Полный текст (1 189 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
أَوَّلًا ثُمَّ هَذِهِ تَسْتَتْبِعُ التَّفْهِيمَ وَالِاسْتِنْبَاطَ وَلَا مَطْمَعَ فِي الْوُصُولِ إلَى الْبَاطِنِ قَبْلَ إحْكَامِ الظَّاهِرِ انْتَهَى.
ثُمَّ قِيلَ إنَّهُ ضَعِيفٌ لِمَا فِيهِ عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَامِرٍ الْكُوفِيُّ وَإِنْ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ كَذَا فِي الْفَيْضِ
(وَفِي رِوَايَةٍ) لِأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - (أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي» لَا تُحَدِّثُوا عَنِّي «إلَّا مَا عَلِمْتُمْ» بِمَعْرِفَةِ صِحَّةِ النِّسْبَةِ إلَيَّ وَعَنْ الطِّيبِيِّ أَيْ احْذَرُوا رِوَايَةَ الْحَدِيثِ عَنِّي أَوْ احْذَرُوا مِنْ الْحَدِيثِ عَنِّي لَكِنْ لَا تَحْذَرُوا مِمَّا تَعْلَمُونَهُ انْتَهَى وَالْحَدِيثُ عُرْفًا مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَوْ فِعْلِهِمْ أَوْ تَقْرِيرِهِمْ وَقَدْ يُخَصُّ بِمَا يُرْفَعُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ كَذَا فِي التَّلْوِيحِ وَغَيْرِهِ وَأَهْلُهُ النَّقَلَةُ الْمُعْتَنُونَ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ «فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» أَيْ فَلْيَتَّخِذْ لَهُ مَحَلًّا فِيهَا لِيَنْزِلَ فِيهِ أَمْرٌ بِمَعْنَى الْخَبَرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ أَوْ دُعَاءٌ أَيْ بَوَّأَهُ اللَّهُ ذَلِكَ فَالتَّبَوُّأُ اتِّخَاذُ الْمَنْزِلِ، وَالْمَقْعَدُ مَحَلُّ الْقُعُودِ وَقَالَ الطِّيبِيُّ الْأَمْرُ لِلتَّهَكُّمِ وَالتَّغْلِيظِ إذْ لَوْ قَالَ مَقْعَدُهُ فِي النَّارِ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَالْكَذِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْكَبَائِرِ الْمُوبِقَةِ وَالْعَظَائِمِ الْمُهْلِكَةِ لِإِضْرَارِهِ بِالدِّينِ وَإِفْسَادِ أَصْلِ الْإِيمَانِ وَعُمُومُ الْخَبَرِ يَشْمَلُ الْكَذِبَ فِي غَيْرِ الدِّينِ وَمَنْ خَصَّهُ بِهِ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ كَذَا فِي الْفَيْضِ (وَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ) مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ خِبْرَةٌ بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَوُجُوهِ اسْتِعْمَالَاتِهَا فِي نَحْوِ حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ وَمُجْمَلٍ وَغَيْرِهَا مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ وَمُتَعَلِّقَاتِ التَّفْسِيرِ وَقَوَانِينِ التَّأْوِيلِ كَذَا فِي الْفَيْضِ
أَقُولُ تَفْصِيلَةُ مَا فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ لَعَلَّهُ مِنْ الْإِتْقَانِ أَنَّهُ قَالَ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فَقَالَ قَوْمٌ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَاطَى تَفْسِيرَ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا أَدِيبًا مُتَّسِعًا فِي مَعْرِفَةِ الْأَدِلَّةِ وَالْفِقْهِ وَالنَّحْوِ وَالْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ فِي ذَلِكَ وَقَالَ قَوْمٌ يَجُوزُ لِمَنْ جَمَعَ الْعُلُومَ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْمُفَسِّرُ وَهِيَ خَمْسَةَ عَشَرَ:
الْأَوَّلُ: اللُّغَةُ قَالَ مُجَاهِدٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِلُغَاتِ الْقُرْآنِ وَلَا يَكْتَفِي بِالْيَسِيرِ.
الثَّانِي: النَّحْوُ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَتَغَيَّرُ بِاخْتِلَافِ الْإِعْرَابِ.
الثَّالِثُ: الصَّرْفُ لِأَنَّ فِيهِ مَعْرِفَةَ الْأَبْنِيَةِ وَالصِّيَغِ.
الرَّابِعُ: الِاشْتِقَاقُ لِأَنَّ الِاسْمَ إذَا اُشْتُقَّ مِنْ مَادَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ اخْتَلَفَ الْمَعْنَى بِاخْتِلَافِهِمَا كَالْمَسِيحِ هَلْ هُوَ مِنْ السِّيَاحَةِ أَوْ الْمَسْحِ.
الْخَامِسُ: الْمَعَانِي.
السَّادِسُ: الْبَيَانُ.
السَّابِعُ: الْبَدِيعُ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِالْأَوَّلِ تَوْفِيَةُ خَوَاصِّ تَرَاكِيبِ الْكَلَامِ حَقَّهَا مِنْ الْمَقَامِ وَبِالثَّانِي مِنْ حَيْثُ تَفَاوُتُهَا بِحَسَبِ زِيَادَةِ الدَّلَالَةِ وَنُقْصَانِهَا وَبِالثَّالِثِ وُجُوهُ تَحْسِينِ الْكَلَامِ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ عُلُومُ الْبَلَاغَةِ الَّتِي مِنْ أَعْظَمِ أَرْكَانِ الْمُفَسِّرِ قَالَ السَّكَّاكِيُّ فَالْوَيْلُ كُلُّ الْوَيْلِ لِمَنْ تَعَاطَى التَّفْسِيرَ وَهُوَ فِيهِمَا أَيْ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ رَاجِلٌ وَأَمَّا الْبَدِيعُ فَمِنْ جِهَاتِ الْحُسْنِ.
الثَّامِنُ: عِلْمُ الْقِرَاءَةِ إذْ بِهِ يَتَرَجَّحُ بَعْضُ الْوُجُوهِ الْمُحْتَمَلَةِ عَلَى بَعْضٍ
التَّاسِعُ: أُصُولُ الدِّينِ إذْ فِي الْقُرْآنِ مَا لَا يَجُوزُ ظَاهِرُهُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى فَيَحْتَاجُ إلَى التَّأْوِيلِ.
الْعَاشِرُ: أُصُولُ الْفِقْهِ إذْ بِهِ يُعْرَفُ وَجْهُ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: أَسْبَابُ النُّزُولِ إذْ لَا يَطَّلِعُ عَلَى حَقِيقَةِ الْمَعْنَى إلَّا بِهَا.
الثَّانِيَ عَشَرَ: النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ لِيَعْلَمَ الْمُحْكَمَ مِنْ غَيْرِهِ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: الْفِقْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ الْأَحَادِيثُ الْمُبَيِّنَةُ لِتَفْسِيرِ الْمُجْمَلِ وَالْمُبْهَمِ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: عِلْمُ الْمَوْهِبَةِ وَهُوَ عِلْمٌ يُورِثُهُ اللَّهُ لِمَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ كَمَا أُشِيرَ فِي حَدِيثِ مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ فَهَذِهِ هِيَ الْعُلُومُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ تَعَاطِي التَّفْسِيرِ بِدُونِ وَاحِدٍ مِنْهَا وَمَنْ فَسَّرَ كَانَ مُفَسِّرًا بِالرَّأْيِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ قُلْت وَإِيَّاكَ أَنْ تَسْتَشْكِلَ عِلْمَ الْمَوْهِبَةِ اغْتِرَارًا بِمَا سَمِعْت مِنْ أَقْوَالِ الْمُنْكَرِينَ فَتَأَمَّلْ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ وَحَدِيثَ «مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فُجِّرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ» إلَّا أَنَّ الزَّمَانَ لَمَّا خَلَا عَنْ الْعِلْمِ وَذَوِيهِ وَعَنْ الْعِرْفَانِ وَمُنْتَحِلِيهِ وَبَارَ أَهْلُ الْفَضْلِ وَكَسَدَ سُوقُ الْقَوْلِ الْفَصْلِ تَرَأَّسَ الْجُهَّالُ وَأَكْثَرُوا الْقِيلَ وَالْقَالَ وَلَكِنْ لِلْحُرُوبِ رِجَالٌ وَلِلثَّرِيدِ رِجَالٌ انْتَهَى مُلَخَّصًا
стр. 912
«فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» الْمُعَدَّةِ فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّهُ وَإِنْ طَابَقَ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ فَقَدْ ارْتَكَبَ أَمْرًا فَظِيعًا وَاقْتَحَمَ هَوْلًا شَنِيعًا حَيْثُ أَقْدَمَ عَلَى كَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِغَيْرِ إذْنِ الشَّارِعِ وَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ وَإِنْ أَصَابَ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ وَمِنْ الطَّامَّاتِ صَرْفُ أَلْفَاظِ الشَّرْعِ عَنْ ظَاهِرِهَا إلَى أُمُورٍ لَمْ تَسْبِقْ مِنْهَا إلَى الْإِفْهَامِ كَدَأْبِ الْبَاطِنِيَّةِ فَإِنَّ الصَّرْفَ عَنْ مُقْتَضَى ظَوَاهِرِهَا مِنْ غَيْرِ اعْتِصَامٍ فِيهِ بِالنَّقْلِ عَنْ الشَّارِعِ وَبِغَيْرِ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إلَيْهِ مِنْ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ حَرَامٌ كَذَا فِي الْفَيْضِ قَالَ فِي الْمِفْتَاحِ أَيْضًا قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ جُمْلَةُ مَا يَحْصُلُ فِي مَعْنَى التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: التَّفْسِيرُ بِلَا تَحْصِيلِ آلَاتِهِ مِنْ الْعُلُومِ.
الثَّانِي: تَفْسِيرُ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ.
الثَّالِثُ: التَّفْسِيرُ الْمُقَرِّرُ لِلْمَذْهَبِ الْبَاطِلِ بِأَنْ يَجْعَلَ الْمَذْهَبَ أَصْلًا وَالتَّفْسِيرَ تَابِعًا لَهُ فَيَرُدُّهُ إلَيْهِ بِأَيِّ طَرِيقٍ أَمْكَنَ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا.
الرَّابِعُ: التَّفْسِيرُ أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ كَذَا عَلَى الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.
الْخَامِسُ: التَّفْسِيرُ بِالْهَوَى ثُمَّ أَقُولُ قَالَ فِي الْفَيْضِ ضَعْفُ هَذَا الْحَدِيثِ لِمَا فِيهِ سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ الَّذِي هُوَ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ نَعَمْ صَحِيحٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَمِمَّنْ جَرَى فِي تَضْعِيفِ رِوَايَتِهِ التِّرْمِذِيُّ وَالصَّدْرُ الْمُنَاوِيُّ انْتَهَى وَبِهِ يُعْلَمُ فَسَادُ مَا فِي الْوَسِيلَةِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمِنْ خَاصَّتِهِ اجْتِمَاعُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ فِيهِ إلَى تَمَامِ مَا أَخَذَهُ مِنْ أَوَائِلِ مَوْضُوعَاتِ عَلِيٍّ الْقَارِيّ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ ذَلِكَ الْحَدِيثِ فَلْيُتَأَمَّلْ (اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ عَنْ التَّفْسِيرِ بِالرَّأْيِ أَنْ يَقْتَصِرَ فِيهِ) أَيْ فِي التَّفْسِيرِ (عَلَى الْمَسْمُوعِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ) أَيْ الْمَسْمُوعَ مِنْهُ (أَقَلُّ قَلِيلٍ) كَتَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - (فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَحْتَجَّ أَحَدٌ بِالْقُرْآنِ فِي غَيْرِ الْمَسْمُوعِ فَيَنْسَدُّ بَابُ الِاجْتِهَادِ وَذَا بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ) قِيلَ إشَارَةٌ إلَى الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ (فِي الْبُسْتَانِ النَّهْيُ إنَّمَا وَرَدَ) بِالنِّسْبَةِ (إلَى الْمُتَشَابِهِ مِنْهُ لَا) بِالنِّسْبَةِ (إلَى جَمِيعِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] عُدُولٌ عَنْ الْحَقِّ كَالْمُبْتَدِعَةِ ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] فَيَتَعَلَّقُونَ بِظَاهِرِهِ أَوْ بِتَأْوِيلٍ بَاطِلٍ ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: ٧] طَلَبَ أَنْ يُفْتَنُوا النَّاسَ عَنْ دِينِهِمْ بِالتَّشْكِيكِ وَالتَّلْبِيسِ وَمُنَاقَضَةِ الْمُحْكَمِ بِالْمُتَشَابِهِ ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] وَطَلَبَ أَنْ يُؤَوِّلُوهُ عَلَى مَا يَشْتَهُونَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي إلَى الِاتِّبَاعِ مَجْمُوعَ الطَّلَبَيْنِ أَوْ كُلًّا مِنْهُمَا عَلَى التَّعَاقُبِ
стр. 913
وَالْأَوَّلُ يُنَاسِبُ الْمُعَانِدَ وَالثَّانِي يُلَائِمُ الْجَاهِلَ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران: ٧] الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ ﴿إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] الَّذِينَ ثَبَتُوا وَتَمَكَّنُوا فِيهِ وَاخْتُلِفَ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْجَلَالَةِ فَمَنْ وَقَفَ مَنَعَ التَّأْوِيلَ وَمِنْ وَصَلَ أَجَازَهُ كَمَا وَرَدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَا مِنْ الرَّاسِخِينَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ وَالتَّفْصِيلُ فِي الْأُصُولِ وَقَدْ سَبَقَ يَقُولُونَ آمَنَّا خَبَرُ الرَّاسِخُونَ عَلَى الثَّانِي وَحَالٌ وَاسْتِئْنَافٌ عَلَى الْأَوَّلِ وَهَذَا مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ (الْآيَةَ لِأَنَّ الْقُرْآنَ إنَّمَا نَزَلَ حُجَّةً عَلَى الْخَلْقِ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ التَّفْسِيرُ) فِي غَيْرِ الْمَسْمُوعِ (لَا يَكُونُ حُجَّةً بَالِغَةً) إلَى دَرَجَةِ الْكَمَالِ فِي الْحُجِّيَّةِ لِأَنَّ مَا فَسَّرَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَلُّ قَلِيلٍ
(فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ لِمَنْ يَعْرِفُ لُغَاتِ الْعَرَبِ) كَمَعَانِي الْمُفْرَدَاتِ وَالْمُرَكَّبَاتِ كَمَا بِمَتْنِ اللُّغَةِ وَسَائِرِ عُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ (وَعَرَفَ شَأْنَ النُّزُولِ) أَيْ قَالَ فِي الْإِتْقَانِ زَعَمَ أَنَّهُ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ لِجَرَيَانِهِ مَجْرَى التَّارِيخِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ لَهُ فَوَائِدَ كَمَعْرِفَةِ وُجُوهِ الْحِكْمَةِ الْبَاعِثَةِ عَلَى تَشْرِيعِ الْأَحْكَامِ وَتَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِهِ عِنْدَ مَنْ يَرَى كَوْنَ الْعِبْرَةِ بِخُصُوصِ السَّبَبِ وَالْوُقُوفِ عَلَى الْمَعْنَى وَإِزَالَةِ الْإِشْكَالِ وَعَنْ الْوَاحِدِيِّ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ تَفْسِيرِ الْآيَةِ دُونَ الْوُقُوفِ عَلَى قِصَّتِهَا وَبَيَانِ نُزُولِهَا وَقَدْ عَرَفْت تَفْصِيلَهُ (أَنْ يُفَسِّرَهُ) لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ جَوَازُ التَّفْسِيرِ لِكُلِّ مَنْ يَعْرِفُ اللُّغَةَ وَسَبَبَ النُّزُولِ لِأَيِّ آيَةٍ سِوَى الْمُتَشَابِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ ذَلِكَ لِمَا تَكُونُ دَلَالَتُهُ وَاضِحَةً كَأَقْسَامِ اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ الظُّهُورُ وَأَمَّا مَا تَكُونُ دَلَالَتُهُ خَفِيَّةً كَأَقْسَامِهِ مِنْ حَيْثُ الْخَفَاءُ فَيَحْتَاجُ إلَى الْعُلُومِ الْمَذْكُورَةِ وَيَخْتَصُّ بِالْمُجْتَهِدِ (وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ وَلَمْ يَعْرِفْ وُجُوهَ اللُّغَةِ) فَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ مَعْرِفَتِهَا بِالْوَجْهِ الْوَاحِدِ (لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفَسِّرَهُ إلَّا مِقْدَارَ مَا سَمِعَ) بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ (فَيَكُونُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْهُ (عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ) مِمَّنْ يَعْرِفُ لَعَلَّ مِنْهُ مَا وَقَعَ فِي كُتُبِ التَّفَاسِيرِ (لَا عَلَى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ انْتَهَى أَقُولُ وَمِنْ جُمْلَةِ مَحْمَلِ النَّهْيِ) الْوَارِدِ فِي حَقِّ مَنْ يُفَسِّرُ الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِ (مَنْ لَمْ يَعْرِفْ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ وَمَوَاضِعَ الْإِجْمَاعِ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُجْتَهِدِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ كَالْعَالِمِ الْعَامِّيِّ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ رَأْيِ مَنْ قَلَّدَهُ (وَعَقَائِدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَيُفَسِّرُهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعَرَبِيَّةِ فَلَا يَأْمَنُ مِنْ الْخَطَأِ) لِجَهْلِهِ بِمَا ذُكِرَ (فَلَا يُفِيدُ مُجَرَّدُ مَعْرِفَةِ وُجُوهِ اللُّغَةِ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهَا مِنْ مَعْرِفَةِ مَا ذَكَرْنَا) مِنْ مَعْرِفَةِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ إلَخْ
وَأَنَا أَقُولُ لَا يَكْفِي مَا ذَكَرَهُ أَيْضًا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْعُلُومِ الْمَذْكُورَةِ الْبَالِغَةِ إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ قَالَ فِي الْمِفْتَاحِ اعْلَمْ أَنَّ عُلُومَ الْقُرْآنِ ثَلَاثَةٌ:
الْأَوَّلُ: مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ كُنْهِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَعِلْمِ الْغُيُوبِ.
وَالثَّانِي: مَا أَطْلَعَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ نَبِيَّهُ مِنْ أَسْرَارِ الْكِتَابِ وَاخْتَصَّهُ بِهِ وَالْأَوَّلُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ النَّبِيِّ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ وَأَوَائِلُ السُّوَرِ قِيلَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ وَقِيلَ مِنْ الْأَوَّلِ.
وَالثَّالِثُ: عَلَّمَهُ نَبِيَّهُ وَأَمَرَهُ بِتَعْلِيمِهِ وَهَذَا قِسْمَانِ مَا لَا يَجُوزُ بِدُونِ السَّمْعِ كَأَسْبَابِ النُّزُولِ وَالْقِرَاءَاتِ وَأَحْوَالِ حَشْرِ الْمَعَادِ وَمِنْهُ مَا يُؤْخَذُ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَالِاسْتِنْبَاطِ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَهُوَ قِسْمَانِ: قِسْمٌ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ وَهُوَ تَأْوِيلُ الْمُتَشَابِهَاتِ فِي الصِّفَاتِ وَقِسْمٌ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَهُوَ اسْتِنْبَاطُ الْأَحْكَامِ الْأَصْلِيَّةِ وَالْفَرْعِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَكَذَا فُنُونُ الْبَلَاغَةِ وَضُرُوبُ الْمَوَاعِظِ وَالْحِكَمُ وَالْإِشَارَاتُ
стр. 914
قَالَ أَبُو حَيَّانَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْقُرْآنَ قِسْمَانِ قِسْمٌ وَرَدَ تَفْسِيرُهُ بِالسَّمْعِ وَقِسْمٌ لَمْ يَرِدْ وَالْأَوَّلُ إمَّا عَنْ النَّبِيِّ ﵊ فَعَلَيْك تَصْحِيحُ سَنَدِهِ أَوْ عَنْ الصَّحَابَةِ فَإِنْ كَانَ لُغَةً فَاعْتَمِدْهُ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ وَإِذَا تَعَارَضَتْ الْأَقْوَالُ فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ فَذَاكَ وَإِلَّا فَقَدِّمْ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَشَّرَهُ وَقَالَ «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» وَرَجَّحَ الشَّافِعِيُّ قَوْلَ زَيْدٍ فِي الْفَرَائِضِ أَوْ عَنْ التَّابِعِينَ فَإِنْ صَحَّ الِاعْتِمَادُ فَكَمَا سَبَقَ وَإِلَّا فَوَجَبَ الِاجْتِهَادُ وَأَمَّا مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَقْلٌ فَقَلِيلٌ وَالتَّوَصُّلُ إلَيْهِ بِمَعْرِفَةِ الْمُفْرَدَاتِ اللُّغَوِيَّةِ وَمَدْلُولَاتِهَا وَاسْتِعْمَالَاته ابِحَسَبِ السِّيَاقِ (فَإِذَا حَصَلَ لَهُ هَاتَانِ الْمَعْرِفَتَانِ) وُجُوهُ اللُّغَةِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ (فَلَهُ أَنْ يُفَسِّرَهُ وَلَا يَكُونُ تَفْسِيرُهُ بِالرَّأْيِ) الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَجَائِزٌ لِعَمَلِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَسَائِرِ الصَّالِحِينَ
وَفِي الْمِفْتَاحِ عَنْ الْأَئِمَّةِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَسِّرَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَأَى قَاصًّا وَالنَّاسُ حَوْلَهُ أَتَعْرِفُ النَّاسِخَ مِنْ الْمَنْسُوخِ قَالَ لَا قَالَ هَلَكْت وَأَهْلَكْت وَحِينَ رَأَى الْأَعْمَشُ قَاصًّا فِي الْمَسْجِدِ يَقُولُ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ فَتَوَسَّطَ الْأَعْمَشُ الْحَلْقَةَ وَجَعَلَ يَنْتِفُ شَعْرَ إبِطِهِ فَقَالَ لَهُ الْقَصَّاصُ نَحْنُ فِي عِلْمٍ وَأَنْتَ تَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا فَقَالَ الْأَعْمَشُ الَّذِي فِيهِ أَنَا خَيْرٌ مِنْ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ قَالَ كَيْفَ قَالَ لِأَنَّى فِي سُنَّةٍ وَأَنْتَ فِي كَذِبٍ أَنَا الْأَعْمَشُ وَمَا حَدَّثْتُك مِمَّا تَقُولُ شَيْئًا وَتَفْصِيلُهُ فِي أَوَائِلِ مَوْضُوعَاتِ عَلِيٍّ الْقَارِي (أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ وَاسْتَنْبَطُوا مِنْهَا أَحْكَامًا مَبْنِيَّةً عَلَى فَهْمِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] حَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى اللَّمْسِ بِالْيَدِ) أَيْ بِبَاطِنِ الْكَفِّ (فَأَوْجَبَ الْوُضُوءَ بِلَمْسِ النِّسَاءِ) بِمُجَرَّدِ الْيَدِ إنْ لَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَةً (وَ) حَمَلَهُ (أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى الْجِمَاعِ فَلَمْ يُوجِبْهُ بِهِ) لِفَقْدِ السَّبَبِ عِنْدَهُ (وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى) قِيلَ هُنَا الْأَوْلَى أَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا هُوَ عَنْ التَّفْسِيرِ وَلَوْ عَلِمَ وُجُوهَ اللُّغَةِ إذْ لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِيهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَحَصَّلُ بِالسَّمْعِ فَاخْتُصَّ بِذَلِكَ الصَّحَابَةُ فَالْغَيْرُ إنْ أَتَى عَلَى طَرِيقِ التَّفْسِيرِ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ فَيَسْتَحِقُّ الْوَعِيدَ فَمَا صَدَرَ مِنْ الْأَئِمَّةِ إنَّمَا هُوَ تَأْوِيلٌ إذْ لِلرَّأْيِ فِيهِ مَدْخَلٌ لِأَنَّهُ صَرَفَ الْكَلَامَ إلَى بَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ فَإِنْ وَافَقَ الْأُصُولَ مِنْ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَةِ أَوْ الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ عَلَى وَفْقِ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ عِنْدَ الْعَرَبِيَّةِ فَصَحِيحٌ وَإِلَّا فَفَاسِدٌ فَالتَّأْوِيلُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الدِّرَايَةِ بِخِلَافِ التَّفْسِيرِ
[الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ إخَافَةُ الْمُؤْمِنِ]
(الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ) (إخَافَةُ الْمُؤْمِنِ) وَكَذَا الذِّمِّيُّ (مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ) فَلَوْ كَانَ بِذَنْبٍ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى ذَبِّهِ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ قَاعِدَةُ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ كَمَا بَيَّنَ فِي الشِّرْعَةِ فَلَيْسَ بِآفَةٍ ظَاهِرُهُ بِاللِّسَانِ فَقَطْ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَعُمَّ الْفِعْلَ أَيْضًا (وَإِكْرَاهُهُ عَلَى مَا لَا يُرِيدُهُ) أَيْ الْمُؤْمِنِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْآفَاتِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِكْرَاهِ كَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى إيقَاعِ مَا هَدَّدَهُ بِهِ (كَالْهِبَةِ) وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ فِي نَفْسِهَا وَلِذَا قَالَ فِي قَاضِي خَانْ كَمَا نُقِلَ عَنْهُ رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ جَاءَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى عَادَةِ التُّرْكُمَانِ وَجَمِيعُ النَّاسِ يَقُولُونَ هَبِي مَهْرَك لِزَوْجِك
стр. 915
قَبْلَ الدُّخُولِ قَالَتْ وَهَبْت لِزَوْجِي وَأَعْطَاهَا عِوَضَ مَهْرِهَا ثُمَّ قَالَتْ بَعْدَ سَنَةٍ أَوَسَنَتَيْنِ مَا وَهَبْت الْمَهْرَ هَلْ تَصِحُّ بِهَذِهِ الشُّهُودِ الْهِبَةُ أَمْ لَا الْجَوَابُ تَصِحُّ الْهِبَةُ وَالشُّهَدَاءُ إنْ كَانَتْ الْهِبَةُ بِرِضَاهَا وَإِنْ كَانَتْ خَوْفًا مِنْ النَّاسِ أَوْ حَيَاءً لَا تَصِحُّ (وَالنِّكَاحُ) وَإِنْ صَحِيحًا مُطْلَقًا (وَالْبَيْعُ) وَإِنْ كَانَ الْمُكْرَهُ مُخَيَّرًا (وَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ) لَعَلَّ بِالنَّظَرِ إلَى جِنْسِهِ إذْ بَعْضُ الْإِخَافَةِ يَجُوزُ كَوْنُهُ مَكْرُوهًا إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّغْلِيبِ أَوْ عُمُومِ الْمَجَازِ
(طب عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ أَخَافَ مُؤْمِنًا» مُطْلَقًا لَكِنْ بِغَيْرِ حَقٍّ «كَانَ حَقًّا» أَيْ ثَابِتًا فَلَا يَتَخَلَّفُ لَعَلَّ فِيهِ مَدْخَلًا لِفَهْمِ الْحُرْمَةِ نَعَمْ الْحَدِيثُ وَاحِدٌ فَافْهَمْ «عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لَا يُؤَمِّنَهُ» وَيُبَرِّئَهُ «مِنْ أَفْزَاعِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَشَدَائِدِهَا وَأَهْوَالِهَا فَلَا يَخْلُصُ مِنْهَا أَلْبَتَّةَ بَلْ يُخَوِّفُهُ بِهَا مِثْلَ مَا أَخَافَ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ يَحْسُنُ أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ لِأَنَّ جَزَاءَ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا جَزَاءً وِفَاقًا قِيلَ عَنْ الْمُنْذِرِيِّ إنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ فَافْهَمْ وَضِدُّهُ إدْخَالُ السُّرُورِ وَهُوَ مَسْنُونٌ وَمَنْدُوبٌ لِخَبَرِ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا «مَا أَدْخَلَ مُؤْمِنٌ عَلَى مُؤْمِنٍ سُرُورًا إلَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ السُّرُورِ مَلَكًا يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ وَيُوَحِّدُهُ فَإِذَا صَارَ الْعَبْدُ فِي قَبْرِهِ أَتَاهُ ذَلِكَ السُّرُورُ فَيَقُولُ لَهُ أَتَعْرِفُنِي فَيَقُولُ مَنْ أَنْتَ فَيَقُولُ أَنَا السُّرُورُ الَّذِي أَدْخَلْتنِي عَلَى فُلَانٍ أَنَا الْيَوْمَ أُونِسُ وَحْشَتَك وَأُلَقِّنُكَ حُجَّتَك وَأُثَبِّتُك بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ وَأَشْهَدُ لَك يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَشْفَعُ لَك وَأُرِيكَ مَنْزِلَكَ مِنْ الْجَنَّةِ» وَفِي حَدِيثِ الْمَشَارِقِ «مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا فَرَّجَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» الْحَدِيثَ، وَعَنْ شَرْحِ الصُّدُورِ «مَنْ كَفَّ أَذَاهُ عَنْ النَّاسِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ أَذَى الْقَبْرِ» وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «مَنْ أَشَارَ إلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ سَوَاءٌ كَانَ جَادًّا أَوْ هَازِلًا وَلَاعِبًا لِمَا أَدْخَلَهُ عَلَى أَخِيهِ مِنْ الرَّوْعِ وَالْخَوْفِ.
[الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ قَطْعُ كَلَامِ الْغَيْرِ وَحَدِيثِهِ بِكَلَامِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ]
(الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ) (قَطْعُ كَلَامِ الْغَيْرِ وَحَدِيثِهِ بِكَلَامِهِ)
стр. 916
(مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ) (خُصُوصًا إذَا كَانَ فِي مُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ أَوْ تَكْرَارِ الْفِقْهِ وَقَدْ مَرَّ أَنَّ السَّلَامَ عَلَيْهِ إثْمٌ) مَعَ أَنَّهُ سُنَّةٌ فَكَيْفَ حَالُ غَيْرِهِ قِيلَ وَكَذَا يُكْرَهُ الْكَلَامُ فِي أَثْنَاءِ الذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ وَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْخُطْبَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتَفْسِيرِهِ وَكَذَا بَيْنَ السُّنَنِ وَالْفَرَائِضِ حَتَّى قِيلَ التَّكَلُّمُ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْفَرْضِ يُنْقِصُ الثَّوَابَ لَا يُسْقِطُهُ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ اهـ لَا يَخْفَى أَنَّ بَعْضَ مَا ذَكَرَهُ خَفِيٌّ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ بَيَانِ نَقْلٍ صَحِيحٍ (وَكَذَا) مِنْ الْآفَةِ (قَطْعُ كَلَامِ نَفْسِهِ بِخِلَافِ جِنْسِهِ كَمَنْ يَقْرَأُ أَوْ يَدْعُو أَوْ يُفَسِّرُ) الْقُرْآنَ (أَوْ يُحَدِّثُ) بِكَلَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَوْ يَخْطُبُ) يَعِظُ (لِلنَّاسِ وَيَلْتَفِتُ فِي أَثْنَائِهِ إلَى شَخْصٍ فَيَأْمُرُهُ بِبَعْضِ حَوَائِجِ بَيْتِهِ أَوْ نَحْوِهِ وَكَذَا) مِنْ كَوْنِهِ آفَةً (تَكَلُّمُ مَنْ فِي مَجْلِسِ عِظَةٍ) وَعْظٍ (أَوْ تَدْرِيسٍ أَوْ مَنْ فَوْقَهُ) كَشَيْخِهِ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ رُتْبَةً وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ فَوْقَهُ فَلَا كَمَا سَبَقَ عَنْ التتارخانية أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْقَوْمِ أَعْلَمُ وَأَوْرَعُ مِنْ الْخَطِيبِ فَلَا يُؤْمَرُ بِاسْتِمَاعِ مَنْ هُوَ دُونَهُ (حِينَ يَتَكَلَّمُ) ذَلِكَ الْفَاضِلُ (مَعَ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ شِمَالِهِ وَلَوْ مَعَ الْإِخْفَاءِ وَكَذَا مُجَرَّدُ الْتِفَاتِهِ) يَمِينًا أَوْ شِمَالًا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ (وَتَحَرُّكِهِ) بِلَا ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ (وَكُلُّ هَذَا سُوءُ أَدَبٍ وَخِفَّةٌ وَعَجَلَةٌ وَسَفَهٌ بَلْ) يَجِبُ (عَلَى الْمُتَكَلِّمِ أَنْ يَسْرُدَ) يُنَظِّمَ (كَلَامَهُ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلِ كَلَامِ أَجْنَبِيٍّ) أَيْ خِلَافِ جِنْسِ مَا فِي صَدَدِهِ (وَ) يَجِبُ (عَلَى الْمُخَاطَبِ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ وَالْإِنْصَاتُ وَالِاسْتِمَاعُ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ كَلَامُهُ بِلَا الْتِفَاتٍ) يَمِينًا وَشِمَالًا (وَلَا تَحَرُّكٍ) بِلَا ضَرُورَةٍ (وَلَا تَكَلُّمٍ) بِلَا مُقْتَضٍ (خُصُوصًا إذَا كَانَ التَّكَلُّمُ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
стр. 917
إلَّا أَنْ تَبْدُوَ) أَيْ تَظْهَرَ لَهُ (حَاجَةٌ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ طَبْعًا) كَبَوْلٍ وَغَائِطٍ وَكَتَحْرِيكِ عُضْوٍ لِنَحْوِ أَلَمٍ وَاسْتِرَاحَةٍ (أَوْ شَرْعًا) كَأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيٍ عَنْ الْمُنْكَرِ (فَلَا يَجِدُ حِينَئِذٍ بُدًّا مِنْ بَعْضِ مَا ذُكِرَ)
قِيلَ وَمِنْ سُنَنِ الِاسْتِمَاعِ سُكُونُ الْأَطْرَافِ وَغَضُّ الْبَصَرِ وَعَقْدُ الْقَلْبِ وَعَزْمُهُ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ وَالْقِيَامِ بِحَقِّهِ وَالْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَتِهِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وُفِّقَ لِلْعَمَلِ وَإِيفَاءِ حَقِّهِ وَمِنْ سُنَنِهِ أَنْ لَا يَبْحَثَ عَمَّا يَسْمَعُ حَتَّى يَأْتِيَ الْقَائِلُ عَلَى تَمَامِهِ فَإِنْ بَقِيَتْ لَهُ شُبْهَةٌ فَلَا بَأْسَ بِالْبَحْثِ عَنْهَا بَعْدَ إتْمَامِ الْقَائِلِ كَلَامَهُ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْصَافِ وَتَرْكُ الْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ أَقْرَبُ إلَى التَّوْفِيرِ وَالِاحْتِرَامِ وَعَنْ الشِّرْعَةِ وَشَرْحِهِ وَالسُّنَّةُ فِي الِاسْتِمَاعِ لِلْحَدِيثِ وَالْقُرْآنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُبَاحَاتِ أَنْ يَجْمَعَ الرَّجُلُ فَهْمَهُ وَذِهْنَهُ لِكَلَامِ الْمُحَدِّثِ وَيُنْصِتَ لَهُ فَإِنَّ اللَّهَ وَعَدَ الرَّحْمَةَ لِلْمُنْصِتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وَمِنْ هَذَا قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ يُكْرَهُ لِلْقَوْمِ أَنْ يَقْرَءُوا الْقُرْآنَ جَمَاعَةً لِتَضَمُّنِهَا تَرْكَ الِاسْتِمَاعِ وَفِي الْخَبَرِ «مَنْ اسْتَمَعَ إلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ» وَلِلْقَارِئِ أَجْرٌ وَلِلْمُسْتَمِعِ أَجْرَانِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَسْمَعُ وَيُنْصِتُ فَعَمَلُهُ اثْنَانِ
стр. 918
[الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ رَدُّ التَّابِعِ كَلَامَ مَتْبُوعِهِ وَمُقَابَلَتُهُ وَمُخَالَفَتُهُ]
(الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ)
(رَدُّ التَّابِعِ كَلَامَ مَتْبُوعِهِ وَمُقَابَلَتُهُ وَمُخَالَفَتُهُ وَعَدَمُ قَبُولِ قَوْلِهِ وَإِطَاعَتُهُ فِي أَمْرٍ مَشْرُوعٍ) عُتُوًّا وَعِنَادًا (كَالرَّعِيَّةِ لِلْأَمِيرِ) قَالَ ﷺ «اسْمَعُوا كَلَامَ مَنْ تَجِبُ طَاعَتُهُ مِنْ وُلَاةِ أُمُورِكُمْ وَأَطِيعُوا أَمْرَهُمْ» وُجُوبًا فِيمَا لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ لِأَنَّهُمْ نُوَّابُ الشَّرْعِ فَإِنْ قُلْت ذِكْرُ الْأَمْرِ بِالطَّاعَةِ كَافٍ فَمَا فَائِدَةُ الْأَمْرِ بِالسَّمْعِ مَعَهُ قُلْت فَائِدَتُهُ وُجُوبُ اسْتِمَاعِ كَلَامِهِ لِيَتَمَكَّنَ بِالْإِصْغَاءِ إلَيْهِ مِنْ طَاعَةِ أَمْرِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ وَلِذَلِكَ أَمَرَ بِالْإِنْصَاتِ عِنْدَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَنَهَى عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ عَلَى صَوْتِ صَاحِبِ الشَّرْعِ لِيُفْهَمَ كَلَامُهُ وَيُتَدَبَّرَ مَا فِي طَيِّهِ وَيُطَاعَ أَمْرُهُ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا «وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ» لِلْمَجْهُولِ «عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ» أَيْ الْعَتِيقُ بِاعْتِبَارٍ وَمَا كَانَ مَفْتُونًا أَوْ مُبْتَدَعًا كَمَا اقْتَضَاهُ تَبْوِيبُ الْبُخَارِيِّ «كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» أَيْ مُشَبِّهًا رَأْسَهُ بِالزَّبِيبَةِ فِي السَّوَادِ وَالْحَقَارَةِ وَقَبَاحَةِ الصُّورَةِ وَأَجْمَعُوا عَلَى عَدَمِ تَوْلِيَةِ الْعَبْدِ الْإِمَامَةَ لَكِنْ لَوْ تَغَلَّبَ عَبْدٌ بِالشَّوْكَةِ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ خَوْفَ الْفِتْنَةِ وَهَذَا حَثٌّ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلْإِمَامِ وَلَوْ جَائِرًا وَذَلِكَ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ اجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ وَعِزِّ الْإِسْلَامِ وَقَمْعِ الْعَدُوِّ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَفِيهِ التَّسْوِيَةُ فِي وُجُوبِ الطَّاعَةِ بَيْنَ مَا يَشُقُّ عَلَى النَّفْسِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ بِقَوْلِهِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ وَوُجُوبُ الِاسْتِمَاعِ لِكُلِّ مَنْ تَجِبُ طَاعَتُهُ كَالزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ وَالْوَالِدِ وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إذَا أَمَرَ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ بِالْقِيَامِ بِبَعْضِ الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ مِنْ زِرَاعَةٍ وَتِجَارَةٍ وَعَمَلٍ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ لِذَلِكَ وَيَنْتَقِلُ مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ إلَى فَرْضِ الْعَيْنِ عَلَيْهِ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ كَذَا فِي الْفَيْضِ (وَالْقَاضِي) لِأَنَّ عِلْمَ الْقَضَاءِ مِنْ أَجَلِّ الْعُلُومِ قَدْرًا وَأَعَزِّهَا مَكَانًا وَأَشْرَفِهَا ذِكْرًا لِأَنَّهُ مَقَامٌ عَلِيٌّ وَمَنْصِبٌ نَبَوِيٌّ بِهِ الدِّمَاءُ تُعْصَمُ وَتُسْفَحُ وَالْأَبْضَاعُ تُحَرَّمُ وَتُنْكَحُ وَالْأَمْوَالُ يَثْبُتُ مِلْكُهَا وَيُسْلَبُ وَالْمُعَامَلَاتُ يُعْلَمُ مَا يَجُوزُ مِنْهَا وَيَحْرُمُ وَيُكْرَهُ وَيُنْدَبُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ عِلْمَ الْقَضَاءِ لَيْسَ كَغَيْرِهِ
стр. 919
﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] الْآيَةَ وَمِنْهُ بَعْثُ الرُّسُلِ وَبِالْقِيَامِ بِهِ قَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَجَعَلَهُ ﵊ مِنْ النِّعَمِ الَّتِي يُبَاحُ الْحَسَدُ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ «لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيَعْمَلُ بِهَا» وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَأَنْ أَقْضِيَ يَوْمًا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً فَلِذَلِكَ كَانَ الْعَدْلُ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَعُلِيِّ دَرَجَاتِ الْآخِرَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] فَأَيُّ شَيْءٍ أَشْرَفُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ امْتَنَعَ عَنْ الْقَضَاءِ فَقَالَ ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] وَمَدَحَ الْمُذْعِنِينَ وَلِأَجْلِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ مَنْ يُدْعَى إلَى الْقَضَاءِ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَمَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ الْوَعِيدِ وَالتَّخْوِيفِ فَإِنَّمَا هُوَ فِي قُضَاةِ السُّوءِ وَالْجَوْرِ وَالْكُلُّ مِنْ مُعِينِ الْحُكَّامِ
(وَالْوَلَدِ لِوَالِدَيْهِ) لِأَنَّ بِرَّهُمَا مِنْ أَفْضَلِ الْقُرَبِ كَمَا فِي الشِّرْعَةِ وَفِي شَرْحِهِ عَنْ الْإِمَامِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى» قَالَ فِي الشِّرْعَةِ أَيْضًا وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِهِمَا وَلَا يَجْهَرُ لَهُمَا بِالْكَلَامِ وَيُطِيعُهُمَا فِيمَا أُبِيحَ فِي الدِّينِ وَفِي شَرْحِهِ عَنْ الْغَزَالِيِّ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ طَاعَتَهُمَا وَاجِبَةٌ فِي الشُّبُهَاتِ دُونَ الْحَرَامِ الْمَحْضِ لِأَنَّ تَرْكَ الشُّبْهَةِ وَرَعٌ وَرِضَا الْوَالِدَيْنِ وَاجِبٌ وَحَقُّ الْوَالِدَةِ أَعْظَمُ مِنْ حَقِّ الْوَالِدِ فَبِرُّهَا أَوْجَبُ قِيلَ لِأَنَّ شَفَقَةَ الْأُمِّ أَكْثَرُ وَلِذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «الْجَنَّةُ تَحْتَ أَقْدَامِ الْأُمَّهَاتِ» فَإِنْ تَأَذَّى أَحَدُهُمَا بِمُرَاعَاةِ الْآخَرِ فَالْأَبُ يُقَدَّمُ فِي حَقِّ التَّعْظِيمِ وَالْأُمُّ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْخِدْمَةِ وَالْإِحْسَانِ فَلَوْ دَخَلَا عَلَيْهِ يَقُومُ لِلْأَبِ وَلَوْ سَأَلَا يَبْدَأُ فِي الْإِعْطَاءِ بِالْأُمِّ وَيَنْظُرُ إلَيْهِمَا بِالْوُدِّ وَالرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ وَلَهُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ حَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ
(وَالْمَمْلُوكِ لِسَيِّدِهِ) لِأَنَّ الْحَقَّ تَعَالَى وَضَعَ مِنْ الْحُقُوقِ الَّتِي عَلَى الْحُرِّ كَثِيرًا عَنْ الْعَبْدِ لِأَجْلِ سَيِّدِهِ وَجَعَلَ السَّيِّدَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُ بِنَفْسِهِ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ فَإِذَا اسْتَعْصَى الْعَبْدُ عَلَى سَيِّدِهِ فَإِنَّمَا يَسْتَعْصِي عَلَى رَبِّهِ إذْ هُوَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ لِسَيِّدِهِ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وَكَذَا إبَاقُهُ وَفِي الْحَدِيثِ «إذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ وَإِنْ صَحَّتْ فَلَا يُثَابُ عَلَيْهَا» وَفِيهِ «أَيُّمَا عَبْدٍ مَاتَ فِي إبَاقِهِ دَخَلَ النَّارَ وَإِنْ كَانَ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» وَفِيهِ «أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ»
(وَالتِّلْمِيذِ لِأُسْتَاذِهِ) قَالَ فِي تَعْلِيمِ الْمُتَعَلِّمِ إنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ لَا يَنَالُ الْعِلْمَ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ إلَّا بِتَعْظِيمِ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ وَتَعْظِيمِ الْأُسْتَاذِ وَتَوْقِيرِهِ قِيلَ مَا وَصَلَ مَنْ وَصَلَ إلَّا بِمُرَاعَاةِ الْحُرْمَةِ وَمَا سَقَطَ مَنْ سَقَطَ إلَّا بِتَرْكِ الْحُرْمَةِ وَتَعْظِيمُ الْعِلْمِ خَيْرٌ مِنْ الطَّاعَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكْفُرُ بِالْمَعْصِيَةِ وَإِنَّمَا يَكْفُرُ بِتَرْكِ الْحُرْمَةِ وَمِنْ تَعْظِيمِ الْعِلْمِ تَعْظِيمُ الْمُعَلِّمِ قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَا عَبْدُ مَنْ عَلَّمَنِي حَرْفًا إنْ شَاءَ بَاعَ وَإِنْ شَاءَ اسْتَرَقَّ وَقَدْ أَنْشَدَ
رَأَيْت أَحَقَّ الْحَقِّ حَقَّ الْمُعَلِّمِ ... وَأَوْجَبَهُ حِفْظًا عَلَى كُلِّ مُسْلِمِ
لَقَدْ حَقًّ أَنْ يُهْدَى إلَيْهِ كَرَامَةً ... لِتَعْلِيمِ حَرْفٍ وَاحِدٍ أَلْفُ دِرْهَمِ
وَمَنْ عَلَّمَك حَرْفًا مِمَّا تَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الدِّينِ فَهُوَ أَبُوك فِي الدِّينِ وَمِنْ تَوْقِيرِ الْمُعَلِّمِ أَنْ لَا يَمْشِيَ أَمَامَهُ وَلَا يَجْلِسَ مَكَانَهُ وَلَا يَبْدَأَ الْكَلَامَ عِنْدَهُ وَلَا يَسْأَلَ شَيْئًا عِنْدَ مَلَالَتِهِ وَيُرَاعِيَ الْوَقْتَ وَلَا يَدُقَّ الْبَابَ وَيَطْلُبَ رِضَاهُ وَيَجْتَنِبَ سَخَطَهُ وَيَمْتَثِلَ أَمْرَهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَمِنْ تَوْقِيرِهِ تَوْقِيرُ أَوْلَادِهِ وَقَرَابَتِهِ وَخُدَّامِهِ ثُمَّ قَالَ فَمَنْ يُؤْذِي أُسْتَاذَه يُحْرَمُ بَرَكَةَ الْعِلْمِ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ إلَّا قَلِيلًا انْتَهَى
(وَالْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا) إذْ وَرَدَ فِي تَعْظِيمِ حَقِّ الزَّوْجِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ فَتُطِيعُ عَلَى كُلِّ حَالٍ إلَّا فِي مَعْصِيَةٍ فَلَا تُصَلِّي وَلَا تَصُومُ إلَّا بِإِذْنِهِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمَا وَتَكُونُ قَانِعَةً مِنْ زَوْجِهَا بِمَا رَزَقَهُ اللَّهُ وَمُقَدِّمَةً حَقَّهُ عَلَى حَقِّ نَفْسِهَا وَحَقِّ سَائِرِ أَقْرِبَائِهَا وَلَا تُعْطِي شَيْئًا مِنْ بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ وَأَهَمُّ الْحُقُوقِ أَمْرَانِ السَّتْرُ وَالصِّيَانَةُ وَالْآخَرُ تَرْكُ الْمُطَالَبَةِ بِمَا وَرَاءَ
стр. 920
الْحَاجَةِ وَالتَّعَفُّفُ عَنْ كَسْبِهِ إنْ حَرَامًا وَتَقُولُ لَهُ إيَّاكَ وَكَسْبَ الْحَرَامِ فَإِنِّي أَصْبِرُ عَلَى الْجُوعِ وَلَا أَصْبِرُ عَلَى النَّارِ وَمِنْ آدَابِهَا أَنْ لَا تَتَفَاخَرَ عَلَى الزَّوْجِ بِجَمَالِهَا وَلَا تَزْدَرِيَ زَوْجَهَا لِقُبْحِهِ وَفَقْرِهِ وَكِبَرِ سِنِّهِ وَتُلَازِمَ الصَّلَاحَ وَالْإِقْبَاضَ فِي غَيْبَةِ زَوْجِهَا وَالرُّجُوعَ إلَى اللَّعِبِ وَأَسْبَابِ اللَّذَّةِ فِي حُضُورِهِ وَلَا تُؤْذِي زَوْجَهَا بِحَالٍ وَتَقُومُ بِكُلِّ خِدْمَةٍ تَقْدِرُ عَلَيْهَا وَتَقْعُدُ فِي بَيْتِهَا لَازِمَةً لِمِغْزَلِهَا وَتَمَامُهُ فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ
(وَالْجَاهِلِ لِلْعَالِمِ) فَإِنَّ حَقَّ الْعَالِمِ عَلَى الْجَاهِلِ كَحَقِّهِ عَلَى تِلْمِيذِهِ بَلْ آكَدُ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ الِاسْتِهْزَاءُ بِالْمُعَلِّمِ وَالْعُلَمَاءِ كُفْرٌ وَعَنْ مُنْيَةِ الْمُفْتِي تَخْفِيفُ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ كُفْرٌ وَعَنْ الْخِزَانَةِ مَنْ آذَى الْعُلَمَاءَ يُنْفَى مِنْ الْبَلَدِ وَعَنْ مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ إهَانَةُ عُلَمَاءِ الدِّينِ كُفْرٌ (وَهَذَا) أَيْ الرَّدُّ وَعَدَمُ قَبُولِ قَوْلِهِ وَعَدَمُ طَاعَتِهِ (قَبِيحٌ جِدًّا) قَطْعًا لِمَا عَرَفْت مِنْ الْوُجُوهِ (يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّعْزِيرَ) لِأَنَّ الْقُبْحَ إمَّا مُفْضٍ إلَى الْحُرْمَةِ أَوْ الْكَرَاهَةِ وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ فَفِيهَا تَعْزِيرٌ (قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ رَجُلَانِ وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا خُصُومَةٌ فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا خُطُوطَ الْمُفْتِينَ فَقَالَ الْآخَرُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا كَتَبُوا وَلَا يُعْمَلُ بِهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ) لَعَلَّ الْأَمْرَ إنْ إجْمَاعًا قَطْعِيًّا أَوْ مَدْلُولَ نَصٍّ قَطْعِيٍّ يُكَفَّرُ وَإِنْ اخْتِلَافِيًّا فَإِنْ قَوْلًا مَهْجُورًا فَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ وَإِلَّا فَإِنْ صَاحِبَ رَأْيٍ وَكَانَ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ مِنْ عِنْدِهِ وَإِلَّا فَالتَّعْزِيرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِنَّمَا عُزِّرَ لِرَدِّهِ قَوْلَ الْعَالِمِ وَعَدَمِ قَبُولِ قَوْلِهِ وَإِنَّمَا خُصَّ الدَّلِيلُ وَالتَّأْيِيدُ بِالْأَخِيرِ لِقُوَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِهِ وَالضَّرَرِ فِي مُخَالَفَتِهِ اعْلَمْ أَنَّ التَّعْزِيرَ يَتَفَاوَتُ عَلَى تَفَاوُتِ الْأَشْخَاصِ وَالتُّهَمِ إذْ هُوَ يَكُونُ بِالنَّفْيِ وَبِالْحَبْسِ وَبِالضَّرْبِ مِنْ ثَلَاثَةٍ إلَى تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ وَبِالصَّفْعِ وَبِعَرْكِ الْأُذُنِ وَبِالْكَلَامِ الْعَنِيفِ وَبِالْإِعْلَامِ وَتَفْصِيلُهُ فِي الدُّرَرِ
[الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ السُّؤَالُ عَنْ حِلِّ شَيْءٍ وَحُرْمَتِهِ وَطَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ لِصَاحِبِهِ وَمَالِكِهِ تَوَرُّعًا]
(الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ) (السُّؤَالُ عَنْ حِلِّ شَيْءٍ وَحُرْمَتِهِ وَطَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ لِصَاحِبِهِ وَمَالِكِهِ تَوَرُّعًا) لِإِظْهَارِ وَرَعٍ (بِلَا رِيبَةٍ) مُقْتَضِيَةٍ فَلَوْ مَعَ رِيبَةٍ مِنْ الْأَمَارَاتِ وَالْقَرَائِنِ الْخَارِجِيَّةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْآفَاتِ كَمَا
стр. 921
يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ (وَلَا أَمَارَةَ ظَاهِرَةٌ عَلَى الْحُرْمَةِ وَالنَّجَاسَةِ) وَلَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ تِلْكَ الْأَمَارَةِ لَا أَقَلَّ مِنْ الشُّبْهَةِ وَالْحَرَامُ يَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ لِأَنَّ مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبْهَةِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ فَاللَّازِمُ هُوَ الِامْتِنَاعُ لَا السُّؤَالُ لَعَلَّ وَجْهَ السُّؤَالِ هُوَ كَوْنُ الْأَصْلِ فِي الْأَشْيَاءِ الْحِلَّ وَالطَّهَارَةَ وَالْأَصْلُ هُوَ حُسْنُ الظَّنِّ أَيْضًا نَعَمْ الْعَمَلُ بِغَالِبِ الرَّأْيِ جَائِزٌ فِي الدِّيَانَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة فَافْهَمْ.
(كَمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا فَيَسْأَلَ مَالِكَهُ) أَهَذَا الشَّيْءُ مِلْكٌ لَك أَوْ غَصَبْت أَوْ سَرَقْت (وَهُوَ مَسْتُورٌ أَوْ يُهْدِيهِ رَجُلٌ مَسْتُورٌ) لَا يُعْرَفُ حَالُهُ مِنْ الْعَدَالَةِ وَالْفِسْقِ وَحِلِّ مَا فِي يَدِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ وَأَمَّا مَنْ هُوَ مُتَّهَمٌ بِالْخِيَانَةِ فَلَا بَأْسَ حِينَئِذٍ (أَوْ يَدْعُوهُ إلَى ضِيَافَةٍ فَيَسْأَلُ عَنْ حِلِّ الْهَدِيَّةِ وَالطَّعَامِ أَوْ يَأْتِي لَهُ بِمَاءٍ فِي كُوزٍ لِيَشْرَبَ أَوْ يَتَوَضَّأَ أَوْ يَفْرِشُ لَهُ ثَوْبًا أَوْ سَجَّادَةً لِيُصَلِّيَ وَلَيْسَ فِيهِ عَلَامَةُ نَجَاسَةٍ فَيَسْأَلُ عَنْ طَهَارَتِهِ فَهَذَا أَذًى لَهُ وَسُوءُ ظَنٍّ أَوْ رِيَاءٌ أَوْ عُجْبٌ أَوْ جَهْلٌ وَتَجَسُّسٌ) حَرَامٌ (وَبِدْعَةٌ) قَبِيحَةٌ لَا يَلِيقُ ارْتِكَابُهُ لِلْمُسْلِمِ (فَعَلَيْك) أَيُّهَا السَّالِكُ (الِاعْتِمَادَ عَلَى الظَّاهِرِ) وَلَا تَتَعَمَّقْ (كَمَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -) لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ الْأَحْكَامَ قَدْ تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ فَإِنَّ زَمَانَهُمْ زَمَانُ الصَّلَاحِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَزَمَانَنَا هُوَ زَمَانُ الْفِسْقِ وَالِاعْوِجَاجِ وَلِذَا قَالُوا إنَّ إغْلَاقَ بَابِ الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ فِي زَمَانِهِمْ وَيَجِبُ فِي زَمَانِنَا (فَإِنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ) وَالْعُدْوَانَ خِلَافُ الْأَصْلِ (وَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْحِلُّ وَالطَّهَارَةُ) فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَإِلَّا فَوَسْوَاسٌ لَا وَرَعٌ (وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ) لَكِنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ لَيْسَتْ بِكُلِّيَّةٍ لِتَخَلُّفِهَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ كَمَا فَصَّلَ فِي الْأَشْبَاهِ وَفِيهِ أَيْضًا الشَّكُّ تَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ وَالظَّنُّ الطَّرَفُ الرَّاجِحُ وَهُوَ تَرْجِيحُ جَانِبِ الصَّوَابِ وَالْوَهْمُ رُجْحَانُ جِهَةِ الْخَطَأِ.
وَأَمَّا أَكْبَرُ الرَّأْيِ وَغَالِبُ الظَّنِّ فَهُوَ الطَّرَفُ الرَّاجِحُ إذَا أَخَذَ بِهِ الْقَلْبُ وَالظَّنُّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنْ قَبِيلِ الشَّكِّ لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِهِ التَّرَدُّدَ بَيْنَ وُجُودِ الشَّيْءِ وَعَدَمِهِ سَوَاءً اسْتَوَيَا أَوْ تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا وَغَالِبُ الظَّنِّ مُلْحَقٌ بِالْيَقِينِ وَالْغَالِبُ كَالْمُتَحَقِّقِ عِنْدَهُمْ (وَسَيَجِيءُ لِهَذَا زِيَادَةُ تَفْصِيلٍ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) .
стр. 922
[الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ تَنَاجِي الْمُكَالَمَةِ بِالسِّرِّ اثْنَيْنِ عِنْدَ ثَالِثٍ]
(الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ تَنَاجِي) الْمُكَالَمَةِ بِالسِّرِّ (اثْنَيْنِ عِنْدَ ثَالِثٍ) (وَلَوْ) كَانَ الثَّالِثُ (سَاكِتًا) لِأَنَّهُمَا إذَا تَنَاجَيَا يَقَعُ فِي قَلْبِ الْآخَرِ خَوْفٌ فَإِنَّ سُكُوتَهُ لَا يُبِيحُ تَنَاجِيَهُمَا (فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ (خ م عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الْآخَرِ» اخْتِفَاءً مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَيَحْرُمُ قِيلَ هَذَا عِنْدَ عَدَمِ أَمْنِ ذَلِكَ الثَّالِثِ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ عُمُومُ النَّهْيِ بِالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَجْهُ النَّهْيِ وُقُوعُ الرُّعْبِ فِي قَلْبِ الثَّالِثِ وَمُخَالَفَةُ الصُّحْبَةِ وَالْأُلْفَةِ وَحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَالْأُنْسِ.
وَتَخْصِيصُ النَّهْيِ بِمَا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ حِينَ كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَتَنَاجَوْنَ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَهْمٌ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْيِيدِ بِالْعَدَدِ مَعْنًى وَتَقْيِيدُهُ بِالسَّفَرِ وَالْمَوَاطِنِ الَّتِي لَا يَأْمَنُ الْمَرْءُ فِيهَا عَلَى نَفْسِهِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَمُخَالِفٌ لِلسِّيَاقِ بِلَا مُوجِبٍ وَلَا حُجَّةَ لِزَاعِمِهِ فِي مُشَاوَرَةِ الْمُصْطَفَى فَاطِمَةَ عِنْدَ أَزْوَاجِهِ لِأَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ إيقَاعُ الرُّعْبِ وَالْمُصْطَفَى لَا يَتَّهِمُهُ أَحَدٌ عَلَى نَفْسِهِ وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَكِنْ بِغَيْرِ إذْنِهِ إلَّا لِحَاجَةٍ وَقَالَ فِي الرِّيَاضِ وَفِي مَعْنَاهُ مَا لَوْ تَحَدَّثَا بِلِسَانٍ لَا يَفْهَمُهُ كَذَا فِي الْفَيْضِ (حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ) أَيْ تَنْضَمُّوا إلَيْهِمْ (مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ) أَيْ التَّنَاجِيَ مَعَ انْفِرَادِ وَاحِدٍ (يُحْزِنُهُ) أَيْ يُوقِعُ فِي نَفْسِهِ الْحَزَنَ لِأَنَّهُ يَظُنُّ الْحَدِيثَ عَنْهُ بِمَا يُؤْذِيهِ فَإِذَا كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ أَمِنَ ذَلِكَ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ كُلُّ الْأَعْدَادِ فَلَا يَتَنَاجَى أَرْبَعٌ دُونَ وَاحِدٍ وَلَا عَشَرَةٌ وَلَا أَلْفٌ لِوُجُودِ الْمَعْنَى فِي حَقِّهِ بَلْ وُجُودُهُ فِي الْكَثِيرِ أَقْوَى وَإِنَّمَا خَصَّ الثَّالِثَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَقَلُّ عَدَدٍ يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ.
وَمَحَلُّ النَّهْيِ فِي غَيْرِ دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ يَتَرَتَّبُ عَلَى إظْهَارِ مَفْسَدَةٍ أَقُولُ وَكَذَا دُخُولُ الثَّالِثِ بَيْنَ مُتَنَاجِيَيْنِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِحَدِيثِ «إذَا كَانَ اثْنَانِ يَتَنَاجَيَانِ فَلَا تَدْخُلْ بَيْنَهُمَا» (وَلَا تُبَاشِرْ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ) هَذَا خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، الْمُرَادُ بِالْمُبَاشَرَةِ هَاهُنَا نَظَرُ الْمَرْأَةِ بَشَرَةَ امْرَأَةٍ أُخْرَى بِالدِّقَّةِ (فَتَصِفُهَا لِزَوْجِهَا) بِحَيْثُ (كَأَنَّهُ) أَيْ الزَّوْجَ (يَنْظُرُ إلَيْهَا) فَيَتَعَلَّقُ قَلْبُهُ بِهَا فَيَقَعُ فِي فِتْنَةٍ وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا تَمَسُّ بَشَرَةُ امْرَأَةٍ بِبَشَرَةِ امْرَأَةٍ أُخْرَى (ط عَنْ) (ابْنِ عُمَرَ) بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ (قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ» .
وَزَادَ د قَالَ أَبُو صَالِحٍ) الرَّاوِي عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - (فَقُلْت لِابْنِ عُمَرَ فَأَرْبَعَةٌ) أَيْ فَمَا حَالُ تَنَاجِي اثْنَيْنِ مِنْ أَرْبَعَةٍ (قَالَ لَا يَضُرُّك) لِفَقْدِ الْعِلَّةِ حِينَئِذٍ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ يُقَابِلُ الِاثْنَيْنِ
стр. 923
[السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ التَّكَلُّمُ مَعَ الشَّابَّةِ الْأَجْنَبِيَّةِ]
(السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ التَّكَلُّمُ مَعَ الشَّابَّةِ الْأَجْنَبِيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بِلَا حَاجَةٍ) لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْفِتْنَةِ فَإِنْ بِحَاجَةٍ كَالشَّهَادَةِ وَالتَّبَايُعِ وَالتَّبْلِيغِ فَيَجُوزُ (حَتَّى لَا يُشَمِّتَ) الْعَاطِسَةَ (وَلَا يُسَلِّمَ عَلَيْهَا وَلَا يَرُدَّ سَلَامَهَا جَهْرًا بَلْ فِي نَفْسِهِ) إذَا سَلَّمَتْ عَلَيْهِ (وَكَذَا الْعَكْسُ) أَيْ لَا تُشَمِّتُهُ الشَّابَّةُ الْأَجْنَبِيَّةُ إذَا عَطَسَ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ أَمَّا الْعُطَاسُ امْرَأَةٌ عَطَسَتْ إنْ كَانَتْ عَجُوزًا يَرُدُّ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ شَابَّةً يَرُدُّ عَلَيْهَا فِي نَفْسِهِ وَهَذَا كَالسَّلَامِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ الْأَجْنَبِيَّةَ إذَا سَلَّمَتْ عَلَى الرَّجُلِ إنْ كَانَتْ عَجُوزًا رَدَّ الرَّجُلُ ﵍ بِلِسَانِهِ بِصَوْتٍ يُسْمَعُ وَإِنْ كَانَتْ شَابَّةً رَدَّ عَلَيْهَا فِي نَفْسِهِ وَكَذَا الرَّجُلُ إذَا سَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ فَالْجَوَابُ فِيهِ يَكُونُ عَلَى الْعَكْسِ (لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ) أَيْ يُكْتَبُ بِهِ إثْمٌ كَإِثْمِ الزَّانِي كَمَا فِي حَدِيثِ الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ وَالْفَرْجُ يَزْنِي وَمَا فِي الْقُنْيَةِ يَجُوزُ الْكَلَامُ الْمُبَاحُ مَعَ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ فَمَحْمُولٌ عَلَى الضَّرُورَةِ أَوْ أَمْنِ الشَّهْوَةِ أَوْ الْعَجُوزِ الَّتِي يَنْقَطِعُ الْمَيْلُ عَنْهَا (وَسَيَجِيءُ تَمَامُهُ فِي آفَاتِ الْأُذُنِ)
[السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ السَّلَامُ عَلَى الذِّمِّيِّ]
(السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ السَّلَامُ عَلَى الذِّمِّيِّ) أَيْ بَدْءُ، وَالْمُسْتَأْمَنُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاضْطَرُّوهُ إلَى أَضْيَقِهِ» لِأَنَّ السَّلَامَ إعْزَازٌ وَلَا يَجُوزُ إعْزَازُهُمْ بَلْ اللَّائِقُ إعْرَاضُهُمْ وَتَرْكُ الِالْتِفَاتِ إلَيْهِمْ تَصْغِيرًا لَهُمْ وَتَحْقِيرًا لِشَأْنِهِمْ فَيَحْرُمُ ابْتِدَاؤُهُمْ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَوْجَبُوا الرَّدَّ عَلَيْهِمْ بِعَلَيْكُمْ فَقَطْ وَلَا يُعَارِضُهُ آيَةُ - ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧]- وَآيَةُ - ﴿وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩]- لِأَنَّ هَذَا سَلَامُ مُتَارَكَةٍ لَا سَلَامُ تَحِيَّةٍ وَأَمَانٍ كَذَا فِي الْفَيْضِ فَتَأَمَّلْ فِيهِ (بِلَا حَاجَةٍ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ) .
وَعَنْ النَّوَوِيِّ حَرَامٌ (وَمَعَهَا لَا بَأْسَ بِهِ) لَكِنْ ظَاهِرُ إطْلَاقِ النَّهْيِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ هُوَ الْعُمُومُ فَإِنْ قِيلَ الْحَاجَةُ تَدْعُو إلَى الضَّرُورَةِ وَالضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ قُلْنَا لَا يُتْرَكُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ بِالْقِيَاسِ عَلَى أَنَّ فِي كَوْنِ كُلِّ حَاجَةٍ دَاعِيَةٍ إلَى الضَّرُورَةِ خَفَاءً إلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ وَهُوَ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ لِأَنَّ رَاوِيَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمُخَرِّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلَا مُخَلِّصَ إلَّا بِأَثَرٍ صَرِيحٍ صَحِيحٍ لَعَلَّ الْمَشَايِخَ وَقَفُوا عَلَيْهِ وَفِي الْخُلَاصَةِ يَرُدُّ السَّلَامَ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ وَيُنْهَى
стр. 924
عَنْ الْبُدَاءَةِ وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لَا بَأْسَ بِهِ أَيْضًا (وَعَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ) (لَا يُسَلِّمُ عَلَى الْفَاسِقِ الْمُعْلِنِ) أَيْ الْمُظْهِرِ فِسْقَهُ وَاَلَّذِي يُنَاسِبُ الْقَاعِدَةَ الْعَرَبِيَّةَ عَدَمُ السَّلَامِ عِنْدَ كَوْنِهِ عَلَى الْفِسْقِ وَالْإِعْلَانِ لَكِنَّ السَّابِقَ إلَى الْخَاطِرِ هُوَ الْمُطْلَقُ رَدْعًا عَنْهُ وَزَجْرًا لَهُ لَكِنْ لَعَلَّ ذَلِكَ أَنْ. مِنْ الْمُقْتَدِي وَعَنْ التَّوْفِيقِ لَا بَأْسَ بِالسَّلَامِ عَلَى الْفَاسِقِ لِإِسْلَامِهِ (وَلَا عَلَى الَّذِي يَتَغَنَّى) ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِالْغِنَاءِ الْمَمْنُوعِ كَمَا مَرَّ.
(وَاَلَّذِي) (يُطَيِّرُ الْحَمَامَ) لَهْوًا «لِقَوْلِهِ ﵊ لِمَنْ يُطَيِّرُ الْحَمَامَ شَيْطَانٌ يُطَيِّرُ شَيْطَانًا» (كَذَا فِي التتارخانية نَقْلًا عَنْ الْعَتَّابِيَّةِ) لَا يَخْفَى عَلَى هَذَا أَنْ لَا يَقْصُرَ عَلَى الذِّمِّيِّ بَلْ يَزِيدُ الْفَاسِقَ وَغَيْرَهُ (وَيَرُدُّ سَلَامَ الذِّمِّيِّ) إذْ سَلَّمَ عَلَيْهِ (بِقَوْلِهِ وَعَلَيْكُمْ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا) يَنْوِي بِهِ السَّلَامَ لِحَدِيثٍ مَرْفُوعٍ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «إذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ فَرُدُّوا عَلَيْهِمْ» وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقُولُوا وُجُوبًا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَعَلَيْكُمْ» فَقَطْ رُوِيَ بِالْوَاوِ وَبِدُونِهَا.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَحَذْفُهَا أَوْضَحُ مَعْنًى وَأَحْسَنُ وَإِثْبَاتُهَا أَصَحُّ رِوَايَةً وَأَشْهَرُ فَمَعْنَاهُ بِدُونِ الْوَاوِ عَلَيْكُمْ مَا تَسْتَحِقُّونَهُ وَبِالْوَاوِ فَإِنْ قَصَدُوا التَّعْرِيضَ عَلَيْنَا فَمَعْنَاهُ نَدْعُو عَلَيْكُمْ بِمَا دَعَوْتُمْ بِهِ عَلَيْنَا وَإِنْ لَمْ يَقْصِدُوا فَدُعَاءٌ لَهُمْ بِالْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ مَنَاطُ السَّلَامَةِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْكُمْ عَطْفًا عَلَى عَلَيْكُمْ فِي كَلَامِهِمْ أَوَّلًا لِتَضَمُّنِ ذَلِكَ تَقْرِيرَ دُعَائِهِمْ عَلَيْنَا وَإِنَّمَا اخْتِيَارُ هَذِهِ الصِّيغَةِ لِيَكُونَ أَبْعَدَ مِنْ الْإِيحَاشِ وَأَقْرَبَ إلَى الرِّفْقِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَتَمَامُهُ فِي الْفَيْضِ
أَقُولُ يُؤَيِّدُهُ مَا نُقِلَ عَنْ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ مِنْ حَدِيثِ «إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ الْيَهُودُ فَإِنَّمَا يَقُولُ أَحَدُهُمْ السَّامُ عَلَيْك فَقُلْ عَلَيْك» بِغَيْرِ وَاوٍ وَرُوِيَ بِالْوَاوِ أَيْضًا وَفِي التتارخانية أَمَّا إذَا ابْتَدَأَ الْكَافِرُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَلَكِنْ لَا يَزِيدُ عَلَى قَوْلِهِ وَعَلَيْك وَإِذَا قَالَ الْمُسْلِمُ لِذِمِّيٍّ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَك إنْ بِنِيَّةِ تَوْفِيقِ الْإِسْلَامِ أَوْ بِنِيَّةِ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ عَنْ ذُلٍّ وَصَغَارٍ فَلَا بَأْسَ فِيهِ وَيُكْرَهُ مُصَافَحَةُ الذِّمِّيِّ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ الرَّجُلُ مُخَيَّرٌ عِنْدَ مُرُورِهِ بِقَوْمٍ فِيهِمْ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَأَنْ يَقُولَ وَعَلَيْكُمْ وَعَنْ مُحَمَّدٍ إذَا كَتَبْت إلَى يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ فِي حَاجَةٍ فَاكْتُبْ السَّلَامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى انْتَهَى مُلَخَّصًا وَعَنْ الشَّيْخِ زَادَهْ عَنْ قَتَادَةَ وَالشَّعْبِيِّ أَنَّهُ وَاجِبٌ بِظَاهِرِ الْأَمْرِ وَعَنْ مَالِكٍ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَإِنْ رَدَدْت فَقُلْ عَلَيْكُمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ عَلَاك أَيْ ارْتَفَعَ عَنْك وَعَنْ بَعْضٍ يَقُولُ السِّلَامُ عَلَيْكُمْ بِكَسْرِ السِّينِ يَعْنِي الْحِجَارَةَ وَأَمَّا الدُّعَاءُ لَهُمْ فِي مُقَابَلَةِ إحْسَانِهِمْ فَجَائِزٌ لِمَا رُوِيَ «أَنْ يَهُودِيًّا حَلَبَ لِلنَّبِيِّ ﵊ نَعْجَةً فَقَالَ ﵊ اللَّهُمَّ جَمِّلْهُ فَبَقِيَ سَوَادُ شَعْرِهِ إلَى قَرِيبٍ مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً» كَذَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ مَالِكٍ
وَأَمَّا السَّلَامُ عَلَى تَارِكِ الصَّلَاةِ فَمَفْهُومٌ مِنْ السَّلَامِ عَلَى الْفَاسِقِ وَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مِنْ حَدِيثِ «سَلِّمُوا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلَا تُسَلِّمُوا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ أُمَّتِي» أَيْ تَارِكِي الصَّلَاةِ فَمَطْعُونٌ فِيهِ كَمَا فُصِّلَ فِي مَوْضُوعَاتِ عَلِيٍّ الْقَارِيّ وَعَنْ الْقُنْيَةِ وَلَا يُسَلِّمُ عَلَى الشَّيْخِ الْمُمَازِحِ أَوْ الْكَذَّابِ أَوْ اللَّاهِي وَمَنْ
стр. 925
يَسُبُّ النَّاسَ وَمَنْ يَنْظُرُ فِي وُجُوهِ النِّسْوَانِ فِي الْأَسْوَاقِ مَا لَمْ يَعْرِفْ تَوْبَتَهُمْ وَلَا بَأْسَ بِمُصَافَحَتِهِ
[الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ السَّلَامُ عَلَى مَنْ يَتَغَوَّطُ أَوْ يَبُولُ]
(الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ) (السَّلَامُ عَلَى مَنْ يَتَغَوَّطُ أَوْ يَبُولُ) (وَقَدْ مَرَّ) فِي الْآفَةِ الْخَامِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ نَقْلًا عَنْ الْخَانِيَّةِ أَقُولُ إنْ أُرِيدَ مِنْ الْكَلَامِ هُنَالِكَ مَا يَشْمَلُ السَّلَامَ فَإِتْيَانُ هَذَا تَكْرَارٌ وَإِلَّا فَمَا نُقِلَ مِنْ الْخَانِيَّةِ هُنَالِكَ لَا يَصْلُحُ شَاهِدًا لِمَطْلُوبِهِ كَمَا يَظْهَرُ بِالْمُرَاجَعَةِ
[التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ الدَّلَالَةُ بِاللِّسَانِ عَلَى الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ لِمَنْ يُرِيدُ الْمَعْصِيَةَ]
(التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ) (الدَّلَالَةُ) بِاللِّسَانِ (عَلَى الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ لِمَنْ يُرِيدُ الْمَعْصِيَةَ) (فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ) لِأَنَّ لِلْوَسَائِلِ حُكْمَ الْمَقَاصِدِ وَأَنَّ مَا يُفْضِي إلَى الْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ (لِأَنَّهَا إعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] قِيلَ هُنَا خَبَرُ الدَّيْلَمِيِّ «الظَّلَمَةُ وَأَعْوَانُهُمْ فِي النَّارِ» (وَفِي الْخُلَاصَةِ) (ذِمِّيٌّ سَأَلَ مُسْلِمًا عَنْ طَرِيقِ الْبَيْعَةِ) (لَا يَنْبَغِي لَهُ) أَيْ لَا يَجُوزُ (أَنْ يَدُلَّهُ عَلَيْهَا انْتَهَى) لَكِنْ قَالُوا لَا ضَمَانَ بِالدَّلَالَةِ وَإِنْ قَالُوا بِهِ بِالْغَمْزِ وَالسِّعَايَةُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ طَاعَةَ الْكَافِرِ مَعْصِيَةٌ وَبِهِ يَضْمَحِلُّ مَا يُقَالُ إنَّ حَسَنَاتِ الْكُفَّارِ تُؤَثِّرُ فِي تَخْفِيفِ عَذَابِهِمْ فَافْهَمْ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «مَنْ أَعَانَ ظَالِمًا لِيَدْحَضَ» أَيْ يُبْطِلَ «بِبَاطِلِهِ» بِسَبَبِ مَا ارْتَكَبَهُ مِنْ الْبَاطِلِ «حَقًّا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى وَذِمَّةُ رَسُولِهِ» عَهْدُهُ وَأَمَانُهُ وَفِيهِ أَيْضًا «مَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ» أَيْ يُقْلِعَ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ يُفِيدُ كَوْنَهُ كَبِيرَةً وَلِذَلِكَ عَدَّهُ الذَّهَبِيُّ مِنْ الْكَبَائِرِ وَفِيهِ أَيْضًا «مَنْ أَعَانَ ظَالِمًا سُلِّطَ عَلَيْهِ» كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ [الأنعام: ١٢٩]- وَفِيهِ أَيْضًا «مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» ، وَ ﴿لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]
(وَمِنْهَا) (الدَّلَالَةُ لِلشُّرَطِيِّ وَالظَّلَمَةِ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ خَدَمِ الظَّلَمَةِ وَسُئِلَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ عَنْ طَرِيقِ بَيْتِ السُّلْطَانِ فَأَرْشَدَهُمْ إلَى الْمَقَابِرِ فَضَرَبَهُ الْجُنْدِيُّ وَشَجَّهُ ثُمَّ عَرَفَهُ وَاسْتَعْفَاهُ فَقَالَ كُنْتُ عَفَوْتُ عَنْك فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ وَقُلْتُ اضْرِبْ رَأْسًا ظَالِمًا عَصَى اللَّهَ تَعَالَى كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ (إذَا ذَهَبُوا لِلظُّلْمِ وَالْفِسْقِ) وَمِنْهَا دَلَالَةُ السُّفَّهِ وَالسُّعَاةِ وَالْمَجَانِينِ
стр. 926
وَالصِّبْيَانِ عَلَى إتْلَافِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَإِيذَائِهِمْ كَمَا نُقِلَ عَنْ التَّحْقِيقِ (وَمِنْهَا تَعْلِيمُ الْمَسَائِلِ لِلْمُبْطِلِ فِي دَعْوَاهُ) كَوْنُهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ بِاعْتِبَارِ قَوْلِهِ وَنَحْوِهِ كَالْفَتَى الْمَاجِنِ (وَ) مِنْهَا (تَعْلِيمُ الْأَقْوَالِ الْمَهْجُورَةِ وَالضَّعِيفَةِ) (وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَالْمَسَائِلِ الَّتِي كَانَتْ فِي مُجْتَهَدٍ فِيهِ.
لَكِنْ لَا يَنْفُذُ الْقَضَاءُ فِيهَا لِغَايَةِ ضَعْفِهَا وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا لِبَعْضِ السَّلَفِ وَكِبَارِ الْمُجْتَهِدِينَ كَالْقَضَاءِ بِبُطْلَانِ الْحَقِّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ أَوْ بِالتَّفْرِيقِ لِلْعَجْزِ عَنْ الْإِنْفَاقِ غَائِبًا عَلَى الصَّحِيحِ لَا حَاضِرًا أَوْ بِصِحَّةِ نِكَاحِ مَزْنِيَّةِ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَوْ بِصِحَّةِ أُمِّ مَزْنِيَّتِهِ أَوْ بِنْتِهَا أَوْ بِنِكَاحِ الْمُتْعَةِ أَوْ بِسُقُوطِ الْمَهْرِ بِالتَّقَادُمِ أَوْ بِعَدَمِ تَأْجِيلِ الْعِنِّينِ أَوْ بِعَدَمِ صِحَّةِ الرَّجْعَةِ بِلَا رِضَاهَا أَوْ بِعَدَمِ وُقُوعِ الثَّلَاثِ عَلَى الْحُبْلَى أَوْ بِعَدَمِ وُقُوعِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بِعَدَمِ الدُّخُولِ عَلَى الْحَائِضِ أَوْ بِعَدَمِ وُقُوعِ مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدَةِ أَوْ بِعَدَمِ وُقُوعِ الثَّلَاثِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ عَلَى الْمَوْطُوءَةِ عَقِبَهُ أَوْ بِنِصْفِ الْجِهَازِ لِمَنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْوَطْءِ بَعْدَ الْمَهْرِ وَالتَّجْهِيزِ أَوْ بِشَهَادَةٍ بِخَطِّ أَبِيهِ أَوْ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِشَهَادَةِ الْمُرْضِعَةِ أَوْ قَضَى لِوَلَدِهِ وَتَمَامِهَا فِي قَضَاءِ الْأَشْبَاهِ قِيلَ هُنَا وَمِنْهَا دَلَالَةُ الْمُسْتَشَارِ الْمُشِيرِ عَلَى خِلَافِ الصَّوَابِ
أَقُولُ وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ» أَيْ أَمِينٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُشِيرَ إلَّا بِمَا يَرَاهُ صَوَابًا وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ مُعْظَمُ الدِّينِ وَهُوَ النُّصْحُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَبِهِ يَحْصُلُ التَّحَابُبُ وَبِضِدِّهِ التَّبَاغُضُ وَالِاخْتِلَافُ وَتَمَامُهُ فِي الْفَيْضِ ثُمَّ لَا بَأْسَ أَنْ نَذْكُرَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضٌ هُنَا قَالَ فِي الْبُسْتَانِ يُكْرَهُ الْكَلَامُ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ خَلْفَ الْجِنَازَةِ وَعِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَعِنْدَ الْخُطْبَةِ وَمَجْلِسِ الذِّكْرِ وَفِي الْخَلَاءِ وَفِي حَالِ الْجِمَاعِ
وَفِي الْمُنْيَةِ يُكْرَهُ الْكَلَامُ فِي الْمَسْجِدِ وَخَلْفَ الْجِنَازَةِ وَفِي الْخَلَاءِ وَفِي الْجِمَاعِ وَمِنْهَا السَّمَرُ أَيْ التَّكَلُّمُ بِالْكَلَامِ الدُّنْيَوِيِّ بَعْدَ الْعِشَاءِ خَرَّجَ السِّتَّةُ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا» وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ إنَّمَا يُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَهَا لِمَنْ خُشِيَ عَلَيْهِ فَوْتُ وَقْتِهَا أَوْ فَوْتُ الْجَمَاعَةِ فِيهَا وَأَمَّا مَنْ وَكَّلَ لِنَفْسِهِ مَنْ يُوقِظُهُ وَلِوَقْتِهَا فَمُبَاحٌ لَهُ النَّوْمُ وَفِي التتارخانية وَيُكْرَهُ السَّمَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَفِي بُسْتَانِ الْفَقِيهِ السَّمَرُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي مُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ النَّوْمِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ السَّمَرُ فِي أَسَاطِيرِ الْأَوَّلِينَ وَالْأَحَادِيثِ الْكَاذِبَةِ وَالسُّخْرِيَةِ وَالضَّحِكِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ لِلْمُؤَانَسَةِ وَدَفْعِ الْوَحْشَةِ؛ وَتَجَنَّبُوا الْكَذِبَ وَالْقَوْلَ الْبَاطِلَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَالْكَفُّ عَنْهُ أَفْضَلُ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْهُ وَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَكُونَ رُجُوعُهُمْ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ أَوْ التَّسْبِيحِ أَوْ الِاسْتِغْفَارِ حَتَّى يَكُونَ خَتْمُهُ بِالْخَيْرِ
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَعَنْ أَبَوَيْهَا أَنَّهَا قَالَتْ لَا سَمَرَ إلَّا لِمُسَافِرٍ أَوْ مُصَلٍّ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُسَافِرَ يَحْتَاجُ إلَى مَا يَدْفَعُ عَنْهُ النَّوْمَ فِي سَفَرِهِ فَأُبِيحَ لَهُ ذَلِكَ وَالْمُصَلِّي إذَا سَمَرَ ثُمَّ صَلَّى يَكُونُ نَوْمُهُ عَلَى الصَّلَاةِ وَخَتَمَ سَمَرَهُ بِالطَّاعَةِ انْتَهَى قَالَ فِي الْهِدَايَةِ فِي تَعْلِيلِ اسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ وَلِأَنَّ فِيهِ أَيْ فِي تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ قَطْعَ السَّمَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بَعْدَهُ وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ وَأَجَازَ الْعُلَمَاءُ السَّمَرَ بَعْدَهَا بِالْخَيْرِ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ» أَيْ فِي تِلْكَ الْمِائَةِ وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْإِخْبَارِ بِالْغَيْبِ يَعْنِي كُلُّ نَفْسٍ مَوْجُودَةٍ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ عَلَى الْأَرْضِ لَا تَعِيشُ بَعْدَهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي الصَّلَاةِ وَالنَّسَائِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْمُرُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ اللَّيْلَةَ كُلَّهَا فِي الْأَمْرِ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَا مَعَهُ» وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَرَوَى الْإِمَامُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا سَمَرَ بَعْدَ الْعِشَاءِ» يَعْنِي الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ «إلَّا لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ مُصَلٍّ وَمُسَافِرٍ» وَفِي رِوَايَةٍ «وَعَرُوسٍ» انْتَهَى مَا فِي الْحَاشِيَةِ
[السِّتُّونَ آخِرُ آفَاتِ اللِّسَانِ الْإِذْنُ وَالْإِجَازَةُ فِيمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ]
(السِّتُّونَ) آخِرُ آفَاتِ اللِّسَانِ (الْإِذْنُ وَالْإِجَازَةُ
стр. 927
فِيمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ) لَا سِيَّمَا عَنْ التَّوَقُّفِ عَلَى إذْنِهِ (كَإِذْنِ الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهِ إلَى غَيْرِ مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ) بِالْجَوَازِ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ (وَفِي الْخُلَاصَةِ وَفِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا بِالْخُرُوجِ إلَى سَبْعَةِ مَوَاضِعَ زِيَارَةِ الْأَبَوَيْنِ) فِي صِحَّتِهِمَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فِي الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً وَقِيلَ مَرَّتَيْنِ (وَعِيَادَتِهِمَا) فِي مَرَضِهِمَا (وَتَعْزِيَتِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا) إذَا أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ (وَزِيَارَةِ الْمَحَارِمِ) فِي كُلِّ سَنَةٍ وَكَذَا إذَا أَرَادَ أَبَوَاهَا أَوْ قَرِيبُهَا الْمَجِيءَ إلَيْهَا عَلَى هَذَا الْجُمُعَةِ وَالسَّنَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي النَّوَادِرِ إذَا كَانَ الْأَبَوَانِ قَادِرَيْنِ عَلَى إتْيَانِهَا لَا تَذْهَبُ وَإِلَّا أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا فِي كُلِّ شَهْرَيْنِ وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهَا أَوْلَادٌ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ عَلَى هَذَا وَفِي هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ فِي الْمَتْنِ إذْنُ الزَّوْجِ لَازِمٌ.
(فَإِنْ كَانَتْ قَابِلَةً) لِلْحَوَامِلِ (أَوْ غَاسِلَةً) لِلْمَوْتَى (أَوْ كَانَ لَهَا عَلَى آخَرَ حَقٌّ) وَتُرِيدُ أَخْذَهُ وَلَا يُمْكِنُ إلَّا بِمُبَاشَرَتِهَا بِنَفْسِهَا (أَوْ لِآخَرَ عَلَيْهَا حَقٌّ) فِي اعْتِقَادِ الطَّالِبِ وَهِيَ مُنْكِرَةٌ فَاقْتَضَى الْمُرَافَعَةَ أَوْ فِي الْوَاقِعِ وَلَمْ يُمْكِنْ أَدَاؤُهُ إلَّا بِالْخُرُوجِ (تَخْرُجُ) لِكُلِّ مَا ذُكِرَ (بِالْإِذْنِ وَبِغَيْرِ الْإِذْنِ) شَامِلٌ لِمَا مَنَعَ مِنْ الْخُرُوجِ لِأَنَّ حَقَّ الشَّرْعِ وَحَقَّ الْمَالِيَّةِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الزَّوْجِ قِيلَ خَصَّ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ الْمُخَدَّرَةَ إذْ لَا يَقْدِرُ الْخَصْمُ عَلَى إخْرَاجِهَا (وَالْحَجِّ) أَيْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ (عَلَى هَذَا) أَيْ تَخْرُجُ بِإِذْنِهِ وَبِلَا إذْنِهِ عِنْدَ وُجُودِ مَحْرَمِهَا.
قَالَ الْمُحَشِّي تَمَّ هُنَا الْمَوَاضِعُ السَّبْعَةُ الْمَرْوِيَّةُ عَنْ أَصْحَابِنَا وَمَا ذُكِرَ بَعْدَهَا مِنْ الْمُلْحَقَاتِ دَلَالَةً (وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ زِيَارَةِ الْأَجَانِبِ وَعِيَادَتِهِمْ وَالْوَلِيمَةِ لَا يَأْذَنُ لَهَا) وَلَا تَخْرُجُ وَإِنْ أَذِنَ (وَلَوْ أَذِنَ وَخَرَجَتْ كَانَا عَاصِيَيْنِ) وَفِي آدَابِ الْقَاضِي لَهُ أَنْ يُغْلِقَ عَلَيْهَا الْبَابَ مِنْ غَيْرِ الْأَبَوَيْنِ وَالْمُخْتَارُ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَالذَّخِيرَةِ أَنْ يَمْنَعَهَا عَنْ أَبَوَيْهَا وَأَوْلَادِهَا وَهُمْ يَزُورُونَهَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ بِحَضْرَةِ الزَّوْجِ وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ الْكَيْنُونَةِ عِنْدَهَا وَبِهِ أَخَذَ الْمَشَايِخُ
وَحَاصِلُ مَا فِي النِّصَابِ عَنْ كِفَايَةِ الشَّعْبِيِّ لَا يُسْأَلُ عَنْ جَوَازِ خُرُوجِهِنَّ لِزِيَارَةِ الْمَقَابِرِ وَإِنَّمَا يُسْأَلُ عَنْ مِقْدَارِ مَا يَلْحَقُهَا مِنْ الضَّرَرِ فَإِنَّهَا عِنْدَ نِيَّتِهَا الْخُرُوجَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَلَائِكَتِهِ وَعِنْدَ خُرُوجِهَا لَحِقَتْهَا الشَّيَاطِينُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَإِذَا أَتَتْ الْقَبْرَ يَلْعَنُهَا رُوحُ الْمَيِّتِ وَإِذَا رَجَعَتْ كَانَتْ فِي لَعْنَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَلَائِكَتِهِ كَذَلِكَ حَتَّى تَعُودَ وَفِي الْخَبَرِ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ خَرَجَتْ إلَى مَقْبَرَةٍ تَلْعَنُهَا مَلَائِكَةُ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ فَتَمْشِي فِي لَعْنَةِ اللَّهِ وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ دُعِيَتْ لِخَيْرٍ وَلَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا يُعْطِيهَا اللَّهُ تَعَالَى ثَوَابَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ» وَيَضْرِبُ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ فِيمَا يَلْزَمُ فِيهِ التَّعْزِيرُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَفِي فُصُولِ الْأُسْرُوشَنِيِّ وَيَضْرِبُ لِلتَّأْدِيبِ وَلَا يُبَاشِرُهَا وَلَا يَنْبَسِطُ إلَيْهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِئَلَّا تَبْطُلَ فَائِدَةُ التَّأْدِيبِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَرْفَعْ عَصَاك عَنْ أَهْلِك وَعَلِّقْ سَوْطَك فِي مَوْضِعٍ يَرَاهُ أَهْلُ بَيْتِك» وَيُطِيلُ السُّكُوتَ عِنْدَهَا (وَيَمْنَعُ مِنْ الْحَمَّامِ) أَيْ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ مِنْ الذَّهَابِ إلَى حَمَّامِ السُّوقِ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ مُسَاوَاةُ الشَّابَّةِ وَغَيْرِهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا عِنْدَ فَسَادِ الزَّمَانِ وَأَمْنِهِ لَكِنْ قَدْ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ بَعْضٍ التَّفْصِيلُ فِي ذَلِكَ
стр. 928
(فَإِنْ أَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ إلَى مَجْلِسِ الْعِلْمِ) لِاسْتِحْصَالِ عِلْمِ الْحَالِ الضَّرُورِيِّ أَوْ الِاسْتِحْسَانِيِّ كَمَا سَيُشَارُ إلَيْهِ (بِغَيْرِ رِضَا الزَّوْجِ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ) الْخُرُوجُ لَعَلَّ ذَلِكَ إنْ كَانَ الْمَنْعُ لِأَمْرٍ دِينِيٍّ وَإِنْ لِمُجَرَّدِ هَوًى خَارِجِيٍّ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْعَهُ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ وَعَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَلَوْ أَذِنَ لَهَا بِالْخُرُوجِ إلَى مَجْلِسِ الْوَعْظِ الْخَالِي عَنْ الْبِدَعِ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَا يَأْذَنُ بِالْخُرُوجِ إلَى الْمَجْلِسِ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَفِيهِ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ كَالتَّصْدِيَةِ وَرَفْعِ الْأَصْوَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ وَاللَّعِبِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ بِإِلْقَاءِ الْكُمِّ وَضَرْبِ الرِّجْلِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْقِيَامِ وَالصُّعُودِ وَالنُّزُولِ عَنْهُ فَكُلٌّ مِنْ الْمَذْكُورِ مَكْرُوهٌ وَلَا يَحْضُرُ وَلَا يَأْذَنُ لَهَا وَلَوْ فَعَلَ يَتُوبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى.
(فَإِنْ وَقَعَتْ لَهُ نَازِلَةٌ) أَيْ حَادِثَةٌ مُحْتَاجَةٌ إلَى عَالِمٍ فَحِينَئِذٍ (إنْ سَأَلَ الزَّوْجُ) مَثَلًا (مِنْ الْعَالِمِ وَأَخْبَرَهَا بِذَلِكَ لَا يَسْعَهَا الْخُرُوجُ) لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ (وَإِنْ امْتَنَعَ) الزَّوْجُ (مِنْ السُّؤَالِ) وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَسْأَلُ لَهَا (يَسَعُهَا الْخُرُوجُ) لَعَلَّ ذَلِكَ قَدْ يَجِبُ وَقَدْ يُنْدَبُ وَقَدْ يُبَاحُ عَلَى تَفَاوُتِ الْوَقْعَةِ (مِنْ غَيْرِ رِضَا الزَّوْجِ) لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ (وَإِنْ لَمْ تَقَعْ لَهَا نَازِلَةٌ لَكِنْ أَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ إلَى مَجْلِسِ الْعِلْمِ لِتَعْلَمَ مَسْأَلَةً) مِنْ عِلْمِ حَالِهَا (مِنْ) نَحْوِ (مَسَائِلِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ إنْ كَانَ الزَّوْجُ يَحْفَظُ الْمَسَائِلَ وَيَذْكُرُهَا عِنْدَهَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا وَإِنْ كَانَ) الزَّوْجُ (لَا يَحْفَظُ) الْمَسَائِلَ (الْأَوْلَى أَنْ يَأْذَنَ لَهَا أَحْيَانًا) لِتَعْلَمَ مَا يَهُمُّهَا مِنْ مَسَائِلِ دِينِهَا (وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) فِي الْآخِرَةِ لِعَدَمِ وُجُوبِ ذَلِكَ الْإِذْنِ عَلَيْهِ (وَلَا يَسَعُهَا الْخُرُوجُ مَا لَمْ يَقَعْ لَهَا نَازِلَةٌ انْتَهَى) كَلَامُ الْخُلَاصَةِ (وَقَالَ) (ابْنُ الْهُمَامِ) السِّيوَاسِيُّ (وَحَيْثُ أَبَحْنَا) مِنْ الْإِبَاحَةِ (لَهَا الْخُرُوجَ) إلَى الْمَوَاضِعِ (فَإِنَّمَا يُبَاحُ بِشَرْطِ عَدَمِ الزِّينَةِ وَتَغْيِيرِ الْهَيْئَةِ إلَّا مَا لَا يَكُونُ دَاعِيَةً لِنَظَرِ الرِّجَالِ وَالِاسْتِمَالَةِ) طَلَبُ الْمَيْلِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] التَّبَرُّجُ إظْهَارُ الْمَرْأَةِ زِينَتَهَا وَمَحَاسِنَهَا ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] الْجَاهِلِيَّةُ الْأُولَى الْكُفْرُ وَالثَّانِيَةُ الْفِسْقُ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ الْأُولَى لَا أُخْرَى لَهَا كَمَا قِيلَ أَوْ الْأُولَى زَمَانُ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ ﵉ أَوْ زَمَانُ نُمْرُودَ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَلْبَسُ دِرْعًا مِنْ لُؤْلُؤٍ وَتَخْرُجُ عَارِضَةً نَفْسَهَا عَلَى الرِّجَالِ وَقِيلَ مَا بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ ﵉ وَقِيلَ الزَّمَانُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ إبْرَاهِيمُ ﵇ وَالْجَاهِلِيَّةُ الْأُخْرَى مَا بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ
- عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (وَقَوْلُ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ ﵀) فِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ (وَتُمْنَعُ مِنْ الْحَمَّامِ خَالَفَهُ فِيهِ قَاضِي خَانْ) عَنْ شَرْحِ الْوِقَايَةِ لِمُصَنِّفِك مِنْ قَبِيلِ الْإِضَافَةِ وَالنُّونُ فِي خَانْ
стр. 929
غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِأَنَّهُ عُجْمَةٌ وَتَنْوِينُهُ خَطَأٌ قِيلَ وَعَلَى هَذَا يَجْرِي فِيهِ الْإِعْرَابُ تَقْدِيرًا وَخَانْ مَنْصُوبٌ فِي الثَّلَاثِ لِأَنَّهُ مُضَافٌ إلَيْهِ وَعَنْ النَّوَازِلِ الْمُخْتَارُ أَنَّ لَفْظَ قَاضِي خَانْ كَانَ صَاحِبُهُ مَشْهُورًا بِهِ حَتَّى صَارَ عَلَمًا لَهُ وَلِهَذَا يُكْتَبُ مُتَّصِلًا عَلَى الْأَصَحِّ فَيَكُونُ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ بِالتَّرْكِيبِ وَالْعَلَمِ (حَيْثُ قَالَ فِي فَصْلِ الْحَمَّامِ فِي فَتَاوَاهُ دُخُولُ الْحَمَّامِ مَشْرُوعٌ لِلنِّسَاءِ وَالرِّجَالِ جَمِيعًا خِلَافًا لِمَا قَالَهُ بَعْضُ النَّاسِ) فِيهِ نَوْعُ تَحْقِيرٍ لِأَبِي اللَّيْثِ مِنْ حَيْثُ مَقُولِهِ هَذَا وَفِي التتارخانية دُخُولُهُنَّ الْحَمَّامَ لَا يُبَاحُ عِنْدَ بَعْضٍ وَإِلَيْهِ مَالَ خُوَاهَرْ زَادَهْ وَمُبَاحٌ عِنْدَ آخَرَانِ بِإِذْنِ زَوْجِهَا مُقَنَّعَةً وَمُتَّزِرَةً وَإِلَيْهِ مَالَ السَّرَخْسِيُّ وَفِيهِ أَيْضًا لَا تَدْخُلُ امْرَأَةٌ الْحَمَّامَ إلَّا النُّفَسَاءُ وَالْمَرِيضَةُ وَكَذَا الْحَائِضُ عِنْدَ بَعْضٍ.
وَفِي الْأَشْبَاهِ وَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ الْحَمَّامُ فِي قَوْلٍ وَقِيلَ إلَّا أَنْ تَكُونَ مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ وَالْمُعْتَمَدُ أَنْ لَا كَرَاهَةَ مُطْلَقًا انْتَهَى (رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ الْحَمَّامَ» قِيلَ مَوْضُوعٌ كَمَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ وَغَيْرُهُ.
أَقُولُ قَالَ السُّيُوطِيّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى تَخْرِيجِ ابْنِ عَسَاكِرَ بِرِوَايَةِ وَاثِلَةَ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْخُلُ الْحَمَّامَ وَيَتَنَوَّرُ» نَعَمْ قَالَ الْمُنَاوِيُّ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ لَمْ يَصِحَّ حَدِيثٌ فِي الْحَمَّامِ وَلَمْ يَدْخُلْ حَمَّامًا قَطُّ وَلَعَلَّهُ مَا رَآهُ بِعَيْنِهِ ثُمَّ قَالَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا بَلْ رَآهُ بِالْمَزَّةِ وَقِيلَ عَنْ شَرْحِ الشَّمَائِلِ خَبَرُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ حَمَّامَ الْجُحْفَةِ» مَوْضُوعٌ خِلَافًا لِلدَّمِيرِيِّ أَقُولُ وَقَدْ مَرَّ أَيْضًا (وَتَنَوَّرَ) اسْتَعْمَلَ النُّورَةَ فِيهِ أَيْ طَلَى عَانَتَهُ بِالنُّورَةِ لِزَوَالِ الشَّعْرِ بَدَلَ الْحَلْقِ (وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ) لَقَّبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَيْفِ اللَّهِ وَلَهُ مَنَاقِبُ فِي الْحُرُوبِ وَالْمَعَارِكِ رُوِيَ أَنَّهُ بَكَى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَقِيلَ هَلْ تَخَافُ مِنْ الْمَوْتِ قَالَ لَا بَلْ لَوْ نَزَعْت ثَوْبِي لَرَأَيْتُمْ أَنَّ جَمِيعَ بَدَنِي قُطِّعَ بِالسُّيُوفِ وَالسِّهَامِ إرَبًا إرَبًا فَأَمُوتُ فِي بَيْتِي بِلَا شَهَادَةٍ (دَخَلَ حَمَّامَ حِمْصَ) وَهُوَ مَدْفُونٌ فِيهِ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِقَوْلِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةِ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ (لَكِنْ إنَّمَا يُبَاحُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إنْسَانٌ مَكْشُوفُ الْعَوْرَةِ انْتَهَى)
حَاصِلُهُ أَنَّ الْحَمَّامَ إذَا خَلَى عَنْ الْمَوَانِعِ وَطَبْعُهُ الْجَوَازُ بَلْ الِاسْتِحْبَابُ لَا يَخْفَى أَنَّ دَلِيلَ الْمَشْرُوعِيَّةِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ فِعْلِ الرَّسُولِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ قَدْ عَرَفْت أَنَّهُ مَوْضُوعٌ وَلَا أَقَلَّ مِنْ الضَّعْفِ فَلَا يَصْلُحُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَمَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ وَإِنْ كَانَ حُجَّةً عِنْدَنَا لَكِنْ يَلْزَمُ بَيَانُ صِحَّةِ دُخُولِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْحَمَّامِ فَلْيُتَأَمَّلْ (عَلَى ذَلِكَ) الشَّرْطِ لِلْجَوَازِ (فَلَا خِلَافَ فِي مَنْعِهِنَّ مِنْ دُخُولِهِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُنَّ مَكْشُوفُ الْعَوْرَةِ) وَالنَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ يَعْنِي أَنَّ الْحُكْمَ دَائِرٌ عَلَى عِلَّتِهِ فَإِذَا انْتَفَى شَرْطُ الْجَوَازِ مِنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ يَنْتَفِي الْجَوَازُ لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعَادَاتِ وَالْأَعْصَارِ وَالْبُلْدَانِ لَا سِيَّمَا إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ عُمُومُ الْبَلْوَى وَالْحَرَجِ وَمِنْ قَوَاعِدِ أَهْلِ الشَّرْعِ أَنَّ الْحُكْمَ الْأَصْلِيَّ لَا يَسْقُطُ بِالْخَارِجِ الْعَرَضِيِّ (وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُؤَيِّدُ قَوْلَ الْفَقِيهِ) وَقَدْ قَرَّرَ أَنَّهُ عِنْدَ تَعَارُضِ أَقْوَالِ أَصْحَابِنَا يُرَجَّحُ مَا يُؤَيِّدُهُ النَّصُّ عَلَى مَا لَا يُؤَيِّدُهُ.
وَمَا حَكَى قَاضِي خَانْ مِنْ دُخُولِهِ ﵊ فَقَطْ عَرَفْت عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﵇ يُرَجَّحُ عَلَى فِعْلِهِ عَلَى الْأَشْهَرِ (مِنْهَا مَا فِي النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ) حُمِلَ عَلَى نِسْيَانِ الْمُصَنِّفِ تَرْكَ عَادَتِهِ مِنْ الرَّمْزِ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ لِكَوْنِهِ مَقَامَ الِاحْتِجَاجِ سِيَّمَا فِي مُقَابَلَةِ مَنْ لَهُ عُلُوُّ شَأْنٍ وَعَظَمَةُ مَقَامٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ تَأْثِيرٌ مَا أَتَى مِنْ زِيَادَةِ بَعْضِ الْقُيُودِ (عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» إيمَانًا كَامِلًا «فَلَا يُدْخِلُ حَلِيلَتَهُ» أَيْ زَوْجَتَهُ «الْحَمَّامَ» فَدُخُولُ مُطْلَقِ النِّسَاءِ مُشْتَرِكٌ فِي عِلَّةِ النَّهْيِ مِنْ
стр. 930
اقْتِضَاءِ الْخُرُوجِ إلَى الْأَسْوَاقِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسْوَانِ
أَقُولُ الْحَدِيثُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَنْ جَابِرٍ عَلَى تَخْرِيجِ ك هَكَذَا «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَدْخُلُ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إزَارٍ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُدْخِلُ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ إلَّا لِعُذْرٍ كَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَهَا أُجْرَتَهُ فَيَكُونَ كَفَاعِلِ الْمَكْرُوهِ ثُمَّ قَالَ عَنْ الْمُنَاوِيِّ بَعْدَ مَا عَزَاهُ لِلتِّرْمِذِيِّ فِيهِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ ضَعِيفٌ ثُمَّ قَالَ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ وَأَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِسَنَدٍ فِيهِ انْقِطَاعٌ نَعَمْ قَالَ بِصِحَّتِهِ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ.
(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) وَعَنْ أَبَوَيْهَا (قَالَتْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «الْحَمَّامُ حَرَامٌ عَلَى نِسَاءِ أُمَّتِي» قَالَ الْمُنَاوِيُّ لِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ كَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَبِهَذَا أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى أَنَّ دُخُولَهُنَّ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا وَنَزَّلُوا الْحَدِيثَ عَلَى مَا إذَا كَانَ فِيهِ كَشْفُ عَوْرَةٍ وَنَحْوِهِ (رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ) وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ الذَّهَبِيُّ (انْتَهَى) كَلَامُ ابْنِ الْهُمَامِ وَعَنْ النِّصَابِ وَيُحْتَسَبُ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ لِلْحَمَّامِ أَوْ خَرَجَتْ غَيْرَ مُتَقَنِّعَةٍ وَإِنْ بِإِذْنِهِ مُتَقَنِّعَةً فَمَالَ السَّرَخْسِيُّ إلَى إبَاحَتِهِ وَقِيلَ إلَى عَدَمِهِ.
لِمَا رُوِيَ أَنَّ نِسَاءَ حِمْصَ دَخَلْنَ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ أَنْتُنَّ مِنْ اللَّاتِي يَدْخُلْنَ الْحَمَّامَ فَقُلْنَ نَعَمْ فَأَمَرَتْ بِإِخْرَاجِهِنَّ مِنْ مَوْضِعِ جُلُوسِهِنَّ لَكِنْ ذَكَرَ الْقِصَّةَ فِي الْمُنَاوِيِّ بِلَا ذِكْرِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ يَعْنِي الْأَمْرَ بِالْإِخْرَاجِ ثُمَّ حَاصِلُ مُرَادِ ابْنِ الْهُمَامِ مَنْعُ دُخُولِهِنَّ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ عِنْدَ الْفَقِيهِ وَحَمَلَ إيرَادَ قَاضِي خَانْ عَلَى عَدَمِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ فَعِنْدَ الْكَشْفِ مَمْنُوعَاتٌ أَيْضًا عِنْدَ قَاضِي خَانْ وَفِي زَمَانِنَا الْكَشْفُ كَثِيرٌ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفَقِيهِ وَقَاضِي خَانْ فِي الْمَنْعِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَبِعَ فِي ذَلِكَ ابْنَ الْهُمَامِ فَعِنْدَهُ هُوَ الْمَنْعُ الْمُطْلَقُ وَأَنْتَ قَدْ سَمِعْت مِنْ الْأَشْبَاهِ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا وَسَمِعْت مِنْ الْفَيْضِ أَنَّهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا وَأَيْضًا سَمِعْت عَدَمَ الْمَنْعِ عِنْدَ الْعُذْرِ كَالْحَيْضِ نَعَمْ إنَّ الْحَظْرَ يُرَجَّحُ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَالْقَوْلُ الَّذِي وَقَعَ فِي تَأْيِيدِهِ نَصَّ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَفِي الشِّرْعَةِ رَخَّصَ لِلرِّجَالِ دُونَ
стр. 931
النِّسَاءِ قِيلَ عَنْ الْإِمَامِ دَخَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ حَمَّامَاتِ الشَّامِ فَقَالَ بَعْضٌ نِعْمَ الْبَيْتُ يُطَهِّرُ الْبَدَنَ وَيُذَكِّرُ النَّارَ وَبَعْضٌ بِئْسَ الْبَيْتُ يُبْدِي الْعَوْرَاتِ وَيُذْهِبُ الْحَيَاءَ (وَقَدْ يَكُونُ) إذْنُ الزَّوْجِ إلَى مَا هُوَ مَعْصِيَةٌ (بِالسُّكُوتِ فَهُوَ كَالْقَوْلِ) فِي الْإِثْمِ (لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ فَرْضٌ) فِي إطْلَاقِهِ كَلَامٌ وَعَدَمُ الْقُدْرَةِ مَدْفُوعٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] فَلَوْ خَرَجَتْ وَسَكَتَ الزَّوْجُ كَانَا عَاصِيَيْنِ وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ الْمُحِيطِ قَالَتْ عَائِشَةُ لِلنِّسَاءِ حِينَ شَكَوْنَ إلَيْهَا مِنْ عُمَرَ لِنَهْيِهِنَّ عَنْ الْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ لَوْ عَلِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا عَلِمَ عُمَرُ مَا أَذِنَ لَهُنَّ وَأَمَّا الْمَنْعُ وَالرَّدُّ بِالْقَوْلِ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ الْإِذْنُ (فَدَاخِلٌ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمَعْرُوفِ) فَيَكُونُ حَرَامًا
(وَمِنْ جُمْلَتِهِ) أَيْ مِنْ جُمْلَةِ النَّهْيِ عَنْ الْمَعْرُوفِ (مَنْعُ امْرَأَتِهِ عَنْ تَمْرِيضِ) التَّمْرِيضُ حُسْنُ الْقِيَامِ عَلَى الْمَرِيضِ (أَحَدِ أَبَوَيْهَا إذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يُمَرِّضُهُ وَيَقُومُ بِحَوَائِجِهِ فَيَأْثَمُ الزَّوْجُ) بِمَنْعِهَا عَنْهُ (وَعَلَيْهَا) وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا عَلَى حَسَبِ اقْتِضَائِهِ (أَنْ تَخْرُجَ) لِذَلِكَ (بِلَا إذْنِهِ) لَفْظًا (إنْ لَمْ يَمْنَعْهَا بِالْفِعْلِ) فَإِنْ مَنَعَهَا بِالْفِعْلِ امْتَنَعَتْ لِئَلَّا يُفْضِيَ الْأَمْرُ إلَى أَشَدِّ مِنْهُ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَلَوْ كَانَ لَهَا أَبٌ زَمِنٌ وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَقُومُ عَلَيْهِ إلَّا هِيَ وَالزَّوْجُ يَمْنَعُهَا مِنْ التَّعَاهُدِ تَعْصِي زَوْجَهَا وَتَقُومُ عَلَيْهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا انْتَهَى وَنَقَلَ عَنْ الْخَانِيَّةِ فِي تَعْلِيلِهِ أَنَّ الْقِيَامَ بِتَعَاهُدِ الْوَالِدِ فَرْضٌ عَلَيْهَا فَيُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ الزَّوْجِ
стр. 932
[الْمَبْحَثُ الثَّانِي فِيمَا الْأَصْلُ فِيهِ الْإِذْنُ وَالْإِبَاحَةُ مِنْ جَانِبِ الشَّرْعِ] [ الْأَوَّلُ الْمِزَاحُ]
(الْمَبْحَثُ الثَّانِي) مِنْ السِّتَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِآفَاتِ اللِّسَانِ (فِيمَا الْأَصْلُ فِيهِ الْإِذْنُ) وَالْإِبَاحَةُ مِنْ جَانِبِ الشَّرْعِ (مِنْ الْعَادَاتِ الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا نِظَامُ الْمَعَاشِ وَهُوَ سِتَّةٌ الْأَوَّلُ الْمِزَاحُ) بِالضَّمِّ اسْمُ الْمَزْحِ بِالْفَتْحِ وَسُكُونِ الزَّاي وَبِالْكَسْرِ مَصْدَرُ مَازَحَهُ (ت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ لَتُدَاعِبُنَا» مِنْ الْمُدَاعَبَةِ وَهِيَ الْمُمَازَحَةُ أَيْ لَتُمَازِحُنَا مُرَادُهُمْ الِاسْتِفْسَارُ عَنْ جَوَازِ الْمِزَاحِ (قَالَ «إنِّي لَا أَقُولُ إلَّا حَقًّا» فَيَجُوزُ الْمِزَاحُ لَنَا لِأَنَّ قَوْلَهُ وَفِعْلَهُ حُجَّةٌ لَنَا مَا لَمْ يُعْلَمْ كَوْنُهُ مِنْ خَوَاصِّهِ بِدَلِيلٍ إذْ الْأَصْلُ هُوَ الِاقْتِدَاء وَالْحَدِيثُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ «إنِّي وَإِنْ دَاعَبْتُكُمْ لَاطَفْتُكُمْ بِالْقَوْلِ فَلَا أَقُولُ إلَّا حَقًّا» قَالَ شَارِحُهُ وَالْمُدَاعَبَةُ مَطْلُوبَةٌ مَحْبُوبَةٌ لَكِنْ فِي مَوَاطِنَ مَخْصُوصَةٍ فَلَيْسَ كُلُّ آنٍ يَصْلُحُ الْمِزَاحُ وَلَا فِي كُلِّ وَقْتٍ يَحْسُنُ الْجِدُّ فَكَوْنُهُ مَحْمُودًا هُوَ الِاقْتِصَادُ لِأَنَّ الْإِفْرَاطَ يُذْهِبُ الْبَهَاءَ وَتَرْكُهُ يَقْبِضُ الْمُؤَانِسَ وَيُوحِشُ الْمُخَالِطَ لَكِنَّ الِاقْتِصَادَ فِيهِ صَعْبٌ جِدًّا لَا يَكَادُ يُوقَفُ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ تَحَرَّجَ عَنْهُ أَكْثَرُ الْحُكَمَاءِ حَيْثُ قِيلَ الْمِزَاحُ مَسْلَبَةٌ لِلْبَهَاءِ مَقْطَعَةٌ لِلْإِخَاءِ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «إنِّي لَأَمْزَحُ» بِالْقَوْلِ وَكَذَا بِالْفِعْلِ وَتَخْصِيصُهُ بِالْأَوَّلِ لَيْسَ بِمُعَوَّلٍ عَلَيْهِ «وَلَا أَقُولُ إلَّا حَقًّا» لِعِصْمَتِي مِنْ الزَّلَلِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ لِامْرَأَةٍ «زَوْجُك الَّذِي فِي عَيْنِهِ بَيَاضٌ» وَقَوْلُهُ لِأُخْرَى «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَجُوزٌ» وَقَوْلُهُ لِآخَرَ «لَأَحْمِلكَ عَلَى وَلَدِ النَّاقَةِ» وَقِيلَ لِابْنِ عُيَيْنَةَ الْمِزَاحُ سَيِّئَةٌ فَقَالَ بَلْ سُنَّةٌ وَلَكِنْ لِمَنْ يُحْسِنُهُ وَإِنَّمَا كَانَ يَمْزَحُ لِأَنَّ النَّاسَ مَأْمُورُونَ بِالتَّأَسِّي بِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ فَلَوْ تَرَكَ اللَّطَافَةَ وَالْبَشَاشَةَ وَلَزِمَ الْعُبُوسَ لَأَخَذَ النَّاسُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ عَلَى مَا فِي مُخَالَفَةِ الْغَرِيزَةِ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَالْعَنَاءِ فَمَزَحَ لِيَمْزَحُوا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ الْعَاقِلُ يَتَوَخَّى بِمِزَاحِهِ أَحَدَ حَالَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا أَحَدُهُمَا إينَاسُ الْمُصَاحِبِينَ وَالتَّوَدُّدُ إلَى الْمُخَالِطِينَ كَمَا قَالَ حَكِيمٌ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ اقْتَصِدْ فِي مِزَاحِك فَإِنَّ الْإِفْرَاطَ فِيهِ يُذْهِبُ الْبَهَاءَ وَيُجَرِّئُ السُّفَهَاءَ وَالتَّقْصِيرَ فِيهِ نَقْصٌ بِالْمُؤَانِسِينَ وَتَوَحُّشٌ بِالْمُخَاطَبِينَ وَالثَّانِي أَنْ يَنْفِيَ مِنْ الْمِزَاحِ مَا طَرَأَ عَلَيْهِ وَحَدَثَ بِهِمْ مِنْ هَمٍّ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَلَا يُسْتَعْمَلُ الْمِزَاحُ أَيْضًا فِي أَحْكَامِ الدِّينِ فَإِنَّهُ جَهْلٌ كَذَا فِي الْفَيْضِ (دت عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ يَا ذَا الْأُذُنَيْنِ» يَعْنِي يُمَازِحُهُ) وَفِيهِ إشْعَارٌ بِالْمَدْحِ بِكَمَالِ ذَكَائِهِ وَفِطْنَتِهِ وَيَقَظَتِهِ وَحُسْنِ اسْتِمَاعِهِ
стр. 933
يَعْلَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُدْلِعُ» بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ اللَّامِ أَيْ يُخْرِجُ «لِسَانَهُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ» حِينَ صَبَاوَتِهِ وَهَذَا مِزَاحٌ فِعْلِيٌّ «وَيَرَى الصَّبِيُّ لِسَانَهُ فَيَهَشُّ» أَيْ يَتَحَرَّك وَيَرْتَاحُ «إلَيْهِ» وَهَذَا مِزَاحٌ فِعْلِيٌّ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَشَرْطُ جَوَازِهِ) قَوْلًا أَوْ فِعْلًا (أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ كَذِبٌ وَلَا رَوْعُ مُسْلِمٍ) وَإِلَّا فَيَحْرُمُ (دت عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَا يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ عَصَا أَخِيهِ لَعِبًا وَلَا جِدًّا» لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْوِيعٍ وَتَخْوِيفٍ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَتَى لِبَيَانِ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بَيَانًا إذَا كَانَ فِي أَخْذِ الْعَصَا كَذِبٌ كَأَنْ يَرَى غَصْبَ عَصَاهُ وَهُوَ لَا يُرِيدُهُ أَوْ تَرْوِيعٌ كَأَنْ يُخِيفَهُ بِغَصْبِ عَصَاهُ وَلَا يُرِيدُهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ كِلْتَا الصُّورَتَيْنِ مِنْ قَبِيلِ الْمِزَاحِ الْفِعْلِيِّ هَذَا لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ دَلَالَةَ إطْلَاقِ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا التَّقْيِيدِ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ فَافْهَمْ (د عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) قِيلَ لَا يَضُرُّ إبْهَامُهُمْ لِأَنَّهُمْ عُدُولٌ فَتَدَبَّرْ
أَقُولُ وَذَلِكَ بِشَهَادَةِ النَّبِيِّ ﵊ بِأَنَّ «خَيْرَ الْقُرُونِ قَرْنِي» .
«وَأَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» لَكِنْ يَشْكُلُ بِالْكَلَامِ فِي تَفْصِيلِ مُرْسَلِ التَّابِعِيِّ لَعَلَّ وَجْهَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ الْإِغْنَاءُ عَنْ التَّفْصِيلِ الْمُتَعَذِّرِ أَوْ الْمُتَعَسِّرِ كَمَا فِي قَوْلِهِ حَضَرَ الْيَوْمَ عُلَمَاءُ الْبَلَدِ «أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْرُونَ» أَيْ يَسِيرُونَ لَيْلًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ [الإسراء: ١]- «مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ» عَلَى نَاقَتِهِ «فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إلَى حَبْلٍ مَعَهُ» أَيْ مَعَ ذَلِكَ النَّائِمِ «فَأَخَذَهُ» أَيْ الْبَعْضُ ذَلِكَ الْحَبْلَ عَلَى وَجْهِ الْمِزَاحِ «فَفَزِعَ» أَيْ النَّائِمُ بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ لَمَّا لَمْ يَجِدْ حَبْلَهُ (فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» إذْ «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ يَدِهِ وَلِسَانِهِ» الْحَدِيثَ فَطَبِيعَةُ الْإِسْلَامِ أَوْجَبَتْ السَّلَامَةَ مِنْ التَّرْوِيعِ وَالتَّخْوِيفِ فَفِي التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ " الْمُسْلِمُ " تَنْبِيهٌ عَلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ كَأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمَذْهَبِ الْكَلَامِيِّ فِي صَنْعَةِ الْبَدِيعِ وَمِنْ الْقَضَايَا الَّتِي قِيَاسَاتُهَا مَعَهَا فَافْهَمْ وَأَيْضًا سَبَقَ حَدِيثُ «مَنْ أَخَافَ مُؤْمِنًا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُؤَمِّنَهُ مِنْ إفْزَاعِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ وَإِنْ هَازِلًا كَإِشَارَتِهِ بِسَيْفٍ أَوْ حَدِيدَةٍ أَوْ أَفَاعِي أَوْ أَخْذِ مَتَاعِهِ فَيَفْزَعُ لِفَقْدِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إدْخَالِ الْأَذَى وَالضَّرَرِ عَلَيْهِ انْتَهَى
أَقُولُ فَيَلْزَمُ التَّعْزِيرُ عَلَيْهِ لِمَا قَالُوا مَنْ آذَى غَيْرَهُ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يُعَزَّرُ وَلَوْ بِغَمْزِ الْعَيْنِ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة (وَإِكْثَارُهُ) أَيْ الْمِزَاحِ مَعَ وُجُودِ شَرْطِ الْجَوَازِ (مَذْمُومٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ)
стр. 934
قِيلَ تَنْزِيهًا لَكِنْ لَا يُلَائِمُهُ مَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ (لِمَا سَبَقَ فِي الْمِرَاءِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -) وَهُوَ «لَا تُمَارِ أَخَاك وَلَا تُمَازِحُهُ» (وَوَجْهُهُ) أَيْ النَّهْيِ (أَنَّ كَثْرَتَهُ تُسْقِطُ الْمَهَابَةَ وَالْوَقَارَ) فَهُمَا إنْ لَمْ يَكُونَا لِغَرَضٍ نَفْسَانِيٍّ وَمِيلٍ هَوَائِيٍّ أَمْرَانِ مَرْغُوبَانِ لَا سِيَّمَا مِمَّنْ هُوَ مُقْتَدًى بِهِ كَالْعُلَمَاءِ وَمَنْ هُوَ فِي مَقَامِ الِاحْتِسَابِ (وَيُورِثُ الضَّغِينَةَ) أَيْ الْحِقْدَ (فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ مُجَرَّدِ الْإِكْثَارِ بَلْ مِنْ طَبِيعَةِ مَا مَازَحَ بِهِ (وَ) يُورِثُ (كَثْرَةَ الضَّحِكِ) فَإِنَّ أَصْلَ الضَّحِكِ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ لِأَنَّ (الْمُمِيتَ لِلْقَلْبِ) هُوَ كَثْرَةُ الضَّحِكِ لَا مُطْلَقُهُ
وَعَنْ بُسْتَانِ الْعَارِفِينَ يُكْرَهُ الضَّحِكُ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ عِنْدَ الْجِنَازَةِ وَعِنْدَ الْمَقَابِرِ وَعِنْدَ الْمَفْجُوعِ بِالْمُصِيبَةِ وَعِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَعِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ وَيُقَالُ الضَّحِكُ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ نَوْعٌ مِنْ الْجُنُونِ (ت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ» مِنْ التَّعْلِيمِ «مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّ خَمْسًا فَقَالَ اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ» ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]- وَإِنَّ الْعَمَلَ وَإِنْ كَثُرَ لَا يُقْبَلُ مَا لَمْ يُقَارَنْ بِالتَّقْوَى وَإِذَا قَارَنَ وَإِنْ قَلِيلًا فَمَقْبُولٌ فَمَنْ اتَّقَى جَمِيعَ الْمَحَارِمِ يَكُنْ مُتَّقِيًا فَيَصِيرُ عَمَلُهُ وَإِنْ قَلَّ مَقْبُولًا وَمَنْ لَمْ يَتَّقِ وَإِنْ كَثُرَ عَمَلُهُ لَا يَصِيرُ مَقْبُولًا - ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْمُصَنِّفِ «وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَك» وَإِنْ قَلَّ «تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ» لِأَنَّ مَعْنَى الْغِنَى عَدَمُ الِاحْتِيَاجِ إلَى الْغَيْرِ فَمَنْ رَضِيَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنْ الرِّزْقِ وَلَمْ يَطْلُبْ الزِّيَادَةَ يَكُنْ فَرْدًا سَابِقًا فِي الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ النَّاسِ فَإِنَّ الْغِنَى لَيْسَ بِكَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ وَالْقَنَاعَةُ غِنًى وَعِزٌّ بِاَللَّهِ وَضِدُّهَا فَقْرٌ وَذُلٌّ لِلْغَيْرِ وَمَنْ لَمْ يَقْنَعْ لَمْ يَشْبَعْ أَبَدًا فَفِي الْقَنَاعَةِ الْعِزُّ وَالْغِنَى وَالْحُرِّيَّةُ وَفِي فَقْدِهَا الذُّلُّ وَالتَّعَبُّدُ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ عَاقِلٍ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الرِّزْقَ بِالْقَسْمِ وَالْحَظِّ لَا بِالْعِلْمِ وَالْعَقْلِ وَلَا فَائِدَةَ لِلْجِدِّ
قَالَ الْحُكَمَاءُ لَوْ جَرَتْ الْأَقْسَامُ عَلَى قَدْرِ الْعُقُولُ لَمْ تَعِشْ الْبَهَائِمُ وَنَظَمَهُ أَبُو تَمَّامٍ فَقَالَ
يَنَالُ الْفَتَى مِنْ عَيْشِهِ وَهُوَ جَاهِلٌ ... وَيُكْدِي الْفَتَى فِي دَهْرِهِ وَهُوَ عَالِمُ
وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْزَاقُ تَجْرِي عَلَى الْحِجَا ... هَلَكْنَ إذًا مِنْ جَهْلِهِنَّ الْبَهَائِمُ
«وَأَحْسِنْ إلَى جَارِك» بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ «تَكُنْ مُؤْمِنًا» كَامِلَ الْإِيمَانِ فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى الْإِحْسَانِ فَكُفَّ عَنْ أَذَاهُ وَإِنْ كَانَ مُؤْذِيًا لَك فَيَلْزَمُك الصَّبْرُ حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَك فَرَجًا «وَأَحِبَّ» أَيْ ارْضَ «لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِك تَكُنْ مُسْلِمًا» بِأَنْ تُحِبَّ لَهُمْ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِك مِنْ جِهَةٍ لَا تَزَاحَمُونِ فِيهَا فَإِنْ انْتَفَتْ الْمَحَبَّةُ لِنَحْوِ حِقْدٍ أَوْ حَسَدٍ انْتَفَى عَنْهُ كَمَالُ الْإِيمَانِ قَالَ السَّرِيُّ لِي ثَلَاثُونَ سَنَةً فِي الِاسْتِغْفَارِ مِنْ قَوْلِي الْحَمْدُ لِلَّهِ وَقَعَ فِي بَغْدَادَ حَرِيقٌ فَاسْتَقْبَلَنِي رَجُلٌ فَقَالَ نَجَا حَانُوتُك فَقُلْت الْحَمْدُ لِلَّهِ فَمُذْ قُلْتهَا فَأَنَا نَادِمٌ حَيْثُ
стр. 935
أَرَدْت لِنَفْسِي خَيْرًا دُونَ الْمُسْلِمِينَ «وَلَا تُكْثِرْ الضَّحِكَ» بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وَهِيَ كَيْفِيَّةٌ يَحْصُلُ فِيهَا انْبِسَاطٌ فِي الْقَلْبِ مِمَّا يُعْجِبُ الْإِنْسَانَ مِنْ السُّرُورِ وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِي الْوَجْهِ وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ مُضِرٌّ بِالْقَلْبِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا وَهُوَ فِعْلُ السُّفَهَاءِ وَالْأَرَاذِلِ مُورِثٌ لِلْأَمْرَاضِ النَّفْسَانِيَّةِ وَلِذَا قَالَ «فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ» أَيْ تُصَيِّرُهُ مَغْمُورًا فِي الظُّلُمَاتِ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى نَفْعِ نَفْسِهِ وَلَا دَفْعِ الضُّرِّ عَنْهَا وَحَيَاتُهُ أَوْ إشْرَاقُهُ مَادَّةُ كُلِّ الْخَيْرِ وَمَوْتُهُ وَظُلْمَتُهُ مَادَّةُ كُلِّ شَرٍّ وَبِحَيَاتِهِ تَكُونُ قُوَّتُهُ وَسَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَتَصَوُّرُهُ الْمَعْلُومَاتِ وَحَقَائِقَهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ وَلِذَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ لَا تُكْثِرْ الضَّحِكَ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ وَلَا تَمْشِ فِي غَيْرِ أَرَبٍ وَلَا تَسْأَلْ عَمَّا لَا يَعْنِيك وَلَا تُضِعْ مَالَك وَتُصْلِحْ مَالَ غَيْرِك فَإِنَّ مَالَك مَا قَدَّمْت وَمَالَ غَيْرِك مَا أَخَّرْت
وَقَالَ مُوسَى لِلْخَضِرِ ﵉ أَوْصِنِي فَقَالَ كُنَّ بَسَّامًا وَلَا تَكُنْ غَضْبَانَ وَكُنْ نَفَّاعًا وَلَا تَكُنْ ضِرَارًا وَأَنْزِعْ عَنْ اللَّجَاجَةِ وَلَا تَمْشِ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا تَضْحَكْ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ وَلَا تُعَيِّرْ الْخَاطِئِينَ بِخَطَايَاهُمْ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِك يَا ابْنَ عِمْرَانَ وَفِي صُحُفِ مُوسَى عَجَبًا لِمَنْ أَيْقَنَ بِالنَّارِ كَيْفَ يَضْحَكُ عَجَبًا لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ عَجَبًا لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَنْصَبُ عَجَبًا لِمَنْ رَأَى الدُّنْيَا وَتَقَلُّبَهَا بِأَهْلِهَا كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إلَيْهَا
وَفِي الْحَدِيثِ إيذَانٌ بِالْإِذْنِ فِي قَلِيلِ الضَّحِكِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْمَصْلَحَةِ كَمَا فِي الْفَيْضِ وَخَيْرٌ مِنْهُ التَّبَسُّمُ كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا قَوْمٌ يَتَحَدَّثُونَ وَيَضْحَكُونَ فَوَقَفَ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ يَزْجُرْكُمْ فَقُلْنَا وَمَا هَاذِمُ اللَّذَّاتِ قَالَ الْمَوْتُ» (هق عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الْعَبْدَ لَيَقُولُ الْكَلِمَةَ لَا يَقُولُهَا إلَّا لِيُضْحِكَ بِهَا الْمَجْلِسَ» أَيْ أَهْلَهُ «يَهْوِي بِهَا» يَسْقُطُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ فِي دَرَكَاتِ النِّيرَانِ «أَبْعَدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَزِلُّ عَنْ لِسَانِهِ أَشَدَّ مِمَّا يَزِلُّ عَنْ قَدَمَيْهِ» يَعْنِي: صُدُورُ الْكَذِبِ وَالْفَاحِشَةِ أَضَرُّ لَهُ مِمَّا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ ضَرَرِ سُقُوطِهِ عَلَى وَجْهِهِ قَالَ الشَّاعِرُ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ
جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا الْتِئَامُ ... وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ.
[الثَّانِي مِنْ السِّتَّةِ الْمَدْحُ]
(وَالثَّانِي) مِنْ السِّتَّةِ (الْمَدْحُ وَهُوَ جَائِزٌ) تَارَةً وَمَنْهِيٌّ تَارَةً عَلَى اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَوْقَاتِ فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَجِبُ تَعْظِيمُهُ فَهُوَ مِنْ الْقُرَبِ وَأَعْلَى الرُّتَبِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إلَيْهِ الْمَدْحُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى» أَيْ إنَّهُ يُحِبُّ الْمَدْحَ مِنْ عِبَادِهِ لِيُثِيبَهُمْ عَلَى مَدْحِهِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الشُّكْرِ لِلْوَاحِدِ الْخَالِقِ فَإِذَا كَانَ الْأَشْخَاصُ الْمُذْنِبُونَ الْقَاصِرُونَ يُحِبُّونَ الْمَدْحَ فَاَلَّذِي يَسْتَحِقُّهُ أَوْلَى ﵎ الْمَمْدُوحُ فِي أَوْصَافِهِ الْمَحْمُودُ عَلَى أَفْعَالِهِ الْمُنْعِمُ عَلَى عِبَادِهِ وَزَادَ فِيمَا رُوِيَ عَنْ مُسْلِمٍ «مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ وَلَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ» الْحَدِيثَ وَإِنَّمَا جَازَ
стр. 936
الْمَدْحُ لِأَنَّهُ يُورِثُ زِيَادَةَ الْمَحَبَّةِ وَالْأُلْفَةِ وَاجْتِمَاعَ الْقُلُوبِ وَجَمْعِيَّةَ الْخَاطِرِ.
(عَدِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ وُزِنَ إيمَانُ أَبِي بَكْرٍ بِإِيمَانِ الْعَالَمِينَ» بِفَتْحِ اللَّامِ «لَرَجَحَ» مِنْ قَبِيلِ الْعَامِّ خَصَّ مِنْهُ الْبَعْضَ فِيهِ أَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَوْلِيَاءِ كَافَّةً سَوَاءٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوْ مِنْ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ وَمِنْ عَوَامِّ الْمَلَائِكَةِ جِنْسًا أَوْ شَخْصًا وَأَمَّا خَوَاصُّهُمْ فَلَا يَخْفَى أَنَّهُمْ كَالْأَنْبِيَاءِ دَاخِلُونَ فِي التَّخْصِيصِ وَالْمُخَصِّصُ شَرْعٌ أَوْ عَقْلٌ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا اقْتَضَاهُ الْحَدِيثُ مِنْ قَبُولِ الْإِيمَانِ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ فَقَدْ اُسْتُوْفِيَ فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ فَارْجِعْ إلَيْهِ تُهْدَ (وَرَوَاهُ هق مَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) قِيلَ مَرْفُوعٌ حُكْمًا لِمَا أَنَّ الرَّأْيَ لَا مَجَالَ لَهُ فِيهِ أَقُولُ وَأَيْضًا يُعَضِّدُهُ رَفْعُ ابْنِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لَكِنْ السُّيُوطِيّ أَوْرَدَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ كَلَامُ السَّلَفِ وَابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي الْمَوْضُوعَاتِ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَابْنُ عَسَاكِرَ فِي طَرِيقِ صَدَقَةِ ابْنِ مَيْمُونَةَ الْقُرَشِيِّ (ت عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) لَكِنْ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِ الشَّاعِرِ
وَلَوْ دَامَتْ الدَّوْلَاتُ كَانُوا كَغَيْرِهِمْ ... رَعَايَا وَلَكِنْ مَا لَهَا مِنْ دَوَامِ
وَتَفْصِيلُهُ فِي الْمُطَوَّلِ شَرْحِ التَّلْخِيصِ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْمِيزَانِ مِنْ أَنَّهُ اسْتِنْتَاجٌ مِنْ اسْتِثْنَاءِ نَقِيضِ الْمُقَدَّمِ فَطُورٌ آخَرُ غَيْرُ طُورِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَلَا يَخْفَى تَوْفِيقُهُمَا لِمَنْ تَدَرَّبَ فِي الْمِيزَانِ ثُمَّ يَشْكُلُ أَنَّهُ كَيْفَ يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى مَدْحِ عُمَرَ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ تَعْلِيقِ الْمُحَالِ بِالْمُحَالِ الْآخَرِ أَقُولُ الْمُحَالِيَّةُ لَيْسَتْ بِذَاتِيَّةٍ فَالْمَدْحُ بِمَا فِي الْإِمْكَانِ الْأَصْلِيِّ كَافٍ نَظِيرُهُ مَا قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ فِي مَسْأَلَةِ وَجْهِ كُفْرِ مَنْ قَالَ لَوْ كَانَ فُلَانٌ نَبِيًّا مَا آمَنْت بِهِ
стр. 937
فَحَاصِلُ الْحَدِيثِ فِي ذَاتِ عُمَرَ وَقَابِلِيَّةِ كَوْنِهِ نَبِيًّا بَعْدِي لَوْ أَمْكَنَتْ النُّبُوَّةُ
فَفِيهِ إبَانَةٌ عَنْ فَضْلِ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِعُمَرَ مِنْ أَوْصَافِ الْأَنْبِيَاءِ وَخِصَالِ الْمُرْسَلِينَ وَقُرْبِ حَالِهِ مِنْهُمْ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النُّبُوَّةَ لَيْسَتْ بِاسْتِعْدَادٍ بَلْ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ فَكَأَنَّ النَّبِيَّ أَشَارَ إلَى أَوْصَافٍ جُمِعَتْ فِي عُمَرَ لَوْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلرِّسَالَةِ لَكَانَ بِهَا نَبِيًّا فَمِنْ أَوْصَافِهِ قُوَّتُهُ فِي دِينِهِ وَبَذْلُهُ نَفْسَهُ وَمَالَهُ فِي إظْهَارِ الْحَقِّ وَإِعْرَاضُهُ عَنْ الدُّنْيَا مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهَا وَخُصَّ عُمَرُ مَعَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَفْضَلُ إيذَانًا بِأَنَّ النُّبُوَّةَ بِالِاصْطِفَاءِ لَا بِالْأَسْبَابِ ذَكَرَهُ الْكَلَابَاذِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ خُصَّ عُمَرُ بِالذِّكْرِ لِكَثْرَةِ مَا وَقَعَ لَهُ فِي زَمَنِ الْمُصْطَفَى مِنْ الْوَاقِعَاتِ الَّتِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَا وَوَقَعَ لَهُ بَعْدَهَا عِدَّةُ إصَابَاتٍ كَذَا فِي الْفَيْضِ كَأَنَّهُ يُرِيدُ مَا قَالُوا إنَّهُ كَانَ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ عَلَى رَأْيِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
وَأَيْضًا مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ حَبِيبَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا قَوْله تَعَالَى - ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]- وَمَدَحَهُ أَيْضًا ﵊ مَعَ أَصْحَابِهِ بِقَوْلِهِ - ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا﴾ [الفتح: ٢٩]- الْآيَةَ (وَلَكِنْ جَوَازُهُ بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ الْأَوَّلُ أَنْ لَا يَكُونَ) الْمَدْحُ (لِنَفْسِهِ لِأَنَّ تَزْكِيَةَ النَّفْسِ لَا تَجُوزُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى - ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢] فَرُبَّمَا يَصِفُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ بِالتَّقْوَى وَاَللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ لَكِنْ إنْ كَانَ يَقْصِدُ تَحْدِيثَ النِّعْمَةِ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ جَائِزٌ بَلْ قَدْ يُسْتَحَبُّ.
(وَفِي حُكْمِهَا) أَيْ مَدْحِ النَّفْسِ (مَدْحُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَوْلَادِ) كَأَنْ يَمْدَحَ أَوْلَادَهُ بِكَمَالِ الْخِصَالِ (وَالْآبَاءِ وَالتَّلَامِذَةِ وَالتَّصَانِيفِ) لَمْ يَذْكُرْ الْأَسَاتِذَةَ لَعَلَّ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى جَوَازِهِ كَمَدْحِ الْأُمَمِ أَنْبِيَاءَهُمْ بَلْ مُطْلَقُ الْأَنْبِيَاءِ (وَنَحْوِهَا بِحَيْثُ يَسْتَلْزِمُ) مَدْحُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا (مَدْحَ الْمَادِحِ) وَأَمَّا إذَا مُدِحَ بِكَمَالٍ حَصَلَ مِنْ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ لِعَدَمِ اسْتِلْزَامِهِ مَدْحَ نَفْسِهِ (قِيلَ لِحَكِيمٍ) مِنْ الْحُكَمَاءِ مِنْ يَعْلَمُ الشَّيْءَ عَلَى مَا يَنْبَغِي إمَّا بِالْفِرَاسَةِ أَوْ التَّجَارِبِ أَوْ بِالْعَلَامَاتِ أَوْ بِالْكَشْفِ.
وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَسَمَّاهُمْ حُكَمَاءُ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ (مَا الصِّدْقُ الْقَبِيحُ قَالَ ثَنَاءُ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ) أَمَّا قُبْحُهُ شَرْعًا فَلِلنَّهْيِ عَنْهُ وَعُرْفًا لِنُفْرَةِ الطَّبْعِ عَنْهُ (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ التَّحْدِيثَ) فَلَا يَجُوزُ مَدْحُ نَفْسِهِ فِي كُلِّ حَالٍ إلَّا بِنِيَّةِ التَّحْدِيثِ (بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى) وَامْتِثَالِ أَمْرِهِ - ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]- (أَوْ إعْلَامَ حَالِهِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ لِيَأْخُذُوا عَنْهُ) الْعِلْمَ (أَوْ لِيَقْتَدُوا بِهِ) فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ (أَوْ لِيُعْطَوْا حَقَّهُ) مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَيَجُوزُ لِلْعَالِمِ أَنْ يَقُولَ لِلسُّلْطَانِ أَوْ أَعْوَانِهِ لِأَخْذِ حَقِّهِ أَنَا عَالِمٌ مُسْتَحِقٌّ لِبَيْتِ الْمَالِ فَأَعْطِنِي كِفَايَتِي (أَوْ لِيَدْفَعُوا عَنْهُ الظُّلْمَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّزْكِيَةَ وَالْفَخْرَ ت مج عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ لِي» أَيْ: أَقُولُ ذَلِكَ شُكْرًا لَا فَخْرًا وَتَعْظِيمًا وَتَكَبُّرًا وَقِيلَ لَا أَفْتَخِرُ بِذَلِكَ بَلْ فَخْرِي بِمَا أَعْطَانِي هَذِهِ الرُّتْبَةَ، وَالْفَخْرُ ادِّعَاءُ الْعَظَمَةِ وَالْمُبَاهَاةِ وَهَذَا قَالَهُ لِلتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ وَإِعْلَامًا لِلْأُمَّةِ لِيَعْتَقِدُوا فَضْلَهُ عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَأَمَّا خَبَرُ لَا تُفَضِّلُونِي بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ فَمَعْنَاهُ تَفْضِيلُ مُفَاخَرَةٍ أَوْ تَفْضِيلًا يُوهِمُ الشَّيْنَ عَلَى الْغَيْرِ وَتَمَامُ الْحَدِيثِ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ «وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ» يَأْوِي إلَيْهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ
стр. 938
«وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ سِوَايَ إلَّا تَحْتَ لِوَائِي وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ وَلَا فَخْرَ» أَيْ أَوَّلُ مَنْ يُعَجِّلُ اللَّهُ إحْيَاءَهُ مُبَالَغَةً فِي الْإِكْرَامِ وَتَعْجِيلًا لِجَزِيلِ الْإِنْعَامِ «وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ» فِي الْقِيَامَةِ لِخَلَاصِ الْعُصَاةِ أَوْ فِي الْجَنَّةِ لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ «وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» مَقْبُولِ الشَّفَاعَةِ فِي جَمِيعِ أَقْسَامِ الشَّفَاعَةِ لِلَّهِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَتَوَاضَعَ لِرَبِّهِ وَيَهْضِمَ نَفْسَهُ لِئَلَّا يَكُونَ مُزَكِّيًا وَبِحَالِ السِّيَادَةِ وَالشَّرَفِ مُعْجَبًا فَقَالَ «وَلَا فَخْرَ» أَيْ لَا أَقُولُ افْتِخَارًا أَوْ تَبَجُّحًا بَلْ تَشَكُّرًا وَتَحَدُّثًا بِالنِّعْمَةِ وَإِعْلَامًا لِلْأُمَّةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ لِمَنْ قَالَ يَا خَيْرَ الْبَرِّيَّةِ «ذَاكَ إبْرَاهِيمُ» فَعَلَى جِهَةِ التَّوَاضُعِ وَتَرْكِ التَّطَاوُلِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِتَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ. لَا يُقَالُ كَيْفَ يَصِحُّ مِنْ مَعْصُومٍ الْإِخْبَارُ عَنْ شَيْءٍ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ لِأَجْلِ تَوَاضُعٍ أَوْ أَدَبٍ وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ خَبَرًا عَنْ أَمْرٍ وُجُودِيٍّ وَالْأَخْبَارُ الْوُجُودِيَّةُ لَا يَدْخُلُهَا نَسْخٌ لِأَنَّا نَقُولُ نَمْنَعُ أَنَّ هَذَا إخْبَارٌ عَنْ شَيْءٍ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ تَوَاضُعٌ يَمْنَعُ إطْلَاقَ ذَلِكَ اللَّفْظِ عَلَيْهِ وَتَأَدُّبٌ مَعَ أَبِيهِ بِإِضَافَةِ ذَلِكَ اللَّفْظِ إلَيْهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَعْنَى فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا تُطْلِقُوا هَذَا اللَّفْظَ عَلَيَّ وَأَطْلِقُوهُ عَلَى إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَدَبًا مَعَهُ وَاحْتِرَامًا فَهُوَ خَبَرٌ عَنْ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لَا عَنْ الْمَعْنَى الْوُجُودِيِّ سَلَّمْنَا أَنَّهُ خَبَرُ أَمْرٍ وُجُودِيٍّ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ وُجُودِيٍّ لَا يَتَبَدَّلُ بَلْ مِنْهُ مَا يَتَبَدَّلُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَبَدُّلِهِ تَنَاقُضٌ وَلَا مُحَالٌ وَلَا نَسْخٌ كَالْإِخْبَارِ عَنْ الْأُمُورِ الْوَصْفِيَّةِ
وَبَيَانُهُ أَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الْإِنْسَانِ مُكَرَّمًا وَمُفَضَّلًا أَنَّهُ بِحَسَبِ مَا يُكَرَّمُ بِهِ وَيُفَضَّلُ عَلَى غَيْرِهِ فَفِي وَقْتٍ يُكَرَّمُ بِمَا يُسَاوِي فِيهِ غَيْرَهُ وَفِي وَقْتٍ يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ وَفِي وَقْتٍ يُكَرَّمُ بِشَيْءٍ لَمْ يُكَرَّمْ بِهِ أَحَدٌ فَيُقَالُ عَلَيْهِ فِي الْمَنْزِلَةِ الْأُولَى مُكَرَّمٌ وَفِي الثَّانِيَةِ مُفَضَّلٌ مُقَيَّدٌ وَفِي الثَّالِثَةِ مُفَضَّلٌ مُطْلَقٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَنَاقُضٌ وَلَا نَسْخٌ ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ قَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ وَإِنَّمَا أَعْلَمَ أُمَّتَهُ بِالسِّيَادَةِ وَأَنَّهُ أَوَّلُ شَافِعٍ لِيُرِيحَهُمْ مِنْ التَّعَبِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَذَهَابِهِمْ لِنَبِيٍّ بَعْدَهُ لِيَشْفَعَ لَهُمْ أَوْ يُرْشِدَهُمْ لِشَافِعٍ وَأَنَّهُمْ يَمْكُثُونَ بِمَحَلِّهِمْ حَتَّى تَأْتِيَهُ النَّوْبَةُ فَيَقُولَ أَنَا لَهَا أَنَا لَهَا فَمَا ذَهَبَ إلَى نَبِيٍّ بَعْدَ نَبِيٍّ إلَّا مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْخَبَرُ أَوْ نَسِيَ وَأُخِذَ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِقَوْلِ الشَّيْخِ خُذْ مِنِّي هَذَا الْكَلَامَ الْمُحَقَّقَ الَّذِي لَا تَجِدُهُ عِنْدَ غَيْرِي أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ بِقَصْدِ اعْتِنَائِهِ وَعَدَمِ تَهَاوُنِهِ
(تَتِمَّةٌ) خُصَّ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ وَفِي إدْخَالِ الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَفِيمَنْ اسْتَحَقَّ النَّارَ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا وَفِي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَبِالشَّفَاعَةِ لِيَتَجَاوَزَ عَنْ الصُّلَحَاءِ فِي تَقْصِيرِهِمْ فِي الطَّاعَاتِ وَبِالشَّفَاعَةِ فِي الْمَوْقِفِ تَخْفِيفًا عَمَّنْ يُحَاسَبُ وَبِالشَّفَاعَةِ فِيمَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنْ الْكُفَّارِ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُ الْعَذَابُ وَفِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ لَا يُعَذَّبُوا وَفِي أَهْلِ بَيْتِهِ أَنْ لَا يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ النَّارَ كَذَا فِي الْفَيْضِ لَكِنْ يَحْتَاجُ الْأَخِيرُ إلَى نَوْعِ تَأَمُّلٍ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ أَيْضًا أَنَا قَائِدُ الْمُرْسَلِينَ أَكُونُ أَمَامَهُمْ وَهُمْ خَلْفِي وَلَا فَخْرَ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَمُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ لِأَنَّهُ تَحَمَّلَ فِي مَرْضَاتِ رَبِّهِ مَا لَمْ يَتَحَمَّلْهُ بَشَرٌ سِوَاهُ وَقَامَ بِالصَّبْرِ وَالشُّكْرِ حَقَّ الْقِيَامِ فَثَبَتَ فِي مَقَامِ الصَّبْرِ حَتَّى لَمْ يَلْحَقْهُ مِنْ الصَّابِرِينَ أَحَدٌ وَتَرَقَّى فِي دَرَجَاتِ الشُّكْرِ حَتَّى عَلَا فَوْقَ الشَّاكِرِينَ فَمِنْ ثَمَّةَ خُصَّ بِذَلِكَ عَنْ الْعَارِفِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فَهُوَ شَافِعٌ فِي الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ نَعَمْ وَالْمَلَائِكَةِ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَآخِرُ شَافِعٍ فَيُخْرِجُ مِنْ النَّارِ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ وَأَيُّ شَرَفٍ أَعْظَمُ مِنْ دَائِرَةٍ تُدَارُ وَآخِرُ الدَّائِرَةِ مُتَّصِلٌ بِأَوَّلِهَا وَمَا عُورِضَ بِحَدِيثِ النَّسَائِيّ وَالْحَاكِمِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ «يَشْفَعُ بَيْنَكُمْ أَرْبَعًا أَرْبَعَةٌ جِبْرِيلُ ثُمَّ إبْرَاهِيمُ ثُمَّ مُوسَى أَوْ عِيسَى» الْحَدِيثَ فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ خَبَرٌ ضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ انْتَهَى وَلَا يَخْفَى أَنَّ الضَّعِيفَ الْمَرْجُوحَ لَا يُعَارِضُ الرَّاجِحَ وَفِيهِ أَيْضًا «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَتَظْهَرُ سِيَادَتُهُ عَلَى أَهْلِ الْجَمْعِ كَافَّةً عِيَانًا فَيَفُوقُ عَلَى جَمِيعِ وَلَدِ آدَمَ - حَتَّى أُولِي الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ - وَاحْتِيَاجُهُمْ إلَيْهِ كَيْفَ وَهُوَ وَاسِطَةُ كُلِّ فَيْضٍ وَتَخْصِيصُهُ وَلَدَ آدَمَ لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ خَوَاصِّ الْمَلَائِكَةِ كَمَا نَقَلَ الْإِمَامُ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ أَيْ إجْمَاعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ «وَأَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ» مُبَالَغَةً فِي إكْرَامِهِ «وَأَوَّلُ شَافِعٍ» فَلَا يَتَقَدَّمُنِي شَافِعٌ وَلَا مَلَكٌ وَلَا بَشَرٌ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِ الشَّفَاعَةِ «وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» وَفِيهِ «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا
стр. 939
إذَا بُعِثُوا وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إذَا وَفَدُوا» أَيْ قَدِمُوا عَلَى رَبِّهِمْ «وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ» بِقَبُولِ شَفَاعَتِي «إذَا يَئِسُوا لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي» فَإِنَّ اللِّوَاءَ يَكُونُ مَعَ كَبِيرِ الْقَوْمِ عَادَةً وَقِيلَ اللِّوَاءُ مَعْنَوِيٌّ وَهُوَ الْحَمْدُ وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي وَمِنْ كَرَامَتِهِ عَلَى رَبِّهِ أَنَّهُ أَقْسَمَ بِحَيَاتِهِ وَأَشْفَقَ عَلَيْهِ فِيمَا كَانَ يَتَكَلَّفُهُ مِنْ الْعِبَادَةِ وَطَلَبَ مِنْهُ تَقْلِيلَهَا وَلَمْ يَطْلُبْهُ مِنْ غَيْرِهِ بَلْ حَثَّهُمْ عَلَى الزِّيَادَةِ وَأَقْسَمَ لَهُ أَنَّهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ وَأَنَّهُ عَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ وَأَنَّهُ مَا وَدَّعَهُ وَمَا قَلَاهُ وَوُلِدَ مَخْتُونًا عَلَى مَا يَأْتِي لِئَلَّا يَرَى أَحَدٌ عَوْرَتَهُ وَاسْتَأْذَنَ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَيْهِ فِي الدُّخُولِ فِي قَبْضِ رُوحِهِ وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ غَيْرَهُ وَلَمَّا كَانَ هَذَا مِنْ الْأُصُولِ الِاعْتِقَادِيَّةِ بَيَّنَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ وَأَرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ وَلَا فَخْرَ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ إرَادَتِهِ الِافْتِخَارَ بِهِ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ إنَّمَا أَخْبَرَ بِهِ لِوُجُوبِ الِاعْتِقَادِيَّةِ وَلِتَرْغِيبِ دُخُولِ دِينِهِ وَلِيَتَمَسَّكَ بِهِ مَنْ دَخَلَ فِي دِينِهِ وَلِتَعْظِيمِ مَحَبَّتِهِ فِي قُلُوبِ مُتَّبِعِيهِ فَتَكْثُرُ أَعْمَالُهُمْ وَتَطِيبُ أَحْوَالُهُمْ فَيَحْصُلُ شَرَفُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِأَنَّ شَرَفَ الْمَتْبُوعِ مُتَعَدٍّ لِشَرَفِ التَّابِعِ فَإِنْ قِيلَ هَذِهِ آحَادٌ فَكَيْفَ يَحْصُلُ الِاعْتِقَادُ الْقَطْعِيُّ بِهَا قُلْنَا أَمَّا الصَّحَابِيُّ فَيَحْصُلُ لَهُ الْقَطْعُ وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُ فَبِالتَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ لِكَثْرَةِ الْأَخْبَارِ الْآحَادِ وَفِيهِ أَيْضًا أَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ.
(وَالثَّانِي) مِنْ شُرُوطِ جَوَازِ الْمَدْحِ (الِاحْتِرَازُ عَنْ الْإِفْرَاطِ) فِي الْمَدْحِ وَالْغُلُوِّ فِيهِ (الْمُؤَدِّي إلَى الْكَذِبِ) لِعَدَمِ خَارِجٍ لَهُ (وَالرِّيَاءِ) أَيْ إرَاءَةِ السَّامِعِينَ أَوْ الْمَمْدُوحِ أَنَّهُ مُحِبٌّ مُخْلِصٌ فِي دَعْوَاهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (وَ) الِاحْتِرَازُ عَنْ (الْقَوْلِ بِمَا لَا يَتَحَقَّقُهُ) أَيْ بِمَا لَا يُعْلَمُ حَقِيقَتُهُ لَا يَخْفَى أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ هُوَ الْمَنْعُ عَنْ مُطْلَقِ الْمُبَالَغَةِ وَهُوَ فَنٌّ مِنْ فُنُونِ عِلْمِ الْبَدِيعِ وَهُوَ مِنْ مُحَسِّنَاتِ الْبَلَاغَةِ وَوَقَعَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا.
قَالَ السُّيُوطِيّ الْمُبَالَغَةُ أَنْ يَذْكُرَ الْمُتَكَلِّمُ وَصْفًا فَيَزِيدُ فِيهِ حَتَّى يَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَهُ وَهِيَ ضَرْبَانِ مُبَالَغَةٌ بِالْوَصْفِ بِأَنْ يَخْرُجَ إلَى حَدِّ الِاسْتِحَالَةِ وَمِنْهُ ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥] وَ ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] وَمُبَالَغَةٌ بِالصِّيغَةِ ثُمَّ عَدَّ أَوْزَانَ الْمُبَالَغَةِ ثُمَّ قَالَ الْمُبَالَغَةُ أَنْ يَثْبُتَ لِلشَّيْءِ أَكْثَرُ مِمَّا لَهُ لَعَلَّ ذَلِكَ دَائِرٌ عَلَى الْمَدْحِ وَأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكَذِبِ وَالْمَجَازِ مَعْرُوفٌ بِقَصْدِ التَّأْوِيلِ وَعَدَمِهِ فَافْهَمْ وَيُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُ الْجَوَابِ مِنْ قَوْلِهِ (وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ كَالتَّقْوَى وَالْوَرَعِ وَالزُّهْدِ) وَهَذِهِ مِمَّا لَا يُعْلَمُ حَقِيقَتُهُ لِكَوْنِهَا مِنْ أَحْوَالِ الْقُلُوبِ وَلَا يَعْلَمُ مَا فِيهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَمِثْلُهُ فِي الْحَاشِيَةِ لَكِنَّ الْحُكْمَ الْكُلِّيَّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكُلِّ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى التَّأَمُّلِ لَا سِيَّمَا نَحْنُ مَأْمُورُونَ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ (فَلَا يَجْزِمُ الْقَوْلَ بِمِثْلِهَا بَلْ يَقُولُ أَحْسَبُ) أَظُنُّ (وَنَحْوَهُ) وَهَذِهِ الْآفَةُ تَتَطَرَّقُ إلَى الْمَدْحِ بِالْأَوْصَافِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي تُعْرَفُ بِالْأَدِلَّةِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْمِثَالِ.
وَأَمَّا إذَا قَالَ رَأَيْته يُصَلِّي بِاللَّيْلِ وَيَتَصَدَّقُ وَيَحُجُّ فَهَذِهِ أُمُورٌ مُتَيَقَّنَةٌ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ أَنَّهُ عَدْلٌ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْزِمَ الْقَوْلَ بِهِ أَيْضًا إلَّا بَعْدَ خَبَرِهِ بِبَاطِنِهِ وَسَمِعَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ قَالَ أَسَافَرْت مَعَهُ قَالَ لَا قَالَ أَخَالَطْته فِي الْمُبَايَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ قَالَ لَا قَالَ فَأَنْتَ جَارُهُ صَبَاحَهُ وَمَسَاءَهُ قَالَ لَا قَالَ وَاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا تَعْرِفُهُ (وَالثَّالِثُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَمْدُوحُ فَاسِقًا) لَعَلَّ أَنَّهُ إذَا مَدَحَهُ لِلْخَلَاصِ عَنْ ظُلْمِهِ أَوْ لِيَنَالَ حَقَّهُ مِنْ جِهَتِهِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْغَيْرِ بِإِعَانَتِهِ فَلَا يَضُرُّ إذْ الضَّرُورَةُ مُبِيحَةٌ لِلْمَحْظُورَةِ (دُنْيَا هق عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﵊ «إنَّ اللَّهَ يَغْضَبُ إذَا مُدِحَ الْفَاسِقُ» أَيْ الْخَارِجُ عَنْ الْعَدْلِ وَالْخَيْرِ وَحُسْنِ زِيَادَةِ الْخُلُقِ وَالْحَقِّ وَإِنَّمَا يَغْضَبُ اللَّهُ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِمُجَانَبَتِهِ وَإِبْعَادِهِ فَمَنْ مَدَحَهُ فَقَدْ وَصَلَ مَا أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُقْطَعَ وَوَادَّ مَنْ حَادَّ اللَّهَ
стр. 940
مَعَ مَا فِي مَدْحِهِ مِنْ تَعْزِيرِ مَنْ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ بِالسُّوءِ وَالْفُحْشِ وَتَزْكِيَةِ مَنْ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ وَالْإِشْعَارِ بِاسْتِحْسَانِ فِسْقِهِ وَإِغْرَائِهِ عَلَى إدَامَتِهِ.
وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَشْمَلُ مَا لَوْ مَدَحَهُ بِمَا فِيهِ كَسَخَاءٍ وَشَجَاعَةٍ وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ (وَفِي رِوَايَةِ يَعْلَى عَدَّ «إذَا مُدِحَ الْفَاسِقُ غَضِبَ الرَّبُّ وَاهْتَزَّ الْعَرْشُ» وَاهْتِزَازُهُ عِبَارَةٌ عَنْ أَمْرٍ عَظِيمٍ وَدَاهِيَةٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ رِضًا بِمَا سَخِطَ اللَّهُ وَغَضِبَ بَلْ يَكَادُ يَكُونُ كُفْرًا لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُفْضِي إلَى اسْتِحْلَالِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَهَذَا هُوَ الدَّاءُ الْعُضَالُ لِأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَالشُّعَرَاءِ وَالْقُرَّاءِ فِي زَمَانِنَا وَإِذَا كَانَ هَذَا حُكْمَ مَنْ مَدَحَ الْفَاسِقَ فَكَيْفَ مَنْ مَدَحَ الظَّالِمَ وَرَكَنَ إلَيْهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣] قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ النَّهْيُ مُتَنَاوِلٌ لِلِانْحِطَاطِ فِي هَوَاهُمْ وَالِانْقِطَاعِ إلَيْهِمْ وَمُصَاحَبَتِهِمْ وَالرِّضَا بِأَعْمَالِهِمْ وَالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ وَالتَّزَيِّي بِزِيِّهِمْ كَذَا فِي الْفَيْضِ.
وَقِيلَ وَالْمَيْلُ بِأَدْنَى مَيْلٍ وَفِي الْفَيْضِ عَنْ الذَّهَبِيِّ قَالَ يَحْيَى كَذَّابٌ وَأَبُو حَاتِمٍ مُنْكَرُ الْأَحَادِيثِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ سَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
(وَالرَّابِعُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ) أَيْ الْمَدْحَ (لَا يُحْدِثُ فِي الْمَمْدُوحِ كِبْرًا أَوْ عُجْبًا أَوْ غُرُورًا) يُعْلَمُ ذَلِكَ بِالْقَرَائِنِ وَالْأَمَارَاتِ وَسُوءُ الظَّنِّ إنَّمَا يُمْنَعُ عِنْدَ عَدَمِ دَلِيلِهِ وَقَرِينَتِهِ فَلَا يُنَافِي حُسْنَ الظَّنِّ الْمَأْمُورَ بِهِ وَقَدْ سَمِعْت مِرَارًا أَنَّ لِلْوَسَائِلِ حُكْمَ الْمَقَاصِدِ وَأَنَّ مَا يُفْضِي إلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ وَأَمَّا إذَا أَحْدَثَ فِي الْمَمْدُوحِ كَمَالًا وَزِيَادَةَ مُجَاهَدَةٍ وَسَعْيَ طَاعَةٍ فَلَا مَنْعَ بَلْ لَهُ اسْتَجَابَ كَمَا فِي الْجَامِعِ عَلَى رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ «إذَا مُدِحَ الْمُؤْمِنُ فِي وَجْهِهِ رَبَا الْإِسْلَامُ فِي قَلْبِهِ» أَيْ زَادَ إيمَانُهُ لِمَعْرِفَةِ نَفْسِهِ وَإِدْلَالِهِ بِهَا فَالْمُرَادُ الْمُؤْمِنُ الْكَامِلُ الَّذِي عَرَفَ نَفْسَهُ وَأَمِنَ عَلَيْهَا مِنْ نَحْوِ كِبْرٍ وَعُجْبٍ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِزِيَادَتِهِ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ الْمُؤَدِّي لِزِيَادَةِ إيمَانِهِ وَرُسُوخِ إيقَانِهِ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَمَدْحُهُ مِنْ أَعْظَمِ الْآفَاتِ كَمَا فِي خَبَرِ «إيَّاكُمْ وَالْمَدْحَ» (تَتِمَّةٌ) الْمُؤْمِنُ إذَا مُدِحَ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ أَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ بِوَصْفٍ لَا يَشْهَدُهُ فِي نَفْسِهِ وَأَجْهَلُ النَّاسِ مَنْ تَرَكَ يَقِينَ مَا عِنْدَهُ لِظَنِّ مَا عِنْدَ النَّاسِ وَالزُّهَّادُ إذَا مُدِحُوا انْقَبَضُوا لِشُهُودِهِمْ الثَّنَاءَ مِنْ الْخَلْقِ وَالْعَارِفُونَ انْبَسَطُوا لِشُهُودِهِمْ ذَلِكَ مِنْ الْمَلِكِ الْحَقِّ كَذَا فِي الْفَيْضِ (خ م عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ ﵊ «وَيْلَك قَطَعْت عُنُقَ صَاحِبِك» بِنَحْوِ الْكِبْرِ وَالْفَخْرِ وَالْعَجَبِ بِمَدْحِك وَثَنَائِك «ثَلَاثًا» قَالَهُ ثَلَاثًا أَوْ كَرَّرَهُ ثَلَاثًا وَهُوَ مُنْتَهَى التَّأْكِيدِ (ثُمَّ قَالَ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ. مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ) أَلْبَتَّةَ (فَلْيَقُلْ أَحْسَبُ) أَيْ أَظُنُّ «فُلَانًا» أَوْ كَذَا فَلَا تَقُلْ فُلَانٌ صَالِحٌ أَلْبَتَّةَ عَلَى سَبِيلِ الْجَزْمِ بَلْ لِيَقُلْ أَحْسَبُ أَوْ أَظُنُّ فُلَانًا صَالِحًا «وَاَللَّهُ حَسِيبُهُ» عَالِمُهُ لِأَنَّهُ الْمُحِيطُ بِحَقِيقَةِ حَالِهِ أَوْ مُجَازِيهِ عَلَى أَعْمَالِهِ
قِيلَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَدْحَ مَذْمُومٌ يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ مِنْ غَيْرِ دَاعِيَةٍ إلَيْهِ وَمِنْ هَذَا قِيلَ مَنْ مُدِحَ فَقَدْ ذُبِحَ «وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا» أَيْ لَا أَقْطَعُ بِتَقْوَى وَلَا أَقُولُ بِزَكَائِهِ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْبٌ عَنَّا عَدَّاهُ بِعَلَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْغَلَبَةِ لِأَنَّ مَنْ جَزَمَ عَلَى تَزْكِيَةِ أَحَدٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَكَأَنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ فِي مَعْرِفَتِهِ ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ «أَحْسَبُ» فُلَانًا «كَذَا» عَالِمًا «وَكَذَا» أَيْ مُتَّقِيًا «إنْ كَانَ يَعْلَمُ» أَيْ يَظُنُّ «ذَلِكَ» أَيْ الْوَصْفَ «مِنْهُ» أَيْ الْمَمْدُوحِ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى التَّضْيِيقِ فِي رُخْصَةِ الْمَدْحِ
стр. 941
بِأَنَّ الْمَادِحَ وَإِنْ جَزَمَ بِوُجُودِ مَا مَدَحَهُ فِي الْمَمْدُوحِ لَا يَقُولُ فِي مَدْحِهِ عَلَى وَجْهِ الْيَقِينِ لِئَلَّا يَغْتَرَّ الْمَمْدُوحُ وَإِنْ لَمْ يَجْزِمْ لَا يَمْدَحُ.
(م عَنْ) (الْمِقْدَادِ) بْنِ الْأَسْوَدِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا رَأَيْتُمْ الْمَدَّاحِينَ» الَّذِينَ صِنَاعَتُهُمْ الثَّنَاءُ عَلَى النَّاسِ وَالْمَدْحُ «فَاحْثُوا» فَارْمُوا «فِي وُجُوهِهِمْ التُّرَابَ» وَالْمُرَادُ زَجْرُ الْمَادِحِ وَالْحَثُّ عَلَى مَنْعِهِ مِنْ الْمَدْحِ لِإِيرَاثِهِ الْغُرُورَ وَالتَّكَبُّرَ أَوْ مَعْنَاهُ أَعْطُوهُمْ قَلِيلًا يُشْبِهُ التُّرَابَ لِقِلَّتِهِ وَخِسَّتِهِ أَوْ اقْطَعُوا أَلْسِنَتَهُمْ بِالْمَالِ فَإِنَّهُ شَيْءٌ حَقِيرٌ كَالتُّرَابِ وَهَذَا يُؤْذِنُ بِذَمِّ الِاحْتِرَافِ بِالشِّعْرِ فَلَا تُوَاخِ شَاعِرًا فَإِنَّهُ يَمْدَحُك بِثَمَنٍ وَيَهْجُوك مَجَّانًا قَالَ بَعْضُهُمْ
الْكَلْبُ وَالشَّاعِرُ فِي مَنْزِلٍ ... فَلَيْتَ أَنِّي لَمْ أَكُنْ شَاعِرًا
هَلْ هُوَ إلَّا بَاسِطٌ كَفَّهُ ... يَسْتَطْعِمُ الْوَارِدَ وَالصَّادِرَا
(برك) ابْنُ الْمُبَارَكِ.
(عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا مَدَحْت أَخَاك فِي وَجْهِهِ فَكَأَنَّمَا أَمْرَرْت عَلَى حَلْقِهِ مُوسًى» هُوَ آلَةُ الْحَلْقِ «رَمِيضًا» حَادًّا يَعْنِي: سِكِّينًا حَادًّا لِأَنَّهُ يُحْدِثُ فِي الْمَمْدُوحِ كِبْرًا أَوْ عُجْبًا وَغُرُورًا غَالِبًا فَكَأَنَّهُ يُمِيتُهُ وَيُهْلِكُهُ وَعَلَى هَذَا الرَّابِعِ حُمِلَ قَوْلُهُ ﵊ «إذَا أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا مَا لِلْعَبْدِ عِنْدَ رَبِّهِ فَانْظُرُوا مَا يَتْبَعُهُ مِنْ الثَّنَاءِ» لِأَنَّهُ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ فَإِذَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الصَّلَاحِ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَمَاتِهِ بِشَيْءٍ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَجْرَى عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ مَا لَهُ عِنْدَهُ فَإِنَّهُمْ يَنْطِقُونَ بِإِلْهَامِهِ تَعَالَى كَمَا يُفِيدُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَتَكَلَّمَ عَلَى أَلْسِنَةِ بَنِي آدَمَ بِمَا فِي الْعَبْدِ مِنْ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَإِنْ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَلَا يَعْجَبُ بَلْ يَكُونُ خَائِفًا مِنْ مَكْرِهِ الْخَفِيِّ وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَلْيُبَادِرْ بِالتَّوْبَةِ وَيَقْرَبُ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﵊ «إذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا قَذَفَ حُبَّهُ فِي قُلُوبِ الْمَلَائِكَةِ وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا قَذَفَ بُغْضَهُ فِي قُلُوبِ الْمَلَائِكَةِ ثُمَّ يَقْذِفُهُ أَيْ الْحُبَّ وَالْبُغْضَ فِي قُلُوبِ الْآدَمِيِّينَ» .
(وَالْخَامِسُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَدْحُ لِغَرَضٍ حَرَامٍ أَوْ مُفْضِيًا إلَى فَسَادٍ مِثْلَ مَدْحِ حُسْنِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الْمُرْدِ وَالنِّسَاءِ بَيْنَ الْأَجَانِبِ لِتَحْرِيكِ الشَّهْوَةِ فِيهِمْ وَحَثِّهِمْ إلَى اللِّوَاطَةِ وَالزِّنَا) وَالْأَوَّلُ لِلْأَوَّلِ وَالثَّانِي لِلثَّانِي أَوْ تَلَذُّذِ النَّفْسِ وَتَطْيِيبِ الْمَجْلِسِ بِهِ وَإِضْحَاكِهِمْ وَمِثْلُ مَدْحِ امْرَأَةٍ لِزَوْجِهَا أَجْنَبِيَّةً.
وَقَدْ مَرَّ فِي (حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ) مَرْفُوعًا «لَا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ تَنْعَتُهَا لِزَوْجِهَا» (وَمِثْلُ مَدْحِ الْأُمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ لِيَتَوَسَّلَ بِهِ) بِمَدْحِ الْمَمْدُوحِ (إلَى الْمَالِ الْحَرَامِ) الْمُجَازَى بِهِ مِنْهُمْ (أَوْ التَّسَلُّطِ عَلَى النَّاسِ) بِالْقُرْبِ مِنْ الظَّلَمَةِ (وَظُلْمِهِمْ) أَيْ النَّاسِ (وَنَحْوِ ذَلِكَ) مِنْ الْأَعْرَاضِ وَالْأَغْرَاضِ الْمَمْنُوعَةِ شَرْعًا
стр. 942
وَأَمَّا الذَّمُّ الْمَذْمُومُ فَأَكْثَرُهُ دَاخِلٌ فِي الْكَذِبِ أَوْ لِغِيبَةٍ أَوْ التَّعْيِيرِ أَوْ اللَّمْزِ الطَّعْنِ فِي الْأَنْسَابِ (وَمِمَّا لَمْ يَدْخُلْ ذَمُّ الطَّعَامِ تَرَفُّعًا) إظْهَارًا لِلْكِبْرِ وَالرِّفْعَةِ.
وَأَمَّا لِتَأْدِيبِ الْأَهْلِ وَإِصْلَاحِ الطَّعَامِ فَيَجُوزُ (خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَعَامًا» مَا ذَكَرَ فِي طَعَامٍ مَا عَيْبًا لِأَنَّهُ إمَّا صُنْعُ الْخَالِقِ فَلَا يُعَابُ وَإِمَّا بِمُلَابَسَةِ عَمَلِ الْمَخْلُوقِ فَيَلْزَمُ كَسْرُ الْخَاطِرِ وَهُوَ جَابِرٌ لَا كَاسِرٌ «قَطُّ إنْ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ» مِنْ غَيْرِ شَرَهٍ وَلَا إكْثَارٍ «وَإِنْ كَرِهَهُ» لِعَدَمِ تَشَهِّيهِ «تَرَكَهُ» وَكَذَا ذَمُّ اللِّبَاسِ وَالدَّابَّةِ وَالْمَسْكَنِ وَنَحْوِهَا وَكُلُّ هَذَا دَاخِلٌ فِي التَّكَبُّرِ) فَلَا حَاجَةَ إلَى عَدِّ الذَّمِّ مُسْتَقِلًّا
[الثَّالِثُ الشِّعْرُ]
(وَالثَّالِثُ الشِّعْرُ وَهُوَ جَائِزٌ إذَا خَلَا عَنْ الْكَذِبِ وَالرِّيَاءِ وَهَجْوِ مَا لَا يَجُوزُ هَجْوُهُ) بَلْ يَجِبُ تَعْظِيمُهُ وَاحْتِرَامُهُ (وَ) عَنْ (ذِكْرِ الْفِسْقِ) وَمَدْحِهِ (وَالتَّغَنِّي وَآفَاتِ الْمَدْحِ) أَيْ إذَا خَلَا عَنْ آفَاتِ الْمَدْحِ مِنْ الْخَمْسِ السَّابِقَةِ (وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ وَالتَّجَرُّدِ لَهُ حَتَّى يَشْغَلَهُ عَنْ بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ
стр. 943
وَقَلَّمَا يَخْلُو عَنْ هَذِهِ الْآفَاتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) فِي ذَمِّ الشُّعَرَاءِ ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]- إلَى آخِرِ السُّورَةِ) ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] أَيْ وَادِي الْكَلَامِ ﴿يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] يَذْهَبُونَ ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦] وَلَمَّا نَزَلَ «وَالشُّعَرَاءُ» الْآيَةَ «جَاءَ حَسَّانُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ إلَى النَّبِيِّ يَبْكُونَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] » الْمَادِحِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْهَاجِينَ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ تَعَالَى « ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] » فِي شِعْرِهِمْ وَغَيْرِهِ « ﴿وَانْتَصَرُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] » بِهَجْوِهِمْ « ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] » مُكَافَأَةَ هَجْوِ الْكُفَّارِ - « ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] » - وَقُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ الصِّيغَةِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ فَالْآيَةُ صَدْرُهَا دَلِيلُ الْمَنْعِ وَذَيْلُهَا دَلِيلٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَإِنْ كَانَ فِي الْأَخِيرِ تَأَمُّلٌ أُصُولِيٌّ فَتَأَمَّلْ وَفِي الْحَدِيثِ الشِّعْرُ كَلَامٌ فَحَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ وَفِي الْأَخْبَارِ أَيْضًا اُهْجُوهُمْ تَدْعُوهُمْ وَقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُ الِاخْتِلَافِ وَمَا هُوَ الْحَقُّ فِيهِ وَفِي الْمَبَارِقِ عَلَى حَدِيثِ مُسْلِمٍ وَفِيهِ «اسْتِحْسَانُ النَّبِيِّ ﵊ شِعْرَ أُمَيَّةَ» لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِقْرَارِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالْبَعْثِ إلَى آخِرِهِ
وَعَنْ التِّرْمِذِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «جَالَسْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَتَنَاشَدُونَ وَيَتَذَاكَرُونَ أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ سَاكِتٌ وَهُوَ يَبْتَسِمُ مَعَهُمْ» وَعَنْهُ ﵊ «إنَّ مِنْ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» وَفِي الشِّرْعَةِ وَرُبَّمَا كَانَ النَّبِيُّ ﵊ يُنْشِدُ مِنْ الْأَرَاجِيزِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﵊ «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» وَعَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّ الرَّجَزَ لَيْسَ بِشِعْرٍ لِصُدُورِهِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْمُصَادَرَةِ وَالتَّحَكُّمِ بَلْ الْجَوَابُ الْحَقُّ مَا فِي الْأَشْبَاهِ وَقَدْ سَبَقَتْ الْإِشَارَةُ أَنَّ الْقَصْدَ مُعْتَبَرٌ فِي الشِّعْرِ وَلَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي كَلَامِهِ ﵊ بَلْ وَاقِعٌ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ وَمِثْلُهُ مَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْهُ ﵊ حِينَ أَصَابَهُ حَجَرٌ بِرِجْلِهِ فَعَثَرَ فَقَالَ «هَلْ أَنْتِ إلَّا إصْبَعٌ دَمِيَتْ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ» وَهَذَا مِنْ الرَّجَزِ أَيْضًا وَفِي حَفِيدِ السَّعْدِ الشِّعْرُ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْهِ ﵊ ثُمَّ قَالَ قَوْلُهُ «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» وَقَوْلُهُ «هَلْ أَنْتِ إلَّا إصْبَعٌ دَمِيَتْ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ» اتِّفَاقِيٌّ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ وَقَصْدٍ عَلَى أَنَّ الْخَلِيلِ مَا عَدَّ الْمَشْطُورَ مِنْ الرَّجَزِ شِعْرًا وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ حَرَّكَ التَّاءَ وَكَسَرَ الْيَاءَ الْأُولَى بِلَا إشْبَاعٍ وَسَكَّنَ الثَّانِيَةَ وَكَانَ الشِّعْرُ أَحَبَّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْكَلَامِ وَلَكِنْ لَا يَتَأَتَّى
стр. 944
لَهُ وَعَنْ الْكَرْمَانِيِّ أَنَّ التَّاءَ فِي قَوْلِهِ «هَلْ أَنْتِ إلَّا إصْبَعٌ دَمِيَتْ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيَتْ» بِالسُّكُونِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَزَعَمَ غَيْرُهُ أَنَّهُ تَعَمَّدَ السُّكُونَ لِيَخْرُجَ عَنْ الشِّعْرِ وَفِيهِ أَنَّهُ مِنْ ضُرُوبِ الْبَحْرِ الْكَامِلِ انْتَهَى مُلَخَّصًا
وَفِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ اُعْتُبِرَ فِي مَفْهُومِ الشِّعْرِ الْعَمْدُ لِئَلَّا يَلْزَمَ وُجُودُ الشِّعْرِ فِي الْقُرْآنِ لِأَنَّ الشِّعْرَ كَلَامٌ مُخَيَّلٌ مَوْزُونٌ مُقَفًّى بِطَرِيقِ الْعَمْدِ (ت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا حَتَّى يَرِيَهُ» بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ مِنْ الْوَرْيِ بِوَزْنِ الرَّمْيِ غَيْرِ مَهْمُوزٍ أَيْ حَتَّى يَغْلِبَهُ فَيَشْغَلَهُ عَنْ الْقِرَاءَةِ وَعَنْ ذِكْرِ اللَّهِ أَوْ حَتَّى يَفْسُدَ «خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» أَنْشَأَهُ أَوْ أَنْشَدَهُ لِمَا يَئُولُ إلَيْهِ أَمْرُهُ مِنْ تَشَاغُلِهِ بِهِ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ قَالَ الْقَاضِي وَالْمُرَادُ مَا يَتَضَمَّنُ سَبًّا أَوْ هِجَاءً أَوْ مُفَاخَرَةً وَحَمَلَ بَعْضٌ عَلَى عُمُومِهِ إنْ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى الذِّكْرِ وَالزُّهْدِ وَالْمَوْعِظَةِ وَالدَّقَائِقِ مِمَّا لَا إفْرَاطَ فِيهِ وَفِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ اسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى كَرَاهَةِ الشِّعْرِ مُطْلَقًا وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى إبَاحَتِهِ لِأَنَّ الْمَذْمُومَ مَا فِيهِ قُبْحٌ وَإِلَّا فَإِنْ شَغَلَهُ عَنْ الذِّكْرِ فَمَذْمُومٌ أَيْضًا وَإِلَّا فَلَا وَفِي قَوْلِهِ يَمْتَلِئُ إشَارَةٌ إلَيْهِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالشِّعْرِ مَا فِيهِ هَجْوُهُ ﵊ وَرَدَ أَنَّهُ كُفْرٌ
[الرَّابِعُ السَّجْعُ]
(وَالرَّابِعُ السَّجْعُ) هُوَ تَوَازُنُ الْفِقَرِ وَتَقَارُبُ الْفَوَاصِلِ وَقِيلَ تَوَاطُؤُ الْفَاصِلَتَيْنِ مِنْ النَّثْرِ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ فِي النَّثْرِ كَالْقَافِيَةِ فِي الشِّعْرِ (وَالْفَصَاحَةُ وَهُمَا إنْ كَانَا بِلَا تَكَلُّفٍ) بِأَنْ يَكُونَا سَلِيقَةً طَبِيعَةً (وَلَا تَصَنُّعٍ) تَكَلُّفٍ فِي الصُّنْعِ وَتَعَبٍ فِي التَّعْبِيرِ (فَمَمْدُوحَانِ خُصُوصًا إذَا كَانَا فِي الْخَطَابَةِ) فِي الْخُطْبَةِ (وَالتَّذْكِيرِ) فِي الْعِظَةِ (بَلْ يُسْتَحَبُّ التَّكَلُّفُ الْيَسِيرُ) فِيهِمَا (لِأَنَّ فِيهِمَا تَحْرِيكَ الْقُلُوبِ وَتَشْوِيقَهَا) إلَى الطَّاعَةِ (وَقَبْضِهَا) عَنْ الْمَعَاصِي عِنْدَ ذِكْرِ الْوَعِيدِ (وَبَسْطِهَا) عِنْدَ ذِكْرِ الْوَعْدِ بِالْعِبَارَاتِ الْعَذْبَةِ وَالْكَلِمَاتِ الْمَلِيحَةِ وَالْأَدَاءِ الْغَرِيبِ وَالتَّعْبِيرِ الْأَنِيقِ إذْ الْوِجْدَانُ شَاهِدٌ أَنَّ فِي تَعْبِيرِ الْمَعْنَى الْوَاحِدِ بِعِبَارَةٍ تَفَاوُتًا بِأَدَائِهِ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى
قِيلَ سَمِعَ أَعْرَابِيٌّ وَعْظَ الْحَسَنِ فَقَالَ فَصِيحٌ إذَا لَفَظَ نَصِيحُ إذَا وَعَظَ خُصُوصًا إذَا كَانَ مُؤَذِّنًا وَإِمَامًا أَوْ خَطِيبًا أَوْ قَارِئًا أَوْ مُعَلِّمًا أَوْ مُدَرِّسًا أَوْ وَاعِظًا فَإِنَّ التَّكَلُّفَ الْيَسِيرَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لِتَرْقِيقِ الْقُلُوبِ، وَتَهْيِيجُ الْقَبْضِ وَالْبَسْطِ مُسْتَحَبٌّ وَمَنْدُوبٌ لَكِنْ يَشْكُلُ عَلَى مِثْلِهِ أَنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ بِصَادِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ فِعْلًا إذْ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إلَى تَكَلُّفٍ فِي أَدَاءِ الْكَلَامِ الْبَلِيغِ وَالتَّعْبِيرِ الْفَصِيحِ وَلَا قَوْلًا عَلَى الظَّاهِرِ إذْ لَوْ كَانَ لَأُشِيعَ وَلَا حَسُنَ عَقْلِيًّا عِنْدَنَا كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ تَعْلِيلِهِ فَمَا مَعْنَى الِاسْتِحْبَابِ أَقُولُ لَا يَبْعُدُ أَنَّ مِثْلَهُ ثَابِتٌ بِطَرِيقِ دَلَالَةِ النَّصِّ أَوْ الْمُقَايَسَةِ عَلَى مَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ قِبَلِ الْبِدْعَةِ فِي الْعَادَةِ الَّتِي لَهَا إعَانَةٌ فِي الدِّينِ فَتَأَمَّلْ (وَأَمَّا فِيمَا عَدَاهُمَا) أَيْ الْخَطَابَةِ وَالتَّذْكِيرِ مِنْ الْمُحَاوَرَاتِ الَّتِي فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ (فَالتَّكَلُّفُ فِيهِمَا) وَلَوْ يَسِيرًا
стр. 945
(وَالتَّشَدُّقُ) التَّوَسُّعُ فِي الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاطٍ وَاحْتِرَازٍ وَقِيلَ هُوَ التَّكَلُّفُ فِي الْكَلَامِ بِمِلْءِ الْفَمِ مِنْ التَّكَبُّرِ وَقِيلَ هُوَ لَيٌّ شِدْقِهِ أَيْ جَانِبِ فَمِهِ لِلتَّفَصُّحِ (مَذْمُومٌ نَاشِئٌ مِنْ الرِّيَاءِ وَحُبِّ الثَّنَاءِ ت عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبْغِضُ الْبَلِيغَ» الْفَصِيحَ «مِنْ الرِّجَالِ» وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ الْمُظْهِرَ لِلتَّفَصُّحِ تِيهًا عَلَى الْغَيْرِ وَتَفَاصُحًا وَاسْتِعْلَاءً وَوَسِيلَةً إلَى الِاسْتِقْدَارِ عَلَى تَصْغِيرِ عَظِيمٍ أَوْ تَعْظِيمِ حَقِيرٍ أَوْ بِقَصْدِ تَعْجِيزِ غَيْرِهِ أَوْ تَزْيِينِ الْبَاطِلِ فِي صُورَةِ الْحَقِّ أَوْ عَكْسِهِ أَوْ إجْلَالِ الْحُكَّامِ وَوَجَاهَتِهِ وَقَبُولِ شَفَاعَتِهِ فَلَا يُنَافِي كَوْنَ الْجَمَالِ فِي اللِّسَانِ وَلَا أَنَّ الْمُرُوءَةَ فِي الْبَيَانِ وَلَا أَنَّهُ زِينَةٌ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا وَلَا يُنَاقِضُ - ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ﴾ [الرحمن: ٣] ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٤]- فَمَنْ وَهِمَ فَقَدْ وَهِمَ انْتَهَى مُلَخَّصًا «الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا تَتَخَلَّلُ الْبَقَرَةُ بِلِسَانِهَا الْكَلَأَ» أَيْ الَّذِي يَتَشَدَّقُ بِلِسَانِهِ كَمَا تَتَشَدَّقُ الْبَقَرَةُ وَوَجْهُ الشَّبَهِ إدَارَةُ لِسَانِهِ حَوْلَ أَسْنَانِهِ وَفَمِهِ حَالَ التَّكَلُّمِ كَمَا تَفْعَلُ الْبَقَرَةُ حَالَ الْأَكْلِ وَخَصَّ الْبَقَرَةَ لِأَنَّ سَائِرَ الْبَهَائِمِ يَأْخُذُ النَّبَاتَ بِأَسْنَانِهِ وَالْبَقَرَةُ بِلِسَانِهَا
وَجْهُ ضَرْبِ الْمَثَلِ بِهَا أَنَّهُمْ كَالْبَقَرَةِ الَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُمَيِّزَ فِي رَعْيِهَا بَيْنَ الرَّطْبِ وَالشَّوْكِ وَالْحُلْوِ وَالْمُرِّ بَلْ تَلُفُّ الْكُلَّ بِلِسَانِهَا لَفًّا فَكَذَا هَؤُلَاءِ لَا يُمَيِّزُونَ فِي مَأْكَلِهِمْ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ - ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]- وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ يَتَجَلَّلُ بِالْجِيمِ فَيَكُونُ تَشْبِيهًا لَهُ بِالْجَلَالَةِ فِي تَنَاوُلِ النَّجَاسَاتِ بِفُحْشِ كَلَامِهِ، وَبُغْضُ اللَّهِ إرَادَةُ عِقَابِهِ وَإِيقَاعِ الْهَوَانِ بِهِ قَالَ الْغَزَالِيُّ مَرَّ بَعْضُ السَّلَفِ بِقَاصٍّ يَدْعُو بِسَجْعٍ فَقَالَ اُدْعُ اللَّهَ تَعَالَى بِلِسَانِ الذِّلَّةِ وَالِافْتِقَارِ لَا بِلِسَانِ الْفَصَاحَةِ وَالِانْطِلَاقِ
قَالَ فِي الْأَذْكَارِ فَيُكْرَهُ التَّقْعِيرُ فِي الْكَلَامِ بِالتَّشَدُّقِ وَتَكَلُّفِ السَّجْعِ وَالْفَصَاحَةِ وَالتَّصَنُّعِ بِالْمُقَدَّمَاتِ الَّتِي يَعْتَادُهَا الْمُتَفَاصِحُونَ وَزَخَارِفِ الْقَوْلِ فَكُلُّهُ مِنْ التَّكَلُّفِ الْمَذْمُومِ وَكَذَا يَجْرِي فِي دَقَائِقِ الْإِعْرَابِ وَاللُّغَةِ الْوَحْشِيَّةِ حَالَ مُخَاطَبَةِ الْعَوَامّ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ لَا تُقَاوِمُ فَصَاحَةُ الذَّاتِ إعْرَابَ الْكَلِمَاتِ أَلَا تَرَى كَيْفَ جَعَلَ الْحَقُّ مُوسَى ﵇ أَفْضَلَ مِنْ أَخِيهِ لِفَصَاحَةِ ذَاتِهِ وَكَانَ هَارُونُ ﵇ أَفْصَحَ مِنْهُ فِي نُطْقِهِ وَبَلَاغَتِهِ كَذَا فِي الْفَيْضِ (م عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» أَيْ الَّذِينَ يَتَعَمَّقُونَ الْفَصَاحَةَ وَالْبَلَاغَةَ فِي الْكَلَامِ «ثَلَاثًا» كَرَّرَهُ ثَلَاثًا تَهْوِيلًا وَتَنْبِيهًا عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْغَائِلَةِ وَتَحْرِيضًا عَلَى التَّيَقُّظِ فِيمَا دُونَهُ أَوْ كَرَّرَهُ فِي ثَلَاثَةٍ مِنْ الْأَزْمِنَةِ عَنْ النَّوَوِيِّ فِيهِ كَرَاهَةُ التَّقَعُّرِ وَتَكَلُّفِ الْفَصَاحَةِ وَاسْتِعْمَالِ وَحْشِيِّ اللُّغَةِ وَدَقَائِقِ الْإِعْرَابِ فِي مُخَاطَبَةِ الْعَوَامّ وَعَنْ غَيْرِهِ الْمُرَادُ الْغَالِبُونَ فِي خَوْضِهِمْ فِيمَا لَا يَعْنِيهِمْ وَقِيلَ الْمُتَعَنِّتُونَ فِي السُّؤَالِ عَنْ عَوِيصِ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَنْدُرُ وُقُوعُهَا وَقِيلَ الْغَالُونَ فِي عِبَادَتِهِمْ عَلَى وَجْهٍ يَخْرُجُ عَنْ قَوَانِينِ الشَّرْعِ وَيَسْتَرْسِلُ مَعَ الشَّيْطَانِ فِي الْوَسْوَسَةِ.
(تَنْبِيهٌ) عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ إمَّا مَبْحُوثٌ عَنْ دُخُولِهِ فِي دَلَالَةِ النَّصِّ عَلَى اخْتِلَافِ وُجُوهِهَا فَمَطْلُوبٌ بَلْ قَدْ يُفْرَضُ عَلَى مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَإِمَّا بِدِقَّةِ النَّظَرِ فِي وُجُوهِ الْفُرُوقِ فَيُفَرِّقُ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ بِفَرْقٍ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ مَعَ وُجُودِ وَصْفِ الْجَمْعِ أَوْ بِالْعَكْسِ بِأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقَيْنِ بِوَصْفٍ طَرْدِيٍّ مَثَلًا فَهَذَا الَّذِي ذَمَّهُ السَّلَفُ وَعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» وَفِيهِ تَضْيِيعُ الزَّمَانِ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ وَمِثْلُهُ الْإِكْثَارُ مَعَ التَّفْرِيعِ عَلَى مَسْأَلَةٍ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الشَّرْعِ وَهِيَ نَادِرَةُ الْوُقُوعِ فَيَصْرِفُ فِيهَا زَمَانًا وَصَرْفُهُ فِي غَيْرِهَا أَوْلَى سِيَّمَا عِنْدَ لُزُومِ إغْفَالِ مَا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ وَأَيْضًا كَمَا لَا يَكُونُ لَهُ شَاهِدٌ فِي عَالَمِ الْحِسِّ كَالسُّؤَالِ عَنْ السَّاعَةِ وَالرُّوحِ وَمُدَّةِ هَذِهِ الْأَمَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ وَعَنْ بَعْضٍ مِثَالُ التَّنَطُّعِ إكْثَارُ السُّؤَالِ حَتَّى يُفْضِيَ بِالْمَسْئُولِ إلَى الْجَوَابِ بِالْمَنْعِ بَعْدَ أَنْ يُفْتِيَ بِالْإِذْنِ كَمَا يُسْأَلُ عَنْ كَرَاهَةِ شِرَاءِ مَا فِي الْأَسْوَاقِ فَيُجَابُ بِالْجَوَازِ فَإِنْ عَادَ وَقَالَ أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مِنْ نَهْبٍ أَوْ غَصْبٍ فِي وَقْتٍ كَانَ ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ فَيُجَابُ إنْ ثَبَتَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حُرِّمَ وَإِنْ تَرَدَّدَ كُرِهَ أَوْ هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى وَلَوْ
стр. 946
سَكَتَ السَّائِلُ عَنْ التَّنْطِيعِ لَمْ يَزِدْ الْمُفْتِي عَلَى جَوَابِهِ بِالْجَوَازِ وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فَمَنْ سَدَّ بَابَ الْمَسَائِلِ حَتَّى فَاتَهُ مَعْرِفَةُ كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي يَكْثُرُ وُقُوعُهَا قَلَّ فَهْمُهُ وَعِلْمُهُ وَمَنْ تَوَسَّعَ فِي تَفْرِيعِ الْمَسَائِلِ وَتَوْلِيدِهَا سِيَّمَا فِيمَا يَقِلُّ وُقُوعُهَا أَوْ يَنْدُرُ فَإِنَّهُ يُذَمُّ فِعْلُهُ كَذَا فِي الْفَيْضِ (ت عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ أَبْغَضَكُمْ إلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا» يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ فِيهَا أَوْ فِي الدُّنْيَا «الثَّرْثَارُونَ» مُكْثِرُو الْكَلَامِ خَطَأً أَوْ صَوَابًا حَقًّا أَوْ بَاطِلًا بِحَيْثُ لَا يُمَيِّزُ الْجَيِّدَ مِنْ الرَّدِيءِ وَيَتَكَلَّفُ رِيَاءً وَعُجْبًا «الْمُتَفَيْهِقُونَ» مِنْ الْفَهَقِ وَهُوَ الِامْتِلَاءُ يُقَالُ فَهِقَ الْحَوْضَ فَهَقًا وَأَفْهَقَتْهُ إذَا مَلَأَتْهُ أَيْ الْمُتَوَسِّعُونَ فِي الْكَلَامِ وَقِيلَ هُمْ الَّذِينَ يَنْطِقُونَ مِنْ قَعْرِ الْفَمِ بِالتَّكَبُّرِ وَالرُّعُونَةِ «الْمُتَشَدِّقُونَ فِي الْكَلَامِ» التَّشَدُّقُ هُوَ لَيُّ شِدْقِهِ أَيْ جَانِبِ فَمِهِ لِلتَّفَصُّحِ وَالْكُلُّ رَاجِعٌ إلَى مَعْنَى التَّكَلُّفِ فِي الْكَلَامِ لِيُمِيلَ إلَيْهِ قُلُوبَ النَّاسِ وَأَسْمَاعَهُمْ لَعَلَّ إنْ كَانَ الْمَقْصُودُ تَرْوِيجَ أَمْرٍ دِينِيٍّ كَمَا عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ لَا يَكُونُ مَذْمُومًا.
[الْخَامِسُ الْكَلَامُ فِيمَا لَا يَعْنِي]
(وَالْخَامِسُ الْكَلَامُ فِيمَا لَا يَعْنِي) أَيْ لَا يُهِمُّهُ وَلَا يُفِيدُهُ وَلَا يُثَابُ لَهُ وَلَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ فَفِيهِ تَضْيِيعُ الْوَقْتِ وَقَسَاوَةُ الْقَلْبِ وَوَهَنُ الْبَدَنِ وَتَأْخِيرُ الرِّزْقِ وَإِيذَاءُ الْحَفَظَةِ وَإِرْسَالُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّغْوِ إلَيْهِ تَعَالَى وَقِرَاءَتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ وَالْحَبْسُ عَنْ الْجَنَّةِ وَالْحِسَابُ وَاللَّوْمُ وَالتَّعْيِيرُ وَإِيقَاعُ الْحُجَّةِ وَالْحَيَاءُ مِنْهُ تَعَالَى كَمَا نُقِلَ عَنْ عَيْنِ الْعِلْمِ
اعْلَمْ أَنَّ أَحْسَنَ أَحْوَالِك أَنْ تَحْفَظَ أَلْفَاظَك عَنْ جَمِيعِ الْآفَاتِ وَتَتَكَلَّمَ بِمَا هُوَ مُبَاحٌ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَيْك وَلَا عَلَى مُسْلِمٍ أَصْلًا إلَّا أَنَّك تَتَكَلَّمُ بِمَا أَنْتَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ وَلَا حَاجَةَ بِك إلَيْهِ فَإِنَّك بِهِ مُضَيِّعٌ زَمَانَك وَمُحَاسَبٌ عَلَى عَمَلِ لِسَانِك وَمُسْتَبْدِلٌ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِاَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ لِأَنَّك لَوْ صَرَفْت الْكَلَامَ إلَى الْفِكْرِ وَالذِّكْرِ رُبَّمَا يُفْتَحُ لَك مِنْ نَفَحَاتِ رَحْمَتِهِ عِنْدَ الْفِكْرَةِ مَا يَعْظُمُ جَدْوَاهُ وَلَوْ هَلَّلْت لَهُ تَعَالَى أَوْ سَبَّحْته وَذَكَرْته لَكَانَ خَيْرًا لَك فَكَمْ مِنْ كَلِمَةٍ يُبْنَى بِهَا قَصْرٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْ قَدَرَ أَنْ يَأْخُذَ كَنْزًا مِنْ الْكُنُوزِ فَأَخَذَ بَدَلَهُ مَدَرَةً لَا يَنْتَفِعُ بِهَا كَانَ خَاسِرًا خُسْرَانًا مُبِينًا وَهَذَا مِثَالُ مَنْ تَرَكَ ذِكْرَ اللَّهِ وَاشْتَغَلَ بِمُبَاحٍ لَا يَعْنِيهِ فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَأْثَمُ فَقَدْ خَسِرَ حَيْثُ فَاتَهُ الرِّبْحُ الْعَظِيمُ بِذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَكُونُ صَمْتُهُ إلَّا فِكْرًا وَلَا نَظَرُهُ إلَّا عِبَرًا وَلَا نُطْقُهُ إلَّا ذِكْرًا هَكَذَا قَالَ ﵊ رَأْسُ مَالِ الْعَبْدِ أَوْقَاتُهُ وَمَهْمَا صَرَفَهَا إلَى مَا لَا يَعْنِيهِ وَلَمْ يَدَّخِرْ بِهَا ثَوَابًا فِي الْآخِرَةِ فَقَدْ ضَيَّعَ رَأْسَ مَالِهِ (مِثْلَ حِكَايَةِ أَسْفَارِك وَمَا رَأَيْت فِيهَا مِنْ جِبَالٍ وَأَنْهَارٍ وَأَطْعِمَةٍ وَثِيَابٍ) وَحَدُّهُ أَنَّ مُتَكَلِّمَهُ مَا لَوْ سَكَتَ عَنْهُ لَمْ يَأْثَمْ وَلَمْ يَتَضَرَّرْ.
وَأَمَّا فُضُولُ الْكَلَامِ وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ فَيَأْتِيَ وَأَمَّا حِكَايَاتُ نَحْوِ أَحْوَالِ النِّسَاءِ وَمَجَالِسِ الْخَمْرِ وَمَقَامَاتِ الْفُسَّاقِ وَتَنَعُّمِ الْأَغْنِيَاءِ وَتَجَبُّرِ الْمُلُوكِ وَأَحْوَالِهِمْ فَحَرَامٌ وَمَا لَا يَعْنِي مَكْرُوهٌ لِعَدَمِ الْأَمْنِ مِنْ خَوْضِ الْبَاطِلِ مِثْلَ حِكَايَاتِ الْبِدَعِ وَالْمَذَاهِبِ الْفَاسِدَةِ وَمُحَارَبَاتِ الصَّحَابَةِ عَلَى وَجْهٍ يُوهِمُ الطَّعْنَ فِي بَعْضِهِمْ (وَمِنْهُ) مِمَّا لَا يَعْنِي (السُّؤَالُ عَمَّا لَا يَهُمُّ) فَأَنْتَ بِالسُّؤَالِ مُضَيِّعٌ وَقْتَك وَقَدْ أَلْجَأْت صَاحِبَك أَيْضًا بِالْجَوَابِ إلَى التَّضْيِيعِ (وَهَذَا إذَا خَلَا عَنْ الْكَذِبِ وَالْغَيْبَةِ وَالرِّيَاءِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ لَا يَحْرُمُ) لَكِنَّ أَكْثَرَ الْأَسْئِلَةِ لَا يَخْلُو عَنْهَا فَإِنَّك تَسْأَلُ مَثَلًا عَنْ عِبَادَتِهِ فَتَقُولُ هَلْ أَنْتَ صَائِمٌ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ فَيَدْخُلُ فِيهِ الرِّيَاءُ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ سَقَطَتْ عِبَادَتُهُ عَنْ دِيوَانِ السِّرِّ وَعِبَادَةُ السِّرِّ تُفَضَّلُ عَلَى عِبَادَةِ الْجَهْرِ بِدَرَجَاتٍ وَإِنْ قَالَ لَا كَانَ كَاذِبًا وَإِنْ سَكَتَ كَانَ مُسْتَحْقِرًا إيَّاكَ وَتَأَذَّيْت بِهِ وَإِنْ احْتَالَ بِمُدَافَعَةِ الْجَوَابِ افْتَقَرَ إلَى جُهْدٍ وَتَعَبٍ فِيهِ فَقَدْ عَرَّضْته بِالسُّؤَالِ
стр. 947
إمَّا لِلرِّيَاءِ أَوْ الْكَذِبِ أَوْ الِاسْتِحْقَارِ أَوْ الِافْتِقَارِ أَوْ التَّعَبِ فِي حِيلَةِ الْجَوَابِ وَكَذَلِكَ السُّؤَالُ عَنْ سَائِرِ عِبَادَاتِهِ وَمَعَاصِيهِ وَعَنْ كُلِّ مَا يُخْفِي وَيَسْتَحْيِي مِنْهُ (بَلْ قَدْ يُسْتَحَبُّ إذَا قَارَنَهُ نِيَّةٌ صَالِحَةٌ مِثْلُ دَفْعِ التُّهْمَةِ بِالْكِبْرِ وَالْعُجْبِ) هُوَ النَّظَرُ لِلنَّفْسِ بِعَيْنِ الْكَمَالِ (بِعَدَمِ التَّكَلُّمِ وَاحْتِقَارِ مَنْ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ دَفْعِ الْمَهَابَةِ وَالْحَيَاءِ) عَمَّنْ جَاءَ لِحَاجَةٍ يَطْلُبُهَا مِنْهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّكَلُّمِ مَعَهُ هَيْبَةً مِنْهُ أَوْ حَيَاءً (حَتَّى يَتَكَلَّمَ صَاحِبُهُ تَمَامَ مُرَادِهِ) هَذَا إنْ كَانَ الطَّالِبُ مِنْ الْحُقَرَاءِ أَوْ صَاحِبَ حَيَاءٍ وَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ مِنْ أَهْلِ الْمَهَابَةِ وَالِاحْتِرَامِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ (مِنْ الِاسْتِفْتَاءِ وَغَيْرِهِ) مِنْ الْمُرَافَعَةِ أَوْ التَّظَلُّمِ وَالشِّكَايَةِ مِنْ الْمُتَغَلِّبَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوُلَاةِ وَالْأُمَرَاءِ (أَوْ دَفْعِ الْحُزْنِ عَنْ الْمَحْزُونِ) كَمَنْ وَقَعَ فِي مُصَادَرَةِ الظَّالِمِ وَحَبْسِهِ.
فَقَوْلُهُ (وَالْمُصَابِ) بِمُصِيبَةٍ مَا كَمَنْ مَاتَ أَبْنَاؤُهُ أَوْ وَالِدَاهُ كَعَطْفِ تَفْسِيرٍ لَهُ (أَوْ تَسْلِيَةِ النِّسَاءِ) الْمُفَارِقَاتِ لِأَهَالِيِهِنَّ وَالْمَحْبُوسَاتِ فِي الْبُيُوتِ وَالْمُتَوَحِّشَات بِالْوَحْدَةِ وَالْعُزْلَةِ وَالْمُفَارِقَةِ (وَحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَهُنَّ) فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْمُؤَانَسَةَ وَالْأُلْفَةَ وَالصَّمْتَ رُبَّمَا يُوقِعُ الْوَحْشَةَ وَالْبُرُودَةَ قِيلَ هُنَا كَمَا فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ «أُمِّ زَرْعٍ وَقَصَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ زَوْجَاتِهِ» وَتَفْصِيلُهُ فِي الْمَشَارِقِ انْتَهَى.
(أَوْ التَّلَطُّفِ بِالصِّبْيَانِ أَوْ لِعَدَمِ إدْرَاكِ أَلَمِ السَّفَرِ أَوْ الْعَمَلِ) مِنْ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ (أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ) مِنْ الدَّوَاعِي (وَكَذَا) كَاسْتِحْبَابِ مَا ذَكَرْنَا (يُسْتَحَبُّ الْمِزَاحُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ) بِشَرْطِهِ الْمُتَقَدِّمِ (نَعَمْ بِهَذِهِ النِّيَّاتِ) الصَّالِحَةِ مِنْ قَبِيلِ الْمَاهِيَّةِ بِشَرْطِ الشَّيْءِ (يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ مَا لَا يَعْنِي) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُثَابٌ (فَكُلُّ مَا لَا يَعْنِي يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ) كَأَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ بِهَذَا التَّقْرِيرِ هَذَا الْمِزَاحُ لَيْسَ مَا لَا يَعْنِي لِأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ وَمَا لَا يَعْنِي يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ فَهَذَا الْمِزَاحُ لَيْسَ مَا لَا يَعْنِي وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ يَخْرُجُ عَنْ حَدٍّ إلَى آخِرِهِ (ت عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ» كَلِمَةُ مِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ أَوْ بَيَانِيَّةٌ آثَرَ الْإِسْلَامَ عَلَى الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ الْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ وَالْفِعْلُ وَالتَّرْكُ إنَّمَا يَتَعَاقَبَانِ عَلَيْهَا وَزَادَ حُسْنِ إيمَاءً إلَى أَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ بِصُوَرِ الْأَعْمَالِ فِعْلًا وَتَرْكًا إلَّا إنْ اتَّصَفَ بِالْحُسْنِ بِأَنْ تَوَفَّرَتْ شُرُوطُ مُكَمِّلَاتِهَا فَضْلًا عَنْ الْمُصَحِّحَاتِ وَجَعَلَ تَرْكَ مَا لَا يَعْنِي مِنْ الْحُسْنِ مُبَالَغَةً «تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ عَنَاهُ الْأَمْرُ إذَا تَعَلَّقَتْ عِنَايَتُهُ بِهِ وَكَانَ مِنْ قَصْدِهِ وَإِرَادَتِهِ وَفِي إفْهَامِهِ أَنَّ مِنْ قَبِيحِ الْإِسْلَامِ أَخْذُهُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَاَلَّذِي لَا يَعْنِي هُوَ الْفُضُولُ كُلُّهُ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ وَاَلَّذِي يَعْنِي الْمَرْءَ مِنْ الْأُمُورِ مَا تَعَلَّقَ بِضَرُورَةِ حَيَاتِهِ فِي مَعَاشِهِ مِمَّا يُشْبِعُهُ وَيَرْوِيهِ وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ وَيُعِفُّ فَرْجَهُ وَنَحْوَهُ مِمَّا لَا يَدْفَعُ الضَّرُورَةَ دُونَ مَا فِيهِ تَلَذُّذٌ وَتَنَعُّمٌ، وَسَلَامَتِهِ فِي مَعَادِهِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَالْإِحْسَانُ وَبِذَلِكَ يَسْلَمُ عَنْ سَائِرِ الْآفَاتِ وَالشُّرُورِ وَالْمُخَاصَمَاتِ وَذَلِكَ أَنَّ حُسْنَ إسْلَامِ فِي رُسُوخِ حَقِيقَةِ تَقْوَاهُ وَمُجَانَبَةِ هَوَاهُ وَمُعَافَاةِ مَنْ عَدَاهُ وَمَا عَدَاهُ ضَيَاعٌ لِلْوَقْتِ النَّفِيسِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَوَّضَ فَائِتُهُ فِيمَا لَمْ يُخْلَقْ لِأَجْلِهِ فَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ عَلَى اسْتِحْضَارِ قُرْبِهِ مِنْ رَبِّهِ فَقَدْ حَسُنَ إسْلَامُهُ قَالَ بَعْضُهُمْ تَعَلُّمُ مَا لَا يَهُمُّهُ مِنْ الْعُلُومِ مِمَّا لَا يَعْنِي كَمَنْ يَشْتَغِلُ بِعِلْمِ الْجَدَلِ مَثَلًا وَيَقُولُ نِيَّتِي نَفْعُ النَّاسِ وَلَوْ كَانَ صَادِقًا لَاشْتَغَلَ بِمَا يُصْلِحُ نَفْسَهُ وَقَلْبَهُ مِنْ إخْرَاجِ الصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ قَالُوا هَذَا الْحَدِيثُ رُبُعُ الْإِسْلَامِ وَقِيلَ نِصْفُهُ وَقِيلَ كُلُّهُ كَذَا فِي الْفَيْضِ لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا التَّخْرِيجِ وَقَعَ فِي الْجَامِعِ
стр. 948
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
(ت عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ «تُوُفِّيَ رَجُلٌ فَقَالَ رَجُلٌ آخَرُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْمَعُ أَبْشِرْ» أَيُّهَا الْمَيِّتُ «بِالْجَنَّةِ» كَأَنَّهُ لِمَا رَأَى مِنْ حُسْنِ عَمَلِهِ «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يُدْرِيك» أَيْ مَا يَجْعَلُك دَارِيًا وَعَالِمًا «لَعَلَّهُ تَكَلَّمَ بِمَا لَا يَعْنِيهِ» لَا يَنْفَعُهُ «أَوْ بَخِلَ بِمَا لَا يُغْنِيهِ» أَيْ بِكَلَامٍ لَا يُنْقِصُهُ بَدَنًا وَعَرَضًا وَمَالًا فَإِنَّ التَّكَلُّمَ فِي الْخَيْرِ وَفِعْلِهِ لَا يُنْقِصُ مِنْ لِسَانِهِ شَيْئًا وَلَا مِنْ غَيْرِهِ أَيْضًا بِأَنْ يُعِينَهُمْ بِيَدِهِ وَيَمْشِي بِرِجْلِهِ فِي حَاجَتِهِمْ
(دُنْيَا يَعْلَى عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «اسْتَشْهَدَ رَجُلٌ مِنَّا يَوْمَ أُحُدٍ فَوُجِدَ عَلَى بَطْنِهِ صَخْرَةٌ مَرْبُوطَةٌ مِنْ الْجُوعِ» كَمَا هُوَ عَادَةُ الصَّحَابَةِ بَلْ فَعَلَهُ ﵊ كَثِيرًا كَمَا سَبَقَ «فَمَسَحَتْ أُمُّهُ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَتْ هَنِيئًا لَك يَا بُنَيَّ» وَفِي رِوَايَةٍ هَنِيئًا لَك الْجَنَّةُ وَحَاصِلُ مَعْنَاهُ وَصَلْت عَيْشًا طَيِّبًا فِي الْجَنَّةِ «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يُدْرِيك» يَعْنِي: كَوْنَهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلَا يَكُونُ لَك أَنْ تَحْكُمِي بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَأْمُونٍ مِنْ مَوَانِعِهَا «لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَيَمْنَعُ مَا لَا يَضُرُّهُ» قِيلَ إنْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْلَمُ بِأَنَّهُ كَذَلِكَ فَلَا يُنَاسِبُ التَّعْبِيرَ بِلَعَلَّ وَإِلَّا فَسُوءُ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ قُلْت يَجُوزُ عِلْمُهُ ذَلِكَ وَتَعْبِيرُهُ بِلَعَلَّ لِئَلَّا يَزِيدَ حُزْنُ أَهْلِ الْمَيِّتِ أَوْ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَانِعِ الْجَنَّةِ قَطْعًا أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْحُكْمِ بِالْأَعَمِّ وَالْأَغْلَبِ فَافْهَمْ وَيَشْكُلُ أَنَّهُ مُتَبَادَرٌ فِي الْإِنْشَاءِ فَمَا وَجْهُ حَمْلِهِ عَلَى الْأَخْبَارِ ثُمَّ مَنَعَ ذَلِكَ لَعَلَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهِمَ مِنْ صَنِيعِهَا الْإِخْبَارَ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ قَرِينَةِ الْمَقَامِ ثُمَّ الْإِشْكَالُ أَنَّ الْمَفْرُوضَ كَوْنُ مَا لَا يَعْنِي مِمَّا لَا يَضُرُّ فَكَيْفَ يَمْنَعُ الْجَنَّةَ أَشَارَ إلَى دَفْعِهِ بِقَوْلِهِ (وَوَجْهُهُ) وَجْهُ مَنْعِ الْبِشَارَةِ وَالتَّهْنِئَةِ (أَنَّ الْبِشَارَةَ) فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ (وَالتَّهْنِئَةَ) فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي (الْكَامِلَتَيْنِ لِمَنْ لَا يُحَاسَبُ أَصْلًا) لَعَلَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْحِسَابِ فِي الْمُبَاحِ وَهُوَ مُخْتَلِفٌ (إذْ الْحِسَابُ نَوْعُ عَذَابٍ) يَشْكُلُ عَلَى الْقَوْلِ بِكَوْنِ الْحِسَابِ فِي الْأَنْبِيَاءِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ حِسَابَهُمْ حِسَابُ عَرْضٍ لَا مُنَاقَشَةٍ وَهَذَا الْحِسَابُ حِسَابُ مُنَاقَشَةٍ يَجْعَلُ الْقَضِيَّةَ جُزْئِيَّةً
تَفْصِيلُهُ إنْ أُرِيدَ مِنْ الْحِسَابِ الْمُطْلَقُ الْكُلِّيُّ فَيَرِدُ الْإِشْكَالُ وَإِلَّا فَالْقَضِيَّةُ جُزْئِيَّةٌ فَلَا تَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ إذْ حَاصِلُ الْمَقَامِ أَنْ مَا لَا يَعْنِي حِسَابٌ أَيْ لَهُ حِسَابٌ وَالْحِسَابُ نَوْعُ عَذَابٍ فَيَرِدُ بِالتَّرْدِيدِ عَلَى الْكُبْرَى وَأَيْضًا إنْ أُرِيدَ مِنْ الْحِسَابِ الْمُنَاقَشَةُ فَلَا نُسَلِّمُ الصُّغْرَى لِأَنَّهَا مِمَّا يَلْزَمُ بَيَانُهَا وَإِنْ الْعَرْضَ فَلَا نُسَلِّمُ الْكُبْرَى فَتَأَمَّلْ وَأَيْضًا الْمَطْلُوبُ ظَنِّيٌّ إذْ الْمَقَامُ خَطَابِيٌّ فَيَكْفِي أَكْثَرِيَّةُ الْكُبْرَى وَظَنِّيَّتُهُ (وَمَنْ تَكَلَّمَ بِمَا لَا يَعْنِيهِ يُحَاسَبُ وَيُسْأَلُ) قِيلَ ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لَعَلَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ مِنْ أَنَّهُ يَكْتُبُ الْمَلَكُ مَا لَا ثَوَابَ وَلَا عِقَابَ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ لَا يَكْتُبُهُ (شَيْخٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَكْثَرُ
стр. 949
النَّاسِ ذُنُوبًا أَكْثَرُهُمْ كَلَامًا فِيمَا لَا يَعْنِي» وَوَجْهُهُ) أَيْ وَجْهُ كَوْنِ ذُنُوبِ مَنْ تَكَلُّمُهُ فِيمَا لَا يَعْنِي أَكْثَرُ مِنْ ذُنُوبِ سَائِرِ النَّاسِ مَعَ أَنَّ التَّكَلُّمَ فِيهِ مُبَاحٌ (أَنَّهُ يَجُرُّهُ غَالِبًا إلَى مَا لَا يَحِلُّ مِنْ الْكَذِبِ وَالْغَيْبَةِ وَنَحْوِهِمَا) مِمَّا يَنْشَأُ مِنْ كَثْرَةِ الْكَلَامِ وَقَدْ عَرَفْت مِرَارًا أَنَّ الْوَسَائِلَ قَدْ تَكُونُ أَحْكَامَ الْمَقَاصِدِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّهُ قَالَ لَهُ أَلَا أُعْلِمُكَ بِعَمَلٍ خَفِيفٍ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلٍ فِي الْمِيزَانِ فَقُلْت بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ الصَّمْتُ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَتَرْكُ مَا لَا يَعْنِيك»
وَفِي تَنْبِيهِ الْغَافِلِينَ «قَالَ ﵊ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ إذَا رَأَيْت قَسَاوَةً فِي قَلْبِك وَوَهْنًا فِي بَدَنِك وَحِرْمَانًا فِي رِزْقِك فَاعْلَمْ بِأَنَّك تَكَلَّمْت بِمَا لَا يَعْنِيكَ» وَقَدْ مَرَّ وَضْعُ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حَجَرًا فِي فَمِهِ سِنِينَ إلَّا عِنْدَ الْأَكْلِ خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ قِيلَ فَعُلِمَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ تَرْكَ مَا لَا يَعْنِيهِ مِنْ أَهَمِّ الْمُهِمَّاتِ وَأَكْثَرِ الْمَثُوبَاتِ وَأَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ.
[السَّادِسُ آخِرُ الْمَبَاحِثِ فُضُولُ الْكَلَامِ]
(وَالسَّادِسُ) آخِرُ الْمَبَاحِثِ (فُضُولُ الْكَلَامِ وَهُوَ) التَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ الْعِلْمِيَّةِ أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ بِجَمْعٍ بَلْ مَصْدَرٌ كَدُخُولِ (الزِّيَادَةِ فِيمَا لَا يَعْنِي) دِينًا أَوْ دُنْيَا (عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ) فَإِذَا أَمْكَنَ أَدَاءُ الْمَرَامِ بِكَلِمَةٍ قَلِيلَةٍ فَأَتَى بِزِيَادَةٍ فَالزِّيَادَةُ مِنْ قَبِيلِ الْفُضُولِ (وَلَيْسَ مِنْهُ التَّفْصِيلُ فِي الْمَسَائِلِ الْمُشْكِلَةِ) لِإِيضَاحِهَا وَدَفْعِ احْتِمَالَاتِهَا (خُصُوصًا لِلْأَفْهَامِ الْقَاصِرَةِ وَالتَّكْرَارُ فِي الْعِظَةِ) مِنْ الْوَعْظِ (وَالتَّذْكِيرِ وَالتَّعْلِيمِ) وَالتَّدْرِيسِ فَإِنَّ الْمُدَرِّسَ يُقَرِّرُ وَيُكَرِّرُ عَلَى حَسَبِ حَالِ الْمُتَعَلِّمِ مُبْتَدِيًا أَوْ مُنْتَهِيًا وَعَلَى كَوْنِ الْمَقَامِ خَفِيًّا وَوَاضِحًا وَعَلَى حَسَبِ تَفَطُّنِ الْمُتَعَلِّمِ وَغَبَاوَتِهِ كَمَا قِيلَ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ وَلِكُلِّ مَيْدَانٍ رِجَالٌ وَكَلِّمْ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ (وَالتَّعَلُّمِ) فِي كَوْنِهِ مِنْ الْمَقَامِ خَفَاءً إلَّا أَنْ يُرَادَ مَعْنَى الْمُتَعَلِّمِ (وَنَحْوِهَا) وَفِي الشِّرْعَةِ وَيَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ فَصِيحٍ دُونَ مُبْهَمِهِ وَيُرَتِّلُ الْكَلَامَ تَرْتِيلًا أَيْ يُبَيِّنُ وَقَدْ كَانَ كَلَامُ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِيَانًا بَيَانًا يَفْهَمُهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ وَلَوْ عَدَّهُ عَادٌّ لَأَحْصَاهُ وَيَفْهَمُ السَّامِعُ كَلَامَهُ فَإِنَّهُ إذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثًا وَإِذَا تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ ثَلَاثًا وَيُسَاهِلُ فِي كَلَامِهِ وَيَتَسَاهَلُ وَلَا يَتَكَلَّفُ النَّظْمَ وَلَا السَّجْعَ (لِأَنَّهُ لِلْحَاجَةِ وَفِيمَا لَا حَاجَةَ فِيهِ يُسْتَحَبُّ الْإِيجَازُ وَالِاخْتِصَارُ) عَلَى قَدْرِ إفَادَةِ الْمَرَامِ فَلَا يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ مُخِلٍّ لِفَهْمِهِ كَالتَّعْمِيَةِ وَاللُّغْزِ (وَقَدْ سَبَقَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ حَدِيثَا عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) أَنَّهُ قَالَ «تَكَلَّمَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَكْثَرَ فَقَالَ كَمْ دُونَ لِسَانِك مِنْ حِجَابٍ فَقَالَ شَفَتَايَ وَأَسْنَانِي فَقَالَ أَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَا يَرُدُّ كَلَامَك» (وَ) حَدِيثُ (أَنَسٍ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «طُوبَى لِمَنْ أَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ كَلَامِهِ وَأَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ» (فَتَذَكَّرْ) وَرَوَى
стр. 950
مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنِي أَنْ يَكُونَ نُطْقِي ذِكْرًا وَصَمْتِي فِكْرًا وَنَظَرِي عِبْرَةً»
وَفِي التَّنْبِيهِ وَذُكِرَ عَنْ عِيسَى أَنَّهُ قَالَ لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَتَقْسُو قُلُوبُكُمْ وَالْقَلْبُ الْقَاسِي بَعِيدٌ عَنْ الْحَقِّ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ وَأَقُولُ كَمَا كَانَ الْفُضُولُ مِنْ الْكَلَامِ آفَةً كَذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ وَلِذَا قِيلَ الْإِصْرَارُ عَلَى الْمُبَاحِ صَغِيرَةٌ وَصَيْدُ مَنْ أَفْرَطَ فِي الِاصْطِيَادِ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ مَعَ إبَاحَةِ أَصْلِهِ وَعَنْ بَعْضِ الْكُتُبِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ سَمِعْت أَنَّ الْأُسْتَاذَ الْإِمَامَ عَبْدَ اللَّهِ وَأَحْمَدَ بْنَ حَرْبٍ حَفَرَا مَوْضِعًا فَقَلَعَ أَحْمَدُ حَشِيشًا مِنْ الْأَرْضِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ حَصَلَتْ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ الْأَوَّلُ شَغَلْت قَلْبَك عَنْ تَسْبِيحِ مَوْلَاك الثَّانِي دَعَوْت نَفْسَك إلَى الِاشْتِغَالِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ الثَّالِثُ جَعَلْت لَك طَرِيقًا يُقْتَدَى بِك فِيهِ الرَّابِعُ مَنَعْت حَشِيشًا مِنْ الْأَرْضِ مُسَبِّحًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ الْخَامِسُ أَلْزَمْت نَفْسَك حُجَّةَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ لَا يَكُونُ مِثْلُك وَاعِظًا يَا عَبْدَ اللَّهِ ثُمَّ قِيلَ سَبَبُ مَا لَا يَعْنِي وَالْفُضُولِ الْحِرْصُ عَلَى مَعْرِفَةِ مَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ أَوْ الْمُبَاسَطَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى سَبِيلِ التَّوَدُّدِ أَوْ تَزْجِيَةِ الْوَقْتِ بِحِكَايَاتِ أَحْوَالٍ لَا فَائِدَةَ فِيهَا وَعِلَاجُهُمَا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمَوْتَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنَّهُ مَسْئُولٌ عَنْ كُلِّ كَلِمَةٍ وَأَنَّ أَنْفَاسَهُ رَأْسُ مَالِهِ وَأَنَّ لِسَانَهُ شَبَكَتُهُ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَقْنِصَ الْحُورَ الْعَيْنَ فَإِهْمَالُهُ وَتَضْيِيعُهُ خُسْرَانٌ؛ هَذَا عِلَاجُهُمَا عِلْمًا وَأَمَّا عَمَلًا فَالْعُزْلَةُ أَوْ وَضْعُ الْحَجَرِ فِي الْفَمِ وَإِلْزَامُ النَّفْسِ السُّكُوتَ عَنْ بَعْضِ مَا يَعْنِي لِيَتَعَوَّدَ اللِّسَانُ تَرْكَ مَا لَا يَعْنِيهِ وَفُضُولُ الْكَلَامِ وَضَبْطُ اللِّسَانِ فِي هَذَيْنِ لَا يَتَيَسَّرُ إلَّا عَلَى الْمُعْتَزِلِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ فِيمَا الْأَصْلُ فِيهِ الْإِذْنُ مِنْ الْعَادَاتِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا النِّظَامُ لِلْعَالِمِ]
(الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ فِيمَا الْأَصْلُ فِيهِ الْإِذْنُ مِنْ) (الْعَادَاتِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا النِّظَامُ) لِلْعَالِمِ كَسِيَاسَةِ الْمَدِينَةِ وَتَدْبِيرِ الْمَنْزِلِ (وَهِيَ الْمُعَامَلَاتُ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالرَّهْنِ وَالْهِبَةِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْإِيدَاعِ وَالْإِعَارَةِ) (وَنَحْوِهَا) مِنْ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ (فَهَذِهِ الْأُمُورُ مُبَاحَاتٌ) شَرْعًا (فِي نَفْسِهَا) الْأَوْلَى فِي أَنْفُسِهَا (وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا فِي بَعْضِ الْحَالِ وَاجِبًا) كَالنِّكَاحِ عِنْدَ التَّوَقَانِ لِلْقَادِرِ عَلَى النَّفَقَةِ وَالْمَهْرِ الْمُعَجَّلِ لِأَنَّ مَا لَا يُتَوَسَّلُ إلَى تَرْكِ الْحَرَامِ إلَّا بِهِ يَكُونُ فَرْضًا وَيَكُونُ وَاجِبًا عَلَى حَسَبِهِ (أَوْ سُنَّةً) كَهُوَ حَالِ الِاعْتِدَالِ وَيُكْرَهُ لِخَوْفِ الْجَوْرِ كَمَا فِي الدُّرَرِ (أَوْ مُسْتَحَبًّا وَلَكِنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ فِيهِ أَرْكَانًا وَشُرُوطًا تَجِبُ رِعَايَتُهُمَا عِنْدَ الْمُبَاشَرَةِ وَإِلَّا) إنْ لَمْ يُرَاعِ تِلْكَ الْأَرْكَانَ وَالشُّرُوطَ (يَصِيرُ بَاطِلًا) إذْ رُكْنُ الشَّيْءِ جُزْؤُهُ فَبِانْتِفَاءِ الْجُزْءِ يَنْتَفِي (أَوْ فَاسِدًا) لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْخَلَلُ لِذَاتِ الشَّيْءِ فَبَاطِلٌ وَإِنْ لِوَصْفِهِ فَفَاسِدٌ (أَوْ مَكْرُوهًا) وَالتَّفْصِيلُ فِي الْفَقِيهِ (فَيَأْثَمُ صَاحِبُهُ) فَفِي التَّفْرِيعِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكَرَاهَةِ لَا سِيَّمَا بِاعْتِبَارِ شُمُولِهَا التَّنْزِيهِيَّةَ خَفَاءٌ إلَّا أَنْ يُخَصَّ قَوْلُهُ (أَوْ يُسِيءُ) بِالْكَرَاهَةِ وَلَا سِيَّمَا التَّنْزِيهِيَّةُ (فَتَكُونُ آفَةً لِلِّسَانِ فَلِذَا) أَيْ فَلِأَجْلِ أَنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ فِي الْمُعَامَلَاتِ أَرْكَانًا وَشُرُوطًا تَجِبُ رِعَايَتُهُمَا عِنْدَ الْمُبَاشَرَةِ وَبِانْعِدَامِهِمَا يَلْزَمُ الْإِثْمُ وَالْإِسَاءَةُ (لِمَا قِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ) صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ (لِمَ لَا تُصَنِّفُ كِتَابًا فِي الزُّهْدِ) فِي التَّصَوُّفِ (قَالَ صَنَّفْت كِتَابَ الْبُيُوعِ) قِيلَ لَعَلَّهُ قَبْلَ تَصْنِيفِهِ فِي الزُّهْدِ وَإِلَّا فَلَهُ تَصْنِيفٌ مَعْرُوفٌ فِي الزُّهْدِ (إشَارَةً إلَى أَنَّ الزُّهْدَ وَالتَّقْوَى لَا يَحْصُلُ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا وَإِلَّا فَحَقُّ الْعِبَارَةِ لَا يَحْصُلَانِ (إلَّا بِالتَّحَرُّزِ) أَيْ بِتَكَلُّفِ الِاحْتِرَازِ (فِي الْمُعَامَلَاتِ عَنْ كُلِّ بُطْلَانٍ) بِفَسَادِ ذَاتِهَا كَأَرْكَانِهَا (وَفَسَادُهَا) أَيْ فَسَادُ وَصْفِهَا كَشَرَائِطِهَا
следующие страницы →