Полный текст (1 189 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
أَوْ الْأَخْذُ بِالْحَقَائِقِ وَالْيَأْسُ مِمَّا فِي أَيْدِي الْخَلَائِقِ أَوْ عَنْوَةٌ لَا صُلْحَ فِيهَا أَوْ ذِكْرٌ مَعَ اجْتِمَاعٍ وَعَمَلٌ مَعَ اتِّبَاعٍ أَوْ إبَاحَةٌ عَلَى بَابِ الْحَبِيبِ وَإِنْ طَرَدَ أَوْ وَقْتٌ فَارِغٌ وَقَلْبٌ طَيِّبٌ أَوْ الْجُلُوسُ مَعَ اللَّهِ بِلَا هَمٍّ أَوْ بِرِقَّةٍ مُحْرِقَةٍ أَوْ عِصْمَةٍ مِنْ رُؤْيَةِ الْكَوْنِ أَوْ مُوَافَقَةُ الْأَحْوَالِ وَلُزُومُ الْأَدَبِ أَوْ الِانْقِيَادُ إلَى الْحَقِّ أَوْ إسْقَاطُ الْجَاهِ وَسَوَادُ الْوَجْهِ فِي الدَّارَيْنِ كَمَا فِي الْقُشَيْرِيَّةِ لَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إنَّمَا يُوَافِقُ الْبَعْضَ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الِاسْتِلْزَامَ وَعَنْ بَعْضِ الْعَارِفِينَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ أَخَافُ عَلَيْهِ سُوءَ الْخَاتِمَةِ وَأَدْنَى النَّصِيبِ التَّصْدِيقُ بِهِ وَتَسْلِيمُهُ لِأَهْلِهِ كَمَا مَرَّ (وَخُصُوصًا سَبْعَةٌ مِنْ الرَّذَائِلِ) لِشِدَّةِ قُبْحِهَا (فَإِنَّهَا أُمَّهَاتُ الْخَبَائِثِ فَعَسَى إنْ نَجَوْت مِنْهَا) بِالتَّأْيِيدِ الْإِلَهِيِّ (أَنْ تَنْجُوَ مِنْ غَيْرِهَا) فَإِنَّ الْأُصُولَ إذَا قُطِعَتْ تَيْبَسُ الْفُرُوعُ (أَيْضًا وَهِيَ الْكُفْرُ وَالْبِدْعَةُ وَالرِّيَاءُ وَالْكِبْرُ وَالْحَسَدُ وَالْبُخْلُ وَالْإِسْرَافُ بَلْ أَزِيدُ) عَلَى التَّكَلُّمِ
(وَأَقُولُ إنْ نَجَوْت مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأُوَلِ فَلَعَلَّك تَفُوزُ وَتَنْجُو مِنْ بَاقِيهَا لِأَنَّ الْبَوَاقِيَ إمَّا أَسْبَابُهَا) أَيْ أَسْبَابُ الْأَرْبَعَةِ (أَوْ ثَمَرَاتُهَا) الْحَاصِلَةُ مِنْهَا كَالْكِبْرِ فَإِنَّهُ يُثْمِرُ الْحَسَدَ وَالرِّيَاءَ بِأَنَّهُ يُثْمِرُ الْإِسْرَافَ (أَوْ مُتَعَلِّقَاتُهَا فَزَوَالُهَا) أَيْ الْأَرْبَعَةِ (بِالتَّمَامِ يَسْتَلْزِمُ زَوَالَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ) الْبَاقِيَةِ مِنْهَا (وَالْأَوَّلَانِ) أَيْ الْكُفْرُ وَالْبِدْعَةُ (ظَاهِرًا الْفَسَادِ بَيِّنَا الْغَوَائِلِ) ظَاهِرَا الْمَهَالِكِ (غَنِيَّانِ عَنْ الْحُجَجِ وَالدَّلَائِلِ وَالْأَخِيرَانِ) الرِّيَاءُ وَالْكِبْرُ (قَدْ كَانَ أَكْثَرُ اهْتِمَامِ السَّلَفِ فِيهِمَا) قِيلَ أَيْ فِي الْوَقْتِ عَلَى قُبْحِهِمَا وَعَلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُمَا (حُكِيَ) فِي حَقِّ الرِّيَاءِ (عَنْ رَابِعَةَ الْعَدَوِيَّةِ أَنَّهَا قَالَتْ مَا ظَهَرَ مِنْ أَعْمَالِي) بَيْنَ النَّاسِ وَإِنْ فَعَلْنَهَا فِي الْخَلْوَةِ (لَا أَعُدُّهُ شَيْئًا) لِأَنَّهَا قَلَّمَا تَخْلُو عَنْ شَوْبِ الرِّيَاءِ لَعَلَّ لِهَذَا اخْتَارَ السَّادَةُ الصُّوفِيَّةُ الذِّكْرَ الْقَلْبِيَّ وَلَعَلَّ الِاحْتِجَاجَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْحِكَايَةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَقَامِ الْخَطَّابِيِّ وَإِلَّا فَلَا يَصْلُحُ مِثْلُهَا حُجَّةً وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ إظْهَارَ الْعَمَلِ وَإِخْفَاءَهُ مِمَّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ
(وَعَنْ بَعْضِهِمْ) قِيلَ هُوَ الْبِسْطَامِيُّ (قَالَ قَضَيْت صَلَاةَ ثَلَاثِينَ سَنَةً كُنْت صَلَّيْتهَا فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَذَلِكَ أَنِّي تَأَخَّرْت يَوْمًا بِعُذْرٍ) عَنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ (فَصَلَّيْت فِي الصَّفِّ الثَّانِي فَاعْتَرَتْنِي) أَيْ عَرَضَتْ لِي (خَجْلَةٌ) أَيْ حَيَاءٌ (مِنْ النَّاسِ حَيْثُ رَأَوْنِي قَدْ صَلَّيْت فِي الصَّفِّ الثَّانِي فَعَرَفْت أَنَّ نَظَرَ النَّاسِ إلَيَّ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ كَانَ يَسُرُّنِي بِسَبَبِ اسْتِرْوَاحِ نَفْسِي مِنْ حَيْثُ لَا أَشْعُرُ) أَيْ لَا أَعْلَمُ فَخِفْت مِنْ شَوْبِ الرِّيَاءِ الْخَفِيِّ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ قَضَيْت مِقْدَارَ ذَلِكَ الَّذِي صَلَّيْته فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ لُزُومَ الْقَضَاءِ فِي مِثْلِهِ وَلَوْ احْتِيَاطًا لَا يُوجَدُ فِي الْفِقْهِيَّةِ وَأَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي أَدَّيْت بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ إنَّمَا تُعَادُ فِي الْوَقْتِ وَأَمَّا الْقَضَاءُ خَارِجَهُ فَلَيْسَ بِمَعْلُومٍ عَلَى أَنَّ كَرَاهَةَ الصَّلَاةِ فِي مِثْلِهِ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ فَضْلًا عَنْ التَّحْرِيمِيَّةِ وَقَوْلُهُمْ
стр. 772
حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ إنَّمَا يَجْرِي فِيمَا يُعْلَمُ مَشْرُوعِيَّتُهُ وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ فَلَوْ لَزِمَ قَضَاءُ مِثْلِهَا وَلَوْ نَدْبًا لَنُقِلَ عَنْ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِينَ تَدَبَّرْ (وَقَالَ أَبُو يَزِيدَ الْبِسْطَامِيُّ) فِي حَقِّ الْكِبْرِ (مَا دَامَ الْعَبْدُ يَظُنُّ أَنَّ فِي الْخَلْقِ شَرًّا مِنْهُ) وَلَوْ نَحْوَ فِرْعَوْنَ كَمَا تَقَدَّمَ مَعَ أَشْكَالِهِ تَفْصِيلًا (فَهُوَ مُتَكَبِّرٌ فَقِيلَ لَهُ مَتَى يَكُونُ مُتَوَاضِعًا فَقَالَ إذَا لَمْ يَرَ لِنَفْسِهِ مَقَامًا) عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَ النَّاسِ (وَلَا حَالًا) مِنْ الْأَحْوَالِ الْمَرْضِيَّةِ، الْحَالُ: مَا يَتَحَوَّلُ وَيَنْتَقِلُ وَالْمُقَدَّمُ مَا يَقُومُ وَيَثْبُتُ لَكِنْ إذَا تَحَقَّقَا وَثَبَتَا عِنْدَهُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ عَدَمُ الرُّؤْيَةِ بَلْ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الْكَذِبَ وَكُفْرَانَ النِّعْمَةِ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ عَدَمُ جَعْلِهَا آلَةً لِلْكِبْرِ وَالرِّيَاءِ
(وَعَنْهُ) أَبِي يَزِيدَ (أَنَّهُ قَالَ كَابَدْت) الْمُكَابَدَةُ الْمَشَقَّةُ وَالتَّعَبُ (الْعِبَادَةَ ثَلَاثِينَ سَنَةً فَرَأَيْت قَائِلًا يَقُولُ لِي يَا أَبَا يَزِيدَ خَزَائِنُهُ تَعَالَى مَمْلُوءَةٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ) لِكَثْرَةِ عِبَادَةِ الْعِبَادِ (إنْ أَرَدْت الْوُصُولَ إلَيْهِ) إلَى اللَّهِ تَعَالَى (فَعَلَيْك بِالذُّلِّ وَالِاحْتِقَارِ) فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا ذَلِكَ كَانَ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا (وَعَنْ الْجُنَيْدِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي مَجْلِسِهِ لَوْلَا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ زَعِيمُ الْقَوْمِ» أَيْ أَمِيرُهُمْ وَرَئِيسُهُمْ «أَرْذَلَهُمْ» مِنْ الرَّذَالَةِ (مَا تَكَلَّمْت عَلَيْكُمْ) بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فَإِنَّ هَذَا الْمَقَامَ مَقَامُ الرَّئِيسِ وَرَئِيسُهُمْ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَرْذَلُهُمْ وَأَنَا أَرْذَلُكُمْ فَلِهَذَا تَكَلَّمْت عَلَيْكُمْ
(وَعَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ أَنَّهُ قَالَ مَا سُرِرْت فِي إسْلَامِي) أَيْ بَعْدَ تَرْكِ السَّلْطَنَةِ كَأَنَّهُ لَمْ يَعُدَّ نَفْسَهُ مُسْلِمًا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ كَذَا قِيلَ (إلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ كُنْت فِي سَفِينَةٍ فِيهَا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِضْحَاكٌ) مُبَالَغَةٌ مِنْ الضَّحِكِ (يَقُولُ كُنَّا فِي الْغَزْوِ نَأْخُذُ بِشَعْرِ الْعِلْجِ) بِالْكَسْرِ وَالسُّكُونِ كَافِرٌ غَلِيظٌ مِنْ كُفَّارِ الْعَجَمِ (فِي بِلَادِ التُّرْكِ هَكَذَا) إشَارَةً إلَى كَيْفِيَّةِ أَخْذِهِ (وَكَانَ يَأْخُذُ بِشَعْرِ رَأْسِي فَيَهُزُّنِي) أَيْ يُحَرِّكُنِي وَيَجْعَلُنِي آلَةَ ضَحِكٍ لَهُمْ (فَسَرَّنِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ السَّفِينَةِ أَحَدٌ أَحْقَرُ) مِنْ حَيْثُ الدُّنْيَا (فِي عَيْنِهِ مِنِّي) يُرَادُ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ الْقَبِيحَ مِنْهُ أَنْ يُعْلِمَهُ كَوْنَهُ عَالِمًا وَصَالِحًا فَيَفْعَلُهُ لِعِلْمِهِ وَصَلَاحِهِ فَكُفْرٌ وَإِلَّا فَأَذَى الْمُسْلِمِ مَعْصِيَةٌ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ السُّرُورُ عَلَى كُفْرِ الْغَيْرِ وَعِصْيَانِهِ وَأَنَّ الْمَرْءَ مَأْمُورٌ بِالتَّزَيُّنِ الَّذِي يُوجِبُ عَدَمَ الْمُهَانَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَوْعِهِ وَالْقَوْلُ إنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْفَتْوَى وَعَمَلُهُمْ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ التَّقْوَى غَيْرُ مَعْلُومٍ جَرْيُهُ هُنَا (وَ) ثَانِيهَا (كُنْت عَلِيلًا فِي مَسْجِدٍ) مِنْ الْمَسَاجِدِ (فَدَخَلَ الْمُؤَذِّنُ عَلَيَّ فَقَالَ لِي اُخْرُجْ) لَعَلَّهُ لِخَوْفِ سَرِقَةِ شَيْءٍ مِنْ مَتَاعِ الْمَسْجِدِ (فَلَمْ أَطِقْ) الْخُرُوجَ لِغَايَةِ الضَّعْفِ فَلَمْ يَتَرَحَّمْ (فَأَخَذَ بِرِجْلِي وَجَرَّنِي إلَى خَارِجِ الْمَسْجِدِ) فَسَرَّنِي ذَلِكَ لِلتَّحْقِيرِ وَالِاسْتِخْفَافِ
(وَ) ثَالِثُهَا (كُنْت بِالشَّامِ
стр. 773
وَعَلَيَّ فَرْوٌ فَنَظَرْت فِيهِ فَلَمْ أُمَيِّزْ بَيْنَ شَعْرِهِ وَبَيْنَ الْقَمْلِ) لِكَثْرَتِهِ وَتَدَاخُلِهِ (فَسَرَّنِي ذَلِكَ) لِاسْتِلْزَامِهِ حَقَارَةَ النَّفْسِ وَعَدَمَ الِالْتِفَاتِ إلَى الرَّوْنَقِ النَّفْسَانِيِّ وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ الْمَقْصُودَ إثْبَاتُ اهْتِمَامِ السَّلَفِ بِالْكِبْرِ أَيْ بِاحْتِرَازِهِ فَبَعْضُ الثَّلَاثَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ مُطَابَقَةً وَبَعْضُهَا الْتِزَامًا (وَعَنْهُ) أَيْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ (مَا سُرِرْت بِشَيْءٍ كَسُرُورِي فِي يَوْمٍ كُنْت جَالِسًا فَجَاءَ إنْسَانٌ وَبَالَ عَلَيَّ) وَجْهُ السُّرُورِ اسْتِلْزَامُ حَقَارَةِ نَفْسِهِ وَالْحَقَارَةُ إنَّمَا هِيَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَفِيهِ إيذَانٌ بِرُتْبَةِ النَّفْسِ وَعِظَتِهِ لِلنَّفْسِ كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهَا يَا نَفْسِي هَلْ عَرَفْت مَقَامَك وَمَنْزِلَتَك فَلَا تَتَكَبَّرِي فِي شَيْءٍ لَكِنْ لَا يَخْفَى مَا بَيْنَ الْحَصْرَيْنِ مِنْ الْمُنَافَاةِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَا عَلَى الْإِضَافِيِّ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ حَصْرِ السُّرُورِ بِأَحَدِهِمَا فِي وَقْتٍ وَبِالْآخَرِ فِي وَقْتٍ آخَرَ (وَقِيلَ مَنْ رَأَى نَفْسَهُ خَيْرًا مِنْ فِرْعَوْنَ) الَّذِي حُكِمَ بِكُفْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْقُرْآنِ أَكْثَرُ مِنْهُ ذَمًّا (فَهُوَ مُتَكَبِّرٌ) قَالُوا لِأَنَّ مَا صَدَرَ مِنْ فِرْعَوْنَ إنَّمَا صَدَرَ بِقَضَائِهِ تَعَالَى وَإِرَادَتِهِ وَخِذْلَانِهِ وَمَا صَدَرَ مِنْك إنَّمَا صَدَرَ بِتَوْفِيقِهِ تَعَالَى وَلَمْ تَكُنْ أَنْتَ مُحَصِّلًا مُؤَثِّرًا فِيمَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ الْإِيمَانِ وَالصَّلَاحِ (وَقَدْ مَرَّ وَجْهُهُ) أَقُولُ وَقَدْ مَرَّ أَيْضًا الْبَحْثُ عَلَيْهِ فِي الرَّابِعِ مِنْ الرِّيَاءِ
(وَقَوْلُ الشِّبْلِيِّ) عَطْفٌ عَلَى الْوَجْهِ (ذُلِّي) عِنْدَ أَنْفُسِي (عَطَّلَ ذُلَّ الْيَهُودِ) الَّذِي ضُرِبَ الْمَثَلُ بِهِ لِقُوَّتِهِ فِيهِمْ وَكَثْرَتِهِ قِيلَ وَلِهَذَا لَيْسَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ سُلْطَانٌ وَلَا أَمِيرٌ بِخِلَافِ سَائِرِ الْكُفَّارِ قَالُوا لِأَنَّ ذَمَّ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهُمْ فِي الْقُرْآنِ أَبْلَغُ مِنْ ذَمِّ النَّصَارَى (وَ) قَوْلُ (أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ لَوْ اجْتَمَعَ الْخَلْقُ عَلَى أَنْ يَضَعُونِي كَاتِّضَاعِي عِنْدَ نَفْسِي مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ) لِكَوْنِ ضَعَتِي غَايَةً فِي الْكَمَالِ بِحَيْثُ لَا ضِعَةَ فَوْقَهَا وَدَلَالَةُ ذَلِكَ مُطَابَقَةٌ عَلَى الضَّعَةِ وَدَلَالَتُهُ عَلَى الْمَطْلُوبِ أَيْ الْكِبْرِ إنَّمَا هِيَ بِالِالْتِزَامِ.
ثُمَّ إنَّمَا أَكْثَرَ السَّلَفُ اهْتِمَامَ الرِّيَاءِ وَالْكِبْرِ لِقُوَّةِ غَائِلَتِهِمَا وَكَثْرَةِ مَضَرَّتِهِمَا كَحَبْطِ الْأَعْمَالِ وَالنِّزَاعِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِي صِفَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِهِ تَعَالَى كَمَا سَبَقَ (وَبِالْجُمْلَةِ مَنْ تَيَقَّنَ) نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ فِي الْحَاشِيَةِ هَذَا التَّيَقُّنُ عَلَى اصْطِلَاحِ الصُّوفِيَّةِ وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى الْقَلْبِ (بِأَنَّ نَفْسَهُ أَعْدَى عَدُوِّهِ) وَلِهَذَا شُرِعَ الصَّوْمُ لِقَهْرِهَا وَصَارَتْ الْمُجَادَلَةُ وَالْمُجَاهَدَةُ مَعَهَا أَفْضَلَ الطَّاعَاتِ (لَمْ يَسْتَبْعِدْ الْفَرَحَ وَالسُّرُورَ عِنْدَ لُحُوقِ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ لَهَا) أَيْ لِلنَّفْسِ لِأَنَّ شَأْنَ الْأَعْدَاءِ لَا يَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ قَالَ سَهْلٌ مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِثْلِ مُخَالَفَةِ النَّفْسِ وَالْهَوَى وَعَنْ الْجُنَيْدِ هِيَ الدَّاعِيَةُ إلَى الْمَهَالِكِ الْمُعْنِيَةُ لِلْأَعْدَاءِ الْمُتَّبِعَةُ لِلْهَوَى الْمُنْهَمَّةُ بِأَصْنَافِ الْأَسْوَاءِ.
وَعَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْهَوَى وَطُولُ الْأَمَلِ» وَقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُ غَوَائِلِ النَّفْسِ (وَأَمَّا مَنْ اتَّخَذَهَا) لِعَدَمِ تَنْبِيهِهِ لِدَسَائِسِهَا (أَصْدَقَ أَصْدِقَائِهِ فَيُعِدُّهُ) أَيْ الْفَرَحَ وَالسُّرُورَ عِنْدَ لُحُوقِ الذُّلِّ لِنَفْسِهِ (مُمْتَنِعًا وَمُحَالًا) إذَا صَدَقَ الصَّدِيقُ لَا يَرْضَى وَلَا يُسَرُّ عِنْدَ لُحُوقِ الذُّلِّ لِصَدِيقِهِ بَلْ يَسْتَحِيلُ مِنْهُ ذَلِكَ وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ عَنْ أَبِي حَفْصٍ مَنْ لَمْ يَتَّهِمْ نَفْسَهُ عَلَى دَوَامِ الْأَوْقَاتِ وَلَمْ يُخَالِفْهَا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَلَمْ يَجُرَّهَا إلَى مَكْرُوهِهَا فِي سَائِرِ أَيَّامِهِ كَانَ مَغْرُورًا وَمَنْ نَظَرَ إلَيْهَا بِاسْتِحْسَانِ شَيْءٍ فَقَدْ أَهْلَكَهَا وَكَيْفَ يَصِحُّ لِعَاقِلٍ الرِّضَا عَنْ نَفْسِهِ وَالْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ يَقُولُ - ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]-.
[الصِّنْفُ الثَّانِي فِي آفَاتِ اللِّسَانِ وَهُوَ قِسْمَانِ]
[الْقِسْم الْأَوَّلُ فِي وُجُوبِ حِفْظِهِ]
(الصِّنْفُ الثَّانِي) مِنْ التِّسْعَةِ (فِي آفَاتِ اللِّسَانِ وَهُوَ قِسْمَانِ الْأَوَّلُ فِي وُجُوبِ حِفْظِهِ) يَحْفَظُهُ عَنْ الْمُتَكَلِّمِ فِيمَا لَا يَنْبَغِي
стр. 774
(وَعِظَمِ جُرْمِهِ) اللِّسَانُ عُضْوٌ صَغِيرٌ جِرْمُهُ، كَبِيرٌ جُرْمُهُ (إجْمَالًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ [ق: ١٨] أَيْ مَلَكٌ يَرْقُبُ عَمَلَهُ ﴿عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] مُعِدٌّ حَاضِرٌ لِكِتَابَةِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ خَفَاءِ التَّقْرِيبِ ثُمَّ الْمُرَادُ جِنْسُ الرَّقِيبِ وَالْعَتِيدِ وَإِلَّا فَفِي الْحَدِيثِ «كَاتِبُ الْحَسَنَاتِ أَمِيرٌ عَلَى كَاتِبِ السَّيِّئَاتِ فَإِذَا عَمِلَ حَسَنَةً كَتَبَهَا مَلَكُ الْيَمِينِ عَشْرًا وَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً قَالَ صَاحِبُ الْيَمِينِ لِصَاحِبِ الشِّمَالِ دَعْهُ سَبْعَ سَاعَاتٍ لَعَلَّهُ يُسَبِّحُ أَوْ يَسْتَغْفِرُ» فَإِذَا كَانَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الْعَبْدُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ مَكْتُوبًا فِي دِيوَانِهِ مُقَرَّرًا عِنْدَ حُضُورِ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ فَاللَّازِمُ لَهُ الْإِمْسَاكُ عَنْ فُضُولِ الْكَلَامِ لِئَلَّا يَعْتَرِيَهُ الْخَجْلَةُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَضْلًا عَنْ الْحَرَامِ قِيلَ يَكْتُبَانِ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَنِينَهُ فِي مَرَضِهِ وَقِيلَ لَا يَكْتُبَانِ إلَّا مَا فِيهِ أَجْرٌ أَوْ وِزْرٌ وَقِيلَ يَجْتَنِبَانِهِ عِنْدَ الْغَائِطِ وَالْجِمَاعِ.
نَقَلَ عَنْ الْعُيُونِ (ت عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تَسْتَكْفِي) أَيْ تَطْلُبُ الْكِفَايَةَ وَالِانْدِفَاعَ مِنْ شَرِّهِ وَفِي رِوَايَةٍ تُكَفِّرُ اللِّسَانَ أَيْ تَذِلُّ وَتَخْضَعُ وَالتَّكْفِيرُ هُوَ أَنْ يَنْحَنِيَ الْإِنْسَانُ وَيُطَأْطِئَ رَأْسَهُ قَرِيبًا إلَى الرُّكُوعِ كَمَا يَفْعَلُ مَنْ يُرِيدُ تَعْظِيمَ صَاحِبِهِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ (اللِّسَانَ فَتَقُولُ) أَيْ الْأَعْضَاءُ حَقِيقَةً لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ مُمْكِنٍ أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ فَوَاقِعٌ وَالتَّأْوِيلُ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ كَمَا قِيلَ الْأَصْلُ فِي النُّصُوصِ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى ظَوَاهِرِهَا أَوْ مَجَازًا بِلِسَانِ الْحَالِ (اتَّقِ اللَّهَ تَعَالَى فِينَا) أَيْ فِي حِفْظِ حُقُوقِنَا (فَإِنَّمَا نَحْنُ بِك) إنَّمَا اسْتِقَامَتُنَا عَلَى نَهْجِ الشَّرْعِ وَانْحِرَافُنَا عَنْهُ مُلَابِسٌ وَمُرْتَبِطٌ بِاسْتِقَامَتِك عَلَيْهِ وَاعْوِجَاجِك عَنْهُ (إنْ اسْتَقَمْت اسْتَقَمْنَا وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا) لَا يَخْفَى أَنَّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ.
وَشَهِدَ عَلَيْهِ الْأَثَرُ أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَصْدُقُ عَلَى الْقَلْبِ لَا اللِّسَانِ فَلَعَلَّهُ أَصَابَ مَنْ قَالَ هُنَا الْمُرَادُ بِاللِّسَانِ هُنَا الْقُوَّةُ النَّاطِقَةُ وَلِذَا كَانَ اسْتِقَامَةُ الْأَعْضَاءِ وَاعْوِجَاجُهَا تَابِعَةً لَهُ لِأَنَّهَا تَخْدِمُهُ وَتَحْتَ تَصَرُّفِهِ وَانْقِيَادِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللِّسَانَ لِأَنَّهُ مَصْدَرُ النُّطْقِ الَّذِي بِهِ الِاسْتِقَامَةُ وَالِاعْوِجَاجُ لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا وَرَدَ الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ (حَدّ) أَحْمَدُ (عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَسْتَقِيمُ إيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ» بِالْعَزْمِ عَلَى الطَّاعَاتِ وَالتَّجَنُّبِ عَنْ الْمَنْهِيَّاتِ وَالِاحْتِرَازِ عَنْ طَوَارِقِ الْغَفَلَاتِ وَتَرْكِ اللَّذَائِذِ وَالشَّهَوَاتِ وَعَدَمِ الِانْهِمَاكِ فِي الْغَرَضِ الْفَانِي مِنْ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّاتِ «وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ» أَيْ لَا تُعْلَمُ اسْتِقَامَةُ قَلْبِهِ إلَّا بِاسْتِقَامَةِ لِسَانِهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ الْأَثَرِ إلَى الْمُؤَثِّرِ فَعَدَمُ اسْتِقَامَةِ اللِّسَانِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اسْتِقَامَةِ الْقَلْبِ وَإِلَّا فَالْقَلْبُ أَمِيرٌ وَسَائِرُ الْأَعْضَاءِ مَأْمُورٌ يَعْمَلُ عَلَى نَهْجِ أَمْرِهِ فَلَا تُؤَثِّرُ اسْتِقَامَةُ اللِّسَانِ فِي اسْتِقَامَةِ الْقَلْبِ بَلْ الْأَمْرُ عَلَى عَكْسٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ مَا رَسَخَ فِي
стр. 775
اللِّسَانِ قَدْ يَعُودُ إلَى الْقَلْبِ كَمَا قَالُوا فِي الذِّكْرِ فَقَدْ يَنْقَادُ الْقَلْبُ لِمَا يَتَعَوَّدُ عَلَيْهِ اللِّسَانُ.
(ططص) الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالصَّغِيرِ (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ» لُبِّهِ وَكَمَالِهِ «حَتَّى يَخْزُنَ لِسَانَهُ» كَالشَّيْءِ الْمَحْفُوظِ فِي الْخَزِينَةِ بِأَنْ لَا يُظْهِرَهُ بِلَا احْتِيَاجٍ سِيَّمَا عَنْ أَعْرَاضِ الْخَلْقِ وَاعْتِرَاضِ الْخَالِقِ.
قَالَ فِي الْفَيْضِ أَيْ يَجْعَلُ فَمَه خِزَانَةً لِلِسَانِهِ فَلَا يَفْتَحُهُ إلَّا بِمِفْتَاحِ إذْنِ اللَّهِ وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ أَيْ يَخْزُنُ لِسَانَهُ مِمَّا كَانَ بَاطِلًا لَغْوًا عَاطِلًا فَيَخْزُنُهُ مِنْ الْبَاطِنِ خَوْفَ الْعِقَابِ وَمِنْ اللَّغْوِ وَالْهَذَيَانِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْمُبَاحِ خَوْفَ الْعِقَابِ ثُمَّ قَالَ وَاللِّسَانُ أَشْبَهُ الْأَعْضَاءِ بِالْقَلْبِ لِسُرْعَةِ حَرَكَتِهِ فَإِذَا خَفَّ بِنُطْقِهِ بِطَبْعِهِ وَسُرْعَةِ حَرَكَتِهِ أُورِثَ الْقَلْبُ سَقَمًا وَإِذَا فَسَدَ الْقَلْبُ فَسَدَ الْبَطْنُ وَالظَّاهِرُ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «لَا يَسْتَقِيمُ عَبْدٌ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ» .
(طب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَوْقُوفًا أَنَّهُ قَالَ «وَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ مَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ شَيْءٌ أَحْوَجُ إلَى طُولِ سِجْنٍ» أَيْ إلَى الْمَوْتِ «مِنْ لِسَانٍ» لِكِبَرِ جُرْمِهِ مَعَ صِغَرِ حَجْمِهِ وَكَثْرَةِ جِنَايَتِهِ وَصُعُوبَةِ حِفْظِهِ فَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا وَإِنَّ الْجَرِيمَةَ عَلَى قَدْرِ الْجُرْمِ وَرُوِيَ أَنَّ قُسَّ بْنَ سَاعِدَةَ وَأَكْتَمَ بْنَ صَيْفِيٍّ اجْتَمَعَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ كَمْ وَجَدْت فِي بَنِي آدَمَ مِنْ الْعُيُوبِ فَقَالَ مَا أَصَبْته ثَمَانِيَةُ آلَافِ عَيْبٍ وَوَجَدْت خَصْلَةً إنْ اسْتَعْمَلَهَا سَتَرَتْ الْعُيُوبَ كُلَّهَا أَعْنِي حِفْظَ اللِّسَانِ وَرُوِيَ عَنْ ذِي النُّونِ أَنَّهُ حِينَ قِيلَ لَهُ مَنْ أَصْوَنُ النَّاسِ لِنَفْسِهِ قَالَ أَمْلَكَهُمْ لِلِّسَانِ.
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ بَكَّارَ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِكُلِّ شَيْءٍ بَابَيْنِ وَجَعَلَ لِلِّسَانِ أَرْبَعَةَ أَبْوَابٍ فَالشَّفَتَانِ مِصْرَاعَانِ وَالْأَسْنَانُ مِصْرَاعَانِ (شَيْخُ هق) أَبُو الشَّيْخِ وَالْبَيْهَقِيُّ (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ فَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى» لِزِيَادَةِ تَمْكِينِ خَاطِرِهِمْ لِقُوَّةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ وَإِلَّا فَعِلْمُهُمْ مُقْتَبَسٌ مِنْهُ ﵊ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ السُّؤَالُ مَعَ عِلْمِ السَّائِلِ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَهُ وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ اسْتِفَادَةُ النَّبِيِّ مِنْ الْأُمَّةِ خُصُوصًا فِي الشَّرْعِيَّاتِ «قَالَ فَسَكَتُوا فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ» لِعَدَمِ سَبْقِيَّةِ سَمَاعِهِمْ مِنْهُ ﵊ وَلَا دَخْلَ فِيهِ لِلرَّأْيِ «قَالَ ﵊ هُوَ» أَيْ أَحَبُّ الْأَعْمَالِ «حِفْظُ اللِّسَانِ» مِنْ كُلِّ شَيْءٍ غَيْرِ خَيْرٍ فَيَلْزَمُ أَنْ تَحْفَظَ كَلَامَكَ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ وَهُوَ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِكُلِّ مَا لَوْ سَكَتَّ عَنْهُ لَمْ تَأْثَمْ وَلَمْ تَتَضَرَّرْ حَالًا أَوْ مَآلًا كَمَا حَكَيْت لِقَوْمٍ أَسْفَارَك وَمَا رَأَيْت فِيهَا مِنْ جِبَالٍ وَتِلَالٍ وَأَنْهَارٍ وَالْبِلَادَ وَأَحْوَالَهَا فَإِنَّك فِي ذَلِكَ مُضَيِّعٌ أَوْقَاتَك وَأَوْقَاتَ الْمُسْتَمِعِينَ وَمُحَاسَبٌ عَلَى عَمَلِ لِسَانِك وَإِنْ مَزَجْت بِحِكَايَاتِكَ زِيَادَةً أَوْ نُقْصَانًا وَتَزْكِيَةَ نَفْسٍ فَأَنْتَ آثِمٌ وَكَذَا صَاحِبُك، مَثَلًا إذَا سَأَلْت رَجُلًا أَنْتَ صَائِمٌ فَإِنْ سَكَتَ تَأَذَّيْت وَإِنْ قَالَ لَا كَذَبَ وَإِنْ قَالَ نَعَمْ اسْتَبْدَلَ سِرَّ عَمَلِهِ جَهْرًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ الرِّيَاءُ وَأَيْضًا يَلْزَمُ التَّوَقِّي عَنْ فُضُولِ الْكَلَامِ وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ فَإِنَّهُ مَذْمُومٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ آثِمًا كَمَا سَيَأْتِي.
وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ حِفْظَ اللِّسَانَ مِنْ أَهَمِّ الْمُهِمَّاتِ وَأَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ إذْ هُوَ تُرْجُمَانُ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ مَنْظَرُ الرَّبِّ فَلَا يَنْبَغِي لِلتُّرْجُمَانِ أَنْ يَتَكَلَّمَ إلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَإِلَّا فَيَسْتَحِقُّ الْمُعَاتَبَةَ (ت «عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الثَّقَفِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قُلْت يَا نَبِيَّ اللَّهِ حَدِّثْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ» مِنْ النَّارِ وَمِنْ النَّدَامَةِ يَوْمَ الْبَوَارِ «قَالَ»
стр. 776
- ﵊ «قُلْ» بِلِسَانِك أَوْ بِقَلْبِك أَوْ بِحَالِك وَشُهُودِك وَعِيَانِك يَعْنِي جَدِّدْ إيمَانَك بِاَللَّهِ ذِكْرًا بِقَلْبِك وَنُطْقًا بِلِسَانِك بِأَنْ تَسْتَحْضِرَ جَمِيعَ مَعَانِي الْإِيمَانِ الشَّرْعِيِّ «رَبِّي اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ» قِيلَ الِاسْتِقَامَةُ امْتِثَالُ كُلِّ مَأْمُورٍ وَتَجَنُّبُ كُلِّ مَنْهِيٍّ وَقِيلَ الْمُتَابَعَةُ لِلسُّنَنِ الْمُحَمَّدِيَّةِ مَعَ التَّخَلُّقِ بِالْأَخْلَاقِ الْمُرْضِيَةِ وَقِيلَ الِاتِّبَاعُ مَعَ تَرْكِ الِابْتِدَاعِ وَقِيلَ حَمْلُ النَّفْسِ عَلَى أَخْلَاقِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ وَهِيَ دَرَجَةٌ بِهَا كَمَالُ الْأُمُورِ وَتَمَامُهَا وَبِوُجُودِهَا حُصُولُ الْخَيْرَاتِ وَنِظَامِهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُطِيقُهَا إلَّا الْأَكَابِرُ لِأَنَّهَا الْخُرُوجُ عَنْ الْمَعْهُودَاتِ وَمُفَارَقَةُ الرُّسُومِ وَالْعَادَاتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت: ٣٠]- وَأَيْضًا قَدْ مَرَّ «قُلْت» أَيْ سُفْيَانُ «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ» مِمَّا يُهْلِكُنِي «فَأَخَذَ ﵊ بِلِسَانِ نَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ هَذَا» فَهُوَ أَشَدُّ مَا يُخَافُ لِمَا عَرَفْت أَنَّهُ مَنْبَعُ كُلِّ شَرٍّ فِي الْقُشَيْرِيَّةِ «عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا النَّجَاةُ قَالَ احْفَظْ عَلَيْك لِسَانَك» الْحَدِيثَ (ط عَنْ أَسْلَمَ) مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - دَخَلَ يَوْمًا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ يَجْبِذُ لِسَانَهُ) مَقْلُوبُ يَجْذِبُ لِسَانَهُ مِنْ قَبِيلِ الِاشْتِقَاقِ الْكَبِيرِ عَلَى لُغَةِ تَمِيمٍ وَأَنْكَرَهُ ابْنُ السَّرَّاجِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ مَأْخُوذًا مِنْ الْآخَرِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَصَرِّفٌ فِي نَفْسِهِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمِصْبَاحِ.
(فَقَالَ عُمَرُ لَهُ مَهْ) أَيْ اُكْفُفْ لِأَنَّهُ عَبَثٌ (غَفَرَ اللَّهُ لَك) لِاهْتِمَامِك بِهَذَا الشَّأْنِ (فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ إنَّ هَذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ) مَوَاضِعَ الْهَلَاكِ وَفِي الشَّرْعِيَّةِ وَالْبَلَاءُ مُوَكَّلٌ بِالنُّطْقِ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَضَعُ حَجَرًا فِي فِيهِ لِيَمْنَعَ نَفْسَهُ عَنْ الْكَلَامِ بِمَا لَا يُهِمُّ وَفِي الْإِحْيَاءِ عَنْ سُلَيْمَانَ ﵊ إنْ كَانَ الْكَلَامُ مِنْ فِضَّةٍ فَالصَّمْتُ مِنْ ذَهَبٍ.
(خ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ تَضَمَّنَ لِي» تَكَفَّلَ تَفَعَّلَ مِنْ التَّكَلُّفِ «مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ» مِنْ الْفَرْجِ «وَمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ» أَيْ اللِّسَانِ «تَضَمَّنْت لَهُ بِالْجَنَّةِ» اللَّحْي بِفَتْحِ اللَّامِ مَنْبَتُ اللِّحْيَةِ تَضَمَّنْت بِالْجَنَّةِ إمَّا بِالشَّفَاعَةِ أَوْ لِوُثُوقِهِ ﵊ أَنَّ حِفْظَهُمَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ لِعِلْمِهِ ﵊ بِالرَّابِطَةِ بَيْنَهُمَا وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ حِفْظَ اللِّسَانِ مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ الْجَنَّةِ (وَحِفْظُ اللِّسَانِ) عَنْ كُلِّ مَا لَا يَنْبَغِي (لَا يَتَيَسَّرُ إلَّا بِالِاحْتِرَازِ عَنْ كَثْرَةِ الْكَلَامِ) لِأَنَّ مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ مَلَامُهُ وَقِيلَ مَنْ عَدَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقَطُهُ وَمَنْ كَثُرَ سَقَطُهُ كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ وَمَنْ كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ كَانَتْ النَّارُ أَوْلَى بِهِ لِأَنَّ السَّقَطَ مَا لَا عِبْرَةَ بِهِ وَلَا نَفْعَ فَإِنْ لَغْوًا لَا إثْمَ فِيهِ حُوسِبَ عَلَى تَضْيِيعِ عُمْرِهِ وَكُفْرَانِ النِّعْمَةِ بِصَرْفِ نِعْمَةِ اللِّسَانِ عَنْ الذِّكْرِ إلَى الْهَذَيَانِ وَقَلَّمَا سَلِمَ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى مَا يُوجِبُ الْآثَامَ فَتَصِيرُ النَّارُ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْجَنَّةِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ لَا تَبْسُطَنَّ لِسَانَك فَيُفْسِدَ عَلَيْك شَأْنَك وَفِي الْمَثَلِ السَّائِرِ رُبَّ كَلِمَةٍ تَقُولُ لِصَاحِبِهَا دَعْنِي دَعْنِي وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى رَجُلٍ مِكْثَارٍ فَقَالَ يَا هَذَا وَيْحَك إنَّمَا تُمْلِي كِتَابًا إلَى رَبِّك يُقْرَأُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ يَوْمَ الشَّدَائِدِ وَالْأَهْوَالِ وَأَنْتَ عَطْشَانُ عُرْيَانُ جَوْعَانُ فَانْظُرْ مَاذَا تُمْلِي وَلِابْنِ الْمُبَارَكِ
стр. 777
لِتَحْفَظْ لِسَانَك إنَّ اللِّسَانَ ... سَرِيعٌ إلَى الْمَرْءِ فِي قَتْلِهِ
وَإِنَّ اللِّسَانَ دَلِيلُ الْفُؤَا ... دِ يَدُلُّ الرَّجُلَ عَلَى عَقْلِهِ
وَقَالَ عُمَرُ لِلْأَحْنَفِ يَا أَحْنَفُ مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقَطُهُ وَمَنْ كَثُرَ سَقَطُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ وَقَالَ مُعَاوِيَةُ لَوْ وَلَدَ أَبُو سُفْيَانَ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ كَانُوا عُقَلَاءَ فَقَالَ رَجُلٌ قَدْ وَلَدَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ فَكَانَ فِيهِمْ الْعَاقِلُ وَالْأَحْمَقُ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقَطُهُ كَذَا فِي الْفَيْضِ (وَمُلَازَمَةِ الصَّمْتِ) فَإِنَّ مَنْ صَمَتَ نَجَا وَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْلَمَ فَلْيَلْزَمْ الصَّمْتَ (إلَّا فِيمَا لَا بُدَّ مِنْهُ) فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ (بَعْدَ التَّأَمُّلِ) إنْ فِيهِ نَجَاةٌ أَوْ هَلَاكٌ فَيَنْبَغِي لِكُلِّ مُتَكَلِّمٍ أَنْ يَتَأَمَّلَ فَيَتَكَلَّمَ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لِسَانُ الْمُؤْمِنِ وَرَاءَ قَلْبِهِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ تَدَبَّرَهُ بِقَلْبِهِ ثُمَّ أَمْضَاهُ بِلِسَانِهِ وَإِنَّ لِسَانَ الْمُنَافِقِ أَمَامَ قَلْبِهِ فَإِذَا هَمَّ بِشَيْءٍ أَمْضَاهُ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَتَدَبَّرْهُ بِقَلْبِهِ» قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِسَانُ الْعَاقِلِ فِي قَلْبِهِ وَقَلْبُ الْأَحْمَقِ فِي لِسَانِهِ (وَالِاقْتِصَارُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ) قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ كَثُرَ عَقْلُهُ قَلَّ كَلَامُهُ وَمَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ قَلَّ عَقْلُهُ وَفِي الشِّرْعَةِ أَفْضَلُ خِصَالِ الْمُؤْمِنِ الصَّمْتُ وَأَنَّهُ إذَا قُسِمَتْ الْعَافِيَةُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ يَكُونُ عُشْرُهَا فِي النُّطْقِ وَالْبَاقِي فِي الصَّمْتِ
(ت. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ» إيمَانًا كَامِلًا «بِاَللَّهِ» تَعَالَى «وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا» يُثَابُ عَلَيْهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَكِنْ بَعْدَ أَنْ يَتَفَكَّرَ فِيمَا يُرِيدُ التَّكَلُّمَ بِهِ فَإِذَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ خَيْرٌ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ وَلَا يَجُرُّ إلَيْهَا أَتَى بِهِ «أَوْ لِيَصْمُتْ» عَمَّا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ حَتَّى عَنْ الْمُبَاحِ لِإِفْضَائِهِ إلَى مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ وَلِأَنَّهُ ضَيَاعُ الْوَقْتِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ «وَمِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» وَأَفَادَ الْخَبَرُ أَنَّ قَوْلَ الْخَيْرِ خَيْرٌ مِنْ الصَّمْتِ لِتَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ قَوْلِ الْخَيْرِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ إنَّ آفَاتِ اللِّسَانِ أَسْرَعُ الْآفَاتِ لِلْإِنْسَانِ وَأَعْظَمُهَا فِي الْهَلَاكِ وَالْخُسْرَانِ فَالْأَصْلُ مُلَازَمَةُ الصَّمْتِ إلَى أَنْ يَتَحَقَّقَ السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ وَالْحُصُولُ عَلَى الْخَيْرَاتِ فَحِينَئِذٍ يُخْرِجُ تِلْكَ الْكَلِمَةَ مَخْطُومَةً وَمَذْمُومَةً وَهَذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لِأَنَّ الْقَوْلَ كُلَّهُ خَيْرٌ أَوْ شَرٌّ أَوْ آيِلٌ إلَى أَحَدِهِمَا فَدَخَلَ فِي الْخَيْرِ كُلُّ مَطْلُوبٍ فَرْضًا أَوْ نَدْبًا أَوْ غَيْرَهُ فِي غَيْرِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْعَظِيمَةِ الْعَمِيمَةِ لِأَنَّهُ بَيَّنَ فِيهِ جَمِيعَ أَحْكَامَ اللِّسَانِ الَّذِي هُوَ أَكْثَرُ الْجَوَارِحِ عَمَلًا كَذَا فِي الْفَيْضِ.
(ت. عَنْ ابْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ» يَعْنِي بِغَيْرِ مَا فِيهِ رِضَا اللَّهِ «فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ» ٩٨ أَظْهَرَ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ لِزِيَادَةِ التَّمَكُّنِ فِي الْخَاطِرِ وَتَنْبِيهًا عَلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ «قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ» بِمَعْنَى عَدَمِ قَبُولِهِ لِلذِّكْرِ وَالْوَعْظِ وَالنُّصْحِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالْحُزْنِ وَالشَّفَقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ «وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الْقَاسِي الْقَلْبِ» لِأَنَّ مَنْ كَانَ قَلْبُهُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ كَانَ بَعِيدًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا نَسْلَخُهُ عَنْ جَمِيعِ خِصَالِ الْخَيْرِ وَفَقْدِهَا مِنْ قَلْبِهِ فَيَكُونُ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَالْقَلْبُ فَاعِلُ الْقَاسِي لِكَوْنِهِ صِلَةَ الـ
(طص) الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ (شَيْخُ) وَأَبُو الشَّيْخِ (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي قَالَ عَلَيْك بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا جِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ
стр. 778
وَعَلَيْك بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» أَيْ فِي طَاعَتِهِ تَعَالَى فَدَخَلَ الْجِهَادُ الْأَكْبَرُ مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ فِي طَاعَتِهِ تَعَالَى سِيَّمَا تَخْلِيَةُ الْقَلْبِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْجِهَادُ الْأَصْغَرُ مُجَاهَدَةُ الْكُفَّارِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمَّى الْمُجَاهَدَةَ مَعَ النَّفْسِ الْجِهَادَ الْأَكْبَرَ حِينَ رُجُوعِهِ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ بِقَوْلِهِ «رَجَعْنَا مِنْ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ» مِنْ الْمُبَارِقِ «فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ» تَعَبُّدُهُمْ الْمَخْصُوصُ بِهِمْ «وَعَلَيْك بِذِكْرِ اللَّهِ» تَعَالَى مُطْلَقًا مَا يُذْكَرُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَوْ مَآلًا لِحَدِيثِ «مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ فَقَدْ ذَكَرَهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ بِلِسَانِهِ، وَمَنْ عَصَى اللَّهَ فَقَدْ نَسِيَهُ وَإِنْ ذَكَرَهُ بِلِسَانِهِ، وَأَيْضًا مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهَ وَإِنْ قَلَّتْ صَلَاتُهُ وَصِيَامُهُ وَتِلَاوَتُهُ لِلْقُرْآنِ وَمَنْ عَصَى اللَّهَ فَلَمْ يَذْكُرْهُ وَإِنْ كَثُرَتْ» الْحَدِيثَ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ: هَذَا يُؤْذِنُ بِأَنَّ حَقِيقَةَ الذِّكْرِ طَاعَةُ اللَّهِ فِي امْتِثَالِ أَمْرِهِ وَتَجَنُّبِ نَهْيِهِ وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ هَذَا يُعْلِمُك بِأَنَّ أَصْلَ الذِّكْرِ إجَابَةُ الْحَقِّ مِنْ حَيْثُ اللَّوَازِمُ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ فِي مِثْلِهِ يَتَبَادَرُ مَا بِاللِّسَانِ سِيَّمَا نَحْوُ التَّهْلِيلِ «وَتِلَاوَةِ كِتَابِهِ فَإِنَّهَا» أَيْ التِّلَاوَةَ «نُورٌ لَك فِي الْأَرْضِ» لِمَا فِي التِّلَاوَةِ مِنْ جَلَاءِ الصُّدُورِ أَوْ يَهْدِيَك إلَى الْحَقِّ كَالنُّورِ «وَذِكْرٌ لَك فِي السَّمَاءِ» أَيْ سَبَبُ ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ فِيمَا بَيْنَهُمْ «وَاخْزُنْ لِسَانَك» أَيْ احْبِسْهُ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَالِاسْتِشْهَادُ مِنْ الْحَدِيثِ «إلَّا مِنْ خَيْرٍ» تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ قَرِيبًا لَكِنْ قَالَ الْمُنَاوِيُّ كَذِكْرٍ وَدُعَاءٍ وَتَعَلُّمِ عِلْمٍ وَتَعْلِيمِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ «فَإِنَّك بِذَلِكَ تَغْلِبُ الشَّيْطَانَ» لِأَنَّ اللِّسَانَ أَعْظَمُ آلَةِ الشَّيْطَانِ فِي اسْتِغْوَاءِ الْإِنْسَانِ فَمَنْ أَطْلَقَ عَذَّبَهُ اللِّسَانُ وَأَهْمَلَهُ مُرْخِيَّ الْعِنَانِ فِي كُلِّ مَيْدَانٍ سَاقَهُ إلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ وَلَا يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ وَلَا يُنَجِّي مِنْ شَرِّ اللِّسَانِ إلَّا أَنْ يُقَيَّدَ بِلِجَامِ الشَّرْعِ فَلَا يُطْلَقُ إلَّا فِيمَا يُنْتَفَعُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَكُفُّ عَنْ كُلِّ مَا يَخْشَى غَائِلَتَهُ فِي عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ.
ثُمَّ قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الْعَلَاءِ هَذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لِأَنَّهُ جَمَعَ فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ جَمِيعَ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَالَ الْهَيْتَمِيُّ وَفِيهِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ وَهُوَ مُدَلِّسٌ وَقَدْ وُثِّقَ وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ (طِبّ. عَنْ أَبِي وَائِلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَقُولُ أَكْثَرُ خَطَإِ ابْنِ آدَمَ فِي لِسَانِهِ» لِأَنَّهُ أَكْبَرُ الْأَعْضَاءِ عَمَلًا وَأَصْغَرُهَا جِرْمًا وَأَعْظَمُهَا زَلَلًا لِأَنَّهُ صَغِيرٌ جِرْمُهُ عَظِيمٌ جُرْمُهُ وَفِي الْحَدِيثِ «أَكْثَرُ النَّاسِ ذُنُوبًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ كَلَامًا فِيمَا لَا يَعْنِيهِ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ يَشْغَلُهُ فِيمَا لَا يَعُودُ عَلَيْهِ نَفْعٌ أُخْرَوِيٌّ لِأَنَّ مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقْطُهُ وَجَازَفَ وَلَمْ يَتَحَرَّ فَتَكْثُرَ ذُنُوبُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» .
وَفِي خَبَرِ التِّرْمِذِيِّ «مَاتَ رَجُلٌ فَقِيلَ لَهُ أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَلَا تَدْرِي فَلَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ أَوْ يُخِلُّ بِمَا يَعْنِيهِ» وَالْإِكْثَارُ مِنْ ذَلِكَ عَدَّهُ الْقَوْمُ مِنْ الْأَغْرَاضِ النَّفْسَانِيَّةِ وَالْأَمْرَاضِ الْقَلْبِيَّةِ الَّتِي التَّدَاوِي مِنْهَا مِنْ الْفُرُوضِ الْعَيْنِيَّةِ وَعِلَاجُهُ أَنْ تَسْتَحْضِرَ أَنَّ وَقْتَك أَعَزُّ الْأَشْيَاءِ عَلَيْك فَتَشْغَلَهُ بِأَعَزِّهَا وَهُوَ الذِّكْرُ وَفِي ذِكْرِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ إشْعَارٌ بِأَنَّ هَذِهِ الْخَصْلَةَ لَا تُكَفِّرُ عَنْ صَاحِبِهَا بِمَا يَقَعُ لَهُ مِنْ الْأَمْرَاضِ وَالْمَصَائِبِ قَالَ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ ارْتَقَى ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الصَّفَا فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ فَقَالَ يَا لِسَانُ قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ وَاسْكُتْ عَنْ الشَّرِّ تَسْلَمْ قَبْلَ أَنْ تَنْدَمَ ثُمَّ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
стр. 779
يَقُولُ فَذَكَرَهُ انْتَهَى وَقِيلَ لِسَانُك أَسَدُك إنْ أَطْلَقْته يَفْتَرِسْك.
(ت. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمَ بِالْكَلِمَةِ» الْوَاحِدَةِ «لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا» يَعْنِي لَا يَظُنُّ كَوْنَهَا ذَنْبًا وَلَا مُؤَاخَذَةَ - ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]- «يَهْوِي بِهَا» يَسْقُطُ بِسَبَبِهَا (سَبْعِينَ خَرِيفًا) أَيْ دَائِمًا أَوْ سَنَةً «فِي النَّارِ» لِمَا فِيهَا مِنْ الْأَوْزَارِ الَّتِي لَيْسَ عِنْدَ الْعَاقِلِ الْمِسْكَيْنِ مِنْهَا إشْعَارٌ فَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ أَشْكَالِ الْكَلَامِ قَبْلَ نُطْقِهِ مِنْ فَمِهِ فَمَا كَانَ مِنْ حُظُوظِ النَّفْسِ وَإِظْهَارِ صِفَاتِ الْمَدْحِ وَنَحْوِهِ تَجَنَّبَهُ وَمَنْ آمَنَ بِهَذَا الْخَبَرِ حَقَّ إيمَانِهِ اتَّقَى اللَّهَ فِي لِسَانِهِ وَقَلَّلَ كَلَامَهُ حَسَبَ إمْكَانِهِ سِيَّمَا فِيمَا يُنْهَى عَنْ الْكَلَامِ فِيهِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ اللِّسَانُ إنَّمَا خُلِقَ لَك لِتُكْثِرَ بِهِ ذِكْرَ اللَّهِ وَتِلَاوَةَ كِتَابِهِ وَتُرْشِدَ بِهِ الْخَلْقَ إلَى طَرِيقِهِ أَوْ تُظْهِرَ بِهِ مَا فِي ضَمِيرِك مِنْ حَاجَاتِ دِينِك وَدُنْيَاك فَإِذَا اسْتَعْمَلْته لِغَيْرِ مَا خُلِقَ لَهُ فَقَدْ كَفَرْت نِعْمَةَ اللَّهِ فِيهِ وَهُوَ أَغْلَبُ أَعْضَائِك وَلَا يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ إلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ فَاسْتَظْهِرْ بِغَايَةِ قُوَّتِك حَتَّى لَا يَكُبَّك فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ وَفِي الْحَدِيثِ «إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمَ الْكَلِمَةَ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا لِيُضْحِكَ بِهَا الْقَوْمَ» أَيْ: لِأَجْلِ أَنْ يُضْحِكَهُمْ «وَإِنَّهُ لَيَقَعَ بِهَا أَبْعَدَ مِنْ السَّمَاءِ» أَيْ يَقَعُ فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِنْ وُقُوعِهِ مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ فَعَلَى الْعَاقِلِ ضَبْطُ جَوَارِحِهِ فَإِنَّهَا رَعَايَاهُ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦]- وَإِنَّ مِنْ أَكْثَرِ الْمَعَاصِي عَدَدًا وَأَيْسَرِهَا وُقُوعًا آثَامَ اللِّسَانِ إذْ آفَاتُهُ تَزِيدُ عَلَى عِشْرِينَ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]-.
(تَنْبِيهٌ)
أَخَذَ الشَّافِعِيُّ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ اعْتِيَادَ حِكَايَاتٍ تُضْحِكُ أَوْ فِعْلَ خَيَالَاتٍ كَذَلِكَ رَادٌّ لِلشَّهَادَةِ وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ حَرَامٌ وَآخَرُونَ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ وَخَصَّهُ بَعْضٌ بِمَا يُؤْذِي الْغَيْرَ كُلُّهُ مِنْ الْفَيْضِ
(دُنْيَا. عَنْ أَمَةَ بِنْتِ الْحَكَمِ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إنَّ الرَّجُلَ لَيَدْنُو» يَقْرَبُ «مِنْ الْجَنَّةِ» بِالطَّاعَاتِ وَجْهُ التَّأْكِيدِ مَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِعْبَادِ الْعَادِيِّ الْعَقْلِيِّ «حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا قِيدُ» قَدْرَ «رُمْحٍ فَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ» الْوَاحِدَةِ الْقَبِيحَةِ شَرْعًا «فَيَتَبَاعَدُ مِنْهَا» أَيْ مِنْ الْجَنَّةِ «أَبْعَدَ مِنْ صَنْعَاءَ» بِالْمَدِّ بَلَدٌ مَعْرُوفٌ فِي الْيَمَنِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ مِنْ مَكَّةَ وَبِغَيْرِ مَدٍّ بَلْدَةٌ بِالشَّامِ مِقْدَارَ خَمْسِينَ مَرْحَلَةٍ مِنْ مَكَّةَ (نُعَيْمٌ) أَبُو نُعَيْمٍ (عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقَطُهُ» أَيْ زَلَّتُهُ سَبَقَ قَرِيبًا تَفْصِيلٌ وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ جَعَلْت عَلَى نَفْسِي بِكُلِّ كَلِمَةٍ فِيمَا لَا يَعْنِي صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ فَسَهُلَ ذَلِكَ فَجَعَلْت لِكُلِّ كَلِمَةٍ صَوْمَ يَوْمٍ فَسَهُلَ عَلَيَّ فَلَمْ أَنْتَهِ حَتَّى جَعَلْت عَلَى نَفْسِي بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَصَدُّقًا بِدِرْهَمٍ فَصَعُبَ عَلَيَّ فَانْتَهَيْت (زَ) الْبَزَّازُ (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «طُوبَى» تَأْنِيثُ أَطْيَبَ أَيْ رَاحَةٌ وَطِيبُ عَيْشٍ لَعَلَّك سَمِعْت تَفْصِيلَ مَعْنَاهَا لَكِنْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَحَادِيثُ تَفْسِيرٍ لِمَعْنَاهَا نَحْوَ «طُوبَى: شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ ثِيَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ تَخْرُجُ
стр. 780
مِنْ أَكْمَامِهَا» جَمْعُ كُمٍّ وِعَاءُ الطَّلْعِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ هِيَ شَجَرَةٌ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ وَفِي كُلِّ دَارٍ وَغَرْفَةٍ لَمْ يَخْلُقْ اللَّهُ تَعَالَى لَوْنًا وَلَا زَهْرَةً إلَّا وَفِيهَا مِنْهَا إلَّا السَّوَادَ وَلَا يَخْلُقُ اللَّهُ فَاكِهَةً وَلَا ثَمَرَةً إلَّا وَفِيهَا مِنْهَا يَنْبُعُ مِنْ أَصْلِهَا عَيْنَانِ الْكَافُورُ وَالسَّلْسَبِيلُ كُلُّ وَرَقَةٍ مِنْهَا تُظِلُّ أُمَّةً عَلَيْهَا مَلَكٌ يُسَبِّحُ اللَّهَ وَنَحْوُ «طُوبَى شَجَرَةٌ غَرَسَهَا اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ تُنْبِتُ بِالْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ وَأَنَّ أَغْصَانَهَا لَتُرَى مِنْ وَرَاءِ سُورِ الْجَنَّةِ لِطُولِهَا» .
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ وَشَجَرَةُ طُوبَى هَذِهِ هِيَ الْمُرَادَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: ٢٩] وَحَكَى الْأَصَمُّ أَنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ فِي دَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي دَارِ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْهَا غُصْنٌ وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ " مُتَهَدِّلَةٌ " أَيْ مُتَدَلِّيَةٌ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَفِي تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ قُرَّةَ يَرْفَعُهُ: «طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهَا تَفَتَّقِي لِعَبْدِي فَتُفَتَّقُ لَهُ عَنْ الْخَيْلِ بِسُرُوجِهَا وَلُجُمِهَا وَعَنْ الْإِبِلِ بِأَزِمَّتِهَا وَعَمَّا شَاءَ مِنْ الْكِسْوَةِ وَمَا مِنْ الْجَنَّةِ أَهْلٌ إلَّا وَغُصْنٌ مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ مُتَدَلٍّ عَلَيْهِمْ فَإِذَا أَرَادُوا أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا تَدَلَّتْ فَأَكَلُوا مِنْهَا مَا شَاءُوا» وَنَحْوُ: «طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا يَعْلَمُ طُولَهَا إلَّا اللَّهُ فَيَسِيرُ الرَّاكِبُ تَحْتَ غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا وَرَقُهَا الْحُلَلُ يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّيْرُ كَأَمْثَالِ الْبَخْتِ» زَادَ فِي رِوَايَةٍ «فَإِذَا أَرَادُوا أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا يَجِيءُ الطَّيْرُ فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ قَدِيدًا وَشِوَاءً ثُمَّ يَطِيرُ» . كُلُّ الشَّرْحِ مِنْ الْفَيْضِ مُلَخَّصًا.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ التَّفَاسِيرَ لِلَفْظِ طُوبَى الْمُخَالَفَةَ لِمَا ذُكِرَ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ الرَّأْيِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ بَلْ النُّصُوصِ إلَّا إذَا وَقَعَ مَقَامَ لَا يُمْكِنُ إرَادَةُ نَحْوِ هَذِهِ الْمَعَانِي فِيهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِي كَوْنَهُ مِنْ تَأْوِيلِ مَعْنَى الْحَدِيثِ «لِمَنْ أَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ كَلَامِهِ» بِأَنْ تَرَكَ الْكَلَامَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ فَإِنَّهُ بِذَلِكَ يَسْلَمُ مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ الَّتِي هِيَ عَيْنُ الْخُسْرَانِ.
وَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ
يَا كَثِيرَ الْفُضُولِ قَصِّرْ قَلِيلًا ... قَدْ فَرَشْت الْفُضُولَ طُولًا طَوِيلًا
كَمْ مِنْ الْقُبْحِ قَدْ أَخَذْت بِحَظٍّ ... فَاسْكُتْ الْآنَ إنْ أَرَدْت جَمِيلًا
وَفِي الْجَامِعِ «طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ» «وَأَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ» وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ قَوْلِهِ وَوَسِعَتْهُ السُّنَّةُ وَلَمْ يَعْدِلْ عَنْهَا إلَى الْبِدْعَةِ وَفِيهِ أَيْضًا «طُوبَى لِمَنْ مَلَكَ لِسَانَهُ» لِأَنَّ فِي حِفْظِ اللِّسَانِ السَّلَامَةَ مِنْ آفَاتِ الدُّنْيَا وَمُفْسِدَاتِ الْأَعْمَالِ، وَالنُّطْقُ بِلَا حَاجَةٍ إمَّا مَحْظُورٌ فَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِمَّا مُبَاحٌ فَإِشْغَالُ الْكِرَامِ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ «وَوَسِعَهُ بَيْتُهُ» بِاعْتِزَالِ النَّاسِ «وَبَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ» (دُنْيَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) قِيلَ هُوَ مُرْسَلٌ (أَنَّهُ قَالَ «تَكَلَّمَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَكْثَرَ الْكَلَامَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵊» إنْكَارًا لَهُ «كَمْ دُونَ» قُدَّامَ «لِسَانِك مِنْ حِجَابٍ قَالَ شَفَتَايَ وَأَسْنَانِي فَقَالَ أَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ» الْحِجَابِ اسْتِفْهَامٌ لِلتَّوْبِيخِ «مَا يَرُدُّ كَلَامَك» أَيْ يَمْنَعُ مِنْ إكْثَارِهِ كَأَنَّهُ مَنَعَ الْحُكْمَ أَيْ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِحُجَّةٍ فَيَقْتَرِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الْمَذْهَبِ الْكَلَامِيِّ لِزِيَادَةِ الِاعْتِنَاءِ لَكِنْ يَشْكُلُ إنْ كَانَ هَذَا الْكَلَامُ الْكَثِيرُ خَيْرًا فَمَنْعُهُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّقْيِيدِ بِالْكَثِيرِ لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ خَيْرًا مَمْنُوعٌ مُطْلَقًا وَلَوْ قَلِيلًا نَعَمْ الْمَنْعُ فِي الْكَثْرَةِ آكَدُ وَيَجُوزُ أَنَّ الْكَلَامَ وَإِنْ خَيْرًا لَيْسَ بِأَدَبٍ عِنْدَ حُضُورِ الْكَلَامِ بِلَا ضَرُورَةٍ وَلِذَا كَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُطِيلُ الصَّمْتَ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَقَفَ سَاعَةً يَتَفَكَّرُ فِيهِ وَفِي الشِّرْعَةِ مَنْ حَفِظَ لِسَانَهُ فَقَدْ سَتَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَوْرَتَهُ وَفِي الْحَدِيثِ «الصَّمْتُ حِكْمَةٌ» نَافِعٌ يَمْنَعُ مِنْ الْجَهْلِ وَالسَّفَهِ أَوْ مِنْ رَدِيءِ الْكَلَامِ وَمَا لَا يُعْنِي يُثْمِرُ حِكْمَةً فِي قَلْبِ الصَّامِتِ يَنْطِقُ عَنْهَا وَيَنْتَفِعُ بِهَا " وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ " قَلَّ مَنْ يَصْمُتُ عَمَّا لَا يُعْنِيهِ وَيَمْنَعُ نَفْسَهُ مِمَّا يَشِينُهُ وَيُؤْذِيهِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ.
وَأَيْضًا الصَّمْتُ أَرْفَعُ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْخَطَايَا مِنْ اللِّسَانِ.
قَالَ وَهْبٌ أَجْمَعَ الْحُكَمَاءُ عَلَى أَنَّ رَأْسَ الْحِكْمَةِ الصَّمْتُ وَقَالَ الْفُضَيْلُ لَا حَجَّ
стр. 781
وَلَا رِبَاطَ وَلَا جِهَادَ أَشَدُّ مِنْ حَبْسِ اللِّسَانِ إذَا تَمَّ عَقْلُ الْمَرْءِ قَلَّ كَلَامُهُ وَأَيْقِنْ بِحُمْقِ الْمَرْءِ إنْ كَانَ مُكْثِرَا وَأَيْضًا الصَّمْتُ زَيْنٌ لِلْعَالِمِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْوَقَارِ وَالْهَذْرُ عَارٌ سِيَّمَا لِلْعَالِمِ الْمُقْتَدَى بِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَقَدْ يَنْطِقُ بِغَيْرِ تَأَمُّلٍ فَيَسْبِقُ لِسَانُهُ بِكَلِمَةٍ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا فَيَهْوِي بِهَا فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ سَبْعِينَ خَرِيفًا كَمَا فِي الْخَبَرِ " وَسِتْرٌ لِلْجَاهِلِ " لِأَنَّهُ يَتَّضِحُ جَهْلُهُ بِكَلَامِهِ.
(تَنْبِيهٌ)
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الصَّمْتُ إمَّا بِاللِّسَانِ عَمَّا لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى جُمْلَةً وَاحِدَةً أَوْ الْقَلْبِ عَنْ خَاطِرِ النَّفْسِ فِي كَوْنٍ مِنْ الْأَكْوَانِ فَمَنْ صَمَتَ لِسَانُهُ فَقَطْ خَفَّ وِزْرُهُ وَمَنْ صَمَتَ لِسَانُهُ وَقَلْبُهُ ظَهَرَ لَهُ بِشْرُهُ وَتَجَلَّى لَهُ رَبُّهُ وَمَنْ صَمَتَ قَلْبُهُ فَقَطْ فَنَاطِقٌ بِلِسَانِ الْحِكْمَةِ وَمَنْ لَمْ يَصْمُتْ بِلِسَانِهِ وَلَا بِقَلْبِهِ كَانَ مَمْلَكَةَ الشَّيْطَانِ وَمَسْخَرَةً لَهُ فَصَمْتُ اللِّسَانِ مِنْ مَنَازِلِ الْعَامَّةِ وَأَرْبَابِ السُّلُوكِ وَصَمْتُ الْقَلْبِ مِنْ صِفَاتِ الْحَقِّ بَيْنَ أَهْلِ الْمُشَاهَدَاتِ وَحَالُ صَمْتِ السَّالِكِينَ السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ وَحَالُ الصَّمْتِ الْمُقِرِّ بَيْنَ مُخَاطَبَاتِ التَّأْنِيسِ فَمَنْ الْتَزَمَ الصَّمْتَ مِنْ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا لَمْ يَبْقَ لَهُ حَدِيثٌ إلَّا مَعَ رَبِّهِ.
ثُمَّ الصَّمْتُ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا لَا قُوَّةَ لَهُ لِلنُّطْقِ وَفِيمَا لَهُ ذَلِكَ وَالسُّكُوتُ لِمَا لَهُ نُطْقٌ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ وَالْإِنْصَاتُ سُكُوتٌ مَعَ اسْتِمَاعٍ وَمَتَى انْفَكَّ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ لَمْ يُقَلْ لَهُ إنْصَاتٌ وَالْإِصَاخَةُ اسْتِمَاعُ مَا يَصْعُبُ كَالسِّرِّ وَالصَّوْتِ مِنْ مَكَان بَعِيدٍ.
وَأَيْضًا الصَّمْتُ سَيِّدُ الْأَخْلَاقِ لِأَنَّهُ يُعِينُ عَلَى الرِّيَاضَةِ وَهُوَ الْأَهَمُّ فِي حُكْمِ الْمُنَازَلَةِ وَتَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ عَذَابِ الْأَخْلَاقِ وَمَنْ مَزَحَ اُسْتُخِفَّ بِهِ أَيْ هَانَ عَلَى النَّاسِ وَنَظَرُوا إلَيْهِ بِعَيْنِ الِاحْتِقَارِ فَاحْفَظْ لِسَانَك مِنْهُ فَإِنَّهُ يُسْقِطُ الْمَهَابَةَ وَيُرِيقُ مَاءَ الْوَجْهِ وَيُؤْذِي الْقُلُوبَ وَيُورِثُ الْحِقْدَ فَلَا تُمَازِحْ أَحَدًا وَإِنْ مَازَحَك غَيْرُك فَأَعْرِض عَنْهُ حَتَّى يَخُوضَ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَكُنْ مِنْ الَّذِينَ إذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا.
قَالَ الدَّيْلَمِيُّ مَاتَ حَبْرٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ فَلَمَّا وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ وَجَدُوا عَلَى عُنُقِهِ لَوْحًا مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَسْطُرٍ هِيَ هَذِهِ. الْكُلُّ مِنْ الْفَيْضِ (ت طِبّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ صَمَتَ نَجَا» مِنْ الْمَخَاوِفِ دِينِيَّةً أَوْ دُنْيَوِيَّةً أَوْ مِنْ ضَرَرِ لِسَانِهِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ هَذَا مِنْ فَضْلِ الْخِطَابِ وَجَوَامِعِ الْكَلِمِ وَجَوَاهِرِ الْحِكَمِ وَلَا يَعْرِفُ مَا تَحْتَ كَلِمَاتِهِ مِنْ بِحَارِ الْمَعَانِي إلَّا خَوَاصُّ الْعُلَمَاءِ وَذَلِكَ لِأَنَّ خَطَرَ اللِّسَانِ عَظِيمٌ وَآفَاتِهِ كَثِيرَةٌ مِنْ نَحْوِ كَذِبٍ وَغِيبَةٍ وَنَمِيمَةٍ وَرِيَاءٍ وَنِفَاقٍ وَمَعَ ذَلِكَ النَّفْسُ تَمِيلُ إلَيْهَا لِأَنَّ لَهَا حَلَاوَةً فِي الْقَلْبِ وَعَلَيْهَا بَوَاعِثَ مِنْ الطَّبْعِ وَالشَّيْطَانِ فَفِي الْخَوْضِ خَطَرٌ وَفِي الصَّمْتِ سَلَامَةٌ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ جَمْعِ الْهَمِّ وَدَوَامِ الْوَقَارِ وَفَرَاغِ الْفِكْرِ لِلْعِبَادَةِ وَالذِّكْرِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ تَبِعَاتِ الْقَوْلِ فِي الدُّنْيَا وَمِنْ حِسَابِهِ فِي الْآخِرَةِ وَمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ التَّعَارُضِ فِي أَحَادِيثِ الصَّمْتِ وَحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ صَمْتِ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ فَمَدْفَعُ بِأَنَّ الصَّمْتَ الْمُرَغَّبَ فِيهِ تَرْكُ الْكَلَامِ الْبَاطِلِ وَكَذَا الْمُبَاحُ الْمُفْضِي إلَيْهِ وَالصَّمْتُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ تَرْكُ الْكَلَامِ فِي الْحَقِّ لِمَنْ يَقْدِرُ وَكَذَا الْمُبَاحُ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ قِيلَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَعَنْ النَّوَوِيِّ وَالْعِرَاقِيِّ سَنَدُ التِّرْمِذِيِّ ضَعِيفٌ وَقِيلَ رُوَاةُ الطَّبَرَانِيِّ ثِقَاتٌ
[الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ قِسْمَيْ آفَاتِ اللِّسَانِ وَفِيهِ سِتَّةُ مَبَاحِثَ]
[الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ فِي الْكَلَامِ الَّذِي الْأَصْلُ فِيهِ الْحَظْرُ وَهُوَ سِتُّونَ]
[الْأَوَّلُ كَلِمَةُ الْكُفْرِ]
(الْقِسْمُ الثَّانِي)
مِنْ قِسْمَيْ آفَاتِ اللِّسَانِ (فِي آفَاتِهِ تَفْصِيلًا اعْلَمْ أَنَّ آفَاتِهِ إمَّا فِي السُّكُوتِ) لِأَنَّهُ حَرَامٌ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ كَتَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ (أَوْ فِي الْكَلَامِ وَالْكَلَامُ عَلَى ضَرْبَيْنِ مَا الْأَصْلُ فِيهِ الْمَنْعُ) كَالْكَذِبِ (وَالْإِذْنُ لِعَارِضٍ) كَالْإِكْرَاهِ وَالْإِصْلَاحِ.
(وَ) الثَّانِي (مَا عَلَى الْعَكْسِ) أَيْ الْأَصْلُ فِيهِ الْإِذْنُ وَالْمَنْعُ لِعَارِضٍ (وَالثَّانِي) أَيْ الْإِذْنُ (إمَّا مِنْ الْعَادَاتِ) كَالْبَيْعِ (أَوْ مِنْ الْعِبَادَاتِ) كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ (وَمَا مِنْ الْعَادَاتِ
стр. 782
إمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِنِظَامِ الْعَالَمِ وَانْتِظَامِ الْمَعَاشِ أَوْ لَا وَمَا مِنْ الْعِبَادَاتِ إمَّا مُتَعَدِّيَةٌ) كَالْأَعْمَالِ الْغَيْرِ الْمُنْقَطِعَةِ (أَوْ قَاصِرَةٌ) كَالذِّكْرِ (فَفِيهِ سِتَّةُ مَبَاحِثَ الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ فِي الْكَلَامِ الَّذِي الْأَصْلُ فِيهِ الْحَظْرُ) أَيْ الْمَنْعُ وَالْحُرْمَةُ (وَهُوَ سِتُّونَ الْأَوَّلُ كَلِمَةُ الْكُفْرِ) اتِّفَاقًا أَوْ اخْتِلَافًا بَيْنَ فُقَهَائِنَا (الْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَحُكْمُهُ إنْ كَانَ طَوْعًا مِنْ غَيْرِ سَبْقِ لِسَانٍ إحْبَاطُ الْعَمَلِ كُلِّهِ) لَمَّا كَانَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ رُكْنَيْنِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَانَ الْمُنَافِي لِكُلٍّ مِنْهَا كُفْرًا أَمَّا مُنَافِي الْأَوَّلِ وَهُوَ الْإِنْكَارُ وَالْوَهْمُ وَالشَّكُّ وَالظَّنُّ فَكُفْرٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَأَمَّا مُنَافِي الثَّانِي فَكُفْرٌ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ إنْ صَدَرَ بِلَا سَبْقِ لِسَانٍ جِدًّا أَوْ هَزْلًا وَأَمَّا مَعَهُ فَمَعْفُوٌّ وَأَمَّا فِي حَالَةِ الْإِكْرَاهِ فَإِنْ بِالْمُلْجِئِ أَعْنِي تَلَفَ النَّفْسِ أَوْ الْعُضْوِ فَفِيهِ رُخْصَةٌ لِلْعُذْرِ وَالْعَزِيمَةُ عَدَمُهُ فَإِنْ قُتِلَ كَانَ مِنْ أَفْضَلِ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهِ مِثْلَ الضَّرْبِ الشَّدِيدِ وَالْحَبْسِ الْمَدِيدِ وَتَلَفِ الْمَالِ فَلَا يَجُوزُ أَصْلًا حَتَّى لَوْ تَكَلَّمَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ صَارَ كَافِرًا دِيَانَةً وَقَضَاءً
(ثُمَّ لَا يَعُودُ بَعْدَ التَّوْبَةِ) عِنْدَ أَئِمَّتِنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الِاخْتِلَافُ فِي حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَالشَّافِعِيُّ حَمَلَ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] عَلَى قَوْلِهِ ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] الْآيَةُ فَاشْتَرَطَ فِي الْإِحْبَاطِ الْمَوْتُ عَلَى الْكُفْرِ وَأَمَّا أَئِمَّتُنَا فَلَمْ يَحْمِلُوا بَلْ عَمِلُوا بِكِلَيْهِمَا لِإِمْكَانٍ الْعَمَلِ فَلَمْ يَشْتَرِطُوا فِيهِ الْمَوْتَ الْمَذْكُورَ فَعَلَى قَوْلِهِمْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ أَسْلَمَ ابْتِدَاءً وَبَيْنَ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْكُفْرُ ثُمَّ تَابَ فِي عَدَمِ الْخَيْرِ بَلْ أَشَدُّ مِنْهُ لِأَنَّهُ بِسَبَبِ الْإِسْلَامِ تَخَلَّصَ عَنْ جَمِيعِ الْآثَارِ بِخِلَافِ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْكُفْرُ فَإِنَّ مَعَاصِيَهُ لَا تَذْهَبُ بِكُفْرِهِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ قَضَاءُ مَا فَاتَ فِي إسْلَامِهِ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ كَذَا فِي بَعْضِ مَنْهِيَّاتِ الْمُصَنِّفِ (فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّ عِنْدَهُ يَعُودُ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَأَمَّا عِنْدَنَا فَيَجِبُ بَعْدَ التَّوْبَةِ ثَانِيًا (إنْ كَانَ غَنِيًّا) أَيْ مُسْتَطِيعًا فَإِنَّ مُجَرَّدَ الْغِنَى لَيْسَ بِمُوجِبٍ (وَلَوْ حَجَّ أَوَّلًا وَلَا يَجِبُ قَضَاءُ مَا صَلَّى وَصَامَ وَزَكَّى) قَبْلَ الرِّدَّةِ فِي حَالِ إسْلَامِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ وَلِعَدَمِ تَقَرُّرِهِ فِي ذِمَّتِهِ وَعَدَمِ بَقَاءِ سَبَبِ وُجُوبِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَهُوَ الْوَقْتُ وَالشُّهُودُ وَالنِّصَابُ (وَيَجِبُ قَضَاءُ مَا فَاتَ مِنْهَا) فِي حَالِ إسْلَامِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ (لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تَذْهَبُ بِالْكُفْرِ) فَيَجِبُ قَضَاءُ جَمِيعِ فَوَائِتِهِ الْمَفْرُوضَةِ
стр. 783
وَالْوَاجِبَةِ (وَانْفِسَاخُ النِّكَاحِ) عَطْفٌ عَلَى إحْبَاطِ الْعَمَلِ (وَلَوْ مِنْ الْمَرْأَةِ) إلَّا أَنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى النِّكَاحِ بِزَوْجِهَا الْأَوَّل خِلَافًا لِمَشَايِخ بَلْخٍ كَأَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي الْقَاسِمِ الصَّفَّارِ فَلَا تُؤَثِّرُ رِدَّةُ الْمَرْأَةِ فِي فَسَادِ النِّكَاحِ وَلَا يُؤْمَرُ بِتَجْدِيدِ النِّكَاحِ حَسْمًا لِهَذَا الْبَابِ عَلَيْهِنَّ (بِلَا طَلَاقٍ) فِي جَانِبِ الْمَرْأَةِ بِالِاتِّفَاقِ وَأَمَّا فِي الرَّجُلِ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ طَلَاقٌ فَيَلْزَمُ التَّحْلِيلُ بَعْدَ ثَلَاثٍ عَلَى قَوْلِهِ خِلَافًا لَهُمَا فَقَوْلُهُ (فَلَا يَلْزَمُ الْحِلُّ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (بَعْدَ الثَّلَاثِ فَلَوْ صَدَرَتْ) كَلِمَةُ الْكُفْرِ (مِنْ الْمَرْأَةِ تُجْبَرُ عَلَى تَجْدِيدِ النِّكَاحِ بَعْدَ التَّوْبَةِ) مَعَ زَوْجِهَا (وَإِنْ) أَيْ لَوْ صَدَرَتْ (مِنْ الرَّجُلِ تَتَخَيَّرُ الْمَرْأَةُ إنْ تَابَ وَ) حُكْمُهُ أَيْضًا (حُرْمَةُ ذَبِيحَتِهِ وَحِلُّ قَتْلِهِ) فَدَمُهُ هَدَرٌ لَا تَلْزَمُ الدِّيَةُ عَلَى قَاتِلِهِ لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يُقْتَلَ قَبْلَ الْعَرْضِ وَالْإِبَاءِ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»
(وَالْإِجْبَارُ عَلَى التَّوْبَةِ) بِنَحْوِ الضَّرْبِ وَالْوَجِيعِ وَالْحَبْسِ الْمَدِيدُ (وَهِيَ) أَيْ التَّوْبَةُ (الرُّجُوعُ عَمَّا قَالَهُ لَا مُجَرَّدُ الشَّهَادَتَيْنِ) فَلَوْ كَانَ كُفْرُهُ مِنْ إنْكَارِ فَرْضِيَّةِ الصَّلَاةِ يَقُولُ رَجَعْت مِنْ إنْكَارِي ذَلِكَ لَكِنْ يَسْبِقُ إلَى الْخَاطِرِ أَنَّهُ لَوْ لَاحَظَ عِنْدَ إتْيَانِهِ الشَّهَادَتَيْنِ الرُّجُوعَ مِنْ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ لِأَنَّ النُّطْقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ مُتَضَمِّنٌ وَمُسْتَلْزِمٌ لِجَمِيعِ الْمُؤْمَنِ بِهِ وَلَوْ لُزُومًا غَيْرَ بَيِّنٍ (وَالْجُحُودُ) أَيْ إنْكَارُ ارْتِدَادِهِ (تَوْبَةٌ) قَضَاءً وَحُكْمًا لَكِنْ يَسْبِقُ إلَى الْخَاطِرِ الْفَاتِرِ أَنَّ لُزُومَ التَّوْبَةِ بِالْإِنْكَارِ لَيْسَ أَقْوَى مِنْ لُزُومِهَا لِلشَّهَادَتَيْنِ فَمَا وَجْهُ كَوْنِ الْأَوَّلِ تَوْبَةً دُونَ الثَّانِي
стр. 784
(فَإِنْ لَمْ يَتُبْ يَجِبُ قَتْلُهُ) عَلَى الْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ بَلْ عَلَى كُلِّ مَنْ قَدَرَ إنْ أَهْمَلُوا (فَيَتَأَبَّدُ فِي النَّارِ) إنْ مَاتَ بِلَا تَوْبَةٍ بِلَا فَرْقٍ عَنْ سَائِرِ الْكُفَّارِ فَلَا يَشْكُلُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إكْفَارُ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ مِنْ غَيْرِ مَنْ أَخْبَرَ الشَّارِعُ فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِهِ فِيهِ وَمِنْ حُكْمِ الِارْتِدَادِ مَا فِي الْأَشْبَاهِ مِنْ أَنَّهُ يُبْطِلُ مَا رَوَاهُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْحَدِيثِ وَبُطْلَانُ وَقْفِهِ مُطْلَقًا وَإِذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ لَمْ يُدْفَنْ فِي مَقَابِرِ أَهْلِ مِلَّةٍ مِنْ الْمِلَلِ وَإِنَّمَا يُلْقَى فِي حَفِيرَةٍ كَالْكَلْبِ
[الثَّانِي مَا فِيهِ خَوْفُ الْكُفْرِ]
(الثَّانِي) مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ (مَا فِيهِ خَوْفُ الْكُفْرِ) وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَجْزِمْ الْفُقَهَاءُ بِإِيجَابِهِ كُفْرًا بَلْ قَالُوا فِيهِ خَوْفُ الْكُفْرِ أَوْ خِيفَ فِيهِ الْكُفْرُ أَوْ خَطَأٌ عَظِيمٌ كَتَعْبِيرِ مَنْ أَرَادَ اشْتِرَاءَ أَمَةٍ أُخْرَى وَلَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ وَأَلْفُ أَمَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦]- وَالتَّفْصِيلُ فِي كِتَابِ السِّيَرِ وَالْكَرَاهَةُ وَالِاسْتِحْسَانُ مِنْ الْفِقْهِيَّةِ (وَحِكْمَةُ أَنْ يُؤْمَرَ بِالتَّوْبَةِ وَتَجْدِيدِ النِّكَاحِ احْتِيَاطٌ) لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ كُفْرًا
[الثَّالِثُ الْخَطَأُ]
(الثَّالِثُ الْخَطَأُ) وَهُوَ مَا قِيلَ فِيهِ خَطَأٌ كَأَنْ يَقُولَ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ مَكَان لِإِيهَامِهِ كَوْنِهِ تَعَالَى فِي الْمَكَانِ وَالْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الصَّحِيحِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ وَرَأْسِ ابْنِي أَوْ جَدِّي أَوْ السُّلْطَانِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (وَحُكْمُهُ أَنْ يُؤْمَرَ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ فَقَطْ) بِدُونِ تَجْدِيدِ النِّكَاحِ (وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ يُعْرَفُ مِنْ الْفَتَاوَى وَأَسْبَابِهَا وَعِلَاجِهَا مَرَّ)
стр. 785
فِي الْآفَاتِ الْقَلْبِيَّةِ
[الرَّابِعُ الْكَذِبُ]
(الرَّابِعُ) (الْكَذِبُ) هُوَ مِنْ قَبَائِحِ الذُّنُوبِ وَفَوَاحِشِ الْعُيُوبِ (وَهُوَ) عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْإِخْبَارُ عَنْ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ) فِي الْوَاقِعِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَمْدٍ فَمَعْفُوٌّ بِدَلِيلِ يَمِينِ اللَّغْوِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وَهِيَ حَلِفُهُ كَاذِبًا يَظُنُّهُ صَادِقًا كَمَا إذَا حَلَفَ أَنَّ فِي هَذَا الْكُوزِ مَاءً بِنَاءً عَلَى رُؤْيَتِهِ وَقَدْ أُرِيقَ وَلَمْ يَعْرِفْ لَكِنَّ قَوْلَهُ فَمَعْفُوٌّ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْفِقْهِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْفُوٍّ بَلْ هُوَ يُرْجَى عَفْوُهُ.
فَإِنْ قِيلَ الْمَفْهُومُ مِنْ الْآيَةِ هُوَ الْقَطْعُ قُلْنَا إنَّمَا تَدُلُّ قَطْعًا أَنْ أُرِيدَ قَطْعًا مِنْ اللَّغْوِ مَا ذَكَرَ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ الْمُرَادُ مِنْ اللَّغْوِ مَا يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِهِ كَانَ يَقْصِدُ التَّسْبِيحَ فَيَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ الْيَمِينُ كَمَا فِي الدُّرَرِ (وَإِنْ كَانَ عَنْ عَمْدٍ فَحَرَامٌ قَطْعِيٌّ) لِنَحْوِ قَوْله تَعَالَى - ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]- (إلَّا فِي مَوَاضِعَ) قَلِيلَةٍ (عِنْدَ الْبَعْضِ وَسَيَجِيءُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠] مُؤْلِمٌ مِنْ الْأَلَمِ ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠] بِسَبَبِ كَ ذِبِهِمْ فَإِنَّ الْوَعِيدَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى الْحَرَامِ لَكِنْ إنْ كَانَ هَذَا الْوَعِيدُ لِكَذِبٍ مَخْصُوصٍ لَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ إذْ الْمَطْلُوبُ هُوَ الْمُطْلَقُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ الْعِبْرَةَ عِنْدَنَا بِعُمُومِ الصِّيغَةِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ وَأَنَّ عِلَّةَ الْحُرْمَةِ عَامَّةٌ لِجَمِيعِ صُوَرِ الْكَذِبِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ فِيهِمَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ لَا أَقَلَّ مِنْ الِاحْتِمَالِ وَقَدْ قَالَ فِي التَّلْوِيحِ لَا حُجَّةَ مَعَ الِاحْتِمَالِ لَا سِيَّمَا فِي الْمَطْلُوبِ الْيَقِينِيِّ لَا يُقَالُ إنَّ الدَّلِيلَ الظَّنِّيَّ إذَا كُثْرَ يُفِيدُ الْقَطْعَ كَمَا فُهِمَ مِنْ مَوَاضِعِ كِتَابِ الْمَقَاصِدِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُنَاسِبٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لَا عِنْدَنَا وَدَعْوَى اجْتِمَاعِ كُلِّ تِلْكَ الظُّنُونِ عَلَى أَنْ يَكُونَ كُلُّ ذَلِكَ أَجْزَاءً لِمُرَكَّبٍ وِجْدَانِيٍّ حَتَّى يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ كَثْرَةِ الْأَجْزَاءِ بَعِيدٌ فَلَعَلَّ الْحَقَّ أَنَّ قَطْعِيَّةَ حُرْمَتِهِ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَمِثْلُ تِلْكَ النُّصُوصِ أَسَانِيدُ الْإِجْمَاعِ وَإِنْ حُمِلَ كُلُّ لَفْظٍ عَلَى تَبَادُرِهِ عَلَى وَجْهٍ يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلَى خِلَافِ وَاجِبٍ ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] أَيْ الْكَذِبَ ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾ [الحج: ٣١] أَيْ مَائِلِينَ عَنْ كُلِّ مَا عَدَا التَّوْحِيدَ مِنْ الْأَدْيَانِ فَإِنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لِلْوُجُوبِ عِنْدَنَا وَقَدْ قُرِّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ ضِدَّ الْمَأْمُورِ بِهِ إنْ فَوَّتَ الْمَقْصُودَ بِالْأَمْرِ وَلَوْ مُتَعَدِّدًا فِي الْأَصَحِّ فَحَرَامٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآيَةَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَافْهَمْ (حَدُّ) أَحْمَدُ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ» بِالْبِنَاءِ لِغَيْرِ الْفَاعِلِ أَيْ يُجْبَلُ وَيُخْلَقُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِصَالِ «كُلِّهَا إلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ» فَالْكَذِبُ وَالْخِيَانَةُ وَإِنْ لَمْ يَرِدْ إيجَابُهُمَا الْكُفْرَ لَكِنَّ إيهَامَهُمَا ذَلِكَ لِزِيَادَةِ التَّخْوِيفِ وَالتَّهْدِيدِ لِقُوَّةِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْحُرْمَةِ أَوْ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاسْتِحْلَالِ لَكِنْ لَا يَكُونُ حِينَئِذٍ مِنْ مُرَادِ الْمَقَامِ (يَعْلَى) أَبُو يَعْلَى (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ صَرِيحَ الْإِيمَانِ» حَقِيقَتَهُ وَكَمَالَهُ «حَتَّى يَدَعَ الْمِزَاحَ» أَيْ الْمَذْمُومَ مِنْهُ أَوْ كَثْرَتَهُ «وَالْكَذِبَ وَيَدَعَ الْمِرَاءَ» بِالْكَسْرِ الْمُجَادَلَةُ
стр. 786
«وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا» لِمَا يُورِثُ مِنْهُ وَيُؤَدِّي إلَيْهِ مِنْ الْبُغْضِ وَالْفِتْنَةِ (حُبٌّ. عَنْ أَبِي بَرْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ إنَّ «الْكَذِبَ يُسَوِّدُ الْوَجْهَ فِي الدَّارَيْنِ»
لِأَنَّهُ يَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]- قَالَ الْبَيْهَقِيُّ الْكَذِبُ مَرَاتِبُ أَعْلَاهُ فِي الْقُبْحِ وَالتَّحْرِيمِ الْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ ثُمَّ رَسُولِهِ ثُمَّ كَذِبُ الْمَرْءِ عَلَى عَيْنِهِ فَلِسَانِهِ فَجَوَارِحِهِ وَكَذِبُهُ عَلَى وَالِدَيْهِ ثُمَّ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ أَغْلَظُ مِنْ غَيْرِهِ (وَالنَّمِيمَةُ) نَقْلُ الْكَلَامِ عَلَى وَجْهِ الْإِفْسَادِ (عَذَابُ الْقَبْرِ) مِنْ قَبِيلِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ (ت. عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا كَذَبَ الْعَبْدُ تَبَاعَدَ عَنْهُ الْمَلَكُ مِيلًا» ثُلُثُ الْفَرْسَخِ «مِنْ نَتْنِ» رَائِحَتِهِ الْكَرِيهَةِ «مَا جَاءَ بِهِ»
مِنْ الْكَذِبِ الْمُرَادُ مَلَكُ الرَّحْمَةِ وَالْحَفَظَةُ وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ نَتْنِ رِيحِهِ.
فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ لِلْقَوْلِ رِيحٌ قُلْنَا تَعَلُّقُ الرَّوَائِحِ بِالْأَجْسَامِ وَخَلْقُهَا فِيهَا عَادَةٌ لَا طَبِيعَةٌ فَإِذَا شَاءَ الْبَارِي خَلَقَهَا مَقْرُونَةً بِالْأَعْرَاضِ فَنُسِبَتْ إلَيْهَا وَأُخِذَ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُدْرِك مِنْ الْآدَمِيِّ رِيحًا خَبِيثَةً عِنْدَ تَلَفُّظِهِ بِالْمَعْصِيَةِ وَهَلْ هَذِهِ الرِّيحُ حِسِّيَّةٌ أَوْ مَعْنَوِيَّةٌ احْتِمَالَانِ رَجَّحَ بَعْضٌ الْأَوَّلَ وَعَدَمَ إدْرَاكِنَا لِلْحِجَابِ فَيُدْرِكُ الْكَامِلُ وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ أَحْمَدَ بْنِ جَابِرٍ «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﵊ فَارْتَفَعَتْ رِيحٌ مُنْتِنَةٌ فَقَالَ أَتَدْرُونَ مَا هَذِهِ الرِّيحُ هَذِهِ رِيحُ الَّذِينَ يَغْتَابُونَ الْمُؤْمِنِينَ» وَأَخَذَ مِنْهُ جَمْعُ الصُّوفِيَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَابِدِ أَنْ يُطَهِّرَ ظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ لِئَلَّا يُؤْذِيَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْحَضْرَةِ الْآلِهِيَّةِ مِنْ أَنْبِيَاءَ وَمَلَائِكَةٍ وَأَوْلِيَاءَ بِنَتْنِ الرِّيحِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ الذُّنُوبِ سِيَّمَا الْفَمُ إذَا أُنْطِقَ بِمَا لَا يَحِلُّ فَإِنَّهُمْ يَشُمُّونَ رَائِحَةَ الْمُخَلَّفَاتِ وَلِهَذَا قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ النَّاسُ يَشُمُّونَ رِيحَ الْمَعَاصِي كَمَا أَشُمُّهَا مَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يُجَالِسَنِي مِنْ نَتْنِ رِيحِي وَاتَّفَقَ جَمِيعُ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ عَلَى قُبْحِ الْكَذِبِ حَتَّى الْكُفَّارُ كَمَا فِي الْكَشَّافِ.
(تَنْبِيهٌ)
الْعَالَمُ مَشْحُونٌ بِالْمَلَائِكَةِ وَأَذِيَّتُهُمْ وَأَذِيَّةُ مَوَاطِنِهِمْ كَالْمَسَاجِدِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْنَا فَلَيْسَ فِي الْعَالَمِ مَوْضِعُ شِبْر إلَّا وَفِيهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ فَالْعَالَمُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ لَهُمْ فَأَذِيَّتُهُمْ بِالْمَعَاصِي وَرِيحِ الذُّنُوبِ وَإِكْرَامُهُمْ بِكَفِّ الْأَذَى عَنْهُمْ وَكَفُّ الْأَذَى بِتَرْكِ الْكَذِبِ وَكَشْفِ الْعَوْرَةِ وَالْقَبَائِحِ فَالْكَفُّ عَنْ ذَلِكَ إكْرَامٌ لِلْمَلَأِ الْأَعْلَى الْمُجَاوِرِينَ لِلْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ وَالنُّفُوسِ فِي الْعَالَمِ فِي عَالَمِ الْمَلَكُوتِ وَالْأَجْسَامِ فِي عَالَمِ الْمُلْكِ كَذَا فِي الْفَيْضِ (ز. عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) وَعَنْ أَبَوَيْهَا (أَنَّهَا قَالَتْ «مَا كَانَ مِنْ خُلُقٍ أَبْغَضَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْكَذِبِ مَا اطَّلَعَ» كُلَّمَا اطَّلَعَ «عَلَى أَحَدٍ مِنْ ذَلِكَ» الْكَذِبِ «بِشَيْءٍ» قَلِيلٍ «فَيَخْرُجُ مِنْ قَلْبِهِ» فَلَوْ اطَّلَعَ مِنْ أَحَدٍ قَلِيلًا مِنْ الْكَذِبِ يَخْرُجُ هُوَ مِنْ قَلْبِهِ أَوْ يُخْرِجُهُ هُوَ مِنْ قَلْبِهِ «حَتَّى يَعْلَمَ» إلَى أَنْ يَعْلَمَ «أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ تَوْبَةً» يَعْنِي: ذَلِكَ الْإِخْرَاجُ يَسْتَمِرُّ إلَى وَقْتِ التَّوْبَةِ فَعِنْدَ عِلْمِهِ تَوْبَتَهُ يُدْخِلُهُ قَلْبَهُ لِأَنَّهُ كَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفًا رَحِيمًا فَرُتْبَةُ فُحْشِ الْكَذِبِ مَعْلُومَةٌ مِنْ رُتْبَةِ بُغْضِهِ ﵊ -
стр. 787
(هَقّ. عَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْكَذِبُ مُجَانِبُ الْإِيمَانِ»
مُضَادُّ الْإِيمَانِ الْكَامِلِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ فَهُمَا مَانِعَا الْجَمْعِ.
(وَأَشَدُّهُ) أَيْ الْكَذِبِ (الْبُهْتَانُ) هُوَ إسْنَادُ مَا لَمْ يَصْدُرْ وَوَصْفُهُ بِمَكْرُوهٍ لَمْ يَكُنْ هُوَ فِيهِ (حَدٌّ) أَحْمَدُ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَمْسٌ لَيْسَ لَهُنَّ كَفَّارَةٌ» سَاتِرَةٌ إثْمَهَا: «الشِّرْكُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَبَهْتُ» مِنْ الْبُهْتَانِ «الْمُؤْمِنِ» أَيْ قَوْلُهُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى حَيَّرَهُ فِي أَمْرِهِ وَأَدْهَشَهُ فَالتَّقْيِيدُ بِالْمُؤْمِنِ إمَّا لِأَنَّ الَّذِي لَيْسَ كَذَلِكَ فِي الشِّدَّةِ لِإِلْحَاقِهِ بِهِ «وَالْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ» حَيْثُ لَمْ يَجُزْ الْفِرَارُ كَالْمُسَاوَاةِ فَلَوْ كَانَ الْكُفَّارُ ثَلَاثَةُ وَالْمُسْلِمُ وَاحِدٌ يَجُوزُ الْفِرَارُ وَلَوْ اثْنَيْنِ فَالْأَوْلَى عَدَمُ الْفِرَارِ فَالْفِرَارُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ «وَيَمِينٌ ضَائِرَةٌ» الَّتِي يَتَعَمَّدُ بِهَا إذْهَابَ مَالِ مُسْلِمٍ كَذِبًا «يَقْتَطِعُ بِهَا مَالًا بِغَيْرِ حَقٍّ» كَمَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ لِآخَرَ أَنْكَرَهُ فَقَطَعَهُ بِيَمِينِهِ
(وَأَشَدُّ الْبُهْتَانِ شَهَادَةُ الزُّورِ) وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَإِنْ كَانَ مُؤَوِّلًا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ شَجَرِ السِّوَاكِ» .
(د. عَنْ خُزَيْنِ بْنِ فَاتِكٍ أَنَّهُ «قَالَ صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الصُّبْحِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَامَ قَائِمًا فَقَالَ عَدَلَتْ» سَاوَتْ «شَهَادَةُ الزُّورِ الْإِشْرَاكَ بِاَللَّهِ تَعَالَى» أَيْ جُعِلَتْ الشَّهَادَةُ الْكَاذِبَةُ مُمَاثِلَةً لِلْإِشْرَاكِ فِي مُطْلَقِ الْإِثْمِ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ مُطْلَقَ الْمَعَاصِي مُشْتَرِكٌ بِالِاشْتِرَاكِ بِهَذَا الْمَعْنَى تَفْصِيلُهُ إنْ أُرِيدَ الْمُطْلَقُ فَيُورَدُ بِذَلِكَ وَإِنْ الْمُمَاثَلَةُ فَيَلْزَمُ الْكُفْرُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ فَالْأَنْسَبُ إمَّا الشَّهَادَةُ بِاعْتِقَادِ الْحِلِّ وَإِمَّا الْقُرْبُ مِنْ الْإِشْرَاكِ فَسَائِرُهَا وَإِنْ شَارَكَ أَصْلَ الْعِصْيَانِ لَكِنْ لَيْسَ قَرِيبًا مِنْ الْإِشْرَاكِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ الْإِشْرَاكُ مِنْ غَيْرِ كُفْرٍ كَالرِّيَاءِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ مُطْلَقُ الْكَذِبِ وَاللَّازِمُ مِنْ الْحَدِيثِ الْكَذِبُ الْمَخْصُوصُ لَكِنْ لَا ضَيْرَ فَافْهَمْ «ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» قَالَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «ثُمَّ قَرَأَ ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] »
стр. 788
أَيْ الْكَذِبَ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ مِنْ الِاسْتِشْهَادِ بِحَسَبِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ وَجْهُ الْمُعَادَلَةِ أَنَّهُ تَعَالَى جَمَعَ بَيْنَ الرِّجْسِ وَالزُّورِ فِي الْأَمْرِ بِالِاجْتِنَابِ عَنْهُمَا (خ م. عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا» كَرَّرَهُ ثَلَاثًا لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ أَوْ لِلتَّشْوِيقِ إلَى الْجَوَابِ «الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» بِمَا يَتَأَذَّيَانِ بِهِ «وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَقَوْلُ الزُّورِ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ»
لِئَلَّا يَتْعَبَ وَيَسْتَرِيحَ مِنْ هَذَا التَّكْرِيرِ الْكَثِيرِ، وَالْجُلُوسُ بَعْدَ الِاتِّكَاءِ لِتَأْكِيدِ حُرْمَتِهَا وَشَنَاعَةِ قُبْحِهَا وَعِظَمِ جُرْمِهَا فَإِنْ قِيلَ إنَّ الْعُقُوقَ وَمَا بَعْدَهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِهِمَا كَبِيرَتَيْنِ لَا شَكَّ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ كَالْإِشْرَاكِ فَكَيْفَ جَمَعَهَا فِي كَوْنِهِمَا أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ وَاعْتَنَى بِشَأْنِ الْأَخِيرِ بِالْجُلُوسِ وَالتَّكْرَارِ دُونَ الْأَوَّلِ قُلْنَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ لِلْجَمِيعِ بِحَسَبِ بَعْضِ أَجْزَائِهِ يَعْنِي الْأَوَّلَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ عَلَفْتهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا أَوْ يُرَادُ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ مَا هُوَ الْأَعَمُّ مِنْ الْحَقِيقِيِّ وَالْإِضَافِيِّ فَالْأَخِيرَانِ أَكْبَرَانِ مِمَّا تَحْتَهُمَا مِنْ الْكَبَائِرِ وَإِنْ كَانَا أَصْغَرَيْنِ مِمَّا فَوْقَهُمَا وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ مِنْ الْإِشْرَاكِ مَا لَا يَبْلُغُ كُفْرًا كَالرِّيَاءِ كَمَا مَرَّ وَأَمَّا أَمْرُ الِاعْتِنَاءِ فَلِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ لَا يَعْتَقِدُونَ كَوْنَ الْأَخِيرِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ أَوْ فِيهِمْ مَنْ يُبْتَلَى بِهَذِهِ الْبَلِيَّةِ دُونَ الْأَوَّلِ ثُمَّ أَيْضًا فِي اقْتِرَانِ الْأَوَاخِرِ بِالْأُوَلِ مَزِيدُ تَهْدِيدٍ وَزِيَادَةُ تَحْذِيرٍ وَتَخْوِيفٍ
(وَ) أَشَدُّ الْبُهْتَانِ أَيْضًا (الِافْتِرَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى رَسُولِهِ) لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى هَدْمِ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ وَإِفْسَادِ الشَّرِيعَةِ وَالْأَحْكَامِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ [الأنعام: ٢١] اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] أَيْ لَا أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِشِدَّةِ جُرْأَتِهِ وَقُوَّةِ جَرِيمَتِهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [يونس: ٦٩]-) لَا يَظْفَرُونَ بِمُرَادَاتِهِمْ وَلَا يَنْجُونَ مِنْ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (خ م. عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ»
فَأَنَّهُ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ الْكَذِبِ بَعْدَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لِتَأْدِيَتِهِ إلَى هَدْمِ قَوَاعِدِ الدِّينِ قِيلَ وَلِهَذَا كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ إكْثَارَ الْحَدِيثِ خَوْفًا مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَخَافَ بَعْضٌ مِنْ التَّابِعِينَ ﵏ مِنْ رَفْعِ الْحَدِيثِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَوْقَفَهُ عَلَى الصَّحَابِيِّ وَقَالَ الْكَذِبُ عَلَيْهِ أَهْوَنُ مِنْ الْكَذِبِ عَلَى الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيلَ وَلِذَلِكَ أُمِرَ بِقَتْلِ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ وَإِحْرَاقِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّهُ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] «فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» مَسْكَنَهُ أَمْرٌ بِمَعْنَى الْخَبَرِ أَوْ بِمَعْنَى التَّحْذِيرِ أَوْ التَّهَكُّمِ
стр. 789
أَوْ الدُّعَاءِ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ أَيْ بَوَّأَهُ اللَّهُ ذَلِكَ وَاحْتِمَالُ كَوْنِهِ أَمْرًا حَقِيقَةً وَالْمُرَادُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَأْمُرْ نَفْسَهُ بِالتَّبْوِئَةِ بَعِيدٌ وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ يُفِيدُ أَنَّ الْكَذِبَ عَلَيْهِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ بَلْ عَدَّهُ بَعْضُهُمْ مِنْ الْكُفْرِ.
قَالَ الذَّهَبِيُّ وَتَعَمُّدُ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي تَحْرِيمِ حَلَالٍ أَوْ عَكْسِهِ كُفْرٌ مَحْضٌ وَلَاحَ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ رِوَايَةَ الْمَوْضُوعِ لَا تَحِلُّ كَذَا فِي الْفَيْضِ.
وَعَنْ النَّوَوِيِّ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَضْعُهُ وَقِيلَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مِائَتَانِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْحَدِيثِ مَا يَرْوِيه الْعَشَرَةُ الْمُبَشَّرَةِ غَيْرُ هَذَا وَلِهَذَا قِيلَ لَوْ كَانَ فِي الْحَدِيثِ تَوَاتُرٌ لَفْظِيٌّ لَكَانَ هَذَا فَقَطْ وَعَنْ مَوْضُوعَاتِ عَلِيٍّ الْقَارِي وَلِلتَّحَرُّزِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ كَانَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالصَّحَابَةُ يَتَّقُونَ كَثْرَةَ الْحَدِيثِ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَطْلُبَانِ مَنْ رَوَى لَهُمَا حَدِيثًا لَمْ يَسْمَعَاهُ بَيِّنَةً وَيَتَوَعَّدَانِ فِي ذَلِكَ وَكَانَ بَعْضُ الْمُحْتَاطِينَ خَوْفًا مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ يَقُولُ قَرِيبًا مِنْ هَذَا أَوْ نَحْوَ هَذَا أَوْ شِبْهَ هَذَا وَمِنْ جُمْلَةِ الْمُحْتَاطِينَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَلَا فَرْقَ فِي الْحُرْمَةِ بَيْنَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ وَالْفَضَائِلِ وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَالْمَوَاعِظِ فَإِنَّ كُلَّهُ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ كَذَا نُقِلَ عَنْ النَّوَوِيِّ وَأَمَّا الضَّعِيفُ فَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الِاعْتِقَادِيَّاتِ وَالْأَحْكَامِ وَقَدْ سَبَقَ زِيَادَةُ تَفْصِيلِهِ قَبْلُ
(فَمِنْ الِافْتِرَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى الْإِفْتَاءُ بِغَيْرِ عِلْمٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] مَفْعُولُ لَا تَقُولُوا وَهَذَا حَلَالٌ بَدَلٌ مِنْهُ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِتَصِفُ عَلَى إرَادَةِ الْقَوْلِ أَيْ وَلَا تَقُولُوا الْكَذِبَ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ فَتَقُولُوا ﴿هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ " لِمَا تَصِفُ " وَاللَّامُ لِلْعَاقِبَةِ قَالَ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي وَمِنْ الِافْتِرَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى التَّوَاجُدُ وَهُوَ ادِّعَاءُ الْوِلَايَةِ وَالْكَرَامَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى (د. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا) هُوَ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَوْ صِفَةً «مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ»
إنْ كَانَ الْمُفْتِي مَعْرُوفًا بِالْفِقْهِ وَالثِّقَةِ وَلَمْ يَكُنْ خَطَأً فِي الِاجْتِهَادِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا فَالْإِثْم عَلَيْهِمَا أَوْ كَانَ مَعْرُوفًا وَكَانَ خَطَأً فِي الِاجْتِهَادِ فَلَا إثْمَ بَلْ الْأَجْرُ لَازِمٌ وَيُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ قَالَ فِي التتارخانية وَلَا يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ
стр. 790
بِبَعْضِ الْأَقَاوِيلِ الْمَهْجُورَةِ لِجَرِّ مَنْفَعَةٍ لِأَنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بَلْ بِمَا اخْتَارَهُ الْمَشَايِخُ وَمِنْ شَرَائِطِ الْفَتْوَى أَنْ يَكُونَ الْمُفْتِي حَافِظًا لِلتَّرْتِيبِ وَالْعَدْلِ لَا يَمِيلُ إلَى الْأَغْنِيَاءِ وَالْأُمَرَاءِ وَأَعْوَانِ السُّلْطَانِ وَمِنْ آدَابِهِ أَنْ يَأْخُذَ الْكِتَابَ بِالْحُرْمَةِ يَقْرَأُ الْمَسْأَلَةَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى لِيَتَّضِحَ السُّؤَالُ وَلَا يَرْمِي الْكَاغَدَ ثُمَّ الْفَتْوَى بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ أَبِي يُوسُفَ ثُمَّ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ثُمَّ زُفَرَ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «مَنْ أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ لَعَنَتْهُ مَلَائِكَةُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»
(وَمِنْ الِافْتِرَاءِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُحَدِّثَ عَنْهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ) أَنَّهُ مِنْ كَلَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (ت. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا «اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي»
لَا تُحَدِّثُوا عَنِّي «إلَّا مَا عَلِمْتُمْ» تَتَيَقَّنُونَ صِحَّةَ نِسْبَتِهِ إلَيَّ وَقَالَ الطِّيبِيُّ احْذَرُوا رِوَايَةَ الْحَدِيثِ عَنِّي أَوْ احْذَرُوا مِنْ الْحَدِيثِ عَنِّي لَكِنْ لَا تَحْذَرُوا مِمَّا تَعْلَمُونَهُ وَالْحَدِيثُ عُرْفًا مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِ الْمُصْطَفَى قِيلَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَوْ فِعْلِهِمْ أَوْ تَقْرِيرِهِمْ وَقَدْ يُخَصُّ بِمَا يُرْفَعُ إلَى النَّبِيِّ ﵊ كَمَا فِي التَّلْوِيحِ قِيلَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَرْوِيَ حَدِيثًا وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ صَحِيحٌ أَمْ لَا وَقَالَ وَرُوِيَ أَوْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ وَلَمْ يَقُلْ صَرِيحًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْثَمْ تَتِمَّةُ الْحَدِيثِ «فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» قَالَ الْقَارِيّ عَنْ الْعِرَاقِيِّ نَقْلُ الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ الصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ وَإِنْ اتَّفَقَ كَوْنُهُ صَحِيحًا إثْمٌ لِكَوْنِهِ نَقْلًا بِلَا عِلْمٍ وَعَنْهُ أَيْضًا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِمَّنْ هُوَ بِهَذَا الْوَصْفِ أَنْ يَنْقُلَ حَدِيثًا مِنْ الْكُتُبِ وَلَوْ مِنْ الصَّحِيحَيْنِ مَا لَمْ يَقْرَأْ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَعَنْ الْحَافِظِ أَبِي بَكْرٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَا حَتَّى يَكُونَ مَرْوِيًّا عِنْدَهُ وَلَوْ عَلَى أَقَلِّ وُجُوهِ الرِّوَايَاتِ.
وَعَنْ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرَ فِي الْقَصَصِ
стр. 791
فَأَبَى ثُمَّ اسْتَأْذَنَهُ فَقَالَ إنْ شِئْت وَأَشَارَ بِيَدِهِ يَعْنِي الذَّبْحَ قَالَ الْعِرَاقِيُّ فَانْظُرْ تَوَقُّفَ عُمَرَ عَنْ صَحَابِيٍّ مِثْلِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ فَاعْتَبِرْ قَصَّاصَ زَمَانِنَا.
وَعَنْ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ الْعَبَادِلَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْقَاصُّ يَنْتَظِرُ الْمَقْتَ» وَتَفْصِيلُهُ فِي مَوْضُوعَاتِ عَلِيٍّ الْقَارِيّ
(وَتَوْبَةُ الْبُهْتَانِ بِثَلَاثٍ عَزْمُهُ عَلَى تَرْكِهِ وَاسْتِحْلَالُهُ إنْ أَمْكَنَ) بِكَوْنِهِ حَيًّا حَاضِرًا وَلَا يُؤَدِّي إلَى فِتْنَةٍ وَإِلَّا فَالدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ وَالتَّضَرُّعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى رَجَاءَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ تَعَالَى (وَتَكْذِيبُ نَفْسِهِ عِنْدَ السَّامِعِينَ) لِبُهْتَانِهِ
(وَمِنْ الْكَذِبِ الِادِّعَاءُ) مِنْ الدَّعْوَى (إلَى غَيْرِ أَبِيهِ) بِالِانْتِسَابِ كَادِّعَاءِ أَنَّهُ مِنْ أَوْلَادِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ (وَإِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ) أَيْ مُعْتَقِهِ (خ م. عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ ادَّعَى إلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ» وَالْحَالُ هُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ «غَيْرُ أَبِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ»
يَعْنِي أَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْ دُخُولِهَا أَوَّلًا وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْحُرْمَةِ تَشْدِيدًا فِي الزَّجْرِ عَنْهُ لِأَنَّهُ مُؤَدٍّ إلَى الْفَسَادِ الْكَثِيرِ أَوْ حَرَامٌ قَبْلَ عُقُوبَةِ كَذِبِهِ أَوْ أَبَدًا إنْ اسْتَحَلَّ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ الَّذِي لَمْ تَطْرُقْهُ تَأْوِيلَاتُ الْمُجْتَهِدِينَ كُفْرٌ أَوْ حَرَامٌ عَلَيْهِ جَنَّةٌ مُعَيَّنَةٌ كَجَنَّةِ عَدْنٍ أَوْ وَرَدَ عَلَى التَّغْلِيظِ وَالتَّخْوِيفِ أَوْ أَنَّ هَذَا جَزَاؤُهُ قَدْ يُعْفَى عَنْهُ أَوْ كَانَ ذَلِكَ شَرْعَ مَنْ مَضَى أَنَّ أَهْلَ الْكَبَائِرِ يَكْفُرُونَ بِهَا كَذَا فِي الْفَيْضِ (حَدُّ مَجَّ حُبّ. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ قَالَ ﷺ «مَنْ ادَّعَى إلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ تَوَلَّى» أَيْ: اتَّخَذَ وَلِيًّا «غَيْرَ مُوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ تَعَالَى» أَيْ طَرْدُهُ عَنْ دَرَجَةِ الْإِبْرَارِ وَمَقَامِ الِاخْتِبَارِ لَا عَنْ رَحْمَةِ الْغَفَّارِ «وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»
لِمُعَارَضَتِهِ لِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَأَنَّهُ يَقُولُ خَلَقَنِي اللَّهُ مِنْ مَاءِ فُلَانٍ وَإِنَّمَا خَلَقَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَهَذَا الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ يُفِيدُ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ (خ م. عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ» وَاتَّخَذَ أَبًا لَعَلَّ هَذَا عَلَى قَصْدِ حَقِيقَتِهِ وَإِلَّا فَإِنْ أَرَادَ التَّجَوُّزَ لِنَحْوِ الِاسْتِشْفَاقِ فَلَيْسَ مِنْ أَفْرَادِ هَذَا الْمُحَرَّمِ «وَ» الْحَالُ «هُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ إلَّا كَفَرَ» إنْ اسْتَحَلَّ أَوْ كُفْرَانَ نِعْمَةٍ كَذَا قِيلَ لَكِنْ تَعَقَّبَهُ الْمُنَاوِيُّ بِأَنَّهُ كَانَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ إلَّا كَفَرَ بِاَللَّهِ فَتَأَبَّى تَأْوِيلُهُ بِكُفْرَانِ نِعْمَةٍ لَا يَخْفَى أَنَّ دَعْوَى الْآبَاءِ لَيْسَ يَحْسُنُ غَايَتُهُ عَدَمُ الْحُسْنِ وَقُيِّدَ بِالْعِلْمِ لِأَنَّ الْإِثْمَ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْعَالِمِ بِالشَّيْءِ الْمُتَعَمِّدِ لَهُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ «وَمَنْ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ» هَذَا بِعُمُومِهِ يَتَنَاوَلُ الدَّعَاوَى الْبَاطِلَةَ مَالِيَّةً أَوْ غَيْرَهَا «فَلَيْسَ مِنَّا» لَيْسَ مِنْ مُلْتَزِمِ شَرِيعَتِنَا وَقِيلَ أَهْلِ مِلَّتِنَا لَا يَخْفَى مَا فِيهِ لَعَلَّ الْأَوْلَى مَا قِيلَ أَيْ لَيْسَ عَلَى هَدْيِنَا وَجَمِيلِ طَرِيقَتِنَا وَقِيلَ لَيْسَ مِمَّنْ عَمِلَ بِسُنَّتِنَا وَاسْتَحَقَّ شَفَاعَتَنَا «وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» لِيَتَّخِذْ مَنْزِلًا مِنْ النَّارِ دُعَاءٌ أَوْ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ يَعْنِي جَزَاؤُهُ إلَّا أَنْ يُعْفَى عَنْهُ أَوْ يَتُوبَ «وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ» اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ «أَوْ قَالَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا حَارَ عَلَيْهِ»
أَيْ رَجَعَ عَلَى الْقَائِلِ وَيَكْفُرُ عَلَى قَوْلٍ
стр. 792
وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ بَلْ اللَّازِمُ التَّعْزِيرُ.
قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَكْفُرُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ وَفِي الرَّوْضَةِ عَنْ التَّتِمَّةِ قَالَ لِمُسْلِمٍ يَا كَافِرُ بِلَا تَأْوِيلٍ كَفَرَ وَإِنْ بِتَأْوِيلٍ كُفْرَانَ نِعْمَةٍ لَا كَذَا فِي الْفَيْضِ وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ يَا كَافِرُ وَلَمْ يَقُلْ الْمُخَاطَبُ شَيْئًا قَالَ الْفَقِيهُ الْأَعْمَشُ يَكْفُرُ وَأَبُو اللَّيْثِ وَبَعْضُ أَئِمَّةِ بَلْخٍ لَا يَكْفُرُ وَالْمُخْتَارُ إنْ أَرَادَ الشَّتْمَ لَا يَكْفُرُ وَإِنْ اعْتَقَدَ كُفْرَهُ يَكْفُرُ كَذَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ يَا كَافِرُ فَقَالَ بَلْ أَنْتَ لَا يَكْفُرُ قَالَ يَا يَهُودِيُّ فَقَالَ لَبَّيْكَ يَكْفُرُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ.
(وَمِنْهُ) أَيْ الْكَذِبِ (مَا فِي قِصَّةِ الرُّؤْيَا خ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلُمٍ لَمْ يَرَهُ» بِضَمَّتَيْنِ: الرُّؤْيَا وَحَلَمَ بِالْفَتْحِ يَحْلُمُ بِالضَّمِّ حُلْمًا رَأَى الرُّؤْيَا وَتَحَلَّمَ إذَا ادَّعَى مَا لَمْ يَرَهُ «كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يَفْعَلَ» أَيْ عُذِّبَ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ لِعَدَمِ إمْكَانِهِ وَفِي الشَّرْعِيَّةِ وَيَقُصُّ الرُّؤْيَا عَلَى وَجْهِهَا وَلَا يَكْذِبُ فِيهَا شَيْئًا وَفِي الْجَامِعِ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ «وَلَنْ يَعْقِدَ بَيْنَهُمَا» بَدَلَ وَلَنْ يَفْعَلَ فَكَأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ التَّعْذِيبِ عَلَى الدَّوَامِ وَلَا دَلَالَةَ عَلَى جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي دَارِ التَّكْلِيفِ كَذَا فِي الْفَيْضِ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الدَّلَالَةَ إنَّمَا تُتَوَهَّمُ عِنْدَ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ.
وَالْعَجَبُ مِمَّا قَالَهُ بَعْدَ هَذَا التَّأْوِيلِ حَيْثُ قَالَ وَإِنَّمَا شَدَّدَ الْوَعِيدَ لِأَنَّ الْكَذِبَ فِي النَّوْمِ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ النُّبُوَّةِ فَهِيَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَكَذَبَ عَلَيْهِ تَعَالَى ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ كُلُّ رُؤْيَا صَادِقَةً وَجُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ الرُّؤْيَا إمَّا بِشَارَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ وَإِمَّا وَسْوَسَةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ فَيَغْتَمُّ بِهَا وَإِمَّا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَعَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ ﵁ الرُّؤْيَا إمَّا مُحْكَمٌ أَوْ مُتَشَابِهٌ أَوْ أَضْغَاثٌ وَالْأَضْغَاثُ مَا رَآهُ مَنْ فِي طَبْعِهِ فَسَادٌ وَمَنْ أَكَلَ أَطْعِمَةً غَلِيظَةً وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ.
وَأَمَّا الْمُحْكَمُ مَا أَرَاهُ مَلَكُ الرُّؤْيَا أَخَذَهُ مِنْ اللَّوْحِ وَهُوَ إمَّا تَيَسُّرٌ أَوْ تَحْذِيرٌ أَوْ إلْهَامٌ وَالتَّبْشِيرُ إمَّا بِشَارَةُ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ أَوْ نَصِيحَةٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ لِتَسْجِيلِ حُجَّةٍ لِكَافِرٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالتَّحْذِيرُ تَخْوِيفٌ لِمُسْلِمٍ لِقُرْبَانِهِ مَعْصِيَةً أَوْ تَرْكِهِ طَاعَةً وَالْإِلْهَامُ مَا يَدْعُو إلَى طَاعَةٍ كَالْحَجِّ وَصَلَاةِ التَّهَجُّدِ وَالصَّدَقَةِ وَتَوْبَةٍ مِنْ مَعْصِيَةٍ، وَالرُّؤْيَا الْغَيْرُ الصَّادِقَةِ إمَّا رُؤْيَا هِمَّةٍ وَهِيَ الَّتِي يَرَى مَا اهْتَمَّ بِهِ وَتَأَمَّلَهُ فِي يَقِظَةٍ وَإِمَّا رُؤْيَا عِلَّةٍ وَهِيَ رُؤْيَا الْمَرْضَى مِنْ الْأُمُورِ الْمُخَالِفَةِ وَإِمَّا أَضْغَاثٌ مِنْ الشَّيْطَانِ كَمَا عَرَفْت فَإِذَا تَمَهَّدَ هَذَا فَمَا يَكُونُ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ وَهُوَ أَقَلُّ أَقْسَامِ الرُّؤْيَا فَلَعَلَّ الْمُرَادَ إمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى اعْتِقَادِ الرَّائِي أَوْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجِنْسِ أَوْ الْمَقْصُودُ لَيْسَ تَمَامَ الدَّلَالَةِ بَلْ يَكْفِي الْإِشْعَارُ فَافْهَمْ.
وَمِنْ غَرَائِبِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ مَا يُحْكَى فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَأَى كَأَنَّهُ يُنْبَشُ قَبْرُ النَّبِيِّ ﵊ وَيُجْمَعُ عِظَامُهُ إلَى صَدْرِهِ فَهَالَتْهُ الرُّؤْيَا فَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ هَذِهِ رُؤْيَا أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ أَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ اكْشِفْ عَنْ ظَهْرِك فَكَشَفَ فَرَأَى خَالًا بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَقَالَ أَنْتَ الَّذِي قَالَ ﵊ «يَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَالٌ يُحْيِي اللَّهُ تَعَالَى دِينِي عَلَى يَدَيْهِ» ثُمَّ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ لَا تَخَفْ إنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَأَنْتَ تَصِلُ إلَيْهَا فَكَانَ كَمَا قَالَ لَكِنْ قَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيّ كُلُّ حَدِيثٍ فِي مَدْحِ أَبِي حَنِيفَةَ مَوْضُوعٌ نَعَمْ فِي رَدِّ الْمُحْتَارِ تَصْحِيحُ بَعْض طُرُقِ بَعْضٍ
стр. 793
حَدِيثِ مَدْحِهِ
. وَمِنْ لَطَائِفِ الْمَقَامِ مَا فِي الْفَيْضِ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ مُرْ أُمَّتِي بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَأَنْ يُعِيدُوا بَعْدَهَا وَيَخْطُبُونَ فَهَلْ يَجِبُ الصَّوْمُ أَوْ يُنْدَبُ أَوْ يَجُوزُ أَوْ يَحْرُمُ فَأَجَابَ لَا يَجِبُ شَيْء مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُنْدَبُ بَلْ يُكْرَهُ أَوْ يَحْرُمُ وَلَكِنْ إنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُ الرُّؤْيَا فَلَهُ الْعَمَلُ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَغْيِيرُ شَرْعٍ وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّائِي أَنْ يَقُولَ أَمَرَكُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَذَا بَلْ يَأْتِي بِمَا رَآهُ
وَسُئِلَ أَيْضًا بِأَنَّهُ هَلْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَسَمَّى إبْلِيسُ بِاسْمِ النَّبِيِّ كَأَنْ يَقُولَ أَنَا النَّبِيُّ وَيَأْمُرَ بِالطَّاعَةِ كَمَا يَمْتَنِعُ التَّشْكِيلُ بِهِ فَأَجَابَ لَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ عَقْلًا وَقَالَ إنَّ رُؤْيَاهُ ﵊ بِصِفَتِهِ الْمَعْلُومَةِ إدْرَاكٌ لِذَاتِهِ وَبِغَيْرِ صِفَتِهِ إدْرَاكٌ لِمِثَالِهِ فَالْأُولَى لَا تَحْتَاجُ إلَى التَّغْيِيرِ وَالثَّانِيَةُ تَحْتَاجُ إلَيْهِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ النَّوَوِيِّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَرَاهُ حَقِيقَةً سَوَاءٌ بِصِفَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ أَوْ لَا فَإِنْ رَآهُ بِصُورَةٍ حَسَنَةٍ فَذَلِكَ حُسْنُ دِينِ الرَّائِي وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ جَوَارِحِهِ شَيْنٌ أَوْ نَقْصٌ فَذَلِكَ خَلَلٌ فِي دِينِهِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي كَلَامِهِ ﵊ فِي مَنَامِهِ مَا يُخَالِفُ شَرِيعَتَهُ فَخَلَلٌ فِي سَمْعِ الرَّائِي وَقَدْ سَبَقَ زِيَادَةُ تَفْصِيلِ الْمَقَامِ فِي الْبِدْعِيَّةِ.
«وَمَنْ اسْتَمَعَ إلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ» لَا يُرِيدُونَ اسْتِمَاعَهُ جُمْلَةً وَهُمْ لَهُ حَالٌ أَوْ صِفَةُ قَوْمٍ وَالْوَاوُ لِتَأْكِيدِ لُصُوقِهَا بِالْمَوْصُوفِ كَمَا فِي سَبْعَةٍ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ( «صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الْآنُكُ» بِفَتْحِ الْمَمْدُودَةِ وَضَمِّ النُّونِ الرَّصَاصُ أَوْ الْخَالِصُ مِنْهُ وَلَمْ يَجِئْ مُفْرَدُ هَذَا الْوَزْنِ غَيْرُهُ «يَوْمَ الْقِيَامَةِ» لَمْ يَكُنْ لَفْظُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بَلْ انْتَهَى الْحَدِيثُ بِمَا قَبْلَهُ وَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ قَوْلَهُ مَنْ اسْتَمَعَ ابْتِدَاءَ حَدِيثٍ وَكَذَا قَوْلُهُ مِنْ صُوَرِ ابْتِدَاءِ حَدِيثٍ آخَرَ فِيهِ لَكِنَّ الْجَمِيعَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِيهِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ وَمَوْضُوعُهُ فِيمَنْ يَسْتَمِعُ لِمَفْسَدَةٍ كَنَمِيمَةٍ وَأَمَّا لِقَصْدِ النَّهْيِ عَنْ الْفَسَادِ أَوْ الِاحْتِرَازِ عَنْ شَرِّهِمْ فَلَا بَلْ يُنْدَبُ أَوْ يَجِبُ بِحَسَبِ الْمَوَاطِنِ وَلِلْوَسَائِلِ حُكْمُ الْمَقَاصِدِ انْتَهَى «وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً» ذَاتَ رُوحٍ «عُذِّبَ وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ» يَوْمَ الْقِيَامَةِ «وَ» هُوَ «لَيْسَ بِنَافِخٍ» كِنَايَةٌ عَنْ دَوَامِ تَعْذِيبِهِ قَالَ فِي الْفَيْضِ اُسْتُفِيدَ مِنْهُ جَوَازُ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ فِي الدُّنْيَا كَمَا جَازَ فِي الْآخِرَةِ وَاسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ أَمْرًا تَكْلِيفِيًّا بَلْ لِلتَّعْذِيبِ وَالتَّعْجِيزِ وَلِإِظْهَارِ قُبْحِ فِعْلِهِ.
وَعَنْ الْقُرْطُبِيِّ هَذَا يُفِيدُ أَنَّ التَّصْوِيرَ كَبِيرَةٌ وَعَنْ بَعْضٍ أَنَّهُ أَغْلَظُ مِنْ الْقَتْلِ لِأَنَّ وَعِيدَهُ يَنْقَطِعُ بِحَمْلِ قَوْله تَعَالَى - ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤]- عَلَى الْأَمَدِ الطَّوِيلِ وَهُنَا لَا يَسْتَقِيمُ لِأَنَّهُ كَانَ مُغَيَّا بِمَا لَا يُمْكِنُ مِنْ نَفْخِ الرُّوحِ وَلِذَا حَكَمَ الْمُعْتَزِلَةُ بِخُلُودِهِ فِي النَّارِ وَأَهْلُ السُّنَّةِ حَمَلُوهُ عَلَى التَّصْوِيرِ بِنَحْوِ قَصْدِ أَنْ يُعْبَدَ أَوْ إنْ اسْتَحَلَّ وَأَوَّلُوا بِنَحْوِ زِيَادَةِ الرَّوْعِ وَالتَّهْوِيلِ وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى لِلُحُوقِ الْوَعِيدِ لِمَنْ تَشَبَّهَ بِالْخَالِقِ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقٌ حَقِيقَةً وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْوَعِيدَ عَلَى خَلْقِ الْجَوَاهِرِ لَا الْأَفْعَالِ وَالْمُعْتَزِلَةُ لَمْ يَقُولُوا بِخَلْقِ الْجَوَاهِرِ لِغَيْرِ اللَّهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوَعِيدَ لَاحِقٌ بِالشَّكْلِ وَالْهَيْئَةِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَوْهَرٍ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَا كَانَ تَصْوِيرُ غَيْرِ ذِي الرُّوحِ مُمْتَنِعًا وَمُنِعَ بِأَنَّ ذَا رُخِّصَ فِيهِ وَبِأَثَرٍ وَرَدَ فِيهِ نَعَمْ الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ غَيْرُ مَرَضِيٍّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ قَطْعِيَّةٌ وَالدَّلِيلُ مِنْ الْآحَادِ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا ذَاتَ حَيَاةٍ فَتُعَذِّبُهُ نَفْسُ الصُّورَةِ فِي جَهَنَّمَ» قَالَ فِي الْمَبَارِقِ وَأَمَّا تَصْوِيرُ مَا لَا رُوحَ لَهُ فَرُخِّصَ لَهُ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يَعْنِي وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِتَصْوِيرِ ذِي الرُّوحِ إذَا كَانَ مَقْطُوعَ الرَّأْسِ انْتَهَى إذْ عِلَّةُ الْكَرَاهَةِ جَارِيَةٌ هُنَا وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ بَيْتًا فِيهِ صُورَةُ ذِي رُوحٍ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ» يَعْنِي مَلَائِكَةَ الْبَرَكَةِ لَا الْحَفَظَةَ.
стр. 794
(وَمِنْهُ خُلْفُ الْوَعْدِ إذَا كَانَ فِي نِيَّتِهِ الْخُلْفُ وَقَدْ مَرَّ) فِي الْآفَاتِ الْقَلْبِيَّةِ وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي نِيَّتِهِ الْوَفَاءُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إنْجَازِهِ فَلَيْسَ بِكَذِبٍ وَقَدْ قِيلَ وَعْدُ الْكَرِيمِ دَيْنُ الْغَرِيمِ وَفِي الْحَدِيثِ «الْعِدَةُ دَيْنٌ»
(وَمِنْهُ) أَيْ الْكَذِبِ (تَحْدِيثُ كُلِّ مَا سَمِعَ) قِيلَ أَيْ بِلَا نِسْبَةٍ إلَى قَائِلِهِ لَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ رَفْعِ الْإِيجَابِ الْكُلِّيِّ لَا السَّلْبِ الْكُلِّيِّ (م. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَفَى بِالْمَرَأِ إثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ»
يَعْنِي لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَذِبٌ سِوَى أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ لَكَفَاهُ مِنْ الذُّنُوبِ فَيَجِبُ الِاحْتِيَاطُ عَنْ حَالِ الرَّاوِي أَنَّهُ عَدَلَ أَمْ لَا وَعَنْ الْمَظْهَرِ هَذَا زَجْرٌ عَنْ التَّحْدِيثِ بِمَا لَيْسَ بِمَقْطُوعٍ أَوْ مَظْنُونٍ عِنْدَهُ وَتَحْرِيضٌ عَلَى الِاحْتِيَاطِ بِمَا يُحَدِّثُ قَالَ الْمُنَاوِيُّ لِأَنَّهُ يَسْمَعُ عَادَةً الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ فَإِذَا حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ لَا مَحَالَةَ يَكْذِبُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ لَكِنَّ التَّعَمُّدَ شَرْطُ الْإِثْمِ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ أَيْضًا «كَفَى بِالْمَرْءِ مِنْ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» قَالَ شَارِحُهُ وَفِيهِ زَجْرٌ عَنْ الْحَدِيثِ بِشَيْءٍ لَا يَعْلَمُ صِدْقَهُ
ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّف (وَالْجِدُّ) أَيْ الْعَمْدُ (وَالْهَزْلُ فِيهِ) أَيْ الْكَذِبِ وَيَشْمَلُ الْمِزَاحَ (سَوَاءٌ) فِي الْإِثْمِ لَكِنْ فِيهِ نَوْعُ مُخَالَفَةٍ لِمَا ذُكِرَ آنِفًا فَافْهَمْ
(وَيَجُوزُ الْكَذِبُ فِي ثَلَاثٍ وَمَا فِي مَعْنَاهَا) مِمَّا دَعَا إلَيْهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي دَرْءِ مَفْسَدَةٍ أَوْ جَلْبِ مَنْفَعَةٍ مُعْتَدٍّ بِهَا لَمَّا أَثْبَتَ حُرْمَةَ الْكَذِبِ بِالْآيَةِ وَالْحَدِيثِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُبَاحُ فِيهِ الْكَذِبُ إمَّا صَرِيحًا وَهُوَ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ أَوْ دَلَالَةً وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي وَالْحَقُّ إلَخْ (ت. عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ الْكَذِبُ إلَّا فِي ثَلَاثٍ رَجُلٍ كَذَبَ امْرَأَتَهُ لِيُرْضِيَهَا» وَيُحْسِنُ الْمُعَاشَرَةَ وَعَنْ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَأَمَّا كَذِبُهُ لِزَوْجَتِهِ وَكَذِبُهَا فَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ يَعْنِي لَعَلَّ مُرَادَهُ كَذِبُ كُلٍّ مِنْهُمَا لَا لِلْإِرْضَاءِ «وَرَجُلٌ كَذَبَ فِي الْحَرْبِ» لِأَجْلِ الظَّفَرِ وَالْقَهْرِ «فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ» فِي تَعْلِيلِهِ بِالْخُدْعَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَحِلُّ إذَا كَانَ لِلْكَذِبِ مَدَارٌ عَلَى الْخُدْعَةِ فِيهِ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ وَجْهِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ بِالثَّانِي أَوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى مَزِيدِ الْحِيلَةِ حِينَئِذٍ «وَرَجُلٌ كَذَبَ بَيْنَ الْمُسْلِمَيْنِ» الظَّاهِرُ التَّثْنِيَةُ «لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمَا» أَيْ لِيُبْدِلَ فِرَاقَهُمَا وِفَاقًا وَشِقَاقَهُمَا اتِّفَاقًا فَيَلْزَمُ كَوْنُ الْكَذِبِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِإِيلَافِ قُلُوبِهِمَا وَكَذَا بَيْنَ الضَّرَّاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِأَنْ يُظْهِرَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَنَّهَا أَحَبُّ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَتُهُ لَا تُطِيعُهُ إلَّا لِوَعْدِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ يَعِدُهَا فِي الْحَالِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا (وَزَادَ فِي رِوَايَةِ د. عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «وَالْمَرْأَةُ تُحَدِّثُ زَوْجَهَا»
كَذِبًا لِحُسْنِ مُعَاشَرَتِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبَابَ لَا يُفْتَحُ إلَّا بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ لِئَلَّا تَتَعَوَّدَ النَّفْسُ بِذَلِكَ وَأَيْضًا فِيهِ غُرُورٌ كَثِيرٌ إذْ قَدْ يَكُونُ الْبَاعِثُ حَظَّهُ وَغَرَضَهُ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ أَهَمُّ فِي الشَّرْعِ مِنْ الصِّدْقِ أَوْ لَا وَذَلِكَ غَامِضٌ جِدًّا فَالْحَزْمُ فِي تَرْكِهِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ رُخْصَةً فِي تَرْكِهِ أَصْلًا وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ خَطَأُ مَنْ ظَنَّ جَوَازَ وَضْعِ الْأَحَادِيثِ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَهَذَا خَطَأٌ عَظِيمٌ إذْ هَذَا الْغَرَضُ لَا يُقَاوِمُ مَحْذُورَ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ الَّذِي لَا يُقَاوِمُهُ شَيْءٌ (وَأُلْحِقَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ) بِدَلَالَةِ النَّصِّ أَوْ الْقِيَاسِ
стр. 795
(دَفْعُ ظُلْمِ الظَّالِمِ) كَمَنْ أَخْفَى مُسْلِمًا عَنْ ظَالِمٍ يُرِيدُ ظُلْمَهُ أَوْ أَخْفَى مَالَهُ وَسُئِلَ عَنْهُ وَجَبَ الْكَذِبُ بِإِخْفَائِهِ وَكَذَا نَظَائِرُهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَلَامَ وَسِيلَةٌ إلَى الْمَقَاصِدِ فَكُلُّ مَقْصُودٍ مَحْمُودٌ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِغَيْرِ الْكَذِبِ وَإِلَّا جَازَ الْكَذِبُ ثُمَّ إنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مُبَاحًا فَالْكَذِبُ مُبَاحٌ وَإِنْ وَاجِبًا فَوَاجِبٌ كَمَا نُقِلَ عَنْ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ لِلنَّوَوِيِّ وَيُؤَيِّدُهُ قَاعِدَةُ لِلْوَسَائِلِ حُكْمُ الْمَقَاصِدِ لَكِنْ يَشْكُلُ عَلَى الْمَقَامِ بِقَوْلِهِمْ دَرْءُ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ الْمَنَافِعِ وَالْمَصَالِحِ وَقَوْلُهُمْ لَا يُتَحَمَّلُ الضَّرَرُ الْقَوِيُّ الْكُلُّ لِلْوَصْلَةِ إلَى النَّفْعِ الْجُزْئِيِّ وَقَوْلُهُمْ تُرَجَّحُ الْمَفْسَدَةُ الْقَوِيَّةُ عَلَى الضَّعِيفَةِ عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا إذْ ضَرَرُ عَدَمِ ذَلِكَ الْمَقْصُودِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ كَوْنِهِ مُبَاحًا لَيْسَ بِضَرَرٍ مُعْتَدٍّ بِهِ وَالْكَذِبُ كَبِيرَةٌ فَانْظُرْ (وَإِحْيَاءُ الْحَقِّ) وَأَيْضًا نُقِلَ عَنْ الرِّيَاضِ وَوَقَعَ فِي الْجَامِعِ خَبَرُ «لَيْسَ الْكَذَّابُ» أَيْ لَيْسَ يَأْثَمُ فِي الْكَذِبِ «الَّذِي يُصْلِحُ» بِضَمِّ الْيَاءِ «بَيْنَ النَّاسِ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ يُعَارِضُهُ خَبَرُ أَنَّهُ ﵊ رَأَى الْكَذَّابَ يُعَذَّبُ بِالنَّارِ بِالْكُلَّابِ مِنْ حَدِيدٍ قُلْنَا الْعَذَابُ عَلَى الْكَذَّابِ عَامٌّ خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَكَذَا كُلُّ حَدِيثٍ يُؤَدِّي إلَى خَيْرٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ فَيُنْمِي أَيْ يُبْلِغُ خَيْرًا وَيَقُولُ خَيْرًا أَيْ يُخْبِرُ بِمَا عَمِلَهُ مِنْ الْخَيْرِ وَيَسْكُتُ عَنْ عَمَلِهِ مِنْ الشَّرِّ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بَلْ مَحْمُودٌ بَلْ قَدْ يُنْدَبُ بَلْ قَدْ يَجِبُ ثُمَّ قَالَ وَرُخِّصَ فِي الْيَسِيرِ مِنْ الْفَسَادِ لِمَا يُؤْمَلُ فِيهِ مِنْ الصَّلَاحِ وَكُلُّ مَحْمُودٍ يُمْكِنُ إيصَالُهُ بِالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ جَمِيعًا فَالْكَذِبُ فِيهِ حَرَامٌ لِأَنَّ إبَاحَةَ الْكَذِبِ إنَّمَا هِيَ لِلضَّرُورَةِ فَإِذَنْ لَيْسَ فِيهِ ضَرُورَةٌ وَالضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ وَمَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَلِهَذَا قِيلَ الْكَذِبُ مُبَاحٌ لِإِحْيَاءِ حَقِّهِ وَدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ وَفِي الْحَدِيثِ «الْكَذِبُ إثْمٌ كُلُّهُ إلَّا مَا نُفِعَ بِهِ مُسْلِمٌ أَوْ دُفِعَ بِهِ عَنْ دِينٍ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ لِأَنَّهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ غِشٌّ وَخِيَانَةٌ وَمِنْ ثَمَّةَ كَانَ الْكَذِبُ أَشَدَّ الْأَشْيَاءِ ضَرَرًا وَالصِّدْقُ أَشَدَّهَا نَفْعًا وَقُبْحُ الْكَذِبِ مَشْهُورٌ وَأَجْمَعُوا عَلَى حُرْمَتِهِ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ هُوَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْكَبَائِرِ وَإِذَا عُرِفَ الْإِنْسَانُ بِالْكَذِبِ سَقَطَتْ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ وَازْدَرَتْهُ الْعُيُونُ وَاحْتَقَرَتْهُ النُّفُوسُ قَالَ وَمِنْ الْكَذِبِ الَّذِي لَا إثْمَ فِيهِ مَا اُعْتِيدَ فِي الْمُبَالَغَةِ كَجِئْتُ أَلْفَ مَرَّةٍ وَمِمَّا اُعْتِيدَ فِي الْكَذِبِ أَنْ يَقُولَ لَا أَشْتَهِي الطَّعَامَ عِنْدَ تَكْلِيفِ الْأَكْلِ فَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَحَرَامٌ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ وَقَالَ الرَّاغِبُ الْكَذِبُ عَارٌ لَازِمٌ وَذُلٌّ دَائِمٌ فَلَا يَتَرَخَّصُ فِي أَدْنَى كَذِبٍ بِشَيْءٍ فَمَنْ اسْتَحَلَّهُ عَسُرَ عَلَيْهِ وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ كُلُّ ذَنْبٍ يُرْجَى تَرْكُهُ بِتَوْبَتِهِ إلَّا الْكَذِبَ فَكَمْ رَأَيْنَا شَارِبَ خَمْرٍ أَقْلَعَ وَلِصًّا نَزَعَ وَلَمْ نَرَ كَذَّابًا رَجَعَ وَعُوتِبَ كَذَّابٌ فِي كَذِبِهِ فَقَالَ لَوْ تَغَرْغَرْتَ بِهِ وَتَطَعَّمْتَ حَلَاوَتَهُ مَا صَبَرْتَ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ انْتَهَى (كَمَا فِي خِيَارِ الْبُلُوغِ) لِلصَّغِيرَةِ الَّتِي زَوَّجَهَا غَيْرُ أَبِيهَا وَجَدِّهَا (تَقُولُ) لِزَوْجِهَا (فِي النَّهَارِ بَلَغْتُ الْآنَ وَفَسَخْت النِّكَاحَ مَعَ أَنَّهَا بَلَغَتْ بِاللَّيْلِ) فَأُبِيحَ لِإِحْيَاءِ حَقِّهَا وَفِي الدُّرَرِ وَإِنْ رَأَتْهُ بِاللَّيْلِ تَخْتَارُ بِلِسَانِهَا فَتَقُولُ فَسَخْت نِكَاحِي تُشْهِدُ إذَا أَصْبَحَتْ وَتَقُولُ رَأَيْت الدَّمَ الْآنَ
(قِيلَ وَمِنْهُ) أَيْ الْكَذِبِ الْمُبَاحِ (الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ الْكَاذِبَانِ لِلصَّبِيِّ إذْ لَمْ يَرْغَبْ فِي الْمَكْتَبِ) وَأَعْرَضَ فَيَجُوزُ لِمَصْلَحَةِ تَعَلُّمِهِ قِيلَ فِيهِ نَوْعُ ضَعْفٍ لِإِمْكَانِهِ بِطَرِيقٍ آخَرَ كَالضَّرْبِ وَلِذَا قَالَ قِيلَ وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ جَوَازَ الضَّرْبِ مَحَلُّ بَيَانٍ خُصُوصًا فِيمَا دُونَ عَشْرِ سِنِينَ وَلَعَلَّ لِهَذَا قَالَ نَوْعُ ضَعْفٍ أَقُولُ الْمُنَاقَشَةُ فِي الْمِثَالِ لَيْسَ بِحَسَنٍ نَعَمْ إنَّ مِثْلَ هَذَا الْإِمْكَانِ يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ مِمَّا أُبِيحَ فِيهِ الْكَذِبُ.
(وَ) مِنْهُ (الْإِنْكَارُ لِسِرِّ الْغَيْرِ) لِئَلَّا يُفْشِيَ سِرَّهُ الَّذِي أُودِعَ عِنْدَهُ لِأَنَّ صُدُورَ الْأَحْرَارِ قُبُورُ الْأَسْرَارِ (وَ) مِنْهُ إنْكَارُ (مَعْصِيَةِ نَفْسِهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ
стр. 796
الْقَاذُورَاتِ فَلْيَسْتَتِرْ بِسَتْرِ اللَّهِ» وَذَلِكَ لِأَنَّ إظْهَارَ الْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ أُخْرَى (وَ) إنْكَارُ (جِنَايَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ لِتَطْيِيبِ قَلْبِهِ) أَيْ قَلْبِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَفِي الْجَامِعِ «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إلَّا الْمُجَاهِرِينَ» أَيْ بِالْمَعَاصِي كَأَنْ يُحَدِّثَ بَعْضٌ بَعْضًا بِعِصْيَانِهِ وَجَعَلَ مِنْهُ مَا يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنْ الْمُبَاحِ «وَإِنَّ مِنْ الْجَهْرِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَيَقُولَ عَمِلْت الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَأَصْبَحَ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ» .
(وَهَذَا) الْأَخِيرُ وَهُوَ الظَّاهِرُ (مِنْ الصُّلْحِ) فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِلْحَاقِ بَلْ بِنَصِّ الْحَدِيثِ السَّابِقِ وَنُقِلَ عَنْ كِتَابِ الْبَرَكَةِ فِي الْحُرْمَةِ وَمِنْ الْكَذِبِ الْمُبَاحِ إخْفَاءُ مَالِهِ وَمَالِ أَخِيهِ عَنْ الْمَظَالِمِ وَإِنْكَارُهُ مَحَبَّةَ بَعْضِ نِسَائِهِ أَكْثَرَ مِنْ الْأُخْرَى وَتَزْيِينُ كَلَامِهِ لِأَخِيهِ عِنْدَ اعْتِذَارِهِ إلَيْهِ هَذَا ثُمَّ الْأَسْلَمُ أَنْ لَا يُفْتَحَ هَذَا الْبَابُ إلَّا بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ لِئَلَّا تَتَعَوَّدَ النَّفْسُ بِذَلِكَ وَأَيْضًا فِيهِ غُرُورٌ كَثِيرٌ إذْ قَدْ يَكُونُ الْبَاعِثُ حَظَّهُ وَغَرَضَهُ فَلْيَعْلَمْ هَلْ الْمَقْصُودُ أَهَمُّ فِي الشَّرْعِ مِنْ الصِّدْقِ أَوْ لَا فَيَزِنُ أَحَدَهُمَا بِالْآخِرِ فَأَيُّهُمَا أَشَدُّ فَيُرَجِّحُهُ وَإِنْ تَسَاوَيَا فَيَمِيلُ إلَى جَانِبِ الصِّدْقِ إذْ إبَاحَةُ الْكَذِبِ لِضَرُورَةٍ أَوْ لِمُهِمَّةٍ (وَقِيلَ الْمُبَاحُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ التَّعْرِيضُ) .
قَالَ فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ ثُمَّ السَّلَفُ قَالُوا «إنَّ فِي الْمَعَارِيضِ مَنْدُوحَةً عَنْ الْكَذِبِ» رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَكَذَا عَنْ عُمَرَ هَذَا إذَا دَعَتْهُ حَاجَةٌ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ التَّصْرِيحُ وَالتَّعْرِيضُ مَعًا وَلَكِنَّ التَّعْرِيضَ أَهْوَنُ كَقَوْلِك اللَّهُ يَعْلَمُ مَا قُلْت مِنْ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ وَكَلِمَةُ مَا عِنْدَك لِلْإِبْهَامِ وَيَتَوَهَّمُهُ الْمُسْتَمِعُ حَرْفُ النَّفْيِ وَكَانَ إبْرَاهِيمُ إذَا طَلَبَهُ مَنْ يَكْرَهُهُ قَالَ لِلْجَارِيَةِ قُولِي اُطْلُبْهُ فِي الْمَسْجِد وَكَانَ لَا يَقُول لَيْسَ هُوَ هَاهُنَا كَيْ لَا يَكُونَ كَاذِبًا هَذَا كُلُّهُ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ وَإِلَّا فَمَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ تَفْهِيمٌ لِلْكَذِبِ إلَّا أَنَّ الْحَاجَةَ فِي الْمَعَارِيضِ خَفِيفَةٌ كَتَطْيِيبِ قَلْبِ الْغَيْرِ بِالْمِزَاحِ كَمَا قَالَ ﵊ «لَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَجُوزٌ» .
وَأَمَّا صَرِيحُ الْكَذِبِ مُطَايَبَةً فَلَيْسَ بِفِسْقٍ وَلَكِنَّهُ يُتْرَكُ
(وَهُوَ) أَيْ التَّعْرِيضُ (الْخَامِسُ مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ وَهُوَ إرَادَةُ غَيْرِ الظَّاهِرِ الْمُتَبَادِرِ مِنْ الْكَلَامِ) كَالتَّوْرِيَةِ (وَلَا بُدَّ مِنْ احْتِمَالِهِ الْمُرَادَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ) كَمَا مَرَّ آنِفًا (وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ النِّيَّةِ) كَأَنْ تَقُولَ لَا آكُلُ نَاوِيًا الْخُصُوصَ فَلَا يَجُوزُ لِعَدَمِ الْعُمُومِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ يُعْرَفُ فِي الْفِقْهِيَّةِ (وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ) فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِجَائِزٍ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إذْ مَفْهُومُ التَّصْنِيفِ مُعْتَبَرٌ (كَالصُّوَرِ السَّابِقَةِ) مِنْ الْكَذِبِ (عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً) أَيْ سَعَةً وَخَلَاصًا مِنْ الْكَذِبِ (وَيُكْرَهُ بِدُونِهَا) أَيْ بِدُونِ الْحَاجَةِ (وَأَمَّا الْكَذِبُ) الصَّرِيحُ (فَحَرَامٌ لَا يَحِلُّ بِحَالٍ) مُطْلَقًا عِنْدَ ذَلِكَ الْبَعْضِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ
стр. 797
بِالتَّعْرِيضِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَمِنْ أَمْثِلَةِ التَّعْرِيضِ مَا فِي الشِّرْعَةِ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَرْسَلَ بِنْتَه إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ لِيَتَزَوَّجَهَا وَقَالَ لَهَا قُولِي لَهُ هَلْ رَضِيت الْحُلَّةَ وَأَرَادَ بِهِ الزَّوْجَةَ أَخْذًا مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]- فَقَالَ عُمَرُ رَضِيتهَا وَرِضَا الْحُلَّةِ كِنَايَةٌ عَنْ رِضَا الزَّوْجَةِ (وَمِنْ التَّعْرِيضِ تَقْيِيدُ الْكَلَامِ بِلَعَلَّ وَعَسَى وَعَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمَخْرَجُ مِنْ الْكَذِبِ» أَيْ طَرِيقُ الْخُرُوجِ مِنْ الْكَذِبِ «أَرْبَعٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ اللَّهُ وَلَعَلَّ وَعَسَى» كَذَا فِي التتارخانية) لَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوْلَى لِلْمُصَنَّفِ عَلَى هَذَا أَنْ يَضُمَّ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ إلَى الْأَخِيرَيْنِ لَعَلَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ التَّعْرِيضِ إذْ التَّعْرِيضُ لَيْسَ بِجَائِزٍ بِلَا ضَرُورَةٍ وَهُمَا لَيْسَا كَذَلِكَ فَافْهَمْ (وَمِنْ التَّعْرِيضِ أَنْ تَقُولَ اشْتَرَيْت هَذَا بِخَمْسَةٍ مَثَلًا وَقَدْ اشْتَرَيْته بِسِتَّةٍ لِأَنَّ الْقَلِيلَ مَوْجُودٌ فِي الْكَثِيرِ فَلَا يَكُونُ كَذِبًا) بِخِلَافِ الْعَكْسِ لِأَنَّ الْكَثِيرَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي الْقَلِيلِ (وَقَدْ يَكُونُ ذِكْرُ الْعَدَدِ كِنَايَةً عَنْ الْكَثْرَةِ فَلَا يُرَادُ بِهِ خُصُوصُهُ) أَيْ خُصُوصُ الْعَدَدِ بَلْ يُرَادُ الْمُبَالَغَةُ (كَمَا تَقُولُ دَعَوْتُك سَبْعِينَ مَرَّةً أَوْ مِائَةً أَوْ أَلْفًا فَلَا يَكُونُ كَذِبًا إذَا لَمْ يَبْلُغْ عَدَدَ دَعْوَتِك إلَى أَحَدِ هَذِهِ وَلَكِنْ عُدَّتْ) تِلْكَ الدَّعْوَةُ (بَيْنَ النَّاسِ كَثِيرَةً) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَلَبُهُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً أَوْ مِرَارًا وَلَكِنْ لَمْ تُعَدَّ بَيْنَ النَّاسِ كَثِيرَةً كَانَ كَذِبًا وَأَمَّا الِاسْتِعَارَةُ فَقَالَ عُلَمَاءُ الْبَيَانِ هِيَ تُفَارِقُ الْكَذِبَ بِالْبِنَاءِ عَلَى التَّأْوِيلِ وَنَصْبِ الْقَرِينَةِ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ
(وَضِدُّ الْكَذِبِ الصِّدْقُ وَهُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ الشَّيْءِ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ) فِي الْوَاقِعِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِمُطَابِقَةِ الِاعْتِقَادِ أَوْ لِمَنْ قَالَ بِمُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ وَالِاعْتِقَادِ مَعًا (خ م. عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي» يُوَصِّلُ «إلَى الْبِرِّ» التَّوَسُّعِ فِي الْخَيْرِ وَقِيلَ: اسْمٌ لِجَمِيعِ الْخَيْرِ كُلِّهِ وَقِيلَ: اكْتِسَابُ الْحَسَنَاتِ وَاجْتِنَابُ السَّيِّئَاتِ «وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلَى الْجَنَّةِ» فَهُوَ سَبَبٌ لِدُخُولِهَا نَحْوُ ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] «وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ» يُلَازِمُ الصِّدْقَ «حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا» مُبَالَغَةً فِي الصِّدْقِ أَيْ يَتَكَرَّرُ مِنْهُ الصِّدْقُ وَيُدَاوِمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ اسْمَ الْمُبَالَغَةِ وَيَشْتَهِرَ بِذَلِكَ عِنْدَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى قَوْلًا وَفِعْلًا وَاعْتِقَادًا فَالْمُرَادُ
стр. 798
الْكِتَابَةُ فِي اللَّوْحِ أَوْ فِي صُحُفِ الْمَلَائِكَةِ وَحَتَّى لِلتَّدْرِيجِ «وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ» وَهُوَ هَتْكُ سِتْرِ الدِّيَانَةِ وَالْمَيْلُ إلَى الْفَسَادِ وَالِانْبِعَاثُ فِي الْمَعَاصِي وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ شَرٍّ «وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ» دَاعٍ لِدُخُولِهَا «وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ» يُكْثِرُ الْكَذِبَ «حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا»
مُبَالَغَةً فِي الْكَذِبِ هُوَ كَالصِّدِّيقِ فَيَصْدُقُ وَيَكْذِبُ لِلِاسْتِمْرَارِ فَالْكَذِبُ أَشَدُّ الْأَشْيَاءِ ضَرَرًا وَالصِّدْقُ أَشَدُّهَا نَفْعًا وَلِهَذَا عَلَتْ رُتْبَتُهُ عَلَى رُتْبَةِ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ إيمَانٌ وَزِيَادَةٌ قَالَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وَفِيهِ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ حَثٌّ عَلَى تَحَرِّي الصِّدْقِ وَتَحْذِيرٌ مِنْ الْكَذِبِ فَإِنَّهُ إذَا تَسَاهَلَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْهُ وَعُرِفَ بِهِ.
(تَنْبِيهٌ) : الصِّدْقُ أَحَدُ أَرْكَانِ بَقَاءِ الْعَالَمِ حَتَّى لَوْ تُوُهِّمَ مُرْتَفِعًا لَمَا صَحَّ نِظَامُهُ وَبَقَاؤُهُ وَهُوَ أَصْلُ الْمَحْمُودَاتِ وَرُكْنُ النُّبُوَّاتِ وَنَتِيجَةُ التَّقْوَى وَلَوْلَاهُ لَبَطَلَتْ أَحْكَامُ الشَّرَائِعِ وَالِاتِّصَافُ بِالْكَذِبِ انْسِلَاخٌ مِنْ الْإِنْسَانِيَّةِ لِخُصُوصِيَّةِ الْإِنْسَانِ بِالنُّطْقِ (ت. عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ أَنَّهُ قَالَ قُلْت لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَا حَفِظْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ حَفِظْت مِنْهُ «دَعْ» اُتْرُكْ «مَا يَرِيبُك» مَا يُوقِعُك فِي الرَّيْبِ وَالشَّكِّ وَالتُّهْمَةِ وَأَصْلُهُ قَلَقُ النَّفْسِ وَالْأَمْرُ لِلنَّدْبِ فَالتَّوَقِّي عَنْ الشُّبُهَاتِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي الْفَيْضِ «إلَى مَا لَا يَرِيبُك»
يَعْنِي إذَا وَجَدْت نَفْسَك مُضْطَرِبَةً فِي أَمْرٍ فَدَعْهُ وَإِذَا وَجَدْتهَا مُطْمَئِنَّةً فَاسْتَمْسِكْ بِهِ لِأَنَّ اضْطِرَابَ قَلْبِ الْمُؤْمِنِ فِي شَيْءٍ عَلَامَةُ كَوْنِهِ بَاطِلًا وَطُمَأْنِينَتَهُ عَلَامَةُ كَوْنِهِ حَقًّا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةُ) الْقَلْبِ السَّلِيمِ أَيْ مَحَلُّ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْب (وَالْكَذِبَ رِيبَةٌ) اضْطِرَابٌ وَشَكٌّ فَإِذَا ارْتَابَتْ نَفْسُك فِي شَيْءٍ فَاتْرُكْهُ وَطُمَأْنِينَتُهُ لِشَيْءٍ مُشْعِرٌ بِحَقِّيَّتِهِ وَهَذَا مَخْصُوصٌ بِذَوِي النُّفُوسِ الْقُدْسِيَّةِ عَنْ دَنَسِ الذُّنُوبِ وَوَسَخِ الْعُيُوبِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا فَجَأَ الْقَلْبَ الْكَامِلَ امْتَزَجَ نُورُهُ بِنُورِ الْإِيمَانِ فَاطْمَأَنَّ وَانْطَفَأَ سِرَاجُ الْكَذِبِ فَإِنَّ الْكَذِبَ ظُلْمَةٌ وَالظُّلْمَةُ لَا تُمَازِجُ النُّورَ كَذَا فِي الْفَيْضِ، وَنَحْوُهُ فِي الْحَاشِيَةِ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِالْعَقْلِ السَّلِيمِ بَلْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُوَسْوِسِينَ فَاللَّازِمُ الْعَمَلُ بِالشَّرْعِ الْمَتِينِ لَا بِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ وَرَيْبِهِ انْتَهَى فَالتَّقْرِيبُ لَيْسَ بِحَسَنٍ وَفِي الْجَامِعِ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا وَقَعَ قَوْلُهُ «فَإِنَّ الصِّدْقَ يُنَجِّي» أَيْ أَنَّ فِيهِ النَّجَاةَ وَإِنْ ظَنَّ فِيهِ الْهَلَكَةَ فَإِنْ ارْتَابَتْ النَّفْسُ فِي شَيْءٍ فَدَعْهُ فَإِنَّ نَفْسَ الْكَامِلِ تَطْمَئِنُّ إلَى مَا فِيهِ نَجَاةٌ مِنْ الصِّدْقِ وَتَرْتَابُ فِي الْكَذِبِ فَالِارْتِيَابُ أَمَارَةُ الْحُرْمَةِ وَالِاطْمِئْنَانُ عَلَامَةُ الْحَقِّ فَخُذْ بِهِ وَفِي الْجَامِعِ أَيْضًا «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك فَإِنَّك لَنْ تَجِدَ فَقْدَ شَيْءٍ تَرَكْته لِلَّهِ تَعَالَى» وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ الْوَرَعُ كُلُّهُ فِي تَرْكِ مَا يَرِيبُ إلَى مَا لَا يَرِيبُ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عُمُومٌ يَقْتَضِي أَنَّ الرِّيبَةَ تَقَعُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ وَأَنَّ تَرْكَ الرِّيبَةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَرَعٌ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ قَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ وَأَصْلٌ فِي الْوَرَعِ الَّذِي عَلَيْهِ مَدَارُ الْيَقِينِ وَرَاحَةٌ مِنْ ظُلْمِ الشُّكُوكِ وَالْأَوْهَامِ الْمَانِعَةِ لِنُورِ الْيَقِينِ.
(تَنْبِيهٌ) : لَوْ تَأَمَّلَ هَذَا الْحَدِيثَ لَتَيَقَّنَ اسْتِيعَابَهُ كُلَّ مَا قِيلَ فِي تَجَنُّبِ الشُّبُهَاتِ كَذَا فِي الْفَيْضِ (حَدُّ دُنْيَا حب حك. عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «اضْمَنُوا لِي مِنْ أَنْفُسِكُمْ سِتًّا»
أَيْ: الْتَزِمُوا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى فِعْلِ سِتِّ خِصَالٍ «أَضْمَنْ لَكُمْ الْجَنَّةَ» أَلْتَزِمْ لَكُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ مَعَ السَّابِقِينَ أَوْ مِنْ غَيْرِ تَعْذِيبٍ وَالْمُرَادُ مِنْ الضَّمَانِ هُوَ اللُّغَوِيُّ عَبَّرَ بِهِ لِتَحْقِيقِ حُصُولِهِ الْوَعْدَ إنْ حُوفِظَ عَلَى الْمَأْمُورِ بِهِ «اُصْدُقُوا إذَا حَدَّثْتُمْ»
стр. 799
لَا تَكْذِبُوا فِي شَيْءٍ إلَّا عِنْدَ تَرَجُّحِ مَصْلَحَةٍ أَرْجَحَ مِنْ مَصْلَحَةِ الصِّدْقِ كَحِفْظِ مَعْصُومٍ «وَأَوْفُوا إذَا وَعَدْتُمْ» فَإِنَّ الْعِدَةَ دِينٌ وَوَعْدُ الْكَرِيمِ دَيْنُ الْغَرِيمِ «وَأَدُّوا» الْأَمَانَاتِ «إذَا ائْتُمِنْتُمْ» ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَدَخَلَ فِيهِ مَا تَقَلَّدَ الْمُؤْمِنُ بِإِيمَانِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالْأَحْكَامِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ رِعَايَةِ حَقِّ نَفْسِهِ وَزَوْجِهِ وَأَصْلِهِ وَفَرْعِهِ وَأَخِيهِ الْمُسْلِمِ مِنْ نُصْحِهِ وَحَقِّ مَمْلُوكِهِ أَوْ مَالِكِهِ أَوْ مُوَالِيهِ فَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَاجِبٌ كَذَا فِي الْفَيْضِ لَعَلَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ أَيْضًا الرَّعَايَا لِلْمُلُوكِ وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ لِلْقَضَاءِ وَالْعُلُومُ لِلْعُلَمَاءِ وَحِفْظُ الْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَهُ تَلَامِيذُ الْمَشَايِخِ عَنْهُمْ «وَاحْفَظُوا» أَيُّهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ «فُرُوجَكُمْ» عَنْ الْفُحْشِ «وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ» عَمَّا لَا يَجُوزُ نَظَرُهُ «وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ» عَنْ أَخْذِ مَالِ الْغَيْر ظُلْمًا وَضَرْبِهِ وَلَمْسِ الْمُحَرَّمِ
[السَّادِسُ الْغِيبَةُ]
(السَّادِسُ) مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ (الْغِيبَةُ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ (وَهِيَ ذِكْرُ مَسَاوِئِ) جَمْعُ سُوءٍ (أَخِيك الْمُعَيَّنِ الْمَعْلُومِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ) فَإِنْ لِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ الْمَعْلُومِ عِنْدَهُ فَلَيْسَ بِغِيبَةٍ (أَوْ مُحَاكَاتُهَا) أَيْ الْمَسَاوِئِ كَأَنْ يَمْشِيَ مُتَعَارِجًا حِكَايَةً لِفِعْلِ أَعْرَجَ (وَتَفْهِيمُهَا) لِلْمُخَاطِبِ (بِالْيَدِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْجَوَارِحِ) فَالتَّعْرِيضُ كَالتَّصْرِيحِ وَالْفِعْلُ كَالْقَوْلِ بَلْ هُمَا أَشَدُّ أَنْوَاعِهَا لِأَنَّهُمَا أَعْظَمُ فِي التَّصْوِيرِ وَالتَّفْهِيمِ.
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ وَعَنْ أَبَوَيْهَا «دَخَلَتْ عَلَيْنَا امْرَأَةٌ فَلَمَّا وَلَّتْ أَوْمَأْتُ بِيَدِي إلَى أَنَّهَا قَصِيرَةٌ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ اغْتَبْتِيهَا» (عَلَى وَجْهِ السَّبِّ وَالْبُغْضِ) أَيْ لَا عَلَى وَجْهِ الْإِفْهَامِ وَبِالْجُمْلَةِ الْغِيبَةُ أَنْ تَذْكُرَ أَخَاك بِمَا يَكْرَهُهُ لَوْ بَلَغَهُ سَوَاءٌ ذَكَرْت نُقْصَانًا فِي بَدَنِهِ أَوْ فِي نَسَبِهِ أَوْ فِي خُلُقِهِ أَوْ فِعْلِهِ وَقَوْلِهِ أَوْ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ حَتَّى فِي ثَوْبِهِ وَدَارِهِ وَدَابَّتِهِ ثُمَّ لَا نَقْصُرُ عَلَى اللِّسَانِ بَلْ التَّعْرِيضُ فِيهِ كَالتَّصْرِيحِ وَالْفِعْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ وَالْإِشَارَةُ وَالْإِيمَاءُ وَالرَّمْزُ وَالْغَمْزُ وَالْحَرَكَةُ وَالْكِتَابَةُ وَكُلُّ مَا يُفْهِمُ الْمَقْصُودُ وَمِنْ ذَلِكَ ذِكْرُ الْمُصَنَّفِينَ شَخْصًا مُعَيَّنًا وَتَهْجِينُ كَلَامِهِ إلَّا لِعُذْرٍ مُحْوِجٍ وَمِنْ أَخْبَثِ أَنْوَاعِهَا قَوْلُ الْقُرَّاءِ الْمُرَائِينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَبْتَلِنَا بِالدُّخُولِ عَلَى السُّلْطَانِ وَالتَّبَذُّلِ فِي طَلَبِ الْحُطَامِ عِنْدَ ذِكْرِ شَخْصٍ حَالُهُ كَذَلِكَ أَوْ يَقُولُ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ قِلَّةِ الْحَيَاءِ ذَمًّا لِلْغَيْرِ مَعَ الرِّيَاءِ وَكَذَا يَقُولُ مَا أَحْسَنَ فُلَانًا لَوْلَا تَقْصِيرُهُ فِي الْعِبَادَاتِ لَكِنَّهُ اُبْتُلِيَ بِمَا اُبْتُلِينَا فَيَذُمُّ غَيْرَهُ وَيَمْدَحُ نَفْسَهُ بِالتَّشْبِيهِ بِالصَّالِحِينَ فِي ذَمِّ أَنْفُسِهِمْ فَيَغْتَابُ وَيُرَائِي وَيُزَكِّي نَفْسَهُ (وَهُوَ حَرَامٌ قَطْعِيٌّ) فِي الْفَيْضِ عَنْ الْأَذْكَارِ الْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ مُحَرَّمَتَانِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] لَا يَخْفَى أَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى الْحُرْمَةِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى كَوْنِ أَلْفَاظِهِ مُفَسَّرَةً أَوْ مُحْكَمَةً عِنْدَ بَعْضٍ وَيَكْفِي كَوْنُهَا ظَاهِرَةً أَوْ نَصُّهُ
وَأَيْضًا أَنَّ دَلَالَةَ مِثْلِ هَذَا النَّهْيِ مِنْ حَيْثُ هُوَ نَهْيٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ أَنَّهُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ أَوْ الْحِسِّيَّاتِ أَوْ لِقُبْحٍ فِي نَفْسِهِ أَوْ لِوَصْفِهِ أَوْ لِمُجَاوِرِهِ كَمَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَارْجِعْ إلَيْهِ مُتَأَمِّلًا ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] تَمْثِيلٌ لِمَا يَنَالُهُ الْمُغْتَابُ مِنْ عِرْضِ الْمُغْتَابِ عَلَى أَفْحَشِ وَجْهٍ مَعَ مُبَالَغَةِ الِاسْتِفْهَامِ الْمُقَرِّرِ وَإِسْنَادُ الْفِعْلِ إلَى أَحَدٍ لِلتَّعْمِيمِ وَتَعْلِيقُ الْمَحَبَّةِ بِمَا هُوَ غَايَةُ الْكَرَاهَةِ وَتَمْثِيلُ الِاغْتِيَابِ بِأَكْلِ لَحْمِ الْإِنْسَانِ وَجَعْلُ الْمَأْكُولِ أَخًا مَيِّتًا وَتَعْقِيبُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] تَحْقِيقٌ وَتَقْرِيرٌ لِذَلِكَ وَالْمَعْنَى إنْ صَحَّ ذَلِكَ أَوْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ هَذَا فَكَرِهْتُمُوهُ وَلَا يُمْكِنُكُمْ إنْكَارُ كَرَاهِيَتِهِ وَانْتِصَابُ مَيِّتًا عَلَى الْحَالِ مِنْ اللَّحْمِ أَوْ الْأَخِ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] لِمَنْ اتَّقَى مَا نُهِيَ عَنْهُ وَتَابَ مِمَّا فَرَطَ مِنْهُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي التَّوَّابِ لِأَنَّهُ بَلِيغٌ فِي قَبُولِ التَّوْبَةِ بِهِ إذْ يَجْعَلُ صَاحِبَهَا كَمَنْ لَمْ يُذْنِبْ أَوْ لِكَثْرَةِ الْمَتُوبِ عَلَيْهِمْ أَوْ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ كَذَا فِي الْقَاضِي
стр. 800
(حُبّ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ صَبْ أَصْبَهَانِيٌّ (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الرَّجُلَ لَيُؤْتَى كِتَابَهُ» أَيْ كِتَابَ حَسَنَاتِهِ «مَنْشُورًا فَيَقُولُ يَا رَبِّ فَأَيْنَ حَسَنَاتُ كَذَا وَكَذَا عَمِلْتهَا» فِي الدُّنْيَا «لَيْسَتْ فِي صَحِيفَتِي فَيَقُولُ لَهُ مُحِيَتْ بِاغْتِيَابِكَ النَّاسَ وَكُتِبَتْ فِي كِتَابِ مَنْ اغْتَبْتَهُ» هَذَا وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْحُرْمَةِ صَرِيحًا لَكِنْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَلْزَمَهُ الْحُرْمَةُ فَلَوْ كَانَ مَا يَلْزَمُ مِنْ الدَّلِيلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْمَطْلُوبِ فَالتَّقْرِيبُ تَامٌّ قِيلَ عَنْ الْخَرَائِطِيِّ فِي مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «إنَّ الْعَبْدَ لَيُعْطَى كِتَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْشُورًا فَيَرَى فِيهِ حَسَنَاتٍ لَمْ يَعْمَلْهَا فَيَقُولُ يَا رَبِّ لَمْ أَعْمَلْ هَذِهِ الْحَسَنَاتِ فَيَقُولُ إنَّهَا كُتِبَتْ لَك بِاغْتِيَابِ النَّاسِ إيَّاكَ» وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ وَقِيلَ مَنْ اُغْتِيبَ بِغِيبَةٍ غَفَرَ اللَّهُ نِصْفَ ذُنُوبِهِ (صَبْ. عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «الْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ تَحُتَّانِ» بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ أَيْ تَفْرُقَانِ وَتَحُكَّانِ ثَمَرَاتِ «الْإِيمَانِ كَمَا يَعْضُدُ الرَّاعِي» أَيْ يَقْطَعُ «الشَّجَرَةَ»
لِلْمَاشِيَةِ فَأَصْلُ الْإِيمَانِ كَالشَّجَرَةِ وَالْأَعْمَالُ فُرُوعٌ لَهُ كَأَغْصَانِ الشَّجَرَةِ وَبِسَبَبِهَا تُمْحَى تِلْكَ الْأَعْمَالُ وَتُكْتَبُ فِي كِتَابِ مَنْ اغْتَبْته فَيَبْقَى الْإِيمَانُ كَالشَّجَرَةِ الَّتِي يَعْضُدُهَا الرَّاعِي لِتَأْكُلَ الْأَغْنَامُ أَوْرَاقَهَا وَمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ ظَاهِرِهِ مِنْ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ تُحْبِطُ الطَّاعَةَ فَقَدْ عَرَفْت جَوَابَهُ فِي الِاعْتِقَادِيَّةِ (حَدّ. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ «قَالَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ»
لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ «بِنَبِيِّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَظَرَ فِي النَّارِ فَإِذَا قَوْمٌ يَأْكُلُونَ الْجِيَفَ قَالَ مَنْ هَؤُلَاءِ» الْإِشَارَةُ لِلتَّحْقِيرِ «يَا جَبْرَائِيلُ؟ قَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ» بِالِاغْتِيَابِ لَعَلَّ ذَلِكَ تَمْثِيلُ أَرْوَاحِ الْمُغْتَابِينَ فِيمَا قَبْلُ أَوْ صُوَرُهُمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ (يَعْلَى طَبْ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ أَكَلَ لَحْمَ أَخِيهِ فِي الدُّنْيَا» بِاغْتِيَابِهِ لَا يَخْفَى مَا فِي الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْغِيبَةِ وَأَكْلِ اللَّحْمِ لِأَنَّ حُرْمَةَ عِرْضِ الْمُؤْمِنِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ «قُرِّبَ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: كُلْهُ مَيِّتًا كَمَا أَكَلْته حَيًّا فَيَأْكُلُهُ وَيَكْلَحُ» أَيْ يَعْبِسُ وَجْهُهُ قِيلَ عَنْ التِّرْمِذِيِّ تَشْوِيهِ النَّارُ فَتُقَلِّصُ شَفَتَهُ الْعُلْيَا حَتَّى تَبْلُغَ رَأْسَهُ وَتَسْتَرْخِي السُّفْلَى حَتَّى تَضْرِبَ سُرَّتَهُ وَذَلِكَ مِنْ مَرَارَةِ مَا أَكَلَهُ لَعَلَّ لَيْسَ مَا أَكَلَهُ عَيْنَ أَخِيهِ بَلْ مِثَالُهُ وَصُورَتَهُ لِأَنَّ جَزَاءَ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا «وَيَضِجُّ»
يَصِيحُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ وَأَنِينَهُ (يَعْلَى. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَامَ رَجُلٌ» وَذَهَبَ لِحَاجَةٍ
стр. 801
«فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَعْجَزَ فُلَانًا أَوْ قَالُوا مَا أَضْعَفَ فُلَانًا» شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي يَعْنِي تَعَجَّبُوا مِنْ ذَهَابِهِ وَضَعْفِهِ فِي دِينِهِ «فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَبْتُمْ صَاحِبَكُمْ وَأَكَلْتُمْ لَحْمَهُ» .
فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ غِيبَةً لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ غَرَضِهِمْ هُوَ الْغَيْرَةُ وَالزَّجْرُ لِإِعْرَاضِهِ عَنْ صُحْبَتِهِ ﵊ قُلْنَا لَعَلَّ لَهُ ضَرُورَةً دَاعِيَةً يَعْرِفُهَا النَّبِيُّ دُونَهُمْ (دُنْيَا. عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) وَعَنْ أَبَوَيْهَا (أَنَّهَا قَالَتْ «قُلْت لِامْرَأَةٍ مَرَّتْ وَأَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إنَّ هَذِهِ لَطَوِيلَةٌ فَقَالَ ﷺ الْفِظِي الْفِظِي» ارْمِي مَا فِي فِيك وَجْهُ التَّأْكِيدِ أَنَّهُ كَانَ فِي اعْتِقَادِهَا لَيْسَ فِي فِيهَا شَيْءٌ فَفِيهِ إمَارَةُ إنْكَارٍ أَوْ دَفْعُ تَوَهُّمٍ نَاشِئٍ مِمَّا ذُكِرَ أَوْ لِلشَّفَقَةِ كَأَنَّهُ يُسْرِعُ فِي إخْرَاجِ مَا فِي فِيهَا مِنْ الْخَبَثِ «فَلَفَظَتْ بِضْعَةً» قِطْعَةً «مِنْ لَحْمٍ»
فَأَمَّا أَنَّهُ تَعَالَى يَقْدِرُ عَلَى تَبْدِيلِ الْأَعْرَاضِ جَوَاهِرَ كَمَا فِي ذَبْحِ الْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى صُورَةِ كَبْشٍ وَامْتِنَاعُ انْقِلَابِ الْحَقَائِقِ مُخْتَصٌّ فِيمَا بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ وَالْمُمْتَنِعِ أَوْ أَنَّهُ تَعَالَى يَخْلُقُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا كَوْنُ ذَلِكَ لَحْمَ الْمُغْتَابِ بِقَرِينَةِ الْحَدِيثِ الْآخَرِ فَيَنْقُلُهُ تَعَالَى مِنْهُ إلَيْهِ وَيَخْلُقُ غَيْرَهُ بَدَلَهُ بِلَا شُعُورِهِ وَعِرْفَانِهِ فَبَعِيدٌ غَايَةَ الْبُعْدِ وَإِنْ أَمْكَنَ بِمُجَرَّدِ ذَاتِ قُدْرَتِهِ تَعَالَى ثُمَّ إنَّ وَجْهَ كَوْنِهِ غِيبَةً كَرَاهَتُهَا مِنْ هَذَا الْقَوْلِ وَإِنْ وَاقِعًا كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآتِي «الْغِيبَةُ ذِكْرُكَ أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ لَوْ بَلَغَهُ فِي دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ أَوْ خُلُقِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ خَادِمِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ سُكُونِهِ أَوْ حَرَكَتِهِ أَوْ طَلَاقَتِهِ أَوْ عَبُوسَتِهِ أَوْ غَيْرِهِ بِلَفْظٍ أَوْ إشَارَةٍ أَوْ رَمْزٍ أَوْ كِنَايَةٍ أَوْ مُحَاكَاةٍ بَلْ أَوْ بِقَلْبٍ وَمِنْهُ مَا فِي التَّصَانِيفِ نَحْوُ قَالَ بَعْضُ مَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ أَوْ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ لِلصَّلَاحِ «قِيلَ أَفَرَأَيْت إنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْته وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ» (د. عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَمَّا عُرِجَ بِي رَبِّي مَرَرْت بِقَوْمِ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمُشُونَ) يَجْرَحُونَ وَيَخْدِشُونَ وَيَضْرِبُونَ (بِهَا وُجُوهَهُمْ فَقُلْت مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جَبْرَائِيلُ؟ قَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ»
بِمَا يَغْتَابُونَ قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الطِّيبِيِّ لَمَّا كَانَ خَمْشُ الْوَجْهِ وَالصَّدْرِ مِنْ صِفَاتِ النِّسَاءِ النَّائِحَات جَعَلَهُمَا جَزَاءَ مَنْ يَغْتَابُ إشْعَارًا بِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ صِفَاتِ الرِّجَالِ بَلْ هُمَا مِنْ صِفَاتِ النِّسَاءِ فِي أَقْبَحِ حَالَةٍ وَأَسْوَإِ صُورَةٍ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ يُحْشَرُ الْمُمَزِّقُ لِأَعْرَاضِ النَّاسِ كَلْبًا ضَارِيًا وَالشَّرِهُ لِأَمْوَالِهِمْ ذِئْبًا وَالْمُتَكَبِّرُ نَمِرًا وَطَالِبُ الرِّيَاسَةِ أَسَدًا لِأَنَّ الصُّورَةَ فِي هَذَا الْعَالَمِ غَالِبَةٌ عَلَى الْمَعَانِي وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ عَلَى الْغِيبَةِ (د ت. عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) وَعَنْ أَبَوَيْهَا (أَنَّهَا قَالَتْ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ حَسْبُك مِنْ صَفِيَّةَ» بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ أَيْ كَافِيك مِنْ عَيْبِهَا « (قِصَرُهَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَدْ قُلْت كَلِمَةً لَوْ مُزِجَ بِهَا الْبَحْرُ لَمَزَجَتْهُ) »
стр. 802
الْمَزْجُ التَّغْيِيرُ وَقِيلَ أَيْ غَلَبَتْهُ فِي الْمَزْجِ لِعِظَمِهَا فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الزَّوَاجِرِ عَنْ الْغِيبَةِ وَمَا أَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ الْأَحَادِيثِ يَبْلُغُ فِي الذَّمِّ بِهِ هَذَا الْمَبْلَغَ - ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]- الْآيَةُ وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ كَمَا نُقِلَ عَنْ أَذْكَارِ النَّوَوِيِّ أَقُولُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا التَّشْدِيدُ مُخْتَصًّا بِهَا إمَّا لِعَدَمِ مُنَاسَبَةِ مَنْصِبِ عَائِشَةَ مِنْ الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ وَإِمَّا لِكَوْنِ الْغِيبَةِ عَلَى صَفِيَّةَ لِكَوْنِهَا مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ﵊ أَوْ لِمَجْمُوعِهَا وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ وَأَوْحَى اللَّهُ إلَى مُوسَى - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَنْ مَاتَ تَائِبًا مِنْ الْغِيبَةِ فَهُوَ آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَمَنْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ وَقَالَ عَوْفٌ دَخَلْت عَلَى ابْنِ سِيرِينَ فَتَنَاوَلْت بِالِاغْتِيَابِ مِنْ الْحَجَّاجِ فَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ إنَّ اللَّهَ حَكَمٌ عَدْلٌ وَكَمَا يَأْخُذُ مِنْ الْحَجَّاجِ يَأْخُذُ لِلْحَجَّاجِ وَإِنَّك إذَا لَقِيت اللَّهَ غَدًا كَانَ أَصْغَرُ ذَنْبٍ أَصَبْته أَشَدَّ عَلَيْك مِنْ أَعْظَمِ ذَنْبٍ أَصَابَهُ الْحَجَّاجُ وَقِيلَ دُعِيَ ابْنُ أَدْهَمَ إلَى دَعْوَةٍ فَحَضَرَ فَذَكَرُوا رَجُلًا لَمْ يَأْتِهِمْ وَقَالُوا إنَّهُ ثَقِيلٌ فَقَالَ إبْرَاهِيمُ إنَّمَا فَعَلَ هَذَا فِي نَفْسِي حَيْثُ حَضَرْت مَوْضِعًا يُغْتَابُ النَّاسُ فِيهِ فَخَرَجَ وَلَمْ يَأْكُلْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَقِيلَ مَثَلُ الَّذِي يَغْتَابُ النَّاسَ كَمَثَلِ مَنْ نَصَبَ مَنْجَنِيقًا يَرْمِي حَسَنَاتِهِ شَرْقًا وَغَرْبًا يَغْتَابُ وَاحِدًا خُرَاسَانِيًّا وَآخَرَ حِجَازِيًّا وَآخَرَ تُرْكِيًّا فَيُفَرِّقُ حَسَنَاتِهِ وَيَقُومُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ (م. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «هَلْ تَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ» فِيهِ نَدْبُ إسْنَادِ مَا لَا عِلْمَ بِهِ لِلْعَبْدِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ «قَالَ ذِكْرُك أَخَاك بِمَا يَكْرَهُهُ قِيلَ أَرَأَيْت إنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقَدْ بَهَتَّهُ»
مِنْ الْبُهْتَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا مَشْرُوحًا لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ الْأَنْسَبُ أَنْ يُذْكَرَ قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَهُوَ حَرَامٌ قَطْعِيٌّ وَعَنْ سُفْيَانَ كُنْت جَالِسًا عِنْدَ إيَاسٍ فَنِلْتُ مِنْ إنْسَانٍ فَقَالَ هَلْ غَزَوْت الرُّومَ وَالتُّرْكَ فَقُلْت لَا فَقَالَ سَلِمَ مِنْك التُّرْكُ وَالرُّومُ وَمَا سَلِمَ مِنْك أَخُوك الْمُسْلِمُ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ لِيَكُنْ حَظُّ الْمُؤْمِنِ مِنْك ثَلَاثَ خِصَالٍ إنْ لَمْ تَنْفَعْهُ فَلَا تَضُرَّهُ وَإِنْ لَمْ تَسُرَّهُ فَلَا تَغُمَّهُ وَإِنْ لَمْ تَمْدَحْهُ فَلَا تَذُمَّهُ قَالَ الْجُنَيْدُ كُنْت جَالِسًا فِي مَسْجِدِ شُونِيزِيَّةَ أَنْتَظِرُ جِنَازَةً أُصَلِّي عَلَيْهَا وَأَهْلُ بَغْدَادَ عَلَى طَبَقَاتِهِمْ فَرَأَيْت فَقِيرًا يَسْأَلُ النَّاسَ فَقُلْت فِي نَفْسِي لَوْ عَمِلَ هَذَا عَمَلًا يَصُونُ بِهِ نَفْسَهُ كَانَ أَجْمَلَ بِهِ فَلَمَّا انْصَرَفْتُ إلَى مَنْزِلِي وَكَانَ لِي شَيْءٌ مِنْ الْوَرْدِ فِي اللَّيْلِ مِنْ الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ فَثَقُلَ عَلَيَّ جَمِيعُ أَوْرَادِي فَسَهِرْت وَأَنَا قَاعِدٌ وَغَلَبَتْنِي عَيْنِي فَرَأَيْت ذَلِكَ الْفَقِيرَ جَاءُوا بِهِ عَلَى خُوَانٍ مَمْدُودٍ وَقَالُوا لِي كُلْ لَحْمَهُ فَقَدْ اغْتَبْته وَكَشَفَ لِي عَنْ الْحَالِ فَقُلْت مَا اغْتَبْته إنَّمَا قُلْت فِي نَفْسِي شَيْئًا فَقِيلَ مَا أَنْتَ مِمَّنْ يُرْضَى مِنْك بِمِثْلِهِ اذْهَبْ فَاسْتَحِلَّهُ فَأَصْبَحْت وَلَمْ أَزَلْ أَتَرَدَّدُ حَتَّى رَأَيْته فِي مَوْضِعٍ يَلْتَقِطُ مِنْ الْمَاءِ عِنْدَ تَزَايُدِهِ أَوْرَاقًا مِنْ الْبَقْلِ مِمَّا يَتَسَاقَطُ مِنْ غَسْلِ الْبَقْلِ فَسَلَّمْت عَلَيْهِ فَقَالَ تَعُودُ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَقُلْت لَا أَعُودُ قَالَ غَفَرَ اللَّهُ لَنَا وَلَك
(اعْلَمْ أَنَّ الْغِيبَةَ تَعُمُّ ذِكْرَ عُيُوبِ الدِّينِ) نَحْوُ فُلَانٌ تَارِكُ الصَّلَاةِ وَشَارِبُ الْخَمْرِ وَسَارِقٌ وَنَمَّامٌ (وَالدُّنْيَا) نَحْوُ فُلَانٌ أَعْرَجُ أَوْ أَصَمُّ أَوْ زَمِنٌ أَوْ أَعْوَرُ رَخَّصَ بَعْضٌ بِعُيُوبِ الدُّنْيَا وَقَالَ لَا غِيبَةَ فِي الدِّينِ لِأَنَّهُ ذَمُّ مَا ذَمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فَذِكْرُهُ بِالْمَعَاصِي وَذَمُّهُ يَجُوزُ وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْعُمُومِ يُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ السَّابِقُ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ مَنْ ذَكَرَ غَيْرَهُ بِمَا يَكْرَهُهُ فَهُوَ مُغْتَابٌ سَوَاءٌ دُنْيَا أَوْ دِينًا، لَعَلَّ الْحَقَّ التَّفْصِيلُ؛ إنْ لِغَرَضٍ نَفْسَانِيٍّ فَغِيبَةٌ وَإِنْ لِغَرَضٍ دِينِيٍّ فَلَا (لَكِنْ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْمُخَاطَبِ) أَيْ الْمُغْتَابِ (وَأَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ السَّبِّ) وَالْقَدْحِ فِيهِ لَا عَلَى وَجْهِ الِاهْتِمَامِ (عِنْدَ عُلَمَائِنَا) الْحَنَفِيَّةِ أَمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّرَحُّمِ أَوْ التَّظَلُّمِ مِنْهُ فَلَا (قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ رَجُلٌ اغْتَابَ أَهْلَ قَرْيَةٍ فَقَالَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ كَذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ غِيبَةً لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ بِهِ جَمِيعَ أَهْلِ الْقَرْيَةِ)
стр. 803
لِمَا فِيهِمْ مِنْ نَحْوِ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالصِّبْيَانِ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ عَامٍّ خَصَّ مِنْهُ الْبَعْضَ (فَكَانَ الْمُرَادُ هُوَ الْبَعْضُ وَهُوَ مَجْهُولٌ) فَلَا تَعْيِينَ وَلَا عِلْمَ لِلْمُخَاطَبِ فَدَلَّ عَلَى شَرْطِيَّةِ مَعْرِفَةِ الْمُخَاطَبِ لَعَلَّ هَذَا إنْ لَمْ تَكُنْ الْغِيبَةُ بِوَصْفٍ يُوجِبُ التَّعْيِينَ مِنْهُمْ أَوْ إنْ لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى خُصُوصِهِمْ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ عِلَّةَ حُرْمَةِ الْغِيبَةِ هُوَ الْأَذَى وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَذَى حَاصِلٌ فِي اغْتِيَابِ مُطْلَقِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ لِكُلٍّ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ أَوْ لِأَجْلِ مَنْ اُغْتِيبَ لَهُ مِنْهُمْ (الرَّجُلُ إذَا كَانَ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَضُرُّ النَّاسَ بِالْيَدِ) كَالضَّرْبِ وَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ (وَاللِّسَانِ) كَالشَّتْمِ وَالْبُهْتَانِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ (فَذُكِرَ بِمَا فِيهِ لَا يَكُونُ غِيبَةً) ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ وَحُجِّيَّتُهُ فِي الْمَقَامِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى كَوْنِهِ لَا عَلَى وَجْهِ السَّبِّ وَحَمْلُ هَذَا الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِهَذَا بَعِيدٌ بَلْ الْمُتَبَادِرُ أَنَّ عَدَمَ كَوْنِهِ غِيبَةً لِكَوْنِهِ مُجَاهِرًا بِالْفِسْقِ وَلَا يَسْتَنْكِفُ مِنْ ذِكْرِهِ (وَإِنْ أَخْبَرَ السُّلْطَانَ أَوْ غَيْرَهُ) مَثَلًا (بِذَلِكَ لِيَزْجُرَهُ) عَنْ أَضْرَارِهِ (فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ) لَعَلَّ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَنْدَفِعْ بِطَرِيقِ غَيْرِ السُّلْطَانِ فَلَا يَضْمَنُ بِمَا أَخَذَهُ السُّلْطَانُ مِنْ الْجَرَائِمِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَهَلْ الْأَوْلَى الرَّفْعُ إلَيْهِ أَوْ لَا فَإِنْ مِمَّنْ يَزِيدُ أَذَاهُ عِنْدَ الْإِهْمَالِ نَعَمْ وَإِلَّا فَلَا لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِكَوْنِ السُّلْطَانِ قَادِرًا وَغَيْرَ مُهْمِلٍ وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ بَلْ زِيَادَةُ غَيْظٍ قَالَ قَاضِي خَانْ أَيْضًا رَجُلٌ عَلِمَ أَنَّ فُلَانًا يَتَعَاطَى مِنْ الْمُنْكَرِ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ إلَى أَبِيهِ بِذَلِكَ قَالُوا إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ كَتَبَ إلَى أَبِيهِ يَمْنَعُهُ الْأَبُ مِنْ ذَلِكَ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ وَإِلَّا فَلَا يَكْتُبُ كَيْ لَا تَقَعَ الْعَدَاوَةُ بَيْنَهُمَا وَكَذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ أَوْ بَيْنَ السُّلْطَانِ وَالرَّعِيَّةِ وَالْحَشَمِ إنَّمَا يَجِبُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ إذَا عُلِمَ أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ انْتَهَى (رَجُلٌ ذَكَرَ مَسَاوِئَ أَخِيهِ عَلَى وَجْهِ الِاهْتِمَامِ) لَا عَلَى وَجْهِ السَّبِّ وَالْقَدَحِ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ الِاهْتِمَامِ
الْأَعْذَارُ الَّتِي تُرَخَّصُ بِهَا الْغِيبَةُ كَمَا يُشِيرُ الْمُصَنِّف وَهِيَ سِتَّةٌ أَوَّلُهَا التَّظَلُّمُ ثَانِيهَا الِاسْتِغَاثَةُ لِتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَالرَّدِّ إلَى مَنْهَجِ الْحَقِّ ثَالِثُهَا الِاسْتِفْتَاءُ رَابِعُهَا تَحْذِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ شَرِّهِ خَامِسُهَا كَوْنُ اسْمِهِ مُؤْذِيًا كَالْأَعْرَجِ وَالْأَعْمَشِ إلَّا إنْ أَمْكَنَ تَعْرِيفُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ سَادِسُهَا الْمُجَاهِرُ بِالْفِسْقِ (لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ غِيبَةً) لِضَرُورَةٍ مُبِيحَةٍ (إنَّمَا الْغِيبَةُ أَنْ يَذْكُرَ) مَسَاوِئَ أَخِيهِ (عَلَى وَجْهِ الْغَضَبِ يُرِيدُ بِهِ السَّبَّ انْتَهَى وَهَكَذَا) ذَكَرَ (فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمَا فَذِكْرُ الْعَيْبِ لِتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ أَوْ لِلِاسْتِفْتَاءِ) طَلَبُ الْفَتْوَى مِنْ الْمُفْتِي (أَوْ لِلتَّحْذِيرِ) أَيْ تَحْذِيرِ الْغَيْرِ (مِنْ شَرِّهِ أَوْ التَّعْرِيفِ كَالْأَعْرَجِ وَنَحْوِهَا) قِيلَ كَذِكْرِ عَيْبِ مَبِيعٍ يَكْتُمُ عَيْبَهُ وَذِكْرِ عَيْبِ امْرَأَةٍ يُرَادُ نِكَاحُهَا وَلَا يَعْلَمُ عَيْبَهَا فَإِنَّهُ مِنْ النُّصْح الْوَاجِبِ وَتَفْرِيعُ هَذِهِ الْأُمُورِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا مَعَانِيَ لِلِاهْتِمَامِ وَكَوْنِهَا مَعْنًى لِذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْحَصْرِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ إنَّمَا الْغِيبَةُ إلَخْ (لَيْسَ بِغِيبَةٍ وَكَذَا) لَا يَكُونُ غِيبَةً (إنْ كَانَ مُجَاهِرًا
стр. 804
لِلْفِسْقِ وَالظُّلْمِ فَذَكَرَهُمَا وَأَمَّا إنْ ذَكَرَ عَيْبًا آخَرَ) لِكُلٍّ مِنْهُمَا (فَغِيبَةٌ) لَعَلَّهُ أَنَّهُ كَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ الْعَيْبِ الْآخَرِ مُتَسَبِّبًا عَنْ الظُّلْمِ وَالْفِسْقِ فَالظَّاهِرُ لَيْسَ بِغِيبَةٍ كَمَا أَنَّ ذِكْرَ الظُّلْمِ وَالْفِسْقِ لِغَرَضٍ نَفْسَانِيٍّ آخَرَ لَيْسَ بِغِيبَةٍ (شَيْخٌ) أَبُو الشَّيْخِ (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ أَلْقَى جِلْبَابَ الْحَيَاءِ» أَيْ الْحَيَاءَ الَّذِي هُوَ كَجِلْبَابِ النِّسَاءِ وَمِلْحَفَتِهِنَّ فَجَهَرَ بِالْفِسْقِ وَالْمَعَاصِي فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ لُجَيْنِ الْمَاءِ وَالْجِلْبَابُ كُلُّ مَا يُسْتَرُ بِهِ مِنْ نَحْوِ ثَوْبٍ «فَلَا غِيبَةَ لَهُ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ يَعْنِي الْمُجَاهِرَ الْمُتَظَاهِرَ بِالْفَوَاحِشِ لَا غِيبَةَ لَهُ إذَا ذُكِرَ بِمَا فِيهِ فَقَطْ لِيُعْرَفَ وَيُحْذَرَ وَهَذَا فِيمَنْ أَظْهَرَهُ وَتَرَكَ الْحَيَاءَ فِيهِ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْغِيبَةِ إنَّمَا هُوَ لِإِيذَائِهِ الْمُغْتَابَ وَعَنْ الْبَيْهَقِيّ إسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ ضَعِيفٌ، وَإِنْ صَحَّ فَعَلَى فَاسِقٍ مُعْلِنٍ بِفِسْقِهِ وَعَنْ الذَّهَبِيِّ فِي رِجَالِهِ مَجْهُولٌ وَأَوْرَدَهُ الْعِرَاقِيُّ فِي الضَّعِيفِ وَأَبُو الشَّيْخِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ انْتَهَى مُلَخَّصًا.
(دُنْيَا. عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ)
مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ وَجَدُّهُ صَحَابِيٌّ نَزَلَ الْبَصْرَةَ وَمَاتَ بِخُرَاسَانَ (أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَتَرُوعُونَ» أَتَخَافُونَ وَتَحْذَرُونَ «مِنْ ذِكْرِ الْفَاجِرِ مَتَى يَعْرِفُهُ النَّاسُ» أَيُّ وَقْتٍ يَعْرِفُهُ النَّاسُ إنْ لَمْ تُعَرِّفُوهُمْ بِهِ «اُذْكُرُوا الْفَاجِرَ» الْفَاسِقَ «بِمَا فِيهِ» مِنْ الْفُجُورِ وَهَتْكِ سِتْرِ الدِّيَانَةِ فَذِكْرُهُ بِذَلِكَ مِنْ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ مُسْلِمٌ فَيَقْتَدِيَ بِهِ فِي فِعْلَتِهِ أَوْ يُضِلَّهُ بِبِدْعَتِهِ أَوْ يَسْتَرْسِلَ لَهُ فَيُؤْذِيَهُ بِخُدْعَتِهِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ «يَحْذَرُهُ» أَيْ لِكَيْ يَحْذَرَهُ «النَّاسُ» إلَى أَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ ذِكْرِهِ بِذَلِكَ مَشْرُوطَةٌ بِقَصْدِ الِاحْتِسَابِ وَإِرَادَةِ النَّصِيحَةِ دَفْعًا لِلِاغْتِرَارِ وَنَحْوِهِ مِمَّا ذُكِرَ فَمَنْ ذَكَرَ أَحَدًا مِنْ هَذَا الصِّنْفِ تَشَفِّيًا لِغَيْظِهِ أَوْ انْتِقَامًا لِنَفْسِهِ أَوْ احْتِقَارًا أَوْ ازْدِرَاءً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْحُظُوظِ النَّفْسَانِيَّةِ فَهُوَ آثِمٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ ثُمَّ السُّبْكِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ وَلَدُهُ قَالَ كُنْت جَالِسًا بِدِهْلِيزِ دَارِنَا فَأَقْبَلَ كَلْبٌ فَقُلْت اخْسَأْ كَلْبَ ابْنَ كَلْبٍ فَزَجَرَنِي الْوَالِدُ فَقُلْت أَلَيْسَ هُوَ كَلْبَ ابْنَ كَلْبٍ قَالَ شَرْطُ الْجَوَازِ عَدَمُ قَصْدِ التَّحْقِيرِ فَقُلْت هَذِهِ فَائِدَةٌ قَالَ فِي الْفَيْضِ لَمْ يَصِحَّ عَنْ بَهْزٍ بِشَيْءٍ وَقَالَ أَحْمَدُ حَدِيثُهُ مُنْكَرٌ وَقَالَ عَدِيٌّ لَا أَصْلَ لَهُ وَكُلُّ مَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ فَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَضَعَهُ جَارُودُ ثُمَّ قِيلَ هَذَا الْحَدِيثُ سَنَدُ مَنْ يَخُصُّ الْغِيبَةَ بِذِكْرِ الْعُيُوبِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْجُمْهُورُ حَمَلُوا الْفَاجِرَ عَلَى الْمُعْلِنِ بِفِسْقِهِ لَا عَلَى مُطْلَقِهِ (وَالْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ ضَيَّقَ حَيْثُ لَمْ يَشْتَرِطْ السَّبَّ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى الِاهْتِمَامِ) بَلْ شَرَطَ الْكَرَاهَةَ مِنْ الْمُغْتَابِ فَقَطْ قِيلَ هُوَ مَسْلَكُ الِاحْتِيَاطِ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَخْبَارِ الَّتِي حَكَمَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوُجُودِ الْغِيبَةِ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ السَّبُّ وَلَمْ تَدُلَّ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ خُصُوصًا تَفْسِيرَهُ ﵊ الْغِيبَةَ بِقَوْلِهِ أَنْ تَذْكُرَ أَخَاك بِمَا يَكْرَهُهُ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ تَتَبَّعَ فَالْأَوْلَى الِاحْتِرَازُ عَنْ ذِكْرِ سَوْأَةِ الْغَيْرِ مَا لَمْ يُنَطْ بِهِ فَائِدَةٌ دِينِيَّةٌ انْتَهَى أَقُولُ لَا تَرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الْحَدِيثِ عِنْدَنَا وَأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يُحْمَلَ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ إنْ فِي الْحُكْمِ وَاتَّحَدَ الْحُكْمُ وَالْحَادِثَةُ وَكَانَا فِي الْإِثْبَاتِ، وَإِنَّ تَوْفِيقَ النُّصُوصِ لَازِمٌ عِنْدَ إمْكَانِهِ فَظَهَرَ أَنَّ قَوْلَهُ وَلَمْ تَدُلَّ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ إنْ كَانَ عَدَمُ الْقَرِينَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَإِنْ مُطْلَقًا فَلَيْسَ بِمُسَلَّمٍ إذْ بَعْضُ الْحَدِيثِ يَكُونُ قَرِينَةً لِلْمُرَادِ لِمَا فِي بَعْضٍ آخَرَ فِيهِ يُعْلَمُ حَالُ قَوْلِهِ خُصُوصًا إلَخْ عَلَى أَنَّ مُقْتَضَى التَّفْرِيعِ عَلَى مَا مَهَّدَهُ أَنْ يُقَالَ بِنَحْوِ الصَّوَابِ وَأَيْضًا لَا يَخْلُو ذَلِكَ عَنْ اعْتِرَافِ مَسْأَلَةِ الْخَصْمِ فَافْهَمْ
. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ أَسْبَابَ الْغِيبَةِ أَحَدَ عَشَرَ الْأَوَّلُ أَنْ تَشْفِيَ الْغَيْظَ بِذِكْرِ مَسَاوِئِهِ الثَّانِي مُوَافَقَةُ الْأَقْرَانِ زَاعِمًا كَوْنَهَا حُسْنَ مُعَاشَرَةٍ الثَّالِثُ أَنْ يَسْتَشْعِرَ مِنْ إنْسَانٍ أَنَّهُ سَيَقْصِدُهُ
стр. 805
وَيُطَوِّلُ لِسَانَهُ فِيهِ أَوْ يُقَبِّحُ عِنْدَ مُحْتَشِمٍ فَيُبَادِرُهُ وَيَطْعَنُ فِيهِ لِيَسْقُطَ أَثَرُ شَهَادَتِهِ الرَّابِعُ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ شَيْءٌ فَيَذْكُرَ أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ فُلَانٌ وَيَتَبَرَّأَ مِنْهُ مَعَ أَنَّ التَّبَرُّؤَ يَحْصُلُ بِأَنْ لَا يَذْكُرَ الْغَيْرَ بِشَخْصِهِ الْخَامِسُ أَنْ يَنْسِبَ النَّقْصَ إلَى غَيْرِهِ وَيَقْصِدَ بِذَلِكَ إثْبَاتَ فَضْلِ نَفْسِهِ السَّادِسُ الْقَدْحُ عِنْدَ مَنْ يُحِبُّ ذَلِكَ الشَّخْصَ حَسَدًا لِإِكْرَامِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ لَهُ السَّابِعُ أَنْ يَقْصِدَ اللَّعِبَ وَالْهَزْلَ وَالْمُطَايَبَةَ وَيُضْحِكَ النَّاسَ عَلَيْهِ الثَّامِنُ الِاسْتِهْزَاءُ اسْتِحْقَارًا لَهُ فِي الْغِيبَةِ التَّاسِعُ أَنْ يَتَعَجَّبَ بِفِعْلِهِ الْمُنْكَرِ وَهَذَا مِنْ الدِّينِ لَكِنْ أَدَّى إلَى الْغِيبَةِ بِذِكْرِ اسْمِهِ فَصَارَ مُغْتَابًا مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي الْعَاشِرُ أَنْ يَغْتَمَّ لِسَبَبِ مَا يُبْتَلَى بِهِ فَيَقُولَ مِسْكِينٌ فُلَانٌ قَدْ غَمَّنِي أَمْرُهُ وَمَا اُبْتُلِيَ بِهِ وَغَمُّهُ وَرَحْمَتُهُ خَيْرٌ لَكِنْ سَاقَهُ إلَى شَرٍّ وَهُوَ الْغِيبَةُ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْهَا الْغَضَبُ لِلَّهِ عَلَى مُنْكَرٍ قَارَفَهُ إنْسَانٌ فَيُظْهِرُ غَضَبُهُ وَيَذْكُرُ اسْمَهُ وَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُظْهِرَ غَضَبَهُ عَلَى فَاعِلِهِ وَلَا يُظْهِرُهُ عَلَى غَيْرِهِ بَلْ يَسْتُرُ اسْمَهُ وَهَذِهِ الْأَسْبَابُ الثَّلَاثَةُ الْأَخِيرَةُ مِمَّا تَغْمُضُ عَلَى الْعُلَمَاءِ فَضْلًا عَنْ الْعَوَامّ إذَا عَرَفْت أَسْبَابَ الْغِيبَةِ فَاعْلَمْ أَنَّ عِلَاجَهَا عَلَى الْجُمْلَةِ أَنْ يَذْكُرَ مَضَرَّةَ الْغِيبَةِ وَأَنَّهَا تَحُطُّ حَسَنَاتِهِ وَتُثْقِلُ حَسَنَاتِ غَيْرِهِ أَوْ يُنْقَلُ إلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ فَيَدْخُلُ النَّارَ فَهَذَا بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ وَالسُّؤَالِ وَالْحِسَابِ وَعِلَاجُهَا عَلَى التَّفْصِيلِ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَسْبَابِهَا وَيُعَالِجَهَا بِمَا مَرَّ فِي الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ مِنْ نَحْوِ الْغَضَبِ وَالْحَسَدِ وَالرِّيَاءِ
وَاعْلَمْ أَنَّهُ مِمَّا نُبِّهَ عَلَيْهِ أَنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْغِيبَةِ مَا بِالْقَلْبِ وَهُوَ سُوءُ الظَّنِّ أَيْ عَقْدُ الْقَلْبِ وَالْحُكْمُ بِالسُّوءِ وَذَلِكَ حَرَامٌ كَمَا نُبِّهَ عَلَيْهِ قَبْلُ وَأَمَّا الْخَوَاطِرُ وَحَدِيثُ النَّفْسِ أَنْ يَتَغَيَّرَ الْقَلْبُ مَعَهُ عَمَّا كَانَ فَيَنْفِرَ عَنْهُ نُفُورًا وَيَسْتَثْقِلَهُ وَيَفْتُرَ عَنْ مُرَاعَاتِهِ وَإِكْرَامِهِ وَمِنْ ثَمَرَاتِ سُوءِ الظَّنِّ التَّجَسُّسُ فَيَطْلُبُ التَّحْقِيقَ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَذَا فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ.
(ثُمَّ إنَّ الْغِيبَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ الْأُولَى أَنْ تَغْتَابَ وَتَقُولَ لَسْت أَغْتَابُ لِأَنِّي أَذْكُرُ مَا فِيهِ فَهَذَا كُفْرٌ) ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي كَوْنِ الْغِيبَةِ جَارِيَةً فِي الْعُيُوبِ الدِّينِيَّةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ أَدْنَى دَرَجَةِ الِاخْتِلَافِ إيرَاثُ شُبْهَةٍ فَكَيْفَ يَكْفُرُ فِي حُكْمٍ كَانَ فِيهِ شُبْهَةٌ إلَّا أَنْ يَخُصَّ بِالْعُيُوبِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ قَرِينَةٌ لِلتَّخْصِيصِ (ذَكَرَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي التَّنْبِيهِ لِأَنَّهُ اسْتِحْلَالٌ لِلْحَرَامِ الْقَطْعِيِّ) قِيلَ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ بِالنَّصِّ الْقُرْآنِيِّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْقُرْآنَ عَلَى حُرْمَةِ الْغِيبَةِ لَا عَلَى كَوْنِ مَا ذُكِرَ فِيهِ غِيبَةً وَالْمَطْلُوبُ ذَلِكَ.
(وَالثَّانِي أَنْ يَغْتَابَ وَتَبْلُغَ غِيبَتُهُ الْمُغْتَابَ فَهَذِهِ مَعْصِيَةٌ لَا تَتِمُّ التَّوْبَةُ عَنْهَا إلَّا بِالِاسْتِحْلَالِ) مِنْ الْمُغْتَابِ (لِأَنَّهُ آذَاهُ) بِبُلُوغِ غِيبَتِهِ إلَيْهِ (فَكَانَ فِيهِ) فِي بُلُوغِ الْغِيبَةِ (حَقُّ الْعَبْدِ أَيْضًا) أَيْ كَمَا كَانَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَبِاعْتِبَارِ نَهْيِهِ تَعَالَى حَقُّهُ تَعَالَى وَبِاعْتِبَارِ إيذَائِهِ لِلْعَبْدِ حَقُّ الْعَبْدِ لَكِنَّ السَّابِقَ إلَى الْخَاطِرِ أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ هُوَ الْأَذَى فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَقُّ الْعَبْدِ فَقَطْ لَكِنْ فِيهِ تَأَمُّلٌ (وَهَذَا مُجْمَلُ قَوْلِهِ ﵊ فِيمَا خَرَّجَهُ " دُنْيَا طط " عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «الْغِيبَةُ أَشَدُّ مِنْ الزِّنَا قِيلَ وَكَيْفَ؟» تَكُونُ أَشَدَّ «قَالَ الرَّجُلُ يَزْنِي ثُمَّ يَتُوبُ عَنْهُ فَيَتُوبُ» أَيْ يَقْبَلُ «اللَّهُ عَلَيْهِ» تَوْبَتَهُ هَذَا إذَا كَانَ الزِّنَا طَوْعًا لَا كَرْهًا وَلَمْ تَكُنْ الْمُزَنِّيَةُ مَنْكُوحَةً أَوْ أَمَةً لِغَيْرِهِ وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ عَارٌ لِأَحَدٍ وَإِلَّا فَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّوْبَةِ لِاخْتِلَاطِ حَقِّ الْعَبْدِ حِينَئِذٍ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهَا مِنْ الِاسْتِحْلَالِ وَطَرِيقُهُ فِيهِ لَا يَكُونُ إلَّا بِطَرِيقِ التَّعْمِيمِ عَلَى قَوْلِهِ أَبِي يُوسُفَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى بِأَنْ يَقُولَ إنِّي أَطْلُبُ مِنْك اسْتِحْلَالَ جَمِيعِ حُقُوقِك الْمُتَعَلِّقَةِ بِدَارِ الْآخِرَةِ إذْ لَوْ صَرَّحَ لَزِمَ الْوُقُوعُ فِي مَفْسَدَةٍ عَظِيمَةٍ «وَإِنَّ صَاحِبَ الْغِيبَةِ لَا يُغْفَرُ لَهُ» مِنْ جِهَتِهِ تَعَالَى «حَتَّى يَغْفِرَ» أَيْ يَتُوبَ وَيُحَلِّلَ «صَاحِبُهُ» يَشْكُلُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فَتَأَمَّلْ تَصِلْ.
(وَالثَّالِثُ إنْ لَمْ تَبْلُغْ الْغِيبَةُ)
стр. 806
الْمُغْتَابَ (فَيَكْفِيهِ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ وَلِمَنْ اغْتَابَهُ) وَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِحْلَالٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذِهِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا قُدِّمَ آنِفًا مِنْ أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ هُوَ الْأَذَى فَإِذَا انْتَفَى الْأَذَى فَيَلْزَمُ أَنْ تَنْتَفِيَ الْحُرْمَةُ إلَّا أَنْ يُمْنَعَ كَوْنُ الْعِلَّةِ ذَلِكَ أَوْ يُقَالُ يَكْفِي فِي الْعِلَّةِ الْجِنْسُ وَإِنْ تَخَلَّفَ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ وَقَدْ يُشْرَعُ الْحُكْمُ الْعَامُّ بِالْعِلَّةِ الْخَاصَّةِ كَالْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ لِلرُّخْصَةِ (دُنْيَا. عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَفَّارَةُ مَنْ اغْتَبْتَهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ»
إذَا لَمْ تَصِلَ إلَيْهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ أَيْضًا بِمَا إذَا تَعَذَّرَتْ مُرَاجَعَتُهُ وَاسْتِحْلَالُهُ وَإِلَّا تَعَيَّنَ كَمَا عَرَفْت فِي الْفَيْضِ عَنْ الْغَزَالِيِّ يَحْتَجُّ الْحَسَنُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى كِفَايَةِ الِاسْتِغْفَارِ دُونَ الِاسْتِحْلَالِ وَلَوْ تَابَ قَبْلَ الْوُصُولِ ثُمَّ بَلَغَ لَا تَبْطُلُ التَّوْبَةُ بَلْ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُمَا الْمُغْتَابِ بِالتَّوْبَةِ وَالْمُغْتَابِ مِنْهُ بِمَا لَحِقَهُ مِنْ الْمَشَقَّةِ.
كَمَا نُقِلَ عَنْ شَرْحِ الشِّرْعَةِ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ ثُمَّ عَنْ ابْنِ الْجَوْزِيِّ بِأَنَّ الْحَدِيثَ مَوْضُوعٌ وَعَنْ عَبَسَةَ مَتْرُوكٌ وَعَنْ السُّيُوطِيّ ضَعِيفٌ وَعَنْ الْعِرَاقِيِّ أَيْضًا فِي تَخْرِيجِ الْإِحْيَاءِ ضَعِيفٌ (وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الْأَصَحُّ الَّذِي اخْتَارَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَعِنْدَ الْبَعْضِ يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِحْلَالِ مُطْلَقًا) وَصَلْتَ أَوْ لَا هَذَا عَلَى قِيَاسِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ فَإِنَّ مَنْ سَرَقَ مَالَ أَحَدٍ يَجِبُ الِاسْتِحْلَالُ بِالِاتِّفَاقِ مُطْلَقًا وَالْجَوَابُ أَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ فَارِقٍ لِأَنَّ الْمَالَ مِلْكَهُ وَحَقَّهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِخِلَافِ الْغِيبَةِ فَإِنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ عِلْمِهِ بِالْغِيبَةِ لَمْ يَفُتْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ أَذًى أَصْلًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ حَقٌّ جِدًّا مَعَ أَنَّهُ عَلَى هَذَا لَا يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مَعَ الْمُخَالَفَةِ لِلثَّانِي مِنْهُمَا فَالْحَقُّ قَوْلُ الْفَقِيهِ إذْ حِينَئِذٍ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الْوُصُولِ وَالثَّانِي عَلَى عَدَمِهِ.
كَذَا ذَكَرَ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي لَا يَخْفَى أَنَّ الْقِيَاسَ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ لَيْسَ بِمَ قُبُولٍ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الرَّأْيِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ لَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يَحْكُمَ الْمَقَامَ بِمَسْأَلَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ أَوْ تَرْجِيحِ النَّصِّ الْمُوَافِقِ لِلْقِيَاسِ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ (وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَا) يَحْتَاجُ إلَيْهِ (مُطْلَقًا بَلْ يَكْفِيهِ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ) اسْتِدْلَالًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الثَّانِي لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يُعَارِضُهُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عَلَى هَذَا بَلْ الْقِيَاسُ أَيْضًا تَدَبَّرْ.
وَعَنْ الْإِحْيَاءِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِحْلَالِ وَالِاعْتِذَارِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ مَيِّتًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ الِاسْتِغْفَارَ لَهُ وَالدُّعَاءَ وَيُكْثِرَ لَهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ وَسَبِيلُ الْمُعْتَذِرِ أَنْ يَبْلُغَ فِي الثَّنَاءَ عَلَيْهِ وَالتَّوَدُّدِ وَيُلَازِمَ ذَلِكَ حَتَّى يَطِيبَ قَلْبُهُ فَإِنْ لَمْ يَطِبْ قَلْبُهُ كَانَ اعْتِذَارُهُ وَتَوَدُّدُهُ مَحْسُوبًا لَهُ يُقَابِلُ بِهِ سَيِّئَةَ الْغِيبَةِ فِي الْآخِرَةِ.
(ثُمَّ أَعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ بِمَنْ اُغْتِيبَ عِنْدَهُ رَجُلٌ أَوْ بُهِتَ) عَلَيْهِ مِنْ الْبُهْتَانِ (أَنْ يَنْصُرَهُ أَوْ يَذُبَّ) أَيْ يَدْفَعَ (عَنْهُ) غِيبَتَهُ أَوْ بُهْتَانَهُ كَمَا قَالَ «اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا فَقِيلَ كَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قِيلَ تَدْفَعُ ظُلْمَهُ»
стр. 807
(دُنْيَا. عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «مَنْ نَصَرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ بِالْغَيْبِ»
بِأَيِّ نُصْرَةٍ كَانَتْ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا نَحْنُ فِيهِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا «نَصَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» جَزَاءً وِفَاقًا وَنُصْرَةُ الْمَظْلُومِ فَرْضُ كِفَايَةٍ إنْ قَدَرَ كَمَا فِي الْجَامِعِ «مَنْ نَصَرَ أَخَاهُ بِظَهْرِ الْغَيْبِ وَهُوَ يَسْتَطِيعُ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ هَذَا إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى نَصْرِهِ مَفْسَدَةٌ أَشَدُّ مِنْ مَفْسَدَةِ التَّرْكِ فَلَوْ عَلِمَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ سَقَطَ الْوُجُوبُ وَنُفِيَ أَصْلُ النَّدْبِ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ فَلَوْ تَسَاوَتْ الْمَفْسَدَتَانِ خُيِّرَ وَشَرْطُ النَّاصِرِ كَوْنُهُ عَالِمًا بِكَوْنِ الْفِعْلِ ظُلْمًا قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي التَّهْذِيبِ وَأَخْطَأَ مَنْ رَفَعَهُ (شَيْخٌ. عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «مَنْ اُغْتِيبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ فَلَمْ يَنْصُرْهُ وَهُوَ يَسْتَطِيعُ نَصْرَهُ أَدْرَكَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» دُنْيَا. عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ حَمَى»
حَفِظَ «عِرْضَ أَخِيهِ فِي الدُّنْيَا» كَمَنْعِ مَنْ اغْتَابَهُ وَزَجْرِ مَنْ بَهَتَهُ وَبِهِ يَظْهَرُ مَحَلُّ الِاسْتِشْهَادِ لَكِنَّ تَمَامَهُ يَظْهَرُ بِحَمْلِ إضَافَةِ لَفْظِ عِرْضِ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ كَإِضَافَةِ لَفْظِ أَخٍ وَهُوَ الْأَصْلُ عِنْدَ عَدَمِ قَرِينَةِ الْعَهْدِ وَدَلِيلِ الْجِنْسِ «بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِيهِ مِنْ النَّارِ» لِحِفْظِهِ أَخَاهُ مِنْ نَارِ الدُّنْيَا أَعْنِي الْوُقُوعَ فِي عِرْضِهِ فَإِنَّهُ تَعَالَى غَيُورٌ يَحْمِي مَنْ يَحْمِي عَبْدَهُ (شَيْخٌ. عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «مَنْ ذَبَّ»
أَيْ مَنَعَ «عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ» شَيْئًا عَلَى مُوجِبِ الْأُخُوَّةِ مِنْ النُّصْرَةِ وَالْقَهْرِ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ مَا اقْتَضَاهُ مَعْنَى الْأُخُوَّةِ مِنْ الْغَيْرَةِ «رَدَّ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» الظَّاهِرُ فِيمَا أَوْجَبَهُ مِنْ صَغَائِرِهِ وَفِي الْجَامِعِ «مَنْ ذَبَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ بِالْغِيبَةِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَقِيَهُ مِنْ النَّارِ» .
قَالَ شَارِحُهُ وَفِي رِوَايَة أَنْ يُعْتِقَهُ زَادَ فِي رِوَايَةٍ - ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]- وَفِيهِ أَنَّ الْمُسْتَمِعَ لَا يَخْرُجُ مِنْ إثْمِ الْغِيبَةِ إلَّا أَنْ يُنْكِرَ بِلِسَانِهِ فَإِنْ خَافَ فَبِقَلْبِهِ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ أَوْ قَطْعِ الْكَلَامِ لَزِمَهُ وَإِنْ قَالَ بِلِسَانِهِ اُسْكُتْ وَهُوَ نِفَاقٌ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ وَلَا يَكْفِي الْإِشَارَةُ بِالْيَدِ أَنْ اُسْكُتْ أَوْ بِحَاجِبِهِ أَوْ رَأْسِهِ فَإِنَّهُ احْتِقَارٌ لِلْمَذْكُورِ بَلْ يَنْبَغِي الذَّبُّ عَنْهُ صَرِيحًا كَمَا دَلَّتْ الْأَخْبَارُ انْتَهَى «وَتَلَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» دَلِيلُ وُجُوبِ النَّصْرِ لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْكِفَايَةِ « ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] » إنْ قَدَرَ عَلَى مَنْعِهِ
(تَتِمَّةٌ) قَالَ فِي الْمِفْتَاحِ وَأَمَّا كَفَّارَةُ الْغِيبَةِ فَهُوَ أَنْ يَنْدَمَ وَيَتُوبَ وَيَتَأَسَّفَ عَلَى فِعْلِهِ ثُمَّ يَسْتَحِلَّ الْمُغْتَابَ لِيُحِلَّهُ فَيَخْرُجَ عَنْ مَظْلِمَتِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَلَّلَهُ وَهُوَ حَزِينٌ مُتَأَسِّفٌ نَادِمٌ عَلَى فِعْلِهِ وَأَمَّا الَّذِي يَسْتَحِلُّ بِلَا نَدَمٍ فَمُرَاءٍ وَذَلِكَ مَعْصِيَةٌ أُخْرَى وَمَا قِيلَ: الْعِرْضُ لَا عِوَضَ لَهُ كَالْمَالِ فَلَا يَجِبُ الِاسْتِحْلَالُ كَلَامٌ ضَعِيفٌ إذْ وَجَبَ فِي الْعِرْضِ حَدُّ الْقَذْفِ ثُمَّ الْمُرَادُ بِتَحْلِيلِ الْغِيبَةِ الْعَفْوُ عَنْ الْمَظْلِمَةِ لَا أَنْ يَنْقَلِبَ الْحَلَالُ حَرَامًا كَمَا ظُنَّ وَقِيلَ إنَّ التَّحْلِيلَ غَيْرُ مُمْكِنٍ.
[السَّابِعُ مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ النَّمِيمَةُ]
(السَّابِعُ) مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ (النَّمِيمَةُ وَهِيَ كَشْفُ مَا يُكْرَهُ كَشْفُهُ وَإِفْشَاءُ السِّرِّ) أَيْ سِرُّ الْغَيْرِ سَوَاءٌ كَرِهَهُ الْمَنْقُولُ عَنْهُ أَوْ الْمَنْقُولُ إلَيْهِ أَوْ كَرِهَهُ ثَالِثٌ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِالْقَوْلِ أَوْ الْكَتْبِ أَوْ الرَّمْزِ أَوْ الْإِيمَاءِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَنْقُولُ مِنْ الْأَقْوَالِ أَوْ الْأَعْمَالِ وَسَوَاءٌ كَانَ
стр. 808
عَيْبًا أَوْ نُقْصَانًا عَلَى الْمَنْقُولِ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَحَقِيقَةُ النَّمِيمَةِ إفْشَاءُ السِّرِّ وَهَتْكُ السِّتْرِ عَمَّا يُكْرَهُ كَشْفُهُ بَلْ كُلُّ مَا يَرَاهُ الْإِنْسَانُ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْكُتَ عَنْهُ إلَّا مَا فِي حِكَايَتِهِ فَائِدَةٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ دَفْعٌ لِمَعْصِيَةٍ فَإِنْ كَانَ مَا يَنِمُّ بِهِ نُقْصَانًا أَوْ عَيْبًا فِي مَحْكِيٍّ عَنْهُ فَهُوَ غِيبَةٌ وَنَمِيمَةٌ مَعًا وَالْبَاعِثُ عَلَى النَّمِيمَةِ إمَّا إرَادَةُ السُّوءِ بِالْمَحْكِيِّ عَنْهُ أَوْ إظْهَارُ الْحُبِّ لِلْمَحْكِيِّ لَهُ أَوْ التَّفَرُّجُ بِالْحَدِيثِ وَالْخَوْضُ فِي الْفُضُولِ.
وَأَمَّا الَّذِي نَمَّ إلَيْهِ فَعَلَيْهِ سِتَّةُ أُمُورٍ:
الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ لِأَنَّ النَّمَّامَ فَاسِقٌ وَهُوَ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ.
الثَّانِي: أَنْ يَنْهَاهُ وَيَنْصَحَهُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَبْغُضَهُ فِي اللَّهِ لِأَنَّهُ يَغِيض عِنْدَ اللَّهِ.
الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَظُنَّ بِأَخِيهِ الْغَائِبِ سُوءًا.
الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَحْمِلَ كَلَامَهُ عَلَى الْبَحْثِ وَالتَّفَحُّصِ.
السَّادِسُ: أَنْ لَا تَرْضَى لِنَفْسِك مَا نَهَيْتَ عَنْهُ النَّمَّامَ فَلَا تَحْكِي نَمِيمَتَهُ (وَفِي الْأَكْثَرِ تُطْلَقُ عَلَى نَقْلِ الْقَوْلِ الْمَكْرُوهِ إلَى الْمَقُولِ فِيهِ وَهِيَ حَرَامٌ) لِثُبُوتِهِ قَطْعًا بِمَا يَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ) لِلْمَقُولِ لَهُ (ضَرَرٌ فِيهِ) فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ (وَلَمْ يَعْلَمْهُ) أَيْ الْمَقُولُ فِيهِ الضَّرَرُ (وَلَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهُ إلَّا بِالْإِعْلَامِ فَيَجِبُ) حِينَئِذٍ الْإِعْلَامُ (لِأَنَّهُ نُصْحٌ) وَاجِبٌ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ [القلم: ١٠] كَثِيرِ الْحَلِفِ فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ﴿مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] حَقِيرِ الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ مِنْ الْمَهَانَةِ وَهِيَ الْحَقَارَةُ ﴿هَمَّازٍ﴾ [القلم: ١١] عَيَّابٍ طَعَّانٍ ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] نَقَّالٍ لِلْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِ السِّعَايَةِ وَالْإِفْسَادِ بَيْنَهُمْ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] مَنْ يَعِيبُ فِي الْغَيْبِ ﴿لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] مَنْ يَعِيبُ فِي وَجْهِهِ.
وَقِيلَ بِالْعَكْسِ وَالْهُمَزَةُ فِي الْأَصْلِ الْكَسْرُ وَاللَّمْزُ الطَّعْنُ فَشَاعَا فِي الْكَسْرِ مِنْ أَعْرَاضِ النَّاسِ وَالطَّعْنِ فِيهِمْ وَبِنَاءُ فِعْلِهِ يَدُلُّ عَلَى الِاعْتِيَادِ فَلَا يُقَالُ: ضُحَكَةٌ وَلُعَنَةٌ إلًّا لِلْمُكْثِرِ الْمُتَعَوِّدِ الظَّاهِرِ أَنَّ الْأُولَى لِلْمَعْنَى الثَّانِي وَالثَّانِيَةَ لِلْأَوَّلِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ دَلَالَتَهُمَا عَلَى الْمَطْلُوبِ إنَّمَا هِيَ بِانْضِمَامِ الْأَحَادِيثِ (خ م. عَنْ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ» .
إنْ اسْتَحَلَّ أَوْ مَعَ السَّابِقِينَ «قَتَّاتٌ» أَيْ نَمَّامٌ (وَفِي رِوَايَةٍ نَمَّامٌ) وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّمَّامَ مَنْ يَتَحَدَّثُ مَعَ الْقَوْمِ فَيَنِمُّ وَالْقَتَّاتَ مَنْ يَتَسَمَّعُ عَلَى الْقَوْمِ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
وَعَنْ بَعْضٍ عَمَلُ النَّمَّامِ أَضَرُّ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ لِأَنَّ عَمَلَهُ بِالْوَسْوَسَةِ وَعَمَلَ النَّمَّامِ بِالْمُعَايَنَةِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ مَشَى بَيْنَ اثْنَيْنِ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَارًا تَحْرُقُهُ فِي قَبْرِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
وَعَنْ مُعَاذٍ ﵁ أَنَّ النَّمَّامِينَ يُحْشَرُونَ
стр. 809
يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى صُورَةِ الْقِرَدَةِ.
وَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ أَصَابَ بَنِي إسْرَائِيلَ قَحْطٌ فَخَرَجَ بِهِمْ مُوسَى ﵊ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَسْتَسْقِيهِ فَقَالَ مُوسَى ﵊ إلَهِي إنَّ عِبَادَك قَدْ خَرَجُوا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ تَسْتَجِبْ لَهُمْ دُعَاءَهُمْ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ أَنِّي لَا أَسْتَجِيبُ لَك وَلِمَنْ مَعَك لِأَنَّ فِيكُمْ رَجُلًا نَمَّامًا قَدْ أَصَرَّ عَلَى النَّمِيمَةِ فَقَالَ مُوسَى يَا رَبِّ مَنْ هُوَ حَتَّى نُخْرِجَهُ مِنْ بَيْنِنَا فَقَالَ يَا مُوسَى أَنْهَاكُمْ عَنْ النَّمِيمَةِ وَأَكُونُ نَمَّامًا فَتَابُوا بِأَجْمَعِهِمْ فَسُقُوا كَمَا نُقِلَ عَنْ التَّنْبِيهِ وَفِي الْجَامِعِ «النَّمِيمَةُ وَالشَّتِيمَةُ وَالْحَمِيَّةُ فِي النَّارِ لَا يَجْتَمِعْنَ فِي صَدْرِ مُؤْمِنٍ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ بِلَا مَصْلَحَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَإِلَّا فَيَجُوزُ بَلْ قَدْ يَجِبُ (حَكَّ. عَنْ أَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ سَعَى بِالنَّاسِ» بِالنَّمِيمَةِ «فَهُوَ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ» هِيَ التَّوَالُدُ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ «أَوْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهَا» أَيْ مِنْ غَيْرِ الرِّشْدَةِ لِأَنَّ الْعَاقِلَ الرَّشِيدَ لَا يَتَسَبَّبُ إلَى عَطَبِ النَّاسِ بِلَا سَبَبٍ وَلِذَا قِيلَ النَّمِيمَةُ مِنْ الْخِصَالِ الذَّمِيمَةِ تَدُلُّ عَلَى نَفْسٍ سَقِيمَةٍ وَطَبِيعَةٍ لَئِيمَةٍ مَشْغُوفَةٍ بِهَتْكِ الْأَسْتَارِ وَكَشْفِ الْأَسْرَارِ هَذَا لَكِنْ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ " مَنْ سَعَى بِالنَّاسِ " أَيْ وَشَى بِهِمْ إلَى سُلْطَانٍ جَائِرٍ لِيُؤْذِيَهُمْ إلَخْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ فِي غَرَضِ الْمَقَامِ بِشَيْءٍ عَلَى أَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ لَفْظِ السَّعْيِ هُوَ هَذَا وَقَدْ قَالَ أَيْضًا الْحَدِيثُ مُنْكَرُ الرِّوَايَةِ وَقَالَ بَعْضٌ لَا أَصْلَ لَهُ.
(شَيْخٌ. عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْهَمَّازُونَ»
مَنْ يَعِيبُ فِي الْغَيْبِ «وَاللَّمَّازُونَ» مَنْ يَعِيبُ فِي الْوَجْهِ «وَالْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْبَاغُونَ» الطَّالِبُونَ «الْبُرَآءِ مِنْ الْعَيْبِ» أَيْ الْمُبَرَّئِينَ مِنْ الْعُيُوبِ «يَحْشُرُهُمْ اللَّهُ فِي وُجُوهِ الْكِلَابِ» إذْلَالًا وَإِهَانَةً لَهُمْ يَشْكُلُ عَلَى مِثْلِهِ أَنَّ تَبْدِيلَ الصُّورَةِ وَالْمَسْخَ مَرْفُوعٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالدُّنْيَا وَمَا فِي الْحَدِيثِ فِي الْآخِرَةِ وَعَنْ بَعْضِ الْأَشْرَارِ يَتْبَعُونَ مَسَاوِئَ النَّاسِ وَيَتْرُكُونَ مَحَاسِنَهُمْ كَمَا يَتْبَعُ الذُّبَابُ الْمَوَاضِعَ الْوَجِعَةَ مِنْ الْجَسَدِ وَيَتْرُكُ الصَّحِيحَةَ
[الثَّامِنُ السُّخْرِيَةُ وَالِاسْتِهْزَاءُ]
(الثَّامِنُ السُّخْرِيَةُ) وَالِاسْتِهْزَاءُ (وَهِيَ تَتَضَمَّنُ الِاسْتِصْغَارَ وَالِاسْتِخْفَافَ) وَهِيَ تَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ بِالْمُحَاكَاةِ وَبِالْإِشَارَاتِ وَالْإِيمَاءِ (وَهِيَ
стр. 810
حَرَامٌ) عَنْ الْإِحْيَاءِ هَذَا إنَّمَا يَحْرُمُ فِي حَقِّ مَنْ يَتَأَذَّى بِهِ وَأَمَّا مَنْ جَعَلَ نَفْسَهُ مَسْخَرَةً وَرُبَّمَا فَرِحَ بِأَنْ يُسْخَرَ مِنْهُ صِنَاعَةً وَلَعِبًا كَانَتْ السُّخْرِيَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْمِزَاحِ وَقَدْ سَبَقَ مَا يُذَمُّ مِنْهُ وَمَا يُمْدَحُ وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ اسْتِصْغَارٌ يَتَأَذَّى مِنْهُ الْمُسْتَهْزَأُ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّحْقِيرِ وَالتَّهَاوُنِ انْتَهَى ثُمَّ قِيلَ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ يَحْتَاجُ إلَى التَّقْيِيدِ لَكِنَّ الْأَدِلَّةَ تُعِينُ الْمُصَنِّفَ تَدَبَّرْ انْتَهَى لَا يَخْفَى أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّعْلِيلِ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ وَأَنَّهُ لَا يَنْتَفِي الْحُكْمُ بِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ الْخَاصَّةِ وَقَدْ يَكُونُ تَشْرِيعُ الْحُكْمِ بِالْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ هُوَ جِنْسٌ مُطْلَقًا لَا بِحَسَبِ جَمِيعِ أَفْرَادِهِ وَأَنَّ تَقْيِيدَ إطْلَاقِ النَّصِّ بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ لَيْسَ بِجَائِزٍ لَعَلَّ ذَلِكَ وَجْهُ التَّدَبُّرِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١] أَيْ لَا يَسْخَرْ بَعْضٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ مِنْ بَعْضٍ إذْ قَدْ يَكُونُ بَعْضُ الْمَسْخُورِ مِنْهُ خَيْرًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ السَّاخِرِ فَإِنَّ مَنَاطَ الْخَيْرِيَّةِ فِي الْفَرِيقَيْنِ لَيْسَ مَا يَظْهَرُ لِلنَّاسِ مِنْ الصُّوَرِ وَالْأَشْكَالِ وَالْأَوْضَاعِ وَالْأَطْوَارِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْهَا أَمْرُ السُّخْرِيَةِ غَالِبًا بَلْ إنَّمَا هُوَ الْأُمُورُ الْكَائِنَةُ فِي الْقُلُوبِ فَلَا يَجْتَرِئُ أَحَدٌ عَلَى اسْتِحْقَارِ أَحَدٍ فَلَعَلَّهُ أَجْمَعُ مِنْهُ لِمَا نِيطَ بِهِ الْخَيْرِيَّةُ عِنْدَهُ تَعَالَى فَيَظْلِمُ نَفْسَهُ بِتَحْقِيرِ مَنْ وَقَّرَهُ اللَّهُ وَالِاسْتِهَانَةِ بِمَنْ عَظَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يُتَوَهَّمُ مِنْ ظَاهِرِ التَّعْلِيلِ أَنَّ مَدَارَ النَّهْيِ هُوَ الْخَيْرِيَّةُ فَسُخْرِيَةُ الْأَعْلَى لِلْأَدْنَى لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ إذَا الْخَيْرِيَّةُ أَمْرُ غَيْبٍ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ وَالِاحْتِمَالُ مُؤَثِّرٌ فِي إثْبَاتِ الْحُرُمَاتِ وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْمَظْنُونَاتِ الدَّاخِلَةَ تَحْتَ خَطَرٍ قَطْعِيٍّ يَجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ تَجَنُّبُهَا (دُنْيَا. عَنْ الْحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -)
قِيلَ كَذَا فِي نُسْخَةٍ وَهُوَ السِّبْطُ وَفِي أُخْرَى ﵀ فَهُوَ الْبَصْرِيُّ مُرْسَلًا (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إنَّ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِالنَّاسِ يُفْتَحُ لِأَحَدِهِمْ بَابٌ مِنْ الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُمْ هَلُمَّ هَلُمَّ» أَيْ تَعَالَ تَعَالَ «فَيَجِيءُ بِكَرْبِهِ وَغَمِّهِ» لِظُهُورِ أَمَارَاتِ الْخِزْيِ لَهُ وَلِاقْتِضَاءِ الرُّجُوعِ عَنْ بَابِ الْجَنَّةِ « (فَإِذَا جَاءَ أُغْلِقَ الْبَابُ دُونَهُ فَمَا يَزَالُ كَذَلِكَ) » زِيَادَةً فِي هَوَانِهِ فَلَعَلَّهُ يُكَرِّرُ الِاسْتِهْزَاءَ فِي الدُّنْيَا كَمَا يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ إنَّ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِالنَّاسِ فَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا «حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ لَيُفْتَحُ لَهُ الْبَابُ فَيُقَالُ لَهُ هَلُمَّ هَلُمَّ فَمَا يَأْتِيهِ» لِحُصُولِ الْيَأْسِ.
فَإِنْ قِيلَ هَذَا اسْتِهْزَاءٌ فَإِذَا كَانَ حَرَامًا فَكَيْفَ يُعَذَّبُ بِمَا هُوَ مُحَرَّمٌ قُلْنَا لَيْسَ هَذَا بِدَارِ التَّكْلِيفِ وَيَجُوزُ كَوْنُ حُرْمَتِهِ مُخْتَصَّةٌ بِالدُّنْيَا وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَقْبَلُ النَّسْخَ فَافْهَمْ.
ثُمَّ أَقُولُ هَذَا إنْ لَمْ يَتُبْ وَلَمْ يَلِقْ بِهِ مَشِيئَةُ الْغُفْرَانِ وَشَفَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِينَ ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَدْخُلُهَا وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا إلَّا أَنْ يَسْتَحِلَّهَا فَفِيهِ أَيْضًا كَلَامٌ
[التَّاسِعُ اللَّعْنُ]
(التَّاسِعُ اللَّعْنُ) (وَهُوَ) لُغَةً الطَّرْدُ مُطْلَقًا وَشَرْعًا (الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى) بِالدُّعَاءِ
следующие страницы →