Полный текст (1 189 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
إرَادَةِ اكْتِسَابِ الصَّالِحَاتِ فِي الزَّمَانِ الْمُتَأَخِّرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الْأَمَلُ مَذْمُومٌ إلَّا لِلْعُلَمَاءِ فَلَوْلَاهُ مَا صَنَّفُوا، كَمَا فِي فَيْضِ الْقَدِيرِ فَالْقَوْلُ إنِّي أَعِيشُ بَعْدَ نَفُسٍ ثَانٍ مَثَلًا بِلَا إنْ شَاءَ اللَّهُ أَمَلٌ، وَبِهِ إرَادَةُ الْحَيَاةِ إلَى الْوَقْتِ الثَّانِي لِكَسْبِ الصَّلَاحِ لَيْسَ بِأَمَلٍ أَيْضًا فَافْهَمْ.
(وَغَوَائِلُهُ) مَفَاسِدُهُ وَمُهْلِكَاتُهُ (أَرْبَعَةٌ) الْأَوْلَى أَرْبَعٌ: الْأَوَّلُ (الْكَسَلُ) أَيْ تَرْكُ الْعَمَلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ (فِي الطَّاعَةِ) بِالتَّثْقِيلِ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ وَالتَّقَاعُدِ عَنْ السُّنَنِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ وَالتَّكَرُّهِ فِي اجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ (وَتَأْخِيرِهَا) لِأَمَلِ إدْرَاكِ زَمَنٍ يُوقِعُهَا فِيهِ بَعْدُ، فَتَخْرُجُ عَنْ وَقْتِهَا الْمُطْلَقِ أَوْ الْمُسْتَحَبِّ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ مِنْ التَّأْخِيرِ التَّرْكُ بِتَسْوِيفِ الْقَضَاءِ فَيَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الْعَطْفِ الْمَعْلُولِ عَلَى الْعِلَّةِ؛ إذْ التَّأْخِيرُ مُتَسَبِّبٌ عَنْ الْكَسَلِ وَحُرْمَةُ الدَّاعِي إلَى الشَّيْءِ كَحُرْمَةِ نَفْسِ الشَّيْءِ، وَلَا يَخْفَى رُتْبَةُ مُضِرَّاتِ الْكَسَلِ فِي الْعِبَادَاتِ بِالتَّأْخِيرِ أَوْ التَّرْكِ.
(وَ) الثَّانِي (تَسْوِيفُ التَّوْبَةِ) تَأْخِيرُهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُؤَخِّرُهَا عَلَى رَجَاءِ إدْرَاكِ الْوَقْتِ الْمُتَرَاخِي فِي اعْتِقَادِهِ بِأَنْ يَقُولَ سَوْفَ أَتُوبُ وَفِي أَيَّامِنَا سَعَةٌ وَأَنَا شَابٌّ وَأَنَا قَادِرٌ عَلَيْهَا مَتَى أَرَدْت (وَتَرْكُهَا) أَيْ التَّوْبَةِ رَأْسًا وَضَرَرُ ذَلِكَ أَيْضًا كَمَا تَرَى وَقَدْ رُوِيَ «هَلَكَ الْمُسَوِّفُونَ» .
(وَ) الثَّالِثُ (قَسْوَةُ الْقَلْبِ) بِأَنْ لَا يَتَأَثَّرَ بِالْمَوَاعِظِ وَالزَّوَاجِرِ (بِعَدَمِ ذِكْرِ الْمَوْتِ) وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» ، الْحَدِيثَ. قَالَ فِي شَرْحِهِ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الْعَسْكَرِيِّ: لَوْ فَكَّرَ الْبُلَغَاءُ فِي قَوْلِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ لَعَلِمُوا أَنَّهُ أَتَى بِهَذَا الْقَلِيلِ عَلَى كُلِّ مَا قِيلَ فِي ذِكْرِ الْمَوْتِ وَوُصِفَ بِهِ نَظْمًا وَنَثْرًا؛ وَلِهَذَا كَانَ عِيسَى - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ الْمَوْتُ يَقْطُرُ جِلْدُهُ
وَقِيلَ: لَا يَدْخُلُ ذِكْرُ الْمَوْتِ بَيْتًا إلَّا رَضِيَ أَهْلُهُ بِمَا قُسِمَ لَهُمْ وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ: مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ حُبِّبَ إلَيْهِ كُلُّ بَاقٍ وَبُغِّضَ إلَيْهِ كُلُّ فَانٍ وَقَالَ فِي شَرْحِهِ: لِأَنَّ نُورَ التَّوْحِيدِ فِي الْقَلْبِ وَظُلْمَةَ الشَّهْوَةِ فِي الصَّدْرِ فَإِذَا أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ بِقَلْبِهِ انْقَشَعَتْ الظُّلْمَةُ وَاسْتَنَارَ الصَّدْرُ بِنُورِ الْيَقِينِ.
(تَنْبِيهٌ)
أَخَذَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ:
مَاذَا تَقُولُ وَلَيْسَ عِنْدَك حُجَّةٌ ... لَوْ قَدْ أَتَاك مُنَغِّصُ اللَّذَّاتِ
مَاذَا تَقُولُ إذَا حَلَلْت مَحَلَّةً ... لَيْسَ الثِّقَاتُ بِأَهْلِهَا بِثِقَاتِ
وَقَالَ الْآخَرُ
اُذْكُرْ الْمَوْتَ هَاذِمَ اللَّذَّاتِ ... وَتَجَهَّزْ لِمَصْرَعٍ سَوْفَ يَاتِي
قَالَ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ: نَعَمْ مَصْلَحَةُ الْقَلْبِ ذِكْرُ الْمَوْتِ، يَطْرُدُ فُضُولَ الْأَمَلِ، وَيَكُفُّ غَرَبَ التَّمَنِّي وَيُهَوِّنُ الْمَصَائِبَ، وَيَحُولُ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالطُّغْيَانِ وَقَالَ الْحُكَمَاءُ: مَنْ ذَكَرَ الْمَنِيَّةَ نَسِيَ أُمْنِيَةً وَقَالَ التَّيْمِيُّ: شَيْئَانِ قَطَعَا عَنِّي لَذَّةَ النَّوْمِ: ذِكْرُ الْمَوْتِ وَالْوُقُوفُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَجْمَعُ الْفُقَهَاءَ فَيَتَذَاكَرُونَ الْمَوْتَ وَالْقِيَامَةَ فَيَبْكُونَ حَتَّى كَأَنَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ جِنَازَةً.
وَكَانَ الثَّوْرِيُّ إذَا ذُكِرَ الْمَوْتُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ أَيَّامًا، فَإِنْ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قَالَ: لَا أَدْرِي لَا أَدْرِي، وَقَالَ اللَّفَّافُ: مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ أُكْرِمَ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: تَعْجِيلِ التَّوْبَةِ وَقَنَاعَةِ الْقَلْبِ وَنَشَاطِ الْعِبَادَةِ، وَمَنْ نَسِيَهُ عُوقِبَ بِثَلَاثٍ: تَسْوِيفِ التَّوْبَةِ وَتَرْكِ الرِّضَا بِالْكَفَافِ وَالتَّكَاسُلِ فِي الْعِبَادَةِ، فَتَفَكَّرْ يَا مَغْرُورُ فِي الْمَوْتِ وَسَكْرَتِهِ وَصُعُوبَةِ كَأْسِهِ وَمَرَارَتِهِ، فَيَا لِلْمَوْتِ مِنْ وَعْدٍ مَا أَصْدَقَهُ وَمِنْ حَاكِمٍ مَا أَعْدَلَهُ، فَكَفَى بِالْمَوْتِ مُفْزِعًا لِلْقُلُوبِ، وَمُبْكِيًا لِلْعُيُونِ، وَمُفَرِّقًا لِلْجَمَاعَاتِ وَهَاذِمًا لِلذَّاتِ، وَقَاطِعًا لِلْأُمْنِيَاتِ وَتَفْصِيلُهُ فِي الْمُنَاوِيِّ.
وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ أَنَّ الْبَهَائِمَ تَعْلَمُ مِنْ الْمَوْتِ مَا تَعْلَمُونَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْهَا سَمِينًا»
وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَعَنْ أَبَوَيْهَا «يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ يُحْشَرُ مَعَ الشُّهَدَاءِ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ مَنْ يَذْكُرُ الْمَوْتَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عِشْرِينَ مَرَّةً» . وَفِي ذِكْرِهِ الْمَوْتِ مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا تَبْغِيضُ الدُّنْيَا الَّذِي هُوَ رَأْسُ كُلِّ حَسَنَةٍ كَمَا أَنَّ حُبَّهَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ
стр. 422
(وَمَا بَعْدَهُ) أَيْ مِنْ الْقَبْرِ وَالْقِيَامَةِ وَالْحِسَابِ وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]- النَّصِيبُ الْكَفَنُ فَالْمَعْنَى لَا تَنْسَ أَنَّك تَتْرُكُ جَمِيعَ الدُّنْيَا إلَّا نَصِيبَك الَّذِي هُوَ الْكَفَنُ، وَأَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ يَنْظُرُ فِي وَجْهِ كُلِّ آدَمِيٍّ ثَلَثَمِائَةِ نَظْرَةٍ وَسِتًّا وَسِتِّينَ نَظْرَةً كَمَا فِي جَلَاءِ الْمُصَنِّفِ (وَالْحِرْصُ عَلَى جَمْعِ الدُّنْيَا وَالِاشْتِغَالُ) الْإِعْرَاضُ (بِهَا) بِالدُّنْيَا (عَنْ) أَعْمَالِ (الْآخِرَةِ) كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤] إذْ الرَّجُلُ يُبْتَلَى بِسَبَبِهِمْ عَلَى جَمْعِ الْمَالِ مِنْ الْحَرَامِ وَالْحَلَالِ، لَقَدْ صَدَقَ مَنْ قَالَ: أَوْلَادُنَا فِتْنَةٌ إنْ عَاشُوا أَتْعَبُونَا وَإِنْ مَاتُوا أَحْرَقُونَا - ﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾ [آل عمران: ١٤]- فُسِّرَ بِالْمَالِ الْكَثِيرِ - ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤]- الْمَضْرُوبَةِ الْمَنْقُوشَةِ - ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ١٤]- هَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ - ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤]- قَلِيلَةٌ فَانِيَةٌ سَرِيعَةُ الزَّوَالِ - ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]- لَا يَزُولُ وَلَا يَفْنَى وَهُوَ الْجَنَّةُ
قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ لَا دَارُ مَقَرٍّ وَالدُّنْيَا قَنْطَرَةٌ فَاعْبُرُوهَا وَلَا تَعْمُرُوهَا (فَلَا يَزَالُ الْآمِلُ) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ (يَشْتَغِلُ بِجَمْعِ الدُّنْيَا) لِرَجَاءِ طُولِ عُمُرِهِ (وَتَكْثِيرِهَا خَوْفًا مِنْ الشَّيْخُوخَةِ وَالْمَرَضِ) فَيَجْمَعُ الدُّنْيَا حَالَ شَبَابِهِ وَصِحَّتِهِ لِلِادِّخَارِ (وَنَحْوِهِمَا) مِنْ مَوَانِعِ الْكَسْبِ (فَمِنْهُمْ) أَيْ الْآمِلِينَ تَفْصِيلٌ لَهُمْ لِلذَّمِّ (مَنْ يُهَيِّئُ) مَنْ يُعِدُّ وَيُحْضِرُ (كِفَايَةَ عَشْرِ سِنِينَ) لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ (وَمِنْهُمْ) مَنْ يَدَّخِرُ كِفَايَةَ (خَمْسِينَ سَنَةً وَمِنْهُمْ أَكْثَرَ) مِنْ ذَلِكَ (وَمِنْهُمْ أَقَلَّ) التَّفَاوُتُ إمَّا لِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ أَوْ سِنِّ الْآمِلِينَ أَوْ عَلَى قَدْرِ ضَعْفِ تَوَكُّلِهِمْ وَاعْتِمَادِهِمْ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَالتَّوَكُّلُ لَازِمٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النمل: ٧٩] ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]- وَفِي رِسَالَةِ الْقُشَيْرِيِّ قِيلَ لِحَاتِمٍ الْأَصَمِّ مِنْ أَيْنَ تَأْكُلُ؟ فَقَالَ ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الدَّقَّاقُ: التَّوَكُّلُ رَدُّ الْعَيْشِ إلَى يَوْمٍ وَاحِدٍ وَإِسْقَاطُ هَمِّ غَدٍ وَعَنْ الشِّبْلِيِّ
стр. 423
شَكَا إلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ كَثْرَةِ عِيَالِهِ، قَالَ: ارْجِعْ إلَى بَيْتِك فَمَنْ لَمْ يَكُنْ رِزْقُهُ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فَاطْرُدْهُ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْمُتَوَكِّلُ مَنْ لَمْ يَدَّخِرْ لِغَدٍ وَلَمْ يَهْتَمَّ بِرِزْقٍ وَكَانَ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ أَوْثَقَ مِمَّا عِنْدَهُ» (قَالَ مَشَايِخُ الصُّوفِيَّةِ) الَّذِينَ أَوْجَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ الْعَمَلَ بِالْأَقْوَى وَالْأَحْوَطِ وَالِاعْتِصَامَ بِعَزَائِمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا يَأْتُونَ الرُّخَصَ بِلَا ضَرُورَةٍ دُونَ الْغُلَاةِ مِنْهُمْ
(مَنْ أَعَدَّ) ادَّخَرَ (كِفَايَةَ سَنَةٍ لِعِيَالِهِ لَا يُلَامُ) مِنْ اللَّوْمِ (وَلَا يَخْرُجُ) بِهِ (مِنْ التَّوَكُّلِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ادَّخَرَ لِأَزْوَاجِهِ) ﵅ (قُوتَ سَنَةٍ) » قِيلَ وَلَا يُنَافِيهِ أَنَّهُ يَأْتِيهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَّائِلُ فَلَا يَجِدُ فِي بُيُوتِ أَهْلِهِ مَا يُطْعِمُهُ؛ لِأَنَّهُ يَدَّخِرُ لَهُمْ أَوَّلًا ثُمَّ يُخْرِجُهُ مِنْ الْمَيَّارَةِ فِي يَدِهِ فَيَأْتِي مَنْ ذُكِرَ بَعْدَهَا فَلَا يَجِدُ شَيْئًا أَوْ لَا يَلْزَمُ كَوْنُ ذَلِكَ الِادِّخَارِ فِي كُلِّ سَنَةٍ (فَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: إنَّهُ) أَيْ قُوتَ السَّنَةِ (مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ) الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا (لَا يُعْتَبَرُ فِي الْغِنَى) قِيلَ: حَتَّى لَوْ كَانَ قِيمَةُ ذَلِكَ مِقْدَارَ النِّصَابِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْأُضْحِيَّةُ وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ وَنَفَقَةُ الْأَقَارِبِ وَيَجُوزُ لَهُ أَخْذُ زَكَاةِ الْغَيْرِ وَالنَّذْرُ وَالْوَصِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْفُرُوعِ (وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى قُوتِ شَهْرٍ يُعْتَبَرُ فِي الْغِنَى) فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا: فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي رَجُلٌ اشْتَرَى طَعَامًا لِلْقُوتِ بِمِقْدَارِ مَا يَكْفِيهِ شَهْرًا يُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطَى لَهُ مِنْ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِحَاجَتِهِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الشَّهْرِ لَا يُعْطَى لِأَنَّ الشَّهْرَ هُوَ الْوَسَطُ فِيمَا يَدَّخِرُ النَّاسُ لِأَنْفُسِهِمْ قُوتًا فَكَانَ مَشْغُولًا بِحَاجَتِهِ
وَفِي قَاضِي خَانْ وَالْخُلَاصَةِ والتتارخانية عَنْ الْخَانِيَّةِ وَلَوْ اشْتَرَى قُوتَ سَنَةٍ يُسَاوِي نِصَابًا فَفِيهِ كَلَامٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ الْغِنَى وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ أَنْ يَكْفِيَ مَا وَرَاءَ النِّصَابِ لِنَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ سَنَةً، انْتَهَى وَأَيْضًا فِي الْأَشْبَاهِ وَلَوْ لَهُ قُوتُ سَنَةٍ يُسَاوِي نِصَابًا أَوْ كِسْوَةً شَتْوِيَّةً لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا فِي الصَّيْفِ فَالصَّحِيحُ حِلُّ الْأَخْذِ وَفِي التتارخانية أَيْضًا قُبَيْلَ مَا ذُكِرَ آنِفًا وَالْفَتْوَى عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْفَضْلُ عَلَى الْكِفَايَةِ لَهُ وَلِعِيَالِهِ، وَلِلدِّهْقَانِ يُعْتَبَرُ الْفَضْلُ فِي قُوتِ سَنَةٍ فَإِذَا عَرَفْت ذَلِكَ فَقَوْلُهُ الْأَصَحُّ كَذَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمْ وَلِادِّخَارِ النَّبِيِّ ﵊ قُوتَ سَنَةٍ، وَالْقَوْلُ بِجَوَازِ تَحَقُّقِ الْأَصَحِّ فِيمَا لَا يَكُونُ ظَاهِرًا بَعِيدٌ، كَمَا أَنَّ الِادِّخَارَ بِقُوتِ سَنَةٍ لَا يَقْتَضِي مَا ذُكِرَ؛ إذْ عِنْدَ تَعَارُضِ أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ فَاَلَّذِي يَشْهَدُ لَهُ النَّصُّ يُرَجَّحُ عَلَى مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّك سَمِعْت ذِكْرَ الْأَصَحِّ مِنْ الْأَشْبَاهِ وَإِطْلَاقِ الْفَتْوَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ هَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَهُ عِيَالٌ (وَأَمَّا مَنْ لَا عِيَالَ لَهُ فَلَهُ أَنْ يَدَّخِرَ قُوتَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا) لِأَنَّ مَدَارَ ذَلِكَ عَلَى الْكِفَايَةِ وَالْأَعْدَلُ فِي حَقِّهِ هُوَ هَذَا الْوَقْتُ لِأَنَّ الْوَاحِدَ يَسْتَحْصِلُ نَفَقَتَهُ فِي زَمَانٍ قَلِيلٍ وَأَمَّا الْكَثِيرُ إنْ لَمْ يَكُنْ نَفَقَتُهُ حَاضِرَةً فَاسْتِحْصَالُهَا مُحْتَاجٌ إلَى زَمَانٍ كَثِيرٍ.
(وَإِنْ ادَّخَرَ زَائِدًا عَلَيْهِ) عَلَى أَرْبَعِينَ (خَرَجَ مِنْ التَّوَكُّلِ) لِتَعَمُّقِهِ بِالْأَسْبَابِ، لَكِنْ لَمْ نَقِفْ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ فِيمَا عِنْدَنَا مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ، لَعَلَّ الثَّانِيَ مُنَاسِبٌ لِسِيَاقِ الْمُتَصَوِّفَةِ، فَالْأَوَّلُ عَلَى الْفَتْوَى وَالثَّانِي عَلَى التَّقْوَى لَكِنْ سِيَاقُ الْمُصَنِّفِ لَا يُسَاعِدُهُ فَافْهَمْ (أَقُولُ مُرَادُهُمْ) الظَّاهِرُ: الْمُتَصَوِّفَةُ بِقَوْلِهِمْ خَرَجَ مِنْ التَّوَكُّلِ هُوَ (التَّوَكُّلُ الْكَامِلُ النَّفْلِ) لَعَلَّ ذَلِكَ كَمَالٌ إضَافِيٌّ وَإِلَّا فَالِاحْتِيَاجُ إلَى غَيْرِ اللَّهِ وَلَوْ أَقَلَّ قَلِيلٍ مُنَافٍ لِكَمَالِ التَّوَكُّلِ عِنْدَهُمْ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ لَوْ احْتَجْت بَصَلَةً لِمَا فَهِمْت مَسْأَلَةً وَفِي الْقُشَيْرِيِّ عَنْ الْخَوَّاصِ لَقِيَنِي الْخَضِرُ ﵊ فَسَأَلَنِي الصُّحْبَةَ فَخَشِيت أَنْ يُفْسِدَ عَلَيَّ تَوَكُّلِي بِسُكُونِي إلَيْهِ فَفَارَقْته وَسُئِلَ سَهْلٌ عَنْ التَّوَكُّلِ؟ فَقَالَ: قَلْبٌ عَاشَ مَعَ اللَّهِ بِلَا عَاقَّةٍ. وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ التَّوَكُّلُ التَّعَلُّقُ بِاَللَّهِ فِي كُلِّ حَالٍ (لَا أَصْلُ التَّوَكُّلِ الْفَرْضِ) بِنَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة: ٢٣] (لِمَا بَيَّنَّا فِي فَصْلِ
стр. 424
الْعِلْمِ) عِنْدَ بَيَانِ مُرَادِ الْعِمَادِيِّ بِقَوْلِهِ: مُرَادُهُ بِالتَّوَكُّلِ كَمَالُهُ؛ إذْ أَصْلُهُ فَرْضٌ وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنْ لَا خَالِقَ وَلَا مُؤَثِّرَ فِي شَيْءٍ إلَّا اللَّهُ - تَعَالَى -
وَلَمَّا بَيَّنَ الْأَمَلَ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ وَشَرْطِ صَلَاحٍ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ الْأَمَلَ بِهِمَا فَقَالَ (وَأَمَّا) (إرَادَةُ طُولِ الْحَيَاةِ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَشَرْطِ الصَّلَاحِ) نَحْوُ قَوْلِهِ ﵊ «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي» (لِزِيَادَةِ الْعِبَادَةِ) كَالتَّفْسِيرِ لِلصَّلَاحِ وَإِلَّا فَكَالْمُسْتَغْنَى عَنْهُ (فَلَيْسَ بِأَمَلٍ مَذْمُومٍ) كَيْفَ وَالدَّرَجَاتُ الْعَالِيَةُ وَالْمَقَامَاتُ الرَّفِيعَةُ فِي الْجَنَّةِ مَنُوطَةٌ عَلَى قَدْرِ الْعِبَادَةِ كَمَا رُوِيَ «اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِفَضْلِي وَاقْتَسِمُوهَا عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِكُمْ» (بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ) كَمَا فِي الدُّعَاءِ الْمَذْكُورِ آنِفًا (ت) التِّرْمِذِيُّ (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَبُو بَكْرَةَ بِالتَّاءِ كُنْيَةٌ لِنُفَيْعِ بْنِ الْحَارِثِ غَلَبَ عَلَيْهِ كُنْيَتُهُ وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ وَهِيَ أُمُّ زِيَادِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الَّذِي اسْتَلْحَقَهُ مُعَاوِيَةُ أَخًا وَقِيلَ هُوَ مِنْ مَوَالِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟» أَيْ أَكْثَرُ فَضِيلَةً عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَأَعْظَمُ مَقَامًا وَأَجْرًا «قَالَ» - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَوَابِهِ «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ» بِضَمِّ الْمِيمِ الْعُمُرُ امْتِدَادٌ وَهْمِيٌّ مِنْ مَبْدَأٍ مَوْهُومٍ إلَى مُنْتَهًى، كَذَلِكَ عَلَى قَاعِدَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَيُفَسَّرُ بِالْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا وَتَصَوُّرِ الطُّولِ فِي الْعُمُرِ مَعَ أَنَّهُ وَهْمِيٌّ وَالطُّولُ يَقْتَضِي الْوُجُودَ، مُحَرَّرٌ عِنْدَ حَدِيثِ الصَّدَقَةِ تَرُدُّ الْبَلَاءَ وَتَزِيدُ الْعُمُرَ وَلَا يَزِيدُ الْعُمُرَ إلَّا الْبِرُّ، وَقَدْ فَصَّلْنَاهُ بِرِسَالَةٍ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِمَنِّهِ - تَعَالَى - عَلَى أَنَّ الطُّولَ هُنَا مَا يَكُونُ فِي نَفْسِهِ تَأَمَّلْ «وَحَسُنَ عَمَلُهُ» بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكْثُرُ حَسَنَاتُهُ وَيُرْفَعُ دَرَجَاتُهُ وَيَزِيدُ إلَى اللَّهِ قُرْبُهُ، وَعَنْ شَرْحِ الْمَصَابِيحِ الْأَوْقَاتُ كَرَأْسِ الْأَمْوَالِ لِلتَّاجِرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَّجِرَ لِمَا يَرْبَحُ فِيهِ وَكُلَّمَا كَانَ رَأْسُ مَالِهِ كَثِيرًا كَانَ الرِّبْحُ أَكْثَرَ «قَالَ» السَّائِلُ «فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ» بِالشُّرُورِ وَالْقَبَائِحِ وَارْتِكَابِ الْفَضَائِحِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيِّ «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: خِيَارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمَارًا وَأَحْسَنُكُمْ أَعْمَالًا» .
، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى «خِيَارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمَارًا إذَا سَدَّدُوا» .
وَمِنْ أَحَادِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» قَالَهُ جَوَابًا لِمَنْ سَأَلَ: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَوْتُ الْإِنْسَانِ بَعْدَ أَنْ كَبِرَ وَعَرَفَ رَبَّهُ خَيْرٌ مِنْ مَوْتِهِ طِفْلًا بِلَا حِسَابٍ فِي الْآخِرَةِ.
فِي الْمُنَاوِيِّ عَنْ الطِّيبِيِّ (حدهق) أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ (عَنْ جَابِرِ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ: فَيُكْرَهُ ذَلِكَ أَوْ يَحْرُمُ لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْحَيَاةِ مِنْ جَزِيلِ الْفَوَائِدِ وَجَلِيلِ الْعَوَائِدِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا اسْتِمْرَارُ الْإِيمَانِ فَأَيُّ أَمْرٍ أَعْظَمُ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ أَيْضًا: نَعَمْ، إنَّ جَمَاهِيرَ السَّلَفِ تَمَنَّوْهُ شَوْقًا إلَى الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ الْأَقْدَسِيَّةِ وَذَلِكَ لِمَقَامِ الْخَوَاصِّ فَإِنْ قِيلَ: الْآجَالُ مُقَدَّرَةٌ لَا تَزِيدُ بِالتَّمَنِّي فَمَا مَعْنَى التَّمَنِّي قُلْنَا ذَلِكَ: هُوَ حِكْمَةُ النَّهْيِ؛ لِأَنَّهُ عَبَثٌ لَا فَائِدَةَ لَهُ وَفِي الْإِحْيَاءِ عَنْ وَهْبٍ كَانَ مَلِكٌ مُتَعَظِّمٌ لَا يَنْظُرُ إلَى النَّاسِ كِبْرًا فَعِنْدَ ذَهَابِهِ مَعَ خَدَمِهِ جَاءَ رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ فَلَمْ يَرُدَّ السَّلَامَ عَلَيْهِ فَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ فَمُنِعَ فَلَمْ يَنْدَفِعْ، فَقَالَ: لِي إلَيْك حَاجَةٌ، فَقَالَ: اصْبِرْ إلَى وَقْتِ النُّزُولِ، فَقَالَ: لَا الْآنَ، فَقَهَرَهُ عَلَى لِجَامِ دَابَّتِهِ فَقَالَ الْمَلِكُ: اُذْكُرْهَا، فَقَالَ: سِرٌّ فَأَدْنَى إلَيْهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ: أَنَا مَلَكُ الْمَوْتِ فَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَاضْطَرَبَ لِسَانُهُ، فَقَالَ: دَعْنِي حَتَّى أَرْجِعَ إلَى أَهْلِي وَأَقْضِيَ حَاجَتِي وَأُوَدِّعَهُمْ، قَالَ: لَا وَاَللَّهِ لَيْسَ لَك رُؤْيَةُ أَهْلِك وَوَلَدِك أَبَدًا، فَقَبَضَ رُوحَهُ ثُمَّ مَضَى فَلَقِيَ عَبْدًا مُؤْمِنًا فَسَلَّمَ فَرَدَّ ﵇، فَقَالَ إنَّ لِي إلَيْك حَاجَةً، وَقَالَ لَهُ سِرًّا: أَنَا مَلَكُ الْمَوْتِ فَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِمَنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ عَلَيَّ فَوَاَللَّهِ مَا كَانَ فِي الْأَرْضِ غَائِبٌ أَحَبَّ إلَيَّ لِقَاؤُهُ إذَا أَلْقَاهُ مِنْك، فَقَالَ: اقْضِ
стр. 425
حَاجَتَك الَّتِي خَرَجْتَ لَهَا، فَقَالَ مَالِي: حَاجَةٌ أَكْبَرُ مِنْ لِقَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - قَالَ: فَاخْتَرْ عَلَى أَيِّ حَالٍ شِئْت، قَالَ: هَلْ تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: نَعَمْ أُمِرْت بِذَلِكَ قَالَ: دَعْنِي أَتَوَضَّأُ وَأُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَاقْبِضْ رُوحِي وَأَنَا سَاجِدٌ فَقَبَضَ رُوحَهُ وَهُوَ سَاجِدٌ «فَإِنَّ هَوْلَ الْمَطْلَعِ» قِيلَ: بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ أَوْ فَكَسْرٍ مَحَلُّ الِاطِّلَاعِ الْمَوْتُ الْقَبْرُ أَوْ الْقِيَامَةُ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَعُ بِهَا عَلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَقِيلَ عَنْ الصِّحَاحِ: بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ مَوْضِعُ الِاطِّلَاعِ: وَقِيلَ الْمَأْتِيُّ: وَعَنْ الْقَامُوسِ اطَّلَعَ عَلَى بَاطِنِهِ ظَهَرَ وَعَرَفَ «شَدِيدٌ» قَوِيٌّ صَعْبٌ، فِي الْإِحْيَاءِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ أَنَّ شَعْرَةً مِنْ شَعَرَاتِ الْمَيِّتِ وُضِعَتْ عَلَى أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَمَاتُوا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى» ؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ شَعْرَةٍ الْمَوْتَ وَلَا يَقَعُ الْمَوْتُ بِشَيْءٍ إلَّا مَاتَ، وَيُرْوَى «لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنْ أَلَمِ الْمَوْتِ وُضِعَتْ عَلَى جِبَالِ الْأَرْضِ كُلِّهَا لَذَابَتْ» ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: بَلَغَنَا أَنَّ الْمَيِّتَ يَجِدُ أَلَمَ الْمَوْتِ مَا لَمْ يُبْعَثْ مِنْ قَبْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ أَوْسٍ: الْمَوْتُ أَفْظَعُ هَوْلٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ نَشْرِ الْمَنَاشِيرِ وَقَرْضِ الْمَقَارِيضِ وَغَلْيٍ فِي الْقُدُورِ وَلَوْ أَنَّ الْمَيِّتَ نُشِرَ فَأَخْبَرَ أَهْلَ الدُّنْيَا بِأَلَمِ الْمَوْتِ مَا انْتَفَعُوا بِعَيْشٍ وَلَا لَذُّوا بِنَوْمٍ. وَفِي الْإِحْيَاءِ أَيْضًا: اعْلَمْ، أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْ الْعَبْدِ كَرْبٌ وَلَا هَوْلٌ وَلَا عَذَابٌ إلَّا الْمَوْتُ الْمُجَرَّدُ لَانْتَغَصَ عَيْشُهُ وَتَكَدَّرَ سُرُورُهُ وَتُفَارِقُهُ شَهْوَتُهُ وَغَفْلَتُهُ وَتَطُولُ فِكْرَتُهُ وَيَعْظُمُ اسْتِعْدَادُهُ وَهُوَ فِي كُلِّ نَفَسٍ بِصَدَدِهِ «وَإِنَّ مِنْ السَّعَادَةِ» السَّرْمَدِيَّةِ «أَنْ يَطُولَ عُمْرُ الْعَبْدِ وَيَرْزُقَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - الْإِنَابَةَ» أَيْ الرُّجُوعَ إلَيْهِ بِالنَّدَمِ عَلَى مَا اقْتَرَفَهُ مِنْ السَّيِّئَاتِ أَوْ بِالطَّاعَاتِ وَاكْتِسَابِ الصَّالِحَاتِ الْبَاقِيَاتِ وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ فَسَّرَهُ بِالرُّجُوعِ عَنْ حُظُوظِ نَفْسِهِ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - بِامْتِثَالِ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابِ الْمَنَاهِي فَإِذَا مَاتَ جَاءَتْهُ الْبُشْرَى مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ - ﴿أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]- قِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ: تَقُولُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا تَخَفْ مَا أَمَامَك مِنْ الْأَهْوَالِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَى مَا خَلَّفْت وَأَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْت تُوعَدُ، وَقِيلَ لَا تَخَفْ مَا تَذْهَبُ إلَيْهِ مِنْ الْغُرْبَةِ وَالْوَحْدَةِ وَالْوَحْشَةِ وَلَا تَحْزَنْ مِنْ مُفَارَقَةِ الْأَوْلَادِ وَالْأَقَارِبِ وَالْأَمْوَالِ وَأَبْشِرْ بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَجَنَّةِ نَعِيمٍ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ الْمَوْتُ» عَلَى مَا نُقِلَ مِنْ الرِّعَايَةِ وَفِي الْإِحْيَاءِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - إذَا رَضِيَ عَنْ عَبْدٍ قَالَ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، اذْهَبْ إلَى فُلَانٍ فَأْتِنِي بِرُوحِهِ لِأَرِيحَهُ حَسْبِي مِنْ عَمَلِهِ قَدْ بَلَوْته فَوَجَدْته حَيْثُ أُحِبُّهُ فَيَنْزِلُ مَلَكُ الْمَوْتِ وَمَعَهُ خَمْسُمِائَةٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مَعَهُمْ قُضْبَانٌ وَأُصُولُ الزَّعْفَرَانِ كُلُّ وَاحِدٍ يُبَشِّرُهُ بِبِشَارَةٍ سِوَى بِشَارَةِ صَاحِبِهِ، وَتَقُومُ الْمَلَائِكَةُ صَفَّيْنِ لِخُرُوجِ رُوحِهِ مَعَهُمْ الرَّيْحَانُ فَإِذَا نَظَرَ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ صَرَخَ. قَالَ الرَّاوِي فَيَقُولُ لَهُ جُنُودُهُ مَالَك يَا سَيِّدَنَا؟ فَيَقُولُ: أَمَا تَرَوْنَ مَا أُعْطِيَ هَذَا الْعَبْدُ مِنْ الْكَرَامَةِ، أَيْنَ كُنْتُمْ عَنْ هَذَا؟ قَالُوا: قَدْ جَهَدْنَا بِهِ فَكَانَ مَعْصُومًا» ، هَذَا هُوَ مَا قَالَهُ الْحَسَنُ لَا رَاحَةَ لِلْمُؤْمِنِ إلَّا لِقَاءُ اللَّهِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمَطْلُوبُ مِنْ الْحَدِيثِ إرَادَةُ طُولِ الْحَيَاةِ وَالْحَدِيثُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قُلْنَا: حَاصِلُ الْحَدِيثِ أَنْ يُقَالَ إمَّا أَنْ يُرَادَ وَيَتَمَنَّى الْمَوْتَ أَوْ طُولَ الْحَيَاةِ بِالْإِنَابَةِ وَالْمُقَدَّمُ بَاطِلٌ فَالتَّالِي أَيْ إرَادَةُ طُولِ الْعُمْرِ بِالْإِنَابَةِ حَقٌّ أَيْ مِنْ السَّعَادَةِ، أَمَّا بُطْلَانُ الْمُقَدَّمِ؛ فَلِأَنَّ الْمَوْتَ قَاطِعُ الطَّاعَاتِ وَالطَّاعَاتُ مُزِيلُ هَوْلِ الْمَطْلَعِ وَهَوْلُ الْمَطْلَعِ أَمْرٌ شَدِيدٌ فَيَنْتِجُ الْمَوْتُ قَاطِعٌ مُزِيلُ الْأَمْرِ الشَّدِيدِ ثُمَّ نَقُولُ وَكُلُّ قَاطِعٍ مُزِيلِ أَمْرٍ شَدِيدٍ لَا يُرَادُ وَلَا يُتَمَنَّى فَالْمَوْتُ لَا يُرَادُ فَهُوَ عَيْنُ الْبُطْلَانِ، فَقَوْلُهُ (فَإِنَّ هَوْلَ إلَى آخِرِهِ) هُوَ الْكُبْرَى الثَّانِيَةُ، وَقَوْلُهُ (لَا تَتَمَنَّوْا) فِي قُوَّةِ بُطْلَانِ الْمُقَدَّمِ، وَقَوْلُهُ (إنَّ مِنْ السَّعَادَةِ إلَى آخِرِهِ) فِي قُوَّةِ النَّتِيجَةِ لِأَصْلِ الْقِيَاسِ فَعَلَيْك وَجْهُ دَلَالَةِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَلَى الْمَطْلُوبِ فَإِنَّهُ خَفِيٌّ أَيْضًا.
(س) النَّسَائِيّ (عَنْ عَمْرِو بْنِ عَنْبَسَةَ) قِيلَ: بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ الثَّانِيَةِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَ الْأُولَى (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ شَابَ» ابْيَضَّ شَعْرُهُ «شَيْبَةً» حَقِيرَةً أَوْ وَاحِدَةً
стр. 426
«فِي الْإِسْلَامِ» بِأَنْ يَكُونَ الْإِسْلَامُ ظَرْفًا لِشَيْبَتِهِ «كَانَتْ» تِلْكَ الشَّعْرَةُ «لَهُ نُورًا» عَظِيمًا يَسْتَضِيءُ بِهِ «يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَيْ يَصِيرُ الشَّيْبُ نَفْسُهُ نُورًا يَهْتَدِي بِهِ صَاحِبُهُ وَيَسْعَى بَيْنَ يَدَيْهِ فِي ظُلُمَاتِ الْحَشْرِ إلَى أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَالشَّيْبُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ لَكِنَّهُ إذَا كَانَ بِسَبَبِ نَحْوِ جِهَادٍ أَوْ خَوْفٍ مِنْ اللَّهِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ سَعْيِهِ فَيُكْرَهُ نَتْفُ الشَّيْبِ مِنْ مُطْلَقِ شَعْرِهِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ لَوْ قِيلَ يَحْرُمُ لَمْ يَبْعُدْ، كَذَا فِي فَيْضِ الْقَدِيرِ لَكِنْ لِفُقَهَائِنَا الْحَنَفِيَّةِ تَجْوِيزُهُ فِي بَعْضِ الْأَغْرَاضِ وَأَيْضًا يُكْرَهُ تَغْيِيرُهَا كَمَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ زِيَادَةُ قَوْلِهِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهَا بِالسَّوَادِ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ «مَا لَمْ يُخَضِّبْهَا أَوْ يَنْتِفْهَا» . وَفِي الْإِحْيَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «آلَيْت عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أُعَذِّبَ أَبْنَاءَ الثَّمَانِينَ» ، وَقَالَ ﵊ «يَنْظُرُ اللَّهُ - تَعَالَى - إلَى وَجْهِ الشَّيْخِ صَبَاحًا وَمَسَاءً وَيَقُولُ كَبِرَ سِنُّك وَدَقَّ عَظْمُك وَرَقَّ جِلْدُك وَقَرُبَ أَجَلُك وَكَادَ قُدُومُك إلَيَّ يَا عَبْدِي أَمَا تَسْتَحْيِي وَأَنَا أَسْتَحِي مِنْ شَيْبِك» . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْهُ ﵊ «مَنْ جَاوَزَ أَرْبَعِينَ وَلَمْ يَغْلِبْ خَيْرُهُ عَلَى شَرِّهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» .
(د) أَبُو دَاوُد (عَنْ عُبَيْدٍ) مُصَغَّرِ عَبْدٍ ابْنِ خَالِدٍ ( «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ آخَى» بِالْمَدِّ أَصْلُهُ وَاخَى، قُلِبَتْ الْوَاوُ هَمْزَةً كَمَا فِي أُجُوهٍ فِي وُجُوهٍ أَيْ عَقَدَ الْأُخُوَّةَ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ الشَّرِيفُ لِأَجْلِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى كَمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا رَزَقَهُ خَلِيلًا صَالِحًا إنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ» «بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا» شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ «وَمَاتَ الْآخَرُ» حَتْفَ أَنْفِهِ «بَعْدَهُ بِجُمُعَةٍ» أُسْبُوعٍ «أَوْ نَحْوِهَا فَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ» عَلَى الْمُتَوَفَّى آخِرَ «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا قُلْتُمْ» أَيْ أَيَّ شَيْءٍ قُلْتُمْ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ: الْمَقُولُ فِي الصَّلَاةِ مُتَعَيَّنٌ بِتَعْيِينِهِ ﵊ فَمَا وَجْهُ الِاسْتِفْهَامِ؟ قُلْنَا يَجُوزُ كَوْنُ ذَلِكَ قَبْلَ التَّعْيِينِ بَلْ الْكُلُّ مُرَخَّصٌ بِالدُّعَاءِ بِمَا يَشَاءُ مِنْ الْمُنَاسِبِ لِحَالِ الْمَيِّتِ أَوْ ذَلِكَ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ بَلْ فِي خَارِجِهَا وَيَجُوزُ كَوْنُ الْمُرَادِ مِنْ الِاسْتِفْهَامِ هُوَ الْإِعْلَامُ بِفَائِدَةِ طُولِ الْعُمُرِ الْقَرِينِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ لِتَفَطُّنِهِ ﵊ بِفِرَاسَتِهِ أَوْ بِاسْتِمَاعِهِ قَوْلَهُمْ «فَقَالُوا: دَعَوْنَا لَهُ وَقُلْنَا» فِي دَعْوَتِنَا «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَأَلْحِقْهُ بِصَاحِبِهِ» الَّذِي مَاتَ شَهِيدًا فِي مَرْتَبَتِهِ «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَيْنَ صَلَاتُهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ وَصَوْمُهُ بَعْدَ صَوْمِهِ» ، الْحَاصِلَةُ فِي ذَلِكَ الْأُسْبُوعِ وَلَمْ تُوجَدْ لِلشَّهِيدِ الْمُتَوَفَّى قَبْلَهُ (شَكَّ شُعْبَةُ) أَحَدُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ، قِيلَ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ لُقِّبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ «فِي صَوْمِهِ وَعَمَلُهُ بَعْدَ عَمَلِهِ» يَعْنِي هَلْ قَالَ مَا ذُكِرَ أَوَّلًا أَوْ قَالَ بَدَلَهُ هَذَا الثَّانِي يَعْنِي صُدُورَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَجْزُومٌ لَهُ قَطْعًا وَإِنَّمَا شَكُّهُ فِي تَعْيِينِهِ «فَإِنَّ بَيْنَهُمَا» بَيْنَ مَنْ مَاتَ أَوَّلًا وَبَيْنَ مَنْ مَاتَ ثَانِيًا «مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» فِي الرِّفْعَةِ وَالشَّرَفِ فَكَيْفَ يَصِحُّ دُعَاؤُكُمْ بِالْإِلْحَاقِ، فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ طُولَ الْعُمُرِ وَلَوْ بِأَقَلِّ قَلِيلٍ أَفْضَلُ مِنْ قِصَرِهِ لِكَثْرَةِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ هَذَا أَمَّا قَبْلَ وُرُودِ تَمَامِ فَضْلِ الشَّهِيدِ أَوْ الْمَيِّتِ ثَانِيًا شَهِيدٌ أَيْضًا مِنْ أَنْوَاعِ الشَّهِيدِ الْحَقِيقِيِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَهِيدًا حُكْمِيًّا أَوْ مِنْ خَاصَّةِ ذَلِكَ لِمَا عُلِمَ فِيهِ ﵊ ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ وَإِلَّا فَمُخَالِفٌ لِلنُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ الْمَعْنَى
стр. 427
(وَسَبَبُ الْأَمَلِ حُبُّ الدُّنْيَا) الَّذِي هُوَ الدَّاءُ الْمُشْكِلُ الشَّدِيدُ عَجَزَ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ عَنْ دَوَائِهِ (وَالْغَفْلَةُ عَنْ قُرْبِ الْمَوْتِ) فَإِنَّ ذِكْرَ الْمَوْتِ يُوجِبُ التَّجَافِيَ عَنْ دَارِ الْغُرُورِ وَيَتَقَاضَى الِاسْتِعْدَادَ لِلْآخِرَةِ، وَالْغَفْلَةُ عَنْ الْمَوْتِ تَدْعُو إلَى الِانْهِمَاكِ فِي شَهَوَاتِ الدُّنْيَا (وَالِاغْتِرَارُ) مِنْ الْغُرُورِ الطَّمَعُ الْبَاطِلُ (بِالصِّحَّةِ) الْعَافِيَةِ وَقُوَّةِ الْبَدَنِ (وَالشَّبَابِ) الْحَدَاثَةِ فَضِدُّ الشَّيْبِ
(وَعِلَاجُهُ) أَيْ دَوَاءُ الْأَمَلِ (إزَالَةُ أَسْبَابِهِ) الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّهُ مَا دَامَ سَبَبُ الشَّيْءِ مَوْجُودًا لَا يَزُولُ نَفْسُهُ فَإِنَّ انْتِفَاءَ الْأَثَرِ إنَّمَا هُوَ بِانْتِفَاءِ الْمُؤَثِّرِ (أَمَّا حُبُّ الدُّنْيَا فَسَيَجِيءُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَأَمَّا الْبَوَاقِي فَبِالْمُدَاوَمَةِ عَلَى ذِكْرِ الْمَوْتِ وَقُرْبِهِ وَمَجِيئِهِ بَغْتَةً) فَجْأَةً (عَلَى) حِينِ (غَفْلَةٍ) إذْ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ كَالْمَرَضِ وَالشَّيْبِ (وَإِنَّ الصِّحَّةَ) وَدَوَامَهَا (وَالشَّبَابَ لَا يَمْنَعُهُ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَمْنَعُ الْمَوْتَ (بَلْ مَوْتُ الشَّبَابِ أَكْثَرُ مِنْ مَوْتِ الشُّيُوخِ) إذْ مِنْ الْمُشَاهَدِ أَنَّهُ يَمُوتُ أَلْفُ صَبِيٍّ وَشَابٍّ إلَى أَنْ يَمُوتَ شَيْخٌ وَاحِدٌ، فَلَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مَخْصُوصٌ مِنْ شَبَابٍ وَشَيْبٍ وَكُهُولَةٍ وَمِنْ صَيْفٍ وَشِتَاءٍ وَرَبِيعٍ قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ بَعْدَ تَفْصِيلِ مَا ذُكِرَ: وَلَكِنَّ الْجَهْلَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَحُبَّ الدُّنْيَا دَعْوَاهُ إلَى طُولِ الْأَمَلِ وَإِلَى الْغَفْلَةِ عَنْ تَقْدِيرِ الْمَوْتِ فَيَظُنُّ أَبَدًا أَنَّهُ يُشَيِّعُ الْجَنَائِزَ وَلَا يُقَدِّرُ أَنْ تُشَيَّعَ جِنَازَتُهُ لِتَكَرُّرِ ذَلِكَ فِي الْغَيْرِ وَلَمْ يَأْلَفْهُ لِنَفْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِنْ وَقَعَ مَرَّةً فَلَا يَقَعُ أُخْرَى وَذَلِكَ تَفْصِيلُ قَوْلِهِ (كَمَا أَنَّ مَوْتَ الصِّبْيَانِ أَكْثَرُ مِنْ مَوْتِهِمَا) الْأَصِحَّاءِ وَالشَّبَابِ فَعَلَى الشَّبَابِ وَالْأَصِحَّاءِ أَنْ يَغْتَنِمَا عَمَلًا بِعِظَتِهِ ﷺ «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ شَبَابَك قَبْلَ هَرَمِك وَصِحَّتَك قَبْلَ سَقَمِك وَغِنَاك قَبْلَ فَقْرِك وَفَرَاغَك قَبْلَ شُغْلِك وَحَيَاتَك قَبْلَ مَوْتِك» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ (اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ) : افْعَلْ خَمْسَةَ أَشْيَاءَ قَبْلَ حُصُولِ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: (شَبَابَك قَبْلَ هَرَمِك) اغْتَنِمْ الطَّاعَةَ حَالَ قُدْرَتِك قَبْلَ هُجُومِ عَجْزِ الْكِبَرِ عَلَيْك فَتَنْدَمَ عَلَى مَا فَرَّطْت فِي جَنْبِ اللَّهِ، (وَصِحَّتَك قَبْلَ سَقَمِك) اغْتَنِمْ حَالَ الصِّحَّةِ فَقَدْ يَمْنَعُ مَانِعٌ كَمَرَضٍ فَتَقْدَمُ الْمَعَادَ بِلَا زَادٍ، (وَغِنَاك قَبْلَ فَقْرِك) اغْتَنِمْ التَّصَدُّقَ بِفُضُولِ مَالِكِ قَبْلَ عُرُوضِ حَاجَةٍ تُفْقِرُك فَتَصِيرُ فَقِيرًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، (وَفَرَاغَك قَبْلَ شُغْلِك) اغْتَنِمْ فَرَاغَك فِي هَذِهِ الدَّارِ قَبْلَ شُغْلِك بِأَهْوَالِ الْقِيَامَةِ (وَحَيَاتَك قَبْلَ مَوْتِك) اغْتَنِمْ مَا تَلْقَى نَفْعَهُ بَعْدَ مَوْتِك فَإِنَّ مَنْ مَاتَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ وَفَاتَهُ أَمَلُهُ وَحَقَّ نَدَمُهُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الدُّنْيَا مَنْزِلٌ مِنْ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَالْبَدَنُ مَرْكَبٌ وَمَنْ ذَهِلَ عَنْ تَدْبِيرِ الْمَنْزِلِ وَالْمَرْكَبِ لَمْ يَتِمَّ سَفَرُهُ وَمَا لَمْ يَنْتَظِمْ أَمْرُ الْمَعَاشِ فِي الدُّنْيَا أَمْرَ التَّبَتُّلِ وَالِانْقِطَاعِ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - الَّذِي هُوَ السُّلُوكُ انْتَهَى (وَكَمْ مِنْ صَحِيحٍ يَمُوتُ وَيَبْقَى الْمَرِيضُ) الَّذِي يُتَوَقَّعُ مَوْتُهُ (بَعْدَهُ) الصَّحِيحِ (سِنِينَ) فَلَا يَنْبَغِي لِلصَّحِيحِ أَنْ يَغْتَرَّ بِصِحَّتِهِ وَيَتَسَوَّفَ اقْتِنَاصَ الْقُرُبَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ وَيُؤَخِّرَ التَّوْبَةَ عَنْ مَا قَارَفَهُ فِي الْأَزْمِنَةِ الْخَالِيَةِ وَلْيَعْتَبِرْ بِمَنْ يَمُوتُ شَابًّا وَلَيْسَ كُلُّ الْأَمْوَاتِ مَاتُوا مَرْضَى (وَمِنْ أَقْوَى عِلَاجِهِ) فَهَذَا بَعْضٌ مِنْ الْأَقْوَى (اسْتِمَاعُ مَا وَرَدَ) عَلَى وَجْهِ الْإِذْعَانِ وَالْقَبُولِ (فِي مَدْحِ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَذَمِّ طُولِ الْأَمَلِ) .
فَقَالَ الْمُصَنِّف بَيَانًا لِبَعْضِ مَا وَرَدَ فِي ذِكْرِهِمَا (مَدْحُ ذِكْرِ الْمَوْتِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ مَا سَيُذْكَرُ أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ هَذَا مَدْحٌ إلَخْ (دُنْيَا) ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ» فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَا لَفْظِ مِنْ «فَإِنَّهُ» أَيْ ذِكْرَهُ ( «يُمَحِّصُ الذُّنُوبَ» يُزِيلُهَا بِالْخَوْفِ وَالنَّدَمِ وَالْإِنَابَةِ وَالْفِرَارِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى «وَيُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا» يَحْمِلُهُمْ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْ الدُّنْيَا لِأَخْطَارِ مُفَارَقَتِهَا وَإِعْلَامِ الِانْتِقَالِ عَنْهَا وَيُؤْذِنُ أَنَّ كُلَّ مَا فِي يَدِهِ مِنْ النِّعَمِ الْعَاجِلَةِ لَيْسَتْ
стр. 428
مِلْكًا لَهُ بَلْ يَدُهُ يَدُ أَمَانَةٍ وَمُسْتَعَارَةٍ وَنَفْسُهُ خَدِيمٌ لِلْغَيْرِ بَلْ عَبْدُهُ وَهُوَ فِي خَطَرِ إيثَارِ مَا يَفْنَى عَلَى مَا يَبْقَى، هَذَا لَيْسَ تَمَامَ هَذَا الْحَدِيثِ، بَلْ تَمَامُهُ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «فَإِنْ ذَكَرْتُمُوهُ عِنْدَ الْغِنَى هَدَمَهُ وَإِنْ ذَكَرْتُمُوهُ عِنْدَ الْفَقْرِ أَرْضَاكُمْ بِعِيشَتِكُمْ» ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَوْتَ قَاطِعُ كُلِّ لَذَّةٍ وَحَائِلُ كُلِّ أُمْنِيَةٍ وَمَانِعُ كُلِّ مُرَادٍ وَدَافِعُ كُلِّ حَاجَةٍ، وَعُمُرُ الْمَرْءِ أَنْفَاسٌ مَعْدُودَةٌ وَأَوْقَاتٌ مَحْدُودَةٌ لَا يُدْرَى مَتَى يَنْفَدُ الْعَدَدُ وَيَنْقَضِي الْمَدَدُ وَكَيْفِيَّةُ ذِكْرِ الْمَوْتِ عَلَى مَا فِي الْإِحْيَاءِ الْقَرِيبِ إلَى مَا فِي جَلَاءِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يُكْثِرَ ذِكْرَ أَمْثَالِهِ وَأَقْرَانِهِ الَّذِينَ مَضَوْا قَبْلَهُ فَيَتَذَكَّرَ مَوْتَهُمْ وَصَيْرُورَتَهُمْ تَحْتَ التُّرَابِ وَيَتَذَكَّرَ صُوَرَهُمْ وَمَنَاصِبَهُمْ وَأَحْوَالَهُمْ كَيْفَ مَحَا التُّرَابُ الْآنَ صُوَرَهُمْ وَانْدَرَسَتْ آثَارُهُمْ وَآمَالُهُمْ وَانْتَقَلَ إلَى غَيْرِهِمْ كُسُوبُهُمْ وَمَا جَمَعُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَكَيْفَ تَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهُمْ فِي قُبُورِهِمْ وَأَرْمَلُوا نِسْوَانَهُمْ وَأَيْتَمُوا أَوْلَادَهُمْ وَضَيَّعُوا أَمْوَالَهُمْ وَاقْتَسَمَ الْغَيْرُ أَرْزَاقَهُمْ وَأَكَلَتْ الدُّودُ لِسَانَهُمْ وَالتُّرَابُ أَسْنَانَهُمْ ثُمَّ يَنْظُرُ أَنَّهُ مِثْلُهُمْ وَغَفْلَتَهُ كَغَفْلَتِهِمْ وَسَيَكُونُ عَاقِبَتُهُ نَحْوَهُمْ وَنِعْمَ مَا قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ السَّعِيدُ مَنْ اتَّعَظَ بِغَيْرِهِ وَفِي الْإِحْيَاءِ هُوَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حُكِيَ عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: وَيْحَك يَا يَزِيدُ مَنْ ذَا يُصَلِّي عَنْك بَعْدَ الْمَوْتِ مَنْ ذَا يَصُومُ عَنْك بَعْدَ الْمَوْتِ مَنْ ذَا يُرْضِي عَنْك رَبَّك بَعْدَ الْمَوْتِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا تَبْكُونَ وَتَنُوحُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَمَنْ الْمَوْتُ مَوْعِدُهُ وَالْقَبْرُ بَيْتُهُ وَالثَّرَى فِرَاشُهُ وَالدُّودُ أَنِيسُهُ وَمَعَ هَذَا يَنْتَظِرُ الْفَزَعَ الْأَكْبَرَ كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ ثُمَّ بَكَى حَتَّى سَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ (مج) ابْنُ مَاجَهْ (عَنْ الْبَرَاءِ أَنَّهُ قَالَ «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جِنَازَةٍ فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ» طَرَفِهِ ( «فَبَكَى حَتَّى بَلَّ الثَّرَى» تُرَابَ الْقَبْرِ مِنْ دُمُوعِهِ لَعَلَّهُ لِمَا تَجَلَّى لَهُ عَنْ عَالَمِ الْقُدُسِ مِنْ أَحْوَالِ الْمَوْتَى وَلَيْسَ ذَلِكَ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ فَإِنَّهُ مَعْصُومٌ بَلْ لِمَا عَرَفَهُ مِنْ الْعَظَمَةِ وَالْجَبَرُوتِ وَالْمَهَابَةِ وَالْجَلَالَةِ فَذَا لِنَحْوِ الِاحْتِرَامِ لَهُ - تَعَالَى - وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُهُ، أَوْ تَعْلِيمًا لِأُمَّتِهِ رُتْبَةَ خَوْفِهِ - تَعَالَى - أَوْ إغْرَاءً لَهُمْ عَلَى إنَابَتِهِ - تَعَالَى - أَوْ تَرَحُّمًا وَتَشَفُّقًا لِذَلِكَ الْمَيِّتِ لِمَا رَأَى فِيهِ مِمَّا يُوجِبُ ذَلِكَ أَوْ لِحَالِ مُطْلَقِ أُمَّتِهِ «ثُمَّ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا إخْوَانِي لِمِثْلِ هَذَا» أَيْ الْمَوْتِ «فَأَعِدُّوا» تَهَيَّئُوا وَاسْتَحْضِرُوا مِنْ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ يَعْنِي اتَّخِذُوا عُدَّةً وَزَادًا لِمِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ الْمَهِيبِ فِي الْإِحْيَاءِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ: عِظْنِي، فَقَالَ: أَنْتَ خَلِيفَةٌ تَمُوتُ، قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: لَيْسَ مِنْ آبَائِك أَحَدٌ إلَى آدَمَ إلَّا ذَاقَ الْمَوْتَ وَقَدْ جَاءَتْك نَوْبَتُك فَبَكَى عُمَرُ. وَيُقَالُ: الْقَبْرُ يَنُوحُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ
стр. 429
يَقُولُ: أَنَا بَيْتُ الظُّلْمَةِ فَنَوِّرُونِي بِصَلَاةِ اللَّيْلِ أَنَا بَيْتُ التُّرَابِ فَاحْمِلُوا الْفِرَاشَ وَهُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ أَنَا بَيْتُ الْأَفَاعِي فَاحْمِلُوا التِّرْيَاقَ وَهُوَ دُمُوعُ الْعَيْنِ أَنَا بَيْتُ الضَّيْفِ فَتَزَوَّدُوا لِأَنْفُسِكُمْ أَنَا بَيْتُ الْفَقْرِ فَتَزَوَّدُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ غِنَاكُمْ أَنَا بَيْتُ سُؤَالِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ فَأَكْثِرُوا عَلَى ظَهْرِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قِيلَ: رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (طب) الطَّبَرَانِيُّ (عَنْ عَمَّارٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا» بِالْأَمْرِ بِالطَّاعَاتِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ، وَالْوَعْظُ دَعْوَةُ الْأَشْيَاءِ بِمَا فِيهَا مِنْ الْعِبْرَةِ لِانْقِيَادِ الْحَقِّ - تَعَالَى - كَيْفَ لَا يَكْفِي وَالْيَوْمُ فِي الدُّورِ وَغَدًا فِي الْقُبُورِ، كَيْفَ وَهُوَ الْمُصِيبَةُ الْعُظْمَى وَالدَّاهِيَةُ الْكُبْرَى وَأَعْظَمُ مِنْهُ الْغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِهِ - تَعَالَى - وَقِلَّةُ تَفَكُّرِهِ، وَأَنَّ لَهُ وَحْدَةً وَلِلْعَاقِلِ عِبْرَةً فَهَلْ لَك اعْتِذَارٌ بَعْدَ قَوْلِ سَيِّدِ الْأَبْرَارِ «كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا» أَمَا تَسْتَحْيِي مِنْ اسْتِبْطَائِك هُجُومَ الْمَوْتِ اقْتِدَاءً بِالْغَافِلِينَ الَّذِينَ ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠] فَيَأْتِيهِمْ الْمَرَضُ نَذِيرًا مِنْ الْمَوْتِ فَلَا يَنْزَجِرُونَ وَيَأْتِيهِمْ الشَّيْبُ رَسُولًا مِنْهُ فَمَا يَعْتَبِرُونَ، فَ ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠] أَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا خَالِدُونَ ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٣١] أَمْ يَحْسَبُونَ الْمَوْتَى سَافَرُوا مِنْ عِنْدِهِمْ فَهُمْ يَعُودُونَ، كَلًّا ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢] لَكِنْ ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤] «وَكَفَى بِالْيَقِينِ غِنًى» لِأَنَّ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ بِأَنَّ الْأَرْزَاقَ بِتَقْسِيمِ اللَّهِ - تَعَالَى ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ [الزخرف: ٣٢] وَأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يُعْطِيهِ أَلْبَتَّةَ عَلَى مُقْتَضَى وَعْدِهِ - ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] ، وَ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]- بَلْ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ لَا مَحَالَةَ، هَذَا كَافٍ فِي الْغِنَى قَالَ الْخَوَّاصُ: الْغِنَى حَقُّ الْغِنَى مَنْ أَسْكَنَ قَلْبَهُ مِنْ غِنَاهُ يَقِينًا وَمِنْ مَعْرِفَتِهِ تَوَكُّلًا وَمِنْ عَطَايَاهُ رِضًا ثُمَّ هَذَا الْخَبَرُ مُتَضَمِّنٌ لِلْحَثِّ عَلَى الزُّهْدِ وَهُوَ أَمْرٌ تَطَابَقَتْ عَلَيْهِ الْمِلَلُ وَالنِّحَلُ قَالَ الْغَزَالِيُّ: التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالْفُرْقَانُ وَصُحُفُ مُوسَى وَصُحُفُ إبْرَاهِيمَ وَكُلُّ كِتَابٍ مُنْزَلٍ مَا نَزَلَ إلَّا لِدَعْوَةِ الْخَلْقِ إلَى الْمُلْكِ الدَّائِمِ الْمُخَلَّدِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُمْ أَنْ يَمُوتُوا مُلُوكًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَمَّا مُلْكُ الدُّنْيَا فَبِالزُّهْدِ وَالْقَنَاعَةِ، وَأَمَّا الْآخِرَةُ فَبِالْقُرْبِ مِنْهُ يُدْرَكُ بَقَاءٌ لَا فِنَاءَ فِيهِ، وَالشَّيْطَانُ يَدْعُو إلَى مُلْكِ الدُّنْيَا لِيُفَوِّتَ عَلَيْهِمْ مُلْكَ الْأُخْرَى إذْ هُمَا ضَرَّتَانِ، وَنَعِيمُ الدُّنْيَا لَا يَسْلَمُ لَهُ أَيْضًا لِكَدَرِهَا وَمُنَازَعَتِهَا وَمَعْنَى الزُّهْدِ أَنْ يَتْرُكَ الْعَبْدُ شَهْوَتَهُ وَغَضَبَهُ وَبِذَلِكَ يَصِيرُ الْعَبْدُ حُرًّا، وَبِاسْتِيلَاءِ الشَّهْوَةِ يَصِيرُ عَبْدًا لِبَطْنِهِ وَفَرْجِهِ وَسَائِرِ أَغْرَاضِهِ، فَيَكُونُ مُسَخَّرًا كَالْبَهِيمَةِ يَجُرُّهُ إمَامُ الشَّهْوَةِ إلَى حَيْثُ يُرِيدُ فَمَا أَعْظَمَ اغْتِرَارُ الْإِنْسَانِ إذَا ظَنَّ أَنَّهُ يَنَالُ الْمُلْكَ يَصِيرُ مَمْلُوكًا وَمِثْلُهُ هَلْ يَكُونُ إلَّا مَعْكُوسًا فِي الدُّنْيَا وَمَنْكُوسًا فِي الْآخِرَةِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْمُلُوكِ لِبَعْضِ الزُّهَّادِ هَلْ لَك حَاجَةٌ؟ قَالَ: كَيْفَ أَطْلُبُ مِنْك حَاجَةً وَمُلْكِي أَعْظَمُ مِنْ مُلْكِك، قَالَ: كَيْفَ؟ قَالَ: مَنْ أَنْتَ عَبْدُهُ فَهُوَ عَبْدِي أَنْتَ عَبْدُ شَهْوَتِك وَأَنَا مَلَكْتُهَا فَهِيَ عَبْدِي، وَقَالَ بَعْضٌ بِمِثْلِ ذَلِكَ: أَنْتَ عَبْدُ عَبْدِي فَهَذَا هُوَ الْمُلْكُ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ الْجَارُّ إلَى مُلْكِ الْآخِرَةِ فَالْمَخْدُوعُونَ بِالْغُرُورِ خَسِرُوا الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، كَذَا فِي فَيْضِ الْقَدِيرِ ثُمَّ قَالَ فِيهِ أَيْضًا هَذَا الْحَدِيثُ ضَعَّفَهُ الْعِرَاقِيُّ
стр. 430
وَالْمُنْذِرِيُّ وَغَرِيبٌ مُنْقَطِعٌ عِنْدَ الْعَلَائِيِّ وَعَنْ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالْهَيْثَمِيِّ مَتْرُوكٌ وَهُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ قَوْلِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ أَقُولُ الْحَدِيثُ إنْ كَانَ لَهُ تَأْيِيدٌ صَحِيحٌ وَقَوِيٌّ يَجُوزُ رِوَايَتُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ سِيَّمَا عِنْدَ مُطَابَقَةِ الْقِيَاسِ وَقَدْ وَرَدَ صَحِيحًا «كَفَى بِالْمَوْتِ مُزَهِّدًا فِي الدُّنْيَا وَمُرَغِّبًا فِي الْآخِرَةِ» وَلَا شَكَّ فِي قُرْبِ مَعْنَيَيْهِمَا (حب) ابْنُ حِبَّانَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ» بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ قَاطِعِ «اللَّذَّاتِ» يَعْنِي الْمَوْتَ) قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَيْ نَغِّصُوا بِذِكْرِهِ لَذَّاتِكُمْ فَيَنْقَطِعَ رُكُونُكُمْ إلَيْهَا فَتَنْقَلِبُوا إلَى اللَّهِ، قَالُوا: هَذَا أَبْلَغُ الذِّكْرَى وَالْمَوَاعِظِ فَإِنَّ ذِكْرَهُ الْحَقِيقِيَّ لَا الصُّورِيَّ مُزِيلٌ لِلَّذَّةِ وَمَانِعٌ لِلْأَمَانِيِّ وَنَافٍ لِلْآمَالِ لَكِنْ النُّفُوسُ الرَّاكِدَةُ وَالْقُلُوبُ الْغَافِلَةُ تَحْتَاجُ إلَى تَطْوِيلِ الْوَعْظِ وَتَزْوِيقِ الْأَلْفَاظِ وَإِلَّا فَهَذَا الْقَوْلُ مَعَ قَوْله تَعَالَى - ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥]- كَافٍ وَشَافٍ فَذِكْرُ الْمَوْتِ يَطْرُدُ طُولَ الْأَمَلِ وَيَكُفُّ التَّمَنِّيَ وَيُهَوِّنُ الْمَصَائِبَ.
وَقَالَ الْحُكَمَاءُ: ذِكْرُ الْمَنِيَّةِ يُنْسِي الْأُمْنِيَةَ وَقَالَ الْحَافِظُ وُجِدَ مَكْتُوبًا عَلَى حَجَرٍ: لَوْ رَأَيْت يَسِيرًا مَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِك لَزَهِدْت فِي طُولِ مَا تَرْجُو مِنْ أَمَلِك وَلَرَغِبْت فِي الزِّيَادَةِ مِنْ عَمَلِك وَاقْتَصَرْتَ مِنْ حِرْصِك وَجَدَلِك وَإِنَّمَا يَلْقَاك غَدًا نَدَمُك، لَوْ قَدْ زَلَّتْ بِك قَدَمُك وَأَسْلَمَك أَهْلُك وَحَشَمُك وَتَبَرَّأَ مِنْك الْقَرِيبُ وَانْصَرَفَ عَنْك الْحَبِيبُ وَقَالَ التَّيْمِيُّ شَيْئَانِ قَطَعَا عَنِّي لَذَّةَ النَّوْمِ: ذِكْرُ الْمَوْتِ وَالْوُقُوفُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَجْمَعُ الْفُقَهَاءَ فَيَتَذَاكَرُونَ الْمَوْتَ وَالْقِيَامَةَ فَيَبْكُونَ كَأَنَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ جِنَازَةً. وَقَالَ اللَّفَّافُ مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ أُكْرِمَ بِثَلَاثٍ: تَعْجِيلِ التَّوْبَةِ وَقَنَاعَةِ الْقَلْبِ وَنَشَاطِ الْعِبَادَةِ، وَمَنْ نَسِيَهُ عُوقِبَ بِثَلَاثٍ: تَسْوِيفِ التَّوْبَةِ وَتَرْكِ الرِّضَا بِالْكَفَافِ وَالتَّكَاسُلِ فِي الْعِبَادَةِ، فَتَفَكَّرْ يَا مَغْرُورُ فِي الْمَوْتِ وَسَكْرَتِهِ وَصُعُوبَةِ كَأْسِهِ وَمَرَارَتِهِ فَيَا لِلْمَوْتِ مِنْ وَعْدٍ مَا أَصْدَقَهُ وَمِنْ حُكْمٍ مَا أَعْدَلَهُ فَكَفَى بِالْمَوْتِ مُفْزِعًا لِلْقُلُوبِ وَمُبْكِيًا لِلْعُيُونِ وَمُفَرِّقًا لِلْجَمَاعَاتِ وَهَاذِمًا لِلَّذَّاتِ وَقَاطِعًا لِلْأُمْنِيَاتِ (فَإِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ) أَيْ الْمَوْتَ (أَحَدٌ فِي ضِيقٍ) كَفَقْرٍ وَمَرَضٍ وَحَبْسٍ وَمَصَائِبِ الْأَنْفُسِ وَالْأَوْلَادِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَقَارِبِ (إلَّا وَسَّعَهُ) صَيَّرَهُ وَاسِعًا، إمَّا لِأَنَّهُ مُذَكِّرٌ عَدَمَ كَوْنِ النِّعَمِ مِلْكًا لَهُ بَلْ فَانِيَةً لَيْسَ لَهَا دَوَامٌ، وَإِمَّا لِلْأَجْرِ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِالصَّبْرِ، وَإِمَّا لِأَنَّ عُمُرِي أَنْفَاسٌ مَعْدُودَةٌ زَالَتْ سَرِعَةً فَلَا تَفَاوُتَ فِي سَعَتِهِ وَضِيقِهِ (وَلَا ذَكَرَهُ فِي سَعَةٍ إلَّا ضَيَّقَهَا) أَيْ السَّعَةَ (عَلَيْهِ) لِعِلْمِهِ بِمُفَارَقَتِهَا
стр. 431
وَمُحَاسَبَتِهِ أَوْ مُنَاقَشَتِهِ بَلْ مَعْذَبِيَّتُهُ عَلَيْهَا وَلِإِخْطَارِهِ كَوْنَ مَا فِي يَدِهِ مُسْتَعَارًا لَهُ وَالْمِلْكُ لِغَيْرِهِ وَنَفْسُهُ عَبْدٌ خَادِمٌ لَهُ قَالَ الْغَزَالِيُّ الْمَوْتُ خَطَرٌ هَائِلٌ وَخَطْبٌ عَظِيمٌ وَغَفْلَةُ النَّاسِ عَنْهُ أَعْظَمُ لِقِلَّةِ فِكْرِهِمْ فِيهِ وَمَنْ ذَكَرَهُ لَا يَذْكُرُهُ عَلَى حُرِّيَّةٍ بِقَلْبٍ فَارِغٍ بَلْ بِشَغْلِ الشَّهَوَاتِ. هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ وَإِنْ ضَعَّفَهُ بَعْضٌ كَالذَّهَبِيِّ؛ لِأَنَّ فِي أَسَانِيدِهِ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مُسْلِمٍ لَكِنْ قَوَّاهُ غَيْرُهُ مَعَ أَنَّهُ عَلَى طَرِيقِ أَنَسٍ حَسَنٌ.
(دُنْيَا) ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا (طص) طَبَرَانِيٌّ فِي الصَّغِيرِ (عَنْ) عَبْدِ اللَّهِ (بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ «أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» حَالَ كَوْنِي «عَاشِرَ عَشَرَةِ» رِجَالٍ « (فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَكْيَسُ النَّاسِ) » أَكْثَرُهُمْ عَقْلًا أَيْ الْفَطِنُ سَرِيعُ الْفَهْمِ ( «وَأَحْزَمُ النَّاسِ» أَيْ جَوْدَةُ رَأْيِهِمْ «قَالَ أَكْثَرُهُمْ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ» لَا بِقَلْبٍ لَاهٍ وَصَدْرٍ سَاهٍ بَلْ بِفِكْرٍ حَرِيٍّ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْمَصَائِبِ وَأَبْشَعُ الرَّزَايَا وَأَشْنَعُ الْبَلَايَا، فَتَفَكَّرْ يَا ابْنَ آدَمَ، فِي مَصْرَعِك وَانْتِقَالِك مِنْ مَوْضِعِك إذَا نُقِلْت مِنْ السَّعَةِ إلَى الضِّيقِ وَخَانَك الصَّاحِبُ وَالرَّفِيقُ وَهَجَرَك الْأَخُ وَالصَّدِيقُ وَأُخِذْتَ مِنْ فِرَاشِك وَنُقِلْتَ مِنْ مِهَادِك فَيَا جَامِعَ الْمَالِ وَالْمُجْتَهِدَ فِي الْبُنْيَانِ، لَيْسَ لَك مِنْ مَالِك إلَّا الْأَكْفَانُ، بَلْ هُوَ لِلْخَرَابِ وَجِسْمُك لِلتُّرَابِ فَاعْتَبِرْ يَا مِسْكِينُ بِمَنْ صَارَ تَحْتَ التُّرَابِ وَانْقَطَعَ عَنْ الْأَهْلِ وَالْأَحْبَابِ بَعْدَ أَنْ قَادَ الْجُيُوشَ وَالْعَسَاكِرَ وَنَافَسَ الْأَصْحَابَ وَالْعَشَائِرَ وَجَمَعَ الْأَمْوَالَ وَالذَّخَائِرَ فَجَاءَهُ الْمَوْتُ فِي وَقْتٍ لَمْ يَحْتَسِبْهُ وَهَوْلٍ لَمْ يَرْتَقِبْهُ، وَلْيَتَأَمَّلْ حَالَ مَنْ مَضَى مِنْ إخْوَانِهِ وَدَرَجَ مِنْ أَقَارِبِهِ وَخُلَّانِهِ الَّذِينَ بَلَغُوا الْآمَالَ كَيْفَ انْقَطَعَتْ آمَالُهُمْ وَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَمَحَا التُّرَابُ مَحَاسِنَ وُجُوهِهِمْ وَتَفَرَّقَتْ فِي الْقُبُورِ أَجْزَاؤُهُمْ وَتَرَمَّلَتْ بَعْدَهُمْ نِسَاؤُهُمْ وَشَمِلَ ذُلُّ الْيُتْمِ أَوْلَادَهُمْ وَقَسَمَ غَيْرُهُمْ طَرِيفَهُمْ وَتِلَادَهُمْ قِيلَ: الْكَنْزُ الَّذِي لِلْغُلَامَيْنِ فِيهِ لَوْحٌ مِنْ ذَهَبٍ، فِيهِ عَجِبْت لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ، وَلِمَنْ أَيْقَنَ بِالنَّارِ كَيْفَ يَضْحَكُ «وَأَكْثَرُهُمْ اسْتِعْدَادًا لِلْمَوْتِ» بِإِيفَاءِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ مِنْ الْخَلْقِ، وَالْحَقُّ اسْتِبْرَاءُ الذِّمَمِ مِنْهُمْ فِي كُلِّ مَا ظَلَمَهُمْ وَتَحْسِينُ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ عَلَى وَفْقِ مَا يَرْضَى عَنْهُ اللَّهُ - تَعَالَى - «أُولَئِكَ الْأَكْيَاسُ» لِتَهَيُّئِهِمْ لِلْمَوْتِ لَا يَعْبَئُونَ بِقُدُومِ الْمَوْتِ وَلَا يَحْزَنُونَ بَلْ يُسَرُّونَ لِلْوُصُولِ إلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَلِلْخَلَاصِ مِنْ سِجْنِ السَّجِينِ وَأَمَّا الْحَمْقَى الَّذِينَ لَمْ يَسْتَعِدُّوا فَيَتَحَسَّرُونَ وَيَنْدَمُونَ بَلْ يَهْلِكُونَ.
قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيَّ: إنَّ رَجُلًا مِنْ جَبَابِرَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ عِنْدَ خَلْوَتِهِ فِي دَارِهِ بِبَعْضِ أَهْلِهِ دَخَلَ عَلَيْهِ شَخْصٌ مِنْ بَابِ بَيْتِهِ فَقَامَ إلَيْهِ مُغْضَبًا قَائِلًا: مَنْ أَنْتَ؟ وَمَنْ أَدْخَلَك؟ قَالَ: أَدْخَلَنِي الدَّارَ رَبُّ الدَّارِ، وَأَمَّا أَنَا فَاَلَّذِي لَا يُمْنَعُ عَنِّي الْحِجَابُ وَلَا أَسْتَأْذِنُ عَلَى الْمُلُوكِ وَلَا أَخَافُ مِنْ صَوْلَةِ كُلِّ مُتَسَلِّطٍ وَلَا يَتَخَلَّصُ مِنِّي كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَلَا شَيْطَانٌ مَرِيدٌ، فَقَالَ خَائِفًا مُتَذَلِّلًا: إذَنْ أَنْتَ مَلَكُ الْمَوْتِ؟ قَالَ: نَعَمْ فَقَالَ: امْهَلْ حَتَّى أُحْدِثَ عَهْدًا، قَالَ: هَيْهَاتَ انْقَطَعَتْ مُدَّتُك وَانْقَضَتْ أَنْفَاسُك فَلَيْسَ إلَى تَأْخِيرٍ مِنْ سَبِيلٍ، قَالَ: أَيْنَ تَذْهَبُ بِي؟ قَالَ: إلَى عَمَلِك الَّذِي قَدَّمْته وَإِلَى بَيْتِك الَّذِي مَهَّدْته قَالَ: فَإِنِّي لَمْ أُقَدِّمْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَمْ أُمَهِّدْ بَيْتًا حَسَنًا، قَالَ: فَإِلَى لَظًى نَزَّاعَةٍ لِلشَّوَى، ثُمَّ قَبَضَ
стр. 432
رُوحَهُ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ صَارِخٍ وَبَاكٍ وَأَيْضًا قِصَّةٌ أُخْرَى لِحَسْرَةِ مَنْ لَمْ يَسْتَعِدَّ لِلْمَوْتِ فِي الْإِحْيَاءِ أَيْضًا: أَنَّ رَجُلًا جَمَعَ أَمْوَالًا وَبَنَى قَصْرًا وَجَلَسَ عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ: يَا نَفْسِي انْعَمِي سِنِينَ قَدْ جَمَعْت لَك مَا يَكْفِيك، فَلَمْ يَفْرُغْ مِنْ كَلَامِهِ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَيْهِ مَلَكُ الْمَوْتِ فِي هَيْئَةِ رَجُلٍ عَلَيْهِ خُلْقَانُ الثِّيَابِ وَفِي عُنُقِهِ مِخْلَاةٌ يُشْبِهُ الْمَسَاكِينَ فَقَرَعَ الْبَابَ بِغَيْرِ حِشْمَةٍ، وَشِدَّةٍ عَظِيمَةٍ، فَوَثَبَ إلَيْهِ الْغِلْمَانُ قَائِلِينَ: مَا شَأْنُك؟ فَقَالَ: اُدْعُوا إلَيَّ مَوْلَاكُمْ، قَالُوا وَإِلَى مِثْلِك لَا يَخْرُجُ، فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: هَلَّا ضَرَبْتُمْ وَرَدَدْتُمْ مِنْ الْبَابِ فَقَرَعَ الْبَابَ أَشَدَّ مِنْ الْأَوَّلِ فَوَثَبَ إلَيْهِ الْحَرَسُ، فَقَالَ: أَخْبِرُوهُ أَنِّي مَلَكُ الْمَوْتِ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِمْ الرُّعْبُ وَوَقَعَ عَلَى مَوْلَاهُمْ الذُّلُّ وَالتَّخَشُّعُ، فَقَالَ: قُولُوا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا: هَلْ تَأْخُذُ أَحَدَنَا؟ فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اصْنَعْ فِي مَالِكِ وَأَنَا لَسْت بِخَارِجٍ مَا لَمْ أُخْرِجْ نَفْسَك فَأَحْضَرَ مَالَهُ وَقَالَ لَعَنَك اللَّهُ شَغَلْتنِي عَنْ عِبَادَةِ رَبِّي وَمَنَعْتنِي أَنْ أَتَخَلَّى لِرَبِّي فَأَنْطَقَ اللَّهُ الْمَالَ، فَقَالَ: لِمَ تَسُبُّنِي وَقَدْ كُنْت تَدْخُلُ عَلَى السَّلَاطِينِ بِي وَهُمْ يَرُدُّونَ الْمُتَّقِينَ وَتَنْكِحُ الْمُتَنَعِّمَاتِ بِي وَتَجْلِسُ مَجَالِسَ الْمُلُوكِ بِي وَهُمْ يَرُدُّونَ الْمُتَّقِينَ وَتُنْفِقُنِي فِي سَبِيلِ الشَّرِّ فَلَا أَمْتَنِعُ مِنْك وَلَوْ أَنْفَقْتَنِي فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ نَفَعْتُك، ثُمَّ قَبَضَ رُوحَهُ «ذَهَبُوا بِشَرَفِ الدُّنْيَا» لِأَنَّ ذِكْرَ الْمَوْتِ فِي الدُّنْيَا يُوجِبُ التَّجَافِيَ عَنْ دَارِ الْغُرُورِ وَيَتَقَاضَى الِاسْتِعْدَادَ لِلْآخِرَةِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ إذْ شَرَفُ الدُّنْيَا إنَّمَا يَكُونُ بِكَوْنِهِ وَسِيلَةً لِلْآخِرَةِ، وَإِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا، الْحَجَرُ وَالْمَدَرُ لَهُمْ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَالْبَهَائِمُ لَهُمْ مُسَخَّرُونَ لَا يَشَاءُونَ شَيْئًا إلَّا وَهُوَ كَائِنٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَشَاءُونَ إلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَا يَهَابُونَ أَحَدًا مِنْ الْخَلْقِ وَلَا يَخْدُمُونَ إلَّا اللَّهَ وَيَخْدُمُهُمْ كُلُّ مَنْ دُونَ اللَّهِ، وَأَيْنَ مُلُوكُ الدُّنْيَا بِعُشْرِ أَعْشَارِ هَذِهِ الرُّتْبَةِ، بَلْ هُمْ أَقَلُّ وَأَذَلُّ وَعَلَى خَطَرٍ كَثِيرٍ وَخَوْفٍ عَظِيمٍ كَمَا فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ وَقَدْ سَمِعْت قَوْلَ زَاهِدٍ لِمَلَكٍ: أَنْتَ عَبْدُ عَبْدِي وَمُلْكِي أَعْظَمُ مِنْ مُلْكِك «وَكَرَامَةِ الْآخِرَةِ» بِمَا وَعَدَ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْ حُسْنِ الْمَآبِ وَجَزِيلِ الثَّوَابِ وَرَفِيعِ الدَّرَجَاتِ وَكَرِيمِ الْمَقَامَاتِ وَعُلُوِّ الطَّبَقَاتِ إلَى رُتْبَةِ الْمُلْكِ الْكَبِيرِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠] قَالَ الْغَزَالِيُّ بَعْدَمَا فَصَّلَ نِسْبَةَ هَذَا الْمُلْكِ بِمُلْكِ الدُّنْيَا وَبِعِبَادَةِ الْعَابِدِ: كَلًّا بَلْ لَوْ كَانَ لَهُ أَلْفُ أَلْفِ نَفْسٍ وَأَلْفُ أَلْفِ رُوحٍ وَأَلْفُ أَلْفِ عُمُرٍ أَكْثَرُ مِنْ عُمُرِ الدُّنْيَا فَبَذَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي هَذَا الْمَطْلُوبِ الْعَزِيزِ لَكَانَ قَلِيلًا، وَلَئِنْ ظَفِرَ بَعْدَهُ كَانَ غُنْمًا عَظِيمًا، فَتَنَبَّهْ أَيُّهَا الْمِسْكِينُ مِنْ نَوْمَةِ الْغَافِلِينَ لَقَدْ أَعْطَى اللَّهُ - تَعَالَى - مِثْلَ هَذَا الْمُلْكِ فِي قَلِيلِ الْعُمُرِ بِقَلِيلِ الْعَمَلِ وَأَنْتَ لَا تَطْلُبُهُ وَلَا تَرْغَبُهُ بَلْ تُؤْثِرُ الْفَانِيَاتِ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْبَاقِيَاتِ.
(مُهِمَّةٌ) ثُمَّ إنَّ هَؤُلَاءِ الْأَكْيَاسَ الَّذِينَ اسْتَعَدُّوا لِلْمَوْتِ حَقَّ الِاسْتِعْدَادِ جُمْلَةُ مَا أُعْطِيَ لَهُمْ مِنْ شَرَفِ الدُّنْيَا وَكَرَامَتِهَا بَالِغٌ إلَى عِشْرِينَ، وَكَذَا كَرَامَةُ الْآخِرَةِ وَالدِّينِ، فَالْجُمْلَةُ أَرْبَعُونَ عَلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَالْأُولَى: أَنْ يَذْكُرَهُ اللَّهُ وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ وَأَكْرِمْ بِعَبْدٍ يَكُونُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي ذِكْرِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: شُكْرُهُ - تَعَالَى - وَتَعْظِيمُهُ وَلَوْ شَكَرَك وَعَظَّمَك مَخْلُوقٌ مِثْلُك لَشَرُفْت بِهِ فَكَيْفَ بِإِلَهِ الْعَالَمِينَ.
وَالثَّالِثَةُ: حُبُّهُ - تَعَالَى - فَلَوْ أَحَبَّك رَئِيسُ مَحَلَّةٍ لَافْتَخَرْت وَانْتَفَعْت بِهِ فَكَيْفَ بِمَحَبَّةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَالرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ وَكِيلَهُ يُدَبِّرُ أُمُورَهُ.
وَالْخَامِسَةُ: يَكُونُ كَفِيلَ رِزْقِهِ بِلَا تَعَبٍ.
وَالسَّادِسَةُ: يَكُونُ لَهُ نَصِيرًا كَافِيًا مِنْ كُلِّ عَدُوِّهِ.
وَالسَّابِعَةُ: يَكُونُ أَنِيسَهُ لَا يَسْتَوْحِشُ بِحَالٍ.
وَالثَّامِنَةُ: عِزُّ النَّفْسِ فَلَا يَلْحَقُهُ ذُلُّ خِدْمَةِ الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا بَلْ لَا يَرْضَى بِخِدْمَةِ الْمُلُوكِ.
وَالتَّاسِعَةُ: رَفْعُ الْهِمَّةِ فَيُبْرِيهِ مِنْ التَّلَطُّخِ بِقَاذُورَاتِ الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى زَخَارِفِهَا.
وَالْعَاشِرَةُ: غِنَى الْقَلْبِ فَلَا يَزُولُ فَرَحُ صَدْرِهِ بِقَحْطٍ وَلَا يُفْزِعُهُ عُدْمٌ.
وَالْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: نُورُ الْقَلْبِ فَيَهْتَدِي إلَى حِكَمٍ وَعُلُومٍ لَا يَهْتَدِي إلَى بَعْضِهَا غَيْرُهُ إلَّا بِجِدٍّ فِي عُمُرٍ مَدِيدٍ.
وَالثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: شَرْحُ الصُّدُورِ
стр. 433
فَلَا تَضِيقُ بِشَيْءٍ مِنْ مِحَنِ الدُّنْيَا وَمَكَايِدِ النَّاسِ.
وَالثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الْمَهَابَةُ يَحْتَرِمُهُ الْأَخْيَارُ وَالْأَشْرَارُ وَيَهَابُهُ كُلُّ فِرْعَوْنٍ وَجَبَّارٍ.
وَالرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الْمَحَبَّةُ فِي الْقُلُوبِ فَالنُّفُوسُ مَجْبُولَةٌ عَلَى تَعْظِيمِهِ وَمَطْبُوعَةٌ عَلَى إكْرَامِهِ.
وَالْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: الْبَرَكَةُ الْعَامَّةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ كَلَامٍ أَوْ نَفْسٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ قُوتٍ أَوْ مَكَان حَتَّى يُتَبَرَّكَ بِتُرَابٍ وَطِئَهُ وَبِمَكَانٍ جَلَسَهُ، أَوْ بِإِنْسَانٍ صَحِبَهُ.
وَالسَّادِسَةَ عَشْرَةَ: تَسْخِيرُ الْأَرْضِ مِنْ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إنْ شَاءَ طَارَ فِي الْهَوَاءِ أَوْ مَشَى عَلَى الْمَاءِ أَوْ طَوَى الْأَرْضَ لَهُ.
وَالسَّابِعَةَ عَشْرَةَ: تَسْخِيرُ الْحَيَوَانِ مِنْ السِّبَاعِ وَالْوُحُوشِ وَالْهَوَامِّ فَتُجِيبُهُ الْوُحُوشُ وَالْأُسُودُ.
وَالثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: مِلْكُ مَفَاتِيحِ الْأَرْضِ فَكُلَّمَا أَرَادَ كَنْزًا أَوْ عَيْنًا جَارِيَةً أَوْ حُضُورَ مَائِدَةٍ يُوجَدُ.
وَالتَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: الْوَجَاهَةُ عَلَى بَابِ رَبِّ الْعِزَّةِ فَتَبْتَغِي الْخَلْقُ الْوَسِيلَةَ إلَى اللَّهِ بِخِدْمَتِهِ وَتُسْتَنْجَحُ الْحَاجَاتُ بِبَرَكَتِهِ.
وَالْعِشْرُونَ: إجَابَةُ الدَّعْوَةِ فَلَا يَسْأَلُ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ - تَعَالَى - وَلَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ بِمَا شَاءَ حَتَّى لَوْ أَشَارَ إلَى جَبَلٍ لَزَالَ بِلَا احْتِيَاجٍ إلَى تَكَلُّمٍ وَلَوْ خَطَرَ بِبَالِهِ شَيْءٌ لَحَضَرَ بِلَا إشَارَةٍ بِيَدٍ.
وَأَمَّا الَّتِي فِي الْعُقْبَى الْأُولَى: أَنْ يُهَوَّنَ سَكَرَاتُ الْمَوْتِ حَتَّى إنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ الْمَوْتُ عِنْدَهُ مِثْلَ شَرْبَةِ مَاءٍ زُلَالٍ لِظَمْآنَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢] .
وَالثَّانِيَةُ: التَّثْبِيتُ عَلَى الْإِيمَانِ الَّذِي مِنْهُ كُلُّ الْفَزَعِ وَالْخَوْفِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] .
وَالثَّالِثَةُ: إرْسَالُ الرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠] .
وَالرَّابِعَةُ: الْخُلُودُ فِي الْجِنَانِ.
وَالْخَامِسَةُ: الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ لِرُوحِهِ وَتَحِيَّةُ مَلَائِكَةِ السَّمَوَاتِ بِالْإِكْرَامِ وَلِبَدَنِهِ فِي الْعَلَانِيَةِ بِتَعْظِيمِ جِنَازَتِهِ وَالْمُزَاحَمَةِ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَحَمْلِهِ وَتَجْهِيزِهِ وَنَحْوِهِ رَجَاءَ أَكْثَرِ ثَوَابٍ وَغُفْرَانٍ.
وَالسَّادِسَةُ: أَمْنٌ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ.
وَالسَّابِعَةُ: تَوْسِيعُ الْقَبْرِ وَتَنْوِيرُهُ فِي رَوْضَةِ جَنَّةٍ.
وَالثَّامِنَةُ: إينَاسُ رُوحِهِ فَتُجْعَلُ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ مَعَ الصَّالِحِينَ فَرِحِينَ مُسْتَبْشِرِينَ.
وَالتَّاسِعَةُ: الْحَشْرُ بِالْعِزِّ وَالْكَرَامَةِ مِنْ حُلَلٍ وَتَاجٍ بَرَّاقٍ.
وَالْعَاشِرَةُ: بَيَاضُ الْوَجْهِ وَنُورُهُ.
وَالْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الْأَمْنُ مِنْ أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ.
وَالثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَخْذُ الْكِتَابِ بِالْيَمِينِ وَمِنْهُمْ مَنْ كُفِيَ رَأْسًا.
وَالثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: تَيْسِيرُ الْحِسَابِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُحَاسَبُ أَصْلًا.
وَالرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: ثِقَلُ الْمِيزَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا وَزْنَ لَهُ أَصْلًا.
وَالْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: وُرُودُ حَوْضِ النَّبِيِّ ﵊.
وَالسَّادِسَةَ عَشْرَةَ: جَوَازُ الصِّرَاطِ وَالنَّجَاةُ مِنْ النَّارِ حَتَّى إنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَسْمَعُ حَسِيسَهَا وَتُخْمَدُ لَهُ النَّارُ.
وَالسَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الشَّفَاعَةُ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَالثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: مُلْكُ الْأَبَدِ فِي الْجَنَّةِ.
وَالتَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: الرِّضْوَانُ الْأَكْبَرُ فِي الْجَنَّةِ.
وَالْعِشْرُونَ: لِقَاءُ رَبِّ الْعَالَمِينَ إلَهِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ﷻ ثُمَّ قَالَ مَا حَاصِلُهُ أَيْضًا: هَذَا بِمُجَرَّدِ عِلْمِي الْقَاصِرِ مَعَ أَنِّي اكْتَفَيْت بِالْأُصُولِ وَإِلَّا فَكُلُّ نَوْعٍ لَوْ فُصِّلَ لَا يُحِيطُ بِهِ إلَّا عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] وَقَالَ ﷺ «خَلَقَ فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» .
(ذَمُّ طُولِ الْأَمَلِ)
(دنياهق) ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيُّ (عَنْ أُمِّ الْمُنْذِرِ) بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ وَهِيَ سَلْمَى بِنْتُ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيَّةُ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أَنَّهُ اطَّلَعَ» بِتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَى نَظَرَ ( «رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ عَشِيَّةٍ» آخِرَ النَّهَارِ «إلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا تَسْتَحْيُونَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: تَجْمَعُونَ» مِنْ الدُّنْيَا «مَا لَا تَأْكُلُونَ» مِنْ الْكَثْرَةِ أَوْ مِنْ عَدَمِ إيفَاءِ الْعُمُرِ فَيَأْكُلُهُ الْغَيْرُ حَبِيبُهُ قَرِيبُهُ، أَوْ عَدُوُّهُ بَعِيدُهُ، فَلَوْ صَرَفَهُ إلَى الْمَصَارِفِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بَلْ هُوَ جَمَعَ مَا أَكَلَهُ كَنَفَقَتِهِ الضَّرُورِيَّةِ لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ يَمُونُهُ وَيَلِي عَلَيْهِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ فِي بَيْتِ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَالَ: أَيْنَ مَتَاعُ بَيْتِك؟ قَالَ: لِي بَيْتٌ آخَرُ فَكُلَّمَا حَصَلَ لِي شَيْءٌ أَبْعَثُهُ إلَى ذَلِكَ الْبَيْتِ، فَقَالَ: أَنْتَ تَسْكُنُ هُنَا؟ قَالَ أَبُو ذَرٍّ لِأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أَنْطَلِقَ إلَيْهِ أَلْبَتَّةَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقًا أَبْغَضَ إلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا وَأَنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ إلَيْهَا مُنْذُ خَلَقَهَا» «وَتَأْمُلُونَ» بِضَمِّ الْمِيمِ «مَا لَا تُدْرِكُونَ» أَيْ تَتَمَنَّوْنَ وَتَرْجُونَ أُمُورًا كَثِيرَةً أَوْ عَظِيمَةً لَا يُمْكِنُ
стр. 434
وُصُولُكُمْ إلَيْهَا عَادَةً لِعَظَمَتِهَا أَوْ كَثْرَتِهَا أَوْ لِعَدَمِ نِهَايَةِ مَا أَمَّلْتُمْ إذْ كُلُّ أَحَدٍ إذَا وَصَلَ إلَى مَقَامٍ مِنْ مُشْتَهَيَاتِهِ يَأْمُلُ مَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَى غَيْرِ النِّهَايَةِ «وَتَبْنُونَ» مِنْ الْبُنْيَانِ كَالدُّورِ وَالْبُيُوتِ «مَا لَا تَسْكُنُونَ» لِكَوْنِهِ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الْحَاجَاتِ الضَّرُورِيَّةِ أَوْ يُشَيِّدُونَهُ عَلَى وَجْهٍ يَبْقَى بَعْدَ مَوْتِهِمْ فَلَا يَسْكُنُونَ بَلْ السُّكْنَى لِلْغَيْرِ، لَعَلَّ هَذَا فِيمَا هُوَ مِنْ الْحَلَالِ، وَأَمَّا الْحَرَامُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اتَّقُوا الْحَجَرَ الْحَرَامَ فِي الْبُنْيَانِ فَإِنَّهُ أَسَاسُ الْخَرَابِ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ خَرَابُ الدِّينِ أَوْ الدُّنْيَا بِقِلَّةِ الْبَرَكَةِ وَشُؤْمِ الْبَيْتِ، أَوْ أَسَاسُ خَرَابِ الْبِنَاءِ نَفْسِهِ بِأَنْ يُسْرِعَ إلَيْهِ الْخَرَابُ فِي أَمَدٍ قَرِيبٍ وَلَوْ لَمْ يَبْنِ بِهِ لَمْ يَخْرَبْ سَرِيعًا بَلْ يَطُولُ بَقَاؤُهُ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ مَكْتُوبٌ فِي الْإِنْجِيلِ: الْحَجَرُ الْوَاحِدُ فِي الْحَائِطِ مِنْ الْحَرَامِ عُرْبُونُ الْخَرَابِ وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَجَدْت فِي بَعْضِ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَنْ اسْتَغْنَى بِأَمْوَالِ الْفُقَرَاءِ جُعِلَتْ عَاقِبَتُهُ الْفَقْرَ وَأَيُّ دَارٍ بُنِيَتْ بِالضُّعَفَاءِ جُعِلَتْ عَاقِبَتُهَا الْخَرَابَ وَوَرَدَ أَيْضًا: أَنَّ الْبِنَاءَ إنْ كَانَ مِنْ حَرَامٍ لَمْ يَطُلْ تَمَتُّعُ صَاحِبِهِ بِهِ وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «إنَّ لِلَّهِ بِقَاعًا تُسَمَّى الْمُنْتَقِمَاتِ فَإِذَا كَسَبَ الرَّجُلُ الْمَالَ مِنْ حَرَامٍ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَالطِّينَ ثُمَّ لَا يُمَتِّعُهُ بِهِ» وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَا انْتَفَعْت بِكَلَامِ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا بِكِتَابٍ كَتَبَهُ إلَيَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْمَرْءَ يَسُوءُهُ فَوْتُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيُدْرِكَهُ وَيَسُرُّهُ دَرْكُ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ فَلْيَكُنْ سُرُورُك بِمَا نِلْت مِنْ أَمْرِ آخِرَتِك وَلْيَكُنْ أَسَفُك عَلَى مَا فَاتَك مِنْهَا وَمَا نِلْت مِنْ دُنْيَاك فَلَا تُكْثِرَنَّ بِهِ فَرَحًا وَمَا فَاتَك مِنْهَا فَلَا تَأْسَ عَلَيْهِ جَزَعًا وَلْيَكُنْ هَمُّك فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ. وَعَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَيْضًا: إنَّ لِلَّهِ - تَعَالَى - مَلَكًا يُنَادِي فِي كُلِّ يَوْمٍ لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ وَاجْمَعُوا لِلْفَنَاءِ
(دُنْيَا) ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا (طب) الطَّبَرَانِيُّ (نَعَمْ) أَبُو نُعَيْمٍ (هق) الْبَيْهَقِيُّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الْخُدْرِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّهُ اشْتَرَى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -) هُوَ مَوْلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَابْنُ مَوْلَاهُ وَحِبُّهُ وَابْنُ حِبِّهِ اسْتَعْمَلَهُ ﵊ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً» (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَاتِبِ الْوَحْيِ وَأَمَرَهُ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يَجْمَعَ الْقُرْآنَ وَأَمَرَهُ عُثْمَانُ فَكَتَبَ الْمُصْحَفَ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يُمْلِي عَلَيْهِ وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا لِصِغَرِهِ وَشَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا مِنْ الْمَشَاهِدِ وَكَانَ أَحَدَ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ وَالْقَيِّمَ فِي الْفَرَائِضِ وَأَحَدَ مَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَفْتَى فِي حَيَاتِهِ ( «وَلِيدَةً» أَيْ جَارِيَةً «بِمِائَةِ دِينَارٍ» مُؤَجَّلَةٍ «إلَى» مُضِيِّ «شَهْرٍ قَالَ» أَبُو سَعِيدٍ «فَسَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: أَلَا تَعْجَبُونَ» مِنْ الْعَجَبِ قِيلَ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ بِالتَّعَجُّبِ «مِنْ أُسَامَةَ الْمُشْتَرِي إلَى شَهْرٍ إنَّ أُسَامَةَ لَطَوِيلُ الْأَمَلِ» فَإِنْ قِيلَ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي مَعْنَى النَّهْيِ الْمُؤَكَّدِ بِالْعِلَّةِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَقْتَضِيَ الْكَرَاهَةَ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ نَسِيئَةً عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ شِرَاءَهُ لِضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ قُلْنَا: هَذَا لِلْعَوَامِّ وَأُسَامَةُ مِنْ الْخَوَاصِّ وَأَنَّهُ يَجُوزُ فَهْمُهُ
стр. 435
- ﵊ عَدَمَ ضَرُورَتِهِ، وَنُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّف فِي الْحَاشِيَةِ: هَذَا التَّوْبِيخُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى قَطْعِ أُسَامَةَ إرَادَةَ الْحَيَاةِ إلَى شَهْرٍ وَإِلَّا فَإِرَادَتُهَا بِطَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ أَوْ بِشَرْطِ الصَّلَاحِ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ فَكَيْفَ التَّوْبِيخُ، انْتَهَى «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا طَرَفَتْ عَيْنَايَ» أَيْ مَا وَقَعَ طَرَفُ جَفْنِهَا بِالطَّرَفِ الْآخَرِ ( «إلَّا ظَنَنْت أَنَّ شُفْرَيَّ» أَيْ جَفْنَيَّ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ تَثْنِيَةُ شُفْرٍ أَصْلُ مَنْبَتِ الشَّعْرِ فِي الْجَفْنِ «لَا يَلْتَقِيَانِ» لَا يَنْطَبِقَانِ عَلَى الْعَيْنِ «حَتَّى يَقْبِضَ اللَّهُ رُوحِي» فَأَمُوتَ فِي مِقْدَارِ طَرْفَةِ عَيْنٍ الطَّرْفُ تَحْرِيكُ الْجَفْنِ لِلنَّظَرِ إلَى شَيْءٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] «وَلَا رَفَعْت طَرْفِي وَظَنَنْت أَنِّي وَاضِعُهُ» وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْفَاءِ يَعْنِي لَا أَظُنُّ وَضْعَهُ «حَتَّى أُقْبَضَ» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ «وَلَا لَقِمْت» بِكَسْرِ الْقَافِ ( «لُقْمَةً إلَّا ظَنَنْت أَنِّي لَا أَسِيغُهَا» أَبْتَلِعُهَا وَأُدْخِلُهَا فِي حَلْقِي سَاغَ الشَّرَابُ سَوْغًا سَهُلَ مَدْخَلُهُ «حَتَّى أُغَصَّ بِهَا مِنْ» أَجْلِ «الْمَوْتِ» هُجُومِهِ «ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِي آدَمَ: إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ» مِنْ الْعُقَلَاءِ الْمُدْرِكِينَ لِعَاقِبَةِ الْأُمُورِ «فَعُدُّوا» اُحْسُبُوا «أَنْفُسَكُمْ مِنْ» جُمْلَةِ «الْمَوْتَى» لِأَنَّكُمْ رَاجِعُونَ إلَيْهِمْ قَرِيبًا كَقَوْلِهِ: مُوتُوا قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا عَلَى وَجْهٍ، وَكَمَا قِيلَ: عِشْ مَا شِئْت فَإِنَّك مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْت فَإِنَّك مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْت فَإِنَّك مَجْزِيٌّ بِهِ.
«وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» التَّأْكِيدُ بِالْقَسَمِ لِكَمَالِ الْعِنَايَةِ عَلَى مَضْمُونِ الْحُكْمِ أَوْ لِصِدْقِ الرَّغْبَةِ أَوْ لِقُوَّةِ الِاهْتِمَامِ «إنَّ مَا تُوعَدُونَ» مِنْ الْمَوْتِ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الْمُجَازَاةِ وَالْمُحَاسَبَاتِ «لَآتٍ» ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] «وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ» لَا تَقْدِرُونَ عَلَى إعْجَازِ اللَّهِ عَنْ إتْيَانِ مَا تُوعَدُونَهُ مِنْ الْمَوْتِ وَنَحْوِهِ ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] .
وَفِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ مِنْ خُطْبَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَيُّهَا النَّاسُ، اعْتَصِمُوا بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّ لَهَا حَبْلًا وَثِيقًا عُرْوَتُهُ، وَمَعْقِلًا مَنِيعًا ذُرْوَتُهُ، وَبَادِرُوا الْمَوْتَ وَغَمَرَاتِهِ، وَامْهَدُوا لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ، وَأَعِدُّوا لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ، إنَّ الْغَايَةَ الْقِيَامَةُ، وَكَفَى بِذَلِكَ وَاعِظًا لِمَنْ عَقَلَ، وَمُعْتَبَرًا لِمَنْ جَهِلَ، وَقَبْلَ بُلُوغِ الْغَايَةِ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ ضِيقِ الْأَرْمَاسِ وَشِدَّةِ الْإِبْلَاسِ وَهَوْلِ الْمَطْلَعِ وَرَوْعَاتِ الْفَزَعِ وَاخْتِلَافِ الْأَضْلَاعِ وَاسْتِكَاكِ الْأَسْمَاعِ وَظُلْمَةِ اللَّحْدِ وَخِيفَةِ الْوَعْدِ وَغَمِّ الضَّرِيحِ وَرَدْمِ الصَّفِيحِ وَأَيْضًا مِنْ حِكَمِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ وَالْآخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ، فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ، وَلَا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ، وَأَخْرِجُوا مِنْ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ أَبْدَانُكُمْ، فِيهَا اُخْتُبِرْتُمْ وَلِغَيْرِهَا خُلِقْتُمْ (دُنْيَا) ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا (عَنْ الْحَسَنِ) التَّابِعِيِّ (﵁) مُرْسَلًا (أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَكُلُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟» الِاسْتِفْهَامُ لَيْسَ عَلَى حَقِيقَتِهِ؛ لِأَنَّهُ ﵊ يَعْلَمُ حُبَّهُمْ دُخُولَ الْجَنَّةِ فَلِلتَّقْرِيرِ أَيْ حَمْلِهِمْ عَلَى إقْرَارِ الْمَحَبَّةِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ سَبَبَ دُخُولِهَا «قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ» جَاءُوا بِهِ تَلَذُّذًا بِمُخَاطَبَتِهِ وَتَعْظِيمًا بِتَوْصِيفِ رِسَالَتِهِ وَطَلَبِ أَجْرٍ بِاعْتِرَافِ رِسَالَتِهِ وَإِيمَاءً بِقُوَّةِ تَصْدِيقِهِمْ بِمَا سَيُخْبِرُ بِهِ ﵊ الْمُشَارِ مِنْ صَنِيعِ حِسَانِ فِعَالِهِ.
«قَالَ» - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
стр. 436
«قَصِّرُوا الْأَمَلَ» فَإِنَّ طُولَ الْأَمَلِ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ حُبُّ الدُّنْيَا الَّذِي هُوَ رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ قَالَ فِي الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ: وَمِنْ شَأْنِ الْمُرِيدِ قِصَرُ الْأَمَلِ فَإِنَّ الْفَقِيرَ ابْنُ وَقْتِهِ فَإِذَا كَانَ لَهُ تَدْبِيرٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَتَطَلُّعٌ لِغَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْوَقْتِ وَأَمَلٌ فِيمَا يَسْتَأْنِفُهُ لَا يَجِيءُ مِنْهُ شَيْءٌ «وَاجْعَلُوا آجَالَكُمْ» أَوْقَاتَ مَوْتِكُمْ «بَيْنَ أَبْصَارِكُمْ» لِئَلَّا تَغْفُلُوا عَنْهَا وَتَشْتَغِلُوا بِالدُّنْيَا «وَاسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - حَقَّ الْحَيَاءِ» لِئَلَّا تَتَعَمَّقُوا فِي مُشْتَهَيَاتِ النَّفْسِ وَأَذْوَاقِ الْهَوَى، كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵊ «قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ لِأَصْحَابِهِ: اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالُوا: إنَّا نَسْتَحْيِي مِنْ اللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكِنْ مَنْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظْ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى أَيْ جَمَعَهُ مِنْ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَاللِّسَانِ وَلْيَحْفَظْ الْبَطْنَ مِنْ الْحَرَامِ وَمَا حَوَى أَيْ جَمَعَهُ الْبَطْنُ مِنْ الْفَرْجِ وَالْقَلْبِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَلْيَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ الطِّيبِيِّ: فَمَنْ أَهْمَلَ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ عُهْدَةِ الِاسْتِحْيَاءِ وَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ جِبِلَّةَ الْإِنْسَانِ وَخِلْقَتَهُ مِنْ رَأْسِهِ إلَى قَدَمِهِ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ مَعْدِنُ الْعَيْبِ وَمَكَانُ الْمُحَارَبَةِ فَحَقُّ الْحَيَاءِ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ وَيَصُونَهَا عَمَّا يُعَابُ فِيهَا، وَأَصْلُ ذَلِكَ وَرَأْسُهُ تَرْكُ الْمَرْءِ مَا لَا يَعْنِيهِ فِي الْإِسْلَامِ وَشَغْلُهُ فِيمَا يَعْنِيهِ عَلَيْهِ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَوْرَثَهُ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَلِلْحَيَاءِ مَرَاتِبُ) أَعْلَاهَا الِاسْتِحْيَاءُ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَهُوَ مَقَامُ الْمُرَاقَبَةِ الْمُوصِلُ إلَى مَقَامِ الْمُشَاهَدَةِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ صَحِيحٍ وَمَرِيضٍ الْإِكْثَارُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِحَيْثُ يَصِيرُ نُصْبَ عَيْنِهِ وَالْمَرِيضُ أَوْلَى
ثُمَّ أَرَادَ تَفْصِيلَ حُكْمِ الْأَمَلِ (فَالْأَمَلُ إنْ كَانَ لِلتَّلَذُّذِ بِالْمُحَرَّمَاتِ) كَظُلْمِ الْعِبَادِ وَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ (فَحَرَامٌ) لِأَنَّ لِلْوَسَائِلِ حُكْمَ الْمَقَاصِدِ وَأَنَّ اعْتِبَارَ الْأُمُورِ بِمَقَاصِدِهَا (وَإِلَّا) كَالتَّلَذُّذِ بِالْمُبَاحَاتِ وَإِتْمَامِ عَمَلِ خَيْرٍ مَثَلًا (فَلَيْسَ بِحَرَامٍ) لِعَدَمِ آلِيَّتِهِ لِأَمْرٍ مُحَرَّمٍ (وَلَكِنَّهُ مَذْمُومٌ جِدًّا) قَطْعًا أَوْ قَوِيًّا (وَلَوْ كَانَ لِتَكْثِيرِ الطَّاعَاتِ) كَالتَّصَدُّقِ وَالصَّرْفِ إلَى وُجُوهِ الْبِرِّ وَطَرِيقِ الْخَيْرِ كَالصَّدَقَاتِ الْجَارِيَةِ نَحْوِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ (لِلْآفَاتِ السَّابِقَةِ) فِي أَوَائِلِ بَحْثِ الْأَمَلِ نَحْوُ الْكَسَلِ فِي الطَّاعَةِ وَتَأْخِيرِهَا وَتَسْوِيفِ التَّوْبَةِ وَنَحْوِهَا قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ الْأَوَّلُ أَمَلُ الْعَامَّةِ وَهَذَا الثَّانِي أَمَلُ الْخَاصَّةِ، لَكِنْ فِيهِ خَطَرٌ لِاحْتِمَالِ خَطَرٍ فِيهِ أَوْ فِي إتْمَامِهِ يُنَافِي الصَّلَاحَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِالِاسْتِثْنَاءِ أَوْ شَرْطِ الصَّلَاحِ (وَلِأَنَّهُ) أَيْ الْأَمَلَ (يَسْتَلْزِمُ الطَّمَعَ الْمَذْمُومَ) طَمَعَ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا بِخِلَافِ طَمَعِ الدِّينِ
(وَهُوَ) أَيْ الطَّمَعُ الْمَذْمُومُ (إرَادَةُ الْحَرَامِ) سَوَاءً كَانَ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - أَوْ مِنْ النَّاسِ وَلَكِنْ الثَّانِي أَقْبَحُ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ ذُلٌّ حَرَامٌ (الْمُلِذِّ) الْمُوقِعِ فِي اللَّذَّةِ الْعَاجِلَةِ الْفَانِيَةِ الظُّلْمَانِيَّةِ مِنْ مُيُولَاتِ إمَارَةِ النَّفْسِ وَمِنْ التَّحْرِيكَاتِ الشَّيْطَانِيَّةِ (أَوْ) إرَادَةُ (الشَّيْءِ الْمُخَاطَرِ) لَا يُؤْمَنُ مِنْ عُرُوضِ خَطَرٍ (أَعْنِي) بِالْمُخَاطَرِ (النَّوَافِلَ) فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ إذَا ابْتَدَأَ فِي صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ يَحْكُمَ بِأَنْ يُتِمَّهُ إذْ هُوَ غَيْبٌ وَلَا أَنْ يَقْصِدَ ذَلِكَ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَكُونُ لَهُ فِيهِ صَلَاحٌ بَلْ يُقَيَّدُ ذَلِكَ بِالِاسْتِثْنَاءِ أَوْ شَرْطِ الصَّلَاحِ فَيَخْلُصُ مِنْ غَيْبِ الْأَمَلِ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] .
стр. 437
(وَالْمُبَاحَاتِ) حَالَ كَوْنِ إرَادَةِ الشَّيْءِ الْمُخَاطَرِ (بِالْحُكْمِ) بِلَا اسْتِثْنَاءٍ وَلَا شَرْطِ صَلَاحٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْزِمُ بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ فِيهِ لِعَدَمِ الْأَمْنِ مِنْ الْمُحْبِطَاتِ فَتَأَمَّلْ (وَهُوَ) أَيْ الطَّمَعُ الْمَذْمُومُ.
(الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ آفَاتِ الْقَلْبِ هق) الْبَيْهَقِيُّ (حك) الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) ثَالِثٌ فِي الْإِسْلَامِ، أَوَّلُ رَامٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَكَانَ أَحَدَ السِّتَّةِ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ أَرَاقَ دَمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ «ارْمِ فِدَاك أَبِي وَأُمِّي» وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ قَالَ لَهُ رَجُلٌ حِينَ إمَارَتِهِ بِالْكُوفَةِ: أَنْتَ لَا تَعْدِلُ فِي الرَّعِيَّةِ وَلَا تَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ وَلَا تَغْزُو فِي السَّرِيَّةِ، فَقَالَ سَعْدٌ: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ كَاذِبًا فَأَعْمِ بَصَرَهُ وَعَجِّلْ فَقْرَهُ وَأَطِلْ عُمُرَهُ وَعَرِّضْهُ لِلْفِتَنِ فَعَمِيَ فَكَانَ يَلْتَمِسُ الْجُدْرَانَ وَافْتَقَرَ حَتَّى سَأَلَ النَّاسَ وَأَدْرَكَ فِتْنَةَ الْمُخْتَارِ، فَقِيلَ فِيهَا يَقُولُ أَدْرَكَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ وَهُوَ آخِرُ الْمُهَاجِرِينَ وَفَاةً، وَكَانَ أَوْصَى أَنْ يُكَفَّنَ فِي جُبَّةِ صُوفٍ لَهُ كَانَ لَقِيَ فِيهَا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ فَكُفِّنَ فِيهَا.
«جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ» - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي» بِمَا يُنْقِذُنِي مِنْ النَّارِ وَمِنْ الذِّلَّةِ فِي هَذِهِ الدَّارِ «قَالَ عَلَيْك بِالْإِيَاسِ» فِعَالٌ مُبَالَغَةٌ فِي الْيَأْسِ أَيْ الْمُبَالَغَةِ فِي قَطْعِ الْأُمْنِيَةِ «مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ» مِنْ زَخَارِفِ الدُّنْيَا يَعْنِي صَمِّمْ وَأَلْزِمْ نَفْسَك بِالْيَأْسِ مِنْهُ «وَإِيَّاكَ وَالطَّمَعَ فَإِنَّهُ» أَيْ الطَّمَعَ «الْفَقْرُ الْحَاضِرُ» وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَنْ عُدِمَ الْقَنَاعَةَ لَمْ يَزِدْهُ الْمَالُ إلَّا فَقْرًا وَلَقَدْ صَدَقَ مَنْ قَالَ
دَعْ الْحِرْصَ عَلَى الدُّنْيَا ... وَفِي الْعَيْشِ فَلَا تَطْمَعْ
وَلَا تَجْمَعْ مِنْ الْمَالِ ... فَلَا تَدْرِي لِمَنْ تَجْمَعْ
فَإِنَّ الرِّزْقَ مَقْسُومٌ ... وَسُوءُ الظَّنِّ لَا يَنْفَعْ
فَقِيرٌ كُلُّ ذِي حِرْصٍ ... غَنِيٌّ كُلُّ مَنْ يَقْنَعْ
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْقَنَاعَةُ كَنْزٌ لَا يَفْنَى وَمَالٌ لَا يَنْفَدُ» وَأَنْشَدُوا
إنَّ الْقَنَاعَةَ بَابٌ أَنْتَ دَاخِلُهُ ... إنْ كُنْت ذَاكَ الَّذِي يُرْجَى لِخِدْمَتِهِ
فَاقْنَعْ بِمَا أَعْطَتْ الْأَيَّامُ مِنْ نِعَمٍ ... مِنْ الطَّبِيعَةِ لَا تَقْنَعْ بِنِعْمَتِهِ
لَوْ كَانَ عِنْدَك مَالُ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ ... لَنْ يَأْكُلَ الشَّخْصُ مِنْهُ غَيْرَ لُقْمَتِهِ
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ:
مَا ذَاقَ ذَوْقَ الْغِنَى مَنْ لَا قُنُوعَ لَهُ ... وَلَنْ تَرَى قَانِعًا مَا عَاشَ مُفْتَقِرًا
«وَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ» أَيْ اشْرَعْ فِيهَا وَالْحَالُ أَنَّك تَارِكٌ غَيْرَك لِمُنَاجَاةِ رَبِّك مُقْبِلًا عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِك «وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ» أَيْ احْذَرْ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِمَا يُحْوِجُك أَنْ تَعْتَذِرَ مِنْهُ وَلِذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَقِفَنَّ مَوَاقِفَ التُّهَمِ» وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إيَّاكَ وَمَا سَبَقَ الْقُلُوبَ إنْكَارُهُ وَإِنْ كَانَ عِنْدَك اعْتِذَارُهُ كَمَا فِي ابْنِ مَالِكٍ وَلِذَا كَرِهَ الذَّوْقَ وَمَضْغَ شَيْءٍ لِلصَّائِمِ؛ لِأَنَّ مَنْ رَآهُ مِنْ بَعِيدٍ يَظُنُّهُ آكِلًا وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى التَّدَبُّرِ وَالنَّظَرِ إلَى الْعَاقِبَةِ.
(فَطَمَعُ الْحَرَامِ حَرَامٌ) لِأَنَّ الْأُمُورَ بِمَقَاصِدِهَا (وَطَمَعُ الْمُخَاطَرِ) (لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَكِنَّهُ مَذْمُومٌ جِدًّا) لِعَدَمِ الْأَمْنِ مِنْ الْمُحَرَّمِ إذْ رُبَّمَا
стр. 438
يُؤَدِّي إلَيْهِ (وَأَقْبَحُ الطَّمَعِ الطَّمَعُ مِنْ النَّاسِ) قِيلَ: لِمَا أَنَّ طَبْعَ النَّاسِ إهَانَةُ مَنْ عَلِمُوا مِنْهُ ذَلِكَ وَمُقَابَلَتُهُمْ لَهُ بِأَنْوَاعِ الْمُكَافَحَةِ وَالْإِعْرَاضِ (وَهُوَ) أَيْ الطَّمَعُ (ذُلٌّ يَنْشَأُ مِنْ الْحِرْصِ) عَلَى الدُّنْيَا (وَالْبَطَالَةِ) وَهُوَ الْقُعُودُ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ وَكَسْبٍ (وَالْجَهْلِ بِحِكْمَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي الْحَاجَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْحِكْمَةِ لِأَهْلِ الدُّنْيَا (إلَى التَّعَاوُنِ) بِأَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ وَأَبْدَانِ الْفُقَرَاءِ فَلَوْ غَنِيَ الْكُلُّ لَبَطَلَتْ الْحِكْمَةُ وَاخْتَلَّ النِّظَامُ.
(وَضِدُّ الطَّمَعِ التَّفْوِيضُ) إلَى اللَّهِ تَعَالَى (وَهُوَ إرَادَةُ أَنْ يَحْفَظَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيْك مَصَالِحَك) الَّتِي يَصْلُحُ بِهَا فِيك وَيَنْتَظِمُ بِهَا مَعَاشُك وَمَعَادُك (فِيمَا لَا تَأْمَنُ) مُتَعَلِّقٌ بِأَنْ يَحْفَظَ (فِيهِ الْخَطَرَ) أَيْ الْإِشْرَافَ عَلَى الْهَلَاكِ وَخَوْفَ التَّلَفِ (أَعْنِي النَّوَافِلَ) فَالْخَطَرُ فِيهَا بِالرِّيَاءِ وَالْعُجْبِ (وَالْمُبَاحَاتِ) وَهُوَ الْجَرُّ وَالتَّأَدِّي إلَى الشُّرُورِ (وَإِنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ فِيمَا لَا يُؤْمَنُ فِيهِ الْخَطَرُ (صَلَاحُك) بِحِفْظِك مِنْ ذَلِكَ (يَسُرُّك) بِسَبَبِ التَّفْوِيضِ بِرَفْعِ الْمَوَانِعِ (وَإِلَّا مَنَعَك) بِخَلْقِ الْمَوَانِعِ وَعَدَمِ الْمُيُولَاتِ كَمَا هُوَ مَضْمُونُ دُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ الْمَعْهُودَةِ (قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - حِكَايَةً) عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَقِيلَ: عَنْ مُوسَى ﵇ ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر: ٤٤] لِيَعْصِمَنِي مِنْ كُلِّ سُوءٍ ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ [غافر: ٤٤] تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ السَّابِقِ ﴿بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤] فَيَحْرُسُهُمْ وَيُعْطِيهِمْ مَا يُرِيدُ، قِيلَ: قَالَهُ حِينَ أَرَادُوا قَتْلَهُ لِأَجْلِ دَعْوَتِهِ إيَّاهُمْ إلَى الْإِيمَانِ وَتَرْكِ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ فَبَعَثَ فِرْعَوْنُ لِطَلَبِهِ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر: ٤٥] آلُ فِرْعَوْنَ، وَالْمَكْرُ الْخَدِيعَةُ أَيْ شَرُّ مَا أَرَادُوا بِهِ (اُنْظُرْ) أَيُّهَا السَّالِكُ الْمُتَفَطِّنُ (كَيْفَ عَقَّبَ) اللَّهُ (التَّفْوِيضَ) بَلْ فَرَّعَ عَلَيْهِ (بِالْوِقَايَةِ) بِالْفَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّعْقِيبِ بَلْ التَّرْتِيبِ (وَهُوَ) أَيْ التَّفْوِيضُ (مَقَامٌ شَرِيفٌ) لِصَاحِبِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّسْلِيمِ وَالِانْقِيَادِ إلَى خَالِقِهِ (يَدُلُّ عَلَى حُسْنِهِ) النَّقْلُ كَمَا وَرَدَ فِي الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَ (الْعَقْلُ أَيْضًا) فَإِنَّ الْعَبْدَ الْعَاجِزَ عَنْ التَّأْثِيرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ لَا يَلِيقُ لَهُ أَمْرٌ سِوَى التَّفْوِيضِ إلَى مَنْ بِيَدِهِ تَصَرُّفُ كُلِّ شَيْءٍ وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَدْرِي عَاقِبَةَ أَمْرِهِ صَلَاحِهِ وَفَسَادِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى جَلْبِ نَفْعٍ وَدَفْعِ ضُرٍّ فَلَا يَلِيقُ لَهُ أَمْرٌ سِوَى التَّسْلِيمِ إلَى الْحَكِيمِ الْقَادِرِ الْعَلِيمِ.
[الْمَبْحَثُ السَّادِسُ مِنْ السَّبْعَةِ فِي أُمُورٍ مُتَرَدِّدَةٍ بَيْنَ الرِّيَاءِ وَالْإِخْلَاصِ]
(الْمَبْحَثُ السَّادِسُ مِنْ السَّبْعَةِ)
(فِي أُمُورٍ مُتَرَدِّدَةٍ بَيْنَ الرِّيَاءِ وَالْإِخْلَاصِ أَوْ) بَيْنَ الرِّيَاءِ وَ (الْحَيَاءِ) مِنْ اللَّهِ تَعَالَى (يَدْخُلُ فِي كِلَا الْجَانِبَيْنِ) أَيْ الرِّيَاءِ وَمُقَابِلُهُ (تَلْبِيسُ إبْلِيسٍ) فَلْيَكُنْ السَّالِكُ عَلَى بَصِيرَةٍ وَتَيَقُّظٍ (فَلْنَقْدَمْ) عَلَى بَيَانِ تِلْكَ الْأُمُورِ الْمُتَرَدِّدَةِ (مُقَدَّمَةٌ فِي) أَمْرَيْنِ الْأَوَّلُ بَيَانُ (دَفْعِ) وَسْوَسَةِ (الشَّيْطَانِ) وَدَعْوَتِهِ (وَ)
стр. 439
الثَّانِي بَيَانُ طَرِيقِ دَفْعِ (حِيَلِهِ الَّتِي تَشْتَدُّ إلَيْهَا) إلَى مَعْرِفَتِهَا مَعَ طُرُقِ دَفْعِهَا (الْحَاجَةُ فِي التَّقْوَى) لِيَدْفَعَ عَنْهُ كَيْدَ الْعَدُوِّ وَيَتَخَلَّصَ مِنْ أَمْرِهِ (فِي جَمِيعِ مَجَارِيهَا) فِعْلًا كَانَ أَوْ تَرْكًا (خُصُوصًا فِي الْإِخْلَاصِ) الَّذِي هُوَ رُوحُ الْعَمَلِ وَسَبَبُ قِوَامِهِ (فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ) لِصُعُوبَةِ الْمَبْحَثِ وَقُوَّةِ خَفَائِهِ خَصَّهُ بِتَصْرِيحِ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِ جَمِيعِ الْأَقْوَالِ مُحْتَاجًا إلَى التَّوْفِيقِ اعْلَمْ أَنَّ فِي كَيْفِيَّةِ دَفْعِ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ الِاسْتِعَاذَةُ بِاَللَّهِ فَقَطْ، وَالْمُحَارَبَةُ فِي دَفْعِ الشَّيْطَانِ فَقَطْ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
وَلِذَا قَالَ (الْمَذْهَبُ الْمُخْتَارُ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الِاسْتِعَاذَةِ وَالْمُحَارَبَةِ) الظَّاهِرُ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ بَلْ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ أَوْ الْأَوْقَاتِ وَلَوْ بِالنَّظَرِ إلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ (فَنَسْتَعِيذُ) نَعْتَصِمُ (بِاَللَّهِ - تَعَالَى - أَوَّلًا مِنْ شَرِّهِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِهِ) بِقَوْلِهِ - ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]- (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ كَلْبٌ سُلِّطَ عَلَيْنَا) لِلِابْتِلَاءِ وَالِاخْتِبَارِ وَلِتَكْثِيرِ أُجُورِنَا بِمُجَاهَدَتِهِ (فَعَلَيْنَا الرُّجُوعُ إلَى رَبِّهِ) صَاحِبِهِ الَّذِي أَمْرُهُ بِيَدِهِ (لِيَصْرِفَهُ عَنَّا) أَيْ وَسَاوِسَهُ وَغَوَائِلَهُ، فَإِنَّ رَبَّ الْكَلْبِ أَدْفَعُ فَإِنْ قِيلَ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ الْكَلْبِ مُسَلِّطًا إيَّاهُ فَإِنْ كَانَ التَّسْلِيطُ مِنْ قِبَلِ الصَّاحِبِ كَيْفَ يُفِيدُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ قُلْنَا إنْ كَانَ تَسْلِيطُهُ لِمُجَرَّدِ الِاخْتِبَارِ فَالْفَائِدَةُ ظَاهِرَةٌ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ التَّسْلِيطُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] وَقَالَ حِكَايَةً عَنْ الشَّيْطَانِ - ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: ٢٢]- قُلْنَا الْمُرَادُ مِنْ السُّلْطَانِ الْقَهْرُ وَالْجَبْرُ، وَالْوَسْوَسَةُ لَيْسَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَوْ الْمُرَادُ هُوَ الْحُجَّةُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلشَّيْطَانِ فِي وَسْوَسَتِهِ مِنْ حُجَّةٍ بَلْ دَعْوَى مُجَرَّدَةٍ أَوْ دَعْوَى مُجَرَّدَةٍ بِنَحْوِ الْمُيُولَاتِ الْفَاسِدَةِ وَبِالْجُمْلَةِ التَّدْبِيرُ فِي دَفْعِ الشَّيْطَانِ الِالْتِجَاءُ أَوَّلًا إلَى الرَّحْمَنِ فَإِنَّ الِاشْتِغَالَ بِدَفْعِهِ ابْتِدَاءً تَعَبٌ وَتَضْيِيعُ عُمُرٍ وَوَقْتٍ بَلْ رُبَّمَا لَا يُؤْمَنُ مِنْ غَلَبَتِهِ وَجُرْحِهِ وَسِهَامِهِ فَالْأَوْلَى الرُّجُوعُ إلَى صَاحِبِهِ كَكَلْبٍ عَقُورٍ لَا يَنْدَفِعُ بِأَنْوَاعِ الْحِيَلِ وَالْمُعَالَجَاتِ الصَّعْبَةِ بَلْ قَدْ يَغْلِبُ وَيَفْتَرِسُ وَيَنْدَفِعُ بِزَجْرَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ صَاحِبِهِ.
(ثُمَّ نَسْتَخِفُّ) أَيْ نَتَهَاوَنُ (بِدَعْوَتِهِ) وَلَا نَلْتَفِتُ بِاشْتِغَالِ رَدِّهِ (وَنَنْفِيهَا) نَحْنُ مِنْ خَاطِرِنَا وَنَجْعَلُهَا بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ (كُلَّمَا وَرَدَتْ وَلَا نَشْتَغِلُ بِالْمُحَارَبَةِ) مَعَهُ؛ لِأَنَّ كَيْدَهُ وَسْوَسَةٌ مُجَرَّدَةٌ وَشَيْءٌ ضَعِيفٌ وَقَدْ قُرِّرَ فِي عِلْمِ الْمُنَاظَرَةِ أَنَّ بَعْضَ الشَّبَهِ لِغَايَةِ ضَعْفِهِ لَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابَ وَفِي الْأُصُولِيِّينَ الشُّبْهَةُ الَّتِي لَا تَنْشَأُ مِنْ الدَّلِيلِ لَا تُنَافِي الْقَطْعَ وَذَلِكَ قَوْلُهُ (وَالْجَوَابُ فَإِنَّهُ) أَيْ الشَّيْطَانَ (بِمَنْزِلَةِ الْكَلْبِ النَّابِحِ) مِنْ النُّبَاحِ وَهُوَ صَوْتُ الْكِلَابِ (كُلَّمَا أَقْبَلْت عَلَيْهِ) لِتَزْجُرَهُ (وَلِعَ) حَرَصَ (بِك وَلَجَّ) بَالَغَ فِي طَلَبِك فَيَغْلِبُ عَلَيْك قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيّ الشَّيْطَانُ فَارِغٌ وَأَنْتَ مَشْغُولٌ وَالشَّيْطَانُ يَرَاك وَأَنْتَ لَا تَرَاهُ وَأَنْتَ تَنْسَاهُ وَهُوَ لَا يَنْسَاك وَمِنْ نَفْسِك لِلشَّيْطَانِ عَوْنٌ
стр. 440
عَلَيْك (وَإِنْ أَعْرَضْت) وَلَمْ تَلْتَفِتْ إلَى نُبَاحِهِ بِأَنْ تَشْتَغِلَ بِخِدْمَةِ مَوْلَاك أَوْ بِالِاتِّجَاءِ إلَى صَاحِبِهِ تَعَالَى (سَكَتَ) غَالِبًا أَوْ مِنْ شَأْنِهِ السُّكُوتُ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْكَلَامِ.
(فَإِنْ لَمْ يَسْكُت) بِمُجَرَّدِ الِاسْتِعَاذَةِ وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إمَّا لِعَدَمِ الْقُوَّةِ فِي الِاسْتِعَاذَةِ أَوْ لِقُوَّةِ عَمَلِ الشَّيْطَانِ أَوْ لِحِكْمَةٍ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ (بَلْ تَغَلَّبَ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ مِنْ التَّكَلُّفِ إمَّا لِكَوْنِ غَلَبَتِهِ فِي تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ بِمَشَاقَّ كَثِيرَةٍ مِنْ الشَّيْطَانِ أَوْ لِلْكَمَالِ فِي الْغَلَبَةِ؛ لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ بِالْمَشَقَّةِ غَالِبًا يَكُونُ أَكْمَلَ (عَلَيْنَا) يَعْنِي لَمْ يُزِلْ وَسْوَسَتَهُ عَنَّا لَا بِمَعْنَى أَجْبَرَ وَحَكَمَ كَمَا عَرَفْت (عَلِمْنَا أَنَّهُ) أَيْ تَغَلُّبَهُ (ابْتِلَاءٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى) مُعَامَلَةُ اخْتِبَارٍ مِنْهُ - تَعَالَى - وَإِلَّا فَحَقِيقَتُهُ مُحَالٌ فِي حَقِّهِ تَعَالَى (لِيُرِيَ) يُظْهِرَ إلَى مَلَائِكَتِهِ (صِدْقَ مُجَاهَدَتِنَا) مَعَهُ وَقُوَّةَ دَفْعِنَا وَسْوَسَتَهُ وَحِيَلَهُ لَعَلَّ فَائِدَةَ الْإِرَادَةِ اسْتِغْفَارُ الْمَلَائِكَةِ لَهُ وَدُعَاؤُهُمْ وَشَفَاعَتُهُمْ إيَّاهُ (وَ) أَيْضًا اخْتِبَارُ (قُوَّتِنَا) فِي أَمْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَصَبْرِنَا (كَمَا أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - سَلَّطَ عَلَيْنَا) عَلَى نَوْعِنَا (الْكُفَّارَ) جِنْسَهُمْ (مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى كِفَايَةِ أَمْرِهِمْ) سِيَّمَا عَلَى أَفْضَلِ خَلْقِهِ حَبِيبِهِ ﵊ لِيَكُونَ لَنَا حَظٌّ مِنْ الْجِهَادِ (وَ) كِفَايَةِ (شَرِّهِمْ) أَيْ كَفِّهِ (لِيَكُونَ لَنَا حَظٌّ) أَجْرٌ وَثَوَابٌ (مِنْ الْجِهَادِ) بَدَنًا أَوْ مَالًا أَوْ بِهِمَا مَعًا.
وَالْجِهَادُ ذُرْوَةُ سَنَامِ الْأَمْرِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ (وَالصَّبْرِ) إلَى الْمَشَاقِّ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]- وَلِذَا كَانَ أَجْرُ سَائِرِ الْأَعْمَالِ مَحْسُوبًا دُونَ أَجْرِ الصَّبْرِ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] وَكَذَا أَجْرُ الشَّهَادَةِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٢] لِلْإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ وَأَمْ بِمَعْنَى بَلْ قِيلَ الْخِطَابُ لِلَّذِينَ انْهَزَمُوا يَوْمَ أُحُدٍ ﴿أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمْ شِدَّةٌ فِي دِينِ اللَّهِ - تَعَالَى - كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٤٢] الْوَاوُ لِلْحَالِ وَلَمَّا بِمَعْنَى لَمْ لَكِنْ النَّفْيُ فِي لَمَّا آكَدُ وَمُتَّصِلٌ بِالْحَالِ ﴿الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٢] يَعْنِي لَمْ يَظْهَرْ جِهَادُ الْمُجَاهِدِينَ ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] لَعَلَّ حَاصِلَ الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا تَظُنُّوا دُخُولَ الْجَنَّةِ مَا لَمْ يَقَعْ مِنْكُمْ الْجِهَادُ وَالصَّبْرُ لَكِنَّ التَّعْبِيرَ بِالْعِلْمِ لِتَأْكِيدِ الْحُكْمِ وَتَحَقُّقِهِ، فَإِنَّ مَا عَلِمَهُ - تَعَالَى - وَاقِعٌ أَلْبَتَّةَ كَمَا يُقَالُ فِي الْعُرْفِ اللَّهُ عَالِمٌ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَا وَقَدْ عَرَفْت فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ أَنَّ الْعِلْمَ تَابِعٌ لِلْمَعْلُومِ وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ قِدَمُ عِلْمِهِ - تَعَالَى - وَلَا يُوجِبُ كَوْنَهُ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ؛ لِأَنَّك قَدْ عَرَفْت أَيْضًا أَنَّ لِلْعِلْمِ تَعَلُّقَاتٍ حَادِثَةً فَمَا وُجِدَ فِي الْحَالِ غَيْرَ مَا وُجِدَ فِي الْأَزَلِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُدُوثِ هَذَا التَّعَلُّقِ حُدُوثُ الْعِلْمِ فَلَا يَلْزَمُ الْجَهْلُ قَبْلَ ذَلِكَ فَافْهَمْ وَإِطْلَاقُ الْعِلْمِ عَلَى الْمَعْلُومِ مَشْهُورٌ يُقَالُ هَذَا عِلْمُ فُلَانٍ وَالْمُرَادُ مَعْلُومُهُ.
وَقِيلَ كُلُّ آيَةٍ يُشْعِرُ ظَاهِرُهَا بِتَجَدُّدِ الْعِلْمِ فَالْمُرَادُ تَجَدُّدُ الْمَعْلُومِ لَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِشْهَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُجْعَلَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَقِيسِ يَعْنِي الْمُشَبَّهَ ابْتِدَاءً عَلَى سَبِيلِ الْإِشَارَةِ اللَّفْظِيَّةِ الَّتِي اعْتَبَرُوهَا فِي الْقُرْآنِ كَمَا سَبَقَ وَأَيْضًا نَحْوُ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠] ، وَقَالَ ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ١٦]
стр. 441
(وَأَيْضًا قَدْ يُشْتَبَهُ عَلَيْنَا خَاطِرٌ لَا نَدْرِي أَنَّهُ شَرٌّ مِنْ الشَّيْطَانِ) فَنَجْتَنِبُهُ (أَوْ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ) كَاَللَّهِ أَوْ الْمَلَكِ فَنَتَسَارَعَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْخَوَاطِرِ لِيُتَصَوَّرَ نَفْيُ مَا كَانَ شَرًّا وَإِثْبَاتُ مَا كَانَ خَيْرًا (فَعَلَيْنَا الْمُحَارَبَةُ) فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَفِيمَا ذُكِرَ قَبْلَهَا (وَالْقَهْرُ) بِنَحْوِ عَدَمِ الِالْتِفَاتِ وَالشُّغْلِ (وَالدَّوَامُ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى) فَلَقَدْ قَالَ ﷺ «إنَّ ذِكْرَ اللَّهَ تَعَالَى فِي جَنْبِ الشَّيْطَانِ كَالْآكِلَةِ فِي جَنْبِ ابْنِ آدَمَ» ، وَفِي الْحِصْنِ فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ «مَا مِنْ آدَمِيٍّ إلَّا لِقَلْبِهِ بَيْتَانِ فِي أَحَدِهِمَا الْمَلَكُ وَفِي الْآخَرِ الشَّيْطَانُ فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ - تَعَالَى - وَضَعَ الشَّيْطَانُ مِنْقَارَهُ فِي قَلْبِهِ وَوَسْوَسَ لَهُ» وَفِيهِ أَيْضًا «وَإِنْ خَافَ شَيْطَانًا أَوْ غَيْرَهُ قَالَ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ اللَّاتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا وَمِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ إلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ» . وَأَيْضًا فِيهِ «لِهَرَبِ الشَّيْطَانِ آيَةُ الْكُرْسِيِّ وَكَذَا الْأَذَانُ» .
(بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ) يَعْنِي بِمُوَاطَأَةِ الْقَلْبِ اللِّسَانَ عِنْدَ الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ لَا بِاللِّسَانِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ لَهُ أَصْلًا سِيَّمَا فِيمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ قَالَ أَحْمَدُ الْغَزَالِيُّ فِي رِسَالَتِهِ التَّجْرِيدِ عَلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَاَللَّهِ إنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُ ذَرَّةً وَلَا يَعْدِلُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ وَأَنَّ الْأَصَحَّ الْمُوَافِقَ لِمَا فِي الْفَتَاوَى مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ الْغَزَالِيُّ أَنَّهُ مِنْ السُّكُوتِ وَالِاشْتِغَالِ بِشَيْءٍ آخَرَ سِيَّمَا عِنْدَ كَوْنِ نِيَّتِهِ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَأَمَّا بِالْقَلْبِ فَقَطْ فَهُوَ مُخْتَارُ بَعْضِ السَّادَةِ الصُّوفِيَّةِ وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ تَرْجِيحَ اجْتِمَاعِهِمَا لِتَكْثِيرِ الْعَمَلِ وَلِجَمْعِ الْعَزِيمَتَيْنِ لَكِنْ هَذَا عَسِرٌ وَوُجُودُهُ صَعْبٌ إذْ عِنْدَ شُغْلِ اللِّسَانِ قَلَّمَا يَخْلُو الْقَلْبُ عَنْ الْغَيْرِ وَيَتَجَرَّدُ لِلذِّكْرِ وَأَمَّا عِنْدَ تَمَحُّضِهِ بِالذِّكْرِ يَسْهُلُ تَجَرُّدُهُ لَهُ كَمَا تَشْهَدُ بِهِ التَّجْرِبَةُ وَالْوِجْدَانُ فَافْهَمْ (وَ) عَلَيْنَا (مَعْرِفَةُ وَسَاوِسِهِ وَمَكَائِدِهِ) جَمْعُ كَيْدٍ حَتَّى نَحْتَرِزَ عَنْهَا وَأَنَّهُ عِنْدَ الْمَعْرِفَةِ لَا يَتَجَاسَرُ كَاللِّصِّ إذَا عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ أَحَسَّ بِهِ فَرَّ
فَلَا بُدَّ أَوَّلًا مِنْ (مَعْرِفَةِ مَنْشَأِ الْخَوَاطِرِ) مِنْ أَيْنَ تَنْشَأُ وَتَتَحَصَّلُ، قِيلَ الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ مِنْ مَعْرِفَةِ الْخَوَاطِرِ وَمَنْشَئِهَا (وَ) مِنْ (تَمَيُّزِ خَيْرِهَا مِنْ شَرِّهَا فَهِيَ) أَيْ الْخَوَاطِرُ (آثَارٌ) اخْتِلَاجَاتٌ وَدَوَاعٍ (يُحْدِثُهَا اللَّهُ - تَعَالَى - فِي قَلْبِ الْعَبْدِ تَبْعَثُهُ) تَكُونُ بَاعِثَةً لِلْعَبْدِ (عَلَى الْأَفْعَالِ وَالتُّرُوكِ) قِيلَ هُنَا فَمَبْدَأُهُمَا الْخَوَاطِرُ ثُمَّ الْخَوَاطِرُ تُحَرِّكُ الرَّغْبَةَ وَالرَّغْبَةُ تُحَرِّكُ الْعَزْمَ وَالنِّيَّةُ تُحَرِّكُ الْأَعْضَاءَ (إمَّا ابْتِدَاءً) خَلْقًا ابْتِدَائِيًّا بِلَا وَاسِطَةِ شَيْءٍ (فَيُقَالُ لَهُ الْخَاطِرُ فَقَطْ) لَيْسَ لَهُ اسْمٌ غَيْرُهُ مِنْ خَطَرَ إذَا مَرَّ بِسُرْعَةٍ وَانْقَضَى (وَعَلَامَتُهُ) أَيْ عَلَامَةُ كَوْنِ الْخَاطِرِ مُحْدَثًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى (كَوْنُهُ قَوِيًّا مُصَمَّمًا) مُحْكَمًا بِلَا تَرَدُّدٍ.
(وَ) فِي (الْأُصُولِ) مُطْلَقُ الِاعْتِقَادِيَّاتِ أَوْ أُمَّهَاتِهَا كَحُدُوثِ الْعَالَمِ وَالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الشَّرْعِيِّ (وَ) فِي (الْأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ) مِنْ نَحْوِ الْمَلَكَاتِ الرَّدِيئَةِ وَالْحَمِيدَةِ (وَأَنْ يَكُونَ خَيْرًا عَقِيبَ اجْتِهَادٍ) بَذْلُ جُهْدٍ وَصَرْفُ طَاقَةٍ (وَطَاعَةٍ إكْرَامًا) مِنْ اللَّهِ تَعَالَى (فَيُسَمَّى) الْخَاطِرُ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ (هِدَايَةً وَتَوْفِيقًا وَلُطْفًا وَعِنَايَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] بَذَلُوا جَهْدَهُمْ فِي امْتِثَالِ أَوَامِرِنَا وَاجْتِنَابِ نَوَاهِينَا
стр. 442
﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] طُرُقَنَا الْمُوَصِّلَةَ إلَيْنَا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ [محمد: ١٧] بِإِتْيَانِ الْعِبَادَاتِ ﴿زَادَهُمْ﴾ [محمد: ١٧] اللَّهُ ﴿هُدًى﴾ [محمد: ١٧] بِخَوَاطِرَ تَدُلُّهُمْ عَلَى كَيْفِيَّةِ الْوُصُولِ إلَيْهِ (أَوْ) أَنْ يَكُونَ (شَرًّا عَقِيبَ ذَنْبٍ) كَبِيرَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ (إهَانَةً) لِذَلِكَ الْعَبْدِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِشُؤْمِ ذَلِكَ الذَّنْبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] فَيُؤَدِّي الذَّنْبُ إلَى قَسْوَةِ الْقَلْبِ أَوَّلُهَا خَاطِرٌ ثُمَّ يُؤَدِّي إلَى الْقَسْوَةِ وَالرَّيْنِ (وَعُقُوبَةً) عَاجِلَةٌ فِي الدُّنْيَا (فَيُسَمَّى) الْخَاطِرُ (خِذْلَانًا) هُوَ تَرْكُ الْعَوْنِ وَضِدُّ التَّوْفِيقِ (وَإِضْلَالًا) قِيلَ أَيْ إضَاعَةً وَتَحْيِيرًا وَقِيلَ هَذَا إذَا أَبْقَى لِلْعَبْدِ فِي الْجُمْلَةِ اخْتِيَارًا.
وَأَمَّا إذَا اشْتَدَّ حَتَّى سَلَبَ الِاخْتِيَارَ مِنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَيُسَمَّى خَتْمًا وَطَبْعًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُتَصَوَّرُ الْعِلَاجُ (وَإِمَّا بِوَاسِطَةِ مَلَكٍ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ إمَّا ابْتِدَاءً (مُوَكَّلٍ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى ابْنِ آدَمَ جَاثِمٍ) مُكِبٍّ وَمُلَازِمٍ (عَلَى أُذُنِ قَلْبِهِ الْيُمْنَى) يُلْهِمُهُ (يُقَالُ لَهُ الْمُلْهِمُ وَلِدَعْوَتِهِ الْإِلْهَامَ وَلَا تَكُونُ) هَذِهِ الدَّعْوَةُ (إلَّا إلَى خَيْرٍ) قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةٌ بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةٌ» يَعْنِي نَزْلَةٌ بِالدَّعْوَةِ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ.
وَزَادَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَوْلَهُ ﵊ «فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ فَمَنْ وَجَدَ هَذِهِ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهَا مِنْ اللَّهِ فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ الْأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ» .
قَالَ عَبْدُ الرَّءُوفِ الْمُنَاوِيُّ الْإِيعَادُ يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ وَالْخَيْرِ أَيْضًا ثُمَّ قَالَ الْفَرْقُ وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ اللَّمَّتَيْنِ لَا يَهْتَدِي إلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ وَالْخَوَاطِرُ بِمَنْزِلَةِ الْبَذْرِ فَمِنْهَا مَا هُوَ بَذْرُ السَّعَادَةِ وَمِنْهَا مَا هُوَ بَذْرُ الشَّقَاوَةِ.
وَسَبَبُ اشْتِبَاهِ الْخَوَاطِرِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ لَا خَامِسَ لَهَا ضَعْفُ الْيَقِينِ أَوْ قِلَّةُ الْعِلْمِ بِمَعْرِفَةِ صِفَاتِ النَّفْسِ وَأَخْلَاقِهَا أَوْ مُتَابَعَةُ الْهَوَى بِخَرْمِ قَوَاعِدِ التَّقْوَى أَوْ مَحَبَّةُ الدُّنْيَا مَالِهَا وَجَاهِهَا، وَطَلَبُ الْمَنْزِلَةِ وَالرِّفْعَةِ عِنْدَ النَّاسِ فَمَنْ عُصِمَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فَرَّقَ بَيْنَ لَمَّةِ الْمَلَكِ وَلَمَّةِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ اُبْتُلِيَ بِهَا لَمْ يُفَرِّقْ، وَانْكِشَافُ بَعْضِ الْخَوَاطِرِ دُونَ بَعْضٍ لِوُجُودِ بَعْضِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ دُونَ بَعْضٍ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ أَكَلَ الْحَرَامَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَسْوَسَةِ وَالْإِلْهَامِ.
(وَعَلَامَتُهُ) أَيْ خَاطِرِ الْمَلَكِ (كَوْنُهُ مُتَرَدِّدًا) إذْ الْمَلَكُ بِمَنْزِلَةِ نَاصِحٍ يَدْخُلُ مَعَك مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَيَعْرِضُ عَلَيْك كُلَّ نُصْحٍ رَجَاءَ إجَابَتِك وَرَغْبَتِك فِي الْخَيْرِ (وَفِي الْفُرُوعِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ) فِي الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الْمَلَكَ لَا يَطَّلِعُ عَلَى الْعَقَائِدِ وَالْأَعْمَالِ الْبَاطِلَةِ فِي أَكْثَرِهِمْ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ فَالْإِطْلَاقُ لَيْسَ بِحَسَنٍ (وَبِلَا سَبْقِ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ فِي الْأَغْلَبِ) هَذَا مُخَالِفٌ أَيْضًا لِمَا فِي الْمِنْهَاجِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ أَيْ خَاطِرُ الْخَيْرِ مُبْتَدَأً فَمِنْ الْمَلَكِ فِي الْأَغْلَبِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ أَيْضًا مَعْرِفَةُ خَاطِرِ الْخَيْرِ مِنْ اللَّهِ أَوْ مِنْ الْمَلَكِ بِثَلَاثَةٍ إنْ قَوِيَا فَمِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - وَإِنْ مُتَرَدِّدًا فَمِنْ الْمَلَكِ وَإِنْ عَقِيبَ اجْتِهَادٍ وَطَاعَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَإِنْ ابْتِدَاءً فَمِنْ الْمَلَكِ فِي الْأَغْلَبِ وَإِنْ فِي الْأُصُولِ فَمِنْ اللَّهِ وَإِنْ فِي الْفُرُوعِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ فَمِنْ الْمَلَكِ فِي الْأَكْثَرِ فَقَدْ عَرَفْت زِيَادَةَ قَوْلِهِ أَوْ مَعْصِيَةٌ فَافْهَمْ (أَوْ بِوَاسِطَةِ) الظَّاهِرُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَأَمَّا بِوَاسِطَةِ مَلَكٍ أَوْ عَلَى قَوْلِهِ إمَّا ابْتِدَاءً فَالْأَوْلَى وَإِمَّا بِوَاسِطَةِ (طَبِيعَةٍ مَائِلَةٍ إلَى الشَّهَوَاتِ) وَنَيْلِ اللَّذَّاتِ كَيْفَ كَانَتْ مِنْ حُسْنٍ أَوْ قُبْحٍ (يُقَالُ لَهَا النَّفْسُ) لَعَلَّ هِيَ النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ الَّتِي تَمِيلُ إلَى الطَّبِيعَةِ الْبَدَنِيَّةِ وَتَأْمُرُ بِاللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ الْحِسِّيَّةِ وَتَجْذِبُ الْقَلْبَ إلَى الْجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ فَهِيَ مَأْوَى الشَّرِّ وَمَنْبَعُ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ وَالْأَفْعَالِ السَّيِّئَةِ (وَ) يُقَالُ أَيْ يُسَمَّى (لِدَعْوَتِهَا هَوًى) .
وَفُسِّرَ أَيْضًا بِمَيْلِ النَّفْسِ إلَى مُقْتَضَيَاتِ الطَّبْعِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الْجِهَةِ الْعُلْوِيَّةِ
стр. 443
إلَى السُّفْلِيَّةِ (وَلَا تَكُونُ) تِلْكَ الدَّعْوَةُ (إلَّا إلَى الشَّرِّ) وَلَا يُتَصَوَّرُ رُجُوعُهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا مِنْ حِزْبِ الشَّيْطَانِ وَمُبْعِدَةٌ عَنْ الرَّحْمَنِ وَقَدْ عَرَفْت مَاهِيَّتَهَا وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَعْدَى عَدُوِّك نَفْسُك الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْك» (وَعَلَامَتُهُ) أَيْ مِنْ النَّفْسِ (كَوْنُهُ مُصَمَّمًا رَاتِبًا) ثَابِتًا وَقِيلَ مُتَكَرِّرًا بِالْأَمْثَالِ (عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ) فَإِنَّهَا لَا تَزُولُ عَنْ الْإِقْدَامِ إلَى أَنْ تَصِلَ إلَى مُرَادِهَا وَتُحَصِّلَ مَقْصُودَهَا (وَأَنْ لَا يَضْعُفَ وَلَا يَقِلَّ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى) وَلَا يَزُولُ قِيلَ إلَّا بِصِدْقِ الْمُجَاهَدَةِ وَعَنْ بَعْضِ الْعَارِفِينَ الْهَوَى كَالنَّمِرِ إذَا حَارَبَ لَا يَنْصَرِفُ إلَّا بِقَمْعٍ بَالِغٍ وَقَهْرٍ ظَاهِرٍ أَوْ مِثْلُ الْخَارِجِيِّ الَّذِي يُقَاتِلُ تَدَيُّنًا لَا يَكَادُ يَرْجِعُ حَتَّى يُقْتَلَ، وَمَثَلُ الشَّيْطَانِ كَالذِّئْبِ إذَا طَرَدْته مِنْ جَانِبٍ دَخَلَ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ فَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ يَجِبُ تَقْيِيدُهُ أَوْ إطْلَاقٌ مَجَازِيٌّ نَزَّلَ مَا يَصْعُبُ زَوَالُهُ مَنْزِلَةَ مَا لَا يَزُولُ وَبِالْجُمْلَةِ الْخَاطِرُ الشَّرُّ مِنْ قِبَلِ النَّفْسِ يُعْرَفُ بِأَمْرَيْنِ التَّصْمِيمِ عَلَى وَاحِدَةٍ وَعَدَمِ الزَّوَالِ بِذِكْرِهِ، هَذَا وَإِنْ طَابَقَ لِمَأْخَذِهِ مِنْهَاجَ الْعَابِدِينَ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ أَوَّلَهُمَا مُسْتَلْزِمٌ لِآخِرِهِمَا (أَوْ بِوَاسِطَةِ) أَيْ وَإِمَّا بِوَاسِطَةِ (شَيْطَانٍ مُسَلَّطٍ) مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - لِحِكْمَةٍ كَالِاخْتِيَارِ وَتَكْثِيرِ الْأَجْرِ بِمُجَاهَدَتِهِ (عَلَى ابْنِ آدَمَ جَاثِمٍ عَلَى أُذُنِ قَلْبِهِ الْيُسْرَى) صِفَةُ أُذُنٍ (يُقَالُ لَهُ الْوَسْوَاسُ) الْمُوَسْوِسُ فَالتَّسْمِيَةُ لِلْمُبَالَغَةِ؛ لِأَنَّهَا دَأْبُهُ وَعَادَتُهُ (الْخَنَّاسُ) الَّذِي عَادَتُهُ أَنْ يَخْنِسَ أَيْ يَتَأَخَّرَ إذَا ذَكَرَ الْإِنْسَانُ رَبَّهُ؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ بِهِ (وَلِدَعْوَتِهِ الْوَسْوَسَةَ وَعَلَامَتُهُ) أَيْ مِنْ الشَّيْطَانِ (كَوْنُهُ مُتَرَدِّدًا أَوْ مُضْطَرِبًا) إذْ لَا يُصِرُّ عَلَى شَيْءٍ فَإِنْ لَمْ يُجِبْ الْعَبْدُ دَعْوَتَهُ لِشَيْءٍ يَنْقُلُهُ إلَى آخَرَ إذْ لَا غَرَضَ لَهُ فِي الْمَعْصِيَةِ الْخَاصَّةِ بَلْ مُرَادُهُ الْإِضْلَالُ كَيْفَ مَا كَانَ.
(وَبِلَا سَبْقِ ذَنْبٍ) مِنْهُ (فِي الْأَكْثَرِ) أَيْ أَكْثَرِ الْأَشْخَاصِ أَوْ أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ أَوْ أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَوْلَى فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ بِدَعْوَةِ الشَّرِّ وَيَطْلُبُ الْإِغْوَاءَ بِكُلِّ حَالٍ (وَأَنْ يَقِلَّ وَيَضْعُفَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى) لِأَنَّ عَادَتَهُ أَنْ يَخْنِسَ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ كَمَا قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى - ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: ٤]- فَافْهَمْ، فَالْأَوْفَقُ أَنْ يُقَالَ كَوْنُهُ ضَعِيفًا أَوْ زَائِلًا بِذِكْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَلِهَذِهِ الْعَلَامَةِ أُمُورٌ ثَلَاثَةٌ التَّرَدُّدُ وَعَدَمُ السَّبْقِ وَالضَّعْفُ عِنْدَ الذِّكْرِ، فَالْأَوَّلُ مَعَ الثَّالِثِ كَالْمُتَقَارِبِ لَكِنَّهُ قَصَدَ زِيَادَةَ تَوْضِيحٍ وَأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْغَزَالِيِّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
(وَيَكُونُ) خَاطِرُ الشَّيْطَانِ (شَرًّا فِي الْأَغْلَبِ وَقَدْ يَكُونُ) خَاطِرُ الشَّيْطَانِ (خَيْرًا مَفْضُولًا) لَا لِذَاتِهِ بَلْ (لَأَنْ يَمْنَعَهُ عَنْ) الْخَيْرِ (الْفَاضِلِ) فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَنْعِ بِالْكُلِّيَّةِ فَبِالْآخِرَةِ يَرْضَى عَلَى ذَلِكَ (أَوْ يَجُرُّهُ) أَيْ الْعَبْدُ بِذَلِكَ الْخَيْرِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ الْمَفْضُولُ لَكِنْ الْمُنَاسِبُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى هُوَ الْخَيْرُ مُطْلَقًا وَلَوْ فَاضِلًا وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْمِنْهَاجِ الشَّيْطَانُ رُبَّمَا يَدْعُو إلَى الْخَيْرِ لِقَصْدِ الشَّرِّ كَالدَّعْوَةِ إلَى الْمَفْضُولِ لِلْمَنْعِ عَنْ الْفَاضِلِ أَوْ الدَّعْوَةِ إلَى الْخَيْرِ لِيَجُرَّهُ إلَى ذَنْبٍ عَظِيمٍ لَا يَفِي خَيْرُهُ بِذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ عَجَبٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَى آخِرِ مَا قَالَ (إلَى ذَنْبٍ عَظِيمٍ) ضَرَرًا مِنْ نَفْعِ الْخَيْرِ كَالنَّفْعِ الْجُزْئِيِّ لِلضَّرَرِ الْكُلِّيِّ، وَالْحَظْرُ رَاجِحٌ عَلَى مُطْلَقِ الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ وَالْحُرْمَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ (وَعَلَامَتُهُ) مِنْ الشَّيْطَانِ لِلْمَنْعِ وَالْإِفْضَاءِ الْمَذْكُورَيْنِ (أَنْ يَكُونَ قَلْبُك فِيهِ) فِي ذَلِكَ الْخَيْرِ (مَعَ نَشَاطٍ) وَسُرُورٍ (لَا مَعَ خَشْيَةٍ) وَخُضُوعٍ (وَمَعَ عَجَلَةٍ لَا مَعَ تَأَنٍّ) لِأَنَّ الْعَجَلَةَ مِنْ الشَّيْطَانِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ وَالتَّأَنِّي مِنْ الرَّحْمَنِ وَفِي الْمِنْهَاجِ فِي هَذَا الْمَقَامِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعَجَلَةُ مِنْ الشَّيْطَانِ إلَّا فِي خَمْسَةٍ تَزْوِيجِ الْبِكْرِ إذَا أَدْرَكَتْ، وَقَضَاءِ الدَّيْنِ إذَا وَجَبَ، وَتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ إذَا مَاتَ، وَقِرَى الضَّيْفِ إذَا نَزَلَ، وَالتَّوْبَةِ مِنْ ذَنْبٍ إذَا أَذْنَبَ»
(وَمَعَ أَمْنٍ لَا مَعَ
стр. 444
خَوْفٍ وَمَعَ عَمَى الْعَاقِبَةِ لَا مَعَ بَصِيرَةٍ) قِيلَ مِنْ الْخَوَاطِرِ مَا يَعْرِضُ مِنْ جِهَةِ الْمِزَاجِ مُمِيلًا إلَى مَا يُوَافِقُ فَهَذَا إذَا تَمَكَّنَ سُمِّيَ شَهْوَةً وَضِدُّهُ نُفْرَةٌ وَمِنْهُ مَا يَعْرِضُ لِنَيْلِ رُتْبَةٍ فَإِذَا تَمَكَّنَ سُمِّيَ هِمَّةً وَمِنْهُ مَا يَعْرِضُ بَاعِثًا عَلَى الْفِعْلِ الْقَبِيحِ فَإِذَا تَمَكَّنَ سُمِّيَ سَيِّئَةً وَمِنْهُ مَا يَعْرِضُ بِاسْتِعْجَالِ اللِّقَاءِ فَإِذَا تَمَكَّنَ سُمِّيَ شَوْقًا وَمِنْهُ مَا يَعْرِضُ بِتَثْبِيتِ حُكْمٍ أَوْ شَيْءٍ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فَإِذَا تَمَكَّنَ سُمِّيَ عِلْمًا وَإِنْ مُتَرَدِّدًا سُمِّيَ شَكًّا فَإِنْ عَرَضَ بِذِكْرِ مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ عَلَى سَبِيلِ الثَّبَاتِ سُمِّيَ جَهْلًا وَلِجَمِيعِ الْأَخْلَاقِ وَالْخِصَالِ خَوَاطِرُ مَتَى تَمَكَّنَتْ سُمِّيَتْ بِأَسْمَاءٍ تَخُصُّهَا
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مِنْ الْخَاطِرِ مَا يَكُونُ مِنْ الْمَلَكِ وَمَا يَكُونُ مِنْ الشَّيْطَانِ مَا خَرَّجَ (س ت) النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ (عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «فِي الْقَلْبِ لَمَّتَانِ» تَثْنِيَةُ لَمَّةٍ بِالْفَتْحِ مِنْ الْإِلْمَامِ وَهُوَ الْقُرْبُ وَقِيلَ بِمَعْنَى الْمَسِّ «لَمَّةٌ مِنْ الْمَلَكِ بِإِيعَادٍ» عَلَى زِنَةِ إفْعَالٍ «بِالْخَيْرِ» فِي الْمُنَاوِيِّ عَنْ الْقَاضِي وَإِنْ اخْتَصَّ بِالشَّرِّ عُرْفًا يُقَالُ أَوْعَدَهُ إذَا وَعَدَهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُشَاكَلَةِ لِمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِمَا قَبْلَهَا وَإِنْ كَثُرَ فِيهِ أَوْ لِلْأَمْنِ مِنْ الِاشْتِبَاهِ بِذِكْرِ الْخَيْرِ «وَتَصْدِيقٍ بِالْحَقِّ» فَإِنَّ الْمَلَكَ وَالشَّيْطَانَ يَتَعَاقَبَانِ عَلَى الْقَلْبِ تَعَاقُبَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ لَيْلُهُ أَطْوَلَ مِنْ نَهَارِهِ وَآخَرُ بِضِدِّهِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ زَمَنُهُ نَهَارًا كُلَّهُ وَآخَرُ بِضِدِّهِ «وَلَمَّةٌ مِنْ الْعَدُوِّ» أَيْ الشَّيْطَانِ «بِإِيعَادٍ بِالشَّرِّ» مِمَّا يُؤَدِّي إلَى كُلِّ مَا فِيهِ خَطَرٌ إلَى تَرْكِ الْفَاضِلِ بِإِرَاءَةِ الْمَفْضُولِ «وَتَكْذِيبٍ بِالْحَقِّ وَنَهْيٍ عَنْ الْخَيْرِ» كَعَقَائِدِ أَهْلِ الْبِدَعِ.
قَالَ فِي الْفَيْضِ الْمَلَكُ عِبَارَةٌ عَنْ خَلْقٍ خَلَقَهُ اللَّهُ شَأْنُهُ إفَاضَةُ الْخَيْرِ وَإِفَادَةُ الْعِلْمِ وَكَشْفُ الْحَقِّ وَالْوَعْدِ بِالْمَعْرُوفِ.
وَالشَّيْطَانُ عِبَارَةٌ عَنْ خَلْقٍ شَأْنُهُ الْوَعِيدُ بِالشَّرِّ وَالْأَمْرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْقَلْبُ مُتَجَاذَبٌ بَيْنَ الشَّيْطَانِ وَالْمَلَكِ فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً وَقَفَ عِنْدَ هَمِّهِ فَمَا كَانَ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - أَمْضَاهُ وَمَا كَانَ مِنْ عَدُوِّهِ جَاهَدَهُ وَالْقَلْبُ بِأَصْلِ الْفِطْرَةِ صَالِحٌ لِقَبُولِ آثَارِ الْمَلَائِكَةِ وَالشَّيَاطِينِ مُتَسَاوِيًا لَكِنْ يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا بِاتِّبَاعِ الْهَوَى وَالْإِكْبَابِ عَلَى الشَّهَوَاتِ أَوْ الْإِعْرَاضِ عَنْهَا وَمُخَالَفَتِهَا (دُنْيَا) ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا (عَنْ أَنَسٍ ﵁) قِيلَ عَنْ التَّيْمِيِّ فِيهِ عَدِيُّ بْنُ عَمَّارٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ ضَعْفَهُ لَا يَضُرُّ بِاحْتِجَاجِنَا هُنَا (أَنَّهُ ﵊ قَالَ «إنَّ الشَّيْطَانَ وَاضِعٌ خُرْطُومَهُ» كَزُنْبُورِ الْأَنْفِ أَوْ مُقَدَّمِهِ أَوْ مَا ضَمَمْت عَلَيْهِ الْحَنَكَيْنِ، كَمَا نُقِلَ عَنْ الْقَامُوسِ لَكِنْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ هَذَا الْمَخْرَجِ وَاضِعٌ خَطْمَهُ وَفُسِّرَ أَيْ فَمُهُ وَأَنْفُهُ وَالْخَطْمُ مِنْ الطَّيْرِ مِنْقَارُهُ وَمِنْ الدَّابَّةِ مُقَدَّمُ أَنْفِهَا وَفَمِهَا «عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ فَإِنْ» وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَإِذَا ( «ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى خَنَسَ» تَأَخَّرَ وَانْقَبَضَ ( «وَإِنْ نَسِيَ اللَّهَ تَعَالَى الْتَقَمَ قَلْبَهُ» يَجْعَلُ قَلْبَهُ لُقْمَةً فِي فَمِهِ.
قَالَ فِي الْفَيْضِ فَبُعْدُ الشَّيْطَانِ مِنْ الْإِنْسَانِ عَلَى قَدْرِ ذِكْرِهِ وَالنَّاسُ فِيهِ يَتَفَاوَتُونَ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخَرَّازُ رَأَيْت إبْلِيسَ فَأَخَذَ عَنِّي نَاحِيَةً، فَقُلْت تَعَالَ، فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَعْمَلُ بِكُمْ لَزِمْتُمْ الذِّكْرَ وَطَرَحْتُمْ مَا أُخَادِعُ بِهِ قُلْت مَا هُوَ قَالَ الدُّنْيَا فَوَلَّى ثُمَّ الْتَفَتَ وَقَالَ بَقِيَ لِي فِيكُمْ لَطِيفَةٌ هِيَ السَّمَاعُ وَصُحْبَةُ الْأَشْرَارِ
قَالَ الْغَزَالِيُّ مَهْمَا غَلَبَ عَلَى الْقَلْبِ ذِكْرُ الدُّنْيَا وَمُقْتَضَيَاتُ الْهَوَى وَجَدَ الشَّيْطَانُ مَجَالًا فَوَسْوَسَ وَمَهْمَا انْصَرَفَ الْقَلْبُ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ ارْتَحَلَ الشَّيْطَانُ وَضَاقَ مَجَالُهُ وَقَالَ الْحَكِيمُ قَدْ أُعْطِيَ الشَّيْطَانُ وَجُنْدُهُ السَّبِيلَ إلَى فِتْنَةِ الْآدَمِيِّ وَتَزْيِينِ مَا فِي الْأَرْضِ لَهُ طَمَعًا فِي غَوَايَةٍ فَهُوَ يُهَيِّجُ النُّفُوسَ إلَى تِلْكَ الزِّينَةِ تَهْيِيجًا يُزَعْزِعُ أَرْكَانَ الْبَدَنِ وَيَسْتَفِزُّ الْقَلْبَ حَتَّى يُزْعِجَهُ عَنْ مَقَرِّهِ وَلَا يَعْتَصِمُ بِشَيْءٍ أَوْثَقَ مِنْ الذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا هَاجَ الذِّكْرُ مِنْ الْقَلْبِ هَاجَتْ الْأَنْوَارُ فَاشْتَعَلَ الصَّدْرُ بِنَارِ
стр. 445
الْأَنْوَارِ وَهَيَّجَ الْعَدُوُّ نَارَ الشَّهَوَاتِ وَإِذَا رَأَى الْعَدُوُّ هَيَجَانَ الذِّكْرِ مِنْ الْقَلْبِ وَلَّى هَارِبًا وَخَمَدَتْ نَارُ الشَّهَوَاتِ وَامْتَلَأَ الصَّدْرُ نُورًا فَبَطَلَ كَيْدُهُ وَعَنْ ابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ مَوْضِعَ الشَّيْطَانِ مِنْ قَلْبِ الْآدَمِيِّ فَرَأَى فِي الْمَنَامِ جَسَدَ رَجُلٍ يُشْبِهُ الْبَلُّورَ يُرَى دَاخِلُهُ مِنْ خَارِجِهِ وَالشَّيْطَانُ بِصُورَةِ ضِفْدِعٍ قَاعِدٍ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ لَهُ خُرْطُومٌ طَوِيلٌ أَدْخَلَهُ فِي مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ إلَى قَلْبِهِ يُوَسْوِسُ إلَيْهِ فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ وَمِثْلُ هَذَا قَدْ يُشَاهَدُ فِي الْيَقَظَةِ وَقَدْ رَآهُ بَعْضُ الْمُكَاشِفِينَ بِصُورَةِ كَلْبٍ جَاثِمٍ عَلَى جِيفَةٍ يَدْعُو النَّاسَ إلَيْهَا وَالْقَصْدُ أَنْ يُصَدَّقَ بِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَنْكَشِفُ لِأَرْبَابِ الْقُلُوبِ وَكَذَا الْمَلَكُ انْتَهَى.
(وَ) أَمَّا (عَلَامَةُ خَاطِرِ الشَّرِّ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ مِنْ اللَّهِ أَوْ الشَّيْطَانِ أَوْ النَّفْسِ (وَعَلَامَةُ خَاطِرِ الْخَيْرِ كَذَلِكَ) مُطْلَقًا سِوَى النَّفْسِ (فَلِمُعْرِفَتِهِمَا أَرْبَعَةُ مَوَازِينَ) جَمْعُ مِيزَانٍ (مَرْتَبَةٌ) لَا يَعْدِلُ إلَى ثَانِيهَا بِدُونِ تَعَثُّرٍ أَوَّلُهَا فِي الْكُلِّ (الْأَوَّلُ عَرْضُهُ عَلَى الشَّرْعِ فَإِنْ وَافَقَ) الْخَاطِرُ (جِنْسَهُ) فِعْلًا أَوْ تَرْكًا يَعْنِي لَا يَلْزَمُ مُوَافَقَةُ شَخْصِهِ إذْ رُبَّمَا لَا يُوجَدُ نَصٌّ عَلَى أَعْيَانِ بَعْضِ الْمَسَائِلِ بَلْ يُوجَدُ تَحْتَ الْعُمُومَاتِ، وَكَذَا الْأَحْكَامُ الْمُسْتَخْرَجَةُ مِنْ الْمُجْتَهِدِ بِالنَّظَرِ إلَيْنَا بَلْ تَحْتَ قَوَاعِدِهِمْ الْكُلِّيَّةِ (فَخُيِّرَ وَإِنْ) وَافَقَ (ضِدُّهُ) ضِدَّ جِنْسِ ذَلِكَ بِأَنْ لَا يَكُونَ عَيْنُهُ ثَابِتًا بِنَصٍّ وَلَا دَاخِلًا تَحْتَ عُمُومِ شَرْعٍ وَلَا يَكُونُ مِنْ الْجُزْئِيَّاتِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ الْكُلِّيَّاتِ (فَشَرٌّ) قِيلَ فَإِنْ كَانَ نَفْلًا أَوْ فَرْضًا يُمْضِيهِ وَإِنْ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا يَنْفِيهِ وَإِنْ اسْتَوَى الْخَاطِرُ أَنْ يَنْفُذَ أَقَرَّ بِهِمَا إلَى خِلَافِ هَوَى النَّفْسِ وَهَذَا الْمِيزَانُ لِلْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ لَا لِكُلِّ، أَحَدٍ ظَاهِرُهُ أَنَّ مَا لَا يُوجَدُ فِيهِ نَصٌّ فَلَيْسَ بِخَيْرٍ وَلَا شَرٍّ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ دُخُولَ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ تَحْتَ ذَلِكَ الْجِنْسِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ هُوَ الْإِبَاحَةُ فَتَأَمَّلْ.
(وَ) الْمِيزَانُ (الثَّانِي عَرْضُهُ) أَيْ الْخَاطِرِ (عَلَى عَالِمٍ) لَا مُطْلَقًا بَلْ (مِنْ عُلَمَاءِ الْآخِرَةِ) الْمُتَشَرِّعَةِ وَالْمُتَسَنِّنَةِ وَالْمُتَوَرِّعَةِ احْتِرَازٌ عَنْ عُلَمَاءِ الدُّنْيَا الَّذِينَ يَجْعَلُونَ عُلُومَهُمْ آلَةً لِجَمْعِ الدُّنْيَا وَجَلْبِ الْأَمْوَالِ وَوُصُولِ الْمَنَاصِبِ وَالتَّرَفُّعِ وَلَا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضَى عُلُومِهِمْ وَلَا يَحْتَاطُونَ فِي أَعْمَالِهِمْ وَلَا يَجْتَنِبُونَ عَنْ الشُّبُهَاتِ، بَلْ يَرْتَكِبُونَ الْمَكْرُوهَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ فَكُلَّمَا ازْدَادُوا عِلْمًا ازْدَادُوا مَقْتًا وَسُخْطًا وَإِنَّ عَمَلَهُمْ رِيَاءٌ وَعُجْبٌ وَنَحْوُهُمَا، فَهُمْ أَظْلَمُ خَلْقِ اللَّهِ لَا يَصْلُحُونَ لِلِاقْتِدَاءِ بَلْ الْإِعْرَاضُ عَنْهُمْ وَالْفِرَارُ مِنْهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] (وَ) عَلَى (مُرْشِدٍ كَامِلٍ) فِي صِفَةِ الْإِرْشَادِ بِأَنْ يَكُونَ مُعْرِضًا عَنْ حُبِّ الدُّنْيَا وَحُبِّ الْجَاهِ وَقَدْ كَانَ تَابِعٌ لِشَخْصٍ بَصِيرٍ تَتَسَلْسَلُ مُتَابَعَتُهُ إلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ﷺ ، وَكَانَ مُحْسِنًا لِرِيَاضَةِ نَفْسِهِ مِنْ قِلَّةِ الْأَكْلِ وَالنَّوْمِ وَكَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالصَّوْمِ وَكَانَ بِمُتَابَعَةِ الشَّيْخِ الْبَصِيرِ جَاعِلًا مَحَاسِنَ الْأَخْلَاقِ لَهُ سِيرَةً كَالصَّبْرِ وَالشُّكْرِ وَالتَّوَكُّلِ وَالْيَقِينِ وَالْخَسَارَةِ وَالْقَنَاعَةِ وَطُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ وَالْحِلْمِ وَالتَّوَاضُعِ وَالْعِلْمِ وَالصِّدْقِ وَالْحَيَاءِ وَالْوَفَاءِ وَالْوَقَارِ وَالتَّأَنِّي وَأَمْثَالِهَا، فَهُوَ إذَنْ نُورٌ مِنْ أَنْوَارِ النَّبِيِّ ﵊ يَصْلُحُ لِلِاقْتِدَاءِ لَكِنْ وُجُودُ مِثْلِهِ نَادِرٌ أَعَزُّ مِنْ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ إلَى آخِرِ مَا قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي نَصَائِحِهِ الْوَلَدِيَّةِ (إنْ وُجِدَ قِيلَ) أَيْ إنْ ظَفِرَ وَإِلَّا فَهُوَ مَوْجُودٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا تَخْلُو الْبِلَادُ عَنْهُ.
(فَإِنْ قَالَ) هُوَ (خَيْرٌ فَخَيْرٌ) فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (وَإِنْ) قَالَ هُوَ (شَرٌّ فَشَرٌّ) عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ أَمَانَةٍ فَإِنَّهُ صَاحِبُ تَصَرُّفٍ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ (وَالثَّالِثُ عَرْضُهُ عَلَى الصَّالِحِينَ) الْقَائِمِينَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ الْمُنْتَهِينَ عَنْ جَمِيعِ مَا نَهَى اللَّهُ الَّذِينَ صَرَفُوا رَيْعَانَ أَعْمَارِهِمْ بِمُجَاهَدَةِ أَنْفُسِهِمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَتَفَرَّغُوا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ سِوَى اللَّهِ وَجَعَلُوا عَزَائِمَ الْأَعْمَالِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ كَالْوَاجِبِ وَرُخَصَهَا كَالْمُحَرَّمِ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَالْأَوْلَى أَنْ يَسْكُتَ عَنْ قَوْلِهِ وَمُرْشِدٌ كَامِلٌ فِي السَّابِقِ وَيَزِيدُ هُنَا أَوْ يَسْكُتُ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَأَمَّا الْغَزَالِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ فَقَدْ ثَلَّثَ الْأَقْسَامَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْعَرْضَ عَلَى الْعَالِمِ لَعَلَّهُ أَرَادَ بِالصَّالِحِينَ مَا يَشْمَلُ
стр. 446
الْقِسْمَيْنِ أَوْ طَرِيقَ دَلَالَةِ النَّصِّ، وَالْمُصَنِّفُ أَرَادَ زِيَادَةَ تَوْضِيحٍ (فَإِنْ كَانَ فِي فِعْلِهِ اقْتِدَاءٌ بِهِمْ فَخَيْرٌ وَإِنْ بِالطَّالِحِينَ) الْفَاسِقِينَ ضِدُّ الصَّالِحِ (فَشَرٌّ وَالرَّابِعُ عَرْضُهُ عَلَى النَّفْسِ وَالْهَوَى) الَّذِي شَأْنُهُ الْمَيْلُ إلَى الشَّهَوَاتِ وَالْحَظِّ الْعَاجِلِ (فَإِنْ تَنْفِرُ عَنْهُ نَفْرَةَ طَبْعٍ) أَيْ هَوَى وَشَهْوَةٍ لَا نَفْرَةَ خَشْيَةٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى (فَخَيْرٌ) لِأَنَّهَا إذَا خُلِّيَتْ وَطَبْعُهَا تَمِيلُ إلَى الشُّرُورِ وَتَنْفِرُ عَنْ الْخَيْرِ؛ لِأَنَّ الْمَنَاهِيَ مَحْبُوبَةٌ فِي الْقُلُوبِ (وَإِنْ مَالَتْ إلَيْهِ مَيْلَ طَبْعٍ لَا مَيْلَ رَجَاءٍ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - فَشَرٌّ إذْ النَّفْسُ إذَا خَلَتْ) عَنْ الْعَوَارِضِ وَالْمَوَانِعِ (وَطَبْعُهَا) مَعَ طَبْعِهَا (لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ عَنْ الْعُلَمَاءِ مَعْرِفَةُ خَاطِرِ الْخَيْرِ مِنْ الشَّرِّ بِثَلَاثَةٍ عَرْضُهُ عَلَى الشَّرْعِ فَإِنْ وَافَقَ جِنْسَهُ فَخَيْرٌ وَإِنْ بِالضِّدِّ بِرُخْصَةٍ أَوْ شُبْهَةٍ فَشَرٌّ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَبِاقْتِدَاءِ الصَّالِحِينَ أَوْ الطَّالِحِينَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِنَفْرَةِ الْهَوَى وَمَيْلِهِ فَبِالتَّثْلِيثِ وَالتَّرْتِيبِ وَالْمُصَنِّفُ بِالتَّرْبِيعِ وَالْإِطْلَاقِ لَعَلَّ الظَّاهِرَ التَّخْيِيرُ لَا التَّرْتِيبُ.
(وَأَمَّا حِيَلُ الشَّيْطَانِ) الْمُوَكَّلِ عَلَى ابْنِ آدَمَ؛ لِأَنَّ الْمَعَادَ الْمُعَرَّفَ عَيْنُ الْأَوَّلِ (وَمُخَادَعَاتُهُ) الْخُدْعَةُ الْحِيلَةُ أَيْضًا وَالْمَنْعُ (فِي الطَّاعَةِ فَمِنْ سَبْعَةِ أَوْجُهٍ) بِاسْتِقْرَاءِ الْمَشَايِخِ (أَوَّلُهَا أَنْ يَنْهَاهُ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الطَّاعَةِ بِالْمُيُولَاتِ وَالتَّلَذُّذَاتِ وَبِإِرَاءَةِ التَّشَهِّيَاتِ قِيلَ وَسَنَدُ نَهْيِهِ فِي الْغَالِبِ ثَلَاثَةٌ الْأَوَّلُ أَنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ عِبَادَتِك فَقُلْ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦] ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: ٦] .
وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يَغْفِرُ لَك وَيُدْخِلُك الْجَنَّةَ بِلَا عَمَلٍ فَقُلْ ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦] ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] .
وَالثَّالِثُ: أَنَّ عِبَادَتَك مَعِيبَةٌ مَشُوبَةٌ بِالرِّيَاءِ وَنَحْوِهِ وَإِنَّك لَسْت بِمُتَّقٍ فَلَا تُقْبَلُ مِنْك، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] فَسَعْيُك ضَائِعٌ وَتَعْذِيبُ حَيَوَانٍ بِلَا فَائِدَةٍ فَقُلْ مُرَادِي دَفْعُ عَذَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - بِامْتِثَالِ أَمْرِهِ، وَإِذَنْ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ بَلْ عَلَى اسْتِجْمَاعِ الشَّرَائِطِ وَالْأَرْكَانِ إذْ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ مِنْ وَجْهٍ لَا يَخْفَى إنْ صَحَّ كَوْنُهُ مَا ذَكَرَ أَسَانِيدَ هَذَا النَّهْيِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَرْجِعَ جَوَابُهَا إلَى جَوَابِ الْمُصَنِّفِ، وَدَعْوَى الْإِرْجَاعِ بَعِيدٌ سِيَّمَا فِي الْبَعْضِ لَعَلَّ أَقْوَى الْأَسَانِيدِ الْمِرَاءُ لَا يَلِيقُ بِعَمَلِهِ بَلْ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ - تَعَالَى - إذْ رُبَّ عَابِدٍ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَرُبَّ فَاسِقٍ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ (فَإِنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى) أَيْ حَفِظَهُ
стр. 447
(رَدَّهُ بِأَنْ قَالَ) قَوْلًا مَعْقُولًا لَا مَلْفُوظًا وَإِنْ جَازَ ذَلِكَ أَيْضًا لِلشَّيْطَانِ (إنِّي مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ) الطَّاعَةِ وَلَوْ اسْتِحْبَابًا (جِدًّا) احْتِيَاجًا قَطْعِيًّا إذْ الْفَرَائِضُ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا لِلتَّخَلُّصِ مِنْ وِزْرِ تُرُوكِهَا وَلِثَوَابِهَا أَيْضًا، وَنَحْوُ الِاسْتِحْبَابِ لِثَوَابِهِ كَمَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ ﵀ طَلَبُ الْجَنَّةِ بِلَا عَمَلٍ ذَنْبٌ مِنْ الذُّنُوبِ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْأَحْمَقُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ» أَيْ الرَّحْمَةَ وَالْمَغْفِرَةَ (إذْ لَا بُدَّ مِنْ التَّزَوُّدِ) أَخْذِ الزَّادِ سِيَّمَا بِخَيْرِ الزَّادِ الَّذِي هُوَ التَّقْوَى فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِكُلِّ مُسَافِرٍ سِيَّمَا إلَى سَفَرٍ بَعِيدٍ مِنْ الزَّادِ، وَزَادُ الْمُسَافِرِ لِلسَّيْرِ إلَى اللَّهِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢] وَ ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق: ٨] كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ) السَّرِيعَةِ الزَّوَالِ (لِلْآخِرَةِ الَّتِي لَا انْقِضَاءَ لَهَا) وَلَا انْقِطَاعَ.
قَالَ فِي النَّصَائِحِ الْوَلَدِيَّةِ لِلْغَزَالِيِّ إنَّ رَجُلًا فِي بَنِي إسْرَائِيلَ عَبَدَ اللَّهَ سَبْعِينَ سَنَةً فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ مَلَكًا يُخْبِرُهُ أَنَّهُ مَعَ تِلْكَ الْعِبَادَةِ لَا يَلِيقُ بِهِ فَلَمَّا بَلَغَهُ قَالَ الْعَابِدُ نَحْنُ خُلِقْنَا لِلْعِبَادَةِ فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَعْبُدَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ الْمَلَكُ قَالَ إلَهِي أَنْتَ أَعْلَمُ بِمَا قَالَ فَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - إذًا هُوَ لَمْ يُعْرِضْ عَنْ عِبَادَتِنَا فَنَحْنُ مَعَ الْكَرَمِ لَا نُعْرِضُ عَنْهُ اشْهَدُوا يَا مَلَائِكَتِي أَنِّي قَدْ غَفَرْت لَهُ وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ بِدُونِ الْجَهْدِ يُحَصِّلُ فَهُوَ مُتَمَنٍّ وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ بِبَذْلِ الْجَهْدِ يَصِلُ فَهُوَ مُتَعَنٍّ، وَأَمَّا إذَا عَادَ الشَّيْطَانُ وَقَالَ لَوْ أَوْجَبَ الْعَمَلُ النَّفْعَ لَا تَنْفَعُ نَحْوُ بِرْصِيصَ وَبَلْعَامَ وَلَوْ أَخَّرَ تَرْكَ الْعَمَلِ لَتَضَرَّرَ نَحْوُ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ فَسَنَدْفَعُ مِنْ جَوَابِ الْمُصَنِّفِ وَقَدْ انْدَفَعَ أَيْضًا بِمَا ذُكِرَ آنِفًا.
(ثُمَّ) إذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَيَنْتَقِلُ إلَى آخَرَ (يَأْمُرُهُ) أَيْ يَأْمُرُ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ (بِالتَّسْوِيفِ) أَيْ بِتَأْخِيرِ الْعَمَلِ إمَّا أَوَانَ الشَّيْبِ أَوْ إلَى فَرَاغِ عَمَلٍ مِنْ عَمَلِ الدُّنْيَا أَوْ إلَى وَقْتٍ مُبَارَكٍ أَوْ مَكَان مُبَارَكٍ (فَإِنْ) لِلشَّرْطِ (عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَدَّهُ) أَرَادَ عِصْمَتَهُ، الْمَفْهُومُ مِنْ هَذِهِ الصِّيغَةِ أَنَّ أَجْوِبَةَ ذَلِكَ كُلِّهِ إنَّمَا هِيَ بِعِصْمَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَقَطْ وَلَا دَخْلَ لِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ وَذَلِكَ جَبْرٌ مَحْضٌ مُخِلٌّ لِقَاعِدَةِ التَّكْلِيفِ وَسَتَعْلَمُ مِنْ قَاعِدَةِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ كَمَا سَبَقَ أَنَّهُ مَا مِنْ مَذْهَبٍ إلَّا وَفِيهِ قَدَمٌ رَاسِخٌ مِنْ الْجَبْرِ، كَمَا نُقِلَ عَنْ السَّلَفِ أَنَّهُ لَا جَبْرَ وَلَا تَفْوِيضَ وَلَكِنْ أَمْرٌ بَيْنَهُمَا (بِأَنْ قَالَ لَيْسَ أَجَلِي بِيَدِي) بَلْ بِيَدِ اللَّهِ فَلَا يُمْكِنُ إطَالَتُهُ وَلَا أَعْلَمُ وَقْتَهُ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ فِي كُلِّ نَفَسٍ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ وَقْتٍ وَظِيفَةُ طَاعَةٍ وَلَوْ أَخَّرْت طَاعَةَ هَذَا الْوَقْتِ إلَى وَقْتٍ آخَرَ فَمَا أَفْعَلُ بِوَظِيفَةِ ذَلِكَ الْوَقْتِ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُهُ (عَلَى أَنِّي إنْ سَوَّفْت) مِنْ سَوْفَ بِمَعْنَى التَّأْخِيرِ (عَمَلَ الْيَوْمِ إلَى غَدٍ فَعَمَلُ الْغَدِ مَتَى أَعْمَلُهُ فَإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ عَمَلًا) مَخْصُوصًا بِهِ لَا يُتَدَارَكُ بَعْدَ هَذَا الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَقْتٍ مَشْغُولٍ بِوَظِيفَتِهِ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «هَلَكَ الْمُسَوِّفُونَ» وَلَوْ فُرِضَ وِصَالَهُ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي سَوَّفَهُ لَا قَاطِعَ لَهُ بِتَدَارُكِهِ بَلْ أَوْلَى أَنْ
стр. 448
يُعَطِّلَهُ لِكَوْنِهِ مَطْبُوعًا فِي الْأَوْقَاتِ الْخَالِيَةِ بِالتَّرْكِ وَلَوْ سَلِمَ تَدَارُكُ هَذَا الْوَقْتِ بِالطَّاعَةِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَكُونُ فَقِيرًا مُفْلِسًا مَغْبُونًا.
قَالَ الْحَسَنُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِعِبَادِهِ اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي وَاقْتَسِمُوهَا بِقَدْرِ أَعْمَالِكُمْ.
(ثُمَّ) إذَا أُفْحِمَ مِنْ هَذَا (يَأْمُرُهُ بِالْعَجَلَةِ فَيَقُولُ لَهُ عَجِّلْ) فِي طَاعَتِك بِتَخْفِيفِ أَرْكَانِهَا وَأَفْعَالِهَا (لِتَتَفَرَّغَ لِكَذَا وَكَذَا) مِنْ طَاعَةٍ أُخْرَى أَوْ لِنَحْوِ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَنْعِ بِالْكُلِّيَّةِ فَيَرْضَى بِالْخَلَلِ فِي أَوْصَافِ الْعِبَادَةِ لِيُنْقِصَ أَجْرَهُ، أَوْ لَأَنْ يُؤَدِّيَ إلَى أَعْظَمَ مِنْهُ ثُمَّ وَثُمَّ إلَى التَّرْكِ بِالْكُلِّيَّةِ (فَإِنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَدَّهُ بِأَنْ قَالَ قَلِيلُ الْعَمَلِ مَعَ التَّمَامِ) فِي غَيْرِ الْوَاجِبَاتِ (خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِهِ مَعَ النُّقْصَانِ) إذْ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَّا التَّامَّ فَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ إتْيَانَ بَعْضِ الْفَرَائِضِ بِالتَّمَامِ مَعَ تَرْكِ الْآخَرِ خَيْرٌ مِنْ إتْيَانِ الْكُلِّ مَعَ النُّقْصَانِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ» أَيْ مُوَدِّعٍ لِهَوَاهُ مُوَدِّعٍ لِعُمُرِهِ وَسَائِرٍ إلَى مَوْلَاهُ.
(ثُمَّ) إذَا لَمْ يَنْتَفِعْ مِنْ ذَلِكَ (يَأْمُرُهُ بِإِتْمَامِ الْعَمَلِ) بِشَرَائِطِهِ وَآدَابِهِ مَعَ جَمِيعِ مُكَمِّلَاتِهِ وَلَكِنْ (مَعَ الْمُرَاءَاةِ فَإِنْ عَصَمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - رَدَّهُ بِأَنْ قَالَ النَّاسُ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى نَفْعٍ وَضَرَرٍ) عَلَى أَنْفُسِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ [الفرقان: ٣] فَلَأَنْ لَا يَمْلِكُوا لِغَيْرِهِمْ أَوْلَى يَعْنِي: أَنَّ الرِّيَاءَ إمَّا لِجَلْبِ نَفْعٍ مِنْ غَيْرِهِ - تَعَالَى - أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ عَنْهُ فَإِذَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْهُمَا فَعَبَثٌ وَسَعْيٌ بَاطِلٌ (أَفَلَا يَكْفِينِي رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى النَّافِعِ الضَّارِّ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا جَوَابُ تَحْقِيقٍ لَا إلْزَامِيٌّ إذْ حِيلَةُ الشَّيْطَانِ بِالرِّيَاءِ إنَّمَا هِيَ الْأَسْبَابُ الْعَادِيَّةُ وَالْجَوَابُ لَيْسَ بِهَا بَلْ بِمَا هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَهُوَ مَقَامُ الْخَوَاصِّ فَتَأَمَّلْ.
(ثُمَّ) إذَا أَيِسَ مِنْ إيقَاعِ خَلَلٍ فِي طَاعَتِهِ (يُوقِعُهُ فِي الْعُجْبِ فَيَقُولُ مَا أَيْقَظَك) مَا قُوَّةَ يَقَظَتِك وَشِدَّةَ فَطَانَتِك (وَ) مَا (أَعْقَلَك) كَثْرَةَ عَقْلِك حَيْثُ (تَنَبَّهْت) مِنْ الْغَفْلَةِ (لِمَا لَمْ يَتَنَبَّهْ لَهُ غَيْرُك) وَارْتَقَيْت مَا لَمْ يَرْتَقُوا إلَيْهِ مِنْ الْأَعْمَالِ الْمَرَضِيَّةِ وَالطَّاعَاتِ الْمَقْبُولَةِ (فَإِنْ عَصَمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - رَدَّهُ بِأَنْ قَالَ الْمِنَّةُ) النِّعْمَةُ (لِلَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ) التَّيَقُّظِ وَالتَّعَقُّلِ (دُونِي) أَيْ لَيْسَ مِنِّي إذْ هُوَ بِمَحْضِ خَلْقِهِ وَتَأْثِيرِهِ فَلَفْظُ دُونِي مُرَكَّبٌ مِنْ كَلِمَةِ دُونَ وَيَاءِ الْمُتَكَلِّمِ فَدُونَ بِمَعْنَى غَيْرٍ وَعَنْ الزَّمَخْشَرِيِّ مَعْنَاهُ أَدْنَى مَكَان مِنْ الشَّيْءِ وَيُسْتَعْمَلُ لِلتَّفَاوُتِ فِي الْحَالِ نَحْوُ: زَيْدٌ دُونَ عَمْرٍو أَيْ فِي الشَّرَفِ وَاتَّسَعَ فِيهِ فَاسْتُعْمِلَ فِي تَجَاوُزِ حَدٍّ إلَى حَدٍّ نَحْوُ - ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨]- أَيْ لَا يَتَجَاوَزُوا وِلَايَةَ الْمُؤْمِنِينَ إلَى وِلَايَةِ الْكَافِرِينَ (فَهُوَ الَّذِي خَصَّنِي بِتَوْفِيقِهِ) فِي صَرْفٍ وَسَعْيٍ إلَى الْعَمَلِ بِإِخْطَارِ الْمُيُولَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَمَلِ وَخَلْقِهِ عِنْدَ صَرْفِ إرَادَتِي إلَيْهِ (وَجَعَلَ لِعَمَلِي قِيمَةً عَظِيمَةً) لَا اسْتِحْقَاقِيَّةً بَلْ (بِفَضْلِهِ) وَكَرَمِهِ (وَلَوْلَا فَضْلُهُ لَمَا كَانَ لَهُ) لِعَمَلِي (قِيمَةٌ فِي جَنْبِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى) كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]
стр. 449
(وَجَنْبِ مَعْصِيَتِي لَهُ) وَلَا يُكَافِئُ عَمَلِي أَقَلَّ قَلِيلٍ مِنْ نِعَمِهِ فَكَيْفَ أُعْجَبُ وَأَيْضًا رَدُّهُ بِأَنْ يَتَذَكَّرَ طَاعَاتِ الْمُتَوَرِّعِينَ وَعِبَادَاتِ الْمُتَّقِينَ وَكَيْفِيَّةَ وَرَعِهِمْ فَيَسْتَحْقِرَ طَاعَتَهُ، ثُمَّ إنْ رَجَعَ الشَّيْطَانُ وَقَالَ الْأَعْقَلِيَّةُ بِاعْتِبَارِ مَدْخَلِيَّةِ كَسْبِ الْعَبْدِ فَإِنَّ عَادَتَهُ - تَعَالَى - فِي خَلْقِ الطَّاعَةِ إنَّمَا هِيَ بِصَرْفِ الْعَبْدِ إرَادَتَهُ الْجُزْئِيَّةَ سِيَّمَا عَلَى مَذْهَبِ الْمَاتُرِيدِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ بِمَجْمُوعِ قُدْرَتَيْ الْعَبْدِ وَالرَّبِّ عَلَى أَنْ تُؤَثِّرَا فِي أَصْلِ الْفِعْلِ كَمَذْهَبِ الْأُسْتَاذِ وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُهُ فَلَعَلَّ الْجَوَابَ وَالرَّدَّ بَعْدَ عَمَلِهِ حَقِيرًا لِمُقَارَنَتِهِ بِالْعُيُوبِ وَالْقُصُورِ فِي الْجِنَانِ وَالْأَرْكَانِ لِعَدَمِ الْخُضُوعِ وَحُضُورِ الْقَلْبِ وَالْخَشْيَةِ وَعَدَمِ وُقُوعِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ وَأَيْضًا بُعْدُهُ قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَعْمَالِ الْأَسْلَافِ وَالْمَشَايِخِ الْكَامِلِينَ، فَالْأَوْلَى لِلْمُصَنَّفِ أَنْ يَجْعَلَ الرَّدَّ بِنَحْوِهِ ابْتِدَاءً.
(ثُمَّ) إذَا أَيِسَ مِنْ ذَلِكَ يَأْتِيهِ مِنْ وَجْهٍ سَادِسٍ وَ (يَقُولُ اجْتَهِدْ أَنْتَ فِي السِّرِّ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيُظْهِرُهُ) إلَى خَلْقِهِ (وَيَجْعَلُك شَرِيفًا خَطِيرًا) ذَا رِفْعَةٍ وَهَيْبَةٍ وَرِيَاسَةٍ (بَيْنَ النَّاسِ) بِسَبَبِ اجْتِهَادِك فِي السِّرِّ. أَقُولُ هَذِهِ الْحِيلَةُ مِنْ جَانِبِ الشَّيْطَانِ مُنْدَفِعَةٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى نَفْعٍ وَضُرٍّ إلَى آخِرِهِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ (وَأَرَادَ بِذَلِكَ ضَرْبًا مِنْ الرِّيَاءِ الْخَفِيِّ) فِي كَوْنِهِ مِنْ بَابِ الرِّيَاءِ الْخَفِيِّ خَفَاءً إذْ حِينَئِذٍ يَكُونُ عَمَلُهُ لِنَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ مَحْضٍ فَلَا وَجْهَ لِجَعْلِهِ أَمْرًا مُغَايِرًا لِمَا تَقَدَّمَ فَضْلًا عَنْ جَعْلِهِ أَمْرًا مُؤَخَّرًا مِنْهُ فَافْهَمْ لَكِنْ هَذَا الْمَقَامُ بِعَيْنِهِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمِنْهَاجِ فَكَأَنَّهُ تَبِعَهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ جَعَلَهُ مِنْ قَبِيلِ مُغَايَرَةِ الْخَاصِّ لِلْعَامِّ مُغَايَرَةً مَا وَلَوْ اعْتِبَارًا فَتَأَمَّلْ (فَإِنْ عَصَمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - رَدَّهُ بِأَنْ قَالَ) يَا مَلْعُونُ إلَى الْآنَ كُنْت تَأْتِينِي مِنْ وَجْهِ إفْسَادِ عَمَلِي وَالْآنَ تَأْتِينِي مِنْ وَجْهِ إخْلَاصِهِ لِتُفْسِدَهُ (إنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَهُوَ سَيِّدِي) صِحَّةُ إطْلَاقِ السَّيِّدِ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى كَوْنِ أَسْمَائِهِ تَوْقِيفِيَّةً كَالْأَشَاعِرَةِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ إلَّا أَنْ يُبْنَى عَلَى قَوْلِ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ فِيمَا يَكُونُ عَلَى طَرِيقِ الصِّفَةِ وَلَمْ يُوهِمْ شَيْئًا لُغَةً وَعُرْفًا وَشَرْعًا بَلْ أَشْعَرَ تَعْظِيمًا كَمَا مَرَّ.
وَيَدَّعِي كَوْنَ هَذَا مِنْهُ (إنْ شَاءَ أَظْهَرَ) عَمَلِي لَكِنْ إنْ تَعَلَّقَتْ الْمَشِيئَةُ بِالْإِظْهَارِ وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْمَحْذُورُ مِنْ الشَّرَفِ فَلَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ الرَّدِّ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ تَمَامَ الرَّدِّ بِقَوْلِهِ فَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ (وَإِنْ شَاءَ أَخْفَى) كَمَا هُوَ شَأْنُ الْمَوْلَى فِي عَبِيدِهِ (وَإِنْ شَاءَ جَعَلَنِي خَطِيرًا وَإِنْ شَاءَ حَقِيرًا وَذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ الْإِظْهَارِ وَالْإِخْفَاءِ وَالْجُعْلَيْنِ مَوْكُولٌ (إلَيْهِ تَعَالَى) إذْ أُمُورُ الْعَبِيدِ وَتَصَرُّفُهُمْ إلَى مَوْلَاهُمْ (وَلَا أُبَالِي إنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ لِلنَّاسِ أَوْ لَمْ يُظْهِرْهُ) فَالْإِظْهَارُ وَعَدَمُهُ سِيَّانِ عِنْدِي (فَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ) نَحْوُ الشَّرَفِ عِنْدَ الظُّهُورِ فَلَا يَخْفَى رُجُوعُهُ إلَى قَوْلِهِ أَفَلَا يَكْفِينِي رُؤْيَةُ اللَّهِ النَّافِعِ الضَّارِّ إلَّا أَنْ يُقَالَ وَلَئِنْ سُلِّمَ الرُّجُوعُ لَكِنَّهُ لَيْسَ عَيْنَهُ فَأَصْلُ الْمُغَايَرَةِ كَافٍ لَكِنْ إنْ عَادَ اللَّعِينُ، وَقَالَ إنَّ عَادَتَهُ - تَعَالَى - جَارِيَةٌ فِي جَعْلِهِ خَطِيرًا بِإِظْهَارِ الْعِبَادَةِ لِلنَّاسِ فَبِالْآخِرَةِ يُضْطَرُّ إلَى الْجَوَابِ بِأَنَّ النَّفْعَ وَالضُّرَّ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ بَلْ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - لَكِنْ إنْ عَادَ وَقَالَ إنْ أُرِيدَ النَّفْعُ الصُّورِيُّ أَوْ الْعَادِيُّ فَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ كَوْنِهِ مِنْ النَّاسِ وَإِنْ الْحَقِيقِيُّ فَنُسَلِّمُ ذَلِكَ لَكِنْ
стр. 450
مَقْصُودُك حَاصِلٌ فِي الصُّورِيِّ فَيَحْتَاجُ حِينَئِذٍ فِي الرَّدِّ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الِاغْتِرَارَ عَلَى الصُّورِيِّ ضَلَالٌ وَوَبَالٌ إذْ هُوَ مَجَازِيٌّ سَرِيعُ الزَّوَالِ وَمُوجِبٌ لِكُلِّ خُسْرَانٍ وَبَاعِثٌ لِفَوْتِ فُرْصَةِ ذَخَائِرِ الْجِنَانِ.
(ثُمَّ) يَأْتِيهِ مِنْ وَجْهٍ سَابِعٍ (يَقُولُ آخَرُ) بَعْدَ الْيَأْسِ مِنْ جَمِيعِ الْحِيَلِ وَالْمُخَادَعَةِ (لَا حَاجَةَ لَك إلَى هَذَا الْعَمَلِ؛ لِأَنَّك إنْ خُلِقْت سَعِيدًا) فِي الْأَزَلِ فِي الْحُكْمِ الْقَدِيمِ وَحَضْرَةِ عِلْمِ الْقَدِيمِ فَإِنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ أَوْ فِي اللَّوْحِ أَوْ عِنْدَ نَفْخِ الْمَلَكِ الرُّوحَ فِي بَطْنِ الْأُمِّ (لَمْ يَضُرَّك تَرْكُ الْعَمَلِ) لِأَنَّ مَصِيرَك الْجَنَّةُ عَمِلْت أَوْ لَمْ تَعْمَلْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَخَلَّفُ مُرَادُهُ عَنْ إرَادَتِهِ وَلَا يَتَبَدَّلُ حُكْمُهُ تَعَالَى (وَإِنْ خُلِقْت شَقِيًّا) فِي الْأَزَلِ كَذَلِكَ (لَمْ يَنْفَعْك الْعَمَلُ) لِأَنَّ مَصِيرَك النَّارُ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ وَإِنْ كَثُرَ لَا يَدْفَعُ الشَّقَاوَةَ الْحَاصِلَةَ بِالْحُكْمِ الْقَدِيمِ وَالْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ (فَفِيمَ) أَصْلُهُ فِيمَا كَمَا فِي عَمَّ فَحُذِفَتْ أَلْفُ مَا الِاسْتِفْهَامِيَّة لِدُخُولِ حَرْفِ الْجَرِّ عَلَيْهَا (تَجْتَهِدُ) وَتُتْعِبُ نَفْسَك فِي أَمْرٍ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ نَفْعٌ بِتَعَبِك (وَتَتْرُكُ رَاحَتَك وَتَضُرُّ نَفْسَك) بِتَحْمِيلِ مَشَاقِّ الطَّاعَاتِ وَتَكَلُّفَاتِ الْعِبَادَاتِ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يُبْطِلُ قَاعِدَةَ التَّكْلِيفِ وَيَسْتَلْزِمُ عَدَمَ فَائِدَةِ إرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ وَوَضْعِ الشَّرَائِعِ (فَإِنْ عَصَمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - رَدَّهُ بِأَنْ قَالَ إنَّمَا أَنَا عَبْدٌ وَ) الْوَاجِبُ (عَلَى الْعَبْدِ امْتِثَالُ أَمْرِ سَيِّدِهِ) فِعْلًا أَوْ كَفًّا يُرَدُّ عَلَيْهِ مِنْ جَانِبِ اللَّعِينِ إنَّ الْوُجُوبَ إنَّمَا يَتَأَتَّى عِنْدَ خَوْفِ الْعِقَابِ بِالْمُخَالَفَةِ وَالثَّوَابِ بِالِامْتِثَالِ وَلَيْسَ حِينَئِذٍ فَلَيْسَ إذْ الْوُجُوبُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِمَا فِي مُتَارَكَتِهِ عِقَابٌ كَمَا فِي الْأُصُولِ (وَالرَّبُّ أَعْلَمُ بِرُبُوبِيَّتِهِ) أَيْ بِسَبَبِ رُبُوبِيَّتِهِ أَوْ بِأَحْوَالِ تَرْبِيَتِهِ عِبَادَهُ فَانْتَظِرْ قَرِيبًا (فَيَحْكُمُ مَا يَشَاءُ) مِنْ الشَّقَاوَةِ وَالسَّعَادَةِ (وَيَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ وَنَفْعٍ وَضُرٍّ ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ مِنْ الْأَجْوِبَةِ الْمُسْكِتَةِ إنَّ إبْلِيسَ ظَهَرَ لِعِيسَى ﵊ فَقَالَ أَلَسْت تَقُولُ إنَّهُ لَنْ يُصِيبَك إلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَك، قَالَ نَعَمْ، قَالَ فَارْمِ نَفْسَك مِنْ ذُرْوَةِ هَذَا الْجَبَلِ فَإِنَّهُ إنْ يُقَدِّرْ لَك السَّلَامَةَ سَلِمْت، قَالَ يَا مَلْعُونُ إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَخْتَبِرَ رَبَّهُ ثُمَّ إنْ قَالَ اللَّعِينُ إنْ كَانَ حُكْمُهُ وَمَشِيئَتُهُ فِيك هُوَ السَّعَادَةُ فَلَا تَضُرُّك الْمَعْصِيَةُ وَإِنْ الشَّقَاوَةَ فَلَا تَنْفَعُك الْعِبَادَةُ فَلَا تُفِيدُ هَاتَانِ الْمُقَدِّمَتَانِ نَفْعًا فِي دَفْعِ شُبْهَةِ الشَّيْطَانِ بَلْ تُقَوِّيَانِهَا فَالْأَوْلَى عَدَمُ ذِكْرِهِمَا هُنَا وَإِنْ وَقَعَ، كَذَلِكَ أَيْضًا فِي الْمِنْهَاجِ بَلْ هَاتَانِ الْمُقَدِّمَتَانِ إنَّمَا تَنْفَعَانِ إنْ كَانَتْ الشُّبْهَةُ لِمَ جَعَلَ الْبَعْضَ سَعِيدًا فِي الْأَزَلِ وَالْآخَرَ شَقِيًّا وَالْكُلُّ مُتَسَاوٍ فِي النِّسْبَةِ (وَلِأَنِّي يَنْفَعُنِي الْعَمَلُ كَيْفَ مَا كُنْت) وَأَيْضًا يَضُرُّنِي تَرْكُهُ لَعَلَّ الْجَوَابَ الْمُتَقَدِّمَ تَسْلِيمِي وَمَدَارُهُ مَا أُشِيرَ آنِفًا وَهَذَا الْجَوَابُ مَنْعِي يَعْنِي يَنْفَعنِي الْعَمَلُ سَوَاءٌ كُنْت شَقِيًّا فِي الْأَزَلِ أَوْ سَعِيدًا وَفِي آخِرِ عُمُرِي قِيلَ هُنَا عَنْ الْمُنَاوِيِّ مِنْهُمْ مَنْ رَاعَى جَانِبَ الْحُكْمِ السَّابِقِ وَجَعَلَهُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ وَمِنْهُمْ جَانِبُ الْخَاتِمَةِ كَذَلِكَ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى إذْ الْخَاتِمَةُ تَابِعَةٌ إلَيْهِ وَسَعَادَةُ الْآخِرَةِ وَشَقَاوَتُهَا تَابِعَةٌ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ (إنْ كُنْت سَعِيدًا) فِي الْأَزَلِ (احْتَجْت) لَعَلَّ الْأَوْلَى أَحْتَاجُ (إلَيْهِ) إلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ (لِزِيَادَةِ الثَّوَابِ) وَرِفْعَةِ الدَّرَجَاتِ، قَالَ الْحَسَنُ يَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى - لِعِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِفَضْلِي وَاقْتَسِمُوهَا بِقَدْرِ أَعْمَالِكُمْ وَقَالَ طَلَبُ الْجَنَّةِ بِلَا عَمَلٍ ذَنْبٌ مِنْ الذُّنُوبِ لَكِنْ يَشْكُلُ بِأَنَّ تِلْكَ الْمَثُوبَاتِ الْمَزِيدَةَ وَالدَّرَجَاتِ كَنَفْسِ السَّعَادَةِ دَاخِلَةٌ فِي الْقَضَاءِ الْإِلَهِيِّ وَالْحُكْمِ الْأَزَلِيِّ حِينَئِذٍ وَلَا قَائِلَ بِالتَّخْصِيصِ، وَكَذَا قَوْلُهُ (وَإِنْ كُنْت شَقِيًّا فَكَذَلِكَ) أَيْ احْتَجْت إلَيْهِ (لِئَلَّا أَلُومَ) أَنَا مِنْ اللَّوْمِ (نَفْسِي) بِتَرْكِ الْعَمَلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَيْضًا فَتْحُ هَذَا الْبَابِ يَقْتَضِي الْجَبْرَ لِكُلٍّ فِي عَمَلِهِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ اللَّوْمُ عَلَى التَّرْكِ لَعَلَّ لِذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ عَلَى طَرِيقِ التَّسْلِيمِ (عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَاقِبُنِي عَلَى) فِعْلِ (الطَّاعَةِ بِكُلِّ حَالٍ) سَعَادَةٍ أَوْ شَقَاوَةٍ؛ لِأَنَّهُ
стр. 451
حَكِيمٌ وَكُلُّ فِعْلِهِ عَلَى حِكْمَةٍ وَلَيْسَ مِنْ الْحِكْمَةِ عِقَابُ مَنْ أَطَاعَهُ بَلْ سَفَهٌ وَنَقْصٌ يَجِبُ تَنْزِيهُهُ تَعَالَى عَنْهُ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْكَلَامَ عَدَمُ نَفْعِ إتْعَابِ النَّفْسِ لِلطَّاعَةِ عَلَى الشَّقَاوَةِ الْأَزَلِيَّةِ وَبِالْجُمْلَةِ أَخْذُ الْأَمْرَيْنِ هُنَا لَازِمٌ إمَّا نَفْيُ الشَّقَاوَةِ الْأَزَلِيَّةِ أَوْ نَفْيُ نَفْعِ الطَّاعَةِ (وَلَا يَضُرُّنِي) الطَّاعَةُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الشُّبْهَةَ لَيْسَتْ فِي ضُرِّهَا بَلْ فِي نَفْعِهَا وَقِيلَ وَأَمَّا تَرْكُهَا فَيَضُرُّنِي لَا مَحَالَةَ يَرِدُ عَلَيْهِ عَلَى السَّعَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ كَيْفَ يَضُرُّ وَقِيلَ يَعْنِي أَنَّ الْعَمَلَ لَا يَضُرُّنِي كَتَرْكِهِ فَإِذَا اسْتَوَيَا فِي عَدَمِ النَّفْعِ وَعَدَمِ الضُّرِّ فَكَيْفَ أَخْتَارُ التَّرْكَ وَلَا مُخَاطَرَةَ فِي الْفِعْلِ وَإِنَّمَا هِيَ فِي التَّرْكِ، وَالْعَاقِلُ يَتْرُكُ مَا فِيهِ الْمُخَاطَرَةُ وَيَأْتِي بِمَا فِيهِ عَدَمُ الْمُخَاطَرَةِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَيْضًا مَا فِيهِ وَلَعَلَّ أَيْضًا لِكُلِّ مَا ذُكِرَ قَالَ تَسْلِيمًا (عَلَى أَنِّي إنْ دَخَلْت النَّارَ وَأَنَا مُطِيعٌ) لِلَّهِ تَعَالَى (أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَدْخُلَهَا وَأَنَا عَاصٍ) إمَّا لِخِفَّةِ مُقَاسَاةِ النَّارِ وَشِدَّتِهَا وَإِمَّا لِعَدَمِ اللَّوْمِ عَلَى النَّفْسِ وَالتَّقْصِيرِ مِنْهَا، لِأَدَاءِ لَوَازِمِ الْعُبُودِيَّةِ فَلَا يَرِدُ إنْ وُجِدَ الدُّخُولُ فَلَا أَحَبِّيَّةَ فِي أَحَدِهِمَا.
لَكِنْ يَرِدُ أَنَّ دُخُولَ النَّارِ مَعَ الطَّاعَةِ أَصْعَبُ عَلَى النَّفْسِ مِنْ دُخُولِهَا بِعَدَمِهَا؛ لِأَنَّ بُطْلَانَ السِّعَايَاتِ لِلطَّاعَاتِ وَعَدَمَ فَرْقِ طَاعَتِهِ مِنْ الْعِصْيَانِ يَعْظُمُ عَلَى النَّفْسِ (فَكَيْفَ) يُتَصَوَّرُ دُخُولُ النَّارِ سِيَّمَا خُلُودُهَا عَلَى تَقْدِيرِ الطَّاعَةِ (وَ) الْحَالُ أَنَّ (وَعْدَهُ) تَعَالَى (حَقٌّ) لِأَنَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ بَلْ يُنْجِزُهُ (وَقَوْلُهُ صَدَقَ) لِأَنَّ الْكَذِبَ عَلَيْهِ نَقْصٌ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ [النساء: ١٢٢] (وَقَدْ وَعَدَ) فِي كِتَابِهِ الْقَدِيمِ فِي مَوَاضِعَ لَا تُحْصَى (عَلَى الطَّاعَاتِ بِالثَّوَابِ فَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ - تَعَالَى - عَلَى الْإِيمَانِ وَالطَّاعَاتِ لَنْ يَدْخُلَ النَّارَ أَلْبَتَّةَ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ لِوَعْدِهِ الصَّادِقِ) لِعَدَمِ تَبْدِيلِ الْقَوْلِ لَدَيْهِ، وَالْإِجْمَاعُ فِي امْتِنَاعِ خُلْفِ وَعْدِهِ وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي خُلْفِ وَعِيدِهِ لَا يَخْفَى أَنَّ وَعْدَهُ مُقَيَّدٌ بِبَقَاءِ الْإِيمَانِ كَمَا حُرِّرَ فِي الْكَلَامِ فَمَا قِيلَ هُنَا وَإِنْ كَانَ ذَهَابُ الْإِيمَانِ قُبَيْلَ الْمَوْتِ أَمْرًا مُمْكِنًا وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّ مُمْكِنٍ وَاقِعًا وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، وَالْيَقِينُ الْمُحَقَّقُ الْآنَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ قُبَيْلَ الْمَوْتِ فَكَلَامٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا حَاصِلَ هَذَا
ثُمَّ يَرِدُ أَنَّ الْوَعْدَ الْإِلَهِيَّ يُوجِبُ دُخُولَ الْجَنَّةِ وَالشَّقَاوَةَ الْأَزَلِيَّةَ تُوجِبُ عَدَمَهَا بَلْ النَّارُ وَلَيْسَ لِمَا ذُكِرَ مُرَجِّحٌ بَلْ الْأَفَاعِيلُ الْأَزَلِيَّةُ تَابِعَةٌ لِلْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ فَكَيْفَ يَصِحُّ مَا ذُكِرَ وَكَيْفَ يَدْفَعُ حِيلَةَ الشَّيْطَانِ أَقُولُ التَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الْمَبَاحِثِ الصَّعْبَةِ أَنْ يَأْتِيَ أَوَامِرَهُ رَجَاءَ ثَوَابِهِ وَيَجْعَلَ أَحْكَامَ الْحُكْمِ الْأَزَلِيِّ وَتَفْصِيلَهَا مِنْ قَبِيلِ الْمُتَشَابِهَاتِ لِقُصُورِ فَهْمِ الْإِنْسَانِ عَنْ إدْرَاكِ حَقِيقَتِهَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ (وَلِذَا) أَيْ لِصِدْقِ وَعْدِهِ (وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى) حِكَايَةً عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] فِي الدُّنْيَا بِالْجَنَّةِ فِي مُقَابَلَةِ الْعَمَلِ (وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَقَدْ وَعَدَ (مُسَبِّبُ الْأَسْبَابِ) جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا عَلَى مُقْتَضَى حِكْمَتِهِ (وَقَدْ جَرَى عَادَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى رَبْطِ الْأَشْيَاءِ بِأَسْبَابٍ ظَاهِرَةٍ كَالْغَيْثِ) أَيْ الْمَطَرِ (لِلنَّبَاتِ وَالْجِمَاعِ لِلْوَلَدِ) وَلَا يَضُرُّ النَّقْصُ فِي الْقِلَّةِ كَعِيسَى ﵇ (وَكَالصَّيْفِ لِيَنْعِ الثِّمَارِ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ وَبِالْمُهْمَلَةِ هُوَ النُّضْجُ وَالْإِدْرَاكُ (وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) فِي سَبَبِيَّةِ الْأَعْمَالِ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]
стр. 452
مِنْ الصَّالِحَاتِ فَإِنْ قِيلَ إنَّ هَذَا وَإِنْ وَافَقَ لِمَا فِي الْأُصُولِيَّةِ كَالتَّلْوِيحِ مِنْ أَنَّ الْعَمَلَ هُوَ الْوَسِيلَةُ فَمُخَالِفٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» وَلِمَا فِي الْكَلَامِيَّةِ إنَّ الْجَنَّةَ لَيْسَتْ باستحقاقية بَلْ تَفْضِيلِيَّةٌ.
قَالَ الْمَوْلَى حَسَنٌ حَلَبِيٌّ فِي حَاشِيَةِ التَّلْوِيحِ بَاءُ الْآيَةِ لِلْمُقَابَلَةِ وَبَاءُ الْحَدِيثِ لِلسَّبَبِيَّةِ لَعَلَّك قَدْ سَمِعْت فَارْجِعْ تَجِدْ تَفْصِيلَهُ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨] لِأَنَّ لِلْمُتَّقِينَ شَأْنًا عَلِيًّا عِنْدَنَا دُونَ الْفُجَّارِ فَأَنْكَرَ اللَّهُ تَعَالَى تَسْوِيَةَ الطَّائِفَتَيْنِ.
(فَإِنْ لَمْ تَزُلْ هَذِهِ الْوَسْوَسَةُ بِأَمْثَالِ هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ) إمَّا لِمَا أُشِيرَ مِنْ الْإِشْكَالِ أَوْ لِغُمُوضَةِ الْأَجْوِبَةِ لَا يَصِلُ إلَيْهَا أَوْ أَنَّهَا تَحْقِيقِيَّةٌ لَا يَلْزَمُ بِهَا أَوْ لِمُجَرَّدِ الْعِنَادِ وَإِنْ فُهِمَ فَتَأَمَّلْ (وَيَعُودُ) اللَّعِينُ الْوَسْوَاسُ وَيَقُولُ (بِأَنَّ الْأَعْمَالَ أَيْضًا) كَالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ (مُقَدَّرَةٌ) بِالتَّقْدِيرِ الْأَزَلِيِّ (فَلَا تَقْدِرُ عَلَى مُخَالَفَةِ تَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى) لِأَنَّهُ لَا رَادَّ لِقَضَائِهِ وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ (فَإِنْ قَدَّرَ لَنَا الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ) وَحَكَمَ بِصُدُورِهَا مِنَّا (وَالسَّعْيَ لَهَا وَالْقَصْدَ إلَيْهَا حَصَلَتْ) تِلْكَ الْأَعْمَالُ (لَا مَحَالَةَ) لِئَلَّا يَلْزَمَ تَخَلُّفُ الْإِرَادَةِ عَنْ الْمُرَادِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْعَجْزِ (وَإِنْ لَمْ يُقَدِّرْ) اللَّهُ تِلْكَ الْأَعْمَالَ (اسْتَحَالَ وُجُودُهَا) إذْ لَا خَالِقَ سِوَاهُ وَلَا مُوجِدَ غَيْرُهُ وَلَوْ قَالَ وَإِنْ قُدِّرَ عَدَمُهَا لَكَانَ أَوْفَقَ لِمَا قَبْلَهُ وَأَظْهَرَ فِي نَفْسِهِ لَكِنْ مَا اخْتَارَهُ أَشْمَلُ وَلَوْ بِطَرِيقِ دَلَالَةِ النَّصِّ فَالنَّفْعُ أَوْفَرُ لَكِنْ تَفْرِيعُ قَوْلِهِ (فَنَحْنُ مَجْبُورُونَ) عَلَى الْأَوَّلِ أَظْهَرُ (عَلَى الْعَمَلِ) إنْ كَانَ تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ بِهِ (وَالتَّرْكُ) إنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ أَيْضًا فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يُمْكِنُ لَهُ أَنْ يُحَصِّلَ الْعَمَلَ إنْ تَعَلَّقَتْ بِتَرْكِهِ وَكَذَا عَكْسُهُ (فَلَا يُفِيدُ الْقِيلُ وَالْقَالُ) عَنْ الْقَامُوسِ الْقِيلُ فِي الْخَيْرِ وَالْقَالُ فِي الشَّرِّ، وَعَنْ الْفَرَّاءِ أَنَّهُمَا اُسْتُعْمِلَا اسْتِعْمَالَ الْأَسْمَاءِ وَتُرِكَا عَلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ مِنْ الْبِنَاءِ وَفُسِّرَ بِكَثْرَةِ الْمَقَالِ يَعْنِي بِأَنْوَاعِ الْأَجْوِبَةِ وَأَقُولُ هَذِهِ الْوَسْوَسَةُ لَيْسَتْ مُغَايِرَةً فِي الْحَقِيقَةِ لِلسَّعَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ وَشَقَاوَتِهَا بَلْ نَوْعٌ مِنْهَا إذْ مِنْ جُمْلَةِ السَّعَادَةِ التَّوْفِيقُ لِلْأَعْمَالِ كَالشَّقَاوَةِ لِعَدَمِهَا لَعَلَّ لِهَذَا اكْتَفَى الْغَزَالِيُّ بِمَا ذَكَرَ فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ قِيلَ وَلَمْ يَأْتِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ عَلَى فَرْضِ عَدَمِ انْدِفَاعِ الشُّبَهِ الْمَذْكُورَةِ سِيَّمَا السَّابِعَةُ لَا يُفِيدُ هَذَا الدَّفْعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَعُ اكْتِسَابُ الْأَعْمَالِ مَا لَمْ يُدْفَعْ الْإِشْكَالُ السَّابِعُ (فَقُلْ) لِلَّعِينِ فِي دَفْعِ وَسْوَسَتِهِ بِذَلِكَ (إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - وَإِنْ كَانَ خَلَقَ أَفْعَالَ الْعِبَادِ كُلَّهَا) خَيْرًا وَشَرًّا نَفْعًا وَضُرًّا (وَغَيْرَهَا) كَالْعِبَادِ أَنْفُسِهِمْ وَجَمِيعِ الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ مُجَرَّدًا أَوْ مَادِّيًّا (لَا خَالِقَ غَيْرُهُ لَكِنْ لِلْعِبَادِ) وَلَوْ حَيَوَانًا غَيْرَ إنْسَانٍ لَكِنْ الْمُرَادُ هُنَا هُوَ الْمُكَلَّفُ (اخْتِيَارَاتٌ) إرَادَاتٌ (جُزْئِيَّةٌ) بِالتَّعَلُّقِ عَلَى فِعْلِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ جُزْئِيٍّ فَهَذِهِ الْإِرَادَةُ الْجُزْئِيَّةُ لَيْسَتْ مِنْ اللَّهِ ابْتِدَاءً بَلْ مِنْ الْعَبْدِ وَلَا يَلْزَمُ كَوْنُ الْعَبْدِ خَالِقَهَا لِعَدَمِ وُجُودِهَا فِي الْخَارِجِ وَالْمَخْلُوقُ مَا يَكُونُ مَوْجُودًا فِيهِ لِمَا يُفَصِّلُهُ الْمُصَنِّفُ بِمَا ذُكِرَ هَا هُنَا فَلَا يُنَافِي لِوُجُودِ الْإِرَادَةِ الْكُلِّيَّةِ فِي الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ اللَّهِ ابْتِدَاءً أَوْ الْقَيْدُ وُقُوعِيٌّ لِاقْتِضَاءِ الْحَادِثَةِ وَالْوَاقِعَةِ إيَّاهُ كَيْفَ، بَلْ الْجُزْئِيَّةُ مُتَفَرِّعَةٌ مِنْ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي هِيَ مَوْجُودَةٌ بِإِيجَادِهِ تَعَالَى فِي الْعَبْدِ بِلَا صُنْعِهِ وَاخْتِيَارِهِ هِيَ الْإِرَادَةُ الْكُلِّيَّةُ الْمُجْمَلَةُ الْقَابِلَةُ لِلتَّعَلُّقِ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ فَالْكُلِّيَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْخَارِجِ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا فِي بَعْضِ الْمَوَادِّ بِالْقُوَّةِ الْحَاصِلَةِ فِي الْعَبْدِ، وَالْجُزْئِيَّةُ لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ فِي الْخَارِجِ عِنْدَنَا كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀ هُنَا (وَإِرَادَاتٌ قَلْبِيَّةٌ) إمَّا عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَوْ إرَادَةٌ كُلِّيَّةٌ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ مَقَرَّهَا هُوَ الْقَلْبُ وَالْإِرَادَةُ مَعَ الِاخْتِيَارِ إمَّا مُتَسَاوِيَانِ أَوْ لَا فَرْقَ مُعْتَدًّا بِهِ نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ فِي الْهَامِشِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَيْ وُجُودِ الْإِرَادَةِ الْجُزْئِيَّةِ قَوْله تَعَالَى
стр. 453
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] أَيْ إرَادَاتٍ مُلَابِسَةً بِأَنْفُسِهِمْ وقَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣] وقَوْله تَعَالَى - ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٩]- الْآيَةَ، إذْ لَوْ كَانَ الْعَبْدُ مَجْبُورًا لَمَا صَحَّ هَذِهِ الْبُغْيَةُ وَالتَّوْبِيخُ وَلَمَا صَحَّ لَوْمُ النَّفْسِ وَتَعْيِيرُهَا وَهُوَ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ حَتَّى أَقْسَمَ بِهَا اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ - ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢]- وَلَمَا كَانَ لِلْخَتْمِ وَالطَّبْعِ مَعْنًى زَائِدٌ عَلَى خَلْقِ الْمَشِيئَةِ وَلَمَا كَانَتْ النَّفْسُ بِالطَّبْعِ أَمَّارَةً بِالسُّوءِ وَشَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ مُعِينَةً لَهَا وَلَمَا كَانَ الْغَالِبُ اخْتِيَارَ الشَّرِّ لَوْلَا التَّوْفِيقُ وَالْعِنَايَةُ فَلِذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا﴾ [النساء: ٨٣] وَهَذَا مِمَّا أَلْهَمَنِي اللَّهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَاتِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ انْتَهَى.
(قَابِلَةٌ لِلتَّعَلُّقِ بِكُلٍّ مِنْ الضِّدَّيْنِ) أَعْنِي (الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِيَ) فَلَيْسَ لَهَا اخْتِصَاصٌ بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ حَتَّى يَلْزَمَ الْجَبْرُ اعْلَمْ أَنَّ الِاخْتِيَارَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّعَلُّقَ بِكُلٍّ مِنْ الضِّدَّيْنِ لَيْسَ الِاخْتِيَارَ الْجُزْئِيَّ بَلْ مَبْدَأَهُ الَّذِي هُوَ الْقُدْرَةُ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ فِي الْعَبْدِ إذْ قَدْ عَرَفْت فِيمَا سَبَقَ أَنَّ هُنَا أَرْبَعَةَ أُمُورٍ، الْإِرَادَةُ الْكُلِّيَّةُ الصَّالِحَةُ لِتَعَلُّقِ كُلِّ مَقْدُورٍ ثُمَّ سَلَامَةُ الْأَسْبَابِ ثُمَّ صَرْفُ الْعَبْدِ هَذِهِ الْإِرَادَةَ عَلَى فِعْلٍ مُعَيَّنٍ جُزْئِيٍّ، ثُمَّ الِاسْتِطَاعَةُ التَّامَّةُ إلَّا أَنْ يُقَالَ قَوْلُهُ قَابِلَةٌ قَيْدٌ لِلْإِرَادَاتِ الْقَلْبِيَّةِ وَأُرِيدَ بِهَا الْإِشَارَةُ الْكُلِّيَّةُ كَمَا أُشِيرَ آنِفًا لَكِنْ يُنَافِي قَوْلَهُ (وَلَيْسَ لَهَا وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ) إذْ الْكُلِّيَّةُ مَوْجُودَةٌ أَلْبَتَّةَ وَإِرْجَاعُ الضَّمِيرِ إلَى الِاخْتِيَارَاتِ الْجُزْئِيَّةِ فَقَطْ مَعَ كَوْنِهِ تَعْقِيدًا يُوجِبُ كَوْنَ قَوْلِهِ وَإِرَادَاتٌ قَلْبِيَّةٌ مُسْتَدْرَكًا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ لِعَدَمِ نَفْعِهِ فِي الْجَوَابِ لَعَلَّ فَائِدَةَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ هِيَ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ بِأَنَّهُ كَيْفَ تَتَعَلَّقُ بِالضِّدَّيْنِ بَلْ بِأَحَدِهِمَا فَقَطْ؛ لِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَحَدِهِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخَرِ فَلَوْ تَعَلَّقَ بِأَحَدِهِمَا فَقَطْ لَأَوْجَبَهُ فَيَكُونُ الْعَبْدُ مَجْبُورًا فَالْمَحْذُورُ بَاقٍ فَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ كَوْنِهِ مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَخْلُوقًا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ كَأَصْلِهِ وَلَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِيهِ وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ جَوَابٌ عَمَّا يُتَّجَهُ بِأَنَّ تِلْكَ الِاخْتِيَارَاتِ إنْ مِنْ اللَّهِ فَالْمَحْذُورُ بَاقٍ وَإِنْ مِنْ الْعَبْدِ فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ خَالِقَهَا فَأَجَابَ أَنَّهُ مِنْ الْعَبْدِ وَلَيْسَ بِخَالِقٍ إيَّاهَا؛ لِأَنَّهَا مَعْدُومَةٌ وَلَيْسَ لَهَا وُجُودٌ وَالْخَلْقُ إنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مَا لَهُ وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ
فَإِنْ قِيلَ فَيُنَافِي حِينَئِذٍ قَوْلَهُ لِلْعِبَادِ اخْتِيَارَاتٌ إذْ هُوَ ظَاهِرٌ فِي كَوْنِهَا مَوْجُودَةً قُلْنَا الْمُثْبَتُ الْوُجُودُ بِحَسَبِ نَفْسِ الْأَمْرِ وَالْمَنْفِيُّ الْوُجُودُ الْخَارِجِيُّ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْخَارِجَ ظَرْفٌ لِلِاخْتِيَارِ الْجُزْئِيِّ نَفْسِهِ لَا لِوُجُودِهِ وَالنَّفْيُ رَاجِعٌ إلَى هَذَا الْقَيْدِ لَا الْمُقَيَّدِ يَعْنِي مُطْلَقَ الْوُجُودِ سَالِمٌ عَنْ النَّفْيِ فَيَكُونُ مَوْجُودًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَمَعْدُومًا فِي الْخَارِجِ وَتَفْصِيلُهُ عَلَى مَا فِي الْأَطْوَلِ لِلْعِصَامِ أَنَّ مِنْ بَيْنِ كَوْنِ الْخَارِجِ طَرَفًا لِنَفْسِ الشَّيْءِ وَكَوْنِهِ ظَرْفًا لِوُجُودِهِ فَرْقًا، فَإِنَّ قَوْلَنَا زَيْدٌ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ جُعِلَ فِيهِ الْخَارِجُ ظَرْفًا لِنَفْسِ الْوُجُودِ وَهُوَ لَا يَقْتَضِي وُجُودَ الْمَظْرُوفِ وَإِنَّمَا يَقْتَضِي وُجُودَ مَا جُعِلَ ظَرْفًا لِوُجُودِهِ فَالْمَوْجُودُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ زَيْدٌ لَا وُجُودُهُ كَمَا أَنَّهُ فِي قَوْلِنَا زَيْدٌ قَائِمٌ فِي الْخَارِجِ جُعِلَ ظَرْفًا لِنَفْسِ ثُبُوتِ الْقِيَامِ فَاللَّازِمُ كَوْنُ الْقَائِمِ ثَابِتًا فِي الْخَارِجِ بِثُبُوتِ غَيْرِهِ لَا الثُّبُوتُ، وَنَحْنُ نَقُولُ الْخَارِجُ اسْمٌ لِلْأَمْرِ الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ كَالذِّهْنِ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لِلْأَمْرِ الْمَوْجُودِ فِي الذِّهْنِ فَمَعْنَى كَوْنِ الشَّيْءِ مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ وَالْأَعْيَانِ أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْهَا وَفِي عِدَادِهَا فَظَرْفِيَّةُ الْخَارِجِ لِلْوُجُودِ مُسَامَحَةٌ إذْ الْوُجُودُ لَيْسَ فِي عِدَادِ الْأَعْيَانِ وَمَعْنَى زَيْدٌ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ أَنَّ وُجُودَهُ فِي وُجُودِ الْخَارِجِ وَفِي عِدَادِ وُجُودَاتِهِ، فَلَيْسَ الْخَارِجُ إلَّا ظَرْفًا لِنَفْسِ الشَّيْءِ لَكِنَّهُ إذَا جُعِلَ ظَرْفًا لَهُ حَقِيقَةً اقْتَضَى وُجُودَهُ وَإِذَا جُعِلَ ظَرْفًا لِوُجُودِهِ لَا يَقْتَضِي وُجُودَهُ انْتَهَى
ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الْإِرَادَةَ الْجُزْئِيَّةَ إنَّمَا لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فِي الْخَارِجِ؛ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ الصَّرْفِ وَهُوَ تَعَلُّقٌ مَحْضٌ فَأَمْرٌ نِسْبِيٌّ فَلَا وُجُودَ لَهُ خَارِجِيٌّ بِخِلَافِ الْإِرَادَةِ الْكُلِّيَّةِ فَإِنَّهَا قُوَّةٌ مَوْجُودَةٌ فِي النَّفْسِ كَمَا عَرَفْت فَيَنْدَفِعُ أَنَّ الْإِرَادَةَ وَالْقُدْرَةَ مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ النَّفْسَانِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْخَارِجِ فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ الْمُصَنِّفِ (حَتَّى يَحْتَاجَ) أَيْ الْإِرَادَةُ الْجُزْئِيَّةُ (إلَى الْخَلْقِ وَيَتَعَلَّقَ) الْخَلْقُ (بِهَا) بِهَذِهِ الِاخْتِيَارَاتِ وَيَكُونَ الْعَبْدُ خَالِقَهَا
стр. 454
(إذْ الْخَلْقُ إيجَادُ الْمَعْدُومِ) أَيْ إخْرَاجُهُ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ (فَمَا لَا يُوجَدُ) فِي الْخَارِجِ (لَا يَكُونُ مَخْلُوقًا) لِعَدَمِ صِدْقِ مَعْنَى الْخَلْقِ عَلَيْهِ (فَلَا يَكُونُ مُرِيدُهَا خَالِقَهَا) فَلَا يَكُونُ الْعَبْدُ خَالِقَهَا بِإِرَادَتِهَا وَلَا يُنَافِي حَصْرَ قَوْلِنَا لَا خَالِقَ غَيْرُهُ
ثُمَّ لَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ صُدُورُ الْأَفْعَالِ بِهَذِهِ الِاخْتِيَارَاتِ مِنْ نَفْسِ الْعَبْدِ فَيَلْزَمُ التَّفْوِيضُ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُ الْقَدَرِيَّةِ أَجَابَ (وَقَدْ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى) أَيْ تِلْكَ الِاخْتِيَارَاتِ (شَرْطًا عَادِيًّا) لَا عَقْلِيًّا؛ لِقُدْرَتِهِ عَلَى إيجَادِهَا فِي الْعَبْدِ اسْتِقْلَالًا بِلَا تَوَقُّفُهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الشَّرْطِ (لِخَلْقِهِ) تَعَالَى (أَفْعَالَ الْعِبَادِ) فَلَا يَخْلُقُ أَفْعَالَ الْعِبَادِ فِي الْعِبَادِ إلَّا بِهَذَا الشَّرْطِ إلَّا عَلَى طَرِيقِ خَرْقِ الْعَادَةِ كَالْمُعْجِزَةِ لِنَبِيٍّ أَوْ الْكَرَامَةِ لِوَلِيٍّ فَلَا يُوجَدُ أَفْعَالُ الْعِبَادِ بِمُجَرَّدِ اخْتِيَارَاتِ الْعِبَادِ حَتَّى يَلْزَمَ التَّفْوِيضُ وَلَا بِمُجَرَّدِ إرَادَتِهِ - تَعَالَى - حَتَّى يَلْزَمَ الْجَبْرُ بَلْ بِإِرَادَتِهِ تَعَالَى لَكِنْ بِشَرْطِ تَعَلُّقِ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ أَعْنِي صَرْفَ قُدْرَتِهِ إلَى الْعَمَلِ فَيَنْدَفِعُ مَا يُتَوَهَّمُ فِي الْمَقَامِ أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ إنْ بِمُجَرَّدِ قُدْرَةِ الْعَبْدِ فَتَفْوِيضٌ وَإِنْ بِمُجَرَّدِ قُدْرَةِ اللَّهِ فَجَبْرٌ وَإِنْ بِهِمَا إنْ مُسْتَقِلَّتَيْنِ فَتَوَارُدٌ وَإِنْ نَاقِصَتَيْنِ فَاحْتِيَاجٌ لَهُ - تَعَالَى - وَقُصُورٌ لِإِرَادَتِهِ وَاسْتَلْزَمَ كَوْنَهُ مُسْتَكْمَلًا بِالْغَيْرِ إذْ الِاحْتِيَاجُ وَالْقُصُورُ إنَّمَا يُتَصَوَّرَانِ إنْ لَمْ يَكُونَا بِجَعْلِهِ تَعَالَى وَعَادَتِهِ عَلَى حِكْمَتِهِ وَتَحْرِيرُ الْمَقَامِ أَنَّ حَاصِلَ شُبْهَةِ الشَّيْطَانِ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ مُقَدَّرَةٌ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَمَا يَكُونُ بِتَقْدِيرِهِ تَعَالَى فَحُصُولُهُ مِنْ الْعَبْدِ بِالْجَبْرِ وَمَا يَكُونُ حُصُولُهُ بِالْجَبْرِ فَسَعْيُ الْعَبْدِ فِيهِ عَبَثٌ فَيَنْتِجُ سَعْيُ الْعَبْدِ لِلْأَعْمَالِ عَبَثٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ إنْ أَرَدْت أَنَّهَا بِتَقْدِيرِهِ تَعَالَى فَقَطْ فَالصُّغْرَى مَمْنُوعَةٌ؛ لِأَنَّ لِلْعَبْدِ إرَادَاتٍ جُزْئِيَّةً فِي أَفْعَالِهِ قَابِلَةً لِتَعَلُّقِ الضِّدَّيْنِ وَإِنْ أَرَدْت أَنَّهَا بِتَقْدِيرِهِ تَعَالَى مَعَ قُدْرَةِ الْعَبْدِ فَالصُّغْرَى مُسَلَّمَةٌ لَكِنْ الْكُبْرَى مَمْنُوعَةٌ إذْ مَا صَدَرَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْقُدْرَةِ وَلَوْ عَلَى طَرِيقِ الشَّرْطِ لَا يَكُونُ جَبْرًا ثُمَّ لِمَا وَرَدَ عَلَى السَّنَدِ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ تِلْكَ الْإِرَادَاتُ صَادِرَةً مِنْ الْعَبْدِ يَلْزَمُ كَوْنُ الْعَبْدِ خَالِقَهَا وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا خَالِقَ غَيْرُهُ. أَجَابَ بِأَنَّ تِلْكَ الْإِرَادَاتِ لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ فِي الْخَارِجِ وَمَا يَكُونُ مَخْلُوقًا فَمَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ فَالْإِرَادَاتُ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً فَلَا يَكُونُ مُرِيدُهَا يَعْنِي الْعَبْدَ خَالِقَهَا وَقَدْ عَرَفْت فَوَائِدَ الْمُقَدِّمَاتِ إلَّا أَنَّك لَاحَظْت مَضْمُونَ قَوْلِهِ وَقَدْ جَعَلَهَا اللَّهُ إلَى آخِرِهِ فِي مَضْمُونِ أَوَّلِ الْكَلَامِ وَلَا جَبْرَ فِيهِ وَإِنْ شِئْت قَرَّرْت الْجَوَابَ عَلَى طَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ لَكِنْ الْمُنَاقَضَةُ هِيَ الْوَظِيفَةُ الْأَوَّلِيَّةُ لِلسَّائِلِ وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ حَاصِلَ الْجَوَابِ وَزُبْدَتَهُ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَإِنْ صَدَرَتْ بِقُدْرَتِهِ - تَعَالَى - لَكِنَّهُ بِشَرْطِ إرَادَةِ الْعَبْدِ فَإِنْ وُجِدَ الشَّرْطُ فَيُوجَدُ الْمَشْرُوطُ وَإِلَّا فَلَا، فَلَا جَبْرَ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِ قُدْرَةُ اللَّهِ عَلَى عَادَتِهِ وَلَا تَفْوِيضَ لِعَدَمِ صُدُورِهِ مِنْ إرَادَةِ الْعَبْدِ ابْتِدَاءً بَلْ شَرْطًا.
ثُمَّ لَمَّا لَمْ يَكُنْ هَذَا الْجَوَابُ حَاسِمًا لِمَادَّةِ الْإِشْكَالِ فِي الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ بِالْقُدْرَةِ الْأَزَلِيَّةِ وَالْجَوَابُ بِكَيْفِيَّةِ صُدُورِ الْفِعْلِ مِنْ الْعَبْدِ قَالَ دَفْعًا لِذَلِكَ (وَكَوْنُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِرَادَتِهِ وَتَقْدِيرِهِ وَكَتْبِهِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ صُدُورِهَا مِنْ الْعِبَادِ بِالْجَبْرِ) وَظَاهِرُ الْأَمْرِ أَنَّهَا تَسْتَلْزِمُهُ إذْ لَوْ لَمْ يَصْدُرْ لَانْقَلَبَ عِلْمُهُ جَهْلًا وَإِرَادَتُهُ كَانَتْ مُتَخَلِّفَةً عَنْ مُرَادِهِ وَيُنْتَقَضُ حُكْمُهُ وَيَكْذِبُ كَتْبُهُ وَلَيْسَ مِثْلُهَا يُرَى كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ (كَمَا إذَا عَلِمَ زَيْدٌ جَمِيعَ مَا يَفْعَلُهُ عَمْرٌو يَوْمًا مِنْ الْأَيَّامِ فَأَرَادَهُ) أَيْ زَيْدٌ (وَكَتَبَهُ فِي قِرْطَاسٍ فَهَلْ يَكُونُ عَمْرٌو فِي فِعْلِهِ مَجْبُورًا مِنْ) جَانِبِ (زَيْدٍ وَهَلْ يَكُونُ لَهُ) أَيْ لِعَمْرٍو (أَنْ يَقُولَ لِزَيْدٍ
стр. 455
فَعَلْت مَا فَعَلْت لِعِلْمِك وَإِرَادَتِك وَكَتْبِك إيَّاهُ) فَظَاهِرٌ فِيهِ عَدَمُ الْجَبْرِ (فَإِنَّ عَمْرًا فَعَلَهُ بِاخْتِيَارِهِ وَإِرَادَتِهِ) لِذَلِكَ الْفِعْلِ (لَا لِأَجْلِ عِلْمِ زَيْدٍ وَإِرَادَتِهِ وَكَتْبِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْجَبْرُ) فَإِذَا لَمْ يُتَصَوَّرْ الْجَبْرُ فِي عَمْرٍو (فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ) مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَبْدِ فَلَا يُجْعَلُ عِلْمُهُ تَعَالَى بِفِعْلِ الْعَبْدِ وَإِرَادَتِهِ وَتَقْدِيرِهِ وَكَتْبِهِ الْعَبْدَ مَجْبُورًا عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ الْمَقَامِ أَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا أَوْ لَمْ يُرِدْهُ أَنْ يُقَالَ إنَّ كَتْبَهُ تَعَالَى تَابِعٌ لِتَقْدِيرِهِ وَإِرَادَتِهِ وَهُمَا تَابِعَانِ لِعِلْمِهِ تَعَالَى، وَعِلْمُهُ تَعَالَى تَابِعٌ لِلْمَعْلُومِ أَعْنِي فِعْلَ الْعَبْدِ، وَفِعْلُ الْعَبْدِ كَمَا عَرَفْت حَاصِلٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَلْقِهِ لَكِنْ بِشَرْطِ تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ الْجُزْئِيَّةِ مِنْ نَفْسِ الْعَبْدِ بِحَيْثُ إنْ تَعَلَّقَتْ إرَادَةُ الْعَبْدِ بِفِعْلٍ تَعَلَّقَتْ قُدْرَتُهُ تَعَالَى وَإِلَّا فَلَا تَتَعَلَّقُ قُدْرَتُهُ تَعَالَى فَلَا يُتَصَوَّرُ الْجَبْرُ أَصْلًا (فَتَدَبَّرْ) فَإِنَّ الْمَقَامَ صَعْبٌ وَالزَّالُّونَ كَثِيرُونَ وَالْفَهْمُ خَفِيٌّ فَإِنْ تَدَبَّرْت تَصِلُ إلَى مُرَادِ الْمَقَامِ وَتُزِيلُ غَوَائِلَ الشَّيْطَانِ وَتَتَنَعَّمُ بِوُصُولِ لَذَّةِ الْمَرَامِ (وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ) فَإِنَّ الشُّكْرَ عَلَى حَسَبِ النِّعْمَةِ قِيلَ هُنَا وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ صَنَعَ إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا فَكَافِئُوهُ بِالدُّعَاءِ» وَعَنْ ابْنِ عِرَاقٍ: إذَا أَفَادَك إنْسَانٌ بِفَائِدَةٍ فَجَدِّدْ الذِّكْرَ عَنْهُ دَائِمًا أَبَدَا قِيلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ قِيَاسُ غَائِبٍ عَلَى شَاهِدٍ مَعَ أَنَّهُ مَعَ الْفَارِقِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ عِلْمِهِ بِشَيْءٍ يَسْتَلْزِمُ تَعَلُّقَ إرَادَتِهِ، وَإِرَادَتُهُ تَسْتَلْزِمُ تَعَلُّقَ الْقُدْرَةِ بِهِ وَأَمَّا عِلْمُ زَيْدٍ فَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْقِيَاسِ الِاشْتِرَاكُ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ كَمَا فِي التَّشْبِيهِ، بَلْ الشَّرْطُ الِاشْتِرَاكُ فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ هُنَا سَلْبُ الْجَبْرِ، وَالْعِلَّةُ كَوْنُ الْعِلْمِ تَابِعًا لِلْمَعْلُومِ وَهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِيهِ أَقُولُ الْعُمْدَةُ فِي الْكَلَامِ هِيَ الْإِرَادَةُ، بَلْ الظَّاهِرُ هِيَ مُرَادِفَةُ الْقُدْرَةِ فَكُلٌّ مِنْ الْإِشْكَالِ وَالْجَوَابِ مَنْظُورٌ فِيهِ بَلْ الْإِشْكَالُ إرَادَتُهُ تَعَالَى مَوْجُودَةٌ مُؤَثِّرَةٌ وَإِرَادَةُ زَيْدٍ لَيْسَتْ بِمُؤَثِّرَةٍ وَمَعْدُومَةٍ فَالْقِيَاسُ مَعَ كَوْنِهِ قِيَاسَ غَائِبٍ عَلَى شَاهِدٍ مَعَ فَارِقٍ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ بِقِيَاسٍ بَلْ تَنْظِيرٌ وَتَوْضِيحٌ لِبَعْضِ مَا يُذْكَرُ مَعَ السَّنَدِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِقِيَاسِ غَائِبٍ عَلَى شَاهِدٍ بَلْ الْإِرَادَتَانِ وَحَالُهُمَا لَيْسَتَا بِشَاهِدَتَيْنِ وَأَنَّهُ بَعْدَمَا اسْتَيْقَنَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَبَعِيَّةِ إرَادَتِهِ تَعَالَى إلَى إرَادَةِ الْعَبْدِ وَلَوْ شَرْطًا لَا يَكُونُ مَعَ فَارِقٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَقْصُودِ الْمَقَامِ (وَهَذَا الْجَوَابُ) مِنْ تَبَعِيَّةِ إرَادَتِهِ تَعَالَى إلَى إرَادَةِ الْعَبْدِ الَّتِي تَصْلُحُ لِكُلٍّ مِنْ الضِّدَّيْنِ (هُوَ الْحَاسِمُ) الْقَاطِعُ (لِهَذِهِ الْوَسْوَسَةِ) الشَّيْطَانِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ إنْ قُدِّرَ لَك طَاعَةٌ أَوْ مَعْصِيَةٌ تَحْصُلُ أَلْبَتَّةَ وَلَا حَاجَةَ إلَى سَعْيِك، وَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّهُ مَا لَمْ تَتَعَلَّقْ إرَادَتُك بِفِعْلٍ مَا لَا تَتَعَلَّقُ قُدْرَتُهُ تَعَالَى بِهَذَا الْفِعْلِ عَلَى عَادَتِهِ وَحِكْمَتِهِ (وَ) هَذَا (مَعْنَى قَوْلِ السَّلَفِ) مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ فَلَا يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْبِدْعَةِ فِي الِاعْتِقَادِ بَلْ ذَلِكَ مَا يَكُونُ فِي خِلَافِهِ كَالْأَشْعَرِيِّ فَلَا يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ التَّقْلِيدِ فِي الِاعْتِقَادِ وَلَا مِنْ قَبِيلِ الِاحْتِجَاجِ فِي الْمَطْلَبِ الْعَقْلِيِّ بِالنَّقْلِ وَلَا الِاحْتِيَاجِ بِالدَّلِيلِ الْجَدَلِيِّ الْخَطَابِيِّ فِي مَقَامِ
стр. 456
الْبُرْهَانِيِّ التَّحْقِيقِيِّ فَافْهَمْ (لَا جَبْرَ) كَمَا قَالَ الْجَبْرِيَّةُ بَلْ الْأَشْعَرِيُّ أَيْضًا عَلَى اعْتِقَادِ الْمُصَنِّفِ (وَلَا تَفْوِيضَ) كَالْقَدَرِيَّةِ (وَلَكِنْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ) كَمَا قِيلَ مَا مِنْ مَذْهَبٍ إلَّا وَفِيهِ قَدَمٌ رَاسِخٌ مِنْ الْجَبْرِ إذْ لَوْ كَانَ بِمَحْضِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَكَانَ جَبْرًا وَلَوْ بِمَحْضِ قُدْرَةِ الْعَبْدِ كَانَ تَفْوِيضًا وَلَوْ بِهِمَا يَكُونُ أَمْرٌ بَيْنَهُمَا هَذَا هُوَ تَحْرِيرُ الْمَقَامِ عَلَى مُقْتَضَى صَرِيحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَإِلَّا فَإِيجَادُ الْفِعْلِ بِمَحْضِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِشَرْطِ إرَادَةِ الْعَبْدِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ عِنْدَنَا، بَلْ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ لِأَحَدٍ كَمَا سَبَقَ فِي الِاعْتِقَادِيَّةِ تَفْصِيلُهُ إذْ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ بِمَجْمُوعِ قُدْرَتَيْ اللَّهِ وَالْعَبْدِ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُهُمَا مُؤَثِّرًا مُسْتَقِلًّا عَلَى حِكْمَتِهِ تَعَالَى وَعَادَتِهِ، كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ تَوْضِيحِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَالْخَيَّالِيِّ وَحَوَاشِيهِ فَالْجَبْرُ الْمُتَوَسِّطُ أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ حُصُولُهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ جَبْرٌ وَبِقُدْرَةِ الْعَبْدِ تَفْوِيضٌ وَكَوْنُهُ بِهِمَا أَمْرٌ بَيْنَهُمَا وَأَيْضًا إنَّ مَا ادَّعَاهُ مُتَوَسِّطًا رَاجِعٌ إلَى قُدْرَةٍ مَحْضٍ إذْ لَوْ كَانَ تَأْثِيرُ قُدْرَتِهِ تَعَالَى مَشْرُوطًا بِقُدْرَةِ الْعَبْدِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ بِقُدْرَةِ الْعَبْدِ ابْتِدَاءً وَبَيْنَ كَوْنِهِ شَرْطًا فِي التَّفْوِيضِ إذْ عَمَلُ الْمَشْرُوطِ عَلَى وَفْقِ الشَّرْطِ وَإِنْ وُجِدَ فَرْقٌ بَيْنَ كَوْنِهِ مَخْلُوقًا لَهُ تَعَالَى وَلِلْعَبْدِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ مَجْمُوعُ الْقُدْرَتَيْنِ لَكِنْ شُرِطَ فِي تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَلُّقُ قُدْرَةِ الْعَبْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَعَلَّ التَّحْقِيقَ فِي الْجَبْرِ الْمُتَوَسِّطِ مَا فُهِمَ مِنْ رِسَالَةِ الدَّوَانِيِّ أَنَّ الْإِرَادَةَ الِاخْتِيَارِيَّةَ لِلْعَبْدِ مُنْبَعِثَةٌ مِنْ الشَّوْقِ، وَالشَّوْقُ مُنْبَعِثٌ مِنْ تَصَوُّرِ الْأَمْرِ الْمُلَائِمِ، وَهَذَا الشَّوْقُ وَالتَّصَوُّرُ ضَرُورِيَّانِ وَالْإِرَادَةُ التَّابِعَةُ لَهُمَا اخْتِيَارِيَّةٌ وَيَقْرُبُ إلَيْهِ مَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ الْكَمَالِ فِي إثْبَاتِ الْجَبْرِ الْمُتَوَسِّطِ أَمَّا إنَّهُ لَا جَبْرَ؛ فَلِأَنَّ الْعَبْدَ مُخْتَارٌ فِي فِعْلِهِ فَعَادَتُهُ تَعَالَى بِخَلْقِ فِعْلِ الْعَبْدِ عَقِيبَ صَرْفِ اخْتِيَارِهِ وَأَمَّا إنَّهُ لَا تَفْوِيضَ، فَإِنَّ مَنْشَأَ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ دَاعِيَةٌ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَلْبِهِ، وَدَوَاعِي الْقَلْبِ تَابِعَةٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا دَخْلَ فِيهِ لِلْعَبْدِ (وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْأَشْعَرِيِّ) نَفْسُ الشَّيْخِ (الْقَائِلِ بِالْجَبْرِ الْمُتَوَسِّطِ) عَلَى مُجَرَّدِ اعْتِقَادِهِ (أَعْنِي كَوْنَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ بِاخْتِيَارِهِمْ لَا بِالِاضْطِرَارِ كَمَا يَقُولُ الْجَبْرِيَّةُ فَإِنَّهُ) أَيْ الِاضْطِرَارَ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الْجَبْرِيَّةِ لَا قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ كَمَا تُوُهِّمَ (جَبْرٌ مَحْضٌ) لِعَدَمِ الِاخْتِيَارِ مِنْ الْعَبْدِ لَا شَرْطًا وَلَا شَطْرًا وَلَا مَدَارًا (وَلَكِنْ الِاخْتِيَارُ) الَّذِي هُوَ مَبْدَأُ الْأَفْعَالِ (مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِالْجَبْرِ وَالِاضْطِرَارِ) يَعْنِي تَصْدُرُ الْأَفْعَالُ مِنْ الْعِبَادِ بِالِاخْتِيَارِ وَذَلِكَ الِاخْتِيَارُ مَخْلُوقٌ فِي الْعَبْدِ بِالْجَبْرِ وَالِاضْطِرَارِ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الْعِبَادُ مُخْتَارِينَ فِي أَفْعَالِهِمْ لِصُدُورِهَا بِالْإِرَادَةِ الْجُزْئِيَّةِ وَمُضْطَرِّينَ فِي اخْتِيَارِهِمْ؛ لِأَنَّ حُصُولَ الِاخْتِيَارِ فِيهِمْ بِمُجَرَّدِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ قَوْلُهُ (فَنَحْنُ مُخْتَارُونَ فِي أَفْعَالِنَا مُضْطَرُّونَ فِي اخْتِيَارِنَا فَهَذَا مَعْنَى الْجَبْرِ الْمُتَوَسِّطِ) عِنْدَهُ عَلَى وَفْقِ مَنْقُولِ السَّلَفِ (فَلَا مَحِيصَ) فَلَا مُخَلِّصَ جَوَابُ أَمَّا فَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ (مِنْ هَذِهِ الْوَسْوَسَةِ) مِنْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ مِنْ عَدَمِ نَفْعِ سَعْيِ الْعَبْدِ لِكَوْنِهِ مُضْطَرًّا (وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ السَّلَفِ) لَا جَبْرَ وَلَا تَفْوِيضَ وَإِنْ ادَّعَى هُوَ اتِّحَادَهُ وَإِنَّمَا كَانَ مُخَالِفًا لِلسَّلَفِ (إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ) بَيْنَ قَوْلِ الْأَشْعَرِيِّ (وَبَيْنَ الْجَبْرِ الْمَحْضِ فِي الْحَقِيقَةِ) وَإِنْ وُجِدَ فَرْقٌ فِي الصُّورَةِ مِنْ حَيْثُ أَثْبَتَ فِي الْعَبْدِ قُدْرَةً مُجَرَّدَةً وَعِنْدَ
стр. 457
الْجَبْرِيَّةِ فِعْلُ الْعَبْدِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ بِدُونِ قُدْرَةٍ مِنْ الْعَبْدِ أَصْلًا فَفِي الْحَقِيقَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ أَصْلًا وَبَيْنَ وُجُودِهَا بِلَا تَأْثِيرٍ فَإِنَّ إثْبَاتَ الْقُدْرَةِ إنَّمَا هُوَ لِلتَّأْثِيرِ فَإِذَا نُفِيَ التَّأْثِيرُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ وُجُودِهَا وَعَدَمِهَا كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ (فَأَيُّ نَفْعٍ فِي وُجُودِ اخْتِيَارٍ اضْطِرَارِيٍّ) لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ الْمَنْسُوبَ إلَى الِاضْطِرَارِ يُزِيلُ حَقِيقَةَ الِاخْتِيَارِ وَيَبْقَى مُجَرَّدُ الِاسْمِ، هَذَا مُوَافِقٌ لِمَا أَوْرَدَهُ الْمَوْلَى حَسَنٌ جَلَبِيٌّ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الْمَوَاقِفِ عَلَى الْأَشْعَرِيِّ نَقْلًا عَنْ الْغَيْرِ أَنَّ ثُبُوتَ الْقُدْرَةِ إنَّمَا يُعْلَمُ بِأَثَرِهَا مِنْ الْفِعْلِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا تَأْثِيرٌ فَمِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ ثُبُوتُهَا، وَأَنَّهُ مَذْهَبُ الْجَبْرِيَّةِ النَّافِينَ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ لَكِنْ أَجَابَ عَنْهُ أَنَّ الضَّرُورَةَ تَشْهَدُ بِوُجُودِ الْقُدْرَةِ مُنْضَمَّةً إلَى الْإِرَادَةِ فِي الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ دُونَ غَيْرِهَا وَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ بِتَأْثِيرِهَا انْتَهَى لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ بَلْ يُؤَكِّدُهُ؛ لِأَنَّ ضَرُورَةَ وُجُودِ الْقُدْرَةِ يَقْتَضِي وُجُودَ التَّأْثِيرِ إذْ التَّأْثِيرُ مِنْ لَوَازِمِهَا فَهَذَا وَإِنْ دَفَعَ شُبْهَةَ الشَّيْطَانِ لَكِنْ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ بَلْ عِنْدَ الْمَاتُرِيدِيَّةِ أَيْضًا إذْ هُوَ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ وَاعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الشَّيْخِ أَنَّ الْعَبْدَ مُضْطَرٌّ فِي حُصُولِ قُدْرَتِهِ؛ لِأَنَّهَا بِخَلْقِهِ تَعَالَى فِي الْعَبْدِ بِلَا مَدْخَلٍ مِنْهُ وَمُخْتَارٌ فِي صَرْفِهَا نَحْوُ الْفِعْلِ لِإِمْكَانِ تَعَلُّقِهَا بِكُلٍّ مِنْ الضِّدَّيْنِ.
أَقُولُ هَذِهِ الْإِرَادَةُ الْكُلِّيَّةُ الَّتِي لَا كَلَامَ فِيهَا وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْإِرَادَةِ الْجُزْئِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَمَلِ الْجُزْئِيِّ الْمُعَيَّنِ فَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي الْخَارِجِ بِإِيجَادِهِ تَعَالَى فَتَكُونُ عِلَّةً تَامَّةً لِلْفِعْلِ فَيَلْزَمُ الْجَبْرُ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْعَبْدُ مُخْتَارًا فِي الصَّرْفِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَتَمَكَّنَ الْعَبْدُ مِنْ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ فَيَحْتَاجُ فِي تَرْجِيحِ جَانِبِ الْفِعْلِ إلَى مُرَجِّحٍ وَإِلَّا فَيَكُونُ اتِّفَاقِيًّا لَا اخْتِيَارِيًّا وَيَلْزَمُ أَيْضًا عَدَمُ احْتِيَاجِ وُقُوعِ الْجَائِزَيْنِ إلَى سَبَبٍ فَيَنْسَدُّ بَابُ إثْبَاتِ الصَّانِعِ وَالْمُرَجِّحُ لَا يَكُونُ مِنْ الْعَبْدِ لِلتَّسَلْسُلِ وَيَكُونُ الْفِعْلُ عِنْدَهُ وَاجِبًا وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مَا فَرَضْنَاهُ مُرَجِّحًا تَامًّا فَيَلْزَمُ الْإِيجَابُ (وَأَمَّا قَوْلُهُ) فِي إثْبَاتِ كَوْنِ ذَلِكَ الِاخْتِيَارِ اضْطِرَارِيًّا فِي الْعَبْدِ بِخَلْقِهِ تَعَالَى لَوْ لَمْ يَكُنْ اضْطِرَارِيًّا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَكَانَ مِنْ الْعَبْدِ بِاخْتِيَارِهِ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ بِنَقْلِ الْكَلَامِ إلَى صُدُورِ ذَلِكَ الْمُرَجِّحِ عَنْهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ (فَيَلْزَمُ) عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مِنْ الْعَبْدِ بِاخْتِيَارِهِ (أَنْ يَكُونَ لِلِاخْتِيَارِ اخْتِيَارٌ فَيَدُورُ) إنْ رَجَعَ إلَيْهِ (أَوْ يَتَسَلْسَلُ) إنْ لَمْ يَرْجِعْ وَلَمْ يَنْتَهِ إلَى حَدٍّ (فَمَنْقُوضٌ) وَأَيْضًا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ خَالِقًا لَهُ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا خَالِقَ سِوَاهُ لَكِنْ يَشْكُلُ بِجَوَازِ كَوْنِ ذَلِكَ الِاخْتِيَارِ مِنْ الْعَبْدِ اضْطِرَارِيًّا فَلَا يَكُونُ لِلِاخْتِيَارِ اخْتِيَارٌ فَتَأَمَّلْ (بِاخْتِيَارِ اللَّهِ تَعَالَى) بِأَنْ يُقَالَ لَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مُوجِدًا لِفِعْلِهِ بِالْقُدْرَةِ لَتَمَكَّنَ مِنْ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى مُرَجِّحٍ، وَالْمُرَجِّحُ لَا يَكُونُ مِنْهُ لِلدَّوْرِ وَالتَّسَلْسُلِ وَيَكُونُ الْفِعْلُ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُرَجِّحِ وَاجِبَ الصُّدُورِ وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُرَجِّحُ مُرَجِّحًا تَامًّا فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَادِرًا مُخْتَارًا.
قِيلَ هَذَا قِيَاسُ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَيْنَ هَذَا مِنْ ذَاكَ (فَجَوَابُهُ) أَيْ جَوَابُ النَّقْضِ وَالْجَوَابُ عَلَى مَا فِي الْمَوَاقِفِ بِالْفَرْقِ بِأَنَّ إرَادَةَ الْعَبْدِ مُحْدَثَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إلَى إرَادَةٍ أُخْرَى، وَإِرَادَةُ اللَّهِ قَدِيمَةٌ غَيْرُ مُفْتَقِرَةٍ إلَى إرَادَةٍ أُخْرَى (جَوَابُهُ) الظَّاهِرُ أَيْ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ النَّقْضِ أَيْ جِنْسًا أَوْ أَصْلًا لَا عَيْنًا وَلَا شَخْصًا إذْ قَالَ فِي الْمَوَاقِفِ وَرُدَّ
стр. 458
هَذَا الْجَوَابُ بِأَنْ لَا يُدْفَعَ التَّقْسِيمُ الْمَذْكُورُ وَقَالَ فِي شَرْحِهِ إذْ يُقَالُ إنْ لَمْ يَكُنْ التَّرْكُ مَعَ الْإِرَادَةِ الْقَدِيمَةِ كَانَ مُوجِبًا لَا قَادِرًا مُخْتَارًا وَإِنْ أَمْكَنَ فَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ فِعْلُهُ عَلَى مُرَجِّحٍ كَانَ اتِّفَاقِيًّا وَاسْتَغْنَى الْحَادِثُ عَنْ الْمُرَجِّحِ وَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ كَانَ الْفِعْلُ مَعَهُ وَاجِبًا فَيَكُونُ اضْطِرَارِيًّا وَإِنَّمَا يَنْدَفِعُ النَّقْضُ إذَا بَيَّنَ عَدَمَ جَرَيَانِ الدَّلِيلِ فِي صُورَةِ التَّخَلُّفِ
لَكِنْ أَوْرَدَ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ صَاحِبُ الْمَوَاقِفِ بِمَا تَلْخِيصُهُ عَلَى مَا فِي شَرْحِهِ أَنَّ الْمُرَجِّحَ الْقَدِيمَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْفِعْلِ الْحَادِثِ فِي وَقْتٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى مُرَجِّحٍ آخَرَ، فَإِنَّ فِعْلَ الْبَارِّي وَإِنْ احْتَاجَ إلَى مُرَجِّحٍ قَدِيمٌ كَذَلِكَ لَكِنْ لَا يَحْتَاجُ ذَلِكَ الْمُرَجِّحُ إلَى مُرَجِّحٍ آخَرَ وَحِينَئِذٍ لَا يُتَّجَهُ النَّقْضُ وَأَمَّا لُزُومُ كَوْنِ الْفِعْلِ وَاجِبًا لَا مُخْتَارًا مَعَ ذَلِكَ الْمُرَجِّحِ الْقَدِيمِ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْوُجُوبَ الْمُتَرَتِّبَ عَلَى الِاخْتِيَارِ لَا يُنَافِيهِ بَلْ يُحَقِّقُهُ (وَحَلُّهُ) أَيْ الْجَوَابِ عَنْ الدَّوْرِ وَالتَّسَلْسُلِ سَوَاءٌ فِي قَوْلِ الْأَشْعَرِيِّ أَوْ فِي النَّقْضِ (أَنَّ) الشَّيْءَ (الْمُخْتَارَ) أَوْ الْفَاعِلَ الْمُخْتَارَ وَاجِبًا كَمَا فِي النَّقْضِ أَوْ عَبْدًا كَمَا فِي الْأَصْلِ (إنْ كَانَ قَصْدًا وَأَصَالَةً) بِأَنْ كَانَ مَقْصُودًا بِالْأَصَالَةِ كَالصَّلَاةِ (فَلَا بُدَّ لَهُ) لِهَذَا الْمُخْتَارِ (مِنْ اخْتِيَارٍ مُغَايِرٍ لَهُ) لِذَلِكَ الْمُخْتَارِ (سَابِقٌ عَلَيْهِ بِالضَّرُورَةِ) إذْ الْفِعْلُ الِاخْتِيَارِيُّ لَا يُتَصَوَّرُ حُصُولُهُ بِلَا اخْتِيَارٍ (وَأَمَّا إذَا كَانَ) الشَّيْءُ الْمُخْتَارُ (ضِمْنًا وَتَبَعًا) أَوْ إذَا كَانَ تَعَلُّقُ اخْتِيَارِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ كَذَلِكَ كَالِاخْتِيَارِ الْجُزْئِيِّ (فَلَا) يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لَهُ اخْتِيَارٌ سَابِقٌ عَلَيْهِ (بَلْ يَكُونُ اخْتِيَارُ الْمَقْصُودِ) أَيْ الِاخْتِيَارُ الْمُتَعَلِّقُ بِمَا هُوَ مَقْصُودٌ بِالْأَصَالَةِ كَالصَّلَاةِ (اخْتِيَارًا لِنَفْسِهِ) أَيْ نَفْسِ الِاخْتِيَارِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إيجَادٌ وَلَا خَلْقٌ وَإِنَّمَا يَقَعُ (ضِمْنًا وَالْتِزَامًا) لِأَنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ اللَّازِمَةِ لِلْأَشْيَاءِ بِلَا تَعَلُّقِ إيجَادٍ بِهَا
(كَمَا يَشْهَدُ لَهُ الْوِجْدَانُ) الَّذِي هُوَ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ الْبَدِيهِيَّةِ الْبُرْهَانِيَّةِ وَهَذِهِ مُفِيدَةٌ فِي الْمَقَامِ التَّحْقِيقِيِّ أَلْبَتَّةَ، وَأَمَّا فِي الْجَدَلِيَّةِ وَالْإِلْزَامِيَّةِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ هُنَا فَإِنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً إذَا كَانَ هُنَاكَ عِلَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْجَمْعِ وَلَا يَبْعُدُ حَمْلُ الْمَقَامِ عَلَيْهِ فَأَمْكَنَ انْدِفَاعُ مَا قِيلَ أَنَّ مَا شَهِدَ لَهُ الْوِجْدَانُ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى الْغَيْرِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا دَوْرَ وَلَا تَسَلْسُلَ وَأَيْضًا لَوْ سُلِّمَ لُزُومُهُمَا لَكِنَّهُمَا فِي الْأُمُورِ الِاعْتِبَارِيَّةِ وَلَيْسَا بِمُحَالَيْنِ فِيهَا
ثُمَّ أَمْكَنَ لِلْأَشْعَرِيِّ الِانْتِقَالُ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ مُنْتِجٍ لِمَطْلُوبِهِ الَّذِي هُوَ كَوْنُ الْعَبْدِ مُضْطَرًّا فِي اخْتِيَارِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِ فِعْلِ الْعَبْدِ عَلَى طَرِيقِ الْجَبْرِ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ طَرَفَا الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ جَائِزَيْنِ لِلْعَبْدِ مُتَسَاوِيَيْنِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَجِّحٍ فَإِذَا امْتَنَعَ كَوْنُ الْمُرَجِّحِ مِنْ الْعَبْدِ لِلتَّسَلْسُلِ فَتَعَيَّنَ كَوْنُهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ الْعَبْدُ أَيْضًا مَجْبُورًا، أَجَابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ (وَالتَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ جَائِزٌ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ) لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْإِرَادَةِ تَرْجِيحَ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ بِلَا احْتِيَاجٍ إلَى مُرَجِّحٍ كَالْهَارِبِ يَسْلُكُ أَحَدَ الطَّرِيقَيْنِ بِلَا مُرَجِّحٍ وَالْجَائِعُ يُقَدِّمُ أَحَدَ الرَّغِيفَيْنِ كَذَلِكَ
стр. 459
(وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ التَّرَجُّحُ) كَوْنُ الشَّيْءِ ذَا رُجْحَانٍ بِمَعْنَى الْإِيجَادِ بِلَا مُوجِدٍ فِي نَفْسِهِ (بِلَا مُرَجِّحٍ) لِاسْتِغْنَاءِ الْمُمْكِنِ عَنْ الْعِلَّةِ الْمُؤَثِّرَةِ (فَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْإِرَادَةُ بِشَيْءٍ لَا مُرَجِّحٍ وَدَاعٍ) اعْلَمْ أَنَّ بُطْلَانَ الرُّجْحَانِ بِلَا مُرَجِّحٍ أَيْ الْوُجُودِ بِلَا مُوجِدٍ وَبُطْلَانَ التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ أَيْ الْإِيجَادِ بِلَا مُوجِدٍ بَدِيهِيٌّ، وَأَمَّا تَرْجِيحُ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ أَوْ تَرْجِيحُ الْمَرْجُوحِ فَجَائِزٌ وَاقِعٌ بِوُجُوهٍ مَذْكُورٌ فِي رَابِعَةِ الْمُقَدِّمَاتِ الْأَرْبَعِ مِنْ التَّوْضِيحِ وَالتَّلْوِيحِ فَلَا امْتِنَاعَ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ بَلْ هُوَ وَاقِعٌ وَأَنَّهُ لَا امْتِنَاعَ فِي ثُبُوتِ الْإِيقَاعِ مِنْ الْمُخْتَارِ تَارَةً وَعَدَمِهِ أُخْرَى مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَأَنَّ الْمُمْتَنِعَ إنَّمَا هُوَ وُجُودُ الْمُمْكِنِ بِلَا مُوجِدٍ وَأَنَّ الْإِرَادَةَ صِفَةٌ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يُرَجِّحَ الْفَاعِلُ بِهَا أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عَلَى الْآخَرِ أَوْ الْمَرْجُوحَ عَلَى الرَّاجِحِ، فَالْإِيجَادُ بِالِاخْتِيَارِ قَدْ يَكُونُ تَرْجِيحًا لِذَلِكَ
فَإِنْ قِيلَ اخْتِيَارُ الْمُخْتَارِ أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ قُلْنَا الْإِرَادَةُ وَالِاخْتِيَارُ لَا تُعَلَّلُ بِأَنَّهُ لَمَّا اخْتَارَ هَذَا دُونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ لَهَا فَإِنْ قِيلَ التَّرْجِيحُ يَسْتَلْزِمُ الرُّجْحَانَ ضَرُورَةً فَتَرْجِيحُ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ يُوجِبُ رُجْحَانَهُ قُلْنَا الْمُمْتَنِعُ هُوَ رُجْحَانُ الْمُسَاوِي أَوْ الْمَرْجُوحِ مَا دَامَ مُسَاوِيًا أَوْ مَرْجُوحًا لِاجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ الرُّجْحَانِ وَعَدَمِهِ، وَعِنْدَ تَرْجِيحِ الْفَاعِلِ إيَّاهُمَا لَمْ يَبْقَيَا مُسَاوِيًا وَمَرْجُوحًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّرْجِيحِ إثْبَاتُ الرُّجْحَانِ، وَجَعْلُ الشَّيْءِ رَاجِحًا وَإِخْرَاجُهُ عَنْ حَدِّ التَّسَاوِي كَذَا فِي الْمَحَلِّ الْمَزْبُورِ مِنْ التَّلْوِيحِ فَإِذَا عَرَفْت هَذِهِ (فَلَا يَرِدُ أَنَّ تَعَلُّقَ الْإِرَادَةِ) مِنْ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ لِشَيْءٍ (لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَجِّحٍ فَإِنْ كَانَ) ذَلِكَ الْمُرَجِّحُ (مِنْ خَارِجٍ) عَنْ نَفْسِ الْفَاعِلِ الْمُرِيدِ (يَلْزَمُ الْإِيجَابُ) أَيْ كَوْنُهُ وَاجِبَ الصُّدُورِ عَنْهُ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ تَخَلُّفُهُ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ الْمَوْجُودُ الْمُرَجِّحُ الْمَفْرُوضُ تَمَامَ الْمُرَجِّحِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِبْ جَازَ أَنْ يُوجَدَ الْفِعْلُ تَارَةً وَيَعْدَمَ أُخْرَى مَعَ الْمُرَجِّحِ فِيهِمَا، فَتَخْصِيصُ أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ بِوُجُودِهِ مُحْتَاجٌ إلَى مُرَجِّحٍ فَلَا يَكُونُ مَا فَرَضْنَاهُ مُرَجِّحًا تَامًّا عَلَى مَا فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ فَتَدَبَّرْ (وَإِنْ كَانَ) الْمُرَجِّحُ (مِنْ نَفْسِ الْمُرِيدِ يَنْتَقِلُ الْكَلَامُ عَلَيْهِ) عَلَى ذَلِكَ الْمُرَجِّحِ (أَنَّهُ بِالِاخْتِيَارِ أَوْ بِالِاضْطِرَارِ فَيَلْزَمُ إمَّا الدَّوْرُ أَوْ التَّسَلْسُلُ) فِي صُورَةِ الِاخْتِيَارِ (أَوْ الْإِيجَابُ) مِنْ نَفْسِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي صُورَةِ الِاضْطِرَارِ لِعَدَمِ الِانْفِكَاكِ عَمَّا اُضْطُرَّ إلَيْهِ
وَجْهُ عَدَمِ الْوُرُودِ أَنَّ قَوْلَهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَجِّحٍ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ بِلَا مُرَجِّحٍ جَائِزٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْمُرَجِّحِ فَيَسْقُطُ التَّفْصِيلُ وَالتَّرْدِيدُ الْمُتَفَرِّعُ عَلَيْهِ وَقَدْ عَرَفْت أَيْضًا مَا فَصَّلْنَاهُ مِنْ نَحْوِ جَوَازِ ثُبُوتِ الْإِيقَاعِ مِنْ الْمُخْتَارِ بِلَا مُرَجِّحٍ وَأَنَّ الْإِرَادَةَ صِفَةٌ يُرَجِّحُ بِهَا الْفَاعِلُ أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ أَوْ الْمَرْجُوحَ عَلَى الْآخَرِ وَأَنَّ الْإِرَادَةَ لَا تُعَلِّلُ هَذَا اعْلَمْ أَنَّ حَاصِلَ هَذَا الْمَقَامِ إجْمَالًا أَنَّ الشَّيْطَانَ يَقُولُ آخِرًا الْأَعْمَالُ مُقَدَّرَةٌ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى فَالْعَبْدُ مَجْبُورٌ وَالسَّعْيُ بَاطِلٌ وَيَدْفَعُ السَّالِكُ أَنَّ الْأَعْمَالَ وَإِنْ كَانَتْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ تَعَلُّقَ قُدْرَتِهِ بِفِعْلِ عَبْدِهِ مَشْرُوطًا بِتَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ الْجُزْئِيَّةِ مِنْ الْعَبْدِ الصَّالِحَةِ لِلضِّدَّيْنِ فَمَا لَمْ تَتَعَلَّقْ تِلْكَ الْإِرَادَةُ الْجُزْئِيَّةُ مِنْ الْعَبْدِ لَا تَتَعَلَّقُ قُدْرَتُهُ تَعَالَى، وَالْإِرَادَةُ الْجُزْئِيَّةُ لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ حَتَّى يَلْزَمَ خَلْقُ الْعَبْدِ إرَادَتَهُ، وَعِلْمُهُ تَعَالَى تَابِعٌ لِمَعْلُومِهِ وَالْإِرَادَةُ وَالتَّقْدِيرُ تَابِعَانِ لِلْعِلْمِ، وَالْكِتَابَةُ تَابِعَةٌ لِلْإِرَادَةِ فَإِذَا كَانَ الْمَعْلُومُ صُدُورَ الْفِعْلِ بِتَعْلِيقِ الْإِرَادَةِ الْجُزْئِيَّةِ اخْتِيَارًا وَلَوْ عَنْ طَرِيقِ الشَّرْطِ
стр. 460
لَا يَلْزَمُ الْجَبْرُ أَيْضًا بِعِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ وَكِتَابَتِهِ فَانْدَفَعَ بِذَلِكَ وَسْوَسَةُ اللَّعِينِ وَانْطَبَقَ قَوْلُ السَّلَفِ
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْأَشْعَرِيِّ فَلَا تَنْدَفِعُ وَلَا يَنْطَبِقُ إذْ عِنْدَهُ الْإِرَادَةُ الْجُزْئِيَّةُ حَاصِلَةٌ مِنْ اللَّهِ جَبْرًا، فَالْعَبْدُ مُخْتَارٌ فِي أَفْعَالِهِ وَمُضْطَرٌّ فِي اخْتِيَارِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَبْرِ الْمَحْضِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَقَدْ تَمَّ الْمَرَامُ بِهَذَا الْقَدْرِ فِي مَهَامِّ الْمَقَامِ، وَكَانَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِلِاخْتِيَارِ إلَخْ قَوْلًا زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَطَوْرًا مُخَالِفًا لِمَا الْتَزَمَهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَإِنْ بَذَلَ الْوُسْعَ فِي تَوْجِيهِهِ كَمَا سَمِعْت مِنْ الْخِطَابِ إذْ أَصْلُ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ الْأَشْعَرِيِّ لِلْجَوَابِ وَالْإِيرَادِ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي الْمَوَاقِفِ فَإِذَا بَطَلَ ذَلِكَ لَزِمَ تَصْحِيحُ مَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ وَلَوْ سَلِمَ ذَلِكَ أَنَّهُ بَعْدَمَا نَفَى الْوُجُودَ الْخَارِجِيَّ عَنْ الْإِرَادَةِ الْجُزْئِيَّةِ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّطْوِيلِ.
(فَإِذَا تَمَهَّدَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ) فِي دَفْعِ حِيَلِ الشَّيْطَانِ (فَلْنَشْرَعْ فِي الْمَقْصُودِ) مِنْ هَذَا الْمَبْحَثِ السَّادِسِ مِنْ الْأُمُورِ الْمُتَرَدِّدَةِ بَيْنَ الرِّيَاءِ وَالْإِخْلَاصِ أَوْ الرِّيَاءِ وَالْحَيَاءِ (فَنَقُولُ مِنْ الْمُتَرَدِّدَاتِ بَيْنَ الرِّيَاءِ وَالْإِخْلَاصِ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَبِيتُ مَعَ قَوْمٍ فَيَقُومُونَ لِلتَّهَجُّدِ كُلَّ اللَّيْلِ أَوْ بَعْضَهُ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَقُومُ أَصْلًا، أَوْ يَقُومُ قَلِيلًا مِنْ قِيَامِهِمْ فَإِذَا رَآهُمْ انْبَعَثَ نَشَاطُهُ لِلْمُوَافَقَةِ حَتَّى يَزِيدَ عَلَى مُعْتَادِهِ، وَكَذَلِكَ قَدْ يَقَعُ فِي مَوْضِعٍ يَصُومُ أَهْلُهُ تَطَوُّعًا فَيَنْبَعِثُ لَهُ نَشَاطُهُ فِي الصَّوْمِ) لِرُؤْيَةٍ مِنْهُمْ فَلَوْ لَمْ يَرَهُمْ لَمْ يَنْبَعِثْ هَذَا النَّشَاطُ؛ لِأَنَّ الصُّحْبَةَ سَارِيَةٌ وَالطَّبِيعَةَ سَارِقَةٌ فَإِنَّ الْمُقَارِنَ بِالْمُقَارِنِ يَقْتَدِي (فَرُبَّمَا يَظُنُّ) مِنْ الْأَوْهَامِ الْقَاصِرَةِ مُطْلَقًا إذْ بِحَسَبِ الْفِكْرَةِ الْأُولَى وَالنَّظْرَةِ الْحَمْقَاءِ (أَنَّهُ) أَيْ ذَلِكَ الِاقْتِدَاءُ (رِيَاءٌ) مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْإِخْلَاصِ؛ لِأَنَّهُ بِلَا رُؤْيَةٍ مِنْهُمْ فَإِذَا كَانَ إتْيَانُهُ بِسَبَبِ رُؤْيَتِهِمْ فَكَانَ مَظَانُّ الرِّيَاءِ لَهُمْ (وَإِنَّ الْوَاجِبَ تَرْكُ الْمُوَافَقَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ لَهُ تَفْصِيلٌ) يُعْرَفُ بِهِ مَا يَكُونُ رِيَاءً مِمَّا لَا يَكُونُ رِيَاءً وَذَلِكَ قَوْلُهُ.
(فَإِنْ كَانَ نَشَاطُهُ) الْمُنْبَعِثُ عَنْ صُحْبَةِ تِلْكَ الصَّالِحِينَ (لِزَوَالِ الْغَفْلَةِ) عَنْ مِثْلِ تِلْكَ الْأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ وَالْخِصَالِ الْمُسْتَحْسَنَةِ (بِمُشَاهَدَةِ الْغَيْرِ) وَتَكُونُ تِلْكَ الْمُشَاهَدَةُ مُذَكِّرَةً لِمَا ذَهِلَ وَمُنَبِّهَةً عَمَّا غَفَلَ (وَقَدْ أَقْبَلُوا) أَيْ الْغَيْرُ بِاعْتِبَارِ الْقَوْمِ (عَلَى اللَّهِ تَعَالَى) بِالصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ (وَأَعْرَضُوا عَنْ النَّوْمِ) لِلْقِيَامِ وَالتَّهَجُّدِ (وَالْأَكْلِ) لِلصِّيَامِ وَتَجْوِيعِ النَّفْسِ لِلْقَهْرِ فَمُشَاهَدَةُ الْغَيْرِ عِبْرَةٌ لَهُ حِينَئِذٍ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] وَالْعِبْرَةُ رَدُّ الشَّيْءِ إلَى نَظِيرِهِ وَقَدْ قِيلَ السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا رَزَقَهُ خَلِيلًا صَالِحًا إنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ» ، وَأَيْضًا فَضْلُ الذِّكْرِ الْجَهْرِيِّ مَا بِنِيَّةِ اقْتِدَاءِ الْغَيْرِ وَكَذَا إعْلَانُ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَأَمْرُ الْعَوَامّ بِاقْتِدَاءِ الْعَالِمِ الصَّالِحِ قَوْلًا وَفِعْلًا (أَوْ) كَانَ نَشَاطُهُ (لِانْدِفَاعِ الْعَوَائِقِ) جَمْعُ عَائِقٍ بِمَعْنَى الْمَانِعِ (وَالْأَشْغَالِ الَّتِي فِي بَيْتِهِ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ كَالْمُسْتَدْرَكِ إذْ مَبْنَى الْكَلَامِ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ رُؤْيَةَ عِبَادَةِ الْعَابِدِينَ وَمُوَافَقَتَهُمْ لِذَلِكَ.
وَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَ الْعِلَّةِ انْدِفَاعَ الْعَوَائِقِ وَنَحْوَهُ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَفَرَّغَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْعَوَائِقِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ بِلَا رُؤْيَتِهِمْ لَا يَفْعَلُ تِلْكَ الطَّاعَةَ نَعَمْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جُزْءَ عِلَّةٍ وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادَرُ تَمَامَ عِلَّةٍ (مِثْلُ تَمَكُّنِهِ عَلَى فِرَاشٍ وَثِيرٍ) لَيِّنٍ نَاعِمٍ (أَوْ تَمَكُّنِهِ مِنْ التَّمَتُّعِ) الْجِمَاعِ وَدَوَاعِيهِ بَلْ لَوَازِمِهِ (بِزَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَوْ الْمُحَادَثَةِ) الْمُكَالَمَةِ (بِأَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ أَوْ الِاشْتِغَالِ بِأَوْلَادِهِ) كَتَرْبِيَتِهِمْ وَإِصْلَاحِ أُمُورِهِمْ وَقَضَاءِ حَاجَاتِهِمْ (أَوْ بِحِسَابِ مُعَامَلَتِهِ)
следующие страницы →