← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21654

بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية

محمد الخادمي

Полный текст (1 189 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

الْمَأْثُورَةِ مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ مُطْلَقًا (وَفِي التتارخانية وَإِذَا) (سَلَّمَ رَجُلٌ عَلَى الَّذِي يُصَلِّي أَوْ) الَّذِي (يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) (رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ أَنَّهُ يَرُدُّ السَّلَامَ بِقَلْبِهِ) لِحُرْمَتِهِ بِاللِّسَانِ وَأَنَّهُ مَشْغُولٌ بِالتِّلَاوَةِ (وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَمْضِي عَلَى الْقِرَاءَةِ وَلَا يَشْغَلُ قَلْبَهُ كَمَا لَا يَشْغَلُ لِسَانَهُ) وَهُوَ الْأَوْفَقُ لِلْقِيَاسِ لِأَنَّ شَغْلَ الْقَلْبِ بِغَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ مَانِعٌ مِنْ الْخُشُوعِ وَأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ السَّلَامُ حِينَئِذٍ مَشْرُوعًا فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجَوَابُ وَلَوْ اسْتَحَقَّ فَلَا يَسْقُطُ بِمَا فِي الْقَلْبِ لِأَنَّ الْمَشْرُوعِيَّةَ فِيهِ بِاللِّسَانِ فَقَطْ (وَفِي فَتَاوَى آهُو) بِالْمَدِّ اسْمُ رَجُلٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُجِيبُهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ) أَيْ يَرُدُّ السَّلَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ فَإِنْ قِيلَ رَدُّ السَّلَامِ فَرْضٌ فَكَيْفَ يُتْرَكُ أُجِيبَ أَنَّ الِاسْتِمَاعَ أَيْضًا فَرْضٌ وَأَنَّ كَوْنَ الرَّدِّ فَرْضًا إنَّمَا هُوَ عِنْدَ مَشْرُوعِيَّةِ السَّلَامِ وَلَيْسَ فَلَيْسَ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ لَا يَرُدُّ السَّلَامَ صَاحِبُ وِرْدٍ وَدُعَاءٍ وَقِرَاءَةٍ وَمُدَرِّسٌ وَكَذَا سَلَامُ الْمُكْدِي أَيْ طَالِبِ الْعَطِيَّةِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ رَدُّ سَلَامِ السَّائِلِ لَكِنْ فِيهِ أَيْضًا الْمُخْتَارُ رَدُّ الْقَارِئِ سَلَامَ الْمَارِّ بِخِلَافِ وَقْتِ الْخُطْبَةِ وَفِيهِ أَيْضًا لَا يُسَلِّمُ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ جَهْرًا وَعِنْدَ مُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ وَعِنْدَ الْآذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْخُطْبَةِ لِجُمُعَةٍ أَوْ عِيدٍ وَعِنْدَ الِاشْتِغَالِ بِالصَّلَاةِ وَفِي الْحَمَّامِ وَالْخَلَاءِ إنْ مَسْتُورَيْنِ فَعِنْدَهُمَا لَا يَرُدُّ وَعِنْدَهُ يَرُدُّ وَفِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ عَنْ مَفَاتِيحِ الصَّلَاةِ لِأَحْمَدَ الْحُصُولِيِّ يُكْرَهُ السَّلَامُ عِنْدَ الْخُطْبَةِ وَلَا يَرُدُّ جَوَابَهُ وَيَأْثَمُ الْمُسَلِّمُ عَلَى قَارِئِ الْقُرْآنِ جَهْرًا لَكِنْ يَرُدُّ جَوَابَهُ لِكَوْنِهِ قَادِرًا عَلَى تَحْصِيلِ فَضِيلَتَيْ الْقُرْآنِ وَالرَّدِّ وَعَلَى مُسْتَمِعِ الْقُرْآنِ وَيَأْثَمُ الْمُسَلِّمُ وَلَكِنْ يَرُدُّهُ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِمَاعِ وَالرَّدِّ وَيُكْرَهُ عِنْدَ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَمُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ وَعِنْدَ الْآذَانِ وَعِنْدَ الْإِقَامَةِ وَالْمُسَلِّمُ يَأْثَمُ وَلَكِنْ يَرُدُّونَ جَوَابَهُ وَعَلَى مَنْ فِي الْخَلَاءِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَرُدُّ بِقَلْبِهِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَرُدُّ مُطْلَقًا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَرُدُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ وَعَلَى أُسْتَاذِهِ عِنْدَ الدَّرْسِ وَلَوْ سَلَّمَ يَجِبُ رَدُّهُ وَعَلَى الْمُصَلِّي وَيَأْثَمُ وَلَا يَرُدُّ وَعَلَى السَّائِلِ وَإِنْ سَلَّمَ السَّائِلُ يَجِبُ رَدُّهُ وَعَلَى الْقَاضِي فِي الْمَحْكَمَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ وَعَلَى لَاعِبِ الشِّطْرَنْجِ وَعَلَى لَاعِبِ النَّرْدِ وَغَيْرِهِ وَعَلَى الْمُبْتَدِعَةِ وَعَلَى الْمَلَاحِدَةِ وَعَلَى الزَّنَادِقَةِ وَعَلَى الْمُضْحِكِ وَعَلَى قَارِئِ الْقِصَّةِ الْكَاذِبَةِ وَعَلَى أَهْلِ اللَّغْوِ وَعَلَى أَهْلِ السَّبِّ وَعَلَى أَهْلِ الْهَجْوِ وَعَلَى الْقَاعِدِ عَلَى الطَّرِيقِ لِيَنْظُرَ عَلَى الْمَرْأَةِ الْحَسْنَاءِ وَالْأَمْرَدِ وَعَلَى الْعُرْيَانِ فِي الْحَمَّامِ وَغَيْرِهِ وَعَلَى الْمُمَازِحِ وَعَلَى الْكَذَّابِ وَعَلَى مَنْ يَسُبُّ النَّاسَ وَعَلَى الْمُشْتَغِلِ فِي السُّوقِ وَعَلَى آكِلِ الطَّعَامِ فِي السُّوقِ أَوْ عَلَى آكِلِ الطَّعَامِ أَمَامَ الدَّكَاكِينِ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ وَعَلَى الْمُغَنِّي وَعَلَى مُطَيِّرِ الْحَمَّامِ وَالْكَافِرِ [الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ فِي حَالَ الْخُطْبَةِ] (الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ) مُطْلَقُ الْخُطْبَةِ لِمَا فِي الدُّرَرِ أَطْلَقَ الْخُطْبَةَ لِتَتَنَاوَلَ جَمِيعَ الْخُطَبِ كَالْخُطَبِ فِي الْحَجِّ وَعَنْ قَاضِي خَانْ وَخُطْبَةِ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَعَنْ الْبَحْرِ وَخُطْبَةِ النِّكَاحِ وَخَتْمِ الْقُرْآنِ (وَلَوْ تَسْبِيحًا أَوْ تَصْلِيَةً أَوْ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ نَحْوَهَا) كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْمَبْحَثِ الْعِلْمِيِّ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا وَعَنْ الْبَحْرِ وَيُكْرَهُ لِمُسْتَمِعِ الْخُطْبَةِ مَا يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْعَبَثِ وَالِالْتِفَاتِ انْتَهَى لِأَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ رَكْعَتَيْ الظُّهْرِ وَفِي صَدْرِ الشَّرِيعَةِ إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَرُمَ الْكَلَامُ وَالصَّلَاةُ حَتَّى يُتِمَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا لَا يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ قَالَ فِي الدُّرَرِ هُوَ كَالْقَرِيبِ وَعَنْ النِّهَايَةِ لَا رِوَايَةَ فِيهِ وَعَنْ الْمَبْسُوطِ أَوْلَوِيَّةُ الْإِنْصَاتِ عِنْدَ بَعْضٍ وَعَنْ الْعِنَايَةِ هُوَ مُخْتَارُ الْكَرْخِيِّ وَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَأَوْلَوِيَّةُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عِنْدَ بَعْضٍ آخَرَ وَعَنْ السِّرَاجِ السُّكُوتُ أَحْوَطُ وَعَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ ثُمَّ قِيلَ لَا يُكْرَهُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَفِي التتارخانية عَنْ بَعْضٍ الْفَاضِلِ لَا يُؤْمَرُ بِاسْتِمَاعِ خُطْبَةِ الْمَفْضُولِ وَأَنَّهُ إذَا أَخَذَ فِي مَدْحِ الظَّلَمَةِ وَالدُّعَاءِ فَلَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ وَعِنْدَ قَوْلِ الْخَطِيبِ صَلُّوا لَا يَجِبُ عَلَى الْقَوْمِ التَّصْلِيَةُ كَمَا فِي الطَّحَاوِيِّ وَعَنْ الْحُجَّةِ السُّكُوتُ حِينَئِذٍ أَفْضَلُ وَفِي فَتَاوَى أَبُو السُّعُودِ تَرْضِيَةُ الْمُؤَذِّنِينَ عِنْدَ ذِكْرِ الْخَطِيبِ

стр. 877

الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ وَسَكْتَتُهُ جَائِزَةٌ لِكَوْنِهَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ فِي دِيَارِنَا إنْ لَمْ يُلْحِنُوا أَوْ يُسْرِعُوا لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الرَّأْيِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَأَنَّ الْحُكْمَ الْأَصْلِيَّ لَا يَتَغَيَّرُ بِالْعَوَارِضِ الْخَارِجِيَّةِ (خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا قُلْت لِصَاحِبِك يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْت» أَيْ تَكَلَّمْتَ بِاللَّغْوِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَقِيلَ أَيْ تَكَلَّمْتَ بِمَا لَا يَجُوزُ وَقِيلَ لَغَا أَيْ مَالَ عَنْ الصَّوَابِ قِيلَ بُطْلَانٌ مَعْنَاهُ بُطْلَانُ أَصْلِ الْجُمُعَةِ وَقِيلَ بُطْلَانُ ثَوَابِهَا وَهُوَ الْأَكْثَرُ وَقِيلَ تَنْقَلِبُ ظُهْرًا وَعَنْ النَّوَوِيِّ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْصِتْ إذَا كَانَ لَغْوًا مَعَ أَنَّهُ أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ فَغَيْرُهُ مِنْ الْكَلَامِ أَوْلَى وَفِي قَوْلِهِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ إشْعَارٌ بِأَنَّ هَذَا النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ حَالَ الْخُطْبَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجِبُ الْإِنْصَاتُ بِخُرُوجِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ فَلَا صَلَاةَ وَلَا كَلَامَ» وَالتَّرْجِيحُ لِلْمُحَرَّمِ فَعَلَى هَذَا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلٍ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامَيْنِ حَيْثُ قَالَا يُبَاحُ الْكَلَامُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي الْخُطْبَةِ لَعَلَّ وَجْهَ اخْتِيَارِ قَوْلِ الْإِمَامَيْنِ مُوَافَقَةُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَأَنَّهُ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ سِوَى الْإِمَامِ وَقَدْ فُهِمَ مِنْ قَاضِي خَانْ إذَا خَالَفَ الْإِمَامَ صَاحِبَاهُ إذَا كَانَ اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ يُخْتَارُ قَوْلُهُمَا وَإِلَّا فَيُخَيَّرُ الْمُفْتِي وَعَنْ الْبَحْرِ وَمَا تُعُورِفَ مِنْ أَنَّ الْمُؤَذِّنِينَ يُؤَمِّنُونَ عِنْدَ الدُّعَاءِ وَيَدْعُونَ لِلصَّحَابَةِ بِالرِّضَا وَلِلسُّلْطَانِ بِالنَّصْرِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَكُلُّهُ حَرَامٌ انْتَهَى وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ هُوَ بِصَدَدِ شَرْحِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْكَلَامِ الْعُرْفِيِّ حَتَّى يُمْنَعَ بَلْ مِنْ قَبِيلِ التَّسْبِيحِ فَلَا يُكْرَهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ بَلْ حَالِ السَّكْتَةِ عَلَى أَنَّهُ إنْ وَافَقَ قَوْلًا مِنْ أَقْوَالِ أَئِمَّتِنَا أَوَّلًا فَلَيْسَ مِمَّا يَجِبُ إنْكَارُهُ وَإِنَّمَا الْمُنْكَرُ مَا وَقَعَ فِيهِ الْإِجْمَاعُ عَلَى حُرْمَتِهِ وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إذَا لَمْ يُبَالِغْ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ كَمَا قَالَ الْهَيْتَمِيُّ إنَّهُ جَائِزٌ بِلَا كَرَاهَةٍ بَلْ سُنَّةٌ وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - كَانَ يَقُولُ عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ اللَّهُمَّ أَصْلِحْ عَبْدَك وَخَلِيفَتَك عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ يُنْدَبُ لِلْخَطِيبِ الدُّعَاءُ لِلْمُسْلِمِينَ وَوُلَاتِهِمْ بِالْإِصْلَاحِ وَالْإِعَانَةِ عَلَى الْحَقِّ وَالْقِيَامِ بِالْعَدْلِ وَلِجُيُوشِ الْإِسْلَامِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ لَوْ عَلِمْت لِي دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً لَخَصَصْت بِهَا السُّلْطَانَ فَإِنَّ خَيْرَهُ عَامٌّ وَخَيْرَ غَيْرِهِ خَاصٌّ وَأَمَّا التَّأْمِينُ جَهْرًا فَالْأَوْلَى تَرْكُهُ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الِاسْتِمَاعَ وَيُشَوِّشُ الْحَاضِرِينَ انْتَهَى لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْخَلْطِ وَالْخَبْطِ إذْ عَدَمُ جَوَازِ مُطْلَقِ الْعِبَادَةِ سِوَى الْإِنْصَاتِ صَرِيحٌ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا وَأَنَّ السَّكْتَةَ فِي نَفْسِهَا لِمَصْلَحَةِ الْمُؤَذِّنِ لَمْ تَقَعْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ فَبِدْعَةٌ مَمْنُوعَةٌ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يَعْمَلَ بِقَوْلِ مَنْ قَلَّدَهُ فَإِذَا كَانَ قَوْلُهُ عَلَى الْإِنْكَارِ فَمُنْكَرٌ عِنْدَ مُقَلِّدِيهِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ مُنْكَرًا مَوْقُوفٌ عَلَى كَوْنِهِ مُجْمَعًا وَإِنَّ مَا نُقِلَ مِنْ الدَّعَوَاتِ إلَى الْأُمَرَاءِ فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الْخَطِيبِ وَالْمَسْأَلَةُ مَا هِيَ مِنْ الْمُؤَذِّنِ (حذر طب عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» أَيَّ كَلَامٍ كَانَ وَلَوْ تَسْبِيحًا وَتَرْضِيَةً وَتَصْلِيَةً خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِالْعُرْفِيِّ «وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا» فَكَمَا أَنَّ الْحِمَارَ لَا يَنْتَفِعُ بِالْأَسْفَارِ) فَكَذَا هَذَا لَا يَنْتَفِعُ مِنْ الْجُمُعَةِ فَيَكُونُ إتْعَابُهُ مِنْ قَبِيلِ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ (وَاَلَّذِي يَقُولُ لَهُ أَنْصِتْ لَيْسَ لَهُ جُمُعَةٌ)

стр. 878

رَأْسًا أَوْ كَامِلَةً قِيلَ عَنْ نَجْمِ الدِّينِ الْبَقْلِيِّ وَإِذَا شَرَعَ الْخَطِيبُ فِي الدُّعَاءِ لَا يَجُوزُ لِلْقَوْمِ رَفْعُ الْأَيْدِي وَلَا التَّأْمِينُ بِاللِّسَانِ فَإِنْ فَعَلُوا أَثِمُوا وَقَالَ بَعْضٌ إسَاءَةٌ لَا إثْمٌ وَالصَّحِيحُ وَالْمُفْتَى بِهِ هُوَ الْأَوَّلُ وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ بِوُجُوبِ تَعْلِيمِ الْعُلَمَاءِ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَكَذَا التَّصْلِيَةُ جَهْرًا وَأَمَّا إخْفَاءً فَقِيلَ يَجِبُ وَقِيلَ لَا بَلْ بِالْقَلْبِ فَقَطْ وَهُوَ اخْتِيَارُ النَّسَفِيِّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَانْتَهَى مُلَخَّصًا (قَالَ قَاضِي خَانْ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ إذَا قَالَ الْخَطِيبُ) فِي الْخُطْبَةِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ؛ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَفْسِهِ) أَيْ بِالْقَلْبِ كَمَا سَمِعْت آنِفًا عَنْ الْبَقَّالِيِّ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِهِ فَيَنْدَفِعُ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يَكُونُ خِفْيَةً (وَ) جُمْهُورُ (مَشَايِخِنَا ﵏ قَالُوا بِأَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﵊ بَلْ يَسْتَمِعُ وَيَسْكُتُ لِأَنَّ الِاسْتِمَاعَ فَرْضٌ وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُنَّةٌ) قِيلَ لِأَنَّ التَّصْلِيَةَ فَرْضُ مَرَّةٍ فِي الْعُمُرِ وَالْبَوَاقِيَ سُنَنٌ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ وَلَا يَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ وَلَا عَلَى الْفَوْرِ أَقُولُ الْمَسْأَلَةُ فِيمَا ذَكَرَ اسْمَ النَّبِيِّ ﵊ لَا الْمُطْلَقِ وَمَا ذَكَرَهُ إنَّمَا يَجْرِي فِي الْمُطْلَقِ وَإِنَّ الْوُجُوبَ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ سَبَبِهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا الْوُجُوبَ مِمَّا يُمْكِنُ قَضَاؤُهُ بَعْدُ عَلَى أَنَّ وُجُوبَ الْأَصْلِ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ لِتَعَارُضِهِ بِوُجُوبٍ آخَرَ بَلْ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِرُجْحَانِ مُعَارِضِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ فِيهِ هِيَ (تُمْكِنُ بَعْدَ هَذِهِ الْحَالَةِ) لِمَا عَرَفْت أَنَّهَا مِمَّا يُمْكِنُ قَضَاؤُهُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَأْتِي بِالصَّلَاةِ بَعْدَ تَمَامِ الْخُطْبَةِ (انْتَهَى) فَالْإِجْمَاعُ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى جَوَازِ الْجَهْرِ حِينَئِذٍ وَأَمَّا فِي الْإِخْفَاءِ فَقِيلَ نَعَمْ وَقِيلَ لَا (وَفِي التَّجْنِيسِ) لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ (رَجُلٌ سَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ رَدَّ عَلَيْهِ) سَلَامَهُ (فِي نَفْسِهِ وَكَذَا إذَا عَطَسَ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى فِي نَفْسِهِ لِأَنَّ رَدَّ السَّلَامِ وَاجِبٌ) أَيْ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى مَا قِيلَ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَعْكِسْ لِقُوَّةِ الْفَرْضِيَّةِ وَلِكَوْنِ الْمَحَلِّ مَحَلَّ الْفَرْضِ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَوِيٌّ فِي مَحَلِّهِ وَمَقَامِهِ وَلَمْ يَسْقُطْ الْوُجُوبُ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ سُقُوطُ الضَّعِيفِ فِي جَنْبِ الْقَوِيِّ لِإِمْكَانِ التَّوْفِيقِ وَذَا عِنْدَ عَدَمِ إمْكَانِهِ (وَيُمْكِنُ إقَامَةُ هَذَا الْوَاجِبِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُخِلُّ بِالِاسْتِمَاعِ) بِأَنْ يُسِرَّ بِهِ (هَكَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالْأَصْوَبُ) أَيْ الْأَوْلَى (أَنْ لَا يُجِيبَ) أَصْلًا مُطْلَقًا لَا جَهْرًا وَلَا فِي نَفْسِهِ (لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْإِنْصَاتِ) الْمَأْمُورِ بِهِ إمَّا لِشُمُولِ الْإِنْصَاتِ لِمَا فِي الْقَلْبِ أَوْ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِنْصَاتِ الْإِصْغَاءُ لِمَا ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ وَالِاتِّعَاظُ بِهِ وَشَغْلُ الْقَلْبِ بِغَيْرِهِ مَانِعٌ إذْ الِاسْتِمَاعُ بِلَا تَأَمُّلٍ وَتَفَكُّرٍ بَلْ بِلَهْوٍ وَذُهُولٍ وَغَفْلَةٍ لَيْسَ بِجَائِزٍ (وَبِهِ يُفْتَى) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ وَقَفَ عَلَيْهِ لَكِنْ ظَاهِرُ مَا عِنْدَنَا مِنْ الْفَتَاوَى كَقَاضِي خَانْ وَالْخُلَاصَةِ وَالْهِدَايَةِ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ (وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَا يُسَلِّمُ عَلَى أَحَدٍ وَقْتَ الْخُطْبَةِ) أَمَّا حَالَ الْخُطْبَةِ فَكَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ أَوْ مُطْلَقُ مَا بَيْنَ الْخُرُوجِ وَالنُّزُولِ بِطَرِيقِ التَّجَوُّزِ عَلَى مَا يُنَاسِبُهُ مَذْهَبُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ (وَلَا يُشَمِّتُ الْعَاطِسَ) مَعَ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَزَادَ فِي الْخُلَاصَةِ كُلُّ مَا حَرُمَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَكَلَامٍ حَرُمَ فِي الْخُطْبَةِ بِلَا فَرْقٍ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ قِيلَ وَبِهِ جَزَمَ

стр. 879

فِي الْكَنْزِ وَهُوَ الْأَحْوَطُ (فَمَا يَفْعَلُهُ الْمُؤَذِّنُونَ فِي زَمَانِنَا) لَا فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى بِدْعِيَّتِهِ وَالْبِدْعَةُ فِي الْعِبَادَةِ حَرَامٌ فَفِيهِ دَلِيلٌ آخَرُ غَيْرُ الْمُفَرَّعِ عَلَيْهِ عَلَى مُنْكَرِيَّةِ الْحُكْمِ (فِي حَالِ الْخُطْبَةِ) بَلْ عِنْدَ صُعُودِ الْإِمَامِ الْمِنْبَرَ (مِنْ التَّصْلِيَةِ وَالتَّرْضِيَةِ وَالتَّأْمِينِ وَالدُّعَاءِ لِلسُّلْطَانِ عِنْدَ ذِكْرِهِ مُنْكَرٌ يَجِبُ مَنْعُهُ عَلَى مَنْ قَدَرَ) مِنْ السُّلْطَانِ وَالْقُضَاةِ وَسَائِرِ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ لَا سِيَّمَا الْعُلَمَاءُ لَكِنْ قِيلَ الْوُجُوبُ لِلسُّلْطَانِ وَالْحُكَّامِ دُونَ غَيْرِهِمْ قِيلَ هُنَا أَيْضًا أَنَّ الْمَمْنُوعَ هُوَ الْكَلَامُ الْعُرْفِيُّ فَقَطْ وَقِيلَ إنَّ هَذَا لَيْسَ

стр. 880

بِمُنْكَرٍ حَتَّى يُنْكَرَ بَلْ أُمُورٌ مُسْتَحْسَنَةٌ اسْتَحْسَنَهَا أَهْلُ الْإِيمَانِ كَمَا قَالَ ﵊ «مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» . «وَلَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ» فَأَفْتَوْا بِجَوَازِهَا وَقَدْ قَالَ صَاحِبَاهُ لَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَبَعْدَهَا مَا لَمْ يَشْرَعْ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ فَالْمَانِعُ ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢] وَقَدْ خَصَّ بَعْضَ

стр. 881

السُّكُوتِ فِي زَمَنِهِ ﵊ ثُمَّ قِيلَ لَا يَخْفَى مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْقُصُورِ حَيْثُ مَنَعَ التَّسْبِيحَ وَالتَّصْلِيَةَ وَالتَّرْضِيَةَ تَقْلِيدًا لِبَعْضِ الْكُتُبِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فَحَفِظَ شَيْئًا وَنَسِيَ أَشْيَاءَ ثُمَّ قِيلَ فَالْحَقُّ مَا ذَكَرْنَا انْتَهَى وَأُجِيبَ بِأَنَّ اللَّامَ فِي الْمُؤْمِنُونَ إمَّا لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ بِقَرِينَةِ بَعْضٍ آخَرَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالْبَزَّازِ وَالطَّبَرَانِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مِنْ أَنَّهُ هَكَذَا إنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاخْتَارَ مُحَمَّدًا فَبَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاخْتَارَ لَهُ أَصْحَابًا فَجَعَلَهُمْ أَنْصَارَ دِينِهِ وَوُزَرَاءَ نَبِيِّهِ فَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ إلَخْ فَيَكُونُ الْمُرَادُ الصَّحَابِيَّ فَقَطْ أَوْ الْفَرْدَ الْكَامِلَ وَهُوَ الْمُجْتَهِدُ وَالْأَصْلُ انْصِرَافُ الْمُطْلَقِ إلَى الْكَمَالِ وَلَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْخَفِيَّةِ وَقَدْ قَالَ ﵊ «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي» كَيْفَ وَلَوْ حُمِلَ عَلَى مُطْلَقِ الْجِنْسِ لَخَالَفَ قَوْلَهُ ﵊ «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إلَّا وَاحِدَةً» وَمِثْلُهُ حَدِيثُ «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ» فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْأُمَّةِ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ وَهُمْ الْمُجْتَهِدُونَ الَّذِينَ لَيْسَ فِيهِمْ فِسْقٌ وَبِدْعَةٌ ثُمَّ قِيلَ فَالْوَاجِبُ الِاسْتِمَاعُ وَالْإِنْصَاتُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] نَازِلٌ فِي الْخُطْبَةِ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ قَائِمَةٌ مَقَامَ شَفْعِ الظُّهْرِ فَمَا بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَمَا بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ كَمَا بَيْنَ الشَّفْعَيْنِ حُكْمًا كَمَا فِي حَاشِيَة أَخِي حَلَبِيٍّ فَيَحْرُمُ فِي الْخُطْبَةِ مَا يَحْرُمُ فِي الصَّلَاةِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَقَوْلُهُ وَأَفْتَوْا بِجَوَازِهَا وَقَالَ صَاحِبَاهُ لَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَبَعْدَهَا مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي الصَّلَاةِ أَقُولُ الْإِفْتَاءُ بِهَا مِنْ الْفَاضِلِ أَبِي السُّعُودِ وَقَوْلُ الْإِمَامَيْنِ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ أَقْوَى اعْتِرَاضَاتِهِ عَلَى الْمَقْصُودِ لِأَنَّ نَحْوَ التَّصْلِيَةِ سُرْعَةٌ فِي سَكْتَةِ الْإِمَامِ لَا يُنَافِي الِاسْتِمَاعَ الْمَأْمُورَ بِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ اقْتِصَارَهُمَا عَلَى طَرَفَيْ الْخُطْبَةِ يُنَادِي عَلَى عَدَمِ تَجْوِيزِهِمَا حَالَةَ السَّكْتَةِ وَتَجْوِيزُ أَبِي السُّعُودِ إنَّمَا وَقَعَ بِعِنْوَانِ الرَّجَاءِ فَمَنَعَ فِي صُورَةِ التَّجْوِيزِ فَإِنَّ الرَّجَاءَ يُسْتَعْمَلُ فِيهَا لَا حُكْمَ فِيهِ وَقَوْلُهُ بِأَنَّهُ مَنَّاعٌ لِلْخَيْرِ لَيْسَ بِمَنْعِ خَيْرٍ بَلْ نَهْيُ مُنْكَرٍ وَقَوْلُهُ إنَّ السُّكُوتَ إنَّمَا هُوَ فِي زَمَنِهِ ﵊ مَمْنُوعٌ بِقَوْلِهِ ﵊ «الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ أَيْنَمَا يَجِدُهَا أَخَذَهَا» فَلَا يُوجِبُ الْأَعْلَوِيَّةَ وَلَا يُنَافِي الْأَدْنَوِيَّةَ وَلِهَذَا اسْتَمَعَ أَبُو حَنِيفَةَ نَصَائِحَ الْحَجَّامِ وَقَبِلَهَا كَمَا فَصَّلَ فِي الْخَانِيَّةِ وَتَعَلُّمُ مُحَمَّدٍ مَسْأَلَةَ سَهْمِ الدُّورِ سَاقِطٌ عَنْ جَارِيَةِ أَبِي يُوسُفَ مَعْرُوفٌ وَاقِعٌ فِي تَعْلِيمِ الْمُتَعَلِّمِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُجِيبِ إيجَازًا وَأَقُولُ لَا حَاجَةَ فِي الْجَوَابِ إلَى هَذَا التَّطْوِيلِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو بَعْضُهُ عَنْ كَلَامٍ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِالنُّصُوصِ وَالْآثَارِ إنَّمَا هُوَ مَنْصِبُ الِاجْتِهَادِ وَقَدْ عَرَفْت أَقْوَالَهُمْ فَقَوْلُهُ كُلُّهُ مِنْ قَبِيلِ الرَّأْيِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَقَدْ قَالُوا بِتَرْجِيحِ أَقْوَالِ الْفُقَهَاءِ عَلَى النُّصُوصِ عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا وَأَمَّا احْتِجَاجُهُ بِقَوْلِ الصَّالِحِينَ فَلَيْسَ فِيهِ تَقْرِيبٌ إذْ الْمَطْلُوبُ شَامِلٌ لِمَا فِي حَالِ الْخُطْبَةِ بَلْ الْعُمْدَةُ بِمَا يَكُونُ فِيهَا وَقَدْ عَرَفْت مَا فِيهِ أَيْضًا وَأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي الِاتِّفَاقِ وَقَدْ قُرِّرَ أَنَّ الْحَظْرَ رَاجِحٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ وَتَخْصِيصُ السُّكُوتِ بِزَمَانِهِ ﵊ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ وَلَوْ سَلِمَ فَمِمَّنْ لَا يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ إذْ الْأَصْلُ أَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ حُكْمٍ فِي زَمَانِهِ مُسْتَمِرَّةٌ فِيمَا بَعْدَهُ وَتَخْصِيصُهُ بِهِ بِالرَّأْيِ لَيْسَ بِمَسْمُوعٍ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْأَصْلِ الْمُسَلَّمِ عَلَى أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ وَلَا يَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ بِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ إذْ قَدْ يَكُونُ مَشْرُوعِيَّةُ جِنْسِ الْحُكْمِ بِسَبَبِ بَعْضِ أَفْرَادِهِ كَالْمَشَقَّةِ لِلسَّفَرِ [الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ كَلَامُ الدُّنْيَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ] (الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ كَلَامُ الدُّنْيَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ) الصَّادِقِ وَقِيلَ (إلَى الصَّلَاةِ) لِلصُّبْحِ (وَقِيلَ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ)

стр. 882

قِيلَ أَيْ تَنْزِيهًا وَظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ لِأَنَّ هَذَا الْوَقْتَ وَقْتٌ شَرِيفٌ لَا يَلِيقُ لِلْمُؤْمِنِ الِاشْتِغَالُ فِيهِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ بَلْ اللَّائِقُ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِالْأَعْمَالِ الْأُخْرَوِيَّةِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ وَلِذَا قَالُوا الْكَلَامُ بَعْدَ انْشِقَاقِ الْفَجْرِ إلَى أَنْ يُصَلِّي مَكْرُوهٌ إلَّا بِخَيْرٍ أَقُولُ قَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ فِي فَضْلِ الْأَعْمَالِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَحَدِيثِ «مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ بِجَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ حَجَّةٌ تَامَّةٌ وَعُمْرَةٌ تَامَّةٌ» وَحَدِيثِ «لَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ رَقَبَةً مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ وَلَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً» كَذَا فِي الْمَصَابِيحِ وَفِيهِ إيمَاءٌ إلَى مَا قَالَ الْفُقَهَاءُ إنَّ التَّصْلِيَةَ وَسَائِرَ الْأَذْكَارِ أَوْلَى مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيَّةِ وَعَنْ زَيْنِ الْعَرَبِ الذِّكْرُ يَتَنَاوَلُ نَحْوَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَدِرَاسَةِ الْعِلْمِ تَأَمَّلْ وَبَعْدَ الصَّلَاةِ قِيلَ لَا بَأْسَ بِهِ وَفِي الْمَشْيِ فِي حَاجَتِهِ قِيلَ يُكْرَهُ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقِيلَ إلَى ارْتِفَاعِهَا وَبَعْدَ الْعِشَاءِ أَبَاحَهُ قَوْمٌ وَحَظَرَهُ قَوْمٌ وَكَانَ ﵊ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا وَالْمُرَادُ هُوَ الْكَلَامُ الْمُبَاحُ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ وَعَنْ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ أَمَّا الْحَدِيثُ الْمُحَرَّمُ أَوْ الْمَكْرُوهُ فَفِي هَذَا الْوَقْتِ أَشَدُّ تَحْرِيمًا وَكَرَاهَةً وَأَمَّا فِي الْخَيْرِ كَمُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ وَالْحَدِيثِ مَعَ الضَّيْفِ وَمَعَ طَالِبِ حَاجَةٍ فَمُسْتَحَبٌّ كَالْحَدِيثِ لِعَارِضٍ وَضَرُورَةٍ [الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ فِي الْخَلَاءِ وَعِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ] (الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ فِي الْخَلَاءِ وَعِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ أَيْضًا) قِيلَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ بَعْضٍ هُوَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لَعَلَّك سَمِعْت قَوْلَ الْمُحَشِّي أَخِي جَلَبِي عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْكَرَاهَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا تَنْزِيهِيَّةٌ وَمَا ذَكَرَ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ وَالْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ تَحْرِيمِيَّةٌ انْتَهَى فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ وَلَوْ جُعِلَ مِنْ مَبَاحِثِ الْحَظْرِ فَلَهُ وَجْهٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ تَتَأَذَّى الْحَفَظَةُ بِوَاسِطَةِ الْحُضُورِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الْكَرِيهِ لِأَجْلِ كِتَابَةِ مَا تَكَلَّمَهُ وَفِي الدُّرَرِ وَيُكْرَهُ التَّكَلُّمُ عَلَيْهَا أَيْ عَلَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ كَمَا فِي حَدِيثِ الْحَافِظِ أَبِي عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ «إذَا تَغَوَّطَ الرَّجُلَانِ فَلْيَتَوَارَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ وَلَا يَتَحَدَّثَانِ عَلَى طَوْفِهِمَا فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ» الطَّوْفُ الْغَائِطُ وَالْمَقْتُ الْبُغْضُ الشَّدِيدُ (وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ سَلَّمَ عَلَى مَنْ كَانَ فِي الْخَلَاءِ يَتَغَوَّطُ أَوْ يَبُولُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَلِّمَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَرُدُّ ﵇ بِقَلْبِهِ لَا بِلِسَانِهِ) لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ الرَّدَّ وَلَوْ بِالْقَلْبِ يُنَافِي عَدَمَ الْجَوَازِ لِأَنَّهُ تَقْرِيرٌ وَتَمْكِينٌ نَعَمْ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الْمُصَلِّي إذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ يُجِيبُهُ بِقَلْبِهِ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ وَذَلِكَ لِإِرَاحَةِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ الْحُضُورِ بِهِ لِأَنَّهُمْ لَا يَكْتُبُونَ الْأُمُورَ الْقَلْبِيَّةَ ثُمَّ لَا يَخْفَى مَا فِي تَقْرِيبِ هَذَا النَّقْلِ إذْ الْكَلَامُ فِي مُطْلَقِ الْكَلَامِ وَاللَّازِمُ مِنْ النَّقْلِ هُوَ الْمَخْصُوصُ فَافْهَمْ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَرُدُّ أَصْلًا) وَلَوْ بِقَلْبِهِ (وَلَا بَعْدَ الْفَرَاغِ) وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي الْإِجَابَةُ فِي الْمَكْرُوهِ وَأَنَّ السُّقُوطَ لَا يَعُودُ (وَقَالَ ﵀ يَرُدُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْحَاجَةِ) لِزَوَالِ الْمَانِعِ فَإِنَّهُ إذَا زَالَ الْمَانِعُ عَادَ الْمَمْنُوعُ وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُ الْمَوَاضِعِ الْمَمْنُوعِ فِيهَا السَّلَامُ وَهَذِهِ مِنْهَا وَقِيلَ فِيهَا نَظْمًا سَلَامُك مَكْرُوهٌ عَلَى مَنْ سَتُسْمِعُ ... وَمِنْ بَعْدِ مَا أُبْدِي يُسَنُّ وَيُشْرَعُ مُصَلٍّ وَتَالٍ وَذَاكِرٌ وَمُحَدِّثٌ ... خَطِيبٌ وَمَنْ يُصْغِي إلَيْهِمْ وَيَسْمَعُ مُكَرِّرُ فِقْهٍ جَالِسٌ لِقَضَائِهِ ... وَمَنْ بَحَثُوا فِي الْعِلْمِ دَعْهُمْ لِيَنْفَعُوا مُؤَذِّنٌ أَيْضًا وَالْمُقِيمُ مُدَرِّسٌ ... كَذَا الْفَتَيَاتُ الْأَجْنَبِيَّاتُ أَمْنَعُ وَلَعَّابُ شِطْرَنْجٍ وَشَبِّهْ بِحِلْفِهِ ... وَمَنْ هُوَ مَعَ أَهْلٍ لَهُ يَتَمَتَّعُ وَدَعْ كَافِرًا أَيْضًا وَمَكْشُوفَ عَوْرَةٍ ... وَمَنْ هُوَ فِي حَالِ التَّغَوُّطِ أَشْنَعُ وَدَعْ آكِلًا إلَّا إذَا كُنْت جَائِعًا ... وَتَعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ يَمْنَعُ كَذَلِكَ أُسْتَاذٌ مُغَنٍّ مُطَيِّرٌ ... فَهَذَا خِتَامٌ وَالزِّيَادَةُ تَنْفَعُ

стр. 883

[السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ عِنْدَ الْجِمَاعِ] (السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ عِنْدَ الْجِمَاعِ فَإِنَّهُ أَيْضًا مَكْرُوهٌ) قِيلَ تَنْزِيهًا وَقِيلَ تَحْرِيمًا وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْقِيَاسِ السَّابِقِ وَفِي التَّنْوِيرِ يُكْرَهُ الْكَلَامُ فِي الْمَسْجِدِ وَخَلْفَ الْجِنَازَةِ وَفِي الْخَلَاءِ وَحَالَةَ الْجِمَاعِ وَفِي شَرْحِ الشِّرْعَةِ فَإِنَّهُ يُورِثُ خَرَسَ الْوَلَدِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ وَعِنْدَ الْمَرِيضِ وَعِنْدَ الْقُبُورِ وَعِنْدَ الْقِرَاءَةِ وَعِنْدَ الْخُطْبَةِ (وَكَذَا يُكْرَهُ الضَّحِكُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ) بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالْخَلَاءِ وَالْجِمَاعِ وَوَقْتِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَفِي الصَّلَاةِ وَحَالَ الْخُطْبَةِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَعِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ لِأَنَّ الضَّحِكَ مُلْحَقٌ بِالْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ [السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ الدُّعَاءُ عَلَى مُسْلِمٍ] (السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ الدُّعَاءُ عَلَى مُسْلِمٍ) تَغْلِيبًا أَوْ عُمُومَ مَجَازٍ أَوْ مُقَايَسَةً لِظُهُورِ الشُّمُولِ عَلَى الْإِنَاثِ لَا سِيَّمَا الدُّعَاءُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ لَا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ» يَعْنِي لَا تَدْعُوا دُعَاءَ سَوْءٍ مَخَافَةَ أَنْ يُوَافِقَ دُعَاؤُكُمْ سَاعَةَ إجَابَةٍ فَتَنْدَمُوا وَلَا يَنْفَعُكُمْ النَّدَمُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ «دَعْوَتَانِ لَا حِجَابَ لَهُمَا حَتَّى تَبْلُغَ الْعَرْشَ الْكَرِيمَ دَعْوَةُ الْوَالِدَيْنِ عَلَى وَلَدِهِمَا وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ عَلَى ظَالِمِهِ» (خُصُوصًا بِالْمَوْتِ عَلَى الْكُفْرِ فَإِنَّهُ) أَيْ الدُّعَاءَ بِالْمَوْتِ عَلَى الْكُفْرِ (كُفْرٌ عِنْدَ بَعْضٍ مُطْلَقًا) اسْتَحْسَنَهُ أَوْ لَا (وَعِنْدَ آخَرِينَ) كَوْنُهُ كُفْرًا (إنْ كَانَ لِاسْتِحْسَانِ الْكُفْرِ) وَأَمَّا إنْ لِاشْتِدَادِ الْعَذَابِ فَلَا قَالَ فِي الْفَتَاوَى أُحِبُّ مَوْتَ الْمُؤْذِي الشِّرِّيرِ عَلَى الْكُفْرِ حَتَّى يَنْتَقِمَ اللَّهُ مِنْهُ لَا يَكُونُ كُفْرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ مُوسَى - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] وَعَلَى هَذَا إذَا دَعَا عَلَى الظَّالِمِ أَمَاتَك اللَّهُ عَلَى الْكُفْرِ أَوْ قَالَ سَلَبَ اللَّهُ عَنْك الْإِيمَانَ بِسَبَبِ أَنَّهُ اجْتَرَأَ عَلَى اللَّهِ وَكَابَرَ فِي الظُّلْمِ فَلَا كُفْرَ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الرِّضَا بِكُفْرِ الْغَيْرِ كُفْرٌ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ كَمَا فِي الْبَزَّازِيِّ (وَأَمَّا) (الدُّعَاءُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُؤْمِنِ (بِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْكُفْرِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا لَهُ) أَوْ لِغَيْرِهِ (فَلَا يَجُوزُ) وَيَحْرُمُ (وَإِنْ كَانَ) ظَالِمًا (فَيَجُوزُ بِقَدْرِ ظُلْمِهِ وَلَا يَجُوزُ التَّعَدِّي) عَنْهُ وَقَدْ سَمِعْت سَابِقًا تَفْصِيلَهُ وَأَنَّ جَزَاءَ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا وَأَنَّ مَا جَازَ لِعُذْرٍ يُقَدَّرُ بِقَدْرِ عُذْرِهِ وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ الْمَظْلُومَ لَيَدْعُوَ عَلَى ظَالِمِهِ حَتَّى يُكَافِئَهُ» (وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَدْعُوَ عَلَيْهِ) أَيْ الظَّالِمِ (أَصْلًا) بَلْ يَصْبِرُ وَيَعْفُو عَنْهُ أَوْ يُفَوِّضُ أَمْرَهُ إلَى اللَّهِ الْمُنْتَقِمِ لِأَنَّ فِي حِفْظِ مِقْدَارِ الظُّلْمِ وَعَدَمِ التَّعَدِّي عَنْهُ عُسْرَةً لَا سِيَّمَا الْجَاهِلُ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «مَنْ دَعَا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ فَقَدْ انْتَصَرَ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ أَخَذَ مِنْ عِرْضِ الظَّالِمِ فَنَقَصَ مِنْ إثْمِهِ فَنَقَصَ ثَوَابُ الْمَظْلُومِ بِحَسْبِهِ [الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ الدُّعَاءُ لِلْكَافِرِ وَالظَّالِمِ بِالْبَقَاءِ] (الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ الدُّعَاءُ لِلْكَافِرِ وَالظَّالِمِ بِالْبَقَاءِ) فِي الْخُلَاصَةِ إنْ قَالَ لِلذِّمِّيِّ أَطَالَ اللَّهُ

стр. 884

بَقَاءَك لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا نَوَى أَنْ يُطِيلَ اللَّهُ بَقَاءَهُ لِيُسْلِمَ أَوْ لِيُؤَدِّيَ الْجِزْيَةَ لِأَنَّ هَذَا دُعَاءٌ لَهُ لِلْإِسْلَامِ أَوْ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَشْبَاهِ لَوْ سَلَّمَ عَلَى الذِّمِّيِّ تَبْجِيلًا كَفَرَ وَلَوْ قَالَ لِمَجُوسِيٍّ يَا أُسْتَاذُ تَبْجِيلًا كَفَرَ لَكِنْ فِي الشِّرْعَةِ لَا يَقُولُ لِأَحَدٍ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَك فَإِنَّهُ تَحِيَّةُ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ كَانُوا يَقُولُونَ عِشْ أَلْفَ عَامٍ فَظَاهِرُهُ هُوَ الْإِطْلَاقُ لَكِنْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «دُعَاؤُهُ ﵊ بِطُولِ الْبَقَاءِ لِأَنَسٍ ﵁» (وَحُصُولِ الْمُرَادِ بِلَا شَرْطِ الْإِيمَانِ) فِي الْكَافِرِ (وَالْعَدْلِ وَالصَّلَاحِ) فِي الظَّالِمِ (فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ رِضًا بِالْمَعْصِيَةِ) الَّتِي صَدَرَتْ مِنْهُ لِأَنَّ الدُّعَاءَ بِبَقَاءِ الظَّالِمِ دُعَاءٌ بِبَقَاءِ ظُلْمِهِ (بَلْ يَقْتَصِرُ فِي الدُّعَاءِ لَهُ) أَيْ لِلظَّالِمِ (عَلَى التَّوْبَةِ وَالصَّلَاحِ وَرَفْعِ الظُّلْمِ) [التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ] (التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ الْكَلَامُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ) فَإِنَّهُ حَرَامٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ (فَإِنَّ اسْتِمَاعَ الْقُرْآنِ وَالْإِنْصَاتَ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ وَاجِبٌ مُطْلَقًا) فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجِهَا سَوَاءٌ فَهِمَ الْمَعْنَى أَوْ لَا (فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] الْآيَةَ) كَأَنَّهُ قِيلَ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي حَقِّ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ فَكَيْفَ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال عَلَى الْإِطْلَاقِ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ (فَإِنَّ الْعِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ وَإِطْلَاقِهِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ) بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَامِّ (وَتَقْيِيدِهِ) بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُطْلَقِ (كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ) الْأَوَّلُ مَعْرُوفٌ وَالثَّانِي لَعَلَّ الْمُصَنِّفَ وَقَفَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ نَعْلَمْ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ لَكِنْ قِيلَ الشَّافِعِيُّ عَلَى خِلَافِهِ لَعَلَّ هَذَا الْخِلَافَ مَنَعَ الْفَرْضِيَّةَ ثُمَّ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ عَيْنِيَّةُ الْوُجُوبِ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ إطْلَاقِ النَّصِّ لَكِنْ فِي الْحَلَبِيِّ عَلَى طَرِيقِ الْكِفَايَةِ وَلِلْمَوْلَى الْمَرْحُومِ الْمِنْقَارِيِّ رِسَالَةٌ فِيهِ حَاصِلُهَا رَدُّ الْكِفَايَةِ وَتَقْرِيرُ الْعَيْنِيَّةِ (لَكِنْ قَالُوا مَنْ قَرَأَ عِنْدَ اشْتِغَالِ النَّاسِ بِأَعْمَالِهِمْ) كَالْحَمَّامِ قَالَ فِي التتارخانية قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الْحَمَّامِ أَوْ فِي الْمُغْتَسَلِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ يُصَبُّ فِيهِ الْمَاءُ الَّذِي غَسَلَ بِهِ النَّجَاسَةَ مَكْرُوهَةٌ خِفْيَةً أَوْ جَهْرًا (فَالْإِثْمُ عَلَى الْقَارِئِ فَقَطْ) لَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِهِمْ وَإِلَّا فَالْقِيَاسُ الِاشْتِرَاكُ أَوْ الْإِثْمُ عَلَى النَّاسِ فَقَطْ لِتَرْكِهِمْ الْإِنْصَاتَ الْمَأْمُورَ بِهِ (وَمَنْ ابْتَدَأَ الْعَمَلَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ فَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ الِاسْتِمَاعُ وَالْإِنْصَاتُ فَالْإِثْمُ عَلَى الْعَامِلِ) لِسَبْقِ الْقِرَاءَةِ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْعَمَلُ ضَرُورِيًّا أَوْ لَا وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَوْضِعُ مَوْضِعَ عَمَلٍ أَوْ لَا لَكِنْ الظَّاهِرُ التَّفْصِيلُ فِي النَّوْعَيْنِ لَكِنْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْيَتِيمَةِ سَأَلْت أَبَا حَامِدٍ عَنْ الْمُدَرِّسِ إذَا كَانَ يَسْبِقُ فِي الْمَسْجِدِ وَفِي قُرْبِهِ يَقْرَأُ النَّاسُ وَهُوَ بِحَالٍ لَوْ سَكَتَ عَنْ قِرَاءَةِ السَّبْقِ يَسْمَعُهُ هَلْ يَكُونُ مَعْذُورًا فِي اشْتِغَالِهِ بِالْأَسْبَاقِ قَالَ نَعَمْ انْتَهَى إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بِالدَّرْسِ وَغَيْرِهِ إذْ هُوَ كَالضَّرُورِيِّ (قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَيُكْرَهُ السَّلَامُ) تَحْرِيمًا (عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ) ظَاهِرُهُ عَلَى غَيْرِ الْقَارِئِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (جَهْرًا) فَإِنَّ السَّلَامَ عَلَى قَارِئٍ وَلَوْ خِفْيَةً مَمْنُوعٌ (وَكَذَلِكَ عِنْدَ مُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ وَلَا يُسَلِّمُ عَلَى أَحَدِهِمْ فِي مُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ أَوْ أَحَدِهِمْ وَهُمْ يَسْتَمِعُونَ وَإِنْ سَلَّمَ فَهُوَ آثِمٌ وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْآذَانِ وَالْإِقَامَةِ) عَلَى الْمُؤَذِّنِ وَالْمُسْتَمِعِ (وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ انْتَهَى)

стр. 885

قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ هَذَا أَقْوَى دِرَايَةً لِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لَهُ بَلْ هُوَ مُنْكَرٌ فِيهَا فَلَا تَجُوزُ الْإِجَابَةُ لِمُنْكَرٍ (وَيُخَالِفُهُ) أَيْ مَا فِي التتارخانية (فِي الرَّدِّ مَا فِي الْخُلَاصَةِ حَيْثُ قَالَ هَلْ يَجِبُ الرَّدُّ تَكَلَّمُوا فِيهِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَجِبُ بِخِلَافِ مَا إذَا سَلَّمَ وَقْتَ الْخُطْبَةِ انْتَهَى) فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الرَّدُّ عَلَيْهِ (وَ) يُخَالِفُهُ أَيْضًا فِي الرَّدِّ (مَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ حَيْثُ قَالَ وَاخْتَارَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ ﵀ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ هَكَذَا حُكِيَ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ ﵀) قِيلَ وَهُوَ الْأَحْوَطُ وَالْأَوَّلُ أَقْوَى دِرَايَةً أَقُولُ لِمَا عَرَفْت آنِفًا وَلِصِحَّةِ الْمُقَايَسَةِ عَلَى وَقْتِ الْخُطْبَةِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْوُجُوبِ وَلِاتِّحَادِ دَلِيلِهِمَا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وَسَبَبُ النُّزُولِ لَا يَكُونُ مُرَجِّحًا عِنْدَنَا نَعَمْ يُرَجِّحُ فِي الْمَسَائِلِ النَّقْلِيَّةِ بِقُوَّةِ الْقَائِلِ وَوَثَاقَتِهِ وَفَقَاهَتِهِ فَتَأَمَّلْ (بِخِلَافِ السَّلَامِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ اهـ) فَإِنَّهُ حَرَامٌ اتِّفَاقًا وَفِي فُصُولِ الْأُسْرُوشَنِيِّ وَالْقِرَاءَةُ جَهْرًا أَفْضَلُ إلَّا عِنْدَ الْمُشْتَغِلِ بِالْعَمَلِ أَوْ الْكَلَامِ، صَبِيٌّ افْتَتَحَ الْقِرَاءَةَ ثُمَّ افْتَتَحَ مَنْ عِنْدَهُ الْكَلَامَ أَوْ الْفِقْهَ أَوْ عَمَلَ الْكِتَابَةِ أَوْ الدُّنْيَا يَأْثَمُ لِتَرْكِ الِاسْتِمَاعِ وَإِنْ افْتَتَحَ الْكَلَامَ أَوَّلًا أَوْ غَيْرَهُ ثُمَّ افْتَتَحَ الصَّبِيُّ الْقِرَاءَةَ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِ الِاسْتِمَاعِ وَمَنْ يَكْتُبُ الْفِقْهَ أَوْ يُكَرِّرُهُ وَعِنْدَهُ آخَرُ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِ الِاسْتِمَاعِ بَلْ الْإِثْمُ عَلَى الْقَارِئِ فَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ وَعْظٌ وَقِرَاءَةٌ فَاسْتِمَاعُ الْوَعْظِ أَوْلَى وَكُرِهَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ جَمَاعَةٌ لِأَنَّ فِيهِ تَرْكَ الِاسْتِمَاعِ وَالْإِنْصَاتِ الْمَأْمُورِ بِهِمَا وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَا بَأْسَ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى قِرَاءَةِ الْإِخْلَاصِ جَهْرًا عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقْرَأَ وَاحِدٌ وَيَسْتَمِعَ الْبَاقُونَ وَإِنْ كَانَ الْقَارِئُ وَاحِدًا يَجِبُ الِاسْتِمَاعُ عَلَى الْمَارِّينَ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا بِحَيْثُ يَقَعُ الْخَلَلُ فِي الِاسْتِمَاعِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ الِاسْتِمَاعُ إمَامٌ قَرَأَ مَعَ الْجَمَاعَةِ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَآخِرَ الْبَقَرَةِ وَشَهِدَ اللَّهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ جَهْرًا كُلَّ غَدَاةٍ قِيلَ لَا بَأْسَ بِهِ وَالْإِخْفَاءُ أَفْضَلُ. اهـ. [الْأَرْبَعُونَ كَلَامُ الدُّنْيَا فِي الْمَسَاجِدِ] (الْأَرْبَعُونَ كَلَامُ الدُّنْيَا فِي الْمَسَاجِدِ) فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ (بِلَا عُذْرٍ) كَالْمُعْتَكِفِ يَتَكَلَّمُ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ اللَّازِمَةِ (فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ) كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ كَمَا قِيلَ وَقِيلَ عَنْ الْخَانِيَّةِ الْجَبَّانَةُ وَمُصَلَّى الْجِنَازَةِ لَهُمَا حُكْمُ الْمَسَاجِدِ عِنْدَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً وَلَيْسَ لَهُمَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ حَتَّى فِي الْمُرُورِ وَحُرْمَةِ الدُّخُولِ لِلْجُنُبِ وَفِنَاءُ الْمَسْجِدِ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِي حَقِّ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً وَلَا الْمَسْجِدُ مَلْآنَ اهـ وَأَمَّا فِي حَقِّ جَوَازِ دُخُولِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ فَلَيْسَ لِلْفِنَاءِ حُكْمُ الْمَسْجِدِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَاخْتَارَ فِي الْقُنْيَةِ مِنْ كِتَابِ الْوَقْفِ أَنَّ الْمَدْرَسَةَ إذَا كَانَ لَا يَمْنَعُ أَهْلُهَا النَّاسَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهَا فَهِيَ مَسْجِدٌ وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ قِيلَ ظَاهِرُ هَذَا جَوَازُ الْكَلَامِ الْمُبَاحِ فِي الْجَبَّانَةِ وَمُصَلَّى الْجِنَازَةِ وَفِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَهُوَ مَا اتَّصَلَ بِهِ لِأَجْلِ مَصَالِحِهِ وَفِي الْمَدْرَسَةِ الَّتِي يَمْنَعُ أَهْلُهَا النَّاسَ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا لِعَدَمِ كَوْنِهَا مَسْجِدًا وَلَوْ كَانَ فِيهَا مِحْرَابٌ لِأَنَّهَا بُنِيَتْ لِلتَّدْرِيسِ لَا لِلصَّلَاةِ وَالْعُرْفُ يَقْضِي بِذَلِكَ وَلَيْسَ لِهَذِهِ الْمَوَاضِعِ حُكْمُ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ لَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ (حب عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سَيَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يَكُونُ حَدِيثُهُمْ» الدُّنْيَوِيُّ «فِي مَسَاجِدِهِمْ» الْمَوْضُوعَةِ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى رَفَّعُوهَا عَنْ كَلَامِ الدُّنْيَا مَعَ أَنَّهَا مَأْوَى الشَّيَاطِينِ وَمَسَاكِنُ أَهْلِ الدِّينِ الْبَاطِلِ وَالْعِبَادَةِ الْبَاطِلَةِ فَكَيْفَ أَهْلُ الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالدِّينِ الْحَقِّ وَهُمْ يَقْرَءُونَ قَوْله تَعَالَى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] «لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِمْ حَاجَةٌ» لَا يُرِيدُ بِهِمْ خَيْرًا وَلَا يَصْلُحُونَ لِمَقَامِ قُرْبِهِ وَمَشْهَدِ أُنْسِهِ فِي حَضْرَةِ قُدْسِهِ وَإِنَّمَا هُمْ أَهْلُ الْخَيْبَةِ وَالْحِرْمَانِ وَالْإِهَانَةِ وَالْخُسْرَانِ وَعَنْ أَسْنَى الْمَقَاصِدِ لِابْنِ عَلْوَانَ الْحَمَوِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى قَوْمٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ وَلَا وُضُوءَ لَهُمْ وَلَا صَلَاةَ لَهُمْ وَلَا زَكَاةَ لَهُمْ وَلَا حَجَّ لَهُمْ وَلَا إيمَانَ

стр. 886

لَهُمْ وَهُمْ عَنْ اللَّهِ مُبْعَدُونَ قِيلَ وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي إذَا سَمِعُوا الْأَذَانَ أَخَذُوا فِي جِهَازِهِمْ أَسْبَغُوا وُضُوءَهُمْ وَرَاحُوا إلَى مَسَاجِدِهِمْ وَرَكَعُوا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ وَوَلَّوْا ظُهُورَهُمْ إلَى مَحَارِيبِهِمْ يَخُوضُونَ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُمْ فَوَاَللَّهِ لَا تَزَالُ الْمَلَائِكَةُ تَقُولُ لَهُمْ اُسْكُتُوا يَا بُغَضَاءَ اللَّهِ اُسْكُتُوا يَا مُقَتَاءَ اللَّهِ اُسْكُتُوا يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ اُسْكُتُوا فَعَلَيْكُمْ لَعْنَةُ اللَّهِ فَإِذَا صَلَّوْا ضَرَبَتْ وُجُوهَهُمْ بِصَلَاتِهِمْ وَانْصَرَفُوا وَقَدْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ الْكَلَامِ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّا نَأْتِي مِنْ دُورٍ شَتَّى فَقَالَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَمَا كَانَ لَك فِي كِتَابِ اللَّهِ وَعْظٌ حَيْثُ يَقُولُ ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] وَلَمْ يَقُلْ إلَى ذِكْرِ الدُّنْيَا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إنَّ الْجَلِيسَ فِي الْمَسْجِدِ جَلِيسُ اللَّهِ فَإِذَا وَقَرَّ اللَّهَ بِالسُّكُوتِ وَقَرَّهُ اللَّهُ بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ وَمَنْ اسْتَهَانَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِالْكَلَامِ فِيهِ كَبَّهُ اللَّهُ فِي جَهَنَّمَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ لَقَدْ قُلْت لِرَسُولِ اللَّهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً أَنْ يُرَخِّصَ فِي الْكَلَامِ فِي الْمَسْجِدِ فَمَا زَادَنِي فِيهِ إلَّا شِدَّةً - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ الْمَسَاجِدَ وَيَقْعُدُونَ فِيهَا حِلَقًا حِلَقًا ذِكْرُهُمْ الدُّنْيَا وَحُبُّ الدُّنْيَا لَا تُجَالِسُوهُمْ فَلَيْسَ لِلَّهِ بِهِمْ حَاجَةٌ» وَعَنْ مُعَاذٍ أَنَّهُ ﵊ قَالَ كُلُّ كَلَامٍ فِي الْمَسْجِدِ لَغْوٌ إلَّا لِثَلَاثٍ مُصَلٍّ أَوْ ذَاكِرٍ أَوْ سَائِلٍ حَقًّا أَوْ مُعْطِيهِ وَرُوِيَ أَنَّ مَسْجِدًا مِنْ الْمَسَاجِدِ ارْتَفَعَ إلَى السَّمَاءِ شَاكِيًا مِنْ أَهْلِهِ يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ بِكَلَامِ الدُّنْيَا فَاسْتَقْبَلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَقَالُوا بُعِثْنَا بِإِهْلَاكِهِمْ وَرُوِيَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَشْكُونَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ نَتْنِ فَمِ الْمُغْتَابِينَ وَالْقَائِلِينَ فِي الْمَسْجِدِ بِكَلَامِ الدُّنْيَا وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ النَّاسُ فِيمَا مَضَى فِي مَسَاجِدِهِمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ صِنْفٍ فِي صَلَاةٍ لَهَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى نُورٌ سَاطِعٌ وَصِنْفٍ فِي ذِكْرٍ مَعْرُوجٍ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَصِنْفٍ صَامِتٍ سَالِمٍ فَانْتَقَلَ ذَلِكَ فَصَارَتْ الْمَسَاجِدُ مَعَادِنَ خَوْضِهِمْ وَمَوَاطِنَ لَهْوِهِمْ يَتَفَكَّهُونَ فِيهَا بِالْغِيبَةِ وَيُفِيدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا النَّمِيمَةَ وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ مَنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ قَائِمًا يُجَالِسُ اللَّهَ فَمَا حَقُّهُ إلَّا خَيْرًا انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ ابْنِ عَلْوَانَ فِي أَسْنَى الْمَقَاصِدِ وَفِي الشِّرْعَةِ وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي الْمَسْجِدِ بِأَمْرِ الدُّنْيَا وَلَا يَحْتَرِفُ مِنْهَا وَوَرَدَ فِي الْأَثَرِ «الْحَدِيثُ فِي الْمَسَاجِدِ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ الْبَهِيمَةُ الْحَشِيشَ» كَذَا نُقِلَ عَنْ الْإِحْيَاءِ وَقِيلَ عَنْ الْخِزَانَةِ هَذَا فِي التَّقْوَى. وَأَمَّا فِي الْفَتْوَى فَجَائِزٌ وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى الِاشْتِغَالَ بِذَكَرِ اللَّهِ أَقُولُ فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِمُخَالَفَتِهِ ظَاهِرَ مِثْلِ هَذِهِ الْآثَارِ وَلِمَا وَقَعَ فِي نَحْوِ الْأَشْبَاهِ مِنْ أَنَّهُ يُكْرَهُ وَيُمْنَعُ الْكَلَامُ الْمُبَاحُ فِي الْمَسَاجِدِ فَبَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّةِ النَّقْلِ يُرَجَّحُ مَا يُوَافِقُ الْقِيَاسَ وَاَلَّذِي يَشْهَدُهُ النَّصُّ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَافْهَمْ وَأَمَّا حَدِيثُ «مَنْ تَكَلَّمَ بِكَلَامِ الدُّنْيَا فِي الْمَسْجِدِ أَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً» فَعَنْ الصَّغَانِيِّ مَوْضُوعٌ وَعَنْ عَلِيٍّ الْقَارِيّ بَاطِلٌ مَعْنًى وَمَبْنًى (وَيَدْخُلُ فِيهِ) فِي الْكَلَامِ الدُّنْيَوِيِّ (الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ) . وَكَذَا سَائِرُ كُلِّ عَقْدٍ بَلْ هُوَ أَشَدُّ مِنْ كَلَامِ الدُّنْيَا وَلَوْ بَيْعَ كُتُبٍ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ وَيُكْرَهُ الصِّنَاعَةُ فِيهِ مِنْ خِيَاطَةٍ وَكِتَابَةٍ بِأَجْرٍ وَتَعْلِيمِ صِبْيَانٍ بِأَجْرٍ اهـ فَلَا يَجُوزُ إعْطَاءُ الْفَتْوَى بِأَجْرٍ أَوْ بِثَمَنٍ وَلَوْ لِلْمُعْتَكِفِ لَعَلَّ الْحِيلَةَ أَنْ يَهَبَهَا الْمُفْتِي لِلْمُسْتَفْتِي بِلَا عَقْدِ إجَارَةٍ أَوْ بَيْعٍ ثُمَّ الْمُسْتَفْتِي يُعْطِيهِ شَيْئًا عَلَى طَرِيقِ الصِّلَةِ وَأَمَّا تَجْوِيزُ ذَلِكَ لِضَرُورَةِ الِاعْتِكَافِ فَلَا يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ بِلَا نَقْلٍ صَحِيحٍ فَتَأَمَّلْ (لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ) لَا مُطْلَقًا بَلْ بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ نَحْوِ الطَّعَامِ وَفِي الدُّرَرِ رُخِّصَ فِي الْمَسْجِدِ بِأَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنَوْمٍ وَبَيْعٍ لِلْمُعْتَكِفِ وَلَكِنْ لَا يُحْضِرُ السِّلْعَةَ وَفِي الْأَشْبَاهِ وَيُكْرَهُ دُخُولُهُ لِمَنْ أَكَلَ ذَا رِيحٍ كَرِيهَةٍ وَيُمْنَعُ مِنْهُ وَكَذَا كُلُّ مُؤْذٍ فِيهِ وَلَوْ بِلِسَانِهِ وَمِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَكُلُّ عَقْدٍ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ إنْ لَمْ يُحْضِرْ السِّلْعَةَ فَتَأَمَّلْ. فَإِنَّ ظَاهِرَ الدُّرَرِ مُطْلَقٌ كَظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ وَظَاهِرَ الْأَشْبَاهِ مُقَيَّدٌ بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ كَمَا عَنْ الذَّخِيرَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ لِمُسَاعِدَةِ قَاعِدَةِ الْحَمْلِ عِنْدَنَا فَالْبَيْعُ عِنْدَ إحْضَارِ السِّلْعَةِ مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا وَعِنْدَ عَدَمِهِ جَائِزٌ لِلْمُعْتَكِفِ دُونَ غَيْرِهِ فَشِرَاءُ الْمُعْتَكِفِ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ إنَّمَا يَجُوزُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ قِيلَ وَهُوَ مُخْتَارُ قَاضِي خَانْ وَرَجَّحَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ إلَى اللَّهِ فَلَا يَنْبَغِي الِاشْتِغَالُ بِأُمُورِ الدُّنْيَا

стр. 887

(وَ) يَدْخُلُ فِيهِ (إنْشَادُ الضَّالَّةِ) أَيْ طَلَبُهَا وَالسُّؤَالُ عَنْهَا نَحْوَ أَنْ يَقُولَ مَنْ وَجَدَ ضَالَّتِي فَأَعْطَانِيهَا فَيَرْحَمُهُ اللَّهُ. وَفِي الْأَشْبَاهِ وَإِنْشَادُ الضَّالَّةِ وَالْأَشْعَارِ انْتَهَى فَمُحْتَاجٌ إلَى تَفْصِيلٍ لَا يَخْفَى (م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ» بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَضَمٍّ أَيْ يَطْلُبُ بِرَفْعِ صَوْتٍ «ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ» حَيَوَانًا ضَائِعًا فَفِي الْحَيَوَانِ يُقَالُ لَهُ ضَالَّةٌ وَفِي غَيْرِهِ ضَائِعٌ وَلُقَطَةٌ كَذَا نُقِلَ عَنْ الْمِصْبَاحِ «فَلْيَقُلْ» قِيلَ نَدْبًا «لَا رَدَّهَا اللَّهُ» جُمْلَةٌ دِعَائِيَّةٌ لَعَلَّ هَذَا لَمْ يَتَكَرَّرْ فِيهِ لَا وَإِلَّا فَلَفْظُ لَا لَا يَدْخُلُ عَلَى الْمَاضِي بِلَا تَكْرِيرٍ نَحْوَ لَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى «عَلَيْك» عُقُوبَةً عَلَى فِعْلِهِ «فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» . فَالْحُكْمُ مُعَلَّلٌ بِالْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ فَمَا لَمْ تُبْنَ الْمَسَاجِدُ لَهُ فَلَا يُفْعَلُ فِيهَا كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضٌ وَفِي الْأَشْبَاهِ وَمَنْعُ صَلَاةِ الْمَيِّتِ وَيُكْرَهُ الْوُضُوءُ فِيهِ وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ فِيهِ لِلْمُصِيبَةِ وَلَا يَشْغَلُ الْمَسْجِدَ بِالْمَتَاعِ إلَّا لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ الْعَامَّةِ انْتَهَى مُسْتَصْفَى لَكِنْ يَشْكُلُ ذَلِكَ بِمَا فِي الْأَشْبَاهِ أَيْضًا وَيُسْتَحَبُّ عَقْدُ النِّكَاحِ فِيهِ وَجُلُوسُ الْقَاضِي فِيهِ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ بِنَصٍّ مُخَالِفٍ لِلْقِيَاسِ كَمَا يُشْعِرُ التَّعْبِيرُ بِالِاسْتِحْبَابِ وَأَمَّا الصَّدَقَةُ فِيهِ كَمَا فِي النِّصَابِ فَإِنْ وَقْتَ الْخُطْبَةِ فَلَا تَجُوزُ وَلَوْ خِيفَ هَلَاكُ السَّائِلِ وَإِنْ قَبْلَهَا فَإِنْ فِي مَكَان وَاحِدٍ لَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَلَا يُؤْذِي أَحَدًا فَيُثَابُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَحَرَامٌ وَالْمُتَصَدِّقُ شَرِيكٌ فِي وِزْرِهِ لَكِنْ عَنْ الْمُلْتَقَطِ الْقَوْلُ بِكَرَاهَةِ التَّصَدُّقِ فِيهِ مُطْلَقًا وَعَنْ خَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ لَوْ كُنْت قَاضِيًا لَمْ أَقْبَلْ شَهَادَةَ مَنْ تَصَدَّقَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ إسْمَاعِيلَ الزَّاهِدِيِّ هَذَا فَلْسٌ يَحْتَاجُ إلَى سَبْعِينَ فَلْسًا لِيَصِيرَ كَفَّارَةً وَعَنْ النِّصَابِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ أَلَا لِيَقُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ فَلَا يَقُومُ أَحَدٌ إلَّا سُؤَّالُ الْمَسْجِدِ» وَفِي التَّنْبِيهِ حُرُمَاتُ الْمَسْجِدِ خَمْسَةَ عَشَرَ الْأَوَّلُ أَنْ يُسَلِّمَ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَوْمُ مَشْغُولِينَ بِدَرْسٍ وَذِكْرٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ وَفِي نَحْوِ صَلَاةٍ يَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ الثَّانِي الصَّلَاةُ قَبْلَ الْجُلُوسِ الثَّالِثُ عَدَمُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ الرَّابِعُ عَدَمُ سَلِّ السَّيْفِ الْخَامِسُ عَدَمُ طَلَبِ الضَّالَّةِ السَّادِسُ عَدَمُ رَفْعِ الصَّوْتِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى السَّابِعُ عَدَمُ التَّكَلُّمِ بِحَدِيثِ الدُّنْيَا الثَّامِنُ عَدَمُ تَخَطِّي رِقَابَ النَّاسِ التَّاسِعُ عَدَمُ نِزَاعِ

стр. 888

الْمَكَانِ الْعَاشِرُ عَدَمُ مُضَايِقَةِ أَحَدٍ فِي الصَّفِّ الْحَادِيَ عَشَرَ عَدَمُ مُرُورٍ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي الثَّانِيَ عَشَرَ عَدَمُ بُزَاقٍ فِيهِ الثَّالِثَ عَشَرَ عَدَمُ تَفَرْقُعِ أَصَابِعِهِ الرَّابِعَ عَشَرَ تَنْزِيهُهُ عَنْ النَّجَاسَاتِ وَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ الْخَامِسَ عَشَرَ تَكْثِيرُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ وَفِي الْأَشْبَاهِ مِنْ أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ حُرْمَةُ دُخُولِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَلَوْ عَلَى وَجْهِ الْعُبُورِ وَإِدْخَالُ نَجَاسَةٍ فِيهِ وَإِدْخَالُ مَيِّتٍ وَحُرْمَةُ إدْخَالِ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ إنْ غَلَبَ تَنْجِيسُهُمْ وَإِلَّا فَيُكْرَهُ وَمَنْعُ إلْقَاءِ الْقَمْلَةِ بَعْدَ الْقَتْلِ وَحُرْمَةُ الْبَوْلِ وَإِنْ فِي إنَاءٍ وَأَخْذُ شَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ فَتُرَابُهُ إنْ مُجْتَمِعًا جَازَ الْأَخْذُ مِنْهُ وَمَسْحُ الرِّجْلِ عَلَيْهِ وَإِلَّا لَا وَإِلْقَاءُ الْبُزَاقِ وَالنُّخَامَةِ فَإِنْ اضْطَرَّ دَفَنَهُ وَمَسْحُ طِينِ الرِّجْلِ عَلَى عَمُودِهِ وَاتِّخَاذُهُ طَرِيقًا بِلَا عُذْرٍ وَيُسْتَحَبُّ التَّحِيَّةُ لِدَاخِلِهِ فَإِنْ تَكَرَّرَ كَفَتْهُ رَكْعَتَانِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَمُنِعَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ إلَّا لِلْمُتَفَقِّهَةِ وَإِخْرَاجُ الرِّيحِ مِنْ الدُّبُرِ وَيُسَنُّ كَنْسُهُ وَتَنْظِيفُهُ وَتَطْيِيبُهُ وَفَرْشُهُ وَإِيقَادُهُ وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى عِنْدَ دُخُولِهِ وَعَكْسُهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ وَمَنْ اعْتَادَ الْمُرُورَ يَفْسُقُ وَلَا يَجُوزُ إعَادَةُ أَدَوَاتِهِ لِمَسْجِدٍ آخَرَ. (خَاتِمَةٌ) أَعْظَمُ الْمَسَاجِدِ حُرْمَةً الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ ثُمَّ مَسْجِدُ قُبَاءَ ثُمَّ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ ثُمَّ مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ نَوَّرَهَا اللَّهُ ثُمَّ الْجَوَامِعُ ثُمَّ مَسَاجِدُ الْمَحَالِّ ثُمَّ مَسَاجِدُ الشَّوَارِعِ ثُمَّ مَسَاجِدُ الْبُيُوتِ انْتَهَى [الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ وَضْعُ لَقَبِ سُوءٍ لِمُسْلِمٍ] (الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ وَضْعُ لَقَبِ سُوءٍ لِمُسْلِمٍ) ابْتِدَاءً (وَذِكْرُهُ بِهِ) بَعْدَ وَضْعِ الْغَيْرِ (مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةِ التَّعْرِيفِ) أَمَّا إذَا لَمْ يُعْرَفْ إلَّا بِهِ فَجَائِزٌ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١] أَوْ لَا يَدْعُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِلَقَبِ السُّوءِ فَإِنَّ النَّبْزَ مُخْتَصٌّ بِلَقَبِ السُّوءِ عُرْفًا وَ ﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١] فَفِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ التَّنَابُزَ فِسْقٌ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ مُسْتَقْبَحٌ وَلِهَذَا كَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُغَيِّرُ الِاسْمَ الْقَبِيحَ إلَى الْحَسَنِ كَتَغْيِيرِهِ أَصْرَمَ إلَى زُرْعَةَ وَالْمُضْطَجِعَ إلَى الْمُنْبَعِثِ وَعَاصِيَةَ إلَى جَمِيلَةَ. (وَأَمَّا اللَّقَبُ الْحَسَنُ فَجَائِزٌ)

стр. 889

إنْ مِنْ أَهْلِهِ لَعَلَّ لِهَذَا قَالَ فِي الشِّرْعَةِ وَلَا يُسَمِّي وَلَدَهُ بِمَا فِيهِ تَزْكِيَةٌ نَحْوَ الرَّشِيدِ وَالْأَمِينِ وَعَنْ تَنْبِيهِ الشَّعْرَانِيِّ أَنَّ اللَّقَبَ بِنَحْوِ مُحْيِي الدِّينِ وَنُورِ الدِّينِ وَعَضُدِ الدِّينِ وَغِيَاثِ الدِّينِ وَمُعِينِ الدِّينِ وَنَاصِرِ الدِّينِ وَعِصَامِ الدِّينِ كَذِبٌ وَبِدْعَةٌ وَمُنْكَرٌ سِيَّمَا فِي نَحْوِ الْفَاسِقِ وَالْجَاهِلِ بَلْ لَوْ كَانُوا كَذَلِكَ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّزْكِيَةِ فَكَيْفَ وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ الْمَجَازِ فَضْلًا عَنْ الْحَقِيقَةِ انْتَهَى أَقُولُ لَا يَبْعُدُ نَحْوُ ذَلِكَ فِي الْأَوْلَادِ تَجَوُّزًا وَتَفَاؤُلًا بِطَرِيقِ الْأَوَّلِ أَوْ الْقُوَّةِ وَالشَّأْنِ أَوْ لِلْقَابِلِيَّةِ وَالِاسْتِعْدَادِ وَإِلَّا فَلَا يَخْلُو جِنْسُ ذَلِكَ عَنْ أَكْثَرِ الْأَسَامِي نَحْوُ مُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ فَإِنَّهُمَا وَإِنْ دَلَّا عَلَى ذَاتِ الْمُسَمَّى فَقَطْ لَكِنَّهُمَا يُشْعِرَانِ بِمَعْنَاهُمَا الْأَصْلِيِّ الَّذِي لَا يَخْلُو عَنْ التَّزْكِيَةِ. وَأَمَّا فِي الْكِبَارِ فَإِنَّ مِنْ الْأَبْرَارِ كَمُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيِّ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ وَالسَّرَخْسِيِّ وَنَحْوِهِمَا مِنْ كِبَارِ الْمَشَايِخِ فَلَعَلَّهُ إمَّا مِنْ الْغَيْرِ أَوْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ لِلتَّحَدُّثِ بِالنِّعَمِ أَوْ لِتَرْوِيجِ مَقَالَاتِهِمْ الشَّرْعِيَّةِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي قَبُولِ أَقْوَالِهِمْ وَلَوْ لَمْ تَصْدُقْ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ فَلَا يَخْفَى صِدْقُهَا فِي الْبَعْضِ كَإِحْيَاءِ بَعْضِ الشَّرِيعَةِ مَثَلًا وَشَأْنُ أَهْلِ التَّصَوُّفِ حُسْنُ الظَّنِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْأَبْرَارِ فَكَمَا قَالَ وَعَنْهُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيِّ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ كَزَكِيِّ الدِّينِ وَمُحْيِي الدِّينِ وَنَحْوِهِمَا وَيُسْأَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَلْ هُوَ صَادِقٌ فِي وَصْفِهِ أَوْ كَاذِبٌ وَلَوْ جَائِزًا لَسَبَقَ إلَيْهِ الْمُتَقَدِّمُونَ وَهُمْ إمَامُ الْأَخْيَارِ كَالصَّحَابَةِ وَلِهَذَا كَانَ النَّوَوِيُّ يَكْرَهُ أَنْ يُسَمَّى بِمُحْيِي الدِّينِ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضٍ أَنَّهُ كَانَ يُسَمِّيهِ بِمُحَمَّدٍ النَّوَوِيِّ لَا بِمُحْيِي الدِّينِ فَسُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ أَنَا أَكْرَهُ أَنْ أُسَمِّيَهُ بِاسْمٍ يَكْرَهُهُ فِي حَيَاتِهِ انْتَهَى. أَيْضًا وَأَنْتَ تَعْلَمُ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ كَمَا تَرَى كَيْفَ وَمِثْلُ هَذَا يُفْضِي إلَى تَخْطِئَةِ كَثِيرٍ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ لَعَلَّ الْحَقَّ فِي مِثْلِهِ أَنَّهُ مَنُوطٌ بِالنِّيَّةِ وَالْقَصْدِ فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَغْرَاضِ. [الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ] (الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ) لِغَمْسِ صَاحِبِهِ فِي الْمَعْصِيَةِ وَالنَّارِ (وَهُوَ الْحَلِفُ عَلَى الْكَذِبِ عَمْدًا) وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ وَظَنَّ صِدْقَهُ يَكُونُ لَغْوًا كَوَاللَّهِ مَا فَعَلْت كَذَا عَالِمًا بِفِعْلِهِ وَحُكْمُهُ الْإِثْمُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

стр. 890

«مَنْ حَلَفَ كَاذِبًا أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ» وَأَمَّا يَمِينُ اللَّغْوِ وَهُوَ حَلِفُهُ كَاذِبًا يَظُنُّهُ صَادِقًا فَلَا إثْمَ فِيهَا بَلْ يُرْجَى الْعَفْوُ. وَأَمَّا الْيَمِينُ الْمُنْعَقِدَةُ وَهِيَ حَلِفُهُ عَلَى آتٍ فَإِثْمُهَا دَائِرٌ عَلَى الْكَفَّارَةِ (خ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْكِتَابِ بِالْوَاوِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَفِي بَعْضِهَا بِلَا وَاوٍ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -) وَعَنْهُمْ (أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» الْمُسْلِمَيْنِ بِأَنْ يَفْعَلَ الْوَلَدُ مَا يَتَأَذَّى بِهِ الْوَالِدُ تَأَذِّيًا لَيْسَ بِهَيِّنٍ مَعَ عَدَمِ كَوْنِهِ مِنْ الْأَفْعَالِ الْوَاجِبَةِ ذَكَرَهُ الْمُنَاوِيُّ عَنْ النَّوَوِيِّ «وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ» قِيلَ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ مِنْ قَبِيلِ الْبَعْضِ الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ حَصْرُ جَمِيعِ الْكَبَائِرِ وَلَا أَكْبَرُهَا قِيلَ الْمَذْكُورَاتُ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ وَلَا يَلْزَمُ اسْتِوَاءُ رُتْبَتِهَا. وَعَنْ الْقُرْطُبِيِّ لَا يُقَالُ كَيْفَ يَصِحُّ الْحَصْرُ فِيمَا ذُكِرَ وَفِي أَحَادِيثِ أُخَرَ أَكْثَرَ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَهَى فِي كُلِّ مَجْلِسٍ مَا أَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ أَوْ سَنَحَ لَهُ بِاقْتِضَاءِ أَحْوَالِ السَّائِلِ وَتَفَاوُتِ الْأَوْقَاتِ فَالْأَضْبَطُ أَنْ تُجْمَعَ وَتُجْعَلَ مَقِيسًا عَلَيْهَا كَمَا بَيَّنَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَمَا فِي الْفَيْضِ (حك عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ كُنَّا نَعُدُّ مِنْ الذَّنْبِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ كَفَّارَةٌ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ) لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تُتَصَوَّرُ فِي ذَنْبٍ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُكَفَّرَ كَقَتْلِ الْخَطَأِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَمْدِ فَفِيهَا كَمَالُ الْجِنَايَةِ كَقَتْلِ الْعَمْدِ فَلَا يَفْعَلُهُ الْعَاقِلُ وَإِنْ صَدَرَتْ يَتَدَارَكُهُ فَوْرًا بِالِاسْتِغْفَارِ. (م عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» أَوْ ذِمِّيٍّ «بِيَمِينِهِ» مَالًا أَوْ لَا كَحَدِّ الْقَذْفِ «فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» إنْ اعْتَقَدَ حِلَّهُ وَإِلَّا فَلَا يُحْمَلُ هَذَا عَلَى التَّأْبِيدِ بَلْ إنَّمَا أَخْرَجَهُ الشَّارِعُ هَذَا الْمَخْرَجَ تَعْظِيمًا لِلْأَمْرِ وَمُبَالَغَةً فِي الزَّجْرِ لِاعْتِدَائِهِ الْغَايَةَ الْقُصْوَى حَيْثُ هَتَكَ حُرْمَةً بَعْدَ حُرْمَةٍ بِاقْتِطَاعِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَاسْتِخْفَافِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ رِعَايَتُهُ وَهُوَ حُرْمَةُ الْإِسْلَامِ وَالْأُخُوَّةِ وَالْإِقْدَامِ عَلَى الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ «قَالُوا وَإِنْ كَانَ» حَقُّهُ «شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا» وَهُوَ قِطْعَةُ غُصْنٍ «مِنْ أَرَاكٍ» بِالْفَتْحِ شَجَرُ السِّوَاكِ وَفِي حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ عِنْدَ الْبَيْعِ مُنْفِقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْكَسْبِ أَيْ مُرَوِّجَةٌ لِلسِّلْعَةِ وَمَاحِيَةٌ لِلْكَسْبِ، وَفِي حَدِيثِ الدَّيْلَمِيِّ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ تَذْهَبُ بِالْمَالِ وَتَذَرُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ أَيْ خَرَابًا [الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ الْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى] (الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ الْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى) نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا أَوْ مُصْحَفًا أَوْ سُلْطَانًا أَوْ وَلَدًا أَوْ وَالِدًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ (وَهَذَا عَلَى قِسْمَيْنِ الْأَوَّلِ مَا كَانَ بِطَرِيقِ

стр. 891

التَّعْلِيقِ فَإِنْ كَانَ الْمُعَلَّقُ غَيْرَ الْكُفْرِ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالنَّذْرِ) نَحْوُ إنْ فَعَلْت كَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ أَوْ عَبْدِي حُرٌّ أَوْ عَلَيَّ حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ (فَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يُكْرَهُ) مُطْلَقًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْتِزَامِ مَا لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ شَرْعًا أَوْ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَوْ يُهْمِلُ فَيَقَعُ فِي الْخَطَرِ وَعِنْدَ الْبَعْضِ يُكْرَهُ فِي الْمَاضِي وَلَا يُكْرَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ (وَعِنْدَ عَامَّتِهِمْ لَا يُكْرَهُ) مُطْلَقًا لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَلَى نَفْسِهِ مَنْعًا وَإِقْدَامًا وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ نَهْيٌ قَالَ فِي الدُّرَرِ الْيَمِينُ تَقْوِيَةُ الْخَبَرِ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ التَّعْلِيقِ وَهَذَا لَيْسَ بِيَمِينٍ وَضْعًا وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِحُصُولِ مَعْنَى الْيَمِينِ بِهِ وَهُوَ الْحَمْلُ وَالْمَنْعُ وَعَنْ الْكَافِي الْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَشْرُوعٌ وَهُوَ تَعْلِيقٌ بِالشَّرْطِ فَظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ مُطْلَقُ الْجَوَازِ يَعْنِي بِلَا كَرَاهَةٍ (وَإِنْ كَانَ) الْمُعَلَّقُ (كُفْرًا فَحَرَامٌ) مُطْلَقًا لَعَلَّ وَجْهَهُ تَجْوِيزُ الْكُفْرِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْمُعَلَّقَ مِنْ الْأُمُورِ الْمُمْكِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ كَالْمُحَالِ عِنْدَهُ (ثُمَّ إنْ كَانَ صَادِقًا) أَيْ بَارًّا فِي حَلِفِهِ (يَكْفُرُ) لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِشَرْطٍ لَا يَتَحَقَّقُ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ الشَّرْطُ وَأَنَّهُ إذَا انْتَفَى الشَّرْطُ يَنْتَفِي الْمَشْرُوطُ (وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا) فِيهِ (فَهَذَا) التَّعْلِيقُ (مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ) لِاسْتِلْزَامِهِ تَجْوِيزَ الْكُفْرِ بَلْ وُقُوعَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَلِمَا سَيَذْكُرُ مِنْ الْأَثَرِ (حَتَّى ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ كُفْرٌ مُطْلَقًا) نَوَى الْيَمِينَ أَوْ لَا يَكُونُ كُفْرًا فِي اعْتِقَادِهِ أَوْ لَا أَوْ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ وَفِي الدُّرَرِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ يَكْفُرُ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْكُفْرَ بِمَا هُوَ مَوْجُودٌ وَالتَّعْلِيقُ بِأَمْرٍ كَائِنٍ تَنْجِيزٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ هُوَ كَافِرٌ وَفِي الْبَحْرِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّهُ فَعَلَ فَيَمِينٌ غَمُوسٌ فَلَيْسَ إلَّا الِاسْتِغْفَارُ وَهَلْ يَكْفُرُ قِيلَ لَا وَقِيلَ نَعَمْ لِأَنَّهُ تَنْجِيزٌ مَعْنًى لِتَعْلِيقِهِ بِأَمْرٍ كَائِنٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ ابْتِدَاءً أَنَا كَافِرٌ (خ م عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا» عَالِمًا بِكَذِبِهِ «فَهُوَ كَمَا قَالَ» أَيْ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْمِلَّةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي كُفْرِ الْحَالِفِ كَذِبًا (دمج حك عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ حَلَفَ» وَقَوْلُ «قَالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ» بَيَانٌ وَتَفْسِيرٌ لِلْحَلِفِ أَيْ إنْ فَعَلْت «فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا» فِي حَلِفِهِ «فَهُوَ كَمَا قَالَ» مِنْ الْبَرَاءَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ اسْتِشْهَادَ الْمُصَنِّفِ إنَّمَا يَتِمُّ بِالْحَمْلِ عَلَى ظَاهِرِهِ بِلَا تَأْوِيلٍ فَمَنْ قَالَ هُنَا إنِّي بَرِيءٌ مِنْهُ إنْ قَصَدَ ذَلِكَ وَإِلَّا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّبْعِيدِ وَالتَّقْبِيحِ وَالتَّخْوِيفِ لَمْ يَفْهَمْ مُرَادَ الْمَقَامِ «وَإِنْ كَانَ صَادِقًا» فِيهِ «فَلَنْ يَرْجِعَ إلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا» مِنْ الْمَعَاصِي وَالْمَخَاوِفِ بَلْ عَلَيْهِ تَبِعَةُ يَمِينِهِ فِيهِ حُرْمَةُ الْحَلِفِ بِالْكُفْرِ وَلَوْ صَادِقًا فِي يَمِينِهِ فَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ آنِفًا وَإِنْ كَانَ كُفْرًا فَحَرَامٌ فَمَنْ قَالَ هُنَا أَيْضًا فَإِنْ قَصَدَ تَبْعِيدَ نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ فَقَدْ بَعُدَ عَنْ مَرَامِ الْمَقَامِ أَيْضًا (حك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ» أَيْ عَلَى يَمِينِ أَيِّ مِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ «فَهُوَ كَمَا حَلَفَ إنْ قَالَ هُوَ يَهُودِيٌّ» إنْ فَعَلَ كَذَا «فَهُوَ يَهُودِيٌّ وَإِنْ قَالَ هُوَ نَصْرَانِيٌّ فَهُوَ نَصْرَانِيٌّ وَإِنْ قَالَ هُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ» أَيْ فَهُوَ كَمَا قَالَ حُذِفَ اكْتِفَاءً

стр. 892

بِسَابِقِهِ ظَاهِرُهُ هُوَ الْكُفْرُ مُطْلَقًا صَادِقًا أَوْ كَاذِبًا وَالْمَطْلُوبُ وَالْمَسْأَلَةُ تَقْيِيدُهُ فَافْهَمْ وَلَوْ أُرِيدَ مِنْ قَوْلِهِ فَهُوَ نَصْرَانِيٌّ عُمُومُ مَجَازٍ شَامِلٍ لِلْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَنْ يَرْجِعَ إلَخْ لَا يَبْعُدُ كُلَّ الْبُعْدِ وَيَكُونُ تَوْفِيقًا بَيْنَهُمَا بِحَسَبِ مَا يَلْزَمُهُمَا (وَ) ظَاهِرُ (هَذِهِ الْأَحَادِيثِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَعْلِيقَ الشَّيْءِ بِمَا هُوَ كُفْرٌ كَاذِبًا كُفْرٌ) خَبَرُ تَعْلِيقَ لَكِنْ قَوْلُهُ كَاذِبًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَدِيثِ الْأَخِيرِ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ كَمَا أُشِيرَ (مُطْلَقًا) نَوَى الْيَمِينَ أَوْ لَا مَاضِيًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا (وَ) جُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةِ) وَإِلَّا فَلَا يَتِمُّ قَوْلُهُ آنِفًا حَتَّى ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ كُفْرٌ مُطْلَقًا وَقَدْ سَمِعْت مِنْ الدُّرَرِ قَوْلَ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ وَقَوْلَ الْبَحْرِ (قَيَّدُوهُ) أَيْ كَوْنَ التَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ كُفْرًا (بِمَا إذَا لَمْ يَنْوِ الْيَمِينَ) سَوَاءٌ نَوَى الْكُفْرَ حَقِيقَةً أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ (وَإِلَّا) أَيْ إنْ نَوَى الْيَمِينَ (فَيَمِينٌ لَا كُفْرٌ) لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ لَفْظِهِ (مَاضِيًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا) لَكِنْ يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا فِي الْمَاضِي لِأَنَّهَا غَمُوسٌ لَا كَفَّارَةٌ لِإِثْمِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُؤَوِّلُونَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ بِالْحَمْلِ عَلَى التَّهْدِيدِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي الْوَعِيدِ لَا الْحُكْمِ بِأَنَّهُ صَارَ يَهُودِيًّا أَوْ بَرِيئًا مِنْ الْإِسْلَامِ فَكَأَنَّهُ قَالَ فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِمِثْلِ عَذَابِ مَا قَالَ وَنَظِيرُهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ تَرَكَ صَلَاةً عَمْدًا فَقَدْ كَفَرَ» أَيْ اسْتَوْجَبَ عُقُوبَةَ الْكَافِرِ وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْكَلَامِ يُسَمَّى فِي عُرْفِ الشَّرْعِ يَمِينًا وَهَلْ تَتَعَلَّقُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ فِيهِ فَذَهَبَ النَّخَعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إلَى أَنَّهُ يَمِينٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ إنْ كَانَ لِلْمُسْتَقْبَلِ وَإِنْ كَانَ لِلْمَاضِي يَكُونُ غَمُوسًا لَيْسَ لَهُ كَفَّارَةٌ لِإِثْمِهِ فِي الدُّنْيَا سِوَى التَّوْبَةِ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ إنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ وَلَا كَفَّارَةٍ فِيهِ لَكِنْ الْقَائِلُ بِهِ آثِمٌ صَدَقَ فِيهِ أَوْ كَذَبَ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَفِي الْمُجْتَبَى وَالذَّخِيرَةِ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ إنْ اعْتَقَدَ الْكُفْرَ بِهِ يَكْفُرُ وَإِلَّا فَلَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَالْمَاضِي جَمِيعًا وَفِي الْبَحْرِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَالِمًا أَنَّهُ يَمِينٌ إمَّا مُنْعَقِدَةٌ أَوْ غَمُوسٌ لَا يَكْفُرُ بِالْمَاضِي وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا وَعِنْدَهُ أَنَّهُ يَكْفُرُ فِي الْغَمُوسِ أَوْ بِمُبَاشَرَةِ الشَّرْطِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يَكْفُرُ فِيهِمَا لِأَنَّهُ لَمَّا أَقْدَمَ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ يَكْفُرُ بِهِ فَقَدْ رَضِيَ بِالْكُفْرِ. (وَ) الْقِسْمُ (الثَّانِي) مِنْ الْيَمِينِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى (مَا كَانَ بِحَرْفِ الْقَسَمِ فَهَذَا) الْقِسْمُ (كَبِيرَةٌ يُخَافُ مِنْهُ الْكُفْرُ) وَفِي النِّصَابِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَقُولَ لَعَمْرُ فُلَانٍ وَلَعَمْرُكَ فَإِنْ قَالَ كَذَلِكَ يَكُونُ آثِمًا وَإِنْ قَالَ لَعَمْرُ فُلَانٍ وَبَرِئَ فِي يَمِينِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ كَبِيرَةً وَبَعْضُهُمْ قَالُوا يَكْفُرُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ بِهَذَا فَإِذَا حَلَفَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبَرَّهُ وَيَجِبُ أَنْ يُخْلِفَ (طب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَوْقُوفًا أَنَّهُ قَالَ لَأَنْ أَحْلِفَ بِاَللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى صَادِقًا) يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَلَوْ كَانَ صَادِقًا أَعْظَمُ إثْمًا مِنْ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ كَاذِبًا لِأَنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الشِّرْكِ وَالْمَعْصِيَةُ أَخَفُّ مِنْ الشِّرْكِ وَفِي الْمُحِيطِ أَخَافُ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِحَيَاتِي وَبِحَيَاتِك وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ الْكُفْرَ فَلَوْلَا أَنَّ الْعَامَّةَ يَقُولُونَ وَلَا يَعْلَمُونَ بِهِ لَقُلْت إنَّهُ شِرْكٌ لِأَنَّهُ لَا يَمِينَ إلَّا بِاَللَّهِ فَإِذَا حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ كَمَا فِي النِّصَابِ لَكِنْ فِي الْهِدَايَةِ إذَا أَلَحَّ الْخَصْمُ قِيلَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يُحَلِّفَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ إحْيَاءً لِحُقُوقِ النَّاسِ (ت حب حك عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

стр. 893

يَقُولُ «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ» شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي أَيْ إذَا اعْتَقَدَ تَعْظِيمَهُ بِحَلِفِهِ وَإِلَّا فَلَا وَفِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى قَالَ عَلِيٌّ الْبَزَّازِيُّ أَخَافُ عَلَى مَنْ قَالَ بِحَيَاتِي وَحَيَاتِك أَنَّهُ يَكْفُرُ وَلَوْلَا أَنَّ الْعَامَّةَ يَقُولُونَهُ وَلَا يَعْلَمُونَهُ لَقُلْت إنَّهُ شِرْكٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ فَعَلَ فِعْلَ الْكَافِرِ أَوْ الْمُشْرِكِ وَقِيلَ إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّشْدِيدِ وَالتَّغْلِيظِ لَكِنْ فِي الْفَيْضِ أَنَّهُ تَكَلُّفٌ وَنُقِلَ عَنْ شَرْحِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلْحَصِيرِيِّ أَنَّ الْيَمِينَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُكْرَهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْيَمِينِ تَحْقِيقُ مَا قَصَدَهُ مِنْ الْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ لَا تَعْظِيمُ الْمُقْسَمِ بِهِ وَأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ فِي الْمَوَاثِيقِ وَالْخُصُومَاتِ وَقِيلَ يُكْرَهُ لِقَوْلِهِ مَلْعُونٌ مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ قِيلَ فِيهِ كَلَامٌ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ فِي الْفَيْضِ عَنْ النَّوَوِيِّ وَمِنْ الْمَكْرُوهِ قَوْلُ الصَّائِمِ وَحَقُّ هَذَا الْخَاتَمِ الَّذِي عَلَى فَمِي (خ م عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» إنَّ الْحَلِفَ بِشَيْءٍ يَقْتَضِي تَعْظِيمَهُ وَالْعَظَمَةُ حَقِيقَةً إنَّمَا هِيَ لَهُ تَعَالَى قَالَ فِي الْفَيْضِ خَبَرُ «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إنْ صَدَقَ» لِأَنَّ تِلْكَ كَلِمَةٌ جَرَتْ عَلَى لِسَانِهِمْ لِلتَّأْكِيدِ لَا لِلْقَسَمِ فَيُكْرَهُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى تَنْزِيهًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَعَلَى الْأَشْهَرِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَتَحْرِيمًا عِنْدَ الظَّاهِرِيَّةِ وَعَلَى الْأَشْهَرِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَقُولُ الْمَفْهُومُ مِنْ الْمَنْقُولِ عَنْ الْكَافِي أَنَّهُ مَكْرُوهٌ أَيْضًا عِنْدَ بَعْضٍ مِنَّا وَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ عِنْدَ بَعْضٍ آخَرَ وَقَالَ فِي الْمَطَامِحِ وَتَخْصِيصُ الْأَبِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْعَادَةِ وَإِلَّا فَالنَّهْيُ عَامٌّ انْتَهَى (مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ تَعَالَى) لَا بِغَيْرِهِ كَالْكَعْبَةِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ حَدِيثُ «مَنْ حَلَفَ فَلْيَحْلِفْ بِرَبِّ الْكَعْبَةِ يَعْنِي لَا بِالْكَعْبَةِ» فَإِنَّ الْحَلِفَ بِمَخْلُوقٍ لَيْسَ بِجَائِزٍ وَإِنْ عَظِيمًا كَالْكَعْبَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَإِقْسَامُهُ تَعَالَى بِبَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ تَنْبِيهٌ عَلَى شَرَفِهَا وَأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ تَعَالَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] خِطَابًا لِحَبِيبِهِ ﵊ قَالَ الْمُحَشِّي وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا أَوْ أَبًا أَوْ جَدًّا أَوْ رَأْسَ الشَّيْخِ أَوْ السُّلْطَانِ أَوْ الْوَلَدِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ (أَوْ لِيَصْمُت مج عَنْ بُرَيْدَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا يَحْلِفُ بِأَبِيهِ فَقَالَ لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ مَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ فَلْيَصْدُقْ» فِي حَلِفِهِ وَلَا يَكْذِبُ فِيهِ «وَمَنْ حُلِفَ» فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ «لَهُ» عَلَى شَيْءٍ «بِاَللَّهِ فَلْيَرْضَ» ذَلِكَ الْمُحَلِّفُ بِيَمِينِهِ فَالْمُؤْمِنُ إذَا قَالَ صَدَقَ وَإِذَا قِيلَ صَدَّقَ فَلَا يَطْلُبُ الْحَلِفَ بِغَيْرِهِ تَعَالَى كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ «وَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِاَللَّهِ» بِالْحَلِفِ بِاَللَّهِ «فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ» مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ رَحْمَتَهُ أَوْ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ ﵃ لَكِنْ قَرَّرَ فِي الْفِقْهِيَّةِ أَنَّهُ إذَا أَلَحَّ الْخَصْمُ

стр. 894

أَنْ يُحَلِّفَهُ بِنَحْوِ الطَّلَاقِ فَلِلْقَاضِي ذَلِكَ لِقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ فِي زَمَانِنَا وَقَرَّرَ أَيْضًا كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ إذَا نَكَلَ لَا يَقْضِي وَإِذَا قَضَى لَا يَنْفُذُ قَالُوا إذَا حَلَفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ خَصْمُهُ احْلِفْ لِي بِالطَّلَاقِ حَتَّى أُصَدِّقُك فَهُوَ مِنْ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا. لَكِنْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ» قِيلَ وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَأَنْكَرَ عَلَيْهِ كَمَا عَرَفْت أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَعِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَفْهُومُ عَنْ بَعْضٍ أَنَّهُ إنْ بِالْمَاضِي فَمَكْرُوهٌ مُطْلَقًا وَإِنْ بِالْمُسْتَقْبَلِ فَإِنْ لِلْوَثِيقَةِ فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ فِي زَمَانِنَا وَإِلَّا فَمَكْرُوهٌ أَيْضًا وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا نُقِلَ عَنْ الْبَحْرِ وَعَنْ الْبَعْضِ إنْ أُضِيفَ إلَى الْمَاضِي فَمَكْرُوهٌ وَإِلَى الْمُسْتَقْبَلِ لَا وَهُوَ الْأَحْسَنُ وَفِي الْخُلَاصَةِ فَجَائِزٌ إنْ مَسَّتْ الْحَاجَةُ وَرَأَى الْقَاضِي ذَلِكَ وَعَنْ الْقُنْيَةِ وَقَوْلُ الْجَاهِلِ بِاَللَّهِ " بخداي ويبغامبر " هَذَا حَلِفٌ وَفِيهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ لِأَنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَ اللَّهِ وَالرَّسُولِ ثُمَّ قَالَ مَا حَاصِلُهُ إنَّهُ لَيْسَ بِجَائِزٍ. [الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ كَثْرَةُ الْحَلِفِ وَلَوْ عَلَى الصِّدْقِ] (الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ كَثْرَةُ الْحَلِفِ وَلَوْ عَلَى الصِّدْقِ) لِاسْتِهَانَتِهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَانْتِهَاكِ حُرْمَةِ الْقَسَمِ وَاعْتِيَادِ لِسَانِهِ عَلَى ذَلِكَ وَلِذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ مَا حَلَفْت لَا صَادِقًا وَلَا كَاذِبًا (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً﴾ [البقرة: ٢٢٤] جُنَّةً وَمَحَلًّا ﴿لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] عَنْ الْمِصْبَاحِ يُقَالُ فُلَانٌ عُرْضَةٌ لِلنَّاسِ أَيْ مُعْتَرِضٌ لَهُمْ فَلَا يَزَالُونَ يَقَعُونَ فِيهِ وَقِيلَ الْعُرْضَةُ فُعْلَةٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ كَالْقُبْضَةِ يُطْلَقُ لِمَا يَعْرِضُ دُونَ الشَّيْءِ وَلِلْمُعْرِضِ لِلْأَمْرِ؛ وَمَعْنَى الْآيَةِ عَلَى الْأَوَّلِ لَا تَجْعَلُوا اللَّهَ حَاجِزًا لِمَا حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْأَيْمَانِ الْأُمُورَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهَا وَعَلَى الثَّانِي وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ مَعْرِضًا لِأَيْمَانِكُمْ فَتَبْذُلُوهُ بِكَثْرَةِ الْحَلِفِ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَلْعَبَ بِاسْمِ رَبِّهِ فِي مَحَلِّ اللَّعِبِ وَلَا فِي مَحَلٍّ لَيْسَ مَحَلًّا لِلتَّعْظِيمِ ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ [القلم: ١٠] كَثِيرِ الْحَلِفِ فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ﴿مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] حَقِيرِ الرَّأْيِ مِنْ الْمَهَانَةِ وَهِيَ الْحَقَارَةُ

стр. 895

(حب عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الْحَلِفُ حِنْثٌ أَوْ نَدَمٌ» أَيْ مَآلُهُ إمَّا هَذَا أَوْ ذَاكَ أَيْ إذَا حَلَفْت حَنِثْت أَوْ فَعَلْت مَا لَا تُرِيدُ كَرَاهَةً لِلْحِنْثِ فَتَنْدَمُ أَوْ الْمُرَادُ إنْ كَانَ صَادِقًا نَدِمَ أَوْ كَاذِبًا حَنِثَ وَفِي الْفَيْضِ عَنْ الذَّهَبِيِّ ضَعَّفَهُ أَبُو زُرْعَةَ وَغَيْرُهُ (طط عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ أَنَّهُ افْتَدَى يَمِينَهُ بِعَشَرَةِ آلَافٍ) حِينَ ادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلٌ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ كَاذِبًا وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَطَلَبَ يَمِينَهُ (ثُمَّ قَالَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ لَوْ حَلَفْت حَلَفْت صَادِقًا وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ افْتَدَيْت بِهِ يَمِينِي د عَنْ أَشْعَثَ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ اشْتَرَيْت يَمِينِي مَرَّةً بِسَبْعِينَ أَلْفًا) مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ وَفِي الدُّرَرِ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فَأَعْطَى شَيْئًا وَافْتَدَى يَمِينَهُ بِمَالٍ (اعْلَمْ أَنَّ الْحَلِفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى صَادِقًا جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ وَقَدْ صَدَرَ مِنْ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) كَمَا قَالَ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ (وَمِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ) وَالسَّلَفِ الصَّالِحِينَ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ (﵃) قَطْعًا لِلشُّبْهَةِ وَتَأْكِيدًا لِلْأَمْرِ فَعِنْدَ الْحَاجَةِ يَكُونُ مَنْدُوبًا حُكِيَ عَنْ النَّوَوِيِّ وَأَمَّا حَدِيثُ «مَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ صَادِقًا كَمَنْ سَبَّحَ اللَّهَ تَعَالَى» فَقِيلَ قَدْ تَرْجَمَهُ السَّخَاوِيُّ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ صِدْقٌ وَصَوَابٌ لِأَنَّهُ إنْ صَادِقًا فَذِكْرٌ مُوَافِقٌ وَعَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَا عَلِمْته فِي الْمَرْفُوعِ أَقُولُ كَوْنُ تَرْكِهِ مَحْمُودًا فِي الْخُصُومَاتِ وَمَا يَكُونُ فِعْلُهُ مَحْمُودًا كَمَا صَدَرَ مِنْ النَّبِيِّ ﵊ وَالصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ بَلْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ وَفِي غَيْرِهَا كَمَا تَشْهَدُ مَوَاضِعُ وُجُودِهِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُمَا (وَلَكِنْ إكْثَارُهُ مَكْرُوهٌ) قِيلَ تَنْزِيهًا (لِمَا سَبَقَ مِنْ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ فَمَنْ أَبَى مِنْ السَّلَفِ) كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا (فَيُحْمَلُ إمَّا عَلَى الِاتِّقَاءِ مِنْ التُّهْمَةِ) أَيْ تُهْمَةِ الْحَلِفِ كَاذِبًا عِنْدَ مَنْ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِالْمُدَّعِي وَقَدْ قَالَ ﵊ اتَّقُوا مَوَاضِعَ التُّهَمِ وَفِي الدُّرَرِ لَوْ حَلَفَ وَقَعَ فِي الْقِيلِ وَالْقَالِ فَبَعْضٌ يُصَدِّقُ وَبَعْضٌ يُكَذِّبُ فَإِذَا افْتَدَى صَانَ عِرْضَهُ وَهُوَ حَسَنٌ قَالَ ﵊ «ذُبُّوا عَنْ أَعْرَاضِكُمْ بِأَمْوَالِكُمْ»

стр. 896

(أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَدْعُوَ إلَى تَكْثِيرِ الْحَلِفِ) الْمُخِلِّ بِالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ (أَوْ عَلَى تَعْظِيمِ أَمْرِ الْيَمِينِ) لِأَنَّ السَّلَفَ إذَا أَبَوْا مِنْهَا صَادِقِينَ لِتَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى يَقَعُ فِي قُلُوبِ الْعَامَّةِ الْخَوْفُ مِنْ مُدَاخَلَةِ الْحَلِفِ كَاذِبًا كَمَا قَالَ (لِيَخَافَ النَّاسُ مِنْ الْغَمُوسِ أَشَدَّ الْخَوْفِ أَوْ نَحْوَهَا) مِمَّا يَكُونُ بَاعِثًا إلَى الْإِبَاءِ مِثْلَ الِاحْتِيَاطِ وَالِالْتِبَاسِ [الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ سُؤَالُ الْإِمَارَةِ وَالْقَضَاءِ] (الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ سُؤَالُ الْإِمَارَةِ وَالْقَضَاءِ) وَكَذَا الشَّفَاعَةُ وَالِاسْتِشْفَاعُ وَنَحْوُهُمَا سُؤَالُ أَمْرِ الْفَتْوَى وَتَوْلِيَةِ الْأَوْقَافِ وَالْوِصَايَةِ (فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ كَسُؤَالِ الْمَالِ) قِيلَ لَكِنَّهُ أَدْنَى مِنْ سُؤَالِ الْمَالِ فِي الْحُرْمَةِ وَقَالَ مَكْحُولٌ لَوْ خُيِّرْت بَيْنَ الْقَضَاءِ وَبَيْنَ ضَرْبِ عُنُقِي لَاخْتَرْت ضَرْبَ عُنُقِي عَلَى الْقَضَاءِ قِيلَ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْخَطِيبِ (خ م عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّك إنْ أُعْطِيتهَا» بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ «مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ» أَيْ سُؤَالٍ «أُعِنْت عَلَيْهَا» بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْضًا أَيْ أَعَانَك اللَّهُ عَلَى تِلْكَ الْإِمَارَةِ وَحَفِظَك مِنْ الْإِثْمِ فِيهَا لِأَنَّ عَمَلَك يَكُونُ لِطَاعَةِ الْإِمَامِ وَطَاعَةُ الْإِمَامِ طَاعَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَمِنْ يُطِعْ اللَّهَ يُعِنْهُ «وَإِنْ أَنْتَ أُعْطِيتهَا» بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ «عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْت إلَيْهَا» بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَالْكَافُ مُخَفَّفَةٌ أَيْ خُلِيت يَعْنِي لَا يُعِينُك اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا لِأَنَّك حَرَصْت عَلَى الْمَنْصِبِ وَالْجَاهِ فَلَا يَكُونُ عَمَلُك لِلَّهِ فَلَمْ يُعِنْكَ فَلَا تَتَحَصَّلُ رِعَايَةُ حُقُوقِ الْوِلَايَةِ لِأَنَّهُ بَحْرٌ عَمِيقٌ يَحْتَاجُ إلَى تَوْفِيقٍ وَيَدْخُلُ فِي الْإِمَارَةِ الْقَضَاءُ وَالْحِسْبَةُ وَعُورِضَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَخْرِيجِ أَبِي دَاوُد «مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حِينَ يَنَالُهُ ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ» لِأَنَّ الْعَدْلَ إعَانَةٌ مِنْهُ تَعَالَى مَعَ أَنَّهُ نَالَهُ بِالطَّلَبِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَا يُعَانُ بِسَبَبِ طَلَبِهِ أَنْ لَا يَحْصُلَ مِنْهُ الْعَدْلُ إذَا وَلِيَ أَوْ يُحْمَلُ الطَّلَبُ هُنَا عَلَى الْقَصْدِ وَهُنَاكَ عَلَى التَّوْلِيَةِ أَقُولُ لَعَلَّ الْمُرَادَ عَدَمُ الْإِعَانَةِ فِي الْجَمِيعِ أَوْ الْأَكْثَرِ وَمَا غَلَبَ عَدْلُهُ فِي الْقَلِيلِ أَوْ لَفْظُ مِنْ لَيْسَ قَطْعِيًّا فِي الْعُمُومِ وَلَوْ جُعِلَ مَوْصُولًا أَوْ مَوْصُوفًا لَاتَّضَحَ الْأَمْرُ زِيَادَةَ اتِّضَاحٍ (د ت عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ ابْتَغَى» طَلَبَ «الْقَضَاءِ وَسَأَلَ فِيهِ» فِي حَقِّهِ «شُفَعَاءَ» يَشْفَعُونَ لَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ «وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ» وَمَنْ وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ الَّتِي هِيَ أَعْدَى عَدُوِّهِ وَتَرَكَ اللَّهُ نَصْرَهُ وَعَوْنَهُ لَا يَتَيَسَّرُ لَهُ رِعَايَةُ حُقُوقِ الْقَضَاءِ وَإِجْرَاءُ الشَّرْعِ كَمَا يَنْبَغِي وَقَدْ وَرَدَ فِي الدُّعَاءِ لَا تَكِلْنِي إلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَإِنْ تَكِلْنِي إلَى نَفْسِي تُقَرِّبُنِي إلَى الشَّرِّ وَتُبَاعِدُنِي عَنْ الْخَيْرِ «وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ» أَيْ يُلْهِمُهُ السَّدَادَ وَيُوَفِّقُهُ لِلصَّوَابِ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَلِيهِ إلَّا بِإِكْرَاهٍ فَلَا سَبِيلَ إلَى الشُّرُوعِ فِيهِ إلَّا بِالْإِكْرَاهِ وَفِي الْإِكْرَاهِ قَمْعُ هَوَى

стр. 897

النَّفْسِ وَحِينَئِذٍ يُسَدَّدُ إلَى طَرِيقِ الصَّوَابِ يَشْكُلُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ يُوسُفَ ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] وَعَنْ سُلَيْمَانَ عَلَى نَبِيِّنَا - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥] وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الشَّرِيعَةَ السَّابِقَةَ الْمَحْكِيَّةَ لَنَا إنَّمَا تَكُونُ شَرِيعَةً لَنَا إذَا لَمْ تُنْكَرْ وَمِثْلُ مَا ذَكَرَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إنْكَارًا لَنَا أَوْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْأَنْبِيَاءِ لِعِصْمَتِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ وَعَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ دَخَلَ الْقَضَاءَ بِلَا طَلَبٍ ثُمَّ تَرَكَهُ مُدَّةً ثُمَّ دَخَلَهُ ثَانِيًا قَالَ وَعِنْدَ الْقَضَاءِ كَانَ لِي مُنَاسَبَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكُنْت أَرَاهُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً فَتَرَكْت لِزِيَادَةِ قُرْبِهِ ﵊ فَقُطِعَتْ الْمُنَاسَبَةُ الْأُولَى بِالْكُلِّيَّةِ فَدَخَلْت مَرَّةً أُخْرَى فَرَأَيْته فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ تَرَكْت الْقَضَاءَ لِيَزِيدَ قُرْبَى وَكَانَ خِلَافُهُ فَقَالَ الْمُنَاسَبَةُ عِنْدَ الْقَضَاءِ أَزْيَدُ مِمَّا عِنْدَ التَّرْكِ لِأَنَّ عِنْدَ الْقَضَاءِ تَشْتَغِلُ بِإِصْلَاحِ نَفْسِك وَإِصْلَاحِ أُمَّتِي وَعِنْدَ التَّرْكِ تَشْتَغِلُ بِنَفْسِك فَقَطْ كَمَا فِي الشَّقَائِقِ وَيَشْكُلُ أَيْضًا بِعَدَمِ قَبُولِ الْإِمَامِ ﵀ بَعْدَ الْإِكْرَاهِ وَمُقْتَضَى الْحَدِيثِ الْقَبُولُ لِتَسْدِيدِ الْمِلْكِ وَفِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَالِكٍ أَحْضَرَ الْمَنْصُورُ الْإِمَامَ إلَى بَغْدَادَ وَطُلِبَ لِلْقَضَاءِ فَهَرَبَ فَحَكَمَ بِحَبْسِهِ وَضَرْبِهِ كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَةَ أَسْوَاطٍ حَتَّى ضُرِبَ مِائَةً وَعَشَرَةَ أَسْوَاطٍ فَلَمَّا تَتَابَعَ عَلَيْهِ الضَّرْبُ بَكَى وَأَكْثَرَ الْبُكَاءَ فَلَمْ يَلْبَثْ إلَّا يَسِيرًا فَمَاتَ مَحْبُوسًا مَبْطُونًا قِيلَ فَلَمَّا أَبَى دَسُّوا إلَيْهِ السُّمَّ فَقَتَلُوهُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْنِهِ لِلزِّحَامِ إلَّا بَعْدَ الْعَصْرِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي السِّجْنِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ أَنَّهُ مَاتَ بِالضَّرْبِ أَوْ السُّمِّ وَالتَّوْفِيقُ أَنَّهُ سُقِيَ السُّمَّ ثُمَّ ضُرِبَ مَصْلُوبًا حَتَّى يَتَفَرَّقَ السُّمُّ وَاخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ السُّمِّ قِيلَ دَسُّوا إلَيْهِ السُّمَّ وَلَمْ يَعْرِفْهُ وَقِيلَ أُكْرِهَ فَامْتَنَعَ وَقَالَ أَعْلَمُ مَا فِيهِ وَلَا أُعِينُ عَلَى نَفْسِي فَطُرِحَ وَصُبَّ فِي فَمِهِ فَلَمَّا أَحَسَّ بِمَوْتِهِ سَجَدَ فَمَاتَ سَاجِدًا وَاعْلَمْ أَنَّهُ جَرَى لِلْإِمَامِ مِثْلُهُ مَعَ ابْنِ أَبِي هُبَيْرَةَ مَرَّةً أُخْرَى فِي أَيَّامِ الْمَرْوَانِيَّةِ وَأَرَادَ أَنْ يُولَى قَضَاءَ الْكُوفَةِ فَأَبَى فَحَبَسَهُ وَضُرِبَ سِيَاطًا عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى انْتَفَخَ رَأْسُهُ وَوَجْهُهُ فَلَمْ يَقْبَلْ فَقَالَ ضَرْبَةٌ فِي الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ مَقَامِعِ الْحَدِيدِ فِي الْآخِرَةِ ثُمَّ قَالَ أُشَاوِرُ أَصْحَابِي فَأَخْرَجَهُ مِنْ السِّجْنِ فَهَرَبَ إلَى مَكَّةَ إلَى الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ فَجَاءَ زَمَنُ الْخَلِيفَةِ الْمَنْصُورِ فَأَكْرَهَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ وَالْجَوَابُ أَنَّ تَسْدِيدَ الْمَلَكِ فِي مُطْلَقِ الْجَوَازِ وَاحْتِرَازَ الْإِمَامِ مَقَامُ التَّقْوَى بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِ تَسْدِيدِ الْمَلَكِ فِي أَصْلِ الْجَوَازِ إذْ إلْقَاءُ النَّفْسِ إلَى التَّهْلُكَةِ لَيْسَ بِجَائِزٍ وَالضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ لَعَلَّ لَهُ سَبَبًا خَفِيًّا لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْهِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ الْمَرْغِينَانِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْمَنْصُورَ دَعَا الْإِمَامَ وَالثَّوْرِيَّ وَشَرِيكًا وَمِسْعَرًا فَقَالَ الْإِمَامُ أَمَّا أَنَا فَأَحْتَالُ وَالثَّوْرِيُّ يَهْرُبُ وَمِسْعَرٌ يَتَجَنَّنُ وَأَمَّا شَرِيكٌ فَلَا آمَنُ لَهُ عَلَيْهِ أَنْ يَقَعَ فِيهِ وَكَانَ الْجُنْدِيُّ يَذْهَبُ بِهِمْ قَالَ سُفْيَانُ أُرِيدُ الْبَزَّازَ فَتَوَارَى بِالْحَائِطِ فَإِذَا سَفِينَةٌ مَمْلُوءَةٌ بِالشَّوْكِ فَقَالَ لِلْمَلَّاحِ خَلْفَ هَذَا الْحَائِطِ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَنِي أَرَادَ الْقَضَاءَ فَسَتَرُوهُ تَحْتَ الشَّوْكِ وَأَمَّا مِسْعَرٌ فَقَالَ لِلْخَلِيفَةِ كَيْفَ دَوَابُّك وَغِلْمَانُك فَتَرَكُوهُ وَقَالُوا إنَّهُ مَجْنُونٌ قَالَ يَا شَيْخُ مَا أَنْتَ قَالَ أَخْرِجُوهُ فَإِنَّهُ مُخْتَلُّ الْعَقْلِ وَأَمَّا الْإِمَامُ فَقَالَ إنِّي رَجُلٌ بَزَّازٌ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ لَا يُرْضُونَ بِي فَتَرَكَهُ الْخَلِيفَةُ وَأَمَّا شَرِيكٌ فَقَالَ غَالِبُ حَالِي النِّسْيَانُ قَالَ نُطْعِمُك اللُّبَانَ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْك النِّسْيَانُ قَالَ لِي خِفَّةً فَبِالْآخِرَةِ تَقَلَّدَ الْقَضَاءَ ثُمَّ عَزَلُوهُ لِمُمَاشَاتِهِ عَلَى خِلَافِ رَأْيِهِ (فَمِنْ هَذَا) أَيْ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ (قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ قَبُولُ الْقَضَاءِ بِالِاخْتِيَارِ) وَإِنْ كَانَ أَهْلًا لَهُ وَإِنْ جَازَ بِالْإِكْرَاهِ كَمَا فَعَلَ مُحَمَّدٌ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي يُوسُفَ وَفِي الْبَزَّازِيِّ لَا يَجُوزُ الطَّلَبُ بِحَالٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَلَوْ كُلِّفَ بِلَا طَلَبٍ لَا يَجُوزُ أَيْضًا مَا لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ وَالْخَصَّافِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ وَلِذَا ضُرِبَ الْإِمَامُ أَيَّامًا وَقُيِّدَ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ يَوْمًا وَامْتَنَعَ فِي الْأَصَحِّ (وَالْمُخْتَارُ جَوَازُهُ) بِلَا كَرَاهَةٍ إنْ أَهْلًا كَأَبِي يُوسُفَ وَإِلَّا فَمَعَ الْكَرَاهَةِ (رُخْصَةً إنْ كَانَ بِلَا سُؤَالٍ) بِلِسَانِهِ (وَلَا طَلَبٍ) بِقَلْبِهِ (وَلَا شَفَاعَةٍ) مِنْ الْغَيْرِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى

стр. 898

أَنَّ التَّقْلِيدَ رُخْصَةٌ وَالتَّرْكَ عَزِيمَةٌ وَقَدْ دَخَلَ فِي الْقَضَاءِ قَوْمٌ صَالِحُونَ وَتَحَامَى مِنْهُ قَوْمٌ صَالِحُونَ وَتَرْكُ الدُّخُولِ أَصْلَحُ دِينًا وَدُنْيَا وَفِي الْهِدَايَةِ الدُّخُولُ فِيهِ رُخْصَةٌ طَمَعًا فِي إقَامَةِ الْعَدْلِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَدْلُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ» وَعَنْ مَسْرُوقٍ لَأَنْ أَقْضِيَ يَوْمًا وَاحِدًا بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ سَنَةٍ أَغْزُوهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (وَالْعَزِيمَةُ تَرْكُهُ) فَلَعَلَّهُ يُخْطِئُ ظَنُّهُ فَلَا يُوَافِقُ لَهُ أَوْ لَا يُعِينُ عَلَيْهِ غَيْرَهُ كَذَا نُقِلَ عَنْ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ اثْنَانِ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ رَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ إنَّ مَرْتَبَةَ الْقَضَاءِ شَرِيفَةٌ وَمَنْزِلَتَهُ رَفِيعَةٌ لِمَنْ اتَّبَعَ الْحَقَّ وَحَكَمَ عَلَى عِلْمٍ بِغَيْرِ هَوًى وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَفِيهِ أَيْضًا قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ قَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ وَقَاضٍ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ مُتَعَمِّدًا أَوْ قَضَى مُتَعَمِّدًا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَهُمَا فِي النَّارِ فَعُلِمَ أَنَّ مَنْ اجْتَهَدَ فِي الْحَقِّ عَلَى عِلْمٍ فَأَخْطَأَ فَلَيْسَ فِي النَّارِ بَلْ يُؤْجَرُ كَمَا قَالَ ﵊ «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» وَفِي مُعِينِ الْحُكَّامِ جَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقَضَاءَ مِنْ النِّعَمِ الَّتِي يُبَاحُ الْحَسَدُ عَلَيْهَا فَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَيْنِ رَجُلٌ أَتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيَعْمَلُ بِهَا» وَجَاءَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ وَعَنْ أَبَوَيْهَا هَلْ تَدْرُونَ مَنْ السَّابِقُونَ إلَى ظِلِّ اللَّهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ الَّذِينَ إذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ وَإِذَا سُئِلُوا بَذَلُوهُ وَإِذَا حَكَمُوا لِلْمُسْلِمِينَ حَكَمُوا كَحُكْمِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى يَمِينِ الْعَرْشِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَأَنْ أَقْضِيَ يَوْمًا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ عَامًا وَمُرَادُهُ إذَا قَضَى يَوْمًا بِالْحَقِّ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً فَلِذَلِكَ كَانَ الْعَدْلُ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَأَعْلَى دَرَجَاتِ الْأَجْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] فَأَيُّ شَيْءٍ أَشْرَفُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَمَّ اللَّهُ مَنْ امْتَنَعَ عَنْ الْقَضَاءِ فَقَالَ ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] وَمَا فِيهِ تَخْوِيفٌ وَوَعِيدٌ فَإِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ قُضَاةِ الْجَوْرِ وَالْجُهَّالِ وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ وَلِيَ الْقَضَاء فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» فَقَدْ أَوْرَدَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ فِي مَعْرِضِ التَّحْذِيرِ مِنْ الْقَضَاءِ وَقَالَ بَعْضٌ دَلِيلٌ عَلَى شَرَفِ الْقَضَاءِ وَعِظَمِ مَنْزِلَتِهِ لِأَنَّهُ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ وَهَوَاهُ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَةِ مَنْ قَضَى بِالْحَقِّ إذْ جَعَلَهُ ذَبِيحَ الْحَقِّ امْتِحَانًا لِتَعْظِيمِ الْمَثُوبَةِ امْتِنَانًا فَالْقَاضِي لَمَّا اسْتَسْلَمَ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَصَبَرَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَقَارِبِ وَالْأَبَاعِدِ فِي خُصُومَاتِهِمْ فَلَمْ تَأْخُذْهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ حَتَّى قَادَهُمْ عَلَى أَمْرِ الْحَقِّ وَكَلِمَةِ الْعَدْلِ وَكَفَّهُمْ عَنْ دَوَاعِي الْهَوَى وَالْعِنَادِ جُعِلَ ذَبِيحَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَلَغَ بِهِ حَالَ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ لَهُمْ الْجَنَّةُ وَقَدْ وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيًّا وَمُعَاذًا وَمَعْقِلًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - الْقَضَاءَ فَنِعْمَ الذَّابِحُ وَنِعْمَ الْمَذْبُوحُونَ. وَالْجَوْرُ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ وَأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ أَعْيَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ وَأَبْغَضَ النَّاسِ إلَى اللَّهِ وَأَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ اللَّهِ رَجُلٌ وَلَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَمْرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﵊ شَيْئًا ثُمَّ لَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمْ» وَعَنْ بَعْضٍ: الْقَضَاءُ مِحْنَةٌ وَمَنْ دَخَلَ فِيهِ فَقَدْ اُبْتُلِيَ بِعَظِيمٍ لِأَنَّهُ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ أَوْ التَّخْلِيصِ كَمَا فِي حَدِيثِ «مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرٍ سِكِّينٍ» وَفِي رِوَايَةٍ «فَقَدْ ذُبِحَ بِالسِّكِّينِ» وَعَنْ بَعْضٍ شِعَارُ الْمُتَّقِينَ الْبُعْدُ وَالْهَرَبُ مِنْهُ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي قِلَابَةَ وَغَيْرِهِمَا لِعِلْمِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ الضَّعْفَ وَعَدَمَ الْعِصْمَةِ مِنْ خَطَرِهِ. كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْعَزِيمَةُ أَيْ الْعَمَلُ بِالْأَقْوَى تَرْكُهُ لِأَنَّهُ قَلَّ مَنْ يَنْفَكُّ عَنْ الْمَيْلِ لِلصَّدِيقِ عَنْ الْعَدُوِّ وَالتَّشَوُّقِ إلَى أَغْرَاضِ الِانْتِقَامِ فِي أَدْرَاجِ الْأَحْكَامِ وَالسَّلَامَةُ عَنْهُمَا مُعْتَذِرَةٌ وَقَدْ قِيلَ لَا خَيْرَ فِيمَنْ يَرَى

стр. 899

نَفْسَهُ أَهْلًا لِشَيْءٍ لَا يَرَاهُ النَّاسُ أَهْلًا فَهُرُوبُ مِثْلِهِ وَاجِبٌ وَطَلَبُهُ سَلَامَةَ نَفْسِهِ أَمْرٌ لَازِمٌ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّ التَّقْلِيدَ رُخْصَةٌ وَالتَّرْكَ عَزِيمَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَفِيهِ اسْتَقْضَى ابْنُ وَهْبٍ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ وَتَجَانَنَ وَكَانَ يَخْرِقُ ثِيَابَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ لَوْ قَبِلْت وَعَدَلْت لَكَانَ خَيْرًا فَقَالَ يَا هَذَا أَوَعَقْلُك هَذَا أَوَمَا سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﵊ يَقُولُ «الْقُضَاةُ يُحْشَرُونَ مَعَ السَّلَاطِينِ وَالْعُلَمَاءُ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -» وَلَمَّا خَافَ الْإِمَامُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الضَّرْبِ شَاوَرَ أَصْحَابَهُ فَسَوَّغَهُ الْإِمَامُ الثَّانِي وَقَالَ لَوْ تَقَلَّدْت لَنَفَعْت النَّاسَ فَقَالَ الْإِمَامُ لَوْ أُمِرْت أَنْ أَعْبُرَ الْبَحْرَ سِبَاحَةً لَكُنْت أَقْدَرَ عَلَيْهِ فَكَأَنِّي بِك قَاضِيًا فَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ بَعْدَهُ انْتَهَى. (وَكَذَا الْإِمَارَةُ) أَيْ حُكْمُ الْإِمَارَةِ كَحُكْمِ الْقَضَاءِ وَفِي مُعِينِ الْحُكَّامِ وَرُوِيَ عَنْهُ ﵊ «سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ وَتَكُونُ حَسْرَةً وَنَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (وَوَجْهُهُ) أَيْ وَجْهُ كَوْنِ تَرْكِهِ عَزِيمَةً (أَنَّهُمَا ثَقِيلَانِ جِدًّا قَلَّمَا يَقْدِرُ الْإِنْسَانُ عَلَى رِعَايَةِ حُقُوقِهِمَا) كَمَا عَرَفْت آنِفًا أَقُولُ لَعَلَّ هَذَا إذَا خَلَا عَنْ الْعَوَارِضِ وَالْمَوَانِعِ وَطَبْعُ الْقَضَاءِ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَقَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ وَطَلَبُ الْقَضَاءِ إمَّا وَاجِبٌ إنْ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ وَالْعِلْمِ وَانْحَصَرَ فِيهِ ذَلِكَ وَإِمَّا مُبَاحٌ إنْ فَقِيرًا ذَا عِيَالٍ فَيَجُوزُ لِسَدِّ خَلَّتِهِ وَإِمَّا مُسْتَحَبٌّ إنْ هُنَاكَ عَالِمٌ خَفِيَ عِلْمُهُ عَلَى النَّاسِ فَأَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يُشْهِرَهُ بِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ لِيُعَلِّمَ الْجَاهِلَ وَيُفْتِيَ الْمُسْتَرْشِدَ وَإِمَّا مَكْرُوهٌ إنْ لِلِاسْتِعْلَاءِ عَلَى النَّاسِ وَإِمَّا حَرَامٌ إنْ جَاهِلًا أَوْ مُتَلَبِّسًا بِمَا يُوجِبُ فِسْقَهُ أَوْ مُرِيدَ انْتِقَامٍ أَوْ رِشْوَةٍ. (د ت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ أَوْ جُعِلَ قَاضِيًا بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» أَيْ كَأَلَمِ الذَّبْحِ بِغَيْرِ سِكِّينٍ فِي الشِّدَّةِ وَالِامْتِدَادِ لِمَا فِي الْحُكُومَةِ مِنْ الْخَطَرِ أَوْ ذُبِحَ بِحَيْثُ لَا يَرَى ذَابِحَهُ أَوْ التَّوْلِيَةُ إهْلَاكٌ لَا بِآلَةٍ مَحْسُوسَةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَشَوَّقَ إلَيْهِ أَوْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُمِيتَ جَمِيعَ دَوَاعِيهِ الْخَبِيثَةِ وَشَهَوَاتِهِ الرَّدِيئَةِ فَمَذْبُوحٌ بِغَيْرِ سِكِّينٍ فَمُرَغَّبٌ فِيهِ كَمَا سَبَقَ وَمَا قَبْلَهُ مَحْذُورٌ عَنْهُ. وَقِيلَ إنَّ السِّكِّينَ يُؤَثِّرُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَمَا بِغَيْرِ السِّكِّينِ فِي الْبَاطِنِ فَقَطْ بِإِزْهَاقِ الرُّوحِ وَوَبَالُ الْقَضَاءِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الظَّاهِرِ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ جَاهٌ وَبَاطِنَهُ هَلَاكٌ كَمَا فِي أَخِي جَلْبِي لِصَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَقِيلَ ازْدَرَاهُ بَعْضُ الْقُضَاةِ وَقَالَ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا ثُمَّ دَعَا بِمَجْلِسِهِ مَنْ يُسَوِّي شَعْرَهُ فَجَعَلَ الْحَلَّاقُ يَحْلِقُ بَعْضَ شَعْرِ ذَقَنِهِ فَعَطَسَ فَأَصَابَ حَلْقَهُ وَأَلْقَى رَأْسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا فِي قَضَاءِ الدُّرَرِ عَنْ الْكَافِي (حَدّ حب عَنْ عَائِشَةَ ﵂) وَعَنْ أَبَوَيْهَا (أَنَّهَا قَالَتْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى» مِنْ كَمَالِ الْحِيرَةِ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ وَشِدَّةِ الْهَوْلِ «أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي ثَمَرَةٍ قَطُّ» يَعْنِي وَلَوْ فِي أَقَلَّ قَلِيلٍ عَنْ شَرْحِ الْخَطِيبِ

стр. 900

أَنَّهُ رُئِيَ أَبُو حَنِيفَةَ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي الْمَنَامِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اُكْتُبْ أَسَامِيَ أَصْحَابِك فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَفَرَ لَهُمْ فَكَتَبَ فِي أَوَّلِ الْجَرِيدَةِ اسْمَ دَاوُد الطَّائِيِّ لِزُهْدِهِ وَفِي آخِرِ الْجَرِيدَةِ اسْمَ أَبِي يُوسُفَ مَعَ غَزَارَةِ عِلْمِهِ لِاشْتِغَالِهِ بِالْقَضَاءِ وَفِي قَمْعِ النُّفُوسِ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ كَانَ فِي بَلَدِنَا نَبَّاشٌ وَفِي الْبَلَدِ قَاضٍ صَالِحٌ نَاصِبٌ نَفْسَهُ لِتَنْفِيذِ مَرَاسِمِ النُّبُوَّةِ وَقَمْعِ مَرَاسِمِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ فَلَمَّا قَرُبَتْ وَفَاتُهُ دَعَا النَّبَّاشَ وَقَالَ هَذَا قِيمَةُ كَفَنِي فَخُذْهُ الْآنَ وَلَا تَهْتِكُنِي فِي قَبْرِي فَأَخَذَهُ وَذَهَبَ فَلَمَّا مَاتَ الْقَاضِي أَرَادَ نَبْشَهُ فَمَنَعَتْهُ زَوْجَتُهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهَا فَلَمَّا حَفَرَ الْقَبْرَ وَدَخَلَ دَخَلَ عَلَيْهِ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ فَقَالَ أَحَدُ الْمَلَكَيْنِ لِلْآخَرِ شُمَّ رِجْلَيْهِ فَشَمَّهُمَا فَقَالَ لَيْسَ فِيهِمَا شَيْءٌ إنَّهُ لَمْ يَسْعَ فِي مَعْصِيَةٍ قَطُّ فَقَالَ لَهُ شُمَّ يَدَيْهِ فَقَالَ فِيهِمَا خَيْرٌ ثُمَّ قَالَ شُمَّ عَيْنَيْهِ فَقَالَ إنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ إلَى مُحَرَّمٍ قَطُّ فَقَالَ شُمَّ سَمْعَهُ فَشَمَّ أَحَدَ سَمْعَيْهِ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا ثُمَّ شَمَّ السَّمْعَ الْآخَرَ فَوَقَفَ فَقَالَ مَا وَجَدْت قَالَ بَعْضَ نَتْنٍ فَقَالَ مِمَّ؟ قَالَ إنَّهُ أَصْغَى بِأَحَدِ سَمْعَيْهِ إلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ قَالَ فَانْفُخْ فِيهِ فَنَفَخَ نَفْخَةً فَامْتَلَأَ الْقَبْرُ نَارًا فَلَحِقَ بَصَرَ النَّبَّاشِ فَعَمِيَ فَإِذَا كَانَ حَالُ مِثْلِ هَذَا الْقَاضِي هَكَذَا فَكَيْفَ حَالُ مَنْ شَأْنُهُ إبْطَالُ الْحُقُوقِ وَأَخْذُ الرِّشَا وَعَدَمُ إحْقَاقِ الْحُقُوقِ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ الْقُدْرَةِ. وَفِي حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ «أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَشَفَعَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ بِالْتِمَاسِهِمْ مِنْهُ لِكَوْنِهِ حِبَّهُ ﵊ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ فَقَالَ إنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَأَيْمُ اللَّهِ تَعَالَى لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» . (طك عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ إنْ شِئْتُمْ أَنْبَأْتُكُمْ عَنْ الْإِمَارَةِ وَمَا هِيَ» قَالَ عَوْفٌ «فَنَادَيْت بِأَعْلَى صَوْتِي» بِأَنْ أَقُولَ «وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ أَوَّلُهَا مَلَامَةٌ» بَاعِثَةٌ عَلَى لَوْمِ النَّاسِ وَتَعْيِيرِهِمْ «وَثَانِيهَا نَدَامَةٌ» لَعَلَّهُ فِي الدُّنْيَا أَيْضًا «وَثَالِثُهَا عَذَابٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا مَنْ عَدَلَ» . قَالَ الْمُنَاوِيُّ لِأَنَّهَا تُحَرِّكُ الصِّفَاتِ الْبَاطِنَةَ وَتَغْلِبُ عَلَى النَّفْسِ حُبَّ الْجَاهِ وَلَذَّةَ الِاسْتِيلَاءِ وَنَفَاذَ الْأَمْرِ وَهُوَ أَعْظَمُ مَلَاذِّ الدُّنْيَا فَإِذَا كَانَتْ مَحْبُوبَةً كَانَ الْوَالِي سَاعِيًا فِي حَظِّ نَفْسِهِ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ وَيَقْدُمُ عَلَى مَا يُرِيدُ وَإِنْ بَاطِلًا وَعِنْدَ ذَلِكَ يَهْلِكُ وَفِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ تَعَالَى رَعِيَّتَهُ يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» وَفِي رِوَايَةٍ «فَلَمْ يَحْفَظْهَا بِنَصِيحَةٍ لَمْ يُرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» . وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ «مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَا يَجْتَهِدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ لَهُمْ إلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ الْجَنَّةَ» (وَكَيْفَ يَعْدِلُ مَعَ أَقْرَبِيهِ) كَالْأَوْلَادِ وَفِي قَمْعِ النُّفُوسِ وَعَظَ بَعْضٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ فِي كَلَامِ اللَّهِ مَوْعِظَةً مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إنَّهُ قَالَ لِنَبِيِّهِ دَاوُد ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] (خ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنِعْمَتْ الْمُرْضِعَةُ» وَفِي نُسْخَةِ الْجَامِعِ بِلَا تَاءٍ «وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَةُ» عِنْدَ انْفِصَالِهِ عَنْهَا بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهَا تَقْطَعُ عَنْهُ تِلْكَ اللَّذَائِذَ وَالْمَنَافِعَ وَتُبْقِي عَلَيْهِ الْحَسْرَةَ وَالتَّبِعَةَ فَالْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ وَالذَّمِّ مَحْذُوفٌ وَهُوَ الْإِمَارَةُ

стр. 901

ضَرَبَ الْمُرْضِعَةَ مَثَلًا لِلْإِمَارَةِ الْمُوصِلَةِ صَاحِبَهَا إلَى الْمَنَافِعِ الْعَاجِلَةِ وَالْفَاطِمَةَ وَهِيَ الَّتِي انْقَطَعَ لَبَنُهَا مَثَلًا لِمُفَارَقَتِهِ عَنْهَا بِانْعِزَالٍ أَوْ مَوْتٍ وَالْقَصْدُ ذَمُّ الْحِرْصِ عَلَيْهَا وَكَرَاهَةُ طَلَبِهَا شَبَّهَ الْإِمَارَةَ بِالْمُرْضِعَةِ وَانْقِطَاعَهَا بِالْمَوْتِ أَوْ الْعَزْلِ بِالْفَاطِمَةِ فَإِنَّهَا فِي الدُّنْيَا مَا دَامَتْ بَاقِيَةً فِي الْيَدِ تَدِرُّ عَلَيْهِ الْمَنَافِعَ الْعَاجِلَةَ فَإِذَا مَاتَ أَوْ فَاتَتْ حَصَلَ لِصَاحِبِهَا حَسْرَةٌ وَتَبِعَةٌ كَمَا لِلصَّبِيِّ حِينَ الْفَطْمِ فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَقْصِدَ لِلَذَّةٍ تَتْبَعُهَا حَسَرَاتٌ. وَعَنْ الطِّيبِيِّ نِعْمَ فِعْلٌ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ وَإِذَا كَانَ فَاعِلُهُ مُؤَنَّثًا جَازَ إلْحَاقُ تَاءِ التَّأْنِيثِ بِهِ وَتَرْكُهَا قَالَ فِي الْمُنَاوِيِّ فَإِنْ قُلْت هَلْ مِنْ لَطِيفَةٍ فِي تَرْكِ التَّاءِ مَعَ فِعْلِ الْمَدْحِ وَإِثْبَاتِهَا مَعَ الذَّمِّ أُجِيبَ بِأَنَّ إرْضَاعَهَا أَحَبُّ حَالَتَيْهَا لِلنَّفْسِ وَفِطَامَهَا أَشَقُّهُمَا وَالتَّأْنِيثُ أَخْفَضُ حَالَتَيْ الْفِعْلِ فَاسْتَعْمَلَ حَالَةَ التَّذْكِيرِ مَعَ الْحَالَةِ الْمَحْبُوبَةِ الَّتِي هِيَ أَشْرَفُ حَالَتَيْ الْوِلَايَةِ وَاسْتَعْمَلَ حَالَةَ التَّأْنِيثِ مَعَ الْحَالَةِ الشَّاقَّةِ عَلَى النَّفْسِ وَهِيَ حَالَةُ الْفِطَامِ عِنْدَ الْوِلَايَةِ لِمَكَانِ الْمُنَاسَبَةِ فِي الْمَحَلَّيْنِ انْتَهَى. وَفِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ إنَّمَا لَمْ يُلْحِقْ التَّاءَ بِنِعْمَ لِأَنَّ الْمُرْضِعَةَ مُسْتَعَارَةٌ لِلْإِمَارَةِ وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤَنَّثَةً لَكِنْ تَأْنِيثُهَا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وَأَلْحَقَهَا بِبِئْسَ نَظَرًا إلَى كَوْنِ الْإِمَارَةِ ذَاهِبَةً وَفِيهِ أَنَّ مَا يَنَالُهُ الْأَمِيرُ مِنْ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ أَشَدُّ مِمَّا يَنَالُهُ مِنْ النَّعْمَاءِ فَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يُلِمَّ بِلَذَّةٍ تَتْبَعُهَا حَسَرَاتٌ قَالَ فِي الْمَطَامِحِ وَكَذَا سَائِرُ الْوِلَايَاتِ وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي حُكْمِ الطَّلَبِ مُبَيَّنٌ فِي الْفُرُوعِ. (حَدّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَا مِنْ أَمِيرِ عَشَرَةٍ» مِنْ الرِّجَالِ فَمَا فَوْقَهَا «إلَّا يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ» لِلْحِسَابِ «وَيَدُهُ مَغْلُولَةٌ» وَالْحَالُ أَنَّ يَدَهُ مَشْدُودَةٌ وَفِي رِوَايَةٍ مَغْلُولًا يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ «لَا يَفُكُّهُ إلَّا الْعَدْلُ» يَعْنِي كُلَّ أَمِيرٍ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَشْدُودًا يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ إلَّا الْعَادِلَ وَآخِرُ الْحَدِيثِ أَوْ يُوبِقُهُ الْجِوَارُ يَعْنِي يُؤْتَى بِالْأَمِيرِ بِكُلِّ حَالٍ أَسِيرًا مُتَحَيِّرًا فِي أَمْرِهِ حَتَّى يُحَاسَبَ فَإِنْ كَانَ قَدْ عَدَلَ فِي الْحُكْمِ خَلَّصَهُ الْعَدْلُ وَإِنْ ظَلَمَ أَدْخُلهُ النَّارَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ عَلَى وُلَاةِ الْجَوْرِ فَمَنْ ضَيَّعَ مَنْ اسْتَرْعَاهُ أَوْ خَانَهُ ظَلَمَهُ فَقَدْ تَوَجَّهَ إلَيْهِ الطَّلَبُ بِمَظَالِمِ الْعِبَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَكَيْفَ يَقْدِرُ عَلَى التَّحْلِيلِ مِنْ ظُلْمِ أُمَّةٍ عَظِيمَةٍ. وَعَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّهُ خَطَبَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ أَيُّهَا النَّاسُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ لَيْسَ مِنْ وَالٍ وَلَا قَاضٍ إلَّا يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُوقَفَ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الصِّرَاطِ ثُمَّ تَنْشُرُ الْمَلَائِكَةُ صَحِيفَةَ عَمَلِهِ مَعَ رَعِيَّتِهِ وَمَعَ مَنْ تَحْتَ يَدِهِ أَعَدَلَ أَمْ جَارَ فَيَقْرَؤُهَا عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ فَإِنْ كَانَ عَدْلًا نَجَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِعَدْلِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ انْتَقَضَ بِهِ الصِّرَاطُ انْتِقَاضَةً صَارَ بَيْنَ كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ مَسِيرَةُ مِائَةِ سَنَةٍ» وَعَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ أَيْضًا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ وَقَالَ اللَّهُمَّ إنَّك تَعْلَمُ أَنِّي مُنْذُ اُبْتُلِيتُ بِالْقَضَاءِ مَا رُفِعَتْ إلَيَّ خُصُومَةٌ إلَّا قَدَّمْت فِي ذَلِكَ كِتَابَك فَإِنْ لَمْ أَجِدْ فَسُنَّةَ رَسُولِك فَإِنْ لَمْ أَجِدْ فَسُنَّةَ أَصْحَابِ رَسُولِك فَإِنْ لَمْ أَجِدْ جَعَلْت أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ مَنْظَرَةً بَيْنِي وَبَيْنِك اللَّهُمَّ إنَّك كُنْت تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَمِلْ إلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ حَتَّى الْقَلْبَ إلَّا فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ قِيلَ لَهُ وَمَا تِلْكَ الْحَادِثَةُ قَالَ ادَّعَى نَصْرَانِيٌّ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ دَعْوَى فَلَمْ يُمْكِنِّي أَنْ آمُرَ الْخَلِيفَةَ بِالْقِيَامِ عَنْ مَجْلِسِهِ وَالْمُسَاوَاةِ مَعَ خَصْمِهِ لَكِنْ دَفَعْت النَّصْرَانِيَّ إلَى جَانِبِ الْبِسَاطِ بِقَدْرِ مَا أَمْكَنَنِي ثُمَّ سَمِعْت الْخُصُومَ قَبْلَ أَنْ يُسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْمَجْلِسِ انْتَهَى. وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ ﵊ «قَالَ كَيْفَ أَنْتُمْ إذَا كَانَ زَمَانٌ يَكُونُ الْأَمِيرُ فِيهِ كَالْأَسَدِ وَالْحَاكِمُ فِيهِ كَالذِّئْبِ الْأَعَطِّ وَالتَّاجِرُ فِيهِ كَالْكَلْبِ الْهَرَّارِ وَالْمُؤْمِنُ بَيْنَهُمْ كَالشَّاةِ الْوَلْهَى بَيْنَ الْقَلْسَيْنِ لَيْسَ لَهَا مَأْوَى فَكَيْفَ حَالُ شَاةٍ بَيْنَ أَسَدٍ وَذِئْبٍ وَكَلْبٍ»

стр. 902

(طكط عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يَرْفَعُهُ «مَا مِنْ رَجُلٍ وَلِيَ عَشَرَةً إلَّا أُتِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولَةً يَدُهُ إلَى عُنُقِهِ حَتَّى يَقْضِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ» أَيْ بَيْنَ مَنْ ظَلَمَهُمْ مِنْ الْعِبَادِ وَعَنْ التِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُد أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَفِي قَمْعِ النُّفُوسِ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِأَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ سَمِعْته يَقُولُ «يُجَاءُ بِالْوَالِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُنْبَذُ بِهِ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ فَيَرْتَجُّ بِهِ الْجِسْرُ ارْتِجَاجَةً لَا يَبْقَى مِنْهُ مِفْصَلٌ إلَّا زَالَ عَنْ مَكَانِهِ فَإِنْ كَانَ مُطِيعًا فِي عِلْمِهِ مَضَى وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا انْحَرَفَ بِهِ الْجِسْرُ فَهَوَى بِهِ إلَى نَارِ جَهَنَّمَ مِقْدَارَ خَمْسِينَ عَامًا» فَقَالَ عُمَرُ مَنْ يَطْلُبُ الْعَمَلَ بَعْدَ هَذَا يَا أَبَا ذَرٍّ فَقَالَ مَنْ سَلَتْ نَفْسَهُ وَأَلْصَقَ خَدَّهُ بِالتُّرَابِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ انْتَهَى. وَفِي قَمْعِ النُّفُوسِ أَيْضًا قَالَ الْمَنْصُورُ لِشُعَيْبٍ عِظْنِي فَقَرَأَ عَلَيْهِ ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] فَاتَّقِ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ لَا يُعْمَلُ فِي بَابِكَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَأَنْتَ مَسْئُولٌ عَمَّا اجْتَرَحُوا فَلَا تُصْلِحْ دُنْيَاك بِفَسَادِ آخِرَتِك فَبَكَى فَقَالَ لَهُ عَالِمٌ أَعْمَيْت الْأَمِيرَ فَقَالَ وَيْلُك مَا كَفَاك أَنْ كَتَمْت عَنْهُ النَّصِيحَةَ حَتَّى أَرَدْت أَنْ تَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يَنْصَحُهُ اتَّقِ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ هَؤُلَاءِ اتَّخَذُوك سُلَّمًا إلَى شَهَوَاتِهِمْ وَلَنْ يُغْنُوا عَنْك مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ عَجَّ حَجَرٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَيْ رَفَعَ صَوْتَهُ مُتَضَرِّعًا فَقَالَ إلَهِي وَسَيِّدِي عَبَّدْتُك كَذَا وَكَذَا سَنَةً ثُمَّ جَعَلَتْنِي فِي أُسِّ كَنِيفٍ فَقَالَ أَوْ مَا تَرْضَى أَنْ عَدَلْت بِك عَنْ مَجَالِسِ الْقُضَاةِ أَيْ الْقُضَاةِ السُّوءِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ حَقِيقِيٌّ لِقُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَالنُّصُوصُ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَقِيلَ مَجَازٌ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ وَضَرْبِ الْأَمْثَالِ وَمَثَلُ الْعَالِمِ مَثَلُ الْقَاضِي بَلْ أَشَدُّ وَفِي خَبَرِ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «اشْتَكَتْ النَّوَاوِيسُ إلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ إنَّهُ لَا يَلْقَى فِينَا إلَّا مُشْرِكٌ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهَا أَنْ اصْبِرِي كَمَا صَبَرَتْ دَكَاكِينُ الْقُضَاةِ عَلَى الزُّورِ» . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ شَكَتْ النَّوَاوِيسُ نَتْنَ مَا تَجِدُ مِنْ رِيحِ الْكُفَّارِ فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهَا: بُطُونُ عُلَمَاءِ السُّوءِ أَنْتَنُ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ كَذَا فِي الْفَيْضِ ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَكَوْنُ تَرْكِهِمَا) أَيْ الْإِمَارَةِ وَالْقَضَاءِ (عَزِيمَةٌ إذَا وَجَدَ مَنْ يَصْلُحُ لَهُمَا غَيْرُهُ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِلَا حَاجَةٍ إلَيْهِ (وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الْقَبُولُ) حَتْمًا (لِأَنَّهُمَا فَرْضَا كِفَايَةٍ) تَعَيَّنَ هُوَ لَهُمَا قِيلَ فِي الْبَحْرِ إنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ إنْ تَعَيَّنَ وَفَرْضُ كِفَايَةٍ لِلْمُتَأَهِّلِ عِنْدَ وُجُودِ غَيْرِهِ لَكِنَّهُ رُخْصَةٌ وَمَكْرُوهٌ عِنْدَ خَوْفِ الْعَجْزِ وَالْجَوْرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَرَامًا عِنْدَ غَلَبَةِ ظَنِّهِ أَنَّهُ يَجُورُ وَمُبَاحٌ كَمَا قَدَّمْنَا فَفِيهِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ انْتَهَى قِيلَ أَقُولُ فِي كَوْنِهِ فَرْضَ عَيْنٍ نَظَرٌ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْتَرِطُوا الْعِلْمَ فِي الْقَاضِي فَضْلًا عَنْ الِاجْتِهَادِ وَقَالُوا لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقَضَاءِ بِفَتْوَى غَيْرِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ يَكُونُ مُتَعَيِّنًا فَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ أَنَّ الْعَالِيَ الْمَحْضَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْقَضَاءِ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّأَهُّلِ بِالْعِلْمِ وَالْفَهْمِ وَأَقَلُّهُ أَنْ يُحْسِنَ الْحَوَادِثَ وَالْمَسَائِلَ الدَّقِيقَةَ وَأَنْ يَعْرِفَ طُرُقَ تَحْصِيلِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ وَصُدُورِ الْمَشَايِخِ وَكَيْفِيَّةَ الْإِيرَادِ وَالْإِصْدَارِ فِي الْوَقَائِعِ وَالدَّعَاوَى وَالْحُجَجِ وَتَوَابِعِ ذَلِكَ وَلَوَازِمِهِ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ فِي نَفْسِهِ تَحْشِيمٌ وَمَوْقِعٌ مَا فِي النُّفُوسِ وَإِلَّا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْسَبَ إلَى مُجْتَهِدٍ فَضْلًا عَنْ إمَامِ الْأَئِمَّةِ وَتَجْوِيزُ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ الَّتِي هِيَ أَشْرَفُ مَنَاصِبِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ مَنْصِبِ الْإِمَامَةِ إلَى بَعْضِ السُّوقَةِ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ صِغَارَ الْأُمُورِ الْمَعَاشِيَّةِ فَضْلًا عَنْ كِبَارِهَا قَالَ فِي الْمُخْتَارِ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَيَجِبْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ مَوْثُوقًا بِهِ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ وَعَقْلِهِ وَفَهْمِهِ عَالِمًا بِالْفِقْهِ وَالسُّنَّةِ وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي فَجَزَى اللَّهُ تَعَالَى عَنَّا أَئِمَّتَنَا خَيْرًا انْتَهَى. [السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ سُؤَالُ تَوْلِيَةِ الْأَوْقَافِ] (السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ سُؤَالُ تَوْلِيَةِ الْأَوْقَافِ) وَكَذَا الشَّفَاعَةُ الِاسْتِشْفَاعُ لَهَا فَإِنَّ لِلْوَسَائِلِ أَحْكَامَ الْمَقَاصِدِ (فَهُوَ كَسُؤَالِ الْقَضَاءِ) فِي الرُّخْصَةِ وَالْعَزِيمَةِ وَالْحُرْمَةِ (قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ) صَاحِبُ فَتْحِ الْقَدِيرِ

стр. 903

(قَالُوا لَا يُوَلَّى مَنْ طَلَبَ الْوِلَايَةَ عَلَى الْأَوْقَافِ) عَنْ الْمَصَابِيحِ «عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ دَخَلْت عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي فَقَالَا أَمِّرْنَا بَعْضَ مَا وَلَّاك اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ إنَّا وَاَللَّهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَ وَلَا أَحَدًا حَرَصَ» لَعَلَّ هَذَا عِنْدَ عَدَمِ الْمَشْرُوعِيَّةِ لَهُ وَإِلَّا فَيَتَعَيَّنُ فَيَكُونُ لَهُ حَقُّ الطَّلَبِ (كَمَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ لَا يُقَلَّدُ) لِأَنَّ طَلَبَهُ لَهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْمِحَنِ وَالْمَشَاقِّ آيَةُ خِيَانَةٍ إذْ شَأْنُ الْأَمِينِ هُوَ الْبُعْدُ عَنْ مِثْلِهِ وَقَدْ تَحَرَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ عَنْ تَقَلُّدِهِ إلَى أَنْ ضُرِبَ مِرَارًا بَلْ حُبِسَ إلَى أَنْ مَاتَ كَمَا مَرَّ وَقَالَ الْبَحْرُ عَمِيقٌ فَكَيْفَ أَعْبُرُ بِالسِّبَاحَةِ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ الْبَحْرُ عَمِيقٌ وَالسَّفِينَةُ وَثِيقٌ وَالْمَلَّاحُ حَاذِقٌ كَمَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ لِابْنِ الْمَلِكِ. [السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ طَلَبُ الْوِصَايَةِ] (السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ طَلَبُ الْوِصَايَةِ) وَمِثْلُهُ طَلَبُ النِّظَارَةِ (م د حك عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَهُ يَا أَبَا ذَرٍّ إنِّي أَرَاك ضَعِيفًا» فِي تَنْفِيذِ الْأُمُورِ وَرِعَايَةِ الْحُقُوقِ «وَإِنِّي أُحِبُّ لَك مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي» هَذَا تَلَطُّفٌ مِنْ النَّبِيِّ ﵊ وَتَحْرِيضٌ عَلَى قَبُولِ قَوْلِهِ وَشَأْنُ كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَأْتَمِرَنَّ» لَا تَكُنْ أَمِيرًا «عَلَى اثْنَيْنِ» فَضْلًا عَمَّا فَوْقَهُمَا «وَلَا تَلِيَنَّ» لَا تَكُنْ وَالِيًا «مَالَ يَتِيمٍ» لَعَلَّ الْمُرَادَ هُوَ الْوِصَايَةُ وَإِلَّا فَالْحَقِيقَةُ ضَرُورِيَّةٌ لَا اخْتِيَارِيَّةٌ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَيُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ وِصَايَةِ أَقْرَبِ الْأَقْرِبَاءِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ عَدَمُ طَلَبِ الْوِصَايَةِ وَاللَّازِمَ عَدَمُ الْوَصِيَّةِ مُطْلَقًا وَالْقَوْلُ أَنَّ ذَلِكَ مَدْلُولٌ بِطَرِيقِ دَلَالَةِ النَّصِّ بَعِيدٌ وَأَنَّ اللَّازِمَ أَيْضًا عَدَمُ قَبُولِ الْوِصَايَةِ وَالْإِمَارَةِ مُطْلَقًا وَالظَّاهِرُ قَبُولُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ طَلَبٌ فَافْهَمْ. (وَقَالَ قَاضِي خَانْ لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَقْبَلَ الْوَصِيَّةَ) فَضْلًا عَنْ الْمَطْلَبِ (لِأَنَّهَا أَمْرٌ عَلَى خَطَرٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْإِشْرَافُ عَلَى الْهَلَاكِ (لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ قَالَ الدُّخُولُ فِي الْوَصِيَّةِ أَوَّلَ مَرَّةٍ غَلَطٌ) فَمَنْ لَا يَدْخُلُ لَيْسَ لَهُ غَلَطٌ فَمَا يَكُونُ غَلَطٌ لَا يَلِيقُ لِلْعَاقِلِ أَنْ يُوقِعَ نَفْسَهُ فِيهِ فَضْلًا عَنْ الطَّلَبِ فَدَلَّ عَلَى الْمَطْلُوبِ الْتِزَامًا (وَ) فِي الْمَرَّةِ (الثَّانِيَةِ خِيَانَةٌ) لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَخْلُو عَنْ الصِّيَانَةِ وَالْمُحَافَظَةِ فَالْقَضِيَّةُ أَكْثَرِيَّةٌ أَوْ الْقَضِيَّةُ مُهْمَلَةٌ فِي قُوَّةِ الْجُزْئِيَّةِ أَوْ مِنْ شَأْنِهِ الْخِيَانَةُ وَقِيلَ عَلَامَةُ الْخِيَانَةِ وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّ الْكُلِّيَّةَ بِظَاهِرِهَا لَيْسَتْ بِمُطَّرِدَةٍ فَمَنْ لَا يَسْلَمُ مِنْ الْخِيَانَةِ لَا يَلِيقُ لَهُ الطَّلَبُ فَافْهَمْ. (وَعَنْ غَيْرِهِ وَالثَّالِثَةُ سَرِقَةٌ) لَعَلَّ الْخِيَانَةَ فِي عَدَمِ الصِّيَانَةِ وَعَدَمِ الْمُحَافَظَةِ وَالسَّرِقَةِ فِي الْأَكْلِ وَالسَّرَفِ فِي أُمُورِ نَفْسِهِ فَمَا يَكُونُ مَوْقِعَ سَرِقَةٍ لَا يَلِيقُ طَلَبُهُ أَيْضًا (وَعَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ لَوْ كَانَ الْوَصِيُّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) مَعَ كَمَالِهِ فِي الْعَدَالَةِ (لَا يَنْجُو مِنْ الضَّمَانِ)

стр. 904

لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ قِيلَ وَمَا ذَكَرَ فِي آخِرِ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ مَا يَذْكُرُ النَّاسُ مِنْ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ضَرَبَ ابْنَهُ أَبَا شَحْمَةَ حَتَّى مَاتَ ثُمَّ ضَرَبَهُ بَاقِيَ الْحَدِّ مَيِّتًا فَهُوَ كَذِبٌ مِنْ أَكَاذِيبِ مُحَمَّدِ بْنِ تَمِيمٍ الرَّازِيّ وَكَانَ كَثِيرَ الْأَكَاذِيبِ وَضَّاعَ الْحَدِيثِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ انْدَمَلَتْ جِرَاحَاتُهُ وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ فَلَا يَنْتَقِضُ بِهِ عَلَى عَدْلِ عُمَرَ كَمَا فِي نِصَابِ الِاحْتِسَابِ لَكِنْ يَشْكُلُ بِمَا فِي كِتَابِ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ مِنْ حَدِّهِ ابْنَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ مَعَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ وَمَرِيضٌ بِمُجَرَّدِ السَّمْعِ بِلَا ثُبُوتٍ شَرْعِيٍّ إلَى أَنْ مَاتَ وَالْحَمْلُ عَلَى اجْتِهَادِهِ بَعِيدٌ نَعَمْ يُمْكِنُ أَنَّ الْآحَادَ الَّتِي تُخَالِفُ الشَّرْعَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْعَدْلَةِ الْكِرَامِ مَرْدُودٌ لِأَنَّ إنْكَارَ مِثْلِهِ أَسْلَمُ مِنْ حَمْلٍ عَلَى ارْتِكَابِ خِلَافِ الشَّرْعِ. (وَعَنْ الشَّافِعِيِّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (لَا يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ) التَّمَسُّكُ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ لِلتَّمَسُّكِ ابْتِدَاءً بَلْ لِلتَّأْيِيدِ وَكُلَّمَا كَثُرَ الْقَائِلُ قَوِيَ الْقَوْلُ وَأَنَّ الْحُكْمَ بِتَخْطِئَةِ مَذْهَبٍ مُخَالِفٍ مَذْهَبَ أَئِمَّتِنَا إنَّمَا هُوَ عِنْدَ خِلَافِهِمْ لِأَئِمَّتِنَا (إلَّا أَحْمَقُ) فَإِنَّ الْعَاقِلَ لَا يُوقِعُ نَفْسَهُ فِيمَا يَكُونُ غَلَطًا وَمُؤَدِّيًا إلَى الْخِيَانَةِ وَالسَّرِقَةِ كَمَا عَرَفْت (أَوْ) عَاقِلٌ لَكِنَّهُ (لِصٌّ انْتَهَى فَلِذَا) لِقُبْحِ الْوِصَايَةِ وَالْوِلَايَةِ (قِيلَ اتَّقُوا الْوَاوَاتِ) الْوِصَايَةَ وَالْوِلَايَةَ وَالْوَزَارَةَ وَالْوَكَالَةَ وَالْوَدِيعَةَ وَالْوَقْفَ وَعَنْ الْخُلَاصَةِ عَنْ أَبِي مُطِيعٍ الْبَلْخِيّ أَنَّهُ قَالَ أَفْتَيْت مُنْذُ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً فَمَا رَأَيْت قَيِّمًا عَدَلَ فِي مَالِ ابْنِ أَخِيهِ. [الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ دُعَاءُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ] (الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ دُعَاءُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ) بِالشَّرِّ لِأَجْلِ نُزُولِ ضَرَرٍ دُنْيَوِيٍّ مِنْ الْفَقْرِ وَالْمَرَضِ وَالْمُصِيبَةِ فِي الْمَالِ وَالْأَوْلَادِ وَالنَّفْسِ (وَتَمَنِّي الْمَوْتِ) وَإِنْ كَانَ التَّمَنِّي مُغَايِرًا لِلدُّعَاءِ مَفْهُومًا لَكِنْ لِتَقَارُبِهِمَا مَفْهُومًا وَوُجُودًا عَدَّهُمَا آفَةً وَاحِدَةً (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَدْعُ﴾ [الإسراء: ١١] بِحَذْفِ الْوَاوِ خَطًّا مِنْ الرَّسْمِ الْعُثْمَانِيِّ تَبَعًا لِحَذْفِهَا لَفْظًا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ ﴿الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١] مِثْلَ دُعَائِهِ بِالْخَيْرِ لِعَدَمِ تَحَمُّلِهِ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ مِنْ ضَرَرٍ دُنْيَوِيٍّ ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولا﴾ [الإسراء: ١١] مُبَالِغًا فِي الْعَجَلَةِ بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِ غَيْرَ صَابِرٍ عَلَى مَا نَزَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالصَّبْرِ وَمَوْعُودٌ بِكَثِيرٍ مِنْ الْأَجْرِ لَا يَخْفَى أَنَّ دَلَالَتَهَا إنَّمَا هِيَ عَلَى الدُّعَاءِ لَا التَّمَنِّي نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْأَوَّلَ يَدُلُّ عَلَى الثَّانِي بِطَرِيقِ دَلَالَةِ النَّصِّ فَلَعَلَّ ثُبُوتَ الثَّانِي بِالْأَحَادِيثِ كَالْأَوَّلِ بِالْآيَةِ. (خَرَّجَ السِّتَّةُ) الصَّحِيحَانِ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَمَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ (إلَّا ط) وَعِنْدَ بَعْضٍ سُنَنُ ابْنِ مَاجَهْ بَدَلَ الْمُوَطَّأِ (عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَتَمَنَّى» نَفْيٌ فِي مَعْنَى النَّهْيِ تَأْكِيدًا وَقِيلَ نَهْيٌ لِأَنَّ الْأَلِفَ مَعَ الْجَازِمِ لُغَةٌ اسْتَحْسَنَهَا الْأُدَبَاءُ «أَحَدُكُمْ» قِيلَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَعَامٌّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ غَلَطٌ ظَاهِرٌ «الْمَوْتَ» لِدَلَالَتِهِ عَلَى عَدَمِ الرِّضَا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْمَشَاقِّ وَلِأَنَّ ضَرَرَ الْمَرَضِ مُطَهِّرٌ لِلْإِنْسَانِ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْمَوْتُ قَاطِعٌ لَهُ وَلِأَنَّ الْحَيَاةَ نِعْمَةٌ وَطَلَبُ إزَالَةِ النِّعْمَةِ قَبِيحٌ كَذَا فِي الْفَيْضِ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ الْحَيَاةَ سَبَبٌ لِلطَّاعَاتِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى الْمَقَامَاتِ

стр. 905

«لِضُرٍّ» الظَّاهِرُ أَيْ دُنْيَوِيٍّ كَالْفَقْرِ وَالْمَرَضِ وَالْمُصِيبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَإِلَّا فَيَجُوزُ تَمَنِّيهِ لِلْفِتْنَةِ الدِّينِيَّةِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ الدُّعَاءُ فِي الْحَدِيثِ وَإِذَا أَرَدْت بِقَوْمٍ فِتْنَةً فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ «نَزَلَ بِهِ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ» مَنْ نَزَلَ بِهِ ذَلِكَ «فَاعِلًا» لِلدُّعَاءِ بِالْمَوْتِ «فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا» مَصْدَرِيَّةٌ بِمَعْنَى الْمُدَّةِ «كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي» بِاكْتِسَابِ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ «وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» فَإِذَا لَمْ يُتَوَفَّ يَكْتَسِبْ الشُّرُورَ وَالسَّيِّئَاتِ يَشْكُلُ مِثْلُهُ بِأَنَّ الْأَجَلَ فِي عِلْمِ اللَّهِ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ فَطَلَبُ تَقَدُّمِهِ أَوْ تَأَخُّرِهِ مُحَالٌ وَمِثْلُهُ خَيْرِيَّةُ الْحَيَاةِ أَوْ التَّوَفِّي بِالنِّسْبَةِ إلَى عِلْمِهِ تَعَالَى فَلَا يَجْرِي التَّأْوِيلُ الْمَشْهُورُ بِالْمُعَلَّقِ وَبِمَا فِي عِلْمِ الْمَلِكِ أَوْ اللَّوْحِ لِأَنَّ مُقْتَضَى السُّوقِ إنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إلَى عِلْمِهِ تَعَالَى وَلَا يَقُلْ اللَّهُمَّ تَوَفَّنِي بِطَرِيقِ الْجَزْمِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْخَيْرُ فِي الْحَيَاةِ وَلِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ رِضَاهُ بِمَا نَزَلَ عَلَيْهِ مِنْ مَرَضٍ. وَأَمَّا إذَا تَمَنَّى الْمَوْتَ لِأَجْلِ الْخَوْفِ عَلَى دِينِهِ لِفَسَادِ الزَّمَانِ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ (خ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ» لِأَنَّ شَأْنَ الْمُؤْمِنِ التَّزَوُّدُ لِلْآخِرَةِ وَالسَّعْيُ فِيمَا يَزِيدُ ثَوَابَهَا مِنْ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ حَدِيثُ «طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» وَحَدِيثُ «خِيَارُكُمْ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» فَمِنْ شَأْنِ الِازْدِيَادِ وَالتَّرَقِّي مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ وَمِنْ مَقَامٍ إلَى مَقَامِ الْقُرْبِ الْإِلَهِيِّ كَيْفَ يَطْلُبُ الْقَطْعَ عَنْ مَطْلُوبِهِ إذْ الْمَوْتُ قَاطِعٌ لِذَلِكَ «إمَّا مُحْسِنًا» أَيْ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَحَذَفَ الْفِعْلَ بِمَا اسْتَكَنَ فِيهِ مِنْ الضَّمِيرِ ثُمَّ عَوَّضَ عَنْهُ مَا وَأَدْغَمَ فِي مِيمِهَا النُّونَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَرْفًا قَاسِمًا وَمُحْسِنًا خَبَرُ كَانَ بِمَعْنَى إمَّا أَنْ يَكُونَ مُحْسِنًا أَوْ حَالٌ وَالْعَامِلُ فِيهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ السَّابِقُ أَيْ: إمَّا أَنْ لَا يَتَمَنَّاهُ مُحْسِنًا «فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ» فِي حَسَنَاتِهِ «أَوْ مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ» أَيْ يَطْلُبُ الْعُتْبَى وَهُوَ الْإِرْضَاءُ وَالْمُرَادُ طَلَبُ رِضَاهُ تَعَالَى بِالتَّوْبَةِ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ وَتَدَارُكِ الْفَائِتِ وَإِصْلَاحِ الْعَمَلِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي. قَالَ التوربشتي: وَالنَّهْيُ وَإِنْ أُطْلِقَ لَكِنْ الْمُرَادُ التَّقْيِيدُ بِمَا وَجَدَ بِهِ مِنْ تِلْكَ الدَّلَالَةِ وَقَدْ تَمَنَّاهُ كَثِيرٌ مِنْ الصِّدِّيقِينَ شَوْقًا إلَى لِقَائِهِ تَعَالَى وَتَنَعُّمًا بِالْوُصُولِ إلَى حَضْرَتِهِ وَذَلِكَ غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ نَهْيِ التَّقْيِيدِ وَالْمُطْلَقُ رَاجِعٌ إلَى الْمُقَيَّدِ اهـ هَذَا وَلَيْسَ لَك أَنْ تَقُولَ لَمْ تَنْحَصِرْ الْقِسْمَةُ فِي هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ فَلَعَلَّهُ يَكُونُ سَيِّئًا فَيَزْدَادُ إسَاءَةً فَتَكُونُ زِيَادَةُ الْعُمُرِ زِيَادَةً لَهُ فِي الشِّفَاءِ كَمَا فِي خَبَرِ «شَرُّ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ» أَوْ لَعَلَّهُ يَكُونُ مُحْسِنًا فَتَنْقَلِبُ حَالُهُ إلَى الْإِسَاءَةِ لِأَنَّا نَقُولُ تَرَجَّى الْمُصْطَفَى لَهُ زِيَادَةَ الْإِحْسَانِ وَالِانْفِكَاكَ عَنْ السُّوءِ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَدُومَ عَلَى حَالِهِ فَإِذَا كَانَ مَعَهُ أَصْلُ الْإِيمَانِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ بِكُلِّ حَالٍ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَخِفَّ إحْسَانُهُ فَذَلِكَ الْإِحْسَانُ الْخَفِيفُ الَّذِي دَاوَمَ عَلَيْهِ يُضَاعَفُ لَهُ مَعَ أَصْلِ الْإِيمَانِ وَإِنْ زَادَتْ إسَاءَتُهُ فَالْإِسَاءَةُ كَثِيرٌ مِنْهَا مُكَفَّرٌ وَمَا لَا يُكَفَّرُ يُرْجَى الْعَفْوُ عَنْهُ فَمَا دَامَ مَعَهُ الْإِيمَانُ فَالْحَيَاةُ خَيْرٌ لَهُ كَمَا بَيَّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ كَذَا فِي الْفَيْضِ فَلْيُتَأَمَّلْ فِيهِ. ثُمَّ فِي الْفَيْضِ أَيْضًا وَهَذَا حَدِيثٌ اشْتَمَلَ عَلَى جُمْلَتَيْنِ الْأُولَى خَرَّجَهَا الشَّيْخَانِ وَهِيَ «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ قَالُوا وَلَا أَنْتَ قَالَ وَلَا أَنَا إلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ» وَالثَّانِيَةِ هَذِهِ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا الْمُصَنِّفُ وَذَلِكَ قَوْلُهُ (وَفِي رِوَايَةِ م «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ وَلَا يَدْعُ» إلَى رَبِّهِ «بِهِ» أَيْ بِالْمَوْتِ «مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ أَنَّهُ» أَيْ الشَّأْنُ «إذَا مَاتَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ» يَعْنِي لَا يَتَمَنَّى وَلَا يَدْعُو بِالْمَوْتِ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْئًا حَرِيًّا بِالتَّمَنِّي وَالدُّعَاءِ لِأَنَّهُ شَيْءٌ يَنْقَطِعُ بِهِ الْعَمَلُ فَلِذَا صَارَ الْعُمُرُ أَصْلَ مَالِ الْمُؤْمِنِ يَشْتَرِي بِهِ رَحْمَتَهُ تَعَالَى وَثَوَابَهُ وَقُرْبَهُ وَرِضَاهُ تَعَالَى فَلِهَذَا لَمْ يُعْطَ لِلْإِنْسَانِ شَيْءٌ أَعَزُّ مِنْ الْعُمُرِ وَقَدْ سَبَقَ خَبَرُ «خِيَارُكُمْ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنْ كَانَ الْعَمَلُ خَيْرًا فَيَشْكُلُ بِكَوْنِ الْعَمَلِ شَرًّا لَا سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا وَقَدْ قِيلَ زَمَانُنَا هَذَا هُوَ زَمَانُ الشُّرُورِ فَلَعَلَّك تَسْتَبْعِدُ الْجَوَابَ بِمَا سَبَقَ فَانْتَظِرْ أَيْضًا وَأَيْضًا يَشْكُلُ بِنَحْوِ قَوْلِهِ

стр. 906

﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] إذْ الْآثَارُ مَا يَتْبَعُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ كَعِلْمٍ عَلَّمُوهُ وَحَبْسٍ وَقَفُوهُ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ وَأَيْضًا فِي حَدِيثٍ آخَرَ «إذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» فَمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ الْإِطْلَاقُ. وَمُقْتَضَى الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ الثَّانِي عَدَمُ الِانْقِطَاعِ مُطْلَقًا أَيْ فِي الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فَبَيْنَهُمَا تَدَافُعٌ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُطْلَقَ فِي مِثْلِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ أَوْ هَذَا الْحَدِيثُ قَبْلَ وَحْيِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ فَيُتَأَمَّلْ (وَأَنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمُرُهُ إلَّا خَيْرًا) لِأَنَّ شَأْنَ الْمُؤْمِنِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُؤْمِنٌ أَنْ يَكْتَسِبَ مَا يَزِيدُ لَهُ حُسْنًا فَفِيهِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَزِدْ عُمُرُهُ لَهُ خَيْرًا فَكَأَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ (حَدّ هق عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ» فَيُكْرَهُ ذَلِكَ وَقِيلَ يَحْرُمُ لِمَا فِيهِ مِنْ طَلَبِ إزَالَةِ نِعْمَةِ الْحَيَاةِ وَمَا يَتَرَتَّبُ مِنْ جَزِيلِ الْفَوَائِدِ وَجَلِيلِ الْعَوَائِدِ كَيْفَ وَفِي زِيَادَةِ الْحَيَاةِ زِيَادَةُ الْأَجْرِ بِزِيَادَةِ الْأَعْمَالِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا اسْتِمْرَارُ الْإِيمَانِ لَكَفَى فَأَيُّ عَمَلٍ أَعْظَمَ مِنْهُ ثُمَّ هَذَا إنْ لِضَرَرٍ دُنْيَوِيٍّ وَإِنْ لِضَرَرٍ دِينِيٍّ فَلَا بَأْسَ وَقَدْ أُشِيرَ آنِفًا مَا اُسْتُفِيضَ عَنْ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ مِنْ تَمَّنِي الْمَوْتِ شَوْقًا إلَى لِقَاءِ الْحَضْرَةِ الْمُتَعَالِيَةِ الْأَقْدَسِيَّةِ وَلَا شَكَّ فِي حُسْنِهِ لِمَقَامِ الْخَوَاصِّ هَذَا وَلَيْسَ لَك أَنْ تَقُولَ إذَا كَانَتْ الْآجَالُ مُقَدَّرَةً لَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ فَلَا مَعْنَى لِلتَّمَنِّي لِأَنَّ هَذَا هُوَ حِكْمَةُ النَّهْيِ لِكَوْنِهِ عَبَثًا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَفِيهِ كَرَاهَةُ الْمَقْدُورِ وَعَدَمُ الرِّضَا بِهِ وَلَا يَشْكُلُ عَلَى كَوْنِهِ عَبَثًا لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعُمُرِ لِتَقْدِيرِهِ قَوْلَ النَّبِيِّ فِي الْيَهُودِ لَوْ تَمَنَّوْهُ لَمَاتُوا جَمِيعًا لِأَنَّ ذَاكَ بِوَحْيٍ فِي خُصُوصِ أُولَئِكَ لِتَرْتِيبِ آجَالِهِمْ عَلَى وَصْفٍ إنْ وُجِدَ مَاتُوا وَإِلَّا فَلَا فَالْأَسْبَابُ مُقَدَّرَةٌ كَمَا أَنَّ الْمُسَبَّبَاتِ مُقَدَّرَةٌ (فَإِنَّ هَوْلَ الْمَطْلَعِ) أَيْ مَحَلَّ الِاطِّلَاعِ عَلَى أُمُورِ الْآخِرَةِ كَالْقَبْرِ وَوَقْتِ النِّزَاعِ (شَدِيدٌ وَإِنَّ مِنْ السَّعَادَةِ أَنْ يَطُولَ عُمُرُ الْعَبْدِ وَيَرْزُقُهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ) أَيْ الرُّجُوعَ مِنْ الْمُخَالَفَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالطَّاعَةِ وَمِنْ الْغَفْلَةِ إلَى الذِّكْرِ وَهَذَا شَأْنُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَالْمُقَرَّبِينَ كَمَا قَالَ ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤] ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٣] . قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا النَّهْيُ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ) فِي الْأَحَادِيثِ لِمَنْ تَمَنَّى الْمَوْتَ (لِضَرَرٍ دُنْيَوِيٍّ نَزَلَ بِهِ وَأَمَّا إنْ خَافَ عَلَى دِينِهِ مِنْ الْفَسَادِ) فَتَمَنَّى لِأَجْلِ هَذَا (فَجَائِزٌ) لِيَحْفَظَ دِينَهُ الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِهِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ مَا تَمَنَّى لِلْوُصُولِ إلَيْهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَشْكُلُ بِمَا تَقَدَّمَ سِيَّمَا كِفَايَةِ اسْتِمْرَارِ الْإِيمَانِ فِي الْفَضْلِ (بِرّ) ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (عَنْ عُلَيْمٍ) صِيغَةُ تَصْغِيرٍ (الْكِنْدِيِّ أَنَّهُ قَالَ كُنْت جَالِسًا مَعَ أَبِي عَنْبَسٍ الْغِفَارِيِّ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (عَلَى سَطْحٍ فَرَأَى نَاسًا يَتَحَمَّلُونَ) أَيْ يَتَكَلَّفُونَ فِي حَمْلِ الْأَمْوَالِ عَلَى الْأَعْنَاقِ (مِنْ الطَّاعُونِ فَقَالَ) شَوْقًا لِمَوْلَاهُ

стр. 907

(يَا طَاعُونُ خُذْنِي إلَيْك) لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ كَمَا فِي الْحَدِيثِ (يَقُولُهَا ثَلَاثًا قَالَ عُلَيْمٌ) لَهُ إنْكَارًا (لِمَ تَقُولُ هَذَا أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ فَإِنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ» أَيْ الْمَوْتِ «انْقَطَعَ عَمَلُهُ وَلَا يُرَدُّ» إلَى الدُّنْيَا (فَيَسْتَعْتِبُ) أَيْ يَسْأَلُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى زَوَالَ الْعَتَبِ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ (فَقَالَ أَبُو عَنْبَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَمَا «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ بَادِرُوا بِالْمَوْتِ» أَيْ: سَابِقُوا بِتَمَنِّي الْمَوْتِ «سِتًّا» لِأَجْلِ سِتٍّ «إمْرَةَ السُّفَهَاءِ» لِعَدَمِ رِعَايَتِهِمْ حُدُودَ اللَّهِ فَلَا يُمْكِنُ السُّكُوتُ عَلَى الشَّرْعِ فَيَتَطَرَّقُ الضَّرَرُ فِي الدِّينِ فَعِنْدَ شُيُوعِ الظُّلْمِ وَالْغَوَايَةِ وَالْفَسَادِ يَجُوزُ تَمَنِّيهِ لَكِنْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَنْ الطَّبَرَانِيِّ عَلَى رِوَايَةِ عَنْبَسٍ الْغِفَارِيِّ «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا» لَكِنْ فِي شَرْحِهِ قِصَّةُ عُلَيْمٍ الْمَذْكُورَةُ هُنَا وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَ هُنَا. (وَكَثْرَةَ الشُّرْطِ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَوْ فَفَتْحٍ أَعْوَانُ الْوُلَاةِ وَالْمُرَادُ كَثْرَتُهُمْ بِأَبْوَابِ الْأُمَرَاءِ وَالْوُلَاةِ وَبِكَثْرَتِهِمْ يَتَكَثَّرُ الظُّلْمُ وَالشُّرْطُ الْعَلَامَةُ لِأَنَّ فِيهِمْ عَلَامَةَ كَوْنِهِ فِي خِدْمَةِ السُّلْطَانِ (وَبَيْعَ الْحُكْمِ) بِأَخْذِ الرِّشْوَةِ وَيَدْخُلُ فِيهِ أَخْذُ الْقَضَاءِ فِي مُقَابَلَةِ الْحُكْمِ بَلْ فِي مُقَابَلَةِ الْحَجِّ وَالسِّجِلَّاتُ أَكْثَرُ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ (وَاسْتِخْفَافًا بِالدَّمِ) أَيْ عَدَّ الدَّمِ أَمْرًا خَفِيفًا وَشَيْئًا هَيِّنًا كَأَنْ لَا يَقْتَصَّ مِنْ الْقَاتِلِ (وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ) بِالْإِيذَاءِ أَوْ الْهِجْرَانِ وَتَرْكِ الزِّيَادَةِ وَعَدَمِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَتَرْكِ الْإِمْدَادِ وَنَحْوِهَا وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَا تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِعُ رَحِمٍ» (وَنَشْئًا) النَّاشِئُ الْغُلَامُ وَالْجَارِيَةُ جَاوَزَ حَدَّ الصِّغَرِ وَالْجَمْعُ نَشْءٌ نُقِلَ عَنْ الْقَامُوسِ (يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ) جَمْعُ مِزْمَارٍ الْمُرَادُ غِنَاءُ النَّفْسِ يَعْنِي يَقْرَءُونَ عَلَى مَقَامَاتٍ فَاسِدَةٍ كَالْمَزَامِيرِ (يُقَدِّمُونَ) لِلْإِمَامَةِ وَالْإِقَامَةِ وَالْخَطَابَةِ (الرَّجُلَ) الْكَامِلَ (لِيُغْنِيَهُمْ بِالْقُرْآنِ) بِإِخْرَاجِ الْحُرُوفِ عَنْ مَوَاضِعِهَا

стр. 908

وَبِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ لِلْأَلْحَانِ (وَإِنْ كَانَ) الْمُقَدَّمُ (أَقَلَّهُمْ فِقْهًا) إذْ لَيْسَ غَرَضُهُمْ إلَّا الِالْتِذَاذَ وَالِاسْتِمَاعَ لِتِلْكَ الْأَلْحَانِ وَالْأَوْضَاعِ قَالَ الْعَارِفُ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ أَمْرُهُ بِالْمُبَادَرَةِ بِالْعَمَلِ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ يَقْتَضِي أَنَّهَا مِنْ الْهِمَمِ إلَى مُعَامَلَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْحَثِّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إلَى طَاعَتِهِ وَمُسَابَقَةِ الْعَوَارِضِ وَالْقَوَاطِعِ قَبْلَ وُرُودِهَا. قَالَ الْهَيْتَمِيُّ فِيهِ عُثْمَانُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَذَا فِي الْفَيْضِ [التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ رَدُّ عُذْرِ أَخِيهِ وَعَدَمُ قَبُولِهِ] (التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ رَدُّ عُذْرِ أَخِيهِ وَعَدَمُ قَبُولِهِ) فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ (مج عَنْ جُرْدَانَ) فِي الْفَيْضِ اُخْتُلِفَ فِي صُحْبَتِهِ (أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ اعْتَذَرَ إلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ» وَالْمُعْتَذِرُ هُوَ الْمُظْهِرُ لِمَا يَمْحُو بِهِ الذَّنْبَ أَيْ طَلَبَ قَبُولَهُ مَعْذِرَتَهُ وَاعْتَذَرَ عَنْ فِعْلِهِ أَظْهَرَ عُذْرَهُ «فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ» أَيْ الْمُعْتَذِرِ «كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ خَطِيئَةِ صَاحِبِ مَكْسٍ» وَهُوَ مَا يَأْخُذُهُ الْعَشَّارُ لِأَنَّ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى قَبُولَ الِاعْتِذَارِ وَالْعَفْوَ عَنْ الزَّلَّاتِ فَمَنْ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِغَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَقْتِهِ قَالَ الرَّاغِبُ وَجَمِيعُ الْمَعَاذِيرِ لَا تَنْفَكُّ عَنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَقُولَ لَمْ أَفْعَلْ أَوْ فَعَلْت لِأَجْلِ كَذَا فَيُبَيِّنُ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ ذَنْبًا أَوْ يَقُولُ فَعَلْت وَلَا أَعُودُ فَمَنْ أَنْكَرَ وَأَنْبَأَ عَنْ كَذِبِ مَا نُسِبَ إلَيْهِ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ سَاحَتُهُ وَإِنْ فَعَلَ وَجَحَدَ فَقَدْ أُبْعِدَ التَّغَابِي عَنْهُ كَرَمًا وَمَنْ أَقَرَّ فَقَدْ اسْتَوْجَبَ الْعَفْوَ بِحُسْنِ ظَنِّهِ بِك وَإِنْ قَالَ فَعَلْتُ وَلَا أَعُودُ فَهُوَ التَّوْبَةُ وَحَقُّ الْإِنْسَانِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِاَللَّهِ فِي قَبُولِهَا. قَالَ الْغَزَالِيُّ مَهْمَا رَأَيْتَ إنْسَانًا يُسِيءُ الظَّنَّ بِالنَّاسِ طَالِبًا لِلْعُيُوبِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ خَبِيثٌ فِي الْبَاطِنِ وَأَنَّ مَا يَرَى فِي غَيْرِهِ هُوَ مَا فِي نَفْسِهِ وَالْمُؤْمِنُ يَطْلُبُ الْمَعَاذِيرَ وَالْمُنَافِقُ يَطْلُبُ الْعُيُوبَ وَالْمُؤْمِنُ سَلِيمُ الصَّدْرِ فِي حَقِّ الْكَافَّةِ وَفِيهِ إيذَانٌ بِعِظَمِ جُرْمِ الْمَكْسِ وَأَنَّهُ مِنْ الْجَرَائِمِ الْعِظَامِ (طط عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) وَعَنْ أَبَوَيْهَا «أَنَّهُ قَالَ ﷺ عِفُّوا» كُفُّوا عَنْ الْفَوَاحِشِ «تَعِفَّ نِسَاؤُكُمْ» تَكُفَّ نِسَاؤُكُمْ عَنْهَا وَخَرَّجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «لَا تَزْنُوا فَتَذْهَبَ لَذَّةُ نِسَائِكُمْ وَعِفُّوا تَعِفَّ نِسَاؤُكُمْ إنَّ بَنِي فُلَانٍ زَنَوْا فَزَنَتْ نِسَاؤُهُمْ» «وَبِرُّوا آبَاءَكُمْ» بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ «يَبَرُّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ» فِيهِ بِشَارَةٌ لِبَارِّ وَالِدَيْهِ بِحُصُولِ الْأَوْلَادِ الْبَارِّينَ لَهُ «وَمَنْ اعْتَذَرَ إلَى أَخِيهِ فَلَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُ» وَزِيدَ فِي الْجَامِعِ هُنَا قَوْلُهُ «مِنْ شَيْءٍ بَلَغَهُ عَنْهُ فَلَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُ» وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ «مُحِقًّا كَانَ أَوْ مُبْطِلًا» «لَمْ يَرِدْ عَلَى الْحَوْضِ» فِيهِ إشَارَةٌ إلَى بُعْدِهِ عَنْ مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ وَمَوَاطِنِ الْأَخْيَارِ قِيلَ هَكَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ صَحِيحٌ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى ابْنِ الْجَوْزِيِّ حَيْثُ أَوْرَدَهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ وَالْمُنْذِرِيُّ حَيْثُ رَدَّهُ انْتَهَى. أَقُولُ فِي الْجَامِعِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَمَا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «عِفُّوا عَنْ نِسَاءِ النَّاسِ فَلَا تُزَانُوهُمْ تَعِفُّ نِسَاؤُكُمْ عَنْ الرِّجَالِ وَبِرُّوا آبَاءَكُمْ يَبَرُّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ وَمَنْ أَتَاهُ أَخُوهُ مُتَنَصِّلًا مُعْتَذِرًا فَلْيَقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ مُحِقًّا كَانَ أَوْ مُبْطِلًا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَيْ لَمْ يَقْبَلْ لَمْ يَرِدْ عَلَى الْحَوْضِ يَوْمَ يَرِدُهُ الْمُؤْمِنُونَ فِي الْمَوْقِفِ الْأَعْظَمِ» نَعَمْ قَالَ فِي شَرْحِهِ إنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِيهِ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْعَمِّيُّ وَهُوَ كَذَّابٌ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كَصَحِيحٌ وَرَدَّهُ الذَّهَبِيُّ فَقَالَ بَلْ سُوَيْد ضَعِيفٌ وَالْمُنْذِرِيُّ. قَالَ سُوَيْد وَاهٍ ثُمَّ أَقُولُ وَلَوْ سُلِّمَ فَإِنَّ ابْنَ الْجَوْزِيِّ كَيْفَ يَكُونُ مُلْزَمًا بِالْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهُوَ فِي فَنِّ الْحَدِيثِ فَوْقَهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْوَعِيدَ فِيمَنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ بِذَنْبِ أَخِيهِ) الَّذِي جَنَاهُ وَلَمْ يَعْلَمْ كَذِبَهُ فِي عُذْرِهِ (وَاحْتَمَلَ عُذْرُهُ الصِّدْقَ)

стр. 909

لِأَنَّ الرَّدَّ حِينَئِذٍ سُوءُ ظَنٍّ بِمُسْلِمٍ وَهُوَ حَرَامٌ (وَإِلَّا) بِأَنْ تَيَقَّنَ كَذِبَهُ فِي عُذْرِهِ (يَكُونُ قَبُولُهُ عَفْوًا وَهُوَ) أَيْ الْعَفْوُ (لَيْسَ بِوَاجِبٍ) بَلْ مَنْدُوبٌ - ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]- بَلْ يَجُوزُ الِانْتِصَارُ وَالْعَفْوُ أَوْلَى لَكِنْ ظَاهِرُ قَوْلِهِ مُحِقًّا كَانَ أَوْ مُبْطِلًا كَمَا أُشِيرَ آنِفًا بِالرِّوَايَتَيْنِ يُشِيرُ إلَى عُمُومِ الْوُجُوبِ إلَيْهِ فَافْهَمْ. [الْخَمْسُونَ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ] (الْخَمْسُونَ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ) اعْلَمْ أَنَّ التَّفْسِيرَ تَفْعِيلٌ مِنْ الْفَسْرِ وَهُوَ الْبَيَانُ وَالْكَشْفُ وَيُقَالُ هُوَ مَقْلُوبُ السَّفْرِ تَقُولُ أَسْفَرَ الصُّبْحُ إذَا أَضَاءَ وَالتَّأْوِيلُ مِنْ الْأَوْلِ وَهُوَ الرُّجُوعُ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُمَا وَقِيلَ مُتَّحِدَانِ وَأَنْكَرَ وَقَالَ الرَّاغِبُ التَّفْسِيرُ أَعَمُّ وَكَثُرَ فِي الْأَلْفَاظِ وَمِفْرَادَتِهَا وَكَثُرَ التَّأْوِيلُ فِي الْمَعَانِي وَالْجُمَلِ وَقِيلَ التَّفْسِيرُ بَيَانُ لَفْظٍ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا وَالتَّأْوِيلُ تَوْجِيهُ لَفْظٍ مُحْتَمِلٍ إلَى مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ إلَى وَاحِدٍ مِنْهَا بِمَا ظَهَرَ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَقَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ التَّفْسِيرُ الْقَطْعُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ اللَّفْظِ هَذَا وَالشَّهَادَةُ عَلَى اللَّهِ أَنَّهُ عَنَى بِاللَّفْظِ هَذَا فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ فَصَحِيحٌ وَإِلَّا فَتَفْسِيرٌ بِالرَّأْيِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَالتَّأْوِيلُ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْمُحْتَمَلَاتِ بِدُونِ الْقَطْعِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ الثَّعْلَبِيُّ التَّفْسِيرُ بَيَانُ وَضْعِ اللَّفْظِ إمَّا حَقِيقَةً وَمَجَازًا كَتَفْسِيرِ الصِّرَاطِ بِالطَّرِيقِ وَالصَّيِّبِ بِالْمَطَرِ وَالتَّأْوِيلُ تَفْسِيرُ بَاطِنِ اللَّفْظِ مَأْخُوذًا مِنْ الْأَوَّلِ وَهُوَ الرُّجُوعُ لِعَاقِبَةِ الْأَمْرِ فَالتَّأْوِيلُ إخْبَارٌ عَنْ حَقِيقَةِ الْمُرَادِ وَالتَّفْسِيرُ إخْبَارٌ عَنْ دَلِيلِ الْمُرَادِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] وَتَفْسِيرُهُ أَنَّهُ مِنْ الرَّصَدِ يُقَالُ رَصَدْتُهُ رَقَبْتُهُ وَالْمِرْصَادُ مِفْعَالٌ مِنْهُ وَتَأْوِيلُهُ التَّحْذِيرُ مِنْ التَّهَاوُنِ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْغَفْلَةِ عَنْ الْإِلَهِيَّةِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِلْعَرْضِ عَلَيْهِ وَقَوَاطِعُ الْأَدِلَّةِ تَقْتَضِي بَيَانَ الْمُرَادِ مِنْهُ عَلَى خِلَافِ وَضْعِ اللَّفْظِ فِي اللُّغَةِ وَالتَّفْسِيرُ إمَّا مُسْتَعْمَلٌ فِي غَرِيبِ الْأَلْفَاظِ نَحْوَ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ أَوْ فِي حَيِّزٍ بَيِّنٍ بِشَرْحِهِ نَحْوُ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] . وَأَمَّا فِي كَلَامٍ مُتَضَمِّنٍ لِقِصَّةٍ لَا يُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ إلَّا بِمَعْرِفَتِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] وَأَمَّا التَّأْوِيلُ فَيُسْتَعْمَلُ مَرَّةً عَامًّا وَمَرَّةً خَاصًّا نَحْوُ الْكُفْرِ الْمُسْتَعْمَلِ تَارَةً فِي الْجُحُودِ الْمُطْلَقِ وَتَارَةً فِي جُحُودِ الْبَارِي تَعَالَى خَاصَّةً وَالْإِيمَانِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْجِدَةِ وَالْوَجْدِ وَالْوُجُودِ وَقِيلَ يَتَعَلَّقُ التَّفْسِيرُ بِالرِّوَايَةِ وَالتَّأْوِيلُ بِالدِّرَايَةِ وَزِيَادَةُ تَفْصِيلِهِ فِي الْإِتْقَانِ وَمِفْتَاحِ السَّعَادَةِ وَأَوَائِلِ تَفْسِيرِ الْعُيُونِ وَأَمَّا التَّفْسِيرُ بِالرَّأْيِ فَهُوَ التَّكَلُّمُ فِي الْقُرْآنِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ بِلَا بَصِيرَةٍ بِلِسَانِ الْعَرَبِ وَأَسَالِيبِ كَلَامِهِمْ وَأَسْبَابِ النُّزُولِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَكَلَامِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وَقَالَ ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] . (د ت عَنْ جُنْدَبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَالَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى» وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ» وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ» «بِرَأْيِهِ» بِمَا سَنَحَ فِي ذِهْنِهِ وَخَطَرَ بِبَالِهِ مِنْ غَيْرِ دِرَايَةٍ بِالْأُصُولِ وَلَا خِبْرَةٍ بِالْمَنْقُولِ «فَأَصَابَ» أَيْ

стр. 910

فَوَافَقَ هَوَاهُ الصَّوَابَ دُونَ نَظَرٍ فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ وَمُرَاجَعَةِ الْقَوَانِينِ الْعِلْمِيَّةِ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وُقُوفٌ عَلَى لُغَةِ الْعَرَبِ وَوُجُوهِ الِاسْتِعْمَالِ مِنْ حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ وَمُجْمَلٍ وَمُفَصَّلٍ وَعَامٍّ وَخَاصٍّ وَعِلْمٍ بِأَسْبَابِ نُزُولِ الْآيَاتِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مِنْهَا وَتَعَرُّفٍ لِأَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ وَتَأْوِيلَاتِهِمْ كَذَا فِي الْفَيْضِ «فَقَدْ أَخْطَأَ» فِي حُكْمِهِ عَلَى الْقُرْآنِ بِمَا لَمْ يَعْرِفْ أَصْلَهُ وَشَهَادَتُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مُرَادُهُ أَمَّا مَنْ قَالَ فِيهِ بِالدَّلِيلِ وَتَكَلَّمَ فِيهِ عَلَى وَجْهِ تَأْوِيلٍ فَغَيْرُ دَاخِلٍ فِي هَذَا الْخَبَرِ وَلَمَّا لَمْ يَتَفَطَّنْ بَعْضُ النَّاسِ لِإِدْرَاكِ هَذَا الْمَعْنَى بِالنَّظَرِ إلَى مُطَابِقَتِهِ لِلْوَاقِعِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَالْخَطَأِ بِالنَّظَرِ إلَى إقْدَامِهِ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ فَلَا تَنَافِيَ تَتِمَّةُ الْحَدِيثِ «وَمَنْ قَالَ فِيهِ بِرَأْيِهِ فَأَخْطَأَ فَقَدْ كَفَرَ» كَمَا نُقِلَ عَنْ النَّسَائِيّ وَغَيْرِهِ وَعَنْ الْعِرَاقِيِّ أَنَّ الْقُصَّاصَ يَنْقُلُونَ الْحَدِيثَ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ الصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ فَإِنْ اتَّفَقَ أَنَّهُ صَحِيحٌ فَآثِمٌ بِنَقْلِهِ لِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ وَإِقْدَامِهِ عَلَيْهِ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِمَّنْ هُوَ بِهَذَا الْوَصْفِ أَنْ يَنْقُلَ حَدِيثًا مِنْ الْكُتُبِ وَلَوْ مِنْ الصَّحِيحَيْنِ مَا لَمْ يَقْرَأْ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَقَدْ حَكَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَقُولَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ كَذَا حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ الْقَوْلُ عِنْدَهُ مَرْوِيًّا وَلَوْ عَلَى أَقَلِّ وُجُوهِ الرِّوَايَاتِ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» وَتَفْصِيلُهُ فِي مَوْضُوعَاتٍ عَلَى الْقَارِئِ وَأَقُولُ تَفْصِيلُهُ فِي عِلْمِ أُصُولِ الْحَدِيثِ. (فَائِدَةٌ) ادَّعَى ابْنُ جُزْءٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْقُلَ حَدِيثًا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ رِوَايَةٌ وَلَوْ بِالْإِجَازَةِ فَهَلْ يَكُونُ حُكْمُ الْقُرْآنِ كَذَلِكَ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْقُلَ آيَةً أَوْ يَقْرَأَهَا مَا لَمْ يَقْرَأْهَا عَلَى شَيْخٍ لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَقْلًا لَكِنْ الظَّاهِرُ عَدَمُهُ لِأَنَّ الْقُرْآنَ مَحْفُوظٌ مُتَلَقًّى وَالْحَدِيثَ مِمَّا يُخَافُ فِيهِ التَّلْبِيسُ وَالْخَلْطُ. (فَائِدَةٌ ثَانِيَةٌ) الْإِجَازَةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِلْقِرَاءَةِ وَالْإِفَادَةِ فَمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْأَهْلِيَّةَ جَازَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُجْزِهِ أَحَدٌ وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ عِلْمٍ خِلَافًا لِمَا يَتَوَهَّمُ الْأَغْبِيَاءُ. (فَائِدَةٌ ثَالِثَةٌ) لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْمَالِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِجَازَةِ فَإِنْ عَلِمَ الْأَهْلِيَّةَ تَجِبُ الْإِجَازَةُ وَإِلَّا حَرُمَتْ وَالتَّفْصِيلُ فِي الْإِتْقَانِ. (ت عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ» أَيْ مَنْ قَالَ فِيهِ قَوْلًا يَعْلَمُ أَنَّ الْحَقَّ غَيْرُهُ أَوْ مَنْ قَالَ فِي مُشْكِلِهِ بِمَا لَا يَعْرِفُ مِنْ مَذْهَبِ الصَّحْبِ وَالتَّابِعِينَ «فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» أَيْ فَلْيَتَّخِذْ لِنَفْسِهِ نُزُلًا فِيهَا حَيْثُ نَصَبَ نَفْسَهُ صَاحِبَ وَحْيٍ يَقُولُ مَا شَاءَ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ الْمَنْهِيُّ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدَهُمَا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الشَّيْءِ رَأْيٌ وَإِلَيْهِ مَيْلٌ مِنْ طَبْعِهِ وَهَوَاهُ فَيَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ عَلَى وَفْقِهِ مُحْتَجًّا بِهِ لِغَرَضِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ هَوًى لَمْ يَلُحْ لَهُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى وَهَذَا يَكُونُ تَارَةً مَعَ الْعِلْمِ كَمَنْ يَحْتَجُّ مِنْهُ بِآيَاتِهِ عَلَى تَصْحِيحِ بِدْعَتِهِ عَالِمًا بِأَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِالْآيَةِ وَتَارَةً يَكُونُ مَعَ الْجَهْلِ بِأَنْ تَكُونَ الْآيَةُ مُحْتَمِلَةً فَيَمِيلُ فَهْمُهُ إلَى مَا يُوَافِقُ غَرَضَهُ وَيُرَجِّحُهُ بِرَأْيِهِ وَهَوَاهُ فَيَكُونُ فَسَّرَ بِرَأْيِهِ إذْ لَوْلَاهُ لَمْ يَتَرَجَّحْ عِنْدَهُ ذَلِكَ الِاحْتِمَالُ وَتَارَةً يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ فَيَطْلُبُ لَهُ دَلِيلًا مِنْ الْقُرْآنِ فَيَسْتَدِلُّ بِهِ لِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِهِ كَمَنْ يَدْعُو إلَى مُجَاهِدَةِ الْقَلْبِ الْقَاسِي بِقَوْلِهِ ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٢٤] وَيُشِيرُ إلَى قَلْبِهِ وَيُومِئُ إلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ بِفِرْعَوْنَ وَهَذَا يَسْتَعْمِلُهُ بَعْضُ الْوُعَّاظِ فِي الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ تَحْسِينًا لِلْكَلَامِ وَتَرْغِيبًا لِلسَّامِعِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ، الثَّانِيَ أَنْ يَتَسَارَعَ إلَى تَفْسِيرِهِ بِظَاهِرِ الْعَرَبِيَّةِ بِغَيْرِ اسْتِظْهَارٍ بِالسَّمَاعِ وَالنَّقْلِ يَتَعَلَّقُ بِغَرَائِبِ الْقُرْآنِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُبْهَمَةِ وَالْمُجْمَلَةِ وَالِاخْتِصَاصِ وَالْحَذْفِ وَالْإِضْمَارِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فَمَنْ لَمْ يُحَكِّمْ ظَاهِرَ التَّفْسِيرِ وَبَادَرَ إلَى اسْتِنْبَاطِ الْمَعَانِي بِمُجَرَّدِ فَهْمِ الْعَرَبِيَّةِ كَثُرَ غَلَطُهُ وَدَخَلَ فِي زُمْرَةِ مَنْ فَسَّرَ الْقُرْآنَ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَالنَّقْلُ وَالسَّمَاعُ لَا بُدَّ مِنْهُمَا

стр. 911

أَوَّلًا ثُمَّ هَذِهِ تَسْتَتْبِعُ التَّفْهِيمَ وَالِاسْتِنْبَاطَ وَلَا مَطْمَعَ فِي الْوُصُولِ إلَى الْبَاطِنِ قَبْلَ إحْكَامِ الظَّاهِرِ انْتَهَى. ثُمَّ قِيلَ إنَّهُ ضَعِيفٌ لِمَا فِيهِ عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَامِرٍ الْكُوفِيُّ وَإِنْ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ كَذَا فِي الْفَيْضِ (وَفِي رِوَايَةٍ) لِأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - (أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي» لَا تُحَدِّثُوا عَنِّي «إلَّا مَا عَلِمْتُمْ» بِمَعْرِفَةِ صِحَّةِ النِّسْبَةِ إلَيَّ وَعَنْ الطِّيبِيِّ أَيْ احْذَرُوا رِوَايَةَ الْحَدِيثِ عَنِّي أَوْ احْذَرُوا مِنْ الْحَدِيثِ عَنِّي لَكِنْ لَا تَحْذَرُوا مِمَّا تَعْلَمُونَهُ انْتَهَى وَالْحَدِيثُ عُرْفًا مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَوْ فِعْلِهِمْ أَوْ تَقْرِيرِهِمْ وَقَدْ يُخَصُّ بِمَا يُرْفَعُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ كَذَا فِي التَّلْوِيحِ وَغَيْرِهِ وَأَهْلُهُ النَّقَلَةُ الْمُعْتَنُونَ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ «فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» أَيْ فَلْيَتَّخِذْ لَهُ مَحَلًّا فِيهَا لِيَنْزِلَ فِيهِ أَمْرٌ بِمَعْنَى الْخَبَرِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ أَوْ دُعَاءٌ أَيْ بَوَّأَهُ اللَّهُ ذَلِكَ فَالتَّبَوُّأُ اتِّخَاذُ الْمَنْزِلِ، وَالْمَقْعَدُ مَحَلُّ الْقُعُودِ وَقَالَ الطِّيبِيُّ الْأَمْرُ لِلتَّهَكُّمِ وَالتَّغْلِيظِ إذْ لَوْ قَالَ مَقْعَدُهُ فِي النَّارِ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَالْكَذِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْكَبَائِرِ الْمُوبِقَةِ وَالْعَظَائِمِ الْمُهْلِكَةِ لِإِضْرَارِهِ بِالدِّينِ وَإِفْسَادِ أَصْلِ الْإِيمَانِ وَعُمُومُ الْخَبَرِ يَشْمَلُ الْكَذِبَ فِي غَيْرِ الدِّينِ وَمَنْ خَصَّهُ بِهِ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ كَذَا فِي الْفَيْضِ (وَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ) مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ خِبْرَةٌ بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَوُجُوهِ اسْتِعْمَالَاتِهَا فِي نَحْوِ حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ وَمُجْمَلٍ وَغَيْرِهَا مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ وَمُتَعَلِّقَاتِ التَّفْسِيرِ وَقَوَانِينِ التَّأْوِيلِ كَذَا فِي الْفَيْضِ أَقُولُ تَفْصِيلَةُ مَا فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ لَعَلَّهُ مِنْ الْإِتْقَانِ أَنَّهُ قَالَ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فَقَالَ قَوْمٌ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَاطَى تَفْسِيرَ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا أَدِيبًا مُتَّسِعًا فِي مَعْرِفَةِ الْأَدِلَّةِ وَالْفِقْهِ وَالنَّحْوِ وَالْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ فِي ذَلِكَ وَقَالَ قَوْمٌ يَجُوزُ لِمَنْ جَمَعَ الْعُلُومَ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْمُفَسِّرُ وَهِيَ خَمْسَةَ عَشَرَ: الْأَوَّلُ: اللُّغَةُ قَالَ مُجَاهِدٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِلُغَاتِ الْقُرْآنِ وَلَا يَكْتَفِي بِالْيَسِيرِ. الثَّانِي: النَّحْوُ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَتَغَيَّرُ بِاخْتِلَافِ الْإِعْرَابِ. الثَّالِثُ: الصَّرْفُ لِأَنَّ فِيهِ مَعْرِفَةَ الْأَبْنِيَةِ وَالصِّيَغِ. الرَّابِعُ: الِاشْتِقَاقُ لِأَنَّ الِاسْمَ إذَا اُشْتُقَّ مِنْ مَادَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ اخْتَلَفَ الْمَعْنَى بِاخْتِلَافِهِمَا كَالْمَسِيحِ هَلْ هُوَ مِنْ السِّيَاحَةِ أَوْ الْمَسْحِ. الْخَامِسُ: الْمَعَانِي. السَّادِسُ: الْبَيَانُ. السَّابِعُ: الْبَدِيعُ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِالْأَوَّلِ تَوْفِيَةُ خَوَاصِّ تَرَاكِيبِ الْكَلَامِ حَقَّهَا مِنْ الْمَقَامِ وَبِالثَّانِي مِنْ حَيْثُ تَفَاوُتُهَا بِحَسَبِ زِيَادَةِ الدَّلَالَةِ وَنُقْصَانِهَا وَبِالثَّالِثِ وُجُوهُ تَحْسِينِ الْكَلَامِ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ عُلُومُ الْبَلَاغَةِ الَّتِي مِنْ أَعْظَمِ أَرْكَانِ الْمُفَسِّرِ قَالَ السَّكَّاكِيُّ فَالْوَيْلُ كُلُّ الْوَيْلِ لِمَنْ تَعَاطَى التَّفْسِيرَ وَهُوَ فِيهِمَا أَيْ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ رَاجِلٌ وَأَمَّا الْبَدِيعُ فَمِنْ جِهَاتِ الْحُسْنِ. الثَّامِنُ: عِلْمُ الْقِرَاءَةِ إذْ بِهِ يَتَرَجَّحُ بَعْضُ الْوُجُوهِ الْمُحْتَمَلَةِ عَلَى بَعْضٍ التَّاسِعُ: أُصُولُ الدِّينِ إذْ فِي الْقُرْآنِ مَا لَا يَجُوزُ ظَاهِرُهُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى فَيَحْتَاجُ إلَى التَّأْوِيلِ. الْعَاشِرُ: أُصُولُ الْفِقْهِ إذْ بِهِ يُعْرَفُ وَجْهُ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ. الْحَادِيَ عَشَرَ: أَسْبَابُ النُّزُولِ إذْ لَا يَطَّلِعُ عَلَى حَقِيقَةِ الْمَعْنَى إلَّا بِهَا. الثَّانِيَ عَشَرَ: النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ لِيَعْلَمَ الْمُحْكَمَ مِنْ غَيْرِهِ. الثَّالِثَ عَشَرَ: الْفِقْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ الْأَحَادِيثُ الْمُبَيِّنَةُ لِتَفْسِيرِ الْمُجْمَلِ وَالْمُبْهَمِ. الْخَامِسَ عَشَرَ: عِلْمُ الْمَوْهِبَةِ وَهُوَ عِلْمٌ يُورِثُهُ اللَّهُ لِمَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ كَمَا أُشِيرَ فِي حَدِيثِ مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ فَهَذِهِ هِيَ الْعُلُومُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ تَعَاطِي التَّفْسِيرِ بِدُونِ وَاحِدٍ مِنْهَا وَمَنْ فَسَّرَ كَانَ مُفَسِّرًا بِالرَّأْيِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ قُلْت وَإِيَّاكَ أَنْ تَسْتَشْكِلَ عِلْمَ الْمَوْهِبَةِ اغْتِرَارًا بِمَا سَمِعْت مِنْ أَقْوَالِ الْمُنْكَرِينَ فَتَأَمَّلْ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ وَحَدِيثَ «مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فُجِّرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ» إلَّا أَنَّ الزَّمَانَ لَمَّا خَلَا عَنْ الْعِلْمِ وَذَوِيهِ وَعَنْ الْعِرْفَانِ وَمُنْتَحِلِيهِ وَبَارَ أَهْلُ الْفَضْلِ وَكَسَدَ سُوقُ الْقَوْلِ الْفَصْلِ تَرَأَّسَ الْجُهَّالُ وَأَكْثَرُوا الْقِيلَ وَالْقَالَ وَلَكِنْ لِلْحُرُوبِ رِجَالٌ وَلِلثَّرِيدِ رِجَالٌ انْتَهَى مُلَخَّصًا

стр. 912

«فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» الْمُعَدَّةِ فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّهُ وَإِنْ طَابَقَ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ فَقَدْ ارْتَكَبَ أَمْرًا فَظِيعًا وَاقْتَحَمَ هَوْلًا شَنِيعًا حَيْثُ أَقْدَمَ عَلَى كَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِغَيْرِ إذْنِ الشَّارِعِ وَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ وَإِنْ أَصَابَ. قَالَ الْغَزَالِيُّ وَمِنْ الطَّامَّاتِ صَرْفُ أَلْفَاظِ الشَّرْعِ عَنْ ظَاهِرِهَا إلَى أُمُورٍ لَمْ تَسْبِقْ مِنْهَا إلَى الْإِفْهَامِ كَدَأْبِ الْبَاطِنِيَّةِ فَإِنَّ الصَّرْفَ عَنْ مُقْتَضَى ظَوَاهِرِهَا مِنْ غَيْرِ اعْتِصَامٍ فِيهِ بِالنَّقْلِ عَنْ الشَّارِعِ وَبِغَيْرِ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إلَيْهِ مِنْ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ حَرَامٌ كَذَا فِي الْفَيْضِ قَالَ فِي الْمِفْتَاحِ أَيْضًا قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ جُمْلَةُ مَا يَحْصُلُ فِي مَعْنَى التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: التَّفْسِيرُ بِلَا تَحْصِيلِ آلَاتِهِ مِنْ الْعُلُومِ. الثَّانِي: تَفْسِيرُ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ. الثَّالِثُ: التَّفْسِيرُ الْمُقَرِّرُ لِلْمَذْهَبِ الْبَاطِلِ بِأَنْ يَجْعَلَ الْمَذْهَبَ أَصْلًا وَالتَّفْسِيرَ تَابِعًا لَهُ فَيَرُدُّهُ إلَيْهِ بِأَيِّ طَرِيقٍ أَمْكَنَ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا. الرَّابِعُ: التَّفْسِيرُ أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ كَذَا عَلَى الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ. الْخَامِسُ: التَّفْسِيرُ بِالْهَوَى ثُمَّ أَقُولُ قَالَ فِي الْفَيْضِ ضَعْفُ هَذَا الْحَدِيثِ لِمَا فِيهِ سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ الَّذِي هُوَ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ نَعَمْ صَحِيحٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَمِمَّنْ جَرَى فِي تَضْعِيفِ رِوَايَتِهِ التِّرْمِذِيُّ وَالصَّدْرُ الْمُنَاوِيُّ انْتَهَى وَبِهِ يُعْلَمُ فَسَادُ مَا فِي الْوَسِيلَةِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمِنْ خَاصَّتِهِ اجْتِمَاعُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ فِيهِ إلَى تَمَامِ مَا أَخَذَهُ مِنْ أَوَائِلِ مَوْضُوعَاتِ عَلِيٍّ الْقَارِيّ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ ذَلِكَ الْحَدِيثِ فَلْيُتَأَمَّلْ (اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ عَنْ التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ أَنْ يَقْتَصِرَ فِيهِ) أَيْ فِي التَّفْسِيرِ (عَلَى الْمَسْمُوعِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ) أَيْ الْمَسْمُوعَ مِنْهُ (أَقَلُّ قَلِيلٍ) كَتَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - (فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَحْتَجَّ أَحَدٌ بِالْقُرْآنِ فِي غَيْرِ الْمَسْمُوعِ فَيَنْسَدُّ بَابُ الِاجْتِهَادِ وَذَا بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ) قِيلَ إشَارَةٌ إلَى الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ (فِي الْبُسْتَانِ النَّهْيُ إنَّمَا وَرَدَ) بِالنِّسْبَةِ (إلَى الْمُتَشَابِهِ مِنْهُ لَا) بِالنِّسْبَةِ (إلَى جَمِيعِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] عُدُولٌ عَنْ الْحَقِّ كَالْمُبْتَدِعَةِ ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] فَيَتَعَلَّقُونَ بِظَاهِرِهِ أَوْ بِتَأْوِيلٍ بَاطِلٍ ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧] طَلَبَ أَنْ يُفْتَنُوا النَّاسَ عَنْ دِينِهِمْ بِالتَّشْكِيكِ وَالتَّلْبِيسِ وَمُنَاقَضَةِ الْمُحْكَمِ بِالْمُتَشَابِهِ ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] وَطَلَبَ أَنْ يُؤَوِّلُوهُ عَلَى مَا يَشْتَهُونَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي إلَى الِاتِّبَاعِ مَجْمُوعَ الطَّلَبَيْنِ أَوْ كُلًّا مِنْهُمَا عَلَى التَّعَاقُبِ

стр. 913

وَالْأَوَّلُ يُنَاسِبُ الْمُعَانِدَ وَالثَّانِي يُلَائِمُ الْجَاهِلَ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران: ٧] الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ ﴿إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] الَّذِينَ ثَبَتُوا وَتَمَكَّنُوا فِيهِ وَاخْتُلِفَ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْجَلَالَةِ فَمَنْ وَقَفَ مَنَعَ التَّأْوِيلَ وَمِنْ وَصَلَ أَجَازَهُ كَمَا وَرَدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَا مِنْ الرَّاسِخِينَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ وَالتَّفْصِيلُ فِي الْأُصُولِ وَقَدْ سَبَقَ يَقُولُونَ آمَنَّا خَبَرُ الرَّاسِخُونَ عَلَى الثَّانِي وَحَالٌ وَاسْتِئْنَافٌ عَلَى الْأَوَّلِ وَهَذَا مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ (الْآيَةَ لِأَنَّ الْقُرْآنَ إنَّمَا نَزَلَ حُجَّةً عَلَى الْخَلْقِ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ التَّفْسِيرُ) فِي غَيْرِ الْمَسْمُوعِ (لَا يَكُونُ حُجَّةً بَالِغَةً) إلَى دَرَجَةِ الْكَمَالِ فِي الْحُجِّيَّةِ لِأَنَّ مَا فَسَّرَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَلُّ قَلِيلٍ (فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ لِمَنْ يَعْرِفُ لُغَاتِ الْعَرَبِ) كَمَعَانِي الْمُفْرَدَاتِ وَالْمُرَكَّبَاتِ كَمَا بِمَتْنِ اللُّغَةِ وَسَائِرِ عُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ (وَعَرَفَ شَأْنَ النُّزُولِ) أَيْ قَالَ فِي الْإِتْقَانِ زَعَمَ أَنَّهُ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ لِجَرَيَانِهِ مَجْرَى التَّارِيخِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ لَهُ فَوَائِدَ كَمَعْرِفَةِ وُجُوهِ الْحِكْمَةِ الْبَاعِثَةِ عَلَى تَشْرِيعِ الْأَحْكَامِ وَتَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِهِ عِنْدَ مَنْ يَرَى كَوْنَ الْعِبْرَةِ بِخُصُوصِ السَّبَبِ وَالْوُقُوفِ عَلَى الْمَعْنَى وَإِزَالَةِ الْإِشْكَالِ وَعَنْ الْوَاحِدِيِّ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ تَفْسِيرِ الْآيَةِ دُونَ الْوُقُوفِ عَلَى قِصَّتِهَا وَبَيَانِ نُزُولِهَا وَقَدْ عَرَفْت تَفْصِيلَهُ (أَنْ يُفَسِّرَهُ) لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ جَوَازُ التَّفْسِيرِ لِكُلِّ مَنْ يَعْرِفُ اللُّغَةَ وَسَبَبَ النُّزُولِ لِأَيِّ آيَةٍ سِوَى الْمُتَشَابِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ ذَلِكَ لِمَا تَكُونُ دَلَالَتُهُ وَاضِحَةً كَأَقْسَامِ اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ الظُّهُورُ وَأَمَّا مَا تَكُونُ دَلَالَتُهُ خَفِيَّةً كَأَقْسَامِهِ مِنْ حَيْثُ الْخَفَاءُ فَيَحْتَاجُ إلَى الْعُلُومِ الْمَذْكُورَةِ وَيَخْتَصُّ بِالْمُجْتَهِدِ (وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ وَلَمْ يَعْرِفْ وُجُوهَ اللُّغَةِ) فَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ مَعْرِفَتِهَا بِالْوَجْهِ الْوَاحِدِ (لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفَسِّرَهُ إلَّا مِقْدَارَ مَا سَمِعَ) بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ (فَيَكُونُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْهُ (عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ) مِمَّنْ يَعْرِفُ لَعَلَّ مِنْهُ مَا وَقَعَ فِي كُتُبِ التَّفَاسِيرِ (لَا عَلَى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ انْتَهَى أَقُولُ وَمِنْ جُمْلَةِ مَحْمَلِ النَّهْيِ) الْوَارِدِ فِي حَقِّ مَنْ يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِ (مَنْ لَمْ يَعْرِفْ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ وَمَوَاضِعَ الْإِجْمَاعِ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُجْتَهِدِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ كَالْعَالِمِ الْعَامِّيِّ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ رَأْيِ مَنْ قَلَّدَهُ (وَعَقَائِدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَيُفَسِّرُهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعَرَبِيَّةِ فَلَا يَأْمَنُ مِنْ الْخَطَأِ) لِجَهْلِهِ بِمَا ذُكِرَ (فَلَا يُفِيدُ مُجَرَّدُ مَعْرِفَةِ وُجُوهِ اللُّغَةِ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهَا مِنْ مَعْرِفَةِ مَا ذَكَرْنَا) مِنْ مَعْرِفَةِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ إلَخْ وَأَنَا أَقُولُ لَا يَكْفِي مَا ذَكَرَهُ أَيْضًا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْعُلُومِ الْمَذْكُورَةِ الْبَالِغَةِ إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ قَالَ فِي الْمِفْتَاحِ اعْلَمْ أَنَّ عُلُومَ الْقُرْآنِ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ: مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ كُنْهِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَعِلْمِ الْغُيُوبِ. وَالثَّانِي: مَا أَطْلَعَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ نَبِيَّهُ مِنْ أَسْرَارِ الْكِتَابِ وَاخْتَصَّهُ بِهِ وَالْأَوَّلُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ النَّبِيِّ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ وَأَوَائِلُ السُّوَرِ قِيلَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ وَقِيلَ مِنْ الْأَوَّلِ. وَالثَّالِثُ: عَلَّمَهُ نَبِيَّهُ وَأَمَرَهُ بِتَعْلِيمِهِ وَهَذَا قِسْمَانِ مَا لَا يَجُوزُ بِدُونِ السَّمْعِ كَأَسْبَابِ النُّزُولِ وَالْقِرَاءَاتِ وَأَحْوَالِ حَشْرِ الْمَعَادِ وَمِنْهُ مَا يُؤْخَذُ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَالِاسْتِنْبَاطِ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَهُوَ قِسْمَانِ: قِسْمٌ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ وَهُوَ تَأْوِيلُ الْمُتَشَابِهَاتِ فِي الصِّفَاتِ وَقِسْمٌ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَهُوَ اسْتِنْبَاطُ الْأَحْكَامِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْفَرْعِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَكَذَا فُنُونُ الْبَلَاغَةِ وَضُرُوبُ الْمَوَاعِظِ وَالْحِكَمُ وَالْإِشَارَاتُ

стр. 914

قَالَ أَبُو حَيَّانَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْقُرْآنَ قِسْمَانِ قِسْمٌ وَرَدَ تَفْسِيرُهُ بِالسَّمْعِ وَقِسْمٌ لَمْ يَرِدْ وَالْأَوَّلُ إمَّا عَنْ النَّبِيِّ ﵊ فَعَلَيْك تَصْحِيحُ سَنَدِهِ أَوْ عَنْ الصَّحَابَةِ فَإِنْ كَانَ لُغَةً فَاعْتَمِدْهُ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ وَإِذَا تَعَارَضَتْ الْأَقْوَالُ فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ فَذَاكَ وَإِلَّا فَقَدِّمْ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَشَّرَهُ وَقَالَ «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» وَرَجَّحَ الشَّافِعِيُّ قَوْلَ زَيْدٍ فِي الْفَرَائِضِ أَوْ عَنْ التَّابِعِينَ فَإِنْ صَحَّ الِاعْتِمَادُ فَكَمَا سَبَقَ وَإِلَّا فَوَجَبَ الِاجْتِهَادُ وَأَمَّا مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَقْلٌ فَقَلِيلٌ وَالتَّوَصُّلُ إلَيْهِ بِمَعْرِفَةِ الْمُفْرَدَاتِ اللُّغَوِيَّةِ وَمَدْلُولَاتِهَا وَاسْتِعْمَالَاته ابِحَسَبِ السِّيَاقِ (فَإِذَا حَصَلَ لَهُ هَاتَانِ الْمَعْرِفَتَانِ) وُجُوهُ اللُّغَةِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ (فَلَهُ أَنْ يُفَسِّرَهُ وَلَا يَكُونُ تَفْسِيرُهُ بِالرَّأْيِ) الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَجَائِزٌ لِعَمَلِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَسَائِرِ الصَّالِحِينَ وَفِي الْمِفْتَاحِ عَنْ الْأَئِمَّةِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَسِّرَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَأَى قَاصًّا وَالنَّاسُ حَوْلَهُ أَتَعْرِفُ النَّاسِخَ مِنْ الْمَنْسُوخِ قَالَ لَا قَالَ هَلَكْت وَأَهْلَكْت وَحِينَ رَأَى الْأَعْمَشُ قَاصًّا فِي الْمَسْجِدِ يَقُولُ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ فَتَوَسَّطَ الْأَعْمَشُ الْحَلْقَةَ وَجَعَلَ يَنْتِفُ شَعْرَ إبِطِهِ فَقَالَ لَهُ الْقَصَّاصُ نَحْنُ فِي عِلْمٍ وَأَنْتَ تَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا فَقَالَ الْأَعْمَشُ الَّذِي فِيهِ أَنَا خَيْرٌ مِنْ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ قَالَ كَيْفَ قَالَ لِأَنَّى فِي سُنَّةٍ وَأَنْتَ فِي كَذِبٍ أَنَا الْأَعْمَشُ وَمَا حَدَّثْتُك مِمَّا تَقُولُ شَيْئًا وَتَفْصِيلُهُ فِي أَوَائِلِ مَوْضُوعَاتِ عَلِيٍّ الْقَارِي (أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ وَاسْتَنْبَطُوا مِنْهَا أَحْكَامًا مَبْنِيَّةً عَلَى فَهْمِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] حَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى اللَّمْسِ بِالْيَدِ) أَيْ بِبَاطِنِ الْكَفِّ (فَأَوْجَبَ الْوُضُوءَ بِلَمْسِ النِّسَاءِ) بِمُجَرَّدِ الْيَدِ إنْ لَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَةً (وَ) حَمَلَهُ (أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى الْجِمَاعِ فَلَمْ يُوجِبْهُ بِهِ) لِفَقْدِ السَّبَبِ عِنْدَهُ (وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى) قِيلَ هُنَا الْأَوْلَى أَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا هُوَ عَنْ التَّفْسِيرِ وَلَوْ عَلِمَ وُجُوهَ اللُّغَةِ إذْ لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِيهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَحَصَّلُ بِالسَّمْعِ فَاخْتُصَّ بِذَلِكَ الصَّحَابَةُ فَالْغَيْرُ إنْ أَتَى عَلَى طَرِيقِ التَّفْسِيرِ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ فَيَسْتَحِقُّ الْوَعِيدَ فَمَا صَدَرَ مِنْ الْأَئِمَّةِ إنَّمَا هُوَ تَأْوِيلٌ إذْ لِلرَّأْيِ فِيهِ مَدْخَلٌ لِأَنَّهُ صَرَفَ الْكَلَامَ إلَى بَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ فَإِنْ وَافَقَ الْأُصُولَ مِنْ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَةِ أَوْ الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ عَلَى وَفْقِ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ عِنْدَ الْعَرَبِيَّةِ فَصَحِيحٌ وَإِلَّا فَفَاسِدٌ فَالتَّأْوِيلُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الدِّرَايَةِ بِخِلَافِ التَّفْسِيرِ [الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ إخَافَةُ الْمُؤْمِنِ] (الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ) (إخَافَةُ الْمُؤْمِنِ) وَكَذَا الذِّمِّيُّ (مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ) فَلَوْ كَانَ بِذَنْبٍ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى ذَبِّهِ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ قَاعِدَةُ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ كَمَا بَيَّنَ فِي الشِّرْعَةِ فَلَيْسَ بِآفَةٍ ظَاهِرُهُ بِاللِّسَانِ فَقَطْ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَعُمَّ الْفِعْلَ أَيْضًا (وَإِكْرَاهُهُ عَلَى مَا لَا يُرِيدُهُ) أَيْ الْمُؤْمِنِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْآفَاتِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِكْرَاهِ كَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى إيقَاعِ مَا هَدَّدَهُ بِهِ (كَالْهِبَةِ) وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ فِي نَفْسِهَا وَلِذَا قَالَ فِي قَاضِي خَانْ كَمَا نُقِلَ عَنْهُ رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ جَاءَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى عَادَةِ التُّرْكُمَانِ وَجَمِيعُ النَّاسِ يَقُولُونَ هَبِي مَهْرَك لِزَوْجِك

стр. 915

قَبْلَ الدُّخُولِ قَالَتْ وَهَبْت لِزَوْجِي وَأَعْطَاهَا عِوَضَ مَهْرِهَا ثُمَّ قَالَتْ بَعْدَ سَنَةٍ أَوَسَنَتَيْنِ مَا وَهَبْت الْمَهْرَ هَلْ تَصِحُّ بِهَذِهِ الشُّهُودِ الْهِبَةُ أَمْ لَا الْجَوَابُ تَصِحُّ الْهِبَةُ وَالشُّهَدَاءُ إنْ كَانَتْ الْهِبَةُ بِرِضَاهَا وَإِنْ كَانَتْ خَوْفًا مِنْ النَّاسِ أَوْ حَيَاءً لَا تَصِحُّ (وَالنِّكَاحُ) وَإِنْ صَحِيحًا مُطْلَقًا (وَالْبَيْعُ) وَإِنْ كَانَ الْمُكْرَهُ مُخَيَّرًا (وَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ) لَعَلَّ بِالنَّظَرِ إلَى جِنْسِهِ إذْ بَعْضُ الْإِخَافَةِ يَجُوزُ كَوْنُهُ مَكْرُوهًا إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّغْلِيبِ أَوْ عُمُومِ الْمَجَازِ (طب عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ أَخَافَ مُؤْمِنًا» مُطْلَقًا لَكِنْ بِغَيْرِ حَقٍّ «كَانَ حَقًّا» أَيْ ثَابِتًا فَلَا يَتَخَلَّفُ لَعَلَّ فِيهِ مَدْخَلًا لِفَهْمِ الْحُرْمَةِ نَعَمْ الْحَدِيثُ وَاحِدٌ فَافْهَمْ «عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لَا يُؤَمِّنَهُ» وَيُبَرِّئَهُ «مِنْ أَفْزَاعِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَشَدَائِدِهَا وَأَهْوَالِهَا فَلَا يَخْلُصُ مِنْهَا أَلْبَتَّةَ بَلْ يُخَوِّفُهُ بِهَا مِثْلَ مَا أَخَافَ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ يَحْسُنُ أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ لِأَنَّ جَزَاءَ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا جَزَاءً وِفَاقًا قِيلَ عَنْ الْمُنْذِرِيِّ إنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ فَافْهَمْ وَضِدُّهُ إدْخَالُ السُّرُورِ وَهُوَ مَسْنُونٌ وَمَنْدُوبٌ لِخَبَرِ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا «مَا أَدْخَلَ مُؤْمِنٌ عَلَى مُؤْمِنٍ سُرُورًا إلَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ السُّرُورِ مَلَكًا يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ وَيُوَحِّدُهُ فَإِذَا صَارَ الْعَبْدُ فِي قَبْرِهِ أَتَاهُ ذَلِكَ السُّرُورُ فَيَقُولُ لَهُ أَتَعْرِفُنِي فَيَقُولُ مَنْ أَنْتَ فَيَقُولُ أَنَا السُّرُورُ الَّذِي أَدْخَلْتنِي عَلَى فُلَانٍ أَنَا الْيَوْمَ أُونِسُ وَحْشَتَك وَأُلَقِّنُكَ حُجَّتَك وَأُثَبِّتُك بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ وَأَشْهَدُ لَك يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَشْفَعُ لَك وَأُرِيكَ مَنْزِلَكَ مِنْ الْجَنَّةِ» وَفِي حَدِيثِ الْمَشَارِقِ «مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا فَرَّجَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» الْحَدِيثَ، وَعَنْ شَرْحِ الصُّدُورِ «مَنْ كَفَّ أَذَاهُ عَنْ النَّاسِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ أَذَى الْقَبْرِ» وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «مَنْ أَشَارَ إلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ سَوَاءٌ كَانَ جَادًّا أَوْ هَازِلًا وَلَاعِبًا لِمَا أَدْخَلَهُ عَلَى أَخِيهِ مِنْ الرَّوْعِ وَالْخَوْفِ. [الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ قَطْعُ كَلَامِ الْغَيْرِ وَحَدِيثِهِ بِكَلَامِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ] (الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ) (قَطْعُ كَلَامِ الْغَيْرِ وَحَدِيثِهِ بِكَلَامِهِ)
следующие страницы →