Полный текст (1 189 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
الْبُرْهَانِيِّ التَّحْقِيقِيِّ فَافْهَمْ (لَا جَبْرَ) كَمَا قَالَ الْجَبْرِيَّةُ بَلْ الْأَشْعَرِيُّ أَيْضًا عَلَى اعْتِقَادِ الْمُصَنِّفِ (وَلَا تَفْوِيضَ) كَالْقَدَرِيَّةِ (وَلَكِنْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ) كَمَا قِيلَ مَا مِنْ مَذْهَبٍ إلَّا وَفِيهِ قَدَمٌ رَاسِخٌ مِنْ الْجَبْرِ إذْ لَوْ كَانَ بِمَحْضِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَكَانَ جَبْرًا وَلَوْ بِمَحْضِ قُدْرَةِ الْعَبْدِ كَانَ تَفْوِيضًا وَلَوْ بِهِمَا يَكُونُ أَمْرٌ بَيْنَهُمَا هَذَا هُوَ تَحْرِيرُ الْمَقَامِ عَلَى مُقْتَضَى صَرِيحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَإِلَّا فَإِيجَادُ الْفِعْلِ بِمَحْضِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِشَرْطِ إرَادَةِ الْعَبْدِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ عِنْدَنَا، بَلْ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ لِأَحَدٍ كَمَا سَبَقَ فِي الِاعْتِقَادِيَّةِ تَفْصِيلُهُ إذْ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ بِمَجْمُوعِ قُدْرَتَيْ اللَّهِ وَالْعَبْدِ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُهُمَا مُؤَثِّرًا مُسْتَقِلًّا عَلَى حِكْمَتِهِ تَعَالَى وَعَادَتِهِ، كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ تَوْضِيحِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَالْخَيَّالِيِّ وَحَوَاشِيهِ فَالْجَبْرُ الْمُتَوَسِّطُ أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ حُصُولُهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ جَبْرٌ وَبِقُدْرَةِ الْعَبْدِ تَفْوِيضٌ وَكَوْنُهُ بِهِمَا أَمْرٌ بَيْنَهُمَا وَأَيْضًا إنَّ مَا ادَّعَاهُ مُتَوَسِّطًا رَاجِعٌ إلَى قُدْرَةٍ مَحْضٍ إذْ لَوْ كَانَ تَأْثِيرُ قُدْرَتِهِ تَعَالَى مَشْرُوطًا بِقُدْرَةِ الْعَبْدِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ بِقُدْرَةِ الْعَبْدِ ابْتِدَاءً وَبَيْنَ كَوْنِهِ شَرْطًا فِي التَّفْوِيضِ إذْ عَمَلُ الْمَشْرُوطِ عَلَى وَفْقِ الشَّرْطِ وَإِنْ وُجِدَ فَرْقٌ بَيْنَ كَوْنِهِ مَخْلُوقًا لَهُ تَعَالَى وَلِلْعَبْدِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ مَجْمُوعُ الْقُدْرَتَيْنِ لَكِنْ شُرِطَ فِي تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَلُّقُ قُدْرَةِ الْعَبْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَعَلَّ التَّحْقِيقَ فِي الْجَبْرِ الْمُتَوَسِّطِ مَا فُهِمَ مِنْ رِسَالَةِ الدَّوَانِيِّ أَنَّ الْإِرَادَةَ الِاخْتِيَارِيَّةَ لِلْعَبْدِ مُنْبَعِثَةٌ مِنْ الشَّوْقِ، وَالشَّوْقُ مُنْبَعِثٌ مِنْ تَصَوُّرِ الْأَمْرِ الْمُلَائِمِ، وَهَذَا الشَّوْقُ وَالتَّصَوُّرُ ضَرُورِيَّانِ وَالْإِرَادَةُ التَّابِعَةُ لَهُمَا اخْتِيَارِيَّةٌ وَيَقْرُبُ إلَيْهِ مَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ الْكَمَالِ فِي إثْبَاتِ الْجَبْرِ الْمُتَوَسِّطِ أَمَّا إنَّهُ لَا جَبْرَ؛ فَلِأَنَّ الْعَبْدَ مُخْتَارٌ فِي فِعْلِهِ فَعَادَتُهُ تَعَالَى بِخَلْقِ فِعْلِ الْعَبْدِ عَقِيبَ صَرْفِ اخْتِيَارِهِ وَأَمَّا إنَّهُ لَا تَفْوِيضَ، فَإِنَّ مَنْشَأَ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ دَاعِيَةٌ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَلْبِهِ، وَدَوَاعِي الْقَلْبِ تَابِعَةٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا دَخْلَ فِيهِ لِلْعَبْدِ (وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْأَشْعَرِيِّ) نَفْسُ الشَّيْخِ (الْقَائِلِ بِالْجَبْرِ الْمُتَوَسِّطِ) عَلَى مُجَرَّدِ اعْتِقَادِهِ (أَعْنِي كَوْنَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ بِاخْتِيَارِهِمْ لَا بِالِاضْطِرَارِ كَمَا يَقُولُ الْجَبْرِيَّةُ فَإِنَّهُ) أَيْ الِاضْطِرَارَ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الْجَبْرِيَّةِ لَا قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ كَمَا تُوُهِّمَ (جَبْرٌ مَحْضٌ) لِعَدَمِ الِاخْتِيَارِ مِنْ الْعَبْدِ لَا شَرْطًا وَلَا شَطْرًا وَلَا مَدَارًا (وَلَكِنْ الِاخْتِيَارُ) الَّذِي هُوَ مَبْدَأُ الْأَفْعَالِ (مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِالْجَبْرِ وَالِاضْطِرَارِ) يَعْنِي تَصْدُرُ الْأَفْعَالُ مِنْ الْعِبَادِ بِالِاخْتِيَارِ وَذَلِكَ الِاخْتِيَارُ مَخْلُوقٌ فِي الْعَبْدِ بِالْجَبْرِ وَالِاضْطِرَارِ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الْعِبَادُ مُخْتَارِينَ فِي أَفْعَالِهِمْ لِصُدُورِهَا بِالْإِرَادَةِ الْجُزْئِيَّةِ وَمُضْطَرِّينَ فِي اخْتِيَارِهِمْ؛ لِأَنَّ حُصُولَ الِاخْتِيَارِ فِيهِمْ بِمُجَرَّدِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ قَوْلُهُ (فَنَحْنُ مُخْتَارُونَ فِي أَفْعَالِنَا مُضْطَرُّونَ فِي اخْتِيَارِنَا فَهَذَا مَعْنَى الْجَبْرِ الْمُتَوَسِّطِ) عِنْدَهُ عَلَى وَفْقِ مَنْقُولِ السَّلَفِ (فَلَا مَحِيصَ) فَلَا مُخَلِّصَ جَوَابُ أَمَّا فَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ (مِنْ هَذِهِ الْوَسْوَسَةِ) مِنْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ مِنْ عَدَمِ نَفْعِ سَعْيِ الْعَبْدِ لِكَوْنِهِ مُضْطَرًّا (وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ السَّلَفِ) لَا جَبْرَ وَلَا تَفْوِيضَ وَإِنْ ادَّعَى هُوَ اتِّحَادَهُ وَإِنَّمَا كَانَ مُخَالِفًا لِلسَّلَفِ (إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ) بَيْنَ قَوْلِ الْأَشْعَرِيِّ (وَبَيْنَ الْجَبْرِ الْمَحْضِ فِي الْحَقِيقَةِ) وَإِنْ وُجِدَ فَرْقٌ فِي الصُّورَةِ مِنْ حَيْثُ أَثْبَتَ فِي الْعَبْدِ قُدْرَةً مُجَرَّدَةً وَعِنْدَ
стр. 457
الْجَبْرِيَّةِ فِعْلُ الْعَبْدِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ بِدُونِ قُدْرَةٍ مِنْ الْعَبْدِ أَصْلًا فَفِي الْحَقِيقَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ أَصْلًا وَبَيْنَ وُجُودِهَا بِلَا تَأْثِيرٍ فَإِنَّ إثْبَاتَ الْقُدْرَةِ إنَّمَا هُوَ لِلتَّأْثِيرِ فَإِذَا نُفِيَ التَّأْثِيرُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ وُجُودِهَا وَعَدَمِهَا كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ (فَأَيُّ نَفْعٍ فِي وُجُودِ اخْتِيَارٍ اضْطِرَارِيٍّ) لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ الْمَنْسُوبَ إلَى الِاضْطِرَارِ يُزِيلُ حَقِيقَةَ الِاخْتِيَارِ وَيَبْقَى مُجَرَّدُ الِاسْمِ، هَذَا مُوَافِقٌ لِمَا أَوْرَدَهُ الْمَوْلَى حَسَنٌ جَلَبِيٌّ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الْمَوَاقِفِ عَلَى الْأَشْعَرِيِّ نَقْلًا عَنْ الْغَيْرِ أَنَّ ثُبُوتَ الْقُدْرَةِ إنَّمَا يُعْلَمُ بِأَثَرِهَا مِنْ الْفِعْلِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا تَأْثِيرٌ فَمِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ ثُبُوتُهَا، وَأَنَّهُ مَذْهَبُ الْجَبْرِيَّةِ النَّافِينَ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ لَكِنْ أَجَابَ عَنْهُ أَنَّ الضَّرُورَةَ تَشْهَدُ بِوُجُودِ الْقُدْرَةِ مُنْضَمَّةً إلَى الْإِرَادَةِ فِي الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ دُونَ غَيْرِهَا وَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ بِتَأْثِيرِهَا انْتَهَى لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ بَلْ يُؤَكِّدُهُ؛ لِأَنَّ ضَرُورَةَ وُجُودِ الْقُدْرَةِ يَقْتَضِي وُجُودَ التَّأْثِيرِ إذْ التَّأْثِيرُ مِنْ لَوَازِمِهَا فَهَذَا وَإِنْ دَفَعَ شُبْهَةَ الشَّيْطَانِ لَكِنْ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ بَلْ عِنْدَ الْمَاتُرِيدِيَّةِ أَيْضًا إذْ هُوَ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ وَاعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الشَّيْخِ أَنَّ الْعَبْدَ مُضْطَرٌّ فِي حُصُولِ قُدْرَتِهِ؛ لِأَنَّهَا بِخَلْقِهِ تَعَالَى فِي الْعَبْدِ بِلَا مَدْخَلٍ مِنْهُ وَمُخْتَارٌ فِي صَرْفِهَا نَحْوُ الْفِعْلِ لِإِمْكَانِ تَعَلُّقِهَا بِكُلٍّ مِنْ الضِّدَّيْنِ.
أَقُولُ هَذِهِ الْإِرَادَةُ الْكُلِّيَّةُ الَّتِي لَا كَلَامَ فِيهَا وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْإِرَادَةِ الْجُزْئِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَمَلِ الْجُزْئِيِّ الْمُعَيَّنِ فَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي الْخَارِجِ بِإِيجَادِهِ تَعَالَى فَتَكُونُ عِلَّةً تَامَّةً لِلْفِعْلِ فَيَلْزَمُ الْجَبْرُ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْعَبْدُ مُخْتَارًا فِي الصَّرْفِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَتَمَكَّنَ الْعَبْدُ مِنْ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ فَيَحْتَاجُ فِي تَرْجِيحِ جَانِبِ الْفِعْلِ إلَى مُرَجِّحٍ وَإِلَّا فَيَكُونُ اتِّفَاقِيًّا لَا اخْتِيَارِيًّا وَيَلْزَمُ أَيْضًا عَدَمُ احْتِيَاجِ وُقُوعِ الْجَائِزَيْنِ إلَى سَبَبٍ فَيَنْسَدُّ بَابُ إثْبَاتِ الصَّانِعِ وَالْمُرَجِّحُ لَا يَكُونُ مِنْ الْعَبْدِ لِلتَّسَلْسُلِ وَيَكُونُ الْفِعْلُ عِنْدَهُ وَاجِبًا وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مَا فَرَضْنَاهُ مُرَجِّحًا تَامًّا فَيَلْزَمُ الْإِيجَابُ (وَأَمَّا قَوْلُهُ) فِي إثْبَاتِ كَوْنِ ذَلِكَ الِاخْتِيَارِ اضْطِرَارِيًّا فِي الْعَبْدِ بِخَلْقِهِ تَعَالَى لَوْ لَمْ يَكُنْ اضْطِرَارِيًّا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَكَانَ مِنْ الْعَبْدِ بِاخْتِيَارِهِ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ بِنَقْلِ الْكَلَامِ إلَى صُدُورِ ذَلِكَ الْمُرَجِّحِ عَنْهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ (فَيَلْزَمُ) عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مِنْ الْعَبْدِ بِاخْتِيَارِهِ (أَنْ يَكُونَ لِلِاخْتِيَارِ اخْتِيَارٌ فَيَدُورُ) إنْ رَجَعَ إلَيْهِ (أَوْ يَتَسَلْسَلُ) إنْ لَمْ يَرْجِعْ وَلَمْ يَنْتَهِ إلَى حَدٍّ (فَمَنْقُوضٌ) وَأَيْضًا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ خَالِقًا لَهُ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا خَالِقَ سِوَاهُ لَكِنْ يَشْكُلُ بِجَوَازِ كَوْنِ ذَلِكَ الِاخْتِيَارِ مِنْ الْعَبْدِ اضْطِرَارِيًّا فَلَا يَكُونُ لِلِاخْتِيَارِ اخْتِيَارٌ فَتَأَمَّلْ (بِاخْتِيَارِ اللَّهِ تَعَالَى) بِأَنْ يُقَالَ لَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مُوجِدًا لِفِعْلِهِ بِالْقُدْرَةِ لَتَمَكَّنَ مِنْ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى مُرَجِّحٍ، وَالْمُرَجِّحُ لَا يَكُونُ مِنْهُ لِلدَّوْرِ وَالتَّسَلْسُلِ وَيَكُونُ الْفِعْلُ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُرَجِّحِ وَاجِبَ الصُّدُورِ وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُرَجِّحُ مُرَجِّحًا تَامًّا فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَادِرًا مُخْتَارًا.
قِيلَ هَذَا قِيَاسُ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَيْنَ هَذَا مِنْ ذَاكَ (فَجَوَابُهُ) أَيْ جَوَابُ النَّقْضِ وَالْجَوَابُ عَلَى مَا فِي الْمَوَاقِفِ بِالْفَرْقِ بِأَنَّ إرَادَةَ الْعَبْدِ مُحْدَثَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إلَى إرَادَةٍ أُخْرَى، وَإِرَادَةُ اللَّهِ قَدِيمَةٌ غَيْرُ مُفْتَقِرَةٍ إلَى إرَادَةٍ أُخْرَى (جَوَابُهُ) الظَّاهِرُ أَيْ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ النَّقْضِ أَيْ جِنْسًا أَوْ أَصْلًا لَا عَيْنًا وَلَا شَخْصًا إذْ قَالَ فِي الْمَوَاقِفِ وَرُدَّ
стр. 458
هَذَا الْجَوَابُ بِأَنْ لَا يُدْفَعَ التَّقْسِيمُ الْمَذْكُورُ وَقَالَ فِي شَرْحِهِ إذْ يُقَالُ إنْ لَمْ يَكُنْ التَّرْكُ مَعَ الْإِرَادَةِ الْقَدِيمَةِ كَانَ مُوجِبًا لَا قَادِرًا مُخْتَارًا وَإِنْ أَمْكَنَ فَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ فِعْلُهُ عَلَى مُرَجِّحٍ كَانَ اتِّفَاقِيًّا وَاسْتَغْنَى الْحَادِثُ عَنْ الْمُرَجِّحِ وَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ كَانَ الْفِعْلُ مَعَهُ وَاجِبًا فَيَكُونُ اضْطِرَارِيًّا وَإِنَّمَا يَنْدَفِعُ النَّقْضُ إذَا بَيَّنَ عَدَمَ جَرَيَانِ الدَّلِيلِ فِي صُورَةِ التَّخَلُّفِ
لَكِنْ أَوْرَدَ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ صَاحِبُ الْمَوَاقِفِ بِمَا تَلْخِيصُهُ عَلَى مَا فِي شَرْحِهِ أَنَّ الْمُرَجِّحَ الْقَدِيمَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْفِعْلِ الْحَادِثِ فِي وَقْتٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى مُرَجِّحٍ آخَرَ، فَإِنَّ فِعْلَ الْبَارِّي وَإِنْ احْتَاجَ إلَى مُرَجِّحٍ قَدِيمٌ كَذَلِكَ لَكِنْ لَا يَحْتَاجُ ذَلِكَ الْمُرَجِّحُ إلَى مُرَجِّحٍ آخَرَ وَحِينَئِذٍ لَا يُتَّجَهُ النَّقْضُ وَأَمَّا لُزُومُ كَوْنِ الْفِعْلِ وَاجِبًا لَا مُخْتَارًا مَعَ ذَلِكَ الْمُرَجِّحِ الْقَدِيمِ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْوُجُوبَ الْمُتَرَتِّبَ عَلَى الِاخْتِيَارِ لَا يُنَافِيهِ بَلْ يُحَقِّقُهُ (وَحَلُّهُ) أَيْ الْجَوَابِ عَنْ الدَّوْرِ وَالتَّسَلْسُلِ سَوَاءٌ فِي قَوْلِ الْأَشْعَرِيِّ أَوْ فِي النَّقْضِ (أَنَّ) الشَّيْءَ (الْمُخْتَارَ) أَوْ الْفَاعِلَ الْمُخْتَارَ وَاجِبًا كَمَا فِي النَّقْضِ أَوْ عَبْدًا كَمَا فِي الْأَصْلِ (إنْ كَانَ قَصْدًا وَأَصَالَةً) بِأَنْ كَانَ مَقْصُودًا بِالْأَصَالَةِ كَالصَّلَاةِ (فَلَا بُدَّ لَهُ) لِهَذَا الْمُخْتَارِ (مِنْ اخْتِيَارٍ مُغَايِرٍ لَهُ) لِذَلِكَ الْمُخْتَارِ (سَابِقٌ عَلَيْهِ بِالضَّرُورَةِ) إذْ الْفِعْلُ الِاخْتِيَارِيُّ لَا يُتَصَوَّرُ حُصُولُهُ بِلَا اخْتِيَارٍ (وَأَمَّا إذَا كَانَ) الشَّيْءُ الْمُخْتَارُ (ضِمْنًا وَتَبَعًا) أَوْ إذَا كَانَ تَعَلُّقُ اخْتِيَارِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ كَذَلِكَ كَالِاخْتِيَارِ الْجُزْئِيِّ (فَلَا) يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لَهُ اخْتِيَارٌ سَابِقٌ عَلَيْهِ (بَلْ يَكُونُ اخْتِيَارُ الْمَقْصُودِ) أَيْ الِاخْتِيَارُ الْمُتَعَلِّقُ بِمَا هُوَ مَقْصُودٌ بِالْأَصَالَةِ كَالصَّلَاةِ (اخْتِيَارًا لِنَفْسِهِ) أَيْ نَفْسِ الِاخْتِيَارِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إيجَادٌ وَلَا خَلْقٌ وَإِنَّمَا يَقَعُ (ضِمْنًا وَالْتِزَامًا) لِأَنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ اللَّازِمَةِ لِلْأَشْيَاءِ بِلَا تَعَلُّقِ إيجَادٍ بِهَا
(كَمَا يَشْهَدُ لَهُ الْوِجْدَانُ) الَّذِي هُوَ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ الْبَدِيهِيَّةِ الْبُرْهَانِيَّةِ وَهَذِهِ مُفِيدَةٌ فِي الْمَقَامِ التَّحْقِيقِيِّ أَلْبَتَّةَ، وَأَمَّا فِي الْجَدَلِيَّةِ وَالْإِلْزَامِيَّةِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ هُنَا فَإِنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً إذَا كَانَ هُنَاكَ عِلَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْجَمْعِ وَلَا يَبْعُدُ حَمْلُ الْمَقَامِ عَلَيْهِ فَأَمْكَنَ انْدِفَاعُ مَا قِيلَ أَنَّ مَا شَهِدَ لَهُ الْوِجْدَانُ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى الْغَيْرِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا دَوْرَ وَلَا تَسَلْسُلَ وَأَيْضًا لَوْ سُلِّمَ لُزُومُهُمَا لَكِنَّهُمَا فِي الْأُمُورِ الِاعْتِبَارِيَّةِ وَلَيْسَا بِمُحَالَيْنِ فِيهَا
ثُمَّ أَمْكَنَ لِلْأَشْعَرِيِّ الِانْتِقَالُ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ مُنْتِجٍ لِمَطْلُوبِهِ الَّذِي هُوَ كَوْنُ الْعَبْدِ مُضْطَرًّا فِي اخْتِيَارِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِ فِعْلِ الْعَبْدِ عَلَى طَرِيقِ الْجَبْرِ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ طَرَفَا الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ جَائِزَيْنِ لِلْعَبْدِ مُتَسَاوِيَيْنِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَجِّحٍ فَإِذَا امْتَنَعَ كَوْنُ الْمُرَجِّحِ مِنْ الْعَبْدِ لِلتَّسَلْسُلِ فَتَعَيَّنَ كَوْنُهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ الْعَبْدُ أَيْضًا مَجْبُورًا، أَجَابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ (وَالتَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ جَائِزٌ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ) لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْإِرَادَةِ تَرْجِيحَ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ بِلَا احْتِيَاجٍ إلَى مُرَجِّحٍ كَالْهَارِبِ يَسْلُكُ أَحَدَ الطَّرِيقَيْنِ بِلَا مُرَجِّحٍ وَالْجَائِعُ يُقَدِّمُ أَحَدَ الرَّغِيفَيْنِ كَذَلِكَ
стр. 459
(وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ التَّرَجُّحُ) كَوْنُ الشَّيْءِ ذَا رُجْحَانٍ بِمَعْنَى الْإِيجَادِ بِلَا مُوجِدٍ فِي نَفْسِهِ (بِلَا مُرَجِّحٍ) لِاسْتِغْنَاءِ الْمُمْكِنِ عَنْ الْعِلَّةِ الْمُؤَثِّرَةِ (فَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْإِرَادَةُ بِشَيْءٍ لَا مُرَجِّحٍ وَدَاعٍ) اعْلَمْ أَنَّ بُطْلَانَ الرُّجْحَانِ بِلَا مُرَجِّحٍ أَيْ الْوُجُودِ بِلَا مُوجِدٍ وَبُطْلَانَ التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ أَيْ الْإِيجَادِ بِلَا مُوجِدٍ بَدِيهِيٌّ، وَأَمَّا تَرْجِيحُ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ أَوْ تَرْجِيحُ الْمَرْجُوحِ فَجَائِزٌ وَاقِعٌ بِوُجُوهٍ مَذْكُورٌ فِي رَابِعَةِ الْمُقَدِّمَاتِ الْأَرْبَعِ مِنْ التَّوْضِيحِ وَالتَّلْوِيحِ فَلَا امْتِنَاعَ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ بَلْ هُوَ وَاقِعٌ وَأَنَّهُ لَا امْتِنَاعَ فِي ثُبُوتِ الْإِيقَاعِ مِنْ الْمُخْتَارِ تَارَةً وَعَدَمِهِ أُخْرَى مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَأَنَّ الْمُمْتَنِعَ إنَّمَا هُوَ وُجُودُ الْمُمْكِنِ بِلَا مُوجِدٍ وَأَنَّ الْإِرَادَةَ صِفَةٌ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يُرَجِّحَ الْفَاعِلُ بِهَا أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عَلَى الْآخَرِ أَوْ الْمَرْجُوحَ عَلَى الرَّاجِحِ، فَالْإِيجَادُ بِالِاخْتِيَارِ قَدْ يَكُونُ تَرْجِيحًا لِذَلِكَ
فَإِنْ قِيلَ اخْتِيَارُ الْمُخْتَارِ أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ قُلْنَا الْإِرَادَةُ وَالِاخْتِيَارُ لَا تُعَلَّلُ بِأَنَّهُ لَمَّا اخْتَارَ هَذَا دُونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ لَهَا فَإِنْ قِيلَ التَّرْجِيحُ يَسْتَلْزِمُ الرُّجْحَانَ ضَرُورَةً فَتَرْجِيحُ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ يُوجِبُ رُجْحَانَهُ قُلْنَا الْمُمْتَنِعُ هُوَ رُجْحَانُ الْمُسَاوِي أَوْ الْمَرْجُوحِ مَا دَامَ مُسَاوِيًا أَوْ مَرْجُوحًا لِاجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ الرُّجْحَانِ وَعَدَمِهِ، وَعِنْدَ تَرْجِيحِ الْفَاعِلِ إيَّاهُمَا لَمْ يَبْقَيَا مُسَاوِيًا وَمَرْجُوحًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّرْجِيحِ إثْبَاتُ الرُّجْحَانِ، وَجَعْلُ الشَّيْءِ رَاجِحًا وَإِخْرَاجُهُ عَنْ حَدِّ التَّسَاوِي كَذَا فِي الْمَحَلِّ الْمَزْبُورِ مِنْ التَّلْوِيحِ فَإِذَا عَرَفْت هَذِهِ (فَلَا يَرِدُ أَنَّ تَعَلُّقَ الْإِرَادَةِ) مِنْ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ لِشَيْءٍ (لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَجِّحٍ فَإِنْ كَانَ) ذَلِكَ الْمُرَجِّحُ (مِنْ خَارِجٍ) عَنْ نَفْسِ الْفَاعِلِ الْمُرِيدِ (يَلْزَمُ الْإِيجَابُ) أَيْ كَوْنُهُ وَاجِبَ الصُّدُورِ عَنْهُ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ تَخَلُّفُهُ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ الْمَوْجُودُ الْمُرَجِّحُ الْمَفْرُوضُ تَمَامَ الْمُرَجِّحِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِبْ جَازَ أَنْ يُوجَدَ الْفِعْلُ تَارَةً وَيَعْدَمَ أُخْرَى مَعَ الْمُرَجِّحِ فِيهِمَا، فَتَخْصِيصُ أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ بِوُجُودِهِ مُحْتَاجٌ إلَى مُرَجِّحٍ فَلَا يَكُونُ مَا فَرَضْنَاهُ مُرَجِّحًا تَامًّا عَلَى مَا فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ فَتَدَبَّرْ (وَإِنْ كَانَ) الْمُرَجِّحُ (مِنْ نَفْسِ الْمُرِيدِ يَنْتَقِلُ الْكَلَامُ عَلَيْهِ) عَلَى ذَلِكَ الْمُرَجِّحِ (أَنَّهُ بِالِاخْتِيَارِ أَوْ بِالِاضْطِرَارِ فَيَلْزَمُ إمَّا الدَّوْرُ أَوْ التَّسَلْسُلُ) فِي صُورَةِ الِاخْتِيَارِ (أَوْ الْإِيجَابُ) مِنْ نَفْسِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي صُورَةِ الِاضْطِرَارِ لِعَدَمِ الِانْفِكَاكِ عَمَّا اُضْطُرَّ إلَيْهِ
وَجْهُ عَدَمِ الْوُرُودِ أَنَّ قَوْلَهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَجِّحٍ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ بِلَا مُرَجِّحٍ جَائِزٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْمُرَجِّحِ فَيَسْقُطُ التَّفْصِيلُ وَالتَّرْدِيدُ الْمُتَفَرِّعُ عَلَيْهِ وَقَدْ عَرَفْت أَيْضًا مَا فَصَّلْنَاهُ مِنْ نَحْوِ جَوَازِ ثُبُوتِ الْإِيقَاعِ مِنْ الْمُخْتَارِ بِلَا مُرَجِّحٍ وَأَنَّ الْإِرَادَةَ صِفَةٌ يُرَجِّحُ بِهَا الْفَاعِلُ أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ أَوْ الْمَرْجُوحَ عَلَى الْآخَرِ وَأَنَّ الْإِرَادَةَ لَا تُعَلِّلُ هَذَا اعْلَمْ أَنَّ حَاصِلَ هَذَا الْمَقَامِ إجْمَالًا أَنَّ الشَّيْطَانَ يَقُولُ آخِرًا الْأَعْمَالُ مُقَدَّرَةٌ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى فَالْعَبْدُ مَجْبُورٌ وَالسَّعْيُ بَاطِلٌ وَيَدْفَعُ السَّالِكُ أَنَّ الْأَعْمَالَ وَإِنْ كَانَتْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ تَعَلُّقَ قُدْرَتِهِ بِفِعْلِ عَبْدِهِ مَشْرُوطًا بِتَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ الْجُزْئِيَّةِ مِنْ الْعَبْدِ الصَّالِحَةِ لِلضِّدَّيْنِ فَمَا لَمْ تَتَعَلَّقْ تِلْكَ الْإِرَادَةُ الْجُزْئِيَّةُ مِنْ الْعَبْدِ لَا تَتَعَلَّقُ قُدْرَتُهُ تَعَالَى، وَالْإِرَادَةُ الْجُزْئِيَّةُ لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ حَتَّى يَلْزَمَ خَلْقُ الْعَبْدِ إرَادَتَهُ، وَعِلْمُهُ تَعَالَى تَابِعٌ لِمَعْلُومِهِ وَالْإِرَادَةُ وَالتَّقْدِيرُ تَابِعَانِ لِلْعِلْمِ، وَالْكِتَابَةُ تَابِعَةٌ لِلْإِرَادَةِ فَإِذَا كَانَ الْمَعْلُومُ صُدُورَ الْفِعْلِ بِتَعْلِيقِ الْإِرَادَةِ الْجُزْئِيَّةِ اخْتِيَارًا وَلَوْ عَنْ طَرِيقِ الشَّرْطِ
стр. 460
لَا يَلْزَمُ الْجَبْرُ أَيْضًا بِعِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ وَكِتَابَتِهِ فَانْدَفَعَ بِذَلِكَ وَسْوَسَةُ اللَّعِينِ وَانْطَبَقَ قَوْلُ السَّلَفِ
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْأَشْعَرِيِّ فَلَا تَنْدَفِعُ وَلَا يَنْطَبِقُ إذْ عِنْدَهُ الْإِرَادَةُ الْجُزْئِيَّةُ حَاصِلَةٌ مِنْ اللَّهِ جَبْرًا، فَالْعَبْدُ مُخْتَارٌ فِي أَفْعَالِهِ وَمُضْطَرٌّ فِي اخْتِيَارِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَبْرِ الْمَحْضِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَقَدْ تَمَّ الْمَرَامُ بِهَذَا الْقَدْرِ فِي مَهَامِّ الْمَقَامِ، وَكَانَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِلِاخْتِيَارِ إلَخْ قَوْلًا زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَطَوْرًا مُخَالِفًا لِمَا الْتَزَمَهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَإِنْ بَذَلَ الْوُسْعَ فِي تَوْجِيهِهِ كَمَا سَمِعْت مِنْ الْخِطَابِ إذْ أَصْلُ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ الْأَشْعَرِيِّ لِلْجَوَابِ وَالْإِيرَادِ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي الْمَوَاقِفِ فَإِذَا بَطَلَ ذَلِكَ لَزِمَ تَصْحِيحُ مَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ وَلَوْ سَلِمَ ذَلِكَ أَنَّهُ بَعْدَمَا نَفَى الْوُجُودَ الْخَارِجِيَّ عَنْ الْإِرَادَةِ الْجُزْئِيَّةِ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّطْوِيلِ.
(فَإِذَا تَمَهَّدَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ) فِي دَفْعِ حِيَلِ الشَّيْطَانِ (فَلْنَشْرَعْ فِي الْمَقْصُودِ) مِنْ هَذَا الْمَبْحَثِ السَّادِسِ مِنْ الْأُمُورِ الْمُتَرَدِّدَةِ بَيْنَ الرِّيَاءِ وَالْإِخْلَاصِ أَوْ الرِّيَاءِ وَالْحَيَاءِ (فَنَقُولُ مِنْ الْمُتَرَدِّدَاتِ بَيْنَ الرِّيَاءِ وَالْإِخْلَاصِ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَبِيتُ مَعَ قَوْمٍ فَيَقُومُونَ لِلتَّهَجُّدِ كُلَّ اللَّيْلِ أَوْ بَعْضَهُ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَقُومُ أَصْلًا، أَوْ يَقُومُ قَلِيلًا مِنْ قِيَامِهِمْ فَإِذَا رَآهُمْ انْبَعَثَ نَشَاطُهُ لِلْمُوَافَقَةِ حَتَّى يَزِيدَ عَلَى مُعْتَادِهِ، وَكَذَلِكَ قَدْ يَقَعُ فِي مَوْضِعٍ يَصُومُ أَهْلُهُ تَطَوُّعًا فَيَنْبَعِثُ لَهُ نَشَاطُهُ فِي الصَّوْمِ) لِرُؤْيَةٍ مِنْهُمْ فَلَوْ لَمْ يَرَهُمْ لَمْ يَنْبَعِثْ هَذَا النَّشَاطُ؛ لِأَنَّ الصُّحْبَةَ سَارِيَةٌ وَالطَّبِيعَةَ سَارِقَةٌ فَإِنَّ الْمُقَارِنَ بِالْمُقَارِنِ يَقْتَدِي (فَرُبَّمَا يَظُنُّ) مِنْ الْأَوْهَامِ الْقَاصِرَةِ مُطْلَقًا إذْ بِحَسَبِ الْفِكْرَةِ الْأُولَى وَالنَّظْرَةِ الْحَمْقَاءِ (أَنَّهُ) أَيْ ذَلِكَ الِاقْتِدَاءُ (رِيَاءٌ) مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْإِخْلَاصِ؛ لِأَنَّهُ بِلَا رُؤْيَةٍ مِنْهُمْ فَإِذَا كَانَ إتْيَانُهُ بِسَبَبِ رُؤْيَتِهِمْ فَكَانَ مَظَانُّ الرِّيَاءِ لَهُمْ (وَإِنَّ الْوَاجِبَ تَرْكُ الْمُوَافَقَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ لَهُ تَفْصِيلٌ) يُعْرَفُ بِهِ مَا يَكُونُ رِيَاءً مِمَّا لَا يَكُونُ رِيَاءً وَذَلِكَ قَوْلُهُ.
(فَإِنْ كَانَ نَشَاطُهُ) الْمُنْبَعِثُ عَنْ صُحْبَةِ تِلْكَ الصَّالِحِينَ (لِزَوَالِ الْغَفْلَةِ) عَنْ مِثْلِ تِلْكَ الْأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ وَالْخِصَالِ الْمُسْتَحْسَنَةِ (بِمُشَاهَدَةِ الْغَيْرِ) وَتَكُونُ تِلْكَ الْمُشَاهَدَةُ مُذَكِّرَةً لِمَا ذَهِلَ وَمُنَبِّهَةً عَمَّا غَفَلَ (وَقَدْ أَقْبَلُوا) أَيْ الْغَيْرُ بِاعْتِبَارِ الْقَوْمِ (عَلَى اللَّهِ تَعَالَى) بِالصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ (وَأَعْرَضُوا عَنْ النَّوْمِ) لِلْقِيَامِ وَالتَّهَجُّدِ (وَالْأَكْلِ) لِلصِّيَامِ وَتَجْوِيعِ النَّفْسِ لِلْقَهْرِ فَمُشَاهَدَةُ الْغَيْرِ عِبْرَةٌ لَهُ حِينَئِذٍ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] وَالْعِبْرَةُ رَدُّ الشَّيْءِ إلَى نَظِيرِهِ وَقَدْ قِيلَ السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا رَزَقَهُ خَلِيلًا صَالِحًا إنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ» ، وَأَيْضًا فَضْلُ الذِّكْرِ الْجَهْرِيِّ مَا بِنِيَّةِ اقْتِدَاءِ الْغَيْرِ وَكَذَا إعْلَانُ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَأَمْرُ الْعَوَامّ بِاقْتِدَاءِ الْعَالِمِ الصَّالِحِ قَوْلًا وَفِعْلًا (أَوْ) كَانَ نَشَاطُهُ (لِانْدِفَاعِ الْعَوَائِقِ) جَمْعُ عَائِقٍ بِمَعْنَى الْمَانِعِ (وَالْأَشْغَالِ الَّتِي فِي بَيْتِهِ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ كَالْمُسْتَدْرَكِ إذْ مَبْنَى الْكَلَامِ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ رُؤْيَةَ عِبَادَةِ الْعَابِدِينَ وَمُوَافَقَتَهُمْ لِذَلِكَ.
وَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَ الْعِلَّةِ انْدِفَاعَ الْعَوَائِقِ وَنَحْوَهُ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَفَرَّغَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْعَوَائِقِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ بِلَا رُؤْيَتِهِمْ لَا يَفْعَلُ تِلْكَ الطَّاعَةَ نَعَمْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جُزْءَ عِلَّةٍ وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادَرُ تَمَامَ عِلَّةٍ (مِثْلُ تَمَكُّنِهِ عَلَى فِرَاشٍ وَثِيرٍ) لَيِّنٍ نَاعِمٍ (أَوْ تَمَكُّنِهِ مِنْ التَّمَتُّعِ) الْجِمَاعِ وَدَوَاعِيهِ بَلْ لَوَازِمِهِ (بِزَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَوْ الْمُحَادَثَةِ) الْمُكَالَمَةِ (بِأَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ أَوْ الِاشْتِغَالِ بِأَوْلَادِهِ) كَتَرْبِيَتِهِمْ وَإِصْلَاحِ أُمُورِهِمْ وَقَضَاءِ حَاجَاتِهِمْ (أَوْ بِحِسَابِ مُعَامَلَتِهِ)
стр. 461
مَعَ الْغَيْرِ كَالْبُيُوعِ وَالْمُدَايَنَاتِ وَأَحْوَالِ سَائِرِ الْعُقُودِ (أَوْ لِمُفَارَقَةِ النَّوْمِ) الْمَانِعِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ (لِاسْتِنْكَارِهِ الْمَوْضِعَ) الَّذِي يَبِيتُ فِيهِ إذْ الْإِنْسَانُ قَدْ يُزِيلُ نَوْمَهُ بِتَبَدُّلِ فِرَاشِهِ وَمَكَانِهِ (أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ فَيَغْتَنِمُ زَوَالَ النَّوْمِ) بِأَحَدِ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ فَيَفْعَلُ مَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ الطَّاعَاتِ تَحْصِيلًا لِمَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا لِغَرَضٍ آخَرَ (وَفِي مَنْزِلِهِ رُبَّمَا يَغْلِبُهُ النَّوْمُ وَقَدْ يَعْسَرُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فِي مَنْزِلِهِ وَ) الْحَالُ (مَعَهُ أَطَايِبُ الْأَطْعِمَةِ) الْأَطْعِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَيَشُقُّ الصَّبْرُ عَلَيْهَا (فَإِذَا أَعْوَزَتْهُ) أَفْقَرَتْهُ (تِلْكَ الْأَطْعِمَةُ) لِفِقْدَانِهَا (لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ) الصَّوْمُ فَتَنْبَعِثُ دَاعِيَةُ الدِّينِ لِلصَّوْمِ فَإِنَّ الشَّهَوَاتِ الْحَاضِرَةَ عَوَائِقُ وَدَوَافِعُ تَغْلِبُ بَاعِثَ الدِّينِ فَإِذَا سَلِمَ مِنْهَا قَوِيَ الْبَاعِثُ.
(فَهَذِهِ وَأَمْثَالُهَا) مِنْ الْعِبَادَاتِ (لَيْسَتْ بِرِيَاءٍ) لِعَدَمِ صِدْقِ مَاهِيَّةِ الرِّيَاءِ عَلَيْهَا لِعَدَمِ قَصْدِ غَيْرِ اللَّهِ بِهَا وَإِنْ كَانَ الدَّاعِي وَالْمُنَشِّطُ غَيْرَهُ تَعَالَى (فَعَلَيْهِ الْمُوَافَقَةُ) أَيْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ مُوَافَقَتُهُمْ أَوْ يَجُوزُ (وَالْعَمَلُ وَ) الْحَالُ (الشَّيْطَانُ عِنْدَ ذَلِكَ) الْعَمَلِ مَعَ مَنْ ذُكِرَ (رُبَّمَا يَصُدُّ) أَيْ يَمْنَعُ (عَنْ الْعَمَلِ) لِأَنَّهُ بِرٌّ، وَالشَّيْطَانُ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْءِ لِعَدَاوَتِهِ لَهُ (وَيَقُولُ لَا تَعْمَلْ مَا لَا تَعْمَلُ فِي بَيْتِك) وَوَحْدَتِك إنْ فَعَلْت ذَلِكَ (فَتَكُونُ مُرَائِيًا) فَلِلسَّالِكِ أَنْ يَدْفَعَهُ بِجِنْسِ مَا مَرَّ (وَإِنْ كَانَ نَشَاطُهُ) مَعَهُمْ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَإِنْ كَانَ نَشَاطُهُ لِزَوَالِ الْغَفْلَةِ مِنْ تَتِمَّةِ التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ (طَلَبًا لِمَحْمَدَتِهِمْ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِنْ الْحَمْدِ بِمَعْنَى الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ (أَوْ خَوْفًا مِنْ ذَمِّهِمْ) لَهُ (وَ) خَوْفَ (نِسْبَتِهِمْ إيَّاهُ إلَى الْكَسَلِ) تَرَكَ الْعَمَلَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ (لَا سِيَّمَا) كَلِمَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَوْلَوِيَّةِ مَا بَعْدَهَا بِالْحُكْمِ مِمَّا قَبْلَهَا (إذَا كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُ يَقُومُ بِاللَّيْلِ أَوْ) أَنَّهُ (يَصُومُ تَطَوُّعًا فَلَا تَسْمَحُ) لَا تَرْضَى (نَفْسُهُ بِأَنْ تَسْقُطَ عَنْ أَعْيُنِهِمْ فَيُرِيدُ أَنْ يَحْفَظَ مَنْزِلَتَهُ فِي قُلُوبِهِمْ) بِتَبْدِيلِ اعْتِقَادِهِمْ فِي حَقِّهِ فَيُرِيدُ أَنْ يَحْفَظَ مَنْزِلَتَهُ فِي قُلُوبِهِمْ عَلَى مَا اعْتَقَدُوا فِي حَقِّهِ.
(وَعِنْدَ ذَلِكَ) الرِّيَاءِ (قَدْ يَقُولُ الشَّيْطَانُ) لِذَلِكَ الْعَابِدِ الْمُرَائِي (صَلِّ فَإِنَّك مُخْلِصٌ وَإِنَّمَا كُنْت لَا تُصَلِّي فِي بَيْتِك لِكَثْرَةِ الْعَوَائِقِ) وَإِنَّمَا دَاعِيَتُك لِزَوَالِ الْعَوَائِقِ لَا لِاطِّلَاعِهِمْ، لَا يَخْفَى أَنَّ السَّوْقَ أَنَّ قَوْلَهُ يَكُونُ مِنْ جِنْسِ طَلَبِ ثَنَائِهِمْ وَخَوْفِ مَذَمَّتِهِمْ وَإِلَّا فَنَحْوُ هَذَا يُنَاسِبُ أَنْ يُبْدَلَ رِيَاؤُهُ نَحْوَ الْخُلُوصِ (فَلَا يَجُوزُ لَهُ) حِينَئِذٍ (أَنْ يَزِيدَ عَلَى مُعْتَادِهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْصِي اللَّهَ تَعَالَى بِطَلَبِ مَحْمَدَةِ النَّاسِ) بِطَاعَةِ اللَّهِ (أَوْ دَفْعِ) بِدَفْعِ (ذَمِّهِمْ أَوْ سُقُوطِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى) لِأَنَّهُ أَخْرَجَ الطَّاعَةَ عَنْ مَوْضُوعِهَا مِنْ التَّقَرُّبِ بِهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَجَعَلَهَا عُرْضَةً لِهَذَا الْأَمْرِ الْمُخْدِعِ الَّذِي لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ نَفْعٌ وَلَا ضُرٌّ (لِأَنَّهُ رِيَاءٌ مَحْظُورٌ مَحْضٌ)
стр. 462
لَا إخْلَاصٌ مَحْمُودٌ (وَالْعَلَامَةُ الْفَارِقَةُ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ هَذَيْنِ النَّشَاطَيْنِ الْمَحْمُودِ وَالْمَذْمُومِ (أَنْ يَعْرِضَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ لَوْ رَأَى) .
وَفِي نُسْخَةٍ أَنَّهَا أَيْ النَّفْسَ لَوْ رَأَتْ (هَؤُلَاءِ) الْقَوْمَ (يُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ) حَالَ كَوْنِهِمْ (مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ هَلْ كَانَتْ) النَّفْسُ (تَسْخُو) تَسْمَحُ (بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَهُوَ إخْلَاصٌ) لِعَدَمِ نَظَرِهِ حِينَئِذٍ لِغَيْرِهِ تَعَالَى (يُوَافِقُهُمْ) فِي ذَلِكَ الْعَمَلُ فَإِنَّ بَاعِثَهُ هُوَ الدِّينُ (أَوْ) كَانَتْ (لَا تَسْخُو وَتَثْقُلُ) الْعِبَادَةُ عَلَيْهِ (لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِمْ عَلَيْهَا) لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ مُوجِبُ النَّشَاطِ وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةَ عَذَابٌ (فَرِيَاءٌ لَا يَزِيدُ عَلَى الْمُعْتَادِ) أَوْ يَجْتَهِدُ فِي تَبْدِيلِ النِّيَّةِ وَتَحْصِيلِ الْإِخْلَاصِ.
(وَمِنْ ذَلِكَ) مِنْ التَّرَدُّدِ بَيْنَ الرِّيَاءِ وَالْإِخْلَاصِ (الِاسْتِغْفَارُ) كَقَوْلِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ (وَالِاسْتِعَاذَةُ) نَحْوُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (عِنْدَ النَّاسِ فَقَدْ يَكُونُ) كُلٌّ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ وَالِاسْتِعَاذَةِ (لِخَاطِرِ خَوْفٍ) مِنْ اللَّهِ (وَتَذَكُّرِ ذَنْبٍ) صَدَرَ مِنْهُ (وَتَنَدُّمٍ عَلَيْهِ) تَوْبَةٍ فَيَكُونُ إخْلَاصًا (وَقَدْ يَكُونُ لِلْمُرَآَّةِ) لِكَيْ يُثْنَى عَلَيْهِ لَعَلَّ ذَلِكَ قَدْ يَكْثُرُ عِنْدَ اسْتِمَاعِ الْمَوَاعِظِ لِخَوْفِ مَذَمَّةِ مَنْ فِي الْمَجْلِسِ (فَرَاقِبْ قَلْبَك) وَاحْفَظْهُ بِأَنْ تَنْظُرَ إلَيْهِ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ عِنْدَ صُدُورِ مِثْلِ ذَلِكَ (وَمَيِّزْ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْإِخْلَاصِ وَالرِّيَاءِ (بِالْعَلَامَةِ السَّابِقَةِ) فَمَا اسْتَوَى فِيهِ الْخَلْوَةُ وَالْجَلْوَةُ فَإِخْلَاصٌ وَمَا ثَقُلَ فِي الْخَلَاءِ فَرِيَاءٌ (وَأَمْثَالُهَا) كَمَحَبَّةِ اطِّلَاعِ الْغَيْرِ وَعَدَمِهَا (فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى) بَعْدَ ذَلِكَ التَّمْيِيزِ (فَامْضِهِ) فَافْعَلْهُ وَأَبْقِهِ مُسَارِعًا إلَيْهِ قِيلَ الْهَاءُ لِلسَّكْتِ تُكْتَبُ وَلَا يُنْطَقُ بِهَا إلَّا وَقْفًا لَا يَخْفَى أَنَّهُ ضَمِيرُ غَائِبٍ رَاجِعٌ إلَى الْعَمَلِ الْمَذْكُورِ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ وَالِاسْتِعَاذَةِ (وَإِلَّا) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَالَى (فَاحْذَرْ) مِنْهُ كَسَائِرِ الرِّيَاءِ؛ لِأَنَّهُ سُمٌّ فِي صُورَةِ تِرْيَاقٍ كَالصَّلَاةِ مَعَ النَّجَاسَةِ.
(وَمِنْ ذَلِكَ) التَّرَدُّدِ (إظْهَارُ الطَّاعَةِ) لِلنَّاسِ (فَإِنَّ الْبَاعِثَ عَلَيْهِ قَدْ يَكُونُ قَصْدُ الِاقْتِدَاءِ) لِيُقْتَدَى بِهِ فِيهَا وَيَكُونَ مِصْدَاقًا لِنَحْوِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً» . الْحَدِيثَ. (فَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ الْإِخْفَاءِ) لِحُسْنِ قَصْدِهِ وَجَوْدَةِ ثَمَرَتِهِ (هق عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «عَمَلُ السِّرِّ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ الْعَلَانِيَةِ» لِخُلُوِّهِ عَنْ الرِّيَاءِ الظَّاهِرِ عِنْدَ عَدَمِ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ «وَ» عَمَلُ «الْعَلَانِيَةِ أَفْضَلُ» مِنْ عَمَلِ السِّرِّ «لِمَنْ أَرَادَ الِاقْتِدَاءَ» لِحَثِّ الْغَيْرِ عَلَى الْخَيْرِ وَيَكُونُ عِبَادَةً مُتَعَدِّيَةً وَيَكُونُ عَوْنًا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَضَرْبًا مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَرُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْإِحْيَاءِ أَنَّ «عَمَلَ السِّرِّ يُضَاعَفُ عَلَى عَمَلِ الْعَلَانِيَةِ سَبْعِينَ ضِعْفًا، وَيُضَاعَفُ عَمَلُ الْعَلَانِيَةِ إذَا اُسْتُنَّ بِعَامِلِهِ عَلَى عَمَلِ السِّرِّ سَبْعِينَ ضِعْفًا» وَنُقِلَ عَنْ
стр. 463
الْفُقَهَاءِ يُنْدَبُ لِلْإِمَامِ الْأَسْرَارُ بِأَذْكَارِ الصَّلَاةِ إلَّا إذَا قَصَدَ التَّعْلِيمَ فَيَجْهَرُ بِقَدْرِ مَا يَتَعَلَّمُونَ وَيَعُودُ لِحَالِهِ بَعْدُ (وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْمُقْتَدَى بِهِ) فِي الْحَصْرِ خَفَاءٌ إذْ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ، إذْ رُبَّ شَخْصٍ إذَا رَأَى طَاعَةً مِنْ رَجُلٍ أَدْنَى مِنْهُ تَمَسُّهُ الْغَيْرَةُ وَتَجْذِبُهُ الْحَمِيَّةُ فَيَكُونُ أَدْعَى مِنْ الْمُقْتَدَى بِهِ نَعَمْ إنَّ غَيْرَ الْمُقْتَدَى إذَا أَظْهَرَ بَعْضَ الطَّاعَةِ رُبَّمَا يَنْسُبُونَهُ إلَى الرِّيَاءِ وَالنِّفَاقِ وَيَذُمُّونَهُ فَحِينَئِذٍ لَا يُظْهِرُ (وَقَدْ يَكُونُ الْبَاعِثُ) عَلَى الْإِظْهَارِ (الرِّيَاءَ وَلِإِبْلِيسَ تَلْبِيسٌ فِي كِلَا الْجَانِبَيْنِ) أَيْ تَلْبِيسٌ فِي طَرَفَيْ الرِّيَاءِ وَالْإِخْلَاصِ (فَعَلَيْك التَّيَقُّظُ) وَالتَّنَبُّهُ لَا الذُّهُولُ وَالْغَفْلَةُ فَإِنَّ الْأَمْرَ خَفِيٌّ وَالْخَطَرُ جَلِيٌّ (فَإِنْ اشْتَبَهَ) عَلَيْك الْأَمْرُ (فَعَلَيْك بِالْإِخْفَاءِ فَإِنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ) فَإِنَّ الْخَطَرَ يُرَجَّحُ عَلَى النَّدْبِ عِنْدَ جَمْعِهِمَا وَتَعَارُضِهِمَا؛ أَوْ لِأَنَّ عَدَمَ الضَّرَرِ فِي الْخَفَاءِ مُتَيَقَّنٌ وَفِي الْعَلَنِ مُحْتَمَلٌ وَالْمُحْتَمَلُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُتَيَقَّنِ (لَا أَنْ يَكُونَ الْإِظْهَارُ وَاجِبًا) كَالْجُمُعَةِ (أَوْ سُنَّةً كَالْجَمَاعَةِ) فَحِينَئِذٍ يُظْهِرُهُ وَيُظْهِرُ الرَّغْبَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَتْرُكُ مِثْلَهُمَا بِمُجَرَّدِ احْتِمَالِ الرِّيَاءِ.
ثُمَّ قِيلَ هُنَا وَاحْتِمَالُ الرِّيَاءِ فِي الْجَهْرِ أَيْ فِي الْأَذْكَارِ لَا يُوجِبُ حُرْمَتَهُ غَايَتُهُ أَوْلَوِيَّةُ الْإِخْفَاءِ إذْ لَمْ يُقَارِنْ الْجَهْرَ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَغَرَضٍ مَسْنُونٍ كَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ وَالْأَذَانِ وَالْخُطْبَةِ وَإِيقَاظِ الْغَافِلِينَ وَتَلْقِينِ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ وَإِذَا قُرِنَ بِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ كَانَ الْجَهْرُ أَوْلَى كَمَا فِي التَّحْقِيقِيَّةِ انْتَهَى أَقُولُ إطْلَاقُهُ مُخَالِفٌ لِلْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ الْمُشَارَةِ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ اشْتَبَهَ الْأَمْرُ فَعَلَيْك الْإِخْفَاءُ إلَى آخِرِهِ فَإِنَّ فِي جَانِبِ الْجَهْرِ احْتِمَالَ الْحُرْمَةِ وَفِي جَانِبِ الْخَفَاءِ قَطْعِيَّةَ الْفَضِيلَةِ وَلَمْ يَدْعُ دَاعٍ مِنْ الشَّرْعِ كَالسُّنَّةِ غَايَتُهُ هُوَ الْجَوَازُ أَوْ الْأَفْضَلِيَّةُ إذَا سَلِمَ مِنْ الْمَوَانِعِ ثُمَّ قَالَ عَنْ الْمُظْهِرِ الذِّكْرَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ جَائِزٌ بَلْ مُسْتَحَبٌّ إذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ رِيَاءٍ لِيَغْتَنِمَ النَّاسُ بِإِظْهَارِ الدِّينِ وَوُصُولِ بَرَكَةِ الذِّكْرِ إلَى السَّامِعِينَ وَلْيَشْهَدْ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ أَقُولُ قَدْ كَثُرَ فِي حَقِّ الذِّكْرِ الْجَهْرِيِّ كَلَامٌ جَوَازًا أَوْ لَا وَأَفْضَلِيَّةً أَوْ لَا بِالْأَدِلَّةِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ جَرْحًا وَتَعْدِيلًا وَلِهَذَا حَرَّرْنَا رِسَالَةً مُسْتَقِلَّةً لِتَحْقِيقِ الْحَقِّ حَاصِلُهَا الْجَوَازُ عِنْدَ خُلُوِّهِ عَنْ الْعُيُوبِ الشَّرْعِيَّةِ كَالرِّيَاءِ وَفَضْلُهُ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَغْرَاضِ وَالْأَحْوَالِ.
(وَمِنْ ذَلِكَ) التَّرَدُّدِ (التَّحْدِيثُ) الْإِخْبَارُ (بِمَا فَعَلَهُ مِنْ الطَّاعَاتِ بَعْدَ الْفَرَاغِ) مِنْهَا (وَحُكْمُهُ حُكْمُ إظْهَارِ نَفْسِهِ) نَفْسِ الْعَمَلِ فَإِنْ بِقَصْدِ الِاقْتِدَاءِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ لِنَظَرِ الْخَلْقِ فَرِيَاءٌ وَإِنْ اشْتَبَهَ أَسَرَّ قِيلَ وَالْخَطَرُ فِي هَذَا أَشَدُّ؛ لِأَنَّ مَئُونَةَ النُّطْقِ خَفِيفَةٌ عَلَى اللِّسَانِ وَقَدْ يَجْرِي فِي الْحِكَايَةِ زِيَادَةٌ وَمُبَالَغَةٌ وَلِلنَّفْسِ لَذَّةٌ عَظِيمَةٌ فِي إظْهَارِ الدَّعَاوَى (إلَّا أَنَّهُ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهِ الرِّيَاءُ) بِأَنْ يَكُونَ الْإِخْلَاصُ عِنْدَ الْعَمَلِ فَيَعْرِضُ الرِّيَاءُ عِنْدَ الْإِخْبَارِ (لَمْ يُؤَثِّرْ) وَلَوْ نَقْصًا (فِي إفْسَادِ الْعِبَادَةِ الْمَاضِيَةِ) بَلْ تَبْقَى صَحِيحَةً مُعْتَدَّةً بِهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لِتَمَامِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَمُ فِي الصِّفَاتِ
стр. 464
الْعَارِضَةِ وَأَنَّ أَصْلَ الْمَتْبُوعِ لَا يَبْطُلُ بِبُطْلَانِ الْوَصْفِ الْعَارِضِ وَأَنَّ الْأَصْلَ إبْقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ وَيُقَرِّبُهُ مَا قَالُوا الْبَقَاءُ عَلَى وَفْقِ الثُّبُوتِ فَمَا عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ مِنْ التَّأْثِيرِ فَلَيْسَ بِمُخْتَارٍ (بَلْ يَكُونُ تَحْدِيثُهُ مَعْصِيَةً جَدِيدَةً) وَإِنْ كَانَ مَا يَحْدُثُ عَنْهُ طَاعَةً (وَبِالْجُمْلَةِ الْإِخْفَاءُ فِي الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَا يَلْزَمُ إظْهَارُهَا) وَلَمْ يُسَنَّ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ (أَفْضَلُ مِنْ الْإِظْهَارِ) لِخُلُوِّهِ عَنْ احْتِمَالِ الرِّيَاءِ وَيَكُونُ مُعَامَلَةً خَاصَّةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْلَاهُ (إلَّا عِنْدَ التَّيَقُّنِ) فَلَا يُفِيدُ الظَّنُّ فَضْلًا عَنْ الشَّكِّ (بِقَصْدِ التَّعْلِيمِ) لِمَنْ لَا يَعْلَمُ (وَالِاقْتِدَاءِ) يَشْمَلُ التَّعْلِيمَ لِمَنْ يَعْلَمُ وَلَكِنْ لَا يَعْمَلُ (فَالْإِظْهَارُ حِينَئِذٍ أَفْضَلُ) لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مُتَعَدِّيَةٌ وَفِيهِ إيقَاظُ النَّائِمِينَ وَإِرْشَادُ الْغَافِلِينَ وَتَرْغِيبٌ فِي الْخَيْرِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَدَّ بَابُ إظْهَارِ الْأَعْمَالِ، وَالطِّبَاعُ مَجْبُولَةٌ عَلَى التَّشَبُّهِ وَالِاقْتِدَاءِ بَلْ فِي إظْهَارِ الْمُرَائِي لِلْعِبَادَةِ إذَا لَمْ يُعْلَمْ كَوْنُهُ عَنْ رِيَاءٍ خَيْرٌ كَثِيرٌ لِلنَّاسِ، وَلَكِنَّهُ شَرٌّ لِلْمُرَائِي فَكَمْ مِنْ مُخْلِصٍ كَانَ سَبَبُ إخْلَاصِهِ الِاقْتِدَاءَ بِمَنْ هُوَ مُرَاءٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى قِيلَ عَنْ الْكَشَّافِ فِي سُورَةِ أَرَأَيْت مِنْ أَوْلَوِيَّةِ الْإِخْفَاءِ عِنْدَ عَدَمِ غَرَضٍ صَحِيحٍ وَأَوْلَوِيَّةٌ بِالْجَهْرِ وَالْإِعْلَانِ أَوْلَى إنْ بِنِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ وَإِزَالَةِ الْغَفْلَةِ وَإِيقَاعِ ذِكْرِ اللَّهِ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَغَيْرِهَا.
وَعَنْ الْبَيْضَاوِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]- وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ شَرْعَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالْجَهْرِ لَيْسَ لِإِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ لِتَصْوِيرِ النَّفْسِ بِالذِّكْرِ وَرُسُوخِهِ فِيهَا وَمَنْعِهَا عَنْ الِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهِ وَهَضْمِهَا بِالتَّضَرُّعِ وَالْجِوَارِ (وَقِسْ عَلَى هَذَا أَمْثَالَهَا) مِنْ الْمُتَرَدِّدَاتِ بَيْنَ الرِّيَاءِ وَالْإِخْلَاصِ.
(وَمِنْ جُمْلَةِ مَكَايِدِ الشَّيْطَانِ) جَمْعُ كَيْدٍ بِمَعْنَى إلْحَاقِ الشَّرِّ بِالْغَيْرِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ (أَنَّ الرَّجُلَ) مَثَلًا (قَدْ يَكُونُ لَهُ وِرْدٌ) بِكَسْرِ الْوَاوِ اسْمٌ لِلْجُزْءِ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أَوْ الصَّلَاةِ أَوْ الْقُرْآنِ أَوْ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ يَرِدُ بِهِ عَلَى الْقَلْبِ مَا يَرِدُ مِنْ الْفَيْضِ وَلِارْتِوَاءِ الْقَلْبِ بِهِ مِنْ عَطَشِ الْغَفْلَةِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى (مُعَيَّنٌ كَصَلَاةِ الضُّحَى وَالتَّهَجُّدِ) بَعْدَ نَوْمٍ مِنْ اللَّيْلِ وَقِيلَ بَيْنَ نَوْمَتَيْنِ وَصَلَاةُ الْأَوَّابِينَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ (فَيَقَعُ فِي قَوْمٍ لَا يَفْعَلُونَهُمَا فَيَتْرُكُهُمَا خَوْفًا مِنْ الرِّيَاءِ) مِنْ حَمْلِهِمْ عَلَى الرِّيَاءِ (فَهَذَا) التَّرْكُ (غَلَطٌ وَمُتَابَعَةٌ لِلشَّيْطَانِ) لِأَنَّ بُغْيَتَهُ قَطْعُ الْعِبَادَةِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى (إذْ مُدَاوَمَتُهُ السَّابِقَةُ) عَلَى الْوُقُوعِ فِي الْقَوْمِ (دَلِيلٌ عَلَى الْإِخْلَاصِ فَمُجَرَّدُ وُقُوعِ خَاطِرَةِ الرِّيَاءِ فِي الْقَلْبِ بِلَا اخْتِيَارٍ وَ) لَا (قَبُولٍ) مِنْهُ لَهُ (لَيْسَ بِضَارٍّ وَلَا رِيَاءٍ وَلَا مُخِلٍّ) مِنْ الْخَلَلِ (بِالْإِخْلَاصِ) وَلِأَنَّ كَوْنَ أَصْلِهِ بِإِخْلَاصٍ مَجْزُومٍ وَمُتَيَقَّنٍ وَعُرُوضُ الرِّيَاءِ مَشْكُوكٌ وَمُحْتَمَلٌ وَقَدْ قُرِّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ وَقَدْ سَمِعْت آنِفًا أَيْضًا مَا يُصَحِّحُ ذَلِكَ مِنْ الْقَوَاعِدِ فَيَنْدَفِعُ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْإِخْلَاصَ وَالرِّيَاءَ مِمَّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ فَالْإِخْلَاصُ السَّابِقُ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى مَا فِي اللَّاحِقِ (فَتَرْكُ الْعَمَلِ لِأَجْلِهِ مُوَافَقَةٌ لِلشَّيْطَانِ وَتَحْصِيلٌ لِغَرَضِهِ) الَّذِي هُوَ مَنْعُ الْمَرْءِ عَنْ عِبَادَةِ
стр. 465
مَوْلَاهُ وَعَنْ الْفُضَيْلِ الرِّيَاءُ تَرْكُ الْعَمَلِ خَوْفًا مِنْ الرِّيَاءِ وَأَمَّا الْعَمَلُ لِأَجْلِ النَّاسِ فَشِرْكٌ (نَعَمْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَزِيدَ) عِنْدَ هَؤُلَاءِ (عَلَى الْمُعْتَادِ) الْأَصْلِيِّ (إنْ لَمْ يَجِدْ بَاعِثًا) دَاعِيًا (دِينِيًّا) فَإِنْ وَجَدَهُ يَزِيدُ مَا يَشَاءُ.
(وَقَدْ يَتْرُكُهُمَا) أَيْ الضُّحَى وَالتَّهَجُّدَ (لَا خَوْفًا مِنْ الرِّيَاءِ بَلْ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إلَى الرِّيَاءِ) أَيْ لِئَلَّا يَنْسُبَهُ أَحَدٌ إلَى الرِّيَاءِ (وَيُقَالُ إنَّهُ مُرَاءٍ) فَيَتْرُكُ مَا اعْتَادَهُ مِنْ الْعَمَلِ الصَّالِحِ (وَهَذَا عَيْنُ الرِّيَاءِ) لِأَجْلِ النَّاسِ وَأَنَّهُ إذَا صَحَّ مُعَامَلَتُهُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يُغَيِّرْ فِي الْوَحْدَةِ وَالْخُلْطَةِ (لِأَنَّهُ تَرَكَ) إيَّاهُمَا (خَوْفًا مِنْ سُقُوطِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُمْ وَفِيهِ) أَيْ فِي التَّرْكِ لِلْخَوْفِ الْمَذْكُورِ (أَيْضًا سُوءُ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِينَ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] (وَقَدْ يُوقِعُ الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِهِ أَنْ يَتْرُكَ) أَيْ الْوِرْدَ (لِأَجْلِ صِيَانَتِهِمْ عَنْ مَعْصِيَةِ الْغِيبَةِ لَا لِلْفِرَارِ مِنْ ذَمِّهِمْ) لَهُ (وَسُقُوطِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُمْ وَهَذَا) التَّرْكُ لِأَجْلِ الصِّيَانَةِ (أَيْضًا سُوءُ الظَّنِّ بِهِمْ) وَلِمَا وَرَدَ هَلْ يَحْسُنُ تَرْكُ الْعَمَلِ لِأَجْلِ صِيَانَتِهِمْ مِنْ مَعْصِيَةِ الْغِيبَةِ أَجَابَ (وَصِيَانَةُ الْغَيْرِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ إنَّمَا يَحْسُنُ فِي تَرْكِ الْمُبَاحَاتِ لَا الْمُسْتَحَبَّاتِ وَالسُّنَنِ) لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يُقَدِّمُ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ عَلَى مَضَرَّةِ الْغَيْرِ وَقَدْ كَانَ صُدُورُهَا مِنْهُ بِاخْتِيَارِهِ كَمَا يُنَاسِبُ قَوْلَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ وَإِنْ أَضَرَّ غَيْرَهُ وَإِنْ خَالَفَ آخَرَ عَلَى أَنَّ الْمَنْفَعَةَ قَطْعِيَّةٌ وَالْمَضَرَّةَ احْتِمَالِيَّةٌ وَقَدْ أَمْكَنَ تَضَمُّنُهُ مَنْفَعَةً لَهُمْ بِنَحْوِ الِاقْتِدَاءِ وَتَنْشِيطِ الطَّاعَةِ حَالًا أَوْ مَآلًا.
(وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ) أَيْ مِنْ عَدَمِ حُسْنِ التَّرْكِ لِأَجْلِ صِيَانَةِ الْغَيْرِ (تَرْكُ السِّوَاكِ) بِكُلِّ خَشِنٍ وَأَصْلُهُ مِنْ الزَّيْتُونِ فَإِنَّهُ سِوَاكُ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْيَنَابِيعِ أَوْ مِنْ خَشَبِ الْخَوْخِ
стр. 466
أَوْ التُّوتِ أَوْ أَصْلِ الشَّوْكِ كَمَا نُقِلَ عَنْ صَلَاةِ الْمَسْعُودِيِّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ شَجَرٍ مُرٍّ فِي غِلَظِ الْخِنْصَرِ وَطُولِ الشِّبْرِ فَلَا يَكُونُ أَقْصَرَ مِنْ الشِّبْرِ وَعَنْ التِّرْمِذِيِّ الشَّيْطَانُ يَرْكَبُ عَلَى زِيَادَةِ الشِّبْرِ وَفِي الْكَلَامِ إشَارَةٌ إلَى اسْتِوَاءِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِيهِ إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا الْعِلْكُ فِي حَقِّهَا كَالسِّوَاكِ فِي حَقِّهِ وَأَنَّ الْإِبْهَامَ وَالْمُسَبِّحَةَ لَا يَقُومَانِ مَقَامَهُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ لَكِنَّهُمْ قَالُوا بِالْقِيَامِ عِنْدَ الْفِقْدَانِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ، فَيَمُرُّ طُولًا عَلَى عَرْضِ السِّنِّ الْأَيْمَنِ الْأَعْلَى ثُمَّ الْأَسْفَلِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ كَذَلِكَ ثُمَّ عَلَى وَجْهِ اللِّسَانِ بَعْدَمَا يَجْعَلُ إبْهَامَ الْيُمْنَى وَخِنْصَرَهَا تَحْتَ السِّوَاكِ وَالْبَاقِيَ فَوْقَهُ وَلَا يَقْبِضُ الْقَبْضَةَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَوَاسِيرَ وَلَا بِطَرَفَيْ السِّوَاكِ وَلَا يُمَصُّ فَيُورِثَ الْعَمَى وَيُغْسَلُ بَعْدَ الِاسْتِيَاكِ لِئَلَّا يَسْتَاكَ بِهِ الشَّيْطَانُ وَلَا يُوضَعُ عَرْضًا بَلْ يُنْصَبُ وَإِلَّا فَخَطَرُ الْجُنُونِ «وَمَوْضِعُ سِوَاكِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أُذُنِهِ مَوْضِعُ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ» وَسِوَاكُ أَصْحَابِهِ خَلْفَ آذَانِهِمْ كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَضَعُ فِي طَيِّ عِمَامَتِهِ وَلَمْ يَخْتَصَّ بِالْوُضُوءِ كَمَا قِيلَ بَلْ سُنَّةٌ عَلَى حِدَةِ عَلَى مَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي صَلَاةِ الْمَسْعُودِيِّ لَكِنْ فِي الْمَشَارِعِ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِيِّ وَمُسْتَحَبٌّ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَيَتَأَكَّدُ عِنْدَ قَصْدِ التَّوَضُّؤِ فَيُسَنُّ أَوْ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ كَمَا عِنْدَ غَيْرِهِ وَيَسْتَاكُ حَالَةَ الْمَضْمَضَةِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ النِّهَايَةِ.
(وَ) تَرْكُ (الطَّيْلَسَانِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَاحِدُ الطَّيَالِسَةِ وَالْهَاءُ فِي الْجَمْعِ لِلْعُجْمَةِ؛ لِأَنَّهُ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ كَمَا نُقِلَ عَنْ الصِّحَاحِ، وَهُوَ رِدَاءٌ يُوضَعُ عَلَى الرَّأْسِ وَيُرْسَلُ مِنْ الْأَطْرَافِ، كَذَا قِيلَ وَقِيلَ يُجْعَلُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْمُسْتَحَبُّ إرْسَالُ ذَنَبِ الْعِمَامَةِ إلَى وَسَطِ الظَّهْرِ، وَقِيلَ إلَى مَوْضِعِ الْجُلُوسِ وَقِيلَ مِقْدَارُ شِبْرٍ وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْقَلَانِسِ وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَلْبَسُهَا نُقِلَ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ (وَالْمَشْيُ حَافِيًا) كَمَا هُوَ سِيرَةُ السَّلَفِ كَبِشْرٍ الْحَافِيِّ (وَ) تَرْكُ (رُكُوبِ الْحِمَارِ) الَّذِي فَعَلَهُ ﵊ (وَنَحْوِهَا) مِنْ السُّنَنِ (صِيَانَةً) عِلَّةً لِلتَّرْكِ (لِأَلْسِنَةِ النَّاسِ عَنْ الْغِيبَةِ وَفِيهِ تَرْكُ السُّنَّةِ) بِتَرْكِ تِلْكَ الْأَعْمَالِ (وَسُوءُ الظَّنِّ) بِالْمُسْلِمِينَ بِأَنَّهُمْ يَغْتَابُونَ (وَعَدَمُ النَّدَامَةِ عَلَى تَرْكِ السُّنَّةِ بَلْ اسْتِحْسَانُهُ) أَيْ التَّرْكِ (وَعَدُّهَا) أَيْ السُّنَّةِ (عَيْبًا وَنُقْصَانًا وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ) الْمَفَاسِدُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى صِيَانَةِ الْغَيْرِ مِنْ الْغِيبَةِ (تَكْفِي لِزَجْرِ الْعَاقِلِ مَعَ أَنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّ تَرْكَهُ نَاشِئٌ مِنْ الرِّيَاءِ) إذْ لَوْ لَمْ يَنْظُرْ لَهُمْ لَمْ يُبَالِ بِاغْتِيَابِهِمْ (وَقَوْلُهُ) أَيْ قَوْلُ الشَّيْطَانِ أَوْ التَّارِكِ (كَذِبٌ وَنِفَاقٌ) أَيْ إظْهَارُ خِلَافِ مَا فِي الْبَاطِنِ (فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْهَا) أَيْ مِنْ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ الرَّدِيئَةِ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّعَوُّذَ يَقْتَضِي كَوْنَ النِّفَاقِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَبِالْجُمْلَةِ إنْ أُرِيدَ الْحَقِيقِيُّ فَمَمْنُوعٌ وَإِنْ الْمَجَازِيُّ كَمَا أَشَرْنَا فَالتَّعَوُّذُ لَيْسَ بِمُنَاسِبٍ.
(وَقَدْ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ) أَعْنِي (الرِّيَاءَ وَالْإِخْلَاصَ وَالْحَيَاءَ كَرَجُلٍ يَطْلُبُ مِنْهُ صَدِيقُهُ) مَثَلًا (قَرْضًا) مَثَلًا أَيْضًا (وَلَا يَسْخُو) أَيْ لَا تَسْمَحُ نَفْسُهُ
стр. 467
(بِإِقْرَاضِهِ) أَيْ إعْطَاءِ الْقَرْضِ (إلَّا أَنَّهُ يَسْتَحِيْ مِنْ رَدِّهِ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ) أَيْ الصِّدِّيقَ (لَوْ أَرْسَلَهُ) أَيْ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ (عَلَى لِسَانِ غَيْرِهِ لَا يَسْتَحِيْ مِنْهُ وَلَا يُقْرِضُ رِيَاءً) لِلنَّاسِ (وَلَا يَطْلُبُ الثَّوَابَ) فِي الْقَرْضِ (فَلَهُ عِنْدَ ذَلِكَ) الْمَطْلَبِ أَحْوَالٌ سِتٌّ ثَلَاثٌ فِي الْمَنْعِ وَثَلَاثٌ فِي الْإِعْطَاءِ (أَنْ يُشَافِهَ) أَيْ يَتَكَلَّمَ فِي حُضُورِهِ (بِالرَّدِّ الصَّرِيحِ) نَحْوُ أَنْ يَقُولَ لَا أُقْرِضُك (فَيُنْسَبَ) عِنْدَ النَّاسِ (إلَى قِلَّةِ الْحَيَاءِ) بِالْمُشَافَهَةِ بِالرَّدِّ الصَّرِيحِ (أَوْ يَتَعَلَّلَ بِكَذِبٍ) بِأَنْ يَقُولَ لَيْسَ عِنْدِي مَالٌ (أَوْ تَعْرِيضٍ) كَمَنْ يَجِدُ مَا يَطْلُبُهُ وَيَقُولُ لَيْسَ فِي يَدِي شَيْءٌ وَيَقْصِدُ حَقِيقَةَ الْيَدِ لَا الْمِلْكَ أَوْ لَيْسَ عِنْدِي مَالٌ وَيَقْصِدُ مِنْ النَّوْعِ الْمَخْصُوصِ.
(فَيَأْثَمُ) بِالْكَذِبِ (أَوْ يُسِيءُ) بِالتَّعْرِيضِ كَمَا سَيَجِيءُ تَفْصِيلُهُ (إلَّا أَنْ يُوجَدَ حَاجَةٌ إلَى التَّعْرِيضِ فَيُبَاحُ) التَّعْرِيضُ لَا يَخْفَى إذَا اعْتَبَرَ الْحَاجَةَ فَيُمْكِنُ مِثْلُهُ فِي الْكَذِبِ كَمَا سَيَجِيءُ مِنْهُ إلَّا أَنَّ الْخَطَرَ فِي الْكَذِبِ عَظِيمٌ (أَوْ يُعْطِيَ) عَطْفٌ عَلَى أَنْ يُشَافِهَ (لِمُجَرَّدِ الْحَيَاءِ) مِنْ النَّاسِ (أَوْ لِهَيَجَانِ) أَيْ انْبِعَاثِ (خَاطِرِ الرِّيَاءِ أَنَّهُ) أَيْ بِأَنَّهُ (يَنْبَغِي أَنْ يُعْطِيَ) مَا طُلِبَ مِنْهُ (حَتَّى يُثْنِيَ عَلَيْك) بِالْكَرَمِ وَالْجُودِ (وَيَحْمَدَك وَيَنْشُرَ) مِنْ النَّشْرِ وَالشُّيُوعِ (اسْمَك بِالسَّخَاءِ) وَالْبَذْلِ وَالْجُودِ (أَوْ حَتَّى لَا يَذُمَّك) صَدِيقُك فِي عَدَمِ إقْرَاضِك (وَيَنْسُبَك إلَى الْبُخْلِ) وَالْإِمْسَاكِ (أَوْ لِهَيَجَانِ بَاعِثِ الْإِخْلَاصِ) بِأَنْ يَكُونَ لِطَلَبِ الثَّوَابِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَرِضَاهُ وَبَاعِثُهُ (أَنَّ الصَّدَقَةَ بِوَاحِدَةٍ وَالْقَرْضَ) بِالنَّصْبِ (بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ) ضِعْفًا (فَفِيهِ أَجْرٌ عَظِيمٌ) فِي نَفْسِهِ أَوْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّدَقَةِ فَإِنَّ النُّفُوسَ تَسْمَحُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ دُونَ الْعَشَرَةِ الَّتِي هِيَ ثَوَابُ الصَّدَقَةِ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَمْثَالِهِ» وَفِي التتارخانية عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ثَلَاثٌ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الْإِيمَانِ دَخَلَ مِنْ أَيِّ بَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ وَزُوِّجَ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ كَمْ شَاءَ مَنْ عَفَا عَنْ قَاتِلٍ وَقَرَأَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ - ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]- عَشْرَ مَرَّاتٍ وَأَدَانَ دَيْنًا لِمَنْ طَلَبَ مِنْهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ أَوْ إحْدَاهُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَوْ إحْدَاهُنَّ» وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَأَيْت فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَامَتْ فَانْطَلَقَ رَجُلٌ إلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَلَمَّا أَتَى بَابَ الْجَنَّةِ نَادَى الَّذِي مَعَهُ خَازِنَ الْجَنَّةِ فَأَجَابَ آخَرُ لَيْسَ هُنَا رَضْوَانُ إنَّ هُنَا خَلِيفَتَهُ فَنَظَرَ الرَّجُلُ فَإِذَا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبٌ الْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَمْثَالِهِ وَالصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَنَامَاتِ الصَّالِحِينَ وَإِنْ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ تَكُونَ حُجَّةً فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ لَكِنَّهَا فِي تَأْيِيدِ نَصٍّ أَوْ تَفْسِيرِ خَفِيٍّ لَهَا نَفْعٌ مُسَلَّمٌ.
قِيلَ فِي وَجْهِ فَضْلِ الْقَرْضِ عَلَى الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ احْتِيَاجٍ وَالصَّدَقَةُ قَدْ تَكُونُ بِلَا احْتِيَاجٍ أَوَّلَ وَيُمْكِنُ أَنَّ الْقَرْضَ يَعْسُرُ أَخْذُهُ وَيَشُقُّ تَحْصِيلُهُ فِي الْغَالِبِ وَرُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَى السِّعَايَةِ الْكَثِيرَةِ وَالْمُلَازَمَةِ الْعَدِيدَةِ وَقَدْ يَتَعَذَّرُ وَأَيْضًا مَهْلُهُ وَتَأَخُّرُ طَاعَةٍ أَيْضًا قِيلَ فَيُرَدُّ
стр. 468
عَلَى الْمُصَنِّفِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا بَدَلَ قَوْلِهِ بِوَاحِدَةٍ، وَالْجَوَابُ أَيْ بِحَسَنَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا تَكَلُّفٌ ثُمَّ قِيلَ وَتَحْقِيقُ الْأَحْدَاثِ الْحَسَنَةِ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا حَسَنَةٌ عَدْلٌ وَتِسْعٌ فَضْلٌ وَلَمَّا كَانَ الْقَرْضُ يَرُدُّ إلَيْهِ مَالَهُ سَقَطَ سَهْمُ الْعَدْلِ وَبَقِيَ سِهَامُ الْفَضْلِ وَهِيَ تِسْعَةٌ فَضُوعِفَتْ بِسَبَبِ حَاجَةِ الْمُسْتَقْرِضِ فَصَارَتْ ثَمَانِيَةَ عَشَرٍ ثُمَّ فِيهِ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ سُئِلَ أَبُو الْقَاسِمِ عَمَّنْ لَهُ خَصْمٌ فَمَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ قَالَ يَتَصَدَّقُ عَنْ خَصْمِهِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ فَيُودِعُهُ عِنْدَ رَبِّهِ لِيُوفِيَهُ عَنْ خُصَمَائِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَفِيهِ سُئِلَ ابْنُ شَدَّادٍ عَنْ رَجُلٍ لَهُ عَلَى أَبِ رَجُلٍ دَيْنٌ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الِابْنُ فَمَاتَ أَبُوهُ فَوَرِثَهُ الِابْنُ فَأَكَلَ مِيرَاثَهُ قَالَ لَا يُؤَاخَذُ الِابْنُ بِالدَّيْنِ وَإِنْ عَلِمَ بِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهُ فَإِنْ نَسِيَ الِابْنُ بَعْدَمَا عَلِمَ فَمَاتَ فَلَا يُؤَاخَذُ، وَكَذَا وَدِيعَةٌ نَسِيَهَا فَمَاتَ انْتَهَى لَعَلَّ ذَلِكَ عِنْدَ كَوْنِهِ عَلَى قَصْدِ الْأَدَاءِ لَكِنْ تَأْخِيرُ الْأَدَاءِ مَعَ إمْكَانِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُؤَاخَذَ بِهِ وَلَمْ أَقِفْ فَيُطْلَبُ (وَإِدْخَالُ سُرُورٍ عَلَى قَلْبِ صَدِيقٍ) وَإِدْخَالُ السُّرُورِ فِي أَصْلِهِ فَضَلَ فَضْلًا عَنْ صَدِيقٍ مُتَحَابٍّ فِي اللَّهِ، وَذَلِكَ مَحْمُودٌ عِنْدَ اللَّهِ فَيَسْخُو فِي الْإِعْطَاءِ لِذَلِكَ وَهَذَا مُخَلِّصٌ لِمَنْ هَيَّجَ الْحَيَاءُ إخْلَاصَهُ.
(وَقَدْ تَجْتَمِعُ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ) فِي عَمَلِ الرِّيَاءِ وَالْإِخْلَاصِ (أَوْ اثْنَانِ) مِنْهَا (وَحُكْمُ التَّسَاوِي وَالطَّرَفَيْنِ) الْغَالِبِ وَالْمَغْلُوبِ (قَدْ بَيَّنَّا) فِي الْمَبْحَثِ الْخَامِسِ مِنْ أَنَّ التَّسَاوِيَ وَالْغَالِبَ يُبْطِلُ الْعِبَادَةَ وَالْمَغْلُوبُ يُنْقِصُ الْأَجْرَ فَلَا يَتْرُكُ الْعِلْمَ حِينَئِذٍ بَلْ يَجْتَهِدُ فِي إزَالَةِ ذَلِكَ الْمَغْلُوبِ أَيْضًا لِيُكْمِلَ الْأَجْرَ وَفِي الْأَوَّلَيْنِ إمَّا أَنْ يَتْرُكَ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ يَجْتَهِدَ فِي التَّبْدِيلِ ثُمَّ الْمُتَبَادَرُ فِي الْغَالِبِيَّةِ وَالتَّسَاوِي وَهُوَ بِحَسَبِ الْكَيْفِ لَا بِحَسَبِ الْكَمِّ فَإِنْ قِيلَ لَا شَكَّ أَنَّ حُكْمَ الْغَالِبِ كَحُكْمِ الْكُلِّ فِي إبْطَالِ الْعِبَادَةِ، وَالْحُكْمُ لِلْأَكْثَرِ فَمَا وَجْهُ الْإِبْطَالِ فِي التَّسَاوِي قُلْنَا قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْحَظْرَ رَاجِحٌ عَلَى النَّدْبِ وَأَنَّ الْحُرُمَاتِ تَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ لَكِنْ يَشْكُلُ بِأَصْلِ رُجْحَانِ الْمُثْبِتِ عَلَى النَّافِي إذْ الْمُتَبَادَرُ أَنَّ مُوجِبَ الْبُطْلَانِ مِنْ قَبِيلِ النَّافِي وَأَيْضًا عِنْدَ تَعَارُضِ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ فَمَا كَانَ بِالْوَصْفِ الذَّاتِيِّ أَوْلَى مِمَّا كَانَ بِالْوَصْفِ الْعَرْضِيِّ كَتَرْجِيحِنَا الصِّحَّةَ عَلَى الْفَسَادِ فِيمَا يَكُونُ النِّيَّةُ فِي رَمَضَانَ فِي أَكْثَرِ الْيَوْمِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ عِنْدَنَا فَاسِدٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْمَنْصُوصِيَّةَ فِي الْأَصْلِ فَتَأَمَّلْ.
(وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ الْمُجْتَمَعِ فِيهِ الثَّلَاثَةُ (تَرْكُ الذُّنُوبِ الْحَالِيَّةِ) أَيْ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهَا فِي الْحَالِ عِنْدَ النَّاسِ (فَإِنَّهُ) أَيْ التَّرْكَ (قَدْ يَكُون لِلَّهِ) خَوْفًا مِنْهُ (تَعَالَى) (وَعَلَامَتُهُ تَرْكُهَا فِي الْخَلْوَةِ أَيْضًا) كَمَا عِنْدَ النَّاسِ، إذْ شَأْنُ الْمُخْلِصِ اسْتِوَاءُ حَالَاتِهِ اكْتِفَاءً بِعِلْمِ مَنْ يُعَامِلُهُ بِذَلِكَ (وَقَدْ يَكُونُ) التَّرْكُ (لِلْحَيَاءِ مِنْ النَّاسِ) فَيَخَافُ مِنْ لَوْمِهِمْ فَيَتْرُكُ وَلَوْلَا النَّاسُ لَاجْتَرَأَ عَلَيْهِ (وَقَدْ يَكُونُ لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ) فِي تِلْكَ الذُّنُوبِ (فَيَعْظُمُ إثْمُهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» فَمَنْ فَعَلَ مَعْصِيَةً وَاقْتَدَى بِهِ غَيْرُهُ فِيهَا فَعَلَيْهِ إثْمُهَا وَإِثْمُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
(أَوْ لِئَلَّا يَصْغُرَ فِي عَيْنِهِ) فِي عَيْنِ الْغَيْرِ (فَلَا يَقْتَدِي بِهِ وَلَا يَقْبَلُ قَوْلَهُ) فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ (فَيُحْرَمُ) مِنْ الْحِرْمَانِ (مِنْ ثَوَابِ الْإِصْلَاحِ) بَيْنَ النَّاسِ (وَقَدْ يَكُونُ) أَيْ التَّرْكُ (لِئَلَّا يُقْصَدَ بِشَرٍّ) مِنْ الْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ عَلَى ذَنْبِهِ (أَوْ لِئَلَّا يَذُمَّهُ النَّاسُ فَيَعْصُونَ بِهِ) بِسَبَبِ ذَمِّهِ فَفِي التَّرْكِ صِيَانَةٌ لَهُمْ عَنْ الْمَعْصِيَةِ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ إعْلَانَ الْمَعْصِيَةِ فِسْقٌ وَلَا غِيبَةَ لِلْفَاسِقِ، فَالنَّاسُ لَا يَعْصُونَ بِذَمِّهِمْ بَلْ الذَّمُّ لَازِمٌ عَلَيْهِمْ لِتَنْفِيرِ الْغَيْرِ خُصُوصًا مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ كَأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ وَالْأَشْخَاصِ قَالَ الرَّاغِبُ مَنْ لَا يُخَوِّفُهُ الْهِجَاءُ وَلَا يَسُرُّهُ الثَّنَاءُ لَا يَرْدَعُهُ عَنْ سُوءِ الْفِعَالِ إلَّا سَوْطٌ أَوْ سَيْفٌ وَقِيلَ مَنْ لَمْ يَرْدَعْهُ الذَّمُّ عَنْ سَيِّئَةٍ وَلَمْ يَسْتَدْعِهِ الْمَدْحُ إلَى حَسَنَةٍ فَهُوَ جَمَادٌ أَوْ بَهِيمَةٌ وَلَيْسَ الثَّنَاءُ فِي نَفْسِهِ بِمَحْمُودٍ وَلَا مَذْمُومٍ وَإِنَّمَا يُحْمَدُ وَيُذَمُّ بِحَسَبِ الْمَقَاصِدِ.
كَذَا فِي فَيْضِ الْقَدِيرِ تَأَمَّلْ (وَعَلَامَتُهُ) أَيْ عَلَامَةُ التَّرْكِ لِعَدَمِ الْمَعْصِيَةِ
стр. 469
(أَنْ يَكْرَهَ) التَّارِكُ (ذَمَّهُمْ) أَيْ النَّاسِ (لِغَيْرِهِ أَيْضًا) كَمَا لِنَفْسِهِ فَإِنَّ كَمَالَ الْإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ وَيَكْرَهَ لَهُ مَا يَكْرَهُ لَهَا وَرُوِيَ عَنْهُ ﵊ «الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ عُضْوٌ وَاحِدٌ إذَا اشْتَكَى بَعْضُهُ تَدَاعَى سَائِرُ الْأَعْضَاءِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» وَفِي رِوَايَةٍ «الْمُؤْمِنُونَ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ إذَا اشْتَكَى عُضْوٌ تَدَاعَى سَائِرُ الْأَعْضَاءِ إلَى الْحَنِينِ وَالسَّهَرِ» (أَوْ لِئَلَّا يَتَأَذَّى طَبْعُهُ بِذَمِّ النَّاسِ فَإِنَّ فِيهِ) أَيْ تَأَذِّي طَبْعِهِ بِذَلِكَ مِنْهُمْ (وَالشُّعُورُ بِالنُّقْصَانِ وَتَأَلُّمُ الْقَلْبِ بِالذَّمِّ لَيْسَ بِحَرَامٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفِعْلٍ اخْتِيَارِيٍّ (وَإِنَّمَا يَحْرُمُ) أَيْ التَّأَلُّمُ (إذَا دَعَاهُ إلَى مَا لَا يَجُوزُ) مِنْ نَحْوِ ضَرْبٍ (نَعَمْ كَمَالُ الصِّدْقِ) أَيْ الصِّدْقُ الْكَامِلُ فَمِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى مَوْصُوفِهَا (فِي أَنْ يَزُولَ) خَبَرٌ لِقَوْلِهِ كَمَالُ الصِّدْقِ (عَنْ رُؤْيَةٍ) أَيْ نَظَرِ (الْخَلْقِ فَيَسْتَوِي عِنْدَهُ ذَامُّهُ وَمَادِحُهُ) مِنْهُمْ (لِعِلْمِهِ أَنَّ الضَّارَّ وَالنَّافِعَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى) لَا غَيْرُ (وَأَنَّ الْعِبَادَ كُلَّهُمْ عَاجِزُونَ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوك لَمْ يَنْفَعُوك إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَك وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوك لَمْ يَضُرُّوك إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْك» (وَذَلِكَ) أَيْ صَاحِبُ كَمَالِ الصِّدْقِ (قَلِيلٌ جِدًّا) بَلْ فِي زَمَانِنَا مِنْ قَبِيلِ مَوْجُودِ الِاسْمِ مَعْدُومِ الْجِسْمِ كَالْعَنْقَاءِ وَغَايَةٌ عَزِيزَةٌ كَالْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ وَالْكِيمْيَاءِ إذْ ذَلِكَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ مِصْدَاقِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» .
عَنْ عَلْقَمَةَ الْعُطَارِدِيِّ فِي وَصِيَّتِهِ لِابْنِهِ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ يَا بُنَيَّ إنْ عَرَضَتْ لَك حَاجَةٌ فَاصْحَبْ مَنْ إذَا خَدَمْته صَانَك وَإِنْ صَحِبْته زَانَك أَيْ حَفِظَك وَإِنْ قَعَدَ بِك مَانَك أَيْ حَمَلَ مَئُونَتَك اصْحَبْ مَنْ إذَا مَدَدْت يَدَك لِخَيْرٍ مَدَّهَا وَإِنْ رَأَى مِنْك حَسَنَةً عَدَّهَا وَإِنْ رَأَى سَيِّئَةً سَدَّهَا اصْحَبْ مَنْ إذَا سَأَلْته أَعْطَاك وَإِنْ نَزَلَتْ بِك نَازِلَةٌ وَاسَاك أَيْ جَعَلَك كَنَفْسِهِ (أَوْ لِئَلَّا يَشْغَلَ قَلْبَهُ الْفَارِغَ) مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوَجُّهِهِ أَوْ الْفَارِغَ مِنْ الْهَمِّ (بِذَمِّهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يَشْغَلُ (فَلَا يَتَفَرَّغُ لِبَعْضِ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ يَفْعَلُ بَعْضَ الذُّنُوبِ وَلَا يَتْرُكُ بَعْضَ الطَّاعَاتِ وَإِنْ كَانَ نَفْلًا) كَمَنْ يَأْخُذُ أَمْوَالَ النَّاسِ وَيُدَاوِمُ عَلَى إقَامَةِ اللَّيَالِيِ بِالتَّهَجُّدِ وَيُدَاوِمُ عَلَى نَحْوِ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ وَالْأَوْرَادِ (وَقَدْ يَكُونُ) ذَلِكَ التَّرْكُ (لِئَلَّا يَظْهَرَ الْمَعْصِيَةُ) عَلَيْهِ (فَيُضَعَّفَ) بِتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ يُنْسَبَ إلَى الضَّعْفِ (خ) الْبُخَارِيُّ (م) مُسْلِمٌ.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى» بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ عَفَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَوْ سَلَّمَهُ اللَّهُ وَسَلِمَ مِنْهُ «إلَّا الْمُجَاهِرِينَ» مِنْ جَاهَرَ بِكَذَا بِمَعْنَى جَهَرَ بِهِ أَيْ الْمُعْلِنِينَ بِالْمَعْصِيَةِ لَا يُعَافَوْنَ وَعَبَّرَ بِفَاعِلَ لِلْمُبَالَغَةِ أَوْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِ الْمُفَاعَلَةِ أَوْ الْمُرَادُ الَّذِينَ يُجَاهِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالتَّحَدُّثِ بِالْمَعَاصِي وَجَعَلَ مِنْهُ ابْنُ جَمَاعَةَ إفْشَاءَ مَا يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنْ الْمُبَاحِ وَيُؤَيِّدُهُ الْخَبَرُ الْمَشْهُورُ فِي الْوَعِيدِ عَلَيْهِ أَوْ الْمُرَادُ الْمُشْتَهِرِينَ بِإِظْهَارِ الْمَعَاصِي آخِرَ الْحَدِيثِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى تَخْرِيجِ
стр. 470
الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَيْضًا عَلَى وَجْهِ التَّفْسِيرِ هَكَذَا «الَّذِي يَعْمَلُ الْعَمَلَ بِاللَّيْلِ فَيَسْتُرُهُ رَبُّهُ ثُمَّ يُصْبِحُ فَيَقُولُ يَا فُلَانُ إنِّي عَمِلْت الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، فَيَكْشِفُ مَا سَتَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى » قَالَ الْمُنَاوِيُّ فَيُؤَاخَذُ بِهِ فِي الدُّنْيَا بِإِقَامَةِ الْحَدِّ وَالْآخِرَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَنِعَمِهِ إظْهَارُ الْجَمِيلِ وَسَتْرُ الْقَبِيحِ فَالْإِظْهَارُ كُفْرَانٌ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ وَتَهَاوُنٌ بِسِتْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ النَّوَوِيُّ فَيُكْرَهُ لِمَنْ اُبْتُلِيَ بِمَعْصِيَةٍ أَنْ يُخْبِرَ غَيْرَهُ بِهَا إلَّا مَنْ يَطْلُبُ مِنْهُ مَخْرَجًا عَنْهَا بِخَبَرِهِ كَشَيْخِهِ أَوْ سَلَامَتَهُ مِنْ مِثْلِهَا وَقَالَ الْغَزَالِيُّ الْكَشْفُ الْمَذْمُومُ مَا لَا يَكُونُ لِمَصْلَحَةٍ كَالِاسْتِفْتَاءِ وَالِاسْتِنْصَاحِ (أَوْ لِئَلَّا يَهْتِكَ سِتْرَ اللَّهِ تَعَالَى فَيَخَافُ أَنْ يَهْتِكَ اللَّهُ سِتْرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وَفِيهِ أَيْضًا عَلَى تَخْرِيجِ هَذَيْنِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ هَذَا الرَّاوِي بَدَلَ هَذَا «وَإِنَّ مِنْ الْجِهَارِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا سَيِّئًا ثُمَّ يُصْبِحُ وَقَدْ سَتَرَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَيَقُولُ عَمِلْت الْبَارِحَةَ أَيْ اللَّيْلَ كَذَا وَكَذَا مِنْ الْعِصْيَانِ وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَأَصْبَحَ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ» بِاشْتِهَارِ ذَنْبِهِ فِي الْمَلَأِ وَذَلِكَ جِنَايَةٌ مِنْهُ عَلَى سِتْرِ اللَّهِ وَتَحْرِيكٌ لِرَغْبَةِ الشَّرِّ فِيمَنْ أَسْمَعَهُ أَوْ أَشْهَدَهُ فَهُمَا جِنَايَتَانِ انْضَمَّتَا إلَى جِنَايَتِهِ فَتَغَلَّظَتْ بِهِ فَإِنْ انْضَافَ إلَى ذَلِكَ التَّرْغِيبُ لِلْغَيْرِ فِيهِ وَالْحَمْلُ عَلَيْهِ صَارَتْ جِنَايَةً رَابِعَةً وَتَفَاحَشَ الْأَمْرُ كَمَا فِي الْمُنَاوِيِّ فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ إمَّا نَقْلٌ بِالْمَعْنَى أَوْ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَوْ لَيْسَ بِمُطَابِقٍ لِمَا فِي الشَّيْخَيْنِ فَافْهَمْ (م) مُسْلِمٌ.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) مَرْفُوعًا «مَا سَتَرَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا» أَيْ ذَنْبًا كَمَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «إلَّا سَتَرَ» هـ اللَّهُ «عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ» فَضْلًا وَإِحْسَانًا فَكَمَا سَتَرَ فِي هَذِهِ الدَّارِ يَسْتُرُ فِي دَارِ الْقَرَارِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «مَا سَتَرَ اللَّهُ عَلَى عَبْدِهِ ذَنْبًا فِي الدُّنْيَا فَيُعَيِّرُهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» قَالَ النَّوَوِيُّ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ مُتَوَقٍّ مُتَحَفِّظٌ وَقَعَ فِي الذَّنْبِ وَخَافَ مِنْ رَبِّهِ وَرَأَى فَضِيحَتَهُ حَيْثُ نَظَرَهُ مَوْلَاهُ وَمَلَائِكَتُهُ وَخَوَاصُّ الْمُؤْمِنِينَ وَنَدِمَ فَطَلَبَ الْمَغْفِرَةَ وَهِيَ السِّتْرُ فَسَتَرَهُ بَيْنَ خَلْقِهِ عَطْفًا مِنْهُ عَلَيْهِ فَإِذَا عُرِضَتْ أَعْمَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُقِّقَ لَهُ مَا أَمَّلَهُ مِنْ سِتْرِهِ وَلَا يُعَيِّرُهُ أَيْ هُوَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ سَتَّارٌ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ السَّاتِرِينَ (وَقَدْ يَكُونُ) أَيْ التَّرْكُ (لِيُرِيَ) مِنْ الْإِرَاءَةِ (النَّاسَ) لِيَعْلَمُوا أَوْ يَظُنُّوا (أَنَّهُ وَرِعٌ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ مِنْ الْوَرَعِ هُوَ تَرْكُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ بَأْسٌ (خَائِفٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ) فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (كَذَلِكَ فَهَذَا رِيَاءٌ مَحْظُورٌ وَمَا قَبْلَهُ) مِنْ الْمَذْكُورَاتِ (كُلُّهُ جَائِزٌ وَلَيْسَ بِرِيَاءٍ) لِأَنَّهُ لَا لِنَظَرِ شَيْءٍ مِنْ الْخَلْقِ بَلْ مُعَامَلَتُهُ مَعَ رَبِّهِ تَعَالَى (وَحُكْمُ الْمُمْتَزِجِ) مِنْ الرِّيَاءِ وَغَيْرِهِ (مَعْلُومٌ مِمَّا سَبَقَ) فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ فَالْمَغْلُوبُ يُنْقِصُ أَجْرَ الطَّاعَةِ وَلَا يُبْطِلُهَا وَالْمُسَاوِي وَالْغَالِبُ وَالْمَحْضُ يُبْطِلُهَا (وَسَتْرُ الذُّنُوبِ الْمَاضِيَةِ وَعَدَمُ ذِكْرِهَا عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ) فَقَدْ يَكُونُ لِإِرَاءَةِ النَّاسِ أَنَّهُ وَرِعٌ وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ رِيَاءً وَقَدْ يَكُونُ لِمَا ذُكِرَ قَبْلَهُ فَلَا يَكُونُ رِيَاءً.
(وَمِنْ) الْأُمُورِ (الْمُتَرَدِّدَةِ بَيْنَ الرِّيَاءِ وَالْحَيَاءِ أَنْ يَمْشِيَ رَجُلٌ عَلَى الْعَجَلَةِ فَيُرَى) مِنْ الرُّؤْيَةِ وَيُحْتَمَلُ مِنْ الرِّيَاءِ (وَاحِدًا مِنْ الْكُبَرَاءِ) ذَوِي الْوَجَاهَةِ وَالْجَاهِ وَالشَّرَفِ فَإِنَّهُ لَا يَعْبَأُ بِغَيْرِهِمْ فَلَا يُغَيِّرُ صَنِيعَهُ (فَيَعُودُ إلَى الْهُدُوءِ) أَيْ السُّكُونِ وَالطُّمَأْنِينَةِ (أَوْ يَضْحَكُ) فِي خَلْوَتِهِ أَوْ عِنْدَ النَّاسِ الَّذِينَ لَهُمْ مَعَهُ أُلْفَةٌ وَمُؤَانَسَةٌ فَعِنْدَ رُؤْيَةِ كَبِيرٍ أَوْ غَرِيبٍ (فَيَرْجِعُ إلَى الِانْقِبَاضِ) بِتَرْكِ الضَّحِكِ (وَالْأَغْلَبُ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْمَشْيِ وَالضَّحِكِ (الرِّيَاءُ لِأَنَّ الْحَيَاءَ فِي الْأَكْثَرِ مِنْ الْقَبَائِحِ وَالذُّنُوبِ) وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمَا عَلَى قِلَّةٍ فَإِنْ قِيلَ الْحَيَاءُ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى فِعْلِ الْجَمِيلِ وَتَرْكِ الْقَبِيحِ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي غَيْرِهِمَا فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ فِي غَيْرِهِمَا وَلَوْ قِلَّةً قُلْنَا التَّعْرِيفُ عَلَى الْأَعَمِّ وَالْأَغْلَبِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْقَبَائِحُ شَامِلَةً لِمَا هِيَ عِبَادِيَّةٌ ثُمَّ نَقُولُ وَشَيْءٌ مِنْهُمَا أَيْ الْمَشْيِ وَالضَّحِكِ لَيْسَ مِنْ الْقَبَائِحِ وَالذُّنُوبِ فَيَنْتِجُ مِنْ الشَّكْلِ الثَّانِي لَيْسَ فِيهِمَا حَيَاءٌ فِي الْأَكْثَرِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ
стр. 471
فِيهِمَا حَيَاءٌ فَمَا فِيهِمَا هُوَ الرِّيَاءُ فِي الْأَغْلَبِ فَيَشْكُلُ أَنَّ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعِبَادَةِ وَشَيْءٌ مِنْهُمَا لَيْسَ مِنْ الْعِبَادَةِ فَتَأَمَّلْ أَوَّلًا وَثَانِيًا (وَهُوَ) أَيْ الْحَيَاءُ (فِيهِمَا) أَيْ الْقَبَائِحِ وَالذُّنُوبِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ إرْجَاعَ ضَمِيرِ هُوَ إلَى الرَّجُلِ وَضَمِيرِ فِيهِمَا إلَى الْمَشْيِ وَالضَّحِكِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَإِرْجَاعِ الْأَوَّلِ إلَى الْحَيَاءِ مَعَ إرْجَاعِ الثَّانِي إلَى الْمَشْيِ وَالضَّحِكِ (مَحْمُودٌ) لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي مَسَاغَ التَّرْكِ وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ هُوَ الْوُجُوبُ وَتَعْمِيمُ الْمَحْمُودِيَّةِ إلَى رُتْبَةِ الْوُجُوبِ أَوْ إرَادَتُهُ مِنْهَا وَإِنْ صَحَّ أَصْلًا لَكِنْ بَعِيدٌ اسْتِعْمَالًا فَيَرِدُ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ مِنْ الْمُرَجَّحِ الْمَشْيُ وَالضَّحِكُ فَكَوْنُهُ مَحْمُودًا فِي نَفْسِهِ مَمْنُوعٌ وَإِنْ الْقَبَائِحَ وَالذُّنُوبَ فَاللَّازِمُ هُوَ الْوُجُوبُ لَا الْمَحْمُودِيَّةُ الْمَحْضَةُ فَإِمَّا يَخْتَارُ الْأَوَّلَ بِنَحْوِ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]- وقَوْله تَعَالَى - ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧]- وَالثَّانِيَ بِنَحْوِ مَا أُشِيرَ وَبِادِّعَاءِ أَنَّ كُلَّ مَحْمُودٍ فَوَاجِبٌ فَتَأَمَّلْ (وَلَوْ مِنْ النَّاسِ) لَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ الْحَيَاءَ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَمَّا كَانَ فِي نَفْسِهِ مُجْمَلًا مَعَ إيهَامِهِ خِلَافَ الْأَصْلِ لِكَوْنِهِ مِنْ النَّاسِ وَاحْتَاجَ إلَى بَيَانٍ قَالَ (وَسَيَجِيءُ) إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَأَمَّا الْحَيَاءُ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ وَالسُّنَنِ وَالْوَاجِبَاتِ فَمَذْمُومٌ جِدًّا) لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ، وَالِاسْتِحْيَاءُ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْبَاطِلِ (وَيُسَمَّى عَجْزًا) وَهُوَ فِي الْأَصْلِ تَرْكُ الطَّاعَةِ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا (وَضَعْفًا) خِلَافَ الْقُوَّةِ (خَوَرًا) بِفَتْحَتَيْنِ وَمُعْجَمَةٍ أَيْ لِينًا خِلَافَ الشِّدَّةِ فَإِنْ قِيلَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ يَقْتَضِي عِنْدَ التَّكْلِيفِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَذْمُومًا قُلْنَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ وَأَمَّا هُنَا فَمَعْنَاهُ الِاصْطِلَاحِيُّ الْمَنْقُولُ (كَمَنْ يَسْتَحْيِي مِنْ الْوَعْظِ) لِعِظَمِ الْحَاضِرِينَ عِنْدَهُ فِي الصُّورَةِ فَيَتْرُكُهُ إجْلَالًا لَهُمْ أَوْ خَوْفًا مِنْ تَعْيِيرِهِمْ وَتَخْطِئَتِهِمْ (وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ) لِرِفْعَةِ الْمَأْمُورِ وَجَاهِهِ (وَالْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ وَنَحْوِهَا) كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَتَقْرِيرِ الْمَسَائِلِ وَفَتْوَى الْمُسْتَفْتِي فَإِنْ قِيلَ قَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «الْحَيَاءُ هُوَ الدِّينُ كُلُّهُ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إلَّا بِخَيْرٍ كُلُّهُ» ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَذْمُومًا؟ قُلْت قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إنَّهُ لَيْسَ بِحَيَاءٍ حَقِيقَةً بَلْ عَجْزٌ وَمَهَانَةٌ وَخَوَرٌ وَإِنَّمَا يُطْلِقُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعُرْفِ مَجَازًا وَحَقِيقَةُ الْحَيَاءِ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ وَيَمْنَعُ مِنْ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ الْغَيْرِ.
وَقَالَ أَيْضًا سُئِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ كَوْنِ الْحَيَاءِ مِنْ الْإِيمَانِ هَلْ هُوَ مُقَيَّدٌ أَوْ مُطْلَقٌ فَقَالَ مُقَيَّدٌ بِتَرْكِ الْحَيَاءِ فِي الْمَذْمُومِ شَرْعًا وَإِلَّا فَعَدَمُهُ مَطْلُوبٌ وَتَرْكُهُ مِنْ النُّعُوتِ الْإِلَهِيَّةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا﴾ [البقرة: ٢٦] ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] (فَ) الْمُؤْمِنُ (الْقَوِيُّ يُؤْثِرُ الْحَيَاءَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى) بِانْقِبَاضِ نَفْسِهِ عَنْ الْقَبَائِحِ (عَلَى الْحَيَاءِ مِنْ النَّاسِ) فَيَأْتِي بِمَا ذُكِرَ مِنْ الطَّاعَاتِ بِالصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ وَلَا يُبَالِي
стр. 472
مِنْ النَّاسِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] . وَلَا شَتْمًا وَلَا ضَرْبًا بَلْ وَلَا قَتْلًا وَفِي نِصَابِ الِاحْتِسَابِ أَنَّ أَبَا غِيَاثٍ الزَّاهِدَ رَأَى فِي بُخَارَى غِلْمَانَ الْأَمِيرِ يَلْعَبُونَ بِالْمَلَاهِي فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ بِالْعَصَا فَفَرُّوا مُنْهَزِمِينَ فَدَعَا بِهِ الْأَمِيرُ. وَقَالَ أَمَا عَلِمْت أَنَّ مَنْ يَخْرُجُ عَلَى السُّلْطَانِ يُسْجَنُ، فَقَالَ الزَّاهِدُ أَمَا عَلِمْت أَنَّ مَنْ يَخْرُجُ عَلَى الرَّحْمَنِ يَتَعَشَّى فِي النِّيرَانِ، فَقَالَ الْأَمِيرُ مَنْ وَلَّاك الْحِسْبَةَ أَيْ خِدْمَةَ الِاحْتِسَابِ، قَالَ الَّذِي وَلَّاك الْإِمَارَةَ، فَقَالَ وَلَّانِي الْخَلِيفَةُ، قَالَ الزَّاهِدُ وَلَّانِي رَبُّ الْخَلِيفَةِ، فَقَالَ وَلَّيْتُك الْحِسْبَةَ بِسَمَرْقَنْدَ، قَالَ عَزَلْت نَفْسِي عَنْهَا، فَقَالَ الْعَجَبُ مِنْ أَمْرِك تَحْتَسِبُ حِينَ لَمْ تُؤْمَرْ وَتَمْتَنِعُ حِينَ تُؤْمَرُ، قَالَ إنْ وَلَّيْتنِي عَزَلْتنِي وَإِذَا وَلَّانِي رَبِّي لَمْ يَعْزِلْنِي أَحَدٌ، فَقَالَ الْأَمِيرُ سَلْ حَاجَتَك، فَقَالَ حَاجَتِي أَنْ تَرُدَّ عَلَيَّ شَبَابِي، فَقَالَ لَيْسَ ذَلِكَ إلَيَّ، قَالَ فَاكْتُبْ إلَى مَالِكٍ خَازِنِ النَّارِ أَنْ لَا يُعَذِّبَنِي، قَالَ لَيْسَ ذَاكَ أَيْضًا إلَيَّ، فَقَالَ الزَّاهِدُ فَلَا أَسْأَلُ حَاجَةً مِنْ مَالِكِ الْحَوَائِجِ كُلِّهَا إلَّا أَجَابَنِي إلَيْهَا، فَخَلَّى الْأَمِيرُ سَبِيلَهُ.
وَفِي الِاحْتِسَابِ أَيْضًا عَنْ الشِّبْلِيِّ أَنَّهُ رَأَى خَوَابِيَ خَمْرٍ حُمِلَتْ لِلْخَلِيفَةِ الْمُعْتَصِمِ بِاَللَّهِ فَأَهْرَقَهَا وَاحِدَةً فَوَاحِدَةً حَتَّى بَقِيَ وَاحِدَةٌ وَالْقَوْمُ سُكُوتٌ مِنْ هَيْبَتِهِ فَأُتِيَ بِهِ إلَى الْخَلِيفَةِ، فَقَالَ لَهُ لِمَ فَعَلْت هَذَا، فَقَالَ أَيَّدَ اللَّهُ الْخَلِيفَةَ لَوْ عَلِمْت أَنَّ فِي بَطْنِك خَمْرًا لَشَقَقْته بِهَذِهِ الْحَرْبَةِ، فَقَالَ قَصْدُك أَنْ أَقْتُلَك حَتَّى تَصِيرَ شَهِيدًا لَكِنِّي لَا أَفْعَلُ، ثُمَّ قَالَ لِمَ تَرَكْت الْخَابِيَةَ الْوَاحِدَةَ، فَقَالَ لِأَنِّي رَأَيْت نَفْسِي عِنْدَهَا خِلَافَ السَّوَابِقِ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهَا لَمْ تَكُنْ عَلَى مُرَادِ نَفْسِي.
[الْمَبْحَثُ السَّابِعُ فِي عِلَاجِ الرِّيَاءِ]
(الْمَبْحَثُ السَّابِعُ)
آخِرُ مَبَاحِثِ الرِّيَاءِ (فِي عِلَاجِ الرِّيَاءِ) لِأَنَّ الرِّيَاءَ كَمَا عَرَفْت مَرَضٌ مُهْلِكٌ قَوِيٌّ تَحْتَاجُ إزَالَتُهُ إلَى دَوَاءٍ وَمُعَالَجَةٍ لِيَتَخَلَّصَ مِنْهُ (وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ أَسْبَابِهِ) لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَزُلْ سَبَبُ الْأَمْرَاضِ لَمْ يَزُلْ الْمَرَضُ فَلَوْ أُزِيلَ بِتَكَلُّفٍ لَحَصَلَ فَوْرًا (وَ) عَلَى (غَوَائِلِهِ) لِتَحْصِيلِ النَّفْرَةِ (وَ) عَلَى (مَعْرِفَةِ أَسْبَابِ ضِدِّهِ) لِأَنَّ الْأَمْرَاضَ تُعَالَجُ بِالْأَضْدَادِ وَالضِّدُّ إنَّمَا يَحْصُلُ بِمَعْرِفَةِ أَسْبَابِهِ.
(وَ) عَلَى مَعْرِفَةِ (فَوَائِدِهِ) أَيْ فَوَائِدِ الضِّدِّ لِلِانْبِعَاثِ وَالشَّوْقِ إلَى تَحْصِيلِهِ (أَمَّا أَسْبَابُ الرِّيَاءِ فَقَدْ عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ) مِنْ أَنَّهَا أَرْبَعَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ فِي الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ وَالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، حُبُّ الْجَاهِ ثُمَّ الطَّمَعُ ثُمَّ الْفِرَارُ ثُمَّ الْجَهْلُ عَلَى مَا يَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ الْأَوَّلُ (أَنَّهَا حُبُّ الْجَاهِ وَالْمَنْزِلَةِ) الرِّفْعَةِ (فِي قُلُوبِ النَّاسِ حَتَّى يَمْدَحُونَهُ وَلَا يَذُمُّونَهُ) كَمَنْ يُعَدِّلُ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ لِلذَّمِّ فِي تَرْكِهَا (إمَّا لِذَاتِهِ) لِأَجْلِ تَلَذُّذِهِ بِنَفْسِ الْجَاهِ كَمَنْ يَقْصِدُ بِعِبَادَتِهِ اشْتِهَارَهُ بِالصَّلَاحِ وَكَثْرَةَ الْمُرِيدِينَ وَكَمَنْ يَرَى جَمَاعَةً يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَيُوَافِقُهُمْ لِئَلَّا يَنْسُبُونَهُ إلَى الْكَسَلِ (أَوْ لِلتَّسَلُّلِ بِهِ) بِالْجَاهِ (إلَى غَيْرِهِ) مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ وَالطَّاعَاتِ عَلَى مَا سَبَقَ كَمَنْ يَتَوَرَّعُ لِنَيْلِ نَحْوِ الْقَضَاءِ وَالْأَوْقَافِ وَأَمْوَالِ الْيَتَامَى أَوْ يُودَعُ فَيَأْخُذُ الْوَدِيعَةَ وَيُنْكِرُ.
(وَ) الثَّانِي (الطَّمَعُ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ) مِنْ نَحْوِ الْأَمْوَالِ كَمَنْ يَذْكُرُ وَيَقْرَأُ لِإِعْطَاءِ
стр. 473
النَّاسِ لَهُ نَحْوَ الدَّرَاهِمِ.
(وَ) الثَّالِثُ (الْفِرَارُ مِنْ أَلَمِ الذَّمِّ) كَمَنْ يُعَدِّلُ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ لِذَمِّ النَّاسِ نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ فِي الْحَاشِيَةِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ سَبَقَ أَنَّ تَرْكَ الذَّنْبِ لِئَلَّا يَتَأَلَّمَ بِذَمِّ النَّاسِ جَائِزٌ لَيْسَ بِرِيَاءٍ فَكَيْفَ التَّطْبِيقُ قُلْنَا التَّرْكُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ وَلَا دَلِيلِهَا، فَلَا يَكُونُ مِنْ الرِّيَاءِ فِي الدِّينِ وَكُلًّا مُنَافِيهِ بِخِلَافِ فِعْلِ الطَّاعَاتِ فِرَارًا مِنْ أَلَمِ الذَّمِّ وَتَرْكِ الذَّنْبِ إيهَامًا بِأَنَّهُ وَرِعٌ خَائِفٌ، فَإِنَّ التَّرْكَ بِهَذِهِ النِّيَّةِ صَارَ دَلِيلَ الْعِبَادَةِ فَيَتَحَقَّقُ الرِّيَاءُ وَأَمَّا إنْ كَانَ لِخَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى فَعِبَادَةٌ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِمَا فَمُبَاحٌ، فَالتَّرْكُ ثَلَاثَةٌ مَعْصِيَةٌ وَطَاعَةٌ وَمُبَاحٌ، فَالْمُعَيَّنُ هُوَ الْقَصْدُ مِنْ التَّارِكِ بِخِلَافِ فِعْلِ الطَّاعَةِ فَإِنَّهَا مُعَيَّنَةٌ بِتَعَيُّنِ اللَّهِ تَعَالَى فَجَعْلُهَا لِغَيْرِهِ مَعْصِيَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ انْتَهَى.
لَا يَخْفَى أَنَّ كَوْنَ تَرْكِ الذَّنْبِ لِإِيهَامِ أَنَّهُ وَرِعٌ دَلِيلَ الْعِبَادَةِ مَعَ عَدَمِ تَرْكِ الذَّنْبِ لِئَلَّا يَذُمَّ النَّاسَ مَحَلُّ خَفَاءٍ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ دَلِيلَهَا، فَقَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِمَا فَمُبَاحٌ مِثْلُهُ أَيْضًا؛ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَبْنَاهُ.
(وَ) الرَّابِعُ (الْجَهْلُ) بِحَقِيقَةِ الرِّيَاءِ وَالْإِخْلَاصِ فَيَظُنُّ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ لِلْإِخْلَاصِ لَا لِلرِّيَاءِ كَمَنْ يُصَلِّي الضُّحَى لِأَجْلِ اقْتِدَاءِ الْغَيْرِ وَحُصُولِ ثَوَابِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ بِلَا فِعْلِهَا فِي بَيْتِهِ.
(وَأَمَّا غَوَائِلُهُ) فَاسْتِحْقَاقُ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ وَإِبْطَالُ الْعَمَلِ إنْ مَحْضًا أَوْ مُسَاوِيًا أَوْ غَالِبًا وَنَقْصُ أَجْرِهِ إنْ كَانَ مَغْلُوبًا كَمَا مَرَّ وَإِلَيْهِ أَشَارَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ (فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] بِأَنْ يُرَائِيَهُ أَوْ يَطْلُبَ مِنْهُ أَجْرًا فَالْمُرَائِي مُشْرِكٌ بِعِبَادَتِهِ غَيْرَ رَبِّهِ.
(وَخَرَّجَ يَعْلَى) أَبُو يَعْلَى «عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ ﵇» الْأَوْلَى لِمَنْصِبِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ ﵊ أَوْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ «مَنْ أَحْسَنَ الصَّلَاةَ» بِتَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ مَعَ جَمِيعِ الْمُسْتَحَبَّاتِ وَالْآدَابِ «حَيْثُ يَرَاهُ النَّاسُ وَأَسَاءَهَا حِينَ يَخْلُو» بِنَفْسِهِ بِأَنْ يَكُونَ أَدَاؤُهَا فِي الْمَلَأِ بِنَحْوِ طُولِ الْقِيَامِ وَإِتْمَامِ الْأَرْكَانِ وَالتَّخَشُّعِ وَالتَّأَدُّبِ وَأَدَاؤُهَا فِي السِّرِّ بِدُونِ ذَلِكَ أَوْ بَعْضِهِ. «فَتِلْكَ» الْخَصْلَةُ أَوْ الْفِعْلَةُ «اسْتِهَانَةٌ اسْتَهَانَ بِهَا رَبُّهُ ﵎» أَيْ ذَلِكَ الْفِعْلُ يُشْبِهُ فِعْلَ الْمُسْتَهِينِ بِهِ فَإِنْ قَصَدَ الِاسْتِهَانَةَ بِهِ كَفَرَ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَهَذَا مِنْ أَصْعَبِ الْأَمْرَاضِ النَّفْسِيَّةِ الَّتِي يَجِبُ التَّدَاوِي لَهَا وَدَوَاؤُهُ يُسْتَحْضَرُ قَالَ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي اعْلَمْ أَنَّ اسْتِهَانَةَ مَا يَجِبُ تَعْظِيمُهُ فِي الشَّرْعِ قَوْلًا وَفِعْلًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَالْقُرْآنِ وَالْمَلَكِ وَالرَّسُولِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إمَّا مَعَ النِّيَّةِ أَوْ لَا فَالْأَوَّلُ كُفْرٌ، جَلِيَّةً كَانَتْ الِاسْتِهَانَةُ أَوْ خَفِيَّةً، وَالثَّانِي إنْ كَانَتْ جَلِيَّةً بِحَيْثُ تُدْرَكُ فِي بَادِئِ النَّظَرِ وَلَا تَحْتَاجُ إلَى التَّأَمُّلِ فَكُفْرٌ أَيْضًا كَإِلْقَاءِ الْمُصْحَفِ فِي الْقَاذُورَاتِ مَثَلًا بِلَا نِيَّةِ الِاسْتِهَانَةِ وَإِنْ خَفِيَّةً بِأَنْ تَحْتَاجَ إلَى التَّأَمُّلِ فَلَيْسَ بِكُفْرٍ وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ وَالِاسْتِهَانَةُ فِي الْحَدِيثِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ (حَدَّ) أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. (عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
стр. 474
قَالَ «إنَّ أَخْوَفَ» مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ كَأَشْهَرَ وَأَعْذَرَ «مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ» عَنْ أَبِي الْبَقَاءِ أَخْوَفَ اسْمُ إنَّ وَمَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ إنَّ أَخْوَفَ شَيْءٍ أَخَافُهُ. وَعَنْ الطِّيبِيِّ أَضَافَ أَفْعَلَ إلَى مَا لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا اسْتَقْصَى الْأَشْيَاءَ الْمَخُوفَةَ لَمْ يُوجَدْ أَخْوَفُ وَلِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا اسْتَقْصَى الْأَشْيَاءَ الْمَخُوفَةَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ لَمْ يُوجَدْ أَخْوَفُ «الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ، قَالُوا وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ» هَذَا النِّدَاءُ إمَّا إشَارَةٌ إلَى وَجْهِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ؛ لِأَنَّ مَنْ شَأْنُهُ الرِّسَالَةُ يَسْأَلُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ، أَوْ لِمُجَرَّدِ التَّلَذُّذِ أَوْ لِلِاسْتِشْفَاقِ أَوْ لِكَمَالِ الْعِنَايَةِ عَلَى مَضْمُونِ مَا سُئِلَ. «قَالَ الرِّيَاءُ» كَمَا فِي حَدِيثٍ آخَرَ «إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ قِيلَ أَتُشْرِكُ أُمَّتُك مِنْ بَعْدِك؟ قَالَ نَعَمْ أَمَا إنِّي لَسْتُ أَقُولُ تَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا وَثَنًا وَلَكِنْ أَعْمَالًا لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَشَهْوَةً خَفِيَّةً.» وَسُئِلَ الْحَسَنُ عَنْ الرِّيَاءِ أَهُوَ شِرْكٌ قَالَ نَعَمْ أَمَا تَقْرَأُ ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] . وَعَنْ الْجُنَيْدِ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ فَهُوَ مَالِكٌ وَاَلَّذِي يَمْلِكُهُ هَوَاهُ مَمْلُوكٌ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ الْغَالِبُ عَلَى قَلْبِهِ رَبُّهُ فَإِنَّمَا يَعْبُدُ هَوَاهُ وَنَفْسَهُ (يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْمُرَائِينَ (إذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ) أَيْ أُعْطِيَ كُلُّ أَحَدٍ الْجَزَاءَ فِي مُقَابَلَةِ أَعْمَالِهِ «اذْهَبُوا إلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً»
لِأَعْمَالِكُمْ قِيلَ فِيهِ إعْلَامٌ بِحُبُوطِ ثَوَابِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ بِالرِّيَاءِ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ، عَلَى أَنَّهُ لَا حُبُوطَ لِطَاعَةِ الْمُؤْمِنِ بِمَعْصِيَتِهِ وَلَا لِمَعْصِيَتِهِ بِطَاعَتِهِ وَقَدْ اُدُّعِيَ فِي ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ فَرُدَّ قَوْلُ أَبِي هَاشِمٍ بِحَبْطِ الْأَقَلِّ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمَا مَعَ سُقُوطِ مِثْلِهِ فِي الْأَكْثَرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ (دُنْيَا) ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا.
(عَنْ جَبَلَةَ الْيَحْصُبِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «إنَّ الْمُرَائِيَ يُنَادَى» عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مِنْ قِبَلِ الرَّحْمَنِ «يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا فَاجِرُ» أَيْ فَاسِقُ «يَا غَادِرُ» مِنْ الْغَدْرِ هُوَ نَقْضُ الْعَهْدِ «يَا كَافِرُ» بِمَعْنَى سَاتِرِ النِّعَمِ «يَا خَاسِرُ» فِي عُمُرِهِ الَّذِي هُوَ رَأْسُ مَالِ بِضَاعَتِهِ «ضَلَّ عَمَلُك» أَيْ غَابَ عَنْك وَضَاعَ «وَحَبَطَ أَجْرُك» أَيْ بَطَلَ ثَوَابُ عَمَلِك «اذْهَبْ فَخُذْ أَجْرَك مِمَّنْ كُنْت تَعْمَلُ لَهُ» فِي الدُّنْيَا وَفِي الْإِسْرَائِيلِيَّات
стр. 475
أَنَّ حَكِيمًا صَنَّفَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ كِتَابًا فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى نَبِيِّهِمْ قُلْ لَهُ قَدْ مَلَأْت الْأَرْضَ نِفَاقًا وَلَمْ تُرِدْنِي بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَقْبَلُ مِنْهُ شَيْئًا فَنَدِمَ وَتَرَكَ وَخَالَطَ الْعَامَّةَ وَتَوَاضَعَ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ، قُلْ لَهُ الْآنَ قَدْ وَافَقْت رِضَايَ كَمَا فِي الْمُنَاوِيِّ.
قَالَ فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ مِنْ خَطَرِ الرِّيَاءِ مُصِيبَتَانِ وَفَضِيحَتَانِ فَضِيحَةُ السِّرِّ وَهِيَ اللَّوْمُ عَلَى رُءُوسِ الْمَلَائِكَةِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَصْعَدُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ مُبْتَهِجِينَ فَيَقُولُ اللَّهُ رُدُّوهُ إلَى سِجِّينٍ فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْنِي بِهِ» فَيُفْضَحُ الْعَمَلُ وَالْعَبْدُ، وَفَضِيحَةُ الْعَلَانِيَةِ وَهِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ الْمُرَائِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُنَادَى بِأَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ يَا كَافِرُ يَا فَاجِرُ يَا غَادِرُ يَا خَاسِرُ ضَلَّ سَعْيُك وَبَطَلَ أَجْرُك فَلَا خَلَاقَ لَك الْتَمِسْ الْأَجْرَ مِمَّنْ كُنْت تَعْمَلُ لَهُ يَا مُخَادِعُ» . وَرُوِيَ «أَنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ النَّاسَ قُومُوا خُذُوا أَجْرَكُمْ مِمَّنْ عَمِلْتُمْ لَهُ فَإِنِّي لَا أَقْبَلُ عَمَلًا خَالَطَهُ شَيْءٌ» وَأَمَّا الْمُصِيبَتَانِ فَإِحْدَاهُمَا فَوْتُ الْجَنَّةِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: «إنَّ الْجَنَّةَ قَالَتْ أَنَا حَرَامٌ عَلَى كُلِّ بَخِيلٍ وَمُرَاءٍ» وَالثَّانِيَةُ دُخُولُ النَّارِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ الْقُرْآنَ وَرَجُلٌ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَرَجُلٌ كَثِيرُ الْمَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْقَارِئِ أَلَمْ أُعْلِمْك مَا أَنْزَلْت عَلَى رَسُولِي فَيَقُولُ بَلَى فَيَقُولُ مَا عَمِلْت فِيمَا عَلِمْت، فَيَقُولُ يَا رَبِّ قُمْت بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى كَذَبْت وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ كَذَبْت وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى بَلْ أَرَدْت أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ قَارِئٌ وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ الْمَالِ» الْحَدِيثَ
(ز) الْبَزَّارُ (عَنْ الضَّحَّاكِ) قِيلَ الْمُسَمَّى بِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ خَمْسَةٌ، فَاللَّازِمُ عَلَى الْمُصَنِّفِ تَمْيِيزُهُ (﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ» حَدِيثٌ قُدْسِيٌّ وَهُوَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ بِإِلْهَامٍ أَوْ مَنَامٍ فَمَعْنَاهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَفْظُهُ مِنْ النَّبِيِّ لَكِنْ عَلَى أَنَّهُ يُسْنَدُ إلَيْهِ تَعَالَى وَالْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ أَيْضًا مَعْنَاهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى لَكِنْ لَا يُسْنَدُ فِيهِ إلَيْهِ تَعَالَى بَلْ يُورِدُهُ ﵇ كَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، فَالْقُرْآنُ وَمُطْلَقُ الْحَدِيثِ يَتَّحِدَانِ فِي كَوْنِهِمَا وَحْيًا مِنْ اللَّهِ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ وَحْيٌ مَتْلُوٌّ، وَالثَّانِيَ غَيْرُ مَتْلُوٍّ إذْ اللَّفْظُ فِي الْأَوَّلِ مِنْ اللَّهِ وَمُعْجِزٌ دُونَ الثَّانِي؛ وَلِذَا قِيلَ لَا يَجُوزُ النَّقْلُ بِالْمَعْنَى فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي فِي الْأَكْثَرِ فَعِلْمُ الْحَدِيثِ أَفْضَلُ الْعُلُومِ بَعْدَ الْقُرْآنِ.
«أَنَا خَيْرُ شَرِيكٍ» فُسِّرَ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِي إلَى عَمَلٍ فِيهِ شَرِكَةُ الْغَيْرِ فَأَدَعُهُ وَلَا أَجْزِيهِ جَزَاءً وَأَفْعَلُ لِمُطْلَقِ الزِّيَادَةِ «فَمَنْ أَشْرَكَ مَعِي» فِي عَمَلٍ مَا «شَرِيكًا» لِي «فَهُوَ لِشَرِيكِي» لِغِنَايَ عَنْهُ وَعَدَمِ احْتِيَاجِي إلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ ظَاهِرُهُ عَدَمُ الثَّوَابِ مُطْلَقًا مَحْضًا أَوْ غَالِبًا أَوْ مُسَاوِيًا أَوْ مَغْلُوبًا وَقَدْ قَرَّرَ الْمُصَنِّفُ الثَّوَابَ فِي الْمَغْلُوبِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ أَنَا خَيْرُ قَسِيمٍ» أَيْ قَاسِمٍ لِمَنْ أُشْرِكَ بِي بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ «مَنْ أَشْرَكَ بِي شَيْئًا» أَيَّ عَمَلٍ مِنْ الْأَعْمَالِ «فَإِنَّ عَمَلَهُ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ لِشَرِيكِهِ الَّذِي أَشْرَكَ بِي أَنَا غَنِيٌّ عَنْهُ»
، قُلْنَا نَعَمْ تَمَسَّكَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَالْمُحَاسِبِيِّ فِي عَدَمِ الثَّوَابِ فِي الْمَغْلُوبِ أَيْضًا لَكِنَّ الْغَزَالِيَّ وَالْإِمَامَ الرَّازِيَّ فِي الثَّوَابِ بِقَدْرِهِ كَمَا هُوَ رَأْيُ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ تَسَاوَيَا تَسَاقَطَا وَإِنْ غَلَبَ أَحَدُهُمَا فَالْحُكْمُ لَهُ وَالْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ أَنَّ لَفْظَ الشِّرْكِ مَحْمُولٌ عَلَى التَّسَاوِي وَعِنْدَهُ يَنْحَبِطُ كُلٌّ بِالْآخَرِ.
وَكَذَا فِي الْمُنَاوِيِّ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ «قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ» يَأْبَى عَنْ هَذَا التَّأْوِيلِ، وَحَمْلُ الْقَلِيلِ عَلَى الْمُسَاوِي فَإِنَّهُ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْغَالِبِ وَحَمْلُ الْكَثِيرِ عَلَى نَفْسِ الْغَالِبِ تَأْوِيلٌ بِلَا دَاعٍ كَحَمْلِهِ عَلَى نَفْسِ الْعَمَلِ ثُمَّ قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ ابْنِ عَطَاءٍ وَكَمَا لَا يُحِبُّ اللَّهُ عَمَلَ الْمُشْتَرَكِ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْقَلْبَ الْمُشْتَرَكَ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ بَيْتُ الرَّبِّ، وَالرَّبُّ يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِهِ غَيْرُهُ
стр. 476
فَالْعَمَلُ الْمُشْتَرَكُ لَا يَقْبَلُهُ وَالْقَلْبُ الْمُشْتَرَكُ لَا يُقْبِلُ عَلَيْهِ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] .
قَالَ الْغَزَالِيُّ: قِيلَ لِلْخَوَاصِّ قَدَّمَ ابْنُ أَدْهَمَ فَائِتَهُ قَالَ لَأَنْ أَلْقَى شَيْطَانًا مَارِدًا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ لِقَائِهِ فَاسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ، فَقَالَ إذَا لَقِيته أَخَافُ أَنْ أَتَزَيَّنَ لَهُ فَإِذَا لَقِيت شَيْطَانًا أَمْتَنِعُ مِنْهُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَقِيَ شَيْخِي الْإِمَامُ بَعْضَ الْعَارِفِينَ فَتَذَاكَرَا مَلِيًّا فَقَالَ الْإِمَامُ مَا أَظُنُّنِي جَلَسْت مَجْلِسًا أَرْجَى مِنْ هَذَا، فَقَالَ الْعَارِفُ: مَا جَلَسْت مَجْلِسًا أَنَا لَهُ أَخْوَفَ مِنْ مَجْلِسِي هَذَا أَلَسْت تَعْمِدُ إلَيَّ أَحْسَنَ عُلُومِك فَتُظْهِرُهَا لَدَيَّ وَأَنَا كَذَلِكَ فَقَدْ وَقَعَ الرِّيَاءُ، فَبَكَى الْإِمَامُ مَلِيًّا حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ.
قَالَ بَعْضٌ وَمِنْ أَدْوِيَةِ الرِّيَاءِ التَّفَكُّرُ فِي أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى نَفْعِهِ مَا لَمْ يَقْضِهِ اللَّهُ لَهُ وَلَا عَلَى ضَرِّهِ مَا لَمْ يُقَدِّرْ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَخْلِصُوا» مِنْ مَقُولِهِ ﵊ إمَّا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ أَوْ تَتِمَّةُ مَقُولِ اللَّهِ تَعَالَى «أَعْمَالُكُمْ» اجْعَلُوهَا خَالِصَةً لَهُ وَلَا تَجْعَلُوا فِيهَا شَرِيكًا لِلَّهِ تَعَالَى «فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْأَعْمَالِ إلَّا مَا خَلَصَ لَهُ» مِنْ الْأَغْرَاضِ الْمُوجِبَةِ مُشَارَكَةُ الْغَيْرِ «وَلَا تَقُولُوا هَذَا لِلَّهِ وَلِلرَّحِمِ» هَذَا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ يَقُولُونَ عِنْدَ الذَّبْحِ هَذَا لِلَّهِ وَلِلرَّحِمِ فَنَهَى عَنْهُ لِمُشَارَكَةِ الْغَيْرِ وَقِيلَ عَادَةُ الْعَرَبِ عِنْدَ إعْطَاءِ الشَّيْءِ لِرِضَاهُ تَعَالَى وَلِقَرَابَةِ فُلَانٍ «فَإِنَّهَا لِلرَّحِمِ» فَقَطْ لَا شَرِكَةَ لَهُ تَعَالَى لِغِنَاهُ لِكَوْنِهِ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ «وَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهَا شَيْءٌ» فَلَا يَقْبَلُ لِعَدَمِ خُلُوصِهِ لَهُ تَعَالَى «وَلَا تَقُولُوا هَذَا لِلَّهِ وَلِوُجُوهِكُمْ فَإِنَّهَا لِوُجُوهِكُمْ وَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهَا شَيْءٌ» وَالْآيَاتُ) الْقُرْآنِيَّةُ نَحْوُ ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] الْآيَةَ.
وَ ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢] ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [فاطر: ١٠] ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: ١٠] أَيْ أَهْلِ الرِّيَاءِ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَ ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] .
(وَالْأَحَادِيثُ) النَّبَوِيَّةُ نَحْوُ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى عَمَلًا فِيهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ الرِّيَاءِ إنَّ أَدْنَى الرِّيَاءِ الشِّرْكُ» .
«وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ سَأَلَ رَجُلٌ فِيمَ النَّجَاةُ قَالَ أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُرِيدُ بِهَا النَّاسَ» ، وَفِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ إنَّ هَذَا لَمْ يُرِدْنِي بِعَمَلِهِ فَاجْعَلُوهُ فِي سِجِّينٍ» .
وَقَالَ «اسْتَعِيذُوا بِاَللَّهِ مِنْ جُبِّ الْحَزَنِ قَالُوا وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ أُعِدَّ لِلْقُرَّاءِ الْمُرَائِينَ» .
«وَقَالَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ عَمِلَ عَمَلًا وَأَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَهُوَ لَهُ كُلُّهُ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ طَوِيلٍ «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أُولَئِكَ أَوَّلُ خَلْقٍ تُسَعَّرُ بِهِمْ جَهَنَّمُ» . وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ النَّارَ وَأَهْلَهَا يَعِجُّونَ أَيْ يَتَضَرَّعُونَ مِنْ أَهْلِ الرِّيَاءِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَعِجُّ النَّارُ قَالَ مِنْ حَرِّ النَّارِ الَّتِي يُعَذَّبُونَ بِهَا» .
ثُمَّ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ وَفِي هَذِهِ الْفَضَائِحِ بَلَاغٌ لِأُولِي الْأَبْصَارِ وَاَللَّهُ وَلِيُّ الْهِدَايَةِ (فِي ذَمِّ الرِّيَاءِ كَثِيرَةٌ جِدًّا لَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهَا هَاهُنَا وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ) مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ (كِفَايَةٌ لِلْمُسْلِمِ الْعَاقِلِ) إذْ فِيمَا أُلْقِيَ دَلِيلٌ عَلَى مَا أُبْقِيَ فَالْعَارِفُ يَكْفِيهِ هَذَا الْقَدْرُ (بَلْ الْعَقْلُ) السَّلِيمُ إذَا خَلَى عَنْ شَوَائِبِ الْوَهْمِ وَعَوَائِقِ الْهَوَى وَعَوَارِضِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ وَطَبْعُهُ أَنْ (يَهْتَدِيَ إلَيْهِ) إلَى رَدَاءَتِهِ وَقُبْحِهِ (بِقَلِيلِ الْتِفَاتٍ) لِأَنَّ الْأَمْرَ بَيِّنٌ وَالْحُكْمَ وَاضِحٌ.
قَالَ الْمُحَشِّي: لِأَنَّ الْعَقْلَ قَدْ يُدْرِكُ قُبْحَ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَإِنْ جَازَ إدْرَاكُهُ لَكِنْ لَا يَجُوزُ حُكْمُهُ وَالْكَلَامُ فِي الْحُكْمِ لَا مُجَرَّدُ الْإِدْرَاكِ بَلْ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ الْعَقْلُ يَهْتَدِي بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ (إذْ مَعْنَى الرِّيَاءِ جَعْلُ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَوْضُوعَةِ لِتَعْظِيمِهِ وَالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ وَسِيلَةً إلَى غَيْرِهِمَا) غَيْرِ التَّعْظِيمِ وَالتَّقَرُّبِ مِمَّا يُرَاعَى بِهِ مِنْ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
(وَفِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الْجَعْلِ (قَلْبُ الْمَوْضُوعِ)
стр. 477
لِأَنَّهُ قَلَبَهُ إلَى غَيْرِهِ تَعَالَى (وَعَكْسُ الْمَشْرُوعِ) لِأَنَّ مَا شُرِعَ لَهُ الْعَمَلُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ عَكَسَ بِجَعْلِهِ لِغَيْرِهِ تَعَالَى (وَتَلْبِيسٌ بِإِعْلَامِ النَّاسِ أَنَّهُ) أَيْ الْمُرَائِيَ (يَقْصِدُ بِالْعِبَادَةِ تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعَالَى وَالْقُرْبَةَ إلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ) أَيْ الْقَصْدَ بِالْعِبَادَةِ (لَيْسَ كَذَلِكَ) أَيْ تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعَالَى (بَلْ يَقْصِدُ) الْمُرَائِي (بِهَا التَّقَرُّبَ إلَيْهِمْ) إلَى النَّاسِ (وَالتَّحَبُّبَ) مِنْ الْمَحَبَّةِ لَهُمْ (فَلَوْ عَلِمُوا نِيَّتَهُ) أَيْ النَّاسُ (لَمَقَتُوهُ) أَبْغَضُوهُ أَشَدَّ الْبُغْضِ (وَهَجَرُوهُ) تَرَكُوهُ؛ لِأَنَّ حُبَّهُمْ لَهُ لِكَوْنِهِ مُطِيعًا لَهُ تَعَالَى فَإِذَا ظَهَرَ خِلَافُهُ أَبْغَضُوهُ (وَاَللَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِهِ) أَيْ بِقَصْدِهِ (فَهُوَ بِالْمَقْتِ) الْبُغْضِ الشَّدِيدِ (أَوْلَى) مِنْ غَيْرِهِ إذْ يَلِيقُ بِالْمَقْتِ لِقَلْبِهِ الْمَوْضُوعَ وَعَكْسِهِ الْمَشْرُوعَ (وَفِيهِ اسْتِهَانَةٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى) أَيْ يَلْزَمُ اسْتِهَانَةٌ وَإِلَّا فَكُفْرٌ، نَعَمْ يَلْزَمُ ذَلِكَ مُطْلَقًا عَلَى مَنْ يَجْعَلُ لُزُومَ الْكُفْرِ كُفْرًا مُطْلَقًا دُونَ مَنْ يَخُصُّهُ بِالِالْتِزَامِ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ اللُّزُومِ الْبَيِّنِ وَالْغَيْرِ الْبَيِّنِ، لَكِنْ ظَاهِرُ قَوْلِهِ (وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْهَا) يَقْتَضِي ذَلِكَ عُرْفًا (وَأَقَلُّ مَا فِي الرِّيَاءِ) مِنْ الضَّرَرِ (صُورَةُ تَلْبِيسٍ) وَتَزْوِيرٍ (وَعِبَادَةٌ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَهَذَا) أَيْ الْأَقَلُّ (كَافٍ فِي التَّحْرِيمِ) لَكِنْ فِي كَوْنِهِ أَقَلَّ الضَّرَرِ خَفَاءً إذْ لَا أَعْظَمَ جِنَايَةً مِنْ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِهِ تَعَالَى.
(فَلِذَا) لِكَوْنِهِ تَلْبِيسًا وَعِبَادَةً لِلْغَيْرِ (حَرُمَ كُلُّهُ) جَمِيعُ أَفْرَادِهِ إذْ الْعِبَادَةُ لِغَيْرِهِ تَعَالَى قَبِيحٌ لِذَاتِهِ فَلَا جِهَةَ لِحَسَنَةٍ أَصْلًا لَكِنْ يُرَدُّ إنْ كَانَتْ هِيَ الْعِبَادَةُ الْحَقِيقِيَّةُ فَيَكُونُ كُفْرًا حَقِيقِيًّا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْعِبَادَةَ الْحَقِيقِيَّةَ فَلَا يَكُونُ قَبِيحًا لِذَاتِهِ فَلَا يَلْزَمُ حُرْمَةُ جَمِيعِ أَفْرَادِهِ فَتَأَمَّلْ (وَإِنْ تَفَاوَتَ آحَادُهُ فِي غِلْظَةِ التَّحْرِيمِ وَخِفَّتِهِ) كَمَا سَبَقَ (فَغَائِلَةُ الرِّيَاءِ اسْتِحْقَاقُ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ وَإِبْطَالُ الْعَمَلِ) فِي الرِّيَاءِ الْمَحْضِ وَالْغَالِبِ وَالْمُسَاوِي (أَوْ نَقْصُ أَجْرِهِ) فِي الْمَغْلُوبِ وَقَدْ عَرَفْت الْكَلَامَ فِيهِ أَيْضًا.
قَالَ فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ: فَالرِّيَاءُ الْمَحْضُ لَا يَكُونُ فِي الْعَارِفِ عِنْدَ بَعْضٍ وَإِنْ أَبْطَلَ نِصْفَ الثَّوَابِ وَعِنْدَ بَعْضٍ يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ وَيَذْهَبُ بِنِصْفِ الْأَضْعَافِ، وَالتَّخْلِيطُ يَذْهَبُ بِرُبْعِ الْأَضْعَافِ وَالصَّحِيحُ الرِّيَاءُ الْمَحْضُ لَيْسَ فِي الْعَارِفِ مَعَ تَذَكُّرِ الْآخِرَةِ وَيَكُونُ مَعَ السَّهْوِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ مِنْ تَأْثِيرِ الرِّيَاءِ رَفْعَ الْقَبُولِ وَالنُّقْصَانَ فِي الثَّوَابِ وَأَنْ لَا تَقْدِيرَ لَهُ بِنِصْفٍ وَرُبْعٍ.
(وَأَمَّا سَبَبُ الْإِخْلَاصِ) الَّذِي يَكُونُ مَنْشَأً لَهُ وَمَبْدَأً لَهُ (فَالْإِيمَانُ) بِأَنَّهُ لَا مَعْبُودَ إلَّا هُوَ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإِيمَانِ بِأَنَّهُ لَا خَالِقَ وَلَا مُعْطِيَ وَلَا مَانِعَ وَلَا نَافِعَ وَلَا ضَارَّ إلَّا هُوَ (وَوُجُوبُهُ) أَيْ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ الْإِخْلَاصِ عَلَى الْمُؤْمِنِ (وَتَوَقُّفُ قَبُولِ كُلِّ عَمَلٍ عَلَيْهِ) فَإِنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا مُسْتَحِقَّ لِلْعِبَادَةِ غَيْرُهُ وَأَنَّهُ أَوْجَبَ الْإِخْلَاصَ لَهُ وَأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ عَمَلًا بِغَيْرِ إخْلَاصٍ كَانَ بَاعِثًا لَهُ عَلَى الْإِخْلَاصِ.
(وَأَمَّا فَوَائِدُهُ) ثَمَرَاتُهُ وَنَتَائِجُهُ الْأُخْرَوِيَّةُ (فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة: ٥] بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ الْمُبَيَّنَةِ فِي الشَّرْعِ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] لَا يُشْرِكُونَ بِهِ فِيهَا غَيْرَهُ تَعَالَى بِأَنْ يُحْصَرَ الِانْقِيَادُ لَهُ تَعَالَى فِعْلًا وَتَرْكًا.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿أَلا﴾ [الزمر: ٣] حَرْفُ اسْتِفْتَاحٍ ﴿لِلَّهِ﴾ [الزمر: ٣] لَا لِغَيْرِهِ ﴿الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣] مِنْ شَائِبَةِ قَصْدِ الْغَيْرِ أُورِدَ
стр. 478
بِأَنَّ دَلَالَةَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ عَلَى فَوَائِدِ الْإِخْلَاصِ مَحِلُّ تَأَمُّلٍ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى لُزُومِ كَوْنِ الْعِبَادَةِ بِصِفَةِ الْإِخْلَاصِ فِي الْأُولَى وَاخْتِصَاصِ الدِّينِ الْخَالِصِ لَهُ تَعَالَى فِي الثَّانِيَةِ (حب) ابْنُ حِبَّانَ (حك) الْحَاكِمُ.
(عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا عَلَى الْإِخْلَاصِ» فِي جَمِيعِ الْأَفْعَالِ ظَاهِرَةٍ وَبَاطِنَةٍ «لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ» حَالَانِ لَازِمَانِ أَوَّلُهُمَا لِتَوْحِيدِ الذَّاتِ وَثَانِيهِمَا لِتَوْحِيدِ الصِّفَاتِ «وَأَقَامَ الصَّلَاةَ» أَتَى بِهَا مُسْتَقِيمَةً بِجَمِيعِ كَمَالَاتِهَا «وَآتَى الزَّكَاةَ» عَلَى الْإِخْلَاصِ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْقَيْدَ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مُنْسَحِبٌ عَلَى الْمَعْطُوفِ خَصَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ بِرِضَاهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ الْعِبَادَةُ وَهِيَ إمَّا بِالْجِنَانِ أَوْ بِالْأَرْكَانِ وَهِيَ إمَّا بَدَنِيَّةٌ أَوْ مَالِيَّةٌ فَالْمَذْكُورُ هُوَ الْأَصْلُ الْمَتْبُوعُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ.
وَقِيلَ الْمُحْتَاجُ إلَى الْإِخْلَاصِ هُوَ كُلُّ الْعَمَلِ فَوَجْهُ تَخْصِيصِ مَا ذُكِرَ أَنَّ الصَّلَاةَ لِتَكَرُّرِهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَالزَّكَاةَ لِكَوْنِهَا بِالْمَالِ الْمَحْضِ كَانَتَا أَشَقَّ عَلَى النَّفْسِ فَأَمَّا الْحَجُّ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجَامَعَ مَعَهُ غَرَضٌ نَفْسَانِيٌّ كَالتِّجَارَةِ وَالنَّزَاهَةِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ مَا يَكُونُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَغْرَاضِ لَا يَكُونُ عِبَادَةً مَطْلُوبَةً بِالتَّكْلِيفِ الْإِلَهِيِّ وَالْكَلَامُ فِي أَدَاءِ مَا كَلَّفَهُ عَلَى وَجْهِ تَكْلِيفِهِ نَعَمْ إنَّ مُقْتَضَى التَّجَارِبِ أَنَّهُ كَمْ شَخْصٍ لَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ سِنِينَ وَأَعْوَامًا يَذْهَبُ إلَى الْحَجِّ فِي أَوَّلِ وُجُوبِهِ مَعَ كَوْنِ الْأَشْقِيَاءِ أَزْيَدَ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً «فَارَقَهَا» أَيْ الدُّنْيَا «وَاَللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ رَاضٍ» يَعْنِي يَرْضَى اللَّهُ تَعَالَى حِينَ مُفَارَقَتِهِ الدُّنْيَا وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ فَلَا شَيْءَ أَعْظَمُ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الْعَارِفِ الشَّعْرَانِيِّ عَنْ الْبُرْهَانِ لَا يَنْبَغِي لِمَنْ وَقَعَ فِي ذَنْبٍ وَاحِدٍ فِي طُولِ عُمُرِهِ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الرِّضَا وَإِنَّمَا يَسْأَلُهُ الْعَفْوَ، فَإِذَا حَصَلَ حَصَلَ الرِّضَا كَمَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ مِنْ الصَّالِحِينَ الْكُمَّلِ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ انْتَهَى لَعَلَّ هَذَا مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ؛ وَلِهَذَا قَالُوا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ دُعَاءُ كُلِّ أَحَدٍ مَا يَلِيقُ بِمَقَامِهِ وَمَرْتَبَتِهِ وَلِهَذَا حَسَّنَ الْعُلَمَاءُ دُعَاءَ الرِّضَا لِلصَّحَابَةِ كَدُعَاءِ الرَّحْمَةِ لِسَائِرِ الْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ.
وَفِي الْحَدِيثِ «مَا أُعْطِيَ أَهْلُ الْجَنَّةِ أَحَبُّ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى» ثُمَّ إنَّ اللَّازِمَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ فَائِدَةَ الْإِخْلَاصِ هُوَ الرِّضَا وَالرِّضَا لَا شَيْءَ أَعْظَمُ مِنْهُ (حك) الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ «عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ حِينَ بُعِثَ» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَالْفَاعِلُ هُوَ النَّبِيُّ ﵊ حُذِفَ لِتَعَيُّنِهِ «إلَى الْيَمَنِ» قِيلَ لِأَنَّهُ عَنْ يَمِينِ الشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِهَا، وَقِيلَ يَمِينُ الْكَعْبَةِ وَقِيلَ مِنْ الْيُمْنِ كَمَا أَنَّ الشَّامَ مِنْ الشُّؤْمِ وَقِيلَ وَقِيلَ «وَإِرْسَالُهُ ﵊ إلَى الْيَمَنِ عَامَ مَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ أَرْكَبَهُ ﵊ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ رَاجِلٌ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ حِينَ الْإِرْسَالِ. فَقَالَ مُعَاذٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ أَرْكَبَ وَأَنْتَ رَاجِلٌ فَأَرْجُو الْإِذْنَ حَتَّى أَكُونَ رَاجِلًا قَالَ يَا مُعَاذُ إنِّي أَتَصَوَّرُ كَوْنَ هَذِهِ الْخُطُوَاتِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُوصِيك بِتَقْوَى اللَّهِ وَصِدْقِ الْكَلَامِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَتَرْكِ الْخِيَانَةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَمُحَافَظَةِ حُقُوقِ الْجِيرَانِ وَالْعَمَلِ بِالْقُرْآنِ وَلِينِ الْكَلَامِ وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ وَالْخَوْفِ مِنْ الْقِيَامَةِ وَإِيثَارِ الْآخِرَةِ عَلَى الْأُولَى، يَا مُعَاذُ لَا تَشْتُمْ مُسْلِمًا وَلَا تُكَذِّبْ مَنْ تَكَلَّمَ صَادِقًا وَلَا تُصَدِّقْ مَنْ تَكَلَّمَ كَاذِبًا وَلَا تُخَالِفْ الْإِمَامَ الْعَادِلَ، يَا مُعَاذُ أَطْلُبُ لَك مَا أَطْلُبُ لِنَفْسِي وَأَكْرَهُ لَك مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي، يَا مُعَاذُ عُدْ الْمَرْضَى وَعَجِّلْ قَضَاءَ حَوَائِجِ الضُّعَفَاءِ وَقَرِّبْ الْيَتَامَى وَاجْلِسْ مَعَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ كُنْ عَدْلًا بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تَلْتَفِتْ إلَى مَلَامَةِ أَحَدٍ فِي طَرِيقِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ يَا مُعَاذُ لَوْ أَمْكَنَ الْمُلَاقَاةُ بَعْدُ لَمْ أُطَوِّلْ الْوَصِيَّةَ» «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي قَالَ أَخْلِصْ» مِنْ الْإِخْلَاصِ وَقَدْ عَرَفْت مَعْنَاهُ «دِينَك» مِنْ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ جَلِيًّا أَوْ خَفِيًّا حَقِيقِيًّا أَوْ حُكْمِيًّا أَوْ عَمَّا يُفْسِدُهُ مِنْ شَهَوَاتِ النَّفْسِ أَوْ طَاعَتِك بِتَجَنُّبِ دَوَاعِي الرِّيَاءِ بِأَنْ تَعْبُدَهُ امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ وَقِيَامًا بِحَقِّ رُبُوبِيَّتِهِ لَا طَمَعًا فِي جَنَّتِهِ وَلَا خَوْفًا مِنْ نَارِهِ وَلَا لِلسَّلَامَةِ مِنْ الْمَصَائِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ «يَكْفِك» هَكَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ
стр. 479
لَكِنْ قَالَ الْمُنَاوِيُّ بِالْجَزْمِ جَوَابُ الْأَمْرِ وَفِي نُسَخٍ يَكْفِيك بِيَاءٍ بَعْدَ الْفَاءِ وَلَا أَصْلَ لَهَا فِي خَطِّهِ «الْعَمَلُ الْقَلِيلُ» هَكَذَا فِي نُسَخِ هَذَا الْكِتَابِ لَكِنْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَشَرْحِهِ «الْقَلِيلُ مِنْ الْعَمَلِ» ، وَالْأَوَّلُ أَوْفَقُ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الرُّوحَ إذَا خَلَصَتْ مِنْ شَهَوَاتِ النَّفْسِ وَأَسْرِهَا نَطَقَتْ الْجَوَارِحُ وَقَامَتْ بِالْعِبَادَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُنَازِعَهَا النَّفْسُ وَلَا الْقَلْبُ وَلَا الرُّوحُ فَكَانَ ذَلِكَ صِدْقًا فَيُقْبَلُ الْعَمَلُ، وَشَتَّانَ بَيْنَ قَلِيلٍ مَقْبُولٍ وَكَثِيرٍ مَرْدُودٍ وَفِي التَّوْرَاةِ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهِي فَقَلِيلُهُ كَثِيرٌ وَمَا أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ وَجْهِي فَكَثِيرُهُ قَلِيلٌ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ لَا يَتَّسِعُ فِي إكْثَارِ الطَّاعَةِ بَلْ فِي إخْلَاصِهَا وَقَالَ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ أَقَلُّ طَاعَةٍ سَلِمَتْ مِنْ الرِّيَاءِ وَالْعُجْبِ وَقَارَنَهَا الْإِخْلَاصُ يَكُونُ لَهَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْقِيمَةِ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ وَأَكْثَرُ طَاعَةٍ إذَا أَصَابَتْهَا هَذِهِ الْآفَةُ لَا قِيمَةَ لَهَا إلَّا أَنْ يَتَدَارَكَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِلُطْفِهِ، كَمَا قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ لَا يَقِلُّ عَمَلٌ أَلْبَتَّةَ وَكَيْفَ يَقِلُّ عَمَلٌ مَقْبُولٌ.
وَعَنْ النَّخَعِيِّ الْعَمَلُ إذَا قُبِلَ لَا يُحْصَى ثَوَابُهُ وَلِهَذَا إنَّمَا وَقَعَ بَصَرُ أُولِي الْبَصَائِرِ مِنْ الْعِبَادِ فِي شَأْنِ الْإِخْلَاصِ وَاهْتَمُّوا بِهِ وَلَمْ يَعْتَنُوا بِكَثْرَةِ الْأَعْمَالِ وَقَالُوا الشَّأْنُ فِي الصَّفْوَةِ لَا فِي الْكَثْرَةِ وَجَوْهَرَةٌ وَاحِدَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ خَرَزَةٍ، وَأَمَّا مَنْ قَلَّ عَمَلُهُ وَكُلٌّ فِي هَذَا نَظَرُهُ جَهْلُ الْمَعَانِي وَأَغْفَلَ مَا فِي الْقُلُوبِ مِنْ الْعُيُوبِ وَاشْتَغَلَ بِإِتْعَابِ نَفْسِهِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْإِمْسَاكِ فَغَرَّهُ الْعَدَدُ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى الْمُخِّ وَمَا يُغْنِي عَدَدُ الْجَوْزِ وَلَا لُبَّ فِيهِ وَمَا يَنْفَعُ رَفْعُ السُّقُوفِ وَلَمْ تُحْكَمْ مَبَانِيهَا، وَمَا يَعْقِلُ هَذِهِ الْحَقَائِقَ إلَّا الْعَالِمُونَ إلَى هُنَا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ كَذَا فِي الْمُنَاوِيِّ، ثُمَّ إنَّهُ ظَهَرَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ فَائِدَةَ الْإِخْلَاصِ كِفَايَةُ قَلِيلِ الْعَمَلِ (هَقّ) الْبَيْهَقِيُّ ( «عَنْ ثَوْبَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ طُوبَى» تَأْنِيثُ أَطْيَبَ أَيْ رَاحَةٌ وَطِيبُ عَيْشٍ.
وَعَنْ الْكَشَّافِ مَصْدَرٌ مِنْ طَابَ كَزُلْفَى وَبُشْرَى أَوْ أَصَبْت طَيِّبًا وَخَيْرًا.
وَعَنْ الطِّيبِيِّ فُعْلَى مَنْ الطِّيبِ قَلَبُوا الْيَاءَ وَاوًا لِلضَّمَّةِ قَبْلَهَا قِيلَ مَعْنَاهُ أُصِيبُوا خَيْرًا عَلَى الْكِنَايَةِ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ مَسِيرَةَ مِائَةِ عَامٍ ثِيَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ تَخْرُجُ مِنْ أَكْمَامِهَا قِيلَ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ وَفِي كُلِّ دَارٍ وَغُرْفَةٍ لَمْ يَخْلُقْ اللَّهُ تَعَالَى لَوْنًا وَلَا زَهْرَةً إلَّا وَفِيهَا مِنْهَا إلَّا السَّوَادَ وَلَا يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى فَاكِهَةً وَلَا ثَمَرَةً إلَّا وَفِيهَا مِنْهَا يَنْبُعُ مِنْ أَصْلِهَا عَيْنَانِ الْكَافُورُ وَالسَّلْسَبِيلُ وَرَقَةٌ مِنْهَا تُظِلُّ أُمَّةً عَلَيْهَا مَلَكٌ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى بِأَنْوَاعِ التَّسْبِيحِ» ، وَفِيهِ أَيْضًا «طُوبَى شَجَرَةٌ غَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ تَنْبُتُ بِالْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ وَإِنَّ أَغْصَانَهَا لَتُرَى مِنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ، قِيلَ هَذِهِ الشَّجَرَةُ فِي دَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي دَارِ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْهَا غُصْنٌ» ، وَفِيهِ أَيْضًا «طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ غَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ وَإِنَّ أَغْصَانَهَا لَتُرَى مِنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ تُنْبِتُ الْحُلِيَّ، وَالثِّمَارُ مُهْتَدِلَةٌ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ أَيْ: مُتَدَلِّيَةٌ عَلَى أَفْوَاهِ الْخَلَائِقِ» .
وَفِي الثَّعْلَبِيِّ يَرْفَعُهُ «طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهَا تَفَتَّقِي لِعَبْدِي فَتَنْفَتِقُ لَهُ عَنْ الْخَيْلِ بِسُرُوجِهَا وَلُجُمِهَا وَعَنْ الْإِبِلِ بِأَزِمَّتِهَا وَعَمَّا شَاءَ مِنْ الْكِسْوَةِ وَمَا مِنْ الْجَنَّةِ أَهْلٌ إلَّا وَغُصْنٌ مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ مُتَدَلٍّ عَلَيْهِمْ فَإِذَا أَرَادُوا أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا تَدَلَّتْ لَهُمْ فَأَكَلُوا مِنْهَا مَا شَاءُوا» الْكُلُّ مِنْ فَيْضِ الْقَدِيرِ «لِلْمُخْلِصِينَ» الَّذِينَ أَخْلَصُوا أَعْمَالَهُمْ مِنْ شَوَائِبِ الْأَقْذَارِ وَمَحَّضُوا عِبَادَتَهُمْ لِلْمَلِكِ الْغَفَّارِ وَهُمْ الْوَاصِلُونَ لِلْحَبْلِ وَالْبَاذِلُونَ لِلْفَضْلِ وَالْحَاكِمُونَ بِالْعَدْلِ «أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الْهُدَى تَنْجَلِي عَنْهُمْ كُلُّ فِتْنَةٍ ظَلْمَاءَ» لِأَنَّهُمْ لَمَّا أَخْلَصُوا فِي الْمُرَاقَبَةِ وَنَسُوا الْحُظُوظَ كُلَّهَا وَقَطَعُوا النَّظَرَ وَالْقَصْدَ عَمَّا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ بَلْ هُمْ مِنْهُ فِي حِمَايَةٍ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: عَقَبَةُ الْإِخْلَاصِ عَقَبَةٌ كَئُودٌ لَكِنْ بِهَا يُنَالُ الْمَطْلُوبُ وَالْمَقْصُودُ نَفْعُهَا كَثِيرٌ وَقَطْعُهَا شَدِيدٌ وَخَطَرُهَا عَظِيمٌ كَمْ مَنْ عَدَلَ عَنْهَا فَضَلَّ وَمَنْ سَلَكَهَا فَدَلَّ.
وَالْإِخْلَاصُ إخْلَاصَانِ إخْلَاصُ عَمَلٍ وَإِخْلَاصُ طَلَبِ أَجْرٍ، فَالْأَوَّلُ إرَادَةُ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمُ أَمْرِهِ وَإِجَابَةُ دَعَوْته وَالْبَاعِثُ عَلَيْهِ الِاعْتِقَادُ الصَّحِيحُ وَضِدُّهُ إخْلَاصُ النِّفَاقِ وَهُوَ التَّقَرُّبُ إلَى مَنْ دُونَ اللَّهِ تَعَالَى
стр. 480
(طِبّ) الطَّبَرَانِيُّ (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «الدُّنْيَا» هَذِهِ الْفَانِيَةُ الْغَدَّارَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِالْمَكَارِهِ وَالْخَدَّاعَةُ «مَلْعُونَةٌ» مُبْغَضَةٌ لَهُ تَعَالَى وَمَتْرُوكَةٌ لِأَهْلِ اللَّهِ تَعَالَى قِيلَ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ فَضَّلَ الْفَقْرَ عَلَى الْغِنَى فَمَنْ أَحَبَّ مَا لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَبْغَضَهُ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلَعْنَتِهِ وَغَضَبِهِ
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ تَحْقِيرُك لِلدُّنْيَا وَأَنْتَ مُقْبِلٌ عَلَيْهَا زُورٌ وَبُهْتَانٌ وَتَعْظِيمُك لِلَّهِ مَعَ وُجُودِ إعْرَاضِك عَنْهُ مِنْ أَمَارَاتِ الْخِذْلَانِ كَيْفَ تَرْجُو أَنْ يَكُونَ لَك قَدْرٌ عِنْدَهُ وَقَدْ اسْتَبْعَدَك مَا لَيْسَ لَهُ قَدْرٌ عِنْدَهُ «مَلْعُونٌ مَا فِيهَا» مَطْرُوحٌ عَنْ سَاحَةِ قُدْسِهِ «إلَّا مَا ابْتَغَى بِهِ وَجْهَ اللَّهِ» رِضَا اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ فِيهِ دَرْءَ مَفْسَدَةٍ وَجَلْبَ مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ (هَقّ) الْبَيْهَقِيُّ (حَدَّ) أَحْمَدُ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «قَدْ أَفْلَحَ» فَازَ وَظَفِرَ بِالْبُغْيَةِ «مَنْ أَخْلَصَ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ» فَبَرِئَ مِنْ النِّفَاقِ وَلَمْ يَكُنْ فِي قَصْدِهِ شَوَائِبُ الرِّيَاءِ فِي أَعْمَالِهِ «وَجَعَلَ قَلْبَهُ سَلِيمًا» مِنْ الْأَمْرَاضِ الْقَلْبِيَّةِ كَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ.
«وَلِسَانَهُ صَادِقًا» بَرِيئًا مِنْ الْكَذِبِ «وَنَفْسَهُ مُطْمَئِنَّةً» بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِالْحَقِّ أَوْ بِالرِّضَا عَلَى الْأَقْضِيَةِ الْإِلَهِيَّةِ «وَخَلِيقَتَهُ» أَيْ طَرِيقَتَهُ وَطَبِيعَتَهُ «مُسْتَقِيمَةً» وَالِاسْتِقَامَةُ مِنْ أَعْظَمِ الْأُمُورِ وَأَشَقِّهَا كَمَا قَالَ ﵊ «شَيَّبَتْنِي سُورَةُ هُودٍ لِمَا فِيهَا ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] » «وَأُذُنَهُ مُسْتَمِعَةً» لِكُلِّ قَوْلِ حَقٍّ «وَعَيْنَهُ نَاظِرَةً» فِي مَصْنُوعَاتِهِ تَعَالَى عَلَى طَرِيقِ التَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ خَصَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ؛ لِأَنَّ الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ تَعَالَى إمَّا سَمْعِيَّةٌ فَالْأُذُنُ هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ الْقَلْبَ وِعَاءً لَهَا أَوْ نَظَرِيَّةٌ وَالْعَيْنُ هِيَ الَّتِي تُقِرُّهَا فِي الْقَلْبِ وَتَجْعَلُهُ وِعَاءً لَهَا.
«فَأَمَّا الْأُذُنُ فَقِمْعٌ» وَهُوَ مَا يُوضَعُ عَلَى فَمِ مَا يَضِيقُ فَمُهُ عِنْدَ صَبِّ الشَّيْءِ فِيهِ أَيْ آلَةٌ لِوُصُولِ مَا يُلْقَى فِيهَا إلَى الْقَلْبِ «وَالْعَيْنَ مُقَرَّةً» أَيْ مُثَبَّتَةً فِي الْقَلْبِ «لِمَا يُوعِي الْقَلْبُ» أَيْ يَحْفَظُهُ «وَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ جَعَلَ قَلْبَهُ وَاعِيًا» حَافِظًا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي أُولَاهُ وَأُخْرَاهُ عَنْ مُخْتَصَرِ الْإِحْيَاءِ مَنْ أَخْلَصَ الْعَمَلَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ظَهَرَتْ آثَارُ بَرَكَتِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى عَقِبِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
(فَفَائِدَةُ الْإِخْلَاصِ) عَلَى اسْتِقْرَاءِ الْمُصَنِّف أَوْ مَا اخْتَارَهُ فِي الذِّكْرِ أَرْبَعَةٌ (رِضَا اللَّهِ تَعَالَى) كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ صَرِيحًا وَحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَفْهُومًا أَوْ الْتِزَامًا فَافْهَمْ (وَقَبُولُ الْعَمَلِ) كَحَدِيثِ مُعَاذٍ الْتِزَامًا (وَالنَّجَاةُ) يُنَاسِبُ لِحَدِيثِ ثَوْبَانَ (وَالْفَلَاحُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) صَرِيحٌ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ مِنْ قَبِيلِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ وَأَنْ يَزِيدَ قَوْلَهُ: وَانْجِلَاءُ كُلِّ فِتْنَةٍ وَأَيْضًا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَائِدَتِهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَخْلِصُوا أَعْمَالَكُمْ لِلَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ إلَّا مَا خَلَصَ لَهُ» ، وَقَوْلُهُ: «أَخْلِصُوا عِبَادَةَ اللَّهِ وَأَقِيمُوا خَمْسَكُمْ وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ طَيِّبَةً بِهَا أَنْفُسُكُمْ وَصُومُوا شَهْرَكُمْ وَحُجُّوا بَيْتَكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ» ، وَقَوْلُهُ: «مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ» الْكُلُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ فَالْبَاعِثُ عَلَى الْفِعْلِ إمَّا رُوحَانِيٌّ فَقَطْ فَإِخْلَاصٌ أَوْ شَيْطَانِيٌّ فَقَطْ فَرِيَاءٌ أَوْ مُرَكَّبٌ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مُسَاوٍ أَوْ الرُّوحَانِيُّ قَوِيٌّ
стр. 481
أَوْ الشَّيْطَانِيُّ فَالْمُسَاوِي يَتَنَاقَضَانِ فَالْعَمَلُ لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ وَغَالِبُ الطَّرَفَيْنِ يُحْبِطُ مُسَاوِيَ الْآخَرِ وَيُبْقِي الزِّيَادَةَ مُوجِبَةً أَثَرَهَا اللَّائِقَ بِهَا.
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْأَعْمَالَ لَهَا تَأْثِيرَاتٌ فِي الْقَلْبِ فَإِنْ خَلَا الْمُؤَثِّرُ عَنْ الْمُعَارِضِ خَلَا الْأَثَرُ عَنْ الضَّعْفِ وَإِنْ اقْتَرَنَ بِالْمُعَارِضِ فَتَسَاوَيَا تَسَاقَطَا وَإِنْ أَحَدُهُمَا أَغْلَبُ فَلَا بُدَّ فِي الزَّائِدِ بِقَدْرِ النَّاقِصِ فَبِقَدْرِ التَّسَاوِي يَتَسَاقَطُ فَيَبْقَى الزَّائِدُ خَالِيًا عَنْ الْمُعَارِضِ فَيُؤَثِّرُ كَمَا فِي الْفَيْضِ فَتَأَمَّلْ (وَإِذَا تَمَهَّدَ هَذَا فَعِلَاجُ الرِّيَاءِ عَلَى ضَرْبَيْنِ قَطْعُ عُرُوقِهِ) مِنْ الْقَلْبِ (وَاسْتِئْصَالُ أُصُولِهِ) أَيْ خُرُوجُ أُصُولِهِ بِالْكُلِّيَّةِ (وَذَلِكَ) الْقَطْعُ وَالِاسْتِئْصَالُ إنَّمَا يَحْصُلُ (بِإِزَالَةِ أَسْبَابِهِ) الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّ الشَّجَرَ إذَا قُطِعَ عُرُوقُهُ يَبِسَ لَا مَحَالَةَ (وَتَحْصِيلِ ضِدِّهِ) أَيْ الْإِخْلَاصِ (وَأَصْلُ أَسْبَابِهِ حُبُّ الدُّنْيَا) الَّذِي هُوَ رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وَمَنْبَعُ كُلِّ شَنِيعَةٍ (وَ) حُبُّ (اللَّذَّةِ الْعَاجِلَةِ) عَطَفَ اللَّازِمَ عَلَى الْمَلْزُومِ (وَتَرْجِيحُهَا) أَيْ الدُّنْيَا أَوْ اللَّذَّةِ (عَلَى الْآخِرَةِ) الَّتِي هِيَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (وَهَذَا) أَيْ التَّرْجِيحُ (غَايَةُ الْحَمَاقَةِ) فَلَا حَمَاقَةَ وَرَاءَهُ (وَنِهَايَةُ الْبَلَادَةِ فَإِنَّ الدُّنْيَا كَدِرَةٌ) أَيْ مُكَدَّرَةٌ بِأَنْوَاعِ الْكُدُورَاتِ جَمَّةُ الْمَصَائِبِ كَدِرَةُ الْمَشَارِبِ تُثْمِرُ لِلْبَرِيَّةِ أَصْنَافَ الْبَلِيَّةِ مَعَ كُلِّ لُقْمَةٍ غُصَّةٌ وَمَعَ كُلِّ جَرْعَةٍ سِمَةٌ.
وَعَنْ ابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ إنَّمَا جَعَلَهَا اللَّهُ مَحِلًّا لِلْأَغْيَارِ وَمَعْدِنًا لِلْأَكْدَارِ تَزْهِيدًا لَك مِنْ الْبَوَارِ فَأَذَاقَك الْأَكْدَارَ فَمَنْ عَرَفَ ذَلِكَ ثُمَّ رَكَنَ إلَيْهَا فَمَا هُوَ إلَّا أَسْفَهُ الْأَشْرَارِ؛ لِأَنَّهُ آثَرَ الْخَيَالَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَنَامَ عَلَى الْيَقَظَةِ وَالظِّلَّ الزَّائِلَ عَلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَبَاعَ حَيَاةَ الْأَبَدِ فِي أَرْغَدِ عَيْشٍ بِحَيَاةٍ هِيَ ظِلٌّ زَائِلٌ وَحَالٌ حَائِلٌ وَعَنْهُ أَيْضًا لَا تَسْتَغْرِبْ وُقُوعَ الْأَكْدَارِ مَا دُمْت فِي هَذِهِ الدَّارِ (سَرِيعَةُ الزَّوَالِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَالِي وَلِلدُّنْيَا وَمَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» قَالَ الطِّيبِيُّ هَذَا تَمْثِيلٌ فِي سُرْعَةِ الرِّحْلَةِ وَقِلَّةِ الْمُكْثِ.
قَالَ عِيسَى ﵊ يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ أَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى مَوْجِ الْبَحْرِ، قَالُوا يَا رُوحَ اللَّهِ وَمَنْ يَقْدِرُ قَالَ إيَّاكُمْ وَالدُّنْيَا فَلَا تَتَّخِذُوهَا قَرَارًا.
قَالَ الْحَكِيمُ: جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الدُّنْيَا مَمَرًّا وَالْآخِرَةَ مَقَرًّا.
وَقَالَ ﵊ «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّك غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» (وَالْآخِرَةُ صَافِيَةٌ) عَنْ تِلْكَ الْأَكْدَارِ (بَاقِيَةٌ) لَا انْقِضَاءَ لَهَا أَبَدًا (وَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ عَاجِزُونَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ وَلَا يَمْلِكُونَ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا) لِأَحَدٍ فَإِذَنْ الْعِبَادَةُ لِأَجْلِ تِلْكَ الْعَجَزَةِ وَمَحَبَّةِ تِلْكَ الْفَانِيَةِ الْكَدِرَةِ، وَتَرْجِيحُهَا عَلَى الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ الصَّافِيَةِ إنَّمَا يَنْشَأُ مِنْ كَمَالِ الْحَمَاقَةِ وَنِهَايَةِ الْبِغَايَةِ وَغَايَةِ الْغَوَايَةِ (فَعَلَيْك أَيُّهَا الْعَاقِلُ) الْمَاشِي عَلَى مُقْتَضَى عَقْلِهِ بِتَمْيِيزِ مَا يَنْفَعُهُ عَمَّا يَضُرُّهُ وَبِصَرْفِهِ إلَى مَا هُوَ لَهُ (أَنْ تَقْنَعَ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِعِبَادَتِك) وَأَيْضًا بِثَوَابِهِ عَلَى عِبَادَتِك (وَلَا تَطْلُبُ عِلْمَ غَيْرِهِ) وَكَذَا النَّفْعُ مِنْهُ إذْ قَدْ عَرَفْت أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُ عَاجِزٌ وَالنَّفْعَ وَالضُّرَّ إلَيْهِ تَعَالَى قَاصِرٌ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] اقْتِبَاسٌ مُشِيرٌ إلَى دَلِيلِ الْحُكْمِ وَمُنَبِّهٌ عَلَى وُضُوحِ الْأَمْرِ وَبَدَاهَةِ الْحُكْمِ وَتَقْرِيعٌ لِلذَّاهِلِينَ وَتَوْبِيخٌ لِلْغَافِلِينَ بِحِكَايَةِ كَلَامِ أَصْدَقِ الْقَائِلِينَ (وَ) عَلَيْك (أَنْ تَذْكُرَ وَتُكَرِّرَ عَلَى قَلْبِك) لِئَلَّا يَقَعَ الذُّهُولُ وَالْغُفُولُ، فَإِنَّ الْخَطَرَ عَظِيمٌ وَالْهَلْكَى كَثِيرٌ (غَوَائِلَ الرِّيَاءِ وَفَوَائِدَ الْإِخْلَاصِ) مِنْ نُورِهَا وَجَلَالَتِهَا وَعَظَمَتِهَا وَرِفْعَتِهَا (الْمَذْكُورَتَيْنِ) لِتَنْفِرَ عَنْ الرِّيَاءِ وَتَرْغَبَ إلَى الْإِخْلَاصِ فَتَأْلَفَ مَا بِهِ الْفَائِدَةُ وَتَنْفِرُ عَمَّا بِهِ الْغَائِلَةُ فَيَزُولُ الرِّيَاءُ وَيَحْصُلُ الْإِخْلَاصُ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْعِلَاجِ الْعِلْمِيِّ أَرَادَ أَنْ
стр. 482
يَذْكُرَ الْعِلَاجَ الْعَمَلِيَّ فَقَالَ (وَالْعِلَاجُ الْعَمَلِيُّ إخْفَاءُ الْعَمَلِ) الَّذِي يَصْلُحُ فِيهِ الْإِخْفَاءُ عَنْ الْخَلْقِ سِيَّمَا عَمَّنْ يُهَيِّجُ عِنْدَهُ دَوَاعِيَ الرِّيَاءِ (وَإِغْلَاقُ الْبَابِ) أَيْ بَابِ الرِّيَاءِ؛ لِأَنَّ الْإِخْفَاءَ سَلِيمٌ أَوْ بَابِ الْعِبَادَةِ لِئَلَّا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (إلَّا مَا لَزِمَ إظْهَارُهُ) بِأَنْ يَكُونَ مَشْرُوعِيَّتُهُ مَعَ الْجَمْعِ كَالْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ (وَالضَّرْبُ الثَّانِي دَفْعُ مَا يَخْطِرُ مِنْ الرِّيَاءِ) فِي قَلْبِ الْعَابِدِ (فِي الْحَالِ) بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ مِمَّا تَقَدَّمَ (وَرَفْعُ مَا يَعْرِضُ مِنْهُ) مِنْ الرِّيَاءِ لِلْعَابِدِ (فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ فَعَلَيْك فِي أَوَّلِ كُلِّ عِبَادَةٍ أَنْ تُفَتِّشَ قَلْبَك) بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ وَالِاخْتِبَارِ لَدَيْهِ.
(وَتُخْرِجُ عَنْهُ خَوَاطِرَ الرِّيَاءِ) الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ إحْبَاطُ ثَوَابِ الْعَمَلِ (وَتُقَرِّرَهُ عَلَى الْإِخْلَاصِ وَتَعْزِمُ عَلَيْهِ) عَلَى الْإِخْرَاجِ وَالتَّقْرِيرِ (إلَى أَنْ تَتِمَّ) الْعِبَادَةُ (لَكِنْ الشَّيْطَانُ لَا يَتْرُكُك بَلْ يُعَارِضُك بِخَطَرَاتِ الرِّيَاءِ) لَكِنْ لَا يَضُرُّ عُرُوضُ الرِّيَاءِ بَعْدَ كَوْنِ الشُّرُوعِ بِالْإِخْلَاصِ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ رَجُلٌ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ بِالْإِخْلَاصِ ثُمَّ خَلَطَهُ الرِّيَاءُ فَالْعِبْرَةُ لِلسَّابِقِ.
وَعَنْ الْمَطَالِعِ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ أَوْ يُصَلِّيَ وَيَخَافَ أَنْ يَدْخُلَهُ الرِّيَاءُ لَا يَتْرُكُ الْقُرْآنَ وَالصَّلَاةَ.
(وَهِيَ) أَيْ خَطَرَاتُ الرِّيَاءِ (ثَلَاثَةٌ مُرَتَّبَةٌ) الْأَوَّلُ (الْعِلْمُ) عِلْمُ الْعَابِدِ (بِاطِّلَاعِ الْخَلْقِ) عَلَى الْعَمَلِ (أَوْ رَجَاؤُهُ) رَجَاءُ الِاطِّلَاعِ (ثُمَّ) الثَّانِي (الرَّغْبَةُ فِي حَمْدِهِمْ وَحُصُولِ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَهُمْ ثُمَّ) الثَّالِثُ (قَبُولُ النَّفْسِ لَهُ) لِلْمَنْزِلَةِ (وَالرُّكُونُ) الْمَيْلُ الْقَوِيُّ (إلَيْهِ) أَيْ الْقَبُولِ (وَعَقْدُ الضَّمِيرِ) أَيْ رَبْطُ الْقَلْب (عَلَى تَحْقِيقِهِ) قِيلَ فَالْأَوَّلُ مَعْرِفَةٌ وَالثَّانِي حَالَةٌ تُسَمَّى بِالشَّهْوَةِ وَالرَّغْبَةِ وَالثَّالِثُ فِعْلٌ يُسَمَّى الْعَزْمُ وَالتَّصْمِيمُ وَإِنَّمَا كَانَ الْقُوَّةُ فِي دَفْعِ الْخَاطِرِ الْأَوَّلِ وَرَدِّهِ قَبْلَ أَنْ يَتْلُوَهُ الثَّانِي لَا يَخْفَى أَنَّ قَبُولَ النَّفْسِ لِلْمَنْزِلَةِ عِنْدَ الْخَلْقِ مَوْقُوفٌ عَلَى عَدِّ الرَّغْبَةِ فِي مَدْحِهِمْ وَالرَّغْبَةُ هَذِهِ إنَّمَا تَحْصُلُ بَعْدَ الْعِلْمِ فَوَجْهُ التَّرْتِيبِ ظَاهِرٌ (فَعَلَيْك رَدُّ كُلٍّ مِنْهَا) مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ.
(أَمَّا) رَدُّ (الْأَوَّلِ فَبِأَنْ قَالَ) الْمُخْلِصُ الْمُتَّقِي الْمُتَوَرِّعُ بِالْقَوْلِ الْمَعْقُولِ وَالْمَلْفُوظِ (مَالِكٌ) يَا نَفْسِي فِيهِ تَجْرِيدٌ إذْ مِنْ الْمُحَالِ اتِّحَادُ الْمُخَاطَبِ مَعَ الْمُخَاطِبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (وَلِلْخَلْقِ) هَكَذَا فِيمَا عِنْدَنَا مِنْ النُّسَخِ لَعَلَّ الصَّوَابَ وَالْخَلْقُ (عَلِمُوا أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا) يَعْنِي عِلْمَهُمْ وَعَدَمَ عِلْمِهِمْ سِيَّانِ إذْ لَا يُجْلَبُ بِعِلْمِهِمْ نَفْعٌ وَلَا بِعَدَمِ عِلْمِهِمْ ضُرٌّ بَلْ النَّافِعُ وَالضَّارُّ وَالْمُعْطِي وَالدَّافِعُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى (إنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِحَالِك) فَيَكْفِيك عِلْمُهُ (فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي عِلْمِ غَيْرِهِ) وَهُوَ عَبْدٌ عَاجِزٌ وَفَقِيرٌ مُحْتَاجٌ مِثْلُك إنْ قِيلَ مِنْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ لَكِنْ لِإِعْطَاءِ بَعْضِ شَيْءٍ وَوُصُولِ بَعْضِ مُرَادٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَدْخَلًا عَادِيًا لِعِلْمِهِمْ كَمَا تَشْهَدُ بِهِ التَّجْرِبَةُ وَالْمُشَاهَدَةُ فَمِنْ الْأَسْبَابِ الْعَادِيَةِ قُلْنَا يُمْكِنُ دَفْعُ ذَلِكَ بِمَا يَأْتِي (وَأَمَّا) رَدُّ.
(الثَّانِي فَبِتَذَكُّرِ آفَاتِ الرِّيَاءِ) السَّابِقَةِ (وَتَعَرُّضِهِ) كَوْنُهُ عُرْضَةً (لِمَقْتِ اللَّهِ تَعَالَى) لِبُغْضِهِ الشَّدِيدِ بِسَبَبِ الرِّيَاءِ وَخَيْبَتِهِ فِي أَحْوَجِ أَوْقَاتِهِ إلَى أَعْمَالِهِ بِعَدَمِ الثَّوَابِ بَلْ بِجَزْمِ الْعِقَابِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَدًّا لِلْأَوَّلِ أَيْضًا بَلْ رَدُّ الْأَوَّلِ أَيْضًا صَالِحٌ لِرَدِّ الثَّانِي فَافْهَمْ (فَيُثِيرُ) بِالثَّاءِ أَيْ يُهَيِّجُ ذَلِكَ التَّذْكِيرُ فِي قَلْبِ الْعَابِدِ
стр. 483
(كَرَاهِيَةً) مِنْ حَمْدِهِمْ (فِي مُقَابَلَةِ الرَّغْبَةِ) إلَيْهِ (تَدْعُو) تِلْكَ الْكَرَاهِيَةَ (إلَى الْإِبَاءِ) الِامْتِنَاعِ عَنْهُ (فِي مُقَابَلَةِ الْقَبُولِ) وَقَدْ قُرِّرَ تَرْجِيحُ الضُّرِّ عَلَى النَّفْعِ عِنْدَ تَسَاوِيهِمَا فَضْلًا عَنْ قُوَّةٍ الضُّرِّ كَمَا هُنَا وَذَلِكَ قَوْلُهُ (وَالنَّفْسُ) أَيْ الْعَقْلُ إذَا خَلَا عَنْ شُؤُونِ الْإِمَارَةِ بِالسُّوءِ (لَا مَحَالَةَ تُطَاوِعُ أَقْوَى الْمُتَقَابِلَيْنِ) وَأَغْلَبُهُمَا الْكَرَاهَةُ وَالرَّغْبَةُ وَلَا شَكَّ فِي غَلَبَةِ ضَرَرِ الْكَرَاهِيَةِ كَمَا عَرَفْت فِي غَوَائِلِ الرِّيَاءِ عَلَى نَفْعِ الرَّغْبَةِ (فَلَا بُدَّ فِي رَدِّ خَوَاطِرِ الرِّيَاءِ مِنْ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ الْمَعْرِفَةُ) مَعْرِفَةُ مَا خَطَرَ مِنْ خَوَاطِرِ الرِّيَاءِ (وَالْكَرَاهِيَةُ لَهُ) لِدَاعِي الْمَقْتِ (وَالْإِبَاءُ) الِامْتِنَاعُ عَنْ الرِّيَاءِ، ثُمَّ فَصَّلَ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةِ بِقَوْلِهِ (وَقَدْ يَشْرَعُ الْعَبْدُ فِي الْعِبَادَةِ عَلَى عَزْمِ الْإِخْلَاصِ) بِأَنْ لَا يَقْصِدَ شَيْئًا سِوَى رِضَاهُ تَعَالَى (ثُمَّ يَرِدُ) مِنْ الْوُرُودِ عَلَى قَلْبِهِ (خَاطِرُ الرِّيَاءِ) إيجَابًا (فَيَقْبَلُهُ) اخْتِيَارًا (بَغْتَةً) فَجْأَةً عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ (وَلَا يَحْضُرُهُ) أَيْ الْعَبْدَ (وَاحِدٌ مِنْ وُجُوهِ الرَّدِّ) الْمَعْرِفَةُ وَالْكَرَاهِيَةُ وَالْإِبَاءُ (بِسَبَبِ امْتِلَاءِ الْقَلْبِ بِحُبِّ الْحَمْدِ) أَيْ الْمَدْحِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ.
(وَخَوْفِ الذَّمِّ وَاسْتِيلَاءِ) غَلَبَةِ (الْحِرْصِ عَلَيْهِ) أَيْ الْعَبْدِ (فَيَعْزُبُ) بِضَمِّ الزَّايِ بِمَعْنَى يَغِيبُ وَيَخْرُجُ (عَنْ الْقَلْبِ آفَاتُ الرِّيَاءِ) لِغَلَبَةِ أَسْبَابِهِ عَلَيْهِ وَالذِّهْنُ بَسِيطٌ لَا يَتَوَجَّهُ إلَى شَيْئَيْنِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ (فَيَنْسَاهَا) أَيْ الْآفَاتِ (فَلَمْ تَظْهَرْ الْكَرَاهِيَةُ) حَتَّى أَمْكَنَ الرَّدُّ لِغَيْبُوبَةِ سَبَبِهَا عَنْهُ بِغَلَبَةِ سَبَبِ مُقَابِلِهَا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا تَظْهَرُ الْكَرَاهِيَةُ عِنْدَ الْحُضُورِ (لِأَنَّهَا) أَيْ الْكَرَاهِيَةَ (ثَمَرَةُ الْمَعْرِفَةِ) قِيلَ أَيْ بِغَوَائِلِ الرِّيَاءِ مِنْ نَحْوِ الْغَضَبِ وَالْمَقْتِ وَفِيهِ خَفَاءٌ فَافْهَمْ (وَقَدْ يَتَذَكَّرُ) مَا خَطَرَ بِبَالِهِ مِنْ خَاطِرِ الرِّيَاءِ (فَيَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي خَطَرَ لَهُ) أَيْ وَرَدَ عَلَى قَلْبِهِ (خَاطِرُ الرِّيَاءِ وَ) يَتَذَكَّرُ (أَنَّهُ) أَيْ خَاطِرَ الرِّيَاءِ (يُعَرِّضُهُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ يُصَيِّرُهُ مُعَرَّضًا (لِسُخْطِ اللَّهِ) تَعَالَى وَغَضَبِهِ.
(وَلَكِنْ لَا يَحْصُلُ) مَعَ ذَلِكَ (لَهُ الْكَرَاهِيَةُ) فَلَا يَحْصُلُ الِانْزِجَارُ فَيَكُونُ الْوِزْرُ عَلَيْهِ آكَدُ مِنْ الْأَوَّلِ فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ تَخَلُّفُ الْأَثَرِ عَنْ الْمُؤَثِّرِ إذْ قَدْ عَرَفْت أَنَّ الْكَرَاهِيَةَ ثَمَرَةُ الْمَعْرِفَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ حِينَئِذٍ حَاصِلَةٌ قُلْنَا إنْ أُرِيدَ الْمُؤَثِّرُ التَّامُّ فَلَا نُسَلِّمُهُ وَإِنْ الْمُطْلَقُ فَلَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ تَخَلُّفِهِ عَلَى أَنَّ تَأْثِيرَ الْعِلَلِ مَشْرُوطٌ بِارْتِفَاعِ مَوَانِعِهَا وَمِنْ جُمْلَتِهَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (لِشِدَّةِ شَهْوَتِهِ) أَيْ مَحَبَّتِهِ فَإِنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا عَمِيَ عَنْ مَعَايِبِهِ بَلْ يَرَى قَبَائِحَهُ مَحَاسِنَ كَمَا قِيلَ حُبُّك الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ فَإِنْ قِيلَ الْمَعْرِفَةُ تُوجِبُ الْكَرَاهِيَةَ وَالْمَحَبَّةُ عَدَمَهَا فَيَقْتَضِي تَسَاقُطَهُمَا فَمِنْ أَيْنَ الْحُكْمُ بِعَدَمِ الْكَرَاهِيَةِ قُلْنَا لَعَلَّ تَوْصِيفَهُ بِالشِّدَّةِ لِأَجْلِ تَرْجِيحِ هَذَا الْجَانِبِ لَكِنْ عِنْدَ التَّسَاوِي يَلْزَمُ الْحَظْرُ أَيْضًا غَايَتُهُ دُونَهُ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْحَرَامَ غَالِبٌ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِ مَعَ الْحِلِّ كَمَا فِي الْأُصُولِ وَأَنَّ الْحَظْرَ رَاجِحٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ.
وَقَدْ عَرَفْت مِرَارًا أَنَّ الْحُرُمَاتِ تَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ (فَيَغْلِبُ هَوَاهُ) النَّاشِئُ مِنْ شِدَّةِ الشَّهْوَةِ (عَقْلَهُ) النَّاشِئَ مِنْ الْمَعْرِفَةِ (وَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَرْكِ لَذَّةِ الْحَالِ) الْمُنْبَعِثَةِ مِنْ تِلْكَ الشَّهْوَةِ
стр. 484
الَّتِي هُوَ فِيهَا فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَقْدُورَهُ فَلَا تَكْلِيفَ بِنَفْيِهِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِثُبُوتِهِ قُلْنَا لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الْقُدْرَةِ الْمَنْفِيَّةِ هُوَ الِامْتِنَاعُ بَلْ بِنَحْوِ أَنْ يُقَالَ وَلَا يُرِيدُ ذَلِكَ التَّرْكَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ (فَيَسْتَلِذُّ) بِسُوءِ اخْتِيَارِهِ (بِالشَّهْوَةِ) الْعَاجِلَةِ (وَيَتَسَوَّفُ بِالتَّوْبَةِ) وَقَدْ هَلَكَ الْمُتَسَوِّفُونَ (أَوْ يَتَشَاغَلُ) وَلَا يَخْطِرُ بِبَالِهِ التَّوْبَةُ (عَنْ الْفِكْرِ فِي ذَلِكَ) وَلَمْ يَعُدَّهُ شَيْئًا حَظْرًا (لِشِدَّةِ الشَّهْوَةِ) لَعَلَّ هَذِهِ الشِّدَّةَ فَوْقَ مَا سَبَقَ، وَالشِّدَّةُ إمَّا مِنْ حَيْثُ الْقُوَّةُ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ فَيُوجَدُ جَمِيعُ الثَّلَاثَةِ أَوْ بَعْضُهَا عَلَى وَجْهِ الْقُوَّةِ أَوْ مِنْ حَيْثُ الْكَمُّ فَيُوجَدُ كُلُّ الثَّلَاثَةِ أَوْ أَكْثَرُهَا أَعْنِي حُبَّ الْمَدْحِ وَخَوْفَ الذَّمِّ وَاسْتِيلَاءَ الْحِرْصِ (فَكَمْ مِنْ عَالِمٍ يَحْضُرُهُ كَلَامٌ) أَيْ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ (لَا يَدْعُو إلَى قَوْلِهِ) ذَلِكَ (إلَّا الرِّيَاءُ) هَذَا التَّفْرِيعُ يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ تَأَمُّلٍ (وَهُوَ) أَيْ الْعَالِمُ الْمَذْكُورُ (يَعْلَمُ ذَلِكَ) أَيْ كَوْنَهُ بِالرِّيَاءِ هَذَا وَإِنْ كَانَ كَالْمُسْتَغْنَى عَنْهُ لَكِنَّهُ قَدْ لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِالْعِلْمِ أَوْ لِكَوْنِهِ مَدَارَ الْحُكْمِ بِالْآكَدِيَّةِ كَانَ أَهَمَّ فَإِذَنْ تَحْصُلُ الْمَعْرِفَةُ (وَلَكِنَّهُ) مَعَ عِلْمِهِ لَا يَنْزَجِرُ بَلْ (يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ) فَلَا يَحْصُلُ الْإِبَاءُ (وَلَا يَكْرَهُهُ) فَلَا تَحْصُلُ الْكَرَاهِيَةُ فَبِالْجُمْلَةِ تُوجَدُ الْمَعْرِفَةُ وَلَا يُوجَدُ الْإِبَاءُ وَالْكَرَاهِيَةُ.
(فَتَكُونُ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى ذَلِكَ الْعَالِمِ فِي التَّعْذِيبِ (آكَدُ) أَقْوَى (إذْ قَبِلَ) مِنْ الْقَبُولِ (دَاعِيَ الرِّيَاءِ) مِنْ الِاسْتِمْرَارِ وَعَدَمِ الْكَرَاهِيَةِ (مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وَبِغَائِلَتِهِ) وَمُوجِبُ الْعِلْمِ الِانْكِفَافُ عِنْدَ عِلْمِهِ بِأَحَدِهِمَا فَكَيْفَ بِعِلْمِهِ بِهِمَا (وَقَدْ يَحْضُرُ) الْمُخْلِصَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَمَلِ وَقَدْ طَرَأَ عَلَيْهِ الرِّيَاءُ (الْمَعْرِفَةُ وَالْكَرَاهِيَةُ مَعًا وَلَكِنْ لَا يَحْصُلُ لَهُ الْإِبَاءُ) عَنْ دَاعِي الرِّيَاءِ (بَلْ يَقْبَلُ دَاعِيَ الرِّيَاءِ وَيَعْمَلُ بِهِ لِكَوْنِ الْكَرَاهِيَةِ لَهُ ضَعِيفَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى قُوَّةِ الشَّهْوَةِ وَالرَّغْبَةِ) وَالْحُكْمُ لِأَقْوَى الْمُتَقَابِلَيْنِ فَكَأَنَّ الْكَرَاهِيَةَ لَمْ تُوجَدْ (وَهَذَا) أَيْ ذُو الْكَرَاهِيَةِ الَّتِي لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهَا أَثَرُهَا مِنْ الْإِبَاءِ (أَيْضًا لَا يَنْتَفِعُ بِكَرَاهِيَتِهِ) كَمَا لَا يَنْتَفِعُ بِمَعْرِفَتِهِ (إذْ الْغَرَضُ مِنْهَا) مِنْ الْكَرَاهِيَةِ (صَرْفُهُ عَنْ الْفِعْلِ) أَيْ الرِّيَاءِ وَلَمْ يَحْصُلْ (فَإِذًا) عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ نَفْعِ الْكَرَاهِيَةِ وَالْمَعْرِفَةِ بِدُونِ الْإِبَاءِ مُنْفَرِدَيْنِ أَوْ مُجْتَمِعَيْنِ.
(لَا فَائِدَةَ إلَّا فِي اجْتِمَاعِ الثَّلَاثَةِ) مِنْ الْمَعْرِفَةِ وَالْكَرَاهِيَةِ وَالْإِبَاءِ فَالْإِبَاءُ ثَمَرَةُ الْكَرَاهِيَةِ وَالْكَرَاهِيَةُ ثَمَرَةُ الْمَعْرِفَةِ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْإِيمَانِ وَضَعْفِهَا بِسَبَبِ الْغَفْلَةِ وَحُبِّ الدُّنْيَا وَنِسْيَانِ الْآخِرَةِ وَقِلَّةِ التَّفَكُّرِ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَقِلَّةِ التَّدَبُّرِ فِي آفَاتِ حُبِّ الدُّنْيَا وَعِظَمِ نِعَمِ الْآخِرَةِ، وَبَعْضُ ذَلِكَ يُنْتِجُ بَعْضًا وَيُثْمِرُ وَأَصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ حُبُّ الدُّنْيَا وَهُوَ رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وَمَنْبَعُ كُلِّ ذَنْبٍ.
(فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ الرِّيَاءِ) وَقَدْ يَخْطِرُ بِالْبَالِ أَنَّهُ إذَا حَصَلَ الْإِبَاءُ بِدُونِ الْمَعْرِفَةِ وَالْكَرَاهِيَةِ حَصَلَ الْبَرَاءَةُ مِنْ الرِّيَاءِ أَيْضًا (وَمُجَرَّدُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ لَا يَضُرُّ (خُطُورِ الرِّيَاءِ) بِنَفْسِهِ بِلَا اخْتِيَارٍ (وَمَيْلِ الطَّبْعِ إلَيْهِ) النَّفْسَانِيِّ كَمَا فِي الْحَالَةِ الْأُولَى (وَحُبِّهِ لَهُ) أَيْ وَمُجَرَّدُ حُبِّهِ لَهُ كَمَا فِي الْحَالَةِ الْأُولَى أَيْضًا أَيْ الْعَارِي عَنْ الِاسْتِدَامَةِ وَالِاسْتِمْرَارِ وَإِلَّا فَيَكُونُ مَسْبُوقًا بِالْقَصْدِ وَالِاخْتِيَارِ دُونَ الِاضْطِرَارِ (وَمُنَازَعَتِهِ إيَّاهُ) فِي طَرْدِهِ وَإِخْرَاجِهِ بِأَنْ يَرِدَ خَاطِرُ الرِّيَاءِ عَقْلَ الْعَابِدِ وَيَقْبَلَهُ هَوَاهُ وَنَفْسُهُ فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَذْكُرَ ذَلِكَ أَوْ يُجْعَلَ قَيْدًا لِلْأَوَّلِ.
(لَا يَضُرُّ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ قَبُولٌ وَرُكُونٌ بِالِاخْتِيَارِ)
стр. 485
هَذَا كَالْمُسْتَغْنَى عَنْهُ بِمُلَاحَظَةِ فَائِدَةِ قَوْلِهِ وَمُجَرَّدُ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ تَفْسِيرًا وَبَيَانًا لَهُ (إذْ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْعَبْدِ مَنْعُ الشَّيْطَانِ مِنْ نَزَغَاتِهِ) وَوَسَاوِسَهُ وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي وُسْعِهِ عَدَمُ الْمُبَالَاةِ بِوَسَاوِسِهِ وَعَدَمُ الْمُطَاوَعَةِ فِيهَا فَالرُّكُونُ وَالْقَبُولُ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَالَاةِ وَالْمُطَاوَعَةِ، وَخُطُورُ الرِّيَاءِ مِنْ قَبِيلِ النَّزَغَاتِ فَلَا يَرِدُ أَنَّ خُطُورَ الرِّيَاءِ مُضِرٌّ وَالرُّكُونَ وَالْقَبُولَ لَيْسَ بِمُضِرٍّ وَحَاصِلُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ النَّزْغُ فِي وُسْعِ الْعَبْدِ فَيَلْزَمُ عَدَمُ ضَرَرِ الْقَبُولِ وَالرُّكُونِ فَتَأَمَّلْ.
(وَلَا قَمْعُ الطَّبْعِ) قَطْعُهُ (حَتَّى لَا يَمِيلَ إلَى الشَّهَوَاتِ) لِأَنَّ الْمَرْءَ مَجْبُولٌ عَلَى حُبِّ الْمَنَاهِي وَالشَّهَوَاتِ (وَلَا يَنْزِعُ) لَا يَنْجَذِبُ وَلَا يَمِيلُ (إلَيْهَا) إذْ الطَّبْعُ ضَرُورِيٌّ فِيهَا وَلَا تَكْلِيفَ فِي الِاضْطِرَارِيِّ كَالِامْتِنَاعِيِّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا (وَإِنَّمَا غَايَتُهُ) غَايَةُ وُسْعِهِ (أَنْ يُقَابِلَ شَهْوَتَهُ بِكَرَاهِيَةٍ) فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُقَابِلُ بِكَرَاهِيَةٍ وَقَدْ كَانَ حُبُّهُ ضَرُورِيًّا إذْ مَا يَكُونُ ضَرُورِيًّا لَا يُمْكِنُ مُقَابَلَتُهُ إيَّاهُ قُلْنَا قَدْ عَرَفْت أَنَّ الْحُبَّ الضَّرُورِيَّ هُوَ الْخَاطِرُ الْأَوَّلُ وَالْمُقَابَلَةُ مَا يَكُونُ بَعْدَهُ.
(وَإِبَاءٍ وَعَدَمِ إجَابَةٍ) لِدَاعِي الطَّبْعِ أَوْ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ (اسْتَفَادَهَا) أَوْ اسْتَفَادَ الْعَبْدُ هَذِهِ الْمُقَابَلَةَ (مِنْ عِلْمِ الدِّينِ) كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ أَوْ مِنْ الْعِلْمِ الَّذِي اُسْتُفِيدَ مِنْهُمَا كَالتَّصَوُّفِ وَالْأَخْلَاقِ وَالزُّهْدِ (فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ) الْمُقَابَلَةَ (فَهُوَ الْغَايَةُ فِي أَدَاءِ مَا كُلِّفَ بِهِ) فَلَيْسَ مِنْ وَرَائِهِ تَكْلِيفٌ فَلَا ضَرَرَ فِي إتْيَانِهِ قِيلَ هُنَا وَالْمُخْلِصُونَ عَنْ الرِّيَاءِ فِي دَفْعِ خَوَاطِرِهِ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاتِبَ الْأُولَى أَنْ يَرُدَّ عَلَى الشَّيْطَانِ فَيُكَذِّبَهُ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ بَلْ يَشْتَغِلُ بِمُجَادَلَتِهِ وَيُطِيلُ الْجِدَالَ مَعَهُ لِظَنِّهِ أَنَّ ذَلِكَ أَسْلَمُ لِقَلْبِهِ وَهُوَ عَلَى التَّحْقِيقِ نُقْصَانٌ؛ لِأَنَّهُ اشْتَغَلَ عَنْ مُنَاجَاةِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْخَيْرِ الَّذِي هُوَ بِصَدَدِهِ وَانْصَرَفَ إلَى قِتَالِ قُطَّاعٍ وَهُوَ نُقْصَانٌ فِي السُّلُوكِ الثَّانِيَةُ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الْقِتَالَ وَالْجِدَالَ نُقْصَانٌ فِي السُّلُوكِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى تَكْذِيبِهِ وَدَفْعِهِ وَلَا يَشْتَغِلُ بِمُجَادَلَتِهِ الثَّالِثَةُ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ بِتَكْذِيبِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْفَةٌ فِي السُّلُوكِ وَإِنْ قُلْت بَلْ قَرَّرَ فِي ضَمِيرِهِ كَرَاهِيَةَ الرِّيَاءِ وَكَذِبَ الشَّيْطَانِ فَيَسْتَمِرُّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مُسْتَصْحِبًا لِلْكَرَاهِيَةِ غَيْرَ مُشْتَغِلٍ بِالتَّكْذِيبِ وَالْمُخَاصَمَةِ الرَّابِعَةُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَحْسُدُهُ عِنْدَ جَرَيَانِ أَسْبَابِ الرِّيَاءِ فَيَكُونُ قَدْ عَزَمَ عَلَى أَنَّهُ مَهْمَا نَزَغَ الشَّيْطَانُ زَادَ فِيمَا هُوَ مِنْ الْإِخْلَاصِ وَالِاشْتِغَالِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَإِخْفَاءِ الْعِبَادَةِ غَيْظًا لِلشَّيْطَانِ، وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَغِيظُ الشَّيْطَانَ وَيَقْمَعُهُ وَيُوجِبُ يَأْسَهُ وَقُنُوطَهُ حَتَّى لَا يَرْجِعَ وَمَهْمَا عَرَفَ الشَّيْطَانُ مِنْ الْعَبْدِ هَذِهِ الْعَادَةَ كَفَّ عَنْهُ خِيفَةً مِنْ أَنْ يَزِيدَ فِي حَسَنَاتِهِ (ثُمَّ إذَا فَرَغَ) مِنْ نِزَاعِهِ وَجِدَالِهِ لِطَبْعِهِ وَشَيْطَانِهِ وَقَدْ أَتَمَّ عِبَادَتَهُ بِالْإِخْلَاصِ (فَعَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَحَدَّثَ بِهِ) أَيْ لَا يُخْبِرَ بِعِبَادَتِهِ أَحَدًا (وَلَا يُظْهِرَهُ) لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ إلَيْهِ نَوْعٌ مِنْ الرِّيَاءِ وَقَدْ أَتَمَّهُ بِأَتْعَابٍ كَثِيرَةٍ (إلَّا إذَا أَمِنَ الرِّيَاءَ وَقَصَدَ) بِإِظْهَارِهِ (اقْتِدَاءَ الْغَيْرِ بِهِ) وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ (فِي مَظِنَّتِهِ) لَا بِمُجَرَّدِهِ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاقْتِدَاءِ أَوْ كَانَ وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ أَخْبَرَهُ بِهِ مَظِنَّةَ مَنْ يَقْتَدِي فَلَا يُظْهِرُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ لَعَلَّ مِنْ قَبِيلِ هَذَا الْمُسْتَثْنَى قَصْدُ تَحْدِيثِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَصْدُ تَمْكِينِ صِيتِهِ الْحَسَنِ عَسَى أَنْ يَشْهَدُوا بِحُسْنِ حَالِهِ فَيَغْفِرُهُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا فِي الْحَدِيثِ (وَ) أَنْ (يَكُونَ وَجِلًا) مُضْطَرِبًا (مِنْ عَمَلِهِ خَائِفًا أَنْ يَدْخُلَهُ مِنْ الرِّيَاءِ الْخَفِيِّ) وَقَدْ مَرَّ (مَا لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ) أَيْ الرِّيَاءِ الَّذِي لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ لِخَفَاءِ سَبَبِهِ (فَيَكُونُ مَرْدُودًا مَمْقُوتًا) مَبْغُوضًا (لِلَّهِ تَعَالَى) مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي (وَيَكُونُ هَذَا الْخَوْفُ فِي دَوَامِ عَمَلِهِ) فِي أَثْنَائِهِ.
(وَبَعْدَهُ لَا فِي ابْتِدَاءِ الْعَمَلِ) عِنْدَ شُرُوعِهِ، لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ التتارخانية لَوْ افْتَتَحَ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى ثُمَّ دَخَلَ فِي قَلْبِهِ الرِّيَاءُ فَهُوَ عَلَى مَا افْتَتَحَ وَالرِّيَاءُ أَنَّهُ لَوْ خَلَا عَنْ النَّاسِ لَا يُصَلِّي وَلَوْ كَانَ مَعَ النَّاسِ يُصَلِّي كَمَا تَقَدَّمَ (بَلْ يَنْبَغِي
стр. 486
أَنْ يَكُونَ مُتَيَقِّنًا فِي الِابْتِدَاءِ أَنَّهُ مُخْلِصٌ) لِلَّهِ تَعَالَى (مَا يُرِيدُ بِعَمَلِهِ إلَّا اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى تُوجَدَ النِّيَّةُ) تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ تَيَقُّنِ الْإِخْلَاصِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعَمَلِ (إذْ هِيَ) أَيْ النِّيَّةُ (الْعَزْمُ الْمُصَمَّمُ) الْقَطْعِيُّ (الْبَاعِثُ) الدَّاعِي عَلَى الْعَمَلِ (فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَ الشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ) لِلتَّنَافِي بَيْنَ الْقَطْعِ وَبَيْنَ الشَّكِّ وَأَنَّ الشَّكَّ لَا يَنْبَعِثُ عَنْهُ شَيْءٌ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي كَوْنَ الْخَوْفِ الْمَذْكُورِ عِنْدَ دَوَامِ الْعَمَلِ وَبَعْدَهُ مَشْكُوكًا فِي عَدَمِ الرِّيَاءِ، وَظَاهِرُ الِاجْتِهَادِ وَالْخَوْفِ يُنَافِيهِ (فَإِذَا شَرَعَ عَلَى الْيَقِينِ) يَعْنِي إذَا كَانَ عِنْدَ الشُّرُوعِ جَازِمًا بِالْإِخْلَاصِ خَالِيًا عَنْ شَوَائِبِ الرِّيَاءِ (وَمَضَتْ لَحْظَةٌ) زَمَانٌ قَلِيلٌ (يُمْكِنُ فِيهِ الْغَفْلَةُ) غَيْبَةُ الشَّيْءِ عَنْ الْخَاطِرِ وَعَدَمُ تَذَكُّرِهِ لَهُ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَنْ تَرَكَهُ إهْمَالًا وَإِعْرَاضًا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] (وَالنِّسْيَانُ) مُشْتَرَكٌ بَيْنَ تَرْكِ الشَّيْءِ عَنْ ذُهُولٍ وَغَفْلَةٍ خِلَافَ الذِّكْرِ وَتَرْكِهِ عَلَى تَعَمُّدٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ - ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] (جَاءَ الْخَوْفُ مِنْ شَائِبَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِجَاهِ (خَفِيَّةٍ مِنْ) بَيَانٌ لِلشَّائِبَةِ (رِيَاءٍ أَوْ عُجْبٍ) يَعْنِي بَعْدَمَا شَرَعَ بِالْإِخْلَاصِ تَتَطَرَّقُ شَائِبَةُ الرِّيَاءِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ إمَّا بِسَبَبِ سَهْوٍ وَغَفْلَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّيَقُّظِ وَالتَّدَبُّرِ حَتَّى لَا تَتَطَرَّقَ أَوْ يَدْفَعَ وَلَا يَسْتَمِرَّ الرِّيَاءُ مَثَلًا فَإِنْ قِيلَ النِّسْيَانُ مَرْفُوعُ الْإِثْمِ بِحَدِيثِ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» إذْ شُرَّاحُ الْحَدِيثِ فَسَّرُوهُ بِاسْمِ الْخَطَأِ قُلْنَا هَذَا إذَا لَمْ يَتَعَاطَ سَبَبُهُ، وَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ النِّسْيَانِ مَا فِي الِابْتِدَاءِ وَأَمَّا فِي الْبَقَاءِ فَقَلَّمَا يُوجَدُ النِّسْيَانُ بَلْ إنْ وُجِدَ يَكُونُ مِنْ قِلَّةِ مُبَالَاتِهِ وَعَدَمِ اهْتِمَامِهِ وَهُوَ أَمْرٌ اخْتِيَارِيٌّ.
وَعَنْ الْبَيْضَاوِيِّ أَنَّ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ كَانَ مُؤَاخَذًا بِهِمَا أَوَّلًا؛ إذْ لَا تَمْتَنِعُ الْمُؤَاخَذَةُ بِهِمَا عَقْلًا فَإِنَّ الذُّنُوبَ كَالسَّمُومِ فَكَمَا أَنَّ تَنَاوُلَهَا مُهْلِكٌ وَإِنْ خَطَأً فَكَذَا تَنَاوُلُ الذُّنُوبِ مُفْضٍ إلَى الْعِقَابِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزِيمَةٌ لَكِنَّهُ تَعَالَى وَعَدَ بِالتَّجَاوُزِ فَضْلًا وَكَرَمًا.
(وَأَمَّا أَوْلَوِيَّةُ غَلَبَةِ الْخَوْفِ عَلَى الرَّجَاءِ أَوْ الْعَكْسُ) ظَاهِرُهُ أَرَادَ اخْتِصَاصَ ذَلِكَ فِي مَقَامِ الرِّيَاءِ. وَالظَّاهِرُ عُمُومُهُ سَوَاءٌ بِخَوْفِ الرِّيَاءِ أَوْ لَا وَأَنَّهُ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ بَحْثِ حَالِ الرَّجَاءِ أَيْضًا (فَقَدْ اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُ الْمَشَايِخِ فِيهَا) أَيْ الْأَوْلَوِيَّةِ.
(قَالَ بَعْضُهُمْ) قِيلَ مِنْهُمْ الْغَزَالِيُّ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِ فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ خِلَافُهُ حَيْثُ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْخَوْفِ فَيَعْلَمُ أَوَّلًا الطَّرِيقَ ثُمَّ يَعْمَلُ بِهِ ثُمَّ يَخْلُصُ ثُمَّ لَا يَزَالُ يَخَافُ وَيَحْذَرُ مِنْ الْآفَاتِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَقَدْ صَدَقَ ذُو النُّونِ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ مَوْتَى إلَّا الْعُلَمَاءَ، وَالْعُلَمَاءُ نِيَامٌ إلَّا الْعَامِلُونَ وَالْعَامِلُونَ مُغْتَرُّونَ إلَّا الْمُخْلِصُونَ وَالْمُخْلِصُونَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ قَالَ الْعَجَبُ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَقَالَ رَابِعُهَا مِنْ مُخْلِصٍ غَيْرِ خَائِفٍ أَمَا يَنْظُرُ فِي مُعَامَلَاتِهِ تَعَالَى مَعَ أَصْفِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ وَخِدْمَتِهِ الدَّالَّةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ حَتَّى يَقُولَ لِأَكْرَمِ الْخَلْقِ - ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الزمر: ٦٥]- الْآيَاتِ حَتَّى «كَانَ ﵊ يَقُولُ شَيَّبَتْنِي سُورَةُ هُودٍ» انْتَهَى مُلَخَّصًا.
(يَنْبَغِي أَنْ يَغْلِبَ الرَّجَاءُ) عَلَى الْخَوْفِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْعَابِدَ الْمَذْكُورَ (اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ دَخَلَ) فِي الْعَمَلِ (بِإِخْلَاصٍ) كَمَا هُوَ الْكَلَامُ فِيهِ (وَشَكَّ فِي زَوَالِهِ) بِعُرُوضِ نَحْوِ الرِّيَاءِ وَالْعُجْبِ (فَمِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ) الشَّرْعُ نَفْسُ الْكِتَابِ وَالْحَدِيثِ وَالْقَوَاعِدِ لِلْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ، فَالْمُرَادُ مِنْ قَوَاعِدِ أَهْلِ الشَّرْعِ أَوْ مِنْ الْقَوَاعِدِ اللَّازِمَةِ لِنَفْسِ الشَّرْعِ أَوْ الْمَفْهُومَةِ مِنْهُ (أَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ) .
قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ مَبْنَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنَهُ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنْ
стр. 487
الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» ثُمَّ فَصَّلَ فِي تَوْضِيحِهِ كَلَامًا لَا يَتَحَمَّلُهُ الْمَقَامُ وَأَيْضًا الْأَصْلُ إبْقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ الْيَقِينُ فِي الِابْتِدَاءِ فَهُوَ بَاقٍ فِي الِانْتِهَاءِ إلَّا بِيَقِينٍ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِيَقِينٍ لَا يَزُولُ إلَّا بِالْيَقِينِ وَأَيْضًا مَنْ شَكَّ هَلْ فَعَلَ أَوْ لَا فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فَيُعْتَبَرُ عَدَمُ الرِّيَاءِ فِي مَسْأَلَتِنَا، لَكِنْ يَرِدُ أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِتِلْكَ الْقَاعِدَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهَا كُلِّيَّةً حَتَّى يَتَحَقَّقَ كَوْنُ الْمَقْصُودِ مِنْ أَفْرَادِ مَوْضُوعِهَا كَصُغْرَى سَهْلَةِ الْحُصُولِ وَإِلَّا فَلَا يَقَعُ الْأَمْنُ فِي دُخُولِهِ تَحْتَهُ عَلَى تَفْصِيلِ مَا ذَكَرُوا فِي وَجْهِ كُلِّيَّةِ الْكُبْرَى فِي الشَّكْلِ الْأَوَّلِ وَلَا شَكَّ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِكُلِّيَّةٍ لِعَدَمِ جَرَيَانِهَا فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ كَمَنْ شَكَّ فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ هَلْ أَتَى بِهَا أَوْ لَا أَوْ أَحْدَثَ أَوْ لَا أَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ أَوْ لَا وَكَانَ أَوَّلُ مَا عَرَضَ لَهُ اسْتَقْبَلَ
وَمَنْ وَجَدَ فَأْرَةً مَيْتَةً وَلَمْ يَدْرِ مَتَى وَقَعَتْ وَقَدْ تَوَضَّأَ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَمَنْ وَجَدَ بَلَلًا وَشَكَّ فِي أَنَّهُ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ وَمَنْ أَصَابَ ثَوْبَهُ نَجَاسَةٌ وَلَا يَدْرِي أَيَّ مَوْضِعٍ أَصَابَتْهُ غَسَلَ الْكُلَّ، وَإِنْ فِيهِ خِلَافًا وَتَمَامُهُ فِي الْأَشْبَاهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ قَطْعِيَّاتٌ وَارِدَةٌ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَمَا ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَغَيْرُهُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ وَأَنَّ وُجُودَ هَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ إنَّمَا يُنَافِي الْقَطْعَ لَا الظَّنَّ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمَطْلَبُ ظَنِّيًّا.
وَقَالَ الْمَوْلَى حَسَنٌ جَلَبِيٌّ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الْمَوَاقِفِ عَنْ إبْكَارِ الْأَفْكَارِ إنَّ الْكُبْرَى الْأَكْثَرِيَّةَ الَّتِي لَا تَكُونُ كُلِّيَّةً مُنْتِجَةً فِي الشَّكْلِ الْأَوَّلِ عِنْدَ كَوْنِ الْمَطْلَبِ ظَنِّيًّا وَأَنَّ الْمُخْرَجَ وَإِنْ كَثِيرًا فِي نَفْسِهِ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَاقِي فَالْفَرْدُ يَلْحَقُ بِالْأَعَمِّ وَالْأَغْلَبِ فِي الْعُرْفِ وَاللُّغَةِ وَالشَّرْعِ ثُمَّ يَشْكُلُ أَيْضًا بِقَوْلِهِمْ الْحُرُمَاتُ تَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ فَتَأَمَّلْ
بَقِيَ أَنَّ الشَّكَّ تَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ وَالظَّنَّ الطَّرَفُ الرَّاجِحُ وَالْوَهْمَ رُجْحَانُ جِهَةِ الْخَطَإِ وَأَكْبَرُ الرَّأْيِ، وَغَالِبُ الظَّنِّ الرَّاجِحُ الَّذِي أَخَذَ بِهِ الْقَلْبُ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَمُطْلَقُ الظَّنِّ عِنْدَهُمْ هُوَ الشَّكُّ بِمَعْنَى التَّرَدُّدِ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ سَوَاءٌ اسْتَوَيَا أَوْ تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا، فَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ عَلَى ظَنِّي لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لِلشَّكِّ وَغَالِبُ الظَّنِّ عِنْدَهُمْ مُلْحَقٌ بِالْيَقِينِ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ أَيْضًا (فَبِذَلِكَ) بِغَلَبَةِ رَجَاءِ الْقَبُولِ عَلَى الْخَوْفِ مِنْ عَدَمِهِ لَعَلَّ الْأُولَى وَبِغَلَبَةِ بِالْوَاوِ بَدَلَ الْفَاءِ (تَعَظُّمٌ لِذَاتِهِ فِي الْمُنَاجَاةِ) لِأَجْلِ ذَلِكَ الشَّكِّ (وَالطَّاعَاتِ) إذْ عَدَمُ قَبُولِ الْعَمَلِ يُوجِبُ الْفُتُورَ وَالْكَسْلَانَ، وَاعْتِقَادُ قَبُولِهِ يُوجِبُ النَّشَاطَ وَالِانْبِسَاطَ وَأَنَّ إطْلَاقَاتِ الْعُمُومَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فِي وَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى الْأَجْرَ وَالثَّوَابَ فِي مُقَابَلَةِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ تُرَجِّحُ ذَلِكَ الْجَانِبَ، وَأَنَّهُ حَسَنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» ، وَظَنُّ رَجَاءِ الْقَبُولِ مُوجِبٌ لِلْقَبُولِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ» (وَخَوْفُهُ) مِنْ زَوَالِ الْإِخْلَاصِ (لِأَجْلِ ذَلِكَ الشَّكِّ جَدِيرٌ بِأَنْ يُكَفِّرَ) يَمْحُوَ (خَاطِرَ الرِّيَاءِ إنْ كَانَ قَدْ سَبَقَ عَنْهُ) بِأَنْ عَرَضَ لَهُ (وَهُوَ غَافِلٌ عَنْهُ) لِكَوْنِهِ مِنْ الرِّيَاءِ الْخَفِيِّ لَعَلَّ مُنَاسَبَةَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ لِجَانِبِ غَلَبَةِ الْخَوْفِ أَظْهَرُ مِنْ مُنَاسَبَتِهَا هُنَا إلَّا أَنْ يُقَالَ هَذَا بَيَانُ وَجْهِ جَانِبِ الْمَغْلُوبِيَّةِ كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ وَجْهُ جَانِبِ الْغَالِبِيَّةِ إذْ الْمَطْلُوبُ مُرَكَّبٌ لَا بَسِيطٌ (وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ غَلَبَةُ الْخَوْفِ) عَلَى الرَّجَاءِ
قِيلَ هُنَا قَالَ ﵊ «مَنْ لَمْ يَخَفْ عَاقِبَةَ أَمْرِهِ وَخَاتِمَتَهُ أَنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ يَخَافُ عَلَى
стр. 488
فَوْتِ دِينِهِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى» وَرُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ يُسْمَعُ لِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى» كَمَا فِي الْإِحْيَاءِ وَالسَّنُوسِيِّ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] انْتَهَى لَا يَخْفَى مَا فِيهَا مِنْ عَدَمِ التَّقْرِيبِ إذْ الْخَوْفُ هُنَا خَوْفُ الرِّيَاءِ وَالْخَوْفُ فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ ذَلِكَ (حَتَّى نُقِلَ عَنْ رَابِعَةَ الْعَدَوِيَّةِ) لَعَلَّهَا مِنْ قَبِيلَةِ بَنِي عَدِيٍّ قَبِيلَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (حِينَ قِيلَ لَهَا بِمَ تَرْتَجِينَ) بِأَيِّ شَيْءٍ تَطْلُبِينَ رَحْمَتَهُ تَعَالَى وَرِضَاهُ (أَنَّهَا قَالَتْ بِإِيَاسِي) مِنْ الْيَأْسِ (مِنْ جُلِّ عَمَلِي) بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ عَظِيمِ عَمَلِي فَعَدَمُ تَعْظِيمِ الْعَمَلِ إنَّمَا يَكُونُ بِغَلَبَةِ جَانِبِ الْخَوْفِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْخَوْفُ مِنْ الرِّيَاءِ سِيَّمَا الْخَفِيُّ كَمَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ فَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ جَلَالَةِ الْعَمَلِ غَلَبَةُ الْخَوْفِ عَلَى الرَّجَاءِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْيَأْسَ مِنْ جَلَالَةِ الْعَمَلِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْيَأْسَ مِنْ مُطْلَقِ الْعَمَلِ الْمُسْتَلْزِمِ الْيَأْسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ
ثُمَّ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُ وَقَالَ (وَاَلَّذِي عِنْدِي) فَإِنْ قِيلَ الْمُصَنِّفُ لَيْسَ مِنْ أَرْبَابِ الِاجْتِهَادِ وَلَا مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ كَالطَّحَاوِيِّ وَالْكَرْخِيِّ عَلَى مَا قَالُوا فَكَيْفَ يَنْفَرِدُ عَنْ رَأْيِ جُمْهُورِ الْمَشَايِخِ قُلْنَا لَيْسَ هَذَا مِنْ الْمَطَالِبِ الِاجْتِهَادِيَّةِ بَلْ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لِلْعُلَمَاءِ الْعَامِّيَّةِ فِيهَا حَظٌّ إذْ حَاصِلُهُ هُوَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى أَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي الْمَسْأَلَةِ لَيْسَ بِمُنْقَرِضٍ عِنْدَ مُثْبِتِيهِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ مِنْ رِجَالِ هَذِهِ الطَّبَقَةِ نَعَمْ الْأَصَحُّ عَدَمُ تَجْزِيءِ الِاجْتِهَادِ (اخْتِلَافُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ) فَفِي بَعْضِ الْأَشْخَاصِ غَلَبَةُ الرَّجَاءِ وَفِي بَعْضِهَا غَلَبَةُ خَوْفِهَا وَفِي شَخْصٍ وَاحِدٍ يَغْلِبُ الرَّجَاءُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَيَغْلِبُ الْخَوْفُ فِي بَعْضٍ آخَرَ لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ» ؛ إذْ ظَاهِرُهُ أَنَّ كُلَّ كَيِّسٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ حَقِيرَةً ذَلِيلَةً، وَالْعَاجِزُ يَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ وَيَرْجُو الثَّوَابَ
فَأَقُولُ مَعْنَى الْحَدِيثِ عَلَى تَفْسِيرِ شُرَّاحِ الْحَدِيثِ «مَنْ دَانَ نَفْسَهُ» أَيْ حَاسَبَهَا وَاسْتَعْبَدَهَا وَأَذَلَّهَا وَقَهَرَهَا يَعْنِي يَجْعَلُ نَفْسَهُ مُطِيعَةً لِأَوَامِرِ رَبِّهَا وَيَدُومُ بِهَا وَقَوْلُهُ «وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ» مِنْ الْأُمْنِيَةِ أَيْ مَعَ تَقْصِيرِهِ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ وَاتِّبَاعِ شَهَوَاتِ نَفْسِهِ لَا يَسْتَعِدُّ وَلَا يَعْتَذِرُ وَلَا يَرْجِعُ بَلْ تَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْعَفْوَ وَالْجَنَّةَ مَعَ الْإِصْرَارِ وَتَرْكِ التَّوْبَةِ وَقِيلَ وَقِيلَ (فَإِنَّ الْمُبْتَدِئَ) فِي السُّلُوكِ (وَمَنْ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنْ آثَارِ الْعُجْبِ وَالْأَمْنِ) أَثَرُ الْأَمْنِ لَيْسَ نَفْسَ الْأَمْنِ فَلَا مَحْذُورَ (وَالْغُرُورِ) بِمَا هُوَ مُسْتَدْرَجٌ فِيهِ (وَالْبَطَالَةِ) عَنْ الْعَمَلِ (يَنْبَغِي لَهُمَا)
стр. 489
أَيْ لِلْمُبْتَدِئِ وَلِمَنْ فِيهِ تِلْكَ الْأُمُورُ لَكِنْ الْغَالِبُ أَنَّ سَبَبَ مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ هُوَ الْمُبْتَدِئِيَّةُ فَجَعْلُهَا مُغَايِرًا لَهُ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي فَإِنَّ مَنْ بَقِيَ فِيهِ تِلْكَ الْأُمُورُ لَا يَخْرُجُ عَنْ رُتْبَةِ الْمُبْتَدِئِيَّةِ وَلَوْ طَالَ زَمَانُهُ وَكَثُرَ أَوَانُهُ فِي السُّلُوكِ وَالطَّاعَاتِ (غَلَبَةُ الْخَوْفِ وَلِغَيْرِهِمَا) مِمَّنْ ذَاقَ حَلَاوَةَ السُّلُوكِ وَرَقِيَ إلَى جَانِبِ سَيِّدِ الْمُلُوكِ بِقَطْعِ عَقَبَاتِ النَّفْسِ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ وَالرِّيَاضَةِ (غَلَبَةُ الرَّجَاءِ أَوْ الْمُسَاوَاةُ) بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ عَدَمِ التَّقْرِيبِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُزَادَ نَحْوُ قَوْلِهِ وَأَنَّ شَخْصًا وَاحِدًا قَدْ يَعْرِضُ لَهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ حَالَاتٌ تُرَجِّحُ جَانِبَ الْخَوْفِ وَفِي بَعْضٍ آخَرَ حَالَاتٌ أُخْرَى تُرَجِّحُ جَانِبَ الرَّجَاءِ وَفِي بَعْضِهَا الْمُسَاوَاةُ، لَعَلَّهُ اكْتَفَى بِمَا ذَكَرَ اعْتِمَادًا عَلَى الْمُقَايَسَةِ وَاسْتِظْهَارًا مِمَّا ذَكَرَ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا يُلَائِمُ لِمَنْ نَظَرَ مِنْ الْخَارِجِ
وَالْكَلَامُ فِي نَفْسِ الْعَابِدِ فَكُلُّ عَابِدٍ يَنْبَغِي أَنْ يَقْصُرَ عَمَلَهُ بَلْ كُلَّمَا ازْدَادَ الْقُرْبُ ازْدَادَ الْخَوْفُ وَلِهَذَا تَرَى أَخْوَفَ النَّاسِ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ثُمَّ الْأَوْلِيَاءَ ثُمَّ وَثُمَّ وَأَنَّهُمْ أَطْلَقُوا بِأَنَّهُ يَنْبَغِي غَلَبَةُ جَانِبِ الْخَوْفِ فِي الصِّحَّةِ وَالرَّجَاءِ فِي الْمَرَضِ وَلَعَلَّ لِتَعَارُضِ مِثْلِ ذَلِكَ قَالَ (وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى) .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] نَعَمْ قِيلَ هُنَا الْمَشْهُورُ يَنْبَغِي اسْتِوَاءُ الْأَمْرَيْنِ لِلصِّحَّةِ وَغَلَبَةِ الرَّجَاءِ فِي الْمَرَضِ لِلْحَدِيثِ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ.
وَعَنْ مَنَاهِجِ الْأَخْلَاقِ الْأَفْضَلُ عِنْدَ طَائِفَةٍ التَّسْوِيَةُ فِي الصِّحَّةِ وَعِنْدَ أُخْرَى غَلَبَةُ الْخَوْفِ وَفِي الْمَرَضِ غَلَبَةُ الرَّجَاءِ مُطْلَقًا.
وَعَنْ الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ تَرْجِيحُ جَانِبِ الْخَوْفِ إذْ غَلَبَةُ الرَّجَاءِ تُفْسِدُ الْقُلُوبَ وَعَنْ الْوَاسِطِيِّ هُمَا زِمَامَا نُفُوسٍ لِئَلَّا تَخْرُجَ إلَى رَعُونَاتِهَا
وَعَنْ حَدَائِقِ الْحَقَائِقِ لَا يَتَحَقَّقُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الرَّجَاءَ بِلَا خَوْفِ أَمْنٍ وَالْخَوْفُ بِدُونِ الرَّجَاءِ قُنُوطٌ وَالْأَكْثَرُ هُمَا كَجَنَاحَيْ الطَّيْرِ فَإِنْ اعْتَدَلَا طَارَ وَإِلَّا فَإِمَّا يَخْتَلُّ طَيَرَانُهُ أَوْ لَا يَطِيرُ أَصْلًا فَصَارَ كَالْمَذْبُوحِ ثُمَّ قِيلَ وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي بِلُطْفِ رَبِّي تَرْجِيحُ جَانِبِ الرَّجَاءِ لِحَدِيثِ «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» .
وَقَدْ كَانَ أَرْجَى آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَوْله تَعَالَى - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] وَأَنَا أَقُولُ وَأَيْضًا «غَلَبَتْ رَحْمَتُهُ تَعَالَى عَلَى غَضَبِهِ وَسَبَقَتْهَا عَلَيْهِ» كَمَا فِي أَحَادِيثَ مُفَصَّلَةٍ لَكِنْ هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ بَعْدَ صَرْفِ حِجَجِ جَانِبِ الْمُخَالِفِينَ عَنْ ظَوَاهِرِهَا بِقَوَاعِدَ شَرْعِيَّةٍ أَوْ تَرْجِيحِ أَدِلَّةِ جَانِبِ الْوَاقِفِينَ بِتَرْجِيحَاتٍ أُصُولِيَّةٍ عَلَى نَهْجٍ مَقْبُولٍ كَيْفَ وَظَاهِرُ نَحْوِ قَوْله تَعَالَى - ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]- وَنَحْوِ حَدِيثِ «لَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَلِجَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ» وَحَدِيثِ «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] وَمَدَحَ الْخَائِفِينَ بِقَوْلِهِ ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾ [النحل: ٥٠] يُرَجَّحُ جَانِبُ الْخَوْفِ فَافْهَمْ.
[الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ آفَاتِ الْقَلْبِ الْكِبْرُ]
[الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِيرِ الْكِبْرِ]
(الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ آفَاتِ الْقَلْبِ الْكِبْرُ وَفِيهِ خَمْسَةُ مَبَاحِثَ) فِي تَفْسِيرِهِ وَحُكْمِهِ وَفِي أَقْسَامِ الْكِبْرِ وَالتَّكَبُّرِ وَفِي أَسْبَابِهَا وَفِي عَلَامَاتِ الْكِبْرِ وَفِي ضِدِّهِ أَيْ التَّوَاضُعِ (الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِيرِ الْكِبْرِ وَضِدِّهِ وَمُنَاسِبِهِمَا)
стр. 490
أَيْ الْكِبْرِ وَضِدِّهِ، مُنَاسِبُ الْكِبْرِ اثْنَانِ التَّكَبُّرُ وَالِاسْتِكْبَارُ وَمُنَاسِبُ ضِدِّهِ وَهُوَ الضِّعَةُ ثَلَاثَةٌ التَّوَاضُعُ وَالتَّمَلُّقُ وَالتَّذَلُّلُ (وَ) بَيَانُ (حُكْمِهَا) أَيْ حُكْمِ الثَّلَاثَةِ فِي الشَّرْعِ (الْكِبْرُ هُوَ الِاسْتِرْوَاحُ) طَلَبُ الرَّاحَةِ (وَالرُّكُونُ) الْمَيْلُ (إلَى رُؤْيَةِ النَّفْسِ فَوْقَ الْمُتَكَبَّرِ عَلَيْهِ) فِي صِفَاتِهَا الْكَمَالِيَّةِ فَيَحْصُلُ مِنْ رُؤْيَتِهَا فَوْقَهُ فِي قَلْبِهِ اعْتِدَادٌ وَفَرَحٌ وَهُوَ الْكِبْرُ (فَلَا بُدَّ لَهُ) أَيْ الْكِبْرِ (مِنْهُ) مِنْ مُتَكَبَّرٍ عَلَيْهِ حَتَّى يُوجَدَ (بِخِلَافِ الْعُجْبِ) فَإِنَّهُ لَا يَسْتَدْعِي الْمُعْجَبَ عَلَيْهِ بَلْ لَوْ لَمْ يُخْلَقْ الْإِنْسَانُ إلَّا وَحْدَهُ يُمْكِنُ عُجْبُهُ دُونَ كِبْرِهِ.
وَقَدْ يَسْبِقُ إلَى الْخَاطِرِ أَنَّ الْعُجْبَ إنَّمَا يَنْشَأُ مِنْ وِجْدَانِ الْمَرْءِ الْعِبَادَةَ فِي نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ فَيَحْتَاجُ أَيْضًا إلَى الْغَيْرِ إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ وَإِنْ أَكْثَرِيًّا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِكُلِّيٍّ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْكِبْرِ بِمُجَامَعَتِهِمَا عِنْدَ وُجُودِ الْغَيْرِ وَوُجُودِ الْعُجْبِ فَقَطْ عِنْدَ عَدَمِهِ؛ لِأَنَّ الْعُجْبَ فَرَحُ الْإِنْسَانِ بِنَفْسِهِ وَعَمَلِهِ سَوَاءٌ وَجَدَ الْغَيْرَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْظَامُ النَّفْسِ بِمَا تَعُدُّهُ نِعْمَةً وَشَرَفًا هَذَا تَفْسِيرُ الْكِبْرِ وَحُكْمُهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَالْكِبْرُ حَرَامٌ) مُطْلَقًا سَوَاءٌ عَلَى مَا اتَّصَفَ بِهِ أَوْ لَا (وَرَذِيلَةٌ) خَصْلَةٌ دَنِيئَةٌ (عَظِيمَةٌ مِنْ الْعِبَادِ) دُونَ الْمَعْبُودِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ نِسْيَانِ الْعَبْدِ خَالِقَهُ وَعَجْزِهِ وَتَغَافُلِهِ عَنْ خِلْقَتِهِ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ قِيلَ وَفِيهِ يَهْلَكُ الْخَوَاصُّ مِنْ الْخَلْقِ وَقَلَّمَا يَنْفَكُّ عَنْهُ الْعِبَادُ وَالزُّهَّادُ وَالْعُلَمَاءُ فَضْلًا عَنْ عَوَامِّ النَّاسِ وَكَيْفَ لَا تَعْظُمُ آفَتُهُ.
وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» (وَضِدُّهُ) أَيْ الْكِبْرِ (الضِّعَةُ) بِكَسْرِ الضَّادِ وَفَتْحِهَا وَ (هِيَ) أَيْ الضِّعَةُ (الرُّكُونُ إلَى رُؤْيَةِ النَّفْسِ) رُؤْيَةِ نَفْسِهِ (دُونَ غَيْرِهِ) أَدْنَى مِنْهُ، الضَّمِيرُ يَعُودُ إلَى النَّفْسِ بِاعْتِبَارِ الشَّخْصِ وَبَيْنَهُمَا مَرْتَبَةٌ وَهِيَ أَنْ لَا يَرَى نَفْسَهُ فَوْقَ أَحَدٍ وَلَا دُونَهُ بَلْ يَرَى الْمُسَاوَاةَ (وَهِيَ) أَيْ الضِّعَةُ (فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ الْمَخْلُوقِ) دُونَ الْخَالِقِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ مَعْرِفَةِ النَّفْسِ وَعَجْزِهَا وَنُقْصَانِهَا.
وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «طُوبَى لِمَنْ تَوَاضَعَ فِي غَيْرِ مَنْقَصَةٍ وَذَلَّ نَفْسَهُ فِي غَيْرِ مَسْكَنَةٍ وَأَنْفَقَ مِنْ مَالٍ جَمَعَهُ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَخَالَطَ أَهْلَ الْفِقْهِ وَالْحِكْمَةِ وَرَحِمَ أَهْلَ الذُّلِّ وَالْمَسْكَنَةِ طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ نَفْسَهُ وَطَابَ كَسْبُهُ وَحَسُنَتْ سَرِيرَتُهُ وَكَرُمَتْ عَلَانِيَتُهُ وَعَزَلَ عَنْ النَّاسِ شَرَّهُ» الْحَدِيثَ.
وَعَنْهُ ﵊ «إذَا تَوَاضَعَ الْعَبْدُ رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ» .
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «مَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ تَعَالَى إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى» .
(وَإِظْهَارُ الْكِبْرِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَكَبُّرٌ قِيلَ الْكِبْرُ إنْ فِي الظَّاهِرِ فَيُسَمَّى تَكَبُّرًا وَإِنْ فِي الْبَاطِنِ فَيُسَمَّى كِبْرًا وَهُوَ أَصْلُ التَّكَبُّرِ (مَوْجُودًا) بِأَنْ وُجِدَ فِي قَلْبِهِ عِنْدَ الْإِظْهَارِ يَعْنِي يُوجَدُ فِي الْقَلْبِ فَيُظْهِرُهُ مِنْهُ (أَوْ مَعْدُومًا) بِأَنْ لَا يُوجَدَ فِي النَّفْسِ وَلَكِنَّهُ أَظْهَرَهُ مِنْهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْكِبْرُ (حَقًّا) كَالتَّكَبُّرِ عَلَى الْمُتَكَبِّرِ وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا هُوَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى (أَوْ بَاطِلًا) بِأَنْ يَكُونَ بِخِلَافِهِ سَوَاءٌ كَانَ (بِقَوْلٍ) وَلَوْ إشَارَةً أَوْ دَلَالَةً (أَوْ فِعْلٍ) كَأَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الْغَيْرِ فِي الْمَشْيِ وَالْمَجْلِسِ (تَكَبَّرَ) تَفَعَّلَ وَمَعْنَاهُ تَكَلَّفَ الْكِبْرَ، وَفِي اللَّهِ تَعَالَى الِاتِّصَافُ بِهِ مِنْ الْأَزَلِ فَيُوجَدُ فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ (وَالِاسْتِكْبَارُ يَخْتَصُّ بِالْبَاطِلِ) وَالنِّسْبَةُ بَيْنَ الْكِبْرِ وَالتَّكَبُّرِ وَكَذَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِكْبَارِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ، وَأَمَّا بَيْنَ التَّكَبُّرِ وَالِاسْتِكْبَارِ فَمُطْلَقٌ، كَذَا قِيلَ (فَلِذَا) لِاخْتِصَاصِهِ بِالْبَاطِلِ (لَا يُوصَفُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِخِلَافِ التَّكَبُّرِ)
стр. 491
كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ ذَاتِهِ الْمُتَكَبِّرُ فَإِنَّ الْمُتَكَبِّرَ مَنْ يَرَى الْكُلَّ حَقِيرًا بِالْإِضَافَةِ إلَى ذَاتِهِ وَلَا يَرَى الْكِبْرِيَاءَ إلَّا لِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَتْ الرُّؤْيَةُ صَادِقَةً كَمَا فِي اللَّهِ كَانَ حَقًّا وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كَاذِبَةً فَبَاطِلًا فَهُوَ الْمَذْمُومُ (وَالتَّكَبُّرُ حَرَامٌ) عَلَى كُلِّ أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ عَظِيمُ الْآفَاتِ وَمَنْبَعُ أَكْثَرِ الْبَلِيَّاتِ وَمُوجِبُ سُرْعَةِ عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِقُّ إلَّا لَهُ تَعَالَى فَإِذَا فَعَلَ الْعَبْدُ مَا يَخْتَصُّ بِالْمَوْلَى اشْتَدَّ غَضَبُ الْمَوْلَى (إلَّا عَلَى الْمُتَكَبِّرِ) مِنْ النَّاسِ فَالتَّوَاضُعُ عَلَى الْمُتَكَبِّرِ لَيْسَ بِجَائِزٍ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ: عَنْ الْغَيْرِ إذَا أَغْضَبَك أَحَدٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَلَا تَبْتَدِئْهُ بِالصُّلْحِ؛ لِأَنَّك تُذِلُّ نَفْسَك فِي غَيْرِ مَحَلٍّ وَتُكْبِرُ نَفْسَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ الْإِفْرَاطُ فِي التَّوَاضُعِ يُورِثُ الْمَذَلَّةَ، وَالْإِفْرَاطُ فِي الْمُؤَانَسَةِ يُورِثُ الْمَهَانَةَ وَإِذَا اُتُّفِقَ أَنْ يُقَامَ الْعَبْدُ فِي مَوْطِنٍ فَالْأَوْلَى فِيهِ ظُهُورُ عِزَّةِ الْإِيمَانِ وَجَبَرُوتِهِ وَعَظَمَتِهِ لِعِزِّ الْمُؤْمِنِ وَعَظَمَتِهِ وَأَنْ يَظْهَرَ فِي الْمُؤْمِنِ مِنْ الْأَنَفَةِ وَالْجَبَرُوتِ مَا يُنَاقِضُ الْخُضُوعَ وَالذِّلَّةَ فَالْأَوْلَى إظْهَارُ مَا يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ الْمَوْطِنُ فَهَذَا مِنْ بَابِ إظْهَارِ عِزَّةِ الْإِيمَانِ بِعِزَّةِ الْمُؤْمِنِ (فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِيهِ أَنَّهُ صَدَقَةٌ) عَلَى مَنْ تَكَبَّرَ عَلَيْهِ كَمَا وَرَدَ: التَّكَبُّرُ عَلَى الْمُتَكَبِّرِ صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَوَاضَعْت لَهُ تَمَادَى فِي ضَلَالِهِ وَإِذَا تَكَبَّرْت عَلَيْهِ تَنَبَّهَ.
وَمِنْ هُنَا قَالَ الشَّافِعِيُّ تَكَبَّرْ عَلَى الْمُتَكَبِّرِ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ التَّجَبُّرُ عَلَى أَبْنَاءِ الدُّنْيَا أَوْثَقُ عُرَى الْإِسْلَامِ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَظْلَمُ الظَّالِمِينَ مَنْ تَوَاضَعَ لِمَنْ لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ وَقِيلَ قَدْ يَكُونُ التَّكَبُّرُ لِتَنْبِيهِ الْمُتَكَبِّرِ لَا لِرِفْعَةِ النَّفْسِ فَيَكُونُ مَحْمُودًا كَالتَّكَبُّرِ عَلَى الْجُهَلَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ.
قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: التَّكَبُّرُ عَلَى مَنْ تَكَبَّرَ عَلَيْك بِمَالِهِ تَوَاضُعٌ (وَ) إلَّا (عِنْدَ الْقِتَالِ) مَعَ الْكُفَّارِ لِكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ وَإِيقَاعًا لِلْخَوْفِ وَالرُّعْبِ وَالْمَهَابَةِ عَلَيْهِمْ (وَ) إلَّا (عِنْدَ الصَّدَقَةِ) إظْهَارُ الْعَدَمِ قَدْرَ مَا بَذَلَهُ لِأَخِيهِ وَإِبْرَازًا لِلسُّرُورِ وَالْكَرَمِ وَالسَّخَاءِ وَطَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَبَشَاشَتِهِ وَانْبِسَاطِهِ مَعَ الْفُقَرَاءِ لِيَتَوَجَّهُوا إلَيْهِ لَدَى الِاحْتِيَاجِ فَلَا يُنَافِي مَا يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَعَظَّمَ عَلَى مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَيَرْفُقُ وَيَتَحَاشَى عَمَّا يُوهِمُ الْأَذَى لَهُ (دَ) أَبُو دَاوُد (عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فَأَمَّا الْخُيَلَاءُ» بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ بِمَعْنَى التَّكَبُّرِ وَمِنْهُ الْمُخْتَالُ لِلْمُتَكَبِّرِ «الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ تَعَالَى فَاخْتِيَالُ الرَّجُلِ» تَكَبُّرُهُ «نَفْسَهُ عِنْدَ الْقِتَالِ» مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ «وَاخْتِيَالُهُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ» فَثَبَتَ جَوَازُ التَّكَبُّرِ عِنْدَ الْقِتَالِ وَعِنْدَ الصَّدَقَةِ
فَإِنْ قِيلَ مَا وَجْهُ الْفَاءِ فِي ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ فَأَمَّا الْخُيَلَاءُ قُلْنَا لِلْحَدِيثِ ابْتِدَاءٌ وَتَتِمَّةٌ كَمَا رُوِيَ عَنْ الْمُخَرِّجِينَ إذْ هُوَ «إنَّ مِنْ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ تَعَالَى وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللَّهُ تَعَالَى فَأَمَّا الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ تَعَالَى فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ وَأَمَّا الَّتِي يَبْغُضُهَا اللَّهُ تَعَالَى فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ الرِّيبَةِ، وَإِنَّ مِنْ الْخُيَلَاءِ مَا يُبْغِضُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا يُحِبُّ اللَّهُ تَعَالَى فَأَمَّا الْخُيَلَاءُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ تَعَالَى» وَتَتِمَّتُهُ «وَأَمَّا الْخُيَلَاءُ الَّتِي يُبْغِضُ اللَّهُ تَعَالَى فَاخْتِيَالُ الرَّجُلِ فِي الْبَغْيِ وَالْفَخْرِ» فَالْمُصَنِّفُ قَصَرَ الْحَدِيثَ عَلَى الْمَحَلِّ الْمُسْتَشْهَدِ بِهِ، وَمِثْلُ هَذَا الِاقْتِصَارِ فِي الْحَدِيثِ مُخْتَلِفٌ، فَالْمُصَنِّفُ اخْتَارَ جَانِبَ الْجَوَازِ وَلَعَلَّ الْعَزِيمَةَ هُوَ الْإِتْمَامُ سِيَّمَا مِنْ أَوَّلِهِ خُصُوصًا عِنْدَ ظُهُورِ الِارْتِبَاطِ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَلَفْظِ الْفَاءِ ثُمَّ لَمَّا تُوُهِّمَ مِنْ ظَاهِرِ الِاخْتِيَالِ عِنْدَ الصَّدَقَةِ جَوَازُ تَكَبُّرِ الْغَنِيِّ الْمُتَصَدِّقِ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَنٌّ وَأَذًى وَاسْتِكْثَارٌ مَمْنُوعٌ بِالنَّصِّ وَقَدْ قَالُوا النَّدْبُ لِلْمُتَصَدِّقِ الْإِجْلَالُ وَالتَّوْقِيرُ لِلْفَقِيرِ حَيْثُ صَارَ سَبَبًا لِكَوْنِ الْمَالِ الْمُسْتَعَارِ الْمُجَازَى مِلْكًا حَقِيقِيًّا لَهُ وَمُدَارًا عَلَى كَوْنِهِ مُثَابًا عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ وَعَلَى كَوْنِ مَالِهِ مَأْمُونًا مِنْ الضَّيَاعِ وَالتَّلَفِ حَيْثُ كَأَنَّهُ وَضَعَهُ فِي خِزَانَةِ الْمَلِكِ الْغَفَّارِ وَكَذَا دَفَعَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالِاخْتِيَالِ عِنْدَ الصَّدَقَةِ إظْهَارُ الْغِنَى) عَنْ الْمَالِ الْمُعْطَى (وَعَدَمُ الِالْتِفَاتِ إلَى الْمَالِ) الَّذِي أَعْطَاهُ كَأَنَّهُ فِي نَظَرِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِئَلَّا يَتَوَهَّمُ الْفَقِيرُ الِامْتِنَانَ وَالْأَذَى (وَاسْتِصْغَارُهُ)
стр. 492
أَيْ الْمَالِ الَّذِي أَعْطَاهُ (وَاسْتِقْلَالُهُ) عَدُّهُ قَلِيلًا حَقِيرًا تَعْظِيمًا لِلْفَقِيرِ (لِيَقْصِدَهُ الْفَقِيرُ) يَمِيلُ إلَيْهِ وَيُرِيدُهُ (بِنَشَاطٍ وَأَمْنٍ مِنْ الْمَنِّ وَالْأَذَى) وَيَكُونُ تَرْغِيبًا لَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلِلْغَيْرِ مُطْلَقًا. وَقِيلَ الْمُرَادُ إظْهَارُ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ الْغُنَّ بِأَنْ يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ كَالْمُسْتَغْنِي عَنْهَا غَيْرَ سَائِلٍ وَلَا مُلِحٍّ وَلَا مُذِلٍّ نَفْسَهُ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ إظْهَارُ مَنْ يُرِيدُ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِ الِاسْتِغْنَاءَ تَعَفُّفًا عَنْ أَخْذِهَا وَالْجَهْدَ عَلَى الْكَفَافِ مِنْ الْكَسْبِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى كَمَا فِي الْحَدِيثِ فَكَأَنَّهُ لَا يَرْتَكِنُ عَلَى أَخْذِ غُسَالَةِ مَالِ الْغَيْرِ كَالْهَاشِمِيِّ حَرُمَ لِجَلَالَتِهِمْ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِمْ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُوَ إكْثَارُ الصَّدَقَةِ
[الْكِبْرِ جَائِزٌ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ]
(وَإِلَّا) عَطْفٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ السَّابِقِ (التَّكَبُّرُ بِالْمُرَاءَاةِ) بِسَبَبِ الرِّيَاءِ (بِأَسْبَابِ الدُّنْيَا) وَأَمْتِعَتِهَا (بِدُونِ الْكِبْرِ) بِأَنْ يُظْهِرَ الرَّجُلُ بِأَسْبَابِ الدُّنْيَا كِبْرًا مِنْ غَيْرِ مَيْلِ نَفْسٍ إلَى الْعُلُوِّ عَلَى الْغَيْرِ (فَإِنَّهُ) أَيْ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْكِبْرِ (لَيْسَ بِحَرَامٍ وَإِنْ كَانَ مَذْمُومًا) مَكْرُوهًا مِنْ الشَّرْعِ بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ فَإِنَّهَا مَمْدُوحَةٌ (وَقَدْ مَرَّ) فِي مَبْحَثِ الرِّيَاءِ (وَسَيَجِيءُ) تَفْصِيلُهُ (إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) .
قَالَ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي وَالْحَاصِلُ إظْهَارُ الْكِبْرِ بِدُونِهِ فِي الْقَلْبِ جَائِزٌ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ التَّكَبُّرُ عَلَى الْمُتَكَبِّرِ وَالتَّكَبُّرُ عِنْدَ الْقِتَالِ مَعَ الْكُفَّارِ لِكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ وَالتَّكَبُّرُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ لِأَجْلِ قَصْدِ الْفُقَرَاءِ بِنَشَاطٍ وَالتَّكَبُّرُ بِالْمُرَاءَاةِ بِأَسْبَابِ الدُّنْيَا وَهَذَا مَذْمُومٌ وَمَكْرُوهٌ فِي الشَّرْعِ بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ فَإِنَّهَا مَمْدُوحَةٌ انْتَهَى لَا يَخْفَى عَدَمُ الْمُلَاءَمَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ جَائِزٌ وَبَيْنَ وَهَذَا مَذْمُومٌ وَمَكْرُوهٌ، فَالْأَوْلَى لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ فِي أَرْبَعَةٍ نَعَمْ يَجُوزُ اجْتِمَاعُ الْجَوَازِ مَعَ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ يُقَالُ يَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
(وَإِظْهَارُ الضِّعَةِ) أَيْ التَّوَاضُعِ (بِمَا دُون مَرْتَبَتِهِ) الَّتِي اسْتَحَقَّ لَهَا شَرْعًا وَعُرْفًا بِأَنْ يُظْهِرَ ذُلَّ نَفْسِهِ عَنْ مَقَامٍ تَقْتَضِيهِ رُتْبَتُهُ (قَلِيلًا تَوَاضُعٌ مَحْمُودٌ) لِعَدَمِ الْإِفْرَاطِ وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ السَّمَّاكِ لِهَارُونَ الرَّشِيدِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ تَوَاضُعَك فِي شَرَفِك أَشْرَفُ لَك مِنْ شَرَفِك وَإِنْ امْرَأً آتَاهُ اللَّهُ جَمَالًا فِي خِلْقَتِهِ وَتَوَاضُعًا فِي حَسَبِهِ وَبَسْطًا فِي ذَاتِ يَدِهِ وَعَفَّ فِي جَمَالِهِ وَوَاسَى فِي مَالِهِ وَتَوَاضَعَ فِي حَسَبِهِ كُتِبَ فِي دِيوَانِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ خَوَاصِّ اللَّهِ، كَذَا فِي الْإِحْيَاءِ (وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَتَمَلُّقٌ) أَيْ إظْهَارُ زِيَادَةِ تَوَدُّدٍ فَوْقَ مَا يَنْبَغِي لِيَتَوَصَّلَ بِهِ لِمُرَادٍ مَا، كَمَا قِيلَ (مَذْمُومٌ) لِأَنَّ فِيهِ إذْلَالَ النَّفْسِ وَإِهَانَتَهَا بِلَا فَائِدَةٍ (إلَّا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ) فَإِنَّهُ مَمْدُوحٌ لِأُسْتَاذِهِ وَشَيْخِهِ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّف أَنَّ مِنْ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ وَكَانَ طَلَبُهُ عَلَى الْخُلُوصِ وَلِرِضَاهُ تَعَالَى. لِمَا خَرَّجَ (عَدِيٌّ) ابْنُ عَدِيٍّ (عَنْ مُعَاذٍ) بْنِ جَبَلٍ (وَأَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -) الْبَاهِلِيِّ (مَرْفُوعًا) مَا أُضِيفَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْقَطِعًا.
فَالْمُتَّصِلُ قَدْ يَكُونُ مَرْفُوعًا وَغَيْرَ مَرْفُوعٍ، وَالْمَرْفُوعُ قَدْ يَكُونُ مُتَّصِلًا وَغَيْرَ مُتَّصِلٍ وَالْمُسْنَدُ مُتَّصِلٌ مَرْفُوعٌ «لَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِ التَّمَلُّقُ» أَيْ الزِّيَادَةُ فِي التَّرَدُّدِ وَالتَّضَرُّعِ فَوْقَ مَا يَنْبَغِي لِيُسْتَخْرَجَ مِنْ الْإِنْسَانِ مُرَادُهُ، وَزِيدَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى رِوَايَةِ مُعَاذٍ عَنْ الْبَيْهَقِيّ «وَلَا الْحَسَدُ» «إلَّا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ» فَإِنَّ الْمُتَعَلِّمَ يَنْبَغِي لَهُ التَّمَلُّقُ لِمُعَلِّمِهِ وَإِظْهَارُ الشَّرَفِ بِخِدْمَتِهِ وَأَنْ يُلْقِيَ إلَيْهِ زِمَامَ أَمْرِهِ وَيَذْعَنَ لِنُصْحِهِ إذْعَانَ الْمَرِيضِ الْجَاهِلِ لِلطَّبِيبِ الْمُشْفِقِ الْحَاذِقِ، صَلَّى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى جِنَازَةٍ فَقُرِّبَتْ لَهُ بَغْلَتُهُ لِيَرْكَبَ فَأَخَذَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِرِكَابِهِ، فَقَالَ زَيْدٌ خَلِّ عَنْهُ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا فَقَبَّلَ زَيْدٌ يَدَهُ وَقَالَ هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِأَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊
قَالَ الْحَلَبِيُّ التَّمَلُّقُ لِغَيْرِ الْمُعَلِّمِ مِنْ أَفْعَالِ أَهْلِ الذِّلَّةِ وَالضِّعَةِ وَمِمَّا يُزْرِي بِفَاعِلِهِ وَيَدُلُّ عَلَى سَقَاطَتِهِ وَقِلَّةِ مِقْدَارِ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُهِينَ نَفْسَهُ كَمَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُهِينَهُ، ثُمَّ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ: طَعْنًا عَلَى مُصَنِّفِهِ هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ وَحَكَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِوَضْعِهِ فَاضْمَحَلَّ مَا قِيلَ هُنَا وَلِلْحَدِيثِ إسْنَادَانِ وَرِجَالُهُمَا ثِقَاتٌ فَاحْتِجَاجُ الْمُصَنِّفِ عَلَى طَرِيقِ الْوَضْعِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ أَصْلًا وَعَلَى طَرِيقِ الضَّعْفِ أَيْضًا لَيْسَ بِتَامٍّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الضَّعْفُ وَالْوَضْعُ عَلَى طَرِيقِ مُعَاذٍ كَمَا نَبَّهَ آنِفًا فَيَجُوزُ صِحَّتُهُ عَلَى
стр. 493
طَرِيقِ أَبِي أُمَامَةَ فَتَأَمَّلْ.
(وَفِي) كِتَابِ (تَعْلِيمِ الْمُتَعَلِّمِ التَّمَلُّقُ مَذْمُومٌ) فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ مَعَ كُلِّ أَحَدٍ (إلَّا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ) لِقُوَّةِ شَرَفِ الْعِلْمِ (فَإِنَّهُ يَنْبَغِي) لِطَالِبِ الْعِلْمِ (أَنْ يَتَمَلَّقَ لِأُسْتَاذِهِ) الَّذِي يَتَعَلَّمُ مِنْهُ وَكَذَا لِشَيْخِهِ الَّذِي يُرْشِدُهُ وَيُرَبِّيهِ بِالدَّلَالَةِ أَوْ الْمُقَايَسَةِ.
قَالَ الشَّاعِرُ
إنَّ الْمُعَلِّمَ وَالطَّبِيبَ كِلَاهُمَا ... لَا يَنْصَحَانِ إذَا هُمَا لَمْ يُكْرَمَا
أَكْرِمْ طَبِيبَك إنْ أَرَدْت تَدَاوِيَا ... وَكَذَا الْمُعَلِّمُ إنْ أَرَدْت تَعَلُّمَا
(وَشُرَكَائِهِ لِيَسْتَفِيدَ مِنْهُمْ) وَهُمْ حِينَئِذٍ فِي مَعْنَى الْأُسْتَاذِ (انْتَهَى) فَفِيهِ تَنْبِيهٌ أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ الِاسْتِفَادَةَ عَلَى الْأُسْتَاذِ بَلْ قَدْ يَسْتَفِيدُ مِنْهُمْ وَلَا يَتَكَبَّرُ بَلْ قَدْ تَكُونُ الِاسْتِفَادَةُ مِنْ الشُّرَكَاءِ أَكْثَرَ مِمَّا مِنْ الْأُسْتَاذِ؛ إذْ قَدْ يَدِقُّ تَقْرِيرُ الْأُسْتَاذِ وَيَصْعُبُ فَهْمُهُ لِبَعْضِ التَّلَامِذَةِ لِكَوْنِهِ مُبْتَدِئًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَوَاقِي أَوْ لِبَلَادَتِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَكَبَّرَ وَلَا يَخَافُ مِنْ تَعْيِيرِ الْغَيْرِ وَمَذَمَّتِهِ بَلْ يَقْصُرُ النَّظَرَ عَلَى انْتِفَاعِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تُحْمَلَ الِاسْتِفَادَةُ مِنْهُمْ عَلَى الِاسْتِفَادَةِ مِنْ اسْتِشْكَالِهِمْ عَلَى الْأُسْتَاذِ وَمُبَاحَثَتِهِمْ مَعَهُ لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَا يَتَمَلَّقُ إلَى الْعُلَمَاءِ غَيْرُ تِلْمِيذِهِمْ حِينَ الطَّلَبِ فَغَيْرُ التِّلْمِيذِ مُطْلَقًا وَالتِّلْمِيذُ غَيْرُ زَمَانِ الطَّلَبِ لَا يَتَمَلَّقُ لَكِنْ السَّابِقُ إلَى الْخَاطِرِ أَنَّ قُوَّةَ شَرَفِ الْعِلْمِ تَقْتَضِي جَوَازَ تَمَلُّقِ الْكُلِّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ جَعْلَ الْعِلَّةِ الِاسْتِشْفَاقَ وَالِاسْتِعَانَةَ عَلَى الطَّلَبِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ فَلَا يَعُمُّ وَأَنَّ مُطْلَقَ شَرَفِ الْعِلْمِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَعُمَّ نَعَمْ يُمْكِنُ الْمُقَايَسَةُ بِأَنَّ احْتِيَاجَ الْغَيْرِ إلَى الْعُلَمَاءِ وَلَوْ فِي الْمَسَائِلِ وَالْفَتَاوَى وَالْمَوَاعِظِ وَالنَّصَائِحِ ضَرُورِيٌّ فَكَمَا يَجُوزُ تَمَلُّقُ التِّلْمِيذِ لِلِانْتِفَاعِ بِالِاسْتِفَادَةِ فَلْيَجُزْ تَمَلُّقُ الْغَيْرِ لِلِانْتِفَاعِ بِنَحْوِ مَا ذُكِرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِمَا ذُكِرَ أَمْكَنَ أَنْ يَنْدَفِعَ تَوَهُّمُ الْمُنَافَاةِ بَيْنَ الْحَصْرِ فِي الدَّعْوَى وَالْحَدِيثِ وَبَيْنَ مَا وَسِعَ فِي تَعْلِيمِ الْمُتَعَلِّمِ وَجُمِعَ الشَّرِيكُ مَعَ الْأُسْتَاذِ (وَإِنْ) كَانَ إظْهَارُ التَّوَاضُعِ (أَكْثَرَ فَتَذَلُّلٌ حَرَامٌ) كَمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» وَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَّا لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، وَالِافْتِقَارُ إلَى غَيْرِ اللَّهِ مِنْ عَدَمِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَمِنْ قِلَّةِ الِاسْتِعَانَةِ بِاَللَّهِ، وَالنَّفْعُ وَالضُّرُّ وَالْمَنْعُ وَالْعَطَاءُ مَقْصُورٌ عَلَى اللَّهِ (إلَّا لِضَرُورَةٍ) كَصِيَانَةِ دِينٍ أَوْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ عَرْضٍ عَنْ تَلَفٍ أَوْ تَأَلُّمٍ مِنْ ظَالِمٍ مُتَكَبِّرٍ وَمِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ الْمَشَقَّةُ تَجْلُبُ التَّيْسِيرَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]- وَجَمِيعُ رُخَصِ الشَّرْعِ تَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ.
ثُمَّ يُرَدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ إنْ كَانَ قَوْلُهُ إنَّ أَكْثَرَ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ وَإِنْ أَظْهَرَ كَثِيرًا كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ لَفْظًا فَلَا تَقَابُلَ وَلَا تَغَايُرَ بَيْنَ الْمَعْطُوفَيْنِ حَقِيقَةً وَإِنْ فُرِّقَ بَيْنَ الْكَثِيرِ وَالْأَكْثَرِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْكَثِيرَ مَذْمُومٌ فِي غَيْرِ طَلَبِ الْعِلْمِ وَالْأَكْثَرَ مَذْمُومٌ مُطْلَقًا فَيَلْزَمُ مَذْمُومِيَّةُ الْأَكْثَرِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَالْمَنْقُولِ هُوَ الْمُطْلَقُ فَيَلْزَمُ التَّقْيِيدُ بِالرَّأْيِ، وَالرَّأْيُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ لَيْسَ بِجَائِزٍ وَلَا أَقَلَّ مِنْ التَّحَكُّمِ وَإِنْ عَطَفَ عَلَى مَضْمُونِ الْمُسْتَثْنَى أَيْ قَوْلَهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ كَمَا تُوُهِّمَ فَمَعَ مَا ذُكِرَ لَا يَصِحُّ قَوْلُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ إذْ تِلْكَ الضَّرُورَةُ لَا تَتَأَتَّى مِنْ الْأَسَاتِذَةِ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَتَّخِذَ مِثْلَهُ أُسْتَاذًا، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ التَّوَاضُعُ كَثِيرًا فِي غَيْرِ الْمُسْتَثْنَى مَذْمُومٌ وَالْأَكْثَرُ حَرَامٌ مُطْلَقًا إلَّا فِي مُسْتَثْنَاهُ أَيْضًا لَعَلَّهُ اطَّلَعَ عَلَى دَلِيلِ الْحُكْمِ عَلَى نَحْوِهِ فَافْهَمْ.
[التَّذَلُّلُ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ آفَاتِ الْقَلْبِ]
(وَهُوَ) أَيْ التَّذَلُّلُ (الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ آفَاتِ الْقَلْبِ) وَمِثَالُ التَّذَلُّلِ (كَالْعَالِمِ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ إسْكَافٌ) خَصَّافٌ أَيْ صَنْعَتُهُ عَمَلُ النِّعَالِ (فَتَنَحَّى لَهُ) تَحَوَّلَ يَعْنِي قَامَ (عَنْ مَجْلِسِهِ وَأَجْلَسَهُ فِيهِ) تَعْظِيمًا لَهُ (ثُمَّ تَقَدَّمَ وَسَوَّى لَهُ نَعْلَهُ) عِنْدَ الْخُرُوجِ (وَعَدَا) أَيْ تَجَاوَزَ وَمَشَى (إلَى بَابِ الدَّارِ) مَثَلًا تَشْيِيعًا لَهُ (خَلْفَهُ فَقَدْ تَخَاسَسَ) صَارَ خَسِيسًا (وَتَذَلَّلَ) صَارَ ذَلِيلًا أَوْ أَظْهَرَ الذِّلَّةَ (وَإِنَّمَا تَوَاضُعُهُ لَهُ) لِلْإِسْكَافِ (بِالْقِيَامِ) الظَّاهِرِ أَيْ بِحَوَائِجِهِ وَمَصَالِحِهِ (وَالْبِشْرِ) أَيْ طَلَاقَةِ الْوَجْهِ لَهُ (وَالرِّفْقِ فِي السُّؤَالِ) عَنْ مَصْلَحَتِهِ وَسَبَبِ مَجِيئِهِ أَوْ عَنْ جَوَابِ سُؤَالِهِ وَبِالْجُمْلَةِ الرِّفْقُ فِي الْمُخَاطَبَةِ وَالْمُكَالَمَةِ
стр. 494
مَعَهُ فَالْكَلَامُ مِنْ قَبِيلِ الْإِخْرَاجِ عَلَى مَخْرَجِ الْعَادَةِ لَا التَّخْصِيصِ بِمَا ذُكِرَ (وَإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ) إلَى نَحْوِ ضِيَافَتِهِ فَلَا يَمْتَنِعُ تَكَبُّرًا (وَالسَّعْيِ فِي حَاجَتِهِ) الَّتِي جَاءَ لِأَجْلِهَا إنْ كَانَ فِي وُسْعِهِ.
وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «مَنْ قَضَى لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ حَاجَةً كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ كَمَنْ حَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ» ، وَفِيهِ أَيْضًا عَلَى رِوَايَةٍ أُخْرَى «كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ كَمَنْ خَدَمَ اللَّهَ عُمْرَهُ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَقَضَاءُ حَوَائِجِ النَّاسِ لَهُ فَضْلٌ عَظِيمٌ وَالْعَبْدُ فِي حُقُوقِ الْخَلْقِ لَهُ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ الْأُولَى أَنْ يُنَزَّلَ فِي حَقِّهِمْ مَنْزِلَةَ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَهُوَ أَنْ يَسْعَى فِي أَغْرَاضِهِمْ رِفْقًا بِهِمْ وَإِدْخَالَ السُّرُورِ عَلَى قُلُوبِهِمْ الثَّانِيَةُ أَنْ يُنَزَّلَ مَنْزِلَةَ الْبَهَائِمِ وَالْجَمَادَاتِ فِي حَقِّهِمْ فَلَا يُنِيلُهُمْ خَيْرَهُ وَلَكِنْ يَكُفُّ عَنْهُمْ شَرَّهُ الثَّالِثَةُ أَنْ يُنَزَّلَ مَنْزِلَةَ الْعَقَارِبِ وَالْحَيَّاتِ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُتَّقَى شَرُّهُ فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ أَنْ تَلْحَقَ بِأُفُقِ الْمَلَائِكَةِ فَاحْذَرْ أَنْ تَنْزِلَ عَنْ دَرَجَةِ الْجَمَادَاتِ إلَى دَرَجَةِ الْعَقَارِبِ وَالْحَيَّاتِ فَإِنْ رَضِيت النُّزُولَ مِنْ أَعْلَى عِلِّيِّينَ فَلَا تَرْضَ بِالرِّضَا فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ فَلَعَلَّك تَنْجُو كِفَافًا لَا لَك وَلَا عَلَيْك.
وَفِيهِ أَيْضًا أَمْرُ الْحَسَنِ ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ بِالْمَشْيِ فِي حَاجَةٍ، فَقَالَ أَنَا مُعْتَكِفٌ فَقَالَ يَا أَعْمَشُ أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ مَشْيَك فِي حَاجَةِ أَخِيك خَيْرٌ لَك مِنْ حَجَّةٍ بَعْدَ حَجَّةٍ، وَأُخِذَ مِنْهُ أَنْ يَتَأَكَّدَ لِلشَّيْخِ السَّعْيُ فِي مَصَالِحِ طَلَبَتِهِ وَمُسَاعَدَتِهِمْ بِجَاهِهِ وَمَالِهِ عِنْدَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ وَسَلَامَةِ دِينِهِ وَعِرْضِهِ انْتَهَى.
(وَأَنْ لَا يَرَى نَفْسَهُ خَيْرًا مِنْهُ) إذْ اللَّائِقُ أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ النَّاسِ أَوْلَى مِنْ نَفْسِهِ وَلَوْ كَافِرًا كَمَا سَيُصَرِّحُ الْمُصَنِّفُ وَوَقَعَ فِي دِيبَاجَةِ الشَّاطِبِيَّةِ وَفَصْلِ الْجَعْبَرِيِّ وَعَلِيٍّ الْقَارِيّ فِي شَرْحِهِ؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ بِخَوَاتِمِهَا وَلَا يَدْرِي أَحَدٌ بِمَاذَا يَخْتِمُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فَرُبَّ عَالِمٍ يُخْتَمُ لَهُ بِسُوءٍ كَمَا سَمِعْت مِنْ قِصَّةِ بَلْعَامٍ وَرُبَّ جَاهِلٍ يُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرٍ كَسَحَرَةِ فِرْعَوْنَ - ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]- (وَلَا يُحَقِّرَهُ) لِكَوْنِهِ مِنْ الْإِسْكَافِ (وَلَا يَسْتَصْغِرَهُ) قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حَسْبُ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يُحَقِّرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ» (وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ التَّذَلُّلِ الْحَرَامِ (السُّؤَالُ لِمَنْ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ لِنَفْسِهِ) وَإِنْ سَأَلَهُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْفُقَرَاءِ أَوْ الْمَدْيُونِ لَا يَضُرُّ وَلَا يَكُونُ سَائِلًا بَلْ هُوَ إعَانَةٌ لِذَلِكَ الْمُحْتَاجِ.
وَفِي الصُّرَّةِ عَنْ كَرَاهِيَةِ جَامِعِ الْفَتَاوَى وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ السُّؤَالُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَهُوَ غَنِيٌّ عَمَّا يَسْأَلُ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُدُوشٌ أَوْ خُمُوشٌ أَوْ كُدُوحٌ» ؛ وَلِأَنَّهُ إذْلَالُ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَأَنَّهُ حَرَامٌ لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» .
(وَسَيَجِيءُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آفَاتِ اللِّسَانِ وَمِنْ السُّؤَالِ إهْدَاءُ قَلِيلٍ لِأَخْذِ كَثِيرٍ كَمَا يُفْعَلُ فِي دَعْوَةِ الْعُرْسِ وَالْخِتَانِ) كَمَا أَنَّ الْعَادَةَ فِي زَمَانِنَا جَرَتْ بِإِعْطَاءِ شَيْءٍ قَلِيلٍ عَلَى قَصْدِ دَفْعِ عِوَضٍ كَثِيرٍ فَإِنَّهُ تَذَلُّلٌ فِي نَفْسِهِ أَوْ لَازِمٌ لَهُ وَإِنْ تُعُورِفَ ذَلِكَ (وَكَمَنْ يُرِيدُ اتِّخَاذَ غَنَمٍ أَوْ نَحْلٍ) فَيُهْدِي إلَى جَمَاعَةٍ أَوْ أَهَالِي قَرْيَةٍ قَلِيلًا فَيُعْطُونَ لَهُ أَغْنَامًا (قِيلَ فِيهِ) أَيْ: فِي إهْدَاءِ الْقَلِيلِ لِأَخْذِ الْكَثِيرِ (نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أَيْ لَا تُعْطِ قَلِيلًا طَالِبًا لِلْكَثِيرِ وَإِنَّمَا صَدَّرَ بِلَفْظِ قِيلَ؛ لِأَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى خِلَافِهِ؛ وَلِأَنَّهُ نَهَى عَنْ الِاسْتِغْزَارِ وَهُوَ أَنْ يَهَبَ شَيْئًا وَهُوَ يَطْمَعُ أَنْ يُعَوَّضَ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهُ بَلْ الْأَفْضَلُ أَنْ يُكَافِئَ الْهَدِيَّةَ بِأَفْضَلَ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْمُكَافَأَةِ بِالْمَالِ فَبِالدُّعَاءِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ كَذَا فِي الصُّرَّةِ عَنْ جَوَاهِرِ الْفِقْهِ.
(وَمِنْهُ الذَّهَابُ إلَى الضِّيَافَةِ وَوَصِيَّةُ الْمَيِّتِ) أَيْ إلَى مَا أَوْصَى بِهِ (بِلَا دَعْوَةٍ د) أَبُو دَاوُد (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ دُعِيَ» مِنْ الدَّعْوَةِ إلَى وَلِيمَةِ الْعُرْسِ وَسَائِرِ الضِّيَافَةِ «فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ»
стр. 495
قَالَ الْمُنَاوِيُّ: الْإِجَابَةُ وَاجِبَةٌ فِي الْوَلِيمَةِ عِنْدَ وُجُودِ الشُّرُوطِ وَنُدِبَ فِي غَيْرِهَا وَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مُطْلَقًا بِشَرْطٍ وَجَزَمَ بِاخْتِصَاصِ الْوُجُوبِ بِوَلِيمَةِ النِّكَاحِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَبَالَغَ السَّرَخْسِيُّ مِنْهُمْ فَنَقَلَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، أَقُولُ الظَّاهِرُ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ وُجُوبُ الْإِجَابَةِ مُطْلَقًا عِنْدَ بَعْضٍ وَإِنْ وَلِيمَةً عِنْدَ آخَرَ فَسُنَّةٌ فِي غَيْرِهَا بِشَرْطِ عَدَمِ الْمُنْكَرِ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ فِيمَا يُرَى أَوْ يُسْمَعُ أَوْ يُعْلَمُ وَبِشَرْطِ الْعِلْمِ أَوْ الظَّنِّ بِعَدَمِ قَصْدِ صَاحِبِ الدَّعْوَةِ الرِّيَاءَ وَالسُّمْعَةَ وَالتَّبَاهِيَ وَالتَّفَاخُرَ وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُ بَلْ لَا يَجُوزُ كَمَا قِيلَ.
وَفِي الدُّرَرِ فَإِنْ عَلِمَ الْمُنْكَرَ ابْتِدَاءً لَا يَحْضُرُ وَإِنْ بَعْدَ الْحُضُورِ فَإِنْ مُقْتَدًى بِهِ فَيَمْتَنِعُ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَيَخْرُجُ أَلْبَتَّةَ وَإِنْ غَيْرَ مُقْتَدًى بِهِ جَازَ أَكْلُهُ فَإِنَّ إجَابَةَ الدَّعْوَةِ سُنَّةٌ فَلَا تُتْرَكُ لِاقْتِرَانِ الْبِدْعَةِ مِنْ غَيْرِهِ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَا تُتْرَكُ لِنَائِحَةٍ انْتَهَى مُلَخَّصًا لَكِنْ الْمَفْهُومُ مِنْ قَاعِدَةِ الْأُصُولِ تَرْجِيحُ الْبِدْعَةِ عَلَى السُّنَّةِ عِنْدَ التَّعَارُضِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبِدْعَةٍ بَلْ مُحَرَّمٌ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْبِدْعَةِ مِنْ نَفْسِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ وَسَيَجِيءُ زِيَادَةُ تَفْصِيلٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَنْ دَخَلَ) الضِّيَافَةَ (عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِقًا) لِأَنَّهُ لِعَدَمِ الْإِذْنِ كَالدَّاخِلِ خُفْيَةً أَوْ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي أَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنِ صَاحِبِهِ أَوْ فِي أَصْلِ الْحُرْمَةِ (وَخَرَجَ مُغِيرًا) مِنْ الْإِغَارَةِ وَهِيَ النَّهْبُ فَهَذَا الشَّخْصُ جَمَعَ بَيْنَ إثْمَيْ السَّارِقِ فِي الدُّخُولِ وَالْمُغِيرِ فِي الْخُرُوجِ قِيلَ إسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ ضَعِيفٌ إلَّا أَنَّ لِلْمَحَلِّ الْمُسْتَشْهَدِ شَاهِدًا مِنْ الْقُرْآنِ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧]- الِاسْتِئْنَاسُ الِاسْتِئْذَانُ لَا يَخْفَى أَنَّ الدُّخُولَ فِي الْآيَةِ مُطْلَقٌ أَوْ مُقَيَّدٌ بِالْبُيُوتِ.
وَفِي الْمَطْلَبِ: الدُّخُولُ لِأَكْلِ الضِّيَافَةِ أَوْ كِنَايَةٌ عَنْ نَفْسِ الْأَكْلِ فَلَا يَصْلُحُ شَاهِدًا وَأَنَا أَقُولُ لَوْ سَلِمَ الضَّعْفُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَأْيِيدًا لِلْقِيَاسِ إذْ مَالُ الْغَيْرِ حَرَامٌ مُطْلَقًا إلَّا بِالْإِذْنِ فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ كَالسَّارِقِ وَالْمُغِيرِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْخَبَرَ الضَّعِيفَ يُؤْتَى لِأَجْلِ تَأْيِيدِ دَلِيلٍ مِنْ نَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ.
(وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ التَّذَلُّلِ (الِاخْتِلَافُ) أَيْ التَّرَدُّدُ وَالِاخْتِلَاطُ (إلَى الْقُضَاةِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْعُمَّالِ) عَمَلَةِ السُّلْطَانِ (وَالْأَغْنِيَاءِ طَمَعًا لِمَا فِي أَيْدِيهِمْ بِلَا ضَرُورَةٍ) فِي قَوْلِهِ طَمَعًا نَوْعُ غِنًى عَنْ قَوْلِهِ بِلَا ضَرُورَةٍ إلَّا أَنْ لَا يَجْعَلَ طَمَعًا قَيْدًا لِلِاخْتِلَافِ كَمَا قِيلَ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ ابْتِدَاءً وَجُعِلَ لِلْأَغْنِيَاءِ فَقَطْ وَحِينَئِذٍ أَيْضًا يَنْدَفِعُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ مَنْعُ الِاخْتِلَافِ الْمُطْلَقِ، وَهَذَا الْقَيْدُ يُوجِبُ الْمَنْعَ بِشَرْطِ قَيْدِ ذَلِكَ الطَّمَعِ، ثُمَّ تِلْكَ الضَّرُورَةُ كَالشَّهَادَةِ سِيَّمَا عِنْدَ التَّعَيُّنِ وَدَفْعِ الظُّلْمِ وَإِعَانَةِ الْمَظْلُومِ فَيَجُوزُ بَلْ قَدْ يَجِبُ (وَمِنْهُ السُّجُودُ وَالرُّكُوعُ) إنْ أَرَادَ التَّحِيَّةَ وَالتَّعْظِيمَ لَيْسَ بِكَافِرٍ عِنْدَ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ وَكَافِرٌ عِنْدَ السَّرَخْسِيِّ وَإِنْ أَرَادَ الْعِبَادَةَ يَكْفُرُ إجْمَاعًا.
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَأَمَّا السَّجْدَةُ لِلْجَبَابِرَةِ فَكَبِيرَةٌ يَكْفُرُ فَاعِلُهَا قَالَ بَعْضُهُمْ يَكْفُرُ مُطْلَقًا وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ إنْ لِلْعِبَادَةِ يَكْفُرْ وَإِنْ لِلتَّحِيَّةِ لَا، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي سِيَرِ الْأَصْلِ إذَا قِيلَ لِمُسْلِمٍ اُسْجُدْ لِلْمَلِكِ وَإِلَّا قَتَلْنَاك إنْ أَمَرَهُ لِلْعِبَادَةِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَسْجُدَ؛ لِأَنَّهُ كُفْرٌ وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِمَا هُوَ كُفْرٌ صُورَةً (وَالِانْحِنَاءُ لِلْكُبَرَاءِ عِنْدَ الْمُلَاقَاةِ وَ) عِنْدَ (السَّلَامِ وَرَدِّهِ) لِوُرُودِ النَّهْيِ الصَّرِيحِ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ.
وَفِيهِ أَيْضًا تَشْبِيهٌ بِالْيَهُودِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ وَنُقِلَ عَنْ الْفُصُولِ الْعِمَادِيَّةِ الِانْحِنَاءُ لِلسُّلْطَانِ وَلِغَيْرِهِ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ فِعْلَ الْمَجُوسِ.
(وَ) مِنْهُ (الْقِيَامُ بَيْنَ يَدَيْ الظَّلَمَةِ وَتَقْبِيلُ أَيْدِيهِمْ وَثِيَابِهِمْ) بِلَا ضَرُورَةٍ قَيَّدَ بِالظَّلَمَةِ فَإِنَّ تَقْبِيلَ
следующие страницы →