Полный текст (1 189 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
وَنَكَالَهَا «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ» عَنْ الذُّنُوبِ وَالزَّلَلِ «وَالْعَافِيَةَ» عَنْ جَمِيعِ الْمَكْرُوهِ وَالْمَضَارِّ «فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي اللَّهُمَّ اُسْتُرْ عَوْرَاتِي» مَا فِي مِنْ الْعُيُوبِ وَالْخَلَلِ وَالتَّقْصِيرِ وَالزَّلَلِ وَهِيَ مَا يُسْتَهْجَنُ ذِكْرُهُ مِنْ الْقَبَائِحِ «وَآمِنْ» بِالْمَدِّ «رَوْعَاتِي» أَيْ مَا أَخَافُهُ «اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ» مِنْ الشَّرِّ الَّذِي يَجِيءُ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ «وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي» مَا يَلْحَقُ الْإِنْسَانَ مِنْ نَكْبَةٍ وَفِتْنَةٍ فَإِنَّ مَا يَحِيقُ بِهِ وَيَصِلُ إلَيْهِ مِنْ إحْدَى هَذِهِ الْجِهَاتِ فَلِذَلِكَ سَأَلَ أَنْ يَحْفَظَهُ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ قِيلَ عَنْ زَيْنِ الْعَرَبِ وَأَمَّا جِهَةُ الْفَوْقِ فَإِنَّ مِنْهَا يَنْزِلُ الْبَلَاءُ وَالصَّوَاعِقُ وَالْعَذَابُ «وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِك أَنْ أُغْتَالَ» أَيْ أَهْلَك.
عَنْ الرَّاغِبِ: الْغَوْلُ: إهْلَاكُ الشَّيْءِ مِنْ حَيْثُ لَا يُحَسُّ بِهِ «مِنْ تَحْتِي» وَقَعَ فِي الْجَامِعِ عَلَى تَخْرِيجِ الْبَزَّارِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - هَكَذَا اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْعَافِيَةَ فِي دُنْيَايَ وَدِينِي وَأَهْلِي وَمَالِي اللَّهُمَّ اُسْتُرْ عَوْرَاتِي إلَخْ ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِهِ خَرَّجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَكَذَا الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَعُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِي وَيُصْبِحُ انْتَهَى فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَاتِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْحَدِيثَ لَا يُنَاسِبُ الْمَقَامَ فَافْهَمْ.
(وَأَمَّا الثَّالِثُ) وَهُوَ خَوْفُ إصَابَةِ مَكْرُوهٍ مِنْ مَخْلُوقٍ (فَعِلَاجُهُ تَرْكُ السَّبَبِ) وَهُوَ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِإِصَابَتِهِ مِنْ جِهَتِهِمْ (إنْ أَمْكَنَ بِلَا ضَرَرٍ دِينِيٍّ) بِأَنْ يَلْزَمَ مِنْ تَرْكِهِ تَرْكُ وَاجِبٍ أَوْ ارْتِكَابُ حَرَامٍ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بِلَا ضَرَرٍ دِينِيٍّ (فَالتَّوْطِينُ) فَاللَّازِمُ هُوَ التَّوْطِينُ أَيْ تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلَى مَا أَصَابَهُ مِنْ الْمَخْلُوقِ وَالْفِرَارُ مِنْ ضَرَرِ الدِّينِ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْهَلَاكِ الْأَبَدِيِّ فِي النَّارِ بِخِلَافِ ضَرَرِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ ضَرَرٌ يَسِيرٌ سَيَزُولُ لَا مَحَالَةَ (إذْ الْمُقَدَّرُ) مِنْ الْفَقْرِ وَالْغِنَى (كَائِنٌ) أَلْبَتَّةَ (وَالْأَجَلُ وَاحِدٌ) فِي الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ (وَنِعَمُ الدُّنْيَا ظِلٌّ زَائِلٌ وَنَوْمٌ نَائِمٌ) بَلْ وِزْرٌ وَوَبَالٌ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ لَا دَارُ مَقَرٍّ كَمَا قَالَ الدُّنْيَا قَنْطَرَةٌ فَاعْبُرُوهَا وَلَا تَعْمُرُوهَا. كُنْيَةُ الدُّنْيَا أَبُو الْفَنَاءُ وَكُنْيَةُ الْآدَمِيِّ أَبُو الْجَفَاءُ وَلَا تَطْلُبْ مِنْ الْفَنَاءِ بَقَاءً وَلَا تَطْلُبْ مِنْ الْجَفَاءِ وَفَاءً فَإِنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَعُبُورٍ لَا دَارُ بَقَاءٍ وَسُرُورٍ أَوَّلُهَا خِزْيٌ وَفُتُورٌ وَآخِرُهَا مَوْتٌ وَقُبُورٌ وَدَارُ مِحْنَةٍ وَمَشَقَّةٍ وَفِرَاقٍ لَا دَارُ مَسَرَّةٍ وَمَحَبَّةٍ وَتَلَاقٍ أَيْنَ قَيَاصِرَةُ الْقُصُورِ وَأَيْنَ هَرَامِسَةُ الدُّهُورِ وَأَيْنَ شَدَّادٌ وَعَادٌ وَأَيْنَ إرَمُ ذَاتُ الْعِمَادِ أَيْنَ الْآبَاءُ وَالْأَجْدَادُ وَأَيْنَ الْأَحْبَابُ وَالْأَحْفَادُ أَيْنَ الشُّيُوخُ وَالْعُلَمَاءُ وَأَيْنَ الْأَسْلَافُ الْعُظَمَاءُ كُلُّهُمْ مَضَوْا وَتَرَكُونَا يَتَامَى غَابُوا عَنَّا وَتَرَكُونَا كَالْأَيَامَى فَيَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَاتَ مِنْ فُرْصَتِنَا يَا مَوْلَانَا وَيَا غَايَةَ رَغْبَتِنَا ارْحَمْ غُرْبَتَنَا وَاكْشِفْ كُرْبَتَنَا وَلَا تَكِلْنَا إلَى أَنْفُسِنَا وَمِنْ كُلِّ بُؤْسٍ وَخِزْيٍ احْفَظْنَا (فَلَيْسَ مِنْ عُلُوِّ الْهِمَّةِ وَالْمُرُوءَةِ) وَعُلُوُّ الْهِمَّةِ مِنْ الْإِيمَانِ
стр. 737
وَمِمَّا أَحَبَّهُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا فِي حَدِيثِ «عُلُوُّ الْهِمَّةِ مِنْ الْإِيمَانِ» وَحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا» (أَنْ يُبَالِيَ) يَهْتَمَّ (بِزَوَالِ مِثْلِهِ بَلْ هُوَ مِنْ الْخَسَاسَةِ وَالدَّنَاءَةِ) وَنَظِيرُهُ قَنَاعَةُ الْكِلَابِ بِالْعِظَامِ مَعَ التَّرْكِ لِنَفَائِسِ الطَّعَامِ
[السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ الْغِشُّ وَالْغُلُّ]
(السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ الْغِشُّ وَالْغُلُّ وَهِيَ عَدَمُ تَمْحِيصِ النُّصْحِ)
أَيْ عَدَمُ قَصْدِ غَيْرِ خَالِصٍ (بِأَنْ لَا يَجْتَنِبَ مِنْ إصَابَةِ الشَّرِّ لِلْغَيْرِ) نَفْسًا أَوْ مَالًا أَوْ غَيْرَهُمَا (وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ) أَيْ الشَّرَّ (ابْتِدَاءً وَقَصْدًا كَمَنْ يُرِيدُ إزَالَةَ مَتَاعٍ مَعِيبٍ لَهُ فَيَكْتُمُ عَيْبَهُ فَيَبِيعُهُ) فَيَلْحَقُ الشَّرُّ بِالْمُشْتَرِي لَا يَقْصِدهُ لَكِنْ يُرِيدُ إخْرَاجَ الْمَعِيبِ عَنْ يَدِهِ (وَهَذَا غَيْرُ الْحَسَدِ) إذْ هُوَ إرَادَةُ زَوَالِ نِعْمَةِ الْغَيْرِ أَوْ عَدَمِ وُصُولِهِ (وَهَذَا) أَيْ عَدَمُ تَمْحِيصِ النُّصْحِ (أَيْضًا) كَالْحَسَدِ (حَرَامٌ) بِالِاتِّفَاقِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْحُكْمِ يَكُونُ صَاحِبُهُ فَاسِقًا مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِذَلِكَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ حَرَامٌ وَمَعْصِيَةٌ لَا تُوجِبُ الْفِسْقَ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْحُرْمَةَ كَيْفَ تَنْفَكُّ عَنْ الْفِسْقِ بَلْ الْفَاسِقُ مَنْ يَرْتَكِبُ الْحَرَامَ إلَّا أَنْ يُرَادَ مِنْ الْحَرَامِ الْمَكْرُوهُ التَّحْرِيمِيِّ (م. عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ غَشَّنَا» أَيْ خَانَ وَالْغِشُّ سَتْرُ حَالِ الشَّيْءِ كَمَا فِي الْمُنَاوِيِّ أَوْ مَنْ لَمْ يُعْرِضْ عَنْ إصَابَةِ الشَّرِّ بِنَا كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ أَوْ مَنْ لَمْ يُمَحِّصْ النُّصْحَ لَنَا كَمَا يَقْتَضِي السِّيَاقُ «فَلَيْسَ مِنَّا» أَيْ مِنْ مُتَابَعِينَا وَعَلَى مِنْهَاجِ شَرْعِنَا لِأَنَّ وَصْفَ الْمُصْطَفَى وَطَرِيقَتَهُ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا وَالرَّغْبَةُ عَنْهَا وَعَدَمُ شَرَرِ الطَّمَعِ قَالَ الطِّيبِيُّ لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَهُ عَنْ الْإِسْلَامِ بَلْ نَفْيَ خُلُقِهِ عَنْ أَخْلَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَيْ لَيْسَ هُوَ عَلَى سُنَّتِنَا وَطَرِيقَتِنَا فِي مُنَاصَحَةِ الْإِخْوَانِ فِي الْفَيْضِ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَقِيلَ إنَّهُ مُتَوَاتِرٌ «وَقَالَ حِينَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَعْجَبَتْهُ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَ» أَيْ أَصَابَ «أَصَابِعَهُ بَلَلٌ فَقَالَ مَا هَذَا» لِلتَّوْبِيخِ «يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ» أَيْ الْمَطَرُ «يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ أَفَلَا جَعَلْته فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ» الظَّاهِرُ أَنَّ الطَّعَامَ مُعَدٌّ لِلْبَيْعِ وَأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْبُرِّ وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «وَالْمُنْكِرُ وَالْخَدَّاعُ فِي النَّارِ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ صَاحِبُهُمَا يَسْتَحِقُّ دُخُولَهَا وَأَخَذَ الذَّهَبِيُّ مِنْ الْوَعِيدِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الثَّلَاثَةَ مِنْ الْكَبَائِرِ فَعَدَّهَا مِنْهَا اهـ فَتَأَمَّلْ (فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ بَائِعٍ إظْهَارُ عَيْبِ مَتَاعِهِ أَوْ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ إنْ كَانَ) الْعَيْبُ (خَفِيًّا) لَا يُمْكِنُ إظْهَارُهُ كَالْبَوْلِ عَلَى الْفِرَاشِ وَالسَّرِقَةِ فِي الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنْ أَخْفَاهُ كَانَ ظَالِمًا غَاشًّا فَحَرَامٌ وَتَرْكُ وَاجِبٍ فَلَوْ أَحْسَنَ ظَهْرَ الثَّوْبِ خِلَافَ مَا فِي بَطْنِهِ كَانَ غَاشًّا وَنَحْوُهُ بَيْعُ مَا يَحْسُنُ فِي الظُّلَمِ لِئَلَّا يَرَى الْمُشْتَرِي قُبْحَهُ وَعَيْبَهُ وَكَذَا السَّمْنُ الرَّدِيءُ وَأَمْثَالُهُمَا فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا اضْمَحَلَّتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» قِيلَ نَزْعُ الْبَرَكَةِ مُخْتَصٌّ بِمَنْ وَقَعَ مِنْهُ التَّدْلِيسُ وَقِيلَ عَامٌّ فَيَعُودُ شُؤْمُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
(وَكَذَا يَجِبُ) شُرُوعٌ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الْغُلِّ (عَلَى كُلِّ مَنْ عَلِمَ مَنْ يُرِيدُ بَيْعًا أَوْ إجَارَةً
стр. 738
أَوْ نِكَاحًا) لِامْرَأَةٍ (أَوْ نَحْوِهَا) مِنْ الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ (أَنْ يُخْبِرَ) فِي الْخَلْوَةِ فِي النِّكَاحِ (بِعَيْبِ الْمَبِيعِ وَالْمُسْتَأْجَرِ وَالْمَنْكُوحَةِ إنْ عَلِمَ بِهِ) أَيْ بِالْعَيْبِ (وَ) عَلِمَ (بِعَدَمِ عِلْمِ الْآخِذِ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ) أَوْ عَلَى غَيْرِهِ وَكَذَا إذَا عَلِمَ رَجُلٌ مَعْصِيَة عِيَالِ رَجُلٍ آخَرَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَهُ بِهَا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرَائِطِ وَالْإِصْرَارِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَأَمَّا إذَا عَلِمَ تَوْبَتَهُمْ فَلَا وَيَجُوزُ عِنْدَ عَدَمِ عِلْمِ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِهَا وَالنَّفْعِ فِي إخْبَارِهِ وَكَوْنُ الْإِخْبَارُ سِرًّا فِرَارًا مِنْ كَشْفِ السَّتْرِ وَالْغَيْبَةِ وَعَدَمِ الْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ (وَمِنْ الْغِشِّ الْغَبْنُ) فِي الْغَبْنِ الْفَاحِشِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ إنْ كَانَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ عَدَمُ التَّخَيُّرِ مُطْلَقًا وَالتَّخَيُّرُ مُطْلَقًا وَالتَّفْصِيلُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى فَإِنَّهُ إنْ وَجَدَ التَّقْدِيرَ تَصْرِيحًا أَوْ تَعْرِيضًا فَيُخَيَّرُ وَإِلَّا فَلَا.
وَأَمَّا إنْ كَانَ مُشْتَرِيًا لِغَيْرِهِ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ فَلِلْمُوَكِّلِ وِلَايَةُ التَّخَيُّرِ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ (إذَا وَجَدَ التَّغْرِيرَ مِنْهُ تَصْرِيحًا أَوْ تَعْرِيضًا مِثْلُ) أَنْ يَكْذِبَ فِي قِيمَتِهِ هَذَا تَصْرِيحٌ وَالتَّعْرِيضُ قَوْلُهُ (أَوْ يَمْدَحَهُ بِحَيْثُ يَشْعُرُ أَنَّهُ بِيعَ بِقِيمَتِهِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا) مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ (فَهَذَا غِشٌّ حَرَامٌ حَتَّى يَتَخَيَّرَ الْمُشْتَرِي) فِي فَسْخِ الْبَيْعِ (وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ) فِي الْغَبْنِ الْفَاحِشِ (تَغْرِيرٌ أَصْلًا) لَا تَصْرِيحًا وَلَا تَعْرِيضًا (فَلَيْسَ بِحَرَامٍ) فَلَا يَجِب الْإِخْبَارُ وَلَكِنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ (فَلِذَا لَا يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي فِي الصَّحِيحِ) وَكَذَا الْبَائِعُ عَلَى مَا يَقْتَضِي كَلَامُ الْفُقَهَاءِ إذَا لَمْ يُوجَدْ فَرْقٌ بَيْنَ غَبْنِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي الصُّرَّةِ وَفِي الْوَاقِعَاتِ لِلْجَصَّاصِ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى بِغَبْنٍ فَاحِشٍ لَهُ الرَّدُّ وَفِيهِ عَنْ الْمِنَحِ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْكَثِيرِ إذَا ثَبَتَ الْغَبْنُ مَعَ التَّغْرِيرِ لِلْمُشْتَرِي أَوْ لِلْبَائِعِ ثُمَّ مَاتَ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَدَمُ انْتِقَالِ حَقِّ الرَّدِّ إلَى الْوَرَثَةِ وَالتَّفْصِيلُ فِيهِ فَتَخْصِيصُ الْمُصَنِّفِ الْمُشْتَرِيَ إمَّا لِلْأَعَمِّ وَالْأَغْلَبِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ الِاكْتِفَاءِ أَوْ الْبَحْثُ عَرْضِيٌّ لَا قَصْدِيٌّ (وَلَكِنَّهُ مَذْمُومٌ) وَمَكْرُوهٌ وَلَوْ تَنْزِيهًا وَعَنْ الْإِحْيَاءِ إنْ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ ضَعِيفٍ أَوْ شَيْئًا مِنْ فَقِيرٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَمِلَ الْغَبْنَ وَيَتَسَاهَلَ فَيَكُونَ بِهِ مُحْسِنًا وَدَاخِلًا فِي قَوْلِهِ ﷺ «رَحِمَ اللَّهُ سَهْلَ الْبَيْعِ سَهْلَ الشِّرَاءِ» فَأَمَّا إذَا اشْتَرَى مِنْ غَنِيٍّ تَاجِرٍ يَطْلُبُ الرِّبْحَ زِيَادَةً عَلَى حَاجَتِهِ فَاحْتِمَالُ الْغَبْنِ مِنْهُ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ بَلْ تَضْيِيعُ مَالٍ مِنْ غَيْرِ أَجْرٍ وَلَا حَمْدٍ.
وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثُ «الْمَغْبُونُ لَا مَحْمُودًا وَلَا مَأْجُورًا» (وَأَمَّا الْخَدِيعَةُ) أَيْ الْمُخَادَعَةُ إظْهَارُ الْجَمِيلِ وَإِضْمَارُ ضِدِّهِ (وَالْمَكْرُ) بِمَعْنَى الْخَدْعِ (وَهُوَ إرَادَةُ إصَابَةِ الْمَكْرُوهِ لِغَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ) أَيْ الْغَيْرُ (فَإِنْ كَانَ) أَيْ الْغَيْرُ (مُسْتَحِقًّا لَهُ) أَيْ لِلْمَكْرِ كَالْحَرْبِيِّ وَالظَّلَمَةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالسُّرَّاقِ (فَمَنْدُوبٌ إلَيْهِ لِدَفْعِ شَرِّهِ لِوُرُودِ أَنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ وَإِلَّا) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لَهُ (فَحَرَامٌ لِأَنَّهُ غِشٌّ وَتَرْكُ نُصْحٍ وَاجِبٍ
стр. 739
فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْجُوَ مِنْ الْغِشِّ أَوْ شُبْهَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا خَرَّجَهُ الشَّيْخَانِ) الْمَرْمُوزِ لَهُمَا بِقَوْلِهِ (خ م.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ»
إيمَانًا كَامِلًا مِنْ قَبِيلِ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ «حَتَّى يُحِبَّ» بِالنَّصْبِ فَجَارَّةٍ مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ لَا عَاطِفَةٍ إذْ عَدَمُ الْإِيمَانِ لَيْسَ سَبَبًا لِلْمَحَبَّةِ «لِأَخِيهِ» مِنْ مُطْلَقِ الْخَيْرِ فَمَنْ قَصَرَهُ عَلَى كَفِّ الْأَذِي فَقَدْ قَصَّرَ وَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُجْعَلَ مِنْ قَبِيلِ الْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ لِإِخْرَاجِ نَحْوِ وَطْءِ حَلِيلَتِهِ لِأَنَّهُ يُحِبُّ لِنَفْسِهِ لَا لِغَيْرِهِ إذْ لَيْسَ نَحْوُهُ خَيْرًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْغَيْرِ وَالْخَيْرُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ تَعُمُّ الطَّاعَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ الدِّينِيَّةَ وَالدُّنْيَوِيَّةَ وَتُخْرِجُ الْمَنْهِيَّاتِ وَالْمَحَبَّةُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّوَوِيِّ الْمَيْلُ إلَى مَا يُوَافِقُ الْمُحِبَّ وَقَدْ يَكُونُ بِحَوَاسِّهِ كَحُسْنِ الصُّورَةِ أَوْ بِعَقْلِهِ إمَّا لِذَاتِهِ كَالْفَضْلِ وَالْكَمَالِ أَوْ لِإِحْسَانِهِ كَجَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَيْلُ الِاخْتِيَارِيُّ دُونَ الْقَهْرِيِّ.
«مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»
مِنْ ذَلِكَ وَأَنْ يُبْغِضَ لِأَخِيهِ مَا يُبْغِضُ لِنَفْسِهِ مِنْ السُّوءِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِأَنَّ حُبَّ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ بُغْضَ نَقِيضِهِ وَذَلِكَ لِيَكُونَ الْمُؤْمِنُونَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ أَشْكَلَ عَلَى الْحَدِيثِ بِأَنَّ كُلًّا مَجْبُولٌ عَلَى إيثَارِ نَفْسِهِ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا يَكْمُلُ إيمَانُ أَحَدٍ إلَّا نَادِرًا وَأَنْتَ خَبِيرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ مَا هُوَ اخْتِيَارِيٌّ لَا قَهْرِيٌّ وَاضْطِرَارِيٌّ وَيَقْرُبُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ مَا هُوَ أَثَرُ الْمَحَبَّةِ وَهُوَ اخْتِيَارِيٌّ لَا أَصْلُهُ الَّذِي هُوَ إيجَابِيٌّ ثُمَّ ذِكْرُ الْأَخِ غَالِبِيٌّ وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يُحِبَّ الْمُسْلِمُ لِلْكَافِرِ الْإِسْلَامَ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْخُيُورِ وَالْأُجُورِ بَلْ مُطْلَقُ مَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي ذِمَّةِ الْكَافِرِ الذِّمِّيِّ فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ إرَادَةُ الْأُخُوَّةِ الطِّينِيَّةِ بِمُسَامَحَةٍ يَسِيرَةٍ وَمَقْصُودُ الْحَدِيثِ انْتِظَامُ أَحْوَالِ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ وَالْجَرْيُ عَلَى قَانُونِ السَّدَادِ وَأَمَّا مَحَبَّةُ خَيْرٍ كَانَ فِي غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ فَإِنْ عَلَى طَرِيقِ الْحَسَدِ فَحَرَامٌ وَإِنْ عَلَى طَرِيقِ الْمُنَافَسَةِ وَالْغِبْطَةِ بِأَنْ حَزِنَ فِي خَيْرٍ فَاقَ فِيهِ غَيْرَهُ عَلَى تَقْصِيرٍ مِنْهُ فَجَائِزٌ بَلْ مُسْتَحَبٌّ وَأَمَّا خَبَرُ «لَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ» فَنَهْيٌ عَنْ الْحَسَدِ هَذَا تَلْخِيصُ مَا فِي الْفَيْضِ ثُمَّ قِيلَ عَنْ الرَّوْضَةِ إنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ لَهُ شَرِيكٌ فِي التِّجَارَةِ يُقَالُ لَهُ بِشْرٌ فَخَرَجَ بِتِجَارَةٍ إلَى مِصْرَ فَبَعَثَ إلَيْهِ الْإِمَامُ سَبْعِينَ ثَوْبًا وَكَتَبَ إلَيْهِ أَنَّ فِيهَا ثَوْبًا مَعِيبًا بِعَلَامَةِ كَذَا فَإِذَا بِعْته فَبَيِّنْ عَيْبَهُ فَعِنْدَ مَجِيءِ بِشْرٍ سُئِلَ مِنْهُ هَلْ بَيَّنْت ذَلِكَ الْعَيْبَ قَالَ بِشْرٌ نَسِيته فَتَصَدَّقَ الْإِمَامُ بِجَمِيعِ مَا أَصَابَهُ مِنْ أَصْلِ الْمَالِ وَالرِّبْحِ وَكَانَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَمِنْهُ النَّجْشُ الَّذِي هُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي الثَّمَنِ بِلَا إرَادَةِ الشِّرَاءِ لِمُجَرَّدِ تَحَرِّيك رَغْبَةِ الْمُشْتَرِي وَمِنْهُ السَّوْمُ عَلَى سَوْمِ غَيْرِهِ وَمِنْهُ تَلَقِّي الْجَلْبِ إنْ ضَرَّ بِأَهْلِ الْبَلَدِ وَمِنْهُ بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي عِنْدَ الْقَحْطِ لِزِيَادَةِ الثَّمَنِ وَمِنْهُ الِاحْتِكَارُ عِنْدَ تَضَرُّرِ أَهْلِ الْبَلَدِ.
[الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ الْفِتْنَةُ]
(الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ الْفِتْنَةُ وَهِيَ إيقَاعُ النَّاسِ فِي الِاضْطِرَابِ أَوْ الِاخْتِلَالِ وَالِاخْتِلَافِ وَالْمِحْنَةِ وَالْبَلَاءِ بِلَا فَائِدَةٍ دِينِيَّةٍ)
وَهُوَ حَرَامٌ لِأَنَّهُ فَسَادٌ
стр. 740
فِي الْأَرْضِ وَإِضْرَارٌ بِالْمُسْلِمِينَ وَزَيْغٌ وَإِلْحَادٌ فِي الدِّينِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠] الْآيَةَ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْفِتْنَةُ نَائِمَةٌ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَيْقَظَهَا» قَالَ الْمُنَاوِيُّ الْفِتْنَةُ كُلُّ مَا يَشُقُّ عَلَى الْإِنْسَانِ وَكُلُّ مَا يَبْتَلِي اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ وَعَنْ ابْنِ الْقَيِّمِ الْفِتْنَةُ قِسْمَانِ فِتْنَةُ الشُّبُهَاتِ وَفِتْنَةُ الشَّهَوَاتِ وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي الْعَبْدِ وَقَدْ يَنْفَرِدَانِ (كَأَنْ يُغْرِيَ) مِنْ الْإِغْرَاءِ (النَّاسَ عَلَى الْبَغْيِ) مِنْ الْبَاغِي فَقَوْلُهُ (وَالْخُرُوجِ عَلَى السُّلْطَانِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِأَنَّ الْخُرُوجَ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ وَكَذَا اعْزِلُوهُ وَلَوْ ظَالِمًا لِكَوْنِهِ فِتْنَةً أَشَدَّ مِنْ الْقَتْلِ وَكَذَا الْمُعَاوَنَةُ لِقَوْمٍ مَظْلُومِينَ مِنْ جِهَتِهِ إذَا أَرَادُوا الْخُرُوجَ عَلَيْهِ وَكَذَا الْمُعَاوَنَةُ لَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِكَوْنِهِ إعَانَةً عَلَى الظُّلْمِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ لَعَلَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْأَخْذِ بِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا إذْ الْخُرُوجُ عَلَى السُّلْطَانِ الظَّالِمِ لِظُلْمِهِ يُفْضِي إلَى سَفْكِ دِمَاءٍ كَثِيرَةٍ مِنْ الطَّرَفَيْنِ وَمُحَارَبَاتٍ وَمُقَاتَلَاتٍ أَكْثَرَ ضَرَرًا مِنْ ظُلْمِ السُّلْطَانِ (وَكَتَطْوِيلِ الْإِمَامِ الصَّلَاةَ) زِيَادَةً عَلَى السُّنَّةِ وَهِيَ الْفَجْرُ أَرْبَعُونَ آيَةً غَيْرُ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَكَذَا فِي الظُّهْرِ فِي رِوَايَةٍ وَفِي أُخْرَى ثَلَاثُونَ آيَةً وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ عِشْرُونَ آيَةً غَيْرُهَا فَالزِّيَادَةُ عَلَى هَذَا لَا تَجُوزُ بِلَا رِضَا الْقَوْمِ وَمَعَهُ تَجُوزُ وَكَذَا النَّقْصُ مِنْهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْقَوْمُ لِأَنَّهُ تَرَكَ السُّنَّةَ وَذَا لَا يَجُوزُ لِكُلِّ الْقَوْمِ، وَالْمُتَأَخِّرُونَ اسْتَحْسَنُوا لِتَيَسُّرِ الْأَمْرِ طِوَالَ الْمُفَصَّلِ وَهِيَ مِنْ الْحُجُرَاتِ إلَى عَبَسَ فِي رِوَايَةٍ وَإِلَى الْبُرُوجِ فِي أُخْرَى فِي الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَأَوْسَاطَهُ فِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ وَهِيَ مِنْ إحْدَاهُمَا إلَى سُورَةِ وَالضُّحَى فِي رِوَايَةٍ وَإِلَى لَمْ يَكُنْ فِي أُخْرَى وَقِصَارَهُ فِي الْمَغْرِبِ وَهِيَ مِنْ إحْدَاهُمَا إلَى الْآخِرِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُعَاذٍ لَمَّا أَطَالَ الصَّلَاةَ فَشَكَا مِنْهُ «أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ» وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ صَلَاتَهُ نَدْبًا وَقِيلَ وُجُوبًا بِشَرْطِ عَدَمِ إخْلَالِ السُّنَّةِ وَقِيلَ بِأَنْ يَنْظُرَ مَا يَحْتَمِلُهُ أَضْعَفُ الْقَوْمِ فَيُصَلِّيَ بِحَسَبِهِ وَهُوَ مِنْ الْأُمُورِ الِاعْتِبَارِيَّةِ فَرُبَّ تَطْوِيلٍ بِقَوْمٍ تَخْفِيفٌ لِلْآخَرِينَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الِاخْتِصَارَ وَالنُّقْصَانَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ «نَهَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ» .
«وَرَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ وَقَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» وَقَالَ «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ لِمَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ» .
«فَإِنَّ فِيهِمْ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَالْمَرِيضَ وَذَا الْحَاجَةِ» وَحَذْفُ الْمَفْعُولِ لِلتَّعْلِيمِ فَيَشْمَلُ أَيَّةَ صَلَاةٍ كَانَتْ فَإِذَا عَلِمَ عَدَمَ وَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ فَلَا يُطَالُ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْغَالِبِ لَا النَّادِرِ فَيُسَنُّ التَّخْفِيفُ مُطْلَقًا وَقَدْ قَالُوا لَا يَنْتَفِي الْحُكْمُ الْكُلِّيُّ بِانْتِفَاءِ دَلِيلِهِ الْجُزْئِيِّ وَلَا يَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ الْعَامِ بِانْتِفَاءِ دَلِيلِهِ الْخَاصِّ وَإِنَّ الْعِلَّةَ كَثِيرًا مَا تُؤَثِّرُ جِنْسَ الْحُكْمِ لَا فِي جَمِيعِ أَفْرَادِهِ كَمَشَقَّةِ السَّفَرِ حَيْثُ قَدْ تَنْتَفِي الرُّخْصَةُ نَعَمْ إذَا أَمَّ بِقَوْمِ مَخْصُوصِينَ رَاضِينَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِعَيْنِهِمْ حَقٌّ لَهُ التَّطْوِيلُ وَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ وَيُكْرَهُ لِلْمُنْفَرِدِ إفْرَادُ التَّطْوِيلِ الْمُؤَدِّي إلَى نَحْوِ سَهْوٍ أَوْ فَوْتِ خُشُوعٍ وَفِيهِ الِاهْتِمَامُ بِتَعْلِيمِ الْأَحْكَامِ وَالرِّفْقُ بِالْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَفِيهِ جَوَازُ تَطْوِيلِ الِاعْتِدَالِ وَالْقُعُودِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لَكِنْ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ تَطْوِيلَهُمَا مُبْطِلٌ وَنَزَّلُوا الْخَبَرَ عَلَى الْأَرْكَانِ الطَّوِيلَةِ انْتَهَى مَعَ زِيَادَةٍ قَلِيلَةٍ
стр. 741
(وَكَأَنْ يَقُولَ لَهُمْ مَا لَا يَفْهَمُونَ مُرَادَهُ وَيَحْمِلُونَهُ عَلَى غَيْرِهِ) أَيْ عَلَى غَيْرِ مُرَادِهِ فَيَقَعُونَ فِي الضَّلَالِ وَالِاخْتِلَالِ (فَلِذَا وَرَدَ «كَلِّمُوا النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ» وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَلَى تَخْرِيجِ الدَّيْلَمِيِّ عَنْهُ ﵊ أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَهُ» وَفِي رِوَايَةٍ «دَعُوا مَا يُنْكِرُونَ أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» مِنْ التَّكْذِيبِ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ لِأَنَّ السَّامِعَ حِينَئِذٍ يَعْتَقِدُ اسْتِحَالَتَهُ فَيُكَذِّبُ وَلَا يَذْكُرُ الْمُتَشَابِهَ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الْوَلِيَّ إذَا قَالَ أَنَا اللَّهُ عُزِّرَ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَعْصُومِينَ وَيَنْبَغِي لِلْمُدَرِّسِ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى قَدْرِ فَهْمِ تِلْمِيذِهِ وَلَا يُجِيبُهُ بِمَا لَا يَتَحَمَّلُ حَالُهُ فَإِذَا سُئِلَ عَنْ دَقَائِقِ الْعُلُومِ فَإِنْ كَانَ لَهُ اسْتِعْدَادُ فَهْمِ الْجَوَابِ أَجَابَ وَإِلَّا رَدَّ وَمَنْ شَرَعَ فِي حَقَائِقِ الْعُلُومِ ثُمَّ لَمْ يَبْرَعْ فِيهَا تَوَلَّدَتْ لَهُ الشُّبَهُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهَا فَيَضِلُّ وَيُضِلُّ فَيَعْظُمُ ضَرَرُهُ وَمِنْ هَذَا قِيلَ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ نِصْفِ فَقِيهٍ أَوْ مُتَكَلِّمٍ وَنِصْفُ الْفَقِيهِ يَهْدِمُ الدِّينَ (أَوْ) كَأَنْ (لَا يَحْتَاطَ فِي التَّأَمُّلِ وَالْمُطَالَعَةِ فَيُخْطِئَ فِي فَهْمِ مَسْأَلَةٍ أَوْ نَحْوِهَا) مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ أَوْ الْحَدِيثِ (وَمِنْ الْكِتَابِ فَيَذْكُرَ) مِنْ التَّذَكُّرِ (لِلنَّاسِ) مَا لَا يَعْرِفُ بِكُنْهِهِ فَيُضِلَّهُمْ وَيُوقِعَ الْفِتْنَةَ بَيْنَهُمْ كَمَا هُوَ شَأْنُ أَكْثَرِ الْقُصَّاصِ وَالْوُعَّاظِ فِي زَمَانِنَا (أَوْ يَذْكُرَ وَيُفْتِيَ قَوْلًا مَهْجُورًا) فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَلَا يُفْتَى بِالْأَقْوَالِ الْمَهْجُورَةِ لِجَرِّ مَنْفَعَتِهِ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ فِي الدِّينِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُسَوَّغُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ بِالرَّأْيِ إلَّا مَنْ عَرَفَ أَحْكَامَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالنَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ وَأَقَاوِيلَ الصَّحَابَةِ وَالْمُتَشَابِهَ وَوُجُوهَ الْكَلَامِ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ إذَا كَانَ صَوَابُ الرَّجُلِ أَكْثَرَ مِنْ خَطَئِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ نَضْرَ بْنَ يَحْيَى عَنْ مَسْأَلَةِ طَلَاقٍ فَقَالَ اذْهَبْ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ اذْهَبْ إلَى نَضْرِ بْنِ يَحْيَى فَسَأَلَهُ فَقَالَ كَالْأَوَّلِ فَمَلَّ الرَّجُلُ وَقَالَ امْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا هَلْ بَقِيَ فِيهِ لِأَحَدٍ إشْكَالٌ (أَوْ ضَعِيفًا أَوْ قَوْلًا يَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ لَا يَعْلَمُونَ بِهِ) قِيلَ كَأَنْ يَقُولَ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ بِلَا وَزْنٍ وَكَذَا الِاسْتِقْرَاضُ لِأَنَّهُ نَصَّ ﵊ عَلَى الْوَزْنِيَّةِ فِيهَا فَلَا يَخْرُجَانِ عَنْهَا أَبَدًا وَإِنْ تَرَكَ النَّاسُ فَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ أَقْوَى لِأَنَّهُ قَوْلُ الْإِمَامَيْنِ وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَكِنْ النَّاسُ لَا يَعْمَلُونَ بِهِ فِي زَمَانِنَا قَطْعًا بَلْ الْعَمَلُ بِالرِّوَايَةِ الْغَيْرِ الظَّاهِرَةِ عَنْهُ وَهِيَ خُرُوجُهُمَا عَنْ الْوَزْنِيَّةِ بِتَعَامُلِ النَّاسِ إلَى الْعَدَدِيَّةِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً رِوَايَةً قَوِيَّةً دِرَايَةً فَالْقَوْلُ بِهَا أَلْزَمُ فِرَارًا مِنْ الْفِتْنَةِ (بَلْ يُنْكِرُونَهُ أَوْ يَتْرُكُونَ بِسَبَبِهِ طَاعَةً أُخْرَى كَمَنْ يَقُولُ لِأَهْلِ الْقُرَى) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ إخْرَاجِ الْكَلَامِ مَخْرَجَ الْعَادَةِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ أَنَّ الْمُفْرَدَ يَلْحَقُ بِالْأَعَمِّ وَالْأَغْلَبِ وَإِلَّا فَكَثِيرًا مَا يُوجَدُ فِي الْمِصْرِ بَلْ الْأَكْثَرُ فِي أَهْلِ الْبَادِيَةِ (وَالْعَجَائِزِ وَالْإِمَاءِ) أَمَّا الْإِمَاءُ فَلِخِدْمَةِ مَوْلَاهُنَّ وَأَمَّا الْعَجَائِزُ فَلِانْتِفَاءِ قَابِلِيَّةِ التَّعَلُّمِ بِكِبَرِ السِّنِّ بَلْ بِوُصُولِهِنَّ إلَى سِنِّ الِانْحِطَاطِ وَكَذَا الشُّيُوخُ بِالْمُقَايَسَةِ وَخَصَّهَا لِلْكَثْرَةِ فِيهِنَّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الشُّيُوخِ
(لَا تَجُوزُ) مَقُولٌ لِقَوْلِ (الصَّلَاةُ بِدُونِ التَّجْوِيدِ وَهُمْ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى التَّجْوِيدِ) لِلُكْنَةِ أَلْسِنَتِهِمْ (أَوْ لَا يَتَعَلَّمُونَهُ) لِمُجَرَّدِ التَّسَاهُلِ (فَيَتْرُكُونَ الصَّلَاةَ رَأْسًا) لَعَلَّ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْقَوْلَ لِمِثْلِهِمْ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ بِدُونِ تَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ (وَهِيَ) أَيْ الصَّلَاةُ بِدُونِ تَجْوِيدٍ (جَائِزَةٌ عِنْدَ الْبَعْضِ) إذْ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُ قُرْبُ
стр. 742
الْمَخْرَجِ فَيَجُوزُ قِرَاءَةُ " الْخَمْدُ لِلَّهِ " بِالْخَاءِ أَوْ بِالْهَاءِ وَنَحْوِهِمَا (وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا) عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَمَنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ تَكَاسُلًا مَعَ الْقُدْرَةِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ بِدُونِ الْقِرَاءَةِ بِخِلَافِ الْأُمِّيِّ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ أَصْلًا وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ ﵊ «إذَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَأَخْطَأَ أَوْ لَحَنَ أَوْ كَانَ أَعْجَمِيًّا كَتَبَهُ الْمَلَكُ كَمَا أُنْزِلَ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ قَوَّمَهُ الْمَلَكُ وَلَا يُرْفَعُ إلَّا قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ وَفِيهِ أَنَّ الْقَارِئَ يُكْتَبُ لَهُ ثَوَابُ قِرَاءَتِهِ وَإِنْ أَخْطَأَ وَلَحَنَ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ وَلَمْ يُقَصِّرْ فِي التَّعَلُّمِ كَمَا مَرَّ (فَالْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى مِنْ التَّرْكِ أَصْلًا فَعَلَى الْوُعَّاظِ وَالْمُفْتِينَ مَعْرِفَةُ أَحْوَالِ النَّاسِ وَعَادَتِهِمْ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ وَالسَّعْيِ وَالْكَسَلِ وَنَحْوِهَا) كَمَا يُقَالُ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ وَلِكُلِّ مَيْدَانٍ رِجَالٌ وَكَمَا قِيلَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ عُرْفَ زَمَانِهِ فَهُوَ جَاهِلٌ فَإِنَّ الْأَحْكَامَ قَدْ تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْأَزْمَانِ وَالْأَشْخَاصِ كَمَا فُهِمَ مِنْ الزَّيْلَعِيِّ (فَيَتَكَلَّمُونَ بِالْأَصْلَحِ وَالْأَوْفَقِ لَهُمْ حَتَّى لَا يَكُونَ كَلَامُهُمْ فِتْنَةً لِلنَّاسِ) إمَّا بِعَدَمِ الْفَهْمِ أَوْ بِعَدَمِ الْقَبُولِ أَوْ بِتَرْكِ الْعَمَلِ بِالْكُلِّيَّةِ لَكِنْ يَشْكُلُ بِقَاعِدَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ بَلْ اللَّائِقُ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَعْلِيمِ ضَرُورِيَّاتِهِمْ بِالرِّفْقِ وَالْكَلَامِ اللَّيِّنِ أَوْ الْغِلْظَةِ وَالتَّشْدِيدِ أَوْ بِإِعْلَامِ الْحَاكِمِ أَوْ الْوَلِيِّ عَلَى حِسَابِ حَالِهِمْ وَإِنْ ظَنَّ عَدَمَ قَبُولِ سُوءِ الظَّنِّ فَلْيُتَأَمَّلْ (وَكَذَا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ) بِحَسَبِ مَعْرِفَةِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَطَبَائِعِهِمْ وَعَادَاتِهِمْ (إذْ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِزِيَادَةِ الْمُنْكَرِ) تَعَنُّتًا وَتَعَصُّبًا قَالَ فِي النِّصَابِ يَنْبَغِي لِلْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يَأْمُرَ فِي السِّرِّ إنْ اسْتَطَاعَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْمَوْعِظَةِ وَالنَّصِيحَةِ.
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ فِي الْعَلَانِيَةِ فَقَدْ شَانَهُ وَمَنْ وَعَظَهُ فِي السِّرِّ فَقَدْ زَانَهُ (أَوْ) يَكُونُ سَبَبًا (لِإِصَابَةِ مَكْرُوهٍ لِغَيْرِهِ) بِالْإِعْرَاضِ عِنَادًا (فَيَكُونُ) أَيْ الْغَيْرُ (آثِمًا نَعَمْ إنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّ بَعْضَهُمْ وَإِنْ قَلَّ يَقْبَلُهُ) بِإِتْيَانِ الْمَعْرُوفِ وَتَرْكِ الْمُنْكَرِ (وَيَعْمَلُ بِهِ أَوْ إصَابَةُ مَكْرُوهٍ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ وَأَنَّهُ يَصْبِرُ عَلَيْهِ فَجَائِزٌ وَجِهَادٌ) بَلْ أَفْضَلُ كَمَا فِي حَدِيثِ «سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَرَجُلٌ قَالَ كَلِمَةَ حَقٍّ عِنْدَ السُّلْطَانِ الْجَائِرِ فَقَتَلَهُ» وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَرَجُلٌ قَامَ إلَى
стр. 743
إمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ» لَعَلَّ هَذَا أَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَظُنَّ ذَلِكَ وَإِلَّا فَمِنْ قَبِيلِ إلْقَاءِ النَّفْسِ إلَى التَّهْلُكَةِ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ حِينَئِذٍ (وَقِسْ عَلَى هَذَا) فَمَا أَدَّى إلَى فِتْنَةٍ دِينِيَّةٍ فَاجْتَنِبْهُ أَوْ إلَى فِتْنَةٍ بَدَنِيَّةٍ إنْ كَانَ لِغَيْرِك فَاجْتَنِبْهُ أَيْضًا إنْ لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا وَإِنْ كَانَ لَك وَأَنْتَ صَابِرٌ فَجَائِزٌ وَجِهَادٌ وَإِلَّا فَاجْتَنِبْهُ (وَحَسْبُك فِي آفَةِ الْفِتْنَةِ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] أَيْ الْمِحْنَةُ الَّتِي يُفْتَتَنُ بِهَا الْإِنْسَانُ أَصْعَبُ مِنْ الْقَتْلِ بِدَوَامِ تَعَبِهَا وَتَأَلُّمِ النَّفْسِ بِهَا وَفِي الْحَدِيثِ «إنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ اجْتَنَبَ الْفِتَنَ» أَيْ بَعُدَ عَنْهَا كَلُزُومِ الْبَيْتِ «وَلَمَنْ اُبْتُلِيَ» أَيْ بِالْفِتَنِ بِفَتْحِ اللَّامِ جَوَابُ قَسَمٍ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ «فَصَبَرَ» عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْفِتْنَةِ وَصَبَرَ عَلَى ظُلْمِ النَّاسِ لَهُ وَتَحَمَّلَ أَذَاهُمْ، وَفِيهِ أَيْضًا الْفِتْنَةُ تَجِيءُ فَتَنْسِفُ الْعِبَادَ أَيْ تُهْلِكُهُمْ وَيَنْجُو الْعَالِمُ مِنْهَا بِعِلْمِهِ قَدْ تَكُونُ فِي النُّفُوسِ بِأَسْبَابِ الدُّنْيَا كَالْمَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْجَاهِ وَقَدْ تَكُونُ فِي الْقُلُوبِ بِالْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ إلَى أَنْ تَرْتَقِيَ إلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَالْفِتَنُ فِتْنَةُ الشُّبُهَاتِ وَهِيَ الْعُظْمَى وَفِتْنَةُ الشَّهَوَاتِ وَأَصْلُ الْكُلِّ تَقْدِيمُ الرَّأْيِ عَلَى الشَّرْعِ فَفِتْنَةُ الشُّبُهَاتِ إنَّمَا تُدْفَعُ بِكَمَالِ الْبَصِيرَةِ وَالْيَقِينِ وَفِتْنَةُ الشَّهَوَاتِ إنَّمَا تُدْفَعُ بِكَمَالِ الْعَقْلِ وَالصَّبْرِ وَالدِّينِ فَالنَّجَاةُ إنَّمَا هِيَ بِالْعِلْمِ وَمَا عَدَاهُ فِي الْهَلَاكِ هَذَا عُصَارَةُ مَا فِي الْفَيْضِ
[التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ الْمُدَاهَنَةُ]
(التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ الْمُدَاهَنَةُ) مِنْ الدُّهْنِ كَأَنَّ صَاحِبَهَا بِمَنْزِلَتِهِ فِي عَدَمِ الصَّلَابَةِ. قِيلَ هِيَ فِي الشَّرْعِ: عَدَمُ تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ رِعَايَةً لِجَانِبِ مُرْتَكِبِهِ أَوْ لِجَانِبِ غَيْرِهِ أَوْ لِقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِالدِّينِ وَقِيلَ مُعَاشَرَةُ الْفُسَّاقِ وَإِظْهَارُ الرِّضَا بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ عَلَيْهِمْ وَقِيلَ بَذْلُ الدِّينِ لِصَلَاحِ الدُّنْيَا (وَهِيَ الْفُتُورُ وَالضَّعْفُ فِي أَمْرِ الدِّينِ كَالسُّكُوتِ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْمَعَاصِي وَالْمَنَاهِي مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّغْيِيرِ بِلَا ضَرَرٍ) دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ (فَهَذَا) أَيْ الْفُتُورُ أَوْ السُّكُوتُ حِينَئِذٍ (حَرَامٌ فَقَدْ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ «السَّاكِتَ عَنْ الْحَقِّ شَيْطَانٌ أَخْرَسُ»
стр. 744
لِكَوْنِهِ دَلِيلَ الرِّضَا سِيَّمَا عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الصَّمْتُ خَيْرٌ إلَّا فِي الْخَيْرِ وَيُقَالُ قُلْ الْحَقَّ وَإِلَّا فَاسْكُتْ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ قِيلَ أَوْ قُلْت «يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْسَفُ الْأَرْضُ وَفِيهَا الصَّالِحُونَ قَالَ نَعَمْ بِإِدْهَانِهِمْ وَسُكُوتِهِمْ عَنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي» وَعَنْهُ ﵊ «أَنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يُحْشَرُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ عَلَى صُورَةِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ بِمَا دَاهَنُوا وَآكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ وَجَالَسُوهُمْ» وَعَنْ حُسْنِ التَّنْبِيهِ لِلنَّجْمِ الْغَزِّيِّ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «مَا آتَى اللَّهُ تَعَالَى عَالِمًا عِلْمًا إلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ مِنْ الْمِيثَاقِ مَا أَخَذَ مِنْ النَّبِيِّينَ مَنْ عَلِمَ عِلْمًا فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ»
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] وَلِهَذَا كَانَ الثَّوْرِيُّ إذَا رَأَى الْمُنْكَرَ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَهُ بَالَ دَمًا وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ وَلَكِنْ إذَا ظَهَرَتْ الْمَعَاصِي فَلَمْ يُنْكِرُوا فَقَدْ اسْتَحَقَّ الْقَوْمُ جَمِيعًا الْعُقُوبَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَحْيُهُ تَعَالَى إلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ مِنْ إهْلَاكِ قَوْمِهِ خِيَارُهُمْ كَذَا وَشِرَارُهُمْ كَذَا وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى - ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] (وَضِدُّهُ الصَّلَابَةُ فِي أَمْرِ الدِّينِ قَالَ تَعَالَى ﴿يُجَاهِدُونَ﴾ [المائدة: ٥٤] أَيْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٤] ابْتِغَاءَ رِضَا اللَّهِ ﴿وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] عَلَى ذَلِكَ مِنْ النَّاسِ «وَقَالَ) ﵊ لِأَبِي ذَرٍّ (قُلْ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا» عَلَى الْمَأْمُورِ وَعَلَى الْآمِرِ لِلْأَوْهَامِ الْهَائِلَةِ مِنْ قَوْلِهِ
رأضيم در بَاطِن ارحكم بركرجة ... رويم ترتش شدكه الْحَقّ مَرَّ
وَفِي النِّصَابِ أَنَّ زَاهِدًا كَسَرَ مَلَاهِيَ مَرْوَانَ الْخَلِيفَةِ فَأَمَرَ بِأَنْ يُلْقَى بَيْنَ يَدَيْ الْأُسُودِ فَافْتَتَحَ الصَّلَاةَ فَاجْتَمَعَتْ الْأُسُودُ وَقَدْ لَحِسَتْهُ بِأَلْسِنَتِهَا وَهُوَ يُصَلِّي وَلَا يُبَالِي فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ اُنْظُرُوا فَنَظَرُوا فَإِذَا الْأُسُودُ قَدْ اسْتَأْنَسُوا بِهِ فَحَمَلُوهُ إلَى الْخَلِيفَةِ قَالَ أَمَا كُنْت تَخَافُ مِنْهُمْ قَالَ الزَّاهِدُ لَا كُنْت مَشْغُولًا مُتَفَكِّرًا طُولَ اللَّيْلِ لَمْ أَتَفَرَّغْ إلَى خَوْفِهِمْ فَقَالَ فِيمَ تَتَفَكَّرُ قَالَ هَذِهِ الْأُسُودُ لَحِسُونِي أَلُعَابُهُمْ طَاهِرٌ أَمْ نَجِسٌ؟ فَهَذَا التَّفَكُّرُ مَنَعَنِي مِنْ الْخَوْفِ فَتَعَجَّبَ وَخَلَّى سَبِيلَهُ انْتَهَى مُلَخَّصًا.
(فَإِنْ كَانَ سُكُوتُهُ) عَنْ أَمْرٍ بِالْبِرِّ وَالنَّهْيِ عَنْ الْوِزْرِ (لِدَفْعِ ضَرَرٍ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ فَهُوَ) أَيْ السُّكُوتُ (مُدَارَةً جَائِزَةٌ) مَعْنَى الْمُدَارَاةِ أَنْ يَبْتَسِمَ وَيَضْحَكَ وَإِنْ كَانَ قَلْبُهُ يُنْكِرُ كَمَا فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «مُدَارَةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ» قَالَ فِي شَرْحِهِ الْمُدَارَاةُ اللِّينُ وَالتَّعَطُّفُ يَعْنِي مَنْ اُبْتُلِيَ بِمُخَالَطَةِ النَّاسِ مُعَامَلَةً وَمُعَاشَرَةً وَتَلَطَّفَ وَلَمْ يُنَفِّرْهُمْ كُتِبَ لَهُ صَدَقَةٌ وَالْمُدَارَةُ مَحْثُوثٌ عَلَيْهَا مَأْمُورٌ بِهَا وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ
اتَّسَعَتْ دَارُ مَنْ يُدَارِي ... وَضَاقَتْ أَسْبَابُ مَنْ يُمَارِي
وَفِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ الْمُدَارَاةُ الرِّفْقُ بِالْجَاهِلِ فِي التَّعْلِيمِ وَبِالْفَاسِقِ فِي النَّهْيِ عَنْ فِعْلِهِ وَتَرْكِ الْأَغْلَاطِ عَلَيْهِ وَالْمُدَاهَنَةُ مُعَاشَرَةُ الْفَاسِقِ وَإِظْهَارُ الرِّضَا بِمَا هُوَ فِيهِ الْأُولَى مَنْدُوبَةٌ وَالثَّانِيَةُ مُحَرَّمَةٌ.
وَعَنْ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ النَّاسُ ثَلَاثَةٌ:
أَحَدُهُمْ: مِثْلُ الْغِذَاءِ لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ وَالْآخَرُ مِثْلُ الدَّوَاءِ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ وَالثَّالِثُ مِثْلُ الدَّاءِ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لَكِنْ الْعَبْدُ قَدْ يُبْتَلَى بِهِ وَهُوَ الَّذِي لَا أُنْسَ فِيهِ وَلَا نَفْعَ فَتَجِبُ مُدَارَاتُهُ إلَى الْخَلَاصِ مِنْهُ وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا «أُمِرْت بِمُدَارَاةِ النَّاسِ كَمَا أُمِرْت بِالْفَرَائِضِ» كَمَا فِي شِرْعَةِ الْإِسْلَامِ (بَلْ مُسْتَحَبَّةٌ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ)
стр. 745
كَمَا إذَا ظَنَّ عُمُومَ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ أَوْ عَدَمَ صَبْرِهِ عَلَيْهِ كَمَا قِيلَ
وَدَارِهِمْ مَادُمْت فِي دَارِهِمْ ... وَأَرْضِهِمْ مَا دُمْت فِي أَرْضِهِمْ
وَعَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ مَنْ عَصَى أَمْرَ وَالِدَيْهِ لَمْ يَرَ السُّرُورَ مِنْ وَلَدِهِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَشِرْ فِي الْأُمُورِ لَمْ يَنَلْ حَاجَتَهُ وَمَنْ لَمْ يُدَارِ أَهْلَهُ ذَهَبَتْ لَذَّةُ عَيْشِهِ قِيلَ مَرَّ عِيسَى ﵊ بِقَوْمٍ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالُوا لَهُ شَرًّا فَقَالَ لَهُمْ خَيْرًا فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ يُنْفِقُ مِمَّا عِنْدَهُ وَفِي الْبُسْتَانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ رَفَعَهُ «رَأْسُ الْعَقْلِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ مُدَارَاةُ النَّاسِ، وَأَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الْآخِرَةِ» .
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إنَّا لَنَبَشُّ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ وَعَنْ أَبَوَيْهَا «أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ أَوْ بِئْسَ رَجُلٌ أَخُو الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْت لَهُ مَا قُلْت ثُمَّ أَلَنْت لَهُ الْقَوْلَ فَقَالَ إنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ أَكْرَمَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ» انْتَهَى عَنْ الْقُرْطُبِيِّ فِي الْحَدِيثِ جَوَازُ غَيْبَةِ الْمُعْلِنِينَ بِالْفِسْقِ مَعَ جَوَازِ مُدَارَاتِهِمْ اتِّقَاءَ شَرِّهِمْ مَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى الْمُدَاهَنَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَاهَنَةِ وَالْمُدَارَاةِ أَنَّ الْمُدَارَةَ بَذْلُ الدُّنْيَا لِصَلَاحِ الدُّنْيَا أَوْ الدِّينِ أَوْ هُمَا مَعًا فَمُبَاحَةٌ وَرُبَّمَا اُسْتُحْسِنَتْ.
وَالْمُدَاهَنَةُ بَذْلُ الدِّينِ لِصَلَاحِ الدُّنْيَا وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا بَذَلَ لَهُ مِنْ دُنْيَاهُ لِحُسْنِ عِشْرَتِهِ وَالرِّفْقِ فِي مُكَالَمَتِهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَمْدَحْهُ بِقَوْلِهِ فَلَمْ يُنَاقِضْ قَوْلُهُ فِيهِ فِعْلَهُ فَإِنَّ قَوْلَهُ فِيهِ قَوْلُ حَقٍّ وَفِعْلُهُ حُسْنُ عِشْرَةٍ فَلَا يُتَوَهَّمُ التَّنَاقُضُ
[الْخَمْسُونَ الْأُنْسُ بِالنَّاسِ وَالْوَحْشَةُ لِفِرَاقِهِمْ]
(الْخَمْسُونَ الْأُنْسُ بِالنَّاسِ وَالْوَحْشَةُ لِفِرَاقِهِمْ) بِدُونِ فَائِدَةٍ دِينِيَّةٍ إذْ الْأُنْسُ بِالْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ مَمْدُوحٌ (وَهَذَا مَذْمُومٌ) لِأَنَّهُ نَاشِئٌ مِنْ نِسْيَانِ الْآخِرَةِ وَمُفْضٍ إلَى تَعْطِيلِ الْأَوْقَاتِ الْمَوْضُوعَةِ لِلطَّاعَةِ وَأَنَّ أَكْثَرَ الْمَعَاصِي كَالْكِبْرِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالرِّيَاءِ وَحُبِّ رَأْسِ كُلِّ خَطِئَةٍ يَتَوَلَّدُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥]- (فَلِذَا قِيلَ) الْقَائِلُ أَبُو بَكْرٍ الشِّبْلِيُّ (وَمِنْ عَلَامَةِ الْإِفْلَاسِ) خُلُوُّ الْقَلْبِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ تَعَالَى وَبُعْدُهُ عَنْ جَنَابِ قُدْسِهِ وَلَذَّةِ الْعِبَادَةِ وَالذِّكْرِ وَالْفِكْرِ (الِاسْتِئْنَاسُ بِالنَّاسِ) طَلَبُ الْأُنْسِ بِهِمْ فِي الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ فِي بَابِ الْخَلْوَةِ قَالَ سَمِعْت الشَّيْخَ أَبَا عَلِيٍّ يَقُولُ الشِّبْلِيُّ يَقُولُ الْإِفْلَاسَ الْإِفْلَاسَ يَا نَاسُ فَقِيلَ لَهُ مَا عَلَامَةُ الْإِفْلَاسِ فَقَالَ مِنْ عَلَامَةِ الْإِفْلَاسِ الِاسْتِئْنَاسُ بِالنَّاسِ وَقِيلَ مَنْ خَالَطَ النَّاسَ دَارَاهُمْ وَمَنْ دَارَاهُمْ رَاءَاهُمْ مِنْ الرِّيَاءِ وَعَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَرْبٍ دَخَلْت عَلَى مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ وَهُوَ فِي دَارِهِ وَحْدَهُ فَقُلْت أَمَا تَسْتَوْحِشُ وَحْدَك فَقَالَ مَا كُنْت أَرَى أَنْ أَحَدًا يَسْتَوْحِشُ مَعَ اللَّهِ وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى شُعَيْبِ بْنِ حَرْبٍ فَقَالَ مَا جَاءَ بِك فَقَالَ أَكُونُ مَعَك قَالَ إنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَكُونُ بِالشَّرِكَةِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَأْنِسْ بِاَللَّهِ لَمْ يَسْتَأْنِسْ بِشَيْءٍ لَكِنْ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ كَمَا أُشِيرُ بِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ الدِّينِيِّ مِنْ تِلْكَ النَّاسِ وَإِلَّا قَالُوا كُنْ مَعَ اللَّهِ وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ فَكُنْ مَعَ مَنْ كَانَ مَعَ اللَّهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]
وَفِي رِسَالَةِ تَاجِ الدِّينِ النَّقْشَبَنْدِيِّ كَانَ لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ تِلْمِيذٌ فَقَالَ لَهُ إنَّ مَقَامَك سَبَقَ مَقَامِي فَاذْهَبْ إلَى الْبِسْطَامِيِّ قَدَّسَ سِرَّهُ الْعَزِيزُ فَقَالَ الْمُرِيدُ إنِّي أَصِلُ إلَى اللَّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ فَقَالَ الشَّيْخُ إذَا كَانَ وِصَالُك إلَيْهِ تَعَالَى فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً فَصُحْبَتُك مَعَ أَبِي يَزِيدَ خَيْرٌ لَك فَلَمْ يَذْهَبْ ثُمَّ يَوْمًا مِنْ الْأَيَّامِ ذَهَبَ الْمُرِيدُ لِبَعْضِ مَصْلَحَةٍ إلَى مَدِينَة أَبِي يَزِيدَ فَذَهَبَ إلَى زِيَارَتِهِ فَلَمَّا رَآهُ اسْتَغْرَقَ فَمَاتَ فَسُئِلَ الشَّيْخُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ كَانَ قَبْلُ يَصِلُ إلَيْهِ تَعَالَى بِمَقَامِهِ فَلَمَّا وَصَلَ فِي حُضُورِنَا وَوَسَاطَتِنَا بِمَقَامٍ مِنَّا لَمْ يَحْتَمِلْ وُجُودَهُ فَمَاتَ (وَكَذَا الْأُنْسُ بِسَائِرِ مَتَاعِ الدُّنْيَا كَالْكَرْمِ وَالْبُسْتَانِ وَالرَّحَى وَالضَّيْعَةِ وَنَحْوِهَا) لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَيْسَ
стр. 746
إلَّا مَتَاعَ الْغُرُورِ وَإِيثَارَ مَا يَفْنَى عَلَى مَا يَبْقَى لِأَنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ وَأَبْقَى بَلْ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ مِثْلُهُ مِلْكًا لِمَالِكِهِ إذْ يَدُهُ يَدُ عَارِيَّةٍ وَأَمَانَةٍ وَقَدْ يُنْزَعُ مِنْ يَدِهِ فِي حَيَاتِهِ وَعِنْدَ مَمَاتِهِ بَلْ مَا أَكَلَهُ أَيْضًا لَيْسَ مِلْكَهُ لِفَنَائِهِ وَمَا لَبِسَهُ لَيْسَ مِلْكَهُ لِبَلَاهُ وَإِنَّمَا مِلْكُهُ مَا تَصَدَّقَ بِهِ وَقِيلَ مَا هَمَّ، فَلَيْسَ فِي كَثِيرِهِ إلَّا إمَاتَةُ الْقَلْبِ وَصَرْفُهُ عَنْ طَاعَتِهِ تَعَالَى
(بَلْ اللَّائِقُ) وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا (لِسَالِكِ الْآخِرَةِ) مُرِيدِ ثَوَابِهَا وَخَلَاصِ عِقَابِهَا بَلْ رِفْعَةِ دَرَجَاتِهَا (الْأُنْسُ بِذِكْرِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ الطَّاعَاتِ بِالْإِطْلَاقِ وَأَقْرَبُ الْقُرُبَاتِ بِالِاتِّفَاقِ وَبِهِ وَصَلَ الْوَاصِلُونَ وَبِتَرْكِهِ سَقَطَ السَّاقِطُونَ إذْ شَرَفُ الذِّكْرِ عَلَى قَدْرِ شَرَفِ مَذْكُورِهِ لَكِنْ الظَّاهِرُ هُنَا عُمُومُ الْمَجَازِ بِمَعْنَى مُطْلَقِ ذِكْرٍ مِنْ أَيِّ عِبَادَةٍ قَوْلِيَّةٍ أَوْ بَدَنِيَّةٍ أَوْ مَالِيَّةٍ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ (وَطَاعَتُهُ) يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ إذْ الْمُتَبَادَرُ هُوَ عَطْفُ الْعَامِ عَلَى الْخَاصِّ لَا نَحْوُ عَطْفِ التَّفْسِيرِ وَفِي النَّصَائِحِ الْوَلَدِيَّةِ لِحُجَّةِ الْإِسْلَامِ عَنْ الشَّلَبِيِّ ﵀ خَدَمَ أَرْبَعَمِائَةِ أُسْتَاذٍ وَقَالَ قَرَأْت أَرْبَعَةَ آلَافِ حَدِيثٍ ثُمَّ اخْتَرْت مِنْهَا حَدِيثًا وَاحِدًا عَمِلْت بِهِ وَخَلَّيْت مَا سِوَاهُ لِأَنَّى تَأَمَّلْت فَوَجَدْت خَلَاصِي وَنَجَاتِي فِيهِ وَكَانَ عِلْمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِيهِ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ «اعْمَلْ لِدُنْيَاك بِقَدْرِ مَقَامِك فِيهَا وَاعْمَلْ لِآخِرَتِك بِقَدْرِ بَقَائِك فِيهَا وَاعْمَلْ لِلَّهِ بِقَدْرِ حَاجَتِك إلَيْهِ وَاعْمَلْ لِلنَّارِ بِقَدْرِ صَبْرِك عَلَيْهَا» فَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَجْعَلَ الذِّكْرَ وَالطَّاعَةَ كَالْغِذَاءِ لَهُ وَذَا إنَّمَا يَتَحَصَّلُ بِتَطْهِيرِ الْقَلْبِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ وَتَنْوِيرِهِ بِذِكْرِهِ إلَى أَنْ يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِذِكْرِ اللَّهِ وَحِفْظِ الْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَنْبَغِي لَهُ بِصَرْفِ كُلٍّ إلَى مَا خُلِقَ لَهُ فَإِنَّ امْرَأً لَوْ ذَهَبَ سَاعَةً مِنْ عُمْرِهِ إلَى غَيْرِ مَا خُلِقَ لَهُ لَجَدِيرٌ أَنْ تَطُولَ حَسْرَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي الْحَدِيثِ «لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ إلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا»
قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ فِي شَرْحِهِ الْحِصْنُ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّ الدُّنْيَا سَاعَةٌ فَاجْعَلْهَا طَاعَةً كَيْ لَا تُحَصِّلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَدَامَةً وَعَنْ شَرْحِ الصُّدُورِ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِكُلِّ إنْسَانٍ ثَلَاثَةُ أَخِلَّاءٍ أَمَّا خَلِيلٌ فَيَقُولُ مَا أَنْفَقْتَ فَلَكَ وَمَا أَمْسَكْتَ فَلَيْسَ لَك فَذَلِكَ مَالُهُ وَأَمَّا خَلِيلٌ فَيَقُولُ أَنَا مَعَك فَإِذَا أَتَيْت بَابَ الْمَلِكِ تَرَكْتُك وَرَجَعْتُ فَذَاكَ أَهْلُهُ وَحَشَمُهُ وَأَمَّا خَلِيلٌ فَيَقُولُ أَنَا مَعَك حَيْثُ دَخَلْت وَحَيْثُ خَرَجْت فَذَاكَ عَمَلُهُ» (وَالْوَحْشَةُ وَالضَّجَرُ عِنْدَ مُلَاقَاتِ الْعَوَامّ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَتَوَحَّشُ مِنْ الْخَوَاصِّ وَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ النَّاسِ هُنَا هُمْ الْعَوَامُّ فَإِنَّ مُرِيدَ الْآخِرَةِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُمْ بَلْ لِصُحْبَتِهِمْ وَزِيَارَتِهِمْ مَنَافِعُ دِينِيَّةٌ وَفَوَائِدُ أُخْرَوِيَّةٌ وَلِهَذَا قَالُوا مِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ يَصِلُ بِمُجَرَّدِ الصُّحْبَةِ وَالْخِدْمَةِ وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ صُحْبَةُ الْأَشْرَارِ تُورِثُ سُوءَ الظَّنِّ بِالْأَخْيَارِ وَلَا تَصْحَبْ مَعَ اللَّهِ إلَّا بِالْمُوَافَقَةِ وَلَا مَعَ الْخَلْقِ إلَّا بِالْمُنَاصَحَةِ وَلَا مَعَ النَّفْسِ إلَّا بِالْمُخَالَفَةِ وَلَا مَعَ الشَّيْطَانِ إلَّا بِالْعَدَاوَةِ اصْحَبُوا مَعَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تُطِيقُوا فَاصْحَبُوا مَنْ يَصْحَبُ مَعَ اللَّهِ لِتَصِلَكُمْ بَرَكَاتُ صُحْبَتِهِ إلَى اللَّهِ وَمِنْ شَأْنِ الْمَرِيدِ التَّبَاعُدُ عَنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا فَإِنَّ صُحْبَتَهُمْ سُمٌّ مُجَرَّبٌ لِأَنَّهُمْ يَنْتَفِعُونَ بِهِ وَهُوَ يَنْقُصُ بِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨] (لَا لِلْكِبْرِ وَالْعُجْبِ بَلْ لِمَنْعِهِمْ عَنْ الذِّكْرِ وَالْفِكْرِ وَالطَّاعَةِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى عَدَمِ الْمَنْعِ عَنْ صُحْبَةِ مَنْ كَانَتْ إعَانَتُهُ عَلَى الذِّكْرِ وَالطَّاعَةِ الْمُشَارِ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ لِأَنَّهُ تَعَالَى جَمَعَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَعْرِفَةِ وَاحِدٍ وَشَرِيعَةٍ وَاحِدَةٍ لِيَأْلَفَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِاَللَّهِ وَفِي اللَّهِ وَمَنْ انْفَرَدَ عَنْ حِزْبِ الرَّحْمَنِ انْفَرَدَ بِهِ الشَّيْطَانُ وَأَوْقَعَهُ فِيمَا يُؤَدِّي بِهِ إلَى عَذَابِ النِّيرَانِ وَلَفْظُ الْجَمَاعَةِ يَنْصَرِفُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لِمَا اجْتَمَعَ فِيهِمْ مِنْ جَمِيلِ خِصَالِ الْإِسْلَامِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَتَرَقِّي السَّابِقِينَ مِنْهُمْ إلَى دَرَجَةِ الْإِحْسَانِ وَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُمْ حَتَّى لَوْ اجْتَمَعَتْ التَّقْوَى وَالْإِحْسَانُ فِي وَاحِدٍ كَانَ هُوَ الْجَمَاعَةُ وَالْعَذَابُ فِي مُخَالَفَتِهِ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ
стр. 747
أَيْضًا «الْجَمَاعَةُ بَرَكَةٌ» أَيْ لُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ زِيَادَةٌ فِي الْخَيْرِ «وَالسُّجُودُ بَرَكَةٌ» «وَالثَّرِيدُ بَرَكَةٌ»
[الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ الطَّيْشِ وَالْخِفَّةِ]
(الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ)
(وَالطَّيْشِ وَالْخِفَّةِ) بِالْكَسْرِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ (وَيَظْهَرُ ذَلِكَ) أَيْ الْخِفَّةُ (فِي الْأَعْضَاءِ فِي الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ وَالْأُذُنِ يَلْتَفِتُ) يَمِينًا وَشِمَالًا بِرَأْسِهِ (وَيَنْظُرُ) بِعَيْنِهِ (لِكُلِّ جَاءٍ وَذَاهِبٍ وَمُتَحَرِّكٍ وَيُرِيدُ أَنْ يَسْمَعَ كُلَّ قَوْلٍ وَ) يَظْهَرُ (فِي اللِّسَانِ بِأَنْ يُكْثِرَ الْكَلَامَ وَالِاسْتِفْسَارَ عَمَّا لَا يُهِمُّ) فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا (وَالِاسْتِعْجَالِ فِي السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ) بِلَا تَأَمُّلٍ وَقَبْلَ تَحَرِّي الْمَنَاطِ (وَ) يَظْهَرُ (فِي الْيَدِ بِالتَّحْرِيكِ الْكَثِيرِ) بِلَا دَاعٍ (وَحَكِّ الْعُضْوِ وَتَسْوِيَةِ الْعِمَامَةِ وَاللِّحْيَةِ وَالثَّوْبِ بِلَا حَاجَةٍ) بَلْ لِمُجَرَّدِ الْخِفَّةِ (وَعَبَثِهَا) وَهُوَ اللَّعِبُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ لَذَّةٌ وَلَا فَائِدَةٌ (وَ) يَظْهَرُ (فِي الْقَدَمِ بِالْمَشْيِ فِيمَا لَا حَاجَةَ فِيهِ وَتَحْرِيكِهِ أَوْ) يَظْهَرُ (فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ بِالتَّمَدُّدِ وَتَحْرِيكِ الْكَتِفَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَذَلِكَ) الْخِفَّةُ فِي الْأَعْضَاءِ (نَاشِئٌ مِنْ السَّفَهِ وَخِفَّةِ الْعَقْلِ) وَعِنْدَ الْمُتَصَوِّفَةِ أَنَّ خِفَّةَ الْأَعْضَاءِ مِنْ خَرَابِ الْبَاطِنِ فَلَوْ رَكَدَ الْقَلْبُ لَاضْمَحَلَّتْ الْحَرَكَاتُ فِي الظَّاهِرِ وَلِذَا يُوجَدُ كَثِيرًا فِي النِّسْوَانِ لِقِلَّةِ عُقُولِهِنَّ وَالشُّبَّانِ وَالْمَرْضَى (وَضِدُّهُ) أَيْ الطَّيْشِ (الْوَقَارُ) وَهُوَ الْحِلْمُ وَالرَّزَانَةُ وَقِيلَ الْوَقَارُ الْعَظَمَةُ (وَالسُّكُونُ) أَيْ عَدَمُ الْحَرَكَةِ بِلَا فَائِدَةٍ (فَهُوَ الِاحْتِرَازُ عَنْ فُضُولِ النَّظَرِ وَالْكَلَامِ وَالْحَرَكَةِ فَهُوَ عَلَامَةُ قُوَّةِ الْحِلْمِ وَالْعِلْمِ) النَّاشِئَيْنِ مِنْ كَمَالِ الْعَقْلِ وَرَصَانَتِهِ (وَسِيمُ الصَّالِحِينَ) أَيْ عَلَامَتُهُمْ وَعَادَتُهُمْ وَعَنْ حُسْنِ التَّنْبِيهُ وَمِنْ أَخْلَاقِ الصَّالِحِينَ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ خُصُوصًا فِي إتْيَانِ الصَّلَاةِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] أَيْ بِرِقٍّ وَاقْتِصَادٍ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «سُرْعَةُ الْمَشْيِ تُذْهِبُ بَهَاءَ الْمُؤْمِنِ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «سُرْعَةُ الْمَشْيِ تُذْهِبُ بَهَاءَ الْوَجْهِ» قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩] أَيْ اقْصِدْ فِيهِ لَا مَشْيَ الْمُتَمَاوِتِينَ وَلَا مَشْيَ الْجَبَّارِينَ مُتَوَسِّطًا بَيْنَهُمَا وَقَدْ يَحْسُنُ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ كَالِاخْتِيَارِ فِي الْحَرْبِ وَكَالْإِسْرَاعِ إلَى حُضُورِ جَنَائِزِ الصَّالِحِينَ خَشْيَةَ الْفَوَاتِ كَمَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَسْرَعَ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إسْرَاعًا كُلِّيًّا» وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «خِيَارُكُمْ أَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا» أَيْ الْجَوَانِبَ أَيْ السَّهْلُ الْكَرِيمُ الْمِضْيَافُ كَذَا قِيلَ وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ أَرَادَ الَّذِينَ جَوَانِبُهُمْ وَطِيئَةٌ يَتَمَكَّنُ فِيهَا مَنْ يُصَاحِبُهُمْ وَلَا يَتَأَذَّى «وَشِرَارُكُمْ الثَّرْثَارُونَ» الَّذِينَ يُكْثِرُونَ الْكَلَامَ تَكَلُّفًا وَتَشَدُّقًا وَالثَّرْثَرَةُ كَثْرَةُ الْكَلَامِ وَتَرْدِيدِهِ «الْمُتَفَيْهِقُونَ» الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِأَشْدَاقِهِمْ وَمَا فِي الشِّرْعَةِ فِي آدَابِ الْمَشْيِ وَيُسْرِعُ فِي الْمَشْيِ كَأَنَّهُ يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ فَإِنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ الزَّهْوِ أَيْ الْكِبْرِ فَلَعَلَّهُ نَفْيُ غَايَةِ الْبُطْءِ لَا إثْبَاتُ غَايَةِ السُّرْعَةِ وَفِيهِ أَيْضًا وَلَا يَتَمَطَّى فِي مَشْيِهِ وَفِيهِ أَفْضَلُ خِصَالِ الْمُؤْمِنِ الصَّمْتُ وَفِي الصَّمْتِ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْعَافِيَةِ.
وَعَنْ عِيسَى حِين قِيلَ لَهُ دُلَّنَا عَلَى عَمَلٍ نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ قَالَ لَا تَنْطِقُوا أَبَدًا وَعَنْهُ ﵊ «لَا تَنْطِقُوا إلَّا بِخَيْرٍ» وَقَالَ سُلَيْمَانُ الْكَلَامُ مِنْ فِضَّةِ وَالصَّمْتُ مِنْ ذَهَبٍ وَفِيهِ وَالْبَلَاءُ مُوَكَّلٌ بِالْمَنْطِقِ وَكَانَ الصِّدِّيقُ يَضَعُ حَجَرًا فِي فِيهِ لِيَمْنَعَ نَفْسَهُ عَنْ الْكَلَامِ
стр. 748
(لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ) الِاحْتِرَازُ (لِلرِّيَاءِ وَالتَّكَبُّرِ وَعَلَامَةُ الْإِخْلَاصِ) فِي الِاحْتِرَازِ عَنْهُمَا (اسْتِوَاءُ الْخَلْوَةِ وَالْخِلْطَةِ)
[الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ الْعِنَادُ وَمُكَابَرَةُ الْحَقِّ وَإِنْكَارُهُ]
(الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ) (الْعِنَادُ وَمُكَابَرَةُ الْحَقِّ وَإِنْكَارُهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ) كَإِنْكَارِ أَبِي جَهْلٍ نُبُوَّتَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ كُفْرُ أَبِي طَالِبٍ لِخَوْفِ لَوْمِ قَوْمِهِ رِيَاءً (وَهُوَ نَاشِئٌ مِنْ الرِّيَاءِ) خَوْفًا مِنْ سُقُوطِ نَظَرِهِمْ وَهُمْ يَعْتَقِدُونَهُ شَرِيفًا وَعَالِيًا وَخَوْفًا مِنْ لُزُومِ الْمُتَابَعَةِ وَهُوَ مَتْبُوعُهُمْ (أَوْ الْحِقْدِ أَوْ الْحَسَدِ) مِمَّنْ لَهُ الرِّيَاءُ (أَوْ الطَّمَعِ) فِي حُصُولِ أَمْرٍ يَفُوتُ لَوْ جَرَى مَعَ الْحَقِّ وَعَنْ الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَعَنْ أَبَوَيْهَا «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ» وَضِدُّهُ قَبُولُ الْحَقِّ وَهُوَ مِنْ آثَارِ الْإِيمَانِ وَصِفَاتِ الصَّالِحِينَ وَفِي الْجَامِعِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «الْمُؤْمِنُونَ هَيِّنُونَ» مِنْ الْهَوْنِ بِمَعْنَى السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ «لَيِّنُونَ» مِنْ اللِّينِ ضِدُّ الْخُشُونَةِ وَفُسِّرَ الْهَيِّنُ بِسُهُولَتِهِ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ وَمُهِمَّاتِ نَفْسِهِ.
وَأَمَّا فِي دِينِهِ فَكَمَا قَالَ عُمَرُ صِرْت فِي الدِّينِ أَصْلَبَ مِنْ الْحَجَرِ وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ الْجَبَلُ يُمْكِنُ أَنْ يُنْحَتَ وَلَا يُنْحَتُ مِنْ دِينِ الْمُؤْمِنِ وَاللِّينُ لِينُ الْجَانِبِ وَسُهُولَةُ الِانْقِيَادِ إلَى الْخَيْرِ وَقَبُولُ الْحَقِّ بَعْدَ الْعِلْمِ وَالْمُسَامَحَةُ فِي الْمُعَامَلَةِ أُشْكِلَ بِمِثْلِ لَا تَكُنْ رَطْبًا فَتُعْصَرَ وَلَا يَابِسًا فَتُكْسَرَ وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ لَا تَكُنْ حُلْوًا فَتُبْلَعَ وَلَا مُرًّا فَتُلْفَظَ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الِاقْتِصَادُ إذْ خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا لَا الْإِفْرَاطُ وَلَا التَّفْرِيطُ وَلَعَلَّك سَمِعْت قِصَّةَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهِيَ عَلَى مَا ذَكَرَ الْمُحَقِّقُ الدَّوَانِيُّ فِي آخِرِ شَرْحِ عَقَائِدِ الْعَضُدِيَّةِ أَنَّهُ دَخَلَ مِنْ السَّطْحِ دَارَ رَجُلٍ فَوَجَدَهُ عَلَى حَالَةٍ مُنْكَرَةٍ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنْ عَصَيْتُ مِنْ وَجْهٍ فَقَدْ عَصَيْتَ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ - ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢]- وَقَدْ تَجَسَّسْت وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى - ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]- وَقَدْ دَخَلْت مِنْ السَّطْحِ قَالَ تَعَالَى ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] وَمَا سَلَّمْت فَتَرَكَهُ عُمَرُ وَشَرَطَ عَلَيْهِ التَّوْبَةَ وَأَيْضًا رُجُوعُهُ إلَى قَوْلِ امْرَأَةٍ بَعْدَ حُكْمِهِ عَلَى خِلَافِهِ قَائِلًا كُلُّ النَّاسِ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ حَتَّى نِسْوَانِهِمْ مَعْرُوفٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَرَضِيَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حُكْمَ نَائِبِهِ عَلَيْهِ فِي مُخَاصَمَةِ النَّصْرَانِيِّ بِدِرْعٍ أَيْضًا مَعْرُوفٌ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ السَّلَفِ وَالْمَشَايِخِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى
[الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ التَّمَرُّدُ]
(الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ) (التَّمَرُّدُ) الْخَارِجُ عَنْ الْحَقِّ (وَالْإِبَاءُ) شِدَّةُ الِامْتِنَاعِ عَنْ الْحَقِّ (وَهُوَ عَدَمُ قَبُولِ الْعِظَةِ) أَيْ الْوَعْظِ (وَ) عَدَمُ (الْإِطَاعَةِ لِمَنْ هُوَ فَوْقَهُ) مِنْ وَلِيِّ أَمْرٍ أَوْ عَالِمٍ أَوْ وَالِدٍ أَوْ أُسْتَاذٍ لَا نَحْوَ غَنِيٍّ أَوْ ظَالِمٍ (وَسَبَبُهُ الْكِبْرُ وَالْعُجْبُ وَالرِّيَاءُ وَالْحِقْدُ وَالْحَسَدُ وَالطَّمَعُ وَاتِّبَاعُ الْهَوَى) وَعَنْ التِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ
стр. 749
وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَخَيَّلَ وَاخْتَالَ وَنَسِيَ الْكَبِيرَ الْمُتَعَالِ بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَجَبَّرَ وَاعْتَدَى وَنَسِيَ الْجَبَّارَ الْأَعْلَى بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَخَيَّلَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ سَهَا وَلَهَا وَنَسِيَ الْمَقَابِرَ وَالْبِلَى بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ عَتَا وَطَغَى وَنَسِيَ الْمُبْتَدَا وَالْمُنْتَهَى بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَخَيَّلَ الدِّينَ بِالشُّبُهَاتِ» الْحَدِيثَ.
وَعَنْهُ ﵊ «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيُصَدُّ عَنْ الْحَقِّ» وَرُئِيَ رَجُلٌ جَالِسًا فِي الْهَوَاءِ فَقِيلَ لَهُ بِمَ نِلْت هَذَا فَقَالَ تَرَكْت الْهَوَى فَسُخِّرَ لِي الْهَوَى وَاعْلَمْ أَنَّ مُوَافَقَةَ هَوَى النَّفْسِ طَاعَةُ الشَّيْطَانِ فَلَا تَتْبَعْ كُلَّ مَا يَشْتَهِي خَاطِرُك وَاعْتَبِرْ حَالَ آدَمَ ﵇ فَإِنَّهُ بِمَيْلِ مَا اشْتَهَى خَاطِرُهُ مَرَّةً جَرَى عَلَيْهِ مَا جَرَى وَنُوحٌ لَمَّا أَتْبَعَ فِي طَلَبِ تَخْلِيصِ ابْنِهِ مِنْ الْغَرَقِ رَدَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ - ﴿فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦]- الْآيَةَ وَإِبْرَاهِيمُ لَمَّا اسْتَرَاحَ سَاعَةً فِي مَضْجَعِهِ اُبْتُلِيَ بِذَبْحِ ابْنِهِ وَيَعْقُوبُ فَرِحَ بِلِقَاءِ يُوسُفَ سَاعَةً فَحُبِسَ فِي بَيْتِ الْأَحْزَانِ أَرْبَعِينَ وَيُوسُفُ الْتَفَتَ يَوْمًا إلَى جَمَالِهِ وَقَالَ لَوْ كُنْت عَبْدًا مَاذَا كُنْت أُسَاوِي فَبِيعَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ وَحُبِسَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ وَمُوسَى ظَنَّ أَنَّهُ أَعْلَمُ أَهْلَ زَمَانِهِ فَابْتُلِيَ بِالْخَضِرِ وَدَاوُد مَالَ إلَى حَظّ نَفْسِهِ نَفَسًا فَابْتُلِيَ بِالْبُكَاءِ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى نَاحَتْ الْجِبَالُ وَالطَّيْرُ مَعَهُ وَسُلَيْمَانُ اسْتَعْظَمَ مُلْكَهُ فَسُلِبَ مِنْهُ وَأُلْقِيَ عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدٌ وَيَحْيَى الْتَجَأَ إلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَاسْتَتَرَ فِي بَطْنِ شَجَرَةٍ فَشُقَّ بِالْمِنْشَارِ
[الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ الصَّلَفُ]
(الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ)
(الصَّلَفُ) بِفَتْحَتَيْنِ (وَهُوَ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ) بِالثَّنَاءِ عَلَيْهَا بِالْمَحَاسِنِ وَالْخَلَاصِ عَنْ الْمَعَايِبِ (وَإِظْهَارُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأُمُورِ الشَّاقَّةِ وَالْإِخْبَارُ عَنْ الْأُمُورِ الْغَرِيبَةِ) مِنْ التَّوَارِيخِ الْمَاضِيَةِ الْمُسْتَغْرَبَةِ أَوْ الْأُمُورِ الَّتِي سَتَحْدُثُ بِالتَّكَهُّنِ أَوْ بِالرَّمْلِ أَوْ الْجَفْرِ وَنَحْوِهِ (مَعَ عَدَمِ الْمُبَالَاةِ مِنْ الْكَذِبِ وَ) مِنْ عَدَمِ (التَّصْدِيقِ) أَيْ تَصْدِيقِ الْغَيْرِ لَهُ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْخُلُقُ (نَاشِئٌ عَنْ الْكَذِبِ) طَلَبًا لِاسْتِطْرَافِ السَّامِعِينَ لِحَدِيثِهِ (وَالْعُجْبِ) قِيلَ إنَّ الصَّلَفَ وَالتَّصَلُّفَ عِبَارَةٌ عَنْ الدَّعَاوَى الْبَاطِلَةِ كَإِظْهَارِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأُمُورِ الصَّعْبَةِ وَالْأَخْبَارِ الْعَجِيبَةِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ تَمَدُّحُ النَّفْسِ وَجَلْبُ الْقُلُوبِ وَتَرْغِيبُ النَّاسِ عَلَى حَسَبِ اقْتِضَاءِ الْمَقَامَاتِ وَذَلِكَ قَدْ يَنْشَأُ مِنْ الْكِبْرِ وَالْكَذِبِ وَالْعُجْبِ كَإِخْبَارِ الْأَغْنِيَاءِ بِبَذْلِ الْمَالِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ فَوْقَ الْحَدِّ وَالْأُمَرَاءِ بِالصَّلَابَةِ وَالشُّجَاعَةِ وَالسِّيَاسَةِ وَالْعُلَمَاءِ بِالْعُلُومِ وَالْفُنُونِ وَالْمَشَايِخِ بِالرِّيَاضَاتِ وَالْكَشْفِ وَالْكَرَامَاتِ (وَيَنْشَأُ مِنْهُ النِّفَاقُ) الْعِلْمِيُّ (وَهُوَ) أَيْ النِّفَاقُ الْخُلُقِيُّ.
(الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ)
(وَمَعْنَاهُ عَدَمُ مُوَافَقَةِ الظَّاهِرِ لِلْبَاطِنِ وَالْقَوْلِ لِلْفِعْلِ) هَذَا هُوَ نِفَاقُ الْعَمَلِ وَأَمَّا نِفَاقُ الِاعْتِقَادِ فَهُوَ إظْهَارُ الْإِيمَانِ وَإِبْطَالُ الْكُفْرِ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ الْمُنَافِقِ فِي الْقُرْآنِ وَأَشَدُّ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ وَإِنْ جَرَى عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ
стр. 750
لِشَرَفِ مَا جَرَى فِي لِسَانِهِمْ أَوَّلُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ فَلَمَّا رَأَى قُوَّةَ الْإِسْلَامِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَعَلِمَ عِزَّةَ كَلِمَةِ اللَّهِ الْعُلْيَا أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ مَعَ أَتْبَاعِهِ وَكَبَّرَ وَقِيلَ النِّفَاقُ الْعَمَلِيُّ إظْهَارُ الصَّدَاقَةِ وَإِبْطَانُ الْعَدَاوَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١]- وَعَنْ حَدِيثِ الدَّيْلَمِيِّ «مَنْ تَهَيَّأَ لِلنَّاسِ بِقَوْلِهِ وَلِبَاسِهِ وَخَالَفَ ذَلِكَ بِأَعْمَالِهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» .
وَعَنْ حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ إذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ»
[السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ الْجَرْبَزَةُ]
(السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ)
(الْجَرْبَزَةُ) وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الْمُصَنِّفِ أَنَّهَا مَلَكَةُ إدْرَاكٍ تَدْعُو إلَى اطِّلَاعِ مَا لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ كَالْمُتَشَابِهَاتِ وَبَحْثِ الْقَدَرِ (وَعِلَاجُهُ تَأَمُّلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] اعْلَمْ أَنَّ مَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا هُوَ مَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ كَمَا فُهِمَ مِنْ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ وَهُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ وَهُوَ أَسْلَمُ وَأَصَحُّ الرِّوَايَاتِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَعِنْدَ الْبَعْضِ يُمْكِنُ اطِّلَاعُهُ وَمِنْهُمْ مُجَاهِدٌ وَمَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا حَتَّى قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]- إنَّا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ وَعَنْ النَّوَوِيِّ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَهُوَ قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَوَّلًا ثُمَّ حَرَّمَ التَّأْوِيلَ وَنَقَلَ إجْمَاعَ السَّلَفِ عَلَى مَنْعِهِ قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ فِي شَرْحِ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا الْمَاتُرِيدِيَّةُ وَتَوَسَّطَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ التَّأْوِيلَ إنْ قَرِيبًا إلَى مُخَاطَبَاتِ الْعَرَبِ فَنَعَمْ وَإِلَّا فَنَتَوَقَّفُ وَابْنُ الْهُمَامِ بِأَنَّ الدَّاعِيَ إلَى التَّأْوِيلِ الْخَلَلُ فِي فَهْمِ الْعُمُومِ فَنَعَمْ وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى.
قَالَ فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ وَفِي خَتْمِ آيَاتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] تَعْرِيضٌ بِالزَّائِغِينَ وَمَدْحٌ لِلرَّاسِخِينَ يَعْنِي مَنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ وَلَمْ يُخَالِفْ هَوَاهُ فَلَيْسَ مِنْ أُولِي الْعُقُولِ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ الرَّاسِخُونَ - ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] إلَخْ فَخَضَعُوا لِبَارِئِهِمْ بَعْدَ أَنْ اسْتَعَاذُوا بِهِ مِنْ الزَّيْغِ النَّفْسَانِيِّ وَلَعَلَّك سَمِعْت أَيْضًا فِيمَا سَبَقَ (وَضَرَرُهُ الْأَذَى)
[السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ الْبَلَادَةُ وَالْغَبَاوَةُ وَالْحَمَاقَةُ]
(السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ) (الْبَلَادَةُ وَالْغَبَاوَةُ) وَالْحَمَاقَةُ وَهِيَ مَلَكَةٌ يَقْصُرُ صَاحِبُهَا عَنْ إدْرَاكِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالنَّفْعِ وَالضُّرِّ (وَضِدُّهُمَا) بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ (الذَّكَاءُ وَالْفِطْنَةُ) قِيلَ أَوَّلُ الْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ الْحَمَاقَةُ وَآخِرُهَا الْجَهْلُ وَرُوِيَ أَنَّ عِيسَى قَالَ مَا عَجَزْت عَنْ إحْيَاءِ الْأَمْوَاتِ وَعَجَزْت عَنْ مُعَالَجَةِ الْحَمْقَى وَقَدْ قِيلَ
لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ يُسْتَطَبُّ بِهِ ... إلَّا الْحَمَاقَةَ أَعْيَتْ مَنْ يُدَاوِيهَا
(وَعِلَاجُهُ السَّعْيُ وَالْجِدُّ وَالْمُوَاظَبَةُ فِي التَّعَلُّمِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ لِأَبِي يُوسُفَ كُنْت) أَنْتَ (بَلِيدًا) أَحْمَقَ (أَخْرَجَتْك مُوَاظَبَتُك مِنْ الْبَلَادَةِ) حَتَّى صَارَ إمَامًا ثَانِيًا مَعَ كَوْنِهِ عَلَى الْبَلَادَةِ بِنَاءً عَلَى الْجِدِّ وَالسَّعْيِ وَالْإِمَامُ مُحَمَّدٌ مَعَ شِدَّةِ ذَكَائِهِ صَارَ إمَامًا ثَالِثًا لِعَدَمِ سَعْيِهِ مِثْلَ سَعْيِ أَبِي يُوسُفَ اعْتِمَادًا عَلَى ذَكَائِهِ فَانْظُرْ إلَى الْمُوَاظَبَةِ كَيْفَ أَخْرَجَتْ صَاحِبَهَا مِنْ الْبَلَادَةِ وَأَوْصَلَتْهُ إلَى مَرْتَبَةِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي لَمْ يَنَلْهَا إلَّا الْأَفْرَادُ وَقَدْ قَالُوا إذَا تَعَارَضَ قَوْلُهُمَا يُرَجَّحُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ صَاحِبُ حَدِيثٍ حَتَّى رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ أَحْفَظُ عِشْرِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ مِنْ الْمَنْسُوخِ فَمَا ظَنُّك فِي النَّاسِخِ وَكَانَ صَاحِبَ فِقْهٍ وَمَعَانٍ وَمُحَمَّدٌ ﵀ كَانَ صَاحِبَ قَرِيحَةٍ يَعْرِفُ أَحْوَالَ النَّاسِ وَعَادَاتِهِمْ وَصَاحِبَ فِقْهٍ وَمَعَانٍ قَلَّ رُجُوعُهُ فِي الْمَسَائِلِ وَكَانَ مُقَدَّمًا فِي مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ وَالْإِعْرَابِ وَلَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْأَحَادِيثِ وَأَبُو حَنِيفَةَ كَانَ مُقَدَّمًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا أَنَّهُ قَلَّتْ رِوَايَتُهُ لِمَذْهَبٍ خَاصٍّ
стр. 751
لَهُ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ إنَّمَا يُحِلُّ رِوَايَةَ الْحَدِيثِ مِنْ حِينِ سُمِعَ إلَى أَنْ يُرْوَى انْتَهَى ثُمَّ فِي الْمَنْقُولِ إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَنْ إشْكَالِ أَنَّ الْبَلَادَةَ طَبِيعَةٌ غَرِيزِيَّةٌ كَيْفَ يُمْكِنُ دَفْعُهَا وَجْهُ الْإِشَارَةِ أَنَّهُ يَدْفَعُ ثَوْرَتَهَا وَشِدَّتَهَا بِالْمُجَاهَدَةِ
[الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ الشَّرَهُ]
(الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ الشَّرَهُ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ قُوَّةُ الْحِرْصِ وَفِي الِاصْطِلَاحِ مَلَكَةٌ بِهَا يُتَنَاوَلُ الْمُشْتَهَيَاتُ مُوَافِقًا لِلشَّرْعِ أَوْ لَا (عَلَى الطَّعَامِ وَالْجِمَاعِ) قَالَ فِي الْفَيْضِ وَيُكْرَهُ مُجَرَّدُ ذِكْرِ الْجِمَاعِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُرُوءَةِ وَلِهَذَا قَالَ الْأَحْنَفُ جَنِّبُوا مَجَالِسَكُمْ ذِكْرَ النِّسَاءِ وَالطَّعَامِ فَكَفَى بِالرَّجُلِ ذَمًّا أَنْ يَكُونَ وَصَّافَا لِفَرْجِهِ وَبَطْنِهِ وَقِيلَ الْحِرْصُ انْبِعَاثُ النَّفْسِ لِنَيْلِ مَا تَهْوَاهُ فَهُوَ جِنْسٌ تَحْتُهُ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ النَّهَمُ وَهُوَ الْحِرْصُ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّبَقُ وَهُوَ الْحِرْصُ عَلَى الْجِمَاعِ وَالشَّرَهُ وَهُوَ الشِّدَّةُ عَلَى الْمَحْرُوصِ مُطْلَقًا فَالْأَوَّلَانِ مِنْ خَوَاصِّ الْحَيَوَانِ فَيَلْتَحِقُ صَاحِبُهُمَا بِالْحَيَوَانَاتِ الصُّمِّ وَالْبُكْمِ وَيَنْحَطُّ عَنْ دَرَجَةِ الْكَمَالَاتِ وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ الْجِمَاعَ سَفْكُ مَنِيٍّ فِي مُشْتَهًى وَجَوْهَرُ الْمَنِيِّ قُوَّةُ الْبَدَنِ وَنُورُ الْبَصَرِ وَضِيَاءُ الْعَقْلِ فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ إضَاعَةُ هَذَا الْجَوْهَرِ الثَّمِينِ وَالدُّرِّ الْكَمِينِ وَالْكَنْزِ الدَّفِينِ بِمُجَرَّدِ مُقْتَضَى هَيَجَانِ الْقُوَّةِ الشَّهْوَانِيَّةِ الْحَيَوَانِيَّةِ وَقَدْ أَوْصَى بَعْضُهُمْ وَلَدَهُ بِقِلَّةِ الْجِمَاعِ فَقَالَ
أَقْلِلْ نِكَاحَك مَا اسْتَطَعْت فَإِنَّهُ ... مَاءُ الْحَيَاةِ يُصَبُّ فِي الْأَرْحَامِ
قِيلَ اتَّفَقَ أَطِبَّاءُ الْفُرْسِ وَالرُّومِ وَالْهِنْدِ أَنَّ جَمِيعَ الْأَمْرَاضِ تَتَوَلَّدُ مِنْ سِتَّةٍ كَثْرَةُ الْجِمَاعِ وَقِلَّةُ النَّوْمِ فِي اللَّيْلِ وَكَثْرَةُ النَّوْمِ فِي النَّهَارِ وَحَبْسُ الْبَوْلِ وَشُرْبُ الْمَاءِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَإِدْخَالُ الطَّعَامِ عَلَى الطَّعَامِ وَفِي الْبُسْتَانِ أَرْبَعَةٌ يَهْدِمْنَ الْعُمْرَ وَرُبَّمَا يَقْتُلْنَ دُخُولُ الْحَمَّامِ مَعَ الْبِطْنَةِ وَأَكْلُ الْقَدِيدِ الْجَافِّ وَالْغَشَيَانُ عَلَى الِامْتِلَاءِ وَمُجَامَعَةُ الْعَجُوزِ لَكِنْ فِي الشِّرْعَةِ وَلَا يُدَاوِمُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فَإِنَّ الْبِئْرَ إذَا لَمْ تُنْزَحْ ذَهَبَ مَاؤُهَا وَفِي شَرْحِهِ وَرُبَّمَا عُرِضَ لِتَارِكِهِ أَمْرَاضٌ مِثْلُ الدُّوَّارِ وَظُلْمَةِ الْعَيْنِ وَثِقْلِ الْبَدَنِ وَوَرَمِ الْخُصْيَةِ لَعَلَّ ذَلِكَ إمَّا مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ أَوْ الْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِفْرَاطِ
[التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ الْخُمُودُ]
بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ نُقْصَانُ الْقُوَّةِ الشَّهْوِيَّةِ فَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْإِفْرَاطَ فُجُورٌ وَالتَّفْرِيطَ
стр. 752
خُمُودٌ وَالْوَسَطَ عِفَّةٌ فَالْخُمُودُ مَلَكَةٌ يَقُصُّ بِهَا الْإِنْسَانُ عَنْ اسْتِيفَاءِ مَا يَنْبَغِي مِنْ الْمُشْتَهَيَاتِ كَالْعِنِّينِ يُقَالُ خَمَدَتْ النَّارُ إذَا سَكَنَ لَهَبُهَا (فَإِنْ كَانَ مُتَأَهِّلًا) يَحْتَاجُ إلَى الْجِمَاعِ (أَوْ بِهِ مَرَضٌ فِي الْمَعِدَةِ فَعِلَاجُهُ بِالطِّبِّ) وَنَحْوِهِ مِنْ الْأُمُورِ الْمُجَرَّبَةِ فَافْهَمْ (وَإِلَّا) إنْ لَمْ يَكُنْ مُتَأَهِّلًا أَوْ لَمْ يَكُنْ بِهِ مَرَضٌ (فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْعِلَاجِ فَقَدْ كَفَى) الْخُمُودُ (مَئُونَتَهُمَا) أَيْ الطَّعَامِ وَالْجِمَاعِ لِضَعْفِ دَاعِيَتِهِمَا (وَنَجَا مِنْ غَوَائِلِهِمَا) أَيْ التَّأَهُّلِ وَالْمَرَضِ أَوْ مَفَاسِدِهِمَا وَالْمُؤْمِنُ الْقَلِيلُ الْمُؤْنَةِ خَيْرٌ مِنْ الْمُؤْمِنِ الْكَثِيرِ الْمُؤْنَةِ (وَأَمَّا تَفَاسِيرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَقَدْ سَبَقَتْ) فِي تَفْسِيرِ الْخُلُقِ وَبَيَانِ مَنْشَئِهِ
[السِّتُّونَ آخِرُ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ]
(السِّتُّونَ) آخِرُ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ (الْإِصْرَارُ عَلَى الْمَعَاصِي وَالْمَنَاهِي) الظَّاهِرُ غَيْرُ مَا ذُكِرَ هَاهُنَا أَوْ شَامِلٌ لَهَا إذْ صُدُورُ شَيْءٍ مُغَايِرٌ لِإِصْرَارِهِ (وَهُوَ) أَيْ الْإِصْرَارُ (دَوَامُ قَصْدِ الْمَعَاصِي وَالْمَنَاهِي وَلَوْ صَدَرَتْ مِنْهُ أَحْيَانَا أَوْ مَرَّةً) وَقَدْ عَرَفْت مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْقَصْدَ سِيَّمَا هُنَا لَا يَشْمَلُ الْهِمَّةَ وَاللَّمَّةَ وَالْخَطِرَةَ بَلْ الْمُرَادُ مَا يَشْمَلُ النِّيَّةَ وَالْإِرَادَةَ وَالْعَزِيمَةَ فَإِنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْقَسَمِ الْأَخِيرِ لَا الْأَوَّلِ قِيلَ هُنَا وَأَمَّا إذَا لَمْ تَصْدُرْ أَصْلًا فَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَالشَّيْخِ أَكْمَلِ الدِّينِ لَا يَكُونُ إصْرَارًا بِخِلَافِ الْغَزَالِيِّ كَمَا مَرَّ فَتَأَمَّلْ (وَلَوْ تَخَلَّلَ النَّدَامَةَ) بَيْنَهُمَا (وَالرُّجُوعَ) عَنْهَا (فَلَيْسَ بِإِصْرَارٍ وَلَوْ صَدَرَتْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ سَبْعِينَ مَرَّةً هَكَذَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ) فِي الْحَدِيثِ الَّذِي خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «مَا أَصَرَّ مَنْ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» قَالَ فِي الْمُنَاوِيِّ فَإِنَّ رَحْمَتَهُ لَا نِهَايَةَ لَهَا وَلَا غَايَةَ فَذُنُوبُ الْعَالَمِ كُلُّهَا مُتَلَاشِيَةٌ عِنْدَ حِلْمِهِ وَعَفْوِهِ إذْ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُ الْعَبْدِ إلَى الْغَايَةِ ثُمَّ اسْتَقَالَ مِنْهَا بِالِاسْتِغْفَارِ غُفِرَتْ لَهُ لِأَنَّهُ طَلَبَ الْإِقَالَةَ مِنْ كَرِيمٍ وَالْكَرِيمُ مَحَلُّ الْإِقَالَةِ لَكِنْ بِشَرْطِ مُقَارَنَةِ عَدَمِ الْإِصْرَارِ الَّذِي هُوَ تَوْبَةٌ نَصُوحٌ وَأَمَّا مَعَ الْإِصْرَارِ فَمُجَرَّدُ ادِّعَاءٍ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ نَفَعَ الِاسْتِغْفَارُ مِنْ غَيْرِ حَلِّ عُقْدَةِ الْإِصْرَارِ وَفِي خَبَرٍ «الْمُسْتَغْفِرُ مِنْ ذَنْبٍ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ كَالْمُسْتَهْزِئِ» وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ قَوْلِي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَالِاسْتِغْفَارُ بِمُجَرَّدِ اللِّسَانِ تَوْبَةُ الْكَذَّابِينَ قُلْت هُوَ مَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ بِدُونِ تَوَاطُؤِ الْقَلْبِ كَمَا يُقَالُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ وَلَا جَدْوَى لَهُ فَإِنْ أَضَافَ لَهُ تَضَرُّعَ الْقَلْبِ وَابْتِهَالَهُ فَحَسَنَةٌ فِي نَفْسِهَا دَافِعَةٌ لِلسَّيِّئَةِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ هَذَا الْخَبَرُ وَلِلتَّوْبَةِ دَرَجَاتٌ أَوَائِلُهَا لَا تَخْلُو عَنْ فَائِدَةٍ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ إلَى أَخِرِهَا وَلِذَاكَ قَالَ سَهْلٌ لَا بُدَّ لِلْعَبْدِ فِي كُلِّ حَالٍّ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى مَوْلَاهُ فَأَحْسَنُ أَحْوَالِهِ الرُّجُوعُ إلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ فَإِنْ عَصَى قَالَ يَا رَبِّ اُسْتُرْ عَلَيَّ فَإِنْ فَرَغَ مِنْ الْمَعْصِيَةِ قَالَ يَا رَبِّ تُبْ عَلَيَّ فَإِذَا تَابَ قَالَ يَا رَبِّ اعْصِمْنِي فَإِذَا عَمِلَ قَالَ تَقَبَّلْ مِنِّي.
وَسُئِلَ عَنْ الِاسْتِغْفَارِ الَّذِي يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ فَقَالَ أَوَّلُ الِاسْتِغْفَارِ الْإِجَابَةُ ثُمَّ الْإِنَابَةُ التَّوْبَةُ فَالِاسْتِجَابَةُ أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ وَالْإِنَابَةُ أَعْمَالُ الْقَلْبِ وَالتَّوْبَةُ إقْبَالُهُ عَلَى مَوْلَاهُ بِأَنْ يَتْرُكَ الْخَلْقَ وَيَسْتَغْفِرَ مِنْ تَقْصِيرِهِ وَمِنْ الْجَهْلِ بِالنِّعْمَةِ وَتَرْكِ الشُّكْرِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُغْفَرُ لَهُ ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى الِانْفِرَادِ ثُمَّ الثَّبَاتِ ثُمَّ الْبَيَانِ ثُمَّ الْقُرْبِ ثُمَّ الْمَعْرِفَةِ ثُمَّ الْمُنَاجَاةِ ثُمَّ الْمُصَافَاةِ ثُمَّ الْمُوَالَاةِ ثُمَّ الْمُحَادَثَةِ وَهُوَ الْخُلَّةُ وَلَا يَسْتَقِيمُ هَذَا فِي قَلْبِ عَبْدٍ حَتَّى يَكُونَ الْعِلْمُ غِذَاءً وَالذِّكْرُ قِوَامَهُ وَالرِّضَا زَادَهُ وَالتَّوَكُّلُ صَاحِبَهُ ثُمَّ اللَّهُ تَعَالَى يَرْفَعُهُ إلَيْهِ فَيَرْفَعُهُ إلَى الْعَرْشِ فَيَكُونُ مَقَامُهُ مَقَامَ حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلتَّكْفِيرِ دَرَجَاتٍ فَبَعْضُهَا مَحْوٌ لِلذَّنْبِ بِالْكُلِّيَّةِ وَبَعْضُهَا مُخَفِّفٌ بِتَفَاوُتِ دَرَجَاتِ التَّوْبَةِ فَالِاسْتِغْفَارُ بِالْقَلْبِ وَالتَّدَارُكُ بِالْحَسَنَاتِ وَإِنْ خَلَا عَنْ حَلِّ عُقْدَةِ الْإِصْرَارِ مِنْ أَوَائِلِ دَرَجَاتِ الِاسْتِغْفَارِ وَلَا يَخْلُو عَنْ فَائِدَةٍ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَظُنَّ أَنَّ وُجُودَهَا كَعَدَمِهَا.
قَالَ أَقُولُ الِاسْتِغْفَارُ بِاللِّسَانِ فَقَطْ حَسَنَةٌ أَيْضًا إذْ حَرَكَةُ اللِّسَانِ بِهِ عَنْ غَفْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ حَرَكَتِهِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِغِيبَةٍ أَوْ فُضُولٍ بَلْ خَيْرٌ مِنْ السُّكُوتِ قِيلَ لِأَبِي عُثْمَانَ الْمَغْرِبِيِّ لِسَانِي يُحَرَّكُ بِالذِّكْرِ وَالْقُرْآنِ وَقَلْبِي غَافِلٌ فَقَالَ اُشْكُرْ اللَّهَ الَّذِي اسْتَعْمَلَ جَارِحَةً مِنْ جَوَارِحِك وَعَوِّدْهُ الذِّكْرَ لَا الْفُضُولَ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنَاوِيِّ.
قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ فِي مُقَدَّمَةِ حِزْبِهِ الْأَعْظَمِ فَعَلَيْك حِفْظُ مَبَانِيهِ وَالتَّأَمُّلُ فِي مَعَانِيهِ فَقِيلَ ظَاهِرُهُ لَا ثَوَابَ
стр. 753
لِمَنْ لَا يَعْرِفُ مَعَانِيَهُ أَوْ يَعْرِفُهَا وَلَكِنْ لَا يَتَأَمَّلُهَا وَأُيِّدَ بِقَوْلِ الْإِمَامِ الْغَيْطِيِّ وَرُدَّ بِأَنَّ مُرَادَهُ نَفْيُ كَمَالِ الثَّوَابِ لَا أَصْلِهِ وَأَشْكَلَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيِّ ثَوَابُ الْقُرْآنِ حَاصِلٌ بِمُجَرَّدِ التِّلَاوَةِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَعْنَاهُ بِالْكُلِّيَّةِ لِلتَّعَبُّدِ بِلَفْظِهِ وَأَمَّا الْأَذْكَارُ فَلَا ثَوَابَ إلَّا بِفَهْمِ مَعْنَاهَا وَلَوْ بِوَجْهٍ مَا وَرُدَّ أَيْضًا بِمَنْعِ الْفَرْقِ بَلْ الْقِيَاسُ عَدَمُ فَرْقِهِمَا نَعَمْ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْفَهْمِ وَعَدَمِهِ وَاقِعٌ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَصْلِ الثَّوَابِ وَبَقِيَ أَنَّهُ فِي الْقُشَيْرِيَّةِ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ أَنَّهُ قَالَ زَلَّةٌ وَاحِدَةٌ بَعْدَ التَّوْبَةِ أَقْبَحُ مِنْ سَبْعِينَ قَبْلَهَا فَتَأَمَّلْ حَتَّى يَحْصُلَ التَّوْفِيقُ.
(وَضَرَرُهُ) أَيْ ضَرَرُ الْإِصْرَارِ (غَنِيٌّ عَنْ الْبَيَانِ وَيَكْفِيك) فِي الضَّرَرِ (جَعْلُهُ) أَيْ الْإِصْرَارِ (الصَّغِيرَةَ كَبِيرَةً لِوُرُودِ أَنْ «لَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ» لِأَنَّهُ يَجْعَلُهَا كَبِيرَةً بِالْمُوَاظَبَةِ فَعَفْوُ كَبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَتْبَعُهَا مِثْلُهَا أَرْجَى مِنْ صَغِيرَةٍ يُوَاظِبُ عَلَيْهَا «وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ» وَالْحَدِيثُ فِي الْجَامِعِ عَلَى رَمْزِ الدَّيْلَمِيِّ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَفِي شَرْحِهِ وَفِيهِ أَبُو شَيْبَةَ قَالَ الْبُخَارِيُّ لَا يُتَابَعُ حَدِيثُهُ وَرَوَاهُ ابْنُ شَاهِينِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَكَذَا الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ انْتَهَى لَكِنْ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ.
اعْلَمْ أَنَّ الصَّغِيرَةَ كَبِيرَةٌ بِأَسْبَابٍ مِنْهَا الْإِصْرَارُ وَمِنْهَا اسْتِصْغَارُ الذَّنْبِ كَمَا أَنَّ اسْتِعْظَامَهُ يَجْعَلُهُ صَغِيرَةً وَمِنْهَا الْفَرَحُ وَالتَّمَدُّحُ كَمَا يُقَالُ أَمَا رَأَيْتَنِي كَيْفَ هَتَكْت عِرْضَ فُلَانٍ وَذَكَرْت سَيِّئَاتِهِ حَتَّى أَخْجَلْته وَكَيْفَ رَوَّجْت عَلَيْهِ الزَّائِفَ وَخَدَعْته وَمِنْهَا أَنْ يَتَهَاوَنَ بِسِتْرِ اللَّهِ وَإِمْهَالِهِ إيَّاهُ وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ إنَّمَا أَمْهَلَهُ لِيَزْدَادَ إثْمًا فَيَظُنَّ أَنَّهُ تَمْكِينٌ وَعِنَايَةٌ مِنْهُ تَعَالَى وَهُوَ اسْتِدْرَاجٌ وَمَقْتٌ وَمِنْهَا أَنْ يَذْكُرَ ذَنْبَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ عَالِمًا يُقْتَدَى بِهِ فَإِذَا عُلِمَ مِنْهُ كَبُرَ ذَنْبُهُ كَلُبْسِهِ الْحَرِيرَ وَدُخُولِهِ عَلَى الظَّلَمَةِ مَعَ تَرْكِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ وَإِطْلَاقِهِ فِي الْأَعْرَاضِ وَتَعَدِّيهِ بِاللِّسَانِ فِي الْمُنَاظَرَةِ وَقَصْدِهِ الِاسْتِخْفَافَ وَاشْتِغَالِهِ مِنْ الْعُلُومِ بِمَا لَا يَقْصِدُ مِنْهُ إلَّا الْجَاهَ كَعِلْمِ الْجَدَلِ اعْلَمْ أَنَّ لَك عَلَيْنَا أَنْ نُفَصِّلَ الْمَعْصِيَتَيْنِ بَعْضَ تَفْصِيلٍ وَقَدْ سَبَقَ فِي الِاعْتِقَادِ ذِكْرُ الْكَبِيرَةِ وَبَعْضِ تَفَاصِيلِهَا فَلْنَذْكُرْ بَقِيَّتَهَا عَلَى مَا فِي الْفَتَاوَى الزَّيْنِيَّةِ شُرْبُ الْخَمْرِ وَإِنْ قَلَّ وَلَمْ يُسْكِرْ وَالنَّبِيذِ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ لَا حِلَّهُ إلَّا إذَا رَامَ مُنَادَمَةً عَلَيْهِ وَحُضُورًا مَعَ الْفَسَقَةِ وَلِلْمُقَلِّدِ حُكْمُ مُقَلَّدِهِ وَالْغَصْبُ بِمِقْدَارِ نِصَابِ السَّرِقَةِ وَتَرْكُ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ عَنْ وَقْتِهِ وَالْحَجُّ إذَا فَاتَ وَالسِّحْرُ تَعْلِيمًا أَوْ تَعَلُّمًا أَوْ عَمَلًا وَإِحْرَاقُ حَيَوَانٍ عَبَثًا وَأَكْلُ مَيْتَةٍ بِلَا اضْطِرَارٍ وَالنَّمِيمَةُ وَالْغِيبَةُ لِمَنْ لَا يَتَظَاهَرُ بِفِسْقِهِ وَالْقِمَارُ وَالسَّرَفُ وَالسَّعْيُ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ فِي الْمَالِ وَالدِّينِ وَعُدُولُ الْحَاكِمِ عَنْ الْحَقِّ وَقَطْعُ الطَّرِيقِ وَإِدْمَانُ الصَّغِيرِ وَالْإِعَانَةُ عَلَى الْمَعَاصِي وَالْحَثُّ عَلَيْهَا وَالتَّغَنِّي لِلنَّاسِ وَتَغَنِّي الْمَرْأَةِ مُطْلَقًا وَكَشْفُ الْعَوْرَةِ فِي الْحَمَّامِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ وَالْبُخْلُ عَنْ أَدَاءِ وَاجِبٍ وَتَفْضِيلُ عَلِيٍّ عَلَى الشَّيْخَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَقَتْلُ نَفْسِهِ أَوْ إتْلَافُ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ وَهُوَ أَعْظَمُ وِزْرًا مِنْ قَاتِلِ غَيْرِهِ وَعَدَمُ اسْتِنْزَاهِ الْبَوْلِ وَالْمَنُّ وَالْأَذَى فِي الصَّدَقَةِ وَالتَّكْذِيبُ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدْرِ وَالْغَدْرُ بِأَمِيرِهِ وَتَصْدِيقُ كَاهِنٍ أَوْ مُنَجِّمٍ وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ وَالذَّبْحُ لِمَخْلُوقٍ وَإِسْبَالُ الْإِزَارِ خُيَلَاءَ وَالدُّعَاءُ إلَى ضَلَالَةٍ وَسَنُّ سُنَّةٍ وَالْإِشَارَةُ إلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ وَالْجِدَالُ وَالْمِرَاءُ وَخَصْيُ الْعَبْدِ وَقَطْعُ شَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ وَتَعْذِيبُهُ وَكُفْرَانُ نِعْمَةِ الْمُحْسِنِ وَمَنْعُ فَضْلِ الْمَاءِ وَالْإِلْحَادُ فِي الْحَرَمِ وَالتَّجَسُّسُ وَاللَّعِبُ بِالنَّرْدِ وَالطَّابِ وَالْمِنْقَلَةِ وَكُلِّ لَهْوٍ مُجْمَعٍ عَلَى تَحْرِيمِهِ.
وَعَدَّ الْعَلَائِيُّ أَكْلَ الْحَشِيشِ مِنْ الْكَبَائِرِ وَقَوْلُ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ يَا كَافِرُ وَعَدَمُ الْعَدْلِ بَيْنَ النِّسَاءِ فِي الْقَسْمِ وَنَاكِحُ الْكَفِّ وَوَاطِئُ الْحَائِضِ وَالسُّرُورُ بِالْغَلَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِتْيَانُ الْبَهِيمَةِ وَعَدَمُ عَمَلِ الْعَالِمِ بِعِلْمِهِ وَعَيْبُ الطَّعَامِ وَالرَّقْصُ بِالرَّبَابِ وَمَحَبَّةُ الدُّنْيَا وَالنَّظَرُ إلَى وَجْهِ الْأَمْرَدِ الْحَسَنِ وَإِلَى دَاخِلِ بَيْتِ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَقَالُوا النَّظَرُ إلَى مُحَرَّمٍ وَالتَّقْبِيلُ وَاسْتِمْنَاءٌ بِقَصْدِ الشَّهْوَةِ لَا لِتَسْكِينِهَا وَاللَّمْسُ وَالْخَلْوَةُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَاللَّعْنُ وَلَوْ لِبَهِيمَةٍ وَكِذْبٌ لَا حَدَّ فِيهِ وَلَا إضْرَارَ وَهَجْوُ مُسْلِمٍ وَلَوْ تَعْرِيضًا وَصِدْقًا وَالْإِشْرَافُ عَلَى بُيُوتِ النَّاسِ
стр. 754
وَهَجْرُ الْمُسْلِمِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَا عُذْرٍ وَكَثْرَةُ الْمُخَاصَمَةِ بِلَا عِلْمٍ وَضَحِكُ مُصَلٍّ اخْتِيَارًا وَالنَّوْحُ وَنَحْوُهُ اخْتِيَارًا وَلُبْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ حَرِيرٍ وَتَبَخْتُرُ الْمَاشِي وَجُلُوسٌ مَعَ فَاسِقٍ لَا يُنَاسِبُهُ وَالصَّلَاةُ فِي وَقْتِ كَرَاهَةٍ وَالصَّوْمُ فِي يَوْمٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ وَإِدْخَالُ الْمَسْجِدِ نَجَاسَةً أَوْ مَجْنُونًا أَوْ صَبِيًّا يَغْلِبُ تَنَجُّسُهُ وَتَلْطِيخُهُ ثَوْبَهُ أَوْ بَدَنَهُ بِنَجَاسَةٍ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارُهَا بِبَوْلٍ وَغَائِطٍ وَكَشْفُ الْعَوْرَةِ بِحَمَّامٍ بِغَيْرِ مَرْأَى النَّاسِ أَوْ خَلْوَةٍ عَبَثًا وَوِصَالُ صَائِمٍ وَوَطْءُ مُظَاهِرٍ قَبْلَ التَّكْفِيرِ وَمُسَافَرَةُ امْرَأَةٍ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ وَالنَّجْشُ وَالِاحْتِكَارُ وَالْبَيْعُ وَالسَّوْمُ وَالْخِطْبَةُ عَلَى بَيْعِ أَوْ سَوْمِ أَوْ خِطْبَةِ غَيْرِهِ وَبَيْعُ الْحَاضِرِ وَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ وَالتَّصْرِيَةُ وَالْبَيْعُ عِنْدَ أَذَانِ الْجُمُعَةِ وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ مُحَرَّمٌ مِنْهُ وَكِتْمَانُ عَيْبِ السِّلْعَةِ وَاقْتِنَاءُ كَلْبٍ لِغَيْرِ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ وَإِمْسَاكُ خَمْرٍ لَا لِتَخْلِيلِهَا وَاللَّعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ وَبَيْعُ خَمْرٍ وَشِرَاؤُهَا وَسَرِقَةُ اللُّقْمَةِ وَاشْتِرَاطُ الْأَجْرِ عَلَى الْحَدِيثِ وَالْبَوْلُ قَائِمًا وَفِي الْمُغْتَسَلِ وَالْمَوَارِدِ وَالسَّدْلُ فِي الصَّلَاةِ وَالْآذَانُ جُنُبًا وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ كَذَلِكَ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَالِاخْتِصَارُ فِي الصَّلَاةِ وَالْعَبَثُ فِيهَا وَاسْتِقْبَالُ الْمُصَلِّي بِوَجْهِهِ وَالِالْتِفَاتُ فِيهَا وَالتَّكَلُّمُ فِي الْمَسْجِدِ بِكَلَامِ الدُّنْيَا وَفِعْلُ مَا لَيْسَ عِبَادَةً فِيهِ وَمُبَاشَرَةُ الصَّائِمِ وَتَقْبِيلُهُ إذَا لَمْ يَأْمَنْ وَدَفْعُ الزَّكَاةِ مِنْ أَرْدَإِ الْمَالِ وَالنَّخْعُ فِي الذَّبْحِ وَأَكْلُ السَّمَكِ الطَّافِي وَالْمُنْتِنِ وَالْمِيتَةِ مِنْ غَيْرِهِ
وَمِنْ اللُّحُومِ الْمَثَانَةِ وَالْغُدَّةِ وَالْخُصْيَتَيْنِ وَالذَّكَرِ وَالتَّسْعِيرُ لِلْحَاكِمِ عِنْدَ عَدَمِ تَعَدِّي السُّوقَةِ وَإِنْكَاحُ الْمُكَلَّفَةِ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا عِنْدَ عَدَمِ الْعَضْلِ وَنِكَاحُ الشِّغَارِ وَتَطْلِيقُ الزَّوْجَةِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ وَبَائِنًا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَتَطْلِيقُهَا فِي الْحَيْضِ إلَّا فِي الْخُلْعِ وَفِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ وَالرَّجْعَةُ بِالْفِعْلِ وَالْمُضَارَرَةُ فِيهَا وَفِي الْإِنْفَاقِ وَالْإِيلَاءُ وَالتَّفْضِيلُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ فِي الْعَطِيَّةِ إلَّا لِعِلْمٍ أَوْ صَلَاحٍ وَتَرْكُ الْقَاضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ مَجْلِسًا وَإِقْبَالًا لَا بِالْقَلْبِ وَقَبُولُ جَائِزَةِ السُّلْطَانِ وَمَنْ غَلَبَ الْحَرَامُ عَلَى مَالِهِ وَالْأَكْلُ مِنْ طَعَامِهِ وَإِجَابَةُ دَعَوَاتِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَالْأَكْلُ مِنْ طَعَامِ أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ وَدُخُولُهَا وَالصَّلَاةُ وَالْمَشْيُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَالْمُثْلَةُ بِحَيَوَانٍ وَقَتْلُ حَرْبِيٍّ وَمُرْتَدٍّ قَبْلَ الِاسْتِتَابَةِ وَقَتْلُ الْمُرْتَدِّ وَتَأْخِيرُ السَّجْدَةِ التِّلَاوِيَّةِ وَتَرْكُهَا مُطْلَقًا وَتَعْيِينُ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ لِلصَّلَاةِ وَحَمْلُ الْجِنَازَةِ بَيْنَ عَمُودَيْ السَّرِيرِ وَدَفْنُ اثْنَيْنِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ بِلَا ضَرُورَةٍ وَالصَّلَاةُ عَلَى مَيِّتٍ فِي مَسْجِدٍ وَالسُّجُودُ عَلَى صُورَةٍ وَصَلَاتُهُ وَهِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ بِحِذَائِهِ أَوْ أَمَامَهُ وَشَدُّ الْأَسْنَانِ بِالذَّهَبِ وَاسْتِعْمَالُ آنِيَةِ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ وَتَقْبِيلُ فَمِ الرَّجُلِ وَمُعَانَقَتُهُ وَجَعْلُ الرَّايَةِ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ وَابْتِدَاءُ الْكَافِرِ بِالسَّلَامِ إلَّا لِحَاجَةٍ عِنْدَهُ وَبَيْعُ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ وَاسْتِخْدَامُ الْخَصِيِّ وَتَمَلُّكُهُ وَكَسْبُهُ وَإِلْبَاسُ صَبِيٍّ مَا لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ لِلْبَالِغِ وَتَغَنِّي الرَّجُلِ لِنَفْسِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ
وَوَطْءُ الزَّوْجَةِ أَوْ الْأَمَةِ بِحَضْرَةِ مَنْ يَعْقِلُ وَلَوْ نَائِمًا وَالْخُرُوجُ لِقُدُومِ أَمِيرٍ لَا يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ أَوْ يَسْتَحِقُّهُ وَيُضَيِّقُ عَلَى الْمَارَّةِ وَانْتِظَارُ الْإِقَامَةِ فِي بَيْتِهِ بَعْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ وَالْأَكْلُ فَوْقَ الشِّبَعِ لِغَيْرِ صَوْمٍ وَضَيْفٍ وَالْأَكْلُ لِغَيْرِ جُوعٍ وَتَقْبِيلُ يَدِ غَيْرِ عَالِمٍ وَصَالِحٍ وَأَبٍ وَالسَّلَامُ بِالْيَدِ وَقِيَامُ الْقَارِئِ لِغَيْرِ أَبِيهِ وَمُعَلِّمِهِ وَوَطْءُ الْحَائِضِ وَالْأَمَةِ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْثِ أَنَّ مِنْهَا سُوءَ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ وَالْحَسَدَ وَالْكِبْرَ وَالْعُجْبَ وَسَمَاعَ اللَّهْوِ وَجُلُوسَ الْجُنُبِ فِي الْمَسْجِدِ بِلَا عُذْرٍ وَالسُّكُوتَ عِنْدَ سَمَاعِ غِيبَةِ مُسْلِمٍ وَالْبُكَاءَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ وَلَطْمَ الْخُدُودِ وَإِمَامَتَهُ بِقَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ وَتَخَطِّيَ رِقَابِ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ وَإِلْقَاءَ نَجَاسَةٍ عَلَى سَطْحِهِ أَوْ عَلَى الطَّرِيقِ وَنَوْمَهُ مَعَ وَلَدِهِ وَعُمْرُهُ سَبْعُ سِنِينَ وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا انْتَهَى.
وَمِنْهَا الْخَوْضُ بِالْبَاطِلِ كَذِكْرِ تَنَعُّمِ الْمُلُوكِ وَالْأَغْنِيَاءِ وَالتَّكَلُّمُ بِمَا لَا يَعْنِيهِ وَالزِّيَادَةُ عَلَى مَا يَعْنِيهِ وَالْإِفْرَاطُ فِي الْمَدْحِ.
وَمِنْهَا الْمُتَقَعِّرُ فِي الْكَلَامِ بِالتَّشَدُّقِ وَتَكَلُّفِ السَّجْعِ وَالْفَصَاحَةِ وَالتَّصَنُّعِ فِيهِ، وَالْفُحْشُ وَالسَّبُّ وَبَذَاءَةُ اللِّسَانِ وَالْإِفْرَاطُ فِي الْمِزَاحِ وَإِفْشَاءُ السِّرِّ وَالتَّهَاوُنُ بِحَقِّ الْمَعَارِفِ وَالْأَصْدِقَاءِ وَخُلْفُ
стр. 755
الْوَعْدِ وَالْغَضَبُ لِغَيْرِ انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الدِّينِ وَضَعْفُ الْحَمِيَّةِ كَالتَّهَاوُنِ بِتَرْكِ الْمُتَعَرِّضِ لِحَرَمِهِ وَعِرْضِهِ وَتَأْخِيرُ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ عَنْ أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ وَلَكِنْ فِي الْفَتَاوَى سُقُوطُ الْعَدَالَةِ بِهِ، وَتَرْكُ الْجَمَاعَةِ اسْتِخْفَافًا وَشَغْلُ الطَّرِيقِ بِوُقُوفٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ وَالتَّعَصُّبُ وَالْمُدَاهَنَةُ وَقَوْلُ الْمُسْلِمِ لِذِمِّيٍّ يَا كَافِرُ وَالدُّعَاءُ بِمَقْعَدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِك وَبِحَقِّ فُلَانٍ (وَأَمَّا حَدُّهُمَا) فَإِذَا عُلِمَ حَدُّ الْكَبِيرَةِ عُلِمَ حَدُّ الصَّغِيرَةِ وَكَثُرَ فِيهِ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ وَزُيِّفَتْ كُلُّهَا لَكِنْ هِيَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مَا تُوُعِّدَ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأُورِدَ بِأَنَّ نَحْوَ النَّوْحِ لِلْمُصِيبَةِ صَغِيرَةٌ مَعَ وُرُودِ وَعِيدٍ وَفِي الْعَيْنِيِّ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الْحَلْوَانِيِّ هِيَ مَا كَانَ شَنِيعًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِ هَتْكُ حُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِعْلُ الْقَلْبِ الْمَذْمُومُ كَالْحَسَدِ الْمُتَعَمَّدِ عِنْدَنَا عَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ بِمُجَرَّدِهِ وَصَغِيرَةٌ إنْ صَمَّمَ وَعَزَمَ وَكَبِيرَةٌ إذَا فَعَلَ وَأَصَرَّ لَعَلَّ الْحَقَّ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ الشَّرْعِ وَلَمْ يَرِدْ حَدُّهَا وَلَا عَدُّهَا فَلَا مَطْمَعَ فِي مَعْرِفَتِهَا وَرُبَّمَا قَصَدَ الشَّرْعُ إبْهَامَهُ كَإِبْهَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ثُمَّ إنَّ الصَّغَائِرَ إنَّمَا تَكُونُ وَاحِدَةً صَغِيرَةً إذَا كَانَ مُسْتَعْظِمًا لِفِعْلِهَا خَائِفًا مِنْ عِقَابِهَا وَأَمَّا إذَا فَعَلَهَا مُتَهَاوِنًا بِهَا فَكَبِيرَةٌ كَمَا فِي الْإِحْيَاءِ وَاسْتِخْفَافُ الصَّغِيرَةِ كُفْرٌ إذَا ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ وَإِصْرَارُ الصَّغِيرَةِ غَلَبَةٌ لِلْمَعَاصِي عَلَى الطَّاعَاتِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَقِيلَ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى صَغِيرَةٍ مِنْ نَوْعٍ أَوْ أَنْوَاعٍ وَالْمَكْرُوهُ التَّحْرِيمِيُّ مِنْ الصَّغَائِرِ إلَى هُنَا مِنْ الزَّيْنِيَّةِ وَفِيهِ زِيَادَةُ تَفْصِيلٍ
(وَضِدُّهُ) أَيْ الْإِصْرَارِ (الْإِبَانَةُ وَالتَّوْبَةُ وَهِيَ الرُّجُوعُ عَنْ قَصْدِ الْمَعْصِيَةِ وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إلَيْهَا تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعَالَى وَخَوْفًا مِنْ عِقَابِهِ) لَا لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ كَالضَّرَرِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَالِهِ اعْلَمْ أَنَّهُ تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْ بَعْضٍ مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى أُخْرَى وَتَصِحُّ وَلَوْ بَعْدَ نَقْضِهَا مِرَارًا وَالْكَبِيرَةُ لَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَلَهَا مُكَفِّرَاتٌ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَالْحَجِّ وَالِاسْتِغْفَارِ وَاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَقَبُولُ التَّوْبَةِ مِنْ الْكُفْرِ قَطْعِيٌّ اتِّفَاقًا وَمِنْ الْمَعَاصِي أَيْضًا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ظَنِّيٌّ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْحَجَّ الْمَبْرُورَ لَا يُكَفِّرُ الْكَبِيرَةَ وَمُرَادُ مَنْ قَالَ بِالتَّكْفِيرِ لَيْسَ سُقُوطَ قَضَاءِ الْعِبَادَاتِ وَالْمَظَالِمِ وَالدُّيُونِ بَلْ يُكَفِّرُ إثْمَ تَأْخِيرٍ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حِينَ فَرَاغِ الْحَجِّ فَقَدْ ارْتَكَبَ الْآنَ كَبِيرَةً وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ حِفْظُهُ كَذَا فِي الزَّيْنِيَّةِ أَيْضًا وَعَنْ شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِابْنِ حَجَرٍ الْمَكِّيِّ أَنَّ حَدِيثَ تَكْفِيرِ الْحَجِّ التَّبِعَاتِ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْحُفَّاظِ بَلْ أَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى شِدَّةِ ضَعْفِهِ فَمَا فِي الْمُبَارِقِ الْمَغْفُورُ هُوَ الصَّغَائِرُ إنْ وُجِدَتْ وَإِلَّا رَجَوْنَا أَنْ يَغْفِرَ مِنْ الْكَبَائِرِ لِعُمُومِ وقَوْله تَعَالَى - ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]- وَإِنْ لَمْ يُصَادِفْهُمَا كُتِبَ بِهِ الْحَسَنَاتُ فَيَكَادُ أَنْ يَكُونَ رَأْيًا فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ لِعَدَمِ مَنْ سَبَقَهُ فِي هَذَا الْقَوْلِ بَلْ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ مَكْفَرِيَّةِ الْكَبَائِرِ بِشَيْءٍ مِنْ الْحَسَنَاتِ وَكَذَا أَيْضًا فِي الْمَبَارِقِ فِي حَدِيثِ «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» .
قَالَ شَارِحُهُ حُقُوقُ الْعِبَادِ لَا تُغْفَرُ عَنْهُمْ فَيَكُونُ التَّشْبِيهُ فِي الْخُلُوِّ عَمَّا سِوَاهَا لَكِنْ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ أَنْ يَغْفِرَ مَظَالِمَ الْحُجَّاجِ وَجَدَّ فِيهِ حَتَّى يَسْتَجِيبَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ فَضَحِكَ مُسْتَبْشِرًا» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ فِي التَّشْبِيهِ فِي الْخُلُوِّ عَنْ كُلِّ الذُّنُوبِ انْتَهَى، وَكَذَا أَيْضًا مَا فِيهِ فِي حَدِيثِ «أَمَا عَلِمْت أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ» إلَى قَوْلِهِ وَأَنَّ «الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ» رُوِيَ «عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ سَأَلَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمُزْدَلِفَةِ أَنْ يَغْفِرَ ذُنُوبَ جَمِيعِ الْحُجَّاجِ وَقَالَ فِي دُعَائِهِ حَتَّى الدِّمَاءَ وَالْمَظَالِمَ وَأَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ» .
وَكَذَا قَالَ فِي الْمُنَاوِيِّ وَفِي الْخَبَرِ أَنَّهُ يُكَفِّرُ حَتَّى الدِّمَاءَ وَالْمَظَالِمَ وَأَخَذَ بِهِ جَمْعٌ عَلَى أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُنَاوِيِّ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَهُوَ يَشْمَلُ الْكَبَائِرَ وَالتَّبِعَاتِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقُرْطُبِيُّ وَعِيَاضٌ لَكِنْ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَهُوَ مَحْمُولٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَظَالِمِ عَلَى مَنْ تَابَ وَعَجَزَ عَنْ وَفَائِهَا وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ مَخْصُوصٌ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَا الْعِبَادِ وَلَا يَسْقُطُ الْحَقُّ نَفْسُهُ بَلْ مَنْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ يَسْقُطُ عَنْهُ إثْمُ تَأْخِيرِهَا لَا نَفْسُهَا فَلَوْ أَخَّرَهَا بَعْدَهُ تَجَدَّدَ إثْمٌ آخَرُ انْتَهَى كَمَا سَمِعْت آنِفًا لَعَلَّ لَيْسَ مَعْنَى النَّصِّ
стр. 756
إذْهَابَ مُطْلَقِ الْحَسَنَةِ مُطْلَقَ السَّيِّئَةِ بَلْ لِكُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةٌ صَالِحَةٌ لِإِذْهَابِهَا كَقَضَاءِ الصَّلَاةِ مَثَلًا حَسَنَةٌ مُذْهِبَةٌ لِسَيِّئَةِ فَوْتِ الصَّلَاةِ وَكَذَا أَدَاءُ الدُّيُونِ وَهَكَذَا وَبِالْجُمْلَةِ يَعْمَلُ مَكَانَ السَّيِّئَةِ حَسَنَةٌ لَكِنْ مِنْ جِنْسِهَا وَقَضَائِهَا وَكَذَا فِي مَظَالِمِ الْعِبَادِ فَالْإِعْتَاقُ حَسَنَةٌ مَكَانَ الْقَتْلِ أَوْ حِنْثِ الْيَمِينِ وَالثَّنَاءُ وَالِاسْتِحْلَالُ حَسَنَةٌ فِي الْغِيبَةِ (وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْفَوْرِ) قَالَ فِي الزَّيْنِيَّةِ التَّوْبَةُ مِنْ الذَّنْبِ فَرِيضَةٌ عَلَى الْفَوْرِ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً فَتَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْ تَأْخِيرِ التَّوْبَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ الْوَاجِبُ التَّوْبَةُ وَالنَّدَمُ وَالِاشْتِغَالُ بِالتَّفْكِيرِ بِحَسَنَةٍ تُضَادُّهَا فَإِنْ لَمْ تُسَاعِدْهُ نَفْسُهُ عَلَى الْعَزْمِ عَلَى التَّرْكِ فَقَدْ فَاتَهُ أَحَدُ الْوَاجِبَيْنِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَفُوتَهُ الْوَاجِبُ الْآخَرُ وَهُوَ مَحْوُهَا بِالْحَسَنَةِ لِيَكُونَ مِمَّنْ خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا وَتِلْكَ الْحَسَنَاتُ إمَّا بِالْقَلْبِ كَالتَّضَرُّعِ وَطَلَبِ الْعَفْوِ وَالتَّذَلُّلِ وَإِمَّا بِاللِّسَانِ كَالِاعْتِرَافِ بِالذَّنْبِ وَإِمَّا بِالْجَوَارِحِ كَالطَّاعَاتِ وَالصَّدَقَاتِ.
وَفِي الْآثَارِ ثَمَانِيَةٌ يُرْجَى بِهَا الْعَفْوُ أَرْبَعَةٌ لِلْقَلْبِ التَّوْبَةُ وَالْعَزْمُ عَلَى التَّرْكِ وَحُبُّ الْإِقْلَاعِ عَنْهُ وَخَوْفُ الْعِقَابِ عَلَيْهِ وَأَرْبَعَةٌ مِنْ الْجَوَارِحِ وَهِيَ أَنْ يُصَلِّيَ عَقِيبَ الذَّنْبِ رَكْعَتَيْنِ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى بَعْدَهُمَا سَبْعِينَ مَرَّةً وَيَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ ثُمَّ يَتَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ثُمَّ يَصُومَ يَوْمًا كَمَا فِي الْمِفْتَاحِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١] إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ إنْ كَانَ الْأَمْرُ لِلْفَوْرِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْفَوْرِ وَإِنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ كَالشَّافِعِيِّ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] الْآيَةَ) أَيْ التَّوْبَةَ الْبَالِغَةَ فِي النُّصْحِ وَقِيلَ أَنْ يَتُوبَ ثُمَّ لَا يَعُودَ إلَى مَا تَابَ عَنْهُ أَبَدًا وَنُقِلَ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ أَنَّ فِي التَّوْبَةِ النَّصُوحِ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ قَوْلًا وَأَحْسَنُهَا مَا رَوَى أَبُو اللَّيْثِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ أَنَّهَا النَّدَمُ بِالْقَلْبِ وَالِاسْتِغْفَارُ بِاللِّسَانِ وَالْإِضْمَارُ أَنْ لَا يَعُودَ إلَيْهِ أَبَدًا وَسُئِلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَالَ تَجْمَعُهَا سِتَّةُ أَشْيَاءَ عَلَى الْمَاضِي مِنْ الذُّنُوبِ النَّدَامَةُ وَلِلْفَرَائِضِ الْإِعَادَةُ وَرَدُّ الْمَظَالِمِ وَاسْتِحْلَالُ الْخُصُومِ وَأَنْ تَعْزِمَ عَلَى أَنْ لَا تَعُودَ وَأَنْ تُذِيبَ نَفْسَك فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا رَبَّيْتهَا فِي الْمَعْصِيَةِ وَأَنْ تُذِيقَهَا مَرَارَةَ الطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتهَا حَلَاوَةَ الْمَعَاصِي ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أَيْ كَثِيرِي التَّوْبَةِ كَقَوْلِهِ ﷺ «خِيَارُكُمْ كُلُّ مُفْتَتَنٍ تَوَّابٍ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ مُمْتَحَنٍ يَمْتَحِنُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالذَّنْبِ ثُمَّ يَتُوبُ ثُمَّ يَعُودُ ثُمَّ يَتُوبُ. قَالَ بَعْضٌ رُبَّ ذَنْبٍ يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِ أَنْفَعَ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الطَّاعَاتِ مِنْ وَجَلِهِ وَإِنَابَتِهِ فَيَكُونُ تَوَّابًا يَعْنِي كُلَّمَا تَكَرَّرَ الذَّنْبُ تَكَرَّرَتْ التَّوْبَةُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمَعَاصِيَ إمَّا كُفْرٌ وَنِفَاقٌ وَارْتِدَادٌ فَتَوْبَتُهُ نِدَامٌ كَامِلٌ وَإِسْلَامٌ خَالِصٌ فَهَلْ يُثَابُ عَلَى حَسَنَاتِهِ حَالَ الْكُفْرِ بَعْدَ إسْلَامِهِ أَوْ لَا؟ قِيلَ نَعَمْ لَكِنْ بِلَا تَضْعِيفٍ بِعَشَرَةِ حَسَنَاتٍ وَقِيلَ لَا وَإِمَّا بِدْعَةٌ فِي الِاعْتِقَادِ فَتَوْبَتُهُ أَيْضًا نَدَمٌ كَامِلٌ وَاعْتِقَادُ حَقٍّ وَإِمَّا مَعَاصٍ فَرْعِيَّةٌ فَإِنْ بِتَرْكِ الْفَرَائِضِ كَالصَّلَاةِ فَفِيهِ مَعْصِيَتَانِ مَعْصِيَةُ التَّأَخُّرِ فَتَوْبَتُهُ نَدَمٌ كَامِلٌ وَمَعْصِيَةُ التَّرْكِ فَتَوْبَتُهُ قَضَاءٌ فَوْرًا فَتَأْخِيرُ الْقَضَاءِ أَيْضًا مَعْصِيَةٌ أُخْرَى فَيَتُوبُ لَهُ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يُسَاعِدْهُ وَقْتُهُ كَمَرَضِ مَوْتِهِ فَيُوصِي بِالْفِدْيَةِ.
وَأَمَّا الصَّلَاةُ الَّتِي أُدِّيَتْ بِالْكَرَاهِيَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ كَتَرْكِ تَعْدِيلِ الْأَرْكَانِ وَالطُّمَأْنِينَةِ فِي الْقَوْمَةِ وَالْجِلْسَةِ فَقَضَاؤُهَا لَيْسَ بِفَرْضٍ لَكِنْ وَاجِبٌ عَلَى مَا نَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي الْجَلَاءِ عَنْ الْهِدَايَةِ وَالْوَاقِعُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ مُعَدَّلِ الصَّلَاةِ لَهُ اللَّازِمُ هُوَ الْإِعَادَةُ فَلْيُتَأَمَّلْ وَكَذَا الصَّلَاةُ الَّتِي أَفْسَدَهَا وَلَوْ نَفْلًا ثُمَّ الزَّكَاةُ وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ وَالنُّذُورُ وَالضَّحَايَا فَتُقْضَى لَكِنْ بِلَا حِيلَةٍ إذْ الصَّحِيحُ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ فَالتَّصَدُّقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ ثُمَّ الصَّوْمُ إنْ قَضَاءً فَقَطْ أَوْ مَعَ الْكَفَّارَةِ فَكَذَا ثُمَّ الْحَجُّ فَعَلَيْهِ الْأَدَاءُ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَيُوصِي بِهِ وَإِنْ حَجَّ لِاحْتِمَالِ صُدُورِ الْكُفْرِ عَلَى مَا اخْتَارَ الْمُصَنِّفُ لَكِنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ خَفَاءٍ وَإِنْ أَفْلَسَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ فَعَلَيْهِ الْكَسْبُ أَوْ السُّؤَالُ لِلْحَجِّ وَإِنْ صَدَرَ عَنْهُ الْكُفْرُ اعْتِقَادًا أَوْ عَمَلًا أَوْ قَوْلًا فَعَلَيْهِ إعَادَةُ الْحَجِّ دُونَ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا فَلَا تَجِبُ بَعْدَ الْكُفْرِ وَإِنْ بَطَلَ ثَوَابُهَا وَإِنْ كَانَتْ الْمَعَاصِي بِفِعْلِ الْمُنْهَيَاتِ فَإِنْ مِمَّا بَيْنَهُ
стр. 757
وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى بِلَا تَعَلُّقِ حَقِّ عَبْدٍ كَالْقُعُودِ فِي الْمَسْجِدِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ جَنَابَةً وَكَلَامِ الدُّنْيَا وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ وَالْمُسَافِرِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ بِلَا وُضُوءٍ وَكَضَرْبِ الْمَلَاهِي وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا طَوْعًا فَيَتُوبُ تَوْبَةً نَصُوحًا بِلَا لُزُومِ أَنْ يَفْضَحَ نَفْسَهُ وَيَهْتِكَ وَيَلْتَمِسَ مِنْ الْوَالِي الِاسْتِيفَاءَ بَلْ يَسْتُرُ وَيُقِيمُ حُدُودَهُ تَعَالَى عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُجَاهَدَاتِ وَالضَّرَعَاتِ فِي الْخَلَوَاتِ سِيَّمَا الْأَسْحَارُ وَلَوْ رَفَعَ أَمْرَهُ إلَى الْوَالِي لِيُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ لَكَانَ أَفْضَلَ كَمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
وَإِنْ مِمَّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى بِتَعَلُّقِ حَقِّ الْحَيَوَانِ كَالْوَطْءِ وَالْقَتْلِ وَالضَّرْبِ بِلَا عُذْرٍ وَكَضَرْبِ وَجْهِهِ وَلَوْ بِعُذْرٍ وَالرُّكُوبِ وَالْحَمْلِ فَوْقَ الطَّاقَةِ وَعَدَمِ إعْطَاءِ الْعَلَفِ وَالْمَاءِ فَمُشْكِلٌ جِدًّا فَلَيْسَ لَهُ إلَّا التَّوْبَةُ النَّصُوحُ وَالتَّضَرُّعُ وَالْبُكَاءُ وَإِنْ بِمَظْلِمَةِ الْعِبَادِ فَخَمْسَةٌ مَالِيٌّ وَنَفْسِيٌّ وَعِرْضِيٌّ وَمَحْرَمِيٌّ وَدِينِيٌّ فَالْمَالِيٌّ كَالسَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ وَالْغَبْنِ وَتَرْوِيجِ زَيْفٍ وَإِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ بِالْيَدِ أَوْ بِشَهَادَةِ الزُّورِ أَوْ بِالْغَمْزِ إلَى الظَّالِمِ أَوْ بِالْحُكْمِ جَوْرًا أَوْ بِالرِّشْوَةِ وَغَيْرِهَا فَيَتُوبُ ثُمَّ يَسْتَحِلُّ وَلَوْ حَبَّةً أَوْ ذَرَّةً وَإِنْ صَدَرَ حَالَ الصِّبَا إذْ الْغَرَامَاتُ الْمَالِيَّةُ لَازِمَةٌ عَلَى الصَّبِيِّ فَإِنْ لَمْ يَسْتَرْضِهِ فِي الدُّنْيَا فَسَيُعْطِهِ فِي الْآخِرَةِ فَإِنْ مَاتَ الْمَالِكُ فَلْيُعْطِهِ إلَى وَارِثِهِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ الْمَالِكُ فَلْيُعْطِهِ إلَى الْفَقِيرِ بِنِيَّةِ وَدِيعَةٍ عِنْدَهُ تَعَالَى وَيُوصِلْهَا إلَى صَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ يَصْرِفُهُ إلَى الْمَصَالِحِ نَحْوُ الْقَنَاطِرِ وَلَوْ صَرَفَ إلَى فُقَرَاءِ الْوَالِدَيْنِ أَوْ الْمَوْلُودِينَ لَكَانَ مَعْذُورًا كَمَا قِيلَ وَإِنْ عَجَزَ فَبِمَشِيئَةِ اللَّه تَعَالَى إنْ شَاءَ يُعْطِي مِنْ حَسَنَاتِهِ أَوْ يَحْمِلُ سَيِّئَاتِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ شَاءَ يُرْضِيهِ عَنْهُ وَأَمَّا حَقُّ الْكَافِرِ إنْ لَمْ يُسْتَرْضَ فَمُشْكِلٌ جِدًّا قِيلَ يَجُوزُ إرْضَاؤُهُ تَعَالَى بِتَخْفِيفِ عَذَابِهِ وَأَمَّا النَّفْسِيُّ فَإِنْ مِمَّا يُوجِبُ الْقَوَدَ فِي النَّفْسِ أَوْ فِي الْإِفْرَاطِ فَيَتُوبُ أَوَّلًا وَيُسَلِّمُ نَفْسَهُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ ثَانِيًا إنْ شَاءَ عَفَا وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ حَقَّهُ وَإِنْ شَاءَ صَالَحَ عَلَى مَالٍ وَإِنْ مِمَّا يُوجِبُ الدِّيَةَ فَيَتُوبُ وَيُعْطِي أَيْضًا أَوْ يَسْتَحِلُّ وَأَمَّا الْعَرْضِيُّ كَالْغِيبَةِ وَالْبُهْتَانِ وَالِاسْتِهْزَاءِ وَالشَّتْمِ فَالتَّوْبَةُ وَالِاسْتِحْلَالُ وَشُرِطَ فِي الْبُهْتَانِ تَكْذِيبُ نَفْسِهِ عِنْدَ مَنْ بَهَتَهُ عِنْدَهُمْ وَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِحْلَالُ بِالْوَارِثِ فِي هَذَا النَّوْعِ.
وَأَمَّا الْمَحْرَمِيُّ كَالْخِيَانَةِ لِأَهْلِ الْغَيْرِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَيَتُوبُ وَيَسْتَحِلُّ وَإِنْ خَافَ تَهَيُّجَ فِتْنَةٍ فَيَضْرَعُ وَيَبْكِي وَيَدْعُو لِصَاحِبِ الْحَقِّ وَيَتَصَدَّقُ لَهُ وَأَمَّا الدِّينِيُّ كَالتَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ فَيَتُوبُ وَيَسْتَرْضِي وَيُكَذِّبُ نَفْسَهُ كَمَا مَرَّ وَاعْلَمْ أَنَّ فِيمَا ذُكِرَ كُلُّهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوقِ يَقِينًا فَيَعْمَلُ بِغَلَبَةِ ظَنِّهِ مِنْ أَوَانِ الْبُلُوغِ أَوْ أَنَّ الْوُجُوبَ فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ إلَى أَوَانِ التَّوْبَةِ ثُمَّ الِاسْتِحْلَالُ الْمُبْهَمُ لَا يَكْفِي عِنْدَ الْغَزَالِيِّ وَيَكْفِي عَلَى الْأَصَحِّ عَلَى مَا فِي الْفَتَاوَى وَفِي الْخُلَاصَةِ قَالَ حَلِّلْنِي مِنْ كُلِّ حَقٍّ لَك عَلَيَّ فَأَبْرَأَهُ فَإِنْ عَلِمَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ بَرِئَ مُطْلَقًا بِالْإِجْمَاعِ وَإِلَّا فَبَرِئَ قَضَاءً إجْمَاعًا.
وَأَمَّا دِيَانَةً فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَبْرَأُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَبْرَأُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَلِهَذَا قِيلَ الِاسْتِحْلَالُ الْمُبْهَمُ مِنْ خَوَاصِّ هَذِهِ الْأَمَةِ قَالَ رَجُلٌ لَهُ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ فَقَالَ الْمَدْيُونُ أَبْرِئْنِي مِمَّا عَلَيَّ فَقَالَ أَبْرَأْتُك قَالَ النَّضْرُ لَا يَبْرَأُ إلَّا مِقْدَارَ مَا يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ يَبْرَأُ مِنْ الْكُلِّ وَعَنْ أَبِي اللَّيْثِ مَا قَالَهُ النَّضْرُ حُكْمُ الْآخِرَةِ وَمَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ حُكْمُ الْقَضَاءِ قَالَ أَبْرَأْت جَمِيعَ غُرَمَائِي أَوْ كُلَّ غَرِيمٍ لِي فَهُوَ حِلٌّ أَوْ لَيْسَ لِي بِالدَّيْنِ شَيْءٌ لَا يَبْرَأُ وَقِيلَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ يَبْرَأُ وَتَمَامُ ذَلِكَ قُبَيْلَ الثُّلُثَيْنِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ لِلتَّتَارْخَانِيَّةِ اعْلَمْ أَنَّ الْأَفْضَلَ هُوَ الْإِبْرَاءُ لَا سِيَّمَا الْمُعْسِرَةُ.
وَلِذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ» (هق. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَالَ التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» فِي مُجَرَّدِ الْخُلُوِّ عَنْ الْإِثْمِ لَا فِي الْمَرْتَبَةِ وَلَكِنْ فِي الزَّيْنِيَّةِ عَنْ جَابِرٍ التَّائِبُ عِنْدَ اللَّهِ بِمَنْزِلَةِ الشَّهِيدِ
стр. 758
(وَالْمُسْتَغْفِرُ مِنْ الذَّنْبِ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ) بِعَدَمِ النَّدَمِ (كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ) لِأَنَّهُ كَذَبَ فَمُحْتَاجٌ إلَى تَوْبَةٍ أُخْرَى.
قَالَ ذُو النُّونِ الِاسْتِغْفَارُ مِنْ غَيْرِ إقْلَاعٍ تَوْبَةٌ الْكَذَّابِينَ فَمَنْ قَالَ بِلِسَانِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَقَلْبُهُ مُصِرٌّ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَاسْتِغْفَارُهُ يَحْتَاجُ إلَى اسْتِغْفَارٍ آخَرَ - لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا قَدْ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك سَرِيعًا قَالَ يَا هَذَا إنَّ سُرْعَةَ اللِّسَانِ بِالِاسْتِغْفَارِ تَوْبَةُ الْكَذَّابِينَ فَلْيُتَأَمَّلْ (حب عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ) وَصْفُهُ (أَنَّهُ قَالَ قُلْت لِأَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «النَّدَمُ تَوْبَةٌ» قَالَ) أَيْ أَنَسٌ (نَعَمْ) قِيلَ مِنْ قَبِيلِ «الْحَجُّ عَرَفَةَ» أَيْ مُعْظَمُ أَرْكَانِهَا النَّدَمُ وَقِيلَ يَكْفِي النَّدَمُ الْمُجَرَّدُ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ (حك. عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -)
وَعَنْ أَبَوَيْهَا
стр. 759
(عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَا عَلِمَ اللَّهُ مِنْ عَبْدٍ نَدَامَةً عَلَى ذَنْبٍ إلَّا غَفَرَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَغْفِرَهُ مِنْهُ» بِاللِّسَانِ أَوْ مُطْلَقًا كَمَا مَرَّ آنِفًا (مج عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى يَبْلُغَ السَّمَاءَ» مِنْ الْكَثْرَةِ وَالْعَظَمَةِ «ثُمَّ تُبْتُمْ لَتَابَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكُمْ» لَعَلَّ هَذَا مُخْتَصٌّ بِمَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ اللَّهِ وَغَيْرِ الْكُفْرِ لِمَا فِي الزَّيْنِيَّةِ عَنْ سَلْمَانَ وَأَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - ذَنْبٌ لَا يُغْفَرُ وَذَنْبٌ لَا يُتْرَكُ وَذَنْبٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ فَأَمَّا الذَّنْبُ الَّذِي لَا يُتْرَكُ فَمَظَالِمُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَأَمَّا الذَّنْبُ الَّذِي لَا يُغْفَرُ فَالشِّرْكُ بِاَللَّهِ وَأَمَّا الذَّنْبُ الَّذِي يُغْفَرُ فَذَنْبُ الْعِبَادِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ إنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْت لَك عَلَى مَا كَانَ مِنْك وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُك عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْت لَك وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ أَنَّك لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُك بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» وَعَنْ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ فِي الْأَرْضِ أَمَانَانِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَرَفَعَ أَحَدَهُمَا فَدُونَكُمْ الْآخَرُ فَتَمَسَّكُوا بِهِ» أَمَّا الْمَرْفُوعُ فَرَسُولُ اللَّهِ ﵊ وَالْبَاقِي مِنْهُمَا فَالِاسْتِغْفَارُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]
стр. 760
(وَأَمَّا كَيْفِيَّةٌ خُرُوجِ التَّائِبِ عَنْ تَبِعَاتِ الذُّنُوبِ وَالْمَظَالِمِ فَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي جِلَاءِ الْقُلُوبِ) أَقُولُ قَدْ لَخَّصْنَا مَا فِيهِ مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ غَيْرِهِ آنِفًا (وَلْنَذْكُرْ جُمْلَةَ الْأَخْلَاقِ السَّيِّئَةِ الْمَزْبُورَةِ وَالرَّذَائِلَ الرَّدِيئَةَ الْمَذْكُورَةَ لِيَسْهُلَ حِفْظُهَا لِلطَّالِبِ كُفْرٌ بِدْعَةٌ رِيَاءٌ كِبْرٌ عُجْبٌ حَسَدٌ بُخْلٌ إسْرَافٌ جَهْلٌ كُفْرَانُ النِّعْمَةِ سَخَطُ الْقَضَاءِ جَزَعٌ أَمْنٌ يَأْسٌ حُبُّ الظَّلَمَةِ بُغْضُ الصَّالِحِينَ تَعْلِيقُ قَلْبٍ بِأَسْبَابٍ حُبُّ جَاهٍ خَوْفُ ذَمٍّ حُبُّ مَدْحٍ اتِّبَاعُ هَوًى تَقْلِيدٌ طُولُ أَمَلٍ طَمَعٌ تَذَلُّلٌ حِقْدٌ شَمَاتَةٌ عَدَاوَةٌ وَجُبْنٌ تَهَوُّرٌ غَدْرٌ خِيَانَةٌ، خُلْفُ وَعْدٍ، سُوءُ ظَنٍّ طِيَرَةٌ حُبُّ مَالٍ حُبُّ دُنْيَا حِرْصٌ سَفَهٌ بَطَالَةٌ عَجَلَةٌ تَسْوِيفُ عَمَلٍ فَظَاظَةٌ وَقَاحَةٌ حُزْنٌ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا خَوْفٌ فِيهِ، غِشٌّ فِتْنَةٌ مُدَاهَنَةٌ أُنْسٌ بِمَخْلُوقٍ خِفَّةٌ عِنَادٌ تَمَرُّدٌ صَلَفٌ نِفَاقٌ جَرْبَزَةٌ غَبَاوَةٌ شَرَهٌ خُمُودٌ إصْرَارٌ
стр. 761
وَمِنْ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ غَيْرَ مَا ذُكِرَ ضِمْنًا وَتَبَعًا الِاسْتِقَامَةُ وَهِيَ الْوَفَاءُ بِالْعُهُودِ كُلِّهَا) أَيْ عُهُودِ اللَّهِ وَعُهُودِ النَّاسِ (وَمُلَازَمَةُ الْعَدْلِ وَالتَّوَسُّطُ فِي كُلِّ الْأَمْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] وَهُوَ أَصْعَبُ الْأُمُورِ وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ السُّلَمِيُّ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَنَامِ فَقَالَ رُوِيَ عَنْك شَيَّبَتْنِي هُودٌ فَمَا الَّذِي شَيَّبَك مِنْهَا أَقَصَصُ الْأَنْبِيَاءِ وَهَلَاكُ الْأُمَمِ فَقَالَ لَا وَلَكِنْ قَوْلُهُ ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] .
وَعَنْ الْمَطَالِعِ عَنْ الْحُكَمَاءِ هِيَ خَمْسَةٌ اسْتِقَامَةُ اللِّسَانِ عَلَى الذِّكْرِ وَالثَّنَاءِ وَاسْتِقَامَةُ النَّفْسِ عَلَى الطَّاعَةِ مَعَ الْحَيَاءِ وَاسْتِقَامَةُ الْقَلْبِ عَلَى الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَاسْتِقَامَةُ الرُّوحِ عَلَى الصِّدْقِ وَالصَّفَاءِ وَاسْتِقَامَةُ السِّرِّ عَلَى التَّعْظِيمِ وَالْوَفَاءِ وَقَدْ عَرَفْت تَمَامَهَا فِيمَا مَرَّ (وَ) مِنْهَا (الْأَدَبُ وَهُوَ حِفْظُ الْحَدِّ بَيْنَ الْغُلُوِّ) مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ الْوَسَطِ (وَالْجَفَاءِ) بِتَفْرِيطِ حَدٍّ (بِمَعْرِفَةِ ضَرَرِ التَّعَدِّي) قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي حَدِيثٍ «أَدَّبَنِي رَبِّي» أَيْ عَلَّمَنِي رِيَاضَةَ النَّفْسِ وَمَحَاسِنَ الْأَخْلَاقِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ وَالْأَدَبُ مَا يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ مِنْ الْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ وَالْعُلُومِ الْمُكْتَسَبَةِ «فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِي» بِأَفْضَالِهِ عَلَيَّ بِالْعُلُومِ الْوَهْبِيَّةِ مِمَّا لَمْ يُعْطَ لِأَحَدٍ مِنْ الْبَشَرِ قَالَ بَعْضُهُمْ أَدَّبَهُ بِآدَابِ الْعُبُودِيَّةِ وَهَذَّبَهُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ الرَّبَّانِيَّةِ قَالُوا الْآدَابُ صُورَةُ الْعَقْلِ فَصَوِّرْ عَقْلَك كَيْفَ شِئْت وَالْفَضْلُ بِالْعَقْلِ وَالْأَدَبِ لَا بِالْأَصْلِ وَالنَّسَبِ لِأَنَّ مَنْ أَسَاءَ أَدَبَهُ أَضَاعَ نَسَبَهُ وَمَنْ ضَلَّ عَقْلُهُ ضَلَّ أَصْلُهُ وَحُسْنُ الْأَدَبِ يَسْتُرُ قَبِيحَ النَّسَبِ وَفِي الْعَوَارِفِ بِالْأَدَبِ يُفْهَمُ الْعِلْمُ وَبِالْعِلْمِ يَصْلُحُ الْعَمَلُ وَبِالْعَمَلِ تَنَالُ رِضَا رَبِّك وَلَمَّا وَرَدَ.
أَبُو حَفْصٍ النَّيْسَابُورِيُّ الْعِرَاقِيُّ جَاءَهُ الْجُنَيْدُ فَرَأَى أَصْحَابَهُ وُقُوفًا عَلَى رَأْسِهِ يَأْتَمِرُونَ بِأَمْرِهِ. قَالَ أَدَّبْتَ أَصْحَابَكَ أَدَبَ الْمُلُوكِ قَالَ لَا وَلَكِنْ حُسْنُ الْأَدَبِ فِي الظَّاهِرِ عُنْوَانُ حُسْنِ الْأَدَبِ فِي الْبَاطِنِ وَقَالَ الْعَارِفُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَدَدْت رِجْلِي تُجَاهَ الْكَعْبَةِ فَجَاءَتْنِي امْرَأَةٌ مِنْ الْعَارِفَاتِ فَقَالَتْ إنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا تُجَالِسْ إلَّا بِأَدَبٍ وَإِلَّا مُحِيَ اسْمُك مِنْ دِيوَانِ الْقُرْبِ وَقَالَ السَّقَطِيُّ مَدَدْت رِجْلِي لَيْلَةً فِي الْمِحْرَابِ فَنُودِيت مَا هَكَذَا تُجَالِسُ الْمُلُوكَ فَقُلْت وَعِزَّتِك لَا مَدَدْتُهَا أَبَدًا فَلَمْ يَمُدَّهَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا وَقِيلَ الْأَدَبُ اسْتِعْمَالُ مَا يُحْمَدُ قَوْلًا وَفِعْلًا وَقِيلَ الْأَخْذُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَقِيلَ الْوُقُوفُ مَعَ الْمُسْتَحْسَنَاتِ وَفِي الْجَامِعِ أَيْضًا أَدِّبُوا أَوْلَادَكُمْ عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ حُبُّ نَبِيِّكُمْ بِنَحْوِ أَنَّهُ بُعِثَ بِمَكَّةَ إلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ وَدُفِنَ بِالْمَدِينَةِ وَأَنَّهُ وَاجِبُ الطَّاعَةِ وَالْمَحَبَّةِ، وَحُبُّ أَهْلِ بَيْتِهِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَابْنَيْهِمَا أَوْ مُؤْمِنِي بَنِي هَاشِمٍ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فَإِنَّ حَمَلَةَ الْقُرْآنِ أَيْ حَفَظَتَهُ عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ الْمُدَاوِمِينَ لِتِلَاوَتِهِ الْعَامِلِينَ بِأَحْكَامِهِ يَكُونُونَ فِي ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ مَعَ أَنْبِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ الْأَدَبُ الْوَقْفُ مَعَ الْمُسْتَحْسَنَاتِ بِمَعْنَى أَنْ تُعَامِلَ اللَّهَ بِالْأَدَبِ سِرًّا وَعَلَنًا إنْ كُنْت أَدِيبًا وَإِنْ كُنْت أَعْجَمِيًّا وَعَنْ الْجَرِيرِيِّ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً مَا مَدَدْت رِجْلِي وَقْتَ جُلُوسِي فِي الْخَلْوَةِ فَإِنَّ الْأَدَبَ مَعَ اللَّهِ أَوْلَى وَعَنْ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ إذَا تَرَكَ الْعَارِفُ أَدَبَهُ مَعَ مَعْرِفَتِهِ فَقَدْ هَلَكَ مَعَ الْهَالِكِينَ وَعَنْ أَبِي عَلِيٍّ مَنْ أَسَاءَ الْأَدَبَ عَلَى الْبِسَاطِ رُدَّ إلَى الْبَابِ وَمَنْ أَسَاءَ الْأَدَبَ عَلَى الْبَابِ رُدَّ إلَى سِيَاسَةِ الدَّوَابِّ وَعَنْ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ مَنْ تَأَدَّبَ بِأَدَبِ اللَّهِ تَعَالَى صَارَ مِنْ أَهْلِ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَعَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ نَحْنُ إلَى قَلِيلٍ مِنْ الْأَدَبِ أَحْوَجُ مِنَّا إلَى كَثِيرٍ مِنْ الْعِلْمِ قِيلَ مَدَّ ابْنُ عَطَاءٍ يَوْمًا رِجْلَهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَقَالَ تَرْكُ الْأَدَبِ بَيْنَ أَهْلِ الْمَحَبَّةِ أَدَبٌ وَعَنْ الْجُنَيْدِ إذَا صَحَّتْ الْمَحَبَّةُ سَقَطَتْ شُرُوطُ الْأَدَبِ وَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ إذَا صَحَّتْ الْمَحَبَّةُ تَأَكَّدَتْ عَلَى الْمُحِبِّ مُلَازَمَةُ الْأَدَبِ وَعَنْ الثَّوْرِيِّ مَنْ لَمْ يَتَأَدَّبْ لِلْوَقْتِ فَوَقْتُهُ مَقْتٌ وَعَنْ أَبِي نَصْرٍ الْأَدَبُ ثَلَاثَةٌ أَدَبُ أَهْلِ الدُّنْيَا فِي نَحْوِ الْفَصَاحَةِ وَحِفْظِ الْعُلُومِ وَأَسْمَارِ الْمُلُوكِ وَأَشْعَارِ الْعَرَبِ وَأَدَبُ أَهْلِ الدِّينِ فِي نَحْوِ رِيَاضَةِ النُّفُوسِ وَتَأَدُّبِ الْجَوَارِحِ وَحِفْظِ الْحُدُودِ وَتَرْكُ الشَّهَوَاتِ وَأَدَبُ أَهْلِ الْخُصُوصِ فِي نَحْوِ طَهَارَةِ الْقُلُوبِ وَمُرَاعَاةِ الْأَسْرَارِ وَالْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ وَحِفْظِ الْوَقْتِ وَقِلَّةِ الِالْتِفَاتِ إلَى الْخَوَاطِرِ وَحُسْنِ الْأَدَبِ فِي مَوَاقِفِ الطَّلَبِ وَأَوْقَاتِ الْحُضُورِ وَمَقَامَاتِ الْقُرْبِ انْتَهَى كَلَامُ الْقُشَيْرِيَّةِ
стр. 762
(وَ) مِنْهَا (الْفِرَاسَةُ وَهِيَ خَاطِرٌ يَنْشَأُ مِنْ قُوَّةِ الْإِيمَانِ يَهْجُمُ عَلَى الْقَلْبِ فَيَنْفِي مَا يُضَادُّهُ قَشّ) الْقُشَيْرِيُّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ» قَالَ فِي الْفَيْضِ الْفِرَاسَةُ الِاطِّلَاعُ عَلَى مَا فِي الضَّمَائِرِ وَقِيلَ مُكَاشَفَةُ الْيَقِينِ وَمُعَايَنَةُ الْغَيْبِ وَقِيلَ سَوَاطِعُ أَنْوَارٍ تَلْمَعُ فِي الْقَلْبِ تُدْرَكُ بِهَا الْمَعَانِي وَقَالَ الرَّاغِبُ الِاسْتِدْلَال بِهَيْئَاتِ الْإِنْسَانِ وَأَشْكَالِهِ وَأَلْوَانِهِ وَأَقْوَالِهِ عَلَى أَخْلَاقِهِ وَفَضَائِلِهِ وَرَذَائِلِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]- ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣]- وَذَلِكَ ضَرْبَانِ مَا يَحْصُلُ عَنْ خَاطِرٍ لَا يُعْرَفُ سَبَبُهُ وَهُوَ مِنْ الْإِلْهَامِ وَمَا يَحْصُلُ بِإِلْهَامٍ حَالَ الْيَقَظَةِ أَوْ الْمَنَامِ وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ «فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعَالَى » أَيْ يُبْصِرُ بِعَيْنِ قَلْبِهِ الْمُشْرِقِ بِنُورِهِ تَعَالَى وَبِاسْتِنَارَةِ الْقَلْبِ تَصِحُّ الْفِرَاسَةُ قَالَ بَعْضُهُمْ مَنْ غَضَّ بَصَرَهُ عَنْ الْمَحَارِمِ وَكَفَّ نَفْسَهُ عَنْ الشَّهَوَاتِ وَعَمَّرَ بَاطِنَهُ بِالْمُرَاقَبَةِ وَتَعَوَّدَ أَكْلَ الْحَلَالِ لَمْ تُخْطِئْ فِرَاسَتُهُ.
قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ اطِّلَاعُ بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى بَعْضِ الْغُيُوبِ جَائِزٌ انْتَهَى وَمِنْ ثَمَّةَ شَرَطُوا لِحُصُولِ النُّورِ الْغَضَّ عَنْ نَظَرِ الْمَحَارِمِ فَإِنَّ الْعَبْدَ إذَا أَطْلَقَ نَظَرَهُ تَنَفَّسَتْ نَفْسُهُ الصُّعَدَاءَ فِي مِرْآةِ قَلْبِهِ فَطَمَسَتْ نُورَهَا - ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]- قَالَ عَلِيٌّ لِأَهْلِ الْكُوفَةِ يَتَرَدَّدُ بِكُمْ أَهْلُ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ فَيَسْتَغِيثُونَ بِكُمْ فَلَا يُغَاثُونَ فَكَانَ مِنْهُمْ فِي شَأْنِ الْحُسَيْنِ مَا كَانَ ثُمَّ قِيلَ فِي سَنَدِ الْحَدِيثِ مُصْعَبُ بْنُ سَلَّامٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَعَنْ ابْنِ حِبَّانَ كَثِيرُ الْغَلَطِ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ الْكُلُّ مِنْ الْفَيْضِ وَقَالَ فِي الْقُشَيْرِيَّةِ كَانَ أَبُو الْقَاسِمِ الْمُنَاوِيُّ مَرِيضًا فَعَادَهُ الْبُوشَنْجِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ الْحَدَّادُ وَاشْتَرَيَا بِنِصْفِ دِرْهَمٍ تُفَّاحًا نَسِيئَةً وَحَمَلَاهُ فَلَمَّا قَعَدَا قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ مَا هَذِهِ الظُّلْمَةُ فَخَرَجَا فَقَالَا أَيُّ شَيْءٍ فَعَلْنَا فَتَفَكَّرَا فَقَالَا لَعَلَّنَا لَمْ نُؤَدِّ ثَمَنَ التُّفَّاحِ فَأَعْطَيَا الثَّمَنَ وَعَادَا إلَيْهِ فَلَمَّا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْهِمَا قَالَ أَيُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الظُّلْمَةِ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ أَخْبِرَانِي عَنْ شَأْنِكُمَا فَذَكَرَا لَهُ الْقِصَّةَ فَقَالَ نَعَمْ كَانَ يَعْتَمِدُ كُلٌّ فِي إعْطَاءِ الثَّمَنِ عَلَى صَاحِبِهِ وَالرَّجُلُ يَسْتَحْيِ مِنْكُمَا فِي التَّقَاضِي فَكَانَ تَبَعَةً وَأَنَا السَّبَبُ وَقَدْ رَأَيْت ذَلِكَ مِنْكُمَا وَكَانَ أَبُو الْقَاسِمِ هَذَا يَدْخُلُ السُّوقَ كُلَّ يَوْمٍ يُنَادِي فَإِذَا وَقَعَ بِيَدِهِ مَا فِيهِ كِفَايَتُهُ مِنْ دَانِقٍ إلَى نِصْفِ دِرْهَمٍ خَرَجَ وَعَادَ إلَى رَأْسِ وَقْتِهِ وَمُرَاعَاةِ قَلْبِهِ وَكَانَ شَاهْ الْكَرْمَانِيّ حَادَّ الْفِرَاسَةِ لَا تُخْطِئُ فِرَاسَتُهُ وَيَقُولُ مَنْ غَضَّ بَصَرَهُ عَنْ الْمَحَارِمِ وَأَمْسَكَ نَفْسَهُ عَنْ الشَّهَوَاتِ وَعَمَّرَ بَاطِنَهُ بِدَوَامِ الْمُرَاقَبَةِ وَظَاهِرَهُ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَتَعَوَّدَ أَكْلَ الْحَلَالِ لَمْ تُخْطِئْ فِرَاسَتُهُ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَاصِمٍ إذَا جَالَسْتُمْ أَهْلَ الصِّدْقِ فَجَالِسُوا بِالصِّدْقِ فَإِنَّهُمْ جَوَاسِيسُ الْقُلُوبِ يَدْخُلُونَ فِي قُلُوبِكُمْ وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا وَأَنْتُمْ لَا تُحِسُّونَ وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ الْفِرَاسَةَ وَلَكِنْ يَتَّقِيَ الْفِرَاسَةَ مِنْ الْغَيْرِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ» وَلَمْ يَقُلْ تَفَرَّسُوا وَكَيْفَ يَصِحُّ دَعْوَى الْفِرَاسَةِ لِمَنْ هُوَ فِي مَحَلِّ اتِّقَاءِ الْفِرَاسَةِ.
وَعَنْ الزُّبَيْرِيِّ قَالَ كُنْت فِي مَسْجِدٍ بِبَغْدَادَ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَرَاءِ فَلَمْ يُفْتَحْ عَلَيَّ بِشَيْءٍ أَيَّامًا فَأَتَيْت الْخَوَاصَّ لِأَسْأَلَهُ شَيْئًا فَلَمَّا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَيَّ قَالَ الْحَاجَةُ الَّتِي جِئْت لِأَجْلِهَا يَعْلَمُهَا اللَّهُ أَمْ لَا فَقُلْت بَلَى فَقَالَ اُسْكُتْ وَلَا تُبْدِهَا لِمَخْلُوقٍ فَرَجَعْت فَلَمْ أَلْبَثْ إلَّا قَلِيلًا حَتَّى فُتِحَ عَلَيْنَا بِمَا فَوْقَ الْكِفَايَةِ الْكُلُّ مِنْ الْقُشَيْرِيَّةِ (وَ) مِنْهَا (التَّفَكُّرُ فِي نَفْسِهِ هَلْ هِيَ مُتَّصِفَةٌ بِمَعْصِيَةٍ فَيَتُوبُ عَنْهَا أَوْ مُتَعَرِّضَةٌ لَهَا فَيَحْتَرِزُ أَوْ لَا) اتِّصَافٌ بِهَا (فَيَشْكُرُ اللَّهَ عَلَى التَّوْفِيقِ وَفِي الطَّاعَاتِ) هَلْ تَرَكَ أَوْ أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا أَمْ لَا (لِيَتَدَارَكَ مَا فَاتَ مِنْهَا) وَمَا اخْتَلَّ (وَيَحْتَرِزَ عَنْ تَرْكِهَا وَيَشْكُرَ عَلَى تَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى لِمَا حَصَلَ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الطَّاعَاتِ وَبِالْجُمْلَةِ التَّفَكُّرُ إمَّا فِي الْمَعَاصِي فَيُحَاسِبُهَا صَبِيحَةَ كُلِّ يَوْمٍ مَثَلًا الْأَعْضَاءُ السَّبْعَةُ بَلْ جَمِيعُ بَدَنِهِ فَإِنْ مُلَابِسًا بِمَعْصِيَةِ فِي الْحَالِ يَتْرُكُهَا أَوْ فِي الْأَمْسِ فَيَتْرُكُ وَيَنْدَمُ وَإِنْ فِي نِيَّتِهِ التَّعَرُّضُ فِي نَهَارِهِ فَيَسْتَعِدُّ بِالِاحْتِرَازِ وَالتَّبَاعُدِ فَيُفَتِّشُ كُلَّ عُضْوٍ عُضْوٍ عَلَى الِانْفِرَادِ وَإِمَّا فِي الطَّاعَاتِ فَيَنْظُرُ أَوَّلًا فِي الْفَرَائِضِ كَيْفَ أَكْمَلَهَا أَوْ جَبَرَ
стр. 763
نُقْصَانَهَا بِالنَّوَافِلِ ثُمَّ يُفَتِّشُ كُلَّ عُضْوٍ فِي صَرْفِهِ فِيمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ.
وَأَمَّا فِي الصِّفَاتِ الْمُهْلِكَةِ الَّتِي مَحِلُّهَا الْقَلْبُ مِنْ الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ وَالْبُخْلِ وَالْكِبْرِ وَنَحْوِهَا فَيَتَأَمَّلْ مَا ذُكِرَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمُهْلِكَاتِ فَيَمْتَحِنُ قَلْبَهُ وَيَسْتَشْهِدُ بِالْعَلَامَاتِ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى ادِّعَاءِ النَّفْسِ التَّنَزُّهَ عَنْهَا ثُمَّ يُبَاشِرُ عِلَاجَهُ بِمَا مَرَّ وَأَمَّا فِي الْمُنْجِيَاتِ مِنْ نَحْوِ التَّوْبَةِ وَالنَّدَمِ وَالصَّبْرِ وَالشُّكْرِ وَلْيَتَفَكَّرْ كُلَّ يَوْمٍ فِي قَلْبِهِ وَمَا الَّذِي يَفُوزُ بِهِ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْمُقَرِّبَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا افْتَقَرَ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا فَلْيَعْلَمْ أَنَّهَا أَحْوَالٌ لَا يُثْمِرُهَا إلَّا عُلُومٌ وَأَنَّ الْعُلُومَ لَا يُثْمِرُهَا إلَّا الْأَفْكَارُ وَأَنْفَعُ الْأُمُورِ فِي هَذَا تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ بِالتَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ وَيُرَدِّدُ الْآيَةَ الَّتِي هِيَ مُحْتَاجَةٌ إلَى التَّفَكُّرِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَلَوْ مِائَةَ مَرَّةٍ وَيَتَوَقَّفُ فِي التَّأَمُّلِ وَلَوْ لَيْلَةً وَاحِدَةً فَإِنَّ تَحْتَ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَسْرَارًا لَا تُحْصَى وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيثُ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَكُلُّ كَلِمَةٍ مِنْ كَلِمَاتِهِ بَحْرٌ مِنْ بِحَارِ الْحِكْمَةِ وَلَوْ تَأَمَّلَهُ الْعَالِمُ حَقَّ التَّأَمُّلِ لَمْ يَنْقَطِعْ فِيهِ نَظَرُهُ طُولَ عُمْرِهِ فَهَذَا هُوَ طَرِيقُ التَّفَكُّرِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَدِئُ مُسْتَغْرِقَ الْوَقْتِ فِي هَذِهِ الْأَفْكَارِ حَتَّى يَصِلَ إلَى الْمَقَامَاتِ الشَّرِيفَةِ فَهَذَا التَّفَكُّرُ مَعَ كَوْنِهِ أَفْضَلَ مِنْ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ لَيْسَ غَايَةَ الْمَطْلَبِ بَلْ مَحْجُوبٌ عَنْ مَطْلَبِ الصِّدِّيقِينَ مِنْ التَّفَكُّرِ فِي جَلَالِ اللَّهِ وَجَمَالِهِ وَاسْتِغْرَاقِهِ فِيهِ بِحَيْثُ يَفْنَى عَنْ نَفْسِهِ وَالْفَنَاءُ فِي الْوَاحِدِ الْحَقِّ غَايَةُ الْمَقَاصِدِ وَعِمَارَةُ الْبَاطِنِ وَبِالْجُمْلَةِ تَعْمِيرُ الظَّاهِرِ بِالْعِبَادَاتِ لَا يُثْمِرُ إلَّا الْجَنَّةَ دُونَ الْمُجَالَسَةِ وَتَعْمِيرُ الْبَاطِنِ بِالْمُنْجِيَاتِ يُثْمِرُ الِاسْتِعْدَادَ لِلِّقَاءِ كَذَا فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ.
(وَ) التَّفَكُّرُ (فِي خَلْقِ اللَّهِ وَآيَاتِهِ فِي الْأَنْفُسِ) أَيْ فِي الذَّوَاتِ فَإِنَّ جَمِيعَ مَا فِي الْعَالَمِ مَوْجُودٌ مِثَالُهُ فِي الْإِنْسَانِ كَمَا قِيلَ
وَتَحْسِبُ أَنَّك جِرْمٌ صَغِيرٌ ... وَفِيك انْطَوَى الْعَالَمُ الْأَكْبَرُ
وَلِذَا يُقَالُ لِلْإِنْسَانِ إنَّهُ الْعَالَمُ الْأَصْغَرُ وَقِيلَ وَلْنَضْرِبْ لَك مِثَالًا مِنْ أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ لِتَقِيسَ سَائِرَهَا عَلَيْك وَهِيَ أَنَّ نَفْسَك مَخْلُوقَةٌ مِنْ نُطْفَةٍ قَذِرَةٍ أَخْرَجَهَا تَعَالَى مِنْ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ وَلِإِخْرَاجِهَا مِنْ صُلْبِ الرَّجُلِ إلَى رَحِمِ الْمَرْأَةِ أَلْقَى الْأُلْفَةَ وَالْمَحَبَّةَ بَيْنَهُمَا وَقَادَهُمَا بِسِلْسِلَةِ الشَّهْوَةِ إلَى الِاجْتِمَاعِ ثُمَّ الْخَلْقُ مِنْ النُّطْفَةِ عَلَقَةً بَيْضَاءَ مُشْرِقَةً ثُمَّ جَعَلَهَا مُضْغَةً ثُمَّ مَعَ تَشَابُهِ أَجْزَائِهَا قَسَّمَهَا إلَى الْعِظَامِ وَالْأَعْصَابِ وَالْعُرُوقِ وَالْآثَارِ وَاللَّحْمِ ثُمَّ قَدَّرَ مِنْهَا الرَّأْسَ وَشَقَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْأَنْفَ وَالْفَمَ ثُمَّ مَدَّ الْيَدَ وَالرِّجْلَ وَقَسَّمَ رُءُوسَهُمَا بِالْأَنَامِلِ وَوَضَعَ فِيهَا الْأَظْفَارَ ثُمَّ الْبَاطِنَةَ مِنْ الْقَلْبِ وَالْمَعِدَةَ وَالطِّحَالَ وَالرِّئَةَ وَالْمَثَانَةَ وَالرَّحِمَ وَالْأَمْعَاءَ كُلٌّ عَلَى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ بِعَمَلٍ مَخْصُوصٍ بِحَيْثُ لَوْ ذَهَبْنَا إلَى تَفْصِيلِهَا لَعَيِيَتْ الْقُوَى وَتَحَيَّرَتْ النُّهَى مَثَلًا كَيْفِيَّةُ إبْصَارِ الْعَيْنِ وَالسَّمْعِ وَالذَّوْقِ لَدَهَشْت مِنْ عَجَائِبِهَا الْعُقُولُ فَانْظُرْ إلَى الْحَدَقَةِ وَهِيَ مِقْدَارُ عَدَسَةٍ كَيْفَ تُحِيطُ بِنِصْفِ السَّمَاءِ دَفْعَةً مَعَ عِظَمِهَا وَانْظُرْ إلَى السَّمْعِ كَيْفَ يُدْرِكُ الْأَصْوَاتَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مَثَلًا مَجْمُوعُ عِظَامِ الْبَدَنِ مِائَتَانِ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ عَظْمًا سِوَى صِغَارِهَا وَلَوْ تَكَلَّمْنَا فِي كُلٍّ مِنْهَا لَمْ نَقْضِ مِنْ حِكْمَةِ كُلٍّ مِنْهَا عُشْرَ أَعْشَارِهَا فَضْلًا عَنْ سَائِرِهَا عَلَى نَظَرِ أَهْلِ الْبَصَائِرِ الَّذِينَ يَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى جَلَالَةِ خَلْقِهَا فَسُبْحَانَهُ مَا أَعْظَمَ شَأْنَهُ وَأَظْهَرَ بُرْهَانَهُ فَهَذِهِ عَجَائِبُ بَدَنِك الَّتِي لَا يُمْكِنُ اسْتِقْصَاؤُهَا وَأَنْتَ غَافِلٌ عَنْهَا مَشْغُولٌ بِبَطْنِك وَفَرْجِك لَا تَعْرِفُ مِنْ نَفْسِك إلَّا أَنْ تَجُوعَ فَتَأْكُلَ وَتَشْبَعَ فَتَنَامَ وَتَشْتَهِيَ فَتُجَامِعَ وَتَغْضَبَ فَتُقَاتِلَ وَيُشَارِكُك فِي ذَلِكَ الْبَهَائِمُ
وَإِنَّمَا خَاصِّيَّةُ الْإِنْسَانِ بِمَعْرِفَتِهِ تَعَالَى بِالنَّظَرِ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَجَائِبِ الْآفَاقِ وَالْأَنْفُسِ إذَا بِهَا يَدْخُلُ الْعَبْدُ فِي زُمْرَةِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَيُحْشَرُ فِي زُمْرَةِ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ (وَالْآفَاقِ) أَيْ فِي سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا لَا يَعْرِفُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى سُبْحَانَ ﴿الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦]- وَفِي الْجَامِعِ «تَفَكَّرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فِيهِ «تَفَكَّرُوا فِي الْخَلْقِ» كَالتَّفَكُّرِ فِي دَوَرَانِ الْفُلْكِ وَارْتِفَاعِ هَذَا السَّقْفِ
стр. 764
الْمَرْفُوعِ بِغَيْرِ عَمَدٍ وَمَجَارِي هَذِهِ الْبِحَارِ وَالْأَنْهَارِ وَفِي النَّصَائِحِ امْلَأْ عَيْنَيْك مِنْ زِينَةِ هَذِهِ الْكَوَاكِبِ وَأَجْلِهِمَا فِي جُمْلَةِ هَذِهِ الْعَجَائِبِ مُتَفَكِّرًا فِي قُدْرَةِ مُقَدِّرِهَا وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «تَفَكَّرُوا فِي خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْضًا كَالسَّمَوَاتِ بِكَوَاكِبِهَا وَحَرَكَتِهَا وَدَوَرَانِهَا فِي طُلُوعِهَا وَغُرُوبِهَا وَالْأَرْضِ بِمَا فِيهَا مِنْ جِبَالِهَا وَمَعَادِنِهَا وَأَنْهَارِهَا وَبِحَارِهَا وَحَيَوَانَاتِهَا وَنَبَاتِهَا وَمَا بَيْنَهُمَا وَهُوَ الْجَوُّ بِغُيُومِهِ وَأَمْطَارِهِ وَرَعْدِهِ وَبَرْقِهِ وَصَوَاعِقِهِ فَلَا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ مِنْهُ إلَّا وَلِلَّهِ تَعَالَى أُلُوفٌ مِنْ الْحِكْمَةِ فِيهَا شَاهِدَةٌ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ دَالَّةٌ عَلَى عَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ ثُمَّ قَالَ قَالُوا كَانَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ إذَا تَعَبَّدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَظَلَّتْهُ سَحَابَةٌ فَفَعَلَهُ رَجُلٌ فَلَمْ تُظِلَّهُ فَشَكَا لِأُمِّهِ فَقَالَتْ لَعَلَّك أَذْنَبْت قَالَ لَا فَقَالَتْ هَلْ نَظَرْت إلَى السَّمَاءِ فَرَدَدْت طَرْفَك غَيْرَ مُتَفَكِّرٍ فِيهَا قَالَ نَعَمْ قَالَتْ مِنْ هُنَا أَذْنَبْت فَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يُهْمِلَ التَّفَكُّرَ وَمِنْ الْجَوَائِزِ أَنْ تَرُوحَ غَدًا مَعَ الْجَنَائِزِ فَالْعَاقِلُ يَتَفَكَّرُ فِي نَهَارٍ يَحُولُ وَلَيْلٍ يَزُولُ وَشَمْسٍ تَجْرِي وَقَمَرٍ يَسْرِي وَسَحَابٍ مُكْفَهِرٍّ وَبَحْرٍ مُسْتَطِرٍ وَخَلْقٍ تَمُورُ وَوَالِدٍ يَتْلَفُ وَوَلَدٍ يَخْلُفُ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا بَاطِلًا وَإِنَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَشْوَابًا وَأَحْقَابًا وَحَشْرًا وَنَشْرًا وَثَوَابًا وَعِقَابًا وَالتَّفَكُّرُ أَرْبَعَةٌ فِكْرٌ فِي آيَاتِ اللَّهِ وَفِكْرٌ فِي خَلْقِهِ وَعَلَامَتُهُ تَوَلُّدُ الْمَحَبَّةِ وَفِكْرٌ فِي وَعْدِ اللَّهِ بِالثَّوَابِ وَعَلَامَتُهُ تَوَلُّدُ الرَّغْبَةِ وَفِكْرٌ فِي وَعِيدِهِ بِالْعَذَابِ وَعَلَامَتُهُ تَوَلُّدُ الرَّهْبَةِ وَفِكْرٌ فِي جَفَاءِ النَّفْسِ مَعَ إحْسَانِ اللَّهِ وَعَلَامَتُهُ تَوَلُّدُ الْحَيَاءِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى (حَتَّى يَزِيدَ وَيَعْظُمَ) أَيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّفَكُّرِ (مَعْرِفَةُ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ فَيَحْصُلُ فِيهِ مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعَالَى وَالشَّوْقُ إلَيْهِ وَالْأُنْسُ بِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١] اسْتِدْلَالًا وَاعْتِبَارًا وَهُوَ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ.
كَمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا عِبَادَةَ كَالتَّفَكُّرِ» ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا﴾ [آل عمران: ١٩١] أَيْ يَتَفَكَّرُونَ قَائِلِينَ ذَلِكَ وَفِي الْجَامِعِ فِكْرُ سَاعَةٍ أَيْ صَرْفُ الذِّهْنِ لَحْظَةً مِنْ الْعَبْدِ فِي تَدَبُّرِ تَقْصِيرِهِ وَتَفْرِيطِهِ فِي حُقُوقِ الْحَقِّ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ وَحُضُورِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمُحَاسَبَتِهِ وَخَوْفِ خُسْرَانِهِ وَجَوَازِهِ عَلَى الصِّرَاطِ وَشِدَّتِهِ وَحِدَّتِهِ وَنَحْوِهَا خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً بِلَا تَفَكُّرٍ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ لِأَنَّ تَفَكُّرَهُ بِنَحْوِ مَا ذُكِرَ يُقَوِّي خَوْفَهُ وَيَجْمَعُ هِمَّتَهُ وَصَارَتْ الْآخِرَةُ نُصْبَ عَيْنِهِ فَتَقَعُ الْعِبَادَةُ بِفَرَاغِ قَلْبٍ وَنَشَاطٍ وَجِدٍّ وَمَنْ قَلَّ تَفَكُّرُهُ
стр. 765
قَسَا قَلْبُهُ وَتَفَرَّقَ شَمْلُهُ وَتَتَابَعَتْ عَلَيْهِ الْغَفْلَةُ فَهُوَ وَإِنْ تَعَبَّدَ فَقَلْبُهُ هَائِجٌ بِاشْتِغَالِ الدُّنْيَا مُتَّكِلٌ عَلَى عَقْلِهِ غَيْرُ مُعْتَمِدٍ عَلَى رَبِّهِ لَا يَتَأَثَّرُ بِقَوَارِعِ التَّخْوِيفِ وَلَا يَنْزَجِرُ بِزَوَاجِرِ التَّذْكِيرِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ لَا عِبَادَةَ إلَّا بِتَفَكُّرٍ كَمَا فِي الْفَيْضِ ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] وَاعْلَمْ أَنَّ التَّفَكُّرَ قَائِدُ الْإِنْسَانِ إلَى الْخَيْرِ وَدَلِيلُهُ إذَا كَانَ صَحِيحًا مَقْصُودًا بِهِ الْفِرَارُ مِنْ الْخَلْقِ إلَى الْخَالِقِ (وَ) مِنْهَا (الصِّدْقُ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] (وَهُوَ فِي سَبْعٍ فِي الْقَوْلِ ضِدِّ الْكَذِبِ) الَّذِي هُوَ عَدَمُ مُطَابَقَةِ حُكْمِ الْخَبَرِ لِلْوَاقِعِ (وَفِي النِّيَّةِ الْإِخْلَاصُ) الَّذِي هُوَ تَجْرِيدُ قَصْدِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى (وَفِي الْوَعْدِ وَفِي الْعَزْمِ) عَلَى وَفَاءِ الْعَهْدِ (قُوَّتُهُمَا) أَيْ الْوَعْدِ وَالْعَزْمِ عَلَيْهِ (وَخُلُوُّهُمَا مِنْ الضَّعْفِ وَالتَّرَدُّدِ فِيهِ وَفِي الْوَفَاءِ تَحْقِيقُهُ وَإِنْجَازُهُ عَلَى وَفْقِ الْوَعْدِ) وَوَفْقِ (الْعَزْمِ) مِنْ غَيْرِ خُلْفٍ وَنَقْضٍ (وَفِي الْعَمَلِ مُوَافَقَتُهُ لِلْبَاطِنِ) بِلَا رِيَاءٍ (وَعَدَمَ دَلَالَتِهِ عَلَى أَمْرٍ لَمْ يَتَّصِفْ بِهِ وَفِي نَحْوِ الْخَوْفِ) كَالْفَزَعِ وَالْهَيْبَةِ (قُوَّتُهُ وَكَثْرَتُهُ) وَالصِّدِّيقُ بِكَسْرِ أَوَّلَيْهِ وَتَشْدِيدِ الثَّانِي.
(مَنْ اتَّصَفَ بِهَذِهِ جَمِيعًا) وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ وَالْأَوَّلُ أَعْنِي الْقَوْلَ يَدْخُلُ فِيهِ وَفَاءُ الْعَهْدِ وَتَرْكُ التَّعْرِيضِ لِأَنَّهُ تَفْهِيمُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ وَإِنْ صَلَحَ لِغَيْرِهِ نَعَمْ يَجُوزُ التَّعْرِيضُ فِي بَابِ تَأْدِيبِ الصَّبِيَّانِ وَالنِّسْوَانِ وَالْحَذَرِ مِنْ الظَّلَمَةِ وَالْحَرْبِ وَيَلْزَمُ مُرَاعَاةُ مَا فِي لَفْظِهِ فَلَوْ قَالَ عِنْدَ مُنَاجَاةِ رَبِّهِ ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ [الأنعام: ٧٩] الْآيَةَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ مُتَوَجِّهًا إلَيْهِ تَعَالَى وَكَذَا لَوْ قَالَ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] يَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْرِكَ أَحَدًا فِي عِبَادَتِهِ وَلَوْ نَحْوَ الرِّيَاءِ وَالثَّانِي هُوَ أَيْ الْإِخْلَاصُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُخْلِصًا وَالثَّالِثُ كَأَنْ تَقُولُ إنْ رَزَقَنِي اللَّهُ مَالًا تَصَدَّقْت بِجَمِيعِهِ أَوْ شَطْرِهِ أَوْ إنْ أَعْطَانِي وِلَايَةً عَدَلْت فَصِدْقُهَا عَدَمُ التَّرَدُّدِ عِنْدَ هَذَا الْقَوْلِ بَلْ يَجْزِمُ فَإِنْ بِمَيْلٍ وَضَعْفٍ فَلَا يَصْدُقُ عَزْمُهُ وَالرَّابِعُ أَيْ الْوَفَاءُ فَالنَّفْسُ قَدْ تَسْخُو فِي الْعَزْمِ وَالْوَعْدِ لِعَدَمِ مُؤْنَتِهِ وَعِنْدَ الْإِنْجَازِ تُخْلِفُهُ فَلَا تَصْدُقُ وَالْخَامِسُ أَيْ الْعَمَلُ بِأَنْ لَا تَدُلَّ أَعْمَالُهُ عَلَى مَا فِي بَاطِنِهِ كَمَا ذَكَرَهُ وَالسَّادِسُ أَيْ الْخَوْفُ وَكَذَا الرَّجَاءُ وَالتَّعْظِيمُ وَالزُّهْدُ وَالرِّضَا وَالْحُبُّ وَالتَّوَكُّلُ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَهُوَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الصِّدْقِ وَأَعَزُّهَا فَإِذَا غَلَبَ الشَّيْءُ وَتَمَّ يُسَمَّى صَاحِبُهُ صَادِقًا فِيهِ كَمَنْ يَخَافُ مِنْ النَّارِ صِدْقُهُ اصْفِرَارُ لَوْنِهِ وَتَغَيُّرُ عَيْشِهِ وَتَبْدِيلُ أُنْسِهِ وَحْشَةً وَرَاحَتِهِ تَعَبًا فَالصَّادِقُ فِي جَمِيعِ الْمَقَامَاتِ عَزِيزٌ جِدًّا ثُمَّ دَرَجَاتُ الصِّدْقِ لَا نِهَايَةَ لَهَا وَقَدْ يَكُونُ لِلْعَبْدِ صِدْقٌ فِي بَعْضِ أُمُورٍ دُونَ أُخَرَ فَإِنْ صَادِقًا فِي الْجَمِيعِ فَيُسَمَّى صِدِّيقًا وَهُوَ نَادِرٌ جِدًّا.
(وَ) مِنْهَا (الْمُرَابَطَةُ) الَّتِي هِيَ مُلَازَمَةُ الْخَيْرِ وَالْعُكُوفُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ (وَهِيَ رَبْطُ النَّفْسِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِخَمْسٍ الْمُشَارَطَةِ عَلَى النَّفْسِ أَوَّلًا بِتَرْكِ الْمَعَاصِي وَتَرْتِيبِ الْوَظَائِفِ وَالْأَوْرَادِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) وَقَدْ يُوقِعُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ لِعِرْفَانِهِ أَنَّ الْوَقْتَ سَيْفٌ قَاطِعٌ لَوْ لَمْ تَقْطَعْهُ بِالطَّاعَاتِ سَيَقْطَعُك بِالْفَوَاتِ (ثُمَّ الْمُرَاقَبَةُ بِمُرَاعَاةِ الْقَلْبِ لِلرَّقِيبِ) أَيْ اللَّهِ تَعَالَى لِكَوْنِهِ نَاظِرًا عَلَى عِبَادِهِ (بِاسْتِدَامَةِ الْعِلْمِ بِاطِّلَاعِ الرَّبِّ وَالنَّظَرِ إلَيْهِ) إلَى الْقَلْبِ (فِي أَثْنَاءِ الْعَمَلِ وَقَبْلَهُ وَبَعْدَهُ هَلْ يَفِي بِالْمَشْرُوطِ عَلَى وَجْهِهِ) اللَّائِقِ (أَمْ يَزِيغُ) يَمِيلُ إلَى الْبَاطِلِ (عَنْهُ) بِعَدَمِ الْإِتْيَانِ عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ اعْلَمْ أَنَّ مُرَاقَبَةَ الصِّدِّيقِينَ هِيَ مُرَاقَبَةُ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ بِأَنْ يَسْتَغْرِقَ قَلْبُهُ فِي مُلَاحَظَةِ ذِي الْجَلَالِ وَيَصِيرَ مُنْكَسِرًا تَحْتَ الْهَيْبَةِ فَلَا يَبْقَى مَعَهُ مُتَّسَعٌ لِلْغَيْرِ أَصْلًا وَتَبْقَى جَوَارِحُهُ مُتَعَطِّلَةً عَنْ التَّلَفُّتِ إلَى الْمُبَاحَاتِ فَضْلًا عَنْ الْمَحْظُورَاتِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى مُدَبِّرٍ فِي حِفْظِهَا عَلَى سُنَنِ السَّدَادِ وَمِثْلُهُ يَغْفُلُ عَنْ الْخَلْقِ بِحَيْثُ لَا يُبْصِرُ مَنْ عِنْدَهُ وَعَيْنُهُ نَاظِرٌ إلَيْهِ وَلَا يَسْمَعُ الْكَلَامَ وَلَيْسَ بِهِ صَمَمٌ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ وَأَنَّ مُرَاقَبَةَ الْمُتَوَرِّعِينَ وَهُمْ قَوْمٌ غَلَبَتْ مُطَالَعَةُ جَمَالِهِ تَعَالَى عَلَى قُلُوبِهِمْ وَظَوَاهِرِهِمْ لَكِنْ
стр. 766
لَمْ يُدْهِشْهُمْ ذَلِكَ بَلْ بَقِيَتْ قُلُوبُهُمْ عَلَى حَدِّ الِاعْتِدَالِ مُتَّسِعَةً لِلتَّلَفُّتِ إلَى الْأَحْوَالِ وَالْأَعْمَالِ وَهُمْ يَجْمَعُونَ بَيْنَ مُمَارَسَةِ الْأَعْمَالِ وَالْمُرَاقَبَةِ بِغَلَبَةِ الْحَيَاءِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فَيَثْبُتُ أَحَدُهُمْ فِيهِ وَيَفِرُّ مِنْ الْفَضِيحَةِ فِي الْقِيَامَةِ فَيَنْظُرُ قَبْلَ الْعَمَلِ إنْ لِلَّهِ فَيُمْضِيهِ أَوْ لِغَيْرِ اللَّهِ فَيَسْتَحْيِ مِنْ اللَّهِ فَيَكُفُّ عَنْهُ فَيَلُومُ نَفْسَهُ فِي رَغْبَتِهَا فِيهِ وَيَرُدُّهَا فَإِنَّهَا عَدُوَّةُ نَفْسِهِ إنْ لَمْ يَتَدَارَكْهَا اللَّهُ بِعِصْمَتِهِ ثُمَّ مُرَاقَبَةُ الطَّاعَةِ بِالْإِخْلَاصِ وَالْإِكْمَالِ وَمُرَاعَاةُ الْآدَابِ وَحِرَاسَتُهَا مِنْ الْآفَاتِ وَمُرَاقَبَةُ الْمَعْصِيَةِ بِالتَّوْبَةِ وَالنَّدَمِ وَالْحَيَاءِ وَالتَّفَكُّرِ.
وَمُرَاقَبَةُ الْمُبَاحِ بِمُرَاعَاتِ الْآدِبِ ثُمَّ بِشُهُودِ الْمُنْعِمِ فِي النِّعْمَةِ وَبِالشُّكْرِ (ثُمَّ الْمُحَاسَبَةُ بَعْدَ الْعَمَلِ) هَلْ أَتَمَّ الْمَشْرُوطَ بِشَرَائِطِهِ وَأَرْكَانِهِ (أَوْ نَقَصَ) مِنْهُ اعْلَمْ أَنَّ تَفْصِيلَ الْمُحَاسَبَةِ عَلَى مَا فِي الْمِفْتَاحِ كَالْمُرَاقَبَةِ أَنَّ التَّاجِرَ يَسْتَعِينُ بِشَرِيكِهِ فَيُشَارِطُهُ أَوَّلًا ثُمَّ يُرَاقِبُهُ ثَانِيًا ثُمَّ يُحَاسِبُهُ ثَالِثًا ثُمَّ يُعَاتِبُهُ رَابِعًا كَذَلِكَ الْعَقْلُ هُوَ التَّاجِرُ فِي مَتَاعِ الْآخِرَةِ وَشَرِيكُهُ النَّفْسُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحَاسِبَهَا لِأَنَّ كُلَّ نَفَسٍ مِنْ أَنْفَاسِ الْعُمْرِ جَوْهَرَةٌ نَفِيسَةٌ لَا عَرَضٌ يُمْكِنُ أَنْ يُشْتَرَى بِهَا كُنُوزٌ لَا تَتَنَاهَى أَبَدَ الْآبَادِ فَيَقُولُ لِلنَّفْسِ فِي صَبِيحَةِ كُلِّ يَوْمٍ مَالِي بِضَاعَةٌ إلَّا الْعُمْرَ فَمَهْمَا فَنِيَ فَقَدْ فَنِيَ رَأْسُ الْمَالِ وَوَقَعَ الْيَأْسُ مِنْ التِّجَارَةِ وَهَذَا الْيَوْمُ الْجَدِيدُ قَدْ أَمْهَلَنِي اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ وَأَنْسَأَ فِي أَجَلِي وَلَوْ تَوَفَّانِي لَأَتَمَنَّى أَنْ أَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا وَأَعْمَلَ صَالِحًا وَإِيَّاكِ ثُمَّ إيَّاكِ أَنْ تُضَيِّعِي هَذَا الْيَوْمَ فَإِنَّ كُلَّ نَفْسٍ جَوْهَرَةٌ لَا قِيمَةَ لَهَا فَهَذِهِ وَصِيَّةٌ لِنَفْسِهِ فِي أَوْقَاتِهِ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ لَهَا وَصِيَّةً فِي أَعْضَائِهِ السَّبْعَةِ وَيُسَلِّمُهَا إلَيْهَا فَإِنَّهَا رَعَايَا خَادِمَةٌ لَهَا فِي هَذِهِ التِّجَارَةِ وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ صَارَتْ سَبْعَةَ أَبْوَابٍ لِجَهَنَّمَ.
أَمَّا الْعَيْنُ فَيَحْفَظُهَا عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ بَلْ عَنْ مُطْلَقِ الْفُضُولِ ثُمَّ يَأْمُرُ بِصَرْفِهَا إلَى مَا خُلِقَتْ لَهُ وَكَذَا سَائِرُ الْأَعْضَاءِ ثُمَّ يُرَاقِبُ عِنْدَ الْعَمَلِ وَالْمُرَاقَبَةُ مِنْ مَبَادِئِ مَرْتَبَةِ الْإِحْسَانِ ثُمَّ رَأْسُ مَالِ السَّالِكِ فِي دِينِهِ الْفَرَائِضُ وَرِبْحُهُ النَّوَافِلُ وَخُسْرَانُهُ الْمَعَاصِي وَمَوْسِمُ التِّجَارَةِ جُمْلَةُ النَّهَارِ فَإِنْ وَقَعَ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ عَلَى الْكَمَالِ فَيَشْكُرُ وَيَرْغَبُ فِي مِثْلِهَا وَإِنْ فَوَّتَهَا يَقْضِي وَإِنْ أَدَّاهَا نَاقِصَةً يَجْبُرُهَا بِالنَّوَافِلِ وَإِنْ صَدَرَتْ مَعْصِيَةٌ اشْتَغَلَ بِتَعْذِيبِ النَّفْسِ وَمُعَاتَبَتِهَا لِيَتَدَارَكَهَا ثُمَّ يُحَاسِبُ نَفْسَهُ عَنْ خَوَاطِرِهِ وَقِيَامِهِ وَقُعُودِهِ وَأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَنَوْمِهِ حَتَّى عَنْ سُكُوتِهِ لِمَ سَكَتَ مَثَلًا إذَا أَكَلَ لُقْمَةً بِشُبْهَةٍ يُعَاقِبُهَا بِالْجُوعِ وَإِذَا نَظَرَ إلَى مُحَرَّمٍ يُعَاقِبُ الْعَيْنَ بِمَنْعِ النَّظَرِ وَهَكَذَا وَهَكَذَا (ثُمَّ الْمُعَاتَبَةُ وَالْمُعَاقَبَةُ) إنْ نَقَصَ مِنْهُ (بِنَحْوِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالسَّهَرِ وَالنَّذْرِ بِالتَّصَدُّقِ وَنَحْوِهِ) مِنْ الْأَفْعَالِ الشَّاقَّةِ كَالصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ وَالْحَجِّ (حَتَّى لَا يَرْجِعَ إلَيْهِ ثَانِيًا) .
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ أَعْدَى عَدُوِّك نَفْسُك الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْك وَقَدْ خُلِقَتْ أَمَّارَةً بِالسُّوءِ فَإِنْ أَهْمَلْت فِي مَنْعِهَا عَنْ شَهَوَاتِهَا شَرَدَتْ وَجَمَحَتْ وَإِنْ عَاتَبْتهَا تَكُونُ لَوَّامَةً وَعَسَى أَنْ تَصِيرَ مُطْمَئِنَّةً فَلَا تَغْفُلْ عَنْ وَعْظِهَا سَاعَةً وَقُلْ لَهَا أَنْتِ تَدَّعِينَ الْحِكْمَةَ وَالْفَطِنَةَ وَأَنْتِ الْحَمْقَاءُ أَمَا تَعْرِفِينَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَأَنَّك صَائِرَةٌ إلَى إحْدَاهُمَا فَمَالَك تَشْتَغِلِينَ بِالْهَوَى وَاللَّهْوِ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنْ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ (فَمَجْمُوعُ مَا ذَكَرَ مِنْ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ تَبَعًا) أَيْ فِي ضِمْنِ آفَاتِ الْقَلْبِ (وَأَصَالَةً) كَمَا بَعْدَ تَمَامِ ذَلِكَ (ثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ) لَعَلَّهُ تَقْسِيمٌ اسْتِقْرَائِيٌّ بَلْ جَعْلِيٌّ (إيمَانُ اعْتِقَادُ أَهْلِ السُّنَّةِ إخْلَاصٌ، إحْسَانٌ، تَوَاضُعٌ، ذِكْرٌ، مِنْهُ نَصِيحَةٌ، تَصَوُّفٌ، غَيْرَةٌ، غِبْطَةٌ، فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ سَخَاءٌ، إيثَارٌ، مُرُوءَةٌ، قُوَّةٌ، حِكْمَةٌ، شُكْرٌ، رِضًا صَبْرٌ، خَوْفٌ، مِنْ اللَّهِ حُزْنٌ لَهُ رَجَاءٌ، بُغْضٌ، فِي اللَّهِ حُبٌّ فِي اللَّهِ تَوَكُّلٌ، حُبٌّ، خُمُولٌ، اسْتِوَاءٌ، ذَمٌّ، وَمَدْحٌ، مُجَاهَدَةٌ، تَحْقِيقٌ، قِصَرُ أَمَلٍ ذِكْرُ مَوْتٍ تَفْوِيضٌ، تَسْلِيمٌ، تَمَلُّقٌ، فِي طَلَبِ الْعِلْمِ سَلَامَةٌ صَدْرٍ عَنْ حِقْدٍ شُجَاعَةٌ، حِلْمٌ، رِفْقٌ، أَمَانَةٌ، وَفَاءُ عَهْدٍ إنْجَازُ وَعْدٍ حُسْنُ ظَنٍّ زُهْدٌ، قَنَاعَةٌ، رُشْدٌ، سَعْيٌ، أَنَاةٌ، مُبَادَرَةٌ فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ رِقَّةٌ، شَفَقَةٌ، حَيَاءٌ، صَلَابَةٌ، فِي أَمْرِ الدِّينِ أُنْسٌ بِاَللَّهِ شَوْقٌ إلَيْهِ مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعَالَى وَقَارٌ، ذَكَاءٌ، عِفَّةٌ، اسْتِقَامَةٌ، أَدَبٌ، فِرَاسَةٌ،
стр. 767
تَفَكُّرٌ، صِدْقٌ، مُرَابَطَةٌ، مُشَارَطَةٌ، مُرَاقَبَةٌ، مُحَاسَبَةٌ، مُعَاتَبَةٌ، مُعَاقَبَةٌ، كَظْمُ غَيْظٍ عَفْوِيَّةٌ إرَادَةُ طُولِ حَيَاةٍ لِلْعِبَادَةِ تَوْبَةٌ، خُشُوعٌ، يَقِينٌ، عُبُودِيَّةٌ، حُرِّيَّةٌ، إرَادَةٌ.
وَلِلْمُتَقَدِّمَيْنِ وَمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي ضَبْطِ الْفَضَائِلِ وَحُدُودِهَا طَرِيقَةٌ لَا بَأْسَ أَنْ نَذْكُرَهَا) بَلْ لَا بُدَّ أَنْ نَذْكُرَهَا تَكْمِلَةً لِلْفَوَائِدِ اعْتِنَاءً بِشَأْنِ الْمَقَامِ فَإِنَّ لِكَلِمَةِ لَا بَأْسَ مَسَاغًا إلَى الْوُجُوبِ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهَا لَيْسَتْ بِكُلِّيَّةٍ فِيمَا تَرْكُهُ أَوْلَى أَوْ لِمُلَاحَظَةِ قَوْلِهِ (وَإِنْ وَقَعَ تَكْرَارٌ فِي بَعْضٍ لِعَدَمِ خُلُوِّهَا عَنْ الْفَائِدَةِ) لَكِنْ يُرَاد أَنَّ مَا تَضَمَّنَ تِلْكَ الْفَائِدَةَ يُوجِبُ أَوْلَوِيَّةَ الْإِتْيَانِ فَذِكْرُهُ أَوْلَى وَأَيْضًا اللَّائِقُ حِينَئِذٍ عَدَمُ ذِكْرِ مَا تَكَرَّرَ.
فَإِنْ قِيلَ إنَّ مَا تَكَرَّرَ يُوجِبُ أَوْلَوِيَّةَ التَّرْكِ وَالْفَائِدَةُ تُوجِبُ أَوْلَوِيَّةَ الْإِتْيَانِ فَتَعَارَضَا وَتَسَاقَطَا قُلْنَا ذَلِكَ عِنْدَ مَعْلُومِيَّةِ مُسَاوَاةِ الطَّرَفَيْنِ لَعَلَّ جَانِبَ الْفَائِدَةِ رَاجِعٌ (وَهِيَ) أَيْ الطَّرِيقَةُ الْمَذْكُورَةُ (حَصْرُ أُصُولِهَا وَتَفْرِيعُ شُعَبِ كُلٍّ مِنْهَا عَلَيْهِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ أُصُولَهَا أَرْبَعَةٌ ثَلَاثَةٌ مُفْرَدَةٌ وَهِيَ الْحِكْمَةُ) وَهِيَ مَلَكَةٌ لِلنَّفْسِ تُدْرِكُ بِهَا الصَّوَابَ مِنْ الْخَطَأِ (وَالشَّجَاعَةُ) هِيَ مَلَكَةٌ بِهَا تُقْدِمُ عَلَى أُمُورٍ يَنْبَغِي أَنْ يُقْدَمَ عَلَيْهَا (وَالْعِفَّةُ) هِيَ مَلَكَةٌ بِهَا يُبَاشَرُ الْمُشْتَهَيَاتِ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ وَالْمُرُوءَةِ (وَ) أَصْلٌ (وَاحِدٌ مُرَكَّبٌ مِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ) الْأُصُولِ الْمُفْرَدَةِ (الثَّلَاثَةِ وَهِيَ الْعَدَالَةُ) مَلَكَةٌ تَحْمِلُ عَلَى امْتِثَالِ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابِ الْمَنَاهِي وَالتَّخَلُّقِ مِمَّا يَلِيقُ بِأَمْثَالِهِ (فَشُعَبُ الْحِكْمَةِ) سَبْعٌ رَمَزَ لَهَا بِقَوْلِهِ (زَ) عَلَى حِسَابِ أَبْجَدٍ (الْأَوَّلُ صَفَاءُ الذِّهْنِ) جُودَةُ الذَّكَاءِ وَهُوَ (اسْتِعْدَادُ النَّفْسِ) لِاسْتِخْرَاجِ الْمَطْلُوبِ بِلَا تَشْوِيشٍ.
(الثَّانِي جَوْدَةُ الْفَهْمِ) وَهُوَ (صِحَّةُ الِانْتِقَالِ مِنْ الْمَلْزُومِ إلَى اللَّازِمِ) ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ لَكِنْ الْمُنَاسِبُ فِي اللَّازِمِ الْبَيِّنِ.
(الثَّالِثُ الذَّكَاءُ سُرْعَةُ اقْتِدَاحِ) إنْتَاجِ (النَّتَائِجِ) لَعَلَّ مَا يُقَالُ بِالْحَدْسِ.
(الرَّابِعُ حُسْنُ التَّصَوُّرِ) هُوَ (الْبَحْثُ عَنْ الْأَشْيَاءِ بِقَدْرِ مَا هِيَ عَلَيْهِ) بِلَا قُصُورٍ بَلْ بِكِفَايَةٍ.
(الْخَامِسُ سُهُولَةُ التَّعَلُّمِ) هُوَ (قُوَّةُ النَّفْسِ عَلَى دَرْكِ الْمَطْلُوبِ بِالْكَلَامِ بِلَا زِيَادَةِ سَعْيٍ.
السَّادِسُ الْحِفْظُ ضَبْطُ الصُّوَرِ الْمُدْرَكَةِ) بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ.
(السَّابِعُ الذُّكْرُ) بِالضَّمِّ فِي الْقَلْبِ وَبِالْكَسْرِ فِي اللِّسَانِ (اسْتِحْضَارُ الْمَحْفُوظَاتِ) الْمُودَعَةِ فِي الْحَافِظَةِ وَهِيَ أَخَصُّ مِنْ الْحِفْظِ وَهُوَ تَدَارُكُ مَا عَلِمَهُ فِي الْمَاضِي حِينَ احْتِيَاجِهِ
(وَشُعَبُ الشَّجَاعَةِ " يب ") ثِنْتَا عَشْرَةَ (الْأَوَّلُ كِبَرُ النَّفْسِ اسْتِحْقَارُ الْيَسَارِ وَالْفَقْرِ وَالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ) أَيْ اسْتِوَاءُ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ عِنْدَهُ.
(الثَّانِي الْعَفْوُ تَرْكُ الْمُجَازَاةِ بِسُهُولَةٍ مِنْ
стр. 768
النَّفْسِ مَعَ الْقُدْرَةِ) عَلَى الِانْتِقَامِ.
(الثَّالِثُ عِظَمُ الْهِمَّةِ عَدَمُ الْمُبَالَاةِ) أَيْ الِاهْتِمَامِ (بِسَعَادَةِ الدُّنْيَا وَشَقَاوَتِهَا) بَلْ هِمَّتُهُ أَدَاءُ حَقِّ الْمَوْلَى .
(الرَّابِعُ الصَّبْرُ) هُوَ قُوَّةُ مُقَاوَمَةِ الْآلَامِ وَالْأَهْوَالِ.
(الْخَامِسُ النَّجْدَةُ عَدَمُ الْجَزَعِ عِنْدَ الْمَخَاوِفِ) وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ حُصُولِ مَلَكَةِ الثَّبَاتِ حَتَّى لَا يَعْتَرِيَهُ الْجَزَعُ عِنْدَ الْمَهَالِكِ وَلَا يَصْدُرُ عَنْهُ الْأَفْعَالُ الْغَيْرُ الْمُنْتَظِمَةِ.
(السَّادِسُ الْحِلْمُ الطُّمَأْنِينَةُ عِنْدَ ثَوْرَةِ الْغَضَبِ) أَيْ شِدَّتِهِ.
(السَّابِعُ السُّكُونُ) وَهُوَ (التَّأَنِّي فِي الْخُصُومَاتِ) مَعَ الْخُصَمَاءِ (وَالْحُرُوبِ) مَعَ الْأَعْدَاءِ.
(الثَّامِنُ التَّوَاضُعُ اسْتِعْظَامُ ذَوِي الْفَضَائِلِ وَمَنْ دُونَهُ) فِي الْمَرْتَبَةِ وَتَنْزِيلُ مَنْزِلَتِهِ دُونَ مَنَازِلِهِمْ (وَفِي الْمَالِ وَالْجَاهِ التَّاسِعُ الشَّهَامَةُ) هِيَ (الْحِرْصُ عَلَى مَا) أَيْ عَلَى مُبَاشَرَةِ أُمُورٍ عَظِيمَةٍ (يُوجِبُ الذِّكْرَ الْجَمِيلَ) لِنَعْتِهِ فِيهِ (مِنْ الْعَظَائِمِ الْعَاشِرُ الِاحْتِمَالُ إتْعَابُ النَّفْسِ فِي الْحَسَنَاتِ الْحَادِيَ عَشَرَ) مِنْ شُعَبِ الشَّجَاعَةِ (الْحَمِيَّةُ) وَهِيَ (الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْحُرُمِ وَالدِّينِ مِنْ التُّهْمَةِ) فَوَقَى صَاحِبُهَا أَهْلَهُ مَوَاطِنَ التُّهْمَةِ (وَثَانِيَ عَشْرَهَا) مِنْ شُعَبِهَا (الرِّقَّةُ) وَهِيَ (التَّأَذِّي مِنْ أَذًى يَلْحَقُ الْغَيْرَ مُطْلَقًا وَشُعَبُ الْعِفَّةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ: أَحَدُهَا الْحَيَاءُ) وَهُوَ (انْحِصَارُ النَّفْسِ خَوْفَ ارْتِكَابِ الْقَبَائِحِ) قَبِيحًا شَرْعِيًّا أَوْ عَقْلِيًّا أَوْ عُرْفِيًّا إمَّا مَا يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ عَلَيْهِ أَوْ مَا لَا يُلَائِمُ الطَّبْعَ أَوْ مَا يُذَمُّ فَاعِلُهُ وَيُقَالُ لِمُبَاشِرِ الْأَوَّلِ الْعَاشِقُ وَالثَّانِي الْمَجْنُونُ وَالثَّالِثُ الْأَبْلَهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ صَاحِبَ الْحَيَاءِ يُصَانُ عَنْ هَذِهِ الْأَلْقَابِ.
(الثَّانِي الصَّبْرُ حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ مُتَابَعَةِ الْهَوَى) وَهُوَ غَيْرُ الصَّبْرِ الَّذِي هُوَ مِنْ شُعَبِ الشَّجَاعَةِ فَإِنَّهُ هُنَالِكَ مُدَافَعَةُ حُلُولِ الْآلَامِ وَالْأَهْوَالِ بِالنَّفْسِ وَهَاهُنَا مُدَافَعَةُ النَّفْسِ عَنْ مُتَابَعَةِ الْهَوَى وَلَا بُدَّ فِيهِمَا مِنْ قُوَّةِ الْمُقَاوَمَةِ.
(الثَّالِثُ الدَّعَةُ) وَهِيَ (السُّكُونُ عِنْدَ هَيَجَانِ الشَّهْوَةِ) وَلَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ مَلَكَةِ التَّثَبُّتِ.
(الرَّابِعُ النَّزَاهَةُ) وَهِيَ (اكْتِسَابُ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ مُهَانَةٍ وَلَا ظُلْمٍ وَإِنْفَاقُهُ فِي الْمَصَارِفِ الْحَمِيدَةِ) بِمَعْنَى طِيبِ الْمَدْخَلِ وَالْمَصْرِفِ.
(الْخَامِسُ الْقَنَاعَةُ) وَهِيَ (الِاقْتِصَارُ عَلَى الْكَفَافِ) بِمَعْنَى تَسْوِيَةِ الْمَدْخَلِ مَعَ الْمَخْرَجِ.
(السَّادِسُ الْوَقَارُ) وَهُوَ (التَّأَنِّي فِي التَّوَجُّهِ نَحْوَ الْمَطْلَبِ) وَأُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «التَّأَنِّي مِنْ الرَّحْمَنِ» وَالْعَجَلَةُ بِضِدِّ ذَلِكَ.
(السَّابِعُ الرِّفْقُ حُسْنُ الِانْقِيَادِ لِمَا يُؤَدِّي إلَى الْجَمِيلِ الثَّامِنُ حُسْنُ السَّمْتِ مَحَبَّةُ مَا يُكْمِلُ النُّفُوسَ
стр. 769
التَّاسِعُ الْوَرَعُ مُلَازَمَةُ الْأَعْمَالِ الْجَمِيلَةِ) بِمُوَافَقَةِ الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ وَالْمُرُوءَةِ.
(الْعَاشِرُ الْمُرُوءَةُ الرَّغْبَةُ الصَّادِقَةُ لِلنَّفْسِ فِي الْإِفَادَةِ بِقَدْرِ مَا يُمْكِنُ الْحَادِيَ عَشَرَ الِانْتِظَامُ تَقْدِيرُ الْأُمُورِ وَتَرْتِيبُهَا بِحَسَبِ الْمَصَالِحِ الثَّانِيَ عَشَرَ السَّخَاءُ إعْطَاءُ مَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَنْبَغِي وَهَذَا تَحْتَهُ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ: الْأَوَّلُ: الْكَرَمُ الْإِعْطَاءُ بِالسُّهُولَةِ وَطِيبِ النَّفْسِ.
الثَّانِي الْإِيثَارُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْكَفِّ عَنْ حَاجَتِهِ) يَعْنِي لَا يَأْكُلُ وَيُعْطِي.
(الثَّالِثُ النُّبْلُ) بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ (أَنْ يَكُونَ مَعَ السُّرُورِ الرَّابِعُ الْمُوَاسَاةُ أَنْ يَكُونَ مَعَ مُشَارَكَةِ الْأَصْدِقَاءِ) يَعْنِي فِي فِي النِّعْمَةِ بَعْدَ بَذْلِ الْمَالِ عَلَيْهِمْ.
(الْخَامِسُ السَّمَاحَةُ) بَذْلُ مَا لَا يَجِبُ تَفَضُّلًا.
(السَّادِسُ الْمُسَامَحَةُ) تَرْكُ مَا لَا يَجِبُ اسْتِيفَاؤُهُ أَيْ يَتْرُكُهُ (تَنَزُّهًا) مِثْلَ بَاعَ زَيْدٌ مِنْ عَمْرٍو فَرَسًا بِمِائَةٍ فَأَسْقَطَ مِنْ الْمِائَةِ عَشَرَةً بِلَا تَوَقُّفِ الْمُجَازَاةِ
(وَشُعَبُ الْعَدَالَةِ) أَرْبَعَةَ عَشَرَ.
(الْأَوَّلُ الصَّدَاقَةُ: الْمَحَبَّةُ الصَّادِقَةُ بِحَيْثُ لَا يَشُوبُهَا غَرَضٌ وَيُؤْثِرُ) أَيْ صَاحِبُ الصَّدَاقَةِ مَنْ يُحِبُّهُ (عَلَى نَفْسِهِ فِي الْخَيْرَاتِ) أَيْ فِي أَصْنَافِ الْأَمْوَالِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] .
(الثَّانِي الْأُلْفَةُ اتِّفَاقُ الْآرَاءِ فِي الْمُعَاوَنَةِ عَلَى تَدْبِيرِ الْمَعَاشِ) هَذَا بِمَعْنَى الْمُشَاوَرَةِ.
(الثَّالِثُ الْوَفَاءُ مُلَازَمَةُ طَرِيقِ الْمُوَاسَاةِ وَمُحَافَظَةُ عُهُودِ الْخُلَطَاءِ) بِمَعْنَى الصَّاحِبِ وَالْخَلِيطِ.
(الرَّابِعُ التَّوَدُّدُ طَلَبُ مَوَدَّةِ الْأَكْفَاءِ بِمَا يُوجِبُ ذَلِكَ) الْكُفْءُ الْمِثْلُ وَالنَّظِيرُ.
(الْخَامِسُ الْمُكَافَأَةُ مُقَابَلَةُ الْإِحْسَانِ بِمِثْلِهِ أَوْ زِيَادَةٍ السَّادِسُ حُسْنُ الشَّرِكَةِ رِعَايَةُ الْعَدْلِ فِي الْمُعَامَلَاتِ
стр. 770
السَّابِعُ حُسْنُ الْقَضَاءِ تَرْكُ النَّدَمِ وَالْمَنِّ فِي الْمُجَازَاةِ) أَيْ إذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ حَقٌّ وَأَرَادَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ بِطَرِيقِ الْمُجَازَاةِ فَلْيَتَجَنَّبْ النَّدَمَ وَالْمَنَّ فَإِنَّ الْمَنَّ مَذْمُومٌ فِي الْإِنْفَاقِ فَضْلًا عَنْ أَمْرٍ يَقْتَضِي الْمُجَازَاةَ
(الثَّامِنُ صِلَةُ الرَّحِمِ مُشَارَكَةُ ذَوِي الْقُرْبَى فِي الْخَيْرَاتِ التَّاسِعُ الشَّفَقَةُ صَرْفُ الْهِمَّةِ إلَى إزَالَةِ الْمَكْرُوهِ عَنْ النَّاسِ الْعَاشِرُ الْإِصْلَاحُ التَّوَسُّطُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْخُصُومَاتِ بِمَا يَدْفَعُهَا الْحَادِيَ عَشَرَ التَّوَكُّلُ تَرْكُ السَّعْيِ فِيمَا لَا يَسَعُهُ قُدْرَةُ الْبَشَرِ الثَّانِيَ عَشَرَ التَّسْلِيمُ الِانْقِيَادُ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَرْكُ الِاعْتِرَاضِ فِيمَا لَا يُلَائِمُ) الطَّبِيعَةَ وَالنَّفْسَ.
(الثَّالِثَ عَشَرَ الرِّضَا طِيبُ النَّفْسِ فِيمَا يُصِيبُهُ وَيَفُوتُهُ مُطْلَقًا مَعَ عَدَمِ التَّغَيُّرِ الرَّابِعَ عَشَرَ: الْعِبَادَةُ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَهْلِهِ وَامْتِثَالُ أَوَامِرِهِ وَتَرْكُ مَحَارِمِهِ فَمَجْمُوعُ الْأُصُولِ وَالشُّعَبِ خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ) فُرُوعٌ وَأَرْبَعَةٌ أُصُولٌ (وَفِيهِ) أَيْ فِيمَا نَقَلَ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ (زِيَادَةُ ثَلَاثِينَ فَضِيلَةً عَلَى مَا ذَكَرْنَا) يَعْنِي أَنَّ فِيهَا زِيَادَةَ ثَلَاثِينَ فَضِيلَةً لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُصَنِّفُ لِأَنَّهُ أَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرَهُ (وَهِيَ هَذِهِ) صَفَاءُ الذِّهْنِ جَوْدَةُ الْفَهْمِ حُسْنُ التَّصَوُّرِ سُهُولَةُ التَّعَلُّمِ الْحِفْظُ الذِّكْرُ كِبَرُ النَّفْسِ عِظَمُ الْهِمَّةِ النَّجْدَةُ السُّكُونُ الشَّهَامَةُ الِاحْتِمَالُ الْحَمِيَّةُ الدَّعَةُ النَّزَاهَةُ حُسْنُ السَّمْتِ الِانْتِظَامُ الْكَرَمُ النُّبْلُ الْمُوَاسَاةُ السَّمَاحَةُ الْمُسَامَحَةُ الصَّدَاقَةُ الْأُلْفَةُ التَّوَدُّدُ الْمُكَافَأَةُ حُسْنُ الشَّرِكَةِ حُسْنُ الْقَضَاءِ صِلَةُ الرَّحِمِ الْإِصْلَاحُ فَهِيَ سِتٌّ مِنْ شُعَبِ الْحِكْمَةِ وَسَبْعٌ مِنْ شُعَبِ الشَّجَاعَةِ وَتِسْعٌ مِنْ شُعَبِ الْعِفَّةِ وَثَمَانٍ مِنْ شُعَبِ الْعَدَالَةِ
(فَعَلَيْك أَيُّهَا السَّالِكُ بِالِاحْتِرَازِ عَنْ جَمِيعِ الْخَبَائِثِ الْمَذْكُورَةِ وَدَفْعِهَا وَحِفْظِ أَضْدَادِهَا وَ) حِفْظِ (بَاقِي الْفَضَائِلِ أَيْضًا) الْمَذْكُورَةِ بِالْأَصَالَةِ وَفِي طَرِيقَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ يَلْتَبِسُ بِك شَيْءٌ مِنْ الرَّذَائِلِ (أَوْ إزَالَتِهَا) كُلًّا أَوْ بَعْضًا مِنْهَا فِيك (وَدَفْعِهَا) إنْ يَلْتَبِسْ شَيْءٌ مِنْهَا وَتَحْصِيلِ أَضْدَادِهَا وَسَائِرِ الْفَضَائِلِ (حَتَّى) غَايَةٌ لِلْحِفْظِ (تَبْقَى) عِنْدَك فِي صُورَةِ الِاتِّصَافِ بِالْفَضَائِلِ (أَوْ تَحْصُلَ لَك) فِي صُورَةِ الِاتِّصَافِ بِالرَّذَائِلِ (تَزْكِيَةُ النَّفْسِ) بِسَبَبِ الْإِزَالَةِ (وَتَصْفِيَةُ الرُّوحِ) مِنْ كَدُورَاتِهَا (وَتَخْلِيَةُ الْقَلْبِ) بِالْمُعْجَمَةِ (وَتَحْلِيَتُهُ فَإِنَّ التَّصَوُّفَ) الْمُفَسَّرَ بِالْخُرُوجِ عَنْ كُلِّ خُلُقٍ دَنِيءٍ وَالدُّخُولُ فِي كُلِّ خُلُقٍ سَنِيٍّ (وَالطَّرِيقَةُ) الظَّاهِرُ الطَّرِيقَةُ الصُّوفِيَّةُ (عِبَارَةٌ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ)
وَقِيلَ التَّصَوُّفُ اسْتِرْسَالُ النَّفْسِ مَعَ اللَّهِ عَلَى مَا يُرِيدُ أَوْ أَنْ تَكُونَ مَعَ اللَّهِ بِلَا عَلَاقَةٍ
стр. 771
أَوْ الْأَخْذُ بِالْحَقَائِقِ وَالْيَأْسُ مِمَّا فِي أَيْدِي الْخَلَائِقِ أَوْ عَنْوَةٌ لَا صُلْحَ فِيهَا أَوْ ذِكْرٌ مَعَ اجْتِمَاعٍ وَعَمَلٌ مَعَ اتِّبَاعٍ أَوْ إبَاحَةٌ عَلَى بَابِ الْحَبِيبِ وَإِنْ طَرَدَ أَوْ وَقْتٌ فَارِغٌ وَقَلْبٌ طَيِّبٌ أَوْ الْجُلُوسُ مَعَ اللَّهِ بِلَا هَمٍّ أَوْ بِرِقَّةٍ مُحْرِقَةٍ أَوْ عِصْمَةٍ مِنْ رُؤْيَةِ الْكَوْنِ أَوْ مُوَافَقَةُ الْأَحْوَالِ وَلُزُومُ الْأَدَبِ أَوْ الِانْقِيَادُ إلَى الْحَقِّ أَوْ إسْقَاطُ الْجَاهِ وَسَوَادُ الْوَجْهِ فِي الدَّارَيْنِ كَمَا فِي الْقُشَيْرِيَّةِ لَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إنَّمَا يُوَافِقُ الْبَعْضَ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الِاسْتِلْزَامَ وَعَنْ بَعْضِ الْعَارِفِينَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ أَخَافُ عَلَيْهِ سُوءَ الْخَاتِمَةِ وَأَدْنَى النَّصِيبِ التَّصْدِيقُ بِهِ وَتَسْلِيمُهُ لِأَهْلِهِ كَمَا مَرَّ (وَخُصُوصًا سَبْعَةٌ مِنْ الرَّذَائِلِ) لِشِدَّةِ قُبْحِهَا (فَإِنَّهَا أُمَّهَاتُ الْخَبَائِثِ فَعَسَى إنْ نَجَوْت مِنْهَا) بِالتَّأْيِيدِ الْإِلَهِيِّ (أَنْ تَنْجُوَ مِنْ غَيْرِهَا) فَإِنَّ الْأُصُولَ إذَا قُطِعَتْ تَيْبَسُ الْفُرُوعُ (أَيْضًا وَهِيَ الْكُفْرُ وَالْبِدْعَةُ وَالرِّيَاءُ وَالْكِبْرُ وَالْحَسَدُ وَالْبُخْلُ وَالْإِسْرَافُ بَلْ أَزِيدُ) عَلَى التَّكَلُّمِ
(وَأَقُولُ إنْ نَجَوْت مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأُوَلِ فَلَعَلَّك تَفُوزُ وَتَنْجُو مِنْ بَاقِيهَا لِأَنَّ الْبَوَاقِيَ إمَّا أَسْبَابُهَا) أَيْ أَسْبَابُ الْأَرْبَعَةِ (أَوْ ثَمَرَاتُهَا) الْحَاصِلَةُ مِنْهَا كَالْكِبْرِ فَإِنَّهُ يُثْمِرُ الْحَسَدَ وَالرِّيَاءَ بِأَنَّهُ يُثْمِرُ الْإِسْرَافَ (أَوْ مُتَعَلِّقَاتُهَا فَزَوَالُهَا) أَيْ الْأَرْبَعَةِ (بِالتَّمَامِ يَسْتَلْزِمُ زَوَالَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ) الْبَاقِيَةِ مِنْهَا (وَالْأَوَّلَانِ) أَيْ الْكُفْرُ وَالْبِدْعَةُ (ظَاهِرًا الْفَسَادِ بَيِّنَا الْغَوَائِلِ) ظَاهِرَا الْمَهَالِكِ (غَنِيَّانِ عَنْ الْحُجَجِ وَالدَّلَائِلِ وَالْأَخِيرَانِ) الرِّيَاءُ وَالْكِبْرُ (قَدْ كَانَ أَكْثَرُ اهْتِمَامِ السَّلَفِ فِيهِمَا) قِيلَ أَيْ فِي الْوَقْتِ عَلَى قُبْحِهِمَا وَعَلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُمَا (حُكِيَ) فِي حَقِّ الرِّيَاءِ (عَنْ رَابِعَةَ الْعَدَوِيَّةِ أَنَّهَا قَالَتْ مَا ظَهَرَ مِنْ أَعْمَالِي) بَيْنَ النَّاسِ وَإِنْ فَعَلْنَهَا فِي الْخَلْوَةِ (لَا أَعُدُّهُ شَيْئًا) لِأَنَّهَا قَلَّمَا تَخْلُو عَنْ شَوْبِ الرِّيَاءِ لَعَلَّ لِهَذَا اخْتَارَ السَّادَةُ الصُّوفِيَّةُ الذِّكْرَ الْقَلْبِيَّ وَلَعَلَّ الِاحْتِجَاجَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْحِكَايَةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَقَامِ الْخَطَّابِيِّ وَإِلَّا فَلَا يَصْلُحُ مِثْلُهَا حُجَّةً وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ إظْهَارَ الْعَمَلِ وَإِخْفَاءَهُ مِمَّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ
(وَعَنْ بَعْضِهِمْ) قِيلَ هُوَ الْبِسْطَامِيُّ (قَالَ قَضَيْت صَلَاةَ ثَلَاثِينَ سَنَةً كُنْت صَلَّيْتهَا فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَذَلِكَ أَنِّي تَأَخَّرْت يَوْمًا بِعُذْرٍ) عَنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ (فَصَلَّيْت فِي الصَّفِّ الثَّانِي فَاعْتَرَتْنِي) أَيْ عَرَضَتْ لِي (خَجْلَةٌ) أَيْ حَيَاءٌ (مِنْ النَّاسِ حَيْثُ رَأَوْنِي قَدْ صَلَّيْت فِي الصَّفِّ الثَّانِي فَعَرَفْت أَنَّ نَظَرَ النَّاسِ إلَيَّ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ كَانَ يَسُرُّنِي بِسَبَبِ اسْتِرْوَاحِ نَفْسِي مِنْ حَيْثُ لَا أَشْعُرُ) أَيْ لَا أَعْلَمُ فَخِفْت مِنْ شَوْبِ الرِّيَاءِ الْخَفِيِّ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ قَضَيْت مِقْدَارَ ذَلِكَ الَّذِي صَلَّيْته فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ لُزُومَ الْقَضَاءِ فِي مِثْلِهِ وَلَوْ احْتِيَاطًا لَا يُوجَدُ فِي الْفِقْهِيَّةِ وَأَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي أَدَّيْت بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ إنَّمَا تُعَادُ فِي الْوَقْتِ وَأَمَّا الْقَضَاءُ خَارِجَهُ فَلَيْسَ بِمَعْلُومٍ عَلَى أَنَّ كَرَاهَةَ الصَّلَاةِ فِي مِثْلِهِ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ فَضْلًا عَنْ التَّحْرِيمِيَّةِ وَقَوْلُهُمْ
стр. 772
حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ إنَّمَا يَجْرِي فِيمَا يُعْلَمُ مَشْرُوعِيَّتُهُ وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ فَلَوْ لَزِمَ قَضَاءُ مِثْلِهَا وَلَوْ نَدْبًا لَنُقِلَ عَنْ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِينَ تَدَبَّرْ (وَقَالَ أَبُو يَزِيدَ الْبِسْطَامِيُّ) فِي حَقِّ الْكِبْرِ (مَا دَامَ الْعَبْدُ يَظُنُّ أَنَّ فِي الْخَلْقِ شَرًّا مِنْهُ) وَلَوْ نَحْوَ فِرْعَوْنَ كَمَا تَقَدَّمَ مَعَ أَشْكَالِهِ تَفْصِيلًا (فَهُوَ مُتَكَبِّرٌ فَقِيلَ لَهُ مَتَى يَكُونُ مُتَوَاضِعًا فَقَالَ إذَا لَمْ يَرَ لِنَفْسِهِ مَقَامًا) عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَ النَّاسِ (وَلَا حَالًا) مِنْ الْأَحْوَالِ الْمَرْضِيَّةِ، الْحَالُ: مَا يَتَحَوَّلُ وَيَنْتَقِلُ وَالْمُقَدَّمُ مَا يَقُومُ وَيَثْبُتُ لَكِنْ إذَا تَحَقَّقَا وَثَبَتَا عِنْدَهُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ عَدَمُ الرُّؤْيَةِ بَلْ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الْكَذِبَ وَكُفْرَانَ النِّعْمَةِ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ عَدَمُ جَعْلِهَا آلَةً لِلْكِبْرِ وَالرِّيَاءِ
(وَعَنْهُ) أَبِي يَزِيدَ (أَنَّهُ قَالَ كَابَدْت) الْمُكَابَدَةُ الْمَشَقَّةُ وَالتَّعَبُ (الْعِبَادَةَ ثَلَاثِينَ سَنَةً فَرَأَيْت قَائِلًا يَقُولُ لِي يَا أَبَا يَزِيدَ خَزَائِنُهُ تَعَالَى مَمْلُوءَةٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ) لِكَثْرَةِ عِبَادَةِ الْعِبَادِ (إنْ أَرَدْت الْوُصُولَ إلَيْهِ) إلَى اللَّهِ تَعَالَى (فَعَلَيْك بِالذُّلِّ وَالِاحْتِقَارِ) فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا ذَلِكَ كَانَ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا (وَعَنْ الْجُنَيْدِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي مَجْلِسِهِ لَوْلَا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ زَعِيمُ الْقَوْمِ» أَيْ أَمِيرُهُمْ وَرَئِيسُهُمْ «أَرْذَلَهُمْ» مِنْ الرَّذَالَةِ (مَا تَكَلَّمْت عَلَيْكُمْ) بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فَإِنَّ هَذَا الْمَقَامَ مَقَامُ الرَّئِيسِ وَرَئِيسُهُمْ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَرْذَلُهُمْ وَأَنَا أَرْذَلُكُمْ فَلِهَذَا تَكَلَّمْت عَلَيْكُمْ
(وَعَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ أَنَّهُ قَالَ مَا سُرِرْت فِي إسْلَامِي) أَيْ بَعْدَ تَرْكِ السَّلْطَنَةِ كَأَنَّهُ لَمْ يَعُدَّ نَفْسَهُ مُسْلِمًا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ كَذَا قِيلَ (إلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ كُنْت فِي سَفِينَةٍ فِيهَا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِضْحَاكٌ) مُبَالَغَةٌ مِنْ الضَّحِكِ (يَقُولُ كُنَّا فِي الْغَزْوِ نَأْخُذُ بِشَعْرِ الْعِلْجِ) بِالْكَسْرِ وَالسُّكُونِ كَافِرٌ غَلِيظٌ مِنْ كُفَّارِ الْعَجَمِ (فِي بِلَادِ التُّرْكِ هَكَذَا) إشَارَةً إلَى كَيْفِيَّةِ أَخْذِهِ (وَكَانَ يَأْخُذُ بِشَعْرِ رَأْسِي فَيَهُزُّنِي) أَيْ يُحَرِّكُنِي وَيَجْعَلُنِي آلَةَ ضَحِكٍ لَهُمْ (فَسَرَّنِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ السَّفِينَةِ أَحَدٌ أَحْقَرُ) مِنْ حَيْثُ الدُّنْيَا (فِي عَيْنِهِ مِنِّي) يُرَادُ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ الْقَبِيحَ مِنْهُ أَنْ يُعْلِمَهُ كَوْنَهُ عَالِمًا وَصَالِحًا فَيَفْعَلُهُ لِعِلْمِهِ وَصَلَاحِهِ فَكُفْرٌ وَإِلَّا فَأَذَى الْمُسْلِمِ مَعْصِيَةٌ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ السُّرُورُ عَلَى كُفْرِ الْغَيْرِ وَعِصْيَانِهِ وَأَنَّ الْمَرْءَ مَأْمُورٌ بِالتَّزَيُّنِ الَّذِي يُوجِبُ عَدَمَ الْمُهَانَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَوْعِهِ وَالْقَوْلُ إنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْفَتْوَى وَعَمَلُهُمْ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ التَّقْوَى غَيْرُ مَعْلُومٍ جَرْيُهُ هُنَا (وَ) ثَانِيهَا (كُنْت عَلِيلًا فِي مَسْجِدٍ) مِنْ الْمَسَاجِدِ (فَدَخَلَ الْمُؤَذِّنُ عَلَيَّ فَقَالَ لِي اُخْرُجْ) لَعَلَّهُ لِخَوْفِ سَرِقَةِ شَيْءٍ مِنْ مَتَاعِ الْمَسْجِدِ (فَلَمْ أَطِقْ) الْخُرُوجَ لِغَايَةِ الضَّعْفِ فَلَمْ يَتَرَحَّمْ (فَأَخَذَ بِرِجْلِي وَجَرَّنِي إلَى خَارِجِ الْمَسْجِدِ) فَسَرَّنِي ذَلِكَ لِلتَّحْقِيرِ وَالِاسْتِخْفَافِ
(وَ) ثَالِثُهَا (كُنْت بِالشَّامِ
стр. 773
وَعَلَيَّ فَرْوٌ فَنَظَرْت فِيهِ فَلَمْ أُمَيِّزْ بَيْنَ شَعْرِهِ وَبَيْنَ الْقَمْلِ) لِكَثْرَتِهِ وَتَدَاخُلِهِ (فَسَرَّنِي ذَلِكَ) لِاسْتِلْزَامِهِ حَقَارَةَ النَّفْسِ وَعَدَمَ الِالْتِفَاتِ إلَى الرَّوْنَقِ النَّفْسَانِيِّ وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ الْمَقْصُودَ إثْبَاتُ اهْتِمَامِ السَّلَفِ بِالْكِبْرِ أَيْ بِاحْتِرَازِهِ فَبَعْضُ الثَّلَاثَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ مُطَابَقَةً وَبَعْضُهَا الْتِزَامًا (وَعَنْهُ) أَيْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ (مَا سُرِرْت بِشَيْءٍ كَسُرُورِي فِي يَوْمٍ كُنْت جَالِسًا فَجَاءَ إنْسَانٌ وَبَالَ عَلَيَّ) وَجْهُ السُّرُورِ اسْتِلْزَامُ حَقَارَةِ نَفْسِهِ وَالْحَقَارَةُ إنَّمَا هِيَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَفِيهِ إيذَانٌ بِرُتْبَةِ النَّفْسِ وَعِظَتِهِ لِلنَّفْسِ كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهَا يَا نَفْسِي هَلْ عَرَفْت مَقَامَك وَمَنْزِلَتَك فَلَا تَتَكَبَّرِي فِي شَيْءٍ لَكِنْ لَا يَخْفَى مَا بَيْنَ الْحَصْرَيْنِ مِنْ الْمُنَافَاةِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَا عَلَى الْإِضَافِيِّ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ حَصْرِ السُّرُورِ بِأَحَدِهِمَا فِي وَقْتٍ وَبِالْآخَرِ فِي وَقْتٍ آخَرَ (وَقِيلَ مَنْ رَأَى نَفْسَهُ خَيْرًا مِنْ فِرْعَوْنَ) الَّذِي حُكِمَ بِكُفْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْقُرْآنِ أَكْثَرُ مِنْهُ ذَمًّا (فَهُوَ مُتَكَبِّرٌ) قَالُوا لِأَنَّ مَا صَدَرَ مِنْ فِرْعَوْنَ إنَّمَا صَدَرَ بِقَضَائِهِ تَعَالَى وَإِرَادَتِهِ وَخِذْلَانِهِ وَمَا صَدَرَ مِنْك إنَّمَا صَدَرَ بِتَوْفِيقِهِ تَعَالَى وَلَمْ تَكُنْ أَنْتَ مُحَصِّلًا مُؤَثِّرًا فِيمَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ الْإِيمَانِ وَالصَّلَاحِ (وَقَدْ مَرَّ وَجْهُهُ) أَقُولُ وَقَدْ مَرَّ أَيْضًا الْبَحْثُ عَلَيْهِ فِي الرَّابِعِ مِنْ الرِّيَاءِ
(وَقَوْلُ الشِّبْلِيِّ) عَطْفٌ عَلَى الْوَجْهِ (ذُلِّي) عِنْدَ أَنْفُسِي (عَطَّلَ ذُلَّ الْيَهُودِ) الَّذِي ضُرِبَ الْمَثَلُ بِهِ لِقُوَّتِهِ فِيهِمْ وَكَثْرَتِهِ قِيلَ وَلِهَذَا لَيْسَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ سُلْطَانٌ وَلَا أَمِيرٌ بِخِلَافِ سَائِرِ الْكُفَّارِ قَالُوا لِأَنَّ ذَمَّ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهُمْ فِي الْقُرْآنِ أَبْلَغُ مِنْ ذَمِّ النَّصَارَى (وَ) قَوْلُ (أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ لَوْ اجْتَمَعَ الْخَلْقُ عَلَى أَنْ يَضَعُونِي كَاتِّضَاعِي عِنْدَ نَفْسِي مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ) لِكَوْنِ ضَعَتِي غَايَةً فِي الْكَمَالِ بِحَيْثُ لَا ضِعَةَ فَوْقَهَا وَدَلَالَةُ ذَلِكَ مُطَابَقَةٌ عَلَى الضَّعَةِ وَدَلَالَتُهُ عَلَى الْمَطْلُوبِ أَيْ الْكِبْرِ إنَّمَا هِيَ بِالِالْتِزَامِ.
ثُمَّ إنَّمَا أَكْثَرَ السَّلَفُ اهْتِمَامَ الرِّيَاءِ وَالْكِبْرِ لِقُوَّةِ غَائِلَتِهِمَا وَكَثْرَةِ مَضَرَّتِهِمَا كَحَبْطِ الْأَعْمَالِ وَالنِّزَاعِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِي صِفَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِهِ تَعَالَى كَمَا سَبَقَ (وَبِالْجُمْلَةِ مَنْ تَيَقَّنَ) نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ فِي الْحَاشِيَةِ هَذَا التَّيَقُّنُ عَلَى اصْطِلَاحِ الصُّوفِيَّةِ وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى الْقَلْبِ (بِأَنَّ نَفْسَهُ أَعْدَى عَدُوِّهِ) وَلِهَذَا شُرِعَ الصَّوْمُ لِقَهْرِهَا وَصَارَتْ الْمُجَادَلَةُ وَالْمُجَاهَدَةُ مَعَهَا أَفْضَلَ الطَّاعَاتِ (لَمْ يَسْتَبْعِدْ الْفَرَحَ وَالسُّرُورَ عِنْدَ لُحُوقِ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ لَهَا) أَيْ لِلنَّفْسِ لِأَنَّ شَأْنَ الْأَعْدَاءِ لَا يَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ قَالَ سَهْلٌ مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِثْلِ مُخَالَفَةِ النَّفْسِ وَالْهَوَى وَعَنْ الْجُنَيْدِ هِيَ الدَّاعِيَةُ إلَى الْمَهَالِكِ الْمُعْنِيَةُ لِلْأَعْدَاءِ الْمُتَّبِعَةُ لِلْهَوَى الْمُنْهَمَّةُ بِأَصْنَافِ الْأَسْوَاءِ.
وَعَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْهَوَى وَطُولُ الْأَمَلِ» وَقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُ غَوَائِلِ النَّفْسِ (وَأَمَّا مَنْ اتَّخَذَهَا) لِعَدَمِ تَنْبِيهِهِ لِدَسَائِسِهَا (أَصْدَقَ أَصْدِقَائِهِ فَيُعِدُّهُ) أَيْ الْفَرَحَ وَالسُّرُورَ عِنْدَ لُحُوقِ الذُّلِّ لِنَفْسِهِ (مُمْتَنِعًا وَمُحَالًا) إذَا صَدَقَ الصَّدِيقُ لَا يَرْضَى وَلَا يُسَرُّ عِنْدَ لُحُوقِ الذُّلِّ لِصَدِيقِهِ بَلْ يَسْتَحِيلُ مِنْهُ ذَلِكَ وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ عَنْ أَبِي حَفْصٍ مَنْ لَمْ يَتَّهِمْ نَفْسَهُ عَلَى دَوَامِ الْأَوْقَاتِ وَلَمْ يُخَالِفْهَا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَلَمْ يَجُرَّهَا إلَى مَكْرُوهِهَا فِي سَائِرِ أَيَّامِهِ كَانَ مَغْرُورًا وَمَنْ نَظَرَ إلَيْهَا بِاسْتِحْسَانِ شَيْءٍ فَقَدْ أَهْلَكَهَا وَكَيْفَ يَصِحُّ لِعَاقِلٍ الرِّضَا عَنْ نَفْسِهِ وَالْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ يَقُولُ - ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]-.
[الصِّنْفُ الثَّانِي فِي آفَاتِ اللِّسَانِ وَهُوَ قِسْمَانِ]
[الْقِسْم الْأَوَّلُ فِي وُجُوبِ حِفْظِهِ]
(الصِّنْفُ الثَّانِي) مِنْ التِّسْعَةِ (فِي آفَاتِ اللِّسَانِ وَهُوَ قِسْمَانِ الْأَوَّلُ فِي وُجُوبِ حِفْظِهِ) يَحْفَظُهُ عَنْ الْمُتَكَلِّمِ فِيمَا لَا يَنْبَغِي
стр. 774
(وَعِظَمِ جُرْمِهِ) اللِّسَانُ عُضْوٌ صَغِيرٌ جِرْمُهُ، كَبِيرٌ جُرْمُهُ (إجْمَالًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ [ق: ١٨] أَيْ مَلَكٌ يَرْقُبُ عَمَلَهُ ﴿عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] مُعِدٌّ حَاضِرٌ لِكِتَابَةِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ خَفَاءِ التَّقْرِيبِ ثُمَّ الْمُرَادُ جِنْسُ الرَّقِيبِ وَالْعَتِيدِ وَإِلَّا فَفِي الْحَدِيثِ «كَاتِبُ الْحَسَنَاتِ أَمِيرٌ عَلَى كَاتِبِ السَّيِّئَاتِ فَإِذَا عَمِلَ حَسَنَةً كَتَبَهَا مَلَكُ الْيَمِينِ عَشْرًا وَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً قَالَ صَاحِبُ الْيَمِينِ لِصَاحِبِ الشِّمَالِ دَعْهُ سَبْعَ سَاعَاتٍ لَعَلَّهُ يُسَبِّحُ أَوْ يَسْتَغْفِرُ» فَإِذَا كَانَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الْعَبْدُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ مَكْتُوبًا فِي دِيوَانِهِ مُقَرَّرًا عِنْدَ حُضُورِ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ فَاللَّازِمُ لَهُ الْإِمْسَاكُ عَنْ فُضُولِ الْكَلَامِ لِئَلَّا يَعْتَرِيَهُ الْخَجْلَةُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَضْلًا عَنْ الْحَرَامِ قِيلَ يَكْتُبَانِ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَنِينَهُ فِي مَرَضِهِ وَقِيلَ لَا يَكْتُبَانِ إلَّا مَا فِيهِ أَجْرٌ أَوْ وِزْرٌ وَقِيلَ يَجْتَنِبَانِهِ عِنْدَ الْغَائِطِ وَالْجِمَاعِ.
نَقَلَ عَنْ الْعُيُونِ (ت عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تَسْتَكْفِي) أَيْ تَطْلُبُ الْكِفَايَةَ وَالِانْدِفَاعَ مِنْ شَرِّهِ وَفِي رِوَايَةٍ تُكَفِّرُ اللِّسَانَ أَيْ تَذِلُّ وَتَخْضَعُ وَالتَّكْفِيرُ هُوَ أَنْ يَنْحَنِيَ الْإِنْسَانُ وَيُطَأْطِئَ رَأْسَهُ قَرِيبًا إلَى الرُّكُوعِ كَمَا يَفْعَلُ مَنْ يُرِيدُ تَعْظِيمَ صَاحِبِهِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ (اللِّسَانَ فَتَقُولُ) أَيْ الْأَعْضَاءُ حَقِيقَةً لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ مُمْكِنٍ أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ فَوَاقِعٌ وَالتَّأْوِيلُ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ كَمَا قِيلَ الْأَصْلُ فِي النُّصُوصِ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى ظَوَاهِرِهَا أَوْ مَجَازًا بِلِسَانِ الْحَالِ (اتَّقِ اللَّهَ تَعَالَى فِينَا) أَيْ فِي حِفْظِ حُقُوقِنَا (فَإِنَّمَا نَحْنُ بِك) إنَّمَا اسْتِقَامَتُنَا عَلَى نَهْجِ الشَّرْعِ وَانْحِرَافُنَا عَنْهُ مُلَابِسٌ وَمُرْتَبِطٌ بِاسْتِقَامَتِك عَلَيْهِ وَاعْوِجَاجِك عَنْهُ (إنْ اسْتَقَمْت اسْتَقَمْنَا وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا) لَا يَخْفَى أَنَّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ.
وَشَهِدَ عَلَيْهِ الْأَثَرُ أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَصْدُقُ عَلَى الْقَلْبِ لَا اللِّسَانِ فَلَعَلَّهُ أَصَابَ مَنْ قَالَ هُنَا الْمُرَادُ بِاللِّسَانِ هُنَا الْقُوَّةُ النَّاطِقَةُ وَلِذَا كَانَ اسْتِقَامَةُ الْأَعْضَاءِ وَاعْوِجَاجُهَا تَابِعَةً لَهُ لِأَنَّهَا تَخْدِمُهُ وَتَحْتَ تَصَرُّفِهِ وَانْقِيَادِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللِّسَانَ لِأَنَّهُ مَصْدَرُ النُّطْقِ الَّذِي بِهِ الِاسْتِقَامَةُ وَالِاعْوِجَاجُ لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا وَرَدَ الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ (حَدّ) أَحْمَدُ (عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَسْتَقِيمُ إيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ» بِالْعَزْمِ عَلَى الطَّاعَاتِ وَالتَّجَنُّبِ عَنْ الْمَنْهِيَّاتِ وَالِاحْتِرَازِ عَنْ طَوَارِقِ الْغَفَلَاتِ وَتَرْكِ اللَّذَائِذِ وَالشَّهَوَاتِ وَعَدَمِ الِانْهِمَاكِ فِي الْغَرَضِ الْفَانِي مِنْ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّاتِ «وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ» أَيْ لَا تُعْلَمُ اسْتِقَامَةُ قَلْبِهِ إلَّا بِاسْتِقَامَةِ لِسَانِهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ الْأَثَرِ إلَى الْمُؤَثِّرِ فَعَدَمُ اسْتِقَامَةِ اللِّسَانِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اسْتِقَامَةِ الْقَلْبِ وَإِلَّا فَالْقَلْبُ أَمِيرٌ وَسَائِرُ الْأَعْضَاءِ مَأْمُورٌ يَعْمَلُ عَلَى نَهْجِ أَمْرِهِ فَلَا تُؤَثِّرُ اسْتِقَامَةُ اللِّسَانِ فِي اسْتِقَامَةِ الْقَلْبِ بَلْ الْأَمْرُ عَلَى عَكْسٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ مَا رَسَخَ فِي
стр. 775
اللِّسَانِ قَدْ يَعُودُ إلَى الْقَلْبِ كَمَا قَالُوا فِي الذِّكْرِ فَقَدْ يَنْقَادُ الْقَلْبُ لِمَا يَتَعَوَّدُ عَلَيْهِ اللِّسَانُ.
(ططص) الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالصَّغِيرِ (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ» لُبِّهِ وَكَمَالِهِ «حَتَّى يَخْزُنَ لِسَانَهُ» كَالشَّيْءِ الْمَحْفُوظِ فِي الْخَزِينَةِ بِأَنْ لَا يُظْهِرَهُ بِلَا احْتِيَاجٍ سِيَّمَا عَنْ أَعْرَاضِ الْخَلْقِ وَاعْتِرَاضِ الْخَالِقِ.
قَالَ فِي الْفَيْضِ أَيْ يَجْعَلُ فَمَه خِزَانَةً لِلِسَانِهِ فَلَا يَفْتَحُهُ إلَّا بِمِفْتَاحِ إذْنِ اللَّهِ وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ أَيْ يَخْزُنُ لِسَانَهُ مِمَّا كَانَ بَاطِلًا لَغْوًا عَاطِلًا فَيَخْزُنُهُ مِنْ الْبَاطِنِ خَوْفَ الْعِقَابِ وَمِنْ اللَّغْوِ وَالْهَذَيَانِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْمُبَاحِ خَوْفَ الْعِقَابِ ثُمَّ قَالَ وَاللِّسَانُ أَشْبَهُ الْأَعْضَاءِ بِالْقَلْبِ لِسُرْعَةِ حَرَكَتِهِ فَإِذَا خَفَّ بِنُطْقِهِ بِطَبْعِهِ وَسُرْعَةِ حَرَكَتِهِ أُورِثَ الْقَلْبُ سَقَمًا وَإِذَا فَسَدَ الْقَلْبُ فَسَدَ الْبَطْنُ وَالظَّاهِرُ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «لَا يَسْتَقِيمُ عَبْدٌ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ» .
(طب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَوْقُوفًا أَنَّهُ قَالَ «وَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ مَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ شَيْءٌ أَحْوَجُ إلَى طُولِ سِجْنٍ» أَيْ إلَى الْمَوْتِ «مِنْ لِسَانٍ» لِكِبَرِ جُرْمِهِ مَعَ صِغَرِ حَجْمِهِ وَكَثْرَةِ جِنَايَتِهِ وَصُعُوبَةِ حِفْظِهِ فَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا وَإِنَّ الْجَرِيمَةَ عَلَى قَدْرِ الْجُرْمِ وَرُوِيَ أَنَّ قُسَّ بْنَ سَاعِدَةَ وَأَكْتَمَ بْنَ صَيْفِيٍّ اجْتَمَعَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ كَمْ وَجَدْت فِي بَنِي آدَمَ مِنْ الْعُيُوبِ فَقَالَ مَا أَصَبْته ثَمَانِيَةُ آلَافِ عَيْبٍ وَوَجَدْت خَصْلَةً إنْ اسْتَعْمَلَهَا سَتَرَتْ الْعُيُوبَ كُلَّهَا أَعْنِي حِفْظَ اللِّسَانِ وَرُوِيَ عَنْ ذِي النُّونِ أَنَّهُ حِينَ قِيلَ لَهُ مَنْ أَصْوَنُ النَّاسِ لِنَفْسِهِ قَالَ أَمْلَكَهُمْ لِلِّسَانِ.
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ بَكَّارَ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِكُلِّ شَيْءٍ بَابَيْنِ وَجَعَلَ لِلِّسَانِ أَرْبَعَةَ أَبْوَابٍ فَالشَّفَتَانِ مِصْرَاعَانِ وَالْأَسْنَانُ مِصْرَاعَانِ (شَيْخُ هق) أَبُو الشَّيْخِ وَالْبَيْهَقِيُّ (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ فَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى» لِزِيَادَةِ تَمْكِينِ خَاطِرِهِمْ لِقُوَّةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ وَإِلَّا فَعِلْمُهُمْ مُقْتَبَسٌ مِنْهُ ﵊ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ السُّؤَالُ مَعَ عِلْمِ السَّائِلِ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَهُ وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ اسْتِفَادَةُ النَّبِيِّ مِنْ الْأُمَّةِ خُصُوصًا فِي الشَّرْعِيَّاتِ «قَالَ فَسَكَتُوا فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ» لِعَدَمِ سَبْقِيَّةِ سَمَاعِهِمْ مِنْهُ ﵊ وَلَا دَخْلَ فِيهِ لِلرَّأْيِ «قَالَ ﵊ هُوَ» أَيْ أَحَبُّ الْأَعْمَالِ «حِفْظُ اللِّسَانِ» مِنْ كُلِّ شَيْءٍ غَيْرِ خَيْرٍ فَيَلْزَمُ أَنْ تَحْفَظَ كَلَامَكَ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ وَهُوَ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِكُلِّ مَا لَوْ سَكَتَّ عَنْهُ لَمْ تَأْثَمْ وَلَمْ تَتَضَرَّرْ حَالًا أَوْ مَآلًا كَمَا حَكَيْت لِقَوْمٍ أَسْفَارَك وَمَا رَأَيْت فِيهَا مِنْ جِبَالٍ وَتِلَالٍ وَأَنْهَارٍ وَالْبِلَادَ وَأَحْوَالَهَا فَإِنَّك فِي ذَلِكَ مُضَيِّعٌ أَوْقَاتَك وَأَوْقَاتَ الْمُسْتَمِعِينَ وَمُحَاسَبٌ عَلَى عَمَلِ لِسَانِك وَإِنْ مَزَجْت بِحِكَايَاتِكَ زِيَادَةً أَوْ نُقْصَانًا وَتَزْكِيَةَ نَفْسٍ فَأَنْتَ آثِمٌ وَكَذَا صَاحِبُك، مَثَلًا إذَا سَأَلْت رَجُلًا أَنْتَ صَائِمٌ فَإِنْ سَكَتَ تَأَذَّيْت وَإِنْ قَالَ لَا كَذَبَ وَإِنْ قَالَ نَعَمْ اسْتَبْدَلَ سِرَّ عَمَلِهِ جَهْرًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ الرِّيَاءُ وَأَيْضًا يَلْزَمُ التَّوَقِّي عَنْ فُضُولِ الْكَلَامِ وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ فَإِنَّهُ مَذْمُومٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ آثِمًا كَمَا سَيَأْتِي.
وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ حِفْظَ اللِّسَانَ مِنْ أَهَمِّ الْمُهِمَّاتِ وَأَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ إذْ هُوَ تُرْجُمَانُ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ مَنْظَرُ الرَّبِّ فَلَا يَنْبَغِي لِلتُّرْجُمَانِ أَنْ يَتَكَلَّمَ إلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَإِلَّا فَيَسْتَحِقُّ الْمُعَاتَبَةَ (ت «عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الثَّقَفِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قُلْت يَا نَبِيَّ اللَّهِ حَدِّثْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ» مِنْ النَّارِ وَمِنْ النَّدَامَةِ يَوْمَ الْبَوَارِ «قَالَ»
следующие страницы →