← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 21654

بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية

محمد الخادمي

Полный текст (1 189 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

سَكَتَ السَّائِلُ عَنْ التَّنْطِيعِ لَمْ يَزِدْ الْمُفْتِي عَلَى جَوَابِهِ بِالْجَوَازِ وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فَمَنْ سَدَّ بَابَ الْمَسَائِلِ حَتَّى فَاتَهُ مَعْرِفَةُ كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي يَكْثُرُ وُقُوعُهَا قَلَّ فَهْمُهُ وَعِلْمُهُ وَمَنْ تَوَسَّعَ فِي تَفْرِيعِ الْمَسَائِلِ وَتَوْلِيدِهَا سِيَّمَا فِيمَا يَقِلُّ وُقُوعُهَا أَوْ يَنْدُرُ فَإِنَّهُ يُذَمُّ فِعْلُهُ كَذَا فِي الْفَيْضِ (ت عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ أَبْغَضَكُمْ إلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا» يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ فِيهَا أَوْ فِي الدُّنْيَا «الثَّرْثَارُونَ» مُكْثِرُو الْكَلَامِ خَطَأً أَوْ صَوَابًا حَقًّا أَوْ بَاطِلًا بِحَيْثُ لَا يُمَيِّزُ الْجَيِّدَ مِنْ الرَّدِيءِ وَيَتَكَلَّفُ رِيَاءً وَعُجْبًا «الْمُتَفَيْهِقُونَ» مِنْ الْفَهَقِ وَهُوَ الِامْتِلَاءُ يُقَالُ فَهِقَ الْحَوْضَ فَهَقًا وَأَفْهَقَتْهُ إذَا مَلَأَتْهُ أَيْ الْمُتَوَسِّعُونَ فِي الْكَلَامِ وَقِيلَ هُمْ الَّذِينَ يَنْطِقُونَ مِنْ قَعْرِ الْفَمِ بِالتَّكَبُّرِ وَالرُّعُونَةِ «الْمُتَشَدِّقُونَ فِي الْكَلَامِ» التَّشَدُّقُ هُوَ لَيُّ شِدْقِهِ أَيْ جَانِبِ فَمِهِ لِلتَّفَصُّحِ وَالْكُلُّ رَاجِعٌ إلَى مَعْنَى التَّكَلُّفِ فِي الْكَلَامِ لِيُمِيلَ إلَيْهِ قُلُوبَ النَّاسِ وَأَسْمَاعَهُمْ لَعَلَّ إنْ كَانَ الْمَقْصُودُ تَرْوِيجَ أَمْرٍ دِينِيٍّ كَمَا عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ لَا يَكُونُ مَذْمُومًا. [الْخَامِسُ الْكَلَامُ فِيمَا لَا يَعْنِي] (وَالْخَامِسُ الْكَلَامُ فِيمَا لَا يَعْنِي) أَيْ لَا يُهِمُّهُ وَلَا يُفِيدُهُ وَلَا يُثَابُ لَهُ وَلَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ فَفِيهِ تَضْيِيعُ الْوَقْتِ وَقَسَاوَةُ الْقَلْبِ وَوَهَنُ الْبَدَنِ وَتَأْخِيرُ الرِّزْقِ وَإِيذَاءُ الْحَفَظَةِ وَإِرْسَالُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّغْوِ إلَيْهِ تَعَالَى وَقِرَاءَتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ وَالْحَبْسُ عَنْ الْجَنَّةِ وَالْحِسَابُ وَاللَّوْمُ وَالتَّعْيِيرُ وَإِيقَاعُ الْحُجَّةِ وَالْحَيَاءُ مِنْهُ تَعَالَى كَمَا نُقِلَ عَنْ عَيْنِ الْعِلْمِ اعْلَمْ أَنَّ أَحْسَنَ أَحْوَالِك أَنْ تَحْفَظَ أَلْفَاظَك عَنْ جَمِيعِ الْآفَاتِ وَتَتَكَلَّمَ بِمَا هُوَ مُبَاحٌ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَيْك وَلَا عَلَى مُسْلِمٍ أَصْلًا إلَّا أَنَّك تَتَكَلَّمُ بِمَا أَنْتَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ وَلَا حَاجَةَ بِك إلَيْهِ فَإِنَّك بِهِ مُضَيِّعٌ زَمَانَك وَمُحَاسَبٌ عَلَى عَمَلِ لِسَانِك وَمُسْتَبْدِلٌ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِاَلَّذِي هُوَ خَيْرٌ لِأَنَّك لَوْ صَرَفْت الْكَلَامَ إلَى الْفِكْرِ وَالذِّكْرِ رُبَّمَا يُفْتَحُ لَك مِنْ نَفَحَاتِ رَحْمَتِهِ عِنْدَ الْفِكْرَةِ مَا يَعْظُمُ جَدْوَاهُ وَلَوْ هَلَّلْت لَهُ تَعَالَى أَوْ سَبَّحْته وَذَكَرْته لَكَانَ خَيْرًا لَك فَكَمْ مِنْ كَلِمَةٍ يُبْنَى بِهَا قَصْرٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَنْ قَدَرَ أَنْ يَأْخُذَ كَنْزًا مِنْ الْكُنُوزِ فَأَخَذَ بَدَلَهُ مَدَرَةً لَا يَنْتَفِعُ بِهَا كَانَ خَاسِرًا خُسْرَانًا مُبِينًا وَهَذَا مِثَالُ مَنْ تَرَكَ ذِكْرَ اللَّهِ وَاشْتَغَلَ بِمُبَاحٍ لَا يَعْنِيهِ فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَأْثَمُ فَقَدْ خَسِرَ حَيْثُ فَاتَهُ الرِّبْحُ الْعَظِيمُ بِذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَكُونُ صَمْتُهُ إلَّا فِكْرًا وَلَا نَظَرُهُ إلَّا عِبَرًا وَلَا نُطْقُهُ إلَّا ذِكْرًا هَكَذَا قَالَ ﵊ رَأْسُ مَالِ الْعَبْدِ أَوْقَاتُهُ وَمَهْمَا صَرَفَهَا إلَى مَا لَا يَعْنِيهِ وَلَمْ يَدَّخِرْ بِهَا ثَوَابًا فِي الْآخِرَةِ فَقَدْ ضَيَّعَ رَأْسَ مَالِهِ (مِثْلَ حِكَايَةِ أَسْفَارِك وَمَا رَأَيْت فِيهَا مِنْ جِبَالٍ وَأَنْهَارٍ وَأَطْعِمَةٍ وَثِيَابٍ) وَحَدُّهُ أَنَّ مُتَكَلِّمَهُ مَا لَوْ سَكَتَ عَنْهُ لَمْ يَأْثَمْ وَلَمْ يَتَضَرَّرْ. وَأَمَّا فُضُولُ الْكَلَامِ وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ فَيَأْتِيَ وَأَمَّا حِكَايَاتُ نَحْوِ أَحْوَالِ النِّسَاءِ وَمَجَالِسِ الْخَمْرِ وَمَقَامَاتِ الْفُسَّاقِ وَتَنَعُّمِ الْأَغْنِيَاءِ وَتَجَبُّرِ الْمُلُوكِ وَأَحْوَالِهِمْ فَحَرَامٌ وَمَا لَا يَعْنِي مَكْرُوهٌ لِعَدَمِ الْأَمْنِ مِنْ خَوْضِ الْبَاطِلِ مِثْلَ حِكَايَاتِ الْبِدَعِ وَالْمَذَاهِبِ الْفَاسِدَةِ وَمُحَارَبَاتِ الصَّحَابَةِ عَلَى وَجْهٍ يُوهِمُ الطَّعْنَ فِي بَعْضِهِمْ (وَمِنْهُ) مِمَّا لَا يَعْنِي (السُّؤَالُ عَمَّا لَا يَهُمُّ) فَأَنْتَ بِالسُّؤَالِ مُضَيِّعٌ وَقْتَك وَقَدْ أَلْجَأْت صَاحِبَك أَيْضًا بِالْجَوَابِ إلَى التَّضْيِيعِ (وَهَذَا إذَا خَلَا عَنْ الْكَذِبِ وَالْغَيْبَةِ وَالرِّيَاءِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ لَا يَحْرُمُ) لَكِنَّ أَكْثَرَ الْأَسْئِلَةِ لَا يَخْلُو عَنْهَا فَإِنَّك تَسْأَلُ مَثَلًا عَنْ عِبَادَتِهِ فَتَقُولُ هَلْ أَنْتَ صَائِمٌ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ فَيَدْخُلُ فِيهِ الرِّيَاءُ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ سَقَطَتْ عِبَادَتُهُ عَنْ دِيوَانِ السِّرِّ وَعِبَادَةُ السِّرِّ تُفَضَّلُ عَلَى عِبَادَةِ الْجَهْرِ بِدَرَجَاتٍ وَإِنْ قَالَ لَا كَانَ كَاذِبًا وَإِنْ سَكَتَ كَانَ مُسْتَحْقِرًا إيَّاكَ وَتَأَذَّيْت بِهِ وَإِنْ احْتَالَ بِمُدَافَعَةِ الْجَوَابِ افْتَقَرَ إلَى جُهْدٍ وَتَعَبٍ فِيهِ فَقَدْ عَرَّضْته بِالسُّؤَالِ

стр. 947

إمَّا لِلرِّيَاءِ أَوْ الْكَذِبِ أَوْ الِاسْتِحْقَارِ أَوْ الِافْتِقَارِ أَوْ التَّعَبِ فِي حِيلَةِ الْجَوَابِ وَكَذَلِكَ السُّؤَالُ عَنْ سَائِرِ عِبَادَاتِهِ وَمَعَاصِيهِ وَعَنْ كُلِّ مَا يُخْفِي وَيَسْتَحْيِي مِنْهُ (بَلْ قَدْ يُسْتَحَبُّ إذَا قَارَنَهُ نِيَّةٌ صَالِحَةٌ مِثْلُ دَفْعِ التُّهْمَةِ بِالْكِبْرِ وَالْعُجْبِ) هُوَ النَّظَرُ لِلنَّفْسِ بِعَيْنِ الْكَمَالِ (بِعَدَمِ التَّكَلُّمِ وَاحْتِقَارِ مَنْ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ دَفْعِ الْمَهَابَةِ وَالْحَيَاءِ) عَمَّنْ جَاءَ لِحَاجَةٍ يَطْلُبُهَا مِنْهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّكَلُّمِ مَعَهُ هَيْبَةً مِنْهُ أَوْ حَيَاءً (حَتَّى يَتَكَلَّمَ صَاحِبُهُ تَمَامَ مُرَادِهِ) هَذَا إنْ كَانَ الطَّالِبُ مِنْ الْحُقَرَاءِ أَوْ صَاحِبَ حَيَاءٍ وَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ مِنْ أَهْلِ الْمَهَابَةِ وَالِاحْتِرَامِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ (مِنْ الِاسْتِفْتَاءِ وَغَيْرِهِ) مِنْ الْمُرَافَعَةِ أَوْ التَّظَلُّمِ وَالشِّكَايَةِ مِنْ الْمُتَغَلِّبَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوُلَاةِ وَالْأُمَرَاءِ (أَوْ دَفْعِ الْحُزْنِ عَنْ الْمَحْزُونِ) كَمَنْ وَقَعَ فِي مُصَادَرَةِ الظَّالِمِ وَحَبْسِهِ. فَقَوْلُهُ (وَالْمُصَابِ) بِمُصِيبَةٍ مَا كَمَنْ مَاتَ أَبْنَاؤُهُ أَوْ وَالِدَاهُ كَعَطْفِ تَفْسِيرٍ لَهُ (أَوْ تَسْلِيَةِ النِّسَاءِ) الْمُفَارِقَاتِ لِأَهَالِيِهِنَّ وَالْمَحْبُوسَاتِ فِي الْبُيُوتِ وَالْمُتَوَحِّشَات بِالْوَحْدَةِ وَالْعُزْلَةِ وَالْمُفَارِقَةِ (وَحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَهُنَّ) فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْمُؤَانَسَةَ وَالْأُلْفَةَ وَالصَّمْتَ رُبَّمَا يُوقِعُ الْوَحْشَةَ وَالْبُرُودَةَ قِيلَ هُنَا كَمَا فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ «أُمِّ زَرْعٍ وَقَصَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ زَوْجَاتِهِ» وَتَفْصِيلُهُ فِي الْمَشَارِقِ انْتَهَى. (أَوْ التَّلَطُّفِ بِالصِّبْيَانِ أَوْ لِعَدَمِ إدْرَاكِ أَلَمِ السَّفَرِ أَوْ الْعَمَلِ) مِنْ الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ (أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ) مِنْ الدَّوَاعِي (وَكَذَا) كَاسْتِحْبَابِ مَا ذَكَرْنَا (يُسْتَحَبُّ الْمِزَاحُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ) بِشَرْطِهِ الْمُتَقَدِّمِ (نَعَمْ بِهَذِهِ النِّيَّاتِ) الصَّالِحَةِ مِنْ قَبِيلِ الْمَاهِيَّةِ بِشَرْطِ الشَّيْءِ (يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ مَا لَا يَعْنِي) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُثَابٌ (فَكُلُّ مَا لَا يَعْنِي يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ) كَأَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ بِهَذَا التَّقْرِيرِ هَذَا الْمِزَاحُ لَيْسَ مَا لَا يَعْنِي لِأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ وَمَا لَا يَعْنِي يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ فَهَذَا الْمِزَاحُ لَيْسَ مَا لَا يَعْنِي وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ يَخْرُجُ عَنْ حَدٍّ إلَى آخِرِهِ (ت عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ» كَلِمَةُ مِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ أَوْ بَيَانِيَّةٌ آثَرَ الْإِسْلَامَ عَلَى الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ الْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ وَالْفِعْلُ وَالتَّرْكُ إنَّمَا يَتَعَاقَبَانِ عَلَيْهَا وَزَادَ حُسْنِ إيمَاءً إلَى أَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ بِصُوَرِ الْأَعْمَالِ فِعْلًا وَتَرْكًا إلَّا إنْ اتَّصَفَ بِالْحُسْنِ بِأَنْ تَوَفَّرَتْ شُرُوطُ مُكَمِّلَاتِهَا فَضْلًا عَنْ الْمُصَحِّحَاتِ وَجَعَلَ تَرْكَ مَا لَا يَعْنِي مِنْ الْحُسْنِ مُبَالَغَةً «تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ عَنَاهُ الْأَمْرُ إذَا تَعَلَّقَتْ عِنَايَتُهُ بِهِ وَكَانَ مِنْ قَصْدِهِ وَإِرَادَتِهِ وَفِي إفْهَامِهِ أَنَّ مِنْ قَبِيحِ الْإِسْلَامِ أَخْذُهُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَاَلَّذِي لَا يَعْنِي هُوَ الْفُضُولُ كُلُّهُ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ وَاَلَّذِي يَعْنِي الْمَرْءَ مِنْ الْأُمُورِ مَا تَعَلَّقَ بِضَرُورَةِ حَيَاتِهِ فِي مَعَاشِهِ مِمَّا يُشْبِعُهُ وَيَرْوِيهِ وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ وَيُعِفُّ فَرْجَهُ وَنَحْوَهُ مِمَّا لَا يَدْفَعُ الضَّرُورَةَ دُونَ مَا فِيهِ تَلَذُّذٌ وَتَنَعُّمٌ، وَسَلَامَتِهِ فِي مَعَادِهِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَالْإِحْسَانُ وَبِذَلِكَ يَسْلَمُ عَنْ سَائِرِ الْآفَاتِ وَالشُّرُورِ وَالْمُخَاصَمَاتِ وَذَلِكَ أَنَّ حُسْنَ إسْلَامِ فِي رُسُوخِ حَقِيقَةِ تَقْوَاهُ وَمُجَانَبَةِ هَوَاهُ وَمُعَافَاةِ مَنْ عَدَاهُ وَمَا عَدَاهُ ضَيَاعٌ لِلْوَقْتِ النَّفِيسِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَوَّضَ فَائِتُهُ فِيمَا لَمْ يُخْلَقْ لِأَجْلِهِ فَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ عَلَى اسْتِحْضَارِ قُرْبِهِ مِنْ رَبِّهِ فَقَدْ حَسُنَ إسْلَامُهُ قَالَ بَعْضُهُمْ تَعَلُّمُ مَا لَا يَهُمُّهُ مِنْ الْعُلُومِ مِمَّا لَا يَعْنِي كَمَنْ يَشْتَغِلُ بِعِلْمِ الْجَدَلِ مَثَلًا وَيَقُولُ نِيَّتِي نَفْعُ النَّاسِ وَلَوْ كَانَ صَادِقًا لَاشْتَغَلَ بِمَا يُصْلِحُ نَفْسَهُ وَقَلْبَهُ مِنْ إخْرَاجِ الصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ قَالُوا هَذَا الْحَدِيثُ رُبُعُ الْإِسْلَامِ وَقِيلَ نِصْفُهُ وَقِيلَ كُلُّهُ كَذَا فِي الْفَيْضِ لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا التَّخْرِيجِ وَقَعَ فِي الْجَامِعِ

стр. 948

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. (ت عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ «تُوُفِّيَ رَجُلٌ فَقَالَ رَجُلٌ آخَرُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْمَعُ أَبْشِرْ» أَيُّهَا الْمَيِّتُ «بِالْجَنَّةِ» كَأَنَّهُ لِمَا رَأَى مِنْ حُسْنِ عَمَلِهِ «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يُدْرِيك» أَيْ مَا يَجْعَلُك دَارِيًا وَعَالِمًا «لَعَلَّهُ تَكَلَّمَ بِمَا لَا يَعْنِيهِ» لَا يَنْفَعُهُ «أَوْ بَخِلَ بِمَا لَا يُغْنِيهِ» أَيْ بِكَلَامٍ لَا يُنْقِصُهُ بَدَنًا وَعَرَضًا وَمَالًا فَإِنَّ التَّكَلُّمَ فِي الْخَيْرِ وَفِعْلِهِ لَا يُنْقِصُ مِنْ لِسَانِهِ شَيْئًا وَلَا مِنْ غَيْرِهِ أَيْضًا بِأَنْ يُعِينَهُمْ بِيَدِهِ وَيَمْشِي بِرِجْلِهِ فِي حَاجَتِهِمْ (دُنْيَا يَعْلَى عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «اسْتَشْهَدَ رَجُلٌ مِنَّا يَوْمَ أُحُدٍ فَوُجِدَ عَلَى بَطْنِهِ صَخْرَةٌ مَرْبُوطَةٌ مِنْ الْجُوعِ» كَمَا هُوَ عَادَةُ الصَّحَابَةِ بَلْ فَعَلَهُ ﵊ كَثِيرًا كَمَا سَبَقَ «فَمَسَحَتْ أُمُّهُ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَتْ هَنِيئًا لَك يَا بُنَيَّ» وَفِي رِوَايَةٍ هَنِيئًا لَك الْجَنَّةُ وَحَاصِلُ مَعْنَاهُ وَصَلْت عَيْشًا طَيِّبًا فِي الْجَنَّةِ «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يُدْرِيك» يَعْنِي: كَوْنَهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلَا يَكُونُ لَك أَنْ تَحْكُمِي بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَأْمُونٍ مِنْ مَوَانِعِهَا «لَعَلَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَيَمْنَعُ مَا لَا يَضُرُّهُ» قِيلَ إنْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْلَمُ بِأَنَّهُ كَذَلِكَ فَلَا يُنَاسِبُ التَّعْبِيرَ بِلَعَلَّ وَإِلَّا فَسُوءُ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ قُلْت يَجُوزُ عِلْمُهُ ذَلِكَ وَتَعْبِيرُهُ بِلَعَلَّ لِئَلَّا يَزِيدَ حُزْنُ أَهْلِ الْمَيِّتِ أَوْ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَانِعِ الْجَنَّةِ قَطْعًا أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْحُكْمِ بِالْأَعَمِّ وَالْأَغْلَبِ فَافْهَمْ وَيَشْكُلُ أَنَّهُ مُتَبَادَرٌ فِي الْإِنْشَاءِ فَمَا وَجْهُ حَمْلِهِ عَلَى الْأَخْبَارِ ثُمَّ مَنَعَ ذَلِكَ لَعَلَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهِمَ مِنْ صَنِيعِهَا الْإِخْبَارَ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ قَرِينَةِ الْمَقَامِ ثُمَّ الْإِشْكَالُ أَنَّ الْمَفْرُوضَ كَوْنُ مَا لَا يَعْنِي مِمَّا لَا يَضُرُّ فَكَيْفَ يَمْنَعُ الْجَنَّةَ أَشَارَ إلَى دَفْعِهِ بِقَوْلِهِ (وَوَجْهُهُ) وَجْهُ مَنْعِ الْبِشَارَةِ وَالتَّهْنِئَةِ (أَنَّ الْبِشَارَةَ) فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ (وَالتَّهْنِئَةَ) فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي (الْكَامِلَتَيْنِ لِمَنْ لَا يُحَاسَبُ أَصْلًا) لَعَلَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْحِسَابِ فِي الْمُبَاحِ وَهُوَ مُخْتَلِفٌ (إذْ الْحِسَابُ نَوْعُ عَذَابٍ) يَشْكُلُ عَلَى الْقَوْلِ بِكَوْنِ الْحِسَابِ فِي الْأَنْبِيَاءِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ حِسَابَهُمْ حِسَابُ عَرْضٍ لَا مُنَاقَشَةٍ وَهَذَا الْحِسَابُ حِسَابُ مُنَاقَشَةٍ يَجْعَلُ الْقَضِيَّةَ جُزْئِيَّةً تَفْصِيلُهُ إنْ أُرِيدَ مِنْ الْحِسَابِ الْمُطْلَقُ الْكُلِّيُّ فَيَرِدُ الْإِشْكَالُ وَإِلَّا فَالْقَضِيَّةُ جُزْئِيَّةٌ فَلَا تَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ إذْ حَاصِلُ الْمَقَامِ أَنْ مَا لَا يَعْنِي حِسَابٌ أَيْ لَهُ حِسَابٌ وَالْحِسَابُ نَوْعُ عَذَابٍ فَيَرِدُ بِالتَّرْدِيدِ عَلَى الْكُبْرَى وَأَيْضًا إنْ أُرِيدَ مِنْ الْحِسَابِ الْمُنَاقَشَةُ فَلَا نُسَلِّمُ الصُّغْرَى لِأَنَّهَا مِمَّا يَلْزَمُ بَيَانُهَا وَإِنْ الْعَرْضَ فَلَا نُسَلِّمُ الْكُبْرَى فَتَأَمَّلْ وَأَيْضًا الْمَطْلُوبُ ظَنِّيٌّ إذْ الْمَقَامُ خَطَابِيٌّ فَيَكْفِي أَكْثَرِيَّةُ الْكُبْرَى وَظَنِّيَّتُهُ (وَمَنْ تَكَلَّمَ بِمَا لَا يَعْنِيهِ يُحَاسَبُ وَيُسْأَلُ) قِيلَ ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لَعَلَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ مِنْ أَنَّهُ يَكْتُبُ الْمَلَكُ مَا لَا ثَوَابَ وَلَا عِقَابَ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ لَا يَكْتُبُهُ (شَيْخٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَكْثَرُ

стр. 949

النَّاسِ ذُنُوبًا أَكْثَرُهُمْ كَلَامًا فِيمَا لَا يَعْنِي» وَوَجْهُهُ) أَيْ وَجْهُ كَوْنِ ذُنُوبِ مَنْ تَكَلُّمُهُ فِيمَا لَا يَعْنِي أَكْثَرُ مِنْ ذُنُوبِ سَائِرِ النَّاسِ مَعَ أَنَّ التَّكَلُّمَ فِيهِ مُبَاحٌ (أَنَّهُ يَجُرُّهُ غَالِبًا إلَى مَا لَا يَحِلُّ مِنْ الْكَذِبِ وَالْغَيْبَةِ وَنَحْوِهِمَا) مِمَّا يَنْشَأُ مِنْ كَثْرَةِ الْكَلَامِ وَقَدْ عَرَفْت مِرَارًا أَنَّ الْوَسَائِلَ قَدْ تَكُونُ أَحْكَامَ الْمَقَاصِدِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّهُ قَالَ لَهُ أَلَا أُعْلِمُكَ بِعَمَلٍ خَفِيفٍ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلٍ فِي الْمِيزَانِ فَقُلْت بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ الصَّمْتُ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَتَرْكُ مَا لَا يَعْنِيك» وَفِي تَنْبِيهِ الْغَافِلِينَ «قَالَ ﵊ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ إذَا رَأَيْت قَسَاوَةً فِي قَلْبِك وَوَهْنًا فِي بَدَنِك وَحِرْمَانًا فِي رِزْقِك فَاعْلَمْ بِأَنَّك تَكَلَّمْت بِمَا لَا يَعْنِيكَ» وَقَدْ مَرَّ وَضْعُ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حَجَرًا فِي فَمِهِ سِنِينَ إلَّا عِنْدَ الْأَكْلِ خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ قِيلَ فَعُلِمَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ تَرْكَ مَا لَا يَعْنِيهِ مِنْ أَهَمِّ الْمُهِمَّاتِ وَأَكْثَرِ الْمَثُوبَاتِ وَأَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ. [السَّادِسُ آخِرُ الْمَبَاحِثِ فُضُولُ الْكَلَامِ] (وَالسَّادِسُ) آخِرُ الْمَبَاحِثِ (فُضُولُ الْكَلَامِ وَهُوَ) التَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ الْعِلْمِيَّةِ أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ بِجَمْعٍ بَلْ مَصْدَرٌ كَدُخُولِ (الزِّيَادَةِ فِيمَا لَا يَعْنِي) دِينًا أَوْ دُنْيَا (عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ) فَإِذَا أَمْكَنَ أَدَاءُ الْمَرَامِ بِكَلِمَةٍ قَلِيلَةٍ فَأَتَى بِزِيَادَةٍ فَالزِّيَادَةُ مِنْ قَبِيلِ الْفُضُولِ (وَلَيْسَ مِنْهُ التَّفْصِيلُ فِي الْمَسَائِلِ الْمُشْكِلَةِ) لِإِيضَاحِهَا وَدَفْعِ احْتِمَالَاتِهَا (خُصُوصًا لِلْأَفْهَامِ الْقَاصِرَةِ وَالتَّكْرَارُ فِي الْعِظَةِ) مِنْ الْوَعْظِ (وَالتَّذْكِيرِ وَالتَّعْلِيمِ) وَالتَّدْرِيسِ فَإِنَّ الْمُدَرِّسَ يُقَرِّرُ وَيُكَرِّرُ عَلَى حَسَبِ حَالِ الْمُتَعَلِّمِ مُبْتَدِيًا أَوْ مُنْتَهِيًا وَعَلَى كَوْنِ الْمَقَامِ خَفِيًّا وَوَاضِحًا وَعَلَى حَسَبِ تَفَطُّنِ الْمُتَعَلِّمِ وَغَبَاوَتِهِ كَمَا قِيلَ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ وَلِكُلِّ مَيْدَانٍ رِجَالٌ وَكَلِّمْ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ (وَالتَّعَلُّمِ) فِي كَوْنِهِ مِنْ الْمَقَامِ خَفَاءً إلَّا أَنْ يُرَادَ مَعْنَى الْمُتَعَلِّمِ (وَنَحْوِهَا) وَفِي الشِّرْعَةِ وَيَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ فَصِيحٍ دُونَ مُبْهَمِهِ وَيُرَتِّلُ الْكَلَامَ تَرْتِيلًا أَيْ يُبَيِّنُ وَقَدْ كَانَ كَلَامُ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِيَانًا بَيَانًا يَفْهَمُهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ وَلَوْ عَدَّهُ عَادٌّ لَأَحْصَاهُ وَيَفْهَمُ السَّامِعُ كَلَامَهُ فَإِنَّهُ إذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثًا وَإِذَا تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ ثَلَاثًا وَيُسَاهِلُ فِي كَلَامِهِ وَيَتَسَاهَلُ وَلَا يَتَكَلَّفُ النَّظْمَ وَلَا السَّجْعَ (لِأَنَّهُ لِلْحَاجَةِ وَفِيمَا لَا حَاجَةَ فِيهِ يُسْتَحَبُّ الْإِيجَازُ وَالِاخْتِصَارُ) عَلَى قَدْرِ إفَادَةِ الْمَرَامِ فَلَا يَكُونُ عَلَى وَجْهٍ مُخِلٍّ لِفَهْمِهِ كَالتَّعْمِيَةِ وَاللُّغْزِ (وَقَدْ سَبَقَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ حَدِيثَا عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) أَنَّهُ قَالَ «تَكَلَّمَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَكْثَرَ فَقَالَ كَمْ دُونَ لِسَانِك مِنْ حِجَابٍ فَقَالَ شَفَتَايَ وَأَسْنَانِي فَقَالَ أَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَا يَرُدُّ كَلَامَك» (وَ) حَدِيثُ (أَنَسٍ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «طُوبَى لِمَنْ أَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ كَلَامِهِ وَأَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ» (فَتَذَكَّرْ) وَرَوَى

стр. 950

مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنِي أَنْ يَكُونَ نُطْقِي ذِكْرًا وَصَمْتِي فِكْرًا وَنَظَرِي عِبْرَةً» وَفِي التَّنْبِيهِ وَذُكِرَ عَنْ عِيسَى أَنَّهُ قَالَ لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَتَقْسُو قُلُوبُكُمْ وَالْقَلْبُ الْقَاسِي بَعِيدٌ عَنْ الْحَقِّ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ وَأَقُولُ كَمَا كَانَ الْفُضُولُ مِنْ الْكَلَامِ آفَةً كَذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ وَلِذَا قِيلَ الْإِصْرَارُ عَلَى الْمُبَاحِ صَغِيرَةٌ وَصَيْدُ مَنْ أَفْرَطَ فِي الِاصْطِيَادِ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ مَعَ إبَاحَةِ أَصْلِهِ وَعَنْ بَعْضِ الْكُتُبِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ سَمِعْت أَنَّ الْأُسْتَاذَ الْإِمَامَ عَبْدَ اللَّهِ وَأَحْمَدَ بْنَ حَرْبٍ حَفَرَا مَوْضِعًا فَقَلَعَ أَحْمَدُ حَشِيشًا مِنْ الْأَرْضِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ حَصَلَتْ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ الْأَوَّلُ شَغَلْت قَلْبَك عَنْ تَسْبِيحِ مَوْلَاك الثَّانِي دَعَوْت نَفْسَك إلَى الِاشْتِغَالِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ الثَّالِثُ جَعَلْت لَك طَرِيقًا يُقْتَدَى بِك فِيهِ الرَّابِعُ مَنَعْت حَشِيشًا مِنْ الْأَرْضِ مُسَبِّحًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ الْخَامِسُ أَلْزَمْت نَفْسَك حُجَّةَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ لَا يَكُونُ مِثْلُك وَاعِظًا يَا عَبْدَ اللَّهِ ثُمَّ قِيلَ سَبَبُ مَا لَا يَعْنِي وَالْفُضُولِ الْحِرْصُ عَلَى مَعْرِفَةِ مَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ أَوْ الْمُبَاسَطَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى سَبِيلِ التَّوَدُّدِ أَوْ تَزْجِيَةِ الْوَقْتِ بِحِكَايَاتِ أَحْوَالٍ لَا فَائِدَةَ فِيهَا وَعِلَاجُهُمَا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمَوْتَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنَّهُ مَسْئُولٌ عَنْ كُلِّ كَلِمَةٍ وَأَنَّ أَنْفَاسَهُ رَأْسُ مَالِهِ وَأَنَّ لِسَانَهُ شَبَكَتُهُ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَقْنِصَ الْحُورَ الْعَيْنَ فَإِهْمَالُهُ وَتَضْيِيعُهُ خُسْرَانٌ؛ هَذَا عِلَاجُهُمَا عِلْمًا وَأَمَّا عَمَلًا فَالْعُزْلَةُ أَوْ وَضْعُ الْحَجَرِ فِي الْفَمِ وَإِلْزَامُ النَّفْسِ السُّكُوتَ عَنْ بَعْضِ مَا يَعْنِي لِيَتَعَوَّدَ اللِّسَانُ تَرْكَ مَا لَا يَعْنِيهِ وَفُضُولُ الْكَلَامِ وَضَبْطُ اللِّسَانِ فِي هَذَيْنِ لَا يَتَيَسَّرُ إلَّا عَلَى الْمُعْتَزِلِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. [الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ فِيمَا الْأَصْلُ فِيهِ الْإِذْنُ مِنْ الْعَادَاتِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا النِّظَامُ لِلْعَالِمِ] (الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ فِيمَا الْأَصْلُ فِيهِ الْإِذْنُ مِنْ) (الْعَادَاتِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا النِّظَامُ) لِلْعَالِمِ كَسِيَاسَةِ الْمَدِينَةِ وَتَدْبِيرِ الْمَنْزِلِ (وَهِيَ الْمُعَامَلَاتُ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالرَّهْنِ وَالْهِبَةِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْإِيدَاعِ وَالْإِعَارَةِ) (وَنَحْوِهَا) مِنْ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ (فَهَذِهِ الْأُمُورُ مُبَاحَاتٌ) شَرْعًا (فِي نَفْسِهَا) الْأَوْلَى فِي أَنْفُسِهَا (وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا فِي بَعْضِ الْحَالِ وَاجِبًا) كَالنِّكَاحِ عِنْدَ التَّوَقَانِ لِلْقَادِرِ عَلَى النَّفَقَةِ وَالْمَهْرِ الْمُعَجَّلِ لِأَنَّ مَا لَا يُتَوَسَّلُ إلَى تَرْكِ الْحَرَامِ إلَّا بِهِ يَكُونُ فَرْضًا وَيَكُونُ وَاجِبًا عَلَى حَسَبِهِ (أَوْ سُنَّةً) كَهُوَ حَالِ الِاعْتِدَالِ وَيُكْرَهُ لِخَوْفِ الْجَوْرِ كَمَا فِي الدُّرَرِ (أَوْ مُسْتَحَبًّا وَلَكِنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ فِيهِ أَرْكَانًا وَشُرُوطًا تَجِبُ رِعَايَتُهُمَا عِنْدَ الْمُبَاشَرَةِ وَإِلَّا) إنْ لَمْ يُرَاعِ تِلْكَ الْأَرْكَانَ وَالشُّرُوطَ (يَصِيرُ بَاطِلًا) إذْ رُكْنُ الشَّيْءِ جُزْؤُهُ فَبِانْتِفَاءِ الْجُزْءِ يَنْتَفِي (أَوْ فَاسِدًا) لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْخَلَلُ لِذَاتِ الشَّيْءِ فَبَاطِلٌ وَإِنْ لِوَصْفِهِ فَفَاسِدٌ (أَوْ مَكْرُوهًا) وَالتَّفْصِيلُ فِي الْفَقِيهِ (فَيَأْثَمُ صَاحِبُهُ) فَفِي التَّفْرِيعِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكَرَاهَةِ لَا سِيَّمَا بِاعْتِبَارِ شُمُولِهَا التَّنْزِيهِيَّةَ خَفَاءٌ إلَّا أَنْ يُخَصَّ قَوْلُهُ (أَوْ يُسِيءُ) بِالْكَرَاهَةِ وَلَا سِيَّمَا التَّنْزِيهِيَّةُ (فَتَكُونُ آفَةً لِلِّسَانِ فَلِذَا) أَيْ فَلِأَجْلِ أَنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ فِي الْمُعَامَلَاتِ أَرْكَانًا وَشُرُوطًا تَجِبُ رِعَايَتُهُمَا عِنْدَ الْمُبَاشَرَةِ وَبِانْعِدَامِهِمَا يَلْزَمُ الْإِثْمُ وَالْإِسَاءَةُ (لِمَا قِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ) صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ (لِمَ لَا تُصَنِّفُ كِتَابًا فِي الزُّهْدِ) فِي التَّصَوُّفِ (قَالَ صَنَّفْت كِتَابَ الْبُيُوعِ) قِيلَ لَعَلَّهُ قَبْلَ تَصْنِيفِهِ فِي الزُّهْدِ وَإِلَّا فَلَهُ تَصْنِيفٌ مَعْرُوفٌ فِي الزُّهْدِ (إشَارَةً إلَى أَنَّ الزُّهْدَ وَالتَّقْوَى لَا يَحْصُلُ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا وَإِلَّا فَحَقُّ الْعِبَارَةِ لَا يَحْصُلَانِ (إلَّا بِالتَّحَرُّزِ) أَيْ بِتَكَلُّفِ الِاحْتِرَازِ (فِي الْمُعَامَلَاتِ عَنْ كُلِّ بُطْلَانٍ) بِفَسَادِ ذَاتِهَا كَأَرْكَانِهَا (وَفَسَادُهَا) أَيْ فَسَادُ وَصْفِهَا كَشَرَائِطِهَا

стр. 951

(وَكَرَاهَتُهَا وَمَوْضِعُ مَعْرِفَتِهَا عِلْمُ الْفِقْهِ) لِأَنَّهُ عِلْمٌ يُعْرَفُ بِهِ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ حَيْثُ مَشْرُوعِيَّتُهَا وَعَدَمُهَا (فَلَا بُدَّ) (لِكُلِّ مَنْ بَاشَرَ هَذِهِ الْأُمُورَ) مِنْ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ (أَوْ بَعْضَهَا مِنْ مَعْرِفَةِ أَحْوَالِ مَا بَاشَرَهُ) مِمَّا يَحْصُلُ مَعَهُ عَلَى غَايَةِ السَّدَادِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ الْإِثْمِ وَالْإِسَاءَةِ (لِأَنَّهُ عِلْمُ الْحَلَالِ فَإِنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ) عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ (لِمَا بَيَّنَّاهُ فِي فَصْلِ) بِمُعْجَمَةٍ أَوْ مُهْمَلَةٍ (الْعِلْمِ) فِي الْبَزَّازِيَّةِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْإِجَارَةِ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالتِّجَارَةِ مَا لَمْ يَحْفَظْ كِتَابَ الْبُيُوعِ وَكَانَ التُّجَّارُ فِي الْقَدِيمِ إذَا سَافَرُوا اسْتَصْحَبُوا مَعَهُمْ فَقِيهًا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ فِي أُمُورِهِمْ وَعَنْ أَئِمَّةِ خُوَارِزْمَ لَا بُدَّ لِلتَّاجِرِ مِنْ فَقِيهٍ صِدِّيقٍ وَقَالَ قُبَيْلَ كِتَابِ الصَّرْفِ وَعَلَى كُلِّ تَاجِرٍ يَحْتَاجُ لِدِينِهِ أَنْ يَسْتَصْحِبَ فَقِيهًا دَيِّنًا يُشَاوِرُهُ فِي مُعَامَلَاتِهِ فَإِنَّ مِلَاكَ الْأَمْرِ الْمَأْكَلُ وَالْمَلْبَسُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] وَفِي الْجَبَلِ الْمُبَاحِ كِبْرِيتٌ أَوْ مِلْحٌ أَوْ فُسْتُقٌ أَوْ حَطَبٌ يَحْمِلُ مِنْهُ وَيَبِيعُ مُبَاحٌ لَا بَأْسَ بِهِ انْتَهَى. [الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ فِيمَا الْأَصْلُ فِيهِ الْإِذْنُ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْمُتَعَدِّيَةِ الْغَيْرِ الْمُنْقَطِعَةِ] (الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ فِيمَا الْأَصْلُ فِيهِ الْإِذْنُ مِنْ) (الْعِبَادَاتِ الْمُتَعَدِّيَةِ الْغَيْرِ الْمُنْقَطِعَةِ) فَإِنَّهَا مُسْتَمِرَّةٌ صِحَّةً وَمَوْتًا (مِثْلُ التَّعْلِيمِ) وَالتَّدْرِيسِ لِلْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُهَا (وَالتَّذْكِيرِ) لَعَلَّهُ هُوَ الْوَعْظُ وَالنَّصِيحَةُ (وَالْإِمَامَةِ وَالتَّأْذِينِ) وَالْإِقَامَةِ فَإِنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ إلَى عِبَادَةِ الْغَيْرِ وَدَاعِيَّةٌ إلَيْهَا (وَلِصِحَّتِهَا وَاسْتِحْبَابِهَا وَوُجُوبِهَا شَرَائِطُ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا وَرِعَايَتِهَا لِمَنْ بَاشَرَهَا حَتَّى يَحْصُلَ الْمَشْرُوطُ) فَإِنَّ وُجُودَهُ مَوْقُوفٌ عَلَى وُجُودِ شَرْطِهِ (فَتَصِيرُ عِبَادَةً يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الثَّوَابُ وَلَا يَأْثَمُ إنْ تَرَكَهَا فَإِنْ لَمْ يُرَاعِ) مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ (صَارَ آثِمًا فَلَا يَكُونُ مُتَّقِيًا) عِنْدَ مُبَاشَرَتِهِ وَحَالُهُ مَا ذُكِرَ (فَكَانَ آفَةً لِلِّسَانِ أَيْضًا وَمَوْضِعُهُ) أَيْ مَحَلُّ عِلْمِ مَا ذُكِرَ (أَيْضًا عِلْمُ الْفِقْهِ وَهُوَ عِلْمُ الْحَلَالِ أَيْضًا) الْمَفْرُوضُ عَيْنًا (لِمَنْ يَتَصَدَّى لَهَا) [الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ فِيمَا الْأَصْلُ فِيهِ الْإِذْنُ الْإِبَاحَةُ مِنْ الْعِبَادَاتِ] (الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ فِيمَا الْأَصْلُ فِيهِ الْإِذْنُ) الْإِبَاحَةُ (مِنْ الْعِبَادَاتِ الْقَاصِرَةِ) (عَلَى نَفْسِ الْعَابِدِ) (كَالتِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ) يَشْمَلُ نَحْوَ التَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ وَالتَّكْبِيرِ (وَالدُّعَاءُ) مِنْهُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَلِهَذَا أَيْضًا شُرُوطٌ وَآدَابٌ تُعْرَفُ فِي الْفِقْهِ) وَقَدْ مَرَّ أَيْضًا (فَإِنْ لَمْ تُرَاعَ)

стр. 952

هَذِهِ الشُّرُوطُ (يَأْثَمُ صَاحِبُهُ فَيَكُونُ آفَةَ اللِّسَانِ) إذْ كُلُّ إثْمٍ صَدَرَ مِنْ اللِّسَانِ فَآفَةُ اللِّسَانِ (كَ) الْبَحْثَيْنِ (السَّابِقَيْنِ الْمُتَّصِلَيْنِ بِهَا) أَيْ بِهَذِهِ الْقَاصِرَةِ (كَمَنْ) (يَقْرَأُ أَوْ يَذْكُرُ) بِنَحْوِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَسَائِرِ الْأَوْرَادِ وَالْأَحْزَابِ (أَوْ يَدْعُو بِاللَّحْنِ) ظَاهِرَةٌ سَوَاءٌ كَانَ الدُّعَاءُ مِنْ الْمَأْثُورَاتِ أَوْ غَيْرِهَا وَسَوَاءٌ كَانَ بِالْعَرَبِيِّ أَوْ الْفَارِسِيِّ بَلْ التُّرْكِيِّ وَقَدْ مَرَّ أَنَّ هَذَا عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَإِلَّا فَلَا كَمَنْ اجْتَهَدَ بِتَجْوِيدِ الْقُرْآنِ حَقَّ اجْتِهَادٍ وَلَكِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّرْتِيلِ إمَّا لِكَوْنِ اشْتِغَالِهِ فِي زَمَانِ كِبَرِهِ أَوْ لِكَوْنِهِ أَعْجَمِيًّا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَابِلِيَّةٌ أَصْلِيَّةٌ إذْ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَلَكَ يَكْتُبُ كَمَا أُنْزِلَ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ بِمَا لَا يُطَاقُ وَقُرِّرَ أَنَّ الْحَرَجَ مَدْفُوعٌ ثُمَّ مَعْنَى اللَّحْنِ الْخَطَأُ وَالتَّغْيِيرُ وَالْمُرَادُ الْجَلِيُّ مِنْهُ بِأَنْ لَا يُعْطِيَ كُلَّ الْحُرُوفِ حَقَّهَا وَمُسْتَحَقَّهَا مِنْ الْخَارِجِ وَالصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ وَعَنْ الْإِحْيَاءِ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ الْمَأْلُوفَةِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِاللَّحْنِ يَجِبُ تَلْقِينُ الصَّحِيحِ وَاَلَّذِي يُكْثِرُ اللَّحْنَ فِي الْقُرْآنِ إنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى التَّعَلُّمِ فَلْيَمْتَنِعْ عَنْ الْقِرَاءَةِ قَبْلَ التَّعَلُّمِ فَإِنَّهُ عَاصٍ بِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُطَاوِعُهُ اللِّسَانُ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مَا يَقْرَؤُهُ لَحْنًا فَلْيَتْرُكْهُ وَلْيَجْتَهِدْ فِي تَعَلُّمِ أَلْفَاظِهِ وَتَصْحِيحِهَا وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ صَحِيحًا وَلَيْسَ يَقْدِرُ عَلَى التَّسْوِيَةِ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُخْفِضَ بِهِ صَوْتَهُ حَتَّى لَا يُسْمِعَ غَيْرَهُ وَلِمَنْعِهِ سِرًّا مِنْهُ وَجْهٌ وَلَكِنْ إذَا كَانَ مُنْتَهَى قُدْرَتِهِ وَكَانَ لَهُ أُنْسٌ بِالْقُرْآنِ وَحِرْصٌ عَلَيْهِ فَلَسْت أَرَى بَأْسًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَقِيلَ سَوَاءٌ كَانَ اللَّحْنُ جَلَّيَا كَمَا عَرَفْت أَوْ خَفِيًّا كَعَدَمِ إدْرَاكِ حَقِّهِ مِنْ نَحْوِ الْمَدِّ وَالْإِمَالَةِ (أَوْ التَّغَنِّي) بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ فِي الْحُرُوفِ وَقَدْ مَرَّ تَفْصِيلًا (فَهُمَا) أَيْ اللَّحْنُ وَالتَّغَنِّي (حَرَامَانِ) كُلٌّ مِنْهُمَا (فَلَا بُدَّ مِنْ التَّجْوِيدِ) وَفِيهِ مُؤَلَّفَاتٌ قِيلَ أَحْسَنُهَا الْجَزْرِيَّةُ (وَقَدْ صَنَّفْنَا فِيهَا رِسَالَةً سَمَّيْنَاهَا دُرًّا يَتِيمًا فَعَلَيْك بِحِفْظِهِ) بِعِلْمِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ بِالْأَخْذِ مِنْ فَمِ الْأُسْتَاذِ الْحَاذِقِ الْمُحْسِنِ (فَإِنَّهَا تَكْفِيك فِي هَذَا الْبَابِ) التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ فِي الرِّسَالَةِ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى (أَوْ) كَمَنْ يَقْرَأُ أَوْ يَذْكُرُ أَوْ يَدْعُو (بِالْأُجْرَةِ وَالنَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ) قِيلَ إنْ كَانَ هُوَ مَقْصُودًا وَبِالذَّاتِ وَإِلَّا كَأَنْ يَكُونَ النَّفْعُ الدُّنْيَوِيُّ تَبَعًا وَبِالْعَرَضِ وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ يَسْتَأْكِلُ بِهِ النَّاسَ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ لَيْسَ عَلَيْهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» وَفِي شَرْحِهِ أَيْ مَنْ جَعَلَهُ وَسِيلَةً إلَى الدُّنْيَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي أَسْوَإِ حَالٍ وَأَقْبَحِ صُورَةٍ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ» وَفِي الشِّرْعَةِ وَمِنْ سُنَّةِ تَعْظِيمِ الْقُرْآنِ أَنْ لَا يَسْأَلَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَأْكِلَ وَقَدْ سَبَقَ (فَإِنَّهُ حَرَامٌ فِي الْعِبَادَةِ الْبَدَنِيَّةِ الصِّرْفَةِ) بِخِلَافِ غَيْرِ الصِّرْفَةِ كَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ أَقُولُ وَقَدْ سَبَقَ (وَفِيهِ) أَيْ فِي مَنْعِ الْأُجْرَةِ وَالنَّفْعِ الدُّنْيَوِيِّ فِي مُقَابَلَةِ الْعِبَادَةِ الْبَدَنِيَّةِ الصِّرْفَةِ (صَنَّفْنَا) الرِّسَالَتَيْنِ (إنْقَاذُ الْهَالِكِينَ) وَهُوَ مَعْرُوفٌ (وَإِيقَاظُ النَّائِمِينَ فَعَلَيْك بِهِمَا) لَعَلِّي لَمْ أَقِفْ وَلَمْ يَصِلْ إلَيَّ (وَكَمَنْ يُسَبِّحُ فِي مَجْلِسِ الْمَعْصِيَةِ لِفِعْلِهَا أَوْ) يُسَبِّحُ (الْبَائِعُ عِنْدَ فَتْحِ الْمَتَاعِ لِتَرْوِيجِهِ) وَتَحْسِينِهِ وَإِغْرَائِهِ لِلْمُشْتَرِي قِيلَ فَقَدْ حَرَّمَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِعْمَالِ ذِكْرِ اللَّهِ بِمَعْنَى التَّرْوِيجِ لِبِضَاعَتِهِ كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ وَذَكَرَ فِي الْبُسْتَانِ وَيُكْرَهُ

стр. 953

لِلتَّاجِرِ أَنْ يَحْلِفَ لِأَجْلِ تَرْوِيجِ السِّلْعَةِ وَيُكْرَهُ لِلتَّاجِرِ أَنْ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عَرْضِ السِّلْعَةِ وَهُوَ يَقُولُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَجْوَدَ هَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ صَلَّى مُذَكِّرًا لِتَجْدِيدِ كَلَامِهِ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَأْخُذُ لِصَلَاتِهِ حُطَامًا دُنْيَوِيًّا وَالْمُذَكِّرُ لَا كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهِ مِنْ النِّصَابِ انْتَهَى (أَوْ الْحَارِسُ) حَافِظُ السُّوقِ لِإِعْلَامِ حِرَاسَتِهِ كَأَنْ يَقُولُ اللَّهُ أَوْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَوْ صَلُّوا عَلَى مُحَمَّدٍ لِإِيذَانِ أَنَّهُ فِي السُّوقِ وَغَرَضُهُ مِنْ الذِّكْرِ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْحِرَاسَةِ لَا الذِّكْرُ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْفَتْحِيَّةِ (فَإِنَّهُمْ يَأْثَمُونَ) لِجَعْلِهِمْ الذِّكْرَ الْمَوْضُوعَ لِطَاعَتِهِ تَعَالَى آلَةً لِغَيْرِهَا (وَكَذَا سَائِرُ الْأَذْكَارِ وَالتَّصْلِيَةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَمِنْ هَذَا يُمْنَعُ إذَا قَدِمَ أَحَدٌ مِنْ الْعُظَمَاءِ إلَى مَجْلِسٍ فَسَبَّحَ أَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﵊ إعْلَامًا بِقُدُومِهِ حَتَّى يُفَرِّجَ لَهُ النَّاسُ أَوْ يَقُومُوا لَهُ يَأْثَمُ لِأَنَّهُ جَعَلَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى وَصَلَاتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَسِيلَةً إلَى تَعْظِيمِ الْغَيْرِ وَاسْتِحْلَالُ هَذَا الصَّنِيعِ وَاعْتِقَادُهُ عِبَادَةً لَا خَفَاءَ أَنَّهُ هَائِلٌ عَظِيمٌ وَأَمَّا الْعَالِمُ إذَا قَالَ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ صَلُّوا أَوْ الْغَازِي إذَا قَالَ كَبِّرُوا فَيُثَابُ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْبَزَّازِيِّ قَرِيبًا لَعَلَّ إلَى هَذَا ذِكْرَهُمْ عِنْدَ قُدُومِ الْحَاجِّ وَخُرُوجِهِ وَعِنْدَ الْعَرُوسِ (بِخِلَافِ مَنْ قَصَدَ الِاعْتِبَارَ) لَعَلَّ الْأَوْلَى مَنْ يَقْصِدُ الرَّدَّ وَالْمُخَالَفَةَ (بِأَنَّهُمْ يَشْتَغِلُونَ بِالْمَعْصِيَةِ أَوْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَأَنَا أَشْتَغِلُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى) فَإِنَّهُ حَسَنٌ بَلْ فِيهِ ثَوَابٌ كَثِيرٌ لِكَوْنِهِ كَالصَّابِرِ الْمُقَاتِلِ فِي الْمَعْرَكَةِ عِنْدَ فِرَارِهِمْ (وَالْوَاعِظُ يَقُولُ صَلُّوا وَالْغَازِي كَبِّرُوا) إنْ بِنِيَّةٍ خَالِصَةٍ (فَإِنَّهُمْ يُثَابُونَ) لِعَدَمِ الْمُنَافِي بَلْ لِوُجُودِ الْمُثَبِّتِ (كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ) وَغَيْرِهِ وَجُمْلَةُ مَا ذَكَرْنَا إلَى هُنَا مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ مِنْ حَيْثُ النُّطْقُ [الْمَبْحَثُ السَّادِسُ فِي آفَاتِ اللِّسَانِ مِنْ حَيْثُ السُّكُوتُ كَتَرْكِ تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ] لَا سِيَّمَا مِقْدَارَ مَا يُفْرَضُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ يَجِبُ وَقَدْ حَرَّرْنَا فِي الرِّسَالَةِ الْمُشَارِ إلَيْهَا قَرِيبًا أَنَّ حِفْظَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فَرْضٌ وَحِفْظَ الْفَاتِحَةِ مَعَ سُورَةٍ وَاجِبٌ وَحِفْظَ سَائِرِ الْقُرْآنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَسُنَّةُ الْعَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّفْلِ وَعَنْ الْكُبْرَى التَّعَلُّمُ أَوْلَى مِنْ حِفْظِ بِوَاقِي الْقُرْآنِ وَنِسْيَانُهُ كَبِيرَةٌ لِحَدِيثِ «عُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا» لَكِنْ فَسَّرَ النِّسْيَانَ فِي التتارخانية بِأَنْ لَا يُمْكِنَهُ الْقِرَاءَةُ مِنْ الْمُصْحَفِ [تَرْكُ التَّشَهُّدِ مِنْ آفَاتِ] (وَ) تَرْكُ (التَّشَهُّدِ) فَإِنَّهُ وَاجِبٌ (وَالْقُنُوتِ) فَإِنَّهُ وَاجِبٌ فِي الْوِتْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَسُنَّةٌ كَنَفْسِ صَلَاةِ الْوِتْرِ وَأَمَّا بَدَلُهُ فَإِنَّمَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قِرَاءَتِهِ أَصْلًا إذَا كَانَ فِي صَدَدِ التَّعَلُّمِ لَا لِمَنْ قَدَرَ عَلَى تَعَلُّمِهِ وَلَمْ يَتَعَلَّمْ تَكَاسُلًا كَذَا قِيلَ وَمَنْ لَا يُحْسِنْ الْقُنُوتَ يَقُولُ - ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]- لَكِنْ فِي الْمِنَحِ الْمُرَادُ بِالْقُنُوتِ الدُّعَاءُ وَلَا يَخْتَصُّ بِلَفْظٍ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ الْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُوَقِّتَ دُعَاءً وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ دَعَا بِغَيْرِ الدُّعَاءِ الْمَعْهُودِ جَازَ انْتَهَى فَتَأَمَّلْ فَيَكُونُ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ مُطْلَقَ الْقُنُوتِ لَا الْمَعْهُودَ الْمَخْصُوصَ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُتَبَادَرَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (وَنَحْوِهَا مِمَّا يَجِبُ أَوْ يُسَنُّ) هَذَا التَّعْمِيمُ مَحْمُولٌ عَلَى تَعْمِيمِ الْآفَةِ عَلَى الْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَعَلَى أَنَّ تَرْكَ السُّنَّةِ كَرَاهَةٌ وَنَحْوُ مَا ذُكِرَ تَرْكُ تَعَلُّمِ مَا لَزِمَ مِنْ الْفِقْهِ وَالتَّصَوُّفِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَكَذَا سَائِرُ الْعُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى قَدْرِ الِاحْتِيَاجِ (أَوْ كَتَرْكِ قِرَاءَتِهِ) أَيْ مَا ذُكِرَ [تَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ] (وَتَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ) وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَعْنَى الْزَمُوا أَنْفُسَكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ مَا كُلِّفْتُمْ بِهِ لَا يَضُرُّكُمْ تَقْصِيرُ غَيْرِكُمْ فَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ دَاخِلَانِ تَحْتَ مَا كُلِّفُوا بِهِ فَمَنْ أَمَرَ أَوْ نَهَى وَلَمْ يَمْتَثِلْ بِهِ الْمُخَاطَبُ لَا يَضُرُّهُ. فَإِنْ قِيلَ الْآيَةُ مُطْلَقَةٌ وَالْأَصْلُ أَنَّ الْمُطْلَقَ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ وَأَنَّ التَّقْيِيدَ بِمِثْلِ هَذَا الشَّرْطِ زِيَادَةٌ وَالزِّيَادَةَ نَسْخٌ وَمَا سَبَقَ مِنْ الْأَحَادِيثِ أَخْبَارُ آحَادٍ فَلَا يَجُوزُ بِهَا الزِّيَادَةُ عَلَى كِتَابِهِ

стр. 954

تَعَالَى فَكَيْفَ يَجُوزُ التَّقْيِيدُ بِهَذَا الشَّرْطِ قُلْنَا بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِ ذَلِكَ التَّقْيِيدِ مِمَّا ذُكِرَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَحَادِيثَ وَإِنْ كَانَتْ أَخْبَارَ آحَادٍ فِي أَنْفُسِهَا لَكِنَّهَا مَشْهُورَةٌ فِي الْمَعْنَى فَيَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ عَلَى كِتَابِهِ تَعَالَى كَمَا فِي آيَةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى أَنَّ الْمَوَاضِعَ الْقُرْآنِيَّةَ الْمُوجِبَةَ لِهَذَا التَّقْيِيدِ كَثِيرَةٌ جِدًّا قَالَ فِي الْمُبَارِقِ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ تَابِعٌ لِلْمَأْمُورِ فَإِنْ وَاجِبًا فَالْأَمْرُ وَاجِبٌ كِفَايَةً وَإِنْ نَدْبًا فَنَدْبٌ وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ فَلِوُجُوبِهِ شَرَائِطُ مِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَاقِعًا لِأَنَّ الْحُسْنَ هُوَ الذَّمُّ عَلَى الْوَاقِعِ لَا النَّهْيُ عَنْهُ وَمِنْهَا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ كَمَا أَنَّ الشَّارِبَ تَهَيَّأَ لِشُرْبِ الْخَمْرِ بِإِعْدَادِ الْآلَةِ وَمِنْهَا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إنْ نَهَاهُ لَا يَلْحَقُهُ مَضَرَّةٌ وَلَا يَزِيدُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ أَيْضًا فِي مُنْكَرَاتِهِ مُتَعَنِّتًا بِهِ لِإِنْكَارِهِ وَمِنْهَا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ نَهْيَهُ مُؤَثِّرٌ لَا عَبَثٌ انْتَهَى وَلَعَلَّك سَمِعْت تَفْصِيلَهُ فِيمَا مَرَّ فَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ مَبْنِيٌّ عَلَى السَّلَامَةِ مِنْ الْعَوَارِضِ وَالْمَوَانِعِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ قَبِيلِ الْمَوَانِعِ (عِنْدَ الْقُدْرَةِ بِلَا ضَرَرٍ) إذْ فِي الْحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ حَتَّى يَرَوْا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ الْعَامَّةَ وَالْخَاصَّةَ» وَفِي تَنْبِيهِ الْغَافِلِينَ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ ﵇ إنِّي مُهْلِكٌ مِنْ قَوْمِك أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ خِيَارِهِمْ وَسِتِّينَ أَلْفًا مِنْ شِرَارِهِمْ فَقَالَ يَا رَبِّ هَؤُلَاءِ الْأَشْرَارُ فَمَا بَالُ الْأَخْيَارِ؟ فَقَالَ إنَّهُمْ لَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي وَآكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ» وَفِي الْحَدِيثِ «مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ وَانْهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْهُ» وَفِي الشِّرْعَةِ أَعْظَمُ الْوَاجِبِ عَلَى مَنْ يُخَالِطُ النَّاسَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَهَلَاكُ النَّاسِ إذَا تَرَكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى يَعُمَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِعِقَابِهِ وَلَا يَسْتَجِيبَ لَهُمْ دُعَاءً وَيَحْرِمَهُمْ اللَّهُ الْبَرَكَةَ وَالْخَيْرَ وَالنَّجَاحَ وَقَالَ بِلَالُ بْنُ سَعِيدٍ إنَّ الْمَعْصِيَةَ إذَا أُخْفِيَتْ لَمْ تَضُرَّ إلَّا صَاحِبَهَا وَإِذَا أُعْلِنَتْ ضَرَّتْ الْعَامَّةَ (وَظَنِّ التَّأْثِيرِ) وَإِلَّا فَضَيَاعُ وَقْتٍ وَإِيرَاثُ بُغْضٍ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْغَيْرَةِ وَفِي الشِّرْعَةِ كَانَ الثَّوْرِيُّ إذَا رَأَى الْمُنْكَرَ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَهُ بَالَ دَمًا فَجَدِيرٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَمِيَّةِ وَالْغَيْرَةِ وَالصَّلَابَةِ مِثْلَ ذَلِكَ [تَرْكِ النُّصْحِ] (وَتَرْكِ النُّصْحِ) ظَاهِرُ السَّوْقِ وُجُوبُ النُّصْحِ عِنْدَ ظَنِّ فَائِدَتِهِ فِي الْمَنْصُوحِ لَكِنْ قَالَ الْمُنَاوِيُّ ظَاهِرُ خَبَرِ «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» وُجُوبُ النُّصْحِ مُطْلَقًا وَلَمَّا نَظَرَ السَّلَفُ إلَى ذَلِكَ جَعَلُوا النَّصِيحَةَ أَعْظَمَ وَصَايَاهُمْ (وَ) تَرْكِ (الْإِصْلَاحِ عِنْدَ ظَنِّ الْقَبُولِ) وَاخْتِيَارُ الظَّنِّ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ ذَلِكَ إلَى مَرْتَبَةِ الْعِلْمِ لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ شَامِلٌ لِصُورَةِ الشَّكِّ كَمَا قِيلَ إنَّ الشَّكَّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ دَاخِلٌ فِي الظَّنِّ وَلِذَا يُعَبِّرُونَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ عِنْدَ إرَادَتِهِمْ الظَّنَّ الْكَلَامِيَّ [تَرْكِ التَّعْلِيمِ] (وَتَرْكِ التَّعْلِيمِ) لَا سِيَّمَا عِلْمُ الْحَلَالِ (وَالْفَتْوَى عِنْدَ التَّعَيُّنِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الظَّرْفَ قَيْدٌ لِلتَّعْلِيمِ أَيْضًا وَمَا قَالُوا إنَّ الْقَيْدَ بَعْدَ الْمُتَعَاطِفَاتِ لِلْأَخِيرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَلِلْجَمْعِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَبَعْدَ تَسْلِيمِ جَرَيَانِهِ هُنَا إنَّمَا هُوَ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ لِلْجَمِيعِ ثُمَّ مَا هُوَ الْوَاجِبُ مِنْ الْفَتْوَى لَيْسَ مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي أَلْسُنِ الْعَامَّةِ وَهُوَ الْكِتَابَةُ بَلْ الْجَوَابُ بِالْقَوْلِ فَقَطْ وَلِذَا جَوَّزُوا الْأُجْرَةَ فِي الْخَطِّ دُونَ الْقَوْلِ إذْ لَا تَجُوزُ الْأُجْرَةُ فِي الْوَاجِبِ [تَرْكِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِنْ الْقَاضِي بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى] (وَتَرْكِ الْحُكْمِ) الشَّرْعِيِّ (مِنْ الْقَاضِي بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى) بِالْوَحْيِ مَتْلُوًّا أَوْ غَيْرَ مَتْلُوٍّ فَيَشْمَلُ السُّنَّةَ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَوْ تَقْرِيرًا أَوْ سُكُوتًا [تَرْكِ السَّلَامِ وَرَدِّهِ] (وَتَرْكِ السَّلَامِ) فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ (وَرَدِّهِ) فَإِنَّهُ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمِيٌّ كَمَا سَبَقَ (إذَا كَانَ مَسْنُونًا) أَيْ مَشْرُوعًا وَإِلَّا فَلَا لَعَلَّ هَذَا إشَارَةٌ إلَى مَا مَرَّ وَذَكَرَ فِي الْفَقِيهَةِ أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ عَلَى الْآكِلِ فِي وَجْهٍ وَلَا عَلَى أُسْتَاذِهِ وَلَا الْخَصْمَانِ عَلَى الْقَاضِي وَلَا عَلَى مَنْ يُدَرِّسُ وَلَا مَنْ يُعَلِّمُ الْقُرْآنَ وَلَوْ سَلَّمَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَا يَجِبُ الرَّدُّ وَلَوْ رَدَّ جَازَ وَكَذَا لَا يُسَلِّمُ عَلَى الْقَارِئِ وَالذَّاكِرِ فَلَوْ سَلَّمَ قِيلَ لَا يَجِبُ الرَّدُّ وَالْأَصَحُّ يَجِبُ وَلَا حَالَ الْخُطْبَةِ وَلَا يَجُوزُ الرَّدُّ إنْ سَلَّمَ وَلَا عَلَى مَنْ يَبُولُ أَوْ يَتَغَوَّطُ فَإِنْ سَلَّمَ يَرُدُّ بِقَلْبِهِ فَقَطْ وَلَا يَرُدُّ مُطْلَقًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَيَرُدُّ بِلِسَانِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَكَذَا عِنْدَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَلَا عَلَى الْمُصَلِّي وَلَا عَلَى الشَّيْخِ الْمُمَازِحِ وَالْكَذَّابِ وَاللَّاغِي وَلَا عَلَى السَّبَّابِ

стр. 955

وَلَا عَلَى مَنْ يَنْظُرُ وُجُوهَ الْأَجْنَبِيَّاتِ وَلَا عَلَى الْمُغَنِّي وَلَا عَلَى مَنْ يَلْعَبُ الشِّطْرَنْجَ عِنْدَهُمَا وَلَا عَلَى الذِّمِّيِّ إلَّا عِنْدَ حَاجَتِهِ عِنْدَهُ وَأَمَّا لَوْ سَلَّمَ الذِّمِّيُّ فَيَرُدُّ بِقَوْلِهِ وَعَلَيْكُمْ فَقَطْ وَلَا يَرُدُّ سَلَامَ السَّائِلِ كَذَا فِي الْفُصُولِ الْأُسْرُوشَنِيَّة. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ هَلْ يُسَلِّمُ الْمِصْرِيُّ عَلَى الْقَرَوِيِّ أَوْ الْعَكْسُ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَقِيلَ الَّذِي جَاءَ مِنْ الْمِصْرِ يُسَلِّمُ عَلَى الَّذِي جَاءَ مِنْ الْقَرْيَةِ وَقِيلَ عَلَى عَكْسِهِ وَالرَّاكِبُ يُسَلِّمُ عَلَى الْمَاشِي وَالْقَائِمُ عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ وَالصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ وَفِي الْفُصُولِ أَيْضًا مَنْ دَخَلَ عَلَى الْقَاضِي أَوْ الْأَمِيرِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَسِعَهُ أَنْ لَا يُسَلِّمَ عَلَيْهِ هَيْبَةً أَوْ احْتِشَامًا لَهُ وَبِهَذَا أُجْرِيَ الرَّسْمُ أَنَّ النَّاسَ إذَا مَرُّوا عَلَى الْوُلَاةِ وَالْأُمَرَاءِ لَا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ وَإِلَيْهِ مَالَ الْخَصَّافُ انْتَهَى لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ يُنْبِئُ أَنَّ سَعَةَ عَدَمِ السَّلَامِ مُخْتَصٌّ بِزَمَانِ جُلُوسِهِمَا لِلْحُكْمِ وَقَوْلُهُ هَيْبَةً أَوْ احْتِشَامًا يُشْعِرُ بِالْإِطْلَاقِ. وَكَذَا قَوْلُهُ وَبِهَذَا أُجْرِيَ إلَى آخِرِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ قَوْلُهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ قَيْدٌ اتِّفَاقِيٌّ لَا احْتِرَازِيٌّ هَذَا وَإِنْ بَعِيدًا عَنْ التَّبَادُرِ لَكِنْ يُؤَيَّدُ بِقَوْلِ بَعْضٍ عَلَى الْقَاضِي حِينَ يَسْمَعُ الدَّعْوَى (ت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إلَى مَجْلِسٍ» وَفِي الْجَامِعِ إلَى الْمَجْلِسِ وَفَسَّرَ شَارِحُهُ بِحَيْثُ يَرَى الْجَالِسِينَ وَيَرَوْنَهُ وَيَسْمَعُ كَلَامَهُمْ وَيَسْمَعُونَ كَلَامَهُ «فَلْيُسَلِّمْ» عَلَيْهِمْ نَدْبًا مُؤَكَّدًا نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ ابْتِدَاءَ السَّلَامِ سُنَّةٌ وَرَدَّهُ فَرْضٌ «فَإِنْ بَدَا لَهُ» أَيْ ظَهَرَ «أَنْ يَجْلِسَ فَلْيَجْلِسْ» ثَمَّةَ «ثُمَّ إذَا قَامَ» لِيَنْصَرِفَ «فَلْيُسَلِّمْ» عَلَيْهِمْ أَيْضًا نَدْبًا مُؤَكَّدًا وَإِنْ قَصُرَ الْفَصْلُ بَيْنَ سَلَامِهِ وَقِيَامِهِ وَإِنْ قَامَ فَوْرًا وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ «وَلَيْسَتْ» التَّسْلِيمَةُ «الْأُولَى أَحَقَّ» أَوْلَى «مِنْ» التَّسْلِيمَةِ «الثَّانِيَةِ» أَيْ: كِلْتَا التَّسْلِيمَتَيْنِ حَقٌّ وَسُنَّةٌ وَكَمَا أَنَّ التَّسْلِيمَةَ إخْبَارٌ عَنْ سَلَامَتِهِمْ مِنْ شَرِّهِ عِنْدَ الْحُضُورِ فَكَذَا الثَّانِيَةُ إخْبَارٌ عَنْ سَلَامَتِهِمْ مِنْ شَرِّهِ عِنْدَ الْغَيْبَةِ وَلَيْسَتْ السَّلَامَةُ عِنْدَ الْحُضُورِ أَوْلَى مِنْ السَّلَامَةِ عِنْدَ الْغَيْبَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْجَمَاعَةِ رَدُّ السَّلَامِ عَلَى مَنْ سَلَّمَ وَفَارَقَهُمْ وَقَوْلُ الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي السَّلَامُ عِنْدَ الْمُفَارَقَةِ إنَّمَا يُنْدَبُ رَدُّهُ وَلَا يَجِبُ لِأَنَّ التَّحِيَّةَ إنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ إلْقَاءِ رَدِّهِ الشَّاشِيُّ بِأَنَّ السَّلَامَ سُنَّةٌ عِنْدَ الِانْصِرَافِ كَمَا هُوَ عِنْدَ الْجُلُوسِ قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي الْفَيْضِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ زَادَ فِيهِ رَزِينٌ وَمَنْ سَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ حِينَ يَقُومَ عَنْهُمْ شَرِيكُهُمْ فِيمَا خَاضُوا فِيهِ مِنْ خَيْرٍ بَعْدَهُ (خ م عَنْ «أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ مَرَّ عَلَى الصِّبْيَانِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ» أَيْ أَنَسٌ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ» أَيْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ فَالسَّلَامُ عَلَى الصِّبْيَانِ سُنَّةٌ لَكِنْ إنْ ظَنَّ رَدَّهُمْ وَفِي الْبُسْتَانِ اُخْتُلِفَ فِي السَّلَامِ عَلَيْهِمْ قِيلَ لَا وَقِيلَ نَعَمْ لَكِنَّ الْمُخْتَارَ تَسْلِيمُهُمْ إنْ ظَنَّ رَدَّهُمْ فَالْحَدِيثُ حُجَّةُ الْمُخْتَارِ (طب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «أَعْجَزُ النَّاسِ» أَيْ أَضْعَفُهُمْ رَأْيًا «مَنْ عَجَزَ فِي الدُّعَاءِ» وَفِي الْجَامِعِ عَنْ الدُّعَاءِ أَيْ الطَّلَبِ مِنْ اللَّهِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الشَّدَائِدِ لِتَرْكِهِ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَتَعَرُّضِهِ لِغَضَبِهِ بِإِهْمَالِهِ وَمَا لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِيهِ وَفِيهِ قِيلَ اللَّهُ يَغْضَبُ إنْ تَرَكْت سُؤَالَهُ ... وَبُنَيُّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلَ يَغْضَبُ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَوْلَى الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ بِعَدَمِ الدُّعَاءِ «وَأَبْخَلُ النَّاسِ» أَيْ أَمْنَعُهُمْ لِلْفَضْلِ وَأَشَحُّهُمْ «مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ» فَإِنَّهُ خَفِيفُ الْمُؤْنَةِ عَظِيمُ الْمَثُوبَةِ فَلَا يُهْمِلُهُ إلَّا مَنْ بَخِلَ بِالْقُرُبَاتِ وَشَحَّ بِالْمَثُوبَاتِ وَتَهَاوَنَ بِمَرَاسِمِ الشَّرِيعَةِ لَكِنْ يَشْكُلُ أَنَّ تَبَادُرَ بُخْلِ النَّاسِ مَنْعُ الزَّكَاةِ الَّتِي هِيَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْقَطْعِيُّ فَرْضِيَّتُهَا وَالسَّلَامُ أَمْرٌ مَنْدُوبٌ فَكَيْفَ يَكُونُ تَرْكُهُ كَمَنْعِهَا فَضْلًا عَنْ زِيَادَتِهَا أَقُولُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنَّ أَصْلَ الْبُخْلِ لِتَرْكِ الْأَمْرِ الرَّبَّانِيِّ وَزِيَادَتَهُ لِكَوْنِ بَخِيلَ الْمَالِ مَعْذُورًا فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّهِ إلَى أَنْ يَكُونَ عَدِيلًا لِلرُّوحِ وَأَمَّا السَّلَامُ فَلَيْسَ فِيهِ إتْعَابٌ وَقَهْرُ

стр. 956

نَفْسٍ وَمُؤْنَةٌ إلَّا مُجَرَّدَ تَمَرُّدٍ فَكَانَ أَبْخَلَ مِنْ كُلِّ بِخَيْلٍ (م عَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ (مَرْفُوعًا «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ» أَيْ حَقُّ الْحُرْمَةِ وَالصُّحْبَةِ أَوْ الْحُقُوقُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ مُلَائِمَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا «سِتٌّ» . وَفِي الْجَامِعِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ رَدُّ السَّلَامِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ» فَلَا يَخْفَى مِنْ إيهَامِ التَّنَاقُضِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا الْوَهْمَ مِنْ قَبِيلِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ وَهُوَ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ عِنْدَنَا فِي النُّصُوصِ، أَوْ الْخَمْسُ قَبْلَ إعْلَانِ السِّتِّ لَهُ ﵊ «قِيلَ مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إذَا لَقِيته فَسَلِّمْ عَلَيْهِ» لِأَنَّ السَّلَامَ مَعْنَاهُ الْأَمَانُ أَوْ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ فَقَدْ احْتَقَرَهُ وَاحْتِقَارُهُ احْتِقَارٌ لِمَا خَلَقَهُ اللَّهُ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ وَعَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْجَرَائِمِ. وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ السَّلَامَ سُنَّةُ كِفَايَةٍ فَيَكْفِي سَلَامُ وَاحِدٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ وَالِاسْتِئْذَانُ لِدُخُولِ الدَّارِ مُقَدَّمٌ عَلَى السَّلَامِ وَالسَّلَامُ عَلَى الْكَلَامِ فِي الْقَضَاءِ لَكِنَّ اللَّازِمَ هُوَ الْإِسْمَاعُ وَفِي الْأَصَمِّ قِيلَ يَنْبَغِي قِرَاءَةُ تَحْرِيكِ شَفَتَيْهِ كَذَا نُقِلَ عَنْ الْخَانِيَّةِ فَظَهَرَ أَنَّ الْإِشَارَةَ بِالْيَدِ كَمَا هُوَ عَادَةُ أَكْثَرِ الْعَوَامّ لَيْسَ بِشَيْءٍ بَلْ قِيلَ إنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ كَوَضْعِهَا عَلَى صَدْرِهِ وَنَحْوِهِ «وَإِذَا دَعَاك فَأَجِبْهُ» حَيْثُ لَا عُذْرَ قِيلَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَقِيلَ لِلنَّدْبِ فَيَلْزَمُ مِنْ تَرْكِهِ الْإِثْمُ أَوْ الْكَرَاهَةُ وَقِيلَ: إنْ لِوَلِيمَةِ عُرْسٍ فَوَاجِبٌ وَإِنْ لِغَيْرِهَا فَنَدَبٌ «وَإِذَا اسْتَنْصَحَك» طَلَبَ مِنْك النُّصْحَ «فَانْصَحْ» لَهُ فَأَرْشِدْهُ إلَى مَا فِيهِ خَيْرٌ وَصَلَاحٌ وَلَا تُقَصِّرْ فِي الْإِرْشَادِ بَلْ اُبْذُلْ الْجُهْدَ لَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُشِيرَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشَارَ وَلَا يَتَبَرَّعَ بِالرَّأْيِ فَيَكُونَ رَأْيُهُ مُتَّهَمًا أَوْ مَطْرُوحًا. «وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ» سَوَاءٌ سُمِعَ حَمْدُهُ صَرِيحًا أَوْ عُلِمَ مِنْ حَالِهِ ذَلِكَ كَأَنْ يَكُونَ مِنْ مَقُولَةِ مَنْ يَأْتِيهِ كَالْعِلْمِ «فَشَمِّتْهُ» بِيَرْحَمُك اللَّهُ أَوْ مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ مِنْ الدُّعَاءِ بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِمَعْنَاهُ فَلَيْسَ بِتَشْمِيتٍ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ بِالتُّرْكِيِّ " خَيْرًا ولسون " أَقُولُ إنْ أَرَادَ كَوْنَ هَذَا الْعَطْسِ خَيْرًا فَلِقَوْلِهِ وَجْهٌ وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ دُعَاءً لَهُ بِالْخَيْرِ فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مِمَّا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ وَفِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ عَطَسَ خَارِجَ الصَّلَاةِ يَنْبَغِي أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ فَيَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَوْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَيَنْبَغِي لِمَنْ حَضَرَ أَنْ يَقُولَ يَرْحَمُك اللَّهُ ثُمَّ يَقُولَ الْعَاطِسُ غَفَرَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ أَوْ يَقُولَ يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ وَلَا يَقُولَ غَيْرَ ذَلِكَ انْتَهَى. وَأَصْلُ التَّشْمِيتِ إزَالَةُ الشَّمَاتَةِ فَاسْتُعْمِلَ فِي الدُّعَاءِ بِالْخَيْرِ لِتَضَمُّنِهِ ذَلِكَ وَقَدْ يُقَالُ بِالسِّينِ الْغَيْرِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ وَعَلَيْهِ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ مِنْ عُلَمَائِنَا إنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ وَقَوَّاهُ ابْنُ الْقَيِّمِ «وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ» إنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ وَلَوْ لَيْلًا قِيلَ إنْ كَانَ مِنْ الْمَعَارِفِ وَالْأَصْدِقَاءِ كَانَتْ سُنَّةً وَإِلَّا فَلَا لَكِنْ ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ كَمَا فِي حَدِيثِ «امْشِ مِيلًا عُدْ مَرِيضًا» الْحَدِيثَ وَجَازَ عِيَادَةُ الذِّمِّيِّ إذَا مَرِضَ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ فِيهِ إظْهَارَ مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ وَجَازَ عِيَادَةُ الْفَاسِقِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي الْمِنَحِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَيْضًا. ثُمَّ قِيلَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَقِيلَ لِلنَّدَبِ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْبَعْضِ تَجِبُ فِي وَقْتٍ وَتُنْدَبُ فِي آخَرَ وَفِي الشِّرْعَةِ وَمِنْ سُنَنِ الْإِسْلَامِ وَحُقُوقِ الدِّينِ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ فَإِنَّ الْعَائِدَ يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَعُودَ يَوْمًا وَيَتْرُكَ يَوْمًا. وَفِي الْإِحْيَاءِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ مَرَّةً سُنَّةٌ فَمَا زَادَ فَنَافِلَةٌ وَالْمُسْتَحَبُّ جُلُوسُ الْعَائِدِ عِنْدَ رُكْبَتَيْ الْمَرِيضِ دُونَ رَأْسِهِ بِلَا الْتِفَاتٍ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً مُتَوَجِّهًا إلَى جِهَةِ الْمَرِيضِ بِلَا إكْثَارِ نَظَرٍ إلَيْهِ وَلَا إحْدَادِ نَظَرٍ فِي وَجْهِهِ بِلَا ثِيَابٍ جَدِيدَةٍ وَلَا وَسِخَةٍ وَلَا عُبُوسَةِ وَجْهٍ وَلَا يَتَكَلَّمْ إلَّا بِمَا يُعْجِبُهُ أَيْ يَحُظُّهُ وَيُحَسِّنُهُ مُبَشِّرًا بِنَحْوِ سُرْعَةِ الصِّحَّةِ وَطُولِ الْعُمْرِ وَيُخَفِّفُ الْجُلُوسَ وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ أَوْ عَلَى يَدِهِ فَيَسْأَلُ عَنْ حَالِهِ وَيَسْتَدْعِي مِنْ الْمَرِيضِ فَإِنَّ دُعَاءَهُ مُسْتَجَابٌ

стр. 957

وَلَا يَقُولُ عِنْدَهُ إلَّا خَيْرًا وَيَدْعُو لَهُ بِالشِّفَاءِ وَالتَّفْصِيلُ فِي الشِّرْعَةِ وَفِي شَرْحِهِ عَنْ السَّرِيِّ أَنَّهُ عَادَهُ رَجُلٌ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَأَطَالَ الْجُلُوسَ فَقَالَ لَهُ اُدْعُ لِي حَتَّى أَخْرُجَ مِنْ عِنْدِك فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ كَيْفَ يَعُودُ الْمَرِيضَ وَدَخَلَ ثَقِيلٌ عَلَى مَرِيضٍ فَأَطَالَ الْجُلُوسَ ثُمَّ قَالَ مَا تَشْتَكِي قَالَ قُعُودُك عِنْدِي، وَدَخَلَ قَوْمٌ عَلَى مَرِيضٍ فَأَطَالُوا الْجُلُوسَ فَقَالُوا أَوْصِنَا قَالَ أُوصِيكُمْ أَنْ لَا تُطِيلُوا الْجُلُوسَ إذَا عُدْتُمْ مَرِيضًا «وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» فِي الْحَاشِيَةِ اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ وَاجِبٌ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ وَإِلَّا فَسُنَّةٌ وَالْمُسْتَحَبُّ حَمْلُهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ عَشْرَ خُطُوَاتٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَمَلَ جِنَازَةً أَرْبَعِينَ خُطْوَةً كَفَّرَتْ عَنْهُ أَرْبَعِينَ كَبِيرَةً» كَمَا فِي الْحَلَبِيِّ وَيَنْبَغِي لِمُتَّبِعِهَا أَنْ يَكُونَ مُتَخَشِّعًا مُتَفَكِّرًا فِي مَا لَهُ وَلَا يَتَحَدَّثُ بِأَحَادِيثِ الدُّنْيَا وَلَا يَضْحَكُ وَيُكْرَهُ الصَّوْتُ بِالذِّكْرِ وَعِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ وَقِيلَ تَرْكُهُ الْأَوْلَى وَتَمَامُهُ فِي الْحَلَبِيِّ وَفِي حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ «مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ وَمَنْ شَهِدَهَا وَصَلَّى ثُمَّ يَتْبَعُهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ قِيلَ وَمَا الْقِيرَاطُ؟ قَالَ: مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ» وَلَا يَبْعُدُ التَّعْبِيرُ بِذِكْرِ الْخَيْرِ فِي حَقِّهِ كَمَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ» قِيلَ عَنْ الشَّيْخِ مَظْهَرُ هَذَا إنْ طَابَقَ الثَّنَاءُ الْوَاقِعَ وَإِلَّا فَمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِثَنَاءِ وَاحِدٍ وَعَنْ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ مُطَابِقٌ وَإِلَّا لَمْ تَكُنْ لِلثَّنَاءِ فَائِدَةٌ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَيْلِ حَدِيثِ «وَلَكِنَّ اللَّهَ صَدَّقَهُمْ فِيمَا يَقُولُونَ وَغَفَرَ لَهُ مَا لَا يَعْلَمُونَ» وَقِيلَ إنْ كَانَ الثَّنَاءُ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَصُحِّحَ قَوْلُ النَّوَوِيِّ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُلْهِمُهُمْ ثَنَاءَ الْخَيْرِ النَّاسَ لِمَنْ يُرِيدُ مَغْفِرَتَهُ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ الْجَامِعِ «إذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا قَذَفَ حُبَّهُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ» وَفِي نُسْخَةٍ «قُلُوبِ الْمَلَائِكَةِ» (وَتَرْكِ التَّشْمِيتِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى مَدْخُولِ الْكَافِ (إذَا) (عَطَسَ وَحَمِدَ) اللَّهَ تَعَالَى (إذَا كَانَ) التَّشْمِيتُ (وَاجِبًا) عَلَيْهِ وَلَوْ كِفَايَةً وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ التَّشْمِيتُ وَاجِبًا كَمَا فِي حَالِ الْخُطْبَةِ أَوْ الْعَاطِسِ شَابَّةٌ أَجْنَبِيَّةٌ فَلَا يَأْتِي بِهِ كَمَا قِيلَ لَكِنْ قِيلَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ فِي الشَّابَّةِ يَأْتِي فِي نَفْسِهِ وَلَا يَتْرُكُهُ وَفِيهِ كَمَا قَالُوا الْعَاطِسُ يُنَكِّسُ رَأْسَهُ وَيُخَمِّرُ وَجْهَهُ وَيَخْفِضُ صَوْتَهُ فَإِنَّ التَّصْرِيحَ بِالْعُطَاسِ حُمْقٌ فَيَجِبُ التَّشْمِيتُ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ وَقِيلَ يُفْتَرَضُ وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ كِفَايَةً وَفِي الْخُلَاصَةِ فِي عَطْسِ الْمَرْأَةِ إنْ عَجُوزًا يَرُدُّ عَلَيْهَا بِلِسَانِهِ وَإِنْ شَابَّةً يَرُدُّ بِنَفْسِهِ كَمَا فِي السَّلَامِ وَكَذَا فِي عَطْسِ الرَّجُلِ وَسَلَامِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَرْأَةِ وَفِي الْعَاطِسِ فَوْقَ الثَّلَاثَةِ إنْ تُشَمِّتُوهُ فَحَسَنٌ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا بَأْسَ (م عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ» وَأَسْمَعَ مَنْ بِقُرْبِهِ عَادَةً حَيْثُ لَا مَانِعَ لِأَنَّهُ شَكَرَ نِعْمَةَ الْعُطَاسِ الدَّالِّ عَلَى اعْتِدَالِ الْمِزَاجِ وَأَنَّهُ انْفِتَاحُ الْمَسَامِّ وَخِفَّةُ الدِّمَاغِ إذْ بِهِ تَنْدَفِعُ الْأَبْخِرَةُ الْمُخْتَنِقَةُ فَيُعِينُ عَلَى الطَّاعَةِ كَمَا فِي الْمَبَارِقِ «فَشَمِّتُوهُ» بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ مِنْ الشَّوَامِتِ وَهِيَ الْقَوَائِمُ هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَرُوِيَ بِمُهْمَلَةٍ مِنْ الْقَصْدِ لِأَنَّ الْعُطَاسَ يَحِلُّ مَرَابِطَ الْبَدَنِ وَيَفْصِلُ مَعَاقِدَهُ وَالْأَمْرُ لِلنَّدَبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَمَالَ الْبَعْضُ إلَى الْوُجُوبِ وَأَيَّدَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فَقِيلَ عَيْنٌ وَقِيلَ كِفَايَةٌ كَذَا فِي الْفَيْضِ «وَإِذَا لَمْ يَحْمَدْ فَلَا تُشَمِّتُوهُ» فَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا لِأَنَّ غَيْرَ الشَّاكِرِ لَا يَسْتَحِقُّ الدُّعَاءَ وَيُسَنُّ لِمَنْ عِنْدَهُ ذُكِرَ الْحَمْدُ لِيَحْمَدَهُ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ إذَا كَانَ مِمَّنْ يُظَنُّ حَمْدُهُ فَيُشَمَّتُ وَإِنْ لَمْ يُسْمَعْ. وَأُخِذَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِلَفْظٍ غَيْرِ الْحَمْدِ لَا يُشَمَّتُ وَإِنَّهُ يَلْزَمُ كَوْنُ التَّشْمِيتِ عَلَى صُورَةِ الْخِطَابِ (د عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «شَمِّتْ أَخَاك ثَلَاثًا» قِيلَ الْمُسْتَحَبُّ لِلْعَاطِسِ التَّحْمِيدُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَأَمَّا السَّامِعُ فَلَيْسَ بِلَازِمٍ إذَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ انْتَهَى ظَاهِرُهُ نَفْيُ اللُّزُومِ فَقَطْ لَا الْجَوَازُ

стр. 958

وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَلَا يُشَمَّتُ بَعْدَ ثَلَاثِ كَمَا فِي الْجَامِعِ وَهُوَ النَّفْيُ مُطْلَقًا «فَإِنْ زَادَ فَهُوَ زُكَامٌ» دَاءُ الزُّكَامِ مَرَضٌ مَعْرُوفٌ مِنْ قَبِيلِ إقَامَةِ دَلِيلِ التَّالِي مَقَامَ التَّالِي فَإِنْ زَادَ فَلَا يُشَمَّتُ لِأَنَّهُ زُكَامٌ فَظَاهِرُهُ عَدَمُ جَرَيَانِ عِلَّةِ الْعُطَاسِ حِينَئِذٍ لَكِنَّ الظَّاهِرَ كَوْنُ الثَّالِثِ زُكَامًا فَقَطْ لَا الْمَجْمُوعُ ثُمَّ قِيلَ لَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ مُطْلَقِ الدُّعَاءِ بَلْ يَدْعُو بِدُعَاءٍ يُنَاسِبُهُ مِنْ جِنْسِ دُعَاءِ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ بِنَحْوِ شِفَاءً وَعَافِيَةً فَمَنْ فَهِمَ النَّهْيَ عَنْ مُطْلَقِ الدُّعَاءِ فَقَدْ وَهَمَ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي قَوْلِهِ فَهُوَ مَزْكُومٌ تَنْبِيهٌ عَلَى الدُّعَاءِ بِالْعَافِيَةِ لِأَنَّ الزُّكْمَةَ عِلَّةٌ وَأَشَارَ إلَى الْحَثِّ عَلَى تَدَارُكِ هَذِهِ الْعِلَّةِ وَلَا يُهْمِلُهَا فَيُنَظِّمُ أَمْرَهَا وَكَلَامُ الْمُصْطَفَى ﵊ كُلُّهُ حِكْمَةٌ وَرَحْمَةٌ [تَتِمَّةٌ مُبَادَرَةُ الْعَاطِسِ بِالْحَمْدِ] (تَتِمَّةٌ) رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ مَنْ قَالَ عِنْدَ عَطْسَةٍ سَمِعَهَا الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا كَانَ لِيَجِدَ وَجَعَ الضِّرْسِ وَالْأُذُنِ أَبَدًا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «مَنْ بَادَرَ الْعَاطِسَ بِالْحَمْدِ عُوفِيَ مِنْ وَجَعِ الْخَاصِرَةِ وَلَمْ يَكُنْ لِيَشْكُوَا ضِرْسَهُ أَبَدًا» . (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا عَطَسَ وَضَعَ يَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ عَلَى فِيهِ» فَمِهِ «وَخَفَضَ أَوْ غَضَّ» وَفِي نُسْخَةِ الْجَامِعِ بِالْوَاوِ بَدَلُ أَوْ «بِهَا صَوْتَهُ» أَيْ لَمْ يَرْفَعْ بِصَيْحَةٍ كَمَا يَفْعَلُ الْعَامَّةُ وَفِي رِوَايَةٍ «غَطَّى وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ أَوْ ثَوْبِهِ» لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْأَدَبِ بَيْنَ يَدَيْ الْجُلَسَاءِ فَإِنَّ الْعُطَاسَ يَكْرَهُ النَّاسُ سَمَاعَهُ وَيَرَى الرَّاءُونَ مِنْ فَضَلَاتِ الدِّمَاغِ فَالسُّنَّةُ عِنْدَ الْعُطَاسِ وَضْعُ الْيَدِ أَوْ الثَّوْبِ عَلَى الْفَمِ وَخَفْضُ الصَّوْتِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ كَفَّيْهِ عَلَى وَجْهِهِ وَلْيَخْفِضْ صَوْتَهُ» بِالْعُطَاسِ «فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَكْرَهُ رَفْعَ الصَّوْتِ بِهِ وَبِالتَّثَاؤُبِ» كَمَا فِي حَدِيثِ «إنَّ التَّثَاؤُبَ الرَّفِيعَ وَالْعَطْسَ الشَّدِيدَ مِنْ الشَّيْطَانِ» وَالْحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا (خ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْعُطَاسَ» لِمَا عَرَفْت أَنَّهُ سَبَبًا لِخِفَّةِ الدِّمَاغِ وَاسْتِفْرَاغِ الْفَضَلَاتِ وَصَفَاءِ الرُّوحِ النَّفْسَانِيِّ وَيُقَوِّي الْحَوَاسَّ إذْ بِهِ تَنْدَفِعُ الْأَبْخِرَةُ الْمُحْتَقِنَةُ فِيهِ فَيُعِينُ صَاحِبَهُ عَلَى الطَّاعَاتِ وَلِهَذَا عَدَّهُ الشَّارِعُ نِعْمَةً وَجَعَلَ الْحَمْدَ عَقِيبَهُ سُنَّةً «وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ» لِأَنَّهُ يُورِثُ الْغَفْلَةَ وَالْكَسَلَ وَسُوءَ الْفَهْمِ وَيَمْنَعُ صَاحِبَهُ عَنْ الطَّاعَةِ وَلِذَا سَنَّ الشَّارِعُ بِهِ الْكَظْمَ قِيلَ مَا تَثَاءَبَ بِي قَطُّ وَلِذَا كَرِهَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَحَبَّ الْعُطَاسَ وَهُوَ إنَّمَا يَنْشَأُ مِنْ الِامْتِلَاءِ وَثِقَلِ النَّفْسِ وَكُدُورَةِ الْحَوَاسِّ. «فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ» فَلَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ لَا يَسْتَحِقُّ التَّشْمِيتَ وَقَدْ سَمِعْت أَنَّهُ إنْ كَانَ الْعَاطِسُ مِمَّنْ يَحْمَدُ فَيَأْتِي بِهِ وَإِلَّا فَيَذْكُرُهُ وَإِنَّمَا قَالَ فَحَقٌّ لِمَا أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ عِنْدَ بَعْضِ وَعِنْدَ الْأَكْثَرِ فَرْضٌ كِفَايَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ سُنَّةٌ «أَنْ يَقُولَ يَرْحَمُك اللَّهُ تَعَالَى» ثُمَّ لِيَقُلْ الْعَاطِسُ يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ لِمَا فِي حَدِيثٍ الْجَامِعِ «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلْيَقُلْ لَهُ يَرْحَمُك اللَّهُ وَلْيَقُلْ هُوَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا

стр. 959

وَلَكُمْ» . قَالَ شَارِحُهُ وَفِي رِوَايَةِ " خ «يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» ثُمَّ قَالَ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْهِدَايَةَ لِلْمُسْلِمِ تَحْصِيلٌ لِلْحَاصِلِ وَهُوَ مُحَالٌ وَمُنِعَ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الدُّعَاءَ بِالْهِدَايَةِ مَا هُوَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ مِنْ الْإِيمَانِ بَلْ مَعْرِفَةُ تَفَاصِيلِ أَجْزَائِهِ وَإِعَانَتُهُ عَلَى أَعْمَالِهِ وَكُلُّ مُؤْمِنٍ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِي كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ وَمِنْ ثَمَّةَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ نَسْأَلَ الْهِدَايَةَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ الصَّلَاةِ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ) قِيلَ لِلتَّحْقِيرِ (مِنْ الشَّيْطَانِ) أَيْ نَاشِئٌ عَنْ إبْلِيسَ لِأَنَّهُ يَنْشَأُ مِنْ الِامْتِلَاءِ وَثِقَلِ النَّفْسِ وَكُدُورَةِ الْحَوَاسِّ وَاسْتِرْخَائِهَا وَمَيْلِهَا بِالْبَدَنِ إلَى الْكَسَلِ وَالنَّوْمِ فَإِضَافَتُهُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ الدَّاعِي إلَى إعْطَاءِ النَّفْسِ حَظَّهَا مِنْ الشَّهْوَةِ وَأَرَادَ بِهِ التَّحْذِيرَ مِنْ السَّبَبِ الَّذِي يَتَوَلَّدُ مِنْهُ وَهُوَ التَّوَسُّعُ فِي الْمَطْعَمِ وَالشِّبَعِ فَيَثْقُلَ الْبَدَنُ عَنْ الطَّاعَةِ. وَفِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «التَّثَاؤُبُ الشَّدِيدُ وَالْعَطْسَةُ الشَّدِيدَةُ مِنْ الشَّيْطَانِ» قَالَ شَارِحُهُ وَمِنْ ثَمَّةَ عَدُّوا مِنْ خَصَائِصِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ أَنَّهُمْ مَا تَثَاءَبَ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَطُّ وَلَا احْتَلَمَ فَإِذَا أَحَسَّ الْإِنْسَانُ بِتَثَاؤُبٍ أَوْ عَطَسَ فَلْيَكْظِمْ وَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ وَيَخْفِضْ صَوْتَهُ مَا أَمْكَنَ لِئَلَّا يَبْلُغَ الشَّيْطَانُ مُرَادَهُ مِنْ تَشْوِيهِ صُورَتِهِ وَدُخُولِ فَمِهِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ قَاعِدَةَ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ تَجْعَلُ سَائِرَ الْأَحَادِيثِ مُقَيَّدَةً بِالشِّدَّةِ وَإِلَّا لَتَعَارَضَتْ (وَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ) صَدْرُ الْحَدِيثِ كَسَائِرِهِ يَقْتَضِي إطْلَاقَ الْكَرَاهَةِ وَذَيْلُهُ اخْتِصَاصَهَا بِالصَّلَاةِ لَعَلَّ التَّقْيِيدَ لِكَوْنِ الْكَرَاهَةِ آكَدَ فِي الصَّلَاةِ (وَلَا يَقُلْ هَايْ) حِكَايَةً لِصَوْتِ التَّثَاؤُبِ (فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ الشَّيْطَانِ يَضْحَكُ مِنْهُ) لِفَرَحِهِ. [تَرْكُ الِاسْتِئْذَانِ فِي دُخُولِ دَارِ الْغَيْرِ] (وَمِنْهَا) أَيْ التُّرُوكِ الَّتِي هِيَ مِنْ آفَاتِ السُّكُوتِ (تَرْكُ الْإِذْنِ) قِيلَ الْأَوْلَى تَرْكُ الِاسْتِئْذَانِ (فِي دُخُولِ دَارِ الْغَيْرِ) (فَإِنَّ الْإِذْنَ وَاجِبٌ) مِنْ صَاحِبِهَا (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٢٧] الَّتِي تَسْكُنُونَهَا فَإِنَّ الْأَجِيرَ وَالْمُعِيرَ لَا يَدْخُلَانِ إلَّا بِإِذْنٍ ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] تَسْتَأْذِنُوا ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] بِأَنْ تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ وَيَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثًا فَإِنْ أُذِنَ لَهُ دَخَلَ وَإِلَّا رَجَعَ ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٧] مِنْ أَنْ تَدْخُلُوا بَغْتَةً أَوْ مِنْ تَحِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ إذَا دَخَلَ بَيْتًا غَيْرَ بَيْتِهِ قَالَ حُيِّيتُمْ صَبَاحًا أَوْ حُيِّيتُمْ مَسَاءً وَدَخَلَ وَرُبَّمَا أَصَابَ الرَّجُلَ مَعَ امْرَأَتِهِ فِي لِحَافٍ وَرُوِيَ أَنَّ «رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ أَأَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّيِّ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ لَا خَادِمَ لَهَا غَيْرِي أَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا كُلَّمَا دَخَلْت قَالَ أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً قَالَ اسْتَأْذِنْ» ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: ٢٧] (د عَنْ رِبْعِيٍّ بْنِ حِرَاشٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ «جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ فَاسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي بَيْتٍ فَقَالَ» الْعَامِرِيُّ «أَأَلِجُ» مِنْ الْوُلُوجِ أَيْ الدُّخُولِ كَمَا قِيلَ قَدَّمَ الْخُرُوجَ عَلَى الْوُلُوجِ «فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِخَادِمِهِ اُخْرُجْ إلَى هَذَا»

стр. 960

أَيْ الْمُسْتَأْذِنِ الَّذِي لَمْ يَأْتِ بِالِاسْتِئْذَانِ عَلَى طَرِيقِهِ «فَعَلِّمْهُ الِاسْتِئْذَانَ» الْمَسْنُونَ «فَقُلْ لَهُ قُلْ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ» لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِأَمْرٍ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ لَيْسَ بِأَمْرٍ حَقِيقَةً فَيَلْزَمُ عَدَمُ صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ كِفَايَةَ إثْبَاتِ النَّدْبِيَّةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵊ «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ» الْحَدِيثَ لَكِنَّ كَوْنَ تَرْكِهِ حِينَئِذٍ مِنْ الْآفَاتِ فِيهِ خَفَاءٌ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ كَوْنَ هَذَا الْأَمْرِ فِي الْمَقَامِ إيجَابِيًّا مَجَازًا بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ فَافْهَمْ «فَسَمِعَ الرَّجُلُ ذَلِكَ» التَّعْلِيمَ «مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» قَبْلَ تَعْلِيمِ الْخَادِمِ لَهُ «فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَخَلَ» اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِئْذَانِ أَنْ يَقُولَ الْمَسْنُونُ أَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ثُمَّ الِاسْتِئْذَانُ مُطْلَقًا وَقِيلَ الِاسْتِئْذَانُ ثُمَّ السَّلَامُ مُطْلَقًا وَقِيلَ السَّلَامُ ثُمَّ الِاسْتِئْذَانُ إذَا رَأَى أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الدَّارِ وَالْعَكْسُ إذَا لَمْ يَرَ أَحَدًا هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ نَصًّا فِي الْأَوَّلِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْأَخِيرَانِ فَإِنَّهُمَا رَأْيَانِ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ لَعَلَّ لَهُمَا نَصَّيْنِ يُوجِبَانِ التَّرْجِيحَ عَلَى اعْتِقَادِ مُتَمَسِّكِيهِمَا ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْحَدِيثِ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ مَطْلُوبِ الْمُصَنِّفِ إذْ الظَّاهِر مِنْ الْمُصَنِّفِ كِفَايَةُ مُطْلَقِ الْإِذْنِ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ عَدَمُهُ فَافْهَمْ (م عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا «الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثُ» مَرَّاتٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَسْمَعَهُ وَأَنَّ الثَّلَاثَ مُنْتَهَى التَّأْكِيدِ «فَإِنْ أُذِنَ لَك» بِالْمَجْهُولِ «فَادْخُلْ وَإِلَّا فَارْجِعْ» وَاخْتَلَفُوا أَنَّهُ بَعْدَمَا اسْتَأْذَنَ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ هَلْ يُعِيدُ الِاسْتِئْذَانَ قِيلَ نَعَمْ وَقِيلَ لَا لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَمَّا الْأَوَّلُونَ فَيُؤَوِّلُونَ الْحَدِيثَ بِالْعِلْمِ أَوْ الظَّنِّ أَنَّهُ أَسْمَعَهُ (د عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ» لَعَلَّ هَذَا يَشْمَلُ مَا أَجَابَ دَعْوَةَ الرَّسُولِ فَوْرًا وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَعِيَّةٌ فِي الْمَجِيءِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْعِلَّةِ قِيلَ وَلَوْ كَانَ الرَّسُولُ صَبِيًّا «فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ إذْنٌ» قَائِمٌ مَقَامَ إذْنٍ اكْتَفَى بِقَرِينَةِ الطَّلَبِ فَلَا يَحْتَاجُ لِتَجْدِيدِ إذْنٍ أَيْ إنْ لَمْ يَطُلْ عَهْدٌ بَيْنَ الْمَجِيءِ وَالطَّلَبِ أَوْ كَانَ الْمُسْتَدْعَى بِمَحَلٍّ لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى إذْنٍ عَادَةً وَإِلَّا وَجَبَ الِاسْتِئْذَانُ وَعَلَيْهِ نَزَّلُوا الْأَخْبَارَ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ وَلِهَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الدَّارِ حُرْمَةٌ وَإِلَّا وَجَبَ الِاسْتِئْذَانُ مُطْلَقًا وَالدُّعَاءُ النِّدَاءُ وَدَعَاهُ سَأَلَهُ وَيُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ التَّسْمِيَةِ نَحْوُ دَعَوْت ابْنِي زَيْدًا أَيْ سَمَّيْته، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ لَا يَخْفَى أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَبِيلِ الْمَفْهُومِ فَافْهَمْ (وَفِي رِوَايَةٍ «رَسُولُ الرَّجُلِ إلَى الرَّجُلِ إذْنُهُ» عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ (أَنَّ «رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي فَقَالَ نَعَمْ» لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ عَلَى طَرِيقِ النَّدْبِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا مَكْشُوفَةُ الْأَعْضَاءِ وَإِلَّا فَيَجُوزُ الدُّخُولُ عَلَى مُطْلَقِ الْمَحَارِمِ لَعَلَّ جِنْسَ هَذَا مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْقَرَائِنِ وَالْأَحْوَالِ بَلْ رُبَّ أُمٍّ تَتَأَذَّى مِنْ الِاسْتِئْذَانِ وَمِنْهَا تَرْكُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ

стр. 961

وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ بِلَا ضَرَرٍ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ وَظَنَّ التَّأْثِيرِ وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ فَلَا يَكُونُ تَرْكُهُ آفَةً وَتَرْكُ النُّصْحِ لِلنَّاسِ وَتَرْكُ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ عِنْدَ ظَنِّ الْقَبُولِ وَتَرْكُ التَّعْلِيمِ وَالْفَتْوَى سِيَّمَا عِنْدَ التَّعَيُّنِ بِأَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يَصْلُحُ لَهُمَا غَيْرُهُ وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَالْوَاجِبُ فِي الْفَتْوَى الْقَوْلُ لَا الْكِتَابَةُ وَلِذَا جَازَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ لَهَا لَا لَهُ هَكَذَا ذَكَرَهُ فِيمَا سَبَقَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ [تَرْكُ الْكَلَامِ مَعَ الْوَالِدَيْنِ] (وَ) مِنْهَا (تَرْكُ الْكَلَامِ مَعَ الْوَالِدَيْنِ) حَتَّى قَالُوا مَنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ مَعَ أَبَوَيْهِ وَجَبَ الْحِنْثُ (وَ) مَعَ (سَائِرِ الْمَحَارِمِ) لِأَنَّهُ قَطْعُ الرَّحِمِ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّا مَأْمُورُونَ بِوَصْلِهَا [تَرْكُ إنْقَاذِ تَخْلِيصِ الْمَظْلُومِ] (وَتَرْكُ إنْقَاذِ) تَخْلِيصِ (الْمَظْلُومِ) بِالْأَمْرِ أَوْ الشَّفَاعَةِ أَوْ الْيَدِ أَوْ الْقَهْرِ عَلَى حَسَبِ حَالِ الْمُنْقِذِ وَتَقْيِيدُهُ (بِالْقَوْلِ) لِكَوْنِ الْبَحْثِ فِي حَقِّهِ (عِنْدَ الْقُدْرَةِ) بِأَنْ لَا يَخَافَ مِنْ ضَرَرِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ لِأَجْلِهِ قِيلَ وَيُرْوَى عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْعِبَادَةِ فَلَمَّا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ قِيلَ لَهُ إنَّا ضَارِبُوك مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِائَةَ ضَرْبَةٍ فَقَالَ لَا طَاقَةَ لِي فَلَمْ يَزَلْ يُخَفَّفُ عَنْهُ فَضُرِبَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً فَلَمْ يَبْقَ عُضْوٌ مِنْهُ إلَّا انْقَطَعَ وَالْتَهَبَ فِي قَبْرِهِ نَارًا وَقَالَ يَا وَيْلَاه فَبِمَ فَعَلْتُمْ فِي هَذَا أَلَمْ أَكُنْ أُقِيمُ الصَّلَاةَ وَأُودِي الزَّكَاةَ وَأَحُجُّ الْبَيْتَ وَأَصُومُ رَمَضَانَ قَالُوا سَنُخْبِرُك مَرَرْت يَوْمًا بِمَظْلُومٍ يَسْتَغِيثُك فَلَمْ تُغِثْهُ وَصَلَّيْت يَوْمًا وَلَمْ تَتَنَزَّهْ عَنْ بَوْلِك (وَتَرْكُ الشَّهَادَةِ) عِنْدَ الْحَاجَةِ (وَ) تَرْكُ (التَّزْكِيَةِ) لِلشَّهَادَةِ (عِنْدَ التَّعَيُّنِ) الظَّاهِرُ قَيْدٌ لَهُمَا لَعَلَّ رُتْبَةَ التَّزْكِيَةِ دُونَ رُتْبَةِ الشَّهَادَةِ [تَرْكُ تَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِ سُبْحَانَ أَوْ تَبَارَكَ اللَّهُ] (وَتَرْكُ تَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِ سُبْحَانَ أَوْ تَبَارَكَ اللَّهُ) وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيمِ نَحْوِ جَلَّ وَعَزَّ (عِنْدَ سَمَاعِهِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ) كُلَّمَا سَمِعَ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى بِالِاتِّفَاقِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يَقُولُ قَالَ اللَّهُ بِلَا تَعْظِيمٍ وَبِلَا إرْدَافِ وَصْفٍ صَالِحٍ لِلتَّعْظِيمِ فَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْوُجُوبِ مُشْكِلٌ نَعَمْ قَالَ فِي نَحْوِ الْأُسْرُوشَنِيِّ وَعَنْ قَاضِي خَانْ مَنْ سَمِعَ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَظِّمَهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ظَاهِرٍ وَيَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ تَبَارَكَ أَوْ تَعَالَى أَوْ أَوْ ﷻ وَإِنْ لَمْ يُعَظِّمْهُ حِينَ سَمِعَ لَمْ يُمْكِنْ قَضَاؤُهُ لِأَنَّ تَعْظِيمَهُ وَاجِبٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ فَيَكُونُ كُلَّ وَقْتٍ وَقْتًا لِلْأَدَاءِ فَلَمْ يَبْقَ مَحَلٌّ لِلْقَضَاءِ وَأَمَّا إذَا تَكَرَّرَ فَقِيلَ كَذَا وَقِيلَ لَا وَقِيلَ إلَى الثَّلَاثَةِ فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُخْتَصٍّ بِاسْمِ الْجَلَالَةِ بَلْ يَعُمُّ الْكُلَّ وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ عَامَّةٌ (بِخِلَافِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهَا تَجِبُ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً عِنْدَ الْأَكْثَرِ) قِيلَ هُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ أُصُولِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ وَلِلْمَرَّةِ وَالتَّرَاخِي (وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ تَجِبُ هِيَ عِنْدَ كُلِّ سَمَاعٍ) اعْلَمْ أَنَّهُ قَالَ فِي مَطَالِعِ الْمَسَرَّاتِ الْإِجْمَاعُ عَلَى كَوْنِ أَمْرِ الصَّلَاةِ لِلْوُجُوبِ وَإِنْ رُوِيَ الِاسْتِحْبَابُ عَنْ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ الْوُجُوبِ إلَى تِسْعٍ: الْأَوَّلُ: الْوُجُوبُ فِي جُمْلَةٍ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ وَأَقَلُّهُ مَرَّةٌ. الثَّانِي: وُجُوبُ الْإِكْثَارِ بِلَا حَصْرِ عَدَدٍ. الثَّالِثُ: الْوُجُوبُ كُلَّمَا ذُكِرَ وَهُوَ قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ كَالْحَلِيمِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الْأَحْوَطُ. الرَّابِعُ: وُجُوبُهَا فِي كُلِّ مَجْلِسٍ مَرَّةً وَلَوْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ مِرَارًا. الْخَامِسُ: وُجُوبُهَا فِي الْعُمْرِ مَرَّةً هَذَا لِلرَّازِيِّ. السَّادِسُ: وُجُوبُهَا فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ الْمَحَلِّ وَهُوَ لِأَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -

стр. 962

السَّابِعُ: وُجُوبُهَا فِي التَّشَهُّدِ لِلشَّعْبِيِّ. الثَّامِنُ: وُجُوبُهَا فِي الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ قَبْلَ السَّلَامِ وَهَذَا لِلشَّافِعِيِّ وَلِمَنْ تَبِعَهُ. التَّاسِعُ: قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ وَاجِبٌ فِي كُلِّ حِينٍ وُجُوبَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ لَا يَغْفُلُهَا إلَّا مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ وَنَصُّ الِاسْتِحْبابِيَّة فِي مَوَاضِعَ كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتِهَا وَزِيدَ السَّبْتُ وَالْأَحَدُ وَالْخَمِيسُ وَعِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَخُرُوجِهِ وَعِنْدَ زِيَارَةِ قَبْرِهِ الشَّرِيفِ وَعِنْدَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَفِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْخُطَبِ وَعَقِيبَ إجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ وَفِي أَوَّلِ الدُّعَاءِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ وَفِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَعِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّلْبِيَةِ وَعِنْدَ الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ وَعِنْدَ الْوُضُوءِ وَعِنْدَ طَنِينِ الْأُذُنِ وَعِنْدَ نِسْيَانِ الشَّيْءِ وَبَعْدَ الْعُطَاسِ وَعِنْدَ الْوَعْظَ وَعِنْدَ كِتَابَةِ السُّؤَالِ وَنَشْرِ الْعِلْمِ وَرِوَايَةِ الْحَدِيثِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً وَلِكُلِّ مُصَنِّفٍ وَدَارِسٍ وَمُدَرِّسٍ وَخَطِيبٍ وَخَاطِبٍ وَتَزْوِيجٍ وَتَزَوُّجٍ وَفِي الرَّسَائِلِ رُبَّمَا يُكْتَبُ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ وَقَدْ يُخْتَمُ أَيْضًا وَبَيْنَ يَدَيْ سَائِرِ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ وَعِنْدَ ذِكْرِهِ وَسَمَاعِ اسْمِهِ وَكِتَابَتِهِ ثُمَّ اللَّازِمُ نِيَّةُ الْقُرْبَةِ وَالتَّعْظِيمِ وَالثَّوَابِ وَلِذَاكِرِهِ الصَّلَاةُ فِي سَبْعِ مَوَاضِعَ الْأَوَّلُ: الْجِمَاعُ، الثَّانِي: قَضَاءُ الْحَاجَةِ. الثَّالِثُ: شُهْرَةُ الْمَبِيعِ. الرَّابِعُ: الْعَثْرَةُ. الْخَامِسُ: التَّعَجُّبُ. السَّادِسُ: الذَّبْحُ. السَّابِعُ: الْعُطَاسُ عَلَى خِلَافٍ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ وَزَادَ بَعْضٌ الْأَكْلَ وَبَعْضٌ مَا يَصْدُرُ مِنْ الْعَوَامّ فِي الْأَغْرَاضِ وَغَيْرِهَا فِي اشْتِهَارِ أَفْعَالِهِمْ لَا سِيَّمَا مَعَ تَرْكِ الْوَقَارِ وَالِاحْتِرَامِ بَلْ مَعَ الضَّحِكِ وَفِي أَمَاكِنِ النَّجَاسَةِ انْتَهَى وَتَمَامُ التَّفْصِيلِ ذُكِرَ فِي خُطْبَةِ هَذَا الْكِتَابِ [تَرْكُ السُّؤَالِ لِلْعَاجِزِ عَنْ الْكَسْبِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ] (وَتَرْكُ السُّؤَالِ لِلْعَاجِزِ) عَنْ الْكَسْبِ (عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ) (فَإِنَّهُ) أَيْ السُّؤَالَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (فَرْضٌ) عَلَيْهِ لِأَنَّهُ آخِرُ الْكَسْبِ (وَلَوْ) (عَجَزَ عَنْ الْخُرُوجِ) بِنَفْسِهِ لِأَجْلِ السُّؤَالِ لِنَحْوِ عَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ (يُفْتَرَضُ عَلَى كُلِّ مَنْ عَلِمَ أَنْ يُعْطِيَهُ بِقَدْرِ مَا يَتَقَوَّى عَلَى الطَّاعَةِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْعَالِمُ بِحَالِهِ (مَا يُعْطِيهِ) قَدْرَ مَا يَتَقَوَّى عَلَيْهَا لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ (يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى إعْطَائِهِ) وَلَا يَجُوزُ الْإِخْبَارُ الْمَذْكُورُ عِنْدَ وِجْدَانِ مَنْ يُعْطِيهِ (فَإِذَا فَعَلَ الْبَعْضُ سَقَطَ) الْوُجُوبُ (عَنْ الْبَاقِينَ) كَمَا هُوَ شَأْنُ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ الْمُتَصَدِّقُ عَلَى مَسَاكِينَ يَأْكُلُونَ إسْرَافًا وَيَسْأَلُونَ إلْحَافًا مَأْجُورٌ فِيهِ إلَّا إذَا عَلِمَ وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ (وَبِالْجُمْلَةِ) حَاصِلُ الْكَلَامِ (السُّكُوتُ عَنْ كُلِّ كَلَامٍ وَجَبَ أَوْ سُنَّ حَرَامٌ) فِي الْوَاجِبِ (أَوْ مَكْرُوهٌ) فِي الْمَسْنُونِ (آفَةُ اللِّسَانِ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ (وَصَاحِبُهُ شَيْطَانٌ أَخْرَسُ وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ) وَهِيَ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ وَالْخَامِسُ وَالسَّادِسُ (لَوْ فُصِّلَتْ لَزَادَتْ عَلَى مِائَةٍ فَفِي كُلِّهَا آفَةٌ وَخَطَرٌ يَجِبُ تَعَلَّمُهَا وَتَعْلِيمُهَا وَتَوَقِّيهَا) بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ (لِمَنْ بَاشَرَهَا) قَبْلَهَا (وَلَا مَخْلَصَ عَنْ جَمِيعِهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ) أَيْ فِي زَمَانِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ تِسْعُمِائَةٍ وَثَمَانُونَ (إلَّا بِالْعُزْلَةِ وَعَدَمِ اخْتِلَاطِ النَّاسِ إلَّا فِي الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ وَضَرُورَاتِ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ) لَعَلَّ الْمُصَنِّفَ يُشِيرُ بِهَذَا الْكَلَامِ إلَى مَا قَالُوا فِي الْعُزْلَةِ مِنْ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ فَضْلِهَا وَفَوَائِدِهَا وَآفَاتِهَا اعْلَمْ أَنَّهُ قَالَ فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ أَمَّا فَضْلُهَا فَاخْتَارَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ وَالطَّائِيُّ وَالْفُضَيْلُ وَسُلَيْمَانُ الْخَوَّاصُ وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ وَبِشْرٌ الْحَافِيُّ وَمِمَّنْ اخْتَارَ كَرَاهَتَهَا كَثِيرٌ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالشَّعْبِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَشُرَيْحٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَمَّا فَوَائِدُهَا فَسِتٌّ الْأَوَّلُ الْفَرَاغُ لِلْعِبَادَةِ وَالْفِكْرُ وَالِاسْتِئْنَاسُ بِمُنَاجَاتِهِ تَعَالَى وَالِاسْتِكْشَافُ بِأَسْرَارِ اللَّهِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلِذَلِكَ تَبَتَّلَ ﵊ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ فِي جَبَلِ حِرَاءَ

стр. 963

ثُمَّ عِنْدَ نُبُوَّتِهِ جَمَعَ الْمُخَالَطَةَ وَالْإِقْبَالَ إلَيْهِ تَعَالَى بِقُوَّةِ النُّبُوَّةِ وَلَنْ يَتَيَسَّرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ إلَّا بِالِانْتِهَاءِ إلَى دَرَجَةِ أَكْمَلِ الْعَارِفِينَ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْجُنَيْدِ أَنَا أُكَلِّمُ اللَّهَ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَالنَّاسُ يَظُنُّونَ أَنِّي أُكَلِّمُهُمْ فَمَنْ تَيَسَّرَ لَهُ بِدَوَامِ الذِّكْرِ الْأُنْسُ بِاَللَّهِ وَبِدَوَامِ الْفِكْرِ التَّحَقُّقُ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَالتَّجَرُّدُ لَهُ أَفْضَلُ الثَّانِي التَّخَلُّصُ بِالْعُزْلَةِ عَنْ الْمَعَاصِي الْحَاصِلَةِ بِالْخُلْطَةِ كَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالرِّيَاءِ الثَّالِثُ الْخَلَاصُ مِنْ الْفِتَنِ وَالْخُصُومَاتِ وَصِيَانَةُ الدِّينِ وَالنَّفْسِ عَنْ الْخَوْضِ فِيهَا الرَّابِعُ الْخَلَاصُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مِنْ الْغِيبَةِ لَك وَسُوءِ الظَّنِّ بِك وَالتُّهْمَةِ عَلَيْك الْخَامِسُ أَنْ يَنْقَطِعَ طَمَعُ النَّاسِ عَنْك وَيَنْقَطِعَ طَمَعُك عَنْهُمْ السَّادِسُ الْخَلَاصُ مِنْ مُشَاهَدَةِ الثُّقَلَاءِ وَالْحَمْقَى وَمُقَاسَاةِ أَخْلَاقِهِمْ فَإِنَّ رُؤْيَةَ الثَّقِيلِ هِيَ الْعَمَى الْأَصْغَرُ وَأَمَّا آفَاتُهَا فَسَبْعٌ الْأَوَّلُ التَّعْلِيمُ وَالتَّعَلُّمُ اللَّذَانِ هُمَا مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ لَا يَتَحَصَّلَانِ إلَّا بِالْخُلْطَةِ وَالْعُزْلَةُ قَبْلَ تَعَلُّمِ الْفُرُوضِ عِصْيَانٌ قَالَ النَّخَعِيُّ تَفَقَّهْ ثُمَّ اعْتَزِلْ إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ الْمُرَادُ الْجَاهَ وَاسْتِكْثَارَ الْأَصْحَابِ وَالْأَتْبَاعِ وَالتَّقَدُّمَ عَلَى الْأَقْرَانِ وَتَقَرُّبَ السُّلْطَانِ وَتَوَلِّيَ الْأَعْمَالِ وَاجْتِلَابَ الْأَمْوَالِ لِأَنَّهَا هَلَاكُ الدِّينِ وَلَقَدْ صَدَقَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ حَيْثُ قَالَ دَعْ الرَّاغِبِينَ فِي صُحْبَتِك وَالتَّعَلُّمِ مِنْك فَلَيْسَ لَك مِنْهُمْ مَالٌ وَلَا جَمَالٌ، وَإِخْوَانُ الْعَلَانِيَةِ أَعْدَاءُ السِّرِّ إذَا لَقُوك تَمَلَّقُوك وَإِذَا غِبْت عَنْهُمْ سَلَقُوك وَمَنْ أَتَاك مِنْهُمْ كَانَ عَلَيْك رَقِيبًا وَإِذَا خَرَجَ كَانَ عَلَيْك خَطِيبًا، أَهْلُ نِفَاقٍ وَنَمِيمَةٍ وَغِلٍّ وَخَدِيعَةٍ فَلَا تَغْتَرَّ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَيْهِ فَمَا غَرَضُهُمْ الْعِلْمُ بَلْ الْجَاهُ وَالْمَالُ وَأَنْ يَتَّخِذُوك سُلَّمًا إلَى أَوْطَارِهِمْ وَحِمَارًا فِي حَاجَاتِهِمْ، إنْ قَصَّرْت فِي غَرَضٍ مِنْ أَغْرَاضِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ أَعْدَائِك ثُمَّ يَعُدُّونَ تَرَدُّدَهُمْ دَالًّا عَلَيْك وَيَرَوْنَهُ حَقًّا وَاجِبًا لِدِيكِ وَيَعْرِضُونَ عَلَيْك أَنْ تَبْذُلَ عِرْضَك وَجَاهَك وَدِينَك لَهُمْ فَتُعَادِيَ عَدُوَّهُمْ وَتَنْصُرَ غَرِيبَهُمْ وَخَادِمَهُمْ وَوَلِيَّهُمْ وَتَنْتَهِضَ لَهُمْ سَفِيهًا وَقَدْ كُنْت فَقِيهًا وَتَكُونَ لَهُمْ تَابِعًا بَعْد أَنْ كُنْت مَتْبُوعًا رَئِيسًا وَهَذَا كَلَامٌ حَقٌّ رَحِمَ اللَّهُ قَائِلَهُ فَإِنَّ الْمُدَرِّسِينَ فِي رِقٍّ دَائِمٍ وَتَحْتَ حَقٍّ لَازِمٍ وَمِنَّةٍ ثَقِيلَةٍ مِمَّنْ يَتَرَدَّدُ إلَيْهِمْ فَكَأَنَّهُ يُهْدِي تُحْفَةً إلَيْهِ فَيَرَى حَقَّهُ وَاجِبًا عَلَيْهِ ثُمَّ الْمُدَرِّسُ الْمِسْكِينُ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ الْقِيَامِ بِذَلِكَ وَيَبْذُلُ دِينَهُ وَعِرْضَهُ فِي أَبْوَابِ الظَّلَمَةِ لِأَجْلِ أَغْرَاضِهِمْ الذَّمِيمَةِ وَمَعَ ذَلِكَ نَسَبُوهُ إلَى الْحُمْقِ وَقِلَّةِ التَّمْيِيزِ وَالْقُصُورِ عَنْ دَرْكِ مَقَادِيرِ الْفَضْلِ وَسَلَقَهُ السُّفَهَاءُ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ وَثَارُوا عَلَيْهِ ثَوْرَانِ الْأَسَاوِدِ وَالْآسَادِ الثَّانِي النَّفْعُ وَالِانْتِفَاعُ فَإِنَّ الْخُلْطَةَ لِلِاكْتِسَابِ لِأَجْلِ التَّصَدُّقِ أَفْضَلُ مِنْ الْعُزْلَةِ لِأَجْلِ النَّوَافِلِ وَإِنْ كَانَتْ الْعُزْلَةُ لِأَجْلِ التَّحَقُّقِ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعُلُومِ الشَّرْعِ وَالْإِقْبَالِ بِكُنْهِ الْهِمَّةِ عَلَى اللَّهِ وَالتَّجَرُّدِ بِهِ لِلذِّكْرِ أَفْضَلَ وَأَيْضًا الْقِيَامُ بِحَاجَاتِ الْمُسْلِمِينَ حِسْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى حُدُودِ الشَّرْعِ أَفْضَلُ مِنْ الْعُزْلَةِ بِنَوَافِل الصَّلَوَاتِ وَالْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ وَإِنْ كَانَتْ الْقَلْبِيَّةُ مِنْ الْمَعَارِفِ لَا مُعَادِلَ لَهَا أَصْلًا وَقَطْعًا الثَّالِثُ التَّأْدِيبُ وَالتَّأَدُّبُ بِكَسْرِ النَّفْسِ وَقَهْرِ الشَّهَوَاتِ بِتَحَمُّلِ أَذَى النَّاسِ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْعُزْلَةِ لِمَنْ يَتَهَذَّبُ وَالتَّأْدِيبُ كَحَالِ شَيْخِ الْمُتَصَوِّفَةِ مَعَهُمْ إذْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِالْمُخَالَطَةِ كَحَالِ الْمُعَلِّمِ مَعَ الْمُتَعَلِّمِ الرَّابِعُ الِاسْتِئْنَاسُ وَالْإِينَاسُ وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ حَرَامًا كَمَجَالِسِ الْغِيبَةِ وَاللَّهْوِ وَمُبَاحًا كَالْأُنْسِ بِالْمَشَايِخِ وَمُسْتَحَبًّا كَتَرْوِيحِ الْقُلُوبِ فَإِنَّ الْقُلُوبَ إذَا كَرِهَتْ عَمِيَتْ وَمَهْمَا كَانَ فِي الْوَحْدَةِ وَحْشَةٌ وَفِي الْمَجَالِسِ تَرْوِيحٌ فَهِيَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ رُبَّمَا تَكُونُ أَفْضَلَ فِي حَقِّ بَعْضِ النَّاسِ وَفِي بَعْضِ الْحَالَاتِ دُونَ الْأُخْرَى الْخَامِسُ فِي نَيْلِ ثَوَابٍ كَحُضُورِ الْجَنَائِزِ وَعِيَادَةِ الْمَرْضَى السَّادِسُ التَّوَاضُعُ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ الْمَقَامَاتِ وَلَا يُوجَدُ فِي الْوَحْدَةِ السَّابِعُ التَّجَارِبُ إذْ مُجَرَّدُ الْعَقْلِ غَيْرُ كَافٍ فِي مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا انْتَهَى فِي غَايَةِ الِاخْتِصَارِ قَالَ فِي الْقُشَيْرِيَّةِ وَالْعُزْلَةُ مِنْ أَمَارَاتِ الْوَصْلَةِ وَلَا بُدَّ لِلْمَرِيدِ فِي ابْتِدَاءِ حَالِهِ مِنْ الْعُزْلَةِ عَنْ أَبْنَاءِ جِنْسِهِ ثُمَّ فِي نِهَايَتِهِ مِنْ الْخَلْوَةِ لِتَحَقُّقِهِ بِأُنْسِهِ وَمِنْ حَقِّ الْعَبْدِ إذَا آثَرَ الْعُزْلَةَ أَنْ يَقْصِدَ بِاعْتِزَالِهِ عَنْ الْخَلْقِ سَلَامَةَ النَّاسِ مِنْ شَرِّهِ وَلَا يَقْصِدَ سَلَامَتَهُ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ وَعَنْ بَعْضِ الرُّهْبَانِ قِيلَ لَهُ أَنْتَ رَاهِبٌ فَقَالَ لَا أَنَا حَارِسُ كَلْبٍ إنَّ نَفْسِي كَلْبٌ يَعْقِرُ الْخَلْقَ أَخْرَجْتُهَا مِنْ بَيْنِهِمْ

стр. 964

لِيَسْلَمُوا مِنْهَا وَعَنْ أَبِي يَزِيدَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت رَبِّي فِي الْمَنَامِ فَقُلْت لَهُ كَيْفَ أَجِدُك فَقَالَ فَارِقْ نَفْسَك وَتَعَالَ وَعَنْ بَعْضٍ مِنْ عَلَامَاتِ الْإِفْلَاسِ الِاسْتِئْنَاسُ بِالنَّاسِ وَعَنْ بَعْضٍ آخَرَ مَنْ خَالَطَ النَّاسَ دَارَاهُمْ وَمَنْ دَارَاهُمْ رَآهُمْ وَعَنْ الْجُنَيْدِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْلَمَ لَهُ دِينُهُ وَيَسْتَرِيحَ بَدَنُهُ وَقَلْبُهُ فَلْيَعْتَزِلْ النَّاسَ وَعَنْ الشِّبْلِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْزَمْ الْوَحْدَةَ وَامْسَحْ اسْمَك مِنْ الْقَوْمِ وَاسْتَقْبِلْ الْجِدَارَ حَتَّى تَمُوتَ وَقِيلَ إذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَنْقُلَ الْعَبْدَ مِنْ ذُلِّ الْمَعْصِيَةِ إلَى عِزِّ الطَّاعَةِ آنَسَهُ بِالْوَحْدَةِ وَأَغْنَاهُ بِالْقَنَاعَةِ وَبَصَّرَهُ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ فَمَنْ أُعْطِيَ ذَلِكَ فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ انْتَهَى (فَإِذَا ضُمَّ هَذِهِ الْعَشَرَةُ) مِنْ الْمَبْحَثِ الثَّانِي إلَى هُنَا (إلَى مَا سَبَقَ) وَهُوَ السِّتُّونَ مِنْ آفَاتِ النُّطْقِ (تَصِيرُ سَبْعِينَ وَلْنَذْكُرْهَا جُمْلَةً لِيَسْهُلَ حِفْظُهَا كَمَا فَعَلْنَا فِي آفَاتِ الْقَلْبِ كُفْرُ خَوْفٍ كُفْرُ خَطَإٍ كَذِبٌ غِيبَةٌ نَمِيمَةٌ سُخْرِيَةٌ سَبٌّ فُحْشٌ لَعْنٌ طَعْنٌ نِيَاحَةٌ مِرَاءٌ جِدَالٌ خُصُومَةٌ تَعْرِيضٌ غِنَاءٌ إفْشَاءُ سِرٍّ خَوْضٌ فِي الْبَاطِلِ سُؤَالُ مَالٍ) مَعَ غُنْيَةً عَنْهُ (وَ) سُؤَالُ (مَنْفَعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ) وَسُؤَالُ مَمْلُوكٍ الْبَيْعَ وَسُؤَالُ الْمَرْأَةِ الطَّلَاقَ (سُؤَالُ عَوَامَّ عَمَّا لَا يَبْلُغُهُ فَهْمُهُمْ) إلَى الْمَقْصُودِ مِمَّا سُئِلُوا (سُؤَالٌ عَنْ الْأُغْلُوطَاتِ) تَخْجِيلًا لِلْمَسْئُولِ (خَطَأٌ فِي التَّعْبِيرِ نِفَاقٌ قَوْلِيٌّ كَلَامُ ذِي لِسَانَيْنِ شَفَاعَةٌ سَيِّئَةٌ أَمْرٌ بِمُنْكَرٍ وَنَهْيٌ عَنْ الْمَعْرُوفِ غِلْظَةُ كَلَامٍ سُؤَالٌ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ افْتِتَاحُ أَدْنَى عِنْدَ أَعْلَى كَلَامًا تَكَلُّمٌ عِنْدَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ كَلَامٌ فِي صَلَاةٍ كَلَامٌ فِي حَالِ خُطْبَةٍ كَلَامُ دُنْيَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ كَلَامٌ فِي خَلَاءٍ كَلَامٌ عِنْدَ جِمَاعٍ دُعَاءٌ عَلَى مُسْلِمٍ دُعَاءٌ لِلظَّالِمِ بِغَيْرِ صَلَاحٍ كَلَامٌ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ كَلَامُ دُنْيَا فِي الْمَسَاجِدِ نَبْزٌ بِالْأَلْقَابِ يَمِينٌ غَمُوسٌ يَمِينٌ بِغَيْرِ اللَّهِ كَثْرَةُ يَمِينٍ سُؤَالُ أَمَّارَةٍ وَقَضَاءٍ سُؤَالُ تَوْلِيَةٍ سُؤَالُ وِصَايَةٍ دُعَاءُ إنْسَانٍ عَلَى نَفْسِهِ وَتَمَّنِي مَوْتٍ رَدُّ عُذْرِ أَخِيهِ تَفْسِيرُ قُرْآنٍ بِرَأْيِهِ إخَافَةُ مُؤْمِنٍ قَطْعُ كَلَامِ غَيْرِهِ وَنَفْسِهِ وَنَحْوِهِ رَدُّ تَابِعٍ كَلَامَ مَتْبُوعِهِ سُؤَالٌ عَنْ حِلِّ شَيْءٍ وَطَهَارَتِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ مِزَاحٌ مَدْحٌ شَعْرُ سَجْعٍ وَفَصَاحَةٌ مَا لَا يُغْنِي فُضُولُ كَلَامٍ تَنَاجِي تَكَلُّمٍ مَعَ شَابَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ سَلَامٌ عَلَى الذِّمِّيِّ وَالْفَاسِقِ الْمُعْلِنِ سَلَامٌ عَلَى الْمُتَغَوَّطِ وَالْبَائِلِ دَلَالَةٌ عَلَى طَرِيقِ الْمَعْصِيَةِ إذْنٌ فِيمَا هُوَ الْمَعْصِيَةُ آفَاتُ الْمُعَامَلَاتِ آفَاتُ الْعِبَادَاتِ الْمُتَعَدِّيَةِ آفَاتُ الْعِبَادَاتِ الْقَاصِرَةِ آفَاتُ السُّكُوتِ فَظَهَرَ) مِمَّا ذُكِرَ (أَنَّ أَمْرَ اللِّسَانِ) نُطْقًا وَسُكُوتًا (مِنْ أَعْظَمِ الْأُمُورِ وَأَهَمِّهَا) لِمَا فِيهِ الْوَرَطَاتُ وَكَثْرَةُ الْآفَاتِ وَوَفْرَةُ الِابْتِلَاءِ فِي الْمُحَاوَرَاتِ (كَالْقَلْبِ) التَّشْبِيهُ فِي أَصْلِ الْكَثْرَةِ أَوْ فِي الْقُوَّةِ وَإِلَّا فَمَا بِاللِّسَانِ أَكْثَرُ مِمَّا بِالْقَلْبِ (فَلِذَا) لِكَوْنِهِمَا مِنْ الْأُمُورِ الْمُعَظَّمَةِ (قِيلَ إنَّمَا) كَمَالُ (الْمَرْءِ بِأَصْغَرَيْهِ) جِرْمًا وَصُورَةً؛ الْقَلْبُ

стр. 965

بِتَخْلِيَتِهِ عَنْ جَمِيعِ الرَّذَائِلِ وَتَحْلِيَتِهِ بِحُسْنِ الشَّمَائِلِ، وَاللِّسَانُ بِحِفْظِهِ عَنْ الْهَفَوَاتِ وَالْآفَاتِ الْمَرْوِيَّةِ وَتَعَوُّدِهِ بِمَا يُوجِبُ مَرْضَاةَ رَبِّ الْبَرِّيَّةِ قِيلَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ هَذَا مُعَيْدِيٌّ مَنْسُوبٌ إلَى مُعَيْدٍ تَصْغِيرُ مَعْدٍ عَلَى طَرِيقِ التَّرْخِيمِ وَأَصْلُهُ أَنَّ الْمُنْذِرَ سَمِعَ بِالْمُعَيْدِيِّ وَأَعْجَبَهُ مَا يَبْلُغُهُ عَنْهُ فَلَمَّا رَآهُ اسْتَحْقَرَهُ وَقَالَ " تَسْمَعُ بِالْمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ " فَقَالَ إنَّ الرِّجَالَ لَيْسُوا بِجُزُرٍ إنَّمَا الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ إنْ قَالَ قَالَ بِلِسَانِهِ وَإِنْ قَاتَلَ قَاتَلَ بِجَنَانِهِ فَأَعْجَبَ الْمُنْذِرَ كَلَامُهُ قِيلَ هَكَذَا ذَكَرَهُ سَيِّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَقَدْ جَاءَ أَنَّ لُقْمَانَ سَأَلَهُ أُسْتَاذُهُ عَنْ أَطْيَبِ مَا فِي الْحَيَوَانِ فَجَاءَ بِلِسَانِ شَاةٍ وَقَلْبِهَا ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ أَخْبَثِهِ فَجَاءَ بِهِمَا فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ هُمَا أَطْيَبُ مَا فِيهِ إذَا طَابَ وَأَخْبَثُ مَا فِيهِ إذَا خَبُثَ (وَهُمَا) أَيْ الْقَلْبُ وَاللِّسَانُ (أَكْثَرُ مَجَارِي التَّقْوَى فَلِذَا كَثُرَ اهْتِمَامُ السَّلَفِ) مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ (بِهِمَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ وَقَدْ فَصَّلْنَاهُمَا بَعْضَ التَّفْصِيلِ) يَعْنِي لَا تَظُنَّ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا تَفْصِيلٌ مُمِلٌّ بَلْ مَا ذَكَرْنَا بِالنِّسْبَةِ إلَى اقْتِضَاءِ الْحَالِ أَقَلُّ قَلِيلٍ كَمَا يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ (وَإِنْ كَانَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُقْتَضَى الْحَاجَةِ غَايَةَ الْإِيجَازِ) وَنِهَايَةَ الِاخْتِصَارِ، يَرِدُ أَنَّ مَا يَكُونُ غَايَةَ الْإِيجَازِ يَكُونُ مُخِلًّا لِلْمَقْصُودِ فَيَلْزَمُ عَدَمُ الِانْتِفَاعِ مِنْهُ وَأَيْضًا يُنَافِي قَوْلَهُ بَعْضَ التَّفْصِيلِ إذْ مَا يَكُونُ غَايَةَ إيجَازٍ لَا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ التَّفْصِيلِ لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ غَايَةُ إيجَازٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَاجَةِ الْكَامِلَةِ كَإِحْيَاءِ الْعُلُومِ وَبَعْضُ تَفْصِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَاجَةِ فِي الْجُمْلَةِ وَأَنَّ الْمَقَامَ خَطَابِيٌّ بَلْ شِعْرِيٌّ لَا بُرْهَانِيٌّ فَلَا يُعْبَأُ بِمِثْلِ مَا ذَكَرْنَا (فَعَلَيْك أَيُّهَا السَّالِكُ بِصِيَانَةِ اللِّسَانِ عَنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْآفَاتِ) حَتَّى لَا يَصْدُرَ عَنْك شَيْءٌ مِنْهَا (إذْ لَا تَقْوَى بِدُونِهَا) أَيْ بِدُونِ صِيَانَةِ اللِّسَانِ وَإِنْ كَانَ وُجُودُهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى غَيْرِهَا (وَخُصُوصًا) كَلِمَةَ (الْكُفْرِ وَقَرِينَيْهِ) وَهُمَا خَوْفُ الْكُفْرِ وَالْخَطَأِ (وَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ أَمَّا الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ فَحَالُهَا ظَاهِرٌ) أَيْ الْكُفْرِ وَقَرِينَيْهِ أَيْ خَوْفِهِ وَالْخَطَأِ (وَأَمَّا الْكَذِبُ وَالْغِيبَةُ فَهُمَا فِي آفَاتِ اللِّسَانِ كَالرِّيَاءِ وَالْكِبْرِ فِي آفَاتِ الْقَلْبِ) فِي أَنَّهَا أُمَّهَاتُ الْخَبَائِثِ وَمَنْبَعُ الرَّذَائِلِ (فَكَمَا أَنَّ مَنْ نَجَا مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْكِبْرِ وَالرِّيَاءِ (بَعْدَ النَّجَاةِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْبِدْعَةِ يُرْجَى أَنْ يَنْجُوَ مِنْ سَائِرِ آفَاتِ الْقَلْبِ كَمَا ذَكَرْنَا سَابِقًا فَكَذَلِكَ يُرْجَى هَاهُنَا) أَيْضًا أَنَّ مَنْ نَجَا مِنْ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ بِالْكُلِّيَّةِ بَعْدَ النَّجَاةِ مِنْ تَلَفُّظِ الْكُفْرِ وَقَرِينَيْهِ (أَنْ يَنْجُوَ مِنْ سَائِرِ آفَاتِ اللِّسَانِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْفِيقِهِ) وَإِنَّمَا قَالَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّ النَّجَاةَ مِنْ سَائِرِ الْآفَاتِ أَصْعَبُ وَأَنَّ النَّجَاةَ مِنْهُمَا تَحْتَاجُ إلَى تَيْسِيرٍ وَتَوْفِيقٍ إلَهِيٍّ (فَلِذَا) أَيْ فَلِكَوْنِ النَّجَاةِ مِنْهُمَا مَظِنَّةَ النَّجَاةِ مِنْ غَيْرِهِمَا (وَرَدَ فِيهِمَا) فِي الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ (مِنْ الْأَخْبَارِ) النَّبَوِيَّةِ (وَالْآثَارِ) السَّلَفِيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الصِّنْفِ الثَّالِثِ لَعَلَّك قَدْ سَمِعْت أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ قَدْ يُحْتَجُّ بِهِمَا لَا سِيَّمَا فِي الْفَضَائِلِ وَفِي تَأْيِيدِ النَّصِّ وَأَنَّ الشُّبُهَاتِ كَافِيَةٌ فِي ثُبُوتِ الْحَظَارَاتِ (وَالِاهْتِمَامِ مِنْ السَّلَفِ مَا لَمْ يَرِدْ فِي غَيْرِهِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأُمَرَاءِ لَكِنَّهُ مِنْ

стр. 966

السَّلَفِ حَتَّى قِيلَ لَمْ يَجِئْ مِثْلُهُ فِي الْعَدَالَةِ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ لَيْسَ الِاحْتِجَاجَ بِكَلَامِهِ بَلْ مِنْ قَبِيلِ مَا أُخِذَ عَنْ الْعُلَمَاء وَالصُّلَحَاءِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ يُحْسَنُ فِيهِ الظَّنُّ فَمُقَدَّمَةٌ خَطَابِيَّةٌ تَنْفَعُ فِي مَقَامِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (أَنَّهُ قَالَ مَا كَذَبْت كِذْبَةً) وَاحِدَةً أَوْ حَقِيرَةً أَوْ قَلِيلَةً (مُنْذُ شَدَدْت عَلَيَّ إزَارِي) أَيْ مُنْذُ قَدَرْت عَلَى شَدِّ الْإِزَارِ وَيُمْكِنُ بَعْدَ سِتِّ سَنَوَاتٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ فَيُرَادُ وَقْتَ صِبَا الْعَاقِلِ وَقَدْ يُفَسَّرُ بِالْبُلُوغِ فَهَذَا مِنْ قَبِيلِ اهْتِمَامِ السَّلَفِ فِي حَقِّ الْكَذِبِ (وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ عَنْ بَعْضِ الزُّهَّادِ أَنَّهُ اشْتَرَى قُطْنًا لِغَزْلِ امْرَأَتِهِ) فَالْقُطْنُ لِلْمُشْتَرِي أَوْ لِأَجْلِ امْرَأَتِهِ فَالْقُطْنُ لِلْمَرْأَةِ وَفِيهِ نُدِبَ كَوْنُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِنَفْسِهِ إذْ فِعْلُ الْمَشَايِخِ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ النَّدْبِ غَالِبًا (فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ إنَّ بَاعَةَ) جَمْعَ بَائِعٍ أَصْلُهُ بَيْعَةٌ (الْقُطْنِ قَوْمُ سَوْءٍ قَدْ خَانُوك فِي هَذَا الْقُطْنِ) إمَّا بِكَوْنِ ثَمَنِهِ غَالِيًا أَوْ بِكَوْنِهِ رَدِيئًا وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي هَذَا الْقُطْنِ أَوْ بِنُقْصَانِ وَزْنِهِ أَوْ بِإِدْرَاجِ قَبِيحٍ فِي مَلِيحٍ (فَطَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ) عَنْ سَبَبِ تَطْلِيقِهِ (فَقَالَ إنِّي رَجُلٌ غَيُورٌ) كَثِيرُ الْغَيْرَةِ (أَخَافُ أَنْ يَكُونَ الْقَطَّانُونَ) بَائِعُو الْقُطْنِ (خُصَمَاءَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قِيلَ أَيْ سَبَبُ اغْتِيَابِهَا لَهُمْ يَشْكُلُ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الِاغْتِيَابِ مَعْرِفَةُ الْمُخَاطَبِ وَأَنْ يَكُونَ عَلَى طَرِيقِ الشَّتْمِ وَالسَّبِّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَوْمَ كَالْقَرْيَةِ فِيمَا سَبَقَ عَنْ قَاضِي خَانْ يَشْمَلُ أَهْلَ الصَّلَاحِ وَالصِّبْيَانِ فَيَكُونُ مَجْهُولًا فَلَا يَكُونُ غِيبَةً وَأَيْضًا الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى طَرِيقِ الِاهْتِمَامِ لَا السَّبَبِ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى طَرِيقِ الْغَضَبِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ التَّظَلُّمِ بَلْ يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ الزَّوْجَةِ عَلَى طَرِيقِ التَّحْذِيرِ وَالْإِيذَانِ لِئَلَّا يَشْتَرِيَ مِنْهُمْ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ فَمَا فِي حَاشِيَةِ الْمَوْلَى الْمُحَشِّي مِنْ أَنَّ الْقَوْمَ السَّوْءَ مَعْلُومٌ لِلْمُخَاطَبِ وَأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الشَّتْمِ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحَاسِمٍ لِمَادَّةِ الْإِشْكَالِ لَعَلَّ الْحَقَّ فِي الْجَوَابِ أَنَّ هَذَا طَرِيقُ أَهْلِ الْوَرَعِ وَالْعَزِيمَةِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الشُّرُوطِ لِأَهْلِ الْفَتْوَى وَالرُّخْصَةِ وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ الْأَحْكَامَ قَدْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ (فَيُقَالُ) فِي الْقِيَامَةِ فِي مَحْضَرِ أَهْلِ الْعَرَصَاتِ (إنَّ امْرَأَةَ فُلَانٍ تَعَلَّقَ بِهَا الْقَطَّانُونَ) الظَّاهِرُ أَنَّ التَّعَلُّقَ الْمُوجِبَ لِلْغَيْرَةِ أَنْ يَكُونَ بِالْجَسَدِ وَالْبَدَنِ كَالتَّعَلُّقِ بِالْيَدِ عَلَى يَدِهَا أَوْ ثَوْبِهَا كَمَا فِي الدُّنْيَا لِأَجْلِ امْتِنَاعِ الْخَصْمِ عَنْ الْمُرَافَعَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ مُنْتَفٍ فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ التَّعَلُّقَ الْمُوجِبَ لِلْغَيْرَةِ إنَّمَا هُوَ لِخَوْفِ قَصْدِ السُّوءِ وَلَا شَكَّ أَيْضًا فِي انْتِفَاءِ احْتِمَالِهِ هُنَالِكَ وَأَيْضًا إنَّ الطَّلَاقَ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فِي نَفْسِهِ لَكِنْ لَا تَخْفَى مَذْمُومِيَّتُهُ لِأَجْلِ مِثْلِ هَذَا الِاحْتِمَالِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لِذَلِكَ قَالَ أَخَافُ أَنْ يَكُونُوا خُصَمَاءَهَا وَلَمْ يَجْزِمْ بِهِ لَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ وَأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ التَّعَسُّرِ وَمَا لَا يُطَاقُ فَلَا يُكَلِّفُ الشَّرْعُ بِهِ، لَعَلَّ الْأَقْرَبَ أَنْ يُقَالَ إنَّ التَّطْلِيقَ لَيْسَ لِأَجْلِ الْغِيبَةِ بَلْ لِلْكَذِبِ فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ صَالِحُونَ وَيَعْرِفُ صَلَاحَهُمْ الشَّيْخُ أَوْ لِسُوءِ الظَّنِّ بِهِمْ فَتَأَمَّلْ (فَلِأَجْلِ ذَلِكَ طَلَّقْتهَا) لَيْسَ عَلَى طَرِيقِ الْوُجُوبِ بَلْ عَلَى طَرِيقِ الْإِبَاحَةِ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ تَطْلِيقُ تَارِكَةِ الصَّلَاةِ فَضْلًا عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ [الصِّنْفُ الثَّالِثُ فِي آفَاتِ الْأُذُنِ اسْتِمَاعُ كُلِّ مَا لَا يَجُوزُ التَّكَلُّمُ بِهِ بِلَا ضَرُورَةٍ] (الصِّنْفُ الثَّالِثُ فِي آفَاتِ الْأُذُنِ) مِنْ الْأَصْنَافِ التِّسْعَةِ (فَمِنْهَا اسْتِمَاعُ كُلِّ مَا لَا يَجُوزُ التَّكَلُّمُ بِهِ بِلَا ضَرُورَةٍ) كَمَا فِي جَمِيعِ آفَاتِ اللِّسَانِ كَالْغِنَاءِ وَالْغِيبَةِ (دُنْيَوِيَّةٍ) وَمَا لَا يَكُونُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ (كَخَوْفِ الْهَلَاكِ) نَفْسًا أَوْ عِرْضًا أَوْ لَا عِنْدَ عَدَمِ الِاسْتِمَاعِ (وَأَخْذِ الْحَقِّ) بِأَنْ لَا يَصِلَ إلَيْهِ إلَّا بِذَلِكَ (وَكَسْبِ الْمَعَاشِ) بِأَنْ لَا يُمْكِنَ أَوْ يَعْسُرَ الْأَخْذُ أَوْ الْكَسْبُ بِدُونِ الِاسْتِمَاعِ (أَوْ) بِلَا ضَرُورَةٍ (دِينِيَّةٍ كَإِقَامَةِ وَاجِبٍ أَوْ سُنَّةٍ كَتَشْيِيعِ جِنَازَةٍ) فَإِنَّ مِقْدَارَ مَنْ يَكْفِي الدَّفْنَ مِنْ الرِّجَالِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَمَا زَادَ سُنَّةٌ فَلِإِقَامَةِ هَذَيْنِ

стр. 967

يَجُوزُ اسْتِمَاعُ النِّيَاحَةِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهَا بِطَرِيقٍ آخَرَ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ لَكِنْ يَشْكُلُ بِتَرْجِيحِ الْكَرَاهَةِ عَلَى السُّنَّةِ وَالْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَقُولُ وَكَذَا الْجُمُعَةُ وَالْعِيدَانِ فِي زَمَانِنَا لِأَنَّهُمَا غَيْرُ خَالِيَيْنِ عَنْ الْغِنَاءِ وَاللَّحْنِ وَسَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ كَذَا قِيلَ لَكِنَّ مِثْلَ الْإِشْكَالِ يَرِدُ أَيْضًا عَلَى الْعِيدِ فَافْهَمْ (مَعَهَا نَائِحَةٌ) وَهِيَ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالْبُكَاءِ لَكِنْ لَا يَسْتَمِعُ بَلْ يَمْشِي مَعَ الْجِنَازَةِ وَلَا يَضُرُّ لَكَ - ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]- فَإِنْ قِيلَ الِاسْتِمَاعُ عِنْدَ الْحُضُورِ ضَرُورِيٌّ فَكَيْفَ لَا يَسْتَمِعُ وَلَوْ سُلِّمَ لَزِمَ جَوَازُ الْحُضُورِ عِنْدَ الْجَمِيعِ قُلْنَا يَجُوزُ أَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ الِاسْتِمَاعِ وَالْإِصْغَاءِ عَدَمُ الْإِقْبَالِ وَالتَّلَذُّذِ بَلْ الِاشْتِغَالُ بِنَحْوِ الذِّكْرِ وَالْمُكَالَمَةِ مَعَ الْإِخْوَانِ قَالَ يَقُولُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمُنْكَرِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ هَذَا مُنْكَرٌ وَأَنَا لَهُ مُنْكِرٌ [إجَابَةِ دَعْوَةٍ فِيهَا مُنْكَرٌ كَالْغِنَاءِ وَاللَّعِبِ] (بِخِلَافِ إجَابَةِ دَعْوَةٍ فِيهَا مُنْكَرٌ كَالْغِنَاءِ وَاللَّعِبِ) نُقِلَ هُنَا عَنْ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ كَانَ بِالْأَشْعَارِ أَوْ بِالْأَذْكَارِ أَوْ الْقُرْآنِ أَوْ الدُّعَاءِ بَلْ هَذَا أَقْبَحُ مِنْ الْأَوَّلِ انْتَهَى لِاعْتِقَادِهِ الْعِبَادَةَ فِيمَا فِيهِ مَعْصِيَةٌ أَوْ لِلْإِخْلَالِ بِالتَّعْظِيمِ اللَّازِمِ شَرْعًا بَلْ لِإِيهَامِ التَّخْفِيفِ وَالِاسْتِهَانَةِ (فَإِنَّ الدَّاعِيَ لَمَّا ارْتَكَبَ الْمَعْصِيَةَ) الْمُوجِبَةَ لِسَخَطِ الرَّبِّ (لَمْ يَسْتَحِقَّ الْإِجَابَةَ) زَجْرًا لَهُ لِأَنَّ مَنْ لَا يُجِيبُ لَا يُجَابُ (فَلَمْ تَكُنْ) الْإِجَابَةُ (سُنَّةً بَلْ) كَانَتْ (حَرَامًا) وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ ضَرْبُ الدُّفِّ فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ وَالْقَوَافِلِ وَالْغَزْوِ لِأَنَّهُ مُرَخَّصٌ شَرْعًا كَمَا فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى وَمَا اُعْتِيدَ مِنْ ضَرْبِ الدُّفِّ فِي نَحْوِ الضِّيَافَاتِ وَاسْتِقْبَالِ نَحْوِ الْأُمَرَاءِ حَرَامٌ فَيَفْسُقُ الْمُبَاشِرُ وَالْآمِرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ جَوَازُهُ لِلصَّبِيِّ مِنْ غَيْرِ تَلَهٍّ (وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ الِاسْتِمَاعُ لِأَنَّ الْمُسْتَمِعَ شَرِيكُ الْقَائِلِ) فِي الْإِثْمِ إلَّا بِعُذْرٍ (طب عَنْ ابْنِ عُمَرَ) (أَنَّهُ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْغِيبَةِ وَعَنْ الِاسْتِمَاعِ إلَى الْغِيبَةِ» لَا يَخْفَى أَنَّ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي النُّصُوصِ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّ اسْتِمَاعَ حُرْمَةِ بِوَاقِي الْمُحَرَّمَاتِ مَنْصُوصَةٌ بِنُصُوصٍ مَخْصُوصَةٍ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ هُنَا أَنَّ بِوَاقِيَ الْمُحَرَّمَاتِ كَالْكَذِبِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْبُهْتَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مُلْحَقَةٌ بِذَلِكَ بِدَلَالَةِ النَّصِّ [اسْتِمَاعُ الْمَلَاهِي آلَاتِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ بِلَا اضْطِرَارٍ] (وَمِنْهَا) اسْتِمَاعُ الْمَلَاهِي آلَاتِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ (بِلَا اضْطِرَارٍ) (كَذَلِكَ) الْمَذْكُورُ قَبْلَهُ دِينِيٌّ أَوْ دُنْيَوِيٌّ (كَالتِّجَارَةِ) مِثَالٌ لِلدُّنْيَوِيِّ (وَالْغَزْوِ وَالْحَجِّ) مِثَالَانِ لِلدِّينِيَّةِ لَا يَخْفَى أَنَّهُ مَفْهُومٌ مِنْ الْأَمْثِلَةِ كَوْنَ الضَّرُورَةِ لِأَدَاءِ وَاجِبٍ وَقَدْ سَمِعْت قَرِيبًا مِنْ الْمُصَنِّفِ أَدَاءَ سُنَّةٍ أَيْضًا فَافْهَمْ (إذَا لَمْ يُمْكِنْ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا (إلَّا مَعَ اسْتِمَاعِ الْمَلَاهِي لَا يَضُرُّ) لَكِنْ لَا يَسْتَمِعُهَا بَلْ يَكْرَهُهَا وَلَا يَضُرُّ سَمَاعُهَا وَهَذَا مَحْمَلُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَضَرَ مَعْصِيَةً فَكَرِهَهَا فَكَأَنَّمَا غَابَ عَنْهَا وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا فَكَأَنَّهُ حَضَرَهَا» وَعَنْ الْخَانِيَّةِ قَوْمٌ خَرَجُوا إلَى الْغَزْوِ وَفِيهِ قَوْمٌ مِنْ الْفَسَقَةِ وَأَصْحَابِ الْمَلَاهِي قَالُوا إنْ أَمْكَنَ لِلصُّلَحَاءِ أَنْ يَنْفَرِدُوا بِالْخُرُوجِ فَعَلُوا ذَلِكَ وَإِلَّا فَفِسْقُهُمْ عَلَيْهِمْ وَلِهَؤُلَاءِ خَالِصُ نِيَّاتِهِمْ (قَالَ قَاضِي خَانْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اسْتِمَاعُ الْمَلَاهِي مَعْصِيَةٌ» إذَا لَمْ يَكُنْ بِضَرُورَةٍ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الِاسْتِمَاعِ وَالسَّمَاعِ فَفِي الِاسْتِمَاعِ الْحُرْمَةُ مُطْلَقًا (وَالْجُلُوسُ عَلَيْهَا فِسْقٌ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْجُلُوسَ فَوْقَ الِاسْتِمَاعِ فِي الْإِثْمِ وَلِذَا قَيَّدَ الْمَعْصِيَةَ هُنَا بِالصَّغِيرَةِ (وَالتَّلَذُّذُ بِهَا مِنْ الْكُفْرِ إنَّمَا قَالَ ﵊ ذَلِكَ) أَيْ التَّلَذُّذُ بِهَا كُفْرٌ (عَلَى وَجْهِ التَّشْدِيدِ)

стр. 968

وَالتَّهْدِيدِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْلَالِ أَوْ عَلَى كُفْرَانِ نِعَمِهِ إذْ صَرْفُ الْجَوَارِحِ إلَى غَيْرِ مَا خُلِقَتْ لَهُ كُفْرٌ بِالنِّعْمَةِ لَعَلَّ وَجْهَ التَّشْدِيدِ إرَادَةُ الْكُفْرِ الْحَقِيقِيِّ مِنْ اللَّفْظِ وَلَا يُرِيدُهُ بَلْ يُرِيدُ مَعْنًى مَجَازِيًّا (وَإِنْ سَمِعَ بَغْتَةً فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ أَمْرٌ إيجَابِيٌّ لَا اخْتِيَارِيٌّ (وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ كُلَّ الْجُهْدِ) يَعْنِي يَصْرِفُ جُهْدَهُ وَوُسْعَهُ وَطَاقَتَهُ (حَتَّى لَا يَسْمَعَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنِهِ» انْتَهَى) [اسْتِمَاعُ الْغِنَاءِ بِالِاخْتِيَارِ] (وَمِنْهَا اسْتِمَاعُ الْغِنَاءِ بِالِاخْتِيَارِ) تَذَكَّرْ مَا قُلْنَا (وَقَالَ فِي التتارخانية التَّغَنِّي وَاسْتِمَاعُ الْغِنَاءِ حَرَامٌ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ وَبَالَغُوا فِيهِ) أَيْ فِي حُرْمَتِهِ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ حُرْمَتَهُ ثَابِتَةٌ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ هَذَا وَقَدْ ثَبَتَ التَّجْوِيزُ عَنْ بَعْضٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ كَمَا سَبَقَ قُلْنَا قَدْ أُشِيرَ أَيْضًا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الْغِنَاءِ وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمَغْنَى وَتَفْصِيلِهِ أَيْضًا فِي رِسَالَةِ عَلِيٍّ الْقَارِي مَا حَاصِلُهُ أَنَّ التَّغَنِّيَ ثَلَاثَةٌ الْأَوَّلُ مَا لَا يَكُونُ بِآلَةٍ مَعَ سَلَامَةِ الْقَوْلِ مِنْ الْفِتْنَةِ وَالْمَلَامَةِ نُقِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْمُجْتَهِدِينَ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ إبَاحَتُهُ وَهُوَ مُخْتَارُ الْقُشَيْرِيِّ وَحَكَى الْغَزَالِيُّ الِاتِّفَاقَ وَابْنُ حَزْمٍ ادَّعَى إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَيْهِ وَفِي النِّهَايَةِ أَيْضًا جَوَازُهُ وَعِنْدَ السَّرَخْسِيِّ أَنَّهُ لِدَفْعِ وَحْشَةٍ وَمُخْتَارُ عِزِّ الدِّينِ وَابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ وَبَدْرِ الدِّينِ وَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ فِي الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِ وَمُبَاحٌ فِي غَيْرِهِ وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ وَحَمَّادٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَالشَّعْبِيِّ مِنْ الْكَرَاهَةِ بَلْ عَدُوُّهُ مِنْ الذُّنُوبِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا يَكُونُ مَقْرُونًا بِأَلْحَانِ الْفُسَّاقِ أَوْ بِالْآلَاتِ الْمُحَرَّمَةِ وَالثَّانِي مَا يَكُونُ بِآلَةٍ كَالْأَوْتَارِ وَالْمَزَامِيرِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّ الضَّرْبَ وَاسْتِمَاعَهُ حَرَامٌ وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ إبَاحَتُهُ وَكَذَا عَنْ شِرْذِمَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَعَنْ أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ عَنْ الْأَرْبَعَةِ حُرْمَتُهُ وَعَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ فَأَمَّا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ فَأَشَدُّ الْمَذَاهِبِ وَقَوْلُهُ أَغْلَظُ الْأَقْوَالِ وَصَرَّحَ أَصْحَابُهُ أَنَّ اسْتِمَاعَهُ فِسْقٌ وَالتَّلَذُّذَ بِهِ كُفْرٌ وَلَيْسَ بَعْدَ الْكُفْرِ غَايَةٌ، وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنَّمَا يَفْعَلُهُ الْفُسَّاقُ وَفِي كُتُبِ أَصْحَابِهِ إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَجَدَهَا مُغَنِّيَةً فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ، وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَهْوٌ مَكْرُوهٌ يُشْبِهُ الْبَاطِلَ ثُمَّ قَالَ وَأَحْسَنُ الْأَقْسَامِ أَنْ يَسْمَعَ الْمَرْءُ أَبْيَاتًا بَدِيعَةً لِرَجُلٍ صَالِحٍ بِتَحْزِينٍ فَيَهِيجَ لَهُ بُكَاءً وَحُزْنًا عَلَى انْقِطَاعِهِ عَنْ بَابِ مَوْلَاهُ فَيَتَيَقَّظَ بِذَلِكَ مِنْ الْغَفْلَةِ فِي أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَلَوْ أَنَّهُ تَغَنَّى بِالْقُرْآنِ وَحَسَّنَ بِهِ صَوْتَهُ أَوْ سَمِعَهُ مُقْرِئٌ مَطْرُوبٌ ذُو قَلْبٍ مُنِيبٍ لَانْتَفَعَ بِهِ أَضْعَافَ مَا انْتَفَعَ بِالْأَشْعَارِ وَهَذَا سَمَاعُ الصَّحَابَةِ وَفِيهِمْ نَزَلَ - ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]- الثَّالِثُ مَا يُقَارَنُ بِالدُّفِّ وَالشَّبَّابَةِ فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ حَرَامٌ وَمُخْتَارُ النَّوَوِيِّ وَعِنْدَ بَعْضٍ مُبَاحٌ وَمُخْتَارُ جَمَاعَةٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ كَالرَّافِعِيِّ وَالْغَزَالِيِّ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَعَنْ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى مَنْعِهِ وَلَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى جَوَازِهِ فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ فَمَنْ اجْتَهَدَ وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى التَّحْرِيمِ قَالَ بِهِ وَمَنْ اجْتَهَدَ وَأَدَّاهُ إلَى الْجَوَازِ قَالَ بِهِ انْتَهَى ثُمَّ أَقُولُ الْأَسْلَمُ أَنْ يُرَادَ مِنْ كَلَامِ التتارخانية مَعْنًى مَجَازِيٌّ غَيْرُ الْمَعْنَى الْمَشْهُورِ (وَفِي الْهِدَايَةِ أَنَّ) (الْمُغَنِّيَ لِلنَّاسِ) لَا لِنَفْسِهِ لِنَحْوِ الْوَحْشَةِ (لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ) (لِأَنَّهُ يَجْمَعُهُمْ عَلَى الْكَبِيرَةِ وَفِي التتارخانية أَيْضًا) قِيلَ عَنْ الْمِنَحِ عَنْ الْبَحْرِ أَنَّ الْمَذَاهِبَ حُرْمَةُ الْغِنَاءِ مُطْلَقًا وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِمَا فِي الزِّيَادَاتِ مِنْ قَوْلِهِ إذَا أَوْصَى بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ وَذَكَرَ مِنْهَا الْوَصِيَّةَ لِلْمُغَنِّينَ وَالْمُغَنِّيَاتِ خُصُوصًا إذَا كَانَ مِنْ الْمَرْأَةِ انْتَهَى قَالَ فَقَدْ ثَبَتَ نَصُّ الْمَذَاهِبِ عَلَى حُرْمَتِهِ فَانْقَطَعَ الِاخْتِلَافُ (وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا رُخْصَةَ فِي بَابِ السَّمَاعِ فِي زَمَانِنَا) وَإِنْ رُخِّصَ فِي زَمَانِ السَّلَفِ لِعَدَمِ

стр. 969

الْمَحْذُورِ فِي زَمَانِهِمْ (لِأَنَّ جُنَيْدًا) الَّذِي يُجَوِّزُهُ عِنْدَ شَرَائِطِهِ (تَابَ عَنْ السَّمَاعِ فِي زَمَانِهِ) وَفِي التتارخانية السَّمَاعُ لَيْسَ بِجَائِزٍ وَعَنْ الذَّخِيرَةِ كَبِيرَةٌ وَالْإِبَاحَةُ إنَّمَا هِيَ لِمَنْ حَرَكَتُهُ غَيْرُ اخْتِيَارِيَّةٍ وَعَنْ الْعَوَارِفِ لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِ الْمَشَايِخِ لِأَنَّهُ يُشَابِهُ اللَّهْوَ وَأَمَّا السَّمَاعُ فِي نَحْوٍ الْقُرْآنِ وَالْمَوْعِظَةِ فَمُسْتَحَبٌّ وَأَمَّا الْغِنَاءُ فَحَرَامٌ إجْمَاعًا وَالْإِبَاحَةُ إنَّمَا هِيَ لِمَنْ تَخَلَّى عَنْ الْهَوَى وَتَحَلَّى بِالتَّقْوَى وَاحْتَاجَ إلَيْهِ احْتِيَاجَ الْمَرِيضِ إلَى الدَّوَاءِ ثُمَّ لَهُ رُخْصَةٌ وَلَهُ شَرَائِطُ الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ أَمْرَدُ. الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ فُسَّاقٌ أَوْ امْرَأَةٌ. الثَّالِثُ نِيَّةُ الْخُلُوصِ بِلَا أُجْرَةٍ وَطَعَامٍ الرَّابِعُ لَا يَقُومُونَ إلَّا مَغْلُوبِينَ الْخَامِسُ أَنْ لَا يُظْهِرُوا الْوَجْدَ إلَّا صَادِقِينَ وَتَمَامُهُ فِي التتارخانية [رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْجِنَازَةِ وَالزَّحْفِ وَالتَّذْكِيرِ] (وَفِي الِاخْتِيَارِ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَرِهَ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْجِنَازَةِ وَالزَّحْفِ وَالتَّذْكِيرِ» أَيْ الْوَعْظِ) وَفُسِّرَ بِالْوَعْظِ لَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يَشْتَمِلَ نَحْوُ الذِّكْرِ بِنَحْوِ التَّهْلِيلِ (فَمَا ظَنُّك بِهِ) بِكَرَاهَتِهِ (عِنْدَ اسْتِمَاعِ الْغِنَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ) أَيْ جَهَلَةُ الْمُتَصَوِّفَةِ (وَجْدًا) وَهُوَ لَيْسَ بِوَجْدٍ فِي الْحَقِيقَةِ (انْتَهَى) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى جَوَازِهِ عِنْدَ الْوَجْدِ الْحَقِيقِيِّ وَفِي الْقُنْيَةِ رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَالْوَعْظِ مَكْرُوهٌ (وَأَقْبَحُ التَّغَنِّي مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَقَدْ مَرَّ شَيْءٌ مِنْهُ فِي آفَات اللِّسَانِ) وَفِي قَاضِي خَانْ

стр. 970

رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حَرَامٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ لَا يَدْعُو أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا» وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ» وَلِأَنَّ الْإِخْفَاءَ أَبْعَدُ مِنْ الرِّيَاءِ وَأَقْرَبُ إلَى الْخُضُوعِ وَالْأَدَبِ وَقَدْ صَحَّ أَثَرٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ سَمِعَ قَوْمًا اجْتَمَعُوا فِي مَسْجِدٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ وَيُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﵊ فَرَاحَ إلَيْهِمْ وَقَالَ مَا عَهِدْنَا ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﵊ وَمَا أَرَاكُمْ إلَّا مُبْتَدَعِينَ فَمَا زَالَ يَذْكُرُ حَتَّى أَخْرَجَهُمْ مِنْ الْمَسْجِدِ وَفِي كَبِيرِ الْحَلَبِيِّ الْجَهْرُ بِدْعَةٌ فِي الذِّكْرِ فَإِنْ قَالُوا بِجَوَازِ الْجَهْرِ بِمَا فِي نَحْوِ الْأَحْقَافِ قُلْت أَدْنَى دَرَجَةِ الِاخْتِلَافِ إيرَاثُ الشُّبْهَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَنِبَ عَنْهُ مَنْ ادَّعَى سُلُوكَ طَرِيقِ الْوَرَعِ كَمَا فِي ابْنِ الْمَلِكِ وَفِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا» وَفِي آخِرِ رِسَالَةِ أَبِي مَسْعُودٍ الْجَهْرُ بِالذِّكْرِ جَائِزٌ وَلَكِنَّ الْإِخْفَاءَ أَفْضَلُ وَهُوَ مُرَادُ مُحَمَّدٍ بِمَا ذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ مِنْ كَرَاهَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ عَلَى مَا بَيَّنَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُحِيطِ وَلَكِنْ قَدْ يَعْرِضُ عَارِضٌ فَيَكُونُ الْجَهْرُ أَفْضَلَ كَدَفْعِ الْكَسَلِ وَالنَّوْمِ وَالْخَوَاطِرِ وَحَثِّ الْغَيْرِ وَالْمُعَاوَنَةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الذِّكْرَ وَالْقُرْآنَ وَالصَّدَقَةَ سَوَاءٌ حَقَّ الْجَهْرُ وَالْإِخْفَاءُ وَكَوْنُ الْأَصْلِ الْإِخْفَاءَ إنْ لَمْ يَعْرِضْ عَارِضٌ وَلَوْ ذَكَرْت دَلِيلَ جَوَازِ جَهْرِ الذِّكْرِ لَزَادَ عَلَى مِائَةٍ انْتَهَى أَقُولُ قَدْ حَرَّرْت رِسَالَةً فِي حَقِّ الْجَهْرِ فِي الذِّكْرِ فَمَنْ أَرَادَ تَفْصِيلَهُ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ حَاصِلُهُ اخْتِلَافُ الْجَوَازِ وَرُجْحَانُهُ وَعَدَمُهُمَا بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَوْقَاتِ وَالْأَغْرَاضِ [اسْتِمَاعُ الْقُرْآنِ مِمَّنْ يَقْرَأُ بِلَحْنٍ وَخَطَإٍ بِلَا تَجْوِيدٍ] (وَمِنْهَا) (اسْتِمَاعُ الْقُرْآنِ) وَكَذَا الْأَذْكَارُ لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْعِلَّةِ وَسَيُشَارُ مِنْ الْمُصَنِّفِ (مِمَّنْ يَقْرَأُ بِلَحْنٍ وَخَطَإٍ بِلَا تَجْوِيدٍ) لَعَلَّ هَذَا بَيَانُ اللَّحْنِ وَالْخَطَإِ (فَعَلَيْهِ) أَيْ السَّامِعِ (النَّهْيُ إنْ ظَنَّ التَّأْثِيرَ) وَفِي الشَّكِّ يَتَخَيَّرُ (وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الْقِيَامُ وَالذَّهَابُ) وَلَوْ اكْتَفَى بِالذَّهَابِ لَكَانَ أَخْصَرَ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي الرَّدِّ (إنْ قَدَرَ بِلَا ضَرَرٍ) لِنَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ غَيْرِهِ ﴿فَلا تَقْعُدْ﴾ [الأنعام: ٦٨] هَذَا قِيَاسٌ وَدَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْقِيَامِ ﴿بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] وَهَذَانِ أَيْ التَّغَنِّي فِي الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَاسْتِمَاعُ مَنْ يَقْرَأُ بِلَحْنٍ (وَإِنْ دَخَلَا فِي الْآفَةِ الْأُولَى) أَيْ اسْتِمَاعِ مَا لَا يَجُوزُ الْكَلَامُ بِهِ (صَرَّحْنَا بِهِمَا لِكَثْرَةِ الِابْتِلَاءِ بِهِمَا مَعَ اعْتِقَادِ الْجَوَازِ) بَلْ مَعَ اعْتِقَادِ الثَّوَابِ (وَأَشْبَهُهُمْ) أَيْ أَقْرَبُهُمْ شَبَهًا إلَى الْحَقِّ (مَنْ يَقُولُ الْإِثْمُ عَلَى الْقَارِئِ لَا عَلَى السَّامِعِ وَمِنْهَا اسْتِمَاعُ كَلَامِ شَابَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ) فَلَا بَأْسَ مَعَ الْحَاجَةِ بَلْ قَدْ يَجِبُ (خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا كُتِبَ) فِي الْأَزَلِ أَوْ اللَّوْحِ أَيْ قُضِيَ وَعُيِّنَ «عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنْ الزِّنَا» أَيْ مُقَدَّمَاتِهِ مِنْ النَّظَرِ الْحَرَامِ وَالِاسْتِمَاعِ وَالْبَطْشِ وَالتَّخَطِّي وَالتَّكَلُّمِ بِهِ وَالِاشْتِهَاءِ لَهُ

стр. 971

«مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ» أَيْ أَلْبَتَّةَ وَمَا يَلْزَمُهُ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَدَمُ نَفْعِ الْفِرَارِ مِنْ الزِّنَا حِينَئِذٍ فَإِنَّ قَضَاءَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتَخَلَّفُ عَنْ الْمَقْضِيِّ وَيَلْزَمُ كَوْنُ التَّكْلِيفِ بِالْفِرَارِ مِنْهُ عَبَثًا وَأَنْ لَا يُعَذَّبَ بِإِتْيَانِهِ لِكَوْنِهِ اضْطِرَارِيًّا فَقَدْ اسْتَوْفَى فِي الْكَلَامِيَّةِ حَاصِلُهُ أَنَّ الْقَضَاءَ كَالْإِرَادَةِ تَابِعٌ لِلْعِلْمِ وَالْعِلْمَ لِلْمَعْلُومِ، وَالْمَعْلُومُ إنَّمَا يَصْدُرُ بِالِاخْتِيَارِ نَعَمْ فِيهِ نَوْعُ جَبْرٍ وَلَكِنْ قَالُوا مَا مِنْ مَذْهَبٍ إلَّا فِيهِ قَدَمٌ رَاسِخٌ مِنْ الْجَبْرِ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ السَّلَفِ لَا جَبْرَ وَلَا تَفْوِيضَ وَلَكِنْ مَرَّ بَيْنَهُمَا وَقَدْ سَبَقَ «فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا» تَفْصِيلٌ لِلزِّنَى «النَّظَرُ» لِمَا لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ لَكِنْ فِيهِ تَأَمُّلٌ «وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ» لِمَا يَحْرُمُ التَّكَلُّمُ بِهِ فَيَدْخُلُ التَّغَنِّي وَاللَّحْنُ وَالْكَذِبُ وَالْغِيبَةُ وَالْأَشْبَهُ اسْتِمَاعُ كَلَامِ شَابَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ بِلَا ضَرُورَةٍ «وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ» ظَاهِرُهُ مُطْلَقُ آفَاتِ اللِّسَانِ لَكِنَّ الْأَشْبَهَ أَيْضًا الْكَلَامُ مَعَ الشَّابَّةِ الْأَجْنَبِيَّةِ «وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ» أَيْ بَطْشُ عُضْوٍ مِنْهَا أَيْ مِنْ أَعْضَائِهَا بِلَا ضَرُورَةٍ أَوْ مُطْلَقُ مَا لَا يَجُوزُ بَطْشُهُ «وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَى» بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مَقْصُورًا جَمْعُ خُطْوَةٍ بِضَمٍّ وَسُكُونٍ يَعْنِي زِنَاهَا الْمَشْيُ إلَى مَا فِيهِ زِنًا أَوْ إلَى مُطْلَقِ مَا لَا يَجُوزُ مَشْيُهُ إلَيْهِ لَكِنْ عَرَفْت الْأَشْبَهَ وَالْأَقْرَبَ «وَالْقَلْبُ يَهْوَى» ذَلِكَ الْقَبِيحَ «وَيَتَمَنَّى» قِيلَ إنَّمَا غَيَّرَ الْأُسْلُوبَ إشَارَةً لِي أَنَّ مَا يَكُونُ مِنْ الْقَلْبِ مُجَرَّدُ التَّمَنِّي وَالْهَوَى لَا الزِّنَى فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُجَرَّدُ مَحَبَّةِ الْقَلْبِ بِدُونِ مَا ذُكِرَ مَكْرُوهًا تَنْزِيهًا وَلَا يَكُونُ زِنًا كَمَا يَكُونُ النَّظَرُ وَالِاسْتِمَاعُ أَقُولُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ التَّغْيِيرِ مَا ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ فِيمَنْ هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ كَمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ «وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ» أَيْ مَا يَتَمَنَّاهُ الْقَلْبُ «الْفَرْجُ» بِأَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ الزِّنَا «أَوْ يُكَذِّبُهُ» بِعَدَمِ صُدُورِهِ مِنْهُ قِيلَ هَذَا لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ فَإِنَّ الْخَوَاصَّ مَعْصُومُونَ مِنْ الزِّنَا وَمُقَدَّمَاتِهِ أَقُولُ يَرُدُّ عَلَيْهِ صَدْرُ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ [اسْتِمَاعُ حَدِيثِ قَوْمٍ يَكْرَهُونَهُ] (وَمِنْهَا) (اسْتِمَاعُ حَدِيثِ قَوْمٍ يَكْرَهُونَهُ) (إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي قَصْدِ إضْرَارِهِ) لِنَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ فَيَجُوزُ (وَقَدْ مَرَّ حَدِيثُ " خ " عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلُمٍ» بِضَمَّتَيْنِ الرُّؤْيَا وَتَحَلَّمَ إذَا ادَّعَى ذَلِكَ حُلُمًا «لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَمْ يَفْعَلْ» لِعَدَمِ إمْكَانِهِ فَالْأَمْرُ لِلتَّعْجِيزِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى - ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ [البقرة: ٢٣] د - «وَمَنْ اسْتَمَعَ إلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ» أَيْ يَكْرَهُونَ اسْتِمَاعَهُ «صُبَّ» مَجْهُولٌ مَاضٍ ( «فِي أُذُنَيْهِ الْآنُكُ» وَهُوَ الْأُسْرُبُّ وَقِيلَ هُوَ الرَّصَاصُ الْأَبْيَضُ «يَوْمَ الْقِيَامَةِ» لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ لِلْأُذُنِ نَاسَبَ أَنْ تَكُونَ الْعُقُوبَةُ لَهَا لِأَنَّ جَزَاءَ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ثُمَّ جُمْلَةُ صُبَّ إخْبَارٌ عَمَّا سَيَقَعُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ دُعَاءً عَلَيْهِ وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَصْلُ أَنَّ هَذَا الْوَعِيدَ فِي حَقِّ مَنْ يَسْتَمِعُ لِغَيْرِ غَرَضٍ شَرْعِيٍّ وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الِاسْتِمَاعَ لِدَفْعِ الْفَسَادِ أَوْ لِاحْتِرَازِ الشَّرِّ أَوْ لِلنَّصِيحَةِ جَائِزٌ بَلْ قَدْ يَجِبُ

стр. 972

[مَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ] (وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ) أَيْ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ قَبِيلِ قَدْ أَفْلَحَ لِأَنَّ شَأْنَ عَذَابِ الْعُصَاةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِأَنَّ الْقَيْدَ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مُعْتَبَرٌ فِي الْمَعْطُوفِ (وَلَيْسَ بِنَافِخٍ) لَا يَقْدِرُ أَنْ يَنْفُخَ الرُّوحَ فِي الصُّورَةِ لِعَدَمِ وُسْعِهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ تَعَالَى وَفِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ إنَّ الْوَعِيدَ بِهِ أَعْظَمُ مِنْ الْقَتْلِ لِأَنَّ وَعِيدَهُ بِالْخُلُودِ، وَالْخُلُودُ بِمَعْنَى الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ وَأَمَّا هَذَا فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ النَّفْخُ أَبَدًا كَانَ هَذَا الْعَذَابُ أَبَدًا فَيُؤَوَّلُ إمَّا بِالِاسْتِحْلَالِ أَوْ بِالِاسْتِحْقَاقِ الْمُؤَبَّدِ. أَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ قَرَّرَ فِي الْكَلَامِيَّة أَنَّ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ وَاحِدٌ مِنْ تَأْوِيلَاتِ الْخُلُودِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخُلُودُ بِمَعْنَى التَّأَبُّدِ وَأَيْضًا لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ إمْكَانِ النَّفْخِ تَأَبُّدُ الْعَذَابِ بَلْ ظَاهِرُ عُذِّبَ وَكُلِّفَ الدَّلَالَةُ عَلَى الِانْقِطَاعِ لَا الِاسْتِمْرَارِ الدَّائِمِيِّ وَأَيْضًا قَوْلُهُ أَوْ بِالِاسْتِحْقَاقِ الْمُؤَبَّدِ يَقْتَضِي كَوْنَ التَّصْوِيرِ كُفْرًا إذْ اسْتِحْقَاقُ الْعَذَابِ الْغَيْرِ الْمُتَنَاهِي إنَّمَا هُوَ بِالْكُفْرِ فَافْهَمْ (وَكُلُّ هَذِهِ) الْمَذْكُورَاتِ (آفَاتُ الْأُذُنِ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِمَاعُ. وَأَمَّا آفَاتُهَا مِنْ حَيْثُ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ) عَنْ الِاسْتِمَاعِ (فَكَعَدِمِ اسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ وَالْخُطْبَةِ وَخِطَابِ الْمَتْبُوعِ) لِتَابِعِهِ (كَخِطَابِ الْأَمِيرِ وَالْقَاضِي) لِمَنْ تَحْتَ حُكْمِهِمَا (وَالْوَالِدَيْنِ) لِلْوَلَدِ مَا دَامَ الْخِطَابُ بِأَمْرٍ شَرْعِيٍّ وَإِلَّا فَلَا مَعْصِيَةَ لِلْخَالِقِ لِأَجْلِ الْمَخْلُوقِ وَنَحْنُ أُمِرْنَا بِالطَّاعَةِ لِمَنْ لَهُ الْأَمْرُ إنْ وَافَقَ الشَّرْعَ وَكَذَا فِيمَا ذُكِرَ بَعْدَ هَذَا (وَالْأُسْتَاذُ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ فِي الْعِلْمِ وَبِالْمُهْمَلَةِ فِي الصَّنَائِعِ كَمَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الْكَمَالِ وَقِيلَ بِالْعَكْسِ وَقِيلَ بِعَدَمِ الْفَرْقِ (وَالْمُحْتَسِبُ) مَنْ نَصَبَهُ الْأَمِيرُ لِأَجْلِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ (وَالْمُعْتَذِرُ) الظَّاهِرُ مَنْ يُرِيدُ الِاعْتِذَارَ عَمَّا صَدَرَ عَنْهُ مِنْ الْقُصُورِ (وَالزَّوْجُ) لِأَنَّ الزَّوْجَ سُلْطَانُ زَوْجَتِهِ (وَالسَّيِّدُ) (وَكَعَدِمِ اسْتِمَاعِ الْقَاضِي كَلَامَ الْخَصْمَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا) بِأَنْ يَسْمَعَ كَلَامَ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْحُكْمِ نَحْوُ اسْتِمَاعِ دَعْوَى الْأَشْيَاءِ الْحَقِيرَةِ الَّتِي لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهَا الْعُقَلَاءُ كَسِمْسِمَةٍ (وَالْمُفْتِي كَلَامَ الْمُسْتَفْتِي) . فِي التتارخانية وَمِنْ شَرَائِطِ الْفَتْوَى أَنْ يَكُونَ الْمُفْتِي حَافِظًا لِلتَّرْتِيبِ وَالْعَدْلُ بَيْنَ الْمُسْتَفْتِينَ لَا يَمِيلُ إلَى الْأَغْنِيَاءِ وَالْأُمَرَاءِ وَأَعْوَانِ السُّلْطَانِ بَلْ يَكْتُبُ جَوَابَ مَنْ سَبَقَ (وَ) عَدَمُ اسْتِمَاعِ (أُولِي الْأَمْرِ شَكْوَى الْمَظْلُومِ) فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ اسْتِمَاعُ شِكَايَةِ الْمَظْلُومِ لِيَدْفَعَ عَنْهُمْ ظُلْمَ الظَّالِمِينَ بِإِحْقَاقِ حُقُوقِهِمْ فَإِنَّمَا لَا يَرُدُّهُ، وَإِلَّا فَيَحُدُّهُمْ أَوْ يُعَزِّرُهُمْ أَوْ يَقُودُهُمْ وَهَكَذَا فَإِنَّ مَا يَزَعُ السُّلْطَانُ أَكْثَرُ مِمَّا يَزَعُ الْقُرْآنُ (وَالْمَسْئُولُ مِنْهُ كَلَامُ السَّائِلِ الْمُضْطَرِّ) الَّذِي لَيْسَ لَهُ قُوتُ يَوْمِهِ وَلَهُ عَجْزٌ عَنْ الْكَسْبِ مَثَلًا (وَالْكُبَرَاءُ وَالْأَغْنِيَاءُ كَلَامُ الضُّعَفَاءِ وَالْفُقَرَاءِ) الْأَوَّلُ لِلْأَوَّلِ وَالثَّانِي لِلثَّانِي (اسْتِكْبَارًا وَاسْتِحْقَارًا) الظَّاهِرُ عِلَّةٌ لِمَجْمُوعِهَا وَقِيلَ عَلَى اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ أَيْضًا (وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ اسْتِمَاعُهُ أَوْ يُسَنُّ كَالْمَوَاعِظِ وَالنَّصَائِحِ) . [الصِّنْفُ الرَّابِعُ فِي آفَاتِ الْعَيْنِ] (الصِّنْفُ الرَّابِعُ فِي آفَاتِ الْعَيْنِ اعْلَمْ أَنَّ غَضَّ الْبَصَرِ) كَفَّ الْبَصَرِ وَحِفْظَهُ مِنْ الْحُرُمَاتِ (مَأْمُورٌ بِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى)

стр. 973

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] وَمَفْعُولُ قُلْ أَمْرٌ آخَرُ أَيْ قُلْ لَهُمْ غُضُّوا يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ كَمَا نُقِلَ عَنْ تَفْسِيرِ أَبِي السُّعُودِ وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ إذْ بَعْضٌ مِنْ النَّظَرِ كَالْمَحَارِمِ وَمَا مَسَّتْهُ الْحَاجَةُ الضَّرُورِيَّةُ جَائِزٌ وَعَنْ بَعْضِ مِنْ صِلَةٌ زَائِدَةٌ أَيْ يَغُضُّوا أَبْصَارَهُمْ كَمَا فِي النِّصَابِ لَكِنْ يَرِدُ أَنَّهُ حِينَئِذٍ مِنْ قَبِيلِ الْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ فَلَا حُجَّةَ لِلْبَوَاقِي فَتَأَمَّلْ فِي ذَيْلِ الْآيَاتِ وَآخِرُ الْآيَةِ ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] مِنْ الزِّنَا فِي عَدَمِ إدْخَالِ كَلِمَةِ مِنْ هُنَا دَلَالَةٌ عَلَى عَدَمِ رُخْصَةِ الزِّنَا بِوَجْهٍ مَا ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] وَأَطْهَرُ فِي قُلُوبِهِمْ ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠] مِنْ نَظَرِ الْمُحَرَّمَاتِ فَيُجَازِيكُمْ بِالْعَذَابِ أَوْ كَفِّهِ فَيُجَازِيكُمْ بِالثَّوَابِ إلَى أَنْ يَكُونَ تَرْكُ ذَرَّةٍ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ خَيْرًا مِنْ عِبَادَةِ الثَّقَلَيْنِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ التَّشَهِّي وَالْفُرْصَةِ. قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١] لَعَلَّك سَمِعْت قِصَّةَ هَارُونَ الرَّشِيدِ فِيهَا ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] عَنْ النَّظَرِ إلَى الْحَرَامِ ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] أَيْ حُلِيَّهُنَّ كَالسِّوَارِ وَالْقِلَادَةِ بَلْ الْأَثْوَابِ أَوْ مَوَاضِعِ زِينَتِهِنَّ أَيْ أَنْفُسِهِنَّ أَوْ بِطَرِيقِ ذِكْرِ الْمَحَلِّ وَإِرَادَةِ الْحَالِّ مُبَالَغَةً عَنْ التَّحَفُّظِ ﴿إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] مِنْ الزِّينَةِ الَّتِي لَا تُسْتَرُ غَالِبًا كَالثِّيَابِ وَالْخَاتَمِ لِمَا فِي نَحْوِهِمَا مِنْ الْحَرَجِ أَوْ الْمُرَادِ مَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ الْمُجَوِّزَةِ لِنَظَرِ الْأَجَانِبِ ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] أَيْ أَزْوَاجِهِنَّ ﴿أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] قِيلَ لَمْ يَذْكُرْ الْأَعْمَامَ وَالْأَخْوَالَ لِئَلَّا يَصِفَهَا الْعَمُّ وَالْخَالُ عِنْدَ ابْنِهِمَا إلَى قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] فَفِيهِ) أَيْ فِي قَوْله تَعَالَى الْمَذْكُورِ (تَأْدِيبٌ وَإِيجَابُ بَعْضِ غَضِّ الْبَصَرِ) لَا يَخْفَى أَنَّ التَّأْدِيبَ مَعْنًى مَجَازِيٌّ وَالْإِيجَابَ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَأَيْضًا

стр. 974

قَوْلُهُ ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣٠] إلَى آخِرِهِ مِنْ قَبِيلِ الْأَمْرِ بِالْأَمْرِ وَقُرِّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّا الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ لَيْسَ بِالْحَقِيقَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ» فَتَأَمَّلْ حَتَّى يَظْهَرَ الْجَوَابُ ثُمَّ لَا شَكَّ أَنَّ بَعْضِيَّةَ غَضِّ الْبَصَرِ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ كَوْنِ كَلِمَةِ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ أَقُولُ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ إذَا لَمْ يَعْقُبْهَا الِاسْتِثْنَاءُ بِقَوْلِهِ إلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَإِنْ دَلَّتْ بِعِبَارَتِهَا عَلَى النِّسْوَانِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَقْصُودَ دَلَالَتُهَا عَلَى الرِّجَالِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ حَمْلُهَا عَلَى غَيْرِ التَّبْعِيضِ حَتَّى يَسْتَقِيمَ الِاسْتِثْنَاءُ وَحَمْلُ اسْتِفَادَةِ التَّبْعِيضِ عَلَى مَا بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ بَعِيدٌ بِالنَّظَرِ إلَى السَّوْقِ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا بِالنَّظَرِ إلَى ذَاتِ الْمُقَامِ فَتَأَمَّلْ جِدًّا أَيْضًا (أَعْنِي مَا كَانَ نَحْوَ الْمُحَرَّمِ وَتَنْبِيهٌ عَلَى فَائِدَةِ الْغَضِّ وَهِيَ التَّزْكِيَةُ وَالطَّهَارَةُ) مِنْ قَوْلِهِ ﴿أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] (لِلْقُلُوبِ) إذْ بِالنَّظَرِ إلَى الْمُحَرَّمِ يَتَحَصَّلُ تَشَهٍّ وَمَيْلٌ وَتَرَقُّبُ فُرْصَةِ مَعْصِيَةٍ فِي الْقَلْبِ (أَوْ تَكْثِيرُ الْخَيْرِ وَالطَّاعَةِ) عَلَى أَحَدِ احْتِمَالِ قَوْلِهِ ﴿أَزْكَى﴾ [النور: ٣٠] . وَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ مَضْمُونُ قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ أَزْكَى﴾ [النور: ٣٠] عِلَّةً لِلنَّهْيِ فَتَكُونَ مِنْ النُّصُوصِ الْمُعَلِّلَةِ الْمُوجِبَةِ لِتَأْكِيدِ الْحُكْمِ (إذْ بِالنَّظَرِ) إلَى الْمُحَرَّمِ (تَحْصُلُ خَوَاطِرُ تَشْغَلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى) بَلْ خَوَاطِرُ تُوجِبُ الْمُؤَاخَذَةَ كَالنِّيَّةِ الْمُصَمِّمَةِ عَلَى فِعْلِ الْفَسَادِ (وَيَفُوتُ حُضُورُ الْقَلْبِ وَجَمْعِيَّةُ الْخَاطِرِ) عَلَيْهِ لِاشْتِغَالِهِ بِمَا يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ النَّظَرِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦]- لَعَلَّ الْمُرَادَ بِحُضُورِ الْقَلْبِ وَجَمْعِيَّةِ الْخَاطِرِ هُوَ الِاسْتِغْرَاقُ فِي مُلَاحَظَةِ جَلَالِهِ وَجَمَالِهِ تَعَالَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِمَا الْمُحَاسَبَةُ وَالْمُرَاقَبَةُ الْمُشَارُ إلَيْهِمَا فِيمَا مَرَّ قَالَ فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ اعْلَمْ أَنَّ التَّاجِرَ يَسْتَعِينُ بِشَرِيكِهِ فَيُشَارِطُهُ أَوَّلًا ثُمَّ يُرَاقِبُهُ ثَانِيًا ثُمَّ يُحَاسِبُهُ ثَالِثًا ثُمَّ يُعَاقِبُهُ رَابِعًا كَذَلِكَ الْعَقْلُ هُوَ التَّاجِرُ فِي مَتَاعِ الْآخِرَةِ وَشَرِيكُهُ النَّفْسُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحَاسِبَهَا الْآنَ، كُلُّ نَفَسٍ مِنْ أَنْفَاسِ الْعُمْرِ جَوْهَرَةٌ نَفْسِيَّةٌ لَا عِوَضَ لَهَا يُمْكِنُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا كُنُوزًا لَا تَتَنَاهَى أَبَدَ الْآبَادِ فَيَقُولَ فِي صَبِيحَةِ كُلِّ يَوْمٍ مَالِي بِضَاعَةٌ إلَّا الْعُمْرُ فَمَهْمَا فُقِدَ فَنِيَ رَأْسُ الْمَالِ وَوَقَعَ الْيَأْسُ مِنْ التِّجَارَةِ وَهَذَا الْيَوْمُ الْجَدِيدُ قَدْ أَمْهَلَنِي اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ وَأَنْسَأَ لِي أَجْلَى وَلَوْ تَوَفَّانِي لَكُنْت أَتَمَنَّى أَنْ يُرْجِعَنِي إلَى الدُّنْيَا يَوْمًا وَاحِدًا أَعْمَلُ فِيهِ صَالِحًا فَإِيَّاكَ ثُمَّ إيَّاكَ أَنْ تُضَيِّعَ هَذَا الْيَوْمَ فَإِنَّ كُلَّ نَفَسٍ جَوْهَرَةٌ لَا قِيمَةَ لَهَا، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ وَصِيَّةً فِي أَعْضَائِهِ السَّبْعَةِ وَيُسَلِّمُهَا إلَيْهَا فَإِنَّهَا رَعَايَا خَادِمَةٌ لَهَا وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ صَارَتْ سَبْعَةَ أَبْوَابٍ لِجَهَنَّمَ أَمَّا الْعَيْنُ فَيَحْفَظُهَا عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ بَلْ عَنْ الْفُضُولِ فَإِنَّهَا مَسْئُولَةٌ عَنْ فُضُولِ كُلِّ كَلَامٍ ثُمَّ يُؤْمَرُ بِصَرْفِهَا إلَى مَا خُلِقَتْ هِيَ لَهُ وَكَذَا سَائِرُ السَّبْعَةِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْمُرَاقَبَةِ مُرَاعَاةُ الْقَلْبِ لِلرَّقِيبِ وَاشْتِغَالُهُ بِهِ وَالْتِفَاتُهُ إلَيْهِ وَلَا يَتِمُّ هَذَا إلَّا بِمَعْرِفَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُطَّلِعٌ عَلَى الضَّمَائِرِ عَالِمٌ بِالسَّرَائِرِ رَقِيبٌ بِالْأَعْمَالِ وَإِذَا اسْتَوْلَتْ عَلَى الْقَلْبِ هَذِهِ الْمَعْرِفَةُ مَالَتْ إلَى جَانِبِ مُلَاحَظَتِهِ، وَالْمُوَافِقُونَ لِهَذِهِ الْمَعْرِفَةِ هُمْ الْمُقَرَّبُونَ الْمُنْقَسِمُونَ إلَى الصِّدِّيقِينَ وَإِلَى صَاحِبِ الْيَمِينِ. وَأَمَّا مُرَاقَبَةُ الصِّدِّيقِينَ فَهِيَ مُرَاقَبَةُ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ بِأَنْ يَسْتَغْرِقَ قَلْبُهُ فِي مُلَاحَظَةِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَيَصِيرَ مُنْكَسِرًا تَحْتَ الْهَيْبَةِ فَلَا يَبْقَى مَعَهُ مُتَّسَعٌ لِلْغَيْرِ أَصْلًا وَتَبْقَى جَوَارِحُهُ مُتَعَطِّلَةً عَنْ الْمُنَاجَاةِ فَضْلًا عَنْ الْمَحْظُورَاتِ وَمِثْلُ هَذَا يَغْفُلُ عَنْ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ حَتَّى لَا يُبْصِرُ مَنْ عِنْدَهُ وَعَيْنُهُ نَاظِرَةٌ إلَيْهِ وَلَا يَسْمَعُ الْكَلَامَ وَلَيْسَ بِهِ صَمَمٌ وَقَدْ يَمُرُّ عَلَى ابْنِهِ وَلَا يُكَلِّمُهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِمَنْ عَاتَبَهُ عَلَى عَدَمِ الِالْتِفَاتِ إذَا مَرَرْت بِي فَحَرِّكْنِي وَمِثْلُ هَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى مُرَاقَبَةِ لِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ إذْ لَا يَتَحَرَّك إلَّا بِمَا هُوَ فِيهِ وَأَمَّا مُرَاقَبَةُ الْوَرِعِينَ وَهُمْ قَوْمٌ غَلَبَتْ مُطَالَعَةُ جَمَالِ اللَّهِ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَبَوَاطِنِهِمْ وَظَوَاهِرِهِمْ وَلَكِنْ لَمْ يُدْهِشْهُمْ ذَلِكَ بَلْ بَقِيَتْ قُلُوبُهُمْ عَلَى حَدِّ الِاعْتِدَالِ يَجْمَعُونَ بَيْنَ مُمَارَسَةِ الْأَعْمَالِ وَالْمُرَاقَبَةِ بِغَلَبَةِ الْحَيَاءِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فَيَثْبُتُ فِيهِ فَيَفِرُّ مِنْ الْفَضِيحَةِ فِي الْقِيَامَةِ (وَتَدْعُوك إلَى أُمُورٍ مُحَرَّمَةٍ وَيَجِدُ الشَّيْطَانُ حِينَئِذٍ فُرْصَةً) إذْ هُوَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إبْلِيسَ يَصِيدُ بِهِ عِبَادَهُ (وَطَرِيقًا إلَى الْإِضْلَالِ وَيَمْلَأُ

стр. 975

الصُّدُورَ بِالْوَسْوَاسِ فَيَفْتَحُ أَبْوَابَ الشُّرُورِ وَالْمَعَاصِي وَتَهْدِيدٌ) عَطْفٌ عَلَى تَأْدِيبٍ أَقُولُ إنَّهُ تَهْدِيدٌ مِنْ حَيْثُ الْإِتْيَانُ وَوَعْدٌ وَتَرْغِيبٌ مِنْ حَيْثُ التَّرْكُ وَالْإِعْرَاضِ كَمَا عَرَفْت مِرَارًا (بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) فَيُجَازِي عَلَى حَسَبِ عَمَلِهِ مِنْ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] مِمَّا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ (وَكَفَى بِهَذَا) الْقَوْلِ مِنْ الْآيَةِ (تَحْذِيرًا طب حك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَرْفُوعًا «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى النَّظْرَةُ سَهْمٌ مَسْمُومٌ) أَيْ سُمٌّ قَاتِلٌ (مِنْ سِهَامِ إبْلِيسَ مَنْ تَرَكَهَا مِنْ مَخَافَتِي أَبْدَلْته إيمَانًا يَجِدُ حَلَاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ) » . وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊ «النَّظَرُ إلَى الْمَرْأَةِ الْحَسْنَاءِ» وَفِي رِوَايَةٍ «وَجْهُ الْمَرْأَةِ الْحَسْنَاءِ، وَالْخُضْرَةُ كَالزَّرْعِ وَالشَّجَرِ وَالثِّيَابِ يَزِيدَانِ الْبَصَرَ» أَمَّا زِيَادَةُ قُوَّةِ الْبَصَرِ بِبَهْجَةِ جَمَالِ الْخُضْرَةِ وَحُسْنِ الْمَرْأَةِ وَأَمَّا زِيَادَةُ قُوَّةِ بَصِيرَتِهِ بِالِاعْتِبَارِ بِخُضْرَةٍ نَحْوَ الثِّيَابِ وَحَيَاةِ الْأَرْضِ بَعْدَ الْمَمَاتِ وَكَذَا نَظَرُهُ إلَى جَمَالِ الْمَرْأَةِ يُقَوِّي بَصِيرَةَ هُدَاهُ فَالْمُرَادُ مِنْ النَّظَرِ حَلَائِلُهُ وَإِلَّا فَالْأَجْنَبِيَّةُ تَظْلِمُ الْبَصَرَ وَالْبَصِيرَةَ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ وَإِنْ فِي الْجَامِعِ لَكِنْ قِيلَ بَاطِلٌ ضَعِيفٌ وَقِيلَ ضَعِيفٌ غَرِيبٌ وَكَذَا حَدِيثُ الْجَامِعِ «ثَلَاثَةٌ يُجْلِينَ الْبَصَرَ النَّظْرَةُ إلَى الْخُضْرَةِ وَإِلَى الْمَاءِ الْجَارِي وَإِلَى الْوَجْهِ الْحَسَنِ» . وَكَذَا حَدِيثُ «ثَلَاثَةٌ يَزِدْنَ فِي قُوَّةِ الْبَصَرِ الْكُحْلُ بِالْإِثْمِدِ وَالنَّظَرُ إلَى الْخُضْرَةِ وَالنَّظَرُ إلَى الْوَجْهِ الْحَسَنِ» عَلَى مَا سَبَقَ قَالَ السَّخَاوِيُّ كَانَ النَّسَائِيّ يَلْبَسُ الْأَخْضَرَ مِنْ الثِّيَابِ وَيَقُولُ إنَّ الْأَخْضَرَ مِمَّا يَزِيدُ قُوَّةَ الْبَصَرِ. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ أَنَّهُ قَالَ دَخَلْت عَلَى الْمَأْمُونِ وَالْعَبَّاسُ ابْنُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا فَجَعَلْت أَتَأَمَّلُهُ فَزَجَرَنِي الْمَأْمُونُ قُلْت يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ «النَّظَرُ إلَى الْوَجْهِ الْمَلِيحِ يَجْلُو الْبَصَرَ» وَإِنَّ فِي بَصَرِي ضَعْفًا أَرَدْت إنْ أَجْلُوَهُ كَذَا فِي الْفَيْضِ. (حَدّ هق عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْظُرُ إلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ» الظَّاهِرُ أَنَّ التَّقْيِيدَ عَلَى مَخْرَجِ الْعَادَةِ وَالْأَغْلَبِ «ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْهَا) خَوْفًا مِنْ سَخَطِ اللَّهِ تَعَالَى» لَا يُتَوَهَّمُ مِنْ كَلِمَةِ ثُمَّ الْإِمْهَالُ وَالتَّرَاخِي فَإِنَّ الْفَوْرَ فِي الْغَضِّ وَالْإِعْرَاضِ لَازِمٌ لَعَلَّ فِي الْإِتْيَانِ بِكَلِمَةِ ثُمَّ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْغَضَّ وَلَوْ كَانَ فَوْرًا فَهُوَ كَالتَّرَاخِي أَوْ لِبَعْضِ الْغَضِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَوَامّ كَمُتَّبِعِ الْهَوَى أَوْ إيذَانًا عَلَى اسْتِبْعَادِ ثَوَابِهِ لِغَايَةِ كَثْرَتِهِ «إلَّا أَحْدَثَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ عِبَادَةً» كَثِيرَةً بِإِعَانَةِ السَّوْقِ «يَجِدُ حَلَاوَتَهَا فِي قَلْبِهِ» لِخُلُوِّ الْقَلْبِ عَنْ الشَّوَاغِلِ وَأَمَّا مَا وَقَعَ مِنْ النَّظَرِ أَوَّلًا فَلَعَلَّهُ لَيْسَ بِاخْتِيَارِيٍّ بَلْ اتِّفَاقِيٍّ فَمَعْفُوٌّ كَمَا قَالُوا الْأَوَّلُ لَك وَالثَّانِي عَلَيْك ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّمَا ذُكِرَ بَعْضُ ثَوَابِهِ وَإِلَّا فَقَدْ سَمِعْت مِرَارًا حَدِيثَ «تَرْكُ ذَرَّةٍ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ الثَّقَلَيْنِ» وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ إنَّ تِلْكَ الْعِبَادَةَ الَّتِي أَحْدَثَهَا اللَّهُ لِذَلِكَ الْغَضِّ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي غَايَةِ كَثْرَةٍ كَمًّا أَوْ فِي غَايَةِ قُوَّةٍ عَظِيمَةٍ كَيْفًا إلَى أَنْ تَكُونَ خَيْرًا مِنْ عِبَادَةِ الثَّقَلَيْنِ لِأَنَّهُ لَيْسَ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلَّا الْإِحْسَانَ فَإِنَّ قَهْرَ النَّفْسِ وَمُخَالَفَةَ هَوَاهَا حَسَنَةٌ عَظِيمَةٌ (صف) أَصْفَهَانِيٌّ. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «كُلُّ عَيْنٍ بَاكِيَةٌ» لِعَذَابِهِ تَعَالَى وَعُقُوبَتِهِ إيَّاهَا لِنَظَرِهَا نَحْوَ الْمُحَرَّمِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْعَامِ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ وَالْمُخَصِّصُ هُوَ الشَّرْعُ فَالظَّاهِرُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْكَلَامِ الْمُسْتَقِلِّ فَعَلَى هَذَا وَإِنْ دُفِعَ مَحْذُورٌ لَكِنْ اُتُّجِهَ آخَرُ فَتَأَمَّلْ «يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا عَيْنًا غَضَّتْ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ» كَالِاجْتِنَابِ لَا سِيَّمَا الشَّابَّاتُ وَالْأَمْرَدُ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَلْحَقَ بِنَحْوِهِ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ الظَّلَمَةِ وَمَا بَنَوْا بِالظُّلْمِ مِنْ الْأَبْنِيَةِ وَقَدْ سَبَقَ عَنْ قَمْعِ النُّفُوسِ أَنَّ النَّظَرَ إلَى وَجْهِ الظَّلَمَةِ يُبْطِلُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ فَكَيْفَ بِمَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ أَوْ يُجَالِسُهُمْ أَوْ يُؤَاكِلُهُمْ إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ مِمَّا حَلَّ بِالْخَلْقِ مِنْ تَلْبِيسِ هَذَيْنِ الْخَبِيثَيْنِ انْتَهَى

стр. 976

«وَعَيْنًا سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» لِحِفْظِ الْجَيْشِ أَوْ بُلْدَانِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَعُمَّ السَّبِيلُ لِنَحْوٍ مِنْ سَهَرٍ لِإِحْيَاءِ اللَّيَالِيِ لِنَاشِئَةِ اللَّيْلِ الَّتِي هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا لَا سِيَّمَا لِلتَّهَجُّدِ «وَعَيْنًا خَرَجَ مِنْهَا مِثْلُ رَأْسِ الذُّبَابِ) مِنْ الدُّمُوعِ (مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ فَلَا تَبْكِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بُكَاءَ حُزْنٍ بَلْ بُكَاءَ فَرَحٍ وَسُرُورٍ لِمَا تَرَى مِنْ عَظِيمِ إكْرَامِ اللَّهِ لَهَا وَعَظِيمِ ثَوَابِهِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِهَذَا الْحَدِيثِ رَاجِعٌ إلَى الِاحْتِجَاجِ بِمَفْهُومِ الِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدَنَا كَيْفَ وَهُوَ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا، وَالْقَوْلُ إنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ يَجْعَلُ النِّزَاعَ لَفْظِيًّا وَالْجَوَابُ أَنَّ الْعَيْنَ الَّتِي لَا تَغُضُّ بَاقِيَةٌ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَتَكُونُ بَاكِيَةً (طب عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جُنَيْدَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «ثَلَاثَةٌ لَا تَرَى أَعْيُنُهُمْ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَشَارَ إلَى شِدَّةِ إبْعَادِهِمْ عَنْ النَّارِ وَمَنْ بَعُدَ عَنْهَا قَرُبَ مِنْ الْجَنَّةِ «عَيْنٌ حَرَسَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» أَيْ الْجِهَادِ وَيَدْخُلُ فِيهِ الرِّبَاطُ «وَعَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ» الْمُرَادُ خَوْفٌ يُسَكِّنُ الْقَلْبَ حَتَّى تَدْمَعَ مِنْهُ الْعَيْنُ قَهْرًا وَيَمْنَعُ صَاحِبَهُ عَنْ مُقَارَنَةِ الذُّنُوبِ وَيَحُثُّهُ عَلَى مُلَازَمَةِ الطَّاعَاتِ فَهَذَا هُوَ الْبُكَاءُ الْمَقْصُودُ وَهَذِهِ هِيَ الْخَشْيَةُ الْمَطْلُوبَةُ لَا خَشْيَةُ الْحُمَقَاءِ الَّذِينَ إذَا سَمِعُوا مَا يَقْتَضِي الْخَوْفَ لَمْ يَزِيدُوا عَنْ أَنْ يَبْكُوا وَيَقُولُوا يَا رَبِّ سَلِّمْ نَعُوذُ بِاَللَّهِ وَمَعَ ذَلِكَ يُصِرُّونَ عَلَى الْقَبَائِحِ وَالشَّيْطَانُ يَسْخَرُ بِهِمْ كَمَا تَسْخَرُ أَنْتَ مِمَّنْ رَأَيْته وَقَدْ قَصَدَهُ سَبُعٌ ضَارٍ وَهُوَ إلَى جَانِبِ حِصْنٍ مَنِيعٍ بَابُهُ مَفْتُوحٌ إلَيْهِ فَلَمْ يَدْخُلْ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى رَبِّ سَلِّمْ حَتَّى جَاءَ السَّبُعُ فَأَكَلَهُ «وَعَيْنٌ كَفَّتْ» بِالتَّشْدِيدِ أَيْ حَفِظَتْ وَأَطْرَقَتْ «عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ» أَيْ النَّظَرِ إلَى مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ النِّسَاءِ وَالْأَمْرَدِ وَاللَّهْوِ وَاللَّعِبِ (م عَنْ «جَرِيرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نَظَرِ الْفَجْأَةِ» بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ «فَقَالَ اصْرِفْ بَصَرَك» عَنْ النَّظَرِ «وَلَا تَدُمْ عَلَيْهِ» فَإِنَّ الْأَوَّلَ اضْطِرَارِيٌّ مَعْفُوٌّ وَالثَّانِيَ اخْتِيَارِيٌّ مُؤَاخَذٌ قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَالْغَضُّ يُوجِبُ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا عَوَّضَهُ اللَّهُ تَعَالَى خَيْرًا مِنْهُ وَمَنْ أَطْلَقَ لَحَظَاتِهِ دَامَتْ حَسَرَاتُهُ فَإِنَّ النَّظَرَ يُوَلِّدُ الْحُبَّ فِي الْقَلْبِ ثُمَّ يَقْوَى فَيَصِيرُ صَبَابَةً تَنْصِبُ إلَيْهِ الْحُبَّ بِكُلِّيَّتِهَا فَيَصِيرُ غَرَامًا يَلْزَمُ الْقَلْبَ كَلُزُومِ الْغَرِيمِ ثُمَّ يَقْوَى فَيَصِيرُ عِشْقًا وَهُوَ الْحُبُّ الْمُفْرِطُ ثُمَّ يَقْوَى فَيَصِيرُ شَغَفًا وَهُوَ الْحُبُّ الْوَاصِلُ إلَى دَاخِلِ الْقَلْبِ ثُمَّ يَقْوَى فَيَصِيرُ تَتَيُّمًا وَالتَّتَيُّمُ التَّعَبُّدُ فَيَصِيرُ الْمُتَيَّمُ عَبْدًا إلَى مَنْ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لَهُ فَيَقَعُ الْقَلْبُ فِي الْأَسْرِ فَيَصِيرُ أَسِيرًا بَعْدَمَا كَانَ أَمِيرًا وَمَسْجُونًا بَعْدَمَا كَانَ مُطْلَقًا قِيلَ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ سَتْرُ وَجْهِهَا فِي الطَّرِيقِ وَلَا عَلَى الرِّجَالِ غَضُّ الْبَصَرِ إلَّا لِحَاجَةٍ كَشَهَادَةٍ وَتَطْبِيبٍ وَمُعَامَلَةٍ وَلَا يُنَافِيهِ نَقْلُ الْإِمَامِ الِاتِّفَاقَ عَلَى مَنْعِهِنَّ مِنْ الْخُرُوجِ سَافِرَاتٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِوُجُوبِ السَّتْرِ عَلَيْهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا كَشَفَتْهُ لِعُذْرٍ كَذَا فِي الْفَيْضِ (دت عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «يَا عَلِيُّ لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ» أَيْ النَّظْرَةَ الْأُخْرَى بَعْدَ الْأُولَى وَأَمَّا قَاعِدَةُ الْمَعَادِ الْمُعَرَّفِ عَيْنُ الْأَوَّلِ فَأَصْلٌ قَدْ يُعْدَلُ عَنْهُ «فَإِنَّ لَك الْأُولَى» يَعْنِي لَا تُؤَاخَذُ بِهَا لِعَدَمِ كَوْنِهَا اخْتِيَارِيَّةً وَالتَّكْلِيفُ عَلَى الِاخْتِيَارِيَّةِ «وَلَيْسَتْ لَك» لِنَفْعِك «الثَّانِيَةُ» بَلْ هِيَ عَلَى ضُرِّك لِأَنَّهَا مُؤَثِّمَةٌ لِكَوْنِهَا مِنْ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ (ثُمَّ) أَرَادَ الْمُصَنِّفُ حَصْرَ الْمَوَاضِعَ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الْغَضُّ فَقَالَ (إنَّ أَعْظَمَ آفَاتِ الْعَيْنِ النَّظَرُ إلَى عَوْرَةِ إنْسَانٍ) أَيْ مَوْضِعِ عَوْرَتِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (قَصْدًا فَنَقُولُ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ إنْ كَانَ نَفْسَهُ) أَيْ النَّاظِرِ (أَوْ صَغِيرًا وَصَغِيرَةً لَمْ يَبْلُغَا حَدَّ الشَّهْوَةِ وَقَدَّرَ ذَلِكَ) الْحَدَّ مُحَمَّدٌ فِي الْمَبْسُوطِ

стр. 977

(بِأَنْ لَا يَتَكَلَّمَ) أَيْ ذَلِكَ الصَّغِيرُ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَبَعْدَ التَّكَلُّمِ النَّظَرُ إلَى عَوْرَتِهِمَا حَرَامٌ عَلَى قَوْلِهِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ مَا دُونَ تِسْعِ سِنِينَ لَا تَكُونُ مُشْتَهَاةً وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَبَعْدَ التَّكَلُّمِ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فِي الذَّكَرِ الصَّبِيِّ وَفِيمَا تَحْتَ الصَّدْرِ مَعَ الظَّهْرِ فِي الْأُنْثَى إذَا تَكَلَّمَتْ وَعَقَلَتْ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ (أَوْ) إنْ كَانَتْ (مَنْكُوحَتَهُ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ) بِخِلَافِ الْفَاسِدِ هُوَ كَالنِّكَاحِ فِي نِكَاحِ الْغَيْرِ أَوْ عِدَّتِهِ أَوْ نِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ الْأُخْتِ فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ أَوْ نِكَاحِ الْخَامِسَةِ فِي عِدَّةِ الرَّابِعَةِ أَوْ نِكَاحِ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ أَوْ بِلَا شُهُودٍ (أَوْ أَمَتَهُ الَّتِي لَمْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِمُصَاهَرَةٍ) كَمَوْطُوءَةِ الْأَبِ أَوْ الِابْنِ أَوْ بِنْتِ أَمَتِهِ الْمَوْطُوءَةِ أَوْ أُخْتِهَا أَوْ أُمِّ أَمَتِهِ كَذَلِكَ (أَوْ رَضَاعٍ) بِأَنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مُرْضِعَةً سَيِّدَهَا أَوْ بِنْتَ الْمُرْضِعَةِ وَإِنْ سَفَلَتْ (أَوْ نِكَاحٍ لِغَيْرِهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ أَمَتَهُ فَلَا يَنْظُرُ عَوْرَتَهَا» . وَفِي رِوَايَةٍ «فَلَا يَنْظُرُ إلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ» (أَوْ حُرْمَةٍ غَلِيظَةٍ) بِأَنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مُطَلَّقَةً بِطَلْقَتَيْنِ لَا يَحِلُّ بَعْدَ الشِّرَاءِ وَطْؤُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا آخَرَ وَلَا يَكْفِي وَطْءُ الْمَوْلَى قَالَهُ الْمُحَشِّي صُورَتُهُ رَجُلٌ تَزَوَّجَ أَمَةَ غَيْرِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا بِطَلْقَتَيْنِ ثُمَّ وَطِئَ مَوْلَاهَا أَيْ ذَلِكَ الْغَيْرُ إيَّاهَا ثُمَّ يَشْتَرِي الرَّجُلُ تِلْكَ الْأَمَةَ فَالْحُرْمَةُ حِينَئِذٍ غَلِيظَةٌ فَلَا يَنْظُرُ هَذَا الْمَوْلَى إلَى جَمِيعِ أَعْضَاءِ تِلْكَ الْأَمَةِ كَسَائِرِ الْإِمَاءِ (أَوْ بِكَوْنِهَا مُشْرِكَةً) أَوْ مَجُوسِيَّةً أَوْ مُرْتَدَّةً فَالِاكْتِفَاءُ إمَّا مِنْ قَبِيلِ - ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]- أَوْ مِنْ عُمُومِ الْمَجَازِ أَوْ التَّغْلِيبِ (غَيْرَ كِتَابِيَّةٍ) . قِيلَ وَلَوْ يَهُودِيَّةً تَقُولُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ أَوْ نَصْرَانِيَّةً تَقُولُ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ كَذَا فِي بَعْضِ الْكُتُبِ وَكَذَا مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ لَكِنْ لَمْ أَطَّلِعْ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَالْمُشْرِكُ عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ يَقُولُونَ إنَّمَا نَعْبُدُهُمْ لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى لَعَلَّ الْوَطْءَ بِتِلْكَ الْيَمِينِ تَابِعٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ صِحَّةً وَعَدَمِهَا وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَعَمْرو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ يَجُوزُ وَطْءُ الْمُشْرِكَةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ لِوُرُودِ الْأَثَرِ بِجَوَازِ وَطْءِ سَبَايَا الْعَرَبِ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى - ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]- وَالنِّكَاحُ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ أَوْ تَقُولُ هُوَ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ فَيَتَنَاوَلُ الْوَطْءَ وَالْعَقْدَ. وَمَا وَرَدَ مِنْ الْخَبَرِ مَحْمُولٌ عَلَى بَعْدِ الْإِسْلَامِ أَوْ مَنْسُوخٌ بِمَا ذَكَرْنَا كَمَا نُقِلَ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ تُحْمَلَ الْآيَةُ عَلَى الْعَقْدِ وَالْأَثَرُ عَلَى الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ لِضَرُورَةِ التَّوْفِيقِ، وَأَنَّ التَّأْوِيلَ بِالْحَمْلِ عَلَى مَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ بَعِيدٌ لَا سِيَّمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى هَؤُلَاءِ الْكِبَارِ مِنْ التَّابِعِينَ مَعَ قُرْبِ عَصْرِهِمْ وَعُلُوِّ كَعْبِهِمْ وَأَيْضًا النَّسْخُ شَيْءٌ عَظِيمٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْتَرَأَ عَلَيْهِ عِنْدَ إمْكَانِ مَا هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ فَلْيُتَأَمَّلْ (أَوْ مُشْتَرَكَةً) مَعَ الْغَيْرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ قَوْلَهُ أَوْ كَانَتْ أُخْتَ زَوْجَتِهِ مَثَلًا أَوْ أُخْتَ أَمَتِهِ الْمَوْطُوءَةِ الثَّانِيَةِ بِلَا تَحْرِيمِهَا (يَجُوزُ النَّظَرُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا) مِنْ النَّاظِرِ وَالْمَنْظُورِ إلَيْهِ جَزَاءً لِقَوْلِهِ إنْ كَانَ نَفْسَهُ إلَى آخِرِهِ (إلَى كُلِّ عُضْوٍ مِنْهُمَا) حَتَّى إلَى فَرْجِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ بَلْ إلَى مَا لَا يَحِلُّ التَّمَتُّعُ بِهِ كَحَلْقَةِ دُبُرِهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «غُضَّ بَصَرَك إلَّا عَنْ زَوْجَتِك وَأَمَتِك» (لَكِنْ) مَعَ الْجَوَازِ. (قَالُوا الْأَدَبُ أَنْ لَا يَنْظُرَ إلَى الْفَرْجِ) أَيْ فَرْجِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ وَالظَّاهِرُ كَذَا عَكْسُهُمَا (لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَتَجَرَّدَا» أَيْ الزَّوْجَانِ

стр. 978

«تَجَرُّدَ الْبَعِيرِ» لَعَلَّهُ مِنْ قَبِيلِ سُبْحَانَ مَنْ صَغَّرَ جِسْمَ الْبَعُوضَةِ كَمَا قَالَ النَّحْوِيُّونَ الْمُبْتَدَأُ هُوَ الْمُجَرَّدُ عَنْ الْعَوَامِلِ اللَّفْظِيَّةِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ هَذَا النَّهْيُ تَنْزِيهِيٌّ فَلَا مُنَافَاةَ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ آنِفًا وَلَا بِالْجَوَازِ الْمَذْكُورِ وَرُوِيَ عَلَى تَخْرِيجِ الطَّبَرَانِيِّ وَالْبَزَّارِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذْ أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَتِرْ اسْتَحْيَتْ الْمَلَائِكَةُ وَخَرَجْت مِنْ عِنْدِهِ وَبَقِيَ الشَّيْطَانُ فَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ كَانَ لِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَصِيبٌ» ، وَفِي الْجَامِعِ «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ» أَرَادَ جِمَاعَ حَلِيلَتِهِ «فَلْيَسْتَتِرْ» فَلْيُغَطِّ هُوَ وَإِيَّاهَا بِثَوْبٍ يَسْتُرُهُمَا نَدْبًا «وَلَا يَتَجَرَّدَانِ» خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ أَيْ لَا يَنْزِعَانِ الثِّيَابَ عَنْ عَوْرَتَيْهِمَا «تَجَرُّدَ الْعَيْرَيْنِ» الْعَيْرُ الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ حَيَاءً مِنْ اللَّهِ وَأَدَبًا مَعَ الْمَلَائِكَةِ وَحَذَرًا مِنْ حُضُورِ الشَّيَاطِينِ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا وَخُصَّ ضَرْبُ الْمَثَلِ بِالْحِمَارِ زِيَادَةً فِي التَّنْفِيرِ وَالتَّقْرِيعِ وَاسْتِهْجَانًا لِذَلِكَ الْأَمْرِ الشَّنِيعِ لِأَنَّهُ أَبْلَدُ الْحَيَوَانِ وَأَعْدَمُهُ فَهْمًا وَأَقْبَحَهُ فِعْلًا (وَلِقَوْلِ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) وَعَنْ أَبَوَيْهَا (مَا رَأَى) النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (مِنِّي) » أَيْ عَوْرَتِي حَذَفَ الْمَفْعُولَ لِاسْتِهْجَانِ ذِكْرِهِ وَكَذَا فِي قَوْلِهَا «وَمَا رَأَيْت مِنْهُ» قَالَ فِي التتارخانية نَظَرُ الرَّجُلِ إلَى زَوْجَتِهِ وَمَمْلُوكَتِهِ مِنْ فَرْقِهَا إلَى قَدَمَيْهَا عَنْ شَهْوَةٍ جَائِزٌ إلَّا أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَنْظُرَ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَى عَوْرَةِ صَاحِبِهِ (وَقِيلَ) النَّظَرُ إلَى الْفَرْجِ (يُورِثُ النِّسْيَانَ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ مُطْلَقٌ لَكِنْ فِي الشِّرْعَةِ قُيِّدَ بِكَوْنِ النَّظَرِ حَالَةَ الْوِقَاعِ حَيْثُ قَالَ وَلَا يَنْظُرُ إلَى فَرْجِهَا حَالَةَ الْوِقَاعِ فَإِنَّ مِنْهُ الْعَمَى لِلْوَلَدِ وَقَالَ فِي شَرْحِهِ هُنَا وَأَيْضًا وَرَدَ فِي الْأَثَرِ أَنَّ ذَلِكَ يُورِثُ النِّسْيَانَ كَذَا فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ انْتَهَى نَعَمْ فِي الْفَيْضِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - الْآتِي هُنَا وَخَصَّ حَالَةَ الْجِمَاعِ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ النَّظَرِ وَإِذَا نَهَى عَنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَفِي غَيْرِهَا أَوْلَى (وَقِيلَ يُورِثُ الْعَمَى) عَمَى الْبَصَرِ أَوْ الْبَصِيرَةِ لِلنَّاظِرِ أَوْ الْوَلَدِ لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا أَيْضًا كَوْنُ النَّظَرِ حَالَ الْوِقَاعِ (وَرُوِيَ فِيهِ) أَيْ فِي إيرَاثِ الْعَمَى (حَدِيثٌ لَكِنْ قِيلَ إنَّهُ مَوْضُوعٌ) لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ وَقِيلَ يُورِثُ الْعَمَى تَأْيِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ وَظَاهِرُ هَذَا تَزْيِيفٌ لَهُ وَأَنَّ مِثْلَهُ إنَّمَا يُدْرَكُ بِالشَّرْعِ فَإِذَا بَطَلَ حَدِيثُهُ بَطَلَ حُكْمُهُ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ مِثْلَهُ قَدْ يُمْكِنُ بِالتَّجْرِبَةِ وَعِلْمِ الطِّبِّ نَعَمْ فِي التَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِ إشَارَةٌ إلَى نَوْعِ صِحَّتِهِ كَمَا يَأْتِي ثُمَّ عَنْ الْعَسْقَلَانِيُّ مَا وَجَدْت فِيهِ شَيْئًا مِنْ الْآثَارِ وَالْأَخْبَارِ وَمَا رُوِيَ فِيهِ فَمَوْضُوعٌ وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ عَدِيٍّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «إذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ زَوْجَتَهُ فَلَا يَنْظُرَنَّ فَرْجَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يُورِثُ الْعَمَى» عَنْ ابْنِ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ وَكَذَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى تَخْرِيجِ الدَّيْلَمِيِّ وَالْخَلِيلِيِّ «إذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَنْظُرُ إلَى الْفَرْجِ لِأَنَّهُ يُورِثُ الْعَمَى» حَيْثُ حَكَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِوَضْعِهِ وَكَذَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى تَخْرِيجِ الْبَيْهَقِيّ «إذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ زَوْجَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ فَلَا يَنْظُرُ إلَى فَرْجِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يُورِثُ الطَّمْسَ» أَيْ الْعَمَى رَوَاهُ السُّيُوطِيّ فِي مَنَاهِجِ السُّنَّةِ وَكَذَا فِي الْفَيْضِ حَكَمَ بِوَضْعِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ صَاحِبُ الْمِيزَانِ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ وَأَيْضًا ابْنِ حِبَّانَ وَأَيْضًا فِيهِ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي سَنَدِهِ مَنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لَكِنْ فِي الْجَامِعِ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي حَدِيثِ

стр. 979

ابْنِ عَبَّاسٍ إنَّهُ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ وَقَالَ فِي شَرْحِهِ هَذَا مُخَالِفٌ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي زَعْمِهِ بِوَضْعِهِ لَعَلَّ لِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ لَكِنْ قِيلَ إنَّهُ مَوْضُوعٌ كَمَا أُشِيرَ وَلَمْ يَحْكُمْ بِوَضْعِهِ وَقِيلَ بِالضَّعْفِ وَقِيلَ إنَّهُ مُنْكَرٌ (وَرَوَى الْفُقَهَاءُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ الْأَوْلَى أَنْ يَنْظُرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَتِهِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي اللَّذَّةِ) فَحِينَئِذٍ يَكُونُ نُزُولُ الْمَنِيِّ بِالْكَثْرَةِ فَالْوَلَدُ قَوِيُّ الْبِنْيَةِ تَامُّ الْخِلْقَةِ قِيلَ هَذَا عِنْدَ عَدَمِ التَّوَجُّهِ بِدُونِهِ قَالَ فِي التتارخانية عَنْ ابْنِ عُمَرَ الْأَوْلَى أَنْ يَنْظُرَ الرَّجُلُ إلَى فَرْجِ امْرَأَتِهِ وَقْتَ الْإِيقَاعِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي تَحْصِيلِ مَعْنَى اللَّذَّةِ (وَالْمُحَدِّثُونَ أَنْكَرُوا ثُبُوتَهُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ لَعَلَّ وَجْهَ بَحْثِهِمْ عَنْهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ مُعْتَدٍّ بِهِ فِي بَحْثِهِمْ عَنْهُ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ بَلْ مِنْ الْمَطَالِبِ السَّمْعِيَّةِ فَبِالْآخِرَةِ يَرْجِعُ إلَى الْحَدِيثِ وَلَوْ مَعْنًى فَيَكُونُ لِبَحْثِهِمْ عَنْهُ مَعْنًى مُعْتَدٌّ بِهِ لَكِنْ يُؤَيِّدُ قَوْلَ الْفُقَهَاءِ حَدِيثُ الْجَامِعِ «احْفَظْ عَوْرَتَك إلَّا مِنْ زَوْجَتِك وَمَا مَلَكَ يَمِينُك» قَالَ فِي شَرْحِهِ وَفِيهِ أَنَّ لِلزَّوْجِ نَظَرَ فَرْجِ زَوْجَتِهِ وَحَلْقَةِ دُبْرِهَا وَأَخَذَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ تَمْكِينُ حَلِيلَتِهِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِ وَتَمَامُهُ فِي الْفَيْضِ وَأَيْضًا يُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]- وَنَقُولُ أَيْضًا إنَّ قَوَاعِدَنَا عِنْدَ تَعَارُضِ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ وَالْحَدِيثِ تَقْدِيمُ قَوْلِهِمْ لِجَوَازِ كَوْنِ الْحَدِيثِ مُؤَوَّلًا أَوْ مُخَصَّصًا أَوْ مُعَارَضًا أَوْ مَنْسُوخًا أَوْ مُقَيَّدًا بِحَيْثُ تَخْتَصُّ مَعْرِفَتُهُ بِالْفَقِيهِ دُونَ غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَإِنْ كَانَ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ إنْ كَانَ نَفْسَهُ (غَيْرَ هَؤُلَاءِ) الْخَمْسَةِ نَفْسُهُ وَصَغِيرَةٌ وَصَغِيرٌ وَمَنْكُوحَتُهُ وَأَمَتُهُ (فَإِنْ كَانَ النَّظَرُ بِعُذْرٍ) كَمَا يَأْتِي (يَجُوزُ) النَّظَرُ (مُطْلَقًا) رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً بِشَهْوَةٍ وَبِدُونِهَا (وَإِلَّا) إنْ لَمْ يَكُنْ بِعُذْرٍ (فَإِنْ كَانَ بِشَهْوَةٍ أَوْ بِشَكٍّ فِيهَا) أَيْ فِي الشَّهْوَةِ لِأَنَّ الْحُرُمَاتِ تَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ وَأَنْتَ تَعْرِفُ فِي بَابِ الرِّبَا مِنْ الْفِقْهِ أَنَّ الرِّبَا يَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ بَلْ شُبْهَةِ الشُّبْهَةِ وَقَدْ وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ «مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبْهَةِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» وَ «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» وَفِي التتارخانية إذَا عَلِمْت أَنَّهُ يَقَعُ فِي قَلْبِهَا شَهْوَةٌ أَوْ شَكَّتْ وَمَعْنَى الشَّكِّ اسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ فَأُحِبُّ أَنْ تَغُضَّ بَصَرَهَا عَنْهُ وَتَمَامُهُ فِيهَا (فَيَحْرُمُ مُطْلَقًا) رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً تَحْتَ سُرَّةٍ (وَإِلَّا) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَهْوَةٍ أَوْ شَكٍّ (فَإِنْ كَانَ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ ذَكَرًا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ تَحْتَ السُّرَّةِ إلَى تَحْتَ الرُّكْبَةِ مُطْلَقًا) رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً عَنْ النِّصَابِ كَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَعَنَ اللَّهُ النَّاظِرَ وَالْمَنْظُورَ إلَيْهِ» وَمَنْ لَمْ يَسْتُرْ الرُّكْبَةَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ بِرِفْقٍ لِأَنَّ فِي كَوْنِهَا عَوْرَةً اخْتِلَافًا وَمَنْ لَمْ يَسْتُرْ الْفَخِذَ يُعَنَّفُ عَلَيْهِ وَلَا يُضْرَبُ لِأَنَّ فِي كَوْنِهِ عَوْرَةً اخْتِلَافَ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَمَنْ لَمْ يَسْتُرْ السَّوْأَةَ يُؤَدَّبُ إنْ لَجَّ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي كَوْنِهَا عَوْرَةً قَالَ فِي الْهِدَايَةِ السُّرَّةُ لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَبِي عِصْمَة ﵀ وَالرُّكْبَةُ عَوْرَةٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي التتارخانية كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَرَى بَأْسًا بِنَظَرِ الْحَمَّامِيِّ إلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ انْتَهَى لَكِنْ لَعَلَّ لَهُ تَأْوِيلًا فَتَأَمَّلْ ثُمَّ فِي التتارخانية عَنْ الْكِتَابِ أَنَّهَا لَا تَنْظُرُ إلَى ظَهْرِهِ وَبَطْنِهِ فِي الْهِدَايَةِ نَظَرُ الْمَرْأَةِ إلَى الرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ بِمَنْزِلَةِ نَظَرِ الرَّجُلِ إلَى مَحَارِمِهِ (وَإِنْ كَانَ)

стр. 980

الْمَنْظُورُ إلَيْهِ (أُنْثَى فَإِنْ كَانَ النَّاظِرُ أَيْضًا أُنْثَى كَالنَّظَرِ إلَى الذَّكَرِ) أَيْ مُطْلَقًا فَتَنْظُرُ الْمَرْأَةُ مِنْ الْمَرْأَةِ إلَى مَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ مِنْ الرَّجُلِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَمْنِ الشَّهْوَةِ فَلَوْ كَانَ لَهَا شَهْوَةٌ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا أَوْ شَكًّا فَتَغُضُّ بَصَرَهَا قِيلَ اسْتِحْبَابًا هَذَا عَلَى الْأَصَحِّ بِخِلَافِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَظَرُ الْمَرْأَةِ إلَى الْمَرْأَةِ كَنَظَرِ الرَّجُلِ إلَى مَحَارِمِهِ وَفِي التَّنْوِيرِ وَالذِّمِّيَّةُ كَالرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ فِي الْأَصَحِّ فَلَا تَنْظُرُ إلَى بَدَنِ الْمُسْلِمَةِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ النَّاظِرُ أُنْثَى بَلْ ذَكَرًا (فَإِنْ كَانَتْ الْمَنْظُورَةُ) إلَيْهَا (حُرَّةً أَجْنَبِيَّةً غَيْرَ مَحْرَمٍ) وَالْكَافِرَةُ كَالْمُسْلِمَةِ وَعَنْ الْخَانِيَّةِ لَا بَأْسَ فِي شَعْرِهَا (لِلنَّاظِرِ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهَا سِوَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا) وَفِي الْقَدَمِ رِوَايَتَانِ وَالْأَصَحُّ كَوْنُهَا عَوْرَةً وَأَمَّا ظَهْرُ الْكَفِّ فَعَوْرَةٌ وَفِي التتارخانية نَظَرُ وَجْهِ الْأَجْنَبِيَّةِ لَيْسَ بِحَرَامٍ لَكِنْ يُكْرَهُ بِغَيْرِ حَاجَةٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ النَّظَرُ إلَى ذِرَاعَيْهَا لَا سِيَّمَا عِنْدَ اسْتِئْجَارِهَا لِلْخَبْزِ وَكَذَا النَّظَرُ إلَى ثِيَابِهَا مُبَاحٌ وَلَا بَأْسَ بِمُصَافَحَةِ الْعَجَائِزِ وَلَا بَأْسَ فِي مُعَانَقَتِهَا مِنْ وَرَاءِ الثِّيَابِ إنْ غَلِيظَةً وَلَا بِالنَّظَرِ فِي صَغِيرَةٍ غَيْرِ مُشْتَهَاةٍ وَالْمَسُّ كَذَلِكَ (مُطْلَقًا) بِشَهْوَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا كَذَا فُسِّرَ لَكِنْ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ مَا فِي الْمُنْتَقَى مِنْ قَوْلِهِ وَلَا إلَى الْحُرَّةِ الْأَجْنَبِيَّةِ إلَّا إلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ إنْ أَمِنَ الشَّهْوَةَ وَأَيْضًا فِي التتارخانية فَإِنْ عَلِمَ الشَّهْوَةَ أَوْ شَكَّ فَلْيَجْتَنِبْ بِجَهْدٍ لَكِنْ فِي النِّصَابِ عَنْ الْخَصَّافِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الْأَعْمَشَ خَرَجَ إلَى الرُّسْتَاقِ وَكَانَ النِّسَاءُ فِي شَطِّ نَهْرٍ كَاشِفَاتِ الذِّرَاعِ وَالرُّءُوسِ فَذَهَبَ إلَى أَنْ خَالَطَهُنَّ وَلَمْ يَتَحَامَ عَنْ النَّظَرِ إلَيْهِنَّ فَقِيلَ لَهُ كَيْفَ هَذَا فَقَالَ لَا حُرْمَةَ لَهُنَّ لِهَتْكِهِنَّ حُرْمَةَ أَنْفُسِهِنَّ، وَمِثْلُ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَتَى النَّائِحَةَ حَتَّى هَجَمَ عَلَيْهَا فِي مَنْزِلِهَا فَضَرَبَهَا بِالدِّرَّةِ حَتَّى سَقَطَ خِمَارُهَا فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَا حُرْمَةَ لَهَا فِي الشَّرِيعَةِ وَلِذَلِكَ جَوَّزَ نَظَرَ الْمُحْتَسِبِ عِنْدَ تَعْزِيرِهِنَّ سِيَّمَا عِنْدَ كَشْفِ رُءُوسِهِنَّ أَوْ ذِرَاعِهِنَّ أَوْ قَدَمِهِنَّ فَيَنْدَفِعُ مَا يُورِدُ أَنَّ نَظَرَهُنَّ مُنْكَرٌ آخَرُ. اهـ. (حَتَّى قَالُوا لَا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَى عَظْمِ امْرَأَةٍ بَالِيَةٍ فِي الْقَبْرِ) الظَّاهِرُ أَنْ يُقَيَّدَ بِشَهْوَةٍ (وَالنَّظَرُ إلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا) ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ (مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مَكْرُوهٌ) خَشْيَةَ إفْضَائِهِ إلَى الْفِتْنَةِ وَلِهَذَا أَمَرَ بِالِالْتِفَاتِ وَفِي النِّصَابِ الْحُرَّةُ تُمْنَعُ مِنْ كَشْفِ الْوَجْهِ وَالْكَفِّ وَالْقَدَمِ لِأَنَّهَا لَا تَأْمَنُ عَلَى شَهْوَةِ بَعْضِ النَّاظِرِينَ إلَّا إذَا كَانَتْ عَجُوزًا فَيَجُوزُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِهَا وَمُصَافَحَتُهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَنْظُورُ إلَيْهَا حُرَّةً أَجْنَبِيَّةً بَلْ كَانَتْ أَمَةً لِلْغَيْرِ أَوْ مَحْرَمًا لِلنَّاظِرِ (فَكَالنَّظَرِ إلَى الذَّكَرِ مَعَ زِيَادَةِ الْبَطْنِ وَالظَّهْرِ) فَيَنْظُرُ إلَى الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ وَالصَّدْرِ وَالسَّاقِ وَالْعَضُدِ لَكِنَّ بِشَرْطِ أَمْنِ الشَّهْوَةِ لَا إلَى الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ وَالْفَخِذِ وَالْجَنْبِ وَكَذَلِكَ الْأُذُنُ وَالْعُنُقُ وَالسَّاعِدُ وَالْكَفُّ وَاللِّسَانُ وَالرِّجْلُ وَمَا حَلَّ نَظَرُهُ حَلَّ مَسُّهُ وَغَمْزُهُ. (وَالْعُذْرُ) الْمُبِيحُ لِنَظَرِ الْعَوْرَةِ (تِسْعَةٌ الْأَوَّلُ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا) إذْ لَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ إلَى الْمَرْأَةِ إذَا أَرَادُوا إقَامَةَ الشَّهَادَةِ (كَمَا فِي الزِّنَا) كَمَنْ رَأَى مَنْ يَزْنِي فَيَقْصِدُ النَّظَرَ بِنِيَّةِ الْحِسْبَةِ إلَى عَوْرَتِهِمَا كَالسِّكِّينِ فِي الْغِمْدِ (الثَّانِي أَدَاءُ الشَّهَادَةِ) عِنْدَ الْحَاكِمِ بِخِلَافِ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّ النَّظَرَ حِينَئِذٍ لَا يُبَاحُ إذَا انْتَهَى لِأَنَّهُ يُوجَدُ مَنْ لَا يُشْتَهَى فَلَا ضَرُورَةَ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ (الثَّالِثُ حُكْمُ الْقَاضِي) فَإِنَّ لَهُ النَّظَرَ إلَى وَجْهِهَا وَإِنْ خَافَ الشَّهْوَةَ فَإِنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ. (الرَّابِعُ الْوِلَادَةُ لِلْقَابِلَةِ) فَإِنَّ لَهَا أَنْ تَنْظُرَ إلَى فَرْجِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ أَخْذِ الْوَلَدِ لِلضَّرُورَةِ فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ امْرَأَةٌ كَذَلِكَ فَلِلرَّجُلِ الصَّالِحِ ذَلِكَ إنْ مَسَّتْ الضَّرُورَةُ (الْخَامِسُ الْبَكَارَةُ فِي الْعُنَّةِ) كَمَا إذَا ادَّعَى الرَّجُلُ الْوَطْءَ وَأَنْكَرَتْهُ الْمَرْأَةُ فَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ النَّظَرُ إلَى فَرْجِهَا لِمَعْرِفَةِ بَكَارَتِهَا وَثُيُوبَتِهَا وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ أَنَّهَا بِكْرٌ أَنْ تَبُولَ عَلَى جِدَارٍ فَإِنْ وَصَلَ إلَيْهِ فَبِكْرٌ وَإِلَّا فَلَا أَوْ يُرْسَلُ فِي فَرْجِهَا مُخُّ بَيْضَةٍ فَإِنْ دَخَلَ فَثَيِّبٌ وَإِلَّا فَبِكْرٌ أَوْ يُرْسَلُ فِي فَرْجِهَا

стр. 981

أَصْغَرُ بَيْضِ الدَّجَاجِ فَإِنْ دَخَلَ بِلَا عُنْفٍ فَثَيِّبٌ وَإِلَّا فَبِكْرٌ. (وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ) بِزَوَالِ عُذْرَتِهَا أَوْ بِعُذْرٍ فِي مَوْضِعِ الْعَوْرَةِ (وَسَادِسُهَا الْخِتَانُ) لِلذَّكَرِ (وَالْخَفْضُ) لِلْأُنْثَى وَهُوَ خِتَانُ الصَّغِيرَةِ وَخِتَانُ الرِّجَالِ سُنَّةٌ وَاخْتَلَفُوا فِي خِتَانِ الْمَرْأَةِ فَفِي آدَابِ الْقَاضِي مَكْرُمَةٌ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ سُنَّةٌ لَكِنْ لَا كَسُنَّةِ الرِّجَالِ وَفِي الِاخْتِيَارِ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ مَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ (سَابِعُهَا الْمُدَاوَاةُ) لَهَا (مِنْهَا الِاحْتِقَانُ) وَهُوَ جَعْلُ الدَّوَاءِ فِي أُنْبُوبَةٍ وَنَحْوِهَا وَيَنْفُخُ مِنْ الْفَرْجِ إلَى الْجَوْفِ لَكِنْ يَتَّقِي الشَّهْوَةَ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّهُ حَرَامٌ (لِلْمَرَضِ وَالْهُزَالِ) لِأَنَّهُ إذَا فَحُشَ يُفْضِي إلَى السُّلِّ لَكِنْ ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْفَتَاوَى التَّقْيِيدُ بِكَوْنِ الْهُزَالِ فَاحِشًا وَكَوْنُهُ عَلَى وَجْهٍ يُخْشَى مِنْهُ التَّلَفُ وَإِلَّا لَا يَحِلُّ، وَفِي التتارخانية لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَوَلَّى عَوْرَةَ إنْسَانٍ بِيَدِهِ عِنْدَ التَّنْوِيرِ إذَا غَضَّ بَصَرَهُ كَمَا يُدَاوِي جُرْحًا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَإِذَا أَصَابَتْ امْرَأَةً قُرْحَةٌ فَيُعَلِّمُ امْرَأَةً دَوَاءَهَا لِتُدَاوِيهَا وَإِلَّا فَيُدَاوِيهَا بِاسْتِتَارِ جَمِيعِ مَا عَدَا الْقُرْحَةَ غَاضًّا بَصَرَهُ مَا اسْتَطَاعَ وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمَحَارِمُ وَالْأَجْنَبِيَّاتُ (لَا) لِأَجْلِ (الْجِمَاعِ) فَلَا يَصْلُحُ عُذْرًا لِلنَّظَرِ. (ثَامِنُهَا إرَادَةُ النِّكَاحِ) حَيْثُ جَازَ النَّظَرُ إلَيْهَا وَإِنْ خَافَ الشَّهْوَةَ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُغِيرَةِ «إذَا أَرَدْت أَنْ تَتَزَوَّجَ امْرَأَةً أَبْصِرْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» (تَاسِعُهَا إرَادَةُ الشِّرَاءِ) إذَا كَانَتْ جَارِيَةً فَيَحِلُّ نَظَرُهُ إلَى شَعْرِهَا وَصَدْرِهَا وَثَدْيِهَا وَعَضُدِهَا وَسَاقِهَا وَإِنْ كَانَ بِشَهْوَةٍ كَمَا فِي قَاضِي خَانْ وَفِي التتارخانية يَجُوزُ مَسُّهَا أَيْضًا (فَفِي هَذِهِ الْأَعْذَارِ يَجُوزُ النَّظَرُ وَإِنْ خَافَ الشَّهْوَةَ وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَهَا) الِاخْتِيَارِيُّ وَأَمَّا الضَّرُورِيُّ فَلَيْسَ لَهُ تَكْلِيفٌ. (وَفِي حُكْمِ النَّظَرِ إلَى الْبَدَنِ) الْمُجَرَّدِ عَنْ الثِّيَابِ (النَّظَرُ فَوْقَ ثِيَابِهَا) أَيْ ثِيَابِ الْأَجْنَبِيَّةِ (إنْ كَانَتْ) الثِّيَابُ (رَقِيقَةً وَمُلْتَزِقَةً) بِبَدَنِهَا (تَصِفُهَا) أَيْ تَصِفُ بَدَنَهَا لِضِيقِهَا أَوْ رِقَّتِهَا، وَالْعُرْيَانُ فِي الْوَقْتِ الْخَالِي عَنْ النَّاسِ تَارِكُ الْأَوْلَى فَحَسْبُ. وَقَالَ الدِّيرِيُّ مَكْرُوهٌ بِلَا حَاجَةٍ كَمَنْ تَغْتَسِلُ عُرْيَانَةً فِي الْمَاءِ الْجَارِي أَوْ غَيْرِهِ فِي الْخَلْوَةِ كَمَا فِي التتارخانية وَفِي الْأُسْرُوشَنِيَّة إنْ الْبَيْتُ ضَيِّقًا يُبَاحُ تَجْرِيدُهُمَا لِلْجِمَاعِ وَإِلَّا فَلَا وَقُدِّرَ الضِّيقُ بِعَشَرَةِ أَذْرُعٍ وَكُرِهَ كَشْفُ الْعَوْرَةِ فِي الْخَلْوَةِ بِلَا حَاجَةٍ، وَكَذَا التَّجَرُّدُ عِنْدَ الْغُسْلِ بِلَا إزَارٍ عِنْدَ الْبَعْضِ وَلَوْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ، وَكَذَا عِنْدَ عَصْرِ إزَارِهِ وَحَلْقِ عَانَتِهِ فِي بَيْتِ الْحَمَّامِ الصَّغِيرِ أَثِمَ عِنْدَ بَعْضٍ وَعِنْدَ آخَرَ لَا لَوْ فِي مَكَان وَحْدَهُ إنْ أَمِنَ مِنْ دُخُولِ النَّاسِ عَلَيْهِ، ثُمَّ مِنْ النَّظَرِ الْمُحَرَّمِ نَظَرُ الْغُلَامِ الْأَمْرَدِ قَالَ فِي التتارخانية لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ النَّظَرُ إلَيْهِ عَنْ شَهْوَةٍ وَأَمَّا بِلَا شَهْوَةٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَلِهَذَا لَا يُؤْمَرُ بِالنِّقَابِ وَفِي حُكْمِ الصَّلَاةِ كَالرِّجَالِ وَالسَّلَامِ وَالنَّظَرِ لَا عَنْ شَهْوَةٍ لَا بَأْسَ بِهِ وَفِيهَا عَنْ كِفَايَةِ الشَّعْبِيِّ مَاتَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَرُئِيَ فِي الْمَنَامِ وَقَدْ اسْوَدَّ وَجْهُهُ فَسُئِلَ فَقَالَ رَأَيْت غُلَامًا فِي مَوْضِعِ كَذَا وَنَظَرْت إلَيْهِ فَاحْتَرَقَ وَجْهِي فِي النَّارِ وَفِيهَا أَيْضًا أَنَّ وَاحِدًا مِنْ الْعُبَّادِ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك؟ قَالَ كُلُّ ذَنْبٍ اسْتَغْفَرْتُ مِنْهُ غُفِرَ لِي إلَّا ذَنْبًا اسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ اللَّهَ تَعَالَى فَعُذِّبْتُ بِذَلِكَ هِيَ نَظَرِي إلَى غُلَامٍ بِشَهْوَةٍ. قَالَ الْقَاضِي سَمِعْت الْإِمَامَ يَقُولُ إنَّ مَعَ كُلِّ امْرَأَةٍ شَيْطَانَيْنِ وَمَعَ الْغُلَامِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَيْطَانًا وَالْأَمْرَدُ إذَا كَانَ صَبِيًّا وَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى طَلَبِ الْعِلْمِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُمْنَعَ فِي كَرَاهِيَةِ الْخَانِيَّةِ وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ صَبِيحًا وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يُجْلِسُهُ فِي دَرْسِهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ مَخَافَةَ خِيَانَةِ الْعَيْنِ مَعَ كَمَالِ تَقْوَاهُ وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ عَنْ الْكَتَّانِيِّ قَالَ رَأَيْت عَلِيًّا الرَّازِيَّ فِي مَنَامِي فَقُلْت مَا حَالُك قَالَ أَقَامَنِي اللَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَ اقْرَأْ كِتَابَك فَقَرَأَتْ الذُّنُوبَ حَتَّى بَلَغْت إلَى ذَنْبٍ فَامْتَنَعَتْ خَجَلًا فَمَا يَزَالُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ اقْرَأْ حَتَّى سَقَطَ جِلْدُ وَجْهِي عَلَى قَدَمِي فَقُلْت أَيُّ شَيْءٍ كَانَ الذَّنْبُ قَالَ نَظَرْت إلَى وَجْهِ غُلَامٍ وَتَأَمَّلْت فِي عَجُزِهِ فَهَذَا حَالُ

стр. 982

مَنْ نَظَرَ فَكَيْفَ حَالُ مَنْ فَعَلَ وَعَنْ سُفْيَانَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ لُوطِيُّونَ صِنْفٌ يَنْظُرُونَ وَصِنْفٌ يُصَافِحُونَ وَصِنْفٌ يَعْمَلُونَ وَفِي النِّصَابِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - كَانَ جَالِسًا عَلَى بَابِ دَارِهِ فَرَأَى غُلَامًا صَبِيحًا حَسَنَ الْوَجْهِ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ السِّكَّةِ فَدَخَلَ دَارِهِ فَلَمَّا قَالُوا ذَهَبَ خَرَجَ مِنْ الدَّارِ فَقِيلَ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا مِنْ عِنْدِك أَوَ سَمِعْت شَيْئًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «النَّظَرُ إلَيْهِمْ حَرَامٌ وَالْكَلَامُ مَعَهُمْ حَرَامٌ وَمُجَالَسَتُهُمْ حَرَامٌ» وَفِي الْبُسْتَانِ وَيُكْرَهُ مُجَالَسَةُ الْأَحْدَاثِ وَالصِّبْيَانِ وَالسُّفَهَاءِ ثُمَّ مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ نَظَرُ الشَّيْخِ الْفَانِي الَّذِي انْقَطَعَتْ شَهْوَتُهُ كَمَا فِي التتارخانية (وَمِنْ آفَاتِ الْعَيْنِ النَّظَرُ إلَى الْفُقَرَاءِ وَالضُّعَفَاءِ بِطَرِيقِ الِاسْتِخْفَافِ) وَالِاسْتِحْقَارِ (فَإِنَّهُ تَكَبُّرٌ حَرَامٌ وَمِنْهَا مُشَاهَدَةُ الْمَعَاصِي وَالْمُنْكَرَاتِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ) وَلِذَا لَا يَجِبُ إجَابَةُ دَعْوَةِ وَلِيمَةٍ فِيهَا مُنْكَرٌ وَقِيلَ اللَّهْوُ عَلَى الْمَائِدَةِ وَقِيلَ ذَلِكَ لِلْعَوَامِّ وَأَمَّا لِلْخَوَاصِّ فَمُطْلَقٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (وَمِنْهَا اتِّبَاعُ الْبَصَرِ إلَى انْقِضَاضِ) سُقُوطِ (الْكَوْكَبِ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) وَيُقَالُ إنَّهُ يُفْضِي إلَى زَوَالِ نُورِ الْعَيْنِ (وَكَذَا) نُهِيَ (عَنْ النَّظَرِ إلَى مَنْ فَوْقَهُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا عَلَى وَجْهِ الرَّغْبَةِ) وَالِالْتِفَاتِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِازْدِرَاءِ نِعْمَةِ اللَّهِ عِنْدَهُ وَلَوْ نَظَرَ عَلَى وَجْهِ الْعِبْرَةِ لَا يَضُرُّ كَمَا عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ وَالتَّعَجُّبِ (وَإِلَى مَنْ دُونَهُ فِي أَمْرِ الدِّينِ) لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْعَجَبَ وَالْأَوْلَى أَنْ يَجْعَلَهُمَا آفَةً مُسْتَقِلَّةً بَلْ مُسْتَقِلَّتَيْنِ كَالنَّظَرِ إلَى الْفُقَرَاءِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَصْلَتَانِ مَنْ كَانَتَا فِيهِ كُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ شَاكِرًا صَابِرًا وَمَنْ لَمْ تَكُونَا فِيهِ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ شَاكِرًا وَلَا صَابِرًا مَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إلَى مَنْ فَوْقَهُ فَاقْتَدَى بِهِ وَنَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إلَى مَنْ دُونَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى مَا فَضَّلَهُ بِهِ عَلَيْهِ كَتَبَهُ بِهِ شَاكِرًا صَابِرًا وَمَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ وَنَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فَأَسِفَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْهُ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ شَاكِرًا وَلَا صَابِرًا» كَذَا فِي الْجَامِعِ قَالَ فِي شَرْحِهِ عَنْ الطِّيبِيِّ هَذَا الْحَدِيثُ جَامِعٌ لِأَنْوَاعِ الْخَيْرِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا رَأَى مَنْ فَضُلَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا طَلَبَتْ نَفْسُهُ مِثْلَ ذَلِكَ وَاحْتَقَرَ مَا عِنْدَهُ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ وَحَرَصَ عَلَى الِازْدِيَادِ لِيَلْحَقَ بِذَلِكَ أَوْ يُقَارِبَهُ وَإِنْ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا إلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ ظَهَرَتْ لَهُ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَشَكَرَ وَتَوَاضَعَ وَفَعَلَ الْخَيْرَ (وَمِنْهَا النَّظَرُ إلَى بَيْتِ الْغَيْرِ مِنْ شِقِّ الْبَابِ أَوْ مِنْ ثَقْبٍ أَوْ كَشْفِ سِتْرٍ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ (فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «مَنْ اطَّلَعَ» نَظَرَ «إلَى بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ» إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِهِ وَتُهْدَرُ عَيْنُ النَّاظِرِ فَلَا دِيَةَ وَلَا قِصَاصَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ يَضْمَنُهَا لِأَنَّ النَّظَرَ لَيْسَ فَوْقَ الدُّخُولِ وَالدُّخُولُ لَا يُوجِبُهُ وَأَوْجَبَ الْمَالِكِيَّةُ الْقِصَاصَ وَهَلْ يُلْحَقُ الِاسْتِمَاعُ بِالنَّظَرِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا لِأَنَّ النَّظَرَ أَشَدُّ وَأَشْمَلُ، قَوْلُهُ اطَّلَعَ كُلُّ مُطَّلِعٍ كَيْفَ مَا كَانَ وَمِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ مِنْ بَابٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَى الْعَوْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ (تَنْبِيهٌ) : الْحَدِيثُ يَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ فَلَوْ نَظَرَتْ امْرَأَةٌ فِي بَيْتِ أَجْنَبِيٍّ جَازَ رَمْيُهَا عَلَى الْأَصَحِّ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ مَنْ الشَّرْطِيَّةَ تَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ بِنَاءً عَلَى مُقَابِلِهِ أَنَّ مَنْ تَخْتَصُّ بِالذُّكُورِ وَوُجِّهَ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْهَا شَيْءٌ كَذَا فِي الْفَيْضِ (خ م عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ «رَجُلًا» مَجْهُولًا أَوْ التَّنْكِيرُ لِقَصْدِ الْإِبْهَامِ وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّنْ شَأْنُهُ كَذَا

стр. 983

«اطَّلَعَ مِنْ بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ ﵊» جَمْعُ حُجْرَةٍ يَعْنِي بَعْضَ بُيُوتِهِ ﵊ ( «فَقَامَ إلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِشْقَصٍ» نَصْلٍ عَرِيضٍ وَقِيلَ طَوِيلٍ وَقِيلَ سِكِّينٍ «أَوْ بِمَشَاقِصَ فَكَأَنِّي» ضَمِيرُ التَّكَلُّمِ إلَى أَنَسٍ الرَّاوِي «أَنْظُرُ إلَيْهِ» - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( «يَخْتِلُ» مِنْ الْخَتْلِ بِالْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْخُدْعَةُ أَيْ يَخْدَعُ وَيُحَاوِلُ «الرَّجُلَ» النَّاظِرُ «لِيَطْعَنَهُ» فَدَلَّ أَيْضًا عَلَى عَظِيمِ خَطَرِهِ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُؤَيِّدُ جَانِبَ الشَّافِعِيِّ وَأَمَّا قَوْلُنَا لِأَنَّ النَّظَرَ لَيْسَ فَوْقَ الدُّخُولِ إلَى آخِرِهِ فَرَأْيٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ وَقُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ أَنَّ الْقِيَاسَ يُتْرَكُ فِي جَنْبِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَأَيْضًا لَا يَرْجِعُ إلَى الْمَجَازِ مَا لَمْ تَتَعَذَّرْ الْحَقِيقَةُ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَيْضًا كَمَا فِي النِّصَابِ «لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْك بِغَيْرِ إذْنٍ فَحَذَفْته بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ» أَقُولُ حُجَّتُنَا لَيْسَ الْقِيَاسَ السَّابِقَ فَقَطْ بَلْ قَوْله تَعَالَى - ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]- عَلَى أَنَّ كَوْنَ مَا ذُكِرَ قِيَاسًا غَيْرَ مُسَلَّمٍ بَلْ دَلَالَةَ نَصٍّ (حَدّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ مَرْفُوعًا «أَيُّمَا رَجُلٍ كَشَفَ سِتْرًا» أَيْ أَزَالَهُ «فَأَدْخَلَ بَصَرَهُ» يَعْنِي نَظَرَ إلَى مَا وَرَاءِ السِّتْرِ مِنْ حُرَمٍ أَوْ غَيْرِهِنَّ «قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ» فِي الدُّخُولِ «فَقَدْ أَتَى حَدًّا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ» أَيْ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ «وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا» مِنْ دَاخِلِ الْبَيْتِ «فَقَأَ عَيْنَهُ» بِنَحْوِ حَصَاةٍ «لَهَدَرَتْ» عَيْنُهُ فَلَا يَضْمَنُهَا الرَّامِي فَفِيهِ أَيْضًا حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ وَقَدْ عَرَفْت آنِفًا (وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى بَابِ رَجُلٍ) أَيْ مَنْفَذِ نَحْوِ بَيْتٍ (لَا سُتْرَةَ عَلَيْهِ) أَيْ لَيْسَ عَلَيْهِ بَابٌ مِنْ نَحْوِ خَشَبٍ يَسْتُرُ مَا وَرَاءَهُ عَنْ الْعُيُونِ (فَرَأَى عَوْرَةَ أَهْلِهِ) أَيْ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَابِ مِنْ ذَلِكَ الْمَنْفَذِ (فَلَا خَطِيئَةَ عَلَيْهِ إنَّمَا الْخَطِيئَةُ عَلَى أَهْلِ الْبَابِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَهْلِ الْمَنْزِلِ فِي تَرْكِهِمْ مَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ السِّتْرِ وَقِلَّةِ مُبَالَاتِهِمْ بِاطِّلَاعِ الْأَجَانِبِ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ وَفِي نُسَخٍ بَدَلُ الْبَابِ الْبَيْتُ وَهِيَ أَوْفَقُ قَالَ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فِيهِ أَنَّهُ يَحْرُمُ النَّظَرُ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ الْمَسْتُورِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَوْ ذِمِّيًّا وَأَنَّهُ يَحْرُمُ الدُّخُولُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (طب عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ مَرْفُوعًا «لَا تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا» لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مَسْتُورَةٍ فَتَبْدُو عَوْرَةُ أَهْلِهَا «وَلَكِنْ ائْتُوهَا مِنْ جَوَانِبِهَا» تَحَرُّزًا عَنْ ذَلِكَ وَإِذَا أَتَيْتُمْ أَبْوَابَهَا «فَاسْتَأْذِنُوا» مِنْ أَرْبَابِهَا «فَإِنْ أَذِنَ لَكُمْ فَادْخُلُوا وَإِلَّا فَارْجِعُوا» قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور: ٢٨] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ شَوَاهِدِ الْبَابِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوْفَقَ لِعَادَةِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَ شَوَاهِدَ قَبِيلِ هَذَا مِنْ نَحْوِ النَّظَرِ إلَى الْفُقَرَاءِ وَمُشَاهَدَةِ الْمَعَاصِي وَاتِّبَاعِ الْبَصَرِ لَعَلَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهَا بَلْ إنَّمَا وَقَفَ عَلَى أُصُولِهَا فَقَطْ أَوْ لِادِّعَاءِ وُضُوحِهَا أَوْ لِقِلَّتِهَا بَقِيَ أَنَّ آفَاتِ الْعَيْنِ النَّظَرُ إلَى مَكْتُوبِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنِهِ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ عَلَى تَخْرِيجِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ

стр. 984

ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ اطَّلَعَ فِي كِتَابِ أَخِيهِ» فِي الدَّيْنِ «بِغَيْرِ إذْنِهِ فَكَأَنَّمَا اطَّلَعَ فِي النَّارِ» أَيْ أَنَّ ذَلِكَ يُقَرِّبُهُ مِنْهَا وَيُدْنِيهِ مِنْ الْإِشْرَافِ عَلَيْهَا لِيَقَعَ فِيهَا فَهُوَ حَرَامٌ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ فَكَأَنَّمَا يَنْظُرُ إلَى مَا يُوجِبْ عَلَيْهِ النَّارَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ عُقُوبَةَ الْبَصَرِ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ مِنْهُ كَمَا يُعَاقِبُ السَّمْعَ إذَا اسْتَمَعَ إلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الْكِتَابِ الَّذِي فِيهِ سِرٌّ وَأَمَانَةٌ يُكْرَهُ صَاحِبُهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ وَقِيلَ عَامٌّ فِي كُلِّ كِتَابٍ وَقِيلَ إنَّهُ سَبَبٌ لِرَمَدِ الْعَيْنِ وَمِنْهَا النَّظَرُ إلَى مُسْلِمٍ إخَافَةً عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ أَيْضًا عَلَى تَخْرِيجِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ نَظَرَ إلَى مُسْلِمٍ نَظْرَةً يُخِيفُهُ بِهَا فِي غَيْرِ حَقٍّ أَخَافَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَمِنْهَا إكْثَارُ النَّظَرِ إلَى وَجْهِ الْمَرِيضِ كَمَا فِي الْأُسْرُوشَنِيَّة حَيْثُ قَالَ وَنُدِبَ أَنْ يَجْلِسَ عِنْدَ رُكْبَتَيْ الْمَرِيضِ دُونَ رَأْسِهِ وَيَكُونُ نَظَرُهُ إلَى الْمَرِيضِ وَلَا يَنْظُرُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً وَلَا يُكْثِرُ النَّظَرَ إلَيْهِ وَلَا يَحُدُّ النَّظَرَ فِي وَجْهِهِ وَفِي الشِّرْعَةِ أَيْضًا كَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ وَلَا يُكْثِرُ النَّظَرَ إلَيْهِ وَلَا يَحُدُّ النَّظَرَ فِي وَجْهِهِ قَالَ فِي شَرْحِهِ خُصُوصًا فِي حَدَقَتَيْنِ فَإِذَا وَقَعَ نَظَرُهُ فِي وَجْهِهِ وَحَدَقَتَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ يَغْسِلَ وَجْهَهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ عِنْدِ الْمَرِيضِ فَيَنْفَعُ مِنْ الْآفَاتِ بِإِذْنِهِ تَعَالَى وَمِنْهَا إدَامَةُ النَّظَرِ إلَى الْمَجْذُومِ قَالَ فِي الْجَامِعِ عَلَى تَخْرِيجِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إلَى الْمَجْذُومِينَ» قَالَ فِي شَرْحِهِ لِأَنَّكُمْ إذَا أَدَمْتُمْ النَّظَرَ إلَيْهِمْ حَقَّرْتُمُوهُمْ فَيَتَأَذَّوْنَ أَوْ لِأَنَّ مَنْ بِهِ الدَّاءُ يَكْرَهُ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ وَفِي الشِّرْعَةِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إلَى الْمَجْذُومِينَ» إدَامَةُ مَنْ كَلَّمَهُمْ مِنْكُمْ مَنْ تَكَلَّمَ فَلْيُكَلِّمْهُمْ وَإِنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ قِيدَ رُمْحٍ (وَأَمَّا آفَاتُ الْعَيْنِ مِنْ حَيْثُ التَّغْمِيضُ وَعَدَمُ النَّظَرِ فَفِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ) لِأَنَّهُ فِعْلُ الْيَهُودِ، وَلِأَنَّهُ مُخِلٌّ بِنَظَرِهِ إلَى مَوْضِعِ السُّجُودِ مَثَلًا الَّذِي هُوَ الْمَسْنُونُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى الْعُذْرُ كَالدُّخَانِ الْمُبَالَغِ فِيهِ ثُمَّ الْكَرَاهَةُ مَرْوِيَّةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَأَيْضًا مُصَرَّحَةٌ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا كَالتَّتَارْخَانِيَّةِ وَفِي الْجَامِعِ عَلَى تَخْرِيجِ الطَّبَرَانِيِّ وَابْنِ عَدِيٍّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يُغْمِضْ عَيْنَهُ» لَكِنْ قَالَ فِي شَرْحِهِ نَدْبًا فَافْهَمْ ثُمَّ قَالَ بَلْ يُدِيمُ النَّظَرَ إلَى مَحَلِّ سُجُودِهِ فَإِنَّ غَمَّضَهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ كُرِهَ تَنْزِيهًا لِأَنَّهُ فِعْلُ الْيَهُودِ نَعَمْ إنْ اقْتَضَتْ الْمَصْلَحَةُ إلَى التَّغْمِيضِ كَتَوْفِيرِ الْخُشُوعِ وَحُضُورِ الْقَلْبِ لَمْ يُكْرَهْ انْتَهَى لَكِنْ ظَاهِرُ إطْلَاقِ أَصْحَابِنَا لَا يُلَائِمُ هَذَا التَّقْيِيدَ بَلْ أَبَى عَنْهُ عَلَى أَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ (وَكَذَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَجِبُ النَّظَرُ) ثُمَّ أَشَارَ إلَى بَيَانِ سَبَبِ وُجُوبِ النَّظَرِ بِقَوْلِهِ (وَإِنَّمَا يَجِبُ إذَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ كَحُضُورِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ) حُضُورُهُمَا (بِدُونِ النَّظَرِ وَكَحُكْمِ الْقَاضِي) إذْ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ نَظَرِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ (وَالشَّهَادَةِ) تَحَمُّلًا وَأَدَاءً (وَنَحْوِهِمَا) [الصِّنْفُ الْخَامِسُ فِي آفَاتِ الْيَدِ] ِ وَهِيَ الْقَتْلُ أَوْ الْجَرْحُ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ بِلَا حَقٍّ) أَمَّا إذَا كَانَ بِحَقٍّ مِثْلَ الْقِصَاصِ وَقَطْعِ الْيَدِ وَالْخِتَانِ وَالْمُدَاوَاةِ أَوْ غَيْرِهِمَا (فَيَجُوزُ قَتْلُ النَّمْلَةِ) فِي الْمُخْتَارِ (بِغَيْرِ إلْقَاءٍ فِي الْمَاءِ) وَأَمَّا إلْقَاؤُهَا فِيهِ فَقِيلَ مَكْرُوهٌ اتِّفَاقًا لِمَا فِيهِ مِنْ مَزِيدِ التَّعْذِيبِ أَقُولُ إنْ مَسَّتْ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْرَهَ (إذَا ابْتَدَأَتْ بِالْأَذَى) فِي الْبَدَنِ أَوْ الطَّعَامِ (وَبِدُونِهِ يُكْرَهُ) تَنْزِيهًا وَجَازَ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهَا الْأَذَى وَعَنْ أَبِي اللَّيْثِ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ قَتْلُهَا مَا لَمْ تَبْدَأْ بِالْأَذَى فِي التتارخانية تَكَلَّمَ الْمَشَايِخُ فِي قَتْلِ النَّمْلَةِ قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى لَا بَأْسَ فِيهِ إذَا ابْتَدَأَتْ بِالْأَذَى وَإِلَّا يُكْرَهُ وَفِي النَّوَازِلِ بِهِ نَأْخُذُ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلْقَاؤُهَا فِي الْمَاءِ وَكَذَا فِي التتارخانية لَا بَأْسَ بِإِحْرَاقِ الْحَطَبِ فِيهِ نَمْلٌ (وَقَتْلُ الْقَمْلَةِ يَجُوزُ بِكُلِّ حَالٍّ) حَالَ إبْدَائِهَا أَوْ لَا، وَأَمَّا طَرْحُهَا حَيَّةً فَلَيْسَ مِنْ طَرِيقِ الْأَدَبِ وَإِنْ مُبَاحًا وَقَالُوا يَضُرُّ بِالْعَقْلِ لَكِنْ فِي التتارخانية إحْرَاقُ الْقَمْلِ وَالْعَقْرَبِ مَكْرُوهٌ وَطَرْحُهَا حَيَّةً مُبَاحٌ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ مِنْ حَيْثُ الْأَدَبِ (وَكَذَا الْجَرَادُ) لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسِ الْمُؤْذِيَاتِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمَا الْأَذَى (وَالْهِرَّةُ إذَا كَانَتْ مُؤْذِيَةً تُذْبَحُ بِسِكِّينٍ) حَادٍّ قَالَ فِي التتارخانية وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْتُلَ مَا لَا يُؤْذِيهِ

стр. 985

(وَلَا تُضْرَبُ) لِأَنَّ الضَّرْبَ إنَّمَا يَكُونُ لِلتَّأْدِيبِ وَلَا تَأْدِيبَ لِعَدَمِ الْعَقْلِ (وَلَا تُعْرَكُ أُذُنُهَا) لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ بِلَا فَائِدَةٍ لِعَدَمِ تَعَلُّمِهَا بِالتَّعْلِيمِ [إحْرَاقُ كُلِّ حَيٍّ بِالنَّارِ أَوْ بِالْمَاءِ الْحَارِّ] (وَيُكْرَهُ إحْرَاقُ كُلِّ حَيٍّ) بِالنَّارِ أَوْ بِالْمَاءِ الْحَارِّ آذَى أَمْ لَا (قَمْلَةً أَوْ نَمْلَةً أَوْ عَقْرَبًا أَوْ نَحْوَهَا) مِنْ الْمُؤْذِيَاتِ مِثْلُ الْحَيَّةِ وَالْجَرَادِ لِأَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ وَقَالَ لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ أَشَدُّ الْعَذَابِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ هَذَا حَيْثُ أَمْكَنَ وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ بِالتَّحْرِيقِ هَذَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَقِصَّةُ الْعُرَنِيِّينَ مَنْسُوخَةٌ أَوْ كَانَتْ قِصَاصًا بِالْمُمَاثَلَةِ وَذَهَبَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ إلَى حِلِّ تَحْرِيقِ الْكُفَّارِ مُبَالَغَةً فِي النِّكَايَةِ وَالنَّكَالِ لِأَعْدَاءِ ذِي الْجَلَالِ لَكِنْ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَنَّهُ رَجَعَ أَمَّا لَوْ تَعَذَّرَ قَتْلُ مَنْ وَجَبَ قَتْلُهُ إلَّا بِإِحْرَاقِهِ فَيَجُوزُ فَقَدْ رَوَى الْحَكِيمُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﵊ بِمِنًى فَمَرَّتْ حَيَّةٌ فَقَالَ اُقْتُلُوهَا فَسَبَقَتْنَا إلَى جُحْرٍ فَدَخَلَتْ فَقَالَ هَاتُوا سَعَفَةً وَنَارًا فَأَضْرِمُوهَا نَارًا» انْتَهَى رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا حَرَّقَ قَوْمًا فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ فَقَالَ لَوْ كُنْت أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» وَلَقَتَلَتُهُمْ لِقَوْلِهِ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى مَذْهَبِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَالِكٌ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ سَبَّ النَّبِيَّ فَأَمَرَ كَاتِبَهُ أَنْ يَكْتُبَ يُقْتَلُ فَزَادَ كَاتِبُهُ وَيُحَرَّقُ بِالنَّارِ فَقَالَ أَصَبْت كَذَا فِي الْمَطَامِحِ وَأَنَا أَقُولُ هَذَا غَيْرُ مَقْبُولٍ فَإِنَّ كَلَامَ مَالِكٍ هَذَا كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ يُحَرَّقُ بَعْدَ قَتْلِهِ وَأَمَّا عَلِيٌّ فَحَرَّقَهُمْ وَهُمْ أَحْيَاءٌ فَلَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِ هَذَا أَنْ يُنْسَبَ إلَى مَالِكٍ أَنَّهُ قَائِلٌ بِقَوْلِ عَلِيٍّ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنَاوِيِّ لَكِنْ فِي بَعْضِ حَوَاشِي الْجَلَالِ شَرْحِ عَقَائِدِ الْعَضُدِ عِنْدَ عَدِّ الْكَبَائِرِ عِنْدَ عَدِّ الْإِحْرَاقِ مِنْ الْكَبَائِرِ قَالَ وَأَفْتَوْا فِي الْقَمْلِ لِلضَّرُورَةِ وَأَيْضًا فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى جَوَازُ إحْرَاقِ الْجَرَادِ عِنْدَ امْتِنَاعِ دَفْعِ ضَرَرِهَا بِمُعَالَجَةِ غَيْرِ الْإِحْرَاقِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إطْلَاقُ كَرَاهَةِ الْإِحْرَاقِ وَقَدْ عَدُّوهُ مِنْ الْكَبِيرَةِ فَتَأَمَّلْ وَعَنْ الْغِيَاثِيَّةِ الْبَهِيمَةُ الْمَوْطُوءَةُ تُذْبَحُ وَتُحَرَّقُ إنْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ، وَيَجُوزُ ذَبْحُ الْحِمَارِ الْمَرِيضِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَرْجُوِّ الِانْتِفَاعِ وَيُكْرَهُ الْكَيُّ فِي الْوَجْهِ وَلَا بَأْسَ بِقَطْعِ الْعُضْوِ لِلْأَكَلَةِ وَلَا بَأْسَ بِشَقِّ الْمَثَانَةِ إذَا كَانَ فِيهَا حَصَاةٌ وَلَا بَأْسَ بِثَقْبِ أُذُنِ الطِّفْلِ وَخِصَاءِ الْحَيَوَانَاتِ سِوَى بَنِي آدَمَ لَا بَأْسَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ وَخِصَاءُ بَنِي آدَمَ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ وَعَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّ خِصَاءَ الْفَرَسِ حَرَامٌ وَكَذَا غَيْرُهُ إلَّا عِنْدَ الْمَنْفَعَةِ وَكَذَا خِصَاءُ السِّنَّوْرِ عِنْدَ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ وَأَمَّا سِمَةُ الْبَهَائِمِ فَجَوَّزَهُ بَعْضٌ وَكَرِهَهُ آخَرُ وَلَا بَأْسَ بِكَيِّ الْأَغْنَامِ الْكُلُّ مِنْ التتارخانية وَفِي الْخُلَاصَةِ لَا بَأْسَ بِكَيِّ الصِّبْيَانِ إنْ لِدَاءٍ وَخِصَاءُ بَنِي آدَمَ مَكْرُوهٌ وَلِذَا يُكْرَهُ كَسْبُ الْخُصْيَانِ وَمِلْكُهُمْ وَاسْتِخْدَامُهُمْ لَكِنْ قَدْ سَمِعْت آنِفًا دَعْوَى الِاتِّفَاقِ فِي الْحُرْمَةِ (وَالْفَيْلَقُ) هُوَ دُودُ الْقَزِّ (لَوْ أُلْقِيَ فِي الشَّمْسِ لِيَمُوتَ الدِّيدَانُ لَا بَأْسَ بِهِ) فِي الْخَانِيَّةِ لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةَ الْآدَمِيِّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إلْقَاءِ السَّمَكِ فِي الشَّمْسِ فَلَوْ أُحْرِقَ بِالنَّارِ لِيَمُوتَ بَدَلَ الشَّمْسِ لَا يَجُوزُ لِانْدِفَاعِ الضَّرُورَةِ بِالشَّمْسِ وَلِلنَّصِّ فِي نَهْيِ الْإِحْرَاقِ (وَفِي السِّرَاجِيَّةِ لَا بَأْسَ بِإِحْرَاقِ حَطَبٍ فِيهِ نَمْلٌ) عِنْدَ ضَرُورَةِ الِاحْتِيَاجِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَخْلِيَتِهَا مَا أَمْكَنَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ بِالْإِحْرَاقِ (وَالْمَثُلَةُ) عَطْفٌ عَلَى " الْقَتْلُ " بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ التَّاءِ وَهِيَ قَطْعُ أَطْرَافِ الْحَيَوَانِ حَيًّا وَتَجِيءُ بِمَعْنَى الْعُقُوبَةِ وَجَعْلُ الْحَيَوَانِ غَرَضًا لِلرَّمْيِ وَعِنْدَ الْبَعْضِ قَطْعُ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ وَفِي الدُّرَرِ اسْمٌ مِنْ مَثَلَ بِهِ يَمْثُلُ مَثْلًا كَقَتَلَ يَقْتُلُ قَتْلًا أَيْ نَكَّلَ بِهِ يَعْنِي جَعَلَهُ نَكَالًا وَعِبْرَةً لِغَيْرِهِ كَقَطْعِ الْأَعْضَاءِ وَتَسْوِيدِ الْوَجْهِ (وَضَرْبُ الْوَجْهِ مُطْلَقًا) بِذَنْبٍ
следующие страницы →