← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21654

بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية

محمد الخادمي

Полный текст (1 189 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الْقَوَانِينِ الشَّرْعِيَّةِ لَكِنْ يَكُونُ حِينَئِذٍ مِنْ بَابِ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ فَافْهَمْ (أَنَّهُ) أَيْ ابْنَ مَسْعُودٍ (قَالَ أَعْظَمُ النَّاسِ خَطَايَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ خَوْضًا فِي الْبَاطِلِ) أَيْ فِي الدُّنْيَا وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا الْمَرْمُوزُ لَهُ بِقَوْلِهِ (دُنْيَا مُرْسَلًا) بِأَنْ يَقُولَ التَّابِعِيُّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ فَفِي قَبُولِهِ خِلَافٌ لَكِنْ عِنْدَنَا مَقْبُولٌ مُطْلَقًا وَفِيهِ تَفْصِيلٌ مَذْكُورٌ فِي الْأُصُولِ (عَنْ قَتَادَةَ بْنِ دِعَامَةَ) التَّابِعِيِّ الْحَافِظِ الْمَشْهُورِ، وَالْمَرْفُوعُ مَا أُضِيفَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ كَمَا فِي أُصُولِ الْحَدِيثِ [الْعِشْرُونَ سُؤَالُ الْمَالِ وَالْمَنْفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِمَّنْ لَا حَقَّ فِيهِ] (الْعِشْرُونَ سُؤَالُ الْمَالِ وَالْمَنْفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِمَّنْ لَا حَقَّ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَسْئُولِ مِنْهُمَا (وَهُوَ حَرَامٌ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ) كَالْفَقْرِ وَقُوَّةِ الْحَاجَةِ وَغَيْرِهِ مِمَّا سَيَجِيءُ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ (خ م عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَ» الْحَالُ أَنَّهُ «لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مِزْعَةُ» قِطْعَةُ «لَحْمٍ» وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَلْحَقُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْهَوَانِ وَذُلِّ السُّؤَالِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِيءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَحْمُ وَجْهِهِ سَاقِطٌ إمَّا عُقُوبَةً لَهُ أَوْ عَلَامَةً يَعْرِفُ النَّاسُ بِهَا أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ سَأَلَ سُؤَالًا لَا يَجُوزُ لَهُ وَتَخْصِيصُ الْوَجْهِ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ بِهِ لَهَا وَقْعٌ لِبَذْلِ وَجْهِهِ الَّذِي أُمِرَ بِصَوْنِهِ عَنْهُ وَصَرْفِهِ فِي غَيْرِ مَا شُرِعَ لَهُ كَذَا عَنْ الْقُرْطُبِيِّ شَرْحِ مُسْلِمٍ (د س) دَاوُد وَابْنُ السُّنِّيِّ (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الْمَسَائِلُ» جَمْعُ مَسْأَلَةٍ بِمَعْنَى السُّؤَالِ «كُدُوحٌ» بِالْفَتْحِ مُبَالَغَةٌ نَحْوُ صَبُورٍ وَالْكَدْحُ الْجُرْحُ مِنْ نَحْوِ خَدْشٍ أَوْ عَضٍّ يَعْنِي يُرِيقُ بِالسُّؤَالِ مَاءَ وَجْهِهِ «يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ» بِمَا يَعْلُوهُ مِنْ الْهَوَانِ بِسَبَبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ «فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى اللَّحْمَ عَلَى وَجْهِهِ» بِتَقْلِيلِ السُّؤَالِ «وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ» بِلَا لَحْمٍ «إلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ» ذَا رَأْيٍ وَحُكْمٍ وَمَالِكٌ بِيَدِهِ بَيْتُ الْمَالِ وَهُوَ مِمَّنْ لَهُ حَقٌّ فِيهِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ أَنْ يَسْأَلَ حَقَّهُ مِنْهُ «أَوْ فِي أَمْرٍ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا» أَيْ فِي حَقِّ أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ وَسَيَجِيءُ حَاصِلُهُ أَنَّ جَمِيعَ الْمَسَائِلِ سَبَبٌ لِكُدُوحِ الْوَجْهِ وَجُرُوحِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا مَسْأَلَةَ الَّذِي هُوَ مَصْرِفُ بَيْتِ الْمَالِ حَقُّهُ مِنْهُ وَمَسْأَلَةَ رَجُلٍ فِي حَقِّ أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ لِاضْطِرَارِهِ (طط عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ سَأَلَ مَسْأَلَةً عَنْ ظَهْرِ غِنًى» أَيْ بِلَا ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ «اسْتَكْثَرَ بِهَا مِنْ رَضْفِ» حِجَارَةٌ مُحْمَاةٌ «جَهَنَّمَ قَالُوا وَمَا ظَهْرُ غِنًى قَالَ عَشَاءُ لَيْلَةٍ» قُوتُ لَيْلَةٍ وَمَا يَدْفَعُ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ مِنْ الثِّيَابِ وَأَثَاثِ الْمَنْزِلِ

стр. 842

بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُهَا وَيَلْحَقُ بِهِ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكَسْبِ فَمَنْ لَهُ قُوتُ يَوْمٍ لَا يَحِلُّ لَهُ السُّؤَالُ (ت عَنْ حُبْشِيٍّ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ عَلَى وَزْنِ كُرْسِيٍّ (بْنِ جُنَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ) قَالَ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ» قُوَّةٍ عَلَى الْعَمَلِ وَالْكَسْبِ (سَوِيٍّ) صَحِيحِ الْأَعْضَاءِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ قِيلَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ تَحِلُّ الزَّكَاةُ لِمَنْ لَا يَمْلِكُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَإِنْ كَانَ كَسُوبًا إلَّا الْعَامِلَ وَالْغَازِيَ الْمُنْقَطِعَ وَالْغَارِمَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَالْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ فَإِنَّ الدَّاعِيَ إلَى إعْطَائِهِمْ لَيْسَتْ الْحَاجَةُ «لَا تَحِلُّ إلَّا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ» مُلْصِقٍ بِالدَّقْعَاءِ أَيْ التُّرَابِ كِنَايَةً عَنْ شِدَّةِ الْفَقْرِ «أَوْ غُرْمٍ» أَيْ دَيْنٍ «مُفْظِعٍ» مِنْ الْفَظَاعَةِ شَدِيدٍ غَايَةَ الشِّدَّةِ بِأَنْ يَكُونَ دَيْنًا جَاوَزَ الْحَدَّ الْمُعْتَادَ «أَوْ دَمٍ مُوجِعٍ» كَالدِّيَةِ فَيَجُوزُ السُّؤَالُ لِيُؤَدِّيَ الدِّيَةَ وَيَقْطَعَ الْخُصُومَةَ. «وَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ لِيُثْرِيَ» لِيُكْثِرَ «بِهِ مَالَهُ كَانَ خُمُوشًا» جِرَاحَةً وَأَثَرًا «فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَرَضْفًا» حَجَرًا مَحْمِيًّا «يَأْكُلُهُ مِنْ جَهَنَّمَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُقِلَّ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ» الْأَمْرُ لِلتَّهْدِيدِ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرَ جَهَنَّمَ فَلْيَسْتَقِلَّ مِنْهُ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» قَالَ الشَّارِحُ أَمْرُ تَوْبِيخٍ وَتَهْدِيدٍ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالُوا مَنْ قَدَرَ عَلَى قُوتِ يَوْمٍ لَمْ يَحِلَّ لَهُ السُّؤَالُ وَالْقِيَاسُ أَنَّ الدَّافِعَ إنْ عَلِمَ بِحَالِهِ أَثِمَ لِإِعَانَتِهِ عَلَى مُحَرَّمٍ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ هِبَةً لِصِحَّتِهَا لِلْغَنِيِّ. (فَائِدَةٌ) أَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ مُصَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ يَقُولُ لِابْنِ أَخِيهِ إذَا كَانَتْ لَك حَاجَةٌ فَاكْتُبْهَا فِي رُقْعَةٍ فَإِنِّي أَصُونُ وَجْهَك عَنْ الذُّلِّ يَا أَيُّهَا الْبَاغِي نَوَالَ الرِّجَالْ ... وَطَالِبَ الْحَاجَاتِ مِنْ ذِي النَّوَالْ لَا تَحْسَبَنَّ الْمَوْتَ مَوْتَ الْبِلَى ... فَإِنَّمَا الْمَوْتُ سُؤَالُ الرِّجَالْ كِلَاهُمَا مَوْتٌ وَلَكِنَّ ذَا ... أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ ذُلُّ السُّؤَالْ وَفِيهِ أَيْضًا مَنْ سَأَلَ النَّاسَ مِنْ غَيْرِ فَقْرٍ بَلْ لِتَكْثِيرِ الْمَالِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الْجَمْرَ يَعْنِي يُعَاقَبُ بِالنَّارِ وَقَدْ يُجْعَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ يَطْعَمُهُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى صُورَةِ الْجَمْرِ كَمَا يُكْوَى مَانِعُ الزَّكَاةِ بِهَا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَاتَّفَقُوا عَلَى النَّهْيِ عَنْ السُّؤَالِ بِلَا ضَرُورَةٍ وَفِي الْقَادِرِ عَلَى الْكَسْبِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ حَرَامٌ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَالثَّانِي يَحِلُّ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُذِلَّ نَفْسَهُ وَلَا يُلِحَّ فِي السُّؤَالِ وَلَا يُؤْذِيَ الْمَسْئُولَ وَإِلَّا حَرُمَ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْفَيْضِ «وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي بَكْرٍ وَأَبِي ذَرٍّ وَثَوْبَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - لَا تَسْأَلُنَّ» بِضَمِّ اللَّامِ «أَحَدًا شَيْئًا» التَّنْوِينُ لِلتَّحْقِيرِ «وَإِنْ سَقَطَ سَوْطُكَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَثَوْبَانُ يَنْزِلَانِ عِنْدَ سُقُوطِ سَوْطِهِمَا فِي أَجْمَعِ مَا يَكُونُ مِنْ النَّاسِ» أَيْ أَجْمَعِ الْجَمْعِ الَّذِي مِنْ النَّاسِ وَقِيلَ ضَمِيرُ مَا فِي يَكُونُ مِنْهُمْ مُفَسَّرٌ بِقَوْلِهِ مِنْ النَّاسِ أَيْ يَنْزِلَانِ عِنْدَ سُقُوطِهِ فِي أَجْمَعِ أَوْقَاتِ كَوْنِ النَّاسِ عِنْدَهُمَا وَلَا يَسْأَلَانِ أَحَدًا بِأَنْ يَقُولَ نَاوِلُونِيهِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ قَالَ فِي الْحُكْمِ رُبَّمَا اسْتَحْيَا الْعَارِفُ أَنْ يَرْفَعَ حَاجَتَهُ إلَى مَوْلَاهُ

стр. 843

اكْتِفَاءً بِمَشِيئَتِهِ فَكَيْفَ لَا يَسْتَحِيُ أَنْ يَرْفَعَهَا إلَى خَلِيقَتِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ احْتَاجَتْ رَابِعَةٌ فَقِيلَ لَهَا لَوْ أَرْسَلْت إلَى قَرِيبِك فُلَانٍ فَبَكَتْ وَقَالَتْ اللَّهُ أَعْلَمُ أَنِّي أَسْتَحْيِي مِنْ سُؤَالِهِ الدُّنْيَا وَهُوَ يَمْلِكُهَا فَكَيْفَ أَسْأَلُهَا مَنْ لَا يَمْلِكُهَا كَمَا فِي الْفَيْضِ وَأَنَا أَقُولُ إنَّ الْأُسْتَاذَ الْوَالِدَ الْمَرْحُومَ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِغُفْرَانِهِ وَأَسْكَنَهُ فِي فَرَادِيسِ جِنَانِهِ كَانَ مُبْتَلًى بِالْفَقْرِ سِيَّمَا فِي أَوَّلِ حَالِهِ فَعِنْدَ حِكَايَتِهِ مَا جَرَى عَلَيْهِ مِنْ فَقْرِهِ قِيلَ لَهُ هَلْ تَدْعُوا إلَى اللَّهِ بِحُصُولِ كِفَايَتِك قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَدْعُ إلَيْهِ قَطُّ لِأَجْلِ الدُّنْيَا بَلْ كُلَّمَا أَرَدْت ذَلِكَ غَلَبَ عَلَيَّ الْحَيَاءُ وَلَمْ أَقْدِرْ (وَلَا يَقُولَانِ لِلْمُشَاةِ عِنْدَهُمَا نَاوِلْنِيهِ) لِامْتِثَالِهِمَا أَمْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَالَ الِامْتِثَالِ (فَدَلَّ أَنَّ حُرْمَةَ السُّؤَالِ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الْمَالِ بَلْ تَعُمُّ الِاسْتِخْدَامَ خُصُوصًا إنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ) لِأَنَّ جَمِيعَ مَنَافِعِهِ مَمْلُوكٌ لِلْمَوَالِي فَيَكُونُ تَصَرُّفًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنٍ وَذَا لَا يَجُوزُ. (وَأَمَّا صَبِيُّ نَفْسِهِ) مِنْ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ (فَيَجُوزُ اسْتِخْدَامُهُ إنْ كَانَ فَقِيرًا) ضِدَّ غِنَى الْأُضْحِيَّةِ (أَوْ أَرَادَ تَهْذِيبَهُ) أَيْ تَطْهِيرَهُ عَنْ الْأَخْلَاقِ الرَّدِيئَةِ (وَتَأْدِيبَهُ) لِيُعَرِّفَهُ مَا يَنْفَعُ دِينًا أَوْ دُنْيَا قَالَ الْإِيثَارُ عَنْ الذَّخِيرَةِ إذَا مَلَأَ عَبْدٌ أَوْ صَبِيٌّ الْكُوزَ مِنْ مَاءِ الْحَوْضِ وَأَرَاقَ بَعْضَهُ فِي الْحَوْضِ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ ذَلِكَ الْحَوْضِ لِأَنَّهُ خَلَطَ بِهِ مِلْكَهُ وَلَا يُمْكِنُ تَمَيُّزُهُ وَكَذَا لَوْ جَاءَ صَبِيٌّ بِالْكُوزِ مِنْ مَاءٍ مُبَاحٍ لَا يَحِلُّ لِأَبَوَيْهِ أَنْ يَشْرَبَا مِنْهُ إذَا كَانَا غَنِيَّيْنِ لِأَنَّ الْمَاءَ صَارَ مِلْكَهُ بَعْدَ الْأَخْذِ وَلَا يَحِلُّ لَهُمَا الْأَكْلُ مِنْ مَالِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ (وَالضَّرُورَةُ الَّتِي تُبِيحُ السُّؤَالَ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى الْكَسْبِ لِلْمَرَضِ أَوْ الضَّعْفِ) مِنْ نَحْوِ الْهَرَمِ وَالْكِبَرِ (وَلَا يَكُونُ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمٍ) لِأَنَّهُ آخِرُ الْكَسْبِ (وَسُؤَالُ الصَّدَقَةِ) النَّفْلِ (وَالزَّكَاةِ سَوَاءٌ) فِي الْإِبَاحَةِ وَالْحَظْرِ (بِخِلَافِ سُؤَالِ حَقِّهِ مِنْ الدَّيْنِ) لِأَنَّهُ طَلَبُ حَقِّهِ (أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِمَصْرِفِهِ) أَيْ الْمُسْتَحِقِّينَ لَهُ مِمَّنْ هُوَ أَمِينٌ لَهُ (وَاسْتِخْدَامِ مَمْلُوكِهِ وَأَجِيرِهِ وَزَوْجَتِهِ فِي مَصَالِحِ الْبَيْتِ) كَطَبْخِ الطَّعَامِ وَغَسْلِ الْأَوَانِي وَغَسْلِ الثِّيَابِ وَكَنْسِ الْبَيْتِ وَبَسْطِ الْفِرَاشِ وَرَفْعِهِ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ دِيَانَةً لَا قَضَاءً وَلَا يَجُوزُ ضَرْبُهَا عِنْدَ عَدَمِ فِعْلِهَا وَلَا يَجُوزُ اسْتِخْدَامُهَا فِي خَارِجِ الْبَيْتِ وَلَا يَجُوزُ إطَاعَتُهَا لِلزَّوْجِ إنْ أُمِرَ بِهَا لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي. أَقُولُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَخْدُمُ وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ إتْيَانُهَا بِخَادِمَةٍ تَفْعَلُ ذَلِكَ وَالْعُرْفُ مَرْجِعُ ذَلِكَ كُلِّهِ وَفِي التَّنْوِيرِ إنْ امْتَنَعَتْ مِنْ الطَّحْنِ وَالْخَبْزِ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَخْدُمُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهَا بِطَعَامٍ مُهَيَّئٍ وَإِلَّا لَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ امْرَأَةِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهَا كَانَتْ تَعْلِفُ فَرَسَ زَوْجِهَا وَتَكْفِيهِ مُؤْنَتَهُ وَتَسُوسُهُ وَتَدُقُّ النَّوَى لِنَاضِحِهِ وَتَعْلِفُهَا وَتَسْقِي الْمَاءَ وَتَعْجِنُ وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ الْمَعْرُوفِ وَالْمُرُوآتِ الَّتِي أَطْبَقَ النَّاسُ عَلَيْهَا وَهُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَخْدُمُ زَوْجَهَا بِهَذِهِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ وَنَحْوِهَا تَبَرُّعًا وَإِحْسَانًا مِنْهَا إلَى زَوْجِهَا وَحُسْنَ مُعَاشَرَةٍ وَفِعْلَ مَعْرُوفٍ مَعَهُ بِلَا وُجُوبٍ فَلَا تَأْثَمُ بِالتَّرْكِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ إلْزَامُهَا شَيْئًا بَلْ تَفَضُّلِيٌّ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ تَمْكِينُهُ مِنْ نَفْسٍ وَمُلَازَمَةُ الْبَيْتِ (وَتِلْمِيذِهِ بِإِذْنِهِ إنْ كَانَ بَالِغًا أَوْ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ إنْ كَانَ صَبِيًّا) فَإِنَّ الصَّبِيَّ

стр. 844

مَحْجُورٌ عَلَيْهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي مَنَافِعِ نَفْسِهِ إلَّا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ (وَأَقْبَحُ السُّؤَالِ مَا كَانَ بِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى) اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إعْطَاءِ مَنْ يَسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ رِعَايَةً لِجَانِبِ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَمَنْ تَابَعَهُ لَا يُعْطَى لَهُ زَجْرًا لَهُ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ أَقُولُ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْأَصْلُ التَّفْصِيلُ إنَّ السُّؤَالَ مِنْ قَبِيلِ الْجَوَازِ سِيَّمَا الْوَاجِبُ فَيُعْطَى لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لِوَجْهِ اللَّهِ وَإِلَّا فَلَا لِعَدَمِ الصَّلَاحِيَّةِ لَهُ اعْلَمْ أَنَّ مِقْدَارَ الْغِنَى الْمُحَرِّمِ لِلسُّؤَالِ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَفْصِيلٍ وَهُوَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لَا حَقَّ لِابْنِ آدَمَ إلَّا فِي ثَلَاثٍ طَعَامٌ يُقِيمُ بِهِ صُلْبَهُ وَثَوْبٌ يُوَارِي بِهِ عَوْرَتَهُ وَبَيْتٌ يَسْكُنُهُ فَمَا زَادَ فَهُوَ حِسَابٌ؛ هَذِهِ أَجْنَاسُهَا. وَأَمَّا أَقْدَارُهَا فَالثَّوْبُ مَثَلًا يُرَاعَى فِيهِ مَا يَلِيقُ بِذَوِي الدَّيْنِ وَهُوَ ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَقَمِيصٌ وَمِنْدِيلٌ وَسَرَاوِيلُ وَمَدَاسٌ» وَكَذَا أَثَاثُ الْبَيْتِ لَا يُطْلَبُ كَوْنُ الْأَوَانِي مِنْ النُّحَاسِ وَالصُّفْرِ فِيمَا يَكْفِي فِيهِ الْخَزَفُ فَيَقْتَصِرُ مِنْ الْعَدَدِ عَلَى وَاحِدٍ وَمِنْ النَّوْعِ عَلَى أَخَسِّ أَجْنَاسِهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ عَنْ الْعَادَةِ وَأَمَّا الطَّعَامُ فَقَدْرُهُ فِي الْيَوْمِ مُدٌّ وَهُوَ مَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ وَنَوْعُهُ مَا يُقْتَاتُ وَلَوْ الشَّعِيرَ وَالْأُدْمَ عَلَى الدَّوَامِ فَضْلٌ وَقَطْعُهُ بِالْكُلِّيَّةِ إضْرَارٌ وَفِي طَلَبِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ رُخْصَةٌ وَأَمَّا الْمَسْكَنُ فَأَقَلُّهُ مَا يَجْزِي مِنْ حَيْثُ الْمِقْدَارُ وَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ زِينَةٍ ثُمَّ هَذِهِ الْأُمُورُ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ حَقِيقَةً ثُمَّ الْحَاجَةُ إلَيْهَا إمَّا فِي الْحَالِ مِنْ طَعَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ ثَوْبٍ يَلْبَسُهُ أَوْ مَأْوًى يَسْكُنُهُ فَلَا شَكَّ فِي حِلِّ السُّؤَالِ وَأَمَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَثَلَاثُ دَرَجَاتٍ أَمَّا مَا يُحْتَاجُ فِي غَدٍ وَبَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ خَمْسِينَ أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ فَالسَّائِلُ الَّذِي لَهُ وَلِعِيَالِهِ قُوتُ سَنَةٍ فَسُؤَالُهُ حَرَامٌ لِأَنَّ ذَلِكَ غَايَةُ الْغِنَى وَأَمَّا مَا دُونَ السَّنَةِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ السُّؤَالُ إنْ كَانَ غَنِيًّا فِي الْحَالِ إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَ الْفُرْصَةِ فِي الِاسْتِقْبَالِ بِأَنْ لَا يَجِدَ مَنْ لَا يُعْطِيهِ إذَا أَخَّرَ لِأَنَّ الْبَقَاءَ سَنَةً مُمْكِنٌ عَادَةً وَيَدْخُلُ فِيهِ خُرُوجُ طَلَبَةِ الْعُلُومِ فِي الْمَوَاسِمِ لِإِدْخَارِ قُوتِ سَنَةٍ لِأَنَّهُمْ يَتَفَرَّغُونَ لِلْعِلْمِ وَلَا يَعْتَدُّونَ لِلْكَسْبِ وَلَيْسَ لَهُمْ أَمْوَالٌ صَالِحَةٌ لِمَصَارِفِهِمْ الضَّرُورِيَّةِ وَإِنْ كَانَ لِعِلَّةِ خَوْفِ الْعَجْزِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ضَعِيفًا وَكَانَ مَا لِأَجْلِهِ السُّؤَالُ مِنْ ضَعْفِ الْيَقِينِ وَالْإِصْغَاءِ إلَى تَخْوِيفِ الشَّيْطَانِ وَحَالُ مَنْ يَسْأَلُ لِحَاجَةٍ وَرَاءَ يَوْمِهِ وَحَالُ مَنْ مَلَكَ مَالًا مَوْرُوثًا وَادَّخَرَهُ لِحَاجَةٍ وَرَاءَ السَّنَةِ سِيَّانِ فِي كَوْنِهِمَا مِنْ حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الْأَمَلِ وَعَدَمِ الثِّقَةِ بِفَضْلِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَا مُبَاحَيْنِ فِي الْفَتْوَى الظَّاهِرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (طب عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَلْعُونٌ مَنْ سَأَلَ بِوَجْهِ اللَّهِ» تَتِمَّةُ الْحَدِيثِ - «وَمَلْعُونٌ مَنْ يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ ثُمَّ مَنَعَ سَائِلَهُ مَا لَمْ يَسْأَلْ هُجْرًا» - أَيْ قَبِيحًا لَا يَلِيقُ بِالسُّؤَالِ قَالَ الْعِرَاقِيُّ لَعْنَةُ فَاعِلِ ذَلِكَ لَا يُنَاقِضُهَا اسْتِعَاذَةُ النَّبِيِّ بِوَجْهِ اللَّهِ لِأَنَّ مَا هُنَا جَانَبَ طَلَبَ تَحْصِيلِ الشَّيْءِ مِنْ الْمَخْلُوقِ وَذَاكَ فِي سُؤَالِ الْخَالِقِ أَوْ الْمَنْعُ فِي الْأَمْرِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْجَوَازُ فِي الْأُخْرَوِيِّ قِيلَ عَنْ الْهَيْتَمِيِّ فِي رِجَالِ هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ لَمْ أَعْرِفْهُ (د عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ إلَّا الْجَنَّةُ» اُسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ سُؤَالَ اللَّهِ بِوَجْهِهِ مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا مَنْهِيٌّ فَإِنَّهُ تَعَالَى أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا بَلْ يُسْأَلُ بِهِ الْجَنَّةُ نَحْوُ نَسْأَلُك الْجَنَّةَ بِوَجْهِك الْكَرِيمِ وَنَسْأَلُك بِوَجْهِك الْكَرِيمِ أَنْ تُدْخِلَنَا الْجَنَّةَ رُوِيَ نَفْيًا وَنَهْيًا وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا تَسْأَلُوا مِنْ النَّاسِ شَيْئًا بِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى نَحْوَ أَعْطِنِي شَيْئًا بِوَجْهِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْحُطَامِ وَذِكْرُ الْجَنَّةِ إنَّمَا هُوَ لِلتَّنْبِيهِ بِهِ عَلَى الْأُمُورِ الْعِظَامِ لَا لِلتَّخْصِيصِ فَلَا يُسْأَلُ اللَّهُ بِوَجْهِهِ فِي الْأُمُورِ الدَّنِيَّةِ بِخِلَافِ الْأُمُورِ الْعِظَامِ تَحْصِيلًا أَوْ دَفْعًا (وَمِنْ

стр. 845

السُّؤَالِ الْمَذْمُومِ سُؤَالُ الْمَرْأَةِ الطَّلَاقَ أَوْ الْخُلْعَ عَنْ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ) ضَرَرٍ دِينِيٍّ كَتَرْكِ الصَّلَاةِ وَارْتِكَابِ الْفُحْشِيَّاتِ أَوْ دُنْيَوِيٍّ كَالضَّرْبِ بِغَيْرِ وَجْهٍ وَعَدَمِ إنْفَاقِ النَّفَقَةِ اللَّازِمَةِ لَعَلَّ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ تَرْكَ الْقَسْمِ بَيْنَهُنَّ (دت عَنْ ثَوْبَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقَهَا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ» وَشِدَّةٍ «فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» وَقَدْ تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ (وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْمُخْتَلِعَاتِ) أَيْ سَائِلَاتِ الْخُلْعِ (هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَبَأْسٍ فَإِنَّ الْمُطْلَقَ فِي مِثْلِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَإِلَّا فَيَتَعَارَضُ بِمَا قَبْلَهُ وَالنِّفَاقُ هُوَ الْعَمَلِيُّ لَا الِاعْتِقَادِيُّ فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنْهُنَّ قِلَّةُ الرِّضَا وَالصَّبْرِ فَهُنَّ يَنْشُزْنَ عَلَى الرِّجَالِ وَيَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ فَلِذَلِكَ سَمَّاهُنَّ مُنَافِقَاتٍ. هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْجَامِعِ عَنْ ثَوْبَانَ عَلَى تَخْرِيجِ التِّرْمِذِيِّ لَكِنْ فِي شَرْحِهِ كَلَامٌ يُوجِبُ نَوْعَ طَعْنٍ لَعَلَّ ذَلِكَ تَرْكُ طَرِيقَتِهِ الْمَعْهُودَةِ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَعَنْ ابْنِ حَجَرٍ فِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ (وَمِنْهُ سُؤَالُ الْعَبْدِ أَوْ الْأَمَةِ الْبَيْعَ مِنْ الْمَوْلَى مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْفَتَاوَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ السُّؤَالِ (التَّعْزِيرَ وَالتَّأْدِيبَ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَوْ دُونَ التَّعْزِيرِ [الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ سُؤَالُ الْعَوَامّ عَنْ كُنْهِ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ] (الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ سُؤَالُ الْعَوَامّ عَنْ كُنْهِ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى) وَهُوَ مُمْتَنِعٌ اطِّلَاعُهُ عِنْدَ قَوْمٍ وَمُمْكِنٌ عِنْدَ آخَرِينَ وَغَيْرُ وَاقِعٍ عِنْدَ بَعْضٍ وَوَاقِعٌ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ لِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّةً قَالَ الدَّوَانِيُّ غَيْرُ وَاقِعٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَمُمْتَنِعٌ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالصُّوفِيَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ (وَصِفَاتِهِ) أَيْ عَنْ كُنْهِ صِفَاتِهِ وَإِلَّا فَالسُّؤَالُ عَنْ مُطْلَقِهَا لَازِمٌ لِأَنَّهُ كَمَا لَا يُعْرَفُ كُنْهُ ذَاتِهِ لَا يُعْرَفُ كُنْهُ صِفَاتِهِ وَلِذَا قَالُوا حَقَائِقُ صِفَاتِهِ مُتَشَابِهَاتٌ فَإِنْ قِيلَ فَإِذَنْ لَا وَجْهَ لِلتَّخْصِيصِ بِالْعَوَامِّ قُلْنَا فَأَمَّا مَا لَا يُسْأَلُ عَنْهُمَا الْخَوَاصُّ أَوْ لَا يَتَشَوَّشُونَ بِعَدَمِ الْجَوَابِ وَلَا يَبْعُدُ الْجَوَابُ لَهُمْ بِالْإِمْكَانِ قَالَ الدَّوَانِيُّ لِعَدَمِ وُجُودِ بُرْهَانِ الْوَسِيطِ الْعَقْلِيِّ يَجُوزُ الْحَدُّ التَّامُّ الْمُوصِلُ إلَى الْكُنْهِ لَهُ تَعَالَى (وَكَلَامِهِ) حُرُوفٍ أَمْ مَعْنًى قَدِيمٍ أَوْ حَدِيثٍ (وَعَنْ الْحُرُوفِ) حُرُوفِ الْقُرْآنِ وَأَلْفَاظِهِ (أَهِيَ قَدِيمَةٌ) كَمَا لِلْحَنَابِلَةِ (أَمْ مُحْدَثَةٌ) كَمَا نُسِبَ إلَى الْمُحَقِّقِينَ. (وَعَنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ) مِمَّا لَمْ يَبْلُغْهُ فَهْمُهُمْ كَأَنَّهُ يُقَالُ إذَا كَانَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَائِهِ تَعَالَى وَالْقَضَاءُ جَارٍ فِي الْأَزَلِ وَمُمْتَنِعٌ تَخَلُّفُهُ فَمَا فَائِدَةُ السَّعْيِ فِي الْكُسُوبِ وَالْعِبَادَاتِ، وَمَا فَائِدَةُ الِاحْتِرَازِ عَنْ الْمَضَرَّاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُتَشَابِهَاتِ وَالْمُشْكِلَاتِ وَمِنْ حَقِّهِمْ الِاشْتِغَالُ بِالْعِبَادَاتِ وَالتَّسْلِيمُ فِي الْمُتَشَابِهَاتِ وَهُوَ كَسُؤَالِ سَاسَةِ الدَّوَابِّ عَنْ أَسْرَارِ الْمَلِكِ وَهُوَ مُوجِبٌ لِلْعُقُوبَةِ (خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ» عَنْ أَسْرَارِ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ «حَتَّى يُقَالُ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ» يَعْنِي يُوَسْوِسُ الشَّيْطَانُ فِي صَدْرِ أَحَدِكُمْ نَحْوَ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ

стр. 846

وَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَمَنْ خَلَقَ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَى أَنْ يَقُولَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ وَغَرَضُهُ إيقَاعُ الْمَفَاسِدِ وَإِبْطَالُ الْعَقَائِدِ. «فَمَنْ وَجَدَ فِي قَلْبِهِ مِنْ ذَلِكَ» الْقَوْلِ «شَيْئًا» قَلِيلًا «فَلْيَقُلْ آمَنْت بِاَللَّهِ وَرُسُلِهِ» يَعْنِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَالرَّسُولُ ﵊ فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ تَعَالَى وَاحِدٌ كَقَوْلِهِ وَأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا خَالِقَ سِوَاهُ وَأَنَّ وُجُودَهُ مِنْ ذَاتِهِ وَمُسْتَغْنٍ عَنْ الْعَالَمِ (وَفِي رِوَايَةٍ «فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ وَلْيَنْتَهِ» بِأَنْ يَشْرَعَ فِي كَلَامٍ آخَرَ (وَزَادَ د «فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ فَقُولُوا اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ» السَّيِّدُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْحَوَائِجِ « ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] ثُمَّ لِيَتْفُلْ» أَيْ لِيُخْرِجْ الرِّيحَ مَعَ الرِّيقِ مِنْ فِيهِ «عَنْ يَسَارِهِ» اسْتِهَانَةً لِلشَّيْطَانِ الْمُوقِعِ لَهُ فِي ذَلِكَ كَمَنْ وَجَدَ جِيفَةً مُنْتِنَةً فَكَرِهَ رِيحَهَا وَتَفِلَ مِنْ نَتْنِهَا «وَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ» فَلَا يَصِلُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَذَاهُ شَيْءٌ (خ م عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّهُ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قِيلَ وَقَالَ» اسْمَانِ يُطْلَقَانِ عَلَى مَا لَا يَهُمُّ وَلَا يُغْنِي فِي الدِّينِ كَمَا فِي حَدِيثِ كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَحَدِيثِ عَلَامَةُ إعْرَاضِ اللَّهِ عَنْ الْعَبْدِ اشْتِغَالُهُ بِمَا لَا يَعْنِيهِ وَإِنَّ امْرَأً لَوْ ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنْ عُمْرِهِ فِي غَيْرِ مَا خُلِقَ لَهُ لَجَدِيرٌ أَنْ تَطُولَ حَسْرَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ وَلَمْ يَغْلِبْ خَيْرُهُ عَلَى شَرِّهِ فَلْيَتَجَهَّزْ إلَى النَّارِ «وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ» نَحْوِ سُؤَالِ بَنِي إسْرَائِيلَ فِي قِصَّةِ الْبَقَرَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ مِنْ كَثْرَتِهِ مَا يَزِيدُ عَلَى ضَرُورَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَنَحْوِهَا وَإِلَّا فَكَثْرَةُ السُّؤَالِ عَمَّا خَفِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ الدِّينِيَّةِ الضَّرُورِيَّةِ الِاعْتِقَادِيَّةِ وَمُطْلَقِ الْعَمَلِيَّةِ مَأْمُورٌ بِهَا بِنَحْوِ قَوْله تَعَالَى - فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ - «وَإِضَاعَةِ الْمَالِ» فِيمَا يُعَدُّ سَرَفًا وَتَلَفًا وَفِي الْحَدِيثِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ. [الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ السُّؤَالُ عَنْ الْمُشْكِلَاتِ الظَّاهِرَةِ فِي الْأُصُولِ الِاعْتِقَادِيَّةِ] (الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ) (السُّؤَالُ عَنْ الْمُشْكِلَاتِ) الظَّاهِرَةِ عَمَّا أَشْكَلَ فِي الْأُصُولِ الِاعْتِقَادِيَّةِ أَوْ الدَّقِيقَةِ الْخَفِيَّةِ مُطْلَقًا وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ كَمَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي سِيَاقِ كَلَامِهِ (وَمَوَاضِعِ الْغَلَطِ) لَا لِلْغَرَضِ الصَّحِيحِ (بَلْ لِلتَّغْلِيظِ وَالتَّخْجِيلِ) وَإِظْهَارِ الْفَضْلِ أَيْضًا (وَهُوَ حَرَامٌ) إلَّا عَلَى الْمُغَالِطِ الْمُعَانِدِ وَالْمُكَابِرِ الْمُتَعَنِّتِ (د عَنْ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْأُغْلُوطَاتِ» جَمْعُ أُغْلُوطَةٍ وَهِيَ الْمَسَائِلُ الَّتِي لَا تُدْرَكُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَيَقَعُ الْخَصْمُ فِي الْغَلَطِ وَالْخَطَأِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ مَا يُغَالِطُ بِهِ الْعَالِمُ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُشْكِلَةِ لِيُشَوِّشَ فِكْرَهُ وَيَسْتَسْقِطَ رَأْيَهُ لِمَا فِيهَا مِنْ إيذَاءِ الْمَسْئُولِ وَإِظْهَارِ فَضْلِ السَّائِلِ مَعَ عَدَمِ نَفْعِهَا فِي الدِّينِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَحْرِمَ عَبْدَهُ بَرَكَةَ الْعِلْمِ أَلْقَى عَلَى لِسَانِهِ الْمَغَالِيطَ وَكَانَ أَفَاضِلُ الصَّحَابَةِ إذَا سُئِلُوا عَنْ شَيْءٍ قَالُوا أَوَقَعَ فَإِنْ قِيلَ نَعَمْ أَفْتَوْا وَإِلَّا قَالُوا دَعْ حَتَّى يَقَعَ فَمِنْهُمْ

стр. 847

مَنْ كَرِهَهُ مُطْلَقًا حَتَّى قَلَّ فَهْمُ حُدُودِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فَصَارَ حَامِلُ فِقْهٍ غَيْرَ فَقِيهٍ وَهُمْ أَتْبَاعُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَسَّعَ فَتَوَلَّدَتْ مِنْهُ الْأَهْوَاءُ وَالْبَغْضَاءُ وَالتَّبَاهِي فَهَذَا الَّذِي ذَمَّهُ الْعُلَمَاءُ وَأَمَّا فُقَهَاءُ الْحَدِيثِ فَوَجَّهُوا هِمَمَهُمْ إلَى الْبَحْثِ عَنْ مَعَانِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ السَّلَفِ وَالزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ وَنَحْوِهَا مِمَّا فِيهِ صَفَاءُ الْقُلُوبِ وَالْإِخْلَاصُ لِعَلَّامِ الْغُيُوبِ وَهَذَا مَحْمُودٌ وَمَطْلُوبٌ اهـ مُلَخَّصًا قِيلَ فِي سَنَدِ الْحَدِيثِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ مَجْهُولٌ وَعَنْ السَّاجِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي ضُعَفَاءِ الشَّامِ (بِخِلَافِ) (السُّؤَالِ عَنْهَا لِلتَّعَلُّمِ أَوْ لِلتَّعْلِيمِ أَوْ اخْتِبَارِ أَذْهَانِهِمْ) كَامْتِحَانِ الْأُسْتَاذِ أَفْهَامَ التَّلَامِذَةِ (أَوْ تَشْحِيذِهَا) أَيْ تَحْصِيلِ الْحِدَةِ فِيهَا لَعَلَّ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا فِي آخِرِ الْأَشْبَاهِ أَنَّهُ لَمَّا جَلَسَ أَبُو يُوسُفَ لِلتَّدْرِيسِ مِنْ غَيْرِ إعْلَامِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَرْسَلَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَيْهِ رَجُلًا فَسَأَلَهُ عَنْ مَسَائِلَ خَمْسٍ مِنْهَا هَلْ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ بِالْفَرْضِ أَوْ بِالسُّنَّةِ فَقَالَ بِالْفَرْضِ فَقَالَ أَخْطَأْت فَقَالَ بِالسُّنَّةِ فَقَالَ أَخْطَأْت فَتَحَيَّرَ أَبُو يُوسُفَ فَقَالَ الرَّجُلُ بِهِمَا لِأَنَّ التَّكْبِيرَ فَرْضٌ وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ سُنَّةٌ وَتَمَامُهَا فِيهِ وَمِنْهَا أَيْضًا أَلْغَازُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ وَهُوَ أَيْضًا فِي الْفَنِّ الرَّابِعِ مِنْ الْأَشْبَاهِ (أَوْ حَثِّهِمْ) وَإِغْرَائِهِمْ (عَلَى التَّأَمُّلِ) وَالسَّعْيِ فِي اكْتِسَابِ الْعُلُومِ (فَإِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى فَهْمِ الْعِلْمِ وَقَدْ فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ «أَيُّ شَجَرَةٍ إذَا قُطِعَ رَأْسُهَا مَاتَتْ فَوَقَعَ الْقَوْمُ فِي شَجَرَةِ الْبَادِيَةِ ثُمَّ قَالَ ﵊ هِيَ النَّخْلَةُ» وَأَيْضًا عَنْ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَصْحَابِهِ إنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَهِيَ مِثْلُ الْمُؤْمِنِ فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ فَوَقَعَ الْأَصْحَابُ فِي شَجَرِ الْبَادِيَةِ فَلَمْ يَعْرِفُوهَا فَوَقَعَ فِي نَفْسِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَاسْتَحْيَا أَنْ يَسْبِقَ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ ﵊ هِيَ النَّخْلَةُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَذَكَرْت مَا وَقَعَ فِي نَفْسِي لِأَبِي فَقَالَ لَوْ قُلْته كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» فَوَجْهُ الشَّبَهِ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّهَا كَالْإِنْسَانِ فِي اسْتِوَاءِ الْقَامَةِ وَأَنَّ لَهَا أَغْصَانًا كَجَوَارِحِ الْإِنْسَانِ وَأَنَّ لَهَا ثَمَرَةً حُلْوَةً كَالْأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ لِلْإِنْسَانِ وَأَنَّهَا إذَا قُطِعَ رَأْسُهَا يَبِسَتْ كَالْإِنْسَانِ يَمُوتُ عِنْدَ قَطْعِ رَأْسِهِ [الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ الْخَطَأُ فِي التَّعْبِيرِ وَدَقَائِقُ الْخَطَأِ] (الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ الْخَطَأُ فِي التَّعْبِيرِ وَدَقَائِقُ الْخَطَأِ) (م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ» قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ رَجُلٌ كَرْمٌ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا بِمَعْنَى كَرِيمٍ وَسَبَبُ النَّهْيِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ الْعِنَبَ فِي شَجَرَتِهِ كَرْمًا لِأَنَّ الْخَمْرَ الْمُتَّخَذَ مِنْهُ يَحْمِلُ شَارِبَهُ عَلَى الْكَرَمِ فَكَرِهَ ﵊ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ لِئَلَّا يَتَذَكَّرُوا بِهِ الْخَمْرَ وَيَدْعُوَهُمْ حُسْنُ الِاسْمِ إلَى شُرْبِهِ «وَإِنَّمَا الْكَرْمُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ» وَالْمَذْكُورُ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَصَابِيحِ فَإِنَّ الْكَرْمَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ فَقَوْلُهُ الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ إشَارَةٌ إلَى مَا هُوَ الْمُقْتَضِي لِلنَّهْيِ وَالْمَانِعُ مِنْ إطْلَاقِ هَذَا اللَّفْظِ عَلَيْهِ وَتَقْرِيرِهِ أَنَّهُ لَوْ سُمِّيَ بِالْكَرْمِ شَيْءٌ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ سَبَبًا وَمَبْدَأً لَهُ لَكِنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِهَذَا الِاسْمِ هُوَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ الْحَامِلُ عَلَى قَضِيَّةِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ الْقَوِيمَيْنِ لَا الْخَمْرُ الْمُؤَدِّي إلَى اخْتِلَالِ الْعَقْلِ وَفَسَادِ الرَّأْيِ وَإِتْلَافِ الْمَالِ وَصَرْفِهِ لَا عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ (وَزَادَ د فِي رِوَايَةٍ لَهُ) أَيْ لِمُسْلِمٍ

стр. 848

(عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ وَلَكِنْ «قُولُوا الْعِنَبَ وَالْحَبَلَةَ» بِفَتْحِ أَوَّلَيْهِ وَقَدْ يُسَكَّنُ ثَانِيهِ هِيَ أَصْلُ شَجَرِ الْعِنَبِ فَدَلَّ أَنَّ التَّسْمِيَةَ بِالْكَرْمِ وَإِطْلَاقَهُ خَطَأٌ فَإِنْ قِيلَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْأَعْلَامِ هُوَ الْمُسَمَّى الَّذِي هُوَ الذَّاتُ وَمَا ذُكِرَ فِي وَجْهِ مَنْعِهِ إنَّمَا يُلَائِمُ كَوْنَهُ وَصْفًا قُلْنَا نَعَمْ لَكِنْ اعْتَبَرُوا إيهَامَ اللَّفْظِ فِي الْمَنْقُولَاتِ لِمَعَانِيهَا الْأَصْلِيَّةِ كَاسْمِ مُحَمَّدٍ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْتَبَرُ إيهَامُهُ بِمَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ مِنْ كَثْرَةِ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ كَمَا مَرَّ (م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا سَمِعْتُمْ الرَّجُلَ يَقُولُ هَلَكَ النَّاسُ» إعْجَابًا بِنَفْسِهِ وَاعْتِنَاءً بِعِلْمِهِ أَوْ عَمَلِهِ وَاسْتِصْغَارًا لِشَأْنِ النَّاسِ وَازْدِرَاءً لِمَا هُمْ عَلَيْهِ لَا تَفَجُّعًا وَإِشْفَاقًا عَلَيْهِمْ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ «فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ» بِالرَّفْعِ أَيْ أَشَدُّهُمْ هَلَاكًا وَبِالْفَتْحِ أَيْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْهَلَاكِ مِنْ قِبَلَ نَفْسِهِ فَهُوَ جَعَلَهُمْ هَالِكِينَ لَا إنَّهُمْ هَلَكُوا حَقِيقَةً أَوْ فَهُوَ أَهْلَكَهُمْ لِكَوْنِهِ قَنَّطَهُمْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَيَأَّسَهُمْ مِنْ غُفْرَانِهِ قَالَ الْغَزَالِيُّ إنَّمَا قَالَهُ لِأَنَّ الْقَوْلَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُزْدَرٍ لِخَلْقِ اللَّهِ آمِنٌ مِنْ مَكْرِهِ غَيْرُ خَائِفٍ مِنْ سَطْوَتِهِ وَقَهْرِهِ حَيْثُ رَأَى النَّاسَ هَالِكِينَ وَرَأَى نَفْسَهُ نَاجِيًا وَهُوَ الْهَالِكُ تَحْقِيقًا وَيَكْفِيهِ شَرًّا احْتِقَارُ الْغَيْرِ فَالْخَلْقُ يُدْرِكُونَ النَّجَاةَ بِتَعْظِيمِهِمْ إيَّاهُ فَهُمْ مُتَقَرِّبُونَ إلَى اللَّهِ بِالدُّنُوِّ مِنْهُ وَهُوَ حَمُقَ إلَى اللَّهِ بِالتَّنَزُّهِ وَالتَّبَاعُدِ عَنْهُمْ كَأَنَّهُ يَتَرَفَّعُ عَنْ مُجَالَسَتِهِمْ فَمَا أَجْدَرَهُ بِالْهَلَاكِ انْتَهَى كَذَا فِي الْفَيْضِ (هَذَا إذَا قَالَ مُعْجَبًا بِنَفْسِهِ مُزْرِيًا) مُحَقِّرًا (بِغَيْرِهِ وَأَمَّا إذَا قَالَهُ وَهُوَ يَرَى نَفْسَهُ مَعَهُمْ وَهُوَ لِنَفْسِهِ أَشَدُّ احْتِقَارًا مِنْهُ) مِنْ احْتِقَارِهِ (لِغَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ) كَذَا فَسَّرَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - د عَنْ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ» لِأَنَّ كَلِمَةَ الْوَاوِ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ فَتُوهِمُ الشَّرِكَةَ وَالتَّسْوِيَةَ بَيْنَ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَعَبْدِهِ بِخِلَافِ كَلِمَةِ ثُمَّ لِأَنَّهَا لِلتَّرْتِيبِ مَعَ التَّرَاخِي وَعَنْ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ أَعُوذ بِاَللَّهِ وَبِك وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَعُوذُ بِاَللَّهِ ثُمَّ بِك قَالُوا أَوْ يَقُولَ لَوْلَا اللَّهُ ثُمَّ فُلَانٌ لَفَعَلْت كَذَا وَلَا يَقُولُ لَوْلَا اللَّهُ وَفُلَانٌ كَمَا نُقِلَ عَنْ حِلْيَةِ الْأَبْرَارِ وَفِيهِ مُرَاعَاةُ مَوَاقِعِ الْأَلْفَاظِ وَعَدَمُ التَّسَاهُلِ فِي أَمْرِهَا كَمَا عَنْ الْمَوَاهِبِ (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ) فِي فِقْهِ الْحَنَفِيِّ لِلْإِمَامِ مُحَمَّدٍ (يُكْرَهُ) قِيلَ تَحْرِيمًا لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي الْكَمَالَ (أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ فِي دُعَائِهِ بِحَقِّ نَبِيِّك أَقُولُ وَكَذَا كُلُّ مَخْلُوقٍ) يُكْرَهُ الْقَسَمُ بِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْمُلْكِ وَالْعَرْشِ وَالْأَوْلِيَاءِ (لِأَنَّهُ عَلَّلَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ) الْكَرَاهِيَةَ (بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَخْلُوقِ عَلَى الْخَالِقِ) وَهَذَا التَّعْلِيلُ جَارٍ فِي الْجَمِيعِ وَفِي الدُّرَرِ عَنْ الْكَافِي قَالَ لِغَيْرِهِ بِحَقِّ اللَّهِ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ

стр. 849

أَنْ يَأْتِيَ بِهِ شَرْعًا وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ وَقِيلَ لَوْ عَلَّلَ بِمَعْنَى أَنَّ لِلْمَخْلُوقِ عَلَيْك حَقًّا بِمُقْتَضَى جَعْلِكَ لَهُمْ عَلَيْك حَقًّا فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الرَّأْيِ بِمُقَابَلَةِ النَّصِّ عَلَى أَنَّهُ لَا أَقَلَّ مِنْ إبْهَامِ الشَّيْنِ وَيُقِرُّ بِهِ مَا قِيلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَسَمِ بِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ رُتْبَةً عَلِيَّةً وَحَقًّا عَلَيْهِ قَبُولُ شَفَاعَتِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَهُوَ لَا يُنَافِي التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ لِأَنَّ الْمَنْفِيَّ مَا بِحَسَبِ الذَّاتِ وَالْمُثْبَتَ بِحَسَبِ الْجَعْلِ وَأَيْضًا صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِاخْتِصَاصِ الْقَسَمِ بِهِ تَعَالَى وَكَذَا مَا قِيلَ إنَّهُ لَوْ جَعَلَ لَفْظَ الْحَقِّ مَصْدَرًا لَا صِفَةً مُشَبَّهَةً بِمَعْنَى حَقِيقَةِ رُسُلِك فَلَا مَنْعَ لِأَنَّهُ لَا أَقَلَّ مِنْ الْإِيهَامِ عَلَى أَنَّ الْمُتَبَادَرَ هُوَ الصِّفَةُ نَعَمْ لَوْ كَانَ لِلرَّأْيِ فِيهِ مَسَاغٌ لَقُلْنَا الْمُرَادُ بِحَقِّ نَبِيِّك الَّذِي نُبُوَّتُهُ حَقٌّ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ فَيُؤَوَّلُ إلَى نَحْوِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّك» الْحَدِيثَ وَجَوَّزَهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ تَأَمَّلْ فِيهِ وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُهُ فِي بَعْضِ الدَّعَوَاتِ الْمَأْثُورَةِ نَحْوِ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْك وَبِحَقِّ مُحَمَّدٍ عَلَيْك آمِينَ كَمَا فِي الْحِزْبِ الْأَعْظَمِ لِعَلِيٍّ الْقَارِيّ الَّذِي الْتَزَمَ أَنْ لَا يَجْعَلَ فِيهِ شَيْئًا غَيْرَ الْحَدِيثِ وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى مَوْرِدِهِ لَا يُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ لِوُرُودِ مِثْلِهِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ فَتَأَمَّلْ (وَجَوَّزَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَنْ يَقُولَ بِحُرْمَةِ فُلَانٍ) وَفِي الْمُنْيَةِ وَفِي الْآثَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ أَقُولُ بَلْ الِاسْتِحْبَابُ كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْعَارِفِينَ إذَا سَأَلْتُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا فَأَسْأَلُوهُ بِي فَإِنِّي أَنَا الْوَاسِطَةُ الْآنَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ وَعَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمُرْسِيِّ مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَسَّلْ لِقَضَائِهَا بِالْغَزَالِيِّ وَنَحْوُهُ كَثِيرٌ فِي الْكُتُبِ كَالْحِصْنِ الْحَصِينِ (وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ بِمَقْعَدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِك بِتَقْدِيمِ الْعَيْنِ أَوْ تَأْخِيرِهَا) قَالَ فِي الدُّرَرِ وَلَا شَكَّ فِي كَرَاهَةِ الثَّانِيَةِ لِاسْتِحَالَةِ مَعْنَاهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَكَذَا الْأُولَى لِأَنَّهَا تُوهِمُ تَعَلُّقَ عِزِّهِ بِالْعَرْشِ وَالْعَرْشُ حَادِثٌ وَمَا تَعَلَّقَ بِهِ بِهَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ حَادِثًا وَعِزُّ اللَّهِ تَعَالَى قَدِيمٌ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا بَأْسَ بِهِ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو اللَّيْثِ وَلَعَلَّ السِّرَّ فِي تَجْوِيزِهِمَا جَعْلُ الْعِزِّ صِفَةً لِلْعَرْشِ لِأَنَّ الْعَرْشَ مَوْصُوفٌ فِي الْقُرْآنِ بِالْمَجْدِ وَالْكَرَمِ فَكَذَا بِالْعِزِّ قِيلَ إنَّ أَصْلَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُتَشَابِهَ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إنْكَارُهُ (وَفِي الْخُلَاصَةِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ أَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ إيمَانِي كَإِيمَانِ جَبْرَائِيلَ وَلَكِنْ يَقُولُ آمَنْت بِمَا آمَنَ بِهِ جَبْرَائِيلُ) لِأَنَّ الْإِيمَانَ وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ بِحَسَبِ الْكَمِّ لَكِنْ يَقْبَلُ بِحَسَبِ الْكَيْفِ عَلَى التَّحْقِيقِ وَإِيمَانُ جَبْرَائِيلَ أَقْوَى بِلَا شَكٍّ فَلَا وَجْهَ لِلتَّشْبِيهِ (وَفِي السِّرَاجِيَّةِ يُكْرَهُ أَنْ يَدْعُوَ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَالْمَرْأَةُ زَوْجَهَا بِاسْمِهِ) لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَدَبِ (خ م عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي» لِأَنَّ فِي إطْلَاقِ الْخَبَاثَةِ عَلَيْهَا نَوْعُ تَشَاؤُمٍ «وَلَكِنْ لِيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي» عَنْ الْقَامُوسِ لَقِسَتْ نَفْسُهُ إلَى الشَّيْءِ كَفَرِحَ نَازَعَتْهُ إلَيْهِ وَمِنْهُ غَثَتْ وَخَبُثَتْ وَعَنْ الْمُجْمَلِ لَقِسَتْ نَفْسُهُ مِنْ الشَّيْءِ غَثَتْ قِيلَ إنَّمَا كُرِهَ لَفْظُ خَبُثَتْ لِقُبْحِهِ وَلِئَلَّا يَنْسِبَ الْمُسْلِمُ الْخُبْثَ إلَى نَفْسِهِ لَا يَخْفَى أَنَّهُ مُشْتَرَكُ الْوُرُودِ وَأَنَّ مَجْمُوعَ عِلَّتَيْهِ رَاجِعٌ إلَى وَاحِدٍ وَقِيلَ هَذَا وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ لَكِنْ لَمْ يُوجَدْ إطْلَاقُهُ عَلَى خَبَاثَةِ النَّفْسِ فَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ التَّشَاؤُمُ أَصْلًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَيْضًا كَمَا تَرَى لَعَلَّ الْأَوْجَهَ أَنَّ الْخُبْثَ صَرِيحٌ فِي نِسْبَةِ الْخَبَاثَةِ إلَى النَّفْسِ وَاللَّقْسُ وَإِنْ كَانَ الْخُبْثُ مِنْ مَعَانِيهِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ فِي ذَلِكَ لِاحْتِمَالِهِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فَيَجْرِي فِي كُلِّ مَا فِيهِ فُحْشٌ وَخَبَاثَةٌ مُقَايَسَةً أَوْ دَلَالَةً (د عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) وَعَنْ أَبَوَيْهَا (أَنَّهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ جَاشَتْ»

стр. 850

غَثَتْ «نَفْسِي وَلَكِنْ لِيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي» قِيلَ وَجْهُ النَّهْيِ صِيَانَةُ اللِّسَانِ عَنْ الْأَلْفَاظِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي الْمَكَارِهِ وَمَا تَنْفِرُ عَنْهُ الطِّبَاعُ قِيلَ مَرَّ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى قَوْمٍ أَوْقَدُوا نَارًا فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الضَّوْءِ وَلَمْ يَقُلْ يَا أَهْلَ النَّارِ لِأَنَّهُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ يَا أَهْلَ جَهَنَّمَ «وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَا أَكْبَرُ أَمْ أَنْتَ أَكْبَرُ فَقَالَ أَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي وَأَكْبَرُ رُتْبَةً وَأَنَا أَقْدَمُ مِنْك سِنًّا» وَلَمْ يَقُلْ أَنَا أَكْبَرُ مِنْك لِئَلَّا يُوهِمَ الْكِبَرَ فِي الْمَرْتَبَةِ إنَّمَا سَمَّى الْعَرَبُ الْفَلَاةَ مَفَازَةً وَالْعَطْشَانَ نَاهِلًا وَاللَّدِيغَ سَلِيمًا وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ لِلتَّفَاؤُلِ فَإِنَّ الْمَفَازَةَ هِيَ النَّجَاةُ وَالنَّاهِلَ هُوَ الرَّيَّانُ وَالسَّلِيمَ هُوَ ذُو السَّلَامَةِ (مج عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَلَّمَهُ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ فَقَالَ الرَّجُلُ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْت» أَنْتَ «فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ تَعَالَى عِدْلًا» بِالْكَسْرِ مِثْلًا وَمُعَادِلًا «قُلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» مَعْمُولٌ لِلَفْظِ قُلْ؛ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَقْرَبُ إلَيْهِ قَوْلُ الْأَصْحَابِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَتَأَمَّلْ فِي فَرْقِهِمَا وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي هَذَا الرَّدِّ وَالْإِنْكَارِ قَوْلُ الْعَامَّةِ فِي الْأَكْثَرِ إنِّي أَعْلَمُ هَذَا مِنْ اللَّهِ وَمِنْك وَقَوْلُهُمْ أَعْلَمُ هَذَا مِنْ اللَّهِ أَوَّلًا وَمِنْك وَقَوْلُهُمْ أَعْتَمِدُ فِي هَذَا عَلَى اللَّهِ أَوَّلًا وَعَلَيْك ثَانِيًا (خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إمَاءُ اللَّهِ وَلَكِنْ لِيَقُلْ غُلَامِي وَجَارِيَتِي وَفَتَايَ وَفَتَاتِي» لِأَنَّ فِيهِ تَعْظِيمًا لِنَفْسِهِ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ لِلَّهِ قِيلَ إنَّمَا كُرِهَ إذَا قَالَ بِطَرِيقِ التَّطَاوُلِ وَالتَّحْقِيرِ وَإِلَّا فَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ بِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] «وَلَا يَقُولَنَّ الْمَمْلُوكُ رَبِّي وَلَا رَبَّتِي وَلَكِنْ لِيَقُلْ سَيِّدِي وَسَيِّدَتِي فَكُلُّكُمْ عَبِيدٌ وَالرَّبُّ وَاحِدٌ» وَغَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْمَ عَاصِيَةَ) بِنْتِ عُمَرَ (إلَى جَمِيلَةَ) وَرُبَّمَا يَقَعُ هَذَا الِاسْمُ فِي دِيَارِنَا فَيُغَيِّرُهُ عُلَمَاؤُنَا لَكِنَّ السَّابِقَ أَنَّهُ آسِيَةُ لَا عَاصِيَةُ فَلَا يُغَيَّرُ بَلْ يُتَفَاءَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَحَزْنٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ مَا غَلُظَ مِنْ الْأَرْضِ (إلَى سَهْلٍ) وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ (وَعَزِيزٍ) بِمُهْمَلَةِ وِزَاءَيْنِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْغَالِبُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى لَكِنْ يَرُدُّهُ مَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّ التَّسْمِيَةَ بِاسْمِ اللَّهِ يُوجَدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَالْعَلِيِّ وَالْكَبِيرِ وَالرَّشِيدِ وَالْبَدِيعِ جَائِزٌ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ وَيُرَادُ بِهِ فِي حَقِّ الْعِبَادِ غَيْرُ مَا يُرَادُ بِهِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى (وَعَتَلَةَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَوْقِيَّةِ لِأَنَّ الْعَتْلَ الْجَرُّ بِالْعُنْفِ وَالْغِلْظَةِ وَالشِّدَّةِ وَالْمُؤْمِنُ

стр. 851

هَيِّنٌ لَيِّنٌ سَهْلٌ (وَشَيْطَانَ) وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَحَكَمٍ) لِأَنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى (وَغُرَابٍ) لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِعِزَّةِ النَّاسِ أَنْ يُشَارِكُوا طَيْرًا فِي الِاسْمِ وَهُوَ يُعَدُّ مِنْ الدَّنِيءِ بَلْ قَدْ يُتَشَاءَمُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُصِبْ وَلِأَنَّهُ مِنْ الْغُرُوبِ وَهُوَ لَيْسَ بِمُسْتَحْسَنٍ فِي التَّفَاؤُلِ (وَشِهَابٍ) شُعْلَةِ نَارٍ (وَحَرْبٍ إلَى سِلْمٍ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ (وَبَرَّةَ إلَى زَيْنَبَ فَقَالَ لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) فَعُلِمَ مِنْ هَذَا كَرَاهَةُ كُلِّ اسْمٍ يُشْعِرُ بِالتَّزْكِيَةِ (وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ بَرَّةَ) وَمِنْ هَذَا عُلِمَ كَرَاهَةُ كُلِّ اسْمٍ لَا يُسْتَحْسَنُ فِي التَّفَاؤُلِ لَعَلَّ أَنَّ مِثْلَ هَذَا سَمْعِيٌّ تَوْفِيقِيٌّ وَعِلَلُهُ قَاصِرَةٌ لَا مُتَعَدِّيَةٌ أَوْ وَارِدٌ عَلَى خِلَافِ قِيَاسٍ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَإِلَّا فَيَجْرِي أَكْثَرُهَا فِي أَكْثَرِ الْأَسْمَاءِ الْمُرَخَّصَةِ وَالْمَأْذُونَةِ فَافْهَمْ (وَمُرَّةَ) مِنْ الْمَرَارَةِ (إلَى جُوَيْرِيَةَ) تَصْغِيرُ جَارِيَةٍ عَنْ الْمِصْبَاحِ أَصْلُ الْجَارِيَةِ السَّفِينَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِجَرَيَانِهَا فِي الْبَحْرِ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْأَمَةِ الْجَارِيَةُ عَلَى التَّشْبِيهِ لِجَرَيَانِهَا مَسْخَرَةً فِي أَشْغَالِ مَوَالِيهَا وَالْأَصْلُ الشَّابَّةُ لِخِفَّتِهَا ثُمَّ تَوَسَّعُوا فِيهِ حَتَّى سَمُّوا كُلَّ أَمَةٍ جَارِيَةً وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا لَا تَقْدِرُ عَلَى السَّعْيِ تَسْمِيَةً بِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ وَالْجَمْعُ الْجَوَارِي قِيلَ هُنَا وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَمُرَّةَ إلَى جُوَيْرِيَةَ سَهْوٌ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ فَتَدَبَّرْ انْتَهَى لَعَلَّ ذَلِكَ لِأَنَّ تَصْغِيرَ جَارِيَةٍ لَيْسَ بِجُوَيْرِيَةَ بَلْ جُوَيْرَةُ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَوْ جُورِيَةُ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَيْضًا فَتَدَبَّرْ أَيْضًا (وَسَمَّى الْمَضْجَعَ) لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِالْكَسَلِ وَالْبَطَالَةِ (الْمُنْبَعِثَ) لِتَنَاسُبِ التَّضَادِّ (وَ) غَيَّرَ (أَرْضًا تُسَمَّى عَفْرَةَ) الْعَفْرَةُ تُرَابٌ أَوْ وَجْهُ أَرْضٍ أَوْ لَوْنُ تُرَابٍ عَلَى مَا قِيلَ (خَضِرَةَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إلَى خَضِرَةَ أَرْضٍ ذَاتِ عُشْبٍ وَكَثْرَةِ نَبَاتٍ (شَعْبَ الضَّلَالِ إلَى شَعْبِ الْهُدَى) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِلَا لَفْظِ إلَى وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى تَقْدِيرِ لَفْظِ غَيَّرَ (وَ) سَمَّى (بَنِي الزِّينَةَ بَنِي الرِّشْدَةَ وَبَنِي مُغْوِيَةَ) مِنْ غَوَى انْهَمَكَ فِي الضَّلَالِ خِلَافُ الرُّشْدِ (بَنِي رِشْدَةَ) إصَابَةُ الصَّوَابِ (وَ) سَمَّى (أَصْرَمَ) قَبِيلَةً كَالسَّوَابِقِ بِمَعْنَى الْقَطْعِ وَالذَّهَابِ وَالشَّجَاعَةِ (زَرْعَةَ) وِزَانُ هَمْزَةٍ وَثَمَرَةٍ كَثِيرُ الزَّرْعِ قِيلَ إنَّمَا غَيَّرَ هَذِهِ الْأَسَامِيَ لِمَا فِيهَا مِنْ الْإِشْعَارِ بِمَأْخَذِ الِاشْتِقَاقِ كَمَا سَمِعْته آنِفًا لَعَلَّ الْأَصْلَ فِيهِ مَا فِي التتارخانية أَنَّ التَّسْمِيَةَ بِاسْمٍ لَمْ يَذْكُرْهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي عِبَادِهِ وَلَا ذَكَرَهُ رَسُولُهُ وَلَا اسْتَعْمَلَهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَا تَكَلَّمُوا فِيهِ؛ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُقَالَ. انْتَهَى (وَمَنَعَ عَنْ التَّكْنِيَةِ) مِنْ الْكُنْيَةِ (بِأَبِي الْحَكَمِ) قِيلَ لِأَنَّ الْحَكَمَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا وَالِدِيَّةَ لَا يَخْفَى أَنَّ مَا سَمِعْت مِنْ التتارخانية يَصْلُحُ لِصِحَّتِهِ إذْ إطْلَاقُهُ لِغَيْرِهِ تَعَالَى يَكُونُ بِمَعْنًى غَيْرِ مَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ وَأَنَّ الْوَالِدِيَّةَ إنَّمَا تُمْنَعُ عِنْدَ إطْلَاقِهِ لَهُ تَعَالَى وَالْكَلَامُ فِيمَا لِغَيْرِهِ تَعَالَى فَالْأَشْبَهُ مَا أُشِيرَ إلَيْهِ سَابِقًا مِنْ الْمَنْعِ الشَّرْعِيِّ عَلَى عَيْنِهِ كَمَا عَنْ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «لَمَّا وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَدِينَةِ مَعَ قَوْمِهِ سَمِعَهُمْ يُكْنُونَهُ بِأَبِي الْحَكَمِ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵊ فَقَالَ إنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ فَقَالَ إنَّ قَوْمِي إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْت بَيْنَهُمْ فَرَضِيَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ بِحُكْمِي» وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ كَانَ يُغَيِّرُ الِاسْمَ الْقَبِيحَ وَفِي شَرْحِهِ عَنْ النَّوَوِيِّ يُسْتَحْسَنُ تَغْيِيرُ الِاسْمِ الْقَبِيحِ إلَى حَسَنٍ لِهَذِهِ الْأَخْبَارِ قَالَ

стр. 852

فِي التتارخانية كَنَّى ابْنَهُ الصَّغِيرَ بِأَبِي بِكْرٍ وَغَيَّرَهُ كَرِهَهُ بَعْضُهُمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ابْنٌ بِهَذَا الِاسْمِ وَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِلتَّفَاؤُلِ وَأَمَّا التَّكَنِّي بِكُنْيَتِهِ ﵊ فَلَا بَأْسَ وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ قَالَ سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي» فَقِيلَ مَنْسُوخٌ لِأَنَّهُ سَمَّى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ابْنَهُ مُحَمَّدًا وَكَنَّاهُ أَبَا الْقَاسِمِ بِإِذْنِهِ وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لَهُ ﵊ سَمَّيْت ابْنِي مُحَمَّدًا وَكَنَّيْته أَبَا الْقَاسِمِ وَذُكِّرْت أَنَّك تَكْرَهُ ذَلِكَ فَقَالَ أَمَّا الَّذِي حَرَّمَ كُنْيَتِي أَحَلَّ اسْمِي وَأَمَّا الَّذِي أَحَلَّ اسْمِي حَرَّمَ كُنْيَتِي وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ مَنْ سُمِّيَ بِاسْمِ الرَّسُولِ أَكْرَهُ أَنْ يُكَنَّى بِكُنْيَتِهِ (وَقَالَ) رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَقْبَحُ الْأَسْمَاءِ حَرْبٌ وَمُرَّةُ» لِقُبْحِ مَدْلُولِهِمَا عَنْ مُوَطَّإِ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ لِرَجُلٍ مَا اسْمُكَ قَالَ جَمْرَةُ قَالَ ابْنُ مَنْ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ قَالَ مِمَّنْ قَالَ مِنْ الْحُرْقَةِ قَالَ أَيْنَ مَسْكَنُك قَالَ حَرَّةَ النَّارِ قَالَ بِأَيِّهَا قَالَ بِذَاتِ لَظًى قَالَ أَدْرِكْ أَهْلَك فَإِنَّهُمْ قَدْ احْتَرَقُوا وَكَانَ كَمَا قَالَ قِيلَ لَا يُمْكِنُ إدْرَاكُهُ إلَّا بِالْوِلَايَةِ «وَإِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ» أَقْبَحَهُ وَأَذَلَّهُ «عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مَلِكُ الْأَمْلَاكِ» لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ تَعَالَى فَمَنْ سَمَّى بِهِ فَقَدْ نَازَعَ اللَّهَ تَعَالَى فِي رِدَاءِ الْكِبْرِيَاءِ وَمِثْلُهُ مُرَادِفُهُ وَلَوْ بِلُغَةٍ أُخْرَى كشاه شاه وَفِي رِوَايَةٍ «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخْبَثُهُ وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ رَجُلٌ كَانَ يُسَمَّى مَالِكَ الْأَمْلَاكِ» وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَخْنَى وَهُوَ بِمَعْنَى مَا سَبَقَ أَوْ أَفْحَشُ وَأَفْجَرُ وَالْخَنَا الْفُحْشُ وَالْمُرَادُ صَاحِبُ الِاسْمِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُغَيِّرَهُ وَيَأْثَمُ مُسَمِّيهِ بِهِ وَعَنْ النَّوَوِيِّ التَّسَمِّي بِهَذَا الِاسْمِ وَبِمَا يَخْتَصُّ بِهِ تَعَالَى كَالرَّحْمَنِ وَالْقُدُّوسِ وَالْمُهَيْمِنِ وَالْخَالِقِ وَنَحْوِهَا حَرَامٌ وَفِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد «إنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ» وَفِيهِ أَيْضًا «سَمُّوا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ» (وَقَالَ) رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُسَمِّيَنَّ غُلَامَك يَسَارًا» قِيلَ لِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ فِي التَّفَاؤُلِ عِنْدَ قَوْلِك لَا لِمَنْ سَأَلَ عَنْهُ «وَلَا رَبَاحًا» مِنْ الرِّبْحِ «وَلَا نَجِيحًا» مِنْ النُّجْحِ بِمَعْنَى الظَّفَرِ «وَلَا أَفْلَحَ» مِنْ الْفَلَاحِ بِمَعْنَى الظَّفَرِ أَيْضًا وَبِهِ يَضْعُفُ مَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ كَانَ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - غُلَامٌ يُقَالُ لَهُ أَفْلَحَ «وَلَا بَرَكَةَ وَلَا نَافِعًا فَإِنَّكَ تَقُولُ أَثَمَّةَ هُوَ» أَيْ أَحَدُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ (فَيُقَالُ) فِي جَوَابِهِ (لَا) فَيُتَطَيَّرُ بِنَفْيِ أَصْلِ الْمَدْلُولِ وَلَا يُسْتَحْسَنُ فِي التَّفَاؤُلِ قِيلَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُسَمِّيَ الرَّجُلُ أَوْلَادَهُ وَغِلْمَانَهُ بِأَسْمَاءٍ لَا تَضُرُّ فِي التَّفَاؤُلِ وَلَا تُشْعِرُ بِالتَّزْكِيَةِ أَقُولُ لَعَلَّ الصَّوَابَ أَنْ يُقَيَّدَ بِغَيْرِ الْمَأْثُورِ لِأَنَّ نَحْوَ أَحْمَدَ وَمُحَمَّدٍ مِمَّا يُضْمَرُ فِي التَّفَاؤُلِ وَلَا يَخْلُو عَنْ التَّزْكِيَةِ لَكِنْ فِي الْمِنَحِ عَنْ السِّرَاجِيَّةِ وَإِنْ كَانَ أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ عَبْدَ اللَّهِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ لَكِنَّ التَّسْمِيَةَ بِغَيْرِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَوْلَى لِأَنَّ الْعَوَامَّ يُغَيِّرُونَ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ عِنْدَ النِّدَاءِ انْتَهَى أَقُولُ الْأَصْلُ الذَّاتِيُّ لَا يُغَيَّرُ بِالْعَوَارِضِ الْخَارِجِيَّةِ نَعَمْ قَدْ تُغَيَّرُ الْأَحْكَامُ بِتَغَيُّرِ الْأَزْمَانِ فَافْهَمْ [الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ النِّفَاقُ الْقَوْلِيُّ] (الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ) (النِّفَاقُ الْقَوْلِيُّ) لَا الِاعْتِقَادِيُّ وَهُوَ كُفْرٌ (وَهُوَ مُخَالَفَةُ الْقَوْلِ الْبَاطِنَ فِي الثَّنَاءِ وَإِظْهَارُ الْحُبِّ)

стр. 853

فَلِسَانُهُ يَمْدَحُ وَقَلْبُهُ يَقْدَحُ (طب قِيلَ «لِابْنِ عُمَرَ إنَّا نَدْخُلُ عَلَى أُمَرَائِنَا فَنَقُولُ الْقَوْلَ» الْمُوَافِقَ لِأَغْرَاضِهِمْ وَالْمُلَائِمَ لِطِبَاعِهِمْ مِنْ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ وَإِظْهَارِ الْحُبِّ «فَإِذَا خَرَجْنَا قُلْنَا غَيْرَهُ فَقَالَ» ابْنُ عُمَرَ «كُنَّا نَعُدُّ ذَلِكَ نِفَاقًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَفِي لَفْظِ نَعُدُّ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنِفَاقٍ حَقِيقِيٍّ بَلْ كَوْنُهُ نِفَاقًا إنَّمَا هُوَ بِالْعَدِّ لِشَبَهِهِ بِهِ وَفِي لَفْظِ كَانَ إشَارَةٌ إلَى اسْتِمْرَارِهِ فِي ذَلِكَ الْعَهْدِ لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ إنَّمَا هُوَ بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُجَرَّدَ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ ذَمِيمَةٌ بَلْ الدُّخُولَ أَيْضًا إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَقْصُودُ مُجَرَّدُ قَدْرِ اسْتِشْهَادِ الْمَقَامِ نَعَمْ الْكَلَامُ فِي كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ ذَلِكَ فِي قُوَّةِ نَفْيِ الْمُقَيَّدِ وَهُوَ قَدْ يَرْجِعُ لِكُلٍّ مِنْ الْقَيْدِ وَالْمُقَيَّدِ وَفِيهِ بُعْدٌ فَتَأَمَّلْ ثُمَّ نَقُولُ إنَّ هَذَا عِنْدَ سَلَامَتِهِ مِنْ الْمَوَانِعِ وَالْعَوَارِضِ الضَّرُورِيَّةِ كَالْإِكْرَاهِ وَالْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ أَوْ دَفْعِ مَظْلِمَتِهِ الَّتِي لِذَلِكَ الْقَوْلِ الْمُلَائِمِ لِطَبْعِهِ مَدْخَلٌ فِي نُفُوذِ رَجَائِهِ وَقَدْ سَبَقَ بَعْضُ تَفْصِيلِهِ ثُمَّ وَجْهُ الِاحْتِجَاجِ أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ فَإِمَّا تَقْرِيرِيٌّ أَوْ تَصْرِيحِيٌّ وَأَمَّا الْحَمْلُ عَلَى مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ فَبَعِيدٌ فِي مِثْلِهِ جِدًّا (وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ النِّفَاقِ الْقَوْلِيِّ (تَصْدِيقُ الْكَاذِبِ) فِي مُكَاذَبَتِهِ وَلَوْ بِالرَّأْسِ (حذر حب س ت عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَعَاذَك اللَّهُ مِنْ إمَارَةِ السُّفَهَاءِ» بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالسَّفَهُ خِفَّةٌ تَعْتَرِي الْإِنْسَانَ فَتَحْمِلَهُ عَلَى الْعَمَلِ بِخِلَافِ مُوجَبِ الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ (قَالَ) كَعْبٌ «وَمَا إمَارَةُ السُّفَهَاءِ؟ قَالَ ﵊ أُمَرَاءُ يَكُونُونَ بَعْدِي لَا يَهْتَدُونَ بِهَدْيِي» سِيرَتِي وَطَرِيقَتِي «وَلَا يَسْتَضِيئُونَ بِسُنَّتِي» إذْ مِنْ شَأْنِهَا الْإِخْرَاجُ مِنْ الظُّلْمَةِ إلَى النُّورِ «فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ» هَذَا هُوَ مَحَلُّ الِاسْتِشْهَادِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ إنْ كَانَ التَّصْدِيقُ بِالْقَوْلِ وَإِنْ كَانَ تَبَادُرُهُ بِالْقَلْبِ «وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ» وَلَوْ بِالسُّكُوتِ عَلَى ظُلْمِهِمْ سِيَّمَا مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ وَمُكَالَمَتِهِ «فَأُولَئِكَ لَيْسُوا مِنِّي» مِنْ أَهْلِ هَدْيِي وَمِنْ الْعَامِلِينَ بِسُنَّتِي أَوْ مِنْ الْمُسْتَحَقِّينَ لِشَفَاعَتِي أَوْ لَيْسُوا مِنْ أُمَّتِي إنْ حَسَّنُوا ظُلْمَهُمْ الْقَطْعِيَّ «وَلَسْت مِنْهُمْ» كَالتَّأْكِيدِ تَغْلِيظًا وَتَشْدِيدًا «وَلَا يَرِدُونَ عَلَى حَوْضِي» وَكُلُّ الْأُمَّةِ وَارِدَةٌ عَلَى حَوْضِهِ قِيلَ كَمَا لَا يَشْرَبُ مِنْ خَمْرِ الْجَنَّةِ مَنْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَى الْخَمْرِ مَعَ بَقَاءِ إيمَانِهِ فَفِيهِ زِيَادَةُ تَقْبِيحٍ لِتَصْدِيقِ الْكَاذِبِ مَعَ الْعِلْمِ بِحَالِهِ «وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ» بِكَذِبِهِمْ بَلْ يُعْلِنُ كَذِبَهُمْ إنْ قَدَرَ أَوْ يَبْغُضُ عَلَيْهِ بِقَلْبِهِ فَقَطْ إنْ لَمْ يَقْدِرْهُمْ «وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ» بَلْ يَمْنَعُهُمْ مِنْهُ «فَأُولَئِكَ» الْمَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ الْجَلِيلَةِ وَالزُّلْفَى وَالْإِشَارَةُ مَنْ قِبَلِ أُولَئِكَ عَلَى هَدْيٍ مِنْ رَبِّهِمْ «مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ وَسَيَرِدُونَ عَلَى حَوْضِي» فَيَشْرَبُونَ مِنْهُ شَرَابًا لَا ظَمَأَ بَعْدَهُ ثُمَّ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَا كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ النَّاسُ غَادِيَانِ» صِنْفَانِ وَأَصْلُ الْغُدُوِّ السَّيْرُ بِالْغَدَاةِ وَأُرِيدَ مُطْلَقُ السَّيْرِ فَصِنْفٌ «مُبْتَاعٌ» مُشْتَرٍ «نَفْسَهُ» مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ «فَمُعْتِقُهَا» مِنْهُ أَيْ مِنْ عَذَابِهِ «وَ» صِنْفٌ «بَائِعٌ

стр. 854

نَفْسَهُ» بِاتِّبَاعِ الْهَوَى وَتَرْكِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ «فَمُوبِقُهَا» مُهْلِكُهَا (وَقَلَّمَا يَخْلُو عَنْ هَذَا) الصُّنْعِ (مَنْ يَدْخُلُ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَالْكُبَرَاءِ) فِي الِاعْتِقَادِ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (نَعَمْ) اسْتِدْرَاكٌ مِنْ الْمُصَنِّفِ (تَجُوزُ الْمُدَارَاةُ وَهِيَ مَا كَانَتْ لِدَرْءِ الضَّرَرِ وَالشَّرِّ مِمَّنْ يُخَافُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ شَرِّهِ كَأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ ارْتِكَابِ الضَّرَرِ الْقَلِيلِ لِلتَّخَلُّصِ مِنْ الضَّرَرِ الْجَلِيلِ (وَضِدُّهُ الْمُدَاهَنَةُ وَهِيَ مَا كَانَ لِلتَّوَانِي) لِلتَّسَاهُلِ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَالتَّكَاسُلِ فِيهِ (وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ لِأَمْرِ الدِّينِ) لِضَعْفِ دِينِهِ وَأَحْسَنَ مَنْ فَرَّقَ بِأَنَّ الْمُدَارَاةَ إصْلَاحُ الدُّنْيَا أَوْ الدِّينِ بِالدُّنْيَا وَالْمُدَاهَنَةَ إصْلَاحُ الدُّنْيَا بِإِفْسَادِ الدِّينِ (وَقَدْ مَرَّتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ) النِّفَاقُ الْقَوْلِيُّ وَالْمُدَارَاةُ وَالْمُدَاهَنَةُ فِي التَّاسِعِ وَالْأَرْبَعِينَ مِنْ الْآفَاتِ الْقَلْبِيَّةِ (خ م عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) وَعَنْ أَبَوَيْهَا «أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ» فِي الدُّخُولِ «عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَلِتَضَمُّنِ اسْتَأْذَنَ مَعْنَى الدُّخُولِ تَعَلَّقَ لَفْظُ عَلَى بِهِ وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَوَّابٌ لِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ «فَلَمَّا رَآهُ» مِنْ بَعِيدٍ «قَالَ» ﵊ «بِئْسَ» مِنْ أَفْعَالِ الذَّمِّ «أَخُو الْعَشِيرَةِ» أَيْ الْقَبِيلَةِ وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا وَالْجَمْعُ عَشِيرَاتٌ وَعَشَائِرُ «أَوْ بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ» أَيْ قَبِيحٌ فِي قَبِيلَتِهِ إمَّا بِفِرَاسَتِهِ أَوْ بِوَحْيِ رَبِّهِ إنَّمَا أَخْبَرَ بِهِ لِيُتَوَقَّى مِنْ شَرِّهِ لَا لِحَظِّ نَفْسِهِ وَفِيهِ جَوَازُ ذِكْرِ مَسَاوِئ الْخَبِيثِ وَالْأَشْرَارِ لِيُتَحَرَّزَ عَنْهُ «فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ فِي وَجْهِهِ» أَظْهَرَ طَلَاقَ الْوَجْهِ وَبَشَاشَتَهُ بِالْبِشْرِ «وَانْبَسَطَ إلَيْهِ» بِالْكَلَامِ وَالتَّوَجُّهِ وَالِالْتِفَاتِ خِلَافُ الِانْقِبَاضِ وَالْكَفِّ عَنْ الْحَدِيثِ وَعَبُوسَةِ الْوَجْهِ وَمِنْ دَأْبِ الْكَرِيمِ أَنْ يَكُونَ بَشَّاشًا طَلْقَ الْوَجْهِ مُنْبَسِطًا إلَى كُلِّ مَنْ يُقْبِلُ عَلَيْهِ وَيَتَوَجَّهُ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ خَبِيثًا مُخْبِثًا أَوْ عَدُوًّا مُكَاشِرًا وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَمَامُ الْحَدِيثِ «فَلَمَّا انْطَلَقَ» أَيْ ذَهَبَ ذَلِكَ الرَّجُلُ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ حِينَ رَأَيْت الرَّجُلَ قُلْت» أَنْتَ «لَهُ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ تَطَلَّقْت فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْت إلَيْهِ» لِمُجَرَّدِ مَعْرِفَةِ الْحِكْمَةِ لَا لِلْمُنَاقَشَةِ وَالْمُدَافَعَةِ «فَقَالَ يَا عَائِشَةُ مَتَى» اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ «عَهِدْتنِي» أَيْ أَدْرَكْتنِي «فَحَّاشًا» مُبَالَغَةُ الْفُحْشِ أَيْ قَائِلًا لِلْفُحْشِ وَهُوَ الْقَوْلُ السَّيِّئُ لَا يَخْفَى أَنَّ صِيغَةَ الْمُبَالَغَةِ إمَّا بِمَعْنَى أَصْلِ الْفِعْلِ أَوْ النَّفْيُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الِاسْتِفْهَامِ رَاجِعٌ إلَى مَجْمُوعِ الْقَيْدِ وَالْمُقَيَّدِ لَا إلَى الْقَيْدِ فَقَطْ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]- إذْ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْلُ الْفُحْشِ فَضْلًا عَنْ كَثْرَتِهِ وَمُبَالَغَتِهِ يَعْنِي لَا تَجِدِينِي فَحَّاشًا فِي قَوْلِي ذَلِكَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ وَعَلَّلَهُ بِالِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ بِقَوْلِهِ «إنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ» يَعْنِي إنَّهُ رَجُلٌ شِرِّيرٌ وَإِنَّمَا تَطَلَّقَ لَهُ وَجْهِي لِئَلَّا يُصِيبَ شَرُّهُ الْمُسْلِمِينَ ظَاهِرُهُ إنِّي تَرَكْت النُّصْحَ وَمَا يَقْتَضِي إسَاءَتَهُ مِنْ الْإِعْرَاضِ وَالْعَبُوسَةِ اتِّقَاءَ شَرِّهِ مِنْ إضْلَالِ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ الْحَادِثِينَ فِي الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا ذَمِّي

стр. 855

لِلتَّنْفِيرِ عَنْ شَرِّهِ فَبِهَذِهِ النِّيَّةِ لَا يَكُونُ غِيبَةً كَمَا لَا يَكُونُ سُوءُ الظَّنِّ لِلْقَاطِعِ أَوْ الرَّاجِحِ عِنْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَفِي رِوَايَةٍ «إنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ الَّذِينَ يُكْرَمُونَ» بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ «اتِّقَاءَ أَلْسِنَتِهِمْ» قَالَ الْمُحَشِّي فَعُلِمَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَجُوزُ إظْهَارُ الْحُبِّ وَالثَّنَاءِ لِمَنْ يُخَافُ مِنْهُ لِدَفْعِ ضَرَرِهِ وَشَرِّهِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَظْهَرَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ طَلَاقَةَ الْوَجْهِ لِئَلَّا يَكُونَ بَاعِثًا إلَى الْفِتْنَةِ بَيْنَ النَّاسِ وَيُرْوَى اتِّقَاءَ فُحْشِهِ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ هَذَا الرَّجُلُ هُوَ عُيَيْنَةُ بْنُ حُصَيْنٍ وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ حِينَئِذٍ وَإِنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ فَبَيَّنَ لِيَعْرِفَهُ النَّاسُ وَيَتَوَقَّوْا شَرَّهُ وَكَانَ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ يَوْمَ الِارْتِدَادِ وَجِيءَ بِهِ أَسِيرًا إلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَفَ بِنُورِ النُّبُوَّةِ وَذَمَّهُ وَإِنَّمَا أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ تَأَلُّفًا لِأَمْثَالِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُدَارَاةُ مَنْ يُتَّقَى فُحْشُهُ وَجَوَازُ غِيبَةِ الْفَاسِقِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اُذْكُرُوا الْفَاجِرَ بِمَا فِيهِ كَيْ يَحْذَرَهُ النَّاسُ» وَيُقَالُ ثَلَاثَةٌ لَا يَكُونُ لَهُمْ غِيبَةٌ سُلْطَانٌ جَائِرٌ وَفَاسِقٌ مُعْلِنٌ وَصَاحِبُ بِدْعَةٍ [الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ كَلَامُ ذِي اللِّسَانَيْنِ] (الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ) (كَلَامُ ذِي اللِّسَانَيْنِ) (الَّذِي يَتَكَلَّمُ بَيْنَ الْمُتَعَادِيَيْنِ) الْمُتَخَاصِمَيْنِ إيقَادًا لِنِيرَانِ الْخُصُومَةِ وَإِيقَاظًا لِلَهَبِ الْفِتْنَةِ (يُكَلِّمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) مَفْعُولُ يُكَلِّمُ (بِكَلَامٍ يُوَافِقُهُ أَوْ يَنْقُلُ كَلَامَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى الْآخَرِ أَوْ كَانَ يُحَسِّنُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الْمُعَادَاةِ) مَعَ صَاحِبِهِ (وَيُثْنِي عَلَيْهِ) فِيمَا هُوَ عَلَيْهِ (أَوْ يَعِدُ) مِنْ الْوَعْدِ (كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَنْ يَنْصُرَهُ وَهَذَا يَتَضَمَّنُ النِّفَاقَ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ) وَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَسْكُتَ وَلَا يَتَكَلَّمَ أَصْلًا أَوْ يُثْنِيَ عَلَى الْمُحِقِّ مِنْهُمَا فِي حُضُورِهِ وَغَيْبَتِهِ وَبَيْنَ يَدَيْ عَدُوِّهِ (خ م عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي الدُّنْيَا» يَعْنِي مَنْ كَانَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ عَدُوَّيْنِ كَأَنَّهُ صَدِيقُهُ وَيَعِدُهُ أَنَّهُ نَاصِرٌ لَهُ وَيَذُمُّ ذَا عِنْدَ ذَا وَذَا عِنْدَ ذَا وَيَأْتِي قَوْمًا بِوَجْهٍ وَقَوْمًا بِوَجْهٍ عَلَى وَجْهِ الْإِفْسَادِ «كَانَ لَهُ لِسَانَانِ مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» كَمَا كَانَ لَهُ فِي الدُّنْيَا لِسَانَانِ عِنْدَ كُلِّ طَائِفَةٍ قَالَ الْغَزَالِيُّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مُلَاقَاةَ الِاثْنَيْنِ بِوَجْهَيْنِ نِفَاقٌ وَلِلنِّفَاقِ عَلَامَاتٌ مِنْهَا هَذِهِ، نَعَمْ إنْ كَلَّمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكَانَ صَادِقًا لَمْ يَكُنْ ذَا لِسَانَيْنِ فَإِنْ نَقَلَ كَلَامَ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ فَهُوَ نَمَّامٌ ذُو لِسَانٍ وَذَلِكَ شَرٌّ مِنْ النَّمِيمَةِ (خ م دُنْيَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَجِدُونَ مِنْ» جَارَّةٌ تَبْعِيضِيَّةٌ

стр. 856

«شَرِّ عِبَادِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذَا الْوَجْهَيْنِ» فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ «الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِحَدِيثٍ وَهَؤُلَاءِ» جَمَاعَةً أُخْرَى «بِحَدِيثٍ» آخَرَ إذًا الْمُعَادُ الْمُنَكَّرُ غَيْرُ الْأَوَّلِ إذْ هُوَ مَنْبَعُ إيقَاظِ الْفِتْنَةِ وَمَعْدِنُ الْفَسَادِ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ (وَفِي رِوَايَةٍ «يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ» آخَرَ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْإِصْلَاحِ وَإِلَّا فَمَحْمُودٌ [السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ الشَّفَاعَةُ السَّيِّئَةُ] (السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ) (الشَّفَاعَةُ السَّيِّئَةُ) بِأَنْ تُخَالِفَ الشَّرْعَ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ﴾ [النساء: ٨٥] نَصِيبٌ ﴿مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] مِنْ وِزْرِهَا (د طب حك عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ حَالَتْ» مِنْ الْحَيْلُولَةِ «شَفَاعَتُهُ» أَيْ صَارَتْ حَائِلَةً وَمَانِعَةً «دُونَ حَدٍّ» إقَامَتِهِ «مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» فَلَمْ يَقُمْ لِشَفَاعَتِهِ «فَقَدْ ضَادَّ» أَيْ خَالَفَ «اللَّهَ تَعَالَى» هَذَا إذَا شَفَعَ عِنْدَ الْحَاكِمِ بَعْدَ الثُّبُوتِ عِنْدَهُ بِالْبَيِّنَةِ وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ إلَى الشُّهُودِ بِأَنْ يُقَالَ السَّتْرُ أَفْضَلُ فِي الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْمُدَّعِي فِي قَطْعِ الْيَدِ وَالْقِصَاصِ وَحْدِ الْقَذْفِ قَبْلَ الثُّبُوتِ لِدَرْءِ الْحُدُودِ فَيَجُوزُ بَلْ يُسْتَحَبُّ إذَا تَابَ الْجَانِي وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتُبْ فَلَا يَجُوزُ أَصْلًا. وَعَنْ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ لِلنَّوَوِيِّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ ﵊ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ إنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَأَيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْت يَدَهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ «فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ أُسَامَةُ اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقُطِعَتْ» . (وَهِيَ) أَيْ الشَّفَاعَةُ السَّيِّئَةُ (كَثِيرَةٌ مِنْهَا الشَّفَاعَةُ لِتَقْلِيدِ الْقَضَاءِ وَالْإِمَارَةِ) بِكِسْرَةِ الْهَمْزَةِ (وَالتَّوْلِيَةُ) لِلْأَوْقَافِ وَالْوَصَايَا (مُطْلَقًا) أَهْلًا أَوْ لَا (لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ طَلَبِهَا وَ) عَنْ (الشَّفَاعَةِ فِيهَا) وَعَنْ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَلَى رِوَايَةِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «مَنْ ابْتَغَى الْقَضَاءَ وَسَأَلَ فِيهِ شُفَعَاءَ وُكِّلَ إلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَوْ جُبِرَ عَلَيْهِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ مَلَكٌ يُسَدِّدُهُ» . (وَمِنْهَا) (الشَّفَاعَةُ لِلْإِمَامَةِ) فِي الصَّلَاةِ (لِمَنْ لَيْسَ أَهْلًا لَهَا) إمَّا بِسُوءِ الِاعْتِقَادِ كَأَهْلِ الْهَوَى أَوْ لِعَدَمِ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الطَّهَارَةِ بِأَنْ لَا يُبَالِيَ بِالنَّجَاسَةِ الْمَانِعَةِ لِلصَّلَاةِ فِي الْبَدَنِ أَوْ الثَّوْبِ أَوْ الْمَكَانِ أَوْ لِعَدَمِ وُصُولِ مَاءِ الطَّهَارَةِ لِلْأَعْضَاءِ الْوَاجِبِ تَطْهِيرُهَا أَوْ لِعَدَمِ قِرَاءَةِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الصَّلَاةِ فَإِذَا فُقِدَتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ تَحَقَّقَتْ الْأَهْلِيَّةُ كَمَا ذَكَرَ الْمُحَشِّي وَكَذَا الشَّفَاعَةُ لِمَنْ لَا يُرَاعِي تَعْدِيلَ الْأَرْكَانِ (أَوْ وُجِدَ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِهَا مِنْهُ) كَالشَّفَاعَةِ لِمَنْ كَانَتْ إمَامَتُهُ مَكْرُوهَةً مِثْلِ الْفَاسِقِ وَالْأَعْرَابِيِّ وَوَلَدِ الزِّنَا وَالْعَبْدِ وَالْأَعْمَى.

стр. 857

(وَكَذَا) (الْأَذَانُ) لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهُ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ أَوْ مُغَنِّيًا سِيَّمَا عَلَى رَأْيِ الْمُصَنِّفِ أَوْ يَلْحَنُ فِي الْأَذَانِ فَإِذَا كَانَ عَالِمًا بِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ ذَا لَحْنٍ وَتَغَنٍّ تَحَقَّقَتْ الْأَهْلِيَّةُ. (وَالتَّعْلِيمُ) أَيْ تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْلُومٌ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهُ بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ التَّجْوِيدَ أَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَدَيِّنًا فِي حَقِّ أَوْلَادِ النَّاسِ لَعَلَّ ذَلِكَ عِنْدَ وُجُودِ الْأَوْلَى (وَالتَّدْرِيسُ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهُ أَوْ وُجِدَ الْأَوْلَى مِنْهُ بِأَنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ غَيْرَ مُدَاوِمٍ عَلَى الدَّرْسِ وَلَا عِبْرَةَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِالْفَقْرِ بَلْ الْعِبْرَةُ بِالْأَهْلِيَّةِ وَلَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ فَلَا يَغُرَّنَّكَ الْغَرُورُ بِأَنَّ هَذَا فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ وَذَلِكَ لَيْسَ كَذَا فَعَلَيْك الْإِعَانَةُ لِلْمُحْتَاجِ وَكَذَا الْقِرَاءَةُ بِالْأُجْرَةِ حَرَامٌ مُطْلَقًا ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي. وَلَوْ وُجِدَ غَنِيٌّ أَهْلٌ وَفَقِيرٌ لَيْسَ بِأَهْلٍ يَشْفَعُ لِلْأَهْلِ وَلَوْ غَنِيًّا دُونَ غَيْرِهِ وَلَوْ فَقِيرًا كَذَا نُقِلَ عَنْ الْمَوَاهِبِ (وَنَحْوِهَا) مِنْ الشَّفَاعَةِ بِمَا لَا يُوَافِقُ الشَّرْعَ (وَسَبَبُهَا) أَيْ سَبَبُ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ (الْجَهْلُ) بِعَاقِبَتِهَا مِنْ الْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ (وَالطَّمَعِ) فِيهَا يَحْصُلُ مِنْ الْمَشْفُوعِ (وَحُبُّ الْأَقْرِبَاءِ وَالْأَحِبَّاءِ) فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى الشَّفَاعَةِ لَهُمْ فِيمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ بَلْعَمٍ (وَحُبُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحُبُّ نَفْسِهِ أَوْلَى وَأَحَقُّ) مِنْ حُبِّهِمْ لِمَا فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ مِنْ خَيْرِ الدَّارَيْنِ وَمَحَبَّةُ نَفْسِهِ مِنْ السَّعْيِ فِي نَجَاتِهَا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُؤْثِرُ نَفْعَ غَيْرِهِ عَلَى ضَرَرِهِ. (وَ) سَبَبُهَا أَيْضًا (الْحَيَاءُ مِنْ النَّاسِ) إنْ لَمْ يَشْفَعْ يُعَيِّرُونَهُ أَوْ يَنْسُبُونَهُ إلَى مَا لَا يَرْضَى (وَالْحَيَاءُ مِنْ الْخَالِقِ الْمُنْعِمِ الضَّارِّ النَّافِعِ أَقْدَمُ) لِأَنَّ النِّعْمَةَ وَالْخَلْقَ وَالنَّفْعَ وَالضُّرَّ مِنْ أَسْبَابِ الْحَيَاءِ وَاَللَّهُ الْمُعْطِي الْمَانِعُ (وَأَلْزَمُ) مِنْ الْحَيَاءِ مِنْ النَّاسِ لِعَجْزِهِمْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَانْقِطَاعِ الرَّجَاءِ مِنْهُمْ (وَ) سَبَبُهَا أَيْضًا (الْخَوْفُ مِنْ الْعَدَاوَةِ) أَيْ عَدَاوَةِ الْمَشْفُوعِ لَهُ إنْ لَمْ يَشْفَعْ لَهُ (أَوْ) الْخَوْفُ مِنْ (ذَهَابِ الْمَنْصِبِ وَالرِّزْقِ الدَّارِّ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ كَثِيرُ الْخَيْرِ (وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) لِأَنَّك عَرَفْت أَنَّ النَّفْعَ وَالضُّرَّ وَالْعَطَاءَ وَالْمَنْعَ لَيْسَ إلَّا مِنْهُ تَعَالَى وَأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى عِصْيَانِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْوَصْلَةِ إلَى زَخَارِفِ الدُّنْيَا وَتَقْدِيمَ خَوْفِ فَوْتِ الدُّنْيَا عَلَى خَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُوجِبُ إلَّا الْوِزْرَ وَالْوَبَالَ. (وَضِدُّهَا الشَّفَاعَةُ الْحَسَنَةُ) وَهِيَ الشَّفَاعَةُ فِي الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ فِي الشَّرْعِ كَالشَّفَاعَةِ لِإِحْقَاقِ حَقِّ مُسْلِمٍ وَدَفْعِ ضُرٍّ عَنْهُ أَوْ جَلْبِ نَفْعٍ لَهُ وَدَفْعِ ضُرٍّ عَنْهُ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] ظَاهِرُهُ حُصُولُ الْأَجْرِ وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ شَفَاعَتُهُ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ رَاعَى بِهِ حَقَّ مُسْلِمٍ وَدَفَعَ عَنْهُ ضُرًّا أَوْ جَلَبَ لَهُ نَفْعًا ابْتِغَاءً لِوَجْهِ اللَّهِ وَمِنْهَا الدُّعَاءُ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ قَالَ ﵊ «مَنْ دَعَا لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ اُسْتُجِيبَ لَهُ وَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ وَلَك مِثْلُ ذَلِكَ» وَيَقْرَبُ مِنْ الشَّفَاعَةِ الْحَسَنَةِ الدَّلَالَةُ عَلَى الْهُدَى وَالْخَيْرِ وَالْحَسَنَةِ كَقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ وَمَنْ دَعَا إلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ

стр. 858

مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا» . قَالَ الْمُنَاوِيُّ فَأَعْظَمُ الْهُدَى هُدَى مَنْ دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَأَدْنَاهُ هُدًى مَنْ دَعَا إلَى إمَاطَةِ الْأَذَى وَلِذَا عَظُمَ شَأْنُ الْفَقِيهِ الدَّاعِي الْمُنْذِرِ حَتَّى فُضِّلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَلْفِ عَابِدٍ وَلِأَنَّ نَفْعَهُ يَعُمُّ الْأَشْخَاصَ وَالْأَعْصَارَ إلَى يَوْمِ الدِّينِ ثُمَّ قَالَ: (تَنْبِيهٌ) أَخَذَ الْمَقْرِيزِيُّ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ كُلَّ أَجْرٍ حَصَلَ لِلشَّهِيدِ حَصَلَ لِلنَّبِيِّ بِسَبَبِهِ مِثْلُهُ وَالْحَيَاةُ أَجْرٌ فَيَحْصُلُ لِلنَّبِيِّ مِثْلُهَا زِيَادَةً عَلَى مَا لَهُ مِنْ الْأَجْرِ الْخَاصِّ مِنْ نَفْسِهِ عَلَى هِدَايَةِ الْمُهْتَدِي وَعَلَى مَا لَهُ مِنْ الْأُجُورِ عَلَى حَسَنَاتِهِ الْخَاصَّةِ مِنْ الْأَعْمَالِ وَالْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ الَّتِي لَا تَصِلُ جَمِيعَ الْأُمَّةِ وَلَا يَبْلُغُونَ مِعْشَارَ مِعْشَارِهَا فَجَمِيعُ حَسَنَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَأَعْمَالِهِمْ الصَّالِحَةِ فِي صَحَائِفِ نَبِيِّنَا زِيَادَةً عَلَى مَا لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مَعَ مُضَاعَفَةٍ لَا يُحْصِيهَا إلَّا اللَّهُ لِأَنَّ كُلَّ مُهْتَدٍ وَعَامِلٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَحْصُلُ لَهُ أَجْرٌ وَيَتَجَدَّدُ لِشَيْخِهِ فِي الْهِدَايَةِ مِثْلَا ذَلِكَ الْأَجْرِ وَلِشَيْخِ شَيْخِهِ مِثْلَاهُ وَلِلشَّيْخِ الثَّالِثِ أَرْبَعَةٌ وَلِلرَّابِعِ ثَمَانِيَةٌ وَهَكَذَا تُضَاعَفُ كُلُّ مَرْتَبَةٍ بِعَدَدِ الْأُجُورِ الْحَاصِلَةِ بَعْدَهُ لِلنَّبِيِّ وَبِذَلِكَ يُعْرَفُ تَفْضِيلُ السَّلَفِ عَلَى الْخَلْفِ فَإِذَا فَرَضْت الْمَرَاتِبَ عَشْرًا بَعْدَ النَّبِيِّ كَانَ لِلنَّبِيِّ مِنْ الْأَجْرِ أَلْفٌ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ فَإِذَا اهْتَدَى بِالْعَاشِرِ حَادِي عَشَرَ صَارَ أَجْرُ النَّبِيِّ أَلْفَيْنِ وَثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ وَهَكَذَا كُلَّمَا ازْدَادُوا وَاحِدًا يَتَضَاعَفُ مَا كَانَ قَبْلَهُ أَبَدًا انْتَهَى أَقُولُ وَمِثْلُهُ لِلْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ بَلْ كُلُّ مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ وَهُدًى ثُمَّ قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْضًا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. (تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ «مَنْ دَعَا إلَى هُدًى» أَنَّ كُلَّ أَجْرٍ حَصَلَ لِلدَّالِّ وَالدَّاعِي حَصَلَ لِلْمُصْطَفَى مِثْلُهُ زِيَادَةً عَلَى مَا لَهُ مِنْ الْأَجْرِ الْخَاصِّ مِنْ نَفْسِهِ عَلَى دَلَالَتِهِ وَهِدَايَتِهِ لِلْمُهْتَدِي وَعَلَى مَا لَهُ مِنْ الْأُجُورِ عَلَى حَسَنَاتِهِ الْخَاصَّةِ مِنْ الْأَعْمَالِ وَالْمَعَارِفِ وَالْأُجُورِ الَّتِي لَا تَصِلُ جَمِيعُ الْأُمَّةِ إلَى عَرْفِ نَشْرِهَا وَلَا يَبْلُغُونَ عُشْرَ عُشْرِهَا وَهَكَذَا نَقُولُ إنَّ حَسَنَاتِنَا وَأَعْمَالَنَا الصَّالِحَةَ وَعِبَادَاتِ كُلِّ مُسْلِمٍ مُسَطَّرَةٌ فِي صُحُفِ نَبِيِّنَا زِيَادَةً عَلَى مَا لَهُ مِنْ الْأَجْرِ وَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْأُجُورِ بِعَدَدِ أُمَّتِهِ أَضْعَافٌ مُضَاعَفَةٌ لَا تُحْصَى وَيَقْصُرُ الْعَقْلُ عَنْ إدْرَاكِهَا لِأَنَّ كُلَّ مُهْتَدٍ وَدَالٍّ وَعَالِمٍ يَحْصُلُ لَهُ أَجْرٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَتَجَدَّدُ لِشَيْخِهِ فِي الْهِدَايَةِ مِثْلُ ذَلِكَ الْأَجْرِ. وَلِشَيْخِ شَيْخِهِ مِثْلَاهُ وَلِلشَّيْخِ الثَّالِثِ أَرْبَعَةٌ وَالرَّابِعِ ثَمَانِيَةٌ وَهَكَذَا يُضَاعَفُ فِي كُلِّ مَرْتَبَةٍ بِعَدَدِ الْأُجُورِ الْحَاصِلَةِ قَبْلَهُ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْمُصْطَفَى إذَا فُرِضَتْ الْمَرَاتِبُ عَشْرًا بَعْدَ النَّبِيِّ كَانَ لِلنَّبِيِّ مِنْ الْأَجْرِ أَلْفٌ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ فَإِذَا اهْتَدَى بِالْعَاشِرَةِ حَادِيَ عَشَرَ صَارَ أَجْرُ النَّبِيِّ أَلْفَيْنِ وَثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ وَهَكَذَا كُلَّمَا زَادَ وَاحِدٌ يَتَضَاعَفُ مَا كَانَ قَبْلَهُ أَبَدًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَحْصُرُهُ إلَّا اللَّهُ فَكَيْفَ إذَا أُخِذَ مَعَ كَثْرَةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَاحِدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِعَدَدِ الْأُجُورِ الَّتِي تَرَتَّبَتْ عَلَى فِعْلِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكُلُّ مَا يَحْصُلُ لِجَمِيعِ الصَّحَابَةِ حَاصِلٌ بِجُمْلَتِهِ لِلنَّبِيِّ وَبِهِ يَظْهَرُ رُجْحَانُ السَّلَفِ عَلَى الْخَلَفِ وَأَنَّهُ كُلَّمَا ازْدَادَ الْخَلَفُ ازْدَادَ أَجْرُ السَّلَفِ وَتَضَاعَفَ وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذَا الْمَعْنَى وَرُزِقَ التَّوْفِيقَ انْبَعَثَتْ هِمَّتُهُ إلَى التَّعْلِيمِ وَرَغِبَ فِي نَشْرِ الْعِلْمِ لِيُضَاعَفَ أَجْرُهُ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ عَلَى الدَّوَامِ وَيَكُفُّ عَنْ إحْدَاثِ الْبِدَعِ وَالْمَظَالِمِ فَإِنَّهَا تُضَاعَفُ عَلَيْهِ السَّيِّئَاتُ بِالطَّرِيقِ الْمَذْكُورِ مَا دَامَ يَعْمَلُ بِهَا عَامِلٌ فَلْيَتَأَمَّلْ الْمُسْلِمُ هَذَا الْمَعْنَى وَسَعَادَةَ الدَّالِّ عَلَى الْخَيْرِ وَشَقَاوَةَ الدَّالِّ عَلَى الشَّرِّ. وَقَدْ مَرَّ بَعْضُ هَذَا فِي حَدِيثِ مَنْ دَعَا انْتَهَى أَقُولُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ فِي حَدِيثِ «مَنْ سَنَّ سُنَّةً» وَلَا يَخْفَى أَنَّ الشَّفَاعَةَ الْحَسَنَةَ وَالسَّيِّئَةَ مُلْحَقَتَانِ بِهَا. (خ م عَنْ أَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» هَكَذَا فِي النُّسَخِ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ «جَالِسًا فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ» شَيْئًا مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ «فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ» الشَّرِيفِ الْمُبَارَكِ قَبْلَ الْجَوَابِ لِلسَّائِلِ. «وَقَالَ اشْفَعُوا» لِأَرْبَابِ الْحَوَائِجِ الْمُبَاحَةِ كَدَفْعِ ظُلْمٍ وَتَخْلِيصِ عَطَاءٍ وَنَحْوِهِمَا وَكَذَا فِي الْعَفْوِ عَنْ ذَنْبٍ لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُذْنِبُ مُصِرًّا وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ لِيَرْتَدِعَ عَنْ الذَّنْبِ وَالْإِصْرَارِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ اشْفَعُوا فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ أَخِيكُمْ «تُؤْجَرُوا» بِمُجَرَّدِ الشَّفَاعَةِ قُبِلَتْ أَوْ لَا بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى الْقَبُولِ «وَيَقْضِي اللَّهُ» يَحْكُمُ «عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ»

стр. 859

مِنْ الْأَمْرِ «مَا شَاءَ» يَعْنِي أَنَّ قَضَاءَ حَاجَةِ مَنْ شَفَعَ بِتَقْدِيرِهِ تَعَالَى كَمَا أَنَّ عَدَمَهُ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «مَنْ قَضَى لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ حَاجَةً كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ كَمَنْ خَدَمَ اللَّهَ حَجَّ وَاعْتَمَرَ» وَفِي رِوَايَةٍ «كَمَنْ خَدَمَ اللَّهَ عُمُرَهُ» . (وَفِي رِوَايَةٍ «كَانَ إذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ فَقَالَ اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا» عَلَيْهَا ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِيَ (الْحَدِيثِ) السَّابِقِ (د عَنْ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا» يُثِبْكُمْ اللَّهُ عَلَى الشَّفَاعَةِ وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ فِيمَا لَا حَدَّ فِيهِ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ. قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْخَيْرِ بِالْفِعْلِ وَالنَّسَبِ قَالَ فِي الْأَذْكَارِ تُسْتَحَبُّ الشَّفَاعَةُ إلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ ذَوِي الْحُقُوقِ مَا لَمْ تَكُنْ فِي حَدٍّ أَوْ فِي أَمْرٍ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ كَالشَّفَاعَةِ إلَى نَاظِرِ طِفْلٍ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ وَقْفٍ فِي تَرْكِ بَعْضِ حَقِّ مَنْ فِي وِلَايَتِهِ فَشَفَاعَتُهُ مُحَرَّمَةٌ وَفِي الْجَامِعِ عَلَى تَخْرِيجِ ابْنِ عَسَاكِرَ عَلَى رِوَايَةِ مُعَاوِيَةَ عَلَى أَنَّ هَذَا تَمَامُ الْحَدِيثِ وَفِيهِ عَلَى تَخْرِيجِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى زِيدَ قَوْلُهُ «وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ» قَالَ فِي شَرْحِهِ فَاشْفَعُوا لِمَنْ عَرَضَ حَاجَةً يَحْصُلْ لَكُمْ أَجْرُ الشَّفَاعَةِ وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ فَإِنْ قُبِلَ أَوْ لَمْ يُقْبَلْ فَبِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا مِنْ مَكَارِمِ أَخْلَاقِ الْمُصْطَفَى لِيَصِلُوا جَنَاحَ السَّائِلِ وَطَالِبِ الْحَاجَةِ وَهُوَ تَخَلُّقٌ بِأَخْلَاقِهِ تَعَالَى حَيْثُ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ «اشْفَعْ تُشَفَّعْ» فَفِيهِ حَثٌّ عَلَى الشَّفَاعَةِ وَدَلَالَةٌ عَلَى عِظَمِ ثَوَابِهَا وَالْأَمْرُ لِلنَّدْبِ وَرُبَّمَا يَعْرِضُ لَهُ مَا يَعْرِضُ فَتَصِيرُ الشَّفَاعَةُ وَاجِبَةً انْتَهَى «فَإِنِّي أُرِيدُ الْأَمْرَ» الَّذِي أَسْأَلُ فِيهِ «فَأَدَّخِرُهُ» أَيْ لَا أَفْعَلُهُ حَالًا لِيَحْصُلَ لَكُمْ الْأَجْرُ بِالشَّفَاعَةِ «كَيْمَا» لَفْظَةُ مَا زَائِدَةٌ «تَشْفَعُوا فَتُؤْجَرُوا» أَيْ يَحْصُلُ لَكُمْ الْأَجْرُ وَالثَّوَابُ بِسَبَبِ الشَّفَاعَةِ يَعْنِي أَنْتَظِرُ فِي حُصُولِ الْأَمْرِ إلَى شَفَاعَتِكُمْ لِيَحْصُلَ لَكُمْ أَجْرُ الشَّفَاعَةِ. قَالَ فِي بُسْتَانِ الْعَارِفِينَ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ شَفَاعَةٌ حَسَنَةٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «خَيْرُ النَّاسِ مَنْ يَنْفَعُ النَّاسَ» وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَسْأَلُنِي فَأَمْنَعُهُ لِكَيْ تَشْفَعُوا فَتُؤْجَرُوا» يَعْنِي عِنْدَ سُؤَالِ الرَّجُلِ مِنِّي شَيْئًا أَمْنَعُهُ لِكَيْ تَشْفَعُوا فَتُؤْجَرُوا. وَقَالَ الْحَسَنُ الشَّفَاعَةُ الْحَسَنَةُ يَجْرِي أَجْرُهَا لِصَاحِبِهَا مَا جَرَتْ مَنْفَعَتُهَا وَيُقَالُ لِكُلِّ شَيْءٍ صَدَقَةٌ وَصَدَقَةُ الرِّيَاسَةِ الشَّفَاعَةُ وَإِعَانَةُ الضُّعَفَاءِ. وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ مَنْ كَانَ دَخَّالًا عَلَى الْأُمَرَاءِ وَلَا يَكُونُ مُشَفَّعًا فَهُوَ ضَالٌّ دَعِيٌّ وَرُوِيَ أَنَّهُ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَى دَاوُد أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي يَأْتِي بِحَسَنَةٍ فَأُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ قَالَ يَا رَبِّ وَمَا تِلْكَ الْحَسَنَةُ قَالَ مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ انْتَهَى [السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ الْأَمْرُ بِالْمُنْكَرِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمَعْرُوفِ] (السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ الْأَمْرُ بِالْمُنْكَرِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] أَيْ مُتَشَابِهَةٌ فِي النِّفَاقِ وَالْبَعْدِ عَنْ الْإِيمَانِ كَأَبْعَاضِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٦٧] بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٦٧] بِالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ (وَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَمْرُ بِالظُّلْمِ وَإِعَانَةُ الظَّلَمَةِ عَلَى ظُلْمِهِمْ بِالْقَوْلِ وَضِدِّهِ) وَهُوَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ (فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ) فَلَوْ أَقَامَهُ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ وَإِلَّا أَثِمَ الْكُلُّ (عِنْدَ الْقُدْرَةِ بِلَا ضَرَرٍ) لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ نَعَمْ لَوْ اقْتَحَمَ ذَلِكَ وَخَاضَ مَعَهُ بَذْلًا لِنَفْسِهِ لِلَّهِ تَعَالَى أُجِرَ وَلِلْمَالِ إنْ كَانَ لَهُ فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ

стр. 860

فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِرِضَاهُ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ. وَفِي بُسْتَانِ أَبِي اللَّيْثِ إنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ عَلَى الْقَبُولِ فَوَاجِبٌ وَلَوْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ إنْ شَفَعَ قَذَفُوهُ وَشَتَمُوهُ فَتَرْكُهُ أَفْضَلُ وَكَذَا ضَرْبُهُمْ إنْ لَمْ يَصْبِرْ بَلْ يَكُونُ بَاعِثًا لِلْعَدَاوَةِ وَلَوْ عَلِمَ صَبْرَهُ عَلَى ضَرْبِهِمْ وَعَدَمِ اشْتِكَائِهِ لِأَحَدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ جِهَادٌ وَمِنْ عَمَلِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَوْ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَهُ وَلَا يَضْرِبُونَهُ وَيَشْتُمُونَهُ فَمُخَيَّرٌ وَالْأَفْضَلُ الْأَمْرُ وَقَالُوا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ تَابِعٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ فَإِنْ وَاجِبًا فَوَاجِبٌ وَإِنْ نَدْبًا فَنَدْبٌ وَإِنْ سُنَّةً فَسُنَّةٌ وَإِنْ فَرْضًا فَفَرْضٌ قِيلَ وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ فَوَاجِبٌ كُلُّهُ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمُنْكَرِ تَرْكُهُ وَاجِبٌ أَقُولُ فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِمَا قَالَ الْمُحَقِّقُ الدَّوَانِيّ إنَّ الْمُنْكَرَ إنْ كَانَ حَرَامًا وَجَبَ النَّهْيُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا كَانَ النَّهْيُ عَنْهُ مَنْدُوبًا (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٠٤] لَفْظَةُ مِنْ بَيَانِيَّةٌ أَيْ كُونُوا أُمَّةً يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ فَيَجِبُ عَلَى كُلٍّ عَيْنًا وَلَوْ فَاسِقًا كَمَا يَأْتِي مُفَصَّلًا وَالْأَكْثَرُ تَبْعِيضِيَّةٌ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَهُ الْكُلُّ بَلْ مَنْ عَلِمَ الْمَعْرُوفَ وَالْمُنْكَرَ وَكَيْفِيَّةَ تَرْتِيبِ الْأَمْرِ وَالْمُبَاشَرَةِ فَإِنَّ الْجَاهِلَ قَدْ يَعْكِسُ وَيَغْلُظُ فِي مَقَامِ اللِّينِ وَبِالْعَكْسِ وَرُبَّمَا يُنْكِرُ عَلَى مَنْ يَزِيدُ الْمُنْكَرَ فَلَا يَصْلُحُ لَهُ كُلُّ أَحَدٍ بَلْ لَهُ شُرُوطٌ كَالْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ وَمَرَاتِبِ الِاحْتِسَابِ وَكَيْفِيَّةِ إقَامَتِهَا وَالتَّمَكُّنِ مِنْ الْقِيَامِ بِهَا. وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ قَالُوا هُنَا خَمْسُ مَرَاتِبَ الْأُولَى التَّعْرِيفُ الثَّانِيَةُ الْوَعْظُ بِالْكَلَامِ اللَّطِيفِ فَهُمَا لَا يَحْتَاجَانِ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ الثَّالِثَةُ السَّبُّ وَالْعُنْفُ بِلَا فُحْشٍ بِنَحْوِ يَا جَاهِلُ يَا أَحْمَقُ أَلَا تَخَافُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَلْزَمُ إذْنُهُ أَيْضًا الرَّابِعَةُ الْمَنْعُ بِالْقَهْرِ كَكَسْرِ الْمَلَاهِي وَإِرَاقَةِ الْخَمْرِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِذْنِ أَيْضًا إذْ الْمُسْلِمُونَ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا الْخَامِسُ التَّهْدِيدُ وَالتَّخْوِيفُ بِالضَّرْبِ أَوْ مُبَاشَرَتِهِ فَيُحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ وَأَلَّا يَنْجَرَّ إلَى الْقِتَالِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَذَا فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ لَكِنْ لَا يُلَائِمُهُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ وَيُقِيمُ التَّعْزِيرَ كُلُّ وَاحِدٍ حَالَ مُبَاشَرَةِ الْمَعْصِيَةِ بِلَا حَاجَةٍ إلَى الْحَاكِمِ فَتَأَمَّلْ. ثُمَّ قَالَ فِيهِ تَفْصِيلٌ فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ فَلَهُ حِسْبَةٌ لِوَالِدِهِ بِالْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ وَفِي الثَّالِثِ يُنْظَرُ إلَى قُبْحِ الْمُنْكَرِ وَإِلَى مِقْدَارِ الْأَذَى وَالسَّخَطِ فَإِنَّ الْمُنْكَرَ فَاحِشًا وَسَخَطَهُ قَرِيبًا كَإِرَاقَةِ خَمْرِ مَنْ لَا يَشْتَدُّ غَضَبُهُ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ وَإِنَّ الْمُنْكَرَ قَرِيبًا وَالسَّخَطَ شَدِيدًا كَكَسْرِ آنِيَةِ بِلَّوْرٍ عَلَيْهَا صُورَةُ حَيَوَانٍ فَيُكْتَفَى بِالْأَوَّلَيْنِ وَكَذَا الرَّعِيَّةُ مَعَ السُّلْطَانِ فَبِالْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَيُنْظَرُ إلَى تَفَاحُشِ الْمُنْكَرِ وَحَالِ الْمُحْتَسِبِ مَعَ الْإِمَامِ وَأَمَّا الْأُسْتَاذُ فَإِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ لَا يَجِبُ عَلَى التِّلْمِيذِ احْتِرَامُهُ ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] عَامٌّ إلَى مَا فِيهِ صَلَاحٌ دِينِيٌّ أَوْ دُنْيَوِيٌّ ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] الْمَخْصُوصُونَ بِكَمَالِ الْفَلَاحِ «سُئِلَ ﵊ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ فَقَالَ؟ آمَرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأَتْقَاهُمْ لِلَّهِ وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ» . وَفِي الْأَخْبَارِ كَلَامُ ابْنِ آدَمَ كُلُّهُ عَلَيْهِ لَا لَهُ إلَّا أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيًا عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ ذِكْرَ اللَّهِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (م عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا» مَا لَيْسَ فِيهِ رِضَاهُ تَعَالَى مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ «فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» هُوَ أَقْوَى الْأَنْوَاعِ إنْ كَانَ مِمَّا يُزَالُ بِالْيَدِ كَكَسْرِ آلَةِ اللَّهْوِ وَآنِيَةِ الْخَمْرِ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ شَرْعًا. وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ عَقْلًا ثُمَّ إنْ عَلِمَ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ فَكِفَايَةٌ وَإِلَّا فَعَيْنٌ كَمَا فِي الْفَيْضِ «فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ» الْإِنْكَارَ بِيَدِهِ بِأَنْ يَظُنَّ لُحُوقَ ضَرَرٍ بِهِ لِكَوْنِ فَاعِلِهِ أَقْوَى مِنْهُ «فَ» الْوَاجِبُ تَغْيِيرُهُ «بِلِسَانِهِ» كَاسْتِغَاثَةٍ أَوْ تَوْبِيخٍ أَوْ تَذْكِيرٍ بِاَللَّهِ أَوْ إغْلَاظٍ إنْ مِنْ أَهْلِهِ فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ ظَاهِرًا كَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَلَمْ يَخْتَصَّ بِالْعُلَمَاءِ وَإِلَّا فَمُخْتَصٌّ بِهِمْ أَوْ بِمَنْ عَلِمَهُ مِنْهُمْ وَأَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ مَجْمَعًا عَلَيْهِ أَوْ يَعْتَقِدَ فَاعِلُهُ تَحْرِيمَهُ أَوْ حِلَّهُ وَضَعْفَ شُبْهَتِهِ جِدًّا كَنِكَاحِ مُتْعَةٍ وَلَا يُنَاقِضُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] لِأَنَّ مَعْنَاهُ إذَا كُلِّفْتُمْ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ لَا يَضُرُّكُمْ تَقْصِيرُ غَيْرِكُمْ. «فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ» لِوُجُودِ مَانِعٍ كَخَوْفِ فِتْنَةٍ أَوْ خَوْفٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ مَالٍ مُحْتَرَمٍ أَوْ شَهْرِ سِلَاحٍ «فَبِقَلْبِهِ» يُنْكِرُهُ وُجُوبًا بِأَنْ يَكْرَهَهُ

стр. 861

وَيَعْزِمَ أَنْ لَوْ قَدَرَ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فَعَلَ وَهَذَا وَاجِبٌ عَيْنًا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ بِخِلَافِ الَّذِي قَبْلَهُ فَأَفَادَ الْخَبَرُ وُجُوبَ تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ بِكُلِّ طَرِيقٍ مُمْكِنٍ فَلَا يَكْفِي الْوَعْظُ لِمَنْ يُمْكِنُهُ إزَالَتُهُ بِيَدِهِ وَلَا الْقَلْبُ لِمَنْ يُمْكِنُهُ بِاللِّسَانِ. «وَذَلِكَ» أَيْ مَا بِالْقَلْبِ «أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» أَيْ خِصَالِهِ أَوْ آثَارِهِ وَثَمَرَاتِهِ فَالْمُرَادُ بِهِ حَقِيقَتُهُ مِنْ التَّصْدِيقِ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ وَصَلَاحُ الْإِيمَانِ وَجَرَيَانُ شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ إنَّمَا يَسْتَمِرُّ عِنْدَ اسْتِحْكَامِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِمَعْنَى ضَعْفِ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ وَأَنَّ الْأَصَحَّ زِيَادَتُهُ مِنْ حَيْثُ الْقُوَّةُ وَنُقْصَانُهُ مِنْ حَيْثُ الضَّعْفُ (وَهَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي كَوْنِ الْوُجُوبِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ عَلَى كُلِّ شَخْصٍ) لِأَنَّ كَلِمَةَ مَنْ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ وَالْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ فَالْوُجُوبُ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ (وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ) قِيلَ (وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى) . وَفِي الصُّرَّةِ عَنْ ابْنِ الْمَلِكِ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا وَهُوَ مَا لَيْسَ فِيهِ رِضَا اللَّهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَالْمَعْرُوفُ ضِدُّهُ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بِالْيَدِ لِكَوْنِ فَاعِلِهِ أَقْوَى مِنْهُ فَلْيُغَيِّرْهُ بِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَنْعِ بِالْقَوْلِ فَلْيُغَيِّرْهُ بِقَلْبِهِ أَيْ فَلْيَكْرَهْهُ بِقَلْبِهِ» . (وَقَالَ بَعْضُهُمْ التَّغْيِيرُ بِالْيَدِ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَالْحَاكِمِ) إذْ ذَلِكَ مِنْ الْغَيْرِ رُبَّمَا يُفْضِي إلَى الْفِتْنَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ (وَبِاللِّسَانِ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَبِالْقَلْبِ عَلَى الْعَوَامّ) فِي التتارخانية أَنَّهُ اخْتِيَارُ الزَّنْدَوَسْتِيِّ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمْنَا عَلَى الْفَتَاوَى أَنَّهُ يُقِيمُ التَّعْزِيرَ كُلُّ أَحَدٍ حَالَ مُبَاشَرَةِ الْمَعْصِيَةِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ إذْ التَّغْيِيرُ بِالْيَدِ شَأْنُ الْأُمَرَاءِ وَبِاللِّسَانِ شَأْنُ الْعُلَمَاءِ فَكُلُّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى التَّغْيِيرِ بِالْيَدِ مُلْحَقٌ بِالْأُمَرَاءِ فَكَذَا الْأَخِيرَانِ كَيْفَ وَقَدْ يَعْرِضُ عَارِضٌ فَيَكُونُ مَا بِاللِّسَانِ بَلْ مَا بِالْقَلْبِ مُتَعَيِّنًا لِلْأُمَرَاءِ وَكَذَا الْأَخِيرَانِ فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ (وَهُوَ) أَيْ الْوُجُوبُ عَلَى هَذَا التَّوْزِيعِ (الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) ظَاهِرُهُ كَوْنُهُ رِوَايَةً غَيْرَ مَشْهُورَةٍ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ (فَلِذَا أَوْجَبَ) إلَخْ ظَاهِرٌ فِي كَوْنِ قَوْلِهِ مُطْلَقًا وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (الضَّمَانُ فِي كَسْرِ الْمَعَازِفِ إنْ كَانَ لَهَا قِيمَةٌ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ صَلَاحِيَّتِهَا لِلَّهْوِ) كَقِيمَتِهَا قَصْعَةً (وَكَانَ) ذَلِكَ الْكَسْرُ (بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ) وَكَذَا الْحُكَّامُ فَأَوْجَبَ الضَّمَانَ بِشَرْطَيْنِ: الْقِيمَةُ بِدُونِ

стр. 862

صَلَاحِيَةِ اللَّهْوِ وَكَوْنُ الْكَسْرِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَإِذَا عُدِمَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَلَا ضَمَانَ عِنْدَهُ أَيْضًا وَعِنْدَهُمَا لَا يَضْمَنُ مُطْلَقًا وَعَنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِصَدْرِ الْإِسْلَامِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهَا الْكَثْرَةُ الْفَسَادُ بَيْنَ النَّاسِ. وَكَذَا فِي الزَّيْلَعِيِّ وَالْخُلَاصَةِ وَالدُّرَرِ وَفِي قَاضِي خَانْ إنْ أَتْلَفَ آلَاتِ اللَّعِبِ كَالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ فَإِنْ بِأَمْرِ الْقَاضِي لَا يَضْمَنُ وَعِنْدَهُمَا مُطْلَقًا وَفِي الْخُلَاصَةِ لَا ضَمَانَ عَلَى كَاسِرِ دِنَانِ الْخَمْرِ وَكَذَا لَا ضَمَانَ فِي إرَاقَةِ خُمُورِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَكَسْرِ دِنَانِهَا وَشَقِّ زُقَاقِهَا إذَا أَظْهَرُوهَا وَشَرَطَ فِي الْعُيُونِ كَوْنَهُ بِرَأْيِ الْإِمَامِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة رَجُلٌ أَظْهَرَ الْفِسْقَ فِي دَارٍ يُتَفَقَّدُ إلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَكُفَّ عَنْهُ فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي حَبْسِهِ أَوْ تَأْدِيبِهِ بِضَرْبِ سِيَاطٍ أَوْ إزْعَاجٍ عَنْ دِيَارِهِ. وَفِي الْخُلَاصَةِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَحْرَقَ بَيْتَ الْخَمَّارِ وَالْإِمَامُ الزَّاهِدُ الصَّفَّارُ أَمَرَ بِتَخْرِيبِ دَارِ الْفَاسِقِ ثُمَّ فِي الْقُنْيَةِ اتَّهَمَ الْجِيرَانُ جَارَهُمْ أَنَّهُ سَكْرَانُ فَاجْتَمَعُوا لِطَلَبِهِ مَعَ إمَامِ الْمَحَلَّةِ وَالْمُؤَذِّنِ وَغَيْرِهِمَا وَدَخَلُوا بُيُوتَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ وَطَلَبُوا الزَّوَايَا وَالرُّفُوفَ فِي كُلِّ بَيْتٍ فَعَلُوا ذَلِكَ وَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا يُعَزَّرُونَ وَقِيلَ يُمْنَعُونَ أَشَدَّ الْمَنْعِ (وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِهِ كَوْنُهُ عَامِلًا بِمَا أُمِرَ بِهِ وَنُهِيَ عَنْهُ) فِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ رَأَى مُنْكَرًا وَهُوَ مِمَّنْ يَرْتَكِبُ هَذَا الْمُنْكَرَ يَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنْهُ نَعَمْ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يَرْتَكِبُهُ. وَفِي النِّصَابِ عَنْ أَنَسٍ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «أُرِيتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالًا تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِالْمَقَارِيضِ فَقُلْت مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جَبْرَائِيلُ فَقَالَ خُطَبَاءُ أُمَّتِك الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ» وَفِيهِ كَلَامٌ سَتَقِفُ عَلَيْهِ. (ططص عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى نَعْمَلَ بِهِ وَأَلَا نَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى نَجْتَنِبَهُ كُلَّهُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ كُلَّهُ وَانْهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تَجْتَنِبُوهُ كُلَّهُ» . قَالَ الْمُنَاوِيُّ لِأَنَّهُ يَجِبُ تَرْكُ الْمُنْكَرِ وَإِنْكَارُهُ مَعًا فَلَا يَسْقُطُ بِتَرْكِ أَحَدِهِمَا وُجُوبُ الْآخَرِ

стр. 863

وَلِهَذَا قِيلَ لِلْحَسَنِ فُلَانٌ لَا يَعِظُ وَيَقُولُ أَخَافُ أَنْ أَقُولَ مَا لَا أَفْعَلُ قَالَ وَأَيُّنَا يَفْعَلُ مَا يَقُولُ رَدُّ الشَّيْطَانَ لَوْ ظَفِرَ بِهَذَا فَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدٌ بِمَعْرُوفٍ. وَلَوْ تَوَقَّفَ عَلَى الِاجْتِنَابِ لَرُفِعَ هَذَا الْبَابُ وَتَعَطَّلَ وَانْسَدَّ بَابُ النَّصِيحَةِ الَّتِي حَثَّ الشَّارِعُ عَلَيْهَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ فَإِنْ قِيلَ إطْلَاقُهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] وَقَوْلِهِ ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] الْآيَةَ. قُلْنَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ وَالْآيَةُ نَاهِيَةٌ عَلَى مَنْ يَعِظُ غَيْرَهُ وَلَا يَعِظُ نَفْسَهُ سُوءَ صَنِيعِهِ وَخُبْثَ نَفْسِهِ وَإِنْ فَعَلَهُ فِعْلَ الْجَاهِلِ بِالشَّرْعِ أَوْ الْأَحْمَقِ الْخَالِي عَنْ الْعَقْلِ فَإِنَّ الْجَامِعَ بَيْنَهُمَا عِزُّ شَكِيمَتِهِ وَالْمُرَادُ بِهَا حَثُّ الْوَاعِظِ عَلَى تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا بِالتَّكْمِيلِ لِيَقُومَ فَيُقِيمَ بِهِ لَا مَنْعُ الْفَاسِقِ عَنْ الْوَعْظِ فَإِنَّ الْإِخْلَالَ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الْمَأْمُورِ بِهِمَا لَا يُوجِبُ الْإِخْلَالَ بِالْآخَرِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْحَاشِيَةِ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ أَتَى بِالْمُنْكَرِ وَلَمْ يَنْهَ الْغَيْرَ يَكُونُ إثْمُهُ مُضَاعَفًا إثْمَ الْمُنْكَرِ وَإِثْمَ تَرْكِ الْوَاجِبِ وَفِي النِّصَابِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِي السِّرِّ فَإِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْقَبُولِ وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ فِي الْعَلَانِيَةِ فَقَدْ شَانَهُ وَمَنْ وَعَظَهُ فِي السِّرِّ فَقَدْ زَانَهُ فَإِنْ لَمْ يَنْفَعْهُ فِي السِّرِّ فَبِالْعَلَانِيَةِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْزَازَ دِينِهِ لَا حَمِيَّةَ نَفْسِهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ بِشَجَرَةٍ تُعْبَدُ فَذَهَبَ إلَى بَيْتِهِ فَأَخَذَ فَأْسَهُ وَرَكِبَ حِمَارَهُ فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الشَّجَرَةِ لِيَقْطَعَهَا فَلَقِيَهُ إبْلِيسُ عَلَى صُورَةِ إنْسَانٍ فَقَالَ لَهُ إلَى أَيْنَ تُرِيدُ قَالَ رَأَيْت شَجَرَةً تُعْبَدُ فَأُرِيدُ قَطْعَهَا فَقَالَ إبْلِيسُ دَعْهَا فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ فَلَمْ يَرْجِعْ فَقَالَ إبْلِيسُ دَعْهَا وَأَنَا أُعْطِيك كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ فَتَرْفَعُ طَرَفَ فِرَاشِك فَتَجِدُهَا فَرَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ فَوَجَدَ ذَلِكَ أَيَّامًا ثُمَّ لَمْ يَجِدْ فَلَمَّا يَئِسَ أَخَذَ الْفَأْسَ وَذَهَبَ جَانِبَ الشَّجَرَةِ فَلَقِيَهُ إبْلِيسُ فَقَالَ لَا تُطِيقُ الْقَطْعَ الْآنَ أَمَّا أَوَّلَ مَرَّةٍ فَكَانَ خُرُوجُك غَضَبًا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَوْ اجْتَمَعَ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَا رَدُّوكَ وَأَمَّا الْآنَ فَلِعَدَمِ وُجْدَانِك الدِّرْهَمَ وَلَئِنْ تَقَدَّمْت لَيُدَقَّنَّ عُنُقُكَ فَرَجَعَ إلَى بَيْتِهِ وَتَرَكَ الشَّجَرَةَ. (زطب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُهْلَكُ الْقَرْيَةُ وَفِيهَا الصَّالِحُونَ؟» وَمُقْتَضَى الصَّلَاحِ الْإِحْسَانُ فَضْلًا عَنْ الْإِهْلَاكِ «قَالَ نَعَمْ قِيلَ بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بِتَهَاوُنِهِمْ» «وَسُكُوتِهِمْ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ» مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَنْعِ وَالتَّغْيِيرِ فَإِنْ قِيلَ إنْ كَانَ هَذَا التَّهَاوُنُ وَالسُّكُوتُ مُوجِبًا لِلْهَلَاكِ فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ مَعَ الصَّلَاحِ

стр. 864

قُلْنَا الْمُرَادُ الصَّلَاحُ فِي اعْتِقَادِهِمْ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَفِي النِّصَابِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ وَلَكِنْ إذَا ظَهَرَتْ الْمَعَاصِي فَلَمْ يُنْكِرُوا فَقَدْ اسْتَحَقَّ الْقَوْمُ جَمِيعًا لِلْعُقُوبَةِ. وَفِي تَنْبِيهِ الْغَافِلِينَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ ﵊ أَنِّي مُهْلِكٌ مِنْ قَوْمِك أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ خِيَارِهِمْ وَسِتِّينَ أَلْفًا مِنْ شِرَارِهِمْ قَالَ يَا رَبِّ هَؤُلَاءِ الْأَشْرَارُ فَمَا بَالُ الْأَخْيَارِ قَالَ إنَّهُمْ لَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي وَآكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ. وَفِي النِّصَابِ «يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي مِنْ قُبُورِهِمْ إلَى اللَّهِ عَلَى صُورَةِ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ بِمَا دَاهَنُوا أَهْلَ الْمَعَاصِي وَكَفُّوا عَنْ نَهْيِهِمْ وَيَسْتَطِيعُونَ» . وَفِيهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ظَالِمًا لَا يُجِلُّ كَبِيرَكُمْ وَلَا يَرْحَمُ صَغِيرَكُمْ وَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ وَيَسْتَنْصِرُونَ فَلَا يُنْصَرُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ فَلَا يُغْفَرُ لَهُمْ. (حَدّ عَنْ عَدِيٍّ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (ابْنِ عَمِيرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ الْخَاصَّةَ بِذُنُوبِ الْعَامَّةِ» إذْ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى «حَتَّى يُرَى الْمُنْكَرُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ» أَيْ بَيْنَهُمْ فَالْأَظْهُرُ مُقْحَمٌ (وَ) الْحَالُ «هُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ فَلَا يُنْكِرُونَهُ» لِمُدَاهَنَتِهِمْ وَضَعْفِهِمْ فِي الدِّينِ فَيَعُمُّ الْعَذَابُ كُلَّهُمْ. وَرُوِيَ أَنَّ جَبْرَائِيلَ ﵊ حِينَ أُمِرَ أَنْ يُهْلِكَ قَوْمَ لُوطٍ بِأَعْمَالِهِمْ نَزَلَ فَضَرَبَ جَنَاحَهُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْمَاءِ وَنَهَضَ لِلْعُرُوجِ إلَى السَّمَاءِ وَعَلَى جَنَاحِهِ خَمْسُ مَدَائِنَ مِنْ مَدَائِنِ قَوْمِ لُوطٍ فَنَظَرَ فِيهَا سَاعَةً فَرَأَى ثَمَانِينَ أَلْفًا مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ يَتَهَجَّدُونَ وَاَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ الْخَبَائِثَ لَا يَزِيدُونَ عَنْ ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ فَنَاجَى رَبَّهُ فَقَالَ إلَهِي كَيْفَ أُهْلِكُ قَوْمًا وَفِيهِمْ كَذَا وَكَذَا فِي التَّهَجُّدِ قَالَ يَا جَبْرَائِيلُ لَا أَتَقَبَّلُ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ يَنْهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ. أَخْرَجَ (عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ يَحْيَى بْنِ عُطَارِدَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَا جَمِيعُ الْأَعْمَالِ الْبِرُّ» الطَّاعَةُ «وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» عَطْفُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ «عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ» فِي قِلَّتِهِ. ( «إلَّا كَنَفْثَةٍ» أَيْ كَنَفْخَةٍ ( «فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ» مَنْسُوبٌ إلَى اللُّجِّ وَهُوَ مُعْظَمُ الْمَاءِ أَيْ بَحْرٍ عَظِيمٍ لَا يُدْرَكُ قَعْرُهُ أَيْ كَإِلْقَاءِ بُزَاقٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْبَحْرِ فَكَمَا أَنَّ النَّفْثَةَ الْوَاحِدَةَ فِي جَنْبِ الْبَحْرِ الْعَمِيقِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ فَكَذَلِكَ ثَوَابُ سَائِرِ الْأَعْمَالِ فِي جَنْبِ ثَوَابِ الْحِسْبَةِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ وَعَنْ الْمَوَاهِبِ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِعِظَمِ ثَوَابِهَا وَأَنَّهُ يَكَادُ أَنْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا إذْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَ النَّفْثَةِ وَالْبَحْرِ (فَمِنْ هَذَا) الْحَدِيثِ الَّذِي دَلَّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْحِسْبَةِ. (قَالَ الْفُقَهَاءُ الْحِسْبَةُ) أَيْ الْقِيَامُ بِنَامُوسِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَفِي النِّصَابِ تَفْصِيلُ مَعْنَى الِاحْتِسَابِ وَالْحِسْبَةِ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ مُرِيدُهُ (آكَدُ مِنْ الْجِهَادِ)

стр. 865

وَإِنْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَفِي النِّصَابِ «قِيلَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى قَالَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ صِلَةُ الرَّحِمِ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ» . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] (فَإِنَّهُ) أَيْ الْجِهَادُ (لَا يَجُوزُ عِنْدَ تَيَقُّنِ الْقَتْلِ) قَتْلِ الْكَفَرَةِ (وَعَدَمِ النِّكَايَةِ) عَدَمِ الْجِرَاحَةِ وَالضَّرَرِ وَالتَّأْثِيرِ لَهُمْ (لِلْكَفَرَةِ) بِجِهَادِهِ مَعَهُمْ بِالْجُرْحِ وَالضَّرَرِ وَالتَّأْثِيرِ فِيهِمْ لِأَنَّهُ إلْقَاءٌ بِالْيَدِ إلَى التَّهْلُكَةِ بِلَا فَائِدَةٍ. (وَتَجُوزُ الْحِسْبَةُ) حِينَئِذٍ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُوا عَنْ فَائِدَةٍ إمَّا لِلسَّامِعِ أَوْ لِلْفَاسِقِ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ وَلَوْ فَاسِقًا إذَا رَأَى أَوْ سَمِعَ بَذْلَ الْمُحْتَسِبِ نَفْسَهُ إحْيَاءً لِدِينِهِ يَكُونُ مُتَأَثِّرًا بِخِلَافِ الْكُفَّارِ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ حَقًّا وَيَرْجُونَ فِي مُقَابَلَةِ الْقَتْلِ أَجْرًا فَضْلًا عَنْ التَّأْثِيرِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي. (وَيَكُونُ) حِينَئِذٍ لَوْ مَاتَ بِهَا (مِنْ أَفْضَلِ الشُّهَدَاءِ) (صب) أَصْبَهَانِيٌّ (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تَزَالُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ تَنْفَعُ مَنْ قَالَهَا وَتَرُدُّ عَنْهُمْ الْعَذَابَ وَالنِّقْمَةَ» فِي الدَّارَيْنِ «مَا لَمْ يَسْتَخِفُّوا بِحَقِّهَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الِاسْتِخْفَافُ بِحَقِّهَا قَالَ نَظَرُ الْعَبْدِ لِمَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُنْكِرُ وَلَا يُغَيِّرُ» مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. (حك عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ) «سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ» بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمُّ الْمُصْطَفَى ﵊ اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَجْهُ السِّيَادَةِ تِلْكَ الْعُمُومَةُ أَوْ كَوْنُ قَتْلِهِ عَلَى أَشْنَعِ أُسْلُوبٍ أَوْ سَبْقُ غَزَوَاتِهِ «وَرَجُلٌ قَامَ إلَى أَمِيرٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ» بِالْمَعْرُوفِ «وَنَهَاهُ» عَنْ الْمُنْكَرِ «فَقَتَلَهُ» لِأَجْلِ أَمْرِهِ أَوْ نَهْيِهِ فَحَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالرَّجُلُ الْمَذْكُورُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ فِي الْآخِرَةِ لِمُخَاطَرَتِهِ بِأَنْفَسِ مَا عِنْدَهُ وَهِيَ نَفْسُهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِيهِ جَوَازُ تَخْشِينِ الْقَوْلِ مَعَ الْأَمِيرِ الْجَائِرِ وَتَغْلِيظِهِ وَإِنْ ظَنَّ قَتْلَهُ. اعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ مَعَ الْأُمَرَاءِ إنَّمَا يَكُونُ بِالتَّعْرِيفِ وَالْوَعْظِ وَأَمَّا تَخْشِينُ الْقَوْلِ وَالْمَنْعُ بِالْقَهْرِ فَيُهَيِّجُ الْفِتْنَةَ فَلَا يَجُوزُ إلَّا إذَا اُخْتُصَّ الضَّرَرُ بِنَفْسِهِ فَقَطْ فَيُنْدَبُ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلِمَا بَعْدَهُ وَلِذَا كَانَ السَّلَفُ يَجْتَرِئُونَ عَلَى الْمُلُوكِ وَلَمْ يُبَالُوا بِبَلِيَّةٍ وَعَذَابٍ وَأَخْلَصُوا النِّيَّةَ فَلِهَذَا أَثَّرَ كَلَامُهُمْ فِي الظَّلَمَةِ وَلَيَّنَ قُلُوبَهُمْ الْقَاسِيَةَ. وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ قَيَّدَتْ الْأَطْمَاعُ أَلْسُنَ الْعُلَمَاءِ فَسَكَتُوا وَإِنْ تَكَلَّمُوا لَمْ تُسَاعِدْ أَقْوَالُهُمْ فَلَمْ يَنْجُوا وَلَوْ قَصَدُوا اللَّهَ وَحَقَّ الْعِلْمِ لَأَفْلَحُوا فَفَسَادُ الرَّعِيَّةِ بِالْمُلُوكِ وَفَسَادُهُمْ بِفَسَادِ الْعُلَمَاءِ وَفَسَادُهُمْ بِاسْتِيلَاءِ حُبِّ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَمَنْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ حُبُّ الدُّنْيَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحِسْبَةِ عَلَى الْأَرَاذِلِ وَالصَّعَالِيكِ فَكَيْفَ عَلَى الْأَكَابِرِ وَالْمُلُوكِ اللَّهُمَّ اعْصِمْنَا مِنْ الْعِلْمِ بِلَا عَمَلٍ وَالْمَيْلِ إلَى الدُّنْيَا وَلَا تَخْلِطْ أَعْمَالَنَا

стр. 866

بِالسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ إنَّكَ أَنْتَ الْمُسْتَعَانُ يَا كَرِيمُ يَا مَنَّانُ وَتَفَضَّلْ عَلَيْنَا بِالْإِحْسَانِ وَالْإِنْعَامِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ كَمَا فِي الْمِفْتَاحِ. قَالَ فِي النِّصَابِ إنَّ زَاهِدًا كَسَرَ مَلَاهِيَ مَرْوَانَ الْخَلِيفَةِ فَأَمَرَ بِإِلْقَائِهِ بَيْنَ الْأُسُودِ فَلَمَّا أُلْقِيَ وَدَخَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ افْتَتَحَ بِالصَّلَاةِ فَجَمَعَتْ عَلَيْهِ أُسُودُ الْبَيْتِ تَلْحَسُهُ بِأَلْسِنَتِهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ مَرْوَانُ قَالَ مَا فُعِلَ بِزَاهِدِنَا فَوَجَدُوهُ قَدْ اسْتَأْنَسَ بِالْأُسُودِ فَحَمَلُوهُ إلَى الْخَلِيفَةِ فَقَالَ أَلَمْ تَخَفْ مِنْهُمْ قَالَ لَا لِأَنِّي كُنْت مَشْغُولًا بِأَنَّ الْأُسُودَ تَلْحَسُ ثِيَابِي فَهَلْ لُعَابُهَا طَاهِرٌ أَوْ لَا فَتَفَكُّرِي فِي هَذَا مَنَعَنِي عَنْ الْخَوْفِ مِنْهَا فَتَعَجَّبَ فَخَلَّى سَبِيلَهُ كَمَا سَبَقَ (د عَنْ) (أَبِي سَعِيدٍ) الْخُدْرِيِّ. (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَفْضَلُ الْجِهَادِ» أَيْ مِنْ أَفْضَلِ أَنْوَاعِ الْجِهَادِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الْعَامِّ «كَلِمَةُ عَدْلٍ» وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «كَلِمَةُ حَقٍّ» فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَكُونُ تَفْسِيرًا لِلْآخَرِ «عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» أَيْ ظَالِمٍ لِأَنَّ مُجَاهَدَةَ الْعَدُوِّ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ رَجَاءٍ وَخَوْفٍ وَصَاحِبُ السُّلْطَانِ إذَا أَمَرَهُ بِمَعْرُوفٍ تَعَرَّضَ لِلتَّلَفِ فَأَفْضَلُ مِنْ جِهَةِ خَوْفِ التَّلَفِ وَلِأَنَّ ظُلْمَ الظَّالِمِ يَسْرِي إلَى جَمٍّ غَفِيرٍ فَإِذَا كَفَّهُ فَقَدْ أَوْصَلَ النَّفْعَ إلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ بِخِلَافِ قَتْلِ كَافِرٍ. «أَوْ أَمِيرٍ جَائِرٍ» شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي وَفِي شَرْحِ الشِّرْعَةِ قَالَ أَبُو عَبِيدَةُ الْجَرَّاحُ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الشُّهَدَاءِ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى قَالَ ﵊ رَجُلٌ قَامَ إلَى وَالٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَاهُ عَنْ الْمُنْكَرِ قَتَلَهُ أَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ فَإِنَّ الْقَلَمَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ عَاشَ مَا عَاشَ» . (تَتِمَّةٌ) أَصْلُ الْجِهَادِ الْمَشَقَّةُ وَشَرْعًا بَذْلُ الْمَشَقَّةِ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ وَيُطْلَقُ عَلَى مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ وَعَلَى تَعَلُّمِ أُمُورِ الدِّينِ ثُمَّ عَلَى الْعَمَلِ بِهَا ثُمَّ عَلَى تَعْلِيمِهَا وَأَمَّا مُجَاهَدَةُ الشَّيْطَانِ فَعَلَى دَفْعِ مَا يَأْتِي بِهِ مِنْ الشُّبُهَاتِ وَمَا يُزَيِّنُهُ مِنْ الشَّهَوَاتِ وَأَمَّا مُجَاهَدَةُ الْكُفَّارِ فَبِالْيَدِ وَالْمَالِ وَالْقَالَبِ وَالْقَلْبِ وَأَمَّا الْفُسَّاقُ فَبِالْيَدِ ثُمَّ اللِّسَانِ ثُمَّ الْقَلْبِ. (فَائِدَةٌ) : الدَّمِيرِيُّ دَخَلَ النُّورُ الْبَكْرِيُّ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ قَلَاوُونَ فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَفْضَلُ الْجِهَادِ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَأَنْتَ ظَالِمٌ فَأَمَرَ بِقَطْعِ لِسَانِهِ فَجَزِعَ وَاسْتَغَاثَ فَشَفَعَ لَهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ فَنَفَاهُ ثُمَّ قِيلَ فِي سَنَدِ الْحَدِيثِ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ وَضَعَّفُوهُ وَقِيلَ إسْنَادُهُ لَيِّنٌ لَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ جَيِّدٌ الْكُلُّ مِنْ الْفَيْضِ. (م عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إلَّا كَانَ لَهُ فِي أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ» حَوَارِيُّ الرَّجُلِ صَفْوَتُهُ وَخَاصَّتُهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِخُلُوصِ نِيَّتِهِ وَصَفَاءِ عَقِيدَتِهِ مِنْ الْحَوَرِ وَهُوَ شِدَّةُ الْبَيَاضِ وَكَانَ أَصْحَابُ عِيسَى ﵊ قَصَّارِينَ فَغَلَبَ عَلَيْهِمْ الِاسْمُ وَصَارَ كَالْعَلَمِ لَهُمْ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَنْ يَنْصُرُ نَبِيًّا وَيَتَّبِعُ هَدْيَهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ تَشْبِيهَاتٌ بِأُولَئِكَ. «وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إنَّهَا» أَيْ الْقِصَّةُ ( «يَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِ خُلُوفٌ» جَمْعُ خَلْفٍ بِالسُّكُونِ وَهُوَ الرَّدِيءُ مِنْ الْأَعْقَابِ

стр. 867

وَالْخَلَفُ بِالْفَتْحِ الصَّالِحُ مِنْهُمْ وَجَمْعُهُ أَخْلَافٌ يُقَالُ خَلَفُ سُوءٍ وَخَلَفُ صِدْقٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم: ٥٩] . وَقَالَ لَبِيدٌ ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ ... وَبَقِيتُ فِي خَلَفٍ كَجِلْدِ الْأَجْرَبِ «يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ» كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] «وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ» مِنْ الْأَفْعَالِ الْغَيْرِ الْمَرْضِيَّةِ «فَمَنْ جَاهَدَهُمْ» بِتَغْيِيرِ مُنْكَرَاتِهِمْ «بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ» كَامِلٌ كَانَ الْمُؤْمِنُ هُوَ لَا غَيْرُ. «وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ» كَذَلِكَ «وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ» بِأَنْ لَا يَرْضَى بِأَقْوَالِهِمْ الْمُنْكَرَةِ وَأَفْعَالِهِمْ الْقَبِيحَةِ «فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ» أَيْ الْجِهَادِ بِالْقَلْبِ «مِنْ» ثَمَرَاتِ «الْإِيمَانِ» أَوْ كَمَالِهِ «حَبَّةُ خَرْدَلٍ» . وَعَنْ الْبَيْضَاوِيِّ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ مَعْنَاهُ أَنَّ أَدْنَى مَرَاتِبِ الْإِيمَانِ أَنْ لَا يَسْتَحْسِنَ الْمَعَاصِيَ وَيَكْرَهَهَا بِقَلْبِهِ وَأَنْ يَمْتَنِعَ عَنْهَا أَوْ اشْتَغَلَ بِأَعْرَاضٍ دُنْيَوِيَّةٍ وَلَذَّاتٍ مُخْدَجَةٍ عَاجِلَةٍ وَإِذَا زَالَ ذَلِكَ حَتَّى اسْتَصْوَبَ الْمَعَاصِيَ وَجَوَّزَ التَّدْلِيسَ عَلَى الْخَلْقِ وَالتَّلْبِيسَ فِي الْخُلُقِ خَرَجَ مِنْ دَائِرَةِ الْإِيمَانِ خُرُوجَ مَنْ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَ اللَّهِ وَاعْتَقَدَ بُطْلَانَ أَحْكَامِهِ انْتَهَى. كَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ «مَنْ حَضَرَ مَعْصِيَةً فَكَرِهَهَا فَكَأَنَّمَا غَابَ عَنْهَا وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَأَحَبَّهَا فَكَأَنَّهُ حَضَرَهَا» ثُمَّ إنَّهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِنْكَارِ فَلْيَقُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ اللَّهُمَّ إنَّ هَذَا مُنْكَرٌ وَأَنَا لَهُ مُنْكِرٌ. (ت عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا وَقَعَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ فِي الْمَعَاصِي» بَعْدَ مَوْتِ مُوسَى ﵊ «نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا فَجَالَسُوهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ» أَيْ جَالَسَ عُلَمَاؤُهُمْ مَعَ عُصَاتِهِمْ وَلَمْ يَهْجُرُوهُمْ زَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّ مُجَرَّدَ النَّهْيِ يَكْفِي فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْأَثِمِ «وَآكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ» أَيْ سَوَّدَهَا اللَّهُ وَقَسَّاهَا بِسَبَبِ الْمُجَالَسَةِ وَالْمُؤَاكَلَةِ وَالْمُشَارَبَةِ بِأَنْ خَلَقَ فِي قُلُوبِ عُلَمَائِهِمْ رِضًا وَمَيْلًا إلَى مَعَاصِيهِمْ فَصَارَتْ قُلُوبُ الْجَمِيعِ قَاسِيَةً بَعِيدَةً مِنْ قَبُولِ الْحَقِّ فَاسْتَحَقُّوا جَمِيعًا اللَّعْنَ. «وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُد وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -» أَيْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الزَّبُورِ وَالْإِنْجِيلِ وَقِيلَ إنَّ أَهْلَ إيلْيَاءَ لَمَّا اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ لَعَنَهُمْ دَاوُد ﵊ فَمَسَخَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى قِرَدَةً وَأَصْحَابُ الْمَائِدَةِ لَمَّا كَفَرُوا دَعَا عَلَيْهِمْ عِيسَى ﵊ وَلَعَنَهُمْ فَأَصْبَحُوا خَنَازِيرَ وَكَانُوا خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى - ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨] «ذَلِكَ» أَيْ اللَّعْنُ «بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ» بِاعْتِدَائِهِمْ عَنْ الْحَدِّ الْمَشْرُوعِ «فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ لَا» أَيْ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ إثْمِ الْمَعْصِيَةِ بِمُجَرَّدِ النَّهْيِ وَالْمَنْعِ. ( «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْطُرُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا» بِالْفَتْحِ أَيْ تَعْطِفُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ عَطْفًا يَعْنِي حَتَّى تَمْنَعُوا الظَّلَمَةَ وَالْفَسَقَةَ عَنْ الظُّلْمِ

стр. 868

وَالْفِسْقِ وَتُمِيلُوهُمْ عَنْ الْبَاطِلِ إلَى الْحَقِّ (فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ أَنَّ مُجَرَّدَ النَّهْيِ لَا يَكْفِي فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْأَثِمِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْبُغْضِ وَالْغَضَبِ وَالْهِجْرَةِ وَعَدَمِ الِاخْتِلَاطِ إنْ لَمْ يَنْتَهُوا) عَمَّا يَفْعَلُونَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ شَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا شَرِيعَةٌ لَنَا إذَا قَصَّهَا اللَّهُ أَوْ أَخْبَرَ بِهَا الرَّسُولُ بِلَا نَكِيرٍ فَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ هَذَا حُكْمُ الشَّرِيعَةِ السَّالِفَةِ فَلَا يُفْهَمُ كَوْنُهُ شَرِيعَةً لَنَا لِجَوَازِ النَّسْخِ وَأَيْضًا إنَّ جَرَيَانَ هَذَا الْحُكْمِ فِينَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى طَرِيقِ الْقِيَاسِ وَحُكْمُ أَصْلِهِ ثَابِتٌ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ثُمَّ عَنْ بِلَالِ بْنِ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْمَعْصِيَةُ إذَا اخْتَفَتْ لَمْ تَضُرَّ إلَّا صَاحِبَهَا وَإِذَا أُعْلِنَتْ ضَرَّتْ الْعَامَّةَ. وَكَانَ الثَّوْرِيُّ إذَا رَأَى الْمُنْكَرَ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَهُ بَالَ دَمًا فَحَقٌّ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَمِيَّةِ وَالْغَيْرَةِ وَالصَّلَابَةِ بِهَذَا الْمَكَانِ كَمَا فِي النِّصَابِ وَفِي الشَّرِيعَةِ وَأَعْظَمُ الْوَاجِبِ عَلَى مَنْ يُخَالِطُ النَّاسَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْفَعُ عَمَلٌ لِلَّهِ مَعَ تَرْكِ الْغَضَبِ لِلَّهِ تَعَالَى وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ «قِيلَ أَوْ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْسَفُ الْأَرْضُ وَفِيهَا الصَّالِحُونَ قَالَ نَعَمْ بِادِّهَانِهِمْ وَسُكُوتِهِمْ عَنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي» . وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَخَافَ فِي احْتِسَابِهِ إلَّا اللَّهَ بَلْ يَسْتَعِينُ وَيَدْخُلُ فِيهِ مُتَوَكِّلًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى - ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٣]- حُكِيَ أَنَّ الشِّبْلِيَّ أَرَاقَ خَوَابِيَ خَمْرٍ لِلْمُعْتَصِمِ فِي سَفِينَةٍ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ إلَّا وَاحِدَةً وَالْقَوْمُ سُكُوتٌ مِنْ هَيْبَتِهِ فَأَتَى بِهِ الْمُعْتَصِمُ فَقَالَ لِمَ فَعَلْت فَقَالَ الشَّيْخُ أَيَّدَ اللَّهُ الْخَلِيفَةَ لَوْ عَلِمْت أَنَّ فِي بَطْنِك خَمْرًا لَشَقَقْته بِهَذِهِ الْحَرْبَةِ فَقَالَ تُرِيدُ بِهَذَا أَنْ أَقْتُلَك وَتَكُونَ شَهِيدًا فَلَا أَفْعَلُ ثُمَّ قَالَ لِمَ تَرَكْت الْخَابِيَةَ الْوَاحِدَةَ فَقَالَ لِأَنِّي وَجَدْت فِي نَفْسِي عِنْدَهَا شَيْئًا فَتَرَكْتهَا وَلَمْ أَهْرِقْهَا بِمُرَادِ نَفْسِي كَمَا فِي النِّصَابِ كَمَا سَبَقَ. (مُهِمَّةٌ) قَالَ فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ وَمِنْ مُنْكَرَاتِ الْعَامَّةِ أَنْ يَقْعُدَ فِي بَيْتِهِ وَلَا يَصْرِفَ مَا فَضَلَ مِنْ فُرُوضِ الْعَيْنِ إلَى فُرُوضِ الْكِفَايَةِ كَأَنْ يَخْرُجَ إلَى الْقُرَى الْمُجَاوِرَةِ لِبَلَدِهِ وَيُعَلِّمَ أَهْلَهَا أَرْكَانَ الصَّلَاةِ وَشَرَائِطَهَا وَسَائِرَ الْفَرَائِضِ إلَّا أَنْ يَفْعَلَهُ الْبَعْضُ وَإِنَّمَا يَجِبُ التَّبْلِيغُ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِنْ عَلِمَ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَا يَجِبُ تَبْلِيغُهَا وَالْأَثِمُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْفُقَهَاءِ أَشَدُّ لِأَنَّ الْعِلْمَ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ أَوَّلًا لِنَفْسِهِ ثُمَّ أَهْلِ بَيْتِهِ ثُمَّ لِأَقَارِبِهِ وَجِيرَانِهِ ثُمَّ وَثُمَّ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى أَنْ يَخْرُجَ إلَى السُّوقِ وَيُغَيِّرَ مُنْكَرَاتِهِمْ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى تَغْيِيرِ الْبَعْضِ فَلَا يَكُونُ عَدَمُ تَغْيِيرِ الْبَوَاقِي عُذْرًا فِي عَدَمِ الْخُرُوجِ وَيَتَعَدَّى مِنْهُمْ إلَى أَهْلِ الْقُرَى ثُمَّ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَهَكَذَا إلَى أَقْصَى الْعَالَمِ فَإِنْ

стр. 869

قَامَ بِهِ الْأَدْنَى سَقَطَ عَنْ الْأَبْعَدِ وَإِلَّا يَأْثَمْ كُلُّ عَالِمٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. (مَسْأَلَةٌ) إذَا كَثُرَتْ الْمَنَاكِيرُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهَا لَا يَأْثَمُ بَعْدَ إنْكَارِهِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَزِينًا مُغْتَمًّا وَفِي الْحَدِيثِ «يَأْتِي عَلَى أُمَّتِي زَمَانٌ يَذُوبُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ لِمَا يَرَى مِنْ الْمُنْكَرَاتِ وَلَكِنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ» كَمَا فِي النِّصَابِ. [الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ غِلْظَةُ الْكَلَامِ وَالْعُنْفُ فِيهِ] (الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ غِلْظَةُ الْكَلَامِ وَالْعُنْفُ فِيهِ) أَيْ فِي الْكَلَامِ (وَهَتْكُ) أَيْ خَرْقُ (الْعِرْضِ لَا سِيَّمَا فِي الْمَلَأِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ وَمَحِلُّهُ الْكَفَرَةُ) مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ (وَالْمُبْتَدِعَةُ وَالظَّلَمَةُ) . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] (وَ) مَحِلُّ (النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ إذَا لَمْ يَنْجَعْ) لَمْ يُؤَثِّرْ وَلَمْ يَنْفَعْ (الرِّفْقُ وَاللِّينُ) كَمَا قِيلَ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ وَلِكُلِّ مَيْدَانٍ رِجَالٌ (وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرُ وَالتَّأْدِيبُ) لِأَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ وَتَلَامِذَتِهِ. (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا﴾ [النور: ٢] أَيْ الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ ( ﴿رَأْفَةٌ﴾ [النور: ٢] رَحْمَةٌ وَشَفَقَةٌ ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] فِي طَاعَتِهِ وَإِقَامَةِ حَدِّهِ فَتُعَطِّلُوهُ أَوْ تُسَامِحُوا فِيهِ وَلِذَلِكَ قَالَ ﵊ «لَوْ سَرَقَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْت يَدَهَا» (وَفِيمَا عَدَاهَا) أَيْ الْمَذْكُورَاتِ (يُسْتَحَبُّ) طِيبُ الْكَلَامِ وَطَلَاقَةُ الْوَجْهِ وَالتَّبَسُّمُ. (طب عَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنِي بِشَيْءٍ يُوجِبُ لِي الْجَنَّةَ» بِحَسَبِ عَادَتِهِ تَعَالَى لَا الِاسْتِحْقَاقِ الْعَقْلِيِّ الذَّاتِيِّ (قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مُوجِبُ الْجَنَّةِ إطْعَامُ الطَّعَامِ» لِرِضَا الْمَلِكِ الْعَلَّامِ خُصُوصًا لِلْمَحَاوِيجِ مِنْ الْأَنَامِ «وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ» لِكُلِّ مَنْ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَلَوْ عَدُوُّهُ الْإِسْلَامُ «وَحُسْنُ الْكَلَامِ» أَيْ السَّلَامُ عَنْ الْغِلْظَةِ وَكُلِّ مَا يُوجِبُ الْأَذَى (طب حك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةٌ» أَيْ مَنْزِلٌ «يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا» لِكَمَالِ لَطَافَتِهَا وَغَايَةِ صَفَاءِ جُدْرَانِهَا «فَقَالَ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ» وَفِي رِوَايَةٍ «لِمَنْ أَلَانَ» أَيْ لِمَنْ لَهُ خُلُقٌ طَيِّبٌ مَعَ النَّاسِ. وَفِي الْجَامِعِ أَلَانَ الْكَلَامَ بَدَلُ أَطَابَ الْكَلَامَ قَالَ الطِّيبِيُّ جَعَلَ جَزَاءَ مَنْ تَلَطَّفَ فِي الْكَلَامِ الْغُرْفَةَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ [الفرقان: ٧٥]- ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]- الْآيَةَ وَفِيهِ إيذَانٌ بِأَنَّ لِينَ الْكَلَامِ مِنْ صِفَاتِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ خَضَعُوا لِبَارِئِهِمْ وَعَامَلُوا الْخَلْقَ بِالرِّفْقِ فِي الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ «وَ» كَذَا جُعِلَتْ جَزَاءَ مَنْ «أَطْعَمَ الطَّعَامَ» كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْجَوَادَ شَأْنُهُ تَوَخِّي الْقَصْدِ فِي الطَّعَامِ وَالْبَذْلِ لِيَكُونَ مِنْ عِبَادِ الرَّحْمَنِ وَأَلَّا يَكُونَ مِنْ إخْوَانِ الشَّيْطَانِ

стр. 870

«وَبَاتَ قَائِمًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ» أَيْ: صَلَّى بِاللَّيْلِ كَمَا وَقَعَ فِي الْجَامِعِ «وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» . قَالَ الْمُنَاوِيُّ هَذَا ثَنَاءٌ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ وَعِظَمِ فَضْلِهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَجَعَلَ الْغُرْفَةَ جَزَاءً لِمَنْ صَلَّى بِاللَّيْلِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] فَأَوْمَأَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُتَهَجِّدَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَرَّى الْإِخْلَاصَ وَيَجْتَنِبَ الرِّيَاءَ لِأَنَّ الْبَيْتُوتَةَ لِلرَّبِّ لَمْ تُشْرَعْ إلَّا لِإِخْلَاصِ الْعَمَلِ لِلَّهِ. (حب عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ» أَيْ إظْهَارُكَ لَهُ الْبَشَاشَةَ وَالْبِشْرَ إذَا لَقِيتَهُ تُؤْجَرُ عَلَيْهِ كَمَا تُؤْجَرُ عَلَى الصَّدَقَةِ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ وَالتَّبَسُّمُ وَالْبِشْرُ مِنْ آثَارِ أَنْوَارِ الْقَلْبِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ - ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨ - ٣٩] . قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَالْبَشَاشَةُ مِصْيَدَةُ الْمَوَدَّةِ وَالْبِرُّ شَيْءٌ هَيِّنٌ وَجْهٌ طَلِيقٌ وَكَلَامٌ لِينٌ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْعَالِمِ الَّذِي يُصَعِّرُ خَدَّهُ لِلنَّاسِ كَأَنَّهُ مُعْرِضٌ عَنْهُمْ وَعَلَى الْعَابِدِ الَّذِي يَعْبَسُ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ النَّاسِ مُسْتَقْذِرٌ لَهُمْ أَوْ غَضْبَانُ عَلَيْهِمْ قَالَ الْغَزَالِيُّ لَا يَعْلَمُ الْمِسْكِينُ أَنَّ الْوَرَعَ لَيْسَ فِي الْجَبْهَةِ حَتَّى يَغْضَبَ وَلَا فِي الْوَجْهِ حَتَّى يَنْفِرَ وَلَا فِي الْخَدِّ حَتَّى يُصَعِّرَ وَلَا فِي الظَّهْرِ حَتَّى يَنْحَنِيَ وَلَا فِي الذُّلِّ حَتَّى يَنْضَمَّ إنَّمَا الْوَرَعُ فِي الْقَلْبِ آخِرُ الْحَدِيثِ فِي الْجَامِعِ «وَأَمْرُك بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُك عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَإِرْشَادُك الرَّجُلَ الضَّالَّ فِي الْأَرْضِ لَك صَدَقَةٌ وَإِمَاطَتُك الْحَجَرَ وَالشَّوْكَ وَالْعَظْمَ عَنْ الطَّرِيقِ لَك صَدَقَةٌ وَإِفْرَاغُك مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيك لَك صَدَقَةٌ» . (دُنْيَا عَنْ الْحَسَنِ) الْبَصْرِيِّ مُرْسَلًا (عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ مِنْ الصَّدَقَةِ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى النَّاسِ وَأَنْتَ طَلِيقٌ» أَيْ مَسْرُورُ «الْوَجْهِ» لِمَا فِيهِ مِنْ إثْبَاتِ الْوُدِّ الْمَطْلُوبِ فَلَا يَنْبَغِي التَّعَبُّسُ بَلْ يُظْهِرُ الْبَشَاشَةَ وَالْفَرَحَ بِاللِّقَاءِ وَالِاجْتِمَاعِ مِنْ غَيْرِ مُدَاهَنَةٍ قَالَ فِي الْجَامِعِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «الْمُؤْمِنُونَ هَيِّنُونَ» الْهَيِّنُ ذُو السُّهُولَةِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْمُهِمَّاتِ النَّفْسَانِيَّةِ وَأَمَّا فِي أَمْرِ دِينِهِ فَكَمَا قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَصِرْت فِي الدِّينِ أَصْلَبَ مِنْ الْحَجَرِ. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ الْجَبَلُ يُمْكِنُ أَنْ يُنْحَتَ مِنْهُ وَلَا يُنْحَتُ مِنْ دِينِ الْمُؤْمِنِ شَيْءٌ «لَيِّنُونَ» لِينُ الْجَانِبِ سُهُولَةُ الِانْقِيَادِ إلَى الْخَيْرِ وَالسَّمَاحَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ بِالْبَشَاشَةِ وَالرِّفْقِ وَطَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَجَنَاحِ الذُّلِّ عَنْ ابْنِ الْكَمَالِ مَدَحَهُمْ بِالسُّهُولَةِ وَاللِّينِ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] فَإِنْ قُلْت لَا تَكُنْ رَطْبًا فَتُعْصَرَ وَلَا تَكُنْ يَابِسًا فَتُكْسَرَ. وَلِذَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ لَا تَكُنْ حُلْوًا فَتُبْلَعَ وَلَا مُرًّا فَتُلْفَظَ فَفِيهِ نَهْيٌ عَنْ اللِّينِ فَمَا وَجْهُ الْمَدْحِ قُلْت لَا شُبْهَةَ فِي أَنَّ خَيْرَ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا وَطَرَفَيْ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ مَذْمُومَانِ إجْمَاعًا وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ أَيْضًا «الْمُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ» وَفِي الْمَثَلِ " إذَا عَزَّ أَخُوك فَهُنْ " مَعْنَاهُ إذَا عَاسَرَ فَيَاسِرْ. (تَنْبِيهٌ) فِي هَذَا الْخَبَرِ إشَارَةٌ إلَى مَقَامِ التَّلْوِينِ وَهُوَ كَوْنُ حَالِ الْعَبْدِ السَّالِكِ بَيْنَ التَّجَلِّي وَالِاسْتِتَارِ وَبَيْنَ الْجَذْبِ وَالسُّلُوكِ وَمِنْ ذَلِكَ تَسْتَقِيمُ عُبُودِيَّتُهُ وَيُعْطَى الْمَعْرِفَةَ بِاَللَّهِ وَلِهَذَا قِيلَ الْمُؤْمِنُ يَتَلَوَّنُ فِي يَوْمِهِ سَبْعِينَ مَرَّةً وَذَلِكَ بِحَسَبِ تَجَلِّيَاتِ الْحَقِّ فِي يَوْمِهِ سَبْعِينَ مَرَّةً بِحَسَبِ تَجَلِّيَاتِ الْحَقِّ عَلَيْهِ وَالْمُنَافِقُ يَثْبُتُ عَلَى قَدَمٍ وَاحِدٍ تِسْعِينَ سَنَةً لِكَوْنِهِ مَحْجُوبًا بِالْمَرَاسِمِ الْخِلْقِيَّةِ

стр. 871

وَفِيهِ أَيْضًا الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَاشِرَهُ مُعَاشَرَةَ الْإِخْوَةِ فِي التَّحَابُبِ وَالتَّصَافِي وَتَجَنُّبِ التَّجَافِي وَالْتِزَامِ اللِّينِ وَالرِّفْقِ وَالْبَشَاشَةِ وَجَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ وَالْإِغَاثَةِ وَالْإِعَانَةِ وَجَلْبِ الْمَسَار لَا يَدَعُ نَصِيحَتَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي مَقَامِ الْعَلَنِ عَلَنًا وَفِي مَقَامِ السِّرِّ سِرًّا وَفِيهِ أَيْضًا الْمُؤْمِنُ يُؤْلَفُ لِحُسْنِ أَخْلَاقِهِ وَسُهُولَةِ طِبَاعِهِ وَلِينِ جَانِبِهِ وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ لِضَعْفِ إيمَانِهِ وَعُسْرِ أَخْلَاقِهِ وَسُوءِ طِبَاعِهِ وَالْأُلْفَةُ سَبَبٌ لِلِاعْتِصَامِ بِاَللَّهِ وَالتَّمَسُّكِ بِحَبْلِهِ لَهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إلْفًا مَأْلُوفًا تَخْتَطِفُهُ أَيْدِي حَاسِدِيهِ وَتَحْكُمُ فِيهِ أَهْوَاءُ أَعَادِيهِ فَلَمْ تَسْلَمْ لَهُ نِعْمَةٌ وَلَمْ تَصْفُ لَهُ مَوَدَّةٌ وَإِذَا كَانَ إلْفًا مَأْلُوفًا انْتَصَرَ عَلَى أَعَادِيهِ وَامْتَنَعَ بِهِمْ مِنْ حُسَّادِهِ فَسَلِمَتْ نِعْمَتُهُ مِنْهُمْ وَصَفَتْ مَوَدَّتُهُ بَيْنَهُمْ وَالْعَرَبُ تَقُولُ مَنْ قَلَّ ذَلَّ الْكُلُّ مِنْ الْمُنَاوِيِّ مُلَخَّصًا [التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ السُّؤَالُ وَالتَّفْتِيشُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ] (التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ) مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ (السُّؤَالُ وَالتَّفْتِيشُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ) لَا لِغَرَضٍ دِينِيٍّ (وَهُوَ) (التَّجَسُّسُ وَتَتَبُّعُ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ) وَقَبَائِحِهِمْ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] أَيْ لَا تَبْحَثُوا عَنْ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَامَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ ظَنٌّ غَالِبٌ أَوْ عِلْمٌ لِتَجَاهُرِهِ بِهَا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ فِي الْحَاشِيَةِ كَمَا قَالَ أَصْحَابُنَا لَا بَأْسَ بِالْهُجُومِ عَلَى الْمُفْسِدِينَ وَالدُّخُولِ فِي بُيُوتِهِمْ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ إذَا سُمِعَ فِيهِ صَوْتُ فَسَادٍ لِلْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنْ الْمُنْكَرِ. كَمَا فِي النِّصَابِ عَنْ الْمُحِيطِ كَمَا سَبَقَ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَضُدُ فِي رِسَالَةِ عَقَائِدِهِ وَلَا يَجُوزُ التَّجَسُّسُ قَالَ الْمُحَقِّقُ الدَّوَانِيُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] وَلِقَوْلِهِ ﵊ «وَمَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَاتِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ فَضَحَهُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ» . وَأَيْضًا عُلِمَ مِنْ سِيرَتِهِ الْمُطَهَّرَةِ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ إظْهَارَ الْمُنْكَرَاتِ الصَّادِرَةِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَيُرْشِدُهُمْ إلَى الْإِنْكَارِ كُلُّ ذَلِكَ لِكَمَالِ رَحْمَتِهِ وَعَظِيمِ أَخْلَاقِهِ وَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلشُّهُودِ الْكِتْمَانُ فِي الْمَعَاصِي دُونَ الْكُفْرِ ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِدُخُولِهِ دَارَ رَجُلٍ يَفْعَلُ الْمُنْكَرَ وَقَدْ مَرَّتْ وَذَكَرْت فِي النِّصَابِ بِوَجْهٍ آخَرَ وَهِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ يَعُسُّ لَيْلَةً مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَاطَّلَعَ مِنْ خَلَلِ بَابٍ فَإِذَا شَيْخٌ بَيْنَ يَدَيْهِ شَرَابٌ فَتَسَوَّرَا فَقَالَ عُمَرُ مَا أَقْبَحَ شَيْخًا مِثْلَكَ فَقَامَ إلَيْهِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا عَصَيْت بِوَاحِدَةٍ وَأَنْتَ بِثَلَاثٍ تَجَسَّسْت. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] وَتَسَوَّرْت وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] إلَى أَنْ قَالَ ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] وَدَخَلْت بِغَيْرِ إذْنٍ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] . فَقَالَ عُمَرُ صَدَقْت فَهَلْ أَنْتَ غَافِرٌ لِي فَقَالَ غَفَرَ اللَّهُ لَك فَخَرَجَ عُمَرُ بَاكِيًا وَقَائِلًا وَيْلٌ لِعُمَرَ إنْ لَمْ يَغْفِرْ اللَّهُ لَهُ يَجِدُ الرَّجُلَ يَخْتَفِي بِهَذَا عَنْ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَالْآنَ يَقُولُ رَآنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُحْتَسِبَ لَا يَتَجَسَّسُ وَلَا يَتَسَوَّرُ وَلَا يَدْخُلُ بَيْتًا بِلَا إذْنٍ وَمَا قَالُوا مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْتَسِبِ الدُّخُولُ بِلَا إذْنٍ فِيمَا إذَا أُظْهِرَ وَهَذَا فِيمَا إذَا سُتِرَ انْتَهَى مُلَخَّصًا فَلْيُتَأَمَّلْ. (د عَنْ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّكَ إنْ تَتَبَّعْت عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْتَ» أَيْ قَارَبْت «تُفْسِدُهُمْ»

стр. 872

فَيَزُولُ خَوْفُهُمْ فَيَثْبُتُ مِنْهُ الْإِصْرَارُ وَالْإِعْلَانُ. (د عَنْ أَبِي بَرْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ» وَهُمْ الْمُنَافِقُونَ «لَا تَغْتَابُوا النَّاسَ وَلَا تَتَبَّعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ بَيْنَ النَّاسِ» يَنْتَجُ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ يَفْضَحْهُ اللَّهُ «وَلَوْ كَانَ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ» وَلَوْ فِي غَايَةِ الْخَفَاءِ [الثَّلَاثُونَ افْتِتَاحُ الْجَاهِلِ الْكَلَامَ] (الثَّلَاثُونَ) (افْتِتَاحُ الْجَاهِلِ الْكَلَامَ) قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ وَكَذَا سَائِرُ الْأَفْعَالِ (عِنْدَ الْعَالِمِ وَالتِّلْمِيذِ عِنْدَ الْأُسْتَاذِ أَوْ أَعْلَمَ أَوْ أَفْضَلَ مِنْهُ) بِشَيْءٍ غَيْرِ الْعِلْمِ كَالزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَالصَّلَاحِ وَكِبَرِ السِّنِّ عَنْ جَابِرٍ «قَدِمَ وَفْدُ جُهَيْنَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَامَ غُلَامٌ لِيَتَكَلَّمَ فَقَالَ ﵊ فَأَيْنَ الْكَبِيرُ» (قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ) قِيلَ مَعْزُوًّا إلَى الرَّوْضَةِ. (قَالَ الزندويستي) بِفَتْحِ الزَّايِ (سَأَلْت الْإِمَامَ الْخَيْرَاخَرِيَّ ﵀ عَنْ حَقِّ الْعَالِمِ عَلَى الْجَاهِلِ وَالْأُسْتَاذِ عَلَى التِّلْمِيذِ قَالَ كِلَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ أَنْ لَا يَفْتَحَ الْكَلَامَ قَبْلَهُ) بِلَا إذْنِهِ (وَلَا يَجْلِسُ وَإِنْ غَابَ عَنْهُ) إنْ عَلِمَ مَجِيئَهُ وَجُلُوسَهُ مَرَّةً أُخْرَى فَإِنْ غَابَ وَلَمْ يَجِئْ فَيَجُوزُ (وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ كَلَامَهُ) وَلَوْ فَاسِدًا قِيلَ مَنْ قَالَ لِأُسْتَاذِهِ لِمَ حِينَ رَآهُ فِي أَمْرٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ لَا يُفْلِحُ أَبَدًا وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى الرَّدِّ لَا مَحَالَةَ فَبِالتَّعْرِيضِ لَا بِالتَّصْرِيحِ (وَلَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ فِي مَشْيِهِ) إلَّا لِلدَّلَالَةِ قِيلَ فَقَدْ صَحَّ «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ تَقَدَّمَ عَلَى الصِّدِّيقِ فِي ذَلِكَ أَتَمْشِي أَمَامَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك» . كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ قِيلَ عَلَى رِوَايَةِ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمَشْيُ بَيْنَ يَدَيْ الْكُبَرَاءِ مِنْ الْكَبَائِرِ وَلَا يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْ الْكُبَرَاءِ إلَّا مَلْعُونٌ قَالُوا وَمَنْ الْكُبَرَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالصَّالِحُونَ» وَقِيلَ أَيْضًا مَنْ عَظَّمَ الشُّيُوخَ يُعْطَى لَهُ مِثْلُ عُمْرِهِمْ. (وَفِي تَعْلِيمِ الْمُتَعَلِّمِ) لِتِلْمِيذِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ (وَمِنْ تَوْقِيرِ) تَعْظِيمِ (الْمُعَلِّمِ) (أَنْ لَا يَمْشِيَ أَمَامَهُ وَلَا يَجْلِسَ مَكَانَهُ وَلَا يَبْتَدِئَ الْكَلَامَ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا يُكْثِرَ الْكَلَامَ) وَلَوْ مُبَاحًا (عِنْدَهُ) لِأَنَّهُ يُفْضِي لِلْخُرُوجِ عَنْ الْأَدَبِ

стр. 873

(وَلَا يَسْأَلَ شَيْئًا عِنْدَ مَلَالَتِهِ) لِثِقَلِ الْجَوَابِ (وَيُرَاعِيَ الْوَقْتَ) فَيَأْتِيَهُ وَقْتَ ظُهُورِهِ (وَلَا يَدُقَّ الْبَابَ) لِاحْتِمَالِ أَذَاهُ (بَلْ يَصْبِرَ حَتَّى يَخْرُجَ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات: ٥] (فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُطْلَبُ رِضَاهُ وَيُجْتَنَبُ سَخَطُهُ وَيُمْتَثَلُ أَمْرُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إذْ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ (انْتَهَى. وَقَدْ صَرَّحُوا فِي الْفَتَاوَى بِكَرَاهَةِ أَنْ) (يَقُولَ الرَّجُلُ لِمَنْ فَوْقَهُ فِي الْعِلْمِ) وَالْفَضْلِ الدِّينِيِّ (حَانَ) أَيْ حَضَرَ (وَقْتُ الصَّلَاةِ) (أَوْ قُومُوا نُصَلِّ أَوْ نَحْوَهُمَا) مِمَّا فِيهِ تَرْكُ الْأَدَبِ لَعَلَّ ذَلِكَ عِنْدَ عِلْمِهِ وَقْتَهَا مَثَلًا وَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ عِلْمِهِ فَيُحْظَرُ إنْ غَلَبَ رِضَاهُ (لِأَنَّهُ تَرْكُ أَدَبٍ وَتَوْقِيرٍ) وَمِنْ تَوْقِيرِ الْأُسْتَاذِ تَقْبِيلُ يَدِهِ كَمَا فِي الْفَتَاوَى وَأَمَّا الْمُعَانَقَةُ الْمَشْهُورَةُ فَقِيلَ لَيْسَتْ بِجَائِزَةٍ وَقِيلَ جَائِزَةٌ. وَوَفَّقَ الشَّيْخُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ إنْ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ لَا وَإِنْ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ نَعَمْ وَقِيلَ أَوَّلُ مَنْ عَانَقَ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ ﵊ كَانَ بِمَكَّةَ فَأَقْبَلَ إلَيْهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ فَلَمَّا وَصَلَ إلَى الْأَبْطَحِ قِيلَ لَهُ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ إبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَرْكَبَ فِي بَلْدَةٍ فِيهَا إبْرَاهِيمُ فَنَزَلَ وَمَشَى إلَى إبْرَاهِيمَ وَعَانَقَهُ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ عَانَقَ كَمَا فِي الدُّرَرِ وَمِنْ تَعْظِيمِ الْأُسْتَاذِ الْقِيَامُ عِنْدَ مَجِيئِهِ وَذَهَابِهِ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ الْقِيَامُ لِغَيْرِهِ إنَّمَا يُكْرَهُ إذَا أَحَبَّهُ مَنْ يُقَامُ لَهُ وَعَنْ الْبَزَّازِيَّةِ لَا يُكْرَهُ الْقِيَامُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ فِي خِلَالِ قِرَاءَتِهِ وَعَنْ الظَّهِيرِيَّةِ قِيَامُ الْقَارِئِ إنَّمَا يَجُوزُ لِأُسْتَاذِهِ وَأَبِيهِ وَعَالِمٍ وَعَنْ كَنْزِ الْعِبَادَةِ لَا يَقُومُ فِي الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُعَظِّمُونِي فِي بَيْتِ رَبِّي» وَلِهَذَا أَوْصَى السَّلَفُ تَلَامِذَتَهُمْ بِعَدَمِ الْقِيَامِ لَهُمْ بِالْمَسْجِدِ. وَعَنْ السِّرَاجِيَّةِ لَا يَنْبَغِي لِلْجَاهِلِ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الْعَالِمِ وَلَوْ أَكْبَرَ سِنًّا مِنْهُ فِي الْمَشْيِ وَالْجُلُوسِ وَالْكَلَامِ

стр. 874

وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ الشَّابُّ الْعَالِمُ يَتَقَدَّمُ عَلَى الشَّيْخِ الْجَاهِلِ وَمِنْ تَعْظِيمِ الْأُسْتَاذِ تَبَعِيَّتُهُ وَإِنْ ظُنَّ كَوْنُ الصَّوَابِ فِي خِلَافِهِ لِأَنَّ سَالِكَ الطَّرِيقِ قَدْ يَظُنُّ خَطَأَ مَنْ يَهْدِيهِ ثُمَّ يَظْهَرُ أَنَّ الصَّوَابَ عِنْدَهُ أَلَا يُرَى أَنَّ مُوسَى لَمْ يَصْبِرْ وَرَاجَعَ الْخَضِرَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَتَّى حُرِمَ مِنْ صُحْبَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] وَمِنْ التَّعْظِيمِ التَّوَاضُعُ وَالتَّمَلُّقُ وَالْخِدْمَةُ وَالنُّصْرَةُ وَالدُّعَاءُ لِأُسْتَاذِهِ سِرًّا وَجَهْرًا. قَالَ ﵊ «مَنْ عَلَّمَ عَبْدًا آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مَوْلَاهُ» وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْذُلَهُ وَلَا يُؤْثِرَ عَلَيْهِ أَحَدًا وَمِنْ أَسْبَابِ انْقِرَاضِ الْعِلْمِ عَدَمُ مُرَاعَاةِ حَقِّ الْمُعَلِّمِ قِيلَ مَنْ تَأَذَّى مِنْهُ أُسْتَاذُهُ يُحْرَمُ بَرَكَةَ الْعِلْمِ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ إلَّا قَلِيلًا وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ حَقَّ مُعَلِّمِهِ عَلَى حَقِّ أَبَوَيْهِ. كَمَا رُوِيَ أَنَّ الْحَلْوَانِيَّ حِينَ خُرُوجِهِ مِنْ بُخَارَى زَارَتْهُ تَلَامِذَتُهُ إلَّا الزنجري قَالَ مَنَعَتْنِي عَنْ الزِّيَارَةِ خِدْمَةُ أُمِّي قَالَ الشَّيْخُ تُرْزَقُ الْعُمُرَ وَلَا تُرْزَقُ الدَّرْسَ وَكَانَ كَذَلِكَ قَالَ الشَّاعِرُ آبَاءُ أَجْسَامِنَا الَّذِينَ مَضَوْا ... قَدْ أَوْقَعُونَا فِي مَوْقِعِ التَّلَفِ مَنْ عَلَّمَ الْعِلْمَ كَانَ خَيْرَ أَبٍ ... وَهُوَ أَبُو الرُّوحِ لَا أَبُو النُّطَفِ وَمِنْ التَّوْقِيرِ عَدَمُ تَبَعِيَّةِ زَلَّةِ الْمُعَلِّمِ وَهَفْوَتِهِ وَيُحْمَلُ مَا سُمِعَ مِنْهُ مِنْ الْهَفَوَاتِ عَلَى أَحْسَنِ الْمَحَامِلِ وَالتَّأْوِيلَاتِ وَتَفْصِيلُ الْمَقَامِ فِي كِتَابِ تَعْلِيمِ الْمُتَعَلِّمِ وَالْمِفْتَاحِ. [الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ التَّكَلُّمُ عِنْدَ الْآذَانِ وَالْإِقَامَةِ بِغَيْرِ الْإِجَابَةِ] (الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ التَّكَلُّمُ عِنْدَ الْآذَانِ وَالْإِقَامَةِ بِغَيْرِ الْإِجَابَةِ) الْمَذْكُورَةِ فِي الْفِقْهِيَّةِ بِأَنْ يَقُولَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ إلَّا عِنْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ فَيَقُولُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ لَكِنْ عَنْ الْمُحِيطِ وَتُحْفَةِ الْمُلُوكِ يَقُولُهَا عِنْدَ الْأُولَى وَيَقُولُ عِنْدَ الثَّانِيَةِ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَالْمَفْهُومُ مِنْ الدُّرَرِ هُوَ الْإِطْلَاقُ وَعِنْدَ قَوْلِهِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ صَدَقْت وَبِالْحَقِّ نَطَقْت وَإِجَابَةُ الْإِقَامَةِ كَالْآذَانِ لَكِنْ عِنْدَ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ يَقُولُ أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا وَعَنْ تَاجِ الشَّرِيعَةِ لَيْسَ عِنْدَهَا إجَابَةٌ بِالْقَوْلِ بَلْ بِالْفِعْلِ فَقَطْ وَفِي التَّنْوِيرِ إجَابَةُ الْإِقَامَةِ كَالْآذَانِ وَقِيلَ لَا وَلَا يَقْرَأُ السَّامِعُ الْقُرْآنَ وَلَا يُسَلِّمُ وَلَا يَرُدُّ السَّلَامَ وَلَا يَشْتَغِلُ بِشَيْءٍ سِوَى الْإِجَابَةِ إلَّا الْقِرَاءَةُ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ إجَابَةٌ بِالْحُضُورِ كَمَا قَيَّدَهُ بِهِ (قَالُوا) لَعَلَّ لَيْسَ هَذَا مِمَّا قِيلَ مِنْ أَنْ قَالُوا عِنْدَ كَوْنِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافِيَّةً (يَقْطَعُ كُلَّ عَمَلٍ بِالْيَدِ) كَالْكِتَابَةِ وَسَائِرِ جَمِيعِ الصَّنَائِعِ (وَالرِّجْلِ) فَالْمَاشِي يَقِفُ وَلَوْ كَانَ مَشْيُهُ إلَى جَانِبِ الْمَسْجِدِ (وَاللِّسَانِ حَتَّى التِّلَاوَةَ) وَالْأَذْكَارَ فَضْلًا عَنْ سَائِرِ الْأَقْوَالِ (إنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ قَيْدٌ لِلْجَمِيعِ وَلَوْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَتْرُكُهَا لِأَنَّهُ أَجَابَ بِالْحُضُورِ وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ إذَا سُمِعَ الْآذَانُ فَمَا عُمِلَ بَعْدُ فَحَرَامٌ وَكَانَتْ تَضَعُ غَزْلَهَا وَإِبْرَاهِيمُ الصَّائِغُ يُلْقِي الْمِطْرَقَةَ (وَلَا يُسَلِّمُ) عِنْدَ السَّمَاعِ (وَأَمَّا رَدُّهُ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَسَيَجِيءُ) بَيَانُهُ وَعَنْ الْمُجْتَبَى فِي ثَمَانِيَةِ مَوَاضِعَ إذَا سَمِعَ الْآذَانَ لَا يُجِيبُهُ الْأَوَّلِ فِي الصَّلَاةِ الثَّانِي فِي اسْتِمَاعِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ الثَّالِثِ فِي ثَلَاثِ خَطْبِ الْمَوْسِمِ الرَّابِعِ فِي الْجِنَازَةِ الْخَامِسِ فِي تَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَتَعَلُّمِهِ السَّادِسِ فِي الْجِمَاعِ السَّابِعِ فِي الْمُسْتَرَاحِ الثَّامِنِ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالتَّغَوُّطِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُثْنِي بِلِسَانِهِ وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ لَا يَجُوزُ أَذَانُهُمَا وَكَذَا ثَنَاؤُهُمَا الْمُرَادُ بِالثَّنَاءِ الْإِجَابَةُ وَكَذَا لَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ عِنْدَ الْأَكْلِ كَمَا صَرَّحُوا

стр. 875

(وَيَشْتَغِلُ بِالْإِجَابَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْبَابِ) قَالَ بَعْضُهُمْ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ وَالتُّحْفَةِ بِالْوُجُوبِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِالِاسْتِحْبَابِ قِيلَ الْأَوَّلُ أَحْوَطُ وَالثَّانِي أَقْوَى دِرَايَةً وَعَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ لَا يَشْتَغِلُ بِشَيْءٍ سِوَى إجَابَتِهِمَا فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ إلَّا عَلَى مَنْ فِي مَسْجِدٍ لِلصَّلَاةِ وَقِيلَ سُنَّةٌ وَقِيلَ مُسْتَحَبَّةٌ فَقِيلَ بِالْقَدَمِ وَقِيلَ بِاللِّسَانِ وَلَوْ جُنُبًا كَمَا فِي التُّمُرْتَاشِيِّ اهـ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُصَلِّيًا أَوْ مُسْتَمِعًا لِلْخُطْبَةِ أَوْ مُعَلِّمًا أَوْ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ أَوْ مُجَامِعًا أَوْ قَاضِيًا لِلْحَاجَةِ كَمَا نُقِلَ عَنْ النَّظْمِ وَقِيلَ الْوُجُوبُ بِالْإِجَابَةِ بِالْقَدَمِ وَالِاسْتِحْبَابُ بِاللِّسَانِ فَالْوَاجِبُ الْإِجَابَةُ بِالْقَدَمِ فَقَطْ فَلَوْ أَجَابَ بِاللِّسَانِ وَلَمْ يُجِبْ بِالْقَدَمِ لَيْسَ لَهُ إجَابَةٌ وَلَوْ أَجَابَ بِالْقَدَمِ وَلَمْ يُجِبْ بِاللِّسَانِ فَهُوَ مُجِيبٌ وَقَالُوا إنْ أَجَابَ بِاللِّسَانِ نَالَ الثَّوَابَ الْمَوْعُودَ وَإِلَّا لَا أَمَّا إنَّهُ يَأْثَمُ أَوْ يُكْرَهُ فَلَا وَعَنْ التَّجْنِيسِ لَا يُكْرَهُ الْكَلَامُ عِنْدَ الْآذَانِ بِالْإِجْمَاعِ لَكِنْ ظَاهِرُ قَوْلِهِ «- صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ» الْوُجُوبُ وَعَنْ التَّقَارِيرِ إذَا أَذَّنَ فِي مَسْجِدٍ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ فَالْإِجَابَةُ لِلْأَوَّلِ وَلَوْ سَمِعَ الْأَذَانَ فِي الْوَقْتِ مِنْ جِهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَالظَّاهِرُ إجَابَةُ الْأَوَّلِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي مَسْجِدِهِ وَعَنْ مَجْمَعِ الْفَتَاوَى لَوْ سَمِعَ الْآذَانَ وَهُوَ يَمْشِي فَالْأَوْلَى أَنْ يَقِفَ سَاعَةً فَيُجِيبُ وَعَنْ السَّامَانِيِّ كَانَ الْأُمَرَاءُ يُوقِفُونَ أَفْرَاسَهُمْ وَيَقُولُونَ كُفُّوا وَمَنْ يَتَكَلَّمُ فِي الْفِقْهِ أَوْ الْأُصُولِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ الْكَلَامُ فِيهِ يُوجِبُ خَشْيَةَ سَلْبِ الْإِيمَانِ لَكِنْ عَنْ التُّمُرْتَاشِيِّ أَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ يُرَجِّحُ جَانِبَ الْحَظْرِ [الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ] (الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ) مُفْسِدًا أَوْ لَا وَالْأَوَّلُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا أَوْ خَطَأً وَكَذَا نِسْيَانًا خِلَافًا لِمَالِكٍ، وَالثَّانِي كَالدُّعَاءِ بِلِسَانِهِ فِيمَا يُمْكِنُ طَلَبُهُ مِنْ النَّاسِ أَوْ ذِكْرٍ أَوْ تَسْبِيحٍ أَوْ تَهْلِيلٍ غَيْرِ مَأْثُورٍ وَلَا سِيَّمَا فِي الْفَرْضِ قَالَ فِي الدُّرَرِ لَا يَأْتِي فِي الثَّنَاءِ قَوْلُهُ وَجَلَّ ثَنَاؤُك لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي الْمَشَاهِيرِ وَفِي الْبَحْرِ الْأَوْلَى تَرْكُهُ فِي النَّوَافِلِ أَيْضًا وَقَصْرُهُ عَلَى الْمَرْوِيِّ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَعَنْ الْحَلْوَانِيِّ لَا يُمْنَعُ وَلَا يُؤْمَرُ وَعَنْ الظَّهِيرِيَّةِ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْأَصْلِ وَلَا فِي النَّوَادِرِ وَمَكْرُوهٌ عِنْدَ أَبِي حَفْصٍ الْكَبِيرِ أَقُولُ الدَّائِرُ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ تَرْجِيحُ جَانِبِ الْحَظْرِ لَكِنْ قَدْ رُوِيَ إتْيَانُهُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ (سِوَى الْقُرْآنِ) لِغَيْرِ الْمَأْمُومِ (وَالْأَذْكَارِ الْمَأْثُورَةِ) بِشَخْصِهَا أَوْ بِنَوْعِهَا فَغَيْرُ

стр. 876

الْمَأْثُورَةِ مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ مُطْلَقًا (وَفِي التتارخانية وَإِذَا) (سَلَّمَ رَجُلٌ عَلَى الَّذِي يُصَلِّي أَوْ) الَّذِي (يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) (رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ أَنَّهُ يَرُدُّ السَّلَامَ بِقَلْبِهِ) لِحُرْمَتِهِ بِاللِّسَانِ وَأَنَّهُ مَشْغُولٌ بِالتِّلَاوَةِ (وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَمْضِي عَلَى الْقِرَاءَةِ وَلَا يَشْغَلُ قَلْبَهُ كَمَا لَا يَشْغَلُ لِسَانَهُ) وَهُوَ الْأَوْفَقُ لِلْقِيَاسِ لِأَنَّ شَغْلَ الْقَلْبِ بِغَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ مَانِعٌ مِنْ الْخُشُوعِ وَأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ السَّلَامُ حِينَئِذٍ مَشْرُوعًا فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابُ وَلَوْ اسْتَحَقَّ فَلَا يَسْقُطُ بِمَا فِي الْقَلْبِ لِأَنَّ الْمَشْرُوعِيَّةَ فِيهِ بِاللِّسَانِ فَقَطْ (وَفِي فَتَاوَى آهُو) بِالْمَدِّ اسْمُ رَجُلٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُجِيبُهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ) أَيْ يَرُدُّ السَّلَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ فَإِنْ قِيلَ رَدُّ السَّلَامِ فَرْضٌ فَكَيْفَ يُتْرَكُ أُجِيبَ أَنَّ الِاسْتِمَاعَ أَيْضًا فَرْضٌ وَأَنَّ كَوْنَ الرَّدِّ فَرْضًا إنَّمَا هُوَ عِنْدَ مَشْرُوعِيَّةِ السَّلَامِ وَلَيْسَ فَلَيْسَ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ لَا يَرُدُّ السَّلَامَ صَاحِبُ وِرْدٍ وَدُعَاءٍ وَقِرَاءَةٍ وَمُدَرِّسٌ وَكَذَا سَلَامُ الْمُكْدِي أَيْ طَالِبِ الْعَطِيَّةِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ رَدُّ سَلَامِ السَّائِلِ لَكِنْ فِيهِ أَيْضًا الْمُخْتَارُ رَدُّ الْقَارِئِ سَلَامَ الْمَارِّ بِخِلَافِ وَقْتِ الْخُطْبَةِ وَفِيهِ أَيْضًا لَا يُسَلِّمُ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ جَهْرًا وَعِنْدَ مُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ وَعِنْدَ الْآذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْخُطْبَةِ لِجُمُعَةٍ أَوْ عِيدٍ وَعِنْدَ الِاشْتِغَالِ بِالصَّلَاةِ وَفِي الْحَمَّامِ وَالْخَلَاءِ إنْ مَسْتُورَيْنِ فَعِنْدَهُمَا لَا يَرُدُّ وَعِنْدَهُ يَرُدُّ وَفِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ عَنْ مَفَاتِيحِ الصَّلَاةِ لِأَحْمَدَ الْحُصُولِيِّ يُكْرَهُ السَّلَامُ عِنْدَ الْخُطْبَةِ وَلَا يَرُدُّ جَوَابَهُ وَيَأْثَمُ الْمُسَلِّمُ عَلَى قَارِئِ الْقُرْآنِ جَهْرًا لَكِنْ يَرُدُّ جَوَابَهُ لِكَوْنِهِ قَادِرًا عَلَى تَحْصِيلِ فَضِيلَتَيْ الْقُرْآنِ وَالرَّدِّ وَعَلَى مُسْتَمِعِ الْقُرْآنِ وَيَأْثَمُ الْمُسَلِّمُ وَلَكِنْ يَرُدُّهُ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِمَاعِ وَالرَّدِّ وَيُكْرَهُ عِنْدَ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَمُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ وَعِنْدَ الْآذَانِ وَعِنْدَ الْإِقَامَةِ وَالْمُسَلِّمُ يَأْثَمُ وَلَكِنْ يَرُدُّونَ جَوَابَهُ وَعَلَى مَنْ فِي الْخَلَاءِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَرُدُّ بِقَلْبِهِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَرُدُّ مُطْلَقًا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَرُدُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ وَعَلَى أُسْتَاذِهِ عِنْدَ الدَّرْسِ وَلَوْ سَلَّمَ يَجِبُ رَدُّهُ وَعَلَى الْمُصَلِّي وَيَأْثَمُ وَلَا يَرُدُّ وَعَلَى السَّائِلِ وَإِنْ سَلَّمَ السَّائِلُ يَجِبُ رَدُّهُ وَعَلَى الْقَاضِي فِي الْمَحْكَمَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ وَعَلَى لَاعِبِ الشِّطْرَنْجِ وَعَلَى لَاعِبِ النَّرْدِ وَغَيْرِهِ وَعَلَى الْمُبْتَدِعَةِ وَعَلَى الْمَلَاحِدَةِ وَعَلَى الزَّنَادِقَةِ وَعَلَى الْمُضْحِكِ وَعَلَى قَارِئِ الْقِصَّةِ الْكَاذِبَةِ وَعَلَى أَهْلِ اللَّغْوِ وَعَلَى أَهْلِ السَّبِّ وَعَلَى أَهْلِ الْهَجْوِ وَعَلَى الْقَاعِدِ عَلَى الطَّرِيقِ لِيَنْظُرَ عَلَى الْمَرْأَةِ الْحَسْنَاءِ وَالْأَمْرَدِ وَعَلَى الْعُرْيَانِ فِي الْحَمَّامِ وَغَيْرِهِ وَعَلَى الْمُمَازِحِ وَعَلَى الْكَذَّابِ وَعَلَى مَنْ يَسُبُّ النَّاسَ وَعَلَى الْمُشْتَغِلِ فِي السُّوقِ وَعَلَى آكِلِ الطَّعَامِ فِي السُّوقِ أَوْ عَلَى آكِلِ الطَّعَامِ أَمَامَ الدَّكَاكِينِ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ وَعَلَى الْمُغَنِّي وَعَلَى مُطَيِّرِ الْحَمَّامِ وَالْكَافِرِ [الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ فِي حَالَ الْخُطْبَةِ] (الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ) مُطْلَقُ الْخُطْبَةِ لِمَا فِي الدُّرَرِ أَطْلَقَ الْخُطْبَةَ لِتَتَنَاوَلَ جَمِيعَ الْخُطَبِ كَالْخُطَبِ فِي الْحَجِّ وَعَنْ قَاضِي خَانْ وَخُطْبَةِ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَعَنْ الْبَحْرِ وَخُطْبَةِ النِّكَاحِ وَخَتْمِ الْقُرْآنِ (وَلَوْ تَسْبِيحًا أَوْ تَصْلِيَةً أَوْ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ نَحْوَهَا) كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْمَبْحَثِ الْعِلْمِيِّ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا وَعَنْ الْبَحْرِ وَيُكْرَهُ لِمُسْتَمِعِ الْخُطْبَةِ مَا يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْعَبَثِ وَالِالْتِفَاتِ انْتَهَى لِأَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ رَكْعَتَيْ الظُّهْرِ وَفِي صَدْرِ الشَّرِيعَةِ إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَرُمَ الْكَلَامُ وَالصَّلَاةُ حَتَّى يُتِمَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا لَا يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ قَالَ فِي الدُّرَرِ هُوَ كَالْقَرِيبِ وَعَنْ النِّهَايَةِ لَا رِوَايَةَ فِيهِ وَعَنْ الْمَبْسُوطِ أَوْلَوِيَّةُ الْإِنْصَاتِ عِنْدَ بَعْضٍ وَعَنْ الْعِنَايَةِ هُوَ مُخْتَارُ الْكَرْخِيِّ وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَأَوْلَوِيَّةُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عِنْدَ بَعْضٍ آخَرَ وَعَنْ السِّرَاجِ السُّكُوتُ أَحْوَطُ وَعَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ ثُمَّ قِيلَ لَا يُكْرَهُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَفِي التتارخانية عَنْ بَعْضٍ الْفَاضِلِ لَا يُؤْمَرُ بِاسْتِمَاعِ خُطْبَةِ الْمَفْضُولِ وَأَنَّهُ إذَا أَخَذَ فِي مَدْحِ الظَّلَمَةِ وَالدُّعَاءِ فَلَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ وَعِنْدَ قَوْلِ الْخَطِيبِ صَلُّوا لَا يَجِبُ عَلَى الْقَوْمِ التَّصْلِيَةُ كَمَا فِي الطَّحَاوِيِّ وَعَنْ الْحُجَّةِ السُّكُوتُ حِينَئِذٍ أَفْضَلُ وَفِي فَتَاوَى أَبُو السُّعُودِ تَرْضِيَةُ الْمُؤَذِّنِينَ عِنْدَ ذِكْرِ الْخَطِيبِ

стр. 877

الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ وَسَكْتَتُهُ جَائِزَةٌ لِكَوْنِهَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ فِي دِيَارِنَا إنْ لَمْ يُلْحِنُوا أَوْ يُسْرِعُوا لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الرَّأْيِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَأَنَّ الْحُكْمَ الْأَصْلِيَّ لَا يَتَغَيَّرُ بِالْعَوَارِضِ الْخَارِجِيَّةِ (خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا قُلْت لِصَاحِبِك يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْت» أَيْ تَكَلَّمْتَ بِاللَّغْوِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَقِيلَ أَيْ تَكَلَّمْتَ بِمَا لَا يَجُوزُ وَقِيلَ لَغَا أَيْ مَالَ عَنْ الصَّوَابِ قِيلَ بُطْلَانٌ مَعْنَاهُ بُطْلَانُ أَصْلِ الْجُمُعَةِ وَقِيلَ بُطْلَانُ ثَوَابِهَا وَهُوَ الْأَكْثَرُ وَقِيلَ تَنْقَلِبُ ظُهْرًا وَعَنْ النَّوَوِيِّ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْصِتْ إذَا كَانَ لَغْوًا مَعَ أَنَّهُ أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ فَغَيْرُهُ مِنْ الْكَلَامِ أَوْلَى وَفِي قَوْلِهِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ إشْعَارٌ بِأَنَّ هَذَا النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ حَالَ الْخُطْبَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجِبُ الْإِنْصَاتُ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ فَلَا صَلَاةَ وَلَا كَلَامَ» وَالتَّرْجِيحُ لِلْمُحَرَّمِ فَعَلَى هَذَا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلٍ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامَيْنِ حَيْثُ قَالَا يُبَاحُ الْكَلَامُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي الْخُطْبَةِ لَعَلَّ وَجْهَ اخْتِيَارِ قَوْلِ الْإِمَامَيْنِ مُوَافَقَةُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَأَنَّهُ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ سِوَى الْإِمَامِ وَقَدْ فُهِمَ مِنْ قَاضِي خَانْ إذَا خَالَفَ الْإِمَامَ صَاحِبَاهُ إذَا كَانَ اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ يُخْتَارُ قَوْلُهُمَا وَإِلَّا فَيُخَيَّرُ الْمُفْتِي وَعَنْ الْبَحْرِ وَمَا تُعُورِفَ مِنْ أَنَّ الْمُؤَذِّنِينَ يُؤَمِّنُونَ عِنْدَ الدُّعَاءِ وَيَدْعُونَ لِلصَّحَابَةِ بِالرِّضَا وَلِلسُّلْطَانِ بِالنَّصْرِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَكُلُّهُ حَرَامٌ انْتَهَى وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ هُوَ بِصَدَدِ شَرْحِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْكَلَامِ الْعُرْفِيِّ حَتَّى يُمْنَعَ بَلْ مِنْ قَبِيلِ التَّسْبِيحِ فَلَا يُكْرَهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ بَلْ حَالِ السَّكْتَةِ عَلَى أَنَّهُ إنْ وَافَقَ قَوْلًا مِنْ أَقْوَالِ أَئِمَّتِنَا أَوَّلًا فَلَيْسَ مِمَّا يَجِبُ إنْكَارُهُ وَإِنَّمَا الْمُنْكَرُ مَا وَقَعَ فِيهِ الْإِجْمَاعُ عَلَى حُرْمَتِهِ وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إذَا لَمْ يُبَالِغْ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ كَمَا قَالَ الْهَيْتَمِيُّ إنَّهُ جَائِزٌ بِلَا كَرَاهَةٍ بَلْ سُنَّةٌ وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - كَانَ يَقُولُ عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ اللَّهُمَّ أَصْلِحْ عَبْدَك وَخَلِيفَتَك عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ يُنْدَبُ لِلْخَطِيبِ الدُّعَاءُ لِلْمُسْلِمِينَ وَوُلَاتِهِمْ بِالْإِصْلَاحِ وَالْإِعَانَةِ عَلَى الْحَقِّ وَالْقِيَامِ بِالْعَدْلِ وَلِجُيُوشِ الْإِسْلَامِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ لَوْ عَلِمْت لِي دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً لَخَصَصْت بِهَا السُّلْطَانَ فَإِنَّ خَيْرَهُ عَامٌّ وَخَيْرَ غَيْرِهِ خَاصٌّ وَأَمَّا التَّأْمِينُ جَهْرًا فَالْأَوْلَى تَرْكُهُ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الِاسْتِمَاعَ وَيُشَوِّشُ الْحَاضِرِينَ انْتَهَى لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْخَلْطِ وَالْخَبْطِ إذْ عَدَمُ جَوَازِ مُطْلَقِ الْعِبَادَةِ سِوَى الْإِنْصَاتِ صَرِيحٌ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا وَأَنَّ السَّكْتَةَ فِي نَفْسِهَا لِمَصْلَحَةِ الْمُؤَذِّنِ لَمْ تَقَعْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ فَبِدْعَةٌ مَمْنُوعَةٌ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يَعْمَلَ بِقَوْلِ مَنْ قَلَّدَهُ فَإِذَا كَانَ قَوْلُهُ عَلَى الْإِنْكَارِ فَمُنْكَرٌ عِنْدَ مُقَلِّدِيهِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ مُنْكَرًا مَوْقُوفٌ عَلَى كَوْنِهِ مُجْمَعًا وَإِنَّ مَا نُقِلَ مِنْ الدَّعَوَاتِ إلَى الْأُمَرَاءِ فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الْخَطِيبِ وَالْمَسْأَلَةُ مَا هِيَ مِنْ الْمُؤَذِّنِ (حذر طب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» أَيَّ كَلَامٍ كَانَ وَلَوْ تَسْبِيحًا وَتَرْضِيَةً وَتَصْلِيَةً خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِالْعُرْفِيِّ «وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا» فَكَمَا أَنَّ الْحِمَارَ لَا يَنْتَفِعُ بِالْأَسْفَارِ) فَكَذَا هَذَا لَا يَنْتَفِعُ مِنْ الْجُمُعَةِ فَيَكُونُ إتْعَابُهُ مِنْ قَبِيلِ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ (وَاَلَّذِي يَقُولُ لَهُ أَنْصِتْ لَيْسَ لَهُ جُمُعَةٌ)

стр. 878

رَأْسًا أَوْ كَامِلَةً قِيلَ عَنْ نَجْمِ الدِّينِ الْبَقْلِيِّ وَإِذَا شَرَعَ الْخَطِيبُ فِي الدُّعَاءِ لَا يَجُوزُ لِلْقَوْمِ رَفْعُ الْأَيْدِي وَلَا التَّأْمِينُ بِاللِّسَانِ فَإِنْ فَعَلُوا أَثِمُوا وَقَالَ بَعْضٌ إسَاءَةٌ لَا إثْمٌ وَالصَّحِيحُ وَالْمُفْتَى بِهِ هُوَ الْأَوَّلُ وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ بِوُجُوبِ تَعْلِيمِ الْعُلَمَاءِ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَكَذَا التَّصْلِيَةُ جَهْرًا وَأَمَّا إخْفَاءً فَقِيلَ يَجِبُ وَقِيلَ لَا بَلْ بِالْقَلْبِ فَقَطْ وَهُوَ اخْتِيَارُ النَّسَفِيِّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَانْتَهَى مُلَخَّصًا (قَالَ قَاضِي خَانْ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ إذَا قَالَ الْخَطِيبُ) فِي الْخُطْبَةِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ؛ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَفْسِهِ) أَيْ بِالْقَلْبِ كَمَا سَمِعْت آنِفًا عَنْ الْبَقَّالِيِّ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِهِ فَيَنْدَفِعُ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يَكُونُ خِفْيَةً (وَ) جُمْهُورُ (مَشَايِخِنَا ﵏ قَالُوا بِأَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﵊ بَلْ يَسْتَمِعُ وَيَسْكُتُ لِأَنَّ الِاسْتِمَاعَ فَرْضٌ وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُنَّةٌ) قِيلَ لِأَنَّ التَّصْلِيَةَ فَرْضُ مَرَّةٍ فِي الْعُمُرِ وَالْبَوَاقِيَ سُنَنٌ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ وَلَا يَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ وَلَا عَلَى الْفَوْرِ أَقُولُ الْمَسْأَلَةُ فِيمَا ذَكَرَ اسْمَ النَّبِيِّ ﵊ لَا الْمُطْلَقِ وَمَا ذَكَرَهُ إنَّمَا يَجْرِي فِي الْمُطْلَقِ وَإِنَّ الْوُجُوبَ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ سَبَبِهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا الْوُجُوبَ مِمَّا يُمْكِنُ قَضَاؤُهُ بَعْدُ عَلَى أَنَّ وُجُوبَ الْأَصْلِ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ لِتَعَارُضِهِ بِوُجُوبٍ آخَرَ بَلْ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِرُجْحَانِ مُعَارِضِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ فِيهِ هِيَ (تُمْكِنُ بَعْدَ هَذِهِ الْحَالَةِ) لِمَا عَرَفْت أَنَّهَا مِمَّا يُمْكِنُ قَضَاؤُهُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَأْتِي بِالصَّلَاةِ بَعْدَ تَمَامِ الْخُطْبَةِ (انْتَهَى) فَالْإِجْمَاعُ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى جَوَازِ الْجَهْرِ حِينَئِذٍ وَأَمَّا فِي الْإِخْفَاءِ فَقِيلَ نَعَمْ وَقِيلَ لَا (وَفِي التَّجْنِيسِ) لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ (رَجُلٌ سَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ رَدَّ عَلَيْهِ) سَلَامَهُ (فِي نَفْسِهِ وَكَذَا إذَا عَطَسَ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى فِي نَفْسِهِ لِأَنَّ رَدَّ السَّلَامِ وَاجِبٌ) أَيْ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى مَا قِيلَ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَعْكِسْ لِقُوَّةِ الْفَرْضِيَّةِ وَلِكَوْنِ الْمَحَلِّ مَحَلَّ الْفَرْضِ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَوِيٌّ فِي مَحَلِّهِ وَمَقَامِهِ وَلَمْ يَسْقُطْ الْوُجُوبُ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ سُقُوطُ الضَّعِيفِ فِي جَنْبِ الْقَوِيِّ لِإِمْكَانِ التَّوْفِيقِ وَذَا عِنْدَ عَدَمِ إمْكَانِهِ (وَيُمْكِنُ إقَامَةُ هَذَا الْوَاجِبِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُخِلُّ بِالِاسْتِمَاعِ) بِأَنْ يُسِرَّ بِهِ (هَكَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالْأَصْوَبُ) أَيْ الْأَوْلَى (أَنْ لَا يُجِيبَ) أَصْلًا مُطْلَقًا لَا جَهْرًا وَلَا فِي نَفْسِهِ (لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْإِنْصَاتِ) الْمَأْمُورِ بِهِ إمَّا لِشُمُولِ الْإِنْصَاتِ لِمَا فِي الْقَلْبِ أَوْ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِنْصَاتِ الْإِصْغَاءُ لِمَا ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ وَالِاتِّعَاظُ بِهِ وَشَغْلُ الْقَلْبِ بِغَيْرِهِ مَانِعٌ إذْ الِاسْتِمَاعُ بِلَا تَأَمُّلٍ وَتَفَكُّرٍ بَلْ بِلَهْوٍ وَذُهُولٍ وَغَفْلَةٍ لَيْسَ بِجَائِزٍ (وَبِهِ يُفْتَى) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ وَقَفَ عَلَيْهِ لَكِنْ ظَاهِرُ مَا عِنْدَنَا مِنْ الْفَتَاوَى كَقَاضِي خَانْ وَالْخُلَاصَةِ وَالْهِدَايَةِ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ (وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَا يُسَلِّمُ عَلَى أَحَدٍ وَقْتَ الْخُطْبَةِ) أَمَّا حَالَ الْخُطْبَةِ فَكَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ أَوْ مُطْلَقُ مَا بَيْنَ الْخُرُوجِ وَالنُّزُولِ بِطَرِيقِ التَّجَوُّزِ عَلَى مَا يُنَاسِبُهُ مَذْهَبُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ (وَلَا يُشَمِّتُ الْعَاطِسَ) مَعَ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَزَادَ فِي الْخُلَاصَةِ كُلُّ مَا حَرُمَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَكَلَامٍ حَرُمَ فِي الْخُطْبَةِ بِلَا فَرْقٍ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ قِيلَ وَبِهِ جَزَمَ

стр. 879

فِي الْكَنْزِ وَهُوَ الْأَحْوَطُ (فَمَا يَفْعَلُهُ الْمُؤَذِّنُونَ فِي زَمَانِنَا) لَا فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى بِدْعِيَّتِهِ وَالْبِدْعَةُ فِي الْعِبَادَةِ حَرَامٌ فَفِيهِ دَلِيلٌ آخَرُ غَيْرُ الْمُفَرَّعِ عَلَيْهِ عَلَى مُنْكَرِيَّةِ الْحُكْمِ (فِي حَالِ الْخُطْبَةِ) بَلْ عِنْدَ صُعُودِ الْإِمَامِ الْمِنْبَرَ (مِنْ التَّصْلِيَةِ وَالتَّرْضِيَةِ وَالتَّأْمِينِ وَالدُّعَاءِ لِلسُّلْطَانِ عِنْدَ ذِكْرِهِ مُنْكَرٌ يَجِبُ مَنْعُهُ عَلَى مَنْ قَدَرَ) مِنْ السُّلْطَانِ وَالْقُضَاةِ وَسَائِرِ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ لَا سِيَّمَا الْعُلَمَاءُ لَكِنْ قِيلَ الْوُجُوبُ لِلسُّلْطَانِ وَالْحُكَّامِ دُونَ غَيْرِهِمْ قِيلَ هُنَا أَيْضًا أَنَّ الْمَمْنُوعَ هُوَ الْكَلَامُ الْعُرْفِيُّ فَقَطْ وَقِيلَ إنَّ هَذَا لَيْسَ

стр. 880

بِمُنْكَرٍ حَتَّى يُنْكَرَ بَلْ أُمُورٌ مُسْتَحْسَنَةٌ اسْتَحْسَنَهَا أَهْلُ الْإِيمَانِ كَمَا قَالَ ﵊ «مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» . «وَلَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ» فَأَفْتَوْا بِجَوَازِهَا وَقَدْ قَالَ صَاحِبَاهُ لَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَبَعْدَهَا مَا لَمْ يَشْرَعْ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ فَالْمَانِعُ ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] وَقَدْ خَصَّ بَعْضَ
следующие страницы →