← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21654

بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية

محمد الخادمي

Полный текст (1 189 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

إرْجَاعُ الضَّمِيرِ الثَّانِي إلَى مَا أُرْجِعَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ الْأَوَّلُ لَكِنْ لَمْ نَظْفَرْ فِيمَا عِنْدَنَا مِنْ الْفِقْهِيَّةِ عَلَى عَيْنِ هَذَا التَّصْرِيحِ وَحُمِلَ هَذَا التَّصْرِيحُ عَلَى مَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ جَمْعِ الْفَوَاكِهِ وَالْبَجَّاتِ) بَعِيدٌ مِنْ تَبَادُرِ اللَّفْظِ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ دَلِيلٌ آخَرُ ظَاهِرُهُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ إذْ عَدَمُ الْفَرْقِ إنَّمَا يَتَحَصَّلُ عِنْدَ التَّسَاوِي لَكِنَّ الْمُتَبَادَرَ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ دَلَالَةِ النَّصِّ فَلَا يَرِدُ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْقِيَاسَ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ، وَالنَّصُّ مَوْجُودٌ عَلَى دَعْوَى الْمُصَنِّفِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ، وَعَلَى أَمْثَالِهِ سِيَّمَا عَلَى عَادَةِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ دَلِيلَ الْمُقَلِّدِ إنَّمَا هُوَ قَوْلُ مَنْ قَلَّدَهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالنُّصُوصِ إنَّمَا هُوَ مَنْصِبُ الْمُجْتَهِدِ، وَقَدْ اُتُّفِقَ عَلَى انْقِرَاضِ الْمُجْتَهِدِ فِي زَمَانِنَا وَالْأَصَحُّ عَدَمُ تَجَزِّي الِاجْتِهَادِ سِيَّمَا قَدْ اُحْتُجَّ هُنَا أَوَّلًا بِصَرِيحِ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ فَالِاحْتِجَاجُ بِقَوْلِهِ. (خ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -) الظَّاهِرُ أَنَّهُ حَدِيثٌ مَوْقُوفٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الِاحْتِجَاجِ بِمَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ وَإِنْ كَانَ فِيهِ كَلَامٌ مَذْكُورٌ فِي مَحَلِّهِ لَا يَخْلُو عَنْ إشْكَالٍ لَعَلَّ الْحَقَّ فِي الْجَوَابِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِإِثْبَاتِ الْمَطْلُوبِ بَلْ لِتَأْيِيدِهِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ إثْبَاتِ الْحُكْمِ بِالْحُجَّةِ فَكَأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ أَخَذَ هَذَا الْحُكْمَ مِنْ هَذَا النَّصِّ أَوْ أَنْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الِاجْتِهَادِ لَيْسَ كُلَّ الْحُكْمِ فَإِنَّ بَعْضَ النُّصُوصِ ظَاهِرُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعْنَى يَفْهَمُهُ كُلُّ عَالِمٍ عَامِّيٍّ، وَأَنَّ كُلَّ نَصٍّ مُوَافِقٌ لِقِيَاسِ الْفُقَهَاءِ فَيُحْتَجُّ بِهِ مُطْلَقًا فَاحْفَظْهُ فَإِنَّهُ يَنْفَعُك فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ. «كُلْ مَا شِئْتَ» مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَالْفَوَاكِهِ «وَالْبَسْ مَا شِئْتَ» فَلَا بُدَّ مِنْ تَخْصِيصِ نَحْوِ الْمَكْرُوهِ وَمَا فِيهِ شُبْهَةٌ فَضْلًا عَنْ الْمُحَرَّمِ «مَا أَخْطَأَك سَرَفٌ وَمَخِيلَةٌ» أَيْ مُدَّةُ خَطَأِ السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ عَنْك. حَاصِلُهُ أَنَّ أَكْلَ كُلِّ مَأْكُولٍ، وَلُبْسَ كُلِّ مَلْبُوسٍ جَائِزٌ لَك مَا لَمْ يَصِلْ إلَى رُتْبَةِ السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ، وَالسَّرَفُ فِي الْأَكْلِ عَلَى مَا عَرَفْت أَنْ يَكُونَ فَوْقَ الشِّبَعِ مَثَلًا، وَفِي اللِّبَاسِ كَأَنْ يَكُونَ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ لَيْسَا لِلنَّدَبِ كَمَا لَا يَكُونَانِ لِلْوُجُوبِ بَلْ لِمُجَرَّدِ الْإِذْنِ وَالْإِبَاحَةِ فَلَا يُنَافِي مَمْدُوحِيَّةَ قِلَّتِهِمَا خُصُوصًا قِلَّةَ الْأَكْلِ قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْأَطِبَّاءِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ هَلْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى طِبٌّ قَالَ نَعَمْ جُمِعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ - ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]- يَعْنِي أَنَّ الْإِسْرَافَ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مَنْشَأُ الْأَمْرَاضِ، وَقِيلَ مَنْ قَلَّ أَكْلُهُ كَانَ أَصَحَّ جِسْمًا، وَأَجْوَدَ حِفْظًا، وَأَذْكَى فَهْمًا وَأَقَلَّ نَوْمًا، وَأَخَفَّ بَدَنًا وَزِيدَ فِي الْبُسْتَانِ، وَفِي كَثْرَةِ الْأَكْلِ مَضَارُّ كَثِيرَةٌ مِنْهَا التُّخَمَةُ وَتَوَلُّدُ الْأَمْرَاضِ الْمُخْتَلِفَةِ وَفِي الْحَدَائِقِ الْجُوعُ أَحَدُ أَرْكَانِ الْمُجَاهَدَةِ وَبِسَبَبِهِ تَنْفَجِرُ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ، وَعَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ مِفْتَاحُ الدُّنْيَا الشِّبَعُ وَمِفْتَاحُ الْآخِرَةِ الْجُوعُ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ الرَّازِيّ الْجُوعُ نُورٌ وَالشِّبَعُ نَارٌ، وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ أَيْضًا عَنْ الرَّازِيّ الْجُوعُ لِلْمُرِيدِينَ رِيَاضَةٌ؛ وَلِلتَّائِبِينَ تَجْرِبَةٌ؛ وَلِلزَّاهِدِينَ سِيَاسَةٌ. (وَمِنْهُ أَكْلُ مَا انْتَفَخَ مِنْ الْخُبْزِ أَوْ) أَكْلُ (وَسَطِهِ مَعَ تَرْكِ جَوَانِبِهِ إنْ لَمْ يَأْكُلْهَا أَحَدٌ، وَإِنْ كَانَ يَخَالُ يَأْكُلُهَا غَيْرُهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا وَمِنْهُ وَضْعُ الْخُبْزِ عَلَى الْمَائِدَةِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الْحَاجَةِ كَذَا فِي الِاخْتِيَار وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ هَذَا) أَيْ كَلَامُ الِاخْتِيَارِ (أَيْضًا) كَكَلَامِ الْخُلَاصَةِ

стр. 667

(عَلَى أَنْ يَضِيعَ مَا فَضَلَ مِنْ الْكِسْرَاتِ، وَلَا يَأْكُلُهُ أَحَدٌ أَوْ عَلَى أَنْ يَقْصِدَ الرِّيَاءَ وَالسُّمْعَةَ وَالشُّهْرَةَ، وَإِلَّا فَلَا إسْرَافَ) فِيهِ وَكَذَا لَا حَظْرَ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ لَكِنَّ قَوْلَهُ أَوْ عَلَى أَنْ يَقْصِدَ الرِّيَاءَ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَقْصُودُ الْمَقَامِ فَافْهَمْ (وَأَمَّا أَكْلُ النَّفَائِسِ) جَمْعُ نَفِيسَةٍ، وَهِيَ مَا يُرْغَبُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَارَاةِ وَيَجِيءُ بِمَعْنَى الْخَطِيرِ (مِنْ الْأَطْعِمَةِ، وَلُبْسِ اللِّبَاسِ الْفَاخِرِ وَالرَّقِيقِ) ، وَقَدْ سَمِعْت سَابِقًا أَنَّ قِيمَةَ رِدَائِهِ ﵊ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَفِي بَعْضِهَا أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَقِيمَةَ رِدَاءِ أَبِي حَنِيفَةَ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ (وَبِنَاءُ الْأَبْنِيَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَمْ يَمْنَعْ عَنْهُ الشَّارِعُ تَحْرِيمًا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِسْرَافٍ إذَا كَانَ مِنْ حَلَالٍ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْكِبْرَ وَالْفَخْرَ) عَنْ الْقُنْيَةِ لُبْسُ الثِّيَابِ الْجَمِيلَةِ مُبَاحٌ إذَا لَمْ يَتَكَبَّرْ وَتَفْسِيرُهُ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا كَمَا كَانَ قَبْلَهَا. انْتَهَى. فِي الْخُلَاصَةِ لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الثِّيَابِ الْجَمِيلَةِ إذَا كَانَ لَا يَتَكَبَّرُ، وَلَا يُضَيِّعُ الْفَرَائِضَ، وَلَا يَمْنَعُ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى فِي التتارخانية يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَبْسُطَ فِي بَيْتِهِ مَا شَاءَ مِنْ الثِّيَابِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ الصُّوفِ وَالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَالْمُنَقَّشَةِ، وَلَهُ سَتْرُ الْجُدْرَانِ بِالْإِزَارِ مِنْ اللِّبْدِ وَغَيْرِهِ وَيَجُوزُ بَسْطُ مَا فِيهِ صُورَةٌ أَوْ يَتَّخِذَ مَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ الْمُصَلُّونَ. وَفِي الْبُسْتَانِ الْبِسْ مِنْ الثِّيَابِ مَا لَا يُزْرِيك بِهِ السُّفَهَاءُ وَلَا يَعِيبُ الْفُقَهَاءُ، وَعَنْ عُمَرَ إذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَوَسِّعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَأَمَّا الْأَبْنِيَةُ فَعَنْ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ بَنَى بُنْيَانًا فِي غَيْرِ ظُلْمٍ، وَلَا اعْتِدَاءٍ كَانَ أَجْرُهُ جَارِيًا مَا انْتَفَعَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ» . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ بَنَى بِنَاءً أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ كَانَ عَلَيْهِ وَبَالًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَكَذَا قَوْلُهُ «مَنْ بَنَى فَوْقَ مَا يَكْفِيهِ كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى عُنُقِهِ» وَكَذَا قَوْلُهُ «مَنْ بَنَى فَوْقَ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ نَادَاهُ مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ إلَى أَيْنَ تُرِيدُ» كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَكَذَا مَا رُوِيَ «الْمُؤْمِنُ يُؤْجَرُ فِي نَفَقَتِهِ كُلِّهَا إلَّا شَيْئًا جَعَلَهُ فِي التُّرَابِ وَالْبِنَاءِ» كَمَا نُقِلَ عَنْ شِهَابِ الْأَخْبَارِ وَكَذَا قَوْلُهُ «إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ شَرًّا جَعَلَ مَالَهُ فِي الطَّبِيخَيْنِ» أَيْ الْآجُرِّ وَالْخَشَبِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْكِفَايَةِ وَنَحْوِهَا فَلَعَلَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ الْمُشَارِ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَا لَمْ يَمْنَعْ عَنْهُ الشَّارِعُ وَكَذَا مَا حُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِمَاكٍ أَنَّهُ قَالَ لِهَارُونَ الرَّشِيدِ حِينَ بَنَى دَارًا رَفِيعًا رَفَعْت الطِّينَ وَوَضَعْت الدِّينَ إنْ كَانَ هُوَ مِنْ مَالِك فَأَنْتَ مِنْ الْمُسْرِفِينَ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ وَإِنْ كَانَ مِنْ مَالِ غَيْرِك فَأَنْتَ مِنْ الظَّالِمِينَ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَفِي رِوَايَةٍ، وَأَنْتَ خَائِنٌ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ فَاللَّائِقُ بِمَنْ بَنَى أَنْ يَنْوِيَ بِبِنَائِهِ عِبَادَتَهُ تَعَالَى فِيهِ وَحِفْظَهُ مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَلَا يُنْفِقُ مَالًا كَثِيرًا فِي الْبِنَاءِ إذْ لَا خَيْرَ فِيمَا يُنْفَقُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ كَمَا فِي الشِّرْعَةِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثُ، وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا لَكِنَّهُ خُصَّ بِالْقَرَائِنِ وَالْأَحْوَالِ بِنَحْوِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَالرِّبَاطِ وَمَوَاضِعِ التَّعَبُّدِ يُؤْجَرُ الْبَانِي اتِّفَاقًا، وَعَنْ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ: مِنْ أَبْوَابِ الشَّيْطَانِ وَوَسَاوِسِهِ حُبُّ التَّزَيُّنِ فِي نَحْوِ الْبِنَاءِ إلَى آخِرِ مَا قَالَ فِيهِ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ (وَإِنْ كَانَ شَبِيهًا بِهِ) صُورَةً (وَ) إنْ كَانَ (يُعَدُّ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْإِسْرَافِ (مَجَازًا وَمَكْرُوهًا تَنْزِيهًا) يُشِيرُ إلَى نَحْوِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَيَجُوزُ جَمْعُ الْكَرَاهَةِ مَعَ عَدَمِ السَّرَفِ لَكِنْ قَدْ عُدَّ مِنْ السَّرَفِ بَعْضُ الْمَكْرُوهَاتِ فَافْهَمْ (إذْ اللَّائِقُ بِطَالِبِ الْآخِرَةِ أَنْ يَقْنَعَ) بِمُجَرَّدِ الْكَفَافِ كَمًّا وَكَيْفًا (وَيَتَصَدَّقَ) بِمَا يَزِيدُ عَلَى دَفْعِ ضَرُورَتِهِ (لِأَنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) . (وَمِنْ الْإِسْرَافِ كُلُّ مَا صُرِفَ إلَى الْمَعَاصِي وَالْمَنَاهِي) كَمَا صُرِفَ إلَى الْخَمْرِ

стр. 668

وَآلَاتِ الْمَعَازِفِ وَصَاحِبِ اللَّهْوِ وَالتَّغَنِّي وَالنَّائِحَةِ وَسَائِرِ الْمَعَاصِي كَمَنْ اسْتَأْجَرَ لِيُزَخْرِفَ لَهُ بَيْتًا بِالتَّمَاثِيلِ وَمِنْ الْمُشْكِلِ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا فِي الْفَتَاوَى كَقَاضِي خَانْ وَلَا بَأْسَ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُؤَاجِرَ دَارًا مِنْ ذِمِّيٍّ لِيَسْكُنَهَا، وَإِنْ شَرِبَ فِيهَا الْخَمْرَ أَوْ عَبَدَ فِيهَا الصَّلِيبَ أَوْ أَدْخَلَ الْخَنَازِيرَ فَذَاكَ بَذْلٌ لَا يَلْحَقُ الْمُسْلِمَ ثُمَّ قَالَ كَمَنْ بَاعَ غُلَامًا مِمَّنْ يَقْصِدُ بِهِ الْفَاحِشَةَ أَوْ بَاعَ جَارِيَةً لَهُ مِمَّنْ يَأْتِيهَا فِي غَيْرِ الْمَأْتِيِّ أَوْ لَا يَسْتَبْرِئُهَا ثُمَّ قَالَ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ لِيَنْحِتَ لَهُ طُنْبُورًا أَوْ يَرْبِطَا فَفَعَلَ طَابَ لَهُ الْأَجْرُ إلَّا أَنَّهُ يَأْثَمُ بِهِ وَزَادَ فِي التتارخانية قَوْلَهُ فِي الْإِعَانَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة أَيْضًا رَجُلٌ جَمَعَ الْمَالَ وَهُوَ كَانَ مُطْرِبًا مُغَنِّيًا إنْ بِغَيْرِ شَرْطٍ يُبَاحُ لَهُ، وَإِنْ بِشَرْطٍ يُرَدُّ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ تَصَدَّقَ بِهِ، وَفِيهِ أَيْضًا اسْتَأْجَرَ لِضَرْبِ الطَّبْلِ إنْ لِلَّهْوِ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ لِلْغُزَاةِ وَالْقَافِلَةِ يَجُوزُ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي نَائِحَةٍ أَوْ صَاحِبِ طَبْلٍ أَوْ مِزْمَارٍ اكْتَسَبَ مَالًا إنْ بِشَرْطِ مَالٍ بِإِزَاءِ النِّيَاحَةِ أَوْ الْغِنَاءِ لَا يَجُوزُ، وَفِي الْإِنَابَةِ الْأَخْذُ إذَا كَانَ بِمُقَابَلَةِ الْمَعْصِيَةِ كَانَ مَعْصِيَةً وَالسَّبِيلُ فِي الْمَعَاصِي رَدُّهَا وَيُؤْمَرُ بِالتَّصَدُّقِ عَنْهُ إذَا لَمْ يَعْرِفْ لِيَصِلَ إلَيْهِ. مَالُ الْمُغَنِّيَةِ إنْ قُضِيَ بِهِ دَيْنٌ لَمْ يَسَعْ صَاحِبَ الدَّيْنِ أَنْ يَأْخُذَ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهَا بِمَنْزِلَةِ الْغَصْبِ، وَأَمَّا فِي الْقَضَاءِ فَيُجْبَرُ عَلَى الْأَخْذِ، وَفِي الْيَنَابِيعِ رَجُلٌ مَاتَ وَكَسْبُهُ خَبِيثٌ الْأَوْلَى تَوَرُّعُ الْوَرَثَةِ فَإِنْ عَلِمُوا أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ يَرُدُّونَهَا عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا فَالْمِيرَاثُ حَلَالٌ لَهُمْ فِي الْحُكْمِ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ التَّصَدُّقُ ثُمَّ قَالَ، وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ بَلْ هُوَ حَرَامٌ وَكَذَا مَا هُوَ ظُلْمٌ فَالتَّوَرُّعُ أَوْلَى فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِنِيَّةِ خُصَمَاءِ أَبِيهِ، وَفِي الْيَنَابِيعِ وَمَا جَمَعَ السَّائِلُ مِنْ الْمَالِ فَهُوَ خَبِيثٌ، وَأَمَّا الَّذِي تَأْخُذُهُ النَّائِحَةُ وَالْقَوَّالُ وَالْمُغَنِّي فَالْأَمْرُ فِيهِ أَيْسَرُ لِأَنَّ فِيهِ إعْطَاءً بِرِضًا وَمِنْ غَيْرِ عَقْدٍ.

стр. 669

[الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ الْإِسْرَافَ هَلْ يَقَعُ فِي الصَّدَقَةِ] (الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ) (فِي أَنَّ الْإِسْرَافَ هَلْ يَقَعُ فِي الصَّدَقَةِ) فَيَحْرُمُ أَوْ يُكْرَهُ كَمَا عَرَفْت (رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ) أَحَدُ أَعْلَامِ التَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمُفَسِّرِينَ قَرَأَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، وَعَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ يُقَالُ مَاتَ، وَهُوَ سَاجِدٌ (أَنَّهُ قَالَ لَوْ كَانَ أَبُو قُبَيْسٍ) جَبَلٌ عَنْ يَمِينِ الْكَعْبَةِ وَيُقَالُ لَهُ جَبَلُ الْأَمِينِ (ذَهَبًا لِرَجُلٍ فَأَنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مُسْرِفًا) لِإِطْلَاقِ النُّصُوصِ وَالْآثَارِ، وَعَدَمِ تَنَافِي مَاهِيَّةِ الصَّدَقَةِ وَعَدَمِ شُمُولِ مَاهِيَّةِ الْإِسْرَافِ (، وَلَوْ أَنْفَقَ) أَيْ أَعْطَى فَلِلْمُشَاكَلَةِ أَوْ لِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ (دِرْهَمًا) وَاحِدًا (أَوْ مُدًّا) رُبْعَ صَاعٍ (فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ مُسْرِفًا) فَمَا أُنْفِقَ فِي سَبِيلِهِ تَعَالَى وَإِنْ كَثُرَ فَلَيْسَ بِسَرَفٍ، وَفِي مَعْصِيَتِهِ فَسَرَفٌ، وَإِنْ قَلَّ لَكِنْ لَعَلَّ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِعَدَمِ ضَرُورَتِهِ كَاضْطِرَارِ قُوتِهِ الْيَوْمِيِّ مَثَلًا إذْ لَا يَجُوزُ تَصَدُّقُ نَحْوِ هَذَا الْقَدْرِ حِينَئِذٍ (وَفِي هَذَا الْمَعْنَى) أَيْ فِي حَقِّ عَدَمِ كَوْنِ الْإِنْفَاقِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى سَرَفًا وَلَوْ كَثُرَ، وَرُدَّ (قَوْلُ حَاتِمٍ) الطَّائِيِّ قِيلَ هُوَ الْمَشْهُورُ بِالسَّخَاءِ وَالْجُودِ (حِينَ قِيلَ لَهُ لَا خَيْرَ فِي السَّرَفِ فَقَالَ لَا سَرَفَ فِي الْخَيْرِ) لَعَلَّ حَاتِمًا مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ لِعِلْمِهِ أَوْ صَلَاحِهِ وَزُهْدِهِ وَرِيَاضَتِهِ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا يُقَالُ إنَّ حَاتِمًا كَافِرٌ فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَا ذُكِرَ هُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ كَلَامٌ عَقْلِيٌّ مُطَابِقٌ لِلنَّقْلِ فَيُطَابِقُ الْعَقْلَ وَالنَّقْلَ فِي مَضْمُونِهِ (فَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ ظَاهِرِهِ) أَيْ ظَاهِرِ كَلَامِ مُجَاهِدٍ وَحَاتِمٍ مَثَلًا (أَنْ لَا سَرَفَ فِي الصَّدَقَةِ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ لَهُ ضَرُورَةُ احْتِيَاجٍ أَوْ لَا (وَهَذَا) الظَّنُّ (فَاسِدٌ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ يَظْهَرُ مِمَّا نُورِدُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) مِنْ قَوْلِنَا (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَالْقَاضِي وَ) الْإِمَامُ الْفَخْرُ (الرَّازِيّ) صَاحِبُ التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ (وَغَيْرُهُمْ) لَعَلَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يُنْصِفْ فِي هَذَا التَّرْتِيبِ بَلْ لَمْ يُصِبْ فِي الِاحْتِجَاجِ قَالَ فِي مِعْيَارِ السَّعَادَةِ فَاَلَّذِينَ أَخْطَئُوا فِي الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ اعْتَقَدُوا مَذَاهِبَ بَاطِلَةً، وَعَمَدُوا إلَى الْقُرْآنِ فَتَأَوَّلُوهُ عَلَى رَأْيِهِمْ وَأُصُولِ مَذْهَبِهِمْ مِثْلُ تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَيْسَانَ الْأَصَمِّ وَالْجُبَّائِيِّ وَالزَّمَخْشَرِيِّ، وَأَمْثَالِهِمْ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَكُونُ حَسَنَ الْعِبَارَةِ يَدُسُّ الْبِدَعَ فِي كَلَامِهِ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ كَصَاحِبِ الْكَشَّافِ وَنَحْوِهِ حَتَّى قَالَ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَشَّافَ كِتَابٌ عَظِيمٌ فِي بَابِهِ وَمُصَنِّفَهُ إمَامٌ فِي فَنِّهِ إلَّا أَنَّهُ رَجُلٌ مُبْتَدِعٌ مُتَجَاهِرٌ بِبِدْعَتِهِ يَضَعُ مِنْ قَدْرِ النُّبُوَّةِ كَثِيرًا وَيُسِيءُ أَدَبَهُ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَالْوَاجِبُ كَشْطُ مَا فِي كِتَابِ الْكَشَّافِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا أَنَّ الْأَعَاجِمَ يَدْرُسُونَهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ فَيَجِبُ مَنْعُ مَنْ لَا يَرْسَخُ فِي الشَّرِيعَةِ وَالسُّنَّةِ قَدَمُهُ عَنْهَا، وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي إتْقَانِ السُّيُوطِيّ. وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا الرَّازِيّ مَلَأَ تَفْسِيرَهُ بِأَقْوَالِ الْفَلَاسِفَةِ وَخَرَجَ مِنْ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ حَتَّى يَقْضِيَ النَّاظِرُ الْعَجَبَ مِنْ عَدَمِ مُطَابَقَةِ الْآيَةِ قَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ جَمَعَ الرَّازِيّ فِي تَفْسِيرِهِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً طَوِيلَةً لَا حَاجَةَ بِهَا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا التَّفْسِيرَ إلَى آخِرِ مَا قَالَ فِيهِ ثُمَّ إنَّ هَؤُلَاءِ الْمُفَسِّرِينَ شَافِعِيُّونَ، وَلَا خَيْرَ فِي الِاحْتِجَاجِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ إذْ لَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ الْخِلَافِيَّاتِ فَيَنْدَفِعُ مَا يُتَوَهَّمُ عَلَى هَذَا الِاحْتِجَاجِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي دَفْعِ الْأَوَّلِ أَيْضًا إنَّ الِاحْتِجَاجَ رَاجِعٌ إلَى جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَدْ اُعْتُرِفَ أَنَّهُ كِتَابٌ عَظِيمٌ فِي بَابِهِ أَيْ الْعَرَبِيَّةِ فَافْهَمْ. (إدْخَالُ مِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ عَلَيْهِ) أَيْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [البقرة: ٣] (لِلْكَفِّ عَنْ الْإِسْرَافِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ) فَفِي الْإِنْفَاقِ أَيْ الصَّدَقَةِ سَرَفٌ

стр. 670

(بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ) أَيْ هَؤُلَاءِ الْمُفَسِّرِينَ (أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْإِنْفَاقِ صَرْفُ الْمَالِ فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ هِدَايَتِهِ تَعَالَى وَمِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْفَلَاحُ لَكِنَّ الْكَلَامَ فِيمَا هُوَ نَافِلَةٌ، وَهَذَا الْإِنْفَاقُ زَكَاةُ فَرْضٍ (وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤١] أَيْ الْوَاجِبَ فِيهِ (يَوْمَ حَصَادِهِ) يُرِيدُ بِهِ مَا كَانَ يُتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْحَصَادِ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ لَا الزَّكَاةَ الْمُقَدَّرَةَ فَإِنَّهَا فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ وَالْآيَةُ مَكِّيَّةٌ، وَقِيلَ الزَّكَاةَ، وَالْآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، وَالْأَمْرُ بِإِتْيَانِهِ يَوْمَ الْحَصَادِ لِيُهْتَمَّ بِهِ حِينَئِذٍ حَتَّى لَا يُؤَخَّرَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِ الْأَدَاءِ؛ وَلِيُعْلَمَ أَنَّ الْوُجُوبَ بِالْإِدْرَاكِ لَا بِالتَّنْقِيَةِ. ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]- قَالَ السَّابِقُونَ) أَيْ الْمَذْكُورُونَ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ (أَيْ، وَلَا تُسْرِفُوا فِي الصَّدَقَةِ) فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الصَّدَقَةِ سَرَفٌ لَمَا نَهَى عَنْهُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي كَوْنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مُتَصَوَّرًا (لِمَا رُوِيَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ ﵁) الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّهُ صَرَمَ» أَيْ قَطَعَ «خَمْسَمِائَةِ نَخْلَةٍ» أَيْ قَطَعَ ثَمَرَهَا وَجَمَعَهُ «ثُمَّ قَسَمَهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ» عَلَى الْفُقَرَاءِ «وَلَمْ يَتْرُكْ لِأَهْلِهِ شَيْئًا فَنَزَلَتْ ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤١] أَيْ لَا تُعْطُوا كُلَّهُ» . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ) (﵀ «قَالَ جَدَّ» أَيْ قَطَعَ «مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَخْلَةً فَلَمْ يَزَلْ يَتَصَدَّقُ» بِالتَّمْرِ «حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ» لِأَهْلِهِ «فَنَزَلَ ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤١] » ، وَقَالَ السُّدِّيَّ ﵀ أَيْ، وَلَا تُعْطُوا أَمْوَالَكُمْ) بِالْكُلِّيَّةِ إلَى الْفُقَرَاءِ (فَتَقْعُدُوا فُقَرَاءَ) أَيْ فَتَصِيرُوا مُحْتَاجِينَ بِالْإِسْرَافِ (وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] . وَقَالَ جَابِرٌ وَابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «جَاءَ غُلَامٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إنَّ أُمِّي تَسْأَلُك كَذَا وَكَذَا» كِنَايَةً عَنْ تَعْدَادِ الشَّيْءِ، وَعِدَّتِهِ، وَتَعَدُّدُ الْأَمْرِ كِنَايَةٌ عَمَّا يُرَادُ بِهِ «فَقَالَ ﵊ مَا عِنْدَنَا الْيَوْمَ شَيْءٌ) فَذَهَبَ إلَى أُمِّهِ فَقَالَتْ قُلْ لَهُ إنَّ أُمِّي تَسْتَكْسِيك الدِّرْعَ الَّذِي عَلَيْك فَجَاءَ، وَ (قَالَ فَتَقُولُ لَك) أُمِّي (اُكْسُنِي قَمِيصَك) فَدَخَلَ ﵊ بَيْتَهُ (فَخَلَعَ قَمِيصَهُ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ وَجَلَسَ فِي الْبَيْتِ عُرْيَانًا» ، وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «فَأَذَّنَ بِلَالٌ لِلصَّلَاةِ وَانْتَظَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﵊ يَخْرُجُ» أَيْ أَنْ يَخْرُجَ، وَلَمْ يَخْرُجْ «وَاشْتَغَلَتْ الْقُلُوبُ» وَتَرَدَّدَتْ بِعَدَمِ خُرُوجِهِ «فَدَخَلَ بَعْضُهُمْ فَإِذَا هُوَ عَارٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ» ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] ﴿فَتَقْعُدَ﴾ [الإسراء: ٢٩] فِي بَيْتِك ﴿مَلُومًا﴾ [الإسراء: ٢٩] عَلَى عَدَمِ الْخُرُوجِ ﴿مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] مَكْشُوفًا مِنْ حَسَرَ عَنْ ذِرَاعِهِ أَيْ كَشَفَ (كَذَا ذَكَرَهُ السَّابِقُونَ) مِنْ الْمُفَسِّرِينَ الْمَذْكُورِينَ

стр. 671

(خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» لَفْظُ ظَهْرِ مُقْحَمٌ وَالْغِنَى هُنَا مُجَرَّدُ عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَى الْغَيْرِ فِي النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ لَا الْغِنَى الشَّرْعِيُّ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَنْدَمُ غَالِبًا وَنُكِّرَ غِنًى لِلتَّفْخِيمِ، وَلَا يُنَافِيهِ «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جَهْدُ الْمُقِلِّ» ؛ لِأَنَّ الْفَضِيلَةَ تَتَفَاوَتُ حَسْبَ الْأَشْخَاصِ، وَقُوَّةِ التَّوَكُّلِ أَوْ الْمُرَادُ بِالْمُقِلِّ الْغَنِيُّ الْقَلْبِ كَمَا فِي الْفَيْضِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرْضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» قَالَ النَّوَوِيُّ مَذْهَبُنَا أَنَّ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ الْمَالِ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، وَلَا لَهُ عِيَالٌ لَا يَصْبِرُونَ وَيَكُونُ هُوَ يَصْبِرُ عَلَى الْفَقْرِ فَإِنْ لَمْ يَجْمَعْ هَذِهِ الشُّرُوطَ فَمَكْرُوهٌ. آخِرُ الْحَدِيثِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «وَابْدَأْ» أَمْرٌ مِنْ الْبَدْءِ أَيْ ابْتَدِئْ «بِمَنْ تَعُولُ» أَيْ بِمَنْ تَلْزَمُك نَفَقَتُهُ وَالْمَعْنَى أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ قَدْرِ كِفَايَةِ عِيَالِهِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِظَهْرِ الْغِنَى مَا يَفْضُلُ عَنْ الْعِيَالِ، وَعَنْ النَّوَوِيِّ أَيْ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا أَبْقَتْ بَعْدَهَا غِنًى يَسْتَظْهِرُ بِهِ صَاحِبُهَا عَلَى مَصَالِحِهِ إذْ الْمُتَصَدِّقُ بِمَالِهِ كُلِّهِ يَنْدَمُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَقِيلَ أَيْ مَا كَانَ بَعْدَ الصَّدَقَةِ مَا يَقُومُ بِحُقُوقِ النَّفْسِ وَالْعِيَالِ، وَعَلَيْهِ يَشْكُلُ بِنَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] إذْ نُزُولُهَا لِأَنْصَارِيٍّ آثَرَ عَلَى احْتِيَاجِ نَفْسِهِ أَوْ عَلَى احْتِيَاجِ صَبِيِّهِ فَقِيرًا مُهَاجِرِيًّا وقَوْله تَعَالَى ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] أَيْ عَلَى شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَقُوَّةِ الشَّهْوَةِ لَهُ لَعَلَّ الْجَوَابَ عَنْ الْحَدِيثِ السَّابِقِ جَوَابٌ هُنَا أَيْضًا ثُمَّ فِي فَصْلِ الْهَمْزَةِ مِنْ الْجَامِعِ وَقَعَ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ الْحَدِيثَ. قَالَ الْمُنَاوِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ تَبْقِيَةَ بَعْضِ الْمَالِ أَفْضَلُ مِنْ التَّصَدُّقِ بِكُلِّهِ إلَّا لِأَهْلِ الْيَقِينِ كَالصِّدِّيقِ وَأَضْرَابِهِ، وَمَحْصُولُهُ أَنَّ الْفَضِيلَةَ تَتَفَاوَتُ بِحَسَبِ الْأَشْخَاصِ، وَقُوَّةِ التَّوَكُّلِ وَضَعْفِ الْيَقِينِ كَمَا مَرَّ. وَعَنْ الطَّبَرَانِيِّ «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا أَبْقَتْ غِنًى» أَيْ مَا بَقِيَتْ لَك بَعْدَ إخْرَاجِهَا كِفَايَةٌ لَك؛ وَلِعِيَالِك، وَقِيلَ مَا حَصَلَ بِهِ لِلسَّائِلِ غِنًى عَنْ سُؤَالٍ كَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِأَلْفٍ فَأَعْطَاهُ لِمِائَةِ رَجُلٍ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمْ الْغِنَى بِخِلَافِ إعْطَائِهِ لِوَاحِدٍ «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» . (غ) الْبَغَوِيّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ عِنْدِي دِينَارٌ» قِيلَ وَزْنُهُ إحْدَى وَسَبْعُونَ شَعِيرَةً وَالْمَشْهُورُ أَنَّ تَدْوِيرَهُ فِي خِلَافَةِ الْفَارُوقِ ﵁ وَكَانَ قَبْلَهُ عَلَى شَبَهِ النَّوَاةِ بِلَا نَقْشٍ ثُمَّ نُقِشَ فِي زَمَانِ ابْنِ الزُّبَيْرِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ «فَقَالَ أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِك» ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «ابْدَأْ بِنَفْسِك» «قَالَ عِنْدِي دِينَارٌ آخَرُ قَالَ أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِك قَالَ عِنْدِي آخَرُ قَالَ أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِك قَالَ عِنْدِي آخَرُ قَالَ أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِك قَالَ عِنْدِي آخَرُ قَالَ أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ» أَيْ أَنْتَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْإِنْفَاقِ وَبَيْنَ الِادِّخَارِ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» . (م عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْدَأْ بِنَفْسِك» أَيْ بِمَا تَحْتَاجُهُ

стр. 672

«فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا» ؛ لِأَنَّك الْمَخْصُوصُ بِالنِّعْمَةِ الْمُنْعَمِ عَلَيْك بِهَا وَكَوْنُهُ صَدَقَةً؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْوُجُوبِ إنْ مِنْ حَلَالٍ «فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِك» فَهُوَ زَوْجُك قَدَّمَ الزَّوْجَةَ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا مُعَاوَضَةٌ وَمَا بَعْدَهَا مُوَاسَاةٌ «فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِك» شَيْءٌ «فَلِذِي قَرَابَتِك» ؛ لِأَنَّهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْك فَصِلَةُ أَرْحَامٍ «فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِك شَيْءٌ فَهَكَذَا، وَهَكَذَا» أَيْ بَيْنَ يَدَيْك، وَعَنْ يَمِينِك وَشِمَالِك كَنَّى بِهِ عَنْ تَكْثِيرِ الصَّدَقَةِ وَتَنْوِيعِ جِهَاتِهَا قَالَ الْمُحَقِّقُ أَبُو زُرْعَةَ: مَحَلُّ تَقْدِيمِ النَّفْسِ فِيمَنْ لَا يَصْبِرُ، وَإِلَّا فَالْإِيثَارُ مَحْبُوبٌ وَمَحْمُودٌ جَاءَ بِمَدْحِهِ الْقُرْآنُ. وَفِيهِ أَنَّ الْحُقُوقَ وَالْفَضَائِلَ إذَا تَزَاحَمَتْ قُدِّمَ الْآكَدُ، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ فِي صَدَقَةِ النَّفْلِ تَنْوِيعُهَا فِي وُجُوهِ الْبِرِّ بِالْمَصْلَحَةِ، وَلَا يَحْصُرُهَا فِي النَّفَقَةِ وَمِثْلُهُ التَّصَدُّقُ بِثَمَنِ الْعَبْدِ إلَى الْفُقَرَاءِ الْمُتَكَثِّرَةِ أَفْضَلُ مِنْ إعْتَاقِ عَيْنِ الْعَبْدِ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَالْعَمَلُ بِالْإِشَارَةِ؛ لِأَنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ النُّطْقِ إذَا فُهِمَ الْمُرَادُ بِهَا إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ لَمْ يَكْتَفُوا بِإِشَارَةِ النَّاطِقِ إلَّا فِي الْأُمُورِ الْخَفِيَّةِ كَذَا فِي الْفَيْضِ ثُمَّ إنَّهُ لَوْ أَنْفَقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ مَعَ احْتِيَاجِهِ بِدُونِ الصَّبْرِ مِنْهُ أَوْ مِنْ أَهْلِهِ أَوْ قَرَابَتِهِ يَكُونُ مُسْرِفًا كَمَا نُقِلَ عَنْ الْحَاشِيَةِ. (وَقَالَ خ وَمَنْ تَصَدَّقَ، وَ) الْحَالُ (هُوَ مُحْتَاجٌ أَوْ أَهْلُهُ مُحْتَاجٌ أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَالدَّيْنُ أَحَقُّ) ، وَأَوْلَى أَوْ أَوْجَبُ (أَنْ يُقْضَى مِنْ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ، وَهُوَ) أَيْ الصَّدَقَةُ (رَدٌّ عَلَيْهِ) مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، وَقِيلَ أَيْ غَيْرُ نَافِذٍ تَصَرُّفُهُ؛ لِأَنَّهُ سَفِيهٌ مُسْرِفٌ وَتَصَرُّفُهُ مَرْدُودٌ مُطْلَقًا عِنْدَ الْبَعْضِ مِنْهُمْ الْبُخَارِيُّ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ نَافِذٌ قَبْلَ حَجْرِ الْقَاضِي مَرْدُودٌ بَعْدَهُ وَالْحَجْرُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ نَافِذٌ إلَّا أَنْ يَحْجُرَ الْقَاضِي عَلَى قَوْلِهِمَا، وَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي حَجْرُهُ عِنْدَهُ كَذَا قِيلَ (وَقَالَ) أَيْ الْبُخَارِيُّ (فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُضَيِّعَ أَمْوَالَ النَّاسِ) أَيْ الْأَهْلِ وَصَاحِبِ الدَّيْنِ (بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ) بَلْ يَجِبُ تَرْكُ الصَّدَقَةِ لِيُوصِلَ حَقَّ كُلِّ ذِي حَقٍّ إلَيْهِ فَاسْتِخْرَاجُ الْبُخَارِيِّ الْحُكْمَ مِنْ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُجْتَهِدًا كَمَا قِيلَ، وَقِيلَ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ فَيَكُونُ الِاسْتِخْرَاجُ لَا بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ بَلْ مِنْ قَبِيلِ مَا يَعْرِفُهُ الْعَالِمُ الْعَامِّيُّ مِنْ النَّصِّ لِوُضُوحِ دَلَالَتِهِ فَحِينَئِذٍ لَا حُسْنَ فِي تَخْصِيصِ التَّفْرِيعِ إلَى الْبُخَارِيِّ فَتَأَمَّلْ. (وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي تَنْبِيهِ الْغَافِلِينَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ) ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ مُجْتَهِدِي الْمَشَايِخِ آثَرَ كَوْنَ الْعَمَلِ أَفْضَلَ مِنْ الْعِلْمِ فَتَقَاعَدَ عَنْ التَّصْنِيفِ وَالتَّدْرِيسِ فَتَفَرَّغَ لِلزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ (أَنَّهُ قَالَ لَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَنْ يَصْطَبِغَ) خُبْزَهُ (بِالزَّيْتِ أَوْ بِالْخَلِّ مَا لَمْ يَقْضِ دَيْنَهُ) ؛ لِأَنَّ هَذَا تَرَفُّهٌ، وَقَضَاءُ الْحَقِّ الْوَاجِبِ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ هَذَا إمَّا مَذْهَبٌ مُخْتَصٌّ بِهَذَا الْوَلِيِّ أَوْ أَنَّ مَالَهُ لَا يَفِي دَيْنَهُ لِتَسَاوِي الدَّيْنِ أَوْ لِغَلَبَتِهِ عَلَى الْمَالِ (وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ) الْعَسْقَلَانِيُّ (قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ) الْمَالِكِيُّ أَحَدُ شُرَّاحِ الْبُخَارِيِّ (أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمِدْيَانَ) أَيْ مَنْ كَثُرَ دَيْنُهُ (لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ وَيَتْرُكَ قَضَاءَ الدَّيْنِ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ

стр. 673

الْتِزَامَ مَا لَمْ يَلْزَمْ مَعَ وُجُودِ مَا لَزِمَ وَمُقْتَضَى عَدَمِ الْجَوَازِ وُجُوبُ الِاسْتِرْدَادِ أَوْ التَّضْمِينِ عِنْدَ الْإِهْلَاكِ سِيَّمَا الْغُرَمَاءُ وَأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجُزْ التَّصَدُّقُ فَأَوْلَى عَدَمُ جَوَازِ هِبَتِهِ سِيَّمَا لِنَحْوِ، وَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ لَكِنْ لَمْ أَقِفْ. (وَقَالَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ الْجُمْهُورُ مَنْ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ فِي صِحَّةِ بَدَنِهِ وَ) صِحَّةِ (عَقْلِهِ حَيْثُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَكَانَ صَبُورًا عَلَى الْإِضَاقَةِ) مِنْ الضِّيقِ وَالْمُضَايَقَةِ (وَلَا عِيَالَ لَهُ أَوْ لَهُ عِيَالٌ يَصْبِرُونَ أَيْضًا فَهُوَ) أَيْ التَّصَدُّقُ بِكُلِّ مَالِهِ (جَائِزٌ) كَمَا «تَصَدَّقَ الصِّدِّيقُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بِجَمِيعِ مَالِهِ فَحَسَّنَهُ ﵊» وَكَذَا رُوِيَ أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا مَعَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا سِرًّا، وَعَلَانِيَةً حَتَّى تَخَلَّلَ بِالْعَبَاءِ، وَإِنْ قِيلَ إنَّهُ لَمْ يَجِئْ فِي الْمَرْفُوعِ (فَإِنْ فَقَدَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كُرِهَ) تَحْرِيمًا مَعَ نَفَاذِ تَصَرُّفِهِ قَالَ فِي قَاضِي خَانْ رَجُلٌ مُحْتَاجٌ أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي مَعَهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ قَالُوا إنْ كَانَ لَوْ تَصَدَّقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ يَصْبِرُ عَلَى الشِّدَّةِ فَالصَّدَقَةُ أَفْضَلُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَصْبِرُ عَلَى الشِّدَّةِ فَالْإِنْفَاقُ عَلَى نَفْسِهِ أَفْضَلُ. (وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ) أَيْ التَّصَدُّقُ (مَرْدُودٌ) غَيْرُ نَافِذٍ أَوْ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى (وَرُوِيَ) أَيْ مَرْدُودِيَّتُهُ (عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) لَكِنْ يُخَالِفُ مَا فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ الْإِنْسَانُ إذَا وَقَفَ وَقْفًا، وَعَلَيْهِ دُيُونُ إلَخْ (فَظَهَرَ) مِمَّا تَقَدَّمَ (أَنَّ السَّرَفَ يَقَعُ فِي الصَّدَقَةِ أَيْضًا) كَمَا فِي غَيْرِهَا (إذَا كَانَ مَدْيُونًا، وَلَا يَفِي مَا فَضَلَ مِنْ الصَّدَقَةِ لِدَيْنِهِ أَوْ كَانَ ذَا عِيَالٍ لَا يَصْبِرُونَ) عَلَى شَدَائِدِ الْفَاقَةِ (وَلَمْ يَتْرُكْ لَهُمْ كِفَايَةً) فَيُفْضِي إلَى السُّؤَالِ وَدَوْرِ الْأَبْوَابِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ، وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ أَوْ خُدُوشٌ أَوْ كُدُوحٌ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يُغْنِيهِ قَالَ خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا» كَذَا نُقِلَ عَنْ تَفْسِيرِ الْبَغَوِيّ فَفُهِمَ أَنَّ الْكِفَايَةَ هَذَا الْخَمْسُونَ (أَوْ كَانَ مُحْتَاجًا لَا يَثِقُ بِنَفْسِهِ الصَّبْرَ عَلَى الْإِضَاقَةِ) أَيْ مُضَايَقَةِ الْفَقْرِ. [الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ فِي عِلَاجِ الْإِسْرَافِ] (الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ) : (فِي عِلَاجِ الْإِسْرَافِ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ) عِلْمِيٌّ وَعَمَلِيٌّ، وَقَلْعِيٌّ (الْأَوَّلُ عِلْمِيٌّ وَهُوَ مَعْرِفَةُ غَوَائِلِهِ السَّابِقَةِ) مِنْ مُشَارَكَةِ الشَّيْطَانِ، وَقَوْمِ لُوطٍ، وَفِرْعَوْنَ وَغَيْرِهَا (وَاسْتِمَاعُ مَا ذَكَرْنَا) فِي ذَمِّهِ مِنْ الْآيَاتِ وَالدَّلَائِلِ (وَالتَّأَمُّلُ فِيهِ) أَيْ فِيمَا ذَكَرْنَا (وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى التَّذَكُّرِ) حَتَّى يَنْقَلِعَ مِنْهُ. (وَالثَّانِي عَمَلِيٌّ، وَهُوَ التَّكَلُّفُ فِي الْإِمْسَاكِ) إذَا كَانَ طَبْعُهُ عَلَى الْجُودِ (وَنَصْبُ رَقِيبٍ عَلَيْهِ) مِنْ الْأَحِبَّاءِ وَالْأَقَارِبِ (يُعَاتِبُهُ) فِيمَا أَسْرَفَ (وَيُذَكِّرُهُ آفَاتِ الْإِسْرَافِ. وَالثَّالِثُ قَلْعِيٌّ) يَقْلَعُهُ مِنْ أَصْلِهِ

стр. 674

(وَهُوَ) أَيْ الْقَلَعِيُّ (مَعْرِفَةُ أَسْبَابِهِ ثُمَّ إزَالَتُهَا) ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الشَّيْءِ إذَا زَالَ زَالَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِالْمَرَّةِ (وَهِيَ) أَيْ الْأَسْبَابُ (سِتَّةٌ) سَفَهٌ وَجَهْلٌ وَرِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ وَكَسَلٌ وَبَطَالَةٌ وَضَعْفُ نَفْسٍ وَضَعْفُ دِينٍ (الْأَوَّلُ، وَهُوَ الْغَالِبُ) فِي السَّبَبِيَّةِ (السَّفَهُ، وَهُوَ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ، وَهُوَ ضَعْفُ الْعَقْلِ وَخِفَّتُهُ وَسَخَافَتُهُ) السَّخِيفُ ضِدُّ الثَّخِينِ (وَرَكَاكَتُهُ) مِنْ رَكَّ يَرِكُّ رَكَاكَةً أَيْ ضَعُفَ فِي عَقْلِهِ وَرَأْيِهِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْقَامُوسِ. اعْلَمْ أَنَّ السَّفَهَ هُوَ النُّقْصَانُ فِي الْعَقْلِ كَيْفًا وَضِدُّهُ الرُّشْدُ، وَالْبَلَادَةُ نُقْصَانٌ فِيهِ كَمًّا وَضِدُّهُ الذَّكَاءُ وَالْغَبَاوَةُ الْبُطْءُ، وَعَدَمُ السُّرْعَةِ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ الْمَبَادِئِ إلَى الْمَطْلُوبِ بِدُونِ النُّقْصَانِ فِي الْكُمِّ وَالْكَيْفِ وَضِدُّهَا الْفَطِنَةُ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ (وَضِدُّهُ الرُّشْدُ وَهُوَ قُوَّةُ الْعَقْلِ وَبُلُوغُهُ كَمَالَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] الْمَنْسُوبَةَ إلَيْكُمْ تَصَرُّفًا وَإِلَيْهِمْ مِلْكًا (ثُمَّ قَالَ ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] أَيْ أَبْصَرْتُمْ رُشْدًا ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] أَعْطُوهَا إلَيْهِمْ لِرَفْعِ الْحَجْرِ بِزَوَالِ السَّفَهِ (وَأَكْثَرُ السَّفَهِ طَبِيعِيٌّ) يُخَالِفُهُ عَدُّ الْأُصُولِيِّينَ السَّفَهَ مِنْ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ قَالَ فِي الْمِرْآةِ فَإِنَّ السَّفِيهَ بِاخْتِيَارِهِ يَعْمَلُ عَلَى خِلَافِ مُوجَبِ الْعَقْلِ مَعَ بَقَاءِ الْعَقْلِ فَلَا يَكُونُ سَمَاوِيًّا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الطَّبِيعِيَّ سَمَاوِيٌّ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ مِنْ الطَّبِيعِيِّ الْمَبْدَأُ وَمِنْ الِاكْتِسَابِ الْأَثَرُ (وَقَدْ يَنْضَمُّ إلَيْهِ مَا يُقَوِّيهِ عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَى كَثْرَةِ الْإِسْرَافِ) بِأَنْ يَنْضَمَّ إلَى مَا هُوَ طَبِيعَةٌ لَهُ مَا يُقَوِّيهِ (وَهُوَ) أَيْ مَا يُقَوِّيهِ (تَمَلُّكُ الْمَالِ بِغَيْرِ كَسْبٍ وَتَعَبٍ) كَالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ فَإِنَّ كُلْفَةَ الْكَسْبِ، وَإِتْعَابَ التَّحْصِيلِ تُصَعِّبُ الْإِنْفَاقَ وَالْإِهْدَارَ وَتُذَكِّرُ فَوَائِدَ الْمَالِ وَمَنَافِعَهُ (وَحَثُّ جُلَسَائِهِ) إيَّاهُ فَمِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى فَاعِلِهِ، وَالْمَفْعُولُ مَتْرُوكٌ (عَلَى الْإِنْفَاقِ وَتَنْفِيرُهُمْ) إيَّاهُ (عَنْ الْإِمْسَاكِ لِيَأْكُلُوا مَالَهُ) عِنْدَ تَبْذِيرِهِ (وَيَأْخُذُوهُ فَلِهَذَا نُهِيَ عَنْ جَلِيسِ السُّوءِ) كَمَا رُوِيَ عَنْ الصَّحِيحَيْنِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً وَنَافِخُ الْكِيرِ إمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَك، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا مُنْتِنَةً» قَوْلُهُ يُحْذِيَكَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ يُعْطِيك قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ مُجَالَسَةِ مَنْ تُؤْذِي مُجَالَسَتُهُ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا وَالتَّرْغِيبُ فِي مُجَالَسَةِ مَنْ تَنْفَعُ مُجَالَسَتُهُ فِيهِمَا، وَفِيهِ إيذَانُ بِطَهَارَةِ الْمِسْكِ وَحِلِّ بَيْعِهِ وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ تَجَنَّبْ قَرِينَ السُّوءِ وَاصْرِمْ حِبَالَهُ ... فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مِنْهُ مَحِيصًا فَدَارِهِ وَلَازِمْ حَبِيبَ الصِّدْقِ وَاتْرُكْ مِرَاءَهُ ... تَنَلْ مِنْهُ صَفْوَ الْوُدِّ مَا لَمْ تُمَارِهِ ؛ وَلِلَّهِ فِي عَرْضِ السَّمَوَاتِ جَنَّةٌ ... وَلَكِنَّهَا مَحْفُوفَةٌ بِالْمَكَارِهِ (وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْإِسْرَافِ يَكْثُرُ) وُجُودُهُ (فِي أَوْلَادِ الْأَغْنِيَاءِ) ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَتْعَبُونَ فِي تَحْصِيلِ الْأَمْوَالِ فَلَا يَعْرِفُونَ قَدْرَهَا فَيُضَيِّعُونَهَا فِي سَفَاهَتِهِمْ كَالتُّجَّارِ، وَأَهْلِ الْمَنَاصِبِ (وَقَدْ يَحْصُلُ السَّفَهُ أَوْ يَزِيدُ بِرِعَايَةِ النَّاسِ لَهُ وَبِتَعْظِيمِهِمْ إيَّاهُ وَتَغْرِيرِهِمْ) أَيْ مُخَادَعَتِهِمْ لَهُ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ لِيَنَالُوا مِنْهُ وَيُقَالُ غَرَّتْهُ الدُّنْيَا غُرُورًا خَدَعَتْهُ بِزِينَتِهَا هَذَا إنْ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ فَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَإِنْ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ فَزَايٍ مُعْجَمَةٍ فَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ نَصْرَتِهِمْ لَهُ

стр. 675

وَتَعْظِيمِهِمْ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ التَّعْزِيرُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] النُّصْرَةُ وَالتَّعْظِيمُ، وَإِنْ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ فَزَاءَيْنِ أَيْ إجْلَالِهِمْ لَهُ، وَهَيْبَتِهِمْ لِمَقَامِهِ (وَثَنَائِهِمْ) أَيْ مَدْحِهِمْ لَهُ (كَمَا فِي أَوْلَادِ الْكُبَرَاءِ مِنْ الْأُمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ وَالْمُدَرِّسِينَ وَالْمَشَايِخِ) الْمَشْهُورِينَ بِالْوَعْظِ أَوْ مَشَايِخِ الطَّرِيقِ لَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يَجْمَعَ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ فِي أَوْلَادِ الْأَغْنِيَاءِ نَعَمْ إنَّ أَوْلَادَ الْكُبَرَاءِ مَجْبُولَةٌ بِنَحْوِ التَّعْظِيمِ الْمَذْكُورِ دُونَ أَوْلَادِ الْأَغْنِيَاءِ (وَنَحْوِهِمْ) مِنْ أَعْوَانِ السُّلْطَانِ وَأَرْبَابِ الْوَجَاهَةِ. (وَالثَّانِي) مِنْ أَسْبَابِ السَّفَهِ (الْجَهْلُ بِمَعْنَى الْإِسْرَافِ أَوْ بِبَعْضِ أَصْنَافِهِ) أَيْ الْإِسْرَافِ (فَلَا يَظُنُّهُ) أَيْ لَا يَعْتَقِدُ مَا فَعَلَهُ (سَرَفًا) حَتَّى يَجْتَنِبَهُ (بَلْ يَظُنُّهُ سَخَاءً) مَمْدُوحًا (لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي بَذْلِ غَيْرِ الْوَاجِبِ) ، وَإِنْ افْتَرَقَا بِصَرْفِ الْمَالِ فِي غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ وَفِي مُسْتَحِقِّهِ (أَوْ) الْجَهْلُ (بِحُرْمَتِهِ وَضَرَرِهِ. وَالثَّالِثُ: الرِّيَاءُ وَالسُّمْعَةُ) ؛ لِأَنَّهُ يُسْرِفُ لِنَيْلِ الثَّنَاءِ مِنْ النَّاسِ وَمَدْحِهِمْ. (وَالرَّابِعُ: الْكَسَلُ) أَيْ الْفُتُورُ، وَعَدَمُ النَّشَاطِ فِي الْخَيْرِ وَالتَّقَاعُدُ عَنْ تَحْصِيلِ مَرَاتِبِ الْكَمَالِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ فَيَطْلُبُ حُصُولَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ النَّاسِ بِالْإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ (وَالْبَطَالَةُ) أَيْ تَرْكُ الْعَمَلِ لِمُجَرَّدِ الْحُضُورِ وَالرَّاحَةِ (وَالْخَامِسُ ضَعْفُ النَّفْسِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْعَوَامُّ) لَا الْخَوَاصُّ (حَيَاءً) فَإِنَّ الْحَيَاءَ الْحَقِيقِيَّ مَمْدُوحٌ وَمِنْ الْإِيمَانِ كَمَنْ يُنْفِقُ الْمَالَ فِي مَعْصِيَةٍ بِنَاءً عَلَى إنْفَاقِ الْغَيْرِ عِنْدَهُ فِيهَا فَلَا تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِالْمُخَالَفَةِ، وَعَدَمِ الْإِنْفَاقِ لِضَعْفِهَا وَعَدَمِ قُوتِهَا بَلْ رُبَّمَا يَسْتَدِينُ لِذَلِكَ كَذَا نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ لَعَلَّ لَيْسَ مِنْهُ بَذْلُهُ خَوْفًا عَلَى عِرْضِهِ وَنَفْسِهِ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ إعْطَاءُ شَيْءٍ لِمَنْ يَخَافُ هَجْوَهُ جَائِزٌ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَشْكُلُ بِمَا سَبَقَ وَصَرَّحَ فِي قَاضِي خَانْ أَيْضًا وَالرَّجُلُ إذَا كَانَ مُطْرِبًا مُغَنِّيًا إنْ أُعْطِيَ بِغَيْرِ شَرْطٍ يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَأْخُذُ ذَلِكَ عَلَى شَرْطٍ رُدَّ الْمَالِ عَلَى صَاحِبِهِ إنْ كَانَ يَعْرِفُهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ إذْ مَا يُبَاحُ أَخْذُهُ يُبَاحُ إعْطَاؤُهُ وَمَا فِي الْأَشْبَاهِ فِي قَاعِدَةِ مَا حَرُمَ أَخْذُهُ حَرُمَ إعْطَاؤُهُ مِنْ قَوْلِهِ كَالرِّبَا وَمَهْرِ الْبَغْيِ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ وَالرِّشْوَةِ وَأُجْرَةِ النَّائِحَةِ وَالزَّامِرِ فَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ أَوْ نَقُولُ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَتَقُولُ إذَا ثَبَتَ شَيْءٌ عَلَى خِلَافِ قِيَاسٍ، وَلَوْ مِنْ أَئِمَّتِنَا لَا يَجُوزُ قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ (وَالسَّادِسُ ضَعْفُ الدِّينِ فَلَا يَهْتَمُّ لَهُ) إلَى الْإِسْرَافِ لِضَعْفِ دِيَانَتِهِ مَعَ عِلْمِهِ مَفْسَدَتَهُ. (وَعِلَاجُهُ) أَيْ الْإِسْرَافُ (أَمَّا السَّفَهُ الطَّبِيعِيُّ) مِنْهُ (فَزَوَالُهُ عَسِيرٌ جِدًّا) فَتَذَكَّرْ مَا سَبَقَ فَتَأَمَّلْ فِيهِ (فَلِذَا نَهَى الشَّارِعُ عَنْ إيتَاءِ الْمَالِ لَهُ) أَيْ لِلسَّفِيهِ بِقَوْلِهِ ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] (وَأَمَرَ بِحَجْرِهِ) بِقَوْلِهِ ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] الْآيَةَ - هَذَا عِنْدَهُمَا، وَأَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَكُونَ فِيمَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْهِبَةِ دُونَ مَا لَا يَقْبَلُهُ كَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ وَأَمَّا عِنْدَهُ فَلَا حَجْرَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مُخَاطَبٌ فَتَصَرُّفُهُ صَادِرٌ عَنْ أَهْلِهِ مُضَافٌ إلَى مَحَلِّهِ؛ وَلِذَا يُخَاطَبُ بِحُقُوقِ الشَّرْعِ وَيُحْبَسُ فِي دُيُونِ الْعِبَادِ وَيَصِحُّ مِنْهُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالنَّذْرُ وَالْيَمِينُ، وَإِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِأَسْبَابِ الْعُقُوبَاتِ الَّتِي تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ مَعَ أَنَّ ضَرَرَ النَّفْسِ أَشَدُّ مِنْ ضَرَرِ الْمَالِ، وَعَلَى مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا لَا يُحْجَرُ بِمُجَرَّدِ السَّفَهِ بَلْ يُحْتَاجُ إلَى الْقَضَاءِ فَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقٍ

стр. 676

(فَإِنَّ أَكْثَرَ الْفُقَهَاءِ) لَعَلَّ الْأَكْثَرِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِ أَبِي حَنِيفَةَ وَسَائِرِ الْأَئِمَّةِ كَالشَّافِعِيِّ وَإِنْ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَى أَقْوَالِ السَّائِرِينَ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّ الْإِمَامَيْنِ ذَهَبَا إلَى الْحَجْرِ، وَأَبَا حَنِيفَةَ إلَى عَدَمِهِ لَكِنْ قَالُوا إنْ خَالَفَ أَبَا حَنِيفَةَ صَاحِبَاهُ يُخَيَّرُ وَيَعْمَلُ بِمَا أَفْضَى إلَيْهِ رَأْيُهُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ يَأْخُذُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الِاخْتِلَافُ اخْتِلَافَ عَصْرٍ وَزَمَانٍ فَيَخْتَارُ قَوْلَهُمَا لِتَغَيُّرِ الْأَحْكَامِ بِتَغَيُّرِ الْأَزْمَانِ كَمَا فِي قَاضِي خَانْ فَعَلَى هَذَا لَا يُفِيدُ التَّقْيِيدُ بِالْأَكْثَرِيَّةِ نَفْعًا كَثِيرًا، وَأَنَّ التَّرْجِيحَ بِالْقُوَّةِ لَا بِالْكُثْرِ فَافْهَمْ. (ذَهَبُوا إلَى وُجُوبِ حَجْرِ السَّفِيهِ الْمُسْرِفِ) عَلَى الْقَاضِي (مَعَ أَنَّهُ) أَيْ الْحَجْرَ (إهْدَارٌ لِلْآدَمِيَّةِ) فَضَرَرُ السَّفَهِ بَالِغٌ لِمَرْتَبَةٍ تُهْدِرُ آدَمِيَّةَ الْآدَمِيِّ (وَإِلْحَاقٌ بِالْحَيَوَانَاتِ الْعُجْمِ) الَّتِي لَا شُعُورَ لَهَا بَلْ (وَ) إلْحَاقٌ (بِالْجَمَادَاتِ) ، وَأَنَّ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ فِي عَدَمِ اعْتِبَارِ تَصَرُّفَاتِهَا أَوْ كَوْنِ تَصَرُّفِهِ كَعَدَمِ التَّصَرُّفِ فَلَا يُتَوَهَّمُ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى فِي إلْحَاقِ الْجَمَادَاتِ؛ لِأَنَّ الْجَمَادَاتِ لَيْسَ لَهُمْ حَرَكَاتٌ اخْتِيَارِيَّةٌ وَالسَّفِيهُ لَهُ ذَلِكَ (فَإِنْ قَبِلَ الْعِلَاجَ) أَيْ إنْ أَمْكَنَ قَبُولُ الْعِلَاجِ (فَبِالْمَنْعِ عَنْ جُلَسَاءِ السُّوءِ) الَّذِينَ يُحَرِّضُونَهُ وَيُغْرُونَهُ عَلَى الْإِعْطَاءِ وَيُنَفِّرُونَهُ مِنْ الْإِمْسَاكِ فَإِنَّ الْمُقَارِنَ بِالْمُقَارِنِ يَقْتَدِي. وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الصُّحْبَةُ سَارِيَةٌ وَالطَّبِيعَةُ سَارِقَةٌ نَظْمٌ يَا ربد بدتر بود ازماربد ... بِحَقِّ ذَات ياك اللَّهِ الصَّمَدِ يَا ربد آردتر سِوَى جَحِيمٍ ... يَا رينكوكيرنا يَأْبَى نعيم (وَبِإِلْزَامِهِ مُجَالَسَةَ الْعُقَلَاءِ) الَّذِينَ اسْتَعْمَلُوا عُقُولَهُمْ بِمَوَاضِعِهَا لَعَلَّهُمْ الْعُلَمَاءُ الظَّاهِرِيُّونَ (وَالْحُكَمَاءِ) لَعَلَّهُمْ الْمُتَصَوِّفَةُ الْمُتَشَرِّعُونَ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا رَزَقَهُ خَلِيلًا صَالِحًا إنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ» ، وَعَنْ عِيسَى - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: تَحَبَّبُوا إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِبُغْضِ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَتَقَرَّبُوا إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّبَاعُدِ عَنْهُمْ وَالْتَمِسُوا رِضَى اللَّهِ تَعَالَى بِسَخَطِهِمْ قَالُوا يَا رُوحَ اللَّهِ فَمَنْ نُجَالِسُ قَالَ جَالِسُوا مَنْ تُذَكِّرُكُمْ رُؤْيَتُهُ وَمَنْ يَزِيدُ فِي عَمَلِكُمْ كَلَامُهُ وَمَنْ يُرَغِّبُكُمْ فِي الْآخِرَةِ عَمَلُهُ. وَقَالَ عَلْقَمَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي وَصِيَّتِهِ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ إنْ عَرَضَتْ لَك حَاجَةٌ فَاصْحَبْ مَنْ إذَا خَدَمْته صَانَك، وَإِنْ صَحِبْته زَانَك أَيْ حَفِظَك، وَإِنْ قَعَدَ بِك مَانَك أَيْ حَمَلَ مُؤْنَتَك اصْحَبْ مَنْ إذَا مَدَدْت يَدَك بِخَيْرٍ مَدَّهَا، وَإِنْ رَأَى مِنْك حَسَنَةً عَدَّهَا، وَإِنْ رَأَى سَيِّئَةً سَدَّهَا اصْحَبْ مَنْ إذَا سَأَلْته أَعْطَاك، وَإِنْ سَكَتَ ابْتَدَاك، وَإِنْ نَزَلَتْ بِك نَازِلَةٌ وَاسَاك أَيْ جَعَلَك كَنَفْسِهِ اصْحَبْ مَنْ إذَا قُلْت صَدَّقَ قَوْلَك، وَإِنْ حَاوَلْت أَمْرًا آمَرَكَ، وَإِنْ تَنَازَعْتُمَا آثَرَك، وَإِنَّ أَخَاك الْحَقَّ مَنْ يَضُرُّ نَفْسَهُ لِيَنْفَعَك. (وَإِسْمَاعِهِ مَا وَرَدَ فِي آفَاتِ الْإِسْرَافِ) كَمَا مَرَّ (وَحَمْلِهِ عَلَى تَكَلُّفِ الْإِمْسَاكِ) الَّذِي هُوَ عَلَى خِلَافِ طَبْعِهِ (وَلَوْ) كَانَ الْحَمْلُ (بِالْعِتَابِ وَالْعِقَابِ، وَأَمَّا الْجَهْلُ فَيُزَالُ بِالتَّعَلُّمِ) لِزَوَالِ الْمُسَبَّبِ بِزَوَالِ السَّبَبِ. (وَعِلَاجُ الرِّيَاءِ سَبَقَ، وَأَمَّا الْكَسَلُ وَالْبَطَالَةُ) الْمَذْكُورَانِ (وَهُوَ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ فَمَذْمُومٌ جِدًّا وَحَسْبُك فِيهِ) أَيْ يَكْفِيك فِي ذَمِّهِ (قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] فَإِذَا قَصُرَ نَفْعُ الْإِنْسَانِ عَلَى سَعْيِهِ فَمَنْ لَا سَعْيَ لَهُ لَا نَفْعَ لَهُ وَيَلْزَمُ أَيْضًا مِنْهُ عَدَمُ الِانْتِفَاعِ مِنْ عَمَلِ الْغَيْرِ. وَأَمَّا نَحْوُ الشَّفَاعَةِ وَالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ فَقِيلَ إنَّهَا مِنْ سَعْيِهِ فِي الْإِيمَانِ وَالصَّلَاحِ، وَقِيلَ الْكُلُّ بِالسَّعْيِ لَكِنَّ أَسْبَابَ السَّعْيِ قَدْ تَكُونُ بِوَاسِطَةِ قَرَابَةٍ أَوْ صَدَاقَةٍ فَيَدْعُو لَهُ وَيَتَصَدَّقُ وَكَذَا مَحَبَّةُ الصُّلَحَاءِ مُتَسَبِّبَةٌ عَنْ سَعْيِهِ فِي خِدْمَةِ الدِّينِ أَقُولُ وَكَذَا النَّسَبُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] فَإِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالْإِيمَانِ وَكَذَا الصَّلَاحُ، وَلَوْ لَمْ يُمَاثِلْ صَلَاحَ الْأَسْلَافِ كَمَا قَالُوا فِي مَحَبَّةِ الصُّلَحَاءِ، وَأَمَّا نَحْوُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» كَمَا فِي الْمَشَارِقِ وقَوْله تَعَالَى - سَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ - فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مُتَسَبَّبٌ مِنْ سَعْيِهِ وَبِالْجُمْلَةِ الْمَحْذُورُ يَنْدَفِعُ بِتَعْمِيمِ السَّعْيِ إلَى مَا فِي الْجُمْلَةِ هَذَا لَكِنَّ الْإِشْكَالَ

стр. 677

بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] بَاقٍ لَعَلَّ التَّحْقِيقَ فِي الْجَوَابِ عَنْ الْكُلِّ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ، وَلَوْ بِنَوْعِ التَّحَمُّلِ. (وَاسْتِعَاذَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ) أَيْ الْكَسَلِ (رَوَاهَا) فِي الِاسْتِعَاذَةِ (خ م عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) ، وَعَنْ أَبَوَيْهَا (، وَأَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) الْقِيَاسُ تَقْدِيمُ الذَّكَرِ عَلَى الْإِنَاثِ كَمَا فِي الشَّهَادَاتِ لَكِنْ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ عَائِشَةَ عَلَى أَنَسٍ فِي الْعِلْمِ وَالْفَقَاهَةِ، وَقُرْبِ النُّبُوَّةِ وَالشَّرَفِ وَالْفَضِيلَةِ قَدَّمَهَا فِي التَّرْتِيبِ فَأَمَّا عَنْ عَائِشَةَ فَعَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِرَمْزِ الشَّيْخَيْنِ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَائِشَةَ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ» إلَى آخِرِهِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ الْكَسَلُ التَّثَاقُلُ وَالتَّرَاخِي عَمَّا يَنْبَغِي مَعَ الْقُدْرَةِ أَوْ هُوَ عَدَمُ انْبِعَاثِ النَّفْسِ لِفِعْلِ الْخَيْرِ وَالْعَاجِزُ مَعْذُورٌ وَالْكَسْلَانُ لَا وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ حَالَةٌ رَدِيئَةٌ، وَلَوْ مَعَ عُذْرٍ فَلِذَلِكَ تَعَوَّذَ مِنْهُ. وَأَمَّا عَنْ أَنَسٍ فَكَمَا فِي الْجَامِعِ بِرَمْزِ الشَّيْخَيْنِ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ» إلَخْ عَنْ النَّوَوِيِّ الْكَسَلُ انْبِعَاثُ النَّفْسِ لِلْخَيْرِ، وَقِلَّةُ الرَّغْبَةِ فِيهِ مَعَ إمْكَانِهِ. (وَكَوْنُ مُقْتَضَاهُ هَلَاكَ النَّفْسِ وَالْبَدَنِ) عِنْدَ التَّفْرِيطِ فِي أَمْرِهِمَا (وَكَوْنُهُ تَشَبُّهًا بِالْجَمَادِ) فِي عَدَمِ التَّحَرُّكِ وَكَمَالِ الْجُمُودِ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ كَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَرَكَةٌ إرَادِيَّةٌ (وَ) كَوْنُهُ (إبْطَالًا لِلْحِكْمَةِ) مِنْ خَلْقِهِ تَعَالَى وُجُودَهُ لِيَعْبُدَهُ تَعَالَى أَوْ مِنْ خَلْقِهِ الْحَوَاسَّ لِيَصْرِفَهَا لِلْمَنَافِعِ الَّتِي تَنْبَغِي لِكُلٍّ مِنْهَا. (وَالْعِلَاجُ الْعَمَلِيُّ لِلْكَسَلِ مُجَالَسَةُ أَرْبَابِ الْجِدِّ وَالسَّعْيِ) فَإِنَّ الصُّحْبَةَ سَارِيَةٌ وَالطَّبِيعَةَ سَارِقَةٌ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ بَعْضِ السَّلَفِ اسْتَكْثِرْ مِنْ الْإِخْوَانِ مَا قَدَرْت فَإِنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ شَفَاعَةً فِي تَعْلِيمِ الْمُتَعَلِّمِ قِيلَ عَنْ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَأَبْصِرْ قَرِينَهُ ... فَإِنَّ الْقَرِينَ بِالْمُقَارِنِ يَقْتَدِي فَإِنْ كَانَ ذَا شَرٍّ فَجَنِّبْهُ سُرْعَةً ... وَإِنْ كَانَ ذَا خَيْرٍ فَقَارِنْهُ تَهْتَدِي وَيَنْبَغِي أَنْ يُحِبَّهُمْ حَتَّى تَنْعَكِسَ مِنْهُمْ أَحْوَالُهُ كَمَا قِيلَ وَمِنْ آثَارِ حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَتَعَدَّى مِنْ الْمَحْبُوبِ إلَى مَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ وَيُنَاسِبَهُ، وَلَوْ مِنْ بُعْدٍ مِنْ مَحْبُوبِ مَحْبُوبِهِ وَمَنْ يُثْنِي عَلَيْهِ حَتَّى مَنْزِلِهِ وَمَحَلَّتِهِ وَجِيرَانِهِ حَتَّى قِيلَ إنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا أَحَبَّ الْمُؤْمِنَ أَحَبَّ كَلْبَهُ وَيَنْبَغِي فِيمَنْ تُرِيدُ صُحْبَتَهُ خَمْسُ خِصَالٍ الْعَقْلُ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَتَرْكُ الْفِسْقِ وَالِابْتِدَاعِ وَالْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا (وَمُجَانَبَةُ الْكَسَالَى وَالْبَطَّالِينَ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الكهف: ٢٨] لِئَلَّا يَسْرِيَ إلَيْهِ حَالُهُمْ قَالَ فِي تَعْلِيمِ الْمُتَعَلِّمِ، وَأَنْشَدْت هَذَا الشَّعْرَ عِنْدِي لَا تَصْحَبْ الْكَسْلَانَ فِي حَالَاتِهِ ... كَمْ صَالِحٍ بِفَسَادِ آخَرَ يَفْسُدُ عَدْوَى الْبَلِيدِ إلَى الْجَلِيدِ سَرِيعَةٌ ... كَالْجَمْرِ يُوضَعُ فِي الرَّمَادِ فَيَخْمُدُ وَفِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ قَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ لَا تَصْحَبْ مِنْ النَّاسِ إلَّا مَنْ يَكْتُمُ وَيَسْتُرُ عَيْبَك وَيَكُونُ مَعَك فِي النَّوَائِبِ وَيُؤْثِرُك فِي الرَّغَائِبِ وَيَنْشُرُ حَسَنَتَك وَيَطْوِي سَيِّئَتَك فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ فَلَا تَصْحَبْ إلَّا نَفْسَك (وَالضَّعْفُ يُعَالَجُ بِالتَّأَمُّلِ فِي أَنَّ الْحَيَاءَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَحَقُّ، وَعَذَابَهُ أَشَدُّ) فَلَا تَدَعْ الطَّاعَةَ لِشَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، وَفِي الْحَدِيثِ «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ» (وَمُجَالَسَةُ الْأَقْوِيَاءِ) فِي عَمَلِ الطَّاعَةِ (وَذَوِي الصَّلَابَةِ فِي الدِّينِ) قَالَ فِي الْحِكَمِ الْعَطَائِيَّةِ فِي بَابِ الصُّحْبَةِ لَا تَصْحَبْ مِنْ لَا يُنْهِضُك حَالُهُ وَلَا يَدُلُّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مَقَالُهُ قَالَ فِي شَرْحِهِ: الصُّحْبَةُ أَصْلٌ كَبِيرٌ مِنْ أُصُولِ الْقَوْمِ، وَفِيهَا مَنَافِعُ، وَفَوَائِدُ وَالْحَالُ هُنَاكَ كَوْنُ هِمَّتِهِ مُنْحَصِرَةً بِهِ تَعَالَى مُعْرِضًا عَمَّا سِوَاهُ وَحَصْرُ الْتِجَائِهِ إلَيْهِ تَعَالَى، وَإِسْقَاطُ نَظَرِهِ عَنْ غَيْرِهِ تَعَالَى فِي النَّفْعِ وَالضُّرِّ وَإِسْقَاطُ نَفْسِهِ مِنْ عَيْنِهِ فَلَا يُشَاهِدُ لَهَا فِعْلًا فَصُحْبَةُ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ، وَإِنْ قَلَّتْ عِبَادَتُهُ جَالِبَةٌ لِكُلِّ نَفْعٍ دِينِيٍّ وَدُنْيَوِيٍّ. قَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: لَا تُعَاشِرْ مِنْ النَّاسِ إلَّا مَنْ تَزِيدُ عِنْدَهُ بِبِرٍّ وَتَنْقُصُ عِنْدَهُ بِإِثْمٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ كُنْ مَعَ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا بِالْأَدَبِ وَمَعَ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ بِالْعِلْمِ وَمَعَ الْعَارِفِينَ كَيْفَ شِئْت، وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - شَرُّ الْأَصْدِقَاءِ مَنْ أَحْوَجَك

стр. 678

إلَى الْمُدَارَاةِ، وَأَلْجَأَك إلَى الِاعْتِذَارِ. وَقِيلَ مَنْ جَلَسَ عَلَى دُكَّانِ الْعَطَّارِ لَمْ يَفْقِدْ الرَّائِحَةَ الطَّيِّبَةَ (وَالِاحْتِرَازُ عَنْ مُصَاحَبَةِ الْفُسَّاقِ) فَإِنَّهُمْ لَا يَخَافُونَ اللَّهَ وَمَنْ لَا يَخَافُ اللَّهَ لَا تُؤْمَنُ غَائِلَتُهُ، وَلَا يُوثَقُ بِصَدَاقَتِهِ بَلْ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْأَعْرَاضِ، وَأَنَّ فِي صُحْبَتِهِمْ خَطَرَ سِرَايَةِ الْبِدْعَةِ وَالْفِسْقِ وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْقَطِيعَةِ فَكَيْفَ الصُّحْبَةُ (وَالْمُدَاهِنِينَ وَالضُّعَفَاءِ فِي الدِّينِ فَعَلَيْك بِالتَّشَمُّرِ وَالسَّعْيِ الْبَلِيغِ فِي إزَالَةِ صِفَةِ الْإِسْرَافِ فَإِنَّهُ خُلْقٌ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ (ذَمِيمٌ قَبِيحٌ جِدًّا وَمَرَضٌ مُدْمِنٌ) أَيْ مُهْلِكٌ قَدْ لَا يُفَارِقُ مَنْ قَامَ بِهِ (عَسِيرُ الْعِلَاجِ) أَيْ قَوِيٌّ (إلَّا أَنْ يَتَدَارَكَ اللَّهَ تَعَالَى بِتَوْفِيقِهِ فَإِنَّهُ مُيَسِّرٌ كُلَّ عَسِيرٍ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) . [الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ مِنْ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ الْعَجَلَةُ] (الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ) مِنْ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ (الْعَجَلَةُ) ، وَهِيَ عَنْ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي ثَلَاثٌ: الْعَجَلَةُ فِي حُصُولِ الْمَرَامِ بِسُرْعَةٍ قَبْلَ وَقْتِهِ كَمَنْ يُرِيدُ حِفْظَ الْقُرْآنِ وَيُعَجِّلُ فِي حُصُولِهِ، وَفِي شُرُوعِ عَمَلٍ بِمُجَرَّدِ خُطُورِهِ فِي قَلْبِهِ بِلَا تَأَمُّلٍ فِي أَنَّ لَهُ فِيهِ رُشْدًا وَصَلَاحًا أَوْ لَا كَمَنْ يَرَى رَجُلًا يَقِفُ دَرَاهِمَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَيُعَجِّلُ بِمِثْلِهِ بِلَا طَلَبٍ وَتَفْتِيشٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْآخِرَةِ. وَقِسْمٌ فِي إتْمَامِ الْعَمَلِ بِدُونِ تَوْفِيَةِ حَقِّهِ كَمَنْ يَشْرَعُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ التِّلَاوَةِ فَيُعَجِّلُ فِي الْإِتْمَامِ بِدُونِ تَوْفِيَةِ كُلِّ جُزْءٍ حَقَّهُ بِعَدَمِ رِعَايَةِ الْآدَابِ وَكَذَا التَّجْوِيدُ فِي الْقُرْآنِ، وَفَصَّلَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَهِيَ) الْعَجَلَةُ (الْمَعْنَى الرَّاتِبُ) أَيْ الثَّابِتُ (فِي الْقَلْبِ الْبَاعِثُ عَلَى) إرَادَةِ (حُصُولِ الْمَرَامِ بِسُرْعَةٍ أَوْ) الْبَاعِثُ عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَى شَيْءٍ بِأَوَّلِ خَاطِرٍ (دُونَ تَأَمُّلٍ وَاسْتِطْلَاعٍ وَنَظَرٍ بَالِغٍ) فِي عَاقِبَتِهِ (أَوْ) الْبَاعِثُ (عَلَى الْإِتْمَامِ بِدُونِ تَوْفِيَةِ كُلِّ جُزْءٍ حَقَّهُ) فَلِلْعَجَلَةِ أَقْسَامٌ مَذْكُورَةٌ. (وَضِدُّ الْعَجَلَةِ مُطْلَقًا الْأَنَاةُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ يُقَالُ تَأَنَّيْت فِي هَذَا الْأَمْرِ أَيْ تَمَكَّثْت فِيهِ، وَلَمْ أُعَجِّلْ (وَضِدُّ الْأَوَّلِ) ، وَهُوَ الْبَاعِثُ عَلَى حُصُولِ الْمَرَامِ بِسُرْعَةٍ (حُسْنُ الِانْتِظَارِ) أَيْ الِانْتِظَارُ بِارْتِيَاحٍ وَسَعَةِ خَاطِرٍ إلَى وَقْتِ حُصُولِهِ (وَضِدُّ الثَّانِي) وَهُوَ الْبَاعِثُ عَلَى الْإِقْدَامِ بِأَوَّلِ خَاطِرٍ (التَّوَقُّفُ وَالتَّثَبُّتُ) أَيْ التَّرَوِّي فِي ذَلِكَ (حَتَّى يَسْتَبِينَ لَهُ رُشْدُهُ) فِي الْأَمْرِ الَّذِي يُرِيدُ الْإِقْدَامَ عَلَيْهِ (وَضِدُّهُ) أَيْ خَطَؤُهُ (وَضِدُّ الثَّالِثِ) ، وَهُوَ الْبَاعِثُ عَلَى إتْمَامِ الشَّيْءِ قَبْلَ تَوْفِيَةِ الْأَجْزَاءِ حُقُوقَهَا (التَّأَنِّي وَالتُّؤَدَةُ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ أَوْ فَسُكُونٍ مَشْيٌ ثَقِيلٌ يُقَالُ اتَّأَدَ فِي أَمْرِهِ إذَا تَرَفَّقَ، وَلَمْ يُعَجِّلْ فِيهِ (حَتَّى يُؤَدِّيَ لِكُلِّ جُزْءٍ حَقَّهُ) اللَّائِقَ بِهِ مِنْ غَيْرِ قُصُورٍ وَنُقْصَانٍ. (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) هَذَا شُرُوعٌ فِي إثْبَاتِ مَذْمُومِيَّةِ الْعَجَلَةِ مُطْلَقًا وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَتَيْنِ أَنَّ النَّهْيَ وَالذَّمَّ يَقْتَضِيَانِ قُبْحَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ

стр. 679

﴿خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] الْآيَةَ) قَالَ الْإِمَامُ الرَّاغِبُ فِي الْمُفْرَدَاتِ الْعَجَلَةُ طَلَبُ الشَّيْءِ قَبْلَ أَوَانِهِ وَعَنْ تَفْسِيرِ أَبِي السُّعُودِ الْعَجَلُ الطِّينُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ فَقِيلَ فَحِينَئِذٍ لَا تَقْرِيبَ لَا يَخْفَى أَنَّ عَدَمَ التَّقْرِيبِ عِنْدَ إرَادَةِ هَذَا الْمَعْنَى وَلَيْسَ فَلَيْسَ ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧] فَإِنْ قِيلَ إنْ كَانَ خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ كَانَتْ الْعَجَلَةُ طَبْعًا غَرِيزِيًّا فَمَا مَعْنَى النَّهْيِ، وَالنَّهْيُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْعَقْلِ الِاخْتِيَارِيِّ؟ . أُجِيبَ أَنَّ الْعَائِقَ كُلَّمَا كَانَ أَشَدَّ كَانَتْ الْقُدْرَةُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ أَكْمَلَ فَافْهَمْ (وَ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ [طه: ١١٤] الْآيَةَ) . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولا﴾ [الإسراء: ١١] عَنْ الْمُبَرِّدِ مِنْ شَأْنِهِ الْعَجَلَةُ، وَقِيلَ أَيْ تَعْجِيلٌ فِي الْأَمْرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ كُنْ، وَقِيلَ عَلَى الْقَلْبِ بِمَعْنَى خُلِقَ الْعَجَلُ مِنْ الْإِنْسَانِ، وَعَنْ بَعْضٍ خُلِقَتْ الْعَجَلَةُ مِنْ الْإِنْسَانِ وَحَقِيقَتُهُ تَدُلُّ عَلَيْهَا وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلَّذِي يُكْثِرُ الشَّيْءَ خُلِقْتَ مِنْهُ، وَقِيلَ مِنْ أَخْلَاقِ الشَّيْطَانِ الْعَجَلَةُ وَالطَّيْشُ وَالْإِنْسَانُ بِطَبْعِهِ عَجُولٌ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ لَهُ الْعَقْلَ، وَأَرْشَدَهُ إلَى التَّثَبُّتِ وَالتَّأَنِّي فَمَنْ اسْتَعْمَلَ عَقْلَهُ فِي تَحْصِيلِ هَذَيْنِ الْخُلُقَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ فَقَدْ فَارَقَ الشَّيْطَانَ فِي الطِّبَاعِ. وَعَنْ الْبَيْهَقِيّ عَلَى رِوَايَةِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «التَّأَنِّي مِنْ اللَّهِ» أَيْ التَّثَبُّتُ فِي الْأُمُورِ «وَالْعَجَلَةُ مِنْ الشَّيْطَانِ» . قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: إنَّمَا كَانَتْ الْعَجَلَةُ مِنْ الشَّيْطَانِ؛ لِأَنَّهَا خِفَّةٌ وَطَيْشٌ وَحِدَّةٌ فِي الْعَبْدِ تَمْنَعُهُ مِنْ التَّثَبُّتِ وَالْوَقَارِ وَالْحِلْمِ وَتُوجِبُ وَضْعَ الشَّيْءِ بِغَيْرِ مَحَلِّهِ وَتَجْلُبُ الشُّرُورَ وَتَمْنَعُ الْخُيُورَ، وَعَنْ الْغَزَالِيِّ الْعَجَلَةُ فِعْلُ الشَّيْءِ قَبْلَ أَوَانِهِ الْأَلْيَقِ. فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا كَانَتْ الْعَجَلَةُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي طَبْعِ الْإِنْسَانِ عَلَى الْعَجَلَةِ قُلْت لِتَكُونَ الْعَجَلَةُ مَطِيَّةً فِي طَرِيقِ الْآخِرَةِ فَإِذَا جَمَحَتْ بِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ حَبَسَهَا بِزِمَامِ الْعَقْلِ. وَعَنْ حَاتِمٍ الْأَصَمِّ الْعَجَلَةُ مِنْ الشَّيْطَانِ إلَّا فِي خَمْسٍ فَإِنَّهَا مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ إطْعَامُ الضَّيْفِ وَتَجْهِيزُ الْمَيِّتِ وَتَزْوِيجُ الْبِكْرِ وَقَضَاءُ الدَّيْنِ وَالتَّوْبَةُ مِنْ الذُّنُوبِ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ثَلَاثَةٌ لَا تُؤَخِّرُهَا الصَّلَاةُ إذَا أَتَتْ وَالْجِنَازَةُ إذَا حَضَرَتْ وَالْأَيِّمُ إذَا وَجَدَتْ كُفُؤًا. (ت) (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «السَّمْتُ الْحَسَنُ» أَيْ الْهَيْئَةُ الْمَرْضِيَّةُ وَالسَّمْتُ الطَّرِيقُ وَالْقَصْدُ وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ «وَالتُّؤَدَةُ» التَّأَنِّي وَالتَّثَبُّتُ وَتَرْكُ الْعَجَلَةِ، وَقِيلَ التَّرَفُّقُ وَالتَّمَهُّلُ فِي الْأُمُورِ «وَالِاقْتِصَادُ» بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ «جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» أَيْ هَذِهِ الْخِصَالُ مِنْ شَمَائِلِ أَهْلِ النُّبُوَّةِ وَجُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ فَضَائِلِهِمْ فَاقْتَدُوا بِهِمْ فِيهَا وَتَابِعُوهُمْ عَلَيْهَا فَإِنَّ أَمْرَ النُّبُوَّةِ لَا يَتِمُّ بِدُونِهَا، وَأَمْثَالُ هَذِهِ التَّقَادِيرِ مِمَّا لَا يُهْتَدَى إلَى تَعَيُّنِهَا إلَّا بِنُورِ الْوَحْيِ فَمَعْرِفَةُ مِثْلِهَا بِالرَّأْيِ وَالِاسْتِنْبَاطِ مَسْدُودَةٌ ثُمَّ الْعَجَلَةُ إنَّمَا تَكُونُ مَذْمُومَةً فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِاحْتِيَاجِهَا إلَى التَّأَمُّلِ وَالتَّفْكِيرِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِعَوَاقِبِهَا. وَأَمَّا فِي الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ فَلَيْسَتْ بِمَذْمُومَةٍ فِي الْأَصْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١] ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]- وَكَانَ الْبُوشَنْجِيُّ فِي الْخَلَاءِ

стр. 680

فَدَعَا خَادِمَهُ فَقَالَ انْزِعْ قَمِيصِي، وَأَعْطِهِ فُلَانًا فَقَالَ هَلَّا صَبَرْت حَتَّى تَخْرُجَ قَالَ خَطَرَ لِي بَذْلُهُ، وَلَا آمَنُ عَلَى نَفْسِي التَّغَيُّرَ (وَآفَةُ الْعَجَلَةِ الْأُولَى) هِيَ إرَادَةُ حُصُولِ الْمَرَامِ بِسُرْعَةٍ (الْفُتُورُ) أَيْ السُّكُونُ وَالضَّعْفُ (وَالِانْقِطَاعُ عَنْ عَمَلِ الْخَيْرِ، وَعَدَمُ حُصُولِ الْمَرَامِ بِأَنْ يَقْصِدَ مَثَلًا مَنْزِلَةً فِي الْخَيْرِ وَيُعَجِّلَ فِي حُصُولِهَا فَإِذَا لَمْ تَحْصُلْ فَإِمَّا أَنْ يَفْتُرَ) مِنْ الْفُتُورِ (وَيَيْأَسَ) مِنْ الْيَأْسِ (أَوْ يَغْلُوَ) مِنْ الْغُلُوِّ التَّجَاوُزُ عَنْ حَدِّ الِاعْتِدَالِ (فِي الْجَهْدِ) أَيْ الْمَشَقَّةِ (وَأَتْعَبَ النَّفْسَ) قِيلَ الْأَوْلَى وَتُتْعِبُ (فَيَنْقَطِعَ) ، وَلَا يَنَالَ مَا يَتَمَنَّاهُ (فَإِنَّ الْمَنْبَت) اسْمُ فَاعِلٍ أَيْ الْمُنْقَطِعُ عَنْ السَّفَرِ بِسَبَبِ حَمْلِ دَابَّتِهِ عَلَى مَا لَا تُطِيقُهُ أَوْ السَّيْرِ عَلَيْهَا لَيْلًا وَنَهَارًا بِدُونِ اسْتِرَاحَةٍ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ (لَا أَرْضًا قَطَعَ) كَلِمَةُ لَا نَافِيَةٌ، وَأَرْضًا مَفْعُولُ قَطَعَ قُدِّمَ عَلَيْهِ أَيْ لَا قَطَعَ أَرْضًا بِالسَّيْرِ وَمَا وَصَلَ إلَى مَطْلُوبِهِ (وَلَا ظَهْرًا) أَيْ مَرْكَبًا (أَبْقَى) بَلْ أَهْلَكَهُ. وَكَذَا النَّفْسُ مَطِيَّةُ الْعَمَلِ فَإِذَا حَمَلَ عَلَيْهَا مَا لَا تُطِيقُهُ يَنْقَطِعُ عَنْ السَّيْرِ إلَى الْآخِرَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الرِّفْقِ وَالتَّدْرِيجِ كَيْ لَا يَضْعُفَ فَيَصِلَ إلَى الْمَقْصُودِ (أَوْ يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى فِي حَاجَةٍ وَيَسْتَعْجِلُ الْإِجَابَةَ فَلَا يَجِدُهَا) أَيْ لَا تَحْصُلُ الْإِجَابَةُ بِسُرْعَةٍ (فَيَتْرُكُ الدُّعَاءَ) حُمْقًا

стр. 681

(فَيُحْرَمُ مَقْصُودُهُ) مِنْ أَدَاءِ عِبَادَتِهِ وَحُصُولِ طَلَبِهِ الْمُعَلَّقِ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى بِدُعَائِهِ لَوْ دَامَ كَمَا فِي حَدِيثِ الْمَصَابِيحِ «يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ يَقُولُ قَدْ دَعَوْت قَدْ دَعَوْت فَلَمْ يَسْتَجِبْ فَيَتَحَسَّرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَجَّلَ، وَلَا يَمَلَّ مِنْ الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ لَا تَعْجَلَنَّ لِأَمْرٍ أَنْتَ طَالِبُهُ ... فَقَلَّمَا يُدْرِكُ الْمَطْلُوبَ ذُو الْعَجَلِ فَذُو التَّأَنِّي مُصِيبٌ فِي مَقَاصِدِهِ ... وَذُو التَّعَجُّلِ لَا يَخْلُو عَنْ الزَّلَلِ (وَالْآفَةُ الثَّانِيَةُ) أَيْ الْبَاعِثُ عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَى شَيْءٍ بِأَوَّلِ خَاطِرٍ بِدُونِ التَّأَمُّلِ (فَوْتُ التَّقْوَى وَالْوَرَعِ) ؛ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى مَا لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ يُنَافِي التَّقْوَى وَالْوَرَعَ (لِأَنَّ أَصْلَهُ) أَيْ الْوَرَعِ (النَّظَرُ الْبَالِغُ) الْكَامِلُ (وَالْبَحْثُ التَّامُّ فِي كُلِّ شَيْءٍ هُوَ بِصَدَدِهِ) حَتَّى يَطَّلِعَ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَيَحْتَرِزَ عَمَّا يَلْزَمُ احْتِرَازُهُ وَيَفْعَلَ مَا لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ إذْ قَدْ صَرَّحَ الْعُلَمَاءُ بِأَنَّ مَا لَمْ تُعْلَمْ صِحَّتُهُ لَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ فَضْلًا عَمَّا ظَهَرَ بُطْلَانُهُ. (وَ) الْآفَةُ الثَّانِيَةُ أَيْضًا (إصَابَةُ مَكْرُوهٍ لِنَفْسِهِ بِأَنْ يُعَجِّلَ فِي شُرُوعِ أَمْرٍ فِيهِ ضَرَرٌ بِلَا تَأَمُّلٍ أَوْ كَانَ) أَيْ، وَقَعَ (فِي بَلِيَّةٍ) مِثْلَ الْمَرَضِ أَوْ الظُّلْمِ (فَلَا يَتَحَمَّلُهَا) لِصُعُوبَتِهَا (فَيَدْعُو عَلَى نَفْسِهِ) بِبَلَاءٍ أَشَدَّ مِمَّا هُوَ فِيهِ (فَيُسْتَجَابُ لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١] أَيْ يَسْأَلُ اللَّهَ عِنْدَ غَضَبِهِ الشَّرَّ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَوْلَادِهِ وَأَمْوَالِهِ، الْآيَةَ. ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولا﴾ [الإسراء: ١١] ؛ وَلِهَذَا يُسَارِعُ إلَى مَا لَا يَعْلَمُ خَيْرِيَّتَهُ بِالْفِكْرَةِ الْأُولَى الْمُسَمَّاةِ بِنَظَرِ الْحَمْقَاءِ فَإِنَّ الْعُقَلَاءَ لَا يَجْتَرِئُونَ بِلَا تَأَمُّلٍ فِي الْعَوَاقِبِ. حُكِيَ عَنْ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ أَنَّهُ قَالَ إنِّي تَعَلَّمْت الْحِكْمَةَ مِنْ الْعُمْيَانِ فَإِنَّهُمْ لَا يَضَعُونَ أَقْدَامَهُمْ قَبْلَ الْفَحْصِ فَإِنَّ فِيهِ تَمْكِينًا يَضَعُونَ وَيَمْشُونَ، وَإِلَّا فَيَتْرُكُونَ وَيَطْلُبُونَ جِهَةً أُخْرَى فِيهَا تَمْكِينٌ فَلِذَا لَا أَفْعَلُ شَيْئًا بِلَا تَأَمُّلِ مَا فِيهِ، وَفِي عَاقِبَتِهِ (أَوْ) إصَابَةُ مَكْرُوهٍ (لِغَيْرِهِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِنَفْسِهِ (بِأَنْ يَظْلِمَهُ مَثَلًا إنْسَانٌ فَيُعَجِّلَ) لِصَدَاقَتِهِ أَوْ قَرَابَتِهِ (فِي الِانْتِقَامِ وَالِانْتِصَارِ لَهُ) بِدُونِ تَأَمُّلٍ فِي كَوْنِ الْعَفْوِ أَفْضَلَ مِنْهُ فَيُصِيبُ الْغَيْرَ بِمَكْرُوهٍ (أَوْ يَدْعُو) إلَى اللَّهِ تَعَالَى (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ بِالْهَلَاكِ (فَيُسْتَجَابُ) فَيَلْحَقُهُ ضَرَرٌ قَدْ يَنْدَمُ عَلَيْهِ (وَرُبَّمَا يَتَجَاوَزُ) فِي الِانْتِقَامِ وَالدُّعَاءِ (عَنْ الْحَدِّ فَيَقَعُ فِي مَعْصِيَةٍ) فِيهِ تَنْبِيهٌ أَنَّ الدُّعَاءَ عَلَى شَخْصٍ إنَّمَا يَجُوزُ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ أَصْلًا أَوْ اسْتَحَقَّ بِمَا دُونَ دَعَا عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِجَائِزٍ بَلْ قَدْ يُرَدُّ عَلَى نَفْسِ الدَّاعِي فَيَنْعَكِسُ الضَّرَرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ جَزَاءَ سَيِّئَةٍ إنَّمَا يَكُونُ مِثْلَهَا وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِدَاءُ أَكْثَرَ مِنْ مِثْلِ مَا اُعْتُدِيَ بِهِ عَلَيْهِ (وَ) آفَتُهَا أَيْضًا (خَوْفُ فَوْتِ النِّيَّةِ) وَالْأَعْمَالُ إنَّمَا تَكُونُ بِالنِّيَّةِ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ الْأَفْعَالَ الِاخْتِيَارِيَّةَ مَسْبُوقَةٌ بِالْقَصْدِ أَلْبَتَّةَ وَدَعْوَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ هُنَا تَحَكُّمٌ كَيْفَ؟ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ النِّيَّةَ هُوَ الْقَصْدُ نَعَمْ عَنْ الْبَيْضَاوِيِّ هِيَ انْبِعَاثُ الْقَلْبِ نَحْوَ مَا يَرَاهُ مُوَافِقًا لِغَرَضٍ مِنْ جَلْبِ

стр. 682

نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ حَالًا أَوْ مَآلًا فَيُمْكِنُ فَرْقُهُمَا. (وَالْإِخْلَاصِ وَالْآفَةُ الثَّالِثَةُ) أَيْ عَدَمُ إجْزَاءِ الْعَمَلِ (نُقْصَانُ الْعَمَلِ بَلْ بُطْلَانُهُ) لِانْتِفَاءِ الْكُلِّ بِانْتِفَاءِ جُزْئِهِ (بِفَوْتِ آدَابِهِ وَسُنَنِهِ بَلْ بِفَوْتِ وَاجِبَاتِهِ) فَالْأَوَّلُ لِلْأَوَّلِ وَالثَّانِي لِلثَّانِي (وَفَرَائِضِهِ) فَالْمُرَادُ مِنْ الْبُطْلَانِ مَا يَعُمُّ الْأَصْلَ وَالْوَصْفَ لَا الْأَصْلَ فَقَطْ كَمَا تُوُهِّمَ كَمَا يَشْهَدُ بِهِ كَلِمَةُ بَلْ فِي الْمَقَامَيْنِ فَافْهَمْ (مَثَلًا مَنْ عَجَّلَ فِي إتْمَامِ الصَّلَاةِ فَرُبَّمَا يَفُوتُ مِنْهُ تَثْلِيثُ تَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ أَوْ يُغَيِّرُ الْأَذْكَارَ وَيَنْقُلُهَا مِنْ مَحَالِّهَا فَيَحْصُلُ فِي غَيْرِهَا) كَأَنْ يُسَبِّحَ تَسْبِيحَةً رَاكِعًا ثُمَّ يُثَلِّثَ قَائِمًا ثُمَّ يَقُولَ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ هَاوِيًا لِلسُّجُودِ ثُمَّ يُكَبِّرَ عِنْدَ السُّجُودِ فَتَحْصُلَ الْأَذْكَارُ فِي غَيْرِ مَحَالِّهَا (وَرُبَّمَا يُخَالِفُ الْإِمَامَ فِي الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ بِالسَّبْقِ وَالتَّقَدُّمِ) كَأَنْ يَرْفَعَ مِنْ السُّجُودِ قَبْلَ الْإِمَامِ فَيَسْبِقَهُ بِالتَّأْخِيرِ هَذَا قَدْ يَكُونُ مُفْسِدًا لِلصَّلَاةِ فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِثَالًا لِبُطْلَانِ الْعَمَلِ، وَقَدْ لَا يَفْسُدُ بَلْ يُكْرَهُ فَيَكُونُ مِثَالًا لِلنُّقْصَانِ كَمَا قَبْلَهُ (وَرُبَّمَا يَفُوتُ تَعْدِيلُ الْأَرْكَانِ) فَلَعَلَّهُ مِمَّا دَعَا إلَى بُطْلَانِ الْعَمَلِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ إذْ التَّعْدِيلُ فَرْضٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَوَاجِبٌ عِنْدَهُمَا. (وَالتَّجْوِيدُ) أَيْ أَدَاءُ الْحُرُوفِ حَقُّهَا، وَهُوَ وَاجِبٌ قَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ وَالْأَخْذُ بِالتَّجْوِيدِ حَتْمٌ لَازِمُ ... مَنْ لَمْ يُجَوِّدْ الْقُرْآنَ آثِمُ لَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الْفِقْهِيَّةِ أَنَّهُ إنْ غَيَّرَ اللَّحْنُ الْكَلِمَةَ وَالْمَعْنَى تَفْسُدُ، وَإِلَّا فَتُكْرَهُ قَالَ فِي قَاضِي خَانْ: وَلَوْ قَرَأَ بِالْأَلْحَانِ إنْ غَيَّرَ الْكَلِمَةَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَمَا عُرِفَ كَأَنَّهُ يُرِيدُ مَا ذَكَرَ قَبْلَهُ مِنْ مَسَائِلِ زَلَّةِ الْقَارِئِ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ كَانَ فِي حُرُوفِ الْمَدِّ وَاللِّينِ، وَهِيَ الْيَاءُ وَالْأَلِفُ وَالْوَاوُ، لَا تَغَيُّرَ إلَّا إذَا فَحُشَ ثُمَّ قَالَ، وَإِنْ قَرَأَ بِالْأَلْحَانِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ، وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ كَرِهُوا ذَلِكَ وَكَرِهُوا الِاسْتِمَاعَ أَيْضًا (وَيَقَعُ) لِلْعَجَلَةِ (زَلَّةٌ) بِفَتْحِ الزَّايِ أَيْ الْمَرَّةُ مِنْ الزَّلَلِ (مُفْسِدَةٌ لِلصَّلَاةِ) الظَّاهِرُ مَا ذَكَرُوا فِي زَلَّةِ الْقَارِئِ فَمَا مُثِّلَ بِنَحْوِ الْقَهْقَهَةِ لَيْسَ بِحَسَنٍ (وَلَا تَظُنِّنَّ أَنَّ الْأَنَاةَ) أَيْ التَّأَنِّي الْمَحْمُودَ (بِمَعْنَى التَّأْخِيرِ وَالتَّسْوِيفِ) بِعَمَلِهَا، وَهُوَ تَأْخِيرُ الْعَمَلِ رَجَاءَ أَنْ يُفْعَلَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنْ الزَّمَانِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمَا غَيْرُ مَحْمُودَيْنِ؛ وَلِذَا قَالَ (وَهُوَ) أَيْ التَّأْخِيرُ وَالتَّسْوِيفُ بِتَأْوِيلِ الْمُسَمَّى بِهِمَا. (الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ) (فَإِنَّهُ مَذْمُومٌ جِدًّا فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ) لَعَلَّهُ قَيْدٌ وُقُوعِيٌّ، وَإِلَّا فَطُولُ أَمَلٍ مَذْمُومٌ أَيْضًا، وَإِنَّمَا كَانَ مَذْمُومًا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ لَنْ يُعْرَفَ وُصُولُهُ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ وَأَنَّ كُلَّ وَقْتٍ أُعْطِيَ لَهُ عِبَادَةٌ فَلَوْ تَرَكَ عِبَادَةَ وَقْتٍ مَا فَأَيْنَ يَقْدِرُ عَلَى إتْيَانِهَا فِي وَقْتٍ آخَرَ وَلِلْوَقْتِ الْآخَرِ أَيْضًا وَظِيفَةُ عِبَادَةٍ، وَأَنَّ عِبَادَةَ الشَّابِّ أَفْضَلُ مِنْ الشَّيْخِ فَتَفْوِيتُ الْأَفْضَلِ

стр. 683

سِيَّمَا مَعَ الْقُدْرَةِ لَا يَخْلُو عَنْ الذَّمِّ. لَكِنْ يَرِدُ هُنَا إشْكَالٌ أُصُولِيٌّ مِنْ أَنَّ الْمُتَبَادِرَ هُنَا مَا يَعُمُّ تَسْوِيفَ الْفَضَائِلِ لَا تَسْوِيفَ الْوَاجِبَاتِ فَقَطْ، وَالذَّمُّ إنَّمَا يَكُونُ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ إلَّا أَنْ يُرَادَ هُنَا غَيْرُ ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَلَوْ مَجَازًا وَيَدُلُّ عَلَى مَذْمُومِيَّتِهِ مَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «هَلَكَ الْمُسَوِّفُونَ» (وَضِدُّهُ) أَيْ التَّسْوِيفِ (الْمُسَارَعَةُ وَالْمُبَادَرَةُ) هِيَ الْعَجَلَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ (وَالْمُسَابَقَةُ) إلَى الطَّاعَةِ كَالْأَوَّلِينَ كَأَنَّهُ يُرِيدُ التَّعْرِيفَ بِالضِّدِّ، وَهُوَ عَادَةُ الْمُصَنِّفِ كَثِيرًا قَالُوا الْأَشْيَاءُ تَنْكَشِفُ بِالْأَضْدَادِ؛ وَلِهَذَا عَدَّهُ أَهْلُ الْمِيزَانِ مِنْ الرَّسْمِ النَّاقِصِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) فِي مَدْحِ مَنْ يُسَارِعُ إلَى مُطْلَقِ الْخَيْرَاتِ ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٤] فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْمُسَارَعَةُ مَمْدُوحَةً فَكَانَ ضِدُّهَا، وَهُوَ التَّسْوِيفُ مَذْمُومًا ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] أَيْ إلَى سَبَبِهَا مِنْ الْخَيْرَاتِ وَالطَّاعَاتِ (الْآيَةَ) أَيْ كَمِّلْ الْآيَةَ أَيْ ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ آخِرَهَا لَيْسَ لَهُ نَفْعٌ مُعْتَدٌّ بِهِ فِي دَلَالَةٍ أَصْلًا بَلْ الدَّلَالَةُ إنَّمَا هِيَ بِحَسَبِ قَوْلِهِ ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران: ١٣٣] ثُمَّ قِيلَ: وَالْأَصْلُ سَارِعُوا إلَى التَّوْبَةِ فَوُضِعَتْ الْمَغْفِرَةُ مَوْضِعَهَا تَطْمِينًا لِقُلُوبِ الْعُصَاةِ وَتَنْشِيطًا لَهُمْ إلَى التَّوْبَةِ. أَقُولُ لَا يَخْفَى عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ تَقْرِيبٌ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ كَوْنَهَا حُجَّةً فِي الْمَقَامِ مَوْقُوفٌ عَلَى كَوْنِ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ وَهُوَ إنَّمَا يَخْتَصُّ بِالْوَاجِبَاتِ وَالْمَفْرُوضِ فِي الْمَقَامِ كَمَا عَرَفْت هُوَ الْعُمُومُ فَاعْرِفْهُ. (مج) ابْنُ مَاجَهْ (عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ» فِي الْخِطَابِ الشِّفَاهِيِّ إشَارَةٌ إلَى كَمَالِ عِلْمِهِ بِعِصْيَانِ الْعُصَاةِ قِيلَ، وَإِلَى عِلْمِهِ بِتَوْبَتِهِمْ، وَفِي كَلِمَةِ يَا تَنْبِيهٌ عَلَى بُعْدِهِمْ عَنْ سَاحَةِ قُرْبِهِ تَعَالَى بِعَدَمِ التَّوْبَةِ وَمُبَادَرَةِ الْأَعْمَالِ، وَكَذَا فِي إيثَارِ لَفْظِ النَّاسِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ يَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ؛ وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ كُلُّ آيَةٍ بِنَحْوِ قَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] مَكِّيَّةٌ لِغَلَبَةِ الْكُفَّارِ وَكُلُّ آيَةٍ بِنَحْوِ قَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] مَدَنِيَّةٌ لِكَثْرَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِكُلُّ هُوَ الْكَثْرَةُ لِتَخَلُّفِ ذَلِكَ بِبَعْضِ آيَةٍ «تُوبُوا إلَى اللَّهِ» أَيْ ارْجِعُوا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلَى طَاعَتِهِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ هُنَا دُونَ مَا قِيلَ أَيْ بَادِرُوا إلَى التَّوْبَةِ عَلَى أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ تُوبُوا هُوَ مُطْلَقُ التَّوْبَةِ لَا مُسَارَعَتُهَا فَإِنَّهُ لَا دَلَالَةَ لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِإِحْدَى الدَّلَالَاتِ الثَّلَاثِ كَالْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَدُونَ مَا قِيلَ أَيْضًا أَيْ ارْجِعُوا عَنْ ذُنُوبِكُمْ فَتَأَمَّلْ وَأَيْضًا فَانْتَظِرْ فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِهِ إلَى اللَّهِ أَيْ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ «قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا» . كَمَا قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ «تُوبُوا قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إذَا مَاتَ يَنْقَطِعُ كُلُّ عِلْمِهِ» «وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ» بِلَا تَسْوِيفٍ، وَلَا تَأْخِيرٍ مَتَى أَمْكَنَكُمْ فِعْلُهَا «قَبْلَ أَنْ تُشْغَلُوا» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ بِمَا يُلْهِيكُمْ عَنْهَا مِنْ الْأَمْرَاضِ وَالْآلَامِ وَالْأَزْوَاجِ وَالْأَوْلَادِ وَبِالْجُمْلَةِ بِكُلِّ مَا يَمْنَعُ بَلْ يُوجِبُ الْكَسَلَ وَالْفُتُورَ «وَصِلُوا» أَمْرٌ مِنْ الْوَصْلِ «الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ» بِذِكْرِ الْعَهْدِ الَّذِي أُخِذَ مِنْكُمْ فِي عَالَمِ الْمِيثَاقِ «بِكَثْرَةِ ذِكْرِكُمْ لَهُ» تَعَالَى بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالسِّرِّ وَالْجَهْرِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَسَائِرِ الْحَالَاتِ إلَى أَنْ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ «وَكَثِّرُوا الصَّدَقَةَ» الصِّيغَةُ لِتَكْثِيرِ الْفِعْلِ أَوْ الْمَفْعُولِ بِهِ أَوْ كِلَيْهِمَا «فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ» قِيلَ السِّرُّ فِي النَّوَافِلِ وَالْعَلَانِيَةُ فِي الْفَرَائِضِ عَلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ فِيهِمَا «تُرْزَقُوا» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ يَرْزُقُكُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ يُسَهِّلُ لَكُمْ أَسْبَابَ الرِّزْقِ «وَتُنْصَرُوا» أَيْ يَنْصُرُكُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَعْدَائِكُمْ «وَتُجْبَرُوا» مِنْ كَسْرِ الزَّمَانِ وَنَوَائِبِهِ. (ت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «هَلْ تَنْتَظِرُونَ»

стр. 684

وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ هَلْ تَنْظُرُونَ إلَى أَحَدِ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَهِيَ الْمَانِعَةُ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَلَا تُسَوِّفُوا وَبَادِرُوا بِهَا قَبْلَ وُقُوعِ أَحَدِ هَذِهِ الْأُمُورِ يَعْنِي لَا يَجِيءُ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ إلَّا أَحَدُ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَهِيَ مَانِعَةٌ مِنْ الْعِبَادَةِ فَلَا يَجُوزُ التَّسْوِيفُ «إلَّا غِنًى مُطْغِيًا» يَكُونُ سَبَبًا لِلطُّغْيَانِ إمَّا لِعَدَمِ إعْطَاءِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا بَلْ نَدْبًا وَاسْتِحْبَابًا لِأَنَّ الطُّغْيَانَ كُلِّيٌّ مُشَكِّكٌ يَتَفَاوَتُ بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَقَدْ قِيلَ حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ أَوْ لِعَدَمِ جَهْدِ الطَّاعَاتِ وَدَوَامِهَا لَا سِيَّمَا حُضُورُ الْقَلْبِ وَالْخَشْيَةُ فِيهَا لِشَغْلِ الْجَوَارِحِ وَالْقَلْبِ بِالْأَمْوَالِ «أَوْ فَقْرًا مُنْسِيًا» ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْفَقِيرَ يَنْسَى طُرُقَ الْعِبَادَاتِ لِمُضَايَقَةِ الْمَعَاشِ «أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا» ؛ لِأَنَّهُ يُضْعِفُ وَيُفْسِدُ الْقُوَى الَّتِي هِيَ مَنْبَتُ الطَّاعَاتِ وَمَعْدِنُ الْحَسَنَاتِ بَلْ فَاعِلُ الْخَيْرَاتِ «أَوْ هَرَمًا» ضَعْفًا مِنْ الْكِبَرِ كَالشَّيْخِ الْفَانِي وَمَنْ بَلَغَ أَرْذَلَ الْعُمُرِ وَمَنْ قَالَ هُوَ دَاءٌ طَبِيعِيٌّ لَا دَوَاءَ لَهُ أَبَدًا فَقَدْ بَعُدَ عَنْ مَرَامِ الْمَقَامِ مَعَ عَدَمِ ظُهُورِ صِحَّتِهِ فِي نَفْسِهِ «مُفَنِّدًا» مِنْ الْفَنَدِ، وَهُوَ ضَعْفُ الرَّأْيِ مِنْ هَرَمٍ كَالْعَتَهِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الطَّاعَةِ أَوْ لَا يُحْسِنُ «أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا» يُوجِبُ التَّجْهِيزَ كَالْكَفَنِ وَسَائِرِ دَوَاعِي الدَّفْنِ يُقَالُ جَهَزَ عَلَيْهِ إذَا أَعْجَلَ قَتْلَهُ «أَوْ الدَّجَّالَ» الْمَعْهُودَ الْمَعْرُوفَ بِكَوْنِهِ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ مُطْلَقُ الْفِتَنِ وَالْمَصَائِبِ الْمَانِعَةِ عَنْ الطَّاعَاتِ كَمَا قِيلَ إنَّ الْعَجَلَةَ فِي الصَّلَاةِ، وَعَدَمَ التَّعْدِيلِ إنَّمَا ظَهَرَ وَأُبْدِعَ عِنْدَ فِتَنِ هُلَاكُو أَوْ تَيْمُورْ كُورْ كَانُوا يُعَجِّلُونَ الصَّلَاةَ خَوْفًا مِنْ إدْرَاكِهِمْ وَاطِّلَاعِهِمْ ثُمَّ صَارَ سُنَّةً سَيِّئَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ وَسَرَى عَلَى مَنْ رَآهُمْ، وَغَيَّرَ الْأُسْلُوبَ إمَّا اعْتِمَادًا عَلَى تَعْرِيفِهِ الْمُؤْذِنِ بِكَيْفِيَّةِ مَانِعِيَّتِهِ لِلطَّاعَةِ أَوْ لِقَوْلِهِ «وَالدَّجَّالُ شَرٌّ غَائِبٌ يُنْتَظَرُ» لَعَلَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ قِيلَ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَظِرُ إلَى خُرُوجِهِ الْيَهُودُ كَمَا يَنْتَظِرُ النَّصَارَى إلَى نُزُولِ عِيسَى لَعَلَّ أَنَّ الْكُلَّ يَنْتَظِرُ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ سَيَخْرُجُ «أَوْ السَّاعَةَ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى» أَشَدُّ دَاهِيَةً هِيَ بَلِيَّةٌ عَظِيمَةٌ لَا يُرْجَى زَوَالُهَا «، وَأَمَرُّ» أَيْ أَشَدُّ مَرَارَةً مِمَّا فِي الدُّنْيَا وَأَصْعَبُ. وَأَشْكَلُ بِقَوْلِ النُّحَاةِ إنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ لَا يُصَاغُ مِنْ الْأَلْوَانِ وَالْعُيُوبِ وَدُفِعَ بِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا عَدَا الْوَارِدَ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵊ فِي حَدِيثِ الْحَوْضِ «مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنْ اللَّبَنِ» أَقُولُ فِي كَوْنِ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ نَظَرٌ لَا يَخْفَى ثُمَّ أَقُولُ حَاصِلُ الْحَدِيثِ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ التَّسْوِيفَ لَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ حَالُ الْمُكَلَّفِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَيْسَ بِخَالٍ عَنْ مَوَانِعِ الْعِبَادَةِ فَالتَّسْوِيفُ لَيْسَ يَنْبَغِي لَهُ؛ لِأَنَّ حَالَ الْمُكَلَّفِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إمَّا غِنًى أَوْ فَقْرٌ أَوْ مَرَضٌ أَوْ هَرَمٌ أَوْ مَوْتٌ أَوْ مُقَارَنَةُ الدَّجَّالِ أَوْ السَّاعَةِ وَالْغِنَى مُطْغٍ وَالْفَقْرُ مُنْسٍ إلَخْ وَالْكُلُّ مُنَافٍ لِلْعِبَادَةِ وَمَا يُنَافِي الْعِبَادَةَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلْمُكَلَّفِ فَالتَّسْوِيفُ لَا يَنْبَغِي لَهُ. (دُنْيَا) ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا (حك) الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَجُلٍ، وَهُوَ يَعِظُهُ اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ حَيَاتَك قَبْلَ مَوْتِك» أَيْ: اغْتَنِمْ مَا تَلْقَى نَفْعَهُ بَعْدَ مَوْتِك فَإِنَّ مَنْ مَاتَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَفَاتَهُ أَمَلُهُ وَحَقَّ نَدَمُهُ وَتَوَالَى هَمُّهُ «وَصِحَّتَك قَبْلَ سَقَمِك» فَإِنَّ الْمَرَضَ يَمْنَعُ الْعِبَادَةَ فَتَقْدُمَ الْمَعَادَ بِغَيْرِ زَادٍ «، وَفَرَاغَك» فِي هَذِهِ الدَّارِ «قَبْلَ شُغْلِك» بِأَهْوَالِ الْقِيَامَةِ الَّتِي أَوَّلُ مَنَازِلِهَا الْقَبْرُ فَاغْتَنِمْ فُرْصَةَ الْإِمْكَانِ لَعَلَّك تَسْلَمُ مِنْ الْعَذَابِ وَالْهَوَانِ «وَشَبَابَك قَبْلَ هَرَمِك» اغْتَنِمْ الطَّاعَةَ حَالَ قُدْرَتِك قَبْلَ هُجُومِ الْكِبَرِ فَتَنْدَمَ عَلَى مَا فَرَّطْت فِي جَنْبِ اللَّهِ

стр. 685

«وَغِنَاك قَبْلَ فَقْرِك» اغْتَنِمْ التَّصَدُّقَ بِفُضُولِ مَالِك قَبْلَ عُرُوضِ حَالَةٍ تُفْقِرُك فَتَصِيرُ فَقِيرًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَهَذِهِ الْخَمْسَةُ لَا يُعْرَفُ قَدْرُهَا إلَّا بَعْدَ زَوَالِهَا؛ وَلِذَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» . (تَنْبِيهٌ) قَالَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ: الدُّنْيَا مَنْزِلٌ مِنْ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْبَدَنُ مَرْكَبٌ وَمَنْ ذَهَلَ عَنْ تَدْبِيرِ الْمَنْزِلِ وَالْمَرْكَبِ لَمْ يَتِمَّ سَفَرُهُ وَمَا لَمْ يَنْتَظِمْ أَمْرُ الْمَعَاشِ فِي الدُّنْيَا لَا يَتِمُّ أَمْرُ التَّبَتُّلِ وَالِانْقِطَاعِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ السُّلُوكُ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ نَوْعُ مُغَايَرَةٍ فِي التَّرْتِيبِ قَالَ فِي فَيْضِ الْقَدِيرِ شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالَ ك عَلَى شَرْطِهِمَا، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ فِي التَّلْخِيصِ وَاغْتَرَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ فَرَمَزَ لِصِحَّتِهِ، وَهُوَ عَجِيبٌ فَفِيهِ جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ أَوْرَدَهُ الذَّهَبِيُّ نَفْسُهُ فِي الضُّعَفَاءِ وَالْمَتْرُوكِينَ، وَقَالَ أَحْمَدُ يُخْطِئُ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ ابْنُ هُزَيْمَةَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ. انْتَهَى. فَاحْتِجَاجُ الْمُصَنِّفِ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي نَعَمْ قَدْ سَمِعْت غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الضَّعِيفَةَ يُحْتَجُّ بِهَا إنْ وَافَقَتْ الْقِيَاسَ، وَأَيْضًا يُرْوَى إنْ فِي تَأْيِيدِ نَصٍّ، وَأَيْضًا قَالُوا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهَا فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ عَلَى أَنَّا نَقُولُ الْمَقَامُ كَالْخَطَابِيِّ فَمُطْلَقُ الظَّنِّ كَافٍ. وَأَيْضًا نَقُولُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى تَخْرِيجِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُرْسَلًا قَالَ شَارِحُهُ هُوَ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ وَقَدْ خَرَّجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ مِنْ السِّتَّةِ فَحِينَئِذٍ لَا يَبْقَى كَلَامٌ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى مُرَادِ الْمَقَامِ. [الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْفَظَاظَةُ وَغِلْظَةُ الْقَلْبِ] (الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْفَظَاظَةُ وَغِلْظَةُ الْقَلْبِ) يُقَالُ رَجُلٌ فَظٌّ شَدِيدٌ غَلِيظُ الْقَلْبِ يُقَالُ مِنْهُ فَظَّ يَفَظُّ مِنْ بَابِ تَعِبَ فَظَاظَةً إذَا غَلُظَ حَتَّى يُهَابَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ [آل عمران: ١٥٩] سَيِّئَ الْخُلُقِ ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قَاسِيَهُ بِحَيْثُ لَا تَلِينُ لِأَحَدٍ ﴿لانْفَضُّوا﴾ [آل عمران: ١٥٩] أَيْ تَفَرَّقُوا ﴿مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] الْأَوْلَى أَنْ يَذْكُرَ صَدْرَ الْآيَةِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]- قِيلَ، وَهَذَا مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ (الْآيَةَ) ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهِ مِنْهَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِذَلِكَ. أَقُولُ آخِرُ الْآيَةِ - ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]-، وَلَا يَخْفَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الْعَفْوِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالْمُشَاوَرَةِ مِنْ أَضْدَادِ الْفَظَاظَةِ أَوْ لَازِمٌ لَهَا وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ تَأَمَّلْ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: إنَّ مَعْنَى الْعَفْوِ مَضْمُونُ حَدِيثِ «أَفْضَلُ الْفَضَائِلِ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَك وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَك وَتُحْسِنَ لِمَنْ أَسَاءَ إلَيْك» ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مِنْ قَلْبٍ غَلِيظٍ (وَضِدُّهَا اللِّينُ) اللَّيِّنَةُ فِي الْخُلُقِ (وَالرِّفْقُ وَالرِّقَّةُ) يُقَالُ فُلَانٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ (وَهِيَ) أَيْ الرِّقَّةُ (التَّأَذِّي مِنْ أَذًى يَلْحَقُ الْغَيْرَ وَالرَّحْمَةُ وَالشَّفَقَةُ، وَهُوَ صَرْفُ الْهِمَّةِ إلَى إزَالَةِ الْمَكْرُوهِ عَنْ النَّاسِ. خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ لَا يَرْحَمُ» بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ «لَا يُرْحَمُ»

стр. 686

بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ مَنْ لَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الرَّحْمَةِ لَا يَرْحَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ بِالْإِحْسَانِ لَا يُثَابُ مِنْ قِبَلِ الرَّحْمَنِ ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] أَوْ مَنْ لَا يَكُونُ فِيهِ رَحْمَةُ الْإِيمَانِ فِي الدُّنْيَا لَا يُرْحَمُ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ مَنْ لَا يَرْحَمُ نَفْسَهُ بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ وَتَجَنُّبِ النَّهْيِ لَا يَرْحَمُهُ اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ عَهْدٌ. فَالرَّحْمَةُ الْأُولَى بِمَعْنَى الْأَعْمَالِ وَالثَّانِيَةُ بِمَعْنَى الْجَزَاءِ، وَلَا يُثَابُ إلَّا مَنْ عَمِلَ صَالِحًا أَوْ الْأُولَى الصَّدَقَةُ وَالثَّانِيَةُ الْبَلَاءُ أَيْ لَا يَسْلَمُ مِنْ الْبَلَاءِ إلَّا مَنْ تَصَدَّقَ، وَهُوَ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا عَلَى الْخَبَرِ وَبِالْجَزْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَوْصُولَةٌ أَوْ شَرْطِيَّةٌ وَرُفِعَ الْأَوَّلُ وَجُزِمَ الثَّانِي، وَعَكْسُهُ، وَأَفَادَ الْحَثَّ عَلَى رَحْمَةِ جَمِيعِ الْخَلْقِ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ وَحُرٍّ، وَقِنٍّ وَبَهِيمَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَدَخَلَ فِي الرَّحْمَةِ التَّعَهُّدُ بِنَحْوِ إطْعَامٍ وَتَخْفِيفِ حَمْلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَسَبَبُ وُرُودِ الْحَدِيثِ أَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ قَبَّلَ الْحُسَيْنَ، وَقَالَ الْأَقْرَعُ لِي عَشَرَةٌ مِنْ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا فَنَظَرَ إلَيْهِ» فَذَكَرَهُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: هَذَا حَدِيثٌ مُتَوَاتِرٌ ثُمَّ مَعْنَى رَحْمَتِهِ تَعَالَى هُوَ رِضَاهُ؛ لِأَنَّ مَنْ رَقَّ لَهُ الْقَلْبُ فَقَدْ عَرَضَ لَهُ الْإِنْعَامُ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَنْ «لَا يَرْحَمُ النَّاسَ لَا يَرْحَمُهُ اللَّهُ» فَهَذَا كَالتَّفْسِيرِ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فَمَا ذُكِرَ مِنْ الْمَعَانِي السَّابِقَةِ غَيْرُ ذَلِكَ كَالْمُمْتَنِعِ إرَادَتُهُ، وَفِيهِ أَيْضًا «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ وَمَنْ لَا يَغْفِرُ لَا يُغْفَرُ لَهُ وَمَنْ لَا يَتُبْ لَا يُتَبْ عَلَيْهِ» ، وَأَيْضًا فِي الْحَدِيثِ «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ» وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «ارْحَمْ مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكَ مَنْ فِي السَّمَاءِ» وَفِي رِوَايَةٍ «ارْحَمُوا تُرْحَمُوا وَاغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ» ، وَأَيْضًا فِي الْحَدِيثِ «إنَّ الْعَبْدَ لَيَقِفُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى فَيَطُولُ وُقُوفُهُ حَتَّى يُصِيبَهُ مِنْ ذَلِكَ كَرْبٌ شَدِيدٌ فَيَقُولُ يَا رَبِّ ارْحَمْنِي الْيَوْمَ فَيَقُولُ لَهُ هَلْ رَحِمْت شَيْئًا مِنْ خَلْقِي مِنْ أَجْلِي فَأَرْحَمُك» قِيلَ، وَفِيهِ نَدْبٌ إلَى الْعَطْفِ إلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ، وَأَهَمُّهَا الْآدَمِيُّ مُطْلَقًا قِيلَ وَرُئِيَ الْغَزَالِيُّ فِي النَّوْمِ فَقِيلَ لَهُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك فَقَالَ أَوْقَفَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ بِمَ جِئْتنِي فَذَكَرْت أَنْوَاعًا مِنْ الطَّاعَاتِ فَقَالَ مَا قَبِلْت مِنْهَا شَيْئًا لَكِنْ جَلَسْت تَكْتُبُ فَوَقَفَتْ ذُبَابَةٌ عَلَى الْقَلَمِ فَتَرَكْتهَا تَشْرَبَ مِنْ الْحِبْرِ رَحْمَةً لَهَا فَكَمَا رَحِمْتَ رَحِمْتُك اذْهَبْ فَقَدْ غَفَرْت لَك. (ت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت أَبَا الْقَاسِمِ ﵊) هَذَا مِنْ كُنْيَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي التتارخانية: وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُكَنَّى بِكُنْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ وَمَا رُوِيَ «سَمُّوا بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي» فَقِيلَ إنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سَمَّى ابْنًا لَهُ مُحَمَّدًا وَكَنَّاهُ بِأَبِي الْقَاسِم بِإِذْنٍ مِنْهُ ﵊، وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنِّي وَلَدْت غُلَامًا فَسَمَّيْته مُحَمَّدًا وَكَنَّيْته أَبَا الْقَاسِمِ وَذَكَرْت أَنَّك تَكْرَهُ ذَلِكَ فَقَالَ مَا الَّذِي أَحَلَّ اسْمِي وَحَرَّمَ كُنْيَتِي أَوْ مَا الَّذِي حَرَّمَ كُنْيَتِي وَأَحَلَّ اسْمِي» ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ مَنْ سَمَّى بِاسْمِ رَسُولِ اللَّهِ كُرِهَ أَنْ يُكَنَّى بِكُنْيَتِهِ ثُمَّ عَادَةُ الْعَرَبِ أَنْ يُكَنَّى بِأَوَّلِ وَلَدِهِ يُقَالُ أَبُو فُلَانٍ وَأُمُّ فُلَانٍ، وَلَا يُكَنَّى بِلَا وَلَدٍ. وَأَمَّا لَوْ كَنَّى بِمِثْلِ أَبِي بَكْرٍ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ فَقِيلَ يُكْرَهُ لِكَذِبِهِ وَالْأَصَحُّ لَا لِلتَّفَاؤُلِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. (يَقُولُ: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إلَّا مِنْ شَقِيٍّ» ؛ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ فِي الْخَلْقِ رِقَّةُ الْقَلْبِ وَرِقَّتُهُ عَلَامَةُ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَا رِقَّةَ لَهُ لَا إيمَانَ لَهُ وَمَنْ لَا إيمَانَ لَهُ شَقِيٌّ فَمَنْ لَا يُرْزَقُ الرَّحْمَةَ فَشَقِيٌّ فَعُلِمَ أَنَّ غِلْظَةَ الْقَلْبِ مِنْ عَلَامَةِ الشَّقَاوَةِ وَعَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: حَقِيقَةُ الرَّحْمَةِ إرَادَةُ الْمَنْفَعَةِ فَإِذَا ذَهَبَتْ إرَادَتُهَا مِنْ قَلْبٍ فَلَزِمَ إرَادَةُ مَكْرُوهٍ لِغَيْرِهِ فَشَقِيٌّ وَذَهَبَ عَنْهُ الْإِيمَانُ كَمَا يَلْزَمُ أَنْ يَسْلَمَ الْمُسْلِمُ مِنْ يَدِهِ وَلِسَانِهِ كَذَلِكَ يَلْزَمُ سَلَامَتُهُ مِنْ قَلْبِهِ، وَعَقِيدَتِهِ وَعَنْ الْقُرْطُبِيِّ الرَّحْمَةُ رِقَّةٌ

стр. 687

يَجِدُهَا الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ عِنْدَ رُؤْيَةِ مُبْتَلًى أَوْ صَغِيرٍ أَوْ ضَعِيفٍ تَحْمِلُهُ عَلَى الْإِحْسَانِ لَهُ وَاللُّطْفِ وَالرِّفْقِ بِهِ وَالسَّعْيِ فِي كَشْفِ مَا بِهِ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ الرَّحْمَةَ فِي الْحَيَوَانِ كُلِّهِ يَعْطِفُ الْحَيَوَانُ عَلَى نَوْعِهِ وَوَلَدِهِ وَيَحِنُّ عَلَيْهِ حَالَ ضَعْفِهِ وَحِكْمَتُهَا تَصْغِيرُ الْقَوِيِّ لِلضَّعِيفِ، وَهَذِهِ الرَّحْمَةُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ فِي الْقُلُوبِ فِي هَذِهِ الدَّارِ الَّتِي ثَمَرَتُهَا هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي هِيَ حِفْظُ النَّوْعِ رَحْمَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ مِائَةٍ ادَّخَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ فَمَنْ كَانَ فِيهِ الرَّحْمَةُ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَسَيَرْحَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تِلْكَ الدَّارِ عَلَى قَدْرِ رَحْمَتِهِ فَمَنْ سُلِبَ مِنْهُ ذَلِكَ بِالْقَسْوَةِ وَالْغِلْظَةِ، وَعَدَمِ اللُّطْفِ بِضَعِيفٍ وَشَفَقَةٍ بِمُبْتَلًى فَقَدْ شَقِيَ حَالًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى شِقْوَتِهِ مَآلًا نَعُوذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى. هَذَا ثُمَّ قِيلَ هُنَا بِنَحْوِ أَمْثَالِ الْعَرَبِ لَا تَكُنْ رَطْبًا فَتُعْصَرْ، وَلَا يَابِسًا فَتُكْسَرْ وَبِنَحْوِ حَدِيثِ «لَا تَكُنْ مُرًّا فَتُعْقَى أَيْ تُكْرَهَ، وَلَا حُلْوًا فَتُسْرَطَ» وَيَقُولُ لُقْمَانُ لِابْنِهِ لَا تَكُنْ حُلْوًا فَتُؤْكَلَ، وَلَا مُرًّا فَتُلْفَظَ فَفِي هَذَا كُلِّهِ نَهْيٌ عَنْ اللِّينِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ خَيْرَ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ بَعْضَهَا لَا يَصْلُحُ إشْكَالًا عَلَى الْحَدِيثِ فِي نَفْسِهِ، وَفِي حَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ «الْمُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ جَوَّادٌ سَمْحٌ لَهُ خُلُقٌ حَسَنٌ، وَالْكَافِرُ فَظٌّ غَلِيظٌ لَهُ خُلُقٌ سَيِّئٌ» . وَأَسْبَابُهَا أَيْ الْفَظَاظَةِ النَّوْمُ عَلَى الطَّعَامِ قَبْلَ انْهِضَامِهِ وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَى اللَّحْمِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَكَثْرَةُ الضَّحِكِ وَالتَّوَغُّلُ عَلَى الْقِيلِ وَالْقَالِ وَالتَّكَلُّمُ بِمَا لَا يَعْنِيهِ وَالتَّوَغُّلُ عَلَى الْفِقْهِ دُونَ عِلْمِ الزُّهْدِ، وَعَلَامَتُهَا جُمُودُ الْعَيْنِ، وَعَبُوسَةُ الْوَجْهِ وَكَثْرَةُ الْمُجَادَلَةِ وَالتَّعَصُّبُ، وَلُزُومُ الظَّوَاهِرِ، وَالْعَمَلُ بِالْعُرْفِ دُونَ الشَّرْعِ وَتَرْكُ الصَّدَقَةِ وَآفَاتُهَا السُّقُوطُ فِي نَظَرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْبُعْدُ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْخِذْلَانُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَعِلَاجُهَا مَسْحُ رَأْسِ الْيَتِيمِ، وَإِكْثَارُ الصَّدَقَةِ وَمُجَالَسَةُ الْفُقَرَاءِ وَالْجُوعُ وَالذِّكْرُ، وَضِدُّهَا اللِّينُ وَرِقَّةُ الْقَلْبِ وَالرَّحْمَةُ وَالشَّفَقَةُ وَالْأُلْفَةُ وَيُقَالُ الْعُنْفُ نَتِيجَةُ الْفَظَاظَةِ وَالرِّفْقُ نَتِيجَةُ اعْتِدَالِ قُوَّةِ الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «يَا عَائِشَةُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الْخَيْرِ الْحَدِيثَ: إذْ بِهِ تُنَالُ الْمَطَالِبُ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ وَبِفَوْتِهِ يَفُوتَانِ [السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْوَقَاحَةُ قِلَّةُ الْحَيَاءِ] (السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْوَقَاحَةُ قِلَّةُ الْحَيَاءِ) . (وَضِدُّهَا الْحَيَاءُ، وَهُوَ انْحِصَارُ النَّفْسِ) احْتِبَاسُهَا (خَوْفَ ارْتِكَابِ الْقَبَائِحِ) أَوْ خَوْفَ تَرْكِ الْجَمِيلِ أَوْ خَوْفَ لُحُوقِ الْعُيُونِ، وَعَنْ شَرْحِ الْقُرْطُبِيِّ عَلَى مُسْلِمٍ الْحَيَاءُ انْقِبَاضٌ وَحِشْمَةٌ يَجِدُهَا الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَمَا يُطَّلَعُ مَا مِنْهُ عَلَى مَا يُسْتَقْبَحُ وَيُذَمُّ عَلَيْهِ، وَأَصْلُهُ غَرِيزِيٌّ فِي الْفِطْرَةِ وَمِنْهُ مُكْتَسَبٌ لِلْإِنْسَانِ كَمَا قِيلَ فِي الْعَقْلِ رَأَيْت الْعَقْلَ عَقْلَيْنِ ... فَمَطْبُوعٌ وَمَصْنُوعٌ وَلَا يَنْفَعْ مَصْنُوعٌ إذَا لَمْ يَكُ مَطْبُوعٌ ... كَمَا لَا تَنْفَعُ الْعَيْنُ وَضَوْءُ الشَّمْسِ مَمْنُوعٌ أَقُولُ تَخْصِيصُ الْغَرِيزِيِّ بِالْحَيَاءِ تَحَكُّمٌ إذْ هُوَ مُشْتَرَكٌ فِي جَمِيعِ الْأَخْلَاقِ كَمَا مَرَّ. وَقَالَ فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ الْمَطْلَبُ الثَّانِي فِي تَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ قَبُولُ الْأَخْلَاقِ التَّغْيِيرَ بِطَرِيقِ الرِّيَاضَةِ، وَقَدْ أَنْكَرَ التَّغْيِيرَ بَعْضُ مَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشِّقْوَةُ وَالْبَطَالَةُ، وَلَمْ تَسْمَحْ نَفْسُهُ بِأَنْ يُجَرِّبَ ذَلِكَ لِقُصُورِهِ وَنَقْصِهِ. وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا الْخُلُقُ الْبَاطِنُ بِمَنْزِلَةِ الْخُلُقِ الظَّاهِرِ وَإِذَا لَا يَتَغَيَّرُ هَذَا فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَاكَ. وَالثَّانِي أَنَّ الْغَضَبَ مَثَلًا مِنْ مُقْتَضَى الْمِزَاجِ وَالطَّبْعِ وَكَذَا الشَّهْوَةُ فَكَيْفَ يَتَبَدَّلَانِ،. فَنَقُولُ لَوْ لَمْ تَقْبَلْ التَّغْيِيرَ لَبَطَلَتْ الْوَصَايَا وَالْمَوَاعِظُ وَالتَّأْدِيبَاتُ، وَلَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حَسِّنُوا أَخْلَاقَكُمْ» مَعْنًى، وَإِذَا أَمْكَنَ تَغْيِيرُ أَخْلَاقِ الْبَهَائِمِ فَالْإِنْسَانُ أَوْلَى، وَكَشْفُ الْغِطَاءِ فِيهِ أَنَّ قَمْعَ الْغَضَبِ وَالشَّهْوَةِ بِالْكُلِّيَّةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ أَصْلًا، وَإِنَّمَا الَّذِي يُمْكِنُ لَنَا بِالرِّيَاضَةِ تَعْدِيلُهُمَا وَصَرْفُهُمَا إلَى مَا خُلِقَا لِأَجْلِهِ نَعَمْ الْجِبِلَّاتُ مُخْتَلِفَةٌ بِالسُّرْعَةِ وَالْبُطْءِ فِي التَّغْيِيرِ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا قُوَّةُ الْغَرِيزَةِ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ وَامْتِدَادِ مُدَّةِ الْوُجُودِ وَثَانِيهِمَا تَأَكُّدُهُ

стр. 688

بِكَثْرَةِ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ وَرُؤْيَةِ مَرَضِيَّاتِهِ، وَالنَّاسُ فِيهِ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاتِبَ: الْأَوَّلُ أَنْ يَخْلُوَ عَنْ الْعِلْمِ بِالْقُبْحِ وَالْحُسْنِ وَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ فِطْرَتُهُ فَهَذَا أَسْرَعُ الْقَبُولِ لِلْعِلَاجِ فَإِنْ صَادَفَ مُرْشِدًا يَحْسُنُ خُلُقُهُ فِي أَقْرَبِ زَمَانٍ. الثَّانِي أَنْ يَعْرِفَ الْقَبِيحَ وَزُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَمَعَ ذَلِكَ عَلِمَ تَقْصِيرَهُ، وَهَذَا أَضْعَفُ مِنْ الْأَوَّلِ إذْ تَضَاعَفَتْ فِيهِ الْوَظِيفَةُ بِقَلْعِ مَا رَسَخَ فِيهِ أَوَّلًا وَبِغَرْسِ مَوَادِّ الصَّلَاحِ ثَانِيًا. الثَّالِثُ أَنْ يَعْتَقِدَ الْأَخْلَاقَ الْقَبِيحَةَ حَقًّا وَجَمِيلًا وَتَرَبَّى عَلَى ذَلِكَ فَهَذَا يَكَادُ يَمْتَنِعُ مُعَالَجَتُهُ، وَلَنْ يُرْجَى صَلَاحُهُ إلَّا عَلَى النُّدْرَةِ وَذَلِكَ تَضَاعَفَ فِيهِ أَسْبَابُ الضَّلَالِ. الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ نَشْؤُهُ عَلَى الضَّلَالِ الْفَاسِدِ وَمَعَ ذَلِكَ يَرَى الْفَضْلَ فِيهِ وَيَتَبَاهَى بِهِ، وَهَذَا هُوَ أَضْعَفُ الْمَرَاتِبِ فَالْأَوَّلُ جَاهِلٌ، وَالثَّانِي جَاهِلٌ وَضَالٌّ، وَالثَّالِثُ جَاهِلٌ وَضَالٌّ وَفَاسِقٌ، وَالرَّابِعُ جَاهِلٌ وَضَالٌّ وَفَاسِقٌ وَشِرِّيرٌ. (ت عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ الْحَيَاءِ» بِتَرْكِ الشَّهَوَاتِ وَالنَّهِمَاتِ وَتَحَمُّلِ الْمَكَارِهِ عَلَى النَّفْسِ حَتَّى تَصِيرَ مَدْبُوغَةً فَعِنْدَهَا تَطْهُرُ الْأَخْلَاقُ وَتُشْرِقُ أَنْوَارُ الْأَسْمَاءِ فِي صَدْرِ الْعَبْدِ فَيُقَرِّرُ عِلْمَهُ بِاَللَّهِ فَيَعِيشُ غَنِيًّا بِاَللَّهِ مَا عَاشَ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: لَيْسَ حَقُّ الْحَيَاءِ مِنْ اللَّهِ مَا تَحْسَبُونَهُ بَلْ إنَّهُ يَحْفَظُ نَفْسَهُ بِجَمِيعِ جَوَارِحِهِ عَمَّا لَا يَرْضَاهُ مِنْ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ الْحَيَاءُ حَقُّ التَّقْوَى، وَلَا يَخَافُ الْعَبْدُ حَتَّى يَسْتَحْيِيَ، وَهَلْ وَجِلَ أَهْلُ التَّقْوَى إلَّا مِنْ الْحَيَاءِ. «قُلْنَا إنَّا لَنَسْتَحْيِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ» أَيْ لَيْسَ مَا تَسْتَحْيُونَ حَيَاءً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ «، وَلَكِنْ الِاسْتِحْيَاءُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ» كَعَدَمِ السَّجْدَةِ لِغَيْرِهِ تَعَالَى، وَعَدَمِ صَلَاةٍ بِرِيَاءٍ «وَمَا وَعَى» أَيْ مَا جَمَعَهُ الرَّأْسُ مِنْ اللِّسَانِ وَالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ قِيلَ مِنْ الْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ حَتَّى لَا تَسْتَعْمِلَهَا فِيمَا لَا يَحِلُّ «وَالْبَطْنَ» بِأَكْلِ الْحَلَالِ بَلْ الطَّيِّبِ مِنْهُ «وَمَا حَوَى» مَا جَمَعَهُ الْبَطْنُ مِنْ نَحْوِ الْفَرْجِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالْيَدَيْنِ وَالْقَلْبِ فَإِنَّ هَذِهِ لِأَعْضَاءٍ مُتَّصِلَةٌ بِالْجَوْفِ أَيْ الْبَطْنِ، وَالتَّعْبِيرُ فِي الْأَوَّلِ بِمَا وَعَى، وَفِي الثَّانِي بِمَا حَوَى لِلتَّفَنُّنِ فَكَأَنَّهُ قَالَ كُفَّ عَنْك لِسَانَك فَلَا تَنْطِقْ بِهَا إلَّا خَيْرًا، وَأَنَّهُ شَطْرُ الْإِنْسَانِ كَمَا قِيلَ لِسَانُ الْفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ ... فَلَمْ يَبْقَ إلَّا صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ كَمَا فِي خَبَرِ «مَنْ صَمَتَ نَجَا» ، وَعَدَمُ ذِكْرِ اللِّسَانِ لِيَشْمَلَ نَحْوَ الْفَمِ مِنْ أَكْلِ الْحَرَامِ وَالشُّبُهَاتِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ سُدَّ سَمْعَك أَيْضًا مِنْ الْإِصْغَارِ إلَى مَا لَا يَعْنِيك وَاغْضُضْ عَيْنَيْك عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَالشُّبُهَاتِ، وَلَا تَمُدَّ عَيْنَيْك إلَى مَا تَمَتَّعَ بِهِ أَعْدَاؤُهُ تَعَالَى مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا كَيْفَ لَا، وَهُوَ رَائِدُ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ سُلْطَانُ الْجَسَدِ وَمُضْغَةٌ إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ. وَهُنَا نُكْتَةٌ فِي عَطْفِ مَا وَعَى عَلَى الرَّأْسِ فَحِفْظُ الرَّأْسِ مُجْمَلًا عِبَارَةٌ عَنْ التَّنَزُّهِ عَنْ الشِّرْكِ فَلَا يَضَعُ رَأْسَهُ لِغَيْرِ اللَّهِ سَاجِدًا وَلَا يَرْفَعُهُ تَكَبُّرًا عَلَى عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَعَلَ الْبَطْنَ قُطْبًا يَدُورُ عَلَى سَائِرِ الْأَعْضَاءِ مِنْ نَحْوِ الْقَلْبِ وَالْفَرْجِ، وَفِي عَطْفِ مَا حَوَى عَلَى الْبَطْنِ إشَارَةٌ إلَى حِفْظِهِ مِنْ الْحَرَامِ وَالِاحْتِرَازِ مِنْ أَنْ يُمْلَأَ مِنْ الْمُبَاحِ، وَقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ كُلَّهُ قَوْلُهُ «وَتَذْكُرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى» يَعْنِي، وَلْيَذْكُرْ صَيْرُورَتَهُ فِي الْقَبْرِ عِظَامًا بَالِيَةً؛ لِأَنَّ مَنْ ذَكَرَ أَنَّ عِظَامَهُ تَصِيرُ بَالِيَةً، وَأَعْضَاءَهُ مُتَمَزِّقَةً هَانَ عَلَيْهِ مَا فَاتَهُ مِنْ اللَّذَّاتِ الْعَاجِلَةِ، وَأَهَمَّهُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ طَلَبِ الْآجِلَةِ، وَعَمِلَ عَلَى إجْلَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمِهِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ «وَمَنْ أَرَادَ» سَعَادَةَ «الْآخِرَةَ» ، وَفَوْزَهُ بِنَعِيمِهَا «تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا وَآثَرَ الْآخِرَةَ عَلَى الْأُولَى» ؛ لِأَنَّهُمَا ضَرَّتَانِ مَتَى أَرْضَيْت إحْدَاهُمَا أَسْخَطْت الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الْآخِرَةَ خُلِقَتْ لِحُظُوظِ الْأَرْوَاحِ وَالدُّنْيَا لِلْمُيُولَاتِ الْهَوَائِيَّةِ النَّفْسَانِيَّةِ فَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَتَشَبَّثَ بِالدُّنْيَا كَانَ كَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ دَارَ مَلِكٍ دَعَاهُ لِضِيَافَتِهِ، وَعَلَى عَاتِقِهِ جِيفَةٌ فَكَيْفَ يَكُونُ حَيَاؤُهُ مِنْ الْمَلِكِ فَكَذَا مُرِيدُ الْآخِرَةِ مَعَ تَمَسُّكِهِ بِالدُّنْيَا فَمَنْ أَرَادَ اللَّهَ فَلْيَرْفُضْ جَمِيعَ مَا سِوَاهُ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يَرَى إلَّا إيَّاهُ «فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ» كُلَّهُ

стр. 689

«فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ الْحَيَاءِ» عَنْ الطِّيبِيِّ فَمَنْ أَهْمَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ عُهْدَةِ الِاسْتِحْيَاءِ وَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ جِبِلَّةَ الْإِنْسَانِ مِنْ رَأْسِهِ إلَى قَدَمِهِ ظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ مَعْدِنُ الْعَيْبِ، وَمَكَانُ الْمُحَارَبَةِ فَرَأْسُ حَقِّ الْحَيَاءِ تَرْكُ الْمَرْءِ مَا لَا يَعْنِيهِ وَشُغْلُهُ بِمَا يَعْنِيهِ عَلَيْهِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَوْرَثَهُ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَالْحَيَاءُ مَرَاتِبُ أَعْلَاهَا الِاسْتِحْيَاءُ مِنْ اللَّهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَهُوَ مَقَامُ الْمُرَاقَبَةِ الْمُوصِلُ إلَى مَقَامِ الْمُشَاهَدَةِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ صَحِيحٍ وَمَرِيضٍ الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ بِحَيْثُ يَصِيرُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ وَالْمَرِيضُ أَوْلَى. وَقِيلَ حَقُّ الْحَيَاءِ تَرْكُ الشَّهَوَاتِ وَتَحَمُّلُ الْمَكَارِهِ وَالْمَشَاقِّ، وَإِيثَارُ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى عَلَى هَوَى نَفْسِهِ، وَحُكِيَ أَنَّ رَجُلًا خَرَجَ لَيْلًا، وَأَخَذَ بِيَدِ امْرَأَةٍ وَدَعَاهَا إلَى الْفُجُورِ وَخَلَا بِهَا فِي مَوْضِعٍ فَقَالَتْ أَفَلَا تَسْتَحْيِي مِنْ الَّذِي خَلَقَنَا وَيَطَّلِعُ عَلَيْنَا فَتَرَكَهَا وَتَابَ فَرُئِيَ فِي الْمَنَامِ فَسُئِلَ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ غُفِرَ لِي بِتَرْكِي ذَنْبًا وَاحِدًا مَخَافَةً مِنْهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات: ٤٠] الْآيَةَ ثُمَّ إنَّهُ، وَإِنْ صَحَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَكِنْ عَنْ الْمِيزَانِ أَنَّهُ وَاهٍ، وَعَنْ التِّرْمِذِيِّ غَرِيبٌ وَبَعْضٌ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. (ت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ الْحَيَاءُ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ هُوَ غَرِيزِيٌّ أَصْلًا وَاكْتِسَابِيٌّ كَمَالًا، وَقَدْ عَرَفْت كَرَّتَيْنِ «مِنْ الْإِيمَانِ» لِمَنْعِهِ مِنْ الْفَوَاحِشِ، وَإِقْدَامِهِ عَلَى الْبِرِّ وَالْخَيْرِ عَنْ الزَّمَخْشَرِيِّ جُعِلَ كَالْبَعْضِ مِنْهُ لِمُنَاسَبَتِهِ لَهُ فِي مَنْعِ الْمَعَاصِي. «وَالْإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ» أَيْ يُوصِلُهُ إلَيْهَا «وَالْبَذَاءُ» بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَمَدٍّ الْفُحْشُ فِي الْقَوْلِ «مِنْ الْجَفَاءِ» بِالْمَدِّ أَيْ الطَّرْدِ وَالْإِعْرَاضِ وَتَرْكِ الصِّلَةِ وَالْبِرِّ «وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ» يُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ فِي خَبَرٍ آخَرَ «، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ إلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» . (تَنْبِيهٌ) سُئِلَ بَعْضُهُمْ هَلْ كَوْنُ الْحَيَاءِ مِنْ الْإِيمَانِ مُقَيَّدٌ أَوْ مُطْلَقٌ؟ . فَقَالَ مُقَيَّدٌ بِتَرْكِ الْحَيَاءِ الْمَذْمُومِ شَرْعًا، وَإِلَّا فَعَدَمُهُ مَطْلُوبٌ فِي النُّصْحِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَتَرْكُهُ فِيهَا مِنْ النُّعُوتِ الْإِلَهِيَّةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً﴾ [البقرة: ٢٦] ، ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وَأَنْشَدُوا إنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ جَاءَ بِهِ ... لَفْظُ النَّبِيِّ وَخَيْرٌ كُلُّهُ انْتَبِهْ إنَّ الْحَيَاءَ لَمِنْ أَسْمَاءِ الْإِلَهِ وَقَدْ ... جَاءَ التَّخَلُّقُ بِالْأَسْمَاءِ فَاحْفَظْ بِهِ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «الْحَيَاءُ هُوَ الدِّينُ كُلُّهُ» قِيلَ فِي شَرْحِهِ؛ لِأَنَّ مَبْدَأَهُ وَمُنْتَهَاهُ يُفْضِيَانِ إلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ، وَتَرْكُ الْقَبِيحِ خَيْرٌ لَا مَحَالَةَ فَكَأَنَّهُ لَا يَأْتِي إلَّا بِخَيْرٍ؛ وَلِأَنَّ مَنْ اسْتَحْيَا مِنْ الْخَلْقِ قَلَّ شَرُّهُ، وَكَثُرَ خَيْرُهُ وَغَلَبَ عَلَيْهِ السَّخَاءُ وَالسَّمَاحُ الْمُوصِلَانِ إلَى دِيَارِ الْأَفْرَاحِ. وَفِيهِ أَيْضًا الْحَيَاءُ وَالْإِيمَانُ مَقْرُونَانِ لَا يَفْتَرِقَانِ إلَّا جَمِيعًا قَالَ الطِّيبِيُّ فِيهِ رَائِحَةُ التَّجْرِيدِ حَيْثُ جَرَّدَ مِنْ الْإِيمَانِ شُعْبَةً مِنْهُ وَجَعَلَهَا قَرِينًا لَهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ كَأَنَّهُمَا رَضِيعَا لِبَانِ ثَدْيٍ أَيْ تَقَاسَمَا أَنْ لَا يَفْتَرِقَا. وَفِيهِ أَيْضًا الْحَيَاءُ وَالْإِيمَانُ قُرِنَا جَمِيعًا فَإِذَا

стр. 690

رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الْآخَرُ قِيلَ عَنْ الرَّاغِبِ الْحَيَاءُ انْقِبَاضُ النَّفْسِ عَنْ الْقَبَائِحِ، وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ خَيْرٍ وَعِفَّةٍ؛ وَلِذَلِكَ لَا يَكُونُ الْمُسْتَحْيِي فَاسِقًا، وَلَا الْفَاسِقُ مُسْتَحِيًا لِتَنَافِي اجْتِمَاعِ الْعِفَّةِ وَالْفِسْقِ، وَقَلَّمَا يَكُونُ الشُّجَاعُ مُسْتَحِيًا لِتَنَافِي الشَّجَاعَةِ مَعَ الْجُبْنِ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ» وَفِي آخَرَ «الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إلَّا بِخَيْرٍ» ؛ لِأَنَّ الْحَيَاءَ مِنْ النَّاسِ يُفْضِي إلَى الْحَيَاءِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنْ قِيلَ قَدْ يَكُونُ الْحَيَاءُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالْإِمَامَةِ وَالْوَعْظِ وَالنَّصِيحَةِ وَتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ، وَأَدَاءِ بَعْضِ الْعِبَادَاتِ قُلْنَا هَذَا لَيْسَ بِحَيَاءٍ حَقِيقَةً، وَإِنْ اصْطَلَحَهُ النَّاسُ بَلْ عَجْزٌ وَمَهَانَةٌ وَخَوْرٌ إذْ كَمَا عَرَفْت أَنَّهُ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ وَيَمْنَعُ مِنْ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ الْغَيْرِ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ مَنْ كَسَا الْحَيَاءُ ثَوْبَهُ لَمْ يَرَ النَّاسُ عَيْبَهُ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ» أَيْ سُكُوتُ اللِّسَانِ تَحَرُّزًا عَنْ الْوُقُوعِ فِي الْبُهْتَانِ «شُعْبَتَانِ مِنْ الْإِيمَانِ» فَإِنَّ الْإِيمَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى الْحَيَاءِ فَيَتْرُكُ الْقَبَائِحَ وَيَمْنَعُ الِاجْتِرَاءَ عَلَى الْكَلَامِ خَوْفًا مِنْ عَثْرِ اللِّسَانِ وَالْوَقِيعَةِ فِي الْبُهْتَانِ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «الْحَيَاءُ وَالْإِيمَانُ فِي قَرْنٍ - أَيْ هُمَا فِي حَبْلٍ - فَإِذَا أُسْلِبَ أَحَدُهُمَا تَبِعَهُ الْآخَرُ» وَالْمُرَادُ هُوَ الْحَيَاءُ الشَّرْعِيُّ، وَأَمَّا مَا يَكُونُ سَبَبًا لِتَرْكِ أَمْرٍ شَرْعِيٍّ فَمَذْمُومٌ جِدًّا كَمَا عَرَفْت، وَفِي آخَرَ أَيْضًا «الْحَيَاءُ زِينَةٌ» ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الرُّوحِ وَالرُّوحُ سَمَاوِيٌّ، وَعَمَلُ أَهْلِ السَّمَاءِ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الْعُبُودِيَّةِ، وَالنَّفْسُ شَهْوَانِي أَرْضِيٌّ مَيَّالٌ إلَى شَهْوَةٍ أُخْرَى، وَهَكَذَا لَا يَهْدَأُ، وَلَا يَسْتَقِرُّ فَأَعْمَالُنَا مُخْتَلِفَةٌ فَمَرَّةً عُبُودِيَّةٌ وَمَرَّةً رُبُوبِيَّةٌ وَمَرَّةً عَجْزٌ وَمَرَّةً اقْتِدَارٌ فَإِذَا رِيضَتْ وَذُلِّلَتْ وَأُدِّبَتْ، وَكَانَ السُّلْطَانُ وَالْغَلَبَةُ لِلرُّوحِ جَاءَ الْحَيَاءُ، وَهُوَ خَجِلُ الرُّوحِ مِنْ كُلِّ مَا لَا يَصْلُحُ فِي السَّمَاءِ، وَذَلِكَ يُزَيِّنُ الْجَوَارِحَ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ. وَمِنْهُ الْوَقَارُ وَالْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «الْحَيَاءُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ فِي النِّسَاءِ وَوَاحِدَةٌ فِي الرِّجَالِ» كُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَشَرْحِهِ فَيْضِ الْقَدِيرِ. (ت عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَا كَانَ الْفُحْشُ» مِثْلُ قُبْحٍ وَزْنًا، وَالْمَعْنَى: كُلُّ شَيْءٍ جَاوَزَ الْحَدَّ فَهُوَ فَاحِشٌ وَالْقَوْلُ السَّيِّئُ. «فِي شَيْءٍ إلَّا شَانَهُ» مِنْ الشَّيْنِ أَيْ الْعَيْبِ «وَمَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ» مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ «إلَّا زَانَهُ» مِنْ الزِّينَةِ عَنْ الطِّيبِيِّ أَيْ لَوْ قَدَرَ أَنْ يَكُونَ الْفُحْشُ أَوْ الْحَيَاءُ فِي جَمَادٍ لَشَانَهُ أَوْ زَانَهُ فَكَيْفَ بِالْإِنْسَانِ، وَأَشَارَ بِهَذَيْنِ إلَى أَنَّ الْأَخْلَاقَ الرَّذِيلَةَ مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ بَلْ هِيَ الشَّرُّ كُلُّهُ وَالْحَسَنَةُ مِفْتَاحُ كُلِّ خَيْرٍ بَلْ هِيَ الْخَيْرُ كُلُّهُ (، وَأَفْضَلُ الْحَيَاءِ الْحَيَاءُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى) ؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ مُخَالَفَتِهِ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي (ثُمَّ) الْحَيَاءُ (مِنْ النَّاسِ فِيمَا لَا مَعْصِيَةَ، وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ. وَأَمَّا مَا فِيهِ إحْدَاهُمَا كَالْحَيَاءِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَتَرْكِ السُّنَنِ كَالسِّوَاكِ) لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْوُضُوءِ، وَكَذَا عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَإِنْ قِيلَ بِعَدَمِ سُنِّيَّتِهِ عِنْدَ الصَّلَاةِ عَلَى مَا حَقَّقْنَا فِي رِسَالَةٍ (وَالطَّيْلَسَانُ) هُوَ ثَوْبٌ يُجْعَلُ فَوْقَ الْعِمَامَةِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ هُوَ ثَوْبٌ طَوِيلٌ عَرِيضٌ قَرِيبٌ مِنْ الرِّدَاءِ مُرَبَّعٌ يُجْعَلُ فَوْقَ الْعِمَامَةِ إلَخْ ثُمَّ قَالَ هُوَ مَنْدُوبٌ اتِّفَاقًا وَيَتَأَكَّدُ لِصَلَاةٍ وَجُمُعَةٍ، وَعِيدٍ وَمَجْمَعٍ وَيُقَالُ لَهُ الْقِنَاعُ أَيْضًا كَمَا يُقَالُ لِلتَّطَيْلُسِ التَّقَنُّعُ، وَصَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ التَّقَنُّعُ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ، وَفِي خَبَرٍ «لَا يُقَنَّعُ إلَّا مَنْ اسْتَكْمَلَ الْحِكْمَةَ» فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَلِلطَّيْلَسَانِ فَوَائِدُ جَلِيلَةٌ كَصَلَاحِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَاسْتِحْيَاءِ اللَّهِ وَخَوْفِهِ إذْ شَأْنُ الْخَائِفِ الْآبِقِ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ، وَكَجَمْعِهِ الْكُفْرَ؛ لِأَنَّهُ يُغَطِّي أَكْثَرَ الْوَجْهِ فَيَجْمَعُ هِمَّتَهُ وَيُحْضِرُ قَلْبَهُ مَعَ رَبِّهِ وَيَمْتَلِئُ بِشُهُودِهِ وَذِكْرِهِ وَتُصَانُ جَوَارِحُهُ عَنْ الْمُخَالَفَاتِ وَنَفْسُهُ عَنْ الشَّهَوَاتِ، وَهَذِهِ أَسْبَابٌ لِإِفَاضَةِ أَنْوَاعِ الْجَلَالَةِ وَالْمَهَابَةِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضٌ: الطَّيْلَسَانُ الْخَلْوَةُ الصُّغْرَى. انْتَهَى مُلَخَّصًا. ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ التَّقَنُّعُ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ بِطَرَفِ الْعِمَامَةِ وَبِرِدَاءٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لِيَقِيَ نَحْوَ الْعِمَامَةِ مِمَّا بِهِ مِنْ الدُّهْنِ وَصَحَّ أَنَّهُ ﵊ «أَتَى بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ لِلْهِجْرَةِ مُتَقَنِّعًا بِثَوْبِهِ» ثُمَّ قَالَ أَنْكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ الطَّيْلَسَانَ لِعَدَمِ النَّقْلِ عَنْهُ ﵊، وَلَا عَنْ صَحَابَتِهِ بَلْ هُوَ فِعْلُ الدَّجَّالِ وَلِإِنْكَارِ أَنَسٍ؛ وَلِكَرَاهَةِ جَمْعٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا فِعْلُهُ ﵊ فَلِضَرُورَةِ الِاخْتِفَاءِ بِلَا عَادَةٍ، وَكَذَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ يُكْثِرُ التَّقَنُّعَ ثُمَّ أَجَابَ الْهَيْتَمِيُّ بِأَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يَلْبَسْهُ يَرُدُّهُ خَبَرُ «كَانَ يُكْثِرُ الْقِنَاعَ» . وَقَوْلُهُ

стр. 691

وَلَا عَنْ الصَّحَابَةِ يَرُدُّهُ خَبَرُ الْحَاكِمِ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «هَذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى لِرَجُلٍ مُقَنَّعٍ فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -» ، وَأَيْضًا رُئِيَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُقَنَّعٌ، وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ الطَّيَالِسَةَ ثُمَّ قَالَ هُوَ مُبَاحٌ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بَلْ سُنَّةٌ فِي الصَّلَاةِ كَمَا قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ صَارَ شِعَارَ قَوْمٍ كُرِهَ تَرْكُهُ؛ لِأَنَّهُ إخْلَالٌ بِالْمُرُوءَةِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا أَيْضًا. ثُمَّ أَقُولُ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ مِنْ الطَّيْلَسَانِ هُنَا التَّسْوِيمُ لِكَوْنِ سُنِّيَّتِهِ آكَدُ؛ وَلِكَوْنِهِ فِي نَظَرِ أَهْلِ الشَّرْعِ أَهَمَّ إذْ التَّسْوِيمُ الَّذِي هُوَ إرْخَاءُ ذَنَبِ الْعِمَامَةِ هُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥] ، وَقَالَ ﵊ «تَسَوَّمُوا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ سَوَّمَتْ» وَكَيْفِيَّتُهُ إرْسَالُهُ مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ قَرِيبًا إلَى الْقَفَا مِنْ جَانِبِ الْيَسَارِ، وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ذَنِّبُوا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يُذَنِّبُ» ، وَعَنْهُ أَيْضًا «رَكْعَتَانِ مَعَ الذَّنَبِ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً بِلَا ذَنَبٍ» ، وَعَنْ الطِّيبِيِّ التَّسْوِيمُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَفِي الْفَتَاوَى سُنَّةٌ أَيْضًا، وَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ، وَفِي صُرَّةِ الْفَتَاوَى سُئِلَ صَاحِبُ الْمِنَحِ عَنْ إرْسَالِ الْعَذَبَةِ هَلْ هِيَ سُنَّةٌ عَلَى الْخَوَاصِّ وَالْعَوَامِّ، وَهَلْ تَارِكُ الْعَذَبَةِ يَكُونُ فَاسِقًا أَوْ لَا، وَلَوْ ضَحِكَ إنْسَانٌ عَلَى مَنْ يُرْسِلُ الْعَذَبَةِ هَلْ يَكْفُرُ أَوْ لَا، وَأَجَابَ الْمَنْقُولُ فِي الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ كَالْخُلَاصَةِ وَالزَّيْلَعِيِّ وَشَرْحِ الشِّرْعَةِ أَنَّ الْعَذَبَةَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَهُوَ إرْسَالُ ذَنَبِ الْعِمَامَةِ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهِ قِيلَ شِبْرٌ وَقِيلَ إلَى وَسَطِ الظَّهْرِ، وَقِيلَ إلَى مَوْضِعِ الْجُلُوسِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَوَاصِّ وَالْعَوَامِّ، وَلَا يَفْسُقُ بِتَرْكِهِ لَكِنَّهُ مُسِيءٌ، وَكَرَاهِيَةٌ فَيَأْثَمُ، وَلَوْ بِيَسِيرٍ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو الْيُسْرِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ لَمَّا كَانَتْ طَرِيقَةَ الرَّسُولِ وَالصَّحَابَةِ، وَكَانَ سَبِيلُهَا الْإِحْيَاءَ دُونَ الْإِمَاتَةِ كَانَتْ حَقًّا عَلَيْنَا فَعُوتِبْنَا عَلَى تَرْكِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّرْكُ عَلَى طَرِيقِ التَّهَاوُنِ وَالِاسْتِخْفَافِ فَحِينَئِذٍ يَكْفُرُ أَوْ يَفْسُقُ لِرُجُوعِ ذَلِكَ إلَى صَاحِبِهَا ثُمَّ هَذَا إذَا تَرَكَ سُنَّةَ الْهَدْيِ. وَأَمَّا سُنَنُ الزَّوَائِدِ فَتَارِكُهَا لَا يَسْتَوْجِبُ إسَاءَتَهُ وَبِهِ صَرَّحَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ، وَعَنْ الْخُلَاصَةِ لَوْ قَالَ قَصَصْت شَارِبَك، وَأَلْقَيْت الْعِمَامَةَ عَلَى الْعَانِقِ اسْتِخْفَافًا يَكْفُرُ أَوْ قَالَ مَا أَقْبَحَ امْرَأً قَصَّ شَارِبَهُ، وَلَفَّ طَرَفَ الْعِمَامَةِ عَلَى الْعُنُقِ كَفَرَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. انْتَهَى. وَعَنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ أَنَّ الشِّبْرَ لِلْعَوَامِّ، وَإِلَى وَسَطِ الظَّهْرِ لِطَلَبَةِ الْعِلْمِ، وَإِلَى الْمَقْعَدِ لِلْمُفْتِي، وَإِرْسَالُهُ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ كَمَا عَرَفْت، وَقِيلَ مَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ، وَقِيلَ أَيُّ مَوْضِعٍ كَانَ، فَفَوْقَ الْأُذُنَيْنِ أَوْ قُدَّامَهُ بِدْعَةٌ، وَقِيلَ إرْسَالُهُ تَحْتَ الْحَنَكِ، وَقِيلَ إرْسَالُهُ مِنْ الْقُدَّامِ سُنَّةٌ، وَعَنْ الطِّيبِيِّ قَدْرُ ثَلَاثِ قَبَضَاتٍ لِضَعِيفِ الْإِيمَانِ، وَقَبْضَتَانِ لِمُتَوَسِّطِ الْإِيمَانِ، وَأَزْيَدُ مِنْهَا لِكَامِلِ الْإِيمَانِ. وَنُقِلَ عَنْ فَتَاوَى الْحُجَّةِ أَنَّ التَّسْوِيمَ لِلْقَاضِي قَدْرُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ أُصْبُعًا؛ وَلِلْخَطِيبِ إحْدَى وَعِشْرِينَ؛ وَلِلْعُلَمَاءِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ - سَبْعَةَ عَشْرَةَ؛ وَلِلْعَوَامِّ سَبْعٌ؛ وَلِلصُّوفِيِّ الْعَامِّيِّ أَرْبَعُ أَصَابِعَ، وَفِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ لِابْنِ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيِّ عَمَّمَ ابْنُ عَوْفٍ وَسَدَلَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ثُمَّ قَالَ فَالسُّنَّةُ تَحْصُلُ بِكُلٍّ لَكِنْ الْأَفْضَلُ مَا بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ السَّدْلَ مِنْ وَرَاءُ، وَأَمَامُ لِمَنْ أَرَادَ إرْخَاءَ طَرَفَيْهَا، وَإِلَّا فَالْمُكَتَّفِي بِوَاحِدٍ فَالْأَفْضَلُ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ ثُمَّ الْمَنْكِبِ، وَأَنَّهُ ﵊ لَمْ يُسْدِلُ دَائِمًا، وَعَنْ عَبْدِ الْحَقِّ السُّنَّةُ إرْخَاءُ طَرَفِهَا وَيَتَحَنَّكُ بِهِ، وَإِلَّا فَمَكْرُوهٌ قِيلَ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ عَمَائِمُ الشَّيْطَانِ. (وَ) تَرْكُ (تَقْصِيرِ الثِّيَابِ) إذْ السُّنَّةُ جَعْلُهَا لِأَنْصَافِ السَّاقِ، وَهُوَ مُبَاحٌ إلَى الْكَعْبِ وَمَا جَاوَزَهُ حَرَامٌ مَعَ الْخُيَلَاءِ مَكْرُوهٌ عِنْدَ فَقْدِهَا قَالَ فِي الشِّرْعَةِ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَلْبَسُ قَمِيصًا تَارَةً إلَى الرُّسْغِ ذَيْلُهُ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ مُسْتَوِيَ الْكُمَّيْنِ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ فَعَلَى هَذَا تَقْصِيرُ الثِّيَابِ سُنَّةٌ، وَفِي شَرْحِهِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَطَعَ قَمِيصَهُ مِنْ رَأْسِ الْأَصَابِعِ فَعَابَهُ الْخَوَارِجُ فَقَالَ أَتَعِيبُونَنِي عَلَى لِبَاسٍ هُوَ أَبْعَدُ عَنْ الْكِبْرِ، وَأَجْدَرُ أَنْ يُقْتَدَى فِي الْمُسْلِمِ ثُمَّ قَالَ فِي الشِّرْعَةِ وَإِسْبَالُ الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ بِدْعَةٌ أَيْ تَطْوِيلُهُمَا، وَفِي شَرْحِهِ عَنْ شَرْحِ الْمَصَابِيحِ قَالَ ﵊ «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إزَارَهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ خُسِفَ بِهِ، وَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . (وَ) تَرْكُ (تَرْقِيعِهَا) قَالَ فِي الشِّرْعَةِ، وَعَنْ سُنَّةِ الْإِسْلَامِ لُبْسُ الْمُرَقَّعِ وَالْخَشِينِ، وَأَيْضًا هُوَ مِنْ سُنَّةِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ

стр. 692

لِعِيسَى عَلَيْهِ، وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ قَصْعَةٌ لِلشُّرْبِ وَمُشْطٌ لِلِحْيَتِهِ، وَإِبْرَةٌ لِخَيْطِ خِرْقَتِهِ فَلَمَّا رَأَى وَاحِدًا يَشْرَبُ بِكَفِّهِ رَمَى الْقَصْعَةَ وَرَأَى آخَرَ يُخَلِّلُ لِحْيَتِهِ بِأَصَابِعِهِ فَرَمَى الْمُشْطَ وَبَقَّى الْإِبْرَةَ فَلَمَّا عَرَجَ إلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ اجْتَمَعَتْ الْمَلَائِكَةُ حَوْلَهُ يَتَبَرَّكُونَ وَيَمْسَحُونَ بِمُرَقَّعَتِهِ فَعَدُّوا رِقَاعَ خِرْقَتِهِ قَرِيبًا إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَبَكَوْا، وَقَالُوا إلَهَنَا أَمَا كَانَ عِيسَى عِنْدَك يُسَاوِي قَمِيصًا جَدِيدًا مِنْ دُنْيَاك فَنُودِيَ بِهِمْ أَنَّ جَمِيعَ الدُّنْيَا لَا يُسَاوَى بِعُضْوِ حَبِيبِي عِيسَى لَكِنْ فَتِّشُوا هَلْ تَجِدُونَ مَعَهُ شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا فَوَجَدُوا إبْرَةً فَقَالَ تَعَالَى، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَوْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ هَذِهِ الْإِبْرَةُ لَرَفَعْته إلَى حَضْرَةِ الْقُدْسِ، وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ عِيسَى ﵊ يَلْبَسُ الشَّعْرَ وَيَأْكُلُ مِنْ الشَّجَرِ وَيَبِيتُ حَيْثُ أَمْسَى. وَفِي الْبُسْتَانِ كَانَ عُمَرُ يَخْطُبُ، وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ لَهُ سَبْعُ رِقَاعٍ نَعَمْ يَجُوزُ تَرْكُ الرِّقَاعِ فِيمَا يُخَافُ عَيْبَةُ النَّاسِ وَتَحْقِيرُهُمْ كَمَا فِي مُطْلَقِ الثِّيَابِ الْخَشِنَةِ قَالَ فِي الْبُسْتَانِ عَنْ الشَّعْبِيِّ الْبَسْ مِنْ الثِّيَابِ مَا لَا يُزْرِيك السُّفَهَاءُ، وَلَا يَعِيبُك الْفُقَهَاءُ (وَ) تَرْكُ (الْمَشْيِ حَافِيًا) بِلَا نَعْلَيْنِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ (وَرُكُوبُ الْحِمَارِ) عَارِيًّا أَوْ عَلَى الْإِكَافِ (وَالْإِكَافُ، وَلَعْقُ الْأَصَابِعِ) بَعْدَ الطَّعَامِ لَا فِي أَثْنَائِهِ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْأَدَبِ (وَ) لَعْقُ (الْقَصْعَةِ) ، وَفِي الْبُسْتَانِ وَمِنْ السُّنَّةِ لَعْقُ أَصَابِعِهِ قَبْلَ الْمَسْحِ بِالْمِنْدِيلِ وَتَرْكُهُ مِنْ أَمْرِ الْعَجَمِ، وَأَمْرِ الْجَبَابِرَةِ وَيُقَالُ الْقَصْعَةُ تَسْتَغْفِرُ لِمَنْ يَلْعَقُهَا، وَعَنْهُ ﵊ «أَنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، وَعَلَى الَّذِينَ يَلْعَقُونَ أَصَابِعَهُمْ» ، وَكَانَ «يَأْمُرُ بِلَعْقِ الْقَصْعَةِ» ، «وَكَانَ لَا يَمْسَحُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمُصَّهَا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ طَعَامٍ يُبَارَكُ لَهُ» (وَأَكْلُ مَا سَقَطَ عَلَى السُّفْرَةِ أَوْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الطَّعَامِ) فِي الْبُسْتَانِ عَنْهُ ﵊ «مَنْ أَكَلَ مَا سَقَطَ مِنْ الْمَائِدَةِ لَمْ يَزَلْ فِي سَعَةٍ مِنْ الرِّزْقِ وَوُقِيَ الْحُمْقَ عَنْهُ، وَعَنْ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ» ، وَعَنْهُ أَيْضًا «إذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأْخُذْهَا، وَلْيُمِطْ عَنْهَا الْأَذَى، وَلَا يَتْرُكُهَا لِلشَّيْطَانِ» (وَالْجَهْرُ بِالسَّلَامِ وَرَدُّهُ) قَالَ فِي الْبُسْتَانِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَتَيْتُمْ الْمَجْلِسَ فَسَلِّمُوا عَلَى الْقَوْمِ، وَإِذَا رَجَعْتُمْ فَسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ فَإِنَّ التَّسْلِيمَ عِنْدَ الرُّجُوعِ أَفْضَلُ مِنْ التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى» ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْمَوْتِ فَقِيلَ الرَّدُّ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]- وَالْأَمْرُ لِلْفَرِيضَةِ، وَقِيلَ التَّسْلِيمُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ سَابِقٌ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ إنْ لَمْ يَرُدُّوا السَّلَامَ رَدَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ، وَلَعَنَتْهُمْ، وَإِذَا سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ يَكْفِي رَدُّ وَاحِدٍ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَجِبُ الرَّدُّ عَلَى الْكُلِّ ثُمَّ قَالَ الْإِسْمَاعُ فِي الرَّدِّ وَالسَّلَامِ لَازِمٌ، وَإِلَّا لَمْ يَسْقُطْ الْفَرْضُ، وَلَمْ تَحْصُلْ السُّنَّةُ، وَإِذَا سَلَّمَ عَلَى وَاحِدٍ يَقُولُ وَعَلَيْكُمْ بِخِطَابِ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ مَعَهُ الْمَلَائِكَةَ. انْتَهَى إيجَازًا. (وَالْأَذَانُ وَالْإِمَامَةُ) عَنْ الْمُصَنِّفِ فِي الْحَاشِيَةِ جَمَعَ اثْنَانِ فِي وَقْتٍ فَتَرَكَا الْإِمَامَةَ فَصَلَّيَا فُرَادَى أَثِمَا بِإِثْمَيْنِ إثْمٌ بِتَرْكِ الْإِمَامَةِ، وَإِثْمٌ بِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ، وَإِذَا أَمَّ أَحَدُهُمَا لَمْ يَأْثَمَا. انْتَهَى. (وَ) تَرْكُ (نَحْوِ ذَلِكَ) مِنْ السُّنَنِ كَالِاعْتِكَافِ وَتَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ (فَمَذْمُومٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الِامْتِنَاعَ (فِي الْحَقِيقَةِ جُبْنٌ) أَيْ ضَعْفُ قَلْبٍ، وَقِلَّةُ شَجَاعَةٍ (وَضَعْفٌ فِي الدِّينِ) إذْ لَوْ كَانَ قَوِيًّا لَمَا يَخَافُ لَوْمَةَ لَائِمٍ (أَوْ رِيَاءٌ أَوْ كِبْرٌ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ حَيَاءٌ فَحَيَاءٌ مِنْ النَّاسِ وَوَقَاحَةٌ) أَيْ عَدَمُ حَيَاءٍ (لِلَّهِ تَعَالَى؛ وَلِرَسُولِهِ وَجُرْأَةٌ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَوْ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مَعَ الْمَدِّ (عَلَيْهِمَا) عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ (وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ بِالْحَيَاءِ مِنْ النَّاسِ) أَمَّا اللَّهُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الرَّسُولُ فَإِنَّ الْأَعْمَالَ تُعْرَضُ عَلَيْهِ ﵊ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْفِيفِ، وَإِلَّا فَكُفْرٌ قَالُوا مَنْ خَفَّفَ سُنَّةً مِنْ سُنَنِ النَّبِيِّ ﵊ فَحُكْمُهُ السَّيْفُ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِكُفْرِهِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْمُصَنِّفِ (فَمَا حَالُ مَنْ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ خَالِقِهِ) الَّذِي هُوَ الْمُبْدِئُ وَالْمُعِيدُ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ، وَهُوَ الَّذِي

стр. 693

أَحَاطَ بِكُلِّ النِّعَمِ (وَرَازِقِهِ) بِأَنْوَاعِ الْأَرْزَاقِ (وَهَادِيهِ) إلَى أَنْوَاعِ الْخَيْرَاتِ وَالطَّاعَاتِ (وَمُنْجِيهِ) مِنْ الْمَصَائِبِ وَالْبَلِيَّاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (بِتَرْكِ الْأَوَامِرِ) فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا (الْإِلَهِيَّةِ) فَإِنَّ أَكْثَرَهَا مِنْ الْقُرْآنِ (وَالسُّنَنِ الْمُحَمَّدِيَّةِ) يَشْمَلُ النَّدْبَ (وَيَسْتَحْيِي مِنْ الْمَخْلُوقِ الْعَاجِزِ) فَإِنَّ النَّافِعَ وَالضَّارَّ، وَكَذَا الْمُعْطِي وَالْمَانِعَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى (لِطَلَبِ ثَنَائِهِمْ) الْأَوْلَى ثَنَائِهِ إذْ هُوَ رَاجِعٌ إلَى الْمَخْلُوقِ فَلَعَلَّهُ أَرْجَعَهُ بِاعْتِبَارِ الِاسْتِغْرَاقِ (وَرِضَاهُمْ وَحُطَامِهِمْ) قِيلَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى وَتَخْفِيفِ الثَّانِيَةِ هُوَ الْمَالُ الْحَرَامُ (وَيَفِرُّ) مِنْ الْفِرَارِ (مِنْ تَعْيِيرِهِمْ، وَلَا يَفِرُّ مِنْ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ) وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُخْشَى بِتَرْكِ أَوَامِرِهِ (وَلَا مِنْ حِرْمَانِ الشَّفَاعَةِ) بِتَرْكِ سُنَنِهِ ﵊ فَإِنَّ تَرْكَ السُّنَنِ مُوجِبٌ لِاسْتِحْقَاقِ حِرْمَانِهَا، وَإِنْ جَازَ شَفَاعَتُهُ ﵊ بِمُجَرَّدِ إحْسَانِهِ، وَكَرَمِهِ فَيَنْدَفِعُ مَا أُورِدَ عَلَى مِثْلِهِ بِنَحْوِ حَدِيثِ «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» فَإِنَّهُ إذَا شَفَعَ لَهُمْ فَكَيْفَ لِتَارِكِي سُنَّتِهِ، وَهُوَ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ اتِّفَاقًا بَلْ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا أَوْ تَنْزِيهًا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ نَحْوُ حَدِيثِ «مَنْ تَرَكَ سُنَّتِي لَمْ يَنَلْ شَفَاعَتِي» (فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي بَعْضِ رَسَائِلِهِ فَهَلْ تَرْضَى لِنَفْسِك أَيُّهَا الْأَخُ الْعَاقِلُ أَنْ تُحْرَمَ مِنْ شَفَاعَةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَحَبِيبِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّتِي يَرْجُوهَا وَيَطْلُبُهَا كُلُّ الْخَلَائِقِ حَتَّى الْأَوْلِيَاءِ ﵏ وَالنَّبِيِّينَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَأَيُّ عَمَلٍ مَقْبُولٍ يُنْجِيك مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ وَيُدْخِلُك الْجَنَّةَ إنْ لَمْ تَنَلْك شَفَاعَةُ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا إلَى آخِرِ مَا قَالَ. [السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ الْجَزَعُ وَالشَّكْوَى] (السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ) : (الْجَزَعُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالزَّايِ (وَالشَّكْوَى) عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَقِيلَ الْجَزَعُ قِلَّةُ الصَّبْرِ وَضَعْفُ الْهِمَّةِ عَنْ حَمْلِ مَا نَزَلَ بِهِ وَالشَّكْوَى التَّظَلُّمُ مِمَّا يُلَائِمُهُ مِنْ الْمَضَرَّاتِ (وَهُوَ عَدَمُ تَحَمُّلِ الْمِحَنِ) جَمْعُ مِحْنَةٍ الْبَلِيَّةُ (وَالْمَصَائِبِ، وَإِظْهَارُهُمَا) أَيْ الْمِحَنِ وَالْمَصَائِبِ (قَوْلًا أَوْ فِعْلًا تَضَجُّرًا) مِنْهُمَا قَالَ الْمُحَشِّي أَمَّا الْإِظْهَارُ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّضَجُّرِ كَالْإِظْهَارِ لِلطَّبِيبِ لِلْعِلَاجِ أَوْ لِأَجْلِ الِاعْتِذَارِ أَوْ تَسْلِيَةِ الْغَيْرِ بِنَاءً عَلَى خُلْفِ الْوَعْدِ فَلَيْسَ بِجَزَعٍ وَقَدْ يَكُونُ بَاعِثًا لِإِظْهَارِ الرِّيَاءِ تَدَبَّرْ انْتَهَى (وَضِدُّهُ) أَيْ الْجَزَعِ (الصَّبْرُ، وَهُوَ حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ الْجَزَعِ) قِيلَ الصَّبْرُ ثَبَاتُ الْقُوَّةِ الْمُضَادَّةِ لِلشَّهْوَةِ فِي مُقَاوَمَةِ الشَّهْوَةِ وَتَفْصِيلُهُ أَنَّ لِلْبَهَائِمِ شَهْوَةً بِلَا عَقْلٍ؛ وَلِلْمَلَائِكَةِ عَقْلًا بِلَا شَهْوَةٍ؛ وَلِلْإِنْسَانِ كِلَاهُمَا مَعًا وَالصَّبْرُ مُقَاوَمَةُ الْعَقْلِ الشَّهْوَةَ فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِالْإِنْسَانِ دُونَ الْبَهَائِمِ لِنُقْصَانِهِمْ وَدُونَ الْمَلَائِكَةِ لِكَمَالِهِمْ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] فَلَيْسَ لَهُمْ مِيزَانٌ كَمَا لَيْسَ لَهُمْ حِسَابٌ لِعَدَمِ دُخُولِ الصَّبْرِ تَحْتَ إحْصَاءِ عَدَدٍ، وَفِي الْحَدِيثِ «تُنْصَبُ الْمَوَازِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ فَتُوزَنُ أُجُورُهُمْ، وَلَا يُنْصَبُ لِأَهْلِ الْبَلَاءِ بَلْ يُصَبُّ عَلَيْهِمْ الْأَجْرُ صَبًّا حَتَّى يَتَمَنَّى أَهْلُ الْعَافِيَةِ فِي الدُّنْيَا أَنَّ أَجْسَادَهُمْ تُقْرَضُ بِالْمَقَارِيضِ مِمَّا يَذْهَبُ بِهِ أَهْلُ الْبَلَاءِ مِنْ الْفَضْلِ» ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «مَنْ صَبَرَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَلَهُ ثَلَاثُمِائَةِ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الطَّاعَةِ فَلَهُ سِتُّمِائَةِ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الْمُصِيبَةِ فَلَهُ تِسْعُمِائَةِ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ الْعَرْشِ إلَى الثَّرَى»

стр. 694

كَذَا نُقِلَ عَنْ الْإِحْيَاءِ وَوَقَعَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. قَالَ الْمُنَاوِيُّ: وَإِلَيْهَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧] (طب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أُصِيبَ» فِعْلٌ مَجْهُولٌ «بِمُصِيبَةٍ فِي مَالِهِ أَوْ فِي نَفْسِهِ» ، وَلَوْ بِالْجَرْحِ «فَكَتَمَهَا» أَيْ أَخْفَاهَا صَبْرًا عَلَيْهَا وَطَلَبًا لِثَوَابِهَا «، وَلَمْ يَشْكُهَا لِأَحَدٍ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَغْفِرَ لَهُ» ، وَعَنْ الْبُدُورِ السَّافِرَةِ لِلسُّيُوطِيِّ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ فِي الْجَنَّةِ لَغُرَفًا لَيْسَ لَهَا مَعَالِيقُ مِنْ فَوْقِهَا، وَلَا عِمَادٌ مِنْ تَحْتِهَا قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَدْخُلُهَا أَهْلُهَا قَالَ يَدْخُلُونَهَا أَشْبَاهَ الطَّيْرِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَنْ قَالَ لِأَهْلِ الْأَسْقَامِ وَالْأَوْجَاعِ وَالْبَلْوَى» ثُمَّ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ لَا يُنَاقِضُهُ قَوْلُهُ ﵊ «فِي مَرَضِهِ وَارَأْسَاهُ» ، وَقَوْلُ سَعْدٍ قَدْ اشْتَدَّ بِي الْوَجَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ وَارَأْسَاهُ فَإِنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْإِخْبَارِ لَا الشَّكْوَى فَإِذَا حَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ أَخْبَرَ بِعِلَّتِهِ لَمْ يَكُنْ شَكْوَى بِخِلَافِ مَا لَوْ أَخْبَرَ بِهَا بِتَسَخُّطٍ مَثَلًا فَإِنَّ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ قَدْ يُثَابُ عَلَيْهَا وَقَدْ يُعَاقَبُ بِالنِّيَّةِ وَالْقَصْدِ، وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ أَيْضًا «مَنْ أُصِيبَ فِي جَسَدِهِ بِشَيْءٍ فَتَرَكَهُ لِلَّهِ كَانَ كَفَّارَةً لَهُ» . (دَيْلَم) الدَّيْلَمِيُّ (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ الْإِيمَانُ نِصْفَانِ نِصْفٌ صَبْرٌ وَنِصْفٌ شُكْرٌ» بِصَرْفِ كُلِّ نِعْمَةٍ إلَى مَا خُلِقَ لَهُ؛ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ بِالْمَعَارِفِ وَالْأَعْمَالِ هُوَ الْإِيمَانُ. وَحَاصِلُ التَّصْدِيقِ بِالْمَعَارِفِ الْيَقِينُ وَحَاصِلُ التَّصْدِيقِ بِالْأَعْمَالِ الصَّبْرُ إذْ لَا يُمْكِنُ تَرْكُ الْمَعْصِيَةِ وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَى الطَّاعَةِ إلَّا بِالصَّبْرِ، وَأَيْضًا رُبَّمَا يُطْلَقُ الْإِيمَانُ عَلَى الْأَحْوَالِ الْمُثْمِرَةِ لِلْأَعْمَالِ لَا الْمَعَارِفِ وَالْأَعْمَالُ إمَّا ضَارٌّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَوْ نَافِعٌ فِيهِمَا وَالصَّبْرُ فِي الْأَوَّلِ وَالشُّكْرُ فِي الثَّانِي. وَفِي الْحَدِيثِ «الصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ» فَيَكُونُ الصَّوْمُ رُبُعَ الْإِيمَانِ

стр. 695

(وَأَفْضَلُ الصَّبْرِ مَا عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى) أَيْ عِنْدَ فَوْرَةِ الْمُصِيبَةِ وَابْتِدَائِهَا قَبْلَ أَنْ يَحْصُلَ التَّسَلِّي بِشَيْءٍ مِنْ التَّسَلِّيَاتِ لِكَثْرَةِ الْمَشَقَّةِ حِينَئِذٍ، وَأَصْلُ الصَّدْمِ الضَّرْبُ فِي شَيْءٍ صُلْبٍ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ مَجَازًا فِي كُلِّ مَكْرُوهٍ وَوَقَعَ بَغْتَةً وَمَعْنَاهُ أَنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ قُوَّةِ الْمُصِيبَةِ أَشَدُّ فَالثَّوَابُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ فَإِنَّ بِطُولِ الْأَيَّامِ يَتَسَلَّى الْمُصَابُ فَيَصِيرُ الصَّبْرُ طَبْعًا، وَقَدْ بَشَّرَ اللَّهُ تَعَالَى - الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةً قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ -. وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ قِيلَ حُبِسَ الشِّبْلِيُّ وَقْتًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ فَقَالَ مَنْ أَنْتُمْ قَالُوا أَحِبَّاؤُك جَاءُوك زَائِرِينَ فَأَخَذَ يَرْمِيهِمْ بِالْحِجَارَةِ، وَأَخَذُوا يَهْرُبُونَ فَقَالَ يَا كَذَّابُونَ لَوْ كُنْتُمْ أَحِبَّائِي لَصَبَرْتُمْ عَلَى بَلَائِي. وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ الْقُدْسِيَّةِ «مَنْ يَتَحَمَّلُ مَا يَتَحَمَّلُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَجْلِي» ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ كُنْت بِمَكَّةَ فَرَأَيْت فَقِيرًا طَافَ بِالْبَيْتِ، وَأَخْرَجَ مِنْ جَيْبِهِ رُقْعَةً وَنَظَرَ فِيهَا وَمَرَّ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فَتَرَقَّبْته أَيَّامًا وَهُوَ يَفْعَلُ مِثْلَهُ فَيَوْمًا مِنْ الْأَيَّامِ طَافَ وَنَظَرَ فِي الرُّقْعَةِ وَتَبَاعَدَ قَلِيلًا وَسَقَطَ مَيِّتًا فَأَخْرَجْنَا الرُّقْعَةَ مِنْ جَيْبِهِ فَإِذَا فِيهَا - ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] ؛ وَلِمِثْلِ ذَلِكَ الْفَضْلِ كُلِّهِ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ الْمُصِيبَةُ وَاحِدَةٌ فَإِذَا جَزَعَ صَاحِبُهَا تَكُونُ ثِنْتَيْنِ إحْدَاهُمَا الْمُصِيبَةُ وَثَانِيَتُهُمَا ذَهَابُ أَجْرِ الْمُصِيبَةِ بَلْ الْمُصِيبَةُ هِيَ هَذَا لَا نَفْسُ الْمُصِيبَةِ. (خ م عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الصَّبْرُ» أَيْ الْكَامِلُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ الْجَزِيلُ «عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى» إذْ بَعْدَ ذَلِكَ يَهُونُ الْأَمْرُ وَتَنْكَسِرُ حِدَةُ الْمُصِيبَةِ فَإِنَّ مُفَاجَأَةَ الْمُصِيبَةِ بَغْتَةً بِهَا رَوْعَةٌ تُزْعِجُ الْقَلْبَ (وَالصَّبْرُ أَصْلُ كُلِّ عِبَادَةٍ) قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ فَإِنَّ مَبْنَى أَمْرِ الْعِبَادَةِ كُلِّهِ عَلَى الصَّبْرِ وَاحْتِمَالِ الْأَذَى فَمَنْ لَمْ يَكُنْ صَبُورًا لَمْ يَصِلْ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا بِالْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ قَصَدَ عِبَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَجَرَّدَ لَهَا اسْتَقْبَلَتْهُ الشَّدَائِدُ وَالْمَصَائِبُ مِنْ وُجُوهٍ أَوَّلُهَا لَا عِبَادَةَ إلَّا بِقَمْعِ الْهَوَى، وَقَهْرِ النَّفْسِ، وَلَا أَشَدَّ عَلَى النَّفْسِ مِنْ ذَلِكَ وَثَانِيهَا حِفْظُ عَمَلِهِ عَمَّا يُفْسِدُهُ وَاتِّقَاءُ الْعَمَلِ أَشَدُّ مِنْ الْعَمَلِ وَثَالِثُهَا مَنْ كَانَ فِي دَارِ الْمِحْنَةِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْمُصِيبَةِ نَفْسًا، وَأَوْلَادًا أَوْ أَقْرِبَاءَ، وَعِرْضًا وَغَيْرَهَا فَكُلُّهَا تُوجِبُ الصَّبْرَ، وَإِلَّا فَالْجَزَعُ يَمْنَعُ الْعِبَادَةَ وَرَابِعُهَا كُلَّمَا ازْدَادَ الْقُرْبَةَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَالْمَصَائِبُ لَهُ أَكْثَرُ وَالْبَلَاءُ عَلَيْهِ أَشَدُّ كَقَوْلِهِ ﵊ «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الشُّهَدَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ» فَإِذَنْ مَنْ تَجَرَّدَ لِلْعِبَادَةِ تَكْثُرُ عَلَيْهِ الْمِحَنُ ثُمَّ قَالَ فِي الصَّبْرِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: أَوَّلُهَا كَالنَّجَاةِ وَالنَّجَاحِ - ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]- الْآيَةَ أَيْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ بِالصَّبْرِ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا مِنْ الشَّدَائِدِ. وَثَانِيهَا: وَكَالظَّفَرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] . وَثَالِثُهَا: وَكَالظَّفَرِ بِالْمُرَادِ ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧] . وَرَابِعُهَا: وَكَالتَّقَدُّمِ عَلَى النَّاسِ وَالْإِمَامَةِ - ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤]-. وَخَامِسُهَا: وَكَالثَّنَاءِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: ٤٤] . وَسَادِسُهَا: وَكَالْبِشَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالرَّحْمَةِ ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧] . وَسَابِعُهَا: وَكَمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] . وَثَامِنُهَا: وَكَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي الْجَنَّةِ - ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥] . وَتَاسِعُهَا: وَكَالتَّكْرِمَةِ الْعَظِيمَةِ - ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] . وَعَاشِرُهَا: وَكَالثَّوَابِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِي - ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]- فَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى صَبْرِ سَاعَةٍ؛ وَلِذَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنْ الصَّبْرِ» ، وَقَالَ عُمَرُ ﵁ جَمِيعُ خَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي صَبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ. وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ

стр. 696

الصَّبْرُ مِفْتَاحُ مَا يُرْجَى ... وَكُلُّ خَيْرٍ بِهِ يَكُونُ اصْبِرْ وَإِنْ طَالَتْ اللَّيَالِي ... فَرُبَّمَا أَمْكَنَ الْحَرُونُ وَرُبَّمَا نِيلَ بِاصْطِبَارٍ ... مَا قِيلَ هَيْهَاتَ لَا يَكُونُ ثُمَّ قَالَ فَعَلَيْك بِاغْتِنَامِ هَذِهِ الْخَصْلَةِ الشَّرِيفَةِ وَبَذْلِ الْمَجْهُودِ فِيهَا تَكُنْ مِنْ الْفَائِزِينَ. (وَ) الصَّبْرُ أَيْضًا أَصْلُ كُلِّ (كَفٍّ عَنْ مَعْصِيَةٍ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ لَا تَكُونُ بِلَا صَبْرٍ عَلَى تَعَبِهَا، وَلَا يَحْتَرِزُ الْعَبْدُ مِنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ إلَّا بِالصَّبْرِ عَلَيْهَا خَوْفًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمًا لَهُ قِيلَ الصَّبْرُ ثَلَاثَةٌ: أَوَّلُهَا: أَنْ تَقْهَرَ دَوَاعِيَ الْهَوَى فَلَا يَبْقَى لَهُ قُوَّةُ الْمُنَازَعَةِ هَذَا لِلْمُقَرَّبِينَ. وَثَانِيهَا: أَنْ تَغْلِبَ دَوَاعِي الْهَوَى وَيَسْقُطَ بِالْكُلِّيَّةِ مُنَازَعَةُ بَاعِثِ الدِّينِ فَسَلَّمَ نَفْسَهُ إلَى جُنْدِ الشَّيْطَانِ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ الْغَافِلُونَ، وَهُمْ الَّذِينَ غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ شِقْوَتُهُمْ وَاسْتَرَقَّتْهُمْ شَهَوَاتُهُمْ، وَعَلَامَتُهَا الْقُنُوطُ وَالْغُرُورُ بِالْأَمَانِيِّ، وَهُوَ غَايَةُ الْحُمْقِ. وَثَالِثُهَا: أَنْ تَكُونَ الْحَرْبُ سِجَالًا بَيْنَ الْجُنْدَيْنِ فَتَارَةً لَهُ الْيَدُ عَلَيْهَا وَتَارَةً لَهَا عَلَيْهِ، وَهَذَا مِنْ الْمُجَاهِدِينَ لَا مِنْ الْفَائِزِينَ، وَهُمْ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا. (تَتِمَّةٌ) : قَالَ الْفَاضِلُ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ «إذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا ابْتَلَاهُ» لِيَسْمَعَ تَضَرُّعَهُ أَيْ تَذَلُّلَهُ وَمُبَالَغَتَهُ فِي السُّؤَالِ «فَإِذَا دَعَا قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ صَوْتٌ مَعْرُوفٌ وَقَالَ جِبْرِيلُ يَا رَبِّ اقْضِ حَاجَتَهُ فَيَقُولَ دَعُوا عَبْدِي فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ صَوْتَهُ» قَالَ الْغَزَالِيُّ؛ وَلِهَذَا الْمَعْنَى تَرَاهُ يُكْثِرُ ابْتِلَاءَ أَوْلِيَائِهِ، وَأَصْفِيَائِهِ الَّذِينَ هُمْ أَعَزُّ عِبَادِهِ، وَإِذَا رَأَيْت اللَّهَ يَحْبِسُ عَنْك الدُّنْيَا وَيُكْثِرُ عَلَيْك الشَّدَائِدَ وَالْبَلْوَى فَاعْلَمْ أَنَّك عَزِيزٌ عِنْدَهُ، وَأَنَّك عِنْدَهُ بِمَكَانٍ، وَأَنَّهُ لَيَسْلُكَ بِك طَرِيقَ أَوْلِيَائِهِ أَمَا تَسْمَعُ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]- بَلْ اعْرِفْ مِنَّتَهُ عَلَيْك فِيمَا يَحْفَظُ عَلَيْك مِنْ صَلَوَاتِك وَيُكْثِرُ مِنْ أُجُورِك وَثَوَابِك وَيُنْزِلُك مَنْزِلَ الْأَبْرَارِ. (تَنْبِيهٌ) : قَالَ الْعَارِفُ الْجِيلَانِيُّ التَّلَذُّذُ بِالْبَلَاءِ مِنْ مَقَامَاتِ الْعَارِفِينَ لَكِنْ لَا يُعْطِيهِ اللَّهُ لِعَبْدٍ إلَّا بَعْدَ بَذْلِهِ جَهْدَهُ فِي مَرْضَاتِهِ فَإِنَّ الْبَلَاءَ تَارَةً بِمُقَابَلَةِ جَرِيمَةٍ وَتَارَةً تَكْفِيرٌ وَتَارَةً رَفْعٌ لِلدَّرَجَاتِ وَتَبْلِيغُ الْمَنَازِلِ الْعَالِيَةِ؛ وَلِكُلٍّ مِنْهَا عَلَامَةٌ فَعَلَامَةُ الْأَوَّلِ عَدَمُ الصَّبْرِ عِنْدَ الْبَلَاءِ، وَكَثْرَةُ الْجَزَعِ وَالشَّكْوَى لِلْخَلْقِ، وَعَلَامَةُ الثَّانِي الصَّبْرُ، وَعَدَمُ الشَّكْوَى وَخِفَّةُ الطَّاعَاتِ عَلَى بَدَنِهِ، وَعَلَامَةُ الثَّالِثِ الرِّضَا وَالطُّمَأْنِينَةُ وَخِفَّةُ الْعَمَلِ عَلَى الْبَدَنِ وَالْقَلْبِ. اهـ. وَيَدُورُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ بِصَبِّ الْبَلَاءِ وَالْمَصَائِبِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» كَمَا فِي الْجَامِعِ. [الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ كُفْرَانُ النِّعْمَةِ] (الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ كُفْرَانُ النِّعْمَةِ) جُحُودُهَا وَسَتْرُهَا (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) - ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٢] جَمْعُ نِعْمَةٍ ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] أَجْرَى الْإِذَاقَةَ مَجْرَى الْحَقِيقَةِ لِشُيُوعِهَا فِي الشَّدَائِدِ وَاسْتَعَارَ اللِّبَاسَ لِمَا غَشِيَهُمْ وَاشْتَمَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ. قِيلَ عَنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَصَابَ أَهْلَ مَكَّةَ الْجُوعُ سَبْعَ سِنِينَ حَتَّى أَكَلُوا الْجِيَفَ وَالدَّمَ وَالْخَوْفُ مِنْ سَرَايَا النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُغِيرُونَ عَلَيْهِمْ وَمَعْنَى أَذَاقَهَا لِبَاسَ الْجُوعِ أَنَّ الْمَذُوقَ هُوَ الطَّعَامُ فَلَمَّا فَقَدُوهُ صَارُوا كَأَنَّهُمْ يَذُوقُونَ الْجُوعَ، وَأَيْضًا لَمَّا اسْتَوْلَى الْجُوعُ عَلَيْهِمْ أَحَاطَ بِهِمْ إحَاطَةَ الْمَلْبُوسِ فَحَصَلَ الشَّبَهَانِ فَذِكْرُ الْمَذُوقِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْجُوعَ طَعَامُهُمْ، وَاللِّبَاسِ إشَارَةٌ إلَى اشْتِمَالِهِ عَلَيْهِمْ (وَضِدُّهُ) أَيْ كُفْرَانُ النِّعْمَةِ (الشُّكْرُ، وَهُوَ تَعْظِيمُ الْمُنْعِمِ) بِذِكْرِ صِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ، وَأَفْعَالِهِ عَلَى طَرِيقِ الثَّنَاءِ (عَلَى مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ عَلَى حَدٍّ يَمْنَعُهُ عَنْ جَفَاءِ الْمُنْعِمِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ الْجَفَاءِ هُوَ عَدَمُ الرِّضَا وَالْخِذْلَانُ (وَقِيلَ مَعْرِفَةُ النِّعْمَةِ) مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا نِعْمَةً؛ لِأَنَّهَا مُوصِلَةٌ إلَى مَعْرِفَةِ مُنْعِمِهَا (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى)

стр. 697

﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] قِيلَ عِبَارَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِبَنِي إسْرَائِيلَ فَهَذِهِ الْأُمَّةُ أَوْلَى بِجَوَازِ السَّعَادَةِ. عَنْ الْبَيْضَاوِيِّ لَئِنْ شَكَرْتُمْ يَا بَنِي إسْرَائِيلَ مَا أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ مِنْ الْإِنْجَاءِ وَغَيْرِهِ بِالْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لَأَزِيدَنَّكُمْ نِعْمَةً، وَعَنْ ابْنِ عَطَاءٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَئِنْ شَكَرْتُمْ هِدَايَتِي لَأَزِيدَنَّكُمْ خِدْمَتِي، وَلَئِنْ شَكَرْتُمْ خِدْمَتِي لَأَزِيدَنَّكُمْ رُؤْيَتِي وَلَئِنْ شَكَرْتُمْ الْإِيمَانَ لَأَزِيدَنَّكُمْ الْإِحْسَانَ، وَلَئِنْ شَكَرْتُمْ الْإِحْسَانَ لَأَزِيدَنَّكُمْ الْمَعْرِفَةَ، وَلَئِنْ شَكَرْتُمْ الْمَعْرِفَةَ لَأَزِيدَنَّكُمْ الْوَصْلَةَ. وَعَنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ أَتَصْنَعُ هَذَا، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مِنْ ذَنْبِك مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ فَقَالَ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] قَالَ فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الشُّكْرِ مِنْ مَعْرِفَةِ مَا خُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ، وَكُلُّ ذَرَّةٍ لَا تَخْلُوا عَنْ حِكَمٍ كَثِيرَةٍ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى عَشْرٍ بَلْ إلَى أَلْفٍ فَمَنْ اسْتَعْمَلَ شَيْئًا فِيمَا خُلِقَ لَهُ مِنْ الْحِكَمِ صَارَ شُكْرًا، وَإِلَّا صَارَ كُفْرًا مَثَلًا الْيَدُ خُلِقَتْ لِيَدْفَعَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ مَا يُهْلِكُهُ وَيَأْخُذَ مَا يَنْفَعُهُ لَا لِيُهْلِكَ بِهَا غَيْرَهُ فَمَنْ ضَرَبَ بِيَدِهِ غَيْرَهُ فَقَدْ كَفَرَ نِعْمَةَ الْيَدِ، وَكَذَا لَوْ اسْتَنْجَى بِالْيَمِينِ فَقَدْ كَفَرَ مَا خُلِقَتْ لَهُ الْيَمِينُ، وَكَذَا الْبَصَرُ لِيَنْظُرَ مَا يَنْفَعُهُ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَيَتَّقِي مَا يَضُرُّ فِيهِمَا فَلَوْ نَظَرَ إلَى الْمُحَرَّمِ مَثَلًا فَكَفَرَ نِعْمَةَ الْإِبْصَارِ. وَكَذَا سَائِرُ الْأُمُورِ كَالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ كُفْرَانَ النِّعْمَةِ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَ كُلَّ نِعْمَةٍ فِيمَا خُلِقَتْ لَهُ قَالَ الْحَسَنُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - حَقِيقَةُ الشُّكْرِ أَنْ تُطِيعَ اللَّهَ بِجَمِيعِ جَوَارِحِك فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ فَشُكْرُ الْعَيْنِ أَنْ لَا تَنْظُرَ إلَى الْحَرَامِ، وَأَنْ تَسْتُرَ عَيْبًا تَرَاهُ لِصَاحِبِك وَشُكْرُ السَّمْعِ أَنْ لَا تَسْمَعَ إلَّا الْحَقَّ، وَأَنْ تَسْتُرَ عَيْبًا سَمِعْته وَشُكْرُ اللِّسَانِ أَنْ لَا تَكْذِبَ وَتَغْتَابَ وَشُكْرُ الْقَلْبِ أَنْ لَا تَغْفُلَ وَشُكْرُ الْيَدَيْنِ أَنْ لَا تَتَنَاوَلَ بِهِمَا الْحَرَامَ وَشُكْرُ الرِّجْلَيْنِ أَنْ لَا تَمْشِيَ بِهِمَا الْحَرَامَ وَشُكْرُ الْبَطْنِ أَنْ لَا تَأْكُلَ الْحَرَامَ وَشُكْرُ الْفَرْجِ أَنْ لَا تَزْنِيَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] قَالَ الْحَسَنُ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَحَقُّ النَّاسِ بِالنِّعَمِ أَشْكَرُهُمْ لَهَا وَنِعْمَةٌ لَا تُشْكَرُ خَطِيئَةٌ لَا تُغْفَرُ» . (ت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ بِمَنْزِلَةِ الصَّائِمِ الصَّابِرِ» أَشْكَلَ أَنَّ نَتِيجَةَ النَّعْمَاءِ الشُّكْرُ وَنَتِيجَةَ الْبَلَاءِ الصَّبْرُ فَلَا جَامِعَ بَيْنَهُمَا فَكَيْفَ يَصِحُّ التَّشْبِيهُ؟ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ نِصْفَ الْإِيمَانِ صَبْرٌ وَنِصْفَهُ الْآخَرَ شُكْرٌ فَقَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ الشُّكْرَ يَقْصُرُ عَنْ الصَّبْرِ فَكَيْفَ الْمُنَاصَفَةُ فَأُزِيلَ بِأَنَّهُمَا سِيَّانِ فِي الثَّوَابِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْأَصْلَ كَوْنُ وَجْهِ الشَّبَهِ قَوِيًّا فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ فَكَيْفَ يَدُلُّ عَلَى التَّسَاوِي عَلَى أَنَّ النُّصُوصَ أَنَّ الصَّبْرَ لَا يَعْدِلُهُ عَمَلٌ؟ . وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ الشَّاكِرَ لَمَّا رَأَى النِّعْمَةَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَصَبَّرَ نَفْسَهُ عَلَى مَحَبَّةِ الْمُنْعِمِ بِالْقَلْبِ، وَإِظْهَارِهَا بِاللِّسَانِ نَالَ دَرَجَةَ الصَّابِرِ قَالَ الْغَزَالِيُّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ الصَّبْرِ؛ لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي إلْحَاقِ الشُّكْرِ إلَيْهِ كَذَا فِي الْفَيْضِ أَقُولُ تَفْصِيلُهُ مَا فِي الْمِفْتَاحِ أَنَّهُ قَالَ بَعْضُهُمْ الصَّبْرُ أَفْضَلُ مِنْ الشُّكْرِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِالْعَكْسِ، وَقَالَ آخَرُونَ سِيَّانِ، وَقَالَ آخَرُونَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ. اعْلَمْ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الْأَخْبَارِ أَفْضَلِيَّةُ الصَّبْرِ؛ لِأَنَّهُ حَالُ الْفَقْرِ وَالشُّكْرَ حَالُ الْغِنَى إلَّا أَنَّ أَهْلَ التَّحْقِيقِ يُفَصِّلُ ذَلِكَ بِأَنَّ الْعُلُومَ الظَّاهِرَةَ تُرَادُ لِلْأَحْوَالِ وَالْأَحْوَالُ لِلْأَعْمَالِ، وَأَمَّا الْعُلُومُ الْبَاطِنَةُ فَإِنَّمَا تُرَادُ الْأَحْوَالُ لِأَجْلِهَا وَالْأَعْمَالُ لِأَجْلِ الْأَحْوَالِ فَأَفْضَلُ الْكُلِّ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا يُتَوَسَّلُ إلَيْهَا بِأَحْوَالِ الْقَلْبِ فِي تَصْفِيَتِهِ عَنْ الْمُكَدِّرَاتِ ثُمَّ الْأَعْمَالُ إمَّا أَنْ تُظْلِمَ

стр. 698

الْقَلْبَ أَوْ تُنَوِّرُهُ ثُمَّ الطَّاعَاتُ وَالْمَعَاصِي مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ مَثَلًا مَنْ غَلَبَهُ الشُّحُّ فَلَيْسَ لَهُ صَوْمُ النَّافِلَةِ بَلْ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ لَهُ أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِ النَّافِلَةِ، وَكَذَا مَنْ غَلَبَتْهُ شَهْوَةُ الْبَطْنِ فَلَهُ الصَّوْمُ دُونَ إخْرَاجِ الْمَالِ ثُمَّ قَالَ الصَّبْرُ وَالشُّكْرُ قَدْ يَجْتَمِعَانِ كَمَا ذُكِرَ، وَقَدْ يُغَايَرَانِ فَإِنْ كَانَتْ النِّعْمَةُ ضَرُورِيَّةً كَالْعَمَى فَصَبْرُهُ لَمْ يَشْكُ وَيَرْضَى بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا الْبَصِيرُ الْمُسْتَعْمِلُ فِي طَاعَتِهِ فَقَدْ شَكَرَ وَصَبَرَ عَلَى طَاعَتِهِ، وَكَذَا إنْ كَفَّ عَنْ الْحَرَامِ فَقَدْ شَكَرَ وَصَبَرَ أَيْضًا عَنْ الْحَرَامِ فَالْأَعْمَى فِيهِ فَضِيلَةُ الصَّبْرِ فَقَطْ، وَفِي الْبَصِيرِ الْمُتَّقِي عَنْ الْحَرَامِ أَوْ الْمُسْتَعْمِلِ فِي الطَّاعَةِ فَضِيلَةُ الشُّكْرِ وَالصَّبْرِ فَالْبَصِيرُ أَفْضَلُ مِنْ الْأَعْمَى وَالْأَعْمَى أَفْضَلُ مِنْ الْبَصِيرِ الْغَيْرِ الْغَاضِّ بَصَرَهُ عَنْ الْحَرَامِ، وَإِنْ كَانَتْ النِّعْمَةُ غَيْرَ ضَرُورِيَّةٍ، وَلَمْ تَكُنْ فَاضِلَةً عَنْ الْحَاجَةِ فَفِي الصَّبْرِ عَنْ الزِّيَادَةِ مُجَاهَدَةٌ، وَهَذَا الصَّبْرُ أَتَمُّ، وَأَقْوَى مِنْ صَبْرِ الْغَنِيَّ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمُبَاحِ وَيُمْسِكُ مَالَهُ عَنْ الْفُقَرَاءِ، وَأَمَّا الْغَنِيُّ الَّذِي يَصْرِفُ مَالَهُ إلَى الْخَيْرَاتِ فَفِيهِ الشُّكْرُ وَالصَّبْرُ وَمَجْمُوعُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ كَانَ صَبْرُ الْفَقِيرِ أَفْضَلَ مِنْ جِهَةِ صَبْرِ هَذَا الْغَنِيِّ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالْفَقِيرُ الصَّابِرُ أَفْضَلُ مِنْ الْغَنِيِّ الصَّابِرِ فَقَطْ وَمِنْ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ الْغَنِيُّ الصَّابِرُ الشَّاكِرُ أَفْضَلَ مِنْ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ فَقَطْ وَمَا قِيلَ الْغَنِيُّ الشَّاكِرُ أَفْضَلُ مِنْ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ فَذَلِكَ لِعَدَمِ انْفِكَاكِ الشُّكْرِ عَنْ الصَّبْرِ وَمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ مِنْ فَضِيلَةِ الصَّبْرِ عَلَى الشُّكْرِ فَإِنَّمَا هُوَ فَضِيلَةٌ عَلَى الشُّكْرِ بِحَسَبِ مُتَفَاهَمِ عُرْفِ الْعَامَّةِ مِنْ أَنَّ النِّعْمَةَ الْمَالُ فَقَطْ. (حَدّ) أَحْمَدُ (عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) الْأَنْصَارِيِّ أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ لِلْأَنْصَارِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ لَمْ يَشْكُرْ الْقَلِيلَ لَمْ يَشْكُرْ الْكَثِيرَ وَمَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرْ اللَّهَ» تَعَالَى يَعْنِي أَنَّ الشُّكْرَ لِمَنْ وَصَلَ الْغِنَى مِنْ يَدِهِ بِالْمُكَافَآتِ أَوْ الدُّعَاءِ لَهُ بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَاجِبٌ كَشُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَأْمُورِ بِهِ بِنَاءً عَلَى كَوْنِهِ سَبَبًا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ لِوُصُولِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ الْمُنْعِمُ حَقِيقَةً هُوَ اللَّهُ تَعَالَى قِيلَ فِي وَجْهِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ مَعَ مَا يَرَى مِنْ حِرْصِهِمْ عَلَى حُبِّ الثَّنَاءِ عَلَى الْإِحْسَانِ فَأَوْلَى بِأَنْ يَتَهَاوَنَ فِي شُكْرِ مَنْ يَسْتَوِي عِنْدَهُ الشُّكْرَانُ وَالْكُفْرَانُ. وَإِنَّمَا أُذِنَ لِلنَّاسِ فِي الشُّكْرِ مَعَ أَنَّ النِّعَمَ كُلَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ مَقْصُورَةٌ لَهُ تَعَالَى لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْثِيرِ الْأُلْفَةِ وَالْمَحَبَّةِ، وَفِي رِوَايَةٍ «لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ» رُوِيَ بِرَفْعِ اللَّهِ وَالنَّاسِ وَنَصْبِهِمَا وَرَفْعِ أَحَدِهِمَا وَنَصْبِ الْآخَرِ (وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى شُكْرٌ لَهُ تَعَالَى وَتَرْكُهَا) أَيْ النِّعْمَةِ (كُفْرٌ) أَيْ كُفْرَانُ نِعْمَةٍ أَوْ سَتْرٌ وَتَغْطِيَةٌ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]- فَإِنَّ التَّحْدِيثَ بِهَا شُكْرٌ. قَالَ فِي الْقُشَيْرِيَّةِ الشُّكْرُ إمَّا بِاللِّسَانِ، وَهُوَ الِاعْتِرَافُ بِالنِّعْمَةِ، وَإِمَّا بِالْبَدَنِ وَالْأَرْكَانِ، وَهُوَ اتِّصَافٌ بِالْوِفَاقِ وَالْخِدْمَةِ، وَإِمَّا بِالْقَلْبِ وَهُوَ اعْتِكَافُهُ عَلَى بِسَاطِ الشُّهُودِ بِإِدَامَةِ حِفْظِ الْحُرْمَةِ (وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ) أَيْ لُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ مُوصِلٌ إلَى الرَّحْمَةِ - ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]- وَقِيلَ أَيْ الصَّلَاةُ مَعَهُمْ أَوْ اتِّبَاعُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَقِيلَ الِاجْتِمَاعُ عَلَى الْحَقِّ (وَالْفُرْقَةُ) بِالضَّمِّ عَلَى الِاحْتِمَالَاتِ السَّابِقَةِ (عَذَابٌ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى جَمَعَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى

стр. 699

مَعْرِفَةٍ وَاحِدَةٍ وَشَرِيعَةٍ وَاحِدَةٍ لِيَأْلَفَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي اللَّهِ وَبِاَللَّهِ فَيَكُونُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى عَدُوِّهِمْ فَمَنْ انْفَرَدَ عَنْ حِزْبِ الرَّحْمَنِ انْفَرَدَ بِهِ الشَّيْطَانُ، وَأَوْقَعَهُ فِي النِّيرَانِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْحَقُّ مَعَ الْجَمَاعَةِ الْأُولَى مِنْ الصَّحْبِ، وَعَنْ الْبَيْهَقِيّ إذَا فَسَدَ الْجَمَاعَةُ فَعَلَيْك بِمَا كَانُوا قَبْلُ، وَإِنْ كُنْت وَحْدَك فَإِنَّك إذًا هُوَ الْجَمَاعَةُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» فَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَافُ الْأُمَّةِ الْكَامِلَةِ، وَهُمْ الْمُجْتَهِدُونَ فِي اجْتِهَادِهِمْ، وَقِيلَ يَدْخُلُ فِيهِ اخْتِلَافُ أَرْبَابِ الصَّنَائِعِ وَالْحِرَفِ، وَفِي حَدِيثِ الْمَصَابِيحِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى «أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَمَنْ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي، وَلَمْ يَشْكُرْ نَعْمَائِي، وَلَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي فَلْيَطْلُبْ رَبًّا سِوَايَ» . وَعَنْ الْإِحْيَاءِ شَكَا بَعْضُهُمْ مِنْ فَقْرِهِ إلَى بَعْضِ أَرْبَابِ الْقُلُوبِ فَقَالَ لَهُ أَيَسُرُّك أَنَّك أَعْمَى، وَلَك عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ قَالَ لَا قَالَ أَيَسُرُّك أَنَّك أَخْرَسُ، وَلَك عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ قَالَ لَا قَالَ أَيَسُرُّك أَنَّك أَقْطَعُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ ثُمَّ كَذَا، وَكَذَا قَالَ لَا فَقَالَ أَمَّا تَسْتَحْيِي أَنْ تَشْكُوَ مَوْلَاك، وَلَهُ عِنْدَك عُرُوضٌ بِخَمْسِينَ أَلْفًا. وَفِي الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ قَالَ عَطَاءٌ دَخَلْت عَلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «فَقُلْت أَخْبِرِينَا بِأَعْجَبِ مَا رَأَيْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَكَتْ، وَقَالَتْ، وَأَيُّ شَأْنِهِ لَمْ يَكُنْ عَجَبًا أَنَّهُ أَتَانِي فِي لَيْلَةٍ فَدَخَلَ مَعِي فِي فِرَاشِي حَتَّى مَسَّ جِلْدِي جِلْدَهُ ثُمَّ قَالَ يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ لِرَبِّي قُلْت إنِّي أُحِبُّ قُرْبَك فَأَذِنْت لَهُ فَقَامَ إلَى قِرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ فَأَكْثَرَ صَبَّ الْمَاءِ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَبَكَى حَتَّى سَالَتْ دُمُوعُهُ عَلَى صَدْرِهِ ثُمَّ رَكَعَ فَبَكَى ثُمَّ سَجَدَ فَبَكَى ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَبَكَى فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى جَاءَ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُبْكِيك، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؛ وَلِمَ لَا أَفْعَلُ، وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] » الْآيَةَ. [التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ السُّخْطُ وَالتَّضَجُّرُ] (التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ السُّخْطُ) أَيْ غَضَبُ الْعَبْدِ (بِعَدَمِ حُصُولِ الْمُرَادِ وَهُوَ) أَيْ السُّخْطُ (ذِكْرُ غَيْرِ مَا قَضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى) فِيمَا مَنَعَ مِنْهُ (بِأَنَّهُ) أَيْ غَيْرُ الْمَقْضِيِّ. الْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّكْرِ (أَوْلَى بِهِ، وَأَصْلَحُ لَهُ) الضَّمِيرُ أَنَّ لِلْعَبْدِ أَوْ الذِّكْرِ (فِيمَا لَا يَسْتَيْقِنُ صَلَاحَهُ، وَفَسَادَهُ) فِي أَمْرِ الدِّينِ أَوْ الدُّنْيَا (وَالتَّضَجُّرُ) عَطْفٌ عَلَى الذِّكْرِ (بِمَا قَضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى) أَيْ الْمَقْضِيُّ بِمَا لَا يُلَائِمُ مِزَاجَهُ (وَضِدُّهُ) أَيْ السُّخْطِ (الرِّضَا) بِالْمَقْصُورَةِ وَالْمَمْدُودَةِ كَمَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ قِيلَ مِنْ سَهْوِ النَّاسِخِ (وَهُوَ) أَيْ الرِّضَا (طِيبُ النَّفْسِ فِيمَا يُصِيبُهُ، وَفِيمَا يَفُوتُهُ) لِاسْتِوَاءِ الْحَالَيْنِ عِنْدَهُ لِإِيمَانِهِ بِالْقَدْرِ (مَعَ عَدَمِ التَّغَيُّرِ) لِلْعِلْمِ بِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ صُنْعٍ حِكْمَةً يَتَعَجَّبُ الْعَاقِلُ مِنْ سِرِّهَا كَمَا فِي قِصَّةِ مُوسَى وَالْخَضِرِ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَإِذَا عَلِمَ السَّالِكُ هَذَا غَلَبَ الْحُبُّ عَلَى الْإِحْسَاسِ بِالْأَلَمِ كَمَا لِلْمَرِيضِ وَالتَّاجِرِ الْمُتَحَمِّلَيْنِ شِدَّةَ الْحِجَامَةِ وَالسَّفَرِ (وَالتَّسْلِيمُ لِلَّهِ تَعَالَى) عَطْفٌ عَلَى الرِّضَا (وَهُوَ) أَيْ التَّسْلِيمُ (الِانْقِيَادُ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى) بِالظَّاهِرِ (وَتَرْكُ الِاعْتِرَاضِ) بِالْبَاطِنِ (فِيمَا لَا يُلَائِمُ طَبْعَهُ) مِنْ الْمُنَافِرَاتِ كَمَا قِيلَ الْفَقْرُ بَلَاءٌ وَمِحْنَةٌ وَالْعِيَالُ هَمٌّ وَتَعَبٌ وَالِاحْتِرَافُ كَدٌّ وَمَشَقَّةٌ كُلُّ ذَلِكَ قَادِحٌ فِي الرِّضَا بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّمَ التَّدْبِيرُ لِمُدَبِّرِهِ وَالْمَمْلَكَةُ لِمَالِكِهَا كَمَا قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا أُبَالِي أَصْبَحْت غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَإِنِّي لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا خَيْرٌ لِي كَذَا نُقِلَ عَنْ الْإِحْيَاءِ. (طك) الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ (حب) ابْنُ حِبَّانَ (عَنْ أَبِي هِنْدَ الدَّارِيِّ) قِيلَ هُوَ يَزِيدُ، وَقِيلَ غَيْرُهُ لَكِنْ قَالَ الْمُنَاوِيُّ اسْمُهُ بِرُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَزِينٍ صَحَابِيٌّ سَكَنَ فِلَسْطِينَ، وَأَخُو تَمِيمٍ الدَّارِيِّ لِأُمِّهِ قَالَ الْعِرَاقِيُّ إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا لِأَنَّ فِيهِ

стр. 700

سَعْدَ بْنَ زِيَادٍ قَالَ الذَّهَبِيُّ مَتْرُوكٌ (أَنَّهُ قَالَ ﵊ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى «مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي» لَا الْمَقْضِيِّ إذْ قَدْ يَكُونُ الرِّضَا بِهِ كُفْرًا كَالرِّضَا بِالْكُفْرِ كَمَا فِي الِاعْتِقَادِيَّةِ وَالْكَلَامِيَّةِ «، وَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي فَلْيَلْتَمِسْ رَبًّا سِوَايَ» فَإِنَّ شَأْنَ الرَّبِّ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي عَبْدِهِ مَا يَشَاءُ فَإِذَا لَمْ يَرْضَ بِقَضَائِهِ، وَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِرُبُوبِيَّتِهِ فِي حَقِّهِ. قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الْغَزَالِيِّ كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ هَذَا لَا يَرْضَانَا رَبًّا حَتَّى سَخِطَ فَلْيَتَّخِذْ رَبًّا آخَرَ يَرْضَاهُ، وَلَيْسَ فِي السُّخْطِ إلَّا الْهَمُّ وَالضَّجَرُ فِي الْحَالِ وَالْوِزْرُ وَالْعُقُوبَةُ فِي الْمَآلِ إذْ لَا يَنْصَرِفُ الْقَضَاءُ بِالْهَلَعِ وَالْجَزَعِ كَمَا قِيلَ مَا قَدْ قَضَى يَا نَفْسُ فَاصْطَبِرِي لَهُ ... وَلَك الْأَمَانُ مِنْ الَّذِي لَمْ يُقَدَّرْ وَتَيَقُّنِي أَنَّ الْمُقَدَّرَ كَائِنٌ ... حَتْمٌ عَلَيْك صَبَرْت أَمْ لَمْ تَصْبِرِي فَتَرْكُ التَّسْلِيمِ إضَاعَةُ ثَوَابِ الصَّابِرِينَ - وَاخْتِيَارُ الْخُسْرَانِ الْمُبِينِ - فَمَنْ رَضِيَ بِمَكْرُوهِ الْبَلَاءِ تَلَذَّذَ بِالْبَلَاءِ. فَإِنْ قِيلَ الشَّرُّ وَالْمَعْصِيَةُ بِقَضَائِهِ تَعَالَى فَكَيْفَ الرِّضَا بِهِ - قُلْنَا الرِّضَا إنَّمَا يَلْزَمُ بِالْقَضَاءِ، وَقَضَاءُ الشَّرِّ لَيْسَ بِشَرٍّ بَلْ الشَّرُّ الْمَقْضِيُّ وَلَعَلَّك سَمِعْت فِي الِاعْتِقَادِ تَفْصِيلَهُ ثُمَّ قَالَ قَالُوا وَالْمَقْضِيَّاتُ أَرْبَعَةٌ نِعْمَةٌ وَشِدَّةٌ وَخَيْرٌ وَشَرٌّ فَالنِّعْمَةُ يَجِبُ الرِّضَا فِيهَا بِالْقَاضِي وَالْقَضَاءِ وَالْمَقْضِيِّ وَيَجِبُ عَلَيْهِ ذِكْرُ الْمِنَّةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ وَفَّقَهُ وَالشَّرُّ يَجِبُ فِيهِ الرِّضَا بِالْقَاضِي وَالْقَضَاءِ وَالْمَقْضِيِّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَقْضِيٌّ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ شَرٌّ. (تَنْبِيهٌ) : قَالَ فِي شَرْحِ الْعَوَارِفِ «أَوَّلُ مَا كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى فِي اللَّوْحِ إنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي، وَلَمْ يَشْكُرْ نَعْمَائِي، وَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي فَلْيَطْلُبْ رَبًّا سِوَايَ» قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي، وَقَدَرِي فَلْيَلْتَمِسْ رَبًّا غَيْرِي» قَالَ شَارِحُهُ فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَرْضَى وَيَشْكُرَ فَإِنَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِمَصْلَحَةِ عَبْدِهِ، وَأَيُّ شَيْءٍ يَنْفَعُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ غَدًا يَشْكُرُ عَلَى الْبَلَايَا كَمَا يَشْكُرُ الصَّبِيُّ بَعْدَ الْبُلُوغِ عَلَى تَأْدِيبِ مُؤَدِّبِهِ وَضَرْبِهِ فَإِنَّ الْبَلَاءَ تَأْدِيبٌ مِنْ اللَّهِ، وَعَنْ التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا أَعْرَابِيُّ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ فَقَالَ إلَى أَيْنَ فَقَالَ إبْرَاهِيمُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَقَالَ كَأَنَّك مَجْنُونٌ لَا أَرَى لَك مَرْكَبًا، وَلَا زَادًا وَالسَّفَرُ طَوِيلٌ فَقَالَ إبْرَاهِيمُ إنَّ لِي مَرَاكِبَ كَثِيرَةً، وَلَكِنْ لَا تَرَاهَا فَقَالَ مَا هِيَ فَقَالَ إذَا نَزَلَتْ عَلَيَّ بَلِيَّةٌ رَكِبْت مَرْكَبَ الصَّبْرِ، وَإِذَا نَزَلَتْ عَلَيَّ نِعْمَةٌ رَكِبْت مَرْكَبَ الشُّكْرِ، وَإِذَا نَزَلَ بِي الْقَضَاءُ رَكِبْت مَرْكَبَ الرِّضَا، وَإِذَا دَعَتْنِي النَّفْسُ إلَى شَيْءٍ عَلِمْت أَنَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْعُمُرِ أَقَلُّ مِمَّا مَضَى فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ سِرْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنْتَ الرَّاكِبُ، وَأَنَا الرَّاجِلُ. قَالَ فِي الْقُشَيْرِيَّةِ: اعْلَمْ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَكَادُ يَرْضَى عَنْ الْحَقِّ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَرْضَى عَنْهُ الْحَقُّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨] قَالَ تِلْمِيذٌ لِشَيْخِهِ إذَا وَجَدْت قَلْبِي رَاضِيًا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلِمْت أَنَّهُ رَاضٍ عَنِّي فَقَالَ الشَّيْخُ أَحْسَنْت يَا غُلَامُ، وَقِيلَ: قَالَ مُوسَى ﵊ إلَهِي دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إذَا عَمِلْته رَضِيتَ عَنِّي فَقَالَ لَهُ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ فَخَرَّ مُوسَى سَاجِدًا مُتَضَرِّعًا فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ يَا ابْنَ عِمْرَانَ إنَّ رِضَايَ فِي رِضَاك بِقَضَائِي. (حك عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ فَلْيَنْظُرْ مَنْزِلَةَ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهُ» قِيلَ حَاصِلُهُ إنْ كَانَ الْعَبْدُ رَاضِيًا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فَاَللَّهُ رَاضٍ عَنْهُ فَلْيَنْظُرْ مَنْزِلَةَ اللَّهِ مِنْهُ

стр. 701

(فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْزِلُ الْعَبْدَ مِنْهُ حَيْثُ أَنْزَلَهُ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ) فَمَنْزِلَةُ اللَّهِ عِنْدَ الْعَبْدِ فِي قَلْبِهِ عَلَى قَدْرِ مَعْرِفَتِهِ إيَّاهُ وَعِلْمِهِ بِهِ، وَإِجْلَالِهِ وَتَعْظِيمِهِ وَالْخَوْفِ مِنْهُ، وَإِقَامَةِ الْحُرْمَةِ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَالْوُقُوفِ عِنْدَ أَحْكَامِهِ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وَنَفْسٍ مُطْمَئِنَّةٍ وَالتَّسْلِيمِ لَهُ بَدَنًا وَرُوحًا، وَقَلْبًا وَمُرَاقَبَةِ تَدْبِيرِهِ فِي أُمُورِهِ، وَلُزُومِ ذِكْرِهِ وَالنُّهُوضِ بِأَثْقَالِ نِعَمِهِ وَمَنِّهِ وَتَرْكِ مَشِيئَتِهِ لِمَشِيئَتِهِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِهِ وَالنَّاسُ فِي ذَلِكَ دَرَجَاتٌ وَحُظُوظُهُمْ بِقَدْرِ حُظُوظِهِمْ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَأَوْفَرُهُمْ حَظًّا مِنْهَا أَعْظَمُهُمْ دَرَجَةً عِنْدَهُ، وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ. وَعَنْ ابْنِ عَطَاءٍ إذَا أَرَدْت أَنْ تَعْرِفَ مَقَامَك عِنْدَهُ فَانْظُرْ مَا أَقَامَك فِيهِ، وَعَنْ بَعْضِ الْعَارِفِينَ إذَا أَرَدْت أَنْ تَعْرِفَ قَدْرَك عِنْدَهُ فَانْظُرْ فِيمَا يُقِيمُك مَتَى رَزَقَك الطَّاعَةَ. وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ مَا قِيلَ: حَاصِلُهُ إنْ كَانَ الْعَبْدُ رَاضِيًا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا فَعَلَ فَاَللَّهُ رَاضٍ عَنْهُ (وَالشُّرُورُ وَالْمَعَاصِي مَقْضِيَّانِ لَا قَضَاءً) كَأَنَّهُ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ وَرَدَ عَلَى قَوْلِهِ وَضِدُّهُ الرِّضَا إلَخْ. حَاصِلُهُ إذَا أُلْزِمَ الرِّضَاءُ بِالْقَضَاءِ لَزِمَ الرِّضَا بِالشُّرُورِ وَالْمَعَاصِي وَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ وَبِالْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ لُزُومُ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَالشُّرُورُ وَالْمَعَاصِي مَقْضِيَّانِ لَا قَضَاءَانِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ (فَلَا يُرَادُ أَنَّ الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ وَبِالْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ) . [الْأَرْبَعُونَ التَّعْلِيقُ ذِكْرُ قِوَامِ بِنْيَتِك عَنْ شَيْءٍ] (الْأَرْبَعُونَ التَّعْلِيقُ، وَهُوَ ذِكْرُ قِوَامِ بِنْيَتِك عَنْ شَيْءٍ) مُتَعَلِّقٍ بِالذِّكْرِ (دُونَ اللَّهِ تَعَالَى) يَعْنِي أَنَّ التَّعْلِيقَ تَعْلِيقُ الْخَاطِرِ بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْأَشْيَاءِ فِيمَا يُقِيمُ بِهِ الْبِنْيَةَ وَرَبْطُ النَّفْسِ بِذَلِكَ كَالطَّعَامِ وَالدَّوَاءِ وَالْمَسْكَنِ وَالْمَلْبَسِ (وَضِدُّهُ) أَيْ التَّعْلِيقِ (التَّوَكُّلُ، وَهُوَ ذِكْرُ قِوَامِ بَدَنِك عَنْ اللَّهِ تَعَالَى) لَا مَدْخَلَ فِيهِ لِغَيْرِهِ. اعْلَمْ أَنَّ التَّوَكُّلَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَكَالَةِ، وَهِيَ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ إلَى الْغَيْرِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِيهِ وَيُسَمَّى الْمَوْكُولُ إلَيْهِ وَكِيلًا وَالْمُفَوِّضُ مُتَّكِلًا وَمُتَوَكِّلًا فَالتَّوَكُّلُ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى الْوَكِيلِ وَحْدَهُ (وَقِيلَ كِلَةُ الْأَمْرِ) عَلَى وَزْنِ عِدَةٍ وَزِنَةٍ مِنْ وَكَلَ أَيْ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ (كُلِّهِ إلَى مَالِكِهِ وَالتَّعْوِيلُ عَلَى، وَكَالَتِهِ، وَقِيلَ تَرْكُ السَّعْيِ فِيمَا لَا يَسَعُهُ قُدْرَةُ الْبَشَرِ أَعْنِي الْمُسَبِّبَاتِ فَلَا يَضُرُّهُ السَّعْيُ فِي الْأَسْبَابِ) الْعَادِيَةِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧] فَإِنَّهُ هُوَ الرَّزَّاقُ إذْ الِابْتِغَاءُ إنَّمَا يَكُونُ بِتَشَبُّثِ الْأَسْبَابِ ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] أَيْ كَافِيهِ فَفِيهِ تَعْوِيلٌ عَلَى وَكَالَتِهِ تَعَالَى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة: ٢٣] أَيْ فَوِّضُوا الْأَمْرَ إلَيْهِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الدَّقَّاقِ التَّوَكُّلُ رَدُّ الْعَيْشِ إلَى يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَإِسْقَاطُهُمْ غَدٌ. وَعَنْ سَهْلٍ هُوَ الِاسْتِرْسَالُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يُرِيدُ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخَرَّازِ هُوَ أَنْ يَسْتَوِيَ عِنْدَك الْإِكْثَارُ وَالتَّقَلُّلُ، وَعَنْ ابْنِ مَسْرُوقٍ هُوَ الِاسْتِسْلَامُ لِجَرَيَانِ الْقَضَاءِ وَالْأَحْكَامِ، وَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ هُوَ الِاكْتِفَاءُ بِاَللَّهِ مَعَ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ هُوَ الْأَكْلُ بِلَا طَمَعٍ، وَقِيلَ هُوَ

стр. 702

الثِّقَةُ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ وَالْيَأْسُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَقِيلَ هُوَ فَرَاغُ السِّرِّ عَنْ التَّفَكُّرِ لِلتَّقَاضِي فِي طَلَبِ الرِّزْقِ. (طب عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمْ يَتَوَكَّلْ مَنْ اسْتَرْقَى» الرُّقْيَةُ مَا يُقْرَأُ مِنْ الدُّعَاءِ وَآيَاتِ الْقُرْآنِ لِطَلَبِ الشِّفَاءِ «أَوْ اكْتَوَى» مِنْ الْكَيِّ (وَتَأْوِيلُهُ سَبَقَ) لَعَلَّ الْمُرَادَ نَفْيُ كَمَالِ التَّوَكُّلِ أَوْ مَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِقَادِ تَأْثِيرِ الشِّفَاءِ، وَإِلَّا فَقَدْ سَبَقَ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ جَوَازُهُمَا، وَكَوْنُهُمَا مِنْ الْأَسْبَابِ الْمَوْهُومَةِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كَمَا فِي الْحِصْنِ أَنَّهُ يُرْقَى الْمَعْتُوهُ بِالْفَاتِحَةِ، وَأَيْضًا اللَّدِيغُ بِالْفَاتِحَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَغَيْرُهُمَا وَوَقَعَ فِي الْفَتَاوَى، وَأَمَّا أَخْذُ الْأُجْرَةِ فَظَاهِرُ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَلَى الْجَوَازِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى التَّأْوِيلِ. قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة بَيْعُ التَّعَاوِيذِ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَخْذُ الْمَالِ لَا يَحِلُّ، وَإِنْ قَالَ إنِّي أَدْفَعُ هَدِيَّةً وَفِي بُسْتَانِ أَبِي اللَّيْثِ إنَّ الْأَخْبَارَ الْوَارِدَةَ فِي النَّهْيِ عَنْ التَّدَاوِي وَالرُّقَى مَنْسُوخَةٌ إلَخْ (ت عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ تَوَكُّلِهِ» ، وَهُوَ كَمَالُ التَّوَكُّلِ إذْ الْمُتَوَكِّلُ ثَلَاثَةٌ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ حَالُهُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى كَحَالِ الطِّفْلِ فِي حَقِّ أُمِّهِ إذْ لَا يَعْرِفُ غَيْرَهَا، وَلَا يَفْزَعُ إلَى سِوَاهَا، وَلَا يَعْتَمِدُ إلَّا إيَّاهَا، وَإِنْ نَابَهُ مُرٌّ فِي غَيْبَتِهَا لَا يَسْبِقُ إلَى لِسَانِهِ إلَّا يَا أُمَّاهُ، وَإِذَا غَضِبَتْ عَلَيْهِ أُمُّهُ لَا يَفْزَعُ إلَّا إلَيْهَا. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حَالُهُ كَصَبِيٍّ مُمَيِّزٍ وَثِقَ بِكَفَالَةِ أُمِّهِ وَشَفَقَتِهَا، وَلَا يَطْلُبُ مِنْهَا شَيْئًا، وَلَا يَخْطِرُ فِي قَلْبِهِ إلَّا أُمُّهُ دُونَ ضَمَانِهَا، وَكَفَالَتِهَا لَهُ. الثَّالِثُ: وَهُوَ أَعْلَاهُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ مِثْلَ الْمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيْ الْغَاسِلِ، وَهَذَا الْمَقَامُ يُثْمِرُ تَرْكَ الدُّعَاءِ وَالسُّؤَالِ مِنْهُ ثِقَةً بِكَرَمِهِ وَيَنْفِي التَّدْبِيرَ رَأْسًا وَالثَّانِي يُثْمِرُ تَرْكَ السُّؤَالِ دُونَ الدُّعَاءِ وَيَنْفِي كُلَّ تَدْبِيرٍ إلَّا الدُّعَاءَ وَالْأَوَّلُ يُثْمِرُ تَرْكَ السُّؤَالِ مِنْ غَيْرِهِ فَقَطْ، وَلَا يَنْفِي أَصْلَ التَّدْبِيرِ بَلْ بَعْضَ التَّدْبِيرَاتِ وَالْأَوَّلُ مُمْكِنُ الْوُجُودِ وَالْأَخِيرَانِ نَادِرَانِ، وَلَوْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا لَا يَدُومُ كَذَا فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ فَحَقُّ التَّوَكُّلِ الثَّالِثُ أَوْ الْأَخِيرُ إنْ مُطْلَقًا لَكِنْ قَوْلُهُ «لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ» شَامِلٌ لِلْأَوَّلِ أَيْضًا إلَّا أَنْ يُرَادَ مِنْ حَقِّ التَّوَكُّلِ حَقِيقَتُهُ الشَّامِلَةُ لِلْكُلِّ ثُمَّ بَيَّنَ رِزْقَ الطَّيْرِ بِقَوْلِهِ «تَغْدُو» تُصْبِحُ «خِمَاصًا» جِيَاعًا «وَتَرُوحُ بِطَانًا» شِبَاعًا فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّعْطِيلَ لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ التَّوَكُّلِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّوَسُّلِ وَالِاكْتِسَابِ؛ لِأَنَّ مَرْزُوقِيَّةَ الطَّيْرِ بِالسَّعْيِ وَالطَّلَبِ فَالْمَعْنَى لَوْ تَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ فِي حَرَكَاتِهِمْ، وَعَلِمُوا أَنَّ الْخَيْرَ بِيَدِهِ لَمْ يَنْصَرِفُوا إلَّا غَانِمِينَ سَالِمِينَ كَالطَّيْرِ لَكِنْ اعْتَمَدُوا عَلَى قُوَّتِهِمْ وَكَسْبِهِمْ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ

стр. 703

مَحَلُّ التَّوَكُّلِ الْقَلْبُ وَالْحَرَكَةُ بِالظَّاهِرِ لَا تُنَافِيهِ وَاعْلَمْ أَنَّ عَمَلَ الْعَبْدِ إمَّا جَلْبُ نَفْعٍ مَفْقُودٍ أَوْ حِفْظُ نَفْعٍ مَوْجُودٍ أَوْ دَفْعُ ضُرٍّ لَمْ يَنْزِلْ أَوْ قَطْعُ ضُرٍّ نَزَلَ فَسَبَبُ جَلْبِ النَّفْعِ إمَّا مَقْطُوعٌ كَمَدِّ الْيَدِ إلَى الطَّعَامِ فَتَرْكُ مِثْلِهِ جَهْلٌ وَحُمْقٌ لَا تَوَكُّلٌ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ تَعَالَى لَا مِنْ الْيَدِ وَالْأَسْنَانِ أَوْ مَظْنُونٌ كَزَادِ مَنْ سَافَرَ الْبَرَارِيَّ فَتَرْكُهُ لَيْسَ مِنْ التَّوَكُّلِ عِنْدَ الْمُتَوَسِّطِينَ، وَإِنْ جَائِزًا عِنْدَ الْخَوَاصِّ أَوْ مَوْهُومٌ كَالرُّقْيَةِ وَالطِّيَرَةِ وَالْكَيِّ فَتَرْكُهُ تَوَكُّلٌ وَمُبَاشَرَتُهُ تُخِلُّ بِالتَّوَكُّلِ ثُمَّ الْمُتَوَكِّلُونَ إمَّا خَوَاصُّ فَهُمْ يَتْرُكُونَ أَكْثَرَ الْقَطْعِيَّةِ كَتَرْكِهِمْ الزَّادَ عِنْدَ سِيَاحَةِ الْبَرَارِيِّ، وَإِمَّا مُتَوَسِّطُونَ كَالتَّقَاعُدِ عَنْ الْكَسْبِ فِي الْمِصْرِ ثِقَةً بِكِفَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِمَّا عَوَامُّ يَكْتَسِبُونَ وَلَكِنْ لَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى الْكَسْبِ فَصَاحِبُ الْعِيَالِ يَتَرَجَّحُ لَهُ هَذَا الْقِسْمُ عَلَى الَّذِي فَوْقَهُ كَمَا اكْتَسَبَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَعْدَمَا بُويِعَ بِالْخِلَافَةِ، وَأَيْضًا الْمُتَجَرِّدُ عَنْ الْعِيَالِ إنْ اسْتَشْرَفَتْ نَفْسُهُ إلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ فَالْكَسْبُ لَهُ أَفْضَلُ (أَشَارَ النَّبِيُّ ﵊ إلَى أَنَّ حَقَّ التَّوَكُّلِ) الْمَطْلُوبَ مِنْ التَّوَكُّلِ (وَأَعْلَى كَمَالِهِ أَنْ لَا يُجَاوِزَ طَلَبُ الرِّزْقِ كِفَايَةَ الْيَوْمِ) بَدَلٌ مِنْ الرِّزْقِ (إلَى كِفَايَةِ الْغَدِ) مُتَعَلِّقٌ بِأَنْ لَا يُجَاوِزَ (وَلَا يَدَّخِرَهُ لَهُ) أَيْ لِلْغَدِ (فَيُحْمَلُ هَذَا) أَيْ عَدَمُ الِادِّخَارِ لِلْغَدِ (عَلَى حَقِّ نَفْسِهِ لَا) عَلَى حَقٍّ (فِي عِيَالِهِ إذْ ثَبَتَ) صَحَّ «ادِّخَارُهُ ﵊ لِأَزْوَاجِهِ قُوتَ سَنَةٍ» وَالْأَصْلُ فِي فِعْلُهُ أَنْ يَكُونَ شَرْعًا لَنَا إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلُ كَوْنِهِ خَاصًّا بِهِ خِلَافًا لِمَنْ عَكَسَ وَمَعَ ادِّخَارِهِ لَهُنَّ كَانَ يُنْفِقُ مِنْهُ فِي الْبِرِّ. وَتَفْصِيلُهُ أَنَّ التَّوَكُّلَ تَرْكُ الِادِّخَارِ وَذَلِكَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِقَصْرِ الْأَمَلِ، وَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ يَوْمٌ، وَلَيْلَةٌ فَمَا دُونَهُ، وَأَكْثَرُهَا عُمُرُ الْإِنْسَانِ وَبَيْنَهُمَا دَرَجَاتٌ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَدَّخِرَ أَصْلًا ثُمَّ كُلَّمَا قَلَّ ادِّخَارُهُ كَثُرَ فَضْلُهُ هَذَا لِمَنْ لَا يَلْتَفِتُ إلَّا إلَى الْوَكِيلِ الْحَقِّ، وَإِلَّا فَالِادِّخَارُ أَفْضَلُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَجَرُّدُ الْقُلُوبِ لِذِكْرِ اللَّهِ وَرُبَّ شَخْصٍ شَغَلَهُ وُجُودُ قُوتٍ وَرُبَّ شَخْصٍ شَغَلَهُ عَدَمُهُ هَذَا حُكْمُ الْمُنْفَرِدِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الْعِيَالِ فَلَهُ ادِّخَارُ قُوتِ سَنَةٍ وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلتَّوَكُّلِ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ تَتَكَرَّرُ عِنْدَ تَكَرُّرِ السِّنِينَ فَادِّخَارُ مَا يَزِيدُ عَلَيْهِ سَبَبُهُ ضَعْفُ الْقَلْبِ وَالْمُتَوَكِّلُ مُوَحِّدٌ قَوِيُّ الْقَلْبِ مُطْمَئِنُّ النَّفْسِ إلَى فَضْلِ اللَّهِ وَاثِقٌ بِتَدْبِيرِهِ دُونَ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ وَقَدْ ادَّخَرَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعِيَالِهِ قُوتَ سَنَةٍ لِيُبَيِّنَ ذَلِكَ لِضُعَفَاءِ أُمَّتِهِ وَكَيْفَ لَا، وَقَدْ نَهَى بِلَالًا عَنْ الِادِّخَارِ فِي كِسْرَةِ خُبْزٍ ادَّخَرَهَا لِيُفْطِرَ عَلَيْهَا فَقَالَ «أَنْفِقْ يَا بِلَالُ، وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إقْلَالًا» وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ «أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ الضُّعَفَاءِ فَإِنَّ الْغَرَضَ فَرَاغُ الْقَلْبِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ أَمْكَنَ بِالْعَزِيمَةِ أَوْ بِالرُّخْصَةِ فَالنَّاسُ فِيهِ مُخْتَلِفٌ. (حب) ابْنُ حِبَّانَ (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ ﵊ «إنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ» ، وَفِي الْجَامِعِ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ أَكْثَرُ مِمَّا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ أَيْ مَا قُدِّرَ لَهُ مِنْ الرِّزْقِ يَأْتِيهِ أَلْبَتَّةَ فَتَجَاوُزُ الْحَدِّ فِي طَلَبِهِ وَالِانْهِمَاكُ لِشَأْنِهِ وَالْحِرْصُ عَلَى اسْتِزَادَتِهِ لَا يُنْتِجُ إلَّا شُغْلَ الْقُلُوبِ عَنْ خِدْمَةِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ وَالْعَمَى عَنْ مَرْتَبَةِ الْعُبُودِيَّةِ وَسُوءَ الظَّنِّ بِالْحَضْرَةِ الرَّازِقَةِ قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ اجْتِهَادُك فِيمَا ضُمِنَ لَك وَتَقْصِيرُك فِيمَا طُلِبَ مِنْك دَلِيلٌ عَلَى انْطِمَاسِ بَصِيرَتِك. (حب هق عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى تَمْرَةً غَابِرَةً» دَاخِلَةً فِي التُّرَابِ مُتَلَطِّخَةً «فَأَخَذَهَا فَنَاوَلَهَا سَائِلًا فَقَالَ أَمَا» بِالتَّخْفِيفِ حَرْفُ اسْتِفْتَاحٍ «إنَّك لَوْ لَمْ تَأْتِهَا لَأَتَتْك» عَلَى حُكْمِ الْقِسْمَةِ الْأَزَلِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا رِزْقُك الَّذِي سَاقَهُ اللَّهُ لَك فَإِنْ قِيلَ ظَاهِرُهُ لُزُومُ التَّقَاعُدِ عَنْ

стр. 704

مُبَاشَرَةِ الْأَسْبَابِ؛ لِأَنَّ رِزْقَك يَأْتِيك عِنْدَ عَدَمِ إتْيَانِك إلَيْهِ قُلْنَا أُجِيبَ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَهْيٍ عَنْ الْأَسْبَابِ بَلْ عَنْ الرُّكُونِ إلَيْهَا وَتَحْرِيضٌ عَلَى الِاعْتِمَادِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْجَنَانِ. أَقُولُ يَجُوزُ كَوْنُهُ مِنْ الْخَوَاصِّ الَّذِينَ لَهُمْ تَوَكُّلٌ تَامٌّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَعَنْ ابْنِ الْمَلَكِ وَحُكِيَ أَنَّ فَرْخَ الْغُرَابِ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بَيْضَتِهِ يَكُونُ أَبْيَضَ اللَّوْنِ فَيُنْكِرُهُ الْغُرَابُ فَيَتْرُكُهُ وَيَذْهَبُ وَيَبْقَى الْفَرْخُ جَائِعًا فَيُرْسِلُ اللَّهُ إلَيْهِ الذُّبَابَ وَالنَّمْلَةَ فَيَلْتَقِطُهَا إلَى أَنْ يَكْبَرَ قَلِيلًا وَيَسْوَدَّ فَيَرْجِعُ الْغُرَابُ فَيَرَاهُ أَسْوَدَ فَيَضُمُّهُ إلَى نَفْسِهِ فَيَصِلُ إلَيْهِ الرِّزْقُ بِلَا سَعْيٍ حُكِيَ أَنَّ حَاتِمًا الْأَصَمَّ رَأَى رَجُلًا يَعْدُو فَقَالَ مَا تَطْلُبُ قَالَ أَطْلُبُ رِزْقِي قَالَ أَتَدْرِي أَيْنَ هُوَ قَالَ لَا قَالَ فَإِنْ اسْتَقْبَلَك تَعْرِفُهُ قَالَ لَا قَالَ حَاتِمٌ مَا رَأَيْت أَعْجَبَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ يَعْدُو فِي طَلَبِ شَيْءٍ لَا يَدْرِي أَيْنَ هُوَ، وَإِنْ اسْتَقْبَلَهُ لَا يَعْرِفُهُ يَا هَذَا إنَّك لَمْ تُؤْمَرْ بِطَلَبِ الرِّزْقِ، وَلَكِنْ الرِّزْقُ أُمِرَ بِطَلَبِك، وَإِنَّك لَا تَعْرِفُهُ فِي نِصْفِ النَّهَارِ، وَهُوَ يَعْرِفُك فِي نِصْفِ اللَّيْلِ أَيْ كَرِيمِي كه أزخزانه غَيْب كبر وَتُرْسًا وَظِيفه خوار دارى دوستانرا كجا كنى مَحْرُوم توكه بادشمنان نَظَرٌ دارى. (ت عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَعْقِلُهَا» عَلَى التَّكَلُّمِ أَيْ أَرْبِطُ يَدَهَا بِالْعَقْلِ «، وَأَتَوَكَّلُ» فِي حِفْظِهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْعِقَالِ يَعْنِي يَكُونُ تَوَكُّلِي عَلَى اللَّهِ بِالْعِقَالِ لَا بِدُونِهِ «أَوْ أُطْلِقُهَا» أَيْ أَتْرُكُهَا فَلَا أَعْقِلُهَا «، وَأَتَوَكَّلُ» عَلَى اللَّهِ فِي حِفْظِهَا وَالْمُرَادُ بِالسُّؤَالِ أَيَفْعَلُ السَّبَبَ أَمْ يَتْرُكُهُ «قَالَ اعْقِلْهَا» احْبِسْهَا بِالْعَقْلِ امْتِثَالًا لِلْحِكْمَةِ الْعَلِيَّةِ «وَتَوَكَّلْ» يَعْنِي اجْمَعْ بَيْنَهُمَا فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى وُجُوبِ الْمُبَاشَرَةِ بِالْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ (فَالْأَوَّلَانِ) أَيْ حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي أَنَّ الرِّزْقَ يَطْلُبُ الْعَبْدَ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي التَّمْرَةِ الْغَائِرَةِ (مَحْمُولَانِ عَلَى) وُجُوبِ (اعْتِقَادِ الْقَدَرِ) أَيْ عَلَى أَنَّ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ رِزْقًا لِعَبْدِهِ يَطْلُبُهُ، وَلَا يَتَجَاوَزُ غَيْرَهُ أَلْبَتَّةَ إمَّا لِمُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِشَيْءٍ آخَرَ (وَ) الْحَدِيثُ (الْأَخِيرُ) حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الْعَقْلِ وَالتَّوَكُّلِ (عَلَى التَّمَسُّكِ بِالسَّبَبِ الْمَأْمُورِ بِهِ) بِالْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ كَالتَّدَاوِي

стр. 705

وَالِاكْتِوَاءِ وَمُعَاطَاةِ أَسْبَابِ الْمَعِيشَةِ (فَلَا مُنَافَاةَ) بَيْنَ الْأَحَادِيثِ أَوْ نَقُولُ الْأَوَّلَانِ لِلْخَوَاصِّ وَالْأَخِيرُ لِلْعَوَامِّ إذْ حَالُهُ ﵊ بِالْخَوَاصِّ غَيْرُ حَالِهِ بِالْعَوَامِّ؛ وَلِهَذَا تَرَى حَالَ الصَّالِحِينَ أَكْثَرَ فِي التَّفْوِيضِ. قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ عَنْ بَعْضِ الصَّالِحِينَ إنَّهُ كَانَ فِي الْبَادِيَةِ فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطَانُ بِأَنَّك مُتَجَرِّدٌ، وَهَذِهِ بَادِيَةٌ لَا عُمْرَانَ فِيهَا، وَلَا نَاسَ فَعَزَمَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَمْضِيَ عَلَى تَجَرُّدِهِ، وَأَنْ يَتْرُكَ الطَّرِيقَ حَتَّى لَا يُقْعِدَهَا بِأَحَدٍ، وَلَا يَأْكُلَ شَيْئًا حَتَّى يُجْعَلَ فِي فِيهِ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ ثُمَّ عَدَلَ عَنْ الشَّارِعِ وَمَرَّ عَلَى وَجْهِهِ قَالَ ﵀ فَسِرْت مَا شَاءَ اللَّهُ فَإِذَا بِقَافِلَةٍ قَدْ ضَلَّتْ الطَّرِيقَ فَلَمَّا أَبْصَرْتهمْ رَمَيْت بِنَفْسِي إلَى الْأَرْضِ لَعَلَّهُمْ لَا يُبْصِرُونَنِي فَسَيَّرَهُمْ اللَّهُ حَتَّى وَقَفُوا عَلَيَّ فَغَمَّضْت عَيْنِي فَدَنَوْا مِنِّي، وَقَالُوا هَذَا مُنْقَطِعٌ قَدْ غُشِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ فَهَاتُوا سَمْنًا وَعَسَلًا نَجْعَلُهُ فِي فِيهِ لَعَلَّهُ يُفِيقُ فَأَتَوْا بِعَسَلٍ وَسَمْنٍ فَسَدَدْت فَمِي وَأَسْنَانِي فَأَتَوْا بِسِكِّينٍ فَعَالَجُوا فَمِي حَتَّى فَتَحُوا فَضَحِكْت، وَفَتَحْتُ فَايَ فَقَالُوا أَنْتَ مَجْنُونٌ فَأَخْبَرْتهمْ الْقِصَّةَ، وَفِي الْمِنْهَاجِ أَيْضًا، وَعَنْ بَعْضِ مَشَايِخِنَا كُنْت مُتَجَرِّدًا فِي مَسْجِدٍ فَوَسْوَسَ إلَيَّ الشَّيْطَانُ بِأَنَّ هَذَا مَسْجِدٌ بَعِيدٌ مِنْ النَّاسِ، وَلَوْ صِرْت إلَى مَسْجِدٍ بَيْنَ النَّاسِ لَزَارَك أَهْلُهُ، وَقَامُوا بِكِفَايَتِك فَعَهِدْت عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا آكُلَ شَيْئًا إلَّا الْحَلْوَى، وَلَا آكُلَهُ حَتَّى يُوضَعَ فِي فِي لُقْمَةً لُقْمَةً وَصَلَّيْت، وَأَغْلَقْت الْبَابَ فَلَمَّا مَضَى صَدْرٌ مِنْ اللَّيْلِ إذَا أَنَا بِإِنْسَانٍ يَدُقُّ الْبَابَ وَمَعَهُ سِرَاجٌ فَلَمَّا أَكْثَرَ الدَّقَّ فَتَحْت الْبَابَ فَإِذَا بِعَجُوزٍ قَدْ دَخَلَتْ فَوَضَعَتْ بَيْنَ يَدَيْ طَبَقًا مِنْ الْخَبِيصِ، وَقَالَتْ هَذَا الشَّابُّ، وَلَدِي صَنَعْت لَهُ هَذَا الْخَبِيصَ وَجَرَى مِنِّي كَلَامٌ فَحَلَفْت أَنْ لَا يَأْكُلَ حَتَّى يَأْكُلَ مَعَهُ رَجُلٌ غَرِيبٌ فَكُلْ رَحِمَك اللَّهُ فَأَخَذَتْ تَضَعُ فِي فَمِي لُقْمَةً، وَفِي فَمِ وَلَدِهَا لُقْمَةً. فَفِي أَمْثَالِهِمَا فَوَائِدُ أَنَّ الرِّزْقَ لَا يَفُوتُ مَنْ قُدِّرَ لَهُ وَالتَّوَكُّلَ أَمْرٌ مُهِمٌّ لَازِمٌ وَلِلشَّيْطَانِ فِيهِ غَوَائِلُ لَا يَتَخَلَّصُ مِنْ غَائِلَتِهِ الْمُنْتَهِي فَضْلًا عَنْ الْمُبْتَدِئِ (فَظَهَرَ أَنَّ مُبَاشَرَةَ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ) الْعَادِيَةِ (الْمَظْنُونَةِ الْوُصُولِ إلَى الْمُسَبِّبَاتِ لَا تَنَافِي التَّوَكُّلَ) بِشَرْطِ عَدَمِ اعْتِقَادِ التَّأْثِيرِ لِتِلْكَ الْأَسْبَابِ الْعَادِيَّةِ لِاخْتِلَافِ دَاعِيهِمَا وَمَحَلِّهِمَا إذْ دَاعِي الْأَوَّلِ الْيَقِينُ وَمَحَلُّهُ الْبَاطِنُ وَدَاعِي الثَّانِي عَدَمُ الْيَقِينِ وَمَحَلُّهُ الظَّاهِرُ (أَصْلًا) لَا فِي أَصْلِهِ، وَلَا فِي كَمَالِهِ لَعَلَّ فِي الْأَخِيرِ نَوْعُ خَفَاءٍ يُعْرَفُ بِالرُّجُوعِ إلَى نَحْوِ مَا ذُكِرَ آنِفًا (فَلِذَا فُرِضَ الْكَسْبُ) لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «طَلَبُ الْكَسْبِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» كَمَا أَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ كَمَا فِي التتارخانية (لِلْمُحْتَاجِ) ، وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا حَاصِلُهُ هُوَ فَرْضٌ عَلَى قَدْرِ مَا يَقُومُ بِهِ صَلْبُ نَفْسِهِ أَوْ عِيَالِهِ وَالزَّائِدُ عَلَيْهِ مُبَاحٌ إذَا لَمْ يُرِدْ الْفَخْرَ ثُمَّ كُلُّ الْكَسْبِ مُبَاحٌ خِلَافًا لِمَنْ جَعَلَ الزِّرَاعَةَ مَذْمُومَةً وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ التِّجَارَةِ، وَأَمَّا الِاكْتِسَابُ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ فَإِنْ تَعَيَّنَ لَيْسَ لَهُ أَجْرٌ خِلَافًا لِحَفْرِ الْقَبْرِ وَحَمْلِ الْمَيِّتِ، وَأَمَّا أَجْرُ ضَرْبِ الطَّبْلِ فَإِنْ لِلْغُزَاةِ وَالْقَافِلَةِ جَازَ، وَإِنْ لِلَّهْوِ لَا وَضَابِطُهُ كُلُّ مَا أُخِذَ بِمُقَابَلَةِ الْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ فَيَجِبُ الرَّدُّ أَوْ التَّصَدُّقُ إنْ لَمْ يُعْرَفْ وَمَا تَأْخُذُهُ النَّائِحَةُ وَالْمُغَنِّي وَنَحْوُهُمَا بِالرِّضَا وَبِلَا عَقْدٍ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَمَا جُمِعَ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ وَمِنْ الْغَرَامَاتِ فَلَا يُؤْكَلُ دِيَانَةً وَيَسَعُ حُكْمًا إنْ لَمْ يَكُنْ عَيْنَ الْمَغْصُوبِ وَالرِّشْوَةِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. (وَلَوْ سُؤَالًا) ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ الْمَكَاسِبِ حَتَّى لَوْ مَاتَ وَلَمْ يَسْأَلْ يَأْثَمُ وَمَا فِي التتارخانية عَنْ الْيَنَابِيعِ وَمَا جَمَعَ السَّائِلُ مِنْ الْمَالِ فَهُوَ خَبِيثٌ فَعِنْدَ عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ (وَ) وَجَبَ (الْأَكْلُ لِدَفْعِ الْهَلَاكِ) فَلَوْ امْتَنَعَ عَنْ الْأَكْلِ حَتَّى مَاتَ دَخَلَ النَّارَ بِخِلَافِ الْمَرِيضِ الْمُمْتَنِعِ مِنْ التَّدَاوِي (وَأُمِرَ بِأَخْذِ الْحَذَرِ) مِنْ الْعَدُوِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى «خُذُوا حِذْرَكُمْ» (وَالسِّلَاحِ) «خُذُوا أَسْلِحَتَكُمْ» ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ سَيِّدُ الْمُتَوَكِّلِينَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ وَتَحَصَّنَ مِنْ الْعَدُوِّ فِي الْخَنْدَقِ لِعَدَمِ تَنَافِيهِ التَّوَكُّلَ لِكَوْنِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمَظْنُونَةِ.
следующие страницы →