← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21654

بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية

محمد الخادمي

Полный текст (1 189 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

(فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْزِلُ الْعَبْدَ مِنْهُ حَيْثُ أَنْزَلَهُ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ) فَمَنْزِلَةُ اللَّهِ عِنْدَ الْعَبْدِ فِي قَلْبِهِ عَلَى قَدْرِ مَعْرِفَتِهِ إيَّاهُ وَعِلْمِهِ بِهِ، وَإِجْلَالِهِ وَتَعْظِيمِهِ وَالْخَوْفِ مِنْهُ، وَإِقَامَةِ الْحُرْمَةِ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَالْوُقُوفِ عِنْدَ أَحْكَامِهِ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وَنَفْسٍ مُطْمَئِنَّةٍ وَالتَّسْلِيمِ لَهُ بَدَنًا وَرُوحًا، وَقَلْبًا وَمُرَاقَبَةِ تَدْبِيرِهِ فِي أُمُورِهِ، وَلُزُومِ ذِكْرِهِ وَالنُّهُوضِ بِأَثْقَالِ نِعَمِهِ وَمَنِّهِ وَتَرْكِ مَشِيئَتِهِ لِمَشِيئَتِهِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِهِ وَالنَّاسُ فِي ذَلِكَ دَرَجَاتٌ وَحُظُوظُهُمْ بِقَدْرِ حُظُوظِهِمْ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَأَوْفَرُهُمْ حَظًّا مِنْهَا أَعْظَمُهُمْ دَرَجَةً عِنْدَهُ، وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ. وَعَنْ ابْنِ عَطَاءٍ إذَا أَرَدْت أَنْ تَعْرِفَ مَقَامَك عِنْدَهُ فَانْظُرْ مَا أَقَامَك فِيهِ، وَعَنْ بَعْضِ الْعَارِفِينَ إذَا أَرَدْت أَنْ تَعْرِفَ قَدْرَك عِنْدَهُ فَانْظُرْ فِيمَا يُقِيمُك مَتَى رَزَقَك الطَّاعَةَ. وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ مَا قِيلَ: حَاصِلُهُ إنْ كَانَ الْعَبْدُ رَاضِيًا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا فَعَلَ فَاَللَّهُ رَاضٍ عَنْهُ (وَالشُّرُورُ وَالْمَعَاصِي مَقْضِيَّانِ لَا قَضَاءً) كَأَنَّهُ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ وَرَدَ عَلَى قَوْلِهِ وَضِدُّهُ الرِّضَا إلَخْ. حَاصِلُهُ إذَا أُلْزِمَ الرِّضَاءُ بِالْقَضَاءِ لَزِمَ الرِّضَا بِالشُّرُورِ وَالْمَعَاصِي وَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ وَبِالْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ لُزُومُ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَالشُّرُورُ وَالْمَعَاصِي مَقْضِيَّانِ لَا قَضَاءَانِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ (فَلَا يُرَادُ أَنَّ الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ وَبِالْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ) . [الْأَرْبَعُونَ التَّعْلِيقُ ذِكْرُ قِوَامِ بِنْيَتِك عَنْ شَيْءٍ] (الْأَرْبَعُونَ التَّعْلِيقُ، وَهُوَ ذِكْرُ قِوَامِ بِنْيَتِك عَنْ شَيْءٍ) مُتَعَلِّقٍ بِالذِّكْرِ (دُونَ اللَّهِ تَعَالَى) يَعْنِي أَنَّ التَّعْلِيقَ تَعْلِيقُ الْخَاطِرِ بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْأَشْيَاءِ فِيمَا يُقِيمُ بِهِ الْبِنْيَةَ وَرَبْطُ النَّفْسِ بِذَلِكَ كَالطَّعَامِ وَالدَّوَاءِ وَالْمَسْكَنِ وَالْمَلْبَسِ (وَضِدُّهُ) أَيْ التَّعْلِيقِ (التَّوَكُّلُ، وَهُوَ ذِكْرُ قِوَامِ بَدَنِك عَنْ اللَّهِ تَعَالَى) لَا مَدْخَلَ فِيهِ لِغَيْرِهِ. اعْلَمْ أَنَّ التَّوَكُّلَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَكَالَةِ، وَهِيَ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ إلَى الْغَيْرِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِيهِ وَيُسَمَّى الْمَوْكُولُ إلَيْهِ وَكِيلًا وَالْمُفَوِّضُ مُتَّكِلًا وَمُتَوَكِّلًا فَالتَّوَكُّلُ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى الْوَكِيلِ وَحْدَهُ (وَقِيلَ كِلَةُ الْأَمْرِ) عَلَى وَزْنِ عِدَةٍ وَزِنَةٍ مِنْ وَكَلَ أَيْ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ (كُلِّهِ إلَى مَالِكِهِ وَالتَّعْوِيلُ عَلَى، وَكَالَتِهِ، وَقِيلَ تَرْكُ السَّعْيِ فِيمَا لَا يَسَعُهُ قُدْرَةُ الْبَشَرِ أَعْنِي الْمُسَبِّبَاتِ فَلَا يَضُرُّهُ السَّعْيُ فِي الْأَسْبَابِ) الْعَادِيَةِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: ١٧] فَإِنَّهُ هُوَ الرَّزَّاقُ إذْ الِابْتِغَاءُ إنَّمَا يَكُونُ بِتَشَبُّثِ الْأَسْبَابِ ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] أَيْ كَافِيهِ فَفِيهِ تَعْوِيلٌ عَلَى وَكَالَتِهِ تَعَالَى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة: ٢٣] أَيْ فَوِّضُوا الْأَمْرَ إلَيْهِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الدَّقَّاقِ التَّوَكُّلُ رَدُّ الْعَيْشِ إلَى يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَإِسْقَاطُهُمْ غَدٌ. وَعَنْ سَهْلٍ هُوَ الِاسْتِرْسَالُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يُرِيدُ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخَرَّازِ هُوَ أَنْ يَسْتَوِيَ عِنْدَك الْإِكْثَارُ وَالتَّقَلُّلُ، وَعَنْ ابْنِ مَسْرُوقٍ هُوَ الِاسْتِسْلَامُ لِجَرَيَانِ الْقَضَاءِ وَالْأَحْكَامِ، وَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ هُوَ الِاكْتِفَاءُ بِاَللَّهِ مَعَ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ هُوَ الْأَكْلُ بِلَا طَمَعٍ، وَقِيلَ هُوَ

стр. 702

الثِّقَةُ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ وَالْيَأْسُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَقِيلَ هُوَ فَرَاغُ السِّرِّ عَنْ التَّفَكُّرِ لِلتَّقَاضِي فِي طَلَبِ الرِّزْقِ. (طب عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمْ يَتَوَكَّلْ مَنْ اسْتَرْقَى» الرُّقْيَةُ مَا يُقْرَأُ مِنْ الدُّعَاءِ وَآيَاتِ الْقُرْآنِ لِطَلَبِ الشِّفَاءِ «أَوْ اكْتَوَى» مِنْ الْكَيِّ (وَتَأْوِيلُهُ سَبَقَ) لَعَلَّ الْمُرَادَ نَفْيُ كَمَالِ التَّوَكُّلِ أَوْ مَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِقَادِ تَأْثِيرِ الشِّفَاءِ، وَإِلَّا فَقَدْ سَبَقَ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ جَوَازُهُمَا، وَكَوْنُهُمَا مِنْ الْأَسْبَابِ الْمَوْهُومَةِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كَمَا فِي الْحِصْنِ أَنَّهُ يُرْقَى الْمَعْتُوهُ بِالْفَاتِحَةِ، وَأَيْضًا اللَّدِيغُ بِالْفَاتِحَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَغَيْرُهُمَا وَوَقَعَ فِي الْفَتَاوَى، وَأَمَّا أَخْذُ الْأُجْرَةِ فَظَاهِرُ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَلَى الْجَوَازِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى التَّأْوِيلِ. قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة بَيْعُ التَّعَاوِيذِ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَخْذُ الْمَالِ لَا يَحِلُّ، وَإِنْ قَالَ إنِّي أَدْفَعُ هَدِيَّةً وَفِي بُسْتَانِ أَبِي اللَّيْثِ إنَّ الْأَخْبَارَ الْوَارِدَةَ فِي النَّهْيِ عَنْ التَّدَاوِي وَالرُّقَى مَنْسُوخَةٌ إلَخْ (ت عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ تَوَكُّلِهِ» ، وَهُوَ كَمَالُ التَّوَكُّلِ إذْ الْمُتَوَكِّلُ ثَلَاثَةٌ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ حَالُهُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى كَحَالِ الطِّفْلِ فِي حَقِّ أُمِّهِ إذْ لَا يَعْرِفُ غَيْرَهَا، وَلَا يَفْزَعُ إلَى سِوَاهَا، وَلَا يَعْتَمِدُ إلَّا إيَّاهَا، وَإِنْ نَابَهُ مُرٌّ فِي غَيْبَتِهَا لَا يَسْبِقُ إلَى لِسَانِهِ إلَّا يَا أُمَّاهُ، وَإِذَا غَضِبَتْ عَلَيْهِ أُمُّهُ لَا يَفْزَعُ إلَّا إلَيْهَا. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حَالُهُ كَصَبِيٍّ مُمَيِّزٍ وَثِقَ بِكَفَالَةِ أُمِّهِ وَشَفَقَتِهَا، وَلَا يَطْلُبُ مِنْهَا شَيْئًا، وَلَا يَخْطِرُ فِي قَلْبِهِ إلَّا أُمُّهُ دُونَ ضَمَانِهَا، وَكَفَالَتِهَا لَهُ. الثَّالِثُ: وَهُوَ أَعْلَاهُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ مِثْلَ الْمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيْ الْغَاسِلِ، وَهَذَا الْمَقَامُ يُثْمِرُ تَرْكَ الدُّعَاءِ وَالسُّؤَالِ مِنْهُ ثِقَةً بِكَرَمِهِ وَيَنْفِي التَّدْبِيرَ رَأْسًا وَالثَّانِي يُثْمِرُ تَرْكَ السُّؤَالِ دُونَ الدُّعَاءِ وَيَنْفِي كُلَّ تَدْبِيرٍ إلَّا الدُّعَاءَ وَالْأَوَّلُ يُثْمِرُ تَرْكَ السُّؤَالِ مِنْ غَيْرِهِ فَقَطْ، وَلَا يَنْفِي أَصْلَ التَّدْبِيرِ بَلْ بَعْضَ التَّدْبِيرَاتِ وَالْأَوَّلُ مُمْكِنُ الْوُجُودِ وَالْأَخِيرَانِ نَادِرَانِ، وَلَوْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا لَا يَدُومُ كَذَا فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ فَحَقُّ التَّوَكُّلِ الثَّالِثُ أَوْ الْأَخِيرُ إنْ مُطْلَقًا لَكِنْ قَوْلُهُ «لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ» شَامِلٌ لِلْأَوَّلِ أَيْضًا إلَّا أَنْ يُرَادَ مِنْ حَقِّ التَّوَكُّلِ حَقِيقَتُهُ الشَّامِلَةُ لِلْكُلِّ ثُمَّ بَيَّنَ رِزْقَ الطَّيْرِ بِقَوْلِهِ «تَغْدُو» تُصْبِحُ «خِمَاصًا» جِيَاعًا «وَتَرُوحُ بِطَانًا» شِبَاعًا فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّعْطِيلَ لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ التَّوَكُّلِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّوَسُّلِ وَالِاكْتِسَابِ؛ لِأَنَّ مَرْزُوقِيَّةَ الطَّيْرِ بِالسَّعْيِ وَالطَّلَبِ فَالْمَعْنَى لَوْ تَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ فِي حَرَكَاتِهِمْ، وَعَلِمُوا أَنَّ الْخَيْرَ بِيَدِهِ لَمْ يَنْصَرِفُوا إلَّا غَانِمِينَ سَالِمِينَ كَالطَّيْرِ لَكِنْ اعْتَمَدُوا عَلَى قُوَّتِهِمْ وَكَسْبِهِمْ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ

стр. 703

مَحَلُّ التَّوَكُّلِ الْقَلْبُ وَالْحَرَكَةُ بِالظَّاهِرِ لَا تُنَافِيهِ وَاعْلَمْ أَنَّ عَمَلَ الْعَبْدِ إمَّا جَلْبُ نَفْعٍ مَفْقُودٍ أَوْ حِفْظُ نَفْعٍ مَوْجُودٍ أَوْ دَفْعُ ضُرٍّ لَمْ يَنْزِلْ أَوْ قَطْعُ ضُرٍّ نَزَلَ فَسَبَبُ جَلْبِ النَّفْعِ إمَّا مَقْطُوعٌ كَمَدِّ الْيَدِ إلَى الطَّعَامِ فَتَرْكُ مِثْلِهِ جَهْلٌ وَحُمْقٌ لَا تَوَكُّلٌ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ تَعَالَى لَا مِنْ الْيَدِ وَالْأَسْنَانِ أَوْ مَظْنُونٌ كَزَادِ مَنْ سَافَرَ الْبَرَارِيَّ فَتَرْكُهُ لَيْسَ مِنْ التَّوَكُّلِ عِنْدَ الْمُتَوَسِّطِينَ، وَإِنْ جَائِزًا عِنْدَ الْخَوَاصِّ أَوْ مَوْهُومٌ كَالرُّقْيَةِ وَالطِّيَرَةِ وَالْكَيِّ فَتَرْكُهُ تَوَكُّلٌ وَمُبَاشَرَتُهُ تُخِلُّ بِالتَّوَكُّلِ ثُمَّ الْمُتَوَكِّلُونَ إمَّا خَوَاصُّ فَهُمْ يَتْرُكُونَ أَكْثَرَ الْقَطْعِيَّةِ كَتَرْكِهِمْ الزَّادَ عِنْدَ سِيَاحَةِ الْبَرَارِيِّ، وَإِمَّا مُتَوَسِّطُونَ كَالتَّقَاعُدِ عَنْ الْكَسْبِ فِي الْمِصْرِ ثِقَةً بِكِفَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِمَّا عَوَامُّ يَكْتَسِبُونَ وَلَكِنْ لَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى الْكَسْبِ فَصَاحِبُ الْعِيَالِ يَتَرَجَّحُ لَهُ هَذَا الْقِسْمُ عَلَى الَّذِي فَوْقَهُ كَمَا اكْتَسَبَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَعْدَمَا بُويِعَ بِالْخِلَافَةِ، وَأَيْضًا الْمُتَجَرِّدُ عَنْ الْعِيَالِ إنْ اسْتَشْرَفَتْ نَفْسُهُ إلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ فَالْكَسْبُ لَهُ أَفْضَلُ (أَشَارَ النَّبِيُّ ﵊ إلَى أَنَّ حَقَّ التَّوَكُّلِ) الْمَطْلُوبَ مِنْ التَّوَكُّلِ (وَأَعْلَى كَمَالِهِ أَنْ لَا يُجَاوِزَ طَلَبُ الرِّزْقِ كِفَايَةَ الْيَوْمِ) بَدَلٌ مِنْ الرِّزْقِ (إلَى كِفَايَةِ الْغَدِ) مُتَعَلِّقٌ بِأَنْ لَا يُجَاوِزَ (وَلَا يَدَّخِرَهُ لَهُ) أَيْ لِلْغَدِ (فَيُحْمَلُ هَذَا) أَيْ عَدَمُ الِادِّخَارِ لِلْغَدِ (عَلَى حَقِّ نَفْسِهِ لَا) عَلَى حَقٍّ (فِي عِيَالِهِ إذْ ثَبَتَ) صَحَّ «ادِّخَارُهُ ﵊ لِأَزْوَاجِهِ قُوتَ سَنَةٍ» وَالْأَصْلُ فِي فِعْلُهُ أَنْ يَكُونَ شَرْعًا لَنَا إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلُ كَوْنِهِ خَاصًّا بِهِ خِلَافًا لِمَنْ عَكَسَ وَمَعَ ادِّخَارِهِ لَهُنَّ كَانَ يُنْفِقُ مِنْهُ فِي الْبِرِّ. وَتَفْصِيلُهُ أَنَّ التَّوَكُّلَ تَرْكُ الِادِّخَارِ وَذَلِكَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِقَصْرِ الْأَمَلِ، وَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ يَوْمٌ، وَلَيْلَةٌ فَمَا دُونَهُ، وَأَكْثَرُهَا عُمُرُ الْإِنْسَانِ وَبَيْنَهُمَا دَرَجَاتٌ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَدَّخِرَ أَصْلًا ثُمَّ كُلَّمَا قَلَّ ادِّخَارُهُ كَثُرَ فَضْلُهُ هَذَا لِمَنْ لَا يَلْتَفِتُ إلَّا إلَى الْوَكِيلِ الْحَقِّ، وَإِلَّا فَالِادِّخَارُ أَفْضَلُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَجَرُّدُ الْقُلُوبِ لِذِكْرِ اللَّهِ وَرُبَّ شَخْصٍ شَغَلَهُ وُجُودُ قُوتٍ وَرُبَّ شَخْصٍ شَغَلَهُ عَدَمُهُ هَذَا حُكْمُ الْمُنْفَرِدِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الْعِيَالِ فَلَهُ ادِّخَارُ قُوتِ سَنَةٍ وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلتَّوَكُّلِ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ تَتَكَرَّرُ عِنْدَ تَكَرُّرِ السِّنِينَ فَادِّخَارُ مَا يَزِيدُ عَلَيْهِ سَبَبُهُ ضَعْفُ الْقَلْبِ وَالْمُتَوَكِّلُ مُوَحِّدٌ قَوِيُّ الْقَلْبِ مُطْمَئِنُّ النَّفْسِ إلَى فَضْلِ اللَّهِ وَاثِقٌ بِتَدْبِيرِهِ دُونَ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ وَقَدْ ادَّخَرَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعِيَالِهِ قُوتَ سَنَةٍ لِيُبَيِّنَ ذَلِكَ لِضُعَفَاءِ أُمَّتِهِ وَكَيْفَ لَا، وَقَدْ نَهَى بِلَالًا عَنْ الِادِّخَارِ فِي كِسْرَةِ خُبْزٍ ادَّخَرَهَا لِيُفْطِرَ عَلَيْهَا فَقَالَ «أَنْفِقْ يَا بِلَالُ، وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إقْلَالًا» وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ «أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ الضُّعَفَاءِ فَإِنَّ الْغَرَضَ فَرَاغُ الْقَلْبِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ أَمْكَنَ بِالْعَزِيمَةِ أَوْ بِالرُّخْصَةِ فَالنَّاسُ فِيهِ مُخْتَلِفٌ. (حب) ابْنُ حِبَّانَ (عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ ﵊ «إنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ» ، وَفِي الْجَامِعِ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ أَكْثَرُ مِمَّا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ أَيْ مَا قُدِّرَ لَهُ مِنْ الرِّزْقِ يَأْتِيهِ أَلْبَتَّةَ فَتَجَاوُزُ الْحَدِّ فِي طَلَبِهِ وَالِانْهِمَاكُ لِشَأْنِهِ وَالْحِرْصُ عَلَى اسْتِزَادَتِهِ لَا يُنْتِجُ إلَّا شُغْلَ الْقُلُوبِ عَنْ خِدْمَةِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ وَالْعَمَى عَنْ مَرْتَبَةِ الْعُبُودِيَّةِ وَسُوءَ الظَّنِّ بِالْحَضْرَةِ الرَّازِقَةِ قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ اجْتِهَادُك فِيمَا ضُمِنَ لَك وَتَقْصِيرُك فِيمَا طُلِبَ مِنْك دَلِيلٌ عَلَى انْطِمَاسِ بَصِيرَتِك. (حب هق عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى تَمْرَةً غَابِرَةً» دَاخِلَةً فِي التُّرَابِ مُتَلَطِّخَةً «فَأَخَذَهَا فَنَاوَلَهَا سَائِلًا فَقَالَ أَمَا» بِالتَّخْفِيفِ حَرْفُ اسْتِفْتَاحٍ «إنَّك لَوْ لَمْ تَأْتِهَا لَأَتَتْك» عَلَى حُكْمِ الْقِسْمَةِ الْأَزَلِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا رِزْقُك الَّذِي سَاقَهُ اللَّهُ لَك فَإِنْ قِيلَ ظَاهِرُهُ لُزُومُ التَّقَاعُدِ عَنْ

стр. 704

مُبَاشَرَةِ الْأَسْبَابِ؛ لِأَنَّ رِزْقَك يَأْتِيك عِنْدَ عَدَمِ إتْيَانِك إلَيْهِ قُلْنَا أُجِيبَ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَهْيٍ عَنْ الْأَسْبَابِ بَلْ عَنْ الرُّكُونِ إلَيْهَا وَتَحْرِيضٌ عَلَى الِاعْتِمَادِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْجَنَانِ. أَقُولُ يَجُوزُ كَوْنُهُ مِنْ الْخَوَاصِّ الَّذِينَ لَهُمْ تَوَكُّلٌ تَامٌّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَعَنْ ابْنِ الْمَلَكِ وَحُكِيَ أَنَّ فَرْخَ الْغُرَابِ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بَيْضَتِهِ يَكُونُ أَبْيَضَ اللَّوْنِ فَيُنْكِرُهُ الْغُرَابُ فَيَتْرُكُهُ وَيَذْهَبُ وَيَبْقَى الْفَرْخُ جَائِعًا فَيُرْسِلُ اللَّهُ إلَيْهِ الذُّبَابَ وَالنَّمْلَةَ فَيَلْتَقِطُهَا إلَى أَنْ يَكْبَرَ قَلِيلًا وَيَسْوَدَّ فَيَرْجِعُ الْغُرَابُ فَيَرَاهُ أَسْوَدَ فَيَضُمُّهُ إلَى نَفْسِهِ فَيَصِلُ إلَيْهِ الرِّزْقُ بِلَا سَعْيٍ حُكِيَ أَنَّ حَاتِمًا الْأَصَمَّ رَأَى رَجُلًا يَعْدُو فَقَالَ مَا تَطْلُبُ قَالَ أَطْلُبُ رِزْقِي قَالَ أَتَدْرِي أَيْنَ هُوَ قَالَ لَا قَالَ فَإِنْ اسْتَقْبَلَك تَعْرِفُهُ قَالَ لَا قَالَ حَاتِمٌ مَا رَأَيْت أَعْجَبَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ يَعْدُو فِي طَلَبِ شَيْءٍ لَا يَدْرِي أَيْنَ هُوَ، وَإِنْ اسْتَقْبَلَهُ لَا يَعْرِفُهُ يَا هَذَا إنَّك لَمْ تُؤْمَرْ بِطَلَبِ الرِّزْقِ، وَلَكِنْ الرِّزْقُ أُمِرَ بِطَلَبِك، وَإِنَّك لَا تَعْرِفُهُ فِي نِصْفِ النَّهَارِ، وَهُوَ يَعْرِفُك فِي نِصْفِ اللَّيْلِ أَيْ كَرِيمِي كه أزخزانه غَيْب كبر وَتُرْسًا وَظِيفه خوار دارى دوستانرا كجا كنى مَحْرُوم توكه بادشمنان نَظَرٌ دارى. (ت عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَعْقِلُهَا» عَلَى التَّكَلُّمِ أَيْ أَرْبِطُ يَدَهَا بِالْعَقْلِ «، وَأَتَوَكَّلُ» فِي حِفْظِهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْعِقَالِ يَعْنِي يَكُونُ تَوَكُّلِي عَلَى اللَّهِ بِالْعِقَالِ لَا بِدُونِهِ «أَوْ أُطْلِقُهَا» أَيْ أَتْرُكُهَا فَلَا أَعْقِلُهَا «، وَأَتَوَكَّلُ» عَلَى اللَّهِ فِي حِفْظِهَا وَالْمُرَادُ بِالسُّؤَالِ أَيَفْعَلُ السَّبَبَ أَمْ يَتْرُكُهُ «قَالَ اعْقِلْهَا» احْبِسْهَا بِالْعَقْلِ امْتِثَالًا لِلْحِكْمَةِ الْعَلِيَّةِ «وَتَوَكَّلْ» يَعْنِي اجْمَعْ بَيْنَهُمَا فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى وُجُوبِ الْمُبَاشَرَةِ بِالْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ (فَالْأَوَّلَانِ) أَيْ حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي أَنَّ الرِّزْقَ يَطْلُبُ الْعَبْدَ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي التَّمْرَةِ الْغَائِرَةِ (مَحْمُولَانِ عَلَى) وُجُوبِ (اعْتِقَادِ الْقَدَرِ) أَيْ عَلَى أَنَّ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ رِزْقًا لِعَبْدِهِ يَطْلُبُهُ، وَلَا يَتَجَاوَزُ غَيْرَهُ أَلْبَتَّةَ إمَّا لِمُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِشَيْءٍ آخَرَ (وَ) الْحَدِيثُ (الْأَخِيرُ) حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الْعَقْلِ وَالتَّوَكُّلِ (عَلَى التَّمَسُّكِ بِالسَّبَبِ الْمَأْمُورِ بِهِ) بِالْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ كَالتَّدَاوِي

стр. 705

وَالِاكْتِوَاءِ وَمُعَاطَاةِ أَسْبَابِ الْمَعِيشَةِ (فَلَا مُنَافَاةَ) بَيْنَ الْأَحَادِيثِ أَوْ نَقُولُ الْأَوَّلَانِ لِلْخَوَاصِّ وَالْأَخِيرُ لِلْعَوَامِّ إذْ حَالُهُ ﵊ بِالْخَوَاصِّ غَيْرُ حَالِهِ بِالْعَوَامِّ؛ وَلِهَذَا تَرَى حَالَ الصَّالِحِينَ أَكْثَرَ فِي التَّفْوِيضِ. قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ عَنْ بَعْضِ الصَّالِحِينَ إنَّهُ كَانَ فِي الْبَادِيَةِ فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطَانُ بِأَنَّك مُتَجَرِّدٌ، وَهَذِهِ بَادِيَةٌ لَا عُمْرَانَ فِيهَا، وَلَا نَاسَ فَعَزَمَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَمْضِيَ عَلَى تَجَرُّدِهِ، وَأَنْ يَتْرُكَ الطَّرِيقَ حَتَّى لَا يُقْعِدَهَا بِأَحَدٍ، وَلَا يَأْكُلَ شَيْئًا حَتَّى يُجْعَلَ فِي فِيهِ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ ثُمَّ عَدَلَ عَنْ الشَّارِعِ وَمَرَّ عَلَى وَجْهِهِ قَالَ ﵀ فَسِرْت مَا شَاءَ اللَّهُ فَإِذَا بِقَافِلَةٍ قَدْ ضَلَّتْ الطَّرِيقَ فَلَمَّا أَبْصَرْتهمْ رَمَيْت بِنَفْسِي إلَى الْأَرْضِ لَعَلَّهُمْ لَا يُبْصِرُونَنِي فَسَيَّرَهُمْ اللَّهُ حَتَّى وَقَفُوا عَلَيَّ فَغَمَّضْت عَيْنِي فَدَنَوْا مِنِّي، وَقَالُوا هَذَا مُنْقَطِعٌ قَدْ غُشِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ فَهَاتُوا سَمْنًا وَعَسَلًا نَجْعَلُهُ فِي فِيهِ لَعَلَّهُ يُفِيقُ فَأَتَوْا بِعَسَلٍ وَسَمْنٍ فَسَدَدْت فَمِي وَأَسْنَانِي فَأَتَوْا بِسِكِّينٍ فَعَالَجُوا فَمِي حَتَّى فَتَحُوا فَضَحِكْت، وَفَتَحْتُ فَايَ فَقَالُوا أَنْتَ مَجْنُونٌ فَأَخْبَرْتهمْ الْقِصَّةَ، وَفِي الْمِنْهَاجِ أَيْضًا، وَعَنْ بَعْضِ مَشَايِخِنَا كُنْت مُتَجَرِّدًا فِي مَسْجِدٍ فَوَسْوَسَ إلَيَّ الشَّيْطَانُ بِأَنَّ هَذَا مَسْجِدٌ بَعِيدٌ مِنْ النَّاسِ، وَلَوْ صِرْت إلَى مَسْجِدٍ بَيْنَ النَّاسِ لَزَارَك أَهْلُهُ، وَقَامُوا بِكِفَايَتِك فَعَهِدْت عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا آكُلَ شَيْئًا إلَّا الْحَلْوَى، وَلَا آكُلَهُ حَتَّى يُوضَعَ فِي فِي لُقْمَةً لُقْمَةً وَصَلَّيْت، وَأَغْلَقْت الْبَابَ فَلَمَّا مَضَى صَدْرٌ مِنْ اللَّيْلِ إذَا أَنَا بِإِنْسَانٍ يَدُقُّ الْبَابَ وَمَعَهُ سِرَاجٌ فَلَمَّا أَكْثَرَ الدَّقَّ فَتَحْت الْبَابَ فَإِذَا بِعَجُوزٍ قَدْ دَخَلَتْ فَوَضَعَتْ بَيْنَ يَدَيْ طَبَقًا مِنْ الْخَبِيصِ، وَقَالَتْ هَذَا الشَّابُّ، وَلَدِي صَنَعْت لَهُ هَذَا الْخَبِيصَ وَجَرَى مِنِّي كَلَامٌ فَحَلَفْت أَنْ لَا يَأْكُلَ حَتَّى يَأْكُلَ مَعَهُ رَجُلٌ غَرِيبٌ فَكُلْ رَحِمَك اللَّهُ فَأَخَذَتْ تَضَعُ فِي فَمِي لُقْمَةً، وَفِي فَمِ وَلَدِهَا لُقْمَةً. فَفِي أَمْثَالِهِمَا فَوَائِدُ أَنَّ الرِّزْقَ لَا يَفُوتُ مَنْ قُدِّرَ لَهُ وَالتَّوَكُّلَ أَمْرٌ مُهِمٌّ لَازِمٌ وَلِلشَّيْطَانِ فِيهِ غَوَائِلُ لَا يَتَخَلَّصُ مِنْ غَائِلَتِهِ الْمُنْتَهِي فَضْلًا عَنْ الْمُبْتَدِئِ (فَظَهَرَ أَنَّ مُبَاشَرَةَ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ) الْعَادِيَةِ (الْمَظْنُونَةِ الْوُصُولِ إلَى الْمُسَبِّبَاتِ لَا تَنَافِي التَّوَكُّلَ) بِشَرْطِ عَدَمِ اعْتِقَادِ التَّأْثِيرِ لِتِلْكَ الْأَسْبَابِ الْعَادِيَّةِ لِاخْتِلَافِ دَاعِيهِمَا وَمَحَلِّهِمَا إذْ دَاعِي الْأَوَّلِ الْيَقِينُ وَمَحَلُّهُ الْبَاطِنُ وَدَاعِي الثَّانِي عَدَمُ الْيَقِينِ وَمَحَلُّهُ الظَّاهِرُ (أَصْلًا) لَا فِي أَصْلِهِ، وَلَا فِي كَمَالِهِ لَعَلَّ فِي الْأَخِيرِ نَوْعُ خَفَاءٍ يُعْرَفُ بِالرُّجُوعِ إلَى نَحْوِ مَا ذُكِرَ آنِفًا (فَلِذَا فُرِضَ الْكَسْبُ) لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «طَلَبُ الْكَسْبِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» كَمَا أَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ كَمَا فِي التتارخانية (لِلْمُحْتَاجِ) ، وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا حَاصِلُهُ هُوَ فَرْضٌ عَلَى قَدْرِ مَا يَقُومُ بِهِ صَلْبُ نَفْسِهِ أَوْ عِيَالِهِ وَالزَّائِدُ عَلَيْهِ مُبَاحٌ إذَا لَمْ يُرِدْ الْفَخْرَ ثُمَّ كُلُّ الْكَسْبِ مُبَاحٌ خِلَافًا لِمَنْ جَعَلَ الزِّرَاعَةَ مَذْمُومَةً وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ التِّجَارَةِ، وَأَمَّا الِاكْتِسَابُ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ فَإِنْ تَعَيَّنَ لَيْسَ لَهُ أَجْرٌ خِلَافًا لِحَفْرِ الْقَبْرِ وَحَمْلِ الْمَيِّتِ، وَأَمَّا أَجْرُ ضَرْبِ الطَّبْلِ فَإِنْ لِلْغُزَاةِ وَالْقَافِلَةِ جَازَ، وَإِنْ لِلَّهْوِ لَا وَضَابِطُهُ كُلُّ مَا أُخِذَ بِمُقَابَلَةِ الْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ فَيَجِبُ الرَّدُّ أَوْ التَّصَدُّقُ إنْ لَمْ يُعْرَفْ وَمَا تَأْخُذُهُ النَّائِحَةُ وَالْمُغَنِّي وَنَحْوُهُمَا بِالرِّضَا وَبِلَا عَقْدٍ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَمَا جُمِعَ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ وَمِنْ الْغَرَامَاتِ فَلَا يُؤْكَلُ دِيَانَةً وَيَسَعُ حُكْمًا إنْ لَمْ يَكُنْ عَيْنَ الْمَغْصُوبِ وَالرِّشْوَةِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. (وَلَوْ سُؤَالًا) ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ الْمَكَاسِبِ حَتَّى لَوْ مَاتَ وَلَمْ يَسْأَلْ يَأْثَمُ وَمَا فِي التتارخانية عَنْ الْيَنَابِيعِ وَمَا جَمَعَ السَّائِلُ مِنْ الْمَالِ فَهُوَ خَبِيثٌ فَعِنْدَ عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ (وَ) وَجَبَ (الْأَكْلُ لِدَفْعِ الْهَلَاكِ) فَلَوْ امْتَنَعَ عَنْ الْأَكْلِ حَتَّى مَاتَ دَخَلَ النَّارَ بِخِلَافِ الْمَرِيضِ الْمُمْتَنِعِ مِنْ التَّدَاوِي (وَأُمِرَ بِأَخْذِ الْحَذَرِ) مِنْ الْعَدُوِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى «خُذُوا حِذْرَكُمْ» (وَالسِّلَاحِ) «خُذُوا أَسْلِحَتَكُمْ» ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ سَيِّدُ الْمُتَوَكِّلِينَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ وَتَحَصَّنَ مِنْ الْعَدُوِّ فِي الْخَنْدَقِ لِعَدَمِ تَنَافِيهِ التَّوَكُّلَ لِكَوْنِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمَظْنُونَةِ.

стр. 706

[الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ حُبُّ الْفَسَقَةِ] (الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ حُبُّ الْفَسَقَةِ) جَمْعُ فَاسِقٍ مِنْ فَسَقَتْ الرُّطَبَةُ عَنْ قِشْرِهَا إذَا خَرَجَتْ، وَأَصْلُ الْفِسْقِ الْخُرُوجُ عَنْ الْقَصْدِ وَالْفَاسِقُ فِي الشَّرْعِ الْخَارِجُ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ، وَلَهُ دَرَجَاتٌ ثَلَاثٌ: الْأُولَى: التَّغَابِي وَهُوَ أَنْ يَرْتَكِبَهَا أَحْيَانًا مُسْتَقْبِحًا إيَّاهَا. وَالثَّانِيَةُ: الِانْهِمَاكُ وَهُوَ أَنْ يَعْتَادَ ارْتِكَابَهَا غَيْرَ مُبَالٍ بِهَا. وَالثَّالِثَةُ: الْجُحُودُ وَهُوَ أَنْ يَرْتَكِبَهَا مُسْتَصْوِبًا إيَّاهَا فَالْأَوَّلَانِ لَا يُكَفِّرَانِ لَعَلَّهُمَا الْمُرَادُ هُنَا (وَالرُّكُونُ إلَى الظَّلَمَةِ) جَمْعُ ظَالِمٍ، وَهُوَ الْمُعْتَدِي عَلَى الْغَيْرِ، وَأَصْلُهُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَرْكَنُوا﴾ [هود: ١١٣] أَيْ لَا تَعْتَمِدُوا أَوْ تَمِيلُوا بِقُلُوبِكُمْ بِأَدْنَى مَيْلٍ فَإِنَّ الرُّكُونَ هُوَ الْمَيْلُ الْيَسِيرُ كَالتَّزَيِّي بِزِيِّهِمْ وَتَعْظِيمِ ذِكْرِهِمْ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ ﴿إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣] أَوْ لَا تَسْمَعُوا إلَى قَوْلِهِمْ ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] لِلْمَيْلِ فَإِذَا كَانَ الرُّكُونُ إلَى مَنْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يُسَمَّى ظُلْمًا كَذَلِكَ فَمَا ظَنُّك بِالرُّكُونِ إلَى الظَّالِمِينَ أَيْ الْمَوْسُومِينَ بِالظُّلْمِ ثُمَّ بِالْمَيْلِ إلَيْهِمْ كُلَّ الْمَيْلِ ثُمَّ بِالظُّلْمِ نَفْسِهِ، وَلَعَلَّ الْآيَةَ أَبْلَغُ مَا يُتَصَوَّرُ فِي النَّهْيِ عَنْ الظُّلْمِ وَالتَّهْدِيدِ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ (الْآيَةَ) أَيْ كَمِّلْ الْآيَةَ - ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [هود: ١١٣]- يَعْنِي لَا أَحَدَ بَعْدَ اللَّهِ يَمْنَعُكُمْ عَنْ النَّارِ، وَعَذَابِهَا - ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣]- بِمَيْلِكُمْ إلَى الظُّلْمِ وَقِيلَ، وَلَا تَرْكَنُوا أَيْ لَا تَمِيلُوا بِالْقُلُوبِ، وَلَا تُخَالِطُوهُمْ فِي الْأَعْمَالِ، وَقِيلَ، وَلَا تَنْظُرُوا، وَقِيلَ، وَقَعَ التَّحَابُبُ بَيْنَ صَالِحٍ وَظَالِمٍ فَعُذِّبَ الصَّالِحُ بِمَيْلِهِ لِلظَّالِمِ وَغُفِرَ لِلظَّالِمِ بِمَحَبَّتِهِ لِلصَّالِحِ - وَحُكِيَ أَنَّهُ الْتَقَى عَالِمٌ كَبِيرٌ مُفْتٍ بِصَالِحٍ تَقِيٍّ فَقَالَ الْعَالِمُ إنِّي أُحِبُّك، وَقَالَ الصَّالِحُ أَمَا إنِّي لَا أُحِبُّك؛ لِأَنِّي سَمِعْت أَنَّك لَا تُدَاوِمُ الْجَمَاعَةَ، وَلَا تُصَلِّي نَحْوَ الضُّحَى فَاعْتَذَرَ الْعَالِمُ بِأَنِّي مُشْتَغِلٌ بِمَهَامِّ الْأَنَامِ، وَلَا أَتَفَرَّغُ وَقْتًا لِذَلِكَ فَقَالَ الصَّالِحُ فَإِذَنْ آثَرْت خِدْمَةَ الْمَخْلُوقِ عَلَى خِدْمَةِ مَوْلَاك فَبَكَى الْعَالِمُ، وَقَالَ لَعَلَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَك لِعَدَمِ مَحَبَّتِك إيَّايَ وَيَغْفِرُ لِي لِمَحَبَّتِي إيَّاكَ. وَعَنْ الْكَشَّافِ، وَقَالَ سُفْيَانُ فِي جَهَنَّمَ وَادٍ لَا يَسْكُنُهُ إلَّا الْقُرَّاءُ الزَّائِرُونَ لِلْمُلُوكِ وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ مَا مِنْ شَيْءٍ أَبْغَضُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ عَالِمٍ يَزُورُ عَامِلًا. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الذُّبَابُ عَلَى الْعَذِرَةِ أَحْسَنُ مِنْ قَارِئٍ عَلَى بَابِ هَؤُلَاءِ، وَقَالَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ دَعَا لِلظَّالِمِ بِالْبَقَاءِ فَقَدْ أَحَبَّ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ تَعَالَى فِي أَرْضِهِ» ، وَلَقَدْ سُئِلَ سُفْيَانُ عَنْ ظَالِمٍ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ فِي بَرِّيَّةٍ هَلْ يُسْقَى شَرْبَةَ مَاءٍ فَقَالَ لَا فَقِيلَ لَهُ يَمُوتُ فَقَالَ دَعْهُ يَمُوتُ. انْتَهَى. اعْلَمْ أَنَّ فِي مُخَالَطَةِ السَّلَاطِينِ ثَلَاثَ أَحْوَالٍ الْأُولَى الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ إمَّا حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ مُبَاحٌ وَذَلِكَ إمَّا بِالْفِعْلِ أَوْ بِالسُّكُوتِ أَوْ بِالْقَوْلِ أَمَّا الْفِعْلُ فَإِنْ كَانَتْ دَارُهُمْ مَغْصُوبَةً فَيَحْرُمُ الدُّخُولُ، وَإِلَّا فَإِنْ سَجَدَ أَوْ رَكَعَ أَوْ أَكْرَمَ فَيَعْصِي فَإِنَّ التَّوَاضُعَ لِغَنِيٍّ غَيْرِ ظَالِمٍ يُنْقِصُ ثُلُثَيْ دِينِهِ فَكَيْفَ بِالظَّالِمِ، وَأَمَّا تَقْبِيلُ الْيَدِ وَالِانْحِنَاءُ فِي الْخِدْمَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَادِلًا فَمَعْصِيَةٌ، وَإِلَّا فَجَائِزٌ كَمَا قَبَّلَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ يَدَ عُمَرَ ﵄ -

стр. 707

وَالْجُلُوسُ عَلَى بِسَاطِهِمْ إنْ كَانَ غَالِبُ أَمْوَالِهِمْ حَرَامًا فَلَيْسَ بِجَائِزٍ، وَأَمَّا السُّكُوتُ فَإِنْ رَأَى مِنْ فُرُشِهِمْ، وَأَوَانِيهِمْ وَمَلْبُوسَاتِهِمْ الْحَرَامَ أَوْ سَمِعَ الْفُحْشَ وَالْكَذِبَ فَالسُّكُوتُ فِي كُلِّهِ حَرَامٌ إلَّا أَنْ يَكْرَهَ، وَأَمَّا الْقَوْلُ فَإِنْ دَعَا لَهُ أَوْ أَثْنَى عَلَيْهِ أَوْ صَدَّقَهُ فِي بَاطِلِهِ بِتَصْرِيحٍ أَوْ بِتَحْرِيكِ رَأْسٍ أَوْ بِاسْتِبْشَارٍ أَوْ بِإِظْهَارِ حُبٍّ وَاشْتِيَاقٍ وَحِرْصٍ عَلَى طُولِ عُمُرِهِ فَكُلُّهُ حَرَامٌ وَرَدَتْ فِيهِ الْأَخْبَارُ فَلَا يَجُوزُ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ إلَّا لِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ بِشَرْطِ عَدَمِ الْكَذِبِ وَالثَّنَاءِ، وَلَا يَدَعُ النَّصِيحَةَ إنْ تَوَقَّعَ قَبُولَهَا. وَالثَّانِيَةُ: دُخُولُ السُّلْطَانِ الظَّالِمِ عَلَيْك زَائِرًا فَإِنْ فِي جَمْعٍ يَقُومُ عِنْدَ دُخُولِهِ رِعَايَةً لِحِشْمَتِهِ، وَإِنْ فِي خَلْوَةٍ جَازَ الْقِيَامُ لَكِنْ الْأَوْلَى عَدَمُهُ إظْهَارًا لِعِزِّ الدِّينِ وَرَغْمًا لِلظُّلْمِ وَيُظْهِرُ غَضَبَهُ لِلدِّينِ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ مَعَ السُّلْطَانِ ثُمَّ يُخَوِّفُهُ مِمَّا ارْتَكَبَهُ لَكِنْ بِاللِّينِ وَالرِّفْقِ بَلْ بِالْكِنَايَةِ وَالتَّعْرِيضِ وَالنُّصْحِ بِالْمَصْلَحَةِ وَالْإِرْشَادِ عَمَّا غَفَلَ مِنْ تَدْبِيرِ الْمَمَالِكِ وَنِظَامِ الرَّعَايَا. وَالثَّالِثَةُ: الِاعْتِزَالُ عَنْهُمْ بِحَيْثُ لَا يَرَاهُمْ، وَلَا يَرَوْنَهُ، وَهُوَ الْأَسْلَمُ فَلَا يَسْتَخْبِرُ عَنْهُمْ، وَلَا يُصَاحِبُ مُصَاحِبَهُمْ، وَأَمَّا حَالُ دُخُولِ السَّلَفِ عَلَيْهِمْ فَكَالْمُحَالِ فِي حَقِّنَا؛ لِأَنَّهُمْ يُعَاتِبُونَ وَيَعِظُونَ، وَلَا يَخَافُونَ فِي الْحَقِّ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَمَّا نَحْنُ فَنَجْتَهِدُ فِي التَّقَرُّبِ إلَيْهِمْ بِالدَّلَالَةِ عَلَى الرُّخَصِ فِيمَا يُوَافِقُ أَغْرَاضَهُمْ، وَلَنَا فِي ذَلِكَ غُرُورُ أَنَّ إظْهَارَ إصْلَاحِهِمْ، وَإِرَادَةَ الشُّهْرَةِ وَالتَّقَرُّبِ إلَيْهِمْ، وَإِظْهَارَ الشَّفَاعَةِ فِي دَفْعِ ظِلَامَةٍ لِمُسْلِمٍ، وَإِرَادَةَ نَحْوِ الْأُلْفَةِ مَعَهُمْ كُلُّ ذَلِكَ تَلْخِيصُ مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ. (ت عَنْ بُرَيْدَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ» مِنْ سَادَ يَسُودُ سِيَادَةً وَالِاسْمُ السُّؤْدَدُ، وَهُوَ الْمَجْدُ وَالشَّرَفُ فَهُوَ سَيِّدٌ وَالْأُنْثَى سَيِّدَةٌ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمِصْبَاحِ يَعْنِي لَا تَصِفُوا الْمُنَافِقَ بِالسِّيَادَةِ «فَإِنَّهُ إنْ يَكُ» أَيْ إنْ يَكُنْ «سَيِّدًا» بِزَعْمِكُمْ بِجَاهِهِ وَنَسَبِهِ وَمَالِهِ «فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ اللَّهَ» بِتَعْظِيمِ مَنْ أَهَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨] قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ تَبْجِيلُ الْكَافِرِ كُفْرٌ فَلَوْ سَلَّمَ عَلَى الذِّمِّيِّ تَبْجِيلًا كَفَرَ، وَلَوْ قَالَ لِمَجُوسِيٍّ يَا أُسْتَاذُ تَبْجِيلًا كَفَرَ (وَضِدُّهُ) أَيْ ضِدُّ حُبِّ الْفَسَقَةِ (الْبُغْضُ فِي اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ لِأَجْلِ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵊ «عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ» (لِكُلِّ عَاصٍ) قِيلَ، وَلَوْ بِصَغِيرَةٍ أَوْ بِمَكْرُوهٍ (لِعِصْيَانِهِ) لَا لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ. وَعَنْ الْحَسَنِ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ هَلْ عَمِلْت لِي عَمَلًا قَطُّ قَالَ إلَهِي صَلَّيْت لَك وَصُمْت لَك وَتَصَدَّقْت لَك وَذَكَرْت لَك فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى إنَّ الصَّلَاةَ لَك بُرْهَانٌ وَالصَّوْمَ لَك جُنَّةٌ وَالصَّدَقَةَ لَك ظِلٌّ وَالذِّكْرَ لَك نُورٌ فَأَيُّ عَمَلٍ عَمِلْت لِي فَقَالَ مُوسَى إلَهِي دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ هُوَ لَك فَقَالَ يَا مُوسَى هَلْ وَالَيْت لِي وَلِيًّا قَطُّ، وَهَلْ عَادَيْت لِي عَدُوًّا قَطُّ فَعَلِمَ مُوسَى أَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ قَالَ الْمُحَشِّي هَذَا إذَا كَانَ مُتَيَقَّنًا أَوْ مَظْنُونًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ عِصْيَانُهُ مَوْهُومًا أَوْ مَشْكُوكًا فَلَا يَجُوزُ الْبُغْضُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ بِهِمْ بَلْ يَحْمِلُهُمْ عَلَى الصَّلَاحِ لَا عَلَى الْفَسَادِ (لَا سِيَّمَا الْمُبْتَدِعِينَ) اعْتِقَادًا، وَعَمَلًا (وَالظَّلَمَةَ لِكَوْنِ مَعْصِيَتِهِمْ) أَيْ مَعْصِيَةِ الْمُبْتَدِعَةِ وَالظَّلَمَةِ فَافْهَمْ (مُتَعَدِّيَةً) دِينًا وَدُنْيَا (فَلَا بُدَّ مِنْ إظْهَارِ الْبُغْضِ لَهُمْ) لِيَرْتَدِعُوا مِنْ ذَلِكَ؛ وَلِئَلَّا يَشْتَرِكَ فِي وِزْرِهِ كَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ «مَا مِنْ قَوْمٍ يَكُونُ فِيهِمْ رَجُلٌ يَعْمَلُ الْمَعَاصِيَ وَيَقْدِرُونَ أَنْ يُغَيِّرُوا عَلَيْهِ فَلَا يُغَيِّرُونَ إلَّا عَمَّهُمْ اللَّهُ بِالْعَذَابِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا» . وَفِي تَنْبِيهِ الْغَافِلِينَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ، وَلَكِنْ إذَا ظَهَرَتْ الْمَعَاصِي فَلَمْ يُنْكِرُوهَا فَقَدْ اسْتَحَلَّ الْقَوْمُ جَمِيعًا الْعُقُوبَةَ وَذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إلَى يُوشَعَ ﵊ إنِّي مُهْلِكٌ مِنْ قَوْمِك أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ خِيَارِهِمْ وَسِتِّينَ أَلْفًا مِنْ شِرَارِهِمْ فَقَالَ يَا رَبِّ هَؤُلَاءِ الْأَشْرَارُ فَمَا بَالُ الْأَخْيَارِ فَقَالَ إنَّهُمْ لَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي وَآكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ كَذَا أَيْضًا فِي النِّصَابِ وَنَقَلَ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ الْمُبَارَكِ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ مَا فَعَلَ رَبُّك بِك فَقَالَ عَاتَبَنِي، وَأَوْقَفَنِي رَبِّي ثَلَاثِينَ سَنَةً بِسَبَبِ أَنِّي نَظَرْت بِاللُّطْفِ يَوْمًا إلَى مُبْتَدِعٍ فَقَالَ إنَّك لَمْ تُعَادِ عَدُوِّي فِي الدِّينِ فَكَيْفَ حَالُ الْقَاعِدِ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ

стр. 708

(إنْ لَمْ يَخَفْ) عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَوْلَادِهِ أَوْ أَتْبَاعِهِ (بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ ذَوِي الِابْتِدَاعِ وَالظُّلْمِ (مِنْ الْعُصَاةِ) بَلْ يُكْتَفَى حِينَئِذٍ بِبُغْضِ الْقَلْبِ فِي الْحَاشِيَةِ هَذَا بِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا فَفِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَبَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ إظْهَارُ الْبُغْضِ لَهُمْ وَالْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِهِ بَلْ اللَّازِمُ التَّعَطُّفُ عَلَيْهِمْ وَالتَّلَطُّفُ بِهِمْ، وَقَضَاءُ حَوَائِجِهِمْ لَكِنْ مَحَلُّ النِّزَاعِ مَا إذَا لَمْ يُفِدْ الْإِظْهَارُ فِي دَفْعِ الْمَعْصِيَةِ. وَأَمَّا إذَا أَفَادَ فَإِظْهَارُ الْبُغْضِ لَازِمٌ؛ لِأَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّغْيِيرِ. انْتَهَى. (تَتِمَّةٌ) : عِنْدَ اجْتِمَاعِ الصَّلَاحِ وَالْفِسْقِ يُعْتَبَرُ الْأَغْلَبُ فَأَمَّا عِنْدَ التَّسَاوِي فَتَجِبُ مِنْ جِهَةِ طَاعَتِهِ وَتُبْغِضُ مِنْ جِهَةِ فِسْقِهِ لَكِنْ تُبَالِغُ فِي حُبِّهِ وَبُغْضِهِ كَمَا تُبَالِغُ فِي تَمَحُّضِهِ ثُمَّ إظْهَارُ الْبُغْضِ إمَّا بِالْقَوْلِ فَبِتَرْكِ مُكَالَمَتِهِ مَرَّةً وَالِاسْتِخْفَافِ وَالتَّغْلِيظِ أُخْرَى، وَإِمَّا بِالْفِعْلِ فَلَا يُسِيءُ مَرَّةً وَيَسْعَى فِي إسَاءَتِهِ أُخْرَى، وَأَمَّا دَرَجَاتُ الْمَعْصِيَةِ فَإِنْ بِهَفْوَةٍ فَالْأَوْلَى السَّتْرُ وَالْإِغْمَاضُ، وَإِنْ بِإِصْرَارِ صَغِيرَةٍ أَوْ ارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ فَإِنْ مُتَعَدِّيَةً فَيُنْكِرُ عَلَى قَدْرِ ارْتِدَاعِهِ، وَعَلَى قَدْرِ قُدْرَتِهِ، وَإِنْ مُتَعَدِّيَةً إلَيْك فَقَطْ فَالْأَوْلَى الْعَفْوُ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَبَبًا إلَى زِيَادَةِ ضَلَالِهِ، وَإِنْ عَظِيمَةً كَمَا تَرَكَ الصِّدِّيقُ الْأَعْظَمُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَفَقَةَ مِسْطَحٍ حِينَ تَكَلَّمَ فِي الْإِفْكِ ثُمَّ أَمَرَهُ تَعَالَى بِإِعَادَةِ نَفَقَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ﴾ [النور: ٢٢] الْآيَةَ، وَأَيُّ جَرِيمَةٍ أَعْظَمُ مِنْ التَّعَرُّضِ لِحُرْمَةٍ ﵊، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَعَدِّيَةً فَيَظْهَرُ أَثَرُ الْبُغْضِ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا بِحَسَبِ مَرْتَبَةِ الِانْزِجَارِ وَالْقُدْرَةِ، وَأَقَلُّهُ قَطْعُ الرِّفْقِ وَالْعَوْنِ، وَأَقْوَاهُ إفْسَادُ أَغْرَاضِهِ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ بَعْضٍ فِي الْغَيْرِ الْمُتَعَدِّيَةِ النَّظَرُ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ لِأَنَّ الْقَدَرَ لَا يَنْفَعُ مِنْهُ الْحَذَرُ لَكِنْ لَا يَخْفَى بُطْلَانُهُ. فَإِنْ قُلْت هَلْ يَجِبُ الْإِعْرَاضُ، وَقَطْعُ النَّفَقَةِ وَالْإِعَانَةُ عَلَى الْعَاصِي بِحَيْثُ يَأْثَمُ مَنْ يَتْرُكُهُ قُلْت لَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي الْعِلْمِ الظَّاهِرِ تَحْتَ التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّ مِنْ الصَّحَابَةِ مَنْ يُغَلِّظُ الْقَوْلَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْتَفِي بِالْإِعْرَاضِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ فَهَذِهِ دَقَائِقُ دِينِيَّةٌ تَخْتَلِفُ فِيهَا طَرَائِقُ السَّالِكِينَ كَذَا فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ. [الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ بُغْضُ الْعُلَمَاءِ] (الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ بُغْضُ الْعُلَمَاءِ) الشَّرْعِيِّينَ لَا الْمُتَفَلْسِفَةِ، الَّذِينَ صَرَفُوا أَعْمَارَهُمْ فِي التَّدْرِيسِ وَالتَّصْنِيفِ بَلْ الْإِفْتَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالنُّصْحِ وَالْعِظَةِ لَا إلَى التَّعْطِيلِ وَالْهَوَى لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ الْبُغْضُ لِذَاتِهِ أَوْ لِأَمْرٍ غَيْرِ عَمَلِهِ فَلَا وَجْهَ لِلتَّخْصِيصِ، وَإِنْ أُرِيدَ الْبُغْضُ لِأَجْلِ عَمَلِهِ فَيَكْفُرُ فَلَا وَجْهَ

стр. 709

لِذِكْرِهِ هُنَا قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ الِاسْتِهْزَاءُ بِالْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ كُفْرٌ، وَعَنْ مُنْيَةِ الْمُفْتِي تَخْفِيفُ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ كُفْرٌ، وَعَنْ الْخِزَانَةِ مَنْ أَذَلَّ الْعُلَمَاءَ يُنْفَى مِنْ الْبَلَدِ بَعْدَ تَجْدِيدِ الْإِيمَانِ، وَعَنْ مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ إهَانَةُ عُلَمَاءِ الدِّينِ كُفْرٌ، وَعَنْ الْمُحِيطِ إنْ شَتَمَ عَالِمًا فَقَدْ كَفَرَ فَتَطْلُقُ امْرَأَتُهُ وَهَكَذَا، وَهَكَذَا وَدَعْوَى الْفَرْقِ بَيْنَ مَا نُقِلَ وَبَيْنَ الْغَضَبِ قَرِيبٌ إلَى التَّحَكُّمِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَقَلَّ مِنْ الِاسْتِلْزَامِ غَايَةُ الْجَوَابِ اخْتِيَارُ الْأَوَّلِ وَيَدَّعِي أَنَّ الْبُغْضَ إلَيْهِمْ، وَإِنْ لِغَيْرِ عِلْمِهِمْ لَكِنْ الْوِزْرُ فَوْقَ مَا لِلْغَيْرِ (وَالصَّالِحِينَ) الَّذِينَ صَرَفُوا أَعْمَارَهُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمْوَالَهُمْ فِي مَرْضَاتِهِ (وَضِدُّهُ حُبُّهُمْ فِي اللَّهِ تَعَالَى) . (حَكَّ) الْحَاكِمُ (عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) ، وَعَنْ أَبَوَيْهَا (أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ» سَيْرُهُ «عَلَى الصَّفَا» أَيْ الصَّخْرِ الْأَمْلَسِ، وَهُوَ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَسْبَابِ كَالْمَطَرِ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اتَّخَذَ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَّا بِهَتْكِ الْأَسْبَابِ وَمُشَاهَدَةِ الْكُلِّ مِنْ رَبِّ الْأَرْبَابِ قِيلَ هُنَا عَنْ الرَّازِيّ السَّلَامَةُ عَلَى قَدْرِ نَفْيِ الشُّرَكَاءِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ ظَاهِرًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢] وَمِنْهُمْ مَنْ أَقَرَّ بِالْوَحْدَانِيَّةِ ظَاهِرًا لَكِنَّهُ يَقُولُ قَوْلًا يَهْدِمُهُ كَإِضَافَةِ السَّعَادَةِ وَالنُّحُوسَةِ إلَى الْكَوَاكِبِ أَوْ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ إلَى الدَّوَاءِ أَوْ الْفِعْلِ إلَى الْعَبْدِ اسْتِقْلَالًا وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَ كُلَّ ذَلِكَ لَكِنْ بِطَبْعِ الشَّهْوَةِ كَمَا أَشَارَ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] وَهَذَا هُوَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ. وَحَاصِلُهُ الِالْتِفَاتُ إلَى غَيْرِهِ تَعَالَى فَالْبَشَرُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ فَلِهَذَا السَّبَبِ تَضَرَّعَ الْأَنْبِيَاءُ فِي أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُمْ الْأَسْبَابَ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلِذَلِكَ الْخَفَاءُ عَجَزَ عَنْ وُقُوفِهِ أَوْحَدِيُّ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا يُبْتَلَى بِهِ الْعُلَمَاءُ الْمُجِدُّونَ فِي سُلُوكِ الْآخِرَةِ فَإِنَّهُمْ بَعْدَ كَدِّهِمْ فِي قَهْرِ النَّفْسِ إلَى أَنْ يُقْطَعَ طَمَعُ الْمَعَاصِي، وَإِلَى أَنْ تَكُونَ الطَّاعَاتُ طَبِيعَةً لَهُمْ تَمِيلُ نُفُوسُهُمْ إلَى لَذَّةِ الْقَبُولِ عِنْدَ الْخَلْقِ فَلَا يَخْلُونَ عَنْ الْإِخْبَارِ، وَإِظْهَارِ الْأَعْمَالِ أَوْ مَحَبَّةِ اطِّلَاعِ الْخَلْقِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ بِطَاعَتِهِمْ أَوْ الْفَرَحِ بِمَحْمَدَةِ النَّاسِ، وَلَا يَقْنَعُونَ بِاطِّلَاعِ الْخَالِقِ وَمَحْمَدَتِهِ طَمَعًا فِي احْتِرَامِهِمْ، وَالنَّاسُ يَتَبَرَّكُونَ بِدُعَاءِ أَحَدِهِمْ؛ وَلِقَائِهِ وَخِدْمَتِهِ وَالتَّوَاضُعِ لَهُ، وَهُوَ يَظُنُّ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ حَيَاتَهُ بِاَللَّهِ وَبِعِبَادَتِهِ الْمَرَضِيَّةِ، وَإِنَّمَا حَيَاتُهُ بِهَذِهِ الشَّهْوَةِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي يَعْمَى عَنْ دَرْكِهَا إلَّا أُولُو الْعُقُولِ النَّافِذَةِ الْقَوِيَّةِ، وَيَرَى أَنَّهُ يُخْلِصُ فِي طَاعَاتِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَقَدْ أُثْبِتَ اسْمُهُ فِي جَرِيدَةِ الْمُنَافِقِينَ كَذَا فِي الْفَيْضِ مُلَخَّصًا. «فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ» قَالَ فِي الْفَيْضِ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الشِّرْكَ مُتَلَاشٍ فِي الْأُمَّةِ لِفَضْلِ يَقِينِهِمْ فَإِنَّهُ وَإِنْ خَطَرَ لَهُمْ فَهُوَ خُطُورٌ خَفِيٌّ لَا يُؤَثِّرُ فِي نُفُوسٍ كَمَا لَا يُؤَثِّرُ دَبِيبُ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا بَلْ إذَا عَرَضَ لَهُمْ خَطَرَاتُ الْأَسْبَابِ رَدَّتْهَا صَلَابَةُ قُلُوبِهِمْ بِاَللَّهِ. انْتَهَى. «وَأَدْنَاهُ أَنْ تُحِبَّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْجَوْرِ» أَيْ ظُلْمِ أَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ كَمَحَبَّةِ مَنْ قَتَلَ سَارِقًا لِقَتْلِهِ وَجَزَاؤُهُ الشَّرْعِيُّ إنَّمَا هُوَ الْقَطْعُ وَنَحْوُهُ. «وَ» أَنْ «تُبْغِضَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْعَدْلِ» كَبُغْضِ مَنْ حَكَمَ عَلَى نَهْجِ الشَّرْعِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ «، وَهَلْ الدِّينُ إلَّا الْحُبُّ فِي اللَّهِ» أَيْ الْحُبُّ لِمَنْ يُحِبُّهُ اللَّهُ لِعِبَادَتِهِ وَتَرْكِ مَنْهِيَّاتِهِ لَعَلَّ الْمُرَادَ كَمَالُ الدِّينِ فَمَنْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ الْحُبُّ لَيْسَ بِكَافِرٍ وَيُؤَيِّدُ حَدِيثُ الشَّيْخَيْنِ فِي الْمَشَارِقِ «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ» بِاسْتِلْذَاذِ الطَّاعَةِ وَتَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ فِي طَلَبِ رِضَا اللَّهِ عَنْهُ «أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ» يَعْنِي لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِغَرَضِ رِضَا اللَّهِ عَنْهُ حَتَّى تَكُونَ كَمَحَبَّةِ أَبَوَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِمَا وَمَحَبَّةِ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَعُهُ بِالدُّعَاءِ الصَّالِحِ لَهُ، وَعَلَى هَذَا كَذَا فِي الْمَشَارِقِ الْحَدِيثَ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَقْصِدَ رِضَاهُ تَعَالَى عِنْدَ مَحَبَّةِ كُلِّ شَيْءٍ «وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ» أَيْ الْبُغْضُ لِمَنْ يُبْغِضُهُ اللَّهُ لِارْتِكَابِهِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ قَالَ فِي الْفَيْضِ أَيْ مَا دِينُ الْإِسْلَامِ إلَّا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ التَّعَلُّقِ بِمَحْبُوبٍ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ اللَّهُ وَحْدَهُ مَحْبُوبَهُ وَمَعْبُودَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَعَبَّدَ قَلْبُهُ لِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الشِّرْكُ الْمُبِينُ فَمِنْ ثَمَّةَ كَانَ الْحُبُّ فِي اللَّهِ هُوَ الدِّينُ

стр. 710

«قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] » هَذَا مِنْ الْحَدِيثِ قَالَ فِي الْفَيْضِ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ الشِّرْكُ شِرْكَانِ ثُمَّ قَالَ وَالثَّانِي الشِّرْكُ فِي عِبَادَتِهِ، وَهُوَ أَخَفُّ، وَأَسْهَلُ فَإِنَّهُ مُوَحِّدٌ لَكِنَّهُ لَا يُخْلِصُ فِي مُعَامَلَتِهِ فَتَارَةً يَعْمَلُ لِحَظِّ نَفْسِهِ وَتَارَةً لِطَلَبِ الدُّنْيَا وَالرِّفْعَةِ وَالْجَاهِ فَلِلَّهِ مِنْ عَمَلِهِ نَصِيبٌ؛ وَلِنَفْسِهِ وَهَوَاهُ نَصِيبٌ؛ وَلِلشَّيْطَانِ نَصِيبٌ، وَهَذَا حَالُ أَكْثَرِ النَّاسِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا فَالرِّيَاءُ كُلُّهُ شِرْكٌ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. ثُمَّ وَجَدَ الدَّلَالَةَ بِالْحَدِيثِ أَمَّا عَلَى كَوْنِ الْمَطْلُوبِ بُغْضُ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ فَبِاعْتِبَارِ قَوْلِهِ «وَتُبْغِضَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْعَدْلِ» إذْ الْعِلْمُ وَالصَّلَاحُ مِنْ الْعَدْلِ أَوْ عَلَى كَوْنِ الْمَطْلُوبِ الضِّدُّ الَّذِي هُوَ حُبُّهُمْ فِي اللَّهِ فَبِاعْتِبَارِ قَوْلِهِ، وَهَلْ الدِّينُ إلَخْ لَا يَخْفَى عَدَمُ ظُهُورِ التَّقْرِيبِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَفْظُ الْعَدْلِ، وَلَفْظُ الْحُبِّ عَامَّانِ مَقْصُورُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِينَ لَكِنْ حِينَئِذٍ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ وَجْهِ تَخْصِيصِ الْمَطْلُوبِ بِالْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ بَلْ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ هُوَ الْعُمُومُ عَلَى أَنَّهُ قَالَ فِي الْفَيْضِ إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُنْكَرٌ، وَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ. (د) (عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ» لَفْظُ فِي هُنَا بِمَعْنَى اللَّامِ إشَارَةٌ إلَى الْإِخْلَاصِ أَيْ الْحُبُّ فِي جِهَتِهِ وَوَجْهِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] أَيْ فِي حَقِّنَا وَمِنْ أَجْلِنَا؛ وَلِوَجْهِنَا خَالِصًا فَمِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ لِلْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ لَا لِحَظٍّ نَفْسَانِيٍّ كَالْمَنَافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَكَذَا أَنْ يَكْرَهَهُ لِكُفْرِهِ، وَعِصْيَانِهِ لَا لِنَحْوِ إيذَائِهِ لَهُ. وَالْحَاصِلُ لَا تَكُونُ مُعَامَلَتُهُ مَعَ الْخَلْقِ إلَّا لِلَّهِ وَمِنْ الْبُغْضِ فِي اللَّهِ بُغْضُ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ، وَأَعْدَاءِ الدِّينِ وَالْمُجَاهَدَةُ مَعَ النَّفْسِ بِحَسَبِهِمَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعَ وَجَازَتِهِ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ وَمَنْ تَدَبَّرَهُ وَقَفَ عَلَى سُلُوكِ طَرِيقِ اللَّهِ، وَفَنَاءِ السَّالِكِ فِي اللَّهِ ثُمَّ إنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِيهِ أَفْضَلَ مِنْ نَحْوِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْجِهَادِ. قُلْنَا مَنْ أَحَبَّ فِي اللَّهِ يُحِبُّ أَنْبِيَاءَهُ، وَأَوْلِيَاءَهُ وَمِنْ شَرْطِ مَحَبَّتِهِ إيَّاهُمْ أَنْ يَقْفُوَ أَثَرَهُمْ وَيُطِيعَ أَمْرَهُمْ قَالَ الْقَائِلُ تَعْصِي الْإِلَهَ وَأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ ... هَذَا لَعَمْرِي فِي الْقِيَاسِ بَدِيعُ لَوْ كَانَ حُبُّك صَادِقًا لَأَطَعْتَهُ ... إنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ وَكَذَا مِنْ الْبُغْضِ فِي اللَّهِ بُغْضُ أَعْدَائِهِ وَبَذْلُ جُهْدِهِ فِي مُجَاهَدَتِهِمْ قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ، وَفِيهِ أَنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِلْإِنْسَانِ أَعْدَاءٌ يُبْغِضُهُمْ فِي اللَّهِ كَمَا لَهُ أَصْدِقَاءٌ يُحِبُّهُمْ فِي اللَّهِ كَذَا فِي الْفَيْضِ وَمِنْ حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ لِلَّهِ وَتُبْغِضَ لِلَّهِ وَتُعْمِلَ لِسَانَك فِي ذِكْرِ اللَّهِ ، وَأَنْ تُحِبَّ لِلنَّاسِ» مِنْ الطَّاعَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ «مَا تُحِبُّ لِنَفْسِك وَتَكْرَهَ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِك» مِنْ الْمَكَارِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ، «وَأَنْ تَقُولَ خَيْرًا» كَلِمَةً تَجْمَعُ الطَّاعَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ «أَوْ تَصْمُتَ» أَيْ تَسْكُت، وَالْمَقْصُودُ ائْتِلَافُ الْقُلُوبِ وَانْتِظَامُ الْأَحْوَالِ. (حَدّ) أَحْمَدُ (طب عَنْ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَقُولُ لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ صَرِيحَ الْإِيمَانِ» حَقِيقَتَهُ وَحَلَاوَتَهُ «حَتَّى يُحِبَّ لِلَّهِ وَيُبْغِضَ لِلَّهِ فَإِذَا أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ فَقَدْ اسْتَحَقَّ الْوِلَايَةَ لِلَّهِ» أَيْ: اسْتَحَقَّ

стр. 711

أَنْ يَكُونَ وَلِيًّا لَهُ تَعَالَى عَنْ الْمَصَابِيحِ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ كُنْت عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَمِعْته يَقُولُ «إنَّ لِلَّهِ عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ بِقُرْبِهِمْ وَمَقْعَدِهِمْ مِنْ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ حَدِّثْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ فَقَالَ عِبَادٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مِنْ بُلْدَانٍ شَتَّى وَقَبَائِلَ شَتَّى لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ يَتَوَاصَلُونَ بِهَا، وَلَا دَنَانِيرُ يَتَبَاذَلُونَ بِهَا يَتَحَابُّونَ بِرُوحِ اللَّهِ تَعَالَى يَجْعَلُ اللَّهُ وُجُوهَهُمْ نُورًا وَيَجْعَلُ لَهُمْ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ قُدَّامَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ يَفْزَعُ النَّاسُ، وَلَا يَفْزَعُونَ يَخَافُ النَّاسُ، وَلَا يَخَافُونَ» . (طط) الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ مِنْ الْإِيمَانِ» أَيْ مِنْ شُعَبِهِ وَثَمَرَاتِهِ «أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ رَجُلًا لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى» لَا لِغَرَضٍ غَيْرِهِ فَلِذَا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ «مِنْ غَيْرِ مَالٍ أَعْطَاهُ» صِفَةٌ لِرَجُلٍ «فَذَلِكَ» الْحُبُّ «الْإِيمَانُ» كَأَنَّهُ حَقِيقَتُهُ لِكَوْنِهِ مِنْ أَقْوَى فُرُوعِهِ كَحَدِيثِ «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ» وَحَدِيثِ «الْحَجُّ عَرَفَةَ» . عَنْ الْقُرْطُبِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مَحَبَّةُ الْمُؤْمِنِ الْمُوَصِّلَةُ لِحَلَاوَةِ الْإِيمَانِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ خَالِصَةً لِلَّهِ تَعَالَى غَيْرَ مَشُوبَةٍ بِالْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْحُظُوظِ الْبَشَرِيَّةِ عَنْ شَرْحِ الْمَصَابِيحِ وَالْإِحْيَاءِ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ «الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ عَلَى عَمُودٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ فِي رَأْسِ الْعَمُودِ سَبْعُونَ أَلْفَ غُرْفَةٍ يُشْرِفُونَ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يُضِيءُ حُسْنُهُمْ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ كَمَا تُضِيءُ الشَّمْسُ لِأَهْلِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ انْطَلِقُوا بِنَا نَنْظُرُ إلَى الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ فَيُضِيءُ حُسْنُهُمْ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ كَمَا تُضِيءُ الشَّمْسُ لِلدُّنْيَا عَلَيْهِمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ مَكْتُوبٌ عَلَى جِبَاهِهِمْ هَؤُلَاءِ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ» . (خ م عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ» لَمْ أَقِفْ) أَيْ لَمْ أَعْرِفْ «إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا لَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ» فِي عَمَلِ الصَّلَاحِ لِقُصُورِهِ فِي الْعَمَلِ كَعَمَلِهِمْ «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» بِمُرَافَقَتِهِ وَزِيَارَتِهِ أَوْ فِي بَعْضِ مَرَاتِبِهِ لَا فِي جَمِيعِهَا لَكِنْ بِشَرْطِ اقْتِدَائِهِ بِهِ وَلَوْ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ فَلَوْ لَمْ يَقْتَدِ أَصْلًا لَا يَلْحَقُ أَصْلًا إذْ عَدَمُ ذَلِكَ الِاقْتِدَاءِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْمَحَبَّةِ، وَعَلَى كَذِبِ دَعْوَاهُ وَنَظِيرُهُ مَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ «أَنَّ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

стр. 712

أَتَى يَوْمًا، وَقَدْ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَنَحَلَ جِسْمُهُ فَسُئِلَ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ مَا بِي مِنْ وَجَعٍ غَيْرَ أَنِّي إذَا لَمْ أَرَك اشْتَقْتُ إلَيْك وَاسْتَوْحَشْتُ وَحْشَةً شَدِيدَةً حَتَّى أَلْقَاك ثُمَّ ذَكَرْتُ الْآخِرَةَ فَخِفْتُ أَنْ لَا أَرَاك هُنَاكَ؛ لِأَنِّي عَرَفْتُ أَنَّك مَعَ النَّبِيِّينَ، وَأَنِّي إنْ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ كُنْتُ فِي مَنْزِلٍ دُونَ مَنْزِلِك، وَإِنْ لَمْ أَدْخُلْ لَا أَرَاك أَبَدًا فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] » . وَفِي الشِّرْعَةِ وَمِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُوَاخِيَ مُوَاخَاةً إلَّا مَنْ يَثِقُ بِدِينِهِ، وَأَمَانَتِهِ وَصَلَاحِهِ وَتَقْوَاهُ فَإِنَّ الْمَرْءَ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْهُ بِعَمَلِهِ، وَفِي شَرْحِهِ قَالَ الْحَسَنُ لَا يَغُرُّنَّكُمْ هَذَا الْحَدِيثُ فَإِنَّك لَنْ تَلْحَقَ الْأَبْرَارَ إلَّا بِأَعْمَالِهِمْ فَإِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُحِبُّونَ أَنْبِيَاءَهُمْ، وَلَيْسُوا مَعَهُمْ، وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مُجَرَّدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُوَافَقَةٍ فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ أَوْ كُلِّهَا لَا يَنْفَعُ ثُمَّ قَالَ فَإِنَّهُ تَعَالَى يَرْحَمُ الْوَلِيَّ بِحُرْمَةِ وَلِيِّهِ وَيُلْحِقُهُ بِهِ وَلَا يُنْقِصُ مِنْ عَمَلِ وَلِيِّهِ شَيْئًا كَمَا يُلْحِقُ الذُّرِّيَّةَ فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]- قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ طَبْعًا، وَعَقْلًا وَجَزَاءً وَمَحَلًّا فَكُلُّ مُهْتَمٍّ بِشَيْءٍ فَهُوَ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ، وَإِلَى أَهْلِهِ بِطَبْعِهِ، وَكُلُّ امْرِئٍ يَمِيلُ إلَى مُنَاسِبِهِ سَاءَ أَمْ سَخِطَ فَالرُّوحُ الْعَلَوِيَّةُ تَنْجَذِبُ إلَى الْأَعْلَى وَالنُّفُوسُ الدَّنِيَّةُ تَنْجَذِبُ إلَى الْأَسْفَلِ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ هَلْ هُوَ مَعَ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى أَوْ الْأَسْفَلِ فَلْيَنْظُرْ مَنْ صَحِبَهُ فَمَنْ أَحَبَّ اللَّهَ فَهُوَ مَعَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنْ تَكَلَّمَ فَبِاَللَّهِ، وَإِنْ نَطَقَ فَمِنْ اللَّهِ، وَإِنْ تَحَرَّكَ فَبِأَمْرِ اللَّهِ، وَإِنْ سَكَتَ فَمَعَ اللَّهِ فَهُوَ بِاَللَّهِ؛ وَلِلَّهِ وَمَعَ اللَّهِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَحَبَّةَ لَا تَصِحُّ إلَّا بِتَوْحِيدِ الْمَحْبُوبِ، وَأَنَّ مَنْ ادَّعَى مَحَبَّتَهُ ثُمَّ لَمْ يَحْفَظْ حُدُودَهُ فَلَيْسَ بِصَادِقٍ، وَقِيلَ الْمُرَادُ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ عَمَلَهُمْ لِثُبُوتِ التَّقَرُّبِ مَعَ قُلُوبِهِمْ. قَالَ أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا فَرِحَ الْمُسْلِمُونَ مِثْلَ فَرَحِهِمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَفِي ضِمْنِهِ حَثٌّ عَلَى حُبِّ الْأَخْيَارِ رَجَاءَ الْإِلْحَاقِ بِهِمْ فِي دَارِ الْقَرَارِ وَالْخَلَاصِ مِنْ النَّارِ وَالْقُرْبِ مِنْ الْجَبَّارِ وَالتَّرْغِيبِ فِي الْحُبِّ فِي اللَّهِ وَالتَّنْفِيرِ مِنْ التَّبَاغُضِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِيهِ رَمْزٌ إلَى أَنَّ التَّحَابُبَ بَيْنَ الْكُفَّارِ يُنْتِجُ لَهُمْ الْمَعِيَّةَ فِي النَّارِ بِئْسَ الْقَرَارُ - ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠]-. (فَائِدَةٌ) : قَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ قُلْت لِشَيْخِنَا يَا سَيِّدِي إذَا ارْتَقَى الْوَلِيُّ إلَى مَرْتَبَةِ الْقُطْبِيَّةِ مَثَلًا هَلْ يَرْقَى بَعْضُ جَمَاعَتِهِ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي أَبْنَاءِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَاتِ فَتَبَسَّمَ وَحَسَّنَ رَجَائِي، وَقَالَ مَا لَا يُحَالُ كَشْفُهُ، وَفِي أَثْنَائِهِ هُمْ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى جَلِيسُهُمْ قَالَ الْعَلَائِيُّ الْحَدِيثُ مَشْهُورٌ وَمُتَوَاتِرٌ لِكَثْرَةِ طُرُقِهِ، وَعَدَّهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْكُلُّ عُصَارَةُ الْفَيْضِ ثُمَّ يُقِرُّ بِهِ قَوْله تَعَالَى - ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١]-، وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ اصْحَبُوا مَعَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تُطِيقُوا فَاصْحَبُوا مَعَ مَنْ يَصْحَبُ مَعَ اللَّهِ لِتُوصِلَكُمْ بَرَكَاتُ صُحْبَتِهِمْ إلَى اللَّهِ، وَفِيهَا صُحْبَةُ الْأَشْرَارِ تُورِثُ سُوءَ الظَّنِّ بِالْأَخْيَارِ، وَفِيهَا اصْطَحَبَ رَجُلَانِ مُدَّةً ثُمَّ بَدَا لِأَحَدِهِمَا

стр. 713

الْمُفَارَقَةُ فَاسْتَأْذَنَ صَاحِبَهُ فَقَالَ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَصْحَبَ أَحَدًا إلَّا إذَا كَانَ فَوْقَنَا، وَإِنْ كَانَ مِثْلَنَا فَلَا تُصَاحِبْهُ فَقَالَ الرَّجُلُ زَالَ مِنْ قَلْبِي إرَادَةُ الْمُفَارَقَةِ، وَفِيهَا صَحِبَ رَجُلٌ إبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُفَارِقَهُ قَالَ نَبِّهْ عَيْبِي فَقَالَ إنِّي أُحِبُّك فَاسْتَحْسَنْتُ مِنْك مَا رَأَيْتُ فَسَلْ غَيْرِي عَنْ عَيْبِك وَفِيهَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَتَى أَلْقَى أَحِبَّائِي فَقَالَ أَصْحَابُهُ بِأَبِينَا أَنْتَ وَأُمِّنَا أَوَلَسْنَا أَحِبَّاءَك فَقَالَ أَنْتُمْ أَصْحَابِي أَحِبَّائِي قَوْمٌ لَمْ يَرَوْنِي وَآمَنُوا بِي، وَأَنَا إلَيْهِمْ بِالْأَشْوَاقِ» . وَكَانَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ يَقُولُ كُلُّ إنْسَانٍ يَأْنِسُ بِشَكْلِهِ كَمَا أَنَّ كُلَّ طَيْرٍ يَأْنِسُ مَعَ جِنْسِهِ فَرَأَى يَوْمًا غُرَابًا مَعَ حَمَامَةٍ فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ فَلَمَّا طَارَا فَإِذَا هُمَا أَعْرَجَانِ فَقَالَ مِنْ هُنَا اتَّفَقَا وَرُوِيَ أَنَّ كَلْبًا لِحُبِّهِ الْمُطِيعِينَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ الْقُرْآنِ فَكَيْفَ بِالْمُؤْمِنِ إذَا أَحَبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَأَحَبَّ أَوْلِيَاءَهُ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْعُيُونِ، وَأَنَا أَقُولُ عَشَرَةٌ مِنْ الْحَيَوَانِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِشَرَفِ الصُّحْبَةِ [الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ الْجُرْأَةُ] (الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ) (الْجُرْأَةُ) وَهِيَ الْإِقْدَامُ وَالتَّهَوُّرُ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ وَلَا تَفَكُّرٍ وَقِيلَ عَنْ التَّحْقِيقِ وَالْمُجْتَرِئُونَ (عَلَى اللَّهِ تَعَالَى) كَالْفَرَاعِنَةِ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ عَلَى اللَّهِ وَالدَّجَاجِلَةِ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَالزَّنَادِقَةِ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي الْأَدْيَانِ وَالشَّرَائِعِ وَالظَّلَمَةِ الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَالْفَسَقَةِ الَّذِينَ يُجَاهِرُونَ بِالْمَعَاصِي عَلَانِيَةً وَلَا يَتَحَاشَوْنَ مِنْ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْمُبْتَدِعَةِ الَّذِينَ يَبْتَدِعُونَ فِي الْإِسْلَامِ مَا لَيْسَ مِنْهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَحْوِ مَا ذُكِرَ آنِفًا. (وَالْأَمْنُ مِنْ عَذَابِهِ وَسَخَطِهِ) أَيْ غَضَبِهِ وَبَطْشِهِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْأَمْنَ كُفْرٌ وَالْمَقَامُ فِيمَا لَيْسَ بِكُفْرٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ مَا يَكُونُ كُفْرٌ إمَّا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ وَالْيَقِينِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا هُوَ بِالظَّنِّ فَفِيهِ أَيْضًا تَأَمُّلٌ (وَضِدُّهُ الْخَوْفُ فَإِنْ كَانَ مَعَ الِاسْتِعْظَامِ) لَهُ تَعَالَى بِاعْتِقَادِ عَظَمَتِهِ (وَالْمَهَابَةِ) أَيْ هَيْبَتِهِ (يُسَمَّى) ذَلِكَ الْخَوْفُ (خَشْيَةٌ) فَالْخَوْفُ مُطْلَقٌ وَالْخَشْيَةُ مُقَيَّدٌ وَالثَّانِيَةُ مَا يَكُونُ فِي الْأَنْبِيَاءِ إذْ لَيْسَ لَهُمْ خَوْفٌ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ وَلَا مِنْ عَذَابِ النَّارِ بَلْ لِكَمَالِ عِرْفَانِهِمْ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ كَقَوْلِهِ ﵊ «أَنَا أَعْرَفُكُمْ بِاَللَّهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً» فَكُلَّمَا ازْدَادَتْ الْمَعْرِفَةُ ازْدَادَتْ الْخَشْيَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وَذَلِكَ مُشَارٌ بِمَا نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ فَتَكُونُ الْخَشْيَةُ خَاصَّةً دُونَ الْخَوْفِ (وَحَقِيقَتُهُ رَعْدَةٌ تَحْدُثُ) أَيْ حَرَكَةُ تَحْصُلُ (فِي الْقَلْبِ عَنْ ظَنٍّ مَكْرُوهٍ) يَنْفِرُ عَنْهُ الطَّبْعُ مُطْلَقًا (يَنَالُهُ) أَيْ الْخَائِفَ (وَسَبَبُهُ) أَيْ الْخَوْفِ (ذِكْرُ الذُّنُوبِ) وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ الْعِقَابِ عَاجِلًا وَآجِلًا (وَ) ذِكْرُ (شِدَّةِ عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَ) ذِكْرُ (ضَعْفِ النَّفْسِ عَنْ احْتِمَالِهَا) أَيْ الْعُقُوبَةِ (وَقُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْك مَتَى شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ وَأَنْتَ عَبْدٌ ذَلِيلٌ عَاجِزٌ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَقَدْ خَلَقَك وَرَزَقَك)

стр. 714

حِسِّيًّا هُوَ مَا يُقِيمُ بِهِ بِنْيَتَك أَوْ مَعْنَوِيًّا مَا يُقِيمُ بِهِ بُنْيَانَ نَفْسِك وَرُوحِك مِنْ الْإِدْرَاكَاتِ وَالْعُلُومِ وَالْفُهُومِ (وَهَدَاك) إلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الْمُوَصِّلِ إيَّاكَ إلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ (وَأَنْتَ) مَعَ ذَلِكَ (تُخَالِفُهُ) بِتَرْكِ مَأْمُورَاتِهِ وَإِتْيَانِ مَنْهِيَّاتِهِ (وَتَعْصِيهِ) بِالْإِقْدَامِ عَلَى مَحَارِمِهِ (وَيُثْمِرُ) أَيْ الْخَوْفُ (الْحُزْنَ وَهُوَ) أَيْ الْحُزْنُ (حَصْرُ النَّفْسِ) وَحَبْسُهَا (عَنْ النُّهُوضِ) أَيْ الشُّرُوعِ وَالْإِقْدَامِ (فِي الطَّرَبِ) فِي السُّرُورِ. (وَ) يُثْمِرُ (التَّوَجُّعَ عَلَى الذَّنْبِ الْمَاضِي وَالتَّأَسُّفَ عَلَى الْعُمْرِ وَالطَّاعَةِ الْفَائِتَيْنِ) وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ صَاحِبُ الْحُزْنِ يَقْطَعُ مِنْ طَرِيقِ اللَّهِ مَا لَا يَقْطَعُهُ مَنْ فَقَدَ حُزْنَهُ سِنِينَ وَفِي الْخَبَرِ «إنَّ اللَّهَ يُحِبَّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ» وَقِيلَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَلْبِ حُزْنٌ خَرِبَ كَمَا أَنَّ الدَّارَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا سَاكِنٌ تَخْرَبُ وَسَمِعَتْ رَابِعَةُ الْعَدَوِيَّةُ رَجُلًا يَقُولُ وَاحُزْنَاه قَالَتْ قُلْ وَاقِلَّةَ حُزْنَاهُ وَلَوْ كُنْت مَحْزُونًا لَمْ يَتَهَيَّأْ لَك تَنَفُّسٌ وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ أَكْثَرُ مَا يَجِدُهُ الْمُؤْمِنُ فِي صَحِيفَتِهِ مِنْ الْحَسَنَاتِ الْهَمُّ وَالْحُزْنُ وَكَانَ السَّلَفُ يَقُولُونَ إنَّ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ زَكَاةً وَزَكَاةُ الْعَقْلِ طُولُ الْحُزْنِ (وَ) يُثْمِرُ الْخَوْفُ أَيْضًا (الْخُشُوعَ وَهُوَ قِيَامُ الْقَلْبِ بَيْنَ يَدَيْ الْحَقِّ) (بِهَمٍّ) أَيْ حُزْنٍ (مَجْمُوعٍ) عَلَى التَّوَجُّهِ لِلْحَقِّ (وَقِيلَ تَذَلُّلُ الْقُلُوبِ لِعَلَّامِ الْغُيُوبِ) لِكَمَالِ عَظَمَتِهِ وَنِهَايَةِ شَرَفِهِ وَعِزَّتِهِ وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ مَنْ خَشَعَ قَلْبُهُ لَمْ يَقْرَبْهُ شَيْطَانٌ وَقِيلَ عَلَامَةُ الْخُشُوعِ أَنَّهُ إذَا أُغْضِبَ أَوْ خُولِفَ أَوْ رُدَّ عَلَيْهِ يَسْتَقْبِلُ ذَلِكَ بِالْقَبُولِ وَقَالَ بَعْضٌ خُشُوعُ الْقَلْبِ قَيْدُ الْعُيُونِ عَنْ النَّظَرِ وَالْخَاشِعُ مَنْ خَمَدَتْ نِيرَانُ شَهْوَتِهِ وَسَكَنَ دُخَانُ صَدْرِهِ وَأَشْرَقَ نُورُ التَّعْظِيمِ مِنْ قَلْبِهِ فَمَاتَتْ شَهَوَاتُهُ وَحَيَّ قَلْبُهُ فَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ. وَعَنْ الْحَسَنِ الْخُشُوعُ الْخَوْفُ الدَّائِمُ اللَّازِمُ وَرَأَى بَعْضُهُمْ رَجُلًا مُنْقَبِضَ الظَّاهِرِ مُنْكَسِرَ الشَّاهِدِ قَدْ زَوَى مَنْكِبَيْهِ فَقَالَ يَا فُلَانُ الْخُشُوعُ هَاهُنَا وَأَشَارَ إلَى صَدْرِهِ لَا هَاهُنَا وَأَشَارَ إلَى مَنْكِبَيْهِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ رَأَى رَجُلًا يَعْبَثُ فِي صَلَاتِهِ بِلِحْيَتِهِ «لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» وَيُقَالُ الْخُشُوعُ مُقَدِّمَاتُ غَلَبَةِ الْهَيْبَةِ وَيُقَالُ هُوَ قُشَعْرِيرَةٌ تَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ بَغْتَةً عِنْدَ مُفَاجَأَةِ كَشْفِ الْحَقِيقَةِ (وَالْيَقِينَ) أَيْ يُثْمِرُ الْيَقِينَ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْمَقَامُ (عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ اسْتِيلَاءُ الْعِلْمِ) قِيلَ اللَّدُنِّي (عَلَى الْقَلْبِ) فَيَخْرُجُ بِهِ مَا لِلدُّنْيَا وَلِلنَّفْسِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْكَرْبِ (وَاسْتِغْرَاقِهِ) أَيْ الْقَلْبِ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ فَيَخْرُجُ بِهِ عَنْ تَدْبِيرِهِ فَيَكُونُ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (يُقَالُ لَا يَقِينَ لِفُلَانٍ لِلْمَوْتِ) قِيلَ الْأَوْلَى بِالْمَوْتِ لِأَنَّ تَعْدِيَتَهُ إمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِالْبَاءِ عَلَى مَا فِي الْمِصْبَاحِ أَقُولُ فَحِينَئِذٍ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْأَوْلَى بِالْمَوْتِ أَوْ الْمَوْتُ بِلَا جَارٍّ بَلْ أَنْ يُقَالَ الصَّوَابُ بَدَلَ الْأَوْلَى فَافْهَمْ. وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ أَنَّ أَقَلَّ الْيَقِينِ إذَا وَصَلَ إلَى الْقَلْبِ يَمْلَأُ الْقَلْبَ نُورًا أَوْ يَنْفِي عَنْهُ كُلَّ قَرِيبٍ يَمْتَلِئُ الْقَلْبُ بِهِ شُكْرًا وَمِنْ اللَّهِ خَوْفًا. وَعَنْ سَهْلٍ ابْتِدَاءُ الْيَقِينِ الْمُكَاشَفَةُ وَحَرَامٌ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ أَنْ يَشُمَّ رَائِحَةَ الْيَقِينِ وَفِيهِ سُكُونٌ إلَى غَيْرِ اللَّهِ. وَعَنْ ذِي النُّونِ الْيَقِينُ دَاعٍ إلَى قَصْرِ الْأَمَلِ وَقَصْرُ الْأَمَلِ إلَى الزُّهْدِ وَالزُّهْدُ يُوَرِّثُ الْحِكْمَةَ وَالْحِكْمَةُ تُوَرِّثُ النَّظَرَ فِي الْعَوَاقِبِ وَعَنْهُ أَيْضًا ثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ الْيَقِينِ قِلَّةُ مُخَالَطَةِ النَّاسِ وَتَرْكُ الْمَدْحِ لَهُمْ فِي الْعَطِيَّةِ وَالتَّنَزُّهُ عَنْ ذَمِّهِمْ عِنْدَ الْمَنْعِ وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ يَقِينِ الْيَقِينِ - النَّظَرُ إلَى اللَّهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ - وَالرُّجُوعُ إلَيْهِ فِي كُلِّ أَمْرٍ - وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِ فِي كُلِّ حَالٍ (إذَا لَمْ يَسْتَوْلِ ذِكْرُهُ) أَيْ الْمَوْتِ (عَلَى قَلْبِهِ وَلَمْ يَسْتَعِدَّ لَهُ)

стр. 715

لِلْمَوْتِ (وَالْعُبُودِيَّةَ) أَيْ يُثْمِرُ الْعُبُودِيَّةَ (وَهِيَ أَنْ تَكُونَ) أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ (عَبْدَهُ) بِأَنْ تَكُونَ فِي طَاعَتِهِ (فِي كُلِّ حَالٍ) فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْخَطْبِ وَالرَّخَاءِ وَالسِّرِّ وَالْعَلَنِ (كَمَا أَنَّهُ رَبُّكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ) فَكَمَا لَمْ يَخْرُجْ هُوَ عَنْ رُبُوبِيَّتِك فَلَا تَخْرُجُ أَنْتَ عَنْ عُبُودِيَّتِهِ (وَهِيَ) أَيْ الْعُبُودِيَّةُ (أَتَمُّ مِنْ الْعِبَادَةِ) قِيلَ هُنَا فَأَوَّلًا عِبَادَةٌ ثُمَّ عُبُودِيَّةٌ ثُمَّ عُبُودَةٌ فَالْعِبَادَةُ لِلْعَوَامِّ وَالْعُبُودِيَّةُ لِلْخَوَاصِّ وَالْعُبُودَةُ لِخَاصِّ الْخَاصِّ أَوْ الْعِبَادَاتُ لِمَنْ لَهُ عِلْمُ الْيَقِينِ وَالْعُبُودِيَّةُ لِمَنْ لَهُ عَيْنُ الْيَقِينِ وَالْعُبُودَةُ لِمَنْ لَهُ حَقُّ الْيَقِينِ أَوْ الْعِبَادَةُ لِأَصْحَابِ الْمُجَاهَدَاتِ وَالْعُبُودِيَّةُ لِأَرْبَابِ الْمُكَابَدَاتِ وَالْعُبُودَةُ أَهْلُ الْمُشَاهَدَاتِ (وَيَلْزَمُهَا) أَيْ الْعُبُودِيَّةَ (الْحُرِّيَّةُ وَهِيَ) أَيْ الْحُرِّيَّةُ (أَنْ لَا يَكُونَ الْعَبْدُ تَحْتَ رِقِّ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ سُلْطَانُ الْمُكَوِّنَاتِ) وَعَلَامَةُ صِحَّتِهِ سُقُوطُ التَّمْيِيزِ عَنْ قَلْبِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ وَحَقِيقَةِ الْحُرِّيَّةِ فِي كَمَالِ الْعُبُودِيَّةِ فَإِذَا صَدَقَتْ لِلَّهِ عُبُودِيَّتُهُ خَلَصَتْ عَنْ رِقِّ الْأَغْيَارِ حُرِّيَّتُهُ. اعْلَمْ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ هِيَ الِانْطِلَاقُ عَنْ رِقِّ الْأَغْيَارِ فَحُرِّيَّةُ الْعَامَّةِ عَنْ رِقِّ الْمُرَادَاتِ لِفِنَاءِ إرَادَتِهِمْ فِي إرَادَةِ الْحَقِّ وَحُرِّيَّةُ الْخَوَاصِّ عَنْ رِقِّ الرُّسُومِ وَالْآثَارِ لِانْمِحَاقِهِمْ فِي تَجَلِّي نُورِ الْأَنْوَارِ (وَيَلْزَمُهَا) أَيْ الْعُبُودِيَّةَ (الْإِرَادَةُ أَيْضًا) كَمَا لَزِمَهَا الْحُرِّيَّةُ (وَهِيَ نُهُوضُ الْقَلْبِ) جِدَّةً (فِي طَلَبِ الْحَقِّ) أَيْ الْمَعْرِفَةِ الذَّوْقِيَّةِ الْوِجْدَانِيَّةِ الْمُسْتَنِدَةِ إلَى الْكَشْفِ لَا الْمَعْرِفِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الْمُسْتَنِدَةِ إلَى الْأَدِلَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]- (بِالْخُرُوجِ عَنْ الْعَادَةِ) إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِتَرْكِ مَا سِوَاهُ قَالَ فِي الْقُشَيْرِيَّةِ الْإِرَادَةُ بَدْءُ طَرِيقِ السَّالِكِينَ وَهِيَ اسْمٌ لِأَوَّلِ مَنْزِلِ الْقَاصِدِينَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا سَمَّى ذَلِكَ إرَادَةً لِتَقَدُّمِهَا عَلَى كُلِّ أَمْرٍ فَمَا لَمْ يُرِدْ الْعَبْدُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ فَالْمُرِيدُ مَنْ لَهُ إرَادَةٌ كَالْعَالِمِ مَنْ لَهُ عِلْمٌ ثُمَّ قَالَ وَتَكَلَّمَ النَّاسُ فِي مَعْنَى الْإِرَادَةِ فَكُلٌّ عَبَّرَ بِمَا لَاحَ لِقَلْبِهِ فَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ هِيَ تَرْكُ مَا عَلَيْهِ الْعَادَةُ وَعَادَةُ النَّاسِ التَّفْرِيجُ فِي أَوْطَانِ الْغَفْلَةِ وَالرُّكُونُ إلَى اتِّبَاعِ الشَّهْوَةِ وَالْإِخْلَادُ إلَى مَا دَعَتْ إلَيْهِ الْمَنِيَّةُ وَالْمُرِيدُ مُنْسَلِخٌ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فَصَارَ خُرُوجُهُ أَمَارَةً عَلَى صِحَّةِ الْإِرَادَةِ فَإِنَّ تَرْكَ الْعَادَةِ أَمَارَةُ الْإِرَادَةِ وَعَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ كُنْت فِي الْبَادِيَةِ وَحْدِي فَضَاقَ صَدْرِي فَقُلْت يَا إنْسُ كَلِّمُونِي يَا جِنُّ كَلِّمُونِي فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ إيشْ تُرِيدُ فَقُلْت اللَّهَ فَقَالَ الْهَاتِفُ مَنْ قَالَ لِلْجِنِّ وَالْإِنْسِ كَلِّمُونِي مَتَى يُرِيدُ اللَّهَ وَالْمُرِيدُ لَا يَفْتُرُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الظَّاهِرِ بِنَعْتِ الْمُجَاهَدَاتِ وَفِي الْبَاطِنِ بِوَصْفِ الْمُكَابَدَاتِ فَارَقَ الْفِرَاشَ وَلَازَمَ الِانْكِمَاشَ وَتَحَمَّلَ الْمَصَائِبَ وَرَكِبَ الْمَتَاعِبَ وَعَالَجَ الْأَخْلَاقَ وَمَارَسَ الْأَشْوَاقَ وَعَانَقَ الْأَهْوَالَ وَفَارَقَ الْأَشْكَالَ. وَعَنْ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ الْإِرَادَةُ لَوْعَةٌ فِي الْفُؤَادِ وَلَذْعَةٌ فِي الْقَلْبِ وَغَرَامٌ فِي الضَّمِيرِ وَانْزِعَاجٌ فِي الْبَاطِنِ وَقِيلَ مِنْ صِفَةِ الْمُرِيدِينَ التَّحَبُّبُ إلَيْهِ بِالنَّوَافِلِ وَالْخُلُوصُ فِي نَصِيحَةِ الْأُمَّةِ وَالْأُنْسُ بِالْخَلْوَةِ وَالصَّبْرُ عَلَى مُقَاسَاةِ الْأَحْكَامِ وَالْإِيثَارُ لِأَمْرِهِ وَالْإِحْيَاءُ مِنْ نَظَرِهِ وَبَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي مَحْبُوبِهِ وَالتَّعَرُّضُ لِكُلِّ سَبَبٍ يُوَصِّلُ إلَيْهِ وَالْقَنَاعَةُ بِالْخُمُولِ وَعَدَمُ الْقَرَارِ بِالْقَلْبِ إلَى أَنْ يُوَصِّلَ إلَى الرَّبِّ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الدَّقَّاقُ آفَةُ الْمُرِيدِ ثَلَاثَةٌ التَّزْوِيجُ وَكَتْبُهُ الْحَدِيثَ وَالْأَسْفَارُ وَقِيلَ لِبَعْضٍ لِمَ تَرَكْت كِتَابَةَ الْحَدِيثِ قَالَ مَنَعَنِي مِنْهَا الْإِرَادَةُ وَقَالَ حَاتِمٌ الْأَصَمُّ إذَا رَأَيْت الْمُرِيدَ يُرِيدُ غَيْرَ مُرَادِهِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ أَظْهَرَ نَذَالَتَهُ. وَعَنْ الْجُنَيْدِ إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِالْمُرِيدِ خَيْرًا أَوْقَعَهُ إلَى الصُّوفِيَّةِ وَمَنَعَهُ عَنْ صُحْبَةِ الْقُرَّاءِ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الدَّقَّاقِ لَا يَكُونُ الْمُرِيدُ مُرِيدًا حَتَّى لَا يَكْتُبَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الشِّمَالِ عِشْرِينَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ الْمُرِيدُ إذَا سَمِعَ شَيْئًا مِنْ عُلُومِ الْقَوْمِ فَعَمِلَ بِهِ صَارَ حِكْمَةً إلَى آخِرِ عُمْرِهِ يَنْتَفِعُ بِهِ وَلَوْ تَكَلَّمَ بِهِ انْتَفَعَ بِهِ مَنْ سَمِعَهُ وَمَنْ سَمِعَ شَيْئًا مِنْ عُلُومِهِمْ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ كَانَ حِكَايَةً يَحْفَظُهَا أَيَّامًا ثُمَّ يَنْسَاهَا وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ أَشَدُّ شَيْءٍ عَلَى الْمُرِيدِ مُعَاشَرَةُ الْأَضْدَادِ وَعَنْ يُوسُفَ بْنِ حُسَيْنٍ إذَا رَأَيْت الْمُرِيدَ يَشْتَغِلُ بِالرُّخَصِ وَالْكَسْبِ فَلَيْسَ يَجِيءُ

стр. 716

مِنْهُ شَيْءٌ. وَعَنْ الْجُنَيْدِ حِينَ سُئِلَ عَنْ مُجَارَاةِ الْحِكَايَاتِ أَنَّهُ قَالَ الْحِكَايَاتُ جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ تَعَالَى يُقَوِّي بِهَا قُلُوبَ الْمُرِيدِينَ وَعَنْهُ أَيْضًا الْمُرِيدُ الصَّادِقُ غَنِيٌّ عَنْ عِلْمِ الْعُلَمَاءِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُرِيدِ وَالْمُرَادُ عِنْدَ الْقَوْمِ أَنَّ الْمُرِيدَ هُوَ الْمُبْتَدِئُ وَالْمُرَادُ هُوَ الْمُنْتَهَى أَوْ الْمُرِيدُ الَّذِي نُصِّبَ بِعَيْنِ التَّعَبِ وَأُلْقَى فِي مُقَاسَاةِ الْمَشَاقِّ وَالْمُرَادُ الَّذِي لَقِيَ الْأَمْرَ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ وَسُنَّةُ اللَّهِ مَعَ الْقَاصِدِينَ مُخْتَلِفَةٌ فَأَكْثَرُهُمْ يُوَفَّقُونَ لِلْمُجَاهَدَاتِ ثُمَّ يَصِلُونَ بَعْدَ مُقَاسَاةِ اللَّتَيَّا وَاَلَّتِي إلَى سَنِيِّ الْمَعَالِي فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يُكَاشَفُونَ فِي الِابْتِدَاءِ بِجَلِيلِ الْمَعَانِي وَيَصِلُونَ إلَى مَا لَا يَصِلُ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ الرِّيَاضَاتِ إلَّا أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يُرَدُّونَ إلَى الْمُجَاهَدَاتِ بَعْدَ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُمْ مَا فَاتَهُمْ مِنْ الْأَحْكَامِ يَعْنِي مِنْ أَحْكَامِ آدَابِ أَهْلِ الرِّيَاضَةِ. وَعَنْ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ أَنَّ مُوسَى مُرِيدٌ حَيْثُ قَالَ - ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥]- وَنَبِيَّنَا ﵊ مُرَادٌ حَيْثُ - قَالَ لَهُ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]- وَقَالَ مُوسَى - ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]- وَقَالَ لِنَبِيِّنَا - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥]- وَقِيلَ أَرْسَلَ ذُو النُّونِ إلَى أَبِي يَزِيدَ رَجُلًا وَقَالَ لَهُ إلَى مَتَى النَّوْمُ وَالرَّاحَةُ وَقَدْ جَاوَزَتْ الْقَافِلَةُ فَقَالَ أَبُو يَزِيدَ قُلْ لِأَخِي ذِي النُّونِ الرَّجُلُ مَنْ يَنَامُ اللَّيْلَ كُلَّهُ ثُمَّ يُصْبِحُ فِي الْمَنْزِلِ قَبْلَ الْقَافِلَةِ فَقَالَ ذُو النُّونِ هَنِيئًا لَهُ هَذَا الْكَلَامُ لَا تَبْلُغُهُ أَحْوَالُنَا انْتَهَى كَلَامُ الْقُشَيْرِيَّةِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) لَعَلَّهُ حُجَّةٌ لِمَا مَرَّ مِنْ كَوْنِ الْخَشْيَةِ خَوْفًا مَعَ الِاسْتِعْظَامِ وَالْمَهَابَةِ لِأَنَّ اعْتِقَادَهُمَا إنَّمَا يَكُونُ بِالْعِلْمِ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] الْعَارِفُونَ بِجَلَالِ ذَاتِهِ وَعَظَمَةِ صِفَاتِهِ قِيلَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى انْحِصَارِ الْخَوْفِ مَعَ الِاسْتِعْظَامِ أَيْ الْخَشْيَةِ فِي الْعُلَمَاءِ وَإِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ اللَّهِ عَالِمًا وَلِذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ فَلَيْسَ بِعَالَمٍ كَمَا فِي الْحَاشِيَة وَفِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ أَنَّ الْخَشْيَةَ إنَّمَا تَكُونُ بِمَعْرِفَةِ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ تُوجِبُ الْخَوْفَ وَاحْتِرَاقَ الْقَلْبِ فَيَظْهَرُ أَثَرُهَا فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ بِالنُّحُولِ وَالْبُكَاءِ وَقَدْ تَنْشَقُّ الْمَرَارَةُ فَيَمُوتُ، وَالْجَوَارِحِ بِالْكَفِّ عَنْ الْمَعَاصِي وَالْتِزَامِ الطَّاعَاتِ وَفِي الصِّفَاتِ بِقَمْعِ الشَّهَوَاتِ إلَى أَنْ تَصِيرَ مَكْرُوهَةً عِنْدَهُ فَلَا يَتَفَرَّغُ إلَّا لَهُ تَعَالَى بِالْمُرَاقَبَةِ وَالْمُجَاهَدَةِ فِي الْأَنْفَاسِ فَقُوَّةُ الْمُرَاقَبَةِ عَلَى قُوَّةِ الْخَوْفِ وَقُوَّةُ الْخَوْفِ عَلَى قُوَّةِ الْمَعْرِفَةِ بِجَلَالِهِ تَعَالَى وَعُيُوبِ النَّفْسِ وَأَقَلُّ دَرَجَاتِ الْخَوْفِ الْكَفُّ عَنْ الْمَحْظُورَاتِ وَيُسَمَّى وَرَعًا وَإِنْ زَادَ إلَى الْكَفِّ عَنْ الشُّبُهَاتِ فَتَقْوَى لِأَنَّهَا فَرْطُ الصِّيَانَةِ وَتَرْكُ مَا يُرِيبُهُ إلَى مَا لَا يُرِيبُهُ وَتَرْكُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ لَعَلَّ مِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْ شَيْخِ شَيْخِنَا مُحَمَّدٍ مُرَادٍ الْبُخَارِيِّ النَّقْشَبَنْدِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ أَنَّهُ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فَوْقَ سُوقٍ سَقْفٌ بُنِيَ بِالظُّلْمِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَمُرَّ مِنْ تَحْتِهِ وَلَا يَرُوحَ مِنْ ظِلِّهِ وَإِذَا وَصَلَ مِنْ التَّجَرُّدِ إلَى أَنْ لَا يَبْنِيَ مَا لَا يَسْكُنُهُ وَلَا يَجْمَعَ مَا لَا يَلْبَسُهُ وَلَا يَأْكُلَهُ وَلَا يَلْتَفِتَ إلَى دُنْيَا يُفَارِقُهَا وَلَا يَصْرِفَ نَفَسًا مِنْ أَنْفَاسِهِ إلَى غَيْرِهِ تَعَالَى فَيُسَمَّى صَاحِبُهُ صِدِّيقًا فَسَبَبُ الْجَمِيعِ الْخَشْيَةُ وَسَبَبُهَا الْمَعْرِفَةُ وَالْمَعْرِفَةُ بِدَوَامِ الْفِكْرِ وَهُوَ بِدَوَامِ الذِّكْرِ وَإِنَّمَا يَتَيَسَّرُ هَذَا بِانْقِلَاعِ حُبِّ الدُّنْيَا وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ بِتَرْكِ لَذَّاتِ الدُّنْيَا وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ بِقَمْعِ الشَّهَوَاتِ وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ بِنَارِ الْخَوْفِ فَالْخَشْيَةُ شَيْءٌ يَحْصُلُ بِهِ الْعِفَّةُ وَالْوَرَعُ وَالتَّقْوَى وَالْمُجَاهَدَةُ ﴿ذَلِكَ﴾ [البينة: ٨] أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الْجِنَانِ وَالرِّضْوَانِ ﴿لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨] فَإِنَّ الْخَشْيَةَ كَمَا عَرَفْت مِلَاكُ الْأَمْرِ وَبَاعِثُ كُلُّ خَيْرٍ لَعَلَّ هَذِهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى فَضْلِ الْخَشْيَةِ (دُنْيَا صف) ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالْأَصْفَهَانِيُّ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِمَ أَتَّقِي النَّارَ؟ قَالَ بِدُمُوعِ عَيْنَيْك» أَيْ بِكَثْرَةِ الْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى فُرُطَاتِهِ وَسَقَطَاتِهِ «فَإِنَّ عَيْنًا بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى» مِنْ قَبِيلِ وَصْفِ النَّكِرَةِ الْعَامَّةِ بِالصِّفَةِ الْعَامَّةِ

стр. 717

«لَا تَمَسُّهَا النَّارُ أَبَدًا» إنْ لَمْ يَعْرِضْ مُنَافِيَهُ أَوْ مَا دَامَ عَلَى الْخَشْيَةِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ دُخُولِ النَّارِ وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَلِجُ النَّارَ مَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ» فَهُوَ فِي الْمَعْنَى تَعَلَّقَ بِالْمُحَالِ (حب. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَرْوِيه عَنْ رَبِّهِ حَدِيثٌ قُدْسِيٌّ وَهُوَ مَا يَكُونُ لَفْظُهُ مِنْ النَّبِيِّ ﵊ وَمَعْنَاهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَالْقُرْآنُ مَا يَكُونُ مِنْ اللَّهِ لَفْظًا وَمَعْنَى وَالْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ مَا يَكُونُ مِنْ النَّبِيِّ لَفْظًا وَمَعْنَى وَفِي الْمَشَارِقِ الْحَدِيثُ الْقُدْسِيُّ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِالْإِلْهَامِ أَوْ الْمَنَامِ فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِعِبَارَةٍ مِنْ نَفْسِهِ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَلَا أَمْنَيْنِ إذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا آمَنْته» بِالْمَدِّ أَيْ جَعَلْته آمِنًا مِنْ الْعَذَابِ «يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِذَا أَمِنَنِي» بِالْقَصْرِ «فِي الدُّنْيَا» بِالْإِقْدَامِ عَلَى الْمَنْهِيَّاتِ وَالِانْكِبَابِ عَلَى الْمَعْصِيَاتِ «أَخَفْته» مِنْ الْإِخَافَةِ «يَوْمَ الْقِيَامَةِ» كِنَايَةٌ عَنْ عِقَابِهِ فِيهَا لَعَلَّ هَذَا الْأَمْنَ شَامِلٌ لِمَا يَكُونُ كُفْرًا وَمَا دُونَهُ لَكِنْ احْتِجَاجُ الْمُصَنِّفُ بِمَا لَا يَكُونُ كُفْرًا فَمَنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا خَوْفُهُ أَشَدَّ كَانَ أَمْنُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَشَدَّ وَبِالْعَكْسِ لِأَنَّ مَنْ أُعْطِيَ عِلْمَ الْيَقِينِ فِي الدُّنْيَا طَالَعَ الصِّرَاطَ وَأَهْوَالَهُ بِقَلْبِهِ فَذَاقَ مِنْ الْخَوْفِ وَرَكِبَ مِنْ الْأَهْوَالِ مَا لَا يُوصَفُ فَيَضَعُهُ عَنْهُ غَدًا وَلَا يُذِيقُهُ مَرَارَتَهُ مَرَّةً ثَانِيَةً. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ مَنْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا مِمَّا يَصْنَعُ اسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْ سُؤَالِهِ فِي الْقِيَامَةِ وَلَمْ يَجْمَعْ عَلَيْهِ حَيَاءَيْنِ كَمَا لَمْ يَجْمَعْ عَلَيْهِ خَوْفَيْنِ. قَالَ الْعَارِفُونَ الْخَوْفُ خَوْفَانِ خَوْفُ عِقَابٍ وَخَوْفُ

стр. 718

جَلَالٍ وَالْأَوَّلُ نَصِيبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَالثَّانِي نَصِيبُ أَهْلِ الْقُلُوبِ وَالْأَوَّلُ يَزُولُ وَالثَّانِي لَا يَزُولُ. قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ كُلَّمَا صِرْت أَقْرَبَ فَأَمْرُك أَخْوَفُ وَالْمُعَامَلَةُ أَشَدُّ وَالْخَطَرُ أَعْظَمُ فَإِذَنْ لَا سَبِيلَ إلَى الْأَمْنِ وَكَانَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ يَقُولُ كَيْفَ تَأْمَنُ وَإِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ ﵊ يَقُولُ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] وَيُوسُفُ ﵊ يَقُولُ ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١] وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ لَا يَزَالُ يَقُولُ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ كَأَنَّهُ فِي سَفِينَةٍ يَخْشَى الْغَرَقَ وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَبْكِي كُلَّ لَيْلَةٍ فَقِيلَ أَبُكَاؤُك لِلذُّنُوبِ فَحَمَلَ تِبْنًا فَقَالَ الذُّنُوبُ عَلَى اللَّهِ أَهْوَنُ مِنْ هَذَا إنَّمَا أَخْشَى أَنْ يَسْلُبَنِي الْإِسْلَامَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى (ت. عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنِّي أَرَى» فِي مُلْكِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَلَكُوتِهِ مِنْ الْأَسْرَارِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْأَنْوَارِ الْجَلَّالِيَّةِ وَالْجَمَالِيَّةِ «مَا لَا تَرَوْنَ» لِانْحِجَابِ الْقُلُوبِ وَقُصُورِ الْبَصَائِرِ عَنْ النُّفُوذِ فِي عَوَالِمِ الْغُيُوبِ «وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ» أَنْتُمْ بِالِالْتِهَاءِ بِالْأَغْيَارِ وَالِاشْتِغَالِ بِحَوَادِثِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَامْتِلَاءِ الْأَفْكَارِ مِنْ أَوْسَاخِ الْأَكْدَارِ «أَطَّتْ» مِنْ أَطَّ الرَّجُلُ يَئِطُّ أَطِيطًا وَأَطِيطُ الْإِبِلِ حَنِينُهَا مِنْ ثِقَلِ الْأَحْمَالِ «السَّمَاءُ» مِنْ ثِقَلِ مَا فِيهَا وَهَذَا مَثَلٌ لِكَثْرَةِ الْمَلَائِكَةِ كَثْرَةً لَا يَسَعُهَا عَقْلُ الْبَشَرِ فَهُوَ تَقْرِيبٌ أُرِيدَ بِهِ تَقْرِيبُ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى «وَحُقَّ» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَوْ الْفَاعِلِ «لَهَا» أَيْ السَّمَاءِ «أَنْ تَئِطَّ» أَيْ يَظْهَرَ لَهَا ذَلِكَ الصَّوْتُ «مَا فِيهَا» أَيْ فِي السَّمَاءِ «مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ لِلَّهِ تَعَالَى سَاجِدًا» تَعْظِيمًا لِجَلَالِهِ وَأَدَاءً لِحَقِّ رُبُوبِيَّتِهِ «وَاَللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ» مِنْ عِظَمِ جَلَالَتِهِ «لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» لِغَلَبَةِ الْخَوْفِ وَالشَّفَقَةِ مِنْ الِانْتِقَامِ «وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ» مِنْ هَوْلِ مَا عَلِمْتُمْ «وَلَخَرَجْتُمْ إلَى الصُّعُدَاتِ» أَيْ إلَى وُجُوهِ الْأَرَاضِي «تَجْأَرُونَ» تَسْتَغِيثُونَ بِالدُّعَاءِ «إلَى اللَّهِ تَعَالَى» مِنْ رُؤْيَتِكُمْ إفْرَاطَ قُصُورِكُمْ فِي خِدْمَةِ مَوْلَاكُمْ وَقُوَّةِ تَقَاعُدِكُمْ عَنْ طَاعَةِ رَبِّكُمْ أَيْ لَخَرَجْتُمْ إلَى الْمَفَاوِزِ الصَّحَارِي وَتَوَطَّنْتُمْ فِي الْجِبَالِ وَالْمَغَارَاتِ لِلتَّضَرُّعِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَلِلْعُزْلَةِ وَالْوِحْدَةِ لِتَحْصِيلِ الطَّاعَاتِ وَرَغَبَاتِ الْعِبَادَاتِ (لَوَدِدْت) تَمَنَّيْت مِنْ عِظَمِ مَا أَرَى وَأَسْمَعُ وَأَعْلَمُ (أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ) تُقْطَعُ بِالْعَضُدِ وَهُوَ حَدِيدَةٌ تُتَّخَذُ لِقَطْعِ الشَّجَرِ (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (قَالَ) - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوَدِدْت» أَيْ تَمَنَّيْت «أَنِّي كُنْت شَجَرَةً تُعْضَدُ» أَيْ تُقْطَعُ فَيُوقَدُ بِهَا كَذَا قِيلَ لَكِنْ الظَّاهِرُ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ فَاعِلَ قَالَ ضَمِيرٌ لِأَبِي ذَرٍّ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الرِّوَايَةُ الْأُولَى كَالثَّانِيَةِ لِأَبِي ذَرٍّ أَدْرَجَهُ بِكَلَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ

стр. 719

فِي صُدُورِ مِثْلِهِ عَنْهُ ﵊ نَوْعَ بُعْدٍ لِكَوْنِهِ مَغْفُورًا لَهُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ أَقُولُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ «لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا» وَقَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ خَوْفَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَعْرِفَتِهِمْ فَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ لِخَوْفِ الْعَذَابِ بَلْ لِمَهَابَتِهِ تَعَالَى وَمَعْرِفَةِ قَدْرِ عَظَمَتِهِ وَجَلَالَتِهِ (وَعَنْ الْفُضَيْلِ ﵀) بْنِ عِيَاضٍ الْوَلِيِّ الْجَلِيلِ خُرَاسَانِيِّ الْأَصْلِ مِنْ نَاحِيَةِ مَرْوَ مَاتَ فِي مَكَّةَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ وَمِنْ مَقُولِهِ إذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا أَكْثَرَ غَمَّهُ وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا أَوْسَعَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ إذَا مَاتَ الْفُضَيْلُ ارْتَفَعَ الْحُزْنُ وَمِنْ مَقُولِهِ لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا بِزَخَارِفِهَا عُرِضَتْ عَلَيَّ وَلَا أُحَاسَبُ عَلَيْهَا لَكُنْت أَتَقَذَّرُ عَلَيْهَا كَمَا يَتَقَذَّرُ أَحَدُكُمْ مِنْ الْجِيفَةِ إذَا مَرَّ بِهَا أَنْ تُصِيبَ ثَوْبَهُ وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الرَّازِيّ صَحِبْت الْفُضَيْلَ ثَلَاثِينَ سَنَةً فَمَا رَأَيْته ضَاحِكًا وَلَا مُتَبَسِّمًا إلَّا يَوْمَ مَاتَ ابْنُهُ فَقُلْت لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ إنَّ اللَّهَ أَحَبَّ أَمْرًا فَأَحْبَبْته كَذَا فِي الْقُشَيْرِيَّةِ (إنِّي لَا أَغْبِطُ) مِنْ الْغِبْطَةِ (مَلَكًا مُقَرَّبًا وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا وَلَا عَبْدًا صَالِحًا) هُوَ مَنْ صَرَفَ عُمْرَهُ فِي طَاعَتِهِ تَعَالَى الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّنَزُّلِ خِلَافُ التَّرَقِّي لَكِنْ ذِكْرُ الْآخَرِ بَعْدَ الْأَوَّلَيْنِ لِمُجَرَّدِ الْبَسْطِ وَالْإِطْنَابِ وَإِلَّا فَكَانَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِمَا وَأَشَارَ إلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ بِقَوْلِهِ (أَلَيْسَ هَؤُلَاءِ يُعَايِنُونَ الْقِيَامَةَ) أَهْوَالَهَا وَأَحْوَالَهَا لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَعْصُومَ لَيْسَ لَهُ خَوْفُ الْقِيَامَةِ فَظَاهِرُهُ يُنَافِي عِصْمَتَهُمْ إلَّا أَنْ يُقَالَ خَوْفُهُمْ مِنْ الْمُعَايَنَةِ لَا لِنَفْسِهِمْ بَلْ لِغَيْرِهِمْ كَالْأُمَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَنْبِيَائِهِمْ أَوْ يَزْدَادُ خَوْفُ الْمَهَابَةِ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ لِازْدِيَادِ الْمَعْرِفَةِ بِظُهُورِ آثَارِ الْقُدْرَةِ الْقَوِيَّةِ (إنَّمَا أَغْبِطُ مَنْ لَمْ يُخْلَقْ) فِيهِ مُسَامَحَةٌ إذْ الْغِبْطَةُ: تَمَنِّي مِثْلِ نِعْمَةِ الْغَيْرِ قَالَ فِي الْقُشَيْرِيَّةِ كَانَ الْفُضَيْلُ شَاطِرًا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ بَيْنَ أَبِي وَرْدٍ وَسَرْخَسَ وَكَانَ سَبَبُ تَوْبَتِهِ أَنَّهُ عَشِقَ جَارِيَةً فَبَيْنَمَا هُوَ يَتَرَقَّى الْجُدْرَانَ إلَيْهَا سَمِعَ تَالِيًا يَتْلُو - ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]- فَقَالَ يَا رَبِّ قَدْ تُبْت فَرَجَعَ فَأَدَّاهُ اللَّيْلُ إلَى خَرِبَةٍ فَإِذَا فِيهَا رِفْقَةٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَرْتَحِلُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ حَتَّى نُصْبِحَ فَإِنَّ فُضَيْلًا عَلَى الطَّرِيقِ يَقْطَعُ عَلَيْنَا قَالَ فَتَابَ الْفُضَيْلُ وَآمَنَهُمْ وَجَاوَرَ الْحَرَمَ حَتَّى مَاتَ وَذَكَرَ الْقِصَّةَ فِي رَوْضَةِ الزَّنْدَوَسْتِيِّ بِغَيْرِ هَذَا (وَعَنْ عَطَاءِ) بْنِ أَبِي رَبَاحٍ التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ (لَوْ أَنَّ نَارًا أُوقِدَتْ فَقِيلَ مَنْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِيهَا صَارَتْ) أَيْ تِلْكَ النَّفْسُ (لَا شَيْئًا)

стр. 720

أَيْ مَعْدُومًا لَا يَرَى الْقِيَامَةَ وَالْحِسَابَ كَالْحَيَوَانَاتِ (لَخَشِيت أَنْ أَمُوتَ مِنْ الْفَرَحِ قَبْلَ أَنْ أَصِلَ) مِنْ الْوُصُولِ (إلَى النَّارِ) لِأَنَّ الْفَرَحَ الْغَالِبَ قَدْ يُؤَدِّي إلَى الْمَوْتِ وَإِنَّمَا قَالَ لَخَشِيت إلَخْ لِعَدَمِ حُصُولِ مَقْصُودِهِ بِالْمَوْتِ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى النَّارِ فَيُحْشَرُ فِي الْقِيَامَةِ فَلِأَجْلِ هَذَا قَالَ لَخَشِيت أَنْ أَمُوتَ مِنْ الْفَرَحِ قَبْلَ أَنْ أَصِلَ إلَى النَّارِ وَلَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودِي وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْدُومَ الْوُجُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَقُولُ هَذَا مِثْلُهُ تَصْوِيرٌ لِرُتْبَةِ خَوْفِ اللَّهِ وَتَنْظِيرٌ لِشِدَّةِ هَوْلِ الْقِيَامَةِ وَتَهْوِيلُ مَا أَعَدَّ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْعُصَاةِ وَإِلَّا فَالْوُجُودُ مِنْ أَشْرَفِ النِّعَمِ الَّتِي امْتَنَّ اللَّهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ وَطَلَبَ شُكْرَهَا مِنْهُمْ فَلَا يَلْزَمُ الْكُفْرَانُ أَيْضًا (وَعَنْ السَّرِيِّ) السَّقَطِيِّ خَالِ الْجُنَيْدِ وَأُسْتَاذِهِ وَتِلْمِيذِ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ أَوْحَدِ زَمَانِهِ فِي الْوَرَعِ وَالْأَحْوَالِ السُّنِّيَّةِ رَوَى أَنَّهُ كَانَ يَتَّجِرُ فِي السُّوقِ فَجَاءَ مَعْرُوفٌ يَوْمًا وَمَعَهُ صَبِيٌّ يَتِيمٌ فَقَالَ اُكْسُ هَذَا الْيَتِيمَ فَكَسَاهُ فَفَرِحَ بِهِ وَقَالَ بَغَّضَ اللَّهُ إلَيْك الدُّنْيَا وَأَرَاحَك مِمَّا كُنْت فِيهِ فَقَامَ مِنْ الْحَانُوتِ وَلَيْسَ شَيْءٌ أَبْغَضَ إلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا وَنُقِلَ عَنْهُ: كُلُّ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ بَرَكَاتِ مَعْرُوفٍ وَيُحْكَى عَنْهُ أَنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً فِي الِاسْتِغْفَارِ مِنْ قَوْلِي الْحَمْدُ لِلَّهِ مَرَّةً قِيلَ لَهُ كَيْفَ ذَلِكَ قَالَ وَقَعَ بِبَغْدَادَ حَرِيقٌ فَاسْتَقْبَلَنِي وَاحِدٌ فَقَالَ لَمْ يُحْرَقْ حَانُوتُك فَقُلْت: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَمُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَنَا نَادِمٌ عَلَى مَا قُلْت حَيْثُ أَرَدْت لِنَفْسِي خَيْرًا مِمَّا نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ وَعَنْ الْجُنَيْدِ يَقُولُ سَمِعْت السَّرِيَّ يَقُولُ أُعَرِّفُك طَرِيقًا مُخْتَصَرًا قَصْدًا إلَى الْجَنَّةِ فَقُلْت لَهُ مَا هُوَ فَقَالَ أَنْ لَا تَسْأَلَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا وَلَا تَأْخُذَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا وَلَا يَكُونَ مَعَك شَيْءٌ تُعْطِي أَحَدًا وَعَنْ الْجُنَيْدِ يَقُولُ دَخَلْت يَوْمًا عَلَى السَّرِيِّ وَهُوَ يَبْكِي فَقُلْت مَا يُبْكِيك فَقَالَ جَاءَتْنِي الْبَارِحَةَ الصِّبْيَةُ فَقَالَتْ هَذِهِ اللَّيْلَةُ حَارَّةٌ فَخُذْ الْكُوزَ فَعَلِّقْهُ هَاهُنَا ثُمَّ إنِّي غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَرَأَيْت جَارِيَةً مِنْ أَحْسَنِ الْخَلْقِ قَدْ نَزَلَتْ مِنْ السَّمَاءِ فَقُلْت لِمَنْ أَنْتِ فَقَالَتْ لِمَنْ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ الْمُبَرَّدَ فِي الْكِيزَانِ فَتَنَاوَلْت الْكُوزَ فَضَرَبْت بِهِ الْأَرْضَ (أَنَّهُ قَالَ أَنَا أَنْظُرُ فِي أَنْفِي فِي الْيَوْمِ كَذَا وَكَذَا) قِيلَ كِنَايَةٌ عَنْ إحْدَى وَعِشْرِينَ (مَرَّةً) تَمْيِيزٌ لِكَذَا وَكَذَا لَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ كِتَابِ الْإِقْرَارِ فِي الْفِقْهِ (مَخَافَةَ أَنْ تَسْوَدَّ صُورَتِي لِمَا أَتَعَاطَاهُ) مِنْ الْفُرُطَاتِ وَالتَّقْصِيرَاتِ (وَعَنْهُ) أَيْ السَّرِيِّ (أَنَّهُ قَالَ أَشْتَهِي) أُحِبُّ (أَنْ أَمُوتَ بِبَلْدَةٍ غَيْرِ بَغْدَادَ مَخَافَةَ أَنْ لَا يَقْبَلَنِي قَبْرِي) فَيَلْفِظَنِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ (فَأَفْتَضِحَ) بَيْنَ الْأَحْبَابِ وَالْأَبَاعِدِ الْكُلُّ مَتْنًا وَشَرْحًا مِنْ الْقُشَيْرِيَّةِ هَذَا خَوْفُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَأَمَّا خَوْفُ غَيْرِهِمْ فَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى جَبْرَائِيلَ مُتَعَلِّقًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ يَصْرُخُ إلَهِي لَا تُغَيِّرْ اسْمِي وَلَا تُبَدِّلْ جِسْمِي وَإِنَّ إبْلِيسَ بَعْدَ عِبَادَتِهِ ثَمَانِينَ أَلْفَ سَنَةٍ آلَى أَنْ لَا يَتْرُكَ مَوْضِعَ قَدَمٍ إلَّا وَقَدْ سَجَدَ فَتَرَكَ أَمْرًا وَاحِدًا فَلَعَنَهُ إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا أَلِيمًا أَبَدَ الْآبِدِينَ وَأَنَّ آدَمَ صَفِيَّ اللَّهَ وَنَبِيَّهُ بَعْدَ خَلْقِهِ بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ وَحَمَلَهُمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ إلَى جِوَارِهِ ثُمَّ بِأَكْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَصَابَهُ مَا أَصَابَهُ فَأَوْقَعَهُ بِالْأَرْضِ وَبَكَى إلَى مِائَتَيْ سَنَةٍ وَتَبِعَتْهُ ذُرِّيَّتُهُ فِيهَا إلَى الْأَبَدِ وَأَنَّ نُوحًا مَعَ كَوْنِهِ شَيْخَ الْمُرْسَلِينَ الَّذِي احْتَمَلَ فِي أَمْرِ دِينِهِ مَا احْتَمَلَ فَبِقَوْلِهِ كَلِمَةً وَاحِدَةً نُودِيَ - ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]- حَتَّى قِيلَ إنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَيَاءً مِنْ اللَّهِ وَأَنَّ إبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ إلَّا هَفْوَةٌ وَاحِدَةٌ فَكَمْ خَافَ وَتَضَرَّعَ إلَى أَنْ قَالَ - ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشعراء: ٨٢]- حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ بَكَى مِنْ شِدَّةِ خَوْفِهِ إلَى أَنْ أَرْسَلَ

стр. 721

تَعَالَى جَبْرَائِيلَ يَقُولُ يَا إبْرَاهِيمُ هَلْ رَأَيْت خَلِيلًا يُعَذِّبُ خَلِيلَهُ بِالنَّارِ فَقَالَ يَا جَبْرَائِيلُ إذَا ذَكَرْتُ خَطِيئَتِي نَسِيت خُلَّتَهُ وَأَنَّ مُوسَى ﵊ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ إلَّا لَطْمَةٌ عَلَى خَدِّهِ كَمْ خَافَ وَتَضَرَّعَ وَقَالَ ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] وَفِي زَمَانِهِ بَلْعَمُ بْنُ بَاعُورَا كَانَ لَهُ قُوَّةُ رُؤْيَةِ الْعَرْشِ وَيُوضَعُ فِي مَجْلِسِهِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَحْبَرَةٍ لِلْمُتَعَلِّمِينَ فَمَيْلُهُ إلَى الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا مَيْلَةً وَاحِدَةً وَتَرْكُهُ لِوَلِيٍّ مِنْ أَوْلِيَائِهِ حُرْمَةٌ وَاحِدَةٌ سَلَبَ اللَّهُ مَعْرِفَتَهُ وَأَوْقَعَهُ فِي بَحْرِ الضَّلَالَةِ أَبَدَ الْآبِدِينَ فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ سُخْطِهِ وَقَطِيعَةِ خِذْلَانِهِ الَّذِي لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ فَانْظُرْ حُبَّ الدُّنْيَا وَشُؤْمَهَا مَاذَا يَجْلِبُ لِلْعُلَمَاءِ خَاصَّةً فَتَنَبَّهْ فَالْأَمْرُ خَطِيرٌ وَالْعُمْرُ قَصِيرٌ وَفِي الْعَمَلِ تَقْصِيرٌ وَالنَّاقِدُ بَصِيرٌ وَأَنَّ دَاوُد ﵊ أَذْنَبَ ذَنْبًا وَاحِدًا فَبَكَى إلَى أَنْ نَبَتَ الْعُشْبُ فِي الْأَرْضِ مِنْ دُمُوعِهِ وَقَالَ: أَمَا تَرْحَمُ بُكَائِي وَتَضَرُّعِي فَأُجِيبَ يَا دَاوُد نَسِيت ذَنْبَك وَذَكَرْت بُكَاءَك وَلَمْ يَقْبَلْ تَوْبَتَهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَأَنَّ يُونُسَ ﵊ بِغَضَبٍ وَاحِدٍ سَجَنَهُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَسَبَّحَ وَشَفَعَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ [القلم: ٤٩]- وَأَنَّ سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ - الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٢ - ٣] وَ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]- «كَانَ يُصَلِّي كُلَّ اللَّيْلِ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ فَقِيلَ أَتَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَيَقُولُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» . «وَكَانَ يَقُولُ لَوْ أَنِّي وَعِيسَى أُخِذْنَا بِمَا كَسَبْت هَاتَانِ لَعُذِّبْنَا عَذَابًا لَمْ يُعَذِّبْهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ» . «وَكَانَ يُصَلِّي اللَّيْلَ وَيَقُولُ أَعُوذُ بِعَفْوِك مِنْ عِقَابِك وَبِرِضَاك مِنْ سَخَطِك» . الْكُلُّ مِنْ مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ التَّوْفِيقِ وَالتَّأْوِيلِ لِمَا ذُكِرَ فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ فَافْهَمْ. ثُمَّ أَرَادَ الْمُصَنِّفُ نُصْحَ الْإِخْوَانِ اسْتِشْفَاقًا بِهِمْ فَقَالَ (فَيَا أَيُّهَا الْإِخْوَانُ) الْفَاءُ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَعْلُولِ إذْ مَا ذُكِرَ مِنْ خَوْفِ الْمُقَرَّبِينَ عِلَّةٌ لِمَا ذُكِرَ بَعْدَهُ وَعَبَّرَ بِالْإِخْوَانِ إذْ مَعْنَى الْأُخُوَّةِ يُوجِبُ الشَّفَقَةَ فَالنَّصِيحَةُ لَهُمْ تَرْغِيبًا لِمَا يَنْفَعُهُمْ وَتَرْهِيبًا مِمَّا يَضُرُّهُمْ (ذَوُو الْإِجْرَامِ) جَمْعُ جُرْمٍ قِيلَ أَيْ أَصْحَابُ الْمَعَاصِي الْعَظِيمَةِ وَالْأَوْزَارِ الْفَخِيمَةِ (اُنْظُرُوا إلَى هَؤُلَاءِ الْأَعْلَامِ الْكِرَامِ) مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الْعِظَامِ بَلْ الْأَنْبِيَاءِ الْفِخَامِ (وَالْمَشَايِخِ الْبَرَرَةِ) جَمْعُ بَرٍّ (الْخِيرَةِ) بِمَعْنَى الْخِيَارِ (الْعِظَامِ) أَشْكَلَ بِأَنَّهُ جَمْعُ عَظْمٍ وَجَمْعُ عَظِيمٍ إنَّمَا هُوَ عُظَمَاءُ (كَيْفَ خَافُوا) أَيْ كَيْفِيَّةُ خَوْفِهِمْ مِنْ الْقُوَّةِ (مَخَافَةً لَيْسَ فِينَا عُشْرُ عُشْرِهَا) مَعَ مَا كَانَ فِينَا مِنْ التَّقْصِيرَاتِ وَالزَّلَّاتِ وَالْمُيُولَاتِ الْفَاسِدَةِ وَتَبَعِيَّةِ النَّفْسِ الْأَمَارَةِ الْكَاسِدَةِ وَارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَإِصْرَارِ الصَّغَائِرِ دَائِمًا مَعَ عَدَمِ إتْيَانِ طَاعَتِهِ بِشَرَائِطِهَا وَعَدَمِ أَدَاءِ عِبَادَتِهِ بِكَمَالِهَا وَهُمْ مُتَجَرِّدُونَ عَنْ عَوَائِقِ أَنْفُسِهِمْ وَمُتَبَحِّرُونَ فِي اسْتِغْرَاقِ قُدْسِهِمْ صَارِفُونَ دَقَائِقَ أَوْقَاتِهِمْ إلَى رِضَا رَبِّهِمْ وَبَاذِلُونَ جُهْدَهُمْ إلَى تَبَعِيَّةِ نَبِيِّهِمْ (وَنَحْنُ أَحَقُّ بِهَا) بِالْمُخَالَفَةِ (مِنْهُمْ بِمَرَاتِبَ) كَثِيرَةٍ (لَا تُحْصَى وَلَا سَبَبَ لِهَذَا) الْأَمْنِ مِنَّا وَالْخَوْفِ مِنْهُمْ (إلَّا أَنَّ قُلُوبَنَا غَافِلَةٌ) عَنْ اللَّهِ لَاهِيَةٌ بِزَخَارِفِ الدُّنْيَا عَنْ مُطَالَعَةِ اللَّاهُوتِ وَالْجَبَرُوتِ (قَاسِيَةٌ) غَلِيظَةٌ لَا تَتَّعِظُ بِالْمَوَاعِظِ (وَقُلُوبُهُمْ ذَاكِرَةٌ) لَهُ تَعَالَى بِحَيْثُ لَا تَغِيبُ لَحْظَةً (زَاكِيَةٌ) طَيِّبَةٌ طَاهِرَةٌ عَنْ الْأَوْسَاخِ وَكُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ مُلْهٍ عَنْ اللَّهِ فَهُوَ نَجِسٌ (صَافِيَةٌ) مِنْ أَكْدَارِ الشَّوَاغِلِ وَالْحُظُوظِ النَّفْسَانِيَّةِ (فَمَا بَقِيَ فِينَا) عَلَى حَسْبِ عَادَتِهِ تَعَالَى (سَبَبُ رَجَاءِ) رَحْمَتِهِ تَعَالَى وَخَلَاصِ قَهْرِهِ (إلَّا أَنَّ كُلَّنَا اشْتَاقَ) لَعَلَّ الْأَوْلَى نَشْتَاقُ (إلَيْهِمْ وَأَحَبَّ) فَإِنَّ الْمَحَبَّةَ مُوجِبَةٌ لِلْوَصْلَةِ كَمَا قَالَ (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) كَمَا مَرَّ «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» فَعَلَى قَدْرِ الْمَحَبَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ قَدْرُ الْمَعِيَّةِ الْأُخْرَوِيَّةِ لَكِنْ

стр. 722

فِي أَصْلِ الْكَرَامَةِ لَا فِي جَمِيعِ الدَّرَجَاتِ كَمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ كَمَا نُسِبَ إلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ قَوْلُهُ أُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَلَسْت مِنْهُمْ ... وَلَكِنِّي بِهِمْ أَرْجُو الشَّفَاعَةَ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا حَشَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي زُمْرَتِهِمْ» وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا وَوَالَاهُمْ حَشَرَهُ اللَّهُ فِيهِمْ» قَالَ فِي شَرْحِهِ فَمَنْ أَحَبَّ أَوْلِيَاءَ الرَّحْمَنَ فَهُوَ مَعَهُمْ فِي الْجِنَانِ وَمَنْ أَحَبَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ فَهُوَ مَعَهُمْ فِي النِّيرَانِ فَالْمُحِبُّ مَعَ مَحْبُوبِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَفِي حَدِيثِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ «وَلَا يُحِبُّ رَجُلٌ قَوْمًا إلَّا جَعَلَهُ مِنْهُمْ» وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّجُلُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْمَلَ بِعَمَلِهِمْ ثُمَّ قَالَ أَنْتَ يَا أَبَا ذَرٍّ مَعَ مَنْ أَحْبَبْت فَأَعَادَهَا أَبُو ذَرٍّ فَأَعَادَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵊» لَكِنْ يُعَارِضُ مِثْلَهُ قَوْلُ الْحَسَنِ يَا ابْنَ آدَمَ لَا يَغُرَّنَّكَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ فَإِنَّك لَنْ تَلْحَقَ الْأَبْرَارَ إلَّا بِأَعْمَالِهِمْ فَإِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُحِبُّونَ أَنْبِيَاءَهُمْ وَلَيْسُوا مَعَهُمْ. وَعَنْ الْغَزَالِيِّ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الْمَحَبَّةِ مِنْ غَيْرِ مُوَافَقَةٍ وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ لَيْسَتْ بِمُفِيدَةٍ. وَعَنْ الْفُضَيْلِ أَتُرِيدُ أَنْ تَسْكُنَ الْفِرْدَوْسَ وَتُجَاوِرَ الرَّحْمَنَ فِي دَارِهِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ بِأَيِّ عَمَلٍ عَمِلْت بِأَيِّ شَهْوَةٍ تَرَكْت بِأَيِّ غَيْظٍ كَظَمْت بِأَيِّ رَحِمٍ وَصَلْت وَأُجِيبَ الْمُحِبُّ لِقَوْمٍ إمَّا مُوَافِقٌ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِمْ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْهُمْ وَإِمَّا مُخَالِفٌ فِي الْكُلِّ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ وَلَا يُحْشَرُ مَعَهُمْ وَعَلَيْهِ حَمَلَ الْغَزَالِيُّ كَلَامَ الْحَسَنِ وَإِمَّا مُوَافِقٌ فِي الْبَعْضِ مُخَالِفٌ فِي الْبَعْضِ فَإِنْ خَالَفَهُمْ فِي الْإِيمَانِ فَلَيْسَ مِنْهُمْ قَطْعًا فَمَحَبَّةُ الْيَهُودِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَإِنْ الْمُوَافَقَةُ فِي الْإِيمَانِ وَالْمُخَالَفَةُ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ تَرْجِيحًا لِلْغَيْرِ وَكَسَلًا بِلَا اعْتِنَاءٍ لَهَا فَلَا يَنْفَعُهُ مُجَرَّدُ الْمَحَبَّةِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَرْجِيحًا وَكَسَلًا بَلْ عَجْزٌ مَعَ اجْتِهَادٍ وَتَقْصِيرٌ بِضَرُورَةٍ فَيُرْجَى لُحُوقُهُ بِهِمْ وَحَشْرُهُ مَعَهُمْ وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ الْآثَارُ الْوَارِدَةُ فِي هَذَا الْبَابِ وَلِهَذَا اشْتَدَّ فَرَحُ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ كَمَا مَرَّ لَعَلَّ تَحْقِيقَهُ شَرْطِيَّةُ أَنْ يَعْمَلَ الْمُحِبُّ جِنْسَ عَمَلِ الْمَحْبُوبِينَ حَسْبَمَا اسْتَطَاعَ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَمْثَالِ أَعْمَالِهِمْ أَعْيَانًا وَأَفْرَادًا فَهَذَا تَحْقِيقُ قَوْلِهِ (إنْ كَانَ مُجَرَّدُ الْمَحَبَّةِ مِنْهَا) لَهُمْ لِصَلَاحِهِمْ (بِدُونِ الِاتِّبَاعِ) فِي الْجَمِيعِ (يُعْتَدَّ بِهَا) أَيْ بِالْمَحَبَّةِ وَبِالْجُمْلَةِ مَحَبَّةُ الصَّالِحِينَ أَمْرٌ مُهِمٌّ رَجَاءَ اللِّحَاقِ بِهِمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا قَالَ شَاءَ الْكَرْمَانِيُّ مَا تَعَبَّدَ مُتَعَبِّدٌ بِأَكْثَرَ مِنْ التَّحَبُّبِ إلَى أَوْلِيَاءِ اللَّهِ فَإِذَا أَحَبَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ فَأَحَبَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ مَنْ صَحِبَ الْأَوْلِيَاءَ بِصِدْقٍ أَلْهَاهُ ذَلِكَ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَمِيعِ أَشْغَالِهِ وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ هَذَا مَعَ الْأَوْلِيَاءِ لَا يَشُمَّ رَائِحَةَ الِاشْتِغَالِ بِاَللَّهِ أَبَدًا وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْبَجَلِيِّ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ قَالَ فَقُلْت يَا سَيِّدِي أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ فَقَالَ وُقُوفُك بَيْنَ يَدَيْ وَلِيٍّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ كَحَلْبِ شَاةٍ خَيْرٌ لَك مِنْ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ إرَبًا إرَبًا فَقُلْت حَيًّا وَمَيِّتًا؟ فَقَالَ نَعَمْ. ثُمَّ أَقُولُ تَفْصِيلًا آخَرَ لَعَلَّك لَا تَسْأَمُ وَلَا تَمَلُّ لِنَفَاسَتِهِ وَعِزَّةِ مَطْلُوبِهِ إذْ إنَّ الْمَحَبَّةَ الِاخْتِيَارِيَّةَ لِشَيْءٍ مَا لَا لِذَاتِهِ بَلْ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إلَى الْغَيْرِ كَالدَّرَاهِمِ فَإِنْ أُرِيدَ التَّوَسُّلُ إلَى مَذْمُومٍ فَمَذْمُومٌ وَإِنْ إلَى مَمْدُوحٍ فَمَمْدُوحٌ وَإِلَى مُبَاحٍ فَمُبَاحٌ إذْ لِلْوَسَائِلِ أَحْكَامُ الْمَقَاصِدِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَحَبَّةُ اللَّهِ قَصْدًا وَأَمَّا لَا لِذَاتِهِ بَلْ لِغَيْرِهِ لِحَظٍّ أُخْرَوِيٍّ كَمَنْ يُحِبُّ شَيْخَهُ وَأُسْتَاذَهُ لِتَوَسُّلِهِمَا إلَى الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ اللَّذَيْنِ بِهِمَا الْفَوْزُ وَكَذَا مَحَبَّةُ الْأُسْتَاذِ تِلْمِيذَهُ وَكَذَا مَحَبَّةُ الْمَالِ لِيَتَقَرَّبَ بِهِ إلَيْهِ تَعَالَى أَوْ لِيَتَفَرَّغَ بِهِ إلَى الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ وَكَذَا مَحَبَّةُ امْرَأَتِهِ الصَّالِحَةِ لِيَتَحَصَّنَ بِهَا عَنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ فَهُوَ مُحِبٌّ لِلَّهِ وَإِمَّا لِذَاتِهِ يَعْنِي يُحِبُّ لِلَّهِ وَفِي اللَّهِ لَا يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى أَمْرٍ وَرَاءَ ذَاتِهِ وَهَذَا أَعْلَى الدَّرَجَاتِ وَمِنْ آثَارِ هَذَا الْحُبِّ أَنْ يَتَعَدَّى مِنْ الْمَحْبُوبِ إلَى مُتَعَلَّقَاتِهِ وَمُنَاسَبَاتِهِ حَتَّى مَنْزِلَتِهِ وَمَحَلَّتِهِ وَجِيرَانِهِ حَتَّى قِيلَ إنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا أَحَبَّ الْمُؤْمِنَ أَحَبَّ كَلْبَهُ فَكَذَا إذَا غَلَبَ حُبُّ اللَّهِ يَتَعَدَّى إلَى كُلِّ مَوْجُودٍ سِوَاهُ لِأَنَّهُ مِنْ آثَارِهِ كَمَنْ أَحَبَّ خَطَّ حَبِيبِهِ وَصَنْعَتِهِ. وَكَذَلِكَ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا حَمَلَ إلَيْهِ بَاكُورَةً مَسَحَ بِهَا عَيْنَهُ وَأَكْرَمَهَا وَقَالَ إنَّهَا قَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِرَبِّهَا وَإِنْ كَانَ الْحُبُّ لَحَظٍّ يَنَالُ مِنْ الْمَحْبُوبِ كَحُبِّ الْمَوْتَى مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ لِيَنَالَ مِنْهُمْ مَا يَنَالُ حَالًا وَمَآلًا فَحُبٌّ لِلَّهِ

стр. 723

أَيْضًا ثُمَّ تَضَرَّعَ الْمُصَنِّفُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ أَهَمُّ (فَيَا غِيَاثَ الْمُسْتَغِيثِينَ) الْغَوْثُ الْمَدَدُ (وَيَا مُجِيبَ الْمُضْطَرِّينَ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢] وَقَالَ - ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] وَقَالَ ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]- (وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ) وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ قَالَ ثَلَاثًا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ نَادَاهُ مُنَادِيَانِ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ أَقْبَلَ عَلَيْك فَسَلْ مَا شِئْت» (وَيَا غَافِرَ الْمُذْنِبِينَ بِحُرْمَةِ حَبِيبِك الْمُصْطَفَى وَنَبِيِّك الْمُجْتَبَى) الْمُخْتَارِ مِنْ بَيْنَ الْخَلْقِ (عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ أَزْكَاهَا) أَنْمَاهَا وَأَزْيَدُهَا (وَمِنْ التَّحِيَّاتِ) التَّعْظِيمَاتِ (أَوْفَاهَا) أَكْمَلُهَا وَأَعْلَاهَا (وَجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَجْمَعِينَ وَ) بِحُرْمَةِ (أَصْحَابِ حَبِيبِك) الْإِضَافَةُ لِلتَّعْظِيمِ وَالِاشْتِشْفَاقِ (هُمْ السَّابِقُونَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ السَّابِقِينَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١١] (رَضِيتَ) يَا رَبَّنَا (عَنْهُمْ وَهُمْ عَنْك رَاضُونَ) وَقُلْت فِي شَأْنِهِمْ ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨] الْآيَةَ وَقُلْت ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨] (وَ) بِحُرْمَةِ (التَّابِعِينَ لَهُمْ) أَيْ لِلصَّحَابَةِ (بِإِحْسَانٍ عَلَيْهِمْ) أَيْ التَّابِعِينَ (الرَّحْمَةُ وَالْغُفْرَانُ) كَأَنَّهُ بَدَلُ دُعَاءِ الصَّحَابَةِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ رَضِيت وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا قَالُوا يَنْبَغِي التَّرْضِيَةُ لِلصَّحَابَةِ وَالتَّرَحُّمُ لِسَائِرِ الْمَشَايِخِ (ارْحَمْنَا فَإِنَّا مُجْرِمُونَ وَبِالْآثَامِ وَالْخَطَايَا مُعْتَرِفُونَ) . قَالَ فِي الْحِصْنِ الْحَصِينِ عِنْدَ تَعْدَادِ آدَابِ الدُّعَاءِ وَأَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ الْعِظَامِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَيَتَوَسَّلَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْبِيَائِهِ وَالصَّالِحِينَ وَيَعْتَرِفَ بِالذَّنْبِ وَلَا يَخُصَّ نَفْسَهُ إنْ إمَامًا وَيَسْأَلَ بِعَزْمٍ وَرَغْبَةٍ وَجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ بِحُسْنِ رَجَاءٍ وَيُكَرِّرَ الدُّعَاءَ وَيُلِحَّ فِيهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ هُنَا مُرَاعَاةً لِمَا ذُكِرَ (وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا فِي الْفَيْضِ عَنْ الشَّعْرَانِيِّ عَنْ الْبُرْهَانِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِمَنْ وَقَعَ فِي ذَنْبٍ وَاحِدٍ طُولَ عُمْرِهِ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ الرِّضَا وَإِنَّمَا يَسْأَلُهُ الْعَفْوَ فَإِذَا حَصَلَ حَصَلَ الرِّضَا كَمَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الصَّالِحِينَ الْكُمَّلِ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ انْتَهَى فَلَعَلَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ بَلْ الْأَحْوَالِ وَلِذَا قَالُوا الْأَوْلَى لِلْعَوَامِّ الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ وَلِلْخَوَاصِّ الدُّعَاءُ بِإِلْحَاقِ الرُّفَقَاءِ الْعَلِيَّةَ وَالدَّرَجَاتِ الرَّفِيعَةَ وَلِذَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْفَوْزَ بِالْقَضَاءِ وَنُزُلَ الشُّهَدَاءِ وَعَيْشَ السُّعَدَاءِ وَمُرَافَقَةَ الْأَنْبِيَاءِ وَالنَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ» . وَقَدْ قِيلَ مِنْ دُعَاءِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اللَّهُمَّ اجْعَلْ دَرَجَاتِنَا فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَاحْشُرْنَا مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَفِي الْحَدِيثِ فِي الدُّعَاءِ «وَأَرْضِنَا وَارْضَ عَنَّا» قَالَ فِي شَرْحِهِ وَلَعَمْرِي إنَّهُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ (وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) أَيْ الصَّالِحِينَ - وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِمْ (إنَّك أَنْتَ الرَّحِيمُ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الدُّعَاءَ لَا يُخَصُّ بِالْآخِرَةِ وَمِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ أَنْ يَصِفَهُ تَعَالَى بِمَا يُنَاسَبُ دُعَاءَهُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَأَوْصَافِهِ وَلِذَا قَالَ أَيْضًا (الْغَفَّارُ وَلِعُيُوبِ عِبَادِك) فِي الْإِضَافَةِ اسْتِعْطَافٌ وَاسْتِرْحَامٌ (الْمُذْنِبِينَ سَتَّارُ) لَعَلَّ التَّنْكِيرَ لِلتَّعْظِيمِ فَافْهَمْ (آمِينَ آمِينَ) تَكْرِيرٌ لِرِعَايَةِ نَدْبِيَّةِ الْإِلْحَاحِ كَمَا أُشِيرَ آنِفًا مَعْنَاهُ اسْتَجِبْ دُعَاءَنَا وَقِيلَ وَقِيلَ (يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَيَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ) قِيلَ هُمَا

стр. 724

مِنْ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ أَيْ الْبَالِغِ فِي الرَّحْمَةِ وَالْكَرَمِ الْغَايَةَ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَا يُقَالُ أَفْعَلُ التَّفْضِيلُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى كِنَايَةٌ عَنْ كَمَالِ الصِّفَةِ إلَى غَايَةٍ لَا تُدْرِكُهَا الْخَلْقُ. فَإِنْ قِيلَ هَاتَانِ الْكَلِمَتَانِ تَقْتَضِيَانِ ثُبُوتَ الرَّحْمَةِ وَزِيَادَةَ الْكَرَمِ لِغَيْرِهِ تَعَالَى قُلْنَا أَوَّلًا قَدْ سَقَطَ هَذَا مِمَّا ذَكَرْنَا آنِفًا وَثَانِيًا مِثْلُهُمَا مِنْ قَبِيلِ فَرْضِ الْمُحَالِ كَمَا فِي أَحْسَنِ الْخَالِقِينَ أَوْ لِلْمُشَارَكَةِ فِي جِنْسِ الرَّحْمَةِ وَالْكَرَمِ وَلَوْ صُورَتَيْنِ أَوْ وَلَوْ فِي اعْتِقَادِهِمْ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. ثُمَّ فَلْنُوَاظِبْ بِأَدْعِيَةٍ صَحَّتْ عَنْ عَارِفِي خَوَاصِّ الْأَدْعِيَةِ وَمَبْلَغِ مَا هُوَ أَهَمُّ وَأَنْفَعُ لَنَا سِيَّمَا الْمُنَاسِبُ فِي مَقَامِنَا نَحْوُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك حُبَّك وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّك وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّك اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّك أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَأَهْلِي وَمَالِي وَمِنْ الْمَاءِ الْبَارِدِ اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي حُبَّك وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَك اللَّهُمَّ فَمَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوتًا لِي فِيمَا تُحِبُّ اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْت عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِك» اللَّهُمَّ اجْعَلْ نَبِيَّنَا لَنَا فَرَطًا وَحَوْضَهُ لَنَا مَوْرِدًا اللَّهُمَّ اُحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ وَاسْتَعْمِلْنَا بِسُنَّتِهِ وَتَوَفَّنَا عَلَى مِلَّتِهِ وَاجْعَلْنَا فِي حِزْبِهِ اللَّهُمَّ وَاجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ كَمَا آمَنَّا بِهِ وَلَمْ نَرَهُ اللَّهُمَّ وَلَا تُفَرِّقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ حَتَّى تُدْخِلَنَا مُدْخَلَهُ وَاجْعَلْنَا مِنْ رُفَقَائِهِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا آمِينَ ثُمَّ آمِينَ بِحُرْمَةِ مَنْ بَعَثْته رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ الْيَأْسُ] (الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ) (الْيَأْسُ) أَيْ قَطْعُ الرَّجَاءِ وَالْأَمَلِ (مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ تَذَكُّرُ فَوَاتِ رَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ) لِغَلَبَةِ ذَنْبِهِ وَمُبَالَغَةِ فُرُطَاتِهِ (وَقَطْعِ الْقَلْبِ عَنْ ذَلِكَ) بِأَنْ يَخْرُجَ عَنْ قَلْبِهِ رَجَاءُ الرَّحْمَةِ (وَهُوَ كُفْرٌ) يُرِيدُ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ جَعْلِ قَسِيمِ الشَّيْءِ قِسْمًا مِنْهُ إذْ الْكُفْرُ ذُكِرَ مُقَدَّمًا وَإِنْ اُعْتُبِرَ مَا يُقَالُ إنَّهُ إذَا قُوبِلَ الْخَاصُّ بِالْعَامِ يُرَادُ مِنْ الْعَامِ مَا عَدَا الْخَاصِّ فَبَعْدَهُ تَسْلِيمُ صِحَّتِهِ هُنَا بَعْدَ هَذِهِ الْمَسَافَةِ الْكَثِيرَةِ يُوجَدُ الْكُفْرُ أَيْضًا فِي ضِمْنِ أَكْثَرِ الْأَقْسَامِ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ كَوْنِهِ تَضَمُّنًا وَمُطَابَقَةً لَكِنْ الْمُنَاسِبُ بَعْدَ تَسْلِيمِ ذَلِكَ أَنْ يَذْكُرَ هَذَا بَعْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ فَافْهَمْ (كَالْأَمْنِ وَضِدُّهُ الرَّجَاءُ وَهُوَ ابْتِهَاجٌ) سُرُورٌ (فِي الْقَلْبِ بِمَعْرِفَةِ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِرْوَاحُهُ) طَلَبُ رَاحَتِهِ (إلَى سَعَةِ رَحْمَتِهِ) أَيْ إلَى رَحْمَتِهِ الْوَاسِعَةِ ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] «وَأَنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ عَلَى غَضَبِي» وَفِي الْخَبَرِ «إذَا قَالَ الْعَبْدُ يَا كَرِيمُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَا عَبْدِي مَاذَا رَأَيْت مِنْ كَرَمِي وَأَنْتَ فِي السِّجْنِ اصْبِرْ حَتَّى تَرَى كَرَمِي فِي الْجَنَّةِ» . وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ بِالنَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى إنَّ إبْلِيسَ لَيَرْفَعَ رَأْسَهُ لِمَا يَرَى مِنْ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ وَفِي الْمَشَارِق عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «لَا يُدْخِلُ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ وَلَا يُجِيرُهُ مِنْ النَّارِ وَلَا أَنَا أَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِي إلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى» وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ تَوْهِينَ أَمْرِ الْعَمَلِ بَلْ نَفْيَ الِاغْتِرَارِ بِهِ (وَسَبَبُهُ ذِكْرُ سَوَابِقِ فَضْلِهِ إلَيْنَا مِنْ غَيْرِ أَمَلٍ وَلَا شَفِيعٍ) لَعَلَّهَا نَحْوُ نِعْمَةِ الْوُجُودِ وَالْعَقْلِ وَسَائِرِ الْحَوَاسِّ وَالصُّورَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَمَا يَقُومُ بِهَا مِنْ النِّعَمِ الْخَارِجِيَّةِ بَلْ نَحْوُ نِعْمَةِ الْإِيمَانِ وَمَا يُبْنَى عَلَيْهِ (وَمَا وَعَدَ مِنْ جَزِيلِ ثَوَابِهِ) مِنْ الْجِنَانِ وَالرِّضْوَانِ وَرُؤْيَةِ الرَّحْمَنِ (دُونَ اسْتِحْقَاقِنَا إيَّاهُ) كَمَا هُوَ مُعْتَقَدُنَا خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ كَمَا سَبَقَ (وَمَا وَعَدَ مِنْ سَعَةِ رَحْمَتِهِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] . وَمِنْ ذَلِكَ مَا فِي تَفْسِيرِ الْمَقَامِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إنْسَانًا ثُمَّ خَرَجَ يَسْأَلُ فَأَتَى إلَى رَاهِبٍ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ قَالَ لَا فَقَتَلَهُ وَجَعَلَ يَسْأَلُ فَقَالَ رَجُلٌ ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى نِصْفَ الطَّرِيقِ فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَاخْتَصَمَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَالْعَذَابِ فَأَوْحَى إلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي

стр. 725

وَإِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي وَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا فَوُجِدَ إلَى هَذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ» وَأَيْضًا فِيهِ عَلَى رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِطَرِيقٍ آخَرَ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الْآيَةَ) بِالْكُفْرِ وَالْقَتْلِ وَالظُّلْمِ وَسَائِرِ الْمَعَاصِي الْإِسْرَافُ الْإِفْرَاطُ فِي الْجِنَايَةِ وَعَنْ الرَّاغِبِ هُوَ تَجَاوُزُ الْحَدِّ فِي فِعْلٍ يُجَبُّ وَالذَّنْبُ عَامٌ فِيهِ وَفِي التَّقْصِيرِ ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] لَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ أَيْ مَغْفِرَةِ وَقَبُولِ التَّوْبَةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] . عَنْ مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ الْكَبِيرِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي حَقِّ وَحْشِيٍّ حَيْثُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ وَحْشِيًّا قَاتِلَ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَتَبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ أَنِّي أُرِيدُ الْإِسْلَامَ لَكِنْ مَنَعَنِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]- فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠] الْآيَةَ فَكَتَبَهَا إلَى وَحْشِيٍّ فَكَتَبَ وَحْشِيٌّ وَلَا أَدْرِي هَلْ أَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]- فَكَتَبَهَا إلَى وَحْشِيٍّ فَكَتَبَ وَحْشِيٌّ أَيْضًا إنَّ فِيهَا شَرْطًا لَا أَدْرِي هَلْ يَشَاءُ مَغْفِرَتِي أَوْ لَا فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ﴾ [الزمر: ٥٣] الْآيَةَ» انْتَهَى وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ إلَّا مِنْ سِعَةِ رَحْمَتِهِ وَأَنَّهَا أَرْجَى آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] فَإِنَّهُ الَّذِي يَهَبُ كُفْرَ سَبْعِينَ سَنَةً بِإِيمَانِ سَاعَةٍ

стр. 726

كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] كَسَحَرَةِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ كُفْرِهِمْ وَعُتُوِّهِمْ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ إلَى أَنْ حَلَفُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ فَبِقَوْلِهِمْ مَرَّةً آمَنَّا عَنْ اعْتِقَادٍ وَهَبَ لَهُمْ جَمِيعَ فُرُطَاتِهِ إلَى أَنْ جَعَلَهُمْ رُءُوسَ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ فَهَذَا حَالُ مَنْ وَجَدَهُ سَاعَةً بَعْدَ ذَلِكَ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ فَكَيْفَ حَالُ مَنْ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي تَوْحِيدِهِ لَا يَرَى لَهُ أَهْلًا غَيْرَهُ تَعَالَى فِي الدَّارَيْنِ أَمَا تَرَى أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ طُولَ أَعْمَارِهِمْ فَبِقَوْلِهِمْ ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف: ١٤] قَبِلَهُمْ وَأَعَزَّهُمْ إلَى أَنْ قَالَ ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ [الكهف: ١٨] وَأَعْظَمَ لَهُمْ الْحُرْمَةَ وَالْمَهَابَةَ حَتَّى قَالَ لِأَكْرَمِ خَلْقِهِ ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾ [الكهف: ١٨] الْآيَةَ بَلْ كَيْفَ أَكْرَمَ كَلْبًا تَبِعَهُمْ حَتَّى ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ تَعَالَى مِرَارًا وَأَدْخَلَهُ فِي جَنَّتِهِ فَهَذَا فَضْلُهُ لِكَلْبٍ خَطَا خُطُوَاتٍ مَعَ قَوْمٍ عَرَفُوهُ أَيَّامًا مِنْ غَيْرِ عِبَادَةٍ فَكَيْفَ فَضْلُ الْمُؤْمِنِ خَدَمَهُ سَبْعِينَ سَنَةً وَلَوْ عَاشَ سَبْعِينَ أَلْفَ سَنَةٍ يَقْصِدُ الْعُبُودِيَّةَ أَمَا سَمِعْت عِتَابَهُ تَعَالَى إبْرَاهِيمَ فِي دُعَائِهِ عَلَى الْمُجْرِمِينَ بِالْهَلَاكِ وَعَاتَبَ مُوسَى فِي أَمْرِ قَارُونَ فَقَالَ اسْتَغَاثَ بِك قَارُونُ فَلَمْ تُغِثْهُ فَوَعِزَّتِي لَوْ اسْتَغَاثَ بِي لَعَفَوْت عَنْهُ ثُمَّ كَيْفَ عَاتَبَ سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ فِيمَا رُوِيَ أَنَّهُ «دَخَلَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ فَرَأَى قَوْمًا يَضْحَكُونَ فَقَالَ لِمَ تَضْحَكُونَ لَا أَرَاكُمْ تَضْحَكُونَ حَتَّى إذَا كَانَ عِنْدَ الْحَجَرِ رَجَعَ إلَيْهِمْ الْقَهْقَرَى فَقَالَ جَاءَنِي جَبْرَائِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ لَك لَا تُقَنِّطْ عِبَادِي مِنْ رَحْمَتِي ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩] » . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِالْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ الْوَالِدَةِ الشَّفِيقَةِ بِوَلَدِهَا» (دُنْيَا. عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيَغْفِرَنَّ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْفِرَةً» عَظِيمَةً أَوْ كَثِيرَةً «مَا خَطَرَتْ قَطُّ عَلَى قَلْبِ أَحَدٍ» لِغَايَةِ الْكَثْرَةِ وَنِهَايَةِ الْجَلَالَةِ عَلَى أَصْحَابِ الْإِجْرَامِ وَالْقَبَائِحِ «حَتَّى إنَّ إبْلِيسَ» مَعَ غَايَتِهِ فِي الْجِنَايَةِ وَعِرْفَانِهِ بِأَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ مِنْ الرَّحْمَةِ أَبَدَ الْآبِدِينَ «لَيَتَطَاوَلُ» أَيْ يَمُدُّ عُنُقَهُ وَيُخْرِجُ رَأْسَهُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ «رَجَاءَ أَنْ تُصِيبَهُ» قِيلَ السِّرُّ الْمَخْفِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]- «أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ لِحَبِيبِهِ وَهَبْتُك ثُلُثَ أُمَّتِك فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ حَتَّى تَرَى رَحْمَتِي بِعِبَادِي وَأَهَبُ لَك الثُّلُثَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَرَى أَهْلُ الْمَحْشَرَةِ مَنْزِلَتَك عِنْدِي» (خ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الْخَلْقَ» أَيْ خَلَقَ «كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ» أَيْ أَثْبَت فِي عِلْمِهِ الْأَزَلِيِّ قَالَ الْقَاضِي يَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ حَكَمَ حُكْمًا جَازِمًا وَوَعَدَ وَعْدًا لَازِمًا لَا خُلْفَ فِيهِ فَشَبَّهَ الْحُكْمَ الْجَازِمَ الَّذِي لَا يَعْتَرِيهِ نَسْخٌ وَلَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَغْيِيرٌ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ إذَا اقْتَضَى أَمْرًا وَأَرَادَ إحْكَامَهُ عَقَدَ عَلَيْهِ سِجِلًّا وَحَفِظَهُ لِيَكُونَ حُجَّةً بَاقِيَةً مَحْفُوظَةً مِنْ

стр. 727

التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ «إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» وَفِي رِوَايَةٍ «تَغْلِبُ غَضَبِي» أَيْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ بِكَثْرَةِ آثَارِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ قِسْطَ الْخَلْقِ مِنْ الرَّحْمَةِ أَكْثَرُ مِنْ قِسْطِهِمْ مِنْ الْغَضَبِ لِنَيْلِهِمْ إيَّاهَا بِلَا اسْتِحْقَاقٍ وَإِنَّ قَلَمَ التَّكْلِيفِ مَرْفُوعٌ عَنْهُمْ إلَى الْبُلُوغِ وَلَا يُعَجِّلُ لَهُمْ بِالْعُقُوبَةِ إذَا عَصَوْا بَلْ يَرْزُقُهُمْ وَيَقْبَلُ تَوْبَتَهُمْ وَمَا تَعَلَّقَ بِالرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ فِعْلِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَضَبِ وَيُرْوَى أَنَّهُ «إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَخْرَجَ اللَّهُ كِتَابًا مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فِيهِ إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي فَأَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ شَفَعَتْ الْمَلَائِكَةُ وَشَفَعَتْ النَّبِيُّونَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَيُخْرِجُ مِثْلِيْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» . وَيُرْوَى «فَيَقْبِضُ قَبْضَةً فَيَخْرُجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ» (خ م. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا» قِيلَ التَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ وَالتَّحْقِيرِ تَعْظِيمًا لِرَحْمَتِهِ تَعَالَى (فَمِنْ) أَجْلِ «ذَلِكَ الْجَزَاءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلَائِقُ» أَوْ تَرَاحُمُ جَمِيعِ مَنْ فِي الْأَرْضِ يَنْشَأُ مِنْ ذَلِكَ الْوَاحِدِ فَمَحَبَّةُ الْوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ لِأَوْلَادِهِمَا مِنْ تِلْكَ الرَّحْمَةِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ «حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ» كَالْفَرَسِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ «حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ» بِحَافِرِهَا فَيَتَوَجَّعَ. قَالَ النَّوَوِيُّ عَنْ الْعُلَمَاءِ إذَا حَصَلَ لِلْإِنْسَانِ مِنْ رَحْمَةٍ وَاحِدَةٍ فِي هَذِهِ إلَّا كَدَارِ الْإِسْلَامِ وَالصَّلَاةِ وَالْقُرْآنِ وَالرَّحْمَةِ فِي قَلْبِهِ فَكَيْفَ الظَّنُّ بِمِائَةِ رَحْمَةٍ فِي الْآخِرَةِ وَهِيَ دَارُ الْقَرَارِ وَالْجَزَاءِ انْتَهَى فَتَأَمَّلْ وَلَا يَخْفِي أَنَّ فِيهِ إشَارَةً إلَى مَا فِي شَرْحِ الْحَاكِمِ مِنْ أَنَّ الرَّجَاءَ إنَّمَا يَكُونُ الِاجْتِهَادُ فِي الْأَعْمَالِ لِأَنَّ مَنْ رَجَا شَيْئًا طَلَبَهُ وَمَنْ خَافَ مِنْ شَيْءٍ هَرَبَ مِنْهُ. وَأَمَّا الرَّجَاءُ بِلَا عَمَلٍ وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْمَعَاصِي فَلَيْسَ بِرَجَاءٍ بَلْ أَمْنِيَّةٌ وَاغْتِرَارٌ مَذْمُومٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف: ١٦٩] كَمَا قَالَ الْكَرْخِيُّ رَجَاءُ الْجَنَّةِ بِلَا عَمَلٍ ذَنْبٌ مِنْ الذُّنُوبِ وَرَجَاءُ الشَّفَاعَةِ بِلَا سَبَبٍ نَوْعٌ مِنْ الْغُرُورِ وَرَجَاءُ رَحْمَةِ مَنْ لَا يُطَاعُ جَهْلٌ وَحُمْقٌ قَالُوا الرَّجَاءُ مَعَ الْإِصْرَارِ كَطَلَبِ النَّارِ مِنْ الْجَمْرِ كَمَا فِي حَدِيثِ «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ» وَقَالَ الْحَسَنُ إنَّ قَوْمًا أَلْهَتْهُمْ أَمَانِيُّ الْمَغْفِرَةِ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ الدُّنْيَا بِلَا حَسَنَةٍ بِاعْتِقَادِ حُسْنِ الظَّنِّ وَهُوَ كَاذِبٌ فِيهِ فَلَوْ صَادِقًا لَأَحْسَنَ الْعَمَلَ وَتَلَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣] كَتَبَ أَبُو عُمَرَ إلَى بَعْضِ إخْوَانِهِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّك قَدْ أَصْبَحْت تَأْمُلُ بِطُولِ عُمْرِك وَتَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى الْأَمَانِيَ بِسُوءِ فِعْلِك وَإِنَّمَا تَضْرِبُ حَدِيدًا بَارِدًا. (وَ) زَادَ (فِي رِوَايَةٍ م «وَأَخَّرَ اللَّهُ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ

стр. 728

يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَالْمُرَادُ بِمِثْلِ ذَلِكَ التَّمْثِيلِ لِيُفْهَمَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْقِسْطَيْنِ مِنْ الرَّحْمَةِ لِأَهْلِ الدَّارَيْنِ وَاعْلَمْ أَنَّ السَّالِكَ الْعَارِفَ لَا يَغْتَرُّ بِظَاهِرِ مِثْلِ هَذِهِ النُّصُوصِ بَلْ لَا يَتْرُكُ الْعَمَلَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠]- ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ كُلًّا مِنْ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ لَا يَكُونُ بِدُونِ الْآخَرِ لِأَنَّ الرَّجَاءَ بِلَا خَوْفٍ أَمْنٌ وَالْخَوْفَ بِلَا رَجَاءٍ قُنُوطٌ قَالُوا هُمَا كَزَوِّجِي الْمِقْرَاضِ وَجَنَاحَيِّ الطَّيْرِ إذَا اعْتَدَلَا طَارَ وَإِذَا زَادَ أَحَدُهُمَا يَطِيرُ تَامًّا وَإِذَا ذَهَبَا بِالْكُلِّيَّةِ صَارَ كَالْمَيِّتِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَرْجُوهَا وَإِنَّمَا يَنْجُو مِنْ النَّارِ مَنْ يَخَافُهَا» (م. عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَوْتَهُ لَيْسَ بِالشَّهَادَةِ كَمَا قِيلَ إنَّهُ اُسْتُشْهِدَ فِي نَاحِيَةِ إسْلَامْبُولَ فِي مَعْرَكَةٍ حِينَ جَاءَ مَعَ يَزِيدَ فِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَاتَ مَبْطُونًا فِي ذَلِكَ الْعَسْكَرِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ (أَنَّهُ قَالَ كُنْت كَتَمْت عَنْكُمْ حَدِيثًا سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَوْفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ) أَيْ أُخْبِركُمُوهُ وَأَصْلُ سَوْفَ لِاسْتِقْبَالِ الْبَعِيدِ وَالْوَقْتُ هُنَا ضَيِّقٌ فَلِتَحْقِيقِ الْوَعْدِ كَمَا قِيلَ لَعَلَّ وَجْهَ الْكَتْمِ وَهْمُ اغْتِرَارِ الْعَوَامّ بِظَاهِرِهِ فَيَضْعُفُوا فِي الْعَمَلِ وَوَجْهَ الْإِخْبَارِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّبْلِيغِ أَوْ لِأَنَّ هَذَا الْوَهْمَ قَدْ زَالَ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَوْ مَنْ أَخْبَرَهُمْ هُمْ الْخَوَاصُّ أَوْ قَدْ خَرَجَ مِنْ خَاطِرِهِ فَخَطَرَ بِبَالِهِ عِنْدَ دَوَاعِي هَوْلِ الْمَوْتِ بِمُلَاحَظَةِ دَوَاعِي الرَّحْمَةِ (وَقَدْ أُحْبِطَ بِنَفْسِي) بِمَجِيءِ الْمَوْتِ (سَمِعْته يَقُولُ «لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ» أَيْ أَذَهَبَكُمْ

стр. 729

«وَخَلَقَ خَلْقًا يُذْنِبُونَ» لِيَتَحَقَّقَ مَظْهَرُ صِفَةِ الْغُفْرَانِ «فَيَغْفِرُ لَهُمْ» قَالَ فِي الْمَبَارِقِ لَيْسَ هَذَا تَحْرِيضًا لِلنَّاسِ عَلَى الذُّنُوبِ بَلْ كَانَ صُدُورُهُ لِتَسْلِيَةِ الصَّحَابَةِ وَإِزَالَةِ شِدَّةِ الْخَوْفِ عَنْهُمْ لِأَنَّ الْخَوْفَ كَانَ غَالِبًا عَلَيْهِمْ حَتَّى فَرَّ بَعْضُهُمْ إلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ لِلْعِبَادَةِ وَبَعْضُهُمْ اعْتَزَلَ النِّسَاءَ وَبَعْضُهُمْ النَّوْمَ وَفِي الْحَدِيثِ تَنْبِيهٌ عَلَى رَجَاءِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَحْقِيقُ أَنَّ مَا ثَبَتَ فِي عِلْمِهِ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّهُ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنْ يَغْفِرَ لِلْعَاصِي فَلَوْ قُدِّرَ عَدَمُ عَاصٍ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ يَعْصِيهِ فَيَغْفِرُ لَهُ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «قَالَ تَعَالَى لَوْ عَلِمَ عَبْدِي أَنِّي لَذُو قُدْرَةٍ عَلَى مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ غَفَرْت لَهُ وَلَا أُبَالِي مَا لَمْ يُشْرِكْ بِي شَيْئًا» انْتَهَى قَوْلُهُ لِتَسْلِيَةِ الصَّحَابَةِ لَا يُنَافِي كَوْنَ الْأَمْرِ كَذَلِكَ فِي الْوَاقِعِ وَإِلَّا فَلَا كَذِبَ لِلنَّبِيِّ ﵊. فَإِنْ قِيلَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ تَعْلِيقِ الْمُحَالِ بِالْمُحَالِ لِأَنَّ كَوْنَ الْمُذْنِبِ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى وَإِرَادَتِهِ وَخَبَرِهِ يَجْعَلُ تَخَلُّفَهُ مُحَالًا قُلْنَا نَعَمْ لَكِنْ لَيْسَ مُحَالًا بِالذَّاتِ بَلْ بِالْغَيْرِ فَيَجْتَمِعُ مَعَ الْمُمْكِنِ الذَّاتِيِّ فَافْهَمْ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الذُّنُوبِ لِئَلَّا يَتَعَطَّلَ كَثِيرٌ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى كَالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالِانْتِقَامِ وَالْغَضَبِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَمَا أُشِيرَ آنِفًا أَنَّ انْتِظَارَ الْمَغْفِرَةِ إنَّمَا يُسَمَّى رَجَاءً إذَا تَمَهَّدَتْ جَمِيعُ أَسْبَابِهِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ مِنْ بَثِّ بَذْرِ الْإِيمَانِ وَسَقْيِهِ بِمَاءِ الطَّاعَاتِ وَتَطْهِيرِ الْقَلْبِ مِنْ شَوْكِ الْأَخْلَاقِ الرَّدِيئَةِ وَانْتَظِرْ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى الثَّبَاتَ عَلَيْهِ إلَى الْمَوْتِ وَحُسْنَ الْخَاتِمَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ كَانَ انْتِظَارُهُ رَجَاءً حَقِيقِيًّا مَحْمُودًا فِي نَفْسِهِ وَإِنْ خَالَفَ مَا ذُكِرَ مِنْ الشَّرَائِطِ ثُمَّ انْتَظَرَ الْمَغْفِرَةَ فَانْتِظَارُهُ حُمْقٌ وَغُرُورٌ كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ فِي حَاصِلِ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ تَعَالَى كَمَا أَحَبَّ أَنْ يُحْسِنَ إلَى الْمُحْسِنِ أَحَبَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْ الْمُسِيءِ. [الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ الْحُزْنُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا] (الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ الْحُزْنُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَهُوَ التَّوَجُّعُ وَالتَّأَسُّفُ عَلَى مَا فَاتَ مِنْ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ) الَّتِي غَرَّتْ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْحَمَاقَةِ وَالْجَهْلِ مَعَ أَنَّهَا سَمُومٌ قَاتِلَةٌ وَعَوْرَاتٌ بَادِيَةٌ وَفَضَائِحُ مُرْدِيَةٌ وَقَبَائِحُ مُهْلِكَةٌ تَعْلَمُهَا الْعُقَلَاءُ وَتَغْفُلُ عَنْهَا الْجُهَلَاءُ إذْ هِيَ حُظُوظٌ نَفْسَانِيَّةٌ وَأَعْرَاضٌ شَهْوَانِيَّةٌ حَيْثُ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ مُرَادُهُ مِنْ ذَلِكَ (وَيَلْزَمُهُ الْفَرَحُ بِإِتْيَانِهَا وَإِقْبَالِهَا وَكَثْرَتِهَا وَمَنْشَؤُهُ) أَيْ الْحُزْنِ الْمَذْكُورِ

стр. 730

(حُبُّ الدُّنْيَا) الَّذِي هُوَ رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وَمَعْدِنُ كُلِّ شَرٍّ وَمَقَرُّ كُلِّ هَوَى وَبِضَاعَةُ كُلِّ فَسَادٍ اعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيَا ثَلَاثَةٌ الْأَوَّلُ مَا يَصْحَبُك فِي الْآخِرَةِ وَيَبْقَى مَعَك ثَمَرَتُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْعِلْمِ وَهُوَ لَذَّةٌ دُنْيَوِيَّةٌ عَاجِلَةٌ وَكَذَا الْعِبَادَاتُ لِمَنْ يَتَلَذَّذُ بِهَا وَالثَّانِي مَا فِيهِ حَظٌّ عَاجِلٌ لَا ثَمَرَةَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ كَالتَّلَذُّذِ بِالْمَعَاصِي وَالْمُبَاحَاتِ وَالثَّالِثُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَهُمَا كَالطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ إنْ جُعِلَ وَسِيلَةً إلَى الْأَوَّلِ فَمِنْ عَمَلِ الْآخِرَةِ وَإِنْ إلَى الثَّانِي فَمِنْ الدُّنْيَا وَلَا يَبْقَى مَعَ الْعَبْدِ إلَّا صَفَاءُ الْقُلُوبِ وَذَلِكَ بِالْكَفِّ عَنْ الشَّهَوَاتِ وَالْأُنْسِ بِاَللَّهِ بِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ وَمَحَبَّتِهِ الْحَاصِلَةِ مِنْ الْمَعْرِفَةِ وَهِيَ تَتَوَلَّدُ مِنْ الْفِكْرِ فَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي مُطْلَقًا وَبَعْضُ الثَّالِثِ كَمَا لَا يَخْفَى. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيَا إمَّا أَعْيَانٌ كَالْأَرَاضِيِ لِلْبِنَاءِ وَالزِّرَاعَةِ وَإِمَّا مَعَادِنُ كَالرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ وَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَإِمَّا نَبَاتٌ كَالْمَلْبُوسِ وَالدَّوَاءِ وَالْغِذَاءِ وَإِمَّا حَيَوَانٌ كَالْبَهَائِمِ لِلْأَكْلِ وَالرُّكُوبِ وَإِمَّا إنْسَانٌ لِلْخِدْمَةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ وَالْجَاهِ ثُمَّ لِلْعَبْدِ عَلَاقَتَانِ الْأُولَى بِالْقَلْبِ هُوَ حُبُّهُ لَهَا وَحَظُّهُ مِنْهَا وَانْصِرَافُ هَمِّهِ إلَيْهَا حَتَّى يَصِيرَ قَلْبُهُ كَالْعَبْدِ وَيَتَفَرَّعُ عَنْ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ أَكْثَرُ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ كَالْكِبْرِ وَالْحَسَدِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَحُبِّ الثَّنَاءِ وَالتَّفَاخُرِ وَالثَّانِيَةُ بِالْبَدَنِ وَهُوَ اشْتِغَالُهُ بِإِصْلَاحِ مَا ذُكِرَ وَيُشِيرُ إلَيْهَا قَوْلُهُ (وَتَوَقُّعُ) انْتِظَارِ (حُصُولِ جَمِيعِ الْمَطَالِبِ وَبَقَائِهَا) وَتَفْصِيلُ تِلْكَ الْمَطَالِبِ عَلَى مَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ نَوْعَ الْإِنْسَانِ مُضْطَرٌّ إلَى الْقُوتِ وَالْمَسْكَنِ وَالْمَلْبَسِ فَمَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى الْفِلَاحَةِ لِتَحْصِيلِ النَّبَاتِ وَالرِّعَايَةِ لِحِفْظِ الْحَيَوَانِ وَإِنْمَائِهِ وَالِاقْتِنَاصِ لِتَحْصِيلِ نَحْوِ صَيْدٍ وَمَعْدِنٍ أَوْ حَطَبٍ وَالْحِيَاكَةِ كَالْغَزْلِ وَالْخِيَاطَةِ لِلْمَلْبَسِ وَالْبِنَاءِ لِلْمَسْكَنِ ثُمَّ هَذِهِ الصِّنَاعَاتُ مُفْتَقِرَةٌ إلَى الْأَدَوَاتِ وَالْآلَاتِ فَاحْتِيجَ إلَى النِّجَارَةِ وَهِيَ الْعَمَلُ فِي الْخَشَبِ وَالْحِدَادَةِ هِيَ الْعَمَلُ فِي الْمَعْدِنِ وَالْخَرْزِ هِيَ الْعَمَلُ فِي جُلُودِ الْحَيَوَانِ فَهَذِهِ أُمُّ الصِّنَاعَاتِ ثُمَّ لِكَوْنِ الْإِنْسَانِ مَدَنِيًّا بِالطَّبْعِ احْتَاجَ إلَى مُعَاشَرَةِ الزَّوْجِيَّةِ وَهَكَذَا وَهَكَذَا هِيَ الْمَطَالِبُ الدُّنْيَوِيَّةُ الْمَشَارَةُ (وَهُوَ) أَيْ تَوَقُّعُ حُصُولِ جَمِيعِ الْمَطَالِبِ وَبَقَائِهَا (جَهْلٌ) بِحَقِيقَةِ الْحَالِ إذْ النَّيْلُ لِجَمِيعِ تِلْكَ الْمُنَى مُحَالٌ لَا مَحَالَةَ إنَّ مَنْ جَدَّ إلَى نَيْلِ الْمُنَى ... كَدَّ فِيمَا سَعْيُهُ لَنْ يُوصِلَا فَاتْرُكِي نَفْسِي سَعْيًا فِي الْمُنَى ... لِتَنَالِي وَصْلَ مَنْ لَنْ يَفْصِلَا (فَلْتَتَوَجَّهْ) أَيُّهَا السَّالِكُ (إلَى الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ) مِنْ مُرْضِيَاتِ الْحَسَنَاتِ مُعْرِضًا عَنْ مِثْلِ تِلْكَ الزَّائِلَاتِ الْفَانِيَاتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [الكهف: ٤٦] لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ تِلْكَ الصَّالِحَاتِ هِيَ الْمُطْلَقَةُ الْعَامَّةُ وَإِنْ فُسِّرَتْ بِنَحْوِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْحَجِّ وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ تَأْتِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُجَنِّبَاتٍ وَمُعَقِّبَاتٍ وَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ فَلَعَلَّهُ مَجَازٌ لِكَوْنِهَا جَامِعَةً لِجَمِيعِ الْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ كَمَا فِي الْفَيْضِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) تَحْذِيرًا مِنْ الْحُزْنِ الْمَذْكُورِ ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] عِلَّةٌ لِلتَّقْرِيرِ وَالْكَتْبِ أَيْ أَثْبَتَ وَكَتَبَ لِكَيْ لَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ نِعَمِ الدُّنْيَا ﴿وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] بِمَا أَعْطَاكُمْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا فَإِنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْكُلَّ مُقَدَّرٌ هَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَالْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْحُزْنِ الْمَانِعِ مِنْ التَّسْلِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْفَرَحِ الْمُوجِبِ لَلْبَطِرِ وَالِاخْتِيَالِ. اعْلَمْ أَنَّ الْآفَاتِ إمَّا دِينِيَّةٌ وَهِيَ ثَلَاثٌ الْأُولَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا اسْتَشْعَرَ مِنْ نَفْسِهِ الْقُدْرَةَ بِالْمَالِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَإِنْ أَقْدَمَ هَلَكَ وَإِنْ صَبَرَ وَقَعَ فِي شِدَّةٍ الثَّانِيَةُ أَنَّ الْمَالَ يَجُرُّهُ إلَى التَّنَعُّمِ بِالْمُبَاحَاتِ ثُمَّ

стр. 731

يَجُرُّ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ إلَى أَنْ لَا يَفِيَ الْحَلَالَ فَيَقْدَمُ الشُّبُهَاتِ وَيَتْبَعُهُ أَنْ يُصَانِعَ النَّاسَ بِالرِّيَاءِ وَالْمُدَاهَنَةِ وَالْكَذِبِ وَالنِّفَاقِ الثَّالِثَةُ أَنَّهُ يُلْهِيهِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ خُسْرَانٌ عَظِيمٌ وَإِمَّا دُنْيَوِيَّةٌ كَالْخَوْفِ وَالْحُزْنِ وَالْهَمِّ وَالْغَمِّ وَالتَّعَبِ فِي دَفْعِ الْحُسَّادِ وَتَجَشُّمِ الْمَصَاعِبِ فِي حِفْظِ الْأَمْوَالِ فَإِذَنْ تِرْيَاقُ الْمَالِ أَخْذُ الْقُوتِ مِنْهُ وَصَرْفُ الْبَاقِي إلَى الْخَيْرَاتِ وَمَا عَدَاهُ سَمُومٌ وَآفَاتٌ وَإِلَى بَعْضِ مَا ذَكَرَ يُشِيرُ قَوْلُهُ (اعْلَمْ أَنَّ الْحُزْنَ إذَا أَخْرَجَ صَاحِبَهُ مِنْ الصَّبْرِ إلَى الْجَزَعِ) وَالشَّكْوَى (وَ) أَنَّ (الْفَرَحَ) إذَا أَخْرَجَ صَاحِبَهُ (مِنْ الشُّكْرِ إلَى الطُّغْيَانِ وَالْبَطَرِ) أَيْ الْكِبْرِ أَوْ الْأَشَرِ (فَحَرَامَانِ) قِيلَ مِنْ الْكَبَائِرِ لِلْوَعِيدِ الشَّدِيدِ (وَإِلَّا) وَإِنْ لَمْ يُخْرِجَا (فَلَا) بَلْ مَذْمُومَانِ وَمَكْرُوهَانِ تَنْزِيهًا (وَلَكِنَّ الْكَمَالَ اسْتِوَاءُ إتْيَانِ الدُّنْيَا وَفَوَاتِهَا) لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْقَلْبِ وَإِقْبَالِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ أُخْبِرَ إلَيْهِ بِعَطَايَا كَثِيرَةٍ فَحَمِدَ ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ أَخَذُوهَا فَحَمِدَ أَيْضًا فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْأَوَّلُ لِعَدَمِ وِجْدَانِي فِي قَلْبِي سُرُورًا مِنْهَا وَالثَّانِي لِعَدَمِ وِجْدَانِي حُزْنًا مَا. (وَهُوَ مَقَامُ التَّسْلِيمِ) قِيلَ هُوَ انْقِيَادُ إظْهَارِ الْعُبُودِيَّةِ (وَالتَّفْوِيضِ) هُوَ أَنْ لَا يَخْتَارَ الْعَبْدُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَأَنْ يَرْضَى بِاخْتِيَارِ مَوْلَاهُ وَقِيلَ التَّفْوِيضُ قَبْلَ نُزُولِ الْقَضَاءِ وَالتَّسْلِيمُ بَعْدَهُ (وَذَلِكَ) الْمَقَامُ (عَزِيزٌ) نَادِرٌ (جِدًّا) لَا يُوجَدُ إلَّا فِي أَقَلِّ قَلِيلٍ. [السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ الْخَوْفُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا] (السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ الْخَوْفُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَهُوَ انْقِبَاضُ الْقَلْبِ كَرَاهَةَ أَنْ يُصِيبَهُ) فِي الِاسْتِقْبَالِ (مَكْرُوهٌ دُنْيَوِيٌّ وَهُوَ غَيْرُ الْحُزْنِ لِأَنَّهُ) أَيْ الْحُزْنَ (لِمَا مَضَى) وَنَزَلَ مِنْ الْمَصَائِبِ أَوْ فَوَاتِ الْمَطَالِبِ (وَالْخَوْفُ لِلْمُسْتَقْبَلِ وَغَيْرُ الْجُبْنِ لِأَنَّهُ نُقْصَانُ الْغَضَبِ وَلَا يَسْتَلْزِمُ) الْجُبْنُ (الْخَوْفَ وَهُوَ) أَيْ الْخَوْفُ (إمَّا مِنْ الْفَقْرِ أَوْ الْمَرَضِ أَوْ إصَابَةِ مَكْرُوهٍ) كَأَخْذِ أَمْوَالٍ وَإِتْلَافِ نَفْسٍ وَضَرْبٍ وَحَبْسٍ (مِنْ مَخْلُوقٍ أَمَّا الْأَوَّلُ) أَيْ الْخَوْفُ مِنْ الْفَقْرِ (فَمَذْمُومٌ جِدًّا لِأَنَّ الْفَقْرَ حَالُ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَالُ أَكْثَرِ الْأَنْبِيَاءِ) - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعِلْمِهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْفَقْرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَذَالَةِ الْغِنَى الَّذِي هُوَ مَعْدِنُ أَكْثَرِ الشُّرُورِ وَلِذَا امْتَنَعَ مِنْهُ ﵊ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَيْهِ (وَ) أَكْثَرُ (الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ) كَالصِّدِّيقِ الْأَعْظَمِ كَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ «يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ

стр. 732

الْأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ» وَفِي الْخَبَرِ «الْفَقْرُ مَشَقَّةٌ فِي الدُّنْيَا وَمَسَرَّةٌ فِي الْآخِرَةِ» لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ كَإِبْرَاهِيمَ وَدَاوُد وَسُلَيْمَانَ وَشُعَيْبٍ كَانُوا أَغْنِيَاءَ وَكَثِيرًا مِنْ الصَّحَابَةِ كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَيْثُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِهِ فَصُولِحَتْ امْرَأَتُهُ مِنْ رُبْعِ ثُمُنِهَا عَلَى ثَمَانِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ ثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ أَقُولُ فِي التَّقْيِيدِ بِالْأَكْثَرِ إشَارَةٌ إلَى دَفْعِهِ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَنْبِيَاءِ كَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَالْخَضِرِ وَإِلْيَاسَ وَنَبِيِّنَا ﵊ اخْتَارُوا الْفَقْرَ حَتَّى قِيلَ مَاتَ أَرْبَعُونَ نَبِيًّا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ الْجُوعِ وَالْقَمْلِ كَمَا فِي بَحْرِ الْكَلَامِ لِأَبِي الْمُعِينِ النَّسَفِيِّ عَلَى أَنَّ غِنَى الْأَنْبِيَاءِ صُورِيٌّ لِعَدَمِ مَيْلِهِمْ وَحُبِّهِمْ وَاطْمِئْنَانِهِمْ بِالْمَالِ بَلْ أَكَلُوا مِنْ كَسْبِ أَنْفُسِهِمْ وَلَعَلَّك قَدْ سَمِعْت سَابِقًا أَنَّ لِلْفُقَرَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دِيوَانًا يَزْدَحِمُ الْأَغْنِيَاءُ الْتِجَاءً مِنْهُمْ بِإِحْسَانِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَحُكِيَ أَنَّهُ أُعْطِيَ لِابْنِ أَدْهَمَ عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَرَدَّهَا فَقَالَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَمْحُوا اسْمِي مِنْ دِيوَانِ الْفُقَرَاءِ (فَهُوَ نِعْمَةٌ وَعَلَامَةُ سَعَادَةٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُشَارَكَةِ لِأَفْضَلِ الْخَلَائِقِ وَأَنَّ الرَّاحَةَ فِي السَّلَامَةِ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْأُصُولِ الْمُحْتَمَلُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُتَيَقَّنِ فَإِنَّ نَفْعَ الْفَقْرِ كَالْمُتَيَقَّنِ وَنَفْعَ الْغِنَى كَالْمُحْتَمَلِ وَالْأَوْلَى الْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ (فَالْخَوْفُ مِنْهُ عَدَّهُ مِحْنَةً وَبَلِيَّةً) كَيْفَ وَالْفُقَرَاءُ الصَّابِرُونَ يَخَافُونَ مِنْ الْغِنَى كَمَا يَخَافُ الْأَغْنِيَاءُ مِنْ الْفَقْرِ وَذَلِكَ لِصِدْقِ عَقِيدَتِهِمْ بِمَا لِلْفُقَرَاءِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي الْحَدِيثِ «الْفُقَرَاءُ الصُّبُرُ جُلَسَاءُ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ» اعْلَمْ أَنَّ الْفَقْرَ وَإِنْ كَانَ نِعْمَةً وَسَعَادَةً فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْفَظَ آدَابَهُ كَأَنْ لَا يَكْرَهَ الْفَقْرَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا الْفَقِيرَ وَيَفْرَحَ بِهِ بَلْ يَطْلُبُهُ لِعِلْمِهِ بِغَوَائِلِ الْغِنَى وَيَكْرَهَ الزِّيَادَةَ عَلَى الْكَفَافِ وَكَأَنْ يُظْهِرَ التَّعَفُّفَ وَالتَّجَمُّلَ وَلَا يُظْهِرَ الشَّكْوَى وَالْفَقْرَ بَلْ يَجْتَهِدُ بِسَتْرِ فَقْرِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] وَلَا يَتَوَاضَعْ لِغَنِيٍّ لِغِنَاهُ بَلْ يَتَكَبَّرُ عَلَيْهِ وَلَا يُخَالِط الْأَغْنِيَاءَ وَلَا يُدَاهِنْهُمْ فِي الْحَقِّ طَمَعًا فِي عَطَائِهِمْ وَلَا يَفْتُرْ عَنْ عِبَادَتِهِ لِفَقْرِهِ وَيَبْذُلَ قَلِيلَ مَا فَضَلَ عَنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ جَهْدَ الْمُقِلِّ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ مِنْ كَثِيرِ الْغِنَى وَلَا يَدَّخِر بَعْدَ قَدْرِ الْحَاجَةِ وَفِي الِادِّخَارِ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ دَرَجَةُ الصِّدِّيقِينَ أَنْ لَا يَدَّخِرَ إلَّا لِيَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ وَدَرَجَةُ الْمُتَّقِينَ أَنْ يَدَّخِرَ لِأَرْبَعَيْنِ يَوْمًا وَمَا زَادَ مِنْ طُولِ الْأَمَلِ وَقَدْ فَهِمُوا ذَلِكَ مِنْ مِيعَادِ مُوسَى ﵊ وَدَرَجَةُ الصَّالِحِينَ أَنْ يَدَّخِرَ لِسَنَةٍ فَمَا زَادَ خَارِجٌ عَنْ حَيِّزِ الْخُصُوصِ بِالْكُلِّيَّةِ (وَعَلَى التَّسْلِيمِ) أَيْ عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الْفَقْرَ مِحْنَةٌ وَبَلِيَّةٌ (فَفِيهِ) أَيْ فِي خَوْفِ الْفَقْرِ (سُوءُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى) الَّذِي وَعَدَ وَتَكَفَّلَ بِإِيصَالِ رِزْقِ كُلٍّ إلَيْهِ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ حَرَامٌ (ز) الْبَزَّارُ (يعل) أَبُو يَعْلَى (طكط) الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالْكَبِيرِ (عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَادَ» مِنْ الْعِيَادَةِ فِي الْمَرَضِ «بِلَالًا فَأَخْرَجَ لَهُ صُبَرًا» بِضَمٍّ فَفَتْحٍ: الْمَجْمُوعُ «مِنْ تَمْرٍ فَقَالَ ﵊ مَا هَذَا يَا بِلَالُ» النِّدَاءُ لِزِيَادَةِ التَّلَطُّفِ وَالْمُؤَانَسَةِ «فَقَالَ ادَّخَرْته لَك» لَا لِنَفْسِي (وَفِي رِوَايَةٍ «لِأَضْيَافِك قَالَ ﵊ أَمَا تَخْشَى أَنْ يُجْعَلَ لَك» أَيْ يَصِيرَ لَك فِي الْآخِرَةِ بِذَلِكَ «بُخَارٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ» الْبُخَارُ وَالدُّخَانُ ضَرَرٌ يَسِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّارِ نَفْسِهَا (وَفِي رِوَايَةٍ «أَنْ يَفُورَ لَك» مِنْ الْفَوْرِ وَهُوَ الْغَلَيَانُ «بُخَارٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ» وَفِي أُخْرَى «أَنْ يَكُونَ لَك دُخَانٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ أَنْفِقْ بِلَالًا» قِيلَ أَصْلُهُ بِلَالِي قُلِبَتْ يَاءُ الْإِضَافَةِ أَلِفًا «وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إقْلَالًا» وَيَجُوزُ النَّصْبُ

стр. 733

لِلسَّجْعِ بَعْدَ حَذْفِ الْيَاءِ أُورِدَ هُنَا بِمَا مَرَّ مِنْ جَوَازِ الِادِّخَارِ سَنَةً وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَنْعَ لِمَنْ خَافَ مِنْ الْفَقْرِ فَمَنْعُ بِلَالٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ أَقُولُ تَصَوُّرُ مِثْلِهِ عَنْ نَحْوِهِ بَعِيدٌ بَلْ سُوءُ ظَنٍّ فَالْجَوَابُ مَا قَدَّمْنَا مِنْ دَرَجَةِ الصِّدِّيقِينَ هَذَا لَكِنْ يَشْكُلُ بِأَنَّ ادِّخَارَ بِلَالٍ لَيْسَ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ بَلْ لِأَضْيَافِهِ ﵊ فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ وَلَا تَخْشَ إلَخْ أَقُولُ لَعَلَّ الْمُرَادَ تَقْرِيرُ بِلَالٍ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الضِّيَافَةِ فَالْمُرَادُ مِنْ الْإِنْفَاقِ مَا يَشْمَلُ الضِّيَافَةَ وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْفَيْضِ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَرَدَتْ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ حِينَ كَانَ الِادِّخَارُ مَمْنُوعًا وَالضِّيَافَةُ وَاجِبَةً ثُمَّ نُسِخَ، ثُمَّ فِي قَوْلِهِ ذِي الْعَرْشِ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ وَهِيَ أَتَخَافُ مِنْ ذِي الْعَرْشِ الَّذِي يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ أَنْ لَا يُوَصِّلَ إلَيْك رِزْقَك الَّذِي تَكَفَّلَ وَوَعَدَ قَالَ سُفْيَانُ لَيْسَ لِلشَّيْطَانِ سِلَاحٌ كَخَوْفِ الْفَقْرِ فَإِذَا قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ أَخَذَ بِالْبَاطِلِ وَمَنَعَ مِنْ الْحَقِّ وَتَكَلَّمَ بِالْهَوَى وَظَنَّ بِرَبِّهِ ظَنَّ سُوءٍ وَفِي تَخْرِيجِ الْحَاكِمِ عَنْ بِلَالٍ «يَا بِلَالُ الْقَ اللَّهَ تَعَالَى فَقِيرًا وَلَا تَلْقَهُ غَنِيًّا قَالَ إذَا رُزِقْت فَلَا تَمْنَعْ قَالَ وَكَيْفَ لِي بِذَلِكَ قَالَ هُوَ ذَاكَ وَإِلَّا فَالنَّارُ» ثُمَّ عَنْ الْعِرَاقِيِّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ وَعَنْ ابْنِ حَجَرٍ حَسَنٌ وَعَنْ الْهَيْتَمِيِّ لَهُ إسْنَادَانِ أَحَدُهُمَا حَسَنٌ وَالْآخَرُ فِيهِ قَيْسُ بْنُ رَبِيعٍ وَفِيهِ كَلَامٌ لَكِنْ فِي أَسَانِيدِ أَبِي هُرَيْرَةَ مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ فِيهِ كَلَامٌ (وَعِلَاجُهُ) أَيْ خَوْفِ الْفَقْرِ (الْقَلَعِيُّ إزَالَةُ أَسْبَابِهِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ خَوْفُ الْمَوْتِ أَوْ الْمَرَضِ مِنْ الْجُوعِ وَخَوْفُ فَوْتِ التَّنَعُّمِ الْمُعْتَادِ) عِنْدَ سَعَةِ الدُّنْيَا (وَحُصُولِ الْقَلِقِ) الِاضْطِرَابِ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْفَوْتِ فَيَمْتَنِعُ عَنْ التَّفَرُّغِ لِلْأَعْمَالِ (وَخَوْفُ الِاحْتِيَاجِ إلَى الْكَسْبِ) لِمَنْ قَدَرَ (أَوْ) إلَى (السُّؤَالِ) لِمَنْ لَمْ يَقْدِرْ مَثَلًا (وَطَرِيقُ إزَالَتِهَا) أَيْ الْأَسْبَابِ (إجْمَالًا أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ سُوءُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّا مَأْمُورُونَ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِهِ تَعَالَى) كَمَا سَبَقَ فَهُوَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَخِلَافُهُ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ (وَ) طَرِيقُ إزَالَتِهَا (تَفْصِيلًا أَنَّ الْمَوْتَ مُتَيَقَّنٌ) مِنْ الْيَقِينِ (وَآتٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ) حَالَ الْغِنَى وَحَالَ الْفَقْرِ (إمَّا بَغْتَةً) فَجْأَةً قِيلَ أَكْثَرُ سَبَبِهِ شُيُوعُ الزِّنَا لَكِنْ لَا يُلَائِمُهُ أَنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْأَبْرَارِ وَعُقُوبَةٌ لِلْأَشْرَارِ (وَإِمَّا بِسَبَبٍ مُقَدَّرٍ) فِي الْأَزَلِ كَالْقَتْلِ وَأَنْوَاعِ الْأَمْرَاضِ (فَإِنْ قُدِّرَ) فِي الْأَزَلِ (كَوْنُهُ) أَيْ سَبَبِ مَوْتِهِ (جُوعًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ) لِأَنَّ إرَادَتَهُ تَعَالَى لَا تَتَخَلَّفُ عَنْ مُرَادِهِ وَأَنَّهُ لَا رَادَّ لِقَضَائِهِ وَأَنَّ التَّقْدِيرَ لَا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ (وَإِنْ كَانَ عِنْدَك مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا) لَكِنْ يَشْكُلُ بِالْأَجَلِ الْمُعَلَّقِ وَبِأَقْسَامِ الْكَسْبِ مِنْ الْفَرْضِ وَالْوُجُوبِ وَغَيْرِهِمَا فَتَأَمَّلْ (وَإِلَّا) وَإِنْ لَمْ يُقَدِّرْ الْجُوعَ (فَلَا) تَمُوتَنَّ مِنْ الْجُوعِ (أَصْلًا) كُنْت غَنِيًّا أَوْ لَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَك حَبَّةُ خَرْدَلٍ مِنْ الْمَالِ لَكِنْ يَشْكُلُ بِتَرْتِيبِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْأَنْفُسِ وَالضَّمَانِ فِي إتْلَافِ الْحَيَوَانِ إذْ الْمُقَدَّرُ لَا يَزُولُ بَلْ يَقَعُ أَلْبَتَّةَ فَلْيُتَأَمَّلْ أَيْضًا (وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْمَوْتِ جُوعًا وَشِبَعًا) فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْخَلَاصُ مِنْ الْمَوْتِ سِيَّمَا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا (فَعَلَيْك الرِّضَا بِالْقَضَاءِ) وَلَا تَلْتَفِتْ إلَى الْفَقْرِ وَالْغِنَى فَإِنَّ

стр. 734

الْأَجَلَ وَاحِدٌ وَالْمُقَدَّرَ كَائِنٌ لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا فِي الِاعْتِقَادِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ الْمَقْتُولُ لَجَازَ أَنْ يَمُوتَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَأَنْ لَا يَمُوتَ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ بِامْتِدَادِ الْعُمْرِ وَلَا بِالْمَوْتِ بَدَلَ الْقَتْلِ فَتَأَمَّلْ فِيهِ (وَكَذَا الْمَرَضُ إنْ قُدِّرَ فَآتٍ) لَا مَحَالَةَ (وَإِلَّا فَلَا وَلَا دَخْلَ فِيهِ) أَيْ فِي إتْيَانِ الْمَرَضِ وَعَدَمِهِ (لِلْغِنَى وَالْفَقْرِ بَلْ تَرَى الْأَغْنِيَاءَ أَكْثَرَ أَمْرَاضًا مِنْ الْفُقَرَاءِ) لِاعْتِيَادِهِمْ أَكْلَ الْأَطْعِمَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الطَّبَائِعِ وَكَثْرَةِ هُمُومِهِمْ وَخِدْمَةِ الدُّنْيَا وَكَثْرَةِ الْأَعْدَاءِ (وَتَنَعُّمَك وَتَلَذُّذَك سَيَزُولُ) بِالْمَوْتِ (لَا مَحَالَةَ فَكَيْفَ يَخَافُ الْعَاقِلُ مِنْ تَقَدُّمِهِ) مِنْ تَقَدُّمِ زَوَالِ النِّعَمِ وَالتَّلَذُّذِ بِالْفَقْرِ (أَيَّامًا قَلَائِلَ لَوْ سَلِمَ) فَوْتُ التَّلَذُّذِ (وَالْكَسْبُ قَدْ صَدَرَ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ) كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ وَكَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ «مَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا رَعَى الْغَنَمَ» كَمَا نُقِلَ عَنْ الْبُخَارِيِّ (وَالْأَوْلِيَاءِ) كَيْفَ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١١] ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]- وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ» - وَفِي رِوَايَةٍ «التَّاجِرُ الْأَمِينُ الصَّدُوقُ الْمُسْلِمُ مَعَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَفِي رِوَايَةٍ «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ» قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ مَعَ النَّبِيِّينَ بَعْدَ قَوْلِهِ التَّاجِرُ الصَّدُوقُ حُكْمٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ مِنْ قَوْلِهِ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ﴾ [النساء: ٦٩]- الْآيَةَ التَّاجِرُ الصَّدُوقُ تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ التَّاجِرُ الصَّدُوقُ لَا يُحْجَبُ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ أَيْ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَلَا يَمْنَعُهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَكَانَتْ لَهُ تِجَارَةٌ يُقَلِّبُهَا لَوْلَا تَمَنْدُلُ بَنِي الْعَبَّاسِ بِي جَعَلُونِي كَالْمِنْدِيلِ يَمْسَحُونَ بِي أَوْسَاخَهُمْ مَا فَعَلْت هَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَشَرْحُهَا مِنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا تَعَفُّفًا عَنْ الْمَسْأَلَةِ وَسَعْيًا عَلَى عِيَالِهِ وَتَعَطُّفًا عَلَى جَارِهِ لَقِيَ اللَّهَ وَوَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» هَذَا إنْ كَانَ لِلتَّعَفُّفِ وَالتَّصَدُّقِ وَإِلَّا فَإِنْ لِلشُّهْرَةِ وَالِادِّخَار فَمَذْمُومٌ (فَالْخَوْفُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْكَسْبِ (إمَّا لِلرِّيَاءِ) فَيَمْتَنِعُ مِنْ الْكَسْبِ رِيَاءً (أَوْ الْكِبْرِ أَوْ الْبَطَالَةِ) وَكُلُّهَا مَذْمُومَةٌ (وَالسُّؤَالُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ) لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ فِي عِيَالِهِ (جَائِزٌ) جَوَابٌ عَنْ خَوْفِ الِاحْتِيَاجِ إلَى السُّؤَالِ (فَأَيُّ ضَرَرٍ فِيهِ) بَلْ وَاجِبٌ عَلَى حَسْبِ ضَرُورَتِهِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَسْأَلْ فَمَاتَ جُوعًا يَكُونُ آثِمًا اعْلَمْ أَنَّ السُّؤَالَ بِلَا ضَرُورَةٍ حَرَامٌ لِاسْتِلْزَامِهِ الشَّكْوَى مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلِأَنَّهُ إذْلَالُ النَّفْسِ لِغَيْرِهِ تَعَالَى وَلِأَنَّهُ إيذَاءٌ لِلْمَسْئُولِ غَالِبًا وَهُوَ حَرَامٌ إذْ رُبَّمَا لَا تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِمَا يَبْذُلُهُ عَنْ طِيبِ قَلْبِهِ فَيَكُونُ بَذْلُهُ رِيَاءً أَوْ حَيَاءً فَأَخْذُهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا السُّؤَالُ بِالِاضْطِرَارِ كَسُؤَالِ الْجَائِعِ الْخَائِفِ مِنْ الْمَوْتِ أَوْ الْمَرَضِ وَالْعَارِي الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَا يُوَارِي بَدَنَهُ فَجَائِزٌ بَلْ وَاجِبٌ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الِاضْطِرَارِ كَمَنْ لَهُ جُبَّةٌ وَلَكِنْ يَتَأَذَّى بِالْبَرْدِ وَكَمَنْ يُرِيدُ الْكِرَاءَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْمَشْيِ لَكِنْ يَتْعَبُ فَجَائِزٌ بِلَا كَرَاهَةٍ وَأَمَّا الْحَاجَةُ الْخَفِيفَةُ كَمَنْ يُرِيدُ ثَوْبًا عَلَى ثَوْبِهِ لِسَتْرِ خُرُوقِهِ أَوْ كَمَنْ يَسْأَلُ لِأَجْلِ الْإِدَامِ وَلَهُ خُبْزٌ وَكَمَنْ يَكْتَرِي الْفَرَسَ وَهُوَ يَجِدُ كِرَاءَ الْحِمَارِ فَمُبَاحٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ بِشَرْطِ عَدَمِ الشَّكْوَى وَالذُّلِّ وَالْإِيذَاءِ فَإِنْ لِغَيْرِ مَا ذُكِرَ فَحَرَامٌ وَسَيَجِيءُ. (وَأَمَّا الثَّانِي) وَهُوَ الْخَوْفُ مِنْ الْمَرَضِ (فَأَمَّا) خَوْفُهُ (لِفَوْتِ التَّنَعُّمِ) بِسَبَبِهِ (فَقَدْ عَرَفْت عِلَاجَهُ) أَنَّهُ سَيَزُولُ لَا مَحَالَةَ فَكَيْفَ يَصْدُرُ عَنْ الْعَاقِلِ الْخَوْفُ مِنْ تَقْدِيمِ الزَّوَالِ أَيَّامًا قَلَائِلَ (وَأَمَّا) خَوْفُهُ (لِفَوْتِ الطَّاعَةِ الْمُعْتَادَةِ وَنَقْصِ الثَّوَابِ) بِفَوَاتِهَا (فَجَهْلٌ إذْ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ الْمَرِيضَ يُكْتَبُ لَهُ مَا اعْتَادَهُ) أَيْ

стр. 735

ثَوَابُ مَا اعْتَادَهُ (فِي الصِّحَّةِ بَلْ يَزِيدُ ثَوَابُهُ إنْ صَبَرَ) وَلَمْ يُظْهِرْ الْجَزَعَ وَالشِّكَايَةَ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» قَالَ فِي شَرْحِهِ حَمَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى النَّفْلِ فَقَطْ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الْفَرْضَ قَاعِدًا كَالْفَرْضِ قَائِمًا فِي الْأَجْرِ وَأَخَذَ مِنْهُ أَنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ تُثَابَانِ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَرُدَّ بِالْفَرْقِ بِالْأَهْلِيَّةِ وَعَدَمِهَا وَبِالنِّيَّةِ وَعَدَمِهَا وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ اُكْتُبُوا لِعَبْدِي مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» وَجَاءَ مَرْفُوعًا «خُذْ مِنْ صِحَّتِك لِمَرَضِك وَمِنْ حَيَاتِك لِمَوْتِك» وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا «مَا مِنْ امْرِئٍ يَكُونُ لَهُ صَلَاةٌ بِاللَّيْلِ فَيَغْلِبُهُ عَلَيْهَا نَوْمٌ إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ صَلَاتِهِ وَكَانَ نَوْمُهُ عَلَيْهِ صَدَقَةً» (لِمَا وَرَدَ أَنَّ الْأَصِحَّاءَ يَتَمَنَّوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ كَانَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ (يُقْرَضُ) أَيْ تُقَطَّعُ (أَبْدَانُهُمْ بِالْمَقَارِيضِ لَمَّا رَأَوْا مِنْ كَثْرَةِ ثَوَابِ الْمَرِيضِ) فِي الشِّرْعَةِ فِي الْحَدِيثِ «إذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا ابْتَلَاهُ حَتَّى يَسْمَعَ تَضَرُّعَهُ» وَقَالَ ﵊ «يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ قُرِضَتْ بِالْمَقَارِيضِ» وَفِي شَرْحِهِ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ هُوَ «فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جِيءَ بِأَهْلِ الْأَعْمَالِ فَوُفُّوا أَعْمَالَهُمْ بِالْمِيزَانِ أَهْلِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ ثُمَّ يُؤْتَى بِأَهْلِ الْبَلَاءِ فَلَا يُنْصَبُ لَهُمْ الْمِيزَانُ وَلَا يُنْشَرُ لَهُمْ الدِّيوَانُ يُصَبُّ عَلَيْهِمْ الْأَجْرُ صَبًّا فَيَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ فِي الدُّنْيَا لَوْ أَنَّهُمْ كَانَتْ تُقْرَضُ أَجْسَامُهُمْ بِالْمَقَارِيضِ لِمَا يَرَوْنَ مِمَّا يَذْهَبُ بِهِ أَهْلُ الْبَلَاءِ مِنْ الثَّوَابِ» (فَعَلَيْك الْعَزْمُ عَلَى الصَّبْرِ) عَلَى الْمَرَضِ (إنْ وَقَعَ) حَتَّى تَنَالَ الْأَجْرَ وَقَدْ قَالَ - ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]- ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «فَمَنْ صَبَرَ عَلَى الْمُصِيبَةِ حَتَّى يَرُدَّهَا بِحُسْنِ عَزَائِهَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلَاثَمِائَةِ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» (وَإِنْ خِفْت مِنْ نَفْسِك عَدَمَ الصَّبْرِ) عَلَى مِحْنَةِ الْمَرَضِ (فَعَلَيْك أَنْ تَسْأَلَ الْعَافِيَةَ) وَقَدْ عَرَفْت بَعْضَ تَفَاصِيلِ مَعْنَى الْعَافِيَةِ وَفُسِّرَ هُنَا بِالسَّلَامَةِ مِنْ الْمِحَنِ وَالْبَلَايَا وَفِي الْحِصْنِ الْحَصِينِ عَنْ التِّرْمِذِيِّ «سَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا مِنْ الْعَافِيَةِ» . وَعَنْهُ أَيْضًا «مَا سَأَلَ الْعِبَادُ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يُغْفَرَ لَهُمْ وَيُعَافِيَهُمْ» . وَعَنْ الْبَزَّارِ «وَمَرَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْمٍ مُبْتَلِينَ فَقَالَ أَمَا كَانَ هَؤُلَاءِ يَسْأَلُونَ الْعَافِيَةَ» وَعَنْ الْبَزَّارِ أَيْضًا «وَقَالَ الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَدْعُو اللَّهَ بِهِ فَقَالَ سَلْ رَبَّك الْعَافِيَةَ قَالَ فَمَكَثْت أَيَّامًا ثُمَّ جِئْت فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَسْأَلُهُ رَبِّي فَقَالَ يَا عَمِّ سَلْ اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» . وَعَنْ الطَّبَرَانِيِّ «وَكَانَ يَقُولُ يَا عَمِّ أَكْثِرْ الدُّعَاءَ بِالْعَافِيَةِ» وَعَنْهُ أَيْضًا فَلِيَنْظُرْ الْعَاقِلُ مِقْدَارَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمِّهِ مِنْ دُونِ الْكَلِمِ وَلِيُؤْمِنْ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَاخْتُصِرَتْ لَهُ الْحِكَمُ فَإِنَّ مَنْ أُعْطِيَ الْعَافِيَةَ فَازَ بِمَا يَرْجُوهُ قَلْبُهُ قَلْبًا وَقَالَبًا وَدُنْيَا وَدِينًا وَرَقَى مِمَّا يَخَافُهُ فِي الدَّارَيْنِ عِلْمًا يَقِينًا فَلَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الدُّعَاءُ بِالْعَافِيَةِ وَوَرَدَ عَنْهُ لَفْظًا وَمَعْنَى مِنْ خَمْسِينَ طَرِيقًا هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَهُوَ الْمَعْصُومُ عَلَى الْإِطْلَاقِ حَقِيقِيًّا فَكَيْفَ بِنَا وَنَحْنُ غَرَضٌ لِسِهَامِ الْقَدَرِ وَعَرَضٌ بَيْنَ النَّفْسِ وَالْهَوَى وَالشَّيْطَانِ كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ «اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُك الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» انْتَهَى مَا فِي الْحِصْنِ (مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنْ تُدَاوِمَ عَلَى دُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - د عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» فُسِّرَ هُنَا بِدِفَاعِ اللَّهِ عَنْ الْعَبْدِ الْأَسْقَامَ وَالْآلَامَ وَالْمِحَنَ وَالْبَلَايَا وَشَدَائِدَهَا

стр. 736

وَنَكَالَهَا «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ» عَنْ الذُّنُوبِ وَالزَّلَلِ «وَالْعَافِيَةَ» عَنْ جَمِيعِ الْمَكْرُوهِ وَالْمَضَارِّ «فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي اللَّهُمَّ اُسْتُرْ عَوْرَاتِي» مَا فِي مِنْ الْعُيُوبِ وَالْخَلَلِ وَالتَّقْصِيرِ وَالزَّلَلِ وَهِيَ مَا يُسْتَهْجَنُ ذِكْرُهُ مِنْ الْقَبَائِحِ «وَآمِنْ» بِالْمَدِّ «رَوْعَاتِي» أَيْ مَا أَخَافُهُ «اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ» مِنْ الشَّرِّ الَّذِي يَجِيءُ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ «وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي» مَا يَلْحَقُ الْإِنْسَانَ مِنْ نَكْبَةٍ وَفِتْنَةٍ فَإِنَّ مَا يَحِيقُ بِهِ وَيَصِلُ إلَيْهِ مِنْ إحْدَى هَذِهِ الْجِهَاتِ فَلِذَلِكَ سَأَلَ أَنْ يَحْفَظَهُ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ قِيلَ عَنْ زَيْنِ الْعَرَبِ وَأَمَّا جِهَةُ الْفَوْقِ فَإِنَّ مِنْهَا يَنْزِلُ الْبَلَاءُ وَالصَّوَاعِقُ وَالْعَذَابُ «وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِك أَنْ أُغْتَالَ» أَيْ أَهْلَك. عَنْ الرَّاغِبِ: الْغَوْلُ: إهْلَاكُ الشَّيْءِ مِنْ حَيْثُ لَا يُحَسُّ بِهِ «مِنْ تَحْتِي» وَقَعَ فِي الْجَامِعِ عَلَى تَخْرِيجِ الْبَزَّارِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - هَكَذَا اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْعَافِيَةَ فِي دُنْيَايَ وَدِينِي وَأَهْلِي وَمَالِي اللَّهُمَّ اُسْتُرْ عَوْرَاتِي إلَخْ ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِهِ خَرَّجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَكَذَا الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَعُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِي وَيُصْبِحُ انْتَهَى فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَاتِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْحَدِيثَ لَا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ فَافْهَمْ. (وَأَمَّا الثَّالِثُ) وَهُوَ خَوْفُ إصَابَةِ مَكْرُوهٍ مِنْ مَخْلُوقٍ (فَعِلَاجُهُ تَرْكُ السَّبَبِ) وَهُوَ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِإِصَابَتِهِ مِنْ جِهَتِهِمْ (إنْ أَمْكَنَ بِلَا ضَرَرٍ دِينِيٍّ) بِأَنْ يَلْزَمَ مِنْ تَرْكِهِ تَرْكُ وَاجِبٍ أَوْ ارْتِكَابُ حَرَامٍ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بِلَا ضَرَرٍ دِينِيٍّ (فَالتَّوْطِينُ) فَاللَّازِمُ هُوَ التَّوْطِينُ أَيْ تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلَى مَا أَصَابَهُ مِنْ الْمَخْلُوقِ وَالْفِرَارُ مِنْ ضَرَرِ الدِّينِ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْهَلَاكِ الْأَبَدِيِّ فِي النَّارِ بِخِلَافِ ضَرَرِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ ضَرَرٌ يَسِيرٌ سَيَزُولُ لَا مَحَالَةَ (إذْ الْمُقَدَّرُ) مِنْ الْفَقْرِ وَالْغِنَى (كَائِنٌ) أَلْبَتَّةَ (وَالْأَجَلُ وَاحِدٌ) فِي الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ (وَنِعَمُ الدُّنْيَا ظِلٌّ زَائِلٌ وَنَوْمٌ نَائِمٌ) بَلْ وِزْرٌ وَوَبَالٌ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ لَا دَارُ مَقَرٍّ كَمَا قَالَ الدُّنْيَا قَنْطَرَةٌ فَاعْبُرُوهَا وَلَا تَعْمُرُوهَا. كُنْيَةُ الدُّنْيَا أَبُو الْفَنَاءُ وَكُنْيَةُ الْآدَمِيِّ أَبُو الْجَفَاءُ وَلَا تَطْلُبْ مِنْ الْفَنَاءِ بَقَاءً وَلَا تَطْلُبْ مِنْ الْجَفَاءِ وَفَاءً فَإِنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَعُبُورٍ لَا دَارُ بَقَاءٍ وَسُرُورٍ أَوَّلُهَا خِزْيٌ وَفُتُورٌ وَآخِرُهَا مَوْتٌ وَقُبُورٌ وَدَارُ مِحْنَةٍ وَمَشَقَّةٍ وَفِرَاقٍ لَا دَارُ مَسَرَّةٍ وَمَحَبَّةٍ وَتَلَاقٍ أَيْنَ قَيَاصِرَةُ الْقُصُورِ وَأَيْنَ هَرَامِسَةُ الدُّهُورِ وَأَيْنَ شَدَّادٌ وَعَادٌ وَأَيْنَ إرَمُ ذَاتُ الْعِمَادِ أَيْنَ الْآبَاءُ وَالْأَجْدَادُ وَأَيْنَ الْأَحْبَابُ وَالْأَحْفَادُ أَيْنَ الشُّيُوخُ وَالْعُلَمَاءُ وَأَيْنَ الْأَسْلَافُ الْعُظَمَاءُ كُلُّهُمْ مَضَوْا وَتَرَكُونَا يَتَامَى غَابُوا عَنَّا وَتَرَكُونَا كَالْأَيَامَى فَيَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَاتَ مِنْ فُرْصَتِنَا يَا مَوْلَانَا وَيَا غَايَةَ رَغْبَتِنَا ارْحَمْ غُرْبَتَنَا وَاكْشِفْ كُرْبَتَنَا وَلَا تَكِلْنَا إلَى أَنْفُسِنَا وَمِنْ كُلِّ بُؤْسٍ وَخِزْيٍ احْفَظْنَا (فَلَيْسَ مِنْ عُلُوِّ الْهِمَّةِ وَالْمُرُوءَةِ) وَعُلُوُّ الْهِمَّةِ مِنْ الْإِيمَانِ

стр. 737

وَمِمَّا أَحَبَّهُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا فِي حَدِيثِ «عُلُوُّ الْهِمَّةِ مِنْ الْإِيمَانِ» وَحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا» (أَنْ يُبَالِيَ) يَهْتَمَّ (بِزَوَالِ مِثْلِهِ بَلْ هُوَ مِنْ الْخَسَاسَةِ وَالدَّنَاءَةِ) وَنَظِيرُهُ قَنَاعَةُ الْكِلَابِ بِالْعِظَامِ مَعَ التَّرْكِ لِنَفَائِسِ الطَّعَامِ [السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ الْغِشُّ وَالْغُلُّ] (السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ الْغِشُّ وَالْغُلُّ وَهِيَ عَدَمُ تَمْحِيصِ النُّصْحِ) أَيْ عَدَمُ قَصْدِ غَيْرِ خَالِصٍ (بِأَنْ لَا يَجْتَنِبَ مِنْ إصَابَةِ الشَّرِّ لِلْغَيْرِ) نَفْسًا أَوْ مَالًا أَوْ غَيْرَهُمَا (وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ) أَيْ الشَّرَّ (ابْتِدَاءً وَقَصْدًا كَمَنْ يُرِيدُ إزَالَةَ مَتَاعٍ مَعِيبٍ لَهُ فَيَكْتُمُ عَيْبَهُ فَيَبِيعُهُ) فَيَلْحَقُ الشَّرُّ بِالْمُشْتَرِي لَا يَقْصِدهُ لَكِنْ يُرِيدُ إخْرَاجَ الْمَعِيبِ عَنْ يَدِهِ (وَهَذَا غَيْرُ الْحَسَدِ) إذْ هُوَ إرَادَةُ زَوَالِ نِعْمَةِ الْغَيْرِ أَوْ عَدَمِ وُصُولِهِ (وَهَذَا) أَيْ عَدَمُ تَمْحِيصِ النُّصْحِ (أَيْضًا) كَالْحَسَدِ (حَرَامٌ) بِالِاتِّفَاقِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْحُكْمِ يَكُونُ صَاحِبُهُ فَاسِقًا مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِذَلِكَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ حَرَامٌ وَمَعْصِيَةٌ لَا تُوجِبُ الْفِسْقَ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْحُرْمَةَ كَيْفَ تَنْفَكُّ عَنْ الْفِسْقِ بَلْ الْفَاسِقُ مَنْ يَرْتَكِبُ الْحَرَامَ إلَّا أَنْ يُرَادَ مِنْ الْحَرَامِ الْمَكْرُوهُ التَّحْرِيمِيِّ (م. عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ غَشَّنَا» أَيْ خَانَ وَالْغِشُّ سَتْرُ حَالِ الشَّيْءِ كَمَا فِي الْمُنَاوِيِّ أَوْ مَنْ لَمْ يُعْرِضْ عَنْ إصَابَةِ الشَّرِّ بِنَا كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ أَوْ مَنْ لَمْ يُمَحِّصْ النُّصْحَ لَنَا كَمَا يَقْتَضِي السِّيَاقُ «فَلَيْسَ مِنَّا» أَيْ مِنْ مُتَابَعِينَا وَعَلَى مِنْهَاجِ شَرْعِنَا لِأَنَّ وَصْفَ الْمُصْطَفَى وَطَرِيقَتَهُ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا وَالرَّغْبَةُ عَنْهَا وَعَدَمُ شَرَرِ الطَّمَعِ قَالَ الطِّيبِيُّ لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَهُ عَنْ الْإِسْلَامِ بَلْ نَفْيَ خُلُقِهِ عَنْ أَخْلَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَيْ لَيْسَ هُوَ عَلَى سُنَّتِنَا وَطَرِيقَتِنَا فِي مُنَاصَحَةِ الْإِخْوَانِ فِي الْفَيْضِ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَقِيلَ إنَّهُ مُتَوَاتِرٌ «وَقَالَ حِينَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَعْجَبَتْهُ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَ» أَيْ أَصَابَ «أَصَابِعَهُ بَلَلٌ فَقَالَ مَا هَذَا» لِلتَّوْبِيخِ «يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ» أَيْ الْمَطَرُ «يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ أَفَلَا جَعَلْته فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ» الظَّاهِرُ أَنَّ الطَّعَامَ مُعَدٌّ لِلْبَيْعِ وَأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْبُرِّ وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «وَالْمُنْكِرُ وَالْخَدَّاعُ فِي النَّارِ» . قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ صَاحِبُهُمَا يَسْتَحِقُّ دُخُولَهَا وَأَخَذَ الذَّهَبِيُّ مِنْ الْوَعِيدِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الثَّلَاثَةَ مِنْ الْكَبَائِرِ فَعَدَّهَا مِنْهَا اهـ فَتَأَمَّلْ (فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ بَائِعٍ إظْهَارُ عَيْبِ مَتَاعِهِ أَوْ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ إنْ كَانَ) الْعَيْبُ (خَفِيًّا) لَا يُمْكِنُ إظْهَارُهُ كَالْبَوْلِ عَلَى الْفِرَاشِ وَالسَّرِقَةِ فِي الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنْ أَخْفَاهُ كَانَ ظَالِمًا غَاشًّا فَحَرَامٌ وَتَرْكُ وَاجِبٍ فَلَوْ أَحْسَنَ ظَهْرَ الثَّوْبِ خِلَافَ مَا فِي بَطْنِهِ كَانَ غَاشًّا وَنَحْوُهُ بَيْعُ مَا يَحْسُنُ فِي الظُّلَمِ لِئَلَّا يَرَى الْمُشْتَرِي قُبْحَهُ وَعَيْبَهُ وَكَذَا السَّمْنُ الرَّدِيءُ وَأَمْثَالُهُمَا فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا اضْمَحَلَّتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» قِيلَ نَزْعُ الْبَرَكَةِ مُخْتَصٌّ بِمَنْ وَقَعَ مِنْهُ التَّدْلِيسُ وَقِيلَ عَامٌّ فَيَعُودُ شُؤْمُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ. (وَكَذَا يَجِبُ) شُرُوعٌ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الْغُلِّ (عَلَى كُلِّ مَنْ عَلِمَ مَنْ يُرِيدُ بَيْعًا أَوْ إجَارَةً

стр. 738

أَوْ نِكَاحًا) لِامْرَأَةٍ (أَوْ نَحْوِهَا) مِنْ الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ (أَنْ يُخْبِرَ) فِي الْخَلْوَةِ فِي النِّكَاحِ (بِعَيْبِ الْمَبِيعِ وَالْمُسْتَأْجَرِ وَالْمَنْكُوحَةِ إنْ عَلِمَ بِهِ) أَيْ بِالْعَيْبِ (وَ) عَلِمَ (بِعَدَمِ عِلْمِ الْآخِذِ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ) أَوْ عَلَى غَيْرِهِ وَكَذَا إذَا عَلِمَ رَجُلٌ مَعْصِيَة عِيَالِ رَجُلٍ آخَرَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَهُ بِهَا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرَائِطِ وَالْإِصْرَارِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَأَمَّا إذَا عَلِمَ تَوْبَتَهُمْ فَلَا وَيَجُوزُ عِنْدَ عَدَمِ عِلْمِ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِهَا وَالنَّفْعِ فِي إخْبَارِهِ وَكَوْنُ الْإِخْبَارُ سِرًّا فِرَارًا مِنْ كَشْفِ السَّتْرِ وَالْغَيْبَةِ وَعَدَمِ الْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ (وَمِنْ الْغِشِّ الْغَبْنُ) فِي الْغَبْنِ الْفَاحِشِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ إنْ كَانَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ عَدَمُ التَّخَيُّرِ مُطْلَقًا وَالتَّخَيُّرُ مُطْلَقًا وَالتَّفْصِيلُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى فَإِنَّهُ إنْ وَجَدَ التَّقْدِيرَ تَصْرِيحًا أَوْ تَعْرِيضًا فَيُخَيَّرُ وَإِلَّا فَلَا. وَأَمَّا إنْ كَانَ مُشْتَرِيًا لِغَيْرِهِ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ فَلِلْمُوَكِّلِ وِلَايَةُ التَّخَيُّرِ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ (إذَا وَجَدَ التَّغْرِيرَ مِنْهُ تَصْرِيحًا أَوْ تَعْرِيضًا مِثْلُ) أَنْ يَكْذِبَ فِي قِيمَتِهِ هَذَا تَصْرِيحٌ وَالتَّعْرِيضُ قَوْلُهُ (أَوْ يَمْدَحَهُ بِحَيْثُ يَشْعُرُ أَنَّهُ بِيعَ بِقِيمَتِهِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا) مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ (فَهَذَا غِشٌّ حَرَامٌ حَتَّى يَتَخَيَّرَ الْمُشْتَرِي) فِي فَسْخِ الْبَيْعِ (وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ) فِي الْغَبْنِ الْفَاحِشِ (تَغْرِيرٌ أَصْلًا) لَا تَصْرِيحًا وَلَا تَعْرِيضًا (فَلَيْسَ بِحَرَامٍ) فَلَا يَجِب الْإِخْبَارُ وَلَكِنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ (فَلِذَا لَا يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي فِي الصَّحِيحِ) وَكَذَا الْبَائِعُ عَلَى مَا يَقْتَضِي كَلَامُ الْفُقَهَاءِ إذَا لَمْ يُوجَدْ فَرْقٌ بَيْنَ غَبْنِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي الصُّرَّةِ وَفِي الْوَاقِعَاتِ لِلْجَصَّاصِ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى بِغَبْنٍ فَاحِشٍ لَهُ الرَّدُّ وَفِيهِ عَنْ الْمِنَحِ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْكَثِيرِ إذَا ثَبَتَ الْغَبْنُ مَعَ التَّغْرِيرِ لِلْمُشْتَرِي أَوْ لِلْبَائِعِ ثُمَّ مَاتَ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَدَمُ انْتِقَالِ حَقِّ الرَّدِّ إلَى الْوَرَثَةِ وَالتَّفْصِيلُ فِيهِ فَتَخْصِيصُ الْمُصَنِّفِ الْمُشْتَرِيَ إمَّا لِلْأَعَمِّ وَالْأَغْلَبِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ الِاكْتِفَاءِ أَوْ الْبَحْثُ عَرْضِيٌّ لَا قَصْدِيٌّ (وَلَكِنَّهُ مَذْمُومٌ) وَمَكْرُوهٌ وَلَوْ تَنْزِيهًا وَعَنْ الْإِحْيَاءِ إنْ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ ضَعِيفٍ أَوْ شَيْئًا مِنْ فَقِيرٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَمِلَ الْغَبْنَ وَيَتَسَاهَلَ فَيَكُونَ بِهِ مُحْسِنًا وَدَاخِلًا فِي قَوْلِهِ ﷺ «رَحِمَ اللَّهُ سَهْلَ الْبَيْعِ سَهْلَ الشِّرَاءِ» فَأَمَّا إذَا اشْتَرَى مِنْ غَنِيٍّ تَاجِرٍ يَطْلُبُ الرِّبْحَ زِيَادَةً عَلَى حَاجَتِهِ فَاحْتِمَالُ الْغَبْنِ مِنْهُ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ بَلْ تَضْيِيعُ مَالٍ مِنْ غَيْرِ أَجْرٍ وَلَا حَمْدٍ. وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثُ «الْمَغْبُونُ لَا مَحْمُودًا وَلَا مَأْجُورًا» (وَأَمَّا الْخَدِيعَةُ) أَيْ الْمُخَادَعَةُ إظْهَارُ الْجَمِيلِ وَإِضْمَارُ ضِدِّهِ (وَالْمَكْرُ) بِمَعْنَى الْخَدْعِ (وَهُوَ إرَادَةُ إصَابَةِ الْمَكْرُوهِ لِغَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ) أَيْ الْغَيْرُ (فَإِنْ كَانَ) أَيْ الْغَيْرُ (مُسْتَحِقًّا لَهُ) أَيْ لِلْمَكْرِ كَالْحَرْبِيِّ وَالظَّلَمَةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالسُّرَّاقِ (فَمَنْدُوبٌ إلَيْهِ لِدَفْعِ شَرِّهِ لِوُرُودِ أَنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ وَإِلَّا) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لَهُ (فَحَرَامٌ لِأَنَّهُ غِشٌّ وَتَرْكُ نُصْحٍ وَاجِبٍ

стр. 739

فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْجُوَ مِنْ الْغِشِّ أَوْ شُبْهَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا خَرَّجَهُ الشَّيْخَانِ) الْمَرْمُوزِ لَهُمَا بِقَوْلِهِ (خ م. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ» إيمَانًا كَامِلًا مِنْ قَبِيلِ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ «حَتَّى يُحِبَّ» بِالنَّصْبِ فَجَارَّةٍ مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ لَا عَاطِفَةٍ إذْ عَدَمُ الْإِيمَانِ لَيْسَ سَبَبًا لِلْمَحَبَّةِ «لِأَخِيهِ» مِنْ مُطْلَقِ الْخَيْرِ فَمَنْ قَصَرَهُ عَلَى كَفِّ الْأَذِي فَقَدْ قَصَّرَ وَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُجْعَلَ مِنْ قَبِيلِ الْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ لِإِخْرَاجِ نَحْوِ وَطْءِ حَلِيلَتِهِ لِأَنَّهُ يُحِبُّ لِنَفْسِهِ لَا لِغَيْرِهِ إذْ لَيْسَ نَحْوُهُ خَيْرًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْغَيْرِ وَالْخَيْرُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ تَعُمُّ الطَّاعَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ الدِّينِيَّةَ وَالدُّنْيَوِيَّةَ وَتُخْرِجُ الْمَنْهِيَّاتِ وَالْمَحَبَّةُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّوَوِيِّ الْمَيْلُ إلَى مَا يُوَافِقُ الْمُحِبَّ وَقَدْ يَكُونُ بِحَوَاسِّهِ كَحُسْنِ الصُّورَةِ أَوْ بِعَقْلِهِ إمَّا لِذَاتِهِ كَالْفَضْلِ وَالْكَمَالِ أَوْ لِإِحْسَانِهِ كَجَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَيْلُ الِاخْتِيَارِيُّ دُونَ الْقَهْرِيِّ. «مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» مِنْ ذَلِكَ وَأَنْ يُبْغِضَ لِأَخِيهِ مَا يُبْغِضُ لِنَفْسِهِ مِنْ السُّوءِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِأَنَّ حُبَّ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ بُغْضَ نَقِيضِهِ وَذَلِكَ لِيَكُونَ الْمُؤْمِنُونَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ أَشْكَلَ عَلَى الْحَدِيثِ بِأَنَّ كُلًّا مَجْبُولٌ عَلَى إيثَارِ نَفْسِهِ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا يَكْمُلُ إيمَانُ أَحَدٍ إلَّا نَادِرًا وَأَنْتَ خَبِيرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ مَا هُوَ اخْتِيَارِيٌّ لَا قَهْرِيٌّ وَاضْطِرَارِيٌّ وَيَقْرُبُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ مَا هُوَ أَثَرُ الْمَحَبَّةِ وَهُوَ اخْتِيَارِيٌّ لَا أَصْلُهُ الَّذِي هُوَ إيجَابِيٌّ ثُمَّ ذِكْرُ الْأَخِ غَالِبِيٌّ وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يُحِبَّ الْمُسْلِمُ لِلْكَافِرِ الْإِسْلَامَ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْخُيُورِ وَالْأُجُورِ بَلْ مُطْلَقُ مَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي ذِمَّةِ الْكَافِرِ الذِّمِّيِّ فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ إرَادَةُ الْأُخُوَّةِ الطِّينِيَّةِ بِمُسَامَحَةٍ يَسِيرَةٍ وَمَقْصُودُ الْحَدِيثِ انْتِظَامُ أَحْوَالِ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ وَالْجَرْيُ عَلَى قَانُونِ السَّدَادِ وَأَمَّا مَحَبَّةُ خَيْرٍ كَانَ فِي غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ فَإِنْ عَلَى طَرِيقِ الْحَسَدِ فَحَرَامٌ وَإِنْ عَلَى طَرِيقِ الْمُنَافَسَةِ وَالْغِبْطَةِ بِأَنْ حَزِنَ فِي خَيْرٍ فَاقَ فِيهِ غَيْرَهُ عَلَى تَقْصِيرٍ مِنْهُ فَجَائِزٌ بَلْ مُسْتَحَبٌّ وَأَمَّا خَبَرُ «لَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ» فَنَهْيٌ عَنْ الْحَسَدِ هَذَا تَلْخِيصُ مَا فِي الْفَيْضِ ثُمَّ قِيلَ عَنْ الرَّوْضَةِ إنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ لَهُ شَرِيكٌ فِي التِّجَارَةِ يُقَالُ لَهُ بِشْرٌ فَخَرَجَ بِتِجَارَةٍ إلَى مِصْرَ فَبَعَثَ إلَيْهِ الْإِمَامُ سَبْعِينَ ثَوْبًا وَكَتَبَ إلَيْهِ أَنَّ فِيهَا ثَوْبًا مَعِيبًا بِعَلَامَةِ كَذَا فَإِذَا بِعْته فَبَيِّنْ عَيْبَهُ فَعِنْدَ مَجِيءِ بِشْرٍ سُئِلَ مِنْهُ هَلْ بَيَّنْت ذَلِكَ الْعَيْبَ قَالَ بِشْرٌ نَسِيته فَتَصَدَّقَ الْإِمَامُ بِجَمِيعِ مَا أَصَابَهُ مِنْ أَصْلِ الْمَالِ وَالرِّبْحِ وَكَانَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَمِنْهُ النَّجْشُ الَّذِي هُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي الثَّمَنِ بِلَا إرَادَةِ الشِّرَاءِ لِمُجَرَّدِ تَحَرِّيك رَغْبَةِ الْمُشْتَرِي وَمِنْهُ السَّوْمُ عَلَى سَوْمِ غَيْرِهِ وَمِنْهُ تَلَقِّي الْجَلْبِ إنْ ضَرَّ بِأَهْلِ الْبَلَدِ وَمِنْهُ بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي عِنْدَ الْقَحْطِ لِزِيَادَةِ الثَّمَنِ وَمِنْهُ الِاحْتِكَارُ عِنْدَ تَضَرُّرِ أَهْلِ الْبَلَدِ. [الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ الْفِتْنَةُ] (الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ الْفِتْنَةُ وَهِيَ إيقَاعُ النَّاسِ فِي الِاضْطِرَابِ أَوْ الِاخْتِلَالِ وَالِاخْتِلَافِ وَالْمِحْنَةِ وَالْبَلَاءِ بِلَا فَائِدَةٍ دِينِيَّةٍ) وَهُوَ حَرَامٌ لِأَنَّهُ فَسَادٌ

стр. 740

فِي الْأَرْضِ وَإِضْرَارٌ بِالْمُسْلِمِينَ وَزَيْغٌ وَإِلْحَادٌ فِي الدِّينِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠] الْآيَةَ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْفِتْنَةُ نَائِمَةٌ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَيْقَظَهَا» قَالَ الْمُنَاوِيُّ الْفِتْنَةُ كُلُّ مَا يَشُقُّ عَلَى الْإِنْسَانِ وَكُلُّ مَا يَبْتَلِي اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ وَعَنْ ابْنِ الْقَيِّمِ الْفِتْنَةُ قِسْمَانِ فِتْنَةُ الشُّبُهَاتِ وَفِتْنَةُ الشَّهَوَاتِ وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي الْعَبْدِ وَقَدْ يَنْفَرِدَانِ (كَأَنْ يُغْرِيَ) مِنْ الْإِغْرَاءِ (النَّاسَ عَلَى الْبَغْيِ) مِنْ الْبَاغِي فَقَوْلُهُ (وَالْخُرُوجِ عَلَى السُّلْطَانِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِأَنَّ الْخُرُوجَ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ وَكَذَا اعْزِلُوهُ وَلَوْ ظَالِمًا لِكَوْنِهِ فِتْنَةً أَشَدَّ مِنْ الْقَتْلِ وَكَذَا الْمُعَاوَنَةُ لِقَوْمٍ مَظْلُومِينَ مِنْ جِهَتِهِ إذَا أَرَادُوا الْخُرُوجَ عَلَيْهِ وَكَذَا الْمُعَاوَنَةُ لَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِكَوْنِهِ إعَانَةً عَلَى الظُّلْمِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ لَعَلَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْأَخْذِ بِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا إذْ الْخُرُوجُ عَلَى السُّلْطَانِ الظَّالِمِ لِظُلْمِهِ يُفْضِي إلَى سَفْكِ دِمَاءٍ كَثِيرَةٍ مِنْ الطَّرَفَيْنِ وَمُحَارَبَاتٍ وَمُقَاتَلَاتٍ أَكْثَرَ ضَرَرًا مِنْ ظُلْمِ السُّلْطَانِ (وَكَتَطْوِيلِ الْإِمَامِ الصَّلَاةَ) زِيَادَةً عَلَى السُّنَّةِ وَهِيَ الْفَجْرُ أَرْبَعُونَ آيَةً غَيْرُ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَكَذَا فِي الظُّهْرِ فِي رِوَايَةٍ وَفِي أُخْرَى ثَلَاثُونَ آيَةً وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ عِشْرُونَ آيَةً غَيْرُهَا فَالزِّيَادَةُ عَلَى هَذَا لَا تَجُوزُ بِلَا رِضَا الْقَوْمِ وَمَعَهُ تَجُوزُ وَكَذَا النَّقْصُ مِنْهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْقَوْمُ لِأَنَّهُ تَرَكَ السُّنَّةَ وَذَا لَا يَجُوزُ لِكُلِّ الْقَوْمِ، وَالْمُتَأَخِّرُونَ اسْتَحْسَنُوا لِتَيَسُّرِ الْأَمْرِ طِوَالَ الْمُفَصَّلِ وَهِيَ مِنْ الْحُجُرَاتِ إلَى عَبَسَ فِي رِوَايَةٍ وَإِلَى الْبُرُوجِ فِي أُخْرَى فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَأَوْسَاطَهُ فِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ وَهِيَ مِنْ إحْدَاهُمَا إلَى سُورَةِ وَالضُّحَى فِي رِوَايَةٍ وَإِلَى لَمْ يَكُنْ فِي أُخْرَى وَقِصَارَهُ فِي الْمَغْرِبِ وَهِيَ مِنْ إحْدَاهُمَا إلَى الْآخِرِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُعَاذٍ لَمَّا أَطَالَ الصَّلَاةَ فَشَكَا مِنْهُ «أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ» وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ» . قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ صَلَاتَهُ نَدْبًا وَقِيلَ وُجُوبًا بِشَرْطِ عَدَمِ إخْلَالِ السُّنَّةِ وَقِيلَ بِأَنْ يَنْظُرَ مَا يَحْتَمِلُهُ أَضْعَفُ الْقَوْمِ فَيُصَلِّيَ بِحَسَبِهِ وَهُوَ مِنْ الْأُمُورِ الِاعْتِبَارِيَّةِ فَرُبَّ تَطْوِيلٍ بِقَوْمٍ تَخْفِيفٌ لِلْآخَرِينَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الِاخْتِصَارَ وَالنُّقْصَانَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ «نَهَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ» . «وَرَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ وَقَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» وَقَالَ «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ لِمَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ» . «فَإِنَّ فِيهِمْ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَالْمَرِيضَ وَذَا الْحَاجَةِ» وَحَذْفُ الْمَفْعُولِ لِلتَّعْلِيمِ فَيَشْمَلُ أَيَّةَ صَلَاةٍ كَانَتْ فَإِذَا عَلِمَ عَدَمَ وَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ فَلَا يُطَالُ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْغَالِبِ لَا النَّادِرِ فَيُسَنُّ التَّخْفِيفُ مُطْلَقًا وَقَدْ قَالُوا لَا يَنْتَفِي الْحُكْمُ الْكُلِّيُّ بِانْتِفَاءِ دَلِيلِهِ الْجُزْئِيِّ وَلَا يَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ الْعَامِ بِانْتِفَاءِ دَلِيلِهِ الْخَاصِّ وَإِنَّ الْعِلَّةَ كَثِيرًا مَا تُؤَثِّرُ جِنْسَ الْحُكْمِ لَا فِي جَمِيعِ أَفْرَادِهِ كَمَشَقَّةِ السَّفَرِ حَيْثُ قَدْ تَنْتَفِي الرُّخْصَةُ نَعَمْ إذَا أَمَّ بِقَوْمِ مَخْصُوصِينَ رَاضِينَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِعَيْنِهِمْ حَقٌّ لَهُ التَّطْوِيلُ وَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ وَيُكْرَهُ لِلْمُنْفَرِدِ إفْرَادُ التَّطْوِيلِ الْمُؤَدِّي إلَى نَحْوِ سَهْوٍ أَوْ فَوْتِ خُشُوعٍ وَفِيهِ الِاهْتِمَامُ بِتَعْلِيمِ الْأَحْكَامِ وَالرِّفْقُ بِالْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَفِيهِ جَوَازُ تَطْوِيلِ الِاعْتِدَالِ وَالْقُعُودِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لَكِنْ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ تَطْوِيلَهُمَا مُبْطِلٌ وَنَزَّلُوا الْخَبَرَ عَلَى الْأَرْكَانِ الطَّوِيلَةِ انْتَهَى مَعَ زِيَادَةٍ قَلِيلَةٍ
следующие страницы →