Полный текст (4 874 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
قَوْلُهُ (فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ) لِأَنَّهُ قَدْ تَفَرَّدَ بِهِ صَدَقَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا تَقَدَّمَ
قَوْلُهُ (وَلَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْبَابِ كَبِيرُ شَيْءٍ) وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ لَا يَصِحُّ فِي زَكَاةِ الْعَسَلِ شَيْءٌ
قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ليس في العسل شيء) وقال بن الْمُنْذِرِ لَيْسَ فِي الْعَسَلِ خَبَرٌ يَثْبُتُ وَلَا إِجْمَاعٌ فَلَا زَكَاةَ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ يَجِبُ الْعُشْرُ فِيمَا أُخِذَ مِنْ غَيْرِ أَرْضِ الْخَرَاجِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ نَقْلِ قَوْلِ بن الْمُنْذِرِ هَذَا وَمَا نَقَلَهُ عَنِ الْجُمْهُورِ مُقَابِلُهُ قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَافِظُ قَوْلَ التِّرْمِذِيِّ هَذَا ثُمَّ قَالَ وَأَشَارَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ إلى أن الذي نقله بن الْمُنْذِرِ أَقْوَى انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَحَكَاهُ بن عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْجُمْهُورِ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْعَسَلِ قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي سَيَّارَةَ وَحَدِيثَ هِلَالٍ إِنْ كَانَ غَيْرَ أَبِي سَيَّارَةَ لَا يَدُلَّانِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْعَسَلِ لِأَنَّهُمَا تَطَوَّعَا بِهَا وَحُمِيَ لَهُمَا بَدَلَ مَا أُخِذَ وَعَقِلَ عُمَرُ الْعِلَّةَ فَأَمَرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ الصَّدَقَاتِ لم يخبر فِي ذَلِكَ وَبَقِيَّةُ الْأَحَادِيثِ لَا تَنْتَهِضُ لِلِاحْتِجَاجِ بها انتهى
٠ - (باب ما جاء لا زكاة على المال الْمُسْتَفَادِ)
حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ الْمُرَادُ بِالْمَالِ الْمُسْتَفَادِ الْمَالُ الَّذِي حَصَلَ لِلرَّجُلِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ مِنْ هِبَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ أَوْ مِثْلِهِ وَلَا يَكُونُ مِنْ نَتَائِجِ الْمَالِ الْأَوَّلِ
[٦٣١] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ صَالِحٍ الطَّلْحِيُّ) نِسْبَةً إِلَى طَلْحَةَ جَدِّ جَدِّهِ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ صَدُوقٌ
стр. 1262
قَوْلُهُ (مَنِ اسْتَفَادَ مَالًا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ) اعْلَمْ أَنَّ الْمَالَ الْمُسْتَفَادَ عَلَى نَوْعَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ النِّصَابِ الَّذِي عِنْدَهُ كَمَا إِذَا كَانَتْ لَهُ إِبِلٌ فَاسْتَفَادَ إِبِلًا فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ وَثَانِيهِمَا أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ كَمَا إِذَا اسْتَفَادَ بَقَرًا فِي صُورَةِ نِصَابِ الْإِبِلِ وَهَذَا لَا ضَمَّ فِيهِ اتِّفَاقًا بَلْ يُسْتَأْنَفُ لِلْمُسْتَفَادِ حِسَابٌ آخَرُ وَالْأَوَّلُ عَلَى نَوْعَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَفَادُ مِنَ الْأَصْلِ كَالْأَرْبَاحِ وَالْأَوْلَادِ وَهَذَا يُضَمُّ إِجْمَاعًا وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مُسْتَفَادًا بِسَبَبٍ آخَرَ كَالْمُشْتَرَى وَالْمَوْرُوثِ وَهَذَا يُضَمُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يُضَمُّ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَاسْتَدَلَّ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ بِحَدِيثِ بن عُمَرَ الْمَرْوِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ وَبِآثَارِ الصَّحَابَةِ ﵃ فَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ وَعَائِشَةَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِمْ مِثْلَ مَا روى عن بن عُمَرَ ﵁ (وَفِي الْبَابِ عَنْ سَرَّى) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ بِفَتْحِ أَوَّلِهَا وتشديد الراء مع المد وقيل القصر بِنْتِ نَبْهَانَ الْغَنَوِيَّةِ صَحَابِيَّةٌ لَهَا حَدِيثٌ انْتَهَى وَلَمْ أَقِفْ عَلَى حَدِيثِهَا
[٦٣٢] قَوْلُهُ (وَهَذَا أَصَحَّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) أَيْ هَذَا الْمَوْقُوفُ صَحِيحٌ وَالْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْبُلُوغِ بَعْدَ ذكر حديث بن عُمَرَ الْمَرْفُوعِ مَا لَفْظُهُ وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ وَقَالَ في التلخيص بعد ذكر حديث بن عُمَرَ ﵁ الْمَرْفُوعِ مَا لَفْظُهُ قال الترمذي والصحيح عن بن عمر موقوف وكذا قال البيهقي وبن الجوزي
стр. 1263
وَغَيْرُهُمَا
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحُنَيْنِيِّ عَنْ مَالِكٍ عن نافع عن بن عُمَرَ نَحْوَهُ
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ الْحُنَيْنِيُّ ضَعِيفٌ وَالصَّحِيحُ عَنْ مَالِكٍ مَوْقُوفٌ
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ وَعَائِشَةَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِمْ مِثْلَ مَا روي عن بن عُمَرَ قَالَ وَالِاعْتِمَادُ فِي هَذَا وَفِي الَّذِي قَبْلَهُ عَلَى الْآثَارِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ انتهى ما في التلخيص
وحديث بن عُمَرَ الْمَرْفُوعُ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ
قَوْلُهُ (وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَفِيهِ الزَّكَاةُ) أَيْ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ سِوَى الْمَالِ الْمُسْتَفَادِ وَكَانَ ذَلِكَ الْمَالُ بِقَدْرِ النِّصَابِ فَيَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْمَالِ الْمُسْتَفَادِ وَيُضَمُّ مَعَ مَالِهِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ وَيُزَكَّى مَعَهُ إِذَا كَانَ الْمَالُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ جِنْسِ مَالِهِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ وَلَا يُسْتَأْنَفُ لِلْمَالِ الْمُسْتَفَادِ حِسَابٌ آخَرُ
فَقَوْلُهُ (تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ) صِفَةٌ لِقَوْلِهِ (مَالٌ) وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ (فَفِيهِ الزَّكَاةُ) رَاجِعٌ إِلَى الْمَالِ الْمُسْتَفَادِ (وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ) وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ
وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ قَالُوا وَعَلَى تَسْلِيمِ ثُبُوتِهِ فَعُمُومُهُ لَيْسَ مرادا للإنفاق عَلَى خُرُوجِ الْأَرْبَاحِ وَالْأَوْلَادِ فَعَلَّلْنَا بِالْمُجَانَسَةِ فَقُلْنَا إِنَّمَا أَخْرَجَ الْأَوْلَادَ وَالْأَرْبَاحَ لِلْمُجَانَسَةِ لَا لِلتَّوَلُّدِ
فَيَجِبُ أَنْ يُخْرِجَ الْمُسْتَفَادَ إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَهُوَ أَدْفَعُ لِلْحَرَجِ عَلَى أَصْحَابِ الْحِرَفِ الَّذِينَ يَجِدُونَ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمًا فَأَكْثَرَ وَأَقَلَّ فَإِنَّ فِي اعْتِبَارِ الْحَوْلِ لِكُلِّ مُسْتَفَادٍ حَرَجًا عَظِيمًا وَهُوَ مَدْفُوعٌ بِالنَّصِّ
قُلْتُ لَا شَكَّ فِي أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ الْمَرْفُوعَ ضَعِيفٌ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ
قَالَ صَاحِبُ سُبُلِ السَّلَامِ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ لِأَنَّهُ لَا مَسْرَحَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ انْتَهَى
وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ اعْتِمَادَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْآثَارِ لَا عَلَى الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ
стр. 1264
١١ - (باب ما جاء ليس على المسلمين جزية)
الْجِزْيَةُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَتَسْمِيَتُهَا بذلك للاجتراء بِهَا فِي حَقْنِ دَمِهِمْ
قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ لَا يُؤْخَذُ عَنْ ذَلِكَ الْعَامِ شَيْءٌ قَالَ وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْمُصَنِّفِينَ بِذِكْرِ الْجِزْيَةِ بَعْدَ الْجِهَادِ وَقَدْ أَدْخَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الزكاة تبعا لمالك
قال بن الْعَرَبِيِّ أَوَّلُ مَنْ أَدْخَلَ الْجِزْيَةَ فِي أَبْوَابِ الصَّدَقَةِ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ فَتَبِعَهُ قَوْمٌ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ وَتَرَكَ اتِّبَاعَهُ آخَرُونَ
قَالَ وَوَجْهُ إِدْخَالِهَا فِيهَا التَّكَلُّمُ عَلَى حُقُوقِ الْأَمْوَالِ فَالصَّدَقَةُ حَقُّ الْمَالِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالْجِزْيَةُ حَقُّ الْمَالِ عَلَى الْكُفَّارِ
[٦٣٣] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قَطَنٍ التَّمِيمِيُّ الْمَرْوَزِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاضِي الْمَشْهُورُ فَقِيهٌ صَدُوقٌ إِلَّا أَنَّهُ رُمِيَ بِسَرِقَةِ الْحَدِيثِ وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ لَهُ وَإِنَّمَا كَانَ يَرَى الرِّوَايَةَ بِالْإِجَازَةِ وَالْوِجَادَةِ مِنَ الْعَاشِرَةِ (أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) هو بن عَبْدِ الْحَمِيدِ (عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ قَالَ الْحَافِظُ فِيهِ لِينٌ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ أَبِي ظَبْيَانَ وَاسْمُهُ حُصَيْنُ بْنُ جُنْدُبٍ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ
قَوْلُهُ (لَا يَصْلُحُ قِبْلَتَانِ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ أَيْ لَا يَسْتَقِيمُ دِينَانِ بِأَرْضٍ وَاحِدَةٍ عَلَى سَبِيلِ الْمُظَاهَرَةِ وَالْمُعَادَلَةِ أَمَّا الْمُسْلِمُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ الْإِقَامَةَ بَيْنَ ظَهَرَانَيْ قَوْمٍ كُفَّارٍ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا صَنَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَحَلَّ نَفْسَهُ فِيهِمْ مَحَلَّ الذِّمِّيِّ فِينَا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجُرَّ إِلَى نَفْسِهِ الصَّغَارَ وَأَمَّا الَّذِي يُخَالِفُ دِينُهُ دِينَ الْإِسْلَامِ فَلَا يُمَكَّنُ مِنَ الْإِقَامَةِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ إِلَّا بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لَهُ فِي الْإِشَاعَةِ بِدِينِهِ انْتَهَى
(وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ جِزْيَةٌ) أَيْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ قَبْلَ أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْجِزْيَةِ فَإِنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِهِ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَلَيْسَ عَلَى مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ
وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَزَادَ فِي آخِرِهِ وَسُئِلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ هَذَا فَقَالَ يَعْنِي إِذَا أَسْلَمَ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ وروى الطبراني في معجمه الأوسط عن بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ أَسْلَمَ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ
стр. 1265
[٦٣٤] قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَجَدِّ حَرْبِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ) أَمَّا حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ وَأَمَّا حَدِيثُ جَدِّ حَرْبٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ إِنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وليس على المسلمين عشور
قوله (وحديث بن عَبَّاسٍ قَدْ رُوِيَ إلخ) لَمْ يَحْكُمِ التِّرْمِذِيُّ على حديث بن عَبَّاسٍ بِشَيْءٍ مِنَ الصِّحَّةِ أَوِ الضَّعْفِ وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ فِي سَنَدِهِ قَابُوسَ بْنَ ظَبْيَانَ وَفِيهِ لِينٌ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ
قَوْلُهُ (وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ جِزْيَةُ عُشُورٍ يَعْنِي بِهِ جِزْيَةَ الرَّقَبَةِ) أَيِ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ جِزْيَةُ عُشُورٍ جِزْيَةُ الرَّقَبَةِ لِإِخْرَاجِ الْأَرْضِ (وَفِي الْحَدِيثِ مَا يُفَسِّرُ هَذَا حَيْثُ قَالَ إِنَّمَا الْعُشُورُ) بِضَمِّ الْعَيْنِ جَمْعُ عُشْرٍ (عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ
وَقَدْ فَهِمَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْعُشُورِ في هذا الحديث جزية الرقبة قال بن الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ ظَنَّ أَبُو عِيسَى أَنَّ حَدِيثَ أَبِي أُمَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ فِي الْعُشُورِ أَنَّهُ الْجِزْيَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا أَعْطَوُا الْعَهْدَ عَلَى أَنْ يَقِرُّوا فِي بِلَادِهِمْ وَلَا يُعْتَرَضُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمَّا عَلَى أَنْ يَكُونُوا في دارنا كهيئة المسلمين في التصرف وفيها وَالتَّحَكُّمِ بِالتِّجَارَةِ فِي مَنَاكِبِهَا فَلَمَّا أَنْ دَاحَتِ الْأَرْضُ بِالْإِسْلَامِ وَهَدَأَتِ الْحَالُ عَنْ الِاضْطِرَابِ وَأَمْكَنَ الضَّرْبُ فِيهَا لِلْمَعَاشِ أَخَذَ مِنْهُمْ عُمَرُ ثَمَنَ تَصَرُّفِهِمْ وَكَانَ شَيْئًا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَقَرَّهُ الْإِسْلَامُ وَخُفِّفَ الْأَمْرُ فِيمَا يُجْلَبُ إِلَى المدينة نظرا لها إذا لَمْ يَكُنْ تَقْدِيرٌ حَتْمٌ وَلَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أصل وإنما كان كما قال بن شِهَابٍ حَمْلًا لِلْحَالِ كَمَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ
وَقَدْ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أُمُورٌ أَقَرَّهَا الْإِسْلَامُ فَهَذِهِ هِيَ الْعُشُورُ
стр. 1266
الَّتِي انْفَرَدَ بِرِوَايَتِهَا أَبُو أُمَيَّةَ فَأَمَّا الْجِزْيَةُ كَمَا قَالَ أَبُو عِيسَى فَلَا انْتَهَى كَلَامُ بن العربي
وقال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ شَرْحِ الْمِشْكَاةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا لَفْظُهُ قَالَ بن الْمَلَكِ أَرَادَ بِهِ عُشْرَ مَالِ التِّجَارَةِ لَا عُشْرَ الصَّدَقَاتِ فِي غَلَّاتِ أَرْضِهِمْ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَا يُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ دُونَ عُشْرِ الصَّدَقَاتِ وَأَمَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَاَلَّذِي يلزمهم من العشور هو ماصولحوا عَلَيْهِ وَقْتَ الْعَقْدِ فَإِنْ لَمْ يُصَالَحُوا عَلَى شَيْءٍ فَلَا عُشُورَ عَلَيْهِمْ وَلَا يَلْزَمُهُمْ شَيْءٌ أَكْثَرُ مِنَ الْجِزْيَةِ فَأَمَّا عُشُورُ أَرَاضِيهِمْ وَغَلَّاتِهِمْ فَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنْ أَخَذُوا مِنَّا عُشُورًا فِي بِلَادِهِمْ إِذَا تَرَدَّدْنَا إِلَيْهِمْ فِي التِّجَارَاتِ أَخَذْنَا مِنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوا لَمْ نَأْخُذِ انْتَهَى وَتَبِعَهُ بن الْمَلَكِ لَكِنَّ الْمُقَرَّرَ فِي الْمَذْهَبِ فِي مَالِ التِّجَارَةِ أَنَّ الْعُشْرَ يُؤْخَذُ مِنْ مَالِ الْحَرْبِيِّ وَنِصْفَ الْعُشْرِ مِنَ الذِّمِّيِّ وَرُبْعَ الْعُشْرِ مِنَ الْمُسْلِمِ بِشُرُوطٍ ذُكِرَتْ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ
نَعَمْ يُعَامَلُ الْكُفَّارُ بِمَا يُعَامِلُونَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْحَرْبِ بِلَادَ الْإِسْلَامِ تُجَّارًا
فَإِنْ دَخَلُوا بِغَيْرِ أَمَانٍ وَلَا رِسَالَةٍ غُنِمُوا وَإِنْ دَخَلُوا بِأَمَانٍ وَشَرْطُهُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ عُشْرٌ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ أُخِذَ الْمَشْرُوطُ وَإِذَا طَافُوا فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً انْتَهَى مَا فِي الْمِرْقَاةِ
٢ - (بَابُ مَا جَاءَ فِي زَكَاةِ الْحُلِيِّ)
بِضَمِّ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا فَكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ جَمْعُ الْحَلْيِ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْحَلْيُ بِالْفَتْحِ مَا يُزَيَّنُ بِهِ مِنْ مَصُوغِ الْمَعْدِنِيَّاتِ أَوِ الْحِجَارَةِ ج حُلِيٌّ كَدُلِيِّ أَوْ هُوَ جمع والواحد حلية كضبية وَالْحِلْيَةُ بِالْكَسْرِ الْحَلْيُ ج حِلًى وَحُلًى انْتَهَى
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ الْحَلْيُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ مِنْ مَصَاغِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْجَمْعُ حُلًى بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ وَجَمْعُ الْحِلْيَةِ حِلًى مِثْلُ لِحْيَةٍ وَلِحًى وَرُبَّمَا تُضَمُّ وَتُطْلَقُ الْحِلْيَةُ عَلَى الصِّفَةِ أَيْضًا انْتَهَى
[٦٣٥] قَوْلُهُ (فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ) قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ فِي شَرْحِ
стр. 1267
التِّرْمِذِيِّ مُنَاسَبَتُهُ بِالتَّرْجَمَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلْوُجُوبِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ ذَلِكَ أَيْ تَصَدَّقْنَ وُجُوبًا وَلَوْ كَانَتِ الصَّدَقَةُ مِنْ حُلِيِّكُنَّ وَهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الْمُصَنِّفُ وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ أَمْرُ ندب بالصدقة النافلة لأنه خطاب بالحاضرات وَلَمْ تَكُنْ كُلُّهُنَّ مِمَّنْ فُرِضَتْ عَلَيْهِنَّ الزَّكَاةُ
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ (وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ) أَيْ وَلَوْ تَيَسَّرَ مِنْ حُلِيِّكُنَّ وَهَذَا لَا يدل على أنه يجب في الحلي إذا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا عَلَى الْإِنْسَانِ فِي أَمْوَالِهِ الْأُخَرِ وَيُؤَدِّيهِ مِنَ الْحُلِيِّ فَذِكْرُ الْمُصَنِّفِ الْحَدِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ لَا يَخْلُو عَنْ خَفَاءٍ فَعُدُولٍ عَنِ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْوُجُوبُ وَتَغْيِيرٍ لِلْمَعْنَى الَّذِي هُوَ الظَّاهِرُ
لِأَنَّ مَعْنَاهُ تَصَدَّقْنَ مِنْ جَمِيعِ الْأَمْوَالِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ عَلَيْكُنَّ وَلَوْ كَانَتِ الصَّدَقَةُ الْوَاجِبَةُ مِنْ حُلِيِّكُنَّ وَإِنَّمَا ذَكَرَ لَوْ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْحُلِيَّ مِنَ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ وَلَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ ﷺ (فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ جَهَنَّمَ) أَيْ لِتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ
وَأَمَّا كَوْنُ الْخِطَابِ لِلْحَاضِرَاتِ خُصُوصًا فَمَمْنُوعٌ بَلِ الْخِطَابُ لِكُلِّ مَنْ يَصْلُحُ لِلْخِطَابِ نَعَمْ فِيهِ تَلْمِيحٌ إِلَى حُسْنِ الصَّدَقَةِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْغَنِيَّاتِ فَلَا يَرِدُ أَنَّ كَوْنَ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ لَا يَسْتَقِيمُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْبُخَارِيِّ قَالَتْ زَيْنَبُ لِعَبْدِ اللَّهِ قَدْ أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ فَأْتِهِ فَسَلْهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنِّي وَإِلَّا صَرَفْتُهَا إِلَى غَيْرِكُمُ الْحَدِيثَ لِأَنَّ النَّوَافِلَ مِنَ الصَّدَقَاتِ لَا كَلَامَ فِي جَوَازِهَا لَوْ صُرِفَتْ إِلَى الزَّوْجِ انْتَهَى كَلَامُ أَبِي الطَّيِّبِ
قُلْتُ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحُلِيِّ نَظَرٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ صَرِيحٍ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ أَيْ وَلَوْ تَيَسَّرَ مِنْ حُلِيِّكُنَّ كَمَا قِيلَ وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحُلِيِّ إِذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا عَلَى الْإِنْسَانِ فِي أَمْوَالِهِ الْأُخَرِ وَيُؤَدِّيهِ مِنَ الْحُلِيِّ وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الطَّيِّبِ هَذَا الِاحْتِمَالَ وَلَمْ يُجِبْ عَنْ هَذَا جَوَابًا شَافِيًا فَتَفَكَّرْ
[٦٣٦] قَوْلُهُ (وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَهِمَ فِي حَدِيثِهِ فَقَالَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنِ بن أَخِي زَيْنَبَ وَالصَّحِيحُ إِنَّمَا هُوَ عَنْ عَمْرِو بن الحارث بن أَخِي زَيْنَبَ) كَمَا قَالَ شُعْبَةُ فَوَهَمُ أَبِي معاوية في
стр. 1268
حديثه أنه جعل عمرو بن الحارث وبن أَخِي زَيْنَبَ رَجُلَيْنِ الْأَوَّلُ يَرْوِي عَنِ الثَّانِي وليس الأمر كذلك بل بن أَخِي زَيْنَبَ صِفَةٌ لِعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ زِيَادَةَ لَفْظِ (عَنْ) بَيْنَ عَمْرِو بْنِ الحارث وبن أَخِي زَيْنَبَ وَهَمٌ وَالصَّحِيحُ حَذْفُهُ كَمَا فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَقَدْ حكى بن الْقَطَّانِ الْخِلَافَ فِيهِ عَلَى أَبِي مُعَاوِيَةَ وَشُعْبَةَ وَخَالَفَ التِّرْمِذِيُّ فِي تَرْجِيحِ رِوَايَةِ شُعْبَةَ فِي قوله عن عمرو بن الحارث عن بن أَخِي زَيْنَبَ لِانْفِرَادِ أَبِي مُعَاوِيَةَ بِذَلِكَ
قَالَ بن الْقَطَّانِ لَا يَضُرُّهُ الِانْفِرَادُ لِأَنَّهُ حَافِظٌ وَقَدْ وَافَقَهُ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وَقَدْ زَادَ فِي الْإِسْنَادِ رَجُلًا لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُتَوَقَّفَ فِي صِحَّةِ الْإِسْنَادِ لأن بن أَخِي زَيْنَبَ حِينَئِذٍ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ وَقَدْ حَكَى التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ الْمُفْرَدَاتِ أَنَّهُ سَأَلَ الْبُخَارِيَّ عَنْهُ فَحَكَمَ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ بِالْوَهَمِ وَأَنَّ الصَّوَابَ رِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ عَنِ الْأَعْمَشِ عن شقيق عن عمرو بن الحارث بن أَخِي زَيْنَبَ انْتَهَى مَا فِي الْفَتْحِ
قَوْلُهُ (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ إلخ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ وَبَيَّنَ مَا فِيهِ مِنَ الْمَقَالِ
قَوْلُهُ (فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّابِعِينَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةَ مَا كَانَ مِنْهُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ) يَعْنِي أَنَّ اخْتِلَافَ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّمَا هُوَ فِي حُلِيِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَمَّا فِي حُلِيِّ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَاللُّؤْلُؤِ فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلتِّجَارَةِ
وأخرج بن عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي عُمَرَ الْكَلَاعِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا لَا زَكَاةَ فِي حَجَرٍ وَضُعِّفَ بِعُمَرَ الْكَلَاعِيِّ وَقَالَ إِنَّهُ مَجْهُولٌ لا أعلم حديث عَنْهُ غَيْرَ بَقِيَّةَ وَأَحَادِيثُهُ مُنْكَرَةٌ وَغَيْرُ مَحْفُوظَةٍ انْتَهَى وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ الله الغردمي عن عمرو بن شعيب به وضعف الغردمي عن الْبُخَارِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَالْفَلَّاسِ وَوَافَقَهُمْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وأخرج بن أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ لَيْسَ فِي حَجَرِ اللُّؤْلُؤِ وَلَا حَجَرِ الزُّمُرُّدِ زكاة إلا أن يكون للتجارة فإن كانت للتجارة فيه الزَّكَاةُ كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ (وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ
стр. 1269
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ومجاهد والزهري وطاؤس وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَالضَّحَّاكُ وَعَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ وَعُمَرُ بن عبد العزيز وذر الهمداني والأوزاعي وبن شبرمة والحسن بن حي وقال بن المنذر وبن حَزْمٍ الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَذَا في عمدة القارىء شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لِلْعَلَّامَةِ الْعَيْنِيِّ
وَفِي نَصْبِ الرَّايَةِ أخرج بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَطَاءٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَسَعِيدِ بن جبير وطاؤس وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الحلي الزكاة زاد بن الشَّدَّادِ حَتَّى فِي الْخَاتَمِ وَأَخْرَجَ عَنْ عَطَاءٍ أَيْضًا وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالُوا السُّنَّةُ أَنَّ فِي الْحُلِيِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الزَّكَاةَ انْتَهَى وَفِيهِ أَيْضًا روى بن أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مُسَاوِرٍ الْوَرَّاقِ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنْ مُرْ مَنْ قِبَلَكَ مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُزَكِّينَ حُلِيَّهُنَّ
قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ هُوَ مُرْسَلٌ انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الدراية أخرج بن أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلخ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنِ بن مَسْعُودٍ قَالَ فِي الْحُلِيِّ الزَّكَاةُ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ ذَكَرَهُ الحافظ الزيلعي وبن حَجَرٍ فِي تَخْرِيجِهِمَا وَسَكَتَا عَنْهُ
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ إِلَى خَازِنِهِ سَالِمٍ أَنْ يُخْرِجَ زكاة حلى نسائه كل سنة ورواه بن أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حازم عن بن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمرو أنه كان يأمر نسائه أَنْ يُزَكِّينَ حُلِيَّهُنَّ انْتَهَى
قَالَ فِي سُبُلِ السَّلَامِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْهَدَوِيَّةِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وَأَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ عَمَلًا بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ
وَالثَّانِي لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْحِلْيَةِ
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ لِآثَارٍ وَرَدَتْ عَنِ السَّلَفِ قَاضِيَةً بِعَدَمِ وُجُوبِهَا فِي الْحِلْيَةِ وَلَكِنْ بَعْدَ صِحَّةِ الْحَدِيثِ لَا أَثَرَ لِلْآثَارِ وَالثَّالِثُ أَنَّ زَكَاةَ الْحِلْيَةِ عَارِيَتُهَا كَمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَنَسٍ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الرَّابِعُ أَنَّهَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ مَرَّةً وَاحِدَةً رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ دَلِيلًا وُجُوبُهَا لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ وَقُوَّتِهِ انْتَهَى
قُلْتُ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي حُلِيِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ هُوَ الظَّاهِرُ الرَّاجِحُ عِنْدِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ فَمِنْهَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ الَّذِي رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ الْمُعَلَّمِ عَنْهُ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَتَعْرِفُ
стр. 1270
وَمِنْهَا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَنْزٌ هُوَ فَقَالَ إِذَا أَدَّيْتِ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ
كَذَا فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ
وقال الحافظ في الدراية قواه بن دَقِيقِ الْعِيدِ
وَمِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ أَنَّهُ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَأَى فِي يَدِي فَتَخَاتٍ مِنْ وَرِقٍ فَقَالَ مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ فَقُلْتُ صَنَعْتُهُنَّ أَتَزَيَّنُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَتُؤَدِّينَ زَكَاتَهُنَّ قُلْتُ لَا أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَ هُوَ حَسْبُكِ مِنَ النَّارِ
وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ
وَقَالَ الحافظ في الدراية قال بن دَقِيقِ الْعِيدِ هُوَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ
وَمِنْهَا حَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ الله بن عثمان بن خيثم عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ دَخَلَتُ أَنَا وَخَالَتِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْنَا أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ لَنَا أَتُعْطِيَانِ زَكَاتَهَا فَقُلْنَا لَا قَالَ أَمَا تَخَافَانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللَّهُ أَسْوِرَهً من نار أديا زكاتها ذكر الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَسَكَتَ عَنْهُ وَقَالَ فِي الدِّرَايَةِ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عمدة القارىء فإن قلت
قال بن الْجَوْزِيِّ وَعَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ رَمَاهُ يَزِيدُ بْنُ هارون بالكذب وعبد الله بن خيثم قال بن مَعِينٍ أَحَادِيثُهُ لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ وَشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ قال بن عَدِيٍّ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ قُلْتُ ذَكَرَ فِي الْكَمَالِ وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ فَقَالَ هُوَ وَاَللَّهِ عِنْدِي ثِقَةٌ وَأَنَا أُحَدِّثُ عنه وعبد الله بن خيثم قال بن مَعِينٍ هُوَ ثِقَةٌ حُجَّةٌ وَشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ قَالَ أَحْمَدُ مَا أَحْسَنَ حَدِيثَهُ وَوَثَّقَهُ وَعَنْ يَحْيَى هُوَ ثِقَةٌ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ هُوَ لَا بَأْسَ بِهِ
فَظَهَرَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ سقوط كلام بن الْجَوْزِيِّ وَصِحَّةُ الْحَدِيثِ انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ
قُلْتُ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ قَالَ الْبُخَارِيُّ
لَيْسَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ انْتَهَى كَذَا فِي الْمِيزَانِ
وَشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ صَدُوقٌ كَثِيرُ الْإِرْسَالِ وَالْأَوْهَامِ كَمَا فِي التَّقْرِيبِ فَفِي صِحَّةِ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ نَظَرٌ لَكِنْ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ يَصْلُحُ لِلِاسْتِشْهَادِ
وَمِنْهَا حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بطرق فِيهِ سَبْعُونَ مِثْقَالًا مِنْ ذَهَبٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ خُذْ مِنْهُ الْفَرِيضَةَ فَأَخَذَ مِنْهُ مِثْقَالًا وَثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ مِثْقَالٍ
أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَفِي إسناده أبو بكر الهزلي وَهُوَ ضَعِيفٌ وَنَصْرُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَهُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ وَتَابَعَهُ عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَةِ شَيْبَانَ بْنِ زَكَرِيَّا مِنْ تَارِيخِهِ كَذَا فِي الدِّرَايَةِ
стр. 1271
وَمِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنَّ لِامْرَأَتِي حُلِيًّا مِنْ ذَهَبٍ عِشْرِينَ مِثْقَالًا قَالَ فَأَدِّ زَكَاتَهُ نِصْفَ مِثْقَالٍ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ كَذَا فِي الدِّرَايَةِ
قَوْلُهُ (وَقَالَ بعض أصحاب النبي ﷺ منهم بن عُمَرَ وَعَائِشَةُ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ قَالَ الْأَثْرَمُ قَالَ أَحْمَدُ خَمْسَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانُوا لَا يَرَوْنَ فِي الحلي زكاة بن عُمَرَ وَعَائِشَةُ وَأَنَسٌ وَجَابِرٌ وَأَسْمَاءُ انْتَهَى
فَأَمَّا بن عُمَرَ فَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ وَأَمَّا عَائِشَةُ فَعِنْدَهُ أَيْضًا وَهُمَا صَحِيحَانِ وَأَمَّا أَنَسٌ فَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ سَأَلْتُ أَنَسًا عَنِ الْحُلِيِّ فَقَالَ لَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ وَأَمَّا جَابِرٌ فَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ
سَمِعْتُ رَجُلًا سَأَلَ جَابِرًا عَنِ الْحُلِيِّ أَفِيهِ زَكَاةٌ قَالَ لَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ فَأَمَّا مَا يُرْوَى عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا
لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَإِنَّمَا يُرْوَى عَنْ جَابِرٍ مِنْ قَوْلِهِ وَأَمَّا أَسْمَاءُ فَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُحَلِّي بَنَاتِهَا الذَّهَبَ وَلَا تُزَكِّي نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ أَلْفًا انْتَهَى مَا فِي الدِّرَايَةِ
(وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ) كَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَالشَّعْبِيِّ فَقَالَا لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْحُلِيِّ (وَبِهِ يَقُولُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ) قَالَ الْعَيْنِيُّ كان الشافعي بِهَذَا فِي الْعِرَاقِ وَتَوَقَّفَ بِمِصْرَ وَقَالَ هَذَا مِمَّا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهِ وَقَالَ اللَّيْثُ مَا كَانَ مِنْ حُلِيٍّ يُلْبَسُ وَيُعَارُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَإِنِ اتُّخِذَ لِلتَّحَرُّزِ عَنِ الزَّكَاةِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ
وَقَالَ أَنَسٌ يُزَكَّى عَامًا وَاحِدًا لَا غَيْرَ انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ
وَاحْتُجَّ لِمَنْ قَالَ بِعَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحُلِيِّ بِحَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال ليس في الحلي زكاة رواه بن الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ بِسَنَدِهِ عَنْ عَافِيَةَ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَمَا يُرْوَى عَنْ عَافِيَةَ بْنِ أَيُّوبَ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ إِنَّمَا يُرْوَى عَنْ جَابِرٍ مِنْ قَوْلِهِ
وَعَافِيَةُ بْنُ أَيُّوبَ مَجْهُولٌ فَمَنِ احْتَجَّ بِهِ مَرْفُوعًا كَانَ مَغْرُورًا بِدِينِهِ دَاخِلًا فِيمَا يَعِيبُ الْمُخَالِفِينَ مِنْ الِاحْتِجَاجِ بِرِوَايَةِ الْكَذَّابِينَ انْتَهَى
وَقَالَ الشَّيْخُ فِي الْإِمَامِ رَأَيْتُ بِخُطَّةِ شَيْخِنَا الْمُنْذِرِيِّ ﵀ وَعَافِيَةُ بْنُ أَيُّوبَ لَمْ يَبْلُغْنِي فِيهِ مَا يُوجِبُ تَضْعِيفَهُ قَالَ
стр. 1272
الشَّيْخُ وَيَحْتَاجُ مَنْ يَحْتَجُّ بِهِ إِلَى ذِكْرِ مَا يُوجِبُ تَعْدِيلَهُ انْتَهَى
وَاحْتُجَّ لَهُمْ أَيْضًا بآثار بن عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَأَنَسٍ وَجَابِرٍ وَلِلْقَائِلِينَ بِعَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحُلِيِّ أَعْذَارٌ عَدِيدَةٌ كُلُّهَا بَارِدَةٌ
فَمِنْهَا أَنَّ أَحَادِيثَ الزَّكَاةِ فِي الْحُلِيِّ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ حِينَ كَانَ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ حَرَامًا عَلَى النِّسَاءِ فَلَمَّا أُبِيحَ لَهُنَّ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ وَهَذَا الْعُذْرُ بَاطِلٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ كَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ وَحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وَحَدِيثِ أَسْمَاءَ وَفِيهَا التَّصْرِيحُ بِلُبْسِهِ مَعَ الْأَمْرِ بِالزَّكَاةِ انْتَهَى
وَمِنْهَا أَنَّ الزَّكَاةَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إِنَّمَا كَانَتْ لِلزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَهَذَا ادِّعَاءٌ مَحْضٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ بَلْ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مايرده قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ وَبِسَنَدِ التِّرْمِذِيِّ رَوَاهُ أَحْمَدُ وبن أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مَسَانِيدِهِمْ وَأَلْفَاظُهُمْ قَالَ لَهُمَا فَأَدِّيَا زَكَاةَ هَذَا الَّذِي فِي أَيْدِيكُمَا وَهَذَا اللَّفْظُ يَرْفَعُ تَأْوِيلَ مَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ الْمَذْكُورَةَ فِيهِ شُرِعَتْ لِلزِّيَادَةِ فِيهِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ انْتَهَى
وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّكَاةِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ التَّطَوُّعُ إِلَى الْفَرِيضَةِ أَوِ الْمُرَادَ بالزكاة الإعارة قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ وَهُمَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ إِذْ لَا وَعِيدَ فِي تَرْكِ التَّطَوُّعِ وَالْإِعَارَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِطْلَاقُ الزَّكَاةِ عَلَى الْعَارِيَّةِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا انْتَهَى
[٦٣٧] قَوْلُهُ (وَفِي أَيْدِيهِمَا سِوَارَانِ) تَثْنِيَةُ سِوَارٍ كَكِتَابٍ وَغُرَابٍ الْقُلْبُ كَالْأُسْوَارِ بِالضَّمِّ وَجَمْعُهُ أَسْوِرَةٌ وَأَسَاوِرُ وَأَسَاوِرَةٌ كَذَا فِي الْقَامُوسِ قُلْتُ يُقَالُ لَهُ فِي الْفَارِسِيَّةِ دست برنجن وَفِي الْهِنْدِيَّةِ كنكن (أَتُؤَدِّيَانِ زَكَاتَهُ) أَيِ الذَّهَبِ أَوْ مَا ذُكِرَ مِنَ السِّوَارَيْنِ قَالَ الطِّيبِيُّ الضَّمِيرُ فِيهِ بِمَعْنَى اسْمِ الْإِشَارَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى
لَا فَارِضٌ وَلَا بكر عوان بين ذلك (فَأَدِّيَا زَكَاتَهُ) فِيهِ دَلِيلُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحُلِيِّ وَهُوَ الْحَقُّ
стр. 1273
قَوْلُهُ
(وَلَا يَصِحُّ فِي هَذَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شيء) قال بن الْمُلَقِّنِ بَلْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ذَكَرَهُ ميركُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ لَعَلَّ التِّرْمِذِيَّ قَصَدَ الطَّرِيقَيْنِ الَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا فَطَرِيقُ أَبِي دَاوُدَ لَا مَقَالَ فِيهَا انْتَهَى
وَقَالَ الحافظ بن حَجَرٍ فِي الدِّرَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا مَا لَفْظُهُ كَذَا قَالَ وَغَفَلَ عَنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ انْتَهَى
قُلْتُ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ وَحُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْمَعْنَى أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَهُمْ أَخْبَرَنَا حُسَيْنٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا وَفِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ غَلِيظَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ لَهَا أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا قَالَتْ لَا قَالَ أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ قَالَ فَخَلَعَتْهُمَا فَأَلْقَتْهُمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَتْ هُمَا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ
وَإِلَى هذا الحديث أشار بن الملقن والمنذري والحافظ بن حَجَرٍ
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ هَذَا مَا لَفْظُهُ قال بن الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ إِسْنَادُهُ لَا مَقَالَ فِيهِ فَإِنَّ أَبَا دَاوُدَ رَوَاهُ عَنْ أَبِي كَامِلٍ الْجَحْدَرِيِّ وَحُمَيْدِ بْنِ مَسْعَدَةَ وَهُمَا مِنَ الثِّقَاتِ احْتَجَّ بِهِمَا مُسْلِمٌ وَخَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ إِمَامٌ فَقِيهٌ احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَكَذَلِكَ حُصَيْنُ بْنُ ذَكْوَانَ الْمُعَلِّمُ احْتَجَّا بِهِ فِي الصَّحِيحِ
وَوَثَّقَهُ بن المديني وبن مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمٍ وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ فَهُوَ مِمَّنْ قَدْ عُلِمَ وَهَذَا إِسْنَادٌ يَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى انْتَهَى
قُلْتُ فَظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ التِّرْمِذِيِّ لَا يَصِحُّ فِي هَذَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ غَيْرُ صَحِيحٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
٣ - (بَاب مَا جَاءَ فِي زَكَاةِ الْخَضْرَاوَاتِ)
بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ خَضْرَاءَ وَالْمُرَادُ بِهَا الرَّيَاحِينُ وَالْوُرُودُ وَالْبُقُولُ وَالْخِيَارُ وَالْقِثَّاءُ وَالْبِطِّيخُ وَالْبَاذِنْجَانُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ
[٦٣٨] قَوْلُهُ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُبَيْدٍ) الْقُرَشِيِّ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ من
стр. 1274
السَّادِسَةِ (عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ) بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ فَاضِلٌ مِنْ كِبَارِ الثَّالِثَةِ (وَهِيَ الْبُقُولُ) هَذَا تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرواة
(فقال ليس فيها شَيْءٌ) لِأَنَّهَا لَا تُقْتَاتُ وَالزَّكَاةُ لَا تَخْتَصُّ بِالْقُوتِ وَحِكْمَتُهُ أَنَّ الْقُوتَ مَا يَقُومُ بِهِ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ لِأَنَّ الِاقْتِيَاتَ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ الَّتِي لَا حَيَاةَ بِدُونِهَا فَوَجَبَ فِيهَا حَقٌّ لأرباب الضرورات قاله القارىء
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْخَضْرَاوَاتِ وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَا إنما تجب فيما يكال ويدخس لِلِاقْتِيَاتِ
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تُخْرَجُ مِمَّا يُكَالُ وَيُدَّخَرُ وَلَوْ كَانَ لَا يُقْتَاتُ وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ
وَأَوْجَبَهَا فِي الْخَضْرَاوَاتِ الْهَادِي وَالْقَاسِمُ إِلَّا الْحَشِيشَ وَالْحَطَبَ لِحَدِيثِ النَّاسُ شُرَكَاءُ في ثلاث ووافقهما أبي حَنِيفَةَ إِلَّا أَنَّهُ اسْتَثْنَى السَّعَفَ وَالتِّبْنَ
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْخَضْرَاوَاتِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تعالى خذ من أموالهم صدقة وقوله ومما أخرجنا لكم من الأرض وقوله وآتوا حقه يوم حصاده وبعموم حديث فيما سقت السماء معشر وَنَحْوِهِ قَالُوا وَحَدِيثُ الْبَابِ ضَعِيفٌ لَا يَصْلُحُ لِتَخْصِيصِ هَذِهِ الْعُمُومَاتِ
وَأُجِيبَ بِأَنَّ طُرُقَهُ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَنْتَهِي لِتَخْصِيصِ هَذِهِ الْعُمُومَاتِ وَيُقَوِّي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ يُعَلِّمَانِ النَّاسَ أَمْرَ دِينِهِمْ فَقَالَ لَا تَأْخُذِ الصَّدَقَةَ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الشَّعِيرِ وَالْحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ وَهُوَ مُتَّصِلٌ وَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُمَرَ قَالَ إِنَّمَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فَذَكَرَهَا وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عُمَرَ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ مُوسَى عَنْ عُمَرَ مُرْسَلٌ وَمَا أخرجه بن مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ بِلَفْظِ إِنَّمَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ في الحنطة والشعير والتمر والزبيب زاد بن مَاجَهْ وَالذُّرَةِ وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَرْزَمِيُّ وَهُوَ مَتْرُوكٌ وَمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ لَمْ تَكُنِ الصَّدَقَةُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا فِي خَمْسَةٍ فَذَكَرَهَا وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ فَقَالَ لَمْ يَفْرِضِ الصَّدَقَةَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَّا فِي عَشَرَةٍ فَذَكَرَ الْخَمْسَةَ الْمَذْكُورَةَ وَالْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَحُكِيَ أَيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ إِنَّمَا الصَّدَقَةُ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذِهِ الْمَرَاسِيلُ طُرُقُهَا مُخْتَلِفَةٌ وَهِيَ يُؤَكِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا انْتَهَى
فَلَا أَقَلَّ مِنَ انْتِهَاضِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لِتَخْصِيصِ تِلْكَ الْعُمُومَاتِ الَّتِي قَدْ دَخَلَهَا التَّخْصِيصُ بِالْأَوْسَاقِ والبقر والعوامل
стр. 1275
وَغَيْرِهَا فَيَكُونُ الْحَقُّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّعْبِيُّ مِنْ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ إِلَّا فِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ لَا فِيمَا عَدَا هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ مِمَّا أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ
وَأَمَّا زِيَادَةُ الذُّرَةِ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ فِي إِسْنَادِهَا مَتْرُوكًا وَلَكِنَّهَا مُعْتَضِدَةٌ بِمُرْسَلِ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ
قُلْتُ فِي إسناد حديث أبي موسى ومعاذ وطلحة بْنُ يَحْيَى وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ قَالَهُ الْحَافِظُ بن حَجَرٍ فِي الدِّرَايَةِ ص ٤٦١ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مَرْفُوعًا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ أَنَّهُمَا حِينَ بُعِثَا إِلَى الْيَمَنِ لَمْ يَأْخُذُوا الصَّدَقَةَ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ قَالَ الشَّيْخُ فِي الْإِمَامِ وَهَذَا غَيْرُ صَرِيحٍ فِي الرَّفْعِ كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ
وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فَفِي سَنَدِهِ خُصَيْفٌ قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ الْخُصَيْفُ بْنُ عَبْدِ الرحمن الجزري صدوق سيء الْحِفْظِ خُلِطَ بِأَخَرَةٍ
وَأَمَّا مَا أُخْرِجَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ فَفِي سَنَدِهِ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَهُوَ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ عَلَى مَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ
قَوْلُهُ (وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ) وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ وَأَنَسٍ وَطَلْحَةَ لَكِنَّهَا كُلَّهَا ضَعِيفَةٌ وَقَدْ ذَكَرَهَا مَعَ بَيَانِ ضَعْفِهَا الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ وَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِهَا قال البيهقي وهذه الأحاديث يشهد بَعْضُهَا بَعْضًا وَمَعَهَا قَوْلُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ثُمَّ أَخْرَجَ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عُمَرَ قَالَ لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ
قَالَ الشَّيْخُ فِي الْإِمَامِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ قَدْ عَلَّلَ الْبَيْهَقِيُّ بِهِ رِوَايَاتٍ كَثِيرَةً وَمُجَاهِدٌ عَنْ عُمَرَ مُنْقَطِعٌ وَأَخْرَجَ عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ وَالْبُقُولِ صَدَقَةٌ قَالَ الشَّيْخُ وَقَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا يُرْوَى هَذَا عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا) رواه الدارقطني في سننه (والحسن هو بن عِمَارَةَ إلخ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ الْحَسَنُ بْنُ عِمَارَةَ الْبَجَلِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ قَاضِي بَغْدَادَ مَتْرُوكٌ مِنَ السَّابِعَةِ
стр. 1276
١٤ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الصَّدَقَةِ فِيمَا يُسْقَى بِالْأَنْهَارِ وَغَيْرِهَا)
[٦٣٩] قَوْلُهُ (مَدِينِيٌّ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ مَدِينِيٌّ (أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَبِمُوَحَّدَتَيْنِ صَدُوقٌ يَهِمُ مِنَ الْخَامِسَةِ (وَبُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ ثِقَةٌ جَلِيلٌ من الثانية
قوله (فيما سقت من السَّمَاءُ) أَيِ الْمَطَرُ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْمَحَلِّ وَإِرَادَةِ الْحَالِّ وَلَيْسَ الْمُرَادُ خُصُوصَ الْمَطَرِ بَلِ السَّيْلُ وَالْأَنْهَارُ كَذَلِكَ (وَالْعُيُونُ) أَيِ الْجَارِيَةُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ الَّتِي لَا يُتَكَلَّفُ فِي رَفْعِ مَائِهَا لِآلَةٍ وَلَا لِحَمْلٍ (الْعُشْرُ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ أَيِ الْعُشْرُ وَاجِبٌ فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ (وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ أَيْ بِالسَّانِيَةِ وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ وَالْمُرَادُ بِهَا الْإِبِلُ الَّتِي يُسْتَقَى عليها وذكر الْإِبِلَ كَالْمِثَالِ وَإِلَّا فَالْبَقَرُ وَغَيْرُهَا كَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَالنَّضْحُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى السَّقْيِ قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ النَّوَاضِحُ هِيَ الْإِبِلُ الَّتِي يُسْتَقَى عَلَيْهَا وَالْوَاحِدُ النَّاضِحُ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وبن عمر وجابر) أما حديث أنس فأخرجه بن النَّجَّارِ عَنْ أَبَانَ عَنْ أَنَسٍ وَأَمَّا حَدِيثُ بن عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ
стр. 1277
قَوْلُهُ (وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي شَرْحِ حَدِيثِ جَابِرٍ فِيمَا سَقَتِ الْأَنْهَارُ وَالْغَيْمُ الْعُشُورُ وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ مَا لَفْظُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وُجُوبُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالْأَنْهَارِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ مُؤْنَةٌ كَثِيرَةٌ وَنِصْفُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِالنَّوَاضِحِ وَغَيْرِهَا مِمَّا فِيهِ مُؤْنَةٌ كَثِيرَةٌ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ولكن اختلف العلماء في أنه هل يجب الزَّكَاةُ فِي كُلِّ مَا أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ مِنَ الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ وَالرَّيَاحِينِ وَغَيْرِهَا إِلَّا الْحَشِيشَ وَالْحَطَبَ وَنَحْوَهَا أَمْ يَخْتَصُّ فَعَمَّمَ أَبُو حَنِيفَةَ وَخَصَّصَ الْجُمْهُورُ عَلَى اخْتِلَافٍ لَهُمْ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ انْتَهَى
قُلْتُ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذَا فِي الْبَابِ السَّابِقِ
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى التَّفْرِقَةِ فِي الْقَدْرِ الْمُخْرَجِ الَّذِي يُسْقَى بِنَضْحٍ أَوْ بِغَيْرِ نَضْحٍ
فَإِنْ وُجِدَ مَا يُسْقَى بِهِمَا فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ إِذَا تَسَاوَى ذَلِكَ وهو قول أهل العلم قال بن قُدَامَةَ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ كَانَ حُكْمُ الْأَقَلِّ تَبَعًا لِلْأَكْثَرِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ وَالثَّانِي يُؤْخَذُ بِالْقِسْطِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إِنْ أَمْكَنَ فَصْلُ كُلِّ واحد منهما أخذ بحسابه
وعن بن الْقَاسِمِ صَاحِبِ مَالِكٍ الْعِبْرَةُ بِمَا تَمَّ بِهِ الزَّرْعُ وَانْتَهَى وَلَوْ كَانَ أَقَلَّ انْتَهَى
[٦٤٠] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ (أَنَّهُ سَنَّ) أَيْ شَرَعَ وَقَرَّرَ (أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ هُوَ مِنَ النَّخْلِ الَّذِي يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ يَجْتَمِعُ فِي حَفِيرَةٍ وَقِيلَ هُوَ الْعِذْقُ الَّذِي لَا يَسْقِيهِ إِلَّا مَاءُ الْمَطَرِ قال القاضي والأول ها هنا أَوْلَى لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّكْرَارُ وَعَطْفُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ وَقِيلَ مَا يُزْرَعُ فِي الْأَرْضِ تَكُونُ رَطْبَةً أَبَدًا لِقُرْبِهَا مِنَ الْمَاءِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (الْعُشُورُ) قَالَ النَّوَوِيُّ ضَبَطْنَاهُ بِضَمِّ الْعَيْنِ جَمْعُ عَشَرَةٍ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ضَبَطْنَاهُ مِنْ عَامَّةِ شُيُوخِنَا بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَقَالَ هُوَ اسْمٌ لِلْمُخْرَجِ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ أَكْثَرُ الشُّيُوخِ يَقُولُونَهُ بِالضَّمِّ وَصَوَابُهُ الْفَتْحُ قَالَ
стр. 1278
النَّوَوِيُّ وَهَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ مِنَ الصَّوَابِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَقَدِ اعْتَرَفَ بِأَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ رَوَوْهُ بِالضَّمِّ وَهُوَ الصَّوَابُ جَمْعُ عُشْرٍ وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى قَوْلِهِمْ عُشُورُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالضَّمِّ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ
تَنْبِيهٌ مَذْهَبُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وُجُوبُ الْعُشْرِ فِي جَمِيعِ الْحُبُوبِ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَدَسِ وَالْحِمَّصِ وَالْأَرُزِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ
قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ في موطأه وَالْحُبُوبُ الَّتِي فِيهَا الزَّكَاةُ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ وَالذُّرَةُ وَالدُّخْنُ وَالْأَرُزُّ وَالْعَدَسُ وَالْجُلْبَانُ وَاللُّوبِيَا وَالْجُلْجُلَانُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْحُبُوبِ الَّتِي تَصِيرُ طَعَامًا فَالزَّكَاةُ تُؤْخَذُ مِنْهَا كُلِّهَا بَعْدَ أَنْ تُحْصَدَ وَتَصِيرَ حَبًّا انْتَهَى
وَتَمَسَّكُوا بِعُمُومِ أَحَادِيثِ الْبَابِ وَبِعُمُومِ الْآيَاتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْعُشْرِ
وَذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ والثوري والشعبي وبن سِيرِينَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الزَّكَاةُ إِلَّا فِي الشَّعِيرِ وَالْحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ فَوُجُوبُ الْعُشْرِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مُنْحَصِرٌ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَمُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُمَا لَا تَأْخُذَا الصَّدَقَةَ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ الشَّعِيرِ وَالْحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ
قَالَ صَاحِبُ سُبُلِ السَّلَامِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ وَهُوَ مُتَّصِلٌ وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عُمَرَ إِنَّمَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فَذَكَرَهَا قَالَ أَبُو زُرْعَةَ إِنَّهُ مُرْسَلٌ وَرَجَّحَ هَذَا الْمَذْهَبَ حَيْثُ قَالَ فَالْأَوْضَحُ دَلِيلًا مَعَ الْحَاصِرِينَ لِلْوُجُوبِ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ انْتَهَى
وَكَذَا رَجَّحَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ هَذَا الْمَذْهَبَ حَيْثُ قَالَ فَالْحَقُّ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ إِلَّا فِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ لَا فِيمَا عَدَا الْأَرْبَعَةَ مِمَّا أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ
قَالَ وَأَمَّا زِيَادَةُ الذُّرَةِ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ فِي إِسْنَادِهَا مَتْرُوكًا لَكِنَّهَا مُعْتَضِدَةٌ بِمُرْسَلِ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ انْتَهَى
قُلْتُ فِي سَنَدِ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَمُعَاذٍ الْمَذْكُورِ طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ قَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى وَمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ لَا تَأْخُذُوا الصَّدَقَةَ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فَذَكَرَهَا وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُمَا مَوْقُوفًا وَفِي الْإِسْنَادِ طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهُوَ أَمْثَلُ مِمَّا فِي الْبَابِ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
ثُمَّ الْحَصْرُ فِيهِ لَيْسَ حَصْرًا حَقِيقِيًّا وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ لَا تَجِبَ الزَّكَاةُ فِي صِنْفٍ غَيْرِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ بَلِ الْحَصْرُ فيه إضافي
قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ فِي
стр. 1279
شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْحَصْرُ فِيهِ إِضَافِيٌّ انْتَهَى
وَالدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِ هَذَا الْحَصْرِ إِضَافِيًّا مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ مُعَاذٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْبَعْلُ وَالسَّيْلُ الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي التَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالْحُبُوبِ وَأَمَّا الْقِثَّاءُ وَالْبِطِّيخُ وَالرُّمَّانُ وَالْقَصَبُ فَقَدْ عَفَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْحَاكِمُ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ
فَالْحَقُّ عِنْدِي مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ والله تعالى أعلم
تنبيه آخر قَالَ الْحَنَفِيَّةُ إِنَّ الْعُشْرَ وَالْخَرَاجَ لَا يَجْتَمِعَانِ عَلَى مُسْلِمٍ وَيَسْتَدِلُّونَ بِحَدِيثِ لَا يَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ فِي أَرْضِ مُسْلِمٍ
قُلْتُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ صَحِيحٌ عَلَى قَوْلِهِمْ هَذَا وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي يَسْتَدِلُّونَ بِهِ فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ الْحَدِيثُ الثَّالِثُ قَالَ ﵇ لَا يَجْتَمِعُ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ فِي أَرْضِ مُسْلِمٍ قُلْتُ رَوَاهُ بن عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَنْبَسَةَ حَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَجْتَمِعُ عَلَى مُسْلِمٍ خَرَاجٌ وَعُشْرٌ انتهى
قال بن عَدِيٍّ يَحْيَى بْنُ عَنْبَسَةَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا يُرْوَى هَذَا مِنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَوْلُهُ فَجَاءَ يَحْيَى بْنُ عَنْبَسَةَ فَأَبْطَلَ فِيهِ وَوَصَلَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَحْيَى بْنُ عَنْبَسَةَ مَكْشُوفُ الْأَمْرِ فِي ضَعْفِهِ لِرِوَايَتِهِ عن الثقات الموضوعات انتهى
قال بن حِبَّانَ لَيْسَ هَذَا مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَحْيَى بْنُ عَنْبَسَةَ دَجَّالٌ يَضَعُ الْحَدِيثَ لَا يَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ انْتَهَى وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ يَحْيَى هَذَا دَجَّالٌ يَضَعُ الْحَدِيثَ وَهُوَ كَذِبٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ بَعْدَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذكره بن الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ هُوَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ وَيَحْيَى هَذَا مُتَّهَمٌ بِالْوَضْعِ انْتَهَى مَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ
قُلْتُ وَأَحَادِيثُ الْبَابِ بِعُمُومِهَا تَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْخَرَاجِ وَالْعُشْرِ
قَالَ الزيلعي في نصب الراية استدل بن الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ العشر والخراج بعموم الحديث عن بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَنَّ فِي مَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشُورَ وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفَ الْعُشْرِ تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا عَامٌّ فِي الْخَرَاجِيَّةِ وَغَيْرِهَا انْتَهَى
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ اسْتَدَلَّ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْإِمَامِ لِلشَّافِعِيِّ بِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ سَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ الْمُسْلِمِ يَكُونُ فِي يَدِهِ أَرْضُ الْخَرَاجِ فَيُسْأَلُ الزَّكَاةَ فَيَقُولُ إِنَّمَا عَلَيَّ الْخَرَاجُ فَقَالَ الْخَرَاجُ عَلَى الْأَرْضِ وَالْعُشْرُ عَلَى الْحَبِّ انْتَهَى
قُلْتُ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ
стр. 1280
وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ قَالَ إِنَّمَا عَلَيَّ الْخَرَاجُ الْخَرَاجُ عَلَى الْأَرْضِ وَالْعُشْرُ عَلَى الْحَبِّ
أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ فِي الْخَرَاجِ لَهُ وَفِيهَا عَنِ الزُّهْرِيِّ
لَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَعْدَهُ يُعَامِلُونَ عَلَى الْأَرْضِ وَيَسْتَكْرُونَهَا وَيُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ عَمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا وَفِي الْبَابِ حديث بن عُمَرَ فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَيُسْتَدَلُّ بِعُمُومِهِ انْتَهَى مَا فِي الدَّارِيَةِ
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ صَحِيحٌ عَلَى أَنَّ الْخَرَاجَ وَالْعُشْرَ لَا يَجْتَمِعَانِ عَلَى مُسْلِمٍ بَلْ حديث بن عُمَرَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ بِعُمُومِهِ يَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ وَأَثَرُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَثَرُ الزُّهْرِيِّ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ كَانَ عَلَى ذَلِكَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَعْدَهُ
تَنْبِيهٌ آخَرُ قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ لَمْ يَجْمَعْ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْعَدْلِ وَالْجَوْرِ بَيْنَهُمَا يَعْنِي بَيْنَ الْخَرَاجِ وَالْعُشْرِ وَكَفَى بِإِجْمَاعِهِمْ حُجَّةً انْتَهَى
قُلْتُ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ بَاطِلَةٌ جِدًّا
قَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ رَادًّا عَلَى صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَلَا إِجْمَاعَ مَعَ خِلَافِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالزُّهْرِيِّ بَلْ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ غَيْرِهِمَا التَّصْرِيحُ بِخِلَافِهِمَا انْتَهَى
٥ - (بَاب مَا جَاءَ فِي زَكَاةِ مَالِ الْيَتِيمِ)
[٦٤١] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) هُوَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بْنِ يَزِيدَ بْنِ زَاذَانَ التَّمِيمِيُّ أَبُو إِسْحَاقَ الرَّازِيُّ الْفَرَّاءُ الْمَعْرُوفُ بِالصَّغِيرِ رَوَى عَنْ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيِّ وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا وَعَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَرَوَى الْبَاقُونَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ ثِقَةٌ حَافِظٌ كَذَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ وَالتَّقْرِيبِ
قَوْلُهُ (أَلَا) لِلتَّنْبِيهِ (مَنْ وَلِيَ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ اللَّامِ قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ وَفِي نُسْخَةٍ أَيْ مِنَ الْمِشْكَاةِ بِضَمِّ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ صَارَ ولي يتيم (له مَالٌ) صِفَةٌ لِيَتِيمٍ أَيْ مَنْ صَارَ وَلِيًّا لِيَتِيمٍ ذِي مَالٍ (فَلْيَتَّجِرْ) بِتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ أَيْ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ (فِيهِ) أَيْ فِي مَالِ الْيَتِيمِ
стр. 1281
(وَلَا يَتْرُكْهُ) بِالنَّهْيِ وَقِيلَ بِالنَّفْيِ (حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ) أَيْ تُنْقِصَهُ وَتُفْنِيَهُ لِأَنَّ الْأَكْلَ سَبَبُ الفناء
قال بن الْمَلَكِ أَيْ يَأْخُذُ الزَّكَاةَ مِنْهَا فَيَنْقُصُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَمَالِكٌ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا زَكَاةَ فِيهِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ إلخ) قَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ انْتَهَى
وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ لَكِنَّ رَاوِيَهُ عَنْهُ مَنْدَلُ بْنُ عَلِيٍّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَمِنْ حَدِيثِ الْعَرْزَمِيِّ عن عمرو والعرزمي ضعيف متروك ورواه بن عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ وَهُوَ الْإِفْرِيقِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَ الْحَافِظُ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ عن بن جُرَيْجٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ مُرْسَلًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ وَلَكِنْ أَكَّدَهُ الشَّافِعِيُّ بِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا اتَّجِرُوا فِي مَالِ الْيَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ فِي تَرْجَمَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعْدٍ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَرَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ رَوَاهُ حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عن عمر ورواه بن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَمْرِو بن شعيب عن عمر لم يذكر بن الْمُسَيِّبِ وَهُوَ أَصَحُّ وَإِيَّاهُ عَنَى التِّرْمِذِيُّ انْتَهَى كَذَا فِي التَّلْخِيصِ
قَوْلُهُ (مِنْهُمْ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وعائشة وبن عُمَرَ) رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ اتَّجِرُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَقَالَ فِيهِ وروى الشافعي عن بن عيينة عن أيوب عن نافع عن بن عُمَرَ مَوْقُوفًا أَيْضًا
قَالَ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وبن عَبْدِ الْبَرِّ ذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ مَشْهُورٌ عَنْهُ انْتَهَى وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَلِينِي وَأَخًا لي يتيمين في جحرها فَكَانَتْ تُخْرِجُ مِنْ أَمْوَالِنَا الزَّكَاةَ
стр. 1282
قَوْلُهُ (وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ) وَاسْتَدَلُّوا بِأَحَادِيثِ الْبَابِ وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً لَكِنَّهَا يُؤَيِّدُهَا آثَارٌ صَحِيحَةٌ عَنِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَبِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ
قَوْلُهُ (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَيْسَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ زَكَاةٌ وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ) وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ وَاسْتَدَلَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا ﵃ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يكبر
قال بن الْهُمَامِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَعَائِشَةَ ﵃ مِنَ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ عَنْ سَمَاعٍ إِذْ يُمْكِنُ الرَّأْيُ فِيهِ فَيَجُوزُ كَوْنُهُ بِنَاءً عَلَيْهِ فَحَاصِلُهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ عَنِ اجْتِهَادٍ عَارَضَهُ رَأْيُ صَحَابِيٍّ آخَرَ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْآثَارِ أَنْبَأَنَا أَبُو حَنِيفَةَ حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ أبي سليم عن مجاهد عن بن مَسْعُودٍ قَالَ لَيْسَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ زَكَاةٌ وَلَيْثٌ كَانَ أَحَدَ الْعُلَمَاءِ الْعُبَّادِ وَقِيلَ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ يَكُنْ لِيَذْهَبَ فَيَأْخُذَ عَنْهُ حَالَ اخْتِلَاطِهِ وَيَرْوِيَهُ وَهُوَ الَّذِي شَدَّدَ أَمْرَ الرِّوَايَةِ مَا لم يشدده غيره وروى مثل قول بن مسعود عن بن عباس تفرد به بن لَهِيعَةَ انْتَهَى
قُلْتُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَدَمُ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ
وأما أثر بن مَسْعُودٍ فَهُوَ ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ وَالثَّانِي أَنَّ فِي إِسْنَادِهِ لَيْثَ بْنَ أبي سليم قال الحافظ بن حَجَرٍ فِي التَّقْرِيبِ صَدُوقٌ اِخْتَلَطَ أَخِيرًا وَلَمْ يَتَمَيَّزْ حَدِيثُهُ وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهَذَا أَثَرٌ ضَعِيفٌ فَإِنَّ مُجَاهِدًا لم يلق بن مَسْعُودٍ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ وَلَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ ضعيف عند أهل الحديث انتهى
وأجاب بن الْهُمَامِ عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُجِبْ عَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي وَفِيمَا أَجَابَ عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ كلام فتفكر
وأما أثر بن عباس فقد تفرد به بن لهيعة كما صرح به بن الْهُمَامِ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ الرُّخْصَةِ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي تَذْكِرَةِ الْحُفَّاظِ يُرْوَى حَدِيثُهُ فِي الْمُتَابَعَاتِ وَلَا يُحْتَجُّ به انتهى
стр. 1283
وأما حَدِيثُ عَائِشَةَ وَعَلِيٍّ الْمَذْكُورُ فَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ نَظَرٌ كَيْفَ وَقَدْ رَوَاهُ عَائِشَةُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَهُمَا قَائِلَانِ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ
وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الراية قال بن الْجَوْزِيِّ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ قَلَمُ الْإِثْمِ أَوْ قلم الأذى انتهى
وقال القاضي بن الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ وَزَعَمَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ الزَّكَاةَ أَوْجَبَتْ شُكْرَ نِعْمَةِ الْمَالِ كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ أَوْجَبَتْ شُكْرَ نِعْمَةِ الْبَدَنِ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ بَعْدُ عَلَى الصَّبِيِّ شُكْرٌ قُلْنَا مَحَلُّ الصَّلَاةِ يَضْعُفُ عَنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ فِيهِ وَمَحَلُّ الزَّكَاةِ وَهُوَ الْمَالُ كَامِلٌ لِشُكْرِ النِّعْمَةِ فَإِنْ قِيلَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْقُرْبَةُ قُلْنَا يُؤَدَّى عَنْهُ كَمَا يُؤَدَّى عَنِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَعَنِ الْمُمْتَنِعِ جَبْرًا
وَكَمَا يُؤَدَّى عَنْهُ الْعُشْرُ وَالْفِطْرَةُ وَهُوَ دَيْنٌ يُقْضَى عَنْهُ لِمُسْتَحِقِّهِ وَإِنْ لَمْ يعمل به لأن الناظر لم حَكَمَ بِهِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَشُعَيْبٌ قَدْ سَمِعَ مِنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) وَأَمَّا قول بن حِبَّانَ لَمْ يَصِحَّ سَمَاعُ شُعَيْبٍ مِنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ هُوَ خَطَأٌ
وَقَدْ رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ وَهُوَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْعُدُولِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَجَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَاهُ فِي مَسْأَلَةٍ فَقَالَ يَا شُعَيْبُ امْضِ مَعَهُ إِلَى بن عَبَّاسٍ فَقَدْ صَحَّ بِهَذَا سَمَاعُ شُعَيْبٍ مِنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ أَثْبَتَ سَمَاعَهُ مِنْهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ ص ٨٧٣ تَخْرِيجِ الْهِدَايَةِ
قُلْتُ وَقَدْ أَسْنَدَ ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي السُّنَنِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ وَغَيْرُهُ قَالُوا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ وَقَالَ فِيهِ وَقَدْ صَرَّحَ شُعَيْبٌ بِسَمَاعِهِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي أَمَاكِنَ وَصَحَّ سَمَاعُهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَكَمَا رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ شُعَيْبٍ قَالَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو فَذَكَرَ حَدِيثًا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ انْتَهَى
قُلْتُ وَقَدْ سَمِعَ عَمْرٌو مِنْ أَبِيهِ شُعَيْبٍ فَفِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُوزَجَانِيُّ قُلْتُ لِأَحْمَدَ عَمْرٌو سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ شَيْئًا قَالَ يَقُولُ حَدَّثَنِي أَبِي انْتَهَى (وَقَدْ تَكَلَّمَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) هُوَ الْقَطَّانُ (فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَقَالَ هُوَ عِنْدَنَا وَاهٍ) أَيْ ضَعِيفٌ وَكَذَلِكَ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ عَلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ قَابِلٌ لِلِاحْتِجَاجِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ (وَمَنْ ضَعَّفَهُ فَإِنَّمَا ضَعَّفَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ يُحَدِّثُ مِنْ صَحِيفَةِ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
стр. 1284
عَمْرٍو) يَعْنِي تَضْعِيفَ مَنْ ضَعَّفَهُ لَيْسَ إِلَّا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يُحَدِّثُ مِنْ صَحِيفَةِ جَدِّهِ قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ قَالَ السَّاجِيُّ قال بن مَعِينٍ هُوَ ثِقَةٌ فِي نَفْسِهِ وَمَا رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ لَا حُجَّةَ فِيهِ وَلَيْسَ بِمُتَّصِلٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ مِنْ قَبِيلِ أَنَّهُ مُرْسَلٌ وَجَدُّ شُعَيْبٍ كَتْبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَكَانَ يَرْوِيهَا عَنْ جَدِّهِ إِرْسَالًا وَهِيَ صِحَاحٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهَا قَالَ الْحَافِظُ فَإِذَا شَهِدَ له بن مَعِينٍ أَنَّ أَحَادِيثَهُ صِحَاحٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهَا وَصَحَّ سَمَاعُهُ لِبَعْضِهَا فَغَايَةُ الْبَاقِي أَنْ يَكُونَ وِجَادَةً صَحِيحَةً وَهُوَ أَحَدُ وُجُوهِ التَّحَمُّلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَأَمَّا أَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَيَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَيُثْبِتُونَهُ مِنْهُمْ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمَا) قَالَ الْحَافِظُ بن حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي ص ١٥ ج ٢ تَرْجَمَةُ عَمْرٍو قَوِيَّةٌ عَلَى الْمُخْتَارِ لَكِنْ حَيْثُ لَا تَعَارُضَ انْتَهَى
وَفِي شَرْحِ أَلْفِيَّةِ الْعِرَاقِيِّ لِلْمُصَنِّفِ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الِاحْتِجَاجِ بِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ أَنَّهَا حُجَّةٌ مُطْلَقًا إِذَا صَحَّ السَّنَدُ إِلَيْهِ
قَالَ بن الصَّلَاحِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ حَمْلًا لِلْجَدِّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى الصَّحَابِيِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو دُونَ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ وَالِدِ شُعَيْبٍ لِمَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنْ إِطْلَاقِهِ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ رَأَيْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَعَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ وَأَبَا عُبَيْدَةَ وَأَبَا خَيْثَمَةَ وَعَامَّةَ أَصْحَابِنَا يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَا تَرَكَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَثَبَّتُوهُ فَمَنِ النَّاسُ بَعْدَهُمْ وقول بن حِبَّانَ هِيَ مُنْقَطِعَةٌ لِأَنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَلْقَ عَبْدَ اللَّهِ مَرْدُودٌ فَقَدْ صَحَّ سَمَاعُ شُعَيْبٍ مِنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَأَحْمَدُ وَكَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إنتهى
стр. 1285
١٦ - (بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْعَجْمَاءَ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ)
[٦٤٢] قَوْلُهُ (الْعَجْمَاءُ) أَيِ الْبَهِيمَةُ وَهِيَ فِي الْأَصْلِ تَأْنِيثُ الْأَعْجَمِ وَهُوَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ (جُرْحُهَا) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا وَالْمَفْهُومُ مِنَ النِّهَايَةِ نَقْلًا عَنِ الْأَزْهَرِيِّ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ لَا غَيْرَ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ وَبِالضَّمِّ الْجِرَاحَةُ (جُبَارٌ) بِضَمِّ الْجِيمِ أَيْ هَدَرٌ أَيْ إِذَا أَتْلَفَتِ الْبَهِيمَةُ شَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ مَعَهَا قَائِدٌ وَلَا سَائِقٌ وَكَانَ نَهَارًا فَلَا ضَمَانَ وَإِنْ كَانَ مَعَهَا أَحَدٌ فَهُوَ ضَامِنٌ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ حَصَلَ بِتَقْصِيرِهِ وَكَذَا إِذَا كَانَ لَيْلًا لِأَنَّ الْمَالِكَ قَصَّرَ فِي رَبْطِهَا إِذِ الْعَادَةُ أَنْ تُرْبَطَ الدَّوَابُّ لَيْلًا وَتُسَرَّحَ نَهَارًا كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وبن الْمَلِكِ (وَالْمَعْدِنُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الدَّالِ مَكَانٌ يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَالْأَجْسَادُ الْمَعْدِنِيَّةُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالنُّحَاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عَدَنَ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ بِهِ (وَالْبِئْرُ) بِهَمْزٍ وَيُبْدَلُ (جُبَارٌ) أَيْ إِذَا اسْتَأْجَرَ حَافِرًا لِحَفْرِ الْبِئْرِ أَوِ اسْتِخْرَاجِ الْمَعْدِنِ فَانْهَارَ عَلَيْهِ لَا ضَمَانَ وَكَذَا إِذَا وَقَعَ فِيهِ إِنْسَانٌ فَهَلَكَ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَفْرُ عُدْوَانًا وَإِنْ كَانَ فَفِيهِ خِلَافٌ (وَفِي الرِّكَازِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ (الْخُمُسُ) اعْلَمْ أَنَّ مَالِكًا ﵀ وَالشَّافِعِيَّ ﵀ وَالْجُمْهُورَ حَمَلُوا الرِّكَازَ عَلَى كُنُوزِ الْجَاهِلِيَّةِ الْمَدْفُونَةِ فِي الْأَرْضِ وَقَالُوا لَا خُمُسَ فِي الْمَعْدِنِ بَلْ فِيهِ الزَّكَاةُ إِذَا بَلَغَ قَدْرَ النِّصَابِ وَهُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَصَلَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا الركاز يعم العدن وَالْكَنْزَ فَفِي كُلِّ ذَلِكَ الْخُمُسُ وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الرِّكَازِ وَالْمَعْدِنِ وهو الظَّاهِرُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ الْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ
عَطَفَ الرِّكَازَ عَلَى الْمَعْدِنِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمَعْدِنَ لَيْسَ بِرِكَازٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ هُمَا شَيْئَانِ مُتَغَايِرَانِ وَلَوْ كَانَ الْمَعْدِنُ رِكَازًا عِنْدَهُ لَقَالَ الْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَفِيهِ الْخُمُسُ وَلَمَّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّهُ غَيْرُهُ لِأَنَّ الْعَطْفَ يدل على المغايرة
قال الحافظ بن حجر في فتح الباري والحجة للجمهور التفرقة مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ بِوَاوِ الْعَطْفِ فَصَحَّ أَنَّهُ غَيْرُهُ انتهى
стр. 1286
وَلِأَنَّ الرِّكَازَ فِي لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ النَّبِيَّ الْحِجَازِيَّ ﷺ تَكَلَّمَ بِلُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَرَادَ بِهِ مَا يريدون منه قال بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ الرِّكَازُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ الْجَاهِلِيَّةُ الْمَدْفُونَةُ فِي الْأَرْضِ وَعِنْدَ أَهْلِ الْعِرَاقِ المعادن والقولان تحتملهما اللغة لأن كل مِنْهُمَا مَرْكُوزٌ فِي الْأَرْضِ أَيْ ثَابِتٌ يُقَالُ رَكَزَهُ يَرْكُزُهُ رَكْزًا إِذَا دَفَنَهُ وَأَرْكَزَ الرَّجُلُ إِذَا وَجَدَ الرِّكَازَ وَالْحَدِيثُ إِنَّمَا جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْكَنْزُ الْجَاهِلِيُّ وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ الْخُمُسُ لِكَثْرَةِ نَفْعِهِ وَسُهُولَةِ أَخْذِهِ انْتَهَى
وفي المرقاة لعلي القارىء وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ قِيلَ وَمَا الرِّكَازُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الذَّهَبُ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ يَوْمَ خُلِقَتِ الْأَرْضُ
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَذَكَرَهُ فِي الْإِمَامِ فَهُوَ وَإِنْ سَكَتَ عَنْهُ فِي الْإِمَامِ مُضَعَّفٌ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَعَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ وَجَابِرٍ) وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَأَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ وَسَرَّاءَ بِنْتِ نَبْهَانَ الْغَنَوِيَّةِ
فَحَدِيثُ أَنَسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْبَزَّارِ مُطَوَّلًا وَفِيهِ هَذَا رِكَازٌ وَفِيهِ الْخُمُسُ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي كَنْزٍ وَجَدَهُ رَجُلٌ فِي خِرْبَةٍ جَاهِلِيَّةٍ إِنْ وَجَدتَّهُ فِي قَرْيَةٍ غَيْرِ مَسْكُونَةٍ فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ
وَحَدِيثُ عَبْدِ الله بن الصامت رواه بن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن الْمَعْدِنَ جُبَارٌ وَجُرْحُهَا جُبَارٌ وَهَذَا مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ إِسْحَاقَ لَمْ يُدْرِكْ عُبَادَةَ وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عوف المزني رواه بن مَاجَهْ أَيْضًا وَحَدِيثُ جَابِرٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ مِنْ رِوَايَةِ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّائِبَةُ الْحَدِيثُ وَفِيهِ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ كذا في عمدة القارىء وَتَخْرِيجُ أَحَادِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ مَذْكُورٌ فِيهِ أَيْضًا مَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ
стр. 1287
١٧ - (بَابُ مَا جَاءَ فِي الْخَرْصِ)
الْخَرْصُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْحَزْرُ وَالتَّخْمِينُ وَسَيَجِيءُ بَيَانُ مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْهُ مِنَ الْمُؤَلِّفِ
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أَبُو الْحَارِثِ الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ (قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَسْعُودِ بْنِ نِيَارٍ) بِكَسْرِ النُّونِ وَبِالتَّحْتَانِيَّةِ الْأَنْصَارِيَّ الْمَدَنِيَّ مَقْبُولٌ مِنَ الرَّابِعَةِ (جَاءَ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ
(إِذَا خَرَصْتُمْ) أَيْ حَزَرْتُمْ وَخَمَّنْتُمْ أَيُّهَا السُّعَاةُ (فَخُذُوا) أَيْ زَكَاةَ الْمَخْرُوصِ (ودعوا الثلث) أي اتركوه قَالَ الطِّيبِيُّ فَخُذُوا جَوَابٌ لِلشَّرْطِ وَدَعُوا عُطِفَ عَلَيْهِ أَيْ إِذَا (خَرَصْتُمْ) فَبَيِّنُوا مِقْدَارَ الزَّكَاةِ ثُمَّ خُذُوا ثُلُثَيْ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ وَاتْرُكُوا الثُّلُثَ لِصَاحِبِ الْمَالِ حَتَّى يَتَصَدَّقَ بِهِ انْتَهَى
وَقَالَ الْقَاضِي الْخِطَابُ مَعَ الْمُصَدِّقِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوا لِلْمَالِكِ ثُلُثَ مَا خَرَصُوا عَلَيْهِ أَوْ رُبُعَهُ تَوْسِعَةً عَلَيْهِ حَتَّى يَتَصَدَّقَ بِهِ هُوَ عَلَى جِيرَانِهِ وَمَنْ يَمُرُّ بِهِ وَيَطْلُبُ مِنْهُ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَغْرَمَ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ وَهَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشَّافِعِيِّ وَعَامَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ
وَعِنْدَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ لَا عِبْرَةَ بِالْخَرْصِ لِإِفْضَائِهِ إِلَى الرِّبَا وَزَعَمُوا أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِيهِ كانت قبل تحريم الرباويرده حَدِيثُ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ فَإِنَّهُ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَتَحْرِيمُ الرِّبَا كَانَ مُقَدَّمًا انْتَهَى
قَالَ القارىء بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ الْقَاضِي هَذَا وَحَدِيثُ جَابِرٍ الطَّوِيلُ فِي الصَّحِيحِ صَرِيحٌ فَإِنَّ تَحْرِيمَ الرِّبَا كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ بن حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَنْكَرَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ الْخَرْصَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا كَانَ يُفْعَلُ تَخْوِيفًا لِلْمُزَارِعِينَ لِئَلَّا يَخُونُوا
لَا يَلْزَمُ بِهِ الْحُكْمُ لِأَنَّهُ تَخْمِينٌ وَغُرُورٌ أَوْ كَانَ يَجُوزُ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبَا وَالْقِمَارِ وَتَعَقَّبَهُ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّ تَحْرِيمَ الرِّبَا وَالْمَيْسِرِ مُتَقَدِّمٌ وَالْخَرْصَ عُمِلَ بِهِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى مَاتَ ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فمن بعدهم ولمن يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَا مِنَ التَّابِعِينَ تَرْكُهُ إِلَّا عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ وَأَمَّا قَوْلُهُمُ إنَّهُ تَخْمِينٌ وَغُرُورٌ فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ اجْتِهَادٌ فِي مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ التَّمْرِ وَإِدْرَاكُهُ بِالْخَرْصِ الَّذِي هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْمَقَادِيرِ
قَالَ وَاعْتَلَّ الطحاوي بأنه
стр. 1288
يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ لِلثَّمَرَةِ آفَةٌ فَتُتْلِفَهَا فَيَكُونُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ صَاحِبِهَا مَأْخُوذًا بَدَلًا مِمَّا يُسَلَّمُ لَهُ
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِهِ لَا يُضَمِّنُونَ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ مَا تَلِفَ بَعْدَ الْخَرْصِ
قال بن الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ الْعِلْمُ أَنَّ الْمَخْرُوصَ إِذَا أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ قَبْلَ الْجُذَاذِ فَلَا ضمان انتهى
قال الحافظ بن الْقَيِّمِ فِي أَعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ الْمِثَالُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ رَدُّ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الْمُحْكَمَةِ فِي خَرْصِ الثِّمَارِ فِي الزَّكَاةِ وَالْعَرَايَا وَغَيْرِهَا إِذَا بَدَا إِصْلَاحُهَا ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ الْخَرْصِ ثُمَّ قَالَ فَرُدَّتْ هَذِهِ السُّنَنُ كُلُّهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه قَالُوا وَالْخَرْصُ مِنْ بَابِ الْقِمَارِ وَالْمَيْسِرِ فَيَكُونُ تَحْرِيمُهُ نَاسِخًا لِهَذِهِ الْآثَارِ وَهَذَا مَنْ أَبْطَلَ الْبَاطِلَ فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْقِمَارِ وَالْمَيْسِرِ وَالْخَرْصِ الْمَشْرُوعِ كَالْفَرْقِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرِّبَا وَالْمَيْتَةِ وَالْمُذَكَّى وَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ رَسُولَهُ وَأَصْحَابَهُ عَنْ تَعَاطِي الْقِمَارِ وَعَنْ شَرْعِهِ وَإِدْخَالِهِ فِي الدِّينِ وَيَا لَلَّهِ الْعَجَبَ أَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُقَامِرُونَ إِلَى زَمَنِ خَيْبَرَ ثُمَّ اسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ إِلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ثُمَّ انْقَضَى عَصْرُ الصَّحَابَةِ وَعَصْرُ التَّابِعِينَ عَلَى الْقِمَارِ وَلَا يَعْرِفُونَ أَنَّ الْخَرْصَ قِمَارٌ حَتَّى بَيَّنَهُ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ هَذَا وَاَللَّهِ الْبَاطِلُ حَقًّا وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ انْتَهَى كَلَامُ بن الْقَيِّمِ
[٦٤٣] قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (وَعَتَّابِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ (بْنِ أَسِيدٍ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَحَدِيثُهُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ
قَوْلُهُ (وَبِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ يَقُولُ إِسْحَاقُ وَأَحْمَدُ) قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ بِظَاهِرِهِ اللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمْ وَفَهِمَ مِنْهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ أَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي يَأْكُلُونَهُ بِحَسَبِ احْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ فَقَالَ يُتْرَكُ قَدْرُ احْتِيَاجِهِمْ
وَقَالَ مَالِكٌ وَسُفْيَانُ لَا يُتْرَكُ لَهُمْ شَيْءٌ
وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيِّ
قَالَ بن الْعَرَبِيِّ وَالْمُتَحَصِّلُ مِنْ صَحِيحِ النَّظَرِ أَنْ يُعْمَلَ بِالْحَدِيثِ وَهُوَ قَدْرُ الْمُؤْنَةِ وَلَقَدْ جَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ فِي الْأَغْلَبِ مِمَّا يُؤْكَلُ رَطْبًا انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَالْخَرْصُ إِذَا أَدْرَكَتِ الثِّمَارُ إلخ) مِنْ إِدْرَاكِ الشَّيْءِ بَلَغَ وَقْتُهُ كَذَا الْقَامُوسُ
قَالَ
стр. 1289
الحافظ بن حَجَرٍ وَفَائِدَةُ الْخَرْصِ التَّوْسِعَةُ عَلَى أَرْبَابِ الثِّمَارِ فِي التَّنَاوُلِ مِنْهَا وَالْبَيْعِ مِنْ زَهْوِهَا وَإِيثَارِ الْأَهْلِ وَالْجِيرَانِ وَالْفُقَرَاءِ لِأَنَّ فِي مَنْعِهِمْ مِنْهَا تَضْيِيقًا لَا يَخْفَى انْتَهَى
قَوْلُهُ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ التَّمَّارِ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ صَدُوقٌ يُخْطِئُ مِنَ السَّابِعَةِ (كُرُومَهُمْ) بِضَمَّتَيْنِ جمع الكرم وهو شجر العنب
قال بن حَجَرٍ وَلَا يُنَافِي تَسْمِيَةَ الْعِنَبِ كَرْمًا خَبَرُ الشَّيْخَيْنِ لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ كَرْمًا فَإِنَّ الْكَرْمَ هُوَ الْمُسْلِمُ وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ
لِأَنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ
عَلَى أَنَّ تِلْكَ التَّسْمِيَةَ مِنْ لَفْظِ الرَّاوِي فَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ أَوْ خَاطَبَ بِهِ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا بِهِ انْتَهَى (زَبِيبًا) هُوَ الْيَابِسُ مِنَ الْعِنَبِ
٨ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الْعَامِلِ عَلَى الصدقة بالحق)
стр. 1290
[٦٤٥] قَوْلُهُ (الْعَامِلِ عَلَى الصَّدَقَةِ بِالْحَقِّ) مُتَعَلِّقٌ بِالْعَامِلِ أَيْ عَمَلًا بِالصِّدْقِ وَالصَّوَابِ أَوْ بِالْإِخْلَاصِ وَالِاحْتِسَابِ (كَالْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ فِي تَحْصِيلِ بَيْتِ الْمَالِ وَاسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ فِي تَمْشِيَةِ أَمْرِ الدارين قاله القارىء (حتى يرجع) أي العامل
قال بن الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ قَالَ مَنْ جَهَّزَ فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا وَالْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ خَلِيفَةُ الْغَازِي لِأَنَّهُ يَجْمَعُ مَالَ سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ غَازٍ بِعَمَلِهِ وَهُوَ غَازٍ بِنِيَّتِهِ وَقَالَ ﵇ إِنَّ بِالْمَدِينَةِ قَوْمًا مَا سَلَكْتُمْ وَادِيًا وَلَا قَطَعْتُمْ شِعْبًا إِلَّا وَهُمْ مَعَكُمْ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ فَكَيْفَ بِمَنْ حَبَسَهُ الْعَمَلُ لِلْغَازِي وَخِلَافَتُهُ وَجَمْعُ مَالِهِ الَّذِي يُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَكَمَا لَا بُدَّ مِنَ الْغَزْوِ فَلَا بُدَّ مِنْ جَمْعِ الْمَالِ الَّذِي يَغْزُو بِهِ فَهُمَا شَرِيكَانِ فِي النِّيَّةِ شَرِيكَانِ فِي الْعَمَلِ فَوَجَبَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي الْأَجْرِ انْتَهَى (حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ
قَوْلُهُ (وَيَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ كَذَّبَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ
قَوْلُهُ (وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَصَحُّ) وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثِقَةٌ قَدِ اعْتَرَفَ بِهِ الْعُلَمَاءُ الْمَالِكِيَّةُ والحنفية أيضا
قال بن الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثِقَةٌ إِمَامٌ انْتَهَى
قُلْتُ وَقَدْ وَثَّقَهُ الْعَلَّامَةُ بن الْهُمَامِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ص ١٠٧ ج ٣ بن إِسْحَاقَ مِنَ الثِّقَاتِ الْكِبَارِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ انْتَهَى
٩ - (بَابٌ فِي الْمُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ)
[٦٤٦] قَوْلُهُ (الْمُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ كَمَانِعِهَا) الِاعْتِدَاءُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ
стр. 1291
الْمُزَكِّيَ الَّذِي يَعْتَدِي بِإِعْطَاءِ الزَّكَاةِ غَيْرَ مُسْتَحِقِّيهَا وَلَا عَلَى وَجْهِهَا أَوِ الْعَامِلَ
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ إِنَّ الْعَامِلَ الْمُعْتَدِيَ فِي أَخْذِ الصَّدَقَةِ عَنِ الْمِقْدَارِ الْوَاجِبِ هُوَ فِي الْوِزْرِ كَاَلَّذِي يَمْنَعُ عَنْ أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ كَذَا فِي اللُّمَعَاتِ
وَقَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ عَلَى الْمُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ مِنَ الْإِثْمِ مَا عَلَى الْمَانِعِ فَلَا يَحِلُّ لِرَبِّ الْمَالِ كِتْمَانُ الْمَالِ وَإِنِ اعْتَدَى عَلَيْهِ السَّاعِي انْتَهَى
وَقِيلَ الْمُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ هُوَ الَّذِي يُجَاوِزُ الْحَدَّ فِي الصَّدَقَةِ بِحَيْثُ لَا يُبْقِي لِعِيَالِهِ شَيْئًا وَقِيلَ
هُوَ الَّذِي يُعْطِي وَيَمُنُّ وَيُؤْذِي فَالْإِعْطَاءُ مَعَ الْمَنِّ وَالْأَذَى كَالْمَنْعِ عَنْ أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى قُلْتُ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ الْعَامِلُ الْمُعْتَدِي فِي أَخْذِ الصَّدَقَةِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ قَالَ قُلْنَا إِنَّ أَهْلَ الصَّدَقَةِ يَعْتَدُونَ عَلَيْنَا أَفَنَكْتُمُ مِنْ أَمْوَالِنَا بِقَدْرِ مَا يَعْتَدُونَ قَالَ لَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
فَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ عَلَى الْمُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ مِنَ الْإِثْمِ مَا عَلَى الْمَانِعِ لِأَنَّ الْعَامِلَ إِذَا اعْتَدَى فِي الصَّدَقَةِ بِأَنْ أَخَذَ خِيَارَ الْمَالِ أَوِ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمِقْدَارِ الْوَاجِبِ رُبَّمَا يَمْنَعُهَا الْمَالِكُ فِي السَّنَةِ الْأُخْرَى فَيَكُونُ فِي الْإِثْمِ كَالْمَانِعِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
قَوْلُهُ (وَفِي الباب عن بن عُمَرَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ لِيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُمْ حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وبن ماجه وبن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَنَسٍ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ
قَوْلُهُ (وَقَدْ تَكَلَّمَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ) قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي تَرْجَمَتِهِ قَالَ أَحْمَدُ لَمْ أَكْتُبْ أَحَادِيثَهُ لِأَنَّهُمُ اضْطَرَبُوا فِيهِ وَفِي حَدِيثِهِ
وَقَالَ الْجُوزَجَانِيُّ أَحَادِيثُهُ وَاهِيَةٌ
وَقَالَ س مُنْكَرُ الْحَدِيثِ
وَقَالَ الدارقطني ضعيف
ونقل بن الْقَطَّانِ أَنَّ أَحْمَدَ يُوَثِّقُهُ انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ سَعْدُ بْنُ سِنَانٍ وَيُقَالُ سِنَانُ بْنُ سَعْدٍ الْكِنْدِيُّ الْمِصْرِيُّ وَصَوَّبَ الثَّانِيَ الْبُخَارِيُّ وبن يُونُسَ صَدُوقٌ لَهُ أَفْرَادٌ مِنَ الْخَامِسَةِ
قَوْلُهُ (وَهَكَذَا يَقُولُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إلخ) حَاصِلُهُ أَنَّ الرُّوَاةَ مُخْتَلِفُونَ فِي اسْمِ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ فَقَالَ اللَّيْثُ سَعْدُ بْنُ سِنَانٍ وَقَالَ عمرو بن الحارث وبن لَهِيعَةَ سِنَانُ بْنُ سَعْدٍ
وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الصَّحِيحَ سِنَانُ بْنُ سَعْدٍ وَيَقُولُ عمرو بن الحارث وبن لهيعة
стр. 1292
(عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ سِنَانِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) لَمْ تُوجَدْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ وَالصَّحِيحُ سِنَانُ بْنُ سَعْدٍ قَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمَقَامِ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَةِ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ فَعَلَيْك أَنْ تُرَاجِعَهُ فَإِنَّهُ نَافِعٌ
قَوْلُهُ (وَقَوْلُهُ الْمُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ كَمَانِعِهَا يَقُولُ عَلَى الْمُعْتَدِي من الاثم الخ) قال بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ الْمُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ كَمَانِعِهَا هُوَ أَنْ يُعْطِيَ الزَّكَاةَ غَيْرَ مُسْتَحِقِّهَا وَقِيلَ أَرَادَ أَنَّ السَّاعِيَ إِذَا أَخَذَ خِيَارَ الْمَالِ رُبَّمَا مَنَعَهُ فِي السَّنَةِ الْأُخْرَى فَيَكُونُ سَبَبًا فِي ذَلِكَ فَهُمَا فِي الْإِثْمِ سَوَاءٌ انْتَهَى
٠ - (باب ما جاء في رضى الْمُصَدِّقِ بِتَخْفِيفِ الصَّادِ)
أَيْ آخِذِ الصَّدَقَةِ وَهُوَ الْعَامِلُ
[٦٤٧] قَوْلُهُ (إِذَا أَتَاكُمُ الْمُصَدِّقُ فَلَا يُفَارِقَنَّكُمْ إلا عن رضى) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ إِذَا أَتَاكُمِ الْمُصَدِّقُ فَلْيَصْدُرْ عَنْكُمْ وَهُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ
قَالَ الطِّيبِيُّ ذَكَرَ السبب وأراد السبب لِأَنَّهُ أَمْرٌ لِلْعَامِلِ وَفِي الْحَقِيقَةِ أَمْرٌ لِلْمُزَكِّي
والمعنى تلقوه بالترحيب وأداء زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ لِيَرْجِعَ عَنْكُمْ رَاضِيًا وَإِنَّمَا عَدَلَ إِلَى هَذِهِ الصِّفَةِ مُبَالَغَةً فِي اسْتِرْضَاءِ الْمُصَدِّقِ وَإِنْ ظَلَمَ انْتَهَى
قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي إِذَا أَتَاكُمِ الْمُصَدِّقُ بِتَخْفِيفِ الصَّادِ وَهُوَ الْعَامِلُ فَلَا يُفَارِقَنَّكُمْ إِلَّا عَنْ رِضًى
قَالَ الشَّافِعِيُّ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُوَفُّوهُ طَائِعِينَ وَيَتَلَقَّوْهُ بِالتَّرْحِيبِ لَا أَنْ يُؤْتُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا لَيْسَ عَلَيْهِمْ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ وهذاالذي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ مُحْتَمَلٌ لَوْلَا مَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنَ الزِّيَادَةِ وَهِيَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ ظَلَمُونَا قَالَ أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ وَإِنْ ظُلِمْتُمْ فَكَأَنَّهُ
стр. 1293
رَأَى الصَّبْرَ عَلَى تَعَدِّيهِمُ انْتَهَى
[٦٤٨] قَوْلُهُ (حَدِيثُ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ) وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (وَقَدْ ضَعَّفَ مُجَالِدًا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إلخ) فِي التَّقْرِيبِ مُجَالِدٌ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ بن سعيد بن عمير الهمداني أَبُو عَمْرٍو الْكُوفِيُّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَقَدْ تَغَيَّرَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ مِنْ صِغَارِ السَّادِسَةِ انْتَهَى
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الميزان قال بن مَعِينٍ وَغَيْرُهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ
وَقَالَ أَحْمَدُ يَرْفَعُ كَثِيرًا مِمَّا لَا يَرْفَعُهُ النَّاسُ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَقَالَ النَّسَائِيُّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ كان يحيى بن سعيد يضعفه وكان بن مَهْدِيٍّ لَا يَرْوِي عَنْهُ انْتَهَى مُخْتَصَرًا
١ - (بَاب ما جاء أن الصدفة تؤخذ من الأغنياء)
فترد على الْفُقَرَاءِ [٦٤٩] قَوْلُهُ (عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ عَلَى الْحَاءِ كَجُهَيْنَةَ
قَوْلُهُ (فَأَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَجَعَلَهَا فِي فُقَرَائِنَا) قَالَ فِي حَاشِيَةِ النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ أَيْ فُقَرَاءِ ذَلِكَ الْقَوْمِ وَالْبَلَدِ وَهَذَا مُسْتَحَبٌّ اللَّهُمَّ إِذَا كَانَ غَيْرُهُمْ أَحْوَجَ مِنْهُمْ وَأَحَقَّ فَيَحْمِلُ الصَّدَقَةَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَمِنْ قَوْمٍ إِلَى قَوْمٍ أُخَرَ انْتَهَى بِلَفْظِهِ
قُلْتُ قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَأَجَازَ النَّقْلَ اللَّيْثُ وَأَبُو حنيفة وأصحابهما
ونقله بن الْمُنْذِرِ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْجُمْهُورِ تَرْكُ النَّقْلِ فَلَوْ خَالَفَ وَنَقَلَ أَجْزَأَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَمْ يُجْزِئْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ إِلَّا إِذَا فُقِدَ الْمُسْتَحِقُّونَ لَهَا كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
وَفِيهِ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ لِأَنَّ قَوْلَهُ حيث كانوا
стр. 1294
يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا يَنْقُلُهَا عَنْ بَلَدٍ وَفِيهِ مِمَّنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ انْتَهَى
قُلْتُ قَدْ عَقَدَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظِ بَابُ أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ وَتُرَدُّ فِي الْفُقَرَاءِ حيث كانوا وأورد فيه حديث بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ إِنَّك سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ الْكِتَابِ الْحَدِيثُ وَفِيهِ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ظَاهِرُ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ الصَّدَقَةَ تُرَدُّ عَلَى فُقَرَاءِ مَنْ أُخِذَتْ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ
وَقَالَ بن الْمُنِيرِ اخْتَارَ الْبُخَارِيُّ جَوَازَ نَقْلِ الزَّكَاةِ مِنْ بَلَدِ الْمَالِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ لِأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأَيُّ فَقِيرٍ مِنْهُمْ رُدَّتْ فِيهِ الصَّدَقَةُ فِي أَيِّ جِهَةٍ كَانَ فَقَدْ وَافَقَ عُمُومَ الْحَدِيثِ انْتَهَى
قَالَ والذي يتبادر إلى الذهن من هذا الحديث عَدَمُ النَّقْلِ وَأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى الْمُخَاطَبِينَ فيختص بذلك فقرائهم لكن رجح بن دَقِيقِ الْعِيدِ الْأَوَّلَ وَقَالَ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَظْهَرَ إِلَّا أَنَّهُ يُقَوِّيهِ أَنَّ أَعْيَانَ الْأَشْخَاصِ الْمُخَاطَبِينَ فِي قَوَاعِدِ الشَّرْعِ الْكُلِّيَّةِ لَا تُعْتَبَرُ فِي الزَّكَاةِ كَمَا لَا تُعْتَبَرُ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَخْتَصُّ بِهَا الْحُكْمُ وَإِنِ اخْتَصَّ بِهِمْ خِطَابُ الْمُوَاجَهَةِ انْتَهَى مَا فِي الْفَتْحِ
قُلْتُ لَا شَكَّ أَنَّ الظَّاهِرَ الْمُتَبَادِرَ إِلَى الذِّهْنِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ عَدَمُ النَّقْلِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ الَّذِي أَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ وَحَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ اسْتُعْمِلَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا رَجَعَ قِيلَ لَهُ أين المال قال وللمال أَرْسَلْتنِي أَخَذْنَاهُ مِنْ حَيْثُ كُنَّا نَأْخُذُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَضَعْنَاهُ حَيْثُ كُنَّا نَضَعُهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وبن ماجه وسكت عنه أبو داود والمنذري وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ
فَالرَّاجِحُ عِنْدِي أَنَّ الصَّدَقَةَ تُرَدُّ فِي فُقَرَاءِ مَنْ أُخِذَتْ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ إِلَّا إِذَا فُقِدُوا أَوْ تَكُونُ فِي نَقْلِهَا مَصْلَحَةٌ أَنْفَعُ مِنْ رَدِّهَا إِلَيْهِمْ فَحِينَئِذٍ تُنْقَلُ لِمَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَدْعِي الصَّدَقَاتِ مِنَ الْأَعْرَابِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَيَصْرِفُهَا فِي فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ كَمَا أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِلَالٍ الثَّقَفِيِّ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ كِدْتُ أُقْتَلُ بَعْدَك فِي عَنَاقٍ أَوْ شَاةٍ مِنَ الصَّدَقَةِ فَقَالَ ﷺ لَوْلَا أَنَّهَا تُعْطَى فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ مَا أَخَذْتَهَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَلُوصًا) بِفَتْحِ الْقَافِ النَّاقَةُ الشَّابَّةُ وَيُجْمَعُ عَلَى قِلَاصٍ بِكَسْرِ الْقَافِ
قوله (وفي الباب عن بن عَبَّاسٍ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ (حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) قَالَ فِي النَّيْلِ رِجَالُ هَذَا الْحَدِيثِ ثِقَاتٌ إِلَّا أَشْعَثَ بْنَ سِوَارٍ فَفِيهِ مَقَالٌ وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ
стр. 1295
مسلم متابعة انتهى
٢ - (باب مَنْ تَحِلُّ لَهُ الزَّكَاةُ)
[٦٥٠] قَوْلُهُ (الْمَعْنَى وَاحِدٌ) أَيْ لَفْظُ حَدِيثِ قُتَيْبَةَ وَعَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ مُخْتَلِفٌ وَمَعْنَى حَدِيثِهِمَا وَاحِدٌ
قَوْلُهُ (وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ) أَيْ عَنِ السُّؤَالِ (وَمَسْأَلَتُهُ) أَيْ أَثَرُهَا (فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ أَوْ خُدُوشٌ أَوْ كُدُوحٌ) بِضَمِّ أَوَائِلِهَا أَلْفَاظٌ مُتَقَارِبَةُ الْمَعَانِي جَمْعُ خَمْشٍ وَخَدْشٍ وَكَدْحٍ فَ أَوْ هُنَا إِمَّا لِشَكِّ الرَّاوِي إِذِ الْكُلُّ يُعْرِبُ عَنْ أَثَرِ مَا يَظْهَرُ عَلَى الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ مِنْ مُلَاقَاةِ الْجَسَدِ مَا يُقَشِّرُ أَوْ يَجْرَحُ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَا آثار مستنكرة وفي وَجْهِهِ حَقِيقَةً أَوْ أَمَارَاتٌ لِيُعْرَفَ وَيُشْهَرَ بِذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْمَوْقِفِ أَوْ لِتَقْسِيمِ مَنَازِلِ السَّائِلِ فَإِنَّهُ مُقِلٌّ أَوْ مُكْثِرٌ أَوْ مُفَرِّطٌ فِي الْمَسْأَلَةِ فَذِكْرُ الْأَقْسَامِ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ وَالْخَمْشُ أَبْلَغُ فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْخَدْشِ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْكَدْحِ إِذَا الْخَمْشُ فِي الْوَجْهِ وَالْخَدْشُ فِي الْجِلْدِ وَالْكَدْحُ فَوْقَ الْجِلْدِ وَقِيلَ الْخَدْشُ قَشْرُ الْجِلْدِ بِعُودٍ وَالْخَمْشُ قَشْرُهُ بِالْأَظْفَارِ وَالْكَدْحُ الْعَضُّ وَهِيَ فِي أَصْلِهَا مَصَادِرُ لَكِنَّهَا لَمَّا جُعِلَتْ أَسْمَاءَ لِلْآثَارِ جُمِعَتْ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَوْلُهُ (وَمَا يُغْنِيهِ) أَيْ كَمْ هُوَ أَوْ أَيُّ مِقْدَارٍ مِنَ الْمَالِ يُغْنِيهِ (قَالَ خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ) أَيْ قِيمَةُ الْخَمْسِينَ مِنَ الذَّهَبِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فَهُوَ الْمُلْحِفُ
قُلْتُ وَفِي الْبَابِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ لَهُ صُحْبَةٌ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ قَالَ فِيهِ مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عَدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنَ النَّارِ
стр. 1296
فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يُغْنِيهِ قَالَ قَدْرُ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وصححه بن حبان كذا في فتح الباري (حديث بن مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ
قَوْلُهُ (وَقَدْ تَكَلَّمَ شُعْبَةُ فِي حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ) وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُهُ أَيْضًا
قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ شِيعِيٌّ مُقِلٌّ
قَالَ أَحْمَدُ ضَعِيفٌ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ
وَقَالَ النَّسَائِيُّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ مَتْرُوكٌ
وَقَالَ الْجَوْزَجَانِيُّ حَكِيمُ بْنُ جُبَيْرٍ كَذَّابٌ انْتَهَى مُخْتَصَرًا
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ ضَعِيفٌ رُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ
[٦٥١] قَوْلُهُ (فَقَالَ لَهُ) أَيْ لِسُفْيَانَ وَقَائِلُ هَذَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ (لَوْ غَيْرُ حَكِيمٍ حَدَّثَ بِهَذَا) كَلِمَةُ لَوْ لِلتَّمَنِّي (فَقَالَ لَهُ) أَيْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ (لَا يُحَدِّثُ عَنْهُ شُعْبَةُ) بِتَقْدِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ أَلَا يُحَدِّثُ عَنْهُ شُعْبَةُ (قَالَ نَعَمْ) أَيْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ نَعَمْ لَا يُحَدِّثُ عَنْهُ شُعْبَةُ
قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ قَالَ مُعَاذٌ قُلْتُ لِشُعْبَةَ حَدِّثْنِي بِحَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ أَخَافُ النَّارَ إِنْ أُحَدِّثْ عَنْهُ قُلْتُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شُعْبَةَ تَرَكَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ بَعْدُ انْتَهَى (قَالَ سُفْيَانُ سَمِعْتُ زُبَيْدًا يُحَدِّثُ بِهَذَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ يَحْيَى فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ لِسُفْيَانَ حِفْظِي أَنَّ شُعْبَةَ لَا يَرْوِي عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ سُفْيَانُ فَقَدْ حَدَّثَنَاهُ زُبَيْدٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ
قلت زبيد هذا هو بن الْحَارِثِ الْيَامِيُّ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ عَابِدٌ مِنَ السَّادِسَةِ
قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِ السُّنَنِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَضَعَّفُوا الْحَدِيثَ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا يحيى بن آدم قالوا أما مارواه سُفْيَانُ فَلَيْسَ فِيهِ بَيَانُ أَنَّهُ أَسْنَدَهُ وَإِنَّمَا قَالَ فَقَدْ حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ حَسْبُ
وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّ سُفْيَانَ صَرَّحَ بِإِسْنَادِهِ فَقَالَ سَمِعْت زُبَيْدًا يُحَدِّثُ بِهَذَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ وحكاه بن عَدِيٍّ أَيْضًا وَحَكَى أَيْضًا أَنَّ الثَّوْرِيَّ قَالَ فَأَخْبَرَنَا بِهِ زُبَيْدٌ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثوري حدث به
стр. 1297
مرتين مرة لَا يُصَرِّحُ فِيهِ بِالْإِسْنَادِ وَمَرَّةً يُسْنِدُهُ فَتَجْتَمِعُ الرِّوَايَاتُ
وَسُئِلَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ يَرْوِيهِ أَحَدٌ غَيْرُ حَكِيمٍ فَقَالَ يَحْيَى نَعَمْ يَرْوِيهِ يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ زُبَيْدٍ
وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا يَرْوِيهِ إِلَّا يَحْيَى بْنِ آدَمَ وَهَذَا وَهْمٌ لَوْ كَانَ كَذَا لَحَدَّثَ بِهِ النَّاسَ جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ لَكِنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ
هَذَا الْكَلَامُ قَالَهُ يَحْيَى أَوْ نَحْوَهُ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ مُلَخَّصًا
قَوْلُهُ (وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ غَنِيًّا بِالدِّرْهَمِ مَعَ الْكَسْبِ وَلَا يُغْنِيهِ الْأَلْفُ مَعَ ضَعْفِهِ فِي نَفْسِهِ وَكَثْرَةِ عِيَالِهِ
وفي المسألة مذاهب أخرى أَحَدُهَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ إِنَّ الْغَنِيَّ مَنْ مَلَكَ نِصَابًا فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُ الزَّكَاةِ
وَاحْتَجَّ بحديث بن عَبَّاسٍ فِي بَعْثِ مُعَاذٍ إِلَى الْيَمَنِ وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَوَصَفَ مَنْ تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْهُ بِالْغِنَى
وَقَدْ قَالَ لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ
ثَانِيهَا أَنَّ حَدَّهُ مَنْ وَجَدَ مَا يُغَدِّيهِ وَمَا يُعَشِّيهِ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ وَجْهُهُ مَنْ لَا يَجِدُ غَدَاءً وَلَا عَشَاءً عَلَى دَائِمِ الْأَوْقَاتِ
ثَالِثُهَا أَنَّ حَدَّهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ سَلَامٍ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِ الْبُخَارِيِّ لِأَنَّهُ أَتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلحافا وَقَدْ تَضَمَّنَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ أَنَّ مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ هَذَا الْقَدْرُ فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
وَالْمُرَادُ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْهُ وَفِيهِ وَمَنْ سَأَلَ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ فَقَدْ أَلْحَفَ
стр. 1298
٢٣ - (بَاب مَا جَاءَ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ)
[٦٥٢] قَوْلُهُ (وَلَا لِذِي مِرَّةٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ قُوَّةٍ (سَوِيٍّ) أَيْ مُسْتَوِي الْخَلْقِ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَالْمُرَادُ اسْتِوَاءُ الْأَعْضَاءِ وَسَلَامَتُهَا
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَخْرَجَهُ أبو داود والنسائي وبن مَاجَهْ (وَحُبْشِيُّ بْنُ جُنَادَةَ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (وَقَبِيصَةُ بْنُ الْمُخَارِقِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ
قَوْلُهُ (وَوَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ) أَيْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ
لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ حَبَشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ الْآتِي لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ
стр. 1299
[٦٥٣] قَوْلُهُ (عَنْ حُبْشِيٍّ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ (بْنِ جُنَادَةَ) بِضَمِّ الْجِيمِ
قَوْلُهُ (وَلَا لِذِي مِرَّةٍ) أَيْ لِذِي قُوَّةٍ عَلَى الْكَسْبِ (سَوِيٍّ) صَحِيحٍ سَلِيمِ الْأَعْضَاءِ (إِلَّا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَهُوَ الْفَقْرُ الشَّدِيدُ الْمُلْصِقُ صَاحِبَهُ بِالدَّقْعَاءِ وَهِيَ الأرض التي لا نبات بها (أَوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَهُوَ مَا يَلْزَمُ أَدَاؤُهُ تَكَلُّفًا لَا فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ وَالْمُفْظِعُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الشَّدِيدُ الشَّنِيعُ الَّذِي جَاوَزَ الْحَدَّ
كَذَا فِي نيل الأوطار
وقال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ قَالَ الطِّيبِيُّ وَالْمُرَادُ مَا اسْتَدَانَ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ فِي مُبَاحٍ
قَالَ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ مَا لَزِمَهُ مِنَ الْغَرَامَةِ بِنَحْوِ دِيَةٍ وَكَفَّارَةٍ انْتَهَى (لِيَثْرَى) مِنَ الْإِثْرَاءِ (بِهِ) أَيْ بِسَبَبِ السُّؤَالِ وَبِالْمَأْخُوذِ (مَالُهُ) قَالَ القارىء فِي الْمِرْقَاةِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَرَفْعِهِ أَيْ لِيَكْثُرَ مَالُهُ مِنْ أَثْرَى الرَّجُلُ إِذَا كَثُرَتْ أَمْوَالُهُ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ
وَفِي النِّهَايَةِ
الثَّرَى الْمَالُ وَأَثْرَى الْقَوْمُ كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ
وَفِي الْقَامُوسِ
الثَّرْوَةُ كَثْرَةُ الْعَدَدِ مِنَ النَّاسِ وَالْمَالِ وَثَرَى الْقَوْمُ كَثُرُوا وَنَمَوْا وَالْمَالُ كَذَلِكَ وَثَرِيَ كَرَضِيَ كَثُرَ مَالُهُ كَأَثْرَى
إِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ مَالَهُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ من أن أثرى لازم فيتعين رَفْعُهُ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ مَا مَوْصُولَةٌ وله جَارٌّ وَمَجْرُورٌ انْتَهَى (كَانَ) أَيِ السُّؤَالُ أَوِ الْمَالُ (خُمُوشًا) بِالضَّمِّ أَيْ عَبَسًا (وَرَضْفًا) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ حَجَرًا مَحْمِيًّا (فَمَنْ شَاءَ فَلِيَقُلَّ) أَيْ هَذَا السُّؤَالَ أَوْ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ النَّكَالِ (وَمَنْ شَاءَ فَلِيُكْثِرْ) وَهُمَا أَمْرُ تَهْدِيدٍ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا)
[٦٥٤] قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ) لَمْ يَحْكُمِ التِّرْمِذِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِشَيْءٍ مِنَ الصِّحَّةِ أَوِ الضَّعْفِ وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ في سنده مجالدا وهو ضعيف
стр. 1300
٢٤ - (باب مَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ مِنْ الْغَارِمِينَ وَغَيْرِهِمْ)
[٦٥٥] قَوْلُهُ (أُصِيبَ رَجُلٌ) أَيْ أَصَابَهُ آفَةٌ قِيلَ هُوَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (فِي ثِمَارٍ) مُتَعَلِّقٌ بِأُصِيبَ (ابْتَاعَهَا) أَيِ اشْتَرَاهَا وَالْمَعْنَى لَحِقَهُ خُسْرَانٌ بِسَبَبِ إِصَابَةِ آفَةٍ فِي ثِمَارٍ اشْتَرَاهَا وَلَمْ يَنْقُدْ ثَمَنَهَا (فَكَثُرَ دَيْنُهُ) أَيْ فَطَالَبَهُ الْبَائِعُ بِثَمَنِ تِلْكَ الثِّمَارِ وَكَذَا طَالَبَهُ بَقِيَّةُ غُرَمَائِهِ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ يُؤَدِّيهِ (فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ) أَيْ مَا تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ (لِغُرَمَائِهِ) جَمْعُ غَرِيمٍ وَهُوَ بِمَعْنَى الْمَدْيُونِ والدائن والمراد ها هنا هُوَ الْأَخِيرُ (وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ) أَيْ مَا وَجَدْتُمْ وَالْمَعْنَى لَيْسَ لَكُمْ إِلَّا أَخْذُ مَا وَجَدْتُمْ وَالْإِمْهَالُ بِمُطَالَبَةِ الْبَاقِي إِلَى الْمَيْسَرَةِ
وَقَالَ الْمُظْهِرُ
أَيْ لَيْسَ لَكُمْ زَجْرُهُ وَحَبْسُهُ لِأَنَّهُ ظَهَرَ إِفْلَاسُهُ وَإِذَا ثَبَتَ إِفْلَاسُ الرَّجُلِ لَا يَجُوزُ حَبْسُهُ فِي الدَّيْنِ بَلْ يُخَلَّى وَيُمْهَلُ إِلَى أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مَالٌ فَيَأْخُذَهُ الْغُرَمَاءُ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَكُمْ إِلَّا مَا وَجَدْتُمْ وَبَطَل مَا بَقِيَ مِنْ دُيُونِكُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مسيرة كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قُلْتُ مَا نَفَاهُ الْمُظْهِرُ قَدْ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ وَهُمُ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى وُجُوبِ وَضْعِ الْجَائِحَةِ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الثَّمَرَةِ إِذَا بِيعَتْ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَسَلَّمَهَا الْبَائِعُ إِلَى الْمُشْتَرِي بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ثُمَّ تَلِفَتْ قَبْلَ أَوَانِ الْجُذَاذِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ هَلْ تَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ أَوِ الْمُشْتَرِي فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَآخَرُونَ هِيَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَلَا يَجِبُ وَضْعُ الْجَائِحَةِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَطَائِفَةٌ هِيَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ وَيَجِبُ وَضْعُ الْجَائِحَةِ
وَقَالَ مَالِكٌ إِنْ كَانَتْ دُونَ الثُّلُثِ لَمْ يَجِبْ وَضْعُهَا وَإِنْ كَانَتِ الثُّلُثَ فَأَكْثَرَ وَجَبَ وَضْعُهَا وَكَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ ثُمَّ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ دَلَائِلَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ مَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ
следующие страницы →