Полный текст (1 189 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
الْمُغْتَابَ (فَيَكْفِيهِ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ وَلِمَنْ اغْتَابَهُ) وَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِحْلَالٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذِهِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا قُدِّمَ آنِفًا مِنْ أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ هُوَ الْأَذَى فَإِذَا انْتَفَى الْأَذَى فَيَلْزَمُ أَنْ تَنْتَفِيَ الْحُرْمَةُ إلَّا أَنْ يُمْنَعَ كَوْنُ الْعِلَّةِ ذَلِكَ أَوْ يُقَالُ يَكْفِي فِي الْعِلَّةِ الْجِنْسُ وَإِنْ تَخَلَّفَ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ وَقَدْ يُشْرَعُ الْحُكْمُ الْعَامُّ بِالْعِلَّةِ الْخَاصَّةِ كَالْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ لِلرُّخْصَةِ (دُنْيَا. عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَفَّارَةُ مَنْ اغْتَبْتَهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ»
إذَا لَمْ تَصِلَ إلَيْهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ أَيْضًا بِمَا إذَا تَعَذَّرَتْ مُرَاجَعَتُهُ وَاسْتِحْلَالُهُ وَإِلَّا تَعَيَّنَ كَمَا عَرَفْت فِي الْفَيْضِ عَنْ الْغَزَالِيِّ يَحْتَجُّ الْحَسَنُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى كِفَايَةِ الِاسْتِغْفَارِ دُونَ الِاسْتِحْلَالِ وَلَوْ تَابَ قَبْلَ الْوُصُولِ ثُمَّ بَلَغَ لَا تَبْطُلُ التَّوْبَةُ بَلْ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُمَا الْمُغْتَابِ بِالتَّوْبَةِ وَالْمُغْتَابِ مِنْهُ بِمَا لَحِقَهُ مِنْ الْمَشَقَّةِ.
كَمَا نُقِلَ عَنْ شَرْحِ الشِّرْعَةِ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ ثُمَّ عَنْ ابْنِ الْجَوْزِيِّ بِأَنَّ الْحَدِيثَ مَوْضُوعٌ وَعَنْ عَبَسَةَ مَتْرُوكٌ وَعَنْ السُّيُوطِيّ ضَعِيفٌ وَعَنْ الْعِرَاقِيِّ أَيْضًا فِي تَخْرِيجِ الْإِحْيَاءِ ضَعِيفٌ (وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الْأَصَحُّ الَّذِي اخْتَارَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَعِنْدَ الْبَعْضِ يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِحْلَالِ مُطْلَقًا) وَصَلْتَ أَوْ لَا هَذَا عَلَى قِيَاسِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ فَإِنَّ مَنْ سَرَقَ مَالَ أَحَدٍ يَجِبُ الِاسْتِحْلَالُ بِالِاتِّفَاقِ مُطْلَقًا وَالْجَوَابُ أَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ فَارِقٍ لِأَنَّ الْمَالَ مِلْكَهُ وَحَقَّهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِخِلَافِ الْغِيبَةِ فَإِنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ عِلْمِهِ بِالْغِيبَةِ لَمْ يَفُتْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ أَذًى أَصْلًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ حَقٌّ جِدًّا مَعَ أَنَّهُ عَلَى هَذَا لَا يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مَعَ الْمُخَالَفَةِ لِلثَّانِي مِنْهُمَا فَالْحَقُّ قَوْلُ الْفَقِيهِ إذْ حِينَئِذٍ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الْوُصُولِ وَالثَّانِي عَلَى عَدَمِهِ.
كَذَا ذَكَرَ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي لَا يَخْفَى أَنَّ الْقِيَاسَ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ لَيْسَ بِمَ قُبُولٍ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الرَّأْيِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ لَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يَحْكُمَ الْمَقَامَ بِمَسْأَلَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ أَوْ تَرْجِيحِ النَّصِّ الْمُوَافِقِ لِلْقِيَاسِ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ (وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَا) يَحْتَاجُ إلَيْهِ (مُطْلَقًا بَلْ يَكْفِيهِ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ) اسْتِدْلَالًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الثَّانِي لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يُعَارِضُهُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عَلَى هَذَا بَلْ الْقِيَاسُ أَيْضًا تَدَبَّرْ.
وَعَنْ الْإِحْيَاءِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِحْلَالِ وَالِاعْتِذَارِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ مَيِّتًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ الِاسْتِغْفَارَ لَهُ وَالدُّعَاءَ وَيُكْثِرَ لَهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ وَسَبِيلُ الْمُعْتَذِرِ أَنْ يَبْلُغَ فِي الثَّنَاءَ عَلَيْهِ وَالتَّوَدُّدِ وَيُلَازِمَ ذَلِكَ حَتَّى يَطِيبَ قَلْبُهُ فَإِنْ لَمْ يَطِبْ قَلْبُهُ كَانَ اعْتِذَارُهُ وَتَوَدُّدُهُ مَحْسُوبًا لَهُ يُقَابِلُ بِهِ سَيِّئَةَ الْغِيبَةِ فِي الْآخِرَةِ.
(ثُمَّ أَعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ بِمَنْ اُغْتِيبَ عِنْدَهُ رَجُلٌ أَوْ بُهِتَ) عَلَيْهِ مِنْ الْبُهْتَانِ (أَنْ يَنْصُرَهُ أَوْ يَذُبَّ) أَيْ يَدْفَعَ (عَنْهُ) غِيبَتَهُ أَوْ بُهْتَانَهُ كَمَا قَالَ «اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا فَقِيلَ كَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قِيلَ تَدْفَعُ ظُلْمَهُ»
стр. 807
(دُنْيَا. عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «مَنْ نَصَرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ بِالْغَيْبِ»
بِأَيِّ نُصْرَةٍ كَانَتْ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا نَحْنُ فِيهِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا «نَصَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» جَزَاءً وِفَاقًا وَنُصْرَةُ الْمَظْلُومِ فَرْضُ كِفَايَةٍ إنْ قَدَرَ كَمَا فِي الْجَامِعِ «مَنْ نَصَرَ أَخَاهُ بِظَهْرِ الْغَيْبِ وَهُوَ يَسْتَطِيعُ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ هَذَا إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى نَصْرِهِ مَفْسَدَةٌ أَشَدُّ مِنْ مَفْسَدَةِ التَّرْكِ فَلَوْ عَلِمَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ سَقَطَ الْوُجُوبُ وَنُفِيَ أَصْلُ النَّدْبِ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ فَلَوْ تَسَاوَتْ الْمَفْسَدَتَانِ خُيِّرَ وَشَرْطُ النَّاصِرِ كَوْنُهُ عَالِمًا بِكَوْنِ الْفِعْلِ ظُلْمًا قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي التَّهْذِيبِ وَأَخْطَأَ مَنْ رَفَعَهُ (شَيْخٌ. عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «مَنْ اُغْتِيبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ فَلَمْ يَنْصُرْهُ وَهُوَ يَسْتَطِيعُ نَصْرَهُ أَدْرَكَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» دُنْيَا. عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ حَمَى»
حَفِظَ «عِرْضَ أَخِيهِ فِي الدُّنْيَا» كَمَنْعِ مَنْ اغْتَابَهُ وَزَجْرِ مَنْ بَهَتَهُ وَبِهِ يَظْهَرُ مَحَلُّ الِاسْتِشْهَادِ لَكِنَّ تَمَامَهُ يَظْهَرُ بِحَمْلِ إضَافَةِ لَفْظِ عِرْضِ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ كَإِضَافَةِ لَفْظِ أَخٍ وَهُوَ الْأَصْلُ عِنْدَ عَدَمِ قَرِينَةِ الْعَهْدِ وَدَلِيلِ الْجِنْسِ «بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِيهِ مِنْ النَّارِ» لِحِفْظِهِ أَخَاهُ مِنْ نَارِ الدُّنْيَا أَعْنِي الْوُقُوعَ فِي عِرْضِهِ فَإِنَّهُ تَعَالَى غَيُورٌ يَحْمِي مَنْ يَحْمِي عَبْدَهُ (شَيْخٌ. عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «مَنْ ذَبَّ»
أَيْ مَنَعَ «عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ» شَيْئًا عَلَى مُوجِبِ الْأُخُوَّةِ مِنْ النُّصْرَةِ وَالْقَهْرِ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ مَا اقْتَضَاهُ مَعْنَى الْأُخُوَّةِ مِنْ الْغَيْرَةِ «رَدَّ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» الظَّاهِرُ فِيمَا أَوْجَبَهُ مِنْ صَغَائِرِهِ وَفِي الْجَامِعِ «مَنْ ذَبَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ بِالْغِيبَةِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَقِيَهُ مِنْ النَّارِ» .
قَالَ شَارِحُهُ وَفِي رِوَايَة أَنْ يُعْتِقَهُ زَادَ فِي رِوَايَةٍ - ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]- وَفِيهِ أَنَّ الْمُسْتَمِعَ لَا يَخْرُجُ مِنْ إثْمِ الْغِيبَةِ إلَّا أَنْ يُنْكِرَ بِلِسَانِهِ فَإِنْ خَافَ فَبِقَلْبِهِ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ أَوْ قَطْعِ الْكَلَامِ لَزِمَهُ وَإِنْ قَالَ بِلِسَانِهِ اُسْكُتْ وَهُوَ نِفَاقٌ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ وَلَا يَكْفِي الْإِشَارَةُ بِالْيَدِ أَنْ اُسْكُتْ أَوْ بِحَاجِبِهِ أَوْ رَأْسِهِ فَإِنَّهُ احْتِقَارٌ لِلْمَذْكُورِ بَلْ يَنْبَغِي الذَّبُّ عَنْهُ صَرِيحًا كَمَا دَلَّتْ الْأَخْبَارُ انْتَهَى «وَتَلَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» دَلِيلُ وُجُوبِ النَّصْرِ لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْكِفَايَةِ « ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] » إنْ قَدَرَ عَلَى مَنْعِهِ
(تَتِمَّةٌ) قَالَ فِي الْمِفْتَاحِ وَأَمَّا كَفَّارَةُ الْغِيبَةِ فَهُوَ أَنْ يَنْدَمَ وَيَتُوبَ وَيَتَأَسَّفَ عَلَى فِعْلِهِ ثُمَّ يَسْتَحِلَّ الْمُغْتَابَ لِيُحِلَّهُ فَيَخْرُجَ عَنْ مَظْلِمَتِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَلَّلَهُ وَهُوَ حَزِينٌ مُتَأَسِّفٌ نَادِمٌ عَلَى فِعْلِهِ وَأَمَّا الَّذِي يَسْتَحِلُّ بِلَا نَدَمٍ فَمُرَاءٍ وَذَلِكَ مَعْصِيَةٌ أُخْرَى وَمَا قِيلَ: الْعِرْضُ لَا عِوَضَ لَهُ كَالْمَالِ فَلَا يَجِبُ الِاسْتِحْلَالُ كَلَامٌ ضَعِيفٌ إذْ وَجَبَ فِي الْعِرْضِ حَدُّ الْقَذْفِ ثُمَّ الْمُرَادُ بِتَحْلِيلِ الْغِيبَةِ الْعَفْوُ عَنْ الْمَظْلِمَةِ لَا أَنْ يَنْقَلِبَ الْحَلَالُ حَرَامًا كَمَا ظُنَّ وَقِيلَ إنَّ التَّحْلِيلَ غَيْرُ مُمْكِنٍ.
[السَّابِعُ مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ النَّمِيمَةُ]
(السَّابِعُ) مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ (النَّمِيمَةُ وَهِيَ كَشْفُ مَا يُكْرَهُ كَشْفُهُ وَإِفْشَاءُ السِّرِّ) أَيْ سِرُّ الْغَيْرِ سَوَاءٌ كَرِهَهُ الْمَنْقُولُ عَنْهُ أَوْ الْمَنْقُولُ إلَيْهِ أَوْ كَرِهَهُ ثَالِثٌ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِالْقَوْلِ أَوْ الْكَتْبِ أَوْ الرَّمْزِ أَوْ الْإِيمَاءِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَنْقُولُ مِنْ الْأَقْوَالِ أَوْ الْأَعْمَالِ وَسَوَاءٌ كَانَ
стр. 808
عَيْبًا أَوْ نُقْصَانًا عَلَى الْمَنْقُولِ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَحَقِيقَةُ النَّمِيمَةِ إفْشَاءُ السِّرِّ وَهَتْكُ السِّتْرِ عَمَّا يُكْرَهُ كَشْفُهُ بَلْ كُلُّ مَا يَرَاهُ الْإِنْسَانُ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْكُتَ عَنْهُ إلَّا مَا فِي حِكَايَتِهِ فَائِدَةٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ دَفْعٌ لِمَعْصِيَةٍ فَإِنْ كَانَ مَا يَنِمُّ بِهِ نُقْصَانًا أَوْ عَيْبًا فِي مَحْكِيٍّ عَنْهُ فَهُوَ غِيبَةٌ وَنَمِيمَةٌ مَعًا وَالْبَاعِثُ عَلَى النَّمِيمَةِ إمَّا إرَادَةُ السُّوءِ بِالْمَحْكِيِّ عَنْهُ أَوْ إظْهَارُ الْحُبِّ لِلْمَحْكِيِّ لَهُ أَوْ التَّفَرُّجُ بِالْحَدِيثِ وَالْخَوْضُ فِي الْفُضُولِ.
وَأَمَّا الَّذِي نَمَّ إلَيْهِ فَعَلَيْهِ سِتَّةُ أُمُورٍ:
الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ لِأَنَّ النَّمَّامَ فَاسِقٌ وَهُوَ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ.
الثَّانِي: أَنْ يَنْهَاهُ وَيَنْصَحَهُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَبْغُضَهُ فِي اللَّهِ لِأَنَّهُ يَغِيض عِنْدَ اللَّهِ.
الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَظُنَّ بِأَخِيهِ الْغَائِبِ سُوءًا.
الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَحْمِلَ كَلَامَهُ عَلَى الْبَحْثِ وَالتَّفَحُّصِ.
السَّادِسُ: أَنْ لَا تَرْضَى لِنَفْسِك مَا نَهَيْتَ عَنْهُ النَّمَّامَ فَلَا تَحْكِي نَمِيمَتَهُ (وَفِي الْأَكْثَرِ تُطْلَقُ عَلَى نَقْلِ الْقَوْلِ الْمَكْرُوهِ إلَى الْمَقُولِ فِيهِ وَهِيَ حَرَامٌ) لِثُبُوتِهِ قَطْعًا بِمَا يَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ) لِلْمَقُولِ لَهُ (ضَرَرٌ فِيهِ) فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ (وَلَمْ يَعْلَمْهُ) أَيْ الْمَقُولُ فِيهِ الضَّرَرُ (وَلَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهُ إلَّا بِالْإِعْلَامِ فَيَجِبُ) حِينَئِذٍ الْإِعْلَامُ (لِأَنَّهُ نُصْحٌ) وَاجِبٌ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ [القلم: ١٠] كَثِيرِ الْحَلِفِ فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ﴿مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] حَقِيرِ الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ مِنْ الْمَهَانَةِ وَهِيَ الْحَقَارَةُ ﴿هَمَّازٍ﴾ [القلم: ١١] عَيَّابٍ طَعَّانٍ ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] نَقَّالٍ لِلْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِ السِّعَايَةِ وَالْإِفْسَادِ بَيْنَهُمْ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] مَنْ يَعِيبُ فِي الْغَيْبِ ﴿لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] مَنْ يَعِيبُ فِي وَجْهِهِ.
وَقِيلَ بِالْعَكْسِ وَالْهُمَزَةُ فِي الْأَصْلِ الْكَسْرُ وَاللَّمْزُ الطَّعْنُ فَشَاعَا فِي الْكَسْرِ مِنْ أَعْرَاضِ النَّاسِ وَالطَّعْنِ فِيهِمْ وَبِنَاءُ فِعْلِهِ يَدُلُّ عَلَى الِاعْتِيَادِ فَلَا يُقَالُ: ضُحَكَةٌ وَلُعَنَةٌ إلًّا لِلْمُكْثِرِ الْمُتَعَوِّدِ الظَّاهِرِ أَنَّ الْأُولَى لِلْمَعْنَى الثَّانِي وَالثَّانِيَةَ لِلْأَوَّلِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ دَلَالَتَهُمَا عَلَى الْمَطْلُوبِ إنَّمَا هِيَ بِانْضِمَامِ الْأَحَادِيثِ (خ م. عَنْ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ» .
إنْ اسْتَحَلَّ أَوْ مَعَ السَّابِقِينَ «قَتَّاتٌ» أَيْ نَمَّامٌ (وَفِي رِوَايَةٍ نَمَّامٌ) وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّمَّامَ مَنْ يَتَحَدَّثُ مَعَ الْقَوْمِ فَيَنِمُّ وَالْقَتَّاتَ مَنْ يَتَسَمَّعُ عَلَى الْقَوْمِ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
وَعَنْ بَعْضٍ عَمَلُ النَّمَّامِ أَضَرُّ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ لِأَنَّ عَمَلَهُ بِالْوَسْوَسَةِ وَعَمَلَ النَّمَّامِ بِالْمُعَايَنَةِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ مَشَى بَيْنَ اثْنَيْنِ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَارًا تَحْرُقُهُ فِي قَبْرِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
وَعَنْ مُعَاذٍ ﵁ أَنَّ النَّمَّامِينَ يُحْشَرُونَ
стр. 809
يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى صُورَةِ الْقِرَدَةِ.
وَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ أَصَابَ بَنِي إسْرَائِيلَ قَحْطٌ فَخَرَجَ بِهِمْ مُوسَى ﵊ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَسْتَسْقِيهِ فَقَالَ مُوسَى ﵊ إلَهِي إنَّ عِبَادَك قَدْ خَرَجُوا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ تَسْتَجِبْ لَهُمْ دُعَاءَهُمْ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ أَنِّي لَا أَسْتَجِيبُ لَك وَلِمَنْ مَعَك لِأَنَّ فِيكُمْ رَجُلًا نَمَّامًا قَدْ أَصَرَّ عَلَى النَّمِيمَةِ فَقَالَ مُوسَى يَا رَبِّ مَنْ هُوَ حَتَّى نُخْرِجَهُ مِنْ بَيْنِنَا فَقَالَ يَا مُوسَى أَنْهَاكُمْ عَنْ النَّمِيمَةِ وَأَكُونُ نَمَّامًا فَتَابُوا بِأَجْمَعِهِمْ فَسُقُوا كَمَا نُقِلَ عَنْ التَّنْبِيهِ وَفِي الْجَامِعِ «النَّمِيمَةُ وَالشَّتِيمَةُ وَالْحَمِيَّةُ فِي النَّارِ لَا يَجْتَمِعْنَ فِي صَدْرِ مُؤْمِنٍ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ بِلَا مَصْلَحَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَإِلَّا فَيَجُوزُ بَلْ قَدْ يَجِبُ (حَكَّ. عَنْ أَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ سَعَى بِالنَّاسِ» بِالنَّمِيمَةِ «فَهُوَ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ» هِيَ التَّوَالُدُ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ «أَوْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهَا» أَيْ مِنْ غَيْرِ الرِّشْدَةِ لِأَنَّ الْعَاقِلَ الرَّشِيدَ لَا يَتَسَبَّبُ إلَى عَطَبِ النَّاسِ بِلَا سَبَبٍ وَلِذَا قِيلَ النَّمِيمَةُ مِنْ الْخِصَالِ الذَّمِيمَةِ تَدُلُّ عَلَى نَفْسٍ سَقِيمَةٍ وَطَبِيعَةٍ لَئِيمَةٍ مَشْغُوفَةٍ بِهَتْكِ الْأَسْتَارِ وَكَشْفِ الْأَسْرَارِ هَذَا لَكِنْ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ " مَنْ سَعَى بِالنَّاسِ " أَيْ وَشَى بِهِمْ إلَى سُلْطَانٍ جَائِرٍ لِيُؤْذِيَهُمْ إلَخْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ فِي غَرَضِ الْمَقَامِ بِشَيْءٍ عَلَى أَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ لَفْظِ السَّعْيِ هُوَ هَذَا وَقَدْ قَالَ أَيْضًا الْحَدِيثُ مُنْكَرُ الرِّوَايَةِ وَقَالَ بَعْضٌ لَا أَصْلَ لَهُ.
(شَيْخٌ. عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْهَمَّازُونَ»
مَنْ يَعِيبُ فِي الْغَيْبِ «وَاللَّمَّازُونَ» مَنْ يَعِيبُ فِي الْوَجْهِ «وَالْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْبَاغُونَ» الطَّالِبُونَ «الْبُرَآءِ مِنْ الْعَيْبِ» أَيْ الْمُبَرَّئِينَ مِنْ الْعُيُوبِ «يَحْشُرُهُمْ اللَّهُ فِي وُجُوهِ الْكِلَابِ» إذْلَالًا وَإِهَانَةً لَهُمْ يَشْكُلُ عَلَى مِثْلِهِ أَنَّ تَبْدِيلَ الصُّورَةِ وَالْمَسْخَ مَرْفُوعٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالدُّنْيَا وَمَا فِي الْحَدِيثِ فِي الْآخِرَةِ وَعَنْ بَعْضِ الْأَشْرَارِ يَتْبَعُونَ مَسَاوِئَ النَّاسِ وَيَتْرُكُونَ مَحَاسِنَهُمْ كَمَا يَتْبَعُ الذُّبَابُ الْمَوَاضِعَ الْوَجِعَةَ مِنْ الْجَسَدِ وَيَتْرُكُ الصَّحِيحَةَ
[الثَّامِنُ السُّخْرِيَةُ وَالِاسْتِهْزَاءُ]
(الثَّامِنُ السُّخْرِيَةُ) وَالِاسْتِهْزَاءُ (وَهِيَ تَتَضَمَّنُ الِاسْتِصْغَارَ وَالِاسْتِخْفَافَ) وَهِيَ تَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ بِالْمُحَاكَاةِ وَبِالْإِشَارَاتِ وَالْإِيمَاءِ (وَهِيَ
стр. 810
حَرَامٌ) عَنْ الْإِحْيَاءِ هَذَا إنَّمَا يَحْرُمُ فِي حَقِّ مَنْ يَتَأَذَّى بِهِ وَأَمَّا مَنْ جَعَلَ نَفْسَهُ مَسْخَرَةً وَرُبَّمَا فَرِحَ بِأَنْ يُسْخَرَ مِنْهُ صِنَاعَةً وَلَعِبًا كَانَتْ السُّخْرِيَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْمِزَاحِ وَقَدْ سَبَقَ مَا يُذَمُّ مِنْهُ وَمَا يُمْدَحُ وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ اسْتِصْغَارٌ يَتَأَذَّى مِنْهُ الْمُسْتَهْزَأُ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّحْقِيرِ وَالتَّهَاوُنِ انْتَهَى ثُمَّ قِيلَ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ يَحْتَاجُ إلَى التَّقْيِيدِ لَكِنَّ الْأَدِلَّةَ تُعِينُ الْمُصَنِّفَ تَدَبَّرْ انْتَهَى لَا يَخْفَى أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّعْلِيلِ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ وَأَنَّهُ لَا يَنْتَفِي الْحُكْمُ بِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ الْخَاصَّةِ وَقَدْ يَكُونُ تَشْرِيعُ الْحُكْمِ بِالْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ هُوَ جِنْسٌ مُطْلَقًا لَا بِحَسَبِ جَمِيعِ أَفْرَادِهِ وَأَنَّ تَقْيِيدَ إطْلَاقِ النَّصِّ بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ لَيْسَ بِجَائِزٍ لَعَلَّ ذَلِكَ وَجْهُ التَّدَبُّرِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١] أَيْ لَا يَسْخَرْ بَعْضٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ مِنْ بَعْضٍ إذْ قَدْ يَكُونُ بَعْضُ الْمَسْخُورِ مِنْهُ خَيْرًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ السَّاخِرِ فَإِنَّ مَنَاطَ الْخَيْرِيَّةِ فِي الْفَرِيقَيْنِ لَيْسَ مَا يَظْهَرُ لِلنَّاسِ مِنْ الصُّوَرِ وَالْأَشْكَالِ وَالْأَوْضَاعِ وَالْأَطْوَارِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْهَا أَمْرُ السُّخْرِيَةِ غَالِبًا بَلْ إنَّمَا هُوَ الْأُمُورُ الْكَائِنَةُ فِي الْقُلُوبِ فَلَا يَجْتَرِئُ أَحَدٌ عَلَى اسْتِحْقَارِ أَحَدٍ فَلَعَلَّهُ أَجْمَعُ مِنْهُ لِمَا نِيطَ بِهِ الْخَيْرِيَّةُ عِنْدَهُ تَعَالَى فَيَظْلِمُ نَفْسَهُ بِتَحْقِيرِ مَنْ وَقَّرَهُ اللَّهُ وَالِاسْتِهَانَةِ بِمَنْ عَظَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يُتَوَهَّمُ مِنْ ظَاهِرِ التَّعْلِيلِ أَنَّ مَدَارَ النَّهْيِ هُوَ الْخَيْرِيَّةُ فَسُخْرِيَةُ الْأَعْلَى لِلْأَدْنَى لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ إذَا الْخَيْرِيَّةُ أَمْرُ غَيْبٍ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ وَالِاحْتِمَالُ مُؤَثِّرٌ فِي إثْبَاتِ الْحُرُمَاتِ وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْمَظْنُونَاتِ الدَّاخِلَةَ تَحْتَ خَطَرٍ قَطْعِيٍّ يَجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ تَجَنُّبُهَا (دُنْيَا. عَنْ الْحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -)
قِيلَ كَذَا فِي نُسْخَةٍ وَهُوَ السِّبْطُ وَفِي أُخْرَى ﵀ فَهُوَ الْبَصْرِيُّ مُرْسَلًا (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إنَّ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِالنَّاسِ يُفْتَحُ لِأَحَدِهِمْ بَابٌ مِنْ الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُمْ هَلُمَّ هَلُمَّ» أَيْ تَعَالَ تَعَالَ «فَيَجِيءُ بِكَرْبِهِ وَغَمِّهِ» لِظُهُورِ أَمَارَاتِ الْخِزْيِ لَهُ وَلِاقْتِضَاءِ الرُّجُوعِ عَنْ بَابِ الْجَنَّةِ « (فَإِذَا جَاءَ أُغْلِقَ الْبَابُ دُونَهُ فَمَا يَزَالُ كَذَلِكَ) » زِيَادَةً فِي هَوَانِهِ فَلَعَلَّهُ يُكَرِّرُ الِاسْتِهْزَاءَ فِي الدُّنْيَا كَمَا يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ إنَّ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِالنَّاسِ فَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا «حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ لَيُفْتَحُ لَهُ الْبَابُ فَيُقَالُ لَهُ هَلُمَّ هَلُمَّ فَمَا يَأْتِيهِ» لِحُصُولِ الْيَأْسِ.
فَإِنْ قِيلَ هَذَا اسْتِهْزَاءٌ فَإِذَا كَانَ حَرَامًا فَكَيْفَ يُعَذَّبُ بِمَا هُوَ مُحَرَّمٌ قُلْنَا لَيْسَ هَذَا بِدَارِ التَّكْلِيفِ وَيَجُوزُ كَوْنُ حُرْمَتِهِ مُخْتَصَّةٌ بِالدُّنْيَا وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَقْبَلُ النَّسْخَ فَافْهَمْ.
ثُمَّ أَقُولُ هَذَا إنْ لَمْ يَتُبْ وَلَمْ يَلِقْ بِهِ مَشِيئَةُ الْغُفْرَانِ وَشَفَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِينَ ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَدْخُلُهَا وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا إلَّا أَنْ يَسْتَحِلَّهَا فَفِيهِ أَيْضًا كَلَامٌ
[التَّاسِعُ اللَّعْنُ]
(التَّاسِعُ اللَّعْنُ) (وَهُوَ) لُغَةً الطَّرْدُ مُطْلَقًا وَشَرْعًا (الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى) بِالدُّعَاءِ
стр. 811
(فَلَا يَجُوزُ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِطَرِيقِ الْجَزْمِ) احْتِرَازٌ عَنْ لِعَانِ الزَّوْجَيْنِ وَقَوْلِك لِلْكَافِرِ وَالْمُبْتَدِعِ لَعَنَهُ اللَّهُ إنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ وَالِابْتِدَاعِ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ لَا بِطَرِيقِ الْجَزْمِ بَلْ بِطَرِيقِ التَّعْلِيقِ وَأَمَّا إذَا لَعَنَ بِطَرِيقِ الظَّنِّ لَا بِطَرِيقِ الْقَطْعِ فَلَعَلَّهُ كَذَلِكَ وَأَمَّا نَحْوُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا» .
«وَلَعَنَ اللَّهُ الرِّبَا وَآكِلَهُ وَمُوكِلَهُ» «وَلَعَنَ اللَّهُ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ» .
«وَلَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ» .
«وَلَعَنَ اللَّهُ تَعَالَى الْقَاشِرَةَ وَالْمُقَشَّرَةَ» .
«وَلَعَنَ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» .
«وَلَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» .
«وَلَعَنَ اللَّهُ النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ» .
«وَلَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ» .
«لَعَنَ اللَّهُ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ» .
«وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي» «وَلَعَنَ اللَّهُ عَبْدَ الدِّينَارِ» .
«وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا» الْأَحَادِيثَ وَنَحْوَهَا مِمَّا يُشِيرُ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فَلَيْسَ بِطَرِيقِ الشَّخْصِ بَلْ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ
لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ أَكْثَرَهَا مُسَوَّرَاتٌ كُلِّيَّةٌ فَبِضَمِّ صُغْرَى سَهْلَةِ الْحُصُولِ يَنْتِجُ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ بَدِيهِيُّ الْإِنْتَاجِ شَخْصِيَّاتٌ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَا صُرِّحَ بِعَيْنِهِ وَبَيْنَ مَا لَزِمَ وَلَعَلَّك سَمِعْت جِنْسَ مَا ذُكِرَ تَأَمَّلْ (إلَّا أَنْ يَثْبُتَ مَوْتُهُ عَلَى الْكُفْرِ كَأَبِي جَهْلٍ) وَإِبْلِيسَ وَأَبِي لَهَبٍ وَأَمَّا فِرْعَوْنُ فَكَذَا فِي التَّحْقِيقِ بِنَاءً عَلَى النُّصُوصِ الظَّاهِرَةِ عَلَى مَوْتِهِ عَلَى الْكُفْرِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى - ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] وَ ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨]- الْآيَةَ ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [هود: ٩٨] ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [هود: ٦٠]- الْآيَةَ وَنَحْوَهَا وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ عَلَى إيمَانِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١] بِمَعْنَى مَا عَصَيْت يَا فِرْعَوْنُ الْآنَ عَلَى طَرِيقِ تَسْلِيطِ النَّفْيِ الْمَفْهُومِ مِنْ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ عَلَى الْقَيْدِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَتَبِعَهُ الدَّوَانِيُّ وَأَوْضَحَهُ فِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ وَأَيْضًا تَبِعَهُ الْجَامِيُّ فِي شَرْحِ الْفُصُوصِ بِأَنَّ إيمَانَهُ لَيْسَ إيمَانَ يَأْسٍ بَلْ بِرُؤْيَةِ مُعْجِزَةِ مُوسَى حَيْثُ رَأَى حَالَ الْبَحْرِ مَعَ مُوسَى ﵊ ثُمَّ مَعَهُ فَحَصَلَ الْعِلْمُ بِنُبُوَّتِهِ وَآمَنَ فَقَدْ رَدَّهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْكَمَالِ بِرِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بِأَجْوِبَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ ثُمَّ قَالَ هَذِهِ النُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى عَدَمِ قَبُولِ إيمَانِ فِرْعَوْنَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ إمَّا مُحْكَمَاتٌ أَوْ مُفَسَّرَاتٌ فَيُكَفَّرُ الْمُنْكِرُ بِمُوجِبِهَا وَإِمَّا نُصُوصٌ أَوْ ظَوَاهِرُ فَيُضَلَّلُ مُنْكِرُهَا وَيُنْسَبُ إلَى الْبِدْعَةِ ثُمَّ قَالَ وَالتَّوَقُّفُ فِي أَمْرِ فِرْعَوْنَ كَبَعْضِ الْمُتَمَشْيِخَةِ
стр. 812
مَعَ كَوْنِهِ إحْدَاثَ قَوْلٍ جَدِيدٍ فِي الدِّينِ لَا يَصِحُّ فِي نَفْسِهِ لِأَنَّ التَّوَقُّفَ عِنْدَ تَسَاوِي الدَّلِيلَيْنِ فِي الْقُوَّةِ وَلَيْسَ فَلَيْسَ انْتَهَى مُلَخَّصًا وَأَمَّا يَزِيدُ وَالْحَجَّاجُ وَأَعْوَانُهُمَا فَعَنْ فَتَاوَى الْكَرْدَرِيِّ اللَّعْنُ عَلَى يَزِيدَ يَجُوزُ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُفْعَلَ وَعَنْ الْإِمَامِ الصَّفَّارِ لَا بَأْسَ بِاللَّعْنِ عَلَى يَزِيدَ وَلَا يَجُوزُ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعَنْ ابْنِ الْجَوْزِيِّ وَكَذَا عَنْ أَحْمَدَ وَكَذَا عَنْ جَمَاعَةٍ تَجْوِيزُهُ عَلَى يَزِيدَ وَكَذَا الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ لِلِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِ «مَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ ظُلْمًا أَخَافَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» وَيَزِيدُ غَزَا الْمَدِينَةَ وَأَخَافَ أَهْلَهَا حَتَّى قِيلَ فَضَّ ثَلَاثَمِائَةِ بَكْرٍ سِوَى سَائِرِ إفْسَادَاتِهِ فِي جَيْشِهِ مِنْ قَتْلِ الْأَصْحَابِ وَسَبْعِمِائَةِ نَفْسٍ مِمَّنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَإِبَاحَةِ الْمَدِينَةِ أَيَّامًا إلَى أَنْ بَطَلَتْ الْجَمَاعَةُ وَدَخَلَتْ الْكِلَابُ وَبَالَتْ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَيْضًا سَمِعْتَ سَابِقًا غَيْرَ مَا ذُكِرَ كَمَا مَرَّ عَنْ الْخُلَاصَةِ مِنْ جَوَازِ اللَّعْنِ عَلَيْهِ.
وَعَنْ التَّفْتَازَانِيِّ وَعِنْدَ آخَرِينَ لَا يَجُوزُ لَعْنُهُ وَعَلَيْهِ الْغَزَالِيُّ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْقَوَاعِدِ وَالْأُصُولِ لِجَوَازِ تَوْبَتِهِ وَإِيمَانِهِ فِي الْخَاتِمَةِ وَأَمَّا نَفْسُ قَاتِلِ الْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَنْ أَجَازَهُ أَوْ رَضِيَ بِهِ فَيَجُوزُ عَلَى الْعُمُومِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الصَّوَاعِقِ الْمُحْرِقَةِ وَبِالْجُمْلَةِ الْأَكْثَرُ وَالْمُخْتَارُ عَلَى عَدَمِ لَعْنِهِ كَمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ
(وَلَا) يَجُوزُ (لِحَيَوَانٍ وَلَا جَمَادٍ أَيْضًا وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّهْيِ عَنْ لَعْنِ الرِّيحِ وَالْبُرْغُوثِ» كَمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَلْعَنْهَا أَيْ الرِّيحَ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ مُسَخَّرَةٌ وَإِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعْت عَلَيْهِ» وَعَنْ الْبَيْهَقِيّ وَالتِّرْمِذِيِّ «لَا تَلْعَنْهُ» أَيْ الْبُرْغُوثَ «فَإِنَّهُ نَبَّهَ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ لِصَلَاةِ الْغَدَاةِ» وَعَنْ الْبُخَارِيِّ وَأَحْمَدَ وَالْبَزَّارِ عَنْهُ ﵊ «لَا تَسُبَّهُ أَيْ الْبُرْغُوثَ فَإِنَّهُ أَيْقَظَ نَبِيًّا لِصَلَاةِ الْفَجْرِ» كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ كُتُبِ عَلِيٍّ الْقَارِيّ
(وَإِنَّمَا يَجُوزُ اللَّعْنُ بِالْوَصْفِ الْعَامِّ الْمَذْمُومِ) كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ وَكَلَعْنَةِ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ وَالْكَافِرِينَ (إذْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَعَنَ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى) كَأَنْ يَقُولَ بِاسْمِ اللَّاتِ وَالْعُزَّى أَوْ بِاسْمِ اللَّهِ أَوْ بِاسْمِ مُحَمَّدٍ.
وَعَنْ قَاضِي خَانْ وَلَوْ ذَكَرَ مَعَ اسْمِ اللَّهِ غَيْرَهُ إنْ بِالْعَطْفِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ بِاسْمِ اللَّهِ وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ يَحْرُمُ وَإِنْ بِغَيْرِ عَطْفٍ يُكْرَهُ (وَ) لَعَنَ (مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ) بِالتَّصْرِيحِ أَوْ بِالتَّسَبُّبِ كَمَا فُهِمَ عَنْ الْفَيْضِ
стр. 813
(وَمَنْ آوَى مُحْدِثًا) أَيْ ضَمَّ إلَيْهِ مَنْ أَحْدَثَ فِعْلًا غَيْرَ مَشْرُوعٍ مِثْلَ السَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ قِيلَ إنْ بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ جَانِيًا بِأَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ وَيَمْنَعَهُ الْقَوَدَ وَإِنْ بِفَتْحِهَا وَهُوَ الْأَمْرُ الْمُبْتَدَعُ وَالْإِيوَاءُ التَّقْرِيرُ وَالرِّضَا (وَمِنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ) عَلَامَتَهَا وَحُدُودَهَا الْوَاقِعَةَ بَيْنَ حَدَّيْنِ لِلْجَارَيْنِ وَقَالَ بَعْضٌ الْمُرَادُ مِنْ غَيَّرَ أَعْلَامَ الطَّرِيقِ لِيُتْعِبَ النَّاسَ وَمَنَعَهُمْ عَنْ الْجَادَّةِ فِي الْجَامِعِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَكَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ فَالْأَوْلَى لِلْمُصَنَّفِ أَنْ يَذْكُرَهُ عَلَى تَرْتِيبِ الْحَدِيثِ
(وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوَكِّلَهُ) أَيْ مُعْطِيَهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ (وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَهُ وَالْوَاشِمَةَ) وَهِيَ الَّتِي جَعَلَتْ فِي أَعْضَائِهَا أَوْ أَعْضَاءِ غَيْرِهَا زَرْقَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ بِنَحْوِ الْإِبْرَةِ (وَالْمُسْتَوْشِمَةَ) هِيَ الَّتِي فُعِلَ بِهَا الْوَشْمُ كَمَا فِي الْجَامِعِ «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ» فَالْأَوْلَى أَنْ يَأْتِيَ بِلَفْظِ لَعَنَ عَلَى قَوْلِهِ وَالْوَاشِمَةَ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ الْوَشْمُ حَرَامٌ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ لِتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ وَإِبْطَالِ حِكْمَتِهِ تَعَالَى فَجَدِيرٌ بِالطَّرْدِ وَالْإِبْعَادِ (وَمَانِعَ الصَّدَقَةِ) الْمَفْرُوضَةِ.
(وَالْمُحَلِّلَ) مَنْ يُثْبِتُ الْحِلَّ وَهُوَ الزَّوْجُ الثَّانِي (وَالْمُحَلَّلَ لَهُ) مَنْ ثَبَتَ لَهُ الْحِلُّ وَهُوَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ قِيلَ هَذَا إنْ كَانَ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ بِالطَّلَاقِ وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ عِنْدَنَا وَلَا لَعْنَ بَلْ قَدْ يُؤْجَرُ وَفِي جَوَازِ النِّكَاحِ عِنْدَ الِاشْتِرَاطِ رِوَايَتَانِ وَتَجْوِيزُ الْحِيلَةِ بِنَحْوِ أَنْ يُجْعَلَ أَمْرُ الطَّلَاقِ بِيَدِ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ أَوْ الزَّوْجَةِ وَالْمُوجِبُ مِنْ جَانِبِهَا فَصَّلْنَاهُ فِي حَاشِيَةِ الدُّرَرِ وَحَدِيثُهُ تَقَدَّمَ أَيْضًا وَاللَّعْنُ لِهَتْكِ الْمُرُوءَةِ وَقِلَّةِ الْحَيَاءِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى خِسَّةِ النَّفْسِ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ كَوْنِ الْعَقْدِ فَاسِدًا أَوْ أَنَّ هَذَا عِنْدَ إطْلَاقِ الْعَقْدِ وَإِلَّا فَإِنْ شَرْطَ الطَّلَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ بَطَلَ ذَكَرَهُ الْقَاضِي كَذَا فِي الْفَيْضِ فَافْهَمْ.
(وَالْمُخْتَفِيَ وَالْمُخْتَفِيَةَ) النَّبَّاشُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (وَمِنْ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ) إنْ نُقْصَانًا مِنْ جِهَةِ الدِّينِ وَإِنْ مِنْ جِهَةِ الدُّنْيَا فَلَا لَعْنَ وَلَا كَرَاهَةَ
(وَامْرَأَةٌ زَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ) فِي أَمْرٍ مُبَاحٍ وَإِلَّا فَلَا بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهَا عَدَمُهُ إذْ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ (وَرَجُلًا سَمِعَ الْأَذَانَ وَلَمْ يُجِبْ) بِالْقَوْلِ فِي قَوْلٍ وَبِالْفِعْلِ فِي آخَرَ وَهُوَ الْأَقْوَى دِرَايَةً وَالْأَوْلَى الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَالْأَوَّلُ لِصَاحِبِ التُّحْفَةِ وَالْبَدَائِعِ وَالثَّانِي لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَقَاضِي خَانْ (وَالرَّاشِيَ) إنْ لِنَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ كَالْقَضَاءِ وَالتَّدْرِيسِ وَالْوِصَايَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَإِنْ لِدَفْعِ ضَرَرٍ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ لِأَخْذِ حَقٍّ لَا يُوصَلُ إلَيْهِ بِدُونِ رِشْوَةٍ فَلَا لَعْنَ وَمِنْهَا مَا أَخَذَهُ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ قَبْلَ النِّكَاحِ إذَا كَانَ بِالسُّؤَالِ أَوْ إعْطَاءُ الزَّوْجِ بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ عَدَمَ رِضَاهُ عَلَى
стр. 814
تَقْدِيرِ عَدَمِهِ وَأَمَّا إنْ بِلَا سُؤَالٍ وَلَا ظَنِّ عَدَمِ رِضَاهُ فَهَدِيَّةٌ جَائِزَةٌ (وَالْمُرْتَشِيَ) مَنْ يَقْبَلُ الرِّشْوَةَ (وَعَاصِرَ الْخَمْرِ وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَحَامِلَهَا) إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْإِرَاقَةِ (وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ وَبَائِعَهَا أَوْ مُبْتَاعَهَا وَوَاهِبَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا) أَيْ مُتَنَاوِلَهُ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ وَخَصَّ الْأَكْلَ لِأَنَّهُ أَغْلَبُ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ وَالْحَدِيثُ فِي الْجَامِعِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ هَكَذَا «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ وَآكِلَ ثَمَنِهَا» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ الطِّيبِيِّ وَمَنْ بَاعَ الْعِنَبَ مِنْ الْعَاصِرِ فَأَخَذَ ثَمَنَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِاللَّعْنِ، التَّرْتِيبُ مِنْ جِهَةِ الْوُجُودِ: الْمُعْتَصِرُ فَالْعَاصِرُ فَالْبَائِعُ فَآكِلُ الثَّمَنِ فَالْمُشْتَرِي فَالْحَامِلُ فَالْمَحْمُولُ إلَيْهِ فَالْمُشْتَرَاةُ لَهُ فَالسَّاقِي فَالشَّارِبُ وَأَمَّا التَّرْتِيبُ فِي كَثْرَةِ الْإِثْمِ فَالشَّارِبُ فَالْآكِلُ لِثَمَنِهَا فَالْبَائِعُ فَالسَّاقِي وَجَمِيعُهُمْ يَتَفَاوَتُونَ فِي الدَّرَكَاتِ فِي الْإِثْمِ وَقَدْ يَجْتَمِعُ الْكُلُّ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ وَفِيهِ أَنَّهُ يَحْرُمُ بَيْعُ الْمُسْكِرِ وَبَيْعُ الْحَشِيشَةِ لِمَنْ يَسْكَرُ بِهَا وَيُعَزَّرُ بَائِعُهَا وَآكِلُهَا لِلسُّكْرِ
(وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَصْدُرَ اللَّعْنُ عَنْ الْمُؤْمِنِ) لِشَيْءٍ مُطْلَقًا لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِذِكْرِ اللَّهِ أَهَمُّ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَفِي السُّكُونِ السَّلَامَةُ (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ عَلَيْنَا لَعْنَ أَحَدٍ وَلَوْ إبْلِيسَ فَفِيهِ عِبْرَةٌ لِمَنْ اعْتَبَرَ) مِنْ أُولِي الْأَلْبَابِ وَوَعْظٌ لِمَنْ اتَّعَظَ فَلَيْسَ فِي تَرْكِ اللَّعْنِ حَظْرٌ وَلَوْ لِإِبْلِيسَ وَأَمَّا لَعْنُهُ ﵊ فَقِيلَ إنَّهُ يَعْلَمُ مِنْ الْأَشْيَاءِ مَا لَا يَعْلَمُ غَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ صَحَّ أَنَّ لَعْنَهُ ﵊ دُعَاءٌ لِأُمَّتِهِ فَتَأَمَّلْ وَفِي حِلْيَةِ الْأَبْرَارِ لِلنَّوَوِيِّ وَيَقْرَبُ مِنْ اللَّعْنِ الدُّعَاءُ عَلَى الْإِنْسَانِ بِالشَّرِّ حَتَّى الدُّعَاءُ عَلَى الظَّالِمِ كَقَوْلِهِ لِإِنْسَانٍ: لَا أَصَحَّ اللَّهُ جِسْمَهُ وَلَا سَلَّمَهُ اللَّهُ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ كُلُّ ذَلِكَ مَذْمُومٌ انْتَهَى (خ م. عَنْ الضَّحَّاكِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ»
فِي الْإِثْمِ وَالْجَرِيمَةِ وَلَا يَلْزَمُ الْمُسَاوَاةُ لِأَنَّ وَجْهَ الشَّبَهِ أَقْوَى فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ (ت. عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْمُؤْمِنُ لَيْسَ بِطَعَّانٍ» كَثِيرِ الطَّعْنِ فِي الْأَنْسَابِ كَمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ «وَلَا لَعَّانٍ وَلَا فَاحِشٍ» مُتَكَلِّمٍ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ «وَلَا بَذِيءٍ»
مَنْ لَيْسَ لَهُ حَيَاءٌ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ نَفْيَ كَمَالِ الْإِيمَانِ لَكِنْ يُشْعِرُ نَفْيَ أَصْلِ الْإِيمَانِ لِلُزُومِ كَمَالِ الْمُجَانَبَةِ لِأَنَّ طَبِيعَةَ الْمُؤْمِنِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُؤْمِنٌ مُنَافَاةُ ذَلِكَ (م. عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلَا شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
فَمَنْ كَثُرَ لَعْنُهُ يُحْرَمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رُتْبَةِ
стр. 815
الشَّهَادَةِ لِلرُّسُلِ عَلَى أُمَمِهِمْ بِتَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ وَمِنْ الشَّفَاعَةِ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ وَأَيْضًا لَا يُقْبَلُ فِي الدُّنْيَا قَالَ فِي التتارخانية لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّتَّامِ (د. عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إذَا لَعَنَ الْعَبْدُ شَيْئًا» وَلَوْ حَيَوَانًا أَوْ جَمَادًا «صَعِدَتْ اللَّعْنَةُ إلَى السَّمَاءِ» فَإِنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ أَنْ يَخْلُقَ اللَّعْنَةَ عَلَى صُورَةِ شَيْءٍ يُتَصَوَّرُ فِيهِ الصُّعُودُ فَإِنَّ النُّصُوصَ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا مَا لَمْ يَصْرِفْهَا قَطْعِيٌّ «فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا» لِقُبْحِهَا «ثُمَّ تَهْبِطُ» أَيْ تَنْزِلُ «إلَى الْأَرْضِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا دُونَهَا فَتَأْخُذُ» تَتَرَدَّدُ «يَمِينًا وَشِمَالًا» مِنْ الْهَوَاءِ «فَإِذَا لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا» مَرْجِعًا وَمَذْهَبًا وَمَدْخَلًا «رَجَعَتْ» اللَّعْنَةُ «إلَى الَّذِي لُعِنَ» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ إلَى الْمَلْعُونِ «إنْ كَانَ لِذَلِكَ أَهْلًا» بِالظُّلْمِ وَالْغِوَايَةِ وَتَجَاوُزِ الْحَدِّ «وَإِلَّا رَجَعَتْ إلَى قَائِلِهَا»
فَلَعَلَّ حَاصِلَهُ أَنَّ دُعَاءَ أَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَكَارِهِ كَالطَّرْدِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ اسْتَحَقَّ الْمَدْعُوُّ عَلَيْهِ أَصَابَهُ فَيُسْتَجَابُ فِي حَقِّهِ وَإِلَّا فَيُسْتَجَابُ فِي حَقِّ الدَّاعِي فَيُصِيبُهُ فَيَلْزَمُهُ أَنَّ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الدُّعَاءَ شَرْعًا لَا يَضُرُّهُ أَلْبَتَّةَ بَلْ يَضُرُّ الدَّاعِيَ لَكِنَّ ظَاهِرَ بَعْضِ الْآثَارِ بَلْ النُّصُوصِ أَنَّهُ قَدْ يُسْتَجَابُ كَقِصَّةِ بَلْعَمَ فِي حَقِّ مُوسَى عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَلَا يَبْعُدُ أَنَّ الْقَضِيَّةَ لَيْسَتْ بِكُلِّيَّةٍ بَلْ فِي قُوَّةِ الْجُزْئِيَّةِ أَوْ أَكْثَرِيَّةٌ (وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يُلْعَنَ بِشَيْءٍ وَلَوْ أَهْلَهَا) لِاحْتِمَالِ الْعَوْدِ عَلَيْهِ بِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ شُمُولُهُ عَلَى مَا يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ وَقَدْ سَمِعْت كَثْرَةَ وُرُودِهِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ مُوسَى ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] الْآيَةُ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي بَعْضِ رَسَائِلِهِ جَوَازَ الدُّعَاءِ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهُ بَلْ اسْتِحْبَابَهُ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِمَا وَقَعَ بِلَفْظِ اللَّعْنِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ يَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ فَلَا يَجُوزُ أَيْضًا بِإِرَادَةِ مَعْنًى آخَرَ
[الْعَاشِرُ السَّبُّ]
(الْعَاشِرُ السَّبُّ) أَيْ الشَّتْمُ (خ م. عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا»
أَيْ رَجَعَ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ «أَحَدُهُمَا» مِنْ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُخَاطَبِ «فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ» فَقَدْ صَدَقَ فِيمَا قَالَ «وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ» قِيلَ ذَهَبَ بَعْضٌ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ إلَى كُفْرِ مَنْ قَالَ لِلْمُسْلِمِ يَا كَافِرُ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بَلْ يَأْثَمُ وَيَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ أَقُولُ يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُحْمَلَ مُرَادُ عَدَمِ الْكُفْرِ بِمَا يَكُونُ عَلَى طَرِيقِ الشَّتْمِ وَمُرَادُ الْكُفْرِ بِمَا يَكُونُ رِضَا كُفْرِهِ وَاعْتِقَادُ كُفْرِهِ لِمَا فِي نَحْوِ الْبَزَّازِيَّةِ وَالْمُخْتَارُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ الشَّتْمَ وَلَا يَعْتَقِدُهُ كَافِرًا لَا يَكْفُرُ وَإِنْ اعْتَقَدَهُ كَافِرًا يَكْفُرُ وَنَاسَبَهُ مَا فِي بَعْضِ الْكُتُبِ إنْ قَالَهُ فِي حَالِ غَضَبِهِ لَا يَكْفُرُ وَإِنْ فِي حَالِ رِضَاهُ يَكْفُرُ وَبِهِ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ أَيْضًا بَيْنَ مَا نُقِلَ عَنْ أَئِمَّةِ بَلْخٍ لَا يَكْفُرُ وَعَنْ بَعْضٍ يَكْفُرُ وَفِي الْخُلَاصَةِ إنْ قَالَ لِغَيْرِهِ، أَيْ مغ أَوْ تُرْسًا أَوْ جُحُودًا لَا يَكْفُرُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ
стр. 816
(خ م. عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «سِبَابُ» بِكَسْرِ السِّينِ «الْمُسْلِمِ» أَيْ سَبُّهُ «فُسُوقٌ» لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى «وَقِتَالُهُ» أَيْ مُحَارَبَتُهُ «كُفْرٌ» إنْ مُسْتَحِلًّا أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى التَّهْدِيدِ وَالتَّشْدِيدِ أَوْ مِنْ آثَارِ الْكُفْرِ لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ مِنْ الْمُؤْمِنِ أَوْ كُفْرَانُ نِعْمَةٍ وَفِي الْحَدِيثِ سِبَابُ الْمُؤْمِنِ كَالْمُشْرِفِ عَلَى الْمَهْلَكَةِ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ يَكَادُ أَنْ يَقَعَ فِي الْهَلَاكِ الْأُخْرَوِيِّ (م. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْمُسْتَبَّانِ» اللَّذَانِ يَسُبُّ كُلٌّ مِنْهَا الْآخَرَ «مَا قَالَا» أَيْ إثْمُ مَا قَالَاهُ «فَعَلَى الْأَوَّلِ» أَيْ الْبَادِئِ مِنْهَا (وَفِي رِوَايَةٍ «فَعَلَى الْبَادِئِ مِنْهُمَا» لِأَنَّهُ كَانَ سَبَبًا لَهُ «حَتَّى يَعْتَدِيَ الْمَظْلُومُ»
أَيْ يَتَعَدَّى الْحَدَّ فِي السَّبِّ فَيَعُمُّهُمَا عَلَى قَدْرِ اعْتِدَائِهِ فَإِنَّ مَنْ اعْتَدَى عَلَى أَحَدٍ فَإِنَّمَا يَعْتَدِي عَلَيْهِ بِمِثْلِ اعْتِدَائِهِ لَا غَيْرُ لِأَنَّ جَزَاءَ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ جَوَازُ الْمُقَابَلَةِ مَا لَمْ يَتَجَاوَزْ شَتْمُ الْمُقَابِلِ شَتْمَ الْبَادِئِ وَقَدْ وَقَعَ فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ عَنْ الْقُنْيَةِ فَإِنْ تَشَاتَمَا يَجِبُ الِاسْتِحْلَالُ عَلَيْهِمَا وَعَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ الْأَوْلَى لِلْإِنْسَانِ فِيمَا إذَا قِيلَ لَهُ مَا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ أَنْ لَا يُجِيبَهُ قَالُوا لَوْ قَالَ لَهُ يَا خَبِيثُ الْأَحْسَنُ أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ نَعَمْ ثُمَّ قَالَ أَيْضًا لَوْ أَجَابَ فَقَالَ لَهُ لَا بَلْ أَنْتَ لَا بَأْسَ وَأَيْضًا فِي الْمِنَحِ إنْ قَالَ لِغَيْرِهِ يَا خَبِيثُ فَجَازَاهُ بِمِثْلِهِ جَازَ لِأَنَّهُ انْتِصَارٌ بَعْدَ الظُّلْمِ وَذَلِكَ مَأْذُونٌ فِيهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] وَالْعَفْوُ أَفْضَلُ قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وَإِنْ كَانَتْ الْكَلِمَةُ مُوجِبَةً لِلْحَدِّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُجِيبَهُ بِمِثْلِهَا تَحَرُّزًا عَنْ إيجَابِ الْحَدِّ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ قَالَ يَا شَارِبَ الْخَمْرِ فَقَالَ بَلْ أَنْتَ فَتَكَافَآ لَا يُعَزَّرَانِ فَمَا فِي الْقُنْيَةِ إمَّا مَحْمُولٌ عَلَى الِاعْتِدَاءِ أَوْ عَلَى مَا يُوجِبُ الْحَدَّ لَكِنْ قَوْلُهُ فَتَكَافَآ يُفْهَمُ مِنْهُ سُقُوطُ الْإِثْمِ عَنْ الْبَادِئِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ تَأَمَّلْ (وَهَذَا) أَيْ كَوْنُ الْإِثْمِ عَلَى الْبَادِئِ فَقَطْ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ (فِي نَحْوِ يَا جَاهِلُ وَيَا أَحْمَقُ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ الْمُقَابَلَةُ) لَعَلَّهُ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ التَّعْزِيرُ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًا (وَأَمَّا فِي نَحْوِ يَا زَانٍ وَيَا لُوطِيُّ مِمَّا لَا يَجُوزُ فِيهِ الْمُقَابَلَةُ) مِمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ كَمَا مَرَّ (فَكِلَاهُمَا آثِمٌ وَإِنْ كَانَ إثْمُ الْمُبْتَدِئِ أَكْثَرَ) لِلتَّسَبُّبِ وَالْمُبَاشَرَةِ لَكِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ هُوَ الشُّمُولُ كَمَا ذُكِرَ مِنْ الْآيَةِ فَلَعَلَّ ذَلِكَ بِنَصٍّ آخَرَ فَيَكُونُ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَبِيلِ الْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ قَالَ فِي الْفَتَاوَى إنْ قَالَ لِآخَرَ يَا زَانٍ فَقَالَ لَا بَلْ أَنْتَ يُحَدَّانِ (فَعَلَى الثَّانِي حِينَئِذٍ إمَّا الصَّبْرُ مَعَ الْعَفْوِ) وَهُوَ الْأَفْضَلُ إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى زِيَادَةِ فَسَادِ الْأَوَّلِ وَإِفْضَاءِ غُلُوِّهِ كَمَا مَرَّ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلَّا عِزًّا» (أَوْ الدَّعْوَةُ إلَى الْقَاضِي) فَيَدَّعِي مُوجِبَهُ وَيَجْزِيهِ تَأْدِيبًا وَتَشَفِّيًا (أَوْ الْمُقَابَلَةُ بِنَحْوِ يَا جَاهِلُ) مِنْ جِنْسِ مَا يَجُوزُ فِيهِ الْمُقَابَلَةُ فَحِينَئِذٍ يَسْتَوْفِي ظِلَامَتَهُ وَبَرِئَ الْأَوَّلُ مِنْ حَقِّهِ وَبَقِيَ عَلَيْهِ إثْمُ الِابْتِدَاءِ أَوْ الْإِثْمُ الْمُسْتَحَقُّ لَهُ تَعَالَى وَقِيلَ يَرْتَفِعُ عَنْهُ جَمِيعُ الْإِثْمِ بِالِانْتِصَارِ مِنْهُ وَيَكُونُ مَعْنَى فَعَلَى الثَّانِي عَلَيْهِ اللَّوْمُ وَالذَّمُّ مِمَّا قَالَاهُ
(وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِالنَّهْيِ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ) عَنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» كَانَ
стр. 817
عَادَتُهُمْ سَبَّ الدَّهْرِ عِنْدَ نُزُولِ الْحَوَادِثِ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّ تِلْكَ مِنْ الدَّهْرِ فَكَانَ هَذَا اللَّعْنُ كَاللَّعْنِ لِلْفَاعِلِ وَلَا فَاعِلَ لِكُلِّ شَيْءٍ إلَّا اللَّهُ فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَأَيْضًا عَنْ الصَّحِيحَيْنِ «وَلَا تَقُولُوا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» أَيْ مُقَلِّبُهُ وَمُصَرِّفُهُ أَوْ بِمَعْنَى الدَّهْرِ قَالَ النَّوَوِيُّ عَنْ بَعْضٍ إنَّ الدَّهْرَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى الْأَزَلِيِّ الْأَبَدِيِّ
(وَ) سَبُّ (الدِّيكِ) فِي الْجَامِعِ «لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ فَإِنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلَاةِ» بِصِيَاحِهِ فِي اللَّيْل فَيَسْتَحِقُّ الْمَدْحَ لِإِعَانَتِهِ عَلَى الطَّاعَةِ وَفِي رِوَايَةٍ «لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ» .
قَالَ فِي الْفَيْضِ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ «لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ فَإِنَّهُ صَدِيقِي وَأَنَا صَدِيقُهُ وَعَدُوُّهُ عَدُوِّي وَاَلَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَوْ يَعْلَمُ بَنُو آدَمَ مَا فِي صَوْتِهِ لَاشْتَرَوْا لَحْمَهُ وَرِيشَهُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَنَّهُ لَيَطْرُدُ مَدَى صَوْتِهِ مِنْ الْجِنِّ» انْتَهَى فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَنْ اُسْتُفِيدَ مِنْهُ خَيْرٌ لَا يُسَبُّ وَلَا يُسْتَهَانُ بَلْ حَقُّهُ الْإِكْرَامُ وَالشُّكْرُ وَالْإِحْسَانُ، وَفِيهِ أَيْضًا الدِّيكُ يُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ «مَنْ اتَّخَذَ دِيكًا أَبْيَضَ حُفِظَ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْطَانٍ وَسَاحِرٍ وَكَاهِنٍ» قَالَ الْحَافِظُ زَعَمَ أَهْلُ التَّجْرِبَةِ أَنَّ ذَابِحَ الدِّيكِ الْأَفْرَقِ لَمْ يَزَلْ يَنْكَبُّ مِنْ مَالِهِ وَعَنْ الدَّرَارِيِّ يُتَعَلَّمُ مِنْهُ خَمْسٌ حُسْنُ الصَّوْتِ وَقِيَامُ السَّحَرِ وَالْغَيْرَةُ وَالسَّخَاءُ وَكَثْرَةُ الْجِمَاعِ وَلِلدِّيكِ مَعْرِفَةُ الْوَقْتِ اللَّيْلِيِّ وَمِنْ ثَمَّةَ أَفْتَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِاعْتِمَادِ الدِّيكِ الْمُجَرَّبِ فِي الْوَقْتِ كَذَا فِي الْفَيْضِ وَفِيهِ أَيْضًا فِي مَحَلٍّ آخَرَ فَعَادَةُ الدِّيكِ الصِّيَاحُ عِنْدَ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ غَالِبًا فَمَنْ جَرَّبَ مِنْهُ مَا لَا يَخْلُفُهُ فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ بِصُرَاخِهِ وَإِلَّا فَلَا وَفِيهِ أَيْضًا «الدِّيكُ الْأَبْيَضُ صَدِيقِي» لِقُرْبِ صَوْتِهِ إلَى الذَّاكِرِ وَلِحِفْظِهِ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ وَإِيقَاظِهِ إلَيْهَا وَإِعَانَتِهِ إلَى الرَّحْمَةِ وَفِيهِ أَيْضًا «الدِّيكُ الْأَبْيَضُ صَدِيقِي وَصَدِيقُ صَدِيقِي» وَلَهُ أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى شَرَفِ الْمُسَمَّى غَالِبًا وَفِيهِ أَيْضًا «الدِّيكُ الْأَبْيَضُ الْأَفْرَقُ حَبِيبِي وَحَبِيبُ حَبِيبِي جِبْرِيلُ وَيَحْرُسُ بَيْتَهُ وَسِتَّةَ عَشَرَ بَيْتًا مِنْ جِيرَانِهِ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ «وَكَانَ النَّبِيُّ ﵊ يُبَيِّتُهُ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ» وَفِي رِوَايَةٍ «يَحْرُسُ دَارَ صَاحِبِهِ وَتِسْعَ دُورٍ حَوْلَهَا» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَفْرَدَ أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ أَخْبَارَ الدِّيكِ بِتَأْلِيفٍ وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُجَرِّبِينَ إنَّهُ مَا ذُبِحَ فِي دَارٍ إلَّا وَأَصَابَ أَهْلَهُ نَكْبَةٌ لَكِنْ قَالَ فِي الْمُنَاوِيُّ إنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ فِي الدِّيكِ بَعْضُهَا مُنْكَرٌ وَبَعْضُهَا قِيلَ سَنَدُهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَبَعْضُهَا قِيلَ مَوْضُوعٌ وَبَعْضُهَا مَتْرُوكٌ وَضَعِيفٌ حَتَّى قَالَ السَّخَاوِيُّ أَخْبَارُ الدِّيَكَةِ كُلُّهَا فِيهَا رَكَاكَةٌ وَلَا رَوْنَقَ انْتَهَى لَكِنْ قِيلَ الضَّعِيفُ يَتَقَوَّى بِكَثْرَةِ الطُّرُقِ وَعَنْ عَلِيٍّ الْقَارِيّ كُلُّ أَحَادِيثِ الدِّيكِ كَذِبٌ إلَّا حَدِيثَ «إذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيكِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا» وَفِي الْحِصْنِ الْحَصِينِ الدُّعَاءُ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ صِيَاحِ الدِّيكِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ شَرَفٍ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِهَةِ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ
(وَالْأَمْوَاتُ) فِي الْجَامِعِ أَيْضًا «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ سَبَّ الْكُفَّارِ قُرْبَةٌ «فَإِنَّهُمْ أَفْضَوْا إلَى مَا قَدَّمُوا» وَفِي رِوَايَةٍ «فَتُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ مِنْ بَيْتِهِ وَأَقَارِبِهِ أُخِذَ مِنْهُ جَمْعُ حُرْمَةِ ذِكْرِ أَبَوَيْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
стр. 818
بِمَا فِيهِ نَقْصٌ فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤْذِيهِ وَأَذَاهُ كُفْرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهَا وَقَدْ أَطْنَبَ الْمُصَنِّف فِي الِاسْتِدْلَالِ لِعَدَمِ الْحُكْمِ عَلَيْهِمَا بِكُفْرٍ انْتَهَى لَعَلَّهُ يُرِيدُ رِسَالَةً مُسْتَقِلَّةً لِلسُّيُوطِيِّ فِي حَقِّ إسْلَامِ أَبَوَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِطُرُقٍ ثَلَاثَةٍ لَعَلَّك سَمِعْتهَا فِيمَا قِيلَ وَأَيْضًا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ سَبِّ الرِّيحِ بِحَدِيثِ «لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ فَإِنَّهَا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ» بَلْ عَنْ سَبِّ الشَّيْطَانِ بِحَدِيثِ «لَا تَسُبُّوا الشَّيْطَانَ» .
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فَإِنَّ السَّبَّ لَا يَدْفَعُ عَنْكُمْ ضَرَرَهُ وَلَا يُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ عَدَاوَتِهِ شَيْئًا
[الْحَادِي عَشَرَ الْفُحْشُ]
(الْحَادِيَ عَشَرَ) (الْفُحْشُ وَهُوَ التَّعْبِيرُ عَنْ الْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَحَةِ بِالْعِبَارَةِ الصَّرِيحَةِ وَيَجْرِي) أَكْثَرُ (ذَلِكَ فِي أَلْفَاظِ الْوِقَاعِ) وَالْجِمَاعِ مِنْ نَحْوِ الذَّكَرِ وَالْفَرْجِ (وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ) كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فَإِنَّ لِأَهْلِ الْفَسَادِ عِبَارَاتٍ فَاحِشَةً يَسْتَعْمِلُونَهَا فِيهِ وَأَهْلُ الصَّلَاحِ يَتَحَاشَوْنَ عَنْ التَّعَرُّضِ لَهَا بَلْ يُكَنُّونَ عَنْهَا وَيَدُلُّونَ عَلَيْهَا بِالرُّمُوزِ وَيَذْكُرُونَ مَا يُقَارِبُهَا وَيَتَعَلَّقُ بِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ (وَهَذَا) التَّعْبِيرُ (مَكْرُوهٌ) يَتَفَاوَتُ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ الْفُحْشِ بَعْضُهَا أَفْحَشُ مِنْ بَعْضٍ وَالْبَاعِثُ إمَّا قَصْدُ الْإِيذَاءِ وَإِمَّا الِاعْتِيَادُ الْحَاصِلُ مِنْ مُخَالَطَةِ أَهْلِ الْفَسَادِ (عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ) أَمَّا عِنْدَهَا فَلَا كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ بِهِنَّ أَبِيهِ وَلَا تَكْنُوا» أَيْ قُولُوا لَهُ أُعْضَضْ عَلَى أَيْرِ أَبِيكَ تَبْكِيتًا لَهُ وَمُبَالَغَةً فِي الزَّجْرِ وَلَا تُكَنُّوا بِالْهَنِ وَنَحْوِهِ كَذَا قِيلَ وَأُورِدَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء: ٩١]- وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ فَرْجُ الْقَمِيصِ أَيْ لَمْ
стр. 819
يَعْلَقْ بِثَوْبِهَا رِيبَةٌ فَهِيَ طَاهِرَةُ الثَّوْبِ كَمَا يُقَالُ نَقِيُّ الثَّوْبِ وَعَفِيفُ الذَّيْلِ ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] وَكَيْفَ يُظَنُّ أَنَّ نَفْخَ جَبْرَائِيلَ وَقَعَ فِي فَرْجِهَا وَإِنَّمَا نَفَخَ فِي جَيْبِ دِرْعِهَا وَيُقَرِّبُ إلَيْهِ مَا قَالُوا فِي عَدَمِ تَكَرُّرِ قِصَّةِ يُوسُفَ ﵊ مَعَ تَكْرَارِ أَكْثَرِ الْقَصَصِ الْقُرْآنِيَّةِ مِنْ أَنَّ فِيهَا ذِكْرَ الْجَمَالِ وَافْتِتَانِ النِّسْوَانِ بِأَبْدَعِ النَّاسِ جَمَالًا وَلِذَا نُهِيَ عَنْ تَعْلِيمِ سُورَةِ يُوسُفَ لَلنِّسْوَانِ
وَأَمَّا ذِكْرُ اسْمِ مَرْيَمَ فِي الْقُرْآنِ مَعَ أَنَّ الْأَشْرَافَ يَجْتَنِبُونَ عَنْ التَّصْرِيحِ بِاسْمِ حَرَائِرِهِمْ وَيُكَنُّونَ عَنْهُنَّ بِنَحْوِ الْفَرْشِ وَصَاحِبَةِ الْبَيْتِ فَلَمَّا قَالَ النَّصَارَى فِي مَرْيَمَ مَا قَالُوا صَرَّحَ اللَّهُ بِاسْمِهَا وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِعِيسَى أَبٌ يُنْسَبُ إلَيْهِ صَرَّحَ بِاسْمِهَا لِيُنْسَبَ إلَيْهَا كَذَا فِي الْإِتْقَانِ (وَالْأَدَبُ أَنْ يُذْكَرَ بِالْكِنَايَةِ) قَالَ فِي الْإِتْقَانِ أَيْضًا إنَّ مِنْ أَسْبَابِ الْكِنَايَةِ تَرْكَ اللَّفْظِ إلَى مَا هُوَ أَجْمَلُ كَكِنَايَةِ النَّعْجَةِ عَنْ الْمَرْأَةِ فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [ص: ٢٣] وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ فِي الْقُرْآنِ امْرَأَةً بِاسْمِهَا إلَّا مَرْيَمَ وَمِنْهَا كَوْنُ التَّصْرِيحِ مِمَّا يُسْتَقْبَحُ كَكِنَايَتِهِ تَعَالَى عَنْ الْجِمَاعِ بِالْمُلَامَسَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَالْإِفْضَاءِ وَالرَّفَثِ وَالدُّخُولِ وَالسِّرِّ - ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥]- وَالْغَشَيَانِ ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - الْمُبَاشَرَةُ الْجِمَاعُ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُكَنِّي وَأُخْرِجَ عَنْهُ قَالَ إنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُكَنِّي مَا شَاءَ وَإِنَّ الرَّفَثَ هُوَ الْجِمَاعُ وَكَنَّى عَنْ طَلَبِهِ بِالْمُرَاوَدَةِ فِي وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا وَعَنْهُ وَعَنْ الْمُعَانَقَةِ بِاللِّبَاسِ فِي هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَبِالْحَرْثِ فِي ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] وَعَنْ الْبَوْلِ بِالْغَائِطِ بِمَعْنَى الْمَكَانِ الْمُطْمَئِنِّ انْتَهَى (وَهُوَ دَأْبُ الصَّالِحِينَ) بَلْ دَأْبُ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَقَدْ قَالَ تَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ وَكَذَلِكَ فِي الْعُيُوبِ الْمُسْتَهْجَنِ ذِكْرُهَا كَالْبَرَصِ وَالْبَخَرِ (دُنْيَا نُعَيْمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ ﵊ «الْجَنَّةُ حَرَامٌ عَلَى الْفَاحِشِ أَنْ يَدْخُلَهَا» الْفَاحِشُ ذُو الْفُحْشِ فِي قَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ أَيْ لَا يَدْخُلُهَا مَعَ الْأَوَّلِينَ أَوْ لَا يَدْخُلُهَا بِلَا تَعْذِيبٍ إلَّا إنْ عُفِيَ عَنْهُ لَكِنْ يَرِدُ أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ الْفُحْشِ الْقَوْلِيِّ هُنَا مَا يَكُونُ كَبِيرَةً مِمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ فَإِنَّ الْإِنْذَارَ لَا يَكُونُ إلَّا لَهَا وَظَاهِرٌ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ بَلْ فِي كَوْنِهِ صَغِيرَةً خَفَاءٌ أَيْضًا فَتَأَمَّلْ عَلَى أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ الْعِرَاقِيِّ سَنَدُ هَذَا الْحَدِيثِ لَيِّنٌ.
[الثَّانِيَ عَشَرَ الطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ وَالتَّعْيِيرُ]
(الثَّانِيَ عَشَرَ) (الطَّعْنُ) فِي الْأَنْسَابِ (وَالتَّعْيِيرُ) (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] أَيْ لَا يَعِبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ أَوْ لَا تَفْعَلُوا مَا تَلْمِزُونَ بِهِ فَإِنَّ مَنْ فَعَلَ مَا اسْتَحَقَّ بِهِ اللَّمْزَ فَقَدْ لَمَزَ نَفْسَهُ (ت عَنْ مُعَاذٍ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ» وَفِي رِوَايَةٍ بِذَنْبٍ تَابَ مِنْهُ فَالْمُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَعِنْدَنَا لَا بَلْ نَعْمَلُ بِهِمَا إنْ أَمْكَنَ كَذَا قِيلَ لَكِنْ يُحْمَلُ عِنْدَنَا أَيْضًا عِنْدَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ وَالْحَادِثَةِ وَدَخَلَا عَلَى الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ وَوَقَعَا فِي الْإِثْبَاتِ لَا النَّفْيِ تَدَبَّرْ قَالَ الْمُنَاوِيُّ هَذَا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ وَقَالَ الْبَغَوِيّ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ خَالِدًا لَمْ يُدْرِكْ مُعَاذًا أَوْ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ قَالَ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ كَذَّابٌ وَمِنْ ثَمَّةَ أَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعِ انْتَهَى لَعَلَّ عَلِيَّ
стр. 820
الْقَارِيَّ تَبَعٌ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي الْوَضْعِ ثُمَّ قِيلَ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ مُنَيْعٍ وَالدَّيْلَمِيُّ كُلُّهُمْ عَنْ مُعَاذٍ وَبَعْدَ أَخْذِ هَؤُلَاءِ الْحُفَّاظِ لَا وَجْهَ لِذِكْرِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ لَهُ مِنْ الْمَوْضُوعِ انْتَهَى لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا بَنَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ كَلَامَهُ عَلَى كَوْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ كَذَّابًا فَلَا يَخْلُو عَنْ الْوَجْهِ فِي جَعْلِهِ مِنْ الْمَوْضُوعِ نَعَمْ إنَّ لَهُ شَاهِدًا وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ كَانُوا يَقُولُونَ مَنْ رَمَى أَخَاهُ بِذَنْبٍ قَدْ تَابَ مِنْهُ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَبْتَلِيَهُ اللَّهُ بِهِ
[الثَّالِثَ عَشَرَ النِّيَاحَةُ]
(الثَّالِثَ عَشَرَ النِّيَاحَةُ) عَلَى وَزْنِ دِرَايَةٍ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالنَّدْبِ بِتَعْدِيدِ شَمَائِلِهِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ بُكَاءٍ (م عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ «قَالَ ﵊ النَّائِحَةُ إذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا» قِيلَ أَيْ زَمَنَ الِاعْتِدَادِ بِتَوْبَتِهَا وَإِلَّا فَالتَّوْبَةُ حِينَ الْمُعَايَنَةِ وَالِاحْتِضَارِ لَا أَثَرَ لَهَا لَعَلَّهُ تَبِعَ فِي ذَلِكَ مَا نُقِلَ عَنْ التُّورْبَشْتِيِّ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ قَبْلَ حُضُورِ مَوْتِهَا لِأَنَّ شَرْطَ التَّوْبَةِ عِنْدَ أَمَلِ الْبَقَاءِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ الْعَمَلِ انْتَهَى أَقُولُ إنَّ ذَلِكَ مِنْ الْكُفْرِ وَإِلَّا فَتَوْبَةُ الْيَأْسِ مَقْبُولَةٌ عِنْدَنَا «تُقَامُ» أَيْ تُحْشَرُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا تُقَامُ حَقِيقَةً عَلَى تِلْكَ الْحَالِ بَيْنَ أَهْلِ النَّارِ وَالْمَوْقِفِ جَزَاءً عَلَى قِيَامِهَا فِي النِّيَاحَةِ «يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ» قَمِيصٌ «مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ» قَمِيصٌ مَخْصُوصٌ بِالنِّسَاءِ «مِنْ جَرَبٍ» أَيْ يَصِيرُ جِلْدُهَا أَجْرَبَ حَتَّى يَكُونَ جِلْدُهَا كَقَمِيصٍ عَلَى أَعْضَائِهَا فَيَشْتَمِلُ عَلَى لَذْعِ الْقَطِرَانِ وَحُرْقَتِهِ وَإِسْرَاعِ النَّارِ فِي الْجِلْدِ وَاللَّوْنِ وَالْوَحْشِ وَنَتْنُ الرِّيحِ جَزَاءً وِفَاقًا فَخُصَّتْ بِذَلِكَ الدِّرْعِ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَجْرَحُ بِكَلِمَاتِهَا الْمُؤَنَّقَةِ قَلْبَ الْمُصَابِ ثُمَّ هَذَا الْوَعِيدُ هُنَا مُطْلَقٌ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مُقَيَّدٌ بِالْمَشِيئَةِ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلْقَيْدِ فَائِدَةٌ كَذَا فِي الْفَيْضِ لَعَلَّ هَذَا مِمَّا اتَّفَقَ الْحَنَفِيُّ مَعَ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْأَلَتِهِ فَيَصِحُّ عِنْدَنَا أَيْضًا
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ هَذِهِ النَّوَائِحَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَفَّانِ لِأَهْلِ جَهَنَّمَ صَفٌّ عَنْ يَمِينِهِمْ وَصَفٌّ عَنْ يَسَارِهِمْ يَنُحْنَ عَلَى أَهْلِ النَّارِ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ كَذَا نُقِلَ عَنْ بَرْدِ الْأَكْبَادِ لِلسُّيُوطِيِّ (م أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اثْنَتَانِ» مِنْ الْخِصَالِ «فِي» بَعْضِ «النَّاسِ هُمَا» مُبْتَدَأٌ ثَانٍ «بِهِمْ» أَيْ فِيهِمْ «كُفْرٌ» كُفْرَانُ نِعْمَةٍ سُمِّيَ بِذَلِكَ تَغْلِيظًا وَزَجْرًا أَوْ مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ أَوْ الِاتِّسَاعِ أَوْ مِنْ - أَعْمَالِ الْكُفَّارِ لَا مِنْ خِصَالِ الْأَبْرَارِ «الطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ» .
وَالْوُقُوعُ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ بِهِ نَحْوُ الْقَدْحِ فِي نَسَبٍ ثَبَتَ بِظَاهِرِ الشَّرْعِ وَقِيلَ بِحَمْلِ آبَائِهِ عَلَى آبَاءِ غَيْرِهِ «وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»
стр. 821
وَلَوْ بِغَيْرِ بُكَاءٍ وَلَا شَقِّ جَيْبٍ خِلَافًا لِعِيَاضٍ وَهِيَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالنَّدْبِ بِتَعْدِيدِ شَمَائِلِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ طَعَنَ فِي نَسَبِ غَيْرِهِ فَقَدْ كَفَرَ نِعْمَةَ سَلَامَةِ نَسَبِهِ مِنْ الطَّعْنِ وَمَنْ نَاحَ فَقَدْ كَفَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ حَيْثُ لَمْ يَرْضَ بِقَضَائِهِ وَهُوَ الْمُحْيِي وَالْمُمِيتُ وَفِيهِ أَنَّ هَاتَيْنِ كَبِيرَةٌ وَبِهِ صَرَّحَ الذَّهَبِيُّ كَابْنِ الْقَيِّمِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْجَلَاءِ عَنْ جَرِيرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالنِّيَاحَةُ حَرَامٌ وَالْمَعْدُودُ مِنْ الْحَرَامِ حَرَامٌ قَالَ فِي شَرْحِهِ عَنْ كَبِيرٍ الْحَلَبِيِّ «إنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ رَجَعَ مِنْ دَفْنِ أَنْصَارِيٍّ اسْتَقْبَلَهُ دَاعِي امْرَأَتِهِ فَجَاءَ وَجِيءَ بِالطَّعَامِ فَوَضَعَ يَدَهُ وَوَضَعَ الْقَوْمُ فَأَكَلُوا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَلُوكُ أَيْ يَمْضُغُ لُقْمَةً فِي فِيهِ» فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ وَضْعِ أَهْلِ الْمَيِّتِ الطَّعَامَ وَالدَّعْوَةِ إلَيْهِ انْتَهَى فَتَأَمَّلْ.
(وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ النِّيَاحَةِ (اتِّخَاذُ الطَّعَامِ وَالضِّيَافَةِ لِلْمَيِّتِ) لِلنِّيَاحَةِ لَا لِأَهْلِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِشُغْلِهِمْ بِمَوْتِ قَرِيبِهِمْ عَنْ ذَلِكَ وَعَنْ ابْنِ الْهُمَامِ وَيُكْرَهُ اتِّخَاذُ الضِّيَافَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ يُشْرَعُ فِي السُّرُورِ لَا فِي الشُّرُورِ وَهِيَ بِدْعَةٌ مُسْتَقْبَحَةٌ (حدمج) رُوِيَ (عَنْ) أَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ (جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ قَالَ كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنْعَتَهُمْ الطَّعَامَ مِنْ النِّيَاحَةِ) وَكَذَا نُقِلَ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيُسْتَحَبُّ لِجِيرَانِ أَهْلِ الْمَيِّتِ وَالْأَقْرِبَاءِ الْأَبَاعِدِ تَهْيِئَةُ طَعَامٍ لَهُمْ لِيُشْبِعَهُمْ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَقَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» كَذَا نُقِلَ عَنْ الْجَلَاءِ.
وَفِي الْجَامِعِ «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَإِنَّهُ قَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» أَيْ عَنْ صُنْعِ الطَّعَامِ لِأَنْفُسِهِمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِذُهُولِهِمْ عَنْ حَالِهِمْ بِحُزْنِهِمْ عَلَى مَيِّتِهِمْ وَهَذَا قَالَهُ لِنِسَائِهِ لَمَّا قُتِلَ جَعْفَرٌ وَجَاءَ الْخَبَرُ بِمَوْتِهِ فَطَحَنَتْ سَلْمَى مَوْلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَعِيرًا ثُمَّ آدَمَتْهُ بِزَيْتٍ وَجَعَلَتْ عَلَيْهِ فُلْفُلًا ثُمَّ أَرْسَلُوهُ إلَيْهِمْ قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ وَيَنْبَغِي لِأَهْلِ الْمَيِّتِ التَّصَدُّقُ بِالْفَاضِلِ أَوْ إهْدَاؤُهُ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ الْقُرْطُبِيُّ الِاجْتِمَاعُ إلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنْعَتُهُمْ الطَّعَامَ وَالْمَيِّتُ عِنْدَهُمْ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ وَنَحْوٌ مِنْهُ الطَّعَامُ الَّذِي يَصْطَنِعُهُ أَهْلُ الْمَيِّتِ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ لِلتَّرَحُّمِ لِلْمَيِّتِ وَلَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ الِاقْتِدَاءُ بِأَهْلِ الْكُفْرِ وَيَنْهَى كُلُّ إنْسَانٍ أَهْلَهُ عَنْ الْحُضُورِ لِمِثْلِ هَذَا لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ قَوْمٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ وَقَالَ أَحْمَدُ هُوَ مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ قِيلَ لَهُ أَلَيْسَ «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا» إلَخْ قَالَ لَمْ يَكُونُوا اتَّخَذُوا إنَّمَا اتَّخَذَهُ لَهُمْ فَهَذَا كُلُّهُ وَاجِبٌ فَمَنْ أَبَاحَهُ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَأَعَانَهُمْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَإِنَّمَا يُسَنُّ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الْمَوْتِ فَقَطْ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَقَدْ فَصَلْنَاهُ فِي جَلَاءِ الْقُلُوبِ)
стр. 822
وَفِيهِ أَيْضًا بَعْدَ ذِكْرِ بَعْضِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْخَرَائِطِيِّ الطَّعَامُ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَهَذِهِ الْأُمُورُ كُلُّهَا قَدْ صَارَتْ عِنْدَ النَّاسِ الْآنَ سُنَّةً وَتَرْكُهَا بِدْعَةً فَانْقَلَبَ الْحَالُ وَتَغَيَّرَتْ الْأَحْوَالُ ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا كَرَاهَةُ الْإِجَابَةِ لِمِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ فَلِأَنَّهَا إعَانَةٌ عَلَى الْمَكْرُوهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] وَقَدْ قَدَّمَ فِي الْخَبَرِ السَّابِقِ كَوْنَ الِاجْتِمَاعِ إلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ ثُمَّ صَنْعَتِهِمْ الطَّعَامَ مَعْدُودَيْنِ مِنْ النِّيَاحَةِ ثُمَّ إنَّ النُّصُوصَ الْمَذْكُورَةَ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ الضِّيَافَةِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ حَيْثُ قَالَ وَيُكْرَهُ اتِّخَاذُ الطَّعَامِ لِلضِّيَافَةِ فِي أَيَّامِ الْمُصِيبَةِ لِأَنَّهَا أَيَّامُ تَأَسُّفٍ فَلَا يَلِيقُ بِهَا مَا يَكُونُ لِلسُّرُورِ وَإِنْ اُتُّخِذَ الطَّعَامُ لِلْفُقَرَاءِ كَانَ حَسَنًا ثُمَّ قَالَ وَلَا تَظُنَّ أَنَّ الْمُعْتَادَ فِي زَمَانِنَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ قَاضِي خَانْ فَإِنَّهُ ظَنٌّ بَاطِلٌ إذْ الْمُعْتَادُ دَعْوَةُ الْمَشَايِخِ وَالْأَئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَالْجِيرَانِ بِلَا تَمْيِيزٍ بَيْنَ الْفُقَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ الْأَغْنِيَاءُ وَيَنْظِمُونَ لَهُمْ مَكَانًا مَخْصُوصًا وَيَبْسُطُونَ فُرُشًا كَثِيرَةً وَوُسُدًا رَفِيعَةً كَمَا يَفْعَلُونَ فِي الْوَلِيمَةِ وَدَعْوَةِ الْخِتَانِ فَهَلْ لِلضِّيَافَةِ مَعْنًى غَيْرُ هَذَا ثُمَّ قَالَ مُرَادُ قَاضِي خَانْ إرْسَالُ الطَّعَامِ إلَى الْفُقَرَاءِ لَا الدَّعْوَةُ وَالِاجْتِمَاعُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَيِّتِ وَفِيهِ أَيْضًا مَا حَاصِلُهُ عَنْ قَاضِي خَانْ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالطَّعَامِ لِمَنْ يَحْضُرُ التَّعْزِيَةَ وَإِنْ لَمْ يَطُلْ مَقَامُهُ أَوْ لِمَنْ يَجِيءُ مِنْ بَعِيدٍ وَلَوْ غَنِيًّا فَجَائِزٌ مِنْ الثُّلُثِ وَإِلَّا فَلَا وَالْوَصِيَّةُ بِالطَّعَامِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَاطِلَةٌ فَيَكُونُ مِيرَاثًا وَإِنْ فَعَلَهُ الْوَرَثَةُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَمَكْرُوهٌ وَبِدْعَةٌ وَكَذَا إجَابَةُ دَعْوَتِهِمْ وَفِيهِ زِيَادَةُ تَفْصِيلٍ
[الرَّابِعَ عَشَرَ حُكْمُ الْمِرَاء]
(الرَّابِعَ عَشَرَ الْمِرَاءُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (وَهُوَ طَعْنٌ فِي كَلَامِ الْغَيْرِ) وَاعْتِرَاضٌ عَلَيْهِ (بِإِظْهَارِ خَلَلٍ فِيهِ إمَّا) بِالْكَسْرِ (فِي اللَّفْظِ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ) صَرْفًا أَوْ نَحْوًا أَوْ بَلَاغَةً (أَوْ فِي الْمَعْنَى أَوْ فِي الْمُتَكَلِّمِ بِأَنْ يَقُولَ هَذَا الْكَلَامُ حَقٌّ وَلَكِنْ لَيْسَ قَصْدُك مِنْهُ الْحَقَّ) وَإِنَّمَا أَنْتَ فِيهِ صَاحِبُ غَرَضٍ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ كَقَوْلِك لِمَنْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ لَيْسَ مُرَادُك حَقًّا بَلْ مُرَادُك رِيَاءً أَوْ سُمْعَةً (وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْتَبِطَ بِهِ غَرَضٌ سِوَى تَحْقِيرِ الْغَيْرِ) فَلَوْ لِإِظْهَارِ الصَّوَابِ وَالدَّلَالَةِ مَا هُوَ الْحَقُّ فِي الْوَاقِعِ فَلَيْسَ مِنْ الْآفَاتِ بَلْ مِنْ الْمُنَاظَرَةِ أَشَارَ الشَّارِعُ إلَى الْأَمْرِ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] الْآيَةَ (وَإِظْهَارِ مَزِيَّةِ الْكِيَاسَةِ)
стр. 823
وَكَمَالِ الذَّكَاءِ (وَهَذَا) الطَّعْنُ بِهَذَا الْغَرَضِ (حَرَامٌ) لِكَوْنِهِ أَذَى مُسْلِمٍ وَمُسْتَلْزِمًا لِلْكِبْرِ وَالرِّيَاءِ (وَاَلَّذِي يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ إذَا سَمِعَ كَلَامًا إنْ كَانَ حَقًّا أَنْ يُصَدِّقَهُ وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا وَلَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقًا بِأُمُورِ الدِّينِ أَنْ يَسْكُتَ عَنْهُ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَكُونُ بَاطِلًا إلَّا بِالْكَذِبِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ عَدَمُ كَوْنِهِ مِنْ بَابِ الدِّينِ بَلْ كُلٌّ كَذِبٌ وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالْعَادِيَّاتِ وَالْمُحَاوَرَاتِ وَلَوْ عَلَى طَرِيقِ الْمِزَاحِ حَرَامٌ وَمَثَّلَ ذَلِكَ بِنَحْوِ الشِّعْرِ وَالْهَيْئَةِ وَالْمِسَاحَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا يَكُونُ بَاطِلًا مِنْهَا فَحَرَامٌ دِينِيٌّ صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتَاوَى وَقَدْ سَبَقَ (وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهَا) أَيْ بِأُمُورِ الدِّينِ (يَجِبُ إظْهَارُ الْبُطْلَانِ) فِي ذَلِكَ الْكَلَامِ لِلْمُتَكَلِّمِ أَوْ لِلنَّاسِ (وَالْإِنْكَارُ إنْ رَجَا الْقَبُولَ) مِنْ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ مِنْ الْغَيْرِ (لِأَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ) (ت عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُبْطِلٌ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ» بِفَتْحَتَيْنِ حَوَالَيْهَا مِنْ دَاخِلِهَا لَا مِنْ خَارِجِهَا «وَمَنْ تَرَكَهُ وَهُوَ مُحِقٌّ» مُتَكَلِّمٌ بِصِدْقٍ «بُنِيَ لَهُ فِي وَسَطِهَا وَمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ» لَا سِيَّمَا فِي الْمُنَاظَرَةِ وَالْمُخَاطَبَةِ «بُنِيَ لَهُ فِي أَعْلَاهَا» لِأَنَّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ مِنْ صِفَاتِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَكَانَ وَارِثًا لَهُمْ كَمَا فِي الْحَدِيثِ «حُسْنُ الْخُلُقِ خُلُقُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «حُسْنُ الْخُلُقِ يُذْهِبُ الْخَطَايَا كَمَا تُذْهِبُ الشَّمْسُ الْجَلِيدَ» وَفِي آخَرَ «حُسْنُ الْخُلُقِ نِصْفُ الدِّينِ» وَعَنْ بَعْضٍ إيَّاكَ أَنْ تَشْتَغِلَ بِهَذَا الْجِدَالِ الَّذِي ظَهَرَ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْأَكَابِرِ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُ يُبْعِدُ عَنْ الْفِقْهِ وَيُضِيعُ الْعُمْرَ وَيُورِثُ الْوَحْشَةَ وَالْعَدَاوَةَ وَهُوَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَارْتِفَاعِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ كَذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ
أَرَى فُقَهَاءَ هَذَا الْعَصْرِ طُرًّا ... أَضَاعُوا الْعِلْمَ وَاشْتَغَلُوا بِلَمْ لَمْ
إذَا نَاظَرْتَهُمْ لَمْ تَلْقَ مِنْهُمْ ... سِوَى حَرْفَيْنِ لَمْ لَمْ لَا نُسَلِّمْ
(دُنْيَا طب هق عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ أَوَّلَ مَا عَهِدَ» أَوْصَى «إلَيَّ رَبِّي وَنَهَانِي عَنْهُ بَعْدَ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ مُلَاحَاةُ» مُنَازَعَةُ «الرِّجَالِ» لِأَنَّهُمْ مَظِنَّةُ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ وَأَنَّهُ بَاعِثٌ لِلْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَدَوَامِ التَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ وَفِي السِّيَاقِ تَنْبِيهٌ عَلَى عِظَمِ الْجُرْمِ بَلْ يَقْتَضِي كَوْنَهُ كَبِيرَةً لَعَلَّ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ غَرَضًا صَحِيحًا وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ فِي الْمِفْتَاحِ فَائِدَةُ عِلْمِ الْجَدَلِ كَثِيرَةٌ فِي الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ مِنْ جِهَةِ الْإِلْزَامِ عَلَى الْمُخَالِفِينَ وَدَفْعِ شُكُوكِهِمْ ثُمَّ قَالَ قُلْت وَالْإِنْصَافُ أَنَّ الْجَدَلَ لِإِظْهَارِ الصَّوَابِ لَا بَأْسَ بِهِ وَرُبَّمَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي تَشْحِيذِ الْأَذْهَانِ وَتَصْقِيلِ الْخَوَاطِرِ وَالْمَمْنُوعُ مَا فِيهِ تَضْيِيعُ الْأَوْقَاتِ وَلَا يَحْصُلُ مِنْهُ طَائِلٌ وَكَثِيرًا مَا لَا يَخْلُو عَنْ التَّحَاسُدِ وَالتَّنَافُسِ فَعَلَيْك الِاحْتِيَاطُ لِئَلَّا تَقَعَ فِي الْمَهَالِكِ مِنْ حَيْثُ لَا تَشْعُرُ انْتَهَى (دُنْيَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ ﵊ «لَا يَسْتَكْمِلُ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ» الْكَامِلِ «حَتَّى يَذَرَ» يَتْرُكَ «الْمِرَاءَ» الْجَدَلَ «وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا» وَقَالَ غَرِيبٌ.
(ت عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تُمَارِ أَخَاك» لَا تُخَاصِمْهُ «وَلَا تُمَازِحْهُ» بِمَا يَتَأَذَّى بِهِ قَالُوا وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ مَا فِيهِ إفْرَاطٌ أَوْ مُدَاوَمَةٌ أَوْ أَذًى قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إنَّ لِلْمُزَاحِ إزَاحَةً عَنْ الْحُقُوقِ وَمَخْرَجًا إلَى الْعُقُوقِ يُصِمُّ الْمَازِحَ وَيُؤْذِي الْمُمَازَحَ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ الْمِزَاحُ يُرِيقُ مَاءَ الْوَجْهِ وَيُسْقِطُ الْمَهَابَةَ وَيَسْتَجِرُّ الْوَحْشَةَ وَيُؤْذِي الْقُلُوبَ وَمَبْدَأٌ لِلتَّضَارُبِ وَاللَّجَاجِ وَمَغْرِسُ الْحِقْدِ فَإِنْ
стр. 824
مَازَحَك غَيْرُك فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَكُنْ مِنْ الَّذِينَ إذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا انْتَهَى وَقَالَ فِي الْأَذْكَارِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مَا فِيهِ إفْرَاطٌ وَمُدَاوَمَةٌ لِإِيرَاثِهِ الضَّحِكَ وَقَسْوَةَ الْقَلْبِ وَيَشْغَلُ عَنْ الذِّكْرِ وَالْفِكْرِ وَمُهِمَّاتِ الدِّينِ فَيُورِثُ الْحِقْدَ وَيُسْقِطُ الْمَهَابَةَ وَالْوَقَارَ وَمَا سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الْمُبَاحُ الَّذِي كَانَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَفْعَلُهُ نَادِرًا لِمُصْلِحَةٍ فَلَا مَانِعَ مِنْهُ بَلْ قَدْ يُسْتَحَبُّ كَذَا فِي الْمُنَاوِيِّ (وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَتُخْلِفْهُ) فَإِنَّ الْوَفَاءَ بِالْوَعْدِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ بَلْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ كَمَا فِي الْمُنَاوِيِّ
[الْخَامِسَ عَشَرَ الْجِدَالُ]
(الْخَامِسَ عَشَرَ الْجِدَالُ وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِإِظْهَارِ الْمَذَاهِبِ وَتَقْرِيرِهَا) اعْلَمْ أَنَّ عِلْمَ الْجَدَلِ فِي اصْطِلَاحِ الْقَوْمِ هُوَ عِلْمٌ بَاحِثٌ عَنْ الطَّرِيقِ الَّتِي يُقْتَدَرُ بِهَا عَلَى إبْرَامِ أَيِّ وَضْعٍ أُرِيدَ وَعَلَى هَدْمِ أَيِّ وَضْعٍ كَانَ وَهُوَ مِنْ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ لَكِنَّهُ مِنْ فُرُوعِ عِلْمِ الْأُصُولِ وَعِلْمِ الْخِلَافِ وَهُوَ الْجِدَالُ الْوَاقِعُ بَيْنَ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الْفَرْعِيَّةِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ كَمَا فِي الْمِفْتَاحِ ثُمَّ قَالَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَدَلِ بِالْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ فَإِنَّ الْجَدَلَ بَحْثٌ عَنْ مَوَادِّ الْأَدِلَّةِ الْخِلَافِيَّةِ وَالْخِلَافُ بَحْثٌ عَنْ صُورَتِهَا فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْجَدَلِ هُوَ الْخِلَافُ بَلْ الْجَدَلُ أَشْبَهُ بِمَا قَبْلَهُ مِنْ الْمِرَاءِ فَتَأَمَّلْ (فَإِنْ قَصَدَ بِهِ تَخْجِيلَ الْخَصْمِ وَإِظْهَارَ فَضْلِهِ) لَعَلَّ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ دَوَاعٍ شَرْعِيَّةٍ (فَحَرَامٌ بَلْ كُفْرٌ عِنْدَ الْبَعْضِ وَقَدْ مَرَّ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ) لَعَلَّ ذَلِكَ فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ (ت عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ» أَيْ مَا ضَلَّ قَوْمٌ مَهْدِيُّونَ كَائِنِينَ عَلَى حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ إلَّا بِإِيتَاءِ الْجَدَلِ أَيْ الْخُصُومَةِ بِالْبَاطِلِ وَقَالَ الْقَاضِي الْمُرَادُ التَّعَصُّبُ لِتَرْوِيحِ الْمَذَاهِبِ الْكَاسِدَةِ وَالْعَقَائِدِ الزَّائِغَةِ لَا بِالْمُنَاظَرَةِ لِإِظْهَارِ الْحَقِّ وَاسْتِكْشَافِ الْحَالِ وَاسْتِعْلَامِ مَا لَيْسَ مَعْلُومٌ أَوْ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ خَارِجٌ عَمَّا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ الْإِشَارَةُ إلَى الْخِلَافَاتِ الَّتِي أُحْدِثَتْ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ وَأُبْدِعَ فِيهَا مِنْ التَّحْرِيرَاتِ وَالتَّصْنِيفَاتِ وَالْمُجَادَلَاتِ فَإِيَّاكَ أَنْ تَحُومَ حَوْلَهَا وَاجْتَنِبْهَا اجْتِنَابَ السُّمِّ الْقَاتِلِ كَمَا فِي الْمُنَاوِيِّ « (ثُمَّ تَلَا ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا﴾ [الزخرف: ٥٨] مَا ضَرَبُوا هَذَا الْمَثَلَ إلَّا لِأَجْلِ الْجَدَلِ وَالْخُصُومَةِ لَا لِتَمْيِيزِ الْحَقِّ مِنْ الْبَاطِلِ ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] » شِدَادُ الْخُصُومَةِ حِرَاصٌ عَلَى اللَّجَاجِ (وَإِنْ قَصَدَ إظْهَارَ الْحَقِّ وَهُوَ نَادِرٌ) فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَوْلَوِيَّةِ تَرْكِهِ لِأَنَّ النَّادِرَ كَالْمَعْدُومِ وَأَنَّ أَكْثَرَ مَدَارِ الشَّرْعِ عَلَى الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ لَكِنْ قَدْ عَرَفْت أَنَّهُ قَدْ يَجِبُ وَلَوْ كِفَايَةً فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا يُشِيرُ إلَى نَحْوِ مَا ذُكِرَ وَإِلَّا فَإِطْلَاقُ الْحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى عُمُومِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ مُشْكِلٌ لَعَلَّ مُرَادَهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تُصَرِّحْ بِهِ عِبَارَتُهُ (فَجَائِزٌ بَلْ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ) فَالتَّفَاوُتُ عَلَى تَفَاوُتِ الْأَغْرَاضِ وَالْوَقَائِعِ لَعَلَّ الْأَوْلَى فَمَنْدُوبٌ بَلْ وَاجِبٌ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] وَعَنْ حِلْيَةِ الْأَبْرَارِ لِلنَّوَوِيِّ اعْلَمْ أَنَّ الْجَدَلَ قَدْ يَكُونُ بِحَقٍّ وَقَدْ يَكُونُ بِبَاطِلٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] وَقَالَ ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] وَقَالَ ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] فَإِنْ لِلْوُقُوفِ عَلَى الْحَقِّ وَتَقْرِيرِهِ فَمَمْدُوحٌ وَإِنْ لِمُدَافَعَةِ الْحَقِّ أَوْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَذْمُومٌ وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ تَنْزِلُ النُّصُوصُ قَالَ بَعْضُهُمْ مَا رَأَيْت شَيْئًا أَذْهَبَ لِلدِّينِ وَلَا أَنْقَصَ لِلْمُرُوءَةِ وَلَا أَضْيَعَ لِلَّذَّةِ وَلَا أَشْغَلَ لِلْقَلْبِ مِنْ الْخُصُومَةِ انْتَهَى ثُمَّ لَا يَخْفَى
стр. 825
أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لِلنَّدَبِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَمُطْلَقَ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضٌ إلَى وُجُوبِهِ وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ثُمَّ الشَّرْطُ حِينَ النَّدْبِ أَنْ يَكُونَ بِالرِّفْقِ وَاللِّينِ وَعُذُوبَةِ اللِّسَانِ وَطَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَاسْتِعْمَالِ الْقَرِينَةِ إلَى التَّفْهِيمِ كَمَا يُفِيدُهُ التَّقْيِيدُ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَفِي سِرِّ الْأَسْرَارِ لِلشَّيْخِ الْعَارِفِ الْكِيلَانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ مَجْمُوعُ هَذِهِ أُعْطِيَ لِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ تُعْطَ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ وَأَمَّا انْفِرَادُهَا فَالْحِكْمَةُ أَيْ عِلْمُ الْحَالِ وَهُوَ لُبُّهَا أُعْطِيَ لِلْمَشَايِخِ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵊ «هِمَّةُ الرِّجَالِ تَقْلَعُ الْجِبَالَ فَإِنَّ قَسَاوَةَ الْقَلْبِ الَّتِي هِيَ كَالْجِبَالِ تُقْلَعُ بِدُعَائِهِمْ وَنَظَرِهِمْ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا» وَالْمَوْعِظَةُ لِعُلَمَاءِ الظَّاهِرِ وَهُوَ الْقِشْرُ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵊ «الْعَالِمُ يَعِظُ بِالْعِلْمِ وَالْأَدَبِ وَالْجَاهِلُ يَعِظُ بِالضَّرْبِ وَالْغَضَبِ» وَالْجِدَالِ وَهُوَ الْعَدْلُ وَالسِّيَاسَةُ لِلْأُمَرَاءِ وَهُوَ قِشْرُ الْقِشْرِ وَمَقَامُ الْمُتَصَوِّفَةِ هُوَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ مِنْ خَلْقِ الشَّجَرِ قَالَ ﵊ «عَلَيْكُمْ بِمُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ وَاسْتِمَاعِ كَلَامِ الْحُكَمَاءِ فَإِنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْقَلْبَ بِنُورِ الْحِكْمَةِ» وَقَالَ ﵊ «كَلِمَةُ الْحِكْمَةِ ضَالَّةُ الْحَكِيمِ أَخَذَهَا حَيْثُ وَجَدَهَا»
[السَّادِسَ عَشَرَ الْخُصُومَةُ]
(السَّادِسَ عَشَرَ الْخُصُومَةُ وَهِيَ لَجَاجٌ) أَيْ عِنَادٌ (فِي الْكَلَامِ لِيُسْتَوْفَى بِهِ مَالٌ أَوْ حَقٌّ مَقْصُودٌ فَإِنْ كَانَ مُبْطِلًا أَوْ) (خَاصَمَ بِغَيْرِ عِلْمٍ) أَنَّهُ مُحِقٌّ أَوْ مُبْطِلٌ كَوَكِيلِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ يَتَوَكَّلُ فِي الْخُصُومَةِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الْحَقَّ فِي أَيِّ جَانِبٍ فَهُوَ يُخَاصِمُ بِغَيْرِ عِلْمٍ (أَوْ) (مَزَجَ) أَيْ خَلَطَ (بِالْخُصُومَةِ) الْحَقَّةِ (كَلِمَاتٍ) وَالْمُرَادُ مَا يَشْمَلُ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ (مُؤْذِيَةً لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا فِي نُصْرَةِ الْحُجَّةِ وَإِظْهَارِ الْحَقِّ) فَلَوْ لَزِمَ الْأَذَى فِيمَا فِيهَا نُصْرَةُ الْحُجَّةِ لَا يَحْرُمُ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ مُجَرَّدَ إحْيَاءِ حَقِّهِ بِدُونِ قَصْدِ أَذَاهُ لَعَلَّ هَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ الْخَصْمُ مُعَانِدًا مُكَابِرًا مُؤْذِيًا وَإِلَّا فَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَيَنْبَغِي إمَّا تَرْكٌ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَذَى وَلَا يَتَجَاوَزْ عَلَى قَدْرِ أَذَى خَصْمِهِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّعْزِيرِ وَالتَّعْزِيرُ يُقِيمُهُ كُلُّ أَحَدٍ حَالَ مُبَاشَرَةِ الْمَعْصِيَةِ وَأَمَّا الِاخْتِصَاصُ بِالْحَاكِمِ وَالْمُحْتَسَبِ فَفِيمَا بَعْدَ الْمَعْصِيَةِ كَمَا اسْتَوْفَى فِي الْفَتَاوَى (أَوْ كَانَتْ الْخُصُومَةُ لِقَهْرِ الْخَصْمِ وَكَسْرِهِ فَقَطْ) لَا لِأَخْذِ الْحَقِّ فَلَوْ لَهُ حَقٌّ (فَحَرَامٌ) لَكِنْ لَا يُرِيدُهُ مِنْ الْخُصُومَةِ بَلْ مُجَرَّدُ إجْرَاءِ النَّفْسَانِيَّةِ فَمُحَرَّمٌ أَيْضًا (وَإِنْ خَلَا عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ) الْأَرْبَعَةِ (وَهُوَ) أَيْ الْخَالِي عَنْهَا (نَادِرٌ فَجَائِزٌ) وَإِلَّا فَيَبْطُلُ حَقُّهُ وَالرَّجُلُ مَأْمُورٌ بِعَدَمِ إضَاعَةِ حَقِّهِ بَلْ تَرْكُهُ بِلَا نِيَّةٍ حَمِيدَةٍ إنْ لِخَصْمٍ فَمِنْ قَبِيلِ الْإِسْرَافِ وَفِي قَوْلِهِ نَادِرٌ إيمَاءٌ إلَى تَرْكِهِ الْإِطْلَاقَ إذْ النَّادِرُ مُلْحَقٌ بِالْعَدَمِ (وَلَكِنَّ تَرْكَهُ) أَيْ الِاخْتِصَامِ (أَوْلَى) لِأَنَّ مَا يَدُورُ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ رُجْحَانُ جَانِبِ الْحَظْرِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ كَثْرَةِ خِلَافِهِ (مَا وَجَدَ إلَيْهِ سَبِيلًا) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ بِطِيبِ الْخَاطِرِ وَرِضَا النَّفْسِ كَالْمُطَالَبَةِ بِحُسْنِ الْحَالِ وَتَوْسِيطِ الرِّجَالِ إلَى الْمُصَالَحَةِ فَحَسَنٌ بَلْ يَجْتَهِدُ إلَيْهِ فَمَا لَمْ يَعْجِزْ عَنْهُ لَا يُبَاشِرُ الْخُصُومَةَ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بِالْكُلِّيَّةِ فَيَخْتَصِمُ لَكِنْ يَتَدَبَّرُ وَيَتَأَنَّى فِي ضَبْطِ لِسَانِهِ وَإِمْسَاكِ كَلَامِهِ عَمَّا يَتَجَاوَزُ الْحَدَّ وَعَنْ حِلْيَةِ الْأَبْرَارِ لِلنَّوَوِيِّ إنَّمَا كَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى لِأَنَّ ضَبْطَ اللِّسَانِ فِي الْخُصُومَةِ عَلَى حَدِّ الِاعْتِدَالِ مُتَعَذِّرٌ وَالْخُصُومَةُ تُوغِرُ الصُّدُورَ وَتُهَيِّجُ الْغَضَبَ وَإِذَا هَاجَ الْغَضَبُ حَصَلَ الْحِقْدُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَفْرَحَ كُلٌّ بِمُسَاءَةِ الْآخَرِ وَيَحْزَنَ بِمُسِرَّتِهِ وَيُطْلِقَ اللِّسَانَ فِي عِرْضِهِ فَمَنْ خَاصَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِهَذِهِ الْآفَاتِ وَأَقَلُّ مَا فِيهِ اشْتِغَالُ الْقَلْبِ حَتَّى إنَّهُ يَكُونُ فِي صَلَاتِهِ وَخَاطِرُهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُحَاجَّةِ وَالْخُصُومَةِ فَلَا يَبْقَى حَالُهُ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ وَالْخُصُومَةُ مَبْدَأُ الشَّرِّ انْتَهَى فَيَجْتَهِدُ أَنْ لَا يَفْتَحَ بَابَ الْخُصُومَةِ بِلَا ضَرُورَةٍ وَعِنْدَ الضَّرُورَةِ يَحْفَظُ اللِّسَانَ وَالْقَلْبَ عَنْ تَبِعَاتِهَا الْمَذْكُورَةِ وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ فَمَنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْوَاجِبِ فِي الْخُصُومَةِ فَزِيَادَةُ مَأْجُورٍ لِأَنَّهُ كُلَّمَا زَادَ التَّعَبُ زَادَ الْأَجْرُ لِأَنَّ أَجْرَكُمْ عَلَى قَدْرِ تَعَبِكُمْ
стр. 826
وَبِالْجُمْلَةِ فَعَلَيْهِ عِنْدَ الْخُصُومَةِ الضَّرُورِيَّةِ طِيبُ الْكَلَامِ وَالرِّفْقُ فِي أَدَاءِ الْمَرَامِ بِلَا تَغْلِيظٍ وَلَا تَشْدِيدٍ وَلَا خُشُونَةٍ وَلَا عَبُوسَةٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣]- وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ» (خ م عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) وَعَنْ أَبَوَيْهَا (أَنَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الْأَلَدُّ» بِتَشْدِيدِ الدَّالِ شَدِيدُ الْخُصُومَةِ (الْخَصِمُ) بِكَسْرِ الصَّادِ شَدِيدُ الْخُصُومَةِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْجَوْهَرِيِّ فَيَكُونُ صِفَةَ تَأْكِيدٍ لَكِنَّ الْمَطْلُوبَ مُطْلَقُ الْخُصُومَةِ وَمَا يَحْصُلُ مِنْ الْحَدِيثِ الْخُصُومَةُ الشَّدِيدَةُ بَلْ الْأَكِيدَةُ يَعْنِي الْمَمْنُوعُ بِالْحَدِيثِ مَا تَكُونُ مُشْتَدَّةً وَالْمَطْلُوبُ مُطْلَقٌ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ شَدِيدَةً لَا يَتِمُّ تَقْرِيبُهُ لَا سِيَّمَا قِيلَ فِي شَرْحِهِ الْمُرَادُ مِنْ الْخُصُومَةِ فِي الْحَدِيثِ إنْكَارُ الْبَعْثِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧]- إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُقَايَسَةِ أَوْ الدَّلَالَةِ بِالنَّصِّ فَتَأَمَّلْ (ت عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «كَفَى بِك إثْمًا أَنْ لَا تَزَالَ مُخَاصِمًا» لِأَنَّ كَثْرَةَ الْمُخَاصَمَةِ تُفْضِي غَالِبًا إلَى مَا يَذُمُّ صَاحِبَهُ وَقَدْ وَرَدَ التَّرْغِيبُ فِي تَرْكِ الْمُخَاصَمَةِ قَالَ دَاوُد ﵊ لِابْنِهِ يَا بُنَيُّ إيَّاكَ وَالْمِرَاءَ فَإِنَّ نَفْعَهُ قَلِيلٌ وَهُوَ يُهَيِّجُ الْعَدَاوَةَ بَيْنَ الْإِخْوَانِ وَعَنْ بَعْضٍ مَا رَأَيْت شَيْئًا أَذْهَبَ لِلدِّينِ وَلَا أَنْقَصَ لِلْمُرُوءَةِ وَلَا أَضْيَعَ لِلَّذَّةٍ وَلَا أَشْعَلَ لِلْقَلْبِ مِنْ الْخُصُومَةِ فَإِنْ قِيلَ لَا بُدَّ مِنْ الْخُصُومَةِ لِاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الذَّمَّ الْمُتَأَكِّدَ إنَّمَا هُوَ خَاصٌّ بِبَاطِلٍ أَوْ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ ظَوَاهِر النُّصُوص مُطْلَقَةٌ وَلَا بُدَّ لِتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ مِنْ بَيَانٍ لَعَلَّ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ لِاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ تَصْلُحُ مُقَيَّدَةً بِمِثْلِ هَذَا فَافْهَمْ وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ إذَا رَأَيْت الرَّجُلَ لَجُوجًا مُرَائِيًا مُعْجَبًا بِرَأْيِهِ فَقَدْ تَمَّتْ خَسَارَتُهُ ثُمَّ قِيلَ الْحَدِيثُ غَرِيبٌ وَقِيلَ ضَعِيفٌ كَمَا فِي الْفَيْضِ (دُنْيَا صف عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ جَادَلَ فِي خُصُومَةٍ» تَعَصُّبًا لَا بِحَقٍّ كَمَا عَرَفْت «بِغَيْرِ عِلْمٍ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَنْزِعَ» أَيْ يَتْرُكَ ذَلِكَ وَيَتُوبَ مِنْهُ تَوْبَةً صَحِيحَةً وَأَخَذَ مِنْهُ الذَّهَبِيُّ أَنَّ الْجِدَالَ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْ الْكَبَائِرِ قَالَ الْغَزَالِيُّ الْمِرَاءُ طَعْنٌ فِي كَلَامِ الْغَيْرِ لِإِظْهَارِ خَلَلٍ وَالْجِدَالُ عِبَارَةٌ عَنْ مِرَاءٍ يَتَعَلَّقُ بِإِظْهَارِ الْمَذْهَبِ وَتَقْرِيرِهَا وَالْخُصُومَةُ لَجَاجُ الْكَلَامِ لِيُسْتَوْفَى بِهِ مَالٌ أَوْ حَقٌّ مَقْصُودٌ وَيَكُونُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَيَكُونُ اعْتِرَاضًا وَالْمِرَاءُ لَا يَكُونُ بِاعْتِرَاضٍ قِيلَ عَنْ الْبَيْهَقِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إيَّاكُمْ وَمُشَارَّةَ النَّاسِ فَإِنَّهَا تَدْفِنُ الْغُرَّةَ وَتُظْهِرُ الْعَرَّةَ» وَالْمُشَارَّةُ الْمُخَاصَمَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الشَّرِّ وَالْغُرَّةُ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الْحُسْنُ وَقِيلَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَالْعَرَّةُ بِالْمُهْمَلَةِ الْعَيْبُ أَيْ تُخْفِي الْمَحَاسِنَ وَتُظْهِرُ الْمَعَايِبَ
[السَّابِعَ عَشَرَ الْغِنَاءُ]
(السَّابِعَ عَشَرَ الْغِنَاءُ) أَيْ التَّغَنِّي (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] قِيلَ عَنْ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ هُوَ الْغِنَاءُ حَتَّى
стр. 827
حَلَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَلَى كَوْنِهِ هَذَا وَعَنْ الْبَيْضَاوِيِّ هُوَ مَا يُلْهِي عَمَّا يُعْنَى كَالْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا وَالْأَسَاطِيرِ لَا اعْتِبَارَ فِيهَا وَالْأَضَاحِيكِ وَفُضُولِ الْكَلَامِ وَالْإِضَافَةِ بِمَعْنَى مَنْ وَهِيَ بَيَانِيَّةٌ إنْ أَرَادَ بِالْحَدِيثِ الْمُنْكَرَ وَتَبْعِيضِيَّةٌ إنْ أَرَادَ الْأَعَمَّ مِنْهُ وَعَنْ مُحْيِي السُّنَّةِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي حُرْمَةِ الْغِنَاءِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ الْغِنَاءُ قِيلَ أَبَاحَهُ قَوْمٌ إنْ أَمِنَ الْفِتْنَةَ وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي أَصَحِّ مَا نُقِلَ عَنْهُمْ عَنْ الْإِحْيَاءِ وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الْغِنَاءَ الَّذِي لَيْسَ بِالْقَصَائِدِ الزُّهْدِيَّةِ وَنَحْوِهَا حَرَامٌ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَكَذَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ كَالشَّعْبِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَالنَّخَعِيُّ وَحَكَاهُ الثَّوْرِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ (دهق عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الْبَقْلَ) آخِرُهُ وَالذِّكْرُ يُنْبِتُ الْإِيمَانَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الزَّرْعَ قِيلَ لَفْظَةُ الْغِنَاءِ هُنَا بِالْقَصْرِ بِمَعْنَى غِنَى الْمَالِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْفَقْرِ فَحِينَئِذٍ نَقُولُ لَا احْتِجَاجَ مَعَ الِاحْتِمَالِ وَالْجَوَابُ قَالَ الْمُنَاوِيُّ بَعْدَمَا ذَكَرَ وَصَوَّبَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ بِالْمَدِّ بِمَعْنَى التَّغَنِّي وَاسْتَدَلَّ عَلَى كَوْنِهِ بِهَذَا الْمَعْنَى بِآخِرِهِ أَعْنِي وَالذِّكْرُ إلَخْ لِأَنَّ مُقَابَلَةَ الْغِنَاءَ بِالذِّكْرِ تَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ التَّغَنِّي ثُمَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى الْمَطْلُوبِ إذَا كَانَ حَدِيثًا مَوْقُوفًا وَهُوَ أَيْضًا مُحْتَمَلٌ وَإِنَّ الْمُتَبَادَرَ كَوْنُهُ مَوْقُوفًا نَعَمْ فِي الْجَامِعِ عَنْ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا عَلَى كَوْنِهِ مُسْنَدًا وَأَيْضًا فِيهِ «الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الزَّرْعَ» عَلَى رِوَايَةِ جَابِرٍ مُسْنَدًا فَالْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ يَذْكُرَهُمَا أَوْ وَاحِدًا مِنْهَا بَدَلَهُ أَوْ مَعَهُ لَعَلَّهُ لَمْ يَفْقَهْهُمَا ثُمَّ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فَيَالَهَا مِنْ صَفْقَةٍ فِي غَايَةِ الْخُسْرَانِ حَيْثُ بَاعَ سَمَاعَ الْخِطَابِ مِنْ الرَّحْمَنِ بِسَمَاعِ الْمَعَازِفِ وَالْأَلْحَانِ وَالْجُلُوسِ فِي مَجَالِسِ الْفُسُوقِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ وَأَخَذَ جَمْعٌ بِظَاهِرِهِ فَحَرَّمُوا فِعْلَهُ وَاسْتِمَاعَهُ مُطْلَقًا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَزُعِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغِنَاءِ غِنَى الْمَالِ وَرُدَّ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ إنَّمَا هِيَ بِالْمَدِّ وَغِنَى الْمَالِ مَقْصُورٌ (دُنْيَا طك عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَا رَفَعَ أَحَدٌ عَقِيرَتَهُ» أَيْ صَوْتَهُ «بِغِنَاءٍ إلَّا بَعَثَ اللَّهُ لَهُ شَيْطَانَيْنِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ يَضْرِبَانِ بِأَعْقَابِهِمَا عَلَى صَدْرِهِ» تَشْوِيقًا وَتَحْرِيضًا عَلَى مَا هُوَ فِيهِ «حَتَّى يُمْسِكَ» إلَى إمْسَاكِهِ عَنْ الْغِنَاءِ نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ أَكَانَ بِالْأَشْعَارِ أَمْ بِالْقُرْآنِ أَمْ بِالذِّكْرِ وَنَحْوِهِ وَإِنْ كَانَ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ وَلَا زِيَادَةٍ فَلَا بَأْسَ وَحُمِلَ عَلَيْهِ زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ الْآتِي انْتَهَى (وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة اعْلَمْ أَنَّ التَّغَنِّيَ حَرَامٌ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى حُرْمَتِهِ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ
[الْوَصِيَّةُ لِلْمُغَنِّينَ وَالْمُغَنِّيَاتِ]
(إذَا أَوْصَى بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ عِنْدَنَا
стр. 828
وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَذَكَرَ) أَنْوَاعًا (مِنْهَا الْوَصِيَّةُ لِلْمُغَنِّينَ وَالْمُغَنِّيَاتِ وَحُكِيَ عَنْ ظَهِيرِ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيِّ) صَاحِبِ الْهِدَايَةِ تِلْمِيذِ مُفْتِي الثَّقَلَيْنِ نَجْمِ الدِّينِ عُمَرَ النَّسَفِيِّ وَلَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ وَمِنْ أَشْعَارِهِ
وَلَمْ أَدْخُلْ الْحَمَّامَ مِنْ أَجْلِ لَذَّةٍ ... وَكَيْفَ وَنَارُ الشَّوْقِ بَيْنَ جَوَانِحِي
وَلَكِنَّنِي لَمْ يَكْفِنِي فَيْضُ عَبْرَتِي ... دَخَلْتُ لِأَبْكِيَ مِنْ جَمِيعِ جَوَارِحِي
(أَنَّهُ قَالَ لِمُقْرِئِ زَمَانِنَا أَحْسَنْت عِنْدَ قِرَاءَتِهِ يَكْفُرُ انْتَهَى) لَعَلَّ إضَافَةَ مُقْرِئٍ لَيْسَ لِلِاسْتِغْرَاقِ إلَّا أَنْ يُرَادَ ادِّعَائِيًّا أَوْ ضَافِيًا بَلْ إمَّا لِلْعَهْدِ بِالنِّسْبَةِ إلَى زَمَانِ الْمَرْغِينَانِيِّ أَوْ لِلْجِنْسِ عَلَى أَنْ يَكُونَ وُجُودُهُ فِي ضِمْنِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ فَافْهَمْ (وَوَجْهُهُ) أَيْ وَجْهُ كَوْنِهِ كُفْرًا لَعَلَّهُ مِنْ الْمُصَنِّفِ (أَنَّ التَّغَنِّيَ لِلنَّاسِ) أَيْ لِمُجَرَّدِ تَلَهِّي النَّاسِ لَا لِأَجْلِ الْعُرْسِ وَالْأَعْيَادِ وَدَفْعِ الْوَحْشَةِ فِي نَفْسِهِ وَقِيلَ وَلِلْخَوَاصِّ الَّذِينَ يَبْلُغُونَ مَرْتَبَةَ النَّفْسِ الْمُطَمْئِنَةِ أَوْ الرَّاضِيَةِ إنْ صَحَّ فَإِنَّهَا مَحِلُّ اجْتِهَادٍ وَقَدْ جَوَّزَهُ بَعْضٌ كَمَا سَيُشِيرُ إلَيْهِ (لَمَّا كَانَ حَرَامًا بِالْإِجْمَاعِ) لَعَلَّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ مَأْخُوذَةٌ مِمَّا سَبَقَ آنِفًا وَقَدْ سَمِعْت الِاخْتِلَافَ آنِفًا صَرَاحَةً وَإِشَارَةً ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمَوْلَى أَبَا السُّعُودِ الْعِمَادِيَّ قَالَ فِي رِسَالَتِهِ الَّتِي أَرْسَلَهَا إلَى الْمُصَنِّفِ قَدْ طَالَعْت أَيُّهَا الْأَخُ رِسَالَتَك زَادَ اللَّهُ تَعَالَى اهْتِمَامَك بِأَمْرِ الدِّينِ وَإِحْيَاءِ السُّنَنِ وَإِنْكَارِ الْبِدَعِ فَقَدْ أَحْسَنْت فِي إنْكَارِ التَّغَنِّي وَاللَّحْنِ فِي الْأَذْكَارِ ثُمَّ قَالَ فِي حَقِّ التَّغَنِّي مَا حَاصِلُهُ عَنْ الْأَكْمَلِ أَبَاحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَعَنْ الْقُشَيْرِيِّ مِمَّنْ أَبَاحَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَأَهْلُ الْحِجَازِ وَعَنْ ابْنِ الْهُمَامِ وَالْعَيْنِيِّ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ كَرِهَهُ مُطْلَقًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَاحَهُ مُطْلَقًا ثُمَّ قَالَ وَمَا وَرَدَ فِي جَوَازِ التَّغَنِّي وَاللَّحْنِ فِي الْقُرْآنِ فَوَارِدٌ فِي حَقِّ سَائِرِ الْأَذْكَارِ دَلَالَةً وَأَفْرَدَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ بَابًا فِي جَوَازِ الْغِنَاءِ وَالْقُشَيْرِيُّ كَذَلِكَ فِي رِسَالَتِهِ وَصَاحِبُ الْعَوَارِفِ ذَكَرَ فِي جَوَازِهِ مَا فِيهِ مَقْنَعٌ لِلْمُصَنِّفِ وَرُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إبَاحَةُ الْغِنَاءِ ثُمَّ قَالَ فَكَيْفَ يَصِحُّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِ الْغِنَاءِ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ فَيَلْزَمُ إكْفَارُ مُسْتَحِلِّهِ بَلْ مُتَمَنِّي حِلِّهِ وَبَعْضُهُمْ أَجَازَهُ فِي الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فَبَعْضُ الْمُفْتِينَ كَابْنِ كَمَالٍ أَفْرَطَ وَأَفْتَى بِكُفْرِ الْمُسْتَحِلِّ بَلْ الْفَاعِلِ وَبَعْضُهُمْ كَالْعَلِيِّ الْجَمَالِيِّ فَرَّطَ وَأَفْتَى بِإِبَاحَةِ اللَّحْنِ وَالتَّغَنِّي فِي الْأَذْكَارِ اهـ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ السِّيَرِ الْكَبِيرِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ دَخَلَ عَلَى أَخِيهِ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ يُغَنِّي ثُمَّ قَالَ هُوَ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ لَا بَأْسَ بِالتَّغَنِّي لِأَنَّ الْبَرَاءَ مِنْ أَزْهَدِ الصَّحَابَةِ إذَا عَرَفْت مَا قَدَّمْنَا لَك مِنْ الِاخْتِلَافَاتِ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِمْ فَدَعْوَى الْإِجْمَاعِ مُشْكِلَةٌ غَايَةَ الْإِشْكَالِ وَالْحَمْلُ عَلَى مَا يَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْمَوَاقِعِ الْخِلَافِيَّةِ عَلَى قَاعِدَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ يَرُدُّهُ ذِكْرُهُمْ تِلْكَ الصُّوَرِ فِي مُقَابَلَةِ هَذِهِ الصُّوَرِ عَلَى أَنَّ كَوْنَهُ مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ (كَانَ) تَحْرِيمُهُ (قَطْعِيًّا) هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ إذَا كَانَ جَمِيعُ الْإِجْمَاعِ قَطْعِيًّا أَوْ عُلِمَ كَوْنُهُ مِنْ الْقَطْعِيِّ وَنُقِلَ إلَيْنَا تَوَاتُرًا وَالْكُلُّ مَطْلُوبُ الْبَيَانِ بَلْ اُخْتُلِفَ فِي إكْفَارِ مُنْكِرِي الْقَطْعِيِّ وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ كُفْرَهُ عِنْدَنَا (فَتَحْسِينُهُ تَحْلِيلٌ لِلْحَرَامِ) الْقَطْعِيِّ (وَكَذَا كُلُّ تَحْسِينِ الْقَبِيحِ الْقَطْعِيِّ كُفْرٌ) ظَاهِرُهُ الشُّمُولُ إلَى مَا يَكُونُ قُبْحُهُ لِذَاتِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ أَنَّ الْكُفْرَ فِيمَا يَكُونُ حَرَامًا لِعَيْنِهِ وَحُرْمَتُهُ ثَابِتَةٌ قَطْعِيَّةٌ فَتَأَمَّلْ (وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالذَّخِيرَةِ) مَا جَعَلَاهُ كُفْرًا بَلْ (سَمَّيَاهُ كَبِيرَةً هَذَا) أَيْ الْحُرْمَةُ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ (فِي التَّغَنِّي لِلنَّاسِ فِي غَيْرِ الْأَعْيَادِ وَالْعُرْسِ)
стр. 829
وَأَمَّا فِيهِمَا فَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ (وَيَدْخُلُ فِيهِ) أَيْ فِي التَّغَنِّي الْحَرَامِ (تَغَنِّي صُوفِيَّةِ زَمَانِنَا فِي الْمَسَاجِدِ) فِي (الدَّعَوَاتِ) أَيْ الضِّيَافَاتِ أَوْ مِنْ الدُّعَاءِ (بِالْأَشْعَارِ وَالْأَذْكَارِ مَعَ اخْتِلَاطِ أَهْلِ الْهَوَى) الْفَسَقَةِ وَالْمُبْتَدِعَةِ (وَالْمُرْدِ) جَمْعُ الْأَمْرَدِ قِيلَ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا سُوءُ ظَنٍّ وَتَجَسُّسُ عَيْبٍ وَإِظْهَارُ فُحْشِ مُؤْمِنٍ وَالِاطِّلَاعُ عَلَى مَا فِي الضَّمِيرِ أَمْرٌ تَفَرَّدَ بِهِ تَعَالَى لَا يَخْفَى أَنَّ الشَّرْعَ كَثِيرًا مَا يَدُورُ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى قَرِينَتِهِ وَأَمَارَاتِهِ وَالظَّنُّ كَافٍ فِي غَيْرِ الْبُرْهَانِيَّةِ الْيَقِينِيَّةِ وَقَدْ قِيلَ قَدْ تَكُونُ الْقَرِينَةُ قَطْعِيَّةً وَأَيْضًا قَدْ يُصَرِّحُ أَكْثَرُهُمْ بِعَدَمِ خُلُوصِهِمْ بَلْ بِغَرَضٍ فَاسِدٍ وَلَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ لَانْسَدَّ أَكْثَرُ أَبْوَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ (بَلْ هَذَا أَشَدُّ مِنْ كُلِّ تَغَنٍّ لِأَنَّهُ) أَيْ هَذَا التَّغَنِّي (مَعَ اعْتِقَادِ الْعِبَادَةِ) قِيلَ هُنَا فَتَأَمَّلْ لَعَلَّ وَجْهَ لُزُومِ الْكُفْرِ حِينَئِذٍ أُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَمَا يَجِبُ السُّكُوتُ بِلِسَانِك عَنْ مَسَاوِئِ أَخِيك يَجِبُ السُّكُوتُ بِقَلْبِك بِتَرْكِ سُوءِ الظَّنِّ وَفِي الْأَمَالِي احْذَرْ أَنْ تَحْمِلَ فِعْلَ أَخِيكَ عَلَى وَجْهٍ فَاسِدٍ مَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى وَجْهٍ حَسَنٍ وَأَمَّا عِنْدَ التَّيَقُّنِ فَعَلَيْكَ أَنْ تَحْمِلَهُ عَلَى سَهْوٍ وَنِسْيَانٍ مَا أَمْكَنَ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» انْتَهَى وَأَنْتَ عَرَفْت جَوَابَهُ آنِفًا وَأَنَّ مَحِلَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ (وَأَمَّا التَّغَنِّي وَحْدَهُ) لَا لِلنَّاسِ (بِالْأَشْعَارِ لِدَفْعِ الْوَحْشَةِ) قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إذَا كَانَ التَّغَنِّي لِاسْتِفَادَةِ نَظْمِ الْقَوَافِي وَصَيْرُورَةِ فَصَاحَةِ اللِّسَانِ لَا بَأْسَ وَإِذَا كَانَ وَحْدَهُ يَتَغَنَّى لِدَفْعِ الْوَحْشَةِ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَبِهِ أَخَذَ السَّرَخْسِيُّ وَإِنَّمَا الْمَكْرُوهُ مَا يَكُونُ لَهْوًا وَاسْتَدَلَّ هَذَا الْقَائِلُ بِحَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ زُهَّادِ الصَّحَابَةِ ثُمَّ كَانَ يَتَغَنَّى فِي مَرَضِهِ وَاسْتَبْعَدَ ذَلِكَ أَنَسٌ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ تَلَهِّيًا وَلَكِنْ لِدَفْعِ الْوَسْوَاسِ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَطْمَعُ لِلشَّهَادَةِ وَخَشِيَ أَنْ يَمُوتَ فِي مَرَضِهِ فَاسْتَوْحَشَ مِنْ ذَلِكَ وَجَعَلَ يَتَغَنَّى لِدَفْعِ الْوَحْشَةِ وَالْوَحْدَةِ عَنْ نَفْسِهِ فَعَرَفْت أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا بَأْسَ بِهِ وَعَنْ الْأَكْمَلِ لَوْ كَانَ غِنَاؤُهُ فِي نَفْسِهِ لِإِزَالَةِ وَحْشَةٍ لَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ (أَوْ فِي الْأَعْيَادِ وَالْعُرْسِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ)
стр. 830
وَعَنْ الذَّخِيرَةِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْأَعْيَادِ وَعَنْ الزَّيْلَعِيِّ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَجَازَ الْغِنَاءَ فِي الْعُرْسِ قَالَ فِي التتارخانية مَنْ يَقُولُ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْأَعْرَاسِ وَالْوَلِيمَةِ لَا يَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِضَرْبِ الدُّفُوفِ فِي الْأَعْرَاسِ وَالْوَلِيمَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ وَلَوْ بِالدُّفِّ» وَكَذَلِكَ التَّغَنِّي رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ يَوْمَ الْعِيدِ وَفِي دِهْلِيزِهِ جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَتُغَنِّيَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ ﵊ دَعْهُمَا فَإِنَّ هَذَا الْيَوْمَ عِيدٌ» انْتَهَى وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ «قَالَ دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا» .
وَفِي الْأَكْمَلِ فِي حَدِيثِ اتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ «يَا أَبَا بَكْرٍ إنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا» وَأَبَاحَ الْغِنَاءَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَحَرَّمَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ احْتَجَّ الْمُجَوِّزُونَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَالْمَانِعُونَ خَصُّوهُ بِالشُّجَاعَةِ وَالْقِتَالِ وَنَحْوِهِمَا وَالْكَلَامُ فِيهَا يَهِيجُ إلَى الشُّرُورِ وَالْبَطَالَةِ انْتَهَى ثُمَّ قِيلَ الِاخْتِلَافُ فِي الْأَعْيَادِ وَالْعُرْسِ مِنْ أَئِمَّتِنَا بَلْ هُوَ حَرَامٌ فِيهِمَا أَيْضًا عِنْدَنَا بِخِلَافِ التَّغَنِّي وَحْدَهُ لِدَفْعِ الْوَحْشَةِ فَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ مَشَايِخِنَا أَقُولُ قَدْ عَرَفْت مِمَّا نَقَلْنَا عَنْ مَشَايِخِنَا أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَمَا ذَكَرَهُ (وَالصَّوَابُ مَنْعُهُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ لِلنَّاسِ أَوْ لِدَفْعِ الْوَحْشَةِ أَوْ فِي الْأَعْيَادِ وَالْعُرْسِ (فِي هَذَا الزَّمَانِ) لِأَنَّهُ زَمَانُ فَسَادٍ وَفِسْقٍ لَعَلَّ هَذَا مِنْ الْمُصَنِّفِ فَيَرُدُّ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الرَّأْيِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الرَّأْيِ وَهُمْ الْمُجْتَهِدُونَ مُنْقَرِضُونَ فِي زَمَانِهِ وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْأَصْلَ الْكُلِّيَّ لَا يَسْقُطُ بِالْعَوَارِضِ وَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الصِّفَاتِ الْعَارِضَةِ هُوَ الْعَدَمُ وَإِنَّهُ مُؤَدٍّ إلَى سُوءِ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِينَ مَعَ كَوْنِهِ قِيَاسَ شَاهِدٍ عَلَى غَائِبٍ وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْفَاسِدَ لَا يَكُونُ مَقِيسًا عَلَيْهِ وَأَيْضًا إنْ عُلِمَ فَسَادُ أَهْلِ الزَّمَانِ بِالِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ فَلَيْسَ بِمَسْمُوعٍ وَإِنْ بِالنَّاقِصِ فَلَيْسَ بِمُفِيدٍ فَتَأَمَّلْ فِي أَكْثَرِ ذَلِكَ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ اخْتَارَ جَانِبَ الْمَنْعِ الْمُطْلَقِ مِنْ الْمَذَاهِبِ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ مَعَ الِاتِّفَاقِ وَهُوَ الْعَزِيمَةُ وَهُوَ طَرِيقُ الْوَرَعِ (وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا) التَّغَنِّيَ وَحْدَهُ (بِالْأَشْعَارِ لِأَنَّ التَّغَنِّيَ بِالْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ) الظَّاهِرُ سَوَاءٌ أُخِذَا مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ لَا (يَسْتَلْزِمُ اللَّحْنَ وَاللَّحْنُ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ) الظَّاهِرُ قَيْدٌ لِحُرْمَةِ اللَّحْنِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ حُرْمَةَ اللَّحْنِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَاللَّحْنُ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ وَفِي رِسَالَةِ الْمَوْلَى أَبِي السُّعُودِ وَقَدْ أَجَازَ هُوَ أَيْ السَّرَخْسِيُّ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ التَّغَنِّيَ وَاللَّحْنَ فِي الْأَذَانِ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغْلٍ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ يُرَجِّعُ وَقَالَ لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ حَوْلِي لَرَجَّعْت» وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ «الْأَلْحَانِ مَكَانَ التَّرْجِيعِ» وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ وَكَانَ يَقْرَأُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ بِالْأَلْحَانِ وَيُعْجِبُهُمَا ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَمَا وَرَدَ فِي جَوَازِ التَّغَنِّي وَاللَّحْنِ فِي الْقُرْآنِ وَارِدٌ فِي سَائِرِ الْأَذْكَارِ دَلَالَةً ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُ الْبَزَّازِيِّ وَاللَّحْنُ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ لَا يُعْتَدُّ بِهِ كَمَا لَا يُعْتَدُّ بِإِكْفَارِ مُسْتَحِلِّ الرَّقْصِ إلَخْ انْتَهَى مُلَخَّصًا فَدَعْوَى الِاتِّفَاقِ فِي حُرْمَةِ اللَّحْنِ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي وَلَوْ جُعِلَ قَوْلُهُ بِلَا خِلَافٍ قَيْدًا لِلِاسْتِلْزَامِ بِمَعْنَى إذَا تَغَنَّى فِي الْقُرْآنِ لَزِمَ اللَّحْنُ الْحَرَامَ إلَّا عَلَى أَنْ يَكُونَ هَذَا اللُّزُومُ بِلَا خِلَافٍ لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ وَجْهُ حُسْنٍ عَلَى أَنَّ فِي اسْتِلْزَامِ التَّغَنِّي لِلَّحْنِ خَفَاءٌ
[التَّغَنِّي بِمَعْنَى حُسْنِ الصَّوْتِ بِلَا لَحْنٍ وَلَا زِيَادَةٍ وَإِسْقَاطِ حَرْفٍ مِنْ الْقُرْآنُ]
(وَأَمَّا) (التَّغَنِّي بِمَعْنَى حُسْنِ الصَّوْتِ بِلَا لَحْنٍ) وَلَا زِيَادَةٍ وَإِسْقَاطِ حَرْفٍ (فَمَنْدُوبٌ إلَيْهِ رَزَّاقٌ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ» أَيْ الْهَجُوا بِقِرَاءَتِهِ وَاشْغَلُوا أَصْوَاتَكُمْ بِهِ وَاتَّخِذُوهُ شِعَارًا وَزِينَةً لِأَصْوَاتِكُمْ وَزِيدَ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ «فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يُزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا» وَفِي الْفَيْضِ وَفِي رِوَايَةٍ بِحُسْنِ الصَّوْتِ وَجُودَةِ الْأَدَاءِ بَعْثٌ لِلْقُلُوبِ لِاسْتِمَاعِهِ وَتَدَبُّرِهِ وَالْإِصْغَاءِ إلَيْهِ قَالَ التوربشتي هَذَا إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ التَّغَنِّي عَنْ التَّجْوِيدِ وَإِلَّا عَادَ الِاسْتِحْبَابُ كَرَاهَةً وَأَمَّا التَّكْلِيفُ بِأَوْزَانِ الْمُوسِيقَى فَمِنْ أَسْوَأِ الْبِدَعِ فَيَجِبُ عَلَى التَّالِي التَّعْزِيرُ وَعَلَى السَّامِعِ النَّكِيرُ قِيلَ فِيهِ: نُدِبَ سَمَاعُ حَسَنِ الصَّوْتِ (وَفِي رِوَايَةِ د س «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ
стр. 831
بِأَصْوَاتِكُمْ» يَعْنِي زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْخَشْيَةِ لِلَّهِ تَعَالَى حَالَ الْقِرَاءَةِ كَمَا «سُئِلَ مَنْ أَحْسَنُ صَوْتًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَنْ إذَا سَمِعْته رَأَيْت أَنَّهُ يَخْشَى اللَّهَ» وَقِيلَ فِيهِ حَثٌّ عَلَى تَرْتِيلِهِ وَرِعَايَةِ إعْرَابِهِ وَتَحْسِينِ الصَّوْتِ بِهِ وَتَنْبِيهٌ عَلَى تَرْكِ اللَّحْنِ وَالتَّصْحِيفِ فَإِنَّهُ أَوْقَعُ لِلْقَلْبِ وَأَشَدُّ تَأْثِيرًا وَأَرَقُّ (خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا أَذِنَ اللَّهُ» بِمَعْنَى اسْتَمَعَ وَتَقَرَّبَ فَإِنَّ مَعْنَى الْإِصْغَاءِ مُحَالٌ هُنَا فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ بِنَحْوِ إجْزَالِ الثَّوَابِ وَقَبُولِ الْقِرَاءَةِ وَالرِّضَا وَالْإِقْبَالِ بِالرَّأْفَةِ «لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» أَيْ يَجْهَرَ وَيُحْسِنَ صَوْتَهُ بِالْقِرَاءَةِ بِخُضُوعٍ وَخُشُوعٍ وَتَرْقِيقٍ وَتَحْسِينٍ يَعْنِي مَا رَضِيَ اللَّهُ مِنْ الْمَسْمُوعَاتِ شَيْئًا هُوَ أَرْضَى عِنْدَهُ وَلَا أَحَبُّ لَهُ مِنْ قَوْلِ نَبِيٍّ يَجْهَرُ وَيُحَسِّنُ صَوْتَهُ إلَخْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَكْثِيرَ الْأَلْحَانِ كَمَا يَفْعَلُهُ أَبْنَاءُ الزَّمَانِ إذْ الْقُلُوبُ اللَّاهِيَةُ وَالْأَفْئِدَةُ السَّاهِيَةُ تَتَزَيَّنُ لِلنَّاسِ وَلَا تَطْرُدُ الْخَنَّاسَ بَلْ تَزِيدُ فِي الْوَسْوَاسِ (وَفِي رِوَايَةٍ «لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» فَذَلِكَ شَأْنُ الْأَنْبِيَاءِ وَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا «لَمْ يَبْعَثْ اللَّهُ نَبِيًّا إلَّا حَسَنَ الْوَجْهِ حَسَنَ الصَّوْتِ وَكَانَ نَبِيُّكُمْ أَحْسَنَهُمْ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُمْ صَوْتًا» وَفِي الْقُشَيْرِيَّةِ كَانَ دَاوُد ﵊ يَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِهِ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ إذَا قَرَأَ الزَّبُورَ وَكَانَ يُحْمَلُ فِي مَجْلِسِهِ أَرْبَعُمِائَةِ جِنَازَةً مِمَّنْ قَدْ مَاتَ مِمَّنْ سَمِعُوا قِرَاءَتَهُ؛ وَلِذَا «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَقَدْ أُوتِيت مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد» ﵊ (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» خ عَنْهُ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (مَرْفُوعًا «لَيْسَ مِنَّا» أَيْ: الْعَامِلِينَ بِسُنَّتِنَا الْجَارِينَ عَلَى طَرِيقَتِنَا أَوْ مُسْتَحِقِّ شَفَاعَتِنَا «مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» لَمْ يُحْسِنْ صَوْتَهُ بِهِ لِأَنَّ التَّطْرِيبَ بِهِ أَوْقَعُ فِي النُّفُوسِ وَأَدْعَى لِلِاسْتِمَاعِ وَهُوَ كَالْحَلَاوَةِ الَّتِي تُجْعَلُ فِي الدَّوَاءِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُغَيِّرَ اللَّفْظَ وَلَا يُخِلَّ بِالنَّظْمِ وَلَا يُخْفِيَ حَرْفًا وَإِلَّا حَرُمَ إجْمَاعًا قَالَ ابْنُ مُلَيْكٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنَ الصَّوْتِ حَسَّنَهُ مَا اسْتَطَاعَ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ يَسْتَغْنِي رَدَّهُ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الِاسْتِغْنَاءَ لَقَالَ مَنْ لَمْ يَسْتَغْنِ وَعَنْ شَرْحِ الْآثَارِ لِلشَّيْخِ الْكَلَابَاذِيِّ إذَا أَصَابَ إنْسَانًا غَمٌّ أَوْ ضَاقَ صَدْرُهُ مِنْ أَمْرِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَتَسَلَّى وَيَتَفَرَّجَ رُبَّمَا تَغَنَّى وَهُوَ أَنْ يُنَغِّمَ وَيُرَجِّعَ صَوْتَهُ بِشَيْءٍ مِنْ نَحْوِ الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ وَالْمَنْظُومِ مِنْ الْكَلَامِ وَالْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَأَفَاضِلُ الْأَوْلِيَاءِ هُمُومُهُمْ الْمَعَادُ وَكَرْبُهُمْ الدِّينُ وَوَحْشُهُمْ مِمَّا دُونَ اللَّهِ وَضِيقُ صَدْرِهِمْ عَمَّا يَشْغَلُهُمْ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فَهَلْ لَا يَتَفَرَّجُونَ إلَّا بِذِكْرِ رَبِّهِمْ وَلَا يَتَسَلَّوْنَ مِنْ غُمُومِهِمْ وَهُمُومِهِمْ إلَّا بِمَوْلَاهُمْ فَيُرَجِّعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ مِنْ مَحْبُوبِهِمْ اللَّهِ تَعَالَى بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ بِخَشْيَةٍ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَرِقَّةٍ مِنْ أَفْئِدَتِهِمْ وَنِيرَانُ مَحَبَّتِهِ بَيْنَ ضُلُوعِهِمْ وَمَاءُ الِاشْتِيَاقِ يَجْرِي عَلَى خُدُودِهِمْ فَتَحْسُنُ لِذَلِكَ أَصْوَاتُهُمْ لِأَنَّ الصَّوْتَ بِالْقُرْآنِ هُوَ قِرَاءَتُهُ عَلَى خَشْيَةٍ مِنْ اللَّهِ (وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّغَنِّي فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمَعْنَى الْمَشْهُورُ مِنْهُ) أَيْ التَّغَنِّي وَهُوَ التَّرَنُّمُ وَالتَّنْغِيمُ مَعَ التَّحْرِيفِ وَالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ بَيْنَ أَهْلِ الْمُوسِيقَى فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ إثَارَةِ الشَّهَوَاتِ الْخَفِيَّةِ بِالْقُلُوبِ اللَّاهِيَةِ وَالْأَفْئِدَةِ السَّاهِيَةِ تَتَزَيَّنُ لِلنَّاسِ وَلَا تَطْرُدُ الْخَنَّاسَ وَتَزِيدُ فِي الْوَسْوَاسِ
стр. 832
بِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ الْأَوَّلُ أَنْ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّ (قَارِئَ الْقُرْآنِ مُثَابٌ مِنْ غَيْرِ تَحْسِينٍ مِنْهُ صَوْتَهُ) مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ (فَضْلًا عَنْ التَّغَنِّي) بِالْمَعْنَى غَيْرِ الْمَشْهُورِ (فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ الْوَعِيدَ) تَارِكُهُ وَقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ أَنَّ تَارِكَ التَّغَنِّي مُسْتَحِقٌّ لِلْوَعِيدِ (وَهَذَا الْوَجْهُ للتوربشتى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) شَارِحِ الْمَصَابِيحِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ اعْلَمْ أَنَّهُ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي حَدِيثِ لَيْسَ مِنَّا آنِفًا الْمُرَادُ مِنْ التَّغَنِّي تَحْسِينُ الصَّوْتِ كَمَا مَرَّ ثُمَّ قَالَ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ يَسْتَغْنِي رَدَّهُ الشَّافِعِيُّ كَمَا سَبَقَ ثُمَّ قَالَ نَعَمْ اعْتَرَضَ التوربشتي عَلَى الْأَوَّلِ بَعْدَمَا رَجَّحَ مَعْنَى الِاسْتِغْنَاءِ بِأَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ مِنَّا وَعِيدٌ وَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ قَارِئَ الْقُرْآنِ يُثَابُ مِنْ غَيْرِ تَحْسِينِ صَوْتِهِ فَكَيْفَ يُجْعَلُ مُسْتَحِقًّا لِلْوَعِيدِ وَهُوَ مَأْجُورٌ لَعَلَّ حَاصِلَهُ أَنَّ التَّغَنِّيَ فِي الْحَدِيثِ إمَّا بِمَعْنَى تَحْسِينِ الصَّوْتِ أَوْ بِمَعْنَى الِاسْتِغْنَاءِ لَكِنَّ الْمُقَدَّمَ بَاطِلٌ أَيْ لَيْسَ التَّغَنِّي تَحْسِينَ الصَّوْتِ فَالتَّالِي أَنَّ كَوْنَهُ بِمَعْنَى الِاسْتِغْنَاءِ حَقٌّ أَمَّا بَيَانُ الْمُقَدِّمَةِ الِاسْتِثْنَائِيَّة أَنَّ التَّغَنِّيَ فِي الْحَدِيثِ تَرْكُهُ مُوجِبٌ لِلْوَعِيدِ وَحُسْنَ الصَّوْتِ لَيْسَ تَرْكُهُ مُوجِبًا لِلْوَعِيدِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى الثَّوَابِ بِلَا تَحْسِينِ صَوْتٍ إذَا عَرَفْت هَذَا فَقَوْلُ التوربشتي عَلَى الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ فَقَطْ وَمَطْلُوبُ الْمُصَنِّفِ جَمِيعُ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ يَعْنِي الْمَطْلُوبُ عَدَمُ كَوْنِ التَّغَنِّي فِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ بِالْمَعْنَى الْمَشْهُورِ وَاللَّازِمُ مِنْ التوربشتي هُوَ فِي بَعْضِهَا فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ وَأَيْضًا التَّغَنِّي الْمَنْفِيُّ فِي مَطْلُوبِ الْمُصَنِّفِ بِمَعْنَى التَّرَنُّمِ كَمَا أُشِيرَ لَهُ وَالتَّغَنِّي فِي التوربشتي بِمَعْنَى الصَّوْتِ الْحَسَنِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَرَنُّمٌ فَلَا تَقْرِيبَ وَأَيْضًا قَوْلُهُ فَضْلًا عَنْ التَّغَنِّي مَعَ عَدَمِ كَوْنِهِ مَوْجُودًا فِي كَلَامِ التوربشتي لَيْسَ لَهُ مَحْصُولٌ بَلْ اخْتِلَالٌ وَأَيْضًا فِي كَلَامِهِ بَحْثٌ تَأَمَّلْ تَنَلْ (وَالثَّانِي أَنَّهُ يُعَارِضُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إرَادَةِ الْمَشْهُورِ فِي الْأَحَادِيثِ (مَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ) فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ لَعَلَّهُ غَيْرُ التِّرْمِذِيِّ الْمُحَدِّثِ الْمَشْهُورِ لِتَغْيِيرِهِ الْأُسْلُوبَ (عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِلُحُونِ الْعَرَبِ» أَيْ نَظْمِهَا «وَأَصْوَاتِهَا» أَيْ تَرَنُّمَاتِهَا الْحَسَنَةِ الَّتِي لَا يَخْتَلُّ مَعَهَا شَيْءٌ مِنْ الْحُرُوفِ عَنْ مَخْرَجِهِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ حُسْنِ النَّظْمِ يُورِثُ نَشَاطًا لِلْقَارِئِ فَإِذَا قَرَأَ بِالْأَلْحَانِ الْمَذْكُورَةِ تَضَاعَفَ فِيهِ النَّشَاطُ وَالِانْبِسَاطُ وَحَنَّتْ إلَيْهِ الْقُلُوبُ الْقَاسِيَةُ وَكُشِفَتْ عَنْ الْبَصَائِرِ الْغَشَاوَةُ الْغَاشِيَةُ اعْلَمْ أَنَّ اللَّحْنَ قَدْ يَكُونُ بِتَحْرِيفِ الْكَلِمَاتِ بِزِيَادَةِ حَرْفٍ سَوَاءٌ كَانَ حَرْفَ مَدٍّ أَوْ غَيْرَهُ أَوْ بِنَقْصٍ وَقَدْ يَكُونُ بِتَغْيِيرِ صِفَاتِ حُرُوفِهَا بِأَنْ يُنْقِصَ أَوْ يَزِيدَ شَيْئًا مِنْ كَيْفِيَّاتِ الْحُرُوفِ كَالْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَالْمَدَّاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْإِدْغَامِ وَالْإِخْفَاءِ وَإِشْبَاعِ الْحَرَكَاتِ وَتَوْفِيرِ الْغُنَّاتِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَطُولُ تَعْدَادُهَا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي كُتُبِ التَّوْحِيدِ كَمَا فُهِمَ مِنْ كَلَامِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ اللَّحْنُ بِمَعْنَى التَّغَنِّي وَبِمَعْنَى مُجَرَّدِ حُسْنِ الصَّوْتِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرِ شَيْءٍ وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي الْحَدِيثِ وَتَفْصِيلُ لُحُونِ الْعَرَبِ الْأَصْوَاتُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي هِيَ مَدُّ الْمَمْدُودِ وَقَصْرُ الْمَقْصُورِ وَتَرْقِيقُ الْمُرَقَّقِ وَتَفْخِيمُ الْمُفَخَّمِ وَإِدْغَامُ الْمُدْغَمِ وَإِظْهَارُ الْمُظْهَرِ وَغَيْرُ ذَلِكَ «وَإِيَّاكُمْ وَلُحُونَ أَهْلِ الْفِسْقِ» مِنْ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُخْرِجُونَ الْقُرْآنَ عَنْ مَوْضِعِهِ بِالتَّمْطِيطِ بِحَيْثُ يُزَادُ حَرْفٌ وَيُنْقَصُ حَرْفٌ فَإِنَّهُ حَرَامٌ إجْمَاعًا كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ كَذَا فِي الْفَيْضِ فَتَأَمَّلْ
стр. 833
«وَلُحُونِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ» الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى «فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ بَعْدِي قَوْمٌ يُرَجِّعُونَ» بِالتَّشْدِيدِ أَيْ يُرَدِّدُونَ «الْقُرْآنَ» يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِقِرَاءَتِهِ مَرَّةً وَيَخْفِضُونَ أُخْرَى وَمِنْهُ تَرْجِيعُ الْأَذَانِ إذْ هُوَ تَفَاوُتُ ضُرُوبِ الْحَرَكَاتِ فِي الصَّوْتِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ «تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ» أَيْ أَهْلِ الْغِنَاءِ «وَالرَّهْبَانِيَّةِ» وَهُمْ النَّصَارَى «وَ» أَهْلُ «النَّوْحِ لَا يُجَاوِزُ» مَعْنَاهُ وَحُكْمُهُ «حَنَاجِرَهُمْ» جَمْعُ حَنْجَرَةٍ وَهِيَ الْحُلْقُومُ مَجْرَى النَّفَسِ «مَفْتُونَةٌ قُلُوبُهُمْ» بِأَنْوَاعِ الْفِتَنِ نَحْوُ مَحَبَّةِ الشُّبَّانِ وَالنِّسَاءِ «وَقُلُوبُ مَنْ يُعْجِبُهُمْ شَأْنُهُمْ» أَيْ حَالُهُمْ الْقَبِيحَةُ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُهُمْ وَفِي الْبُخَارِيِّ «إنَّ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ سُورَةَ الْفَتْحِ فَرَجَّعَ فِيهَا» وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ التَّلْحِينِ الْمَذْمُومِ وَتَحْسِينِ الصَّوْتِ الْمَطْلُوبِ وَأَنَّ الْمَذْمُومَ هُوَ إخْرَاجُ الْحَرْفِ عَمَّا يَجُوزُ لَهُ فِي الْأَدَاءِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الْجُمْهُورِ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْهُ فِي الْقِرَاءَةِ فَمَنَعَهُ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ مَا اسْمُك قَالَ مُحَمَّدٌ قَالَ أَيُعْجِبُك أَنْ يُقَالَ لَك يَا مُوحَامَدُ كَذَا فِي الْفَيْضِ فَإِنْ قِيلَ لَيْسَ تَأْوِيلُ التَّغَنِّي فِي الْأَحَادِيثِ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ قُلْنَا بَلْ هُوَ الْأَوْلَى لِأَنَّ الْحَظْرَ يَرْجِعُ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَإِنَّ أَقْوَالَ الْأَئِمَّةِ فِي جَانِبِهِ تَأَمَّلْ ثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى تَخْرِيجِ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ وَالْبَيْهَقِيُّ قَالَ شَارِحُهُ عَنْ ابْنِ الْجَوْزِيِّ لَا يَصِحُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ رِجَالِهِ مَجْهُولٌ وَبِوَاقِيهِ مِنْ الضُّعَفَاءِ وَالتَّدْلِيسِ وَعَنْ الْمِيزَانِ لَيْسَ بِمُعْتَمَدٍ وَمُنْكَرٌ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ السَّابِقُ فَمِنْ تَخْرِيجِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَمِنْ مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَابْنِ حِبَّانَ وَالْحَاكِمِ وَالْكُلُّ عَلَى رِوَايَةِ سَعْدٍ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِطَعْنِهِ كَمَا فِي الْفَيْضِ فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ وَأَمَّا تَرْجِيحُ الْحَظْرِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ عِلَّتِهِ فَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ ثُبُوتِ الصِّحَّةِ وَسَلَامَةِ السَّنَدِ فَافْهَمْ (وَ) يُعَارِضُ (مَا خَرَّجَهُ بِرّ) ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَنْبَسٍ) قِيلَ لَيْسَ بِصَحَابِيٍّ (وَسَيَجِيءُ فِي دُعَاءِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ) وَفِيهِ نَشْءٌ يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ يُقَدِّمُونَ الرَّجُلَ لِيُغْنِيَهُمْ بِالْقُرْآنِ وَإِنْ أَقَلَّهُمْ فِقْهًا قَالَ فِي الْفَيْضِ فِيهِ عُثْمَانُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يُعَارِضُ الْأَوَّلَ أَيْضًا فَلَعَلَّ التَّعْوِيلَ عَلَى أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ فَكَانَ التَّرْتِيبُ عَلَى صَنْعَةِ التَّرَقِّي (وَالثَّالِثُ أَنَّ الْفُقَهَاءَ صَرَّحُوا بِكَوْنِ التَّالِي بِالتَّغَنِّي وَالسَّامِعِ لَهُ آثِمِينَ) فِي التَّغَنِّي لِفِعْلِ الْأَوَّلِ وَرِضَا الثَّانِي (قَالَ الْبَزَّازِيُّ ﵀ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ مَعْصِيَةٌ وَالتَّالِي وَالسَّامِعُ آثِمَانِ وَكَذَا فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى وَقَالَ الْبَزَّازِيُّ أَيْضًا اللَّحْنُ فِيهِ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُدَّعَى هُوَ التَّغَنِّي وَالْمَذْكُورُ فِي الدَّلِيلِ اللَّحْنُ وَدَعْوَى اتِّحَادِهِمَا لَيْسَ بِمَسْمُوعٍ كَمَا سَبَقَ وَدَعْوَى أَنَّ الْإِرَادَةَ مِنْ اللَّحْنِ التَّغَنِّي قَرِيبٌ إلَى التَّحَكُّمِ وَقَدْ قَالَ فِي التَّلْوِيحِ لَا حُجَّةَ مَعَ الِاحْتِمَالِ وَقَدْ سَمِعْت عَنْ أَبِي السُّعُودِ أَنَّ قَوْلَ الْبَزَّازِيِّ وَاللَّحْنُ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِوُجُودِ الْمُخَالِفِ (وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ لَا يَحِلُّ التَّرْجِيعُ) أَيْ الْإِخْلَالُ بِحَقِّ الْحَرْفِ مُطْلَقًا كَمَا مَرَّ (فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَلَا التَّطْرِيبُ فِيهِ وَلَا يَحِلُّ الِاسْتِمَاعُ إلَيْهِ لِأَنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِفِعْلِ الْفَسَقَةِ فِي حَالِ فِسْقِهِمْ وَهُوَ التَّغَنِّي) ظَاهِرُهُ أَنَّ التَّرْجِيعَ وَالتَّطْرِيبَ لَيْسَ نَفْسَ التَّغَنِّي بَلْ شُبِّهَ بِهِ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ نَفْسُ التَّغَنِّي فَالْمَقْصُودُ أَنَّ التَّغَنِّيَ بِالْقُرْآنِ لَيْسَ بِحَلَالٍ
стр. 834
لِشَبَهِهِ بِتَغَنِّي الْفَسَقَةِ ثُمَّ الْمَذْكُورُ فِي الْفَتَاوَى أَنَّ الْمُتُونَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الشُّرُوحِ وَالشُّرُوحَ عَلَى الْفَتَاوَى فِي الْوَثَائِقِ فَالْأَوْلَى عَكْسُ التَّرْتِيبِ عَلَى أَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى الْمَقْصُودِ أَوْضَحُ مِمَّا فِيهِ قَبْلَهُ وَقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَقَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة التَّغَنِّي بِالْقُرْآنِ وَالْأَلْحَانُ إنْ لَمْ يُغَيِّرْ الْكَلِمَةَ عَنْ مَوْضِعِهَا بَلْ يُحَسِّنُهُ) وَهُوَ التَّغَنِّي الْمَمْدُوحُ الْمُتَقَدِّمُ (تَحْسِينُ الصَّوْتِ وَتَزْيِينُ الْقِرَاءَةِ فَذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَنَا فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا) كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ فِي الْإِتْقَانِ يُسَنُّ تَحْسِينُ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ وَتَرْتِيبُهَا لِحَدِيثِ «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» وَفِي رِوَايَةٍ «حَسِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يَزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا وَحَدِيثِ «حُسْنُ الصَّوْتِ زِينَةٌ» وَفِيهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ كَثِيرَةٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنَ الصَّوْتِ حَسَّنَهُ مَا اسْتَطَاعَ بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ إلَى حَدِّ التَّمْطِيطِ (وَإِنْ كَانَ يُغَيِّرُ الْكَلِمَةَ) وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ النَّقْلِ (عَنْ مَوْضِعِهَا يُوجِبُ فَسَادَ الصَّلَاةِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) لَعَلَّ الْمُرَادَ فَسَادُ كَمَالِ الصَّلَاةِ أَوْ الْمُرَادُ مِنْ تَغْيِيرِ الْكَلِمَةِ التَّغْيِيرُ الْفَاحِشُ الْمُؤَدِّي إلَى الْفَسَادِ عَلَى مَا ذَكَرُوا وَإِلَّا فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ تَغْيِيرٍ مُفْسِدًا (وَقَالَ التوربشتي الْقِرَاءَةُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُهِيجُ) مِنْ التَّهْيِيجِ أَيْ التَّحْرِيكِ (الْوَجْدَ فِي قُلُوبِ السَّامِعِينَ وَيُورِثُ الْحُزْنَ وَيَجْلِبُ الدَّمْعَ مُسْتَحَبَّةٌ مَا لَمْ يُخْرِجْهُ التَّغَنِّي عَنْ التَّجْوِيدِ وَلَمْ يَصْرِفْهُ عَنْ مُرَاعَاةِ النَّظْمِ فِي الْكَلِمَاتِ وَالْحُرُوفِ) بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ (فَإِذَا انْتَهَى إلَى ذَلِكَ وَعَادَ الِاسْتِحْبَابُ فِيهِ كَرَاهَةً) أَيْ تَحْرِيمِيَّةً (وَأَمَّا الَّذِي أَحْدَثَهُ الْمُتَكَلِّفُونَ) فِي تَرْوِيجِ التَّغَنِّي (وَأَبْدَعَهُ الْمُرْتَهِنُونَ) الْمُرْتَكِبُونَ (بِمَعْرِفَةِ الْأَوْزَانِ وَعِلْمِ الْمُوسِيقَى) عِلْمٌ يُعْرَفُ بِهِ الْأَنْغَامُ وَأَقْسَامُهَا وَشُعَبُهَا (فَيَأْخُذُونَ فِي كَلَامِ اللَّهِ مَأْخَذَهُمْ) أَيْ كَأَخْذِهِمْ وَمَشْرُوعِهِمْ (فِي النَّشِيدِ) ضَرْبٌ مِنْ الشِّعْرِ (وَالْغَزَلِ) مَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّسَاءِ مِنْ الْأَبْيَاتِ (وَالْمَثْنَوِيَّاتِ) مَا يَكُونُ مَثْنَى مَثْنَى (حَتَّى لَا يَكَادَ السَّامِعُ يَفْهَمُهُ مِنْ كَثْرَةِ النَّغَمَاتِ وَالتَّقْطِيعَاتِ) بِاعْتِبَارِ مِيزَانِ الْأَوْزَانِ (فَإِنَّهُ مِنْ أَشْنَعِ الْبِدَعِ) كَذَا نُقِلَ عَنْ أَكْمَلِ الْمَشَارِقِ (وَأَسْوَأِ الْأَحْدَاثِ فِي الْإِسْلَامِ) لِأَنَّهُ تَحْرِيفٌ وَتَبْدِيلٌ فِي كَلِمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى (وَنَرَى أَدْنَى الْأَقْوَالِ وَأَهْوَنَ الْأَحْوَالِ فِيهِ أَنْ نُوجِبَ عَلَى السَّامِعِ النَّكِيرَ) مِنْ الْإِنْكَارِ (وَعَلَى التَّالِيَ التَّعْزِيرَ) لِأَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ لَمْ يَتَقَدَّرْ فِيهَا حَدٌّ فَفِيهَا التَّعْزِيرُ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَالْحُكَّامِ إقَامَتُهُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى انْدِرَاسِ الْمَعَانِي بِفَسَادِ الْمَبَانِي وَإِلَى ذَهَابِ الْأَحْكَامِ وَالْتِبَاسِ الشَّرِيعَةِ عَلَى أُولِي الْأَفْهَامِ قِيلَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ شَرَعَ فِي أَقْوَالِ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالَ (وَقَالَ النَّوَوِيُّ) أَقُولُ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ إنَّ التُّورْبَشْتِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا مَرَّ وَالنَّوَوِيُّ رَجُلٌ عَظِيمٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ أَبِي يُوسُفَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ قِيلَ لَهُ يَدٌ طُولَى فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ حَتَّى قِيلَ إنَّهُ رَأَى الشَّافِعِيَّ فِي الْمَنَامِ وَهُوَ يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى جَعْلِهِ فِي مَذْهَبِهِ وَيَفْتَخِرُ بِهِ
стр. 835
[الْقِرَاءَةُ بِالْأَلْحَانِ الْمَوْضُوعَةِ الْمُحْدَثَةِ الْمُوَافِقَةِ لِعِلْمِ الْمُوسِيقَى]
(قَالَ قَاضِي الْقُضَاةِ) هُوَ الْإِمَامُ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ (فِي كِتَابِ الْحَاوِي الْقِرَاءَةُ بِالْأَلْحَانِ الْمَوْضُوعَةِ) الْمُحْدَثَةِ الْمُوَافِقَةِ لِعِلْمِ الْمُوسِيقَى احْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْأَلْحَانِ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَلْحَانُ الْعَرَبِ (إنْ أَخْرَجَتْ لَفْظَ الْقُرْآنِ عَنْ صِيغَتِهِ) الَّتِي يَجِبُ أَدَاؤُهُ بِهَا (بِإِدْخَالِ حَرَكَاتٍ فِيهِ أَوْ إخْرَاجِ حَرَكَاتٍ مِنْهُ أَوْ قَصْرِ مَمْدُودٍ أَوْ مَدِّ مَقْصُورٍ أَوْ تَمْطِيطٍ) أَيْ تَطْوِيلٍ (يَخْفَى بِهِ اللَّفْظُ) الْقُرْآنِيُّ (وَيَلْتَبِسُ بِهِ الْمَعْنَى) الْفُرْقَانِيُّ وَعَنْ عَلِيٍّ الْقَارِي فِي شَرْحِ ابْنِ الْجَزَرِيِّ يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعِيَ جَمِيعَ قَوَاعِدِ التَّجْوِيدِ وُجُوبًا فِيمَا يُغَيِّرُ الْمَبْنَى وَيُفْسِدُ الْمَعْنَى وَاسْتِحْبَابًا فِيمَا يَحْسُنُ بِهِ اللَّفْظُ وَيُسْتَحْسَنُ بِهِ النُّطْقُ حَالَ الْأَدَاءِ وَإِنَّمَا قُلْنَا بِالِاسْتِحْبَابِ فِي هَذَا النَّوْعِ لِأَنَّ اللَّحْنَ الْخَفِيَّ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا مَهَرَةُ الْقُرَّاءِ مِنْ تَكْرِيرِ الرَّاءَاتِ وَتَطْنِينِ النُّونَاتِ وَتَغْلِيظِ اللَّامَّاتِ مِنْ غَيْرِ مَحِلِّهَا وَتَرْقِيقِ الرَّاءَاتِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ فَرْضَ عَيْنٍ يَتَرَتَّبُ الْعِقَابُ عَلَى فَاعِلِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ حَرَجٍ عَظِيمٍ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ أَيْضًا اللَّحْنُ جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ فَالْجَلِيُّ خَطَأٌ يَعْرِضُ لِلَّفْظِ وَيُخِلُّ بِالْمَعْنَى وَالْإِعْرَابِ كَرَفْعِ الْمَجْرُورِ وَنَصْبِهِ وَنَحْوِهِمَا سَوَاءٌ تَغَيَّرَ الْمَعْنَى بِهِ أَمْ لَا وَالْخَفِيُّ خَطَأٌ يُخِلُّ بِالْعُرْفِ كَتَرْكِ الْإِخْفَاءِ وَالْقَلْبِ وَالْإِظْهَارِ وَالْإِدْغَامِ وَالْغُنَّةِ وَكَتَرْقِيقِ الْمُفَخَّمِ وَعَكْسِهِ وَمَدِّ الْمَقْصُورِ وَقَصْرِ الْمَمْدُودِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِمَّا لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ لَيْسَ فِيهِ الْعِقَابُ وَإِنَّمَا فِيهِ خَوْفُ الْعِقَابِ (فَهُوَ حَرَامٌ يَفْسُقُ بِهِ الْقَارِئُ وَيَأْثَمُ بِهِ الْمُسْتَمِعُ لِأَنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنْ نَهْجِهِ الْقَوِيمِ إلَى الِاعْوِجَاجِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا) أَيْ عَدَمُ إرَادَةِ الْمَشْهُورِ مِنْ التَّغَنِّي فِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ بِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ لَا يَخْفَى أَنَّك عَرَفْتَ عَدَمَ تَعَارُضِ الْأَحَادِيثِ لِكَوْنِ بَعْضِهَا صَحِيحًا وَبَعْضِهَا ضَعِيفًا وَشَرْطُ التَّعَارُضِ هُوَ التَّسَاوِي وَأَمَّا أَقْوَالُ الْفُقَهَاءِ فَقَدْ عَرَفْت أَخْتِلَافَهُمْ فِيهِ فَالنَّفْيُ عَلَى إطْلَاقِهِ لَيْسَ بِحَسَنٍ عَلَى قَوَانِينِ الْمُنَاظَرَةِ (فَالْمُرَادُ بِالتَّغَنِّي فِي حَدِيثِ الْوَعِيدِ) كَحَدِيثِ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ (أَمَّا الْجَهْرُ وَالْإِعْلَانُ وَالْإِفْصَاحُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ) لَعَلَّهُ قَيْدٌ لِلْجَمِيعِ لَا لِلْأَخِيرِ فَقَطْ أَمَّا الْأَوَّلُ فَعِنْدَنَا يَجِبُ الْجَهْرُ كَالْإِمَامِ فِي الْجَهْرِيَّةِ وَعِنْدَ إيقَاظِ غَافِلٍ وَتَنْبِيهِ نَائِمٍ قَالَ فِي الْإِتْقَانِ عَنْ بَعْضٍ يُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِبَعْضِ الْقِرَاءَةِ وَالْإِسْرَارُ بِبَعْضِهَا لِأَنَّ الْمُسِرَّ قَدْ يَمَلُّ فَيَأْنَسُ بِالْجَهْرِ وَالْجَاهِرُ قَدْ يَكِلُّ فَيَسْتَرِيحُ بِالْإِسْرَارِ (وَيُؤَيِّدُهُ وُقُوعُهُ) أَيْ يَجْهَرُ بِهِ (مَوْقِعَ التَّفْسِيرِ لِلتَّغَنِّي فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ) وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ مَا أَذِنَ اللَّهُ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ هَذَا عِنْدَ كَوْنِ قَوْلِهِ يَجْهَرُ بِهِ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ يَتَغَنَّى وَهُوَ لَيْسَ بِمَجْزُومٍ بَلْ يَجُوزُ كَوْنُهُ حَالًا فَافْهَمْ نَعَمْ الْأَحَادِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا كَالنُّصُوصِ
[الِاسْتِغْنَاءُ بِالْقُرْآنِ عَنْ الْأَشْعَارِ وَأَحَادِيثِ النَّاسِ]
(وَأَمَّا الِاسْتِغْنَاءُ بِالْقُرْآنِ عَنْ الْأَشْعَارِ وَأَحَادِيثِ النَّاسِ) فَيَكُونُ مِنْ الْغِنَى ضِدِّ الْفَقْرِ لَا مِنْ الْغِنَاءِ الْمَمْدُودِ وَالْمَعْنَى لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِالْقُرْآنِ عَنْ الْأَبْيَاتِ وَالْأَشْعَارِ وَأَحَادِيثِ النَّاسِ مِنْ
стр. 836
الْمُهْمَلَاتِ لَكِنْ يَرُدُّ هَذَا التَّأْوِيلَ مَا فِي الْفَيْضِ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالْمَدِّ لَا بِالْقَصْرِ (وَقَدْ وَرَدَ التَّغَنِّي بِهَذَا الْمَعْنَى) أَيْ الِاسْتِغْنَاءِ فَيَكُونُ تَفَعَّلَ بِمَعْنَى اسْتَفْعَلَ لَكِنَّهُ قِيلَ بِقِلَّتِهِ عَنْ الْمِصْبَاحِ وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ مَعْنَى مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ مَنْ لَمْ يَسْتَغْنِ بِالْقُرْآنِ وَعَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يُقَالُ تَغَنَّيْت تَغَنِّيًا بِمَعْنَى اسْتَغْنَيْت لَكِنْ سَمِعْت رَدَّ الشَّافِعِيُّ إيَّاهُ (أَوْ) الْمُرَادُ بِالتَّغَنِّي (التَّجْوِيدُ) أَدَاءُ الْحُرُوفِ حَقَّهَا (وَالتَّرْتِيلُ) بِالْإِفْصَاحِ بِالْحُرُوفِ وَقِيلَ التَّجْوِيدُ عَدَمُ اللَّحْنِ الْجَلِيِّ وَالتَّرْتِيلُ عَدَمُ اللَّحْنِ الْخَفِيِّ (فَإِنَّهُ) كُلًّا مِنْ التَّجْوِيدِ وَالتَّرْتِيلِ (زَيْنُ الْقُرْآنِ لَا سِيَّمَا) فِي مُغْنِي اللَّبِيبِ وَلَا سِيَّمَا بِالْوَاوِ وَاجِبٌ وَعَنْ ثَعْلَبٍ تَرْكُ الْوَاوِ خَطَأٌ وَعَنْ غَيْرِهِ جَائِزٌ (مَعَ حُسْنِ الصَّوْتِ) وَلَوْ بِتَكَلُّفٍ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِالْأَلْحَانِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُغَيِّرَ اللَّفْظَ وَلَا يُخِلَّ بِنَظْمِ الْكَلَامِ (وَأَمَّا) التَّغَنِّي (فِي حَدِيثِ مَا أَذِنَ إلَى آخِرِهِ فَأَحَدُ هَذِهِ الْوُجُوهِ) الثَّلَاثَةِ مِنْ الْجَهْرِ وَالِاسْتِغْنَاءِ وَالتَّجْوِيدِ أَقُولُ رِوَايَةُ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ يَجْهَرُ بِهِ تَعَيَّنَ أَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ التَّغَنِّي إذْ بَعْضُ الرِّوَايَةِ يُفَسِّرُ آخَرَ (مَعَ زِيَادَةِ تَحْسِينِ الصَّوْتِ) لَعَلَّ لِذَلِكَ قَالَ (بَلْ هُوَ أَوْلَى الْوُجُوهِ فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ (عَلَى رِوَايَةِ حُسْنِ الصَّوْتِ) بَلْ الِاحْتِمَالُ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ لَا غَيْرُ قَالَ فِي مُغْنِي اللَّبِيبِ إنْ عَلِمَ رُجْحَانَ بَعْضِ الِاحْتِمَالِ لَا يَسْوِ غَيْرُهُ وَلَوْ لِتَشْحِيذِ الذِّهْنِ فِي الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ لِوُجُوبِ حَمْلِهَا عَلَى أَصَحِّ الِاحْتِمَالَاتِ وَأَقْوَى الْوُجُوهِ وَفِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ عَنْ بَعْضِ الشُّرَّاحِ إيرَادٌ عَلَى احْتِمَالِ الِاسْتِغْنَاءِ بِأَنَّ الِاسْتِغْنَاءَ بِهِ عَنْ النَّاسِ وَتَكَلُّمُهُمْ يُفْضِي إلَى مَفَاسِدَ مِنْ تَضْيِيعِ الْقَارِئِ وَفَوْتِ التَّبْلِيغِ عَلَى أَنَّ مَجِيءَ تَفَعَّلَ بِمَعْنَى اسْتَفْعَلَ قَلِيلٌ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ مَعَ مَحْمَلٍ آخَرَ صَحِيحٍ ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ اسْتِغْنَاءَهُ بِكَوْنِ وَقْتِ قِرَاءَتِهِ إذْ لَا دَلِيلَ فِي اللَّفْظِ عَلَى اسْتِغْرَاقِ اسْتِغْنَائِهِ جَمِيعَ الْأَوْقَاتِ فَلَا مَفَاسِدَ مَعَ أَنَّ قِلَّةَ الِاسْتِعْمَالِ لَا تَمْنَعُ احْتِمَالَ الْإِرَادَةِ أَقُولُ لَا يُلَائِمُهُ قَوْلُهُ مَعَ عَمَلٍ آخَرَ صَحِيحٍ وَقَدْ قَالُوا الْمُفْرَدُ يُلْحَقُ بِالْأَعَمِّ وَالْأَغْلَبِ وَقَدْ قِيلَ عَنْ الْكِفَايَةِ الْعِبْرَةُ لِلْغَالِبِ الشَّائِعِ لَا لِلنَّادِرِ وَقَدْ عَلِمْت آنِفًا الْمَقْبُولَ مِنْ مُغْنِي اللَّبِيبِ فَافْهَمْ (وَهَذِهِ الْوُجُوهُ ذَكَرَهَا الْإِمَامُ التوربشتي وَ) الشَّيْخُ أَكْمَلُ الدِّينِ (فِي شَرْحِ) الْمَشَارِقِ وَفِي شَرْحِ (هَذِهِ الْأَحَادِيثِ) أَيْ جِنْسِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَوْ بَعْضِهَا أَوْ الْإِشَارَةِ إلَى بَعْضِ الْأَحَادِيثِ فَتَأَمَّلْ قَوْلَ التوربشتي مِنْ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا مَرَّ فَالْأَوْلَى عَكْسُ التَّرْتِيبِ لِأَنَّ الْأَكْمَلَ مِنْ أَعْيَانِ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ الْمُقَدَّمِ قَوْلُهُ عَلَى الْفَتَاوَى (وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ) وَاعْلَمْ أَنَّك بَعْدَ مَا سَمِعْت الْأَقْوَالَ فِي حَقِّ التَّغَنِّي فَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ
стр. 837
فِي شَمَائِلِ التِّرْمِذِيِّ بِتَرْجِيعِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقِرَاءَةِ إنَّا فَتَحْنَا لَك قَالَ شَارِحُهُ ابْنُ حَجَرٍ الْمَرْوِيُّ عَنْ صِفَةِ تَرْجِيعِهِ مَدُّ الصَّوْتِ فِي الْقِرَاءَةِ آآ آثُمَّ قَالَ وَالْحَقُّ فِي تَغَنِّي الْقِرَاءَةِ أَنَّ طَبِيعَتَهُ بِلَا تَكَلُّفٍ فَمَحْمُودٌ وَإِلَّا فَمَكْرُوهٌ وَمِثْلُهُ أَيْضًا فِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ حَيْثُ قَالَ مَا حَاصِلُهُ إنْ سَمَحَتْ الطَّبِيعَةُ بِالْغِنَاءِ بِلَا تَعَلُّمٍ وَلَا تَكَلُّفٍ فَجَائِزٌ وَإِنْ بِاكْتِسَابٍ وَتَصَنُّعٍ فَمَكْرُوهٌ قَالَ حَفِيدُ السَّعْدِ فِي مَجْمُوعَةِ الْعُلُومِ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة لِأَنَّ التَّغَنِّيَ وَاسْتِمَاعَ الْغِنَاءِ حَرَامٌ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ وَبَالَغُوا فِيهِ وَعَنْ الْمُسْتَصْفَى شَرْحِ النَّافِعِ التَّغَنِّي حَرَامٌ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ وَعَنْ الزِّيَادَاتِ مِنْ الْوَصِيَّةِ الَّتِي هِيَ مَعْصِيَةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ الْوَصِيَّةُ لِلْغِنَاءِ وَعَنْ الْمَرْغِينَانِيِّ مَنْ قَالَ لِمُقْرِئِ زَمَانِنَا أَحْسَنْت يَكْفُرُ وَعَنْ جَامِعِ الْمَحْبُوبِيِّ مُجَرَّدُ الْغِنَاءِ وَالِاسْتِمَاعِ إلَيْهِ مَعْصِيَةٌ وَعَنْ الشِّرْعَةِ صَوْتُ أَهْلِ الْفِسْقِ وَالْغِنَاءُ فِتْنَةٌ وَالتَّرْجِيعُ بِالْقُرْآنِ قِيلَ لَا بَأْسَ وَالْأَكْثَرُ مَكْرُوهٌ وَقِيلَ التَّغَنِّي لِنَفْسِهِ جَائِزٌ وَلِغَيْرِهِ مَكْرُوهٌ إلَّا فِي نَحْوِ الْعُرْسِ وَالْوَلِيمَةِ وَقِيلَ إنْ لِلَهْوٍ مَكْرُوهٌ وَإِلَّا فَلَا وَعَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ جَمِيعُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ عُلَمَائِنَا وَعَنْ النِّهَايَةِ رَخَّصَ عُمَرُ فِي غِنَاءِ الْأَعْرَابِ وَهُوَ صَوْتٌ كَالْحِدَاءِ وَعَنْ ابْنِ حَجَرٍ الْغِنَاءُ يُطْلَقُ عَلَى رَفْعِ الصَّوْتِ وَالتَّرَنُّمِ وَالْحِدَاءِ فَلَا يُسَمَّى فَاعِلُهُ مُغَنِّيًا وَإِنَّمَا يُسَمَّى بِذَلِكَ مَنْ يُنْشِدُ بِتَمْطِيطٍ وَتَكْثِيرٍ وَتَهَيُّجٍ وَتَشْوِيقٍ بِمَا فِيهِ تَعْرِيضٌ بِالْفَوَاحِشِ وَعَنْ الْكَرْمَانِيِّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ كَانَ الشِّعْرُ الَّذِي يُغَنَّى بِهِ فِي مَسْجِدِهِ ﵊ فِي نَحْوِ وَصْفِ الشَّجَاعَةِ وَأَمَّا بِالْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرِ فَمَحْظُورٌ وَأَجَازَتْ الصَّحَابَةُ غِنَاءَ الْعَرَبِ الَّذِي هُوَ إنْشَادُ التَّرَنُّمِ وَأَجَازُوا الْحِدَاءَ وَفَعَلُوهُ بِحَضْرَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَيْسَ مِثْلُهُ بِحَرَامٍ فَيَجُوزُ هَذَا الْغِنَاءُ لِأَهْلِ الرِّيَاضَةِ وَالْمُجَاهَدَةِ دُونَ الْعَوَامّ بَلْ لِلْعُلَمَاءِ أَهْلِ الْقُدْرَةِ وَعَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْغِنَاءَ وَسَمَاعَهُ مَكْرُوهَانِ وَلَيْسَا بِمُحَرَّمَيْنِ إلَّا مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فَحَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ كَرَاهَتُهُ وَإِبَاحَتُهُ وَوَفَّقَ بِأَنَّ الْإِبَاحَةَ فِي الْأَشْعَارِ الْمُرَغِّبَةِ فِي الْآخِرَةِ وَالْكَرَاهَةَ فِي غَيْرِهَا وَعَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةُ الْغِنَاءِ الْمُعْتَادِ وَعَنْ الطَّبَرِيِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَرَاهَتُهُ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَهْوٌ مَكْرُوهٌ يُشْبِهُ الْبَاطِلَ وَمُسْتَكْثِرُهُ سَفِيهٌ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ وَمَنْ نَسَبَ جَوَازَهُ إلَى الشَّافِعِيَّةِ كَذَبَ عَلَيْهِمْ فَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَتِهِ وَمَنْعِهِ وَإِنَّمَا رَخَّصَ فِي ذَلِكَ مَنْ قَلَّ عِلْمُهُ وَغَلَبَهُ هَوَاهُ انْتَهَى مُلَخَّصًا قَالَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ لَوْ فِي الْغِنَاءِ وَعْظٌ وَحِكْمَةٌ فَجَائِزٌ اتِّفَاقًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ فِي الْعُرْسِ كَمَا جَازَ ضَرْبُ الدُّفِّ فِيهِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَاحَهُ مُطْلَقًا وَفِي الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي حَاشِيَةِ الدُّرَرِ عَنْ الْكَمَالِ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَكْرَهُهُ إلَّا إذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ اللَّهْوِ وَبِهِ أَخَذَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ جَمِيعَ ذَلِكَ وَبِهِ أَخَذَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ لَعَلَّ الْحَقَّ فِي هَذِهِ الِاخْتِلَافَاتِ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ الْمَذْهَبَ حُرْمَتُهُ مُطْلَقًا فَانْقَطَعَ الْخِلَافُ بَلْ ظَاهِرُ الْهِدَايَةِ كَبِيرَةٌ مُطْلَقًا لَوْ لِنَفْسِهِ انْتَهَى لِكَثْرَةِ قَائِلِهِ وَوَثَاقَتِهِ وَقُوَّةِ أَدِلَّتِهِ وَأَنَّ الْحَظْرَ يَرْجَحُ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَالْحُرْمَةَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي الِاتِّفَاقِ وَأَنَّ تَأْوِيلَ أَدِلَّةِ الْجَوَازِ أَقْرَبُ مِنْ تَأْوِيلِ أَدِلَّةِ الْمَنْعِ وَأَنَّ النَّفْيَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِثْبَاتِ وَقَدْ سَمِعْت أَيْضًا أَنَّ أَدْنَى دَرَجَةِ الِاخْتِلَافِ إيرَاثُ الشُّبْهَةِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبْهَةِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ وَالْحَرَامُ كُلِّيٌّ مُشْكِلٌ أَقْوَاهُ التَّغَنِّي بِالْفُحْشِيَّاتِ كَالنِّسْوَانِ وَهَجْوُ الْمُسْلِمِ لَعَلَّهُ هُوَ مَحْمَلُ الْحُرْمَةِ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ وَأَمَّا الشِّعْرُ فَقَالَ فِي أَكْمَلِ الْمَشَارِقِ مِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مُطْلَقًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ مُطْلَقًا وَالْحَقُّ إنْ اشْتَمَلَ الثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ أَوَالْحَثَّ عَلَى الطَّاعَةِ وَنَحْوَهُمَا فَجَائِزٌ حَسَنٌ إنْشَادُهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ وَمِثْلُهُ فِي مَجْمُوعَةِ الْحَفِيدِ الْأَشْعَارُ الَّتِي يُنْشِدُهَا الْمُتَزَهِّدُونَ بِتَطْرِيبٍ وَتَلْحِينٍ وَيُزْعِجُ الْقُلُوبَ إلَى ذِكْرِ الْآخِرَةِ مُبَاحَةٌ وَإِلَّا فَحَظْرٌ
[الثَّامِنَ عَشَرَ إفْشَاءُ السِّرِّ]
(الثَّامِنَ عَشَرَ إفْشَاءُ السِّرِّ) سَوَاءٌ سِرُّ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ سِيَّمَا الْوَاقِعُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَمِنْ شِعَارِ الْفَسَقَةِ وَلَهُ مَفَاسِدُ كَثِيرَةٌ كَالْحِقْدِ وَالْبُغْضِ وَالْعَدَاوَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَإِيقَاظِ الْفِتْنَةِ وَفِي حَدِيثِ الْمَشَارِقِ «لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ» يَعْنِي مَعَاصِيَ ذَلِكَ السَّاتِرِ مِنْ إشَاعَتِهَا فِي الْمَوْقِفِ
стр. 838
(د عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ» أَيْ لَا يُشِيعُ حَدِيثَ جَلِيسِهِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى مُجَالَسَةِ أَهْلِ الْأَمَانَةِ وَتَجَنُّبِ أَهْلِ الْخِيَانَةِ وَعَنْ الْعَسْكَرِيِّ يُرِيدُ أَنَّ الرَّجُلَ يَجْلِسُ إلَى الْقَوْمِ فَيَخُوضُونَ فِي حَدِيثٍ رُبَّمَا كَانَ فِيهِ مَا يَكْرَهُونَ فَيَأْمَنُونَهُ عَلَى سِرِّهِمْ فَذَلِكَ الْحَدِيثُ كَالْأَمَانَةِ عِنْدَهُ فَمَنْ أَظْهَرَهُ فَهُوَ قَتَّاتٌ وَفَسَّرَ أَيْضًا أَيْ الْمَجَالِسَ إنَّمَا تَحْسُنُ بِالْأَمَانَةِ لِحَاضِرِيهَا عَلَى مَا يَقَعُ فِيهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ «إلَّا ثَلَاثَةَ» مَجَالِسَ «سَفْكُ دَمٍ حَرَامٍ» فَيُفْشِي مَا سَمِعَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِإِهْرَاقِ دَمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَلْحَقُهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالضَّرْبِ وَالْجَرْحِ «وَفَرْجٍ حَرَامٍ» أَيْ الزِّنَا «وَاقْتِطَاعُ مَالٍ» أَيْ وَمَجْلِسٌ يُقْتَطَعُ فِيهِ مَالُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ «بِغَيْرِ حَقٍّ» شَرْعِيٍّ مُبِيحٍ فَيَظْهَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ أَوْ التَّلَفِ وَالْإِهْدَارِ أَوْ غَمْزِ الظَّالِمِ فَلَا يَجُوزُ لِلسَّامِعِ كَتْمُهُ قَالَ فِي الْفَيْضِ قَالَ الْقَاضِي يُرِيدُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَنْبَغِي إذَا حَضَرَ مَجْلِسًا وَوَجَدَ أَهْلَهُ عَلَى مُنْكَرٍ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِهِمْ وَلَا يُشِيعُ مَا يَرَى مِنْهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ فَسَادٌ كَبِيرٌ وَإِخْفَاؤُهُ ضَرَرٌ عَظِيمٌ فَمَنْ قَالَ فِي مَجْلِسٍ أُرِيدُ قَتْلَ فُلَانٍ أَوْ الزِّنَا بِفُلَانَةَ أَوْ أَخْذَ مَالِ فُلَانٍ فَلَا يَجُوزُ كَتْمُهُ بَلْ يَجِبُ إعْلَامُهُ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَنْ النَّوَوِيِّ السَّتْرُ عَلَى الْمُحَرَّمِ إنَّمَا يَكُونُ مَنْدُوبًا إذَا لَمْ يَشْتَهِرْ بِالْفَسَادِ وَإِلَّا فَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الْأَمْرِ إلَى الْوَالِي إنْ لَمْ يَخَفْ لِأَنَّ السَّتْرَ حِينَئِذٍ تَقْوِيَةٌ عَلَى فِعْلِهِ (دت عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا حَدَّثَ رَجُلٌ رَجُلًا بِحَدِيثٍ» وَكَذَا الْمَرْأَةُ إمَّا بِعُمُومِ مَجَازٍ بِمَعْنَى إنْسَانٍ أَوْ بِطَرِيقِ دَلَالَةٍ أَوْ الْحُكْمُ عَلَى الْمَتْبُوعِ حُكْمٌ عَلَى التَّابِعِ أَوْ بِمُقَايَسَةٍ «ثُمَّ الْتَفَتَ» أَيْ غَابَ عَنْ الْمَجْلِسِ أَوْ الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا فَظَهَرَ مِنْ حَالِهِ بِالْقَرَائِنِ أَنَّ قَصْدَهُ أَنْ لَا يُطْلِعَ عَلَى حَدِيثِهِ غَيْرَ الَّذِي حَدَّثَ بِهِ «فَهُوَ أَمَانَةٌ» عِنْدَ الْمُحَدَّثِ أَوْدَعَهُ إيَّاهَا فَإِنْ حَدَّثَ بِهَا غَيْرَهُ فَقَدْ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ حَيْثُ أَدَّى الْأَمَانَةَ إلَى غَيْرِ أَهْلِهَا فَيَكُونُ مِنْ الظَّالِمِينَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ كَتْمُهَا إذْ الْتِفَاتُهُ بِمَنْزِلَةِ اسْتِكْتَامِهِ بِالنُّطْقِ قَالُوا وَهَذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ لِمَا فِي هَذَا اللَّفْظِ الْوَجِيزِ مِنْ آدَابِ الْعِشْرَةِ وَحُسْنِ الصُّحْبَةِ وَكَتْمِ السِّرِّ وَحِفْظِ الْوُدِّ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ النَّمِيمَةِ بَيْنَ الْإِخْوَانِ الْمُؤَدِّيَةِ لِلشَّنَآنِ مَا لَا يَخْفَى قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ وَإِفْشَاءُ السِّرِّ خِيَانَةٌ وَهُوَ حَرَامٌ إذَا كَانَ فِيهِ إضْرَارٌ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إظْهَارُ الرَّجُلِ سِرَّ غَيْرِهِ أَقْبَحُ مِنْ إظْهَارِ سِرِّ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ الْخِيَانَةِ وَالنَّمِيمَةِ قَالَ الرَّاغِبُ السِّرُّ ضَرْبَانِ ثُمَّ قِيلَ إنَّ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ عُرْوَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
(حك) الْحَاكِمُ (عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا يَتَجَالَسُ الْمُتَجَالِسَانِ بِالْأَمَانَةِ» فِيمَا يَحْدُثُ وَيُرَادُ كَتْمُهُ سَوَاءٌ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً وَذَلِكَ عِنْدَ كَرَاهَةِ إفْشَائِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَيَانُهُ فَقَوْلُهُ «لَا يَحِلُّ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُفْشِيَ عَلَى صَاحِبِهِ مَا يَكْرَهُ» فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَكْرَهُهُ فَلَا بَأْسَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُسَرُّ مِنْ إفْشَائِهِ فَيَحْسُنُ مُطْلَقًا
стр. 839
(م عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «إنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ» أَشَدِّهِمْ شَرًّا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَشَرُّ بِالْأَلِفِ عَنْ الْجَوْهَرِيِّ شَرٌّ فِيهِ مَعْنَى التَّفْضِيلِ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ وَلَا يُؤَنَّثُ وَلَا يُقَالُ أَشَرُّ إلَّا فِي لُغَةٍ رَدِيئَةٍ وَقَالَ الْقَاضِي الرِّوَايَةُ وَقَعَتْ بِالْأَلِفِ وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ رَدَاءَتِهِ أَقُولُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ قَبِيلِ النَّقْلِ بِالْمَعْنَى فَلَا تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الرَّدَاءَةِ عَلَى أَنَّهُ قَالَ السُّيُوطِيّ إنَّ النَّبِيَّ ﵊ يَتَكَلَّمُ مَعَ الْفَصِيحِ وَالْمُوَلَّدِ وَغَيْرِهِمَا فَيَتَكَلَّمُ مَعَ كُلٍّ قُدْرَةَ فَهْمِهِ فَلَا يُحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ نَعَمْ قَالَ فِي الْفَيْضِ فِي رِوَايَةٍ أَشَرُّ بِالْأَلِفِ قَالَ عِيَاضٌ تَقُولُ النُّحَاةُ لَا يَجُوزُ أَشَرُّ وَأَخْيَرُ بَلْ خَيْرٌ وَشَرٌّ وَقَدْ جَاءَتْ اللُّغَتَانِ فِي صَحِيحِ الْأَخْبَارِ وَهُوَ حُجَّةٌ لِلْجَوَازِ فَافْهَمْهُ «عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلُ يُفْضِي إلَى امْرَأَتِهِ» سِرًّا «وَتُفْضِي إلَيْهِ» بِالْمُبَاشَرَةِ وَالْجِمَاعِ «ثُمَّ يَنْشُرُ أَحَدُهُمَا سِرَّ صَاحِبِهِ» أَيْ يَتَكَلَّمُ كُلٌّ بِمَا جَرَى بَيْنَهُمَا قَوْلًا أَوْ فِعْلًا بَيْنَ النَّاسِ قَالَ النَّوَوِيُّ تَحْرِيمُ إفْشَاءِ هَذَا السِّرِّ إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ وَأَمَّا إذَا تَرَتَّبَ بِأَنْ تَدَّعِيَ الْعَجْزَ عَنْ الْجِمَاعِ أَوْ إعْرَاضَهُ عَنْهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ فِي ذِكْرِهِ قَالَ الْأَحْنَفُ جَنِّبُوا مَجَالِسَكُمْ ذِكْرَ النِّسَاءِ وَالطَّعَامِ فَكَفَى بِالرَّجُلِ ذَمًّا أَنْ يَكُونَ وَاصِفًا لِفَرْجِهِ وَبَطْنِهِ فَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي حُرْمَةِ إفْشَاءِ سِرِّ زَوْجِهَا كَأَنْ تَقُولَ هُوَ سَرِيعُ الْإِنْزَالِ أَوْ كَبِيرُ الْآلَةِ ثُمَّ قِيلَ الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ وَقِيلَ مُنْكَرٌ وَقِيلَ حَسَنٌ لَا صَحِيحٌ (اعْلَمْ أَنَّ) (مَا وَقَعَ أَوْ قِيلَ) مِنْ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ (فِي مَجْلِسٍ مِمَّا يُكْرَهُ إفْشَاؤُهُ إنْ لَمْ يُخَالِفْ الشَّرْعَ) (يَلْزَمُ كِتْمَانُهُ) إذَا كَانَ فِيهِ إضْرَارُ الْغَيْرِ وَيُنْدَبُ مُؤَكَّدًا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إضْرَارٌ (وَإِنْ خَالَفَ فَإِنْ كَانَ) أَيْ مَا وَقَعَ أَوْ قِيلَ (حَقَّ اللَّهِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ) كَالْغِيبَةِ وَالْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ عَلَى مَا قِيلَ (كَالْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرِ) قَيْدٌ لِلنَّفْيِ لَا لِلْمَنْفِيِّ يَعْنِي الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ كَالْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ ضَابِطَ التَّعْزِيرِ هُوَ كُلُّ مَعْصِيَةٍ لَمْ يَتَقَدَّرْ فِيهَا حَدٌّ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ فَحَاصِلُهُ أَنَّ كُلَّ مَا خَالَفَ الشَّرْعَ مَعْصِيَةٌ وَكُلَّ مَعْصِيَةٍ فَفِيهَا إمَّا تَعْزِيرٌ أَوْ حَدٌّ فَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا خَالَفَ الشَّرْعَ وَبَيْنَ عَدَمِ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ (فَكَذَلِكَ) يَلْزَمُ الْكِتْمَانُ لِعَدَمِ حَقِّ الْعَبْدِ فِيهِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ حَتَّى يَنْزَجِرَ بِإِجْرَائِهِ لَعَلَّ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ تَعَلُّقِ مَصْلَحَةٍ شَرْعِيَّةٍ كَالنَّصِيحَةِ لِلْغَيْرِ لِيَتَجَنَّبَ عَنْ صُحْبَةِ مِثْلِ هَذَا الرَّجُلِ وَقَدْ وَقَعَ اُذْكُرُوا الْفَاجِرَ بِمَا فِيهِ لِيَتَحَرَّزَ النَّاسُ مِنْهُ (وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ) حُكْمٌ شَرْعِيٌّ (فَلَكَ الْخِيَارُ) بَيْنَ الْكِتْمَانِ وَالْإِعْلَامِ (وَالسَّتْرُ أَفْضَلُ) إنْ لَمْ يُفِضْ إلَى الِاعْتِيَادِ وَزِيَادَةِ الْفَضَاحَاتِ وَلَعَلَّ السَّتْرَ وَاجِبٌ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ أَوْ زِيَادَةِ الْفَسَادِ (كَالزِّنَا) عِنْدَ تَحَقُّقِ أَرْبَعَةٍ مِنْ الرِّجَالِ وَإِلَّا لَزِمَ حَدُّ الْقَذْفِ وَالتَّفْصِيلُ فِي الْفِقْهِ لَا يَخْفَى أَنَّ الزِّنَا لَيْسَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فَقَطْ مُطْلَقًا فَافْهَمْ (وَشُرْبِ الْخَمْرِ) عِنْدَ اثْنَيْنِ مِنْ الرِّجَالِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» كَمَا قِيلَ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ نَوْعُ خَفَاءٍ وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْتَجَّ بِنَحْوِ حَدِيثِ الْجَامِعِ «مَنْ سَتَرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ فِي الدُّنْيَا فِي قَبِيحِ فِعْلِهِ وَقَوْلِهِ فَلَمْ يَفْضَحْهُ بِأَنْ اطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى مَا يَشِينُهُ فِي دِينِهِ أَوْ عِرْضِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ فَلَمْ يَهْتِكْهُ بِالتَّحَدُّثِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ لِحَاكِمٍ سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَيْ لَمْ يَفْضَحْهُ بِإِظْهَارِ عُيُوبِهِ وَذُنُوبِهِ بَلْ يُسَهِّلُ حِسَابَهُ وَيَتْرُكُ عِقَابَهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيٌّ كَرِيمٌ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ مِنْ الْحَيَاءِ وَالْكَرَمِ تَخَلُّقٌ بِخُلُقِ اللَّهِ تَعَالَى وَاَللَّهُ يُحِبُّ التَّخَلُّقَ بِأَخْلَاقِهِ وَدُعِيَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلَى قَوْمٍ عَلَى رِيبَةٍ فَانْطَلَقَ لِيَأْخُذَهُمْ فَتَفَرَّقُوا فَلَمْ يُدْرِكْهُمْ فَأَعْتَقَ رَقَبَةً شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ لَا يَكُونَ جَرَى عَلَى يَدَيْهِ خِزْيُ مُسْلِمٍ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ أَيْضًا «مَنْ سَتَرَ عَلَى مُؤْمِنٍ عَوْرَةً بَدَنًا أَوْ عِرْضًا أَوْ مَالًا حِسِّيَّةً أَوْ مَعْنَوِيَّةً فَكَأَنَّمَا أَحْيَا مَيِّتًا» هَذَا وَمِثْلُهُ إنْ لَمْ يُعْرَفْ بِأَذًى وَلَمْ يَتَجَاهَرْ بِالْفَسَادِ وَإِلَّا نُدِبَ رَفْعُهُ لِلْحَاكِمِ مَا لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً لِأَنَّ السَّتْرَ حِينَئِذٍ يُقَوِّيهِ عَلَى فِعْلِهِ.
(تَنْبِيهٌ) إظْهَارُ السِّرِّ كَإِظْهَارِ الْعَوْرَةِ فَكَمَا يَحْرُمُ كَشْفُهَا يَحْرُمُ إفْشَاؤُهُ وَكِتْمَانُ الْأَسْرَارِ وَقَدْ تَطَابَقَ
стр. 840
عَلَى الْأَمْرِ بِهِ الْمِلَلُ وَقَالُوا صُدُورُ الْأَحْرَارِ قُبُورُ الْأَسْرَارِ وَقِيلَ قَلْبُ الْأَحْمَقِ فِي فِيهِ وَلِسَانُ الْعَاقِلِ فِي قَلْبِهِ وَقِيلَ لِبَعْضٍ كَيْفَ أَنْتَ فِي كَتْمِ السِّرِّ قَالَ أَسْتُرُهُ وَأَسْتُرُ أَنِّي أَسْتُرُهُ (وَإِنْ كَانَ) الْمَكْتُومُ (حَقَّ الْعَبْدِ) (فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ ضَرَرٌ لِأَحَدٍ أَوْ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كَالْقِصَاصِ وَالتَّضْمِينِ) لِنَفْسٍ أَوْ مَالٍ (فَعَلَيْك) يَجِبُ إنْ تَعَيَّنَتْ (الْإِعْلَامُ إنْ جَهِلَ) إلَّا إذَا تَيَقَّنَ الشَّاهِدُ الضَّرَرَ بِشَهَادَتِهِ (وَالشَّهَادَةُ إنْ طَلَبَ) ذُو الْحَقِّ الشَّهَادَةَ مِنْك (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ ضَرَرٌ مَالِيٌّ أَوْ بَدَنِيٌّ لِأَحَدٍ أَوْ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ أَوْ لَمْ يَكُنْ جَاهِلًا وَلَا طَالِبًا (فَالْكَتْمُ) لَازِمٌ كَمَنْ بَلَغَ لَهُ خَبَرُ الْغِيبَةِ فَإِنَّ الضَّرَرَ فِيهِ وَهُوَ الْأَذَى قَلْبِيٌّ وَفِي النَّوَادِرِ إذَا رَأَى رَجُلًا مَشْغُولًا بِذَنْبٍ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ بِحَيْثُ لَا يَفْضَحُهُ فَإِنَّ تَفْضِيحَ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ وَفِي صَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَسَتْرُهَا فِي الْحُدُودِ أَفْضَلُ وَأَبَرُّ وَفِي النِّصَابِ رَجُلٌ يَرْتَكِبُ الْمَعَاصِيَ فَإِنْ أَعْلَمَ رَجُلٌ بِحَالِهِ السُّلْطَانَ لِيَزْجُرَهُ فَلَا إثْمَ فِيهِ وَفِي الْخَانِيَّةِ إنْ عَلِمَ أَنَّ السُّلْطَانَ يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِ الرَّعِيَّةِ وَالْحَشَمِ عَنْ مَعَاصِيهِمْ حَلَّ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ إلَيْهِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ لَا يَكْتُبُ كَيْ لَا تَقَعَ الْعَدَاوَةُ بِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ وَرُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ رَجُلًا يَأْتِينِي وَيُرِيدُ مَالِي فَقَالَ ذَكِّرْهُ بِاَللَّهِ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ قَالَ اسْتَعِنْ بِالسُّلْطَانِ قَالَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سُلْطَانٌ قَالَ اسْتَعِنْ بِمَنْ حَوْلَك مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَوْلِي أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ قَاتِلْ دُونَ مَالِكَ حَتَّى تَكُونَ شَهِيدًا فِي الْآخِرَةِ أَوْ يُمْنَعَ مَالِكٌ» انْتَهَى
[التَّاسِعَ عَشَرَ الْخَوْضُ فِي الْبَاطِلِ]
(التَّاسِعَ عَشَرَ الْخَوْضُ فِي الْبَاطِلِ وَهُوَ الْكَلَامُ فِي الْمَعَاصِي) لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ (كَحِكَايَاتِ مَجَالِسِ الْخَمْرِ وَالزُّنَاةِ) جَمْعُ زَانٍ (وَالزَّوَانِي) جَمْعُ زَانِيَةٍ (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا غَرَضٌ صَحِيحٌ) كَرِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَالشَّهَادَةِ وَالدَّعْوَى (وَهَذَا حَرَامٌ لِأَنَّهُ إظْهَارُ مَعْصِيَةِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ) دِينِيَّةٍ إلَى إظْهَارِهَا وَيَدْخُلُ فِيهِ الْخَوْضُ فِي حِكَايَاتِ الْبِدَعِ وَالْمَذَاهِبِ الْفَاسِدَةِ وَحِكَايَاتِ مَا جَرَى مِنْ مَثَالِبِ الصَّحَابَةِ عَلَى وَجْهٍ يُوهِمُ الطَّعْنَ فِي بَعْضِهِمْ وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ وَالْخَوْضُ فِيهِ خَوْضٌ بَاطِلٌ (دُنْيَا طب عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَوْقُوفًا) حَيْثُ لَمْ يَقُلْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَكِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ كَذَا قِيلَ فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ مِمَّا يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُهُ مِنْ
стр. 841
الْقَوَانِينِ الشَّرْعِيَّةِ لَكِنْ يَكُونُ حِينَئِذٍ مِنْ بَابِ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ فَافْهَمْ (أَنَّهُ) أَيْ ابْنَ مَسْعُودٍ (قَالَ أَعْظَمُ النَّاسِ خَطَايَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ خَوْضًا فِي الْبَاطِلِ) أَيْ فِي الدُّنْيَا وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا الْمَرْمُوزُ لَهُ بِقَوْلِهِ (دُنْيَا مُرْسَلًا) بِأَنْ يَقُولَ التَّابِعِيُّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ فَفِي قَبُولِهِ خِلَافٌ لَكِنْ عِنْدَنَا مَقْبُولٌ مُطْلَقًا وَفِيهِ تَفْصِيلٌ مَذْكُورٌ فِي الْأُصُولِ (عَنْ قَتَادَةَ بْنِ دِعَامَةَ) التَّابِعِيِّ الْحَافِظِ الْمَشْهُورِ، وَالْمَرْفُوعُ مَا أُضِيفَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ كَمَا فِي أُصُولِ الْحَدِيثِ
[الْعِشْرُونَ سُؤَالُ الْمَالِ وَالْمَنْفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِمَّنْ لَا حَقَّ فِيهِ]
(الْعِشْرُونَ سُؤَالُ الْمَالِ وَالْمَنْفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِمَّنْ لَا حَقَّ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَسْئُولِ مِنْهُمَا (وَهُوَ حَرَامٌ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ) كَالْفَقْرِ وَقُوَّةِ الْحَاجَةِ وَغَيْرِهِ مِمَّا سَيَجِيءُ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ (خ م عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَ» الْحَالُ أَنَّهُ «لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مِزْعَةُ» قِطْعَةُ «لَحْمٍ» وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَلْحَقُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْهَوَانِ وَذُلِّ السُّؤَالِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِيءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَحْمُ وَجْهِهِ سَاقِطٌ إمَّا عُقُوبَةً لَهُ أَوْ عَلَامَةً يَعْرِفُ النَّاسُ بِهَا أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ سَأَلَ سُؤَالًا لَا يَجُوزُ لَهُ وَتَخْصِيصُ الْوَجْهِ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ بِهِ لَهَا وَقْعٌ لِبَذْلِ وَجْهِهِ الَّذِي أُمِرَ بِصَوْنِهِ عَنْهُ وَصَرْفِهِ فِي غَيْرِ مَا شُرِعَ لَهُ كَذَا عَنْ الْقُرْطُبِيِّ شَرْحِ مُسْلِمٍ (د س) دَاوُد وَابْنُ السُّنِّيِّ (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الْمَسَائِلُ» جَمْعُ مَسْأَلَةٍ بِمَعْنَى السُّؤَالِ «كُدُوحٌ» بِالْفَتْحِ مُبَالَغَةٌ نَحْوُ صَبُورٍ وَالْكَدْحُ الْجُرْحُ مِنْ نَحْوِ خَدْشٍ أَوْ عَضٍّ يَعْنِي يُرِيقُ بِالسُّؤَالِ مَاءَ وَجْهِهِ «يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ» بِمَا يَعْلُوهُ مِنْ الْهَوَانِ بِسَبَبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ «فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى اللَّحْمَ عَلَى وَجْهِهِ» بِتَقْلِيلِ السُّؤَالِ
«وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ» بِلَا لَحْمٍ «إلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ» ذَا رَأْيٍ وَحُكْمٍ وَمَالِكٌ بِيَدِهِ بَيْتُ الْمَالِ وَهُوَ مِمَّنْ لَهُ حَقٌّ فِيهِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يَسْأَلَ حَقَّهُ مِنْهُ «أَوْ فِي أَمْرٍ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا» أَيْ فِي حَقِّ أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ وَسَيَجِيءُ حَاصِلُهُ أَنَّ جَمِيعَ الْمَسَائِلِ سَبَبٌ لِكُدُوحِ الْوَجْهِ وَجُرُوحِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا مَسْأَلَةَ الَّذِي هُوَ مَصْرِفُ بَيْتِ الْمَالِ حَقُّهُ مِنْهُ وَمَسْأَلَةَ رَجُلٍ فِي حَقِّ أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ لِاضْطِرَارِهِ (طط عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ سَأَلَ مَسْأَلَةً عَنْ ظَهْرِ غِنًى» أَيْ بِلَا ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ «اسْتَكْثَرَ بِهَا مِنْ رَضْفِ» حِجَارَةٌ مُحْمَاةٌ «جَهَنَّمَ قَالُوا وَمَا ظَهْرُ غِنًى قَالَ عَشَاءُ لَيْلَةٍ» قُوتُ لَيْلَةٍ وَمَا يَدْفَعُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ مِنْ الثِّيَابِ وَأَثَاثِ الْمَنْزِلِ
стр. 842
بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُهَا وَيَلْحَقُ بِهِ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكَسْبِ فَمَنْ لَهُ قُوتُ يَوْمٍ لَا يَحِلُّ لَهُ السُّؤَالُ (ت عَنْ حُبْشِيٍّ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ عَلَى وَزْنِ كُرْسِيٍّ (بْنِ جُنَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ) قَالَ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ» قُوَّةٍ عَلَى الْعَمَلِ وَالْكَسْبِ (سَوِيٍّ) صَحِيحِ الْأَعْضَاءِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ قِيلَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ تَحِلُّ الزَّكَاةُ لِمَنْ لَا يَمْلِكُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَإِنْ كَانَ كَسُوبًا إلَّا الْعَامِلَ وَالْغَازِيَ الْمُنْقَطِعَ وَالْغَارِمَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَالْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ فَإِنَّ الدَّاعِيَ إلَى إعْطَائِهِمْ لَيْسَتْ الْحَاجَةُ «لَا تَحِلُّ إلَّا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ» مُلْصِقٍ بِالدَّقْعَاءِ أَيْ التُّرَابِ كِنَايَةً عَنْ شِدَّةِ الْفَقْرِ «أَوْ غُرْمٍ» أَيْ دَيْنٍ «مُفْظِعٍ» مِنْ الْفَظَاعَةِ شَدِيدٍ غَايَةَ الشِّدَّةِ بِأَنْ يَكُونَ دَيْنًا جَاوَزَ الْحَدَّ الْمُعْتَادَ «أَوْ دَمٍ مُوجِعٍ» كَالدِّيَةِ فَيَجُوزُ السُّؤَالُ لِيُؤَدِّيَ الدِّيَةَ وَيَقْطَعَ الْخُصُومَةَ.
«وَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ لِيُثْرِيَ» لِيُكْثِرَ «بِهِ مَالَهُ كَانَ خُمُوشًا» جِرَاحَةً وَأَثَرًا «فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَرَضْفًا» حَجَرًا مَحْمِيًّا «يَأْكُلُهُ مِنْ جَهَنَّمَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُقِلَّ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ» الْأَمْرُ لِلتَّهْدِيدِ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرَ جَهَنَّمَ فَلْيَسْتَقِلَّ مِنْهُ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» قَالَ الشَّارِحُ أَمْرُ تَوْبِيخٍ وَتَهْدِيدٍ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالُوا مَنْ قَدَرَ عَلَى قُوتِ يَوْمٍ لَمْ يَحِلَّ لَهُ السُّؤَالُ وَالْقِيَاسُ أَنَّ الدَّافِعَ إنْ عَلِمَ بِحَالِهِ أَثِمَ لِإِعَانَتِهِ عَلَى مُحَرَّمٍ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ هِبَةً لِصِحَّتِهَا لِلْغَنِيِّ.
(فَائِدَةٌ)
أَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ مُصَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ يَقُولُ لِابْنِ أَخِيهِ إذَا كَانَتْ لَك حَاجَةٌ فَاكْتُبْهَا فِي رُقْعَةٍ فَإِنِّي أَصُونُ وَجْهَك عَنْ الذُّلِّ
يَا أَيُّهَا الْبَاغِي نَوَالَ الرِّجَالْ ... وَطَالِبَ الْحَاجَاتِ مِنْ ذِي النَّوَالْ
لَا تَحْسَبَنَّ الْمَوْتَ مَوْتَ الْبِلَى ... فَإِنَّمَا الْمَوْتُ سُؤَالُ الرِّجَالْ
كِلَاهُمَا مَوْتٌ وَلَكِنَّ ذَا ... أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ ذُلُّ السُّؤَالْ
وَفِيهِ أَيْضًا مَنْ سَأَلَ النَّاسَ مِنْ غَيْرِ فَقْرٍ بَلْ لِتَكْثِيرِ الْمَالِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الْجَمْرَ يَعْنِي يُعَاقَبُ بِالنَّارِ وَقَدْ يُجْعَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ يَطْعَمُهُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى صُورَةِ الْجَمْرِ كَمَا يُكْوَى مَانِعُ الزَّكَاةِ بِهَا.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَاتَّفَقُوا عَلَى النَّهْيِ عَنْ السُّؤَالِ بِلَا ضَرُورَةٍ وَفِي الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ حَرَامٌ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَالثَّانِي يَحِلُّ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُذِلَّ نَفْسَهُ وَلَا يُلِحَّ فِي السُّؤَالِ وَلَا يُؤْذِيَ الْمَسْئُولَ وَإِلَّا حَرُمَ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْفَيْضِ «وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي بَكْرٍ وَأَبِي ذَرٍّ وَثَوْبَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - لَا تَسْأَلُنَّ» بِضَمِّ اللَّامِ «أَحَدًا شَيْئًا» التَّنْوِينُ لِلتَّحْقِيرِ «وَإِنْ سَقَطَ سَوْطُكَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَثَوْبَانُ يَنْزِلَانِ عِنْدَ سُقُوطِ سَوْطِهِمَا فِي أَجْمَعِ مَا يَكُونُ مِنْ النَّاسِ» أَيْ أَجْمَعِ الْجَمْعِ الَّذِي مِنْ النَّاسِ وَقِيلَ ضَمِيرُ مَا فِي يَكُونُ مِنْهُمْ مُفَسَّرٌ بِقَوْلِهِ مِنْ النَّاسِ أَيْ يَنْزِلَانِ عِنْدَ سُقُوطِهِ فِي أَجْمَعِ أَوْقَاتِ كَوْنِ النَّاسِ عِنْدَهُمَا وَلَا يَسْأَلَانِ أَحَدًا بِأَنْ يَقُولَ نَاوِلُونِيهِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ قَالَ فِي الْحُكْمِ رُبَّمَا اسْتَحْيَا الْعَارِفُ أَنْ يَرْفَعَ حَاجَتَهُ إلَى مَوْلَاهُ
стр. 843
اكْتِفَاءً بِمَشِيئَتِهِ فَكَيْفَ لَا يَسْتَحِيُ أَنْ يَرْفَعَهَا إلَى خَلِيقَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ احْتَاجَتْ رَابِعَةٌ فَقِيلَ لَهَا لَوْ أَرْسَلْت إلَى قَرِيبِك فُلَانٍ فَبَكَتْ وَقَالَتْ اللَّهُ أَعْلَمُ أَنِّي أَسْتَحْيِي مِنْ سُؤَالِهِ الدُّنْيَا وَهُوَ يَمْلِكُهَا فَكَيْفَ أَسْأَلُهَا مَنْ لَا يَمْلِكُهَا كَمَا فِي الْفَيْضِ وَأَنَا أَقُولُ إنَّ الْأُسْتَاذَ الْوَالِدَ الْمَرْحُومَ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِغُفْرَانِهِ وَأَسْكَنَهُ فِي فَرَادِيسِ جِنَانِهِ كَانَ مُبْتَلًى بِالْفَقْرِ سِيَّمَا فِي أَوَّلِ حَالِهِ فَعِنْدَ حِكَايَتِهِ مَا جَرَى عَلَيْهِ مِنْ فَقْرِهِ قِيلَ لَهُ هَلْ تَدْعُوا إلَى اللَّهِ بِحُصُولِ كِفَايَتِك قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَدْعُ إلَيْهِ قَطُّ لِأَجْلِ الدُّنْيَا بَلْ كُلَّمَا أَرَدْت ذَلِكَ غَلَبَ عَلَيَّ الْحَيَاءُ وَلَمْ أَقْدِرْ
(وَلَا يَقُولَانِ لِلْمُشَاةِ عِنْدَهُمَا نَاوِلْنِيهِ) لِامْتِثَالِهِمَا أَمْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَالَ الِامْتِثَالِ (فَدَلَّ أَنَّ حُرْمَةَ السُّؤَالِ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الْمَالِ بَلْ تَعُمُّ الِاسْتِخْدَامَ خُصُوصًا إنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ) لِأَنَّ جَمِيعَ مَنَافِعِهِ مَمْلُوكٌ لِلْمَوَالِي فَيَكُونُ تَصَرُّفًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنٍ وَذَا لَا يَجُوزُ.
(وَأَمَّا صَبِيُّ نَفْسِهِ) مِنْ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ (فَيَجُوزُ اسْتِخْدَامُهُ إنْ كَانَ فَقِيرًا) ضِدَّ غِنَى الْأُضْحِيَّةِ (أَوْ أَرَادَ تَهْذِيبَهُ) أَيْ تَطْهِيرَهُ عَنْ الْأَخْلَاقِ الرَّدِيئَةِ (وَتَأْدِيبَهُ) لِيُعَرِّفَهُ مَا يَنْفَعُ دِينًا أَوْ دُنْيَا قَالَ الْإِيثَارُ عَنْ الذَّخِيرَةِ إذَا مَلَأَ عَبْدٌ أَوْ صَبِيٌّ الْكُوزَ مِنْ مَاءِ الْحَوْضِ وَأَرَاقَ بَعْضَهُ فِي الْحَوْضِ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ ذَلِكَ الْحَوْضِ لِأَنَّهُ خَلَطَ بِهِ مِلْكَهُ وَلَا يُمْكِنُ تَمَيُّزُهُ وَكَذَا لَوْ جَاءَ صَبِيٌّ بِالْكُوزِ مِنْ مَاءٍ مُبَاحٍ لَا يَحِلُّ لِأَبَوَيْهِ أَنْ يَشْرَبَا مِنْهُ إذَا كَانَا غَنِيَّيْنِ لِأَنَّ الْمَاءَ صَارَ مِلْكَهُ بَعْدَ الْأَخْذِ وَلَا يَحِلُّ لَهُمَا الْأَكْلُ مِنْ مَالِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ (وَالضَّرُورَةُ الَّتِي تُبِيحُ السُّؤَالَ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى الْكَسْبِ لِلْمَرَضِ أَوْ الضَّعْفِ) مِنْ نَحْوِ الْهَرَمِ وَالْكِبَرِ (وَلَا يَكُونُ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمٍ) لِأَنَّهُ آخِرُ الْكَسْبِ (وَسُؤَالُ الصَّدَقَةِ) النَّفْلِ (وَالزَّكَاةِ سَوَاءٌ) فِي الْإِبَاحَةِ وَالْحَظْرِ (بِخِلَافِ سُؤَالِ حَقِّهِ مِنْ الدَّيْنِ) لِأَنَّهُ طَلَبُ حَقِّهِ (أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِمَصْرِفِهِ) أَيْ الْمُسْتَحِقِّينَ لَهُ مِمَّنْ هُوَ أَمِينٌ لَهُ (وَاسْتِخْدَامِ مَمْلُوكِهِ وَأَجِيرِهِ وَزَوْجَتِهِ فِي مَصَالِحِ الْبَيْتِ) كَطَبْخِ الطَّعَامِ وَغَسْلِ الْأَوَانِي وَغَسْلِ الثِّيَابِ وَكَنْسِ الْبَيْتِ وَبَسْطِ الْفِرَاشِ وَرَفْعِهِ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ دِيَانَةً لَا قَضَاءً وَلَا يَجُوزُ ضَرْبُهَا عِنْدَ عَدَمِ فِعْلِهَا وَلَا يَجُوزُ اسْتِخْدَامُهَا فِي خَارِجِ الْبَيْتِ وَلَا يَجُوزُ إطَاعَتُهَا لِلزَّوْجِ إنْ أُمِرَ بِهَا لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي.
أَقُولُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَخْدُمُ وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ إتْيَانُهَا بِخَادِمَةٍ تَفْعَلُ ذَلِكَ وَالْعُرْفُ مَرْجِعُ ذَلِكَ كُلِّهِ وَفِي التَّنْوِيرِ إنْ امْتَنَعَتْ مِنْ الطَّحْنِ وَالْخَبْزِ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَخْدُمُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهَا بِطَعَامٍ مُهَيَّئٍ وَإِلَّا لَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ امْرَأَةِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهَا كَانَتْ تَعْلِفُ فَرَسَ زَوْجِهَا وَتَكْفِيهِ مُؤْنَتَهُ وَتَسُوسُهُ وَتَدُقُّ النَّوَى لِنَاضِحِهِ وَتَعْلِفُهَا وَتَسْقِي الْمَاءَ وَتَعْجِنُ وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ الْمَعْرُوفِ وَالْمُرُوآتِ الَّتِي أَطْبَقَ النَّاسُ عَلَيْهَا وَهُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَخْدُمُ زَوْجَهَا بِهَذِهِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ وَنَحْوِهَا تَبَرُّعًا وَإِحْسَانًا مِنْهَا إلَى زَوْجِهَا وَحُسْنَ مُعَاشَرَةٍ وَفِعْلَ مَعْرُوفٍ مَعَهُ بِلَا وُجُوبٍ فَلَا تَأْثَمُ بِالتَّرْكِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ إلْزَامُهَا شَيْئًا بَلْ تَفَضُّلِيٌّ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ تَمْكِينُهُ مِنْ نَفْسٍ وَمُلَازَمَةُ الْبَيْتِ (وَتِلْمِيذِهِ بِإِذْنِهِ إنْ كَانَ بَالِغًا أَوْ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ إنْ كَانَ صَبِيًّا) فَإِنَّ الصَّبِيَّ
стр. 844
مَحْجُورٌ عَلَيْهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي مَنَافِعِ نَفْسِهِ إلَّا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ (وَأَقْبَحُ السُّؤَالِ مَا كَانَ بِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى)
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إعْطَاءِ مَنْ يَسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ رِعَايَةً لِجَانِبِ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَمَنْ تَابَعَهُ لَا يُعْطَى لَهُ زَجْرًا لَهُ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ أَقُولُ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْأَصْلُ التَّفْصِيلُ إنَّ السُّؤَالَ مِنْ قَبِيلِ الْجَوَازِ سِيَّمَا الْوَاجِبُ فَيُعْطَى لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لِوَجْهِ اللَّهِ وَإِلَّا فَلَا لِعَدَمِ الصَّلَاحِيَّةِ لَهُ اعْلَمْ أَنَّ مِقْدَارَ الْغِنَى الْمُحَرِّمِ لِلسُّؤَالِ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَفْصِيلٍ وَهُوَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لَا حَقَّ لِابْنِ آدَمَ إلَّا فِي ثَلَاثٍ طَعَامٌ يُقِيمُ بِهِ صُلْبَهُ وَثَوْبٌ يُوَارِي بِهِ عَوْرَتَهُ وَبَيْتٌ يَسْكُنُهُ فَمَا زَادَ فَهُوَ حِسَابٌ؛ هَذِهِ أَجْنَاسُهَا. وَأَمَّا أَقْدَارُهَا فَالثَّوْبُ مَثَلًا يُرَاعَى فِيهِ مَا يَلِيقُ بِذَوِي الدَّيْنِ وَهُوَ ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَقَمِيصٌ وَمِنْدِيلٌ وَسَرَاوِيلُ وَمَدَاسٌ»
وَكَذَا أَثَاثُ الْبَيْتِ لَا يُطْلَبُ كَوْنُ الْأَوَانِي مِنْ النُّحَاسِ وَالصُّفْرِ فِيمَا يَكْفِي فِيهِ الْخَزَفُ فَيَقْتَصِرُ مِنْ الْعَدَدِ عَلَى وَاحِدٍ وَمِنْ النَّوْعِ عَلَى أَخَسِّ أَجْنَاسِهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ عَنْ الْعَادَةِ
وَأَمَّا الطَّعَامُ فَقَدْرُهُ فِي الْيَوْمِ مُدٌّ وَهُوَ مَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ وَنَوْعُهُ مَا يُقْتَاتُ وَلَوْ الشَّعِيرَ وَالْأُدْمَ عَلَى الدَّوَامِ فَضْلٌ وَقَطْعُهُ بِالْكُلِّيَّةِ إضْرَارٌ وَفِي طَلَبِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ رُخْصَةٌ وَأَمَّا الْمَسْكَنُ فَأَقَلُّهُ مَا يَجْزِي مِنْ حَيْثُ الْمِقْدَارُ وَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ زِينَةٍ ثُمَّ هَذِهِ الْأُمُورُ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ حَقِيقَةً ثُمَّ الْحَاجَةُ إلَيْهَا إمَّا فِي الْحَالِ مِنْ طَعَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ ثَوْبٍ يَلْبَسُهُ أَوْ مَأْوًى يَسْكُنُهُ فَلَا شَكَّ فِي حِلِّ السُّؤَالِ وَأَمَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَثَلَاثُ دَرَجَاتٍ أَمَّا مَا يُحْتَاجُ فِي غَدٍ وَبَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ خَمْسِينَ أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ فَالسَّائِلُ الَّذِي لَهُ وَلِعِيَالِهِ قُوتُ سَنَةٍ فَسُؤَالُهُ حَرَامٌ لِأَنَّ ذَلِكَ غَايَةُ الْغِنَى وَأَمَّا مَا دُونَ السَّنَةِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ السُّؤَالُ إنْ كَانَ غَنِيًّا فِي الْحَالِ إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَ الْفُرْصَةِ فِي الِاسْتِقْبَالِ بِأَنْ لَا يَجِدَ مَنْ لَا يُعْطِيهِ إذَا أَخَّرَ لِأَنَّ الْبَقَاءَ سَنَةً مُمْكِنٌ عَادَةً وَيَدْخُلُ فِيهِ خُرُوجُ طَلَبَةِ الْعُلُومِ فِي الْمَوَاسِمِ لِإِدْخَارِ قُوتِ سَنَةٍ لِأَنَّهُمْ يَتَفَرَّغُونَ لِلْعِلْمِ وَلَا يَعْتَدُّونَ لِلْكَسْبِ وَلَيْسَ لَهُمْ أَمْوَالٌ صَالِحَةٌ لِمَصَارِفِهِمْ الضَّرُورِيَّةِ وَإِنْ كَانَ لِعِلَّةِ خَوْفِ الْعَجْزِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ضَعِيفًا وَكَانَ مَا لِأَجْلِهِ السُّؤَالُ مِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ وَالْإِصْغَاءِ إلَى تَخْوِيفِ الشَّيْطَانِ وَحَالُ مَنْ يَسْأَلُ لِحَاجَةٍ وَرَاءَ يَوْمِهِ وَحَالُ مَنْ مَلَكَ مَالًا مَوْرُوثًا وَادَّخَرَهُ لِحَاجَةٍ وَرَاءَ السَّنَةِ سِيَّانِ فِي كَوْنِهِمَا مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الْأَمَلِ وَعَدَمِ الثِّقَةِ بِفَضْلِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَا مُبَاحَيْنِ فِي الْفَتْوَى الظَّاهِرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (طب عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَلْعُونٌ مَنْ سَأَلَ بِوَجْهِ اللَّهِ» تَتِمَّةُ الْحَدِيثِ - «وَمَلْعُونٌ مَنْ يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ ثُمَّ مَنَعَ سَائِلَهُ مَا لَمْ يَسْأَلْ هُجْرًا» - أَيْ قَبِيحًا لَا يَلِيقُ بِالسُّؤَالِ
قَالَ الْعِرَاقِيُّ لَعْنَةُ فَاعِلِ ذَلِكَ لَا يُنَاقِضُهَا اسْتِعَاذَةُ النَّبِيِّ بِوَجْهِ اللَّهِ لِأَنَّ مَا هُنَا جَانَبَ طَلَبَ تَحْصِيلِ الشَّيْءِ مِنْ الْمَخْلُوقِ وَذَاكَ فِي سُؤَالِ الْخَالِقِ أَوْ الْمَنْعُ فِي الْأَمْرِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْجَوَازُ فِي الْأُخْرَوِيِّ قِيلَ عَنْ الْهَيْتَمِيِّ فِي رِجَالِ هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ لَمْ أَعْرِفْهُ (د عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ إلَّا الْجَنَّةُ» اُسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ سُؤَالَ اللَّهِ بِوَجْهِهِ مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا مَنْهِيٌّ فَإِنَّهُ تَعَالَى أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا بَلْ يُسْأَلُ بِهِ الْجَنَّةُ نَحْوُ نَسْأَلُك الْجَنَّةَ بِوَجْهِك الْكَرِيمِ وَنَسْأَلُك بِوَجْهِك الْكَرِيمِ أَنْ تُدْخِلَنَا الْجَنَّةَ رُوِيَ نَفْيًا وَنَهْيًا وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا تَسْأَلُوا مِنْ النَّاسِ شَيْئًا بِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى نَحْوَ أَعْطِنِي شَيْئًا بِوَجْهِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْحُطَامِ وَذِكْرُ الْجَنَّةِ إنَّمَا هُوَ لِلتَّنْبِيهِ بِهِ عَلَى الْأُمُورِ الْعِظَامِ لَا لِلتَّخْصِيصِ فَلَا يُسْأَلُ اللَّهُ بِوَجْهِهِ فِي الْأُمُورِ الدَّنِيَّةِ بِخِلَافِ الْأُمُورِ الْعِظَامِ تَحْصِيلًا أَوْ دَفْعًا (وَمِنْ
стр. 845
السُّؤَالِ الْمَذْمُومِ سُؤَالُ الْمَرْأَةِ الطَّلَاقَ أَوْ الْخُلْعَ عَنْ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ) ضَرَرٍ دِينِيٍّ كَتَرْكِ الصَّلَاةِ وَارْتِكَابِ الْفُحْشِيَّاتِ أَوْ دُنْيَوِيٍّ كَالضَّرْبِ بِغَيْرِ وَجْهٍ وَعَدَمِ إنْفَاقِ النَّفَقَةِ اللَّازِمَةِ لَعَلَّ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ تَرْكَ الْقَسْمِ بَيْنَهُنَّ (دت عَنْ ثَوْبَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقَهَا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ» وَشِدَّةٍ «فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» وَقَدْ تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ
(وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْمُخْتَلِعَاتِ) أَيْ سَائِلَاتِ الْخُلْعِ (هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَبَأْسٍ فَإِنَّ الْمُطْلَقَ فِي مِثْلِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَإِلَّا فَيَتَعَارَضُ بِمَا قَبْلَهُ وَالنِّفَاقُ هُوَ الْعَمَلِيُّ لَا الِاعْتِقَادِيُّ فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنْهُنَّ قِلَّةُ الرِّضَا وَالصَّبْرِ فَهُنَّ يَنْشُزْنَ عَلَى الرِّجَالِ وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ فَلِذَلِكَ سَمَّاهُنَّ مُنَافِقَاتٍ. هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْجَامِعِ عَنْ ثَوْبَانَ عَلَى تَخْرِيجِ التِّرْمِذِيِّ لَكِنْ فِي شَرْحِهِ كَلَامٌ يُوجِبُ نَوْعَ طَعْنٍ لَعَلَّ ذَلِكَ تَرْكُ طَرِيقَتِهِ الْمَعْهُودَةِ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَعَنْ ابْنِ حَجَرٍ فِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ (وَمِنْهُ سُؤَالُ الْعَبْدِ أَوْ الْأَمَةِ الْبَيْعَ مِنْ الْمَوْلَى مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ السُّؤَالِ (التَّعْزِيرَ وَالتَّأْدِيبَ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَوْ دُونَ التَّعْزِيرِ
[الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ سُؤَالُ الْعَوَامّ عَنْ كُنْهِ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ]
(الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ سُؤَالُ الْعَوَامّ عَنْ كُنْهِ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى) وَهُوَ مُمْتَنِعٌ اطِّلَاعُهُ عِنْدَ قَوْمٍ وَمُمْكِنٌ عِنْدَ آخَرِينَ وَغَيْرُ وَاقِعٍ عِنْدَ بَعْضٍ وَوَاقِعٌ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ لِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّةً قَالَ الدَّوَانِيُّ غَيْرُ وَاقِعٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَمُمْتَنِعٌ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالصُّوفِيَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ (وَصِفَاتِهِ) أَيْ عَنْ كُنْهِ صِفَاتِهِ وَإِلَّا فَالسُّؤَالُ عَنْ مُطْلَقِهَا لَازِمٌ لِأَنَّهُ كَمَا لَا يُعْرَفُ كُنْهُ ذَاتِهِ لَا يُعْرَفُ كُنْهُ صِفَاتِهِ وَلِذَا قَالُوا حَقَائِقُ صِفَاتِهِ مُتَشَابِهَاتٌ فَإِنْ قِيلَ فَإِذَنْ لَا وَجْهَ لِلتَّخْصِيصِ بِالْعَوَامِّ قُلْنَا فَأَمَّا مَا لَا يُسْأَلُ عَنْهُمَا الْخَوَاصُّ أَوْ لَا يَتَشَوَّشُونَ بِعَدَمِ الْجَوَابِ وَلَا يَبْعُدُ الْجَوَابُ لَهُمْ بِالْإِمْكَانِ قَالَ الدَّوَانِيُّ لِعَدَمِ وُجُودِ بُرْهَانِ الْوَسِيطِ الْعَقْلِيِّ يَجُوزُ الْحَدُّ التَّامُّ الْمُوصِلُ إلَى الْكُنْهِ لَهُ تَعَالَى (وَكَلَامِهِ) حُرُوفٍ أَمْ مَعْنًى قَدِيمٍ أَوْ حَدِيثٍ (وَعَنْ الْحُرُوفِ) حُرُوفِ الْقُرْآنِ وَأَلْفَاظِهِ (أَهِيَ قَدِيمَةٌ) كَمَا لِلْحَنَابِلَةِ (أَمْ مُحْدَثَةٌ) كَمَا نُسِبَ إلَى الْمُحَقِّقِينَ.
(وَعَنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ) مِمَّا لَمْ يَبْلُغْهُ فَهْمُهُمْ كَأَنَّهُ يُقَالُ إذَا كَانَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَائِهِ تَعَالَى وَالْقَضَاءُ جَارٍ فِي الْأَزَلِ وَمُمْتَنِعٌ تَخَلُّفُهُ فَمَا فَائِدَةُ السَّعْيِ فِي الْكُسُوبِ وَالْعِبَادَاتِ، وَمَا فَائِدَةُ الِاحْتِرَازِ عَنْ الْمَضَرَّاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُتَشَابِهَاتِ وَالْمُشْكِلَاتِ وَمِنْ حَقِّهِمْ الِاشْتِغَالُ بِالْعِبَادَاتِ وَالتَّسْلِيمُ فِي الْمُتَشَابِهَاتِ وَهُوَ كَسُؤَالِ سَاسَةِ الدَّوَابِّ عَنْ أَسْرَارِ الْمَلِكِ وَهُوَ مُوجِبٌ لِلْعُقُوبَةِ (خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ» عَنْ أَسْرَارِ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ «حَتَّى يُقَالُ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ» يَعْنِي يُوَسْوِسُ الشَّيْطَانُ فِي صَدْرِ أَحَدِكُمْ نَحْوَ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ
следующие страницы →