَجْرُ عَمَلِ مَنْ اقْتَدَى بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ (أَوْ) مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلَاحَظَ (إطَاعَتُهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى فِي مَدْحِهِمْ) لَهُ (وَمَحَبَّتِهِمْ لِلْمُطِيعِ) إذْ مَدْحُ الْمُطِيعِ وَمَحَبَّتُهُ طَاعَةٌ فَسَبَبُ مَسَرَّتِهِ حِينَئِذٍ كَوْنُهُمْ فِي طَاعَتِهِ تَعَالَى بِمَدْحِهِمْ وَالْحَالُ أَنَّ الْحَسَدَ وَالْحَمْلَ عَلَى الرِّيَاءِ وَالذَّمِّ مِنْ الْأَقْرَانِ فِي أَمْثَالِهِ شَائِعٌ وَيُتَوَقَّعُ (أَوْ) مِنْ غَيْرِ أَنْ (يُسْتَدَلَّ بِهِ) بِاطِّلَاعِ النَّاسِ وَمَدْحِهِمْ لَهُ (عَلَى حُسْنِ صُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى وَ) حُسْنِ

стр. 408

(نَظَرِهِ لَهُ حَيْثُ سَتَرَ) عَنْهُ (الْقَبِيحَ) إذْ الْإِنْسَانُ لَا يَخْلُو عَنْ قَبِيحٍ مَا (وَأَظْهَرَ الْجَمِيلَ) مِنْهَا وَلَا لُطْفَ أَعْظَمَ مِنْ إظْهَارِ الْجَمِيلِ وَسَتْرِ الْقَبِيحِ (فَيَكُونُ فَرَحُهُ بِجَمِيلِ نَظَرِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ لَا بِحَمْدِ النَّاسِ وَقِيَامِ الْمَنْزِلَةِ فِي قُلُوبِهِمْ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ) أَيْ إكْرَامِهِ وَإِحْسَانِهِ بِالْعِنَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ (وَبِرَحْمَتِهِ) لَا بِشَيْءٍ آخَرَ مِنْ زَخَارِفِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) ؛ لِأَنَّ الْفَرَحَ بِذَلِكَ طَاعَةٌ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَهُ هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ أَيْ مِنْ جَمِيعِ مَا فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ الْأَغْرَاضِ الْفَاسِدَةِ وَفِي أَيْدِيهِمْ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا وَبِالْجُمْلَةِ كَأَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ مَقْبُولٌ فَفَرِحَ بِهِ (أَوْ) مِنْ غَيْرِ أَنْ (يَسْتَدِلَّ بِإِظْهَارِ اللَّهِ تَعَالَى الْجَمِيلَ وَسَتْرِ الْقَبِيحِ فِي الدُّنْيَا) مِنْ أَوْصَافِهِ وَأَعْمَالِهِ عَلَى (أَنَّهُ تَعَالَى كَذَلِكَ يَفْعَلُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ) فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «مَا سَتَرَ اللَّهُ عَلَى عَبْدِهِ ذَنْبًا فِي الدُّنْيَا فَيُعَيِّرُهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَفِي رِوَايَةٍ «مَا سَتَرَ اللَّهُ عَلَى عَبْدِهِ فِي الدُّنْيَا ذَنْبًا إلَّا سَتَرَ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ» وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَلَى مَا فِي الْمَشَارِقِ «أَنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ أَيْ سَتْرَهُ فَيَحْفَظُهُ وَيَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ» أَهْلُ الْمَوْقِفِ صِيَانَةً لَهُ عَنْ الْخِزْيِ وَالتَّفْضِيحِ مُسْتَعَارٌ مِنْ كَنَفِ الطَّائِرِ، وَهُوَ جَنَاحُهُ يَصُونَ بِهِ نَفْسَهُ وَيَسْتُرُ بِهِ بَيْضَهُ وَيُقَرِّرُ بِذُنُوبِهِ يَجْعَلُهُ مُقِرًّا بِهَا «فَيَقُولُ تَعَالَى أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ حَتَّى إذَا أَقَرَّ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ بِاسْتِحْقَاقِهِ الْعَذَابَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتهَا عَلَيْك فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَك الْيَوْمَ» الْحَدِيثَ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَهَذَا إنَّمَا يُرْجَى لِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ سَتَرَ عَلَى النَّاسِ عُيُوبَهُمْ وَاحْتَمَلَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ تَقْصِيرَهُمْ وَلَمْ يَذْكُرْهُمْ فِي غَيْبَتِهِمْ بِمَا يَكْرَهُونَ فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يُجَازِيَ بِذَلِكَ وَأَيْضًا فِي حَدِيثٍ آخَرَ «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» (فَإِنَّ السُّرُورَ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ) مُلَاحَظَةُ اقْتِدَاءِ الْغَيْرِ وَمُلَاحَظَةُ طَاعَتِهِمْ فِي مَدْحِهِمْ وَالِاسْتِدْلَالِ بِإِظْهَارِ الْجَمِيلِ وَسَتْرِ الْقَبِيحِ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَنْ يُفْعَلَ بِهِ فِي الْآخِرَةِ وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْمَدْحِ مِنْ النَّاسِ عَلَى حُسْنِ صُنْعِ اللَّهِ لَهُ حَيْثُ سَتَرَ الْقَبِيحَ وَأَظْهَرَ الْجَمِيلَ (حَقٌّ) ثَابِتٌ فِي الشَّرْعِ (لَا يَدُلُّ عَلَى الرِّيَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا نَظَرُ الدُّنْيَا (وَلَكِنْ كَثِيرًا مَا يَدْخُلُهُ تَلْبِيسُ) إبْلِيسَ (فَلْيَكُنْ) السَّالِكُ (عَلَى بَصِيرَةٍ) وَتَيَقُّظٍ تَامٍّ لِئَلَّا يَقَعَ فِي حِيَلِ إبْلِيسَ هَذَا لَكِنْ يَنْبَغِي أَنَّ كَوْنَ هَذَا السُّرُورِ رِيَاءٌ إنْ كَانَ اخْتِيَارِيًّا وَالْغَالِبُ فِي مِثْلِهِ الِاضْطِرَارِيُّ نَعَمْ إنْ خَطَرَ السُّرُورُ ابْتِدَاءً بِلَا اخْتِيَارٍ وَلَمْ يَدْفَعْهُ بَلْ اسْتَمَرَّ بِاخْتِيَارِهِ يَكُونُ رِيَاءً وَأَيْضًا إنَّ تَعْرِيفَ الرِّيَاءِ الَّذِي سَبَقَ لَا يَشْمَلُ هَذَا السُّرُورَ وَتَخْصِيصُهُ بِالرِّيَاءِ الْجَلِيِّ تَكَلُّفٌ إلَّا أَنْ يَتَكَلَّفَ فِي التَّعْرِيفِ وَيُدْرَجُ فِيهِ فَافْهَمْ. (وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ عَلَامَاتِ الرِّيَاءِ (أَنْ يُحِبَّ أَنْ يُوَقِّرَهُ)

стр. 409

يُعَظِّمَهُ (النَّاسُ وَ) أَنْ (يُثْنُوا عَلَيْهِ وَأَنْ يَنْشَطُوا) مِنْ النَّشَاطِ، وَهُوَ السُّرُورُ (فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِ، وَأَنْ يُسَامِحُوهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ) بِأَنْ يُبَاعَ لَهُ بِثَمَنٍ رَخِيصٍ وَيُشْتَرَى مِنْهُ بِثَمَنٍ غَالٍ (وَأَنْ يُوَسِّعُوا لَهُ فِي الْمَكَانِ) عِنْدَ قُدُومِهِ (فَإِنْ قَصَّرَ فِيهِ مُقَصِّرٌ ثَقُلَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ (عَلَى قَلْبِهِ) ، وَإِنْ كَانَ الثَّقْلَةُ لِاسْتِلْزَامِ ازْدِرَاءِ الصَّلَاحِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ احْتِرَامُهُ شَرْعًا فَالظَّاهِرُ لَيْسَ بِرِيَاءٍ كَازْدِرَاءِ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ كُفْرٌ (وَوَجَدَ لِذَلِكَ اسْتِبْعَادًا) لِمَا يَرَى مِنْ نَفْسِهِ عَظَمَةً وَفَضِيلَةً (كَأَنَّ نَفْسَهُ تَتَقَاضَى) أَيْ تَقْبِضُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَتَطْلُبُ (الِاحْتِرَامَ) وَالتَّعْظِيمَ مِنْ النَّاسِ (عَلَى) الصَّالِحَاتِ (الَّتِي أَخْفَاهَا) عَنْ النَّاسِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْإِخْفَاءَ عَنْ النَّاسِ يَقْتَضِي عَدَمَ اطِّلَاعِ أَحَدٍ وَطَلَبُ الِاحْتِرَامِ مِنْ النَّاسِ يَقْتَضِي الِاطِّلَاعَ فَتَأَمَّلْ (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَتْ مِنْهُ تِلْكَ الطَّاعَةُ) الَّتِي فَعَلَهَا خُفْيَةً (لَمَا كَانَ يُسْتَبْعَدُ ذَلِكَ) التَّقْصِيرُ فِي حَقِّهِ (وَمَهْمَا لَمْ يَكُنْ وُجُودُ الْعِبَادَةِ) عِنْدَهُ (كَعَدَمِهَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْخَلْقِ لَمْ يَكُنْ وُجُودُهُ خَالِيًا عَنْ شَوْبِ) اخْتِلَاطٍ (خَفِيٍّ) لَا يَكَادُ يَتَنَبَّهُ لَهُ صَاحِبُهُ (مِنْ الرِّيَاءِ وَمَهْمَا أَدْرَكَتْ نَفْسُهُ تَفْرِقَةً) فَرْقًا قَوِيًّا (بَيْنَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى عِبَادَتِهِ إنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ فَفِيهِ) أَيْ فَفِي سُرُورِهِ لِلِاطِّلَاعِ عَلَى عِبَادَتِهِ (شُعْبَةٌ) قِطْعَةٌ (مِنْ الرِّيَاءِ) فَإِنَّ سُرُورَهُ بِاطِّلَاعِ الْإِنْسَانِ دُونَ الْحَيَوَانِ يُشْعِرُ بِذَلِكَ قِيلَ هُنَا. وَفِي الْحَدِيثِ «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى تَكُونَ صَلَاتُهُ بَيْنَ النَّاسِ كَصَلَاتِهِ بَيْنَ أَعْنُزِهِ» (إلَّا أَنْ يُقَارِنَهُ) أَيْ يُقَارِنَ عَدَمُ كَوْنِ وُجُودِ الْعِبَادَةِ كَعَدَمِهَا (الْمُلَاحَظَةُ) لِاقْتِدَاءِ غَيْرِهِ بِهِ أَوْ طَاعَةِ غَيْرِهِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي مَدْحِهِ وَمَحَبَّتِهِ لَهُ (أَوْ الِاسْتِدْلَال) بِذَلِكَ عَلَى حُسْنِ صُنْعِ اللَّهِ بِهِ وَإِظْهَارِ الْجَمِيلِ وَسَتْرِ الْقَبِيحِ (السَّابِقَانِ) آنِفًا فَحِينَئِذٍ لَا يَضُرُّ التَّفْرِقَةُ (وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) أَيْ أَهْلُ الْمُلَاحَظَةِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَلَا يَسْلَمُ إلَّا الصِّدِّيقُونَ قِيلَ هُنَا وَجَمِيعُ ذَلِكَ إثْمٌ وَيُخَافُ مِنْهُ إحْبَاطُ الْعَمَلِ أَقُولُ لَكِنْ دُونَ سَائِرِهِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ شُعْبَةٌ مِنْ الرِّيَاءِ اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ صُدُورُ الْعَمَلِ ابْتِدَاءً عَلَى وَجْهِ الْخُلُوصِ وَلَمْ يَخْطِرْ شَيْءٌ مِنْ جِنْسِ هَذِهِ الْخَوَاطِرِ عِنْدَ الْعَمَلِ بَلْ لَمْ تُوجَدْ شَائِبَتُهَا وَلَوْ مَغْلُوبَةً فَمَا يَقْتَضِيهِ أَكْثَرُ الْأُصُولِ وَالْقَوَاعِدِ عَدَمُ الرِّيَاءِ إذْ الْأَصْلُ الثَّابِتُ لَا يَزُولُ بِالْعَوَارِضِ الْجُزْئِيَّةِ وَأَنَّ الْأَصْلَ إبْقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، وَأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَمُ فِي الصِّفَاتِ الْعَارِضَةِ، وَأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْمَقَاصِدِ لَا بِالْعَوَارِضِ وَأَنَّ الْمَرْجُوحَ مُلْحَقٌ بِالْعَدَمِ عِنْدَ الرَّاجِحِ وَلَا يَسْقُطُ الْأَصْلُ بِالْفَرْعِ، وَأَنَّهُ قَدْ قُرِّرَ فِيمَا سَبَقَ أَنَّ الرِّيَاءَ إرَادَةُ نَفْعِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ وَالظَّاهِرُ مِنْهُ جَعْلُ عَمَلِ الْآخِرَةِ سَبَبًا دَاعِيًا لِنَفْعِ الدُّنْيَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي جِنْسِ مَا سَبَقَ هُنَا لَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ بَلْ كَانَ عَارِضًا بَعْدَ بُرْهَةٍ مِنْ زَمَانِ الْعَمَلِ بَلْ بِلَا قَصْدٍ بِاضْطِرَارٍ بِلَا شُعُورٍ وَبِالْجُمْلَةِ إنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَمْثَالِ الْمُصَنِّفِ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ فَلِلنَّظَرِ اتِّسَاعٌ، وَإِنْ بِالنَّصِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُشِيرَ إلَيْهِ نَعَمْ قَالُوا الْمُحَرَّمَاتُ تَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ وَعِنْدَ اجْتِمَاعِ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ قَالُوا تَغْلِبُ الْحُرْمَةُ، وَأَنَّ الْمَطْلَبَ لَيْسَ بِمَحْضِ الرِّيَاءِ بَلْ شَائِبَتِهِ وَلَا يَبْعُدُ ثُبُوتُ هَذِهِ الشَّائِبَةِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ مَعَ الِاحْتِمَالِ وَأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْغَالِبِ الشَّائِعِ وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ هَذِهِ مُقَدِّمَاتٌ خَطَابِيَّةٌ مَقْبُولَةٌ بِالنَّظَرِ إلَيْنَا لَا بُرْهَانِيَّةٌ فَيَكْفِي اعْتِقَادُنَا

стр. 410

بِحُسْنِ الظَّنِّ عَلَى مِثْلِ الْمُصَنِّفِ، وَمَنْ قَلَّدَهُ الْمُصَنِّفُ فَافْهَمْ. (فَلْيَكُنْ) الْعَابِدُ (عَلَى بَصِيرَةٍ) حَتَّى لَا يَقَعَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَزَالِقِ (وَحَذَّرَ مِنْ التَّلْبِيسِ) مِنْ حِيَلِ إبْلِيسَ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ فِي أَوَّلِ عَمَلِ الْعَابِدِ فَيَرْضَى بِمِثْلِهِ فِي آخِرِهِ (فَإِنَّ النَّاقِدَ) أَيْ الْمُمَيِّزَ الْفَارِقَ بَيْنَ الْخَالِصِ وَالزُّيُوفِ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى (بَصِيرٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ قَلِيلٌ وَلَا صَغِيرٌ) فَيُؤَاخِذُ عَلَيْهِ وَلَا يَغْفُلُ وَلَا يُسَامِحُ (وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ عَلَامَاتِ الرِّيَاءِ (أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ صَاحِبَانِ غَنِيٌّ وَفَقِيرٌ وَوَجَدَ عِنْدَ إقْبَالِ الْغَنِيِّ زِيَادَةَ هِزَّةٍ) بِكَسْرِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ أَيْ زِيَادَةَ فَرَحٍ وَنَشَاطٍ (فِي نَفْسِهِ) أَيْ نَفْسِ الْعَابِدِ (لِإِكْرَامِهِ) أَيْ إقْبَالِهِ فَتَأَمَّلْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ لِإِكْرَامِ الْفَقِيرِ فَهَذَا أَيْضًا شَوْبٌ خَفِيٌّ مِنْ الرِّيَاءِ (إلَّا إذَا كَانَ فِي الْغَنِيِّ زِيَادَةُ عِلْمٍ) عَلَى الْفَقِيرِ (أَوْ) زِيَادَةُ (وَرَعٍ) عَلَيْهِ (أَوْ) كَانَ لَهُ (صَدَاقَةٌ سَابِقَةٌ) مَعَهُ (أَوْ نَحْوُهَا) نَحْوُ جُودِهِ وَسَخَائِهِ نُقِلَ عَنْهُ فِي الْحَاشِيَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِعَلَامَةِ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي إنَّ إكْرَامَ الْغَنِيِّ إذَا كَانَ وَلِيَّ النِّعْمَةِ وَالدُّعَاءِ لَهُ بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ جَائِزٌ بَلْ مَأْمُورٌ بِهِ إذَا كَانَ الْبَاعِثُ قَصْدَ الْمُكَافَأَةِ لِإِنْعَامِهِ السَّابِقِ مِنْ غَيْرِ شَوْبِ غَرَضِ الْإِنْعَامِ فِي الِاسْتِقْبَالِ فَإِنَّهُ رِيَاءٌ انْتَهَى. وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَمَا أَنَّ عِلْمَ الْغَنِيِّ وَوَرَعَهُ يُوجِبُ الْمَزِيَّةَ كَذَلِكَ فَقْرُ الْفَقِيرِ لَا سِيَّمَا الْفَقِيرُ الصَّابِرُ أَيْضًا يُوجِبُ ذَلِكَ وَقَدْ قِيلَ الْفَقِيرُ الصَّابِرُ أَفْضَلُ مِنْ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ إلَّا أَنْ يُقَالَ النِّسْبَةُ وَالْمُعَادَلَةُ بَيْنَ صَبْرِ الْفَقِيرِ وَشُكْرِ الْغَنِيِّ لَا بَيْنَ وَرَعِ الْغَنِيِّ وَصَبْرِ الْفَقِيرِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ مَا فِيهِ أَيْضًا (فَمَنْ كَانَ اسْتِرْوَاحُهُ) وُجُودُ رَاحَتِهِ (إلَى مُشَاهَدَةِ الْأَغْنِيَاءِ أَكْثَرَ) مِنْ الْفُقَرَاءِ (بِدُونِ مَا ذُكِرَ) مِنْ مُوجِبَاتِهِ كَالْعِلْمِ وَالْوَرَعِ وَالصَّدَاقَةِ السَّوَابِقِ (فَهُوَ مُرَاءٍ) وَالِاسْتِرْوَاحُ عَلَامَتُهُ يَشْكُلُ أَنَّ الرِّيَاءَ كَمَا عَرَفْت إرَادَةُ نَفْعِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ وَذَلِكَ الِاسْتِرْوَاحُ لَيْسَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ أَنَّ إكْرَامَ الْغَنِيِّ لِأَجْلِ عِبَادَتِهِ تَعَالَى (وَمِنْ الْعَلَامَاتِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْعَالِمِ وَالْوَاعِظِ وَالشَّيْخِ) الصُّوفِيِّ السَّالِكِ الْمُرَبَّى بِالتُّقَى وَالرِّعَةِ وَتَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ الرَّدِيئَةِ (أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ مَنْ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ وَعْظًا) بِطَلَاقَةِ اللِّسَانِ وَعُذُوبَةِ الْكَلَامِ وَانْفِعَالِ النَّاسِ بِنُصْحِهِ وَصَلَاحِهِمْ بِوَعْظِهِ (وَأَغْزَرُ) مِنْ الْغَزَارَةِ أَيْ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ (عِلْمًا) بِالتَّدْرِيسِ وَالتَّعْلِيمِ وَالتَّصْنِيفِ وَبِكَثْرَةِ الْمُتَعَلِّمِينَ وَوُفُورِ الرَّاغِبِينَ وَبِجَمْعِ الطَّالِبِينَ وَمَدْحِ عِلْمِهِ وَثَنَاءِ دَرْسِهِ وَبِالْغَلَبَةِ عَلَى الْمُنَاظِرِينَ أَوْ بِالْعَمَلِ عَلَى مُوجِبِ عِلْمِهِ فَالثَّانِي لِلْأَوَّلِ وَالْأَوَّلُ لِلثَّانِي فَالْأَوْلَى الْعَكْسُ عَلَى طَرِيقِ تَرْتِيبِ النَّشْرِ عَلَى اللَّفِّ نَعَمْ النَّشْرُ الْغَيْرُ الْمُرَتَّبِ طَرِيقٌ أَيْضًا (وَالنَّاسُ أَشَدُّ لَهُ قَبُولًا) . وَلَوْ قَالَ وَأَشَدُّ لَهُ قَبُولًا لَكَانَ أَوْفَقَ لِمَا قَبْلَهُ فَهَذَا لِلثَّالِثِ أَيْ لِلشَّيْخِ عَلِيٍّ طَرِيقُ بَيَانِ الضَّرُورَةِ فَأَشَدِّيَّةُ الْقَبُولِ بِنَحْوِ رَغْبَةِ النَّاسِ إلَى الدُّخُولِ تَحْتَ تَرْبِيَتِهِ وَبِقُوَّةِ ظُهُورِ آثَارِ صَلَاحِهِ مِنْ نَحْوِ ظُهُورِ الْحَالَاتِ وَالْمَقَامَاتِ وَالْكَرَامَاتِ (سَاءَهُ) أَيْ أَحْزَنَهُ فِعْلُهُمْ (وَحَسَدُهُ) عَلَى الْكَمَالِ الَّذِي رَأَى مِنْهُ لِكَوْنِ نَظَرِهِ إلَى مَذَمَّةِ الْخَلْقِ وَمَدْحِهِمْ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُقِلُّ رَغْبَةَ النَّاسِ إلَيْهِ وَالْحَالُ أَنَّ نَظَرَهُ

стр. 411

الْتِفَاتُهُمْ إلَيْهِ بَلْ اللَّائِقُ فِي مِثْلِهِ أَنْ يَسْتَفِيدَ الرَّجُلُ مِمَّنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ وَأَكْمَلُ مِنْهُ وَيَنْتَفِعُ مِنْ عُلُومِهِ وَنَصَائِحِهِ وَأَخْلَاقِهِ وَسَيْرِهِ (نَعَمْ لَا بَأْسَ) قِيلَ كَلِمَةٌ تُقَالُ فِي نَفْيِ بَأْسِ مَا يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ فِيهِ فَهِيَ لِلْإِبَاحَةِ (بِالْغِبْطَةِ) تَمَّنِي حُصُولِ مِثْلِ نِعْمَةِ الْغَيْرِ لَهُ بِلَا زَوَالٍ عَنْهُ قِيلَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُ الْغَلَبَةِ أَيْضًا لِئَلَّا تَتَعَوَّدَ النَّفْسُ الْحَسَدَ وَجْهُ الْإِشَارَةِ مُسْتَفَادٌ مِمَّا يُقَالُ كَلِمَةُ لَا بَأْسَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِيمَا تَرْكُهُ أَوْلَى لَكِنْ قَدْ عَرَفْت اسْتِعْمَالَهَا لَيْسَ بِكُلِّيٍّ، وَأَنَّ أَوْلَوِيَّةَ التَّرْكِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ. (وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ عَلَامَاتِ الرِّيَاءِ الْخَفِيِّ الْمُخْتَصَّةِ (أَنَّ الْأَكَابِرَ) مِنْ نَحْوِ الْعُلَمَاءِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ (إذَا حَضَرُوا مَجْلِسَهُ) وَعْظًا أَوْ دَرْسًا بَلْ صُحْبَةً أَيْضًا (يُغَيِّرُ كَلَامَهُ) بِالْعِبَارَاتِ الْبَلِيغَةِ وَالْأَدَاءِ الْحَسَنِ (عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ) قَبْلَ الْحُضُورِ (تَصَنُّعًا) تَكَلُّفًا فِي صُنْعِ الْكَلَامِ (وَاسْتِمَالَةً) طَلَبَ الْمَيْلِ (لِقُلُوبِهِمْ) وَأَيْضًا يَزِيدُ وَيَنْقُصُ عَلَى مَا أَرَادَهُ قَبْلُ فَهَذَا رِيَاءٌ (نَعَمْ لَوْ زَادَ) بَعْدَ حُضُورِهِمْ (مَا يَتَعَلَّقُ بِإِصْلَاحِهِمْ) مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ وَالْقَصَصِ وَالْمَوَاعِظِ دِينِيَّةً أَوْ دُنْيَوِيَّةً (بِلُطْفٍ وَرِفْقٍ) لَعَلَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]- وَنَحْوُهُ (لِيَسْتَدْرِجَهُمْ) بِذَلِكَ الرِّفْقِ (إلَى التَّوْبَةِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وَبِالْجُمْلَةِ أَنَّ اللِّينَةَ وَالرِّفْقَ مُوجِبَةٌ لِلْأُلْفَةِ وَالْقَبُولِ كَمَا أَنَّ الْغِلْظَةَ وَالشِّدَّةَ مُوجِبَةٌ لِلتَّفْرِقَةِ وَالْعِنَادِ وَالْغَيْرَةِ (وَالصَّلَاحُ) مِنْ سُوءِ الْحَالِ إلَى حُسْنِ الْحَالِ (لِحُسْنِ ذَلِكَ) لِعَاقِبَتِهِ الْحَمِيدَةِ مَعَ خَالِصِ النِّيَّةِ (وَلَكِنْ مَحَلُّ تَلْبِيسٍ) فَلْيَكُنْ عَلَى بَصِيرَةٍ لِقُوَّةِ خَفَائِهِ (فَإِنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ) الْأَمْرُ وَأَشْكَلَ عَلَيْهِ الْحَالُ (فَلْيَنْظُرْ إلَى الْخَلْقِ) كُلِّهِمْ (بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ) فَيَسْتَوِي عِنْدَهُ الْجَمِيعُ فَلَا يُمَيِّزُ غَنِيًّا لِغِنَاهُ وَكَبِيرًا لِكِبَرِهِ بَلْ يُعَامِلُهُمَا كَالْفَقِيرِ وَالصَّغِيرِ لَكِنْ كُلُّ ذَلِكَ أُمُورٌ وِجْدَانِيَّةٌ لَا يَعْرِفُهَا إلَّا صَاحِبُهَا إلَّا بِعَلَامَاتٍ ظَاهِرَةٍ وَأَدِلَّةٍ دَالَّةٍ فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ سُوءَ ظَنٍّ بِمُسْلِمٍ بَلْ إرْشَادٌ وَنَصِيحَةٌ وَحِفْظٌ وَمُحَافَظَةٌ خِلَافًا لِمَنْ وَهَمَ بِالْحَمْلِ عَلَى إطْلَاقِهِ [الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ فِي أَحْكَامِ الرِّيَاءِ] الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ مِنْ السَّبْعَةِ فِي أَحْكَامِ الرِّيَاءِ (الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ) مِنْ السَّبْعَةِ (فِي أَحْكَامِ الرِّيَاءِ) مَا هُوَ مَذْمُومٌ أَوْ غَيْرُ مَذْمُومٍ وَمَرْتَبَتُهُ فِي الذَّمِّ (اعْلَمْ أَنَّ الرِّيَاءَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا) كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ سَابِقًا كَالشَّجَاعَةِ وَالْحَذَاقَةِ فِي نَحْوِ الْكِتَابَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا وُضِعَ لِعَمَلِ الدُّنْيَا (لَا يَحْرُمُ إنْ خَلَا عَنْ التَّلْبِيسِ) بِأَنْ يُظْهِرَ الشَّجَاعَةَ فِي أَمْرٍ وَلَيْسَ لَهُ شَجَاعَةٌ فِي الْوَاقِعِ فَقَوْلُهُ (وَالتَّزْوِيرُ) كَعَطْفِ التَّفْسِيرِ أَوْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِمَا يَكُونُ بِالْقَوْلِ الْمُخَالِفِ لِلْوَاقِعِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ هُوَ الْحُرْمَةُ عِنْدَ عَدَمِ الْخُلُوِّ عَنْ التَّلْبِيسِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ كَوْنَ إظْهَارِ نَحْوِ الشَّجَاعَةِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ شَجَاعَةٌ حَرَامًا بَعِيدٌ وَإِرَادَةُ الْكَرَاهَةِ مِنْ الْحُرْمَةِ لَا يَصِحُّ فِي هَذَا السَّوْقِ (وَلَمْ يَتَوَسَّلْ بِهِ إلَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ) تَحْرِيمًا فَقَطْ وَمَنْ عَمَّمَ إلَى الْكَرَاهَةِ أَيْضًا فَقَدْ غَفَلَ عَمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَفْهُومُ الْمَقَامِ لِأَنَّ حُكْمَ الْوَسَائِلِ تَابِعٌ لِحُكْمِ الْمَقَاصِدِ فَالْحَرَامُ مَا يَكُونُ وَسِيلَةً

стр. 412

إلَى الْحَرَامِ لَا إلَى الْمَكْرُوهِ بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ أَيْضًا (وَلَكِنْ) حِينَئِذٍ (إنْ كَانَ) هَذَا الرِّيَاءُ (لِلْحَظِّ الْعَاجِلِ) أَيْ الدُّنْيَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلا﴾ [الإنسان: ٢٧] نَحْوُ تَحْصِيلِ الْأَمْوَالِ وَالْجَاهِ لِمُجَرَّدِ التَّلَذُّذِ (فَمَذْمُومٌ) مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا لِقِصَرِ هِمَّتِهِ عَلَى الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ الْفَانِيَةِ سَرِيعَةِ الزَّوَالِ، لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي كَرَاهَةَ نَفْسِ الْحَظِّ الْعَاجِلِ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّك قَدْ عَرَفْت أَنَّ حُكْمَ الْوَسَائِلِ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْمَقَاصِدِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مُجَرَّدَ الدُّنْيَا إذَا خَلَا عَنْ الْمَوَانِعِ وَسَلِمَ مِنْ الْعَوَارِضِ لَا يَكُونُ مَكْرُوهًا بَلْ الظَّاهِرُ إبَاحَتُهُ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ السَّوْقِ أَنَّ الْمُرَادَ مَا هُوَ كَذَلِكَ وَعَدَمُ إرَادَةِ الْكَرَاهَةِ مِنْ الْمَذْمُومِ يَقْتَضِي أَنْ يُوجَدَ قِسْمٌ فَوْقَ الْمُبَاحِ وَتَحْتَ الْكَرَاهَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتِمُّ حِينَئِذٍ أَيْضًا قِيلَ هُنَا فِي إثْبَاتِ هَذَا الْمَطْلُوبِ قَالَ ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨]- ثُمَّ قَالَ: فَمَنْ عَمِلَ لِغَيْرِ وَجْهِ اللَّهِ فَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ، لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَطْلَبَ هُوَ الْمَذْمُومِيَّةُ تَحْتَ الْحُرْمَةِ فَيَكُونُ هُوَ الْكَرَاهَةَ كَمَا بَيَّنَ وَاللَّازِمُ مِنْ الدَّلِيلِ هُوَ الْحُرْمَةُ بَلْ الْخُلُودُ فِيهَا وَأَيْضًا قِيلَ هُنَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦] وَهُوَ أَيْضًا كَمَا تَرَى، بَلْ نَفْسُهُ هُوَ صَرَّحَ كَوْنَهُ فِي حَقِّ الْكَافِرِينَ إلَّا أَنْ يُقَالَ فِي وَجْهِ الِاحْتِجَاجِ إنَّ إيثَارَ الْعَاجِلَةِ عَلَى الْآجِلَةِ إنَّمَا هُوَ حَالُ أَهْلِ النَّارِ فَفِيهِ أَيْضًا مَا عَرَفْت (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ وَسِيلَةً إلَى عَمَلِ الْآخِرَةِ كَإِظْهَارِ الشَّجَاعَةِ لِيَتَوَصَّلَ إلَى إمَارَةٍ يُنَفِّذُ بِهَا حُدُودَ الشَّرْعِ وَيَرْفَعُ الْبِدْعَاتِ وَالْمُنْكَرَاتِ (فَمُسْتَحَبٌّ لِمَا بَيَّنَّا فِي حُبِّ الرِّيَاسَةِ) مِنْ أَنَّ التَّوَسُّلَ بِهِ إلَى أَخْذِ الْحَقِّ وَتَحْصِيلِ الْمَرَامِ الْمُسْتَحَبِّ، أَوْ الْمُبَاحِ أَوْ دَفْعِ الظُّلْمِ وَالشَّوَاغِلِ وَالتَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ، أَوْ إلَى تَنْفِيذِ الْحَقِّ وَإِعْزَازِ الدَّيْنِ وَإِصْلَاحِ الْخَلْقِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ إنْ خَلَا عَنْ الْمَحْظُورِ كَالرِّيَاءِ وَالتَّلْبِيسِ وَتَرْكِ الْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ فَجَائِزٌ، بَلْ مُسْتَحَبٌّ قِيلَ: وَأَرَادَ بِالرِّيَاءِ هُنَاكَ الرِّيَاءَ الْمُتَوَسَّلَ بِهِ إلَى مَنْهِيٍّ بِقَرِينَةِ قَيْدِ الْحُضُورِ فَلَا يُنَافِي كَوْنَهُ هُنَا مُسْتَحَبًّا. (وَأَمَّا الرِّيَاءُ فِي الْعِبَادَةِ) الَّتِي كَانَتْ مَشْرُوعِيَّتُهَا لِمُجَرَّدِ تَعْظِيمِ اللَّهِ وَتَحْصِيلِ رِضَاهُ (فَحَرَامٌ كُلُّهُ) بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ، قِيلَ: هَذَا إذَا كَانَ بَاعِثًا عَلَيْهَا (بَلْ إنْ كَانَ فِي أَصْلِ الْعِبَادَةِ) قِيلَ أَيْ الْفَرَائِضِ وَقِيلَ فِي ذَوَاتِهَا لَا فِي أَوْصَافِهَا (كَمَنْ يُصَلِّي الْفَرْضَ عِنْدَ النَّاسِ وَلَا يُصَلِّي فِي الْخَلْوَةِ) لِعَدَمِ مَنْ يَرَى عَمَلَهُ (فَكُفْرٌ عِنْدَ الْبَعْضِ) لَعَلَّهُ لِتَقْدِيمِ خَوْفِ ذَمِّ الْخَلْقِ مَثَلًا عَلَى خَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ تَقْدِيمِ رِضَاهُمْ عَلَى رِضَاهُ تَعَالَى وَقِيلَ: لِأَنَّهُ عِبَادَةُ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْبَعْضِ لِاسْتِلْزَامِ الِاسْتِخْفَافِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - فَتَأَمَّلْ فِي الْكُلِّ. قِيلَ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ فَقَالَ (قَالَ فِي التتارخانية وَفِي الْيَنَابِيعِ قَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ لَوْ صَلَّى رِيَاءً فَلَا أَجْرَ لَهُ وَعَلَيْهِ الْوِزْرُ) قَالَ الْمُحَشِّي أَيْ وِزْرُ الرِّيَاءِ وَوِزْرُ تَرْكِ الْفَرْضِ وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا وِزْرُ تَرْكِ الْفَرْضِ فَيَتَضَاعَفُ وِزْرُهُ لَكِنْ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا نُقِلَ عَنْ الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ لَا رِيَاءَ فِي الْفَرَائِضِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ هَذَا فِي حَقِّ سُقُوطِ الْوَاجِبِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ لَا رِيَاءَ فِي الْفَرَائِضِ فِي حَقِّ سُقُوطِ الْوَاجِبِ وَفِي الْأَشْبَاهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَجْرَ لَهُ وَلَا وِزْرَ عَلَيْهِ وَهُوَ كَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَكْفُرُ) لِاسْتِخْفَافِ الشَّرْعِ، وَقِيلَ: لِتَرْجِيحِ تَعْظِيمِ الْخَلْقِ عَلَى تَعْظِيمِ الْخَالِقِ وَقِيلَ: لِعِبَادَتِهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى أَقُولُ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ يَلْزَمُ كَوْنُ مُطْلَقِ الرِّيَاءِ كُفْرًا وَالْحَمْلُ عَلَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ بَعِيدٌ كَالْحَمْلِ عَلَى الْكُفْرِ الْحُكْمِيِّ لِعَدَمِ حُسْنِ الْمُقَابَلَةِ حِينَئِذٍ (انْتَهَى) كَلَامُ التتارخانية أَقُولُ لَعَلَّ وَجْهَ إكْفَارِ مَنْ كَفَرَ نَحْوُ حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ أَلَا أَنِّي لَسْت أَقُولُ تَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا وَثَنًا وَلَكِنَّ أَعْمَالًا لِغَيْرِ اللَّهِ وَشَهْوَةً خَفِيَّةً» . قَالَ الْمُنَاوِيُّ سُئِلَ

стр. 413

الْحَسَنُ عَنْ الرِّيَاءِ أَهُوَ شِرْكٌ قَالَ نَعَمْ أَمَا تَقْرَأُ - ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]- وَقَالَ الْعَارِفُ الْجُنَيْدُ: الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ مَالِكٌ وَاَلَّذِي يَمْلِكُهُ هَوَاهُ مَمْلُوكٌ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ الْغَالِبُ عَلَى قَلْبِهِ رَبُّهُ فَإِنَّمَا يَعْبُدُ نَفْسَهُ وَهَوَاهُ وَفِي الْإِسْرَائِيلِيَّات أَنَّ حَكِيمًا صَنَّفَ ثَلَثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ كِتَابًا فِي الْحِكْمَةِ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى نَبِيِّهِمْ قُلْ لَهُ: قَدْ مَلَأْتَ الْأَرْضَ نِفَاقًا وَلَمْ تُرِدْنِي بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَقْبَلُ مِنْهُ شَيْئًا فَنَدِمَ وَتَرَكَ وَخَالَطَ الْعَامَّةَ وَتَوَاضَعَ فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ قُلْ لَهُ الْآنَ: قَدْ وَافَقْتَ رِضَايَ، انْتَهَى. وَأَيْضًا حَدِيثُ «إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ، قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إذَا جَاءَ الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدِّينِ» وَفِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ «، إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ إنَّ هَذَا لَمْ يُرِدْنِي بِعَمَلِهِ فَاجْعَلُوهُ فِي سِجِّينٍ» (وَ) أَيْضًا (مِمَّنْ قَالَ بِكُفْرِهِ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ ﵀ ذَكَرَهُ فِي تَنْبِيهِ الْغَافِلِينَ فَأَغْلَظَ فِيهِ) أَيْ شَدَّدَ فِي هَذَا الرِّيَاءِ (حَيْثُ جَعَلَهُ مُنَافِقًا تَامًّا) كَامِلًا ﴿فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] فِي نِفَاقِهِ (مَعَ آلِ فِرْعَوْنَ) الْمُرَادُ إمَّا نَفْسُهُ أَوْ دَاخِلٌ هُوَ فِيهِ لَا كَمَا وَهِمَ بَعْضٌ مِنْ أَنَّ نَفْسَ فِرْعَوْنَ مَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ (وَهَامَانُ) وَزِيرُ فِرْعَوْنَ وَهُوَ فِرْعَوْنُ مُوسَى، فِي الْمُنَاوِيِّ عَنْ ابْنِ الْجَوْزِيِّ: وَالْفَرَاعِنَةُ ثَلَاثَةٌ فِرْعَوْنُ الْخَلِيلِ وَاسْمُهُ سِنَانٌ وَفِرْعَوْنُ يُوسُفَ وَاسْمُهُ الرَّيَّانُ وَفِرْعَوْنُ مُوسَى وَاسْمُهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ وَهَذَا فِي أَصْلِ الْعِبَادَةِ لِمَا ذَكَرُوا. وَأَمَّا فِي النَّفْلِ فَلَا يَكْفُرُ بَلْ لَا أَجْرَ لَهُ وَعَلَيْهِ الْوِزْرُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ بْنِ يُوسُفَ كَمَا فِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى مَنْ تَرَكَ فَرْضًا تَهَاوُنًا كَفَرَ، بَعْدَ قَوْلِهِ: مَنْ سَجَدَ أَوْ صَلَّى رِيَاءً كَفَرَ فَإِنَّهُ إنْ تَرَكَ فَرْضًا تَهَاوُنًا كَفَرَ. (وَكَوْنُ غَرَضِهِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ الْآتِي لَا يُفِيدُ أَيْ غَرَضُ الْمُرَائِي (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الرِّيَاءِ (الطَّاعَةَ كَصِيَانَةِ النَّاسِ عَنْ الْغِيبَةِ) فِي الرِّيَاءِ بِتَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ وَنَحْوِهِ فِي الْمَلَأِ وَبِعَدَمِ الصَّلَاةِ بِحُضُورِهِمْ (وَتَحْصِيلَ الْعِلْمِ النَّافِعِ) فِي رِيَاءِ الْمُتَعَلِّمِ فَإِنَّ الْمُتَعَلِّمَ يُرَائِي بِطَاعَتِهِ لِيَنَالَ عِنْدَ الْمُعَلِّمِ رُتْبَةً فَيَتَعَلَّمَ مِنْهُ عِلْمًا نَافِعًا (وَ) تَحْصِيلَ (بِرِّ الْوَالِدَيْنِ) بِطَاعَتِهِمَا وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِمَا وَطَلَبِ رِضَاهُمَا فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ فَيَأْتِي الْعِبَادَةَ لِمُجَرَّدِ بِرِّهِمَا (وَ) تَحْصِيلَ (الْمَالِ عُدَّةً لِلْعِبَادَةِ وَقُوَّةً عَلَيْهَا وَتَفَرُّغًا لَهَا) مِنْ أَشْغَالِ الدُّنْيَا (وَدَفْعًا لِمَانِعِهَا) مِنْ طَلَبِ قِوَامِ الْبَدَنِ لِأَنَّ شَغْلَ

стр. 414

الْقَلْبِ بِالْمَعَاشِ يَمْنَعُهُ مِنْ الِانْتِعَاشِ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَوْ احْتَجْت بَصَلَةً مَا فَهِمْت مَسْأَلَةً (وَ) تَحْصِيلَ (الْجَاهِ) أَيْ رِفْعَةِ الشَّأْنِ وَالْقَدْرِ وَمَزِيَّةِ الشَّرَفِ بِالْمَنَاصِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ (كَذَلِكَ) أَيْ لَا لِذَاتِهِ بَلْ لِيَتَوَسَّلَ بِهِ إلَى عَمَلِ الْبِرِّ أَوْ كَانَ الرِّيَاءُ لِتَحْصِيلِ الْمَالِ عُدَّةً لِلْعِبَادَةِ وَغَيْرِهَا. (فَبَعْدَ تَسْلِيمِ صِدْقِهِ) أَيْ الْمُرَائِي فِي تِلْكَ الْمَقَاصِدِ الدِّينِيَّةِ النَّاشِئَةِ عَنْ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ رَاءَى لَهَا (لَا يُفِيدُ) فِي دَفْعِ الْحُرْمَةِ (وَلَا يَجْعَلُهُ) الرِّيَاءُ بِالْعِبَادَةِ (حَلَالًا) لِامْتِنَاعِ الِانْقِلَابِ وَلِعَدَمِ وُجُودِ رَافِعِ الْحُرْمَةِ (لِأَنَّهُ) أَيْ غَرَضَهُ الْمَذْكُورَ (تَلْبِيسٌ وَكَذِبٌ) عِنْدَ اللَّهِ (فِعْلِيٌّ) مَنْسُوبٌ إلَى الْفِعْلِ لِعَدَمِ مُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ لَا كَذِبٌ قَوْلِيٌّ (وَصُورَةُ اسْتِهَانَةٍ) تَهَاوُنٍ (وَاسْتِهْزَاءٍ) سُخْرِيَةٍ لِأَنَّهُ عَبْدٌ (لِلَّهِ تَعَالَى) فِي الظَّاهِرِ وَلِغَيْرِهِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ كَانَ غَايَتُهَا مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى رِضَا الْمَعْبُودِ؛ وَلِذَا قَالَ فِي صُورَةِ اسْتِهَانَةٍ وَاسْتِهْزَاءٍ أَوْ لِأَنَّهُ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ ثُمَّ صَرَفَ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ فِيهِ صُورَةُ الْمُسْتَهْزِئِ لَا حَقِيقَتُهُ إذْ حَقِيقَتُهُ كُفْرٌ (بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ قَصْدُهُ مِنْ عِبَادَتِهِ وَطَلَبِهِ بِهَا الْمَالَ وَالْجَاهَ الْمَذْكُورَيْنِ) اللَّذَيْنِ يَسْتَعِينُ بِهِمَا عَلَى الْعِبَادَةِ يَعْنِي يَطْلُبُ بِالْعِبَادَةِ الْمَالَ لِيَكُونَ عُدَّةً لِلْعِبَادَةِ وَالْجَاهَ لِيَكُونَ سَبَبًا لَهَا وَلِدَفْعِ الظُّلْمِ وَالشَّوَاغِلِ وَالتَّفَرُّغِ لَهَا (ابْتِدَاءً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى) بِدُونِ قَصْدِ غَيْرِهِ تَعَالَى فِي ابْتِدَاءِ الْعَمَلِ وَإِحْدَاثِهِ، فَلَا يَضُرُّ مَا فِي مُجَرَّدِ الْإِظْهَارِ. (وَلَمْ يُرِدْ) بِذَلِكَ (إرَاءَةَ النَّاسِ وَإِسْمَاعَهُمْ) مِنْ السُّمْعَةِ (فَإِنَّهُ حَلَالٌ لَا رِيَاءٌ كَمَا سَبَقَ) فِيمَنْ أَرَادَ إرَاءَةَ النَّاسِ أَوْ غَرَضُهُ صِيَانَةُ النَّاسِ (لِأَنَّهُ) أَيْ قَصْدَ عِبَادَتِهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً (لَيْسَ فِيهِ تَلْبِيسٌ وَلَا صُورَةُ اسْتِهَانَةٍ) لِكَوْنِهِ مُخْلِصًا إذْ كُلُّ مَا فِيهِ مَخْلُوطِيَّةٌ وَتَلْبِيسٌ فَلَيْسَ بِخَالِصٍ فَلَا يَكُونُ إخْلَاصًا كَمَنْ يَصُومُ لِلَّهِ وَيُرِيدُ خِفَّةَ مُؤْنَةِ طَبْخِ الطَّعَامِ وَشِرَائِهِ وَيَعْتِقُ لِلتَّبَرِّي مِنْ نَفَقَةِ الْعَبْدِ أَوْ لِسُوءِ خُلُقِهِ وَيَحُجُّ لِتَصْحِيحِ بَدَنِهِ بِالسَّفَرِ أَوْ لِهَرَبِ الْعَدُوِّ أَوْ لِتَفَرُّجِ الْبُلْدَانِ أَوْ يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ لِتَسْهِيلِ الْمَعَاشِ، أَوْ لِلْمُحَارَسَةِ مِنْ الظَّلَمَةِ، أَوْ يَكْتُبُ مُصْحَفًا لِيُجَوِّدَ خَطَّهُ، أَوْ يَحُجُّ مَاشِيًا لِتَخْفِيفِ مُؤْنَةِ الْكِرَاءِ أَوْ يَتَوَضَّأُ لِلنَّظَافَةِ أَوْ التَّبَرُّدِ أَوْ يَغْتَسِلُ لِتَطْيِيبِ رَائِحَتِهِ أَوْ يَتَصَدَّقُ لِمُجَرَّدِ دَفْعِ إبْرَامِ السَّائِلِ أَوْ يَعُودُ مَرِيضًا لِيُعَادَ إذَا مَرِضَ فَإِذَا خَطَرَ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ فَيَذْهَبُ الْإِخْلَاصُ وَلِصُعُوبَةِ ذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: إخْلَاصُ سَاعَةٍ نَجَاةُ الْأَبَدِ وَتَوَقَّفَ أَكْثَرُ السَّلَفِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْخَيْرَاتِ حَتَّى امْتَنَعَ ابْنُ سِيرِينَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جِنَازَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَقَالَ: لَيْسَ ظَفْرٌ فِي النِّيَّةِ. (نَعَمْ لَوْ كَانَ مَقْصُودُهُ مِنْهُمَا) مِنْ الْمَالِ وَالْجَاهِ (الْحَظَّ الْعَاجِلَ) حَظَّ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِ النَّفْسِ وَمُيُولَاتِهَا بِدُونِ قَصْدِ الْعِبَادَةِ (فَرِيَاءٌ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا كَالْمُسْتَغْنَى عَنْهُ بِمَا ذُكِرَ فِي ذَيْلِ قَوْلِهِ آنِفًا وَكَوْنُ غَرَضِهِ مِنْهُ الطَّاعَةَ (لَا يَحِلُّ) قَالَ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي وَإِنْ أَرَادَ مِنْ الْخَالِقِ لِأَنَّ كَوْنَهُ مُرَادًا مِنْ الْخَالِقِ لَا يُفِيدُ إذَا لَمْ يَتَوَسَّلْ إلَى عَمَلِ الْآخِرَةِ كَمَا مَرَّ (لِأَنَّهُ جَعَلَ عِبَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى آلَةً وَشَبَكَةً) صَيْدًا (لِلدُّنْيَا) لِأَنَّهُ جَعَلَ عِبَادَتَهُ لِنَفْعِ الدُّنْيَا فَقَطْ (وَقَدْ وَضَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِنَفْعِ الْآخِرَةِ) فَقَطْ فَقَلَبَ الْمَشْرُوعَ وَعَكَسَ الْمَوْضُوعَ وَذَلِكَ قَوْلُهُ (وَفِيهِ قَلْبُ الْمَوْضُوعِ فَلَا يُفِيدُهُ) فِي انْتِفَاءِ الرِّيَاءِ (كَوْنُ إرَادَتِهِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا مِنْ الْخَلْقِ) لِأَنَّ هَذَا الْغَرَضَ الدُّنْيَوِيَّ يُنَافِيهِ فَإِنْ قِيلَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى تَخْرِيجِ الْبَيْهَقِيّ، قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا» وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ هَذَا مِنْ الطِّبِّ الْإِلَهِيِّ وَإِنَّهَا تَنْفَعُ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ وَإِزَالَةِ الْمَرَضِ وَلِذَا كَانَ

стр. 415

عَادَةُ الْمَشَايِخِ قِرَاءَتُهَا فِي أَيَّامِ الْعُسْرِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إرَادَةُ مَتَاعِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ قُلْنَا أَجَابَ عَنْهُ الْغَزَالِيِّ فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ وَحَكَى عَنْهُ الْمُصَنِّفُ فِي إنْقَاذِ الْهَالِكِينَ وَالْمُنَاوِيُّ أَيْضًا فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنْ يُرْزَقَ الْقَنَاعَةَ أَوْ الْقُوَّةَ عَلَى عِبَادَتِهِ وَعَلَى دَرْسِ الْعِلْمِ وَهَذِهِ مِنْ إرَادَةِ الْخَيْرِ لَا الدُّنْيَا لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ حِينَ عُوتِبَ فِي أَمْرِ وَلَدِهِ إذْ لَمْ يَتْرُكْ لَهُمْ دُنْيَا: خَلَّفْتُ لَهُمْ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ، وَلِذَا كَانَ يَأْمُرُ ابْنُ مَسْعُودٍ بَنَاتِهِ بِقِرَاءَتِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ، وَحَمْلُ ذَلِكَ عَلَى ذَيْنِك الْقَنَاعَةِ وَالْقُوَّةِ أَيْضًا كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ بَعِيدٌ وَقَدْ قَالَ أَيْضًا: وَقِرَاءَةُ هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ الشِّدَّةِ فِي أَمْرِ الرِّزْقِ وَرَدَتْ بِهَا الْأَخْبَارُ الْمَأْثُورَةُ وَقَدْ قُرِّرَ فِي الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ مُمْكِنٍ أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ فَهُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعِنْدَنَا أَيْضًا النُّصُوصُ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا إنْ لَمْ يَصْرِفْهَا قَطْعِيٌّ وَأَيْضًا لَا يُصَارُ إلَى الْمَجَازِ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ وَقَدْ قُرِّرَ أَيْضًا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الْمَقْرُونَ بِشَرَائِطِ الرِّوَايَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ وَقَدْ عَرَفْت سَابِقًا مَشْرُوعِيَّةَ نَحْوِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَالْغَزَالِيُّ نَفْسُهُ صَرَّحَ بِالْخَوَاصِّ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَذْكَارِ الرَّبَّانِيَّةِ لِلْمَنَافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلَعَلَّ الْحَقَّ عَدَمُ الْعُدُولِ عَنْ الظَّاهِرِ وَجَوَازُ جِنْسِ ذَلِكَ مُطْلَقًا إنْ أَرَادَ بِالرِّزْقِ عُدَّةَ ذُخْرِ الْآخِرَةِ وَإِلَّا فَمَنْعُهُ، غَايَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْقِيَاسَ عَدَمُ الْجَوَازِ وَمَوْرِدُ النَّصِّ مَقْصُورٌ عَلَى مَوْرِدِهِ لِعَدَمِ جَرَيَانِ الْقِيَاسِ فِيمَا وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ هَذَا بِهَذِهِ النِّيَّةِ لَا يَكُونُ إرَادَةَ مَتَاعِ الدُّنْيَا بَلْ إرَادَةَ مَتَاعِ الْآخِرَةِ بِعَمَلِ الْآخِرَةِ فَافْهَمْ كَيْفَ وَالْمُصَنِّفُ نَفْسُهُ مَعَ تَعْوِيلِهِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْغَزَالِيِّ بِأَنَّ اشْتِغَالَ الْآيَاتِ وَالْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ لِحِفْظِ نَفْسِهِ أَوْ لِوَاحِدٍ مِنْ أَصْدِقَائِهِ مِنْ الْآفَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ أَوْ لِقَهْرِ الْعَدُوِّ فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ مِنْ الْحِفْظِ وَالْقَهْرِ التَّفَرُّغَ لِلْعِبَادَةِ وَالتَّمَكُّنَ مِنْ تَأْيِيدِ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ وَالرَّدَّ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ وَنَشْرَ الْعِلْمِ وَحَضَّ النَّاسِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهَذِهِ كُلُّهَا إرَادَاتٌ مَحْمُودَةٌ لَا يَدْخُلُ شَيْءٌ مِنْهَا فِي بَابِ الرِّيَاءِ؛ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْهَا أَمْرُ الْآخِرَةِ بِالْحَقِيقَةِ، انْتَهَى. (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ﴾ [الشورى: ٢٠] بِعَمَلِهِ ﴿حَرْثَ الدُّنْيَا﴾ [الشورى: ٢٠] فِي الْقَامُوسِ الْحَرْثُ كَسْبُ الْمَالِ وَجَمْعُهُ وَفُسِّرَ أَيْضًا بِالنَّفْعِ ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [الشورى: ٢٠] أَيْ مِنْ بَعْضِ الدُّنْيَا فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ - تَعَالَى - لَا يُؤْتِيهِ جَمِيعَ مُرَادِهِ ﴿وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] لِاسْتِعْجَالِهِ نَصِيبَهُ فِي الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ، وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ أَطْلَقَ الْإِرَادَةَ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِكَوْنِهَا مِنْ الْمَخْلُوقِ فَعُلِمَ أَنَّ إرَادَةَ نَفْعِ الدُّنْيَا مِنْ الْخَالِقِ وَغَيْرِهِ غَيْرُ جَائِزَةٍ وَلَيْسَ لِمَنْ يُرِيدُ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ وَكَذَا قَوْله تَعَالَى - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ [الإسراء: ١٨]- الْآيَةَ. كَمَا قِيلَ لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ إرَادَةُ حَرْثِ الدُّنْيَا ابْتِدَاءً وَبِالذَّاتِ لَا بِالْعَمَلِ سِيَّمَا عَمَلُ الْآخِرَةِ فَالتَّقْرِيبُ لَيْسَ بِتَامٍّ عَلَى أَنَّهُ لَا حُجَّةَ مَعَ الِاحْتِمَالِ، نَعَمْ، قَالُوا: الْحُرُمَاتُ تَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ لَكِنْ الْمَطْلُوبُ هُنَا قَطْعِيٌّ وَمِثْلُهُ خِطَابِيٌّ إلَّا أَنْ يُدَّعَى ثُبُوتُ هَذَا الْمَعْنَى لِهَذِهِ الْآيَةِ بِالرِّوَايَةِ لَا بِالدِّرَايَةِ أَوْ بِدِرَايَةِ الْمُجْتَهِدِ وَالْمَقَامُ اجْتِهَادِيٌّ فَاعْرِفْ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ فِيمَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ «أَنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» حِينَ رَقَى بَعْضُ الْمُسَافِرِينَ عَلَى لَدِيغٍ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَبَرِئَ فَأَعْطَوْهُ شَيْئًا فَكَرِهَهُ أَصْحَابُهُ قَائِلِينَ أَخَذْتَ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ أَجْرًا فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ سَأَلُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ فَجَوَابُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ جَوَازُ أَخْذِ الْأُجْرَةِ فِي الرُّقْيَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَغَيْرُهُ عَلَيْهِ لَا يُقَاسُ وَحَمَلَ بَعْضٌ الْأَجْرَ عَلَى الثَّوَابِ وَادَّعَى بَعْضٌ كَوْنَهُ مَنْسُوخًا بِأَحَادِيثَ فِي مَنْعِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ أَوْ يُقَدَّرُ مُضَافٌ أَيْ رُقْيَةُ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِقَرِينَةِ سَبَبِ الْوُرُودِ، انْتَهَى مُلَخَّصًا أَقُولُ: الْحَمْلُ عَلَى الثَّوَابِ اسْتَبْعَدَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ لِعَدَمِ مُنَاسَبَةِ سِيَاقِ الْحَدِيثِ وَتَوْبِيخِهِمْ أَخَذْت عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ أَجْرًا وَفِيهِ أَيْضًا الرُّقْيَةُ بِالْقُرْآنِ لَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ مَحْضَةٍ فَجَازَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا فَعَلَى هَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَوْلِ بِحَدِيثٍ خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَفِيهِ أَيْضًا الْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ حَقَّ الضَّيْفِ وَاجِبٌ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْمِ إلَى آخِرِ مَا قَالَ فِيهِ وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ الْجَوْزِيِّ مِنْ وَضْعِ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَدْ نُقِلَ الرَّدُّ وَالتَّشْنِيعُ عَنْ السُّيُوطِيّ وَأَمَّا رَدُّهُ بِسَنَدٍ غَيْرِ سَنَدِ الْبُخَارِيِّ، وَالْمَوْضُوعُ هُوَ ذَلِكَ

стр. 416

السَّنَدُ لَا سَنَدُ الْبُخَارِيِّ. (وَأَمَّا تَأْثِيرُهُ) أَيْ الرِّيَاءِ (فِي الطَّاعَةِ) بِإِبْطَالِهَا وَنَقْصِ أَجْرِهَا (فَالْمَغْلُوبُ) بِأَنْ يَكُونَ جَانِبُ الْخُلُوصِ غَالِبًا عَلَى جَانِبِ الرِّيَاءِ فِي رِيَاءِ التَّخْلِيطِ (يُنْقِصُ أَجْرَهَا) أَيْ أَجْرَ الْعِبَادَةِ (وَلَا يُبْطِلُهَا) حَتَّى لَا يَلْزَمَ الْقَضَاءُ فِي الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِكَايَةً عَنْ اللَّهِ - تَعَالَى - «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ فَمَنْ عَمِلَ لِي عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَإِنِّي مِنْهُ بَرِيءٌ وَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ» عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَالْبَيْهَقِيِّ فَالْمُتَبَادَرُ مِنْ إطْلَاقِ الشَّرِكَةِ هُوَ التَّسَاوِي عُرْفًا وَشَرْعًا عَلَى مَا حَكَى الْمُصَنِّفُ عَنْ الْغَزَالِيِّ، وَأَمَّا نَحْوُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَمَلًا فِيهِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ مِنْ رِيَاءٍ» . فَعَدَمُ الْقَبُولِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْجَوَازِ وَلَا عَدَمَ الثَّوَابِ أَصْلًا عَلَى مَا أَجَابَ بِهِ الْمُصَنِّفُ نَفْسُهُ، لَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالْقَبُولِ هُوَ الْقَبُولُ الْكَامِلُ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِنُقْصَانِ الْأَجْرِ، فَجَوَابُ الْمُصَنِّفِ مُحْتَاجٌ إلَى التَّأَمُّلِ بِمَا ذُكِرَ هُنَا؛ إذْ نُقْصَانُ الْأَجْرِ مُنَافٍ لِعَدَمِ الثَّوَابِ أَصْلًا (وَالْمُسَاوِي) لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مَا يَكُونُ شَامِلًا لِمَا يَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَقِلًّا بِالْبَعْثِ عَلَى الْعَمَلِ وَلِمَا يَكُونُ مَجْمُوعُهُمَا بَاعِثًا عَلَيْهِ (وَالْغَالِبُ وَالْمَحْضُ يُبْطِلُهَا) أَيْ الطَّاعَةَ، قِيلَ: فَيَجِبُ إعَادَتُهَا، وَقِيلَ: قَضَاؤُهَا، لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ حَكَى عَنْ الْغَزَالِيِّ التَّرَدُّدَ فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ الْمُسَاوِي لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ وَاخْتَارَ هُوَ نَفْسُهُ كَوْنَهُ مُسْقِطًا لِلْوَاجِبِ لِوُجُودِ النِّيَّةِ أَقُولُ: هُوَ إمَّا بَاطِلٌ فِي نَفْسِهِ لِكَوْنِ تَوَارُدِ الْعِلَّتَيْنِ الْمُسْتَقِلَّتَيْنِ أَوْ النِّيَّةُ لَيْسَتْ بِمُسْتَقِلَّةٍ فِي الْوُجُودِ، وَإِنْ شِئْت تَقُولُ: إنَّ النِّيَّةَ مُسْتَقِلَّةٌ فَلَيْسَ بِمُسَلَّمٍ وَإِنْ فِي الْجُمْلَةِ فَفِي الْغَالِبِ سِيَّمَا الصُّورَةُ الْأُخْرَى لِلْمُسَاوِي أَيْضًا فَافْهَمْ (لِعَدَمِ النِّيَّةِ فِيهَا) أَيْ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، يَشْكُلُ أَيْضًا إنْ أُرِيدَ النِّيَّةُ الْخَالِصَةُ الْمُسْتَقِلَّةُ فَالْمَغْلُوبُ أَيْضًا كَذَلِكَ وَإِنْ فِي الْجُمْلَةِ فَلَيْسَ بِمُسَلَّمٍ فِي الْمُسَاوِي وَالْغَالِبُ إنْ سُلِّمَ فِي الْمَحْضِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي النِّيَّةِ كَوْنُهَا بَاعِثَةً وَنِيَّةُ التَّقَرُّبِ فِي الْمَغْلُوبِ بَاعِثَةٌ وَفِي الْمُسَاوِي لَيْسَتْ بِبَاعِثَةٍ وَجُزْءُ الْبَاعِثِ لَيْسَ بِبَاعِثٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَا يَذْهَبُ عَلَيْك وَأَنَّهُ جَارٍ فِي الْمَغْلُوبِ. (وَهِيَ) أَيْ النِّيَّةُ (شَرْطٌ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا عِبَادَةٌ) بَدَنِيَّةٌ أَوْ مَالِيَّةٌ أَوْ مُرَكَّبَةٌ، يَشْكُلُ بِمَا فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ الْعَيْنِيِّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ التِّلَاوَةَ وَالْأَذْكَارَ وَالْأَذَانَ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ وَأَمَّا الْوُضُوءُ بِلَا نِيَّةٍ فَقِيلَ: لَيْسَ بِعِبَادَةٍ وَأَمَّا صِحَّةُ الصَّلَاةِ فَإِنَّ اللَّازِمَ فِي الشُّرُوطِ مُجَرَّدُ وُجُودِهَا كَالْغُسْلِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَغَسْلِ النَّجَاسَةِ. وَفِي الْأَشْبَاهِ الْوُضُوءُ الْغَيْرُ الْمَنْوِيِّ لَيْسَ بِمَأْمُورٍ بِهِ لَكِنَّهُ مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَسَاءَ وَأَخْطَأَ وَخَالَفَ السُّنَّةَ وَلَا يُثَابُ لِعَدَمِ إقَامَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَأَقُولُ: الْمُرَادُ مِنْ الْعِبَادَةِ مَا هُوَ مَقْصُودٌ بِالذَّاتِ وَأَمَّا الْوَسَائِلُ كَالْوُضُوءِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا النِّيَّةُ لِصِحَّةِ الْعِبَادَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِنْ كَانَ لِأَجْلِ الثَّوَابِ شَرْطًا (لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ» الْعَمَلُ هُوَ حَرَكَةُ الْبَدَنِ فَيَشْمَلُ الْقَوْلَ وَقَدْ يُتَجَوَّزُ عَنْ حَرَكَةِ النَّفْسِ فَيَشْمَلُ نَحْوَ النِّيَّةِ، وَالْمُرَادُ هُنَا عَمَلُ الْجَوَارِحِ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ أَيْ الشَّرْعِيِّ؛ لِأَنَّ الْعَادِيَّ لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى نِيَّةٍ «بِالنِّيَّاتِ» النِّيَّةُ هِيَ الْقَصْدُ وَهِيَ عَزِيمَةُ الْقَلْبِ وَرَدَّ الْكَرْمَانِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ عَزِيمَةً لِلْقَلْبِ لِقَوْلِ الْمُتَكَلِّمِينَ: الْقَصْدُ مَا نَجِدُهُ مِنْ أَنْفُسِنَا حَالَ الْإِيجَادِ، وَالْعَزْمُ: قَدْ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ وَيَقْبَلُ الشِّدَّةَ وَالضَّعْفَ فَفَرَّقُوا بِجِهَتَيْنِ فَلَا يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِهِ وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ هِيَ انْبِعَاثُ الْقَلْبِ نَحْوَ مَا يَرَاهُ مُوَافِقًا لِغَرَضٍ مِنْ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ، وَالشَّرْعُ خُصَّ بِالْإِرَادَةِ وَالتَّوَجُّهِ نَحْوَ الْفِعْلِ ابْتِغَاءً لِوَجْهِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَامْتِثَالًا لِحُكْمِهِ، كَذَا فِي فَيْضِ الْقَدِيرِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ شَارِحُ الْحَمَوِيِّ لِلْأَشْبَاهِ بِعَدَمِ صِدْقِهِ عَلَى الْمَنْهِيِّ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ عِقَابٌ، فَقَالَ: فَالصَّوَابُ هِيَ تَوَجُّهُ الْقَلْبِ نَحْوَ إيجَادِ فِعْلٍ أَوْ تَرْكِهِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ مِنْ الْفِعْلِ مَا يَعُمُّ الْإِتْيَانَ وَالتَّرْكَ فَإِنْ قِيلَ قَدْ كَثُرَ وُجُودُ الْأَعْمَالِ بِدُونِ نِيَّةٍ قُلْنَا: نَعَمْ، وَلِذَلِكَ جَعَلُوا الْحَدِيثَ مِنْ قَبِيلِ الدَّلَالَةِ فِيهِ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ وَالْمُقْتَضِي هُوَ اللَّازِمُ الْمُتَقَدِّمُ الَّذِي اقْتَضَى النَّصُّ تَقْرِيرَهُ لِتَوَقُّفِ صِدْقِ الْمَنْطُوقِ عَلَيْهِ شَرْعًا أَوْ عَقْلًا وَأَمَّا عِنْدَ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ فَمِنْ بَابِ الْمُضْمَرِ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ عِنْدَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمَنْطُوقُ شَرْعًا فَقَطْ، وَالْمُتَوَقَّفُ عَلَيْهِ هُنَا صِدْقُ الْمُتَكَلِّمِ هُوَ عَقْلِيٌّ لَا شَرْعِيٌّ كَمُضْمَرٍ لَا مُقْتَضًى، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُقْتَضِيَ ثَابِتٌ

стр. 417

شَرْعًا وَالْمُضْمَرُ لُغَةً أَوْ الْمُقْتَضِي لَا عُمُومَ لَهُ وَالْمُضْمَرُ لَهُ عُمُومٌ. فَمَعْنَى الْحَدِيثِ حُكْمُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ أَوْ صِحَّةُ الْأَعْمَالِ كَمَا فِي فَيْضِ الْقَدِيرِ وَنُقِلَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ أَيْ كَمَالُ الْأَعْمَالِ لِحَدِيثِ عَدَمِ شَرْطِيَّةِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ عِنْدَهُمْ، وَأَوْرَدَ مَقَالًا لَا يَتَحَمَّلُهُ الْمَقَامُ ثُمَّ قَالَ وَإِنَّمَا لَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي إزَالَةِ الْخُبْثِ لِكَوْنِهِ مِنْ قَبِيلِ التُّرُوكِ كَالزِّنَا مِنْ حَيْثُ إسْقَاطُ الْعِقَابِ لَا يَحْتَاجُهَا وَمِنْ حَيْثُ تَحْصِيلُ الثَّوَابِ يَحْتَاجُهَا كَإِزَالَةِ النَّجَسِ لَا يَحْتَاجُ تَطْهِيرًا وَتَحْتَاجُ ثَوَابًا عَلَى امْتِثَالِ الشَّارِعِ لَعَلَّ هَذَا رَاجِعٌ إلَى مَا يُقَالُ إنَّ تَرْكَ الْمَنَاهِي إنْ بَعْدَ التَّشَهِّي فَمُثَابٌ وَإِلَّا فَلَا. قَالَ الْحَمَوِيُّ فِي شَرْحِ الْأَشْبَاهِ عَنْ الْمُسْتَصْفَى مَا حَاصِلُهُ: إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ قَبِيلِ ظَنِّيِّ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ وَهُوَ يُفِيدُ السُّنِّيَّةَ وَالِاسْتِحْبَابَ لَا الْوُجُوبَ وَالِافْتِرَاضَ، وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ مَعَ تَصْرِيحِهِ فِي الْأُصُولِ مِمَّنْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى شَرْطِيَّةِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ أَقُولُ: فَاسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ حِينَئِذٍ مُشْكِلٌ فَتَأَمَّلْ وَأَقُولُ: أَيْضًا النِّيَّةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي الْإِسْلَامِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ إيمَانِ الْمُكْرَهِ ذِمِّيًّا أَوْ حَرْبِيًّا عَلَى الْأَصَحِّ وَقِيلَ: حَرْبِيًّا فَقَطْ وَلَا يَكُونُ مُسْلِمًا بِمُجَرَّدِ نِيَّةِ الْإِسْلَامِ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ، فَيَكُونُ عَامًّا خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ فَلَا يَكُونُ الْبَاقِي حُجَّةً قَطْعِيَّةً عَلَى الْمُخْتَارِ أَقُولُ: قَدْ يُضَافُ الْحُكْمُ إلَى الْخَبَرِ الْمُؤَيَّدِ بِالنَّصِّ، فَالشَّرْطِيَّةُ بِالْإِجْمَاعِ أَوْ بِآيَةِ - ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [البينة: ٥]- «وَلِكُلِّ امْرِئٍ» أَيْ إنْسَانٍ وَلَا جَمْعَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ «مَا نَوَى» مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، فَحَظُّ الْعَامِلِ مَا نَوَاهُ لَا صُورَتُهُ يَعْنِي اعْتِبَارُ الْأَعْمَالِ عَلَى حَسَبِ النِّيَّةِ فَإِنْ كَانَ خَالِصًا فَلِلَّهِ وَإِنْ لِلدُّنْيَا فَلَهَا وَإِنْ لِنَظَرِ الْخَلْقِ فَلِذَلِكَ، فَمَنْ فَعَلَ غَافِلًا أَوْ نَائِمًا فَمُهْمَلٌ نَحْوُ أَفْعَالِ الْجَمَادِ وَمَنْ أَتَى بِطَاعَةٍ رِيَاءً وَسُمْعَةً أَوْ طَمْعَ عَطَاءٍ دُنْيَوِيٍّ، أَوْ تَوَقُّعَ ثَنَاءٍ عَاجِلٍ أَوْ تَخَلُّصًا مِنْ ذَمِّ النَّاسِ فَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ فِي الْمُنَاوِيِّ عَنْ الْقَاضِي وَهَاتَانِ قَاعِدَتَانِ عَظِيمَتَانِ: الْأُولَى تَضَمَّنَتْ أَنَّ الْعَمَلَ الِاخْتِيَارِيَّ لَا يَحْصُلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، وَالثَّانِيَةُ تَضَمَّنَتْ أَنَّهُ يَعُودُ عَلَيْهِ مِنْ النَّفْعِ وَالضُّرِّ بِحَسَبِ الْمَنْوِيِّ، وَقِيلَ: الثَّانِيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ نَوَى شَيْئًا يَحْصُلُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ لِمَانِعٍ كَمَرِيضٍ تَخَلَّفَ عَنْ الْجَمَاعَةِ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي الْإِخْلَاصِ وَمِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ الَّتِي لَا يَخْرُجُ عَنْهَا عَمَلٌ أَصْلًا وَلِهَذَا تَوَاتَرَ النَّقْلُ عَنْ الْأَعْلَامِ بِعُمُومِ نَفْعِهِ وَعِظَمِ وَقْعِهِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ» قِيلَ: مِنْ وُجُوهِهِ الْعَمَلُ قَلَّمَا يَخْلُو عَنْ شَوَائِبَ كَالرِّيَاءِ وَأَمَّا النِّيَّةُ فَلَا تَتَكَدَّرُ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ الدَّيْلَمِيِّ «الْحَسَنَةُ تُدْخِلُ صَاحِبَهَا الْجَنَّةَ وَالْخُلُقُ الْحَسَنُ يُدْخِلُ صَاحِبَهُ الْجَنَّةَ، وَالْجِوَارُ الْحَسَنُ يُدْخِلُ صَاحِبَهُ الْجَنَّةَ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ رَجُلَ سُوءٍ قَالَ: نَعَمْ عَلَى رَغْمِ أَنْفِك» . قِيلَ: هُنَا النِّيَّةُ نَوْعَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْبُودِ وَيَتَضَمَّنُ إفْرَادَ الْمَعْبُودِ فَيَشْمَلُ نَفْيَ الرِّيَاءِ فَإِنَّهُ نِيَّةُ الْإِخْلَاصِ وَبِهَا أُمِرَ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِبَادِ فَهُوَ تَمْيِيزُ الْعِبَادَةِ مِنْ الْعَادَةِ وَمَرَاتِبِ الْعِبَادَةِ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى يَقْرُبُ أَيْضًا حَدِيثُ الْجَامِعِ «النِّيَّةُ الصَّادِقَةُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ فَإِذَا صَدَقَ الْعَبْدُ نِيَّتَهُ تَحَرَّكَ الْعَرْشُ فَيُغْفَرُ لَهُ» قِيلَ فِي شَرْحِهِ: فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ عَامِلٍ أَنْ يَقْصِدَ بِعَمَلِهِ وَجْهَ اللَّهِ لَا سِيَّمَا الْعِلْمُ فَلَا يُرِيدُ بِهِ كَمَالًا دُنْيَوِيًّا أَوْ جَاهًا أَوْ شُهْرَةً أَوْ سُمْعَةً عَنْ السَّمْهُودِيِّ إنَّهُ كُلَّمَا خَرَجَ إلَى الدَّرْسِ يَقِفُ بِدِهْلِيزِهِ حَتَّى يُحَصِّلَ النِّيَّةَ وَيُصَحِّحَهَا ثُمَّ يَحْضُرَ قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ فِي شَرْحِ الْحِصْنِ عَنْ ابْنِ أَبِي جَمْرَةَ: تَرْتِيبُ الْوَارِدِ عَلَى الْقَلْبِ مَرَاتِبُ: الْهِمَّةُ ثُمَّ اللَّمَّةُ ثُمَّ الْخَطْرَةُ ثُمَّ النِّيَّةُ ثُمَّ الْإِرَادَةُ ثُمَّ الْعَزِيمَةُ، فَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ لَا يُؤَاخَذُ بِهَا بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ الْأُخَرِ. وَقَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: وَأَمَّا حَدِيثُ النَّفْسِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ أَوْ يَعْمَلْ بِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ وَحَاصِلُ مَا قَالُوهُ مَا فِي النَّفْسِ مِنْ قَصْدِ الْمَعْصِيَةِ عَلَى خَمْسٍ الْهَاجِسُ هُوَ مَا يُلْقَى فِيهَا، ثُمَّ جَرَيَانُهُ فِيهَا وَهُوَ الْخَاطِرُ، ثُمَّ حَدِيثُ النَّفْسِ يَقَعُ فِيهَا مِنْ التَّرَدُّدِ هَلْ يَفْعَلُ أَوْ لَا، ثُمَّ الْهَمُّ وَهُوَ تَرْجِيحُ قَصْدِ الْفِعْلِ، ثُمَّ الْعَزْمُ هُوَ قُوَّةُ ذَلِكَ الْقَصْدِ، وَلَا يُجْزَمُ بِهِ فَالْهَاجِسُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ وَالْخَاطِرُ الَّذِي بَعْدَهُ كَانَ قَادِرًا عَلَى دَفْعِهِ بِصَرْفِ الْهَاجِسِ أَوَّلَ وُرُودِهِ، وَلَكِنَّهُ هُوَ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ مَرْفُوعَانِ بِالْحَدِيثِ وَإِذَا ارْتَفَعَ حَدِيثُ النَّفْسِ

стр. 418

ارْتَفَعَ مَا قَبْلَهُ بِالْأَوْلَى وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ لَوْ كَانَتْ فِي الْحَسَنَاتِ لَا يُؤْجَرُ لِعَدَمِ الْقَصْدِ وَأَمَّا الْهَمُّ بِالْحَسَنَةِ يُكْتَبُ حَسَنَةً وَاحِدَةً وَبِالسَّيِّئَةِ لَا يُكْتَبُ، فَإِنْ تَرَكَ لِلَّهِ كُتِبَ حَسَنَةً وَإِنْ فَعَلَ فَسَيِّئَةٍ وَاحِدَةٍ، يَعْنِي يُكْتَبُ عَلَيْهِ الْفِعْلُ وَحْدَهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَأَمَّا الْعَزْمُ فَيُؤَاخَذُ بِهِ عَلَى التَّحْقِيقِ وَقِيلَ: الْهَمُّ مِنْ الْمَرْفُوعِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ لَا يَأْثَمُ إنْ لَمْ يُصَمِّمْ عَزْمَهُ وَإِنْ عَزَمَ يَأْثَمُ إثْمَ الْعَزْمِ لَا الْعَمَلِ بِالْجَوَارِحِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا يَتِمُّ بِمُجَرَّدِ الْعَزْمِ كَالْكُفْرِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. قَوْلُهُ: كَمَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ هُوَ «أَنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ» قَالَ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ لِابْنِ مَالِكٍ: الْمُرَادُ مَا يُقْصَدُ إذْ الضَّرُورِيُّ مَعْفُوٌّ عَنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ إلَّا أَنْ يُصِرَّ، ثُمَّ قِيلَ حَدِيثُ النَّفْسِ لَيْسَ بِكَلَامٍ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ وَلَا تَطْلُقُ بِهِ الزَّوْجَةُ وَأَيْضًا فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ «إذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَا تَكْتُبُوهَا سَيِّئَةً فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً وَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْرًا» ، كَمَا فِي الْمَبَارِقِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ النَّوَوِيِّ الْمُرَادُ بِهِ الْخَوَاطِرُ الَّتِي لَا تَسْتَقِرُّ سَوَاءً كُفْرًا أَوْ غِيبَةً فَمَنْ خَطَرَ لَهُ الْكُفْرُ بِلَا تَعَمُّدٍ فَصَرَفَهُ فِي الْحَالِ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ، وَقَوْلُهُ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ يَعْمَلْ فَإِنْ تَكَلَّمَ بِمَا يَكُونُ مِنْ الْأَقْوَالِ أَوْ عَمِلَ بِمَا يَكُونُ مِنْ الْأَعْمَالِ فَيُؤَاخَذُ بِالْقَوْلِ فَقَطْ وَبِالْفِعْلِ فَقَطْ دُونَ حَدِيثِ النَّفْسِ أَوْ بِهِمَا مَعًا كَمَا اخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ وَعَنْ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ الْعَرَبِيِّ الْقُلُوبُ مَيَّالَةٌ إلَى كُلِّ طَارِئٍ عَلَيْهَا حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا مُحَالًا، أَوْ جَائِزًا، حَقًّا أَوْ بَاطِلًا، مَعْقُولًا أَوْ مُتَخَيَّلًا، وَلِلَّهِ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ وَالْحُجَّةُ الْغَالِبَةُ عَطَفَ بِفَضْلِهِ وَعَفَا عَنْ كُلِّهِ بَقِيَ أَنَّ الْمَوْلَى الْمُحَشِّيَ قَالَ هُنَا: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَعَدُّدِ النَّفْعِ وَالثَّوَابِ بِتَعَدُّدِ النِّيَّةِ كَمَنْ تَوَضَّأَ بِنِيَّةِ إقَامَةِ الصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَمُحَافَظَةِ الْوُضُوءِ وَسَجَدَ التِّلَاوَةِ الَّتِي عَلَيْهِ انْتَهَى أَقُولُ: تَفْصِيلُهُ إنْ كَانَ فِي الْوَسَائِلِ يَجُوزُ ذَلِكَ مُطْلَقًا كَمَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلْجَنَابَةِ وَلِلْجُمُعَةِ لَهُ ثَوَابُ غُسْلِ الْجُمُعَةِ، وَإِنْ فِي الْمَقَاصِدِ فَإِنَّ نَافِلَتَيْنِ كَمَا فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لِسُنَّةِ الْفَجْرِ وَالتَّحِيَّةُ أَجْزَأَتْ عَنْهُمَا وَإِنْ فَرْضَيْنِ أَوْ فَرْضًا وَنَفْلًا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يُطْلَبُ مِنْ الْأَشْبَاهِ (رَوَاهُ عُمَرُ) بْنُ الْخَطَّابِ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) الْعَدَوِيُّ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ وَزِيرُ الْمُصْطَفَى ثَانِي الْخُلَفَاءِ (وَهَذَا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ) وَهُوَ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ مَا لَهُ طُرُقٌ مَحْصُورَةٌ فَوْقَ الِاثْنَيْنِ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مُطْلَقِ مَا يُشْتَهَرُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ فَيُطْلَقُ عَلَى مَا لَهُ إسْنَادٌ وَاحِدٌ بَلْ عَلَى مَا لَا إسْنَادَ لَهُ أَصْلًا، يَرُدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ الثَّانِيَ فَلَا يُنَاسِبُ لِغَرَضِهِ وَإِنْ الْأَوَّلَ فَالرَّاوِي فِي اعْتِقَادِهِ لَيْسَ غَيْرَ عُمَرَ فَكَيْفَ يَكُونُ مَشْهُورًا إلَّا أَنْ يُرِيدَ مِنْ الْمَشْهُورِ مَا هُوَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّ وَهُوَ مَا كَانَ وَاحِدًا فِي الْقَرْنِ الْأَوَّلِ ثُمَّ اشْتَهَرَ بَعْدَهُ وَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَوَاهُ أَيْضًا فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ عَلَى تَخْرِيجِ أَبِي نُعَيْمٍ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَلَى تَخْرِيجِ ابْنِ عَسَاكِرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى تَخْرِيجِ الرَّشِيدِ الْعَطَّارِ فَبَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِهِ مَشْهُورًا حِينَئِذٍ لَا يُفِيدُ عَلَى نَظَرِ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّهُ قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الْعِرَاقِيِّ لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ عُمَرَ وَعَنْ الْغَيْرِ وَمَا عَدَا طَرِيقِ عُمَرَ ضَعِيفٌ إلَّا أَنْ يَعُمَّ إلَى مَا وَرَدَ فِي مُطْلَقِ النِّيَّةِ، وَلَوْ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ فَحِينَئِذٍ بَلَغَ الرَّاوِي إلَى ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ صَحَابِيًّا كَمَا فِي فَيْضِ الْقَدِيرِ وَفِيهِ أَيْضًا: هَذَا حَدِيثٌ فَرْدٌ غَرِيبٌ بِاعْتِبَارٍ، مَشْهُورٌ بِاعْتِبَارٍ، وَفِيهِ أَيْضًا وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ الصَّحِيحِ لَمْ يَصِحَّ إلَّا مِنْ عُمَرَ وَلَا عَنْ عُمَرَ إلَّا مِنْ عَلْقَمَةَ وَلَا عَنْ عَلْقَمَةَ إلَّا مِنْ التَّيْمِيِّ وَلَا عَنْ التَّيْمِيِّ إلَّا مِنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَمَدَارُهُ عَلَيْهِ وَإِنَّ مِنْ بَعْدِ يَحْيَى فَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ مِائَتَيْ إنْسَانٍ أَكْثَرُهُمْ أَئِمَّةٌ، بَلْ قِيلَ إلَى سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ فَمَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ التَّوَاتُرَ وَالشُّهْرَةَ فَبِالنِّسْبَةِ إلَى آخِرِ السَّنَدِ وَعَنْ النَّوَوِيِّ فِي إسْنَادِهِ شَيْءٌ يُسْتَحْسَنُ وَيُسْتَغْرَبُ وَهُوَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلَاثَةٌ تَابِعُونَ يَرْوِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَالتَّيْمِيُّ وَعَلْقَمَةُ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُسْتَطْرَفًا لَكِنَّهُ وَقَعَ فِي نَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا، قَالَ وَهُوَ حَدِيثٌ مُجْمَعٌ عَلَى عِظَمِهِ وَجَلَالَتِهِ وَهُوَ أَحَدُ قَوَاعِدِ الدِّينِ وَابْتِدَاءِ أَرْكَانِهِ وَهُوَ أَعْظَمُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ الْإِسْلَامِ (خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ) الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ

стр. 419

وَأَيْضًا قَدْ عَرَفْت تَخْرِيجَ أَبِي نُعَيْمٍ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَابْنِ عَسَاكِرَ وَالرَّشِيدِ (إلَّا مَالِكًا) قَدْ عَرَفْت السِّتَّةَ فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ السِّتَّةِ، وَقِيلَ عَلَى طَرِيقِ الْمُتَقَدِّمِينَ سَادِسُ السِّتَّةِ مَالِكٌ بَدَلَ ابْنِ مَاجَهْ فَمُتَّصِلٌ وَمَا مَرَّ آنِفًا مِنْ غَرَائِبِ مَالِكٍ لَا يَضُرُّ؛ إذْ الْمُرَادُ كِتَابُهُ الْمُوَطَّأُ فَقَطْ. (وَالنِّيَّةُ إرَادَةُ التَّقَرُّبِ بِالْعَمَلِ) إلَى اللَّهِ (الْبَاعِثَةُ عَلَيْهِ) صِفَةُ الْإِرَادَةِ (الْمُتَّصِلَةُ) صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ (بِأَوَّلِهِ) أَيْ الْعَمَلِ (حَقِيقَةً) كَمُقَارَنَةِ نِيَّةِ الْقَلْبِ بِتَكْبِيرَةِ اللِّسَانِ فِي الصَّلَاةِ (أَوْ حُكْمًا) كَصِحَّةِ الصَّلَاةِ بِنِيَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عَنْ التَّحْرِيمَةِ إلَى التَّعَوُّذِ أَوْ إلَى الثَّنَاءِ أَوَّلًا إنْ أَتَمَّ الثَّنَاءَ أَوْ إلَى آخِرِ الْفَاتِحَةِ أَوْ إلَى الرُّكُوعِ أَوْ إلَى الرَّفْعِ مِنْهُ عَلَى الْأَقْوَالِ فِي مَذْهَبِ الْكَرْخِيِّ وَبِنِيَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ إلَى أَوَانِ الْوُضُوءِ إنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ عَلَى رِوَايَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ وَفِي الْوُضُوءِ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ، وَيَنْبَغِي فِي أَوَّلِ السُّنَنِ عِنْدَ غَسْلِ الْيَدِ، وَالْغُسْلُ كَالْوُضُوءِ، وَفِي التَّيَمُّمِ عِنْدَ الْوَضْعِ عَلَى الصَّعِيدِ، وَفِي الْإِمَامَةِ يَنْبَغِي وَقْتَ الِاقْتِدَاءِ بِهِ لَا قَبْلَهُ، وَلِلْجَمَاعَةِ عِنْدَ أَوَّلِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاةِ الْإِمَامِ هَذَا لِلثَّوَابِ، وَأَمَّا لِلصِّحَّةِ فَالْأَفْضَلُ عِنْدَ افْتِتَاحِ الْإِمَامِ فَإِنْ نَوَى وَلَمْ يَشْرَعْ، قِيلَ نَعَمْ وَقِيلَ لَا، وَفِي الزَّكَاةِ عِنْدَ الْأَدَاءِ وَعِنْدَ الْعَزْلِ وَلَوْ دَفَعَ بِلَا نِيَّةٍ ثُمَّ نَوَى، وَالْمَالُ مَوْجُودٌ فِي يَدِ الْفَقِيرِ جَائِزٌ، وَفِي الصَّوْمِ جَازَ التَّقَدُّمُ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَالتَّأَخُّرُ إلَى قُبَيْلِ نِصْفِ النَّهَارِ، وَالْأَفْضَلُ الْمُقَارَنَةُ، هَذَا فِي أَدَاءِ رَمَضَانَ فَفِي غَيْرِهِ مِنْ قَضَاءٍ وَنَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ فَيَجُوزُ بِنِيَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَفِي النَّفْلِ كَأَدَاءِ رَمَضَانَ، وَفِي الْحَجِّ عِنْدَ الْإِحْرَامِ مَعَ التَّلْبِيَةِ أَوْ سَوْقِ الْهَدْيِ ثُمَّ إنَّهُ تَصِحُّ نِيَّةُ عِبَادَةٍ فِي أُخْرَى كَمَنْ نَوَى فِي الصَّلَاةِ الصَّوْمَ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ اشْتِرَاطِ بَقَاءِ النِّيَّةِ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْعِبَادَةِ فَلَوْ افْتَتَحَ الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ أَتَمَّهَا عَلَى اعْتِقَادِ التَّطَوُّعِ أَجْزَأَتْهُ ثُمَّ مَحَلُّ النِّيَّةِ هُوَ الْقَلْبُ فَلَا حَاجَةَ إلَى اللِّسَانِ لَكِنْ لَا بُدَّ فِي الِاعْتِكَافِ مِنْ التَّلَفُّظِ وَأَيْضًا مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى إحْضَارِ النِّيَّةِ يَكْفِيهِ اللِّسَانُ (وَالْإِرَادَةُ) أَيْ لَفْظُ الْإِرَادَةِ فِي تَعْرِيفِ النِّيَّةِ (احْتِرَازٌ عَنْ مُجَرَّدِ التَّلَفُّظِ بِاللِّسَانِ) مَعَ ذُهُولِ الْقَلْبِ وَقَدْ سَمِعْتَ آنِفًا مِنْ الْجَوَازِ فِي حَقِّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى إحْضَارِ قَلْبِهِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى أَنَّهُ إذَا خَلَا عَنْ الْمَوَانِعِ وَطَبْعُهُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ قَبِيلِ الْمَوَانِعِ، وَالْقَوْلُ إنَّ اللِّسَانَ حِينَئِذٍ بَدَلٌ وَثُبُوتُ الْبَدَلِ كَثُبُوتِ الْمُبْدَلِ مِنْهُ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ إبْدَالٌ بِالرَّأْيِ، وَذَا لَا يَجُوزُ، ثُمَّ قِيلَ حَيْثُ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى نِيَّةِ الْقَلْبِ صَارَ الذِّكْرُ اللِّسَانِيُّ فِي حَقِّهِ أَصْلًا لَا بَدَلًا. ثُمَّ مِنْ فُرُوعِ هَذَا لَوْ اخْتَلَفَ اللِّسَانُ وَالْقَلْبُ كَالنِّيَّةِ بِالْقَلْبِ عَلَى الظُّهْرِ وَاللِّسَانِ بِالْعَصْرِ أَوْ بِعَكْسِهِ، فَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الْقَلْبُ إلَّا فِي الْيَمِينِ فَلَوْ سَبَقَ لِسَانُهُ إلَى الْيَمِينِ بِلَا نِيَّةٍ انْعَقَدَ يَمِينًا وَتَفْصِيلُ الْكُلِّ فِي الْأَشْبَاهِ، ثُمَّ فِي الْمَجْمَعِ لَا اعْتِبَارَ بِاللِّسَانِ لَكِنْ هَلْ يُسْتَحَبُّ أَوْ يُسَنُّ أَوْ يُكْرَهُ أَقْوَالٌ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَيْسَ فِي التَّلَفُّظِ أَثَرٌ وَخَبَرٌ لَا صَحِيحٌ وَلَا ضَعِيفٌ، بَلْ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ أَمِيرِ الْحَاجِّ وَمَكْرُوهٌ عِنْدَ بَعْضٍ، لَكِنْ فِي الدُّرَرِ أَمَّا الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِهِ وَيَحْسُنُ ذَلِكَ الِاجْتِمَاعُ عَزِيمَةً (وَ) احْتِرَازٌ عَنْ (حَدِيثِ النَّفْسِ) لِأَنَّهُ عَرْضُ الْمَعْنَى عَلَى الْقَلْبِ وَالْإِرَادَةُ مَيْلٌ إلَى الْفِعْلِ، وَقَوْلُهُ (وَالتَّقَرُّبُ) احْتِرَازٌ (عَنْ الرِّيَاءِ الْمَحْضِ وَ) قَوْلُهُ (الْبَاعِثَةُ) احْتِرَازٌ (عَنْ الْقَصْدِ الْمُسَاوِي) فِيهِ التَّقَرُّبُ مَعَ غَيْرِهِ

стр. 420

(وَالْمَغْلُوبُ) فِيهِ التَّقَرُّبُ فَالْغَالِبُ غَيْرُ التَّقَرُّبِ (وَ) قَوْلُهُ (الْمُتَّصِلَةُ) بِأَوَّلِهِ احْتِرَازٌ (عَنْ الْأَمَلِ) مِنْ تَأَمُّلِ الطَّاعَةِ غَدًا (وَنَحْوِهِ) كَالتَّمَنِّي وَالْوَعْدِ (فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ جَزْمًا صَلَاةَ الظُّهْرِ غَدًا أَوْ نَحْوَهَا) مِنْ الصَّلَاةِ (فَآمِلٌ) أَيْ ذُو أَمَلٍ؛ لِأَنَّهُ رَاجٍ لَا نَاوٍ (وَإِنْ) أَرَادَ جَزْمًا (بِشَرْطِ الصَّلَاحِ) قِيلَ: بِأَنْ قَالَ إنْ كَانَ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ خَيْرٌ لِي فَيَسِّرْهَا لِي وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ: كَأَفْعَلُ كَذَا إنْ كُنْت صَالِحًا (وَالِاسْتِثْنَاءُ) كَأَصُومُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - (فَغَيْرُ آمِلٍ) بِوُجُودِ شَرْطِ الصَّلَاحِ وَالِاسْتِثْنَاءِ (وَغَيْرُ نَاوٍ أَيْضًا) لِفَقْدِ الِاتِّصَالِ فِيهَا فَلَا يَصْدُقُ التَّعْرِيفُ (حَتَّى لَا يَجُوزَ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ) مِنْ الْمُعْتَبَرِ فِيهِ النِّيَّةُ (بِتِلْكَ الْإِرَادَةِ) لِعَدَمِ صِدْقِ النِّيَّةِ. (وَكَذَا مَا بَعْدَ الشُّرُوعِ) إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا اتِّصَالٌ حُكْمًا (وَ) قَوْلُهُ (أَوْ حُكْمًا لِيَدْخُلَ فِيهِ) أَيْ التَّعْرِيفِ، وَقِيلَ: فِي الْقَصْدِ (نِيَّةُ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْعَزْلِ) فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ بِأَوَّلِهِ حَقِيقَةً (وَ) كَذَا (نِيَّةُ الصَّوْمِ بَعْدَ الْغُرُوبِ إلَى نِصْفِ النَّهَارِ) الشَّرْعِيِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ الِاتِّصَالُ الْأَوَّلُ حَقِيقَةً لِجَوَازِ تَقَدُّمِهِ إلَى مَا بَعْدَ الْغُرُوبِ وَتَأَخُّرُهُ إلَى نِصْفِ النَّهَارِ (فِي) أَدَاءِ (رَمَضَانَ وَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ) نَحْوُ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ رَجَبَ أَوْ الْغَدَ (وَالنَّفَلِ وَإِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ) الثَّانِي وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُنْتَشِرُ فِي الْأُفُقِ عَرْضًا لَا طُولًا (فِي غَيْرِهَا) مِنْ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ وَالْكَفَّارَاتِ (وَ) (نِيَّةُ الصَّلَاةِ إلَى الرُّكُوعِ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ عَلَى وَجْهٍ) وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى تَحْرِيرِ مُرَادِ زُفَرَ، وَلَوْ قَالَ إلَى الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ لَكَانَ أَوْلَى، لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ اعْتِبَارُ دُخُولِ ذَلِكَ تَحْتَ الْحُكْمِيِّ وَفِي الْأَشْبَاهِ عَنْ الْجَوْهَرَةِ لَا يُعْتَبَرُ بِقَوْلِ الْكَرْخِيِّ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْقِرَانِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، انْتَهَى، ثُمَّ إنَّهُ أُشِيرَ فِي الْأَشْبَاهِ إلَى الْإِشْكَالِ عَلَى التَّعْرِيفِ أَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْمَلُ التُّرُوكَ، فَأَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّهُ جَامِعٌ لِأَنَّ الْفِعْلَ يَعُمُّ فِعْلَ الْجَوَارِحِ وَالْقَلْبِ فَيَدْخُلُ الْكَفُّ، وَالْكَفُّ فِعْلُ النَّفْسِ فَإِنَّ الْفِعْلَ كَمَا يُنْسَبُ لِلْجَوَارِحِ يُنْسَبُ لِلنَّفْسِ فَإِنْ قِيلَ: لَا نَعْلَمُ أَنَّ الْكَفَّ فِعْلٌ بَلْ هُوَ تَرْكُهُ وَتَرْكُ غَيْرِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ فِعْلُ النَّفْسِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى - ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]- كَمَا فِي شَرْحِ الْأَشْبَاهِ وَأَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ حُكْمًا بِالنَّظَرِ إلَى مَا أُشِيرَ إلَيْهِ مِنْ فَوَائِدِهِ تَعْرِيفٌ بِالْأَخْفَى لِعَدَمِ انْضِبَاطِهِ بِالنَّظَرِ إلَى جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ وَإِنَّ فَهْمَ حَقِيقَتِهِ تَابِعٌ إلَى مَعْرِفَةِ الْجُزْئِيَّاتِ، وَالْأَصْلُ فِي التَّعْرِيفِ كَوْنُ مَعْرِفَةِ الْجُزْئِيَّاتِ مَأْخُوذًا مِنْ التَّعْرِيفِ فَقَلْبُ الْمَعْقُولِ كَقَلْبِ الْمَشْرُوعِ. [الْأَمَلُ وَهُوَ الْعَاشِرُ مِنْ آفَاتِ الْقَلْبِ] (وَالْأَمَلُ وَهُوَ الْعَاشِرُ مِنْ آفَاتِ الْقَلْبِ) مِنْ قَبِيلِ إعَادَةِ الْمُعَرَّفِ عَيْنَ الْأَوَّلِ فَإِنَّ ذِكْرَهُ هُنَا بِمُجَرَّدِ مُنَاسَبَةِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَافْهَمْ، ثُمَّ الْأَمَلُ رَجَاءُ إدْرَاكِ الزَّمَنِ الْآتِي كَمَا يُفَادُ مِمَّا يَذْكُرُهُ (إرَادَةُ الْحَيَاةِ) خَبَرٌ لِقَوْلِهِ وَالْأَمَلُ فَمَا بَيْنَهُمَا مُعْتَرِضَةٌ (لِلْوَقْتِ الْمُتَرَاخِي) الظَّاهِرُ إلَى الْوَقْتِ (بِالْحُكْمِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْإِرَادَةِ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ بِالْحُكْمِ مَا لَا يَكُونُ بِاسْتِثْنَاءٍ وَلَا شَرْطِ صَلَاحٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ صَرِيحًا (أَعْنِي) بِهِ (بِلَا اسْتِثْنَاءٍ) نَحْوُ إنْ شَاءَ اللَّهُ (وَلَا شَرْطِ صَلَاحٍ) كَمَا مَرَّ آنِفًا فَالتَّغَيُّرُ بِالْقَضَاءِ السَّابِقِ بِمِقْدَارِ الْعُمُرِ فِي الدُّنْيَا مِمَّا لَا احْتِمَالَ لَهُ بِوَجْهٍ، يَعْنِي الْأَمَلَ بِشَرْطِ

стр. 421

إرَادَةِ اكْتِسَابِ الصَّالِحَاتِ فِي الزَّمَانِ الْمُتَأَخِّرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الْأَمَلُ مَذْمُومٌ إلَّا لِلْعُلَمَاءِ فَلَوْلَاهُ مَا صَنَّفُوا، كَمَا فِي فَيْضِ الْقَدِيرِ فَالْقَوْلُ إنِّي أَعِيشُ بَعْدَ نَفُسٍ ثَانٍ مَثَلًا بِلَا إنْ شَاءَ اللَّهُ أَمَلٌ، وَبِهِ إرَادَةُ الْحَيَاةِ إلَى الْوَقْتِ الثَّانِي لِكَسْبِ الصَّلَاحِ لَيْسَ بِأَمَلٍ أَيْضًا فَافْهَمْ. (وَغَوَائِلُهُ) مَفَاسِدُهُ وَمُهْلِكَاتُهُ (أَرْبَعَةٌ) الْأَوْلَى أَرْبَعٌ: الْأَوَّلُ (الْكَسَلُ) أَيْ تَرْكُ الْعَمَلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ (فِي الطَّاعَةِ) بِالتَّثْقِيلِ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ وَالتَّقَاعُدِ عَنْ السُّنَنِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ وَالتَّكَرُّهِ فِي اجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ (وَتَأْخِيرِهَا) لِأَمَلِ إدْرَاكِ زَمَنٍ يُوقِعُهَا فِيهِ بَعْدُ، فَتَخْرُجُ عَنْ وَقْتِهَا الْمُطْلَقِ أَوْ الْمُسْتَحَبِّ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ مِنْ التَّأْخِيرِ التَّرْكُ بِتَسْوِيفِ الْقَضَاءِ فَيَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الْعَطْفِ الْمَعْلُولِ عَلَى الْعِلَّةِ؛ إذْ التَّأْخِيرُ مُتَسَبِّبٌ عَنْ الْكَسَلِ وَحُرْمَةُ الدَّاعِي إلَى الشَّيْءِ كَحُرْمَةِ نَفْسِ الشَّيْءِ، وَلَا يَخْفَى رُتْبَةُ مُضِرَّاتِ الْكَسَلِ فِي الْعِبَادَاتِ بِالتَّأْخِيرِ أَوْ التَّرْكِ. (وَ) الثَّانِي (تَسْوِيفُ التَّوْبَةِ) تَأْخِيرُهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُؤَخِّرُهَا عَلَى رَجَاءِ إدْرَاكِ الْوَقْتِ الْمُتَرَاخِي فِي اعْتِقَادِهِ بِأَنْ يَقُولَ سَوْفَ أَتُوبُ وَفِي أَيَّامِنَا سَعَةٌ وَأَنَا شَابٌّ وَأَنَا قَادِرٌ عَلَيْهَا مَتَى أَرَدْت (وَتَرْكُهَا) أَيْ التَّوْبَةِ رَأْسًا وَضَرَرُ ذَلِكَ أَيْضًا كَمَا تَرَى وَقَدْ رُوِيَ «هَلَكَ الْمُسَوِّفُونَ» . (وَ) الثَّالِثُ (قَسْوَةُ الْقَلْبِ) بِأَنْ لَا يَتَأَثَّرَ بِالْمَوَاعِظِ وَالزَّوَاجِرِ (بِعَدَمِ ذِكْرِ الْمَوْتِ) وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» ، الْحَدِيثَ. قَالَ فِي شَرْحِهِ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الْعَسْكَرِيِّ: لَوْ فَكَّرَ الْبُلَغَاءُ فِي قَوْلِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ لَعَلِمُوا أَنَّهُ أَتَى بِهَذَا الْقَلِيلِ عَلَى كُلِّ مَا قِيلَ فِي ذِكْرِ الْمَوْتِ وَوُصِفَ بِهِ نَظْمًا وَنَثْرًا؛ وَلِهَذَا كَانَ عِيسَى - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ الْمَوْتُ يَقْطُرُ جِلْدُهُ وَقِيلَ: لَا يَدْخُلُ ذِكْرُ الْمَوْتِ بَيْتًا إلَّا رَضِيَ أَهْلُهُ بِمَا قُسِمَ لَهُمْ وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ: مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ حُبِّبَ إلَيْهِ كُلُّ بَاقٍ وَبُغِّضَ إلَيْهِ كُلُّ فَانٍ وَقَالَ فِي شَرْحِهِ: لِأَنَّ نُورَ التَّوْحِيدِ فِي الْقَلْبِ وَظُلْمَةَ الشَّهْوَةِ فِي الصَّدْرِ فَإِذَا أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ بِقَلْبِهِ انْقَشَعَتْ الظُّلْمَةُ وَاسْتَنَارَ الصَّدْرُ بِنُورِ الْيَقِينِ. (تَنْبِيهٌ) أَخَذَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ: مَاذَا تَقُولُ وَلَيْسَ عِنْدَك حُجَّةٌ ... لَوْ قَدْ أَتَاك مُنَغِّصُ اللَّذَّاتِ مَاذَا تَقُولُ إذَا حَلَلْت مَحَلَّةً ... لَيْسَ الثِّقَاتُ بِأَهْلِهَا بِثِقَاتِ وَقَالَ الْآخَرُ اُذْكُرْ الْمَوْتَ هَاذِمَ اللَّذَّاتِ ... وَتَجَهَّزْ لِمَصْرَعٍ سَوْفَ يَاتِي قَالَ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ: نَعَمْ مَصْلَحَةُ الْقَلْبِ ذِكْرُ الْمَوْتِ، يَطْرُدُ فُضُولَ الْأَمَلِ، وَيَكُفُّ غَرَبَ التَّمَنِّي وَيُهَوِّنُ الْمَصَائِبَ، وَيَحُولُ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالطُّغْيَانِ وَقَالَ الْحُكَمَاءُ: مَنْ ذَكَرَ الْمَنِيَّةَ نَسِيَ أُمْنِيَةً وَقَالَ التَّيْمِيُّ: شَيْئَانِ قَطَعَا عَنِّي لَذَّةَ النَّوْمِ: ذِكْرُ الْمَوْتِ وَالْوُقُوفُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَجْمَعُ الْفُقَهَاءَ فَيَتَذَاكَرُونَ الْمَوْتَ وَالْقِيَامَةَ فَيَبْكُونَ حَتَّى كَأَنَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ جِنَازَةً. وَكَانَ الثَّوْرِيُّ إذَا ذُكِرَ الْمَوْتُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ أَيَّامًا، فَإِنْ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قَالَ: لَا أَدْرِي لَا أَدْرِي، وَقَالَ اللَّفَّافُ: مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ أُكْرِمَ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: تَعْجِيلِ التَّوْبَةِ وَقَنَاعَةِ الْقَلْبِ وَنَشَاطِ الْعِبَادَةِ، وَمَنْ نَسِيَهُ عُوقِبَ بِثَلَاثٍ: تَسْوِيفِ التَّوْبَةِ وَتَرْكِ الرِّضَا بِالْكَفَافِ وَالتَّكَاسُلِ فِي الْعِبَادَةِ، فَتَفَكَّرْ يَا مَغْرُورُ فِي الْمَوْتِ وَسَكْرَتِهِ وَصُعُوبَةِ كَأْسِهِ وَمَرَارَتِهِ، فَيَا لِلْمَوْتِ مِنْ وَعْدٍ مَا أَصْدَقَهُ وَمِنْ حَاكِمٍ مَا أَعْدَلَهُ، فَكَفَى بِالْمَوْتِ مُفْزِعًا لِلْقُلُوبِ، وَمُبْكِيًا لِلْعُيُونِ، وَمُفَرِّقًا لِلْجَمَاعَاتِ وَهَاذِمًا لِلذَّاتِ، وَقَاطِعًا لِلْأُمْنِيَاتِ وَتَفْصِيلُهُ فِي الْمُنَاوِيِّ. وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ أَنَّ الْبَهَائِمَ تَعْلَمُ مِنْ الْمَوْتِ مَا تَعْلَمُونَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْهَا سَمِينًا» وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَعَنْ أَبَوَيْهَا «يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ يُحْشَرُ مَعَ الشُّهَدَاءِ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ مَنْ يَذْكُرُ الْمَوْتَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عِشْرِينَ مَرَّةً» . وَفِي ذِكْرِهِ الْمَوْتِ مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا تَبْغِيضُ الدُّنْيَا الَّذِي هُوَ رَأْسُ كُلِّ حَسَنَةٍ كَمَا أَنَّ حُبَّهَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ

стр. 422

(وَمَا بَعْدَهُ) أَيْ مِنْ الْقَبْرِ وَالْقِيَامَةِ وَالْحِسَابِ وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]- النَّصِيبُ الْكَفَنُ فَالْمَعْنَى لَا تَنْسَ أَنَّك تَتْرُكُ جَمِيعَ الدُّنْيَا إلَّا نَصِيبَك الَّذِي هُوَ الْكَفَنُ، وَأَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ يَنْظُرُ فِي وَجْهِ كُلِّ آدَمِيٍّ ثَلَثَمِائَةِ نَظْرَةٍ وَسِتًّا وَسِتِّينَ نَظْرَةً كَمَا فِي جَلَاءِ الْمُصَنِّفِ (وَالْحِرْصُ عَلَى جَمْعِ الدُّنْيَا وَالِاشْتِغَالُ) الْإِعْرَاضُ (بِهَا) بِالدُّنْيَا (عَنْ) أَعْمَالِ (الْآخِرَةِ) كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤] إذْ الرَّجُلُ يُبْتَلَى بِسَبَبِهِمْ عَلَى جَمْعِ الْمَالِ مِنْ الْحَرَامِ وَالْحَلَالِ، لَقَدْ صَدَقَ مَنْ قَالَ: أَوْلَادُنَا فِتْنَةٌ إنْ عَاشُوا أَتْعَبُونَا وَإِنْ مَاتُوا أَحْرَقُونَا - ﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾ [آل عمران: ١٤]- فُسِّرَ بِالْمَالِ الْكَثِيرِ - ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤]- الْمَضْرُوبَةِ الْمَنْقُوشَةِ - ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ١٤]- هَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ - ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤]- قَلِيلَةٌ فَانِيَةٌ سَرِيعَةُ الزَّوَالِ - ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]- لَا يَزُولُ وَلَا يَفْنَى وَهُوَ الْجَنَّةُ قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ لَا دَارُ مَقَرٍّ وَالدُّنْيَا قَنْطَرَةٌ فَاعْبُرُوهَا وَلَا تَعْمُرُوهَا (فَلَا يَزَالُ الْآمِلُ) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ (يَشْتَغِلُ بِجَمْعِ الدُّنْيَا) لِرَجَاءِ طُولِ عُمُرِهِ (وَتَكْثِيرِهَا خَوْفًا مِنْ الشَّيْخُوخَةِ وَالْمَرَضِ) فَيَجْمَعُ الدُّنْيَا حَالَ شَبَابِهِ وَصِحَّتِهِ لِلِادِّخَارِ (وَنَحْوِهِمَا) مِنْ مَوَانِعِ الْكَسْبِ (فَمِنْهُمْ) أَيْ الْآمِلِينَ تَفْصِيلٌ لَهُمْ لِلذَّمِّ (مَنْ يُهَيِّئُ) مَنْ يُعِدُّ وَيُحْضِرُ (كِفَايَةَ عَشْرِ سِنِينَ) لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ (وَمِنْهُمْ) مَنْ يَدَّخِرُ كِفَايَةَ (خَمْسِينَ سَنَةً وَمِنْهُمْ أَكْثَرَ) مِنْ ذَلِكَ (وَمِنْهُمْ أَقَلَّ) التَّفَاوُتُ إمَّا لِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ أَوْ سِنِّ الْآمِلِينَ أَوْ عَلَى قَدْرِ ضَعْفِ تَوَكُّلِهِمْ وَاعْتِمَادِهِمْ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَالتَّوَكُّلُ لَازِمٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النمل: ٧٩] ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]- وَفِي رِسَالَةِ الْقُشَيْرِيِّ قِيلَ لِحَاتِمٍ الْأَصَمِّ مِنْ أَيْنَ تَأْكُلُ؟ فَقَالَ ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] . قَالَ أَبُو بَكْرٍ الدَّقَّاقُ: التَّوَكُّلُ رَدُّ الْعَيْشِ إلَى يَوْمٍ وَاحِدٍ وَإِسْقَاطُ هَمِّ غَدٍ وَعَنْ الشِّبْلِيِّ

стр. 423

شَكَا إلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ كَثْرَةِ عِيَالِهِ، قَالَ: ارْجِعْ إلَى بَيْتِك فَمَنْ لَمْ يَكُنْ رِزْقُهُ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فَاطْرُدْهُ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْمُتَوَكِّلُ مَنْ لَمْ يَدَّخِرْ لِغَدٍ وَلَمْ يَهْتَمَّ بِرِزْقٍ وَكَانَ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ أَوْثَقَ مِمَّا عِنْدَهُ» (قَالَ مَشَايِخُ الصُّوفِيَّةِ) الَّذِينَ أَوْجَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ الْعَمَلَ بِالْأَقْوَى وَالْأَحْوَطِ وَالِاعْتِصَامَ بِعَزَائِمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا يَأْتُونَ الرُّخَصَ بِلَا ضَرُورَةٍ دُونَ الْغُلَاةِ مِنْهُمْ (مَنْ أَعَدَّ) ادَّخَرَ (كِفَايَةَ سَنَةٍ لِعِيَالِهِ لَا يُلَامُ) مِنْ اللَّوْمِ (وَلَا يَخْرُجُ) بِهِ (مِنْ التَّوَكُّلِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ادَّخَرَ لِأَزْوَاجِهِ) ﵅ (قُوتَ سَنَةٍ) » قِيلَ وَلَا يُنَافِيهِ أَنَّهُ يَأْتِيهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَّائِلُ فَلَا يَجِدُ فِي بُيُوتِ أَهْلِهِ مَا يُطْعِمُهُ؛ لِأَنَّهُ يَدَّخِرُ لَهُمْ أَوَّلًا ثُمَّ يُخْرِجُهُ مِنْ الْمَيَّارَةِ فِي يَدِهِ فَيَأْتِي مَنْ ذُكِرَ بَعْدَهَا فَلَا يَجِدُ شَيْئًا أَوْ لَا يَلْزَمُ كَوْنُ ذَلِكَ الِادِّخَارِ فِي كُلِّ سَنَةٍ (فَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: إنَّهُ) أَيْ قُوتَ السَّنَةِ (مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ) الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا (لَا يُعْتَبَرُ فِي الْغِنَى) قِيلَ: حَتَّى لَوْ كَانَ قِيمَةُ ذَلِكَ مِقْدَارَ النِّصَابِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْأُضْحِيَّةُ وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ وَنَفَقَةُ الْأَقَارِبِ وَيَجُوزُ لَهُ أَخْذُ زَكَاةِ الْغَيْرِ وَالنَّذْرُ وَالْوَصِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْفُرُوعِ (وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى قُوتِ شَهْرٍ يُعْتَبَرُ فِي الْغِنَى) فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا: فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي رَجُلٌ اشْتَرَى طَعَامًا لِلْقُوتِ بِمِقْدَارِ مَا يَكْفِيهِ شَهْرًا يُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطَى لَهُ مِنْ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِحَاجَتِهِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الشَّهْرِ لَا يُعْطَى لِأَنَّ الشَّهْرَ هُوَ الْوَسَطُ فِيمَا يَدَّخِرُ النَّاسُ لِأَنْفُسِهِمْ قُوتًا فَكَانَ مَشْغُولًا بِحَاجَتِهِ وَفِي قَاضِي خَانْ وَالْخُلَاصَةِ والتتارخانية عَنْ الْخَانِيَّةِ وَلَوْ اشْتَرَى قُوتَ سَنَةٍ يُسَاوِي نِصَابًا فَفِيهِ كَلَامٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ الْغِنَى وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ أَنْ يَكْفِيَ مَا وَرَاءَ النِّصَابِ لِنَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ سَنَةً، انْتَهَى وَأَيْضًا فِي الْأَشْبَاهِ وَلَوْ لَهُ قُوتُ سَنَةٍ يُسَاوِي نِصَابًا أَوْ كِسْوَةً شَتْوِيَّةً لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا فِي الصَّيْفِ فَالصَّحِيحُ حِلُّ الْأَخْذِ وَفِي التتارخانية أَيْضًا قُبَيْلَ مَا ذُكِرَ آنِفًا وَالْفَتْوَى عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْفَضْلُ عَلَى الْكِفَايَةِ لَهُ وَلِعِيَالِهِ، وَلِلدِّهْقَانِ يُعْتَبَرُ الْفَضْلُ فِي قُوتِ سَنَةٍ فَإِذَا عَرَفْت ذَلِكَ فَقَوْلُهُ الْأَصَحُّ كَذَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمْ وَلِادِّخَارِ النَّبِيِّ ﵊ قُوتَ سَنَةٍ، وَالْقَوْلُ بِجَوَازِ تَحَقُّقِ الْأَصَحِّ فِيمَا لَا يَكُونُ ظَاهِرًا بَعِيدٌ، كَمَا أَنَّ الِادِّخَارَ بِقُوتِ سَنَةٍ لَا يَقْتَضِي مَا ذُكِرَ؛ إذْ عِنْدَ تَعَارُضِ أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ فَاَلَّذِي يَشْهَدُ لَهُ النَّصُّ يُرَجَّحُ عَلَى مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّك سَمِعْت ذِكْرَ الْأَصَحِّ مِنْ الْأَشْبَاهِ وَإِطْلَاقِ الْفَتْوَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ هَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَهُ عِيَالٌ (وَأَمَّا مَنْ لَا عِيَالَ لَهُ فَلَهُ أَنْ يَدَّخِرَ قُوتَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا) لِأَنَّ مَدَارَ ذَلِكَ عَلَى الْكِفَايَةِ وَالْأَعْدَلُ فِي حَقِّهِ هُوَ هَذَا الْوَقْتُ لِأَنَّ الْوَاحِدَ يَسْتَحْصِلُ نَفَقَتَهُ فِي زَمَانٍ قَلِيلٍ وَأَمَّا الْكَثِيرُ إنْ لَمْ يَكُنْ نَفَقَتُهُ حَاضِرَةً فَاسْتِحْصَالُهَا مُحْتَاجٌ إلَى زَمَانٍ كَثِيرٍ. (وَإِنْ ادَّخَرَ زَائِدًا عَلَيْهِ) عَلَى أَرْبَعِينَ (خَرَجَ مِنْ التَّوَكُّلِ) لِتَعَمُّقِهِ بِالْأَسْبَابِ، لَكِنْ لَمْ نَقِفْ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ فِيمَا عِنْدَنَا مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ، لَعَلَّ الثَّانِيَ مُنَاسِبٌ لِسِيَاقِ الْمُتَصَوِّفَةِ، فَالْأَوَّلُ عَلَى الْفَتْوَى وَالثَّانِي عَلَى التَّقْوَى لَكِنْ سِيَاقُ الْمُصَنِّفِ لَا يُسَاعِدُهُ فَافْهَمْ (أَقُولُ مُرَادُهُمْ) الظَّاهِرُ: الْمُتَصَوِّفَةُ بِقَوْلِهِمْ خَرَجَ مِنْ التَّوَكُّلِ هُوَ (التَّوَكُّلُ الْكَامِلُ النَّفْلِ) لَعَلَّ ذَلِكَ كَمَالٌ إضَافِيٌّ وَإِلَّا فَالِاحْتِيَاجُ إلَى غَيْرِ اللَّهِ وَلَوْ أَقَلَّ قَلِيلٍ مُنَافٍ لِكَمَالِ التَّوَكُّلِ عِنْدَهُمْ. قَالَ الشَّافِعِيُّ لَوْ احْتَجْت بَصَلَةً لِمَا فَهِمْت مَسْأَلَةً وَفِي الْقُشَيْرِيِّ عَنْ الْخَوَّاصِ لَقِيَنِي الْخَضِرُ ﵊ فَسَأَلَنِي الصُّحْبَةَ فَخَشِيت أَنْ يُفْسِدَ عَلَيَّ تَوَكُّلِي بِسُكُونِي إلَيْهِ فَفَارَقْته وَسُئِلَ سَهْلٌ عَنْ التَّوَكُّلِ؟ فَقَالَ: قَلْبٌ عَاشَ مَعَ اللَّهِ بِلَا عَاقَّةٍ. وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ التَّوَكُّلُ التَّعَلُّقُ بِاَللَّهِ فِي كُلِّ حَالٍ (لَا أَصْلُ التَّوَكُّلِ الْفَرْضِ) بِنَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة: ٢٣] (لِمَا بَيَّنَّا فِي فَصْلِ

стр. 424

الْعِلْمِ) عِنْدَ بَيَانِ مُرَادِ الْعِمَادِيِّ بِقَوْلِهِ: مُرَادُهُ بِالتَّوَكُّلِ كَمَالُهُ؛ إذْ أَصْلُهُ فَرْضٌ وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنْ لَا خَالِقَ وَلَا مُؤَثِّرَ فِي شَيْءٍ إلَّا اللَّهُ - تَعَالَى - وَلَمَّا بَيَّنَ الْأَمَلَ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ وَشَرْطِ صَلَاحٍ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ الْأَمَلَ بِهِمَا فَقَالَ (وَأَمَّا) (إرَادَةُ طُولِ الْحَيَاةِ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَشَرْطِ الصَّلَاحِ) نَحْوُ قَوْلِهِ ﵊ «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي» (لِزِيَادَةِ الْعِبَادَةِ) كَالتَّفْسِيرِ لِلصَّلَاحِ وَإِلَّا فَكَالْمُسْتَغْنَى عَنْهُ (فَلَيْسَ بِأَمَلٍ مَذْمُومٍ) كَيْفَ وَالدَّرَجَاتُ الْعَالِيَةُ وَالْمَقَامَاتُ الرَّفِيعَةُ فِي الْجَنَّةِ مَنُوطَةٌ عَلَى قَدْرِ الْعِبَادَةِ كَمَا رُوِيَ «اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِفَضْلِي وَاقْتَسِمُوهَا عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِكُمْ» (بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ) كَمَا فِي الدُّعَاءِ الْمَذْكُورِ آنِفًا (ت) التِّرْمِذِيُّ (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَبُو بَكْرَةَ بِالتَّاءِ كُنْيَةٌ لِنُفَيْعِ بْنِ الْحَارِثِ غَلَبَ عَلَيْهِ كُنْيَتُهُ وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ وَهِيَ أُمُّ زِيَادِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الَّذِي اسْتَلْحَقَهُ مُعَاوِيَةُ أَخًا وَقِيلَ هُوَ مِنْ مَوَالِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟» أَيْ أَكْثَرُ فَضِيلَةً عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَأَعْظَمُ مَقَامًا وَأَجْرًا «قَالَ» - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَوَابِهِ «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ» بِضَمِّ الْمِيمِ الْعُمُرُ امْتِدَادٌ وَهْمِيٌّ مِنْ مَبْدَأٍ مَوْهُومٍ إلَى مُنْتَهًى، كَذَلِكَ عَلَى قَاعِدَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَيُفَسَّرُ بِالْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا وَتَصَوُّرِ الطُّولِ فِي الْعُمُرِ مَعَ أَنَّهُ وَهْمِيٌّ وَالطُّولُ يَقْتَضِي الْوُجُودَ، مُحَرَّرٌ عِنْدَ حَدِيثِ الصَّدَقَةِ تَرُدُّ الْبَلَاءَ وَتَزِيدُ الْعُمُرَ وَلَا يَزِيدُ الْعُمُرَ إلَّا الْبِرُّ، وَقَدْ فَصَّلْنَاهُ بِرِسَالَةٍ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِمَنِّهِ - تَعَالَى - عَلَى أَنَّ الطُّولَ هُنَا مَا يَكُونُ فِي نَفْسِهِ تَأَمَّلْ «وَحَسُنَ عَمَلُهُ» بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكْثُرُ حَسَنَاتُهُ وَيُرْفَعُ دَرَجَاتُهُ وَيَزِيدُ إلَى اللَّهِ قُرْبُهُ، وَعَنْ شَرْحِ الْمَصَابِيحِ الْأَوْقَاتُ كَرَأْسِ الْأَمْوَالِ لِلتَّاجِرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَّجِرَ لِمَا يَرْبَحُ فِيهِ وَكُلَّمَا كَانَ رَأْسُ مَالِهِ كَثِيرًا كَانَ الرِّبْحُ أَكْثَرَ «قَالَ» السَّائِلُ «فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ» بِالشُّرُورِ وَالْقَبَائِحِ وَارْتِكَابِ الْفَضَائِحِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيِّ «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: خِيَارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمَارًا وَأَحْسَنُكُمْ أَعْمَالًا» . ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى «خِيَارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمَارًا إذَا سَدَّدُوا» . وَمِنْ أَحَادِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» قَالَهُ جَوَابًا لِمَنْ سَأَلَ: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَوْتُ الْإِنْسَانِ بَعْدَ أَنْ كَبِرَ وَعَرَفَ رَبَّهُ خَيْرٌ مِنْ مَوْتِهِ طِفْلًا بِلَا حِسَابٍ فِي الْآخِرَةِ. فِي الْمُنَاوِيِّ عَنْ الطِّيبِيِّ (حدهق) أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ (عَنْ جَابِرِ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ: فَيُكْرَهُ ذَلِكَ أَوْ يَحْرُمُ لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْحَيَاةِ مِنْ جَزِيلِ الْفَوَائِدِ وَجَلِيلِ الْعَوَائِدِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا اسْتِمْرَارُ الْإِيمَانِ فَأَيُّ أَمْرٍ أَعْظَمُ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ أَيْضًا: نَعَمْ، إنَّ جَمَاهِيرَ السَّلَفِ تَمَنَّوْهُ شَوْقًا إلَى الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ الْأَقْدَسِيَّةِ وَذَلِكَ لِمَقَامِ الْخَوَاصِّ فَإِنْ قِيلَ: الْآجَالُ مُقَدَّرَةٌ لَا تَزِيدُ بِالتَّمَنِّي فَمَا مَعْنَى التَّمَنِّي قُلْنَا ذَلِكَ: هُوَ حِكْمَةُ النَّهْيِ؛ لِأَنَّهُ عَبَثٌ لَا فَائِدَةَ لَهُ وَفِي الْإِحْيَاءِ عَنْ وَهْبٍ كَانَ مَلِكٌ مُتَعَظِّمٌ لَا يَنْظُرُ إلَى النَّاسِ كِبْرًا فَعِنْدَ ذَهَابِهِ مَعَ خَدَمِهِ جَاءَ رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ فَلَمْ يَرُدَّ السَّلَامَ عَلَيْهِ فَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ فَمُنِعَ فَلَمْ يَنْدَفِعْ، فَقَالَ: لِي إلَيْك حَاجَةٌ، فَقَالَ: اصْبِرْ إلَى وَقْتِ النُّزُولِ، فَقَالَ: لَا الْآنَ، فَقَهَرَهُ عَلَى لِجَامِ دَابَّتِهِ فَقَالَ الْمَلِكُ: اُذْكُرْهَا، فَقَالَ: سِرٌّ فَأَدْنَى إلَيْهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ: أَنَا مَلَكُ الْمَوْتِ فَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَاضْطَرَبَ لِسَانُهُ، فَقَالَ: دَعْنِي حَتَّى أَرْجِعَ إلَى أَهْلِي وَأَقْضِيَ حَاجَتِي وَأُوَدِّعَهُمْ، قَالَ: لَا وَاَللَّهِ لَيْسَ لَك رُؤْيَةُ أَهْلِك وَوَلَدِك أَبَدًا، فَقَبَضَ رُوحَهُ ثُمَّ مَضَى فَلَقِيَ عَبْدًا مُؤْمِنًا فَسَلَّمَ فَرَدَّ ﵇، فَقَالَ إنَّ لِي إلَيْك حَاجَةً، وَقَالَ لَهُ سِرًّا: أَنَا مَلَكُ الْمَوْتِ فَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِمَنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ عَلَيَّ فَوَاَللَّهِ مَا كَانَ فِي الْأَرْضِ غَائِبٌ أَحَبَّ إلَيَّ لِقَاؤُهُ إذَا أَلْقَاهُ مِنْك، فَقَالَ: اقْضِ

стр. 425

حَاجَتَك الَّتِي خَرَجْتَ لَهَا، فَقَالَ مَالِي: حَاجَةٌ أَكْبَرُ مِنْ لِقَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - قَالَ: فَاخْتَرْ عَلَى أَيِّ حَالٍ شِئْت، قَالَ: هَلْ تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: نَعَمْ أُمِرْت بِذَلِكَ قَالَ: دَعْنِي أَتَوَضَّأُ وَأُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَاقْبِضْ رُوحِي وَأَنَا سَاجِدٌ فَقَبَضَ رُوحَهُ وَهُوَ سَاجِدٌ «فَإِنَّ هَوْلَ الْمَطْلَعِ» قِيلَ: بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ أَوْ فَكَسْرٍ مَحَلُّ الِاطِّلَاعِ الْمَوْتُ الْقَبْرُ أَوْ الْقِيَامَةُ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَعُ بِهَا عَلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَقِيلَ عَنْ الصِّحَاحِ: بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ مَوْضِعُ الِاطِّلَاعِ: وَقِيلَ الْمَأْتِيُّ: وَعَنْ الْقَامُوسِ اطَّلَعَ عَلَى بَاطِنِهِ ظَهَرَ وَعَرَفَ «شَدِيدٌ» قَوِيٌّ صَعْبٌ، فِي الْإِحْيَاءِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ أَنَّ شَعْرَةً مِنْ شَعَرَاتِ الْمَيِّتِ وُضِعَتْ عَلَى أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَمَاتُوا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى» ؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ شَعْرَةٍ الْمَوْتَ وَلَا يَقَعُ الْمَوْتُ بِشَيْءٍ إلَّا مَاتَ، وَيُرْوَى «لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنْ أَلَمِ الْمَوْتِ وُضِعَتْ عَلَى جِبَالِ الْأَرْضِ كُلِّهَا لَذَابَتْ» ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: بَلَغَنَا أَنَّ الْمَيِّتَ يَجِدُ أَلَمَ الْمَوْتِ مَا لَمْ يُبْعَثْ مِنْ قَبْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ أَوْسٍ: الْمَوْتُ أَفْظَعُ هَوْلٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ نَشْرِ الْمَنَاشِيرِ وَقَرْضِ الْمَقَارِيضِ وَغَلْيٍ فِي الْقُدُورِ وَلَوْ أَنَّ الْمَيِّتَ نُشِرَ فَأَخْبَرَ أَهْلَ الدُّنْيَا بِأَلَمِ الْمَوْتِ مَا انْتَفَعُوا بِعَيْشٍ وَلَا لَذُّوا بِنَوْمٍ. وَفِي الْإِحْيَاءِ أَيْضًا: اعْلَمْ، أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْ الْعَبْدِ كَرْبٌ وَلَا هَوْلٌ وَلَا عَذَابٌ إلَّا الْمَوْتُ الْمُجَرَّدُ لَانْتَغَصَ عَيْشُهُ وَتَكَدَّرَ سُرُورُهُ وَتُفَارِقُهُ شَهْوَتُهُ وَغَفْلَتُهُ وَتَطُولُ فِكْرَتُهُ وَيَعْظُمُ اسْتِعْدَادُهُ وَهُوَ فِي كُلِّ نَفَسٍ بِصَدَدِهِ «وَإِنَّ مِنْ السَّعَادَةِ» السَّرْمَدِيَّةِ «أَنْ يَطُولَ عُمْرُ الْعَبْدِ وَيَرْزُقَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - الْإِنَابَةَ» أَيْ الرُّجُوعَ إلَيْهِ بِالنَّدَمِ عَلَى مَا اقْتَرَفَهُ مِنْ السَّيِّئَاتِ أَوْ بِالطَّاعَاتِ وَاكْتِسَابِ الصَّالِحَاتِ الْبَاقِيَاتِ وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ فَسَّرَهُ بِالرُّجُوعِ عَنْ حُظُوظِ نَفْسِهِ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - بِامْتِثَالِ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابِ الْمَنَاهِي فَإِذَا مَاتَ جَاءَتْهُ الْبُشْرَى مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ - ﴿أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]- قِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ: تَقُولُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا تَخَفْ مَا أَمَامَك مِنْ الْأَهْوَالِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَى مَا خَلَّفْت وَأَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْت تُوعَدُ، وَقِيلَ لَا تَخَفْ مَا تَذْهَبُ إلَيْهِ مِنْ الْغُرْبَةِ وَالْوَحْدَةِ وَالْوَحْشَةِ وَلَا تَحْزَنْ مِنْ مُفَارَقَةِ الْأَوْلَادِ وَالْأَقَارِبِ وَالْأَمْوَالِ وَأَبْشِرْ بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَجَنَّةِ نَعِيمٍ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ الْمَوْتُ» عَلَى مَا نُقِلَ مِنْ الرِّعَايَةِ وَفِي الْإِحْيَاءِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - إذَا رَضِيَ عَنْ عَبْدٍ قَالَ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، اذْهَبْ إلَى فُلَانٍ فَأْتِنِي بِرُوحِهِ لِأَرِيحَهُ حَسْبِي مِنْ عَمَلِهِ قَدْ بَلَوْته فَوَجَدْته حَيْثُ أُحِبُّهُ فَيَنْزِلُ مَلَكُ الْمَوْتِ وَمَعَهُ خَمْسُمِائَةٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مَعَهُمْ قُضْبَانٌ وَأُصُولُ الزَّعْفَرَانِ كُلُّ وَاحِدٍ يُبَشِّرُهُ بِبِشَارَةٍ سِوَى بِشَارَةِ صَاحِبِهِ، وَتَقُومُ الْمَلَائِكَةُ صَفَّيْنِ لِخُرُوجِ رُوحِهِ مَعَهُمْ الرَّيْحَانُ فَإِذَا نَظَرَ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ صَرَخَ. قَالَ الرَّاوِي فَيَقُولُ لَهُ جُنُودُهُ مَالَك يَا سَيِّدَنَا؟ فَيَقُولُ: أَمَا تَرَوْنَ مَا أُعْطِيَ هَذَا الْعَبْدُ مِنْ الْكَرَامَةِ، أَيْنَ كُنْتُمْ عَنْ هَذَا؟ قَالُوا: قَدْ جَهَدْنَا بِهِ فَكَانَ مَعْصُومًا» ، هَذَا هُوَ مَا قَالَهُ الْحَسَنُ لَا رَاحَةَ لِلْمُؤْمِنِ إلَّا لِقَاءُ اللَّهِ. فَإِنْ قِيلَ: الْمَطْلُوبُ مِنْ الْحَدِيثِ إرَادَةُ طُولِ الْحَيَاةِ وَالْحَدِيثُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قُلْنَا: حَاصِلُ الْحَدِيثِ أَنْ يُقَالَ إمَّا أَنْ يُرَادَ وَيَتَمَنَّى الْمَوْتَ أَوْ طُولَ الْحَيَاةِ بِالْإِنَابَةِ وَالْمُقَدَّمُ بَاطِلٌ فَالتَّالِي أَيْ إرَادَةُ طُولِ الْعُمْرِ بِالْإِنَابَةِ حَقٌّ أَيْ مِنْ السَّعَادَةِ، أَمَّا بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ؛ فَلِأَنَّ الْمَوْتَ قَاطِعُ الطَّاعَاتِ وَالطَّاعَاتُ مُزِيلُ هَوْلِ الْمَطْلَعِ وَهَوْلُ الْمَطْلَعِ أَمْرٌ شَدِيدٌ فَيَنْتِجُ الْمَوْتُ قَاطِعٌ مُزِيلُ الْأَمْرِ الشَّدِيدِ ثُمَّ نَقُولُ وَكُلُّ قَاطِعٍ مُزِيلِ أَمْرٍ شَدِيدٍ لَا يُرَادُ وَلَا يُتَمَنَّى فَالْمَوْتُ لَا يُرَادُ فَهُوَ عَيْنُ الْبُطْلَانِ، فَقَوْلُهُ (فَإِنَّ هَوْلَ إلَى آخِرِهِ) هُوَ الْكُبْرَى الثَّانِيَةُ، وَقَوْلُهُ (لَا تَتَمَنَّوْا) فِي قُوَّةِ بُطْلَانِ الْمُقَدَّمِ، وَقَوْلُهُ (إنَّ مِنْ السَّعَادَةِ إلَى آخِرِهِ) فِي قُوَّةِ النَّتِيجَةِ لِأَصْلِ الْقِيَاسِ فَعَلَيْك وَجْهُ دَلَالَةِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَلَى الْمَطْلُوبِ فَإِنَّهُ خَفِيٌّ أَيْضًا. (س) النَّسَائِيّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ عَنْبَسَةَ) قِيلَ: بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ الثَّانِيَةِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَ الْأُولَى (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ شَابَ» ابْيَضَّ شَعْرُهُ «شَيْبَةً» حَقِيرَةً أَوْ وَاحِدَةً
следующие страницы →