← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21662

تحفة الأحوذي

عبد الرحمن المباركفوري

Полный текст (4 874 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

النَّبِيِّ ﷺ الْحَدِيثَ وَفِيهِ وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ النَّوَوِيُّ قَوْلُهُ فَهِيَ علي ومثلها معها مَعْنَاهُ أَنِّي تَسَلَّفْتُ مِنْهُ زَكَاةَ عَامَيْنِ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يُجَوِّزُونَ تَعْجِيلَ الزَّكَاةِ مَعْنَاهُ أَنَا أُؤَدِّيهَا عَنْهُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَّرَهَا عَنِ الْعَبَّاسِ إِلَى وَقْتِ يَسَارِهِ مِنْ أَجْلِ حَاجَتِهِ إِلَيْهَا وَالصَّوَابُ أَنَّ مَعْنَاهُ تَعَجَّلْتُهَا مِنْهُ وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ إِنَّا تَعَجَّلْنَا مِنْهُ صَدَقَةَ عَامَيْنِ انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ قُلْتُ أَشَارَ النَّوَوِيُّ إِلَى مَا رواه الطبراني والبزار من حديث بن مَسْعُودٍ أَنَّهُ ﷺ تَسَلَّفَ مِنَ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ عَامَيْنِ وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ ذَكْوَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ نَحْوَهُ وَفِي إِسْنَادِهِ الْحَسَنُ بْنُ عِمَارَةَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ ورواه الدارقطني من حديث بن عباس وفي إسناده مندل بن علي والعزرمي وَهُمَا ضَعِيفَانِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ ٨ - (بَاب مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ) أَيِ السُّؤَالِ [٦٨٠] قوله (عن بيان بن بشر) الأحمصي الْكُوفِيِّ أَبِي بِشْرٍ الْكُوفِيِّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِنَ الْخَامِسَةِ (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ) الْبَجْلِيِّ الْكُوفِيِّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّانِيَةِ مُخَضْرَمٌ (لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْغُدُوُّ السَّيْرُ فِي أَوَّلِ النهار وغالب الخطابين يَخْرُجُونَ كَذَلِكَ وَيُطْلَقُ عَلَى مُطْلَقِ السَّيْرِ إِطْلَاقًا شَائِعًا فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَعَلَى الْمَجَازِ الشَّائِعِ (فَيَحْتَطِبَ) بِالنَّصْبِ عُطِفَ عَلَى يَغْدُوَ أَيْ يَجْمَعَ الْحَطَبَ (عَلَى ظَهْرِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ هُوَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ أَيْ حَامِلًا عَلَى ظَهْرِهِ أَيْ مُقَدَّرًا حَمْلُهُ عَلَى ظَهْرِهِ إِذْ لَا حَمْلَ حَالَ الْجَمْعِ بَلْ بَعْدَهُ وَإِنَّمَا حَالُ الْجَمْعِ بَلْ بَعْدَهُ وَإِنَّمَا حَالُ الْجَمْعِ تَقْدِيرُ الْحَمْلِ (فَيَتَصَدَّقَ مِنْهُ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ) عُطِفَ عَلَى الْفِعْلِ السَّابِقِ وَأَنْ مَعَ مَدْخُولَاتِهَا مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ خير أي ما يلحقه مشقة الغدو والاحتطاب وتصدق وَالِاسْتِغْنَاءِ بِهِ خَيْرٌ مِنْ ذُلِّ السُّؤَالِ قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ (فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى) الْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ والسفلى هي السائلة ففي الصحيحين عن بن عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالْمَسْأَلَةَ الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ

стр. 1332

السُّفْلَى فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ وَذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ أَحَادِيثَ فِي هَذَا ثُمَّ قَالَ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُتَضَافِرَةٌ عَلَى أَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا هي الْمُنْفِقَةُ مُعْطِيَةٌ وَأَنَّ السُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ (وَابْدَأْ بِمَنْ تعول) خطاب للمنفق أي ابدأ في الاتفاق بِمَنْ تُمَوِّنُ وَيَلْزَمُكَ نَفَقَتُهُ مِنْ عِيَالِكَ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِغَيْرِهِمْ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَامِّ وَعَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود ومسعود بن عمرو وبن عَبَّاسٍ وَثَوْبَانَ وَزِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ وَأَنَسٍ وَحُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ وَقَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ وَسَمُرَةَ وبن عمر) أما حديث حكيم بن حزام أخرجه الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَمَّا حَدِيثُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَمَّا حَدِيثُ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَعَنْهُ حَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَالْغَالِبُ عَلَى رِوَايَتِهِ التَّوْثِيقُ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إِسْنَادَهُ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ وَأَمَّا حَدِيثُ مَسْعُودِ بْنِ عمرو فأخرجه البيهقي وأما حديث بن عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ وَأَمَّا حَدِيثُ ثَوْبَانَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَمَّا حَدِيثُ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ مُطَوَّلًا وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا وَأَمَّا حَدِيثُ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَمَّا حَدِيثُ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَمَّا حَدِيثُ بن عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخْرَى ذَكَرَهَا الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَمَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَى أَلْفَاظِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا التِّرْمِذِيُّ فَلْيَرْجِعْ إِلَى التَّرْغِيبِ قَوْلُهُ (حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ البخاري ومسلم

стр. 1333

قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرِ) بْنِ سُوَيْدٍ اللَّخْمِيِّ الْكُوفِيِّ ثِقَةٌ فَقِيهٌ تَغَيَّرَ حِفْظُهُ وَرُبَّمَا دَلَّسَ مِنَ الثَّالِثَةِ (عَنْ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ) الْفَزَارِيِّ الْكُوفِيِّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (إِنَّ الْمَسْأَلَةَ كَدٌّ يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْكَدُّ الْإِتْعَابُ يُقَالُ كَدَّ يَكُدُّ فِي عَمَلِهِ إِذَا اسْتَعْجَلَ وَتَعِبَ وَأَرَادَ بِالْوَجْهِ مَاءَهُ وَرَوْنَقَهُ انْتَهَى وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي كَدَّ بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ كُدُوحٌ بِضَمِّ الْكَافِ وَالدَّالِ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَقَدْ ذَكَرَ اللَّفْظَيْنِ مَعًا أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي ذَيْلِهِ عَلَى الْغَرِيبَيْنِ وَفَسَّرَ الْكُدُوحَ بِالْخُدُوشِ فِي الْوَجْهِ وَالْكَدَّ بِالتَّعَبِ وَالنَّصَبِ قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَدْحُ بِمَعْنَى الْكَدِّ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّك كَادِحٌ وَهُوَ السَّعْيُ وَالْحِرْصُ انْتَهَى مَا فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي (إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَانًا) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ أَيْ ذَا حُكْمٍ وَسَلْطَنَةٍ بِيَدِهِ بَيْتُ الْمَالِ فَيَسْأَلَ حَقَّهُ فَيُعْطِيَهُ مِنْهُ إِنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْ وَلَوْ مَعَ الْغِنَاءِ فَسَأَلَهُ حَقَّهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّ السُّؤَالَ مَعَ الْحَاجَةِ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ أَوْ فِي أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ انْتَهَى (أَوْ فِي أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ) كَمَا فِي الْحَمَالَةِ وَالْجَائِحَةِ وَالْفَاقَةِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ وَنَقَلَ الْمُنْذِرِيُّ تَصْحِيحَ الترمذي

стр. 1334

٦ - أبواب الصَّوْمِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (بَاب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ) [٦٨٢] قَوْلُهُ (صُفِّدَتْ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بِالْمُهْمَلَةِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَهَا فَاءٌ ثَقِيلَةٌ مَكْسُورَةٌ أَيْ شدت بالأصفاء وَهِيَ الْأَغْلَالُ وَهُوَ بِمَعْنَى سُلْسِلَتِ (الشَّيَاطِينُ) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ (ومردة الجن) جمع ما رد كَطَلَبَةِ وَجَهَلَةِ وَهُوَ الْمُتَجَرِّدُ لِلشَّرِّ وَمِنْهُ الْأَمْرَدُ لِتَجَرُّدِهِ مِنَ الشَّعْرِ وَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْد تَعْمِيمٍ أَوْ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَبَيَانٍ كَالتَّتْمِيمِ وَقِيلَ الْحِكْمَةُ في تقييد الشياطين وتصفيدهم كيلا يُوَسْوِسُوا فِي الصَّائِمِينَ وَأَمَارَةُ ذَلِكَ تَنَزُّهُ أَكْثَرِ الْمُنْهَمِكِينَ فِي الطُّغْيَانِ عَنِ الْمَعَاصِي وَرُجُوعِهِمْ بِالتَّوْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا مَا يُوجَدُ خِلَافَ ذَلِكَ فِي بَعْضِهِمْ فَإِنَّهَا تَأْثِيرَاتٌ مِنْ تَسْوِيلَاتِ الشَّيَاطِينِ أَغْرَقَتْ فِي عُمْقِ تِلْكَ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ وباضت في رؤوسها وَقِيلَ قَدْ خُصَّ مِنْ عُمُومِ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ زَعِيمُ زُمْرَتِهِمْ وَصَاحِبُ دَعْوَتِهِمْ لَكَأَنَّ الْإِنْظَارَ الَّذِي سأله من الله فأجيب إِلَيْهِ فَيَقَعُ مَا يَقَعُ مِنَ الْمَعَاصِي بِتَسْوِيلِهِ وَإِغْوَائِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْيِيدُ كِنَايَةً عَنْ ضَعْفِهِمْ فِي الْإِغْوَاءِ وَالْإِضْلَالِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَالَ عِيَاضٌ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَامَةٌ لِلْمَلَائِكَةِ لِدُخُولِ الشَّهْرِ وَتَعْظِيمِ حُرْمَتِهِ وَلِمَنْعِ الشَّيَاطِينِ مِنْ أَذَى الْمُؤْمِنِينَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ

стр. 1335

يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى كَثْرَةِ الثَّوَابِ وَالْعَفْوِ وَأَنَّ الشياطين يقل إغوائهم فَيَصِيرُونَ كَالْمُصَفَّدِينَ قَالَ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَتْحُ الْجَنَّةِ عِبَارَةً عَمَّا يَفْتَحُهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَذَلِكَ أَسْبَابٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَغَلْقُ أَبْوَابِ النَّارِ عِبَارَةً عَنْ صَرْفِ الْهِمَمِ عَنِ الْمَعَاصِي الْآيِلَةِ بِأَصْحَابِهَا إِلَى النَّارِ وَتَصْفِيدُ الشَّيَاطِينِ عِبَارَةً عَنْ تعجيزهم عن الاغواء وتزيين الشهوات قال الزبير بْنُ الْمُنِيرِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إِلَى صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ وَأَبْوَابُ السَّمَاءِ فَمِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ وَالْأَصْلُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ بِدَلِيلِ مَا يُقَابِلُهُ وَهُوَ غَلْقُ أَبْوَابِ النَّارِ قَالَ الْحَافِظُ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ بَعْدَ أَنْ رَجَّحَ حَمْلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ نَرَى الشُّرُورَ وَالْمَعَاصِيَ وَاقِعَةً فِي رَمَضَانَ كَثِيرًا فَلَوْ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فَالْجَوَابُ أَنَّهَا إِنَّمَا تَقِلُّ عَنِ الصَّائِمِينَ الصَّوْمَ الَّذِي حُوفِظَ عَلَى شُرُوطِهِ وَرُوعِيَتْ آدَابُهُ أَوِ الْمُصَفَّدُ بَعْضُ الشَّيَاطِين كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ يَعْنِي رِوَايَةَ التِّرْمِذِيِّ والنسائي وهم المردة لاكملهم أَوِ الْمَقْصُودُ تَقْلِيلُ الشُّرُورِ فِيهِ وَهَذَا أَمْرٌ مَحْسُوسٌ فَإِنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ غَيْرِهِ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَصْفِيدِ جَمِيعِهِمْ أَنْ لَا يَقَعَ شَرٌّ وَلَا مَعْصِيَةٌ لِأَنَّ لِذَلِكَ أَسْبَابًا غَيْرَ الشَّيَاطِينِ كَالنُّفُوسِ الْخَبِيثَةِ وَالْعَادَاتِ الْقَبِيحَةِ وَالشَّيَاطِينِ الْإِنْسِيَّةِ انْتَهَى (وَيُنَادِي مُنَادٍ) قِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَلَكٌ أَوِ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُلْقِي ذَلِكَ فِي قُلُوبِ مَنْ يُرِيدُ اللَّهُ إِقْبَالَهُ عَلَى الْخَيْرِ كَذَا فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي (يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ) أَيْ طَالِبَ الْعَمَلِ وَالثَّوَابِ (أَقْبِلْ) أي إلى الله وطاعة بِزِيَادَةِ الِاجْتِهَادِ فِي عِبَادَتِهِ وَهُوَ أَمْرٌ مِنَ الْإِقْبَالِ أَيْ تَعَالَ فَإِنَّ هَذَا أَوَانُكَ فَإِنَّكَ تُعْطَى الثَّوَابَ الْجَزِيلَ بِالْعَمَلِ الْقَلِيلِ أَوْ مَعْنَاهُ يَا طَالِبَ الْخَيْرِ الْمُعْرِضُ عَنَّا وَعَنْ طَاعَتِنَا أَقْبِلْ إِلَيْنَا وَعَلَى عِبَادَتِنَا فَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ تحت قدرتنا وإرادتنا قال العراقي ظن بن الْعَرَبِيِّ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الشِّقَّيْنِ يَا بَاغِيَ مِنَ الْبَغْيِ فَنَقَلَ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ أصل البغي في الشرق وَأَقَلَّهُ مَا جَاءَ فِي طَلَبِ الْخَيْرِ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ تَعَالَى غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ وقوله يبغون في الأرض بغير الحق وَاَلَّذِي وَقَعَ فِي الْآيَتَيْنِ هُوَ بِمَعْنَى التَّعَدِّي وَأَمَّا الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَمَعْنَاهُ الطَّلَبُ وَالْمَصْدَرُ مِنْهُ بُغَاءٌ وَبُغَايَةٌ بِضَمِّ الْبَاءِ فِيهِمَا قال الجوهري بغيته أو طَلَبْتُهُ انْتَهَى قُلْتُ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ذَلِكَ مَا كُنَّا نبغ مَعْنَاهُ الطَّلَبُ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الصَّادِ أَيْ يَا مُرِيدَ الْمَعْصِيَةِ أَمْسِكْ عَنِ الْمَعَاصِي وَارْجِعْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فهذا أو أن قَبُولِ التَّوْبَةِ وَزَمَانُ اسْتِعْدَادِ الْمَغْفِرَةِ وَلَعَلَّ طَاعَةَ الْمُطِيعِينَ وَتَوْبَةَ الْمُذْنِبِينَ

стр. 1336

وَرُجُوعَ الْمُقَصِّرِينَ فِي رَمَضَانَ مِنْ أَثَرِ النِّدَائَيْنِ وَنَتِيجَةَ إِقْبَالِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الطَّالِبِينَ وَلِهَذَا ترى أكثر المسلمين صائمين حتى الصغار والجوار بَلْ غَالِبَهُمُ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ الصَّلَاةَ يَكُونُونَ حِينَئِذٍ مُصَلِّينَ مَعَ أَنَّ الصَّوْمَ أَصْعَبُ مِنَ الصَّلَاةِ وَهُوَ يُوجِبُ ضَعْفَ الْبَدَنِ الَّذِي يَقْتَضِي الْكَسَلَ عَنِ الْعِبَادَةِ وَكَثْرَةَ النَّوْمِ عَادَةً وَمَعَ ذَلِكَ تَرَى الْمَسَاجِدَ مَعْمُورَةً وَبِإِحْيَاءِ اللَّيْلِ مَغْمُورَةً وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاَللَّهِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ) أَيْ وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ كَثِيرُونَ مِنَ النَّارِ فَلَعَلَّكَ تَكُونُ مِنْهُمْ (وَذَلِكَ) قَالَ الطِّيبِيُّ أَشَارَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إِمَّا لِلْبَعِيدِ وَهُوَ النِّدَاءُ وَإِمَّا لِلْقَرِيبِ وَهُوَ لِلَّهِ عُتَقَاءُ (كُلَّ لَيْلَةٍ) أَيْ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي رَمَضَانَ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) أَخْرَجَهُ النسائي وبن حبان (وبن مسعود) أخرجه البيهقي (وسلمان) أخرجه بن حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ وَالْأَرْبَعَةُ وَالْبَيْهَقِيُّ كَذَا فِي شَرْحِ سِرَاجِ أَحْمَدَ [٦٨٣] قَوْلُهُ (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَقَامَهُ إِيمَانًا) أَيْ تَصْدِيقًا بِأَنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ حَقٌّ وَأَنَّهُ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَمِمَّا وَعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ قَالَهُ السُّيُوطِيُّ وَقَالَ الطِّيبِيُّ نُصِبَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أَيْ لِلْإِيمَانِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ والاعتقاد بفريضة الصَّوْمِ (وَاحْتِسَابًا) أَيْ طَلَبًا لِلثَّوَابِ مِنْهُ تَعَالَى أَوْ إِخْلَاصًا أَيْ بَاعِثُهُ عَلَى الصَّوْمِ مَا ذُكِرَ لَا الْخَوْفُ مِنَ النَّاسِ وَلَا الِاسْتِحْيَاءُ مِنْهُمْ وَلَا قَصْدُ السُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ عَنْهُمْ (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) قَالَ السُّيُوطِيُّ زَادَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الصَّغَائِرِ دُونَ الْكَبَائِرِ انْتَهَى قَالَ النَّوَوِيُّ إِنَّ الْمُكَفِّرَاتِ إِنْ صَادَفَتِ السَّيِّئَاتِ تَمْحُوهَا إِذَا كَانَتْ صَغَائِرَ وَتُخَفِّفُهَا إِذَا كَانَتْ كَبَائِرَ وَإِلَّا تَكُونُ مُوجِبَةً لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ فِي الْجَنَّاتِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ (غَرِيبٌ لا نعرفه إلا من رواية أبي

стр. 1337

بكر بن عياش الخ) الحديث أخرجه بن مَاجَهْ أَيْضًا قَالَ الْجَزَرِيُّ كِلَاهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ قَالَ ميركُ وَهَذَا لَا يَخْلُو عَنْ تَأَمُّلٍ فَإِنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ كَثِيرُ الْغَلَطِ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنِ الْأَعْمَشِ وَلِذَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ غَرِيبٌ لا نعرفه إلا من رواية أبي بكر (وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ إلخ) لَكِنْ يُفْهَمُ من كلام الشيخ بن حجر العسقلاني أن الحديث المرفوع أخرجه بن خزيمة والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ وَاللَّفْظُ لِابْنِ خُزَيْمَةَ وَنَحْوُهُ للبيهقي من حديث بن مَسْعُودٍ وَقَالَ فِيهِ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ بَابٌ مِنْهَا الشَّهْرَ كُلَّهُ انْتَهَى كَلَامُهُ وَيُقَوِّي رَفْعَ الْحَدِيثِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ فَهُوَ مَرْفُوعٌ حُكْمًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ تم كلام ميرك كذا نقل القارىء فِي الْمِرْقَاةِ كَلَامَ الْجَزَرِيِّ وَكَلَامَ ميركَ ثُمَّ تُعُقِّبَ عَلَى ميركَ بِوُجُوهٍ لَا يَخْلُو بَعْضُهَا عَنْ كَلَامٍ (بَاب مَا جَاءَ لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِصَوْمٍ) [٦٨٤] قَوْلُهُ (لَا تَقَدَّمُوا) بِفَتْحِ التَّاءِ وَأَصْلُهُ لَا تَتَقَدَّمُوا بِالتَّائَيْنِ حُذِفَتْ إِحْدَاهُمَا كَمَا فِي (تَلَظَّى) قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ لِئَلَّا يَصُومَ احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (لِمَعْنَى رَمَضَانَ) وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْيَوْمَيْنِ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ الشَّكُّ فِي يَوْمَيْنِ بِحُصُولِ الْغَيْمِ أَوِ الظُّلْمَةِ فِي شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَلِذَا عَقَّبَ ذِكْرَ الْيَوْمِ بِالْيَوْمَيْنِ وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ أَنْ لَا يَخْتَلِطَ صَوْمُ الْفَرْضِ بصوم نقل قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ حَذَرًا مِمَّا صَنَعَتِ النَّصَارَى في

стр. 1338

الزِّيَادَةِ عَلَى مَا افْتُرِضَ عَلَيْهِمْ بِرَأْيِهِمْ الْفَاسِدِ انْتَهَى وَقَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَالْحِكْمَةُ فِيهِ التَّقَوِّي بِالْفِطْرِ لِرَمَضَانَ لِيَدْخُلَ فِيهِ بِقُوَّةٍ وَنَشَاطٍ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَوْ تَقَدَّمَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ جَازَ وَقِيلَ الْحِكْمَةُ فِيهِ خَشْيَةُ اخْتِلَاطِ النَّفْلِ بِالْفَرْضِ وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ لَهُ عَادَةٌ كَمَا فِي الْحَدِيثِ وَقِيلَ لِأَنَّ الْحُكْمَ عُلِّقَ بِالرُّؤْيَةِ فَمَنْ تَقَدَّمَهُ بِيَوْمٍ أَوْ بِيَوْمَيْنِ فَقَدْ حَاوَلَ الطَّعْنَ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ وِرْدٌ فَقَدْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ لِأَنَّهُ اعْتَادَهُ وَأَلِفَه وَتَرْكُ الْمَأْلُوفِ شَدِيدٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ اسْتِقْبَالِ رَمَضَانَ فِي شَيْءٍ وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ الْقَضَاءُ وَالنَّذْرُ لِوُجُوبِهِمَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يُسْتَثْنَى الْقَضَاءُ وَالنَّذْرُ بِالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهِمَا فَلَا يَبْطُلُ الْقَطْعِيُّ بِالظَّنِّ وَفِي الحديث رد على من يرى بتقديم الصَّوْمِ عَلَى الرُّؤْيَةِ كَالرَّافِضَةِ وَرَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ بِجَوَازِ صَوْمِ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ انْتَهَى قَوْلُهُ (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ) أَيْ لِأَجْلِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَاللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ وَالضَّمِيرُ لِلْهِلَالِ عَلَى حَدِّ (تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) اكْتِفَاءً بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ (فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ) أَيْ غُطِّيَ الْهِلَالُ فِي لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ غُمَّ عَلَيْنَا الْهِلَالُ إِذَا حَالَ دُونَ رُؤْيَتِهِ غَيْمٌ أَوْ نَحْوُهُ مِنْ غَمَمْتُ الشَّيْءَ إِذَا غَطَّيْتَهُ وَفِي غُمَّ ضَمِيرُ الْهِلَالِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غُمَّ مُسْنَدًا إِلَى الظَّرْفِ أَيْ فَإِنْ كُنْتُمْ مَغْمُومًا عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ انْتَهَى (فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ مِنَ الْعَدِّ وَالْمَعْنَى أَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ إلخ) قَالَ الْحَافِظُ في الفتح وروى أبو داود والنسائي وبن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا لا تقدموا الشهر متى ترووا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثُمَّ صُومُوا حَتَّى ترووا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَقِيلَ الصَّوَابُ فِيهِ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مُبْهَمٍ وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ انْتَهَى قَوْلُهُ (حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أحمد

стр. 1339

قَوْلُهُ (كَرِهُوا أَنْ يَتَعَجَّلَ الرَّجُلُ بِصِيَامٍ قَبْلَ دُخُولِهِ شَهْرَ رَمَضَانَ لِمَعْنَى رَمَضَانَ) قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي قَوْلُهُ لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِيَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِمَعْنَى رَمَضَانَ انْتَهَى وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا تَسْتَقْبِلُوا رَمَضَانَ بِصِيَامٍ عَلَى نِيَّةِ الِاحْتِيَاطِ لِرَمَضَانَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ لَمَّا أَخْرَجَهُ فَذَكَرَ الْحَافِظُ كَلَامَ التِّرْمِذِيِّ هَذَا إِلَى قَوْلِهِ لِمَعْنَى رَمَضَانَ [٦٨٥] قَوْلُهُ (لَا تَقَدَّمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِصِيَامٍ قَبْلَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ) إِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ فِيمَنْ يَقْصِدُ ذَلِكَ وَقَدْ قَطَعَ كَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْمَنْعِ مِنْ أَوَّلِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ شَعْبَانَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ بن حِبَّانَ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الرُّويَانِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ يَحْرُمُ التَّقَدُّمُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لِحَدِيثِ الْبَابِ وَيُكْرَهُ التَّقَدُّمُ مِنْ نِصْفِ شَعْبَانَ لِلْحَدِيثِ الْآخَرِ وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَجُوزُ الصَّوْمُ تَطَوُّعًا بَعْدَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَضَعَّفُوا الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِيهِ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَعِينٍ إِنَّهُ مُنْكَرٌ وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْبَيْهَقِيُّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى ضَعْفِهِ فَقَالَ الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ بِمَا هُوَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ وَكَذَا صَنَعَ قَبْلَهُ الطَّحَاوِيُّ وَاسْتَظْهَرَ بِحَدِيثِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَعْبَانُ لَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ وَجَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثِينَ بِأَنَّ حَدِيثَ الْعَلَاءِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يُضْعِفُهُ الصَّوْمُ وَحَدِيثَ الْبَابِ مَخْصُوصٌ بِمَنْ يَحْتَاطُ بِزَعْمِهِ لِرَمَضَانَ قَالَ الْحَافِظُ وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ

стр. 1340

٣ - (باب ما جاء في كراهية صوم يوم الشَّكِّ) [٦٨٦] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) اسْمُهُ سُلَيْمَانُ بن حيان الأزدي الكوفي صدوق يخطىء مِنَ الثَّامِنَةِ (عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ) بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ وَزُفَرُ بِالزَّايِ وَالْفَاءِ عَلَى وَزْنِ عُمَرَ كُوفِيٌّ عَبْسِيٌّ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَفُضَلَائِهِمْ قَوْلُهُ (كُنَّا عِنْدَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ) صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ مَشْهُورٌ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ بَدْرِيٌّ قُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ بِصِفِّينَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ (مَصْلِيَّةٍ) أَيْ مَشْوِيَّةٍ (فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ) أَيِ اعْتَزَلَ (فَقَالَ) أَيْ بَعْضُ الْقَوْمِ الَّذِي اعْتَزَلَ وَاحْتَرَزَ عَنْ أَكْلِهَا (مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي شُكَّ فِيهِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَشُكُّ فِيهِ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا بِلَفْظِ مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ وَالْمُرَادُ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ يَوْمُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إِذَا لَمْ يُرَ الْهِلَالُ فِي لَيْلَتِهِ بِغَيْمٍ سَاتِرٍ أَوْ نَحْوِهِ فَيَجُوزُ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ وَكَوْنُهُ مِنْ شَعْبَانَ (فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ) هُوَ كُنْيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِيلَ فَائِدَةُ تَخْصِيصِ ذِكْرِ هَذِهِ الْكُنْيَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُقَسِّمُ بَيْنَ عِبَادِ اللَّهِ أَحْكَامَهُ زَمَانًا وَمَكَانًا وَغَيْرَ ذَلِكَ قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ يَوْمِ الشَّكِّ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ لَا يَقُولُ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ رأيه فيكون من قبل المرفوع قال بن عَبْدِ الْبَرِّ هُوَ مُسْنَدٌ عِنْدَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ وَخَالَفَهُمُ الْجَوْهَرِيُّ الْمَالِكِيُّ فَقَالَ هُوَ مَوْقُوفٌ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ لَفْظًا مَرْفُوعٌ حُكْمًا انْتَهَى قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِلَفْظِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَحَدُهَا الْيَوْمُ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ جَدِّهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الدَّارَقُطْنِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ الواقدي وأخرجه أيضا البيهقي وفي إسناد عَبَّادٌ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ الْمُتَقَدِّمُ وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ كَذَا فِي

стр. 1341

النَّيْلِ (وَأَنَسٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ أَخْرَجَهُ قَوْلُهُ (حَدِيثُ عَمَّارٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وأخرجه أيضا بن حبان وبن خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَاهُ وَالْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ جَمَعَ الصَّاغَانِيُّ فِي تَصْنِيفٍ لَهُ الْأَحَادِيثَ الْمَوْضُوعَةَ فَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَمَّارٍ الْمَذْكُورَ وَمَا أَدْرِي مَا وَجْهُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ وَلَيْسَ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالْكَذِبِ وَكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَقَالَ وَقَدْ كَتَبْتُ عَلَى الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ كُرَّاسَةً فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ فِي أَحَادِيثَ مِنْهَا هَذَا الْحَدِيثُ قَالَ نَعَمْ فِي اتِّصَالِهِ نَظَرٌ فَقَدْ ذَكَرَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّهُ رَوَى عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ أَنَّهُ قَالَ حُدِّثْتُ عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ لَكِنْ جَزَمَ الْبُخَارِيُّ بِصِحَّتِهِ إِلَى صِلَةَ فَقَالَ فِي صَحِيحِهِ وَقَالَ صِلَةُ وَهَذَا يَقْتَضِي صِحَّتَهُ عِنْدَهُ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ إِنَّهُ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ انْتَهَى قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ إلخ) قَالَ فِي النَّيْلِ وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَيْ بِحَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَأَحَادِيثِ الْأَمْرِ بِالصَّوْمِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَكَأَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنِ اسْتِقْبَالِ رَمَضَانَ بِصَوْمٍ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ قَالَ النَّوَوِيُّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ وَحَكَى الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَوْمُهُ عَنْ فَرْضِ رَمَضَانَ وَيَجُوزُ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ قال بن الْجَوْزِيِّ وَلِأَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ إِذَا حَالَ دُونَ مَطْلَعِ الْهِلَالِ غَيْمٌ أَوْ غَيْرُهُ ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثة أقوال أحداها يَجِبُ صَوْمُهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ وَثَانِيهَا لَا يَجُوزُ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا مُطْلَقًا بَلْ قَضَاءً وَكَفَّارَةً وَنَذْرًا وَنَفْلًا يُوَافِقُ عَادَةً ثَالِثُهَا الْمَرْجِعُ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَى صَوْمِهِ مِنْهُمْ عَلِيٌّ وَعَائِشَةُ وَعَمْرُو بْنُ عُمَرَ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ وأبي هُرَيْرَةَ وَمُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَغَيْرُهُمْ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَاسْتَدَلَّ الْمُجَوِّزُونَ لِصَوْمِهِ بِأَدِلَّةٍ ثُمَّ ذَكَرَهَا الشَّوْكَانِيُّ وَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا وَلَيْسَ فِيهَا مَا يفيد مطلوبهم ثم قال قال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ كَرَاهَةُ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلِيُّ بْنُ أبي طالب وعمار وبن مسعود وحذيفة وبن عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ثُمَّ قَالَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّحَابَةَ مُخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ بِحُجَّةٍ عَلَى أَحَدٍ وَالْحُجَّةُ مَا جَاءَنَا عَنِ الشَّارِعِ وَقَدْ عَرَفْتَهُ قَالَ وَقَدِ اسْتَوْفَيْتُ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْأَبْحَاثِ الَّتِي كَتَبْتُهَا عَلَى رِسَالَةِ الْجَلَالِ انْتَهَى (ورأى

стр. 1342

أَكْثَرُهُمْ إِنْ صَامَهُ) أَيْ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ (وَكَانَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أَنْ يَقْضِيَ يَوْمًا مَكَانَهُ) لِأَنَّ الَّذِي صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ لَمْ يَصُمْ صَوْمَ رَمَضَانَ عَلَى الْيَقِينِ وَإِنْ ظَهَرَ بَعْدُ أَنَّهُ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَقْضِيَ يَوْمًا مَكَانَهُ (بَاب مَا جَاءَ فِي إِحْصَاءِ هِلَالِ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ) [٦٨٧] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ حَجَّاجٍ) هُوَ صَاحِبُ الصَّحِيحِ قَالَ الْعِرَاقِيُّ لَمْ يَرْوِ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِهِ شَيْئًا عَنْ مُسْلِمٍ صَاحِبِ الصَّحِيحِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ فَإِنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي كَثِيرٍ مِنْ شُيُوخِهِمَا انْتَهَى قَوْلُهُ (أَحْصُوا) بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ أَمْرٌ مِنَ الْإِحْصَاءِ وَهُوَ في الأصل العد بالحصا أَيْ عُدُّوا (هِلَالَ شَعْبَانَ) أَيْ أَيَّامَهُ (لِرَمَضَانَ) أَيْ لِأَجْلِ رَمَضَانَ أَوْ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى صَوْمِ رمضان وقال بن الْمَلَكِ أَيْ لِتَعْلَمُوا دُخُولَ رَمَضَانَ قَالَ الطِّيبِيُّ الْإِحْصَاءُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْعَدِّ بِأَنْوَاعِ الْجُهْدِ وَلِذَلِكَ كُنِّيَ بِهِ عَنِ الطَّاقَةِ فِي قَوْلِهِ ﵊ اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا انْتَهَى وَقَالَ بن حَجَرٍ أَيِ اجْتَهَدُوا فِي إِحْصَائِهِ وَضَبْطِهِ بِأَنْ تَتَحَرَّوْا مَطَالِعَهُ وَتَتَرَاءَوْا مَنَازِلَهُ لِأَجْلِ أَنْ تَكُونُوا عَلَى بَصِيرَةٍ فِي إِدْرَاكِ هِلَالِ رَمَضَانَ عَلَى حَقِيقَةٍ حَتَّى لَا يَفُوتَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي هذا الحديث مختصر من حديث وقد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِتَمَامِهِ فَزَادَ وَلَا تَخْلِطُوا بِرَمَضَانَ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صِيَامًا مَا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ وَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ تُغَمَّى عَلَيْكُمِ الْعِدَّةُ انْتَهَى قَوْلُهُ (لَا نَعْرِفُهُ مِثْلَ هَذَا) أَيْ بِهَذَا اللَّفْظِ (إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ يَعْنِي أَنَّهُ قَدْ تَفَرَّدَ بِهَذَا اللَّفْظِ وَالصَّحِيحُ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ إلخ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّ

стр. 1343

حَدِيثَ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو بِلَفْظِ أَحْصُوا هِلَالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ وَمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو بِلَفْظِ لَا تَقَدَّمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ حَدِيثَانِ يَدُلَّانِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ فَالْأَوَّلُ يَدُلُّ عَلَى إِحْصَاءِ هِلَالِ شَعْبَانَ وَالتَّحَفُّظُ بِهِ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ الْحَدِيثً وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو يَرْوِي هَذَيْنِ الْحَدِيثِينَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَرَوَى عَنْهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ وَرَوَى عَنْهُ غَيْرُهُ الْحَدِيثَ الْآخَرَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحَدِيثَانِ صَحِيحَيْنِ فَتَفَكَّرْ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الصَّوْمَ لِرُؤْيَةِ الهلال) الخ [٦٨٨] قَوْلُهُ (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ) الضَّمِيرُ لِلْهِلَالِ عَلَى حَدِّ توارت بالحجاب اكْتِفَاءً بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ قَالَ الطِّيبِيُّ اللَّامُ لِلتَّوْقِيتِ كقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس (دونه) أي دون الهلال (غيابه) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْيَائَيْنِ الْمُثَنَّاتَيْنِ مِنْ تَحْتُ وهي السحاب ونحوها قال القارىء هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي ضَبْطِ هَذَا الْحَدِيثِ وقال بن الْعَرَبِيِّ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ بَدَلَ الْيَاءِ الْأَخِيرَةِ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ مِنَ الْغَيْبِ وَتَقْدِيرُهُ مَا خَفِيَ عَلَيْكَ وَاسْتَتَرَ أَوْ نُونًا مِنَ الْغَيْنِ وَهُوَ الْحِجَابُ كَذَا فِي قُوتِ الْمُغْتَذِي قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ (وَأَبِي بكرة) أخرجه الشيخان (وبن

стр. 1344

عمر) أخرجه الشيخان قوله (حديث بن عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ (بَاب ما جاء أن الشهر يكون تسعا وَعِشْرِينَ) أَيْ قَدْ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ [٦٨٩] قَوْلُهُ (عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ صَحَابِيٌّ قَلِيلُ الْحَدِيثِ وَهُوَ أَخُو جُوَيْرِيَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ قَوْلُهُ (مَا صُمْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَخْ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ لَمَّا صُمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَخْ قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ كَلِمَةُ مَا تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَيْ صَوْمِي تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرُ مِنْ صَوْمِي ثَلَاثِينَ وَتَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَوْصُولَةً وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ مَا صُمْتُهُ حَالَ كَوْنِهِ تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرُ مِمَّا صُمْنَاهُ حَالَ كَوْنِهِ ثَلَاثِينَ فَيَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَكَذَلِكَ ثلاثين حال مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ الْمَحْذُوفِ الرَّاجِعِ إِلَى رَمَضَانَ الْمُرَادِ بِالْمَوْصُولِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ قَوْلُهُ أَكْثَرُ مَرْفُوعٌ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَشْهُرَ النَّاقِصَةَ أَكْثَرُ مِنَ الْوَافِيَةِ وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ كَلِمَةَ مَا الْأُولَى نَافِيَةٌ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ أَكْثَرُ مَنْصُوبًا وَيَكُونُ الْحَاصِلُ أَنَّ النَّاقِصَ مَا كَانَ غَالِبًا عَلَى الْوَافِي فَبَعِيدٌ وَيُؤَيِّدُ هَذَا البعد ما قال الشيخ بن حَجَرٍ قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ صَامَ ﷺ تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ مِنْهَا رَمَضَانَانِ فَقَطْ ثَلَاثُونَ وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَقَدْ يَقَعُ النَّقْصُ مُتَوَالِيًا فِي شَهْرَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَلَا يَقَعُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةٍ انْتَهَى كَلَامُ أَبِي الطَّيِّبِ بِاخْتِصَارٍ وحديث بن مَسْعُودٍ هَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا وَسَكَتَ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ عَنْهُ وَذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَسَكَتَ عَنْهُ هُوَ أَيْضًا وَقَالَ وَمِثْلُهُ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ انْتَهَى

стр. 1345

قلت والظاهر أن حديث بن مَسْعُودٍ حَسَنٌ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ إلخ) أَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ ﵁ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الشَّيْخَانِ وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَمَّا حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَأَخْرَجَهُ مسلم فأما حديث بن عُمَرَ وَأَنَسٍ وَجَابِرٍ وَأُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وغيره وأما حديث بن عَبَّاسٍ وَأَبِي بَكْرَةَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ [٦٩٠] قَوْلُهُ (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ) أَيْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِيلَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْإِيلَاءَ الشَّرْعِيَّ بَلِ الْمُرَادُ الْإِيلَاءُ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ الْحَلِفُ (فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا أَيْ غُرْفَةٍ قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ الْمَشْرُبَةُ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ الْغُرْفَةُ وَفِي الْقَامُوسِ الْمَشْرُبَةُ الْغُرْفَةُ أَوِ الْعُلِّيَّةُ انْتَهَى وَالْغُرْفَةُ بِالضَّمِّ وَالْعُلِّيَّةُ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ مَعْنَاهُمَا بِالْفَارِسِيَّةِ برواره كَذَا فِي الصُّرَاحِ وبرواره عَلَى وَزْنِ همواره مَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ بالإخانة وحجرة بالاء حجرة (الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) أَيْ هَذَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ أَوِ الْمَعْنَى الشَّهْرُ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ظَاهِرُهُ حَصْرُ الشَّهْرِ فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ فِيهِ بَلْ قَدْ يَكُونُ ثَلَاثِينَ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ أَوِ اللَّامُ لِلْعَهْدِ وَالْمُرَادُ شَهْرٌ بِعَيْنِهِ أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَكْثَرِ الْأَغْلَبِ كقول بن مَسْعُودٍ مَا صُمْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرَ مِمَّا صُمْنَا ثَلَاثِينَ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا وقال بن الْعَرَبِيِّ مَعْنَاهُ حَصْرُهُ مِنْ جِهَةِ أَحَدِ طَرَفَيْهِ أَيْ أَنَّهُ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَهُوَ أَقَلُّهُ وَيَكُونُ ثَلَاثِينَ وَهُوَ أَكْثَرُهُ فَلَا تَأْخُذُوا أَنْفُسَكُمْ بِصَوْمِ الْأَكْثَرِ احْتِيَاطًا وَلَا تَقْتَصِرُوا عَلَى الْأَقَلِّ تَخْفِيفًا وَلَكِنِ اجْعَلُوا عِبَادَتَكُمْ مُرْتَبِطَةً ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً باستهلاله انْتَهَى قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ البخاري

стр. 1346

٧ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الصَّوْمِ بِالشَّهَادَةِ) [٦٩١] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) هُوَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀ (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) الدُّولَابِيُّ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ ثِقَةٌ حَافِظٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ (أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ) هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ وَقَدْ يُنْسَبُ بِجَدِّهِ ضَعِيفٌ مِنَ الثَّامِنَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ) أَيْ وَاحِدٌ مِنَ الْأَعْرَابِ وَهُمْ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ (إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ) يَعْنِي هِلَالَ رَمَضَانَ كَمَا فِي رِوَايَةٍ يَعْنِي وَكَانَ غَيْمًا وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِخْبَارَ كَافٍ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ وَلَا إِلَى الدَّعْوَى (فَقَالَ أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله الخ) قال بن الْمَلَكِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطٌ فِي الشَّهَادَةِ (أَذِّنْ فِي النَّاسِ) أَمْرٌ مِنَ التَّأْذِينِ أَيْ نَادِ فِيهِمْ وَأَعْلِمْهُمْ قَوْلُهُ (وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ سِمَاكٍ رَوَوْا عَنْ سِمَاكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا) وَقَالَ النَّسَائِيُّ إِنَّهُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ وَسِمَاكٌ إِذَا تَفَرَّدَ بِأَصْلٍ لَمْ يكن حجة كذا الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَقَالَ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ رواه الخمسة وصححه بن خزيمة وبن حِبَّانَ وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ إِرْسَالَهُ انْتَهَى قَوْلُهُ (وَبِهِ يقول بن الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ) أَيْ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ

стр. 1347

(وَأَحْمَدُ) وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ في الفتح واستدلوا بحديث الباب وبحديث بن عُمَرَ ﵁ قَالَ تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ رَوَاهُ أبو داود وصححه بن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ (وَقَالَ إِسْحَاقُ لَا يُصَامُ إِلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ) وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ خَطَبَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي شَكَّ فِيهِ فَقَالَ أَلَّا إِنِّي جَالَسْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَأَلْتُهُمْ أَنَّهُمْ حَدَّثُونِي أَنَّ رسول الله ﷺ قال صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَنْسِكُوا لَهَا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ مُسْلِمَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ مُسْلِمَانِ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قَدْحًا وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِيهِ انْتَهَى وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ أَمِيرِ مَكَّةَ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن نَنْسُكَ لِلرُّؤْيَةِ فَإِنْ لَمْ نَرَهُ وَشَهِدَ شَاهِدَا عَدْلٍ نَسَكْنَا بِشَهَادَتِهِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالَّداَرُقْطِنُّي وَقَالَ هَذَا إِسْنَادٌ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِقَبُولِ شَهَادَةِ رَجُلٍ فِي الصِّيَامِ عَنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثِينَ بِأَنَّ التَّصْرِيحَ بِالِاثْنَيْنِ غَايَةُ مَا فِيهِ الْمَنْعُ مِنْ قَبُولِ الْوَاحِدِ بِالْمَفْهُومِ وَحَدِيثَ بن عباس وحديث بن عُمَرَ الْمَذْكُورَيْنِ يَدُلَّانِ عَلَى قَبُولِهِ بِالْمَنْطُوقِ وَدَلَالَةُ الْمَنْطُوقِ أَرْجَحُ (وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْإِفْطَارِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ عَدْلٍ وَاحِدٍ عَلَى هِلَالِ شَوَّالٍ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ إِلَّا أَبَا ثَوْرٍ فَجَوَّزَهُ بِعَدْلٍ انْتَهَى وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ في الأوسط من طريق طاؤس قال شهدت المدينة وبها بن عمر وبن عَبَّاسٍ فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَيَّ وَالِيهَا وَشَهِدَ عِنْدَهُ على رؤية هلال شهر رمضان فسأل بن عمر وبن عَبَّاسٍ عَنْ شَهَادَتِهِ فَأَمَرَاهُ أَنْ يُجِيزَهُ وَقَالَا أن رسول الله ﷺ أَجَازَ شَهَادَةَ وَاحِدٍ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ وَكَانَ لَا يُجِيزُ شَهَادَةَ الْإِفْطَارِ إِلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْأَيْلِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ فَإِنْ قُلْتَ هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ شَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي الْإِفْطَارِ قُلْتُ أَصْلُ الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ وَحَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ الْمَذْكُورَيْنِ فَإِنَّ قَوْلَهُ ﷺ فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ مُسْلِمَانِ فَصُومُوا وَأَفْطَرُوا فِي حَدِيثِ عَبْدِ

стр. 1348

الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ وَقَوْلَهُ فَإِنْ لَمْ نَرَهُ وَشَهِدَ شَاهِدَا عَدْلٍ نَسَكْنَا بِشَهَادَتِهِمَا فِي حَدِيثِ الْحَارِثِ يَدُلَّانِ بِمَفْهُومِهِمَا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ شَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي الْإِفْطَارِ وَلَا يُعَارِضُهُ مَنْطُوقٌ بل منطوق حديث بن عمر وبن عَبَّاسٍ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا يُؤَيِّدُهُمَا (بَاب مَا جَاءَ شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ) [٦٩٢] قَوْلُهُ (رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ) بَدَلَانِ وَبَيَانَانِ أُطْلِقَ عَلَى رَمَضَانَ أَنَّهُ شَهْرُ عِيدٍ لِقُرْبِهِ مِنَ الْعِيدِ وَنَظِيرُ قَوْلِهِ ﷺ الْمَغْرِبُ وِتْرُ النهار أخرجه الترمذي من حديث بن عُمَرَ وَصَلَاةُ الْمَغْرِبِ لَيْلِيَّةٌ جَهْرِيَّةٌ وَأَطْلَقَ كَوْنَهَا وِتْرَ النَّهَارِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ قَالَهُ الْحَافِظُ قَوْلُهُ (حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ فالظاهر أنه صحيح (قال أحمد) أي بن حَنْبَلٍ ﵀ (إِنْ نَقَصَ أَحَدُهُمَا تَمَّ الْآخَرُ) أَيْ إِنْ جَاءَ أَحَدُهُمَا تِسْعًا وَعِشْرِينَ جاء الاخر ثلاثين (وقال إسحاق) أي بن راهويه ﵀ وإن كان تِسْعًا وَعِشْرِينَ فَهُوَ تَمَامٌ غَيْرُ نُقْصَانٍ أَيْ فَهُوَ تَامٌّ فِي الْفَضِيلَةِ غَيْرُ نَاقِصٍ (وَعَلَى مَذْهَبِ إِسْحَاقَ يَكُونُ يَنْقُصُ الشَّهْرَانِ مَعًا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ) أَيْ عَلَى مَذْهَبِ إِسْحَاقَ يَجُوزُ أَنْ يَنْقُصَا مَعًا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ كَانَ إِسْحَاقُ بن رَاهَوَيْهِ يَقُولُ لَا يَنْقُصَانِ فِي الْفَضِيلَةِ إِنْ كَانَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ انْتَهَى وَذَكَرَ بن حِبَّانَ لِهَذَا الْحَدِيثِ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا قَالَ

стр. 1349

إِسْحَاقُ وَالْآخَرُ أَنَّهُمَا فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ فِيهَا أَفْضَلَ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَنْقُصَانِ فِي عَامٍ بِعَيْنِهِ وَهُوَ الْعَامُ الَّذِي قَالَ فِيهِ ﷺ تِلْكَ الْمَقَالَةَ وَقِيلَ الْمَعْنَى لَا يَنْقُصَانِ فِي الْأَحْكَامِ وَبِهَذَا جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَبِلَهُ الطَّحَاوِيُّ فَقَالَ مَعْنَى لَا يَنْقُصَانِ أَيِ الْأَحْكَامُ فِيهِمَا وَإِنْ كَانَتَا تِسْعَةً وَعِشْرِينَ مُتَكَامِلَةٌ غَيْرُ نَاقِصَةٍ عَنْ حُكْمِهِمَا إِذَا كَانَا ثَلَاثِينَ وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَنْقُصَانِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَكِنْ رُبَّمَا حَالَ دُونَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ مَانِعٌ وَهَذَا أَشَارَ إليه بن حِبَّانَ أَيْضًا وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَنْقُصَانِ مَعًا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى طَرِيقِ الْأَكْثَرِ الْأَغْلَبِ وَإِنْ نَدَرَ وُقُوعُ ذَلِكَ وَهَذَا أَعْدَلُ مِمَّا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ رُبَّمَا وُجِدَ وُقُوعُهُمَا وَوُقُوعُ كُلٍّ مِنْهُمَا تِسْعَةً وَعِشْرِينَ هَذَا تَلْخِيصُ مَا قَالَهُ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ الْأَصَحُّ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَنْقُصُ أَجْرُهُمَا وَالثَّوَابُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِمَا وإن نقص عددهما وقيل معنا لَا يَنْقُصَانِ جَمِيعًا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ غَالِبًا وَقِيلَ لَا يَنْقُصُ ثَوَابُ ذِي الْحِجَّةِ عَنْ ثَوَابِ رَمَضَانَ لَأَنَّهُ فِيهِ الْمَنَاسِكُ حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ الْمُعْتَمَدُ وَمَعْنَاهُ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تقدم من ذنبه وقوله من قام رمضانا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَغَيْرَ ذَلِكَ فَكُلُّ هَذِهِ الْفَضَائِلِ تَحْصُلُ سَوَاءٌ تَمَّ عَدَدُ رَمَضَانَ أَمْ نَقَصَ انْتَهَى قُلْتُ الظَّاهِرُ هُوَ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (بَاب مَا جَاءَ لِكُلِّ أَهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتُهُمْ) [٦٩٣] قَوْلُهُ (بَعَثَتْهُ) أَيْ كُرَيْبًا (وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ) بِضَمِّ التَّاءِ مِنَ اسْتَهَلَّ قَالَهُ النَّوَوِيُّ يَعْنِي بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فَرَأَيْنَا الْهِلَالَ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ (فَقَالَ أَنْتَ رَأَيْتَهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ

стр. 1350

فَقُلْتُ رَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَقَالَ أَنْتَ رَأَيْتَهُ فَقُلْتُ نَعَمْ وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ (فَقَالَ لَكِنْ رأيناه) أي فقال بن عَبَّاسٍ لَكِنْ رَأَيْنَاهُ (حَتَّى نُكْمِلَ) مِنَ الْإِكْمَالِ أَوِ التَّكْمِيلِ (فَقُلْتُ أَلَّا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ قَالَ لَا إلخ) هَذَا بِظَاهِرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ أَهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتَهُمْ وَلَا تَكْفِي رُؤْيَةُ أَهْلِ بَلَدٍ لِأَهْلِ بَلَدٍ آخَرَ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا تَعُمُّ النَّاسَ بَلْ تَخْتَصُّ بِمَنْ قَرُبَ عَلَى مَسَافَةٍ لَا تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ وَقِيلَ إِنِ اتَّفَقَ الْمَطْلَعُ لَزِمَهُمْ وَإِنِ اتَّفَقَ الْإِقْلِيمُ وَإِلَّا فَلَا وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا تَعُمُّ الرُّؤْيَةُ فِي مَوْضِعٍ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ فَعَلَى هَذَا تَقُولُ إِنَّمَا لَمْ يَعْمَلِ بن عَبَّاسٍ بِخَبَرِ كُرَيْبٍ لَأَنَّهُ شَهَادَةٌ فَلَا تَثْبُتُ بِوَاحِدٍ لَكِنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِهِ أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهُ لِهَذَا وَإِنَّمَا رَدَّهُ لَأَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهَا فِي حَقِّ الْبَعِيدِ انْتَهَى قَوْلُهُ (حَدِيثُ بن عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أهل العلم أن لِكُلِّ أَهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتَهُمْ) ظَاهِرُ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْأَمْرُ لَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَذَاهِبَ أَحَدُهَا لِأَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ رُؤْيَتُهُمْ وفي صحيح مسلم من حديث بن عباس ما يشهد له وحكاه بن الْمُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ وَالْقَاسِمِ وَسَالِمٍ وَإِسْحَاقَ وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَمْ يَحْكِ سِوَاهُ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهًا لِلشَّافِعِيَّةِ ثَانِيهَا مُقَابِلُهُ إِذَا رُؤِيَ بِبَلْدَةٍ لَزِمَ أَهْلَ الْبِلَادِ كُلِّهَا وَهُوَ المشهور عند المالكية لكن حكى بن عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِهِ وَقَالَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا تُرَاعَى الرُّؤْيَةُ فِيمَا بَعُدَ مِنَ الْبِلَادِ كَخُرَاسَانَ وَالْأَنْدَلُسِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ قَدْ قَالَ شُيُوخُنَا إِذَا كَانَتْ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ ظَاهِرَةً قَاطِعَةً بِمَوْضِعٍ ثُمَّ نُقِلَ إِلَى غَيْرِهِمْ بِشَهَادَةِ اثنين لزمهم الصوم وقال بن الْمَاجِشُونِ لَا يَلْزَمُهُمْ بِالشَّهَادَةِ إِلَّا

стр. 1351

لِأَهْلِ الْبَلَدِ الَّذِي ثَبَتَتْ فِيهِ الشَّهَادَةُ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ فَيَلْزَمُ النَّاسَ كُلَّهُمْ لَأَنَّ الْبِلَادَ فِي حَقِّهِ كَالْبَلَدِ الْوَاحِدِ إِذْ حُكْمُهُ نَافِذٌ فِي الْجَمِيعِ وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ تَقَارَبَتِ الْبِلَادُ كَانَ الْحُكْمُ وَاحِدًا وَإِنْ تَبَاعَدَتْ فَوَجْهَانِ لَا يَجِبُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ وَاخْتَارَ أَبُو الطَّيِّبِ وَطَائِفَةٌ الْوُجُوبَ وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَفِي ضَبْطِهِ الْبُعْدَ أَوْجُهٌ أَحَدُهَا اخْتِلَافُ الْمَطَالِعِ قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَالصَّيْدَلَانِيُّ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ ثَانِيهَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ قَطَعَ بِهِ الْإِمَامُ الْبَغَوِيُّ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ثَالِثُهَا اخْتِلَافُ الْأَقَالِيمِ رَابِعُهَا حَكَاهُ السَّرَخْسِيُّ فَقَالَ يَلْزَمُ كُلَّ بَلَدٍ لَا يُتَصَوَّرُ خَفَاؤُهُ عَنْهُمْ بِلَا عارض دون غيرهم خامسها قول بن مَاجِشُونَ الْمُتَقَدِّمُ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ قُلْتُ حَدِيثُ بن عباس الذي يشهد القول الأول أخرجه الجماعة إلا البخاري وبن مَاجَهْ عَنْ كُرَيْبٍ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ فَقَالَ فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ فَقَالَ مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَقُلْتُ رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ أَنْتَ رَأَيْتَهُ فَقُلْتُ نَعَمْ وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ الثَّلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ فَقُلْتُ أَلَّا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ فَقَالَ لَا هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ بَعْدَ ذِكْرِ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْحَافِظُ مَا لَفْظُهُ وَحُجَّةُ أَهْلِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ حَدِيثُ كُرَيْبٍ هَذَا وَوَجْهُ الاحتجاج به أن بن عَبَّاسٍ لَمْ يَعْمَلْ بِرُؤْيَةِ أَهْلِ الشَّامِ وَقَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ حَفِظَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَهْلَ بَلَدٍ الْعَمَلُ بِرُؤْيَةِ أَهْلِ بَلَدٍ آخَرَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُجَّةَ إِنَّمَا هِيَ فِي الْمَرْفُوعِ مِنْ رواية بن عَبَّاسٍ لَا فِي اجْتِهَادِهِ الَّذِي فَهِمَ عَنْهُ النَّاسُ وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ قَوْلُهُ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ وَالْأَمْرُ الْكَائِنُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُوَ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا بِلَفْظِ لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِأَهْلِ نَاحِيَةٍ عَلَى جِهَةِ الِانْفِرَادِ بَلْ هُوَ خِطَابٌ لِكُلِّ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى لُزُومِ رُؤْيَةِ أَهْلِ بَلَدٍ لِغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ أَظْهَرُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى عَدَمِ اللُّزُومِ لِأَنَّهُ إِذَا رَآهُ أَهْلُ بَلَدٍ فَقَدْ رَآهُ الْمُسْلِمُونَ فَيَلْزَمُ غَيْرَهُمْ مَا لَزِمَهُمْ وَلَوْ سلم توجه الاشارة في كلام بن عَبَّاسٍ إِلَى عَدَمِ لُزُومِ رُؤْيَةِ أَهْلِ بَلَدٍ لِأَهْلِ بَلَدٍ آخَرَ لَكَانَ عَدَمُ اللُّزُومِ مُقَيَّدًا بِدَلِيلِ الْعَقْلِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْقُطْرَيْنِ مِنَ الْبُعْدِ مَا يَجُوزُ مَعَهُ اخْتِلَافُ الْمَطَالِعِ

стр. 1352

وعدم عمل بن عَبَّاسٍ بِرُؤْيَةِ أَهْلِ الشَّامِ مَعَ عَدَمِ الْبُعْدِ الَّذِي يُمْكِنُ مَعَهُ الِاخْتِلَافُ عَمَلٌ بِالِاجْتِهَادِ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ وَلَوْ سُلِّمَ عَدَمُ لُزُومِ التَّقْيِيدِ بِالْعَقْلِ فَلَا يُشَكُّ أَنَّ الْأَدِلَّةَ قَاضِيَةٌ بِأَنَّ أَهْلَ الْأَقْطَارِ يَعْمَلُ بَعْضُهُمْ بِخَبَرِ بَعْضٍ وَشَهَادَتُهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَالرُّؤْيَةُ مِنْ جُمْلَتِهَا وَسَوَاءٌ كَانَ بَيْنَ الْقُطْرَيْنِ مِنَ الْبُعْدِ مَا يَجُوزُ مَعَهُ اخْتِلَافُ الْمَطَالِعِ أَمْ لَا فَلَا يُقْبَلُ التَّخْصِيصُ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَلَوْ سُلِّمَ صَلَاحِيَةُ حَدِيثِ كُرَيْبٍ هَذَا لِلتَّخْصِيصِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى مَحَلِّ النَّصِّ إِنْ كَانَ النَّصُّ مَعْلُومًا أَوْ عَلَى الْمَفْهُومِ مِنْهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ معلوما لو رووه على خلاف القياس ولم يأت بن عَبَّاسٍ بِلَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا بِمَعْنَى لَفْظِهِ حَتَّى نَنْظُرَ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ إِنَّمَا جَاءَ بِصِيغَةٍ مُجْمَلَةٍ أَشَارَ بِهَا إِلَى قِصَّةٍ هِيَ عَدَمُ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِرُؤْيَةِ أَهْلِ الشَّامِ عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ ذَلِكَ الْمُرَادَ وَلَمْ نَفْهَمْ مِنْهُ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ حَتَّى نَجْعَلَهُ مُخَصِّصًا لِذَلِكَ الْعُمُومِ فَيَنْبَغِي الِاقْتِصَارُ عَلَى الْمَفْهُومِ مِنْ ذَلِكَ الْوَارِدِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَعَدَمُ الْإِلْحَاقِ بِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْعَمَلُ بِرُؤْيَةِ أَهْلِ الشَّامِ دُونَ غَيْرِهِمْ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ حِكْمَةٌ لا تعقلها وَلَوْ تَسَلَّمَ صِحَّةُ الْإِلْحَاقِ وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِهِ فَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَحِلَّاتِ الَّتِي بَيْنَهَا مِنَ الْبُعْدِ مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ أَوْ أَكْثَرُ وَأَمَّا فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَا وَهَذَا ظَاهِرٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ مَا دَلِيلُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى اعْتِبَارِ الْبَرِيدِ أَوِ النَّاحِيَةِ أَوِ الْبَلَدِ فِي الْمَنْعِ مِنَ الْعَمَلِ بِالرُّؤْيَةِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ وَحَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ شُيُوخِهِ أَنَّهُ إِذَا رَآهُ أَهْلُ بَلَدٍ لَزِمَ أَهْلَ الْبِلَادِ كُلِّهَا ولا يلتفت إلى ما قاله بن عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ قَالَ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا تُرَاعَى الرُّؤْيَةُ فِيمَا بَعُدَ مِنَ الْبُلْدَانِ كَخُرَاسَانَ وَالْأَنْدَلُسِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَتِمُّ وَالْمُخَالِفُ مِثْلُ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ فَتَفَكَّرْ وَتَأَمَّلْ ٠ - (بَاب مَا جَاءَ مَا يُسْتَحَبُّ عَلَيْهِ الْإِفْطَارُ) [٦٩٥] قَوْلُهُ (مَنْ وَجَدَ تَمْرًا فَلِيُفْطِرْ عَلَيْهِ) الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بَابٌ يُفْطِرُ بِمَا تَيَسَّرَ بِالْمَاءِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْفَى قَالَ سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَالَ انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا إلخ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ لَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّ

стр. 1353

الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ مَنْ وَجَدَ تَمْرًا فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهِ وَمَنْ لَا فَلْيُفْطِرْ عَلَى الْمَاءِ لَيْسَ على الوجوب وقد شذ بن حَزْمٍ فَأَوْجَبَ الْفِطْرَ عَلَى التَّمْرِ وَإِلَّا فَعَلَى الْمَاءِ انْتَهَى (فَإِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ) أَيْ بَالِغٌ فِي الطَّهَارَةِ فَيُبْتَدَأُ بِهِ تَفَاؤُلًا بِطَهَارَةِ الظَّاهِرِ والباطن قال الطيبي لأنه مزيل المانع من أداء العباد وَلِذَا مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ (وَأَنْزَلْنَا من السماء ماء طهورا) كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو داود وبن مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ قَوْلُهُ (وَهُوَ حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ) فَإِنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ بِرِوَايَتِهِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ وَخَالَفَهُ أَصْحَابُ شُعْبَةَ فَرَوَوْهُ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أصحاب عاصم الأحول كسفيان الثوري وبن عيينة وغيرهما قوله (وبن عَوْنٍ يَقُولُ عَنْ أُمِّ الرَّائِحِ بِنْتِ صُلَيْعٍ الخ) يعني أن بن عَوْنٍ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنِ بْنِ أَرْطَبَانَ الْبَصْرِيَّ يَقُولُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أُمِّ الرَّائِحِ بِنْتِ صُلَيْعٍ مَكَانَ عَنِ الرَّبَابِ وَالرَّبَابُ لَيْسَتْ غَيْرَ أُمِّ الرَّائِحِ بَلْ هُمَا وَاحِدَةٌ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ الرَّبَابُ بِفَتْحِ أَوَّلِهَا وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهَا مُوَحَّدَةٌ بِنْتُ صُلَيْعٍ بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرَةً الضَّبِّيَّةُ الْمِصْرِيَّةُ مَقْبُولَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ الرَّبَابُ بِنْتُ صُلَيْعٍ أُمُّ الرَّائِحِ عَنْ عمها سليمان بْنِ عَامِرٍ وَعَنْهَا حَفْصَةُ بِنْتُ

стр. 1354

سِيرِينَ قَوْلُهُ (إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْإِفْطَارِ بِالتَّمْرِ فَإِنْ عُدِمَ فَبِالْمَاءِ وَلَكِنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ الْآتِيَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّطَبَ أَوْلَى مِنَ الْيَابِسِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ إِنْ وُجِدَ وَإِنَّمَا شُرِعَ الْإِفْطَارُ بِالتَّمْرِ لِأَنَّهُ حُلْوٌ وَكُلُّ حُلْوٍ يُقَوِّي الْبَصَرَ الَّذِي يَضْعُفُ بِالصَّوْمِ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي الْمُنَاسَبَةِ وَقِيلَ لِأَنَّ الْحُلْوَ يُوَافِقُ الْإِيمَانَ وَيُرِقُّ الْقَلْبَ وَإِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ كَوْنَهُ حُلْوًا وَالْحُلْوُ لَهُ ذَلِكَ التَّأْثِيرُ فَيَلْحَقُ بِهِ الْحُلْوِيَّاتُ كلها قاله الشوكاني وغيره وقال بن الْمَلَكِ الْأَوَّلُ أَنْ تُحَالَ عِلَّتُهُ إِلَى الشَّارِعِ انْتَهَى قُلْتُ لَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ أَوْلَى [٦٩٦] قَوْلُهُ (يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ) أَيِ الْمَغْرِبَ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ الْمُبَالَغَةِ فِي اسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ الْفِطْرِ وَأَمَّا مَا صَحَّ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵄ كَانَا بِرَمَضَانَ يُصَلِّيَانِ الْمَغْرِبَ حِينَ يَنْظُرَانِ إِلَى اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ ثُمَّ يُفْطِرَانِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهُوَ لِبَيَانِ جَوَازِ التَّأْخِيرِ لِئَلَّا يُظَنَّ وُجُوبُ التَّعْجِيلِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُهُ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُفْطِرُ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَأَنَّهُمَا كَانَا فِي الْمَسْجِدِ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمَا تَمْرٌ وَلَا مَاءٌ أَوْ كَانَا غَيْرَ مُعْتَكِفَيْنِ وَرَأَيَا الْأَكْلَ وَالشَّرَابَ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ مَكْرُوهَيْنِ لَكِنَّ إِطْلَاقَ الْأَحَادِيثِ ظَاهِرٌ فِي اسْتِثْنَاءِ حَالِ الْإِفْطَارِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ) بِالرَّفْعِ (فَتُمَيْرَاتٌ) بِالتَّصْغِيرِ مَجْرُورٌ وَمَرْفُوعٌ وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ثَلَاثُ رُطَبَاتٍ وَثَلَاثُ تُمَيْرَاتٍ قَالَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي اللُّمَعَاتِ (حَسَا حَسَوَاتٍ) بِفَتْحَتَيْنِ أَوْ شَرِبَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْحُسْوَةُ بِالضَّمِّ الْجَرْعَةُ مِنَ الشَّرَابِ بِقَدْرِ مَا يُحْسَى مَرَّةً وَاحِدَةً وَبِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْإِفْطَارِ بِالرُّطَبِ فَإِنْ عدم فبالتمر

стр. 1355

فإن عدم فبالماء قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ السُّنَّةُ بِمَكَّةَ تَقْدِيمُ مَاءِ زَمْزَمَ عَلَى التَّمْرِ أَوْ خَلْطُهُ بِهِ فَمَرْدُودٌ بِأَنَّهُ خِلَافُ الِاتِّبَاعِ وَبِأَنَّهُ ﷺ صَامَ عَامَ الْفَتْحِ أَيَّامًا كَثِيرَةً وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ خَالَفَ عَادَتَهُ الَّتِي هِيَ تَقْدِيمُ التَّمْرِ عَلَى الْمَاءِ وَلَوْ كَانَ لَنُقِلَ انْتَهَى قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ ميركُ وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَلَفْظُهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى ثَلَاثِ تَمَرَاتٍ أَوْ شَيْءٍ لَمْ تُصِبْهُ النَّارُ ١ - (بَاب ما جاء الصوم يوم تفطرون) إلخ [٦٩٧] قَوْلُهُ (الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ إلخ) هَذَا الْحَدِيثُ رواه أبو داود وبن مَاجَهْ أَيْضًا إِلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا الصَّوْمَ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ بِلَفْظِ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا وَقَالَ وَقْفُهُ عَلَيْهَا هِيَ الصَّوَابُ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ) وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْمُنْذِرِيُّ وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ رِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ انْتَهَى قَوْلُهُ (وَفَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الصَّوْمُ وَالْفِطْرُ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَعِظَمِ النَّاسِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الظَّاءِ أَيْ كَثْرَةِ النَّاسِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ إِنَّ الْخَطَأَ مَرْفُوعٌ عَنِ النَّاسِ فِيمَا كَانَ سَبِيلُهُ الِاجْتِهَادَ فَلَوْ أَنَّ قَوْمًا اجْتَهَدُوا فَلَمْ يروا

стр. 1356

الْهِلَالَ إِلَّا بَعْدَ ثَلَاثِينَ فَلَمْ يُفْطِرُوا حَتَّى اسْتَوْفَوُا الْعَدَدَ ثُمَّ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الشَّهْرَ كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ فَإِنَّ صَوْمَهُمْ وَفِطْرَهُمْ مَاضٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ مِنْ وِزْرِ أَوْ عَيْبٍ وكذلك هذا في الحج إذا أخطأوا يَوْمَ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إِعَادَتُهُ وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِ السُّنَنِ وَقِيلَ فِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ يَوْمَ الشَّكِّ لَا يُصَامُ احْتِيَاطًا وَإِنَّمَا يَصُومُ يَوْمَ يَصُومُ النَّاسُ وَقِيلَ فِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّ مَنْ عَرَفَ طُلُوعَ الْقَمَرِ بِتَقْدِيرِ حِسَابِ الْمَنَازِلِ جَازَ لَهُ أَنْ يَصُومَ بِهِ وَيُفْطِرَ دُونَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ وَقِيلَ إِنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ وَلَمْ يَحْكُمِ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِ أَنَّ هَذَا لا يكون هذا صَوْمًا لَهُ كَمَا لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ انْتَهَى قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ بَعْدَ كَلَامِ الْمُنْذِرِيِّ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى الْأَخِيرِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ إِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُنْفَرِدِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ الشَّهْرِ حُكْمُ النَّاسِ فِي الصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَإِنْ خَالَفَ مَا تَيَقَّنَهُ وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ لِلْجُمْهُورِ فَقَالُوا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ حُكْمُ نَفْسِهِ فِيمَا تَيَقَّنَهُ وَفَسَّرُوا الْحَدِيثَ بِمِثْلِ مَا ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ وَقِيلَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ إِنَّهُ إِخْبَارٌ بِأَنَّ النَّاسَ يَتَحَزَّبُونَ أَحْزَابًا وَيُخَالِفُونَ الْهَدْيَ النَّبَوِيَّ فَطَائِفَةٌ تَعْمَلُ بِالْحِسَابِ وَعَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ النَّاسِ وَطَائِفَةٌ يُقَدِّمُونَ الصَّوْمَ وَالْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ وَجَعَلُوا ذَلِكَ شِعَارًا وَهُمُ الْبَاطِنِيَّةُ وَبَقِيَ عَلَى الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ الْفِرْقَةُ الَّتِي لَا تَزَالُ ظَاهِرَةً عَلَى الْحَقِّ فَهِيَ الْمُرَادَةُ بِلَفْظِ النَّاسِ فِي الْحَدِيثِ وَهِيَ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ وَلَوْ كَانَتْ قَلِيلَةَ الْعَدَدِ كَذَا فِي النَّيْلِ ٢ - (بَاب مَا جَاءَ إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأَدْبَرَ النهار) الخ [٦٩٨] قَوْلُهُ (إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ) أَيْ ظَلَامُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ (وَأَدْبَرَ النَّهَارُ) أَيْ ضِيَاؤُهُ مِنْ جَانِبِ الْمَغْرِبِ (وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ) أَيْ غَابَتْ كُلُّهَا قَالَ الطِّيبِيُّ وَإِنَّمَا قَالَ وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ مَعَ الاستغناء عنه لبيان كمال الغروب كيلا يُظَنَّ أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِفْطَارُ لِغُرُوبِ بَعْضِهَا انْتَهَى وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُتَلَازِمَةً فِي الْأَصْلِ لَكِنَّهَا قَدْ تَكُونُ فِي الْأَصْلِ غَيْرَ مُتَلَازِمَةٍ فَقَدْ يُظَنُّ إِقْبَالُ اللَّيْلِ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ وَلَا يَكُونُ إِقْبَالُهُ حَقِيقَةً بَلْ لِوُجُودِ أَمْرٍ يُغَطِّي ضَوْءَ الشَّمْسِ وَكَذَلِكَ إِدْبَارُ النَّهَارِ فَمِنْ ثَمَّ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ

стр. 1357

إِشَارَةً إِلَى اشْتِرَاطِ تَحَقُّقِ الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ وَأَنَّهُمَا بِوَاسِطَةِ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَا بِسَبَبٍ آخَرَ انْتَهَى (فَقَدْ أَفْطَرْتَ) وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ قَالَ الْحَافِظُ أَيْ دَخَلَ فِي وَقْتِ الْفِطْرِ كَمَا يُقَالُ أَنْجَدَ إِذَا أَقَامَ بِنَجْدٍ وَأَتْهَمَ إِذَا أَقَامَ بِتِهَامَةَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ فَقَدْ صَارَ مُفْطِرًا فِي الْحُكْمِ لِكَوْنِ الليل ليس ظرفا للصيام الشرعي وقد رد هذا الاحتمال بن خُزَيْمَةَ وَأَوْمَأَ إِلَى تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ فَقَالَ قَوْلُهُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ لَفْظُ خَبَرٍ وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ أَيْ فَلْيُفْطِرِ الصَّائِمُ وَرَجَّحَ الْحَافِظُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ بِرِوَايَةِ شُعْبَةَ بِلَفْظِ فَقَدْ حَلَّ الْإِفْطَارُ وَقَالَ الطِّيبِيُّ وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ الْإِخْبَارُ عَلَى الْإِنْشَاءِ إِظْهَارًا لِلْحِرْصِ عَلَى وُقُوعِ الْمَأْمُورِ بِهِ انْتَهَى قوله (وفي الباب عن بن أبي أوفى وأبي سعيد) أما حديث بن أَبِي أَوْفَى فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ في صحيحه تعليقا من فعله بلفظ وأفطر أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ حِينَ غَابَ قُرْصُ الشَّمْسِ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ منصور وبن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى أَبِي سَعِيدٍ فَأَفْطَرَ وَنَحْنُ نَرَى أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ قَوْلُهُ (حَدِيثُ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ٣ - (بَاب مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ) [٦٩٩] قَوْلُهُ (لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا وَظُهُورُ الدِّينِ مُسْتَلْزِمٌ لِدَوَامِ الْخَيْرِ (مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ) أَيْ مَا دَامُوا عَلَى هَذِهِ السُّنَّةِ زَادَ أَبُو ذَرٍّ فِي حَدِيثِهِ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمَا ظَرْفِيَّةٌ أَيْ مُدَّةَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ امْتِثَالًا لِلسُّنَّةِ وَاقِفِينَ عِنْدَ حَدِّهَا غَيْرَ مُتَنَطِّعِينَ بِعُقُولِهِمْ مَا يُغَيِّرُ قَوَاعِدَهَا زَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ

стр. 1358

أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَحِلَّ ذَلِكَ إِذَا تَحَقَّقَ غُرُوبُ الشَّمْسِ بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِإِخْبَارِ عَدْلَيْنِ وَكَذَا عَدْلٌ وَاحِدٌ فِي الْأَرْجَحِ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَالَ القارىء قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا وَلَوْ أَخَّرَ لِتَأْدِيبِ النَّفْسِ وَمُوَاصَلَةِ الْعِشَاءَيْنِ بِالنَّفْلِ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ وُجُوبَ التَّأْخِيرِ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ أَقُولُ بَلْ يَضُرُّهُ حَيْثُ يُفَوِّتُهُ السُّنَّةَ وَتَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ بِشَرْبَةِ مَاءٍ لَا يُنَافِي التَّأْدِيبَ وَالْمُوَاصَلَةَ مَعَ أَنَّ فِي التَّعْجِيلِ إِظْهَارَ الْعَجْزِ الْمُنَاسِبَ لِلْعُبُودِيَّةِ وَمُبَادَرَةً إِلَى قَبُولِ الرخصة من الحضرة الربوبية انتهى كلام القارىء قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَخْرَجَهُ أبو داود والنسائي وبن مَاجَهْ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ لِأَنَّ الْيَهُودَ والنصارى يؤخرون (وبن عَبَّاسٍ) أَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ بِلَفْظِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نُعَجِّلَ إِفْطَارَنَا وَنُؤَخِّرَ سُحُورَنَا وَنَضَعَ أَيْمَانَنَا عَلَى شَمَائِلِنَا فِي الصَّلَاةِ كَذَا فِي سِرَاجِ السَّرْهَنْدِيِّ (وَعَائِشَةَ ﵂ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وبن عَسَاكِرَ بِلَفْظِ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ فِي دِينِهِ تَعْجِيلُ فِطْرِهِ وَتَأْخِيرُ سُحُورِهِ وَتَسَحَّرُوا فَإِنَّهُ الْغِذَاءُ الْمُبَارَكُ قَوْلُهُ (حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَوْلُهُ (وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ إلخ) أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرزاق وغيره بإسناد قَالَ الْحَافِظُ صَحِيحٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَسْرَعَ النَّاسِ إِفْطَارًا وَأَبْطَأَهُمْ سُحُورًا انْتَهَى قَوْلُهُ (أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا) أَيْ أَكْثَرُهُمْ تَعْجِيلًا فِي الْإِفْطَارِ قَالَ الطِّيبِيُّ

стр. 1359

وَلَعَلَّ السَّبَبَ فِي هَذِهِ الْمَحَبَّةِ الْمُتَابَعَةُ لِلسُّنَّةِ وَالْمُبَاعَدَةُ عَنِ الْبِدْعَةِ وَالْمُخَالَفَةُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ انْتَهَى وقال القارىء وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَفْضَلِيَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ لِأَنَّ مُتَابَعَةَ الْحَدِيثِ تُوجِبُ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعَالَى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يحببكم الله وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِحَدِيثِ لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ انْتَهَى قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وبن حزيمة وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِمَا نَقَلَهُ ميركُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ [٧٠٢] قَوْلُهُ (وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وَيُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى الْعُمُومِ وَتَكُونُ الْمَغْرِبُ مِنْ جُمْلَتِهَا قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ السِّنْدِيُّ (وَالْآخَرُ أَبُو مُوسَى) قَالَ الطِّيبِيُّ الْأَوَّلُ عَمَلٌ بالعزيمة والسنة والثاني بالرخصة انتهى قال القارىء وَهَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ لَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْفِعْلِ فَقَطْ أَمَّا إِذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ قَوْلِيًّا فيحمل على أن بن مسعود اختار المبالغة في التعجيل وأبو مُوسَى اخْتَارَ عَدَمَ الْمُبَالَغَةِ فِيهِ وَإِلَّا فَالرُّخْصَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ الْكُلِّ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُحْمَلَ عمل بن مَسْعُودٍ عَلَى السُّنَّةِ وَعَمَلُ أَبِي مُوسَى عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ انْتَهَى قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ

стр. 1360

١٤ - (بَابُ مَا جَاءَ فِي تَأْخِيرِ السَّحُورِ) بِفَتْحِ السِّينِ وَهُوَ مَا يُتَسَحَّرُ بِهِ مِنَ الطَّعَامِ وَبِالضَّمِّ مَصْدَرٌ [٧٠٣] قَوْلُهُ (قَالَ قُلْتُ) أَيْ قَالَ أَنَسٌ قُلْتُ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ (كَمْ كَانَ قَدْرُ ذَاكَ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ كَمْ كَانَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالسُّحُورِ (قَالَ) أَيْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ (قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً) أَيْ مُتَوَسِّطَةً لَا طَوِيلَةً وَلَا قَصِيرَةً وَلَا سَرِيعَةً وَلَا بَطِيئَةً وقدر بالرفع على أنه خبر المتبدأ وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ الْمُقَدَّرَةِ فِي جَوَابِ زَيْدٍ قَالَهُ الْحَافِظُ [٧٠٤] قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ حُذَيْفَةَ) أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ مِنْ رِوَايَةِ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ تَسَحَّرْتُ ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَمَرَرْتُ بِمَنْزِلِ حُذَيْفَةَ فَدَخَلَتُ عَلَيْهِ فَأَمَرَ بِلُقْحَةٍ فَحُلِبَتْ وَبِقِدْرٍ فَسُخِّنَتْ ثُمَّ قَالَ كُلْ قُلْتُ إِنِّي أُرِيدُ الصَّوْمَ قَالَ وَأَنَا أُرِيدُ الصَّوْمَ قَالَ فَأَكَلْنَا ثُمَّ شَرِبْنَا ثُمَّ أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ قَالَ هَكَذَا فَعَلَ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ صَنَعْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ بَعْدَ الصُّبْحِ قَالَ بَعْدَ الصُّبْحِ غَيْرَ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ تَنْبِيهٌ قَالَ العيني في عمدة القارىء فَإِنْ قُلْتَ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَسَحُّرَهُمْ كَانَ بَعْدَ الصُّبْحِ غَيْرَ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفَرَاغَ مِنَ السُّحُورِ كَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ بِمِقْدَارِ قِرَاءَةِ خَمْسِينَ آيَةً قُلْتُ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ لَا مُعَارَضَةَ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى اخْتِلَافِ الْحَالِ فَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يُشْعِرُ بِالْمُوَاظَبَةِ انْتَهَى قُلْتُ هَذَا الْجَوَابُ لَا يَشْفِي الْعَلِيلَ وَلَا يَرْوِي الْغَلِيلَ بَلِ الْجَوَابُ الْقَاطِعُ مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَوْ جَعْفَرٌ الطَّحَاوِيُّ بِقَوْلِهِ بَعْدَ أَنْ رَوَى حَدِيثَ حُذَيْفَةَ وَقَدْ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خِلَافُ مَا رُوِيَ عَنْ

стр. 1361

حُذَيْفَةَ فَذَكَرَ الْأَحَادِيثَ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْهَا الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا وَقَالَ أَيْضًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَكُلُوا وَاشْرَبُوا الْآيَةُ انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ قُلْتُ أَرَادَ الْعَيْنِيُّ بقوله بعضهم الحافظ بن حَجَرٍ وَلَمْ يَنْقُلْ جَوَابَهُ بِتَمَامِهِ بَلْ تَرَكَ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ مِنْ جَوَابِهِ وَهِيَ فَتَكُونُ قِصَّةُ حُذَيْفَةَ سَابِقَةً فَجَوَابُ الْحَافِظِ شَافٍ لِلْعَلِيلِ وَمُرْوٍ لِلْغَلِيلِ وَاعْتِرَاضُ الْعَيْنِيِّ مِمَّا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ (حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ٥ - (بَاب مَا جَاءَ فِي بَيَانِ الْفَجْرِ) [٧٠٥] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ أَبُو عَمْرٍو الْيَمَامِيِّ صَدُوقٌ مِنَ الثَّامِنَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ قُلْتُ رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعْمَانَ وغيره وعنه هناد وغيره وقال بن مَعِينٍ وَأَبُو زُرْعَةَ وَالنَّسَائِيُّ ثِقَةٌ (قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ بْنُ النُّعْمَانِ) السُّحَيْمِيُّ الْيَمَامِيُّ مَقْبُولٌ مِنَ السَّادِسَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَقَالَ فِي الخلاصة وثقه بن حِبَّانَ (وَلَا يَهِيدَنَّكُمْ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَبِالدَّالِ مِنْ هَادَهُ يَهِيدُهُ هَيْدًا وَهُوَ الزَّجْرُ (السَّاطِعُ الْمُصْعَدُ) بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ مِنَ الْإِصْعَادِ أَيِ الْمُرْتَفِعُ قَالَ فِي الْمَجْمَعِ أَيْ لَا تَنْزَعِجُوا لِلْفَجْرِ الْمُسْتَطِيلِ فَتَمْتَنِعُوا بِهِ عَنِ السُّحُورِ فَإِنَّهُ الصُّبْحُ الْكَاذِبُ وَأَصْلُ الْهَيْدِ الْحَرَكَةُ انْتَهَى وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَوْلُهُ لَا يَهِيدَنَّكُمْ بِكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ لَا يُزْعِجَنَّكُمْ فَتَمْتَنِعُوا بِهِ عَنِ السُّحُورِ فَإِنَّهُ الْفَجْرُ الْكَاذِبُ يُقَالُ هِدْتُهُ أَهِيدُهُ إِذَا أَزْعَجْتَهُ وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ثَوْبَانَ مَرْفُوعًا الْفَجْرُ فَجْرَانِ فَأَمَّا الَّذِي كَأَنَّهُ ذَنَبُ السَّرْحَانِ فَإِنَّهُ لَا يُحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ وَلَكِنِ الْمُسْتَطِيرُ أَيْ هُوَ الَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ وَيُحِلُّ الصَّلَاةَ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِلْآيَةِ الْمَاضِيَةِ يَعْنِي كُلُوا وَاشْرَبُوا حين يَتَبَيَّنَ لَكُمِ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ من الفجر حَتَّى يَعْتَرِضَ لَكُمِ الْأَحْمَرُ أَيِ الْفَجْرُ الْأَحْمَرُ الْمُعْتَرِضُ مِنَ الْمُرَادِ بِهِ الصُّبْحُ الصَّادِقُ وَفِي عمدة

стр. 1362

القارىء قَوْلُهُ السَّاطِعُ الْمُصْعَدُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ سُطُوعُهُ ارْتِفَاعُهُ مُصْعَدًا قَبْلَ أَنْ يَعْتَرِضَ قَالَ وَمَعْنَى الْأَحْمَرِ ها هنا أَنْ يَسْتَبْطِنَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ أَوَائِلَ حُمْرَةِ انْتَهَى مَا فِي الْعُمْدَةِ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَأَبِي ذَرٍّ وَسَمُرَةَ) أَمَّا حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ بِلَفْظِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبِلَالٍ إِنَّكَ تُؤَذِّنُ إِذَا كَانَ الْفَجْرُ سَاطِعًا وَلَيْسَ ذَلِكَ الصُّبْحَ إِنَّمَا الصُّبْحُ هَكَذَا مُعْتَرِضًا كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ وَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ لَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا بَيَاضُ الْأُفُقِ الْمُسْتَطِيلِ هَكَذَا حَتَّى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا يَعْنِي مُعْتَرِضًا وَفِي رِوَايَةٍ وَلَا هَذَا الْبَيَاضُ حَتَّى يَسْتَطِيرَ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ (حَدِيثُ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ) ذَكَرَ الْحَافِظُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَسَكَتَ عَنْهُ قَوْلُهُ (وَبِهِ يَقُولُ عامة أَهْلِ الْعِلْمِ) مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرُهُمْ وَعَلَيْهِ تَدُلُّ الْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ الصَّحِيحَةُ وَذَهَبَ مَعْمَرٌ وَسُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ وَأَبُو مِجْلَزٍ وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ إِلَى جَوَازِ التَّسَحُّرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ وذكرنا لفظه وقال بن حَزْمٍ عَنِ الْحَسَنِ كُلْ مَا امْتَرَيْت وَعَنِ بن جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ أَيُكْرَهُ أَنْ أَشْرَبَ وَأَنَا فِي الْبَيْتِ لَا أَدْرِي لَعَلِّي أَصْبَحْت قَالَ لابأس بذلك هو شك وقال بن أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ قَالَ لَمْ يَكُونُوا يَعُدُّونَ الْفَجْرَ فَجْرَكُمْ إِنَّمَا كَانُوا

стр. 1363

يَعُدُّونَ الْفَجْرَ الَّذِي يَمْلَأُ الْبُيُوتَ وَالطُّرُقَ وَعَنْ مَعْمَرٍ أَنَّهُ كَانَ يُؤَخِّرُ السُّحُورَ جَدًّا حَتَّى يَقُولَ الْجَاهِلُ لَا صَوْمَ لَهُ وَرَوَى سَعِيدُ بن منصور وبن أبي شيبة وبن الْمُنْذِرِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ أَمَرَ بِغَلْقِ الْبَابِ حَتَّى لَا يُرَى الْفَجْرُ وروى بن الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ قَالَ الْآنَ حِينَ يَتَبَيَّنَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ وقال بن المنذر ذهب بعضهم إلى أن المراد بتبيين بَيَاضِ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ أَنْ يَنْتَشِرَ الْبَيَاضُ مِنَ الطُّرُقِ وَالسِّكَكِ وَالْبُيُوتِ وَرُوِيَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ الْأَشْجَعِيِّ وَلَهُ صُحْبَةٌ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ قَالَ لَهُ اخْرُجْ فَانْظُرْ هَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ قَالَ فَنَظَرْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ قَدِ ابْيَضَّ وَسَطَعَ ثُمَّ قَالَ اخْرُجْ فَانْظُرْ هَلْ طَلَعَ فَنَظَرْتُ فَقُلْتُ قَدِ اعْتَرَضَ فَقَالَ الْآنَ أَبْلَغَنِي شَرَابِي وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنِ الْأَعْمَشِ أَنَّهُ قَالَ لَوْلَا الشُّهْرَةُ لَصَلَّيْتُ الْغَدَاةَ ثُمَّ تسحرت كذا في عمدة القارىء وَفَتْحِ الْبَارِي قُلْتُ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَأَمَّا الْآثَارُ فَهِيَ لَا تُقَاوِمُ الْأَحَادِيثَ المرفوعة الصحيحة ٦ - (بَاب مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِي الْغِيبَةِ لِلصَّائِمِ) [٧٠٧] قَوْلُهُ (مَنْ لَمْ يَدَعْ) أَيْ لَمْ يَتْرُكْ (قَوْلَ الزُّورِ) زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ وَالْجَهْلَ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الزور الكذب انتهى وقال القارىء المراد به الباطل وهو ما فيه اسم وَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ وَقَالَ الطِّيبِيُّ الزُّورُ الْكَذِبُ وَالْبُهْتَانُ أَيْ مَنْ لَمْ يَتْرُكِ الْقَوْلَ الْبَاطِلَ مِنْ قَوْلِ الْكُفْرِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ وَالِافْتِرَاءِ وَالْغِيبَةِ وَالْبُهْتَانِ وَالْقَذْفِ وَالشَّتْمِ وَاللَّعْنِ وَأَمْثَالِهَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ اجْتِنَابُهَا وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ ارْتِكَابُهَا (وَالْعَمَلَ) بِالنَّصْبِ (وَبِهِ) أَيْ بِالزُّورِ يَعْنِي الْفَوَاحِشَ مِنَ الْأَعْمَالِ لِأَنَّهَا فِي الْإِثْمِ كَالزُّورِ وَقَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ (فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ) أَيِ الْتِفَاتٌ وَمُبَالَاةٌ وَهُوَ مَجَازٌ عَنْ عَدَمِ الْقَبُولِ بِهِ نَفْيُ السَّبَبِ وَإِرَادَةُ نَفْيِ الْمُسَبَّبِ (بِأَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) فَإِنَّهُمَا مُبَاحَانِ فِي الْجُمْلَةِ فَإِذَا تَرَكَهُمَا وَارْتَكَبَ أَمْرًا حَرَامًا مِنْ أَصْلِهِ

стр. 1364

اسْتَحَقَّ الْمَقْتَ وَعَدَمَ قَبُولِ طَاعَتِهِ قَالَ الْقَاضِي الْمَقْصُودُ مِنَ الصَّوْمِ كَسْرُ الشَّهْوَةِ وَتَطْوِيعُ الْأَمَّارَةِ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ ذَلِكَ لَمْ يُبَالِ بِصَوْمِهِ وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهِ نَظَرَ عِنَايَةٍ فَعَدَمُ الْحَاجَةِ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ الِالْتِفَاتِ وَالْقَبُولِ وَكَيْفَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَالْحَالُ أَنَّهُ تَرَكَ مَا يُبَاحُ مِنْ غَيْرِ زَمَانِ الصَّوْمِ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَارْتَكَبَ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ انتهى قال بن بَطَّالٍ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يُؤْمَرَ بِأَنْ يَدَعَ صِيَامَهُ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ التَّحْذِيرُ مِنْ قَوْلِ الزُّورِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ مَنْ بَاعَ الْخَمْرَ فَلْيُشَقِّصِ الْخَنَازِيرَ أَيْ يَذْبَحْهَا وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِذَبْحِهَا وَلَكِنَّهُ عَلَى التَّحْذِيرِ وَالتَّعْظِيمِ لِإِثْمِ بَائِعِ الْخَمْرِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةً فَلَا مَفْهُومَ لَهُ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ انْتَهَى قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْعِرَاقِيَّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ لَمَّا أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ تَرْجَمَ مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِي الْغِيبَةِ لِلصَّائِمِ وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّ الْغِيبَةَ لَيْسَتْ قَوْلَ الزُّورِ وَلَا العمل به لأنها أَنْ يَذْكُرَ غَيْرَهُ بِمَا يَكْرَهُ وَقَوْلُ الزُّورِ هُوَ الْكَذِبُ وَقَدْ وَافَقَ التِّرْمِذِيُّ بَقِيَّةَ أَصْحَابِ السُّنَنِ فَتُرْجَمُوا بِالْغِيبَةِ وَذَكَرُوا هَذَا الْحَدِيثَ وَكَأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ ذِكْرِ قَوْلِ الزُّورِ وَالْعَمَلِ بِهِ الْأَمْرَ بِحِفْظِ النُّطْقِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الزِّيَادَةِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ وَهِيَ الْجَهْلُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى جَمِيعِ الْمَعَاصِي وَأَمَّا قَوْلُهُ وَالْعَمَلَ بِهِ فَيَعُودُ عَلَى الزُّورِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ أَيْضًا عَلَى الْجَهْلِ أَيْ وَالْعَمَلَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا انْتَهَى قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ) أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِلَفْظِ مَنْ لَمْ يَدَعِ الْخَنَا وَالْكَذِبَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا مُسْلِمًا وَالنَّسَائِيَّ ٧ - (بَاب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ السَّحُورِ) بِالْفَتْحِ هُوَ اسْمُ مَا يُتَسَحَّرُ بِهِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَبِالضَّمِّ الْمَصْدَرُ وَالْفِعْلُ نَفْسُهُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ

стр. 1365

[٧٠٨] قَوْلُهُ (تَسَحَّرُوا) أَمْرُ نَدْبٍ كَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ أَيْ تَنَاوَلُوا شَيْئًا مَا وَقْتَ السَّحَرِ لِحَدِيثِ تسحروا ولو بجرعة ماء وقد صححه بن حِبَّانَ وَقِيلَ إِنَّهُ ضَعِيفٌ انْتَهَى قُلْتُ قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي يَحْصُلُ السُّحُورُ بِأَقَلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْمَرْءُ مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِلَفْظِ السُّحُورُ بَرَكَةٌ فَلَا تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ فَإِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مُرْسَلَةٍ تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِلُقْمَةٍ انتهى (فإن في السحور بركة) قال القارىء الرِّوَايَةُ الْمَحْفُوظَةُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ فَتْحُ السِّينِ وَهُوَ مَا يُتَسَحَّرُ بِهِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ انْتَهَى وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ أَكْثَرُ مَا يُرْوَى بِالْفَتْحِ وَقِيلَ الصَّوَابُ بِالضَّمِّ لِأَنَّهُ الْمَصْدَرُ وَالْأَجْرُ فِي الْفِعْلِ لَا فِي الطَّعَامِ انْتَهَى قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ وَبِضَمِّهَا لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَرَكَةِ الْأَجْرُ وَالثَّوَابُ فَيَتَنَاسَبُ الضَّمُّ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّسَحُّرِ أَوِ الْبَرَكَةِ لِكَوْنِهِ يقوي على الصوم وينشط له ويخفف الْمَشَقَّةَ فِيهِ فَيُنَاسِبُ الْفَتْحُ لِأَنَّهُ مَا يُتَسَحَّرُ بِهِ وَقِيلَ الْبَرَكَةُ مَا يَتَضَمَّنُ مِنْ الِاسْتِيقَاظِ وَالدُّعَاءِ فِي السَّحَرِ وَالْأَوْلَى أَنَّ الْبَرَكَةَ فِي السُّحُورِ تَحْصُلُ بِجِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَهِيَ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ وَمُخَالَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالتَّقَوِّي بِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالزِّيَادَةُ فِي النَّشَاطِ وَمُدَافَعَةُ سُوءِ الْخُلُقِ الَّذِي يُثِيرُهُ الْجُوعُ وَالتَّسَبُّبُ بِالصَّدَقَةِ عَلَى مَنْ يَسْأَلُ إِذْ ذَاكَ أَوْ يَجْتَمِعُ مَعَهُ الْأَكْلُ وَالتَّسَبُّبُ لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءُ وَقْتَ مَظِنَّةِ الْإِجَابَةِ وَتَدَارُكُ نِيَّةِ الصَّوْمِ لِمَنْ أَغْفَلَهَا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ انْتَهَى قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وبن عَبَّاسٍ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَالْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ وَعُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وبن حِبَّانَ عَنْهُ مَرْفُوعًا نِعْمَ سُحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَحَدِيثُ جَابِرٍ فلينظر من أخرجهما وأما حديث بن عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال ثَلَاثَةٌ لَيْسَ عَلَيْهِمْ حِسَابٌ فِيمَا طَعِمُوا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا كَانَ حَلَالًا الصَّائِمُ وَالْمُتَسَحِّرُ وَالْمُرَابِطُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَمَّا حَدِيثُ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ فَأَخْرَجَهُ أبو داود والنسائي وبن خزيمة وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ رَوَوْهُ كُلُّهُمْ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي رُهْمٍ عَنِ الْعِرْبَاضِ وَالْحَارِثُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ يُونُسَ بْنِ سَيْفٍ وَقَالَ أَبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ مَجْهُولٌ يَرْوِي عَنْ

стр. 1366

أَبِي رُهْمٍ حَدِيثُهُ مُنْكَرٌ انْتَهَى وَأَمَّا حَدِيثُ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ وَأَمَّا حديث أبي الدرداء فأخرجه بن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الْغَدَاءُ الْمُبَارَكُ يَعْنِي السُّحُورَ قَوْلُهُ (فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ) مَا زَائِدَةٌ أُضِيفَ إِلَيْهَا الْفَصْلُ بِمَعْنَى الْفَرْقِ (أَكْلَةُ السَّحَرِ) قَالَ النَّوَوِيُّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَهَكَذَا ضَبَطَهُ الْجُمْهُورُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي رِوَايَاتِ بِلَادِنَا وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الْأَكْلِ كَالْغَدْوَةِ وَالْعَشْوَةِ وَإِنْ كَثُرَ الْمَأْكُولُ فِيهَا وَأَمَّا الْأُكْلَةُ بِالضَّمِّ فَهِيَ اللُّقْمَةُ الْوَاحِدَةُ وَادَّعَى الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ الرِّوَايَةَ فِيهِ بِالضَّمِّ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ رِوَايَةَ بلا وهم فِيهَا بِالضَّمِّ قَالَ وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ هُنَا انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ وَالْمَعْنَى أَنَّ السُّحُورَ هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أهل الكتاب لأن الله تعالى أباحته لنا إلى الصبح بعد ما كَانَ حَرَامًا عَلَيْنَا أَيْضًا فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ وَحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ يَنَامُوا أَوْ مُطْلَقًا وَمُخَالَفَتُنَا إِيَّاهُمْ تَقَعُ مَوْقِعَ الشُّكْرِ لِتِلْكَ النِّعْمَةِ فقول بن الْهُمَامِ إِنَّهُ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ غَيْرُ صَحِيحٍ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ قَوْلُهُ (وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ قَوْلُهُ (وَأَهْلُ مِصْرَ يَقُولُونَ مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ اللَّامِ (وَأَهْلُ الْعِرَاقِ يَقُولُونَ مُوسَى بْنُ عُلَيٍّ) بِضَمِّ الْعَيْنِ مُصَغَّرًا (وَهُوَ مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ اللَّخْمِيُّ) أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَصْرِيُّ صَدُوقٌ رُبَّمَا أَخْطَأَ مِنَ السَّابِعَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ

стр. 1367

١٨ - (باب ما جاء في كراهية الصوم في السَّفَرِ) قَوْلُهُ (عَامَ الْفَتْحِ) أَيْ فَتْحَ مَكَّةَ (حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ) بِضَمِّ الْكَافِ وَالْغَمِيمُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ اسْمُ وَادٍ أَمَامَ عُسْفَانَ قَالَهُ الْحَافِظُ (فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَرَفَعَهُ (فَقَالَ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ) جَمْعُ الْعَاصِي وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ مُكَرِّرًا مَرَّتَيْنِ قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَضَرَّرَ بِالصَّوْمِ أَوْ أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِالْفِطْرِ أَمْرًا جَازِمًا لِمَصْلَحَةِ بَيَانِ جَوَازِهِ فَخَالَفُوا الْوَاجِبَ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَكُونُ الصَّائِمُ الْيَوْمَ فِي السَّفَرِ عَاصِيًا إِذَا لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ وَيُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فَقِيلَ إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهُمُ الصِّيَامُ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عَاصِمٍ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَشْعَرِيِّ بِلَفْظِ لَيْسَ مِنَ امْبِرِّ مْصِيَامُ فِي مْسَفَرِ وَهَذِهِ لُغَةٌ لبعض أهل اليمن يجعلون لَامَ التَّعْرِيفِ مِيمًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ خَاطَبَ بِهَا هَذَا الْأَشْعَرِيَّ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا لُغَتُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَشْعَرِيُّ هَذَا نَطَقَ بِهَا عَلَى مَا أَلِفَ من لغته فحملها عنه الرَّاوِي عَنْهُ وَأَدَّاهَا بِاللَّفْظِ الَّذِي سَمِعَهَا بِهِ وَهَذَا الثَّانِي أَوْجَهُ عِنْدِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ قَوْلُهُ (حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ قَوْلُهُ (وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ومسلم

стр. 1368

عَنْ جَابِرٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا صَائِمٌ فَقَالَ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بَابٌ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ وَاشْتَدَّ الْحَرُّ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ قَالَ الْحَافِظُ أَشَارَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ سَبَبَ قَوْلِهِ ﷺ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَأَنَّ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ مُجَرَّدًا فَقَدِ اخْتَصَرَ الْقِصَّةَ انْتَهَى قَوْلُهُ (وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ إلخ) قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يُجْزِئُ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ عَنِ الْفَرْضِ بَلْ مَنْ صَامَ فِي السَّفَرِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ فِي الْحَضَرِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى فعدة من أيام أخر وَلِقَوْلِهِ ﷺ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ وَمُقَابَلَةُ الْبِرِّ الْإِثْمُ وَإِذَا كَانَ آثِمًا بِصَوْمِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَحُكِيَ عَنْ عُمَرَ وبن عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ على سفر فعدة من أيام أخر قَالُوا ظَاهِرُهُ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ أَوْ فَالْوَاجِبُ عِدَّةٌ وَتَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ وَمُقَابِلُ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ لَا يَجُوزُ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلَاكَ وَالْمَشَقَّةَ الشَّدِيدَةَ حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَمِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمُ الْفِطْرُ أَفْضَلُ عَمَلًا بِالرُّخْصَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ مُخَيَّرٌ مُطْلَقًا وَقَالَ آخَرُونَ أَفْضَلُهُمَا أَيْسَرُهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى يريد الله بكم اليسر فَإِنْ كَانَ الْفِطْرُ أَيْسَرَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ وَإِنْ كَانَ الصِّيَامُ أَيْسَرَ كَمَنْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَالصَّوْمُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ وَهُوَ قَوْلُ عمر بن عبد العزيز واختاره بن الْمُنْذِرِ وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَلَكِنْ قَدْ يكون

стр. 1369

الْفِطْرُ أَفْضَلَ لِمَنِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَتَضَرَّرَ بِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ ظُنَّ بِهِ الْإِعْرَاضُ عَنْ قَبُولِ الرُّخْصَةِ كَمَا فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ قَوْلُهُ (فَوَجْهُ هَذَا إِذَا لَمْ يَحْتَمِلْ قَلْبُهُ قَبُولَ رُخْصَةِ اللَّهِ تَعَالَى إلخ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ إلخ وَقَوْلَهُ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَضَرَّرَ بِالصَّوْمِ وَشَقَّ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ ٩ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ) [٧١١] قَوْلُهُ (وَكَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ) مِنْ بَابِ نَصَرَ يَنْصُرُ أَيْ يُتَابِعُهُ وَيُوَالِيهِ وَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ أَسْرُدُ الصَّوْمَ فَأَصُومُ فِي السَّفَرِ قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ الْفَرْضِ وَصَحَّحَهَا الْحَاكِمُ (إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ أَنَّ الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ جَائِزَانِ قَالَ وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمُرَافِقِيهِ أَنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ وَسَرْدَهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ لِمَنْ لَا يَخَافُ ضَرَرًا وَلَا يُفَوِّتُ بِهِ حَقًّا بِشَرْطِ فِطْرِ يَوْمِ العيدين والتشريق لأنه أخبره بسرده لم يُنْكِرْ عَلَيْهِ بَلْ أَقَرَّهُ عَلَيْهِ انْتَهَى قُلْتُ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ كَرَاهَةِ صوم الدهر نظرا لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ إِنِّي رَجُلٌ أَسْرُدُ الصَّوْمَ أَيْ أُكْثِرُ الصِّيَامَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ فَمَا لَمْ يَنْتِفِ هَذَا الِاحْتِمَالُ لَا يَتِمُّ الاستدلال

стр. 1370

قَوْلُهُ (وفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَحَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ) أَمَّا حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْهُ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي السَّفَرِ فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ فَسَقَطَ الصَّوَّامُونَ وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ فَضَرَبُوا الْأَبْنِيَةَ وَسَقَوُا الرُّكَّابَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصُومُ فِي السَّفَرِ وَيُفْطِرُ وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَلْيُنْظَرْ من أخرجه وأما حديث أَبِي الدَّرْدَاءِ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْهُ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا يَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعبد اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ وَأَمَّا حَدِيثُ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجِدُ مِنِّي قُوَّةً عَلَى الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ فَقَالَ هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَمِنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (حَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ [٧١٢] قَوْلُهُ (فما يعاب عَلَى الصَّائِمِ صَوْمَهُ) لِعَمَلِهِ بِالْعَزِيمَةِ (وَلَا عَلَى المفطر ففطره) لعمله بالرخصة
следующие страницы →