Полный текст (4 874 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يُغْنِيهِ قَالَ قَدْرُ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وصححه بن حبان كذا في فتح الباري (حديث بن مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ
قَوْلُهُ (وَقَدْ تَكَلَّمَ شُعْبَةُ فِي حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ) وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُهُ أَيْضًا
قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ شِيعِيٌّ مُقِلٌّ
قَالَ أَحْمَدُ ضَعِيفٌ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ
وَقَالَ النَّسَائِيُّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ مَتْرُوكٌ
وَقَالَ الْجَوْزَجَانِيُّ حَكِيمُ بْنُ جُبَيْرٍ كَذَّابٌ انْتَهَى مُخْتَصَرًا
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ ضَعِيفٌ رُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ
[٦٥١] قَوْلُهُ (فَقَالَ لَهُ) أَيْ لِسُفْيَانَ وَقَائِلُ هَذَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ (لَوْ غَيْرُ حَكِيمٍ حَدَّثَ بِهَذَا) كَلِمَةُ لَوْ لِلتَّمَنِّي (فَقَالَ لَهُ) أَيْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ (لَا يُحَدِّثُ عَنْهُ شُعْبَةُ) بِتَقْدِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ أَلَا يُحَدِّثُ عَنْهُ شُعْبَةُ (قَالَ نَعَمْ) أَيْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ نَعَمْ لَا يُحَدِّثُ عَنْهُ شُعْبَةُ
قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ قَالَ مُعَاذٌ قُلْتُ لِشُعْبَةَ حَدِّثْنِي بِحَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ أَخَافُ النَّارَ إِنْ أُحَدِّثْ عَنْهُ قُلْتُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شُعْبَةَ تَرَكَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ بَعْدُ انْتَهَى (قَالَ سُفْيَانُ سَمِعْتُ زُبَيْدًا يُحَدِّثُ بِهَذَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ يَحْيَى فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ لِسُفْيَانَ حِفْظِي أَنَّ شُعْبَةَ لَا يَرْوِي عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ سُفْيَانُ فَقَدْ حَدَّثَنَاهُ زُبَيْدٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ
قلت زبيد هذا هو بن الْحَارِثِ الْيَامِيُّ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ عَابِدٌ مِنَ السَّادِسَةِ
قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِ السُّنَنِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَضَعَّفُوا الْحَدِيثَ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا يحيى بن آدم قالوا أما مارواه سُفْيَانُ فَلَيْسَ فِيهِ بَيَانُ أَنَّهُ أَسْنَدَهُ وَإِنَّمَا قَالَ فَقَدْ حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ حَسْبُ
وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّ سُفْيَانَ صَرَّحَ بِإِسْنَادِهِ فَقَالَ سَمِعْت زُبَيْدًا يُحَدِّثُ بِهَذَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ وحكاه بن عَدِيٍّ أَيْضًا وَحَكَى أَيْضًا أَنَّ الثَّوْرِيَّ قَالَ فَأَخْبَرَنَا بِهِ زُبَيْدٌ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثوري حدث به
стр. 1297
مرتين مرة لَا يُصَرِّحُ فِيهِ بِالْإِسْنَادِ وَمَرَّةً يُسْنِدُهُ فَتَجْتَمِعُ الرِّوَايَاتُ
وَسُئِلَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ يَرْوِيهِ أَحَدٌ غَيْرُ حَكِيمٍ فَقَالَ يَحْيَى نَعَمْ يَرْوِيهِ يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ زُبَيْدٍ
وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا يَرْوِيهِ إِلَّا يَحْيَى بْنِ آدَمَ وَهَذَا وَهْمٌ لَوْ كَانَ كَذَا لَحَدَّثَ بِهِ النَّاسَ جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ لَكِنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ
هَذَا الْكَلَامُ قَالَهُ يَحْيَى أَوْ نَحْوَهُ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ مُلَخَّصًا
قَوْلُهُ (وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ غَنِيًّا بِالدِّرْهَمِ مَعَ الْكَسْبِ وَلَا يُغْنِيهِ الْأَلْفُ مَعَ ضَعْفِهِ فِي نَفْسِهِ وَكَثْرَةِ عِيَالِهِ
وفي المسألة مذاهب أخرى أَحَدُهَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ إِنَّ الْغَنِيَّ مَنْ مَلَكَ نِصَابًا فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُ الزَّكَاةِ
وَاحْتَجَّ بحديث بن عَبَّاسٍ فِي بَعْثِ مُعَاذٍ إِلَى الْيَمَنِ وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَوَصَفَ مَنْ تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْهُ بِالْغِنَى
وَقَدْ قَالَ لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ
ثَانِيهَا أَنَّ حَدَّهُ مَنْ وَجَدَ مَا يُغَدِّيهِ وَمَا يُعَشِّيهِ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ وَجْهُهُ مَنْ لَا يَجِدُ غَدَاءً وَلَا عَشَاءً عَلَى دَائِمِ الْأَوْقَاتِ
ثَالِثُهَا أَنَّ حَدَّهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ سَلَامٍ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِ الْبُخَارِيِّ لِأَنَّهُ أَتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلحافا وَقَدْ تَضَمَّنَ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ أَنَّ مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ هَذَا الْقَدْرُ فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
وَالْمُرَادُ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْهُ وَفِيهِ وَمَنْ سَأَلَ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ فَقَدْ أَلْحَفَ
стр. 1298
٢٣ - (بَاب مَا جَاءَ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ)
[٦٥٢] قَوْلُهُ (وَلَا لِذِي مِرَّةٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ قُوَّةٍ (سَوِيٍّ) أَيْ مُسْتَوِي الْخَلْقِ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَالْمُرَادُ اسْتِوَاءُ الْأَعْضَاءِ وَسَلَامَتُهَا
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَخْرَجَهُ أبو داود والنسائي وبن مَاجَهْ (وَحُبْشِيُّ بْنُ جُنَادَةَ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (وَقَبِيصَةُ بْنُ الْمُخَارِقِ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ
قَوْلُهُ (وَوَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ) أَيْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ
لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ حَبَشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ الْآتِي لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ
стр. 1299
[٦٥٣] قَوْلُهُ (عَنْ حُبْشِيٍّ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ (بْنِ جُنَادَةَ) بِضَمِّ الْجِيمِ
قَوْلُهُ (وَلَا لِذِي مِرَّةٍ) أَيْ لِذِي قُوَّةٍ عَلَى الْكَسْبِ (سَوِيٍّ) صَحِيحٍ سَلِيمِ الْأَعْضَاءِ (إِلَّا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَهُوَ الْفَقْرُ الشَّدِيدُ الْمُلْصِقُ صَاحِبَهُ بِالدَّقْعَاءِ وَهِيَ الأرض التي لا نبات بها (أَوْ غُرْمٍ مُفْظِعٍ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَهُوَ مَا يَلْزَمُ أَدَاؤُهُ تَكَلُّفًا لَا فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ وَالْمُفْظِعُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الشَّدِيدُ الشَّنِيعُ الَّذِي جَاوَزَ الْحَدَّ
كَذَا فِي نيل الأوطار
وقال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ قَالَ الطِّيبِيُّ وَالْمُرَادُ مَا اسْتَدَانَ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ فِي مُبَاحٍ
قَالَ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ مَا لَزِمَهُ مِنَ الْغَرَامَةِ بِنَحْوِ دِيَةٍ وَكَفَّارَةٍ انْتَهَى (لِيَثْرَى) مِنَ الْإِثْرَاءِ (بِهِ) أَيْ بِسَبَبِ السُّؤَالِ وَبِالْمَأْخُوذِ (مَالُهُ) قَالَ القارىء فِي الْمِرْقَاةِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَرَفْعِهِ أَيْ لِيَكْثُرَ مَالُهُ مِنْ أَثْرَى الرَّجُلُ إِذَا كَثُرَتْ أَمْوَالُهُ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ
وَفِي النِّهَايَةِ
الثَّرَى الْمَالُ وَأَثْرَى الْقَوْمُ كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ
وَفِي الْقَامُوسِ
الثَّرْوَةُ كَثْرَةُ الْعَدَدِ مِنَ النَّاسِ وَالْمَالِ وَثَرَى الْقَوْمُ كَثُرُوا وَنَمَوْا وَالْمَالُ كَذَلِكَ وَثَرِيَ كَرَضِيَ كَثُرَ مَالُهُ كَأَثْرَى
إِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ مَالَهُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ من أن أثرى لازم فيتعين رَفْعُهُ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ مَا مَوْصُولَةٌ وله جَارٌّ وَمَجْرُورٌ انْتَهَى (كَانَ) أَيِ السُّؤَالُ أَوِ الْمَالُ (خُمُوشًا) بِالضَّمِّ أَيْ عَبَسًا (وَرَضْفًا) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ حَجَرًا مَحْمِيًّا (فَمَنْ شَاءَ فَلِيَقُلَّ) أَيْ هَذَا السُّؤَالَ أَوْ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ النَّكَالِ (وَمَنْ شَاءَ فَلِيُكْثِرْ) وَهُمَا أَمْرُ تَهْدِيدٍ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا)
[٦٥٤] قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ) لَمْ يَحْكُمِ التِّرْمِذِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِشَيْءٍ مِنَ الصِّحَّةِ أَوِ الضَّعْفِ وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ في سنده مجالدا وهو ضعيف
стр. 1300
٢٤ - (باب مَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ مِنْ الْغَارِمِينَ وَغَيْرِهِمْ)
[٦٥٥] قَوْلُهُ (أُصِيبَ رَجُلٌ) أَيْ أَصَابَهُ آفَةٌ قِيلَ هُوَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (فِي ثِمَارٍ) مُتَعَلِّقٌ بِأُصِيبَ (ابْتَاعَهَا) أَيِ اشْتَرَاهَا وَالْمَعْنَى لَحِقَهُ خُسْرَانٌ بِسَبَبِ إِصَابَةِ آفَةٍ فِي ثِمَارٍ اشْتَرَاهَا وَلَمْ يَنْقُدْ ثَمَنَهَا (فَكَثُرَ دَيْنُهُ) أَيْ فَطَالَبَهُ الْبَائِعُ بِثَمَنِ تِلْكَ الثِّمَارِ وَكَذَا طَالَبَهُ بَقِيَّةُ غُرَمَائِهِ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ يُؤَدِّيهِ (فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ) أَيْ مَا تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ (لِغُرَمَائِهِ) جَمْعُ غَرِيمٍ وَهُوَ بِمَعْنَى الْمَدْيُونِ والدائن والمراد ها هنا هُوَ الْأَخِيرُ (وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ) أَيْ مَا وَجَدْتُمْ وَالْمَعْنَى لَيْسَ لَكُمْ إِلَّا أَخْذُ مَا وَجَدْتُمْ وَالْإِمْهَالُ بِمُطَالَبَةِ الْبَاقِي إِلَى الْمَيْسَرَةِ
وَقَالَ الْمُظْهِرُ
أَيْ لَيْسَ لَكُمْ زَجْرُهُ وَحَبْسُهُ لِأَنَّهُ ظَهَرَ إِفْلَاسُهُ وَإِذَا ثَبَتَ إِفْلَاسُ الرَّجُلِ لَا يَجُوزُ حَبْسُهُ فِي الدَّيْنِ بَلْ يُخَلَّى وَيُمْهَلُ إِلَى أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مَالٌ فَيَأْخُذَهُ الْغُرَمَاءُ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَكُمْ إِلَّا مَا وَجَدْتُمْ وَبَطَل مَا بَقِيَ مِنْ دُيُونِكُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مسيرة كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قُلْتُ مَا نَفَاهُ الْمُظْهِرُ قَدْ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ وَهُمُ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى وُجُوبِ وَضْعِ الْجَائِحَةِ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الثَّمَرَةِ إِذَا بِيعَتْ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَسَلَّمَهَا الْبَائِعُ إِلَى الْمُشْتَرِي بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ثُمَّ تَلِفَتْ قَبْلَ أَوَانِ الْجُذَاذِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ هَلْ تَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ أَوِ الْمُشْتَرِي فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَآخَرُونَ هِيَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَلَا يَجِبُ وَضْعُ الْجَائِحَةِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَطَائِفَةٌ هِيَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ وَيَجِبُ وَضْعُ الْجَائِحَةِ
وَقَالَ مَالِكٌ إِنْ كَانَتْ دُونَ الثُّلُثِ لَمْ يَجِبْ وَضْعُهَا وَإِنْ كَانَتِ الثُّلُثَ فَأَكْثَرَ وَجَبَ وَضْعُهَا وَكَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ ثُمَّ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ دَلَائِلَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ مَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ
стр. 1301
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَجُوَيْرِيَةَ وَأَنَسٍ) أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ وَحَدِيثُ جُوَيْرِيَةَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُمَا وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْهُ مَرْفُوعًا إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ
لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ
كَذَا فِي الْمُنْتَقَى
وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى مَذْكُورَةٌ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ وَالدِّرَايَةِ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
٥ - (بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الصَّدَقَةِ لِلنَّبِيِّ)
ﷺ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَمَوَالِيهِ [٦٥٦] قَوْلُهُ (وَيُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الضُّبَعِيُّ) بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ نَزَلَ فِي بَنِي ضُبَيْعَةَ فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ وَلَيْسَ مِنْهُمْ
قَوْلُهُ (وَإِنْ قَالُوا هَدِيَّةٌ أَكَلَ) فَارَقَتِ الصَّدَقَةُ الْهَدِيَّةَ حَيْثُ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ وَحَلَّتْ لَهُ هَذِهِ بِأَنَّ الْقَصْدَ مِنَ الصَّدَقَةِ ثَوَابُ الْآخِرَةِ وَذَلِكَ ينبىء عَنْ عِزِّ الْمُعْطِي وَذُلِّ الْآخِذِ فِي احْتِيَاجِهِ إِلَى التَّرَحُّمِ عَلَيْهِ وَالرِّفْقِ إِلَيْهِ وَمِنَ الْهَدِيَّةِ التَّقَرُّبُ إِلَى الْمُهْدَى إِلَيْهِ وَإِكْرَامُهُ بِعَرْضِهَا عَلَيْهِ فَفِيهَا غَايَةُ الْعِزَّةِ وَالرِّفْعَةِ لَدَيْهِ
وَأَيْضًا فَمِنْ شَأْنِ الْهَدِيَّةِ مُكَافَأَتُهَا فِي الدُّنْيَا وَلِذَا كَانَ ﵊ يَأْخُذُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عِوَضَهَا عَنْهَا فَلَا مِنَّةَ أَلْبَتَّةَ فِيهَا بَلْ لِمُجَرَّدِ الْمَحَبَّةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ تَهَادَوْا تَحَابُّوا وَأَمَّا جَزَاءُ الصَّدَقَةِ فَفِي الْعُقْبَى وَلَا يُجَازِيهَا إِلَّا الْمَوْلَى
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ سَلْمَانَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَبِي عميرة جد معروف بْنِ وَاصِلٍ وَاسْمُهُ رَشِيدُ بْنُ مَالِكٍ وَمَيْمُونٍ أو مهران وبن عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو
стр. 1302
وأبي رافع وعبد الرحم ن بْنِ عَلْقَمَةَ) أَمَّا حَدِيثُ سَلْمَانَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ الْكِنْدِيِّ عَنْ سَلْمَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَسَأَلَهُ أَصَدَقَةٌ أَمْ هَدِيَّةٌ فَقَالَ هَدِيَّةٌ
فَأَكَلَ اللَّفْظُ لِلْحَاكِمِ
وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الشَّيْخَانِ
وَأَمَّا حَدِيثُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْحَوْرَاءِ قَالَ كُنَّا عِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ فَسَأَلَ مَا عَقَلْتَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ كُنْتُ أَمْشِي مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى جَرِينٍ مِنْ تَمْرَةِ الصَّدَقَةِ فَأَخَذْتُ تَمْرَةً فَأَلْقَيْتُهَا فِي فَمِي فَأَخَذَهَا بِلُعَابِهَا فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ
وَمَا عَلَيْكَ لَوْ تَرَكْتَهَا فَقَالَ
إِنَّا آلَ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي عَمِيرَةَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَاسْمُهُ رُشَيْدٌ بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ فَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُ قَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِطَبَقٍ عَلَيْهِ تَمْرٌ فَقَالَ أَصَدَقَةٌ أَمْ هَدِيَّةٌ الْحَدِيثَ وَفِيهِ إِنَّا آلَ مُحَمَّدٍ لَا نأكل الصدقة وأخرجه الكجي فِي مُسْنَدِهِ نَحْوَهُ
وَأَمَّا حَدِيثُ مَيْمُونٍ أَوْ مهران فأخرجه عبد الرزاق
وأما حديث بن عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ قَالَ اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَرْقَمَ بْنَ أَبِي الْأَرْقَمِ عَلَى السِّعَايَةِ فَاسْتَتْبَعَ أَبَا رَافِعٍ فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ يَا أَبَا رَافِعٍ إِنَّ الصَّدَقَةَ حَرَامٌ عَلَيَّ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَجَدَ تَمْرَةً تَحْتَ جَنْبِهِ مِنَ اللَّيْلِ فَأَكَلَهَا فَلَمْ يَنَمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَقَالَ بَعْضُ نِسَائِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرِقْتَ الْبَارِحَةَ قَالَ إِنِّي وَجَدْتُ تَمْرَةً فَأَكَلْتُهَا وَكَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَخَشِيتُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ اصْحَبْنِي فَإِنَّكَ تُصِيبُ مِنْهَا فَقَالَ حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْأَلَهُ فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَإِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ
وَاسْم أَبِي رَافِعٍ إِبْرَاهِيمُ أَوْ أَسْلَمُ أَوْ ثَابِتٌ أَوْ هُرْمُزُ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلْقَمَةَ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْهُ قَالَ قَدِمَ وَفْدٌ لِثَقِيفٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُمْ هَدِيَّةٌ فَقَالَ أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ الْحَدِيثَ وَفِيهِ قَالُوا لَا فَقَبِلَهَا
стр. 1303
قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ (اسْمُهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَيْدَةَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (الْقُشَيْرِيُّ) قَالَ فِي الْمُغْنِي بِضَمِّ قَافٍ وَفَتْحِ شِينٍ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ يَاءٍ مَنْسُوبٌ إِلَى قُشَيْرِ بْنِ كَعْبٍ مِنْهُ بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ انْتَهَى
[٦٥٧] قَوْلُهُ (بَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ) أَيْ أَرْسَلَهُ سَاعِيًا لِيَجْمَعَ الزَّكَاةَ وَيَأْتِيَ بِهَا إِلَيْهِ وَالرَّجُلُ هُوَ الْأَرْقَمُ بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ قَالَهُ السُّيُوطِيُّ (فَقَالَ) أَيِ الرَّجُلُ (اصْحَبْنِي) أَي رَافِقْنِي وَصَاحِبْنِي فِي هَذَا السفر (كما تُصِيبَ) نُصِبْ بِكَيْ وَمَا زَائِدَةٌ أَيْ لِتَأْخُذَ (مِنْهَا) أَيْ مِنَ الصَّدَقَةِ (فَقَالَ لَا) أَيْ لَا أَصْحَبُكَ (فَأَسْأَلَهُ) أَيْ أَسْتَأْذِنَهُ أَوْ أَسْأَلَهُ هَلْ يَجُوزُ لِي أَمْ لَا (وَإِنَّ مَوَالِيَ القوم) أي عتقاؤهم (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) بِضَمِّ الْفَاءِ أَيْ فَحُكْمُهُمْ كَحُكْمِهِمْ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَتَحْرِيمِهَا عَلَى آلِهِ ويدل على تحريمها على موال آلِ بَنِي هَاشِمٍ وَلَوْ كَانَ الْأَخْذُ عَلَى جِهَةِ الْعِمَالَةِ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ كَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ
وَقَالَ الْجُمْهُورُ يَجُوزُ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْهُمْ حَقِيقَةً وَكَذَلِكَ لَمْ يُعَوَّضُوا بِخُمُسِ الْخُمُسِ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ قَوْلُهُ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ هَلْ يَتَنَاوَلُ الْمُسَاوَاةَ فِي حُكْمِ تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ أَمْ لَا وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأَحْكَامِ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ لَكِنَّهُ وَرَدَ عَلَى سَبَبِ الصَّدَقَةِ وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ السَّبَبُ وَإِنِ اخْتَلَفُوا هَلْ يُخَصُّ بِهِ أَوْ لَا انْتَهَى
قُلْتُ وَالظَّاهِرُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمَا وَاَللَّهُ تعالى أعلم
стр. 1304
قَوْلُهُ (وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (وبن أبي رافع هو عبيد الله أَبِي رَافِعٍ إلخ) ثِقَةٌ مِنْ الثَّالِثَةِ
٦ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الْقَرَابَةِ)
[٦٥٨] قَوْلُهُ (عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ) أُمِّ الْهُذَيْلِ الْأَنْصَارِيَّةِ الْبَصْرِيَّةِ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (عَنِ الرَّبَابِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهَا مُوَحَّدَةٌ
قَوْلُهُ (فَإِنَّهُ) أَيِ التَّمْرَ (بَرَكَةٌ) أَيْ ذُو بَرَكَةٍ وَخَيْرٍ كَثِيرٍ أَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ
قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ فَإِنَّ الْإِفْطَارَ عَلَى التَّمْرِ فِيهِ ثَوَابٌ كَثِيرٌ وَبَرَكَةٌ
وَفِيهِ أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَى عَدَمِ حُسْنِ الْمُقَابَلَةِ بِقَوْلِهِ فَإِنَّهُ طَهُورٌ قَالَهُ القارىء (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَمْرًا فَالْمَاءُ) أَيْ فَالْمَاءُ كاف للإفطار أو مجزىء عَنْ أَصْلِ السُّنَّةِ (فَإِنَّهُ طَهُورٌ) أَيْ بَالِغٌ فِي الطَّهَارَةِ فَيُبْتَدَأُ بِهِ تَفَاؤُلًا بِطَهَارَةِ الظَّاهِرِ والباطن
قال الطيبي لأنه مزيل المانع من أَدَاءِ الْعِبَادَةِ وَلِذَا مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عباده (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) وقال بن الْمَلَكِ يُزِيلُ الْعَطَشَ عَنِ النَّفْسِ انْتَهَى
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﵊ عِنْدَ الْإِفْطَارِ ذَهَبَ الظَّمَأُ (الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ) أَيْ صَدَقَةٌ وَاحِدَةٌ (وهي على ذي الرحم اثنتان صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ) يَعْنِي أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْأَقَارِبِ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ خَيْرَانِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُمَا أَفْضَلُ مِنْ وَاحِدٍ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ) أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَفِيهِ قَالَ نَعَمْ لَهَا أَجْرَانِ أَجْرُ الْقَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ مسلم
стр. 1305
قَوْلُهُ (وَحَدِيثُ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ) وأخرجه أحمد وأبو داود وبن مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ غَيْرُ التِّرْمِذِيِّ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى كَذَا فِي الْمِشْكَاةِ
وأخرجه بن خزيمة وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ
كَذَا فِي التَّرْغِيبِ (وَالرَّبَابُ هِيَ أُمُّ الرَّائِحِ) بِالرَّاءِ وَالْهَمْزَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ (ابْنَةُ صُلَيْعٍ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرَةٌ
٧ - (بَاب مَا جَاءَ أَنَّ فِي الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ)
[٦٥٩] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَدَّوَيْهِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مَدُّوَيْهِ بميم وتسكين الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْقُرَشِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ التِّرْمِذِيُّ صَدُوقٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ
قَوْلُهُ (إِنَّ فِي الْمَالِ لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ) كَفِكَاكِ أَسِيرٍ وَإِطْعَامِ مُضْطَرٍّ وَإِنْقَاذِ مُحْتَرَمٍ فَهَذِهِ حُقُوقٌ وَاجِبَةٌ غَيْرُهَا لَكِنَّ وُجُوبَهَا عَارِضٌ فَلَا تَدَافُعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَبَرِ لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ
قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ
وَقَالَ القارىء فِي الْمِرْقَاةِ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ لَا يَحْرِمَ السَّائِلَ وَالْمُسْتَقْرِضَ وَأَنْ لَا يَمْنَعَ مَتَاعَ بَيْتِهِ مِنَ الْمُسْتَعِيرِ كَالْقِدْرِ وَالْقَصْعَةِ وَغَيْرِهِمَا وَلَا يَمْنَعَ أحد الْمَاءَ وَالْمِلْحَ وَالنَّارَ
كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ انْتَهَى (ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ إلخ) أَيْ قرأها اعتضادا
стр. 1306
وَاسْتِشْهَادًا وَالْآيَةُ بِتَمَامِهَا هَكَذَا لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى واليتامى والمساكين وبن السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزكاة قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ إِيتَاءَ الْمَالِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ ثُمَّ قَفَّاهُ بِإِيتَاءِ الزَّكَاةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ فِي الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ قِيلَ الْحَقُّ حَقَّانِ حَقٌّ يُوجِبُهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ وَحَقٌّ يَلْتَزِمُهُ الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ الزَّكِيَّةِ الْمُوَقَّاةِ مِنَ الشُّحِّ الْمَجْبُولِ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ انْتَهَى
[٦٦٠] قَوْلُهُ (عَنْ عَامِرٍ) هُوَ الشَّعْبِيُّ الَّذِي وَقَعَ في المسند التقدم (هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَاكَ) وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أيضا بن مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ (وَأَبُو حَمْزَةَ مَيْمُونٌ الْأَعْوَرُ يُضَعَّفُ) قَالَ أَحْمَدُ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ ضَعِيفٌ
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَهُمْ
وَقَالَ النَّسَائِيُّ لَيْسَ بِثِقَةٍ كَذَا فِي الْمِيزَانِ
٨ - (بَاب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّدَقَةِ)
[٦٦١] قَوْلُهُ (عَنْ سَعِيدِ المقبري) هو بن أَبِي سَعِيدٍ كَيْسَانُ أَبُو سَعْدٍ الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ تَغَيَّرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ
قَوْلُهُ (مِنْ طَيِّبٍ) أَيْ مِنْ حَلَالٍ (وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قبله
стр. 1307
وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ غَيْرَ الْحَلَالِ غَيْرُ مَقْبُولٍ
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَإِنَّمَا لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّدَقَةَ بِالْحِرَامِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِلْمُصَدِّقِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَالْمُتَصَدِّقُ بِهِ مُتَصَرِّفٌ فِيهِ فَلَوْ قُبِلَ مِنْهُ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَأْمُورًا وَمَنْهِيًّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مُحَالٌ انْتَهَى
قَوْلُهُ (إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ فَيَتَلَقَّاهَا الرَّحْمَنُ بِيَدِهِ
قَالَ فِي اللُّمَعَاتِ الْمُرَادُ حُسْنُ الْقَبُولِ وَوُقُوعُهَا مِنْهُ مَوْقِعَ الرِّضَا وَذَكَرَ الْيَمِينَ لِلتَّعْظِيمِ وَالتَّشْرِيفِ وَكِلْتَا يَدَيِ الرَّحْمَنِ يَمِينٌ انْتَهَى
وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْمُنِيرِ الْكِنَايَةُ عَنِ الرِّضَا وَالْقَبُولِ بِالتَّلَقِّي بِالْيَمِينِ لِتَثْبُتَ الْمَعَانِي الْمَعْقُولَةُ مِنَ الْأَذْهَانِ وَتَحْقِيقُهَا فِي النُّفُوسِ تَحْقِيقَ الْمَحْسُوسَاتِ أَيْ لَا يَتَشَكَّكُ فِي الْقَبُولِ كَمَا لَا يَتَشَكَّكُ مَنْ عَايَنَ التَّلَقِّي لِلشَّيْءِ بِيَمِينِهِ لَا أَنَّ التَّنَاوُلَ كَالتَّنَاوُلِ الْمَعْهُودِ وَلَا أَنَّ الْمُتَنَاوَلَ بِهِ جَارِحَةٌ انْتَهَى
قُلْتُ وَسَيَجِيءُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا هُوَ الْحَقُّ فِي أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ (تَرْبُو) أَيْ تَزِيدُ (حَتَّى تَكُونَ) أَيِ التَّمْرَةُ (فَلُوَّةً) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَيُضَمُّ وَبِضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيِ الْمُهْرَ وَهُوَ وَلَدُ الْفَرَسِ (أَوْ فَصِيلَهُ) وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلُوَّهُ أَوْ قَالَ فَصِيلَهُ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ أَوْ لِلشَّكِّ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْفَصِيلُ وَلَدُ النَّاقَةِ إِذَا فُصِلَ عَنْ أُمِّهِ جَمْعُهُ فُصْلَانُ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ وَكَكِتَابٍ
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ لارضاع بَعْدَ فِصَالٍ أَيْ بَعْدَ أَنْ يُفْصَلَ الْوَلَدُ عَنْ أُمِّهِ وَبِهِ سُمِّيَ الْفَصِيلُ مِنْ أَوْلَادِ الْإِبِلِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ فِي الْإِبِلِ وَقَدْ يُقَالُ فِي الْبَقَرِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَأَنَسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَحَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَبُرَيْدَةَ) أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَمَّا حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَحْمَدُ والترمذي وبن مَاجَهْ كَذَا فِي شَرْحِ سِرَاجِ أَحْمَدَ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى فَلْيُنْظَرْ مِنْ أَخْرَجَهُ
وَأَمَّا حَدِيثُ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ
وَأَمَّا حَدِيثُ عبد الرحمن بن عوف فأخرجه بن سعد وبن عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ
وَأَمَّا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
стр. 1308
قَوْلُهُ (حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وأخرجه الشيخان
[٦٦٣] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) هُوَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمِنْقَرِيُّ مَوْلَاهُمْ أبو سلسة التَّبُوذَكِيُّ الْبَصْرِيُّ رَوَى عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ وَمَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ وَخَلْقٍ وَرَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَرَوَى الْبَاقُونَ عَنْهُ بِوَاسِطَةِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْخَلَّالِ ثِقَةٌ ثَبْتٌ
قَوْلُهُ (قَالَ شَعْبَانُ لِتَعْظِيمِ رَمَضَانَ) أَيْ صَوْمُ شَعْبَانَ لِيُطَابِقَ الْمُبْتَدَأَ قَالَ الْعِرَاقِيُّ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ وَحَدِيثُ أَنَسٍ ضَعِيفٌ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ انْتَهَى
وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ صِيَامُ الْمُحَرَّمِ وَعِنْدَ تَعْظِيمِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَعْبَانَ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِتَعْظِيمِ رَمَضَانَ تَعْظِيمُ صِيَامِهِ بِأَنْ تَتَعَوَّدَ النَّفْسُ لَهُ لِئَلَّا يَثْقُلَ عَلَى النَّفْسِ فَتَكْرَهَهُ طَبْعًا وَلِئَلَّا تُخِلَّ بِآدَابِهِ فَجْأَةُ الصِّيَامِ انْتَهَى
وَيَأْتِي بَاقِي الْكَلَامِ فِي صَوْمِ شَعْبَانَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ
قَوْلُهُ (وَصَدَقَةُ بْنُ مُوسَى لَيْسَ عِنْدَهُمْ بِذَاكَ الْقَوِيِّ) ضعفه بن مَعِينٍ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَلَيْسَ بِقَوِيٍّ كَذَا فِي الْمِيزَانِ وَقَالَ الْحَافِظُ صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ
[٦٦٤] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ ثِقَةٌ مِنَ الْحَادِيَةِ عَشْرَةِ (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عيسى الخزاز) بِمُعْجَمَاتِ ضَعِيفٌ مِنَ التَّاسِعَةِ (عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ) أَحَدِ الْأَئِمَّةِ مِنْ رِجَالِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ (عَنِ الْحَسَنِ) هُوَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ
стр. 1309
قَوْلُهُ (إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ) أَيْ سَخَطَهُ عَلَى مَنْ عَصَاهُ (وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السَّوْءِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهِيَ الْحَالَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا الْإِنْسَانُ فِي الْمَوْتِ وَالسَّوْءُ بِفَتْحِ السِّينِ وَيُضَمُّ قَالَ الْعِرَاقِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ الْهَدْمُ وَالتَّرَدِّي وَالْغَرَقُ وَالْحَرْقُ وَأَنْ يَتَخَبَّطَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَأَنْ يُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُدْبِرًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ مَوْتُ الْفُجَاءَةِ وَقِيلَ ميتة الشهرة كالمصلوب مثلا انتهى
قَوْلُهُ (كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْمُهْرُ بِالضَّمِّ وَلَدُ الْفَرَسِ أَوْ أَوَّلُ مَا يُنْتَجُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ
جَمْعُهُ أَمْهَارٌ وَمِهَارٌ وَمِهَارَةٌ وَالْأُنْثَى مُهْرَةٌ (وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ويأخذ الصدقات) قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي هَذَا تَخْلِيطٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ وَالصَّوَابُ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يقبل التوبة الْآيَةَ وَقَدْ رُوِّينَاهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ لِيُوسُفَ الْقَاضِي عَلَى الصَّوَابِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَقَدْ صَرَّحَ بِصِحَّتِهِ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ هَذَا) تَقَدَّمَ لفظه وتخريجه
стр. 1310
قوله (وأمروها بِلَا كَيْفٍ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ مِنَ الْإِمْرَارِ أَيْ أجردها عَلَى ظَاهِرِهَا وَلَا تَعْرِضُوا لَهَا بِتَأْوِيلٍ وَلَا تَحْرِيفٍ بَلْ فَوِّضُوا الْكَيْفَ إِلَى اللَّهِ (وَهَكَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ) وَهُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ
وَقَدْ صَنَّفَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ كِتَابًا سَمَّاهُ كِتَابَ الْعُلُوِّ لِلْعَلِيِّ الْغَفَّارِ فِي إِيضَاحِ صَحِيحِ الْأَخْبَارِ وَسَقِيمِهَا وَهُوَ كِتَابٌ مُفِيدٌ نَفِيسٌ نَافِعٌ جدا ذكر في أوله عدة مِنْ آيَاتِ الِاسْتِوَاءِ وَالْعُلُوِّ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ أَحْبَبْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ الْإِنْصَافَ فَقِفْ مَعَ نُصُوصِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ثُمَّ انْظُرْ مَا قَالَهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ وَمَا حَكَوْهُ مِنْ مَذَاهِبِ السَّلَفِ إِلَى أَنْ قَالَ فَإِنَّنَا عَلَى اعْتِقَادٍ صَحِيحٍ وَعَقْدٍ مَتِينٍ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَقَدَّسَ اسْمُهُ لَا مِثْلَ لَهُ وَأَنَّ إِيمَانَنَا بِمَا ثَبَتَ مِنْ نُعُوتِهِ كَإِيمَانِنَا بِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ إِذِ الصِّفَاتُ تَابِعَةٌ لِلْمَوْصُوفِ فَنَعْقِلُ وُجُودَ الْبَارِي وَنُمَيِّزُ ذَاتَه الْمُقَدَّسَةَ عَنِ الْأَشْبَاهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ نَعْقِلَ الْمَاهِيَّةَ فَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي صِفَاتِهِ نُؤْمِنُ بِهَا وَنَتَعَقَّلُ وُجُودَهَا وَنَعْلَمُهَا فِي الْجُمْلَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ نَتَعَقَّلَهَا أَوْ نُكَيِّفَهَا أَوْ نُمَثِّلَهَا بِصِفَاتِ خَلْقِهِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا
فَالِاسْتِوَاءُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ الْإِمَامُ وَجَمَاعَةٌ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ ثُمَّ ذَكَرَ الذَّهَبِيُّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الْعُلُوِّ وَاسْتَوْعَبَهَا مَعَ بَيَانِ صِحَّتِهَا وَسَقَمِهَا ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ سَرْدِ الْأَحَادِيثِ أَقْوَالَ كَثِيرٍ مِنَ الأئمة وحاصل الأقوال كلها وهو مَا قَالَ إِنَّ إِيمَانَنَا بِمَا ثَبَتَ مِنْ نُعُوتِهِ كَإِيمَانِنَا بِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ إلخ وَنُقِلَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَأَلْتُ الْأَوْزَاعِيَّ وَمَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ عَنِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا الصِّفَاتُ فَكُلُّهُمْ قَالُوا لِي أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا تَفْسِيرٍ وَإِنْ شِئْتَ تَفَاصِيلَ تِلْكَ الْأَقْوَالِ فَارْجِعْ إِلَى كِتَابِ الْعُلُوِّ
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْجَهْمِيَّةُ فَأَنْكَرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ إلخ) قال الحافظ في مقدمة الفتح الجمهية مَنْ يَنْفِيَ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي أَثْبَتَهَا الكتاب والسنة ويقول القران مخلوق (وقالوا هذ تَشْبِيهٌ) وَذَهَبُوا إِلَى وُجُوبِ تَأْوِيلِهَا (فَتَأَوَّلَتِ الْجَهْمِيَّةُ هَذِهِ الْآيَاتِ وَفَسَّرُوهَا عَلَى غَيْرِ مَا فَسَّرَ أَهْلُ الْعِلْمِ) فَتَفْسِيرُهُمْ هَذِهِ الْآيَاتِ لَيْسَ إِلَّا تَحْرِيفًا لَهَا فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ عَنْ تَأْوِيلِهِمْ وَتَفْسِيرِهِمْ (وَقَالُوا إِنَّ اللَّهَ
стр. 1311
لَمْ يَخْلُقْ آدَمَ بِيَدِهِ وَقَالُوا إِنَّمَا مَعْنَى الْيَدِ الْقُوَّةُ) فَغَرَضُهُمْ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ هُوَ نَفْيُ الْيَدِ لِلَّهِ تَعَالَى ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ تَعَالَى يَدٌ لَكَانَ تَشْبِيهًا وَلَمْ يَفْهَمُوا أَنَّ مُجَرَّدَ ثُبُوتِ الْيَدِ لَهُ تَعَالَى لَيْسَ بِتَشْبِيهٍ (وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ (إِنَّمَا يَكُونُ التَّشْبِيهُ إِذَا قَالَ يَدٌ كَيَدِ إلخ) هَذَا جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ
٩ - (بَاب مَا جَاءَ فِي حَقِّ السَّائِلِ)
[٦٦٥] قَوْلُهُ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ) الْفَزَارِيِّ مَوْلَاهُمْ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ مُصَغَّرًا لَهُ روية ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي الصَّحَابَةِ (عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ بجيد) يقال إِنَّ اسْمَهَا حَوَّاءُ صَحَابِيَّةٌ
قَوْلُهُ (إِلَّا ظِلْفًا) بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَبِالْفَاءِ هُوَ لِلْبَقَرِ وَالْغَنَمِ كَالْحَافِرِ لِلْفَرَسِ (مُحْرَقًا) اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الْإِحْرَاقِ وَقَيْدُ الْإِحْرَاقِ مُبَالَغَةٌ فِي رَدِّ السَّائِلِ بِأَدْنَى مَا يَتَيَسَّرُ أَيْ لَا تَرُدِّيهِ مَحْرُومًا بِلَا شَيْءٍ مَهْمَا أَمْكَنَ حَتَّى إِنْ وَجَدْتِ شَيْئًا حَقِيرًا مِثْلَ الظِّلْفِ الْمُحْرَقِ أَعْطِيهِ إِيَّاهُ
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ اخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِهِ فَقِيلَ ضَرَبَهُ مَثَلًا لِلْمُبَالَغَةِ كَمَا جَاءَ مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ مِثْلَ مَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَقِيلَ إِنَّ الظِّلْفَ الْمُحْرَقَ كَانَ لَهُ عِنْدَهُمْ قَدْرًا بِأَنَّهُمْ يسحقونه ويسفونه انتهى
стр. 1312
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ وَحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ) أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِمِثْلِ حَدِيثِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْآتِي وَفِي سَنَدِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ وَأَمَّا حَدِيثُ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ إِلَّا أَنَّهُ مُرْسَلٌ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ وَأَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا كُلُّ رِوَايَاتِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ مَرَاسِيلُ فَهُوَ مُرْسَلُ صَحَابِيٍّ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِهِ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ أُمِّ بُجَيْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ
٠ - (بَاب مَا جَاءَ في إعطاء المؤلفة قلوبهم)
قال بن الْعَرَبِيِّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ هَلْ كَانُوا مُسْلِمِينَ لَكِنَّ إِسْلَامَهُمْ كَانَ يُتَوَقَّعُ عَلَيْهِ الضَّعْفُ أَوِ الذَّهَابُ فَأُعْطُوا تَثْبِيتًا وَقِيلَ بَلْ كَانُوا كُفَّارًا أُعْطُوا اسْتِكْفَاءً لِشَرِّهِمْ وَاسْتِعَانَةً لِلْمُجَاهِدِينَ الْمُحَارِبِينَ بِهِمْ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ تَدُلُّ الْأَخْبَارُ كُلُّهَا انْتَهَى
قُلْتُ فِي قَوْلِهِ وَعَلَيْهِ تَدُلُّ الْأَخْبَارُ كُلُّهَا نَظَرٌ فَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُمُ الْحَدِيثَ
[٦٦٦] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بْنِ سُلَيْمَانَ الْكُوفِيُّ أَبُو زَكَرِيَّا مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ ثِقَةٌ حَافِظٌ فَاضِلٌ مِنْ كِبَارِ التَّاسِعَةِ مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَتَيْنِ (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ) بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبٍ الْقُرَشِيِّ الْجُمَحِيِّ الْمَكِّيِّ صَحَابِيٌّ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ مَاتَ أَيَّامَ قُتِلَ عُثْمَانُ (يَوْمَ حُنَيْنٍ) كَزُبَيْرٍ مَوْضِعٌ بَيْنَ الطائف ومكة
стр. 1313
قَوْلُهُ (وَبِهَذَا أَوْ شِبْهِهِ) كَأَنَّ التِّرْمِذِيَّ لَمْ يَضْبِطْ لَفْظَ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ضَبْطًا كَامِلًا فَلِذَلِكَ قَالَ هَذَا
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
قُلْتُ وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ وَفِي الْبَابِ أحاديث كثيرة قال وقد عد بن الْجَوْزِيِّ أَسْمَاءَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ فَبَلَغُوا نَحْوَ الْخَمْسِينَ نَفْسًا انْتَهَى
قَوْلُهُ (رَوَاهُ مَعْمَرٌ وَغَيْرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَوْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ إلخ) أَيْ بِلَفْظِ أَنَّ مَكَانَ لَفْظِ عَنْ (وَكَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ) أَيْ حَدِيثَ مَعْمَرٍ وَغَيْرِهِ بِلَفْظِ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ (أَصَحُّ وَأَشْبَهُ) مِنْ حَدِيثِ يُونُسَ بِلَفْظِ
عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَيُونُسُ هذا هو بن يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ ثِقَةٌ إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَهَمًا قَلِيلًا (إِنَّمَا هُوَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ صفوان بن أمية) قال بن الْعَرَبِيِّ فِي الْعَارِضَةِ
الصَّحِيحُ مِنْ هَذَا عَنْ سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية لِأَنَّ سَعِيدًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْ صَفْوَانَ شَيْئًا وإنما يَقُولُ الرَّاوِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ إِذَا سَمِعَ شَيْئًا وَلَوْ حَدِيثًا وَاحِدًا فَيَحْمِلُ سَائِرَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ وَاسِطَةٍ عَنْهُ عَلَى الْعَنْعَنَةِ فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا فَلَا سَبِيلَ إِلَى أَنْ يُحَدِّثَ عَنْهُ لَا بِعَنْعَنَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا انْتَهَى قَوْلُهُ (فَرَأَى أَكْثَرُ أَهْلِ العلم أن لا يعطوا الخ) قال الزيلعي في نصب الراية روى بن أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ إِنَّمَا كَانَتِ الْمُؤَلَّفَةُ
стр. 1314
عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا وَلِيَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ انقطعت انتهى
قال الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ فِي إِسْنَادِهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَخْرَجَهُ عَنِ الْحَسَنِ نَحْوَهُ وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ حِبَّانَ بْنِ أَبِي جَبَلَةَ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا أَتَاهُ شَيْبَةُ بْنُ حُصَيْنٍ قَالَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ ومن شاء فليكفر
يَعْنِي لَيْسَ الْيَوْمَ مُؤَلَّفَةٌ (وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَنْ كَانَ الْيَوْمَ عَلَى مِثْلِ هَؤُلَاءِ وَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَتَأَلَّفَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَعْطَاهُمْ جَازَ ذَلِكَ
وهو قول الشافعي) قال بن الْعَرَبِيِّ قَالَ قَوْمٌ إِذَا احْتَاجَ الْإِمَامُ إِلَى ذَلِكَ الْآنَ فَعَلَهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَكُلُّ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِحِكْمَةٍ وَحَاجَةٍ وَسَبَبٍ فَوَجَبَ أَنَّ السَّبَبَ والحاجة إذا ارتفعت أي يَرْتَفِعَ الْحُكْمُ وَإِذَا عَادَتْ أَنْ يَعُودَ ذَلِكَ انْتَهَى
وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ وَالظَّاهِرُ جَوَازُ التَّأْلِيفِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ فَإِذَا كَانَ فِي زَمَنِ الْإِمَامِ قَوْمٌ لَا يُطِيعُونَهُ إِلَّا لِلدُّنْيَا وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إِدْخَالِهِمْ تَحْتَ طَاعَتِهِ بِالْقَسْرِ وَالْغَلَبِ فَلَهُ أَنْ يَتَأَلَّفَهُمْ وَلَا يَكُونُ لِفُشُوِّ الْإِسْلَامِ تَأْثِيرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفَعْ فِي خُصُوصِ هذه الواقعة إنتهى
١ - (باب الْمُتَصَدِّقِ يَرِثُ صَدَقَتَهُ)
[٦٦٧] قَوْلُهُ (قَالَ وَجَبَ أَجْرُكِ) أَيْ بِالصِّلَةِ (وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ) النِّسْبَةُ مَجَازِيَّةٌ أَيْ رَدَّ اللَّهُ الْجَارِيَةَ عَلَيْكَ بِالْمِيرَاثِ وَصَارَتِ الْجَارِيَةُ مِلْكًا لَك بِالْإِرْثِ وَعَادَتْ إِلَيْك بِالْوَجْهِ الْحَلَالِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْعَوْدِ فِي الصَّدَقَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَمْرًا اخْتِيَارِيًّا
قال بن الْمَلَكِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ
стр. 1315
عَلَى أَنَّ الشَّخْصَ إِذَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ عَلَى قَرِيبِهِ ثُمَّ وَرِثَهَا حَلَّتْ لَهُ وَقِيلَ يَجِبُ صَرْفُهَا إِلَى فَقِيرٍ لِأَنَّهَا صَارَتْ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى انْتَهَى
وَهَذَا تَعْلِيلٌ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ فَلَا يُعْقَلُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَوْلُهُ (صُوْمِي عَنْهَا) قَالَ الطِّيبِيُّ جَوَّزَ أَحْمَدُ أَنْ يَصُومَ الْوَلِيُّ عَنِ الْمَيِّتِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ بِهَذَا وَلَمْ يُجَوِّزْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ انْتَهَى بَلْ يُطْعِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ لِكُلِّ يَوْمٍ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَذَا لِكُلِّ صَلَاةٍ وَقِيلَ لِصَلَوَاتِ كُلِّ يَوْمٍ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قُلْتُ مَا قَالَ أَحْمَدُ هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَيَجِيءُ تَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَوْضِعِهَا
قَوْلُهُ (قَالَ نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا) أَيْ سَوَاءٌ وَجَبَ عَلَيْهَا أَمْ لَا أَوْصَتْ بِهِ أَمْ لَا قَالَ بن الْمَلَكِ يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ أَحَدٌ عَنِ الْمَيِّتِ بالإنفاق (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الحديث) ذكره بن حبان في الثقات وقال الدوري عن بن معين عبد الله بن عطاء صاحب بن بُرَيْدَةَ ثِقَةٌ كَذَا هُوَ فِي تَارِيخِ الدُّوْرِيِّ رِوَايَةَ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ عَنْهُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
قَوْلُهُ (وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا الصَّدَقَةُ شَيْءٌ جَعَلَهَا لِلَّهِ فَإِذَا وَرِثَهَا فَيَجِبُ أَنْ يَصْرِفَهَا فِي مِثْلِهِ) قَوْلُ هَذَا الْبَعْضِ تَعْلِيلٌ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ وَالْحَقُّ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ
стр. 1316
٣٢ - (بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْعَوْدِ فِي الصَّدَقَةِ)
[٦٦٨] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ) بِسُكُونِ الْمِيمِ الْكُوفِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ صَدُوقٌ مِنْ صِغَارِ الْعَاشِرَةِ
(أَنَّهُ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الْمُرَادُ أَنَّهُ مَلَّكَهُ إِيَّاهُ وَلِذَلِكَ سَاغَ لَهُ بَيْعُهُ
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ كَانَ عُمَرُ قَدْ حَبَسَهُ وَإِنَّمَا سَاغَ لِلرَّجُلِ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِيهِ هُزَالٌ عَجَزَ بِسَبَبِهِ عَنِ اللَّحَاقِ بِالْخَيْلِ وَضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ وَانْتَهَى إِلَى عَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَيُرَجِّحُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ (لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكِ) وَلَوْ كَانَ حَبْسًا لِعِلَّةٍ بِهِ كَذَا فِي النَّيْلِ
قَوْلُهُ (وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ) زَادَ الشَّيْخَانِ فِي رِوَايَةٍ وَإِنْ أَعْطَاكَ بِدِرْهَمٍ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يعود في قيئه
قال بن الْمَلَكِ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ شِرَاءَ الْمُتَصَدِّقِ صَدَقَتَهُ حَرَامٌ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ لِكَوْنِ الْقُبْحِ فِيهِ لِغَيْرِهِ وَهُوَ أَنَّ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ رُبَّمَا يُسَامِحُ الْمُتَصَدِّقَ فِي الثَّمَنِ بِسَبَبِ تَقَدُّمِ إِحْسَانِهِ فَيَكُونُ كَالْعَائِدِ فِي صَدَقَتِهِ فِي ذَلِكَ الْمِقْدَارِ الَّذِي سُومِحَ انْتَهَى
فَإِنْ قُلْتَ هَذَا الْحَدِيثُ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ إِلَّا لِخَمْسَةٍ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ الْحَدِيثَ فَكَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا قُلْتُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا مُجْمَلُ حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ
وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدِيثِينَ فَإِنَّ حَدِيثَ عُمَرَ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَحَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ فِي صَدَقَةِ الْفَرِيضَةِ فَيَكُونُ الشِّرَاءُ جَائِزًا فِي صَدَقَةِ الْفَرِيضَةِ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ الرُّجُوعُ فِيهَا حَتَّى يَكُونَ الشِّرَاءُ مُشْبِهًا لَهُ بِخِلَافِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ فَإِنَّهُ يُتَصَوَّرُ الرُّجُوعُ فِيهَا فَكُرِهَ مَا يُشْبِهُهُ وَهُوَ الشِّرَاءُ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ البخاري ومسلم
стр. 1317
٣٣ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الصَّدَقَةِ عَنْ الْمَيِّتِ)
[٦٦٩] قَوْلُهُ (أَفَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ وَفَاعِلُ يَنْفَعُ ضَمِيرٌ رَاجِعٌ إِلَى التَّصَدُّقِ الْمَفْهُومِ مِنَ الشَّرْطِ وَلَا يَلْزَمُ الْإِضْمَارُ قَبْلَ الذِّكْرِ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَفَيَنْفَعُهَا فِي مَعْنَى جَزَاءِ الشَّرْطِ فَكَأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الشَّرْطِ رُتْبَةً أَوْ يُقَالُ إِنَّ الْمَرْجِعَ مُتَقَدِّمٌ حُكْمًا لِأَنَّ سَوْقَ الْكَلَامِ دَالٌّ عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) أَيْ أَبَوَيِ الْمَيِّتِ قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ
قَوْلُهُ (فَإِنَّ لِي مَخْرَفًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ الْحَدِيقَةُ مِنَ النَّخْلِ أَوِ الْعِنَبِ أَوْ غَيْرِهِمَا (فَأُشْهِدُكَ) بصيغة الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الْإِشْهَادِ (بِهِ) أَيْ بِالْمَخْرَفِ (عَنْهَا) أَيْ عَنْ أُمِّي
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ
قَوْلُهُ (وَبِهِ يَقُولُ أَهْلُ الْعِلْمِ يَقُولُونَ لَيْسَ شَيْءٌ يَصِلُ إِلَى الْمَيِّتِ إِلَّا الصَّدَقَةُ وَالدُّعَاءُ) أَيْ وُصُولُ نَفْعِهِمَا إِلَى الْمَيِّتِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَاخْتُلِفَ فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ
قَالَ القارىء فِي شَرْحِ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ السَّلَفِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إِلَى وُصُولِهَا وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ عَدَمُ وُصُولِهَا انتهى
وقال في المرقاة قال السُّيُوطِيُّ فِي شَرْحِ الصُّدُورِ اخْتُلِفَ فِي وُصُولِ ثَوَابِ الْقُرْآنِ لِلْمَيِّتِ فَجُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ عَلَى الْوُصُولِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ إِمَامُنَا الشَّافِعِيُّ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا ما سعى
стр. 1318
وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ عَنِ الْآيَةِ بِأَوْجُهٍ أَحَدُهَا إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم الْآيَةَ أَدْخَلَ الْأَبْنَاءَ الْجَنَّةَ بِصَلَاحِ الْآبَاءِ
الثَّانِي أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَأَمَّا هَذِهِ الْأُمَّةُ فَلَهَا مَا سَعَتْ وَمَا سُعِيَ لَهَا قَالَهُ عِكْرِمَةُ
الثَّالِثُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِنْسَانِ هُنَا الْكَافِرُ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَلَهُ مَا سَعَى وَسُعِيَ لَهُ قَالَهُ الرَّبِيعُ بْن أَنَسٍ
الرَّابِعُ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى مِنْ طَرِيقِ الْعَدْلِ فَأَمَّا مِنْ بَابِ الْفَضْلِ فَجَائِزٌ أَنْ يَزِيدَهُ اللَّهُ مَا شَاءَ قَالَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ فَضْلٍ
الْخَامِسُ أَنَّ اللَّامَ فِي الْإِنْسَانِ بِمَعْنَى عَلَى أَيْ لَيْسَ عَلَى الْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَاسْتَدَلُّوا عَلَى الْوُصُولِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْعِتْقِ فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ فِي نَقْلِ الثَّوَابِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَنْ حَجٍّ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ دُعَاءٍ أَوْ قِرَاءَةٍ وَبِمَا أَخْرَجَ أَبُو مُحَمَّدٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي فَضَائِلِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا مَنْ مَرَّ عَلَى الْمَقَابِرِ وقرأ قل هو الله أحد إِحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً ثُمَّ وَهَبَ أَجْرَهُ لِلْأَمْوَاتِ أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ الْأَمْوَاتِ
وَبِمَا أَخْرَجَ أَبُو الْقَاسِمِ سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّنْجَانِيُّ فِي فَوَائِدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ ثُمَّ قَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَأَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ثُمَّ قَالَ إِنِّي جَعَلْتُ ثَوَابَ مَا قَرَأْتُ مِنْ كَلَامِكَ لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ كَانُوا شُفَعَاءَ لَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَبِمَا أَخْرَجَ صَاحِبُ الْخِلَالِ بِسَنَدِهِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأَ سُورَةَ يس خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ
وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً فَمَجْمُوعُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِذَلِكَ أَصْلًا وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَا زَالُوا فِي كل مصر وعصر يجتمعون ويقرأون لِمَوْتَاهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ فِي جُزْءٍ أَلَّفَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ انْتَهَى مَا فِي الْمِرْقَاةِ بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ
قُلْتُ قَوْلُهُ فَمَجْمُوعُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِذَلِكَ أَصْلًا فِيهِ تَأَمُّلٌ فَلْيُنْظَرْ هَلْ يَدُلُّ مَجْمُوعُهَا عَلَى أَنَّ لِذَلِكَ أَصْلًا أَمْ لَا وَلَيْسَ كُلُّ مَجْمُوعٍ مِنْ عِدَّةِ أَحَادِيثَ ضِعَافٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهَا أَصْلًا
فَأَمَّا قَوْلُهُ وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَا زَالُوا فِي كُلِّ مِصْرٍ وعصر يجتمعون ويقرأون لِمَوْتَاهُمْ فَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ ﵃ اجْتِمَاعُهُمْ وَقِرَاءَتُهُمْ لِمَوْتَاهُمْ وَمَنْ يَدَّعِي ثُبُوتَهُ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ
وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ يُخَصَّصُ عُمُومُ الْآيَةِ يَعْنِي آيَةَ لَيْسَ للإنسان إلا ما سعى بِالصَّدَقَةِ مِنَ الْوَلَدِ وَبِالْحَجِّ مِنَ الْوَلَدِ وَمِنْ غَيْرِ الْوَلَدِ أَيْضًا وَبِالْعِتْقِ مِنَ الْوَلَدِ لِمَا وَرَدَ فِي هَذَا كُلِّهِ مِنَ الْحَدِيثِ وَبِالصَّلَاةِ مِنَ الْوَلَدِ أَيْضًا
لِمَا رَوَى
стр. 1319
الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ كَانَ لِي أَبَوَانِ أَبَرُّهُمَا فِي حَالِ حَيَاتِهِمَا فَكَيْفَ لِي بِبِرِّهِمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا فَقَالَ ﷺ إِنَّ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تُصَلِّيَ لَهُمَا مَعَ صَلَاتِكَ وَأَنْ تَصُومَ لَهُمَا مَعَ صِيَامِكَ
قَالَ وَبِالصِّيَامِ مِنَ الْوَلَدِ لهذا الحديث ولحديث بن عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صوم نذر فَقَالَ أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فقضيته أكان يودي ذَلِكَ عَنْهَا قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَصُومِي
وَمِنْ غَيْرِ الْوَلَدِ لِحَدِيثِ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ
قَالَ وَبِقِرَاءَةِ يس مِنَ الْوَلَدِ وَغَيْرِهِ لحديث إقرأوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس قَالَ وَبِالدُّعَاءِ مِنَ الْوَلَدِ وَغَيْرِهِ لِحَدِيثِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ وَلِحَدِيثِ اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَبِجَمِيعِ مَا يَفْعَلُهُ الْوَلَدُ لِوَالِدَيْهِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ لِحَدِيثِ وَلَدُ الْإِنْسَانِ مِنْ سَعْيِهِ
وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ يُقَاسُ عَلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي وَرَدَتْ بِهَا الْأَدِلَّةُ غَيْرُهَا فَيَلْحَقُ الْمَيِّتَ كُلُّ شَيْءٍ فَعَلَهُ غَيْرُهُ
هَذَا تَلْخِيصُ مَا قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ
قُلْتُ وَحَدِيثُ الدَّارَقُطْنِيِّ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّوْكَانِيُّ ضَعِيفٌ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ وَذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَذَكَرَ وجه ضعفه
٤ - (باب ما جاء فِي نَفَقَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا)
[٦٧٠] قَوْلُهُ (لَا تُنْفِقُ) نَفْيٌ وَقِيلَ نَهْيٌ (إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا) أَيْ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً (قَالَ ذَلِكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا) يَعْنِي فَإِذَا لَمْ تَجُزِ الصَّدَقَةُ بِمَا هُوَ أَقَلُّ قَدْرًا مِنَ الطَّعَامِ بِغَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجِ فَكَيْفَ تَجُوزُ بِالطَّعَامِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ قَالَ لَمَّا بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النِّسَاءَ قَامَتِ امْرَأَةٌ جَلِيلَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نِسَاءِ مُضَرَ
فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَنَأْكُلُ على ابائنا
стр. 1320
وَأَزْوَاجِنَا مَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ قَالَ الرُّطَبُ تَأْكُلْنَهُ وَتُهْدِينَهُ (وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ مَا لِي شَيْءٌ إِلَّا ما يدخل على الزبير فأتصدق مِنْهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْفِقِي وَلَا تُوكِي فَيُوكَى عَلَيْكِ (وَأَبِي هُرَيْرَةَ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ (وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) لِيُنْظَرْ مِنْ أَخْرَجَهُ (وَعَائِشَةَ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ) فِي سَنَدِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ الْحِمْصِيُّ صَدُوقٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَهْلِ بَلَدِهِ مُخَلِّطٌ فِي غَيْرِهِمْ وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شُرَحْبِيلِ بْنِ مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ فَإِنَّهُ شَامِيٌّ
قَالَ فِي التَّقْرِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ صَدُوقٌ فِيهِ لِينٌ وَقَالَ في الخلاصة وثقه العجلي وأحمد وضعفه بن مَعِينٍ
[٦٧١] قَوْلُهُ (إِذَا تَصَدَّقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا) أَيْ بِطِيبِ نَفْسٍ غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا
قَوْلُهُ (وَلِلْخَازِنِ) أَيِ الَّذِي كَانَتِ النَّفَقَةُ بِيَدِهِ (لَهُ بِمَا كَسَبَ) أَيْ لِلزَّوْجِ بِسَبَبِ كَسْبِهِ وَتَحْصِيلِهِ (وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ) أَيْ وللزوجة بسبب إنفاقها
قال محي السُّنَّةِ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا التَّصَدُّقُ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَكَذَا الْخَادِمُ
وَالْحَدِيثُ الدَّالُّ عَلَى الْجَوَازِ أُخْرِجَ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ يُطْلِقُونَ الْأَمْرَ لِلْأَهْلِ وَالْخَادِمِ فِي التَّصَدُّقِ وَالْإِنْفَاقِ عِنْدَ حُضُورِ السَّائِلِ وَنُزُولِ الضَّيْفِ كَمَا قَالَ ﵊ لَا تُوعِي فَيُوعِي اللَّهُ عَلَيْك انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
стр. 1321
[٦٧٢] قَوْلُهُ (إِذَا أَعْطَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا) أَيْ أَنْفَقَتْ وَتَصَدَّقَتْ (غَيْرَ مُفْسِدَةٍ) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ أَيْ غَيْرَ مُسْرِفَةٍ فِي التَّصَدُّقِ
وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى إِذْنِ الزَّوْجِ لَهَا بِذَلِكَ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً وَقِيلَ هَذَا جَارٍ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ فَإِنَّ عَادَاتِهِمْ أَنْ يَأْذَنُوا لَزَوْجَاتِهِمْ وَخَدَمِهِمْ بِأَنْ يُضَيِّفُوا الْأَضْيَافَ وَيُطْعِمُوا السَّائِلَ وَالْمِسْكِينَ وَالْجِيرَانَ فَحَرَّضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّتَهُ عَلَى هَذِهِ الْعَادَةِ الْحَسَنَةِ وَالْخَصْلَةِ الْمُسْتَحْسَنَةِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (فَإِنَّ لَهَا مِثْلَ أَجْرِهِ) أَيْ لِلْمَرْأَةِ مِثْلُ أَجْرِ الزَّوْجِ (لَهَا مَا نَوَتْ حَسَنًا) حَالٌ مِنَ الْمَوْصُولَةِ فِي قَوْلِهِ مَا نَوَتْ كَذَا فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
قَوْلُهُ (وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ) أَيْ حَدِيثُ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ بِذِكْرِ مَسْرُوقٍ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ بِدُونِ ذِكْرِ مَسْرُوقٍ فَإِنَّهُ قَدْ تَابَعَ مَنْصُورًا الْأَعْمَشُ فِي ذِكْرِ مَسْرُوقٍ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ
٥ - (بَاب مَا جَاءَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ)
أَيْ مِنْ رَمَضَانَ فَأُضِيفَتِ الصَّدَقَةُ لِلْفِطْرِ لِكَوْنِهَا تَجِبُ بِالْفِطْرِ مِنْهُ وَيُقَالُ لَهَا زَكَاةُ الْفِطْرِ وَزَكَاةُ رَمَضَانَ وَزَكَاةُ الصَّوْمِ وَكَانَ فَرْضُهَا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمَيْنِ قَالَهُ الْقَسْطَلَانِيُّ
стр. 1322
[٦٧٣] قَوْلُهُ (صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ) ظَاهِرُهُ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَ الطَّعَامِ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ بَعْدَهُ وَقَدْ حَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّعَامِ هُنَا الْحِنْطَةُ وَأَنَّهُ اسْمٌ خَاصٌّ لَهُ قَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ قَدْ كَانَتْ لَفْظَةُ الطَّعَامِ تُسْتَعْمَلُ فِي الْحِنْطَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ حَتَّى إِذَا قِيلَ اذْهَبْ إِلَى سُوقِ الطَّعَامِ فُهِمَ مِنْهُ سُوقُ الْقَمْحِ وَإِذَا غَلَبَ الْعُرْفُ نَزَلَ اللَّفْظُ عَلَيْهِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ
وَقَدْ رَدَّ ذلك بن الْمُنْذِرِ وَقَالَ ظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ صَاعٌ مِنْ حِنْطَةٍ وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَجْمَلَ الطَّعَامَ ثُمَّ فَسَّرَهُ ثُمَّ أَوْرَدَ طَرِيقَ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ أَبَا سعيد قال
كنا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ وَكَانَ طَعَامُنَا الشَّعِيرَ وَالزَّبِيبَ وَالْأَقِطَ وَالتَّمْرَ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِيمَا قَالَ
قَالَ الْحَافِظُ وَأَخْرَجَ بن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ عَنْ نافع عن بن عُمَرَ قَالَ لَمْ تَكُنِ الصَّدَقَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلا التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ وَالشَّعِيرَ وَلَمْ تَكُنِ الْحِنْطَةَ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِيَاضٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ كُنَّا نُخْرِجُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ وَكَأَنَّهُ سَكَتَ عَنِ الزَّبِيبِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِقِلَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهَذِهِ الطُّرُقُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّعَامِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ غَيْرُ الحنطة انتهى
وقال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا الْمُرَادُ بِالطَّعَامِ الْمَعْنَى الْعَامُّ فَيَكُونُ عَطْفُ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ انْتَهَى (أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ) أَيْ عِنَبٍ يَابِسٍ
قَالَ فِي الصُّرَاحِ زبيب مويز زبيبة يكي يُقَالُ زَبَّبَ فُلَانٌ عِنَبَهُ تَزْبِيبًا (أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ هُوَ لَبَنٌ مُجَفَّفٌ يَابِسٌ مُسْتَحْجَرٌ يُطْبَخُ بِهِ (حَتَّى قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ حَتَّى قَدِمَ مُعَاوِيَةُ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا فكلم الناس على المنبر وفي رواية بن خُزَيْمَةَ وَهُوَ يَوْمئِذٍ خَلِيفَةٌ (مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ) أَيِ الْقَمْحِ الشَّامِيِّ (فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ) الْمُرَادُ بِالنَّاسِ الصَّحَابَةُ ﵃ (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَلَا أَزَالَ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو سَعِيدٍ وَقَالَ لَا أُخْرِجُ إِلَّا مَا كُنْتُ أُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا
стр. 1323
قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ صَاعًا) أَيْ مِنْ بُرٍّ كَانَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ (وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ) وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ وَالْبُرُّ مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الطَّعَامِ إِنْ لَمْ يَكُنْ غَالِبًا فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَتَفْسِيرُهُ بِغَيْرِ الْبُرِّ إِنَّمَا هُوَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا عِنْدَهُمْ فَلَا يُجْزِئُ دُونَ الصَّاعِ مِنْهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو سَعِيدٍ ﵁ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَأَبُو الشَّعْثَاءِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ كَذَا فِي النَّيْلِ
وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ أَيْضًا بِأَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي ثَبَتَ ذِكْرُهَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ لَمَّا كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً فِي مِقْدَارِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مَعَ تَخَالُفِهَا فِي الْقِيمَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ إِخْرَاجُ هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ أَيْ جِنْسٍ كَانَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَغَيْرِهَا
قُلْتُ قَوْلُهُمْ هَذَا هُوَ الْأَحْوَطُ عِنْدِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
تَنْبِيهٌ اعْلَمْ أَنَّ الصَّاعَ صَاعَانِ حِجَازِيٌّ وَعِرَاقِيٌّ فَالصَّاعُ الْحِجَازِيُّ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثُ رِطْلٍ وَالْعِرَاقِيُّ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ الْعِرَاقِيُّ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَعْمَلًا فِي بِلَادِ الْعِرَاقِ مِثْلِ الْكُوفَةِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّاعُ الْحَجَّاجِيُّ لِأَنَّهُ أَبْرَزَهُ الْحَجَّاجُ الْوَالِي وَأَمَّا الصَّاعُ الْحِجَازِيُّ فَكَانَ مُسْتَعْمَلًا فِي بِلَادِ الْحِجَازِ وَهُوَ الصَّاعُ الَّذِي كَانَ مُسْتَعْمَلًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَبِهِ كَانُوا يُخْرِجُونَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ فِي عَهْدِهِ ﷺ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ وَالْجُمْهُورُ وَهُوَ الْحَقُّ
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بِالصَّاعِ الْعِرَاقِيِّ وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ بِقَوْلِهِ فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَنَاظَرَ الْإِمَامَ مَالِكًا رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ وَقَالَ بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ
وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي هَذَا بَابَ صَدَقَةِ الزَّرْعِ وَالتَّمْرِ وَالْحُبُوبِ
قَوْلُهُ (وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ صَاعٌ إِلَّا مِنَ الْبُرِّ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ نِصْفُ صَاعٍ وهو قول سفيان الثوري وبن الْمُبَارَكِ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ) وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ قَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ أَخْرَجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ
وَمِنْهُمْ عُمَرُ ﵁ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ من طريق عبد العزيز أَبِي دَاوُدَ عَنْ
стр. 1324
نَافِعٍ وَفِيهِ فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ وَكَثُرَتِ الْحِنْطَةُ جَعَلَ نِصْفَ صَاعٍ حِنْطَةً
وَمِنْهُمْ عُثْمَانُ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَفِيهِ نِصْفُ صَاعِ بُرٍّ
وَمِنْهُمْ عَلِيٌّ
ومنهم بن الزُّبَيْرِ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَفِيهِ مُدَّانِ مِنْ قمح
وعن بن عباس وجابر وبن مَسْعُودٍ نَحْوُهُ
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا انْتَهَى
وَقَالَ فِي فَتْحِ الباري قال بن الْمُنْذِرِ لَا نَعْلَمُ فِي الْقَمْحِ خَبَرًا ثَابِتًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنِ الْبُرُّ بِالْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَّا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ فَلَمَّا كَثُرَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ رَأَوْا أَنَّ نِصْفَ صَاعٍ مِنْهُ يَقُومُ مَقَامَ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ وَهُمُ الْأَئِمَّةُ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُعْدَلَ عَنْ قَوْلِهِمْ إِلَّا إِلَى قَوْلِ مِثْلِهِمْ
ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ عُثْمَانَ وعلي وأبي هريرة وجابر وبن عباس وبن الزُّبَيْرِ وَأُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ أَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ انْتَهَى
وَاسْتُدِلَّ لِمَنْ قَالَ بِنِصْفِ صَاعٍ مِنَ الْبُرِّ بِأَحَادِيثَ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ بَعْضًا مِنْهَا وَأَشَارَ إِلَى بَعْضِهَا
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْبُرَّ عَلَى تَسْلِيمِ دُخُولِهِ تَحْتَ لَفْظِ الطَّعَامِ مُخَصَّصٌ بِأَحَادِيثِ نِصْفِ الصَّاعِ مِنَ الْبُرِّ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ بِمَجْمُوعِهَا تَنْتَهِضُ لِلتَّخْصِيصِ
انْتَهَى مُحَصَّلًا
[٦٧٤] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ الْعَمِّيُّ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَصْرِيُّ الْحَافِظُ
قَالَ أَبُو دَاوُدَ ثِقَةٌ (أَخْبَرَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ) صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ
قَوْلُهُ (فِي فِجَاجِ مَكَّةَ) جَمْعُ فَجٍّ وَهُوَ الطَّرِيقُ الْوَاسِعُ
قَوْلُهُ (مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ) أَيْ هِيَ مُدَّانِ مِنْ حِنْطَةٍ فَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ محذوف (أو سواه) أي سوى القمح وأو لِلتَّخْيِيرِ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ (مِنْ طَعَامٍ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ سِوَاهُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ) قَالَ الزيلعي في نصب الراية وأعله بن الجوزي في
стр. 1325
التحقيق بسالم بن نوح قال بن مَعِينٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَتَعَقَّبَهُ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ فَقَالَ هُوَ صَدُوقٌ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ
وقال أبو زرعة صدوق ثقة ووثقه بن حِبَّانَ وَقَالَ النَّسَائِيُّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فيه شيء وقال بن عدي
عنده غريب وأفراد وأحاديثه مُقَارِبَةٌ مُخْتَلِفَةٌ انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عَمْرٍو فَقِيلَ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقِيلَ عَنْهُ بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ انْتَهَى
[٦٧٥] قَوْلُهُ (فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ مِنَ الفرائض
وقد نقل الحافظ بن الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَقُولُونَ بِالْوُجُوبِ دُونَ الْفَرِيضَةِ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ قَالُوا إِذْ لَا دَلِيلَ قَاطِعٌ تَثْبُتُ بِهِ الْفَرْضِيَّةُ
قَالَ الْحَافِظُ بن حَجَرٍ وَفِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ بن عُلَيَّةَ وَأَبَا بَكْرٍ بْنَ كَيْسَانَ الْأَصَمَّ قَالَا إِنَّ وُجُوبَهَا نُسِخَ
وَنَقَلَ الْمَالِكِيَّةُ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الظاهر وبن اللَّبَّانِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ اخْتَلَفَ الناس في معنى فرض ها هنا فَقَالَ جُمْهُورُهُمْ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مَعْنَاهُ أَلْزَمَ وَأَوْجَبَ فَزَكَاةُ الْفِطْرِ فَرْضٌ وَاجِبٌ عِنْدَهُمْ لِدُخُولِهَا في عموم قوله تعالى (وآتوا الزكاة) وَلِقَوْلِهِ فَرَضَ وَهُوَ غَالِبٌ فِي اسْتِعْمَالِ الشَّرْعِ
وقال إسحاق بن رَاهْوَيْهِ إِيجَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ كَالْإِجْمَاعِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (قَالَ فَعَدَلَ النَّاسُ إِلَى نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ) قِيلَ الْمُرَادُ مِنَ النَّاسِ الصَّحَابَةُ ﵃ فَيَكُونُ إِجْمَاعًا
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ لَكِنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ دَالٌّ عَلَى أنه لم يوافق على ذلك وكذلك بن عُمَرَ فَلَا إِجْمَاعَ فِي الْمَسْأَلَةِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وأخرجه الترمذي في أول الباب (وبن عَبَّاسٍ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ قَالَ فِي آخِرِ رَمَضَانَ أَخْرِجُوا صَدَقَةَ صَوْمِكُمْ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى صَغِيرٍ أَوْ كبير وهو من رواية الحسن عن بن عباس والحسن لم يسمع عن
стр. 1326
بن عَبَّاسٍ وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ قَدْ ذكرها الحافظ الزيلعي والحافظ بن حَجَرٍ فِي تَخْرِيجِهِمَا لِلْهِدَايَةِ (وَجَدِّ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ) لِيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ (وَثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ) بِالتَّصْغِيرِ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَاعٌ مِنْ بُرٍّ أَوْ قَمْحٍ عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَمَّا غَنِيُّكُمْ فَيُزَكِّيهِ اللَّهُ وَأَمَّا فَقِيرُكُمْ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهُ وَفِي سَنَدِهِ وَمَتْنِهِ اخْتِلَافٌ قَدْ بَسَطَهُ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ (وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ
[٦٧٦] قَوْلُهُ (عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) قَالَ النَّوَوِيُّ
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا عَلَى أَهْلِ الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ وَالْبَوَادِي فِي الشِّعَابِ وَكُلِّ مُسْلِمٍ حَيْثُ كَانَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ
وَعَنْ عَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ وَاللَّيْثِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى دُونَ الْبَوَادِي
قَالَ وَفِيهِ دَلِيلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ فِي أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ مَلَكَ فَاضِلًا عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ يَوْمَ الْعِيدِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ وَعِنْدَنَا أَنَّهُ لَوْ مَلَكَ مِنَ الْفِطْرَةِ الْمُعَجَّلَةِ فَاضِلًا عَنْ قُوتِهِ لَيْلَةَ الْعِيدِ وَيَوْمَهُ لَزِمَتْهُ الْفِطْرَةُ عَنْ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَعَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ
قَالَ وَفِيهِ حُجَّةٌ لِلْكُوفِيِّينَ فِي أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الزَّوْجَةِ فِي نَفْسِهَا وَيَلْزَمُهَا إِخْرَاجُهَا مِنْ مَالِهَا وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ يَلْزَمُ الزَّوْجَ فِطْرَةُ زَوْجَتِهِ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِمِثْلِ مَا أُجِيبَ لِدَاوُدَ فِي فِطْرَةِ الْعَبْدِ انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ
قَوْلُهُ (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا لَا تُخْرَجُ إِلَّا عَنْ مُسْلِمٍ وَلَا يَلْزَمُهُ مِنْ عَبْدِهِ وَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ الْكُفَّارِ وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَإِسْحَاقُ وَبَعْضُ السَّلَفِ
تَجِبُ عَنِ الْعَبْدِ الْكَافِرِ وَتَأَوَّلَ الطَّحَاوِيُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ السَّادَةُ دُونَ الْعَبِيدِ وَهَذَا يَرُدُّهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ انْتَهَى
стр. 1327
قَوْلُهُ (وَرَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ نَافِعٍ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ
هَذِهِ اللَّفْظَةُ انْفَرَدَ بِهَا مَالِكٌ دُونَ سَائِرِ أَصْحَابِ نَافِعٍ وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهَا مَالِكٌ بَلْ وَافَقَهُ فِيهَا ثِقَتَانِ وَهُمَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ وَعُمَرُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ وَأَمَّا عُمَرُ فَفِي الْبُخَارِيِّ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ) وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ زِيَادَةٌ صَحِيحَةٌ
قَوْلُهُ (وَهُوَ قَوْلُ الثوري وبن الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقَ) وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ حَدِيثِ لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةَ الْفِطْرِ
وَأَجَابَ الْآخَرُونَ بِأَنَّ الْخَاصَّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ فَعُمُومُ قَوْلِهِ فِي عَبْدِهِ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَذَا فِي الْفَتْحِ
٦ - (بَاب مَا جَاءَ فِي تقديمها قبل الصلاة)
[٦٧٧] قوله (عن بن أَبِي الزِّنَادِ) اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمَدَنِيُّ مَوْلَى قُرَيْشٍ صَدُوقٌ تَغَيَّرَ حِفْظُهُ لَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ وَكَانَ فَقِيهًا مِنَ السَّابِعَةِ (عَنْ مُوسَى بْنِ عقبة) بن أبي عياش الْأَسَدِيِّ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ ثِقَةٌ فَقِيهٌ إِمَامٌ فِي الْمَغَازِي مِنَ الْخَامِسَةِ لَمْ يَصِحَّ أَنَّ بن مَعِينٍ لَيَّنَهُ (كَانَ يَأْمُرُ بِإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْغُدُوِّ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ) الْغُدُوُّ الْمَشْيُ أَوَّلَ النَّهَارِ أَيْ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ وَبَعْدَ صلاة الفجر
стр. 1328
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ يؤدي قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ
قَوْلُهُ (وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِبُّهُ أَهْلُ الْعِلْمِ إلخ) قال بن عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ يُقَدِّمُ الرَّجُلُ زَكَاتَهُ يَوْمَ الْفِطْرِ بَيْنَ يَدَيْ صَلَاتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ نَزَلَتْ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ
كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وكان بن عُمَرَ يُعْطِيهَا لِلَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ
قَالَ الْبُخَارِيُّ كَانُوا يعطون ليجمع لَا لِلْفُقَرَاءِ
وَفِي مُوَطَّأِ الْإِمَامِ مَالِكٍ عَنْ نافع أن بن عُمَرَ كَانَ يَبْعَثُ زَكَاةَ الْفِطْرِ إِلَى الَّذِي يَجْمَعُ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْح وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ وَقَالَ هذا حسن وأنا أسحبه يَعْنِي تَعْجِيلَهَا قَبْلَ يَوْمِ الْفِطْرِ انْتَهَى
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْوَكَالَةِ وَغَيْرِهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَنَّهُ أَمْسَكَ الشَّيْطَانَ ثَلَاثَ لَيَالٍ وَهُوَ يَأْخُذُ مِنَ التَّمْرِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَجِّلُونَهَا وَعَكَسَهُ الْجَوْزَقِيُّ فَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِهَا عَنْ يَوْمِ الْفِطْرِ وهو محتمل للأمرين انتهى
قلت أثر بن عُمَرَ ﵁ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ إِعْطَاءِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لِيَجْمَعَ لَا لِلْفُقَرَاءِ كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَأَمَّا إِعْطَاؤُهَا قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لِلْفُقَرَاءِ فَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
٧ - (بَاب مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ)
[٦٧٨] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بْنِ الْفَضْلِ بْنِ بَهْرَامَ السَّمَرْقَنْدِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ الْحَافِظُ صَاحِبُ الْمُسْنَدِ ثِقَةٌ فَاضِلٌ مُتْقِنٌ رَوَى عَنْهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْبُخَارِيُّ فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ (عن سعيد بن منصور) بن شعبة
стр. 1329
الخرساني نَزِيلِ مَكَّةَ ثِقَةٌ مُصَنِّفٌ وَكَانَ لَا يَرْجِعُ عما في كتابه لشدة وثوبه به كان حافظا جوالا صنف السنن جمع فِيهَا مَا لَمْ يَجْمَعْهُ غَيْرُهُ مَاتَ سَنَةَ ٧٢٢ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ (عَنِ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ) بِالْمُثَنَّاةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرًا الْكِنْدِيُّ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيهٌ إِلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا دَلَّسَ مِنَ الْخَامِسَةِ (عَنْ حُجَيَّةَ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ بِوَزْنِ عُلَيَّةَ (بْنِ عَدِيٍّ) الكندي
قال الحافظ في التقريب صدوق يخطىء مِنَ الثَّالِثَةِ
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ حُجَيَّةُ بْنُ عَدِيٍّ الْكِنْدِيُّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ شِبْهُ مَجْهُولٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ
قُلْتُ رَوَى عَنْهُ الْحَكَمُ وَسَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ وَهُوَ صَدُوقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَدْ قَالَ فِيهِ الْعِجْلِيُّ ثِقَةٌ انْتَهَى
قَوْلُهُ (قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ) أَيْ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ وَقْتُهَا مِنْ حُلُولِ الْأَجَلِ مَجِيئُهُ كَذَا فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي
وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ بِكَسْرِ الْحَاءِ مِنَ الْحَلَالِ أَوْ مِنْ حلول الدين أي يجب
وقال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ تَجِبَ الزَّكَاةُ وَقِيلَ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ حَالًا بِمَعْنَى الْحَوْلِ (فَرَخَّصَ لَهُ) أَيْ لِلْعَبَّاسِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَعْجِيلِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ الْحَوْلِ
[٦٧٩] قَوْلُهُ (عَنِ الْحَكَمِ بْنِ جَحْلٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ الْأَزْدِيِّ الْبَصْرِيِّ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنْ حُجْرٍ الْعَدَوِيِّ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ قِيلَ هُوَ حُجَيَّةُ بْنُ عَدِيٍّ وَإِلَّا فَمَجْهُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
قَوْلُهُ (إِنَّا قَدْ أَخَذْنَا زَكَاةَ الْعَبَّاسِ عَامَ الْأَوَّلِ لِلْعَامِ) الْمَعْنَى إِنَّا قَدْ أَخَذْنَا زَكَاتَهُ الْعَامَ الْأَوَّلَ لِهَذَا الْعَامِ
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَعُمَرَ إِنَّا كُنَّا تَعَجَّلْنَا صَدَقَةَ مَالِ الْعَبَّاسِ ﵁ عَام أَوَّلَ كَذَا فِي التَّلْخِيصِ وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَعْجِيلِ الصَّدَقَةِ
стр. 1330
قوله (وفي الباب عن بن عَبَّاسٍ) أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عُمَرَ سَاعِيًا فَأَتَى الْعَبَّاسَ فَأَغْلَظَ لَهُ فَأَخْبَرَ النَّبِيِّ ﷺ
فَقَالَ إِنَّ الْعَبَّاسَ قَدْ أَسْلَفْنَا زَكَاةَ مَالِهِ الْعَامَ وَالْعَامَ الْمُقْبِلِ
وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا هُوَ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ نَحْوَ هَذَا وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ أَيْضًا وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَعَجَّلَ مِنَ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ سَنَتَيْنِ وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ ذَكْوَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَلَيْسَ ثُبُوتُ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَةِ الْعَبَّاسِ بِبَعِيدٍ فِي النَّظَرِ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الطُّرُقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلٌ) أَيْ وَهُوَ مُرْسَلٌ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى الْحَكَمِ وَرَجَّحَ رِوَايَةَ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ يَنَّاقٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا وَكَذَا رَجَّحَهُ أَبُو دَاوُدَ وَكَذَا فِي التَّلْخِيصِ
قَوْلُهُ (فَرَأَى طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ لَا يُعَجِّلَهَا) وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ الزَّكَاةُ إِسْقَاطُ الْوَاجِبِ وَلَا إِسْقَاطَ قَبْلَ الْوُجُوبِ وَصَارَ كَالصَّلَاةِ قَبْلَ الْوَقْتِ بِجَامِعِ أَنَّهُ أَدَاءٌ قَبْلَ السَّبَبِ إِذِ السَّبَبُ هو النصاب الحولي ولم يوجد
قال بن الْهُمَامِ فِي جَوَابِهِ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ اعْتِبَارَ الزَّائِدِ عَلَى مُجَرَّدِ النِّصَابِ جُزْءًا مِنَ السَّبَبِ بَلْ هُوَ النِّصَابُ فَقَطْ وَالْحَوْلُ
تَأْجِيلٌ فِي الْأَدَاءِ بَعْدَ أَصْلِ الْوُجُوبِ فَهُوَ كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَتَعْجِيلُ الْمُؤَجَّلِ صَحِيحٌ فَالْأَدَاءُ بَعْدَ النِّصَابِ كَالصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لَا قَبْلَهُ وَكَصَوْمِ الْمُسَافِرِ رَمَضَانَ لِأَنَّهُ بَعْدَ السَّبَبِ
وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هذا الاعتبار ما في أبو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فِي تَعْجِيلِ زَكَاتِهِ الْحَدِيثَ
قَوْلُهُ (وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنْ عَجَّلَهَا قَبْلَ مَحَلِّهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ) وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْحَقُّ
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ الْبَابِ وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَقِيلَ مَنَعَ بن جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعَبَّاسٌ عَمُّ
стр. 1331
النَّبِيِّ ﷺ الْحَدِيثَ وَفِيهِ وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ
قَالَ النَّوَوِيُّ قَوْلُهُ فَهِيَ علي ومثلها معها مَعْنَاهُ أَنِّي تَسَلَّفْتُ مِنْهُ زَكَاةَ عَامَيْنِ
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يُجَوِّزُونَ تَعْجِيلَ الزَّكَاةِ مَعْنَاهُ أَنَا أُؤَدِّيهَا عَنْهُ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَّرَهَا عَنِ الْعَبَّاسِ إِلَى وَقْتِ يَسَارِهِ مِنْ أَجْلِ حَاجَتِهِ إِلَيْهَا وَالصَّوَابُ أَنَّ مَعْنَاهُ تَعَجَّلْتُهَا مِنْهُ وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ إِنَّا تَعَجَّلْنَا مِنْهُ صَدَقَةَ عَامَيْنِ انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ
قُلْتُ أَشَارَ النَّوَوِيُّ إِلَى مَا رواه الطبراني والبزار من حديث بن مَسْعُودٍ أَنَّهُ ﷺ تَسَلَّفَ مِنَ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ عَامَيْنِ وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ ذَكْوَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ نَحْوَهُ وَفِي إِسْنَادِهِ الْحَسَنُ بْنُ عِمَارَةَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ ورواه الدارقطني من حديث بن عباس وفي إسناده مندل بن علي والعزرمي وَهُمَا ضَعِيفَانِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ
٨ - (بَاب مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ)
أَيِ السُّؤَالِ
[٦٨٠] قوله (عن بيان بن بشر) الأحمصي الْكُوفِيِّ أَبِي بِشْرٍ الْكُوفِيِّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِنَ الْخَامِسَةِ (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ) الْبَجْلِيِّ الْكُوفِيِّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّانِيَةِ مُخَضْرَمٌ
(لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْغُدُوُّ السَّيْرُ فِي أَوَّلِ النهار
وغالب الخطابين يَخْرُجُونَ كَذَلِكَ وَيُطْلَقُ عَلَى مُطْلَقِ السَّيْرِ إِطْلَاقًا شَائِعًا فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَعَلَى الْمَجَازِ الشَّائِعِ (فَيَحْتَطِبَ) بِالنَّصْبِ عُطِفَ عَلَى يَغْدُوَ أَيْ يَجْمَعَ الْحَطَبَ (عَلَى ظَهْرِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ هُوَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ أَيْ حَامِلًا عَلَى ظَهْرِهِ أَيْ مُقَدَّرًا حَمْلُهُ عَلَى ظَهْرِهِ إِذْ لَا حَمْلَ حَالَ الْجَمْعِ بَلْ بَعْدَهُ وَإِنَّمَا حَالُ الْجَمْعِ بَلْ بَعْدَهُ وَإِنَّمَا حَالُ الْجَمْعِ تَقْدِيرُ الْحَمْلِ (فَيَتَصَدَّقَ مِنْهُ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ) عُطِفَ عَلَى الْفِعْلِ السَّابِقِ وَأَنْ مَعَ مَدْخُولَاتِهَا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ خير أي ما يلحقه مشقة الغدو والاحتطاب وتصدق وَالِاسْتِغْنَاءِ بِهِ خَيْرٌ مِنْ ذُلِّ السُّؤَالِ قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ (فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى) الْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ والسفلى هي السائلة ففي الصحيحين عن بن عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالْمَسْأَلَةَ الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ
стр. 1332
السُّفْلَى فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ وَذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ أَحَادِيثَ فِي هَذَا ثُمَّ قَالَ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُتَضَافِرَةٌ عَلَى أَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا هي الْمُنْفِقَةُ مُعْطِيَةٌ وَأَنَّ السُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ (وَابْدَأْ بِمَنْ تعول) خطاب للمنفق أي ابدأ في الاتفاق بِمَنْ تُمَوِّنُ وَيَلْزَمُكَ نَفَقَتُهُ مِنْ عِيَالِكَ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِغَيْرِهِمْ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَامِّ وَعَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود ومسعود بن عمرو وبن عَبَّاسٍ وَثَوْبَانَ وَزِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ وَأَنَسٍ وَحُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ وَقَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ وَسَمُرَةَ وبن عمر) أما حديث حكيم بن حزام أخرجه الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَمَّا حَدِيثُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَمَّا حَدِيثُ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَعَنْهُ حَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَالْغَالِبُ عَلَى رِوَايَتِهِ التَّوْثِيقُ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إِسْنَادَهُ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ
وَأَمَّا حَدِيثُ مَسْعُودِ بْنِ عمرو فأخرجه البيهقي
وأما حديث بن عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ
وَأَمَّا حَدِيثُ ثَوْبَانَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ
وَأَمَّا حَدِيثُ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ مُطَوَّلًا وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا
وَأَمَّا حَدِيثُ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ
وَأَمَّا حَدِيثُ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ
وَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ
وَأَمَّا حَدِيثُ بن عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى ذَكَرَهَا الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَمَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَى أَلْفَاظِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا التِّرْمِذِيُّ فَلْيَرْجِعْ إِلَى التَّرْغِيبِ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ البخاري ومسلم
стр. 1333
قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرِ) بْنِ سُوَيْدٍ اللَّخْمِيِّ الْكُوفِيِّ ثِقَةٌ فَقِيهٌ تَغَيَّرَ حِفْظُهُ وَرُبَّمَا دَلَّسَ مِنَ الثَّالِثَةِ (عَنْ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ) الْفَزَارِيِّ الْكُوفِيِّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
(إِنَّ الْمَسْأَلَةَ كَدٌّ يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْكَدُّ الْإِتْعَابُ يُقَالُ كَدَّ يَكُدُّ فِي عَمَلِهِ إِذَا اسْتَعْجَلَ وَتَعِبَ وَأَرَادَ بِالْوَجْهِ مَاءَهُ وَرَوْنَقَهُ انْتَهَى
وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي كَدَّ بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ كُدُوحٌ بِضَمِّ الْكَافِ وَالدَّالِ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَقَدْ ذَكَرَ اللَّفْظَيْنِ مَعًا أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي ذَيْلِهِ عَلَى الْغَرِيبَيْنِ وَفَسَّرَ الْكُدُوحَ بِالْخُدُوشِ فِي الْوَجْهِ وَالْكَدَّ بِالتَّعَبِ وَالنَّصَبِ
قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَدْحُ بِمَعْنَى الْكَدِّ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّك كَادِحٌ وَهُوَ السَّعْيُ وَالْحِرْصُ انْتَهَى مَا فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي (إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَانًا) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ أَيْ ذَا حُكْمٍ وَسَلْطَنَةٍ بِيَدِهِ بَيْتُ الْمَالِ فَيَسْأَلَ حَقَّهُ فَيُعْطِيَهُ مِنْهُ إِنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْ وَلَوْ مَعَ الْغِنَاءِ فَسَأَلَهُ حَقَّهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّ السُّؤَالَ مَعَ الْحَاجَةِ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ أَوْ فِي أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ انْتَهَى (أَوْ فِي أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ) كَمَا فِي الْحَمَالَةِ وَالْجَائِحَةِ وَالْفَاقَةِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ وَنَقَلَ الْمُنْذِرِيُّ تَصْحِيحَ الترمذي
стр. 1334
٦ - أبواب الصَّوْمِ
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
(بَاب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ)
[٦٨٢] قَوْلُهُ (صُفِّدَتْ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ
بِالْمُهْمَلَةِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَهَا فَاءٌ ثَقِيلَةٌ مَكْسُورَةٌ أَيْ شدت بالأصفاء وَهِيَ الْأَغْلَالُ وَهُوَ بِمَعْنَى سُلْسِلَتِ (الشَّيَاطِينُ) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ
وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ (ومردة الجن) جمع ما رد كَطَلَبَةِ وَجَهَلَةِ وَهُوَ الْمُتَجَرِّدُ لِلشَّرِّ وَمِنْهُ الْأَمْرَدُ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ الشَّعْرِ وَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْد تَعْمِيمٍ أَوْ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَبَيَانٍ كَالتَّتْمِيمِ
وَقِيلَ الْحِكْمَةُ في تقييد الشياطين وتصفيدهم كيلا يُوَسْوِسُوا فِي الصَّائِمِينَ
وَأَمَارَةُ ذَلِكَ تَنَزُّهُ أَكْثَرِ الْمُنْهَمِكِينَ فِي الطُّغْيَانِ عَنِ الْمَعَاصِي وَرُجُوعِهِمْ بِالتَّوْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى
وَأَمَّا مَا يُوجَدُ خِلَافَ ذَلِكَ فِي بَعْضِهِمْ فَإِنَّهَا تَأْثِيرَاتٌ مِنْ تَسْوِيلَاتِ الشَّيَاطِينِ أَغْرَقَتْ فِي عُمْقِ تِلْكَ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ وباضت في رؤوسها
وَقِيلَ قَدْ خُصَّ مِنْ عُمُومِ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ زَعِيمُ زُمْرَتِهِمْ وَصَاحِبُ دَعْوَتِهِمْ لَكَأَنَّ الْإِنْظَارَ الَّذِي سأله من الله فأجيب إِلَيْهِ فَيَقَعُ مَا يَقَعُ مِنَ الْمَعَاصِي بِتَسْوِيلِهِ وَإِغْوَائِهِ
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْيِيدُ كِنَايَةً عَنْ ضَعْفِهِمْ فِي الْإِغْوَاءِ وَالْإِضْلَالِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ
قَالَ عِيَاضٌ
يُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَامَةٌ لِلْمَلَائِكَةِ لِدُخُولِ الشَّهْرِ وَتَعْظِيمِ حُرْمَتِهِ وَلِمَنْعِ الشَّيَاطِينِ مِنْ أَذَى الْمُؤْمِنِينَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ
стр. 1335
يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى كَثْرَةِ الثَّوَابِ وَالْعَفْوِ وَأَنَّ الشياطين يقل إغوائهم فَيَصِيرُونَ كَالْمُصَفَّدِينَ
قَالَ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ
فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَتْحُ الْجَنَّةِ عِبَارَةً عَمَّا يَفْتَحُهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَذَلِكَ أَسْبَابٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَغَلْقُ أَبْوَابِ النَّارِ عِبَارَةً عَنْ صَرْفِ الْهِمَمِ عَنِ الْمَعَاصِي الْآيِلَةِ بِأَصْحَابِهَا إِلَى النَّارِ
وَتَصْفِيدُ الشَّيَاطِينِ عِبَارَةً عَنْ تعجيزهم عن الاغواء وتزيين الشهوات
قال الزبير بْنُ الْمُنِيرِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إِلَى صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ وَأَبْوَابُ السَّمَاءِ فَمِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ
وَالْأَصْلُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ بِدَلِيلِ مَا يُقَابِلُهُ وَهُوَ غَلْقُ أَبْوَابِ النَّارِ قَالَ الْحَافِظُ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ بَعْدَ أَنْ رَجَّحَ حَمْلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ نَرَى الشُّرُورَ وَالْمَعَاصِيَ وَاقِعَةً فِي رَمَضَانَ كَثِيرًا فَلَوْ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فَالْجَوَابُ أَنَّهَا إِنَّمَا تَقِلُّ عَنِ الصَّائِمِينَ الصَّوْمَ الَّذِي حُوفِظَ عَلَى شُرُوطِهِ وَرُوعِيَتْ آدَابُهُ أَوِ الْمُصَفَّدُ بَعْضُ الشَّيَاطِين كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ يَعْنِي رِوَايَةَ التِّرْمِذِيِّ والنسائي وهم المردة لاكملهم أَوِ الْمَقْصُودُ تَقْلِيلُ الشُّرُورِ فِيهِ
وَهَذَا أَمْرٌ مَحْسُوسٌ فَإِنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ غَيْرِهِ
إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَصْفِيدِ جَمِيعِهِمْ أَنْ لَا يَقَعَ شَرٌّ وَلَا مَعْصِيَةٌ لِأَنَّ لِذَلِكَ أَسْبَابًا غَيْرَ الشَّيَاطِينِ كَالنُّفُوسِ الْخَبِيثَةِ وَالْعَادَاتِ الْقَبِيحَةِ وَالشَّيَاطِينِ الْإِنْسِيَّةِ انْتَهَى (وَيُنَادِي مُنَادٍ) قِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَلَكٌ أَوِ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُلْقِي ذَلِكَ فِي قُلُوبِ مَنْ يُرِيدُ اللَّهُ إِقْبَالَهُ عَلَى الْخَيْرِ كَذَا فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي (يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ) أَيْ طَالِبَ الْعَمَلِ وَالثَّوَابِ (أَقْبِلْ) أي إلى الله وطاعة بِزِيَادَةِ الِاجْتِهَادِ فِي عِبَادَتِهِ وَهُوَ أَمْرٌ مِنَ الْإِقْبَالِ أَيْ تَعَالَ فَإِنَّ هَذَا أَوَانُكَ فَإِنَّكَ تُعْطَى الثَّوَابَ الْجَزِيلَ بِالْعَمَلِ الْقَلِيلِ
أَوْ مَعْنَاهُ يَا طَالِبَ الْخَيْرِ الْمُعْرِضُ عَنَّا وَعَنْ طَاعَتِنَا أَقْبِلْ إِلَيْنَا وَعَلَى عِبَادَتِنَا فَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ تحت قدرتنا وإرادتنا
قال العراقي
ظن بن الْعَرَبِيِّ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الشِّقَّيْنِ يَا بَاغِيَ مِنَ الْبَغْيِ فَنَقَلَ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ أصل البغي في الشرق وَأَقَلَّهُ مَا جَاءَ فِي طَلَبِ الْخَيْرِ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ تَعَالَى غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ وقوله يبغون في الأرض بغير الحق وَاَلَّذِي وَقَعَ فِي الْآيَتَيْنِ هُوَ بِمَعْنَى التَّعَدِّي وَأَمَّا الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَمَعْنَاهُ الطَّلَبُ وَالْمَصْدَرُ مِنْهُ بُغَاءٌ وَبُغَايَةٌ بِضَمِّ الْبَاءِ فِيهِمَا قال الجوهري بغيته أو طَلَبْتُهُ انْتَهَى
قُلْتُ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ذَلِكَ مَا كُنَّا نبغ مَعْنَاهُ الطَّلَبُ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الصَّادِ أَيْ يَا مُرِيدَ الْمَعْصِيَةِ أَمْسِكْ عَنِ الْمَعَاصِي وَارْجِعْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فهذا أو أن قَبُولِ التَّوْبَةِ وَزَمَانُ اسْتِعْدَادِ الْمَغْفِرَةِ وَلَعَلَّ طَاعَةَ الْمُطِيعِينَ وَتَوْبَةَ الْمُذْنِبِينَ
следующие страницы →